######OpenITI# #META# Author: الخازن #META# Title: لباب التأويل في معاني التنزيل #META# Date: ت 725 ه #META# Tafsir_type: تفاسير أهل السنة #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1-7] # قوله عز وجل: { الحمد لله } لفظه خبر كأنه سبحانه وتعالى يخبر أن ~~المستحق للحمد هو الله تعالى، ومعناه الأمر أي قولوا الحمد لله وفيه ~~تعليم الخلق كيف يحمدونه والحمد والمدح أخوان، وقيل بينهما فرق وهو أن ~~المدح قد يكون قبل الإحسان وبعده والحمد لا يكون إلا بعد الإحسان، وقيل ~~إن المدح قد يكون منهيا عنه، وأما الحمد فمأمور به، والحمد يكون بمعنى ~~الشكر على النعمة ويكون بمعنى الثناء بجميل الأفعال، تقول: حمدت الرجل ~~على علمه وكرمه والشكر لا يكون إلا على النعمة، فالحمد أعم من الشكر، إذ ~~لا تقول شكرت فلانا على علمه فكل حامد شاكر وليس كل شاكر حامدا، وقيل: ~~الحمد باللسان قولا، والشكر بالأركان فعلا، والحمد ضد الذم واللام في ~~لله لام الاستحقاق كقولك الدار لزيد يعني أنه المستحق للحمد لانه المحسن ~~المتفضل على كافة الخلق على الإطلاق { رب العالمين } الرب بمعنى المالك ~~كما يقال رب الدار ورب الشيء أي مالكه ويكون بمعنى التربية والإصلاح، ~~يقال: رب فلان الضيعة يربها إذا أصلحها فالله تعالى، مالك العالمين ~~ومربيهم ومصلحهم، ولا يقال الرب للمخلوق معرفا بل يقال رب الشيء مضافا. ~~والعالمين جمع عالم لا واحد له من لفظه، وهو اسم لكل موجود سوى الله ~~تعالى فيدخل فيه جميع الخلق. وقال ابن عباس: هم الجن والإنس لأنهم ~~المكلفون بالخطاب وقيل العالم اسم لذوي العلم من الملائكة والجن والإنس ~~ولا يقال للبهائم عالم لأنها لا تعقل. واختلف في مبلغ عددهم فقيل لله ألف ~~عالم ستمائة عالم في البحر وأربعمائة في البر. وقيل ثمانون ألف عالم ~~أربعون ألفا في البر ومثلهم في البحر. وقيل ثمانية عشر ألف عالم الدنيا ~~منها عالم واحد وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في صحراء. الفسطاط ~~الخيمة واشتقاق العالم من العلم وقيل من العلامة، وإنما سمي بذلك لأنه ~~دال على الخالق سبحانه وتعالى { الرحمن الرحيم } فالرحمن هو المنعم بما ~~لا يتصور صدور تلك النعمة من العباد، والرحيم هو المنعم بما يتصور صدور ~~تلك النعمة ms0001 من العباد، فلا يقال لغير الله رحمن، ويقال لغيره من العباد ~~رحيم. فإن قلت قد سمي مسيلمة الكذاب برحمان اليمامة وهو قول شاعرهم فيه: ~~وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا. قلت هو من باب تعنتهم في كفرهم ومبالغتهم ~~في مدح صاحبهم فلا يلتفت إلى قولهم هذا. فإن قلت: قد ذكر الرحمن الرحيم ~~في البسملة فما فائدة تكريره هنا مرة ثانية. قلت: ليعلم أن العناية ~~بالرحمة أكثرها من غيرها من الأمور وأن الحاجة إليها أكثر فنبه سبحانه ~~وتعالى بتكرير ذكر الرحمة على كثرتها وأنه هو المتفضل بها على خلقه. # قوله تعالى: { مالك يوم الدين } يعني أنه تعالى صاحب ذلك اليوم الذي ~~يكون فيه الجزاء. والمالك هو المتصرف بالأمر والنهي، وقيل: هو القادر على ~~اختراع الأعيان من العدم إلى الوجود ولا يقدر على ذلك إلا الله تعالى. ~~وقيل: مالك أوسع من ملك لأنه يقال مالك العبد والدابة ولا يقال ملك هذه ~~الأشياء ولأنه لا يكون ملكا لشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون مالكا لشيء ~~ولا يملكه وقيل ملك أولى، لأن كل ملك مالك وليس كل مالك ملكا وقيل هما ~~بمعنى واحد مثل فرهين وفارهين، قال ابن عباس: مالك يوم الدين قاضي يوم ~~الحساب. وقيل: الدين الجزاء ويقع على الخير والشر يقال كما تدين تدان ~~وقيل هو يوم لا ينفع فيه إلا الدين وقيل الدين القهر. يقال: دنته فدان أي ~~قهرته فذل. فإن قلت: لم خص يوم الدين بالذكر مع كونه مالكا للأيام كلها؟ ~~قلت: لأن ملك الأملاك يومئذ زائل فلا ملك ولا أمر يومئذ إلا لله تعالى ~~كما قال تعالى: # الملك يومئذ الحق للرحمن # [الفرقان: 26] وقال: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] وقد يسمى في دار الدنيا آحاد الناس بالملك وذلك على المجاز ~~لا على الحقيقة. قوله تعالى: { إياك نعبد } رجع من الخبر إلى الخطاب، ~~وفائدة ذلك من أول السورة إلى هنا ثناء والثناء في الغيبة أولى. ومن ~~قوله: إياك نعبد دعاء والخطاب في الدعاء أولى. وقيل فيه ضمير أي قولوا: ms0002 ~~إياك نعبد والمعنى إياك نخص بالعبادة ونوحدك ونطيعك خاضعين لك. والعبادة ~~أقصى غاية الخضوع والتذلل، وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده. وقيل: ~~العبادة عبارة عن الفعل الذي يؤدي به الفرض لتعظيم الله تعالى، فقول ~~العبد إياك نعبد معناه لا أعبد أحدا سواك، والعبادة غاية التذلل من ~~العبد ونهاية التعظيم للرب سبحانه وتعالى لأنه العظيم المستحق للعبادة ~~ولا تستعمل العبادة إلا في الخضوع لله تعالى لأنه مولى أعظم النعم وهي ~~إيجاد العبد من العدم إلى الوجود ثم هداه إلى دينه فكان العبد حقيقا ~~بالخضوع والتذلل به { وإياك نستعين } أي منك نطلب المعونة على عبادتك ~~وعلى جميع أمورنا. فإن قلت: الاستعانة على العمل إنما تكون قبل الشروع ~~فيه فلم أخر الاستعانة على العبادة وما الحكمة فيه؟. قلت ذكروا فيه ~~وجوها أحدها أن هذا يلزم من يجعل الاستطاعة قبل الفعل ونحن بحمد الله ~~نجعل التوفيق والاستطاعة مع الفعل فلا فرق بين التقديم والتأخير. الثاني ~~أن الاستعانة نوع تعبد فكأنه ذكر جملة العبادة أولا ثم ذكر ما هو من ~~تفاصيلها ثانيا. الثالث كأن العبد يقول شرعت في العبادة فإني أستعين بك ~~على إتمامها فلا يمنعني من إتمامها مانع. الرابع إن العبد إذا قال إياك ~~نعبد حصل له الفخر وذلك منزلة عظيمة فيحصل بسبب ذلك العجب فأردف ذلك ~~بقوله وإياك نستعين ليزول ذلك العجب الحاصل بسبب تلك العبادة { اهدنا ~~الصراط المستقيم } أي أرشدنا، وقيل ثبتنا، وهو كما تقول للقائم قم حتى ~~أعود إليك ومعناه دم على ما أنت عليه وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم ~~على الهداية يعني سؤال التثبيت وطلب مزيد الهداية لأن الألطاف والهدايات ~~من الله لا تتناهى وهذا مذهب أهل السنة والصراط الطريق، قال جرير: # أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم # أي على طريقة حسنة، قال ابن عباس: هو دين الإسلام، وقيل هو القرآن وروى ~~ذلك مرفوعا. وقيل السنة والجماعة وقيل معناه اهدنا صراط المستحقين ~~للجنة { صراط الذين أنعمت عليهم } هذا بدل من الأول، أي الذين مننت عليهم ~~بالهداية والتوفيق، وهم ms0003 الأنبياء والمؤمنين الذين ذكرهم الله تعالى في ~~قوله: # فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء ~~والصالحين # [النساء: 69] وقال ابن عباس: هم قوم موسى وعيسى الذين لم يغيروا ولم ~~يبدلوا وقيل هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته { غير المغضوب ~~عليهم } يعني غير صراط الذين غضبت عليهم. والغضب في الأصل هو ثوران دم ~~القلب لإرادة الانتقام ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " اتقوا الغضب فإنه جمرة تتوقد في قلب ابن آدم ألم تروا إلى انتفاخ ~~أوداجه وحمرة عينيه " # وإذا وصف الله به فالمراد منه الانتقام فقط دون غيره وهو انتقامه من ~~العصاة وغضب الله لا يلحق عصاة المؤمنين إنما يلحق الكافرين { ولا ~~الضالين } أي وغير الضالين عن الهدى وأصل الضلال الغيبوبة والهلاك يقال ~~ضل الماء في اللبن إذا غاب فيه وهلك وقيل غير المغضوب عليهم هم اليهود ~~والضالين هم النصارى. عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال " # أخرجه الترمذي، وذلك لأن الله تعالى حكم على اليهود بالغضب فقال: # من لعنه الله وغضب عليه # [المائدة: 60] وحكم على النصارى بالضلال فقال: # ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل # [المائدة: 77] وقيل: غير المغضوب عليهم بالبدعة ولا الضالين عن السنة ~~والله أعلم. فصل: في آمين وحكم الفاتحة وفيه مسألتان: الأولى: السنة ~~للقارئ بعد فراغه من الفاتحة أن يقول آمين مفصولا عنها بسكتة، وهو مخفف ~~وفيه لغتان المد والقصر قال في المد: ويرحم الله عبدا قال آمينا. وقال ~~في القصر: آمين فزاد الله ما بيننا بعدا. ومعنى آمين اللهم اسمع واستجب. ~~وقال ابن عباس: معناه كذلك يكون. وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى وقيل ~~هو خاتم الله تعالى على عباده به يدفع عنهم الآثام ق عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا أمن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما ~~تقدم من ذنبه " # قال ابن شهاب: وكان رسول الله صلى الله ms0004 عليه وسلم يقول آمين وفي رواية ~~للبخاري # " أن الإمام إذا قرا غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين فإن ~~الملائكة تقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ~~ذنبه ". # قوله: فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة. معناه وافقهم في وقت التأمين ~~فأمن مع تأمينهم، وقيل: وافقهم في الصفة والخشوع والإخلاص والقول الأول ~~هو الصحيح. واختلفوا في هؤلاء الملائكة فقيل هم الحفظة وقيل غيرهم من ~~الملائكة. قوله غفر له ما تقدم من ذنبه: يعني تغفر له الذنوب الصغائر دون ~~الكبائر وقول ابن شهاب: كان رسول الله صلى عليه وسلم يقول آمين معناه أن ~~هذه صيغة تأمينه صلى الله عليه وسلم. المسألة الثانية في حكم الفاتحة: ~~اختلف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة فذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور ~~العلماء إلى وجوب الفاتحة وأنها متعينة في الصلاة ولا تجزئ إلا بها، ~~واحتجوا بما روى عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب " # أخرجاه في الصحيحين وبحديث أبي هريرة: # " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ثلاثا غير تمام " # الحديث وقد تقدم في فضل سورة الفاتحة وذهب أبو حنيفة إلى أن الفاتحة لا ~~تتعين على المصلي بل الواجب عليه قراءة آية من القرآن طويلة أو ثلاث آيات ~~قصار واحتج بقوله تعالى: # فاقرءوا ما تيسر منه # [المزمل: 20] وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي المسيء صلاته # " ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن " # أخرجاه في الصحيحين دليل الجمهور ما تقدم من الأحاديث. فإن قيل المراد ~~من الحديث لا صلاة كاملة قلنا هذا خلاف ظاهر لفظ الحديث ومما يدل عليه ~~حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب " # أخرجه الدارقطني وقال إسناده صحيح وعنه " أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أمره أن يخرج فينادي لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد " أخرجه أبو ~~داود. وأجيب عن ms0005 حديث الأعرابي بأنه محمول على الفاتحة فإنها متيسرة أو ~~على ما زاد على الفاتحة أو على العاجز عن قراءة الفاتحة، والله أعلم. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1-3] # قال ابن عباس: هي أول ما نزل بالمدينة قيل سوى آية وهي قوله تعالى: # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281] فإنها نزلت يوم النحر بمكة في حجة الوداع وهي مائتان وست ~~وقيل سبع وثمانون آية وستة آلاف ومائة وإحدى وعشرون كلمة وخمسة وعشرون ~~ألف حرف وخمسمائة حرف. فصل: في فضلها: م عن أبي أمامة قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرؤوا الزهراوين ~~البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان ~~أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما اقرؤوا البقرة فإن أخذها ~~بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة " # قال معاوية بن سلام بلغني أن البطلة السحرة قوله اقرؤوا الزهراوين سميتا ~~بذلك لنورهما يقال لكل مستنير زاهر. قوله: كأنهما غمامتان أو غيايتان: ~~قال أهل اللغة الغمامة والغياية كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه من سحابة ~~وغيرها والمعنى أن ثوابهما يأتي كغمامتين قوله: فرقان من طير صواف ~~الفرقان الجماعة من الطير والصواف جمع صافة وهي التي تصف أجنحتها عند ~~الطيران يحاجان. المحاجة المجادلة والمخاصمة وإظهار الحجة والبطلة السحرة ~~كما جاء في الحديث مبينا يقال أبطل إذا جاء بالباطل. وفي الحديث دليل ~~على جواز قول سورة البقرة وسورة آل عمران وكذا باقي السور، وأنه لا كراهة ~~في ذلك وكرهه بعض المتقدمين. وقال: إنما يقال السورة التي يذكر فيها ~~البقرة وكذا باقي السور والصواب هو الأول وبه قال الجمهور لورود النص به ~~م عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة ~~البقرة " # وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لكل شيء سنام وإن سنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة آي ~~القرآن آية ms0006 الكرسي " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب بسم الله الله الرحيم قوله عز وجل: { الم ~~} قيل إن حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله ~~بعلمه، وهي سر الله في القرآن، فنحن نؤمن بظاهرها، ونكل العلم فيها إلى ~~الله تعالى، وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها قال أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه، في كل كتاب سر وسر الله في القرآن أوائل السور وقال علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. وأورد على ~~هذا القول بأنه لا يجوز أن يخاطب الله عباده بما لا يعلمون، وأجيب عنه ~~بأنه يجوز أن يكلف الله عباده بما لا يعقل معناه كرمي الجمار فإنه مما لا ~~يعقل معناه والحكمة فيه هو كمال الانقياد الطاعة فكذلك هذه الحروف يجب ~~الإيمان بها ولا يلزم البحث عنها. # وقال آخرون من أهل العلم: هي معروفة المعاني. ثم اختلفوا فيها فقيل كل ~~حرف منها مفتاح اسم من أسماء الله تعالى فالألف مفتاح اسمه الله واللام ~~مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد وقيل الألف آلاء الله واللام ~~لطفه والميم ملكه، ويؤيده هذا أن العرب تذكر حرفا من كلمة تريد كلها قال ~~الراجز: # قلت لها قفي فقالت قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف # قولها: قاف أي وقفت فاكتفت بحزء الكلمة عن كلها، والإيجاف الإسراع في ~~السير قال ابن عباس: الم أنا الله أعلم. وقيل: هي أسماء الله مقطعة لو ~~علم الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم ألا ترى أنك تقول الر وحم ون ~~فيكون مجموعها الرحمن وكذلك سائرها، ولكن لم يتهيأ تأليفها جميعا وقيل ~~أسماء السور وبه قال جماعة من المحققين وقال ابن عباس: هي أقسام فقيل ~~أقسم الله بهذه الحروف لشرفها وفضلها لأنها مباني كتبه المنزلة وأسمائه ~~الحسنى وصفاته العليا، وإنما اقتصر على بعضها وإن كان المراد كلها فهو ~~كما تقول قرأت الحمد لله، وتريد أنك قرأت السورة بكمالها فكأنه تعالى ~~أقسم بهذه الحروف أو هذا الكتاب هو الكتاب المثبت ms0007 في اللوح المحفوظ وقيل ~~إن الله تعالى لما تحداهم بقوله: # فائتوا بسورة من مثله # [يونس: 38] وفي آية # بعشر سور مثله # [هود: 13] فعجزوا عنه أنزل هذه الأحرف ومعناه أن القرآن ليس هو إلا من ~~هذه الأحرف وأنتم قادرون عليها فكان يجب أن تأتوا بمثله فلما عجزتم عنه ~~دل ذلك على أنه من عند الله لا من عند البشر. وقيل: إنهم لما أعرضوا عن ~~سماع القرآن وأراد الله صلاح بعضهم أنزل هذه الأحرف فكانوا إذا سمعوها ~~قالوا كالمتعجبين اسمعوا إلى ما يجيء به محمد فإذا أصغوا إليه وسمعوه رسخ ~~في قلوبهم، فكان ذلك سببا لإيمانهم، وقيل: إن الله تعالى غير عقول الخلق ~~في ابتداء خطابه ليعلموا أن لا سبيل لأحد إلى معرفة خطابه إلا باعترافهم ~~بالعجز عن معرفة كنه حقيقة خطابه. واعلم أن مجموع الأحرف المنزلة في ~~أوائل السور أربعة عشر حرفا في تسع وعشرين سورة وهي الألف واللام الميم ~~والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف ~~والنون وهي نصف حروف المعجم، وسيأتي الكلام على باقيها في مواضعها إن شاء ~~الله تعالى. وقوله تعالى: { ذلك الكتاب } أي هذا الكتاب هو القرآن وقيل ~~فيه إضمار، والمعنى هذا الكتاب الذي وعدتك به وكان الله قد وعد نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء ولا يخلق على كثرة ~~الرد، فلما أنزل القرآن قال هذا ذلك الكتاب الذي وعدتك به وقيل إن الله ~~وعد بني إسرائيل أن ينزل كتابا ويرسل رسولا من ولد إسماعيل. # فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وبها من اليهود خلق ~~كثيرا أنزل الله تعالى هذه الآية { الم ذلك الكتاب } أي هذا الكتاب الذي ~~وعدت به على لسان موسى أن أنزله على النبي الذي هو من ولد إسماعيل ~~والكتاب مصدر بمعنى المكتوب وأصله الضم والجمع ومنه يقال للجند كتبية ~~لاجتماعها فسمي الكتاب كتابا لأنه يجمع الحروف بعضها إلى بعض والكتاب ~~اسم من أسماء القرآن { لا ريب فيه } أي لا شك فيه ms0008 أنه من عند الله وأنه ~~الحق والصدق، وقيل: هو خبر بمعنى النهي أي لا ترتابوا فيه. فإن قلت قد ~~ارتاب به قوم فما معنى لا ريب فيه. قلت معناه أنه في نفسه حق وصدق فمن ~~حقق النظر عرف حقيقة ذلك { هدى للمتقين } الهدى عبارة عن الدلالة بلطف ~~وقيل الهداية الإرشاد والمعنى هو هدى للمتقين وقيل هو هاد لا ريب في ~~هدايته والمتقي اسم فاعل من وقاه فاتقى والتقوى جعل النفس في وقاية مما ~~يخاف وقيل التقوى في عرف الشرع حفظ النفس مما يؤثم وذلك بترك المحظور ~~وبعض المباحات قال ابن عباس: المتقي من يتقي الشرك والكبائر والفواحش، ~~وهو مأخوذ من الاتقاء وأصله الحجز بين الشيئين، يقال: اتقى بترسه إذا ~~جعله حاجزا بينه وبين ما يقصده وفي الحديث " كنا إذا اشتد البأس اتقينا ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم " معناه أنا كنا إذا اشتد الحرب جعلنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجزا بيننا وبين العدو فكأن المتقي يجعل ~~امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه حاجزا بينه وبين النار وقيل المتقي هو ~~من لا يرى نفسه خيرا من أحد. وقيل: التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما ~~افترض. وقيل التقوى ترك الإصرار على المعصية وترك الاغترار بالطاعة. ~~وقيل: التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك وقيل: التقوى الاقتداء بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفي الحديث # " جماع التقوى في قوله تعالى: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } الآية " # وقيل المتقي هو الذي يترك ما لا بأس به حذرا مما به بأس، وخص المتقين ~~بالذكر تشريفا لهم، لأن مقام التقوى مقام شريف عزيز، لأنهم هم المنتفعون ~~بالهداية، ولو لم يكن للمتقين فضل إلا قوله تعالى هدى للمتقين لكناهم. ~~فإن قلت كيف قال هدى للمتقين والمتقون هم المهتدون. قلت هو كقولك للعزيز ~~الكريم أعزك الله وأكرمك تريد طلب الزيادة له إلى ما هو ثابت فيه كقوله ~~تعالى: # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة: 7] { الذين يؤمنون بالغيب } أي يصدقون بالغيب، وأصل الإيمان ~~في اللغة التصديق قال الله تعالى: ms0009 # وما أنت بمؤمن لنا # [يوسف: 17] أي بمصدق فإذا فسر الإيمان بهذا فإنه لا يزيد ولا ينقص لأن ~~التصديق لا يتجزأ حتى يتصور كما له مرة ونقصانه أخرى. # والإيمان في لسان الشرع عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان ~~والعمل بالأركان، وإذا فسر بهذا فإنه يزيد وينقص وهو مذهب أهل السنة من ~~أهل الحديث وغيرهم، وفائدة هذا الخلاف تظهر في مسألة وهي أن المصدق بقلبه ~~إذا لم يجمع إلى تصديقه العمل بموجب الإيمان من الصلاة والزكاة والصوم ~~والحج ونحو ذلك من أركان الدين هل يسمى مؤمنا أم لا؟ فيه خلاف، والمختار ~~عند أهل السنة أنه لا يسمى مؤمنا لقوله صلى الله عليه وسلم: # " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " # فنفى عنه اسم الإيمان أو كمال الإيمان وأنكر أكثر المتكلمين زيادة ~~الإيمان ونقصانه، وقالوا: متى قبل الزيادة والنقصان كان ذلك شكا وكفرا. ~~وقال المحققون من متكلمي أهل السنة: إن نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص ~~والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة الأعمال ونقصانها وبهذا أمكن الجمع ~~بين ظواهر نصوص الكتاب والسنة التي جاءت بزيادة الإيمان ونقصانه وبين ~~أصله من اللغة. وقال بعض المحققين: إن نفس التصديق قد يزيد وينقص بكثرة ~~النظر في الأدلة والبراهين وقلة إمعان النظر في ذلك ولهذا يكون إيمان ~~الصديقين أقوى وأثبت من إيمان غيرهم لأنهم لا تعتريهم شبهة في إيمانهم ~~ولا تزلزل، وما غيرهم من آحاد الناس فليس كذلك، إذ لا يشك عاقل أن نفس ~~تصديق أبو بكر رضي الله عنه لا يساويه تصديق غيره من آحاد الأمة وقيل ~~إنما سمي الإقرار والعمل إيمانا لوجه المناسبة لأنه من شرائعه، والدليل ~~على أن الأعمال من الإيمان ما روي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة ~~الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان " # أخرجاه في الصحيحين. البضع بكسر الباء ما بين الثلاثة إلى العشرة ~~والشعبة القطعة من الشيء وإماطة الأذى عن الطريق وهو عزل الحجر ms0010 والشوك ~~ونحو ذلك عنه. والحياء بالمد وهو انقباض النفس عن فعل القبيح وإنما جعل ~~من الإيمان وهو اكتساب لأن المستحيي ينزجر باستحيائه عن المعاصي فصار من ~~الإيمان، وقيل الإيمان مأخوذ من الأمن فسمي المؤمن مؤمنا لأنه يؤمن نفسه ~~من عذاب الله. والإسلام هو الانقياد والخضوع فكل إيمان إسلام وليس كل ~~إسلام إيمانا إن لم يكن معه تصديق وذلك أن الرجل قد يكون مسلما في ~~الظاهر غير مصدق في الباطن ق عن أبي هريرة قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بارزا للناس فأتاه رجل فقال ~~يا رسول الله ما الإيمان " قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ولقائه ~~ورسله وتؤمن بالبعث الآخر " قال يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: " أن تعبد ~~الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، ~~وتصوم رمضان ". قال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال " أن تعبد الله كأنك ~~تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: ~~" ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها. إذا ولدت ~~الأمة ربها فذاك من أشراطها، وإذا كانت الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك من ~~أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذاك من أشراطها، وخمس لا ~~يعلمهن إلا الله " ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إن الله عنده ~~علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام } إلى قوله: { عليم خبير } ~~قال ثم أدبر الرجل فقال رسوله صلى الله عليه وسلم: " ردوا علي هذا ~~الرجل " فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم " # وفي أفراد مسلم من حديث عمر بن الخطاب نحو هذا الحديث وبمعناه، وقد تقدم ~~الكلام على معنى الإيمان والإسلام. وبقي أشياء تتعلق بمعنى الحديث، فقوله ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بارزا أي ظاهرا، وقوله: أن ~~تؤمن بالله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر هو بكسر بالخاء. وقيل في الجامع ~~بين قوله وتؤمن بلقاء الله ms0011 وبالبعث فإن اللقاء يحصل بمجرد الانتقال إلى ~~الدار الآخره وهو الموت والبعث هو بعده عند قيام الساعة وفي تقييده ~~بالآخر وجه آخر وهو أن خروجه إلى الدنيا بعث من الأرحام وخروجه من القبر ~~إلى الآخرة بعث آخر. قوله ما الإحسان هو هنا الإخلاص في العمل وهو شرط في ~~صحة الإيمان والإسلام لأن من أتى بلفظ الشهادة وأتى بالعمل من غير إخلاص ~~لم يكن محسنا، وقيل أراد بالإحسان المراقبة وحسن الطاعة، فإن من راقب ~~الله حسن عمله، وهو المراد بقوله، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وأشراط ~~الساعة علاماتها التي تظهر قبلها. قوله: إذا ولدت الأمة ربها يعني سيدها ~~والمعنى أن الرجل تكون له الأمة فتلد له ولدا فيكون ذلك الولد ابنها ~~وسيدها، ورعاء البهم بكسر الراء وفتح الباء وإسكان الهاء من البهم وهي ~~الصغار من أولاد الضأن، والمعنى أنه يبسط المال على أهل البادية وأشباههم ~~حتى يتباهون في البناء ويسودون الناس فذلك من أشراط الساعة والله أعلم. ~~قوله تعالى { بالغيب } ، والغيب هنا مصدر وضع موضع الاسم، فقيل: الغائب ~~غيب وهو ما كان مغيبا عن العيون قال ابن عباس: الغيب هنا كل ما أمرت ~~بالإيمان به مما غاب عن بصرك من الملائكة والبعث والجنة والنار والصراط ~~والميزان. وقيل: الغيب هنا هو الله تعالى وقيل القرآن وقيل بالآخرة وقيل ~~بالوحي وقيل بالقدر وقال عبد الرحمن بن يزيد كنا عند عبدالله بن مسعود ~~فذكرنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما سبقونا به فقال عبدالله بن ~~مسعود إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كان بينا لمن رآه والذي لا إله ~~غيره ما آمن أحد قط أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ { الم ذلك الكتاب لا ريب ~~فيه } إلى قوله { وأولئك هم المفلحون } { ويقيمون الصلاة } أي يداومون ~~عليها في مواقيتها بحدودها وإتمام أركانها وحفظها من أن يقع فيها خلل في ~~فرائضها وسننها وآدابها، يقال: قام بالأمر وأقام الأمر إذا أتى به معطى ~~حقوقه، والمراد به الصلوات الخمس. # والصلاة في اللغة الدعاء والرحمة ومنه ms0012 وصل عليهم أي ادع لهم وأصله من ~~صليت العود إذا لينته فكأن المصلي يلين ويخشع. وفي الشرع اسم لأفعال ~~مخصوصة من قيام وركوع وسجود وقعود ودعاء مع النية { ومما رزقناهم } أي ~~أعطيناهم من الرزق وهو اسم لما ينتفع به من مال وولد وأصله الحظ والنصيب ~~{ ينفقون } أي يخرجون ويتصدقون في طاعة الله تعالى وسبيله، ويدخل فيه ~~إنفاق الواجب كالزكاة والنذر والإنفاق على النفس وعلى من تجب نفقته عليه ~~والإنفاق في الجهاد إذا وجب عليه والإنفاق في المندوب، وهو صدقة التطوع ~~ومواساة الإخوان، وهذه كلها مما يمدح بها وأدخل من التي هي للتبعيض صيانة ~~لهم وكفا عن السرف والتبذير المنهي عنهما في الإنفاق. ### || [2.4] # { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } أي يصدقون بالقرآن ~~المنزل عليك وبالكتب المنزلة على الأنبياء من قبل كالتوراة والإنجيل ~~والزبور وصحف الأنبياء كلها فيجب الإيمان بذلك كله { وبالآخرة } يعني ~~بالدار الآخرة سميت آخرة لتأخرها عن الدنيا وكونها بعدها { هم يوقنون } ~~من الإيقان وهو العلم والمعنى يستيقنون ويعلمون أنها كائنة. ### || [2.5-8] # { أولئك } أي الذين هذه صفتهم { على هدى من ربهم } أي على رشاد ونور من ~~ربهم وقيل على استقامة { وأولئك هم المفلحون } أي الناجون الفائزون نجوا ~~من النار وفازوا بالجنة والمفلح الظافر بالمطلوب أي الذي انفتحت له وجوه ~~الظفر ولم تستغلق عليه ويكون الفلاح بمعنى البقاء قال الشاعر: # لو كان حي مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرماح # يريد البقاء فيكون المعنى أولئك هم الباقون في النعيم المقيم والفلاح ~~والظفر وإدراك البغية من السعادة والعز والبقاء والغنى وأصل الفلاح الشق ~~كما قيل: إن الحديد بالحديد يفلح، أي يقطع، فعلى هذا يكون المعنى أولئك ~~هم المقطوع لهم بالخير في الدنيا والآخرة. واعلم أن الله عز وجل صدر هذه ~~السورة بأربع آيات أنزلها في المؤمنين وبآيتين أنزلهما في الكافرين ~~وبثلاث عشرة آية أنزلها في المنافقين فأما التي في الكفار فقوله تعالى: { ~~إن الذين كفروا } أي جحدوا وأنكروا وأصل الكفر في اللغة الستر والتغطية، ~~ومنه سمي الليل كافرا لأنه يستر ms0013 الأشياء بظلمته قال الشاعر: # في ليلة كفر النجوم غمامها # أي سترها والكفر على أربعة أضرب: كفر إنكار وهو أن لا يعرف الله أصلا ~~ككفر فرعون وهو وقوله ما علمت لكم من إله غيري، وكفر جحود وهو أن يعرف ~~الله بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر إبليس، وكفر عناد وهو أن يعرف الله بقلبه ~~ويقر بلسانه ولا يدين به ككفر أمية بن أبي الصلت وأبي طالب حيث يقول في ~~شعر له: # ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو ~~حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا # وكفر نفاق، وهو أن يقر بلسانه ولا يعتقد صحة ذلك بقلبه، فجميع هذه ~~الأنواع كفر. وحاصله أن من جحد الله أو أنكر وحدانيته أو أنكر شيئا مما ~~أنزله على رسوله أو أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو أحدا من الرسل ~~فهو كافر فإن مات على ذلك فهو في النار خالدا فيها ولا يغفر الله له ~~نزلت في مشركي العرب. وقيل في اليهود { سواء عليهم } أي متساو لديهم { ~~أأنذرتهم } أي خوفتهم وحذرتهم والإنذار إعلام مع تخويف فكل منذر معلم ~~وليس كل معلم منذرا { أم لم تنذرهم لا يؤمنون } أي لا يصدقون وهذه الآية ~~في أقوام حقت عليهم كلمة العذاب في سابق علم الله الأزلي أنهم لا يؤمنون. ~~ثم ذكر سبب تركهم الإيمان فقال تعالى: { ختم الله على قلوبهم } أي طبع ~~الله عليها فلا تعي خيرا ولا تفهمه وأصل الختم التغطية وحقيقة الاستيثاق ~~من الشيء لكي لا يخرج منه ما حصل فيه ولا يدخله ما خرج منه، ومنه ختم ~~الكتاب. قال أهل السنة: ختم الله على قلوبهم بالكفر لما سبق في علمه ~~الأزلي فيهم وإنما خص القلب بالختم لأنه محل الفهم والعلم { وعلى سمعهم } ~~أي وختم على موضوع سمعهم فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به لأنها تمجه ~~وتنبو عن الإصغاء إليه كأنها مستوثق منها بالختم أيضا، وذكر السمع بلفظ ~~التوحيد ومعناه الجمع قيل إنما وحده لأنه مصدر والمصدر لا يثنى ولا يجمع ms0014 ~~{ وعلى أبصارهم غشاوة } هذا ابتداء كلام والغشاوة الغطاء، ومنه غاشية ~~السرج أي وجعل على أبصارهم غشاوة فلا يرون الحق وهي غطاء التعامي عن آيات ~~الله ودلائل توحيده { ولهم عذاب عظيم } يعني في الآخرة وقيل الأسر والقتل ~~في الدنيا والعذاب الدائم في العقبى. # وحقيقة العذاب هو كل ما يؤلم الإنسان ويعيبه ويشق عليه وقيل هو الإيجاع ~~الشديد وقيل هو ما يمنع الإنسان من مراده ومنه الماء العذب لأنه يمنع ~~العطش والعظيم ضد الحقير. قوله عز وجل: { ومن الناس من يقول آمنا بالله ~~} نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول ومعتب بن قشير وجد بن قيس ~~وأصحابهم وذلك أنهم أظهروا كلمة الإسلام ليسلموا بها من النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه وأسروا الكفر واعتقدوه وأكثرهم من اليهود. وصفة ~~المنافق أن يعترف بلسانه بالإيمان ويقربه وينكره بقلبه ويصبح على حال ~~ويمسي على غيرها، والناس جمع إنسان سمي به لأنه عهد إليه فنسى قال ~~الشاعر: # سميت إنسانا لأنك ناسي # وقيل سمي إنسانا لأنه يستأنس بمثله { وباليوم الآخر } أي وآمنا باليوم ~~الآخر وهو يوم القيامة سمي بذلك لأنه يأتي بعد الدنيا وهو آخر الأيام ~~المحدودة المعدودة وما بعده فلا حد له ولا آخر قال الله تعالى ردا على ~~المنافقين { وما هم بمؤمنين } نفى عنهم الإيمان بالكلية. ### || [2.9] # { يخادعون الله والذين آمنوا } أي يخالفون الله والخديعة الحيلة والمكر ~~وأصله في اللغة لإخفاء والمخادع يظهر ضد ما يضمر ليتخلص فهو بمنزلة ~~النفاق، وهو خادعهم أي يظهر لهم نعيم الدنيا ويعجله لهم بخلاف ما يغيب ~~عنهم من عذاب الآخرة. فإن قلت المخادعة مفاعلة، وإنما تجيء في الفعل ~~المشترك، والله تعالى منزه عن المشاركة قلت المفاعلة قد ترد لا على وجه ~~المشاركة تقول عافاك الله وطارقت النعل وعاقبت اللص، فالمخادعة هنا عبارة ~~عن فعل الواحد والله تعالى منزه عن أن يكون منه خداع. فإن قلت: كيف يخادع ~~الله وهو يعلم الضمائر والأسرار؟ فمخادعة الله ممتنعة فكيف يقال يخادعون ~~الله؟. قلت إن الله تعالى ذكر نفسه وأراد به ms0015 رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وذلك تفخيم لأمره وتعظيم لشأنه، وقيل أراد به المؤمنين وإذا خادعوا ~~المؤمنين فكأنهم خادعوا الله تعالى وذلك أنهم ظنوا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين لم يعلموا حالهم ولتجري عليهم أحكام الإسلام في ~~الظاهر وهم، على خلافه في الباطن { وما يخدعون إلا أنفسهم } أي إن الله ~~تعالى يجازيهم على ذلك ويعاقبهم عليه فلا يكونون في الحقيقة إلا خادعين ~~أنفسهم، وقيل: إن وبال ذلك الخداع راجع إليهم لأن الله تعالى يطلع نبيه ~~صلى الله عليه وسلم على نفاقهم فيفتضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب في ~~العقبى. والنفس ذات الشيء وحقيقته. وقيل للدم نفس لأن به قوة البدن { وما ~~يشعرون } أي لا يعلمون أن وبال خداعهم راجع عليهم. ### || [2.10-14] # { في قلوبهم مرض } أي شك ونفاق وأصل المرض الضعف والخروج عن الاعتدال ~~الخاص بالإنسان وسمي الشك في الدين والنفاق مرضا لأنه يضعف الدين كالمرض ~~يضعف البدن { فزادهم الله مرضا } يعني أن الآيات كانت تنزل تترى، أي آية ~~بعد آية فلما كفروا بآية ازدادوا بعد ذلك كفرا ونفاقا { ولهم عذاب أليم ~~} أي مؤلم يخلص وجعه إلى قلوبهم { بما كانوا يكذبون } أي بتكذيبهم الله ~~ورسوله في السر، وقرئ بالتخفيف أي بكذبهم إذ قالوا آمنا وهم غير مؤمنين { ~~وإذا قيل لهم } يعني المنافقين وقيل اليهود والمعنى إذا قال لهم المؤمنون ~~{ لا تفسدوا في الأرض } أي بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وبالقرآن { قالوا إنما نحن مصلحون } يعني يقولونه كذبا { ~~ألا } كلمة تنبيه ينبه بها المخاطب { إنهم هم المفسدون } يعني في الأرض ~~بالكفر وهو أشد الفساد { ولكن لا يشعرون } وذلك لأنهم يظنون إن ما هم ~~عليه من النفاق وإبطان الكفر صلاح وهو عين الفساد. وقيل لا يشعرون ما أعد ~~الله لهم من العذاب { وإذا قيل لهم } يعني المنافقين وقيل اليهود { آمنوا ~~كما آمن الناس } يعني المهاجرين والأنصار. وقيل عبدالله بن سلام وأصحابه ~~من مؤمني أهل الكتاب، والمعنى أخلصوا في إيمانكم كما أخلص هؤلاء في ~~إيمانهم لأن المنافقين كانوا ms0016 يظهرون الإيمان { قالوا أنؤمن كما آمن ~~السفهاء } أي الجهال. فإن قلت كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم: أنؤمن ~~كما آمن السفهاء. قلت كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين ~~فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بذلك فرد الله ذلك عليهم ~~بقوله { ألا إنهم هم السفهاء } يعني الجهال. وأصل السفه خفة العقل ورقة ~~العلم وإنما سمى الله المنافقين سفهاء لأنهم كانوا عند أنفسهم عقلاء ~~رؤساء فقلب ذلك عليهم وسماهم سفهاء { ولكن لا يعلمون } يعني أنهم كذلك. ~~قوله تعالى: { وإذا لقوا الذين آمنوا } يعني هؤلاء المنافقين إذا لقوا ~~المهاجرين والأنصار { قالوا آمنا } كإيمانكم { وإذا خلوا } أي رجعوا. ~~وقيل هو من الخلوة { إلى } قيل بمعنى الباء أي ب { شياطينهم } وقيل ~~بمعنى مع أي مع شياطينهم والمراد بشياطينهم رؤساؤهم وكهنتهم قال ابن عباس ~~وهم خمسة نفر: كعب بن الأشرف من اليهود بالمدينة وأبو بردة من بني أسلم، ~~وعبد الدار في جهينة وعوف بن عامر في بني أسد وعبدالله بن السوداء ~~بالشام، ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع لهم، وقيل لهم رؤساؤهم الذين ~~شابهوا الشياطين في تمردهم { قالوا إنا معكم } أي على دينكم { إنما نحن ~~مستهزئون } أي بمحمد وأصحابه بما نظهر لهم من الإسلام لنأمن شرهم ونقف ~~على سرهم ونأخذ من غنائمهم وصدقاتهم. قال ابن عباس نزلت هذه الآية في ~~عبدالله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبدالله بن أبي لأصحابه انظروا كيف ~~أرد هؤلاء السفهاء عنكم؟ فذهب فأخذ بيد أبي بكر الصديق فقال: مرحبا ~~بالصديق سيد بني تميم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذ بيد ~~عمر فقال: مرحبا بسيد بن عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل ~~نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذ بيد علي فقال: مرحبا ~~يا ابن عم رسول الله صلى الله ms0017 عليه وسلم وختمه وسيد بني هاشم ما خلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # فقال له علي: اتق الله يا عبدالله ولا تنافق فإن المنافقين شر خليقة ~~الله. فقال مهلا يا أبا الحسن إني لا أقول هذا نفاقا والله إن إيماننا ~~كإيمانكم وتصديقنا كتصديقكم ثم تفرقوا فقال عبدالله لأصحابه كيف رأيتموني ~~فعلت؟ فأثنوا عليه خيرا. ### || [2.15-19] # { الله يستهزئ بهم } أي يجازيهم جزاء استهزائهم بالمؤمنين فسمي الجزاء ~~باسمه لأنه في مقابلته قال ابن عباس يفتح لهم باب الجنة فإذا انتهوا إليه ~~سد عنهم وردوا إلى النار { ويمدهم } أي يتركهم ويمهلهم. والمد والإمداد ~~واحد وأصله الزيادة وأكثر ما يأتي المد في الشر والإمداد في الخير { في ~~طغيانهم } أي في ضلالهم وأصل الطغيان مجاوزة الحد { يعمهون } أي يترددون ~~في الضلالة متحيرين { أولئك } يعني المنافقين { الذين اشتروا الضلالة ~~بالهدى } أي استبدلوا الكفر بالإيمان وإنما أخرجه بلفظ الشراء والتجارة ~~توسعا على سبيل الاستعارة لأن الشراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر. فإن قلت ~~كيف قال اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى. قلت جعلوا لتمكنهم منه ~~كأنه في أيديهم فإذا تركوه إلي الضلالة فقد عطلوه واستبدلوه بها. ~~والضلالة الجور عن القصد وفقد الاهتداء { فما ربحت تجارتهم } أي ما ربحوا ~~في تجارتهم والربح الفضل عن رأس المال وأضاف الربح إلى التجارة لأن الربح ~~يكون فيها { وما كانوا مهتدين } أي مصيبين في تجارتهم، لأن رأس المال هو ~~الإيمان فلما أضاعوه واعتقدوا الضلالة فقد ضلوا عن الهدى. وقيل وما كانوا ~~مهتدين في ضلالتهم. قوله عز وجل { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } ~~المثل عبارة عن قول يشبه ذلك القول قولا آخر بينهما مشابهة ليبين أحدهما ~~الآخر ويصوره، ولهذا ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه، وهو أحد أقسام ~~القرآن السبعة ولما ذكر الله تعالى حقيقة وصف المنافقين عقبه بضرب المثل ~~زيادة في الكشف والبيان، لأنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في ~~نفسه، ولأن المثل تشبيه الخفي بالجلي، فيتأكد الوقوف على ماهيته وذلك هو ~~النهاية في الإيضاح، وشرطه أن ms0018 يكون قولا فيه غرابة من بعض الوجوه كمثل ~~الذي استوقد نارا لينتفع بها { فلما أضاءت } يعني النار { ما حوله } ~~يعني حول المستوقد { ذهب الله بنورهم } فإن قلت كيف وحد أولا ثم جمع ~~ثانيا. قلت يجوز وضع الذي يوضع الذين كقوله: # وخضتم كالذي خاضوا # [التوبة: 69] وقيل إنما شبه قصتهم بقصة المستوقد، وقيل معناه مثل الواحد ~~منهم كمثل الذي استوقد نارا { وتركهم في ظلمات لا يبصرون } قال ابن ~~عباس: نزلت في المنافقين يقول مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ~~ليلة مظلمة في مفازة فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف، فبينا هو كذلك ~~إذ طفئت ناره فبقي في ظلمة حائرا مختوفا، فكذلك حال المنافقين أظهروا ~~كلمة الإيمان فأمنوا بها على أنفسهم وأموالهم وأولادهم وناكحوا المسلمين ~~وقاسموهم في الغنائم فذلك نورهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف. ~~وقيل: ذهاب نورهم عقيدتهم للمؤمنين على لسان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل ذهاب نورهم في القبر أو على الصراط. # فإن قلت ما وجه تشبيه الإيمان بالنور والكفر بالظلمة؟ قلت: وجه تشبيه ~~الإيمان بالنور أن النور أبلغ الأشياء في الهداية إلى المحجة القصوى وإلى ~~الطريق المستقيم وإزالة الحيرة وكذلك الإيمان هو الطريق الواضح إلى الله ~~تعالى وإلى جنانه، وشبه الكفر بالظلمة لأن الضال عن الطريق المسلوكة في ~~الظلمة لا يزداد إلا حيرة وكذلك الكفر لا يزداد صاحبه في الآخرة إلا ~~حيرة. وفي ضرب المثل للمنافقين بالنار ثلاث حكم: إحداها أن المستضيء ~~بالنار مستضيء بنور غيره فإذا ذهب ذلك بقي هو في ظلمته فكأنهم لما أقروا ~~بالإيمان من غير اعتقاد قلوبهم كان إيمانهم كالمستعار. الثانية أن النار ~~تحتاج في دوامها إلى مادة الحطب لتدوم فكذلك الإيمان يحتاج إلى مادة ~~الاعتقاد ليدوم الثالثة أن الظلمة الحادثة بعد الضوء أشد على الإنسان من ~~ظلمة لم يجد قبلها ضياء فشبه حالهم بذلك. ثم وصفهم الله تعالى فقال { صم ~~} أي عن سماع الحق لأنهم لا يقبلونه وإذا لم يقبلوه فكأنهم لم يسمعوه { ~~بكم } أي خرس عن النطق بالحق ms0019 فهم لا يقولونه { عمي } أي لا بصائر لهم ~~يميزون بها بين الحق والباطل ومن لا بصيره له كمن لا بصر له فهو أعمى، ~~كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدوا عن سماع الحق آذانهم وأبوا أن تنطق به ~~ألسنتهم وأن ينظروا إليه بعيونهم جعلوا كمن تعطلت حواسه وذهب إدراكه قال ~~الشاعر: # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء كلهم أذن # { فهم لا يرجعون } أي عن ضلالتهم ونفاقهم. قوله تعالى: { أو كصيب } أي ~~كأصحاب صيب وهو المطر، وكل ما أنزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيب { من ~~السماء } أي من السحاب لأن كل ما علاك فأظلك فهو سماء ومنه قيل لسقف ~~البيت سماء وقيل من السماء بعينها، وإنما ذكر الله تعالى السماء وإن كان ~~المطر لا ينزل إلا منها ليرد على من زعم أن المطر ينعقد من أبخرة الأرض ~~فأبطل مذهب الحكماء بقوله من السماء ليعلم أن المطر ليس من أبخرة الأرض ~~كما زعم الحكماء { فيه } أي الصيب { ظلمات } جمع ظلمة { ورعد } هو ~~الصوت الذي يسمع من السحاب { وبرق } يعني النار التي تخرج منه. قال ابن ~~عباس: الرعد اسم ملك يسوق السحاب والبرق لمعان سوط من نور يزجر به ~~السحاب. وقيل الرعد اسم ملك يزجر السحاب إذا تبددت جمعها وضمها فإذا اشتد ~~غضبه يخرج من فيه النار فهي البرق والصواعق، وقيل الرعد تسبيح الملك. ~~وقيل اسمه { يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق } جمع صاعقة وهي الصيحة ~~التي يموت كل من يسمعها أو يغشى عليه، وقيل الصاعقة قطعة من العذاب ~~ينزلها الله على من يشاء. عن ابن عمر # " أن رسول لله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: ~~اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب { حذر الموت } أي مخافة الهلاك { والله ~~محيط بالكافرين } أي عالم بحالهم وقيل يجمعهم ويعذبهم. { يكاد البرق } أي ~~يقرب، يقال كاد يفعل ولم يفعل { يخطف أبصارهم } أي يختلسها. والخطف ~~استلاب الشيء بسرعة { كلما } أي متى ms0020 ما جاء { أضاء لهم } يعني البرق { ~~مشوا فيه } أي في إضاءته ونوره { وإذا أظلم عليهم قاموا } أي وقفوا ~~متحيرين، وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى للمنافقين، ووجه التمثيل أن الله ~~عز وجل شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة ~~أصابهم مطر فيه ظلمات وهي ظلمة الليل وظلمة المطر وظلمة السحاب من صفة ~~تلك الظلمات أن الساري لا يمكنه المشي فيها، ورعد من صفته أن يضم سامعوه ~~أصابعهم إلى آذانهم من هوله، وبرق من صفته أن يخطف أبصارهم ويعميها من ~~شدته فهذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن وصنيع الكافرين والمنافقين معه، ~~فالمطر هو القرآن لأنه حياة القلوب كما أن المطر حياة الأرض، والظلمات ما ~~في القرآن من ذكر الكفر والشرك والنفاق. والرعد ما خوفوا به من الوعيد ~~وذكر النار والبرق ما فيه من الهدى والبيان والوعد وذكر الجنة فالكافرون ~~والمنافقون يسدون آذانهم عند قراءة القرآن وسماعه مخافة أن تميل قلوبهم ~~إليه لأن الإيمان به عندهم كفر والكفر موت، وقيل هذا مثل ضربه الله تعالى ~~للإسلام، فالمطر هو الإسلام، والظلمات ما فيه من البلاء والمحن، والرعد ~~ما فيه من ذكر الوعيد والمخاوف في الآخرة، والبرق ما فيه من الوعد، { ~~يجعلون أصابعم في آذانهم } يعني المنافقين إذا رأوا في الإسلام بلاء وشدة ~~هربوا حذرا من الهلاك { والله محيط بالكافرين } يعني لا ينفعهم الهرب ~~لأن الله من ورائهم يجمعهم ويعذبهم. ### || [2.20-23] # { يكاد البرق } يعني دلائل الإسلام تزعجهم إلى النظر لولا ما سبق لهم من ~~الشقاوة كلمة أضاء لهم يعني المنافقين، وإضاءته لهم هو تركهم بلا ابتلاء ~~ولا امتحان { مشوا فيه } يعني على المسالمة بإظهار كلمة الإيمان وقيل ~~كلما نالوا غنيمة وراحة في الإسلام ثبتوا وقالوا إنا معكم، { وإذا أظلم ~~عليهم قاموا } يعني إذا رأوا شدة وبلاء تأخروا { ولو شاء الله لذهب ~~بسمعهم } أي بصوت الرعد { وأبصارهم } بوميض البرق. وقيل: أي لذهب ~~بأسماعهم وأبصارهم الظاهرة كما أذهب أسماعهم وأبصارهم الباطنة { إن الله ~~على كل شيء قدير } أي هو الفاعل لما يشاء ms0021 لا منازع له فيه. قوله عز ~~وجل: { يا أيها الناس } قال ابن عباس: يا أيها الناس خطاب لأهل مكة ويا ~~أيها الذين آمنوا خطاب لأهل المدينة، وهو هنا خطاب عام لسائر المكلفين { ~~اعبدوا ربكم } قال ابن عباس: وحدوا ربكم وكل ما ورد في القرآن من العبادة ~~فمعناه التوحيد. وأصل العبودية التذلل والعبادة غاية التذلل ولا ~~يستحقها إلا من له غاية الإفضال والإنعام وهو الله تعالى { الذي خلقكم } ~~أي ابتداع خلقكم على غير مثال سبق { والذين من قبلكم } أي وخلق الذين من ~~قبلكم { لعلكم } لعل وعسى حرفا ترج وهما أي كل منهما من الله واجب { ~~تتقون } أي لكي تنجوا من العذاب، وقيل معناه تكونوا على رجاء التقوى بأن ~~تصيروا في ستر ووقاية من عذاب الله وحكم الله من ورائكم يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد { الذي جعل لكم الأرض فراشا } أي خلق لكم الأرض بساطا ~~ووطاء مذللة ولم يجعلها حزنة لا يمكن القرار عليها، والحزن ما غلظ من ~~الأرض { والسماء بناء } أي سقفا مرفوعا قيل إذا تأمل الإنسان المتفكر ~~في العالم وجده كالبيت المعمور فيه كل ما يحتاج إليه فالسماء مرفوعة ~~كالسقف والأرض مفروشة كالبساط والنجوم كالمصابيح والإنسان كمالك البيت ~~وفيه ضروب النبات المهيأة لمنافعه وأصناف الحيوان مصروفة في مصالحه، فيجب ~~على الإنسان المسخر له هذه الأشياء شكر الله تعالى عليها { وأنزل من ~~السماء } يعني السحاب { ماء } يعني المطر { فأخرج به } أي بذلك الماء { ~~من الثمرات } يعني من ألوان الثمرات وأصناف النبات { رزقا لكم } أي ~~وعلفا لدوابكم { فلا تجعلوا لله أندادا } يعني أمثالا تعبدونهم ~~كعادته، والند المثل { وانتم تعلمون } يعني أنكم بعقولكم تعلمون أن هذه ~~الأشياء والأمثال لا يصح جعلها أندادا لله، وأنه واحد خالق لجميع ~~الأشياء وأنه لا مثل له ولا ضد له. قوله تعالى: { وإن كنتم في ريب } أي ~~إن كنتم في شك لأن الله تعالى عليم أنهم شاكون { مما نزلنا على عبدنا } ~~أي محمد صلى الله عليه وسلم لما تقرر إثبات الربوبية لله سبحانه وتعالى ~~وأنه الواحد الخالق ms0022 وأنه لا ضد له ولا ند أتبعه بإقامة الحجة على إثبات ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ما يدحض الشبهة في كون القرآن معجزة، وأنه ~~من عند الله تعالى لا من عند نفسه كما تدعون فيه، وقوله على عبدنا إضافة ~~تشريف لمحمد صلى الله عليه وسلم وأن القرآن منزل عليه من عند الله سبحانه ~~وتعالى { فأتوا } أمر تعجيز { بسورة } والسورة قطعة من القرآن معلومة ~~الأول والآخر وقيل السورة اسم للمنزلة الرفيعة، ومنه سور البلد لارتفاعه، ~~سميت سورة لأن القارئ ينال بها منزلة رفيعة حتى يستكمل المنازل باستكمال ~~سور القرآن { من مثله } أي مثل القرآن، وقيل الضمير في مثله راجع إلى ~~عبدنا، يعني من مثل محمد صلى الله عليه وسلم أمي لم يحسن الكتابة ولم ~~يجالس العلماء ولم يأخذ العلم عن أحد، ورد الضمير إلى القرآن أوجه وأولى ~~ويدل عليه أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في التحدي وإنما وقع الكلام ~~في المنزل ألا ترى أن المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله ~~فأتوا أنتم بسورة مما يماثله ويجانسه، ولو كان الضمير مردودا إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم لقال وإن ارتبتم في أن محمدا منزل عليه فهاتوا ~~قرآنا مثل محمد صلى الله عليه وسلم، ويدل على كون القرآن معجزا ما ~~اشتمل عليه من الفصاحة والبلاغة في طرفي الإيجاز والإطالة فتارة يأتي ~~بالقصة باللفظ الطويل ثم يعيدها باللفظ الوجيز ولا يخل بالمقصود الأول، ~~وأنه فارقت أساليبه أساليب الكلام وأوزانه أوزان الأشعار والخطب والرسائل ~~ولهذا تحديت العرب به، فعجزوا عنه وتحيروا فيه واعترفوا بفضله وهم معدن ~~البلاغة وفرسان الفصاحة ولهم النظم والنثر من الأشعار والخطب والرسائل، ~~حتى قال الوليد بن المغيرة في وصف القرآن: والله إن له لحلاوة وإن عليه ~~لطلاوة وأن أصله لمغدق وإن أعلاه لمثمر { وادعوا شهداءكم من دون الله } ~~أي استعينوا بآلهتكم التي تعبدونها من دون الله والمعنى إن كان الأمر كما ~~تقولون أنها تستحق العبادة فاجعلوا الاستعانة بها في دفع ما نزل بكم من ~~أمر ms0023 محمد صلى الله عليه وسلم وإلا فاعلموا أنكم مبطلون في دعواكم أنها ~~آلهة. # وقيل معناه وادعوا أناسا يشهدون لكم { إن كنتم صادقين } أن محمد صلى ~~الله عليه وسلم تقوله من تلقاء نفسه. ### || [2.24-25] # { فإن لم تفعلوا } أي فيما مضى { ولن تفعلوا } فيما بقي وهذه الآية دالة ~~على عجزهم وأنهم لم يأتوا بمثله ولا بمثل شيء منه. وذلك أن النفوس الأبية ~~إذا قرعت بمثل هذا التقريع استفرغت الوسع في الإتيان بمثل القرآن أو بمثل ~~سورة منه ولو قدروا على ذلك لأتوا به فحيث لم يأتوا بشيء ظهرت المعجزة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وبان عجزهم وهم أهل الفصاحة والبلاغة، والقرآن ~~من جنس كلامهم، وكانوا حراصا على إطفاء نوره وإبطال أمره ثم مع هذا ~~الحرص الشديد لم توجد المعارضة من أحدهم ورضوا بسبى الذراري وأخذ الأموال ~~والقتل وإذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإذا كان الأمر كذلك وجب ترك العناد وهو قوله تعالى: { فاتقوا النار } أي ~~فآمنوا واتقوا بالإيمان النار { التي وقودها } أي حطبها { الناس والحجارة ~~} قال ابن عباس يعني حجارة الكبريت لأنها أكثر التهابا. وقيل جميع ~~الحجارة وفيه دليل على عظم تلك النار وقوتها. وقيل أراد بها الأصنام لأن ~~أكثر أصنامهم كانت من الحجارة وإنما قرن الناس مع الحجارة لأنهم كانوا ~~يعبدونها معتقدين فيها أنها تنفعهم وتشفع لهم فجعلها الله عذابهم في نار ~~جهنم { أعدت } أي هيئت { للكافرين } قوله عز وجل: { وبشر الذين آمنوا } ~~أي أخبر المؤمنين، وهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم. والبشارة إيراد ~~الخبر السار على سامع يستبشر به ويظهر السرور في بشرة وجهه لأن الإنسان ~~إذا فرح بشيء وسر به ظهر ذلك على بشرة وجهه ثم كثر حتى وضع موضع الخير ~~والشر ومنه قوله: # وبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21] ولكن هو في السرور والخير أغلب { وعملوا الصالحات } أي ~~الفعلات الصالحات وهي الطاعات. قيل العمل الصالح ما كان فيه أربعة أشياء: ~~العلم والنية والصبر والإخلاص. وقال عثمان بن عفان: وعملوا الصالحات ms0024 أي ~~أخلصوا الأعمال يعني عن الرياء { أن لهم جنات } جمع جنة وهي البستان الذي ~~فيه أشجار مثمرة سميت جنة لاجتنابها وتسترها بالأشجار والأوراق. وقيل: ~~الجنة ما فيه نخيل والفردوس ما فيه كرم { تجري من تحتها } أي من تحت ~~أشجارها ومساكنها { الأنهار } أي تجري المياه في الأنهار لأن الأنهار لا ~~تجري وقيل معناه تجري بأمرهم وفي الحديث # " إن أنهار الجنة تجري في غير أخدود " # أي في غير شق والخد الشق { كلما رزقوا } أي أطعموا { منها } أي من الجنة ~~{ من ثمرة رزقا } أي طعاما { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } أي في ~~الدنيا، وقيل: إن ثمار الجنة متشابهة في اللون مختلفة في الطعم فإذا ~~رزقوا ثمرة بعد أخرى ظنوا أنها الأولى { وأتوا به } أي بالرزق { متشابها ~~} قال ابن عباس مختلفا في الطعوم وقيل يشبه بعضه بعضا في الجودة لا ~~رداءة فيها وقيل يشبه ثمار الدنيا في الاسم لا في الطعم م عن جابر بن ~~عبدالله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا ~~يبزقون يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس طعامهم جشاء ورشح كرشح ~~المسك " # وفي رواية " ورشحهم المسك ". قوله: يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس أي ~~يجري على ألسنتهم كما يجري النفس فلا يشغلهم عن شيء كما أن النفس لا يشغل ~~عن شيء قوله طعامهم جشاء، يعني أن فضول طعامهم يخرج في الجشاء وهو تنفس ~~المعدة. والرشح العرق وقوله العرق. وقوله تعالى { ولهم فيها } أي في ~~الجنات { أزواج } أي من الحور العين { مطهرة } يعني من البول والغائط ~~والحيض والولد وسائر الأقذار وقيل هن عجائزكم الغمص العمش طهرن من قذرات ~~الدنيا وقيل طهرن من مساوي الأخلاق قيل في الجنة جماع ما شئت ولا ولد { ~~وهم فيها خالدون } أي لا يخرجون منها ولا يموتون. والخلد البقاء الدائم ~~الذي لا انقطاع له ق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة ms0025 القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم ~~على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبصقون ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا ~~يبولون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور ~~العين على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء " # وفي رواية # " لكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف ~~بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب رجل واحد يسبحون الله بكرة وعشيا " # ق عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ~~ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا " # " عن أبي هريرة قال: " قلت يا رسول الله مم خلق الله خلق؟ قال من ~~الماء، قلت الجنة ما بناؤها؟ قال لبنة من فضة ولبنة من ذهب وملاطها المسك ~~الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وتربتها الزعفران من يدخلها ينعم ولا ~~ييأس ويخلد ولا يموت ولا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم " # أخرجه الترمذي يزيادة وقال ليس إسناده بذلك القوي. عن عبادة بن الصامت ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ~~والفردوس أعلاها درجة ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة ومن فوقها يكون ~~العرش فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس " # أخرجه الترمذي م عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم ~~وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا حسنا ~~وجمالا فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون ~~وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا " # عن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة لمجتمعا للحور العين يرفعن بأصوات لم تسمع الخلائق مثلها ~~يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الناعمات فلا نبأس ونحن الراضيات فلا ~~نسخط طوبى لمن كان لنا وكنا ms0026 له " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. ### || [2.26-27] # قوله تعالى: { إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها } سبب ~~نزول هذه الآية أن الله تعالى لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت وذكر ~~النحل والنمل قالت اليهود. ما أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة. وقيل ~~قال المشركون إنا لا نعبد إلها يذكر هذه الأشياء وذلك لأن الكفار كانوا ~~متفقين على إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ذلك، فأنزل الله ~~تعالى { إن الله لا يستحي } الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما ~~يعاب به ويذم عليه. وقيل هو انقباض النفس عن القبائح هذا أصله في وصف ~~الإنسان، والله تعالى منزه عن ذلك كله فإذا وصف الله تعالى به يكون معناه ~~الترك، وذلك لأن لكل فعل بداية ونهاية، فبداية الحياء هو التغير الذي ~~يلحق الإنسان من خوف أن يكون معناه الترك، وذلك لأن لكل فعل بداية ~~ونهاية، فبداية الحياء هو التغير الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إليه ~~ذلك الفعل القبيح، ونهايته ترك ذلك الفعل القبيح، فإذا ورد وصف الحياء في ~~حق الله تعالى فليس المراد منه بدايته وهو التغير والخوف، بل المراد منه ~~ترك الفعل الذي هو نهاية الحياء وغايته فيكون معنى أن الله لا يستحي أن ~~يضرب مثلا أي لا يترك المثل لقول الكفار واليهود " ما " قيل ما صلة ~~فيكون المعنى أن يضرب مثلا بعوضة، وقيل ليس هي بصلة بل هي للإبهام ~~والنكرة، والبعوض صغار البق وهو من عجيب خلق الله تعالى فإنه في غاية ~~الصغر وله خرطوم مجوف وهو مع صغره يغوص خرطومه في جلد الفيل والجاموس ~~والجمل فيبلغ منه الغاية حتى أن الجمل يموت من قرصه فما فوقها يعني ~~الذباب والعنكبوت وما هو أعظم منهما في الجثة. وقيل معناه فما دونها ~~وأصغر منها، وهذا القول أشبه بالآية لأن الغرض بيان أن الله تعالى لا ~~يمتنع من التمثيل بالشيء الصغير الحقير وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ~~مثلا للدنيا بجناح بعوضة وهو أصغر منها، ms0027 وقد ضربت العرب المثل ~~بالمحقرات، فقيل: هو أحقر من ذرة وأجمع من نملة وأطيش من ذبابة وألح من ~~ذبابة { فأما الذين آمنوا } يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { ~~فيعلمون أنه } يعني ضرب المثل { الحق } يعني الصدق { من ربهم } الثابت ~~الذي لا يجوز إنكاره لأن ضرب المثل من الأمور المستحسنة في العقل وعند ~~العرب { وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا } أي بهذا ~~المثل { يضل به كثيرا } أي من الكفار وذلك أنهم يكذبونه فيزدادون به ~~ضلالا { ويهدي به كثيرا } يعني المؤمنين يصدقونه ويعلمون أنه حق { وما ~~يضل به إلا الفاسقين } يعني الكافرين وقيل المنافقين. # وقيل اليهود، والفسق الخروج عن طاعة الله وطاعة رسوله ثم وصفهم فقال ~~تعالى: { الذين ينقضون } أي يخالفون ويتركون وأصل النقض الفسخ وفك المركب ~~{ عهد الله } أي أمر الله وأصل العهد حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال { ~~من بعد ميثاقه } أي من بعد عقده وتوكيده وفي معنى هذا العهد أقوال أحدها ~~أنه الذي أخذه عليهم يوم الميثاق وهو قوله تعالى: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172] الثاني المراد به الذي أخذه على إجبار اليهود في التوراة ~~أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويبينوا نعته وصفته الثالث المراد به ~~الكفار والمنافقون الذين نقضوا عهدا أبرمه الله تعالى وأحكمه بما أنزل ~~في كتابه من الآيات الدالة على توحيده { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~} يعني الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وجميع الرسل فآمنوا ببعض وكفروا ~~ببعض وهم اليهود. وقيل أراد به قطع الأرحام التي أمر الله بوصلها { ~~ويفسدون في الأرض } يعني بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم والقرآن { أولئك هم الخاسرون } أي المغبونون. وأصل الخسار ~~النقص ثم قال تعالى لمشركي العرب على وجه التعجب لكن فيه تبكيت وتعنيف ~~لهم. ### || [2.28-29] # { كيف تكفرون بالله } يعني بعد نصب الدلائل ووضع البراهين الدالة على ~~وحدانيته ثم ذكر الدلائل فقال تعالى: { وكنتم أمواتا } يعني نطفا في ~~أصلاب آبائكم { فأحياكم } يعني في الأرحام والدنيا { ثم يميتكم ms0028 } أي عند ~~انقضاء آجالكم { ثم يحييكم } يعني بعد الموت للبعث { ثم إليه ترجعون } أي ~~تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم. قوله عز وجل: { هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا } يعني من المعادن والنبات والحيوان والجبال والبحار ~~والمعنى كيف تكفرون بالله وقد خلق لكم ما في الأرض جميعا لتنتفعوا به في ~~مصالح الدين والدنيا أما مصالح الدين فهو الاعتبار والتفكر في عجائب ~~مخلوقات الله تعالى الدالة على وحدانيته وأما مصالح الدنيا فهو الانتفاع ~~بما خلق فيها { ثم استوى إلى السماء } أي قصد وأقبل على خلقها وقيل عمد، ~~وقال ابن عباس: ارتفع وفي رواية عنه صعد. قال الأزهري معناه صعد أمره ~~وكذا ذكره صاحب المحكم وذلك أن الله تعالى خلق الأرض أولا ثم عمد إلى ~~خلق السماء. فإن قلت كيف الجمع بين هذا وقوله تعالى: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30] قلت: الدحو البسط فيحتمل أن الله تعالى خلق جرم الأرض ~~ولم يبسطها ثم خلق السماء وبسط جرم الأرض بعد ذلك، فإن قلت هذا مشكل ~~أيضا لأن قوله تعالى خلق لكم ما في الأرض جميعا يقتضي أن ذلك لا يكون ~~إلا بعد الدحو. قلت: يحتمل أنه ليس هنا ترتيب وإنما هو على سبيل تعداد ~~النعم كقوله الرجل لمن يذكره ما أنعم به عليه: ألم أعطك؟ ألم أرفع قدرك؟ ~~ألم أدفع عنك؟ ولعل بعض هذه النعم متقدمة على بعض والله أعلم { فسواهن ~~سبع سموات } خلقهن سبع سموات مستويات لا صدع فيها ولا فطور وسيأتي ذكر ~~خلق الأرض عند قوله تعالى: # قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين # [فصلت: 9] في سورة حم السجدة إن شاء الله تعالى { وهو بكل شيء عليم } ~~يعني يعلم الجزئيات كما يعلم الكليات. ### || [2.30-32] # قوله تعالى: { وإذ قال ربك } أي واذكر يا محمد إذ قال ربك وكل ما ورد في ~~القرآن من هذا النحو فهذا سبيله، وقيل إذ زائدة والأول أوجه { للملائكة } ~~جمع ملك وأصله مألك من المألكة والألوكة وهي لفظ البغوي وهي الرسالة ~~وأراد بالملائكة الذين كانوا في ms0029 الأرض وذلك أن الله تعالى خلق الأرض ~~والسماء وخلق الملائكة والجن فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن الأرض، ~~فعبدوا دهرا طويلا، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فأفسدوا وقتلوا، فبعث ~~الله إليهم جنا من الملائكة يقال لهم الجان ورأسهم إبليس وهم خزان ~~الجنان فهبطوا إلى الأرض وطردوا الجن إلى جزائر البحور وشعوب الجبال ~~وسكنوا هم الأرض وخفف الله عنهم العبادة وأعطى الله إبليس ملك الأرض وملك ~~السماء الدنيا وخزانة الجنة، وكان رئيسهم ومرشدهم وأكثرهم علما فكان ~~يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب ~~وقال في نفسه: ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه ~~فقال له ولجنده { إني جاعل في الأرض خليفة } أي إني خالق خليفة يعني ~~بدلا منكم ورافعكم إلي فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة ~~والمراد بالخليفة هنا آدم عليه الصلاة والسلام لأنه خلف الجن وجاء بعدهم. ~~وقيل لأنه يخلفه غيره والصحيح إنه إنما سمي خليفة لأنه خليفة الله في ~~أرضه لإقامة حدوده وتنفيذ قضاياه { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } أي ~~بالمعاصي { ويسفك الدماء } أي بغير حق كما فعل الجن. فإن قلت من أين ~~عرفوا ذلك حتى قالوا هذا القول؟ قلت يحتمل أن يكونوا عرفوا ذلك بإخبار ~~الله إياهم أو قاسوا الشاهد على الغائب، وقيل إنهم لما رأوا أن آدم خلق ~~من أخلاط مركبة علموا أنه يكون فيه الحقد والغضب ومنهما يتولد الفساد ~~وسفك الدماء فلهذا قالوا ذلك. وقيل لما خلق الله تعالى النار خافت ~~الملائكة، وقالوا لمن خلقت هذه النار؟ قال لمن عصاني فلما قال إني جاعل ~~في الأرض خليفة قالوا هو ذلك. فإن قلت الملائكة معصومون فكيف وقع منهم ~~هذا الاعتراض. قلت ذهب بعضهم إلى أنهم غير معصومين واستدل على ذلك بوجوه ~~منها قوله { أتجعل فيها من يفسد فيها } ومن ذهب إلى عصمتهم أجاب عنه بأن ~~هذا السؤال إنما وقع على سبيل التعجب لا على سبيل الإنكار والاعتراض ~~فإنهم تعجبوا من كمال حكم الله تعالى وإحاطة علمه بما ms0030 خفي عليهم، ولهذا ~~أجابهم بقوله { إني أعلم ما لا تعلمون } وقيل: إن العبد المخلص في حب ~~سيده يكره أن يكون له عبد آخر يعصيه فكان سؤالهم على وجه المبالغة في ~~إعظام الله عز وجل: { ونحن نسبح بحمدك } أي نقول: سبحان الله وبحمده وهي ~~صلاة الخلق وعليها يرزقون م عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سئل أي الكلام أفضل قال # " ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده " # قال ابن عباس رضي الله عنهما كل ما جاء في القرآن من التسبيح فالمراد ~~منه الصلاة فيكون المعنى ونحن نصلي لك. وقيل أصل التسبيح تنزيه الله عما ~~لا يليق بجلاله فيكون المعنى، ونحن ننزهك عن كل سوء ونقيصة. ومعنى بحمدك ~~حامدين لك أو ملتبسين بحمدك، فإنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نتمكن ~~من ذلك { ونقدس لك } أصل التقديس التطهير أن نطهرك عن النقائص وكل سوء ~~ونصفك بما يليق بعزك وجلالك من العلو والعظمة واللام صلة وقيل معناه نطهر ~~أنفسنا لطاعتك وعبادتك { قال إني أعلم ما لا تعلمون } قيل إنه جواب لقول ~~الملائكة { أتجعل فيها } فقال تعالى: { أعلم } من وجوه المصلحة والحكمة ~~ما لا تعلمون. وقيل أعلم أن فيهم من يعبدني ويطيعني وهم الأنبياء ~~والأولياء والصالحون، ومن يعصيني منكم وهو إبليس، وقيل أعلم أنهم يذنبون ~~ويستغفرون فاغفر لهم. فصل: في ماهية الملائكة وقصة خلق آدم عليه السلام ~~قيل إن الملائكة أجسام لطيفة هوائية خلقت من النور تقدر أن تتشكل بأشكال ~~مختلفة، مسكنهم السموات عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما ~~فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجدا " # أخرجه الترمذي بزيادة، وقال حديث حسن غريب. وأما صفة خلق آدم عليه ~~السلام فقال وهب بن منبه: لما أراد الله تعالى أن يخلق آدم أوحى ألى ~~الأرض أني خالق منك خليقة منهم من يطيعني ومنهم من يعصيني فمن أطاعني ms0031 ~~أدخلته الجنة، ومن عصاني أدخلته النار. قالت الأرض أتخلق مني خلقا يكون ~~للنار قال نعم. فبكت الأرض فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة، فبعث ~~الله إليها جبريل ليأتيه بقبضة منها من أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، ~~فلما أتاها ليقبض منها قالت: أعوذ بعزة الله الذي أرسلك إلي أن لا تأخذ ~~مني شيئا فرجع جبريل إلى مكانه وقال: يا رب استعاذت بك مني فكرهت أن ~~أقدم عليها فقال الله تعالى لميكائيل: انطلق فأتني منها فلما أتاها ليقبض ~~منها قالت له ما قالت لجبريل، فرجع إلى ربه فقال ما قالت له، فقال ~~لعزرائيل انطلق فأتني بقبضة من الأرض فلما أتاها قالت له الأرض، أعوذ ~~بعزة الله الذي أرسلك أن لا تأخذ مني شيئا، فقال: وأنا أعوذ بعزته أن ~~أعصي له أمرا. وقبض منها قبضة من جميع بقاعها من عذبها ومالحها وحلوها ~~ومرها وطيبها وخبيثها، وصعد بها إلى السماء فسأله ربه عز وجل وهو أعلم ~~بما صنع فاخبره بما قالت له الأرض وبما رد عليها فقال الله تعالى: وعزتي ~~وجلالي لأخلقن مما جئت به خلقا ولأسلطنك على قبض أرواحهم لقلة رحمتك. # ثم جعل الله تلك القبضة نصفها في الجنة ونصفها في النار ثم تركها ما شاء ~~الله ثم أخرجها فعجنها طينا لازبا مدة ثم حمأ مسنونا مدة ثم صلصالا ~~ثم جعلها جسدا وألقاه على باب الجنة فكانت الملائكة يعجبون من صفة صورته ~~لأنهم لم يكونوا رأوا مثله، وكان إبليس يمر عليه ويقول لأمر ما خلق هذا ~~ونظر إليه فإذا هو أجوف فقال هذا خلق لا يتمالك، وقال يوما للملائكة إن ~~فضل هذا عليكم ما تصنعون؟ فقالوا نطيع ربنا ولا نعصيه فقال إبليس في نفسه ~~لئن فضل علي لأعصينه ولئن فضلت عليه لأهلكنه فلما أراد الله تعالى أن ~~ينفخ فيه الروح أمرها أن تدخل في جسد آدم فنظرت فرأت مدخلا ضيقا فقالت ~~يا رب كيف أدخل هذا الجسد؟ قال الله عز وجل لها ادخليه كرها وستخرجين ~~منه كرها فدخلت في يافوخه فوصلت إلى عينيه فجعل ms0032 ينظر إلى سائر جسده ~~طينا فصارت إلى أن وصلت منخزيه فعطس فلما بلغت لسانه قال: الحمد لله رب ~~العالمين وهي أول كلمة قالها فناداه الله تعالى رحمك ربك يا أبا محمد ~~ولهذا خلقتك. ولما بلغت الروح إلى الركبتين هم ليقوم فلم يقدر، قال الله ~~تعالى: # خلق الإنسان من عجل # [الأنبياء: 37] فلما بلغت إلى الساقين والقدمين استوى قائما بشرا ~~سويا لحما ودما وعظاما وعروقا وعصبا وأحشاء وكسي لباسا من ظفر ~~يزداد جسده جمالا وحسنا كل يوم، وجعل في جسده تسعة أبواب سبعة في رأسه ~~وهي الأذنان يسمع بهما والعينان يبصر بهما والمنخران يشم بهما والفم فيه ~~اللسان يتكلم به والأسنان يطحن بها ما يأكله ويجد لذة المطعومات بها ~~وبابين في أسفل جسده وهما القبل والدبر يخرج منهما ثفل طعامه وشرابه وجعل ~~عقله في دماغه وفكره وصرامته في قلبه وشرهه في كليته وغضبه في كبده ~~ورغبته في رئته وضحكه في طحاله وفرجه وحزنه في وجهه فسبحان من جعله يسمع ~~بعظم ويبصر بشحم وينطق بلحم ويعرف بدم وركب فيه الشهوة وحجزه بالحياء ق ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خلق الله تعالى آدم عليه السلام وطوله ~~ستون ذراعا ثم قال اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة فاستمع ما ~~يحيونك به فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام ~~عليك ورحمة الله فزاده ورحمة فكل من يدخل الجنة على صورة آدم. قال: فلم ~~يزل الخلق ينقص حتى الأن م عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما صور الله آدم تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطوف به ينظر ~~ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه لا يتمالك " # عن أبي موسى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله تبارك تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو ~~آدم على قدر الأرض منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل وبين ذلك ~~والسهل والحزن والخبيث والطيب " # أخرجه الترمذي وأبو داود. قوله ms0033 عز وجل: { وعلم آدم الأسماء كلها } سمي ~~آدم لأنه خلق من أديم الأرض. وقيل لأنه كان آدم اللون وكنيته أبو محمد، ~~وقيل: أبو البشر ولما خلق الله آدم وتم خلقه علمه أسماء الأشياء كلها، ~~وذلك أن الملائكة قالوا ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا أكرم علم منا ~~وإن كان فنحن أعلم منه لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره، فأظهر الله فضل ~~آدم عليهم بالعلم. وفيه دليل لمذهب أهل السنة أن الأنبياء أفضل من ~~الملائكة وإن كانوا رسلا، قال ابن عباس: علمه آدم اسم كل شيء حتى القصعة ~~والقصيعة، وقيل: خلق الله كل شيء من الحيوان والجماد وغير ذلك، وعلم آدم ~~اسماءها كلها فقال يا آدم هذا بعير وهذا فرس وهذه شاة حتى أتى على آخرها. ~~وقل علم آدم أسماء الملائكة وقيل أسماء ذريته وقيل علمه اللغات كلها { ثم ~~عرضهم } يعني تلك الأشخاص، وإنما قال عرضهم ولم يقل عرضها لأن المسميات ~~إذا جمعت من يعقل ومن لا يعقل عبر عنه بلفظ من يعقل لتغليب العقلاء عليهم ~~كما يعبر عن الذكور والإناث بلفظ الذكور { على الملائكة فقال } يعني ~~تعجيزا لهم { أنبئوني } أي أخبروني { بأسماء هؤلاء } يعني تلك الأشخاص { ~~إن كنتم صادقين } أي إني لم أخلق خلقا إلا كنتم أفضل منه وأعلم { قالوا ~~} يعني الملائكة { سبحانك } تنزيها لك وذلك لما ظهر عجزهم { لا علم لنا ~~إلا ما علمتنا } أي إنك أجل من نحيط بشيء من علمك إلا ما علمتنا { إنك ~~أنت العليم } أي بخلقك وهو من أسماء الصفات التامة وهو المحيط بكل ~~المعلومات { الحكيم } أي في أمرك، وله معنيان أحدهما أنه القاضي العدل ~~والثاني المحكم للأمر كيلا يتطرق إليه الفساد. ### || [2.33-35] # { قال } يعني الله تعالى { يا آدم أنبئهم بأسمائهم } وذلك لما ظهر عجز ~~الملائكة فسمى كل شيء باسمه وذكر وجه الحكمة التي خلق لها { فلما أنباهم ~~بأسمائهم قال } يعني الله تعالى { ألم أقل لكم } يعني يا ملائكتي { إني ~~أعلم غيب السموات والأرض } يعني ما كان وما سيكون وذلك أنه سبحانه وتعالى ms0034 ~~علم أحوال آدم قبل أن يخلقه فلهذا قال لهم: إني أعلم ما لا تعلمون { ~~وأعلم ما تبدون } يعني قول الملائكة: أتجعل فيها { وما كنتم تكتمون } ~~يعني قولكم لن يخلق الله تعالى خلقا أكرم عليه منا وقال ابن عباس أعلم ~~ما تبدون من الطاعة وما كنتم تكتمون، يعني إبليس من المعصية. قوله عز ~~وجل: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } قيل هذا الخطاب كان مع الملائكة ~~الذين كانوا سكان الأرض والأصح أنه خطاب مع جميع الملائكة بدليل قوله: # فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس # [ص: 73-74] { فسجدوا } يعني الملائكة وفي هذا السجود قولان أصحهما أنه ~~كان لآدم على الحقيقة ولم يكن فيه وضع الجبهة على الأرض وإنما هو ~~الانحناء وكان سجود تحية وتعظيم لا سجود عبادة كسجود إخوة يوسف له في ~~قوله: # وخروا له سجدا # [يوسف: 100] فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام. وفي سجود الملائكة لآدم ~~معنى الطاعة لله تعالى والامتثال لأمره. والقول الثاني أن آدم كان ~~كالقبلة، وكان السجود لله تعالى، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة والصلاة ~~لله تعالى، وفي هذه الآية دليل لمذهب أهل السنة في تفضيل الأنبياء على ~~الملائكة { إلا إبليس } سمي به لأنه إبلس من رحمة الله أي يئس، وكان ~~اسمه عزازيل بالسريانية وبالعربية الحارث فلما عصى غير اسمه فسمي إبليس ~~وغيرت صورته قال ابن عباس كان إبليس من الملائكة بدليل أنه استثناه منهم ~~وقيل إنه من الجن لأنه خلق من النار ولملائكته خلقوا من النور ولأنه أصل ~~الجن كما أن آدم أصل الإنس والأول أصح لأن الخطاب كان مع الملائكة فهو ~~داخل فيهم ثم استثناه منهم { أبى } أي امتنع من السجود فلم يسجد { ~~واستكبر } أي تكبر وتعظم عن السجود لآدم { وكان من الكافرين } أي في علم ~~الله تعالى فإنه وجبت له النار لسابق علم الله تعالى بشقاوته م عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله " # وفي رواية يا ويلتاه أمر ابن ms0035 آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود ~~فعصيت فلي النار. قوله عز وجل { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة } أي ~~اتخذها مأوى ومنزلا وليس معناه الاستقرار لأنه لم يقل أسكنتك الجنة لأنه ~~خلق لعمارة الأرض ولما أسكن الله آدم في الجنة بقي وحده ليس معه من ~~يستأنس به ويجالسه فألقى الله عليه النوم ثم أخذ ضلعا من أضلاع جنبه ~~الأيسر، وهو الأقصر فخلق منه زوجته حواء، ووضع مكان الضلع لحما من غير ~~أن يحس بذلك آدم ولم يجد ألما، ولو وجد ألما لما عطف رجل على امرأة قط، ~~وسميت حواء لأنها خلقت من حي، فلما استيقظ آدم من نومه ورآها جالسة كأحسن ~~ما خلق الله تعالى فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا زوجتك حواء قال: ولماذا ~~خلقت؟ قالت: لتسكن إلي وأسكن إليك. # واختلفوا في الجنة التي أمر آدم بسكناها فقيل إنها جنة كانت في الأرض ~~بدليل أنه لو كانت الجنة التي هي دار الجزاء والثواب لما أخرج منها. ~~وأجاب صاحب هذا القول عن قوله تعالى: { اهبطا } بأن المراد من الهبوط ~~التحول والانتقال فهو كقوله تعالى: # اهبطوا مصر # [البقرة: 61] والقول الصحيح أنها الجنة التي هي دار الجزاء والثواب لأن ~~الألف واللام للعهد والجنة بين المسلمين وفي عرفهم التي هي دار الجزاء. ~~وقيل: كلا القولين ممكن فلا وجه للقطع { وكلا منهما رغدا } أي واسعا ~~كثيرا { حيث شئتما } أي كيف شئتما ومتى شئتما وأين شئتما والمقصود منه ~~الإطلاق في الأكل من الجنة بلا منع إلا ما نهى عنه، وهو قوله تعالى: { ~~ولا تقربا هذه الشجرة } يعني للأكل قيل إنما وقع هذه النهي عن جنس ~~الشجرة. وقيل عن شجرة مخصوصة قال ابن عباس هي السنبلة وقيل الكرمة. وقيل ~~هي شجرة التين وقيل هي شجرة العلم. وقيل الكافور. وقيل: ليس في ظاهر ~~الكلام ما يدل على التبيين إذ لا حاجة إليه لأنه ليس المقصود تعرف عين ~~تلك الشجرة وما لا يكون مقصود لا يجب بيانه { فتكونا من الظالمين } يعني ~~إن أكلتما من هذه الشجرة ms0036 ظلمتما أنفسكما فمن جوز ارتكاب الذنبوب على ~~الأنبياء قال ظلم نفسه بالمعصية. وأصل الظلم وصنع الشيء في غير موضعه ومن ~~لم يجوز ذلك على الأنبياء جعل الظلم على أنه فعل ما كان الأولى أن لا ~~يفعله. وقيل: يحمل على أنه فعل هذا قبل النبوة. فإن قلت: هل يجوز وصف ~~الأنبياء بالظلم أو بظلم أنفسهم؟ قلت: لا يجوز أن يطلق عليهم ذلك لما فيه ~~من الذم. ### || [2.36-38] # قوله عز وجل: { فأزلهما الشيطان } أي استزل آدم وحواء ودعاهما إلى الزلة ~~وهي الخطيئة، وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على عصمة الأنبياء والجواب ~~عما صدر منهم عند قوله عز وجل: # وعصى آدم ربه فغوى # [طه: 121] في سورة طه { عنها } أي الجنة { فأخرجهما مما كان فيه } يعني ~~من النعيم وذلك أن إبليس أراد أن يدخل الجنة ليوسوس لآدم وحواء فمنعه ~~الخزنة فأتى الحية وكانت صديقة لإبليس وكانت من أحسن الدواب لها أربع ~~قوائم كقوائم البعير وكانت من خزان الجنة فسألها أن تدخله الجنة في فيها ~~فأدخلته ومرت به على الخزنة وهم لا يعلمون. وقيل إنما رآهما على باب ~~الجنة لأنهما كانا يخرجان منهما، وكان إبليس بقرب الباب فوسوس لهما وذلك ~~أن آدم لما دخل الجنة ورأى ما فيها من نعيم قال لو أن خلدا فاغتنم ذلك ~~الشيطان منه وأتاه من قبل الخلد. وقيل لما دخل الجنة وقف على آدم وحواء ~~وهما لا يعلمان أنه إبليس فبكى وناح نياحة أحزنتهما وهو أول من ناح فقالا ~~ما يبكيك قال أبكي عليكما لأنكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة ~~فوقع ذلك في أنفسهما واغتما ومضى إبليس ثم أتاهما بعد ذلك وقال يا آدم هل ~~أدلك على شجرة الخلد فأبى أن يقبل منه فقاسمهما بالله إني لكما لمن ~~الناصحين، فاغترا وما ظنا أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فبادرت حواء إلى ~~أكل الشجرة، ثم ناولت آدم فأكل منها. قال إبراهيم بن أدهم: أورثتنا تلك ~~الأكلة حزنا طويلا، فقال ابن عباس: قال الله تعالى: # " يا آدم ألم يكن فيما ms0037 أبحتك من الجنة مندوحة عن الشجرة قال بلى يا رب ~~وعزتك ولكن ما ظننت أن أحدا يحلف بك كاذبا. قال: فبعزتي لأهبطنك إلى ~~الأرض ثم لا تنال العيش فيها إلا نكدا فاهبط من الجنة وعلم صنعة ~~الحديد، وأمر بالحرث فحرث وزرع وسقى حتى إذا بلغ واشتد حصده ثم درسه ثم ~~ذراه ثم طحنه ثم عجنه وخبزه ثم أكله فلم يبلغه حتى بلغ منه الجهد " # وفي رواية أخرى عن ابن عباس: إن آدم لما أكل من الشجرة التي نهى عنها ~~قال الله تعالى: يا آدم ما حملك على ما صنعت؟ قال يا رب زينته لي حواء ~~قال: فإني أعقبتها أن لا تحمل إلا كرها ولا تضع إلا كرها ودميتها في ~~الشهر مرتين، فرنت حواء عند ذلك فقيل عليك الرنة وعلى بناتك. والرنة ~~الصوت، فلما أكلا من الشجرة تهافتت عنهما ثيابهما، وأخرجا من الجنة، فذلك ~~قوله عز وجل { وقلنا اهبطوا } أي انزلوا إلى الأرض يعني آدم وحواء وإبليس ~~والحية فهبط آدم بسرنديب من أرض الهند على جبل يقال له نود، وأهبطت حواء ~~بجدة وإبليس بالإبلة من أعمال البصرة والحية بأصبهان { بعضكم لبعض عدو } ~~يعني العداوة التي بين المؤمنين من ذرية آدم وبين إبليس وإليه الإشارة ~~بقوله عز وجل: # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا # [فاطر: 6] والعداوة التي بين ذرية آدم والحية. عن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من ترك الحيات مخافة طلبهن فليس منا، ما سالماهن منذ حاربناهن " # أخرجه أبو داود، وله عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اقتلوا الحيات كلهن فمن خاف من ثأرهن فليس مني " # وفي رواية # " اقتلوا الكبار كلها إلا الجان الأبيض الذي كأنه قضيب فضة " # م عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام ~~فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان " # وفي رواية # " إن بهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم منها ms0038 شيئا فاخرجواعليه ثلاثا فإن ~~ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر " # { ولكم في الأرض مستقر } أي موضع قرار { ومتاع } أي بلغة ومستمتع { إلى ~~حين } أي إلى وقت انقضاء آجالكم. قوله عز وجل { فتلقى آدم } أي فتلقن، ~~والتلقي هو قبول عن فطنة وفهم. وقيل هو التعلم { من ربه كلمات } أي كانت ~~سبب توبته. وقيل إن تلك الكلمات هي قوله ربنا ظلمنا أنفسنا الآية وقيل هي ~~لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت ~~التواب الرحيم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءا وظلمت نفسي ~~فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت ~~سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين، وقيل قال آدم: يا رب ~~أرأيت ما أتيت أشي ابتدعته من تلقاء نفسي أم شيء قدرته علي قبل أن ~~تخلقني؟ قال: بل شيء قدرته عليك قبل أن أخلقك. قال: يا رب فكما قدرته علي ~~فاغفر لي. وقيل: إن الله تعالى أمر آدم بالحج وعلمه أركانه فطاف بالبيت ~~سبعا وهو يومئذ ربوة حمراء ثم صلى ركعتين ثم استقبل البيت وقال اللهم ~~إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي وتعلم ما في ~~نفسي فاغفر لي ذنوبي، فأوحى الله تعالى إليه يا آدم قد غفرت لك ذنوبك. ~~وقيل: إن آدم لما أهبط إلى الأرض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه إلى ~~السماء حياء من الله تعالى. وقيل هي ثلاثة أشياء: الحياء والدعاء ~~والبكاء. قال ابن عباس: بكى آدم وحواء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتي ~~سنة ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوما. # وقيل: لو أن دموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم اكثر حيث أصاب الخطيئة ~~لو أن دموع داود ودموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم أكثر حيث أخرجه ~~الله من الجنة { فتاب عليه } أي فتجاوز عنه وغفر له. وأصل التوبة من تاب ~~يتوب إذا رجع فكأن التائب رجع عن ذلك الذنب الذي كان عليه، ولا ms0039 تتحقق ~~التوبة منه إلا بثلاثة أمور. علم وحال وعمل. أما العلم فهو أن يعلم ~~العبد ضرر الذنب وأنه حجاب عن الله تعالى، فإذا حصل هذا العلم تألم القلب ~~فعند ذلك يحصل الندم وهو الحال فيترك العبد الذنب، وبعزم في المستقبل أن ~~لا يعود إليه وهو العمل فإذا تحققت هذه الثلاثة الأمور وحصلت التوبة، ~~وسيأتي بسط هذا عند قوله تعالى: # توبوا إلى الله توبة نصوحا # [التحريم: 8] في سورة التحريم إن شاء الله تعالى { إنه هو التواب } أي ~~الرجاع على عباده بقبول التوبة. والتواب في وصف الله سبحانه وتعالى: ~~المبالغ في قبول توبة عباده { الرحيم } أي بخلقه وصف سبحانه وتعالى نفسه ~~مع كونه بأنه رحيم { قلنا اهبطوا منها جميعا } يعني هؤلاء الأربعة. وقيل ~~إن الهبوط الأول من الجنة إلى سماء الدنيا والهبوط الثاني من السماء ~~الدنيا إلى الأرض، وفيه ضعف لأنه قال في الهبوط الأول { ولكم في الأرض ~~مستقر } فدل على أنه كان من الجنة إلى الأرض، والأصح أنه للتأكيد { ~~فإما يأتينكم مني هدى } فيه تنبيه على عظم نعم الله على آدم وحواء كأنه ~~قال وإن أهبطتكم من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بهدايتي التي تؤديكم ~~إلى الجنة مرة أخرى على الدوام الذي لا ينقطع وقيل المخاطب هم ذرية آدم ~~يعني يا ذرية آدم إما يأتينكم مني رشد وبيان وشريعة وقيل كتاب ورسول { ~~فمن تبع هداي فلا خوف عليهم } يعني فيما يستقبلهم { ولا هم يحزنون } أي ~~على ما خلفوا وقيل لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الآخرة. ### || [2.39-44] # { والذين كفروا } أي جحدوا { وكذبوا بآياتنا } أي بالقرآن { أولئك أصحاب ~~النار } أي يوم القيامة { هم فيها خالدون } أي لا يخرجون منها ولا يموتون ~~فيها قوله عز وجل { يا بني إسرائيل } اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو ~~يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلى الله عليهم وسلم أجمعين ومعنى إسرائيل ~~عبدالله وقيل صفوة الله والمعنى يا أولاد يعقوب { اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم } أي اشكروا نعمتي وإنما عبر عنه بالذكر لأن من ذكر النعمة ms0040 ~~فقد شكرها ومن جحدها فقد كفرها وقيل الذكر يكون بالقلب ويكون اللسان ووحد ~~النعمة لأنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ومعناه أن ~~المضرة المحضة لا تكون نعمة ولو فعل الإنسان منفعة وقصد نفسه بها لا تسمى ~~نعمة إذا لم يقصد بها الغير ثم إن النعم ثلاثة: نعمة تفرد بها الله تعالى ~~وهي إيجاد الإنسان ورزقه ونعمة وصلت إلى الإنسان بواسطة الغير لكن الله ~~مكنه من ذلك فالمنعم بها في الحقيقة هو الله تعالى ونعمة حصلت للإنسان ~~بسبب الطاعة وهي أيضا من الله تعالى، فالله هو المنعم المطلق في الحقيقة ~~لأن أصول النعم كلها منه. وأما النعم المختصة ببني إسرائيل فكثيرة لأن ~~قوله { اذكروا نعمتي } لفظها واحد ومعناها الجمع فمن النعم أن الله تعالى ~~أنقذهم من فرعون وفلق البحر لهم وأغرق فرعون وتظليلهم بالغمام وإنزال ~~المن والسلوى في التيه عليهم وإنزال التوراة ونعم غير هذه كثيرة فإن قلت ~~إذا فسر النعمة بهذا فما كانت على المخاطبين بها بل كانت على آبائهم فكيف ~~تكون نعمة عليهم حتى يذكروها. قلت إنما ذكر المخاطبين بها لأن فخر الآباء ~~فخر الأبناء ولأن الأبناء إذا تيقنوا أن الله قد أنعم على آبائهم بهذه ~~النعم فقد وجب عليهم ذكرها وشكرها. وقيل إن هذه النعم هي إدراك المخاطبين ~~بها زمن محمد صلى الله عليه وسلم وذكرها الإيمان به { وأوفوا بعهدي } أي ~~امتثلوا أمري { أوف بعهدكم } أي بالقول والثواب وأصل للعهد حفظ الشيء ~~ومراعاته حالا بعد حال ومنه سمي الموثق الذي تلزم مراعاته عهدا وقيل ~~أراد بالعهد جميع ما أمر الله به من غير تخصيص ببعض التكليف دون بعض وقيل ~~أراد به ما ذكر في سورة المائدة وهو قوله: # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا # [المائدة: 12] إلى قوله: # لأكفرن عنكم سيئاتكم # [المائدة: 12] فهذا قوله: { أوف بعهدكم } وقيل هو قوله: # وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة # [البقرة: 93] يعني شريعة التوراة. وقيل: هو قوله: # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا ms0041 تعبدون إلا الله # [البقرة: 83] وقيل أراد بهذا العهد ما أثبته في كتب الأنبياء المتقدمة ~~من وصف محمد صلى الله عليه وسلم وأنه مبعوث في آخر الزمان، وذلك أن الله ~~عهد إلى بني إسرائيل على لسان موسى عليه الصلاة السلام أني باعث من بني ~~إسماعيل نبيا أميا فمن تبعه وصدق النور الذي يأتي به غفرت له ذنبه ~~وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين اثنين، وهو قوله: # وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس # [آل عمران: 187] يعني أمر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته { وإياي ~~فارهبون } أي فخافون في نقضكم العهد { وآمنوا بما أنزلت } يعني بالقرآن { ~~مصدقا لما معكم } يعني أن القرآن موافق لما في التوراة من التوحيد ~~والنبوة والأخبار ونعمت النبي صلى الله عليه وسلم فالإيمان بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم والقرآن تصديق للتوراة لأن التوراة فيها الإشارة إلى نعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي مبعوث فمن آمن به فقد آمن بما في ~~التوراة ومن كذبه وكفر به فقد كذب التوراة وكفر بها { ولا تكونوا أول ~~كافر به } الخطاب لليهود، نزلت في كعب بن الأشرف ورؤساء اليهود، والمعنى ~~ولا تكونوا يا معشر اليهود أول من كفر به. فإن قلت كيف جعلوا أول من كفر ~~به وقد سبقهم إلى الكفر به مشركو العرب من أهل مكة وغيرهم؟ قلت: هذا ~~تعريض لهم والمعنى كان يجب أن تكونوا أول من آمن به لأنكم تعرفون صفته ~~ونعته بخلاف غيركم وكنتم تستفتحون به على الكفار فلما بعث كان أمر اليهود ~~بالعكس. وقيل معناه ولا تكونوا أول كافر به من اليهود فيتبعكم غيركم على ~~ذلك فتبوءوا بإثمكم وإثم غيركم ممن تبعكم على ذلك { ولا تشتروا } أي ولا ~~تستبدلوا { بآياتي } أي ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم التي في ~~التوراة { ثمنا قليلا } أي عوضا يسيرا من الدنيا لأن الدنيا بالنسبة ~~إلى الآخرة كالشيء اليسير الحقير الذي لا قيمة له والذي كانوا يأخذونه من ~~الدنيا كالشيء اليسير بالنسبة إلى جميعها فهو قليل القليل فلهذا قال ms0042 الله ~~تعالى: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } وذلك أن كعب بن الأشرف ورؤساء ~~اليهود وعلماءهم كانوا يصيبون المآكل من سفلتهم وجهالهم وكانوا يأخذون ~~منهم في كل سنة شيئا معلوما من زرعهم وثمارهم ونقودهم وضروعهم فخافوا ~~إن بينوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وتابعوه أن تفوتهم تلك المآكل ~~فغيروا نعته وكتموا اسمه واختاروا الدنيا على الآخرة وأصروا على الكفر { ~~وإياي فاتقون } أي فخافون في أمر محمد صلى الله عليه وسلم. والتقوى قريب ~~من معنى الرهبة والفرق بينهما أن الرهبة خوف مع حزن واضطراب والتقوى جعل ~~النفس في وقاية مما تخاف. قوله عز وجل: { ولا تلبسوا الحق بالباطل } أي ~~ولا تكتبوا في التوراة ما ليس فيها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي ~~كتبتم. وقيل معناه ولا تخلطوا الحق الذي أنزل عليكم من صفة محمد صلى الله ~~عليه وسلم في التوراة الباطل الذي تكتبونه بأيديكم من تغيير صفته وقيل لا ~~تخلطوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي الحق بالباطل أي بصفة الدجال ~~وذلك أنه لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حسده اليهود وقالوا ليس ~~هو الذي ننتظره وإنما هو المسيح ابن داود يعني الدجال وكذبوا فيما قالوا: ~~{ وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } يعني أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي ~~مرسل. # وفيه تنبيه لسائر الخلق وتحذير من مثله فصار هذا الخطاب وإن كان خاصا ~~في الصورة لكنه عام في المعنى فعلى كل أحد أن لا يلبس الحق بالباطل ولا ~~يكتم الحق لما فيه من الضرر والفساد وفيه دلائل أيضا على أن العالم ~~بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه { وأقيموا الصلاة } يعني ~~الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها وجميع أركانها { وآتوا الزكاة } أي أدوا ~~الزكاة المفروضة عليكم في أموالكم { واركعوا مع الراكعين } أي صلوا مع ~~المصلين، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعبر عن الصلاة بالركوع ~~لأنه ركن من أركانها وهذا خطاب لليهود لأن صلاتهم ليس فيها ركوع فكأنه ~~قال لهم صلوا صلاة ذات ركوع فلهذا المعنى أعاده بعد قوله وأقيموا ms0043 الصلاة ~~لأن الأول خطاب الكافة والثاني خطاب قوم مخصوصين وهم اليهود. وفيه حث على ~~إقامة الصلاة في الجماعة فكأنه قال صلوا مع المصلين في الجماعة. قوله عز ~~وجل: { أتأمرون الناس بالبر } الاستفهام فيه للتقرير مع التقريع والتعجب ~~من حالهم. والبر اسم جامع لجميع أعمال الخير والطاعات، نزلت هذه الآية في ~~علماء اليهود، وذلك أن الرجل منهم كان يقول لقريبه وحليفه من المسلمين ~~إذا سأله عن أمر محمد صلىالله عليه وسلم اثبت على دينه فإن أمره حق وقوله ~~صدق وقيل إن جماعة من اليهود قالوا لمشركي العرب: إن رسولا سيظهر منكم ~~ويدعوكم إلى الحق، وكانوا يرغبونهم وفي اتباعه فلما بعث الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم حسدوه وكفروا به فبكتهم الله ووبخهم بذلك حيث إنهم كانوا ~~يأمرون الناس باتباعه قبل ظهوره، فلما ظهر تركوه وأعرضوا عنه. وقيل كانوا ~~يأمرون الناس بالطاعة والصلاة والزكاة وأنواع البر ولا يفعلونه فوبخهم ~~الله بذلك { وتنسون أنفسكم } أي وتعدلون عما لها فيه نفع والنسيان عبارة ~~عن السهو الحادث بعد حصول العلم والمعنى أتتركون أنفسكم ولا تتبعون ~~محمدا صلى الله عليه وسلم { وأنتم تتلون الكتاب } يعني تقرؤون التوراة ~~وتدرسونها وفيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته وفيها أيضا الحث على ~~الأفعال الحسنة والإعراض عن الأفعال القبيحة والإثم { أفلا تعقلون } يعني ~~أنه حق فتتبعونه والعقل قوة يهيئ قبول العلم ويقال للعلم الذي يستفيده ~~الإنسان بتلك القوة عقل ومنه قول علي بن أبي طالب: # وإن العقل عقلان فمطبوع ومسموع ولا ينفع مطبوع إذا لم يك مسموع ~~كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع # وأصل العقل الإمساك لأنه مأخوذ من عقال الدابة كعقل البعير بالعقال ~~ليمنعه من الشرود فكذلك العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود والأفعال ~~القبيحة. ومعنى الآية أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ~~إرشاد الغير إلى تحصيل المصلحة وتحذيره عما يوقعه في المفسدة والإحسان ~~إلى النفس أولى من الإحسان إلى الغير وذلك لأن الإنسان إذا وعظ غيره ولم ~~يتعظ هو فكأنه أتى بفعل متناقض ms0044 لا يقبله العقل فلهذا قال أفلا تعقلون ~~وقيل إن من وعظ الناس يجتهد أن ينفذ موعظته إلى القلوب فإذا خالف قوله ~~فعله كان ذلك سبب تنفير القلوب عن قبول موعظته ق عن أسامة بن زيد قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها ~~كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ما لك ~~ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بل كنت آمر بالمعروف ولا ~~آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه " # قوله فتندلق، أي تخرج أقتاب بطنه أي أمعاء بطنه واحدها قتب وروى البغوي ~~بسنده عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت من هؤلاء يا ~~جبريل قال هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم ~~يتلون الكتاب أفلا يعقلون قيل مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به ~~كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه " # وقيل من وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه، " وقال بعضهم: # ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يسمع ما ~~تقول ويقتدى بالقول منك وينفع التعليم ### || [2.45-49] # قوله عز وجل: { واستعينوا بالصبر والصلاة } قيل إن المخاطبين بهذا هم ~~المؤمنون لأن من ينكر الصلاة والصبر على دين على محمد صلى الله عليه وسلم ~~لا يقال له استعن بالصبر والصلاة فلا جرم وجب صرفه إلى من صدق محمدا ~~صلى الله عليه وسلم وآمن به. وقيل يحتمل أن يكون الخطاب لبني إسرائيل لأن ~~صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك نظم القرآن ولأن اليهود لم ينكروا أصل ~~الصلاة والصبر لكن صلاتهم غير صلاة المؤمنين، فعلى هذا القول أن الله ~~تعالى لما أمرهم بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والتزام شريعته وترك ~~الرياسة وحب الجاه والمال قال لهم استعينوا بالصبر أي بحبس النفس عن ~~اللذات وإن ضممتم إلى ذلك الصلاة هان عليكم ترك ms0045 ما أنتم فيه من حب ~~الرياسة والجاه والمال. وعلى القول الأول يكون معنى الآية واستعينوا على ~~حوائجكم إلى الله. وقيل: على ما يشغلكم من أنواع البلاء. وقيل: على طلب ~~الآخرة بالصبر وهو حبس النفس عن اللذات وترك المعاصي. وقيل بالصبر على ~~أداء الفرائض. وقيل الصبر هو الصوم لأن فيه حبس النفس عن المفطرات وعن ~~سائر اللذات وفيه انكسار النفس والصلاة، أي اجمعوا بين الصبر والصلاة ~~وقيل معناه واستعينوا بالصبر على الصلاة وعلى ما يجب فيها من تصحيح النية ~~وإحضار القلب ومراعاة الأركان والآداب مع الخشوع والخشية، فإن اشتغل ~~بالصلاة ترك ما سواها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر ~~فزع إلى الصلاة، أي إذا أهمه أمر لجأ إلى الصلاة وعن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما أنه نعي له أخوه قثم وهو في سفره فاسترجع ثم تنحى عن الطريق، ~~فصلى ركعتين أطال فيهما السجود، ثم قام إلى راحلته وهو يقول: فاستعينوا ~~بالصبر والصلاة { وإنها } يعني الصلاة وقيل الاستعانة { لكبيرة } أي ~~ثقيلة { إلا على الخاشعين } يعني المؤمنين وقيل الخائفين: وقيل المطيعين ~~المتواضعين لله وأصل الخشوع السكون فالخاشع ساكن إلى الطاعة وقيل الخشوع ~~الضراعة وأكثر ما تستعمل في الجوارح وإنما كانت الصلاة ثقيلة على غير ~~الخاشعين لأن من لا يرجو لها ثوابا ولا يخاف على تركها عقابا فهي ثقيلة ~~عليه. وأما الخاشع الذي يرجو لها ثوابا ويخاف على تركها عقابا فهي سهلة ~~عليه { الذين يظنون } أي يستيقنون وقيل يعلمون { أنهم ملاقو ربهم } يعني ~~في الآخرة وفيه دليل على ثبوت رؤية الله تعالى في الآخرة { وأنهم إليه ~~راجعون } يعني بعدت فيجزيهم بأعمالهم. قوله عز وجل: { يا بني إسرائيل ~~اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } إنما أعاد هذا الكلام مرة أخرى توكيدا ~~للحجة عليهم وتحذيرا من ترك اتباع محمد صلى الله عليه وسلم { وإني ~~فضلتكم على العالمين } يعني على عالمي زمانكم وهذا التفضيل وإن كان في حق ~~الآباء ولكن يحصل به الشرف للأبناء { واتقوا يوما } أي واخشوا عذاب يوم ~~{ لا تجزي } أي ms0046 لا تقضى { نفس عن نفس شيئا } يعني حقا لزمها. # وقيل معناه لا تنوب نفس عن نفس يوم القيامة، ولا ترد عنها شيئا مما ~~أصابها، بل يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه { ولا تقبل منها شفاعة } أي في ~~ذلك اليوم والمعنى لا تقبل الشفاعة إذا كانت النفس كافرة، وذلك أن اليهود ~~قالوا يشفع لنا آباؤنا فرد الله عليهم ذلك بقوله ولا تقبل منها شفاعة ~~وقيل إن طاعة المطيع لا تقضي عن العاصي ما كان واجبا عليه وقيل معناه أن ~~النفس الكافرة لو جاءت بشفيع لا يقبل منها { ولا يؤخذ منها عدل } أي فدية ~~وهو مماثلة الشيء بالشيء { ولا هم ينصرون } أي لا يمنعون من العذاب. قوله ~~عز وجل: { وإذ نجيناكم } أي واذكروا إذ خلصنا أسلافكم وأجوادكم فاعتدها ~~نعمة ومنة عليهم لأنهم نجوا بنجاة أسلافهم { من آل فرعون } أي من أتباعه ~~وأهل دينه وفرعون اسم علم لمن كان يملك مصر من القبط والعماليق وفرعون ~~هذا كان اسمه الوليد بن مصعب بن الريان وعمر أكثر من أربعمائة سنة { ~~يسومونكم } أي يكلفونكم ويذيقونكم { سوء العذاب } أي أشد العذاب وأسوأه، ~~وقيل: يصرفونكم في العذاب مرة كذا ومرة كذا، وذلك أن فرعون جعل بني ~~إسرائيل خدما وخولا، وصنفهم في الأعمال أصنافا: صنف يبنون ويزرعون، ~~وصنف يخدمونه ومن لم يكن في عمل وضع عليه الجزية وقال ابن وهب: كانوا ~~أصنافا في أعمال فرعون فذوو القوة يسلخون السواري من الجبال، حتى تقرعت ~~أيديهم وأعناقهم ودبرت ظهورهم من قطعها ونقلها وصنف ينقلون الحجارة ~~والطين يبنون له القصور، وطائفة يضربون اللبن ويطبخون الآجر، وطائفة ~~نجارون وحدادون، والضعفة منهم يضرب عليهم الخراج يعني الجزية ضريبة ~~يؤدونها كل يوم، فمن غربت عليه الشمس قبل أن يؤدي ضريبته، غلبت يداه إلى ~~عنقه شهرا والنساء يغزلن الكتان وينسجنه وقيل تفسير يسومونكم سوء ~~العذاب، ما بعده وهو قوله عز وجل: { يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم } أي ~~يتركونهن أحياء. وذلك أن فرعون رأى في منامه كأن نارا أقبلت من بيت ~~المقدس وأحاطت بمصر، وأحرقت كل قبطي بها ms0047 ولم تتعرض لبني إسرائيل فهاله ~~ذلك، وسأل الكهنة عن رؤياه فقالوا: يولد غلام يكون على يديه هلاكك وزوال ~~ملكك فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل، ووكل بالقوابل فكن ~~يفعلن ذلك حتى قتل في طلب موسى اثنى عشر ألفا وقيل: سبعين الفا، وأسرع ~~الموت في مشيخة بني إسرائيل فدخل رؤساء القبط على فرعون وقالوا: إن الموت ~~قد وقع ببني إسرائيل فتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا ~~فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة، فولد هارون في السنة التي لا يذبح ~~فيها وولد موسى في السنة التي يذبح فيها { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } ~~أي اختيار وامتحان، والبلاء يطلق على النعمة العظيمة وعلى المحنة الشديدة ~~ليختبر الله العبد على النعمة بالشكر، وعلى الشدة بالصبر فإن حمل قوله: { ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } على صنع فرعون كان من البلاء والمحنة وإن ~~حمل على الإنجاء كان من النعمة. # قوله عز وجل: # وإذ فرقنا بكم البحر # [البقرة: 50] أي فصلنا بعضه من بعض وجعلنا فيه مسالك بسبب دخولكم البحر ~~وسمي بحرا لاتساعه. ذكر سياق القصة وذلك أنه لما دنا هلاك فرعون، أمر ~~الله موسى عليه الصلاة والسلام أن يسري ببني إسرائيل من مصر بالليل، فأمر ~~موسى قومه أن يسرجوا في بيوتهم السرج إلى الصبح، وأن يستعيروا حلى القبط ~~لتبقى لهم أو ليتبعوهم لأجل المال، وأخرج الله كل ولد زنا كان في القبط ~~من بني إسرائيل إلى بني إسرائيل وكل ولد زنا كان في بني إسرائيل من القبط ~~إلى القبط حتى يرجع كل ولد إلى أبيه وألقى الله الموت على القبط فمات كل ~~بكر لهم فاشتغلوا بدفنهم وقيل: بلغ ذلك فرعون فقال لا أخرج في طلبهم حتى ~~يصيح الديك فما صاح تلك الليلة ديك وخرج موسى في بني إسرائيل وهم ستمائة ~~ألف وعشرون ألفا لا يعدون ابن عشرين سنة لصغره، ولا ابن ستين سنة لكبره، ~~وكانوا يوم دخلوا مصر مع يعقوب اثنين وسبعين إنسانا ما بين رجل وامرأة ~~فلما ms0048 أرادوا السير ضرب عليهم التيه فلم يدروا أين يذهبون فدعا موسى مشيخة ~~بني إسرائيل وسألهم عن ذلك فقالوا: إن يوسف لما حضره الموت أخذ على إخوته ~~عهدا أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم فلذلك انسد علينا الطريق ~~فسألهم عن موضع قبره فلم يعلموه فقال موسى. ينادي أنشد الله كل من يعلم ~~أين قبر يوسف إلا أخبرني به ومن لم يعلم صمت أذناه عن سماع قولي: فكان ~~يمر بالرجل وهو ينادي فلا يسمع صوته حتى سمعته عجوز منهم فقالت له: ~~أرأيتك إن دللتك على قبره أتعطيني كل ما أسألك فأبى عليها وقال: حتى أسأل ~~ربي فأمره أن يعطيها سؤالها فقالت: إني عجوز لا أستطيع المشي فاحملني معك ~~وأخرجني من مصر هذا في الدنيا وأما في الآخرة فأسألك أن لا تنزل غرفة من ~~غرف الجنة إلا نزلتها معك قال: نعم، قالت: إنه في النيل في جوف الماء ~~فادع الله أن يحسر عنه الماء فدعا الله فحسر عنه الماء، ودعا الله أن ~~يؤخر عنه طلوع الفجر حتى يفرغ من أمر يوسف، ثم حفر موسى ذلك الموضع ~~فاستخرجه وهو في صندوق من مرمر وحمله معه حتى دفنه بالشام، فعند ذلك فتح ~~لهم الطريق فسار موسى ببني إسرائيل هو في ساقتهم وهارون في مقدمتهم، ثم ~~خرج فرعون في طلبهم في ألف ألف وسبعمائة ألف وكان فيهم سبعون ألفا من ~~دهم الخيل سوى سائر الشيات وقيل: كان معهن مائة ألف حصان أدهم وكان فرعون ~~في الدهم وكان على مقدمة عسكر هامان، وكان فرعون في سبعة آلاف ألف وكان ~~بين يديه مائة ألف ألف ناشب ومائة ألف ألف حراب ومائة في ألف ألف، معهم ~~الأعمدة واسر بنو إسرائيل حتى وصلوا البحر والماء في غاية الزيادة، ~~ونظروا حين أشرقت الشمس فإذا هم بفرعون في جنوده فبقوا متحيرين وقالوا: ~~يا موسى أين ما وعدتنا به فكيف نصنع هذا فرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا ~~والبحر أمامنا إن دخلناه غرقنا، فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فضربه ms0049 فلم يطعه فأوحى الله إليه أن كنه فضربه، وقال: انفلق يا أبا خالد ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وظهر فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط ~~منهم طريق وارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل وأرسل الله الريح والشمس ~~على قعر البحر، حتى صار يبسا وخاضت بنو إسرائيل البحر كل سبط في طريق عن ~~جوانبهم الماء كالجبل الضخم لا يرى بعضهم بعضا فخافوا، وقال: كل سبط ~~منهم قد هلك إخواننا فأوحى الله إلى جبال الماء أن تشبكي فصار الماء ~~كالشباك يرى بعضهم بعضا، ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين. ### || [2.50] # قوله تعالى: { وإذ فرقنا بكم البحر } { فأنجيناكم } يعني من فرعون { ~~وأغرقنا آل فرعون }. وذلك أن فرعون لما وصل إلى البحر فرآه منفلقا، قال ~~لقومه: انظروا إلى البحر كيف انفلق من هيبتي حتى أدرك عبيدي الذين أبقوا ~~مني ادخلوا البحر فهاب قومه أن يدخلوا، وقيل: قالوا له: إن كنت ربا ~~فادخل البحر كما دخل موسى وكان فرعون على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون ~~فرس أنثى فجاء جبريل عليه السلام على فرس أنثى وديق فتقدمه، وخاض البحر ~~فلما شم أدهم فرعون ريحها اقتحم البحر في أثرها ولم يملك فرعون من أمره ~~شيئا، واقتحمت الخيول خلفه في البحر وجاء ميكائيل خلفهم يسوقهم وهو على ~~فرس ويقول: الحقوا بأصحابكم حتى صاروا كلهم في البحر وخرج جبريل من البحر ~~وهم أولهم بالخروج فأمر الله البحر أن يأخذهم، فالتطم عليهم وأغرقهم ~~أجمعين وكان بين طرفي البحر أربع فراسخ وهو بحر القلزم وهو على طرف من ~~بحر فارس، وقيل: هو بحر من وراء مصر يقال له: إساف وكان إغراق آل فرعون ~~بمرأى من بني إسرائيل فذلك قوله: { وأنتم تنظرون } يعني إلى هلاكهم وقيل: ~~إلى مصارعهم وقيل: إن البحر قذفهم حتى نظروا إليهم ووافق ذلك يوم عاشوراء ~~فصام موسى عليه السلام ذلك اليوم شكرا لله تعالى. ### || [2.51-54] # قوله عز وجل: { وإذ وعدنا } من المواعدة وهو من الله الأمر ومن موسى ~~القبول وذلك أن الله وعده ms0050 بمجيء الميقات { موسى } اسم عبري معرب فموسى ~~بالعبرية الماء والشجر سمي موسى لأنه أخذ من بين الماء والشجر ثم قلبت ~~الشين سينا فسمي موسى { أربعين ليلة } أي انقضاء أربعين ليلة ثلاثين من ~~ذي القعدة وعشر من ذي الحجة، وقرن التاريخ بالليل دون النهار لأن الأشهر ~~العربية وضعت على سير القمر لأن الظلمة أقدم من الضوء. ذكر القصة في ذلك: ~~قال العلماء: لما أنجى الله نبي إسرائيل من البحر وأغرق عدوهم ولم يكن ~~لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليهما، وعد الله موسى أن ينزل عليه التوراة ~~فقال موسى لقومه: إني ذاهب إلى ميقات ربي لآتيكم منه بكتاب فيه بيان ما ~~تأتون وما تذرون، ووعدهم أربعين ليلة واستخلف عليهم أخاه هارون فلما جاء ~~الموعد أتاه جبريل عليه الصلاة والسلام على فرس يقال له: فرس الحياة لا ~~يصيب شيئا إلا حيي ليذهب بموسى إلى ميقات ربه فرآه السامري، وكان صائغا ~~اسمه ميخا وقال ابن عباس: اسمه موسى بن ظفر، وقيل: كان من أهل ماحرا وقيل ~~كرمان وقيل من بني إسرائيل من قبيلة يقال لها السامرة وكان منافقا يظهر ~~الإسلام وكان من قوم يعبدون البقر فلما رأى جبريل على ذلك الفرس ورأى ~~موضع قدم الفرس يخضر في الحال فقال في نفسه إن لهذا لشأنا وقيل رأى ~~جبريل حين دخل البحر قدام فرعون فقبض قبضة من تراب فرسه وألقى في روعه، ~~أنه إذا ألقي في شيء حيي فلما ذهب موسى إلى الميقات، ومكث على الطور ~~أربعين ليلة وأنزل الله عليه التوراة في الألواح وكانت الألواح من زبرجد، ~~وقربه نجيا وأسمعه صرير الأقلام وقيل: إنه بقي أربعين ليلة لم يحدث فيها ~~حدثا حتى هبط من الطور، وكان بنو إسرائيل قد استعاروا حليا كثيرا من ~~القبط حين أرادوا الخروج من مصر بعلة عرس لهم فلما هلك فرعون وقومه بقي ~~ذلك الحلي في أيديهم فلما فصل موسى قال لهم السامري: إن الحلي الذي ~~استعرتموه من القبط غنيمة لا تحل لكم فاحفروا حفيرة وادفنوه فيها حتى ~~يرجع موسى، ويرى ms0051 فيها رأيه وقيل: إن هارون أمرهم بذلك فلما اجتمعت الحلي ~~أخذها السامري وصاغها عجلا في ثلاثة أيام، ثم ألقى فيها القبضة التي ~~أخذها من تراب فرس جبريل عليه الصلاة والسلام فصار عجلا من ذهب مرصعا ~~بالجواهر وخار خورة وقيل: كان يخور ويمشي، فقال لهم السامري " هذا إلهكم ~~وإله موسى فنسي " أي فتركه ها هنا وخرج يطلبه وكان بنو إسرائيل قد أخلفوا ~~الوعد، فعدوا اليوم مع الليلة يومين فلما مضى عشرون يوما، ولم يرجع موسى ~~وقعوا في الفتنة وقيل: كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة فكانت ~~فتنتهم في تلك العشرة فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى، ظنوا أنه قد مات ~~ورأوا العجل وسمعوا قول السامري فعكف عليه ثمانية آلاف رجل يعبدونه، ~~وقيل: عبده كلهم إلا هارون مع اثني عشر ألف رجل وهذا أصح فذلك قوله عز ~~وجل: { ثم اتخذتم العجل } يعني إلها { من بعده } أي من بعد موسى { وأنتم ~~ظالمون } أي وأنتم ضارون لأنفسكم بالمعصية حيث وضعتم العبادة في غير ~~موضعها { ثم عفونا عنكم } أي محونا ذنوبكم وتجاوزنا عنكم { من بعد ذلك } ~~أي من بعد عبادتكم لعجل { لعلكم تشكرون } أي لكي تشكروا عفوي عنكم، وحسن ~~صنيعي إليكم وأصل الشكر هو تصور النعمة وإظهارها ويضاده الكفر وهو نسيان ~~النعمة وسترها والشكر على ثلاث أضرب: شكر القلب وهو تصور النعمة. # وشكر اللسان وهو الثناء على النعمة. وشكر بسائر الجوارح وهو مكافأة ~~النعمة بقدر استحقاقها، وقيل الشكر هو الطاعة بجميع الجوارح في السر ~~والعلانية وقيل: حقيقة الشكر العجز عن الشكر. وحكي أن موسى عليه الصلاة ~~والسلام قال: إلهي أنعمت علي النعم السوابغ وأمرتني بالشكر وإنما شكري ~~إياك نعمة منك فأوحى الله تعالى إليه يا موسى تعلمت العلم الذي لا فوقه ~~علم حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فهي مني. وقال داود عليه ~~الصلاة والسلام: سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكرا كما جعل ~~اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة وقال الفضيل: شكر كل نعمة أن لا يعصى ms0052 ~~بعدها بتلك النعمة وقيل شكر النعمة ذكرها وقيل: شكر النعمة أن لا يراها ~~البتة ويرى المنعم وقيل الشكر لمن فوقك بالطاعة والثناء ولنظيرك ~~بالمكافأة ولمن دونك بالإحسان والإفضال. قوله عز وجل: { وإذ آتينا موسى ~~الكتاب } يعني التوراة { والفرقان } قيل: هو نعت الكتاب والواو زائدة. ~~والمعنى الكتاب المفرق بين الحلال والحرام والكفر والإيمان وقيل: الفرقان ~~هو النصر على الأعداء والواو أصلية { لعلكم تهتدون } يعني بالتوراة { وإذ ~~قال موسى لقومه } يعني الذين عبدوا العجل { يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم ~~باتخاذكم العجل } يعني إلها تعبدونه فكأنهم قالوا ما نصنع قال { فتوبوا ~~إلى بارئكم } أي ارجعوا إلى خالقكم بالتوبة قالوا كيف نتوب قال { فاقتلوا ~~أنفسكم } يعني ليقتل البريء منكم المجرم. فإن قلت التوبة عبارة عن الندم ~~على فعل القبيح والعزم على أن لا يعود إليه وهذا مغاير للقتل. فكيف يجوز ~~تفسير التوبة بالقتل. قلت: ليس المراد تفسير التوبة بالقتل بل بيان أن ~~توبتهم لا تتم إلا بالقتل، وإنما كان كذلك لأن الله أوحى إلى موسى عليه ~~الصلاة والسلام أن توبة المرتد لا تتم إلا بالقتل. فإن قلت: التائب من ~~الردة لا يقتل فكيف استحقوا القتل وقد تابوا من الردة. # قلت ذلك مما تختلف فيه الشرائع فلعل شرع موسى كان يقتضي أن يقتل التائب ~~من الردة إما عاما في حق الكل أو خاصا في حق الذين عبدوا العجل { ذلكم ~~خير لكم عند بارئكم } يعني القتل وتحمل هذه الشدة لأن الموت لا بد منه ~~فلما أمرهم موسى بالقتل قالوا: نصبر لأمر الله تعالى فجلسوا محتبين من ~~الحبوة وهم ضم الساق إلى بطن بثوب، وقيل لهم من حل حبوته أو مد طرفه إلى ~~قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردودة توبته، وأصلت القوم الخناجر ~~والسيوف، وأقبلوا عليهم فكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه وصديقه ~~وجاره فيرق له، فما يمكنهم المضي لأمر الله تعالى فقالوا يا موسى كيف ~~نفعل؟ فأرسل الله تعالى عليهم سحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا فكانوا ~~يقتلون إلى المساء فلما كثر ms0053 القتل دعا موسى وهارون الله وبكيا وتضرعا ~~إليه وقال: يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية فكشف الله السحابة عنهم ~~وأمرهم أن يكفوا عن القتل، فتكشف عن ألوف من القتلى قال علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه: كان عدد القتلى سبعين ألفا فاشتد ذلك على موسى فأوحى الله ~~إليه أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنة، فكان من قتل منهم شهيدا ~~ومن بقي مكفرا عنه ذنوبه فذلك قوله تعالى: { فتاب عليكم } أي فعلتم ما ~~أمرتم به فتجاوز عنكم { إنه هو التواب } أي الرجاع بالمغفرة القابل ~~التوبة { الرحيم } بخلقه. ### || [2.55-57] # قوله عز وجل: { وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك } أي لن نصدقك { حتى نرى ~~الله جهرة } أي عيانا وذلك أن الله عز وجل أمر موسى أن يأتيه في ناس من ~~بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى من قومه سبعين ~~رجلا من خيارهم وقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، ففعلوا وخرج بهم ~~موسى إلى طور سيناء لميقات ربه فقالوا لموسى: اطلب لنا أن نسمع كلام ربنا ~~قال: أفعل فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ~~فدخل موسى في الغمام، وقال للقوم: ادنوا حتى دخلوا تحت الغمام وخروا ~~سجدا وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجه نور ساطع فلا يستطيع أحد أن ~~ينظر إليه فضرب دونهم الحجاب وسمعوه يكلم موسى يأمره وينهاكم وأسمعهم ~~الله تعالى: إني أنا الله لا إله إلا أنا ذو بكة أخرجتكم من أرض مصر بيد ~~شديدة فاعبدوني ولا تعبدوا غيري فلما فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم ~~فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة وإنما قالوا: جهرة توكيد للرؤية ~~لئلا يتوهم متوهم أن المراد بالرؤية العلم { فأخذتكم الصاعقة } قيل: هي ~~الموت وفيه ضعف لأن قوله وأنتم تنظرون يرده إذ لو كان منها الموت لامتنع ~~كونهم ناظرين إليها وقيل: إن الصاعقة هي سبب الموت واختلفوا في ذلك السبب ~~فقيل: إن نارا نزلت من السماء فأحرقتهم. وقيل: جاءت صيحة ms0054 من السماء ~~وقيل: أرسل جموعا من الملائكة فسمعوا بحسهم فخروا صعقين { وأنتم تنظرون ~~} أي ينظر بعضكم إلى بعض كيف يأخذه الموت فلما هلكوا جعل موسى يبكي ~~ويتضرع ويقول إلهي ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد هلك خيارهم " ~~لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا " فلم يزل ~~يناشد ربه حتى أحياهم الله رجلا بعد رجل، بعد ما ماتوا يوما وليلة ينظر ~~بعضهم إلى بعض كيف يحيون فذلك قوله تعالى: { ثم بعثناكم } أي أحييناكم { ~~من بعد موتكم } أي لتستوفوا بقية آجالكم وأرزاقكم ولو أنهم كانوا قد ~~ماتوا لانقضاء آجالهم لم يبعثوا إلى يوم القيامة { لعلكم تشكرون } قوله ~~عز وجل: { وظللنا عليكم الغمام } يعني في التيه يقيكم حر الشمس، وذلك أنه ~~لم يكن لهم في التيه شيء يسترهم ولا يستظلون به فشكوا إلى موسى فأرسل ~~الله غماما أبيض رقيقا يسترهم من الشمس وجعل لهم عمودا من نور يضيء ~~لهم الليل إذا لم يكن قمر { وأنزلنا عليكم المن والسلوى } أي في التيه ~~الأكثرون على أن المن هو الترنجبين وقيل: هو شيء كالصمغ يقع على الشجر ~~طعمه كالشهد. وقال وهب: هو الخبز الرقاق، وأصل المن هو ما يمن الله به من ~~غير تعب ق عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين " # ومعنى الحديث أن الكمأة شيء أنبته الله من غير سعي أحد ولا مؤنة وهو ~~بمنزلة المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل، وقوله: وماؤها شفاء للعين ~~معناه أن يخلط مع الأدوية فينتفع به لا أنه يقطر ماؤها بحتا في العين ~~وقيل: إن تقطيره في العين ينفع لكن لوجع مخصوص، وليس يوافق كل وجع العين ~~وكان هذا المن ينزل على أشجارهم في كل ليلة من وقت السحر إلى طلوع الشمس، ~~كالثلج لكل إنسان صاع فقالوا: يا موسى قد قتلنا هذا المن بحلاوته، فادع ~~لنا ربك أن يطعمنا اللحم فأرسل الله عليهم السلوى، وهو طائر يشبه السماني ~~وقيل هو السماني ms0055 بعينه فكان الرجل يأخذ ما يكفيه يوما وليلة، فإذا كان ~~يوم الجمعة يأخذ ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينزل يوم السبت شيء { كلوا ~~} أي وقلنا لهم كلوا { من طيبات } أي حلالات { ما رزقناكم } أي ولا ~~تدخروا لغد فخالفوا وادخروا فدود وفسد، فقطع الله عنهم ذلك ق عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ولولا حواء لم تخن ~~أنثى زوجها الدهر " # قوله: لم يخنز اللحم لم ينتن ولم يتغير { وما ظلمونا } أي وما بخسوا ~~حقنا { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } يعني بأخذهم أكثر مما حولهم فاستحقوا ~~بذلك عذابي وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مؤنة ولا تعب في ~~الدنيا ولا حساب في العقبى. ### || [2.58-60] # قوله عز وجل: { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } سميت قرية لاجتماع الناس ~~فيها قال ابن عباس: هي أريحاء قرية الجبارين وقيل: كان فيها قوم من بقية ~~عاد يقال لهم: العمالقة ورأسهم عوج بن عنق، فعلى هذا يكون القائل يوشع بن ~~نون لأنه هو الذي فتح أريحاء بعد موت موسى لأن موسى مات في التيه، وقيل: ~~هي بيت المقدس وعلى هذا فيكون القائل موسى. والمعنى إذا خرجتم من التيه ~~بعد مضي الأربعين سنة، ادخلوا بيت المقدس { فكلوا منها حيث شئتم رغدا } ~~أي موسعا عليكم { وادخلوا الباب } فمن قال: إن القرية أريحاء قال ادخلوا ~~من أي باب كان من أبوابها وكان لها سبعة أبواب ومن قال إن القرية هي بيت ~~المقدس قال هو باب حطة { سجدا } محنين خضعا متواضعين كالراكع ولم يرد ~~به نفس السجود { وقولوا حطة } أي حط عنا خطايانا أمروا بالاستغفار. وقال ~~ابن عباس قولوا لا إله إلا الله لأنها تحط الذنوب والخطايا على تقدير ~~مسألتنا حطة { نغفر لكم خطاياكم } أي نسترها عليكم من الغفر وهو الستر ~~لأن المغفرة تستر الذنوب { وسنزيد المحسنين } يعني ثوابا { فبدل } أي ~~فغير { الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم } أي قالوا قولا غير ms0056 ما قيل ~~لهم، وذلك أنهم بدلوا قول الحطة بالحنطة، وقالوا بلسانهم حطانا سمقاثا ~~أي حنطة حمراء، وذلك استخفافا منهم بأمر الله تعالى. وقيل: طؤطئ لهم ~~للباب ليخفضوا رؤوسهم فأبوا ذلك ودخلوا زحفا على أستاههم فخالفوا في ~~الفعل ما خالفوا في القول، وبدلوه ق عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فبدلوا فدخلوا يزحفون ~~على أستاههم وقالوا حبة في شعرة " # { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء } يعني عذابا من السماء، ~~قيل: أرسل الله عليهم طاعونا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا { بما ~~كانوا يفسقون } أي يعصون ويخرجون عن أمر الله تعالى. قوله عز وجل: { وإذ ~~استسقى موسى لقومه } أي طلب السقيا لقومه، وذلك أنهم عطشوا في التيه ~~فسألوا موسى أن يستسقي لهم ففعل فأوحى الله إليه كما قال مبينا { فقلنا ~~اضرب بعصاك } وكانت العصا من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى عليه ~~الصلاة والسلام ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا واسمها عليق، وقيل: ~~نبعة حملها آدم معه من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب ~~فأعطاها موسى { الحجر } قال وهب: لم يكن حجرا معينا بل كان موسى يضرب ~~أي حجر كان فيتفجر عيونا لكل سبط عين، وكانوا اثني عشر سبطا، وقيل: كان ~~حجرا معينا بدليل أنه عرفه بالألف واللام قال ابن عباس: كان حجرا ~~خفيفا مربعا قدر رأس الرجل وكان موسى عليه الصلاة والسلام يضعه في ~~مخلاة، فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه وقيل: كان للحجر أربعة ~~وجوه في كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين وقيل كان من الرخام وقيل، كان من ~~الكذان وهي الحجارة اللينة وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه موسى ثوبه ~~ليغتسل، ففر به فأتاه جبريل وقال إن الله يأمرك أن ترفع هذا الحجر فلي ~~فيه قدرة ولك فيه معجزة فوضعه في مخلاة فلما سألوه السقيا قيل اضرب بعصاك ~~الحجر فكان إذا احتاجوا إلى الماء، وضعه وضربه بعصاه فتتفجر منه ms0057 عيون لكل ~~سبط عين تسيل إليهم في جدول، وكان إذا أراد حمله ضربه بعصاه فيذهب الماء ~~وييبس الحجر فذلك قوله تعالى: { فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا } يعني على ~~عدد أسباط بني إسرائيل، والمعنى فضربه فانفجرت قال المفسرون: انفجرت ~~وانبجست: بمعنى واحد وقيل انبجست أي عرقت وانفجرت أي سالت { قد علم كل ~~أناس مشربهم } أي موضع شربهم لا يدخل سبط على غيره { كلوا واشربوا } أي ~~وقلنا لهم كلوا واشربوا { من رزق الله } يعني المن والسلوى والماء فهذا ~~كله من رزق الله كان يأتيهم بلا مشقة ولا كلفة { ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين } العيث أشد الفساد في هذه الآية معجزة عظيمة لموسى عليه الصلاة ~~والسلام، حيث انفجر من الحجر الصغير ما روى منه الجمع الكثير ومعجزة ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم لأنه انفجر من بين أصبعيه فروى منه ~~الجم الغفير، لأن انفجار الماء من الدم واللحم أعظم من انفجاره من الحجر. ### || [2.61] # قوله عز وجل: { وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد } وذلك أنهم ~~سئموا من المن والسلوى وملوه، فاشتهوا عليه غيره لأن المواظبة على الطعام ~~الواحد تكون سببا لنقصان الشهوة. فإن قلت: هما طعامان فما بالهم قالوا ~~على طعام واحد. قلت: أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل ولو كان على ~~مائدة الرجل عدة ألوان يداوم عليها في كل يوم لا يبدلها كانت بمنزلة ~~الطعام الواحد { فادع لنا ربك } أي فاسأل لنا ربك { يخرج لنا مما تنبت ~~الأرض من بقلها وقثائها وفومها } قال ابن عباس: الفوم الخبز وقيل هو ~~الحنطة، وقيل هو الثوم { وعدسها وبصلها } إنما طلبوا هذا الأنواع لأنها ~~تعين على تقوية الشهوة أو لأنهم ملوا من البقاء في التيه، فسألوا هذه ~~الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وكان غرضهم الوصول إلى البلاد لا تلك ~~الأطعمة { قال } يعني موسى { أتستبدلون الذي هو أدنى } أي الذي هو أخس ~~وأردأ وهو الذي طلبوه { بالذي هو خير } يعني بالذي هو أشرف وأفضل وهو ما ~~هم فيه { اهبطوا مصرا ms0058 } يعني إن أبيتم إلا ذلك، فأتوا مصرا من الأمصار، ~~وقيل: بل هو مصر البلد الذي كانوا فيه ودخول التنوين عليه كدخوله على نوح ~~ولوط، والقول هو الأول { فإن لكم ما سألتم } يعني من نبات الأرض { وضربت ~~عليهم الذلة } أي جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم وألزموا الذل ~~والهوان وقيل: الذلة الجزية وزي اليهودية وفيه بعد لأنه لم تكن ضربت ~~عليهم الجزية بعد { والمسكنة } أي الفقر والفاقة وسمي الفقير مسكينا لأن ~~الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة، فترى اليهود وإن كانوا أغنياء مياسير ~~كأنهم فقراء فلا ترى أحدا من أهل الملل أذل ولا أحرص على المال من ~~اليهود { وباؤوا } أي رجعوا ولا يقال باء إلا بشر { بغضب من الله } وغضب ~~الله إرادة الانتقام ممن عصاه { ذلك } أي الغضب { بأنهم كانوا يكفرون ~~بآيات الله } أي بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم التي في ~~التوراة ويكفرون بالإنجيل والقرآن { ويقتلون النبيين } النبي معناه ~~المخبر من أنبأ ينبئ وقيل هو بمعنى الرفيع مأخوذ من النبوة وهو المكان ~~المرتفع { بغير الحق } أي بغير جرم. فإن قلت: قتل الأنبياء لا يكون إلا ~~بغير حق فما فائدة ذكره. قلت: ذكره وصفا للقتل والقتل يوصف تارة بالحق ~~وهو ما أمر الله به وتارة بغير الحق وهو قتل العدوان فهو كقوله: # قال رب احكم بالحق # [الأنبياء: 112] فالحق وصف للحكم، لا أن حكمه ينقسم إلى حق وجور. يروى ~~أن اليهود قتلت سبعين نبيا في أول النهار، وقامت إلى سوق بقلها في آخره ~~وقتلوا زكريا ويحيى وشعياء وغيرهم من الأنبياء { ذلك بما عصوا } أي ذلك ~~القتل والكفر بما عصوا أمري { وكانوا يعتدون } أي يتجاوزون أمري ويرتكبون ~~محارمي. ### || [2.62-63] # قوله عز وجل: { إن الذين آمنوا والذين هادوا } يعني اليهود سموا بذلك ~~لقولهم: " إنا هدنا إليك " أي ملنا إليك وقيل: هادوا أي تابوا عن عبادة ~~العجل وقيل إنهم مالوا عن دين الإسلام ودين موسى عليه السلام { والنصارى ~~} سموا بذلك لقول الحواريين نحن " أنصار الله " وقيل: لاعتزائهم إلى قرية ~~يقال لها ناصرة وكان المسيح ms0059 ينزلها { والصابئين } أصله من صبأ إذا خرج من ~~دين إلى دين آخر سموا بذلك لخروجهم من الدين قال عمر وابن عباس: هم قوم ~~من أهل الكتاب قال عمر ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب وقال ابن عباس: لا تحل ~~ذبائحهم ولا مناكحتهم وقيل: هم قوم بين اليهود والمجوس لا تحل ذبائحهم ~~ولا مناكحتهم وقيل: هم قوم بين اليهود والنصارى يحلقون أوساط رؤوسهم ~~وقيل: هم قوم يقرون بالله ويقرؤون الزبور ويعبدون الملائكة ويصلون إلى ~~الكعبة أخذوا من كل دين شيئا، والأقرب أنهم قوم يعبدون الكواكب وذلك ~~أنهم يعتقدون أن الله تعالى خلق هذا العالم وجعل الكواكب مدبرة له فيجب ~~على البشر عبادتها وتعظيمها، وأنها هي التي تقرب إلى الله تعالى. ولما ~~ذكر هذه الوظائف قال { من آمن بالله واليوم الآخر } فإن قلت: كيف قال في ~~أول الآية إن الذين آمنوا وقال في آخرها من آمن بالله فما فائدة التعميم ~~أولا ثم التخصيص آخرا قلت: اختلف العلماء في حكم الآية فلهم فيه طريقان ~~أحدهما أنه أراد أن الذين آمنوا على التحقيق ثم اختلفوا فيهم فقيل هم ~~الذين آمنوا في زمن الفطرة وهم طلاب الدين مثل حبيب النجار وقس بن ساعدة ~~وورقة بن نوفل وبحيرا الراهب وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي، فمنهم من ~~أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وتابعه ومنهم من لم يدركه فكأنه تعالى ~~قال: إن الذين آمنوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم والذين كانوا على ~~الدين الباطل المبدل من اليهود والنصارى والصابئين من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر وبمحمد صلى الله عليه وسلم فلهم أجرهم عند ربهم، وقيل: هم ~~المؤمنون من الأمم الماضية وقيل: هم المؤمنون من هذه الأمة والذين هادوا ~~يعني الذين كانوا على دين موسى ولم يبدلوا والنصارى الذين كانوا على دين ~~عيسى ولم يغيروا والصابئين يعني في زمن استقامة أمرهم من آمن منهم ومات ~~وهو مؤمن لأن حقيقة الإيمان تكون بالوفاة. وأما الطريقة الثانية فقالوا ~~إن المذكورين بالإيمان في أول الآية إنما هو على طريق المجاز دون ms0060 الحقيقة ~~وهم الذين آمنوا بالأنبياء الماضين ولم يؤمنوا بك وقيل: هم المنافقون ~~الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم واليهود والنصارى والصابئون، ~~فكأنه تعالى قال هؤلاء المطلوبون كل من آمن منهم الإيمان الحقيقي صار ~~مؤمنا عند الله، وقيل: إن المراد من قوله إن الذين آمنوا يعني بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم في الحقيقة حين الماضي، ثبتوا على ذلك المستقبل وهو ~~المراد من قوله تعالى: { من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا } أي في ~~إيمانه { فلهم أجرهم عند ربهم } أي جزاء أعمالهم { ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون } أي في الآخرة. # قوله عز وجل: { وإذ أخذنا ميثاقكم } أي عهدكم يا معشر اليهود { ورفعنا ~~فوقكم الطور } يعني الجبل العظيم قال ابن عباس: أمر الله جبلا من جبال ~~فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم وسبب ذلك أن الله تعالى لما ~~أنزل التوراة على موسى، وأمرهم أن يعملوا بأحكامها فأبوا أن يقبلوها لما ~~فيها من الآصار يعني الأثقال والتكاليف الشاقة أمر الله تعالى جبريل عليه ~~السلام، أن يقلع جبلا على قدر عسكرهم وكان قدره فرسخا في فرسخ فرفعه ~~فوق رؤوسهم قدر قامة كالظلة وقيل لهم: إن لم تقبلوا ما في التوراة وإلا ~~أرسلت هذا الجبل عليكم { خذوا } أي قلنا لهم خذوا { ما آتيناكم } أي ما ~~أعطيناكم { بقوة } أي بجد واجتهاد { واذكروا ما فيه } أي ادرسوا ما فيه { ~~لعلكم تتقون } أي لكي تنجوا من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى وإلا ~~رضت رؤوسكم بهذا الجبل فلما رأوا ذلك نازلا بهم قبلوا وسجدوا، وجعلوا ~~يلاحظون الجبل وهم سجود فصار ذلك سنة في سجود اليهود لا يسجدون إلا على ~~أنصاف وجوههم، ويقولون: بهذا السجود رفع عنا العذاب. ### || [2.64-67] # { ثم توليتم } أي أعرضتم { من بعد ذلك } أي من بعد ما قبلتم التوراة { ~~فلولا فضل الله عليكم ورحمته } أي بالإمهال { لكنتم من الخاسرين } أي ~~المغبونين بذهاب الدنيا والعذاب في العقبى. قوله عز وجل: { ولقد علمتم ~~الذين اعتدوا منكم } أي جاوزوا الحد { في السبت } يقال: سبت اليهود لأنهم ~~يعظمونه ms0061 ويقطعون فيه أعمالهم، وأصل السبت القطع. ذكر الإشارة إلى القصة ~~قال العلماء: بالأخبار إنهم كانوا في زمن داود عليه الصلاة والسلام بقرية ~~بأرض أيلة وحرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، فكان إذا دخل يوم السبت ~~لم يبق حوت في البحر إلا اجتمع هناك حتى لا يرى الماء من كثرتها. فإذا ~~مضى السبت تفرقت الحيتان ولزمن قعر البحر فلذلك قوله تعالى: # إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم # [الأعراف: 163] ثم إن الشيطان وسوس إليهم، وقال: إنما نهيتم عن أخذها ~~يوم السبت ولم تنهوا عن أخذها في غيره فعمد رجال منهم فحفروا حياضا ~~كبارا حول البحر، وشرعوا منه إليها أنهارا فإذا كان عشية الجمعة فتحوا ~~تلك الأنهار فيقبل الموج من البحر بالحيتان إلى تلك الحياض فيقعن فيها ~~ولا يقدرن على الخروج منها لعمقها، فإذا كان يوم الأحد أخذوها وقيل: إنهم ~~كانوا ينصبون الشخوص والحبائل يوم الجمعة، ويخرجونها يوم الأحد ففعلوا ~~ذلك زمانا ولم تنزل بهم عقوبة فتجرؤوا على السبت وقالوا ما نرى السبت ~~إلا قد أحل لنا فأخذوا وملحوا وأكلوا وباعوا واشتروا فلما فعلوا ذلك صار ~~أهل القرية ثلاثة أصناف، وكانوا نحو سبعين ألفا، صنف أمسك عن الصيد ونهى ~~عن الاصطياد، وصنف أمسك ولم ينه وصنف انهمكوا في الذنب وهتكوا الحرمة ~~وكان الصنف الناهون اثني عشر ألفا، فلما أبى المجرمون قبول نصيحتهم ~~قالوا: والله لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بينهم بجدار فغيروا ~~على ذلك سنين، ثم لعنهم داود وغضب الله عليهم لإصرارهم على المعصية فخرج ~~الناهون ذات يوم من بابهم ولم يخرج من المجرمين أحد، ولم يفتحوا الباب ~~فلما أبطؤوا تسوروا عليهم الجدار فإذا هم جميع قردة لهم أذناب وهم ~~تتعاوون، وقيل: صار الشباب قردة والشيوخ خنازير فمكثوا ثلاثة أيام ثم ~~هلكوا ولم يمكث مسخ فوق ثلاث ولم يتولدوا. قال الله عز وجل: { فقلنا لهم ~~كونوا قردة خاسئين } أمر تحويل وتكوين، ومعنى خاسئين مبعدين مطرودين وقيل ~~فيه تقديم وتأخير معناه كونوا خاسئين قردة ولهذا لم ms0062 يقل خاسئات { ~~فجعلناها } يعني عقوبتهم بالمسخ { نكالا } أي عقوبة وعبرة { لما بين ~~يديها وما خلفها } قيل: معناه عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لمن بعدهم ~~وقيل: جعلنا عقوبة قرية أصحاب السبت عبرة لمن بين يديها من القرى التي ~~كانت عامرة في الحال وما خلفها أي. # ما يحدث بعدها من القرى ليتعظوا بذلك وقوله عز وجل: { وموعظة للمتقين } ~~أي المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لئلا يفعلوا مثل فعلهم. قوله ~~عز وجل: { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } البقرة ~~واحدة البقر وهي الأنثى وأصلها البقر وهو الشق سميت بذلك لأنها تشق الأرض ~~للحراثة. ذكر الإشارة إلى القصة في ذلك قال علماء السير والأخبار: إنه ~~كان زمن بني إسرائيل رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له سواه فلما طال ~~عليه موته قتله ليرثه وحمله إلى قرية أخرى، وألقاه على بابها ثم أصبح ~~يطلب ثأره وجاء بناس إلى موسى يدعي عليهم بالقتل، فجحدوا واشتبه أمر ~~القتيل على موسى عليه الصلاة والسلام. فسألوا موسى أن يدعو الله ليبين ~~لهم ما أشكل عليم، فسأل موسى ربه في ذلك فأمره بذبح بقرة، وأمره أن يضربه ~~ببعضها فقال لهم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة { قالوا أتتخذنا هزوا } ~~أي نحن نسألك أمر القتيل، وأنت تستهزئ بنا وتأمرنا بذبح بقرة وإنما قالوا ~~ذلك لبعد ما بين الأمرين في الظاهر، ولم يعلموا ما وجه الحكمة فيه { قال ~~} يعني موسى { أعوذ بالله } أي أمتنع بالله { أن أكون من الجاهلين } أي ~~المستهزئين بالمؤمنين وقيل: من الجاهلين بالجواب لا على وفق السؤال فلما ~~علموا أن ذبح البقرة عزم من الله تعالى استوصفوه إياها ولو أنهم عمدوا ~~إلى أي بقرة كانت فذبحوها لأجزأت عنهم ولكن شددوا فشدد عليهم وكان في ذلك ~~حكمة الله عز وجل، وذلك أنه كان رجل صالح في بني إسرائيل، وله ابن طفل ~~وله عجلة فأتى بها غيضة وقال: اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى ~~يكبر ومات ذلك الرجل، وصارت العجلة ms0063 في الغيضة عوانا وكانت تهرب من ~~الناس، فلما كبر ذلك الطفل، وكان بارا بأمه وكان يقسم ليله ثلاثة أجزاء ~~يصلي ثلثا وينام ثلثا، ويجلس عند رأس أمه ثلثا فإذا أصبح انطلق فيحتطب ~~ويأتي به السوق فيبيعه بما يشاء الله فيتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطي أمه ~~ثلثه، فقالت له أمه يوما: يا بني إن أباك ورثك عجلة استودعها الله في ~~غيضة كذا فانطلق وادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق أن يردها عليك ~~وعلامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، ~~وكانت تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها، فأتى الفتى غيضة فرآها ترعى فصاح بها ~~وقال أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، فأقبلت البقرة حتى وقفت ~~بين يديه فقبض على قرنها يقودها فتكلمت البقرة بإذن الله تعالى، قالت: ~~أيها الفتى البار بأمه اركبني فإنه أهون عليك. فقال الفتى: إن أمي لم ~~تأمرني بذلك فقالت البقرة والله لو ركبتني ما كنت تقدر علي أبدا فانطلق ~~فإنك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله لانقلع لبرك بأمك فسار الفتى بها ~~إلى أمه فقالت له أمه: إنك رجل فقير ولا مال لك ويشق عليك الاحتطاب ~~بالنهار والقيام بالليل فانطلق فبع البقرة، فقال: بكم أبيعها قالت: ~~بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي وكان ثمن البقرة ثلاثة دنانير فانطلق ~~بها الفتى إلى السوق، وبعث الله ملكا ليرى خلقه قدرته، وليختبر الفتى ~~كيف بره بأمه، وهو أعلم فقاله له الملك: بكم هذه البقرة؟ قال بثلاثة ~~دنانير، وأشترط عليك رضى أمي فقاله له الملك: لك ستة دنانير ولا تستأمر ~~أمك فقال له الفتى لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلا برضا أمي. # ورجع الفتى إلى أمه فأخبرها بالثمن فقالت له: ارجع فبعها بستة دنانير ~~ولا تبعها إلا برضاي فرجع بها إلى السوق وأتى الملك فقال له: استأمرت أمك ~~فقال الفتى: نعم. إنها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة على رضاها. فقال ~~الملك: إني أعطيتك اثني عشر دينارا ولا تستأمرها فأبى الفتى ورجع إلى ~~أمه فأخبرها بذلك فقالت ms0064 له أمه: إن الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ليجربك، ~~فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا ففعل فقال له الملك: ~~اذهب إلى أمك فقل لها أمسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران يشتريها منك ~~لقتيل يقتل في بني إسرائيل، فلا تبعها إلا بملء مسكها ذهبا والمسك الجلد ~~فأمسكتها وقدر الله على بني إسرائيل ذبح البقرة بعينها، فما زالوا ~~يستوصفون البقرة حتى وصفت لهم تلك البقرة بعينها مكافأة بذلك الفتى على ~~بره بأمه فضلا من الله تعالى ورحمة. ### || [2.68-71] # قوله تعالى { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } أي ما سنها { قال } ~~يعني موسى { إنه يقول } يعني الله عز وجل: { إنها بقرة لا فارض ولا بكر } ~~أي لا كبيرة ولا صغيرة والفارض المسنة التي لم تلد، والبكر الفتية التي ~~لم تلد { عوان } أي نصف { بين ذلك } أي بين السنين { فافعلوا ما تؤمرون } ~~أي من ذبح البقرة ولا تكثروا السؤال { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها } قال ابن عباس شديد ~~الصفرة وقيل: لونها صاف وقيل الصفراء السوداء والأول أصح لأنه يقال أصفر ~~فاقع وأسود حالك { تسر الناظرين } أي يعجبهم حسنها وصفاء لونها { قالوا ~~ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } أي سائمة أو عاملة { إن البقر تشابه علينا ~~} أي التبس واشتبه أمرها علينا { وإنا إن شاء الله لمهتدون } أي إلى ~~وصفها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " وايم الله لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الدهر " # { قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول } أي ليست مذللة بالعمل { تثير الأرض ~~} أي تقلبها للزراعة { ولا تسقي الحرث } أي ليست بسنانية والسانية هي ~~التي تستسقي الماء من البئر لسقي الأرض { مسلمة } أي بريئة من العيوب { ~~لا شية فيها } أي لا لون فيها غير لونها { قالوا الآن جئت بالحق } أي ~~بالبيان التام الذي لا إشكال فيه فطلبوها فلم يجدوا بقرة بكمال وصفها، ~~إلا بقرة ذلك الفتى فاشتروها منه ms0065 بملء مسكها ذهبا { فذبحوها وما كادوا ~~يفعلون } أي وما قاربوا أن يفعلوا ما أمروا به، قيل لغلاء ثمنها وقيل: ~~لخوف الفضيحة وقيل: لعزة وجودها بهذه الأوصاف جميعا. ### || [2.72-74] # قوله عز وجل: { وإذ قتلتم نفسا } خوطبت الجماعة بذلك لوجود القتل فيهم ~~{ فادارأتم فيها } قال ابن عباس أي اختلفتم واختصمتم من الدرء وهو الدفع ~~لأن المتخاصمين يدفع بعضهم بعضا { والله مخرج ما كنتم تكتمون } أي مظهر ~~ما كنتم من أمر القتيل لا محالة ولا يتركه مكتوبا { فقلنا اضربوه } يعني ~~القتيل { ببعضها } أي ببعض البقرة قال ابن عباس ضربوه بالعظم الذي يلي ~~الغضروف، وهو أصل الأذن وقيل: ضربوه بلسانها وقيل: بعجب الذنب وقيل: ~~بفخذها اليمين والأقرب أنهم كانوا مخيرين في ذلك البعض وإنهم إذا ضربوه ~~بأي جزء منها أجزأ وحصل المقصود وإنه ليس في القرآن ما يدل على ذلك البعض ~~ما هو. وذلك يقتضي التخيير وفي الآية إضمار تقديره فضربوه فحيي وقام بإذن ~~الله تعالى، وأوداجه تشخب دما وقال قتلني فلان يعني ابن عمه ثم سقط ~~ميتا مكانه. فحرم قاتله الميراث وفي الخبر ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة ~~{ كذلك } أي كما أحيا الله عاميل صاحب البقرة { يحيي الله الموتى } يعني ~~يوم القيامة { ويريكم آياته لعلكم تعقلون } أي تمنعون أنفسكم عن المعاصي. ~~فإن قلت كان حق القصة أن يقدم ذكر القتيل أولا، ثم ذكر ذبح البقرة بعد ~~ذلك. فما وجه ترتيب هذه القصة على هذا الترتيب؟ قلت: وجهه أن الله لما ~~ذكر من قصص بني إسرائيل وما وجد من خياناتهم تقريعا لهم على ذلك وما وجد ~~فيهم من الآيات العظيمة، وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من ~~التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين في نفس الأمر، فالأولى لتقريعهم على ~~ترك المسارعة إلى امتثال الأمر وما يتبعه والثانية لتقريعهم على قتل ~~النفس المحرمة فلو قدم قصة القتيل على قصة الذبح لكانت قصة واحدة ولذهب ~~الغرض من تثنية التقريع، فلهذا قدم ذكر الذبح أولا ثم عقبه بذكر القتل. ~~فإن قلت ما فائدة ضرب القتيل ببعض ms0066 البقرة والله تعالى قادر على أن يحييه ~~ابتداء من غير ضرب بشيء؟ قلت: الفائدة فيه أن تكون الحجة أوكد وعن الحيلة ~~أبعد لاحتمال أن يتوهم متوهم أن موسى عليه السلام، إنما أحياه بضرب من ~~السحر والحيلة فإذا أحيي القتيل، عندما ضرب ببعض البقرة انتفت الشبهة، ~~وعلم أن ذلك من عند الله تعالى وبأمره كان ذلك. فإن قلت: هلا أمروا بذبح ~~غير البقرة؟ قلت: الكلام في غير البقرة لو أمروا به كالكلام في البقرة ثم ~~في ذبح البقرة فوائد منها التقرب بالقرآن على ما كانت العادة جارية ~~عندهم، ومنها أن هذا القربان كان عندهم من أعظم القرابين ومنها تحمل ~~المشقة العظيمة في تحصيلها بتلك الصفة ومنها حصول ذلك المال العظيم الذي ~~أخذه صاحبها من ثمنها. # فصل: في حكم هذه المسألة في شريعة الإسلام إذا وقعت وذلك أن: إذا وجد ~~قتيل في موضع، ولا يعرف قاتله فإن كان ثم لوث على إنسان ادعى به. واللوه ~~أن يغلب على الظن صدق المدعى بأن اجتمع جماعة في بيت أو صحراء ثم تفرقوا ~~عن قتيل فيغلب على الظن أن القاتل فيهم أو وجد قتيل في محلة أو قرية ~~وكلهم أعداء القتيل لا يخالطهم غيرهم، فيغلب على الظن أنهم قتلوه فإن ~~ادعى الولي على بعضهم حلف خمسين يمينا على من يدعي عليه، وإن كان ~~الأولياء جماعة توزع الإيمان عليهم فإذا حلفوا أخذوا الدية من عاقلة ~~المدعى عليه، إن ادعوا قتل خطأ، وإن ادعوا قتل عمد فمن مال المدعى عليه ~~ولا قود عليه في قول الأكثرين، وذهب عمر بن عبدالعزيز إلى وجوب القود وبه ~~قال مالك وأحمد فإن لم يكن ثم لوث فالقول قول المدعي عليه لأن الأصل ~~براءة ذمته من القتل وهل يحلف يمينا واحدا أم خمسين يمينا؟ فيه قولان: ~~أحدهما: أنه يحلف يمينا واحدة كما في سائر الدعاوى. والثاني: أنه يحلف ~~خمسين يمينا تغليظا لأمر القتيل، وعند أبي حنيفة لا حكم للوث ولا يبدأ ~~بيمين المدعي بل إذا وجد قتيل في محله، يختار الإمام خمسين ms0067 رجلا من ~~صلحاء أهلها فيحلفهم أنهم ما قتلوه ولا يعرفون له قاتلا، فإن حلفوا وإلا ~~أخذ الدية من سكانها. والدليل على أن البداءة بيمين المدعي عند وجود ~~اللوث. ما روى عن سهل بن أبي خيثمة قال: # " انطلق عبدالله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خبير وهي يومئذ صلح فتفرقا ~~فأتى محيصة إلى عبدالله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا فدفنه. ثم قدم ~~المدينة فانطلق عبدالرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فذهب عبدالرحمن يتكلم فقال رسول الله صلى الله عليه: " ~~كبر كبر، وهو أحدث القوم سنا " فسكت، فتكلما فقال أتحلفون وتستحقون ~~قاتلكم أو قال صاحبكم قالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: فتبرئكم ~~يهود بأيمان خمسين منهم قالوا: كيف نأخذ بأيمان قوم كفار فعقله النبي صلى ~~الله عليه وسلم من عنده " # وفي رواية # " يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته وذكر نحوه وزاد في رواية ~~فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه، فوداه بمائة من إبل ~~الصدقة " # أخرجاه في الصحيحين، ووجه الدليل من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بدأ بأيمان المدعين ليقوى جانبهم باللوث لأن اليمين أبدا تكون لمن ~~يقوى جانبه وعند عدم اللوث تكون من جانب المدعى عليه من حيث إن الأصل ~~براءة ذمته، فكان القول قوله مع يمينه والله أعلم. # قوله عز وجل: { ثم قست قلوبكم } أي يبست وجفت وقساوة القلب انتزاع ~~الرحمة منه، وقيل معناه غلظت واسودت { من بعد ذلك } أي من بعد ظهور ~~الدلالات التي جاء بها موسى، وقيل: هي إشارة إلى إحياء القتيل بعد ضربه ~~ببعض البقرة { فهي } يعني القلوب في الغلظ والشدة { كالحجارة } أي كالشيء ~~الصلب الذي لا تخلخل فيه { أو } قيل: أو بمعنى بل وقيل بمعنى الواو أي و ~~{ أشد قسوة } فإن قلت: لم شبه قلوبهم بالحجارة ولم يشبهها بالحديد وهو ~~أشد من الحجارة وأصلب. قلت: لأن الحديد قابل للين بالنار وقد لان لداود ~~عليه الصلاة والسلام والحجارة ms0068 ليست قابلة للين فلا تلين قط. ثم فضل ~~الحجارة على القلب القاسي فقال { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار } ~~قيل: أراد به جميع الحجارة وقيل أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى ~~ليسقي الأسباط والتفجير التفتح بالسعة والكثرة { وإن منها لما يشقق فيخرج ~~منه الماء } يعني العيون الصغار التي دون الأنهار { وإن منها لما يهبط من ~~خشية الله } أي ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله، وخشيتها عبارة عن انقيادها ~~لأمر الله وأنها لا تمتنع عما يريد منها، وقلوبكم يا معشر اليهود لا تلين ~~ولا تخشع. فإن قلت: الحجر جماد لا يعقل ولا يفهم فكيف يخشى؟ قلت: إن الله ~~تعالى قادر على إفهام الحجر والجمادات فتعقل وتخشى بإلهامه لها، ومذهب ~~أهل السنة إن الله تعالى أودع في الجمادات والحيوانات، علما وحكمة لا ~~يقف عليهما غيره فلها صلاة وتسبيح وخشية يدل عليه قوله: # وإن من شيء إلا يسبح الله بحمده # [الإسراء: 44] وقال تعالى: # والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه # [النور: 41] فيجب على المرء الإيمان به وبكل علمه إلى الله تعالى م عن ~~جابر بن سمرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، وإني لأعرفه الآن " # عن علي قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا إلى بعض ~~نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول السلام عليكم يا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، أخرجه الترمذي. وقال حديث غريب خ عن جابر بن عبدالله ~~قال " كان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جذع في قبلته يقوم إليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته فلما وضع المنبر سمعنا للجذع ~~حنينا مثل صوت العشار حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده ~~عليه، وفي رواية: صاحت النخلة صياح الصبي فنزل صلى الله عليه وسلم حتى ~~أخذها فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي لا يسكت حتى استقرت. قال: ~~بكت على ms0069 ما كانت تسمع من الذكر " قال مجاهد: ما ينزل حجر من أعلى إلى ~~أسفل إلا من خشية الله وذلك يشهد لما قلنا { وما الله بغافل عما تعملون } ~~فيه وعيد وتهديد والمعنى أن الله بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ ~~لأعمالهم حتى يجازيهم بها في الآخرة. ### || [2.75-76] # قوله عز وجل: { أفتطمعون } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه هو ~~الداعي إلى الإيمان وإنما ذكره بلفظ الجمع تعظيما له، وقيل: هو خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأنهم كانوا يدعونهم إلى الإيمان أيضا ~~ومعنى أفتطمعون أفترجعون { أن يؤمنوا لكم } أي يصدقكم اليهود بما ~~تخبرونهم وقيل: معناه أفتطمعون أن يؤمنوا لكم مع أنهم لم يؤمنوا بموسى ~~عليه الصلاة والسلام وكان هو سبب في خلاصهم من الذل وظهور المعجزات على ~~يده { وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله } قيل المراد بالفريق: هم ~~الذين كانوا مع موسى يوم الميقات، وهم الذين سمعوا كلام الله تعالى، وقيل ~~المراد بهم: الذي كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الأقرب لأن ~~الضمير راجع إليهم في أفتطمعون أن يؤمنوا لكم، فعلى هذا يكون معنى يسمعون ~~كلام الله يعني التوراة، لأنه يصح أن يقال لمن يسمع التوراة يسمع كلام ~~الله { ثم يحرفونه } أي يغيرون كلام الله، ويبدلونه فمن فسر الفريق الذين ~~يسمعون كلام الله بالفريق الذين كانوا مع موسى عليه السلام استدل بقول ~~ابن عباس رضي الله عنهما إنها نزلت في السبعين الذين اختارهم موسى لميقات ~~ربه، وذلك لأنهم لما رجعوا إلى قومهم بعد ما سمعوا كلام الله أما ~~الصادقون منهم فإنهم أدوا كما سمعوا وقالت طائفة منهم: سمعنا الله يقول ~~في آخر كلامه إن استطعتم أن تفعلوا فافعلوا وإن شئتم فلن تفعلوا، فكان ~~هذا تحريفهم ومن فسر الفريق الذين كانوا يسمعون كلام الله بالذين كانوا ~~في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان تحريفهم تبديلهم صفة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة { من بعد ما عقلوه } أي علموا صحة ~~كلام الله ومراده فيه ms0070 ثم مع ذلك خالفوه { وهم يعلمون } أي فساد مخالفته ~~ويعلمون أيضا أنهم كاذبون. قوله عز وجل { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا ~~آمنا } نزلت هذا الآية في اليهود، الذين كانوا في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن منافقي اليهود كانوا إذا لقوا ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لهم: آمنا بالذي آمنتم به وإن ~~صاحبكم صادق وقوله حق وإنا نجد نعته وصفته في كتابنا { وإذا خلا بعضهم ~~إلى بعض } يعني كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب بن يهودا ورؤساء اليهود ~~لاموا منافقي اليهود على ذلك و { قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم } ~~يعني قص الله عليكم في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه حق ~~وقوله صدق { ليحاجوكم به } أي ليخاصمكم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~ويحتجوا عليكم بقولكم فيقولون لكم قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم لم لا ~~تتبعونه، وذلك أن اليهود قالوا لأهل المدينة حين شاوروهم في إتباع محمد ~~صلى الله عليه وسلم: آمنوا به فإنه نبي حق ثم لام بعضهم بعضا، وقالوا: ~~أتحدثونهم بما فتح الله عليكم لتكون لهم الحجة عليكم { عند ربكم } أي في ~~الدنيا والآخرة وقيل: هو قول يهود بني قريظة بعضهم لبعض. # حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: يا إخوان القردة والخنازير. ~~قالوا: من أخبر محمدا بهذا؟ هذا ما خرج إلا منكم وقيل: إن اليهود أخبروا ~~المؤمنين بما عذبهم الله به من الجنايات. فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما ~~قضى الله عليكم من العذاب ليروا الكرامة لأنفسهم عليكم عند الله { أفلا ~~تعقلون } أي إن ذلك لا يليق بما أنتم عليه. ### || [2.77-79] # { أولا يعلمون } يعني اليهود { أن الله يعلم ما يسرون } أي ما يخفون { ~~وما يعلنون } أي ما يبدون وما يظهرون. قوله عز وجل: { ومنهم } أي من ~~اليهود { أميون } أي لا يحسنون الكتابة ولا القراءة جمع أمي وهو المنسوب ~~إلى أمه كأنه باق على ما انفصل من الأم لم يتعلم كتابة ms0071 ولا قراءة { لا ~~يعلمون الكتاب إلا أماني } جمع أمنية وهي التلاوة، ومنه قول الشاعر: # تمنى كتاب الله أول ليلة تمنى داود الزبور على رسل # أي تلا كتاب الله. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه غير عارفين ~~بمعاني كتاب الله تعالى وقيل الأماني الأحاديث الكاذبة المختلفة وهي ~~الأشياء التي كتبها علماؤهم من عند أنفسهم وأضافوها إلى الله تعالى وذلك ~~من تغيير نعت النبي صلى الله عليه وسلم وصفته وغير ذلك، وقيل: هو من ~~التمني وهو قولهم: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80] وغير ذلك مما تمنوه فعلى هذا يكون المعنى لا يعلمون ~~الكتاب. لكن يتمنون أشياء لا تحصل لهم { وإن هم إلا يظنون } أي على يقين ~~{ فويل } الويل كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة وأصلها في اللغة ~~العذاب والهلاك وقال ابن عباس: الويل شدة العذاب وعن أبي سعيد الخدري. ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. الخريف سنة { للذين يكتبون الكتاب ~~بأيديهم } تأكيد للكتابة لأنه يحتمل أن يأمر غيره بأن يكتب فقال: بأيديهم ~~لنفي هذه الشبهة والمراد بالذين يكتبون الكتاب اليهود وذلك أن رؤساء ~~اليهود خافوا ذهاب مآكلهم وزوال رياستهم حين قدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم المدينة فاحتالوا في تعويق سفلتهم عن الإيمان به فعمدوا إلى صفته في ~~التوراة فغيروها، وكانت صفته فيها حسن الوجه حسن الشعر أكحل العينين ربعة ~~فغيروا وكتبوا مكانه طوال أزرق العينين سبط الشعر فكانوا إذا سألهم ~~سفلتهم عن ذلك قرأوا عليهم ما كتبوا { ثم يقولون هذا من عند الله } يعني ~~هذه الصفة التي كتبوها. فإذا نظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى ~~تلك وجدوه مخالفا لها فيكذبونه ويقولون إنه ليس به { ليشتروا به } أي ~~بما كتبوا { ثمنا قليلا } أي المآكل والرشا التي كانوا يأخذونها من ~~سفلتهم، قال الله تعالى: { فويل لهم بما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ~~}. ### || [2.80-81] # قوله عز ms0072 وجل: { وقالوا } أي اليهود { لن تمسنا } أي لن تصيبنا { النار ~~إلا أياما معدودة } أي قدر مقدرا ثم يزول عنا العذاب قال ابن عباس: ~~قالت اليهود: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنا نعذب بكل ألف سنة يوما ثم ~~ينقطع عنا العذاب بعد سبعة أيام وقيل: إنهم عنوا بالأيام الأربعين يوما ~~التي عبدوا فيها العجل وقيل: إن اليهود زعموا أن الله تعالى عتب عليهم في ~~أمر فأقسم ليعذبنهم أربعين يوما تحلة القسم فقال الله ردا عليهم ~~وتكذيبا لهم { قل } أي يا محمد لليهود { أتخذتم عند الله عهدا } أي ~~موثقا أن لا يعذبكم إلا هذه المدة { فلن يخلف الله عهده } أي وعده { أم ~~تقولون على الله ما لا تعلمون بلى } إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله: ~~لن تمسنا النار والمعنى بلى تمسكم النار أبدا { من كسب سيئة } السيئة ~~اسم يتناول جميع المعاصي كبيرة كانت أو صغيرة، والسيئة هنا الشرك في قول ~~ابن عباس { وأحاطت به خطيئته } أي أحدقت به من جميع جوانبه قال ابن عباس: ~~هي الشرك يموت عليه صاحبه وقيل: أحاطت به أي أهلكته خطيئته وأحبطت ثواب ~~طاعته فعلى مذهب أهل السنة يتعين تفسير السيئة والخطيئة في هذه الآية، ~~بالكفر والشرك لقوله تعالى: { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } فإن ~~الخلود في النار هو للكفار والمشركين. ### || [2.82-84] # { والذين آمنوا وعملوا الصالحات }. فإن قلت: العمل الصالح خارج عن اسم ~~الإيمان لأنه تعالى قال: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } فلو دل ~~الإيمان على العمل الصالح لكان ذكر العمل الصالح بعد الإيمان تكرارا. ~~قلت: أجاب بعضهم بأن الإيمان وإن كان يدخل فيه جميع الأعمال الصالحة إلا ~~أن قوله: آمن لا يفيد إلا أنه فعل فعلا واحدا من أفعال الإيمان فإذا ~~حسن أن يقول: والذين آمنوا وعملوا الصالحات وقيل: إن قوله آمنوا يفيد ~~الماضي وعملوا الصالحات يفيد المستقبل فكأنه تعالى قال آمنوا أولا ثم ~~داوموا عليه آخرا ويدخل فيه جميع الأعمال الصالحات { أولئك أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون } قوله عز وجل: { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ms0073 } يعني في ~~التوراة. والميثاق العهد الشديد { لا تعبدون إلا الله } أي أمر الله ~~تعالى بعبادته فيدخل تحته النهي عن عبادة غيره لأن الله تعالى هو المستحق ~~للعبادة لا غيره { وبالوالدين إحسانا } أي برا بهما ورحمة لهما ونزولا ~~عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله تعالى ويوصل إليهما ما يحتاجان إليه، ~~ولا يؤذيهما البتة وإن كانا كافرين بل يجب عليه الإحسان إليهما ومن ~~الإحسان إليهما أن يدعوهما إلى الإيمان بالرفق واللين، وكذا إن كانا ~~فاسقين يأمرهما بالمعروف بالرفق، واللين من غير عنف وإنما عطف بر ~~الوالدين على الأمر بعبادته، لأن شكر المنعم واجب، ولله على عبده أعظم ~~النعم لأنه هو الذي خلقه وأوجده بعد العدم فيجب تقديم شكره على شكر غيره، ~~ثم إن للوالدين على الولد نعمة عظيمة، لأنهما السبب في كون الولد ووجوده ~~ثم إن لهما عليه حق التربية أيضا فيجب شكرهما ثانيا { وذي القربى } أي ~~القرابة لأن حق القرابة تابع لحق الوالدين والإحسان إليهم: إنما هو ~~بواسطة الوالدين فلهذا حسن عطف القرابة على الوالدين { واليتامى } جمع ~~يتيم وهو الذي مات أبوه وهو طفل صغير، فإذا بلغ الحلم زال عنه اليتم وتجب ~~رعاية حقوق اليتيم لثلاثة أمور: لصغره ويتمه ولخلوه عمن يقوم بمصلحته، إذ ~~لا يقدر هو أن ينتفع بنفسه، ولا يقوم بحوائجه { والمساكين } جمع مسكين ~~وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وإنما تأخرت درجة المساكين عن اليتامى، ~~لأنه قد يمكن أن ينتفع بنفسه وينفع غيره بالخدمة { وقولوا للناس حسنا } ~~فيه وجهان: أحدهما: أنه خطاب للحاضرين من اليهود في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلهذا عدل من الغيبة إلى الحضور، والمعنى قولوا: حقا وصدقا ~~في شأن محمد صلى الله عليه وسلم فمن سألكم عنه فأصدقوه وبينوا صفته ولا ~~تكتموها قاله ابن عباس. الوجه الثاني إن المخاطبين به هم الذين كانوا في ~~زمن موسى عليه السلام، وأخذ عليهم الميثاق وإنما عدل من الغيبة إلى ~~الحضور على طريق الالتفات كقوله: { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم } ~~وقيل: فيه حذف تقديره ms0074 وقلنا لهم: في الميثاق وقولوا: للناس حسنا ومعناه ~~مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر وقيل هو اللين في القول والعشرة وحسن ~~الخلق { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ولما أمرهم الله تعالى بهذه ~~التكاليف الثمانية لتكون لهم المنزلة عنده بما التزموا به أخبر عنهم أنهم ~~ما وفوا بذلك بقوله تعالى: { ثم توليتم } أي أعرضتم عن العهد { إلا ~~قليلا منكم } يعني من الذين آمنوا كعبدالله بن سلام وأصحابه فإنهم وفوا ~~بالعهد { وأنتم معرضون } أي كإعراض آبائكم. # قوله عز وجل: { وإذ أخذنا ميثاقكم } قيل: هو خطاب لمن كان في زمن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من اليهود وقيل: هو خطاب لآبائهم وفيه تقريع لهم { لا ~~تسفكون } أي لا تريقون { دماءكم } أي لا يسفك بعضكم دم بعض وقيل: معناه ~~لا تسفكوا دماء غيركم فيسفك دماءكم فكأنكم أنتم سفكتم دماء أنفسكم { ولا ~~تخرجون أنفسكم من دياركم } أي لا يخرج بعضكم بعضا من داره، وقيل: لا ~~تفعلوا شيئا فتخرجوا بسببه من دياركم { ثم أقررتم } أي بهذا العهد أنه ~~حق { وأنتم تشهدون } يعني أنتم يا معشر اليهود اليوم تشهدون على ذلك. ### || [2.85] # { ثم أنتم هؤلاء } يعني يا هؤلاء اليهود { تقتلون أنفسكم } أي يقتل ~~بعضكم بعضا { وتخرجون فريقا منكم من دياركم } أي يخرج بعضكم بعضا من ~~ديارهم { تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان } أي تتعاونون عليهم بالمعصية ~~والظلم { وإن يأتوكم أسارى } جمع أسير { تفادوهم } أي بالمال وهو ~~استنقاذهم بالشراء، وقرئ تفادوهم أي تبادلوهم وهو مفاداة الأسير بالأسير، ~~ومعنى الآية أن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة ان لا يقتل ~~بعضهم بعضا. ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم وأيما عبد أو أمة من بني ~~إسرائيل وجدتموه فاشتروه بما قام من ثمنه، وأعتقوه وكانت قريظة حلفاء ~~الأوس والنضير حلفاء الخزرج، وكان بين الأوس والخزرج حروب فكانت بنو ~~النضير تقاتل مع حلفائهم وبنو قريظة تقاتل مع حلفائهم فإذا غلب أحد ~~الفريقين أخرجوهم من ديارهم وخربوها. وكان إذا أسر رجل من الفريقين جمعوا ~~له مالا يفدونه به فعيرتهم العرب. وقالوا: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟ ms0075 ~~فقالوا: إنا أمرنا أن نفديهم فقالوا: كيف تقاتلونهم؟ فقالوا: إنا نستحي ~~أن تذل حلفاؤنا فعيرهم الله تعالى فقال: { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } ~~وفي الآية تقديم وتأخير تقديره وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون ~~عليهم بالإثم والعدوان { وهو محرم عليكم إخراجهم } وإن يأتوكم أسارى ~~تفدوهم فكان الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود ترك القتل وترك الإخراج ~~وترك المظاهر مع أعدائهم وفك أسراهم فأعرضوا عن الكل إلا الفداء قال الله ~~عز وجل: { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } معناه إن وجدتموهم في يد ~~غيركم فديتموهم وأنتم تقتلونهم بأيديكم فكان إيمانهم الفداء وكفرهم قتل ~~بعضهم بعضا فذمهم على مناقضة أفعالهم لا على الفداء لأنهم أتوا ببعض ما ~~وجب عليهم وتركوا البعض { فما جزاء من يفعل ذلك منكم } يعني يا معشر ~~اليهود { إلا خزي في الحياة الدنيا } أي عذاب وهوان فكان خزي بني قريظة ~~القتل والسبي وخزي بني النضير الإجلاء والنفي من منازلهم إلى أريحاء ~~وأذرعات من أرض الشام { ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } يعني عذاب ~~النار { وما الله بغافل عما تعملون } فيه وعيد وتهديد عظيم. ### || [2.86-88] # { أولئك الذين اشتروا } أي استبدلوا { الحياة الدنيا بالآخرة } لأن ~~الجمع بين لذات الدنيا والآخرة غير ممكن فمن اشتغل بتحصيل لذات الدنيا ~~فاتته لذات الآخرة { فلا يخفف عنهم العذاب } أي فلا يهون عليهم { ولا هم ~~ينصرون } أي ولا يمنعون من عذاب الله تعالى. قوله عز وجل: { ولقد آتينا } ~~أي أعطينا { موسى الكتاب } يعني التوراة جملة واحدة { وقفينا } أي ~~وأتبعنا من التقفية وهو أن يقفو أثر الآخر { من بعده بالرسل } يعني ~~رسولا بعد رسول وكانت الرسل بعد موسى إلى زمن عيسى عليهم السلام متواترة ~~يظهر بعضهم في أثر بعض، والشريعة واحدة: قيل إن الرسل بعد موسى يوشع بن ~~نون وأشمويل وداود وسليمان وأرمياء وحزقيل وإلياس ويونس وزكريا ويحيى ~~وغيرهم، وكانوا يحكمون بشريعة موسى إلى أن بعث الله تعالى عيسى عليه ~~السلام فجاءهم بشريعة جديدة، وغير بعض أحكام التوراة فذلك قوله تعالى: { ~~وآتينا عيسى ابن مريم البينات } اي الدلالات ms0076 الواضحات وهي المعجزات من ~~إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وقيل هي الإنجيل. واسم عيسى ~~بالسريانية أيشرع ومريم بمعنى الخادم وقيل هو اسم علم لها كزيد من الرجال ~~{ وأيدناه } أي وقويناه { بروح القدس } قيل: أراد بالروح الذي نفخ فيه ~~والقدس هو الله تعالى وأضاف روح عيسى إليه تشريفا وتكريما وتخصيصا له ~~كما تقول عبدالله وأمة الله وبيت الله وناقة الله وقال ابن عباس هو اسم ~~الله الأعظم الذي كان عيسى يحيي به الموتى وقيل هو الإنجيل لأنه حياة ~~القلوب سماه روحا كما سمى القرآن روحا وقيل هو جبريل ووصف بالقدس وهو ~~الطهارة لأنه لم يقترف ذنبا قط وقيل القدس هو الله تعالى والروح جبريل ~~كما تقول عبدالله، سمي جبريل روحا للطافته لأنه روحاني خلق من النور ~~وقيل سمى روحا لمكانه من الوحي الذي هو سبب حياة القلوب وحمل روح القدس ~~هنا على جبريل أولى لأنه تعالى قال وأيدناه أي قويناه بجبريل وذلك أنه ~~أمر أن يكون مع عيسى ويسير معه حيث سار فلم يفارقه حتى صعد به إلى السماء ~~فلما سمعت اليهود بذكر عيسى قالوا يا محمد لا مثل عيسى كما تزعم علمت ولا ~~كما يقص علينا من أخبار الأنبياء فعلت فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت ~~صادقا قال الله تعالى: { أفكلما جاءكم } يعني يا معشر اليهود { رسول بما ~~لا تهوى } تقبل { أنفسكم استكبرتم } أي تعظمتم عن الإيمان به { ففريقا ~~كذبتم } يعني مثل عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم { وفريقا تقتلون } يعني ~~مثل زكريا ويحيى وسائر من قتلوه، وذلك أن اليهود كانوا إذا جاءهم رسول ~~بما لا يهوون كذبوه فإن تهيأ لهم قتله قتلوه وإنما كانوا كذلك لإرادتهم ~~الدنيا وطلب الرياسة { وقالوا } يعني اليهود { قلوبنا غلف } جمع أغلف وهو ~~الذي عليه غشاوة فلا يعي ولا يفقه. # قال ابن عباس غلف بضم اللام جمع غلاف والمعنى أن قلوبنا أوعية للعلم فلا ~~تحتاج إلى علمك وقيل أوعية من الوعي لا تسمع حديثا إلى وعته إلا حديثك ~~فإنها لا تعيه ولا تعقله ولو ms0077 كان خيرا لفهمته ووعته قال الله تعالى: { ~~بل لعنهم الله بكفرهم } أي طردهم وأبعدهم من كل خير. وسبب كفرهم أنهم ~~اعترفوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ثم إنهم أنكروه وجحدوه فلهذا ~~لعنهم الله تعالى: { فقليلا ما يؤمنون } أي لم يؤمن منهم إلا قليل لأن ~~من آمن من المشركين كان أكثرهم منهم. ### || [2.89-90] # قوله عز وجل: { ولما جاءهم كتاب من عند الله } يعني القرآن { مصدق لما ~~معهم } يعني التوراة وهذا التصديق في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~لأن نبوته وصفته ثابته في التوراة { وكانوا } يعني اليهود { من قبل } أي ~~من قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم { يستفتحون } أي يستنصرون به { على ~~الذين كفروا } يعني مشركي العرب وذلك أنهم كانوا إذا أحزنهم أمر ودهمهم ~~عدو يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في ~~التوارة فكانوا ينصرون، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان ~~نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم { فما جاءهم ما عرفوا ~~} أي الذي عرفوه يعني محمدا صلى الله عليه وسلم عرفوا نعته وصفته وأنه ~~من غير بني إسرائيل { كفروا به } أي جحدوه وأنكروه بغيا وحسدا { فلعنة ~~الله على الكافرين بئسما اشتروا به أنفسهم } أي بئس شيء اشتروا به أنفسهم ~~حين استبدلوا الباطل بالحق واشتروا بمعنى باعوا والمعنى بئس ما باعوا به ~~حظ أنفسهم { أن يكفروا بما أنزل الله } يعني القرآن { بغيا } أي حسدا { ~~أن ينزل الله من فضله } يعني الكتاب والنبوة { على من يشاء من عباده } ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { فباؤوا } أي فرجعوا { بغضب على غضب } ~~أي مع غضب قال ابن عباس الغضب الأول بتضييعهم التوراة وتبديلها والثاني ~~بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل الأول بكفرهم بعيسى والإنجيل ~~والثاني بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقيل: الأول بعبادتهم العجل ~~والثاني: بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم { وللكافرين } يعني الجاحدين ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم { عذاب مهين } أي يهانون ~~فيه. ### || [2.91-93] ms0078 # { وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله } يعني بالقرآن وقيل: بكل ما أنزل ~~الله { قالوا نؤمن بما أنزل علينا } يعني التوارة وما أنزل على أنبيائهم ~~{ ويكفرون بما وراءه } أي بما سواه من الكتب وقيل: بما بعده يعني الإنجيل ~~والقرآن { وهو الحق } يعني القرآن { مصدقا لما معهم } يعني التوراة { قل ~~} يا محمد { فلم تقتلون أنبياء الله من قبل } إنما أضاف القتل للمخاطبين ~~من اليهود، وإن كان سلفهم قتلوا لأنهم رضوا بفعلهم قيل: إذا عملت المعصية ~~في الأرض فمن كرهها وأنكرها بريء منها، ومن رضيها كان من أهلها { إن كنتم ~~مؤمنين } أي بالتوراة وقد نهيتم فيها عن قتل الأنبياء. قوله عز وجل { ~~ولقد جاءكم موسى بالبينات } أي بالدلالات الواضحة والمعجزات الباهرة { ثم ~~اتخذتم العجل من بعده } أي من بعد موسى لما ذهب إلى الميقات { وأنتم ~~ظالمون } إنما كرره تبكيتا لهم وتأكيدا للحجة عليهم { وإذ أخذنا ~~ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا } أي استجيبوا ~~وأطيعوا أي فيما أمرتم به { قالوا سمعنا } يعني قولك { وعصينا } يعني ~~أمرك وقيل إنهم لم يقولوا بألسنتهم، ولكن لما سمعوه وتلقوه تلقوه ~~بالعصيان فنسب ذلك إليهم { وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم } أي تداخل ~~حبه في قلوبهم والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ في الثوب. وقيل: إن ~~موسى أمر أن يبرد العجل ويذرى في النهر وأمرهم أن يشربوا منه فمن بقي في ~~قلبه شيء من حب العجل، ظهر سحالة الذهب على شاربه { قل بئسما يأمركم به ~~إيمانكم } أي بأن تعبدوا العجل والمعنى بئس الإيمان إيمان يأمر بعبادة ~~العجل { إن كنتم مؤمنين } أي بزعمكم وذلك أنهم قالوا: نؤمن بما أنزل ~~علينا فكذبهم الله تعالى بذلك. ### || [2.94-96] # قوله تعالى: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ~~} وذلك أن اليهود ادعوا دعاوى باطلة منها قولهم: لن يدخل الجنة إلا من ~~كان هودا وقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه فكذبهم الله وألزمهم الحجة ~~فقال: قل يا محمد لليهود إن كانت لكم الدار الآخرة يعني الجنة خالصة لكم ms0079 ~~دون الناس { فتمنوا الموت } أي فاطلبوه واسألوه لأن من علم أن الجنة ~~مأواه وأنها له حن إليها ولا سبيل إلى دخولها إلا بعد الموت فاستعجلوه ~~بالتمني { إن كنتم صادقين } أي في قولكم ودعواكم، روى ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه وما بقي على وجه الأرض يهودي إلا ~~مات " # قال الله تعالى: { ولن يتمنوه أبدا } أي لعلمهم أنهم في دعواهم كاذبون ~~{ بما قدمت أيديهم } يعني من الأعمال السيئة، وإنما أضاف العمل إلى اليد ~~لأن أكثر جنايات الإنسان تكون من يده { والله عليم بالظالمين } فيه تخويف ~~وتهديد لهم، وإنما خصهم بالظلم لأنه أعم من الكفر لأن كل كافر ظالم وليس ~~كل ظالم كافرا فلهذا كان أعم وكانوا أولى به { ولتجدنهم } اللام للقسم ~~والنون للتوكيد تقديره والله لتجدنهم يا محمد يعني اليهود { أحرص الناس ~~على حياة } أي حياة متطاولة، والحرص أشد الطلب { ومن الذين أشركوا } قيل ~~هو متصل بما قبله ومعطوف عليه والمعنى وأحرص من الذين أشركوا. فإن قلت: ~~الذين أشركوا قد دخلوا تحت الناس في قوله أحرص الناس فلم أفردهم بالذكر؟ ~~قلت: افردهم بالذكر لشدة حرصهم وفيه توبيخ عظيم لليهود لأن الذين لا ~~يؤمنون بالمعاد ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا لا يستبعد حرصهم عليها، ~~فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالبعث والجزاء كان حقيقا ~~بالتوبيخ العظيم وقيل: إن الواو واو استئناف تقديره ومن الذين أشركوا ~~أناس { يود أحدهم } وهم المجوس سموا بذلك لأنهم يقولون: بالنور والظلمة ~~يود أن يتمنى أحدهم { لو يعمر ألف سنة } أي تعمير ألف سنة وإنما خص الألف ~~لأنها نهاية العقود ولأنها تحية المجوس فيما بينهم يقولون: زه هز إرسال ~~أي عش ألف سنة أو ألف نيروز أو ألف مهرجان فهذه تحيتهم. والمعنى أن ~~اليهود أحرص من المجوس الذين يقولون ذلك { وما هو بمزحزحه } أي بمباعده { ~~من العذاب } أي النار { أن يعمر } أي لو عمر طول عمره لا ينقذه من العذاب ~~{ والله بصير بما ms0080 يعملون } أي لا يخفى عليه خافية من أحوالهم. ### || [2.97] # قوله عز وجل: { قل من كان عدوا لجبريل } قال ابن عباس سبب نزول هذه ~~الآية أن عبدالله بن صوريا حبر من أحبار اليهود قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أي ملك يأتيك من السماء؟ قال جبريل قال ذلك عدونا ولو كان ميكائيل ~~لآمنا بك إن جبريل ينزل بالعذاب والشدة والخسف، وإنه عادانا مرارا وأشد ~~ذلك علينا أن الله أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب على يد رجل يقال ~~له: بختنصر فلما كان زمنه بعثنا من يقتله فلقيه ببابل غلاما مسكينا، ~~فأخذه ليقتله فدفع عنه جبريل وقال: إن كان الله أمره بهلاككم فلن تسلط ~~عليه وإن لم يكن هو فعلى أي حق تقتله فلما كبر ذلك الغلام وقوى غزانا ~~وخرب بيت المقدس، فلهذا نتخذه عدوا فأنزل الله هذه الآية وقيل: قالوا إن ~~الله أمره أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا فاتخذناه عدوا. وقيل إن ~~عمر بن الخطاب كان له أرض بأعلى المدينة وكان ممره إليها على مدارس ~~اليهود فكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا يوما ما في أصحاب محمد أحب ~~إلينا منك وإنا لنطمع فيك فقال عمر والله ما آتيكم لحبكم ولا أسألكم، ~~لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم فقالوا من صاحب محمد الذي يأتيه من ~~الملائكة قال جبريل قالوا ذلك عدونا يطلع محمدا على سرنا وهو صاحب كل ~~عذاب وخسف وشدة، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلامة، فقال لهم: تعرفون ~~جبريل وتنكرون محمدا صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: نعم قال فأخبروني عن ~~منزلة جبريل وميكائيل من الله تعالى قالوا: جبريل عن يمنيه وميكائيل عن ~~يساره وميكائيل عدو لجبريل فقال عمر أشهد أن من كان عدوا لأحدهما كان ~~عدوا للآخر. ومن كان عدوا لهما كان عدوا لله ثم رجع عمر إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقرأ رسول صلى الله عليه وسلم ms0081 ~~هذه الآيات وقال: لقد وافقك ربك يا عمر، فقال عمر: والله لقد رأيتني بعد ~~ذلك في ديني أصلب من الحجر. والأقرب أن سبب هذه العداوة كون جبريل كان ~~ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي لأن قوله: فإنه نزله على قلبك ~~مشعر بذلك وقوله { فإنه نزله } يعني جبريل نزل بالقرآن كناية عن غير ~~مذكور { على قلبك } يا محمد وإنما خص القلب بالذكر لأنه محل الحفظ { بإذن ~~الله } أي بأمره { مصدقا } أي موافقا { لما بين يديه } أي لما قبله من ~~الكتب { وهدى وبشرى للمؤمنين } أي في القرآن هداية للمؤمنين إلى الأعمال ~~الصالحة التي يترتب عليها الثواب وبشرى لهم بثوابها إذا أتوا بها. ### || [2.98-100] # { من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل } لما بين في الآية ~~الأولى أن من كان عدوا لجبريل لأجل أنه نزل بالقرآن على قلب محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وجب أن يكون عدوا لله. لأن الله تعالى هو الذي نزله على ~~محمد بين في هذه الاية أن كل من كان عدوا لأحد هؤلاء، فإنه عدو لجميعهم ~~وبين أن الله عدوه بقوله: { فإن الله عدو للكافرين } فأما عداوتهم لله ~~فإنها لا تضره ولا تؤثر وعداوته لهم تؤديهم إلى العذاب الدائم، الذي لا ~~ضرر أعظم منه، وقيل: المراد من عداوتهم لله وعداوتهم لأوليائه وأهل طاعته ~~فهو كقوله # إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله # [المائدة: 33] أي يحاربون أولياء الله وأهل طاعته. وقوله وملائكته ~~ورسله، يعني أن من عادى واحدا منهم فقد عادى جميعهم ومن كفر بواحد منهم ~~فقد كفر بجميعهم وجبريل وميكائيل إنما خصهما بالذكر وإن كانا داخلين في ~~جملة الملائكة لبيان شرفهما وفضلهما وعلو منزلتهما وقدم جبريل على ~~ميكائيل لفضله عليه لأن جبريل ينزل بالوحي الذي هو غذاء الأرواح وميكائيل ~~ينزل بالمطر الذي هو سبب غذاء الأبدان، وجبريل وميكائيل اسمان أعجميان. ~~ومعناهما: عبدالله وعبدالله لأن جبر وميك بالسريانية هو العبد وإيل هو ~~الله { ولقد أنزلنا إليك آيات بينات } قال ابن عباس: هذا جواب لابن صوريا ~~حيث قال لرسول الله ms0082 صلى الله عليه وسلم يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه وما ~~أنزل عليك من آية بينة فنتبعك بها فأنزل الله هذه الآيات، ومعنى بينات ~~واضحات مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام { وما يكفر بها } أي وما ~~يجحد بهذه الآيات { إلا الفاسقون } أي الخارجون عن طاعتنا وما أمروا به ~~{ أو كلما عاهدوا عهدا } قال ابن عباس: لما ذكرهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما أخذ عليهم من العهود في محمد صلى الله عليه وسلم وأن يؤمنوا ~~به قال مالك بن الصيف: والله ما عهد إلينا في محمد عهد فأنزل الله هذه ~~الآية أو كلما استفهام إنكار عاهدوا عهدا هو قولهم: إنه قد أظل زمان ~~نبي مبعوث وإنه في كتابنا وقيل إنهم عاهدوا الله عهودا كثيرة ثم نقضوها ~~{ نبذه } أي طرح العهد ونقضه { فريق منهم } يعني اليهود { بل أكثرهم لا ~~يؤمنون } يعني كفر فريق منهم بنقض العهد وكفر فريق منهم بالجحد للحق. ### || [2.101-102] # { ولما جاءهم رسول من عند الله } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { مصدق ~~لما معهم } يعني مصدق بصحة التوراة ونبوة موسى عليه الصلاة والسلام وقيل: ~~إن التوراة بشرت بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلما بعث محمد صلى الله ~~عليه وسلم كان مجرد مبعثه مصدقا للتوراة { نبذ فريق من الذين أوتوا ~~الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم } قيل: أراد بالكتاب القرآن. وقيل: التوراة ~~وهو الأقرب لأن النبذ لا يكون إلا بعد التمسك، ولم يتمسكوا بالقرآن. أما ~~نبذهم التوراة فإنهم كانوا يقرؤونها ولا يعملون بها. وقيل: إنهم أدرجوها ~~في الحرير وحلوها بالذهب ولم يعملوا ما فيها { كأنهم لا يعلمون } يعني ~~أنهم نبذوا كتاب الله ورفضوه عن علم به ومعرفة، وإنما حملهم على ذلك ~~عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وهم علماء اليهود الذين كانوا في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكتموا أمره وكان أولئك النفر قليلا. قوله عز ~~وجل: { واتبعوا ما تتلو الشياطين } يعني اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا ~~ما تتلوا الشياطين، ومعنى تتلو تقرأ من التلاوة وقيل معناه تفتري ms0083 وتكذب { ~~على ملك سليمان } وهو قولهم: إن سليمان ملك الناس بالسحر وقيل: على ملك ~~سليمان أي على عهده وزمانه. وقصة ذلك أن الشياطين كتبوا السحر ~~والنيرنجيات على لسان آصف: هذا ما علم آصف بن برخيا سليمان الملك وكتبوه ~~ودفنوه تحت كرسيه وذلك حين نزع الله عنه الملك ولم يشعر بذلك وقيل: إن ~~بني إسرائيل اشتغلوا بتعليم السحر في زمانه فمنعهم سليمان من ذلك وأخذ ~~كتبهم ودفنها تحت سريره، فلما مات استخرجها الشياطين. وقالوا للناس إنما ~~ملككم سليمان بهذا فتعلموه فأما صلحاء بني إسرائيل وعلماؤهم فأنكروا ذلك. ~~وقالوا: معاذ الله أن يكون هذا العلم من علم سليمان وأما السفلة منهم. ~~فقالوا: هذا هو علم سليمان وأقبلوا على تعليمه وتركوا كتب أنبيائهم وفشت ~~الملامة لسليمان. فلم تزل هذه حالهم إلى أن بعث الله تعالى محمدا صلى ~~الله عليه وسلم وأنزل عليه براءة سليمان عليه السلام فقال تعالى: { ~~واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان } { وما كفر سليمان } يعني ~~بالسحر ولم يعمل به، وفيه تنزيه سليمان عن السحر، وذلك أن اليهود أنكروا ~~نبوة سليمان، وقالوا: إنما حصل له هذا الملك وسخرت الجن والإنس له بسبب ~~السحر وقيل: إن السحرة من اليهود زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان فبراه ~~الله من ذلك، وقيل إن بعض أحبار اليهود قال ألا تعجبون من محمد يزعم أن ~~سليمان كان نبيا وما كان إلا ساحرا فأنزل الله تعالى: { وما كفر ~~سليمان } يعني أن سليمان كونه نبيا ينافي كونه ساحرا كافرا ثم بين ~~الله تعالى أن الذي برأه منه لاحق بغيره فقال { ولكن الشياطين كفروا } ~~يعني أن الذين اتخذوا السحر لأنفسهم هم الذين كفروا ثم بين سبب كفرهم ~~فقال تعالى: { يعلمون الناس السحر } يعني ما كتب لهم الشياطين من كتب ~~السحر. # وقيل: يحتمل أن يكون يعلمون يعني اليهود الذين عنوا بقوله: واتبعوا. ~~وسمي السحر سحرا لخفاء سببه، فلا يفعل إلا في خفية وقيل: معنى السحر ~~الإزالة وصرف الشيء عن وجهه تقول العرب ما سحرك عن كذا أي ما صرفك ms0084 عنه ~~فكأن الساحر لما رأى الباطل في صورة الحق فقد سحر الشيء عن وجهه أي صرفه ~~هذا أصله من حيث اللغة، وأما حقيقته فقد قيل: إنه عبارة عن التمويه ~~والتخييل، ومذهب أهل السنة أن له وجودا أو حقيقة والعمل به كفر وذلك إذا ~~اعتقد أن الكواكب هي المؤثرة في قلب الأعيان وروي عن الشافعي أنه قال: ~~السحر يخيل ويمرض وقد يقتل حتى أوجب القصاص على من قتل به وقيل إن السحر ~~يؤثر في قلب الأعيان فيجعل الإنسان على صورة الحمار، والحمار على صورة ~~الكلب وقد يطير الساحر في الهواء، وهذا القول ضعيف عند أهل السنة لأنهم ~~قالوا: إن الله تعالى هو الخالق الفاعل لهذه الأشياء عند عمل الساحر لذلك ~~إلا أن الساحر هو الفاعل لها المؤثر فيها والأصح، أن السحر يخيل ويؤثر ~~في الأبدان بالأمراض والجنون والموت، ويدل على ذلك أن للكلام تأثيرا في ~~الطباع فقد يسمع الإنسان ما يكره فيحم، وقد مات قوم بكلام سمعوه فالسحر ~~بمنزلة العلل في الأبدان وأما حكمه فإنه من الكبائر التي نهى عنها، ويحرم ~~تعلمه لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن؟ قال: الإشراك بالله ~~والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم والزنا ~~والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " # أخرجاه في الصحيحين. فعند رسول الله صلى الله عليه وسلم السحر من ~~الكبائر وثناه بالشرك وأمرنا باجتنابه، وقوله: الموبقات يعني المهلكات ~~والسحر على قسمين: أحداهما، يكفر به صاحبه وهو أن يعتقد أن القدرة لنفسه ~~في ذلك، وهو المؤثر أو يعتقد أن الكواكب هي المؤثرة الفعالة فإذا انتهى ~~به السحر إلى هذه الغاية صار كافرا بالله تعالى، ويجب قتله لما روي عن ~~جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " حد الساحر ضربه بالسيف " # أخرجه الترمذي. والقسم الثاني، من السحر وهو التخييل الذي يشاكل ~~النيرنجيات والشعبذة، ولا يعتقد صاحبه لنفسه فيه قدرة ولا أن الكواكب ms0085 هي ~~المؤثرة ويعتقد أن القدرة لله تعالى، وأنه هو المؤثر فهذا القدر لا يكفر ~~به صاحبه ولكنه معصية وهو من الكبائر، ويحرم فعله فإن قتل بسحره قتل ~~قصاصا لما روي عن مالك أنه بلغه أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ~~قتلت جارية لها سحرتها وقد كانت دبرتها، فأمرت بها فقتلت أخرجه في ~~الموطأ. # قوله عز وجل: { وما أنزل على الملكين } أي ويعلمون الذي أنزل على ~~الملكين والإنزال هنا بمعنى الإلهام والتعليم أي ما ألهما وعلما وقرئ في ~~الشاذ الملكين بكسر اللام. قال: هما رجلان ساحران كانا ببابل. وقيل: ~~علجان ووجهه أن الملائكة لا يعلمون السحر والقراءة المشهورة بفتح اللام. ~~فإن قلت: كيف يجوز أن يضاف إلى الله تعالى إنزال ذلك على الملائكة وكيف ~~يجوز للملائكة تعليم السحر؟ قلت: قال ابن جرير الطبري إن الله تعالى عرف ~~عباده جميع ما أمرهم به وجميع ما نهاهم عنه ثم أمرهم ونهاهم بعد العلم ~~منهم بما يؤمرون به وينهون عنه، ولو كان الأمر على غير ذلك لما كان للأمر ~~والنهي معنى مفهوم، والسحر مما نهى عباده من بني آدم عنه فغير منكر أن ~~يكون الله تعالى علمه الملكين اللذين سماهما في تنزيله وجعلهما فتنة ~~لعباده من بني آدم كما أخبر عنهما أنهم يقولان: لمن جاء يتعلم ذلك منهما: ~~إنما نحن فتنة فلا تكفر ليختبر بهما عباده الذين نهاهم عن السحر وعن ~~التفريق بين المرء وزوجه فيتمحض المؤمن بتركه التعليم منهما، ويجري ~~للكافر بتعلمه الكفر والسحر منهما ويكون الملكان في تعليمهما ما علما من ~~ذلك مطيعين لله تعالى إذ كان عن إذن الله تعالى، لهما بتعليم ذلك غير ~~ضارهما سحر من سحر ممن تعلم ذلك منهما ما بعد نهيهما إياه عنه بقولهما ~~إنما نحن فتنة فلا تكفر، إذ كانا قد أديا ما أمرا به. وقال غيره إنهما لا ~~يتعمدان ذلك بل يصفان السحر ويذكران بطلانه ويأمران باجتنابه فالشقي من ~~ترك نصحهما، وتعلم السحر من وصفهما، والسعيد من قبل نصحهما وترك تعلم ~~السحر منهما. ms0086 وقيل: إن الله تعالى امتحن الناس بهما في ذلك الزمان فالشقي ~~من تعلم السحر منهما فيكفر به والسعيد من تركه فيبقى على إيمانه، ولله ~~تعالى أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن بني إسرائيل بنهر طالوت بقوله: # فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني # [البقرة: 249] { ببابل } قيل: هي بابل العراق بأرض الكوفة سميت بذلك ~~لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمرود. وقيل: إنها بابل نهاوند والأول ~~أصح وأشهر { هاروت وماروت } اسمان سريانيان. وقصة الآية على ما ذكره ابن ~~عباس وغيره. قالوا: إن الملائكة لما رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال ~~بني آدم الخبيثة في زمن إدريس عليه السلام عيروهم. وقالوا: هؤلاء الذين ~~جعلتهم في الأرض واخترتهم وهم يعصونك فقال الله تعالى: لو أنزلتكم إلى ~~الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لركبتم مثل ما ركبوا قالوا: سبحانك ما كان ~~ينبغي لنا أن نعصيك قال الله تعالى: وركبت فيكم ما ركبت فيهم ركبتهم مثل ~~ما ركبوا قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا ان نعصيك قال الله تعالى: ~~فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى الأرض فاختاروا هاروت وماروت، ~~وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم وكان اسم هاروت عزا وماروت عزايا، فغير ~~اسمهما لما قارفا الذنب وركب الله فيهما الشهوة وأهبطهما إلى الأرض ~~وأمرهما أن يحكما بين الناس بالحق ونهاهما عن الشرك، والقتل بغير الحق ~~والزنا وشرب الخمر، فكانا يقضيان بين الناس يومهما فإذا أمسيا ذكرا اسم ~~الله الأعظم وصعدا إلى السماء فما مر عليهما شهر حتى افتتنا. # وقيل: بل افتتنا في أول يوم وذلك أنه اختصم إليهما امرأة يقال لها: ~~الزهرة وكانت من أجمل أهل فارس. وقيل: كانت ملكة فلما رأياها أخذت ~~بقلوبهما فقال أحدهما لصاحبه هل سقط في نفسك مثل الذي سقط في نفسي. قال: ~~نعم فراوداها عن نفسها فأبت وانصرفت. ثم عادت في اليوم الثاني ففعلا مثل ~~ذلك فأبت وقالت: لا إلا أن تعبدا هذا الصنم وتقتلا النفس وتشربا الخمر ~~فقالا: لا سبيل إلى هذ الأشياء فإن الله ms0087 تعالى قد نهانا عنها. فانصرفت ثم ~~عادت في اليوم الثالث، ومعها قدح خمر وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها ~~فراوداها عن نفسها فعرضت عليهما ما قالت بالأمس فقالا: الصلاة لغير الله ~~عظيم وقتل النفس عظيم وأهون الثلاثة شرب الخمر فشربا فلما انتشيا وقعا ~~بالمرأة فزنيا بها فرآهما إنسان فقتلاه خوف الفضيحة. وقيل: إنهما سجدا ~~للصنم. وقيل: جاءتهما امرأة من أحسن الناس تخاصم زوجها. فقال: أحداهما ~~للآخر هل سقط في نفسك مثل الذي سقط في نفسي؟ قال: نعم قال هل لك أن تقضي ~~لها على زوجها. فقال له صاحبه أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب؟ ~~فقال له صاحبه: أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة؟ فسألاها نفسها ~~فقالت: لا إلا أن يقضيا لي على زوجي فقضيا. ثم سألاها نفسها فقالت: لا ~~إلا أن تقتلاه فقال أحدهما: لصاحبه أما تعلم ما عند الله من العقوبة ~~والعذاب؟ فقال له صاحبه أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة؟ فقتلاه ~~ثم سألاها نفسها فقالت: لا إلا أن لي صنما أعبده إن أنتما صليتما معي ~~عنده فعلت. فقال أحدهما: لصاحبه مثل القول الأول فرد عليه مثله فصليا ~~معها عنده فمسخت شهابا. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قالت لهم لن ~~تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء فقالا: اسم الله الأكبر. ~~قالت: فما أنتما بمدركي حتى تعلماني إياه فقال أحدهما للآخر: علمها. ~~فقال: إني أخاف الله فقال الآخر فأين رحمة الله فعلمها ذلك فتكلمت به ~~وصعدت إلى السماء فمسخها الله كوكبا، فذهب بعضهم إلى أنها هي الزهرة ~~بعينها وأنكر آخرون ذلك وقالوا: إن الزهرة من الكواكب السيارة السبعة ~~التي أقسم الله بها فقال: # فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس # [التكوير: 15-16] والتي فتنت هاروت وماروت كانت امرأة تسمى الزهرة ~~لجمالها وحسنها فلما بغت مسخها الله تعالى شهابا. قالوا: فلما أمسى ~~هاروت وماروت بعد ما قارفا الذنب، هما بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما ~~أجنحتهما، فعلما ما حل بهما فقصدا إدريس ms0088 النبي عليه السلام وأخبراه ~~بأمرهما وسألاه أن يشفع لهما إلى الله عز وجل. وقالا له: رأينا يصعد لك ~~من العبادة مثل ما يصعد لجميع أهل الأرض فاشفع لنا إلى ربك ففعل ذلك ~~إدريس فخيرهما الله بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فاختاروا عذاب الدنيا ~~إذ علما أنه ينقطع، فهما ببابل يعذبان قيل: إنهما معلقان بشعورهما إلى ~~قيام الساعة. وقيل: إنهما منكوسان يضربان بسياط الحديد. وقيل: إن رجلا ~~قصدهما ليتعلم السحر فوجدهما معلقين بأرجلهما مزرقة عيونهما مسودة ~~جلودهما ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا قدر أربع أصابع وهما يعذبان ~~بالعطش، فلما رأى ذلك هاله فقال: لا إله إلا الله فلما سمعا كلامه قالا: ~~لا إله إلا الله من أنت؟ قال: رجل من الناس. فقالا: من أي أمة أنت؟ قال: ~~من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قالا؟ أو قد بعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~قال: نعم فقال: الحمد لله وأظهر الاستبشار فقال الرجل مم استبشاركما؟ ~~قالا: إنه نبي الساعة وقد دنا انقضاء عذابنا. فصل: في القول بعصمة ~~الملائكة أجمع المسلمون على أن الملائكة معصومون فضلا، واتفق أئمة ~~المسلمين على أن حكم الرسل من الملائكة حكم النبيين، سواء في العصمة في ~~باب البلاغ عن الله عز وجل وفي كل شيء ثبتت فيه عصمة الأنبياء فكذلك ~~الملائكة وأنهم مع الأنبياء في التبليغ إليهم، كالأنبياء مع أممهم، ثم ~~اختلفوا في غير المرسلين من الملائكة فذهب طائفة من المحققين. وجميع ~~المعتزلة إلى عصمة جميع الملائكة عن جميع الذنوب والمعاصي، واحتجوا على ~~ذلك بوجوه سمعية وعقلية، وذهب طائفة إلى أن غير المرسلين من الملائكة غير ~~معصومين، واحتجوا على ذلك بوجوه سمعية وعقلية منها قصة هاروت وماروت عن ~~علي وما نقله أهل الأخبار والسير. ونقله ابن جرير الطبري في تفسيره عن ~~جماعة من الصحابة والتابعين فنقل قصة هاروت وماروت بألفاظ متقاربة. عن ~~علي بن أبي طالب وابن مسعود وكعب الأحبار والسدي والربيع ومجاهد. وأجاب ~~من ذهب إلى عصمة جميع الملائكة عن قصة هاروت وماروت، بأن ما نقله ms0089 ~~المفسرون وأهل الأخبار في ذلك لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منه شيء وهذه الأخبار إنما أخذت من اليهود، وقد علم افتراؤهم على ~~الملائكة والأنبياء وقد ذكر الله عز وجل في هذه الآيات، افتراء اليهود ~~على سليمان أولا، ثم عطف على ذلك قصة هاروت وماروت ثانيا، قالوا: ومعنى ~~الآية وما كفر سليمان يعني بالسحر الذي افتعله عليه الشياطين، واتبعتهم ~~في ذلك اليهود فأخبر عن افترائهم وكذبهم، وذكروا أيضا في الجواب عن هذه ~~القصة وأنها باطلة وجوها: الأول: إن في القصة أن الله تعالى قال: ~~للملائكة لو ابتليتم بما ابتليت به بنو آدم لعصيتموني، قالوا: سبحانك ما ~~كان ينبغي لنا أن نعصيك وفيه رد على الله تعالى وذلك كفر وقد ثبت أنهم ~~كانوا معصومين قبل ذلك فلا يقع هذا منهم. # الوجه الثاني: أنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وذلك فاسد لأن ~~الله تعالى لا يخير من أشرك، وإن كان قد صحت توبتهما فلا عقوبة عليهما. ~~الوجه الثالث أن المرأة لما فجرت فكيف يعقل أنها صعدت إلى السماء وصارت ~~كوكبا وعظم الله قدرها بحيث أقسم بها في قوله: # فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس # [التكوير: 15-16] فبان بهذه الوجوه ركة هذه القصة، والله أعلم بصحة ذلك ~~وسقمه. والأولى تنزيه الملائكة عن كل ما لا يليق بمنصبهم وقوله تعالى: { ~~وما يعلمان من أحد حتى يقولا } يعني وما يعلمان أحدا حتى ينصحاه أولا ~~ويقولا { إنما نحن فتنة } أي ابتلاء ومحنة { فلا تكفر } أي لا تتعلم ~~السحر فتعمل به فتكفر، قيل: يقولان إنما نحن فتنة فلا تكفر سبع مرات فإن ~~أبى قبول نصحهما وصمم على التعليم يقولان له: ائت هذا الرماد فبل عليه ~~فإذا فعل ذلك خرج منه نور ساطع في السماء فذلك الإيمان والمعرفة. وينزل ~~شيء أسود مثل الدخان حتى يدخل مسامعه وذلك غضب الله تعالى: { فيتعلمون ~~منهما } يعني من الملكين { ما يفرقون به بين المرء وزوجه } أي علم السحر ~~الذي يكون سببا في التفريق بين الزوجين، كالتمويه والتخييل والنفث في ms0090 ~~العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده البغضاء والنشوز، والخلاف بين الزوجين ~~ابتلاء من الله تعالى لا أن السحر له تأثير في نفسه بدليل قوله: { وما هم ~~} يعني السحرة { بضارين به } أي بالسحر { من أحد } أي أحدا { إلا بإذن ~~الله } أي بعلمه وقضائه وتكوينه فالساحر يسحر والله تعالى يقدر ويكون ذلك ~~بقضائه تعالى وقدرته ومشيئته { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم } يعني ~~السحر لأنهم يقصدون به الشر { ولقد علموا } يعني اليهود { لمن اشتراه } ~~أي اختار السحر { ما له في الآخرة من خلاق } يعني ما له نصيب في الجنة { ~~ولبئس ما شروا به أنفسهم } أي باعوا حط أنفسهم حيث اختاروا السحر والكفر ~~على الدين والحق { لو كانوا يعلمون } فإن قلت: كيف أثبت الله لهم العلم ~~أولا في قوله: ولقد علموا على التوكيد القسمي ثم نفاه عنهم آخر في قوله ~~لو كانوا يعلمون. قلت: قد علموا أن من اشترى السحر ما له في الآخرة من ~~خلاق ثم مع هذا العلم خالفوا واشتغلوا بالسحر وتركوا العمل بكتاب الله ~~تعالى وما جاءت به الرسل عنادا منهم وبغيا، وذلك على معرفة منهم بما ~~لمن فعل ذلك منهم من العقاب فكأنهم حين لم يعملوا بعلمهم كانوا منسلخين ~~منه. ### || [2.103-104] # { ولو أنهم } يعني اليهود { آمنوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { ~~واتقوا } يعني اليهودية والسحر، وما يؤثمهم { لمثوبة من عند الله } أي ~~لكان ثواب الله إياهم { خير } لهم يعني هذا الثواب { لو كانوا يعلمون } ~~يعني ذلك. قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } سبب ~~نزول هذه الآية: أن المسلمين كانوا يقولون: راعنا يا رسول الله من ~~المراعاة أي ارعنا سمعك وفرغه لكلامنا وكانت هذه اللفظة سبا قبيحا، ~~بلغة اليهود ومعناها عندهم اسمع لا سمعت. وقيل: من الرعونة إذا أرادوا أن ~~يحمقوا إنسانا قالوا: راعنا يعني أحمق فلما سمعت اليهود هذه الكلمة من ~~المسلمين قالوا فيما بينهم كنا نسب محمدا سرا فأعلنوا به الآن فكانوا ~~يأتونه ويقولون راعنا يا محمد ويضحكون فيما بينهم فسمعها سعد بن ms0091 معاذ رضي ~~الله تعالى عنه ففطن لها وكان يعرف لغتهم فقال لليهود لئن سمعتها من أحد ~~منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه فقالوا: أولستم ~~تقولونها فأنزل الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } أي ~~لكي لا يجد اليهود بذلك سبيلا إلى شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~وقولوا انظرنا } أي انظر إلينا. وقيل معناه انتظرنا وتأن بنا وفهمنا { ~~واسمعوا } اي ما تؤمرون به وأطيعوا نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن ~~يقولوا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم راعنا لئلا يتطرق أحد إلى شتمه ~~وأمرهم بتوقيره وتعظيمه وأن يتخيروا لخطابه صلى الله عليه وسلم من ~~الألفاظ أحسنها ومن المعاني أدقها، وإن سألوه بتبجيل وتعظيم ولين لا ~~يخاطبوه بما يسر اليهود { وللكافرين } يعني اليهود { عذاب أليم } أي ~~مؤلم. ### || [2.105-106] # { ما يود } أي ما يحب { الذين كفروا من أهل الكتاب } يعني اليهود { ولا ~~المشركين } يعني عبدة الأوثان لأن الكفر اسم جنس تحته نوعان أهل الكتاب ~~وهم الذين بدلوا كتابهم وكذبوا الرسل وعبدة الأوثان وهم من عبدوا غير ~~الله { أن ينزل عليكم من خير من ربكم } يعني ما أنزل الله عز وجل على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم من الوحي والنبوة، وإنما كرهت اليهود وأتباعهم ~~من المشركين ذلك حسدا وبغيا منهم على المؤمنين، وذلك أن المسلمين قالوا ~~لحلفائهم من اليهود آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قالوا: ما هذا الذي ~~تدعوننا إليه بخير مما نحن فيه ولوددنا لو كان خيرا فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية تكذيبا لهم { والله يختص برحمته من يشاء } يعني أنه تعالى ~~يختص بنبوته ورسالته من يشاء من عباده، ويتفضل بالإيمان والهداية على من ~~أحب من خلقه رحمة منه لهم { والله ذو الفضل العظيم } يعني أن كل خير ناله ~~عباده في دينهم ودنياهم، فإنه منه ابتداء وتفضلا عليهم من غير استحقاق ~~أحد منهم لذلك بل له الفضل والمنة على خلقه. قوله عز وجل: { ما ننسخ من ~~آية أو ننسها } الآية. وسبب نزولها أن المشركين ms0092 قالوا: إن محمدا يأمر ~~أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ويقول: اليوم قولا ويرجع عنه ~~غدا ما يقول: إلا من تلقاء نفسه كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: # وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما انت مفتر # [النحل: 101] فأنزل ما ننسخ من آية فبين بهذه الآية وجه الحكمة في النسخ ~~وأنه من عنده لا من عند محمد صلى الله عليه وسلم. وأصل النسخ في اللغة ~~يكون بمعنى النقل والتحويل ومنه نسخ الكتاب، وهو أن ينقل من كتاب إلى ~~كتاب آخر كذلك لا يقتضي إزالة الصورة الأولى بل يقتضي إثبات مثله في كتاب ~~آخر، فعلى هذا المعنى يكون القرآن كله منسوخا، وذلك أنه نسخ من اللوح ~~المحفوظ ونزل جملة واحدة إلى سماء الدنيا، ويكون النسخ بمعنى الرفع ~~والإزالة وهو إزالة شيء بشيء يعقبه كنسخ الشمس الظل، والشيب الشباب فعلى ~~هذا المعنى يكون بعض القرآن منسوخا وبعضه ناسخا، وهو المراد من حكم هذه ~~الآية وهو إزالة الحكم بحكم يعقبه. فصل في حكم النسخ: هو في اصطلاح ~~العلماء، عبارة عن رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه، والنسخ جائز ~~عقلا وواقع سمعا خلافا لليهود، فإن منهم من ينكره عقلا لكنه منعه ~~سمعا، وشذت طائفة قليلة من المسلمين فأنكرت النسخ احتج الجمهور من ~~المسلمين على جواز النسخ، ووقوعه بأن الدلائل قد دلت على نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ونبوته لا تصح، إلا مع القول، بالنسخ وهو نسخ شرع من قبله ~~فوجب القطع بالنسخ. # ولنا على اليهود إلزامات: منها أن الله تعالى حرم عليهم العمل في يوم ~~السبت، ولم يحرمه على من كان قبلهم، ومنها أنه قد جاء في التوراة أن الله ~~تعالى قال لنوح عليه الصلاة والسلام عند خروجه من الفلك: إني جعلت كل ~~دابة مأكولا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم. ثم إنه تعالى حرم على موسى عليه ~~الصلاة والسلام وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوانات. ومنها إن آدم عليه ~~الصلاة والسلام كان يزوج الأخ للأخت وقد حرمه ms0093 على من بعده وعلى موسى عليه ~~الصلاة والسلام فثبت بهذا جواز النسخ، وحيث ثبت جواز النسخ فقد اختلفوا ~~فيه على وجوه: أحدها أن القرآن نسخ جميع الشرائع والكتب القديمة كالتوراة ~~والإنجيل وغيرهما. الوجه الثاني المراد من النسخ هو نسخ القرآن ونقله من ~~اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا. الوجه الثالث، وهو الصحيح الذي عليه ~~جمهور العلماء أن المراد من النسخ هو رفع حكم بعض الآيات بدليل آخر يأتي ~~بعده وهو المراد بقوله تعالى: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ~~أو مثلها } لأن الآية إذ أطلقت، فالمراد به آيات القرآن لأنه هو المعهود ~~عندنا. مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه الكتاب لا ينسخ بالسنة ~~المتواترة، واستدل بهذه الآية وهو أنه تعالى قال: { ما ننسخ من آية أو ~~ننسها نأت بخير منها أو مثلها } وذلك يفيد أنه تعالى هو الآتي والمؤتي به ~~هو من جنس القرآن، وما كان من جنس القرآن فهو قرآن. وقوله: نأت بخير منها ~~يفيد أنه هو المنفرد بالإتيان بذلك الخير، وهو القرآن الذي هو كلام الله ~~دون السنة ولأن السنة لا تكون خيرا من القرآن ولا مثله. واحتج الجمهور ~~على جواز نسخ الكتاب بالسنة بأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا وصية لوارث " # أجاب الشافعي رضي الله عنه: بأن هذا ضعيف لأن كون الميراث حقا للوارث ~~يمنع من صرفه إلى الوصية فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية، وتقرير ~~هذا وبسطه معروف في أصول الفقه. ثم النسخ في القرآن على وجوه: أحدها ما ~~رفع حكمه وتلاوته كما روى عن أبي إمامة بن سهل: # " أن قوما من الصحابة قاموا ليلة ليقرؤوا سورة فلم يذكروا منها إلا بسم ~~الله الرحمن الرحيم، فغدوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تلك السورة رفعت بتلاوتها وحكمها " # أخرجه البغوي بغير سند. وقيل: إن سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة ~~فرفع بعضها تلاوة وحكما. الوجه الثاني، ما رفع تلاوته وبقي حكمه ms0094 مثل آية ~~الرجم روي عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب ~~فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها، ووعيناها وعقلناها ورجم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول ~~قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن ~~الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت ~~البينة أو كان الحبل أو الاعتراف. # أخرجه مسلم وللبخاري نحوه. والوجه الثالث ما رفع حكمه وثبت خطه وتلاوته ~~وهو كثير في القرآن، مثل آية الوصية للأقربين نسخت بآية الميراث عند ~~الشافعي وبالسنة عند غيره وآية عدة الوفاة بالحول، نسخت بآية أربعة أشهر ~~وعشرا وآية القتال وهي قوله: # إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين # [الأنفال: 65] الآية نسخت بقوله: # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا # [الأنفال: 66] الآية ومثل هذا كثير في القرآن. وأما معنى الاية فقوله: ~~ما ننسخ من آية أي نرفعها أو نرفع حكمها أو ننسها قرئ بضم النون وكسر ~~السين، ومعناها نثبتها على قلبك وقال ابن عباس: نتركها لا ننسخها. وقيل: ~~معناه نأمر بتركها فعلى هذا يكون النسخ الأول رفع الحكم، وإقامة غيره ~~مقامه والإنساء نسخ من غير إقامة غيره وقرئ ننسأها بفتح النون والسين ~~وبالهمزة ومعناها: نؤخرها فلا ننزلها أو نرفع تلاوتها ونؤخر حكمها كآية ~~الرجم فعلى هذا يكون النسخ الأول بمعنى رفع التلاوة، والحكم قال سعيد بن ~~المسيب وعطاء: ما ننسخ من آية فهو ما نزل من القرآن جعلاه من نسخت الكتاب ~~إذا نقلته إلى كتاب آخر وننسأها أن نؤخرها ونتركها في اللوح المحفوظ فلا ~~ننزلها { نأت بخير منها } أي بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجوركم ~~وليس معناه ان آية خير من آية لأن كلام الله تعالى كله واحد { أو مثلها } ~~أي في المنفعة والثواب فما نسخ إلى الأيسر كان ms0095 أسهل في العمل كالذي كان ~~على المؤمنين من فرض قيام الليل، ثم نسخ ذلك فكان خيرا لهم في عاجلهم ~~لسقوط التعب والمشقة عليهم، وما نسخ إلى الأشق كان أكمل في الثواب كالذي ~~كان عليهم من صيام أيام معدودات في السنة فنسخ ذلك، وفرض صيام شهر رمضان ~~فكان صوم شهر كامل في السنة أثقل على الأبدان، وأشق من صيام أيام معدودات ~~فكان ثوابه أكمل وأكثر. أما المثل فكنسخ التوجه إلى بيت المقدس، وصرفه ~~إلى المسجد الحرام واستواء الأجر في ذلك لأن على المصلي التوجه إلى حيث ~~أمره الله تعالى: { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } أي على النسخ ~~والتبديل، والمعنى ألم تعلم يا محمد أني قادر على تعويضك مما نسخت من ~~أحكامي، وغيرته من فرائضي التي كنت افترضها عليك ما أشاء مما هو خير لك ~~ولعبادي المؤمنين وأنفع لك ولهم عاجلا وآجلا. ### || [2.107-108] # { ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض } يعني أنه تعالى هو المتصرف ~~في السموات والأرض، وله سلطانهما دون غيره يحكم فيهما وفيما فيهما بما ~~شاء من أمر ونهي ونسخ وتبديل هذا الخبر وإن كان خطابا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم لكن فيه تكذيب لليهود الذين أنكروا النسخ، وجحدوا نبوة عيسى ~~ومحمد عليهما الصلاة والسلام فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض، وأن ~~الخلق كلهم عبيده وتحت تصرفه يحكم فيهم بما يشاء، وعليهم السمع والطاعة { ~~وما لكم } يعني يا معشر الكفار عند نزول العذاب { من دون الله } أي مما ~~سوى الله { من ولي } أي قريب وصديق، وقيل من وال وهو المقيم بالأمور { ~~ولا نصير } أي ناصر يمنعكم من العذاب وقيل في معنى الآية، وليس لكم أيها ~~المؤمنين بعد الله من قيم يأمركم ولا نصير يؤيدكم، ويقويكم على أعدائكم. ~~قوله عز وجل: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم } نزلت في اليهود، وذلك أنهم ~~قالوا يا محمد ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة، وقيل: ~~إنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن نؤمن لك ms0096 حتى تأتي ~~بالله والملائكة قبيلا كما سئل قوم موسى فقالوا: أرنا الله جهرة فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية، والمعنى أتريدون وقيل بل تريدون أن تسألوا رسولكم ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { كما سئل موسى من قبل } وذلك أن موسى ~~سأله قومه فقالوا:أرنا الله جهرة ففي الآية منعهم ونهيهم عن السؤالات ~~المقترحة بعد ظهور الدلالات والمعجزات وثبوت الحجج والبراهين على صحة ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. { ومن يتبدل } أي يستبدل { الكفر بالإيمان ~~فقد ضل سواء السبيل } أي أخطأ قصد الطريق، وقيل: إن قوله ومن يتبدل الكفر ~~بالإيمان خطاب للمؤمنين أعلمهم أن اليهود أهل غش وحسد، وأنهم يتمنون ~~للمؤمنين المكاره فنهاهم الله تعالى أن يقبلوا من اليهود شيئا ينصحونهم ~~به في الظاهر، وأخبرهم أن من ارتد عن دينه فقد أخطأ قصد السبيل. ### || [2.109-110] # قوله عز وجل: { ود كثير من أهل الكتاب } نزلت هذه الآية في نفر من ~~اليهود، وذلك أنهم قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ~~لو كنتم على الحق ما هربتم فارجعا إلى ديننا فنحن أهدى سبيلا منكم، فقال ~~عمار بن ياسر: كيف نقض العهد فيكم قالوا شديد قال: إني عاهدت أن لا أكفر ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ما عشت قالت اليهود، أما هذا فقد صبأ، وقال ~~حذيفة: أما أنا فقد رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا ~~وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا. ثم إنهما أتيا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بذلك، فقال: أصبتما الخير وأفلحتما ~~فأنزل الله تعالى: { ود } أي تمنى كثير من أهل الكتاب يعني اليهود { لو ~~يردونكم } أي يا معشر المؤمنين { من بعد إيمانكم كفارا } أي ترجعون إلى ~~ما كنتم عليه من الكفر { حسدا } أي يحسدونكم حسدا وأصل الحسد تمني زوال ~~النعمة عمن يستحقها، وربما يكون مع ذلك سعي في إزالتها، والحسد مذموم لما ~~روي عن ابي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو قال ~~العشب ms0097 " # أخرجه أبو داود، فإذا أنعم الله على عبده نعمة فتمنى آخر زوالها عنه، ~~فهذا هو الحسد وهو حرام فإن استعان بتلك النعمة على الكفر، والمعاصي ~~فتمنى آخر زوالها عنه فليس بحسد، ولا يحرم ذلك لأنه لم يحسده على تلك ~~النعمة، من حيث إنها نعمة بل من حيث إنه يتوصل بتلك النعمة إلى الشر ~~والفساد وقوله: { من عند أنفسهم } أي من تلقاء انفسهم لم يأمرهم الله ~~بذلك { من بعد ما تبين لهم الحق } يعني في التوراة أن قول محمد صلى الله ~~عليه وسلم ودينه، حق لا يشكون فيه فكفروا به حسدا وبغيا { فاعفوا ~~واصفحوا } أي فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة وحسد وكان هذا الأمر ~~بالعفو، والصفح قبل أن يؤمر بالقتال { حتى يأتي الله بأمره } أي بعذابه ~~وهو القتل والسبي لبني قريظة والإجلاء والنفي لبني النضير قال ابن عباس: ~~هو أمر الله له بقتالهم في قوله: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر # [التوبة: 29] الآية { إن الله على كل شيء قدير } فيه وعيد وتهديد لهم { ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } لما أمر الله المؤمنين بالعفو والصفح عن ~~اليهود أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~الواجبتين، ونبه بذلك على سائر الواجبات ثم قال تعالى: { وما تقدموا ~~لأنفسكم من خير } أي من طاعة وعمل صالح، وقيل أراد بالخير المال يعني ~~صدقة التطوع، لأن الزكاة تقدم ذكرها { تجدوه عند الله } يعني ثوابه وأجره ~~حتى التمرة واللقمة مثل أحد { إن الله بما تعملون بصير } أي لا يخفى شيء ~~من قليل الأعمال، وكثيرها ففيه ترغيب في الطاعات، وأعمال البر وزجر عن ~~المعاصي. ### || [2.111-113] # قوله عز وجل: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا } يعني يهوديا، ~~وقيل هو جمع هائد { أو نصارى } وذلك أن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا ~~من كان يهوديا ولا دين إلا دين اليهودية، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة ~~إلا من كان نصرانيا ولا دين إلا دين النصرانية قيل: نزلت في وفد نجران ~~وكانوا نصارى اجتمعوا مع اليهود ms0098 في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فكذب بعضهم بعضا في دعواه قال الله: { تلك أمانيهم } أي شهواتهم الباطلة ~~التي تمنوها على الله بغير حق { قل } يعني يا محمد { هاتوا برهانكم } أي ~~حجتكم على دعواكم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان يهوديا أو نصرانيا دون ~~غيرهم { إن كنتم صادقين } يعني فيما تدعون. ثم قال تعالى ردا عليهم: { ~~بلى } أي ليس الأمر كما تزعمون ولكن { من أسلم وجهه لله وهو محسن } فإنه ~~الذي يدخل الجنة وينعم فيها ومعنى أسلم وجهه لله أخلص في دينه لله، وقيل: ~~أخلص عبادته لله. وقيل خضع وتواضع لله، لأن أصل الإسلام الاستسلام وهو ~~الخضوع، وإنما خص الوجة بالذكر لأنه أشرف الأعضاء، وإذا جاد الإنسان بوضع ~~وجهه على الأرض في السجود فقد جاد بجميع أعضائه، قال عمرو بن نفيل: # وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرا ثقالا وأسلمت وجهي لمن ~~أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا # يعني بذلك استسلمت لطاعة من استسلم لطاعته الأرض والمزن، وهو محسن أي في ~~عمله لله { فله أجره عند ربه } أي ثواب عمله { ولا خوف عليهم } أي في ~~الآخرة { ولا هم يحزنون } أي على ما فاتهم من الدنيا. قوله عز وجل: { ~~وقالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء } ~~نزلت في يهود المدينة ونصارى نجران، وذلك أن وفد نجران لما قدموا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود وتناظروا حتى ارتفعت ~~أصواتهم فقالت اليهود للنصارى: ما أنتم على شيء من الذين وكفروا بعيسى ~~والإنجيل وقالت النصارى لليهود ما أنتم على شيء من الذين وكفروا بموسى ~~والتوراة فأنزل الله تعالى: { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت ~~النصارى ليست اليهود على شيء } { وهم يتلون الكتاب } يعني وكلا الفريقين ~~يقرؤون الكتاب، وليس في كتابهم هذا الاختلاف فدلت تلاوتهم الكتاب ~~ومخالفتهم لما فيه على كفرهم وكونهم على الباطل. وقيل: إن الإنجيل الذي ~~تدين بصحته النصارى يحقق ما في التوراة من نبوة موسى وما فرض الله فيها ms0099 ~~على بني إسرائيل من الفرائض، وإن التوراة التي تدين بصحتها اليهود تحقق ~~نبوة عيسى وما جاء به من عند ربه من الأحكام ثم كلا الفريقين، قالوا: ما ~~أخبر الله عنهم بقوله: { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت ~~النصارى ليست اليهود على شيء } مع علم كل واحد من الفريقين ببطلان ما ~~قاله: { كذلك قال الذين لا يعلمون } يعني مشركي العرب قالوا في نبيهم ~~محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنهم ليسوا على شيء { مثل قولهم } يعني ~~مثل قول اليهود للنصارى والنصارى لليهود. وقيل: أمم كانت قبل اليهود ~~والنصارى مثل قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. قالوا في أنبيائهم: ليسوا ~~على شيء { فالله يحكم } أي يقضي { بينهم يوم القيامة } يعني بين المحق ~~والمبطل { فيما كانوا فيه يختلفون } يعني من أمر الدين. ### || [2.114-115] # قوله عز وجل: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه } نزلت ~~في خراب بيت المقدس وذلك أن ططوس الرومي غزا بني إسرائيل فقتل مقاتلتهم، ~~وسبى ذراريهم وحرق التوراة وخرب بيت المقدس فلم يزل خرابا حتى بناه ~~المسلمون في زمن عمر بن الخطاب فأنزل الله تعالى { ومن أظلم } أي ومن ~~أكفر وأبغى ممن منع مساجد الله، يعني بيت المقدس ومحاريبه أن يذكر فيها ~~اسمه أي يعبد ويصلي له فيها { وسعى في خرابها } وقيل: أن بختنصر المجوسي ~~من أهل بابل هو الذي غزا بني إسرائيل وخرب بيت المقدس وأعانه على ذلك ~~النصارى من أجل اليهود، قتلوا يحيى بن زكريا { أولئك ما كان لهم أن ~~يدخلوها إلا خائفين } ذلك أن بيت المقدس موضع حج النصارى وزيارتهم قال ~~ابن عباس: لم يدخلها بعد عمارتها رومي أو نصارني إلا خائفا إن علم به ~~قتل وقيل أخيفوا بالجزية والقتل فالجزية على الذمي، والقتل على الحربي ~~وقيل: خوفهم هو فتح مدائنهم الثلاث قسطنطينية ورومية وعمورية { لهم في ~~الدنيا خزي } يعني الصغار والذل والقتل والسبي { ولهم في الآخرة عذاب ~~عظيم } يعني النار. وقيل: إن الآية نزلت في مشركي مكة وأراد بالمساجد ~~المسجد الحرام وذلك ms0100 أنهم منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن ~~يصلوا فيه في ابتداء الإسلام، ومنعوهم من حجه والصلاة فيه عام الحديبية، ~~وإذا منعوا من يعمره بذكر الله تعالى وصلواته فيه فقد سعوا في خرابه ~~أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين يعني مشركي مكة يقول الله ~~تعالى: أفتحها عليكم أيها المسلمون حتى تدخلوها وتكونوا أولى بها منهم ~~ففتحها عليهم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادي بالموسم لما نزلت ~~سورة براءة: ألا لا يحجن البيت بعد هذا العام مشرك فكان هذا خوفهم وثبت ~~في الشرع أن لا يمكن مشرك من دخول الحرم. فإن قلت كيف قيل مساجد الله ~~وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد وهو إما بيت المقدس أو المسجد ~~الحرام؟. قلت يجوز أن يجيء الحكم عاما وإن كان السبب خاصا كما تقول لمن ~~آذى صالحا واحدا ومن أظلم ممن آذى الصالحين. فإن قلت أي القولين أرجح؟. ~~قلت رجح الطبري القول الأول وقال إن النصارى هم الذين سعوا في خراب بيت ~~المقدس بدليل أن مشركي مكة لم يسعوا في خراب المسجد الحرام، وإن كانوا قد ~~منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأوقات من الصلاة فيه، ~~وأيضا فإن الآية التي قبل هذه والتي بعدها في ذم أهل الكتاب، ولم يجر ~~لمشركي مكة ذكر ولا للمسجد الحرام فتعين أن يكون المراد بهذه بيت المقدس، ~~ورجح غيره القول الثاني بدليل أن النصارى يعظمون بيت المقدس أكثر من ~~اليهود فكيف يسعون في خرابه وهو موضع حجهم. # وذكر ابن العربي في أحكام القرآن قولا ثالثا، وهو أنه كل مسجد قال وهو ~~الصحيح لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع فتخصيصه ببعض المساجد أو ببعض ~~الأزمنة محال. قوله عز وجل: { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه ~~الله } سبب نزول هذه الآية قال ابن عباس: خرج نفر من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في سفر قبل تحويل القبلة إلى الكعبة فأصابهم الضباب وحضرت ~~الصلاة، فتحروا القبلة وصلوا فلما ms0101 ذهب الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا، ~~فلما قدموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت هذه الآية. ~~وعن عامر بن ربيعة عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل منا على حياله فلما ~~أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت { فأينما تولوا ~~فثم وجه الله } أخرجه الترمذي. وقال حديث غريب. وقال ابن عمر نزلت في ~~المسافر يصلي التطوع حيثما توجهت به راحلته ق عن ابن عمر قال: " إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ " ~~وكان ابن عمر يفعله وفي رواية لمسلم " كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصلي على دابته وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيثما توجهت وفيه نزلت { ~~فأينما تولوا فثم وجه الله } الاية: وقيل: نزلت في تحويل القبلة إلى ~~الكعبة وذلك أن اليهود عيرت المؤمنين وقالوا: ليس لهم قبلة معلومة فتارة ~~يستقبلون هكذا وتارة يستقبلون هكذا فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إنها ~~نزلت في تخيير النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليصلوا حيث شاؤوا من ~~النواحي ثم إنها نسخت بقوله تعالى: # فول وجهك شطر المسجد الحرام # [البقرة: 150] ومعنى الآية إن لله المشرق والمغرب وما بينهما خلقا ~~وملكا، وإنما خص المشرق والمغرب اكتفاء عن جميع الجهات لأن له كلها وما ~~بينهما خلقه وعبيده، وإن على جميعهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه فلما ~~أمرهم باستقباله فهو القبلة فإن القبلة ليست قبلة لذاتها بل لأن الله ~~تعالى جعلها قبلة، وأمر بالتوجه إليها { فأينما تولوا فثم وجه الله } أي ~~فهنالك قبلة الله التي وجهكم إليها، وقيل معناه فثم وجه الله تعالى بعلمه ~~وقدرته. والوجه صفة ثابتة لله تعالى لا من حيث الصورة. وقيل: فثم رضا ~~الله أي يريدون بالتوجه إليه رضاه { إن الله واسع } من السعة وهو الغني ~~أي يسع خلقه كلهم بالكفاية، والإفضال والجود والتدبير. وقيل واسع المغفرة ms0102 ~~{ عليم } أي بأعمالكم ونياتكم حيثما تصلوا، وتدعوا لا يغيب عنه منها شيء. ~~مسألة تتعلق بحكم الآية: وهي أن المسافر إذا كان في مفازة أو بلاد الشرك، ~~واشتبهت عليه القبلة فإنه يجتهد في طلبها بنوع من الدلائل ويصلي إلى ~~الجهة التي أدى إليها اجتهاده ولا إعادة عليه وإن لم يصادف القبلة فإن ~~جهة الاجتهاد قبلته، وكذا الغريق في البحر إذا بقي على اللوح فإنه يصلي ~~على حسب حاله، وتصح صلاته وكذلك المشدود على جذع بحيث لا يمكنه ~~الاستقبال. ### || [2.116] # قوله عز وجل: { وقالوا اتخذ الله ولدا } نزلت في يهود المدينة حيث ~~قالوا: عزيزا ابن الله، وفي نصارى نجران حيث قالوا المسيح ابن الله وفي ~~مشركي العرب حيث قالوا الملائكة بنات الله { سبحانه } أي تنزيها لله ~~فنزه الله نفسه عن اتخاذ الولد وعن قولهم: وافترائهم عليه خ عن ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: # " كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي ~~فزعم إني لا أقدر أن أعيده كما كان وأما شتمه إياي، فقوله لي ولد فسبحاني ~~أن أتخذ صاحبة أو ولدا " # { بل له ما في السموات والأرض } يعني عبيدا وملكا فكيف ينسب إليه ~~الولد وهو داخل فيهما. وقيل: إن الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد ~~والله تعالى منزه عن الشبيه والنظير. وقيل: إن الولد إنما يتخذ للحاجة ~~إليه والانتفاع به عند عجز الوالد وكبره، والله تعالى منزه عن ذلك كله ~~فإضافة الولد إليه محال { كل له قانتون } يعني أن أهل السموات والأرض ~~مطيعون لله ومقرون له بالعبودية، وأصل القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع. ~~وقيل: أصله: القيام ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " أفضل الصلاة طول القنوت " # فعلى هذا يكون معنى الآية كل له قائمون بالشهادة ومقرون له بالوحدانية. ~~وقيل: قانتون أي مذللون مسخرون لما خلقوا له. واختلف العلماء في حكم ~~الآية فقال بعضهم: هو خاص ثم سلكوا في تخصيصه طريقين. أحدهما: قالوا هو ~~راجع إلى ms0103 عزير والمسيح والملائكة. والثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~هو راجع إلى أهل طاعته دون سائر الكفار وذهب جماعة إلى أن حكم الآية عام ~~لأن لفظة كل تقتضي الشمول والإحاطة ثم سلكوا في الكفار طريقين. أحدهما أن ~~ظلالهم تسجد لله وتطيعه. والثاني أن هذه الطاعة تكون في يوم القيامة. ومن ~~ذهب إلى تخصيص حكم الآية أجاب عن لفظة كل بأنها لا تقتضي الشمول والإحاطة ~~بدليل قوله تعالى: # وأوتيت من كل شيء # [النحل: 23] ولم تؤت ملك سليمان فدل على أن لفظة كل لا تقتضي ذلك. ### || [2.117-119] # قوله عز وجل: { بديع السموات والأرض } أي خالقها ومبدعها ومنشئها على ~~غير مثال سبق. وقيل: البديع الذي يبدع الأشياء أي يحدثها مما لم يكن { ~~وإذا قضى أمرا } أي قدره وأراد خلقه. وقيل: إذا أحكم أمرا وحتمه ~~وأتقنه. وأصل القضاء الحكم والفراغ والقضاء في اللغة على وجوه كلها ترجع ~~إلى انقطاع الشيء وتمامه والفراغ منه { فإنما يقول له كن فيكون } أي إذا ~~أحكم أمرا وحتمه فإنما يقول له فيكون ذلك الأمر على ما أراد الله تعالى ~~وجوده. فإن قلت المعدوم لا يخاطب فكيف قال فإنما يقول له كن فيكون. قلت: ~~إن الله تعالى عالم بكل ما هو كائن قبل تكوينه وإذا كان كذلك كانت ~~الأشياء التي لم تكن كأنها كائنة لعلمه بها فجاز ان يقول لها: كوني ~~ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال العدم إلى حال الوجود وقيل اللام ~~في قوله: { له } لام أجل فيكون المعنى إذا قضى أمرا، فإنما يقول: لأجل ~~تكوينه وإرادته له كن فيكون فعلى هذا يذهب معنى الخطاب. قوله عز وجل: { ~~وقال الذين لا يعلمون } قال ابن عباس هم اليهود الذين كانوا في زمن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقيل: هم النصارى وقيل: هم مشركو العرب { لولا } ~~أي هلا { يكلمنا الله } أي عيانا بأنك رسوله { أو تأتينا آية } أي دلالة ~~وعلامة على صدقك { كذلك قال الذين من قبلهم } أي كفار الأمم الخالية { ~~مثل قولهم } وذلك أن اليهود سألوا موسى ms0104 أن يريهم الله جهرة، وأن يسمعهم ~~كلام الله. وسألوه من الآيات ما ليس لهم مسألته فأخبر الله عن الذين ~~كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: مثل ما قال من ~~كان قبلهم { تشابهت قلوبهم } يعني أن المكذبين للرسل تشابهت أقوالهم ~~وأفعالهم. وقيل تشابهت في الكفر والقسوة والتكذيب وطلب المحال { قد بينا ~~الآيات } أي الدلالات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم { لقوم يوقنون } ~~يعني أن آيات القرآن وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات ~~الباهرات كافية لمن كان طالبا لليقين، وإنما خص أهل الإيقان بالذكر ~~لأنهم هم أهل التثبت في الأمور ومعرفة الأشياء على يقين. قوله عز وجل: { ~~إنا أرسلناك بالحق } أي بالصدق وقال ابن عباس: بالقرآن وقيل: بالإسلام ~~وقيل: معناه إنا لم نرسلك عبثا، بل أرسلناك بالحق { بشيرا } أي مبشرا ~~لأوليائي، وأهل طاعتي بالثواب العظيم { ونذيرا } أي منذرا ومخوفا ~~لأعدائي وأهل معصيتي بالعذاب الأليم { ولا تسأل } قرئ بفتح التاء على ~~النهي قال ابن عباس: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: # " ليت شعري ما فعل أبواي " # فنزلت هذه الآية، والمعنى إنا أرسلناك لتبليغ ما أرسلت به ولا تسأل عن ~~أصحاب الجحيم. وقرئ ولا تسأل بضم التاء ورفع اللام على الخبر. وقيل: على ~~النفي والمعنى إنا أرسلناك بالحق لتبليغ ما أرسلت به، فإنما عليك البلاغ ~~ولست مسؤولا عمن كفر { عن أصحاب الجحيم } أي عن أهل النار، سميت النار ~~جحيما لشدة تأججها. وقيل: الجحيم معظم النار. ### || [2.120-121] # قوله عز وجل: { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } وذلك ~~أنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة ويطمعونه أنه إن ~~أمهلهم اتبعوه فأنزل الله هذه الآية والمعنى إنك وإن هادنتهم فلا يرجون ~~بها وإنما يطلبون ذلك تعللا ولا يرجون منك إلا باتباع ملتهم. وقال ابن ~~عباس: هذا في أمر القبلة وذلك أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون ~~النبي صلى الله عليه وسلم، حين كان يصلي إلى بيت المقدس، ms0105 فلما صرف الله ~~القبلة إلى الكعبة أيسوا منه أن يوافقهم على دينهم فأنزل الله تعالى: { ~~ولن ترضى عنك اليهود } يعني إلا باليهودية، { ولا النصارى } يعني إلا ~~بالنصرانية وهذا شيء لا يتصور إذ لا يجتمع في رجل واحد شيئان في وقت واحد ~~وهو قوله: { حتى تتبع ملتهم } يعني دينهم وطريقتهم { قل } أي ما محمد { ~~إن هدى الله } يعني دين الله الذي هو الإسلام { هو الهدى } أي يصح أن ~~يسمى هدى { ولئن اتبعت } يا محمد { أهواءهم } يعني أهواء اليهود ~~والنصارى، فيما يرضيهم عنك وقيل: أهواءهم أقوالهم التي هي أهواء وبدع { ~~بعد الذي جاءك من العلم } أي البيان لأن دين الله هو الإسلام وأن القبلة ~~هي قبلة إبراهيم عليه السلام وهي الكعبة { ما لك من الله من ولي } يعني ~~يلي أمرك ويقوم بك { ولا نصير } أي ينصرك ويمنعك من عقابه وقيل: في قوله ~~ولئن اتبعت أهواءهم أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته، ~~والمعنى إياكم أخاطب ولكم أؤدب وأنهى فقد علمتم أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم قد جاءكم بالحق والصدق وقد عصيته فلا تتبعوا أنتم أهواء الكافرين. ~~ولئن اتبعتم أهواءهم بعد الذي جاءكم من العلم والبينات ما لكم من الله من ~~ولي ولا نصير. قوله عز وجل: { الذين آتيناهم الكتاب } قال ابن عباس: نزلت ~~في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب وكانوا أربعين رجلا ~~اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة وثمانية من رهبان الشام منهم بحيرا الرهب، ~~وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب مثل عبدالله بن سلام وأصحابه. وقيل: هم أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وقيل: هم مؤمنون عامة { يتلونه حق ~~تلاوته } أي يقرؤونه كما أنزل لا يغيرونه ولا يحرفونه ولا يبدلون ما فيه ~~من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: معناه يتبعونه حق اتباعه ~~فيحلون حلاله ويحرمون حرامه ويعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ويقفون عنده ~~ويكلون علمه إلى الله تعالى. وقيل: معناه تدبروه حق تدبره وتفكروا في ~~معانيه وحقائقه وأسراره { أولئك } يعني الذين ms0106 يتلونه حق تلاوته { يؤمنون ~~به } أي يصدقون به. فإن قلنا: إن الآية في أهل الكتاب فيكون المعنى إن ~~المؤمن بالتوراة الذي يتلوها حق تلاوتها هو المؤمن بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم لأن في التوراة نعته وصفته. وإن قلنا: إنها نزلت في المؤمنين عامة ~~فظاهر { ومن يكفر به } أي يجحد ما فيه من فرائض الله ونبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم { فأولئك هم الخاسرون } أي خسروا أنفسهم حيث استبدلوا الكفر ~~بالإيمان. ### || [2.122-124] # قوله عز وجل: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } أي ~~أيادي لديكم وصنعي بكم واستنقاذي إياكم من أيدي عدوكم في نعم كثيرة أنعمت ~~بها عليكم { وأني فضلتكم على العالمين } أي واذكروا تفضيلي إياكم على ~~عالمي زمانكم، وفي هذه الآية عظة لليهود الذي كانوا في زمن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكررها في أول السورة وهنا للتوكيد وتذكير النعم { واتقوا ~~يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا } وفي هذه الآية ترهيب لهم والمعنى يا ~~معشر بني إسرائيل المبدلين كتابي المحرفين له، خافوا عذاب يوم لا تجزى ~~فيه نفس عن نفس شيئا { ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة } أي لا يقبل ~~منها فدية ولا يشفع لها شافع وهذا من العام الذي يراد به الخاص كقوله ~~تعالى # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له # [سبأ: 23] ومعنى الآية ولا تنفعها شفاعة إذا وجب عليها العذاب ولم تستحق ~~سواه. وقيل: إنه رد على اليهود في قولهم إن آباءنا يشفعون لنا { ولا هم ~~ينصرون } أي ولا ناصر لهم ينصرهم من الله إذا انتقم منهم قوله عز وجل: { ~~وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } إبراهيم اسم أعجمي ومعناه أب رحيم ~~وهو إبراهيم بن تارخ وهو آزر بن ناخور بن شاروع بن أرغو بن فالغ بن عابر ~~بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام، وكان مولد إبراهيم بالسوس ~~من أرض الأهواز وقيل: ببابل وقيل بكوثى وهي قرية من سواد الكوفة. وقيل: ~~بحران ولكن أباه نقله إلى أرض بابل وهي ms0107 أرض نمروذ الجبار. وإبراهيم عليه ~~السلام تعترف بفضله جميع الطوائف قديما، وحديثا فأما اليهود والنصارى ~~فإنهم مقرون بفضله ويتشرفون بالنسبة إليه وأنهم من أولاده وأما العرب في ~~الجاهلية فإنهم أيضا يعترفون بفضله ويتشرفون على غيرهم به لأنهم من ~~أولاده، ومن ساكني حرمه وخدام بيته، ولما جاء الإسلام زاده الله شرفا ~~وفضلا فحكى الله تعالى عن إبراهيم أمورا توجب على المشركين والنصارى ~~واليهود قبول قول محمد صلى الله عليه وسلم والاعتراف بدينه والانقياد ~~لشرعه لأن ما أوجبه الله على إبراهيم عليه السلام هو من خصائص دين محمد ~~صلى الله عليه وسلم وفي ذلك حجة على اليهود والنصارى ومشركي العرب في ~~وجوب الانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به وتصديقه. وأصل ~~الابتلاء الامتحان والاختبار ليعرف حال الإنسان وسمي التكليف بلا ء لأنه ~~يشق على الأبدان. وقيل: ليختبر به حال الإنسان فإذا قيل: ابتلى فلان بكذا ~~يتضمن أمرين: أحدهما تعرف حاله والوقوف على ما يجهل من أمره. والثاني ~~ظهور جودته ورداءته وابتلاء الله العباد ليس ليعلم أحوالهم، والوقوف على ~~ما يجهل منها لأنه عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل ~~التفصيل من الأزل إلى الأبد. # ولكن ليعلم العباد أحوالهم من ظهور جودة ورداءة وعلى هذا ينزل قوله ~~تعالى: { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات }. واختلفوا في تلك الكلمات التي ~~ابتلى الله بها إبراهيم عليه السلام قال ابن عباس: هي ثلاثون سماهن شرائع ~~الإسلام لم يبتل بها أحد فأقامها كلها إلا إبراهيم فكتب الله له البراءة ~~فقال: # وإبراهيم الذي وفى # [النجم: 37] ومعنى هذا الكلام إنه لم يبتل أحد قبل إبراهيم فأما بعده ~~فقد أتى الأنبياء بجميع ما أمروا به من الدين خصوصا، نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم فقد أتى بجميع ما أمر به، وهي عشرة مذكورة في سورة براءة ~~في وقوله: # التائبون العابدون # [التوبة: 112] الآية وعشرة في سورة الأحزاب في قوله: # إن المسلمين والمسلمات # [الأحزاب: 35] الآية وعشرة في سورة المؤمنون في قوله: # قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون # [المؤمنون: ms0108 1-2] الآيات وهي مذكورة أيضا في سورة سأل سائل. وعن ابن ~~عباس أيضا قال: ابتلاه الله بعشرة أشياء هن الفطرة خمس في الرأس قص ~~الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وخمس في الجسد تقليم ~~الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء ق. عن أبي ~~هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " الفطرة خمس، في رواية خمس من الفطرة الختان والاستحداد وقص الشارب ~~وتقليم الأظافر ونتف الإبط " # م عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك والاستنشاق بالماء وقص ~~الأظافر وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء " # يعني الاستنجاء قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. قال وكيع: ~~انتقاص الماء يعني الاستنجاء قال العلماء: الفطرة السنة. وقيل: الملة ~~وقيل: الطريقة وهذه الأشياء المذكورة في الحديث وأنها من الفطرة قيل كانت ~~على إبراهيم عليه السلام فرضا وهي لنا سنة واتفقت العلماء على أنها من ~~الملة وأما معانيها فقد قيل: أما قص الشارب وإعفاء اللحية فمخالفة ~~للأعاجم فإنهم كانوا يقصون لحاهم، أو يوفرون شواربهم أو يوفرونهما معا، ~~وذلك عكس الجمال والنظافة وأما السواك والمضمضة والاستنشاق فلتنظيف الفم، ~~والأنف من الطعام والقلح والوسخ، وأما قص الأظافر فللجمال، والزينة فإنها ~~إذا طالت قبح منظرها، واحتوى الوسخ فيها وأما غسل البراجم وهي العقد التي ~~في ظهور الأصابع فإنه يجتمع فيها الوسخ ويشين المنظر، وأما حلق العانة ~~ونتف الإبط فللتنظف عما يجتمع من الوسخ في الشعر وأما الاستنجاء، فلتنظيف ~~ذلك المحل عن الأذى وأما الختان فلتنظيف القلفة، عما يجتمع فيها من ~~البول. واختلف العلماء في وجوبه فذهب الشافعي إلى أن الختان واجب لأنه ~~تنكشف له العورة، ولا يباح ذلك إلا في الواجب وذهب غيره إلى أنه سنة. # وأول من ختن إبراهيم عليه السلام ولم يختتن أحد قبله ق عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اختتن إبراهيم بالقدوم " # يروى القدوم بالتخفيف والتشديد، فمن خفف ms0109 ذهب إلى أنه اسم للآلة التي ~~يقطع بها ومن شدد قال: إنه اسم موضع. عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن ~~المسيب يقول: " كان إبراهيم خليل الرحمن أول الناس ضيف الضيف وأول الناس ~~قص شاربه وأول الناس رأى الشيب: قال: رب ما هذا قال الرب تبارك وتعالى ~~وقارا يا إبراهيم قال رب زدني وقارا " أخرجه مالك في الموطأ وقيل: في ~~الكلمات إنها مناسك الحج. وقيل: ابتلاه الله بسبعة أشياء بالكوكب والقمر ~~والشمس فأحسن النظر فيهن وبالنار والهجرة وذبح ولده والختان، فصبر عليها ~~وقيل: إن الله اختبر إبراهيم بكلمات أوحاها إليه وأمره أن يعمل بهن ~~فأتمهن أي أداهن حق التأدية، وقام بموجبهن حق القيام وعمل بهن من غير ~~تفريط وتوان ولم ينتقص منهن شيئا. واختلفوا هل كان هذا الابتلاء قبل ~~النبوة أو بعدها فقيل: كان قبل النبوة بدليل قوله في سياق الآية: { إني ~~جاعلك للناس إماما } والسبب يتقدم على المسبب. وقيل: بل كان هذا ~~الابتلاء بعد النبوة لأن التكليف لا يعلم إلا من جهة الوحي الإلهي وذلك ~~بعد النبوة. والصواب أنه إن فسر الابتلاء بالكوكب والقمر والشمس كان ذلك ~~قبل النبوة، وإن فسر بما وجب عليه من شرائع الدين كان ذلك بعد النبوة. ~~وقوله تعالى: { قال إني جاعلك للناس إماما } أي يقتدى بك في الخير ~~ويأتمون بسنتك وهديك، والإمام هو الذي يؤتم به { قال ومن ذريتي } أي قال ~~إبراهيم: واجعل من ذريتي وأولادي أئمة يقتدى بهم { قال } الله { لا ينال ~~} أي لا يصيب { عهدي } أي نبوتي. وقيل الإمامة { الظالمين } يعني من ~~ذريتك والمعنى لا ينال ما عاهدت إليك من النبوة والإمامة من كان ظالما ~~من ذريتك وولدك. ### || [2.125] # قوله عز وجل: { وإذ جعلنا البيت } يعني البيت الحرام، وهو الكعبة ويدخل ~~فيه الحرم فإن الله تعالى وصفه بكونه آمنا وهذه صفة جميع الحرم { مثابة ~~للناس } أي مرجعا من ثاب يثوب إذا رجع، والمعنى يثوبون إليه من كل جانب ~~يحجونه { وأمنا } أي موضعا ذا أمن يؤمنون فيه من أذى المشركين فإنهم ~~كانوا ms0110 لا يتعرضون لأهل مكة: ويقولون: هم أهل الله. وقال ابن عباس: معاذا ~~وملجأ ق عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: # " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله ~~تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ~~ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ~~ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه فقال العباس: يا ~~رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم فقال: إلا الإذخر " # معنى الحديث: أنه لا يحل لأحد أن ينصب القتال والحرب في الحرم وإنما أحل ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة فقط ولا يحل لأحد بعده. ~~قوله: لا يعضد شوكه أي لا يقطع شوك الحرم وأراد به ما لا يؤذي منه أما ما ~~يؤذي منه كالعوسج فلا بأس بقطعه. قوله: ولا ينفر صيده أي لا يتعرض له ~~بالاصطياد ولا يهاج. قوله: ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها أي ينشدها. ~~والنشد رفع الصوت بالتعريف. واللقطة في جميع الأرض لا تحل إلا لمن يعرفها ~~حولا فإن جاء صاحبها أخذها. وإلا انتفع بها الملتقط بشرط الضمان. وحكم ~~مكة في اللقطة أن يعرفها على الدوام بخلاف غيرها من البلاد فإنه محدود ~~بسنة. قوله: ولا يختلى خلاه. الخلي مقصور الرطب من النبات الذي يرعى ~~وقيل: هو اليابس من الحشيش وخلاه قطعه. وقول: لقينهم القين الحداد وقوله ~~تعالى: { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } قيل: الحرم كله مقام إبراهيم، ~~وقيل: أراد بمقام إبراهيم جميع مشاهد الحج مثل عرفة والمزدلقة والرمي ~~وسائر المشاهد، والصحيح أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي يصلي عنده الأئمة، ~~وذلك الحجر هو الذي قام إبراهيم عليه عند بناء البيت، وقيل: كان أثر ~~أصابع رجلي إبراهيم عليه السلام فيه فاندرست بكثرة المسح بالأيدي وقيل: ~~إنما أمروا بالصلاة عنده ولم يؤمروا بمسحه وتقبيله ق عن أنس بن مالك قال ms0111 ~~قال عمر: " وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم ~~مصلى فنزلت: { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } الحديث. وكان بدء قصة ~~المقام على ما رواه البخاري في صحيحه، عن ابن عباس قال: أول ما اتخذت ~~النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة ثم ~~جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند ~~دوحة فوق زمزم من أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد ليس بها ماء فوضعهما ~~هناك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفى إبراهيم منطلقا ~~فتبعته أم إسماعيل. # فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا ~~شيء فقالت له: ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: آلله أمرك بهذا ~~قال: نعم قالت إذا لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند ~~الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه ~~وقال ربنا: إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع حتى بلغ يشكرون وجعلت أم ~~إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء ~~عطشت، وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: يتلبط فانطلقت كراهية أن ~~تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت ~~الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الصفا حتى بلغت الوادي، ~~ورفعت طرف درعها وسعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت ~~المروة فقامت عليها، فنظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع ~~مرات. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك سعى الناس ~~بينهما فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه تريد نفسها ثم تسمعت ~~فسمعت أيضا فقالت يا من قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند ~~موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتقول: ~~بيدها هكذا وجعلت تغرف ms0112 من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف قال ابن ~~عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم # " يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم، أو قال: لو لم تغرف من الماء ~~لكانت زمزم عينا معينا " # قال: فشربت وأرضعت ولدها. فقال: لها الملك لا تخافي الضيعة، فإن ها هنا ~~بيتا لله يبتنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت ~~مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمنيه وعن شماله فكانت ~~كذلك، حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، ~~فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور ~~على ماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم ~~بالماء، فرجعوا فأخبروهم فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين ~~لنا أن ننزل عندك قالت: نعم ولكن لا حق لكم في الماء قالوا: نعم. # قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم فألقى ذلك أم إسماعيل، وهي ~~تحب الأنس فأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كانوا بها أهل أبيات ~~منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وآنسهم وأعجبهم حيث شب فلما أدرك ~~زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل ~~يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا وفي ~~رواية ذهب يصيد لنا ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر نحن في ضيق ~~وشدة وشكت إليه فقال إذا جاء زوجك اقرئي عليه السلام وقولي له: يغير عتبة ~~بابه فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم ~~جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في ~~جهد، وشدة فقال: هل أوصاك بشيء قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ~~ويقول لك غير عتبة بابك قال ذلك أبي، وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك ~~فطلقها، وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم ~~أتاهم بعد ms0113 فلم يجده فدخل على امرأته فسأل عنه. فقالت: خرج يبتغي لنا، ~~قال: كيف أنتم وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على ~~الله عز وجل فقال: وما طعامكم؟ قالت اللحم قال: وما شرابكم قالت: الماء ~~قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم حب دعا لهم فيه " # ، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه وفي رواية فجاء ~~فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: قد ذهب يصيد، فقالت امرأته: ألا تنزل ~~عندنا فتطعم وتشرب. قال: وما طعامكم وشرابكم قالت: طعامنا اللحم وشرابنا ~~الماء قال اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم. قال: فقال أبو القاسم بركة ~~دعوة إبراهيم. قال فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه أن يثبت عتبة ~~بابه فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسن ~~الهيئة، وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا ~~بخير قال فأوصاك بشيء قالت: نعم يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة ~~بابك فقال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك ثم لبث عنهم ما شاء الله ~~ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما ~~رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا ~~إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال: فاسمع ما أمرك ربك. قال: وتعينني قال ~~وأعينك قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتا ها هنا وأشار إلى أكمة مرتفعة ~~على ما حولها فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة ~~وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاءه بهذا الحجر فوضعه له، فقام ~~إبراهيم عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ربنا تقبل ~~منا إنك أنت السميع العليم: وفي رواية حتى إذا ارتفع البناء وضعف الشيخ ~~عن نقل الحجارة فقام على حجر المقام، فجعل يناوله الحجارة ويقولان: ربنا ~~تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وقيل: ms0114 إن امرأة إسماعيل قالت لإبراهيم: ~~انزل اغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بالمقام فوضعته عند شقه الأيمن، فوضع ~~قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولته إلى شقه الأيسر فغسلت شق رأسه ~~الأيسر فبقي أثر قدميه عليه. # عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لم ~~يطمس نورهما لأضاء ما بين المشرق والمغرب " # أخرجه الترمذي. وقال هذا يروى عن ابن عمر موقوفا. واختلفوا في قوله: ~~مصلى فمن فسر المقام بمشاهد الحج ومشاعره قال مصلى مدعى من الصلاة التي ~~هي الدعاء، ومن فسر المقام بالحجر قال معناه واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى قبلة، أمروا بالصلاة عنده وهذا القول هو الصحيح، لأن لفظ الصلاة ~~إذا أطلق لا يعقل منه إلا الصلاة المعهودة ذات الركوع والسجود، ولأن مصلى ~~الرجل هو الموضع الذي يصلي فيه { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل } أي ~~أمرناهما وألزمناهما وأوجبنا عليهما. قيل: إنما سمي إسماعيل لأن إبراهيم ~~كان يدعو الله أن يرزقه ولدا، ويقول في دعائه: اسمع يا إيل وإيل بلسان ~~السريانية هو الله. فلما رزق الولد سماه به { أن طهرا بيتي } يعني الكعبة ~~أضافه إليه تشريفا وتفضيلا وتخصيصا، أي ابنياه على الطهارة والتوحيد، ~~وقيل طهراه من سائر الأقذار والأنجاس، وقيل طهراه من الشرك والأوثان وقول ~~الزور { للطائفين } يعني الدائرين حوله { والعاكفين } يعني المقيمين به ~~والمجاورين له { والركع السجود } جمع راكع وساجد وهم المصلون وقيل: ~~الطائفين يعني الغرباء الواردين إلى مكة والعاكفين يعني أهل مكة المقيمين ~~بها. قيل: إن الطواف للغرباء أفضل والصلاة لأهل مكة بمكة أفضل. ### || [2.126] # قوله عز وجل: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا } إشارة إلى مكة وقيل إلى ~~الحرم { بلدا آمنا } أي ذا أمن يأمن فيه أهله، وإنما دعا إبراهيم له ~~بالأمن لأنه بلد ليس فيه زرع ولا ثمر فإذا لم يكن آمنا، لم يجلب إليه ~~شيء من النواحي فيتعذر المقام به. فأجاب الله تعالى دعاء إبراهيم وجعله ~~بلدا آمنا، ms0115 فما قصده جبار إلا قصمه الله تعالى كما فعل بأصحاب الفيل ~~وغيرهم من الجبابرة. فإن قلت: قد غزا مكة الحجاج وخرب الكعبة. قلت لم يكن ~~قصده بذلك مكة ولا أهلها ولا إخراب الكعبة، وإنما كان قصده خلع ابن ~~الزبير من الخلافة ولم يتمكن من ذلك إلا بذلك فلما حصل قصده أعاد بناء ~~الكعبة فبناها وشيدها وعظم حرمتها وأحسن إلى أهلها. واختلفوا هل كانت مكة ~~محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه السلام أو حرمت بدعوته على قولين: أحدهما ~~أنها كانت محرمة قبل دعوته بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض " # وقول إبراهيم عليه السلام: " إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند ~~بيتك المحرم " فهذا يقتضي أن مكة كانت محرمة قبل دعوة إبراهيم. القول ~~الثاني: أنها إنما حرمت بدعوة إبراهيم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة " # وهذا يقتضي أن مكة كانت قبل دعوة إبراهيم حلالا كغيرها من البلاد، ~~وإنما حرمت بدعوة إبراهيم، ووجه الجمع بين القولين وهو الصواب أن الله ~~تعالى حرم مكة يوم خلقها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: # " إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض " # ولكن لم يظهر ذلك التحريم على لسان أحد من أنبيائه ورسله، وإنما كان ~~تعالى يمنعها ممن أرادها بسوء، ويدفع عنها وعن أهلها الآفات والعقوبات ~~فلم يزل ذلك من أمرها حتى بوأها الله تعالى إبراهيم وأسكن بها أهله ~~فحينئذ سأل إبراهيم ربه عز وجل أن يظهر تحريم مكة لعباده على لسانه فأجاب ~~الله تعالى دعوته، وألزم عباده تحريم مكة فصارت مكة حراما بدعوة ~~إبراهيم، وفرض على الخلق تحريمها والامتناع من استحلالها واستحلال صيدها ~~وشجرها فهذا وجه الجمع بين القولين وهو الصواب، والله أعلم { وارزق أهله ~~من الثمرات } إنما سأل إبراهيم ذلك لأن مكة لم يكن بها زرع ولا ثمر ~~فاستجاب الله تعالى له وجعل مكة حرما آمنا يجبي إليه ثمرات كل شيء { من ~~آمن منهم بالله ms0116 واليوم الآخر } يعني ارزق المؤمنين من أهله خاصة. وسبب ~~هذا التخصيص أن إبراهيم عليه السلام لما سأل ربه عز وجل أن يجعل النبوة ~~والإمامة في ذريته فأجابه الله بقوله: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124] صار ذلك تأديبا له في المسألة، فلا جرم خص ها هنا بدعائه ~~المؤمنين دون الكافرين ثم أعلمه أن الرزق في الدنيا يستوي فيه المؤمن ~~والكافر بقوله: { قال ومن كفر فأمتعه } أي سأرزق الكافر أيضا { قليلا } ~~أي في الدنيا إلى منتهى أجله وذلك قليل لأنه ينقطع { ثم أضطره إلى عذاب ~~النار } أي ألجئه وأكرهه وأدفعه إلى عذاب النار، والمضطر هو الذي لا يملك ~~لنفسه الامتناع مما اضطر إليه { وبئس المصير } أي وبئس المكان الذي يصير ~~إليه الكافر وهو العذاب. ### || [2.127] # قوله تعالى: { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل } وكانت قصة ~~بناء البيت على ما ذكره العلماء، وأصحاب السير أن الله تعالى خلق موضع ~~البيت قبل أن يخلق الأرض بألفي عام فكانت زبدة بيضاء على وجه الماء، ~~فدحيت الأرض من تحتها فلما أهبط الله آدم إلى الأرض استوحش فشكا إلى الله ~~تعالى، فأنزل البيت المعمور وهو من ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من ~~زمرد أخضر باب شرقي، وباب غربي فوضعه على موضع البيت، وقال يا آدم إني ~~أهبطت لك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي ~~وأنزل الله عليه الحجر الأسود، وكان أبيض فاسود من مس الحيض في الجاهلية ~~فتوجه آدم من الهند ماشيا إلى مكة، وأرسل الله إليه ملكا يدله على ~~البيت فحج آدم وأقام المناسك، فلما فرغ تلقته الملائكة وقالوا له بر حجك ~~يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. قال ابن عباس: حج آدم أربعين ~~حجة من الهند إلى مكة على رجليه فكان على ذلك إلى أيام الطوفان فرفعه ~~الله إلى السماء الرابعة، وهو البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ~~ثم لا يعودون إليه، وبعث الله جبريل حتى خبأ الحجر الأسود في جبل ms0117 أبي ~~قبيس صيانة له، من الغرق فكان موضع البيت خاليا إلى زمن إبراهيم عليه ~~السلام. ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم بعد ما ولد له إسماعيل وإسحاق ~~ببناء بيت يذكر فيه ويعبد فسأل الله أن يبين له موضعه، فبعث الله السكينة ~~لتدله على موضع البيت وهي ريح خجوج لها رأسان تشبه الحية، والخجوج من ~~الرياح هي الشديدة السريعة الهبوب وقيل: هي المتلوية في هبوبها، وأمر ~~إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة فتبعها إبراهيم، حتى أتت موضع البيت ~~فتطوقت عليه كتطويق الحجفة، وقال ابن عباس: بعث الله سبحانه وتعالى سحابة ~~على قدر الكعبة فجعلت تسير، وإبراهيم يمشي في ظلها إلى أن وقفت على موضع ~~البيت، ونودي منها يا إبراهيم ابن على قدر ظلها لا تزد ولا تنقص. وقيل: ~~إن الريح كنست له ما حول الكعبة حتى ظهر له أساس البيت الأول فذلك قوله ~~تعالى: # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت # [البقرة: 26] فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت فكان إبراهيم يبنيه، وإسماعيل ~~يناوله الحجارة فذلك قوله تعالى: { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت } ~~جمع قاعدة وهي أس البيت. وقيل جدرة من البيت. قال ابن عباس: بنى إبراهيم ~~البيت من خمسة أجبل: من طور سيناء وطور زيتا ولبنان جبل بالشام والجودي ~~جبل بالجزيرة، وبنى قواعده من حراء جبل بمكة فلما انتهى إبراهيم إلى موضع ~~الحجر الأسود قال لإسماعيل: ائتني بحجر حسن يكون للناس علما فأتاه بحجر ~~فقال ائتني بأحسن منه فمضى إسماعيل ليطلب حجرا أحسن منه فصاح أبو قبيس: ~~يا إبراهيم إن لك عندي وديعة فخذها فقذف بالحجر الأسود فأخذه إبراهيم ~~فوضعه مكانه وقيل: إن الله أمد إبراهيم وإسماعيل بسبعة أملاك يعينونهما ~~في بناء البيت فلما فرغا من بنائه قالا: { ربنا تقبل منا } وفي الآية ~~إضمار تقديره ويقولان ربنا تقبل منا أي ما عملنا لك، وتقبل طاعتنا إياك ~~وعبادتنا لك { إنك أنت السميع } أي لدعائنا { العليم } يعني بنياتنا. ### || [2.128-129] # قوله عز وجل: { ربنا واجعلنا مسلمين لك } يعني موحدين مخلصين مطيعين ~~خاضعين لك. فإن قلت: الإسلام إما ms0118 أن يكون المراد منه الدين والاعتقاد أو ~~الاستسلام والانقياد وقد كانا كذلك حالة هذا الدعاء فيما فائدة هذا ~~الطلب؟ قلت فيه وجهان أحدهما أن الإسلام عرض قائم بالقلب وقد لا يبقى، ~~فقوله: واجعلنا مسلمين لك يعني في المستقبل وذلك لا ينافي حصوله في ~~الحال. الوجه الثاني يحتمل أن يكون المراد منه طلب الزيادة في الإيمان ~~فكأنهما طلبا زيادة اليقين والتصديق وذلك لا ينافي حصوله في الحال { ومن ~~ذريتنا } أي من أولادنا { أمة } أي جماعة { مسلمة } أي خاضعة منقادة { لك ~~} وإنما أدخل من التي هي للتبعيض لأن الله تعالى أعلمهما بقوله: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124] إن في ذريتهما الظالم فلهذا خص بعض الذرية بالدعاء. فإن ~~قلت: لم خص ذريتهما بالدعاء. قلت: لأنهم أحق بالشفقة والنصيحة، قال الله ~~تعالى: # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # [التحريم: 6] ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم ألا ترى أن ~~المتقدمين من العلماء والكبراء: إذا كانوا على السداد كيف يتسببون لسداد ~~من وراءهم. وقيل: أراد بالأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله ~~تعالى: # وابعث فيهم رسولا منهم # [البقرة: 129] { وأرنا } أي علمنا وبصرنا { مناسكنا } أي شرائع ديننا ~~وأعلام حجنا، وقيل: مناسكنا يعني مذابحنا والنسك الذبيحة، وقيل متعبداتنا ~~وأصل النسك العبادة والناسك العابد فأجاب الله دعاءهما وبعث جبريل ~~فأراهما المناسك في يوم عرفة فلما بلغ عرفات قال: عرفت يا إبراهيم. قال ~~إبراهيم: نعم فسمي ذلك الوقت عرفة والموضع عرفات { وتب علينا } أي تجاوز ~~عنا { إنك أنت التواب } أي المتجاوز عن عباده { الرحيم } بهم واحتج بقوله ~~" وتب علينا " من جوز الذنوب على الأنبياء. ووجهه أن التوبة لا تطلب من ~~الله إلا بعد تقدم الذنب فلو لا تقدم الذنب لم يكن لطلب التوبة وجه. ~~وأجيب عنه بأن العبد وإن اجتهد في طاعة ربه عز وجل فإنه لا ينفك عن تقصير ~~في بعض الأوقات. أما على سبيل السهو أو ترك الأولى والأفضل، وكان هذا ~~الدعاء لأجل ذلك، وقيل: يحتمل أن الله تعالى لما أعلم إبراهيم أن في ~~ذريته من ms0119 ظالم فلا جرم سأل ربه التوبة لأولئك الظلمة، والمعنى وتب على ~~الظلمة من أولادنا حتى يرجعوا إلى طاعتك فيكون ظاهر الكلام الدعاء ~~لأنفسهما والمراد به ذريتهما. وقيل: يحتمل أنهما لما رفعا قواعد البيت ~~وكان ذلك المكان أحرى الأماكن بالإجابة دعوا الله بذلك الدعاء ليجعلا ذلك ~~سنة وليقتدى من بعدهما في ذلك الدعاء لأن ذلك المكان هو موضع التنصل من ~~الذنوب وسؤال التوبة والمغفرة من الله تعالى. قوله عز وجل: { ربنا وابعث ~~فيهم رسولا منهم } يعني وابعث في الأمة المسلمة أو الذرية وهم العرب من ~~ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. # وقوله: رسولا منهم يعني ليدعوهم إلى الإسلام ويكمل الدين والشرع، وإذا ~~كان الرسول منهم يعرفون نسبه ومولده ومنشأه كان أقرب لقبول قوله ويكون هو ~~أشفق عليهم من غيره، وأجمع المفسرون على أن المراد به بقوله " رسولا ~~منهم " هو محمد صلى الله عليه وسلم لأن إبراهيم عليه السلام إنما دعا ~~لذريته وهو بمكة ولم يبعث من ذريته بمكة غير محمد صلى الله عليه وسلم فدل ~~على أن المراد به محمد صلى الله عليه وسلم وروى البغوي بإسناده عن ~~العرباض بن سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم ~~بأول أمري أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني، ~~وقد خرج لها نور ساطع أضاءت لها منه قصور الشام " # وقوله: لمنجدل في طينته معناه أنه مطروح على وجه الأرض صورة من طين لم ~~تجر فيه الروح وأراد بدعوة إبراهيم قوله: { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ~~} ، فاستجاب الله دعاء إبراهيم وبعث محمدا صلى الله عليه وسلم في آخر ~~الزمان وأنقذهم به من الكفر والظلم وأراد ببشارة عيسى عليه السلام قوله ~~في سورة الصف: # ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد # [الصف: 6] { يتلو عليهم } أي يقرأ عليهم { آياتك } يعني ما توحيه إليه ~~وهو القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن الذي كان يتلوه ~~عليهم هو ms0120 القرآن فوجب حمله عليه { ويعلمهم الكتاب } يعني معاني الكتاب ~~وحقائقه لأن المقصود الأعظم تعليم ما في القرآن من دلائل التوحيد والنبوة ~~والأحكام الشرعية فلما ذكر الله تعالى أولا أمر التلاوة، وهي حفظ القرآن ~~ودراسته ليبقى مصونا عن التحريف، والتبديل ذكر بعده تعليم حقائقه ~~وأسراره { والحكمة } أي ويعلمهم الحكمة وهي الإصابة في القول والعمل ولا ~~يسمى الرجل حكيما إلا إذا اجتمع فيه الأمران. وقيل: الحكمة هي التي ترد ~~عن الجهل والخطأ وذلك إنما يكون بما ذكرناه من الإصابة في القول والعمل ~~ووضع كل شيء موضعه، وقيل الحكمة معرفة الأشياء بحقائقها. واختلف المفسرون ~~في المراد بالحكمة ها هنا فروى ابن وهب قال: قلت لمالك ما الحكمة. قال: ~~المعرفة بالدين والفقة فيه والاتباع له. وقال قتادة: الحكمة هي السنة ~~وذلك لأن الله تعالى ذكر تلاوة الكتاب وتعليمه ثم عطف عليه الحكمة فوجب ~~أن يكون المراد بها شيئا آخر وليس ذلك إلا السنة. وقيل الحكمة: هي ~~العلم بأحكام الله تعالى التي لا يدرك علمها إلا ببيان الرسول صلى الله ~~عليه وسلم والمعرفة بها منه. وقيل الحكمة: هي الفصل بين الحق والباطل. # وقيل: هي معرفة الأحكام والقضاء وقيل: هي فهم القرآن، والمعنى ويعلمهم ~~ما في القرآن من الأحكام والحكمة وهي ما فيه من المصالح الدينية والأحكام ~~الشرعية. وقيل: كل كلمة وعظتك أودعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة ~~{ ويزكيهم } أي ويطهرهم من الشرك وعبادة الأوثان، وسائر الأرجاس والرذائل ~~والنقائص، وقيل: يزكيهم من التزكية أي يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة، ~~إذا شهدوا للأنبياء بالبلاغ ثم ختم إبراهيم الدعاء بالثناء على الله ~~تعالى فقال { إنك أنت العزيز } قال ابن عباس: العزيز الذي لا يوجد مثله. ~~وقيل: هو الذي يقهر ولا يقهر وقيل هو المنيع الذي لا تناله الأيدي، وقيل ~~العزيز القوي والعزة القوة من قولهم أرض عزاز أي صلبة قوية { الحكيم } أي ~~العالم الذي لا تخفى عليه خافية، وقيل هو العالم بالأشياء وإيجادها على ~~غاية الإحكام. ### || [2.130-131] # قوله عز وجل: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم ms0121 إلا من سفه نفسه } سبب نزول ~~هذه الآية أن عبدالله بن سلام دعا ابني أخيه إلى الإسلام مهاجرا وسلمة، ~~وقال لهما: قد علمتما أن الله تعالى قال في التوراة إني باعث من ولد ~~إسماعيل نبيا اسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى، ومن لم يؤمن به فهو ~~ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم فأنزل الله تعالى: { ومن يرغب عن ~~ملة إبراهيم } أي يترك دينه وشريعته، وفيه تعريض باليهود والنصارى ومشركي ~~العرب لأن اليهود والنصارى يفتخرون بالانتساب إلى إبراهيم والوصلة إليه، ~~لأنهم من بني إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والعرب يفتخرون به ~~لأنهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم وإذا كان كذلك كان إبراهيم هو الذي طلب ~~بعثة هذا الرسول في آخر الزمان فمن رغب عن الإيمان بهذا الرسول الذي هو ~~دعوة إبراهيم فقد رغب عن ملة إبراهيم ومعنى يرغب عن ملة إبراهيم أي يترك ~~دينه وشريعته يقال: رغب في الشيء إذا أراده ورغب عنه إذا تركه إلا من ~~سفه نفسه قال ابن عباس: خسر نفسه وقيل: أهلك نفسه وقيل: امتهنها واستخف ~~بها وأصل السفه الخفة. وقيل: الجهل وضعف الرأي فكل سفيه جاهل لأن من عبد ~~غير الله فقد جهل نفسه لأنه لم يعترف بأن الله خالقها وقد جاء " من عرف ~~نفسه فقد عرف ربه " ومعناه: أن يعرف نفسه بالذل والعجز والضعف والفناء، ~~ويعرف ربه بالعز والقدرة والقوة والبقاء ويدل على هذا أن الله تعالى أوحى ~~إلى داود عليه السلام اعرف نفسك واعرفني قال: يا رب وكيف أعرف نفسي وكيف ~~أعرفك؟ قال: اعرف نفسك بالعجز والضعف والفناء واعرفني بالقوة والقدرة ~~والبقاء { ولقد اصطفيناه } أي اخترناه { في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين } يعني الفائزين وقيل: مع الأنبياء في الجنة { إذ قال له ربه ~~أسلم } أي استقم على الإسلام واثبت عليه لأنه كان مسلما لأن الأنبياء ~~إنما نشؤوا على الإسلام والتوحيد، قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال له ~~ذلك حين خرج من السرب وذلك عند استدلاله بالكواكب والشمس والقمر ms0122 واطلاعه ~~على أمارات الحدوث فيها، وافتقارها إلى محدث مدبر فلما عرف ذلك قال له ~~ربه: أسلم { قال أسلمت لرب العالمين } اي قال إبراهيم: خضعت بالطاعة ~~وأخلصت العبادة لمالك الخلائق ومدبرها ومحدثها. وقيل: معنى أسلم أخلص ~~دينك وعبادتك لله واجعلها سليمة. وقيل: الإيمان من صفات القلب والإسلام ~~من صفات الجوارح وإن إبراهيم كان مؤمنا بقلبه عارفا بالله فأمره الله ~~أن يعمل بجوارحه وقيل: معناه أسلم نفسك إلى الله تعالى وفوض أمرك إليه. ~~قال: أسلمت أي فوضت أمري لرب العالمين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: وقد ~~حقق ذلك حيث لم يستعن بأحد من الملائكة حين ألقي في النار. ### || [2.132-135] # قوله عز وجل: { ووصى بها إبراهيم بنيه } يعني بكلمة الإخلاص، وهي لا إله ~~الا الله. وقيل هي الملة الحنيفية وكان لإبراهيم ثمانية أولاد إسماعيل ~~وأمه هاجر القبطية وإسحاق وأمه سارة ومدين ومدان ويقنان وزمران وشيق وشوخ ~~وأمهم قطورا بنت يقطن الكنعانية تزوجها إبراهيم حين وفاة سارة، فإن قلت، ~~لم قال: وصى بها إبراهيم بنيه ولم يقل أمرهم؟. قلت: لأن لفظ الوصية أوكد ~~من لفظ الأمر لأن الوصية إنما تكون عند الخوف من الموت وفي ذلك الوقت ~~يكون احتياط الإنسان لولده أشد وأعظم، وكانوا هم إلى قبول وصيته أقرب ~~وإنما خص بنيه بهذه الوصية لأن شفقة الرجل على بنيه أكثر من شفقته على ~~غيرهم. وقيل: لأنهم كانوا أئمة يقتدى بهم فكان صلاحهم صلاحا لغيرهم { ~~ويعقوب } أي ووصى يعقوب بمثل ما وصي به إبراهيم، وسمي يعقوب لأنه هو ~~والعيص كانا توأمين في بطن واحد فتقدم العيص وقت الولادة في الخروج من ~~بطن أمه وخرج يعقوب على أثره آخذا بعقبه قال ابن عباس: وقيل سمي لكثرة ~~عقبه وكان له من الولد اثنا عشر وهم: روبيل وشمعون ولاوى ويهوذا وربالون ~~ويشجرودان ونفتالى وجاد وآشر ويوسف وبنيامين، ثم خاطب يعقوب بنيه فقال { ~~يا بني إن الله اصطفى لكم الدين } أي اختار لكم دين الإسلام { فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون } أي مؤمنون مخلصون فالمعنى دوموا على إسلامكم حتى ms0123 ~~يأتيكم الموت وأنتم مسلمون لأنه لا يعلم في أي وقت يأتي الموت على ~~الإنسان. وقيل: في معنى وأنتم مسلمون أي محسنون الظن بالله عز وجل يدل ~~عليه ما روي عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته ~~بثلاثة أيام يقول: # " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه " # أخرجاه في الصحيحين. قوله عز وجل: { أم كنتم شهداء } جمع شهيد بمعنى ~~الحاضر أي ما كنتم حاضرين { إذ حضر يعقوب الموت } أي حين احتضر وقرب من ~~الموت نزلت في اليهود، وذلك لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن ~~يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية فأنزل الله تعالى هذه الاية تكذيبا ~~لهم، والمعنى أم كنتم يا معشر اليهود شهودا على يعقوب إذ حضره الموت، أي ~~إنكم لم تحضروا ذلك فلا تدعوا على أنبيائي ورسلي الأباطيل وتنسبوهم إلى ~~اليهودية فإني ما ابتعثت خليلي إبراهيم، وولده وأولادهم إلا بدين ~~الإسلام، وبذلك وصوا أولادهم وبه عهدوا إليهم ثم بين ما قال يعقوب لبنيه ~~فقال تعالى: { إذ قال } يعني يعقوب { لبنيه } يعني لأولاده الاثني عشر { ~~ما تعبدون } أي أي شيء تعبدون { من بعدي } قيل إن الله تعالى لم يقبض ~~نبيا حتى يخيره: بين الحياة والموت، فلما خير يعقوب وكان قد رأى أهل مصر ~~يعبدون الأوثان والنيران فقال انظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم فأمهله فجمع ~~ولده وولد ولده قال لهم قد حضر أجلي ما تعبدون من بعدي؟ { قالوا نعبد ~~إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } إنما قدم إسماعيل لأنه كان ~~أكبر من إسحاق وأدخله في جملة الآباء وإن كان عما لهم لأن العرب تسمي ~~العم أبا والخالة أما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " عم الرجل صنو أبيه " # وقال في عمه العباس # " ردوا علي أبي " # { إلها واحدا ونحن له مسلمون } أي مخلصون العبودية { تلك } إشارة إلى ~~الأمة المذكورة، يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وولدهم { أمة قد ~~خلت } أي مضت لسبيلها والمعنى يا معشر اليهود والنصارى دعوا ذكر إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق والمسلمين من ms0124 أولادهم، ولا تقولوا عليهم ما ليس فيهم { ~~لها ما كسبت } يعني من العمل { ولكم } يعني يا معشر اليهود والنصارى { ما ~~كسبتم } أي من العمل { ولا تسألون عما كانوا يعملون } يعني كل فريق يسأل ~~عن عمله لا عن عمل غيره. قوله عز وجل: { وقالوا كونوا هودا أو نصارى ~~تهتدوا } قال ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود: كعب بن الأشرف ومالك بن ~~الصيف ووهب بن يهودا وأبي ياسر بن أخطب وفي نصارى نجران السيد، والعاقب ~~وأصحابهما، وذلك أنهم خاصموا المؤمنين في الدين، فكل فريق منهم يزعم أنه ~~أحق بدين الله فقالت اليهود: نبينا موسى أفضل الأنبياء وكتابنا التوراة ~~أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد والقرآن ~~وقالت النصارى كذلك، وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا ~~فلا دين إلا ذلك فأنزل الله عز وجل: { قل } يعني يا محمد { بل ملة ~~إبراهيم } يعني إذا كان لا بد من الاتباع فنتبع ملة إبراهيم لأنه مجمع ~~على فضله { حنيفا } أصله من الحنف وهو ميل واعوجاج يكون في القدم، قال ~~ابن عباس: الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، قال الشاعر: # ولكنا خلقنا إذ خلقنا حنيفا ديننا عن كل دين # والعرب تسمي كل من حج أو اختتن حنيفا تنبيها على أنه على دين إبراهيم، ~~وقيل: الحنيفية الختان وإقامة المناسك مسلما، يعني أن الحنيفية هي دين ~~الإسلام وهو دين إبراهيم عليه السلام { وما كان من المشركين } يعني ~~إبراهيم وفيه تعريض لليهود والنصارى وغيرهم ممن يدعي اتباع ملة إبراهيم ~~وهو على الشرك، ثم علم المؤمنين طرائق الإيمان. ### || [2.136-137] # فقال تعالى: { قولوا آمنا بالله } يعني قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء ~~اليهود والنصارى الذين قالوا لكم: كونوا هودا أو نصارى تهتدوا: آمنا ~~بالله أي صدقنا بالله { وما أنزل إلينا } يعني القرآن { وما أنزل إلى ~~إبراهيم } يعني وآمنا بما أنزل إلى إبراهيم وهو عشر صحائف { وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط } وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر واحدهم سبط وكانوا ~~أنبياء، وقيل: السبط هو ولد الولد وهو الحافد ومنه قيل: ms0125 للحسن والحسين ~~سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في ~~العرب من بني إسماعيل وكان في الأسباط أنبياء { وما أوتي موسى } يعني ~~التوراة { وعيسى } يعني الإنجيل { وما أوتي النبيون من ربهم } والمعنى ~~آمنا أيضا بالتوراة والإنجيل والكتب التي أوتي جميع النبيين وصدقنا أن ~~ذلك كله حق وهدى ونور وأن الجميع من عند الله وأن جميع ما ذكر الله من ~~أنبيائه كانوا على هدى وحق { لا نفرق بين أحد منهم } أي لا نؤمن ببعض ~~الأنبياء ونكفر ببعض وكما تبرأت اليهود من عيسى ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم، وأقرت ببعض الأنبياء وكما تبرأت النصارى من محمد صلى الله عليه ~~وسلم وأقرت ببعض الأنبياء بل نؤمن بكل الأنبياء وأن جميعهم كانوا على حق ~~وهدى { ونحن له مسلمون } أي ونحن لله تعالى خاضعون بالطاعة مذعنون له ~~بالعبودية خ عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ~~ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ". # { وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا }. الآية. قوله عز وجل: { فإن آمنوا ~~} يعني اليهود والنصارى { بمثل ما آمنتم به } أي بما آمنتم به ومثل صلة ~~فهو كقوله: # ليس كمثله شيء # [الشوىى: 11] أي ليس مثله شيء وقيل: فإن أتوا بإيمان كإيمانكم وتوحيد ~~كتوحيدكم { فقد اهتدوا } والمعنى إن حصلوا دينا آخر يساوي هذا الدين في ~~الصحة، والسداد فقد اهتدوا ولكن لما استحال ان يوجد دين آخر يساوي هذا ~~الدين في الصحة والسداد استحال الاهتداء بغيره لأن هذا الدين مبناه على ~~التوحيد والإقرار بكل الأنبياء وما أنزل إليهم وقيل معناه فإن آمنوا ~~بكتابكم كما آمنتم بكتابهم فقد اهتدوا { وإن تولوا } أي أعرضوا { فإنما ~~هم في شقاق } أي في خلاف ومنازعة وقيل: في عداوة ومحاربة وقيل: في ضلال، ~~وأصله من الشق كأنه صار في شق غير شق صاحبه بسبب عداوته وقيل هو من ~~المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق على صاحبه ويؤذيه { فسيكفيكهم ~~الله } أي ms0126 يكفيك الله يا محمد شر اليهود والنصارى وهو ضمان من الله تعالى ~~لإظهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه إذا تكفل بشيء أنجزه وهو ~~إخبار بغيب نفيه معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وقد أنجز الله وعده بقتل ~~بني قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير وضرب الجزية على اليهود والنصارى { ~~وهو السميع } لأقوالهم { العليم } بأحوالهم يسمع جميع ما ينطقون به، ~~ويعلم جميع ما يضمرون من الحسد، والغل وهو مجازيهم، ومعاقبهم عليه. ### || [2.138-140] # قوله عز وجل: { صبغة الله } قال ابن عباس: دين الله وإنما سماه الله ~~صبغة لأن أثر الدين يظهر على المتدين كما يظهر أثر الصبغ على الثوب وقيل: ~~فطرة الله وقيل: سنة الله وقيل: أراد به الختان لأنه يصبغ المختتن بالدم ~~قال ابن عباس: إن النصارى إذا ولد لأحدهم مولود وأتى عليه سبعة أيام ~~غمسوه في ماء لهم أصفر يسمونه ماء المعمودية وصبغوه به ليطهروه به مكان ~~الختان، فإذا فعلوا ذلك به قالوا الآن صار نصرانيا حقا، فأخبر الله أن ~~دينه الإسلام لا ما تفعله النصارى { ومن أحسن من الله صبغة } أي دينا ~~وقيل تطهيرا لأنه يطهر من أوساخ الكفر { ونحن له عابدون } أي مطيعون { ~~قل } يعني يا محمد لليهود والنصارى الذين قالوا إن دينهم خير من دينكم ~~وأمروكم باتباعهم { أتحاجوننا في الله } أي أتخاصموننا وتجادلوننا في دين ~~الله الذي أمرنا أن نتدين به والمحاجة المجادلة لإظهار الحجة، وذلك أنهم ~~قالوا: إن ديننا أقدم من دينكم وإن الأنبياء منا وعلى ديننا فنحن أولى ~~بالله منكم، فأمر الله تعالى المؤمنين أن يقولوا لهم: أتحاجوننا في الله ~~{ وهو ربنا وربكم } أي ونحن وأنتم في الله سواء فإنه ربنا وربكم { ولنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم } يعني أن لكل أحد جزاء عمله { ونحن له مخلصون } أي ~~مخلصو الطاعة والعبادة له وفيه توبيخ لليهود والنصارى والمعنى وأنتم به ~~مشركون. والأخلاص أن يخلص العبد دينه، وعمله لله تعالى فلا يشرك في دينه ~~ولا يرائي بعمله، قال الفضيل بن عياض: ترك العمل من أجل الناس رياء ~~والعمل ms0127 من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما وهذا الآية ~~منسوخة بآية السيف. قوله عز وجل: { أم تقولون } يعني اليهود والنصارى وهو ~~استفهام ومعناه التوبيخ { إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ~~كانوا هودا أو نصارى } يعني أتزعمون أن إبراهيم وبنيه كانوا على دينكم ~~وملتكم وإنما حدثت اليهودية والنصرانية بعدهم فثبت كذبكم يا معشر اليهود ~~والنصارى على إبراهيم وبنيه { قل } يا محمد { أأنتم أعلم } يعني بدينهم { ~~أم الله } أي الله أعلم بذلك. وقد أخبر أن إبراهيم وبنيه لم يكونوا على ~~اليهودية والنصرانية ولكن كانوا مسلمين حنفاء { ومن أظلم ممن كتم } يعني ~~أخفى { شهادة عنده من الله } وهي علمهم بأن إبراهيم وبنيه كانوا مسلمين ~~وأن محمدا أحق بنعته وصفته وجدوا ذلك في كتبهم وكتموه وجحدوه، والمعنى ~~ومن أظلم ممن كتم شهادة جاءته من عند الله فكتمها وأخفاها { وما الله ~~بغافل عما تعملون } يعني من كتمانكم الحق فيما ألزمكم به في كتابه من أن ~~إبراهيم وبنيه كانوا مسلمين حنفاء. وأن الدين هو الإسلام لا اليهودية ~~والنصرانية، والمعنى وما الله غافل عن عملكم بل هو محصيه عليكم ثم ~~يعاقبكم عليه في الآخرة. ### || [2.141-143] # { تلك أمة قد خلت } يعني إبراهيم وبنيه { لها ما كسبت } أي جزاء ما كسبت ~~{ ولكم ما كسبتم } أي جزاء ما كسبتم { ولا تسألون عما كانوا يعملون } ~~يعني أن كل إنسان إنما يسأل يوم القيامة عن كسبه وعمله لا عن كسب غيره ~~وعمله، وفيه وعظ وزجر لليهود ولمن يتكل على فضل الآباء، وشرفهم أي لا ~~تتكلوا على فضل الآباء فكل يؤخذ بعمله وإنما كررت هذه الآية لأنه إذا ~~اختلف مواطن الحجاج، والمجادلة حسن تكريره للتذكير به وتأكيده. وقيل: ~~إنما كرره تنبيها لليهود لئلا يغتروا بشرف آبائهم. قوله عز وجل: { سيقول ~~السفهاء من الناس } أي الجهال من الناس والسفه خفة في النفس لنقصان العقل ~~في الأمور الدينية والدنيوية، ولا شك أن ذلك في باب الدين أعظم لأن ~~العادل عن الأمر الواضح في أمر دنياه يعد سفيها، فمن كان كذلك في أمر ~~دينه، ms0128 كان أولى بهذا الاسم فلا كافر إلا وهو سفيه ولهذا أمكن حمل هذا ~~اللفظ على اليهود والمشركين، والمنافقين فقيل: نزلت هذه الآية في اليهود ~~وذلك أنهم طعنوا في تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة لأنهم لا يرون ~~النسخ. وقيل: نزلت في مشركي مكة وذلك أنهم قالوا قد تردد على محمد أمره ~~واشتاق مولده، وقد توجه إلى نحو بلدكم فلعله يرجع إلى دينكم وقيل نزلت في ~~المنافقين وإنما قالوا ذلك استهزاء بالإسلام وقيل: يحتمل أن لفظ السفهاء ~~للعموم فيدخل فيه جميع الكفار والمافقين واليهود ويحتمل وقوع هذا الكلام ~~من كلهم إذ لا فائدة في التخصيص، ولأن الأعداء يبالغون في الطعن والقدح ~~فإذا وجدوا مقالا قالوا أو مجالا جالوا { ما ولاهم } يعني أي شيء صرفهم ~~{ عن قبلتهم التي كانوا عليها } يعني بيت المقدس، والقبلة هي الجهة التي ~~يستقبلها الإنسان وإنما سميت قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله ولما قال ~~السفهاء ذلك رد الله تعالى عليهم بقوله: { قل } يا محمد { لله المشرق ~~والمغرب } يعني أن له قطري المشرق والمغرب وما بينهما ملكا فلا يستحق ~~شيء أن يكون لذاته قبلة لأن الجهات كلها شيء واحد، وإنما تصير قبلة لأن ~~الله تعالى هو الذي جعلها قبلة فلا اعتراض عليه وهو قوله: { يهدي من يشاء ~~} يعني من عباده { إلى صراط مستقيم } يعني إلى جهة الكعبة وهي قبلة ~~إبراهيم عليه السلام. قوله عز وجل: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } الكاف في ~~قوله وكذلك كاف التشبيه جاء لمشبه به وفيه وجوه أحدها أنه معطوف على ما ~~تقدم من قوله في حق إبراهيم: ولقد اصطفيناه في الدنيا، وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا الثاني أنه معطوف على قوله: { يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } ~~وكذلك هديناكم وجعلنا قبلتكم وسطا بين المشرق والمغرب كذلك جعلناكم أمة ~~وسطا يعني عدولا خيارا، وخير الأمور أوسطها، قال زهير: # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم # وقيل: متوسطة والمعنى أهل دين وسط بين الغلو والتقصير، لأنهما مذمومان ~~في أمر الدين لا كغلو النصارى في ms0129 عيسى، ولا كتقصير اليهود في الدين وهو ~~تحريفهم وتبديلهم. وسبب نزول هذه الآية أن رؤساء اليهود قالوا لمعاذ بن ~~جبل: ما ترك محمد قبلتنا إلا حسدا وإن قبلتنا قبلة الأنبياء ولقد علم ~~محمد أنا اعدل الناس فقال معاذ: إنا على حق وعدل فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي آخرها، وخيرها وأكرمها على الله ~~تعالى " # وقوله تعالى: { لتكونوا شهداء على الناس } يعني يوم القيامة أن الرسل قد ~~بلغتهم رسالات ربهم، وقيل: إن أمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على من ~~ترك الحق من الناس أجمعين { ويكون الرسول } يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم { عليكم شهيدا } يعني عدلا مزكيا لكم وذلك أن الله تعالى يجمع ~~الأولين والآخرين في صعيد واحد ثم يقول لكفار الأمم: ألم يأتكم نذير ~~فينكرون ويقولون ما جاءنا من نذير فيسأل الله الأنبياء عن ذلك فيقولون: ~~كذبوا قد بلغناهم فيسألهم البينة وهو أعلم بهم إقامة الحجة فيقولون أمة ~~محمد تشهد لنا فيؤتى بأمة محمد عليه الصلاة والسلام، فيشهدون لهم بأنهم ~~قد بلغوا فتقول الأمم الماضية من أين علموا وإنما أتوا بعدنا؟ فيسأل هذه ~~الأمة. فيقولون: أرسلت إلينا رسولا وأنزلت عليه كتابا أخبرتنا فيه ~~بتبليغ الرسل وأنت صادق فيما أخبرت ثم يؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم خ عن أبي سعيد الخدري قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يجاء بنوح وأمته يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول نعم أي رب ~~فيسأل أمته هل بلغكم؟ فيقولون ما جاءنا من نذير فيقال لنوح من يشهد لك؟ ~~فيقول: محمد وأمته فيجاء بكم فتشهدون " # ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا } زاد الترمذي وسطا ~~عدولا. قوله عز وجل: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } أي وما جعلنا ~~صرفك عن القبلة التي كنت ms0130 عليها، وهي بيت المقدس، وإنما حذف ذكر الصرف ~~اكتفاء بدلالة اللفظ عليه، وقيل: معناه وما جعلنا القبلة التي كنت عليها ~~منسوخة وقيل: معناه وما جعلنا القبلة التي كنت عليها وهي الكعبة و { إلا ~~لنعلم من يتبع الرسول } فإن قلت ما معنى قوله: إلا لنعلم وهو عالم ~~بالأشياء كلها قبل كونها قلت: أراد به العلم الذي يتعلق به الثواب ~~والعقاب فإنه لا يتعلق بما هو عالم به في الغيب إنما يتعلق بما يوجد. # والمعنى لنعلم الذي يستحق العامل عليه الثواب والعقاب، وقيل: العلم هنا ~~بمعنى الرؤية أي لنرى ونميز من يتبع الرسول في القبلة ممن ينقلب على ~~عقبيه وقيل: معناه إلا لتعلم رسلي وحزبي وأوليائي من المؤمنين من يتبع ~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه وكان من شأن العرب إضافة ما فعله الاتباع إلى ~~الكبير. كقولهم: فتح عمر العراق وجبى خراجها وإنما فعل ذلك أتباعه عن ~~أمره، وقيل إنما قال إلا لنعلم وهو بذلك عالم قبل كونه على وجه الرفق ~~بعباده ومعناه إلا لتعلموا، أنتم إذ كنتم جهالا به قبل كونه بإضافة ~~العلم إلى نفسه رفقا بعباده المخاطبين. وقيل: معناه لعلمنا لأنه تعالى ~~سبق في علمه أن تحويل القبلة سبب لهداية قوم وضلالة آخرين ومعنى من يتبع ~~الرسول أي يطيعه في أمر القبلة وتحويلها { ممن ينقلب على عقبيه } أي يرجع ~~إلى ما كان عليه من الكفر فيرتد، وفي الحديث " إنه لما تحولت القبلة إلى ~~الكعبة ارتد قوم إلى اليهودية وقالوا رجع محمد إلى دين آبائه " { وإن ~~كانت } أي وقد كانت { لكبيرة } يعني تولية القبلة ثقيلة شاقة وقيل هي ~~التولية من بيت المقدس إلى الكعبة وقيل الكبيرة هي القبلة التي وجهه ~~إليها قيل التحويل وهي بيت المقدس، وأنث الكبيرة لتأنيث القبلة وقيل: ~~لتأنيث التولية { إلا على الذين هدى الله } يعني الصادقين في اتباع ~~الرسول { وما كان الله ليضيع إيمانكم } يعني صلاتكم إلى بيت المقدس، وذلك ~~أن حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى ~~بيت المقدس إن كانت على ms0131 هدى فقد تحولتم عنه وإن كانت على ضلالة فقد دنتم ~~الله بها مدة، ومن مات عليها فقد مات على ضلالة فقال المسلمون: إنما ~~الهدى فيما أمر الله به والضلالة نهى الله عنه قالوا: فما شهادتكم على من ~~مات منكم على قبلتنا وكان قد مات قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة أسعد بن ~~زرارة من بني النجار والبراء بن معرور من بني سلمة وكانا من النقباء ~~ورجال آخرون فانطلق عشائرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول ~~الله قد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون ~~إلى بيت المقدس فأنزل الله تعالى: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } يعني ~~صلاتكم إلى بيت المقدس { إن الله بالناس لرؤوف رحيم } يعني لا يضيع ~~أجورهم، والرأفة أخص من الرحمة وأرق، وقيل: الرأفة أشد من الرحمة. وقيل ~~الرأفة والرحمة وقيل: في الفرق بين الرأفة والرحمة. أن الرأفة مبالغة في ~~رحمة خاصة، وهي دفع المكروه وإزالة الضرر وأما الرحمة فإنها اسم جامع ~~يدخل فيه ذلك المعنى ويدخل فيه أيضا جميع الإفضال والإنعام فذكر الله ~~الرأفة، ولا بمعنى أنه لا نضيع أعمالهم ثم ذكر الرحمة ثانيا لأنها أعم ~~وأشمل. ### || [2.144] # قوله عز وجل: { قد نرى تقلب وجهك في السماء } سبب نزول هذه الآية أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة، فلما ~~هاجر إلى المدينة أحب أن يستقبل بيت المقدس يتألف بذلك اليهود وقيل إن ~~الله تعالى أمره بذلك ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه، إذا صلى إلى ~~قبلتهم مع ما يجدون من نعته وصفته في التوراة فصلى إلى بيت المقدس بعد ~~الهجرة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة لأنها ~~قبلة أبيه إبراهيم، وقيل: كان يحب ذلك من أجل أن اليهود قالوا: يخالفنا ~~محمد في ديننا ويتبع قبلتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ~~وددت لو حولني الله إلى الكعبة فإنها قبلة أبي إبراهيم فقال: جبريل صلى ~~الله عليه وسلم ms0132 إنما أنا عبد مثلك وأنت كريم على ربك فسل أنت ربك فإنك ~~عند الله بمكان ثم عرج جبريل وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم ~~النظر إلى السماء، رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة فأنزل الله ~~عز وجل قد نرى تقلب وجهك في السماء يعني، تردد وجهك وتصرف نظرك في السماء ~~أي إلى جهة السماء، وهذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة فهي متقدمة في ~~المعنى لأنها رأس القصة وأول ما نسخ من أحكام الشرع أمر القبلة { ~~فلنولينك } أي فلنحولنك ولنصرفنك { قبلة } أي ولنصرفنك عن بيت المقدس إلى ~~قبلة { ترضاها } أي تحبها وتميل إليها { فول وجهك شطر المسجد الحرام } أي ~~نحوه وتلقاءه أراد به الكعبة ق عن ابن عباس قال: لما دخل النبي صلى الله ~~عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه ولما خرج ركع ~~ركعتين قبل الكعبة وقال هذه القبلة يعني أن أمر القبلة قد استقر على هذا ~~البيت فلا ينسخ بعد اليوم فصلوا إلى الكعبة أبدا فهي قبلتكم ق عن ~~البراءة بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل ~~على أجداده، أو قال أخواله من الأنصار وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر ~~أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وأنه صلى أول ~~صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على ~~أهل مسجد قباء وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قبل الكعبة فداروا كما هم قبل البيت وكانت اليهود قد ~~أعجبهم إذ ذاك أنه يصلي قبل بيت المقدس، وهي قبلة أهل الكتاب فلما ولى ~~وجهه قبل البيت أنكروا ذلك. # قال البراء في حديثه هذا: وأنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا ~~فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله تعالى: # وما كان الله ليضيع إيمانكم # [البقرة: 143] واختلفت العلماء في وقت تحويل القبلة فقال الأكثرون: ms0133 كان ~~في يوم الاثنين بعد الزوال للنصف من رجب، على رأس سبعة عشر شهرا من مقدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وقيل: كان يوم الثلاثاء لثمانية ~~عشر شهرا وقيل: كان لستة عشر شهرا وقيل: لثلاثة عشر شهرا وقيل: نزلت ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وقد صلى بأصحابه ركعتين ~~من صلاة الظهر، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وحول الرجال مكان ~~النساء، والنساء مكان الرجال، فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين، ووصل ~~الخبر إلى أهل قباء في صلاة الصبح ق عن ابن عمر قال: بينما الناس بقباء ~~في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل ~~عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى ~~الشام فاستداروا إلى الكعبة. وقوله تعالى: { وحيثما كنتم } أي من بر أو ~~بحر مشرق أو مغرب { فولوا وجوهكم شطره } اي نحو البيت وتلقاءه، عن ابي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما بين المشرق والمغرب قبلة " # أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح، قيل: أراد بالمشرق مشرق الشتاء في ~~أقصر يوم من السنة وبالمغرب مغرب الصيف في أطول يوم من السنة فمن جعل ~~مغرب الصيف في هذا الوقت عن يمينه ومشرق الشتاء عن يساره كان مستقبلا ~~للقبلة، وهذا في حق أهل المشرق لأن المشرق الشتوي جنوبي متباعد عن خط ~~الاستواء بمقدار الميل، والمغرب الصيفي شمالي متباعد عن خط الاستواء ~~والذي بينهما فقوسها مكة. والفرض لمن بمكة في القبلة إصابة عين الكعبة، ~~ولمن بعد من مكة إصابة الجهة، ويعرف ذلك بدلائل القبلة وليس هذا موضع ~~ذكرها، ولما تحولت القبلة إلى الكعبة قالت اليهود: يا محمد ما هو إلا شيء ~~ابتدعته من تلقاء نفسك فتارة تصلي إلى بيت المقدس وتارة إلى الكعبة ولو ~~ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره فأنزل الله تعالى { ~~وإن الذين أوتوا الكتاب } يعني اليهود والنصارى { ليعلمون أنه الحق من ~~ربهم } يعني أمر القبلة وتحويلها إلى ms0134 الكعبة ثم هددهم فقال تعالى: { وما ~~الله بغافل عما يعملون } يعني وما أنا بساه عما يفعل هؤلاء اليهود، فأنا ~~أجازيهم عليه في الدنيا والآخرة وقرئ تعملون بالتاء. قال ابن عباس: يريد ~~أنكم يا معشر المؤمنين تطلبون مرضاتي وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم ~~فأنا أثيبكم على طاعتكم أفضل الثواب، وأجزيكم أحسن الجزاء. ### || [2.145] # قوله عز وجل: { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب } يعني اليهود والنصارى { ~~بكل آية } أي بكل معجزة وقيل: بكل حجة وبرهان وذلك بأنهم قالوا: ائتنا ~~بآية على ما تقول فأنزل الله تعالى هذه الآية: { ما تبعوا قبلتك } يعني ~~الكعبة { وما أنت بتابع قبلتهم } يعني أن اليهود تصلي إلى بيت المقدس ~~والنصارى إلى المشرق وأنت يا محمد تصلي إلى الكعبة. فكيف يكون سبيل إلى ~~اتباع قبلة أحد هؤلاء مع اختلاف جهاتها فالزم أنت قبلتك التي أمرت ~~بالصلاة إليها { وما بعضهم بتابع قبلة بعض } يعني وما اليهود بتابعة قبلة ~~النصارى ولا النصارى بتابعة قبلة اليهود، لأن اليهود والنصارى لا يجتمعون ~~على قبلة واحدة { ولئن اتبعت أهواءهم } يعني مرادهم ورضاهم لو رجعت إلى ~~قبلتهم { من بعد ما جاءك من العلم } أي في أمر القبلة وقيل معناه: من بعد ~~ما وصل إليك من العلم بأن اليهود والنصارى مقيمون على باطل، وعناد للحق { ~~إنك إذا لمن الظالمين } يعني أنك إن فعلت ذلك كنت بمنزلة من ظلم نفسه ~~وضرها. قيل: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لا يتبع أهواءهم أبدا. وقيل: هو خطاب له خاصة فيكون ~~ذلك على سبيل التذكير والتنبيه. ### || [2.146-148] # قوله عز وجل: { الذين آتيناهم الكتاب } يعني علماء اليهود والنصارى ~~وقيل: أراد به مؤمني أهل الكتاب كعبدالله بن سلام وأصحابه { يعرفونه } أي ~~يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم معرفة جلية بالوصف المعين الذي يجدونه ~~عندهم { كما يعرفون أبناءهم } أي لا يشكون فيه ولا تشتبه عليهم كما لا ~~يشتبه عليهم أبناؤهم من أبناء غيرهم، روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~قال لعبدالله ms0135 بن سلام: إن الله أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { ~~الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } فكيف هذه المعرفة؟ ~~فقال عبدالله: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم أشد من معرفتي بابني فقال عمر وكيف ذلك فقال: أشهد ~~أنه رسول الله حق من الله وقد نعته الله في كتابنا ولا أدري ما تصنع ~~النساء، فقبل عمر رأس عبدالله وقال: وفقك الله با ابن سلام فقد صدقت. ~~وقيل: الضمير في يعرفونه يعود إلى أمر القبلة والمعنى أن علماء اليهود ~~والنصارى يعرفون أن القبلة التي صرفتك إليها هي قبلة إبراهيم وقبلة ~~الأنبياء قبلك كما يعرفون أبناءهم لا يشكون في ذلك { وإن فريقا منهم } ~~أي من علماء أهل الكتاب { ليكتمون الحق } يعني صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل أمر القبلة { وهم يعلمون } يعني أن كتمان الحق معصية. وقيل ~~يعلمون أن صفة محمد صلى الله عليه وسلم مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل ~~وهم مع ذلك يكتمونه { الحق } أي الذي يكتمونه هو الحق { من ربك فلا تكونن ~~من الممترين } أي من الشاكين في أن الذين تقدم ذكرهم، علموا صحة نبوتك ~~وقيل: يرجع إلى أمر القبلة والمعنى أن بعضهم عاند وكتم الحق فلا تشك في ~~ذلك. فإن قلت: النبي صلى الله عليه وسلم لم يمتر ولم يشك فما معنى هذا ~~النهي؟. قلت: هذا الخطاب وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن المراد ~~غيره والمعنى فلا تشكوا أنتم أيها المؤمنون وقد تقدم نظير هذا. قوله عز ~~وجل: { ولكل وجهة } أي ولكل أهل ملة قبلة، والوجهة اسم للمتوجه إليه. ~~وقيل الوجهة الهيئة والحالة في التوجه إلى القبلة، وقيل في قوله: { ولكل ~~وجهة } إن المراد به جميع المؤمنين، أي ولكل أهل جهة من الآفاق وجهة من ~~الكعبة يصلون إليها. وقيل: المراد بالوجهة المنهاج والشرع والمعنى ولكل ~~قوم شريعة وطريقة لأن الشرائع مصالح للعباد فلهذا اختلفت الشرائع بحسب ~~اختلاف الزمان والأشخاص { هو موليها } أي مستقبلها والمعنى أن ms0136 لكل أهل ~~ملة وجهة وجهة هو مول وجهه إليها، وقيل: متوليها أي مختارها وقيل: إن هو ~~عائد على اسم الله تعالى، والمعنى إن الله موليها إياه، وقرئ مولاها أي ~~مصروف إليها { فاستبقوا الخيرات } أي بادروا بالطاعات وقبول الأوامر وفيه ~~حث على المبادرة إلى الأولوية والأفضلية. فعلى هذا تكون الآية دليلا ~~لمذهب الشافعي في أن الصلاة أول الوقت أفضل لقوله: فاستبقوا الخيرات لأن ~~ظاهر الأمر للوجوب، فإذا لم يتحقق الوجوب فلا أقل من الندب { أينما ~~تكونوا } يعني أنتم وأهل الكتاب { يأت بكم الله جميعا } يعني يوم ~~القيامة فهو وعد لأهل الطاعة بالثواب ووعيد لأهل المعصية بالعقاب { إن ~~الله على كل شيء قدير } أي على الإعادة بعد الموت والإثابة لأهل الطاعة ~~والعقاب لمستحق العقوبة. ### || [2.149-150] # قوله عز وجل: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام } أي من أي ~~موضع خرجت في سفر وغيره فول وجهك يا محمد قبل المسجد الحرام ونحوه { وإنه ~~} يعني التوجه إليه { للحق من ربك } أي الحق الذي لا شك فيه فحافظ عليه { ~~وما الله بغافل عما تعملون } أي ليس هو بساه عن أعمالكم، ولكنه محصها ~~لكم، وعليكم فيجازيكم بها يوم القيامة { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } فإن قلت: هل في هذا ~~التكرار فائدة. قلت: فيه فائدة عظيمة جليلة وهي أن هذه الواقعة أول ~~الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا، فدعت الحاجة إلى التكرار لأجل ~~التأكيد والتقرير وإزالة الشبهة، وإيضاح البيان فحسن التكرار فيهم لنقلهم ~~من جهة إلى جهة { لئلا يكون للناس عليكم حجة } قيل: أراد بالناس أهل ~~الكتاب: وقيل: هو على العموم وقيل هم قريش واليهود فأما قريش فقالوا: رجع ~~محمد إلى الكعبة لأنه علم أنها الحق وأنها قبلة أبيه وسيرجع إلى ديننا ~~كما رجع إلى قبلتنا وقالت اليهود: لم ينصرف محمد عن بيت المقدس مع علمه ~~أنه حق إلا أنه يعمل برأيه فعلى هذا يكون الاستثناء في قوله: إلا الذين ~~ظلموا منهم متصلا صحيحا والمعنى، لا ms0137 حجة لأحد عليكم إلا مشركو قريش ~~واليهود فإنهم يجادلونك الباطل والظلم، وإنما سمي الاحتجاج بالباطل حجة، ~~لأن اشتقاقها من حجه إذا غلبه فكما تكون صحيحة فكذلك تسمى حجة وتكون ~~باطلة قال الله تعالى: # حجتهم داحضة عند ربهم # [الشورى: 16] وقيل: هذا الاستثناء منقطع عن الكلام الأول، ومعناه لكن ~~الذين ظلموا منهم يجادلونك بالباطل كما قال النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب # أي لكن سيوفهم بهن فلول، وليس بعيب وقيل: في معنى الآية إن اليهود عرفوا ~~أن الكعبة قبلة إبراهيم ووجدوا في التوراة أن محمدا سيحول إليها فتكون ~~حجتهم أنهم يقولون إن النبي الذي نجده في كتابنا سيحول إلى الكعبة ولم ~~تحول أنت فلما حول الكعبة ذهبت حجتهم { إلا الذين ظلموا منهم } أي إلا ~~أن يظلموا فيكتموا ما عرفوا من الحق. { فلا تخشوهم } أي فلا تخافوهم في ~~انصرافكم إلى الكعبة في تظاهرهم عليكم بالمجادلة الباطلة فإني وليكم ~~وناصركم، أظهركم عليهم بالحجة والنصرة { واخشوني } أي احذروا عقابي إن ~~أنتم عدلتم عما ألزمتكم به وفرضته عليكم { ولأتم نعمتي عليكم } ولكي أتم ~~نعمتي عليكم بهدايتي إلى قبلة إبراهيم لتتم لكم الملة الحنيفية. وقيل: ~~تمام النعمة الموت على الإسلام ثم دخول الجنة ثم رؤية الله تعالى: { ~~ولعلكم تهتدون } أي لكي تهتدوا من الضلالة. ولعل وعسى من الله واجب. ### || [2.151-152] # قوله عز وجل: { كما أرسلنا فيكم } كاف التشبيه تحتاج إلى شيء ترجع إليه ~~فقيل ترجع إلى ما قبلها ومعناه ولأتم نعمتي عليكم كما أرسلنا فيكم وقيل ~~إن إبراهيم قال: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم وقال: ربنا واجعلنا مسلمين ~~لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، فبعث الله فيهم رسولا منهم وهو محمد صلى ~~الله عليه وسلم ووعده إجابة الدعوة الثانية بأن يجعل في ذريته أمة مسلمة، ~~والمعنى كما أجبت دعوته ببعثة الرسول كذلك أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه، ~~وأجعلكم مسلمين، وأتم نعمتي عليكم ببيان شرائع الملة الحنيفية. وقيل: إن ~~الكاف متعلقة بما بعدها وهو قوله: { فاذكروني أذكركم } والمعنى كما ~~أرسلنا فيكم رسولا ms0138 منكم فاذكروني، ووجه التشبيه أن النعمة بالذكر جارية ~~مجرى النعمة بإرسال الرسول، وإن قلنا: إنها متعلقة بما قبلها كان وجه ~~التشبيه أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة، وفيكم خطاب لأهل مكة ~~والعرب وكذا قوله منكم، وفي إرساله رسولا منهم نعمة عظيمة عليه لما فيه ~~من الشرف لهم ولأن المعروف من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد ~~للغير فكان بعثة الرسول منهم وفيهم أقرب إلى قبول قوله والانقياد له، ~~والمعنى كما أرسلنا فيكم يا معشر العرب { رسولا منكم } يعني محمدا صلى ~~الله عليه وسلم { يتلو عليكم آياتنا } يعني القرآن وذلك من أعظم النعم ~~لأنه معجزة باقية على الدهر { ويزكيكم } أي ويطهركم من دنس الشرك والذنوب ~~وقيل يعلمكم ما إذا فعلتموه صرتم أزكياء مثل محاسن الأخلاق ومكارم ~~الأفعال { ويعلمكم الكتاب } يعني أحكام الكتاب وهو القرآن وقيل إن ~~التعليم غير التلاوة فليس بتكرار { والحكمة } يعني السنة والفقه في الدين ~~{ ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } يعني يعلمكم من أخبار الأمم الماضية ~~والقرون الخالية وقصص الأنبياء والخبر عن الحوادث المستقبلية مما لم ~~تكونوا تعلمون وذلك قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم { فاذكروني } ~~قيل الذكر يكون باللسان، وهو أن يسبحه ويحمده ويمجده ونحو ذلك من ~~الأذكار، ويكون بالقلب وهو أن يتفكر في عظمة الله تعالى، وفي الدلائل ~~الدالة على وحدانيته، ويكون بالجوارح وهو أن تكون مستغرقة في الأعمال ~~التي أمروا بها، مثل الصلاة وسائر الطاعات التي للجوارح فيها فعل { ~~أذكركم } أي بالثواب والرضا عنكم قال ابن عباس: اذكروني بطاعتي أذكركم ~~بمعونتي وقيل: اذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء، وقال ~~أهل المعاني: اذكروني بالتوحيد والإيمان: أذكركم بالجنان والرضوان. وقيل: ~~اذكروني بالإخلاص أذكركم بالخلاص اذكروني بالقلوب، أذكركم بغفران الذنوب. ~~اذكروني بالدعاء أذكركم بالعطاء ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني ~~في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته ms0139 في ملأ خير منه، وإن تقرب ~~إلي شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا، ~~وإن أتاني يمشي أتيته هرولة " # قوله عز وجل: " أنا عند ظن عبدي بي " قيل: معناه بالغفران إذا استغفر ~~وبالقبول والإجابة، إذا دعا، وبالكفاية إذا طلب الكفاية. وقيل: المراد ~~منه تحقيق الرجاء وتأميل العفو وهذا أصح قوله: وأنا معه إذا ذكرني يعني ~~بالرحمة والتوفيق والهداية والإعانة. وقوله: " فإن ذكرني في نفسه ذكرته ~~في نفسي ". النفس في اللغة لها معان: منها ذات الشيء والله تعالى له ذات ~~حقيقة. ومنها الغيب فعلى هذا يكون المعنى فإن ذكرني خاليا ذكرته ~~بالإثابة والمجازاة مما لا يطلع عليه أحد. قوله: " وإن ذكرني في ملأ ~~ذكرته في ملأ خير منه ". الملأ أشراف الناس وعظماؤهم الذين يرجع إلى ~~رأيهم وهذا مما استدلت به المعتزلة ومن وافقهم على تفضيل الملائكة على ~~الأنبياء. وأجيب عنه بأن الذكر غالبا يكون في جماعة لا نبي فيهم. قوله: ~~" وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا إلخ " وهذا من أحاديث الصفات ~~ويستحيل إرادة ظاهره فلا بد من التأويل فعلى هذا يكون ذكر الشبر والذراع ~~والباع والمشي والهرولة استعارة، ومجازا فيكون المراد بقرب العبد من ~~الله تعالى القرب بالذكر والطاعة والعمل الصالح والمراد بقرب الله من ~~العبد قرب نعمه وألطافه وبره وكرمه وإحسانه إليه، وفيض مواهبه ورحمته ~~عليه والمعنى كلما زاد بالطاعة والذكر زدت بالبر والإحسان وإن أتاني في ~~طاعتي أتيته هرولة أي صببت عليه الرحمة صبا وسبقته بها ق عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: # " أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه " # ق عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت " # م عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله ~~كثيرا ms0140 والذاكرات " # المفردون الذين ذهب القرن الذي كانوا فيه، وبقوا وهم يذكرون الله تعالى. ~~ويقال: تفرد الرجل إذا تفقه واعتزل. وقوله تعالى: { واشكروا لي } يعني ~~بالطاعة { ولا تكفرون } أي بالمعصية فمن أطاع الله فقد شكره ومن عصاه فقد ~~كفره. ### || [2.153-154] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة } إنما ~~خصهما بذلك لما فيهما من المعونة على العبادات أما الصبر فهو حبس النفس ~~على احتمال المكاره في ذات الله وتوطينها على تحمل المشاق في العبادات، ~~وسائر الطاعات وتجنب الجزع وتجنب المحظورات ومن الناس من حمل الصبر على ~~الصوم وفسره به، ومنهم من حمله على الجهاد وأما الاستعانة بالصلاة فلأنها ~~تجب أن تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود والإخلاص له. وقيلك ~~استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض، وبالصلوات الخمس في ~~مواقيتها على تحميص الذنوب { إن الله مع الصابرين } أي بالعون والنصر { ~~ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات } نزلت فيمن قتل ببدر من ~~المسلمين وكانوا أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وهم: عبيدة بن الحارث ~~بن عبدالمطلب وعمير بن أبي وقاص بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري أخو ~~سعد بن أبي وقاص وذو الشمالين واسمه عمير بن عبد عمرو بن العاص بن نضلة ~~بن عمرو بن خزاعة ثم بني غبشان وعاقل بن البكير من بني سعد بن ليث بن ~~كنانة ومهجع مولى لعمر بن الخطاب، وصفوان بن بيضاء من بني الحارث بن فهر ~~ومن الأنصار ثمانية، وهم سعد بن خيثمة ومبشر بن عبد بن المنذر، ويزيد بن ~~الحارث بن قيس بن فسحم وعمير بن الحمام ورافع بن المعلى وحارثة بن سراقة، ~~وعوف ومعوذ ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد وهما ابنا عفراء وهي أمهما، كان ~~الناس يقولون لمن قتل في سبيل الله مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ~~ولذاتها فأنزل الله تعالى هذا الآية، وقيل: إن الكفار والمنافقين قالوا: ~~إن الناس يقتلون أنفسهم ظلما لمرضاة محمد من غير فائدة فنزلت هذا الاية ~~وأخبر أن من قتل في ms0141 سبيل الله فإنه حي بقوله تعالى: { بل أحياء } وإنما ~~أحياهم الله عز وجل في الوقت لإيصال الثواب إليهم. وعن الحسن أن الشهداء ~~أحياء عند الله تعالى تعرض أرزاقهم على أرواحهم، ويصل إليهم الروح ~~والريحان والفرح كما تعرض النار عى أرواح آل فرعون غدوة وعشيا فيصل ~~إليهم، الألم والوجع ففيه دليل على أن المطيعين لله يصل إليهم ثوابهم وهم ~~في قبورهم في البرزخ وكذا العصاة يعذبون في قبورهم. فإن قلت: نحن نراهم ~~موتى فما معنى قوله بل أحياء وما وجه النهي، في قوله ولا تقولوا لمن يقتل ~~في سبيل الله أموات. قلت: معناه لا تقولوا أموات بمنزلة غيرهم من الأموات ~~بل هم أحياء تصل أرواحهم إلى الجنان كما ورد، # " إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة " # فهم أحياء من هذه الجهة، وإن كانوا أمواتا من جهة خروج الروح من ~~أجسادهم، وجواب آخر وهو أنهم أحياء عند الله تعالى في عالم الغيب، لأنهم ~~صاروا إلى الآخرة فنحن لا نشاهدهم كذلك ويدل على ذلك قوله تعالى: { ولكن ~~لا تشعرون } أي لا ترونهم أحياء فتعلموا ذلك حقيقة، وإنما تعلمون ذلك ~~بإخباري إياكم به. # فإن قلت: ليس سائر المطيعين من المسلمين لله يصل إليهم من نعيم الجنة في ~~قبورهم فلم خصص الشهداء بالذكر؟. قلت: إنما خصهم لأن الشهداء فضلوا على ~~غيرهم بمزيد النعيم وهو أنهم يرزقون من مطاعم الجنة ومآكلها وغيرهم ~~ينعمون بما دون ذلك. وجواب آخر أنه رد لقول من قال: إن من قتل في سبيل ~~الله قد مات وذهب عنه نعيم الدنيا ولذاتها فأخبر الله تعالى بقوله: { بل ~~أحياء } بأنهم في نعيم دائم. ### || [2.155-156] # قوله عز وجل: { ولنبلونكم } أي لنختبرنكم يا أمة محمد واللام جواب القسم ~~تقديره، والله لنبلونكم، والابتلاء لإظهار الطائع من العاصي لا ليعلم ~~شيئا، لم يكن عالما به فإنه سبحانه وتعالى عالم بجميع الأشياء قبل ~~كونها وحدوثها { بشيء } إنما قال: بشيء ولم يقل بأشياء لئلا يوهم أن ~~أشياء تدل على ضروب من الخوف. وكذا الباقي فلما قال ms0142 بشيء كان التقدير ~~بشيء من الخوف، وبشيء من الجوع. وقيل: معناه بشيء قليل من هذه الأشياء { ~~من الخوف } قال ابن عباس: يعني خوف العدو والخوف توقع مكروه يحصل منه ألم ~~في القلب { والجوع } يعني القحط وتعذر حصول القوت { ونقص من الأموال } ~~يعني بالهلاك والخسران { والأنفس } أي ونقص من الأنفس بالموت أو القتل { ~~والثمرات } يعني الجوائح في الثمار وقيل: قد يكون بالجدب أيضا وبترك ~~العمل والعمارة في الأشجار. وحكي عن الشافعي رضي الله عنه في تفسير هذه ~~الآية قال: الخوف خوف الله تعالى والجوع صيام شهر رمضان ونقص من الأموال ~~يعني إخراج الزكاة والصدقات والأنفس يعني بالأمراض، والثمرات يعني موت ~~الأولاد، لأن الولد ثمرة القلب. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته أقبضتم ولد عبدي؟ قالوا: ~~نعم. قال: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا نعم قال فماذا قال؟ قالوا: حمدك ~~واسترجع قال: ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد " # أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن. فإن قلت ما الحكمة في تقديم تعريف هذا ~~الابتلاء في قوله: ولنبلونكم. قلت فيه حكم: منها أن العبد إذا علم أنه ~~مبتلي بشيء، وطن نفسه على الصبر، فإذا نزل به ذلك البلاء لم يجزع. ومنها ~~أن الكفار إذا شاهدوا المؤمنين مقيمين على دينهم ثابتين عند نزول البلاء ~~صابرين له علموا بذلك صحة الدين فيدعوهم ذلك إلى متابعته والدخول فيه. ~~ومنها أن الله تعالى أخبر بهذا الابتلاء، قبل وقوعه فإذا وقع كان ذلك ~~إخبارا عن غيب فيكون معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ومنها أن المنافقين ~~إنما أظهروا الإيمان طمعا في المال وسعة الرزق من الغنائم فلما أخبر ~~الله أنه مبتلي عباده فعند ذلك تميز المؤمن من المنافق والصادق من ~~الكاذب، ومنها أن الإنسان في حال الابتلاء أشد إخلاصا لله منه في حال ~~الرخاء، فإذا علم أنه مبتلي دام على التضرع والابتهال إلى الله تعالى ~~لينجيه مما عسى أن ينزل به من البلاء ms0143 ثم قال تعالى: { وبشر الصابرين } ~~يعني عند نزول البلاء والمعنى وبشر يا محمد الصابرين على امتحاني بما ~~أمتحنهم به من الشدائد والمكاره، ثم وصفهم بقوله تعالى: { الذين إذا ~~أصابتهم مصيبة } أي نائبة وابتلاء { قالوا إنا لله } أي عبيدا وملكا { ~~وإنا إليه راجعون } يعني في الآخرة م عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني ~~في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا ~~منها " # قيل: ما أعطي أحد ما أعطيت هذه الأمة يعني الاسترجاع عند المصيبة ولو ~~أعطيها أحد لأعطى يعقوب عليه السلام ألا تسمع إلى قوله عند فقد يوسف # يأسفى على يوسف # [يوسف: 84] وقيل: في قول العبد إنا لله وإنا إليه راجعون تفويض منه إلى ~~الله وأنه راض بكل ما نزل به من المصائب. ### || [2.157] # { أولئك } يعني من هذه صفتهم { عليهم صلوات من ربهم } قال ابن عباس: أي ~~مغفرة من ربهم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم صل على آل أبي أوفى " # أي أغفر لهم وأرحمهم وإنما جمع الصلوات لأنه عنى مغفرة، بعد مغفرة ورحمة ~~بعد رحمة { ورحمة } قال ابن عباس: ونعمة والرحمة من الله إنعامه وإفضاله ~~وإحسانه، ومن الآدميين رقة وتعطف. وقيل: إنما ذكر الرحمة بعد الصلوات لأن ~~الصلاة من الله الرحمة لاتساع المعنى واتساع اللفظ وتفعل ذلك العرب ~~كثيرا، إذا اختلف اللفظ، واتفق المعنى، وقيل: كررهما للتأكيد أي عليهم ~~رحمة بعد رحمة { وأولئك هم المهتدون } يعني إلى الاسترجاع. وقيل: إلى ~~الجنة الفائزون بالثواب. وقيل: المهتدون إلى الحق والصواب. وقال عمر بن ~~الخطاب: نعم العدلان ونعمت العلاوة فالعدلان الصلاة والرحمة والعلاوة ~~الهداية. فصل: في ذكر أحاديث وردت في ثواب أهل البلاء وأجر الصابرين خ عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من يرد الله به خيرا يصب منه " # يعني يبتليه بالمصائب حتى يأجره على ذلك ق عن أبي سعيد وأبي هريرة ms0144 عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة ~~يشاكها إلا كفر الله عنه بها خطاياه " # النصب التعب والإعياء والوصب المرض ق عن عبدالله قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله عنه من سيئاته كما ~~تحط الشجرة ورقها " # ق عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تفيئه ولا يزال المؤمن يصيبه ~~البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرزة لا تهتز حتى تحصد " # الأرزة شجر معروف بالشام ويعرف في العراق، ومصر بالصنوبر والصنوبر ثمرة ~~الأرزة وقيل: الأرزة الثابتة في الأرض. عن أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إذا أراد الله بعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد الله ~~بعبد شرا أمسك عنه حتى يوافي يوم القيامة " # وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي ~~فله الرضا، ومن سخط فله السخط " # أخرجه الترمذي. وله عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم ~~كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض " # وله عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده حتى يلقى الله وما ~~عليه خطيئة " # وقال حديث حسن صحيح خ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " قال الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل ~~الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة عن سعد بن أبي وقاص وقال: قلت يا رسول الله ~~أي الناس أشد بلاء قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على دينه ~~فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه ms0145 رقة هون عليه فما ~~يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. ### || [2.158] # قوله عز وجل: { إن الصفا والمروة من شعائر الله } الصفا جمع صفاة، وهي ~~الصخرة الصلبة الملساء، وقيل هي الحجارة الصافية. والمروة الحجر الرخو، ~~وجمعها مرو ومروات وهذان أصلهما في اللغة، وإنما عنى الله بهما الجبلين ~~المعروفين بمكة في طرفي المسعى، ولذلك أدخل فيهما الألف واللام وشعائر ~~الله أعلام دينه وأصلها من الإشعار وهو الإعلام واحدتها شعيرة وكل ما كان ~~معلما لقربان يتقرب به إلى الله تعالى من صلاة، ودعاء وذبيحة فهو شعيرة ~~من شعائر الله. ومشاعر الحج معالمه الظاهرة للحواس ويقال: شعائر الحج ~~فالمطاف والموقف والمنحر، كلها شعائر والمراد بالشعائر هنا المناسك التي ~~جعلها الله أعلاما لطاعته فالصفا، والمروة منها حيث يسعى بينهما { فمن ~~حج البيت } قصد البيت هذا أصله في اللغة وفي الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة ~~لإقامة المناسك { أو اعتمر } أي زار البيت والعمرة الزيارة ففي الحج ~~والعمرة المشروعين قصد وزيارة { فلا جناح عليه } أي فلا إثم عليه وأصله ~~من جنح إذا مال عن القصد المستقيم { أن يطوف بهما } أي يدور بهما ويسعى ~~بينهما. وسبب نزول هذه الآية، أنه كان على الصفا والمروة صنمان يقال لهما ~~إساف ونائلة فكاف إساف على الصفات ونائلة على المروة وكان أهل الجاهلية ~~يطوفون بين الصفا والمروة تعظيما للصنمين فلما جاء الإسلام وكسرت ~~الأصنام، تحرج المسلمون عن السعي بين الصفا والمروة فأنزل الله هذه الآية ~~وأذن في السعي بينهما وأخبر أنه من شعائر الله ق عن عاصم بن سليمان ~~الأحول قال قلت لأنس: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ فقال: نعم ~~لأنها كانت من شعائر الجاهلية حتى أنزل الله { إن الصفا والمروة من شعائر ~~الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما }. وفي رواية ~~قال: كانت الأنصار يكرهون أن يطوفوا بين الصفا والمروة حتى نزلت { إن ~~الصفا والمروة من شعائر الله }. فصل اختلف العلماء في حكم السعي بين ms0146 ~~الصفا والمروة، فذهب جماعة إلى وجوبه وهو قول ابن عمر وجابر وعائشة وبه ~~قال الحسن: وإليه ذهب مالك والشافعي وذهب قوم إلى أنه تطوع. وهو قول ابن ~~عباس: وبه قال ابن سيرين وذهب الثوري وأبو حنيفة إلى أنه ليس بركن وعلى ~~من تركه دم وروي عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء أن من تركه فلا شيء عليه ~~واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك فروي عنه أن من ترك السعي بين الصفا ~~والمروة لم يجزه حجه وروي عنه أنه لا شيء في تركه عمدا، ولا سهوا ولا ~~ينبغي أن يتركه ونقل الجمهور عنه أنه تطوع وسبب هذا الاختلاف أن قوله ~~تعالى: { فلا جناح عليه } يصدق عليه أنه لا إثم عليه في فعله، فدخل تحته ~~الواجب والمندوب والمباح فظاهر هذه الآية، لا يدل على أن السعي بين الصفا ~~والمروة واجب أو ليس بواجب، لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين ~~الأقسام الثلاثة لا دلالة فيه على خصوصية أحدهما، فإذا لا بد من دليل ~~خارج يدل على أن السعي واجب أو غير واجب فحجة الشافعي ومن وافقه في أن ~~السعي بين الصفا والمروة، ركن من أركان الحج والعمرة، ما روى الشافعي ~~بسنده عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني بنت أبي تجزاة واسمها حبيبة إحدى ~~نساء بني عبد الدار قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته يسعى وإن ~~مئزره ليدور من شدة السعي حتى لأقول: إني لأرى ركبته وسمعته يقول: # " اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " # وصححه الدارقطني ق عن عروة بن الزبير قال: قلت لعائشة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم أرأيت قول الله: { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج ~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } فما أرى على أحد شيئا أن ~~لا يطوف بهما فقالت عائشة: كلا لو كان كما تقول كانت فلا جناح عليه، أن ~~لا يطوف بهما إنما نزلت هذه ms0147 الآية في الأنصار، كانوا يهلون لمناة وكانت ~~مناة حذو قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء ~~الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: { إن ~~الصفا والمروة من شعائر الله } الآية م عن جابر في حديثه الطويل في صفة ~~حجة الوداع قال: ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: # " إن الصفا والمروة من شعائر الله أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا " # الحديث فإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى وجب علينا السعي لقوله ~~تعالى: فاتبعوه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: # " خذوا عني مناسككم " # والأمر للوجوب ومن القياس أن السعي أشواط شرعت في بقعة من بقاع الحرم ~~ويؤتى به في إحرام كامل فكان ركنا كطواف الزيارة واحتج أبو حنيفة ومن لا ~~يرى وجوب السعي بقوله: { فلا جناح عليه أن يطوف بهما }. وهذا لا يقال في ~~الواجبات ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: { ومن تطوع خيرا } فبين أنه تطوع ~~وليس بواجب. وأجيب عن الأول بأن قوله تعالى: { فلا جناح عليه } ليس فيه ~~إلا أنه لا إثم على فعله وهذا القدر مشترك بين الواجب، وغيره كما تقدم ~~بيانه فلا يكون فيه دلالة على نفي الوجوب. وعن الثاني وهو التمسك بقوله ~~تعالى: { ومن تطوع خيرا } فضعيف لأن هذا لا يقتضي أن يكون المراد من هذا ~~التطوع هو الطواف المذكور، أولا بل يجوز أن يكون المقصود منه شيئا أخر ~~يدل على ذلك قول الحسن: إن المراد من قوله: { ومن تطوع خيرا } جميع ~~الطاعات في الدين يعني فعل فعلا زائدا على ما افترض عليه من صلاة وصدقة ~~وصيام وحج وعمرة، وطواف، وغير ذلك من أنواع الطاعات. # وقال مجاهد: ومن تطوع خيرا بالطواف بهما وهذا على قول من لا يرى الطواف ~~بهما فرضا وقيل معناه ومن تطوع خيرا فزاد في الطواف بعد الواجب والقول ~~الأول أولى للعموم { فإن الله شاكر } أي مجاز على الطاعة { عليم } أي ~~بنيته وحقيقة الشاكر في اللغة هو المظهر للأنعام ms0148 عليه والشكر هو تصور ~~النعمة، وإظهارها والله تعالى لا يوصف بذلك لأنه لا يلحقه المنافع ~~والمضار، فالشاكر في صفة الله تعالى مجاز فإذا وصف به أريد به أنه ~~المجازي على الطاعة بالثواب، إلا أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد ~~مظاهرة في الإحسان إليهم. ### || [2.159-163] # قوله عز وجل: { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى } نزلت في ~~علماء اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغيرها ~~من الأحكام التي كانت في التوراة. وقيل: إن الآية على العموم فيمن كتم ~~شيئا من أمر الدين لأن اللفظ عام والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ~~ومن قال بالقول الأول، وإنها في اليهود قال: إن الكتم لا يصح إلا منهم ~~لأنهم كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ومعنى الكتمان ترك إظهار الشيء ~~مع الحاجة إلى بيانه وإظهاره، فمن كتم شيئا من أمر الدين فقد عظمت ~~مصيبته ق عن أبي هريرة قال: لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت ~~شيئا أبدا: { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى } وقوله: # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه # [آل عمران: 187] إلى آخر الآيتين، وهل إظهار علوم الدين فرض كفاية أو ~~فرض عين؟ فيه خلاف والأصح، أنه إذا ظهر للبعض بحيث يتمكن كل واحد من ~~الوصول إليه لم يبق مكتوما، وقيل: متى سئل العالم عن شيء يعلمه من أمر ~~الدين يجب عليه إظهار وإلا فلا { من بعد ما بيناه للناس في الكتاب } ~~يعني في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم فعلى هذا يكون المراد ~~بالناس علماء بني إسرائيل، ومن قال: إن المراد بالكتاب جميع ما أنزل الله ~~على أنبيائه من الأحكام قال المراد بالناس العلماء كافة { أولئك } يعني ~~الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى { يلعنهم الله } أي يبعدهم ~~من رحمته وأصل اللعن في اللغة الطرد والإبعاد { ويلعنهم اللاعنون } قال ~~ابن عباس: جميع الخلائق إلا الجن والإنس وذلك أن البهائم تقول إنما ~~منعنا القطر ms0149 بمعاصي بني آدم. وقيل: اللاعنون هم الجن والإنس لأنه وصفهم ~~بوصف من يعقل وقيل: ما تلاعن اثنان من المسليمن إلا رجعت إلى اليهود ~~والنصارى الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ثم استثنى فقال تعالى: ~~{ إلا الذين تابوا } أي ندموا على ما فعلوا فرجعوا عن الكفر إلى الإسلام ~~{ وأصلحوا } يعني الأعمال فيما بينهم وبين الله تعالى { وبينوا } يعني ما ~~كتموا من العلم { فأولئك أتوب عليهم } أي أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم { ~~وأنا التواب } أي المتجاوز عن عبادي الرجاع بقلوبهم المنصرفة عني إلي { ~~الرحيم } يعني بهم بعد إقبالهم علي. قوله عز وجل: { إن الذين كفروا ~~وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين } قيل: ~~هذا اللعن يكون يوم القيامة يؤتى بالكافر فيوقف فيلعنه الله ثم تلعنه ~~الملائكة ثم يلعنه الناس أجمعون. فإن قلت: الكافر لا يلعن نفسه ولا يلعنه ~~أهل دينه وملته فما معنى قوله والناس أجمعين. # قلت فيه أوجه: أحدها: أنه أراد بالناس من يعتد بلعنه وهم المؤمنون. ~~الثاني:أن الكفار يلعن بعضهم بعضا يوم القيامة. الثالث: أنهم يلعنون ~~الظالمين والكفار من الظالمين فيكون قد لعن نفسه { خالدين فيها } أي ~~مقيمين في اللعنة وقيل: في النار وإنما أضمرت لعظم شأنها { لا يخفف عنهم ~~العذاب ولا هم ينظرون } أي لا يمهلون ولا يؤجلون. وقيل: لا ينظرون ~~ليعتذروا. وقيل: لا ينظر إليهم نظر رحمة. فصل فيما يتعلق بهذه الآية من ~~الحكم قال العلماء: لا يجوز لعن كافر معين لأن حاله عند الوفاة لا يعلم ~~فلعله يموت على الإسلام وقد شرط الله في هذه الآية إطلاق اللعنة على من ~~مات على الكفر ويجوز لعن الكفار يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: # " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها " # وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معين من الكفار، بدليل جواز قتاله وأما ~~العصاة من المؤمنين فلا يجوز لعنة أحد منهم على التعيين وأما على الإطلاق ~~فيجوز لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لعن الله السارق يسرق البيضة والحبل ms0150 فتقطع يده " # ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة وآكل الربا ~~ومؤكله ولعن من غير منار الأرض، ومن انتسب لغير أبيه وكل هذه في الصحيح. ~~قوله عز وجل: { وإلهكم إله واحد } سبب نزول هذه الآية، أن كفار قريش ~~قالوا: يا محمد صف لنا ربك وانسبه، فأنزل الله هذه الآية وسورة الإخلاص ~~ومعنى الوحدة الانفراد، وحقيقة الواحد هو الشيء الذي لا يتبعض ولا ينقسم ~~والواحد في صفة الله أنه واحد لا نظير له وليس كمثله شيء وقيل واحد في ~~ألوهيته وربوبيته وليس له شريك لأن المشركين أشركوا معه الآلهة فكذبهم ~~الله تعالى بقوله: { وإلهكم إله واحد } يعني لا شريك له في ألوهيته ولا ~~نظير له في الربوبية والتوحيد، هو نفي الشريك والقسيم والشبيه فالله ~~تعالى واحد في أفعاله لا شريك له يشاركه في مصنوعاته وواحد في ذاته لا ~~قسيم له وواحد في صفاته لا يشبهه شيء من خلقه { لا إله إلا هو } تقرير ~~للوحدانية بنفي غيره من الألوهية وإثباتها له سبحانه وتعالى: { الرحمن ~~الرحيم } يعني أنه المولى لجميع النعم وأصولها وفروعها فلا شيء سواه بهذه ~~الصفة لأن كل ما سواه إما نعمة وأما منعم عليه. وهو المنعم على خلقه ~~الرحيم بهم. عن أسماء بنت يزيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم } ، وفاتحة آل عمران: { الم الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم } " # أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح. وقيل: لما نزلت هذ الآية. قال ~~المشركون: إن محمدا يقول: " إلهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان صادقا ~~". ### || [2.164] # فأنزل الله تعالى: { إن في خلق السموات والأرض } وعلمه كيفية الاستدلال ~~على وحدانية الصانع، وردهم إلى التفكر في آياته والنظر في عجائب مصنوعاته ~~وإتقان أفعاله ففي ذلك دليل على وحدانيته إذ لو كان في الوجود صانعان ~~لهذه الأفعال، لاستحال اتفاقهما على أمر واحد ولامتنع في أفعالهما ~~التساوي في صفة الكمال فثبت بذاك أن خالق ms0151 هذا العالم والمدبر له واحد ~~قادر مختار، فبين سبحانه وتعالى من عجائب مخلوقاته ثمانية أنواع أولها: ~~إن في خلق السموات والأرض وإنما جمع السموات لأنها أجناس مختلفة كل سماء ~~من جنس غير جنس الأخرى ووحد الأرض جنس واحد وهو التراب، والاية في السماء ~~هي سمكها وارتفاعها بغير عمد، ولا علاقة وما يرى فيها من الشمس والقمر ~~والنجوم، والآية في الأرض مدها وبسطها على الماء، وما يرى فيها من الجبال ~~والبحار والمعادن والجواهر والأنهار والأشجار والثمار والنبات. النوع ~~الثاني قوله تعالى: { واختلاف الليل والنهار } أي تعاقبهما في المجيء ~~والذهاب وقيل اختلافهما في الطول والقصر والزيادة والنقصان والنور ~~والظلمة. وإنما قدم الليل على النهار لأن الظلمة أقدم. والآية في الليل ~~والنهار أن انتظام أحوال العباد بسبب طلب الكسب والمعيشة يكون في النهار ~~وطلب النوم والراحة يكون في الليل فاختلاف الليل والنهار إنما هو لتحصيل ~~مصالح العباد. والنوع الثالث قوله تعالى: { والفلك التي تجري في البحر } ~~أي السفن واحدة وجمعه سواء، وسمي البحر بحرا لاتساعه وانبساطه، والآية ~~في الفلك تسخيرها وجريانها على وجه الماء وهي موقرة بالأثقال والرجال فلا ~~ترسب وجريانها بالريح مقبلة ومدبرة، وتسخير البحر لحمل الفلك مع قوة ~~سلطان الماء، وهيجان البحر فلا ينجي منه إلا الله تعالى النوع الرابع ~~قوله تعالى: { بما ينفع الناس } يعني ركوبها والحمل عليها في التجارات ~~لطلب الأرباح، والآية في ذلك أن الله تعالى لو لم يقو قلب من يركب هذه ~~السفن لما تم الغرض في تجاراتهم، ومنافعهم وأيضا فإن الله تعالى خص كل ~~قطر من أقطار العالم بشيء معين، وأحوج الكل إلى الكل فصار ذلك سببا ~~يدعوهم إلى اقتحام الأخطار في الأسفار من ركوب السفن وخوض البحر وغير ذلك ~~فالحامل ينتفع، لأنه يربح والمحمول إليه ينتفع بما حمل إليه. النوع ~~الخامس قوله تعالى: { وما أنزل الله من السماء من ماء } يعني المطر قيل ~~أراد بالسماء السحاب سمي سماء لأن كل ما علاك فأظلك فهو سماء خلق الله ~~الماء في السحاب، ومنه ينزل إلى الأرض وقيل: ms0152 أراد السماء بعينها خلق الله ~~الماء في السماء ومنه ينزل إلى السحاب ثم منه إلى الأرض { فأحيا به } أي ~~بالماء { الأرض بعد موتها } أي يبسها وجدبها سماه موتا مجازا لأنها إذا ~~لم تنبت شيئا، ولم يصبها المطر فهي كالميتة، والآية في إنزال المطر ~~وإحياء الأرض به أن الله تعالى جعله سببا لإحياء الجميع من حيوان ونبات ~~ونزوله عند وقت الحاجة إليه بمقدار المنفعة، وعند الاستسقاء والدعاء ~~وإنزاله بمكان دون مكان. # النوع السادس قوله تعالى: { وبث } أي فرق { فيها } أي في الأرض { من كل ~~دابة } قال ابن عباس: يريد كل ما دب على وجه الأرض من جميع الخلق من ~~الناس وغيرهم، والآية في ذلك أن جنس الإنسان يرجع إلى أصل واحد وهو آدم ~~ثم ما فيهم من الاختلاف في الصور والأشكال والألوان والألسنة والطبائع ~~والأخلاق والأوصاف إلى غير ذلك ثم يقاس على بني آدم سائر الحيوان. النوع ~~السابع قوله تعالى: { وتصريف الرياح } يعني في مهابها قبولا ودبورا ~~وشمالا وجنوبا ونكباء وهي الريح التي تأتي من غير مهب صحيح، فكل ريح ~~تختلف مهابها تسمى: نكباء. وقيل: تصريفها في أحوال مهابها لينة وعاصفة ~~وحارة وباردة وسميت ريحا لأنها تريح قال ابن عباس: أعظم جنود الله الريح ~~وقيل ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو ضده. وقيل: البشارة في ثلاث رياح ~~الصبا والشمال والجنوب والدبور: هي الريح العقيم التي أهلكت بها عاد فلا ~~بشارة فيها، والآية في الريح أنها جسم لطيف لا يمسك ولا يرى وهي مع ذلك ~~في غاية القوة تقلع الشجر والصخر وتخرب البنيان العظيم وهي مع ذلك حياة ~~الوجود فلو أمسكت طرفة عين لمات كل ذي روح وأنتن ما على وجه الأرض. النوع ~~الثامن قوله تعالى: { والسحاب المسخر بين السماء والأرض } أي الغيم ~~المذلل سمي سحابا لسرعة سيره كأنه يسحب. والآية في ذلك أن السحاب مع ما ~~فيه من المياه العظيمة التي تسيل منها الأدوية العظيمة يبقى معلقا بين ~~السماء والأرض، ففي هذه الأنواع الثمانية المذكورة في هذه الآية دلالة ~~عظيمة ms0153 على وجود الصانع القادر المختار،وأنه الواحد في ملكه فلا شريك له ~~ولا نظير وهو المراد من قوله: # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو # [البقرة: 163] وقوله: { لآيات } أي فيما ذكر من دلائل مصنوعاته الدالة ~~على وحدانيته قيل إنما جمع آيات لأن في كل واحد مما ذكر من هذه الآنواع ~~آيات كثيرة تدل على أن لها خالقا مدبرا مختارا { لقوم يعقلون } أي ~~ينظرون بصفاء عقولهم ويتفكرون بقلوبهم، فيعلمون أن لهذه الأشياء خالقا ~~ومدبرا مختارا وصانعا قادرا على ما يريد. ### || [2.165] # قوله عز وجل: { ومن الناس } يعني المشركين { من يتخذ من دون الله ~~أندادا } يعني أصناما يعبدونها والند المثل المنازع فعلى هذا الأصنام ~~أندادا بعضها لبعض وليست أندادا لله تعالى وتعالى الله أن يكون له ند، ~~أوله مثل منازع وقيل: الأنداد الأكفاء من الرجال وهم رؤساؤهم وكبراؤهم ~~الذين يطيعونهم في معصية الله تعالى: { يحبونهم } أي يودونهم ويميلون ~~إليهم والحب نقيض البغض وأحببت فلانا أي جعلته معرضا بأن تحبه والمحبة ~~الإرادة { كحب الله } أي كحب المؤمنين لله والمعنى: يحبون الأصنام كما ~~يحب المؤمنون ربهم عز وجل. وقيل: معناه يحبونهم كحب الله فيكون المعنى ~~أنهم يسوون بين الأصنام وبين الله في المحبة فمن قال بالقول الأول لم ~~يثبت للكفار محبة الله تعالى ومن قال بالقول الثاني أثبت للكفار محبة ~~الله تعالى لكن جعلوا الأصنام شركاء له في الحب { والذين آمنوا أشد حبا ~~لله } أي أثبت وأدوم على محبته لأنهم لا يختارون مع الله سواه، والمشركون ~~إذا اتخذوا صنما ثم رأوا آخر أحسن منه طرحوا الأول واختاروا الثاني. ~~قيل: إن الكفار يعدلون عن أصنامهم في الشدائد ويقبلون إلى الله تعالى كما ~~أخبر عنهم فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين. والمؤمنون لا ~~يعدلون عن الله تعالى في السراء ولا في الضراء ولا في الشدة ولا في ~~الرخاء وقيل: إن المؤمنين يوحدون ربهم والكفار يعبدون أصناما كثيرة ~~فتنقص المحبة لصنم واحد. وقيل: إنما هو قال { والذين آمنوا أشد حبا لله ~~} لأن الله أحبهم أولا ms0154 فأحبوه ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته ~~أتم وسيأتي بسط الكلام في معنى المحبة عند قوله: يحبهم ويحبونه { ولو يرى ~~الذين ظلموا } قرئ بالتاء والمعنى ولو ترى يا محمد الذين ظلموا. يعني ~~أشركوا في شدة العذاب، لرأيت أمرا عظيما وقرئ بالياء ومعناه ولو يرى ~~الذين ظلموا أنفسهم عند رؤية العذاب حين يقذف بهم في النار لعرفوا مضرة ~~الكفر وأن ما اتخذوه من الأصنام لا ينفعهم { إذ يرون العذاب أن القوة لله ~~جميعا } معناه لو رأى الذين كانوا يشركون في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا ~~حين يرون العذاب أن القوة ثابتة لله جميعا، والمعنى أنهم شاهدوا من قدرة ~~الله تعالى ما تيقنوا معه أن القوة له جميعا، وأن الأمر ليس على ما ~~كانوا عليه من الشرك والجحود { وأن الله شديد العذاب } ### || [2.166-167] # قوله عز وجل: { إذ تبرأ } أي تنزه وتباعد { الذين اتبعوا من الذين ~~اتبعوا ورأوا العذاب } أي القادة من مشركي الإنس من الأتباع وذلك يوم ~~القيامة حين يجمع القادة والأتباع فيتبرأ بعضهم من بعض عند نزول العذاب ~~بهم وعجزهم عن دفعه عن أنفسهم فكيف عن غيرهم. وقيل: هم الشياطين يتبرؤون ~~من الإنس، والقول هو الأول { وتقطعت بهم الأسباب } يعني الوصلات التي ~~كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها من قرابة وصداقة. وقيل: الأعمال التي ~~كانت بينهم يعملونها في الدنيا. وقيل: العهود والحلف التي كانت بينهم ~~يتوادون عليها. وأصل السبب في اللغة الحبل الذي يصعد به النخل وسمي كل ما ~~يتوصل به إلى شيء من ذريعة أو قرابة أو مودة سببا تشبيها بالحبل الذي ~~يصعد به { وقال الذين اتبعوا } يعني الأتباع { لو أن لنا كرة } أي رجعة ~~إلى الدنيا { فنتبرأ منهم } أي من المتبوعين { كما تبرؤوا منا } اليوم { ~~كذلك يريهم الله } أي كما أراهم العذاب يريهم الله { أعمالهم حسرات عليهم ~~} لأنهم أيقنوا بالهلاك. والحسرة الغم على ما فاته وشدة الندم عليه كأنه ~~انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه، والمعنى أن الله تعالى يريهم ~~السيئات التي عملوها، وارتكبوها في الدنيا فيتحسرون ms0155 لم عملوها؟. وقيل: ~~يريهم ما تركوا من الحسنات فيندمون على تضييعها. وقيل: يرفع لهم منازلهم ~~في الجنة فيقال لهم تلك مساكنكم لو أطعتم الله ثم تقسم بين المؤمنين فذلك ~~حين يتحسرون ويندمون على ما فاتهم ولا ينفعهم الندم { وما هم بخارجين من ~~النار }. ### || [2.168-170] # قوله عز وجل: { يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } نزلت في ~~ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فيما حرموا على أنفسهم من الحرث ~~والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام. والحلال المباح الذي أحله ~~الشرع وانحلت عقدة الحظر عنه، وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد. والطيب ~~ما يستلذ، والمسلم لا يستطيب إلا الحلال ويعاف الحرام. وقيل: الطيب هو ~~الطاهر لأن النجس تكرهه النفس وتعافه { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أي لا ~~تسلكوا سبيله. وقيل معناه لا تأثموا به ولا تتبعوا آثاره وزلاته، والمعنى ~~احذروا أن تتعدوا ما أحل الله لكم إلى ما يدعوكم إليه الشيطان. قيل: هي ~~النذور في المعاصي. وقيل: هي المحقرات من الذنوب ثم بين علة هذا التحذير، ~~بقوله تعالى: { إنه لكم عدو مبين } أي ظاهر العداوة وقد أظهر الله تعالى ~~عداوته بآية السجود لآدم ثم بين عداوته ما هي فقال تعالى: { إنما يأمركم ~~بالسوء } يعني بالإثم. والسوء ما يسوء صاحبه ويخزيه { والفحشاء } يعني ~~بها المعاصي وما قبح من قول أو فعل. قال ابن عباس: السوء ما لا حد فيه، ~~والفحشاء ما يجب فيه الحد. وقيل الفحشاء الزنا. وقيل هو البخل { وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون } يعني من تحريم الحرث والأنعام ويتناول ~~ذلك جميع المذاهب الفاسدة التي لم يأذن فيها الله ولم ترد عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. واعلم أن أمر الشيطان ووسوسته عبارة عن هذه الخواطر ~~التي يجدها الإنسان في قبله، وماهية هذه الخواطر حروف وأصوات منتظمة خفية ~~تشبه الكلام في الخارج، ثم إن فاعل هذه الخواطر هو الله تعالى وهو المحدث ~~لها في باطن الإنسان، وإنما الشيطان كالعرض، والله هو المقدر له على ذلك ~~وقد ورد ms0156 في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " # وإنما أقدر على ذلك لإيصال هذه الخواطر إلى باطن الإنسان. قوله عز وجل: ~~{ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله } هذه قصة مستأنفة والضمير في " لهم ~~" يعود إلى غير مذكور. قال ابن عباس: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اليهود إلى الإسلام. فقال رافع بن خارجة ومالك بن عوف: بل نتبع ما ألفينا ~~عليه آباءنا فهم كانوا خيرا منا وأعلم منا فأنزل الله هذه الآية. وقيل: ~~إن الآية متصلة بما قبلها والضمير في " لهم " يعود إلى قوله: # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا # [البقرة: 165] وهم مشركو العرب. قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ~~يعني من عبادة الأصنام. وقيل: بل الضمير في " لهم " يعود على قوله: # يا أيها الناس كلوا مما في الأرض # [البقرة: 168] والمعنى وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله يعني في تحليل ~~ما حرموا على أنفسهم { قالوا بل نتبع ما ألفينا } يعني وجدنا { عليه ~~آباءنا } من التحريم والتحليل، قال الله تعالى: { أو لو كان آباؤهم } ~~يعني الذين يتبعونهم { لا يعقلون شيئا } يعني لا يعلمون شيئا من أمر ~~الدين، لفظه عام ومعناه خاص وذلك أنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا { ولا ~~يهتدون } أي إلى الصواب. ### || [2.171-172] # ثم ضرب لهم مثلا فقال تعالى: { ومثل الذين كفروا كمثل الذين ينعق بما ~~لا يسمع إلا دعاء ونداء } النعيق صوت الراعي بالغنم، ولا يقال نعق إلا ~~للراعي بالغنم وحدها، ومعنى الآية: ومثلك يا محمد ومثل الكفار في وعظهم ~~ودعائهم إلى الله كمثل الراعي الذي ينعق بالغنم وهي لا تسمع إلا صوتا ~~فصار الداعي إلى الله وهو الرسول صلى الله عليه وسلم بمنزلة الراعي، وصار ~~الكفار بمنزلة الغنم المنعوق بها. ووجه المثل أن الغنم تسمع الصوت ولا ~~تفطن للمراد وكذلك الكفار يسمعون صوت الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن لا ~~ينتفعون به، وقيل معناه ومثل الذين كفروا في قلة عقلهم وفهمهم عن الله ~~ورسوله ms0157 كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفهم من الأمر والنهي إلا ~~الصوت فيكون المعنى بالمثل المنعوق به خارج عن الناعق. وقيل معناه ومثل ~~الذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه ولا تعقل كمثل الناعق ~~بالغنم، فهو لا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنه غني عن الدعاء والنداء، ~~فكذلك الكافر ليس له من دعاء الأصنام وعبادتها إلا العناء والبلاء، ~~والفرق بين هذا القول والقول الذي قبله أن المحذوف هنا هو المدعو وهي ~~الأصنام وفي القول الأول المحذوف هو الداعي وهو الرسول صلى الله عليه ~~وسلم { صم بكم عمي } لما شبههم بالبهائم زاد في تبكيتهم فقال: صم لأنهم ~~إذا سمعوا الحق ودعاء الرسول، ولم ينتفعوا به صاروا بمنزلة الأصم الذي لا ~~يسمع ولا يعقل كأنه أصم، بكم أي عن النطق بالحق عمي أي عن طريق الهدى { ~~فهم لا يعقلون } قيل المراد به العقل الكسبي لأن العقل الطبيعي كان ~~حاصلا فيهم قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم } قيل إن الأمر في قوله: كلوا قد يكون للوجوب كالأكل لحفظ النفس ~~ودفع الضرر عنها، وقد يكون للندب كالأكل مع الضيف وقد يكون للإباحة إذا ~~خلا من هذه العوارض. والطيب هو الحلال م عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به ~~المرسلين فقال: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا وقال: يا ~~أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث ~~أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه ~~حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك " # قوله: أشعث أغبر هو البعيد العهد بالدهن والغسل والنظافة. وقيل الطيب ~~المستلذ من الطعام فلعل قوما تنزهوا عن أكل المستلذ من المطاعم فأباح ~~الله تعالى لهم ذلك { واشكروا لله } يعني على نعمه { إن كنتم إياه تعبدون ~~} أي اشكروا الله الذي رزقكم ms0158 هذه النعم إن كنتم تخصونه بالعبادة وتقرون ~~أنه إلهكم لا غيره وقيل إن كنتم عارفين بالله وبنعمه فاشكروه عليها. ### || [2.173] # قوله عز وجل: { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } لما أمرنا ~~الله تعالى في الآية التي تقدمت بأكل الطيبات التي هي الحلالات بين في ~~هذه الآية أنواعا من المحرمات، أما الميتة فكل ما فارقته روحه من غير ~~ذكاة مما يذبح. وأما الدم فهو الجاري وكانت العرب تجعل الدم في المصارين ~~ثم تشويه وتأكله فحرم الله الدم. وأما الخنزير فإنه أراد بلحمه جميع ~~أجزائه وإنما خص اللحم بالذكر لأنه المقصود لذاته بالأكل { وما أهل به ~~لغير الله } يعني وما ذبح للأصنام والطواغيت وأصل الإهلال رفع الصوت وذلك ~~أنهم كانوا يرفعون أصواتهم بذكر آلهتهم إذا ذبحوا لها فجرى ذلك مجرى ~~أمرهم وحالهم حتى قيل لكم ذابح مهل وإن لم يجهر بالتسمية { فمن اضطر } ~~يعني إلى أكل الميتة وأحوج إليها { غير باغ } أصل البغي الفساد { ولا عاد ~~} أصله من العدوان وهو الظلم ومجاوزة الحد { فلا إثم عليه } أي فأكل فلا ~~إثم عليه، أي فلا حرج في أكلها { إن الله غفور } أي لما أكله في حال ~~الضرورة { رحيم } يعني حيث رخص لعباده في ذلك. فصل في حكم هذه الآية وفيه ~~مسائل الأولى في حكم الميتة أجمعت الأمة على تحريم أكل الميتة، وأنها ~~نجسة واستثنى الشرع منها السمك والجراد، أما السمك فلقوله صلى الله عليه ~~وسلم في البحر: # " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " # أخرجه الجماعة غير البخاري ومسلم. قال الترمذي: فيه حديث حسن صحيح. وأما ~~الجراد فلما روي عن ابن أبي أوفى قال: " غزونا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سبع غزوات، أو ستا وكنا نأكل الجراد ونحن معه " أخرجاه في ~~الصحيحين. واختلف في المسك الميت الطافي على الماء فقال مالك والشافعي لا ~~بأس به وقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح بن حي إنه مكروه وروي عن ~~علي بن أبي طالب أنه قال: ما طفى من صيد البحر فلا تأكله وعن ابن ms0159 عباس ~~وجابر بن عبدالله مثله وروي عن أبي بكر الصديق أبي أيوب إباحته. واختلف ~~في الجراد، فقال الشافعي وأبو حنيفة: لا بأس بأكل الجراد كله ما أخذته ~~وما وجدته ميتا. وروى مالك أن ما وجد ميتا فلا يحل وما أخذ حيا يذكى ~~زكاة مثله بأن يقطع رأسه ويشوى فإن غفل عنه حتى يموت فلا يحل. المسألة ~~الثانية في حكم الدم: اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل، ولا ~~ينتفع به. قال الشافعي: تحرم جميع الدماء سواء كان مسفوحا أو غير مسفوح. ~~وقال أبو حنيفة: دم السمك ليس بحرام قال لأنه إذا يبس ابيض واستثنى ~~الشارع من الدم الكبد والطحال. # روى الدارقطني عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عبدالله بن عمر ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أحل لنا من الدم دمان ومن الميتة ميتتان الحوت والجراد ومن الدم الكبد ~~والطحال " # وفي لفظ آخر: # " أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان ~~فالطحال والكبد " # أخرجه ابن ماجه وأحمد بن حنبل. قال أحمد وعلي بن المديني: عبدالرحمن بن ~~زيد ضعيف. وأخوه عبدالله بن زيد قوي. ثقة. وقد أخرج الدارقطني هذا الحديث ~~من رواية عبدالله بن زيد عن أبيه عن ابن عمر مرفوعا وضعف أبو بكر بن ~~العربي هذا الحديث وقال: يروى عن عمر بما لا يصح سنده وقال البيهقي: يروى ~~هذا الحديث عن ابن عمر موقوفا ومرفوعا والصحيح الموقوف. واختلف في ~~تخصيص هذا العموم في الكبد والحطال فقال: مالك لا تخصيص لأن الكبد ~~والطحال لحم، ويشهد لذلك العيان الذي لا يفتقر إلى برهان وقال الشافعي: ~~هما دمان ويشهد له الحديث فهو تخصيص من العموم. المسألة الثالثة في ~~الخنزير: أجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم، وإنما ذكر الله ~~تعالى لحمه لأن معظم الانتفاع متعلق به ثم اختلفوا في نجاسته فقال جمهور ~~العلماء إنه نجس وقال مالك: إنه طاهر. وكذا كل حيوان عنده، لأن علة ~~الطهارة هي الحياة وللشافعي قولان: في ولوغ الخنزير ms0160 الجديد أنه كالكلب ~~والقديم يكفي في ولوغه غسلة واحدة. والفرق بينهما أن التغليظ في الكلب ~~لأن العرب كانت تألفه بخلاف الخنزير. وقيل: إن التغليظ في الكلب تعبدي لا ~~يعقل معناه فلا يتعدى إلى غيره. المسألة الرابعة في حكم قوله: وما أهل به ~~لغير الله: من الناس من زعم أن المراد بذلك ذبائح عبدة الأوثان التي ~~كانوا يذبحونها لأصنامهم، وأجاز ذبيحة النصارى إذا سمي عليها باسم المسيح ~~وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب لعموم قوله: { ~~وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: لا ~~يحل ذلك والحجة فيه أنهم إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير ~~الله فوجب أن يحرم. وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا سمعتم اليهود ~~والنصارى يهلون لغير الله فلا تأكلوا وإذا لم تسمعوهم فكلوا، فإن الله قد ~~أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. المسألة الخامسة في حكم المضطر: المضطر ~~هو المكلف بالشيء، الملجأ إليه المكره عليه والمراد بالمضطر في قوله فمن ~~اضطر أي خاف التلف حتى قيل: من اضطر إلى أكل فلم يأكل الميتة فلم يأكل ~~منها حتى مات دخل النار. والمضطر على ثلاثة أقسام: إما بإكراه أو بجوع في ~~مخمصة أو بفقر لا يجد شيئا البتة فإن التحريم يرتفع مع وجود هذه الأقسام ~~بحكم الاستثناء في قوله: فلا إثم عليه وتباح له الميتة فأما الإكراه ~~فيبيح ذلك إلى زوال الإكراه وأما المخمصة فلا يخلو إن كانت دائمة فلا ~~خلاف في جواز الشبع منها، وإن كانت نادرة فاختلف العلماء فيه. # وللشافعي قولان أحداهما أنه يأكل ما يسد به الرمق، وبه قال أبو حنيفة. ~~والثاني يأكل قدر الشبع، وبه قال مالك. المسألة السادسة في قوله غير باغ ~~ولا عاد: قال ابن عباس: معنى غير باغ خارج على السلطان ولا عاد أي معتد ~~يعني العاصي بسفره بأن يخرج لقطع الطريق أو أبق من مولاه فلا يجوز للعاصي ~~بسفره أن يأكل من الميتة إذا اضطر إليها، ولا يترخص برخص ms0161 المسافرين حتى ~~يتوب، وبه قال الشافعي: لأن إباحة الميتة له إعانة له على فساده وذهب قوم ~~إلى أن البغي والعدوان يرجعان إلى الأكل وبه قال أبو حنيفة. وأباح أكل ~~الميتة للمضطر وإن كان عاصيا، وقيل في معنى قوله غير باغ أي غير طالب ~~الميتة وهو يجد غيرها ولا عاد أي غير متعد ما حد له، وقيل: غير مستحل ~~لها ولا متزود منها. ### || [2.174-175] # قوله عز وجل: { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب } نزلت في رؤساء ~~اليهود وعلمائهم ذلك أنهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والمآكل وكانوا ~~يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو ~~من غيرهم خافوا على ذهاب مآكلهم وزوال رياستهم فعمدوا إلى صفة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فكتموها فأنزل الله: { إن الذين يكتمون ما أنزل الله ~~من الكتاب } أي في الكتاب من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته ~~ووقت نبوته هذا قول المفسرين قال الإمام فخر الدين الرازي وعند المتكلمين ~~هذا ممتنع لأن التوراة والإنجيل قد بلغا من الشهرة والتواتر إلى حيث تعذر ~~ذلك فيهما بل كانوا يكتمون التأويل لأنه قد كان منهم من يعرف الآيات ~~الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فكانوا يذكرون لها تأويلات ~~باطلة ويصرفونها عن محالها الصحيحة الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم فهذا هو المراد بالكتمان فيصير المعنى، إن الذين يكتمون معاني ما ~~أنزل الله من الكتاب { ويشترون به } أي بالكتمان وقيل يعود الضمير إلى ما ~~أنزل الله من الكتاب { ثمنا قليلا } أي عوضا يسيرا وهي المآكل التي ~~كانوا يأخذونها من سفلتهم { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } يعني ~~ما يؤديهم إلى النار وهو الرشا والحرام فلما كان يفضي بهم ذلك إلى النار ~~فكأنهم أكلوها { ولا يكلمهم الله يوم القيامة } أي كلام رحمة وما يسرهم ~~بل يكلمهم بالتوبيخ، وهو قوله اخسؤوا فيها وقيل أراد به الغضب يقال فلان ~~لا يكلم فلانا إذا غضب عليه { ولا يزكيهم ms0162 } أي ولا يطهرهم من دنس الذنوب ~~{ ولهم عذاب أليم } أي وجيع يصل ألمه إلى قلوبهم { أولئك الذين اشتروا ~~الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة } معناه: أنهم اختاروا الضلالة على ~~الهدى واختاروا العذاب على المغفرة لأنهم كانوا عالمين بالحق، ولكن كتموه ~~وأخفوه وكان في إظهاره الهدى والمغفرة وفي كتمانه الضلالة والعذاب فلما ~~أقدموا على إخفاء الحق وكتمانه كانوا بائعين الهدى بالضلالة والمغفرة ~~بالعذاب { فما أصبرهم على النار } أي ما الذي صبرهم وأي شيء جسرهم على ~~النار حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل، فهو استفهام بمعنى التوبيخ وقيل: ~~إنه بمعنى التعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة ~~منهم، فلما أقدموا على ما يوجب النار مع علمهم بذلك صاروا كالراضين ~~بالعذاب والصابرين عليه، تعجب من حالهم بقوله: فما أصبرهم على النار. ### || [2.176-177] # { ذلك بأن الله نزل الكتاب } يعني ذلك العذاب بسب إن الله نزل الكتاب { ~~بالحق } فكفروا به وأنكروه وقيل معناه فعلنا بهم ذلك، لأن الله أنزل ~~الكتاب بالحق فحرفوه فعلى هذا يكون المراد بالكتاب التوراة { وإن الذين ~~اختلفوا في الكتاب } يعني اختلفوا في معانيه وتأويله فحرفوها وبدلوها، ~~وقيل: آمنوا ببعض وكفروا ببعض { لفي شقاق } أي خلاف ومنازعة { بعيد } ~~يعني عن الحق. قوله عز وجل: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب } هذا خطاب لأهل الكتاب لأن النصارى تصلي قبل المشرق واليهود قبل ~~المغرب إلى بيت المقدس، وزعم كل طائفة منهم أن البر في ذلك، فأخبر الله ~~تعالى أن البر ليس فيما زعموا ولكن فيما بينه في هذه الآية. وقال ابن ~~عباس: هو خطاب للمؤمنين وذلك أن الرجل كان في ابتداء الإسلام إذا أتى ~~بالشهادتين وصلى إلى أي جهة كانت ثم مات على ذلك، وجبت له الجنة فلما ~~هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الفرائض وصرفت القبلة إلى ~~الكعبة، أنزل الله هذه الاية فقال تعالى: { ليس البر أن تولوا وجوهكم } ~~أي في صلاتكم قبل المشرق والمغرب ولا تعملوا ذلك { ولكن البر } يعني ما ~~بينته لكم البر اسم جامع لكل الطاعات ms0163 وأعمال الخير المقربة إلى الله ~~الموجبة للثواب والمؤدية إلى الجنة ثم بين خصالا من البر فقال تعالى: { ~~من آمن بالله } أي ولكن البر من آمن بالله فالمراد بالبر هنا الإيمان ~~بالله والتقوى من الله { واليوم الآخر } وإنما ذكر الإيمان باليوم الآخر، ~~لأن عبدة الأوثان كانوا ينكرون البعث بعد الموت { والملائكة } أي ومن ~~البر الإيمان بالملائكة كلهم لأن اليهود قالوا: إن جبريل عدونا { والكتاب ~~} قيل: أراد به القرآن وقيل جميع الكتب المنزلة لسياق ما بعده وهو قوله { ~~والنبيين } يعني أجمع وإنما خص الإيمان بهذه الأمور الخمسة لأنه يدخل تحت ~~كل واحد منها أشياء كثيرة مما يلزم المؤمن أن يصدق بها { وآتى المال على ~~حبه } يعني من أعمال البر إيتاء المال على حبه قيل إن الضمير راجع إلى ~~المال فالتقدير على هذا وآتى المال على حب المال ق عن أبي هريرة قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أي الصدقة ~~أعظم أجرا؟ قال أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل ~~حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان " # قوله حتى إذا بلغت الحلقوم يعني الروح وإن لم يتقدم لها ذكر وقوله لفلان ~~كذا هو كناية عن الموصى له وقوله وقد كان لفلان كناية عن الوارث وقيل ~~الضمير في حبه راجع إلى الله تعالى أي وآتي المال على حب الله وطلب ~~مرضاته { ذوي القربى } يعني أهل قرابة المعطي وإنما قدمهم لأنهم أحق ~~بالإعطاء. # عن سليمان بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذوي الرحم ثنتان صدقة وصلة " # أخرجه النسائي ق: " إن ميمونة رضي الله عنها أعتقت وليدة ولم تستأذن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت أشعرت ~~يا رسول الله أني اعتقت وليدتي قال أو قد فعلت قالت نعم قال أما إنك لو ~~أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك " الوليدة الجارية { واليتامى } اليتيم هو ~~الذي لا ms0164 أب له مع الصغر وقيل: يقع على الصغير والبالغ أي وآتى الفقراء من ~~اليتامى { والمساكين } جمع مسكين سمي بذلك لأنه دائم السكون إلى الناس ~~لأنه لا شيء له { وابن السبيل } يعني المسافر المنقطع عن أهله سمي ~~المسافر ابن السبيل لملازمته الطريق، وقيل هو الضيف ينزل بالرجل لأنه ~~إنما وصل إليه من السبيل وهو الطريق قول والأول أشبه لأن ابن السبيل اسم ~~جامع جعل للمسافر { والسائلين } يعني الطالبين المستطعمين. عن علي بن أبي ~~طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " للسائل حق ولو جاء على فرس " # أخرجه أبو داود عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أعطوا السائل ولو جاء على فرس " # أخرجه مالك في الموطأ عن أم نجيد قالت: قلت يا رسول الله إن المسكين ~~ليقوم على بابي فلم أجد شيئا أعطيه إياه قال: # " إن لم تجدي إلا ظلفا محرقا فادفعيه إليه في يده " # أخرجه أبو داود والترمذي. وقال حديث حسن صحيح. وفي رواية مالك في الموطأ ~~عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ردوا المسكين ولو بظلف محرق " # قوله ردوا المسكين، لم يرد به رد الحرمان وإنما أراد به ردوه بشيء ~~تعطونه إياه ولو كان ظلفا وهو خف الشاة وفي كونه محرقا مبالغة في قلة ~~ما يعطي { وفي الرقاب } يعني المكاتبين. وقيل: هو فك النسمة وعتق الرقبة ~~وفداء الأسارى { وأقام الصلاة } يعني المفروضة في أوقاتها { وآتى الزكاة ~~} يعني الواجبة { والموفون بعهدهم } يعني ما أخذه الله من العهود على ~~عباده بالقيام بحدوده والعمل بطاعته. وقيل: أراد بالعهد ما يجعله الإنسان ~~على نفسه ابتداء من نذر وغيره. وقيل: العهد الذي كان بينه وبين الناس مثل ~~الوفاء بالمواعيد وأداء الأمانات { إذا عاهدوا } يعني إذا وعدوا أنجزوا ~~وإذا نذروا أوفوا وإذا حلفوا بروا في أيمانهم وإذا قالوا صدقوا في ~~أقوالهم صدقوا في أقوالهم وإذا ائتمنوا أدوا { والصابرين في البأساء } أي ~~في الشدة والفقر والفاقة { والضراء } يعني المرض والزمانة { وحين البأس } ~~يعني القتال والحرب في ms0165 سبيل الله. وسمي الحرب بأسا لما فيه من الشدة ق ~~عن البراء قال كنا والله إذا احمر البأس نتقي به وأن الشجاع منا الذي ~~يحاذي به يعني النبي صلى الله عليه وسلم قوله احمر البأس: أي اشتد الحرب ~~ونتقي به أي نجعله وقاية لنا من العدو { أولئك الذين صدقوا } أي أهل هذه ~~الأوصاف هم الذين صدقوا في إيمانهم { وأولئك هم المتقون }. ### || [2.178] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } نزلت ~~في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية بسبب قتيل، فكانت بينهم قتلى ~~وحروب وجراحات كثيرة، ولم يأخذ بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام. وقيل نزلت ~~في الأوس والخزرج، وكان لأحد الحيين طول على الآخر في الكثرة والشرف ~~وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهر، وأقسموا لنقتلن بالعبد منا الحر منهم ~~وبالمرأة منا الرجل منهم وبالرجل منا الرجلين، وجعلوا جراحاتهم ضعفي ~~جراحات أولئك فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه ~~الآية وأمره بالمساواة فرضوا وسلموا. وقيل: إنما نزلت هذه الآية لإزالة ~~الأحكام التي كانت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن اليهود ~~كانوا يوجبون القتل فقط بلا عفو والنصارى يوجبون العفو بلا قتل والعرب في ~~الجاهلية كانوا يوجبون القتل تارة ويوجبون أخذ الدية تارة وكانوا يتعدون ~~في الحكمين فإن وقع القتل على شريف قتلوا به عددا ويأخذون دية الشريف ~~أضعاف دية الخسيس، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم أوجب الله رعاية ~~العدل وسوى بين عباده في حكم القصاص فأنزل الله تعالى: { يا أيها الذين ~~آمنوا كتب عليكم } أي فرض عليكم { القصاص في القتلى }. فإن قلت: كيف يكون ~~القصاص فرضا والولي مخير فيه بين العفو والقصاص وأخذ الدية؟ قلت: إن ~~القصاص فرض على القاتل للولي لا على الولي. وقيل إذا أردتم القصاص فقد ~~فرض عليكم. والقصاص المساواة والمماثلة في القتل والدية والجراح من قص ~~الأثر إذا اتبعه فالمفعول به يتبع ما فعل فيفعل به مثل ذلك، فلو قتل رجل ~~رجلا بعصا ms0166 أو خنقه أو شدخ رأسه بحجر فمات فيقتل بمثل الذي قتل به وهو ~~قول مالك والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد وقيل يقتل بالسيف وهو قول أبي ~~حنيفة والرواية الثانية عن أحمد { الحر بالحر والعبد وبالعبد والأنثى ~~بالأنثى } ومعناه أنه إذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من ~~المسلمين أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم فيقتل كل صنف إذ قتل ~~بمثله الذكر بالذكر والأنثى بالأنثى وبالذكر ولا يقتل مؤمن بكافر ولا حر ~~بعبد ولا والد بولد ويقتل الذمي بالمسلم والعبد بالحر والولد بالوالد هذا ~~مذهب مالك والشافعي وأحمد ويدل عليه ما روى البخاري في صحيحه عن أبي ~~جحيفة قال: سألت عليا هل عندكم من النبي صلى الله عليه وسلم شيء سوى ~~القرآن قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يؤتى الله عبدا ~~فهما في القرآن وما في هذه الصحيفة قلت: وما في هذه الصحيفة قال: العقل ~~وفك الأسير وأن لا يقتل مؤمن بكافر، وقد أخرج مسلم عن علي نحو هذا من غير ~~رواية أبي جحيفة. # العقل هنا هو الدية والعاقلة الجماعة من أولياء القاتل الذين يعقلون. عن ~~ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقتل الوالد بالولد " # أخرجه الترمذي، وذهب أصحاب الرأي إلى أن المسلم يقتل الذمي والحر بالعبد ~~وهذه الآية مع الأحاديث حجة لمذهب الشافعي ومن وافقه ويقولون هي مفسرة ~~لما أبهم في قوله: " النفس بالنفس " وأن تلك واردة لحكاية ما كتب على بني ~~إسرائيل في التوراة وهذه الآية خطاب للمسلمين بما كتب عليهم وذهب أصحاب ~~الرأي إلى أن هذه منسوخة بقوله " النفس بالنفس " وتقتل الجماعه بالواحد ~~يدل عليه ما روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر أن غلاما قتل غيلة فقال ~~عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به. قال البخاري وقال مغيرة بن حكيم ~~عن أبيه: أن أربعة قتلوا صبيا فقال عمر مثله. وروى مالك في الموطأ عن ~~ابن المسيب أن عمر قتل نفرا ms0167 خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة وقال: لو ~~تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم جميعا. الغيلة أن يقتل الرجل خديعة ومكرا ~~من غير أن يعلم ما يراد به. وقوله لقتلتهم لو تمالأ أي تعاونوا واجتمعوا ~~عليه. وقوله تعالى: { فمن عفي له من أخيه شيء } أي ترك له وصفح عنه من ~~الواجب عليه وهو القصاص في قتل العمد، ورضي بالدية أو العفو عنها، أو ~~قبول الدية في قتل العمد من أخيه أي من دم أخيه وأراد بالأخ ولي المقتول، ~~وإنما قيل له أخ لأنه لابسه من قبل أنه ولي الدم والمطالب به. وقيل: إنما ~~ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بما هو ثابت بينهما من الجنسية ~~وأخوة الإسلام. وفي قوله شيء دليل على أن بعض الأولياء إذا عفا سقط القود ~~وثبتت الدية لأن شيئا من الدم قد بطل { فاتباع بالمعروف } أي فليتبع ~~الولي القاتل بالمعروف فلا يأخذ أكثر من حقه ولا يعنفه { وأداء إليه ~~بإحسان } أي على القاتل أداء الدية إلى ولي الدم من غير مماطلة، أمر كل ~~واحد منهما بالإحسان فيما له وعليه وقيل في تقدير الآية: وإذا عفا ولي ~~الدم عن شيء يتعلق بالقاتل، وهو وجوب القصاص فليتبع القاتل ذلك العفو ~~بمعروف وليؤد ما وجب عليه من الدية إلى ولي الدم بإحسان من غير مطل ولا ~~مدافعة. وفي الآية دليل على أن القاتل يصير كافرا وأن الفاسق مؤمن ووجه ~~ذلك من وجوه: الأول إن الله تعالى خاطبه بعد القتل بالإيمان وسماه مؤمنا ~~بقوله: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص } فسماه مؤمنا حال ما ~~وجب عليه من القصاص. # وإنما وجب عليه بعد صدور القتل منه وقتل العمد والعدوان من الكبائر ~~بالإجماع فدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن. الوجه الثاني: أنه تعالى أثبت ~~الأخوة بين القاتل وولي الدم بقوله: { فمن عفي له من أخيه شيء } أراد ~~بالأخوة أخوة الإيمان فلولا أن الإيمان باق على القاتل لم تثبت له ~~الأخوة. الوجه الثالث: أنه تعالى ندب إلى العفو عن القاتل، والعفو ms0168 لا ~~يليق إلا عن المؤمن لا عن الكافر. وقوله تعالى: { ذلك تخفيف من ربكم ~~ورحمة } يعني الذي ذكر من الحكم بشرع القصاص والعفو عن القصاص وأخذ الدية ~~تخفيف من ربكم، يعني في حقكم ورحمة، وذلك لأن العفو وأخذ الدية كان ~~حراما على اليهود وكان القصاص حتما في التوراة، وكان في شرع النصارى ~~أخذ الدية ولم يكتب عليهم القصاص، وقيل: كان عليهم العفو دون القصاص وأخذ ~~الدية فخير الله هذه الأمة بين القصاص أو العفو وأخذ الدية توسعة عليهم ~~وتيسيرا وتفضيلا لهم على غيرهم { فمن اعتدى بعد ذلك } يعني بعد هذا ~~التخفيف فقتل الجاني بعد العفو أو قبول الدية { فله عذاب أليم } وهو أن ~~يقتل قصاصا ولا تقبل منه دية ولا يعفى عنه. وقيل: المراد بالعذاب الأليم ~~عذاب الآخرة. ### || [2.179-180] # قوله عز وجل: { ولكم في القصاص حياة } أي بقاء، وذلك أن القاصد للقتل ~~إذا علم أنه إذا قتل قتل ترك القتل وامتنع عنه فيكون فيه بقاؤه وبقاء من ~~هم بقتله. وقيل: إن نفس القصاص سبب للحياة وذلك أن القاتل إذا اقتص منه ~~ارتدع غيره ممن كان يهم بالقتل. واعلم أن هذا الحكم ليس مختصا بالقصاص ~~الذي هو القتل بل يدخل فيه جميع الجراح والشجاج وغير ذلك لأن الجارح إذا ~~علم أنه إذا جرح جرح لم يجرح، فيصير ذلك سببا لبقاء الجارح والمجروح، ~~وربما أفضت الجراحة إلى الموت فيقتص من الجارح. وقيل في معنى الآية إن ~~الحياة سلامته من قصاص الآخرة فإنه إذا اقتص منه في الدنيا لم يقتص منه ~~في الآخرة، وفي ذلك حياته وإذا لم يقتص منه في الدنيا اقتص منه في الآخرة ~~{ يا أولي الألباب } أي يا ذوي العقول الذين يعرفون الصواب لأن العاقل لا ~~يريد إتلاف نفسه بإتلاف غيره { لعلكم تتقون } يعني لعلكم تنتهون عن القتل ~~خوف القصاص. قوله عز وجل: { كتب } أي فرض وأوجب { عليكم إذا حضر أحدكم ~~الموت } أي قرب ودنا منه، وظهرت آثاره عليه من العلل والأمراض المخوفة ~~وليس المراد منه معاينة الموت لأنه في ms0169 ذلك الوقت يعجز عن الإيصاء { إن ~~ترك خيرا } يعني مالا قيل يطلق على القليل والكثير وهو قول الزهري: ~~فتجب الوصية في الكل وقيل: إن لفظة الخير لا تطلق إلا على المال الكثير ~~وهو قول الأكثرين واختلفوا في مقدار الكثير الذي تقع فيه الوصية فقيل: ~~ألف درهم فما زاد عليها. وقيل: سبعمائة فما فوقها. وقيل: ستون دينارا ~~فما فوقها. وقيل: إنه من خمسمائة إلى ألف وقيل: إنه المال الكثير الفاضل ~~عن العيال، روي أن رجلا قال لعائشة: إني أريد أن أوصي فقالت كم مالك؟ ~~قال: ثلاثة آلاف درهم قالت: كم عيالك؟ قال أربعة. قالت إنما قال الله: { ~~إن ترك خيرا } وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك. { الوصية } أي الإيصاء ~~والوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به وقيل: هي القول المبين لما يستأنف ~~من العمل والقيام به بعد الموت { للوالدين والأقربين } كانت الوصية في ~~ابتداء الإسلام فريضة للوالدين والأقربين على من مات وله مال. وسبب ذلك ~~أن أهل الجاهلية كانوا يوصون للأبعدين طلبا للفخر والشرف والرياء ~~ويتركون الأقربين فقراء فأوجب الله تعالى الوصية للأقربين، ثم نسخت هذه ~~الآية بآية المواريث، وبما روي عن عمرو بن خارجة قال: كنت آخذا بزمام ~~ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسمعته يقول: # " إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " # أخرجه النسائي والترمذي، نحوه وذهب ابن عباس إلى أن وجوبها صار منسوخا ~~في حق من يرث، وبقي وجوبها في حق من لا يرث من الوالدين والأقربين. # وهو قول الحسن ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار وحجة هؤلاء أن الآية ~~دالة على وجوب الوصية للوالدين والأقربين ثم نسخ ذلك الوجوب في حق من يرث ~~بآية الميراث وبالحديث، المذكور فوجب أن تبقى الآية دالة على وجوب الوصية ~~للقريب الذي لا يرث فعلى قول هؤلاء النسخ يتناول بعض أحكام الآية، وذهب ~~الأكثرون من المفسرين والعلماء وفقهاء الحجاز والعراق إلى أن وجوبها صار ~~منسوخا في حق الكافة وهي مستحبة في حق من لا يرث ويدل على استحباب ms0170 ~~الوصية والحث عليها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه " # وفي رواية: # " له شيء يريد أن يوصي به أن يبيت ليلتين " # وفي رواية: # " ثلاث ليال إلا ووصيته مكتوبة عنده " # قال نافع سمعت عبدالله بن عمر يقول: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا ووصيتي مكتوبة عندي أخرجه الجماعة. ~~قوله: ما حق امرئ الحق يشتمل معناه على الوجوب والندب والحث، فيحمل هنا ~~على الحث في الوصية لأنه لا يدري متى يأتيه الموت فربما أتاه بغتة فيمنعه ~~عن الوصية. وقوله تعالى: { بالمعروف } أي بالعدل الذي لا وكس فيه ولا شطط ~~فلا يزيد على الثلث ولا يوصي للغني ويدع الفقير ق # " عن سعد بن أبي وقاص قال: " جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني ~~عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت يا رسول الله إني قد بلغ بي الوجع ما ~~ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بثلثي ما لي قال لا قلت ~~فالشطر يا رسول الله قال لا قلت فالثلث قال الثلث والثلث كثير أو قال ~~والثلث كبير إنك إن تذر ذريتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ~~" # العالة الفقراء وقوله يتكففون الناس التكفف. المسألة: من الناس كأنه من ~~الطلب بالأكف ق عن ابن عباس قال: في الوصية: لو أن الناس غضوا من الثلث ~~إلى الربع فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد والثلث كثير وقال علي ~~بن أبي طالب لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع ولأن أوصي بالربع ~~أحب إلي من أن أوصي بالثلث فمن أوصى بالثلث فلم يترك " وقيل يوصي بالسدس ~~أو بالخمس أو الربع { حقا } أي ثابتا ثبوت ندب لا ثبوت فرض ووجوب { على ~~المتقين } أي على المؤمنين الذين يتقون الشرك. ### || [2.181] # { فمن بدله } أي غير الوصية من الأولياء والأوصياء وذلك التغيير يكون ~~إما في الكتابة ms0171 أو في قسمة الحقوق، أو الشهود بأن يكتموا الشهادة أو ~~يغيروها. وإنما ذكر الكناية في بدله مع أن الوصية مؤنثة لأن الوصية بمعنى ~~الإيصاء كقوله: # فمن جاءه موعظة # [البقرة: 275] أي وعظ والتقدير فمن بدل قول الميت، أو ما أوصي به { بعد ~~ما سمعه } أي من الموصي وتحققه { فإنما إثمه على الذين يبدلونه } أي إن ~~إثم ذلك التبديل لا يعود إلا على المبدل، والموصي والموصى له بريئان منه ~~{ إن الله سميع } يعني لما أوصى به الموصي { عليم } يعني بتبديل المبدل. ### || [2.182-183] # { فمن خاف } أي علم وهو خطاب عام لجميع المسلمين { من موص جنفا } يعني ~~جورا في الوصية وعدولا عن الحق، والجنف الميل { أو إثما } أي ظلما { ~~فأصلح بينهم } وقيل الجنف الخطأ في الوصية والإثم العمد. وقيل في معنى ~~الآية: إنه إذا حضر رجل مريضا وهو يوصي فرآه يميل في وصيته إما بتقصير ~~أو إسراف أو وضع الوصية في غير موضعها فلا حرج عليه أن يأمره بالعدل في ~~وصيته وينهاه عن الجنف والميل، وقيل إنه أراد به إذا أخطأ الميت في وصيته ~~أو حاف متعمدا فلا حرج على وليه أو وصيه أو ولي أمور المسلمين أن يصلح ~~بعد موته وبين ورثته وبين الموصى لهم، ويرد الوصية إلى العدل والحق { فلا ~~إثم عليه } أي فلا حرج عليه في الصلح { إن الله غفور رحيم } أي لمن أصلح ~~وصيته بعد الجنف والميل. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إن الرجل والمرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت ~~فيضاران في الوصية فتجب لهما النار " # ثم قرأ أبو هريرة: # من بعد وصية يوصي بها أو دين # [النساء: 11] إلى قوله: # وذلك الفوز العظيم # [النساء: 13] أخرجه أبو داود والترمذي. قوله: فيضار إن المضارة إيصال ~~الضرر إلى شخص ومعنى المضارة في الوصية أن لا تمضى أو ينقص بعضها أو يوصي ~~لغير أهلها أو يحيف في الوصية ونحو ذلك. قوله عز وجل: { يا أيها الذين ~~آمنوا كتب } أي فرض { عليكم الصيام ms0172 }. والصوم في اللغة: الإمساك يقال صام ~~النهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة ومنه قوله تعالى: # إني نذرت للرحمن صوما # [مريم: 26] أي صمتا لأنه إمساك عن الكلام، والصوم في الشرع: عبارة عن ~~الإمساك عن الأكل والشرب والجماع في وقت مخصوص وهو من طلوع الفجر إلى ~~غروب الشمس مع النية { كما كتب على الذين من قبلكم } يعني من الأنبياء ~~والأمم من لدن آدم إلى عهدكم والمعنى أن الصوم عبادة قديمة أي في الزمن ~~الأول ما أخلى الله أمة لم يفرضه عليهم كما فرضه عليكم وذلك لأن الصوم ~~عبادة شاقة والشيء الشاق إذا عم سهل عمله وقيل إن صيام شهر رمضان كان ~~واجبا على النصارى كما فرض علينا فصاموا رمضان زمانا فربما وقع في الحر ~~الشديد والبرد الشديد وكان يشق ذلك عليهم في أسفارهم ويضرهم في معايشهم ~~فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم أن يجعلوه في فصل من السنة معتدل بين الصيف ~~والشتاء: فجعلوه في فصل الربيع ثم زادوا فيه عشرة أيام كفارة لما صنعوا ~~فصاموا أربعين يوما، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فمه فجعل لله عليه إن هو ~~برأ من وجعه أن يزيد في صومهم أسبوعا فبرأ فزاد فيه أسبوعا، ثم مات ذلك ~~الملك بعد زمان ووليهم ملك آخر فقال: ما شأن هذه الثلاثة أيام أتموه ~~خمسين يوما فأتموه وقيل أصابهم موتان فقالوا: زيدوا في صيامكم فزادوا ~~عشرا قبله وعشرا بعده. # وقيل: إن النصارى فرض الله عليهم صوم رمضان فصاموا قبله يوما وبعده ~~يوما ثم لم يزالوا يزيدونه يوما بعد يوم حتى بلغ خمسين فلذلك نهى عن ~~صوم يوم الشك { لعلكم تتقون } يعني ما حرم عليكم في صيامكم لأن الصوم ~~وصلة إلى التقوى لما فيه من كسر النفس وترك الشهوات من الأكل والجماع ~~وغيرهما. وقيل: معناه لعلكم تتقون ما فعله النصارى من تغيير الصوم وقيل: ~~لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين لأن الصوم من شعارهم. ### || [2.184] # { أياما معدودات } أي مقدرات. وقيل قليلات. وقيل: إنه كان في ابتداء ~~الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر واجبا ms0173 وصوم يوم عاشوراء ثم نسخ ذلك ~~بفريضة صوم شهر رمضان. قال ابن عباس أول ما نسخ بعد الهجرة أمر القبلة ثم ~~الصوم ق عن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية فلما قدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك عاشوراء فمن ~~شاء صامه ومن شاء تركه وقيل إن المراد من قوله أياما معدودات أيام شهر ~~رمضان ووجهه أن الله تعالى قال أولا: { كتب عليكم الصيام } وهذا يحتمل ~~صوم يوم أو يومين ثم بينه بقوله: معدودات على أنه أكثر من ذلك لكنها غير ~~منحصرة بعدد ثم بين حصرها بقوله: شهر رمضان فإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمل ~~الأيام المعدودات على غير رمضان فتكون الاية غير منسوخة يقال: إن فريضة ~~رمضان نزلت في السنة الثانية من الهجرة وذلك قبل غزوة بدر بشهر وأيام، ~~وكانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان على رأس ثمانية عشر ~~شهرا من الهجرة { فمن كان منكم مريضا أو على سفر } أي فأفطر { ف } ~~عليه { عدة من أيام أخر } يعني غير أيام مرضه وسفره { وعلى الذين يطيقونه ~~} أي يطيقون الصوم. واختلف العلماء في حكم هذه الآية فذهب أكثرهم إلى ~~أنها منسوخة وهو قول عمر بن الخطاب وسلمة بن الأكوع وغيرهما، وذلك أنهم ~~كانوا في ابتداء الإسلام مخيرين بين أن يصوموا وبين أن يفطروا ويفدوا ~~وإنما خيرهم الله تعالى لئلا يشق عليهم، لأنهم كانوا لم يتعودوا الصوم ثم ~~نسخ التخيير ونزلت العزيمة بقوله تعالى: # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # [البقرة: 285] فصارت هذه الاية ناسخة للتخيير ق عن سلمة بن الأكوع قال ~~لما نزلت هذه الآية { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } كان من أراد ~~أن يفطر ويفتدي فعل حتى نزلت هذه الآية التي بعدها فنسخها وفي رواية حتى ~~نزلت هذه الآية # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # [البقرة: 285] وقال قتادة: هي خاصة في حق الشيخ الكبير الذي لا ms0174 يطيق ~~الصوم ولكن يشق عليه رخص له أن يفطر ويفتدي ثم نسخ ذلك. وقال الحسن: هذا ~~في المريض الذي يقع عليه اسم المرض وهو يستطيع الصوم خير بين الصيام وبين ~~أن يفطر ويفتدي ثم نسخ. وذهب جماعة منهم ابن عباس إلى أن الآية محكمة غير ~~منسوخة، ومعناها وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال الشباب، ثم عجزوا عنه ~~عند الكبر فعليهم الفدية بدل الصوم وقرأ ابن عباس: وعلى الذين كانوا ~~يطيقونه بضم الياء وفتح الطاء وبالواو المشددة المفتوحة عوض الياء ومعناه ~~يكلفون الصوم خ عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ: { وعلى الذين يطوقونه ~~فدية طعام مسكين } قال ابن عباس: ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة ~~الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا { فدية طعام ~~مسكين } الفدية الجزاء وهو القدر الذي يبذله الإنسان، يقي به نفسه من ~~تقصير وقع منه في عبادة ونحوها ويجب على من أفطر في رمضان ولم يقدر على ~~القضاء، لكبر أن يطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من غالب قوت البلد وهذا ~~قول فقهاء الحجاز، وقال بعض فقهاء العراق عليه لكل مسكين نصف صاع عن كل ~~يوم وقال بعضهم نصف صاع من البر وصاع من غيره، وقال ابن عباس يعطي كل ~~مسكين عشاءه وسحوره { فمن تطوع خيرا فهو خير له } يعني زاد على مسكين ~~واحد فأطعم عن كل يوم مسكينين فأكثر، وقيل فمن زاد على قدر الواجب عليه ~~فأطعم صاعا وعليه مد فهو خير له { وأن تصوموا خير لكم } قيل هو خطاب مع ~~الذين يطيقونه فيكون المعنى وأن تصوموا أيها المطيقون وتتحملوا المشقة ~~فهو خير لكم من الإفطار والفدية، وقيل: هو خطاب مع الكافة وهو الأصح لأن ~~اللفظ عام فرجوعه إلى الكل أولى { إن كنتم تعملون } يعني أن الصوم خير ~~لكم وقيل: معناه إذا صمتم علمتم ما في الصوم من المعاني المورثة للخير ~~والتقوى. # واعلم أنه لا رخصة لأحد من المسلمين المكلفين في إفطار رمضان بغير عذر ~~والأعذار المبيحة للفطر ثلاثة: أحدها السفر والمرض ms0175 والحيض والنفاس فهؤلاء ~~إذا أفطروا فعليهم القضاء دون الكفارة. الثاني الحامل والمرضع إذا خافتا ~~على ولديهما أفطرتا وعليهما القضاء والكفارة وإليه ذهب الشافعي، وذهب أهل ~~الرأي إلى أنه لا فدية عليهما. الثالث الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة ~~والمريض الذي لا يرجى برؤه فعليهم الكفارة دون القضاء. ### || [2.185] # قوله عز وجل: { شهر رمضان } يعني وقت صيامكم شهر رمضان، سمي الشهر شهرا ~~لشهرته يقال: للسر إذا أظهره شهره وسمي الهلال شهرا لشهرته وبيانه وقيل: ~~سمي الشهر شهرا باسم الهلال، وأما رمضان فاشتقاقه من الرمضاء وهي ~~الحجارة المحماة في الشمس وقيل: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة ~~القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر ~~فسموه به. وقيل: إن رمضان اسم من أسماء الله تعالى فيكون معناه شهر الله ~~والأصح أن رمضان اسم لهذا الشهر كشهر رجب وشهر شعبان وشهر رمضان { الذي ~~أنزل فيه القرآن } لما خص الله شهر رمضان بهذه العبادة العظيمة بين سبب ~~تخصيصه بإنزال أعظم كتبه فيه، والقرآن اسم لهذا الكتاب المنزل على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم روي عن الشافعي أنه كان يقول القرآن اسم وليس ~~بمهموز وليس هو من القراءة ولكنه اسم لهذا الكتاب كالتوراة والإنجيل فعلى ~~هذا القول إنه ليس بمشتق وذهب الأكثرون إلى أنه مشتق من القرء وهو الجمع ~~فسمي قرآنا لأنه يجمع السور والآيات بعضها إلى بعض، ويجمع الأحكام ~~والقصص والأمثال والآيات الدالة على وحدانية الله تعالى. قال ابن عباس ~~أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان ~~فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل على محمد صلى الله ~~عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة فذلك قوله: # فلا أقسم بمواقع النجوم # [الواقعة: 75] وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أنزلت صحف إبراهيم في ثلاث ليال مضين من رمضان، وفي رواية في أول ليلة ~~من رمضان وأنزلت توارة موسى في ست ليال مضين من رمضان وأنزل إنجيل ms0176 عيسى ~~في ثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل زبور داود في ثمان عشرة ليلة مضت ~~من رمضان، وأنزل الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم في الرابعة ~~والعشرين لست بقين بعدها " # فعلى هذا يكون ابتداء نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم في شهر ~~رمضان، وهو قول ابن إسحاق وأبي سليمان الدمشقي وقيل في معنى الآية شهر ~~رمضان الذي نزل بفرض صيامه القرآن كما تقول نزلت هذه الآية في الصلاة ~~والزكاة ونحو ذلك من الفرائض يروى ذلك عن مجاهد والضحاك وهو اختيار الحسن ~~بن الفضل { هدى للناس } يعني من الضلال { وبينات من الهدى والفرقان }. ~~فإن قلت هذا فيه إشكال وهو أنه يقال ما معنى قوله: وبينات من الهدى بعد ~~قوله هدى للناس؟ قلت إنه تعالى ذكرا أولا أنه هدى ثم هدى على قسمين: ~~تارة يكون هدى جليا وتارة لا يكون كذلك، فكأنه قال هو هدى في نفسه ثم ~~قال: هو المبين من الهدى الفارق بين الحق والباطل وقيل: إن القرآن هدى في ~~نفسه فكأنه قال: إن القرآن هدى للناس على الإجمال وبينات من الهدى ~~والفرقان على التفصيل، لأن البينات هي الدلالات الواضحات التي تبين ~~الحلال والحرام والحدود والأحكام، ومعنى الفرقان الفارق بين الحق ~~والباطل. # قوله عز وجل: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } أي فمن كان حاضرا مقيما ~~غير مسافر فأدركه الشهر فليصمه والشهود الحضور، وقيل: هو محمول على ~~العادة بمشاهدة الشهر وهي رؤية الهلال ولذلك قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " # أخرجاه في الصحيحين، ولا خلاف أنه يصوم رمضان من رأى الهلال ومن أخبر به ~~واختلف العلماء في وجه الخبر عنه منهم من قال يجزئ فيه خبر الواحد، قاله ~~أبو ثور: ومنهم من أجراه مجرى الشهادة في سائر الحقوق قاله مالك: ومنهم ~~من أجرى أوله مجرى الأخبار فقبل فيه خبر الواحد وأجرى آخره مجرى الشهادة ~~فلا يقبل في آخره أقل من اثنين قاله الشافعي: وهذا للاحتياط في أمر ~~العبادة لدخولها وخروجها { ومن كان مريضا ms0177 أو على سفر فعدة من أيام أخر } ~~إنما كرره لأن الله تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المريض والمسافر ~~والمقيم الصحيح ثم نسخ تخيير المقيم الصحيح بقوله: { فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه } فلو اقتصر على هذا لاحتمال أن يشمل النسخ الجميع، فأعاد بعد ذكر ~~الناسخ الرخصة للمريض والمسافر ليعلم أن الحكم باق على ما كان عليه. فصل ~~في حكم الآية، وفيه مسائل: الأولى اختلفوا في المرض المبيح للنظر على ~~ثلاثة أقوال: أحدها وهو قول أهل الظاهر أي مرض كان وهو ما يطلق عليه اسم ~~المرض، فله أن يفطر تنزيلا للفظ المطلق على أقل أحواله، وإليه ذهب الحسن ~~وابن سيرين. القول الثاني وهو قول الأصم إن هذه الرخصة مختصة بالمريض ~~الذي لو صام، لوقع في مشقة عظيمة تنزيلا للفظ المطلق على أكمل أحواله. ~~القول الثالث وهو قول أكثر الفقهاء إن المرض المبيح للفطر، هو الذي يؤدي ~~إلى ضرر في النفس أو زيادة علة محتملة كالمحموم إذا خاف أنه صام اشتدت ~~حماه وصاحب وجع العين يخاف لو صام أن يشتد وجع عينه فالمراد بالمرض، ما ~~يؤثر في تقويته قال الشافعي إذا أجهده الصوم أفطر، وإلا فهو كالصحيح. ~~المسألة الثانية: الفطر في السفر مباح، والصوم جائز وبه قال عامة وقال ~~ابن عباس وأبو هريرة وبعض أهل الظاهر: لا يجوز الصوم في السفر، ومن صام ~~فعليه القضاء واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: # " ليس من البر الصيام في السفر " # وحمله عامة العلماء على من يجهده الصوم في السفر فالأولى له الفطر ويدل ~~على ذلك ما روي عن جابر قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاما قد ظلل عليه ~~فقال ما هذا؟ قالوا صائم قال: ليس من البر الصيام في السفر " # أخرجه البخاري ومسلم، وحجة الجمهور على جواز الصوم والفطر في السفر ما ~~روي عن أنس قال: # " سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على ~~المفطر ولا المفطر على الصائم " # أخرجاه في الصحيحين. المسألة ms0178 الثالثة: اختلف العلماء في قدر السفر ~~المبيح للفطر. فقال داود: الظاهري أي سفر كان ولو كان فرسخا. وقال ~~الأوزاعي: السفر المبيح للفطر مسيرة يوم واحد. وقال الشافعي وأحمد ومالك: ~~أقلة مسيرة ستة عشر فرسخا يومان وقال أبو حنيفة وأصحابه أقله مسيرة ~~ثلاثة أيام. المسألة الرابعة: إذا استهل الشهر وهو مقيم ثم أنشأ السفر في ~~أثنائه جاز له أن يفطر حالة السفر ويجوز له أن يصوم في بعض السفر وأن ~~يفطر في بعضه إن أحب، يدل عليه ما روي عن ابن عباس: " أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم ~~أفطر وأفطر الناس معه، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " أخرجاه في الصحيحين. والكديد اسم موضع وهو على ~~ثمانية وأربعين ميلا من مكة. المسألة الخامسة: اختلفوا في الأفضل: فذهب ~~الشافعي إلى أن الصوم أفضل من الفطر في السفر، وبه قال مالك وأبو حنيفة ~~وقال أحمد الفطر، أفضل من الصوم في السفر، وقالت طائفة من العلماء: هما ~~سواء، وأفضل الأمرين أيسرهما، لقوله تعالى: { يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر }. المسألة السادسة: يبيح الفطر كل سفر مباح ليس سفر ~~معصية ولا يجوز للعاصي بسفره أن يترخص برخص الشرع وقوله تعالى: { فعدة من ~~أيام أخر } معناه فأفطر فعليه عدة من أيام آخر فظاهر هذا أنه يجوز قضاء ~~الصوم متفرقا وإن كان التتابع أولى، وفيه أيضا وجوب القضاء من غير ~~تعيين لزمن القضاء فيدل على جواز التراخي في القضاء ويدل عليه أيضا ما ~~روي عن عائشة قالت: " كان يكون على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي ~~إلا في شعبان ذاك من الشغل بالنبي صلى الله عليه وسلم " أخرجاه في ~~الصحيحين { يريد الله بكم اليسر } أي التسهيل في هذه العبادة وهي إباحة ~~الفطر للمسافر والمرض { ولا يريد بك العسر } أي وقد نفى عنكم الحرج في ~~أمر الدين قيل: ما خير رجل بين أمرين فاختار أيسرهما إلا ms0179 كان أحب إلى ~~الله تعالى: { ولتكملوا العدة } أي عدد الأيام التي أفطرتم فيها بعذر ~~السفر والمرض والحيض، لتقضوا بعددها: وقيل: أراد عدد أيام الشهر ق عن ابن ~~عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى ~~تروه فإن غم عليكم فاقدروا له، وفي رواية فأكملوا العدة ثلاثين " # { ولتكبروا الله } فيه قولان أحدهما أنه تكبير ليلة العيد، قال ابن ~~عباس: حق على المسلمين إذا رأوا إهلال شوال أن يكبروا. وقال الشافعي: ~~واجب إظهار التكبير في العيدين، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد وقال ~~أبو حنيفة: لا يكبر في عيد الفطر ويكبر في عيد الضحى حجة الشافعي ومن ~~وافقه قوله تعالى { ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم } قالوا: ~~معناه ولتكملوا عدة صوم رمضان ولتكبروا الله على ما هداكم إلى آخر هذه ~~العبادة القول الثاني في معنى قوله ولتكبروا الله، أي ولتعظموا الله ~~شكرا على ما أنعم به عليكم ووفقكم للقيام بهذه العبادة { على ما هداكم } ~~أي أرشدكم إلى طاعته وإلى ما يرضى به عنكم { ولعلكم تشكرون } الله على ~~نعمه. فصل: في فضل شهر رمضان وفضل صيامه ق عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إذا دخل شهر رمضان صفدت الشياطين وفتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار ~~" # الصفد الغل أي شدت بالأغلال ق عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. ومن قام ليلة ~~القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " # قوله إيمانا واحتسابا أي طلبا لوجه الله تعالى وثوابه وقيل إيمانا ~~بأنه فرض عليه، واحتسابا ثوابه عند الله وقيل: معناه نية وعزيمة وهو أن ~~يصوم على التصديق به والرغبة في ثوابه طيبة بها نفسه غير كارهة ق عن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كل عمل ابن آدم له يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال ~~الله تعالى: " إلا ms0180 الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من ~~أجلي، للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم ~~عند الله أطيب من ريح المسك " # زاد في رواية # " والصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب فإن ~~شتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم " # قوله: كل عمل ابن آدم له معناه أن له فيه حظا لاطلاع الخلق عليه إلا ~~الصوم فإنه لا يطلع عليه أحد وإنما خص الصوم بقوله تعالى لي وإن كانت ~~جميع الأعمال الصالحة له وهو يجزى عليها لأن الصوم لا يظهر من ابن آدم ~~بقول ولا فعل حتى تكتبه الحفظة وإنما هو من أعمال القلوب بالنية ولا يطلع ~~عليه إلا الله تعالى لقول الله تعالى: إنما أتولى جزاءه على ما أحب لا ~~على حساب ولا كتاب له. # وقوله: وللصائم فرحتان فرحة عند فطره أي بالطعام لما بلغ به من الجوع ~~لتأخذ النفس حاجتها منه وقيل فرحة بما وفق له من إتمام الصوم الموعود ~~عليه بالثواب وهو قوله: وفرحة عند لقاء ربه لما يرى من جزيل ثوابه. ~~وقوله: ولخلوف بضم الخاء وفتحها لغتان وهو تغير طعم الفم وريحه لتأخير ~~الطعام ومعنى كونه أطيب عند الله من ريح المسك هو الثناء على الصائم ~~والرضا بفعله، لئلا يمتنع من المواظبة على الصوم الجالب للخلوف والمعنى ~~أن خلوف فم الصائم أبلغ عند الله في القبول من ريح المسك عند أحدكم. ~~قوله: الصيام جنة أي حصن من المعاصي لأن الصوم يكسر الشهوة فلا يواقع ~~المعاصي قوله فلا يرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الإنسان من المرأة، وقيل: ~~هو التصريح بذكر الجماع. والصخب الضجر والجلبة والصياح ق عن سهل بن سعد ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيام يقال ~~أين الصائمون فيقومون. لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلا يدخل ~~منه أحد وفي رواية إن في الجنة ثمانية أبواب منها ms0181 باب يسمى الريان لا ~~يدخله إلا الصائمون " # عن أبي أمامة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله ~~مرني بأمر ينفعني الله به قال: # " عليك بالصوم فإنه لا مثل له " # وفي رواية: # " أي العمل أفضل فقال عليك بالصوم فإنه لا عدل له " # أخرجه النسائي. ### || [2.186] # قوله عز وجل: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } قال ابن عباس قال يهود ~~المدينة: يا محمد كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء ~~خمسمائة عام وأن غلظ كل سماء مثل ذلك فنزلت هذه الآية. وقيل سأل بعض ~~الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد ~~فنناديه وقيل إنهم سألوه في أي ساعة ندعو ربنا فنزلت. وقيل: إنهم قالوا ~~أين ربنا؟ فنزلت هذه الآية وهذا السؤال لا يخلو إما أن يكون عن ذات الله ~~أو عن صفاته أو عن أفعاله أما السؤال عن ذات الله فهو سؤال عن القرب ~~والبعد بحسب الذات، وأما السؤال عن صفاته تعالى فهو أن يكون السائل سأل ~~هل يسمع ربنا دعاءنا، وأما السؤال عن أفعاله تعالى فهو أن يكون السائل ~~سأل هل يجيب ربنا إذا دعوناه؟ فقوله تعالى: { وإذا سألك عبادي عني } ~~فيحتمل هذه الوجوه كلها، وقوله تعالى { فإني قريب } معناه قريب بالعلم ~~والحفظ لا يخفى علي شيء، وفيه إشارة إلى سهولة إجابته لمن دعاه وإنجاح ~~حاجة من سأله ق عن أبي موسى الأشعري قال: لما غزا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خبير، أو قال: توجه إلى خيبر أشرف الناس على واد فرفعوا ~~أصواتهم بالتكبير: الله أكبر لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم ~~تدعون سميعا بصيرا قريبا وهو معكم " # قوله اربعوا على أنفسكم أي ارفقوا بها وقيل معناه أمسكوا عن الجهر فإنه ~~قريب يسمع دعاءكم. وقوله تعالى: { أجيب دعوة الداع إذا دعان } أي أسمع ~~دعاء عبدي الداعي إذا دعاني وقيل: الدعاء ms0182 عبارة عن التوحيد والثناء على ~~الله تعالى كقول العبد: يا الله لا إله إلا أنت فقولك يا الله فيه دعاء، ~~وقولك: لا إله إلا أنت فيه توحيد وثناء على الله تعالى فسمي هذا دعاء ~~بهذا الاعتبار وسمي قبوله إجابة لتجانس اللفظ، وفيه إشارة إلى أن العبد ~~يعلم أن له ربا ومدبرا يسمع دعاءه إذا دعاه ولا يخيب رجاء من رجاه وذلك ~~ظاهر فإن العبد إذا دعا، وهو يعلم أن له ربا بإخلاص وتضرع أجاب الله ~~دعوته. فإن قلت: إنا نرى الداعي يبالغ في الدعاء والتضرع فلا يجاب له فما ~~وجه: قوله أجيب دعوة الداع؟ وقوله تعالى: # ادعوني أستجيب لكم # [غافر: 60] قلت ذكر العلماء فيه أجوبة: أحدها أن هذه الآية مطلقة وقد ~~وردت آية أخرى مقيدة وهي قوله: # بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء # [الأنعام: 41] والمطلق يحمل على المقيد. وثانيها أن معنى الدعاء هنا هو ~~الطاعة ومعنى الإجابة هو الثواب وذلك في الآخرة. # وثالثها أن معنى الآيتين خاص. وإن كان لفظهما عاما فيكون معناه أجيب ~~دعوة الداعي إذا وافق القضاء أو أجيبه إن كانت الإجابة خيرا له أو أجيبه ~~إذا لم يسأل إثما أو محالا. ورابعها أن معناها عام أي أسمع وهو معنى ~~الإجابة المذكورة في الآية، وأما إعطاء الأمنية فليس بمذكور فالإجابة ~~حاصلة عند وجود الدعوة وقد يجيب السيد عبده ولا يعطيه سؤله. وخامسها أن ~~للدعاء آدابا وشرائط وهي أسباب الإجابة، فمن استكملها وأتى بها كان من ~~أهل الإجابة ومن أخطأها كان من أهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق الجواب ~~والله أعلم. وقوله تعالى { فليستجيبوا لي } يعني إذا دعوتهم إلى الإيمان ~~والطاعة كما أني أجبتهم إذا دعوني لحوائجهم. والإجابة في اللغة الطاعة. ~~فالإجابة من العبد الطاعة ومن الله الإثابة والعطاء { وليؤمنوا بي لعلهم ~~يرشدون } أي لكي يهتدوا إلى مصالح دينهم ودنياهم. فصل: في فضل الدعاء ~~وآدابه ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ms0183 ثلث الليل الأخير ~~فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له " # هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيه مذهبان مشهوران للعلماء: أحدما وهو ~~مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين أنه يجب الإيمان به وبأنه حق على ما ~~يليق به ونكل علمه إلى الله تعالى ورسوله وإن ظاهره المتعارف في حقنا غير ~~مراد ولا نتكلم في تأويله مع اعتقادنا تنزيه الله تعالى عن صفات ~~المخلوقين وعن الانتقال والحركات. والمذهب الثاني مذهب أكثر المتكلمين ~~وجماعة من السلف أنها تؤول على ما يليق فعلى هذا نقل عن مالك وغيره أن ~~معناه تنزل رحمته وأمره وملائكته وقيل: إنه على الاستعارة ومعناه الإقبال ~~على الداعين بالإجابة واللطف وفي الحديث الحث على الدعاء والترغيب فيه عن ~~سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن ربكم حي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا ~~خائبتين " # أخرجه أبو داود والترمذي. وقال حديث حسن غريب. الصفر الخالي يقال بيت ~~صفر ليس فيه متاع. عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه ~~من الشر مثلها ما لم يدع بإثم أو قطعية رحم فقال رجل من القوم إذا نكثر ~~قال الله أكثر " # أخرجه الترمذي. قوله الله أكثر معناه الله أكثر إجابة عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من ~~قلب غافل لاه " # أخرجه الترمذي. وقال حديث غريب. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " ليس شيء أكرم على الله من الدعاء " # أخرجه الترمذي. وله عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الدعاء مخ العبادة " # وله عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من فتح له باب من الدعاء فتحت له أبواب الرحمة وما سئل الله شيئا أحب ~~إليه من أن ms0184 يسأل العافية وإن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل " # وله عن سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر " # وله عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من لم يسأل الله يغضب عليه " # ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يستجاب لأحدكم ما لم يعجل بقوله قد دعوت فلم يستجب لي " # ولمسلم قال: # " لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطعية رحم ما لم يستعجل قيل: ~~يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم يستجب لي ~~فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء " # قوله يستحسر أي يستنكف عن السؤال وأصله من حسر الطرف إذا كل وضعف ق عن ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ولكن ~~ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له " # زاد البخاري # " ارزقني إن شئت ليعزم مسألته فإنه يفعل ما يشاء لا مكره له " # قوله ليعزم المسألة أي لا تكن في دعائك ربك مترددا بل أعزم وجد في ~~المسألة. عن فضالة بن عبيد قال: # " سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته فلم يصل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عجل هذا ثم دعاه فقال ~~له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ليصل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بما شاء " # أخرجه الترمذي وقال حديث صحيح. ### || [2.187] # قوله عز وجل: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } سبب نزول هذه ~~الآ ية أنه كان في ابتداء الأمر بالصوم إذا أفطر الرجل حل له الطعام ~~والشراب والجماع إلى أن يصلي العشاء الأخيرة أو يرقد قبلها فإذا صلى، أو ~~رقد حرم عليه ذلك كله إلى الليلة القابلة ثم إن عمر بن ms0185 الخطاب واقع أهله ~~بعد ما صلى العشاء فلما اغتسل أخذ بيكي ويلوم نفسه ثم أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أعتذر إلى الله وإليك من هذه الخطيئة ~~إني رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء فوجدت رائحة طيبة فسولت لي نفسي ~~فجامعت أهلي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما كنت بذلك جديرا يا عمر " # فقام رجال فاعترفوا بمثل ذلك فنزلت في عمر وأصحابه أحل لكم أي أبيح لكم ~~ليلة أراد بالليلة ليالي الصيام الرفث إلى نسائكم الرفث كلام يستقبح لفظه ~~من ذكر الجماع ودواعيه وهو هنا كناية عن الجماع قال ابن عباس إن الله ~~تعالى حي كريم يكنى فما ذكره من المباشرة والملامسة وغير ذلك إنما هو ~~الجماع { هن لباس لكم } أي سكن لكم { وأنتم لباس لهن } أي سكن لهن قيل ~~لا يسكن شيء إلا شيء كسكون أحد الزوجين إلى الآخر وسمي كل واحد من ~~الزوجين لباسا لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد وقيل اللباس ~~اسم لما يوارى فيكون كل واحد منهما سترا لصاحبه عما لا يحل كما جاء في ~~الحديث # " من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه " # { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } قال ابن عباس يريد فيما ائتمنكم ~~عليه وخيانتهم أنهم كانوا يباشرون في ليالي الصوم، والمعنى يظلمونها ~~بالمجامعة بعد العشاء وهو من الخيانة وأصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على ~~شيء فلا يؤدي فيه الأمانة ويقال للعاصي خائن لأنه مؤتمن على دينه { فتاب ~~عليكم } أي فتبتم فتاب عليكم وتجاوز عنكم { وعفا عنكم } أي ومحا ذنوبكم خ ~~عن البراء قال لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله فكان ~~رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله: { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ~~فتاب عليكم وعفا عنكم } الآية قال ابن عباس: فكان ذلك مما نفع الله به ~~الناس ورخص لهم ويسر { فالآن باشروهن } أي جامعوهن فهو حلال لكم في ليالي ~~الصوم، وسميت المجامعة مباشرة لتلاصق بشرة واحد بصاحبه { وابتغوا ما كتب ~~الله لكم } أي ما ms0186 قضى لكم في اللوح المحفوظ يعني الولد، وقيل: وابتغوا ~~الرخصة التي كتب الله لكم بإباحة الأكل والشرب والجماع في اللوح المحفوظ ~~يعني الولد. وقيل: اطلبوا ليلة القدر. { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود } نزلت في صرمة بن قيس بن صرمة الأنصاري، ~~ويقال قيس بن صرمة وذلك أنه ظل يعمل في أرض له وهو صائم فلما أمسى رجع ~~إلى أهله بتمر، وقال لأهله قدمي الطعام فأرادت المرأة أن تطعمه شيئا ~~سخنا فأخذت تعمل له ذلك فلما فرغت فإذا هو قد نام وكان قد أعيا من ~~التعب، فأيقظته فكره أن يعصي الله ورسوله وأبى أن يأكل وأصبح صائما ~~مجهودا فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه فلما أفاق أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلما رآه قال: # " يا أبا قيس ما لك أمسيت طليحا " # فذكر له حاله فاغتم لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه ~~الآية وقوله: طليحا أي مهزولا مجهودا خ عن البراء قال كان أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما، فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر ~~لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما ~~فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال أعندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب ~~لك وكان يومه يعمل فغلبته عينه فجاءته امرأته فلما رأته قالت خيبة لك ~~فلما انتصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه ~~الآية: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } ففرحوا بها فرحا ~~شديدا ونزلت: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود من الفجر } ومعنى الآية: وكلوا واشربوا في ليالي الصوم، حتى يتبين ~~لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود: بياض النهار من سواد الليل، وسميا ~~خيطين لأن كل واحد منهما يبدو في الأفق ممتدا كالخيط، قال الشاعر: # فلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أنارا # السدف اختلاط الظلام وأسدف الفجر أضاء ق عن سهل بن سعد قال لما ms0187 نزلت: { ~~وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود } ولم ينزل { ~~من الفجر } فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض ~~والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى تتبين له رؤيتهما فأنزل الله عز وجل ~~بعده { من الفجر } فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار ق عن عدي بن حاتم: # " لما نزلت حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود عمدت إلى عقال ~~أسود وعقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر في الليل فلا يتبين لي ~~فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك فقال: إنما ذلك ~~سواد الليل وبياض النهار " # ق عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم " # قال: وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت. # واعلم أن الفجر الذي يحرم به على الصائم الطعام والشراب والجماع هو ~~الفجر الصادق المستطير المنتشر في الأفق سريعا، لا الفجر الكاذب ~~المستطيل. فإذا قلت كيف شبه الصبح الصادق بالخيط الأبيض والخيط مستطيل ~~والصبح الصادق ليس بمستطيل؟. قلت إن القدر الذي يبدو من البياض هو أول ~~الصبح يكون رقيقا صغيرا ثم ينتشر فلهذا شبه بالخيط، والفرق بين الفجر ~~الصادق والفجر الكاذب أن الفجر الكاذب يبدو في الأفق فيرتفع مستطيلا ثم ~~يضمحل ويذهب ثم يبدو الفجر الصادق بعده منتشرا في الأفق مستطيرا م عن ~~سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال وبياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير ~~هكذا " # وحكاه حماد بيديه قال يعني معترضا وفي رواية الترمذي: # " لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولا الفجر المستطير ~~في الأفق " # فإذا تحقق طلوع الفجر الثاني وهو الصادق حرم على الصائم الطعام والشراب ~~والجماع إلى غروب الشمس وهو قوله تعالى: { ثم أتموا الصيام إلى الليل } ~~يعني منتهى الصوم إلى الليل فإذا دخل الليل حصل الفطر ق عن ms0188 عمر بن الخطاب ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر ~~الصائم " # وهل يلزم الصائم أن يتناول عند تحقق غروب الشمس شيئا؟ فيه وجهان: ~~أحدهما نعم يلزم ذلك لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الوصال. والثاني لا، ~~لأنه قد حصل الفطر بمجرد دخول الليل سواء أكل أو لم يأكل، وتمسكت الحنفية ~~بهذه الآية في أن الصوم النفل يجب إتمامه وقالوا: لأن قوله تعالى: { ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل } أمر وهو للوجوب وهو يتناول كل الصيام. أجاب ~~أصحاب الشافعي عنه بأن هذا إنما ورد في بيان أحكام صوم الفرض فكان المراد ~~منه صوم الفرض ويدل على إباحة الفطر من النفل ما روي عن عائشة قالت: # " دخل النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال هل عندكم شيء، قلنا لا ~~قال: فإني إذا صائم ثم أتانا يوما آخر فقلت يا رسول الله أهدي لنا حيس. ~~قال: أرنيه فلقد أصبحت صائما فأكل " # أخرجه مسلم. الحيس هو خلط الأقط والتمر والسمن وقد يجعل عوض الأقط دقيق ~~أو فتيت وقيل هو التمر ينزع نواه ويخلط بالسويق والأول أعرف. قوله عز ~~وجل: { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } الاعتكاف هو الإقبال على ~~الشيء والملازمة له على سبيل التعظيم. وهو في الشرع عبارة عن الإقامة في ~~المسجد على عبادة الله تعالى. وسبب نزول هذه الآية أن نفرا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعتكفون في المسجد، فإذا عرض لرجل ~~منهم حاجة إلى أهله خرج إليها وخلا بها، ثم اغتسل ورجع إلى المسجد فنهوا ~~عن ذلك حتى يفرغوا من اعتكافهم. # واعلم أن الله تعالى بين أن الجماع يحرم على الصائم بالنهار ويباح له في ~~الليل، فكان يحتمل أن يكون حكم الاعتكاف كحكم الصوم فبين الله تعالى في ~~هذه الآية أن الجماع يحرم على المعتكف في النهار والليل حتى يخرج من ~~اعتكافه. فصل في حكم الاعتكاف الاعتكاف سنة ولا يجوز في غير المسجد، ms0189 وذلك ~~لأن المسجد يتميز عن سائر البقاع بالفضل لأنه بني لإقامة الطاعات ~~والعبادات فيه. ثم اختلفوا فنقل عن علي أنه لا يجوز إلا في المسجد ~~الحرام لقوله: # وطهر بيتي للطائفين والقآئمين والركع السجود # [الحج: 26] فخصه به وقول عطاء: لا يجوز إلا في المسجد الحرام ومسجد ~~المدينة. وقال حذيفة: يجوز في هذين المسجدين ومسجد بيت المقدس. وقال ~~الزهري: لا يصح إلا في الجامع وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا في مسجد له ~~إمام ومؤذن وقال الشافعي ومالك وأحمد يجوز في سائر المساجد لعموم قوله: { ~~وأنتم عاكفون في المساجد } إلا أن المسجد الجامع أفضل حتى لا يحتاج إلى ~~الخروج من معتكفه لصلاة الجمعة ق عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه ~~بعده ق عن ابن عمر: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف ~~العشرالأواخر من رمضان ". فروع الأول: يجوز الاعتكاف بغير صوم والأفضل أن ~~يصوم معه، وقال أبو حنيفة: الصوم شرط في الاعتكاف ولا يصح إلا به، وحجة ~~الشافعي ما روي # " عن عمر: " قال يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في ~~المسجد الحرام قال فأوف بنذرك " # أخرجاه في الصحيحين ومعلوم أنه لا يصح الصوم في الليل. الفرع الثاني: لا ~~يقدر للاعتكاف زمان عند الشافعي وأقله لحظة، ولا حد لأكثره، فلو نذر ~~اعتكاف ساعة صح نذره، ولو نذر أن يعتكف مطلقا يخرج من نذره باعتكاف ~~ساعة. قال الشافعي: وأحب أن يعتكف يوما، وإنما قال ذلك للخروج من الخلاف ~~فإن أقل زمن الاعتكاف عند مالك وأبي حنيفة يوم بشرط أن يدخل فيه قبل طلوع ~~الفجر ويخرج منه بعد غروب الشمس. الفرع الثالث: الجماع حرام في حال ~~الاعتكاف ويفسد به وأما ما دون الجماع كالقبلة ونحوها فمكروه ولا يفسد به ~~عند أكثر العلماء، وهو أظهر قول الشافعي والثاني يبطل به وهو قول مالك، ~~وقيل إن أنزل بطل اعتكافه وأن لم ينزل فلا، وهو قول ms0190 أبي حنيفة، وأما ~~الملامسة بغير شهوة فجائز، ولا يفسد به الاعتكاف لما روي عن عائشة: " ~~أنها كانت ترجل النبي صلى الله عليه وسلم وهي حائض وهو معتكف في المسجد، ~~وهي في حجرتها يناولها رأسه " زاد في رواية: " وكان لا يدخل البيت إلا ~~لحاجة إذا كان معتكفا " وفي رواية: " وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة ~~الإنسان " أخرجاه في الصحيحين. # الترجيل تسريح الشعر، وقولها إلا لحاجة حوائج الإنسان كثيرة والمراد ~~منها هاهنا كل ما يضطر الإنسان إليه مما لا يجوز له فعله في المسجد وموضع ~~معتكفه. وقوله تعالى: { تلك حدود الله } يعني تلك الأحكام التي ذكرت في ~~الصيام والاعتكاف من تحريم الأكل والشرب والجماع حدود الله وقيل حدود ~~الله فرائض الله. وأصل الحد في اللغة المنع، والحد الحاجز بين الشيئين ~~الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر وحد الشيء بالوصف المحيط بمعناه المميز ~~له عن غيره وقيل معنى حدود الله المقادير التي قدرها ومنع من مخالتفها { ~~فلا تقربوها } أي فلا تأتوها ولا تغشوها. فإن قلت في الآية إشكالان: أما ~~الأول فهو أنه قال: تلك حدود الله وهو إشارة إلى ما تقدم من الأحكام ~~وبعضها فيه إباحة وبعضها فيه حظر فكيف قال في الجميع فلا تقربوها؟. ~~الإشكال الثاني هو أنه تعالى قال في هذه الآية: { تلك حدود الله فلا ~~تقربوها } وقال في آية أخرى: # تلك حدود الله فلا تعتدوها # [البقرة: 229] وقال في آية أخرى: # ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده # [النساء: 14] فكيف الجمع بين هذه الآيات؟. قلت: الجواب عن السؤالين من ~~وجهين: أما الإشكال الأول، فجوابه أن الأحكام التي تقدمت فيما قبل، وإن ~~كانت كثيرة إلا أن أقربها إلى هذه الآية قوله تعالى: { ولا تباشروهن ~~وأنتم عاكفون في المساجد } وذلك يوجب تحريم الجماع في حال الاعتكاف، وقال ~~قبلها: { ثم أتموا الصيام إلى الليل } وذلك يوجب تحريم الأكل والشرب في ~~النهار فلما كان الأقرب إلى هذه الآية جانب التحريم قال { تلك حدود الله ~~فلا تقربوها } والجواب عن الإشكال الثاني أن من كان في طاعة الله تعالى ms0191 ~~والعمل بفرائضه فهو منصرف في حيزي الحق فنهي أن يتعداه فيقع في حيز ~~الباطل ثم بولغ في ذلك فنهي أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزي الحق ~~والباطل لئلا يداني الباطل فيقع فيه فهو كقوله صلى الله عليه وسلم # " كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه " # وقيل أراد بحدوده هنا محارمه ومناهيه لقوله: { ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد } ونحو هذا التحريم فهي حدود لا تقرب { كذلك } أي كما ~~بين لكم ما أمركم به ونهاكم عنه كذلك { يبين الله آياته } أي معالم دينه ~~وأحكام شريعته { للناس } مثل هذا البيان الشافي الوافي { لعلهم يتقون } ~~أي لكي يتقوا ما حرم عليهم فينجوا من العذاب. ### || [2.188] # قوله عز وجل: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } نزلت في امرئ القيس ~~بن عابس الكندي ادعى عليه ربيعة بن عبدان الحضرمي عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أرض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك ~~بينة قال لا قال فلك يمينه فانطلق ليحلف فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أما إن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض فأنزل ~~الله هذه الآية. والمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل أي من غير الوجه ~~الذي أباحه الله له. وأصل الباطل الشيء الذاهب. فصل أما حكم الآية فأكل ~~المال بالباطل على وجوه: الأول: أن يأكله بطريق التعدي والنهب والغصب. ~~الثاني: أن يأكله بطريق اللهو كالقمار وأجرة المغنى وثمن الخمر والملاهي ~~ونحو ذلك. الثالث: أن يأكله بطريق الرشوة في الحكم وشهادة الزور. الرابع: ~~الخيانة وذلك في الوديعة والأمانة ونحو ذلك. وإنما عبر عن أخذ المال ~~بالأكل لأنه المقصود الأعظم، ولهذا وقع في التعارف فلان يأكل أموال الناس ~~بمعنى يأخذها بغير حلها { وتدلوا بها إلى الحكام } أي وتلقوا أمور تلك ~~الأموال التي فيها الحكومة إلى الحكام. قال ابن عباس هذا في الرجل يكون ~~عليه المال وليس عليه بينة فيجحد ويخاصم إلى الحكام وهو يعلم أن الحق ~~عليه وهو آثم بمعنى وقيل: ms0192 هو أن يقيم شهادة الزورعند الحاكم وهو يعلم ~~ذلك. وقيل معناه ولا تأكلوا المال بالباطل وتنسبوه إلى الحكام، وقيل: لا ~~تدل بمال أخيك إلى الحاكم وأنت تعلم أنك ظالم فإن قضاءه لا يحل حراما ~~وكان شريح القاضي يقول إني لأقضي لك وإني لأظنك ظالما ولكن لا يسعني ~~إلا أن أقضي بما يحضرني من البينة وإن قضائي لا يحل لك حراما ق عن أم ~~سلمة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته فخرج ~~إليهم فقال: # " إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض " # وفي رواية # " ألحن بحجته من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له فمن قضيت له بحق مسلم ~~فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو يذرها " # قوله سمع جلبة خصم يعني أصوات خصم قوله ألحن بحجته، يقال: فلان ألحن ~~بحجته من فلان أي أقوم بها منه وأقدر عليها، من اللحن بفتح الحاء وهو ~~الفطنة { لتأكلوا فريقا } أي طائفة وقطعة { من أموال الناس بالإثم } ~~يعني بالظلم وقال ابن عباس باليمين الكاذبة وقيل بشهادة الزور { وأنتم ~~تعلمون } يعني أنكم على الباطل. ### || [2.189] # قوله عز وجل: { يسألونك } أي يا محمد { عن الأهلة } نزلت في معاذ بن جبل ~~وثعلبة بن غنم الأنصاريين قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا ~~ثم يزيد حتى يمتلئ نورا، ثم يزال ينقص حتى يعود دقيقا كما بدا ولا يكون ~~على حال واحدة فأنزل الله: { يسألونك عن الأهلة } وكان هذا سؤالا منهم ~~على وجه الفائدة عن وجه الحكمة في تبيين حال الهلال في الزيادة والنقصان ~~والأهلة جمع هلال وهو أول حال القمر حين يراه الناس أول ليلة من الشهر { ~~قل هي مواقيت للناس } جمع ميقات، والمعنى أن فعلنا ذلك لمصالح دينية ~~ودنيوية ليعلم الناس أوقات حجهم وصومهم وإفطارهم ومحل ديونهم وأجائرهم ~~وعدد النساء وأوقات الحيض وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالأهلة ولهذا ~~خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة { والحج } أي وللحج، ~~وإنما أفراد الحج ms0193 بالذكر وإن كان داخلا في جملة العبادات لفائدة عظيمة ~~وهي أن العرب في الجاهلية كانت تحج بالعدد وتبدل الشهور فأبطل الله ذلك ~~من فعلهم وأخبر أن الحج مقصورعلى الأشهر التي عينها لفرض الحج بالأهلة، ~~وأنه لا يجوز نقل الحج عن تلك الأشهر التي عينها الله تعالى له كما كانت ~~العرب تفعل بالنسيء { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } ق عن ~~البراء قال: نزلت هذه الآية فينا فكانت الأنصار إذا حجوا فجاؤوا لم ~~يدخلوا من قبل أبواب البيوت فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه فكأنه ~~عير بذلك فنزلت: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى ~~وأتوا البيوت من أبوابها، وفي رواية كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا ~~البيوت من ظهورها فأنزل الله هذه الآية وقيل كان الناس في الجاهلية وفي ~~أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم لم يدخل حائطا ولا دارا ولا فسطاطا ~~من بابه، فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج أو ~~يتخذ سلما يصعد منه، وإن كان من أهل الوبر دخل وخرج من خلف الخباء ولا ~~يدخل ولا يخرج من الباب ويرون ذلك برا، وكانت الحمس وهم قريش وكنانة ~~وخزاعة ومن دان بدينهم، سموا حمسا لتشددهم في دينهم والحماسة الشدة ~~كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيتا البتة ولم يستظلوا بظل، ثم # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حائطا فدخل رجل من الأنصار معه ~~وقيل كانت الحمس لا يبالون بذلك، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ~~ذات يوم بيتا فدخل على أثره رجل من الأنصار يقال له رفاعة بن التابوت من ~~الباب وهو محرم فأنكروا عليه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~دخلت من الباب وأنت محرم فقال: رأيتك دخلت فدخلت على أثرك فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إني أحمسي فقال الرجل إن كنت أحمسيا فأنا أحمسي رضيت ~~بهديك وسمتك ودينك فأنزل الله تعالى هذه الآية " # وقال ms0194 الزهري كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يجعلوا بينهم وبين ~~السماء شيئا، وكان الرجل يخرج مهلا بالعمرة فتبدو له الحاجة بعد ما ~~خرج من بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه ~~وبين السماء فيفتح الجدار من ورائه ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته ثم ~~بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة فدخل ~~حجرة فدخل رجل من الأنصار من بني سلمة على أثره فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم فعلت ذلك؟ قال: لأني رأيتك دخلت فقال عليه الصلاة والسلام: إني ~~أحمسي فقال الأنصاري وأنا أحمسي يقول أنا على دينك فأنزل الله تعالى { ~~وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من ~~أبوابها } يعني في حال الإحرام وغيره { واتقوا الله لعلكم تفلحون }. ### || [2.190] # قوله عز وجل: { وقاتلوا في سبيل الله } أي في طاعة الله وطلب رضوانه ق ~~عن أبي موسى الأشعري قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل ~~يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " # { الذين يقاتلونكم } كان في ابتداء الإسلام أمر الله رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بالكف عن قتال المشركين ثم لما هاجر إلى المدينة أمر بقتال من ~~قاتله منهم بهذه الآية. قال الربيع بن أنس: هذه أول آية نزلت في القتال ~~ثم أمر الله بقتال المشركين كافة قاتلوا أو لم يقاتلوا بقوله تعالى: # وقاتلوا المشركين كافة # [التوبة: 36] وبقوله: # اقتلوهم حيث ثقفتموهم # [البقرة: 191] فصارت آية السيف ناسخة لهذه الآية وقيل إنها محكمة ~~ومعناها على هذا القول وقاتلوا في سبيل الله الذين أعدوا أنفسهم للقتال، ~~فأما من لم يعد نفسه للقتال كالرهبان والشيوخ والزمنى والمكافيف ~~والمجانين فلا تقاتلوهم لأنهم لم يقاتلوكم، وهو قوله تعالى: { ولا تعتدوا ~~} وقال ابن عباس ولا تقتلوا النساء والصبيان والشيوخ والرهبان ولا ms0195 من ~~ألقى إليكم السلام م عن بريدة قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية ~~أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: اغزوا بسم ~~الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تعتدوا ولا ~~تمثلوا ولا تقتلوا وليدا " # قوله: # لا تغلوا # [المائدة: 77] الغلول الخيانة وهو ما يخفيه أحد الغزاة من الغنيمة ~~وقوله: { ولا تعتدوا } أي ولا تنقضوا العهد وقيل في معنى الآية: لا ~~تعتدوا أي لا تبدؤوهم بالقتال فعلى هذا القول تكون الآية منسوخة بآية ~~القتال قال ابن عباس: لما صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ~~الحديبية وصالحوه على أن يرجع من قابل فيخلوا له مكة ثلاثة أيام يطوف ~~بالبيت، فلما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القضاء ~~خافوا أن لا تفي قريش بما قالوا ويصدهم عن البيت وكره المسلمون قتالهم ~~في الشهر الحرام وفي الحرم، فأنزل الله: { وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم } فأطلق لهم قتال الذين يقاتلونهم في الشهر الحرام وفي الحرم ~~ورفع عنهم الحرج والجناح في ذلك وقال لا تعتدوا بابتداء القتال { إن الله ~~لا يجب المعتدين } ### || [2.191-193] # قوله عز وجل: { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي حيث وجدتموهم وأدركتموهم في ~~الحل والحرم، وتحقيق القول فيه أن الله تعالى أمر بالجهاد في الآية ~~الأولى بشرط إقدام الكفار على القتال وفي هذه الآية أمرهم بالجهاد معهم ~~سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام { ~~وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } أي وأخرجوهم من ديارهم كما أخرجوكم من دياركم ~~{ والفتنة أشد من القتل } يعني أن شركهم بالله أشد وأعظم من قتلكم إياهم ~~في الحرم والإحرام وإنما سمي الشرك بالله فتنة لأنه فساد في الأرض يؤدي ~~إلى الظلم. وإنما جعل أعظم من القتل لأن الشرك بالله ذنب يستحق صاحبه ~~الخلود في النار وليس القتل كذلك، والكفر يخرج صاحبه من الأمة وليس القتل ~~كذلك فثبت أن الفتنة أشد من القتل ms0196 { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه } اختلف العلماء في هذه الآية فذهب مجاهد في جماعة من ~~العلماء إلى أنها محكمة وأنه لا يحل أن يقاتل في المسجد الحرام إلا من ~~قاتل فيه وهو قوله: { فإن قاتلوكم فاقتلوهم } أي فقاتلوهم، وثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن مكة لا تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من ~~نهار ثم عادت حراما إلى يوم القيامة " # فثبت بهذا تحريم القتال في الحرم إلا أن يقاتلوا فيقاتلوا ويكون دفعا ~~لهم وذهب قتادة إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] فأمر بقتالهم في الحل والحرم. وقيل إنها منسوخة بقوله: # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة # [البقرة: 193] { كذلك جزاء الكافرين فإن انتهوا } يعني عن القتال. وقيل ~~عن الشرك والكفر { فإن الله غفور } يعني لما سلف { رحيم } يعني بعباده ~~حيث لم يعاجلهم بالعقوبة { وقاتلوهم } أي وقاتلوا المشركين { حتى لا تكون ~~فتنة } أي شرك والمعنى وقاتلوهم حتى يسلموا ولا يقبل من الوثني إلا ~~الإسلام والقتل بخلاف الكتابي والفرق بينهما أن أهل الكتاب معهم كتب ~~منزلة فيها شرائع وأحكام يرجعون إليها وإن كانوا قد حرفوا وبدلوا فأمهلهم ~~الله تعالى بحرمة تلك الكتب من القتل وأمر بإصغارهم وأخذ الجزية منهم ~~لينظروا في كتبهم ويتدبروها فيقفوا على الحق منها فيتبعوه كفعل مؤمني أهل ~~الكتاب الذين عرفوا الحق فأسلموا، وأما عبدة الأصنام فلم يكن لهم كتاب ~~يرجعون إليه ويرشدهم إلى الحق فكان إمهالهم زيادة في شركهم وكفرهم فأبى ~~الله عز وجل أن يرضى منهم إلا بالإسلام أو القتل { ويكون الدين لله } أي ~~الطاعة والعبادة لله وحده فلا يعبد من دونه شيء { فإن انتهوا } يعني عن ~~القتال وقيل عن الشرك والكفر { فلا عدوان } أي فلا سبيل { إلا على ~~الظالمين } قاله ابن عباس فعلى القول الأول تكون الآية منسوخة بآية السيف ~~وعلى القول الآخر الآية محكمة. وقيل: معناه فلا تظلموا إلا الظالمين، ~~سمي جزاء الظالمين ظلما على سبيل المشاكلة، وسمي ms0197 الكافر ظالما لوضعه ~~العبادة في غير موضعها. ### || [2.194] # قوله عز وجل: { الشهر الحرام بالشهر الحرام } نزلت في عمرة القضاء وذلك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا في ذي القعدة سنة ست من الهجرة ~~فصده المشركون عن البيت بالحديبية فصالح أهل مكة على أن ينصرف عامه ذلك ~~ويرجع من قابل فيقضي عمرته فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع ~~في ذي القعدة سنة سبع فقضى عمرته وذلك قوله تعالى: { الشهر الحرام } يعني ~~ذا القعدة الذي دخلتم فيه مكة وقضيتم عمرتكم { بالشهر الحرام } الذي ~~صددتم فيه عن البيت { والحرمات } جمع حرمة وإنما جمعت لأنه أراد حرمة ~~الشهر وحرمة البلد وحرمة الإحرام { قصاص } القصاص المساواة والمماثلة وهو ~~أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل، والمعنى أنهم لما منعوكم عن العمرة وأضاعوا ~~هذه الحرمات في سنة ست، فقد وفقتم حتى قضيتموها على رغمهم في سنة سبع. ~~وقيل: هذا في القتال، ومعناه: فإن بدؤوكم بالقتال في الشهر الحرام ~~فاقتلوهم فيه فإنه قصاص { فمن اعتدى عليكم } أي بالقتال { فاعتدوا عليه } ~~أي فقاتلوه { بمثل ما اعتدى عليكم } سمي الجزاء بالاعتداء على سبيل ~~المشاكلة { واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين }. ### || [2.195] # قوله عز وجل: { وأنفقوا في سبيل الله } يعني به الجهاد وذلك أن الله ~~تعالى لما أمر بالجهاد والاشتغال به يحتاج إلى الانفاق فأمر به، والإنفاق ~~هو صرف المال في وجوه المصالح الدينية كالإنفاق في الحج والعمرة وصلة ~~الرحم والصدقة وفي الجهاد وتجهيز الغزاة وعلى النفس والعيال وغير ذلك مما ~~فيه قربة لله تعالى لأن كل ذلك مما هو في سبيل الله لكن إطلاق هذه اللفظة ~~ينصرف إلى الجهاد خ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا واحتسابا لله وتصديقا بوعده ~~فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة " # يعني حسنات. عن خريم بن فاتك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أنفق نفقة في سبيل الله كتب الله له ms0198 سبعمائة ضعف " # أخرجه الترمذي والنسائي { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قيل: الباء ~~زائدة ومعناه لا تلقوا أيديكم إلى التهلكة، والمراد بالأيدي الأنفس ~~والمعنى ولا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة، عبر بالأيدي عن الأنفس، وقيل ~~الباء على أصلها وفي الكلام حذف تقديره: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى ~~التهلكة، كما يقال: أهلك فلان نفسه بيده، إذا تسبب في هلاكها وقيل ~~التهلكة كل شيء تصير عاقبته إلى الهلاك وقيل التهلكة ما يمكن الاحتراز ~~عنه والهلاك ما لا يمكن الاحتراز عنه، ومعنى الآية النهي عن ترك الانفاق ~~في سبيل الله لأنه سبب الإهلاك قال ابن عباس: أنفق في سبيل الله وأن لم ~~يكن إلا سهم أو مشقص ولا يقول أحدكم لا أجد شيئا. السهم هنا هو ما يرمى ~~به، والمشقص سهم فيه نصل عريض وقيل كان رجال يخرجون في البعوث بغير نفقة ~~فإما أن ينقطع بهم وإما أن يكونوا عالة فأمرهم الله تعالى بالإنفاق على ~~أنفسهم في سبيل الله ومن لم يكن عنده شيء ينفق عليه في الغزو فلا يخرج ~~لئلا يلقي نفسه في التهلكة وهو أنه يهلك من الجوع والعطش والمشي. وقيل ~~نزلت الآية في ترك الجهاد ت عن أبي عمران واسمه أسلم قال: كنا بمدينة ~~الروم فأخرجوا لنا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو ~~أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من ~~المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس. سبحان الله يلقي بيديه ~~إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: " أيها الناس إنكم لتؤولون هذه ~~الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله ~~الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا ~~في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه ~~وسلم يرد علينا ما قلنا: { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا ms0199 بأيديكم إلى ~~التهلكة } فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو فما ~~زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم " وقال حديث غريب ~~صحيح مات أبو أيوب في آخر غزوة غزاها بأرض قسطنطينية ودفن في أصل سورها ~~فهم يتبركون بقبره ويستسقون به م عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من النفاق " # قال ابن المبارك فنرى أن ذلك كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل الإلقاء إلى التهلكة هوأن يقنط من رحمة الله، وهو أن الرجل يصيب ~~الذنب فيقول قد هلكت ليس لي توبة فييأس من رحمة الله وينهمك على المعاصي ~~فهو القنوط فنهى الله عن ذلك. وقيل في معنى الآية: أنفقوا في سبيل الله ~~ولا تقولوا إنا نخاف الفقر إن أنفقنا فنهلك فنهوا أن يجعلوا أنفسهم ~~هالكين بالإنفاق خ عن حذيفة قال: أنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم ~~إلى التهلكة قال نزلت في النفقة { وأحسنوا } أي بالإنفاق على من تلزمكم ~~مؤنته ونفقته وقيل أحسنوا في الإنفاق ولا تسرفوا ولا تقتروا، نهوا عن ~~الإسراف والإقتار في الإنفاق وقيل معناه: وأحسنوا في أداء فرائض الله ~~تعالى { إن الله يحب المحسنين } أي يثيبهم على إحسانهم. ### || [2.196] # قوله عز وجل: { وأتموا الحج والعمرة لله } قال ابن عباس وهو أن يتمهما ~~بمناسكهما وحدودهما وسننهما وقيل إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ~~وقيل هو أن تفرد لكل واحد منهما سفرا وقيل إتمامهما أن تكون النفقة ~~حلالا وتنتهي عما نهى الله عنه. وقيل إتمامها أن تخرج من أهلك لهما لا ~~للتجارة ولا لحاجة. وقيل إذا شرع فيهما وجب عليه الإتمام. فصل واتفقت ~~الأمة على وجوب الحج على من استطاع إليه سبيلا م عن أبي هريرة قال خطبنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل أفي كل عام يا رسول ~~الله؟ فسكت حتى ms0200 قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت ~~نعم لوجب ولما استطعتم " # وفي وجوب العمرة قولان للشافعي أصحهما إنها واجبة وهو قول علي وابن عباس ~~والحسن وابن سيرين وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير ومجاهد وإليه ذهب أحمد بن ~~حنبل، والقول الثاني إنها سنة ويروى ذلك عن ابن مسعود وجابر وإبراهيم ~~والشعبي وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة. حجة من أوجب العمرة ما روي في حديث ~~الضبي بن معبد أنه قال لعمر بن الخطاب إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين ~~علي وإني أهلك بهما فقال أهديت لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم أخرجه ~~أبو داود والنسائي بأطول من هذا وجه الدليل أنه أخبر عن وجوبهما عليه ~~وصوبه عمر وبين أنه مهتد بما رآه في وجوبهما عليه لسنة النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وروي عن ابن عباس أنها كقرينها في كتاب الله: { وأتموا الحج ~~والعمرة لله } وعن ابن عمر قال: " الحج والعمرة فريضتان " وعنه: " ليس ~~أحد من خلق الله إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلا ~~" وعن ابن عباس قال: " العمرة واجبة كوجوب الحج " وعن ابن مسعود قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير ~~خبث الحديد والذهب والفضة وليس لحجة مبرورة ثواب إلا الجنة " # أخرجه النسائي والترمذي وزاد: # " وما من مؤمن يظل يومه محرما إلا غابت الشمس بذنوبه " # وقال حديث حسن صحيح. وجه الدليل أنه أمر بالمتابعة بين الحج والعمرة ~~والأمر للوجوب ولأنها قد نظمت مع الحج في الأمر بالإتمام فكانت واجبة ~~كالحج، وحجة من قال بأنها سنة ما روي عن جابر قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبة هي؟ قال: لا وأن ~~تعتمروا خير لكم " # أخرجه الترمذي. وأجيب عنه بأن هذا الحديث يرويه حجاج بن أرطأة وحجاج ليس ~~ممن يقبل منه ما تفرد به لسوء حفظه وقلة مراعاته لما يحدث به واجتمعت ~~الأمة على جواز أداء الحج والعمرة على ثلاثة ms0201 أنواع إفراد وتمتع وقران ~~فصورة الإفراد أن يحج ثم بعد فراغه منه يعتمر من أدنى الحل أو يعتمر قبل ~~أشهر الحج ثم يحج في تلك السنة. # وصورة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويأتي بأعمالها فإذا فرغ من ~~أعمالها أحرم بالحج من مكة في تلك السنة وإنما سمي تمتعا لأنه يستمتع ~~بمحظورات الإحرام بعد التحلل من العمرة إلى أن يحرم بالحج. وصورة القرآن ~~أن يحرم بالحج والعمرة معا في أشهر الحج فينويهما بقلبه وكذلك لو أحرم ~~بالعمرة في أشهر الحج ثم أدخل عليها الحج قبل أن يفتتح الطواف فيصير ~~قارنا. واختلفوا في الأفضل فذهب مالك والشافعي إلى أن الإفراد أفضل ثم ~~التمتع ثم القران يدل عليه ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أفرد الحج، أخرجه مسلم وله عن ابن عمر قال: أهللنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج مفردا، وفي رواية إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أهل بالحج مفردا، وله عن جابر قال: قدمنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ونحن نصرخ بالحج صراخا. وعن ابن عمر قال: افصلوا بين ~~حجكم وعمرتكم فإن ذلك أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر ~~الحج. أخرجه مالك في الموطأ وذهب الثوري وأبو حنيفة إلى أن القران أفضل ~~يدل عليه ما روي عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي ~~بالحج والعمرة جميعا وفي رواية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~لبيك عمرة وحجا، أخرجاه في الصحيحين. وذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن ~~راهويه إلى أن التمتع أفضل، يدل عليه ما روي عن ابن عباس قال: " تمتع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان فأول من نهى عنهما ~~معاوية " أخرجه الترمذي ق عن ابن عمر قال تمتع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة ~~وبدأ رسول الله ms0202 صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتع ~~الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج وكان من الناس ~~من أهدى ومنهم لم يهد فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال ~~للناس من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم ~~يكن منكم أهدى فليطف بالبيت والصفا والمروة وليقصر وليتحلل ثم ليهل بالحج ~~وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى ~~أهله، وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فاستلم الركن أول ~~شيء ثم خب ثلاثة أطواف من السبع ومشى أربعة أطواف ثم ركع حين قضى طوافه ~~بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة ~~سبعة أشواط ثم لم يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر ~~وأفاض وطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه وفعل مثل ما فعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من أهدى فساق الهدي من الناس ". # اختلفت الروايات في حجة النبي صلى الله عليه وسلم هل كان مفردا أو ~~متمتعا أو قارنا؟ وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة ورجحت ~~كل طائفة نوعا وادعت أن حجة النبي صلى الله عليه وسلم كذلك وطريق الجمع ~~بين روايات الصحابة واختلافهم في حجته صلى الله عليه وسلم أنه كان أولا ~~مفردا ثم إنه صلى الله عليه وسلم أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج ~~فصار قارنا فمن روى أنه كان مفردا فهو الأصل ومن روي القران اعتمد آخر ~~الأمر ومن روي التمتع أراد التمتع اللغوي وهو الانتفاع والارتفاق وقد ~~ارتفق بالقران كارتفاق التمتع وزيادة وهو الاقتصار على فعل واحد، وبهذا ~~أمكن الجمع بين الأحاديث المختلفة في صفة حجة الوداع وهو الصحيح وذكر ~~الشافعي في كتاب اختلاف الحديث كلاما موجزا في ذلك فقال إن أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان منهم المفرد والقارن ms0203 والمتمتع وكل كان يأخذ ~~منه أمر نسكه ويصدر عن تعليمه فأضيف الكل إليه على معنى أنه أمر به وأذن ~~فيه ويجوز في لغة العرب إضافة الفعل إلى الأمر به كما تجوز إضافته إلى ~~فاعله كما يقال بني فلان داره وأريد به أنه أمر ببنائها وكما يروى: " أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا " وإنما أمر برجمه، واختار الشافعي ~~الإفراد واحتج في ترجيحه بأنه صح ذلك من رواية جابر وابن عمر وابن عباس ~~وعائشة وهؤلاء لهم مزية في حجة الوداع على غيرهم، فأما جابر فهو أحسن ~~الصحابة سياقة لرواية حديث حجة الوداع فإنه ذكرها من حين خرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم من المدينة إلى آخرها فهو أضبط لها من غيره، وأما ابن عمر ~~فصح عنه أنه كان آخذا بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة ~~الوداع وإنما سمعه يلبي بالحج. وأما ابن عباس فمحله من العلم والفقه ~~والدين معروف مع كثرة بحثه عن أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما ~~عائشة فقربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم معروف وإطلاعها على باطن ~~أمره وظاهره مع كثرة فقهها وعلمها، ومن دلائل ترجيح الإفراد أن الخلفاء ~~الراشدين أفردوا الحج بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وواظبوا عليه. # وأركان الحج خمسة الإحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعي بين الصفا ~~والمروة وحلق الرأس أو التقصير في أصح القولين. وأركان العمرة أربعة: ~~الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير، وبهذه الأركان تمام الحج ~~والعمرة. قوله تعالى: { فإن أحصرتم } أصل الحصر في اللغة الحبس والتضييق، ~~ثم اختلف أهل اللغة في الحصر والإحصار فقيل إذا رد الرجل عن وجه يريده ~~فقد أحصر، وإذا حبس فقد حصر وقال ابن السكيت أحصره المرض إذا منعه من ~~السفر أو حاجة يريدها وحصره العدو إذا ضيق عليه. وقال الزجاج: الرواية عن ~~أهل اللغة يقال للذي يمنعه الخوف أو المرض أحصر والمحبوس حصر، وقال ابن ~~قتيبة في قوله: { فإن أحصرتم } هو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين ms0204 الحج ~~من مرض أو كسر أو عدو يقال أحصر فهو محصر فإن حبس في دار أو سجن قيل حصر ~~فهو محصور وذهب قوم إلى أنهما بمعنى واحد. قال الزجاج: يقال الرجل من ~~حصرك هنا ومن أحصرك وقال أحمد بن يحيى أصل الحصر والإحصار الحبس وحصر في ~~الحبس أقوى من أحصر وقيل الإحصار يقال في المنع الظاهر كالعدو والمنع ~~الباطن كالمرض والحصر لا يقال إلا في المنع الباطن وأما قوله { فإن ~~أحصرتم } فمحمول على الأمرين وبحسب اختلاف أهل اللغة في معناها اختلف ~~الفقهاء في حكمها فذهب قوم إلى أن كل مانع من عدو أو مرض أو ذهاب نفقة ~~فإنه يبيح له التحلل من إحرامه وهو قول عطاء ومجاهد وقتادة وهو مذهب أبي ~~حنيفة ويدل عليه ما روي عن عكرمة قال حدثني الحجاج بن عمرو قال قال: ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى " # قال عكرمة: فذكرت ذلك لأبي هريرة وابن عباس فقالا: صدق، أخرجه أبو داود ~~والنسائي والترمذي وقال حديث حسن وذهب قوم إلى أنه لا يباح له التحلل ~~إلا بحبس العدو وهو قول ابن عمر وابن عباس وأنس وبه قال مالك والليث ~~والشافعي وأحمد وقالوا الحصر والإحصار بمعنى واحد واحتجوا بأن نزول الآية ~~كان في قصة الحديبية في سنة ست وكان ذلك حبسا من جهة العدو لأن كفار مكة ~~منعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الطواف بالبيت فنزلت هذه ~~الآية فحل النبي صلى الله عليه وسلم من عمرته ونحر هديه وقضاها من قابل ~~ويدل عليه أيضا سياق الآية وهو قوله: { فإذا أمنتم } والأمن لا يكون ~~إلا من خوف وثبت عن ابن عباس أنه قال لا حصر إلا حصر العدو فثبت بذلك ~~أن المراد من الإحصار هو حصر العدو دون المرض وغيره. # وأجيب عن حديث الحجاج بن عمرو بأنه محمول على من شرط التحلل بالمرض ~~ونحوه إحرامه ويدل على جواز الاشتراط في الإحرام ما روي عن ابن عباس # " أن ضباعة بنت ms0205 الزبير أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ~~إني أريد الحج أفأشترط؟ " قال نعم. قالت: كيف أقول؟ قال: قولي لبيك اللهم ~~لبيك محلي من الأرض حيث تحبسني " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. ولغيره أن ضباعة بنت الزبير كانت ~~وجعة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: # " حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني " # فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إذا اشترط في الحج فعرض له مرض أو عذر أن ~~يتحلل ويخرج من أحرامه ثم المحصر يتحلل بذبح الهدي وحلق الرأس وهو المراد ~~من قوله تعالى: { فما استيسر من الهدي } ومعنى الآية فإن أحصرتم دون تمام ~~الحج أو العمرة فحللتم فعليكم ما استيسر من الهدي والهدي ما يهدي إلى ~~البيت وأعلاه بدنة وأوسطه بقرة وأدناه شاة. قال ابن عباس: شاة لأنه أقرب ~~إلى اليسر، ومحل ذبح هدي المحصر حيث أحصر وإليه ذهب الشافعي لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذبح الهدي عام الحديبية بها، وذهب أبو حنيفة إلى أنه ~~يقيم على إحرامه ويبعث بهديه إلى الحرم ويواعد من يذبحه هناك ثم يحل في ~~ذلك الوقت. { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله } أي مكانه الذي يجب ~~أن يذبح فيه، وفيه قولان أحدهما أنه الحرم فإن كان حاجا فمحله يوم النحر ~~وإن كان معتمرا فمحله يوم يبلغ هديه إلى الحرم وهو قول أبي حنيفة والقول ~~الثاني محل ذبحه حيث أحصر سواء كان في الحل أو في الحرم، ومعنى محله يعني ~~حيث يحل ذبحه وأكله وهو قول مالك والشافعي وأحمد ويدل عليه ما روي عن ابن ~~عمر قال: خرجنا مع رسول الله صلىالله عليه وسلم معتمرين فحال كفار قريش ~~دون البيت فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلق رأسه، أخرجه البخاري. ~~قوله عز وجل: { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه } معناه ولا ~~تحلقوا رؤوسكم في حال الإحرام إلا أن تضطروا إلى حلقه لمرض أو أذى وهو ~~القمل أو الصداع { ففدية } فيه إضمار تقديره فحلق رأسه فعليه فدية، ms0206 نزلت ~~هذه الآية في كعب بن عجرة ق # " عن كعب بن عجرة قال: أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أوقد ~~تحت قدر لي والقمل يتناثر على وجهي فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ قال قلت نعم ~~قال فاحلق وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك نسيكة لا أدري بأي ~~ذلك بدأ وفي رواية قال نزلت هذه الآية: { فمن كان منكم مريضا أو به أذى ~~من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } وذكر نحوه وفي أخرى أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مر به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم وذكره، ~~وفي أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " ما كنت أرى أن الوجع بلغ ~~منك ما أرى أو ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك ما أرى أتجد شاة؟ قلت لا قال: ~~فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع " # قال كعب فنزلت في خاصة وهي لكم عامة ومعنى قوله تعالى { ففدية من صيام } ~~أي صوم ثلاثة أيام { أو صدقة } يعني إطعام ثلاثة أصوع ستة مساكين لكل ~~مسكين نصف صاع { أو نسك } واحدتها نسيكة أي ذبيحة وأعلاها بدنة وأوسطها ~~بقرة وأدناها شاة وهذه الفدية على التخيير إن شاء ذبح أو صام أو تصدق وكل ~~هدي أو طعام يلزم المحرم فإنه لمساكين الحرم إلا هدي المحصر فإنه يذبحه ~~حيث أحصر. وأما الصوم فله أن يصوم حيث شاء. قوله تعالى: { فإذا أمنتم } ~~يعني من خوفكم وبرأتم من مرضكم وقيل إذا أمنتم من الإحصار { فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج } قال ابن الزبير معناه فمن أحصر حتى فاته الحج ولم ~~يتحلل فقدم مكة فخرج من إحرامه بعمل عمرة فاستمتع بإحلاله ذلك بتلك ~~العمرة إلى السنة المستقبلة ثم حج فيكون متمتعا بذلك الإحلال إلى إحرامه ~~الثاني في العام المقبل وقيل معناه فإذا أمنتم وقد أحللتم من إحرامكم بعد ~~الإحصار ولم تعتمروا في تلك السنة ثم اعتمرتم في السنة القابلة في أشهر ~~الحج ms0207 ثم أحللتم فاستمتعتم بإحلالكم إلى الحج ثم أحرمتم بالحج فعليكم ما ~~استيسر من الهدي وقال ابن عباس: هو الرجل يقدم معتمرا من أفق الآفاق في ~~أشهر الحج فقضى عمرته وأقام بمكة حلالا حتى أنشأ منها الحج فحج من عامه ~~ذلك فيكون مستمتعا بالإحلال عن العمرة إلى إحرامه بالحج. ومعنى التمتع ~~في اللغة هو الاستمتاع بعد الخروج من العمرة والتلذذ بما كان محظورا ~~عليه في حال الإحرام إلى إحرامه بالحج { فما استيسر من الهدي } يعني ~~فعليه ما استيسر من الهدي وهو شاة يذبحها يوم النحر، فلو ذبح قبله بعدما ~~أحرم بالحج أجزأه عند الشافعي كدم الجبرانات ولا يجزئه ذبحه عند أبي ~~حنيفة قبل يوم النحر كدم الأضحية. ولوجوب دم التمتع خمس شرائط: أحدها: أن ~~يقدم العمرة على الحج. الثاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج. الثالث: أن ~~يحج بعد الفراغ من العمرة في هذه السنة. الرابع: أن يحرم من مكة ولا يعود ~~إلى ميقات بلده، فإن رجع إلى الميقات وأحرم منه لم يكن متمتعا. الخامس: ~~أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام فهذه الشروط معتبرة في وجوب دم التمتع ~~ومتى فقد شيء منها لم يكن متمتعا ودم التمتع دم جبران عند الشافعي فلا ~~يجوز أن يأكل منه. # وقال أبو حنيفة: هو دم نسك فيجوز أن يأكل منه وقوله { فمن لم يجد } يعني ~~الهدي { فصيام ثلاثة أيام في الحج } أي فعليه صيام ثلاثة أيام في وقت ~~اشتغاله بالحج. قيل: يصوم يوما قبل يوم التروية ويوم التروية ويوم عرفة ~~وقيل بل المستحب أن يصوم في أيام الحج بحيث يكون يوم عرفة مفطرا فإن لم ~~يصم قبل يوم النحر فقيل يصوم أيام التشريق وبه قال مالك وأحمد وهو أحد ~~قولي الشافعي. وقيل: بل يصوم بعد أيام التشريق وهو رواية عن أحمد والقول ~~الآخر للشافعي { وسبعة إذا رجعتم } يعني وصوموا سبعة أيام إذا رجعتم إلى ~~أوطانكم وأهليكم قاله ابن عباس وبه قال الشافعي، فلو صام قبل الرجوع إلى ~~أهله لم يجزه عنده وقيل المراد من ms0208 الرجوع هو الفراغ من أعمال الحج والأخذ ~~في الرجوع فعلى هذا يجزئه أن يصوم السبعة أيام بعد الفراغ من أعمال الحج ~~وقبل الرجوع إلى أهله وبه قال أبو حنيفة: { تلك عشرة كاملة } يعني في ~~الثواب والأجر وقيل كاملة في قيامها مقام الهدي لأنه قد يحتمل أن يظن ظان ~~أن الثلاثة قد قامت مقام الهدي فاعلم الله أن العشرة بكمالها هي القائمة ~~مقام الهدي وقيل فائدة التكرار كقول الفرزدق: # ثلاث واثنتان فهن خمس وسادسة تميل إلى سهام # ولأن القرآن أنزل بلغة العرب والعرب تكرر الشيء تريد به التوكيد وقيل ~~فائدة ذلك الفذلكة في علم الحساب وهو أن يعلم العدد مفصلا ثم يعلمه جملة ~~ليحتاط به من جهتين فكذلك قوله تعالى: { فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة ~~إذا رجعتم تلك عشرة كاملة } وقيل إن العرب لما كانوا لا يعلمون الحساب ~~وكانوا يحتاجون إلى زيادة بيان وإيضاح فلذلك قال تلك عشرة كاملة وقيل ~~لفظه خبر ومعناه أمر أي أكملوها ولا تنقصوها { ذلك } أي هذا الحكم الذي ~~تقدم { لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } قيل حاضرو المسجد الحرام ~~هم أهل مكة وهو وقول مالك. وقيل: هم أهل الحرم وبه قال طاوس: وقال ابن ~~جريج: هم أهل عرفة والرجيع وضجنان ونخلة. وقال الشافعي: كل من كان وطنه ~~من مكة على أقل من مسافة القصر فهو من حاضري المسجد الحرام وقيل هم من ~~دون الميقات وقال أبو حنيفة حاضرو المسجد الحرام أهل الميقات والمواقيت ~~ذو الحليفة والجحفة وقرن ويلملم وذات عرق فمن كان من أهل هذه المواضع فما ~~دونها إلى مكة فهو من حاضري المسجد الحرام. وقيل حاضرو المسجد الحرام من ~~تلزمه الجمعة فيه ومعنى الآية أن المشار إليه في قوله: { ذلك } يرجع إلى ~~أقرب مذكور وهو لزوم الهدي أو بدله على المتمتع وهو الآفاقي فأما المكي ~~إذا تمتع أو قرن فلا هدي عليه ولا بد له لأنه لا يجب عليه أن يحرم من ~~الميقات فإقدامه على التمتع لا يوجب خللا في حجة فلا يجب ms0209 عليه الهدي ~~ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري تعليقا من حديث عكرمة قال سئل ابن عباس ~~عن متعة الحج فقال: " أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي فطفنا بالبيت ~~وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب وقال: من قلد الهدي فإنه لا ~~يحل من شيء حتى يبلغ الهدي محله ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا ~~فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا ~~الهدي كما قال تعالى { فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ~~في الحج وسبعة إذا رجعتم } إلى أمصاركم والشاة تجزئ فجمعوا بين النسكين ~~في عام بين الحج والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم وأباحه للناس من غير أهل مكة قال الله تعالى: { ذلك لمن لم يكن ~~أهله حاضري المسجد الحرام } وفي الحديث زيادة قال الحميدي قال أبو مسعود ~~الدمشقي هذا حديث غريب ولم أجده إلا عند مسلم بن الحجاج ولم يخرجه في ~~صحيحه، من أجل عكرمة فإنه لم يرو عنه في صحيحه وعندي أن البخاري إنما ~~أخذه من مسلم. # وقوله تعالى: { واتقوا الله } أي فيما فرضه عليكم ونهاكم عنه في صحيحه ~~وعندي أن البخاري إنما أخذه من مسلم. وقوله تعالى: { واتقوا الله } أي ~~فيما فرضه عليكم ونهاكم عنه في الحج وفي غيره { واعلموا أن الله شديد ~~العقاب } يعني لمن خالف أمره وتهاون بحدوده وارتكب مناهيه. ### || [2.197] # قوله عز وجل: { الحج أشهر معلومات } يعني أشهر الحج أشهر معلومات وقيل ~~وقت الحج أشهر معلومات وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة إلى ~~طلوع الفجر من يوم النحر وبه قال عبدالله بن مسعود جابر بن عبدالله ~~وعبدالله بن الزبير ومن التابعين الحسن وابن سيرين والشعبي وهو قول ~~الشافعي والثوري وأبي ثور وحجة الشافعي ومن وافقه أن الحج يفوت بطلوع ~~الفجر ms0210 الثاني من يوم النحر والعبادة لا تفوت مع بقاء وقتها فدل على أن ~~يوم النحر ليس من أشهر الحج وأيضا فإن الإحرام بالحج فيه لا يجوز فدل ~~على أنه وما بعده ليس من أشهر الحج. وقال ابن عباس أشهر الحج شوال وذو ~~القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة آخرها يوم النحر وبه قال ابن عمر وعروة بن ~~الزبير وطاوس وعطاء والنخعي وقتادة ومكحول والضحاك والسدي وأبو حنيفة ~~وأحمد بن حنبل وهي إحدى الروايتين عن مالك وحجة هذا القول أن يوم النحر ~~وهو يوم الحج الأكبر لأن فيه يقع طواف الإفاضة وهو تمام أركان الحج، وقيل ~~إن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، وهو رواية عن ابن عمر ~~وبه قال الزهري: وهي الرواية الأخرى عن مالك وحجة هذا القول إن الله ~~تعالى ذكر أشهر الحج بلفظ الجمع وأقل الجمع المطلق ثلاث، ولأن كل شهر كان ~~أوله من أشهر الحج كان آخره كذلك. فإن قلت هنا إشكال. وهو أن الله تعالى ~~قال قبل هذه الآية: # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج # [البقرة: 189] فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج. قلت قوله هي مواقيت للناس ~~والحج عام وهذه الآية وهي قوله تعالى: { الحج أشهر معلومات } خاص والخاص ~~مقدم على العام. وقيل: إن الآية الأولى مجملة وهذه الآية مفسرة لها. فإن ~~قلت إنما قال الحج أشهر بلفظ الجمع وعند الشافعي أشهر الحج شهران وعشر ~~ليال وعند أبي حنيفة وعشرة أيام فما وجه هذا؟ قلت: إن لفظ الجمع يشترك ~~فيه ما وراء الواحد بدليل قوله تعالى: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4] وقيل إنه نزل بعض الشهر منزلة كله كما يقال رأيتك سنة كذا ~~وإنما رآه في ساعة منها ولا إشكال فيه على القول الثالث وهو قول من قال ~~إن أشهر الحج ثلاث شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله { فمن فرض فيهن الحج ~~} يعني فمن ألزم نفسه وأوجب عليها فيهن الحج والمراد بهذا الفرض ما به ~~يصير حاجا وهو فعل يفعله ثم اختلفوا في ذلك ms0211 الفعل فقال الشافعي: ينعقد ~~الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى التلبية ووجهه أن فرض الحج عبارة ~~عن النية فوجب أن تكون النية كافية في انعقاد الحج وقال أبو حنيفة: لا ~~يصح الشروع في الإحرام بمجرد النية حتى تنضم إليه التلبية أو سوق الهدى ~~ووجهه أن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا به من انضمام شيء إلى النية ~~كتكبيرة الإحرام مع النية في الصلاة، وفي الآية دليل على أن الإحرام ~~بالحج لا ينعقد إلا في أشهره وهو قول ابن عباس وإليه ذهب الشافعي وأحمد ~~وإسحاق لأن الله تعالى خصص هذه الأشهر بفرض الحج فيها فلو انعقد في غيرها ~~لم يكن لهذا التخصيص وجه ولا فائدة وقال مالك والثوري وأبو حنيفة: ينعقد ~~إحرامه بالحج في جميع شهور السنة ووجهه أن الإحرام إلزام الحج فجاز ~~تقديمه على الوقت كالنذر لأن الله تعالى جعل الأهلة كلها مواقيت للحج ~~بقوله: { هي مواقيت للناس والحج } وقد تقدم الجواب عنه. # وقوله تعالى { فلا رفث } قال ابن عباس الرفث الجماع وفي رواية عنه أن ~~الرفث غشيان النساء والتقبيل والغمز وأن يعرض لهن بالفحش من الكلام فعلى ~~هذا القول التلفظ به غيبة النساء لا يكون رفثا، قال حصين بن قيس أخذ ابن ~~عباس بذنب بعيره يلويه وهو يحدو ويقول: # وهن يمشين بنا هميسا إن يصدق الطير ننك لميسا # فقلت: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إن الرفث ما قيل عند النساء وقوله لميسا ~~هو اسم امرأة وقيل الرفث كلام متضمن لما يستقبح ذكره من ذكر الجماع ~~ودواعيه وقوله فلا رفث يحتمل أن يكون نهيا عن تعاطي الجماع وأن يكون ~~نهيا عن الحديث في ذلك لأنه من دواعيه وقيل الرفث هو الفحش والخنا ~~والقول القبيح. وقيل الرفث اللغو من الكلام ويدل عليه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا كان يوم صوم أحدكم فلا رفث يومئذ ولا يصخب " # { ولا فسوق } أصله الخروج عن الطاعة قال ابن عباس: هي المعاصي كلها وهو ~~قول طاوس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والزهري والربيع والقرظي وقال ms0212 ابن ~~عمر: هو ما نهي عنه المحرم في حال الإحرام من قتل الصيد وتقليم الأظافر، ~~وأخذ الشعر وما أشبه ذلك وقيل هو السباب والتنابز بالألقاب ق عن أبي ~~هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدت أمه " # { ولا جدال في الحج } قال ابن عباس الجدال هو المراء وهو أن يماري الرجل ~~صاحبه ويخاصمه حتى يغضبه وقيل: هو قول الرجل الحج اليوم يقول آخر الحج ~~غما وقيل هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع وقد أحرموا ~~بالحج # " اجعلوا أهلا لكم بالحج عمرة إلا م قلد الهدي قالوا كيف نجعلها عمرة ~~وقد سمينا الحج فهذا كان جدالهم " # وقيل: هو ما كان عليه أهل الجاهلية كان بعضهم يقف بعرفة وبعضهم بمزدلفة ~~وكان بعضهم يحج في ذي القعدة وبعضهم في ذي الحجة وكل يقول الصواب فيما ~~فعلته فأنزل الله: { ولا جدال في الحج } فأخبر أن أمر الحج قد استقر على ~~ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا خلاف فيه بعده وذلك معنى قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " ألا أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " # وقيل: معناه ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة فأبطل النسيء وقيل: ظاهر ~~الآية خبر ومعناه نهي أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا في الحج وإنما ~~نهي عن ذلك وأمر باجتنابه في الحج وإن كان اجتناب ذلك في كل الأحوال ~~والأزمان واجبا لأن الرفث والفسوق والجدال في الحج أسمج وأفظع منه في ~~غيره { وما تفعلوا من خير يعلمه الله } أي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، ~~وهو الذي يجازيكم عليها، حث الله على فعل الخير عقيب النهي عن الشر وهو ~~أن يستعملوا مكان الرفث الكلام الحسن ومكان الفسوق البر والتقوى ومكان ~~الجمال الوفاق والأخلاق الجملية، وقيل: جعل فعل الخير عبارة عن ربط ~~الأنفس عن الشر حتى لا يوجد منهم ما نهوا عنه. وقيل: إنما ذكر الخير ms0213 وإن ~~كان عالما بجميع أفعال العباد من الخير والشر لفائدة، وهي أنه تعالى إذا ~~علم من العبد الخير ذكره وشهره وإذا علم منه الشر ستره وأخفاه فإذا كان ~~هذا فعله مع عبده في الدنيا فكيف يكون في العقبى وهو أرحم الراحمين وأكرم ~~الأكرمين { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } نزلت في أناس من أهل اليمن ~~كانوا يخرجون للحج من غير زاد ويقولون نحن متوكلون ويقولون نحج بيت ربنا ~~أفلا يطعمنا فإذا قدموا مكة سألوا الناس وربما أفضى بهم الحال إلى النهب ~~والغصب فأنزل الله وتزودوا أي ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم عن الناس ~~واتقوا إبرامهم والتثقيل عليهم فإن خير الزاد التقوى وقيل في معنى الآية ~~وتزودوا من التقوى فإن الإنسان لا بد له من سفر في الدنيا، ولا بد فيه من ~~زاد ويحتاج فيه إلى الطعام والشراب والمركب وسفر من الدنيا إلى الآخرة، ~~ولا بد فيه من زاد أيضا وهو تقوى الله والعمل بطاعته وهذا الزاد أفضل من ~~الزاد الأول، فإن زاد الدنيا يوصل إلى مراد النفس وشهواتها، وزاد الآخرة ~~يوصل إلى النعيم المقيم في الآخرة وفي هذا المعنى قال الأعشى: # إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت ~~على أن لا تكون كمثله وأنك لم ترصد كما كان أرصدا # { واتقون } أي وخافوا عقابي وقيل معناه واشتغلوا بتقواي وفيه تنبيه على ~~كمال عظمة الله جل جلاله: { يا أولي الألباب } يا ذوي العقول الذين ~~يعلمون حقائق الأمور. ### || [2.198] # قوله عز وجل: { ليس عليكم جناح } أي حرج { أن تبتغوا فضلا من ربكم } ~~يعني رزقا ونفعا وهو الربح في التجارة خ عن ابن عباس قال كانت عكاظ ~~ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فلما كان الإسلام فكأنهم تأثموا أن ~~يتجروا في المواسم فنزلت: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } في ~~مواسم الحج. وقرأها ابن عباس هكذا وفي رواية أن تبتغوا في مواسم الحج ~~فضلا من ربكم، وعكاظ سوق معروف بقرب مكة، ومجنة بفتح الميم وكسرها ms0214 سوق ~~بقرب مكة أيضا، قال الأزرقي: هي بأسفل مكة على بريد منها وذو المجاز سوق ~~عند عرفة كانت العرب في الجاهلية يتجرون في هذه الأسواق ولها مواسم ~~فكانوا يقيمون بعكاظ عشرين يوما من ذي القعدة ثم ينتقلون إلى مجنة ~~فيقيمون بها ثماينة عشر يوما عشرة أيام من آخر ذي القعدة، وثمانية أيام ~~من أول ذي الحجة ثم يخرجون إلى عرفة في يوم التروية وقال الداودي: مجنة ~~عند عرفة و # " عن أبي أمامة التيمي قال: كنت رجلا أكري في هذا الوجه وكان الناس ~~يقولون لي: إنه ليس لك حج فلقيت ابن عمر فقلت له يا أبا عبد الرحمن إني ~~رجل أكري في هذا الوجه وإن أناسا يقولون لي: إنه ليس لك حج فقال ابن عمر ~~أليس تحرم وتلبي وتطوف بالبيت وتفيض من عرفات وترمي الجمار؟ فقلت بلى قال ~~فإن ذلك حجا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن مثل ما ~~سألتني عنه فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه حتى نزلت هذه ~~الآية: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } فأرسل إليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " وقرأها عليه وقال لك حج " # أخرجه أبو داود والترمذي. وقال بعض العلماء: إن التجارة إن أوقعت نقصا ~~في أعمال الحج لم تكن مباحة وإن لم توقع نقصا فيه كانت من المباحات التي ~~الأولى تركها لتجريد العبادة عن غيرها لأن الحج بدون التجارة أفضل وأكمل. ~~قوله تعالى: { فإذا أفضتم } أي دفعتم والإفاضة دفع بكثرة { من عرفات } ~~جميع عرفة سميت بذلك وإن كانت بقعة واحدة لأن كل موضع من تلك المواضع ~~عرفة فسمي مجموع تلك المواضع عرفات وقيل: إن اسم الموضع عرفات. واسم ~~اليوم عرفة قال عطاء كان جبريل يرى إبراهيم المناسك ويقول له: عرفت فيقول ~~عرفت فسمي ذلك المكان عرفات واليوم عرفة. وقال الضحاك: إن آدم لما أهبط ~~وقع بالهند وحواء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات في ~~يوم عرفة فتعارفا فسمي اليوم عرفة ms0215 والموضع عرفات، وقال السدي: إن إبراهيم ~~لما أذن في الناس بالحج وأجابوه بالتلبية وأبى من أبى أمره الله تعالى أن ~~يخرج إلى عرفات ونعتها له، فخرج فلما بلغ الشجرة استقبله الشيطان يرده ~~فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة فطار فوقع على الجمرة الثانية فرماه ~~وكبر فطار فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبر فطار فلما رأى الشيطان أنه ~~لا يطيعه ذهب فانطلق إبراهيم حتى أتى ذا المجاز فنظر إليه فلم يعرفه ~~فجازه فسمي ذا المجاز، ثم انطلق إبراهيم حتى وقع بعرفات فعرفها بالنعت، ~~فسمي الوقت عرفة والموضع عرفات حتى إذا أمسى ازدلف إلى جمع فسمي ذلك ~~الموضع المزدلفة. # وفي رواية عن ابن عباس أن إبراهيم رأى ليلة التروية في منامه أنه يؤمر ~~بذبح ولده فلما أصبح تروى يومه أجمع أي تفكر هل هذه الرؤيا من الله تعالى ~~أم من الشيطان فسمي يوم التروية، ثم رأى ذلك في ليلة عرفة ثانيا فلما ~~أصبح عرف أن ذلك من الله فسمي اليوم عرفة. وقيل: سمي بذلك لأن الناس ~~يعترفون في ذلك اليوم بذنوبهم وقيل: سمي عرفة من العرف وهو الطيب وسميت ~~منى لما يمنى فيها من الدماء أي يصب فيكون فيه الفروث والدماء، فلا ~~يكون الموضع طيبا وعرفات طاهرة عن مثل هذا فتكون طيبة. واعلم أن الوقوف ~~بعرفة ركن من أركان الحج ولا يتم الحج إلا به، ومن فاته الوقوف في وقته ~~فقد فاته الحج. ويدخل وقت الوقوف بعرفة بزوال الشمس من يوم عرفة ويمتد ~~إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر وذلك نصف يوم وليلة كاملة فمن وقف ~~بعرفات في هذا الوقت ولو لحظة واحدة من ليل أو نهار، فقد حصل له الوقوف ~~ويتم حجه وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوعه من يوم ~~النحر ووقت الإفاضة من عرفات، بعد غروب الشمس فإذا غربت الشمس دفع من ~~عرفات وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بمزدلفة ق عن أسامة ~~بن زيد قال دفع رسول الله صلى الله ms0216 عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالشعب ~~نزل فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء، فقلت: الصلاة يا رسول الله فقال ~~الصلاة أمامك ثم ركب فلما جاء المزدلفة، نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت ~~الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره، في منزله، ثم أقيمت العشاء ~~فصلى ولم يصل بينهما شيئا. وقوله تعالى: { فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام } سمي مشعرا من الشعار وهي العلامة لأنه من معالم الحج وأصل ~~الحرام المنع فهو ممنوع من أن يفعل فيه ما لم يؤذن فيه، والمشعر الحرام ~~هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا ~~وادي محسر من المشعر الحرام وقيل المشعر الحرام هو قزح وهو آخر حد ~~المزدلفة والأول أصح. # وسميت المزدلفة من الازدلاف وهو الاقتراب، لأنها منزلة من الله تعالى ~~وقربة. وقيل: لنزول الناس بها زلف الليل: وقيل: لاجتماع الناس بها وتسمى ~~المزدلفة جمعا لأنه يجمع فيها بين المغرب والعشاء، قيل المراد بالذكر ~~عند المشعر الحرام هو الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك. ويدل عليه أن ~~قوله: فاذكروا الله أمر وهو للوجوب ولا يجب هناك إلا الصلاة، والذي عليه ~~جمهور العلماء أن المراد بالذكر هو الدعاء والتلبية والتسبيح والتحميد ~~والتهليل والتكبير ق عن ابن عباس أن أسامة بن زيد كان رديف النبي صلى ~~الله عليه وسلم، من عرفة إلى المزدلفة ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى ~~فكلاهما قال: لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة، ~~عن جابر قال دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المزدلفة فصلى بها ~~المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع حتى ~~طلع الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى ~~المشعر الحرام فاستقبل القبلة وكبره وهلله ووحده ولم يزل واقفا حتى أسفر ~~جدا ودفع قبل أن تطلع الشمس هذا الحديث ذكره البغوي بغير سند. ولم أجده ~~في الأصول، قال طاوس كانوا في الجاهلية يدفعون ms0217 من عرفة قبل أن تغيب الشمس ~~ومن المزدلفة بعد طلوعها وكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير، فنسخ الله ~~تعالى أحكام الجاهلية فأخر الإفاضة من عرفة إلى ما بعد غروب الشمس وقدم ~~الإفاضة من المزدلفة إلى ما قبل طلوعها. وثبير جبل بمكة ومعنى قولهم أشرق ~~ثبير أدخل أيها الجبل في الشروق وهو نور الشمس وقولهم كيما نغير أي ندفع ~~للنحر يقال أغار إذا أسرع ودفع في عدوه خ عن عمرو بن ميمون قال قال عمر ~~كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس وكانوا يقولون: أشرق ~~ثبير فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم فأفاض قبل طلوع الشمس. وقوله ~~تعالى: { واذكروه كما هداكم } أي اذكروه بالتوحيد والتعظيم كما ذكركم ~~بالهداية فهداكم لدينه ومناسك حجه { وإن كنتم من قبله لمن الضالين } أي ~~لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه، والهاء في من قبله راجعة إلى الهدي وقيل ~~إلى الرسول أي من قبل إرسال الرسول لمن الضالين، وهو كناية عن غير مذكور ~~وقيل يرجع إلى القرآن والمعنى واذكروه كما هداكم بكتابه الذي أنزله ~~عليكم، وإن كنتم من قبل إنزاله لمن الضالين. ### || [2.199] # قوله عز وجل: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } أي لتكن إفاضتكم من حيث ~~أفاض الناس، وفي المخاطبين بهذا قولان أحدهما أنه خطاب لقريش قال أهل ~~التفسير: كانت قريش ومن دان بدينها وهم الحمس يقفون بالمزدلفة ويقولون: ~~نحن أهل الله وقطان حرمه فلا نخلف الحرم ولا نخرج منه ويتعاظمون أن يقفوا ~~مع سائر الناس بعرفات، وكان سائر الناس يقفون بعرفات فإذا أفاض الناس من ~~عرفات أفاض الحمس من المزدلفة فأمرهم الله أن يقفوا بعرفات مع سائر ~~الناس، ثم يفيضوا منها إلى جمع وأخبرهم أنه سنة إبراهيم وإسماعيل عليهما ~~السلام ق عن عائشة رضي الله عنها قالت كان قريش ومن دان بدينها يقفون ~~بالمزدلفة، وكان يسمون الحمس وكانت سائر العرب يقفون بعرفة فلما جاء ~~الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات فيقف بها ثم ~~يفيض منها فذلك قوله تعالى: ms0218 { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } قولها: ~~كانوا يسمون الحمس هو جمع أحمس وأصله من الشدة والشجاعة وإنما سميت قريش ~~وكنانة حمسا لتشددهم في دينهم فعلى هذا القول الناس معناهم جميع العرب ~~سوى الحمس، والقول الثاني: إنه خطاب لسائر المسلمين أمرم الله أن يفيضوا ~~من حين أفاض إبراهيم، وهو المراد بقوله من حيث أفاض الناس، وقيل: الناس ~~هم آدم وحده بدليل قراءة سعيد بن جبير ثم أفيضوا من حيث أفاض الناسي ~~بالياء وقال هو آدم عهد إليه فنسي، ووجه هذا أن الوقوف بعرفات والإفاضة ~~منها شرع قديم وما سواه مبتدع محدث، وقيل: المراد من هذه الآية أن ~~الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر، قبل طلوع الشمس للرمي والنحر، ~~وأراد بالناس إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما لأنه كانت إفاضتم من المزدلفة ~~قبل طلوع الشمس، ووجه هذا القول أن الإفاضة من عرفات قد تقدم ذكرها في ~~قوله: # فإذا أفضتم من عرفات # [البقرة: 198] ثم قال بعد ذلك { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } فدل على ~~أن هذه الإفاضة من المزدلفة إلى منى لكن القول الأول الذي هو الأصح الذي ~~عليه جمهور المفسرين. فإن قلت على القول الأول الذي هو قول جمهور ~~المفسرين إشكال، وهو أن ظاهر الكلام لا يقتضي ذلك لأن قوله: { فإذا أفضتم ~~من عرفات فاذكروا الله } والإفاضة من عرفات قبل الإفاضة من جمع فكيف قال ~~{ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } فكأنه قال فإذا أفضتم من عرفات فأفيضوا ~~من عرفات وذلك غير جائز. قلت: أجيب عن هذا الإشكال بأن فيه تقديما ~~وتأخيرا وتقديره ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله ~~غفور رحيم ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات، ~~فاذكروا الله فعلى هذا الترتيب يصح أن تكون هذه الإفاضة تلك الإفاضة ~~بعينها وقيل: إن ثم في قوله ثم أفيضوا بمعنى الواو أي وأفيضوا كقوله ثم ~~كان من الذين آمنوا والإفاضة الدفع ق عن هشام بن عروة عن أبيه قال سأل ~~أسامة بن زيد وأنا ms0219 جالس كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في ~~حجة الوداع قال: كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص قال هشام والنص فوق ~~العنق. # العنق بفتح العين ضرب من السير سريع، هو أشد من المشي والفجوة: الفرجة ~~وهي المتسع من الأرض، والنص السير السريع حتى يستخرج من الناقة أقصى ~~وسعها خ عن ابن عباس أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فسمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرا شديدا وضربا للإبل فأشار بسوطه ~~إليهم قال: يا أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع، الإيضاع ~~السير السريع الشديد. قوله تعالى: { واستغفروا الله } أي من مخالفتكم في ~~الموقف ولجميع ذنوبكم { إن الله غفور رحيم } يعني أن الله هو الساتر ~~لذنوب عباده برحمته والغفور يفيد المبالغة في الغفر وكذا الرحيم وفيه ~~دليل على أنه تعالى يقبل التوبة من عباده التائبين ويغفر لهم، لأنه تعالى ~~أمر المذنب بالاستغفار ثم وصف نفسه تعالى بأنه كثير الغفران كثير الرحمة ~~فدل ذلك على أنه تعالى يغفر للمستغفرين ويرحم المذنبين بمنه وكرمه. ### || [2.200] # قوله عز وجل: { فإذا قضيتم مناسككم } أي فرغتم من حجكم وعبادتكم وذبحتم ~~نسائككم أي ذبائحكم وذلك بعد رمي جمرة العقبة والاستقرار بمنى { فاذكروا ~~الله } يعني التحميد والتمجيد والتهليل والتكبير والثناء عليه { كذكركم ~~آباءكم } قال أهل التفسير، كانت العرب في الجاهلية إذا فرغوا من حجهم ~~وقفوا بين المسجد بمنى وبين الجبل، وقيل: عند البيت فيذكرون مفاخر آبائهم ~~ومآثرهم وفضائلهم ومحاسنهم ومناقبهم، فيقول أحدهم: كان أبي كبير الجفنة ~~رحب الفناء يقرى للضيف وكان كذا وكذا يعد مفاخره ومناقبه ويتناشدون ~~الأشعار في ذلك ويتكلمون بالمنثور والمنظوم من الكلام الفصيح وغرضهم ~~الشهرة والسمعة والرفعة بذكر مناقب سلفهم وآبائهم، فلما من الله عليهم ~~بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لله لا لآبائهم قال: اذكروني فأنا الذي ~~فعلت ذلك بكم وبهم وأحسنت إليكم وإليهم قال ابن عباس: معناه فاذكروا الله ~~كذكر الصبيان الصغار الآباء وذلك أن الصبي أول ما يفصح بالكلام ويقول: ~~أبه أمه لا ms0220 يعرف غير ذلك فأمرهم أن يذكروه كذكر الصبيان الصغار الآباء { ~~أو أشد ذكرا } أي بل أشد ذكرا، وقيل: أو بمعنى الواو أي وأشد ذكرا أي ~~وأكثر ذكرا للآباء لأنه هو المنعم عليهم وعلى الآباء، فهو المستحق للذكر ~~والحمد مطلقا، وسئل ابن عباس عن هذه الآية قيل له قد يأتي على الرجل ~~اليوم لا يذكر فيه أباه فقال: ليس كذلك ولكن أن تغضب لله عز وجل إذا عصى ~~أشد من غضبك لوالديك إذا شتما { فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا } ~~يعني أن المشركين كانوا يسألون الله في حجهم للدنيا، ونعيمها كانوا ~~يقولون: اللهم أعطنا إبلا وغنما وبقرا وعبيدا وإماء وكان أحدهم بقوم ~~فيقول: اللهم إن أبي كان عظيم الفئة كبيرا الجفنة كثير المال فأعطني مثل ~~ما أعطيته. قال قتادة: هذا عبد نيته الدنيا لها أنفق ولها عمل ونصب خ عن ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي، وإن لم يعط ~~سخط تعس، وانتكس وإذا شيك فلا انتقش " # قوله: تعس عبد الدينار هذا دعاء عليه بالهلاك وهو الوقوع على الوجه من ~~العثار والخميصة ثوب من خز أو صوف معلم، وقوله وانتكس هذا دعاء عليه ~~أيضا لأن من انتكس على رأسه أو في أمره فقد خاب، وخسر وقوله وإذا شيك ~~هذا فعل ما لم يسم فاعله، تقول شاكته الشوكة إذا دخلت في جسمه والانتقاش ~~إخراج الشوكة من الجسم وإنما كان سؤال المشركين للدينار ولم يطلبوا ~~التوبة والمغفرة ونعيم الآخرة لأنهم كانوا ينكرون البعث { وما له في ~~الآخرة من خلاق } أي وما له في الآخرة من حظ ولا نصيب. ### || [2.201] # { ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار } يعني المؤمنين. واعلم أن الله تعالى قسم الداعين فريقين البعث: ~~فريق اقتصروا في الدعاء على طلب الدنيا وهم الكفار لأنهم كانوا لا ~~يعتقدون البعث والآخرة، والفريق الثاني: هم المؤمنون الذين جمعوا في ~~الدعاء بين طلب ms0221 الدنيا والآخرة وذلك لأن الإنسان خلق ضعيفا محتاجا لا ~~طاقة له بآلام الدنيا ومتاعبها فالأولى له أن يستعيذ بالله من شرها ~~وآلامها لأنه لو اضطرب على الإنسان عرق من عروقه، لشوش عليه حياته في ~~الدنيا، وتعطل عن الاشتغال بطاعة الله تعالى فثبت بذلك أن طلب الدنيا في ~~الدعاء من أمر الدين، فلذلك قال الله تعالى: إخبارا عن المؤمنين: { ~~ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة } قيل: إن ~~الحسنة في الدنيا عبارة عن الصحة والأمن والكفاية والتوفيق إلى الخير ~~والنصر على الأعداء والولد الصالح والزوجة الصالحة م عن عبدالله بن عمرو ~~بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة " # وقيل: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة وفي الآخرة الجنة وقيل: الحسنة ~~في الدنيا الرزق الحلال والعمل الصالح وفي الآخره المغفرة والثواب. وقيل: ~~من آتاه الله الإسلام والقرآن وأهلا ومالا فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة يعني في الدنيا عافية وفي الآخرة عافية. م عن أنس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من المسلمين قد خف فصار ~~مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل كنت تدعو الله ~~بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم كنت أقول اللهم ما كنت معاقبني به في ~~الآخرة فعجله لي في الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان ~~الله لا تطيقه ولا تستطيعه أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " # قال: فدعا الله به فشفاه ق عن أنس بن مالك. قال كان أكثر دعاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار. # " عن عبدالله بن السائب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بين ~~الركنين: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " # أخرجه أبو داود. ### || [2.202-203] # { أولئك } إشارة إلى المؤمنين الداعين بالحسنتين ووجه هذا القول أن الله ms0222 ~~ذكر حكم الفريق بكماله. فقال: وما له في الآخرة من خلاق وقيل: يرجع إلى ~~الفريقين { لهم } جميعا أي لكل فريق من هؤلاء { نصيب } أي حظ { مما ~~كسبوا } يعني من الخير والدعاء بالثواب والجزاء على الدعاء بالدنيا من ~~جنس ما كسب ودعا { والله سريع الحساب } ذكروا في معنى الحساب أن الله ~~تعالى يعلم العباد بما لهم وعليهم بمعنى أن الله تعالى يخلق العلوم ~~الضرورية في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها وبمقادير ما لهم ~~من الثواب وعليهم من العقاب. وقيل: إن المحاسبة عبارة عن المجازاة ويدل ~~عليه قوله تعالى: # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا # [الطلاق: 9] وقيل: إن الله تعالى يكلم عباده يوم القيامة ويعرفهم أحوال ~~أعمالهم وما لهم من الثواب والعقاب. وقيل: إنه تعالى إذا حاسب عباده ~~فحسابه سريع لأنه تعالى لا يحتاج إلى عقد يد وروية فكر وصف الله نفسه ~~تعالى بسرعة الحساب مع كثرة الخلائق وكثرة أعمالهم ليدل بذلك على كمال ~~قدرته لأنه تعالى لا يشغله شان عن شأن ولا يحتاج إلى آلة ولا مادة ولا ~~مساعد، فلا جرم كان قادرا على أن يحاسب جميع الخلائق في أقل من لمح ~~البصر، وروي أنه تعالى يحاسب الخلائق في قدر حلب شاة أو ناقة، وقيل: في ~~معنى كونه تعالى سريع الحساب أي سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم، ~~وذلك أنه تعالى يسأله السائلون في الوقت الواحد كل واحد منهم أشياء ~~مختلفة من أمور الدنيا الآخرة فيعطي كل واحد من غير أن يشتبه عليه شيء من ~~ذلك، لأنه تعالى عالم بجميع أحوال عباده وأعمالهم وقيل في معنى الآية إن ~~إتيان القيامة قريب لأن كل ما هو كائن وآت قريب لا محالة، وفيه إشارة إلى ~~المبادرة بالدعاء والذكر وسائر الطاعات وطلب الآخرة. قوله عز وجل: { ~~واذكروا الله } يعني بالتوحيد والتعظيم والتكبير في أدبار الصلوات وعند ~~رمي الجمرات، وذلك أنه يكبر مع كل حصاة من حصى الجمار فقد ورد في الصحيح ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر مع ms0223 كل حصاة { في أيام معدودات } يعني ~~أيام التشريق وهي أيام منى ورمي الجمار سميت معدودات لقلتهن وهي ثلاثة ~~أيام بعد يوم النحر، أولها اليوم الحادي عشر من ذي الحجة وهو قول ابن عمر ~~وابن العباس والحسن وعطاء ومجاهد وقتادة وهو مذهب الشافعي. وقيل: إن ~~الأيام المعدودات يوم النحر ويومان بعده. وهو قول علي بن أبي طالب ويروى ~~عن ابن عمر أيضا وهو مذهب أبي حنيفة م عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله " # ومن الذكر في هذه الأيام التكبير خ عن ابن عمر أنه كان يكبر بمنى تلك ~~الأيام وخلف الصلوات، وعلى فراشه وفي فسطاطه وفي مجلسه وفي ممشاه في تلك ~~الأيام جميعا وفي رواية أنه كان يكبر في قبته فيسمعه أهل المسجد ~~فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى أخرجه البخاري بغير إسناد وأجمع ~~العلماء على أن المراد بهذا هو التكبير عند رمي الجمار، وهو أن يكبر مع ~~كل حصاة يرمي بها في جميع أيام التشريق، وأجمعوا أيضا على أن التكبير في ~~عيد الأضحى وفي هذه الأيام في إدبار الصلوات سنة واختلفوا في وقت التكبير ~~فقيل يبتدئ به من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام ~~التشريق فيكون التكبير على هذا القول في خمسة عشر صلاة، وهو قول ابن عباس ~~وابن عمر، وبه قال الشافعي: في أصح أقواله قال الشافعي: لأن الناس فيه ~~تبع للحاج وذكر الحاج قيل: هذا الوقت هو التلبية ويأخذون في التكبير يوم ~~النحر من صلاة الظهر. وقيل: إنه يبتدئ به من صلاة المغرب ليلة النحر ~~ويختم بصلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهو القول الثاني الشافعي فيكون ~~التكبير على هذا القول: في ثمانية عشر صلاة والقول الثالث للشافعي إنه ~~يتبدئ بالتكبير من صلاة الصبح يوم عرفة، ويختم به بعد صلاة العصر من آخر ~~أيام التشريق، فيكون التكبير على هذا القول في ثلاث وعشرين صلاة وهو قول ~~علي بن أبي طالب، ومكحول ms0224 وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال ابن مسعود يبتدأ ~~به من صبح يوم عرفة ويختم بصلاة العصر من يوم النحر، فعلى هذا القول يكون ~~التكبير في ثمان صلوات، وبه قال أبو حنيفة وقال أحمد بن حنبل: إذا كان ~~حلالا كبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة أولها الصبح من يوم عرفة وآخرها صلاة ~~العصر من آخر أيام التشريق وإن كان محرما كبر عقيب سبعة عشر صلاة أولها ~~الظهر من يوم النحر وآخرها عصر آخر أيام التشريق. ولفظ التكبير عند ~~الشافعي ثلاثا نسقا الله أكبر الله أكبر الله أكبر وهو قول سعيد بن ~~جبير والحسن، وهو قول أهل المدينة، قال الشافعي: وما زاد من ذكر الله ~~فحسن ويروى عن ابن مسعود أنه يكبر مرتين فيقول الله أكبر الله أكبر وهو ~~قول أهل العراق. وقوله تعالى: { فمن تعجل في يومين } أي فمن تعجل النفر ~~الأول وهو في الثاني من أيام التشريق { فلا إثم عليه } أي فلا حرج عليه ~~وذلك أنه يجب على الحاج المبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من ليالي ~~أيام التشريق، ليرمي كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة يرمي عند كل ~~جمرة سبع حصيات ثم من رمى في اليوم الثاني وأراد أن ينفر ويدع البيتوتة ~~الليلة الثالثة ورمى يومها فذلك واسع له لقوله تعالى: { فمن تعجل في ~~يومين فلا إثم عليه } يعني فلا إثم على من تعجل فنفر في اليوم الثاني في ~~تعجيله { ومن تأخر فلا إثم عليه } يعني ومن تأخر إلى النفر الثاني، وهو ~~اليوم الثالث من أيام التشريق فلا إثم عليه في تأخره. # واعلم أنه إنما يجوز التعجيل لمن نفر بعد الزوال من اليوم الثاني من ~~أيام التشريق وقيل غروب الشمس، من ليلة ذلك اليوم وإن غربت عليه الشمس، ~~وهو بمنى لزمه المبيت بها لرمي اليوم الثالث، هذا مذهب الشافعي وأكثر ~~الفقهاء وقال أبو حنيفة: يجوز له أن ينفر ما لم يطلع الفجر لأنه لم يدخل ~~وقت الرمي، بعد ورخص لرعاة الإبل وأهل سقاية الحاج ترك المبيت بمنى ليالي ~~منى. ms0225 فإن قلت: قوله ومن تأخر فلا إثم عليه فيه إشكال وهو أن الذي أتى ~~بأفعال الحج كاملة تامة فقد أتى بما يلزمه، فما معنى قوله فلا إثم عليه ~~إنما يخاف من الإثم من قصر فيما يلزمه. قلت فيه أجوبة أحدها أنه تعالى ~~لما أذن في التعجيل على سبيل الرخصة احتمل أن يخطر ببال قوم أن من لم يجر ~~على موجب هذه الرخصة، فإنه يأثم فأزال الله تعالى هذه الشبهة وبين إنه لا ~~إثم عليه في الأمرين فإن شاء عجل وإن شاء أخر. الجواب الثاني أن من الناس ~~من كان يتعجل ومنهم من كان يتأخر، وكل فريق يصوب فعله على فعل الفريق ~~الآخر فبين الله تعالى أن كل واحد من الفريقين مصيب في فعله وأنه لا إثم ~~عليه. الجواب الثالث إنما قال: ومن تأخر فلا إثم عليه لمشاكلة اللفظة ~~الأولى فهو كقوله: # جزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] ومعلوم أن جزاء السيئة ليس بسيئة. الجواب الرابع أن فيه ~~دلالة على جواز الأمرين فكأنه تعالى قال: فتعجلوا أو تأخروا فلا إثم في ~~التعجيل ولا في التأخير { لمن اتقى } أي ذلك التخيير ونفي الإثم للحاج ~~المتقي وقيل لمن اتقى أن يصيب في حجه شيئا مما نهاه الله عنه من قتل صيد ~~وغيره، مما هو محظور في الحج، وقيل: معناه أنه ذهب إثمه إن اتقى فيمن بقي ~~من عمره، وذلك أن الحاج يرجع مغفورا له بشرط أن لا يرتكب ما نهي عنه ~~فيما بقي من عمره وهو قوله: { واتقوا الله } أي في المستقبل والتقوى ~~عبارة عن فعل الواجبات وترك المحظورات { واعلموا أنكم إليه تحشرون } أي ~~فيجازيكم بأعمالكم وفيه حث على التقوى. ### || [2.204] # قوله عز وجل: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا } نزلت في ~~الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، واسمه أبي وإنما سمي الأخنس يوم ~~بدر بثلاثمائة رجل من بني زهرة، عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وذلك أنه أشار على بني زهرة الرجوع يوم بدر، وقال لهم: إن محمدا ms0226 ابن ~~أختكم فإن يك كاذبا كفاكموه الناس وإن يك صادقا كنتم أسعد الناس به ~~قالوا: نعم ما رأيت قال إني سأخنس بكم فاتبعوني فخنس فسمي الأخنس بذلك ~~وكان الأخنس حلو الكلام حلو المنظر، وكان يأتي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ويجالسه ويظهر الإسلام ويقول: إني لأحبك ويحلف بالله على ذلك وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني مجلسه وكان الأخنس منافقا فنزل فيه، ~~ومن الناس من يعجبك قوله، أي يروقك وتستحسنه ويعظم في قلبك في الحياة ~~الدنيا، يعني أن حلاوة كلامه فيما يتعلق بأمر الدنيا { ويشهد الله على ما ~~في قلبه } يعني قوله: والله إني بك مؤمن ولك محب { وهو ألد الخصام } أي ~~شديد الجدال في الباطل، وقيل: هو كاذب القول، وقيل: هو شديد القسوة في ~~المعصية جدل بالباطل يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة ق عن عائشة رضي الله ~~عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " # يعني الشديد في الخصومة. ### || [2.205-207] # { وإذا تولى } أي أدبر وأعرض عنك بعد إلانة القول وحلاوة المنطق { سعى ~~في الأرض } أي سار ومشى في الأرض { ليفسد فيها } يعني بقطع الأرحام وسفك ~~دماء المسلمين { ويهلك الحرث والنسل } وذلك أن الأخنس بن شريق كان بينه ~~وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلا، فأحرق زروعهم وأهلك مواشيهم، وقيل: خرج ~~إلى الطائف مقتضيا دينا كان له على غريم فأحرق له كدسا وعقر له أتانا ~~وقيل معناه إذا تولى أي صار واليا وملك الأمر سعى في الأرض ليفسد فيها ~~يعني بالظلم والعدوان كما يفعله ولاة السوء والظلمة، وقيل: يظهر ظلمه حتى ~~يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل بسبب منع المطر وقيل إن ~~الآية عامة في حق كل من كان موصوفا بهذه الصفات المذكورة ولا يمتنع أن ~~تنزل في رجل واحد ثم تكون عامة في حق كل من كان موصوفا بهذه الصفات { ~~والله لا يحب الفساد } قال ابن عباس: لا يرضى بالمعاصي واحتجت المعتزلة ~~بهذه الآية على أن المحبة عبارة عن الإرادة. ms0227 وأجيب عنه بأن الإرادة معنى ~~غير المحبة، فإن الإنسان قد يريد شيئا ولا يحبه وذلك لأنه قد يتناول ~~الدواء المر ولا يحبه فبان الفرق بين الإرادة والمحبة، وقيل: إن المحبة ~~مدح الشيء وتعظيمه والإرادة بخلاف ذلك { وإذا قيل له اتق الله } أي خف ~~الله في سرك وعلانيتك { أخذته العزة بالإثم } أي حملته العزة وحمية ~~الجاهلية على فعل الإثم وقيل بأن يعمل الإثم وهو الظلم وترك الالتفات إلى ~~الوعظ وعدم الإصغاء إليه. وأصل العزة المنعة والتكبر { فحسبه جهنم } أي ~~كافية له جهنم جزاء وعذابا، وجهنم اسم من أسماء النار التي يعذب بها ~~الكفار في الآخرة، وقيل: هو اسم أعجمي وقيل بل هو عربي سميت النار بذلك ~~لبعد قعرها { ولبئس المهاد } أي الفراش والمهاد التوطئة أيضا والمعنى أن ~~العذاب بالنار يجعل تحته وفوقه قال ابن مسعود إن من أكبر الذنوب عند الله ~~أن يقال للعبد: اتق الله فيقول: عليك بنفسك. وروي أنه قيل لعمر اتق الله ~~فوضع خده على الأرض تواضعا لله تعالى. قوله عز وجل: { ومن الناس من يشري ~~نفسه ابتغاء مرضاة الله } قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في سرية الرجيع ~~وكانت بعد أحد خ عن أبي هريرة قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية ~~عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا ~~حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة ذكروا الحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان ~~فتبعوهم بقريب من مائة رام فاقتفوا آثارهم حتى أتوا منزلا نزلوه فوجدوا ~~فيه نوى تمر تزودوه من المدينة فقالوا هذا تمر يثرب، فتبعوا أثرهم حتى ~~لحقوهم. # فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد، وجاء القوم فأحاطوا بهم ~~فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا، فقال ~~عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر اللهم أخبر عنا رسولك فقاتلوهم ~~فرموهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنبل وبقي خبيب وزيد ورجل آخر ~~فأعطوهم العهد والميثاق. فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم ms0228 فلما ~~استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث الذي ~~معهم: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم فجروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم ~~يفعل فقتلوه وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبا بنو ~~الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر فمكث ~~عندهم أسيرا حتى إذا اجتمعوا على قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث ~~ليستحد بها فأعارتها، فقالت: فغفلت عن صبي لي فدرج إليه حتى أتاه فوضعه ~~على فخذه فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذلك مني وفي يده الموسى، فقال: أتخشين ~~مني أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى وكانت تقول: ما رأيت ~~أسيرا قط خيرا من خبيب لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ~~تمرة، وإنه لموثق في الحديد. وما كان إلا رزقا رزقه الله خبيبا، فلما ~~خرجوا به من الحرم ليقتلوه قال: دعوني أصلي ركعتين، فصلى ركعتين ثم انصرف ~~فقال: لولا ترون أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سن ركعتين عند ~~القتل، وقال: اللهم أحصهم عددا وقال: # فلست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ~~ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع # ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، وبعثت قريش إلى عاصم ليأتوا بشيء من ~~جسده بعد موته وكان قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل ~~الظلة من الدبر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء زاد في رواية ~~وأخبر يعني النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، الفدفد: ~~الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع. وقوله عالجوه: أي مارسوه، وأراد به أنهم ~~يخدعونه ليتبعهم فأبى. وقوله ليستحد الاستحداد حلق العانة. والقطف ~~العنقود من العنب: قوله على أوصال شلو. الشلو العضو من أعضاء الإنسان. ~~والممزع: المفرق. والظلة: الشيء الذي يظل من فوق الإنسان. والدبر: جماعة ~~النحل والزنابير. وقال أهل التفسير: إن كفار قريش بعثوا إلى رسول الله ms0229 ~~صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا من ~~علماء أصحابك يعلمونا دينك، وكان ذلك مكرا منهم فبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خبيب بن عدي الأنصاري ومرثد بن أبي مرثد الغنوي وخالد بن بكر ~~وعبدالله بن طارق بن شهاب البلوي وزيد بن الدثنة وأمر عليهم عاصم بن ثابت ~~بن أبي أفلح الأنصاري، وذكر نحو حديث البخاري، زاد عليه: فقالوا: نصلب ~~خبيبا حيا، فقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي أحد حولي يبلغ سلامي رسولك ~~فأبلغه سلامي، فقام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله ويقال كان رجل ~~من المشركين يقال له أبو ميسرة سلامان معه رمح فوضعه بين ثديي خبيب فقال ~~له خبيب: اتق الله، فما زاده ذلك إلا عتوا فطعنه فأنفذه فذلك قوله ~~تعالى: { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم } يعني سلامان. # وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف ~~فبعثه مع مولى له يسمى نسطاس إلى التنعيم ليقتله في الحل، واجتمع رهط من ~~قريش فيهم أبو سفيان بن حرب فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل أنشدك الله ~~يا زيد أتحب محمدا عندنا الآن مكانك يضرب عنقه وأنك في أهلك قال زيد ~~والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا ~~جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: ما رأيت أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد ~~محمدا ثم قتله نسطاس، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخبر قال ~~لأصحابه أيكم ينزل خبيبا عن خشبته وله الجنة فقال الزبير: أنا يا رسول ~~الله وصاحبي المقداد بن الأسود، فخرجنا يمشيان الليل ويكمنان النهار حتى ~~أتيا التنعيم ليلا، فإذا حول الخشبة أربعون من المشركين نشاوى وهم نيام، ~~فأنزلاه عن خشبته، فإذا هو رطب ينثني ولم يتغير منه شيء بعد أربعين يوما ~~ويده على جراحته وهي تبض دما اللون لون الدم والريح ريح المسك، فحمله ~~الزبير على فرسه وسار فانتبه الكفار وقد ms0230 فقدوا خبيبا فأخبروا قريشا ~~فركب معهم سبعون فارسا فلما لحقوهم قذف الزبير خبيبا فابتلعته الأرض ~~فسمي بليغ الأرض وقال الزبير ما أجرأكم علينا يا معشر قريش ثم رفع ~~العمامة عن رأسه وقال: أنا الزبير بن العوام وأمي صفية بنت عبد المطلب ~~وصاحبي المقداد بن الأسود أسدان ضاريان يدفعان عن أشبالهما. فإن شئتم ~~ناضلتكم وإن شئتم نازلتكم وإن شئتم انصرفتم، فانصرفوا إلى مكة، وقدم ~~الزبير وصاحبه المقداد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عنده ~~فقال يا محمد إن الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك، ونزل في الزبير ~~والمقداد: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله } حين شريا ~~أنفسهما بإنزال خبيب عن خشبته. وقال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب ابن ~~سنان الرومي، وإنما نسب إلى الروم لأن منازلهم كانت بأرض الموصل فأغارت ~~الروم على تلك الناحية فسبوه وهو غلام صغير فنشأ بالروم، وإنما كان من ~~العرب ابن النمر بن قاسط قال سعيد بن المسيب وعطاء أقبل صهيب مهاجرا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من مشركي قريش فنزل عن راحلته ونثل ~~ما كان في كنانته وقال: والله لا تصلوا إلي أو أرمي بكل سهم معي ثم أضرب ~~بسيفي ما بقي في يدي، وإن شئتم دللتكم على مال دفنته بمكة وخليتم سبيلي. # فقالوا نعم، ففعل، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت: { ~~ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله } الآية فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ربح البيع أبا يحيى " # ، وتلا عليه هذه الآية. وقال الحسن: أتدرون فيم نزلت هذه الآية؟ نزلت في ~~المسلم يلقي الكافر فيقول له قل: لا إله إلا الله فيأبى أن يقولها ~~فيقولها المسلم والله لأشرين نفسي لله فتقدم فقاتل وحده حتى قتل، نزلت ~~هذه الآية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال ابن عباس: رضي الله ~~عنهما: أرى من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله يقوم فيأمر هذا بتقوى الله ~~فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم قال وأنا أشري نفسي ms0231 لله فقاتله، وكان ~~علي كرم الله وجهه إذا قرأ هذه الآية يقول اقتتلا ورب الكعبة. وسمع عمر ~~رجلا يقرأ هذه الآية: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله } ~~فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون قام رجل فأمر بالمعروف ونهى عن ~~المنكر فقتل. عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر " # أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن غريب. وأما تفسير الآية فذكر المفسرون أن ~~المراد بهذا الشراء البيع ومنه قوله: # وشروه بثمن # [يوسف: 20] أي باعوه والمعنى أن المسلم باع نفسه بثواب الله تعالى في ~~الدار الآخرة، وهذا البيع هو أن يبذل نفسه في طاعة الله من صلاة وصيام، ~~وحج وجهاد وأمر بمعروف ونهي عن المنكر، فكان ما يبذله من نفسه كالسلعة ~~فصار كالبائع، والله تعالى المشتري، والثمن هو ثواب الله تعالى في الآخرة ~~ابتغاء مرضاة الله أي طلب رضا الله { والله رؤوف بالعباد } أي من رأفة ~~الله بعباده أن جعل النعيم الدائم في الجنة جزاء على العمل القليل ~~المنقطع، ومن رأفته أنه يقبل توبة عبده ومن رأفته أن نفس العباد وأموالهم ~~له، ثم إنه تعالى يشتري ملكه بملكه فضلا منه ورحمة وإحسانا. ### || [2.208-209] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة } نزلت في ~~مؤمني أهل الكتاب عبدالله بن سلام وأصحابه، وذلك لما أسلموا قاموا على ~~تعظيم شرائع موسى فعظموا السبت وكرهوا لحوم الإبل وألبانها، وقالوا: إن ~~ترك هذه الأشياء مباح في الإسلام وواجب في التوراة، وقالوا أيضا: يا ~~رسول الله إن التوراة كتاب الله دعنا فلنقم به في صلاتنا بالليل، فأنزل ~~الله هذه الآية وأمرهم أن يدخلوا في السلم أي في شرائع الإسلام ولا ~~يتمسكوا بالتوراة فإنها منسوخة. والمعنى استسلموا لله وأطيعوه فيما أمركم ~~به وقيل هو خطاب لمن لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب. ~~والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ادخلوا في السلم كافة أي في ~~الإسلام. وروى جابر عن ms0232 النبي صلى الله عليه وسلم حين أتاه عمر فقال إنا ~~نسمع أحاديث من يهود وتعجبنا فنرى أن نكتب بعضها فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " أتتهوكون كما تهوكت اليهود والنصارى، لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو أن ~~موسى حي ما وسعه إلا اتباعي " # قوله أتتهوكون أي تتحيرون أنتم في دينكم حتى تأخذوه من اليهود والنصارى، ~~وقوله لقد جئتكم بها يعني بالملة الحنيفية بيضاء نقية، أي لا تحتاج إلى ~~شيء، وقيل يحتمل أن يكون خطابا للمنافقين من المؤمنين، والمعنى يا أيها ~~الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا في السلم أي الانقياد والطاعة لأن أصل السلم ~~الاستسلام، وهو الانقياد كافة، أي بأجمعكم ولا تتفرقوا، وقيل يحتمل أن ~~يرجع إلى الإسلام والمعنى ادخلوا في أحكام الإسلام وشرائعه كافة وهذا ~~المعنى أليق بظاهر التفسير لأنهم أمروا بالقيام بها كلها. قال حذيفة بن ~~اليمان في هذه الآية: للإسلام ثمانية أسهم فعل الصلاة والزكاة والصوم ~~والحج والعمرة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: وقد خاب ~~من لا سهم له { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } يعني آثاره فيما زين لكم من ~~تحريم السبت ولحوم الإبل وغير ذلك، وقيل: لا تلتفتوا إلى الشبهات التي ~~يلقيها إليكم أصحاب الضلالة والغواية والأهواء المضلة لأن من اتبع سنة ~~إنسان فقد تبع آثره { إنه لكم عدو مبين } يعني الشيطان. فإن قلت عداوته ~~بإيصال الضرر وإلقاء الوسوسة فكيف يصح ذلك مع الاعتقاد، فإن الله هو ~~الفاعل لجميع الأشياء، قلت: إنه يحاول إيصال الضرر والبلاء إلينا، ولكن ~~الله منعه عن ذلك وأما معنى الوسوسة فمعلوم أنه يزين المعاصي وإلقاء ~~الشبهات، وكل سبب لوقوع الإنسان في مخالفة الله تعالى فيصده بذلك عن ~~الثواب، فهذا من أعظم جهات العداوة. فإن قلت: كيف يصح وصف الشيطان بأنه ~~مبين مع أنا لا نراه؟ قلت: إن الله تعالى بين عداوته ما هي فكأنه بين وإن ~~لم يشاهد { فإن زللتم } أي ملتم وضللتم وقال ابن عباس أشركتم { من بعد ما ~~جاءتكم البينات } أي الدلالات الواضحات { فاعلموا أن الله عزيز } أي في ~~نقمته ms0233 ممن خالفه غالب لا يعجزه شيء { حكيم } يعني أنه لا ينتقم إلا بحق ~~والحيكم ذو الإصابة في الأمور كلها وفي الآية وعيد وتهديد لمن في قلبه شك ~~ونفاق، أو عنده شبهة في الدين. ### || [2.210-211] # قوله عز وجل: { هل ينظرون } أي ينتظرون التاركون الدخول في السلم ~~والمتبعون خطوات الشيطان { إلا أن يأتيهم الله في ظلل } جمع ظلة { من ~~الغمام } يعني السحاب الأبيض الرقيق سمي غماما لأنهم يغم ويستر وقيل هو ~~شيء غير السحاب ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم وهو كهيئة الضباب ~~الأبيض { والملائكة } أي وتأتيهم الملائكة. وروى الطبري في تفسيره بسند ~~متصل عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من الغمام طاقات يأتي الله عز وجل فيها محفوفا " # ، وذلك قوله تعالى { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة وقضي الأمر } قال عكرمة: والملائكة حوله وقيل معناه حول الغمام ~~وقيل حول الرب تبارك وتعالى. واعلم أن هذه الآية من آيات الصفات للعلماء ~~في آيات الصفات وأحاديث الصفات مذهبان أحدهما وهو مذهب سلف هذه الأمة ~~وأعلام أهل السنة: الإيمان والتسليم لما جاء في آيات الصفات وأحاديث ~~الصفات، وأنه يجب علينا الإيمان بظاهرها ونؤمن بها كما جاءت ونكل علمها ~~إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم مع الإيمان، والاعتقاد بأن ~~الله تعالى منزه عن سمات الحدوث وعن الحركة والسكون. قال الكلبي: هذا من ~~الذي لا يفسر وقال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه ~~فتفسيره قراءته والسكوت عليه ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله. وكان ~~الزهري والأوزاعي ومالك وابن المبارك وسفيان الثوري والليث بن سعد وأحمد ~~بن حنبل وإسحاق بن راهويه يقولون في هذه الآية وأمثالها اقرؤوها كما جاءت ~~بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل هذا مذهب أهل السنة ومعتقد سلف الأمة، وأنشد ~~بعضهم في المعنى: # عقيدتنا أن ليس مثل صفاته لا ذاته شيء عقيدة صائب نسلم آيات الصفات ~~بأسرها وأخبارها للظاهر المتقارب ونؤيس عنها كنه ms0234 فهم عقولنا ~~وتأويلنا فعل اللبيب المغالب ونركب للتسليم سفنا فإنها لتسليم دين ~~المرء خير المراكب # المذهب الثاني وهو قول جمهور علماء المتكلمين، وذلك أنه أجمع المتكلمين ~~من العقلاء والمعتبرين من أصحاب النظر على أنه تعالى منزه عن المجيء ~~والذهاب، ويدل على ذلك أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب لا ينفك عن ~~الحركة والسكون وهما محدثان، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث، والله ~~تعالى منزه عن ذلك فيستحيل ذلك في حقه تعالى فثبت بذلك أن ظاهر الآية ليس ~~مرادا، فلا بد من التأويل على سبيل التفصيل، فعلى هذا قيل في معنى الآية ~~هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله الآيات فيكون مجيء الآيات مجيئا لله ~~تعالى على سبيل التفخيم لشأن الآيات وقيل معناه إلا أن يأتيهم أمر الله ~~ووجه هذا التأويل أن الله تعالى فسره في آية أخرى فقال: هل ينظرون إلا ~~أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك، فصار هذا الحكم مفسرا لهذا المجمل ~~في هذه الآية. # وقيل: معناه يأتيهم الله بما أوعد من الحساب والعقاب فحذف ما يأتي به ~~تهويلا عليهم إذ لو ذكر ما يأتي به كان أسهل عليهم في باب الوعيد، وإذا ~~لم يذكر كان أبلغ وقيل يحتمل أن تكون الفاء بمعنى الباء لأن بعض الحروف ~~يقوم مقام بعض فيكون المعنى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بظلل من ~~الغمام والملائكة، والمراد العذاب الذي يأتي من الغمام مع الملائكة، وقيل ~~معناه ما ينظرون إلا أن يأتيهم قهر الله وعذابه في ظلل من الغمام. فإن ~~قلت: لم كان إتيان العذاب في الغمام؟ قلت: لأن الغمام مظنة الرحمة ومنه ~~ينزل المطر، فإذا نزل منه العذاب كان أعظم وأفظع وقيل إن نزول الغمام ~~علامة لظهور القيامة وأهوالها { وقضي الأمر } أي وجب العذاب وفرغ من ~~الحساب، وذلك فضل الله القضاء بين العباد يوم القيامة { وإلى الله ترجع ~~الأمور } أي إلى الله تصير أمور العباد في الآخرة. فإن قلت: هل كانت ترجع ~~إلى غيره؟ قلت: إن أمور جميع العباد ترجع إليه ms0235 في الدنيا والآخرة، ولكن ~~المراد من هذا إعلام الخلق إنه المجازي على الأعمال بالثواب والعقاب، ~~وجواب آخر وهو أنه لما عبد قوم غيره في الدنيا أضافوا أفعاله إلى سواه ثم ~~فإذا كان يوم القيامة وانكشف الغطاء ردوا إلى الله ما أضافوه إلى غيره في ~~الدنيا. قوله عز وجل: { سل بني إسرائيل } الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أمره أن يسأل يهود المدينة، وليس المراد بهذا السؤال العلم بالآيات ~~لأنه كان صلى الله عليه وسلم قد علمها بإعلام الله إياه، ولكن المراد ~~بهذا السؤال التقريع والتوبيخ والمبالغة في الزجر عن الإعراض عن دلائل ~~الله وترك الشكر، وقيل المراد بهذا السؤال التقرير وتذكير النعم التي ~~أنعم بها على سلفهم { كم آتيناهم من آية بينة } أي من دلالة واضحة على ~~نبوة موسى عليه السلام مثل العصا واليد البيضاء وفلق البحر وإنزال المن ~~والسلوى { ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته } يعني يغير الآية التي ~~جاءته من الله لأنها هي سبب الهدى والنجاة من الضلالة، وقيل هي حجج الله ~~الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم أنكروها وبدلوها، ~~وقيل المراد بنعم الله عهده الذي عهد إليهم فلم يفوا به { فإن الله شديد ~~العقاب } يعني لمن بدل نعمة الله. ### || [2.212] # قوله عز وجل { زين للذين كفروا الحياة الدنيا } نزلت في مشركي العرب أبي ~~جهل وأصحابه لأنهم كانوا يتنعمون بما بسط لهم في الدنيا من المال ويكذبون ~~بالمعاد، وقيل: نزلت في المنافقين عبدالله بن أبي وأصحابه. وقيل: نزلت ~~في رؤساء اليهود. ويحتمل أنها نزلت في الكل. والمزين هو الله تعالى ~~بدليل قراءة من قرأ زين بفتح الزاي وذلك أنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى ~~هو المزين لهم بما أظهره في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب واللذة ~~وخلق الأشياء العجيبة والمناظر الحسنة، وإنما فعل ذلك ابتلاء العبادة ~~وذلك أنه جعل دار الدنيا ابتلاء وامتحان وركب في الطباع الميل إلى اللذات ~~وحب الشهوات لا على سبيل الإلجاء والقسر الذي لا يمكن تركه، بل ms0236 على سبيل ~~التحبب الذي تميل النفس إليه مع إمكان ردها عنه فنظر الخلق إلى الدنيا ~~أكثر من قدرها فأعجبهم حسنها وزهرتها وزينتها فأحبوها وفتنوا بها. وقيل: ~~إن المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا حتى أقبلوا عليها ~~وأحبوها، فكان هذا الإمهال هو التزين. وقيل: إن المزين هو الشيطان وغواة ~~الجن والإنس، وذلك أنهم زينوا للكفار الحرص على الدنيا وطلبها وقبحوا لهم ~~أمر الآخرة. وقيل: أوهموهم أن لا آخرة ليقبلوا على لذات الدنيا وطلب ~~الحرص عليها، وهذا التأويل ضعيف لأن قوله تعالى زين الذين كفروا يتناول ~~جميع الكفار فيدخل فيه الشيطان وغواة الجن والإنس وأن كلهم مزين لهم وهذا ~~المزين لا بد وأن يكون مغايرا لهم فثبت بهذا ضعف قول المعتزلة { ويسخرون ~~من الذين آمنوا } يعني أن الكفار يستهزئون بفقراء المؤمنين، قال ابن ~~عباس: مثل عبدالله بن مسعود وعمار بن ياسر وصهيب وبلال ونظرائهم. وقيل: ~~كانوا يقولون انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم { والذين ~~اتقوا } يعني الفقراء من المؤمنين { فوقهم } أي فوق الكفار { يوم القيامة ~~} لأن الفقراء في عليين والكفار والمنافقين في أسفل السافلين ق عن حارثة ~~بن وهب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره ألا ~~أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ جعظري مستكبر " # العتل الفظ الغليظ الشديد في الخصومة الذي لا ينقاد لخير. والجواظ ~~الفاجر المختال في مشيئته، وقيل هو القصير البطين. والجعظري الفظ الغليظ، ~~وقيل هو الذي يتمدح بما ليس فيه أو عنده ق عن أسامة بن زيد عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين وأصحاب الجد محبوسون ~~غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار وقمت على باب النار فإذا عامة ~~من دخلها النساء " # الجد بفتح الجيم هو الحظ والغنى وكثرة المال { والله يرزق من يشاء بغير ~~حساب } قال ابن عباس: يعطي كثيرا بغير مقدار لأن كل ما يدخل ms0237 عليه الحساب ~~فهو قليل، والمعنى أنه يوسع لمن يشاء من عباده وقيل يرزقه في الدنيا ولا ~~يحاسبه في الآخرة، وقيل معناه أنه يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب وقيل ~~معناه أنه يرزقه بغير استحقاق وقيل معناه أنه تعالى لا يخاف نفاد ما في ~~خزائنه حتى يحتاج إلى حساب لما يخرج منها لأن الحساب إنما يكون ليعلم قدر ~~ما يعطي والله غني عالم بما يعطي ولا يخاف نفاد خزائنه لأنها بين الكاف ~~والنون وقيل معناه إن الله يقتر الرزق على ما يشاء ويبسط الرزق لمن يشاء، ~~ولا يعطي كل واحد على قدر حاجته، بل يعطي الكثير لمن لا يحتاج إليه، ولا ~~معارض له في حكمه، ويحاسب فيما رزق، ولا يقال له لم أعطيت هذا وحرمت هذا، ~~ولا لم أعطيت هذا أكثر من ذاك؟ لأنه تعالى لا شريك له في ملكه ينازعه ولا ~~يسأل عما يفعل. وقيل: يحتمل أن يكون المراد منه ما يعطي الله المتقين في ~~الآخرة من الثواب والكرامة بغير محاسبة منه لهم على ما من به عليهم وذلك ~~أن نعيم الجنة لا نفاد له ولا انقطاع. وقيل: إنه تعالى يعطي أهل الجنة ~~الثواب والأجر بقدر أعمالهم ثم يتفضل عليهم فذلك الفضل منه إليهم بغير ~~حساب. ### || [2.213] # قوله عز وجل: { كان الناس أمة واحدة } أي على دين واحد. وقيل هو آدم ~~وذريته كانوا مسلمين على دين واحد إلى أن قتل قابيل هابيل فاختلفوا. وقيل ~~كان الناس على شريعة واحدة من الحق والهدى من وقت آدم إلى مبعث نوح ثم ~~اختفلوا، فبعث الله نوحا، وهو أول رسول بعث، ثم بعث بعده الرسل. وقيل هم ~~أهل السفينة الذين كانوا مع نوح وكانوا مؤمنين ثم اختلفوا بعد وفاته. ~~وقيل إن العرب كانت على دين إبراهيم عليه السلام إلى أن غيره عمرو بن ~~لحي. وقيل كانت الناس أمة واحدة حين أخرجوا من ظهر آدم لأخذ الميثاق ~~فقال: ألست بربكم؟ قالوا بلى، فاعترفوا بالعبودية ولم يكونوا أمة واحدة ~~غير ذلك اليوم، ثم لما ظهروا ms0238 إلى الوجود اختلفوا بسبب البغي والحسد. وقيل ~~إن آدم وحده كان أمة واحدة يعني إماما وقدوة يقتدى به وإنما ظهر ~~الاختلاف بعده. وقيل كان الناس أمة واحدة على الكفر والباطل بدليل قوله { ~~فبعث الله النبيين } فإن قيل: أليس قد كان فيهم من هو مسلم نحو هابيل ~~وشيث وإدريس ونحوهم؟ فالجواب أن الغالب في ذلك الزمان كان الكفر والحكم ~~للغالب. وقيل إن الآية دلت على أن الناس كانوا أمة واحدة وليس فيها ما ~~يدل على أنهم كانوا على إيمان أو كفر فهو موقوف على دليل من خارج { فبعث ~~الله النبيين } وجملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا الرسل منهم ثلثمائة ~~وثلاثة عشر المذكورون منهم في القرآن بأسماء الأعلام ثمانية وعشرون نبيا ~~{ مبشرين } بالثواب لمن آمن وأطاع { ومنذرين } يعني مخوفين بالعقاب لمن ~~كفر وعصى، وإنما قدم البشارة على الإنذار لأن البشارة تجري مجرى حفظ ~~الصحة للأبدان والإنذار يجري مجرى إزالة المرض، ولا شك أن المقصود هو ~~الأول فكان أولى بالتقديم { وأنزل معهم الكتاب } أي الكتب أو يكون ~~التقدير وأنزل مع كل واحد الكتاب { بالحق } أي بالعدل والصدق وجملة الكتب ~~المنزلة من السماء مائة وأربعة كتب أنزل على آدم عشر صحائف، وعلى شيث ~~ثلاثون، وعلى إدريس خمسون، وعلى موسى عشر صحائف والتوراة، وعلى داود ~~الزبور، وعلى عيسى الإنجيل، وعلى محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم القرآن ~~{ ليحكم بين الناس } يعني الكتاب وإنما أضيف الحكم إلى الكتاب وإن كان ~~الحاكم هو الله تعالى لأنه أنزله. والمعنى ليحكم الله بالكتاب الذي أنزله ~~وقيل معناه ليحكم بين الناس كل نبي بكتابة المنزل عليه فإسناد الحكم إلى ~~الكتاب أو للنبي مجاز والله هو الحاكم في الحقيقة { فيما اختلفوا فيه } ~~أي في الحق الذي اختلفوا فيه من بعد ما كانوا متفقين عليه { وما اختلف ~~فيه } أي في الحق { إلا الذين أوتوه } أي أعطوا الكتاب والمراد به ~~التوراة والإنجيل والذين أوتوه اليهود والنصارى واختلافهم هو تكفير بعضهم ~~بعضا بغيا وحسدا. # وقيل اختلافهم هو تحريفهم وتبديلهم. وقيل الكناية فيه راجعة إلى ms0239 محمد ~~صلى الله عليه وسلم والمعنى وما اختلف في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ~~بعد وضوح الدلالات على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم إلا اليهود الذين ~~أوتوا الكتاب بغيا منهم وحسدا { من بعد ما جاءتهم البينات } أي ~~الدلالات الواضحات على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم { بغيا بينهم } ~~أي إنهم لم يبق لم عذر في العدول عنه وترك ما جاء وإنما تركوا إتباعه ~~بغيا وحسدا، وهو طلب الدنيا وطلب الرياسة { فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه } أي إلى ما اختلفوا فيه { من الحق } والمعنى فهدى الله ~~الذين آمنوا لمعرفة ما اختلفوا فيه من الحق وقيل هو من المقلوب والمعنى ~~فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلفوا فيه وكان اختلافهم الذي اختلفوا ~~فيه الجمعة فهدى الله تعالى هذه الآمة الإسلامية إليها ق عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نحن الآخرون السابقون يقوم القيامة أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من ~~بعدهم فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله فغدا لليهود بعد غد ~~للنصارى " # وفي رواية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " نحن الآخرون السابقون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم ~~الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له " # زاد النسائي: يعني يوم الجمعة، ثم اتفقا فالناس لنا تبع اليهود غدا ~~والنصارى بعد غد م عن حذيفة قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم: # " أضل الله عن يوم الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، ~~وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة فجعل الله الجمعة ~~والسبت والأحد وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا ~~الأولون يوم القيامة المقضي لهم يوم القيامة قبل الخلائق " # وقيل اختلفوا في شأن القبلة فصلت اليهود نحو المغرب إلى بيت المقدس، ~~وصلت النصارى إلى المشرق، وهدانا الله إلى الكعبة. وقيل اختلفوا في ~~الصيام فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في إبراهيم فقالت اليهود كان ~~يهوديا، وقالت النصارى ms0240 كان نصرانيا، فهدانا إلى الحق فقلنا: كان حنيفا ~~مسلما. واختلفوا في عيسى ابن مريم فاليهود فرطوا فيه والنصارى أفرطوا ~~فيه، فهدانا الله في ذلك كله للحق. والمعنى فهدى الله الذين آمنوا إلى ~~الحق الذي اختلف فيه من اختلف { بإذنه } يعني بعلمه وأمره وإرادته { ~~والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم }. ### || [2.214] # قوله عز وجل: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } نزلت في غزوة الأحزاب وهي ~~غزوة الخندق، وذلك أن المسلمين أصابهم ما أصابهم من الجهد والشدة والخوف ~~والبرد وضيق العيش الذي كانوا فيه يومئذ. وقيل: نزلت في غزوة أحد. وقيل: ~~لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة في أول الهجرة ~~اشتد عليهم الضر لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا أموالهم وديارهم بأيدي ~~المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسوله الله ~~صلى الله عليه وسلم وآثر قوم النفاق فأنزل الله هذه الآية تطييبا ~~لقلوبهم. ومعنى الآية: أحسبتم والميم صلة. وقيل: هل حسبتم والمعنى أظننتم ~~أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة بمجرد الإيمان ولم يصبكم مثل ما أصاب من ~~كان قبلكم من إتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والابتلاء ~~والاختبار وهو قوله: { ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم } أي شبه ~~الذين مضوا قبلكم من النبيين وأتباعهم من المؤمنين ومثل محنتهم { مستهم ~~البأساء } أي أصابهم الفقر والشدة والمسكنة وهو اسم من البؤس { والضراء } ~~يعني المرض والزمانة وضروب الخوف { وزلزلوا } أي وحركوا بأنواع البلايا ~~والرزايا وأصل الزلزلة الحركة وذلك لأن الخائف لا يستقر بل لا يزال يضطرب ~~ويتحرك لقلقه { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله } وذلك ~~لأن الرسل أثبت من غيرهم وأصبر وأضبط للنفس عند نزول البلاء وكذا أتباعهم ~~من المؤمنين. والمعنى أنه بلغ بهم الجهد والشدة والبلاء ولم يبق لهم صبر ~~وذلك هو الغاية القصوى في الشدة فلما بلغ بهم الحال في الشدة إلى هذه ~~الغاية واستبطؤا النصر قيل لهم { ألا إن نصر الله قريب } إجابة لهم في ~~طلبهم. والمعنى: هكذا كان حالهم لم يغيرهم طول البلاء ms0241 والشدة عن دينهم ~~إلى أن يأتيهم نصر الله فكونوا يا معشر المؤمنين كذلك وتحملوا الأذى ~~والشدة والمشقة في طلب الحق فإن نصر الله قريب خ عن خباب بن الأرت قال: ~~شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة ~~فقلنا ألا تنتصر لنا ألا تدعو لنا فقال: # " قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى ~~بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه ~~وعظمه ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ~~من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ~~" ### || [2.215-216] # قوله عز وجل: { يسألونك ماذا ينفقون } نزلت في عمرو بن الجموح، وكان ~~شيخا كبيرا ذا مال، فقال يا رسول الله بماذا نتصدق وعلى من ننفق؟ فأنزل ~~الله تعالى { يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير } أي مال والمعنى: ~~وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال قل أو كثر { فللوالدين } وإنما قدم ~~الإنفاق على الوالدين لوجوب حقهما على الولد لأنهما كانا السبب في إخراجه ~~من العدم إلى الوجود { والأقربين } وإنما ذكر بعد الوالدين الأقربين لأن ~~الإنسان لا يقدر أن يقوم بمصالح جميع الفقراء فتقديم القرابة أولى من ~~غيرهم { واليتامى } وإنما ذكر بعد الأقربين اليتامى لصغرهم، ولأنهم لا ~~يقدرون على الاكتساب، ولا لهم أحد ينفق عليهم { والمساكين } وإنما أخرهم ~~لأن حاجتهم أقل من حاجة غيرهم { وابن السبيل } يعني المسافر فإنه بسبب ~~انقطاعه عن بلده قد يقع في الحاجة والفقر فانظر إلى هذا الترتيب الحسن ~~العجيب في كيفية الإنفاق. ثم لما فصل الله هذا التفصيل الحسن الكامل ~~أتبعه بالإجمال فقال تعالى: { وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم } وما ~~تفعلوا من خير مع هؤلاء أو غيرهم طلبا لوجه الله تعالى ورضوانه فإن الله ~~به عليم فيجازيكم عليه وذكر علماء التفسير أن هذه الآية منسوخة قال ابن ~~مسعود نسختها آية الزكاة وقال الحسن إنها محكمة ms0242 ووجه إحكامها أن الله ذكر ~~فيها من تجب النفقة عليه مع فقره وهما الوالدان. وقال ابن زيد: هذا في ~~النفل، وهو ظاهر الآية فمن أحب التقرب إلى الله تعالى بالإنفاق فالأولى ~~به أن ينفق في الوجوه المذكورة في الآية، فيقدم الأول فالأول. بقي في ~~الآية سؤال: وهو أنه كيف طابق السؤال الجواب وهو أنهم سألوا عن بيان ما ~~ينفق فأجيبوا ببيان المصرف، وأجيب عن هذا السؤال بأنه قد تضمن قوله: ما ~~أنفقتم من خير بيان ما ينفقونه وهو المال ثم ضم إلى جواب السؤال ما يكمل ~~به المقصود، وهو بيان المصرف لأن النفقة لا تعد نفقة إلا أن تقع موقعها، ~~قال الشاعر: # إن الصنيعة لا تعد صنيعة حتى يصاب بها طريق المصنع # قوله عز وجل: { كتب عليكم القتال } أي فرض عليكم الجهاد. واختلف العلماء ~~في حكم الآية فقال عطاء الجهاد تطوع والمراد من الآية أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم دون غيرهم وإليه ذهب الثوري وحكى عن الأوزاعي نحوه، ~~وحجة هذا القول أن قوله كتب يقتضي الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة وحجة ~~من أوجبه على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قوله عليكم يقضتى ~~تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت، وقيل: بل الآية على ظاهرها ~~والجهاد فرض على كل مسلم ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا " # أخرجه أبو داود بزيادة فيه ق عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم الفتح: # " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا " # وقيل: إن الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط الفرض عن الباقين ~~وهذا القول: هو المختار الذي عليه جمهور العلماء. قال الزهري كتب الله ~~القتال على الناس جاهدوا أو لم يجاهدوا فمن غزا فيها ونعمت ومن قعد عدة ~~إن استعين به أعان وإن استنفر نفر وإن استغنى عنه ms0243 قعد قال الله تعالى: # فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله ~~الحسنى # [النساء: 95] ولو كان القاعد تاركا فرضا لم يعده بالحسنى، واختلف ~~علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ثلاثة أقوال: أحدها أنها محكمة ~~ناسخة للعفو عن المشركين. القول الثاني: إنها منسوخة لأن فيها وجوب ~~الجهاد على الكافة ثم نسخ بقوله تعالى: # وما كان المؤمنون لينفروا كافة # [التوبة: 122] القول الثالث: إنها ناسخة من وجه ومنسوخة من وجه فالناسخ ~~منها إيجاب الجهاد مع المشركين بعد المنع منه، والمنسوخ إيجاب الجهاد على ~~الكافة. وقوله تعالى: { وهو كره لكم } أي القتال شاق عليكم وهذا الكره ~~إنما حصل من حيث نفور الطبع عن القتال، لما فيه من مؤنة المال ومشقة ~~النفس وخطر الروح والخوف لا أنهم كرهوا أمر الله قيل: نسخ هذا الكره ~~بقوله تعالى إخبارا عنهم: # وقالوا سمعنا وأطعنا # [البقرة: 285] وقيل: إنما كان كراهتهم القتال قبل أن يفرض عليهم لما فيه ~~من الخوف والشدة وكثرة الأعداء فبين الله تعالى أن الذين تكرهون من ~~القتال هو خير لكم من تركه لئلا يكرهونه بعد أن فرض عليهم { وعسى أن ~~تكرهوا شيئا وهو خير لكم } لفظة عسى توهم الشك مثل لعل، وهي من الله ~~يقين. وقيل: إنها كلمة مطمعة فهي لا تدل على حصول الشك للقائل وتدل على ~~حصول الشك للمستمع، والمعنى أن الغزو فيه إحدى الحسنيين إما الظفر ~~والغنيمة وإما الشهادة والجنة وقيل: ربما كان الشيء شاقا في الحال وهو ~~سبب المنافع الجليلة في المستقبل، ومثله شرب الدواء المر فإنه ينفر عنه ~~الطبع في الحال ويكرهه لكن يتحمل هذه الكراهة والمشقة لتوقع حصول الصحة ~~في المستقبل { وعسى أن تحبوا شيئا } يعني القعود عن الغزو { وهو شر لكم ~~} يعني لما فيه من فوت الغنيمة والأجر وطمع العدو فيكم، لأنه إذا علم ~~ميلكم إلى الراحة والدعة والسكون قصد بلادكم وحاول قتالكم وإذا علم أن ~~فيكم شهامة وجلادة على القتال كف عنكم { والله يعلم } يعني ما في الجهاد ~~من الغنيمة والأجر والخير { وأنتم لا ms0244 تعلمون } يعني ذلك والمعنى أن العبد ~~إذا علم قصور علمه وكمال علم الله ثم إن الله تعالى أمره بأمر كان ذلك ~~الأمر فيه مصلحة عظيمة فيجب على العبد امتثال أمر الله تعالى وإن كان يشق ~~على النفس في الحال. ### || [2.217-218] # { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } سبب نزول هذه الآية. أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعث عبدالله بن جحش وهو ابن عمته في سرية في جمادى ~~الآخرة قبل قتال بدر بشهرين وأمره على السرية وكتب له كتابا، وقال: سر ~~على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين، فإذا نزلت فافتح الكتاب ~~فاقرأه على أصحابك ثم امض لما أمرتك به، ولا تستكرهن أحدا منهم على ~~السير معك فسار عبدالله يومين، ثم نزل وفتح الكتاب، فإذا فيه: بسم الله ~~الرحمن الرحيم أما بعد فسر على بركة الله تعالى، بمن معك من أصحابك حتى ~~تنزل بطن نخلة فارصد بها عيرا لقريش لعلك تأتينا منها بخير. فقال: سمعا ~~وطاعة ثم قال لأصحابه ذلك وقال إنه نهاني أن أستكره أحدا منكم فمن كان ~~يريد الشهادة فلينطلق ومن كان يكره فليرجع، ثم مضى ومضى أصحابه معه ~~وكانوا ثمانية رهط، ولم يتخلف عنه أحد منهم حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع ~~بموضع من الحجاز، يقال له نجران أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان ~~بعيرا لهما كانا يتعقبانه فتخلفا في طلبه، ومضى عبدالله ببقية أصحابه ~~حتى نزل في بطن نخلة بين مكة والطائف فبينما هم كذلك إذ مرت بهم عير ~~لقريش تحمل زبيبا وأدما، وتجارة من تجارة الطائف وفي العير عمرو بن ~~الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبدالله بن المغيرة ونوفل بن عبدالله ~~بن المخزوميان فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم وقد ~~نزلوا قريبا منهم فقال عبدالله بن جحش: إن القوم قد ذعروا منكم، فاحلقوا ~~رأس رجل منكم وليتعرض لهم فإذا رأوه محلوقا أمنوا، فحلقوا رأس عكاشة بن ~~محصن، ثم أشرف عليهم فلما رأوه آمنوا وقالوا: قوم ms0245 عمار فلابأس علينا وكان ~~ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة وكانوا يرون أنه من رجب فتشاور القوم ~~فيهم، وقالوا: متى تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم وليمتنعن منكم ~~فأجمعوا أمرهم في مواقعة القوم فرمى واقد بن عبدالله السهمي عمرو بن ~~الحضرمي بسهم، فقتله فكان أول قتيل من المشركين وأسر الحكم بن كيسان ~~وعثمان وكانا أول أسيرين في الإسلام، وأفلت نوفل فأعجزهم واستاق المسلمون ~~العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت ~~قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام وسفك الدماء وأخذ الحرائب يعني المال، ~~وعير بذلك أهل مكة من كان بها من المسلمين. قالوا: يا معشر الصباة ~~استحللتم الشهر الحرام، وقاتلتم فيه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال لعبدالله بن جحش وأصحابه: ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام، ~~ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ شيئا من ذلك وعنف المسلمون أصحاب ~~السرية فيما صنعوا، وقالوا لم صنعتم ما لم تؤمروا به، فعظم ذلك على أصحاب ~~السرية وظنوا أنهم قد هلكوا وسقط في أيديهم. # وقالوا يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا هلال رجب ~~فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى وأكثر الناس في ذلك فأنزل الله هذه ~~الآية فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير فعزل منها الخمس، وكان ~~أول خمس في الإسلام وأول غنيمة قسمت فقسم الباقي على أصحاب السرية وبعث ~~أهل مكة في فداء أسيريهم. فقال بل نبقيهما حتى يقدم سعد وعقبة، وإن لم ~~يقدما قتلناهما بهما. فلما قدما فاداهما فأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيدا ~~وأما عثمان بن عبدالله فرجع إلى مكة فمات بها كافرا. وأما نوفل فضرب بطن ~~فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا، ~~وقتله الله، فطلب المشركون جيفته بالثمن. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية " # وأما تفسير الآية فقوله ms0246 تعالى: { يسألونك } يعني يا محمد عن الشهر ~~الحرام يعني رجبا وسمي بذلك لتحريم القتال فيه وفي السائلين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قولان: أحدهما أنهم المسلمون سألوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هل أخطؤوا أم أصابوا وقيل: إن المسلمين كانوا يعلمون أن ~~القتال في الحرم وفي الشهر الحرام لا يحل فلما كتب عليهم القتال سألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال في الشهر الحرام فنزلت هذه ~~الآية: والقول الثاني أن السائلين هم المشركون وإنما سألوه على وجه العيب ~~على المسلمين فنزلت هذه الآية { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل } ~~أي قل لهم يا محمد { قتال فيه كبير } أي عظيم مستكبر واختلف العلماء في ~~حكم هذه الآية على قولين أحدهما أنها محكمة وأنه لا يجوز الغزو في الشهر ~~الحرام إلا أن يقاتلوا فيه فيقاتلوا على سبيل الدفع. روي عن عطاء أنه ~~كان يحلف بالله ما يحل للناس، أن يغزوا في الشهر الحرام، ولا أن يقاتلوا ~~فيه وما نسخت. والقول الثاني الذي عليه جمهور العلماء وهو الصحيح أنها ~~منسوخة. قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار. القتال جائز في الشهر ~~الحرام وهذه الآية منسوخة بقوله: { اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ~~وبقوله: { وقاتلوا المشركين كافة } يعني في الأشهر الحرم وغيرها { وصد عن ~~سبيل الله } هذا ابتداء كلام والمعنى وصدكم المسلمين عن الحج أو وصدكم عن ~~الإسلام من يريده { وكفر به } أي بالله { والمسجد الحرام } أي وصدكم عن ~~المسجد الحرام { وإخراج أهله منه } يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين حين آذوهم حتى هاجروا وتركوا مكة، وإنما جعلهم الله أهله لأنهم ~~كانوا هم القائمين بحقوق المسجد الحرام دون المشركين { أكبر عند الله } ~~أي أعظم وزرا عند الله من القتال في الشهر الحرام { والفتنة } أي الشرك ~~الذي أنتم عليه { أكبر من القتل } يعني قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام ~~فلما نزلت هذه الآية كتب عبدالله بن أنيس وقيل: عبدالله بن جحش إلى مؤمني ~~مكة إن عيركم المشركون بالقتال في الشهر ms0247 الحرام فعيروهم أنتم بالكفر ~~وبإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة والمسلمين، ومنعهم إياهم من ~~البيت { ولا يزالون } يعني مشركي مكة { يقاتلونكم } يعني يا معشر ~~المؤمنين { حتى يردوكم عن دينكم } يعني إلى دينهم وهو الكفر { إن ~~استطاعوا } يعني إن قدروا على ذلك وفيه استبعاد لاستطاعتهم فهو كقول ~~الرجل لعدوه إن ظفرت بي فلا تبق علي وهو واثق أنه لا يظفر به { ومن يرتد ~~منكم عن دينه فيمت وهو كافر } يعني ومن يطاوعهم منكم فيرجع إلى دينهم ~~فيمت على ردته قبل أن يتوب { فأولئك حبطت أعمالهم } أي بطلت أعمالهم { في ~~الدنيا والآخرة } وهو أن المرتد يقتل وتبين زوجته منه، ولا يستحق الميراث ~~من أقاربه المؤمنين ولا ينصر إن استنصر ولا يمدح ولا يثنى عليه ويكون ~~ماله فيئا للمسلمين هذا في الدنيا، ولا يستحق الثواب على أعماله ويحبط ~~أجرها في الآخرة وظاهر الآية يقتضي أن الارتداد إنما تتفرع عليه الأحكام ~~إذا مات المرتد على الكفر، أما إذا أسلم بعد الردة لم يثبت عليه شيء من ~~أحكام الردة وفيه دليل للشافعي أن الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت المرتد ~~على ردته. # وعند أبي حنيفة أن الردة تحبط العمل وإن أسلم { وأولئك أصحاب النار } ~~يعني الذين ماتوا على الردة والكفر هم أصحاب النار { هم فيها خالدون أي ~~لا يخرجون منها أبدا { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل ~~الله } نزلت في عبدالله بن جحش وأصحابه وذلك أن أصحاب السرية قالوا: يا ~~رسول الله هل نؤجر على وجهنا هذا ونطمع أن يكون لنا غزو. فأنزل الله هذه ~~الآية، وعن جندب بن عبدالله قال: لما كان من أمر عبدالله بن جحش وأصحابه ~~وأمر ابن الحضرمي ما كان قال بعض المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا في سفرهم ~~وزرا فليس لهم فيه أجر فأنزل الله هذه الاية { إن الذين آمنوا والذين ~~هاجروا } أي فارقوا مساكنهم وعشائرهم وأموالهم وفارقوا مساكنة المشركين ~~في أمصارهم، ومجاورتهم في ديارهم فتحولوا عن المشركين وعن بلادهم إلى ~~غيرها، وجاهدوا يعني المشركين ms0248 في سبيل الله أي في طاعة الله فجعل الله ~~لأصحاب هذه السرية جهادا { أولئك يرجون رحمة الله } أي يطمعون في نيل ~~رحمة الله أخبر أنهم على رجاء الرحمة. وقيل: المراد من الرجاء هنا القطع ~~في أصل الثواب وإنما دخل الظن في كميته ووقته. قال قتادة: أثنى الله ~~تعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الثناء فقال: # إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة ~~الله # [البقرة: 218] هؤلاء هم خيار هذه الأمة ثم جعلهم الله أهل رجاء كما ~~تسمعون وأنه من رجا طلب ومن خاف هرب { والله غفور } أي لذنوب عباده { ~~رحيم } بهم والمعنى أنه تعالى غفر لعبدالله بن جحش وأصحابه ما لم يعلموا ~~به. ### || [2.219] # قوله عز وجل: { يسألونك عن الخمر والميسر } الآية نزلت في عمر بن الخطاب ~~ومعاذ بن جبل وجماعة من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة ~~للمال فأنزل الله هذه الآية: وأصل الخمر في اللغة الستر والتغطية وسميت ~~الخمر خمرا لأنها تخامر العقل أي تخالطه. وقيل: لأنها تستره وتغطيه ~~وجملة القول في تحريم الخمر أن الله عز وجل أنزل في الخمر أربع آيات نزلت ~~بمكة: # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا # [النحل: 67] فكان المسلمون يشربونها في أول الإسلام، وهي لهم حلال ثم ~~نزل بالمدينة في جواب سؤال عمر ومعاذ: { يسألونك عن الخمر والميسر قل ~~فيهما إثم كبير } فتركها قوم لقوله، إثم كبير وشربها قوم لقوله ومنافع ~~للناس ثم إن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما، ودعا إليه ناسا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعمهم وسقاهم الخمر وحضرت صلاة المغرب ~~فقدموا أحدهم ليصلي بهم فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون بحذف ~~حرف لا إلى آخر السورة فأنزل الله عز وجل: # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون # [النساء: 43] فحرم الله السكر في أوقات الصلوات فكان ms0249 الرجل يشربها بعد ~~صلاة العشاء، فيصبح وقد زال سكره فيصلي الصبح، ويشربها بعد صلاة الصبح، ~~فيصحو وقت الظهر ثم إن عتبان بن مالك اتخذ صنيعا يعني وليمة ودعا رجالا ~~من المسلمين، وفيهم سعد بن أبي وقاص، وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا ~~وشربوا الخمر حتى أخذت منهم فافتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الأشعار، ~~فأنشد سعد قصيدة فيها فخر قومه وهجاء الأنصار، فأخذ رجل من الأنصار لحي ~~البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وشكا إليه الأنصاري فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا ~~شافيا، ويروى أن حمزة بن عبدالمطلب، شرب الخمر يوما وخرج فلقي رجلا من ~~الأنصار وبيده ناضح له والأنصاري يتمثل ببيتين لكعب بن مالك يمدح قومه ~~وهما: # جمعنا مع الإيواء نصرا وهجرة فلم ير حي مثلنا في المعاشر فأحياؤنا ~~من خير أحياء من مضى وأمواتنا من خير أهل المقابر # فقال حمزة: أولئك المهاجرون وقال الأنصاري، بل نحن الأنصار فتنازعا فجرد ~~حمزة سيفه وعدا على الأنصاري فهرب الأنصاري وترك ناضحه فقطعه حمزة فجاء ~~الأنصاري مستعديا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بفعل حمزة ~~فغرم له رسول الله صلى الله عليه وسلم ناضحا فقال عمر: اللهم بين لنا في ~~الخمر بيانا شافيا فأنزل الله تعالى الآية التي في المائدة إلى قوله # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91] فقال عمر: انتهينا يا رب، وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام ~~والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم ~~كانوا قد ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم بذلك كثيرا فعلم أنه لو منعهم ~~من الخمر دفعه واحدة لشق ذلك عليهم فلا جرم استعمل هذا التدريج وهذا ~~الرفق. قال أنس: حرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها وما حرم ~~عليهم شيء أشد من الخمر ق عن أنس قال: ما كان لنا خمر غير فضيخكم وإني ~~لقائم أسقي أبا طلحة وأبا أيوب وفلانا وفلانا إذ جاء رجل، فقال: حرمت ms0250 ~~الخمر فقالوا: أهرق هذه القلال يا أنس فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد ~~خبر هذا الرجل. الفضيخ بالضاد والخاء المعجمتين شراب يتخذ من بسر مطبوخ ~~والمفضوخ المشدوخ والمكسور والإهراق الصب والقلال جمع قلة وهي الجرة ~~الكبيرة. فصل: في تحريم الخمر ووعيد من شربها أجمعت الأمة على تحريم ~~الخمر، وأنه يحد شاربها ويفسق بذلك مع اعتقاد تحريمها فإن استحل كفر بذلك ~~ويجب قتله ق عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا، ومات وهو يدمنها ~~ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة " # لفظ مسلم م عن جابر: " أن رجلا قدم من جيشان وجيشان من اليمن فسأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقاله له: ~~المزر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مسكر هو؟ قال: نعم. قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل مسكر حرام وإن على الله عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة ~~الخبال. قالوا: وما طينة الخبال يا رسول الله. قال: عرق أهل النار أو ~~عصارة أهل النار " # وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب مسكرا بخست صلاته أربعين صباحا ~~فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من ~~طينة الخبال. قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله قال: صديد أهل النار " # أخرجه أبو داود. عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " من شرب الخمر فجعلها في بطنه لم تقبل منه صلاة سبعا وإن مات فيها مات ~~كافرا فإن أذهبت عقله عن شيء من الفرائض. وفي رواية عن القرآن لم تقبل ~~صلاته أربعين يوما وإن مات فيها مات كافرا " # أخرجه النسائي. عن عثمان بن عفان قال: اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث ~~فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا يوشك أن ms0251 يخرج أحدهما ~~صاحبه أخرجه النسائي موقوفا عليه وفيه قصة عن أنس قال لعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الخمر عشرة عاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وحاملها ~~والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وواهبها وآكل ثمنها أخرجه الترمذي. # فصل: في أحكام تتعلق بالخمر وفيه مسائل: الأولى في ماهيتها: قال ~~الشافعي: الخمرة عبارة عن عصير العنب النيء الشديد الذي قذف بالزبد وكذلك ~~نقيع الزبيب والتمر المتخذ من العسل والحنطة والشعير والأرز والذرة، وكل ~~ما أسكر فهو خمر، وقال أبو حنيفة: الخمر من العنب والرطب ونقيع التمر ~~والزبيب فإن طبخ حتى ذهب ثلثاه حل شربه والمسكر منه حرام واحتج على ذلك ~~بما روي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى بعض عماله أن ارزق المسلمين من ~~الطلاء، ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وفي رواية: أما بعد فاطبخوا شرابكم حتى ~~يذهب منه نصيب الشيطان فإن له اثنين ولكم واحد أخرجه النسائي. الطلاء ~~بكسر الطاء والمد الشراب المطبوخ من عصير العنب الذي ذهب ثلثاه وبقي ~~ثلثه، واحتج أيضا بما روي عن ابن عباس قال: حرمت الخمر بعينها قليلها ~~وكثيرها والسكر من كل شراب أخرجه النسائي. واستدل ايضا على أن السكر ~~حرام لما روي عن أبي الأحوص عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي بردة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " اشربوا ولا تسكروا " # وعن عائشة نحوه أخرجه النسائي. وقال هذا حديث غير ثابت، واستدل الشافعي ~~على أن الخمر في عدة أشياء بما روي عن ابن عمر أن عمر قال على منبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أما بعد أيها الناس أنه نزل تحريم الخمر وهي من ~~خمسة العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والخمر ما خامر العقل ثلاث، ~~وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي ~~إليه الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا أخرجه البخاري ومسلم ق عن ~~عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن البتع فقال كل شراب أسكر ~~فهو حرام. البتع شراب يتخذ ms0252 من العسل كان أهل اليمن يشربونه. عن النعمان ~~بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن من العنب خمرا وإن من البر خمرا وإن من الشعير خمرا وإن من ~~التمر خمرا " # أخرجه أبو داود. وزاد في رواية والذرة وإني أنهاكم عن كل مسكر وللترمذي ~~نحوه وزاد وإن من العسل خمرا خ عن ابن عباس أنه سئل عن الباذق فقال: سبق ~~حكم محمد في الباذق، فما أسكر فهو حرام عليك والشراب الحلال الطيب ليس ~~بعد الحلال الطيب ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث قال صاحب ~~المطالع: الباذق بفتح الذال المعجمة هو الطلاء المطبوخ من عصير العنب كان ~~أول من صنعه وسماه بنو أمية لينقلوه عن اسم الخمر، وكل ما أسكر فهو خمر ~~لأن الاسم لا ينقله عن معناه الموجودة فيه. # وقال ابن الأثير في النهاية الباذق الخمر تعريب باذه وهو اسم للخمر ~~بالفارسية أي لم يكن في زمانه أو سبق. قوله: فيها وفي غيرها من جنسها. ~~وقيل معناه سبق حكم محمد صلى الله عليه وسلم إن ما اسكر فهو حرام. عن أم ~~سلمة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر أخرجه أبو ~~داود: والمفتر كل شراب أحمى الجسد وصار فيه فتور وضعف وانكسار واستدل ~~الشافعي على ما أسكر كثيره فقليله حرام، مما روي عن جابر بن عبدالله أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما أسكر كثيره فقليله حرام " # أخرجه الترمذي وأبو داود. عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام " # أخرجه أبو داود والنسائي. وفي رواية له " والحسوة منه حرام " الفرق ~~بالتحريك مكيال يسع تسعة عشر رطلا بالبغدادي، وأجيب عن حديث عمر في ~~الطلاء بأنه معارض بما روي عن السائب يزيد أن عمر قال: وجدت من فلان ريح ~~شراب وزعم أنه شرب الطلاق وأنا سائل عنه فإن كان يسكر جلدته فسأل عنه ~~فقيل له: إنه يسكر فجلده ms0253 عمر الحد تاما أخرجه مالك في الموطأ. وأما حديث ~~ابن عباس، فموقوف عليه ومعارض بما روي عنه في الباذق، وقوله: والسكر من ~~كل شراب قد رواه الحفاظ السكر بفتح السين. قال صاحب الغريبين: السكر خمر ~~الأعاجم، ويقال لهم يسكر السكر وروى هذا الحديث ابن حنبل وقال فيه: ~~والمسكر من كل شراب، وقال موسى بن هارون: وهو الصواب، وأما حديث أبي ~~الأحوص ففيه وهمان: أحدهما في سنده حيث قال: عن أبي بردة، وإنما يرويه ~~سماك عن القاسم عن ابن بريدة عن أبيه والوهم الثاني في متنه حيث قال: ~~اشربوا ولا تسكروا، وإنما يرويه الناس ولا تشربوا مسكرا، ويدل على صحة ~~هذا ما روى مسلم في صحيحه عن محارب بن دثار عن ابن بريدة عن أبيه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا ~~تشربوا مسكرا " # وقال النسائي: في حديث أبي الأحوص هذا حديث منكر غلط فيه أبو الأحوص ~~سلام بن سليم لا يعلم أن أحدا تابعه عليه من أصحاب سماك، وأما حديث ~~عائشة فيه فهو غير ثابت كما تقدم في قول النسائي. المسألة الثانية: في ~~الحكم بنجاسة الخمر: الخمر وما يلحق بها نجسه العين ويدل على نجاستها ~~قوله تعالى: { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه } والرجس في اللغة النجس والشيء المستقذر وقوله تعالى: { ~~فاجتنبوه } فأمر باجتنابها فكانت نجسة العين ويدل على نجاستها أيضا أنها ~~محرمة التناول لا للاحترام، ولأن الناس مشغوفون بها فينبغي أن يحكم ~~بنجاستها تأكيدا للزجر عنها. # المسألة الثالثة: في تحريم بيعها والانتفاع بها. أجمعت الأمة على تحريم ~~بيع الخمر والانتفاع بها وتحريم ثمنها ويدل على ذلك ما روي عن جابر قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام فتح مكة: # " إن الله تعالى حرم بيع الخمر والانتفاع بها والميتة والخنزير والأصنام ~~" # أخرجاه في الصحيحين مع زيادة اللفظ ق. عن عائشة قالت خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms0254 فقال: # " حرمت التجارة في الخمر " # ق عن ابن عباس قال بلغ عمر بن الخطاب أن فلانا باع خمرا فقال قاتل ~~الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها " # عن المغيرة بن شعبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من باع الخمر فليشقص الخنازير " # أخرجه أبو داود. وقوله فليشقص الخنازير أي فليقطعها قطعا قطعا كما ~~تقطع الشاة للبيع والمعنى من استحل بيع الخمر فليستحل بيع الخنازير ~~فإنهما في التحريم سواء. عن أبي طلحة قال يا نبي الله إني اشتريت خمرا ~~لأيتام في حجري. فقال: اهرق الخمر واكسر الدنان أخرجة الترمذي. وقال وقد ~~روي عن أنس إن أبا طلحة كان عنده خمر لأيتام وهو أصح. فإن قلت فما وجه ~~قوله تعالى: { ومنافع للناس } قلت: منافعها اللذة التي توجد عند شربها ~~والفرح والطرب معها وما كانوا يصيبون من الربح في ثمنها، وذلك قبل ~~التحريم فلما حرمت الخمر حرم ذلك كله. فصل وأما الميسر فهو القمار ~~واشتقاقه من اليسر لأنه أخذ مال بسهولة من غير تعب، وكذا قال ابن عباس ~~كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب ~~بأهله وماله فأنزل الله هذه الآية. وأصل الميسر أن أهل الثروة من العرب ~~في الجاهلية كانوا يشترون جزورا فينحرونها ويجزئونها ثمانية وعشرين ~~جزءا، ثم يسهمون عليها بعشرة قداح يقال لها: الأزلام والأقلام وأسماؤها ~~الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفيح ~~والوغد وكانوا يسهمون لسبعة منها أنصاب فللفذ سهما وللتوأم سهمين ~~وللرقيب ثلاثة أسهم وللحلس أربعة وللنافس خمسة، وللمبسل ستة وللمعلى سبعة ~~وثلاثة من القداح لا أنصباء لها وهي المنيح والسفيح والوغد قال بعضهم: # فلي في الدنيا سهام ليس فيهن ربيح إنما سهمي وغد ومنيح وسفيح # ثم يجمعون القداح في خريطة يسمونها الريابة، ويضعونها على يد رجل عدل ~~عندهم يسمونه المحيل والمفيض فيحيلها في الخريطة، ويخرج منها قدحا باسم ~~رجل منهم فأيهم خرج اسمه أخذ نصيبه ms0255 على قدر ما يخرج من القداح، وإن خرج ~~له قدح من الثلاثة التي لا أنصباء لها لم يأخذ شيئا وغم ثمن الجزور كله ~~وقيل: لا يأخذ ولا يغرم ويسمون ذلك القدح لغوا ثم يدفعون ذلك الجزور إلى ~~الفقراء ولا يأكلون منه شيئا وكانوا يفتخرون بذلك ويذمون من لا يفعله ~~ويسمونه البرم يعني البخيل الذي لا يخرج شيئا بين الأصحاب لبخله. # وأما الحكم الآية فالمراد به جميع أنواع القمار. فكل شيء فيه قمار فهو ~~من الميسر روي عن ابن سيرين ومجاهد وعطاء كل شيء فيه خطر يعني الرهن فهو ~~من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب وأما النرد فيحرم اللعب به ~~سواء كان بخطر أم لا يدل على تحريمه ما روي عن بريدة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في دم خنزير " # أخرجه مسلم. وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من لعب بنرد أو نردشير فقد عصى الله ورسوله " # أخرجه أبو داود. وعن علي بن أبي طالب قال النرد والشطرنج من الميسر. ~~واختلفوا في الشطرنج فمذهب أبي حنفية أنه يحرم اللعب به سواء كان برهن أو ~~بغير رهن، ومذهب الشافعي أنه مباح بشروط ذكرها الشافعي فقال: إذا خلا ~~الشطرنج عن الرهان واللسان عن الطغيان ويروى عن الهذيان والصلاة عن ~~النسيان لم يكن حراما، وهو خارج عن الميسر لأن الميسر ما يوجب دفع مال، ~~وأخذ مال وهذا ليس كذلك وقوله تعالى: { قل فيهما } يعني في الخمر والميسر ~~{ إثم كبير } أي وزر عظيم وقيل: إن الخمر عدو للعقل فإذا غلبت على عقل ~~الإنسان ارتكب كل قبيح ففي ذلك آثام كبيرة منها إقدامه على شرب المحرم ~~ومنها فعل ما لا يحل فعله. وأما الإثم الكبير في الميسر فهو أكل المال ~~الحرام بالباطل وما يجري بينهما من الشتم والمخاصمة والمعاداة وكل ذلك ~~فيه آثام كثيرة { ومنافع للناس } يعني أنهم كانوا يربحون في بيع الخمر ~~قبل تحريمها. وأما منافع الميسر فهو أخذ مال ms0256 بغير كد ولا تعب. قيل ربما ~~أن الواحد منهم كان يقمر في المجلس الواحد مائة بعير، فيحصل له المال ~~الكثير، وربما كان يصرفه إلى المحتاجين فيكسب بذلك الثناء والمدح، وهو ~~المنفعة { وإثمهما أكبر من نفعهما } يعني إثمهما بعد التحريم أكبر من ~~نفعهما قبل التحريم، وقيل: إثمهما قوله تعالى: { إنما يريد الشيطان أن ~~يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن ~~الصلاة فهل أنتم منتهون } فهذه ذنوب يترتب عليها آثام كبيرة بسبب الخمر ~~والميسر. قوله تعالى: { ويسألونك ماذا ينفقون } وذلك أن رسول الله صلة ~~الله عليه وسلم حضهم على الصدقة فقالوا ماذا ننفق فقال الله تعالى: { قل ~~العفو } يعني الفضل والعفو ما فضل عن قدر الحاجة. # فكانت الصحابة يكتسبون المال ويمسكون قدر النفقة. ويتصدقون بالفاضل بحكم ~~هذه الآية ثم نسخ ذلك بآية الزكاة وقيل: هو التصدق عن ظهر غنى ق عن ~~الزهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ ~~بمن تعول " # وقيل: هو الوسط في الإنفاق من غير إسراف ولا إقتار وقيل: هو في صدقة ~~التطوع إذ لو كان المراد بهذا الإنفاق الواجب لبين الله قدره فلما لم ~~يبينه دل ذلك على أن المراد به صدقة التطوع { كذلك يبين الله لكم الآيات ~~} أي يبين لكم الأمور التي سألتم عنها من وجوه الإنفاق ومصارفه { لعلكم ~~تتفكرون في الدنيا والآخرة }. يعني فتأخذون ما يصلحكم في الدنيا وتنفقون ~~الباقي فينفعكم في الآخرة. وقيل: لعلكم تتفكرون في زوال الدنيا فتزهدوا ~~فيها وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبوا فيها. ### || [2.220] # قوله عز وجل: { ويسألونك عن اليتامى } قال ابن عباس لما نزلت: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # [النساء: 10] تحرج المسلمون من أموال اليتامى تحرجا شديدا حتى عزلوا ~~أموالهم وتركوا مخالطتهم، وربما كان يصنع لليتيم الطعام فيفضل منه ~~فيتركونه ولا يأكلونه، فاشتد ذلك عليهم فسألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأنزل الله تعالى ويسألونك عن اليتامى { قل إصلاح ms0257 لهم خير } أي ~~إصلاح أموال اليتامى من غير أخذ أجرة، ولا عوض خير لكم أي أعظم أجرا. ~~وقيل: هو أن يوسع على اليتيم من طعام نفسه ولا يوسع من طعام اليتيم { وإن ~~تخالطوهم } يعني في الطعام والخدمة والسكنى وهذا فيه إباحة المخالطة أي ~~شاركوهم في أموالهم واخلطوها بأموالكم ونفقاتكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم، ~~فتصيبوا من أموالهم عوضا من قيامكم بأمورهم أو تكافئوهم على ما تصيبون ~~من أموالهم { فإخوانكم } أي فهم إخوانكم والإخوان يعين بعضهم بعضا ويصيب ~~بعضهم من مال بعض على وجه الإصلاح والرضا { والله يعلم المفسد من المصلح ~~} يعني المفسد لمال اليتيم والمصلح له، ويعلم الذي يقصد بالمخالطة ~~الخيانة وأكل مال اليتيم بغير حق والذي يقصد الإصلاح. { ولو شاء الله ~~لأعنتكم } أي لضيق عليكم وما أباح لكم مخالطتهم وأصل العنت الشدة والمشقة ~~والمعنى لكلفكم في كل شيء ما يشق عليكم { إن الله عزيز حكيم } أي غالب ~~يقدر أن يشق على عباده ويعنتهم ولكنه حكيم لا يكلف عباده إلا ما تتسع ~~فيه طاقتهم. ### || [2.221] # قوله عز وجل: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } نزلت في أبي مرثد بن أبي ~~مرثد الغنوي واسم أبي مرثد يسار بن حصين بعثه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا، فلما قدمها سمعت به ~~امرأة مشركة يقال لها عناق وكانت خليلته في الجاهلية فأتته فقالت: ألا ~~تخلو فقال ويحك يا عناق إن الإسلام حال بيني وبين ذلك فقالت له: هل لك أن ~~تتزوج بي؟ قال نعم ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره ~~فقالت: أبي تتبرم واستعانت عليه فضربوه ضربا شديدا، ثم خلوا سبيله فلما ~~قضى حاجته بمكة، وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه بما كان ~~من أمره، وأمر عناق وما لقي بسببها وقال يا رسول الله: أيحل لي أن ~~أتزوجها فأنزل الله تعالى هذه الآية وأصل النكاح في اللغة الوطء ثم كثر ~~حتى قيل العقد نكاح. ومعنى الآية: ولا تنكحوا أيها المؤمنون المشركات ms0258 حتى ~~يؤمن أي يصدقن بالله ورسوله وهو الإقرار بالشهادتين والتزام أحكام ~~المسلمين واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقيل: إنها تدل على أن كل ~~مشركة يحرم نكاحها على كل مسلم من أي أجناس الشرك كانت كالوثنية ~~والمجوسية والنصرانية وغيرهن من أصناف المشركات، ثم استثنى الله تعالى من ~~ذلك نكاح الحرائر الكتابيات بقوله تعالى: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # [المائدة: 5] فأباح الله تعالى نكاحهن بهذه الآية قال ابن عباس في قوله ~~تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ثم استثنى نساء أهل الكتاب ~~فقال: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # [المائدة: 5] وقيل: إن حكم الآية نزل في مشركات العرب الوثنيات خاصة ولم ~~ينسخ منها شيء ولم يستثن وإنما حكمها عام مخصوص، قال قتادة: ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن يعني مشركات العرب اللاتي ليس فيهن كتاب يقرأنه. وبيان ~~هذا في مسألة وهي أن لفظ الشرك على من يطلق؟ فالأكثرون من العلماء وهو ~~القول الصحيح المختار أن لفظ الشرك يندرج فيه أهل الكتاب من اليهود ~~والنصارى وكذلك عبدة الأصنام والمجوس وغيرهم. ويدل على أن اليهود ~~والنصارى يطلق عليهم اسم الشرك. قوله تعالى: # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله # [التوبة: 30] ثم قال تعالى: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما ~~أمروا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون # [التوبة: 31] فهذه الآية صريحة في شرك اليهود والنصارى وقيل: كل من كفر ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وإن زعم أن الله تعالى واحد فهو مشرك وذلك أن ~~من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم مع صحة نبوته، وظهور معجزاته فقد زعم ~~أن ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، هو من عند غير الله فقد أشرك مع ~~الله غيره فعلى هذا القول أيضا يدخل فيه اليهود والنصارى لإنكارهم نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: إن اسم الشرك لا يتناول إلا عبدة الأوثان فقط والأول أصح لما ~~تقدم من الأدلة فعلى قول ms0259 من قال: إن اسم الشرك لا يتناول إلا الوثنيات ~~تكون الآية محكمة وعلى قول الأكثرين أن اسم الشرك يتناول الوثنيات ~~والكتابيات وغيرهن تكون الآية محكمة في حق الوثنيات منسوخة في حق ~~الكتابيات وقوله تعالى: { ولأمة مؤمنة خير } يعني أنفع وأصلح وأفضل { من ~~مشركة } يعني حرة { ولو أعجبتكم } يعني بجمالها ومالها ونسبها فالأمة ~~المؤمنة خير وأفضل عند الله من الحرة المشركة، نزلت في خنساء وليدة كانت ~~لحذيفة بن اليمان فقال: يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى على سوادك ~~ودمامتك ثم أعتقها وتزوجها. وقيل: نزلت في عبدالله بن رواحة كانت عنده ~~أمة سوداء فغضب عليها يوما فلطمها، ثم فزع فأتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخبره: فقال: وما هي يا عبدالله قال: هي تشهد أن الله لا إله إلا ~~الله وأنك رسول الله وتصوم رمضان وتحسن الوضوء وتصلي. فقال: هذه أمة ~~مؤمنة. قال عبدالله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل فطعن ~~عليه ناس من المسلمين فقالوا أتنكح أمة وعرضوا عليه حرة مشركة فأنزل الله ~~هذه الآية: { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } هذا خطاب لأولياء المرأة ~~أي لا تزوجوا المسلمة من المشركين. حرم على المؤمنات أن ينكحن مشركين من ~~أي أصناف الشرك كان، وانعقد الإجماع على أنه لا يجوز للمسلمة أن تتزوج { ~~ولعبد مؤمن خير من مشرك } يعني حرا { ولو أعجبكم } بحسنه وماله وجماله { ~~أولئك يدعون إلى النار } يعني يدعون إلى الشرك الذي يؤدي إلى النار { ~~والله يدعو إلى الجنة والمغفرة } يعني أنه تعالى بين هذه الأحكام وأباح ~~بعضها، وحرم بعضها، فاعملوا بما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم عنه فإن من ~~عمل بذلك استحق الجنة والمغفرة { بإذنه } أي بتيسير الله وإرادته ~~وتوفيقيه { ويبين آياته للناس } أي يوضح أدلته وحججه في أوامره ونواهيه ~~وأحكامه { لعلهم يتذكرون } أي فيتعظون. ### || [2.222] # قوله عز وجل: { ويسألونك عن المحيض } م عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت ~~المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه ms0260 وسلم فأنزل الله عز وجل: { ~~ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } الآية فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " # فبلغ ذلك اليهود فقالوا ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا ~~خالفنا فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود ~~تقول كذا وكذا أفلا نجامعهن فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~ظننا أنه قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفنا أنه لم يجد عليهما الوجد ~~الغضب، وأصل الحيض السيلان والانفجار. يقال: حاض الوادي إذا سال وفاض ~~ماؤه { قل هو أذى } أي هو شيء قذر والأذى في اللغة ما يكره من كل شيء { ~~فاعتزلوا النساء في المحيض } أي فاجتنبوا مجامعتهن { ولا تقربوهن } يعني ~~بالوطء والمجامعة فهو كالتوكيد لقوله: { فاعتزلوا النساء في المحيض حتى ~~يطهرن } يعني في الحيض والمعنى ولا تقربوهن حتى يزول عنهن الدم، وقرئ ~~يطهرن بتشديد الطاء ومعناه حتى يغتسلن { فإذا تطهرن } أي اغتسلن من حيضهن ~~{ فأتوهن من حيث أمركم الله } قال ابن عباس: طؤوهن في الفرج ولا تعتدوا ~~إلى غيره فإنه هو الذي أمر الله به ولا تأتوهن إلى غير المأتي وقيل: ~~فأتوهن من الوجه الذي أمركم الله به وهو الطهر. وقيل: معناه وأتوهن من ~~حين يحل لكم غشيانهن وذلك بأن لا يكن صائمات ولا معتكفات ولا محرمات. ~~فصل: في حكم هذه الآية وفيه مسائل المسألة الأولى: أجمع المسلمون على ~~تحريم الجماع في زمن الحيض، ومستحله كافر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد ~~" # أخرجه الترمذي. وقال: إنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ ومن فعله ~~وهو عالم بالتحريم عزره الإمام وفي وجوب الكفارة قولان أحدهما أنه يستغفر ~~الله ويتوب إليه وكفارة عليه وهو قول أبي حنيفة والشافعي ms0261 في الجديد، ~~والقول الثاني أنه تجب عليه الكفارة، وهو القول القديم للشافعي وبه قال ~~أحمد بن حنبل: لما روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل ~~يقع على امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بنصف دينار وفي رواية. قال: إذا كان ~~دما أحمر فدينار وإن كان دما أصفر فنصف دينار أخرجه الترمذي. # وقال: رفعه بعضهم عنه ابن عباس ووقفه بعضهم. المسألة الثانية: أجمع ~~العلماء على جواز الاستمتاع بالمرأة الحائض بما فوق السرة ودون الركبة ~~وجواز مضاجعتها وملامستها، ويدل على ذلك ما روي عن عائشة قالت: كانت ~~إحدانا إذا كانت حائضا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباشرها ~~أمرها أن تأتزر بإزار في فور حيضها، ثم يباشرها وأيكم يملك إربه كما كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه وفي رواية قالت: كنت اغتسل أنا ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وكلانا جنب وكان يأمرني ~~فأتزر فيباشرني وأنا حائض أخرجاه في الصحيحين المراد بالمباشرة الاستمتاع ~~بما دون الفرج، وفور كل شيء أوله وابتناؤه وقولها يملك إربه يروى بسكون ~~الراء وهو العضو وبفتحها وهو الحاجة م عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ناوليني الخمرة من المسجد قلت: أنا حائض. قال إن ~~حيضتك ليس في يدك. الخمرة حصير صغير مضفور من سعف النخل أو غيره بقدر ~~الكف وقولها: من المسجد يعني ناداها من المسجد لأنه صلى الله عليه وسلم ~~كان معتكفا في المسجد، وعائشة في حجرتها فطلب منها الخمرة وهي حائض. ~~المسألة الثالثة: يحرم على الحائض الصلاة والصوم ودخول المسجد وقراءة ~~القرآن ومس المصحف وحمله، فلو أمنت الحائض من التلويث في عبور المسجد جاز ~~في أحد الوجهين قياسا على الجنب والثاني لا لأن حدثها أغلظ، ويجب على ~~الحائض قضاء الصوم دون الصلاة لما روي عن معاذة العدوية، قالت: سألت ~~عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة قالت: أحرورية ~~أنت؟ قلت لست بحرورية ولكني أسأل قالت: كان ms0262 يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ~~ولا نؤمر بقضاء الصلاة أخرجاه في الصحيحين. المسألة الرابعة: لا يرتفع ~~شيء مما منعه الحيض بانقطاع الدم ما لم تغتسل، أو تتيمم عند عدم الماء ~~إلا الصوم، فإنه إذا انقطع دمها بالليل ونوت الصوم فإنه يصح، وإن اغتسلت ~~في النهار وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز للزوج غشيانها إذا انقطع الدم ~~لأكثر الحيض، وهو عشرة أيام عنده قبل الغسل، ومذهب الشافعي وغيره من ~~العلماء أنه لا يجوز للزوج غشيانها ما لم تغتسل من الحيض أو تتيمم عند ~~عدم الماء لأن الله تعالىعلق جواز وطء الحائض بشرطين: أحدهما انقطاع الدم ~~والثاني الغسل فقال: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } يعني من الحيض { فإذا ~~تطهرن } يعني اغتسلن { فأتوهن من حيث أمركم الله } فدل ذلك على أن الوطء ~~لا يحل قبل الغسل. وقوله تعالى: { إن الله يحب التوابين } يعني من ~~الذنوب، والتواب الذي كلما أذنب جدد توبة، وقيل: التواب هو الذي لا يعود ~~إلى الذنب { ويحب المتطهرين } يعني من الأحداث وسائر النجاسات بالماء. ~~وقيل: المتطهرين من الشرك وقيل: هم الذين لم يصيبوا الذنوب. ### || [2.223] # قوله عز وجل: { نساؤكم حرث لكم } الآية ق عن جابر قال: كانت اليهود ~~تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت: { نساؤكم حرث لكم ~~فأتوا حرثكم أنى شتم } وفي رواية للترمذي كانت اليهود تقول: من أتى ~~المرأة في قبلها من دبرها وذكر الحديث وعن ابن عباس قال: # " جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت. قال: ~~وما أهلكك قال: حولت رحلي الليلة قال: فلم يرد عليه شيئا فأوحى الله إلى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية: { نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى ~~شئتم } أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة " # أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. قوله: حولت رجلي هو كناية عن ~~الإتيان في غير المحل المعتاد هذا ظاهره، ويجوز أن يريد به أنه أتاها في ~~المحل المعتاد لكن من جهة ظهرها. وعن ابن عباس قال: كان هذا الحي من ~~الأنصار ms0263 وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب فكانوا يرون لهم ~~فضلا عليهم في العلم فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من شأن أهل ~~الكتاب أن لا يأتوا النساء إلا على حرف وذلك أشق ما تكون المرأة، فكان ~~هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش ~~يشرحون النساء شرحا منكرا ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات فلما ~~قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب أن يصنع بها ~~ذلك فأنكرته عليه. وقالت: إنا كما نؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني ~~حتى سرى أمرهما فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز ~~وجل: { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } أي مقبلات ومدبرات ~~ومستلقيات يعني بذلك موضع الولد، أخرجه أبو داود والوثن الصنم. وقيل: ~~الصورة لا جثة لها. وقوله: على حرف، الحرف الجانب وحرف كل شيء جانبه ~~وقوله: يشرحون النساء. يقال شرح فلان جاريته إذا وطئها على قفاها وأصل ~~الشرح البسط وقوله: سرى أمرهما أي ارتفع وعظم وتفاخم وأصله من سرى البرق ~~إذا لج في اللمعان. عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ~~قوله تعالى: { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } في صمام واحد ويروى ~~سمام بالسين أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن وقوله تعالى: { حرث لكم } ~~معناه مزرع لكم ومنبت للولد، وهذا على سبيل التشبيه فجعل فرج المرأة ~~كالأرض والنطفة كالبذر والولد كالنبات الخارج { فأتوا حرثكم أنى شئتم } ~~يعني كيف شئتم وحيث شئتم، إذا كان في القبل والمعنى كيف شئتم مقبلة ~~ومدبرة، على كل حال إذا كان في الفرج وفي الآية دليل على تحريم إتيان ~~النساء في أدبارهن لأن محل الحرث والزرع هو القبل لا الدبر، ويؤيد ذلك ما ~~روي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ملعون من أتى امرأة في دبرها " # أخرجه أبو داود. وقال سعيد بن المسيب: هذا في العزل يعني إن شئتم ~~فاعزلوا ms0264 وإن شئتم لا تعزلوا، وسئل ابن عباس عن العزل فقال: حرثك إن شئت ~~فعطش وإن شئت فارو ويروى عنه أنه قال: تستأمر الحرة في العزل ولا تستأمر ~~الجارية وبه قال أحمد: وكره جماعة العزل وقالوا: هو الوأد الخفي وروى ~~نافع قال كنت أمسك على ابن عمر المصحف فقرأ هذ الآية: { نساؤكم حرث لكم } ~~قال: تدري فيم نزلت هذه الآية؟ قلت: لا. قال: نزلت في رجل أتى امرأته في ~~دبرها فشق ذلك عليه فنزلت هذه الآية وروى عبدالله بن الحسن أنه لقي سالم ~~بن عبدالله بن عمر فقال له: يا عم ما حديث يحدثه نافع عن عبدالله أنه لم ~~يكن يرى بأسا بإتيان النساء في أدبارهن فقال: كذب العبد وأخطأ إنما قال ~~عبدالله: يؤتون في فروجهن من أدبارهن، ويحكى عن مالك إباحة ذلك وأنكره ~~أصحابه، وأجمع جمهور العلماء على تحريم إتيان النساء في أدبارهن، وقالوا: ~~لأن الله حرم الفرج في حال الحيض لأجل النجاسة العارضة وهو الدم فأولى أن ~~يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة ولأن الله تعالى نص على ذكر الحرث ~~والحرث به يكون نبات الولد فلا يحل العدول عنه إلى غيره. وقوله تعالى: { ~~وقدموا لأنفسكم } يعني الولد وقيل: قدموا التسمية والدعاء عند الجماع ق ~~عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، ~~وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان ~~أبدا " # وقيل: أراد به تقديم الإفراط ق عن أبي هريرة قال: رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا يموت لأحد من المسليمن ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم ~~" # قوله إلا تحلة القسم يعني قدر ما يبر الله قسمه فيه وهو قوله تعالى: # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71] فإذا وردها جاوزها فقد أبر الله قسمه، وقيل: قدموا لأنفسكم ~~يعني من الخير والعمل الصالح بدليل سياق الآية { واتقوا الله } أي احذروا ~~أن تأتوا شيئا مما نهاكم الله عنه ms0265 { واعلموا أنكم ملاقوه } أي صائرون ~~إليه في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم { وبشر المؤمنين } يعني بالكرامة من ~~الله تعالى. ### || [2.224] # قوله عز وجل: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } نزلت في عبدالله بن ~~رواحة كان بينه وبين ختنه بشير بن النعمان شيء، فحلف عبدالله لا يدخل ~~عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين خصم له فكان إذا قيل له: فيه يقول: قد ~~حلفت بالله أن لا أفعل فلا يحل لي إلا أن تبر يميني فأنزل الله هذه ~~الآية، وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق حين حلف ألا ينفق على مسطح حين خاض ~~في حديث الإفك والعرضة ما يجعل معرضا للشيء، وقيل: العرضة الشدة والقوة ~~وكل ما يعترض فيمنع عن الشيء، فهو عرضة، والمعنى: ولا تجعلوا الحلف بالله ~~سببا مانعا لكم من البر والتقوى يدعى أحدكم إلى بر وصلة رحم فيقول قد ~~حلفت بالله لا أفعله فيعتل بيمينه في ترك البر والإصلاح { أن تبروا ~~وتتقوا وتصلحوا بين الناس } قيل معناه لا تحلفوا بالله أن لا تبروا ولا ~~تتقوا ولا تصلحوا بين الناس. م عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتها وليكفر عن يمينه " # وقيل: معناه لا تكثروا الحلف بالله وإن كنتم بارين متقين مصلحين فإن ~~كثرة الحلف بالله ضرب من الجراءة عليه { والله سميع } أي لحلفكم { عليم } ~~يعني بنياتكم. قوله عز وجل: { ولا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } ~~اللغو كل ساقط مطرح من الكلام، وما لا يعتد به، وهو الذي يورد لا عن روية ~~وفكر. واللغو في اليمين هو الذي لا عقد معه كقول القائل: لا والله بلى ~~والله على سبق اللسان من غير قصد ونية وبه قال الشافعي: ويعضده ما روي عن ~~عائشة قالت نزل قوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } ### || [2.225] # قوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } في قول الرجل: لا ~~والله وبلى والله أخرجه الترمذي. موقوفا ورفعه أبو داود قال: قالت عائشة ~~قال رسول ms0266 الله صلى الله عليه وسلم: # " هو قول الرجل في يمينه كلا والله وبلى والله " # ورواه عنها أيضا موقوفا، وقيل: في معنى اللغو هو أن يحلف الرجل على ~~شيء يرى أنه صادق ثم يتبين له خلاف ذلك، وبه قال أبو حنيفة " ولا كفارة ~~فيه ولا إثم عليه عنده، قال مالك في الموطأ: أحسن ما سمعت في ذلك أن ~~اللغو حلف الإنسان على الشيء يتيقن أنه كذا ثم يوجد بخلافه فلا كفارة ~~فيه. قال: والذي يحلف على الشيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضى به ~~أحدا ويعتذر المخلوق أو يقطع به مالا، فهذا أعظم من أن تكون فيه كفارة ~~وإنما الكفارة على من حلف أن لا يفعل الشيء المباح له فعله، ثم يفعله أو ~~أن يفعله ثم لا يفعله مثل أن يحلف لا يبيع ثوبه بعشرة دراهم، ثم يبيعه ~~بذلك أو يحلف ليضربن غلامه، ثم لا يضربه، وفائدة الخلاف الذي بين الشافعي ~~وأبي حنيفة في لغو اليمين أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل، لا ~~والله وبلى والله ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه ~~لم يكن وأبو حنيفة يحكم بضد ذلك، ومذهب الشافعي هو قول: عائشة والشعبي ~~وعكرمة ومذهب أبي حنيفة هو قول ابن عباس والحسن ومجاهد والنخعي والزهري ~~وسليمان بن يسار وقتادة ومكحول. وقيل: في معنى اللغو إنه اليمين في الغضب ~~وقيل: هو ما يقع سهوا من غير قصد البتة ومعنى لا يؤاخذكم أي لا يعاتبكم ~~الله بلغو اليمين. وقيل: { لا يؤاخذكم } أي لا يلزمكم الكفارة بلغو ~~اليمين { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } يعني لكن يؤاخذكم بما عزمتم ~~عليه وقصدتم له، وكسب القلب هو العقد والنية. فصل في بيان حكم الآية: ~~وفيه مسائل المسألة الأولى: لا تنعقد اليمين إلا بالله وبأسمائه وصفاته، ~~فأما اليمين بالله فهو كقول الرجل: والذي نفسي بيده والذي أعبده، ونحو ~~ذلك، والحلف بأسمائه كقوله والله والرحمن والرحيم والمهيمن ونحو ذلك ~~والحلف بصفاته كقوله وعزة الله، وقدرته وعظمته ونحوه، فإذا ms0267 حلف بشيء من ~~ذلك ثم حنث فعليه الكفارة. المسألة الثانية: لا يجوز الحلف بغير الله ~~كقوله: والكعبة والنبي وأبي ونحو ذلك، فإذا حلف بشيء من ذلك لا تنعقد ~~يمينه ولا كفارة عليه، ويكره الحلف به لما روى عن ابن عمر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أدرك عمر وهو يسير في ركب وهو يحلف بأبيه فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت " # أخرجاه في الصحيحين. المسألة الثالثة: إذا حلف على أمر في المستقبل، ~~فحنث فعليه الكفارة وإن كان على أمر ماض ولم يكن، أو على أنه لم يكن فكان ~~فإن كان عالما به حال حلفه بأن يقول: والله ما فعلت وقد فعل أو لقد فعلت ~~وما فهل فهذه اليمين الغموس، وهي من الكبائر سميت غموسا لأنهما تغمس ~~صاحبها في الإثم وتجب فيها الكفارة عند الشافعي سواء كان عالما أو ~~جاهلا، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا كفارة عليه، فإن كان عالما فهي ~~كبيرة، وإن كان جاهلا فهي من لغو اليمين { والله غفور } يعني لعباده ~~فيما لغوا من أيمانهم التي أخبر أنه لا يؤاخذكم عليها، ولو شاء آخذهم ~~وألزمهم للكفارة في العاجل والعقوبة عليها في الآجل { حليم } يعني في ترك ~~معاجلة أهل العصيان بالعقوبة، قال الحليمي في معنى الحليم: إنه الذي لا ~~يحبس إنعامه وأفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكنه يرزق العاصي كما يرزق ~~المطيع ويبقيه وهو منهمك في معاصيه كما يبقى البر المتقي وقد يقيه الآفات ~~والبلايا، وهو غافل لا يذكره فضلا عن أن يدعوه كما يقيها الناسك الذي ~~يدعوه ويسأله، وقال أبو سليمان الخطابي: الحليم ذو الصفح والأناة الذي لا ~~يستفزه غضب ولا يستخفه جهل جاهل ولا عصيان عاص ولا يستحق الصافح مع العجز ~~اسم الحليم، إنما الحليم الصفوح مع القدرة على الانتقام المتأني الذي لا ~~يعجل بالعقوبة. ### || [2.226] # قوله عز وجل: { للذين يؤلون من نسائهم } يؤلون أي يحلفون والألية اليمين ~~قال كثير: # قليل الألايا ms0268 حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت # والإيلاء في عرف الشرع، هو اليمين على ترك الوطء كما إذا قال: والله لا ~~أجامعك أو لا أباضعك أو لا أقربك قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية إذا طلب ~~الرجل من امرأته شيئا فأبت أن تعطيه حلف لا يقربها السنة والسنتين ~~والثلاث فيدعها لا أيما، ولا ذات بعل، فلما كان الإسلام جعل الله ذلك ~~للمسلمين أربعة أشهر، وأنزل هذه الآية، وقال سعيد بن المسيب: كان الإيلاء ~~ضرار أهل الجاهلية فكان الرجل يريد امرأته، ولا يحب أن يتزوجها غيره ~~فيحلف أن لا يقربها أبدا فيتركها لا أيما ولا ذات بعل، وكانوا عليه في ~~ابتداء الإسلام فجعل الله تعالى له الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في ~~المرأة أربعة أشهر، وأنزل هذه الآية للذين يؤلون من نسائهم { تربص } أي ~~اتنظار { أربعة أشهر } والتربص التثبت والانتظار. { فإن فاؤوا } أي رجعوا ~~عن اليمين بالوطء، والمعنى فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها { فإن ~~الله غفور رحيم } لزوج إذا تاب من إضراره بامرأته فإنه غفور رحيم لكل ~~التائبين. فروع تتعلق بحكم الآية: الفرع الأول: إذا حلف أنه لا يقرب ~~زوجته أبدا أو مدة هي أكثر من أربعة أشهر فهو مول، فإذا مضت أربعة أشهر، ~~يوقف الزوج، ويؤمر بالفيء وهو الرجوع أو الطلاق، وذلك بعد مطالبة الزوجة ~~فإن رجع عما قال بالوطء إن قدر عليه أو بالقول مع العجز عنه، فإن لم يفيء ~~ولم يطلق طلق عليه الحاكم واحدة، وهو قول عمر وعثمان وأبي الدرداء وابن ~~عمر، قال سليمان بن يسار: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم كلهم يقول: يوقف المولي. وذهب إليه سعيد بن جبير وسليمان بن يسار ~~ومجاهد. وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال ابن عباس وابن مسعود: ~~إذا مضت مدة أربعة أشهر يقع عليها طلقة بائنة. وبه قال سفيان الثوري وأبو ~~حنيفة وقال سعيد بن المسيب والزهري: يقع عليها طلقة رجعية. الفرع الثاني: ~~لو حلف أن لا يطأها أقل ms0269 من أربعة أشهر، فليس بمول بل هو حالف فإن وطئها ~~قبل مضي المدة لزمه كفارة يمين. الفرع الثالث: لو حلف أن لا يطأها أربعة ~~أشهر، فليس بمول بعد مضي المدة عند الشافعي لأن بقاء المدة شرط للوقوف، ~~وثبوت المطالبة بالفيء أو الطلاق، وقد مضت المدة، وعند أبي حنيفة يكون ~~موليا ويقع الطلاق بمضي المدة. الفرع الرابع: مدة الإيلاء أربعة أشهر في ~~حق الحر والعبد، جميعا عند الشافعي لأنها مدة ضربت لمعنى يرجع إلى الطبع ~~وهو قلة صبر المرأة عن الزوج فيستوي فيه الحر والعبد كمدة العنة وعن مالك ~~وأبي حنيفة تتنصف مدة الإيلاء بالرق غير أن عند أبي حنيفة تنتصف مدة ~~الإيلاء برق المرأة، وعند مالك برق الزوج كما في الطلاق. الفرع الخامس: ~~إذا وطئ خرج من الإيلاء ويجب عليه كفارة يمين، وهذا قول أكثر العلماء ~~وقيل: لا كفارة عليه لأن الله تعالى وعده المغفرة فقال: { فإن فاؤوا فإن ~~الله غفور رحيم } ومن قال: بوجوب الكفارة عليه، قال: ذلك في إسقاط ~~العقوبة عنه لا في الكفارة. ### || [2.227-228] # قوله تعالى: { وإن عزموا الطلاق } أي تحققوه بالإيقاع { فإن الله سميع } ~~يعني أي لأقوالهم { عليم } يعني بنيانهم وفيه دليل على أنها لا تطلق ما ~~لم يطلقها زوجها، لأنه تعالى شرط فيها العزم. قوله عز وجل: { والمطلقات } ~~أي المخليات من حبال أزواجهن والمطلقة هي التي أوقع الزوج عليها الطلاق { ~~يتربصن بأنفسهن } أي ينتظرن فلا يتزوجن { ثلاثة قروء } جمع قرء والقرء ~~اسم يقع على الحيض، والطهر، قال أبو عبيدة: الأقراء من الأضداد كالشفق ~~اسم للحمرة، والبياض وقيل: إنه حقيقة في الحيض مجاز في الطهر. وقيل: ~~بالعكس واختلفوا في أصله فقيل أصله الجمع من قرأ أي جمع لأن في وقت الحيض ~~يجتمع الدم في الرحم وفي وقت الطهر يجتمع في البدن وقيل: أصله الوقت. ~~يقال رجع فلان لقرئه أي لوقته الذي كان فيه لأن الحيض يأتي لوقت والطهر ~~يأتي لوقت وبحسب اختلاف أهل اللغة في الأقراء اختلف الفقهاء على قولين: ~~أحدهما أن الأقراء هي الحيض روى ms0270 ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس ~~وأبي موسى وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء، وبه قال عكرمة والضحاك والسدي ~~والأوزاعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وقال أحمد بن حنبل: كنت ~~أقول إن الأقراء هي الأطهار وأنا اليوم أذهب إلى أنها الحيض، القول ~~الثاني أنها الأطهار، يروى ذلك عن زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة وبه قال ~~الزهري وأبان بن عثمان ومالك والشافعي وحجة من يقول إن الأقراء هي الحيض # " قوله صلى الله عليه وسلم للمستحاضة دعي الصلاة أيام أقرائك " # يعني أيام حيضك لأن المرأة لا تدع الصلاة إلا أيام حيضها وحجة من يقول: ~~أنها الأطهار # " أن ابن عمر لما طلق امرأته وهي حائض قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~لعمر مرة فليراجعها حتى تطهر، ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلق قبل أن يمس ~~فتلك العدة، التي أمر الله أن يطلق لها " # فأخبر أن زمان العدة هو الطهر لا الحيض ويعضده من اللغة قول الأعشى: # ففي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عرائكا مورثة مالا وفي ~~الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا # أراد أنه كان يخرج للغزو ولم يغش نساءه فتضيع أقراؤهن وإنما تضيع بالسفر ~~زمان الطهر لا زمان الحيض، وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر، ~~وعند غيره أطول وذلك أن المعتدة إذا شرعت في الحيضة الثالثة فقد انقضت ~~عدتها، وحلت للأزواج ويحسب بقية الطهر الذي وقع فيه الطلاق قرءا على قول ~~من يجعل الأقراء الأطهار، قالت عائشة رضي الله عنها: إذا دخلت المطلقة في ~~الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلت للأزواج وروي عنها أنها قالت: ~~القرء الطهر ليس بالحيضة. # قال الشافعي: والنساء بهذا أعلم لأن هذا مما يبتلي به النساء وإن طلقها ~~في حال الحيض فإذا شرعت في الحيضة الرابعة انقضت عدتها، وعلى قول من يجعل ~~الأقراء حيضا وهو مذهب أبي حنيفة لا تنقضي عدتها ما لم تطهر من الحيضة ~~الثالثة. إن كان وقع الطلاق في حال الطهر أو من الحيضة ms0271 الرابعة، وإن وقع ~~في حال الحيض فإن قلت ما معنى الإخبار عنهن بالتربص في قوله: والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن. قلت: هو خبر في صورة الأمر، وأصل الكلام وليتربص ~~المطلقات فأخرج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن ~~يلتقي بالمسارعة إلى أمتثاله فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عن ~~موجود ونظيره قولهم في الدعاء: يرحمك الله أخرج في صورة الخبر ثقة ~~بالإجابة فكأنه قال: وجدت الرحمة فهو يخبر عنها. فصل في أحكام العدة وفيه ~~مسائل المسألة الأولى: عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل سواء المطلقة ~~والمتوفى عنها زوجها، وسواء في ذلك الحرة والأمة. المسألة الثانية: عدة ~~المتوفى عنها سوى الحامل أربعة أشهر وعشرة أيام سواء مات عنها زوجها قبل ~~الدخول أو بعده وسواء في ذلك الحيض والأمة والآيسة. المسألة الثالثة: عدة ~~المطلقة المدخول بها وهي ضربان: أحدهما الحيض فعدتها بالإقراء، وهي ثلاثة ~~أقراء الضرب الثاني الآيسات من الحيض وإما الكبر، أو تكون لم تحض قط ~~فعدتها ثلاثة أشهر وأما المطلقة قبل الدخول فلا عدة عليها. المسألة ~~الرابعة: عدة الإماء نصف عدة الحرائر فيما له نصف وفي الأقراء قرآن لأنه ~~لا يتنصف قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ينكح العبد اثنتين ويطلق ~~طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين وقوله تعالى: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق ~~الله في أرحامهن } قال ابن عباس: يعني الولد، وقيل: الحيض والمعنى أنه لا ~~يحل للمرأة كتمان ما خلق الله في رحمها من الحيض أو الحمل لتبطل بذلك ~~الكتمان حق الزوج من الرجعة والولد { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } ~~هذا وعيد شديد لتأكيد تحريم الكتمان وإيجاب أداء الأمانة في الإخبار عما ~~في الرحم من الحيض أو الولد، والمعنى أن هذا من فعل المؤمنات وإن كانت ~~المؤمنة والكافرة فيه سواء، فهو كقولك أد حقي إن كنت مؤمنا يعني أن ~~أداء الحقوق من أفعال المؤمنين وتقول للذي يظلم: إن كنت مؤمنا فلا ~~تظلمني والمعنى ينبغي أن يمنعك إيمانك من الظلم، وفي سبب وعيد النساء ~~بهذا ms0272 قولان أحدهما أنه لأجل ما يستحقه الزوج من الرجعة. قاله ابن عباس: ~~والثاني أنه لأجل إلحاق الولد بغير أبيه قاله قتادة وقيل: كانت المرأة ~~إذا رغبت في زوجها تقول: إني حائض وإن كانت قد طهرت ليراجعها وإن كانت ~~زاهدة فيه كتمت خيضها وتقول قد طهرت لتفوته فنهاهن الله عن ذلك وأمرن ~~بأداء الأمانة { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } يعني أزواجهن سمي الزوج ~~بعلا لقيامه بأمر زوجته، وأصل البعل السيد والمالك والمعنى وأزواجهن ~~أولى برجعتهن وردهن إليهم في ذلك أي في حال العدة فإذا انقضى وقت العدة ~~فقد بطل حق الرد والرجعة { إن أرادوا إصلاحا } يعني إن أراد الزوج ~~بالرجعة الإصلاح وحسن العشرة لا الإضرار بهن، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا ~~يراجعون، ويريدون بذلك الإضرار فنهى الله المؤمنين عن مثل ذلك، وأمرهم ~~بالإصلاح وحسن العشرة بعد الرجعة { ولهن } يعني وللنساء على الأزواج { ~~مثل الذي عليهن } يعني للأزواج { بالمعروف } وذلك أن حق الزوجية لا يتم ~~إلا إذا كان كل واحد منهما يراعي حق الآخر فيما له، وعليه فيجب على الزوج ~~أن يقوم بجميع حقها، ومصالحها ويجب على الزوجة الانقياد والطاعة له، قال ~~ابن عباس في معنى الآية: إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي ~~لأن الله تعالى قال: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } م عن جابر أنه ذكر ~~خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وقال: فيها قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانات الله واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك ~~فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ". # قوله: " فاتقوا الله في النساء " فيه الحث على الوصية بهن ومراعاة ~~حقوقهن ومعاشرتهن بالمعروف. قوله: " فإنكم أخذتموهن بأمانات الله " ويروى ~~بأمانة وقوله: " واستحللتم فروجهن بكلمة الله " معناه بإباحة الله ~~والكلمة هي قوله: # فانكحوا ما طاب لكم من النساء # [النساء: 3] وقيل: الكلمة هي قوله # فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان # [البقرة: 229] وقيل: الكلمة ms0273 هي كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم وقوله: لا يوطئن فرشكم أحدا ~~تكرهونه معناه ولا يأذن لأحد أن يتحدث إليهن، وكان من عادة العرب أن ~~يتحدث الرجال مع النساء ولا يرون ذلك عيبا ولا يعدونه ريبة إلى أن نزلت ~~آية الحجاب فنهوا عن ذلك وليس المراد بوطء الفرش نفس الزنا فإن ذلك محرم ~~على كل الوجوه، فلا معنى لاشتراط الكراهة فيه، ولو كان المراد ذلك لم يكن ~~الضرب فيه ضربا غير مبرح إنما كان فيه الحد، والضرب المبرح هو الشديد. ~~وقوله: ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف يعني العدل وفيه وجوب نفقة ~~الزوجة، وكسوتها وذلك ثابت بالإجماع. وقوله تعالى: { وللرجال عليهن درجة ~~} أي منزلة ورفعة قال ابن عباس: بما ساق إليها من المهر وأنفق عليها من ~~المال. وقيل: إن فضيلة الرجال على النساء بأمور منها العقل والشهادة ~~والميراث والدية وصلاحية الإمامة والقضاء وللرجل أن يتزوج عليها ويتسرى، ~~وليس لها ذلك وبيد الرجل الطلاق فهو قادر على تطليقها وإذا طلقها رجعية ~~فهو قادر على رجعتها وليس شيء من ذلك بيدها { والله عزيز } أي غالب لا ~~يمتنع عليه شيء { حكيم } أي في جميع أفعاله وأحكامه. # روى البغوي بسنده عن أبي ظبيان أن معاذ بن جبل خرج في غزاة بعثه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيها، ثم رجع فرأى رجالا يسجد بعضهم لبعض فذكر ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ". ### || [2.229] # قوله عز وجل: { الطلاق مرتان } عن عروة بن الزبير قال: كان الرجل إذا ~~طلق زوجته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها، كان له ذلك وإن طلقها ألف مرة، ~~فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ارتجعها ثم قال: ~~والله لا آويك إلي ولا تحلين أبدا فأنزل الله تعالى: { الطلاق مرتان ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } فاستقبل الناس الطلاق جديدا من ذلك ~~اليوم من كان طلق أو ms0274 لم يطلق أخرجه الترمذي. وله عن عائشة قالت: كان ~~الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء الله أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها ~~وهي في العدة وإن طلقها مائة أو أكثر حتى قال رجل لامرأته: والله لا ~~أطلقك فتبيني مني ولا آويك أبدا. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك فكلما همت ~~عدتك أن تنقضي راجعتك فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها فسكتت ~~عائشة حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فسكت النبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى نزل القرآن { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ~~} قالت عائشة: فاستأنف الطلاق مستقبلا من كان قد طلق ومن لم يطلق، ومعنى ~~الآية أن الطلاق الرجعي مرتان ولا رجعة بعد الثالثة إلا أن تنكح زوجا ~~أخر، وهذا التفسير هو قول من جوز الجمع بين الطلاق الثلاث في دفعة واحدة ~~وهو الشافعي، وقيل في معنى الآية: إن التطليق الشرعي يجب أن يكون تطليقة ~~بعد تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة وهذا ~~التفسير هو قول من قال: إن الجمع بين الثلاثة حرام إلا أن أبا حنيفة قال: ~~يقع الثلاث وإن كان حراما وقيل: إن الآية دالة على عدد الطلاق الذي يكون ~~للرجل فيه الرجعة على زوجته والعدد الذي تبين به زوجته منه، والمعنى أن ~~عدد الطلاق الذي لكم فيه رجعة على أزواجكم إذا كن مدخولا بهن تطليقتان، ~~وأنه لا رجعة له بعد التطليقتين إن سرحها فطلقها الثالثة { فإمساك بمعروف ~~} يعني بعد الرجعة وذلك أنه إذا راجعها بعد التطليقة الثانية فعليه أن ~~يمسكها بالمعروف وهو كل ما عرف في الشرع من أداء حقوق النكاح وحسن الصحبة ~~{ أو تسريح بإحسان } يعني أنه يتركها بعد الطلاق حتى تنقضي عدتها من غير ~~مضارة. وقيل هو أنه إذا طلقها أدى إليها جميع حقوقها المالية ولا يذكرها ~~بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها. فروع: تتعلق بأحكام الطلاق: ~~الفرع الأول: صريح اللفظ الذي يقع به الطلاق، من غير نية ثلاث الطلاق ~~والفراق والسراح، وعند أبي حنيفة الصريح ms0275 هو لفظ الطلاق فقط. الفرع ~~الثاني: الحر إذا طلق زوجته طلقة أو طلقتين بعد الدخول بها فله مراجعتها ~~من غير رضاها ما دامت في العدة فإذا لم يراجعها حتى انقضت عدتها أو طلقها ~~قبل الدخول بها أو خالعها، فلا تحل له إلا بنكاح جديد بإذنها وإذن وليها. # الفرع الثالث: العبد يملك على زوجته الأمة تطليقتين. واختلف فيما إذا ~~كان أحد الزوجين حرا فالحر يملك على زوجته الأمة ثلاث تطليقات، والعبد ~~يملك على زوجته الحرة تطليقتين فالاعتبار بحال الزوج في عدد الطلاق وبه ~~قال الشافعي ومالك وأحمد وذهب أبو حنيفة إلى أن الاعتبار بالمرأة فالعبد ~~يملك على زوجته الحرة ثلاث تطليقات، والحر يملك على زوجته الأمة تطليقتين ~~{ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن } يعني أعطيتموهن شيئا يعني من ~~مهر أو غيره، ثم استثنى الخلع فقال تعالى: { إلا أن يخافا أن لا يقيما ~~حدود الله } نزلت في جميلة بنت عبدالله بن أبي أوفى ويقال حبيبة بنت سهل ~~الأنصاري كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها، وكان ~~بينهما كلام فأتت أباها تشكو إليه زوجها وقالت: إنه يسب أبي ويضربني ~~فقال: ارجعي إلى زوجك فإنى أكره للمرأة أن لا تزال رافعة يديها تشكو ~~زوجها قال: فرجعت إليه الثالثة وبها أثر الضرب فقال: ارجعي إلى زوجك فلما ~~رأت إن أباها لا يشكيها # " أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه زوجها وأرته أثارا بها ~~من ضربه وقالت: يا رسول الله لا أنا ولا هو فأرسل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى ثابت فقال: مالك ولأهلك فقال: والذي بعثك بالحق نبيا ما ~~على وجه الأرض أحب إلى منها غيرك فقال: لها ما تقولين؟ فكرهت أن تكذب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألها فقالت: صدق يا رسول الله ولكني ~~خشيت أن يهلكني فأخرجني منه. وقالت: يا رسول الله ما كنت أحدثك حديثا ~~ينزل عليك خلافه هو أكرم الناس حبا لزوجته ولكني أبغضه فلا أنا ولا هو ~~قال ثابت ms0276 أعطيتها حديقة نخل فقل لها فلتردها علي، وأخلي سبيلها، فقال ~~لها: تردين عليه حديقته وتملكين أمرك قالت: نعم فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يا ثابت خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها " # ففعل. خ عن ابن عباس # " أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول ~~الله إن ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا مال ولكني أكره الكفر في ~~الإسلام. قال أبو عبدالله: يعني تبغضه: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: تردين عليه حديقته؟ قالت: نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~اقبل الحديقة وطلقها تطليقة " # قوله: ما أعتب عليه يعني ما أجد عليه والعتبى الموجدة والحديقة البستان ~~من البخل إذا كان عليه الحائط ومعنى قوله تعالى: { إلا أن يخافا } أي ~~يعلما الزوجان من أنفسهما أن لا يقيما حدود الله والمعنى تخاف المرأة ان ~~تعصي الله في أمور زوجها، ويخاف الزوج أنه إذا لم تطعه أن يعتدي عليها، ~~فنهى الله الرجل أن يأخذ من امرأته شيئا مما أعطاها إلا أن يكون النشوز ~~من قبلها، وذلك أن تقول لا أطيع لك أمرا ولا أطأ لك مضجعا، ونحو ذلك، ~~وقرئ يخافا بضم الياء، ومعناه إلا أن يعلم ذلك من حالهما يعني يعلم ~~القاضي والوالي { فإن خفتم } يعني فإن خشيتم وأشفقتم، وقيل: معناه فإن ~~ظننتم { ألا يقيما حدود الله } يعني ما أوجب الله على كل واحد منهما من ~~طاعته فيما أمره به من حسن الصحبة، والمعاشرة بالمعروف وقيل: هو يرجع إلى ~~المرأة وهو سوء خلقها واستخفافها بحق زوجها { فلا جناح عليهما فيما افتدت ~~به } أي لا جناح على المرأة في النشوز إذا خشيت الهلاك، والمعصية فيما ~~افتدت به نفسها أو أعطت من المال لأنها ممنوعة من إتلاف المال بغير حق، ~~ولا على الزوج فيما أخذ من المال إذا أعطته المرأة طائعة راضية. # فصل: في حكم الخلع وفيه مسائل الأولى: قال الزهري والنخعي وداود: لا ~~يباح الخلع إلا عند الغضب والخوف من أن ms0277 لا يقيما حدود الله فإن وقع الخلع ~~في غير هذه الحالة فهو فاسد، وحجة هذا القول: أن الآية صريحة في أنه لا ~~يجوز للزوج أن يأخذ من المرأة شيئا عند طلاقها، ثم استثنى الله تعالى ~~حالة مخصوصة فقال: { إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله } فكانت هذه ~~صريحة في أنه لا يجوز الأخذ في غير حالة الغضب، والخوف من أن لا يقيما ~~حدود الله، وذهب جمهور العلماء إلى أنه يجوز الخلع من غير نشوز ولا غضب، ~~غير أنه يكره لما فيه من قطع الوصلة بلا سبب عن ثوبان أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة " # أخرجه أبو داود والترمذي. عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " # أخرجه أبو داود ودليل الجمهور على جواز الخلع من غير نشوز قوله تعالى: { ~~فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } فإذا جاز لها أن تهب ~~مهرها من غير أن يحصل لها شيء فإذا بذلت كان ذلك في الخلع الذي تصير ~~بسببه مالكة أمر نفسها أولى. وأجيب عن الاستثناء المذكور في هذه الآية ~~أنه محمول على الاستثناء المنقطع. المسألة الثانية: الخلع جائز على أكثر ~~مما أعطاها وبه قال أكثر العلماء، وقال بعضهم: لا يجوز أن يأخذ أكثر مما ~~أعطاها وهو قول علي، وبه قال الزهري والشعبي والحسن وعطاء وطاوس وقال ~~سعيد بن المسيب: بل يأخذ دون ما أعطاها حتى يكون الفضل فيه وحجة الجمهور ~~أن الخلع عقد على معاوضة، فوجب أن لا يقيد بمقدار معين كما أن للمرأة أن ~~لا ترضى عند عقد النكاح إلا بالكثير فكذلك للزوج أن لا يرضى عند الخلع ~~إلا بالبذل الكثير، لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف بالزوج حيث أظهرت بغضه ~~وكراهته. # المسألة الثالثة: اختلف العلماء في الخلع هل هو فسخ أو طلاق؟ فقال ~~الشافعي في القديم: إنه فسخ وهو قول ابن عباس وطاوس وعكرمة. وبه ms0278 قال أحمد ~~وإسحاق وأبو ثور وقال الشافعي في الجديد: إنه طلاق وهو الأظهر وهو قول ~~عثمان وعلي وابن مسعود والحسن والشعبي والنخعي وعطاء وابن المسيب ومجاهد ~~ومكحول والزهري، وبه قال أبو حنيفة ومالك وسفيان الثوري. وحجة القول ~~القديم أن الله تعالى ذكر الطلاق مرتين ثم ذكر بعده الخلع ثم ذكر الطلقة ~~الثالثة. ### || [2.230] # { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } ولو كان الخلع ~~طلاقا لكان الطلاق أربعا وحجة القول الجديد أنه لو كان فسخا لما صح ~~بالزيادة على المهر المسمى كالإقالة في البيع وأيضا لو كان الخلع فسخا ~~فإذا خالعها ولم يذكر مهرا وجب أن يجب المهر عليها كالإقالة، فإن الثمن ~~يجب رده وإن لم يذكره فثبت أن الخلع ليس بفسخ وإذا بطل ذلك ثبت أنه طلاق ~~وأيضا فإن الطلقة الثالثة قوله: أو تسريح بإحسان. وفائدة الخلاف أنا إذا ~~جعلناه طلاقا ينقص به عدد الطلاق فإن تزوجها بعده كانت معه على طلقتين ~~وإن جعلناه فسخا بانت منه بثلاث. قوله تعالى: { تلك حدود الله } يعني ~~هذه أوامر الله ونواهيه وهو ما تقدم من أحكام الطلاق والرجعة والخلع ~~وحدود الله ما منع من مجاوزتها وهو قوله: { فلا تعتدوها } أي فلا ~~تجاوزوها { ومن يتعد حدود الله } أي يجاوزها { فأولئك هم الظالمون } قوله ~~عز وجل: { فإن طلقها } يعني الطلقة الثالثة { فلا تحل له من بعد } أي لا ~~تحل له رجعتها بعد الثلاث { حتى تنكح زوجا غيره } يعني حتى تتزوج زوجا ~~آخر غير المطلق فيجامعها، والنكاح يتناول العقد والوطء جميعا والمراد ~~هنا الوطء، نزلت في تميمة وقيل: عائشة بنت عبدالرحمن بن عتيك القرظي ~~وكانت تحت ابن عمها رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي فطلقها ثلاثا ق عن ~~عائشة قالت: # " جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني ~~كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت بعده عبدالرحمن بن الزبير وإنما ~~معه مثل هدبة الثوب فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " أتريدين ~~أن ترجعي إلى رفاعة ms0279 لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته " # قولها: فبت طلاقي أي قطعه والبت القطع وقولها: مثل هدبة الثوب أي طرفة ~~وهو كناية عن استرخاء الذكر قوله: حتى يذوق عسيلتك بضم العين تصغير العسل ~~شبه لذة الجماع بالعسل وهو كناية عنه وإنما أنث العسل لأن من العرب من ~~يؤنثه، وقيل: أنثه حملا له على المعنى، لأن المراد منه النطفة، ~~وعبدالرحمن المذكور هو عبدالرحمن بن الزبير بفتح الزاي وكسر الباء مشددة، ~~وروي أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: إن زوجي قد مسني فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: # " كذبت بقولك الأول فلن أصدقك في الآخر " # ، فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر فقالت يا ~~خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجع إلى زوجي الأول فإن زوجي الآخر ~~قد مسني وطلقني، فقال لها أبو بكر: قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين أتيته وقال له ما قالت لك ما قال فلا ترجعي إليه، فلما قبض أبو بكر ~~أتت عمر وقالت له ما قالت لأبي بكر فقال لها: لئن رجعت إليه لأرجمنك. # قوله تعالى: { فإن طلقها } يعني الزوج الثاني بعد وطئها { فلا جناح ~~عليهما } يعني على المرأة والزوج الأول { أن يتراجعا } يعني بنكاح جديد { ~~إن ظنا } أي علما وأيقنا وقيل: إن رجوا لأن أحدا لا يعلم ما هو كائن ~~إلا الله تعالى: { أن يقيما حدود الله } يعني يقيما بينهما الصلاح وحسن ~~العشرة والصحبة وقيل: معناه إن علما أن نكاحها على غير دلسة، والمراد ~~بالدلسة التحليل. فرعان: الأول: مذهب جمهور العلماء أن المطلقة بالثلاث ~~لا تحل للزوج المطلقة منه بالثلاث إلا بشرائط، وهي أن تعتد منه ثم تتزوج ~~بزوج آخر ويطأها، ثم يطلقها، ثم تعتد منه، فإذا حصلت هذه الشرائط فقد حلت ~~للأول وإلا فلا، وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب: تحل بمجرد العقد ~~والمذهب الأول هو الأصح، واختلف العلماء في اشتراط الوطء هل ثبت بالكتاب ~~أو ms0280 بالسنة؟ على ثلاثة أقوال: الثالث وهو المختار أنه ثبت بهما الثاني إذا ~~تزوج بالمطلقة ثلاثة ليحلها للأول فهذا نكاح باطل وعقد فاسد وبه قال: ~~مالك وأحمد لما روي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنه لعن المحلل والمحلل له " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وروي أنه قال هو التيس المستعار ولو ~~تزوجها ولم يشترط في النكاح أنه يفارقها فالنكاح صحيح ويحصل به التحليل ~~إذا طلقها وانقضت العدة غير أنه يكره إذا كان في عزمهما ذلك، وبه قال ~~الشافعي وأبو حنيفة، ودليل ذلك أن الآية دلت على أن الحرمة تنتهي بوطء ~~مسبوق بعقد وقد وجد ذلك فوجب القول بانتهاء الحرمة، وقال نافع: " أتى رجل ~~إلى ابن عمر فقال: إن رجلا طلق امرأته ثلاثا فانطلق أخ له من غير ~~مؤامرة فتزوجها ليحلها للأول فقال: لا إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا ~~سفاحا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " وقوله تعالى: { وتلك حدود ~~الله يبينها لقوم يعلمون } يعني يعلمون ما أمرهم به ونهاهم عنه، وإنما خص ~~العلماء لأنهم هم الذين ينتفعون بذلك البيان. ### || [2.231] # قوله عز وجل: { وإذا طلقتم النساء } نزلت في ثابت بن يسار رجل من ~~الأنصار طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها يقصد بذلك ~~مضارتها { فبلغن أجلهن } أي قاربن انقضاء عدتهن وشارفن منتهاها، ولم ~~يرد انقضاء العدة لأنه لو انقضت عدتها لم يكن للزوج إمساكها فالبلوغ هنا ~~بلوغ مقاربة كما يقال: بلغ فلان البلد إذا قاربه وشارفه، فهذا من باب ~~المجاز الذي يطلق اسم الكل فيه على الأكثر. وقيل إن الأجل اسم للزمان ~~فيحمل على الزمان الذي هو آخر زمان يمكن إيقاع الرجعة، فيه بحيث إذا فات ~~لا يبقى بعده مكنة إلى الرجعة وعلى هذا التأويل فلا حاجة لنا إلى المجاز ~~{ فأمسكوهن } أي راجعوهن { بمعروف } وهو أن يشهد على رجعتها وأن يراجعها ~~بالقول لا بالوطء { أو سرحوهن بمعروف } أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهم ~~فيملكن أنفسهن { ولا تمسكوهن ضرارا } أي لا تقصدوا ms0281 بالرجعة المضارة ~~بتطويل الحبس. وقيل: كانوا يضاروهن لتفتدي المرأة منه بمالها { لتعتدوا } ~~أي لتظلموهن بمجاوزتكم في أمورهن حدود الله التي بينها لكم. وقيل معناه: ~~لا تضاروهن على قصد الاعتداء عليهن { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه } أي ضر ~~نفسه بمخالفة أمر الله وتعريضها عذاب الله { ولا تتخذوا آيات الله هزوا ~~} يعني بذلك ما بين من حلاله وحرامه وأمره ونهيه في وحيه وتنزيله، فلا ~~تتخذوا ذلك استهزاء ولعبا، فمن وجب عليه طاعة الله وطاعة رسوله ثم وصل ~~إليه هذه الأحكام التي تقدم ذكرها في العدة والرجعة والخلع وترك المضارة ~~فلا يتخذها هزوا، ففيه تهديد عظيم ووعيد شديد، وقيل: هو راجع إلى قوله ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، فكل من خالف أمرا من أمور الشرع فهو ~~متخذ آيات الله هزوا. وقيل: كان الرجل يطلق ويعتق ويتزوج ويقول كنت ~~لاعبا فنهوا عن ذلك. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة " # أخرجه أبو داود والترمذي. وقوله تعالى: { واذكروا نعمة الله عليكم } ~~يعني بالإيمان الذي أنعم به الله عليكم فهداكم له وسائر نعمه التي أنعم ~~بها عليكم { وما أنزل عليكم } أي واذكروا نعمته فيما أنزله عليكم { من ~~الكتاب } يعني القرآن { والحكمة } يعني السنة التي علمها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وسنها لكم. وقيل: المراد بالحكمة مواعظ القرآن { يعظكم به ~~} أي بالكتاب الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم { واتقوا الله } ~~يعني خافوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه { واعلموا أن الله بكل شيء ~~عليم } يعني أن الله تعالى يعلم ما أخفيتم من طاعة ومعصية في سر وعلن لا ~~يخفى عليه شيء من ذلك. ### || [2.232] # قوله عز وجل: { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن } نزلت في معقل بن يسار ~~المزني عضل أخته جميلة، وكانت تحت أبي القداح عاصم بن عدي فطلقها معقل بن ~~يسار قال: كانت لي أخت تخطب إلي وأمنعها من الناس فأتاني ابن عم لي ~~فأنكحتها إياه فاصطحبا ما شاء الله ms0282 ثم طلقها طلاقا له رجعة ثم تركها حتى ~~انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتاني يخطبها مع الخطاب، فقلت له: خطبت إلي ~~فمنعتها الناس وآثرتك بها فزوجتك ثم طلقتها طلاقا لك فيه رجعة، ثم ~~تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب والله لا ~~أنكحها لك أبدا، ففي ذلك نزلت هذه الآية: { وإذا طلقتم النساء فبلغن ~~أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } الآية، فكفرت عن يميني وأنكحتها ~~إياه أخرجه البخاري، وقيل إن جابر بن عبدالله كانت له ابنة عم فطلقها ~~زوجها تطليقة، فلما انقضت عدتها أراد أن يرتجعها فأبى جابر وقال: طلقت ~~ابنة عمنا ثم تريد أن تنكحها الثانية، وكانت المرأة تريد زوجها قد رضيته ~~فنزلت هذه الآية: وأراد ببلوغ الأجل في قوله { فبلغن أجلهن } انقضاء ~~العدة بخلاف الآية التي قبل هذه الآية. قال الشافعي: دل اختلاف الكلامين ~~على افتراق البلوغين { فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } خطاب للأولياء، ~~والمعنى لا تضيقوا عليهن أيها الأولياء، فتمنعوهن من مراجعة أزواجهن ~~بنكاح جديد تبتغون بذلك مضارتهن فهو خطاب عام لجميع الأولياء، وإن كان ~~سبب الآية خاصا. وأصل العضل المنع والتضييق ومنه قول أوس بن حجر: # وليس أخوك الدائم العهد بالذي يذمك إن ولى ويرضيك مقبلا ولكنه النائي ~~إذا كنت آمنا وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا # يعني إذا أضاق الأمر، وفي الآية دليل للشافعي ومن وافقه في أن المرأة لا ~~تلي عقد النكاح ولا تأذن فيه إذ لو كانت تملك ذلك لم يكن عضل ولا لنهي ~~الولي عن العضل معنى، وقوله تعالى: { إذا تراضوا بينهم بالمعروف } يعني ~~إذا تراضى الخطاب والنساء، والمعروف هنا ما وافق الشرع من عقد حلال ومهر ~~جائز. وقيل هو أن يرضى كل واحد منهما بما التزمه لصاحبه بحق العقد حتى ~~تحصل الصحبة الحسنة والعشرة الجميلة { ذلك } أي ذلك الذي ذكر من النهي { ~~يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر } يعني أن المؤمن هو الذي ~~ينتفع بالوعظ دون غيره { ذلكم أزكى لكم وأطهر } يعني أنه خير لكم ms0283 وأطهر ~~لقلوبكم وأطيب عند الله { والله يعلم } يعني ما في ذلك من الزكاة ~~والتطهير { وأنتم لا تعلمون } يعني ذلك. ### || [2.233] # قوله عز وجل: { والوالدات } يعني المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن ~~وقيل المراد بهن جميع الوالدت سواء كن مطلقات أو متزوجات، ويدل عليه أن ~~اللفظ عام، وما قام على دليل التخصيص فوجب تركه على عمومه، ولأنه ظاهر ~~اللفظ فوجب حمله عليه { يرضعن أولادهن } هذا خبر بمعنى الأمر، والتقدير ~~والوالدات يرضعن أولادهن في حكم الله الذي أوجبه، وهذا الأمر ليس أمر ~~إيجاب، وإنما هو أمر ندب واستحباب لأن تربية الطفل بلبن الأم أصلح له من ~~لبن غيرها ولكمال شفقتها عليه ويدل على أنه لا يجب على الوالدة إرضاع ~~الولد. قوله: { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } ولو وجب عليها الرضاع لما ~~استحقت الأجرة وقال تعالى: { وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } هذا نص صريح ~~في ذلك، فإن لم يوجد من يرضع الطفل أو لم يقبل غير لبن أمه وجب عليها ~~إرضاعه كما يجب على كل أحد مواساة المضطر، فإن رغبت الأم في إرضاع ولدها، ~~فهي أولى به من غيرها { حولين كاملين } الحول السنة، وأصله من حال يحول ~~إذا انقلب، وإنما قال كاملين للتوكيد لأنه مما يتسامح فيه، تقول: أقمت ~~عند فلان حولا وإن لم تستكمله، فبين الله أنهما حولان كاملان أربعة ~~وعشرون شهرا، وهذا التحديد بالحولين ليس تحديد إيجاب، ويدل على ذلك قوله ~~بعده: { لمن أراد أن يتم الرضاعة } فلما علق الإتمام بإرادتنا علمنا أن ~~هذا الإتمام غير واجب، فثبت أن المقصود من هذا التجديد قطع النزاع بين ~~الزوجين في مقدار زمن الرضاعة فقدر الله تعالى ذلك بالحولين حتى يرجعا ~~إليه عند التنازع، قال ابن عباس في رواية عكرمة: إذا وضعت الولد لستة ~~أشهر أرضعته حولين وإن وضعته لسبعة أشهر أرضعته ثلاثا وعشرين شهرا، وإن ~~وضعته لتسعة أشهر أرضعته أحدا وعشرين شهرا، كل ذلك ثلاثون شهرا، لقوله ~~تعالى: { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } وقال في رواية الوالي عنه: هو حد ~~لكل مولود في أي ms0284 وقت ولد لا ينقص رضاعه عن حولين إلا باتفاق من الأبوين، ~~فأيهما أراد فطام الولد قبل الحولين فليس له ذلك إلا إذا اتفقا عليه يدل ~~على ذلك قوله: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما } وقيل: فرض الله على ~~الوالدات إرضاع الولد حولين ثم أنزل التخفيف فقال: لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة، أي هذا منتهى الرضاع لمن أراد إتمام الرضاعة، وليس فيما دون ذلك ~~حد محدود، وإنما هو على مقدار إصلاح الطفل وما يعيش به { وعلى المولود له ~~} يعني الأب، وإنما عبر عنه بهذا لأن الوالدات إنما ولدن للآباء، ولذلك ~~ينسب الولد للأب دون الأم قال بعضهم: # وإنما أمهات الناس أوعية مستودعات وللآباء أبناء # وقيل: إن هذا تنبيه على أن الولد إنما يلتحق بالوالد لكونه مولود على ~~فراشه، فكأنه قال: إذا ولدت المرأة الولد لأجل الرجل وعلى فراشه وجب عليه ~~رعاية مصالحه { رزقهن } أي طعامهن { وكسوتهن } أي لباسهن { بالمعروف } أي ~~على قدر الميسرة { لا تكلف نفس إلا وسعها } يعني طاقتها، والمعنى أن أبا ~~الولد لا يكلف في الإنفاق عليه وعلى أمه إلا قدر ما تتسع به مقدرته ولا ~~يبلغ إسراف القدرة { لا تضار والدة بولدها } يعني لا ينزع الولد من أمه ~~بعد أن رضيت بإرضاعه ولا يدفع إلى غيرها وقيل معناه لا تكره الأم على ~~إرضاع الولد إذا قبل الصبي لبن غيرها لأن ذلك ليس بواجب عليها { ولا ~~مولود له بولده } يعني لا تلقي المرأة الولد إلى أبيه وقد ألفها تضاره ~~بذلك، وقيل معناه لا يلزم الأب أن يعطي أم الولد أكثر مما يجب عليه لها ~~إذا لم يرضع الولد من غير أمه، فعلى هذا يرجع الضرار إلى الوالدين فيكون ~~المعنى: لا يضار كل واحد منهما صاحبه بسبب الولد. وقيل يحتمل أن يكون ~~الضرر راجعا إلى الولد. والمعنى: لا يضار لكل واحد من الأبوين الولد فلا ~~ترضعه حتى يموت فيتضرر بذلك ولا ينفق عليه الأب أو ينزعه من أمه فيضره ~~بذلك، فعلى هذا تكون الباء صلة، والمعنى لا تضار والدة ولدها ms0285 ولا أب ولده ~~{ وعلى الوارث مثل ذلك } يعني وعلى وارث أبي الولد إذا مات مثل ما كان ~~يجب عليه من النفقة والكسوة فيلزم وارث الأب أن يقوم مقامه في القيام بحق ~~الولد. وقيل: المراد بالوارث وارث الصبي الذي لو مات الصبي ورثه فعلى هذا ~~الوارث مثل ما كان على أبي الصبي في حال حياته، واختلف في أي وارث هو ~~فقيل هم عصبة الصبي كالجد والأخ والعم وابنه. وقيل: هو كل وارث له من ~~الرجال والنساء، وبه قال أحمد: فيجبرون على نفقة الصبي كل على قدر سهمه ~~منه. وقيل هو من كان ذا رحم محرم منه وبه قال أبو حنيفة. وقيل المراد ~~بالوارث الصبي نفسه، فعلى هذا تكون أجرة رضاع الصبي في ماله فإن لم يكن ~~له مال فعلى الأم ولا يجبر على نفقة الصبي غير الأبوين، وبه قال مالك ~~والشافعي. وقيل معناه على الوارث ترك المضارة { فإن أرادا } يعني ~~الوالدين { فصالا } يعني فطام الولد قبل الحولين { عن تراض منهما } أي ~~على اتفاق من الوالدين في ذلك { وتشاور } أي يشاورون أهل العلم في ذلك ~~حتى يخبروا أن الفطام قبل الحولين لا يضر بالولد، والمشاورة استخراج ~~الرأي بما فيه مصلحة { فلا جناح عليهما } أي فلا حرج ولا إثم على ~~الوالدين في الفطام قبل الحولين إذا لم يضر بالولد { وإن أردتم أن ~~تسترضعوا أولادكم } أي لأولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم ~~إرضاعهم أو تعذر ذلك لعلة بهن من انقطاع لبن أو غير ذلك أو أردن التزويج ~~{ فلا جناح عليكم إذا سلمتم } يعني إلى المراضع { ما آتيتم } يعني لهن من ~~أجرة الرضاع وقيل إذا سلمتم إلى أمهاتهم من أجرة الرضاع بقدر ما أرضعن { ~~بالمعروف } أي بالإحسان والإجمال أمروا أن يكونوا عند تسليم الأجرة ~~مستبشري الوجوه ناطقين بالقول الجميل مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن حتى ~~يؤمن من تفريطهن بقطع معاذيرهن { واتقوا الله } يعني وخافوا الله فيما ~~فرض عليكم من الحقوق وفيما أوجب عليكم لأولادكم { واعلموا أن الله بما ~~تعملون بصير } يعني لا يخفى عليه ms0286 خافية من جميع أعمالكم سرها وعلانيتها، ~~فإنه تعالى يراها ويعلمها. ### || [2.234] # قوله عز وجل: { والذين يتوفون } يعني يموتون { منكم } وأصل التوفي أخذ ~~الشيء وافيا، فمن مات فقد استوفى عمره كاملا، ويقال توفي فلان يعني قبض ~~وأخذ { ويذرون } أي ويتركون { أزواجهن } والمراد بالأزواج هنا النساء لأن ~~العرب تطلق اسم الزوج على الرجل والمرأة { ويتربص } أي ينتظرن { بأنفسهن ~~أربعة أشهر وعشرا } يعني قدر هذه المدة وإنما قال عشرا بلفظ التأنيث ~~لأن العرب إذا أبهمت في العدد من الليالي والأيام غلبوا الليالي حتى إن ~~أحدهم ليقول: صمت عشرا من الشهر لكثرة تغليبهم الليالي على الأيام فإذا ~~أظهروا الأيام قالوا صمنا عشرة أيام وقيل إن هذه الأيام أيام حزن ولبس ~~إحداد فشبهها بالليالي على سبيل الاستعارة ووجه الحكمة في أن الله تعالى ~~حد العدة بهذا القدر لأن الولد يركض في بطن أمه لنصف مدة الحمل، يعني ~~يتحرك. وقيل: إن الروح ينفخ في الولد في هذه العشرة أيام، ويدل على ذلك ~~ما روي عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق ~~المصدوق: # " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ~~ذلك، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ~~ملكا يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح " # أخرجاه في الصحيحين بزيادة، فدل هذا الحديث على أن خلق الولد يجتمع في ~~مدة أربعة أشهر ويتكامل خلقه بنفخ الروح فيه في هذه الأيام الزائدة. فصل: ~~في حكم عدة المتوفي عنها زوجها والإحداد. وفي مسائل المسألة الأولى: عدة ~~المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر وعدة الأمة على نصف عدة الحرة شهران ~~وخمسة أيام، وبه قال جمهور العلماء، وقال أبو بكر الأصم: عدة الأمة كعدة ~~الحرائر وتمسك بظاهر هذه الآية، وعدة الحامل بوضع الحمل سواء فيه الحرة ~~والأمة، ولو وضعت بعد وفاة زوجها بلحظة حل لها أن تتزوج، ويدل على هذا ما ~~روي عن سبيعة الأسلمية أنها كانت ms0287 تحت سعد بن خولة وهو من بني عامر بن ~~لؤي، وكان ممن شهد بدرا، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تلبث ~~أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها ~~أبو السنابل بن بعكك رجل من بني عبد الدار فقال: ما لي أراك تجملت للخطاب ~~لعلك ترجين النكاح وإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر ~~وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت وأتيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين ~~وضعت حملي وأمرني بالتزويج إن بدا لي، أخرجاه في الصحيحين، وفيه قال ابن ~~شهاب: ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها غير أنه لا ~~يقربها حتى تطهر، فعلى هذا حكم الآية عام في كل من توفي عنها زوجها بأن ~~تعتد أربعة أشهر وعشرا، ثم خصص من هذا العموم أولات الأحمال بهذا الحديث ~~وبقوله تعالى: { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن }. # المسألة الثانية: يجب على من توفي عنها زوجها الإحداد، وهو ترك الزينة ~~والطيب ودهن الرأس بكل دهن والكحل المطيب، فإن اضطرت إلى كحل فيه زينة ~~فيرخص لها، وبه قال مالك وأبو حنيفة. وقال الشافعي: تكتحل به بالليل ~~وتمسحه بالنهار. عن أم سلمة قالت: # " دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت ~~علي صبرا فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ قلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس ~~فيه طيب، فقال: إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار ~~ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب. قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول ~~الله؟ قال:بالسدر تغلفين به رأسك " # أخرجه أبو داود وللنسائي نحوه. قوله " فإنه يشب الوجه " أي يوقده ويحسنه ~~وبنوره من شب النار إذا أوقدها. قوله " تغلفين به رأسك " أي تلطخين به ~~رأسك والتغلف هو الغمرة على وجه المرأة وكذا رأسها إذا لطخته بشيء فأكثرت ~~منه. ولا يجوز لها ms0288 لبس الديباج والحرير والحلي والمصبوغ للزينة كالأحمر ~~والأصفر ويجوز لها لبس ما صبغ لغير الزينة كالأسود والأزرق، ويجوز لها أن ~~تلبس البياض من الثياب والصوف والوبر ق عن زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت ~~على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان بن ~~حرب فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت به جارية ثم مست ~~بعارضيها ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: # " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ~~إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " # قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه ~~ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول على المنبر: # " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا ~~على زوج أربعة أشهر وعشرا " # م عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ~~إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا " # ق عن أم عطية قالت: " كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج ~~أربعة أشهر وعشرا ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب ~~عصب وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من حيضتها في نبذة من كست ~~أظفار " قولها: إلا ثوب عصب العصب بالعين واصاد المهملتين من البرود ~~الذي صبغ غزله قبل النسج. قولها: نبذة من كست. النبذة الشيء اليسير. ~~والكست لغة في القسط وهو شيء معروف يتبخر به. عن أم سلمة قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تلبس المتوفى عنها زوجها المعصفرة من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ~~ولا تختضب ولا تكتحل ولا تطيب " # أخرجه أبو داود. قولها: ولا الممشقة الثياب. الممشقة ms0289 هي المصبوغة بالمشق ~~وهي المغرة، عن نافع: " أن صفية بنت عبدالله اشتكت عينها وهي حاد على ~~زوجها ابن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمضان " أخرجه مالك في الموطأ. ~~المسألة الثالثة: اختلفوا في أن هذه المدة سببها الوفاة أو العلم ~~بالوفاة، فقال بعضهم: ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في ~~العدة، واحتجوا على ذلك بأن الله تعالى قال: { يتربصن بأنفسهن } وذلك لا ~~يحل إلا بالقصد إلى التربص ولا يحل ذلك إلا مع العلم. قال الجمهور: ~~السبب هو الموت فلو انقضت المدة أو أكثرها أو بعضها ثم بلغها خبر موت ~~الزوج وجب أن تعتد بما انقضى ويدل على ذلك أن الصغيرة التي لا علم لها ~~يكفي في انقضاء عدتها هذه المدة. المسألة الرابعة: أجمع العلماء على أن ~~هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول وإن كانت هذا الآية متقدمة ~~في التلاوة وسنذكر تمام الكلام عليه بعد في موضعه إن شاء الله تعالى، ~~والله أعلم. وقوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن } أي انقضت عدتهن { فلا جناح ~~عليكم } خطاب للأولياء لأنهم هم الذين يتولون العقد { فيما فعلن في ~~أنفسهن بالمعروف } يعني من التزين والتطيب والنقلة من المسكن الذي كانت ~~معتدة فيه ونكاح من يجوز لها نكاحه وقيل إنما عنى بذلك النكاح خاصة، وقيل ~~معنى قوله: { بالمعروف } هو النكاح الحلال الطيب. واحتج أصحاب أبي حنيفة ~~على جواز النكاح بغير ولي بهذه الاية لأن إضافة الفعل إلى الفاعل محمول ~~على المباشرة، وأجاب أصحاب الشافعي أن قوله تعالى: { فلا جناح عليكم } ~~للأولياء ولو صح العقد بغير ولي لما كان مخاطبا. وأجيب على قوله فيما ~~فعلن في أنفسهن إنما هو التزين والتطيب بعد انقضاء العدة لأنها تزوج ~~نفسها { والله بما تعملون خبير } يعني أنه تعالى لا يخفى عليه خافية. ~~والخبير في صفة الله تعالى هو العالم بكنه الشيء وحقيقته من غير شك ~~والخبير في صفة المخلوقين إنما يستعمل في نوع من العلم وهو الذي يتوصل ~~إليه بالاجتهاد والفكر، والله تعالى منزه عن ذلك كله. ms0290 ### || [2.235] # قوله عز وجل: { ولا جناح } أي لا حرج { عليكم فيما عرضتم به } أي لوحتم ~~وأشرتم به والتعريض ضد التصريح ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على ~~مقصوده ويصلح للدلالة على غير مقصوده ولكن إشعاره بجانب المقصود أتم ~~وأرجح وقيل هو الإشارة إلى الشيء بما يفهم السامع مقصوده من غير تصريح به ~~وقيل التعريض من الكلام ما له ظاهر وباطن { من خطبة النساء } يعني ~~المعتدات في عدتهن والخطبة بالكسر طلب النكاح والتماسه وقيل هو ذكر ~~النساء والخطبة بالضم كلام منظوم له أول وآخر، ومعنى الآية فيما عرضتم به ~~من ذكر النساء عندهن. والتعريض بالخطبة في العدة مباح وهو أن يقول: إنك ~~لجميلة، وإنك لصالحة وإن غرضي التزويج وإني فيك لراغب وعسى الله أن ييسر ~~لي امرأة صالحة ونحو ذلك، من الكلام الموهم من غير تصريح لأن يقول إني ~~أريد أن أنكحك أو أتزوجك ونحو ذلك ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن ~~ابن عباس في قوله تعالى: { فيما عرضتم به من خطبة النساء } هو أن يقول: ~~إني أريد التزويج، وإن النساء لمن حاجتي، ولوددت أن تيسر لي امرأة صالحة، ~~أخرجه البخاري. وروي أن سكينة بنت حنظلة تأيمت فدخل عليها أبو جعفر محمد ~~بن علي الباقر في عدتها فقال: قد علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وحق جدي علي وقدمي في الإسلام. فقالت سكينة: غفر الله لك أتخطبني ~~في العدة وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي في ~~عدة زوجها أبي سلمة فذكر لها منزلته من الله عز وجل وهو متحامل على يده ~~حتى أثر الحصير في يده صلى الله عليه وسلم من شدة تحامله عليها فما كانت ~~تلك خطبة { أو أكننتم } يعني أضمرتم { في أنفسكم } يعني من نكاحهن وقيل ~~هو أن يدخل ويسلم ويهدي إن شاء ولا يتكلم بشيء، والمقصود أنه لا حرج ~~عليكم في التعريض ms0291 للمرأة في عدة الوفاة، ولا فيما يضمر الرجل في نفسه من ~~الرغبة فيها { علم الله أنكم ستذكرونهن } يعني بقلوبكم لأن شهوة النفس ~~والتمني لا يخلو منه أحد، فلما كان هذا الخاطر كالشيء الشاق أسقط عنه ~~الحرج { ولكن لا تواعدوهن سرا } اختلفوا في معنى هذا السر المنهي عنه ~~فقيل هو الزنا كان الرجل يدخل على المرأة يعرض بالنكاح ومراده الزنا ~~ويقول لها: دعيني فإذا وفيت عدتك أظهرت نكاحك، فنهوا عن ذلك. وقيل هو قول ~~بالرجل للمرأة لا تفوتيني نفسك فإني ناكحك. وقيل: هو أن يأخذ عليها العهد ~~والميثاق أن لا تتزوج غيره وقيل هو أن يخطبها في العدة وقال الشافعي: ~~السر الجماع، وهو رواية عن ابن عباس. # قال الكلبي: لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع، ويدل على أن لفظ السر ~~كناية عن الجماع قول امرئ القيس: # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وألا يحسن السر أمثالي # بسباسة اسم امرأة. وإنما وقع الكناية عن الجماع بالسر لأنه مما يسر ~~والله تعالى حيي كريم فكنى به عن لفظ الجماع الصريح. ومعنى الآية: لا ~~تواعدوهن مواعدة سرية أو لا تواعدوهن بالشيء الموصوف بالسر وقيل في معنى ~~الآية أن الله تعالى أن أذن في أول الآية في التعريض بالخطبة ومنع في ~~آخرها عن التصريح بالخطبة { إلا أن تقولوا قولا معروفا } يعني هو ما ~~ذكر من التعريض بالخطبة. وقيل: هو إعلام ولي المرأة أنه راغب في نكاحها { ~~ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } أي لا تحققوا العزم على ~~عقدة النكاح في العدة حتى تنقضي وإنما سماها الله كتابا لأنها فرضت به { ~~واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه } أي فخافوه { واعلموا أن ~~الله غفور حليم } لا يعجل بالعقوبة على من جاهره بالمعصية بل يستر عليه. ### || [2.236] # قوله عز وجل: { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا ~~لهن فريضة } أي ولم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة يعني ولم تعينوا لهن ~~صداقا ولم توجبوه عليكم. نزلت في # " رجل من الأنصار تزوج ms0292 امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها صداقا، ثم طلقها ~~قبل أن يمسها، فنزلت هذه الآية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~أمتعها ولو بقلنسوتك " # فإن قلت: هل على من طلق امرأته جناح بعد المسيس حتى يوضع عنه الجناح قبل ~~المسيس فما وجه نفي الحرج والجناح عنه؟ قلت، فيه سبب قطع الوصلة: وما جاء ~~في الحديث: # " إن أبغض الحلال إلى الله الطلاق " # فنفى الله الجناح عنه إذا كان الفراق أروح من الإمساك، وقيل معناه لا ~~حرج عليكم في تطليقهن قبل المسيس في أي وقت شئتم حائضا كانت المرأة أو ~~طاهرا، لأنه لا سنة في طلاقهن قبل الدخول { ومتعوهن } أي أعطوهن من ~~مالكم ما يتمتعن به والمتعة والمتاع ما يتبلغ به من الزاد { على الموسع } ~~أي الغنى الذي يكون في سعة من غناه { قدره } أي قدر إمكانه وطاقته { وعلى ~~المقتر } أي الفقير الذي هو في ضيق من فقره { قدره } أي قدر إمكانه ~~وطاقته { متاعا بالمعروف } يعني متعوهن تمتيعا بالمعروف يعني من غير ~~ظلم ولا حيف { حقا } أي حق ذلك التمتع حقا واجبا لازما { على ~~المحسنين } يعني إلى المطلقات بالتمتع، وإنما خص المحسنين بالذكر لأنهم ~~الذين ينتفعون بهذا البيان. وقيل: معناه من أراد أن يكون من المحسنين، ~~فهذا شأنه وطريقه. والمحسن هو المؤمن. فصل: في بيان حكم الآية وفيه فروع ~~الفرع الأول: إذا تزوج امرأة ولم يفرض لها مهرا ثم طلقها قبل المسيس يجب ~~لها عليه المتعة، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد. وقال مالك: المتعة ~~مستحبة ولو طلقها قبل الدخول، وقد فرض لها مهرا وجب لها عليه نصف المهر ~~المفروض ولا متعة لها عليه. الفرع الثاني المطلقة المدخول بها: فيها ~~قولان قال في القديم: لا متعة لها لأنها تستحق المهر كاملا، وبه قال أبو ~~حنيفة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وقال في الجديد: لها المتعة لقوله ~~تعالى: { وللمطلقات متاع بالمعروف } وهو الرواية الأخرى عن أحمد قال ابن ~~عمر: لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها المهر ولم يدخل بها ms0293 زوجها فحسبها ~~نصف المهر. الفرع الثالث في قدر المتعة: قال ابن عباس: أعلاها خادم، ~~وأوسطها ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار، وأقلها دون ذلك وقاية أو مقنعة أو ~~شيء من الورق وهو مذهب الشافعي لأنه قال أعلاها على الموسع خادم وأوسطها ~~ثوب وأقلها ما له ثمن وحسن ثلاثون درهما. # وروي أن عبدالرحمن بن عوف طلق امرأته وحممها، يعني متعها جارية سوداء، ~~ومتع الحسن بن علي زوجته بعشرة آلاف درهم فقالت. متاع قليل من حبيب ~~مفارق. وقال أبو حنيفة: مبلغها إذا اختلف الزوجان قدر نصف مهر مثلها لا ~~يجاوز وقال أحمد في إحدى الروايتين عنه تتقدر بما تجزي فيه الصلاة وقال ~~في الرواية الأخرى تتقدر بتقدير الحاكم، والآية تدل على أن المتعة تعتبر ~~بحال الزوج في اليسر والعسر وأنه مفوض إلى الاجتهاد لأنها كالنفقة التي ~~أوجبها الله تعالى للزوجات، وبين أن حال الموسر مخالف حال المعسر في ذلك. ~~الفرع الرابع: ومن حكم الآية أن من تزوج امرأة بالغة برضاها على غير مهر ~~صح النكاح، ولها مطالبته بأن يفرض لها صداقا، فإن دخل بها قبل الفرض ~~فلها عليه مهر مثلها وإن طلقها قبل الفرض والدخول فلها المتعة. ### || [2.237] # قوله عز وجل: { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } يعني تجامعوهن وهذا في ~~المطلقة بعد تسمية المهر وقبل الدخول حكم الله لها بنصف المهر ولا عدة ~~عليها وهو قوله تعالى: { وقد فرضتم لهن فريضة } أي سميتم لهن مهرا { ~~فنصف ما فرضتم } أي فلهن نصف المهر المسمى، ومذهب الشافعي أن الخلوة من ~~غير مسيس لا توجب إلا نصف المهر المسمى لأن المسيس إما حقيقة في المس ~~باليد أو جعل كناية عن الجماع وأيهما كان فقد وجد الطلاق قبله. وقال أبو ~~حنيفة: الخلوة الصحيحة تقرر المهر ومعنى الخلوة الصحيحة أن يخلو بها وليس ~~هناك مانع حسي ولا شرعي، فالحسي نحو الرتق والقرن أو يكون معهما ثالث، ~~والشرعي نحو الحيض والنفاس وصوم الفرض وصلاة الفرض والإحرام سواء كان ~~فرضا أو نفلا، والآية حجة لمذهب الشافعي، قال شريح: لم ms0294 أسمع الله ذكر ~~في كتابه بابا ولا سترا إن زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق، وقال ابن ~~عباس: إذا خلا بها ولم يمسها فلها نصف المهر. فرع: لو مات أحد الزوجين ~~بعد التسمية وقبل المسيس فلها المهر كاملا وعليها العدة إن كان الزوج هو ~~الميت. وقوله تعالى: { إلا أن يعفون } يعني النساء المطلقات والمعنى ~~إلا أن لا تترك المرأة نصيبها من الصداق فتهبه للزوج فيعود جميع الصداق ~~إلى الزوج { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } فيه قولان: أحدهما أنه ~~الولي وهو قول ابن عباس في رواية عنه والحسن وعلقمة وطاوس والشعبي ~~والنخعي والزهري والسدي وبه قال الشافعي في القديم ومالك. والقول الثاني ~~أنه الزوج، وهو قول علي وابن عباس في الرواية الأخرى وجبير بن مطعم وسعيد ~~بن المسيب وابن جبير ومجاهد والربيع وقتادة ومقاتل والضحاك وحمد بن كعب ~~القرظي وهو قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد وأحمد وجمهور الفقهاء فعلى ~~القول الأول يكون معنى الآية إلا أن تعفو المرأة إذا كانت ثيبا بالغة ~~من أهل العفو عن نصيبها للزوج أو يعفو وليها إذا كانت المرأة بكرا صغيرة ~~أو غير جائزة التصرف فيجوز عفو وليها فيترك نصيبها للزوج وإنما يجوز عفو ~~الولي بشروط وهي أن تكون بكرا صغيرة ويكون الولي أبا أو جدا لأن ~~غيرهما لا يزوج الصغيرة وعلى القول الثاني أن الذي بيده عقدة النكاح هو ~~الزوج وصحح هذا القول الطبري والواحدي فيكون معنى الآية أو يعفو الذي ~~بيده عقدة النكاح يعني الزوج فيعطي المرأة الصداق كاملا لأن الله تعالى ~~لما ذكر عفو المرأة عن النصف الواجب لها ذكر عفو الزوج عن النصف الساقط ~~عنه فيحسن للمرأة أن تعفو ولا تطالب بشيء من الصداق وللرجل أن يعفو فيوفي ~~لها المهر كاملا. # وروي أن جبير بن مطعم تزوج امرأة ثم طلقها قبل الدخول بها فأكمل لها ~~الصداق وقال أنا أحق بالعفو، ولأن المهر حق المرأة فليس لوليها أن يهب من ~~مالها شيئا، فكذلك المهر لأنه مال لها { وأن تعفوا أقرب ms0295 للتقوى } هذا ~~خطاب للرجال والنساء جميعا وإنما غلب جانب التذكير لأن الذكورة هي الاصل ~~والتأنيث فرع عنها والمعنى وعفو بعضكم عن بعض أيها الرجال والنساء أقرب ~~إلى حصول التقوى وقيل هو خطاب للزوج والمعنى وليعف الزوج فيترك حقه الذي ~~ساق من المهر إليها قبل الطلاق فهو أقرب للتقوى { ولا تنسوا الفضل بينكم ~~} يعني ليتفضل بعضكم على بعض فيعطي الرجل الصداق كاملا أو يترك المرأة ~~نصيبها من الصداق حثهما جميعا على الإحسان ومكارم الأخلاق { إن الله بما ~~تعملون } يعني من عفو بعضكم لبعض عما وجب له عليه من حق { بصير } أي لا ~~يخفى عليه شيء من ذلك. ### || [2.238] # قوله عز وجل: { حافظوا } أي داوموا وواظبوا { على الصلوات } يعني الخمس ~~المكتوبات أمر الله عز وجل عباده بالمحافظة على الصلوات الخمس المكتوبات ~~بجميع شروطها وحدودها وإتمام أركانها وفعلها في أوقاتها المختصة بها { ~~والصلاة الوسطى } تأنيث الأوسط ووسط كل شيء خيره وأعدله وقيل الوسطى يعني ~~الفضلى من قولهم للأفضل أوسط وإنما أفردت وعطفت على الصلوات لانفرادها ~~بالفضل وقيل سميت الوسطى لأنها أوسط الصلوات محلا. فصل في ذكر اختلاف ~~العلماء في الصلاة الوسطى قد اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم في ~~الصلاة الوسطى على مذاهب: الأول أن الصلاة الوسطى هي صلاة الفجر، وهو قول ~~عمر وابن عمر وابن عباس ومعاذ وجابر وعطاء وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس، ~~وبه قال مالك والشافعي، ويدل على ذلك أن مالكا بلغه أن علي بن أبي طالب ~~وابن عباس كانا يقولان: الصلاة الوسطى صلاة الفجر أخرجه مالك في الموطأ، ~~وأخرجه الترمذي عن ابن عباس وابن عمر تعليقا. ولأنها بين صلاتي جمع ~~فالظهر والعصر يجمعان وهما صلاتا نهار، والمغرب والعشاء يجمعان وهما ~~صلاتا ليل وصلاة الفجر لا تقصر ولا تجمع إلى غيرها ولأنها تأتي في وقت ~~مشقة بسبب برد الشتاء وطيب النوم في الصيف وفتور الأعضاء وكثرة النعاس ~~وغفلة الناس عنها فخصت بالمحافظة عليها لكونها معرضة للضياع ولأن الله ~~تعالى قال عقبها { وقوموا لله قانتين } والقنوت هو طول القيام وصلاة ~~الفجر ms0296 مخصوصة بطول القيام ولأن الله تعالى خصها بالذكر في قوله وقرآن ~~الفجر # إن قرآن الفجر كان مشهودا # [الإسراء: 78] يعني تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار فهي مكتوبة في ~~ديوان حفظة الليل وديوان حفظة النهار فدل ذلك على مزيد فضلها. المذهب ~~الثاني أنها صلاة الظهر وهو قول زيد بن ثابت وأسامة بن زيد وأبي سعيد ~~الخدري ورواية عائشة وبه قال عبيدالله بن شداد وهو رواية عن أبي حنيفة ~~ويدل على ذلك ما روي عن زيد بن ثابت وعائشة قالا: الصلاة الوسطى صلاة ~~الظهر، أخرجه مالك في الموطأ عن زيد والترمذي عنهما تعليقا وأخرجه أبو ~~داود عن زيد قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر ~~بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منها فنزلت: { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } وقال إن قبلها صلاتين ~~وبعدها صلاتين ولأن صلاة الظهر تأتي وسط النهار وفي شدة الحر ولأنها تأتي ~~بين البردين يعني صلاة الفجر وصلاة العصر. المذهب الثالث أنها صلاة العصر ~~وهو قول علي وابن مسعود وأبي أيوب وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وأبي ~~سعيد الخدري وعائشة، وهو قول عبيدة السلماني والحسن البصري وإبراهيم ~~النخعي وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وداود ~~وابن المنذر وقال الترمذي: هو قول أكثر الصحابة فمن بعدهم وقال الماوردي ~~من أصحابنا: هذا مذهب الشافعي لصحة الأحاديث فيه قال وإنما نص على أنها ~~الصبح لأنه لم تبلغه الأحاديث الصحيحة في العصر ومذهبه اتباع الحديث ويدل ~~على صحة هذا المذهب ما روي عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم ~~الأحزاب وفي رواية يوم الخندق # " ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت ~~الشمس " # وفي رواية # " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر " # وذكر نحوه وزاد في أخرى " ثم صلاها بين المغرب والعشاء " أخرجاه في ~~الصحيحين م عن ابن مسعود قال حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن صلاة العصر حتى احمرت ms0297 الشمس أو اصفرت فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا، ~~أو حشا الله أجوافهم وقبورهم نارا " # عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الصلاة الوسطى صلاة العصر " # أخرجه الترمذي وله عن ابن مسعود مثله وقال في كل واحد منهما حسن صحيح م ~~عن أبي يونس مولى عائشة قال أمرتني عائشة أن أكتب مصحفا وقالت إذا بلغت ~~هذه الآية فآذني: { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } قال فلما بلغتها ~~آذنتها فأملت علي: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ~~وقوموا لله قانتين " قالت عائشة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويروى عن حفصة نحو ذلك، ولأن صلاة العصر تأتي وقت اشتغال الناس بمعايشهم ~~فكان الأمر بالمحافظة عليها أولى، ولأنها تأتي بين صلاتي نهار وهما الفجر ~~والظهر وصلاتي ليل وهما المغرب والعشاء، وقد خصت بمزيد التأكيد والأمر ~~بالمحافظة والتغليظ لمن ضيعها، ويدل على ذلك ما روي عن أبي المليح قال: ~~كنا مع بريدة في غزوة فقال في يوم ذي غيم: بكروا بصلاة العصر فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله " # أخرجه البخاري. قوله بكروا بصلاة العصر أي قدموها في أول وقتها ق عن ابن ~~عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " # قوله: وتر أي نقص وسلب أهله وماله فبقي فردا بلا أهل ولا مال ومعنى ~~الحديث ليكن حذره من فوت صلاة العصر كحذره من ذهاب أهله وماله. المذهب ~~الرابع أنها صلاة المغرب قاله قبيصة بن ذؤيب، وحجة هذا المذهب أن صلاة ~~المغرب تأتي بين بياض النهار وسواد الليل، ولأنها أزيد من ركعتين كما في ~~الصبح، وأقل من أربع، ولا تقصر في السفر وهي وتر النهار، ولأن صلاة الظهر ~~تسمى الأولى لأن ابتداء جبريل كان بها، وإذا كانت الظهر أولى الصلوات ~~كانت المغرب هي الوسطى. # المذهب الخامس أنها صلاة ms0298 العشاء ولم ينقل عن أحد من السلف فيها شيء، ~~وإنما ذكرها بعض المتأخرين، وحجة هذا المذهب أنها متوسطة بين صلاتين لا ~~تقصران وهما المغرب والصبح ولأنها أثقل صلاة على المنافقين. المذهب ~~السادس أن الصلاة الوسطى هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها لأن الله تعالى ~~أمر بالمحافظة على الصلوات الخمس ثم عطف عليها بالصلاة الوسطى، وليس في ~~الآية ذكر بيانها، وإذا كان كذلك أمكن أن يقال في كل واحدة من الصلوات ~~الخمس أنها هي الوسطى أبهمها الله على عباده مع ما خصها بمزيد التوكيد ~~تحريضا لهم على المحافظة على أداء جميع الصلوات على صفة الكمال والتمام ~~ولهذا السبب أخفى الله تعالى ليلة القدر في شهر رمضان وأخفى ساعة الإجابة ~~في يوم الجمعة وأخفى اسمه الأعظم في جميع أسمائه ليحافظوا على ذلك كله. ~~وهذا المذهب اختاره جمع من العلماء قال محمد بن سيرين إن رجلا سأل زيد ~~بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال حافظ على الصلوات كلها تصبها وسئل الربيع ~~ابن خيثم عن الصلاة فقال للسائل الوسطى واحدة منهن فحافظ على الكل تكن ~~محافظا على الوسطى ثم قال أرأيت لو علمتها بعينها أكنت محافظا عليها ~~ومضيعا سائرهن فقال السائل لا فقال الربيع إنك إن حافظت عليهن فقد حافظت ~~على الوسطى. والصحيح من هذه الأقوال كلها قولان قول من قال إنها الصبح ~~وقول من قال إنها العصر وأصح الأقوال كلها أنها العصر للأحاديث الصحيحة ~~الواردة فيها والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: { وقوموا لله قانتين } أي ~~طائعين فهو عبارة عن إكمال الطاعة وإتمامها والاحتراز عن إيقاع الخلل في ~~أركانها وسننها قيل لكل أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين فقوموا أنتم لله ~~في صلاتكم طائعين، وقيل القنوت هو الدعاء والذكر بدليل: # أمن هو قانت # [الزمر: 9] ولما أمر بالمحافظة على الصلوات وجب أن يحمل هذا القنوت على ~~ما فيها من الذكر والدعاء فمعنى الآية وقوموا لله داعين ذاكرين وقيل إنما ~~خص القنوت بصلاة الصبح والوتر لهذا المعنى، وقيل: القنوت هو السكوت عما ~~لا يجوز التكلم به ms0299 الصلاة، ويدل على ذلك ما روي عن زيد بن أرقم قال: " ~~كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جانبه في الصلاة حتى نزلت: ~~{ وقوموا لله قانتين } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام " أخرجاه في ~~الصحيحين، وقيل: القنوت هو طول القيام في الصلاة ويدل عليه ما روي عن ~~جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أفضل الصلاة طول القنوت " # أخرجه مسلم ومن القنوت أيضا طول الركوع والسجود وغض البصر والهدوء في ~~الصلاة وخفض الجناح والخشوع فيها وكان العلماء إذا قام أحدهم يصلي يهاب ~~الرحمن أن يلتفت أو يقلب الحصى أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه بشيء من أمور ~~الدنيا إلا ناسيا. ### || [2.239] # قوله عز وجل: { فإن خفتم فرجالا } أي رجالة { أو ركبانا } يعني على ~~الدواب جمع راكب والمعنى إن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين حقوق الصلاة ~~من إتمام الركوع والسجود والخضوع والخشوع لخوف عدو أو غيره فصلوا مشاة ~~على أرجلكم أو ركبانا على دوابكم مستقبلي القبلة وغير مستقبليها وهذا في ~~حال المقاتلة والمسايفة في وقت الحرب. وصلاة الخوف قسمان: أحدهما أن يكون ~~في حال القتال وهو المراد بهذه الآية، وقسم في غير حال القتال وهو ~~المذكور في سورة النساء في قوله تعالى: # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة # [النساء: 102] وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في موضعه، فإذا ~~التحم القتال ولم يكن تركه لأحد فمذهب الشافعي أنهم يصلون ركبانا على ~~الدواب ومشاة على الأرجل إلى القبلة وإلى غير القبلة يؤمنون بالركوع ~~والسجود ويكون السجود أخفض من الركوع ويحترزون عن الصياح فإنه لا حاجة ~~إليه، وقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي بل يؤخر الصلاة ويقضيها لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة يوم الخندق فصلى الظهر والعصر والمغرب ~~بعدما غربت الشمس فيجب علينا الاقتداء به في ذلك واحتج الشافعي لمذهبه ~~بهذه الآية. وأجيب عن تأخير النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم الخندق ~~بأنه لم يكن نزل حكم صلاة الخوف وإنما نزل بعد فلما نزلت صلاة ms0300 الخوف لم ~~يؤخر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك صلاة قط، أما الخوف الحاصل لا في ~~القتال بل بسبب آخر كالهارب من العدو أو قصده سبع هائج أو غشيه سيل يخاف ~~على نفسه الهلاك لو صلى صلاة أمن فله أن يصلي صلاة شدة الخوف بالإيماء في ~~حال العدو لأن قوله تعالى: { فإن خفتم } مطلق يتناول الكل. فإن قلت: قوله ~~تعالى: { فرجالا أو ركبانا } يدل على أن المراد منه خوف العدو حال ~~القتال. قلت هو كذلك إلا أنه هناك ثابت لدفع الضرر، وهذا المعنى موجود ~~هنا فوجب أن يكون الحكم كذلك ها هنا روي عن ابن عباس قال: " فرض الله ~~الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ~~ركعتين وفي الخوف ركعة " أخرجه مسلم، وقد عمل بظاهر هذا جماعة من السلف ~~منهم الحسن البصري وعطاء وطاوس ومجاهد وقتادة والضحاك وإبراهيم وإسحاق بن ~~راهويه قالوا: يصلي في حال شدة الخوف ركعة وقال الشافعي ومالك وجمهور ~~العلماء صلاة الخوف كصلاة الأمن في عدد الركعات قال كان الخوف في الحضر ~~وجب عليه أن يصلي أربع ركعات وإن كان في السفر صلى ركعتين ولا يجوز ~~الاقتصار على ركعة واحدة في حال من الأحوال وتأولوا حديث ابن عباس هذا ~~على أن المراد به ركعة مع الإمام وركعة أخرى يأتي بها منفردا كما جاءت ~~الأحاديث الصحيحة في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في صلاة ~~الخوف وهذا التأويل لا بد منه للجمع بين الأحاديث. وقوله تعالى: { فإذا ~~أمنتم } يعني من خوفكم { فاذكروا الله } أي فصلوا لله الصلوات الخمس تامة ~~بأركانها وسننها { كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون } فيه إشارة إلى إنعام ~~الله تعالى علينا بالعلم ولولا هدايته وتعليمه إيانا لم نعلم شيئا ولم ~~نصل إلى معرفة شيء فله الحمد على ذلك. ### || [2.240] # قوله عز وجل: { والذين يتوفون منكم } يعني يا معشر الرجال { ويذرون ~~أزواجا } يعني زوجات { وصية لأزواجهم } قرئ بالنصب على معنى فليوصوا ~~وصية وبالرفع على معنى كتب عليهم ms0301 وصية { متاعا إلى الحول } أي متعوهن ~~متاعا وقيل جعل الله لهن ذلك متاعا والمتاع نفقة سنة لطعامها وكسوتها ~~وما تحتاج إليه { غير إخراج } أي غير مخرجات من بيوتهن نزلت هذه الآية في ~~رجل من أهل الطائف يقال له حكيم بن الحارث هاجر إلى المدينة ومعه أبواه ~~وامرأته وله أولاد فمات فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل ~~الله هذه الآية فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أبويه وأولاده ميراثه ولم ~~يعط امرأته شيئا وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا وكان الحكم ~~في ابتداء الإسلام أنه إذا مات الرجل اعتدت زوجته حولا وكان يحرم على ~~الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول وكانت نفقتها وسكناها واجبتين في ~~مال زوجها تلك السنة وليس لها من الميراث شيء، ولكنها تكون مخيرة فإن ~~شاءت اعتدت في بيت زوجها ولها النفقة والسكنى، وإن شاءت خرجت قبل تمام ~~الحول وليس لها نفقة ولا سكنى، وكان يجب على الرجل أن يوصي بذلك فدلت هذه ~~الآية على مجموع أمرين: أحدهما أن لها النفقة والسكنى من مال زوجها سنة ~~والثاني أن عليها عدة سنة ثم إن الله تعالى نسخ هذين الحكمين، أما الوصية ~~بالنفقة والسكنى فنسخ بآية الميراث فجعل لها الربع أو الثمن عوضا عن ~~النفقة والسكنى ونسخ عدة الحول بأربعة أشهر وعشرا. فإن قلت كيف نسخت ~~الآية المتقدمة المتأخرة؟ قلت: قد تكون الآية المتقدمة متقدمة في التلاوة ~~متأخرة في التنزيل كقوله تعالى: # سيقول السفهاء من الناس # [البقرة: 142] مع قوله تعالى: # قد نرى تقلب وجهك في السماء # [البقرة: 144] وقوله تعالى: { فإن خرجن فلا جناح عليكم } يعني يا معشر ~~أولياء الميت { فيما فعلن في أنفسهن من معروف } يعني التزين للنكاح ولرفع ~~الحرج عن الورثة وجهان: أحدهما أنه لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهن إذا ~~خرجن قبل انقضاء الحول. والوجه الثاني لا جناح عليكم في ترك منعهن من ~~الخروج لأن مقامها في بيت زوجها حولا غير واجب عليها خيرها الله تعالى ~~بين أن تقيم في بيت ms0302 زوجها حولا ولها النفقة والسكنى وبين أن تخرج ولا ~~نفقة لها ولا سكنى ثم نسخ الله ذلك بأربعة أشهر وعشرا { والله عزيز } أي ~~غالب قوي في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه وتعدى حدوده { حكيم } يعني فيما ~~شرع من الشرائع وبين من الأحكام. ### || [2.241-243] # قوله عز وجل: { وللمطلقات متاع بالمعروف } إنما أعاد الله تعالى ذكر ~~المتعة هنا لزيادة معنى وهو أن في تلك الآية بيان حكم غير الممسوسة وفي ~~هذه الآية بيان حكم جميع المطلقات في المتعة وقيل لأنه لما نزل قوله ~~تعالى: { ومتعوهن على الموسع قدره } إلى قوله: { حقا على المحسنين } قال ~~رجل من المسلمين إن فعلت أحسنت وإن لم أرد أفعل فأنزل الله تعالى: { ~~وللمطلقات متاع بالمعروف } فجعل المتعة لهن بلام التمليك وقال تعالى: { ~~حقا على المتقين } يعني المؤمنين الذين يتقون الشرك وقد تقدم أحكام ~~المتعة. وقوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم آياته } يعني يبين لكم ما ~~يلزم ويلزم أزواجكم أيها المؤمنون وكما عرفتكم أحكامي والحق الذي يجب ~~لبعضكم على بعض في هذه الآيات كذلك أبين لكم سائر أحكامي في آياتي التي ~~أنزلتها على محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب { لعلكم تعقلون } أي ~~لكي تعقلوا ما بينت لكم من الفرائض والأحكام وما فيه صلاحكم وصلاح دينكم ~~ا ه. قوله عز وجل: { ألم تر الذين الذين خرجوا من ديارهم } قال أكثر ~~المفسرين: كانت قرية يقال لها داوردان وقع بها الطاعون فخرجت طائفة منها ~~وبقيت طائفة فسلم الذين خرجوا وهلك أكثر من بقي بالقرية فلما ارتفع ~~الطاعون رجع الذين خرجوا سالمين فقال الذين بقوا كان أصحابنا أحزم منا ~~رأيا لو صنعا كما صنعوا لبقينا كما بقوا ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن ~~إلى أرض لا وباء فيها فرجع الطاعون من قابل فهرب عامة أهلها فخرجوا حتى ~~نزلوا واديا أفيح فلما نزلوا المكان الذين يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك ~~من أسفل الوادي وملك آخر من أعلاه أن موتوا فماتوا جميعا. ق عن عمر أنه ~~خرج إلى الشام فلما جاء سرغ بلغه ms0303 أن الوباء قد وقع بها فأخبره عبدالرحمن ~~بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا ~~تخرجوا منها فرارا منه " # فحمد الله عمر ثم انصرف وقيل إنما فروا من الجهاد وذلك أن ملكا من ملوك ~~بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوهم فعسكروا ثم جنبوا وكرهوا ~~الموت فاعتلوا وقالوا لملكهم إن الأرض التي تأتيها بها وباء فلا تخرج حتى ~~ينقطع منها الوباء فأرسل الله عليهم الموت فخرجوا فرارا منه فلما رأى ~~الملك ذلك قال: اللهم رب يعقوب وإله موسى قد ترى معصية عبادك فأرهم آية ~~في أنفسهم حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار منك، فلما خرجوا قال لهم ~~موتوا عقوبة لهم فماتوا وماتت دوابهم كموت رجل واحد فما أتى عليهم ثمانية ~~أيام حتى انتفخوا وأروحت أجسادهم فخرج الناس إليهم فعجزوا عن دفنهم ~~فحظروا حظيرة دون السباع فذلك قوله تعالى: { ألم تر } أي ألم تعلم يا ~~محمد بإعلامي إياك وهو من رؤية القلب قال أهل المعاني هو تعجيب له يقول ~~هل رأيت مثل هؤلاء كما تقول ألم تر إلى صنيع فلان وكل ما في القرآن من ~~قوله ألم تر ولم يعاينه النبي صلى الله عليه وسلم فهذا معناه. # قوله تعالى: { وهم ألوف } قيل هو من العدد واختلفوا في مبلغ عددهم فقيل ~~ثلاثة آلاف وقيل عشرة آلاف وقيل بضع وثلاثون ألفا وقيل أربعون ألفا ~~وقيل سبعون ألفا وأصح الأقوال قول من قال إنهم كانوا زيادة على عشرة ~~آلاف لأن الله تعالى قال: { هم ألوف } والألوف جمع الكثير وجمع القليل ~~آلاف وقيل معنى وهم ألوف مؤتلفون جمع ألف والأول أصح قالوا فمر عليهم مدة ~~فبليت أجسادهم وعريت عظامهم فمر عليهم حزقيل بن بوذى هو ثالث خلفاء بني ~~إسرائيل بعد موسى. وذلك أن القيم بأمر بني إسرائيل بعد موسى كان يوشع بن ~~نون ثم كان من بعده كالب بن يوقنا ثم قام من بعده حزقيل. وكان يقال له ~~ابن ms0304 العجوز لأن أمة كانت عجوزا فسألت الله تعالى الولد بعدما كبرت وعقمت ~~فوهب الله لها حزقيل ويقال له ذو الكفل سمي به لأن تكفل سبعين نبيا ~~وأنجاهم من القتل فلما مر حزقيل على هؤلاء الموتى وقف عليهم وجعل يفكر ~~فيهم فأوحى الله تعالى إليه أتريد أن أريك قال نعم يا رب فأحياهم الله ~~تعالى وقيل دعا ربه حزقيل أن يحيهم فأحياهم الله تعالى وقيل أنهم كانوا ~~قومه أحياهم الله تعالى بعد ثمانية أيام وذلك أنه لما أصابهم ذلك خرج في ~~طلبهم فوجدهم موتى فبكى وقال يا رب كنت في قوم يعبدونك ويذكرونك فبقيت ~~وحيدا لا قوم لي فأوحى الله إليه إني قد جعلت حياتهم إليك فقال حزقيل ~~احيوا بإذن الله فعاشوا، وقيل إنهم قالوا حين أحيوا سبحانك ربنا وبحمدك ~~لا إله إلا أنت ثم رجعوا إلى قومهم وعاشوا دهرا طويلا وسحنة الموت على ~~وجوههم لا يلبسون ثوبا إلا عاد دنسا مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم التي ~~كتبت لهم. قال ابن عباس: وإنها لتوجد اليوم تلك الريح في ذلك السبط من ~~اليهود: قال قتادة: مقتهم الله على فرارهم من الموت فأماتهم عقوبة لهم ثم ~~بعثهم الله ليستوفوا بقية آجالهم ولو جاءت آجالم لما بعثوا. فإن قلت كيف ~~أميت هؤلاء مرتين في الدنيا وقد قال الله تعالى: { لا يذوقون فيها الموت ~~إلا الموتة الأولى } قلت إن موتهم كان عقوبة لهم كما قال قتادة وقيل إن ~~موتهم وإحياءهم كان معجزة من معجزات ذلك النبي ومعجزات الأنبياء خوارق ~~للعادات، ونوادر فلا يقاس فيكون قوله إلا الموتة الأولى عاما مخصوصا ~~بمعجزات الأنبياء أي إلا الموتة الأولى التي ليست من معجزات الأنبياء ~~ولا من خوارق العادات وفي هذه الآية احتجاج على اليهود ومعجزة عظيمة ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم حيث أخبرهم بأمر لم يشاهدوه وهم يعلمون صحة ~~ذلك وفيه احتجاج على منكري البعث أيضا إذ قد أخبر الله تعالى وهو الصادق ~~في خبره أنه أماتهم ثم أحياهم في الدنيا فهو تعالى قادر على أن يحييهم ~~يوم ms0305 القيامة، وقوله تعالى: { حذر الموت } أي مخافة الطاعون وكان قد نزل ~~بهم وقيل إنهم أمروا بالجهاد ففروا منه حذر الموت { فقال لهم الله موتوا ~~} يحتمل أنهم ماتوا عند قوله تعالى { موتوا } ويحتمل أن يكون ذلك أمر ~~تحويل فهو كقوله: # كونوا قردة خاسئين # [البقرة: 65] { ثم أحياهم } يعني بعد موتهم { إن الله لذو فضل على الناس ~~} يعني أن الله تعالى تفضل على أولئك الذين أماتهم بإحيائهم لأنهم ماتوا ~~على معصيته فتفضل عليهم بإعادتهم إلى الدنيا ليتوبوا وقيل هو على العموم ~~فهو تعالى متفضل على كافة الخلق في الدنيا ويخص المؤمنين بفضله يوم ~~القيامة { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } يعني أن أكثر من أنعم الله عليه ~~لا يشكره أما الكافر فإنه لم يشكره أصلا وأما المؤمنون فلم يبلغوا غاية ~~شكره. ### || [2.244-245] # قوله عز وجل: { وقاتلوا في سبيل الله } قيل هو خطاب للذين أحيوا أحياهم ~~الله ثم أمرهم بالجهاد فعلى هذا القول فيه إضمار تقديره وقيل لهم قاتلوا ~~في سبيل الله وقيل هو خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ومعناه لا ~~تهربوا من الموت كما هرب هؤلاء فلم ينفعهم ذلك ففيه تحريض للمؤمنين على ~~الجهاد { واعلموا أن الله سميع } يعني لما يقوله المتعلل عن القتال { ~~عليم } بما يضمره. قوله عز وجل: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ~~القرض اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه فسمى الله تعالى عمل ~~المؤمنين له قرضا على رجاء ما وعدهم به من الثواب لأنهم يعلمون لطلب ~~الثواب، وقيل: القرض من ما أسلفت من عمل صالح أو شيء قال أمية بن أبي ~~الصلت: # كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا أو سيئا أو مدينا كالذي دانا # وأصل القرض في اللغة القطع سمي به لأن المقرض يقطع من ماله شيئا فيعطيه ~~ليرجع إليه مثله ومعنى الآية من ذا الذي يقدم لنفسه إلى الله ما يرجو ~~ثوابه عنده وهذا تلطف من الله تعالى في استدعاء عباده إلى أعمال البر ~~والطاعة وقيل في الآية اختصار تقديره من ذا الذي يقرض عباد ms0306 الله ~~والمحتاجين من خلقه فهو كقوله: # إن الذين يؤذون الله # [الأحزاب: 57] أي يؤذون عباد الله، وكما جاء في الحديث الصحيح عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني ~~قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ~~أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ " # الحديث، واختلفوا في المراد بهذا القرض، فقيل هو الإنفاق في سبيل الله، ~~وقيل هو الصدقة الواجبة قيل صدقة التطوع لأن الله تعالى سماه قرضا ~~والقرض لا يكون إلا تبرعا ولما روى الطبري بسنده عن ابن مسعود قال: لما ~~نزلت: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } قال أبو الدحداح وأن الله ~~يريد منا القرض؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم نعم يا أبا الدحداح قال: ~~ناولني يدك فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي حائطا فيه ستمائة ~~نخلة ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه في عيالها فناداها يا ~~أم الدحداح قالت لبيك قال اخرجي من الحائط فإني قد أقرضته لربي، زاد غيره ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " كم من عذق رداح لأبي الدحداح " # وقيل في معنى يقرض الله أي ينفق في طاعته فيدخل فيه الواجب والتطوع وهو ~~الأقرب حسنا يعني محتسبا طيبة به نفسه. # وقيل: هو الإنفاق من المال الحلال في وجوه البر وقيل هو أن لا يمن ~~بالقرض ولا يؤذي وقيل هو الخالص لله تعالى ولا يكون فيه رياء ولا سمعة { ~~فيضاعفه له } يعني ثواب ما أنفق { أضعافا كثيرة } قيل هو يضاعفه إلى ~~سبعمائة ضعف، وقال السدي هذا التضعيف لا يعلمه إلا الله تعالى وهذا هو ~~الأصح وإنما أبهم الله ذلك لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر ~~المحدود { والله يقبض ويبسط } قيل يقبض بإمساك الرزق والتقتير على من ~~يشاء ويبسط بمعنى يوسع على من يشاء وقيل يقبض بقبول الصدقة ويبسط بالخلف ~~والثواب وقيل إنه تعالى لما ms0307 أمرهم بالصدقة وحثهم على الإنفاق أخبر أنه لا ~~يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه وإرادته وإعانته والمعنى والله يقبض بعض القلوب ~~حتى لا تقدر على الإنفاق في الطاعة وعمل الخير ويبسط بعض القلوب حتى تقدر ~~على فعل الطاعات والإنفاق في البر. كما روي عن عبدالله بن عمرو بن العاص ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء ~~" # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم مصرف القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك " # أخرجه مسلم. وهذا الحديث من أحاديث الصفات التي يجب الإيمان بها والسكوت ~~عنها وإمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا إثبات جارحة، هذا ~~مذهب أهل السنة وسلف هذه الأمة { وإليه ترجعون } يعني في الآخرة فيجزيكم ~~بأعمالكم. ### || [2.246] # قوله عز وجل: { ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل } الملأ أشراف القوم ~~ووجوههم وأصله الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط { من ~~بعد موسى } أي من بعد موت أي من بعد زمنه منه { إذ قالوا } يعني أولئك ~~الملأ { لنبي لهم } اختلفوا في ذلك النبي فقيل هو يوشع بن نون بن أفرايم ~~بن يوسف بن يعقوب وقيل هو شمعون بن صفية بن علقمة من ولد لاوي بن يعقوب ~~وإنما سمي شمعون لأن أمه دعت الله أن يرزقها غلاما فاستجاب الله لها ~~فولدت غلاما فسمته شمعون ومعناه سمع الله دعائي وتبدل السين بالعبرانية ~~شينا وقال أكثر المفسرين هو أشمويل بن يال وقيل: هو ابن هلفائي. قيل إنه ~~من ولد هارون ومعرفة حقيقة ذلك النبي بعينه ليست مرادة من القصة إنما ~~المراد منها الترغيب في الجهاد وذلك حاصل. ذكر الإشارة إلى القصة كان سبب ~~مسألة أولئك الملأ لذلك النبي أنه لما مات موسى عليه السلام خلف من بعده ~~في بني إسرائيل يوشع بن نون يقيم فيهم أمر الله تعالى. ويحكم بالتوراة ~~حتى قبضه الله تعالى. ثم خلف من بعده كالب بن يوقنا كذلك، ثم حزقيل ms0308 كذلك، ~~حتى قبضه الله تعالى فعظمت الأحداث بعده في بني إسرائيل ونسوا عهد الله ~~حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم إلياس نبيا فدعاهم إلى الله تعالى، ~~وكانت الأنبياء من بني إسرائيل من بعد موسى يبعثون إليهم ليجددوا ما نسوا ~~من التوراة ويأمروهم بالعمل بأحكامها. ثم خلف من بعد إلياس اليسع فكان ~~فيهم ما شاء الله تعالى ثم قبضه الله تعالى. ثم خلف من بعده خلوف وعظمت ~~فيهم الخطايا وظهر لهم عدو يقال له البلثاثا وهم قوم جالوت وكانوا يسكنون ~~ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين وهم العمالقة فظهروا على بني إسرائيل ~~وغلبوا على كثير من أرضهم وسبوا كثيرا من ذراريهم وأسروا من أبناء ~~ملوكهم أربعمائة وأربعين غلاما، فضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم ~~ولقي بنو إسرائيل منهم بلاء وشدة ولم يكن لهم نبي يدبر أمرهم وكان سبط ~~النبوة قد هلكوا كلهم إلا امرأة حبلى فحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية ~~فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها وجعلت المرأة تدعو ~~الله أن يرزقها غلاما فولدت غلاما فسمته أشمويل ومعناه بالعربية ~~إسماعيل. تقول: سمع الله دعائي فلما كبر الغلام أسلمته لتعليم التوراة في ~~بيت المقدس وكفله شيخ من علمائهم وتبناه فلما بلغ الغلام أتاه جبريل عليه ~~السلام وهو نائم إلى جانب الشيخ وكان الشيخ لا يأمن عليه أحدا فدعاه ~~جبريل بلحن الشيخ يا أشمويل! فقام الغلام فزعا إلى الشيخ وقال: يا أبتاه ~~رأيتك تدعوني فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام فقال يا بني ارجع فنم ~~فنام ثم دعاه الثانية فقال الغلام: دعوتني فقال: نم فإن دعوتك فلا تجبني ~~فلما كانت الثالثة ظهر له: جبريل عليه السلام وقال له اذهب إلى قومك ~~فبلغهم رسالة ربك فإن الله قد بعثك فيهم نبيا فلما أتاهم كذبوه وقالوا ~~به استعجلت بالنبوة ولم تنلك وقالوا له إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا ~~نقاتل في سبيل الله آية على نبوتك وإنما كان قوام أمر بني إسرائيل ~~بالاجتماع على الملوك وطاعة الملوك أنبياءهم وكان ms0309 الملك هو الذي يسير ~~بالجموع والنبي هو الذي يقيم له أمره ويشير عليه ويرشده ويأتيه بالخبر من ~~ربه. # قال وهب فبعث الله أشمويل نبيا فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال ثم كان من ~~أمر جالوت والعمالقة ما كان فذلك قوله تعالى: { إذ قالوا لنبي لهم ابعث ~~لنا ملكا نقاتل في سبيل الله } جزم على جواب الأمر فلما قالوا له ذلك { ~~قال } يعني قال النبي صلى الله عليه وسلم { هل عسيتم } هذا استفهام شك ~~يقول لعلكم { إن كتب } أي فرض { عليكم القتال } يعني مع ذلك الملك { أن ~~لا تقاتلوا } يعني لا تفوا بما قلتم وتجنبوا عن القتال معه { قالوا وما ~~لنا أن لا نقاتل في سبيل الله }. فإن قلت ما وجه دخول أن والعرب لا تقول ~~ما لك أن لا تفعل كذا ولكن تقول ما لك لا تفعل كذا. قلت دخول أن وحذفها ~~لغتان صحيحتان فالإثبات كقوله: { ما لك أن لا تكون مع الساجدين } والحذف ~~كقوله { ما لكم لا تؤمنون } وقيل معناه: وما لنا في أن لا نقاتل بحذف حرف ~~الجر وقيل إن هنا زائدة ومعناه وما لنا لا نقاتل في سبيل الله { وقد ~~أخرجنا من ديارنا وأبنائنا } أي أخرج من غلب عليهم من ديارهم فظاهر ~~الكلام العموم وباطنه الخصوص لأن الذين قالوا لنبيهم ابعث ملكا كانوا في ~~ديارهم وأبنائهم وإنما أخرج من أسر منهم ومعنى الآية أنهم قالوا لنبيهم ~~إنا إنما كنا تركنا الجهاد لأنا كنا ممنوعين في بلادنا لا يظهر علينا ~~عدونا فأما إذا بلغ ذلك منا فنطيع ربنا في جهاد عدونا ونمنع نساءنا ~~وأولادنا قال الله تعالى: { فلما كتب عليهم القتال } في الكلام حذف ~~وتقديره فسأل الله ذلك النبي فبعث لهم ملكا وكتب عليهم القتال فلما كتب ~~عليهم القتال { تولوا } أي أعرضوا عن الجهاد وضيعوا أمر الله { إلا ~~قليلا منهم } يعني لم يتولوا عن الجهاد هم الذين عبروا النهر مع طالوت ~~واقتصروا على الغرفة على ما سيأتي في قصتهم إن شاء الله تعالى { والله ~~عليم بالظالمين } يعني هو عالم ms0310 بمن ظلم نفسه حين خالف أمر ربه ولم يف بما ~~قال. ### || [2.247] # قوله عز وجل: { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } وذلك ~~أن أشمويل سأل الله عز وجل أن يبعث لهم ملكا فأتى بعصا وقرن فيه دهن ~~القدس، وقيل له إن صاحبكم الذي يكون ملكا يكون طوله طول هذه العصا وانظر ~~إلى القرن الذي فيه الدهن فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن في القرن فهو ملك ~~بني إسرائيل فادهن رأسه بالدهن وملكه عليهم واسم طالوت بالعبرانية ساول ~~بن قيس من سبط بنيامين بن يعقوب. وإنما سمي طالوت لطوله وكان أطول من ~~جميع الناس برأسه ومنكبيه وكان طالوت رجلا دباغا يدبغ الأديم قاله وهب ~~وقيل كان سقاء يستقي الماء على حمار فضل حماره فخرج يطلبه. وقال وهب: ~~ضلت حمر لأبي طالوت فأرسله أبوه ومعه غلام في طلبها فمر على بيت أشمويل ~~النبي فقال الغلام لطالوت لو دخلنا على هذا النبي فسألناه عن أمر الحمر ~~ليرشدنا أو ليدعو لنا فدخلا عليه فبينما هما عنده يذكران له حاجتهما إذ ~~نش الدهن في القرن فقام أشمويل فقاس طالوت بالعصا فكانت على طوله فقال ~~لطالوت قرب رأسك فقربه إليه فدهنه بدهن القدس. وقال له: أنت ملك بني ~~إسرائيل الذي أمرني الله تعالى أن أملكك عليهم فقال طالوت أوما علمت أن ~~سبطي من أدنى أسباط بني إسرائيل قال: بلى قال فبأي آية قال بآية أنك ترجع ~~وقد وجد أبوك حمره فكان كذلك ثم قال لبني إسرائيل إن الله قد بعث لكم ~~طالوت ملكا وقيل إنه جلس عنده وقال يا أيها الناس إن الله ملك طالوت ~~فأتت عظماء بني إسرائيل إلى نبيهم أشمويل وقالوا له: ما شأن طالوت تملك ~~علينا وليس هو من بيت النبوة ولا المملكة وقد عرفت أن النبوة في سبط لاوي ~~بن يعقوب والمملكة في سبط يهوذا بن يعقوب فقال لهم نبيهم أشمويل إن الله ~~قد بعث لكم طالوت ملكا { قالوا أنى يكون له الملك علينا } أي من أين ~~يكون ms0311 له الملك وكيف يستحقه { ونحن أحق بالملك منه } إنما قالوا ذلك لأنه ~~كان في بني إسرائيل سبطان سبط نبوة وسبط مملكة فسبط النبوة سبط لاوي بن ~~يعقوب ومنه كان موسى وهارون عليهما السلام وسبط المملكة سبط يهوذا بن ~~يعقوب ومنه كان داود وسليمان عليهما السلام ولم يكن طالوت من أحدهما. ~~وإنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب فلهذا السبب أنكروا كونه ملكا لهم ~~وزعموا أنهم أحق بالملك منه ثم أكدوا ذلك بقولهم { ولم يؤت سعة من المال ~~} يعني أنه فقير والملك يحتاج إلى المال { قال } يعني أشمويل النبي { إن ~~الله اصطفاه عليكم } أي اختاره عليكم وخصه بالملك وفي هذه الآية دليل على ~~بطلان قوم من زعم من الشيعة أن الإمامة موروثة وذلك لأن بني إسرائيل ~~أنكروا أن يكون ملكهم من لا يكون من بيت المملكة فرد الله عليهم وأعلمهم ~~أن هذا شرط فاسد والمستحق للملك من خصه الله به { وزاده بسطة } أي فضيلة ~~وسعة { في العلم } وذلك أنه كان من أعلم بني إسرائيل وقيل إنه أوحى إليه ~~حين أوتي الملك وقيل هو العلم في الحرب { والجسم } يعني بالطول وذلك لأنه ~~كان أطول من الناس برأسه ومنكبيه وقيل بالجمال وكان طالوت من أجمل بني ~~إسرائيل وقيل المراد به القوة لأن العلم بالحروب والقوة على الأعداء مما ~~فيه حفظ المملكة { والله يؤتى ملكه من يشاء } يعني أن الله تعالى لا ~~اعتراض عليه لأحد في فعله فيحض بملكه من يشاء من عباده { والله واسع } ~~يعني أن الله تعالى واسع الفضل والرزق والرحمة وسعت رحمته كل شيء ووسع ~~فضله ورزقه كل خلقه والمعنى أنكم طعنتم في طالوت بكونه فقيرا والله واسع ~~الفضل والرزق فإذا فوض إليه الملك فتح عليه أبواب الرزق والمال من فضله ~~وسعته وقيل الواسع ذو السعة وهو الذي يعطي عن غنى { عليم } يعني أنه ~~تعالى مع قدرته على إغناء الفقير عالم بما يحتاج إليه في تدبير نفسه ~~وملكه والعليم هو العالم بما يكون وبما كان. ### || [2.248] # قوله عز وجل: { وقال لهم ms0312 نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت } وذلك ~~أنه سألوا أشمويل النبي فقالوا ما آية ملكه فقال: إن آية ملكه أن يأتيكم ~~التابوت. وكانت قصة التابوت على ما ذكره علماء السير والأخبار أن الله ~~تعالى أنزل على آدم عليه السلام تابوتا فيه صور الأنبياء عليهم السلام ~~وكان التابوت من خشب الشمشاد طوله ثلاثة أذرع في عرض ذراعين فكان عند آدم ~~ثم صار إلى شيث ثم توارثه أولاد آدم إلى أن بلغ إبراهيم عليه السلام ثم ~~كان عند إسماعيل لأنه كان أكبر أولاده ثم صار إلى يعقوب ثم كان في بني ~~إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى عليه السلام فكان يضع فيه التوراة ومتاعا ~~من متاعه ثم كان عنده إلى أن مات ثم تداوله أنبياء بني إسرائيل إلى وقت ~~أشمويل وكان في التابوت ما ذكر الله تعالى وهو قوله: { فيه سكينة من ربكم ~~} واختلفوا في تلك السكينة ما هي فقال علي بن أبي طالب: هي ريح خجوج ~~هفافة لها رأسان ووجه كوجه الإنسان. وقال مجاهد: هي شيء يشبه الهرة له ~~رأس كرأس الهرة وذنب كذنب الهرة وله جناحان، وقيل له عينان لهما شعاع ~~وجناحان من زمرد وزبرجد، وكانوا إذا سمعوا صوته تيقنوا النصر، فكانوا إذ ~~خرجوا وضعوا التابوت قدامهم، فإذا سار ساروا وإذا وقف وقفوا. وقال ابن ~~عباس هي طشت من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء وقال وهب هي روح ~~من الله تعالى تتكلم إذا اختلفوا في شيء فتخبرهم ببيان ما يريدون. وقال ~~عطاء بن أبي رباح هي ما يعرفون من الآيات التي يسكنون إليها وقال قتادة ~~والكلبي هي فعلية من السكون أي طمأنينة من ربكم ففي أي مكان كان التابوت ~~اطمأنوا وسكنوا إليه وهذا القول أولى بالصحة فعلى هذا كل شيء كانوا ~~يسكنون إليه فهو سكينة فيحمل على جميع ما قيل فيه لأن كل شيء يسكن إليه ~~القلب فهو سكينة ولم يرد فيه نص صريح فلا يجوز تصويب قول وتضعيف آخر. ~~وقوله تعالى: { وبقية مما ترك آل ms0313 موسى وآل هارون } يعني موسى وهارون ~~أنفسهما بدليل قوله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري: # " لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود " # فالمراد به داود نفسه. واختلفوا في تلك البقية التي ترك آل موسى وآل ~~هارون فقيل رضاض من الألواح وعصا موسى قاله ابن عباس وقيل عصا موسى وعصا ~~هارون وشيء من ألواح التوراة وقيل كانت العلم والتوراة. وقيل كان فيه عصا ~~موسى ونعلاه وعصا هارون وعمامته وقفيز من المن الذي ينزل على بني إسرائيل ~~فكان التابوت عند بني إسرائيل يتوارثونه قرنا بعد قرن وكانوا إذا ~~اختلفوا في شيء تحاكموا إليه فيتكلم ويحكم بينهم. # وكانوا إذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم ~~فينصرون فلما عصوا وأفسدوا سلط الله عز وجل عليهم العمالقة فغلبوهم على ~~التابوت وأخذوه منهم وكان السبب في ذلك أنه كان لعيلى وهو الذي ربى ~~أشمويل ابنان شابان وكان عيلى حبر بني إسرائيل وصاحب قربانهم في زمنه ~~فأحدث ابناه في القربان شيئا لم يكن فيه وذلك أنه كان منوط القربان الذي ~~ينوطونه كلابين فما أخرجا كانا للكاهن الذي كانا ينوطه فجعل ابناه ~~كلاليب. وكان النساء يصلين في بيت المقدس فيتشبثان بهن فأوحي إلى أشمويل: ~~أن انطلق إلى عيلى وقل له منعك حب الولد من أن تزجر ابنيك عن أن يحدثا في ~~قرباني وقدسي شيئا وأن يعصياني فلأنزعن الكهانة منك ومن ولدك ولأهلكنك ~~وإياهما. فأخبره أشمويل بذلك ففزع وسار إليهم عدوهم من حولهم فأمر عيلى ~~ابنيه أن يخرجا بالناس فيقاتلا ذلك العدو فخرجا واخرجا معهما التابوت ~~فلما تهيؤوا القتال جعل عيلى يتوقع الخبر فجاءه رجل فأخبره أن الناس قد ~~انهزموا وقد قتل ابناه قال: فما فعل في التابوت قال أخذه العدو. وكان ~~عيلى قاعدا على كرسيه فشهق ووقع على قفاه فمات فخرج أمر بني إسرائيل ~~وتفرقوا إلى أن بعث الله طالوت ملكا فسألوا أشمويل البينة على صحة ملك ~~طالوت فقال لهم نبيهم يعني أشمويل: إن الآية ملكه يعني علامة ملكه التي ~~تدل على صحته أن ms0314 يأتيكم التابوت وكانات قصة رجوع التابوت على ما ذكره ~~أصحاب الأخبار أن الذين أخذوا التابوت من بني إسرائيل أتوا به قرية من ~~قرى فلسطين يقال لها أزدود فجعلوه في بيت أصنام لهم ووضعوه تحت الصنم ~~الأعظم فأصحبوا من الغد والصنم تحته فأخذوه ووضعوه فوقه وسمروا قدمي ~~الصنم على التابوت فأصحبوا وقد قطعت يد الصنم ورجلاه وأصبح الصنم ملقى ~~تحت التابوت وأصبحت أصنامهم منكسة فأخرجوا التابوت من بيت الأصنام ووضعوه ~~في ناحية من مدينتهم فأخذ أهل تلك الناحية وجع في أعناقهم حتى هلك ~~أكثرهم. فقال بعضهم لبعض أليس قد علمتم أن إله بني إسرائيل لا يقوم له ~~شيء فأخرجوه إلى قرية أخرى فبعث الله على أهل تلك الناحية فأرة فكانت ~~الفأرة تبيت مع الرجل فيصبح ميتا قد أكلت ما في جوفه. فأخرجوه إلى ~~الصحراء ودفنوه في مخرأة لهم فكان كل من تبرز هناك أخذه الباسور والقولنج ~~فتحيروا فيه فقالت لهم امرأة من بني إسرائيل كانت عندهم وهي من بنات ~~الأنبياء: لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام هذا التابوت فيكم فأخرجوه ~~عنكم. فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة وحملوا عليها التابوت عن علقوها في ~~ثورين وضربوا جنوبهما فأقبل الثوران يسيران ووكل الله بالثورين أربعة ~~أملاك يسوقونهما فأقبلا حتى وقفا على أرض بني إسرائيل فكسرا نيريهما ~~وقطعا حبالهما ووضعا التابوت في أرض فيها حصاد لبني إسرائيل ورجعا إلى ~~أرضهما ما لم يرع بني إسرائيل إلا والتابوت عندهم فكبروا وحمدوا الله ~~تعالى. # { تحمله الملائكة } أي تسوقه. وقال ابن عباس جاءت الملائكة بالتابوت ~~تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت. وقال ~~الحسن كان التابوت مع الملائكة في السماء فلما ولي طالوت الملك حملته ~~الملائكة ووضعته بينهم. وقال قتادة بل كان التابوت في التيه خلفه موسى ~~عند يوشع بن نون فبقي هناك فأقبلت الملائكة تحمله حتى وضعته في دار طالوت ~~فأصبح في داره فأقروا بملكه { إن في ذلك لآية لكم } يعني قال لهم نبيهم ~~أشمويل إن في مجيء التابوت تحمله الملائكة لآية ms0315 لكم يعني علامة ودلالة ~~على صدقي فيما أخبرتكم أن الله قد بعث لكم طالوت ملكا { إن كنتم مؤمنين ~~} يعني مصدقين بذلك قال المفسرون فلما جاءهم التابوت وأقروا بالملك ~~لطالوت تأهب للخروج إلى الجهاد فأسرعوا لطاعته وخرجوا معه. ### || [2.249] # قوله عز وجل: { فلما فصل طالوت بالجنود } أي خرج وأصل الفصل القطع يعني ~~قطع مسقتره شاخصا إلى غيره فخرج طالوت من بيت المقدس بالجنود وهم سبعون ~~ألف مقاتل. وقيل ثمانون ألفا وقيل مائة وعشرون ألفا ولم يتخلف عنه إلا ~~كبير لكبره أو مريض لمرضه أو معذور لعذره وذلك أنهم لما رأوا التابوت لم ~~يشكوا في النصر فسارعوا إلى الخروج في الجهاد وكان مسيرهم في حر شديد ~~فشكوا إلى طالوت قلة الماء بينهم وبين عدوهم وقالوا إن المياه لا تحملنا ~~فادع الله ان يجري لنا نهرا { فقال } طالوت { إن الله مبتليكم بنهر } أي ~~مختبركم به لتبين طاعتكم وهو أعلم بذلك قال ابن عباس هو نهر فلسطين وقيل ~~هو نهر عذب بين الأردن وفلسطين { فمن شرب منه فليس مني } أي فليس من أهل ~~ديني وطاعتي { ومن لم يطعمه } أي لم يذقه يعني الماء { فإنه مني } يعني ~~من أهل طاعتي { إلا من اغترف غرفة بيده } قرئ بفتح الغين وضمها لغتان، ~~وقيل الغرفة بالضم التي تحصل في الكف من الماء والغرفة بالفتح الاغتراف ~~فالضم اسم والفتح مصدر { فشربوا منه } يعني من النهر { إلا قليلا منهم } ~~قيل هم أربعة آلاف لم يشربوا منه وقيل ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا وهو ~~الصحيح ويدل على ذلك ما روي عن البراء بن عازب قال: " كان أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم يتحدثون أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين ~~جاوزوا معه النهر ولم يجاوزه معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة " أخرجه ~~البخاري قيل البضع هنا ثلاثة عشر، فلما وصلوا إلى النهر ألقي عليهم العطش ~~فشرب منه الكل إلا هذا العدد القليل وكان من اغتراف منه غرفة كما أمره ~~الله تعالى كفته لشربه وشرب دوابه وقوي قلبه وصح إيمانه وعبر ms0316 النهر ~~سالما والذين شربوا منه وخالفوا أمر الله تعالى اسودت شفاههم وغلبهم ~~العطش فلم يرووا وجبنوا وبقوا على شط النهر ولم يجاوزوه، وقيل جاوزوه ~~كلهم ولكن الذين شربوا لم يحضروا القتال وإنما قاتل أولئك القليل الذين ~~لم يشربوا وهو قوله تعالى: { فلما جاوزه هو } يعني جاوز النهر طالوت { ~~والذين آمنوا معه } يعني أولئك القليل { قالوا } يعني الذين شربوا من ~~النهر وخالفوا أمر الله تعالى وكانوا أهل شك ونفاق فعلى هذا يكون قد جاوز ~~النهر مع طالوت المؤمن والمنافق والطائع والعاصي فلما رأوا العدو قال ~~المنافقون { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } فأجابهم المؤمنون بقولهم ~~{ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة } وقيل لم يجاوز النهر مع طالوت إلا ~~المؤمنون خاصة لقوله تعالى: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه }. فإن قلت ~~فعلى هذا القول من القائل { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده }. # قلت يحتمل أن يكون أهل الإيمان وهم الثلاثمائة وبضعة عشر انقسموا إلى ~~قسمين قسم حين رأوا العدو وكثرتة وقلة المؤمنين قالوا لا طاقة لنا اليوم ~~بجالوت وجنوده فأجابهم القسم الآخر بقولهم { كم من فئة قليلة غلبت فئة ~~كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } ومعنى لا طاقة لنا لا قوة لنا اليوم ~~بجالوت وجنوده { قال الذين يظنون } أي يستيقنون ويعلمون { إنهم ملاقو ~~الله } أي ملاقو ثواب الله ورضوانه في الدار الآخرة { كم من فئة قليلة } ~~الفئة الجماعة لا واحد له من لفظه كالرهط { غلبت فئة كثيرة بإذن الله } ~~أي بقضاء الله وإرادته { والله مع الصابرين } يعني بالنصر والمعونة. ### || [2.250] # قوله عز وجل: { ولما برزوا } يعني طالوت وجنوده المؤمنين { لجالوت ~~وجنوده } يعني الكافرين ومعنى برزوا صاروا بالبراز من الأرض وهو ما ظهر ~~واستوى منها { قالوا } يعني المؤمنين أصحاب طالوت { ربنا أفرغ } أي اصبب ~~{ علينا صبرا وثبت أقدامنا } أي قو قلوبنا لتثبت أقدامنا { وانصرنا على ~~القوم الكافرين } وذلك أن جالوت وقومه كانوا يعبدون الأصنام فسأل ~~المؤمنون الله أن ينصرهم على القوم الكافرين. ### || [2.251] # { فهزموهم بإذن الله } يعني أن الله تعالى استجاب دعاء ms0317 المؤمنين فأفرغ ~~عليهم الصبر وثبت أقدامهم ونصرهم على القوم الكافرين حين التقوا فهزموهم ~~بإذن الله يعني بقضائه وإرادته وأصل الهزم في اللغة الكسر أي كسروهم ~~وردوهم { وقتل داود جالوت } وكانت قصة قتله ما ذكره أهل التفسير وأصحاب ~~الأخبار أنه عبر النهر فيمن عبر مع طالوت أيشا أبو داود في ثلاثة عشر ~~ابنا له وكان داود أصغرهم وكان يرمي بالقذافة فقال داود لأبيه يوما يا ~~أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئا إلا صرعته، فقاله له أبوه أبشر يا بني فإن ~~الله قد جعل رزقك في قذافتك ثم أتاه مرة أخرى فقال: يا أبتاه لقد دخلت ~~بين الجبال فوجدت أسدا رابضا فركبته وأخذت بأذنه فلم يهجني فقال له ~~أبوه: أبشر يا بني فإن هذا خير يريده الله بك، ثم أتاه يوما آخر فقاله ~~له: يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبح فلا يبقى جبل إلا سبح معي ~~فقال: يا بني أبشر فإن هذا خير أعطاكه الله تعالى. قالوا فأرسل جالوت ~~الجبار إلى طالوت ملك بني إسرائيل أن ابرز إلي وأبرز إليك وأبرز إلي من ~~يقاتلني. فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم فشق ذلك على طالوت ~~ونادى في عسكره من قتل جالوت زوجته ابنتي وناصفته ملكي فهاب الناس جالوت ~~فلم يجبه أحد فسأل طالوت نبيهم أن يدعو الله في ذلك فدعا الله فأتي بقرن ~~فيه دهن القدس وتنور حديد. وقيل له إن صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي ~~إذا وضع هذا القرن على رأسه سال على رأسه حتى يدهن من رأسه ولا يسيل على ~~وجهه بل يكون على رأسه كهيئة الإكليل ويدخل في هذا التنور فيملؤه ولا ~~يتقلقل فيه فدعا طالوت بني إسرائيل وجربهم فلم يوافقه أحد منهم فأوحى ~~الله إلى نبيهم إن في ولد إيشا من يقتل جالوت فدعا طالوت إيشا وقال له ~~أعرض على بنيك فأخرج له اثني عشر رجلا امثال السواري فجعل يعرض واحدا ~~واحدا على القرن فلا يرى شيئا فقال لإيشا هل بقي لك ولد غير هؤلاء فقال ms0318 ~~لا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا رب إنه قد زعم أنه لا ولد غيرهم ~~فقال له كذب فقال له النبي: إن ربي قد كذبك، فقال إيشا: صدق ربي يا نبي ~~الله إن لي ولدا صغيرا مسقاما اسمه داود استحييت أن يراه الناس لقصر ~~قامته وحقارته فجعلته في الغنم يرعاها وهو في شعب كذا وكان داود عليه ~~السلام رجلا قصيرا مسقاما أزرق أمعر مصفرا فدعا به طالوت ويقال إنه ~~خرج إليه فوجده في الوادي وقد سال الوادي ماء وهو يحمل شاتين شاتين يعبر ~~بهما السيل إلى الزريبة التي يريح فيها غنمه، فلما رآه طالوت قال هذا هو ~~الرجل المطلوب لا شك فيه فهذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم، فدعاه طالوت ~~ووضع القرن على رأسه فنش وفاض فقال له طالوت هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ~~ابنتي وأجري خاتمك في ملكي قال نعم فقاله له: هل أنست من نفسك شيئا ~~تتقوى به على قتله قال نعم أنا أرعى الغنم فيجيء الأسد أو النمر أو الذئب ~~فيأخذ شاة من الغنم فأقوم فأفتح لحييه عنها وأخرجها من قفاه، فأخذ طالوت ~~داود ورده إلى العسكر، فمر داود عليه السلام في طريقه بحجر فناداه يا ~~داود احملني فإني حجر هارون فحمله ثم مر بحجر آخر. # فقال يا داود احملني فإني حجر موسى فحمله ثم مر بحجر آخر فقال له: يا ~~داود احملني فإني حجرك الذي تقتل به جالوت، فحمله فوضع الثلاثة في ~~مخلاته، فلما رجع طالوت إلى العسكر ومعه داود وتصافوا للقتال برز جالوت ~~يطلب المبارزة فانتدب له داود عليه السلام فأعطى داود فرسا وسلاحا فلبس ~~السلاح وركب الفرس وسار قريبا ثم رجع إلى طالوت فقال من حوله: جبن ~~الغلام فجاء فوقف على طالوت فقاله له ما شأنك فقال له داود عليه السلام ~~إن لم ينصرني ربي لم يغن هذا السلاح عني شيئا وإن نصرني فلا حاجة لي به ~~فدعني أقاتل كما أريد قال نعم فأخذ داود مخلاته وتقلدها وأخذ المقلاع ~~بيده ومضى نحو ms0319 جالوت وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش ~~وحده وكان له بيضة حديد وزنها ثلاثمائة رطل فلما نظر إلى داود وهو يريده ~~وقع الرعب في قلبه فقال له: جالوت وأنت تبرز لي قال: نعم وكان جالوت على ~~فرس أبلق عليه السلاح التام فقال: اتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب ~~فقال: نعم وأنت شر من الكلب. قال جالوت: لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع ~~الأرض وطير السماء، فقال داود عليه السلام: أو يقسم الله لحمك، ثم قال ~~داود: باسم إله إبراهيم، وأخرج حجرا ثم قال بإسم إله إسحاق وأخرج حجرا ~~ثم قال بإسم إله يعقوب وأخرج حجرا ووضعها في مقلاعه فصارت الثلاثة حجرا ~~واحدا، وأدار داود المقلاع ورمى به جالوت فسخر الله له الريح فحملت ~~الحجر حتى أصاب أنف البيضة فخلط دماغ جالوت وخرج من قفاه وقتل من ورائه ~~ثلاثين رجلا، وخر جالوت صريعا قتيلا، فأخذ داود يجره حتى ألقاه بين ~~يدي طالوت ففرح بنو إسرائيل بذلك فرحا شديدا وهزم الله الجيش فرجع ~~طالوت بالناس إلى المدينة سالمين غانمين وجعل الناس يذكرون داود إلى ~~طالوت وقال له: أنجز لي ما وعدتني به فقال له أتريد ابنة الملك بغير صداق ~~فقال له داود ما شرطت علي صداقا وليس لي شيء فقال: لا أكلفك إلا ما ~~تطيق أنت رجل جريء وفي حيالنا أعداء لنا غلف فإن قتلت مائتي رجل وجتني ~~بغلفهم زوجتك ابنتي فأتاهم فجعل كلما قتل واحدا منهم نظم غلفته في خيط ~~حتى نظم مائتي غلفة فجاء بها إلى طالوت وألقاها بين يديه وقال ادفع إلى ~~امرأتي فزوجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى داود عليه ~~السلام وأحبوه وأكثروا ذكره فحسده طالوت وأراد قتله فأخبر بذلك ابنة ~~طالوت رجل يقال له ذو العينين فأخبرت بذلك داود وقالت له: إنك مقتول ~~الليلة قال ومن يقتلني قالت: أبي قال: وهل أجرمت جرما يوجب القتل قالت ~~حدثني بذلك من لا يكذب ولا عليك أن تغيب الليلة حتى تنظر مصداق ذلك فقال ms0320 ~~إن كان يريد ذلك فلا أستطيع خروجا ولكن ائتني بزق خمر فأتته به فوضعه في ~~مضجعه على سريره وسجاه ودخل داود تحت السرير فدخل طالوت نصف الليل فقال ~~لابنته أين بعلك قالت هو نائم على سريره فضربه بالسيف فسال الخمر فلما ~~وجد ريح الخمر قال يرحم الله داود ما كان أكثر شربه للخمر وخرج، فلما ~~أصبح علم أنه لم يفعل شيئا فقال: إن رجلا منه ما طلبت لحقيق أن لا ~~يدعني حتى يدرك ثأره مني فاشتد حجابه وحراسه وأغلق دونه أبوابه، ثم إن ~~داود أتاه ليلة وقد هدأت العيون وأعمى الله عنه الحجاب ففتح الأبواب ودخل ~~عليه وهو نائم على فراشه، فوضع سهما عند رأسه وسهما عند رجليه وسهما ~~عن يمينه وسهما عن شماله وخرج فاستيقظ طالوت فبصر بالسهام فعرفها فقال ~~يرحم الله داود هو خير مني ظفرت به فقصدت قتله وظفر بي فكف عني ولو شاء ~~لوضع هذا السهم في حلقي وما أنا بالذي آمنه فلما كان من الليلة القابلة ~~أتاه ثانيا فأعمى الله عنه الحجاب فدخل عليه وهو نائم فأخذ إبريق وضوئه ~~وكوزه الذي يشرب منه وقطع شعرات من لحيته وشيئا من طرف ثوبه ثم خرج ~~وتوارى، فلما أصبح طالوت ورأى ذلك سلط على داود العيون وطلبه أشد الطلب، ~~فلم يقدر عليه. # ثم إن طالوت ركب يوما فوجد داود يمشي في البرية فقال اليوم أقتله وركض ~~في أثره فاشتد داود في عدوه. وكان إذا فزع لم يدرك فدخل غارا فأوحى الله ~~تعالى إلى العنكبوت فنسجت عليه فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء ~~العنكبوت قال: لو كان دخل هنا لتخرق هذا النسج وانطلق طالوت وتركه فخرج ~~داود حتى أتى جبل المتعبدين فتعبد معهم وطعن العلماء والعباد على طالوت ~~في شأن داود فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن قتل داود إلا قتله فقتل خلقا ~~كثيرا من العباد والعلماء حتى أتى بامرأة تعلم الاسم الأعظم فأمر خبازه ~~بقتلها فرحمها الخباز فلم يقتلها، وقال: لعلنا نحتاج إلى عالم فتركها ثم ms0321 ~~وقع في قلب طالوت التوبة والندم على ما فعل وأقبل على البكاء حتى رحمه ~~الناس. # وكان كل ليلة يخرج إلى القبور ويبكي وينادي أنشد الله عبدا يعلم لي ~~توبة إلا أخبرني بها فلما كثر ذلك منه ناداه مناد من القبور: يا طالوت ~~أما ترضى أن قتلتنا حتى تؤذينا أمواتا فازداد حزنا وبكاء فتوجه الخباز ~~إلى طالوت لما رأى من حاله وقال: ما لك أيها الملك فأخبره وقال: هل تعلم ~~لي توبة أو تعلم في الأرض عالما أسأله عن توبتي فقال له الخباز أيها ~~الملك إن دللتك على عالم يوشك أن تقتله فقال لا فتوثق منه باليمين فأخبره ~~أن تلك المرأة العالمة عنده. فقال: انطلق بي إليها لأسألها عن توبتي قال ~~نعم فانطلق به فلما قربا من الباب قال له الخباز: أيها الملك إنها إذا ~~رأتك فزعت ولكن ائت خلفي فلما دخلا عليها قال لها الخباز: يا هذه ألست ~~تعلمين حقي عليك؟ قالت: بلى قال فإن لي إليك حاجة فتقضيها قالت نعم قال ~~هذا طالوت قد جاءك يسأل هل له من توبة فلما سمعت بذكر طالوت غشى عليها ~~فلما أفاقت قالت والله ما أعلم له توبة ولكن دلوني على قبر نبي فانطلقوا ~~بها إلى قبر أشمويل فوقفت عليه ودعت وكانت تعلم الاسم الأعظم ثم قالت يا ~~صاحب القبر فخرج ينفض التراب عن رأسه فلما نظر إلى ثلاثتهم قال: ما لكم ~~أقامت القيامة قالت المرأة لا ولكن هذا طالوت قد جاء يسألك هل له من توبة ~~فقال أشمويل: يا طالوت ما فعلت بعدي قال لم أدع من الشر شيئا إلا فعلته ~~وجئت أطلب التوبة فقال أشمويل يا طالوت كم لك من الولد قال عشرة رجال قال ~~ما أعلم لك من توبة إلا أن تتخلى من ملكك وتخرج أنت وولدك في سبيل الله ~~ثم تقدم ولدك حتى يقتلوا بين يديك ثم تقاتل أنت حتى تقتل آخرهم. ثم إن ~~أشمويل سقط ميتا ورجع طالوت أحزن ما كان رهبة أن لا يتابعه بنوه على ما ms0322 ~~يريد. وكان قد بكى حتى سقطت أشفار عينيه ونحل جسمه فجمع أولاده وقال لهم: ~~أرأيتم لو دفعت إلى النار هل كنتم تنقذونني منها فقالوا بلى ننقذك بما ~~نقدر عليه قال: فإنها النار إن لم تفعلوا ما آمركم به قالوا: اعرض علينا ~~ما أردت فذكر لهم القصة قالوا: وإنك لمقتول قال نعم قالوا فلا خير لنا في ~~الحياة بعدك قد طابت أنفسنا بالذي سألت. فتجهز هو وولده وخرج طالوت ~~مجاهدا في سبيل الله فتقدم أولاده فقاتلوا حتى قتلوا ثم شد هو من بعدهم ~~فقاتل حتى قتل وجاء قاتل طالوت إلى داود فبشره بقتله وقال له: قد قتلت ~~عدوك فقال داود: ما أنت بباق بعده وقتله فكان ملك طالوت إلى أن قتل مدة ~~أربعين سنة فأتى بنو إسرائيل إلى داود فملكوه عليهم وأعطوه خزائن طالوت. # قال الكلبي والضحاك ملك داود بعد قتل جالوت سبع سنين ولم يجتمع بنو ~~إسرائيل على ملك واحد إلا على داود فذلك قوله تعالى: { وآتاه الله الملك ~~والحكمة } يعني النبوة جمع الله لداود بين الملك والنبوة ولم يكن كذلك من ~~قبل بل كانت النبوة في سبط والملك في سبط وقيل الحكمة هي العلم مع العمل ~~به { وعلمه مما يشاء } أي وعلم الله داود صنعة الدروع فكان يصنعها ~~ويبيعها وكان لا يأكل إلا من عمل يده، وقيل علمه منطق الطير وقيل علمه ~~الزبور وقيل هو الصوت الطيب والألحان ولم يعط الله أحدا من خلقه مثل صوت ~~داود فكان إذا قرأ الزبور تدنو منه الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها وتظله الطير ~~مصيخة له ويركد الماء الجاري وتسكن الرياح عند قراءته، وقيل علمه سياسة ~~الملك وضبطه، وذلك لأنه لم يكن من بيت الملك حتى يتعلمه من آبائه، وقال ~~ابن عباس هو أن الله تعالى أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة ورأسها عند صومعته ~~قوتها قوة الحديد ولونها لون النور وحلقها مستديرة مفصلة بالجوهر مدسرة ~~بقضبان اللؤلؤ الرطب فكان لا يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة ~~فيعلم داود ذلك الحدث ولا يمسها ذو عاهة ms0323 إلا برئ. وكانوا يتحاكمون ~~إليهما بعد داود إلى أن رفعت فمن تعدى على صاحبه أو أنكره حقا أتى ~~السلسلة فمن كان صادقا مد يده إلى السلسلة فنالها ومن كان كاذبا لم ~~ينلها فكانت كذلك إلى أن ظهر فيهم المكر والخبث. فبلغنا أن بعض ملوكهم ~~أودع رجلا جوهرة ثمينة، فلما طالبه بالوديعة أنكره إياها فتحاكما إلى ~~السلسلة، فعمد الذي عنده الجوهرة إلى عكازه فنقرها وجعل الجوهرة فيها ~~واعتمد عليها حتى أتيا السلسلة فقال صاحب الجوهرة: رد على الوديعة فقال ~~صاحبه ما أعرف لك عندي وديعة فإن كنت صادقا فتناول السلسلة فتناولها ~~بيده وقال للمنكر قم أنت أيضا فتناولها فقال لصاحب الجوهرة أمسك عكازتي ~~فأخذها الرجل منه وقام المنكر إلى السلسلة وقال: اللهم إن كنت تعلم أن ~~الوديعة التي يدعيها قد وصلت إليه فقرب السلسلة مني ومد يده فتناولها ~~فعجب القوم من ذلك وشكوا فيها فأصحبوا وقد رفع الله السلسلة. قوله تعالى: ~~{ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } يعني ولو أن الله يدفع ببعض الناس ~~وهم أهل الإيمان والطاعة بعضا وهم أهل الكفر والمعاصي قال ابن عباس ~~ولولا دفع الله بجنوده المسلمين لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المؤمنين ~~وخربوا المساجد والبلاد وقيل معناه ولو دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن ~~الكفار والفجار { لفسدت الأرض } يعني لهلكت بمن فيها ولكن الله يدفع ~~بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر روى أحمد بن حنبل عن ابن عمر قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن لله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء " # ثم قرأ { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } { ولكن الله ~~ذو فضل على العالمين } يعني إن دفع الفساد بهذا الطريق إنعام وإفضال عم ~~الناس كلهم. ### || [2.252-253] # { تلك آيات الله } يعني القصص التي اقتصها من حديث الألوف وإماتتهم ~~وإحيائهم وتمليك طالوت وإظهاره بالآية وهي التابوت وإهلاك الجبابرة على ~~يد صبي { نتلوها عليك بالحق } أي باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب ~~لأنه في كتبهم { وإنك لمن المرسلين } يعني ms0324 حيث تخبر بهذه الأخبار العجيبة ~~والقصص القديمة من غير أن تعرف بقراءة كتاب ولا سماع أخبار فدل ذلك على ~~أنك من المرسلين وأن الذي تخبر به وحي من الله تعالى. قوله عز وجل: { تلك ~~الرسل } يعني جماعة الرسل الذين تقدم ذكرهم في هذه السورة { فضلنا بعضهم ~~على بعض } فيه دليل على زوال الشبهة لمن أوجب التسوية بين الأنبياء في ~~الفضيلة لاستوائهم في القيام بالرسالة وأجمعت الأمة على أن الأنبياء ~~بعضهم أفضل من بعض وأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضلهم لعموم ~~رسالته وهو قوله تعالى: # وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا # [سبأ: 28] { منهم } أي من الرسل { من كلم الله } أي كلمه الله وهو موسى ~~عليه السلام { ورفع بعضهم درجات } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم رفع ~~الله منصبه ومرتبته على كافة سائر الأنبياء بما فضله عليهم من الآيات ~~البينات والمعجزات الباهرات فما أوتي نبي من الأنبياء آية أو معجزة إلا ~~أوتي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وفضل محمد صلى الله عليه ~~وسلم على غيره من الأنبياء بآيات ومعجزات أخر مثل انشقاق القمر بإشارته ~~وحنين الجذع الذي حن عند مفارقته وتسليم الحجر والشجر عليه وكلام البهائم ~~له شاهدة برسالته ونبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك من الآيات والمعجزات ~~التي لا تحصى كثرة، وأعظمها وأظهرها معجزة وآية القرآن العظيم الذي عجز ~~أهل الأرض عن معارضته والإتيان بمثله فهو معجزة باقية إلي يوم القيامة ق ~~عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه ~~البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم ~~تابعا يوم القيامة " # ق عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، ~~وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، ~~وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد ms0325 قلبي، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث الى ~~قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " # م عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " فضلت على الأنبياء بست أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب، وأحلت لي ~~الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت الى الخلائق كافة وختم بي ~~النبيون " # فإن قلت لم ذكره على سبيل الرمز والإشارة ولم يصرح باسمه صلى الله عليه ~~وسلم؟ قلت: في هذا الإبهام والرمز من تفخيم فضله وإعلاء قدره صلى الله ~~عليه وسلم ما لا يخفى لما فيه من الشهادة بأنه العلم الذي لا يشتبه ولا ~~يلتبس فهو كما يقول الرجل وقد فعل شيئا فعله بعضكم أو أحدكم ويريد نفسه ~~فيكون أفخم من التصريح به كما سئل الحطيئة: من أشعر الناس؟ قال زهير ~~والنابغة. ثم قال لو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه وقوله تعالى: { وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات } يعني الحدد والأدلة الباهرة والمعجزات على نبوته ~~مثل إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى { وأيدناه بروح القدس } أي ~~وقويناه بجبريل عليه السلام فكان معه إلى أن رفعه إلى عنان السماء ~~السابعة. فإن قلت لم خص موسى وعيسى بالذكر من بين سائر الأنبياء. قلت لما ~~أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة ولقد بين الله تعالى وجه ~~التفضيل حيث جعل التكليم من الفضل وهو آية عظيمة وتأييد عيسى بروح القدس ~~آية عظيمة أيضا فلما أوتي موسى وعيسى من الآيات العظيمة خصا بالذكر في ~~باب التفضيل فعلى هذا كل من كان من الأنبياء أعظم آيات وأكثر معجزات كان ~~أفضل ولهذا أحرز نبينا صلى الله عليه وسلم قصبات السبق في الفضل لأنه ~~أعظم الأنبياء آيات وأكثرهم معجزات فهو أفضلهم صلى الله عليه وسلم وعليهم ~~أجمعين { ولو شاء الله } أي ولو أراد الله وأصل المشيئة الإرادة { ما ~~اقتتل الذين من بعدهم } يعني بعد الرسل الذين وصفهم الله { من بعد ما ~~جاءتهم البينات } أي الدلالات الواضحات من الله بما فيه مزدجر لمن هداه ~~الله تعالى ووفقه { ولكن اختلفوا } يعني اختلف هؤلاء الذين من ms0326 بعد الرسل ~~{ فمنهم من آمن } أي ثبت على إيمانه بالله ورسوله بفضل الله { ومنهم من ~~كفر } أي ومنهم من تعمد الكفر بعد قيام الحجة وبعثة الرسل { ولو شاء الله ~~ما اقتتلوا } أي ولو أراد الله أن يحجزهم عن الاقتتال والاختلاف لحجزهم ~~عن ذلك { ولكن الله يفعل ما يريد } يعني أنه تعالى يوفق من يشاء لطاعته ~~والإيمان به فضلا منه ورحمة ويخذل من يشاء عدلا منه لا اعتراض عليه في ~~ملكه وفعله. سأل رجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن القدر فقال يا ~~أمير المؤمنين أخبرني عن القدر فقال طريق مظلم فلا تسلكه فأعاد السؤال ~~فقال بحر عميق فلا تلجه فأعاد السؤال فقال: سر الله قد خفي عليك فلا ~~تفتشه. ### || [2.254-255] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم } قيل أراد به ~~الزكاة الواجبة وقيل أراد به صدقة التطوع والإنقاق في وجوه الخير { من ~~قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه } أي لا فدية وإنما سماه بيعا لأن الفداء ~~شراء النفس من الهلاك، والمعنى قدموا لأنفسكم اليوم من أموالكم من قبل أن ~~يأتي يوم لا تجارة فيه فيكسب الإنسان ما يفتدي به من العذاب { ولا خلة } ~~أي ولا مودة ولا صداقة { ولا شفاعة } وظاهر هذا يقتضي نفي الخلة والشفاعة ~~وقد دلت النصوص على ثبوت المودة والشفاعة، بين المؤمنين فيكون هذا عاما ~~مخصوصا { والكافرون هم الظالمون } لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها. ~~قوله عز وجل: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم }. فصل: في فضل هذه ~~الآية الكريمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لكل شيء سنام وإن سنام القرآن البقرة وفيها آية هي سيدة آي القرآن آية ~~الكرسي " # أخرجه الترمذي. قوله: إن لكل شيء سناما. سنام كل شيء أعلاء تشبيها ~~بسنام البعير والمراد منه تعظيم هذه السورة والسيد الفاضل في قومه ~~والشريف والكريم وأصله من ساد يسود وقوله هي سيدة أي القرآن أفضله. م عن ~~أبي بن كعب قال: قال رسول الله ms0327 صلى الله عليه وسلم: # " يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: { الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم } فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر ~~" # عن واثلة بن الأسقع: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة المهاجرين فسأله إنسان أي ~~آية في القرآن أعظم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الله لا إله ~~إلا هو الحي القيوم } " # أخرجه أبو داود. وقال العلماء: إنما تميزت آية الكرسي بكونها أعظم آية ~~في القرآن لما جمعت من أصول الأسماء والصفات من الإلهية والوحدانية ~~والحياة والعلم والقومية والملك والقدرة والإرادة، فهذه أصول الأسماء ~~والصفات، وذلك لأن الله تعالى أعظم مذكور فما كان ذكرا له من توحيد ~~وتعظيم كان أعظم الأذكار وفي هذا الحديث حجة لمن يقول بجواز تفضيل بعض ~~القرآن على بعض وتفضيله على سائر كتب الله المنزلة، ومنع من جواز تفضيل ~~بعض القرآن على بعض جماعة منهم أبو الحسن الأشعري وأبو بكر الباقلاني ~~قالا لأن تفضيل بعضه على بعض يقتضي نقص المفضول، وليس في كلام الله عز ~~وجل نقص وتأول هؤلاء ما ورد من إطلاق لفظ أعظم وأفضل على بعض الآيات أو ~~السور بمعنى عظيم وفاضل، ومن أجاز تفضيل بعض القرآن على بعض من العلماء ~~والمتكلمين قالوا: هذا التفضيل راجع إلى عظم أجر القارئ أو جزيل ثوابه ~~وقول: إن هذه الاية أو هذه السورة أعظم أو أفضل بمعنى أن الثواب المتعلق ~~بها أكثر وهذا هو المختار وهو معنى الحديث والله أعلم عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ حين يصبح آية الكرسي وآيتين من أول حم تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز العليم حفظ يومه ذلك حتى يمسي ومن قرأها حين يمسي حفظ ليلته تلك ~~حتى يصبح " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. وأما التفسير فقوله عز وجل: { الله لا ~~إله إلا هو } نفي الإلهية عن كل ما سواه وأثبت الإلهية له سبحانه وتعالى ~~فهو كقولك لا كريم إلا ms0328 زيد فإنه أبلغ من قولك زيد كريم الحي يعني الباقي ~~على الأبد الدائم بلا زوال، والحي في صفة الله تعالى وهو الذي لم يزل ~~موجودا وبالحياة موصوفا لم تحدث له الحياة بعد موت ولا يعتريه الموت ~~بعد حياة، وسائر الأحياء سواء يعتريهم الموت والعدم فكل شيء هالك إلا ~~وجهه سبحانه وتعالى. القيوم قال مجاهد: القيوم القائم على كل شيء وتأويله ~~أنه تعالى قائم بتدبير خلقه في إيجادهم وأرزاقهم وجميع ما يحتاجون إليه ~~وقيل وهو القائم الدائم بلا زوال الموجود الذي يمتنع عليه التغير وقيل هو ~~القائم على كل نفس بما كسبت والقيوم فيعول من القيام وهو نعت للقائم على ~~الشيء { لا تأخذه سنة ولا نوم } السنة ما يتقدم النوم من الفتور الذي ~~يسمى نعاسا وهو النوم الخفيف والوسنان بين النائم واليقظان والنوم هو ~~الثقل المزيل للعقل والقوة. وقيل: السنة في الرأس والنعاس في العين ~~والنوم في القلب فالسنة هي أول النوم والنوم هو غشية ثقيلة تقع على القلب ~~تمنع المعرفة بالأشياء والمعنى لا تأخذه سنة فضلا عن أن يأخذه نوم لأن ~~النوم والسهو والغفلة محال على الله تعالى لأن هذه الأشياء عبارة عن عدم ~~العلم وذلك نقص وآفة والله تعالى منزه عن النقص والآفات، وأن ذلك تغير ~~والله تعالى منزه عن التغير، م عن أبي موسى الأشعري قال: # " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا بخمس كلمات فقال إن ~~الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه ~~عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور " # وفي رواية: # " النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ". # شرح ما يتعلق بلفظ هذا الحديث منقول من شرح مسلم للشيخ محيي الدين ~~النووي قوله صلى الله صلى عليه وسلم: # " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام " # فمعناه الإخبار أنه سبحانه وتعالى لا ينام وأنه مستحيل في حقه لأن النوم ~~انغمار وغلبة على العقل يسقط به الإحساس ms0329 والله تعالى منزه عن ذلك وقوله: ~~" يخفض القسط ويرفعه " أراد بالقسط الميزان الذي يقع به العدل ومعناه أن ~~الله تعالى يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن فيه من أعمال العباد المرتفعة ~~إليه وقيل أراد بالقسط الرزق الذي هو قسط كل مخلوق ومعنى يخفض يقبض ويضيق ~~على من يشاء ويرفعه أي يوسعه على من يشاء وقوله: " يرفع إليه عمل الليل ~~قبل عمل النهار " يعني أن الحفظة من الملائكة يصعدون بأعمال العباد في ~~الليل بعد انقضائه في أول النهار، ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضائه في ~~أول الليل قوله: " حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه ~~بصره من خلقه " سبحات بصم السين المهملة والباء الموحدة تحت وبضم التاء ~~في آخره جمع سبحة، ومعنى سبحات وجهه نوره وجلاله وبهاؤه والحجاب أصله في ~~اللغة المنع وحقيقة الحجاب إنما تكون للأجسام المحدودة والله تعالى منزه ~~عن الجسم والحد، فالمراد به هنا الشيء المانع من الرؤية، وسمي ذلك الشيء ~~المانع نورا أو نارا لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة، والمراد ~~بالوجه الذات، والمراد بما انتهى إليه بصره من خلقه جميع المخلوقات لأن ~~بصره سبحانه وتعالى محيط بجميع الكائنات ولفظة من في قوله من خلقه لبيان ~~الجنس لا للتبعيض ومعنى الحديث لو زال المانع وهو الحجاب المسمى نورا أو ~~نارا وتجلى لخلقه لأحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته هذا آخر كلام للشيخ على ~~هذا الحديث والله أعلم. # وروى الطبري بسنده عن ابن عباس في قوله: { لا تأخذه سنة ولا نوم } إن ~~موسى عليه السلام سأل الملائكة هل ينام الله تعالى؟ فأوحى الله تعالى إلى ~~الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثا فلا يتركوه ينام ففعلوا ثم أعطوه ~~قارورتين فامسكهما ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما فجعل ينعس وينتبه وهما في ~~يده في كل يد واحدة حتى نعس نعسة فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما قال معمر ~~إنما هو مثل ضربة الله تعالى له يقول فكذلك السموات والأرض، ورواه عن أبي ~~هريرة مرفوعا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن ms0330 موسى على ~~المنبر قال: # " وقع في نفس موسى هل ينام الله " # وذكر نحو حديث ابن عباس قال بعض العلماء: إن صح هذا الحديث فيحمل على أن ~~هذا السؤال كان من جهال قوم موسى كطلب الرؤية من موسى لأن الأنبياء عليهم ~~السلام هم أعلم بالله من غيرهم فلا يجوز أن ينسب لموسى مثل هذا السؤال ~~والله تعالى أعلم. قوله تعالى: { له ما في السموات وما في الأرض } يعني ~~أن الله تعالى مالك جميع ذلك بغير شريك ولا منازع وهو خالقهم وهم عبيده ~~وفي ملكه. # فإن قلت لم قال له ما في السموات ولم يقل من في السموات؟ قلت: لما كان ~~المراد إضافة كل ما سواه إليه من الخلق والملك وكان الغالب فيهم من لا ~~يعقل أجرى الغالب مجرى الكل فعبر عنه بلفظ ما { من ذا الذي يشفع عنده ~~إلا بإذنه } أي بأمره وهذا استفهام إنكاري والمعنى لا يشفع عنده أحد ~~إلا بأمره وإرادته، وذاك لأن المشركين زعموا أن الأصنام تشفع لهم فأخبر ~~أنه لا شفاعة لأحد عنده إلا ما استثناه بقوله { إلا بإذنه } يريد بذلك ~~شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعة بعض الأنبياء والملائكة وشفاعة ~~المؤمنين بعضهم لبعض { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } يعني ما بين ~~أيديهم من الدنيا وما خلفهم من الآخرة وقيل بعكسه لأنهم يقدمون على ~~الآخرة ويخلفون الدنيا وراء ظهورهم وقيل يعلم ما كان قبلهم وما كان بعدهم ~~وقيل يعلم ما قدموه بين أيديهم من خير أو شر وما خلفهم مما هم فاعلوه ~~والمقصود من هذا أنه سبحانه وتعالى عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه ~~شيء من أحوال جميع خلقه { ولا يحيطون بشيء من علمه } يقال: أحاط بالشيء ~~إذا علمه وهو أن يعلم وجوده وجنسه وقدره وحقيقته، فإذا علمه ووقف عليه ~~وجمعه في قلبه فقد أحاط به والمراد بالعلم المعلوم والمعنى أن أحدا لا ~~يحيط بمعلومات الله تعالى: { إلا بما شاء } يعني أن يطلعهم عليه وهم من ~~الأنبياء والرسل ليكون ما يطلعهم عليه من علم غيبه ms0331 دليلا على نبوتهم كما ~~قال تعالى: # فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول # [الجن: 26-27] { وسع كرسيه السموات والأرض } يقال فلان وسع الشيء سعة ~~إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به وأصل الكرسي في اللغة من تركب الشيء ~~بعضه على بعض ومنه الكراسة لتركب بعض أوراقها على بعض والكرسي في العرف ~~اسم لما يقعد عليه سمي به لتركب خشباته بعضها على بعض. واختلفوا في ~~المراد بالكرسي هنا على أربعة اقوال: أحدها أن الكرسي هو العرش نفسه قال ~~الحسن لأن العرش والكرسي اسم للسرير الذي يصح التمكن عليه. القول الثاني ~~أن الكرسي غير العرش وهو أمامه وهو فوق السموات السبع ودون العرش قال ~~السدي إن السموات والأرض في جوف الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة والكرسي في ~~جنب العرش كحلقة في فلاة وعن ابن عباس أن السموات السبع في الكرسي كدراهم ~~سبعة ألقيت في ترس وقيل إن كل قائمة من قوائم الكرسي طولها مثل السموات ~~والأرض وهو بين يدي العرش ويحمل الكرسي أربعة أملاك لكل ملك أربعة وجوه ~~وأقدامهم على الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى: ملك على صورة أبي ~~البشر آدم وهو يسأل الرزق والمطر لبني آدم من السنة إلى السنة، وملك على ~~صورة النسر وهو يسأل الرزق للطير من السنة إلى السنة، وملك على صورة ~~الثور وهو يسأل الرزق للأنعام من السنة إلى السنة وملك على صورة السبع ~~وهو يسأل الرزق للوحوش من السنة إلى السنة. # وفي بعض الأخبار أن بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجابا من ظلمة ~~وسبعين حجابا من نور غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام لولا ذلك لاحترقت ~~حملة الكرسي من نور حملة العرش. القول الثالث: إن الكرسي هو الاسم الأعظم ~~لأن العلم يعتمد عليه. كما أن الكرسي يعتمد عليه قال ابن عباس كرسيه ~~علمه. القول الرابع: المراد بالكرسي الملك والسلطان والقدرة لأن الكرسي ~~موضع الملك والسلطان فلا يبعد أن يكنى عن الملك بالكرسي على سبيل المجاز ~~{ ولا يؤوده } أي لا يثقله ولا يجهده ms0332 ولا يشق عليه { حفظهما } أي حفظ ~~السموات والأرض { وهو العلي } أي الرفيع فوق خلقه الذي ليس فوقه شيء فيما ~~يجب له أن يوصف به من معاني الجلال والكمال فهو العلي بالإطلاق المتعالي ~~عن الأشباه والأنداد والأضداد وقيل العلي بالملك والسلطنة والقهر فلا ~~أعلى منه أحد وقيل معنى العلو في صفة الله تعالى منقول إلى اقتداره وقهره ~~واستحقاق صفات المدح جميعها على كل وجه وقيل معناه أنه يعلو أن يحيط به ~~وصف الواصفين { العظيم } يعني أنه ذو العظمة والكبرياء الذي لا شيء أعظم ~~منه. وقال ابن عباس: العظيم الذي قد كمل في عظمته وقيل العظيم هو ذو ~~العظمة والجلال والكمال وهو في صفة الله تعالى ينصرف إلى عظم الشأن ~~وجلالة القدر دون العظم الذي هو من نعوت الأجسام. ### || [2.256] # قوله عز وجل: { لا إكراه في الدين } سبب نزول هذه الآية فيما يروى عن ~~ابن عباس قال: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة وهي التي لا يعيش لها ~~ولد فكانت تنذر لئن عاش لها ولد، لتهودنه فإذا عاش جعلته في اليهود فجاء ~~الإسلام وفيهم منهم، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم عدد من أولاد ~~الأنصار فأرادت الأنصار استردادهم وقالوا هم أبناؤنا وإخواننا فنزلت ~~الآية { لا إكراه في الدين }. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قد خير أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فأجلوهم معهم " # وقيل: لرجل من الأنصار، من بني سالم بن عوف يقال له أبو الحصين ابنان ~~متنصران قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة في نفر من ~~النصارى يحملون الزيت فلزمهما أبوهما وقال لا أدعكما حتى تسلما فاختصموا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا ~~أنظر فأنزل الله تعالى { لا إكراه في الدين } فخلى سبيلهما وقيل نزلت في ~~أهل الكتاب إذا قبلوا بذل الجزية لم يكرهوا على الإسلام وذلك أن العرب ~~كانت أمة أمية ولم يكن لهم كتاب يرجعون إليه فلم يقبل منهم إلا الإسلام ~~أو القتل ونزل ms0333 في أهل الكتاب لا إكراه في الدين يعني إذا قبلوا الجزية ~~فمن أعطى الجزية منهم لم يكره على الإسلام فعلى هذا القول تكون الآية ~~محكمة ليست بمنسوخة وقيل: بل الاية منسوخة وكان ذلك في ابتداء الإسلام ~~قبل أن يؤمروا بالقتال ثم نسخت بآية القتال وهو قول ابن مسعود وقال ~~الزهري سألت زيد بن أسلم عن قول الله تعالى لا إكراه في الدين قال كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحدا في الدين فأبى ~~المشركون إلا أن يقاتلوا فاستأذن الله في قتالهم فأذن له ومعنى لا إكراه ~~في الدين أي دين الإسلام ليس فيه إكراه عيله { قد تبين الرشد من الغي } ~~يعني ظهر ووضح وتميز الحق من الباطل والإيمان من الكفر والهدى من الضلالة ~~بكثرة الآيات والبراهين الدالة على صحته { فمن يكفر بالطاغوت } يعني ~~الشيطان، وقيل: هو الساحر والكاهن، وقيل هو كل ما عبد من دون الله تعالى، ~~وقيل: كل ما يطغى الإنسان فهو طاغوت فاعول من الطغيان { ويؤمن بالله } أي ~~ويصدق بالله أنه ربه ومعبوده من دون كل شيء كان يعبده وفيه إشارة إلى أنه ~~لا بد للكافر أن يتوب أولا عن الكفر ويتبرأ منه ثم يؤمن بعد ذلك بالله ~~فمن فعل ذلك صح إيمانه وهو قوله تعالى: { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي ~~فقد تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين والوثقى تأنيث الأوثق ~~وقيل العروة الوثقى السبب الذي يوصل إلى رضا الله تعالى وهو دين الإسلام ~~{ لا انفصام لها } أي لا انقطاع لها حتى تؤديه إلى الجنة والمعنى أن ~~المتمسك بالدين الصحيح الذي هو دين الإسلام كالمتمسك بالشيء الوثيق الذي ~~لا يمكن كسره ولا انقطاعه { والله سميع } يعني أنه تعالى يسمع قول من كفر ~~بالطاغوت وأتى بالشهادتين { عليم } بما في قلبه من الإيمان وقيل معناه ~~سميع لدعائك إياهم إلى الإسلام عليم بحرصك على إسلامهم. ### || [2.257-258] # قوله عز وجل: { والله ولي الذين آمنوا } أي ناصرهم ومعينهم وقيل محبم ~~ومتولي أمورهم فلا يكلهم إلى غيره ms0334 وقيل هو متولي هدايتهم { يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور } أي من الكفر إلى الإيمان وكل ما في القرآن من ذكر ~~الظلمات والنور، فالمراد به الكفر والإيمان غير الذي في سورة الأنعام وهو ~~قوله تعالى وجعل الظلمات والنور، فالمراد به الليل والنهار وإنما سمي ~~الكفر ظلمة لالتباس طريقه ولأن الظلمة تحجب الأبصار عن إدراك الحقائق ~~فكذلك الكفر يحجب القلوب عن إدراك حقائق الإيمان وسمي الإسلام نورا ~~لوضوح طريقه وبيان أدلته { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت } يعني كعب بن ~~الأشرف وحيي بن أخطب وسائر رؤوس الضلالة { يخرجونهم من النور إلى الظلمات ~~} أي من الهدى إلى الضلالة. فإن قلت: كيف قال يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات وهم كفار لم يكونوا في نور قط؟ قلت: هم اليهود كانوا موقنين ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته قبل أن يبعث لما يجدون في كتبهم من ~~نعته وصفته فلما بعث كفروا به وجحدوا نبوته وقيل: هو على العموم في حق ~~جميع الكفار سمي منع الطاغوت إياهم عن الدخول فيه إخراجا من الإيمان ~~بمعنى صدهم الطاغوت عنه وحرمهم خيره وإن لم يكونوا دخلوا فيه قط فهو كقول ~~الرجل لأبيه أخرجتني عن مالك إذا أوصى به لغيره في حياته وحرمه منه وكقول ~~الله تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام: # إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله # [يوسف: 37] ولم يكن قط في ملتهم { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ~~يعني الكفار والطاغوت أهل النار الذين يخلدون فيها دون غيرهم. قوله عز ~~وجل: { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } يعني هل انتهى إليك يا ~~محمد خبر الذي خاصم إبراهيم وجادله لأن ألم تر كلمة يوقف بها المخاطب على ~~تعجب منها ولفظها استفهام كما يقال ألم تر إلى فلان كيف يصنع معناه هل ~~رأيت فلانا في صنعه والذي حاج إبراهيم هو نمرود بن كنعان الجبار وهو أول ~~من وضع التاج على رأسه وتجبر في الأرض وادعى الربوبية { أن آتاه الله ~~الملك } أي لأن آتاه الله الملك فطغى وتجبر بسببه وكانت ms0335 تلك المحاجة من ~~بطر الملك وطغيانه قال مجاهد ملك الأرض أربعة مؤمنان وكافران فأما ~~المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود، وبختنصر. ~~واختلفوا في وقت هذه المحاجة فقيل: لما كسر إبراهيم الأصنام سجنه نمرود ~~ثم أخرجه ليحرقه فقال له: من ربك الذي تدعونا إليه؟ قال إبراهيم ربي الذي ~~يحيي ويميت وقيل: كان هذا بعد إلقائه في النار وذلك أن الناس قحطوا على ~~عهد نمرود، وكان الناس يمتارون من عنده الطعام فكان إذا أتاه أحد يمتار ~~سأله من ربك؟ فيقول أنت فيميره فخرج إبراهيم عليه السلام إليه يمتار ~~لأهله الطعام فأتاه فقال له من ربك قال ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي ~~وأميت قال إبراهيم: " فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ~~فبهت الذي كفر " فرده بغير طعام فرجع إبراهيم إلى أهله فمر على كثيب رمل ~~أعفر فأخذ منه تطييبا لقلوب أهله إذا دخل عليهم فلما أتى أهله وضع متاعه ~~ثم نام فقامت زوجته سارة إلى رحله ففتحته فإذا هو طعام أجود ما رآه أحد ~~فصنعت منه خبزا فلما انتبه قربته إليه فقال لها إبراهيم من أين هذا؟ ~~وكان عهد أهله وليس عندهم طعام فقالت من الطعام الذي جئت به فعلم إبراهيم ~~أن الله قد رزقه فحمد الله تعالى: ثم إن الله تعالى بعث إلى نمرود الجبار ~~ملكا فقال له إن ربك يقول لك أن آمن بي وأتركك في ملكك قال وهل رب غيري ~~فجاءه الثانية فقال له مثل ذلك ثم أتاه الثالثة فرد عليه مثل ذلك فقال له ~~الملك أجمع جموعك فجمع الجبار جموعه فأمر الله الملك ففتح عليه بابا من ~~البعوض حتى سترت الشمس فلم يروها فبعثها الله عليهم فأكلت لحومهم وشربت ~~دماءهم فلم يبق إلا العظام ونمرود ينظر ولم يصبه شيء من ذلك ثم بعث الله ~~عليه بعوضة فدخلت في منخره فمكثت في رأسه أربعمائة سنة يضرب رأسه ~~بالمطارق وكان أرحم الناس به من يجمع له يديه ثم يضرب بها رأسه فكان ms0336 كذلك ~~يعذب أربعمائة سنة مدة ملكه حتى أماته الله عز وجل: { إذ قال إبراهيم ربي ~~الذي يحيي ويميت } هذا جواب سؤال غير مذكور تقديره قال له نمرود من ربك ~~قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت { قال } يعني قال نمرود { أنا أحيي ~~وأميت } قال أكثر المفسرين دعا نمرود برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر ~~فجعل ترك القتل إحياء فانتفل إبراهيم صلى الله عليه وسلم إلى حجة أخرى لا ~~عجزا عن نصر حجته الأولى فإنها كانت لازمة لأنه أراد بالإحياء إحياء ~~الميت فكان لإبراهيم أن يقول لنمرود فأحيي من أمت إن كنت صادقا ولكن ~~انتقل إلى حجة أخرى أوضح من الأولى لما رأى من قصور فهم نمرود وضعف رأيه ~~فإنه عارض الفعل بمثله ونسي اختلاف الفعلين { قال إبراهيم فإن الله يأتي ~~بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر } يعني تحير نمرود ~~ودهش وانقطعت حجته ولم يرجع إليه شيئا وعرف أنه لا يطيق ذلك. # فإن قلت كيف بهت الذي كفر وكان يمكنه أن يقول لإبراهيم سل أنت ربك حتى ~~يأتي بها من المغرب. قلت إنما لم يقله لأنه خاف أنه لو سأل ذلك دعا ~~إبراهيم ربه فكان ذلك زيادة في فضيحة نمرود وانقطاعه وقيل إن الله تعالى ~~صرفه عن تلك المعارضة إظهارا للحجة عليه ومعجزة لإبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم وهو الصحيح { والله لا يهدي القوم الظالمين } يعني لا يرشدهم إلى ~~حجة يدحضون بها حجج أهل الحق عند المحاجة والمخاصمة وعنى بالظالمين ~~نمرود. ### || [2.259] # قوله عز وجل: { أو كالذي مر على قرية } هذه معطوفة على الآية التي قبلها ~~والمعنى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم أو كالذي مر على قرية فيكون هذا ~~عطفا على المعنى وقيل تقديره هل رأيت كالذي حاج إبراهيم وهل رأيت كالذي ~~مر على قرية وقيل الكاف زائدة التقدير ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم أو ~~إلى الذي مر على قرية واختلفوا في ذلك المار فروى عن مجاهد أنه كان ~~كافرا شك في البعث وهذا قول ضعيف لقوله ms0337 تعالى: { قال كم لبثت } والله ~~تعالى لا يخاطب الكافر ولقوله تعالى: { ولنجعلك آية للناس } وهذا اللفظ ~~لا يستعمل في حق الكافر وإنما يستعمل في حق الأنبياء وقال قتادة وعكرمة ~~والضحاك والسدي هو عزيز بن شرخيا وقال وهب بن منبه هو أرمياء بن حلقيا من ~~سبط هارون وهو الخضر ومقصود القصة تعريف منكري البعث قدرة الله تعالى على ~~إحياء خلقه بعد إماتتهم لا تعريف اسم ذلك المار على القرية فجائز أن يكون ~~ذلك المار هو عزيز وجائز أن يكون أرمياء وفي هذه القصة دلالة عظيمة بنبوة ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر اليهود بما يجدونه في كتبهم ~~ويعرفونه وهو أمي لم يقرأ الكتب القديمة واختلفوا في تلك القرية فقيل هي ~~بيت المقدس وذلك لما خربها بختنصر والمراد بالإحياء هنا عمارتها وقيل هي ~~القرية التي أهلك الله أهلها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف وقيل هي دير ~~سابر آباد وقيل سلماباد وقيل هي دير هرقل وقيل قرية العنب هي على فرسخين ~~من بيت المقدس وقوله هي دير سابر أباد موضع كان بفارس وسلماباد محلة أو ~~قرية من نواحي جرجان وقيل: أيضا من نواحي همدان ودير هرقل بكسر أوله ~~وراء ساكنة وقاف مكسورة دير مشهور بين البصرة وعسكر مكرم. وقيل: هو موضع ~~الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم لحزقيل كما ~~تقدم ويقال إن المراد بقوله تعالى: { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على ~~عروشها } هي التي عندها أحيا الله حمار عزير { وهي خاوية على عروشها } أي ~~ساقطة على سقوفها وذلك أن السقوف سقطت أولا وقفت الحيطان عليها بعد ذلك ~~{ قال } يعني ذلك المار { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } فمن قال إن ذلك ~~المار كان كافرا وهو ضعيف إنما حمله على الشك في قدرة الله ومن قال كان ~~نبيا حمله على سبيل الاستبعاد بحسب مجاري العرف والعادة لا على سبيل ~~الإنكار لقدرة الله تعالى أو كان المقصود منه طلب زيادة الدلائل لأجل ~~التأكيد كما قال ms0338 إبراهيم عليه السلام: # رب أرني كيف تحيي الموتى # [البقرة: 260] ومعنى { أنى يحيي هذه الله } من أين يحيي هذه القرية ~~والمراد بالإحياء عمارتها فأحب الله أن يريه آية في نفسه وفي إحياء تلك ~~القرية. وكان سبب القصة في ذلك ما روي عن وهب بن منبه أن الله تعالى بعث ~~أرمياء إلى ناشية بن أموص ملك بني إسرائيل ليسدده ويأتيه بالخبر من الله ~~تعالى فعظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي فأوحى الله تعالى إلى ~~أرمياء أن ذكر قومك نعمي عليهم وعرفهم أحداثهم وادعهم إلي فقال أرمياء يا ~~رب إني ضعيف إن لم تقوني عاجز إن لم تبلغني مخذول إن لم تنصرني فقال الله ~~تعالى: إني ألهمك فقام أرمياء فيهم ولم يدر ما يقول، فألهمه الله تعالى ~~في الوقت خطبة بليغة طويلة بين لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية وقال ~~في آخرها عن الله عز وجل إني أحلف بعزتي لأقيضن له فتنة يتحير فيها ~~الحكيم ولأسلطن عليهم جبارا فارسيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة ~~يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم ثم أوحى الله تعالى إليه إني مهلك بني ~~إسرائيل بيافث ويافث هم أهل بابل وهم من ولد يافث بن نوح فلما سمع أرمياء ~~ذلك صاح وبكى وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فلما رأى الله تضرعه وبكاءه ~~ناداه يا أرمياء أشق عليك ما أوحيت إليك قال نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى ~~في بني إسرائيل مالا أسربه فقال الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا أهلك بني ~~إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من قبلك ففرح أرمياء بذلك وطابت نفسه ~~وقال: لا والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل، ثم أتى الملك ~~فأخبره بذلك وكان ملكا صالحا فاستبشر وفرح وقال إن يعذبنا ربنا ~~فبذنوبنا وإن يعف عنا فبرحمته ثم إنهم مكثوا بعد ذلك الوحي ثلاث سنين لم ~~يزدادوا إلا معصية وتماديا في الشر فقل الوحي وذلك حين اقترب هلاكهم ~~فدعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا فسلط الله عليهم بختنصر ms0339 البابلي فخرج ~~في ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس فلما فصل سائرا وأتى الخبر إلى ~~ملك بني إسرائيل قال لأرمياء: أين ما زعمت أن الله تعالى أوحى إليك فقال ~~أرمياء: إن الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق فلما قرب الأجل بعث الله ~~تعالى إلى أرمياء ملكا قد تمثل له في صورة رجل من بني إسرائيل فقال له ~~أرمياء من أنت قال أنا رجل من بني إسرائيل أتيتك أستفتيك في أهل رحمي ~~وصلت أرحامهم ولم آت إليهم إلا حسنا ولا يزيدهم إكرامي إياهم إلا ~~سخطا لي فأفتني فيهم فقال أرمياء: أحسن فيما بينك وبين الله وصلهم وأبشر ~~بخير فانصرف الملك فمكث أياما ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فقعد بين ~~يديه فقال له أرمياء من أنت قال أنا الرجل أتيتك أستفتيك في شأن أهلي ~~فقال له أرمياء أما طهرت أخلاقهم بعدلك فيهم فقال يا نبي الله والذي بعثك ~~بالحق نبيا ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى رحمه إلا قدمتها ~~إليهم وأفضل فقال أرمياء: ارجع إليهم فأحسن إليهم واسأل الله الذي يصلح ~~عباده الصالحين أن يصلحهم فقام الملك فمكث أياما ثم إن يختنصر نزل ~~بجنوده بيت المقدس ففزع منهم بنو إسرائيل فقال ملكهم لأرمياء با نبي الله ~~أين ما وعدك الله فقال إني بربي واثق ثم أقبل ذلك الملك إلى أرمياء وهو ~~قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده فقعد بين يديه ~~فقال له أرمياء من أنت قال أنا الذي جئتك في شأن أهلي مرتين فقال أرمياء: ~~أما آن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه فقال الملك يا نبي الله إن كل شيء ~~كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه فاليوم رأيتهم على عمل لا يرضي ~~الله تعالى فقال له أرمياء: على أي عمل رأيتهم؟ قال على عمل عظيم يسخط ~~الله تعالى فغضبت لله عز وجل فأتيتك لأخبرك وأنا سألك بالله الذي بعثك ~~بالحق أن تدعو الله عليهم ليهلكوا فقال أرمياء: ms0340 يا مالك السموات والأرض ~~يا ذا الجلال والإكرام إن كانوا على حق وصواب فأبقهم وإن كانوا على عمل ~~لا ترضاه فأهلكهم فما خرجت الكلمة من فيه حتى أرسل الله عز وجل صاعقة من ~~السماء على بيت المقدس فالتهب مكان القربان وأحرقت سبعة أبواب من أبوابه، ~~فلما رأى ذلك أرمياء صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه وقال يا مالك ~~السموات والأرض أين ميعادك الذي وعدتني به فنودي أنهم لم يصبهم ما أصابهم ~~إلا بفتياك ودعائك عليهم، فاستيقن أرمياء أنها فتياه وأن ذلك السائل كان ~~رسولا من الله تعالى إليه فخرج أرمياء حتى خالط الوحوش ودخل بختنصر ~~وجنوده بيت المقدس ووطئ الشام، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت ~~المقدس وأمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا ويقذفه في بيت المقدس ~~ففعلوا ذلك حتى ملؤوه ثم أمرهم أن يجمعوا من كان بقي في بلدان بيت المقدس ~~فاجتمع عنده من كان بقي من بني إسرائيل من صغير وكبير فاختار منهم سبعين ~~ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذي كانوا معه فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمة. # وكان في أولئك الغلمان دانيال عليه السلام وحنانيا وعزير، وفرق من بقي ~~من بني إسرائيل ثلاث فرق فثلثا قتلهم وثلثا سباهم وثلثا أقرهم بالشام ~~فكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل بظلمهم فلما ولى ~~بختنصر راجعا إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل أقبل أرمياء على حمار له ~~ومعه عصير عنب في ركوة وسلة تين حتى غشي إيليا وهي أرض بيت المقدس فلما ~~رأى خرابها قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها. # ومن قال: إن المار كان عزيرا قال: إن بختنصر لما خرب بيت المقدس بسبايا ~~بني إسرائيل وكان فيهم عزيز ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود، فلما ~~نجا عزير من بابل ارتحل على حمار حتى نزل دير هرقل على شط دجلة فطاف ~~بالقرية فلم ير أحدا وعامة شجرها حامل فأكل من الفاكهة واعتصر من العنب ~~فشرب منه وجعل فضل الفاكهة في سلة ms0341 وفضل العصير في زق، ولما رأى خراب ~~القرية وهلاك أهلها قال أني يحيي هذه الله بعد موتها وإنما قال ذلك ~~تعجبا لا شكا في البعث. ورجعنا إلى حديث وهب قال ثم إن أرمياء ربط حماره ~~بحبل جديد وألقى الله تعالى عليه النوم فلما نام ونزع الله منه الروح ~~فمات مائة عام وأمات حماره وبقي عصيره وتينه عنده وأعمى الله عنه العيون ~~فلم يره أحد وذلك ضحى ومنع لحمه من السباع والطير، فلما مضى من وقت موته ~~مدة سبعين سنة أرسل الله تعالى ملكا إلى ملك من ملوك فارس يقال له نوشك ~~وقال له: إن الله يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيليا حتى يعود ~~أعمر ما كان فانتدب الملك ألف قهرمان مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل ~~وجعلوا يعمرونه وأهلك الله بختنصر ببعوضة دخلت في دماغه ونجى الله من بقي ~~من بني إسرائيل وردهم جميعا إلى بيت المقدس ونواحيها فعمروها ثلاثين سنة ~~وكثروا كأحسن ما كانوا، فلما مضت المائة أحيا الله منه عينيه وسائر جسده ~~ميت ثم أحيا الله جسده وهو ينظر ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه تلوح بيض ~~متفرقة فسمع صوتا من السماء أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن ~~تجتمعي فاجتمع بعضها إلى بعض، ثم نودي إن الله يأمرك أن تكتسي لحما ~~وجلدا فكان كذلك، ثم نودي إن الله يأمرك أن تحيي فقام الحمار بإذن الله ~~ثم نهق وعمر الله أرمياء فهو يدور في الفلوات فذلك قوله تعالى: { فأماته ~~الله مائة عام } أصل العام من العوم وهو السباحة سميت السنة عاما لأن ~~الشمس تعوم في جميع بروجها { ثم بعثه } أي ثم أحياه وأصله من بعثت الناقة ~~إذا أقمتها من مكانها { قال كم لبثت } يعني قال الله تعالى له كم قدر ~~الزمان الذي مكثت فيه ميتا قبل أن أبعثك من مكانك حيا؟ ويقال إن الله ~~تعالى لما أحياه بعث إليه ملكا فسأله كم لبثت { قال } يعني ذلك المبعوث ~~بعد مماته { لبثت يوما } وذلك أن الله تعالى أماته ms0342 ضحى في أول النهار ~~وأحياه بعد مائة سنة في آخر النهار قبل أن تغيب الشمس فقال لبثت يوما ~~وهو يرى أن الشمس قد غابت ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: { أو بعض ~~يوم قال } يعني قال الله له، وقيل قال الملك له { بل لبثت مائة عام فانظر ~~إلى طعامك } يعني التين الذي كان معه قبل موته { وشرابك } يعني العصير { ~~لم يتسنه } يعني لم تغيره السنون التي أتت عليه فكان التين كأنه قد قطف ~~من ساعته والعصير كأنه قد عصر من ساعته لم يتغير ولم ينتن { وانظر إلى ~~حمارك } أي وانظر إلى إحياء حمارك فنظر فإذا هو عظام بيض فركب الله تعالى ~~العظام بعضها على بعض ثم كساه اللحم والجلد وأحياه وهو ينظر { ولنجعلك ~~آية للناس } قيل الواو زائدة مقحمة وقيل: دخول الواو فيه دلالة على أنها ~~شرط لفعل بعدها والمعنى وفعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء لنجعلك آية ~~للناس يعني عبرة ودلالة على البعث بعد الموت. # وقال أكثر المفسرين وقيل: إنه عاد إلى القرية وهو شاب أسود الرأس ~~واللحية وأولاده وأولاد أولاده شيوخ وعجائز شمط فكان ذلك آية للناس { ~~وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما } قرئ بالراء ومعناه كيف ~~نحييها يقال أنشر الله الميت إنشارا يعني أحياه وقرئ بالزاي ومعناه: كيف ~~نرفعها من الأرض ونردها إلى مكانها من الجسد، وتركيب بعضها على بعض ~~وإنشاز الشيء رفعه وإنزعاجه يقال: نشزته فنشز أي رفعته فارتفع واختلفوا ~~في معنى الآية فقال الأكثرون إنه أراد عظام الحمار قيل إن الله تعالى ~~أحيا عزيرا أو أرميا على اختلاف القولين فيه ثم قال: له: انظر إلى ~~حمارك قد هلك وبليت عظامه، فنظر وبعث الله ريحا فجاءت بعظام الحمار من ~~كل سهل وجبل، فاجتمعت فركب بعضها على بعض حتى الكسرة من العظم رجعت إلى ~~موضعها فصار حمارا من عظام ليس عليه لحم، ولا فيه دم ثم كسا الله تلك ~~العظام اللحم والعروق والدم، فصار حمارا ذا لحم ودم لا روح فيه، ثم بعث ~~الله ms0343 ملكا فأقبل إليه يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه الروح فقام ~~الحمار حيا بإذن الله تعالى، ثم نهق وقيل: أراد بالعظام عظام هذا الرجل ~~نفسه وذلك أن الله تعالى أماته ثم بعثه ولم يمت حماره. ثم قيل: له انظر ~~إلى حمارك فنظر فرأى حماره حيا قائما كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب ~~مائة عام ونظر إلى الرمة في عنقه جديدة لم تتغير ثم قيل له: انظر إلى ~~العظام كيف ننشزها وذلك أن الله أول ما أحيا منه عينيه فنظر فرأى سائر ~~جسده ميتا وفي الآية تقديم وتأخير تقديره وانظر إلى حمارك وانظر إلى ~~العظام كيف ننشزها، ولنجعلك آية للناس وعن ابن عباس وغيره من المفسرين ~~لما أحيا الله عزيرا بعد ما أماته سنة ركب حماره حتى أتى إلى محلته ~~فأنكر الناس، وأنكر منازله فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا بعجوز ~~عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة، وكانت أمة لهم ولما خرج عزير ~~عنهم كانت بنت عشرين سنة، وكانت قد عرفته وعقلته فقال لها عزير: يا هذه ~~هذا منزل عزير فقالت: نعم وبكت وقالت ما رأيت أحدا يذكر عزيرا منذ كذا ~~وكذا فقال: أنا عزير فقالت: سبحان الله أن عزيرا فقدناه من مائة سنة ولم ~~نسمع له بذكر فقال: إني عزير إن الله تعالى أماتني مائة سنة ثم أحياني ~~فقالت: إن عزيرا كان رجلا مجاب الدعوة وكان يدعو للمريض وصاحب البلايا ~~بالعافية فادع الله أن يرد علي بصري حتى أراك فإن كنت عزيرا عرفتك فدعا ~~ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال لها: قومي بإذن الله ~~تعالى فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة، فنظرت إليه وقالت: أشهد أنك عزير ~~وانطلقت إلى بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ ابن ~~مائة سنة وثمانية عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخ فنادت هذا عزير قد جاءكم، ~~فكذبوها فقالت: أنا فلانة مولاتكم فدعا عزير ربه فرد علي بصري وأطلق ~~رجلي، وزعم أن الله تعالى قد أماته مائة سنة ms0344 ثم بعثه قال: فنهض الناس ~~إليه، وقال: ابنه: كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه فكشف عن ~~كتفيه فنظر إليها فرآها فعرف أنه عزير، وقيل: لما رجع عزير إلى قريته وقد ~~أحرق بختنصر التوراة ولم يكن من الله عهد بين الخلائق بكى عزير على ~~التوراة فأتاه ملك بإناء فيه ماء فسقاه من ذلك الماء فثبتت التوراة في ~~صدره فرجع إلى بني إسرائيل وقد علمه الله التوراة، وبعثه نبيا فقال أنا ~~عزير: فلم يصدقوه فقال إني عزير وقد بعثني الله إليكم لأجدد لكم توراتكم، ~~قالوا: فاملها علينا فأملاها عليهم من ظهر قلبه فقالوا: ما جعل الله ~~التوراة في قلب رجل بعد ما ذهبت إلا أنه ابنه فقالوا: عزير ابن الله ~~وستأتي القصة في سورة التوبة إن شاء الله تعالى. # وقوله تعالى: { فما تبين له } يعني فلما اتضح له عيانا ما كان ينكره من ~~إحياء القرية ورآه عيانا في نفسه { قال أعلم } قرئ مجزوما موصولا على ~~الأمر يعني قال الله له أعلم وقرئ أعلم على قطع الألف، ورفع الميم على ~~الخبر عن الذي قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها والمعنى فلما تبين له ~~ورأى ذلك عيانا قال: أعلم { أن الله على كل شيء قدير } يعني الإماتة ~~والإحياء. ### || [2.260] # قوله عز وجل: { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى } اختلفوا في ~~سبب هذا السؤال من إبراهيم عليه السلام فقيل: إنه مر على دابة ميتة وهي ~~جيفة حمار وقيل: بل كانت حوتا ميتا وقيل: كان رجلا ميتا بساحل البحر ~~وقيل: بحر طبرية فرآها وقد توزعها دواب البحر والبر. فإذا مد البحر جاءت ~~الحيتان فأكلت منها وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت منها. فإذا ذهبت ~~السباع جاءت الطير فأكلت منها فلما رأى إبراهيم ذلك تعجب منها. وقال: يا ~~رب إني قد علمت إنك لتجمعها من بطون السباع وحواصل الطير وأجواف الدواب ~~فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك، فأزداد يقينا فعاتبه الله تعالى: { قال ~~أولم تؤمن } يعني ألم تصدق { قال بلى } يا رب قد ms0345 علمت وآمنت { ولكن ~~ليطمئن قلبي } أي ليسكن قلبي عند المعاينة أراد إبراهيم عليه السلام أن ~~يصير له علم اليقين عين اليقين لأن الخبر ليس كالمعاينة وقيل لما رأى ~~الجيفة على البحر وقد تناولتها السباع والطير ودواب البحر تفكر كيف يجتمع ~~ما تفرق من تلك الجيفة وتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يحييه ربه، ولم يكن ~~إبراهيم عليه السلام شاكا في إحياء الله الموتى ولا دافعا له ولكنه أحب ~~أن يرى ذلك عيانا كما أن المؤمنين يحبون أن يروا نبيهم محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، ويحبون رؤية الله تعالى في الجنة ويطلبونها، ويسألونه في ~~دعائهم مع الإيمان بصحة ذلك وزوال الشك عنهم فكذلك أحب إبراهيم أن يصير ~~الخبر له عيانا، وقيل: كان سبب هذا السؤال من إبراهيم أنه لما احتج على ~~نمرود فقال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت فقال نمرود: أنا أحيي وأميت ~~فقتل أحد الرجلين وأطلق الآخر فقال إبراهيم: إن الله تعالى يقصد إلى جسد ~~ميت فيحييه فقال له نمرود: أنت عاينته فلم يقدر إبراهيم أن يقول: نعم ~~فانتقل إلى حجة أخرى ثم سأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى؟ قال ~~أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي بقوة حجتي فإذا قيل: أنت عاينته ~~فأقول نعم وقال سعيد بن جبير لما اتخذ الله إبراهيم خليلا سأل ملك الموت ~~ربه أن يأذن له فيبشر إبراهيم بذلك فأذن له، فأتى إبراهيم ولم يكن في ~~الدار فدخل داره وكان إبراهيم من أغير الناس وكان إذا خرج أغلق بابه فلما ~~جاء، وجد في الدار رجلا فثار إليه ليأخذه وقال له: من أذن لك أن تدخل ~~داري فقال: أذن لي رب الدار فقال: إبراهيم صدقت وعرف أنه ملك فقال له: من ~~أنت قال: أنا ملك الموت جئتك أبشرك أن الله قد اتخذك خليلا فحمد الله عز ~~وجل وقال له: ما علامة ذلك قيل: أن يجيب الله دعاءك ويحيي الموتى بسؤالك ~~فحينئذ قال إبراهيم: رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ~~ولكن ليطمئن ms0346 قلبي بأنك اتخذتني خليلا، وتجيبني إذا دعوتك وتعطيني إذا ~~سألتك ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى. قال: أولم ~~تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن ~~شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي ". # القول على معنى الحديث وما يتعلق به اختلف العلماء في قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " نحن أحق بالشك من إبراهيم " # على أقوال كثيرة فأحسنها وأصحها ما نقل المزني وغيره من العلماء أن الشك ~~مستحيل في حق إبراهيم فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقا إلى ~~الأنبياء لكنت أنا أحق به من إبراهيم ولقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أن ~~إبراهيم لم يشك وإنما خص إبراهيم بالذكر لكون الآية قد يسبق إلى بعض ~~الأذهان الفاسدة منها احتمال الشك فنفى ذلك عنه، وقال الخطابي: ليس في ~~قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم ~~لكن فيه نفي الشك عنهما يقول: إذا لم أشك أنا في قدرة الله تعالى على ~~إحياء الموتى فإبراهيم أولى بأن لا يشك وقال ذلك على سبيل التواضع والهضم ~~من النفس وكذلك قولهم: لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي وفيه ~~الإعلام بأن المسألة من إبراهيم لم تعرض من جهة الشك لكن من قبل زيادة ~~العلم بالبيان، والعيان يفيد من المعرفة، والطمأنية ما لا يفيد الاستدلال ~~وقيل: لما نزلت هذه الآية قال: قوم: شك إبراهيم ولم يشك نبينا صلى الله ~~عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نحن أحق بالشك من إبراهيم " # ومعناه أن هذا الذي تظنونه شكا أنا أولى به فإنه ليس بشك، وإنما هو طلب ~~لمزيد اليقين وإنما رجح إبراهيم صلى الله عليه وسلم على نفسه صلى الله ~~عليه وسلم تواضعا منه وأدبا، أو قبل أن يعلم أنه صلى الله عليه وسلم ~~خير ولد آدم وأما تفسير ms0347 الاية فقوله تعالى: وإذا قال إبراهيم: أي واذكر ~~يا محمد، إذ قال: إبراهيم، وقيل: انه معطوف على قوله: # ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه # [البقرة: 258] والتقدير ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ألم تر إذ ~~قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى، قال يعني قال الله إبراهيم: " أولم ~~تؤمن " الألف في أولم تؤمن من ألف إثبات وإيجاب كقول جرير: # ألستم خير من ركب المطايا # أي ألستم كذلك والمعنى أو لست قد آمنت وصدقت أني أحيي الموتى قال بلى قد ~~آمنت وصدقت ولكن ليطمئن قلبي يعني سألتك ذلك إرادة طمأنينة القلب وزيادة ~~اليقين وقوة الحجة وقال ابن عباس: معناه ولكن لأرى من آياتك وأعلم أنك قد ~~أجبتني { قال فخذ أربعة من الطير } قيل أخذ طاووسا وديكا وحمامة ~~وغرابا وقيل نسرا بدل الحمامة. فإن قلت لم خص الطير من جملة الحيوانات ~~بهذه الحالة. قلت لأن الطير صفته الطيران في السماء والارتفاع في الهواء، ~~وكانت همة إبراهيم عليه السلام كذلك وهو العلو في الوصول إلى الملكوت ~~فكانت معجزته مشاكلة لهمته. فإن قلت: لم خص هذه الأربعة الأجناس من الطير ~~بالأخذ. قلت فيه إشارة ففي الطاوس إشارة إلى ما في الإنسان من حب الزينة، ~~والجاه وفي النسر إشارة إلى شدة الشغف بالأكل وفي الديك إشارة إلى شدة ~~الشغف بحب النكاح وفي الغراب إشارة إلى شدة الحرص، ففي هذه الطيور مشابهة ~~لما في الإنسان من حب هذه الأوصاف وفيه إشارة إلى أن الإنسان إذا ترك هذه ~~الشهوات الذميمة لحق أعلى الدرجات في الجنة، وفاز بنيل السعادات { فصرهن ~~} قرئ بكسر الصاد ومعناه قطعهن ومزقهن وقرئ بضم الصاد ومعناه أملهن { ~~إليك } ووجههن وقيل: معناه اجمعهن واضممهن إليك فمن فسره بالإمالة والضم ~~قال فيه إضمار ومعناه فصرهن إليك ثم قطعهن فحذف اكتفاء بقوله: { ثم اجعل ~~على كل جبل منهن جزءا } لأنه يدل عليه قال لمفسرون: أمر الله تعالى ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن يذبح تلك الطيور وينتف ريشها وأن يخلط ~~ريشها ولحمها ودمها ms0348 بعضه ببعض ففعل ثم أمره أن يجعل على كل جبل منهن ~~جزءا. واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال فقال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما أمر أن يجعل كل طائر أربعة أجزاء وأن يجعلها أربعة أجبل على كل جبل ~~ربعا من كل طائر، قيل: جبل على جهة الشرق وجبل على جهة الغرب، وجبل على ~~جهة الشمال وجبل على جهة الجنوب وقيل جزأه سبعة أجزاء ووضعها على سبعة ~~أجبل وأمسك رؤوسهن بيده ثم دعاهن فقال: تعالين بإذن الله تعالى: فجعلت كل ~~قطرة من دم طائر تطير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة ~~الأخرى وكل عظم يطير إلى العظم الآخر وكل بضعة تطير إلى البضعة الأخرى، ~~وإبراهيم ينظر حتى لقيت كل جثة بعضها ببعض في السماء بغير رؤوس ثم أقبلن ~~سعيا إلى رؤوسهن كلما جاء طائر مال برأسه فإن كان رأسه دنا منه وإن لم ~~يكن تأخر عنه حتى التقى كل طائر برأسه فذلك قوله تعالى: { ثم ادعهن ~~يأتينك سعيا } وقيل: المراد بالسعي الإسراع والعدو وقيل المشي، والحكمة ~~في سعي الطيور إليه دون الطيران، لأن ذلك أبعد من الشبهة لأنها لو طارت ~~لتوهم متوهم أنها غير تلك الطيور أو أن أرجلها غير سليمة، فنفى الله ~~تعالى هذه الشبهة بقوله: { يأتينك سعيا } وقيل: المراد بالسعي المشي ~~والمراد بالمشي الطيران وفيه ضعف لأنه لا يقال: للطائر إذا طار سعى وقيل ~~السعي هو الحركة الشديدة { واعلم أن الله عزيز } يعني أنه تعالى غالب على ~~جميع الأشياء لا يعجزه شيء { حكيم } يعني في جميع أموره. ### || [2.261-262] # قوله عز وجل: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } قيل أراد به ~~الإنفاق في الجهاد وقيل هو الإنفاق في جميع أبواب الخير ووجوه البر فيدخل ~~فيه الواجب والتطوع، وفيه إضمار تقديره مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم ~~في سبيل الله { كمثل حبة } أي كمثل زارع حبة { أنبتت } يعني أخرجت تلك ~~الحبة { سبع سنابل } جمع سنبلة { في كل سنبلة مائة حبة }. فإن قلت فهل ~~رأيت سنبلة فيها مائة حبة حتى ms0349 يضرب المثل بها. قلت: ذلك غير مستحيل وما ~~لا يكون مستحيلا فضرب المثل به جائز وان لم يوجد والمعنى في كل سنبلة ~~مائة حبة إن جعل الله ذلك فيها، وقيل هو موجود في الدخن، وقيل: إن ~~المقصود من الآية أنه إذا علم الإنسان الطالب للزيادة أنه إذا بذر حبة ~~واحدة أخرجت له سبعمائة حبة ما كان ينبغي له ترك ذلك، ولا التقصير فيه ~~فكذلك ينبغي لمن طلب الأجر عند الله في الآخرة أن لا يترك الإنفاق في ~~سبيل الله، إذا علم أنه يحصل له بالواحد عشرة ومائة وسبعمائة { والله ~~يضاعف لمن يشاء } يعني أنه تعالى يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء وقيل معناه ~~يضاعف على هذا ويزيد لمن يشاء من سبع إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما يشاء ~~من الأضعاف مما لا يعلمه إلا الله { والله واسع } أي غني يعطي عن سعة، ~~وقيل واسع القدرة على المجازاة وعلى الجود والإفضال { عليم } يعني بنية ~~من ينفق في سبيله، وقيل عليم بمقادير الإنفاق وبما يستحق المنفق من ~~الجزاء والثواب عليه. قوله عز وجل: { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~} قيل: نزلت في عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف، أما عثمان فجهز ~~المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلاسها فنزلت هذه الآية وقال ~~عبدالرحمن بن سمر " وجاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فرأيته يدخل يده فيها ويقلبها ويقول ما ضر ~~عثمان ما عمل بعد اليوم فأنزل الله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم في ~~سبيل الله } وأما عبدالرحمن فجاء بأربعة آلاف درهم صدقة إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال: كان عندي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي ~~أربعة آلاف وأربعة آلاف أخرجتها لربي عز وجل فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت " # ، والمعنى الذين يعينون المجاهدين في سبيل الله بالإنفاق عليهم في ~~حوائجهم ومؤنتهم { ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى } أي لا يتبع ~~نفقته التي أنفقها ms0350 عليهم بالمن والأذى وهو أن يمن عليه بعطائه فيقول: قد ~~أعطيتك كذا وكذا فيعدد نعمه عليه فيكدرها عليه والأذى هو أن يعيره فيقول: ~~كم تسأل وأنت فقير أبدا وقد بليت بك وأراحني الله منك وأمثال ذلك. # والمن في اللغة الإنعام، والمنة النعمة الثقيلة يقال: من فلان على فلان ~~إذا أثقله بالنعمة ويكون ذلك بالقول: أيضا ومنه قول الشاعر: # فمني علينا بالسلام فإنما كلامك ياقوت ودر منظم # ومن المن بالقول ما هو مستقبح بين الناس، مثل أن يمن على الإنسان بما ~~أعطاه، قال عبدالرحمن بن يزيد كان أبي يقول إذا أعطيت رجلا شيئا ورأيت ~~أن سلامك يثقل عليه فلا تسلم عليه والعرب تمدح بترك المن وكتم النعمة ~~وتذم على إظهارها والمن بها قال قائلهم في المدح بترك المن: # زاد معروفك عندي عظما أنه عندك مستور حقير تتناساه كأن لم تأته ~~وهو في العالم مشهور كبير # وقال قائلهم يذم المنان بالعطاء: # أتيت قليلا ثم أسرعت منة فنيلك ممنون لذاك قليل # وأما الأذى فهو ما يصل إلى الإنسان من ضرر بقول أو فعل. إذا عرفت هذا ~~فنقول المن هو إظهار المعروف إلى الناس، والمن عليهم به والأذى هو أن ~~يشكو منهم بسبب ما أعطاهم فحرم الله تعالى على عباده المن بالمعروف ~~والأذى فيه وذم فاعله. فإن قلت: قد وصف الله تعالى نفسه بالمنان فما ~~الفرق. قلت المنان في صفة الله تعالى معناه المتفضل فمن الله إفضال على ~~عباده وإحسانه إليهم فجميع ما هم فيه منة منه سبحانه وتعالى ومن العباد ~~تعيير وتكدير فظهر الفرق بينهما. وقوله تعالى: { لهم أجرهم } يعني ثوابهم ~~{ عند ربهم } يعني في الآخرة { ولا خوف عليهم } يعني يوم القيامة { ولا ~~هم يحزنون } يعني على ما خلفوا من الدنيا. ### || [2.263-264] # { قول معروف } أي كلام حسن ورد جميل على الفقير السائل وقيل: عدة حسنة ~~توعده بها، وقيل: دعاء صالح تدعو له بظهر الغيب { ومغفرة } أي تستر عليه ~~خلته وفقره ولا تهتك ستره وقيل هو أن يتجاوز عن الفقير إذا استطال عليه ~~حالة ms0351 رده { خير من صدقة } يعني هذا القول المعروف والمغفرة خير من الصدقة ~~التي تدفعها إلى الفقير { يتبعها أذى } وهو أن يعطي الفقير الصدقة ويمن ~~عليه بها ويعيره بقول أو يؤذيه بفعل { والله غني } أي مستغن عن صدقة ~~العباد والغنى الكامل الغني الذي لا يحتاج إلى أحد وليس كذلك إلا الله ~~تعالى { حليم } يعني أنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة على من يمن على ~~عباده ويؤذي بصدقته. قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا ~~صدقاتكم } يعني أجور صدقاتكم { بالمن والأذى } يعني على السائل الفقير، ~~وقال ابن عباس بالمن على الله تعالى والأذى لصاحبها ثم ضرب الله تعالى ~~لذلك مثلا فقال تعالى { كالذي } أي كإبطال الذي { ينفق ماله رئاء الناس ~~} أي مراءاة لهم وسمعة ليروا نفقته ويقولوا: إنه سخي كريم { ولا يؤمن ~~بالله واليوم الآخر } يعني أن الرياء يبطل الصدقة ولا تكون النفقة مع ~~الرياء من فعل المؤمنين لكن من فعل المنافقين لأن الكافر معلن بكفره غير ~~مراء به { فمثله } أي مثل هذا المرائي بصدقته وسائر أعماله { كمثل صفوان ~~} هو الحجر الأملس الصلب وهو واحد وجمع فمن جعله جمعا قال واحده صفوانه ~~ومن جعله واحدا قال جمعه صفي { عليه تراب } أي على ذلك الصفوان تراب { ~~فأصابه وابل } يعني المطر الشديد العظيم القطر { فتركه صلدا } يعني ترك ~~المطر ذلك الصفوان صلدا أملس لا شيء عليه من ذلك التراب، فهذا مثل ضربه ~~الله تعالى لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن المنان بصدقته يؤذي الناس يرى ~~الناس أن لهؤلاء أعمالا في الظاهر، كما يرى التراب على الصفوان فإذا جاء ~~المطر أذهبه وأزاله وكذلك حال هؤلاء يوم القيامة، تبطل أعمالهم وتضمحل ~~لأنها لم تكن لله تعالى كما أذهب الوابل ما على الصفوان من التراب { لا ~~يقدرون على شيء مما كسبوا } أي لا يقدرون على ثواب شيء مما عملوا في ~~الدنيا { والله لا يهدي القوم الكافرين } يعني الذين سبق في علمه أنهم ~~يموتون على الكفر. روى البغوي بسنده عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى ~~الله ms0352 عليه وسلم قال: # " إنما أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا: يا رسول الله وما الشرك ~~الأصغر قال: الرياء يقال لهم يوم تجازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين ~~كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء " # م عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك ~~فيه معي غيري تركته وشركه ". ### || [2.265-266] # قوله عز وجل: { ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله } أي طلب ~~رضا الله { وتثبيتا من أنفسهم } يعني على الإنفاق في طاعة الله تعالى ~~وتصديقا بثوابه، وقيل: معناه إن أنفسهم موقنة مصدقة بوعد الله إياها ~~فيما أنفقت وقيل: إحسانا وقيل تصديقا والمعنى أنهم يخرجون زكاة ~~أموالهم، وينفقون أموالهم في سائر وجوه البر والطاعات طيبة أنفسهم بما ~~أنفقوا على يقين بثواب الله وتصديق بوعده يعملون أن ما أنفقوا خير لهم ~~مما تركوا وقيل معناه على يقين بإخلاف الله عليهم وقيل: معناه أنهم ~~يتثبتون في الموضع الذي يضعون فيه صدقاتهم قيل: كان الرجل إذا هم بصدقة ~~تثبت فإن كانت لله خالصة أمضاها، وإن خالطه شك أو رياء أمسك { كمثل جنة } ~~أي بستان قال الفراء إذا كان في البستان نخل فهو جنة وإن كان فيه كرم فهو ~~فردوس { بربوة } هي المكان المرتفع عن الأرض المستوي لأن ما ارتفع من ~~الأرض عن مسيل الماء والأودية كان ثمرها أحسن وأزكى إذا كان لها من الماء ~~ما يرويها وقيل: هي الأرض المستوية الجيدة الطيبة إذا أصابها المطر ~~انتفخت وربت فإذا كانت الأرض بهذه الصفة كثر ريعها وحملت أشجارها { ~~أصابها وابل } وهو المطر الكثير الشديد قال بعضهم: # ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها وابل هطل # أراد بالحزن ما غلظ وارتفع من الأرض { فآتت أكلها ضعفين } أي فأعطت ~~ثمرتها مثلين قيل إنها حملت في سنة من الريع ما يحمله غيرها في سنتين ~~وقيل أضعفت فحملت في السنة مرتين { فإن لم يصبها وابل فطل } أي طش وهو ms0353 ~~المطر الخفيف الضعيف، والمعنى إن لم يكن أصابها وابل وأصابها طل فتلك حال ~~هذه الجنة في تضاعف ثمرها فإنها لا تنقص بالطل عن مقدار ثمرها بالوابل ~~وهذا مثل ضربه الله تعالى: لعمل المؤمن المخلص في إنفاقه وسائر أعماله، ~~يقول الله تعالى كما أن هذه الجنة تريع وتزكو في كل حال ولا تخلف سواء ~~كان المطر قليلا أو كثيرا فكذلك يضعف الله صدقة المؤمن المخلص في صدقته ~~وإنفاقه الذي لا يمن ولا يؤذي سواه قلت نفقته أو كثرت { والله بما تعملون ~~بصير } يعني أن الله تعالى لا تخفى عليه نفقة المخلص في صدقته الذي لا ~~يمن بها ولا يؤذي والذي يمن بصدقته ويؤذي قوله عز وجل: { أيود أحدكم أن ~~تكون له جنة من نخيل وأعناب } هذه متصلة بما قبلها وهو قوله تعالى. لا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى أيود يعني أيحب أحدكم أن تكون له جنة أي ~~بستان من نخيل وأعناب إنما خصهما بالذكر لأنهما أشرف الفواكه وأحسنها ~~ولما فيهما من الغذاء والتفكه { تجري من تحتها الأنهار } يعني أن جري ~~الأنهار فيها من تمام حسنها، وسبب لزيادة ثمرها { له فيها من كل الثمرات ~~} لأن ذلك من تمام كمال البستان وحسنه { وأصابه الكبر } يعني صاحب هذه ~~الجنة كثرت جهات حاجاته ولم يكن له كسب غيرها فحينئذ يكون في غاية ~~الاحتياج إلى تلك الجنة فإن قلت: كيف عطف وأصابه الكبر على أيود، وكيف ~~يجوز عطف الماضي على المستقبل قلت فيه وجهان أحدهما أن يكون له جنة حال ~~ما أصابه الكبر والوجه الثاني أنه عطف على المعنى، فكأنه قيل أيود أحدكم ~~لو كانت له جنة وأصابه الكبر { وله ذرية ضعفاء } يعني له أولاد صغار عجزت ~~عن الحركة بسبب الضعف والصغر { فأصابها } يعني أصاب تلك الجنة { إعصار ~~فيه نار فاحترقت } الإعصار ريح ترتفع إلى السماء وتستدير كأنها عمود وهذا ~~مثل ضربه الله تعالى لعمل المنافق والمرائي يقول مثل عمل المنافق ~~والمرائي بعمله في حسنه كحسن جنة ينتفع بها صاحبها فلما كبر وضعف وصار له ~~أولاد ضعاف ms0354 أصاب جنته إعصار فيه نار فأحرقها وهو أحوج ما يكون إليها فحصل ~~في قلبه من الغم والحسرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى لكبره وضعفه وضعف ~~أولاده فهو لا يجد ما يعود به على أولاده، وهم لا يجدون ما يعودون به ~~عليه فبقوا جميعا متحيرين عجزة لا حيلة بأيديهم، فكذلك حال من أتى يوم ~~القيامة بأعمال حسنة ولم يقصد بها وجه الله تعالى، فيبطلها الله تعالى، ~~وهو في غاية الحاجة إليها حين لا مستعتب له ولا توبة. # وقال عبيد بن عمير: قال عمر يوما لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيمن ترون نزلت هذه الاية { أيود أحدكم } قالوا: الله أعلم فغضب عمر وقل ~~قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين ~~فقال عمر قل يا ابن أخي ولا تحقرن نفسك فقال ضرب الله مثلا لعمل قال لأي ~~عمل قال لرجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي ~~حتى أحرق أعماله كلها { كذلك يبين الله لكم الآيات } يعني كما بين الله ~~تعالى لكم أمر النفقة المقبولة، وغير المقبولة كذلك يبين الله لكم من ~~الآيات سوى ذلك { لعلكم تتفكرون } أي فتتعظوا وقال ابن عباس: لعلكم ~~تتفكرون يعني في زوال الدنيا وإقبال الآخرة. ### || [2.267] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } أي من ~~خيار ما كسبتم وجيده وقيل: من حلالات ما كسبتم بالتجارة والصناعة وفيه ~~دليل على إباحة الكسب وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث.عن خولة الأنصارية قالت: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن هذا المال خضر حلو من أصابه بحق بورك له فيه، ورب متخوض فيما شاءت ~~نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلا النار " # أخرجه الترمذي. المتخوض الذي يأخذ المال من غير وجهه كما يخوض الإنسان ~~في الماء يمينا وشمالا خ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ms0355 ما أخذ منه أمن حلال أم من حرام " # خ عن المقدام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود ~~كان يأكل من عمل يده " # عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم " # أخرجه الترمذي والنسائي. واختلفوا في المراد بقوله تعالى: { انفقوا } ~~فقيل: المراد به الزكاة المفروضة لأن الأمر للوجوب والزكاة واجبة فوجب ~~صرف الآية إليها وقيل: المراد به صدقة التطوع وقيل: إنه يتناول الفرض ~~والنفل جميعا لأن المفهوم من هذا الأمر ترجيح جانب الفعل على الترك وهذا ~~المفهوم قدر مشترك بين الفرض والنفل فوجب أن يدخل تحت هذا الأمر فعلى ~~القول الأول أن المراد من هذا الإنفاق هو الزكاة يتفرع عليه مسائل: ~~المسألة الأولى: ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه ~~الإنسان فيدخل فيه زكاة الذهب والفضة والنعم وعروض التجارة، لأن ذلك يوصف ~~بأنه مكتسب وذهب جمهور العلماء إلى وجوب الزكاة في مال التجارة وقال داود ~~الظاهري: لا تجب الزكاة بحكم التجارة في العروض إلا أن ينوي به التجارة ~~في حال تملكه، ودليل الجمهور ما روي عن سمرة بن جندب قال: " كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بإخراج الصدقة من الذي يعد للبيع " أخرجه ~~أبو داود وعن أبي عمرو بن خماس أن أباه قال: مررت بعمر بن الخطاب وعلى ~~عنقي أدمة أحملها فقال عمر ألا تؤدي زكاتك يا خماس فقلت مالي غير هذا ~~واهب في القرظ قال: ذاك مال فضع فوضعها فحسبها فأخذ منها الزكاة فإذا حال ~~الحول على عروض التجارة قوم فإن بلغ قيمته عشرين دينارا أو مائتي درهم ~~منه ربع العشر. المسألة الثانية: في قوله تعالى: { ومما أخرجنا لكم من ~~الأرض } ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل ما خرج من الأرض من النبات ~~مما يزرع الآدميون، لكن جمهور العلماء خصصوا هذا العموم فأوجبوا ms0356 الزكاة ~~في النخيل، والكروم وفيما يقتات ويدخر من الحبوب وأوجب أبو حنيفة الزكاة ~~في كل ما يقصد من نبات الأرض، كالفواكه والبقول والخضراوات كالبطيخ ~~والقثاء والخيار ونحو ذلك. # دليل الجمهور ما روي عن معاذ: " أنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يسأله عن الخضراوات وهي البقول فقال: ليس فيها شيء " أخرجه الترمذي. وقال ~~هذا الحديث ليس بصحيح وليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ~~شيء وإنما يروى هذا عن موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مرسلا ~~والعمل على هذا عند أهل العلم أنه ليس في الخضراوات صدقة. قلت وحديث موسى ~~بن طلحة أخرجه الشيخ مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبدالله بن ~~تيمية الحراني في أحكامه عن عطاء بن السائب قال: " أراد عبدالله بن ~~المغيرة أن يأخذ من أرض موسى بن طلحة من الخضراوات صدقة فقاله له: موسى ~~بن طلحة: ليس ذلك لك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " ليس في ذلك صدقة " # رواه الأثرم في سننه وهو أقوى المراسيل لاحتجاج من أرسله به وقال الزهري ~~والأوزاعي ومالك تجب الزكاة في الزيتون، وتجب في الثمار عند بدو الصلاح ~~وهو أن يحمر البسر ويصفر ووقت الإخراج بعد الاجتناء والجفاف، وفي الحبوب ~~عند الاشتداد ووقت الإخراج بعد الدراس والتصفية. المسألة الثالثة: يجب ~~إخراج العشر فيما سقي بالمطر والأنهار والعيون ونصف العشر فيما سقي بنضح ~~أو سانية، ويدل على ذلك ما روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان عثريا العشر وما سقي بالنضح ~~نصف العشر " # أخرجه البخاري. ولأبي داود والنسائي قال: # " فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا العشر وما سقي ~~بالسواني والنضح نصف العشر " # قال أبو داود البعل ما شرب بعروقه ولم يتعن في سقيه وقال وكيع: هو الذي ~~ينبت من ماء السماء قوله: أو كان عثريا أراد به القوي من الزرع وهو ~~البعل وقد فسره في لفظ ms0357 الحديث والنضح هو الاستسقاء وكذلك السانية وهي ~~الدانية التي يسقي عليها سواء كانت من الإبل أو البقر، ولا يجب العشر في ~~السماء والزروع حتى تبلغ خمسة أو سق والوسق ستون صاعا، وقال أبو حنيفة: ~~يجب العشر في كل قليل أو كثير من الثمار والزروع واحتج الجمهور في إيجاب ~~النصاب بما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وليس فيما دون خمسة أواق صدقة، وليس فيما ~~دون خمسة ذود صدقة " # وفي رواية # " ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر أو حب صدقة " # أخرجاه في الصحيحين، ومن قال: إن المراد بقوله تعالى: { أنفقوا من طيبات ~~ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض } صدقة التطوع احتج بما روي عن أنس بن ~~مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة ~~إلا كان له به صدقة " # أخرجاه في الصحيحين. وقوله تعالى: { ولا تيمموا الخبيث } أي ولا تقصدوا ~~الخبيث يعني الردئ من أموالكم { منه تنفقون } أي من الخبيث. عن البراء بن ~~عازب في قوله تعالى: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } قال: نزلت فينا ~~معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته، ~~وقلته: وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل ~~الصفة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصا، فسقط البسر ~~أو التمر فيأكل وكان ناس من لا يرغب في الخير، يأتي بالقنوفية الشيص ~~والحشف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه فأنزل الله تعالى: { يا أيها الذين ~~آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } قال: لو أن أحدكم ~~أهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على إغماض وحياء قال: فكنا بعد ذلك ~~يأتي أحدنا بصالح ما عنده أخرجه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح ms0358 غريب ~~وقيل كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم، ويعزلون الجيد لأنفسهم ~~فانزل الله تعالى: { ولا تيمموا الخبيث } يعني الردئ منه تنفقون يعني ~~تتصدقون { ولستم بآخذيه } يعني ذلك الشيء الخبيث الرديء { إلا أن تغمضوا ~~فيه } الإغماض في اللغة غض البصر، وإطباق الجفن والمراد به هنا التجويز ~~والمساهلة، وذلك أن الإنسان إذا رأى ما يكره أنه قد أغمض عينيه لئلا يرى ~~ذلك قال ابن عباس: معناه لو أن لأحدكم على رجل حقا فجاءه بهذا لم يأخذه ~~إلا وهو يرى أنه قد أغمض عن حقه وتركه وقال البراء: هو لو أهدى ذلك ما ~~أخذتموه إلا على استحياء من صاحبه وغيظ فكيف ترضون إلى ما لا ترضون ~~لأنفسكم إذا كان المال كله جيدا فليس له إعطاء الرديء لأن أهل السهمان ~~شركاء له فيما عنده، وإن كان كله رديئا فلا بأس بإعطاء الردئ { واعلموا ~~أن الله غني } يعني عن صدقاتكم لم يأمركم بالتصدق لعوز واحتياج إليها { ~~حميد } أي محمود في أفعاله، وقيل: حميد بمعنى حامد أي أجركم على ما ~~تفعلونه من الخير. ### || [2.268-269] # قوله عز وجل: { الشيطان يعدكم الفقر } أي يخوفكم الفقر يقال: وعدته ~~خيرا ووعدته شرا وإذا لم يذكر الخير والشر يقال: في الخير وعدته وفي ~~الشر أوعدته والفقر سوء الحال، وقلة ذات اليد وأصله من كسر فقار الظهر ~~ومعنى الآية أن الشيطان يخوفكم بالفقر، ويقول للرجل أمسك عليك مالك فإنك ~~إذا تصدقت افتقرت { ويأمركم بالفحشاء } يعني يوسوس لكم ويحسن لكم، البخل ~~ومنع الزكاة والصدقة قال الكلبي كل فحشاء في القرآن فهي الزنا إلا هذا ~~الموضع وفي هذه الآية لطيفة وهي أن الشيطان يخوف الرجل أولا بالفقر ثم ~~يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء، وهي البخل وذلك لأن البخيل ~~على صفة مذمومة عند كل أحد فلا يستطيع الشيطان أن يحسن له البخل إلا ~~بتلك المقدمة وهي التخويف من الفقر، فلهذا قال تعالى: { الشيطان يعدكم ~~الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه } يعني مغفرة لذنوبكم ~~وسترا لكم { وفضلا } يعني رزقا وخلفا. فالمغفرة إشارة إلى ms0359 منافع ~~الآخرة والفضل إشارة إلى منافع الدنيا، وما يحصل من الرزق والخلف. عن ابن ~~مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر، ~~وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك ~~فليعلم أنه من الله تعالى فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من ~~الشيطان ثم قرأ { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء } " # أخرجه الترمذي. وقال هذا حديث حسن غريب قوله: إن للشيطان لمة بابن آدم ~~اللمة الخطرة الواحدة من الإلمام وهو القرب من الشيء والمراد بهذه اللمة ~~اللمة التي تقع في القلب من فعل خير أو شر والعزم فأما لمة الشيطان ~~فوسوسة وأما لمة الملك فإلهام من الله تعالى { والله واسع } أي غني قادر ~~على إغنائكم وإخلاف ما تنفقونه { عليم } يعني بما تنفقونه لا تخفى عليه ~~خافية ق عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان يقول: أحدهما اللهم أعط ~~منفقا خلفا ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا " # ق عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " قال الله تعالى أنفق ينفق عليك " # وفي رواية # " يد الله ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما ~~أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يده " # وفي رواية # " فإنه لم يغض ما في يمينه، وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يخفض ~~ويرفع " # وفي رواية: # " وبيده الأخرى الفيض القبض يرفع ويخفض " # ق عن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أنفقي ولا تحصي فيحصى عليك ولا توعي فيوعى عليك " # قوله: ولا توعي أي لا تشحي فيشح الله عليك فيجازيك بالتقتير في رزقك ولا ~~يخلف عليك ولا يبارك لك، والمعنى لا تجمعي وتمنعي بل أنفقي ولا تعدي ولا ~~تشحي. قوله عز وجل: { يؤتي الحكمة من يشاء ms0360 } قال ابن عباس: هي علم القرآن ~~ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه، وقال ~~الضحاك: القرآن والفهم فيه وإنما قال: ذلك لتضمن القرآن الحكمة وقال في ~~القرآن: مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة وألف آية حلال وحرام لا يسع ~~المؤمنين تركهن حتى يعلمونهن ولا يكونوا كأهل النهروان يعني الخوارج ~~تأولوا آيات من القرآن في أهل القبلة وإنما نزلت في أهل الكتاب فجهلوا ~~علمها فسفكوا بها الدماء، وانتهبوا الأموال وشهدوا على أهل السنة ~~بالضلالة فعليكم بعلم القرآن فإنه من علم فيما نزل لم يختلف في شيء منه، ~~وقيل: هي القرآن والعلم والفقه وقيل هي الإصابة في القول والفعل، وحاصل ~~هذه الأقوال إلى شيئين: العلم والإصابة فيه، ومعرفة الأشياء بذواتها وأصل ~~الحكمة المنع ومنه حكمه الدابة لأنها تمنعها قال الشاعر: # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم # أي امنعوا سفهاءكم، وقال السدي: الحكمة النبوة لأن النبي يحكم بين الناس ~~فهو حاكم وقيل الحكمة الورع في دين الله لأن الورع يمنع صاحبه من أن يقع ~~في الحرام، أو ما لا يجوز له فعله { ومن يؤت الحكمة } يعني ومن يؤته الله ~~الحكمة { فقد أوتي خيرا كثيرا } تنكير تعظيم معناه فقد أوتي أي خير ~~كثير. { وما يذكر إلا أولو الألباب } أي وما يتعظ بما وعظه الله إلا ~~ذوو العقول الذين عقلوا عن الله أمره ونهيه. ### || [2.270-271] # قوله عز وجل: { وما أنفقتم من نفقة } يعني فيما فرضه الله عليكم من ~~إعطاء زكاة وغيرها { أو نذرتم من نذر } يعني به ما أوجبتموه على أنفسكم ~~في طاعة الله فوفيتم به والنذر أن يوجب الإنسان على نفسه شيئا ليس بواجب ~~يقال نذرت لله نذرا وأصله من الخوف لأن الإنسان إنما يعقد على نفسه ~~النذر من خوف التقصير في الأمر المهم، والنذر في الشرع على ضربين مفسر، ~~وغير مفسر. فالمفسر أن يقول لله علي صوم أو حج أو عتق أو صدقة فيلزمه ~~الوفاء به، ولا يجزيه غيره وغير المفسر وهو أن يقول: نذرت لله أفعل كذا ~~ثم يفعله أو يقول لله علي نذر ms0361 من غير تسمية شيء فيلزمه فيه كفارة يمين خ ~~عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " # عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا في معصية ~~فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين ومن نذر ~~نذرا فأطاقه فليف به " # أخرجه أبو داود عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم " # أخرجه النسائي ق عن ابن عمر: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر وقال إنه لا يأتي بخير ~~وإنما يستخرج به من البخيل " # م عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن الله قدره، ولكن النذر ~~يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج " # قال بعض العلماء: يحتمل أن يكون سبب النهي عن النذر كون الناذر يصير ~~ملتزما مالا فيأتي به تكلفا من غير نشاط أو يكون سببه كونه يأتي به ~~على سبيل المعارضة عن الأمر الذي طلبه فينقص أجره، وشأن العبادة أن تكون ~~متمحضة لله تعالى وقال بعضهم يحتمل أن يكون النهي لكونه قد يظن بعض ~~الجهلة أن النظر يرد القدر أو يمنع من حصول المقدور فنهى عنه خوفا من ~~اعتقاد ذلك، وسياق الحديث يؤكد هذا، وقوله: في بعض روايات الحديث أنه لا ~~يأتي بخير معناه أنه لا يرد شيئا من القدر. وقوله: فيخرج بذلك من البخيل ~~ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج معناه أنه لا يأتي بهذه القربة تطوعا ~~محضا مبتدأ وإنما يأتي بها في مقابلة شيء يريده كقوله إن شفى الله مريضي ~~فلله علي كذا ونحو ذلك مما يحصل بالنذر والله ms0362 أعلم، وقوله تعالى: { فإن ~~الله يعلمه } أي يعلم ما أنفقتم ونذرتم فيجازيكم به وإنما قال: يعلمه ولم ~~يقل يعلمهما لأنه رد الضمير على الآخر منهما فهو كقوله: ومن يكسب خطيئة ~~أو إثما ثم يرم به بريئا وقيل: إن الكناية عادت على: " ما " في قوله ~~وما أنفقتم لأنها اسم فهو كقوله: # وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به # [البقرة: 231] ولم يقل بهما { وما للظالمين } يعني الواضعين الصدقة في ~~غير موضعها وقيل: الذين يريدون بصدقاتهم الرياء والسمعة وقيل: هم الذين ~~يتصدقون بالمال الحرام { من أنصار } أي من أعوان يدفعون عنهم عذاب الله ~~تعالى، ففيه وعيد عظيم لكل ظالم قوله عز وجل: { إن تبدوا الصدقات } أي ~~تظهروا الصدقات والصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة فيدخل ~~فيه الزكاة الواجبة، وصدقة التطوع { فنعما هي } أي فنعمت الخصلة هي وقيل ~~فنعم الشيء هي وقيل: معناه فنعم شيئا إبداء الصدقات { وإن تخفوها } أي ~~تسروا الصدقة { وتؤتوها الفقراء } أي وتعطوها الفقراء في السر { فهو خير ~~لكم } يعني إخفاء الصدقة أفضل من العلانية وكل مقبول إذا كانت النية ~~صادقة، واختلفوا في المراد بالصدقة المذكورة في الآية فقال الأكثرون ~~المراد بها صدقة التطوع، واتفق العلماء على أن كتمان صدقة التطوع أفضل ~~وإخفاؤها خير من إظهارها، لأن ذلك أبعد من الرياء وأقرب إلى الإخلاص، ~~ولأن فيه بعدا عما تؤثره النفس من إظهار الصدقة، وفي صدقة السر أيضا ~~فائدة ترجع إلى الفقير الآخذ وهي أنه إذا أعطى في السر زال عنده الذل ~~والانكسار وإذا أعطى في العلانية يحصل له الذل والإنكسار ويدل على أن ~~صدقة السر أفضل ما روي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في ~~طاعة الله تعالى ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ~~ورجلان تحابا في الله تعالى اجتمعا على ذلك وافترقا عليه ورجل ذكر الله ~~خاليا ففاضت عيناه من خشية الله تعالى ms0363 ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ~~فقال: إني إخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق ~~يمينه " # أخرجاه في الصحيحين ووجه جواز إظهار الصدقة يكون ممن قد أمن على نفسه من ~~مداخلة الرياء في عمله أو يكون ممن يقتدى به في أفعاله فإذا أظهر الصدقة ~~تابعه غيره على ذلك، وأما الزكاة فإظهار إخراجها أفضل من كتمانها كالصلاة ~~المكتوبة في الجماعة أفضل وصلاة التطوع في البيت أفضل ولكن في إظهار ~~الزكاة نفي التهمة عن المزكي وقيل إن الآية واردة في زكاة الفرض، وكان ~~إخفاؤها خيرا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا لا ~~يظنون بأحد أنه يمنع الزكاة، فأما اليوم في زماننا إظهار الزكاة أفضل حتى ~~لا يساء الظن به وقيل إن الآية عامة في جميع الصدقات الواجبة والتطوع ~~والإخفاء أفضل في كل صدقة من زكاة غيرها. # وقوله تعالى: { ونكفر عنكم من سيئاتكم } قيل إن من صلة زائدة تقديره ~~ونكفر عنكم سيئاتكم قال ابن عباس جميع سيئاتكم وقيل أدخل من للتبغيض ~~ليكون العباد على وجل ولا يتكلوا والمعنى ونفكر عنكم الصغائر من سيئاتكم ~~وأصل التكفير في اللغة التغطية والستر { والله بما تعملون خبير } يعني من ~~إظهار الصدقات وإخفائها. ### || [2.272] # قوله عز وجل: { ليس عليك هداهم } قيل سبب نزول هذه الآية: أن ناسا من ~~المسلمين كان لهم قرابات وأصهار في اليهود وكانوا ينفعونهم وينفقون عليهم ~~قبل أن يسملوا فلما أسلموا كرهوا أن ينفعهم وأرادوا بذلك أن يسلموا وقيل ~~كانوا يتصدقون على فقراء أهل المدينة فلما كثر المسلمون نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن التصدق على المشركين كي تحملهم الحاجة إلى الدخول ~~في الإسلام لحرصه صلى الله عليه وسلم على سلامهم فنزل ليس عليك هداهم ~~ومعناه ليس عليك هداية من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في ~~الإسلام فحينئذ نتصدق عليهم فأعلمه الله تعالى أنه إنما بعث بشيرا ~~ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه، فأما كونهم مهتدين فليس ذلك إليك { ولكن ~~الله يهدي من ms0364 يشاء } يعني أن الله تعالى يوفق من يشاء فيهديه إلى الإسلام ~~وأراد بالهداية هنا هداية التوفيق وأما هداية البيان والدعوة فكانت على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نزلت هذه الآية أعطوهم وتصدقوا عليهم ~~{ وما تنفقوا من خير } أي من مال { فلأنفسكم } أي ما تفعلوا تنفعوا به ~~أنفسكم { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } ظاهره خبر ومعناه نهي أي ولا ~~تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله وقال الزجاج: هذا خاص للمؤمنين أعلمهم الله ~~تعالى أنه قد علم أن مرادهم بنفقتهم ما عنده وقيل معناه لستم في صدقاتكم ~~على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله وقد علم هذا من قلوبكم ~~فأنفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك وجه الله في صلة الرحم وسد خلة ~~مضطر قال بعض العلماء: لو أنفقت على شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك ~~وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلا إلى المسلمين وهم أهل ~~السهمان المذكورون في سورة التوبة، وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى ~~أهل الذمة، وخالفه سائر العلماء في ذلك فعلى هذا تكون الآية مختصة التطوع ~~أباح الله تعالى أن تصرف إلى فقراء المسلمين وفقراء أهل الذمة فأما زكاة ~~الفرض فلا يجوز صرفها إلى أهل الذمة بحال { وما تنفقوا من خير يوف إليكم ~~} أي يوفر لكم جزاؤه وقال ابن عباس: يجازيكم به يوم القيامة ومعناه يؤدي ~~إليكم يوم القيامة ولهذا حسن إدخال إلى مع التوفية لأنها تضمنت معنى ~~التأدية { وأنتم لا تظلمون } أي لا تنقصون شيئا من ثواب أعمالكم. ### || [2.273] # قوله عز وجل: { للفقراء } اختلفوا في موضع اللام في قوله للفقراء فقيل: ~~هو مردود على موضع اللام من قوله فلأنفسكم فكأنه قال: وما تنفقوا من خير ~~فللفقراء وإنما تنفقون لأنفسكم، وقيل معناه الصدقات التي سبق ذكرها ~~الفقراء. وقيل خبر محذوف تقديره للفقراء الذين من صفتهم كذا وكذا حق واجب ~~وهم فقراء المهاجرين كانوا نحو أربعمائة رجل لم يكن لهم بالمدينة مساكن ~~ولا عشائر وكانوا يأوون إلى صفة في المسجد يتعلمون ms0365 القرآن بالليل ويرضخون ~~النوى بالنهار وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهم أصحاب الصفة فحث الله تعالى الناس على مواساتهم فكان من عنده ~~فضل أتاهم به إذا أمسى وقوله: { الذين أحصروا في سبيل الله } يعني هم ~~الذين حبسوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله وقيل: حبسوا أنفسهم على طاعة ~~الله { لا يستطيعون ضربا في الأرض } يعني لا يتفرغون للتجارة وطلب ~~المعاش والكسب، وهم أهل الصفة الذين تقدم ذكرهم وقيل حبسهم الفقر والعدم ~~عن الجهاد في سبيل الله، وقيل هم قوم أصابتهم جراحات في الجهاد مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فصاروا زمنى حصرهم المرض والزمانة عن الضرب في ~~سبيل الله { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف } أي يظن من لم يختبر حالهم ~~أنهم أغنياء من التعفف وهو تفعل من العفة وهي ترك الشيء والكف عنه. يقال: ~~تعفف إذا ترك السؤال ولزم القناعة والمعنى يظنهم من لم يعرف حالهم أغنياء ~~لإظهارهم التجمل وتركهم المسألة { تعرفهم بسيماهم } السيماء والسيمياء ~~والسمة العلامة التي يعرف بها الشيء واختلفوا في معناها فقيل: هي الخضوع ~~والتواضع وقيل هي أثر الجهد من الحاجة والفقر وقيل: هي صفرة ألوانهم من ~~الجوع ورثاثة ثيابهم من الضر { لا يسألون الناس إلحافا } يعني إلحاحا ~~قيل: إذا كان عنده غداء لا يسأل عشاء وإذا كان عنده عشاء لا يسأل غداء ~~وقيل لا يسألون الناس أصلا لأنه قال يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف وهو ~~ترك المسألة فعلم بذلك أنهم لا يسألون ألبتة ولأنه قال تعالى: { تعرفهم ~~بسيماهم } ولو كانت المسألة من شأنهم لما كانت من معرفتهم بالعلامة حاجة ~~فمعنى الآية ليس يصدر منهم سؤال حتى يقع فيهم إلحاف. فهم لا يسألون الناس ~~إلحافا ولا غير إلحاف ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله وسلم قال: # " ليس الغني عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس " # ق عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن ~~المسكين الذي ms0366 لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن به فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل " # الناس لفظ خ عن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره ~~فيبيعها خير له " # من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو ~~خدوش أو كدوح وقيل: يا رسول الله ما يغنيه؟ قال خمسون درهما أو قيمتها ~~من الذهب " # أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري. قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف " # أخرجه أبو داود وقال: زاد هشام في حديثه وكانت الأوقية على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أربعين درهما وفي رواية عطاء بن يسار من سأل ~~منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا عن عبدالله بن عمرو بن العاص ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من سأل الناس وله أربعون درهما فهو ملحف " # أخرجه النسائي م عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر " # وقوله تعالى: { وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم } يعني أن الله ~~تعالى يعلم مقادير الإنفاق ويجازي عليها ففيه حث على الصدقة والإنفاق في ~~الطاعة. ### || [2.274] # قوله عز وجل: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية } قال ~~ابن عباس في رواية عنه: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب كانت عنده ~~أربعة دراهم لا يملك غيرها فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا سرا وبدرهم ~~علانية وفي رواية عنه قال: " لما نزل للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ~~" بعث عبدالرحمن بن عوف بدنانير كثيرة إلى أهل الصفة، وبعث علي بن أبي ~~طالب في الليل بوسق من تمر فأنزل الله فيهما: { الذين ينفقون أموالهم ms0367 ~~بالليل والنهار } يعني بنفقة الليل نفقة علي وبالنهار نفقة عبدالرحمن وفي ~~الآية إشارة إلى أن صدقة السر أفضل من صدقة العلانية لأنه تعالى قدم نفقة ~~الليل على نفقة النهار وقدم السر على العلانية وقيل: نزلت الآية في الذين ~~يربطون الخيل للجهاد في سبيل الله لأنهم يعلفونها بالليل والنهار وفي ~~السر: والعلانية خ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا واحتسابا وتصديقا بوعده كان ~~شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة " # يعني حسنات وقيل: إن الآية عامة في الذين ينفقون أموالهم في جميع ~~الأوقات ويعمون بها أصحاب الحاجات والفاقات. { فلم أجرهم عند ربهم } أي ~~جزاء أعمالهم { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } يعني في الآخرة. ### || [2.275] # قوله عز وجل: { الذين يأكلون الربا } أي يعاملون به وإنما خص الأكل لأنه ~~معظم الأمر المقصود من المال لأن المال لا يؤكل إنما يصرف في المأكول ثم ~~يؤكل فمنع الله التصرف في الربا بما ذكر فيه من الوعيد م عن جابر قال: " ~~لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: ~~هم سواء " وأصل الربا في اللغة الزيادة يقال ربا الشيء يربو إذا زاد وكثر ~~فالربا الزيادة في المال { لا يقومون } يعني من قبورهم يوم القيامة { ~~إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان } أي يصرعه، وأصل الخبط الضرب والوطء ~~وهو ضرب على غير استواء يقال ناقة خبوط للتي تضرب الأرض بقوائمها وتطأ ~~الناس بأخفافها ومنه قولهم: يخبط خبط عشواء للرجل الذي يتصرف في الأمور ~~على غير اهتداء وتمييز وتدبر، وتخبطه الشيطان إذا مسه بخبل وجنون { من ~~المس } يعني من الجنون يقال: مس الرجل فهو ممسوس إذا كان به جنون، ومعنى ~~الآية أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مثل المصروع الذي لا يستطيع الحركة ~~الصحيحة لأن الربا ربا في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإسراع. قال ~~سعيد بن جبير تلك علامة آكل الربا إذا استحله يوم القيامة وروى البغوي ~~بسند ms0368 الثعلبي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة ~~الإسراء قال: # " فانطلق بي جبريل إلى رجال كثير كل رجل بطنه مثل البيت الضخم منضدين ~~على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا قال فيقبلون ~~مثل الإبل المنهومة يخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فإذا أحس ~~بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون ثم يقوم أحدهم ~~فيميل به بطنه فيصرع فلا يستطيعون أن يبرحوا حتى يغشاهم آل فرعون فيردوهم ~~مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة، قال: وآل ~~فرعون يقولون: اللهم لا تقم الساعة أبدا. قال: ويوم القيامة يقول أدخلوا ~~آل فرعون أشد العذاب قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون ~~الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " # قوله: بطنه مثل البيت الضخم أي العظيم الكبير الغليظ، وقوله: منضدين أي ~~موضوعين بعضهم على بعض والسابلة الطريق، وقوله مثل الإبل المنهومة، النهم ~~بالتحريك إفراط في الشهوة بالطعام من الجوع. قوله عز وجل: { ذلك بأنهم ~~قالوا إنما البيع مثل الربا } أي ذلك الذي نزل بهم من العذاب بقولهم هذا ~~واستحلالهم إياه وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حل ماله على غريمه ~~يطالبه به فيقول الغريم لصاحب الحق زدني في الأجل حتى أزيدك في المال ~~فيفعلان ذلك وكانوا يقولون: سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح أو ~~عند المحل لأجل التأخير فكذبهم الله تعالى. # ورد عليهم ذلك بقوله: { وأحل الله البيع وحرم الربا } يعني وأحل الله ~~لكم الأرباح في التجارة بالبيع والشراء وحرم الربا الذي هو زيادة في ~~المال لأجل تأخير الأجل وذلك لأن الله تعالى خلق الخلق فهم عبيده وهو ~~مالكهم يحكم فيهم بما يشاء ويستعبدهم بما يريد ليس لأحد أن يعترض عليه في ~~شيء مما حل أو حرم، وإنما على كافة الخلق الطاعة والتسليم لحكمه وأمره ~~ونهيه. وذكر بعض العلماء الفرق بين البيع الربا فقال إذا باع ثوبا يساوي ~~عشرة بعشرين فقد ms0369 جعل ذات الثوب مقابلا للعشرين فلما حصل التراضي على هذا ~~التقابل صار كل واحد منهما مقابلا للآخر في المالية عندهما فلم يكن أخذ ~~من صاحبه شيئا بغير عوض، أما إذا باع عشرة دراهم بعشرين فقد أخذ العشرة ~~الزائدة بغير عوض ولا يمكن أن يقال: إن العوض هو الإمهال في مدة الأجل ~~لأن الإمهال ليس مالا أو شيئا يشار إليه حتى يجعله عوضا عن العشرة ~~الزائدة فقد ظهر الفرق بين الصورتين. فصل: في حكم الربا وفيه مسائل ~~المسألة الأولى: ذكروا في سبب تحريم الربا وجوها: أحدها: أن الربا يقتضي ~~أخذ مال الغير بغير عوض، لأن من يبيع درهما بدرهمين نقدا كان أو نسيئة ~~فقد حصل له زيادة درهم من غير عوض فهو حرام. الوجه الثاني: إنما حرم عقد ~~الربا لأنه يمنع الناس من الاشتغال بالتجارة لأن صاحب الدراهم إذا تمكن ~~من عقد الربا خف عليه تحصيل الزيادة من غير تعب ولا مشقة، فيقضي ذلك إلى ~~انقطاع منافع الناس بالتجارات وطلب الأرباح. الوجه الثالث: أن الربا هو ~~سبب إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، فلما حرم الربا طابت النفوس ~~بقرض الدراهم للمحتاج واسترجاع مثله لطلب الأجر من الله تعالى. الوجه ~~الرابع: أن تحريم الربا قد ثبت بالنص ولا يجب أن يكون حكم جميع التكاليف ~~معلومة للخلق فوجب القطع بتحريم الربا وإن كنا لا نعلم وجه الحكمة في ~~ذلك. المسألة الثانية: اعلم أن الربا في اللغة هو الزيادة، وطلب الزيادة ~~بطريق التجارة غير حرام فثبت أن الزيادة المحرمة هو الربا وهو على صفة ~~مخصوصة في مال مخصوص بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم ق عن عمر بن ~~الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء ~~والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء " # وفي رواية: # " الورق بالورق ربا إلا هاء وهاء والذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء " # م عن أبي هريرة قال قال رسول ms0370 الله صلى الله عليه وسلم: # " الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا ~~بمثل فمن زاد واستزاد فقد أربى " # وفي رواية: # " التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا ~~بمثل يدا بيد، فمن زاد واستزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه " # م عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر ~~بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه ~~الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " # فنص رسول الله صلى الله عليه وسلم على جريان الربا في هذه الستة أشياء ~~وهي النقدان وأربعة أصناف من المطعومات وهي البر والشعير والتمر والملح، ~~فذهب عامة أهل العلم إلى أن حكم الربا ثبت في هذه الأشياء لأوصاف فيها، ~~فيعتدي إلى كل ما يوجد من تلك الأصناف فيه ثم اختلفوا في تلك الأوصاف ~~فذهب قوم إلى أن المعنى في جميعها هو واحد وهو النفع فأثبتوا الربا في ~~جميع الأموال وذهب الأكثرون إلى أن الربا يثبت في الدراهم والدنانير بوصف ~~وفي الأشياء المطعومة بوصف آخر، واختلفوا في ذلك الوصف فذهب الشافعي ~~ومالك إلى أنه ثبت في الدراهم والدنانير بوصف النقدية وذهب أصحاب الرأي ~~إلى أنه ثبت بعلة الوزن فأثبتوا الربا في جميع الموزونات مثل الحديد ~~والنحاس والقطن ونحو ذلك، وأما الأربعة أشياء المطعومة فذهب أصحاب الرأي ~~إلى أن الربا ثبت فيها بعلة الوزن والكيل فأثبتوا الربا في جميع المكيلات ~~والموزونات مطعوما كان أو غير مطعوم كالجص والنورة ونحوهما، وذهب جماعة ~~إلى أن العلة فيها الطعم مع الكيل والوزن فكل مطعوم مكيل أو موزون يثبت ~~فيه الربا ولا يثبت فيما سوى ذلك مما ليس بمكيل أو موزون وهو قول سعيد بن ~~المسيب والشافعي في القديم. وقال في الجديد: ثبت الربا فيها بوصف الطعم ~~فأثبت الربا في جميع الأشياء المطعومة من الثمار والفواكه والبقول ~~والأدوية مكيلة كانت أو موزونة لما روي عن معمر بن عبدالله أرسل ms0371 غلامه ~~بصاع قمح فقال: بعه ثم اشتر به شعيرا، فذهب الغلام فأخذ صاعا وزيادة ~~بعض من صاع فلما جاء معمرا أخبره بذلك. فقال له معمر: لم فعلت ذلك انطلق ~~فرده ولا تأخذن إلا مثلا بمثل فإني كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " الطعام بالطعام مثلا بمثل " # وكان طعامنا الشعير قيل له: فإنه ليس بمثله فقال إني أخاف أن يضارع ~~أخرجه مسلم فجملة مال الربا عند الشافعي ما كان ثمنا أو مطعوما. ~~المسألة الثالثة: الربا نوعان ربا فضل وهو الزيادة وربا نسيئة وهو الأجل، ~~فإن باع ما يدخل فيه الربا بجنسه إن باع أحد النقدين بجنسه كالذهب بالذهب ~~أو المطعوم بجنسه كالحنطة ونحو ذلك فيشترط فيه التماثل والمساواة بمعيار ~~الشرع فإن كان موزونا كالدراهم والدنانير فيشترط فيه المساواة في الوزن ~~وإن كان مكيلا كالحنطة والشعير يشترط في بيعه بجنسه المساواة في الكيل، ~~ويشترط التقابض في مجلس العقد فإن باع ما يدخل فيه الربا بغير جنسه ينظر ~~فإن باع بما لا يوافقه في وصف الربا مثل إن باع مطعوما بأحد النقدين فلا ~~ربا فيه كما لو باعه بغير مال الربا فإن باعه بما لا يوافقه في الوصف لا ~~في الجنس مثل أن باع الدراهم بالدنانير أو باع الحنطة بالشعير أو كان ~~مطعوما بمطعوم آخر من غير جنسه فلا يثبت فيه ربا التفاضل فيجوز بيعه ~~متفاضلا ويثبت فيه ربا النسيئة فيشترط في بيعه التقابض في المجلس لقوله ~~صلى الله عليه وسلم # " إلا يدا بيد " # وقوله " هاء وهاء " ففيه اشتراط التقابض في المجلس وتحريم النسيئة وقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إلا سواء بسواء مثلا بمثل " # ففيه إيجاب المماثلة وتحريم التفاضل عند اتفاق الجنس وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم " # ففيه إطلاق التبايع مع التفاضل عند اختلاف الجنس مع اشتراط التقابل في ~~المجلس وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان يدا بيد " # والله أعلم. المسألة الرابعة: في القرض وهو من أقرض شيئا وشرط أن يرد ms0372 ~~عليه أفضل منه فهو قرض جر منفعة وكل قرض جر منفعة فهو ربا يدل عليه ما ~~روي عن مالك قال: بلغني أن رجلا أتى ابن عمر فقال إني أسلفت رجلا سلفا ~~واشترطت عليه أفضل مما أسلفته، فقال عبدالله بن عمر: فذلك الربا أخرجه ~~مالك في الموطأ. قال فإن لم يشترط فضلا في وقت القرض فرد المستقرض أفضل ~~مما أخذ جاز. ويدل على ذلك ما روي عن مجاهد أن ابن عمر استلف دراهم فقضى ~~صاحبها خيرا منها فأبى أن يأخذها وقال هذه خير من دراهمي. فقال ابن عمر: ~~قد علمت ولكن نفسي بذلك طيبة أخرجه مالك في الموطأ. وقوله تعالى: { فمن ~~جاءه موعظة من ربه } أي تذكير وتخويف وإنما ذكر الفعل لأن تأنيثه غير ~~حقيقي فجاز تذكيره وذلك لأن الوعظ والموعظة شيء واحد { فانتهى } أي عن ~~أكل الربا { فله ما سلف } أي ما مضى من ذنبه قبل النهي مغفور له { وأمره ~~إلى الله } يعني بعد النهي إن شاء عصمه حتى يثبت على الانتهاء وإن شاء ~~خذله حتى يعود إلى أكل الربا وقيل معناه وأمره إلى الله فيما يأمره ~~وينهاه ويحل له ويحرم عليه وليس إليه من أمر نفسه شيء. وقيل: إن الآية ~~فيمن يعتقد تحريم أكل الربا ثم يأكله فأمره إلى الله تعالى إن شاء عفا ~~عنه وإن شاء عذبه { ومن عاد } يعني إلى أكل الربا بعد التحريم مستحلا له ~~{ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }. ### || [2.276] # قوله عز وجل: { يمحق الله الربا } أي ينقصه ويهلكه ويذهب ببركته قال ابن ~~عباس لا يقبل الله منه صدقة ولا حجا ولا جهادا ولا صلة { ويربي الصدقات ~~} أي يزيدها ويثمرها ويبارك فيها في الدنيا ويضاعف أجرها في الآخرة. ق عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما تصدق أحد بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله الطيب إلا أخذها الرحمن ~~بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما ~~يربي أحدكم فلوه أو فصيله " # لفظ ms0373 مسلم والبخاري # " من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله " # وفي رواية ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها ~~لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل. { والله لا يحب كل كفار ~~} يعني كل مصر على كفره مقيم عليه مستحل لأكل الربا { أثيم } يعني ~~متماديا في الإثم وفيه نهي عنه وأن من أكل الربا لا ينزجر عنه ولا يتركه ~~وقيل يحتمل أن يكون الكفار راجعا إلى مستحل الربا والأثيم راجعا إلى من ~~يفعله مع اعتقاد التحريم فتكون الآية جامعة للفريقين. ### || [2.277-278] # قوله عز وجل: { إن الذين آمنوا } يعني صدقوا بالله ورسوله { وعملوا ~~الصالحات } يعني التي أمرهم الله بها { وأقاموا الصلاة } يعني المفروضة ~~بأركانها وحدودها في أوقاتها { وآتوا الزكاة } يعني المفروضة عليهم في ~~أموالهم { لهم أجرهم عند ربهم } أي لهم ثواب أعمالهم في الآخرة { ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون } أي يوم القيامة. قوله عز وجل: { يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا } قيل: نزلت في العباس بن عبد ~~المطلب وعثمان بن عفان وكانا قد أسلفا في التمر فلما كانا وقت الجذاذ قال ~~صاحب التمر لهما: إن أنتما أخذتما حقكما لم يبق لي ما يكفي عيالي فهل ~~لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما ففعلا فلما حل الأجل طلبا ~~منه الزيادة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فنهاهما، وأنزل الله هذه ~~الآية فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما، وقيل نزلت في العباس وخالد بن ~~الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى بني عمرو بن عمير ~~ناس من ثقيف فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: فيما رواه جابر ~~من أفراد مسلم # " ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة، ~~وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني ~~سعد فقتله هذيل وربا ms0374 الجاهلية موضوع. وأول ربا أضع ربا العباس بن ~~عبدالمطلب فإنه موضوع كله " # وقيل: نزلت في أربعة إخوة من ثقيف وهم: مسعود وعبد ياليل وحبيب وربيعة ~~بن عمرو بن عميرة بن عوف الثقفي كانوا يداينون بني المغيرة بن عبدالله بن ~~عمير بن مخزوم، وكانوا يرابون فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الطائف أسلم هؤلاء الإخوة بنو عمرو الثقفي وطلبوا رباهم من بني المغيرة ~~فقال بنو المغيرة: والله ما نعطي الربا في الإسلام وقد وضعه الله تعالى ~~عن المؤمنين فاختصموا إلى عتاب بن أسيد وكان عامل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على مكة فكتب عتاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقضية ~~الفريقين وكان ذلك مالا عظيما فأنزل الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله } أي خافوا الله فيما أمركم به وانتهوا عما نهاكم عنه، وذروا ~~أي واتركوا ما بقي من الربا والمعنى واتركوا طلب ما بقي لكم ما فضل على ~~رؤوس أموالكم { إن كنتم مؤمنين } يعني إن كنتم محققين لإيمانكم قولا ~~وفعلا. ### || [2.279-280] # { فإن لم تفعلوا } أي لم تتركوا ما بقي من الربا بعد تحريمه { فأذنوا } ~~قرئ بكسر الذال والمد على وزن آمنوا ومعناه: فأعلموا غيركم أنه حرب لله ~~ورسوله وقرئ فأذنوا بفتح الذال مع القصر ومعناه فأعلموا أنتم وأيقنوا { ~~بحرب من الله ورسوله }. قال ابن عباس يقال لآكل الربا يوم القيامة: خذ ~~سلاحك للحرب. قال أهل المعاني: حرب الله النار وحرب رسوله السيف واختلفوا ~~في معنى هذه المحاربة فقيل المراد بها المبالغة في الوعيد والتهديد دون ~~نفس الحرب، وقيل: بل المراد منه نفس الحرب وذلك أن من أصر على أكل الربا ~~وعلم به الإمام قبض عليه وأجرى فيه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن ~~تظهر منه التوبة وإن كان آكل الربا ذا شوكة وصاحب عسكر حاربه الإمام كما ~~يحارب الفئة الباغية. قال ابن عباس: من كان مقيما على أكل الربا لا ينزع ~~عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع أي تاب وإلا ضرب ms0375 عنقه { ~~وإن تبتم } أي إن تركتم أكل الربا ورجعتم عنه { فلكم رؤوس أموالكم لا ~~تظلمون ولا تظلمون } يعني لا تظلمون أنتم الغريم بطلب زيادة على رأس ~~المال. ولا تظلمون أنتم بنقصان رأس المال فلما نزلت هذه الآية قال بنو ~~عمرو الثقفي ومن كان يعامل بالربا من غيرهم بل نتوب إلى الله فإنه لا ~~يدان لنا يعني لا قوة لنا بحرب الله ورسوله ورضوا برؤوس أموالهم. فشكا ~~بنو المغيرة العسرة ومن كان عليه دين وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات ~~فأبوا أن يؤخروهم فأنزل الله عز وجل: { وإن كان ذو عسرة } يعني وإن كان ~~الذي عليه الحق من غرمائكم معسرا والعسر نقيض اليسر وهو تعذر وجدان ~~المال، وأعسر الرجل إذا أضاق ولم يجد ما يؤديه في دينه { فنظرة } أي ~~فإمهال وتأخير { إلى ميسرة } أي إلى زمن اليسار وهو ضد الإعسار وهو جدان ~~المال الذي يؤديه في دينه واختلفوا في حكم الآية وهل الإنظار مختص بالربا ~~أم هو عام في كل دين؟ على قولين: القول الأول وهو قول ابن عباس وشريح ~~والضحاك والسدي إن الآية في الربا. وذكر عن شريح أن رجلا خاصم رجلا ~~إليه فقضى عليه وأمر بحبسه فقال رجل: كان عند شريح إنه معسر والله تعالى ~~يقول في كتابه: { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } فقال شريح إنما ذاك ~~في الربا وإن الله تعالى قال في كتابه # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل # [النساء: 58] ولا يأمرنا الله بشيء ثم يعذبنا عليه. والقول الثاني وهو ~~قول مجاهد وجماعة من المفسرين أن حكم الآية عام في كل دين على معسر ~~واحتجوا بأن الله تعالى قال: { وإن كان ذو عسرة } ولم يقل ذا عسرة ليكون ~~الحكم عاما في جميع المعسرين { وأن تصدقوا خير لكم } يعني وإن تصدقوا ~~على المعسر بما عليه من الدين فتتركوا رؤوس أموالكم للمعسر خير لكم، ~~وإنما جاز هذا الحذف للعلم به لأنه قد جرى ذكر المعسرين وذكر رأس المال ms0376 ~~فعلم أن التصدق راجع إليهما { إن كنتم تعلمون } يعني أن التصدق خير لكم ~~وأفضل لأن فيه الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى. # فصل: في ثواب إنظار المعسر والوضع عنه وتشديد أمر الدين والأمر بقضائه م ~~عن أبي قتادة أنه طلب غريما له فتوارى عنه ثم وجده فقال: إني معسر قال ~~الله قال الله قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من سره أن ينجيه الله من كرب القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه " # م عن أبي اليسر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " # ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " كان فيمن كان قبلكم تاجر يداين الناس فإن رأى معسرا قال لفتيانه: ~~تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه " # وعن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه به عبد بعد الكبائر التي نهى الله ~~عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء " # أخرجه أبو داود خ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عز وجل عنه، ومن أخذ أموال ~~الناس يريد إتلافها أتلفه الله " # ، ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " مطل الغني ظلم، زاد في رواية وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع " # ق عن كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له في عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته فنادى فقال: ~~يا كعب قلت: لبيك يا رسول الله فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك فقال كعب: ~~قد فعلت يا رسول الله قال ms0377 قم فاقضه. ق عن أبي هريرة قال: " كان لرجل على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سن من الإبل فجاء يتقاضاه فقال: أعطوه ~~فطلبوا سنة فلم يجدوا إلا سنا فوقها فقال: أعطوه فقال: أوفيتني وفاك ~~الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن خيركم أحسنكم قضاء " # وفي رواية أنه أغلظ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين استقضاه حتى هم ~~به بعض أصحابه فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا ثم أمر له بأفضل من سنه ~~". م عن أبي قتادة الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنه قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل ~~الأعمال فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر ~~عني خطاياي؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم إن قتلت في سبيل ~~الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كيف قلت قال أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين ~~فإن جبريل قال لي ذلك " # عن محمد بن جحش قال: # " كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه إلى السماء ثم ~~وضع يده على جبهته ثم قال: سبحان الله ماذا نزل من التشديد فسكتنا ~~وفزعنا. فلما كان من الغد سألته يا رسول الله: ما هذا التشديد الذي نزل ~~فقال: والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم ~~أحيي وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضي عنه دينه " # أخرجه النسائي. ### || [2.281] # قوله عز وجل: { واتقوا } أي وخافوا { يوما ترجعون فيه إلى الله } قرئ ~~بفتح التاء أي تصيرون فيه إلى الله وقرئ بضم التاء وفتح الجيم أي تردون ~~فيه إلى الله { ثم توفى كل نفس ما كسبت } يعني من خير أو شر { وهم لا ~~يظلمون } أي في ذلك اليوم. وفي هذه ms0378 الآية وعد شديد وزجر عظيم قال ابن ~~عباس: هذه آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال جبريل ~~ضعها على رأس مائتين وثمانين من سورة البقرة وعاش بعدها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أحدا وعشرين يوما وقيل: تسع ليال وقيل سبعا ومات صلى ~~الله عليه وسلم لليلتين خلتا من ربيع الأول في يوم الاثنين سنة إحدى عشرة ~~من الهجرة. وروى الشعبي عن ابن عباس أن آخر آية نزلت آية الربا. ### || [2.282] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين } قال ابن عباس ~~لما حرم الربا أباح السلم وقال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد ~~أحله الله في كتابه وأذن فيه. وقوله { إذا تداينتم } أي تعاملتم بالدين ~~أو داين بعضكم بعضا والتداين تفاعل من الدين يقال داينته إذا عاملته ~~بالدين وإنما قال بدين بعد قوله: إذا تداينتم لأن المداينة قد تطلق على ~~المجازاة وعلى المعطاة فقيده بالدين ليعرف المراد من اللفظ ويخلص أحد ~~المعنين من الآخر. وقيل إنما قال بدين ليرجع الضمير إليه في قوله: ~~فاكتبوه إذ لو لم يذكر ذلك لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين فلا يحسن النظم ~~بذلك وقيل إنما ذكره تأكيدا { إلى أجل مسمى } يعني إلى مدة معلومة الأول ~~والآخر مثل السنة والشهر ولا يجوز إلى غير مدة معلومة كما لو قال إلى ~~الحصاد أو نحوه والأجل يلزم في الثمن في البيع وفي السلم حتى لا يكون ~~لصاحب الحق الطلب قبل محل الأجل بخلاف القرض فإنه لا يلزم فيه الأجل عند ~~أكثر أهل العلم. ق عن ابن عباس قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ~~وهم يسلفون في التمر العام والعامين فقال لهم: # " من أسلف في تمر ففي كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم " # وقوله تعالى: { فاكتبوه } أي اكتبوا الدين الذي تداينتم به بيعا كان ~~ذلك أو سلما أو قرضا واختلفوا في هذه الكتابة فقيل: هي واجبة وهو مذهب ~~عطاء وابن جريج والنخعي واختاره محمد بن جرير ms0379 الطبري وقيل الأمر محمول ~~على الندب والاستحباب فإن ترك فلا بأس وهو قول جمهور العلماء وقيل بل ~~كانت الكتابة والإشهاد والرهن فرضا ثم نسخ بقوله تعالى: { فإن أمن بعضكم ~~بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته } وهو قول الحسن والشعبي والحكم بن عيينة ~~ثم بين الله تعالى كيفية الكتابة فقال تعالى: { وليكتب بينكم كاتب } أي ~~ليكتب الدين بين الطالب والمطلوب كاتب { بالعدل } أي بالحق من غير زيادة ~~ولا نقصان ولا تقديم أجل ولا تأخيره قيل إن فائدة الكتابة هي حفظ المال ~~من الجانبين لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه مقيد بالكتابة تعذر عليه طلب ~~زيادة أو تقديم المطالبة قبل حلول الأجل، ومن عليه الدين إذا عرف ذلك ~~تعذر عليه الجحود أو النقص من أصل الدين الذي عليه، فلما كانت هذه ~~الفائدة من الكتابة أمر الله تعالى بها { ولا يأب } أي ولا يمتنع { كاتب ~~أن يكتب } واختلفوا في وجوب الكتابة على الكاتب وتحمل الشهادة على الشاهد ~~فقيل بوجوبهما لأن ظاهر الكلام نهى عن الامتناع من الكتابة وإيجابها على ~~كل كتاب فإذا طولب بالكتابة وتحمل الشهادة من هو من أهلهما وجب عليه ذلك. # وقيل: هو من فرض الكفاية وهو قول الشعبي فإن لم يوجد إلا واحد وجب عليه ~~ذلك وقيل هو على الندب والاستحباب وذلك لأن الله تعالى لما علمه الكتابة ~~وشرفه بها استحب له أن يكتب ليقضي حاجة أخيه المسلم ويشكر تلك النعمة ~~التي أنعم الله بها عليه وقيل: كانت الكتابة وتحمل الشهادة واجبتين على ~~الكاتب والشاهد ثم نسخهما الله تعالى بقوله: { ولا يضار كاتب ولا شهيد } ~~{ كما علمه الله } أي كما شرعه الله وأمر به { فليكتب } وذلك أن يكتب ~~بحيث لا يزيد ولا ينقص ويكتب ما يصلح أن يكون حجة عند الحاجة ولا يخص أحد ~~الخصمين بالاحتياط له دون الآخر، وأن يكون كل واحد منهما آمنا من أبطال ~~حقه، وأن يكون ما يكتبه متفقا عليه عند العلماء، وأن يحترز من الألفاظ ~~التي يقع النزاع فيها وهذه الأمور لا تحصل إلا لمن ms0380 هو فقيه عالم باللغة ~~ومذاهب العلماء. { وليملل الذي عليه الحق } يعني أن المطلوب الذي عليه ~~الحق يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه من الحق فيذكر قدره وجنسه وصفة ~~الأجل ونحو ذلك. والإملال والإملاء لغتان فصيحتان معناهما واحد { وليتق ~~الله } ربه يعني المملي { ولا يبخس } أي ولا ينقص { منه } أي من الحق ~~الذي وجب { شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها } أي جاهلا بالإملاء ~~وقيل هو الطفل الصغير. وقال الشافعي: السفيه هو المبذر المفسد لماله ~~ودينه { أو ضعيفا } يعني شيخا كبيرا وقيل: هو ضعيف العقل لعته أو جنون ~~{ أو لا يستطيع أن يمل هو } يعني لخرس أو عمى أو عجمة في كلامه أو حبس أو ~~غيبة لا يمكنه الحضور عند الكاتب أو يجهل بماله، وعليه فهؤلاء كلهم لا ~~يصح إقرارهم فلا بد من أن يقوم غيرهم مقامهم وهو قوله تعالى: { فليملل ~~وليه } يعني ولي كل واحد من هؤلاء الثلاثة المحجور عليهم لأنه مقامه في ~~صحة الإقرار. وقال ابن عباس: أراد بالولي صاحب الدين يعني إن عجز الذي ~~عليه الحق عن الإملاء فليملل صاحب الحق لأنه أعلم بحقه { بالعدل } أي ~~بالصدق { واستشهدوا شهيدين } يعني وأشهدوا على حقوقكم شهيدين لأن المقصود ~~من الكتابة هو الإشهاد { من رجالكم } يعني من أهل ملتكم يعني من المسلمين ~~الأحرار دون العبيد والصبيان وهذا قول أكثر أهل العلم. وأجاز شريح وابن ~~سيرين شهادة العبيد وحجة هذا القول أن قوله من رجالكم عام يتناول العبيد ~~وغيرهم وذلك لأن عقل الإنسان ودينه وعدالته تمنعه من الكذب، فإذا اجتمعت ~~هذه الشرائط فيه كانت شهادته معتبرة. وحجة جمهور العلماء ولا يأب الشهداء ~~إذا ما دعوا فهذا نص يقتضي أن من تحمل شهادة وجب عليه الأداء إذا ما طولب ~~بها والعبد ليس كذلك فإن السيد إذا لم يأذن له في ذلك حرم عليه الذهاب ~~إلى الشهادة فوجب أن يكون العبد من أهل الشهادة { فإن لم يكونا رجلين } ~~أي فإن لم يكن الشاهدان رجلين { فرجل وامرأتان } أي فليشهد رجل وامرأتان، ~~وأجمع الفقهاء على ms0381 أن شهادة النساء مع الرجال جائزة في الأموال فيثبت ~~الحق بشهادة رجل وامرأتين واختلفوا في غير الأموال فذهب سفيان الثوري ~~وأصحاب الرأي إلى أنه يجوز شهادة النساء مع الرجال في سائر الحقوق غير ~~العقوبات، وذهب جماعة إلى أن غير المال لا يثبت إلا برجلين عدلين، وذهب ~~الشافعي إلى أن ما يطلع عليه النساء غالبا كالولادة والرضاع والكبارة ~~والثيوبة ونحوها تجوز شهادة رجل وامرأتين أو شهادة أربع نسوة. # واتفقوا على أن شهادة النساء غير جائزة ولا مقبولة في العقوبات والحدود، ~~وقوله تعالى: { ممن ترضون من الشهداء } يعني من كان مرضيا عندكم في دينه ~~وأمانته والشرائط المعتبرة في العدالة. وقبول الشهادة عشرة وهي: الإسلام ~~والحرية والعقل والبلوغ والعدالة والمروءة، وأن لا يجر بتلك الشهادة ~~منفعة إلى نفسه ولا يدفع عنه بها مضرة، ولا يكون معروفا بكثرة الغلظ ~~والسهو، وأن لا يكون بينه وبين من شهد من عليه عداوة فشهادة الكافر ~~مردودة لأن الكذاب لا تقبل شهادته. فالذي يكذب على الله أولى بأن ترد ~~شهادته وجوز بعض أهل الرأي شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ولا تقبل شهادة ~~العبيد وأجازها ابن شريح وابن سيرين وهو قول أنس ولا قول للمجنون معتبر ~~على تصح شهادته. ولا تجوز شهادة الصبيان وسئل ابن عباس عن ذلك فقال: لا ~~تجوز لأن الله تعالى قال: { ممن ترضون من الشهداء } والعدالة شرط وهو أن ~~لا يكون الشاهد مقيما على الكبائر مصرا على الصغائر والمروءة شرط وهي ~~ما تتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل الحياء وهي حسن الهباة ~~والسيرة والعشرة والصناعة، فإن كان الرجل يظهر في نفسه شيئا مما يستحي ~~أمثاله من إظهاره في الأغلب علم بذلك قلة مروءته وترد شهادته وانتفاء ~~التهمة شرط فلا تقبل شهادة العدو على عدوه وإن كان مقبول الشهادة على ~~غيره، لأنه متهم في حق عدوه لا في حق غيره ولا تقبل شهادة الرجل لولده ~~ووالده وتقبل شهادته عليهما ولا تقبل شهادة من يجر بشهادته إلى نفسه ~~نفعا عن عائشة قالت قال رسول ms0382 الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود حدا ولا ذي غمر على أخيه ولا ~~مجرب شهادة ولا القانع أهل البيت لهم ولا ظنين في ولاء ولا قرابة " # قال الفزاري: القانع التابع، أخرجه الترمذي. قوله: لا تجوز شهادة خائن ~~أراد بالخيانة الخيانة في الدين والمال والأمانة فإن من ضيع شيئا من ~~أوامر الله أو ارتكب شيئا مما نهى الله عنه لا يكون عدلا. # والغمر بكسر الغين الحقد والقانع هو السائل المستطعم وقيل: المنقطع إلى ~~قوم يخدمهم فترد شهادته للتهمة في جر النفع إلى نفسه لأن التابع لأهل ~~البيت ينتفع بما يصير إليهم والظنين بكسر الظاء المتهم. وقوله تعالى: { ~~أن تضل إحداهما } أي تنسى إحدى المرأتين { فتذكر إحداهما الأخرى } لأن ~~الغالب على طباع النساء النسيان فأقيمت المرأتان مقام الرجل الواحد حتى ~~لو نسيت إحداهما تذكرها الأخرى فتقول حضرنا مجلس كذا وسمعنا كذا فيحصل ~~بذلك الذكرى. وحكي عن سفيان بن عيينة أنه قال هو من الذكر أي تجعل ~~إحداهما الأخرى ذكرا والمعنى أن شهادتهما تصيرا كشهادة ذكر، والقول ~~الأول أصح لأنه معطوف على تضل وهو النسيان. وقوله تعالى: { ولا يأب ~~الشهادة إذا ما دعوا } يعني إذا دعوا لتحمل الشهادة وسماهم شهداء لأنهم ~~يكونون شهداء وهذا أمر إيجاب عند بعضهم. وقال قوم: يجب إذا لم يكن غيره ~~فإن كان غيره فهو مخير، وقيل: هو أمر ندب فهو مخير في جميع الأحوال. وقال ~~بعضهم هذا في إقامة الشهادة وأدائها، ومعنى الآية ولا يأب الشهداء إذا ما ~~دعوا لأداء الشهادة التي تحملوها. وقيل: الآية في الأمرين جميعا يعني في ~~التحمل والأداء والإقامة إذا كان عارفا. وقيل الشاهد بالخيار ما لم يشهد ~~فإذا شهد وجب عليه الأداء { ولا تسأموا } أي ولا تملوا ولا تضجروا { أن ~~تكتبوه } الضمير راجع إلى الحق أو الدين { صغيرا } كان { أو كبيرا } ~~يعني قليلا كان الحق أو الدين أو كثيرا { إلى أجله } يعني إلى محل الحق ~~والدين { ذلكم } يعني ذلك الكتاب { أقسط عند الله } يعني أعدل عند ms0383 الله ~~لأنه أمر به واتباع أمره وأعدل من تركه. { وأقوم للشهادة } يعني أن ~~الكتابة تذكر الشهود { وأدنى ألا ترتابوا } يعني وأحرى وأقرب إلى أن لا ~~تشكوا في الشهادة { إلا أن تكون تجارة حاضرة } أي إلا أن تقع تجارة ~~حاضرة يدا بيد { تديرونها بينكم } أي فيما بينكم ليس فيها أجل { فليس ~~عليكم جناح } أي لا ضرر عليكم { أن لا تكتبوها } يعني التجارة الحاضرة، ~~والتجارة تقليب الأموال وتصريفها لطلب النماء والزيادة بالأرباح، وإنما ~~رخص الله تعالى في الكتابة والإشهاد في هذا النوع من التجارة لكثرة ما ~~يجري بين الناس، فلو كلفوا فيها الكتابة والإشهاد لشق ذلك عليهم، ولأنه ~~إذا أخذ كل واحد من المتبايعين حقه من صاحبه في ذلك المجلس لم يكن هناك ~~خوف التجاحد فلا حاجة إلى الكتابة والإشهاد { وأشهدوا إذا تبايعتم } يعني ~~فيما جرت العادة بالإشهاد فيه. واختلفوا في هذا الأمر فقيل هو للوجوب ~~فيجب أن يشهد في صغير الحق وكبيره ونقده ونسيئته وقيل: هو أمر ندب ~~واستحباب وهو قول الجمهور. وقيل إنه منسوخ بقوله: { فإن أمن بعضكم بعضا ~~فليؤد الذي ائتمن أمانته }. # وقوله تعالى: { ولا يضار كاتب ولا شهيد } هذا نهي عن المضارة وأصله ~~يضارر بكسر الراء الأولى ومعناه لا يضار الكاتب فيأبى أن يكتب والشاهد ~~فيأبى أن يشهد أو يضار الكاتب فيزيد أو ينقص أو يحرف ما أملي عليه فيضر ~~صاحب الحق أو من عليه الحق، وكذلك الشاهد وقيل: أصله يضارر بفتح الراء ~~الأولى ومعناه أن يدعو الرجل الكاتب والشاهد وهما مشغولان فيقولان نحن ~~على شغل مهم فاطلب غيرنا فيقول الداعي: إن الله أمركما أن تجيبا إذا ~~دعيتما ويلح عليهما فيشغلهما عن حاجتهما فنهى عن مضارتهما، وأمر أن يطلب ~~غيرهما { وإن تفعلوا } يعني ما نهيتم عنه من الضرار { فإنه فسوق بكم } أي ~~معصية وخروج عن الأمر. { واتقوا الله } أي خافوا الله واحذروا فيما نهاكم ~~عنه من المضارة وغيرها { ويعلمكم الله } يعني ما يكون إرشادا لكم في أمر ~~الدنيا، كما يعلمكم ما يكون إرشادا لكم في أمر الدين { والله ms0384 بكل شيء ~~عليم } يعني أن الله تعالى عليم بجميع مصالح عباده لا يخفى عليه شيء من ~~ذلك. ### || [2.283] # قوله عز وجل: { وإن كنتم على سفر } أي في سفر { ولم تجدوا كاتبا } يعني ~~ولم تجدوا آلات الكتابة { فرهن } جمع رهن وقرئ فرهان { مقبوضة } يعني ~~فارتهنوا ممن تدينونه رهونا مقبوضة لتكون وثيقة لكم بأموالكم، وأصل ~~الرهن الدوام يقال: رهن الشيء إذا دام وثبت، والرهن ما وضع عند الإنسان ~~مما ينوب مناب ما أخذ منه دينا. فإن قلت: لم شرط الارتهان في السفر مع ~~عدم الكاتب ولا يختص به سفر دون حضر وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي على طعام أخذه إلى أجل، ولم يكن ذلك ~~في سفر ولا عند عدم كاتب. قلت ليس الغرض تجويز الارتهان في السفر خاصة ~~دون الحضر، ولكن لما كان السفر مظنة لإعواز الكاتب. والإشهاد أمر الله ~~تعالى به على سبيل الإرشاد إلى حفظ الأموال لمن كان على سفر بأن يقيم ~~التوثيق بالارتهان مقام الكتابة والإشهاد. واتفق العلماء على جواز الرهن ~~في الحضر والسفر جميعا ومع وجود الكاتب وعدمه. وقال مجاهد: لا يجوز إلا ~~في السفر عند عدم الكاتب لظاهر الآية وأجاب الجمهور عن ظاهر الآية أن ~~الكلام إنما خرج على الأغلب لا على سبيل الشرط. واتفق العلماء على أن ~~الرهن لا يتم إلا بالقبض وهو وقوله تعالى: { فرهان مقبوضة } يعني ~~ارتهنوا واقبضوا، لأن المقصود من الرهن هو استيثاق جانب صاحب الحق وذلك ~~لا يتم إلا بالقبض فلو رهن ولم يسلم لم يجبر الراهن على التسليم، فإذا ~~سلم الرهن لزم من جهته حتى لا يجوز له أن يسترجعه ما دام شيء من الحق ~~باقيا قوله تعالى: { فإن أمن بعضكم بعضا } يعني فإن كان الذي عليه الحق ~~أمينا عند صاحب الحق ولم يرتهن منه شيئا لحسن ظنه به { فليؤد الذي ~~ائتمن أمانته } يعني فليؤد المديون الذي عليه الحق الذي كان أمينا في ظن ~~الدائن الذي هو صاحب الحق أمانته يعني ms0385 حقه سمي الدين أمانة وإن كان ~~مضمونا لائتمانه عليه حيث أمن من جحوده فلم يكتب ولم يشهد عليه ولم يأخذ ~~منه رهنا حث المديون على أن يكون عند ظن الدائن الذي ائتمنه وأن يؤدي ~~إليه حقه الذي ائتمنه عليه ولم يرتهن منه عليه شيئا ثم زاد ذلك تأكيدا ~~بقوله: { وليتق الله ربه } أي المديون في أداء الحق عند حلول الأجل من ~~غير مماطلة ولا جحود بل يعامله المعاملة الحسنة كا أحسن ظنه فيه، ثم رجع ~~إلى خطاب الشهود فقال تعالى: { ولا تكتموا الشهادة } يعني إذا دعيتم إلى ~~إقامتها وأدائها وذلك لأن الشاهد متى امتنع من إقامة الشهادة وكتمها فقد ~~أبطل بذلك حق صاحب الحق فلهذا نهى عن كتمان الشهادة وبالغ في الوعيد عليه ~~فقال تعالى: { ومن يكتمها } يعني الشهادة { فإنه آثم قلبه } أي فاجر قلبه ~~والآثم الفاجر، وإنما أضيف الإثم إلى القلب لأن الأفعال من الدواعي ~~والصوارف إنما تحدث في القلب فلما كان الأمر كذلك أضيف الإثم إلى القلب ~~قيل: ما أوعد الله على شيء كإيعاده عن كتمان الشهادة فإنه تعالى قال { ~~فإنه آثم قلبه } وأراد به مسخ القلب نعوذ بالله من ذلك { والله بما ~~تعملون عليم } يعني من بيان الشهادة وكتمانها ففيه وعيد وتحذير لمن كتم ~~ولم يظهرها. ### || [2.284] # قوله عز وجل: { لله ما في السموات وما في الأرض } ملكا وأهلها له عبيد ~~وهو مالكهم { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } وهذا ~~يتناول حديث النفس والخواطر الفاسدة التي ترد على القلب ولا يتمكن من ~~دفعها، والمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق: وأجيب عن هذا بأن ~~الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين فمنها ما يوطن الإنسان نفسه عليه ~~ويعزم على إظهاره إلى الوجود، فهذا مما يؤاخذ الإنسان به. والقسم الثاني ~~ما يخطر بالبال ولا يمكن دفعه عن نفسه لكن يكره ولا يعزم على فعله ولا ~~إظهار إلى الوجود فهذا معفو عنه بدليل قوله تعالى: # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت # [البقرة: 286]. وقال قوم: إن ms0386 هذه الآية خاصة ثم اختلفوا في وجه تخصيصها ~~فقال بعضهم: هي متصلة بالآية التي قبلها وإنما نزلت في كتمان الشهادة ~~ومعنى الآية { وإن تبدوا ما في أنفسكم } أيها الشهود من كتمان الشهادة أي ~~تخفوه أي تخفوا الكتمان يحاسبكم به الله وهذا ضعيف، لأن اللفظ هام وإن ~~كان واردا عقيب قضية فلم يلزم صرفه إليها. وقال بعضهم: إن الآية نزلت ~~فيمن يتولى الكافرين من المؤمنين والمعنى: وإن تبدوا أي تظهروا ما في ~~أنفسكم يعني من ولاية الكفار أو تخفوه فلا تظهروه يحاسبكم به الله. وذهب ~~أكثر العلماء إلى أن الآية عامة ثم اختلفوا فقال قوم: هي منسوخة بالآية ~~التي بعدها ويدل عليه ما روي عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم { لله ما في السموات وما في الأرض، وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه } الآية. اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا: أي ~~رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد ~~أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قوم ~~سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " # فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى في أثرها: # آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير # [البقرة: 286] فلما فعلوا ذلك نسخها الله عز وجل فأنزل الله: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا # [البقرة: 286] قال نعم: # ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا # [البقرة: 286] قال نعم ربنا: # ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به # [البقرة: 286] قال نعم: # واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا ms0387 فانصرنا على القوم الكافرين # [البقرة: 286] قال نعم أخرجه مسلم وله عن ابن عباس نحوه وفيه قد فعلت ~~بدل نعم ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يعملوا به أو ~~يتكلموا به وفي رواية ما وسوست به صدورها " # وقال قوم: إن الآية غير منسوخة لأن النسخ لا يرد إلا على الأمر والنهي ~~ولا يرد على الإخبار. وقول الله تعالى: { يحاسبكم به الله } خبر فلا يرد ~~عليه النسخ ثم اختلفوا في تأويلها فقال قوم: قد أثبت الله تعالى للقلب ~~كسبا فقال: بما كسبت قلوبكم وليس لله عبد أسر عملا أو أعلنه من حركة ~~جارحة أو همة قلب إلا يعلمه الله ثم يخبره به ويحاسبه عليه ثم يغفر لمن ~~يشاء ويعذب من يشاء، وقال آخرون في معنى الاية: إن الله تعالى يحاسب خلقه ~~بجميع ما أبدوا من أعمالكم وأخفوه وعاقبهم عليه غير أن معاقبتهم على ما ~~أخفوه أخف مما لم يعملوا به وهو ما يحدث لهم في الدنيا من النوائب ~~والمصائب والأمور التي يحزنون عليها وهذا قول عائشة عن أمية إنها سألت ~~عائشة عن قول الله عز وجل: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله } وعن قوله { من يعمل سوءا يجز به } فقالت: ما سألني عنها أحد منذ ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة حتى البضاعة يضعها ~~في يد قميصه فيفقدها فيفزع لها، حتى أن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج ~~التبر الأحمر من الكير " # أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. وله عن أنس بن مالك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله ~~بعبده الشر أمسك عليه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة " # وقال قوم في معنى الآية وإن تبدوا ما في أنفسكم يعني مما عزمتم عليه أو ~~تخفوه ms0388 أي ولا تبدوه وأنتم عازمون عليه يحاسبكم به الله. فأما حديث النفس ~~مما لم تعزموا عليه فإن ذلك مما لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولا يؤاخذ ~~به. قال عبدالله بن المبارك: قلت لسفيان: أيؤاخذ العبد بالهمة؟ فقال: إذا ~~كانت عزما أخذ بها وقيل معنى المحاسبة الإخبار والتعريف فيرجع معنى هذه ~~المحاسبة إلى كونه تعالى عالما بكل ما في الضمائر والسرائر مما ظهر وخفي ~~ومعنى الآية: وإن تبدوا ما في أنفسكم فتعملوا به أو تخفوه مما أضمرتم ~~ونويتم يحاسبكم به الله أي يخبركم به ويعرفكم إياه، ثم يغفر للمؤمنين ~~إظهارا لفضله ويعذب الكافرين إظهارا لعدله. # يروى عن ابن عباس ويدل عليه أنه قال: يحاسبكم به الله ولم يقل: يؤاخذكم ~~به لأن المحاسبة غير المؤاخذة ويدل عليه أيضا ما روي عن صفوان بن محرز ~~المازني قال: بينما ابن عمر يطوف إذ عرض له رجل فقال: يا أبا عبدالرحمن ~~أخبرني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في النجوى قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يدني المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه تعرف ذنب كذا ~~وكذا فيقول: أعرف رب أعرف مرتين فيقول الله: سترتها عليك في الدينا وأنا ~~أغفرها لك اليوم ثم تطوى صحيفة حسابه، وأما الآخرون وهم الكفار ~~والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا ~~لعنة الله على الظالمين " # أخرجاه في الصحيحين. وقوله تعالى: { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } قال ~~ابن عباس: يغفر لمن يشاء الذنب العظيم ويعذب من يشاء على الذنب الصغير لا ~~يسأل عما يفعل وهم يسألون { والله على كل شيء قدير } يعني أنه تعالى قادر ~~على كل شيء كامل القدرة فيغفر للمؤمنين فضلا ويعذب الكافرين عدلا. ### || [2.285] # قوله عز وجل: { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه } عن ابن عباس قال: لما ~~نزلت هذه الآية وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله دخل ~~قلوبهم منها شيء لم يدخل من شيء فقالوا ms0389 للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل ~~الله { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون } الآية # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا # [البقرة: 286] قال: قد فعلت ربنا # ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا # [البقرة: 286] قال: قد فعلت ربنا # ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا ~~فانصرنا على القوم الكافرين # [البقرة: 286] قال قد فعلت أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن. قال الزجاج: ~~لما ذكر الله في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة والصوم والحج والطلاق ~~والإيلاء والحيض والجهاد وأقاصيص الأنبياء وما ذكر من كلام الحكماء ختم ~~السورة بذكر تصديق نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بجميع ذلك ومعنى ~~آمن الرسول صدق الرسول يعني محمدا صلى الله عليه وسلم والمعنى صدق ~~الرسول أن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام منزل من عند الله ~~عز وجل: { والمؤمنون } أي وصدق المؤمنون بذلك أيضا { كل } أي كل واحد من ~~المؤمنين { آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله } فهذه أربع مراتب من أصول ~~الإيمان وضرورياته، فأما الإيمان بالله فهو أن يؤمن بأن الله واحد أحد لا ~~شريك له ولا نظير له ويؤمن بجميع أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأنه حي ~~عالم قادر على كل شيء، وأما الإيمان بالملائكة فهو أن يؤمن بوجودهم وأنهم ~~معصومون مطهرون وأنهم السفرة الكرام البررة وأنهم الوسائط بين الله تعالى ~~وبين رسله. وأما الإيمان بكتبه فهو أن يؤمن بأن الكتب المنزلة من عند ~~الله هي وحي الله إلى رسله، وأنها حق وصدق من عند الله بغير شك ولا ~~ارتياب، وأن القرآن لم يحرف ولم يبدل ولم يغير، وأنه مشتمل على المحكم ~~والمتشابه، وأن محكمه يكشف عن متشابهه. وأما الإيمان بالرسل فهو أن يؤمن ~~بأنهم رسل الله إلى عباده وأمناؤه على وحيه، وأنهم معصومون وأنهم أفضل ~~الخلق، وان بعضهم أفضل من بعض وقد أنكر بعضهم ذلك وتمسك بقوله تعالى: { ~~لا نفرق بين ms0390 أحد من رسله }. وأجيب عنه بأن المقصود من هذا الكلام شيء آخر ~~وهو إثبات نبوة الأنبياء والرد على اليهود والنصارى الذين يقرون بنبوة ~~موسى وعيسى وينكرون بنوة محمد صلى الله عليه وسلم وقد ثبت بالنص الصريح ~~تفضيل بعض الأنبياء على بعض بقوله: # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض # [البقرة: 253] ومعنى قوله: { لا نفرق بين أحد من رسله } فنؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى بل نؤمن بجميع رسله، وفي الآية ~~إضمار تقديره وقالوا: يعني المؤمنين لا نفرق بين أحد من رسله { وقالوا ~~سمعنا وأطعنا } يعني سمعنا قولك وأطعنا أمرك، والمعنى قال المؤمنون: ~~سمعنا قول ربنا فيما أمرنا به، وأطعناه فيما ألزمنا من فرائضه، واستعبدنا ~~به من طاعته، وسلمنا له فيما أمرنا به ونهانا عنه، { غفرانك ربنا } أي ~~نسألك غفرانك ربنا، أو يكون المعنى اغفر لنا غفرانك ربنا { وإليك المصير ~~} يعني قالوا، إليك يا ربنا مرجعنا ومعادنا فاغفر ذنوبنا. # روى البغوي بغير سند عن حكيم بن جابر: " أن جبريل عليه السلام قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل قد أثنى عليك وعلى أمتك فسل تعطه ". ~~قال بتلقين الله تعالى غفرانك ربنا وإليك المصير. ### || [2.286] # قوله عز وجل: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } قيل: يحتمل أن يكون ~~ابتداء خبر من الله تعالى أن يكون حكاية عن المؤمنين وفيه إضمار كأنه قال ~~الله تعالى عنهم وقالوا: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها يعني طاقتها ~~والوسع اسم لما يسع الإنسان ولا يضيق عليه. قال ابن عباس وأكثر المفسرين ~~إن هذه الآية نسخت حديث النفس والوسوسة وذلك أنه لما نزل وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه ضج المؤمنون منها وقالوا: يا رسول الله نتوب من عمل اليد ~~والرجل واللسان فكيف نتوب من الوسوسة وحديث النفس؟ فنزلت هذا الآية. ~~والمعنى أنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة وحديث النفس؟ كان ذلك ما ~~لم تطيقوه وقال ابن عباس في رواية عنه: هم المؤمنون خاصة وسع الله عليهم ~~أمر دينهم ولم يكلفهم ms0391 ما لا يستطيعون. كما قال: # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # [البقرة: 185] وقال تعالى: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78] وسئل سفيان بن عيينة عن قوله: { لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها } قال: إلا يسرها ولم يكلفها فوق طاقتها وهذا قول حسن، لأن الوسع ~~ما دون الطاقة وقيل معناه أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها فلا ~~يتعبدها بما لا تطيق. { لها ما كسبت } يعني للنفس ما عملت من الخير فلها ~~أجره وثوابه. { وعليها ما اكتسبت } يعني من الشر عليها وزره وعقابه وقيل ~~في معنى الآية: إن الله تعالى لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره. قوله عز وجل: { ~~ربنا لا تؤاخذنا } وهذا تعليم من الله تعالى عباده المؤمنين كيف يدعونه ~~ومنعاه قولوا: ربنا لا تؤاخذنا أي لا تعاقبنا وإنما جاء بلفظ المفاعلة ~~وهو فعل واحد لأن المسيء قد أمكن من نفسه وطرق السبيل إليها بفعله فكأنه ~~أعدى عليه من يعاقبه بذنبه ويأخذه به. { إن نسينا أو أخطأنا } فيه وجهان: ~~أحدهما أنه من النسيان الذي هو السهو وهو ضد التذكر قيل: كان بنو إسرائيل ~~إذا نسوا شيئا مما أمروا به أو اخطؤوا عجلت لهم العقوبة فيحرم عليهم شيء ~~مما كان حلالا لهم من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب، فأمر الله ~~المؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك. فإن قلت: أليس فعل الناسي في محل ~~العفو بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: # " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " # فإذا كان النسيان في محل العفو قطعا فما معنى العفو عنه بالدعاء؟ قلت: ~~الجواب عنه من وجوه: الأول: أن النسيان على ضربين: أما الأول: فهو ما كان ~~من العبد على وجه التضييع والتفريط، وهو ترك ما أمر بفعله كمن رأى على ~~ثوبه دما فأخر إزالته، عنه ثم نسي فصلى فيه، وهو على ثوبه فيعد مقصرا ~~إذ كان يلزمه المبادرة إلى إزالته أما إذا لم يره فيعذر فيه وكذا لو ترك ~~ما أمر بفعله على وجه السهو أو ms0392 ارتكب منهيا عنه من غير قصد إليه كأكل ~~آدم عليه السلام من الشجرة التي نهى عنها على وجه النسيان من غير عزم على ~~المخالفة كما قال تعالى: # ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما # [طه: 115] فمثل هذا يجب أن يسأل الله تعالى أن يعفو له عن ذلك. وأما ~~الضرب الثاني فهو كمن ترك صلاة ثم نسيها أو ترك دراسة القرآن بعد أن حفظه ~~حتى نسيه فهذا لا يعذر بنسيانه وسهوه لأنه فرط فثبت أن النسيان على قسمين ~~وإذا كان كذلك صح طلب العفو والغفران عن النسيان. الوجه الثاني من الجواب ~~أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا من المتقين لله حق تقاته فإن صدر منهم ما ~~لا ينبغي فلا يكون إلا على سبيل السهو والنسيان فطلبهم العفو والغفران ~~لما يقع منهم على سبيل السهو والنسيان إنما هو لشدة خوفهم وتقواهم. الوجه ~~الثالث أن المقصود من هذا الدعاء هو التضرع والتذلل لله تعالى. وأما ~~الخطأ في قوله أو أخطأنا فعلى وجهين أيضا: أحدهما أن يأتي العبد ما نهي ~~عنه بقصد وإرادة فذلك خطأ منه وهو به مأخوذ فيحسن طلب العفو والغفران ~~لذلك الفعل الذي ارتكبه. الوجه الثاني أن يكون الخطأ على سبيل الجهل ~~والظن لأن له فعله كمن ظن أن وقت الصلاة لم يدخل وهو في يوم غيم فأخرها ~~حتى خرج وقتها فهذا من الخطأ الموضوع عن العبد. لكن طلب العفو والغفران ~~لسبب تقصيره وقوله: { ربنا ولا تحمل علينا إصرا } يعني عهدا ثقيلا ~~وميثاقا غليظا فلا نستطيع القيام به فتعذبنا بنقضه وتركه { كما حملته ~~على الذين من قبلنا } يعني اليهود فلم يقوموا به فعذبتهم عليه، وقيل ~~معناه ولا تشدد علينا كما شددت على اليهود من قبلنا وذلك أن الله تعالى ~~فرض عليهم خمسين صلاة وأمرهم بأداء ربع أموالهم زكاة ومن أصاب منهم ثوبه ~~نجاسة قطعها ومن أصاب ذنبا أصبح وذنبه مكتوب على بابه. ونحو هذا من ~~الأثقال والآصار التي كتبت عليهم فسأل المسلمون ربهم أن يصونهم عن أمثال ms0393 ~~هذه التغليظات والعهود الثقيلة وقد أجاب الله تعالى دعاءهم برحمته وخفف ~~عنهم بفضله وكرمه فقال تعالى: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78] وقيل الإصر ذنب لا توبة له فسأل المؤمنون ربهم أن يعصمهم من ~~مثله { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } يعني لا تكلفنا من الأعمال ~~ما لا نطيق القيام به لثقل حمله علينا وتكليف ما لا يطاق على وجهين: ~~أحدهما ما ليس في قدرة العبد احتماله كتكليف الأعمى النظر والزمن العدو ~~فهذا النوع من التكليف الذي لا يكلف الله به عبده بحال. # الوجه الثاني من تكليف ما لا يطاق هو ما في قدرة العبد احتماله مع ~~المشقة الشديدة والكلفة العظيمة كتكليف الأعمال الشاقة والفرائس الثقيلة ~~كما كان في ابتداء الإسلام صلاة الليل واجبة ونحوه. فهذا الذي سأل ~~المؤمنون ربهم لا يحملهم ما لا طاقة لهم به واستدل بهذه الآية من يقول إن ~~تكليف ما لا يطاق جائر إذ لم يكن جائزا لما حسن طلب تخفيفه بالدعاء من ~~الله تعالى. وقيل في قوله ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به هو حديث النفس ~~والوسوسة وقيل هيجان الغلمة وقيل هو الحب وقيل هو شماتة الأعداء وقيل: هو ~~الفرقة والقطيعة وقيل هو مسخ القردة والخنازير نعوذ بالله من ذلك كله { ~~واعف عنا } أي تجاوز عن ذنوبنا وامحها عنا { واغفر لنا } أي استر علينا ~~ذنوبنا ولا تفضحنا { وارحمنا } أي تغمدنا برحمة تنجينا بها من عقابك فإنه ~~ليس بناج من عقابك إلا من رحمته. وقيل: إنا لا ننال العمل بطاعتك ولا ~~نترك معصيتك إلا برحمتك، وأصل الرحمة رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم ~~وإذا وصف بها الله تعالى فليس يراد بها إلا الإحسان المجرد والتفضل على ~~العباد دون الرقة. وقيل: إن طلب العفو هو أن يسقط عنه عقاب ذنوبه، وطلب ~~المغفرة هو أن يستر عليه صونا له من الفضيحة كأن العبد يقول: أطلب منك ~~العفو وإذا عفوت عني فاستره علي فإذا عفا الله تعالى عن العبد وستره طلب ~~الرحمة التي هي ms0394 الإنعام والإحسان ليفوز بالنعيم والثواب { أنت مولانا } ~~أي ناصرنا وحافظنا وولينا ومتولي امورنا { فانصرنا على القوم الكافرين } ~~يعني الجاحدين الذين عبدوا غيرك وجحدوا وحدانيتك. قال ابن عباس في قوله ~~غفرانك ربنا قال قد غفرت لكم. وفي قوله: لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ~~قال لا أؤاخذكم ربنا ولا تحمل علينا إصرا قال: لا أحمل عليكم ولا تحملنا ~~ما لا طاقة لنا به. قال: لا أحملكم واعف عنا، واغفر لنا وارحمنا أنت ~~مولانا فانصرنا على القوم الكافرين. قال قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم ~~ونصرتكم على القوم الكافرين. كان معاذ إذا ختم سورة البقرة قال آمين. م ~~عن عبدالله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى ~~به إلى سدرة المنتهى وهي في السادسة وإليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض ~~منها. إليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها قال: # إذ يغشى السدرة ما يغشى # [النجم: 16] قال فراش من ذهب قال فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثلاثا أعطي الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله ~~من أمته شيئا من المقحمات. # المقحمات: الذنوب العظام التي تولج مرتكبها النار وأصل الاقتحام الولوج. ~~ق عن أبي مسعود الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه معناه كفتاه من ~~كل ما يحذر من كل هامة وشيطان فلا يقربه تلك الليلة وقيل كفتاه عن قيام ~~اليل " # م عن ابن عباس قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده جبريل عليه ~~السلام إذ سمع نقيضا من فوقه فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: هذا باب ~~من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال: هذا ملك ~~نزل من السماء إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم، وقال: أبشر بنورين ~~أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ ~~بحرف منهما إلا أعطيته عن النعمان بن بشير عن ms0395 النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن الله كتب لنا كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام أنزل ~~فيه آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها ~~شيطان " # أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب. آخر تفسير سورة البقرة والله أعلم ~~بمراده وأسرار كتابه. ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-2] # قوله عز وجل: { الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم } قال المفسرون: ~~نزلت هذه الآية في وفد نجران وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم منهم ثلاثة نفر إليهم ~~يؤول أمرهم وهم العاقب واسمه عبدالمسيح وهو أمير القوم وصاحب مشورتهم ~~الذي لا يصدرون إلا عن رأيه، والسيد واسمه الأيهم وهو ثمالهم القائم ~~بمالهم وصاحب رحلهم الذي يقوم بأمر طعامهم وشرابهم وأبو حارثة بن علقمة ~~وهو أسقفهم وحبرهم وكان ملوك الروم يكرمونه لما بلغهم عن علمه واجتهاده ~~في دينه فدخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يصلي العصر ~~وعليهم ثياب الحبرات جبب وأردية يقول من رآهم من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما رأينا وفدا مثلهم وقد حانت صلاتهم فقاموا للصلاة في ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دعوهم فصلوا إلى المشرق فلما فرغوا كلم السيد والعاقب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلما قالا: قد أسلمنا ~~قبلك. قال كذبتما يمنعكما من الإسلام دعواكما لله ولدا وعبادتكما الصليب ~~وأكلكما الخنزير، قال إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه وخاصموه جميعا ~~في عيسى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد ~~إلا وهو يشبه أباه قالوا بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في ~~الرحم كيف شاء وربنا لا يأكل ولا يشرب قالوا: بلى قال ألستم على كل شيء ~~يحفظه ويرزقه. قالوا بلى قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئا قالوا: لا ms0396 قال ~~ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. قالوا ~~بلى قال فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علم قالوا لا. قال: ألستم تعلمون ~~أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف يشاء وربنا لا يأكل ولا يشرب قالوا: بلى ~~قال: بلى قال ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وربنا ~~لايأكل ولا يشرب قالوا: بلى قال: بلى قال ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه ~~كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يغذى الصبي ثم ~~كان يطعم ويشرب ويحدث. قالوا: بلى قال: فيكف يكون إلها كما زعمتم ~~فسكتوا. فأنزل الله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها زاد ~~بعضهم. فقالوا يا محمد ألست تزعم أن عيسى كلمة الله وروح منه قال بلى ~~قالوا حسبنا ثم أبوا إلا جحودا فأنزل الله ردا عليهم { الم الله لا ~~إله إلا هو } يعني إن كانت منازعتكم يا معشر النصارى في معرفة الإله فهو ~~الله الذي لا إله إلا هو فكيف تثبتون له ولدا فبين تعالى أن أحدا لا ~~يستحق العبادة سواه لأنه الواحد الأحد ليس معه إله ولا له ولد ثم أتبع ~~ذلك بما يجري مجرى الدلالة عليه فقام تعالى: { الحي القيوم } أما الحي في ~~صفة الله تعالى فهو الدائم الباقي الذي لا يصح عليه الموت. وأما القيوم ~~فهو القائم بذاته والقائم بتدبير الخلق ومصالحهم فيما يحتاجون إليه في ~~معاشهم ومعادهم. ### || [3.3-6] # { نزل عليك الكتاب } يعني القرآن { بالحق } أي بالصدق والعدل { مصدقا ~~لما بين يديه } يعني لما قبله من الكتب في التوحيد والنبوات والأخبار ~~وبعض الشرائع. وقوله { لما بين يديه } من مجاز الكلام وذلك أن ما بين ~~يديه فهو أمامه فقيل لكل شيء تقدم على الشيء هو بين يديه لغاية ظهوره ~~واشتهاره { وأنزل التوراة والإنجيل من قبل } أي من قبل القرآن. فإن قلت ~~لم قيل نزل الكتاب وأنزل التوراة والإنجيل قلت لأن القرآن نزل منجما ~~مفصلا في أوقات كثيرة ms0397 ونزل هو للتكثير وأنزل التوراة والإنجيل جملة ~~واحدة { هدى للناس } يعني أن إنزال التوراة والإنجيل قبل القرآن كان هدى ~~للناس. فإن قلت كيف وصف القرآن في أول البقرة بأنه هدى للمتقين ووصف هنا ~~التوراة والإنجيل بأنهما هدى للناس. قلت إنما وصف القرآن بأنه هدى ~~للمتقين لأنهم هم الذين انتفعوا به وتبعوه ووصف هنا التوراة والإنجيل ~~بأنهما هدى للناس لأن المناظرة كانت مع مع نصارى نجران وهم يعتقدون صحة ~~التوراة والإنجيل فلهذا السبب قال هنا { هدى للناس } وقيل إن قوله هدى ~~للناس يعود إلى الكتب الثلاثة يعني القرآن المتقدم ذكره والتوراة ~~والإنجيل وإنما وصف هذه الكتب بأنها هدى للناس لما فيها من الشرائع ~~والأحكام { وأنزل الفرقان } يعني الفارق بين الحق والباطل قيل أراد به ~~القرآن وإنما أعاد ذكره تعظيما لشأنه ومد حاله لكونه فارقا بين الحق ~~والباطل وقيل إنما أعاد ذكره ليبين أنه تعالى أنزله بعد التوراة والإنجيل ~~ليجعله فارقا بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى في أمر عيسى عليه السلام ~~وقيل المراد به الكتب الثلاثة لأنها كلها هدى للناس ومفرقة بين الحلال ~~والحرام والحق والباطل. وقال السدي: في الآية تقديم وتأخير تقديره وأنزل ~~التوراة والإنجيل والفرقان هدى للناس { إن الذين كفروا بآيات الله } يعني ~~الكتب المنزلة وغيرها قيل أراد بهم نصارى وفد نجران كفروا بالقرآن وبمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وقيل إن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ فهو يتناول كل ~~من كفر بشيء من آيات الله تعالى: { لهم عذاب شديد والله عزيز } أي غالب ~~لا يغلب { ذو انتقام } يعني ممن كفر به والانتقام المبالغة في العقوبة. ~~قوله عز وجل: { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء } أي لا ~~يخفى عليه شيء من أمر العالم وهو المطلع على أحوالهم فقوله: إن الله لا ~~يخفى عليه في الأرض ولا في السماء إشارة إلى كمال علمه المتعلق بجميع ~~المعلومات { هو الذي يصوركم في الأرحام } التصوير جعل الشيء على صورة ~~والصورة هيئة يكون عليها الشيء بالتأليف والأرحام جمع رحم ms0398 { كيف يشاء } ~~يعني الصور المختلفة المتفاوتة في الحلقة ذكرا أو أنثى أبيض أو أسود ~~حسنا أو قبيحا كاملا أو ناقصا والمعنى أنه الذي يصوركم في ظلمات ~~الأرحام صورا مختلفة في الشكل والطبع واللون وذلك من نطفة. # ق عن عبدالله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~الصادق المصدوق # " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم ~~يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه ملك بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله ~~شقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل ~~بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ~~فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما ~~يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة ~~فيدخلها " # ق عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " وكل الله بالرحم ملكا فيقول: أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا ~~أراد الله أن يقضي خلقها قال: يا رب أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد فما الرزق ~~فما الأجل؟ فكتب له ذلك في بطن أمه " # وقيل إن الآية واردة في الرد على النصارى وذلك أن عيسى عليه السلام كان ~~يخبر ببعض الغيب فيقول: أكلت في دارك كذا صنعت كذا وإنه أحيا الموتى ~~وأبرأ الأكمه والأبرص وخلق من الطين طيرا فادعت النصارى فيه الإلهية ~~وقالوا: ما قدر على ذلك إلا أنه إله فرد الله تعالى عليهم بذلك. وأخبر ~~أن الإله المستحق لهذا الاسم هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في ~~السماء وأنه المصور في الأرحام كيف يشاء، وأن عيسى عليه السلام ممن صوره ~~في الرحم فنبه بكونه مصور في الرحم على أنه عبد مخلوق كغيره وأنه يخفى ~~عليه ما لا يخفى على الله عز وجل: { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } وهذا ~~أيضا في الرد على النصارى حيث ms0399 قالوا: عيسى ولد الله كأنه قال: كيف يكون ~~ولد إله وقد صوره الله في الرحم. ### || [3.7] # قوله عز وجل: { هو الذي أنزل عليك الكتاب } يعني القرآن { منه آيات ~~محكمات } يعني مبينات مفصلات أحكمت عبارتها من احتمال التأويل والاشتباه ~~سميت محكمة من الإحكام كأنه تعالى أحكمها فمنع الخلق من التصرف فيها ~~لظهورها ووضوح معناها { هن أم الكتاب } يعني هن أصل الكتاب الذي يعول ~~عليه من الأحكام، ويعمل به في الحلال والحرام فإن قلت: كيف قال هن أم ~~الكتاب ولم يقل أمهات الكتاب؟ قلت: لأن الآيات في اجتماعها وتكاملها ~~كالآية الواحدة وكلام الله كله شيء واحد. وقيل: إن كل آية منهن أم الكتاب ~~كما قال وجعلنا ابن مريم وأمه آية يعني أن كل واحد منهما آية { وأخر } ~~جمع أخرى { متشابهات } يعني أن لفظه يشبه لفظ غيره ومعناه يخالف معناه. ~~فإن قلت: قد جعله هنا محكما ومتشابها وجعله في موضع آخر كله محكما ~~فقال في أول هود # الر كتاب أحكمت آياته # [هود: 1] وجعله في موضع آخر كله متشابها. فقال تعالى في الزمر: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها # [الزمر: 23] فكيف الجمع بين هذه الآيات. قلت: حيث جعله كله محكما أراد ~~أنه كله حق وصدق ليس فيه عبث ولا هزل وحيث جعله كله متشابها أراد أن ~~بعضه يشبه بعضا في الحسن والحق والصدق، وحيث جعله هنا بعضه محكما وبعضه ~~متشابها فقد اختلفت عبارات العلماء فيه فقال ابن عباس: المحكمات الثلاث ~~الآيات التي في آخر سورة الأنعام وهي قوله تعالى: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151] ونظيرها في بني إسرائيل { وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا ~~إياه } الآيات. وعنه أن الآيات المحكمة هي الناسخ والمتشابهات هي الآيات ~~المنسوخة وبه قال ابن مسعود وقتادة والسدي وقيل إن المحكمات ما فيه أحكام ~~الحلال والحرام والمتشابهات ما سوى ذلك يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا ~~وقيل: إن المحكمات ما طلع الله عباده على معناه والمتشابه ما استأثر الله ~~بعلمه فلا سبيل لأحد إلى معرفته نحو الخبر ms0400 عن أشراط الساعة مثل الدجال ~~ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى عليه السلام وطلوع الشمس من مغربها وفناء ~~الدنيا وقيام الساعة فجميع هذا مما استأثر الله بعلمه وقيل: إن المحكم ما ~~لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه ما يحتمل أوجها وروي ~~ذلك عن الشافعي وقيل إن المحكم سائر القرآن والمتشابه هي الحروف المقطعة ~~في أوائل السور. قال ابن عباس إن رهطا من اليهود منهم حيي بن أخطب وكعب ~~بن الأشرف ونظراؤهما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له حيي بلغنا: ~~أنك أنزل عليك الم فأنشدك الله أأنزل عليك قال نعم. قال: إن كان ذلك حقا ~~فإني أعلم مدة ملك أمتك هي إحدى وسبعون سنة فهل أنزل عليك غيرها؟ قال: ~~نعم آلمص قال: فهذه أكثر هي إحدى وستون ومائة فهل أنزل عليك غيرها؟ قال ~~نعم آلر قال: هذه أكثر هي مائتان وإحدى وثلاثون سنة فهل من غيرها؟ قال: ~~نعم آلمر قال هذه أكثر هي مائتان وإحدى وسبعون سنة. # وقد اختلط علينا فلا ندري أبكثيره نأخذ أم بقليله ونحن ممن لا يؤمن ~~بهذا. فأنزل الله هذه الآية قوله تعالى. { فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه } وقيل: إن المحكم ما لم تتكرر ألفاظه والمتشابه ما ~~تكررت ألفاظه وقيل: إن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان. ~~والمتشابه ما احتاج إلى بيان وقيل: إن المحكم هو الأمر والنهي والوعد ~~والوعيد والمتشابه هو القصص والأمثال. فإن قلت: إنما نزل القرآن لبيان ~~الدين وإرشاد العباد وهدايتهم فما فائدة المتشابه وهلا كان كله محكما؟ ~~قلت: ذكر العلماء عن هذا السؤال أجوبة أحدها. أن القرآن أنزل بألفاظ ~~العرب ولغاتهم وكلام العرب على ضربين أحدهما: الإيجاز للاختصار والموجز ~~الذي لا يخفى على سامعه لا يحتمل غير ظاهره، والإطالة لبيان المراد ~~والتوكيد. الضرب الثاني: المجاز والكنايات والإشارات والتلويحات وإغماض ~~بعض المعاني، وهذا الضرب هو المستحسن عند العرب والبديع في كلامهم فأنزل ~~الله تعالى على هذين الضربين ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله فكأنه قال: ~~عارضوه بأي ms0401 الضربين شئتم، ولو نزل كله محكما واضحا لقالوا: هلا أنزل ~~بالضرب المستحسن عند الجواب الثاني أن الله تعالى أنزل المتشابه لفائدة ~~عظيمة، وهي أن يشتغل أهل العلم والنظر بردهم المتشابه إلى المحكم فيطول ~~بذلك فكرهم ويتصل بالبحث عن معانيه اهتمامهم فيثابون على تعبهم كما ~~أثبتوا على عباداتهم. ولو أنزل القرآن كله محكما لاستوى في معرفته ~~العالم والجاهل ولم يفضل العالم على غيره ولماتت الخواطر وخمدت الفكرة، ~~ومع الغموض تقع الحاجة إلى الفكرة والحيلة إلى استخراج المعاني. وقد قيل ~~في عيب الغنى إنه يورث البلادة وفي فضيلة الفقر إنه يورث الفطنة. وقيل: ~~إنه يبعث على الحيلة لأنه إذا احتاج احتال. الجواب الثالث: أن أهل كل علم ~~يجعلون في علومهم معاني غامضة ومسائل دقيقة ليختبروا بذلك أذهان ~~المتعلمين منهم على انتزاع الجواب لأنهم إذ قدروا على انتزاع المعاني ~~الغامضة كانوا على الواضح أقدر، فلما كان ذلك حسنا عند العلماء جاز أن ~~يكون ما أنزل الله تعالى من المتشابه على هذا النحو. الجواب الرابع: أن ~~الله تعالى أنزل المتشابه في كتابه مختبرا به عباده ليقف المؤمن عنده ~~ويرد علمه إلى عالمه فيعظم بذلك ثوابه، ويرتاب به المنافق فيداخله الزيغ ~~فيستحق بذلك العقوبة كما ابتلى بنو إسرائيل بالنهر والله أعلم بمراده. ~~وقوله تعالى: { فأما الذين في قلوبهم زيغ } أي ميل عن الحق وقيل: الزيغ ~~الشك واختلفوا في المعنى بهم والمشار إليهم فقيل هم وفد نجران الذين ~~خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام وقالوا: ألست ~~تزعم أن عيسى روح الله وكلمته؟ قال: بلى قالوا: حسبنا فأنزل الله هذه ~~الآية. # وقيل: هم اليهود لأنهم طلبوا معرفة مدة بقاء هذه الأمة واستخراجه بحساب ~~الجميل من الحروف المقطعة في أوائل السور. وقيل: هم المنافقون وقيل: هم ~~الخوارج وكان قتادة يقول: إن لم يكونوا الحرورية والسبئية فلا أدري من ~~هم. وقيل هم جميع المبتدعة { فيتبعون ما تشابه منه } يعني يحيلون المحكم ~~على المتشابه والمتشابه على المحكم، ويقولون: ما بال هذه الآية عمل بها ~~كذا ms0402 وكذا ثم نسخت. وقيل كل من احتج لباطله بالمتشابه فهو المعنى بهذه ~~الآية. ق عن عائشة رضي الله عنها قالت: " تلا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات إلى وما يذكر إلا ~~أولو الألباب } فقال: # " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله ~~فاحذروهم " # وقوله تعالى: { ابتغاء الفتنة } أي طلب الشرك والكفر. وقيل: طلب الشبهات ~~واللبس ليضلوا بها جهالهم وقيل: طلب إفساد ذات البين { وابتغاء تأويله } ~~أي تفسيره. وأصل التأويل في اللغة: المرجع والمصير تقول: آل الأمر إلى ~~كذا إذا رجع إليه وتسمى العاقبة تأويلا لأن الأمر يصير إليه. قال ابن ~~عباس في قوله: وابتغاء تأويله أي طلب بقاء ملك محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقيل: المراد بهم الكفار طلبوا متى يبعثون وكيف أحياهم بعد الموت وقيل هو ~~طلب تفسير المتشابه وعلمه { وما يعلم تأويله إلا الله } يعني تأويل ~~المتشابه وقيل: لا يعلم انقضاء ملك هذه الأمة إلا الله تعالى لأن انقضاء ~~ملكها مع قيام الساعة. ولا يعلم ذلك إلا الله وقيل: يجوز أن يكون للقرآن ~~تأويل استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه كعلم قيام الساعة ~~ووقت طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وعلم ~~الحروف المقطعة، وأشباه ذلك مما استأثر الله بعلمه فالإيمان به واجب ~~وحقائق علومه مفوضة إلى الله تعالى، وهذا قول أكثر المفسرين وهو مذهب ابن ~~مسعود وابن عباس في رواية عنه، وأبي كعب وعائشة وأكثر التابعين فعلى هذا ~~القول تم الكلام عند قوله: { إلا الله } فيوقف عليه ثم ابتدأ فقال عز من ~~قائل { والراسخون في العلم } أي الثابتون في العلم وهم الذين أتقنوا ~~علمهم بحيث لا يدخل في علمهم شك { يقولون آمنا به } قال ابن عباس: سماهم ~~راسخين في العلم بقولهم آمنا به فرسوخهم في العلم هو الإيمان به. وقال ~~عمر بن عبدالعزيز في هذه الآية انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل ~~القرآن إلى أن قالوا آمنا به { كل من ms0403 عند ربنا } يعني المحكم والمتشابه ~~والناسخ والمنسوخ وما علمنا منه وما لم نعلم ونحن معتبدون في المتشابه ~~بالإيمان به، ونكل معرفته إلى الله تعالى. # وفي المحكم يجب علينا الإيمان به والعمل بمقتضاه. وروي عن ابن عباس أنه ~~قال تفسير القرآن على أربعة أوجه فمنه تفسير لا يسع أحدا جهله، وتفسير ~~تعرفه العرب بألسنتها، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله. ~~وقيل: إن الواو في قوله والراسخون في العلم واو عطف يعني أن تأويل ~~المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم وهم مع علمهم يقولون آمنا ~~به. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: أنا من الراسخين ~~في العلم وعن مجاهد عنه أنا ممن يعلم تأويله. ووجه هذا القول أن الله ~~تعالى أنزل كتابه لينتفع به عباده ولا يجوز أن يكون في القرآن شيء لا ~~يعرفه أحد من الأمة وفي المراد بالراسخين في العلم هنا قولان أحدهما: ~~أنهم مؤمنوا أهل الكتاب مثل عبدالله بن سلام وأصحابه دليله قوله تعالى: # لكن الراسخون في العلم منهم # [النساء: 162]. والقول الثاني: أن الراسخين هم العلماء العاملون بعلمهم. ~~سئل أنس بن مالك عن الراسخين في العلم فقال: العالم العامل بما علم ~~المتبع له وقيل، الراسخ في العلم من وجد في علمه أربعة أشياء التقوى فيما ~~بينه وبين الله تعالى، والتواضع فيما بينه وبين الناس، والزهد فيما بينه ~~وبين الدنيا، والمجاهدة فيما بينه وبين النفس { وما يذكر إلا أولو ~~الألباب } أي وما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول وهذا ثناء من الله ~~عز وجل على الذين قالوا آمنا به كل من عند ربنا. ### || [3.8-11] # قوله عز وجل: { ربنا لا تزغ قلوبنا } أي ويقول الراسخون في العلم: ربنا ~~لا تزغ قلوبنا أي لا تملها عن الحق والهدى كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم ~~زيع { بعد إذ هديتنا } أي وفقتنا لدينك والإيمان بالمحكم والمتشابه من ~~كتابك { وهب لنا من لدنك رحمة } أي أعطنا توفيقا وتثبيتا للذي نحن عليه ~~من الإيمان والهدى وقيل: هب ms0404 لنا تجاوزا ومغفرة { إنك أنت الوهاب } الهبة ~~العطية الخالية عن الأعواض والأغراض والوهاب في صفة الله تعالى أنه يعطي ~~كل أحد على قدر استحقاقه. م عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث ~~يشاء " # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك " # هذا من أحاديث الصفات وللعلماء فيه قولان أحدهما: الإيمان به وإمراره ~~كما جاء، من غير تعرض لتأويل ولا تكييف ولا لمعرفة معناه بل نؤمن به كما ~~جاء وأنه حق ونكل علمه إلى مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم هذا ~~القول هو مذهب أهل السنة من سلف الأمة وخلفها من أهل الحديث وغيرهم. ~~والقول الثاني إنه يتأول بحسب ما يليق به وأن ظاهره غير مراد قال تعالى: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] فعلى هذا المراد هو المجاز كما يقال فلان في قبضتي وفي ~~كفي يريد أنه تحت قدرته وفي تصرفه إلا أنه حال في كفه فمعنى الحديث أنه ~~سبحانه وتعالى متصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء لا يمتنع عليه من شيء ~~إلا يفوته ما أراد منها كما لا يمتنع على الإنسان ما بين أصبعيه فخاطب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بما يفهمونه ويعلمونه من أنفسهم، ~~وإنما ثنى لفظ الأصبعين والقدرة واحدة لأنه جرى على المعهود من التمثيل ~~بحسب ما اعتادوه وإن كان غير مقصود به التثنية أو الجمع، وهذا مذهب جمهور ~~المتكلمين وغيرهم من المتأخرين. وإنما خص القلوب بالذكر لفائدة وهي أن ~~الله تعالى جعل القلوب، محلا للخواطر والإرادات والنيات وهي مقدمات ~~الأفعال ثم جعل سائر الجوارح تابعة للقلوب في الحركات والسكنات والله ~~أعلم. قوله عز وجل: { ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه } أي ليوم ~~القضاء. وقيل: اللام بمعنى في أي يوم لا ريب فيه أي لا شك فيه أنه كائن ~~وهو يوم القيامة { إن الله لا ms0405 يخلف الميعاد } هذا من بقية دعاء الراسخين ~~في العلم، وذلك أنهم طلبوا من الله تعالى أن يصرف قلوبهم عن الزيغ وأن ~~يخصهم بالهداية والرحمة وذلك من مصالح الدين والدنيا ثم إنهم اتبعوا ذلك ~~بقولهم: { ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه } ومعناه إنا نعلم أنك ~~جامع الناس للجزاء في يوم القيامة، ونعلم أن وعدك حق، وأنك لا تخلف ~~الميعاد فمن أزغت قلبه فهو هالك، ومن مننت عليه بالهداية والرحمة فهو ناج ~~من العذاب سعيد. # قوله عز وجل: { إن الذين كفروا } يعني برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال ابن عباس: هم قريظة والنضير { لن تغني } أي لن تنفع ولن تدفع { عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } أي من عذاب الله شيئا وقيل: من ~~بمعنى عند أي عند الله شيئا { وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون } قال ~~ابن عباس: كفعل آل فرعون وصنيعهم في الكفر. وقيل: كسنة آل فرعون وقيل ~~كعادة آل فرعون والمعنى أن عادة هؤلاء الكفار في تكذيب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وجحود الحق كعادة آل فرعون فإنهم كذبوا موسى وصدقوا فرعون ~~{ والذين من قبلهم } يعني كفار الأمم الماضية مثل عاد وثمود وغيرهم { ~~كذبوا بآياتنا } يعني لما جاءتهم بها الرسل { فأخذهم الله بذنوبهم } أي ~~فعاقبهم الله بسبب تكذيبهم { والله شديد العقاب } وقيل في معنى الآية: إن ~~الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم عند حلول النقمة والعقوبة ~~مثل آل فرعون وكفار الأمم الخالية فأخذناهم فلم تغن عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم. ### || [3.12-13] # قوله عز وجل: { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون } قرئ بالتاء فيهما فمن ~~قرأ بالياء المنقوطة فمعناه بلغهم يا محمد أنهم سيغلبون ويحشرون، ومن قرأ ~~التاء المنقوطة فوق فمعناه قل لهم: ستغلبون وتحشرون { إلى جهنم } قيل: ~~أراد بالذين كفروا مشركي قريش والمعنى قل لكفار مكة: ستغلبون يوم بدر ~~وتحشرون في الآخرة إلى جهنم فلما نزلت هذه الآية قال لهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوم بدر: # " إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم " # وقيل: ms0406 إن أبا سفيان جمع جماعة من قومه بعد وقعة بدر فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية. وقيل: إن هذه الآية نزلت في اليهود. وقال ابن عباس: إن يهود ~~المدينة قالوا لما هزم رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر، ~~هذا والله النبي الذي بشر به موسى لا ترد له راية وأرادوا إتباعه ثم قال ~~بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا واقعة أخرى. فلما كان يوم أحد ونكب ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوا وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا، ~~وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة فنقضوا العهد ~~وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا إلى مكة ليستفزهم فأجمعوا أمرهم على ~~قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الاية. وقال ابن ~~عباس وغيره: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر ورجع ~~إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: يا معشر اليهود احذروا ~~من الله ما أنزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل لكم ما نزل بهم فقد ~~عرفتم إني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم فقالوا: يا محمد لا يغرنك أنك ~~لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة وإنا الله لو ~~قاتلناك لعرفت إنا نحن الناس. فأنزل الله عز وجل { قل للذين كفروا } يعني ~~من اليهود { ستغلبون } أي ستهزمون { وتحشرون } يعني في الآخرة إلى جهنم { ~~وبئس المهاد } أي الفراش والمعنى: بئس ما مهد لهم في النار. قوله عز وجل ~~{ قد كان لكم آية في فئتين التقتا } قيل: الخطاب للمؤمنين يروى ذلك عن ~~ابن مسعود والحسن. وقيل: هو خطاب لكفار مكة فيكون عطفا على الذي قبله ~~فيخرج على قول ابن عباس 1. وقيل: هو خطاب لليهود قاله ابن جرير. فإن قلت: ~~لم قال قد كان لكم آية ولم يقل قد كانت لأن الآية مؤنثة؟ قلت: كل ما ليس ~~بمؤنث حقيقي يجوز تذكيره وقيل: إنه رد المعنى إلى البيان فمعناه قد كان ms0407 ~~لكم بيان فذهب إلى المعنى وترك اللفظ. وقال الفراء: إنما ذكر لأنه حالت ~~الصفة بين الفعل والاسم المؤنث فذكر الفعل وكل ما جاء من هذا فهذا وجهه ~~ومعنى الاية قد كان لكم آية أي عبرة ودلالة على صدق ما أقول إنكم ستغلبون ~~في فئتين أي فرقتين وأصلها في الحرب لأن بعضهم يفيء إلى بعض أي يرجع { ~~التقتا } يعني يوم بدر { فئة تقاتل في سبيل الله } أي في طاعة الله وهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ~~سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين ومائتان وستة وثلاثون رجلا من الأنصار، ~~وكان صاحب راية المهاجرين علي بن أبي طالب وصاحب راية الأنصار سعد بن ~~عبادة وكان فيهم سبعون بعيرا وفرسان وكان معهم من السلاح ستة أذرع ~~وثمانية سيوف. # وقوله تعالى: { وأخرى كافرة } أي وفرقة أخرى كافرة وهم مشركو مكة وكانوا ~~تسعمائة وخمسين رجلا من المقاتلة وكان رأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، ~~وكان فيهم مائة فرس وكانت وقعة بدر أول مشهد شهده رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد الهجرة وقوله تعالى: { يرونهم مثليهم } قرئ بالتاء يعني ~~ترون أهل مكة ضعفي المسلمين يا معشر اليهود وذلك أن جماعة من اليهود ~~كانوا قد حضروا قتال بدر لينظروا على من تكون الدائرة ولمن النصر فرأوا ~~المشركين مثلي عدد المسلمين، ورأوا النصر للمسلمين فكان ذلك معجزة. وقرئ ~~يرونهم بالياء واختلفوا في وجه قراءة الياء فجعل بعضهم الرؤية للمسلمين ~~ثم له تأويلان أحدهما: يرى المسلمون المشركين مثليهم كما هم. فإن قلت: ~~كيف قال مثليهم وإنما كانوا ثلاثة أمثالهم. قلت: هذا مثل قول الرجل وعنده ~~درهم أنا محتاج إلى مثلي هذا الدرهم يعني إلى مثليه سواه فيكون ثلاثة ~~دراهم ووجه آخر وهو أن يكون الله تعالى أظهر للمسلمين من عدد المشركين ~~القدر الذي يعلم المؤمنون أنهم يغلبونهم لإزالة الخوف من قلوبهم، وهذا ~~التأويل الثاني هو الأصح قلل الله المشركون في أعين المسلمين حتى رأوهم ~~مثليهم. فإن قلت كيف الجمع بين قوله تعالى ms0408 { يرونهم مثليهم } وبين قوله: # وإذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم # [الأنفال: 44] وكيف يقال: إن المشركين استكثروا المسلمين أو المسلمين ~~استكثروا المشركين، وإن الفئتين تساويا في استقلال إحداهما الأخرى. قلت: ~~إن التقليل والتكثير كانا في حالتين مختلفتين فإن قيل: إن الفئة الرائية ~~هم المسلمون فإنهم رأوا عدد المشركين عند بداية القتال على ما هم عليه. ~~ثم قلل الله المشركين في أعين المسلمين حتى اجترؤوا عليهم فصبروا على ~~قتالهم بذلك السبب. قال ابن مسعود: نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون ~~علينا، ثم نظرنا فاهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا. وفي رواية ~~أخرى عنه قال: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ ~~قال: أراهم مائة قال فأسرنا منهم رجلا فقلنا: كم كنتم قال: ألفا وإن ~~قلنا إن الفئة الرائية هم المشركون على قول بعضهم إن الرؤية راجعة إلى ~~المشركين يعني رأى المشركون المسلمين مثليهم فقلل الله المسلمين في أعين ~~المشركين في أول القتال ليجترئوا عليهم ولا ينصرفوا، فلما أخذوا في ~~القتال كثر الله المسلمين في أعين المشركين ليجبنوا فيكون ذلك سبب ~~خذلانهم، وقد روي أن المشركين لما أسروا يوم بدر قالوا للمسلمين: كم كنتم ~~قالوا: كنا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا قالوا: يعني المشركين ما كنا نراكم ~~إلا تضعفون علينا فكان في وقعة بدر أحوال في التكثير والتقليل وما ذلك ~~إلا إظهارا للقدرة التامة وقوله تعالى: { رأي العين } أي في رأي العين ~~{ والله يؤيد } أي يقوي { بنصره من يشاء إن في ذلك } يعني الذي ذكر من ~~النصرة. # وقيل رؤية الجيش مثليهم { لعبرة } أي لآية والعبرة الدلالة الموصلة إلى ~~اليقين المؤدية إلى العلم وأصلها من العبور كأنه طريق يعبرونه فيوصلهم ~~إلى مرادهم. وقيل: العبرة هي التي يعبر منها من منزلة الجهل إلى منزلة ~~العلم { لأولي الأبصار } لذوي العقول والبصائر. ### || [3.14] # قوله عز وجل: { زين للناس } قال أهل السنة: المزين هو الله تعالى لأنه ~~تعالى خالق الجميع أفعال العباد ولأن الله تعالى خلق جميع ملاذ الدنيا ~~وأباحها لعبيده ms0409 وإباحتها للعبد تزيين لها قال الله تعالى: # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة: 29] وقال تعالى: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق # [الأعراف: 32] وقال الله تعالى: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها # [الكهف: 7] وقال تعالى: # وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا # [النحل: 114] وكل ذلك يدل على أن المزين هو الله تعالى. ومما يؤيد ذلك ~~قراءة مجاهد زين بفتح الزاي على تسمية الفاعل وقال الحسن: المزين هو ~~الشيطان وهو قول طائفة من المعتزلة ويدل على ذلك أن الله تعالى زهد في ~~هذه الأشياء بأن أعلم عباده زوالها. ولأن الله تعالى أطلق حب الشهوات ~~فيدخل فيه الشهوات المحرمة، والمزين لذلك هو الشيطان، ولأن الله تعالى ~~ذكر هذه الأشياء في معرض الذم للدنيا ويدل عليه آخر الآية وهو قول تعالى ~~{ والله عنده حسن المآب }. ونقل عن أبي علي الجبائي من المعتزلة أن كل ما ~~كان حراما كان المزين له هو الشيطان، وكل ما كان مباحا كان المزين له ~~هو الله تعالى، والصحيح ما ذهب إليه أهل السنة لأن الله تعالى خالق كل ~~شيء ولا شريك له في ملكه. وقوله تعالى: { حب الشهوات } يعني المشتهيات ~~لأن الشهوة توقان النفس إلى الشيء المشتهى { من النساء } إنما بدأ بذكر ~~النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر، والاستئناس بهن أتم، ولأنهن حبائل الشيطان ~~وأقرب إلى الافتتان { والبنين } إنما خص البنين بالذكر لأن حب الولد ~~الذكر أكثر من حب الأنثى ووجه حبه ظاهر لأنه يتكثر به ويعضده ويقوم ~~مقامه. وقد جعل الله تعالى في قلب الإنسان حب الزوجة والولد لحكمه بالغة ~~وهي بقاء التوالد ولو زالت تلك المحبة لما حصل ذلك { والقناطير المقنطرة ~~} جمع قنطار وسمي قنطارا من الإحكام والعقد يقال: قنطرته إذا أحكمته ~~ومنه القنطرة المحكمة الطاق واختلفوا في القنطار هل محدود أو غير محدود؟ ~~على قولين أحدهما: أنه محدود ثم اختلفوا في حده فروي عن معاذ بن جبل أن ~~القنطار ألف ومائتا أوقية. وقال ابن عباس: ألف ومائتا مثقال وعنه ms0410 أنه ~~اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار دية أحدكم وبه قال الحسن: وقال سعيد بن ~~جبير: هو مائة ألف ومائة من ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم. ولقد جاء ~~الإسلام يوم جاء بمكة مائة رجل قد قنطروا، وقال سعيد بن المسيب وقتادة: ~~هو ثمانون ألفا وقال مجاهد: سبعون ألفا. وقال السدي: هو أربعة آلاف ~~مثقال والقول الثاني: إن القنطار ليس بمحدود. # وقال الربيع بن أنس: القنطار مال الكثير بعضه على بعض وروي عن أبي عبيدة ~~أنه حكي عن العرب أن القنطار وزن لا يحد وهو اختيار ابن جرير الطبري ~~وغيره. وقال الحاكم القنطار ما بين السماء والأرض من مال. وقال أبو نصرة: ~~القنطار ملء مسك ثور ذهبا أو فضة وقال القنطار من المال ما فيه عبور ~~الحياة تشبيها بعبور القنطرة المقنطرة أي المجموعة وقيل: المضاعفة لأن ~~القناطير جمع وأقله ثلاثة والمقنطرة المضاعفة أن تكون ستة أو تسعة وقيل ~~المقنطرة المسكوكة المنقوشة { من الذهب والفضة } إنما بدأ بهما من بين ~~سائر أصناف الأموال لأنهما قيم الأشياء وإنما كانا محبوبين لأن المالك ~~لهما مالك قادر على ما يريده وهي صفة كمال وهي محبوبة. وقيل سمي الذهب ~~ذهبا لأنه يذهب ولا يبقى والفضة لأنها تنفض أي تتفرق { والخيل المسومة } ~~الخيل جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط سميت الأفراس خيلا ~~لاختيالها في مشيتها. وقيل: لأن الخيل لا يركبها أحد إلا وجد في نفسه ~~مخيلة عجبا واختلفوا في معنى المسومة على ثلاثة أقوال القول الأول: إنها ~~الراعية يقال أممت الدابة وسومتها إذا أرسلتها المرعى والمقصود أنها إذا ~~رعت زاد حسنها والقول الثاني أنها من السمة وهي العلامة ثم القائلون بهذا ~~القول اختلفوا في تلك العلامة فقيل: الثالث هي الغرة والتحجيل التي تكون ~~في الخيل وقيل: هي الخيل البلق وقيل: هي المعلمة بالكي. والقول الثالث: ~~إنها المضمرة الحسان وتسويمها حسنها { والأنعام } جمع نعم وهي الإبل ~~والبقر والغنم ولا يقال للجنس الواحد منها إلا للإبل خاصة فإنه غلب ~~عليها { والحرث } يعني الزرع { ذلك } يعني ms0411 ذلك الذي ذكر من هذه الأصناف { ~~متاع الحياة الدنيا } أي الذي يستمتع به في الحياة الدنيا وهي زائلة ~~فانية يشير إلى أن الحياة الدنيا متاع يفني { والله عنده حسن المآب } أي ~~المرجع، فيه إشارة إلى التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة. وقيل: فيه ~~إشارة إلى أن من أتاه الله الدنيا كان الواجب عليه أن يصرفها فيما يكون ~~فيه صلاحه في الآخرة لأنها السعادة القصوى. ### || [3.15] # قوله عز وجل: { قل أؤنبئكم } أي أخبركم { بخير من ذلكم } يعني الذي ذكر ~~من متاع الدنيا { للذين اتقوا } قال ابن عباس في رواية عنه يريد ~~المهاجرين والأنصار. أراد أن يعرفهم ويشوقهم إلى الآخرة قال العلماء: ~~ويدخل في هذا الخطاب كل من اتقى الشرك { عند ربهم } معناه أن الله تعالى ~~أخبر أن ما عنده خير مما كان في الدنيا وإن كان محبوبا فحثهم على ترك ما ~~يحبون لما يرجون ثم فسر لك الخير فقال تعالى: { جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله }. ق عن أبي سعيد ~~الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا ~~وسعديك الخير كله في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: يا رب وما لنا لا ~~نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك: فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ~~ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك فيقول، أحل عليكم رضواني فلا أسخط ~~عليكم بعده أبدا وقيل: إن العبد إذا علم أن الله تعالى قد رضي عنه كان ~~أتم لسروره وأعظم لفرحه " # { والله بصير بالعباد } يعني أن الله تعالى عالم بمن يؤثر ما عنده ممن ~~يؤثر شهوات الدنيا فيجازى كلا على عمله فيثبت ويعاقب على قدر الأعمال. ~~وقيل: إن الله تعالى بصير بالذين اتقوا فلذلك أعدلهم الجنات. ### || [3.16-18] # قوله عز وجل: { الذين يقولون ربنا إننا آمنا } أي صدقنا { فاغفر لنا ~~ذنوبنا } أي استر علينا وتجاوز عنا { وقنا عذاب النار }. قوله عز وجل: { ~~الصابرين } يعني على ms0412 أداء الواجبات وعن المحرمات والمنهيات، وفي البأساء ~~والضراء وحين البأس. وقيل: الصابرين على دينهم وما أصابهم { والصادقين } ~~يعني في إيمانهم. وقال قتادة: هم قوم صدقت نياتهم واستقامت ألسنتهم ~~وقلوبهم في السر والعلانية والصدق يكون في القول والأفعال والنية، فأما ~~صدق الفعل فهو مجانبة الكذب والصدق في الفعل هو عدم الانصراف عنه قبل ~~إتمامه، والصدق في النية العزم على الفعل حتى يبلغه. { والقانتين } يعني ~~المطيعين لله وقيل لهم المصلون، وهو عبارة عن دوام الطاعة والمواظبة ~~عليها { والمنفقين } يعني أموالهم في طاعة الله تعالى، ويدخل فيه نفقة ~~الرجل على نفسه وعلى أهله وأقاربه وصلة رحمه، والزكاة والنفقة في جميع ~~القربات { والمستغفرين بالأسحار } يعني المصلين بالسحر وهو الوقت بعد ~~ظلمة الليل إلى طلوع الفجر، وقيل كانوا يصلون بالليل حتى إذا كان وقت ~~السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار فكان هذا دأبهم في ليلهم. قال نافع: ~~كان ابن عمر يحيي الليل ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فأقول: لا فيعاود ~~الصلاة فإذا قلت نعم قعد يستغفر ويدعو حتى يصلي الصبح. ق عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قال: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ~~الثلث الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني ~~فأغفر له " # وفي لفظ مسلم فيقول: # " أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني " # الحديث وله في رواية أخرى فيقول: # " هل من سائل؟ فيعطى هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له حتى ~~ينفجر الصبح؟ " # هذا الحديث من أحاديث الصفات وللعلماء فيه وفي أمثاله مذهبان معروفان ~~مذهب السلف الإيمان به وإجراءه على ظاهره ونفي الكيفية عنه، والمذهب ~~الثاني هو مذهب من يتأول أحاديث الصفات. قال أبو سليمان الخطابي: إنما ~~ينكر هذا الحديث من يقيس الأمور على ما يشاهده من النزول الذي هو تدل على ~~من أعلى إلى أسفل، وانتقال من فوق إلى تحت وهذا صفة الأجسام، فأما نزول ~~من لا تستولي عليه صفات الأجسام فإن هذه المعاني غير متوهمة ms0413 فيه، وإنما ~~هو خبر عن قدرته ورأفته بعباده وعطفه عليهم واستجابته دعاءهم، ومغفرته ~~لهم يفعل ما يشاء لا يتوجه على صفاته كيفية ولا على أفعاله كمية سبحانه ~~ليس كمثله دعاءهم، ومغفرته لهم يفعل ما يشاء لا يتوجه على صفاته كيفية ~~ولا على أفعاله كمية سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقيل في ~~قوله: والمستغفرين بالأسحار وصف الله تعالى هؤلاء بما وصف ثم بين أنهم مع ~~ذلك لشدة خوفهم ووجلهم أنهم يستغفرون بالأسحار. وروي أن لقمان قال لابنه: ~~يا بني لا تكن أعجز من الديك فإنه يصوت بالأسحار وأنت نائم الجنة. ### || [3.19] # قوله عز وجل: { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب } قال الكلبي: نزلت في ~~اليهود والنصارى حين تركوا الإسلام والمعنى: وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم { إلا من بعد ما جاءهم العلم } ~~يعني بيان نعته وصفته في كتبهم. وقال الربيع: إن موسى عليه السلام لما ~~حضره الموت دعا سبعين رجلا من خيار بني إسرائيل وأودعهم التوراة واستخلف ~~يوشع بن نون، فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت الفرقة ~~والاختلاف، بينهم، وهم الذين أوتوا الكتاب وهم من أبناء الملوك السبعين ~~حتى أهرقوا الدماء ووقع الشر والاختلاف، وذلك بعد ما جاءهم العلم يعني ~~بيان ما في التوراة من الأحكام { بغيا بينهم } أي طلبا بينهم للملك ~~والرياسة فسلط الله عليهم الجبابرة. وقيل: نزلت في نصارى نجران ومعناه ~~وما اختلف الذين أوتوا الكتاب يعني الإنجيل واختلافهم كان في أمر عيسى ~~عليه الصلاة والسلام، وما ادعوا فيه من الإلهية إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم. يعني بأن الله تعالى واحد أحد وأن عيسى عبده ورسوله بغيا بينهم ~~يعني المعاداة والمخالفة. { ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب } ~~فيه وعيد وتهديد لمن أصر على الكفر من اليهود والنصارى الذين جحدوا نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [3.20] # قوله عز وجل: { فإن حاجوك } أي خاصموك يا محمد في الدين، وذلك أن اليهود ~~والنصارى قالوا: لسنا على ما سميتنا به يا ms0414 محمد إنما اليهودية والنصرانية ~~نسب والدين هو الإسلام ونحن عليه فأمر الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله ~~عليه وسلم أن يحتج عليهم بأنه اتبع أمر الله الذي هم يقرون به بقوله: { ~~فقل أسلمت وجهي لله } أي انقدت له بقلبي ولساني وجميع جوارحي، وإنما خص ~~الوجه بالذكر لأنه أشرف جوارح الإنسان الظاهرة إذا خضع وجهه لشيء فقد خضع ~~له سائر جوارحه وقيل: أراد بالوجه العمل أي خلصت عملي لله وقصدت بعبادتي ~~الله { ومن اتبعن } يعني ومن أسلم كما أسلمت أنا { وقل للذين أوتوا ~~الكتاب } يعني اليهود والنصارى { والأميين } يعني مشركي العرب { أأسلمتم ~~} لفظه استفهام ومعناه أمر أي أسلموا { فإن اسلموا فقد اهتدوا } يعني إلى ~~الفوز والنجاة في الآخرة، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ~~الآية على أهل الكتاب قالوا: قد أسلمنا فقال لليهود: أتشهدون أن موسى ~~كليم الله وعبده ورسوله فقالوا: معاذ الله وقال للنصارى: أتشهدون أن عيسى ~~كلمة الله وعبده ورسوله فقالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبدا قال الله ~~تعالى: { وإن تولوا } أي أعرضوا { فإنما عليك البلاغ } يعني تبليغ ~~الرسالة. وليس عليك هدايتهم واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في الآية فذهب ~~طائفة إلى أنها محكمة، والمراد بها تسلية النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ~~كان يحرص على إيمانهم ويتألم لتركهم الإجابة، وذهب طائفة إلى أنها منسوخة ~~بآية السيف لأن المراد بها الاقتصار على التبليغ وهذا منسوخ بآية السيف { ~~والله بصير بالعباد } يعني أنه تعالى عالم بمن يؤمن وبمن لا يؤمن. ### || [3.21-23] # قوله عز وجل: { إن الذين يكفرون بآيات الله } يعني يجحدون القرآن ~~وينكرونه وهم اليهود والنصارى { ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس } كان أنبياء بني إسرائيل يأتيهم الوحي ولم يكن ~~يأتيهم كتاب لأنهم كانوا ملتزمين بأحكام التوراة، فكانوا يذكرون قومهم ~~فيقتلونهم فيقوم رجال ممن آمن بهم وصدقهم فيذكرونهم ويأمرونهم بالمعروف ~~وينهونهم عن المنكر فيقتلونهم أيضا، فهم الذين يأمرون بالقسط يعني ~~بالعدل من الناس. روى البغوي بسند الثعلبي # " عن أبي عبيدة بن الجراح ms0415 قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد عذابا ~~يوم القيامة؟ " قال رجل: قتل نبيا أو رجلا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ~~ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون ~~الذين يأمرون بالقسط من الناس } إلى أن انتهى إلى قوله { وما لهم من ~~ناصرين } ثم قال على فراشك " # وقيل: هم الذين يصلون صلاة الصبح في جماعة فعلى هذا القول إنما سميت ~~الصلاة استغفارا لأنهم طبلوا بفعلها المغفرة. قوله عز وجل: # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران: 18] قيل سبب نزول الآية أن حبرين من أحبار الشام قدما على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه ~~هذه المدينة بصفة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج في آخر ~~الزمان، فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة فقالا له: ~~أنت محمد؟ قال: نعم، قالا وأنت أحمد؟ قال: نعم. قالا فإنا نسألك عن شيء: ~~فإن أنت أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك قال: اسألاني قالا: فأخبرنا عن أعظم ~~شهادة في كتاب الله عز وجل، فأنزل الله هذه الآية فأسلم الحبران. وقيل: ~~إن هذه الآية نزلت في نصارى نجران فيما ادعوا في عيسى عليه السلام فقوله ~~تعالى: شهد الله يعني بين الله وأظهر لأن معنى الشهادة تبيين وإظهار. ~~وقيل: معنى شهد الله حكم الله وقضى. وقيل: معناه أعلم الله أنه لا إله ~~إلا هو وذلك بيان الدلائل لما أمكن التوصل إلى معرفة الوحدانية، فهو ~~تعالى أرشد عباده إلى معرفة توحيده بما بين من عجائب مصنوعاته وغرائب ~~مبتدعاته سئل بعض الأعراب ما الدليل على وجود الصانع؟ فقال: إن البعرة ~~تدل على البعير، وآثار القدم تدل على المسير فهيكل علوي بهذه اللطافة ~~ومركز سفلي بهذه الكثافة أما يدلان على وجود الصانع الخبير. قال ابن ~~عباس: خلق الله تعالى الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق ~~قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، فشهد لنفسه بنفسه قبل أن خلق الخلق كان ولم ms0416 ~~تكن سماء ولا أرض ولا بر ولا بحر، فقال تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا ~~هو # والملائكة # [آل عمران: 18] أي وشهد الملائكة فمعنى شهادة الله تعالى الإخبار ~~والإعلام ومعنى شهادة الملائكة والمؤمنين الإقرار والاعتراف بأنه لا إله ~~إلا هو، ولما كان واحد من هذين الأمرين يسمى شهادة حسن إطلاق لفظ ~~الشهادة عليهما # وأولو العلم # [آل عمران: 18] أي وشهد أولو العلم بأنه لا إله إلا هو، واختلفوا في ~~أولي العلم فقيل: هم الأنبياء عليهم السلام لأنهم أعلم الخلق بالله تعالى ~~وقيل: هم علماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين ~~والأنصار وقيل: هم علماء مؤمني أهل الكتاب مثل عبدالله بن سلام وأصحابه، ~~وقيل: هم علماء جميع المؤمنين # قائما بالقسط # [آل عمران: 18] أي بالعدل نصب على الحال والقطع أو المدح ومعناه أنه ~~تعالى قائم بتدبير خلقه كما يقال: فلان قائم بأمر فلان يعني أنه مدبر له ~~ومتعهد لأسبابه، وفلان قائم بحق فلان، أي أنه مجاز له فالله مدبر أمر ~~خلقه وقائم بأرزاقهم ومجاز لهم بأعمالهم # لا إله إلا هو # [آل عمران: 18] إنما كرره للتأكيد، وقيل إن الأول وصف وتوحيد والثاني ~~رسم وتعليم أي قولوا لا إله إلا هو. وقيل فائدة تكرارها الإعلام بأن هذه ~~الكلمة أعظم الكلام وأشرفه فيه حث للعباد على تكريرها والاشتغال بها، ~~فإنه من اشتغل بها فقد اشتغل بأفضل العبادات # العزيز # [آل عمران: 18] أي الغالب الذي لا يقهر # الحكيم # [آل عمران: 18] يعني في جميع أفعاله # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران: 19] يعني أن الدين المرضي عند الله هو الإسلام كما قال ~~تعالى: # ورضيت لكم الإسلام دينا # [المائدة: 3] وفيه رد على اليهود والنصارى وذلك لما ادعت اليهود أنه لا ~~دين أفضل من اليهودية، وادعت النصارى أنه لا دين أفضل من النصرانية رد ~~الله عليهم ذلك فقال: إن الدين عند الله الإسلام. وقرئ أن الدين بفتح ~~الهمزة ردا على أن الأولى والمعنى شهد الله أنه لا إله إلا هو، وشهد أن ~~الدين عند الله الإسلام، وأصل الدين ms0417 في اللغة الجزاء. يقال كما تدين تدان ~~ثم صار اسما للملة والشريعة، ومعناه الانقياد للطاعة والشريعة، قال ~~الزجاج الدين اسم لجميع ما تعبد الله به خلقه وأمرهم بالإقامة عليه، ~~والإسلام هو الدخول في السلم وهو والاستسلام والانقياد والدخول في ~~الطاعة. وروى البغوي بسند الثعلبي عن غالب القطان قال: أتيت الكوفة في ~~تجارة فنزلت قريبا من الأعمش فكنت أختلف إليه فلما كان ذات ليلة أردت ~~أن أنحدر إلى البصرة قام من الليل يتهجد فمر بهذه الآية # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا ~~إله إلا هو العزيز الحكيم # [آل عمران: 18] قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه ~~الشهادة وهي لي عند الله وديعة إن الدين عند الله الإسلام قالها مرارا. # قلت: سمع فيها شيئا فصليت الصبح معه وودعته ثم قلت له: إني سمعتك ~~ترددهما فما بلغك فيها؟ قال: والله لا أحدثك فيها إلى سنة فكتبت على بابه ~~ذلك اليوم وأقمت سنة، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة ~~فقال: حدثني أبو وائل عن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~يجاء بصاحبها يوم القيامة. فيقول الله عز وجل: إن لعبدي هذا عندي عهدا ~~وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ~~أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة ~~واحدة، فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم ~~بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم ~~فهم الذين ذكرهم الله في كتابه وأنزل الآية فيهم " { فبشرهم بعذاب أليم ~~} إنما دخلت الفاء في قوله فبشرهم مع أنه خبر إن لأنه في معنى الجزاء ~~والتقدير من كفر فبشرهم بعذاب أليم يوم القيامة، وهذا محمول على ~~الاستعارة وهو أن إنذار الكفار بالعذاب قام مقام بشرى المحسنين بالثواب، ~~وفي هذه الآية توبيخ لليهود الذين كانوا في زمن رسول الله صلى الله ms0418 عليه ~~وسلم وإن كان أسلافهم الذين قتلوا الأنبياء لأنهم رضوا بفعلهم { أولئك ~~الذين حبطت } أي بطلت { أعمالهم في الدنيا والآخرة } وبطلان العمل هو أن ~~لا يقبل في الدنيا ولا يجازى عليه في الآخرة { وما لهم من ناصرين } يعني ~~يمنعونهم من العذاب. قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب } أنزلت في اليهود { يدعون إلى كتاب الله } يعني القرآن، وذلك أن ~~اليهود دعوا إلى حكم القرآن فأعرضوا عنه. قال ابن عباس: إن الله جعل ~~القرآن حكما فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم القرآن ~~على اليهود والنصارى أنهم على غير الهدى فأعرضوا عنه. وروي عن ابن عباس ~~أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المدارس على جماعة من ~~اليهود فدعاهم إلى الله عز وجل فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد على ~~أي دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملة إبراهيم. قال: إن إبراهيم كان يهوديا ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " هلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم " # فأبيا عليه فأنزل الله الآية. فعلى هذا القول يكون المراد بكتاب الله ~~التوراة. وروي عنه أيضا أن رجلا وامرأة من أهل خيبر زنيا وكان في ~~كتابهم الرجم فكرهوا رجمهما لشرفهما فيهم فرفعوا أمرهما إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ورجوا أن تكون عنده رخصة فحكم عليهما بالرجم. فقال ~~النعمان بن أوفى وبحري بن عمرو: جرت عليهما يا محمد وليس عليهما الرجم. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بيني وبينكم التوراة " # فقالوا: قد أنصفت. فقال من أعلمكم بالتوراة؟ فقالوا رجل أعور يقال له ~~عبدالله بن صوريا يسكن فدك فأرسلوا إليه فقدم المدينة وكان جبريل قد وصفه ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أأنت ابن صوريا؟ قال: نعم قال: أنت أعلم اليهود بالتوراة. قال: كذلك ~~يزعمون " # فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوراة وقال له: اقرأ فقرأ فلما ~~أتى على آية الرجم وضع يده ms0419 عليها وقرأ ما بعدها فقال عبدالله بن سلام: يا ~~رسول الله قد جاوزها ثم قام ورفع كفه عنها وقرأها على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعلى اليهود وفيها: أن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما ~~البينة رجما، وإن كانت المرأة حبلى تربص بها حتى تضع ما في بطنها، فأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهوديين فرجما فغضبت اليهود لذلك فأنزل ~~الله عز وجل: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } يعني علمهم ~~الذي علموه من التوراة يدعون إلى كتاب الله يعني القرآن أو التوراة على ~~اختلاف الروايتين { ليحكم بينهم } أي ليقضي بينهم وإضافة الحكم إلى ~~الكتاب هو على سبيل المجاز { ثم يتولى فريق منهم } يعني الرؤساء والعلماء ~~{ وهم معرضون } يعني عن الحق وقيل الذين تولوا هم العلماء، والذين أعرضوا ~~هم الأتباع. ### || [3.24-26] # { ذلك بأنهم } يعني ذلك التولي والإعراض إنما حصل بسبب أنهم { قالوا لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودات } تقدم تفسيره في سورة البقرة { وغرهم } ~~أي وأطمعهم { في دينهم ما كانوا يفترون } أي يحلفون ويكذبون قيل: هو ~~قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه وقيل: هو قولهم: لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودات وقيل غرهم قولهم نحن على الحق وأنتم على الباطل { فكيف ~~إذا جمعناهم } أي فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم { ليوم } أي في يوم { لا ~~ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت } أي لا شك فيه أنه كائن وواقع وهو يوم ~~القيامة، وفيه تهديد لهم واستعظام لما أعد لهم في ذلك اليوم، وأنهم يقعون ~~فيما لا حيلة لهم فيه وإن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل ~~وطمع فيما لا يكون ولا يحصل لهم. قيل: إن أول راية ترفع لأهل الموقف من ~~رايات الكفار راية اليهود تفضحهم على رؤوس الأشهاد ثم يؤمر بهم إلى النار ~~{ وهم لا يظلمون } أي لا ينقص من حسناتهم إن كانت لهم حسنة ولا يزاد على ~~سيئاتهم. قوله عز وجل: { قل اللهم مالك الملك } قال قتادة: ذكر لنا أن ~~نبي الله صلى الله ms0420 عليه وسلم دعا ربه عز وجل أن يجعل ملك فارس والروم في ~~أمته فأنزل الله هذه الآية. وقال ابن عباس: لما فتح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مكة وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات ~~هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم وهم أعز وأمنع من ذلك ألم يكف محمدا ~~مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. ~~وقيل: إن اليهود قالوا: والله لا نطيع رجلا جاء ينقل النبوة من بني ~~إسرائيل إلى غيرهم فنزلت هذه الآية { قل اللهم } معناه يا الله لما حذف ~~حرف النداء زيد الميم في آخره. وقيل: إن الميم فيه معنى آخر وهو يا الله ~~أمنا بخير أي اقصدنا مالك الملك أي مالك العباد وما ملكوا. وقيل: مالك ~~السموات والأرض، وقيل معناه بيده الملك يؤتيه من يشاء وقيل: معناه مالك ~~الملوك ووارثهم يوم لا يدعي الملك أحد غيره. وفي بعض كتب الله المنزلة ~~أنا الله ملك الملوك ومالك الملك قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد ~~أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا ~~بسبب الملوك ولكن توبوا إلى أعطفهم عليكم. وقيل: الملك هو القدرة والمالك ~~هو القادر. والمعنى أنه تعالى قادر على كل شيء، وملك على كل مالك، ومملوك ~~وقادر ومقدور. وقيل: معناه مالك الملك أي جنس الملك يتصرف فيه كيف يشاء { ~~تؤتي الملك من تشاء } يعني النبوة لأنها أعظم مراتب الملك، وذلك لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم له الأمر على بواطن الخلق وظواهرهم، والملك ليس ~~له الأمر إلا على ظواهر بعض الخلق وهو من يطيعه منهم وطاعة النبي واجبه ~~على الكافة { وتنزع الملك ممن تشاء } يعني بذلك نزع النبوة من بني ~~إسرائيل وإيتاءها محمدا صلى الله عليه وسلم فإنه لا نبي بعده ولم يشركه ~~في نبوته ورسالته أحد، وقيل: تؤتي الملك من تشاء يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وتنزع اللمك ممن تشاء، يعني من أبي جهل وصناديد قريش وقيل تؤتي ~~الملك ms0421 من تشاء يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتنزع الملك ممن تشاء، ~~يعني فارس والروم. # وقيل: تؤتي الملك من تشاء يعني آدم وذريته وتنزع الملك ممن تشاء يعني ~~إبليس وجنوده الذين كانوا في الأرض قبل آدم. { وتعز من تشاء } يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة { وتذل من تشاء } يعني ~~اليهود بأخذ الجزية منهم ونزع النبوة عنهم، وقيل: تعز المهاجرين ~~والأنصار، وتذل فارس والروم، وقيل: تعز من تشاء يعني محمدا وأصحابه ~~دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين عليها، وتذل من تشاء يعني أبا جهل وأضرابه ~~حين قتلوا وألقوا في قليب بدر يوم بدر، وقيل: تعز من تشاء بالطاعة وتذل ~~من تشاء بالمعصية، وقيل: تعز من تشاء بالغنى وتذل من تشاء بالفقر، وقيل: ~~تعز من تشاء بالقناعة والرضا، وتذل من تشاء بالحرص والطمع { بيدك الخير } ~~يعني النصر والغنيمة. وقيل: الألف واللام تفيد العموم والمعنى بيدك كل ~~الخيرات. فإن قلت: كيف قال بيدك الخير دون الشر. قلت: لأن الكلام إنما ~~وقع في الخير الذي يسوقه الله تعالى إلى عباده المؤمنين وهو الذي أنكرته ~~اليهود والمنافقون فقال: بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم أعدائك. وقيل: ~~إن قوله بيدك الخير لا ينافي أن يكون بيد غيره، فيكون المعنى بيدك الخير ~~وبيدك ما سواه إلا أنه خص الخير بالذكر لأنه المنتفع به والمرغوب فيه. { ~~إنك على كل شيء قدير } يعني من إيتاء الملك من تشاء، وإعزازا من تشاء ~~وإذلال من تشاء. ### || [3.27] # قوله تعالى: { تولج الليل في النهار } الآية. لما ذكر الله تعالى أنه ~~مالك الملك أردفه بذكر قدرته الباهرة في حال الليل والنهار، وفي المعاقبة ~~بينهما وحال إخراج الحي من الميت ثم عطف عليه أنه يرزق من يشاء بغير ~~حساب، وفي ذلك دلالة على أن قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة لذوي ~~الأفهام والعقول، فهو قادر أن ينزع الملك من فارس والروم واليهود ويذلهم ~~ويؤتيه العرب ويعزهم فقوله تعالى: { تولج الليل في النهار } يعني تدخل ~~الليل في النهار وهو أن تجعل الليل ms0422 قصيرا وما نقص منه زائدا في النهار ~~حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة ذلك غاية طول النهار، ويكون الليل تسع ~~ساعات وذلك غاية قصر الليل، { وتولج النهار في الليل } حتى يكون الليل ~~خمس عشرة ساعة وذلك غاية طوله، ويكون النهار تسع ساعات وذلك غاية قصره، ~~وقيل: المراد أنه تعالى يأتي بسواد الليل عقيب ضوء النهار، ويأتي بضوء ~~النهار بعد ظلمة الليل والقول الأول أصح وأقرب إلى معنى الآية لأنه إذا ~~نقص الليل كان ذلك القدر زيادة في النهار وبالعكس وهو معنى الولوج. { ~~وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي } وهو أنه تعالى يخرج الإنسان ~~الحي من النطفة وهي ميتة، ويخرج النطفة من الإنسان ويخرج الفرخ وهو حي من ~~البيضة وهي ميتة وبالعكس، وكذلك سائر الحيوان. وقيل: يخرج النبات الغض ~~الأخضر من الحب اليابس، ويخرج النخلة من النواة وبالعكس. وقيل: معناه أنه ~~تعالى يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن لأن المؤمن حي الفؤاد، ~~والكافر ميته { وترزق من تشاء بغير حساب } يعني من غير تضييق ولا تقتير، ~~بل تبسط الرزق لمن تشاء وتوسعه عليه. قوله عز وجل: # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين # [آل عمران: 28] قال ابن عباس: كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس ~~بن زيد يبطنون بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر ~~وعبدالله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود لا ~~يفتنونكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. وقيل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره ممن كان يظهر المودة لكفار ~~مكة. وقيل: نزلت في عبدالله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون المشركون ~~واليهود ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية ونهى المؤمنين عن مثل ذلك. ~~وقيل: إن عبادة بن الصامت كان له حلفاء من اليهود فقال يوم الأحزاب: يا ~~رسول الله إن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن أستظهر ms0423 بهم على العدو ~~فنزلت هذه الآية. ### || [3.28] # وقوله: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء } يعني أنصارا وأعوانا من ~~دون المؤمنين يعني من غير المؤمنين، والمعنى لا يجعل المؤمن ولايته لمن ~~هو غير مؤمن نهى الله المؤمنين أن يوالوا الكفار أو يلاطفوهم لقرابة ~~بينهم أو محبة أو معاشرة، والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم وأصل ~~من أصول الإيمان { ومن يفعل ذلك } يعني موالاة الكفار من نقل الأخبار ~~إليهم وإظهار عورة المسلمين أو يودهم ويحبهم { فليس من الله في شيء } أي ~~فليس من دين الله في شيء. وقيل: معناه فليس من ولاية الله في شيء وهذا ~~أمر معقول من أن ولاية المولى معاداة أعدائه وموالاة الله وموالاة الكفار ~~ضدان لا يجتمعان { إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي إلا أن تخافوا منهم ~~مخافة. ومعنى الآية أن الله نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ~~ومباطنتهم إلا أن تخافوا منهم مخافة. ومعنى الآية أن الله نهى المؤمنين ~~عن موالاة الكافرين ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ~~ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفارا فيداهنهم بلسانه وقلبه مطمئن ~~بالإيمان دفعا عن نفسه من غير أن يستحل دما حراما أو مالا حراما أو ~~غير ذلك من المحرمات، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين، والتقية لا تكون ~~إلا مع خوف القتل مع سلامة النية قال الله تعالى: # إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان # [النحل: 106] ثم هذه التقية رخصة فلو صبر على إظهار إيمانه حتى قتل كان ~~له بذلك أجر عظيم، وأنكر قوم التقية اليوم قالوا: إنما كانت التقية في ~~جدة الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، فأما اليوم فقد أعز الله ~~الإسلام والمسلمين فليس لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم. قال يحيى ~~البكاء: قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج: إن الحسن يقول: التقية ~~باللسان والقلب مطمئن بالإيمان فقال سعيد: ليس في الأمان تقية إنما ~~التقية في الحرب. وقيل: إنما تجوز التقية لصون النفس عن الضرر لأن دفع ~~الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان { ويحذركم الله ms0424 نفسه } أي ويخوفكم الله ~~أن تعصوه بأن ترتكبوا المنهي أو تخالفوا المأمور به أو توالوا الكفار ~~فتستحقوا عقابه على ذلك كله. { وإلى الله المصير } يعني أن الله يحذركم ~~عقابه إذا صرتم إليه في الآخرة. ### || [3.29-30] # قوله عز وجل: { قل إن تخفوا ما في صدوركم } يعني ما في قلوبكم من موالاة ~~الكفار ومودتهم وإنما ذكر الصدر لأنه وعاء القلب { أو تبدوه } يعني تبدوا ~~مودة الكفار قولا وفعلا وقيل معناه إن تخفوا ما في قلوبكم من تكذيب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تبدوه أي تظهروه بالحرب والمقاتلة له { ~~يعلمه الله } أي يحفظه عليكم ويجازيكم به، { ويعلم ما في السموات والأرض ~~} يعني أنه تعالى إذا كان لا يخفى عليه شيء في السموات ولا في الأرض فكيف ~~يخفى عليه حالكم وموالاتكم الكفار وميلكم إليهم بقلوبكم { والله على كل ~~شيء قدير، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } يعني تجد كل نفس جزاء ~~ما عملت محضرا ما عملت محضرا يوم القيامة لم ينقص ولم يبخس منه شيء، { ~~وما عملت من سوء } أي تجد ما عملت من الخير محضرا فتسر به وما عملت من ~~سوء { تود } أي تتمنى { لو أن بينها وبينه } أي وبين ما عملت من السوء { ~~أمدا بعيدا } أي مكانا بعيدا قيل: كما بين المشرق والمغرب والأمد ~~الأجل والغاية، وقيل معناه تود أنها لم تعمله ويكون بينها وبينه أمد بعيد ~~{ ويحذركم الله نفسه } إنما كرره لتأكيد الوعيد { والله رؤوف بالعباد } ~~قيل: معناه أنه رؤوف بهم حيث حذرهم نفسه وعرفهم كمال قدرته وعلمه، وأنه ~~يمهل ولا يهمل. وقيل: معناه أنه رؤوف بالعباد حيث أمهلهم للتوبة ولتدارك ~~العمل الصالح. وقيل: إنه تعالى لما قال: ويحذركم الله نفسه وهو وعيد ~~أتبعه بقوله والله رؤوف بالعباد، وهو وعد ليعلم العبد المؤمن أن رحمته ~~ووعده غلبت وعيده وسخطه. ### || [3.31-32] # قوله عز وجل: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } نزلت في ~~اليهود والنصارى حيث قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه فنزلت هذه الآية، ~~فعرضها رسول ms0425 الله صلى الله عليه وسلم عليهم فلم يقبلوها. وقال ابن عباس: ~~وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش وهم في المسجد الحرام وقد ~~نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانهم الشنوف وهم ~~يسجدون لها فقال: يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم ~~وإسماعيل فقالت قريش: إنما نعبدها حبا لله لتقربنا إلى الله زلفى فنزلت ~~هذه الآية. وقيل: إن نصارى نجران قالوا: إنما نقول هذا القول في عيسى ~~حبا لله وتعظيما له فأنزل الله # قل إن كنتم تحبون الله # [آل عمران: 31] فيما تزعمون فاتبعوني يحببكم الله لأنه قد ثبتت نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم بالدلائل الظاهرة والمعجزات الباهرة فوجب على ~~كافة الخلق متابعته. والمعنى قل: إن كنتم صادقين في إدعاء محبة الله ~~فكونوا منقادين لأوامره مطيعين له فاتبعوني، فإن اتباعي من محبة الله ~~تعالى وطاعته. وقال العلماء: إن محبة العبد لله عبارة عن إعظامه وإجلاله ~~وإيثار طاعته واتباع أمره ومجانبة نهيه، ومحبة الله للعبد ثناؤه عليه ~~ورضاه عنه وثوابه له وعفوه عنه فذلك قوله تعالى: { ويغفر لكم ذنوبكم } ~~يعني أن من غفر له فقد أزال عنه العذاب { والله غفور رحيم } يعني أنه ~~تعالى يغفر ذنوب من أحبه ويرحمه بفضله وكرمه، ولما نزلت هذه الآية قال ~~عبدالله بن أبي سلول رأس المنافقين لأصحابه: إن محمدا يجعل طاعته كطاعة ~~الله ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى ابن مريم فأنزل الله عز وجل: ~~{ قل أطيعوا الله والرسول } يعني أن طاعة الله متعلقة بطاعة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإن طاعته لا تتم مع عصيان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه: كل أمر أو نهي ثبت عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جرى ذلك في الفريضة واللزوم مجرى ما أمر الله به في ~~كتابه أو نهى عنه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: فإن طاعتكم لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم طاعتكم لي، فأما أن تطيعوني وتعصوا محمدا فلن أقبل ms0426 ~~منكم. { فإن تولوا } أي أعرضوا عن طاعة الله ورسوله { فإن الله لا يحب ~~الكافرين } أي لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم. خ عن أبي هريرة رضي الله ~~تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا: ومن يأبى؟ قال: من أطاعني ~~دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى " # ق عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد ~~أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني ". ### || [3.33-35] # قوله عز وجل: { إن الله اصطفى آدم نوحا } قال ابن عباس: قالت اليهود: ~~نحن من أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونحن على دينهم فأنزل الله هذه ~~الآية. والمعنى أن الله اصطفى هؤلاء بالإسلام وأنتم يا معشر اليهود على ~~غير دين الإسلام. ومعنى اصطفى اختار من الصفوة وهي الخالص من كل شيء آدم ~~هو أبو البشر عليه السلام ونوحا هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو ~~إدريس عليه السلام. وحكى ابن الجوزي في تفسيره عن أبي سليمان الدمشقي أن ~~اسم نوح السكن وإنما سمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه { وآل إبراهيم } قيل: ~~آراد بآل إبراهيم إبراهيم نفسه، وقيل آل إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~وذلك أن الله تعالى جعل إبراهيم أصلا لشعبتين فجعل إسماعيل بن إبراهيم ~~عليهما السلام أصلا للعرب ومحمد صلى الله عليه وسلم منهم فهو داخل في ~~هذا الاصطفاء، وجعل إسحاق أصلا لبني إسرائيل، وجعل فيهم النبوة والملك ~~إلى زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثم جمع له ولأمته النبوة والملك ~~إلى يوم القيامة. وقيل: أراد بآل إبراهيم من كان على دينه { وآل عمران } ~~واختلفوا في عمران هذا فقيل: هو عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب ~~وهو والد موسى وهارون فيكون آل عمران موسى وهارون أو نفسه، وقيل: هو ~~عمران بن آشيم بن آمون وقيل: ابن ماتان وهو من ولد سليمان بن داود عليهما ~~السلام وعمران هذا هو ms0427 والد مريم وابنها عيسى فعلى هذا يكون المراد بآل ~~عمران مريم وابنها عيسى عليه السلام، وإنما خص هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء ~~والرسل من نسلهم { على العالمين } أي اختارهم واصطفاهم على العالمين بما ~~خصهم من النبوة والرسالة { ذرية } أي اصطفى ذرية وأصلها من ذرأ بمعنى خلق ~~وقيل: من الذر لأن الله تعالى استخرجهم من ظهر آدم كالذر وإنما سمي ~~الآباء والأبناء ذرية لآن الله خلق بعضهم من بعض، فالأبناء من ذرية ~~الآباء والآباء من ذرية آدم وهو ممن ذرأه الله تعالى أي خلقه { بعضها من ~~بعض } أي بعضها من ولد بعض وقيل: بعضها من بعض في التناصر والتعاضد وقيل: ~~بعضها على دين بعض { والله سميع عليم } يعني أن الله تعالى سميع لأقوال ~~العباد عليم بنياتهم وإنما يصطفى لنبوته ورسالته من يعلم استقامته قولا ~~وفعلا. قوله عز وجل: { إذ قالت امرأة عمران } هي حنة بنت فاقوذا أم مريم ~~وعمران هو عمران بن ماثان وقيل: ابن أشيم وليس بعمران أبي موسى لأن ~~بينهما ألفا وثمانمائة سنة، وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل في ذلك ~~الزمن وأحبارهم وملوكهم { رب إني نذرت لك ما في بطني محررا } أي جعلت ~~الحمل الذي في بطني نذرا محررا مني لك، والنذر ما يوجبه الإنسان على ~~نفسه، والمعنى محررا أي عتيقا خالصا مفرغا لعبادة الله وخدمة الكنيسة ~~لا أشغله بشيء من أمور الدنيا. # قيل: كان المحرر عندهم إذا حرر جعل في الكنيسة فيقوم عليها ويخدمها ولا ~~يبرح مقيما فيها حتى يبلغ الحلم ثم يخير فإن أحب أقام فيها، وإن أحب ذهب ~~حيث يشاء، فإن اختار الخروج بعد أن اختار الإقامة في الكنيسة لم يكن له ~~ذلك، ولم يكن أحد من أنبياء بني إسرائيل ومن علمائهم إلا ومن أولاده محرر ~~لخدمة بيت المقدس، ولم يكن يحرر إلا الغلمان ولا تصلح الجارية لخدمة بيت ~~المقدس لما يصيبها من الحيض والأذى فحررت أم مريم ما في بطنها، وكانت ~~القصة في ذلك على ما ذكره أصحاب السير والأخبار أن زكريا وعمران تزوجا ~~أختين ms0428 فكانت إيشاع بنت فاقوذا وهي أم يحيى عند زكريا، وكانت حنة بنت ~~فاقوذا أخت إيشاع عند عمران وهي أم مريم، وكان قد أمسك عن حنة الولد حتى ~~أيست وكبرت وكانوا أهل بيت صالحين وهم من الله بمكان، فبينما هي في ظل ~~شجرة إذ بصرت بطائر يطعم فرخا فتحركت نفسها بذلك للولد، فدعت الله أن ~~يهب لها ولدا وقالت: اللهم لك علي إن رزقتني ولدا أن أتصدق به على بيت ~~المقدس، فيكون من سدنته وخدمه فلما حملت بمريم حررت ما في بطنها ولم تعلم ~~ما هو فقال لها زوجها: ويحك ما صنعت أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى فلا ~~تصلح لذلك فوقعا جميعا في هم شديد من أجل ذلك. فمات عمران قبل أن تضع ~~حنة حملها ثم قال تعالى حاكيا عنها { فتقبل مني } يعني فتقبل نذري، ~~والتقبل أخذ الشيء على الرضا وأصله من المقابلة لأنه يقابل بالجزاء وهذا ~~سؤال من لا يريد بما فعله إلا الطلب لرضا الله تعالى والإخلاص في دعائه ~~وعبادته { إنك أنت السميع } يعني لتضرعي ودعائي { العليم } يعني بنيتي ~~وما في ضميري. ### || [3.36] # قوله عز وجل: { فلما وضعتها } أي ولدت حملها وإنما قال: وضعتها لأنه كان ~~في علم الله أنها جارية وكانت حنة ترجو أن يكون غلاما { قالت } يعني حنة ~~{ رب إني وضعتها أنثى } تريد بذلك اعتذار إلى الله من إطلاقها النذر ~~المتقدم فذكرت ذلك على سبيل الاعتذار لا على سبيل الإعلام، لأن الله ~~تعالى عالم بما في بطنها قبل أن تضعه { والله أعلم بما وضعت } قرئ بجزم ~~التاء إخبارا عن الله تعالى والمعنى أنه تعالى قال: والله أعلم بالشيء ~~الذي وضعت. وقرئ وضعت برفع التاء وهو من كلام أم مريم على تقدير أنها لما ~~قالت رب: إني وضعتها أنثى خافت أن تكون أخبرت الله بذلك فأزالت هذه ~~الشبهة بقولها والله أعلم بما وضعت { وليس الذكر كالأنثى } يعني في خدمة ~~الكنيسة والعباد الذين فيها، وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره وليس الأنثى ~~كالذكر، والمراد منه تفضيل الذكر على ms0429 الأنثى لأن الذكر يصلح للخدمة ~~للكنيسة ولا تصلح الأنثى لذلك لضعفها، وما يحصل لها من الحيض لأنها عورة ~~ولا يجوز لها الحضور مع الرجال. وقيل: في معنى الآية: إن المراد منها هو ~~تفضيل هذه الأنثى على الذكر كأنها قالت: كان الذكر مطلوبي لخدمة المسجد ~~وهذه الأنثى هي موهوبة لله تعالى، وليس الذكر التي طلبت كالأنثى التي هي ~~موهبة لله تعالى وكانت مريم من أجمل النساء وأفضلهن في وقتها { وإني ~~سميتها مريم } يعني العابدة والخادمة وهو بلغتهم أرادت بهذه التسمية أن ~~يفضلها الله على إناث الدنيا { وإني أعيذها بك وذريتها } أي أمنعها ~~وأجيرها بك وذريتها { من الشيطان الرجيم } يعني اللعين الطريد وذلك أن ~~حنة أم مريم لما فاتها ما كانت تطلب من أن يكون ولدها ذكرا، فإذا هي ~~أنثى تضرعت إلى الله تعالى أن يحفظها ويعصمها من الشيطان الرجيم، وأن ~~يجعلها من الصالحات العابدات. ق عن أبي هريرة قال: سمعت الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " ما من بني آدم من مولود إلا نخسه الشيطان حتى يولد فيستهل صارخا من ~~نخسه إياه إلا مريم وابنها " # ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم { وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان ~~الرجيم }. وللبخاري عنه قال: كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعيه ~~حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب ليطعن فطعن في الحجاب. ### || [3.37] # قوله عز وجل: { فتقبلها ربها بقبول حسن } يعني أن الله تعالى تقبل مريم ~~من حنة مكان الذكر المحرر بمعنى قبل ورضي. قال الزجاج: الأصل في العربية ~~تقبلها بتقبل ولكن قبول محمول على قبلها قبولا كما يقال: قبلت الشيء ~~قبولا إذا رضيته. وقال أبو عمر: ليس في المصادر فعول بفتح الفاء إلا ~~هذا ولم أسمع فيه الضم. قيل معنى التقبل والقبول واحد وهما سواء وهو أن ~~يرى الشيء ويأخذه. وقيل معنى التكفل في التربية والقيام بشأنها، وإنما ~~قال بقبول للجمع بني الأمرين يعني التقبل الذي بمعنى التكفل والقبول الذي ~~بمعنى الرضا { وأنبتها نباتا حسنا } معناه وأنبتها فنبتت هي نباتا ~~حسنا ms0430 قال ابن عباس في قوله تعالى: { فتقبلها ربها بقبول حسن } أي سلك ~~بها طريق السعداء: { وأنبتها نباتا حسنا } يعني سوى خلقها من غير زيادة ~~ولا نقصان، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام { وكفلها زكريا } ~~قال أهل الأخبار: لما ولدت حنة مريم أخذتها فلفتها في خرقة وحملتها إلى ~~المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم يؤمئذ يلون من بيت المقدس ما ~~تلي الحجبة من الكعبة، وقالت: دونكم النذيرة فتنافس فيها الأحبار لأنها ~~بنت إمامهم وصاحب قربانهم قال زكريا: أنا أحق بها لأن خالتها عندي فقالت ~~له الأحبار لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها التي ولدتها ولكنا نفترع ~~عليها فتكون عند من خرج سهمه بها، فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين رجلا إلى ~~نهر جار قيل: هو الأردن فألقوا أقلامهم في الماء على أن من ثبت قلمه في ~~الماء وصعد فهو أولى بها من غيره وكان على كل قلم مكتوب اسم واحد منهم ~~وقيل بل كانوا يكتبون التوراة فالقوا أقلامهم التي كانت بأيديهم فارتفع ~~قلم زكريا فوق الماء ووقف وانحدرت أقلامهم ثم رسبت في النهر. وقيل جري ~~قلم زكريا مصعدا إلى أعلى وجرت أقلامهم مع جري الماء إلى أسفل فسهمهم ~~زكريا وقرعهم، وكان زكريا رأس الأحبار ونبهم فذلك قوله تعالى: وكفلها ~~زكريا قرئ بتشديد الفاء ومعناه وضمنها الله زكريا وضمها إليه بالقرعة. ~~وقرئ بتخفيف الفاء ومعناه ضمها زكريا إلى نفسه بالقرعة وقام بأمرها وهو ~~زكريا بن أذن بن مسلم بن صدوق من أولاد سليمان بن داود عليهما السلام، ~~فلما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها بيتا واسترضع لها المراضع وقيل: ~~ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بني لها محرابا ~~في المسجد وجعل بابه في وسطه ولا يرقى إليه إلا بسلم ولا يصعد إليها ~~غيره. وكان يأتيها بطعامها وشرابها كل يوم فذلك قوله تعالى: { كلما دخل ~~عليها زكريا المحراب } يعني الغرفة والمحراب أشرف المجالس ومقدمها، وكذلك ~~هو من المسجد وقيل: المحراب ما يرقى إليه بدرج. ms0431 # وقيل كان زكريا يغلق عليها سبعة أبواب فإذا دخل عليها المحراب { وجد ~~عندها رزقا } يعني فاكهة في غير وقتها فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في ~~الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء { قال } يعني زكريا { يا مريم أنى لك هذا } ~~أي من أين لك هذه الفاكهة { قالت } يعني مريم مجيبة لزكريا { هو من عند ~~الله } يعني من الجنة. وقيل: إن مريم من حين ولدت لم تلقم ثديا بل كان ~~يأتيها رزقها من الجنة فيقول زكريا: يا مريم أنى لك هذا فتقول هو من عند ~~الله تكلمت وهي صغيرة في المهد كما تكلم ولدها عيسى عليه السلام وهو صغير ~~في المهد. وقال محمد بن إسحاق: أصابت بني إسرائيل أزمة وهي على ذلك من ~~حالها حتى ضعف زكريا عن حملها وكفالتها فخرج على بني إسرائيل فقال: يا ~~بني إسرائيل تعلمون والله لقد كبرت سني وضعفت عن حمل بنت عمران فأيكم ~~يكفلها بعدي: فقالوا: والله لقد جهدنا وأصابنا من السنة ما ترى فتدافعوها ~~بينهم ثم لم يجدوا من حملها بدا فتقارعوا عليها بالأقلام فخرج السهم ~~لرجل نجار يقال له يوسف بن يعقوب وكان ابن عم لمريم فحملها فعرفت مريم في ~~وجهه شدة ذلك عليه. فقالت: يا يوسف أحسن بالله الظن فإن الله سيرزقنا، ~~فصار يوسف يرزق لمكانها منه فكان يأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها إذا ~~أدخله عليها في المحراب أنماه الله وزاده فيدخل زكريا عليها فيقول: يا ~~مريم أنى لك هذا فتقول: هو من عند الله { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ~~} وهذا يحتمل أن يكون من تمام كلام مريم أو ابتداء كلام من الله عز وجل ~~ومعناه أن الله تعالى يرزق من يشاء بغير تقدير لكثرته أو من غير سبب، وفي ~~هذه الآية دليل على جواز كرامات الأولياء وظهور خوارق العادات على أيديهم ~~قال أهل الأخبار: فلما رأى زكريا ذلك قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم ~~بالفاكهة في غير وقتها وحينها في غير سبب لقادر أن يصلح زوجي ويهب ms0432 لي ~~ولدا في غير حينه مع الكبر وطمع في الولد. وذلك أن أهل بيته كانوا قد ~~انقرضوا، وكان زكريا قد كبر وشاخ وأيس من الولد. ### || [3.38] # قوله عز وجل: { هنالك دعا زكريا ربه } يعني أنه عليه السلام دخل محرابه ~~وأغلق الأبواب وسأل ربه الولد { قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة } يعني ~~أنه قال: يا رب أعطني من عندك ولدا مباركا تقيا صالحا رضيا والذرية ~~تطلق على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد هنا الواحد وإنما قال ~~طيبة لتأنيث لفظ الذرية { إنك سميع الدعاء } أي سامعه ومجيبه. ### || [3.39] # قوله عز وجل: { فنادته الملائكة } يعني جبريل عليه السلام، وإنما أخبر ~~عنه بلفظ الجمع تعظيما لشأنه ولأنه رئيس الملائكة، وقل أن يبعث إلا ~~ومعه جمع من الملائكة فجرى ذلك على مجرى العادة { وهو قائم يصلي في ~~المحراب } أي في المسجد وذلك أن زكريا عليه السلام كان الخبر الكبير الذي ~~يقرب القربان ويفتح لهم الباب فلا يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول، فبينما ~~هو قائم يصلي في محرابه عند المذبح والناس ينتظرون أن يأذن في الدخول إذا ~~هو برجل شاب عليه ثياب بيض ففزع زكريا منه فناداه جبريل عليه السلام يا ~~زكريا { إن الله يبشرك بيحيى } أي بولد اسمه يحيى قال ابن عباس: سمي يحيى ~~لأن الله تعالى أحيا به عقر أمه وقيل: لأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان ~~وقيل لأن الله تعالى أحياه بالطاعة حتى لم يهم بمعصية قط { مصدقا بكلمة ~~من الله } يعني عيسى ابن مريم وإنما سمي عيسى عليه السلام كلمة لأن الله ~~تعالى قال له: كن فكان من غير أب دلالة على كمال القدرة فوقع عليه اسم ~~الكلمة لأنه بها كان. وقيل سمي كلمة لأن عيسى عليه السلام كان يرشد الخلق ~~إلى الحقائق والأسرار ويهتدى به كما يهتدى بكلام الله تعالى فسمي كلمة ~~بهذا الاعتبار. وقيل سمي كلمة لأن الله تعالى بشر به مريم على لسان جبريل ~~عليه السلام: وقيل لأن الله أخبر الأنبياء الذين قبله في كتبه المنزلة ms0433 ~~عليهم أنه يخلق نبيا من غير واسطة أب، فلما جاء قيل: هذا هو تلك الكلمة ~~يعني الوعد الذي وعد أنه يخلقه كذلك. وكان يحيى أول من آمن بعيسى وصدقه، ~~وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر وكانا ابني خالة وقتل يحيى قيل أن يرفع ~~عيسى عليه السلام. وقيل: إن أم يحيى لقيت أم عيسى وهما حاملتان فقالت أم ~~يحيى لأم عيسى: يا مريم أشعرت أني حامل فقالت مريم: وأنا أيضا حامل ~~فقالت أم يحيى: يا مريم إني لأجد ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله: ~~مصدقا بكلمة من الله يعني أن يحيى آمن بعيسى وصدق به { وسيدا } من ساد ~~يسود. والسيد هو الرئيس الذي يتبع وينتهي إلى قوله. وكان يحيى عليه ~~السلام سيد المؤمنين ورئيسهم في الدين والعلم والحلم. وقيل: السيد هو ~~الحسن الخلق وقيل: هو الذي يطيع ربه وقيل: هو الفقيه العالم وقيل: سيدا ~~في العلم والعبادة والورع وقال السيد هو الحليم الذي لا يغضبه شيء وقيل: ~~السيد هو الذي يفوق في جميع خصال الخير. وقيل: هو السخي قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " من سيدكم يا بني سلمة؟ قالوا: جد بن قيس على أنا نبخله قال وأي داء ~~أدوأ من البخل لكن سيدكم عمرو بن الجموح " # { وحصورا } قال ابن عباس وغيره من المفسرين: الحصور الذي لا يأتي ~~النساء ولا يقربهن فعلى هذا هو فعول بمعنى فاعل يعني أنه حصر نفسه عن ~~الشهوات وأصله من الحصر وهو الحبس: وقيل: هو العنين وقيل هو الفقير الذي ~~لا مال له فيكون الحصور بمعنى المحصور يعني الممنوع من النساء. قال سعيد ~~بن المسيب: كان له مثل هدبة الثوب وقد تزوج مع ذلك ليغض بصره وفيه قول ~~آخر: وهو أن الحصور هو الممتنع عن الوطء مع القدرة عليه، وإنما تركه ~~للعفة والزهد فيه وهذا القول هو الصحيح وهو قول جماعة من المحققين وهو ~~أليق بمنصب الأنبياء لأن الكلام إنما خرج مخرج المدح والثناء وذكر صفة ~~النقص في معرض المدح لا ms0434 يجوز، وأيضا فإن منصب النبوة يجل من أن يضاف إلى ~~أحد منهم نقص أو آفة، فحمل الكلام على منع النفس من الوطء مع القدرة عليه ~~أولى من حمله على ترك الوطء مع العجز عنه { ونبيا من الصالحين } يعني ~~أنه من أولاد الأنبياء الصالحين. ### || [3.40] # قوله عز وجل: { قال } يعني زكريا { رب } أي يا رب قيل خطاب مع جبريل لأن ~~الآية المتقدمة دلت على أن الذين نادوهم الملائكة فعلى هذا القول يكون ~~الرب هنا بمعنى السيد والمربي أي يا سيدي، وقيل: إنه خطاب مع الله تعالى ~~فيكون الرب بمعنى المالك، وذلك أن الملائكة لما بشروه بالولد تعجب ورجع ~~في إزالة ذلك التعجب إلى الله تعالى فقال رب { أنى يكون لي غلام } يعني ~~من أين يكون وكيف يكون لي غلام { وقد بلغني الكبر } قيل: هو من المقلوب ~~ومعناه وقد بلغت الكبر وشخت. وقيل: معناه وقد نالني الكبر وأدركني الضعف. ~~فإن قلت كيف أنكر زكريا الولد مع تبشير الملائكة إياه به وما معنى هذه ~~المراجعة، ولم تعجب من ذلك بعد ذلك وعد الله إياه به أكان شاكا في وعد ~~الله أو قدرته؟ قلت: لم يشك زكريا عليه السلام في وعد الله وقدرته إنما ~~قال ذلك على سبيل الاستفهام والاستعلام والمعنى من أي جهه يكون لي الولد ~~أيكون بإزالة العقر عن زوجتي ورد شبابي علي؟ أو يكون ونحن على حالنا من ~~الكبر والضعف؟ فأجابه بقوله { كذلك الله يفعل ما يشاء } وقال عكرمة ~~والسدي: لما سمع زكريا نداء الملائكة جاءه الشيطان وقال: يا زكريا إن ~~الصوت الذي سمعت ليس هو من الله تعالى، وإنما هو من الشيطان، ولو كان من ~~الله تعالى لأوحاه إليك كما يوحي إليك من سائر الأمور: فقال ذلك زكريا ~~دفعا للوسوسة واعترض على الجواب بأنه لا يجوز أن يشتبه على الأنبياء ~~كلام الملائكة بكلام الشيطان، إذ لو جوزنا ذلك لارتفع الوثوق بأخبارهم عن ~~الوحي السماوي، وأجيب عن هذا الاعتراض بأنه لما دلت الدلائل على صدق ~~الأنبياء فيم يخبرون به عن الله ms0435 تعالى بواسطة الملك، فلا مدخل للشيطان ~~فيه وذلك فيما يتعلق بالدين والشرائع، فأما ما يتعلق بمصالح الدنيا ~~وبالولد فقد يحتمل فيه حصول الوسوسة فسأل زكريا ذلك لنزول هذه الوسوسة من ~~خاطره. قال الكلبي: كان زكريا يوم بشر بالولد ابن اثنين وتسعين سنة. ~~وقيل: ابن تسع وتسعين سنة وقال ابن عباس في رواية الضحاك: كان ابن مائة ~~وعشرين سنة وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة. فذلك قوله تعالى: { ~~وامرأتي عاقر } أي عقيم لا تلد { قال كذلك الله يفعل ما يشاء } يعني أنه ~~تعالى قادر على هبة الولد على الكبر يفعل ما يشاء لا يعجزه شيء. ### || [3.41-42] # قوله عز وجل: { قال } يعني زكريا يا { رب اجعل لي آية } أي علامة أعلم ~~بها وقت حمل امرأتي فأزيد في العبادة والشكر لك { قال آيتك } أي علامتك ~~على الذي طلبت معرفة علمه { أن لا تكلم الناس } أي لا تقدر على تكليم ~~الناس { ثلاثة أيام } أي مدة ثلاثة أيام بلياليها. قال جمهور المفسرين: ~~عقد لسانه عن تكليم الناس ثلاثة أيام مع إبقائه على قدرة التسبيح والذكر ~~ولذلك قال في آخر الآية { واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار } يعني ~~في أيام منعك من تكليم الناس وهذه من الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة ~~لأن قدرته على التسبيح والذكر مع عجزه عن تكليم الناس بأمور الدنيا. وذلك ~~مع صحة الجسم وسلامة الجوارح من أعظم المعجزات، وإنما منع من الكلام مع ~~الناس ليخلص في هذه الأيام لعبادة الله تعالى وذكره ولا يشغل لسانه بشيء ~~آخر توقيرا منه على قضاء حق هذه النعمة الجسيمة وشكرا لله على إجابته ~~فيما طلب الآية من أجله، وأن يكون ذلك دليلا على وجود الحمل ليتم سروره ~~بذلك وقال قتادة: إنما أمسك لسانه عن الكلام عقوبة لسؤاله الآية بعد ~~مشافهة الملائكة إياه ببشارة الولد فلم يقدر على الكلام { ثلاثة أيام ~~إلا رمزا } يعني الإشارة والإشارة قد تكون باليد وبالعين وبالإيماء ~~بالرأس وكانت إشارته بالأصبع المسبحة. وقيل: الرمز قد يكون باللسان من ~~غير تبين كلام وهو الصوت الخفي ms0436 شبه الهمس وقيل: أراد به صوم ثلاثة أيام ~~لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا والقول الأول أصح لموافقة أهل اللغة ~~عليه { واذكر ربك كثيرا } وذلك لما منعه الله من الكلام في تلك المدة ~~أمره بالذكر فقال: واذكر ربك كثيرا فإنك لا تمنع من ذلك ولا يحال بينك ~~وبينه { وسبح } أي وعظم ربك ونزهه عن النقائص وقيل: وصل لربك وسميت ~~الصلاة تسبيحا لأن فيها تنزيها للرب سبحانه وتعالى { بالعشي والإبكار } ~~فأما العشي فهو ما بين زوال الشمس إلى غروبها، ومنه سميت صلاتا الظهر ~~والعصر صلاتي العشي والإبكار هو ما بين طلوع الفجر إلى الضحى. قوله عز ~~وجل: { وإذ قالت الملائكة } يعني جبريل عليه السلام { يا مريم إن الله ~~اصطفاك } أي واختارك { وطهرك } يعني من مسيس الرجال. وقيل: الحيض ~~والنفاس. وكانت مريم لا تحيض وقيل: من الذنوب { واصطفاك } أي واختارك { ~~على نساء العالمين } أي على عالمي زمانها وقيل: على جميع نساء العالمين. ~~فإن قلت هل فرق بين الاصطفاء الأول والثاني؟ قلت: ذكر العلماء في معناهما ~~وجوها يتحصل منها الفرق فقيل في معنى الاصطفاء الأول إن الله تعالى ~~اختار مريم وقبلها منذورة محررة ولم تحرر قبلها أنثى ولم يجعل ذلك لغيرها ~~من النساء وأن الله بعث إليها رزقها من عنده وكفلها زكريا ومعنى الإصفطاء ~~الثاني أن الله تعالى وهب لها عيسى من غير أب وأسمعها كلام الملائكة ولم ~~يحصل ذلك لغيرها من النساء ق عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد " # قال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض قيل: أراد وكيع بهذه ~~الإشارة تفسير الضمير في قوله خير نسائها ومعناه إنهما خير كل النساء بين ~~السماء والأرض قال الشيخ محيي الدين النووي: والأظهر أن معناه أن كل واحد ~~منهما خير نساء الأرض في عصرها، وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه. ق عن ~~أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " كمل من الرجال كثير ms0437 ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية ~~امرأة فرعون وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " # قال العلماء معناه أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق وثريد اللحم أفضل ~~من مرقه بلا ثريد، وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه من غير ثريد وفضل ~~عائشة على النساء كزيادة فضل الثريد على غيره. وليس في هذا تصريح ~~بتفضيلها على مريم وآسية لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء هذه الأمة ~~عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت ~~محمد وآسية امرأة فرعون " # أخرجه الترمذي. ### || [3.43-45] # قوله عز وجل: { يا مريم اقنتي لربك } أي قالت الملائكة لها شفاها أطيعي ~~ربك وقيل: معناه أطيلي القيام في الصلاة لربك. قال الأوزاعي: لما قالت ~~الملائكة لها ذلك قامت حتى تورمت قدماها وسالت دما وقيحا وحكي عن مجاهد ~~نحوه { واسجدي واركعي مع الراكعين } إنما قدم السجود على الركوع لأن ~~الواو لا تقتضي الترتيب إنما هي للجمع كأنه قيل لها: افعلي الركوع ~~والسجود وقيل: إنما قدم السجود على الركوع لأنه كان كذلك في شريعتهم. قال ~~ابن الأنباري: أمرها أمرا عاما وحضها على فعل الخير فكأنه قال: استعملي ~~السجود في حال والركوع في حال ولم يرد تقديم السجود على الركوع بل أراد ~~العموم بالأمر على اختلاف الحالين. وإنما قال: اركعي مع الراكعين ولم ~~يقل: مع الراكعات لأن لفظ الراكعين أعم فيدخل فيه الرجال والنساء، ~~والصلاة مع الرجال أفضل وأتم. وقيل: معناه افعلي كفعل الراكعين وقيل: ~~المراد به الصلاة في جماعة أي صلى مع المصلين في جماعة. قوله عز وجل: { ~~ذلك من أنباء الغيب } يقول الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم بذلك ~~الذي ذكرت لك من حديث زكريا ويحيى ومريم وعيسى عليهم السلام من أخبار ~~الغيب { نوحيه إليك } أي نلقيه إليك يا محمد لأنه لا يمكنك أن تعلم أخبار ~~الأمم الماضين إلا بوحي منا إليك وإنما قال نوحيه ms0438 لأنه رد الضمير إليك ~~إلى ذلك فلذلك يذكر اللفظ { وما كنت } يعني يا محمد { لديهم } هنالك ~~عندهم { إذ يلقون أقلامهم } يعني التي كانوا يكتبون بها في الماء لأجل ~~الاقتراع { أيهم يكفل مريم } يعني يربيها ويقوم بمصالحها قيل سبب ~~منازعتهم في كفالة مريم حتى اقترعوا على ذلك أنها كانت بنت عمران وكان ~~رئيسهم وكبيرهم فلأجل ذلك رغبوا في كفالتها وقيل: لأن مريم حررت لعبادة ~~الله وخدمة المسجد وكان أبوها قد مات فلأجل ذلك رغبوا في كفالتها { وما ~~كنت لديهم إذ يختصمون } يعني في كفالتها وتربتيها قوله عز وجل: { إذ قالت ~~الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه } معناه وما كنت لديهم يا ~~محمد إذ يختصمون وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة يعني جبريل عليه السلام: ~~يا مريم إن الله يبشرك والبشارة إخبار المرء بما يسره من خير بكلمة منه ~~يعني برسالة من الله وخير من عنده فهو كقول القائل ألقى إلي فلان كلمة ~~سرني بها وأخبرني خيرا فرحت به. ومعنى الآية إذ قالت الملائكة لمريم: يا ~~مريم إن الله يبشرك ببشرى من عنده وهي ولد يولد لك من غير بعل ولا فحل ~~وذلك الولد { اسمه المسيح عيسى ابن مريم } وقال قتادة في قوله تعالى { ~~بكلمة منه } هو قوله تعالى: كن فسماه الله كلمة لأنه كان عن الكلمة التي ~~هي كن كما يقال لما قدر الله من شيء هذا قدر الله وقضاء الله يعني أن هذا ~~الأمر عن قدره وقضائه حدث. # وقال ابن عباس: الكلمة هي عيسى عليه السلام وإنما سمي كلمة لأنه وجد عن ~~الكلمة التي هي كن. فإن قلت إن كل مخلوق إنما يوجد بواسطة الكلمة التي هي ~~كن فلم خص عيسى عليه السلام بهذا الاسم وسماه كلمة دون غيره؟ قلت: إن كل ~~مخلوق وإن وجد حدوثه بواسطة الكلمة إلا أن هذا السبب ما هو المتعارف، ~~ولما كان حدوث عيسى عليه السلام بمجرد الكلمة من غير واسطة أخرى فلا جرم ~~كان إضافة حدوثه إلى الكلمة أتم وأكمل وبهذا التأويل ms0439 حسن أن يسمى عيسى ~~عليه السلام نفس الكلمة لأنه حدث عنها، فإن قلت الضمير في قوله اسم عائد ~~إلى الكلمة وهي مؤنثة فلم ذكر الضمير؟ قلت: لأن المسمى بها مذكر فلهذا ~~ذكر الضمير. فإن قلت لم قال اسمه المسيح عيسى ابن مريم وهذه ثلاثة الاسم ~~منها واحد وهو عيسى، وأما المسيح فلقب وابن مريم صفة. قلت: الضمير في ~~قوله اسمه يرجع إلى عيسى وللمسمى علامة يعرف بها ويتميز عن غيره فكأنه ~~قال الذي يعرف به ويتميز عن سواه هو مجموع هذه الثلاثة واختلفوا لم سمي ~~عيسى عليه السلام مسيحا وهل هو اسم مشتق أو موضوع؟ فقيل إنه موضوع واسمه ~~بالعبرانية مشيحا فغيرته العرب وأصل عيسى أيشوع كما قالوا موسى وأصله ~~موشى أو ميشى وقال الأكثرون: إنه اسم مشتق ثم ذكروا فيه وجوها قال ابن ~~عباس: سمي عيسى مسيحا لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برأ منها وقيل لأنه مسح ~~بالبركة وقيل: لأنه مسح من الأقذار وطهر من الذنوب، وقيل: إنه خرج من بطن ~~أمه ممسوحا بالدهن. وقيل: لأن جبريل عليه السلام مسحه بجناحه حتى لا ~~يكون للشيطان عليه سبيل. وقيل: لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم بمكان ~~فكأنه يمسح الأرض أي يقطعها مساحة فعلى هذا القول تكون الميم زائدة وقيل ~~سمي مسيحا لأنه كان مسيح القدمين لا أخمص له وسمي الدجال مسيحا لأنه ~~ممسوح إحدى العينين وقيل: المسيح هو الصديق وبه سمي عيسى عليه السلام وقد ~~يكون المسيح بمعنى الكذاب وبه سمي الدجال فعلى هذا تكون هذه الكلمة من ~~الأضداد. قوله تعالى: { وجيها } أي شريفا رفيعا ذا جاه وقدر { في ~~الدنيا والآخرة } أما وجاهته في الدنيا فبسبب النبوة وأنه كان يبرئ ~~الأكمه والأبرص ويحيي الموتى وأما وجاهته في الآخرة فبسبب علو مرتبته عند ~~الله وهو قوله تعالى: { ومن المقربين } يعني عند الله يوم القيامة لأن ~~لأهل الجنة منازل ودرجات ومنازل الأنبياء ودرجاتهم أعلى من سواهم وقيل: ~~فيه تنبيه على علو منزلته وأنه رفعه إلى السماء. ### || [3.46-48] # { يكلم الناس في ms0440 المهد } يعني ويكلم الناس صغيرا وهو في المهد وذلك قبل ~~أوان الكلام ووقته والكلام الذي تكلم به هو ما ذكره الله عنه في سورة ~~مريم وهو قوله: # إني عبد الله آتاني الكتاب # [مريم: 30] الآية. وتكلم ببراءة أمه مما رماها به أهل الفرية من القذف. ~~ويحكى أن مريم قالت كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثني وحدثته فإذا شغلني عنه ~~إنسان سبح وهو في بطني وأنا أسمع ولما تكلم ببراءة أمه سكت بعد ذلك فلم ~~يتكلم إلا في الوقت الذي يتكلم فيه الصغير قال ابن عباس: تكلم عيسى ساعة ~~ثم سكت ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغ النطق { وكهلا } يعني ويكلم الناس في ~~حال الكهولة والكهل في اللغة هو الذي اجتمعت قوته وكمل شبابه والكهل عند ~~العرب الذي جاوز الثلاثين وقيل: هو الذي وخطه الشيب، وهو السن الذي ~~يستحكم فيه العقل وتتنبأ فيه الأنبياء. قال ابن قتيبة: لما كان لعيسى ~~ثلاثون سنة أرسله الله تعالى فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رفعه الله ~~تعالى وقال وهب بن منبه: جاءه الوحي على رأس ثلاثين سنة فمكث في نبوته ~~ثلاث سنين ثم رفعه الله فمعنى الآية أنه يكلم الناس وهو في المهد ببراءة ~~أمه وهي معجزة عظيمة، ويكلم الناس في حال الكهولة بالدعوة والرسالة وقيل: ~~فيه بشارة لمريم أخبرها بأنه يبقى حتى يكتهل وقيل: فيه إخبار بأنه يتغير ~~من حال إلى حال ولو كان إلها كما زعمت النصارى لم يدخل عليه التغيير ~~ففيه رد على النصارى الذين يدعون فيه الألوهية. وقال الحسن بن الفضل: ~~وكهلا يعني ويكلم الناس كهلا بعد نزوله من السماء وفي هذه نص على أنه ~~سينزل من السماء إلى الأرض ويقتل الدجال. وقال مجاهد: الكهل الحكيم ~~والعرب تمدح الكهولة لأنها الحالة الوسطى في احتناك السن واستحكام العقل ~~وجوده الرأي والتجربة { ومن الصالحين } يعني أنه من العباد الصالحين مثل ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وغيرهم من الأنبياء وإنما ختم أوصاف عيسى ~~عليه السلام بكونه من الصالحين بعد ما وصفه بالأوصاف العظيمة. لأن الصلاح ms0441 ~~من أعظم المراتب واشرف المقامات لأنه لا يسمى المرء صالحا حتى يكون ~~مواظبا على النهج الأصلح والطريق الأكمل في جميع أقواله وأفعاله. فلما ~~وصفه الله تعالى بكونه وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين وأنه يكلم ~~الناس في المهد وكهلا أردفه بقوله ومن الصالحين ليكمل له أعلى الدرجات ~~وأشرف المقامات. قوله عز وجل: { قالت } يعني مريم { رب } يعني يا سيدي ~~تقوله لجبريل لما بشرها بالولد وقيل تقوله لله عز وجل: { أنى يكون لي ولد ~~} أي من أين يكون لي ولد { ولم يمسسني بشر } أو لم يصبني رجل وإنما قالت ~~ذلك تعجبا لا شكا في قدرة الله تعالى إذ لم تكن العادة جرت أن يولد ولد ~~من غير أب { قال كذلك الله يخلق ما يشاء } يعني هكذا يخلق الله منك ولدا ~~من غير أن يمسك بشر فيجعله آية للناس وعبرة فإنه يخلق ما يشاء ويصنع ما ~~يريد وهو قوله { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } يعني كما يريد { ~~ويعلمه الكتاب } يعني الكتابة والخط باليد { والحكمة } يعني العلم والسنة ~~وأحكام الشرائع { والتوراة } يعني التي أنزلت على موسى { والإنجيل } يعني ~~الذي أنزل عليه وهذا إخبار من الله تعالى لمريم ما هو فاعل بالولد الذي ~~بشرها به من الكرامة وعلو المنزلة. ### || [3.49] # { ورسولا إلى بني إسرائيل } أي ونجعله رسولا إلى بني إسرائيل وكان أول ~~أنبياء بني إسرائيل يوسف بن يعقوب وآخرهم عيسى ابن مريم عليه السلام فلما ~~بعث إليهم قال { أني قد جئتكم بآية من ربكم } يعني بعلامة من ربكم على ~~صدق قولي وإنما قال بآية وقد جاء بآيات كثيرة لأن الكل دل على شيء واحد ~~وهو صدقه في الرسالة، فلما قال ذلك عيسى لبني إسرائيل قالوا: ما هذه ~~الآية؟ قال { أني أخلق } أي أصور وأقدر { لكم من الطين كهيئة الطير } ~~والهيئة الصورة المهيأة من قولهم هيأت الشيء إذا قدرته وأصلحته { فأنفخ ~~فيه } أي في الطين المهيأ المصور { فيكون طيرا } قرئ بلفظ الجمع لأن ~~الطير اسم جنس يقع على الواحد والاثنين والجمع. وقرئ ms0442 فيكون طائرا على ~~التوحيد على معنى يكون ما أنفخ فيه طائرا أو ما أخلقه يكون طائرا وقيل ~~إنه لم يخلق غير الخفاش وهو الذي يطير في الليل، وإنما خص الخفاش لأنه من ~~أكمل الطير خلقا وذلك لأنه يطير بلا ريش وله أسنان ويقال: إن الأنثى منه ~~لها ثدي وتحيض ذكروا أن عيسى عليه السلام لما ادعى النبوة وأظهر لهم ~~المعجزات أخذوا يتعنتون عليه فطلبوا منه أن يخلق لهم خفاشا فأخذ طينا ~~وصوره كهيئة الخفاش، ثم نفخ فيه فإذا هو طير يطير بين السماء والأرض قال ~~وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عنهم سقط ميتا ليتميز ~~فعل المخلوق من فعل الخالق وهو الله تعالى، وليعلم أن الكمال لله تعالى: ~~{ بإذن الله } معناه بتكوين الله وتخليقه والمعنى إني أعمل هذا التصوير ~~أنا، فأما خلق الحياة فيه فهو من الله تعالى على سبيل إظهار المعجزة على ~~يد عيسى عليه السلام { وأبرئ الأكمه والأبرص } أي وأشفي الأكمه والأبرص ~~وأصحهما، واختلفوا في الأكمه فقال ابن عباس: هو الذي ولد أعمى وقيل: هو ~~الأعمى وإن كان أبصر وقيل: هو الأعشى وهو الذي يبصر بالليل، والأبرص هو ~~الذي به وضح وكان الغالب على زمان عيسى عليه السلام الطب فأراهم المعجزة ~~من جنس ذلك إلا أنه ليس في علم الطب إبراء الأكمه والأبرص فكان ذلك ~~معجزة له ودليلا على صدقه. وقال وهب: ربما اجتمع على عيسى عليه السلام ~~من المرضى في اليوم الواحد نحو خمسين ألفا فمن أطاق أن يمشي إليه مشى، ~~ومن لم يطق مشى عيسى عليه السلام إليه وكان يداويهم بالدعاء على شرط ~~الإيمان برسالته { وأحيي الموتى بإذن الله } قال ابن عباس: قد أحيا أربعة ~~أنفس عازر وابن العجوز وابنة العاشر وسام بن نوح وكلهم بقي وولد له إلا ~~سام بن نوح فأما عازر فكان صديقا لعيسى عليه السلام فأرسلت إليه أخت ~~عازر إن أخاك عازر يموت وكان بينهما مسيرة ثلاثة أيام فأتاه عيسى وأصحابه ~~فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام فقال ms0443 لأخته: انطلقي بنا إلى قبره فانطلقت ~~بهم إلى قبره فدعا الله عيسى فقام عازر حيا بإذن الله تعالى فخرج من ~~قبره وعاش وولد له. # وأما ابن العجوز فإنه مر به وهو ميت على عيسى عليه السلام يحمل على ~~السرير فدعا الله عيسى فجلس على سريره ونزل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه ~~وأتى أهله وولد له، وأما ابنة العاشر فكان أبوها يأخذ العشور من الناس ~~وماتت بالأمس فدعا الله عيسى فأحياها بدعوته فعاشت وولد لها، وأما سام بن ~~نوح فإن عيسى جاء إلى قبره ودعا الله باسمه الأعظم فخرج من قبره وقد شاب ~~نصف رأسه خوفا من قيام الساعة ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان فقال: قد ~~قامت الساعة فقال عيسى عليه السلام: لا ولكن دعوتك باسم الله الأعظم ثم ~~قال له: مت فقال: بشرط أن يعيذني الله من سكرات الموت مرة أخرى فدعا الله ~~عيسى ففعل { وأنبئكم } يعني وأخبركم { بما تأكلون } أي مما لم أعاينه { ~~وما تدخرون في بيوتكم } أي وما ترفعونه فتخبؤونه في بيوتكم لتأكلوه فيما ~~بعد ذلك، قيل: كان عيسى عليه السلام يخبر الرجل بما أكل البارحة وبما ~~يأكله اليوم وبما يدخره للعشاء. وقيل كان في الكتاب يحدث الغلمان بما ~~يصنع آباؤهم ويقول للغلام: انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا وقد رفعوا لك كذا ~~فينطلق الصبي فيبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء فيقولون من أخبرك بهذا؟ ~~فيقول عيسى فحبسوا صبيانهم عنه وقالوا: لا تقعدوا مع ذلك الساحر وجمعوهم ~~في بيت فجاء عيسى يطلبهم فقالوا: ليسوا هنا فقال: وما في البيت؟ قالوا ~~خنازير فقال كذلك يكونون. ففتحوا عليهم الباب فإذا هم خنازير ففشا ذلك في ~~بني إسرائيل وظهر فهموا به فخافت عليه أمه فحملته على حمار لها وخرجت ~~هاربة إلى مصر. وقال قتادة: إنما كان هذا في نزول المائدة وكان خوانا ~~ينزل عليهم أينما كانوا فيه من طعام الجنة وأمروا أن لا يخونوا ولا ~~يدخروا الغد فخانوا وادخروا، فكان عيسى عليه السلام يخبرهم بما أكلوا من ~~المائدة وما ms0444 أدخروا منها فمسخهم الله خنازير وفي هذا دليل قاطع على صحة ~~نبوة عيسى عليه السلام ومعجزة عظيمة له، وهي إخباره عن المغيبات مع ما ~~تقدم له من الآيات الباهرات من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن ~~الله تعالى وإخباره عن الغيوب بإعلام الله إياه ذلك وهذا مما لا سبيل ~~لأحد من البشر عليه إلا الأنبياء عليهم السلام، فإن قلت قد يخبر المنجم ~~والكاهن عن مثل ذلك فما الفرق؟. قلت: إن المنجم والكاهن لا بد لكل واحد ~~منهما من مقدمات يرجع إليها ويعتمد في أخباره عليها، أما المنجم فإنه ~~يستعين على ذلك بواسطة معرفة الكواكب وامتزاجاتها أو بواسطة حساب الرمل ~~أو نحو ذلك وقد يخطئ في كثير مما يخبر به، وأما الكاهن فإنه يستعين برائد ~~من الجن وقد يخطئ أيضا في كثير مما يخبر به وأما أخبار الأنبياء عليهم ~~السلام عن المغيبات فليس إلا بالوحي السماوي وهو من الله تعالى وليس في ~~ذلك باستعانة بواسطة حساب ولا غيره فحصل الفرق { إن في ذلك } يعني الذي ~~تقدم ذكره من خلق الطير من الطين بإذن الله وإبراء والأكمه والأبرص ~~والإخبار عن المغيبات { لآية لكم } أي لعبرة ودلالة على صدق أني رسول من ~~الله إليكم { إن كنتم مؤمنين } يعني مصدقين بذلك. ### || [3.50-51] # { ومصدقا } قيل: إنه عطف على قوله ورسولا وقيل إنه عطف على أني قد { ~~جئتكم بآية من ربكم } والمعنى وجئتكم مصدقا { لما بين يدي من التوراة } ~~وذلك لأن الأنبياء عليهم السلام يصدق بعضهم بعضا فكل واحد منهم يصدق ~~الذي قبله ويصدق بما أنزل الله من الكتب والشرائع والأحكام فلهذا قال ~~عيسى عليه السلام مصدقا لما بين يدي من التوراة { ولأحل لكم بعض الذي ~~حرم عليكم } قال وهب بن منبه: أن عيسى كان على شريعة موسى عليهما السلام ~~وكان يسبت ويستقبل بيت المقدس وقال لبني إسرائيل: إني لم أدعكم إلى خلاف ~~حرف مما في التوراة إلا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وأضع عنكم الآصار ~~وذلك أن الله تعالى كان قد حرم على اليهود ms0445 بعض الأشياء عقوبة لهم على بعض ~~ما صدر منهم من الخيانات كما قال تعالى: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم # [النساء: 160] فبقي ذلك التحريم مستمرا على اليهود إلى أن جاء عيسى ~~عليه السلام فرفع عنهم تلك التشديدات التي كانت عليهم وقال قتادة: كان ~~الذي جاء به عيسى الين من الذي جاء به موسى وكان قد حرم عليهم فيما جاء ~~به موسى لحوم الإبل والثروب والشحوم وأشياء من الطير والحيتان زاد بعضهم ~~فجاءهم عيسى بالتخفيف وأحلها لهم وقال آخرون إن عيسى عليه السلام رفع ~~كثيرا من أحكام التوراة ورفع السبت ووضع الأحد وكان ذلك كله بأمر الله ~~فكان ذلك ناسخا لتلك الأحكام والشرائع والناسخ والمنسوخ حق وصدق { ~~وجئتكم بآية من ربكم } أي بحجة واضحة شاهدة على صحة رسالتي ثم خوفهم ~~بقوله { فاتقوا الله } يعني يا معشر بني إسرائيل فيما أمركم به ونهاكم ~~عنه { وأطيعون } يعني فيما أدعوكم إليه لأن طاعة الرسول من توابع تقوى ~~الله وما أدعوكم إليه هو قولي { إن الله ربي وربكم فاعبدوه } لأن جميع ~~الرسل كانوا على دين واحد وهو التوحيد ولم يختلفوا في الله تعالى وفي هذه ~~الآية حجة بالغة على نصارى وفد نجران ومن قال بقولهم من سائر النصارى ~~بإخبار الله عن عيسى عليه السلام أنه كان بريئا مما نسبه إليه النصارى ~~وأنه كان عبدالله وخصه بنبوته ورسالته ثم ختم ذلك بقوله: { هذا صراط ~~مستقيم } يعني التوحيد. ### || [3.52] # قوله عز وجل: { فلما أحس عيسى منهم الكفر } أي وجد وعرف وقيل: رأى ~~والإحساس عبارة عن وجدان الشيء بالحاسة والمعنى أنهم تكلموا بكلمة الكفر ~~فأحس ذلك عيسى منهم وعرف إصرارهم عليه وعزمهم على قتله. ذكر سبب القصة: ~~قال أهل الأخبار والسير: لما بعث الله عيسى إلى بني إسرائيل وأمره بإظهار ~~رسالته والدعاء إليه نفوه وأخرجوه من بينهم، فخرج هو وأمه يسيحان في ~~الأرض فنزلا في قرية على رجل فأضافهما وأحسن إليهما وكان لتلك القرية ملك ~~جبار معتد فجاء ذلك الرجل في بعض الأيام وهو مهموم ms0446 حزين فدخل منزله عند ~~امرأته فقالت مريم: ما شأن زوجك أراه كئيبا حزينا فقالت: لا تسأليني ~~فقالت مريم: أخبريني لعل الله أن يفرج كربته قالت المرأة: إن لنا ملكا ~~جبارا وقد جعل على كل رجل منا يوما يطعمه فيه هو وجنوده ويسقيهم الخمر ~~وأن لم يفعل ذلك عاقبة واليوم نوبتنا وليس عندنا سعة لذلك فقالت لها قولي ~~له: لا يهتم لذلك فأنا آمر ابني أن يدعو له فيكفي ذلك ثم قالت مريم لعيسى ~~في ذلك فقال عيسى: إن فعلت ذلك وقع شر فقالت مريم: لا نبالي فإنه قد أحسن ~~إلينا وأكرمنا فقال عيسى: قولي له إذا قرب ذلك الوقت فاملأ قدورك وخوابيك ~~ماء ثم أعلمني، ففعل الرجل ذلك ثم دعا الله عيسى عليه السلام فتحول ماء ~~القدور مرقا ولحما وماء الخوابي خمرا لم تر الناس مثله، فلما جاء ~~الملك وأكل من ذلك الطعام وشرب من ذلك الخمر قال من أين لك هذا الخمر؟ ~~فقال الرجل: هو من أرض كذا فقال الملك: إن خمري من تلك الأرض وليست مثل ~~هذه فقال: هي من أرض أخرى فلما رآه الملك اختلط شدد عليه فقال الرجل: أنا ~~أخبرك أن عندي غلاما لا يسأل الله شيئا إلا اعطاه إياه، وأنه دعا الله ~~تعالى فجعل الماء خمرا وكان للملك ابن يريد أن يستخلفه في ملكه وقد مات ~~قبل ذلك بأيام وكان يحبه حبا شديدا فقال الملك: إن رجلا دعا الله ~~تعالى حتى صار الماء خمرا بدعوته ليستجيبن له في إحياء بني فطلب عيسى ~~وكلمه في ذلك فقال له عيسى لا تفعل فإنه إن عاش وقع شر فقال الملك: لا ~~أبالي أليس أراه فقال: عيسى: إن أنا أحييته تتركني أنا وأمي نذهب حيث ~~نشاء. قال: نعم فدعا الله عيسى فعاش الغلام فلما رآه أهل مملكة الرجل فقد ~~عاش فبادروا إلى السلاح وقالوا: قد أكلنا هذا الملك حتى إذا دنا أجله ~~يريد أن يستخلف علينا ابنه ليأكلنا كما أكلنا أبوه فقاتلوه وظهر أثر عيسى ~~فقصدوا قتله وكفروا به ms0447 وقيل: إن اليهود كانوا عارفين بأنه المسيح المبشر ~~به في التوراة وأنه ينسخ دينهم فلما أظهر عيسى الدعوة اشتد ذلك عليهم ~~فأخذوا في أذاه وطلبوا قتله وكفروا به فاستنصر عليهم كما أخبر الله عز ~~وجل عنه بقوله { قال } يعني عيسى عليه السلام { من أنصاري إلى الله } أي ~~مع الله وقيل: معناه إلى أن أبين أمر الله وأظهر دينه وقيل: إلى بمعنى في ~~أي في ذات الله وسبيله وقيل: إلى في موضعها والمعنى من يضم نصرته إلى ~~نصرة الله لي { قال الحواريون نحن أنصار الله } وذلك أن عيسى عليه السلام ~~لما دعا بني إسرائيل إلى الله تعالى وتمردوا عليه وكفروا به خرج يسيح في ~~الأرض فمر بجماعة يصطادون السمك، وكانوا اثنى عشر ورئيسهم شمعون ويعقوب ~~فقال عيسى عليه السلام: ما تصنعون؟ قالوا: نصيد السمك قال: أفلا تمشون ~~حتى نصيد الناس قالوا: ومن أنت؟ قال أنا عيسى ابن مريم عبدالله ورسوله ~~فسألوه آية تدلهم على صدقه وكان شمعون قد رمي بشبكته في الماء فدعا الله ~~عيسى فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق من كثرته فاستعانوا ~~بأهل سفينة أخرى وملؤوا السفينتين من السمك فعند ذلك آمنوا به وانطلقوا ~~معه واختلف في الحواريين فقيل: كانوا يصطادون السمك فلما آمنوا بعيسى ~~صاروا يصطادون الناس ويهدونهم إلى الدين، سموا حواريين لبياض ثيابهم ~~يقال: حورت الشيء بمعنى بيضته: وقيل: كانوا قصارين سموا بذلك لأنهم كانوا ~~يحورون الثياب أي يبيضونها. # وقيل: إن مريم سلمت عيسى إلى أعمال شتى فكان آخر من سلمته إليه ~~الحواريين وكانوا قصارين وصباغين فدفعته إلى رئيسهم ليتعلم منه فاجتمع ~~عنده ثياب وعرض له سفر فقال لعيسى: إنك قد تعلمت هذه الصنعة وأنا خارج ~~إلى السفر ولا أرجع إلى عشرة أيام وهذه ثياب مختلفة الألوان، وقد علمت كل ~~واحد منها بخيط على اللون الذي يصبغ به فأريد أن تفرغ منها وقت وقدومي. ~~وخرج المعلم إلى سفره فطبخ عيسى حبا واحدا على لون واحد وأدخل فيه جميع ~~الثياب وقال: كوني بإذن الله على ms0448 ما أريد منك ثم قدم الحواري والثياب ~~كلها في الحب فقال لعيسى: ما فعلت؟ قال قد فرغت منها قال وأين هي؟ قال في ~~الحب قال كلها: قال: نعم قال لقد أفسدت علي الثياب قال عيسى: لا ولكن قم ~~فانظر وقام عيسى وأخرج ثوبا أحمر وثوبا أخضر وثوبا أصفر وثوبا أسود ~~حتى أخرجها كلها على الألوان التي يريد الحواري فجعل الحواري يتعجب من ~~ذلك وعلم أن ذلك من الله تعالى فقال للناس: تعالوا فانظروا فآمن به هو ~~وأصحابه وهم الحواريون. وقيل: سموا حواريين لصفاء قلوبهم ولما ظهر عليهم ~~من أثر العبادة ونورها وقيل: الحواريون الأصفياء وكانوا أصفياء عيسى ~~وخاصته وقيل: الحواريون هم الخلفاء وقيل: هم الوزراء وكانوا خلفاء عيسى ~~ووزراؤه وقيل: الحواريون هم الأنصار والحواري الناصر والحواري الرجل الذي ~~يستعان به ق عن جابر بن عبدالله قال: ندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس ~~يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن لكل نبي حواريا وحواربي الزبير قال الحواريون: نحن أنصار ~~الله يعني أنصار دين الله ورسوله وأعوانه { آمنا بالله } أي صدقنا بأن ~~الله ربنا ورب كل شيء { واشهد } يعني أنت يا عيسى { بأنا مسلمون } قيل: ~~معناه واشهد بأنا منفادون لما تريد من نصرك والذب عنك ومستسلمون لأمر ~~الله عز وجل وقيل: هو إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين عيسى وكل ~~الأنبياء قبله لا اليهودية والنصرانية. ### || [3.53-54] # { ربنا آمنا بما أنزلت } يعني قال الحواريون بعد إشهاد عيسى عليهم بأنهم ~~مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت يعني بكتابك الذي أنزلته على عيسى عليه ~~السلام { واتبعنا الرسول } يعني عيسى { فاكتبنا مع الشاهدين } يعني الذين ~~شهدوا لأنبيائك بالصدق واتبعوا أمرك ونهيك فأثبت أسماءنا مع أسمائهم ~~واجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين ~~الذين سألوا الحواريون أن يكونوا معهم مزيد فضل عليهم فلهذا قال ابن ~~عباس: في قوله: فاكتبنا مع الشاهدين أي مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته ~~لأنهم المخصوصون بتلك الفضيلة ms0449 فإنهم يشهدون للرسل بالبلاغ وقيل: مع ~~الشاهدين يعني النبيين لأن كل نبي شاهد على أمته قوله عز وجل: { ومكروا } ~~يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر وأصل المكر صرف الغير ~~عما يقصده بضرب من الحيلة وقيل: هو السعي بالفساد في الخفية فأما مكرهم ~~بعيسى فإنهم دبروا في قتله وهموا به وذاك أن عيسى عليه السلام بعد أن ~~أخرجه قومه هو وأمه رجع مع الحواريين وصاح فيهم بالدعوة وأظهر رسالته ~~إليهم فهموا بقتله والفتك به فلذلك مكرهم والمكر من الخلق الخبيث ~~والخديعة والحيلة { ومكر الله } أي جازاهم على مكرهم فسمي الجزاء باسم ~~الابتداء لأنه في مقابلته وقيل: مكر الله استدراج العبد وأخذه بغتة من ~~حيث لا يحتسب ومكر الله في هذه الاية خاصة هو إلقاء الشبه على صاحبهم ~~الذي دلهم على عيسى حين أرادوا قتله حتى قتل قال ابن عباس أن عيسى عليه ~~السلام استقبل رهطا من اليهود فلما رأوه قالوا: قد جاء الساحر ابن ~~الساحر والفاعل ابن الفاعلة فقذفوه وأمه، فلما سمع عيسى ذلك دعا عليهم ~~ولعنهم فمسخوا خنازير فلما رأى ذلك يهودا رأس اليهود وملكهم فزع لذلك ~~وخاف دعوته فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى وساروا إليه ليقتلوه فبعث ~~الله عز وجل جبريل فأدخله خوخة في سقفها روزنة فرفعه الله من تلك الروزنة ~~وأمر يهودا ملك اليهود رجلا من أصحابه يقال له ططيانوس أن يدخل الخوخة ~~فيقتله ظنوا أنه عيسى فأخذوه وقتلوه وصلبوه. وقال وهب بن منبه: إن اليهود ~~طرقوا عيسى في بعض الليل ونصبوا له خشبة ليصلبوه عليها فأظلمت الأرض ~~وأرسل الله عز وجل الملائكة فحالت بينهم وبينه فجمع عيسى عليه السلام ~~الحواريين تلك الليلة وأوصاهم وقال: ليكفر بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ~~ويبيعني بدراهم يسيره فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فأتى أحد ~~الحواريين إلى اليهود وقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح فجعلوا له ~~ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه، فلما دخل البيت الذي فيه المسيح ألقى ~~الله شبه عيسى عليه ورفع الله عيسى ms0450 عليه السلام وأخذ الذي دل عليه فقال: ~~أنا الذي دللتكم عليه فلم يلتفتوا إلى قوله فقتلوه وصلبوه وهم يظنون أنه ~~عيسى فلما صلب الذي ألقي عليه شبه عيسى جاءت مريم وامرأة أخرى كان عيسى ~~دعا لها فأبرأها الله من الجنون بدعوته فجعلتا تبكيان عند المصلوب ~~فجاءهما عيسى عليه السلام وقال: على من تبكيان إن الله عز وجل قد رفعني ~~ولم يصبني إلا خير وهذا شيء شبه لهم فلما كان بعد سبعة أيام قال الله ~~تعالى لعيسى أهبط إلى مريم المجدلانية وهو اسم موضع نسبت إليه فإنه لم ~~يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحزن عليك أحد حزنها ثم لتجمع لك الحواريين ~~فبثهم في الأرض دعاة إلى الله عز وجل فأهبطه الله عز وجل إليها فاشتعل ~~الجبل نورا حين هبط فجمعت له الحواريون فبثهم دعاة في الأرض ثم رفعه ~~الله فتلك الليلة التي تدخن فيها النصارى فلما أصبح الحواريون تكلم كل ~~واحد منهم بلغة من أرسله عيسى إليهم فذلك قوله تعالى: { ومكروا ومكر الله ~~والله خير الماكرين } يعني وهو أفضل المجازين بالسيئة العقوبة. # وقال السدي: إن اليهود حبست عيسى عليه السلام في بيت ومعه عشرة من ~~الحواريين فدخل عليهم رجل منهم كان قد نافق ألقى عليه شبه فأخذ وقتل وصلب ~~وقال قتادة ذكر لنا أن نبي الله عيسى عليه السلام قال لأصحابه أيكم يقذف ~~عليه شبهي فإنه مقتول فقال رجل منهم: أنا يا نبي الله فقتل ذلك الرجل ~~ومنع الله عيسى ورفعه إليه وكساه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة الطعم ~~والمشرب وطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش وصار إنسا ملكيا أرضيا ~~سماويا. قال أهل التاريخ: حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة وولدته ~~ببيت لحم من أرض أوري شلم لمضي خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض ~~بابل، وأوحى الله إلى عيسى على رأس ثلاثين سنة ورفعه الله من بيت المقدس ~~ليلة القدر من رمضان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فكانت نبوته ثلاث سنين ~~وعاشت أمه مريم بعد رفعه ms0451 ست سنين. ### || [3.55] # قوله عز وجل: { إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي } اختلفوا في ~~معنى التوفي هنا على طريقين: فالطريق الأول أن الآية على ظاهرها من غير ~~تقديم ولا تأخير وذكروا في معناها وجوها: الأول: معناه أني قابضك ورافعك ~~إلي من غير موت من قولهم توفيت الشيء واستوفيته إذا أخذته وقبضته تاما، ~~والمقصود منه هنا أن لا يصل أعداؤه من اليهود إليه بقتل ولا غيره. الوجه ~~الثاني: أن المراد بالتوفي النوم ومنه قوله عز وجل: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر: 42] والتي لم تمت في منامها فجعل النوم وفاة، وكان عيسى قد نام ~~فرفعه الله وهو نائم لئلا يلحقه خوف، فمعنى الآية أني منيمك ورافعك إلى. ~~الوجه الثالث أن المراد بالتوفي حقيقة الموت، قال ابن عباس: معناه أني ~~مميتك قال وهب بن منبه: إن الله توفى عيسى ثلاث ساعات من النهار ثم أحياه ~~ثم رفعه إليه وقيل: إن النصارى يزعمون أن الله توفاه سبع ساعات من النهار ~~ثم أحياه ورفعه إليه. الوجه الرابع: أن الواو في قوله ورافعك إلي لا تفيد ~~الترتيب والآية تدل على أن الله تعالى يفعل به ما ذكر فأما كيف يفعل؟ ~~ومتى يفعل؟ فالأمر فيه موقوف على الدليل. وقد ثبت في الحديث أن عيسى ~~سينزل ويقتل الدجال وسنذكره إن شاء الله تعالى. الوجه الخامس: قال أبو ~~بكر الواسطي: معناه أني متوفيك عن شهواتك وعن حظوظ نفسك ورافعك إلي ذلك ~~أن عيسى عليه السلام لما رفع إلى السماء صارت حالته حالة الملائكة في ~~زوال الشهوة. الوجه السادس: أن معنى التوفي أخذ الشيء وافيا ولما علم ~~الله تعالى أن من الناس من يخطر بباله أن الذي رفعه الله إليه هو روحه ~~دون جسده كما زعمت النصارى أن المسيح رفع لاهوته يعني روحه وبقي في الأرض ~~ناسوته يعني جسده فرد الله عليهم بقوله إني متوفيك ورافعك إلي فأخبر الله ~~تعالى أنه رفع بتمامه إلى السماء بروحه وجسده جميعا. الطريق الثاني: أن ~~في الآية تقديما وتأخيرا تقديره ms0452 أني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ~~ومتوفيك بعد إنزالك إلى الأرض وقيل: لبعضهم هل تجد نزول عيسى إلى الأرض ~~في القرآن؟ قال: نعم قوله تعالى وكهلا وذلك لأنه لم يكتهل في الدنيا ~~وإنما معناه وكهلا بعد نزوله من السماء. ق عن أبي هريرة أنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا مقسطا ~~فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ~~زاد " # وفي رواية: # " حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها " # ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم وإن من أهل الكتاب إلا ليومنن به ~~قبل موته وفي رواية كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم. وفي ~~رواية فأمكم منكم قال ابن أبي ذؤيب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت فأخبرني قال ~~فأمكم كتاب ربكم عز وجل وبسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم وفي إفراد مسلم ~~من حديث النواس بن سمعان قال: فبينما هما إذ بعث الله المسيح ابن مريم ~~عليه السلام فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس بيني وبينه يعني عيسى نبي وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه ~~رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ينزل بين ممضرتين كأن رأسه يقطر وإن لم ~~يصبه بلل فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع ~~الجزية ويهلك الله الملل في زمانه كلها إلا الإسلام ويهلك المسيح الدجال ~~ثم يمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون " # أخرجه أبو داود ونقل بعضهم أن عيسى عليه السلام يدفن في حجرة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيقوم أبو بكر وعمر يوم القيامة بين نبيين محمد وعيسى ~~عليهما السلام. قوله عز وجل: { ومطهرك من الذين كفروا } يعني مخرجك من ~~بينهم ومنجيك { وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة } ~~يعني وجاعل الذين اتبعوك في التوحيد وصدقوا قولك وهم أهل الإسلام من ms0453 أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فوق الذين كفروا بالعز والنصر والغلبة بالحجة ~~الظاهرة. وقيل: هم الحواريين الذين اتبعوا عيسى على دينه وقيل: هم ~~النصارى فهم فوق اليهود وذلك لأن ملك اليهود قد ذهب ولم يبق لهم مملكة ~~وملك والنصارى باق فعلى هذا القول يكون الاتباع بمعنى المحبة والادعاء لا ~~اتباع الدين لأن النصارى وإن أظهروا متابعة عيسى عليه السلام فهم أشد ~~مخالفة له وذلك أن عيسى عليه السلام لم يرض بما هم عليه من الشرك، والقول ~~الأول هو الأصح لأن الذين اتبعوه هم الذين شهدوا له بأنه عبدالله ورسوله ~~وكلمته وهم المسلمون وملكهم باق إلى يوم القيامة { ثم إلي مرجعكم } ~~يعني يقول الله عز وجل: إلي مرجع الفريقين في الآخرة الذين اتبعوا عيسى ~~وصدقوا به والذين كفروا به { فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } يعني ~~من الحق في أمر عيسى ثم بين ذلك الحكم. ### || [3.56-59] # فقال تعالى: { فأما الذين كفروا } الذين جحدوا نبوة عيسى وخالفوا ملته ~~وقالوا فيه ما قالوا من الباطل ووصفوه بما لا ينبغي من سائر اليهود ~~والنصارى { فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا } يعني بالقتل والسبي والذلة ~~وأخذ الجزية منهم { والآخرة } أي وأعذبهم في الآخرة بالنار { وما لهم من ~~ناصرين } يعني ما نعين يمنعونهم من عذابنا { وأما الذين آمنوا } يعني ~~بعيسى عليه السلام وصدقوا بنبوته وأنه عبد الله ورسوله وكلمته { وعملوا ~~الصالحات } يعني عملوا بما فرضت عليهم وشرعت لهم { فيوفيهم أجورهم } يعني ~~جزاء أعمالهم لا ينقص منه شيء { والله لا يحب الظالمين } أي لا يحب من ~~ظلم غيره حقا له أو وضع شيئا في غير موضعه والمعنى أنه تعالى لا يرحمهم ~~ولا يثني عليهم بجميل ثم قال تعالى: { ذلك } يعني الذي ذكرته لك من أخبار ~~عيسى وأمه مريم والحواريين وغير ذلك من القصص { نتلوه عليك } أي نخبرك به ~~يا محمد على لسان جبريل، وإنما أضاف ما يتلوه جبريل عليه السلام إلى نفسه ~~سبحانه تعالى لأنه من عنده وبأمره من غير تفاوت أصلا فأضافه إليه { من ~~الآيات } يعني ms0454 من القرآن وقيل الآيات يعني العلامات الدالة على نبوتك يا ~~محمد لأنها أخبار لا يعلمها إلا من يقرأ ويكتب أو نبي يوحى إليه وأنت ~~أمي لا تقرأ ولا تكتب فثبت أن ذلك من الوحي السماوي الذي أنزل عليك { ~~والذكر الحكيم } أي المحكم الممنوع من الباطل قيل المراد من الذكر الحكيم ~~القرآن لأنه حاكم يستفاد منه. جميع الأحكام وقيل: الذكر الحكيم هو اللوح ~~المحفوظ الذي منه تنزلت جميع كتب الله على رسله وهو لوح من درة بيضاء ~~معلق بالعرش. قوله عز وجل: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ~~} الآية. أجمع أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في محاجة نصارى وفد نجران ~~قال ابن عباس: إن رهطا من أهل نجران قدموا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم: كان فيهم السيد والعاقب فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شأنك ~~تذكر صاحبنا فقال من هو؟ قالوا: عيسى تزعم أنه عبدالله فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم أجل إنه عبدالله فقالوا له: فهل رأيت له مثلا أو أنبئت ~~به؟ ثم خرجوا من عنده فجاءه جبريل عليه السلام فقال: قل لهم إذا أتوك إن ~~مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب وقيل إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لهم: إنه عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول ~~فغضبوا وقالوا: يا محمد هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ فأنزل الله تعالى: ~~{ إن مثل عيسى عند الله } أي في الخلق والإنشاء في كونه خلقه من غير أب ~~كمثل آدم في كونه خلقه من تراب من غير أب وأم، ومعنى الآية أن صفة خلق ~~عيسى من غير أب كصفة آدم في كونه خلقه من تراب لا من أب وأم، فمن أقر بأن ~~الله خلق آدم من التراب اليابس وهو أبلغ في القدرة، فلم لا يقر بأن الله ~~خلق عيسى من مريم من غير أب بل الشأن في خلق آدم أعجب وأغرب وتم الكلام ~~عند قوله كمثل آدم لأنه تشبيه ms0455 كامل ثم قال تعالى: خلقه من تراب فهو خير ~~مستأنف على جهة التفسير لحال خلق آدم في كونه خلقه من تراب أي قدره جسدا ~~من طين { ثم قال له كن } أي أنشأه خلقا بالكلمة، وكذلك عيسى أنشأه خلقا ~~بالكلمة فعلى هذا القول ذكروا في الآية إشكالا وهو أنه تعالى قال: خلقه ~~من تراب ثم قال له: كن فهذا يقتضي أن يكون خلق آدم متقدما على قوله كن ~~ولا تكوين بعد الخلق. # وأجيب عن هذا الإشكال بأن الله تعالى أخبر بأنه خلقه من تراب لا من ذكر ~~وأنثى ثم ابتدأ خبرا آخر. فقال: إني أخبركم أيضا أني قلت له كن فكان من ~~غير ترتيب في الخلق كما يكون في الولادة، ويحتمل أن يكون المراد أنه ~~تعالى خلقه جسدا من تراب ثم قال له: كن بشرا فكان يصح النظم وقيل: ~~الضمير في قوله كن يرجع إلى عيسى عليه السلام وعلى هذا إشكال في الآية. ~~فإن قلت: كيف شبه عيسى عليه السلام بآدم عليه السلام وقد وجد عيسى من غير ~~أب ووجد آدم من غير أب ولا أم. قلت: هو مثله في أحد الطرفين فلا يمنع ~~اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به، ولأن المماثلة مشاركة في بعض ~~الأوصاف ولأنه شبه به في أنه وجد وجودا خارجا عن العادة المستمرة وهما ~~في ذلك نظيران لأن الوجود من غير أب وأم أغرب في العادة من الوجود من غير ~~أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر ~~فيما هو أغرب مما استغربه. وحكي أن بعض العلماء أسر في بلاد الروم فقال ~~لهم: لم تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أب له قال: فآدم أولى لأنه لا أب له ~~ولا أم قالوا: وكان يحيي الموتى فقال: جزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة ~~نفر وأحيا حزقيل أربعة آلاف: قالوا: وكان يبرئ الأكمه والأبرص قال: ~~فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سليما وقوله كن { فيكون } قال ابن ~~عباس: معناه كن فكان فأريد بالمستقبل الماضي ms0456 وقيل: معناه ثم قال له: كن ~~وأعلم يا محمد أن قال له ربك كن فإنه يكون لا محالة. ### || [3.60-61] # { الحق من ربك } الذي أخبرتك به من تمثيل عيسى بآدم هو الحق من ربك { ~~فلا تكن من الممترين } أي من الشاكين إن ذلك كذلك وهذا خطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد به أمته لأنه صلى الله عليه وسلم لم يشك قط فهو ~~كقوله تعالى: # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء # [الطلاق: 1] والمعنى فلا تكن من الممترين يا أيها السامع كائنا من كان ~~لهذا التمثيل والبرهان الذي ذكر فهو من باب التهيج لزيادة الثبات ~~والطمأنينة. قوله عز وجل: { فمن حاجك فيه } أي فمن جاد لك في عيسى وقيل ~~في الحق { من بعد ما جاءك من العلم } يعني بأن عيسى عبدالله ورسوله { فقل ~~تعالوا } أي هلموا والمراد منه المجيء وأصله من العلو بالرأي والعزم كما ~~تقول تعالى نتفكر هذه المسألة { ندع أبناءنا وأبناءكم } أي يدع كل منا ~~ومنكم إبناءه { ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم } قيل: أراد بالأبناء ~~الحسن والحسين وبالنساء فاطمة وبالنفس صلى الله عليه وسلم وعليا رضي ~~الله عنه وقيل هو على العموم لجماعة أهل الدين { ثم نبتهل } قال ابن ~~عباس: نتضرع في الدعاء وقيل: معناه نجتهد ونبالغ في الدعاء. وقيل: معناه ~~نلتعن والابتهال الالتعان يقال عليه بهلة الله أي لعنة الله { فنجعل لعنة ~~الله على الكاذبين } يعني منا ومنكم في أمر عيسى قال المفسرون: # " لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران ودعاهم ~~إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا ثم نأتيك غدا فلما خلا ~~بعضهم ببعض قالوا للعاقب: وكان كبيرهم وصاحب رأيهم ما ترى يا عبد المسيح ~~قال لقد عرفتم ما معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل، ولئن فعلتم ذلك ~~لتهلكن فإن أبيتم إلا الإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم ~~فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه ms0457 وعلي يمشي خلفها ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: " إذا دعوت فأمنوا " فلما رآهم أسقف ~~نجران قال: يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل أهله ~~لأزاله من مكانه فلا تبتهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى ~~يوم القيامة فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نباهلك وأن نتركك على ~~دينك وتتركنا على ديننا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن ~~أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم فأبوا ذلك. ~~فقال: إني أناجز فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة ولكنا نصالحك على ما لا ~~تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا وأن نؤدي إليك في كل سنة ألفي حلة ~~ألف في صفر وألف في رجب زاد في رواية وثلاثا وثلاثين درعا عادية وثلاثة ~~وثلاثين بعيرا وأربعا وثلاثين فرسا غازية فصالحهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على ذلك وقال: " والذي نفسي بيده إن العذاب تدلى على أهل نجران ~~ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا ولاستأصل ~~الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم ~~حتى هلكوا " # فإن قلت ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا لتبيين الصادق من الكاذب منه ~~ومن خصمه وذلك يختص به وبمن يباهله فما معنى ضم الأبناء والنساء في ~~المباهلة. قلت ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث ~~استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه، فلذلك ضمهم في ~~المباهلة، ولم يقتصر على تعريض نفسه لذلك وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك ~~خصمه مع أحبته وأعزته هلاك استئصال إن تمت المباهلة، وإنما خص الأبناء ~~والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلب وربما فداهم الرجل بنفسه، وحارب ~~دونهم حتى يقتل وإنما يقتل وإنما قدمهم في الذكر على النفس لينبه بذلك ~~على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وفيه دليل قاطع وبرهان واضح على صحة نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم لأنه لم يرو أحد من موافق ومخالف أنهم ms0458 أجابوا ~~إلى المباهلة لأنهم عرفوا صحة نبوته وما يدل عليها في كتبهم. ### || [3.62-64] # قوله تعالى: { إن هذا } يعني الذي قص عليك يا محمد من خبر عيسى عليه ~~السلام وأنه عبدالله ورسوله { لهو القصص الحق } وأصله من القصص وهو تتبع ~~الأثر والقصص الخبر الذي تتتابع فيه المعاني { وما من إله إلا الله } ~~إنما دخلت من لتوكيد النفي والمعنى أن عيسى ليس بإله كما زعمت النصارى ~~ففيه رد عليهم ونفي جميع من ادعى من المشركين أنهم آلهة وإثبات الإلهية ~~لله تعالى وحده لا شريك له في الإلهية { وإن الله لهو العزيز } أي الغالب ~~المنتقم ممن عصاه وخالف أمره وادعى معه إلها أخر { الحكيم } يعني في ~~تدبيره وفيه رد على النصارى لأن عيسى لم يكن كذلك { فإن تولوا } يعني فإن ~~أعرضوا عن الإيمان ولم يقبلوه { فإن الله عليم بالمفسدين } أي الذين ~~يعبدون غير الله ويدعون الناس إلى عبادة غيره وفيه وعيد وتهديد لهم. قوله ~~لهم. قوله عز وجل: { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى الكلمة سواء بيننا ~~وبينكم } قال المفسرون: لما قدم وفد نجران المدينة اجتمعوا باليهود ~~واختصموا في إبراهيم صلى الله عليه وسلم فزعمت النصارى أنه كان نصرانيا ~~وهم على دينه وأولى الناس به وقالت اليهود: بل كان يهوديا وهم على دينه ~~وأولى الناس به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كلا الفريقين برئ من إبراهيم ودينه بل كان حنيفا مسلما وأنا على ~~دينه فاتبعوا دينه الإسلام " # فقالت اليهود: ما تريد إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربا. ~~وقالت النصارى: يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير ~~فأنزل الله عز وجل: { قل يا أهل الكتاب تعالوا } أي هلموا إلى كلمة يعني ~~فيها إنصاف ولا ميل فيها لأحد على صاحبه، والعرب تسمي كل قصة أو قصيدة ~~لها أول وآخر وشرح كلمة سواء أي عدل لا يختلف فيها التوراة والإنجيل ~~والقرآن وتفسير الكلمة قوله: { أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ~~ولا يتخذ ms0459 بعضنا بعضا أربابا من دون الله } وذلك أن النصارى عبدوا غير ~~الله وهو المسيح وأشركوا به وهو قولهم أب وابن وروح القدس فجعلوا الواحد ~~ثلاثة واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وذلك أنهم يطيعونهم ~~فيما يأمرونهم به من الشرك ويسجدون لهم فهذا معنى اتخاذ بعضهم بعضا ~~أربابا من دون الله، فثبت أن النصارى قد جمعوا بين هذه الثلاثة أشياء ~~ومعنى الآية قل: يا محمد لليهود والنصارى هلموا إلى أمر عدل نصف وهو أن ~~لا نقول عزير ابن الله ولا نقول المسيح ابن الله لأن كل واحد منهما بشر ~~مخلوق مثلنا ولا نطيع أحبارنا ورهباننا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل ~~من غير رجوع إلى ما شرع ولا يسجد بعضنا لبعض لأن السجود لغير الله حرام ~~فلا نسجد لغير الله وقيل: معناه ولا نطيع أحدا في معصية الله { فإن ~~تولوا } يعني فإن أعرضوا عما أمرتهم به { فقولوا } أنتم لهؤلاء { اشهدوا ~~بأنا مسلمون } أي مخلصون بالتوحيد لله والعبادة له. # ق عن ابن عباس أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش ~~وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه وهو بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله ~~عظماء الروم ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به مع ~~دحية الكلبي إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه بسم الله ~~الرحمن الرحيم من محمد بن عبدالله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على ~~من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله ~~أجرك مرتين فإن توليت فإنما عليك إثم اليرسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا ~~إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا ~~يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا ~~مسلمون لفظ الحديث أحد روايات البخاري، وقد أخرجه بأطول من هذا وفيه ~~زيادة قوله اليريسيين وفي رواية الأريسيين ms0460 والأريس الأكار وهو الزراع ~~والفلاح وقيل: هم أتباع عبدالله بن أريس رجل كان في الزمن الأول بعثه ~~الله فخالفه قومه وقيل هم الأروسيون وهم نصارى أتباع عبدالله بن أروس وهم ~~الأروسة. وقيل: هم الأريسون بضم الهمزة وهم الملوك الذين يخالفون ~~أنبياءهم وقيل: هم المتبخترون وقيل: هم اليهود والنصارى الذين صددتهم عن ~~الإسلام واتبعوك على كفرك. ### || [3.65-66] # قوله عز وجل: { يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم } قال ابن عباس: ~~اجتمع عند النبي صلى الله عليه وسلم نصارى نجران وأحبار اليهود فتنازعوا ~~عنده فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا. وقالت النصارى ما كان ~~إبراهيم إلا نصرانيا فأنزل الله فيهم يا أهل الكتاب لم تحاجون في ~~إبراهيم؟ { وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } ومعنى الآية ~~اليهود والنصارى لما اختصموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ~~إبراهيم عليه السلام وادعت كل طائفة أنه كان منهم وعلى دينهم فبرأ الله ~~عز وجل إبراهيم مما ادعوا فيه وأخبر أن اليهودية والنصرانية إنما حدثا ~~بعد نزول التوراة والإنجيل وإنما نزلا بعد إبراهيم بزمان طويل فكان بين ~~إبراهيم وبين موسى ونزول التوراة عليه خمسمائة سنة وخمسة وسبعون سنة وبين ~~موسى وعيسى ألف وستمائة واثنتان وثلاثون سنة. وقال ابن إسحاق: كان بين ~~إبراهيم وموسى خمسمائة سنة وخمس وستون سنة وبين موسى وعيسى ألف سنة ~~وتسعمائة وعشرون سنة وأورد على هذا التأويل أن الإسلام أيضا إنما حدث ~~بعد إبراهيم وموسى وعيسى بزمان طويل، وكذلك إنزال القرآن إنما نزل بعد ~~التوراة والإنجيل فكيف يصح ما ادعيتم في إبراهيم أنه كان حنيفا مسلما ~~وأجيب عنه بأن الله عز وجل أخبر في القرآن بأن إبراهيم كان حنيفا مسلما ~~وليس في التوراة والإنجيل أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا فصح وثبت ~~ما ادعاه المسلمون وبطل ما ادعاه اليهود والنصارى. وهو قوله تعالى { أفلا ~~تعقلون } يعني بطلان قولكم يا معشر اليهود والنصارى حتى لا تجادلوا مثل ~~هذا الجدال المحال { ها أنتم هؤلاء } ها للتنبيه وهو موضع النداء يعني يا ms0461 ~~هؤلاء والمراد بهم أهل الكتابين يعني ما معشر اليهود والنصارى { حاججتم } ~~أي جادلتم وخاصمتم { فيما لكم به علم } يعني فيما وجدتم في كتبكم وأنزل ~~عليكم بيانه في أمر موسى وعيسى، وادعيتم أنكم على دينهما وقد أنزلت ~~التوراة والإنجيل عليكم { فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم } يعني أنه ليس ~~في كتابكم أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا { والله يعلم } يعني ما ~~كان إبراهيم عليه من الدين { وأنتم لا تعلمون } يعني ذلك والمعنى ذلك ~~والمعنى وأنتم جاهلون بما تقولون في إبراهيم ثم برأه الله عز وجل عما ~~قالوا فيه وأعلمهم أن إبراهيم برئ من دينهم. ### || [3.67-68] # فقال تعالى: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا } يعني لم يكن كما ~~ادعوه فيه، ثم وصفه بما كان عليه من الدين فقال تعالى: { ولكن كان حنيفا ~~مسلما } يعني مائلا عن الأديان إلى الدين المستقيم وهو الإسلام وقيل: ~~الحنيف الذي يوجد ويختتن ويضحي ويستقبل الكعبة في صلاته وهو أحسن الأديان ~~وأسهلها وأحبها إلى الله عز وجل { وما كان من المشركين } يعني الذين ~~يعبدون الأصنام وقيل: فيه تعريض بكون النصارى مشركين لقولهم بإلهية ~~المسيح وعبادتهم له. قوله عز وجل: { إن أولى الناس بإبراهيم } يعني أخصهم ~~به وأقربهم منه { للذين اتبعوه } يعني الذين كانوا في زمانه وآمنوا به ~~واتبعوا شريعته { وهذا النبي } يعني محمدا صلى الله صلى الله عليه { ~~والذين آمنوا } يعني هذه الأمة الإسلامية { والله ولي المؤمنين } يعني ~~بالنصر والمعونة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي أبي وخليل ربي إبراهيم ثم قرأ { ~~إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي ~~المؤمنين } " # أخرجه الترمذي وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ورواه محمد بن إسحاق ~~عن ابن شهاب بإسناده حديث هجرة الحبشة قال: لما هاجر جعفر بن أبي طالب ~~وأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة واستقرت بهم ~~الدار وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى ms0462 المدينة وكان من أمر بدر وما ~~كان اجتمعت قريش في دار الندوة وقالوا: إن لنا في الذين عند النجاشي من ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثأرا ممن قتل منكم ببدر فاجمعوا مالا ~~وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم ولينتدب لذلك رجلان ~~من ذوي رأيكم فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط معهما الهدايا ~~والأدم وغيره فركبا البحر حتى أتيا الحبشة فلما دخلا على النجاشي سجدا له ~~وسلما عليه وقالا له إن قومنا لك ناصحون شاكرون ولأصحابك محبون، وإنهم ~~بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء الذين قدموا عليك لأنهم قوم رجل كذاب خرج يزعم ~~أنه رسول الله ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء وإنا كنا قد ضيقنا عليهم ~~الأمر وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا يدخل عليهم أحد ولا يخرج منهم أحد ~~فقتلهم الجوع والعطش، فلما اشتد عليه الأمر بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك ~~دينك وملكك ورعيتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكم. قال: وآية ذلك أنهم ~~إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك بها الناس ~~رغبة عن دينك وسنتك قال: فدعاهم النجاشي فلما حضروا صاح جعفر بالباب ~~يستأذن عليك حزب الله تعالى فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه ~~ففعل جعفر فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان الله وذمته فنظر عمرو إلى ~~صاحبه فقال: ألا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به الملك فساءهما ~~ذلك ثم دخلوا عليه فلم يسجدوا له فقال عمرو بن العاص: ألا ترى أنهم ~~يستكبرون أن يسجدوا لك فقال لهما النجاشي: ما منعكم أن تسجدوا لي وتحيوني ~~بالتحية التي يحييني بها من أتاني من الآفاق قالوا نسجد لله الذي خلقك ~~وملكك إنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان فبعث الله فينا نبيا ~~صادقا فأمرنا بالتحية التي رضيها الله وهي السلام تحية أهل الجنة، فعرف ~~النجاشي أن ذلك حق وأنه في التوراة والإنجيل. # قال: أيكم الهاتف يستأذن عليك حزب الله؟ قال جعفر أنا قال فتكلم قال: ~~إنك ملك من ملوك ms0463 الأرض من أهل الكتاب ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا ~~الظلم وإنما أحب أن أجيب عن أصحابي فمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ~~ولينصت الآخر فتسمع محاورتنا فقال عمرو لجعفر تكلم فقال جعفر للنجاشي: سل ~~هذين الرجلين أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنا عبيدا قد أبقنا من أربابنا ~~فردنا عليهم فقال النجاشي أعبيد هم أم أحرار؟ فقال بل أحرار كرام فقال ~~النجاشي: نجوا من العبودية فقال جعفر: سلهما هل أرقنا دما بغير حق فيقتص ~~منا فقال عمرو: لا ولا قطرة قال جعفر: سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير ~~حق فعلينا قضاؤها قال النجاشي: إن كان قنطارا فعلي قضاؤه فقال عمرو: لا ~~ولا قيراط فقال النجاشي: فما تطلبون منهم قال كنا وإياهم على دين واحد ~~وأمر واحد على دين آبائنا فتركوا ذلك وابتعوا غيره فبعثنا قومنا لتدفعهم ~~إلينا فقال النجاشي: وما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذي اتبعوه ~~فقال جعفر: أما الدين الذي كنا عليه فهو دين الشيطان كنا نكفر بالله ~~ونعبد الحجارة، وأما الذي تحولنا إليه فهو دين الله الإسلام جاءنا به من ~~عند الله رسول، وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقا له فقال النجاشي: يا ~~جعفر تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك ثم أمر النجاشي بضرب الناقوس فضرب فاجتمع ~~إليه كل قسيس وراهب، فلما اجتمعوا عنده قال النجاشي: أنشدكم الله الذي ~~أنزل الإنجيل على عيسى هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيا مرسلا ~~قالوا: اللهم نعم قد بشرنا به عيسى فقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر ~~به فقد كفر بي. فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل وما يأمركم ~~به وما ينهاكم عنه؟ فقال: يقرأ علينا كتاب الله ويأمرنا بالمعروف وينهانا ~~عن المنكر ويأمرنا بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم، ويأمرنا أن نعبد ~~الله وحده لا شريك له فقال له: اقرأ علي مما يقرأ عليكم فقرأ عليه سورة ~~العنكبوت والروم ففاضت عينا النجاشي وأصحابه من الدمع وقالوا: زدنا من ~~هذا الحديث الطيب فقرأ عليهم سورة ms0464 الكهف فأراد عمرو أن يغضب النجاشي ~~فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه فقال النجاشي: فما تقولون في عيسى وأمه فقرأ ~~عليهم سورة مريم فلما أتى على ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي من سواكه قدر ~~ما بقذى العين وقال: والله ما زاد المسيح على ما تقولون هذا. # ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي يقول آمنون من ~~سبكم أو أذاكم غرم ثم قال: أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة اليوم على حزب ~~إبراهيم فقال عمرو: يا نجاشي ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم ~~الذي جاؤوا من عنده ومن اتبعهم فأنكر ذلك المشركون وادعوا دين إبراهيم ثم ~~رد النجاشي على عمرو وصاحبه المال الذي حملوه وقال: إنما هديتكم إلى رشوة ~~فاقبضوها فإن الله ملكني ولم يأخذ مني رشوة قال جعفر: فانصرفنا فكنا في ~~خير جوار وأنزل الله عز وجل في ذلك اليوم على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في خصومتهم في إبراهيم وهو في المدينة: { إن أولى الناس بإبراهيم ~~للذين اتبعوه وهذا النبي، والذين آمنوا والله ولي المؤمنين }. ### || [3.69-72] # قوله تعالى: { ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم } نزلت في معاذ بن ~~جبل، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر حين دعاهم اليهود إلى دينهم، فنزلت ~~فيهم ودت طائفة أي تمنت جماعة من أهل الكتاب يعني اليهود لو يضلونكم يعني ~~عن دينكم ويردونكم إلى الكفر { وما يضلون إلا أنفسهم } لأن المؤمنين لا ~~يقبلون قولهم فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين { وما يشعرون } ~~يعني أن وبال الإضلال يعود عليهم لأن العذاب يضاعف لهم بسبب ضلالهم وتمني ~~إضلال المسلمين وما يقدرون على ذلك إنما يضلون أمثالهم وأتباعهم وأشياعهم ~~{ يا أهل الكتاب } الخطاب لليهود { لم تكفرون بآيات الله } يعني القرآن. ~~وقيل المراد بآيات الله الواردة في التوراة والإنجيل من نعت محمد صلى ~~الله عليه وسلم وصفته وسبب كفرهم بالتوراة والإنجيل على هذا القول هو ~~تحريفهم وتبديلهم ما فيها من بيان نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ~~والبشارة بنبوته لأنهم ينكرون ذلك، { وأنتم ms0465 تشهدون } يعني أن نعته وصفته ~~مذكور في التوراة والإنجيل، وذلك أن أحبار اليهود كانوا يكتمون الناس ~~نعته وصفته فإذا خلا بعضهم ببعض أظهروا ذلك فيما بينهم وشهدوا أنه حق يا ~~أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل، وذلك أن علماء اليهود والنصارى كانوا ~~يعلمون بقلوبهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله وأن دينه ~~حق، وكانوا ينكرون ذلك بألسنتهم وكانوا يجتهدون في إلقاء الشبهات ~~والتشكيكات، وذلك أن الساعي في إخفاء الحق لا يقدر على ذلك إلا بهذه ~~الأمور فقوله تعالى: { لم تلبسون الحق بالباطل } معناه تحريف التوراة ~~وتبديلها فيخلطون المحرف الذي كتبوه بأيديهم بالحق المنزل وقيل هو خلط ~~الإسلام باليهودية والنصرانية وذلك أنهم تواطؤوا على إظهار الإسلام في ~~أول النهار والرجوع عنه في آخره، والمراد بذلك تشكيك الناس وقيل إنهم ~~كانوا يقولون: إن محمدا صلى الله عليه وسلم معترف بصحة نبوة موسى وإنه ~~حق ثم إن التوراة دالة على أن شرع موسى لا ينسخ فهذا من تلبيساتهم على ~~الناس { وتكتمون الحق } يعني نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته في ~~التوراة { وأنتم تعلمون } يعني أنه رسول من عند الله وأن دينه حق وإنما ~~كتمتم الحق عنادا وحسدا وأنتم تعلمون ما تستحقون على كتمان الحق من ~~العقاب. قوله عز وجل: { وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على ~~الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره } وهذا نوع آخر من تلبيسات اليهود، ~~وقيل تواطأ اثنا عشر حبرا من يهود خيبر وقرى عرينة فقال بعضهم لبعض: ~~ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون اعتقاد القلب ثم اكفروا آخر ~~النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا أن محمدا ليس ~~هو بذلك المنعوت وظهر لنا كذبه فإذا فعلتكم ذلك شك أصحاب محمد في دينه ~~واتهموه وقالوا: إنهم أهل الكتاب وأعلم به منا فيرجعون عن دينهم وقيل: ~~هذا شأن القبلة وذلك أنه لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فقال كعب ~~بن الأشرف لأصحابه آمنوا بالذي أنزل على محمد في ms0466 أمر الكعبة وصلوا إليها ~~أول النهار ثم اكفروا وارجعوا إلى قبلتكم آخر النهار لعلهم يرجعون ~~فيقولون: هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم فيرجعون إلى قبلتنا فأطلع الله رسوله ~~صلى الله عليه وسلم على سرهم وأنزل هذه الآية، ووجه النهار أوله والوجه ~~مستقبل كل شيء لأنه أول ما يواجه منه وأنشدوا في معناه: # من كان مسرورا بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار # وقوله { لعلهم يرجعون } يعني عنه أي إنا ألقينا هذه الشبهة لعلهم يشكون ~~في دينهم فيرجعون عنه ولما دبروا هذه الحيلة أخبر الله تعالى نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بها فلم تتم لهم ولم يحصل لها أثر في قلوب المؤمنين ولولا ~~هذا الإعلام من الله تعالى لكان ربما أثر ذلك في قلوب بعض من كان في ~~إيمانه ضعف. ### || [3.73] # قوله تعالى: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } هذا متصل بالأول وهو من ~~قول اليهود يقول بعضهم لبعض ولا تؤمنوا أي ولا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم ~~أي وافق ملتكم التي أنتم عليها وهي اليهودية. واللام في لمن صلة كقوله ~~ردف لكم أي ردفكم { قل إن الهدى هدى الله } أي إن الدين دين الله والبيان ~~بيانه، وهذا خبر من الله تعالى ثم اختلفوا فيه فمنهم من قال: هذا كلام ~~معترض بين كلامين وما بعده متصل بالكلام الأول وهو إخبار عن قول اليهود ~~بعضهم لبعض ومعنى الآية ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم من العلم والحكمة والكتاب والآيات من فلق البحر وإنزال ~~المن والسلوى عليكم وغير ذلك من الكرامات، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ~~ربكم لأنكم أصح دينا منهم فلما أخبر الله تعالى عن اليهود بذلك قال في ~~أثناء ذلك أن الهدى هدى الله، والمعنى أن الذي أنتم عليه إنما صار دينا ~~بحكم الله وأمره فإذا أمر بدين آخر وجب اتباعه والانقياد لحكمه لأنه هو ~~الذي هدى إليه وأمر به وقيل: معناه قل لهم: يا محمد إن الهدى هدى الله ~~وقد جئتكم به ولن ينفعكم ms0467 في دفعه هذا الكيد الضعيف وقرأ الحسن والأعمش إن ~~يؤتى بكسر الألف فيكون قول اليهود تاما عند قوله إلا لمن تبع دينكم وما ~~بعده من قول الله تعالى والمعنى قل يا محمد إن الهدى هدى الله { أن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم } وتكون أن معنى الجحد أي ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ~~يا محمد من الدين والهدى { أو يحاجوكم عند ربكم } يعني إلا أن يحاجوكم ~~أي اليهود بالباطل فيقولوا: نحن أفضل منكم وقوله عند ربكم أي عند فعل ~~ربكم وقيل: أوفي قوله أو يحاجوكم بمعنى حتى ومعنى الآية ما أعطى الله ~~أحدا مثل ما أعطيتم يا أمة محمد من الدين والحجة حتى يحاجوكم عند ربكم ~~وقرأ ابن كثير آن يؤتى بالمد على الاستفهام، وحينئذ يكون في الكلام ~~اختصار تقديره أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب ~~والحكمة فتحسدونه ولا تؤمنون به هذا قول قتادة والربيع قالا: هذا من قول ~~الله تعالى قل يا محمد إن الهدى هدى الله ألأن أنزل كتابا مثل كتابكم ~~وبعث نبيا مثل نبيكم حسدتموه وكفرتم به قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من ~~يشاء. وقوله: أو يحاجوكم على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين وتكون ~~أو بمعنى إن لأنهما حرفا شرط وجزاء يوضع أحدهما موضع الآخر. والمعنى وأن ~~يحاجوكم يا معشر المؤمنين عند ربكم قل: يا محمد إن الهدى هدى الله ونحن ~~عليه ويحتمل أن يكون الجميع خطابا للمؤمنين ويكون نظم الآية أن يؤتى أحد ~~مثل ما أوتيتم يا معشر المؤمنين، فإن حسدوكم فقل إن الفضل بيد الله، فإن ~~حاجوكم فقل إن الهدى هدى الله ويحتمل أن يكون الخبر عن اليهود قد تم عند ~~قوله لعلهم يرجعون وقوله: ولا تؤمنوا من كلام الله تعالى ثبت به قلوب ~~المؤمنين لئلا يشكوا عند تلبس اليهود وتزويرهم في دينهم يقول الله عز ~~وجل: ولا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا لمن تبع دينكم ولا تصدقوا أن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم من الدين والفضل ولا ms0468 تصدقوا أن يحاجوكم عند ربكم أو ~~يقدروا على ذلك فإن الهدى هدى الله، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله واسع عليم. # فتكون الآية كلها خطابا للمؤمنين عند تلبيس اليهود لئلا يرتابوا ولا ~~يشكوا وقوله تعالى: { قل إن الفضل } يعني قل لهم يا محمد إن التوفيق ~~للإيمان والهداية للإسلام { بيد الله } أي أنه مالك له وقادر عليه دونكم ~~ودون سائر خلقه { يؤتيه من يشاء } يعني الفضل الذي هو دين الإسلام يعطيه ~~من يشاء من عباده ويوفق له من أراد من خلقه وفيه تكذيب لليهود في قولهم ~~أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم فقال الله تعالى ردا عليهم قل لهم ليس ذلك ~~إليهم وإنما الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وأصل الفضل في اللغة الزيادة ~~وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير ~~{ والله واسع } أي ذو سعة يتفضل على من يشاء { عليم } أي بمن يتفضل عليه ~~وهو للفضل أهل. ### || [3.74-75] # { يختص برحمته } يعني بنبوته ورسالته وقيل بدينه الذي هو الإسلام وقيل ~~بالقرآن { من يشاء } يعني من خلقه وفيه دليل على أن النبوة لا تحصل إلا ~~بالاختصاص والتفضل لا بالاستحقاق لأنه تعالى جعلها من باب الاختصاص ~~وللفاعل أن يفعل ما يشاء إلى من يشاء بغير استحقاق { والله ذو الفضل ~~العظيم } قوله عز وجل: { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ~~ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } الآية نزلت في اليهود أخبر الله ~~عز وجل أن فيهم أمانة وخيانة وقسمهم قسمين، والقنطار عبارة عن المال ~~الكثير والدينار عبارة عن المال القليل يقول منهم من يؤد الأمانة وإن ~~كثرت مثل عبدالله بن سلام وأصحابه ومنهم من لا يؤديها وإن قلت: وهم كفار ~~أهل الكتاب مثل كعب بن الأشرف وأصحابه قال ابن عباس في هذه الآية: أودع ~~رجل من قريش عبدالله بن سلام ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأداها إليه فذلك ~~قوله تعالى: { ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من ms0469 أن ~~تأمنه بدينار لا يؤده إليك } يعني فنحاص بن عازوراء استودعه رجل من قريش ~~دينارا فخانه وجحده ولم يؤده إليه. وقيل: أهل الأمانة هم النصارى، وأهل ~~الخيانة هم اليهود لأن مذهبهم أن يحل قتل من خالفهم في أمر الدين وأخذ ~~ماله بأي طريق كان { إلا ما دمت عليه قائما } قال ابن عباس: يريد تقوم ~~عليه وتطالبه بالإلحاح والخصومة والملازمة وقيل: معناه إلا مدة دوامك ~~عليه يا صاحب الحق قائما على رأسه متوكلا عليه بالمطالبة له والتعنيف ~~بالرفع إلى الحاكم وإقامة البينة عليه. وقيل أراد أنه إن أودعته شيئا ثم ~~استرجعته منه في الحال وأنت قائم على رأسه لم تفارقه رده عليك. وإن أخرت ~~استرجاع ما أودعته وأنكره ولم يرده عليك { ذلك } أي سبب ذلك الاستحلال ~~والخيانة { بأنهم قالوا } يعني اليهود { ليس علينا في الأميين سبيل } ~~يعني أنهم يقولون ليس علينا إثم ولا حرج في أخذ مال العرب وذلك أن اليهود ~~قالوا: أموال العرب حلال لنا إنهم ليسوا على ديننا ولا حرمة لهم في ~~كتابنا وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم وقيل: إن اليهود قالوا نحن ~~أبناء الله وأحباؤه والخلق لنا عبيد فلا سبيل علينا إذا أكلنا أموال ~~عبيدنا وقيل إنهم قالوا: إن الأموال كلها كانت لنا فما في يد العرب فهو ~~لنا، وإنما هم ظلمونا وغصبوها منا فلا سبيل علينا في أخذها منهم بأي طريق ~~كان وقيل إن اليهود كانوا يبايعون رجالا من المسلمين في الجاهلية. فلما ~~أسلموا تقاضوهم بقية أموالهم فقالوا: ليس لكم علينا حق ولا عندنا قضاء ~~لأنكم تركتم دينكم وانقطع العهد بيننا وبينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في ~~كتابهم فأكذبهم الله تعالى فقال { ويقولون على الله الكذب } يعني اليهود ~~{ وهم يعلمون } يعني أنهم كاذبون ثم إنه تعالى رد على اليهود قولهم. ### || [3.76-77] # فقال: { بلى } أي ليس الأمر كما قالوا بل عليهم سبيل ولفظة بلى لمجرد ~~نفي ما قبلها فعلى هذا يحسن الوقوف عليها ثم يبتدئ من أوفى أي ولكن { من ~~أوفى بعهده } أي بعهد الله الذي ms0470 عهد إليه في التوراة من الإيمان بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وبالقرآن الذي أنزل عليه وبأداء الأمانة إلى من ~~ائتمنه عليها وقيل الهاء في قوله بعهده راجعة إلى الموفى { واتقى } يعني ~~الكفر والخيانة ونقض العهد { فإن الله يحب المتقين } يعني الذين يتقون ~~الشرك. ق عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه ~~خصلة من النفاق حتى يدعها إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر ~~وإذا خاصم فجر " # ، وفي رواية # " إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر " # قوله عز وجل: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } قال ~~عكرمة نزلت هذه الآية في أحبار اليهود ورؤسائهم أبي رافع وكنانة بن أبي ~~الحقيق وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب الذين كتموا ما عهد الله إليهم في ~~التوراة في شأن محمد صلى الله عليه وسلم فبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره ~~وحلفوا أنه من عند الله لئلا تفوتهم الرشا والمآكل التي كانوا يأخذونها ~~من أتباعهم وسفلتهم وقيل نزلت في ادعاء اليهود الذين قالوا: إنه ليس ~~علينا في الأميين سبيل وكتبوا ذلك بأيديهم وحلفوا أنه من عند الله وقيل ~~نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له. ق عن عبدالله بن مسعود أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان " # قال عبدالله: ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب ~~الله عز وجل: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } إلى ~~آخر الآية وفي رواية قال: # " من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان ~~" # فأنزل الله تصديق ذلك { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا } الآية. فدخل الأشعث بن قيس الكندي فقال: ما يحدثكم أبو عبد ~~الرحمن قلنا كذا وكذا فقال صدق في نزلت كان ms0471 بيني وبين رجل خصومة في بئر ~~فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " شاهداك أو يمينه " # قلت إنه إذا يحلف لا يبالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله ~~وهو عليه غضبان " # ونزلت { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } إلى آخر ~~الآية. وأخرجه الترمذي وأبو داود وقالا: إن الحكومة كانت بين الأشعث وبين ~~رجل يهودي. وقيل نزلت هذه الآية في رجل أقام سلعة في السوق فحلف بالله ~~لقد أعطى بها ما لم يعطه خ عن عبدالله بن أبي أوفى: " أن رجل أقام سلعة ~~وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من ~~المسلمين فنزلت: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } ~~إلى آخر الآية. وقيل الأقرب حمل الآية على الكل فقوله تعالى { إن الذين ~~يشترون بعهد الله } يدخل فيه جميع ما أمر الله به ويدخل فيه العهود ~~والمواثيق المأخوذة من جهة الرسل ويدخل فيه ما يلزم الرجل نفسه من عهد ~~وميثاق فكل ذلك من عهد الله الذي يجب الوفاء به. ومعنى إن الذين يشترون ~~يستبدلون بعهد الله يعني الأمانة وأيمانهم يعني الكاذبة ثمنا قليلا ~~يعني شيئا يسيرا من حطام الدنيا، وذلك لأن المشتري يأخذ شيئا ويعطي ~~شيئا فكل واحد من يعطي، والمأخوذ ثمنا للآخر فهذا معنى الشراء { أولئك ~~} يعني من هذه صفتهم { لا خلاق لهم في الآخرة } أي لا نصيب لهم في الآخرة ~~ونعيمها وجميع منافعها { ولا يكلمهم الله } يعني كلاما يسرهم به أو ~~ينفعهم. وقيل: هو بمعنى الغضب { ولا ينظر إليهم يوم القيامة } أي لا ~~يرحمهم ولا يحسن إليهم ولا ينيلهم خيرا { ولا يزكيهم } أي ولا يطهرهم من ~~الذنوب ولا يثني عليهم بجميل { ولهم عذاب أليم } يعني في الآخرة. ق عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ثلاثة لا يكلمهم ms0472 الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم: رجل حلف على سلعة لقد أعطي بها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل ~~حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، ورجل منع فضل ~~ماله فيقول الله له اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك " # ، م عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقلت: ~~خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال المسبل والمنان والمنفق سلعته ~~بالحلف الكاذب " # " وللنسائي " المنان بما أعطى والمسبل إزاره والمنفق سلعته بالحلف ~~الكاذب. م عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار ~~فقالوا: يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا قال وإن كان قضيبا من أراك ~~". ### || [3.78-79] # قوله عز وجل: { وإن منهم } يعني من اليهود { لفريقا } يعني طائفا ~~وجماعة وهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وأبو ياسر وشعبة ~~بن عمرو الشاعر { يلوون } أي يعطفون ويميلون، وأصل اللي الفتل من قولك ~~لويت يده إذا فتلتها { ألسنتهم بالكتاب } يعني بالتحريف والتغيير ~~والتبديل وتحريف الكلام تقليبه عن وجهه لأن المحرف يلوي لسانه عن سنن ~~الصواب بما يأتي به من عند نفسه قال الواحدي: ويحتمل أن يكون المعنى ~~يلوون بألسنتهم الكتاب لأنهم يحرفون الكتاب عما هو عليه بألسنتهم فيأتون ~~به على القلب ونقل الإمام فخر الدين عن القفال قال يلوون ألسنتهم معناه ~~أن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفونها في حركات الإعراب تحريفا يتغير به ~~المعنى وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية فلما فعلوا ~~ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة كان ~~ذلك هو المراد من قوله يلوون ألسنتهم بالكتاب وقيل إنهم غير واصفة النبي ~~صلى ms0473 الله عليه وسلم من التوراة وبدلوها، وآية الرجم وغير ذلك مما بدلوا ~~وغيروا { لتحسبوه من الكتاب } يعني لتظنوا أن الذي حرفوه وبدلوه من ~~الكتاب الذي أنزله الله على أنبيائه { وما هو من الكتاب } يعني ذلك الذي ~~يزعمون أنه من الكتاب ما هو منه { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند ~~الله } يعني الذي يقولونه ويغيرونه، وإنما كرر هذا بلفظين مختلفين مع ~~اتحاد المعنى لأجل التأكيد { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } يعني ~~أنهم كاذبون. وقال ابن عباس: إن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعا ~~وذلك أنهم حرفوا التوراة والإنجيل وألحقوا في كتاب الله ما ليس فيه. قوله ~~عز وجل: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة } قيل إن ~~نصارى نجران قالوا إن عيسى أمرهم أن يتخذوه ربا فقال الله تعالى ردا ~~عليهم: ما كان لبشر يعني عيسى عليه السلام أن يؤتيه الله الكتاب يعني ~~الإنجيل. وقال ابن عباس في قوله تعالى ما كان لبشر يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم أن يؤتيه الله الكتاب يعني القرآن وذلك أن أبا رافع من اليهود ~~والسيد من نصارى نجران قالا: يا محمد تريد أن نعبدك ونتخذك ربا؟ قال ~~معاذ الله أن آمر بعبادة غير الله وما بذلك أمرني الله، وما بذلك بعثني ~~فأنزل الله هذه الآية ما كان لبشر أي ما ينبغي لبشر وهو جميع بني آدم لا ~~واحد له من لفظه كالقوم والرهط ويوضع موضع الواحد والجمع أن يؤتيه الله ~~الكتاب والحكم يعني الفهم والعلم، وقيل هو إمضاء الحكم من الله تعالى ~~والنبوة يعني المنزلة الرفيعة { ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ~~الله } ومعنى الآية أنه لا يجتمع لرجل نبوة مع القول للناس كونوا عبادا ~~لي من دون الله وكيف يدعو الناس إلى عبادة نفسه دون الله وقد أتاه الله ~~ما أتاه من الكتاب والحكم والنبوة وذلك أن الأنبياء موصون بصفات لا يحصل ~~معها ادعاء الإلهية والربوبية منها إن الله تعالى أتاهم الكتب السماوية، ~~ومنها إيتاء ms0474 النبوة ولا يكون إلا بعد كمال العلم وكل هذه تمنع من هذه ~~الدعوى { ولكن كونوا ربانيين } يعني ولكن يقول لهم كونوا ربانيين فأضمر ~~القول على حسب مذهب العرب في جواز الإضمار إذا كان في الكلام ما يدل ~~عليه، واختلفوا في معنى الرباني فقال ابن عباس: معناه كونوا فقهاء علماء ~~وعنه كونوا فقهاء معلمين وقيل معناه حكماء حكماء، وقيل الرباني الذي يربي ~~الناس بصغار العلم وكباره وقيل الرباني العالم الذي يعمل بعلمه، وقيل ~~الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي وقيل الرباني الذي جمع بين ~~علم البصيرة والعلم بسياسة الناس، ولما مات ابن عباس رضي الله عنهما قال ~~محمد بن الحنفية: اليوم مات رباني هذه الأمة قال سيبويه: الرباني المنسوب ~~إلى الرب بمعنى كونه عالما به ومواظبا على طاعته وزيادة الألف والنون ~~فيه دلالة على كمال هذه الصفة وقال المبرد: الربانيون أرباب العلم واحدهم ~~ربان وهو الذي يربى العلم ويربي الناس أي يعلمهم وينصحهم والألف والنون ~~للمبالغة فعلى قول سيبويه الرباني منسوب إلى الرب على معنى التخصيص ~~بمعرفة الرب وطاعته، وعلى قول المبرد الرباني مأخوذ من التربية. # وقيل الربانيون هم ولاة الأمر والعلماء وهما الفريقان اللذان يطاعان ~~ومعنى الآية على هذا التأويل لا أدعوكم إلى أن تكونوا عبادا لي ولكن ~~أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكا وعلماء ومعلمين الناس الخير ومواظبين على ~~طاعة الله وعبادته. وقال أبو عبيدة: أحسب أن هذه الكلمة ليست عربية إنما ~~هي عبرانية أو سريانية وسواء كانت عربية أو عبرانية فهي تدل على الذي علم ~~وعمل بما علم وعلم الناس طريق الخير. وقوله تعالى: { بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون } أي كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين ومعلمين ~~بسبب دراستكم الكتاب، فدلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب ~~كون الإنسان ربانيا فمن اشتغل بالعلم والتعليم لا لهذا المقصود ضاع علمه ~~وخاب سعيه. ### || [3.80-81] # قوله عز وجل: { ولا يأمركم } قرئ بنصب الراء عطفا على قوله ثم يقول: ~~فيكون مردودا على البشر وقيل على إضمار أن أي ولا أن يأمركم، ms0475 وقرئ برفع ~~الراء على الاستئناف وهو ظاهر ومعناه ولا يأمركم الله وقيل لا يأمركم ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقيل ولا يأمركم عيسى وقيل ولا يأمركم الأنبياء ~~{ أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا } يعني كفعل قريش والصابئين حيث ~~قالوا الملائكة بنات الله وكفعل اليهود والنصارى حيث قالوا في المسيح ~~والعزير ما قالوا وإنما خص الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذين وصفوا ~~بعبادة غير الله عز وجل من أهل الكتاب لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة ~~وعبادة المسيح وعزير، فلهذا المعنى خصهم بالذكر { أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم مسلمون } إنما قاله على طريق التعجب والإنكار، يعني لا يقول هذا ولا ~~يفعله. قوله عز وجل: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } قال الزجاج: موضع إذ ~~نصب والمعنى واذكر في أقاصيصك إذ أخذ الله. وقال الطبري: معناه واذكروا ~~يا أهل الكتاب إذ أخذ الله يعني حين أخذ الله ميثاق النبيين. وأصل ~~الميثاق في اللغة عقد يؤكد بيمين، ومعنى ميثاق النبيين ما وثقوا به على ~~أنفسهم من طاعة الله فيما أمرهم به ونهاهم عنه وذكروا في معنى أخذ ~~الميثاق وجهين: أحدهما: أنه مأخوذ من الأنبياء. والثاني: أنه مأخوذ لهم ~~من غيرهم فلهذا السبب اختلفوا في المعنى بهذه الآية، فذهب قوم إلى أن ~~الله تعالى أخذ الميثاق من النبيين خاصة قبل أن يبلغوا كتاب الله ~~ورسالاته إلى عباده أن يصدق بعضهم بعضا، وأخذ العهد على كل نبي أن يؤمن ~~بمن يأتي بعده من الأنبياء وينصره إن أدركه وإن لم يدركه أن يأمر قومه ~~بنصرته إن أدركوه فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. وهذا قول سعيد بن جبير والحسن ~~وطاوس وقيل: إنما أخذ الميثاق من النبيين في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ~~خاصة وهو قول علي وابن عباس وقتادة والسدي فعلى هذا القول اختلفوا، فقيل ~~إنما أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب الذين أرسل إليهم النبيين ويدل ~~عليه قوله ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن ms0476 به ولتنصرنه وإنما كان ~~محمد صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى أهل الكتاب دون النبيين، وإنما أطلق ~~هذا اللفظ عليهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل ~~الكتاب والنبيون منا، وقيل أخذ الله ميثاق على النبيين وأممهم جميعا في ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم فاكتفى بذكر الأنبياء لأن العهد مع المتبوع ~~عهد مع الأتباع وهو قول ابن عباس قال علي بن أبي طالب: ما بعث الله نبيا ~~آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأخذ هو ~~العهد على قومه ليؤمنن به ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه وقيل إن المراد من ~~الآية أن الأنبياء كانوا يأخذون العهد والميثاق على أممهم بأنه إذا بعث ~~محمدا أن يؤمنوا به وينصروه وهذا قول كثير من المفسرين وقوله { لما ~~آتيتكم من كتاب وحكمة } قرئ بفتح اللام من لما وبكسرها مع التخفيف في ~~القراءتين فمن قرأ بفتح اللام قال: معنى الآية وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين من أجل الذي آتاهم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول يعني ذكر محمد ~~صلى الله عليه وسلم في التوراة لتؤمنن به للذي عندكم في التوراة من ذكره ~~ومن قرأ بكسر اللام جعل قوله لتؤمنن به من أخذ الميثاق كما يقال أخذت ~~ميثاقك لتفعلن لأن أخذ الميثاق بمنزلة الاستحلاف فكان معنى الآية وإذ ~~استحلف الله النبيين للذي أتاهم من كتاب وحكمة متى جاءهم رسول مصدق لما ~~معهم ليؤمنن به ولينصرنه وقوله { ثم جاءكم رسول } يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم { مصدق لما معكم } وذلك أن الله وصفه في كتب الأنبياء المتقدمة ~~وشرح فيها أحواله فإذا جاءت صفاته وأحواله مطابقة في كتبهم المنزلة فقد ~~صار مصدقا لها فيجب الإيمان به والانقياد لقوله ولام قوله { لتؤمنن به } ~~لام القسم تقديره والله لتؤمنن به { ولتنصرنه } قال البغوي: قال الله عز ~~وجل للأنبياء حين استخرج الذرية من صلب آدم والأنبياء فيهم كالمصابيح أخذ ~~عليهم الميثاق في أمر محمد صلى الله عليه وسلم { أأقررتم وأخذتم ms0477 على ذلكم ~~إصري } الآية. # وقال الإمام فخر الدين: يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما قرر في عقولهم من ~~الدلائل الدالة على أن الانقياد من الله واجب، فإذا جاء رسول وظهرت ~~المعجزات الدالة على صدقه، فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق ~~بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه بتقرير هذا الدليل في عقولهم فهذا هو ~~المراد من الميثاق { قال أأقرتم } يعني قال الله تعالى: أأقرتم فإن فسرنا ~~أن أخذ الميثاق كان من النبيين كان معناه قال الله تعالى للنبيين: أأقرتم ~~بألإيمان به والنصر له وإن فسرنا بأن أخذ الميثاق كان على الأمم كان ~~معناه قال كل نبي لأمته أأقرتم وذلك لأنه تعالى أضاف اخذ الميثاق إلى ~~نفسه وإن كان النبييون أخذوه على الأمم فلذلك طلب هذا الإقرار وأضافه إلى ~~نفسه وإن وقع من الأنبياء والمقصود أن الأنبياء بالغوا في إثبات هذا ~~الميثاق وتأكيده على الأمم وطالبوهم بالقبول وأكدوا ذلك بالإشهاد { ~~وأخذتم على ذلكم إصري } أي عهدي والإصر العهد الثقيل وقيل سمي العهد ~~إصرا لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد. { قالوا أقررنا } أي قال النبيون: ~~أقررنا بما ألزمتنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدقين لما معنا من ~~كتبك { قال فاشهدوا } يعني قال الله عز وجل للنبيين: فاشهدوا يعني أنتم ~~على أنفسكم وقيل: على أممكم وأتباعكم الذين أخذتم الميثاق وقيل: قال الله ~~للملائكة فاشهدوا فهو كناية عن غير مذكور، وقيل: معناه فاعلموا وبينوا ~~لأن أصل الشهادة العلم والبيان { وأنا معكم من الشاهدين } يعني قال الله ~~يا معشر الأنبياء وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعلى أتباعكم أو قال ~~للملائكة وأنا معكم من الشاهدين عليهم. ### || [3.82-83] # { فمن تولى } أي أعرض عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم { بعد ذلك } ~~الإقرار { فأولئك هم الفاسقون } أي الخارجون عن الإيمان والطاعة. قوله عز ~~وجل: { أفغير دين الله يبغون } وذلك أن أهل الكتاب اختلفوا فادعى كل فريق ~~منهم أنه على دين إبراهيم عليه السلام فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه ms0478 وسلم: # " كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم " # فغضبوا وقالوا: لا نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فأنزل الله أفغير دين ~~الله الهمزة للاستفهام والمراد منه الإنكار والتوبيخ يعني أفبعد أخذ ~~الميثاق عليهم ووضوح الدلائل لم أن دين إبراهيم هو دين الله الإسلام. ~~تبغون قرئ بالتاء على خطاب الحاضر أي أفغير دين الله تطلبون ما معشر ~~اليهود والنصارى وقرئ بالياء على الغيبة ردا على قوله فمن تولى بعد ذلك ~~فأولئك هم الفاسقون { وله أسلم } أي خضع وانقاد { من في السموات والأرض ~~طوعا وكرها } الطوع الانقياد والاتباع بسهولة والكره ما كان من ذلك ~~بمشقة وإباء من النفس. واختلفوا في معنى قوله طوعا وكرها فقيل: أسلم ~~أهل السموات طوعا وأسلم بعض أهل الأرض طوعا وبعضهم كرها من خوف القتل ~~والسبي، وقيل: أسلم المؤمن طوعا وانقاد الكافر كرها، وقيل هذا في يوم ~~أخذ الميثاق حيث قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى فمن سبقت له السعادة قال ~~ذلك طوعا، ومن سبقت له الشقاوة قال ذلك كرها. وقيل: أسلم المؤمن طوعا ~~فنفعه إسلامه يوم القيامة والكافر يسلم كرها عند الموت في وقت اليأس فلم ~~ينفعه ذلك في القيامة وقيل إنه لا سبيل لأحد من الخلق إلى الامتناع على ~~الله في مراده فأما المسلم فينقاد لله فيما أمره أو نهاه عنه طوعا وأما ~~الكافر فينقاد لله كرها في جميع ما يقتضي عليه ولا يمكنه دفع قضائه ~~وقدره عنه { وإليه ترجعون } قرئ بالتاء والياء والمعنى أن مرجع الخلق ~~كلهم إلى الله يوم القيامة ففيه وعيد عظيم لمن خالفه في الدنيا. ### || [3.84-86] # قوله عز وجل: { قل آمنا بالله } لما ذكر الله عز وجل في الآية المتقدمة ~~أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق الرسول الذي يأتي مصدقا لما معهم بين ~~في هذه الآية أن من صفة محمد صلى الله عليه وسلم مصدقا لما معهم فقال ~~تعالى: قل آمنا بالله وإنما وحد الضمير في قوله قل وجمع في قوله آمنا ~~بالله لأنه خاطبه بلفظ الواحد ليدل هذا الكلام على أنه لا يبلغ هذا ms0479 ~~التكليف عن الله تعالى إلى الخلق إلا هو. ثم قال: آمنا بالله تنبيها على ~~أنه حين قال هذا القول وافقه أصحابه فحسن الجمع في قوله آمنا، ومعنى ~~الآية: قل يا محمد صدقنا بالله أنه ربنا وإلهنا لا إله غيره ولا رب سواه ~~وإنما قدم الإيمان بالله علىغيره لأنه الأصل { وما أنزل علينا } يعني وقل ~~يا محمد وصدقنا أيضا بما أنزل علينا من وحيه وتنزيله وإنما قدم ذكر ~~القرآن لأنه أشرف الكتب وأنه لم يحرف ولم يبدل وغيره حرف وبدل { وما أنزل ~~على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى } إنما ~~خص هؤلاء الأنبياء بالذكر لأن أهل الكتاب يعترفون بوجودهم ولم يختلفوا في ~~نبوتهم، والأسباط هم أولاد يعقوب الاثنا عشر وكانوا أنبياء ثم جمع جميع ~~الأنبياء فقال { والنبيون } أي وما أوتي النبيون { من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم } وذلك أن أهل الكتاب يؤمنون ببعض النبيين ويكفرون ببعض فأمر ~~الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن نفسه وعن أمته ~~أنه يؤمن بجميع الأنبياء. فإن قلت: لم عدي أنزل في " هذه الآية بحرف ~~الاستعلاء وفيما تقدم من مثلها في البقرة بحرف الانتهاء ". قلت لوجود ~~المعنيين جميعا لأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل فجاء تارة بأحد ~~المعنيين وتارة بالمعنى الآخر { ونحن له مسلمون } أي موحدون مخلصون ~~أنفسنا له لا نجعل له شريكا في عبادتنا. قوله عز وجل: { ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه } يعني أن الدين المقبول عند الله هو دين ~~الإسلام وأن كل دين سواه غير مقبول عنده لأن الدين الصحيح ما يأمر الله ~~به ويرضى عن فاعله ويثيبه عليه { وهو في الآخرة من الخاسرين } يعني الذين ~~وقعوا في الخسارة وهو حرمان الثواب وحصول العقاب وروى ابن جرير الطبري عن ~~عكرمة: في قوله: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه قالت اليهود ~~فنحن مسلمون فقال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قل لهم ولله ~~على الناس حج ms0480 البيت فلم يحجوا. قوله عز وجل: { كيف يهدي الله قوما كفروا ~~بعد إيمانهم } نزلت في اثني عشر رجلا ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من ~~المدينة وأتوا مكة كفارا منهم الحارث بن سويد الأنصاري وطعمة بن أبيرق ~~وحجوج بن الأسلت. # وقال ابن عباس: نزلت في اليهود والنصارى وذلك أن اليهود كانوا قبل مبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم يستفتحون به على الكفار ويقرون به ويقولون: قد ~~أظل زمان نبي مبعوث فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به بغيا ~~وحسدا ومعنى كيف يهدي الله كيف يرشد الله للصواب ويوفق للإيمان قوما ~~كفروا أي جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم أي تصديقهم ~~إياه وإقرارهم به وبما جاء به من عند ربه { وشهدوا أن الرسول حق } يعني ~~وبعد أن أقروا وشهدوا أن محمدا رسول الله إلى خلقه وأنه حق وصدق { ~~وجاءهم البينات } يعني الحجج والبراهين والمعجزات الدالة على صحة نبوته ~~التي بمثلها ثبتت النبوة { والله لا يهدي القوم الظالمين } أي لا يوفقهم ~~إلى الحق والصواب لما سبق في علمه تعالى أنهم ظالمون وقيل لا يهديهم في ~~الآخرة إلى الجنة والثواب. فإن قلت: كيف قال في أول الآية كيف يهدي الله ~~قوما كفروا وقال في آخرها والله لا يهدي القوم الظالمين وهذا تكرار؟ ~~قلت: ليس فيه تكرار لأن قوله كيف يهدي الله قوما كفروا إنما هو مختص ~~بأولئك المرتدين عن الإسلام ثم إنه تعالى عمم ذلك الحكم في آخر الآية ~~فقال: { والله لا يهدي القوم الظالمين } يعني جميع الكفار المرتدين عن ~~الإسلام والكافر الأصلي وإنما سمي الكافر ظالما لأنه وضع العبادة في غير ~~موضعها. ### || [3.87-90] # { أولئك جزاؤهم } يعني الذين كفروا بعد إيمانهم { أن عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها } أي في عذاب اللعنة وقد تقدم تفسير ~~هذه الآية في سورة البقرة { لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون } أي لا ~~يؤخرون عن وقت العذاب لا يؤخر عنهم من وقت إلى وقت ثم استثنى سبحانه ~~وتعالى فقال: { إلا الذين تابوا ms0481 من بعد ذلك } يعني من بعد ارتدادهم ~~وكفرهم وذلك أل الحارث بن سويد الأنصاري لما لحق بالكفار ندم على ذلك ~~فأرسل إلى قومه أن سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة؟ ~~ففعلوا ذلك فأنزل الله تعالى إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصحلوا الله ~~فبعث بها إليه أخوه الجلاس مع رجل من قومه، فأقبل إلى المدينة تائبا ~~وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم توبته وحسن إسلامه { وأصلحوا } أي ~~وضموا إلى التوبة الأعمال الصالحة فبين أن التوبة وحدها لا تكفي حتى ~~يضاف إليها العمل الصالح. وقيل: معناه وأصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات ~~وظاهرهم مع الخلق بالعبادات والطاعات { فإن الله غفور رحيم } أي غفور ~~لقبائحهم في الدنيا بالستر رحيم في الآخرة بالعفو وقيل: غفور بإزالة ~~العذاب رحيم بإعطاء الثواب. قوله عز وجل: { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ~~ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم } نزلت في اليهود وذلك أنهم كفروا بعيسى ~~والإنجيل بعد إيمانهم بموسى وغيره من أنبيائهم ثم ازدادوا كفرا يعني ~~كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقيل نزلت في اليهود والنصارى ~~وذلك أنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما رأوه بعد إيمانهم به قبل ~~مبعثه لما ثبت عندهم من نعته وصفته في كتبهم ثم ازدادوا كفرا يعني ~~ذنوبا في حال كفرهم. وقيل نزلت في جميع الكفار وذلك أنهم أشركوا بالله ~~بعد إقرارهم بأن الله خالقهم ثم ازدادوا كفرا يعني بإقامتهم على كفرهم ~~حتى هلكوا عليه، وقيل زيادة كفرهم هو قولهم نتربص بمحمد ريب المنون وقيل ~~نزلت في أحد عشر رجلا من أصحاب الحارث بن سويد الذين ارتدوا عن الإسلام ~~فلما رجع الحارث إلى الإسلام أقاموا على كفرهم بمكة وقالوا: نقيم على ~~الكفر ما بدا لنا ومتى أردنا الرجعة ينزل فينا مثل ما نزل في الحارث فلما ~~فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فمن دخل منهم في الإسلام قبلت ~~توبته ونزل فيمن مات منهم على كفره: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } ~~الآية. ms0482 فإن قلت قد وعد الله قبول التوبة ممن تاب فما يعني قوله لن تقبل ~~توبتهم؟ قلت اختلف المفسرون في معنى قوله: لن تقبل توبتهم فقال الحسن ~~وعطاء وقتادة والسدي: لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت وهو وقت الحشرجة ~~لأن الله تعالى قال: # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت ~~الآن # [النساء: 18] فإن الذي يموت على الكفر لا تقبل توبته كأنه قال إن اليهود ~~أو الكفار أو المرتدين الذين فعلوا ما فعلوا ثم ماتوا على ذلك لن تقبل ~~توبتهم وقال ابن عباس: إنهم الذين ارتدوا وعزموا على إظهار التوبة لستر ~~أحوالهم والكفر في ضمائرهم وقال أبو العالية: هم قوم تابوا من ذنوب ~~عملوها في حال للشرك ولم يتوبوا من الشرك فإن توبتهم في حال الشرك، غير ~~مقبولة. وقال مجاهد: لن تقبل توتبهم إذا ماتوا على الكفر وقال ابن جرير ~~الطبري: معنى لن تقبل توبتهم أي مما ازدادوا من الكفر على كفرهم بعد ~~إيمانهم لا من كفرهم لأن الله تعالى لما وعد أن يقبل التوبة عن عباده ~~وأنه قابل توبة كل تائب من كل ذنب لقوله تعالى: { إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } علم أن المعنى الذين لا تقبل التوبة ~~منه غير المعنى الذي تقبل التوبة منه فعلى هذا فالذي لا تقبل التوبة منه ~~هو الازدياد على الكفر بعد الكفر لا يقبل الله منه توبة ما أقام على كفره ~~لأن الله تعالى لا يقبل عمل مشرك ما أقام على شركه، فإذا تاب من شركه ~~وكفره وأصلح فإن الله كما وصف نفسه غفور رحيم. وقوله تعالى: { وأولئك هم ~~الضالون } يعني هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا وهم ~~الذين ضلوا عن سبيل الحق وأخطؤوا منهاجه. ### || [3.91-92] # قوله عز وجل: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } قال ابن عباس: لما فتح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دخل من كان من أصحاب الحارث بن سويد ~~حبا في الإسلام فنزلت هذه الآية ms0483 فيمن مات منهم على الكفر، وقيل نزلت ~~فيمن مات كافرا من جميع أصناف اليهود والنصارى وعبدة الأصنام، فالآية ~~عامة في جميع من مات على الكفر { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا } أي ~~قدر ما يملأ الأرض من شرقها إلى غربها { ولو افتدى به } قيل معناه لو ~~افتدى به والواو زائدة مقحمة وقيل الواو على حالها وفائدتها أنها للعطف ~~والتقدير لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهبا وقد مات على كفره لم ينفعه ~~ذلك وكذا لو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهبا لن يقبل منه، وهذا آكد في ~~التغليظ لأنه تصريح بنفي القبول من جميع الوجوه. فإن قلت الكافر لا يملك ~~شيئا في الآخرة فما وجه قوله فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا؟ قلت: ~~الكلام ورد على سبيل الفرض والتقدير والمعنى لو أن للكافر قدر ملء الأرض ~~ذهبا يوم القيامة لبذله في تخليص نفسه من العذاب ولكن لا يقدر على شيء ~~من ذلك وقيل معناه لو أن الكافر أنفق في الدنيا ملء الأرض ذهبا ثم مات ~~على كفره لم ينفعه ذلك لأن الطاعة مع الكفر غير مقبولة { أولئك } إشارة ~~إلى من مات على الكفر { لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين } يعني مانعين ~~يمنعونهم من العذاب ق عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " يقول الله عز وجل لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة لو أن لك ما في ~~الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم فيقول أردت منك أهون من هذا وأنت ~~في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا الشرك " # لفظ مسلم. قوله عز وجل: { لن تنالوا البر } قال ابن عباس: يعني الجنة، ~~وقيل: البر هو التقوى، وقيل هو الطاعة وقيل معناه لن تنالوا حقيقة البر ~~ولن تكونوا أبرار حتى تنفقوا مما تحبون وقيل معناه لن تنالوا بر الله وهو ~~ثوابه وأصل البر التوسع في فعل الخير يقال بر العبد ربه أي توسع في طاعته ~~فالبر من الله الثواب ومن ms0484 العبد الطاعة وقد يستعمل في الصدق وحسن الخلق ~~لأنهما من الخير المتوسع فيه ق عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وأن الرجل ليصدق حتى ~~يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى ~~النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا " # م عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر ~~والإثم فقال: # " البر حسن الخلق والإثم ما حاك صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس منك فعلى ~~هذا يكون المعنى عليكم بالأعمال الصالحة حتى تكونوا ابرارا وتدخلوا في ~~زمرة الأبرار " # ومن قال إن لفظ البر هو الجنة فقال معنى الآية لن تنالوا الثواب البر ~~المؤدي إلى الجنة { حتى تنفقوا مما تحبون } يعني من جيد أموالكم أنفسها ~~عندكم قال الله تعالى: # ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون # [البقرة: 267] وقيل هو أن تنفق من مالك ما أنت محتاج إليه قال الله ~~تعالى: # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة # [الحشر: 9] ق عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ~~فقال: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: # " إن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تهمل حتى إذا ~~بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا إلا وقد كان " # ، واختلفوا في هذا الإنفاق قال ابن عباس: هو الزكاة المفروضة والمعنى لن ~~تنالوا حتى تخرجوا زكاة أموالكم فعلى هذا القول قيل إن الآية منسوخة بآية ~~الزكاة وفيه بعدا لأنه ترغيب في إخراج الزكاة وقال ابن عمر: المراد بها ~~سائر الصدقات وقال الحسن: كل شيء أنفقه المسلم من مالك مما يبتغي به وجه ~~الله ويطلب ثوابه حتى التمرة فإنه يدخل في قوله: لن تنالوا البر حتى ~~تنفقوا مما تحبون ق عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار ~~بالمدينة مالا وكان أحب أمواله إليه بيرحا وكانت مستقبلة المسجد وكان ~~رسول الله صلى ms0485 الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب قال أنس: ~~فلما نزلت هذه الآية { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } قام أبو ~~طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الله تعالى ~~يقول في كتابه { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } وإن أحب أموالي ~~إلي بيرحا وإنها صدقة لله عز وجل أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا ~~رسول الله حيث شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بخ بخ ذلك مال رابح " # أو قال ذلك مال رايح أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة: أفعل يا ~~رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه قوله بخ بخ هي كلمة تقال ~~عند المدح والرضا وتكريرها للمبالغة وهي مبنية على السكون فإذا وصلت جرب ~~ونونت فقلت: بخ بخ قوله: مال رابح أي ذو ربح وفي الرواية الأخرى ذلك مال ~~رايح بالياء معناه يروح عليك نفعه وثوابه وبيرحا اسم موضع بالمدينة وهو ~~حائط كان لأبي طلحة. # وروي عن مجاهد قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له ~~جارية من سبي جلولاء يوم فتحت فلما جاءت أعجبته فقال عمر إن الله عز ~~وجل يقول لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون فأعتقها عمر وعن حمزة بن ~~عبدالله بن عمر أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما خطرت على قلبه هذه ~~الآية: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } قال عبدالله فذكرت ما ~~أعطاني الله تعالى فما كان شيء أحب إلي من فلانة فقلت هي حرة لوجه الله ~~تعالى قال ولولا أني لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها وعن عمرو بن دينار ~~قال لما نزلت هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # " جاء زيد بن حارثة بفرس يقال لها سيل كان يحبها إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: تصدق بهذه يا رسول الله فأعطاها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أسامة بن زيد ms0486 بن حارثة فقال يا رسول الله إنما أردت أن أتصدق بها ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد قبلت صدقتك " # وفي رواية # " كأن زيدا أوجد في نفسه فلما رأى ذلك منه النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: أما إن الله قد قبلها " # وروي أن أبا ذر نزل به ضيف فقال للراعي: ائتني بخير إبلي فجاء بناقة ~~مهزولة فقال للراعي خنتني فقال الراعي وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوما ~~حاجتكم إليه فقال: إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي وقوله تعالى: { ~~وما تنفقوا من شيء } يعني من أي شيء كان من طيب تحبونه أو من خبيث ~~تكرهونه { فإن الله به عليم } أي يعلمه ويجازيكم به. ### || [3.93] # قوله عز وجل: { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل ~~على نفسه من قبل أن تنزل التوراة } سبب نزول هذه الآية # " أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك تزعم أنك على ملة ~~إبراهيم وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل وألبانها وأنت تأكل ذلك كله ~~فلست على ملته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كان ذلك حلالا لإبراهيم ~~" # قالوا كل ما نحرمه اليوم كان ذلك حراما على نوح وإبراهيم حتى انتهى ~~إلينا فأنزل الله عز وجل كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم ~~إسرائيل على نفسه وهو يعقوب من قبل أن ينزل التوراة يعني ليس الأمر على ~~ما تدعيه اليهود من تحريم لحوم الإبل على إبراهيم بل كان ذلك حلالا على ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وإنما حرمه يعقوب بسبب من الأسباب وبقيت ~~تلك الحرمة في أولاده فأنكر اليهود ذلك فأمرهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بإحضار التوراة وطلب منهم أن يستخرجوا منها أن ذلك كان حراما على ~~إبراهيم، فعجزوا عن ذلك وافتضحوا وبأن كذبهم فيما ادعوا من حرمة هذه ~~الأشياء على إبراهيم وقيل: إن اليهود أنكروا شرع محمد صلى الله عليه وسلم ~~وادعوا أن النسخ غير جائز، فأبطل الله ذلك عليهم وأخبر أن كل الطعام كان ms0487 ~~حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه فذلك الذي حرمه على نفسه ~~كان حلالا ثم صار حراما عليه وعلى أولاده فقد حصل النسح وبطل قول ~~اليهود بأن النسخ غير جائز، فأنكرت اليهود ذلك وقالوا: بل كان ذلك حراما ~~من زمن آدم إلى هذا الوقت فألزمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحضار ~~التوراة وقال: إن التوراة ناطقة بأن بعض أنواع الطعام إنما حرم بسبب أن ~~إسرائيل حرمه على نفسه فخاف اليهود من الفضيحة وامتنعوا من إحضار التوراة ~~فحصل بذلك كذبهم وأنهم ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها وبطل قولهم بأن ~~النسخ غير جائز، وفي هذا دليل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك ~~أنه صلى الله عليه وسلم كان رجلا أميا لم يقرأ الكتب ولم يعرف ما في ~~التوراة، فلما أخبر أن ذلك ليس في التوراة علم أن الذي أخبر به صلى الله ~~عليه وسلم وحي من الله تعالى وقوله تعالى: كل الطعام يعني كل أنواع ~~الطعام أو سائر المطعومات كان حلا أي حلالا لبني إسرائيل إلا ما حرم ~~إسرائيل على نفسه إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، ~~واختلفوا في الذي حرم يعقوب على نفسه قيل حرم لحوم الإبل وألبانها وروى ~~الطبري بسنده عن ابن عباس: أن عصابة من اليهود حضرت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه ~~من قبل ان تنزل التوراة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب ~~مرض مرضا شديدا فطال سقمه منه فنذر لله نذرا لئن عافاه الله من سقمه ~~ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل، وأحب ~~الشراب إليه ألبانها " # ؟ فقالوا: اللهم نعم. وقال ابن عباس: هي العروق وكان سبب ذلك أنه اشتكى ~~عرق النسا وكان أصل وجعه فيما روي عن الضحاك أن يعقوب كان نذر لئن وهب ~~الله له اثني عشر ms0488 ولدا وأتى بيت المقدس صحيحا أن يذبح أحدهم. وفي رواية ~~آخرهم فتلقاه ملك من الملائكة وقال: يا يعقوب إنك رجل قوي فهل لك في ~~الصراع؟ فعالجه فلم يصرع أحدهما صاحبه فغمزه الملك غمزة فعرض له عرق ~~النسا من ذلك ثم قال أما إني لو شئت أن أصرعك لفعلت ولكن غمزتك هذه ~~الغمزة لأنك قد نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحا ذبحت آخر ولدك، فجعل الله ~~لك بهذه الغمزة من ذلك مخرجا، فلما قد يعقوب بيت المقدس أراد ذبح ولده ~~ونسي ما قال له الملك فأتاه الملك وقال له: إنما غمزتك للمخرج وقد وفي ~~نذرك فلا سبيل لك إلى ذبح ولدك. وقال ابن عباس في آخرين أقبل يعقوب من ~~حران يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه العيص، وكان يعقوب رجلا بطشا ~~قويا فلقيه ملك في صورة رجل فظن يعقوب أنه لص فعالجه أن يصرعه فغمز ~~الملك فخذ يعقوب وصعد إلى السماء ويعقوب ينظر فهاج به عرق النسا ولقي منه ~~شدة فكان لا ينام الليل من الوجع ويبيت وله رغاء أي صياح، فحلف يعقوب لئن ~~شفاه الله أن لا يأكل عرقا ولا طعاما فيه عرق فحرمه على نفسه فكان بنوه ~~بعد ذلك يتبعون العروق ويخرجونها من اللحم ولا يأكلونها، وقيل لما أصاب ~~يعقوب ذلك وصف له الأطباء أن يجتنب لحوم الإبل فحرمها يعقوب على نفسه، ~~وقيل إنما حرم يعقوب لحوم الجزور تعبدا لله تعالى وسأل ربه أن تنجز ~~فحرمه الله على ولده وهو ظاهر الآية لأن الله تعالى قال: كل الطعام كان ~~حلا لبني إسرائيل، ثم استثنى ما حرم إسرائيل على نفسه فوجب بحكم ~~الاستثناء أن يكون ذلك حراما على بني إسرائيل أما قوله من قبل أن تنزل ~~التوراة فمعناه أن قبل إنزال التوراة كان كل أنواع الطعام حلالا لبني ~~إسرائيل سوى ما حرمه إسرائيل على نفسه أما بعد نزول التوراة فقد حرم الله ~~تعالى عليهم أشياء كثيرة من أنواع الطعام ثم اختلفوا في حال هذا الطعام ~~المحرم على بني إسرائيل ms0489 بعد نزول التوراة فقال السدي: حرم الله عليهم في ~~التوراة ما كانوا حرموه على أنفسهم قبل نزولها وقال عطية: إنما كان ~~حراما عليهم بتحريم إسرائيل فإنه قال: إن عافاني الله تعالى لا يأكله ~~ولد لي ولم يكن ذلك محرما عليهم في التوراة وقال الكلبي: لم يحرمه الله ~~في التوراة وإنما حرم عليهم بعد نزول التوراة لظلمهم كما قال تعالى: { ~~فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } وقال تعالى: وعلى ~~الذين هادوا حرمنا إلى أن قال ذلك جزيناهم ببغيهم { وإنا لصادقون } فكانت ~~بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبا عظيما حرم الله عليهم طعاما طيبا أو صب ~~عليهم رجزا وهو الموت. # وقال الضحاك: لم يكن شيء من ذلك حراما عليهم ولا حرمه الله في التوراة، ~~وإنما حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم ثم أضافوا تحريمه لله عز وجل ~~فكذبهم الله تعالى فقال الله تعالى: { قل فأتوا بالتوراة } يعني قل لهم ~~يا محمد فأتوا بالتوراة { فاتلوها } أي فاقرؤوها وما فيها حتى يتبين أن ~~الأمر كما قلتم { إن كنتم صادقين } يعني فيما ادعيتم فلم يأتوا بها ~~وخافوا الفضيحة. ### || [3.94-96] # فقال تعالى: { فمن افترى على الله الكذب } الافتراء اختلاق الكذب ~~والافتراء الكذب والقذف والإفساد وأصله من فري الأديم إذا قطعه لأن ~~الكاذب يقطع القول من غير حقيقة له في الوجود { من بعد ذلك } أي من بعد ~~ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب ولم يكن محرما قبله { ~~فأولئك هم الظالمون } أي هم المستحقون للعذاب لأن كفرهم ظلم منهم لأنفسهم ~~ولمن أضلوه عن الدين من بعدهم وهذا رد على اليهود وتكذيب لهم حيث أرادوا ~~براءة ساحتهم فيما بقي عليهم مما نطق به القرآن من تعديد مساويهم التي ~~كانوا يرتكبونها { قل صدق الله } يعني قل صدق الله يا محمد فيما أخبر أن ~~ذلك النوع من الطعام صار حراما على إسرائيل وأولاده بعد أن كان حلالا ~~لهم فصح القول بالنسخ، وبطل قول اليهود معناه صدق الله في قوله أن لحوم ~~الإبل وألبانها كانت محللة لإبراهيم عليه ms0490 السلام، وإنما حرمت على بني ~~إسرائيل بسبب تحريمها إسرائيل على نفسه وقيل صدق الله في أن سائر الأطعمة ~~كانت محللة على بني إسرائيل وإنما حرمت على اليهود جزاء على قبائح ~~أفعالهم ففيه تعريض بكذب اليهود والمعنى ثبت أن الله تعالى صادق فيما ~~أنزل وأخبر وأنتم كاذبون يا معشر اليهود { فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا } ~~أي اتبعوا ما يدعوكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم من ملة إبراهيم وهي ~~الإسلام وهو الدين الصحيح وهو الذي عليه محمد ومن آمن معه وإنما دعاهم ~~إلى ملة إبراهيم ملة محمد صلى الله عليه وسلم { وما كان من المشركين } أي ~~لم يدع مع الله إلها آخر ولا عبدا سواه. قوله عز وجل: { إن أول بيت وضع ~~للناس للذي ببكة } سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا للمسلمين بيت ~~المقدس قبلتنا وهو أفضل من الكعبة وأقدم وهو مهاجر الأنبياء وقبلتهم وأرض ~~المحشر. وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل فأنزل الله هذه الآية، وقيل لما ~~ادعت اليهود والنصارى أنهم على ملة إبراهيم أكذبهم الله تعالى وأخبر أن ~~إبراهيم كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين وأمرهم باتباعه فقال ~~تعالى في الآية المتقدمة: { فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا } وكان من أعظم ~~شعائر ملة إبراهيم الحج إلى الكعبة ذكر في هذه الآية فضيلة البيت ليفرع ~~عليها إيجاب الحج وقوله: إن أول بيت وضع للناس الأول هو الفرد السابق ~~المتقدم على ما سواه وقيل هو اسم للشيء الذي يوجد ابتداء سواء حصل عقبه ~~شيء آخر، أو لم يحصل والمعنى أن أول بيت وضع للناس أي وضعه الله موضعا ~~للطاعات والعبادات وقبلة للصلاة وموضعا للحج وللطواف تزداد فيه الخيرات ~~وثواب الطاعات وكونه وضع للناس يعني يشترك فيه جميع الناس كما قال تعالى: # سواء العاكف فيه والباد # [الحج: 25]. فإن قلت: كيف أضافه إلى نفسه مرة في قوله وطهر بيتي وأضافه ~~للناس أخرى بقوله وضع للناس. قلت: أما إضافته إلى نفسه فعلى سبيل التشريف ~~والتعظيم له كقوله ناقة الله، وأما إضافته إلى الناس فلأنه يشترك فيه ms0491 ~~جميع الناس لأنه موضع حجهم وقبلة صلاتهم للذي ببكة. قيل هي مكة نفسها ~~والعرب تعاقب بين الباء والميم فيقولون ضربة لازب لازم وقيل بكة اسم ~~لموضع البيت ومكة اسم للبلد وفي اشتقاق بكة وجهان: أحدهما: أنه من البك ~~الذي هو عبارة عن الدفع يقال بكة يبكه إذا دفعه وزاحمه ولهذا قال سعيد بن ~~جبير: سميت بكة لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون في الطواف وهو قول ~~محمد بن على الباقر ومجاهد وقتادة. الوجه الثاني سميت بكة لأنها تبك ~~أعناق الجبابرة أي تدقها ولم يقصدها جبار بسوء إلا قصمه الله تعالى وهذا ~~قول عبدالله بن الزبير، وأما مكة فسميت بذلك لقلة مائها من قول العرب مك ~~الفصيل ضرع أمه وامتكه إذا مص كل ما فيه من اللبن، وقيل لأنها تمك الذنوب ~~أي تزيلها وسميت مكة أم رحم لأن الرحمة تنزل بها، والحاطمة لأنها تحطم من ~~استخف بحرمتها، أو لأن الناس يحطم بعضهم بعضا من الزحمة، وسميت أم القرى ~~لأنها أصل كل بلدة ومن تحتها دحيت الأرض، واختلف العلماء في كون البيت ~~أول بيت وضع للناس على قولين: أحدهما أنه أول في الوضع والبناء قال ~~مجاهد: خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرضين وفي رواية عنه ~~إن الله خلق موضع البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي عام، وقيل هو ~~أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السموات والأرض خلقه قبل الأرض بألفي ~~عام وكان زبدة بيضاء على وجه الماء فدحيت الأرض من تحته. وهذا قول ابن ~~عمر ومجاهد وقتادة والسدي. وقيل هو أول بيت بني على الأرض. وروي عن علي ~~بن الحسين بن علي رضي الله عنهم أن الله تعالى وضع تحت العرش بيتا وهو ~~البيت المعمور وأمر الملائكة أن يطوفوا به ثم أمر الملائكة الذين في ~~الأرض أن يبنوا بيتا في الأرض على مثاله وقدره فبنوا هذا البيت واسمه ~~الضراح، وأمر من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت ~~المعمور وروي أن ms0492 الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفي عام وكانوا يحجونه فلما ~~حجه آدم قالت له الملائكة بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي ~~عام وقال ابن عباس: هو أول بيت بناه آدم في الأرض قيل إن آدم لما أهبط ~~إلى الأرض استوحش وشكا الوحشة فأمره الله تعالى ببناء الكعبة فبناها وطاف ~~بها وبقي ذلك البناء إلى زمان نوح عليه السلام فلما كان الطوفان رفع الله ~~البيت وبقي موضع البيت أكمة بيضاء إلى أن بعث الله إبراهيم عليه السلام ~~فأمره ببنائه. # القول الثاني، أن المراد من الأولية كون هذا أول بيت وضع للناس مباركا ~~ويدل عليه سياق الآية وهو قوله تعالى: { للذي ببكة مباركا } وروي أن ~~رجلا قام إلى علي بن أبي طالب فقال: ألا تخبرني عن البيت أهو أول بيت ~~وضع في الأرض؟ قال: لا قد كان قبله بيوت ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا ~~وهدى وفيه مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا وقال الحسن: هو أول مسجد عبد ~~الله فيه، وقال مطرف: هو أول بيت وضع للعبادة. وقال الضحاك: هو أول بيت ~~وضع فيه البركة، وأول بيت وضع للناس يجح إليه، وأول بيت جعل قبلة للناس. ~~ق عن أبي ذر قال: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض قال: ~~المسجد الحرام قلت: ثم أي؟ قال المسجد الأقصى قلت: كم بينهما؟ قال أربعون ~~عاما ثم الأرض لك مسجدا فحيثما أدركت الصلاة فصل " # زاد البخاري فإن الفضل فيه وقوله { مباركا } يعني ذا بركة وأصل البركة ~~النمو والزيادة، وقيل هو ثبوت الخير الإلهي فيه وقيل هو أول بيت خص ~~بالبركة وزيادة الخير وقيل لأن الطاعات وسائر العبادات تتضاعف ويزداد ~~ثوابها عنده ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد ~~الحرام " # { وهدى للعالمين } يعني أنه قبلة للمؤمنين يهتدون به إلى جهة صلاتهم. ~~وقيل لأن فيه دلائل على ms0493 وجود الصانع المختار لما فيه من الآيات التي لا ~~يقدر عليها غيره. وقيل هو هدى للعالمين إلى الجنة لأن من قصده بأن صلى ~~إليه أو حجه فقد أوجب الله تعالى له الجنة برحمته. ### || [3.97] # قوله تعالى: { فيه آيات بينات } أي فيه دلالات واضحات على حرمته ومزيد ~~فضله، ثم اختلفوا في تفسير تلك الآيات فقيل هي قوله مقام إبراهيم ومن ~~دخله كان آمنا، وقيل الآيات غير مذكورة وهي ما يدل على فضل هذا البيت ~~منها أن الطير لا يطير فوق الكعبة في الهواء بل ينحرف عنها إذا وصل إليها ~~يمينا وشمالا، ومنها أن الوحوش لا تؤذي بعضها في الحرم حتى الكلاب لا ~~تهيج الظباء ولا تصطادها، ومنها أن الطير إذا مرض منه شيء استشفى بالكعبة ~~ومنها تعجيل العقوبة لمن انتهك حرمة البيت وما قصده جبار بسوء إلا أهلكه ~~الله كما أهلك أصحاب الفيل وغيرهم، ومن الآيات التي فيه الحجر الأسود ~~والملتزم والحطيم وزمزم ومشاعر الحج التي فيه كلها من الآيات، ومنها أن ~~الآمر ببناء هذا البيت هو الجليل والمهندس له جبريل، والباني هو إبراهيم ~~الخليل، والمساعد في بنيانه هو إسماعيل فهذه فضيلة عظيمة لهذا البيت. ~~قوله تعالى: { مقام إبراهيم } يعني الحجر الذي كان يقوم عليه عند بناء ~~البيت وكان فيه أثر قدمي إبراهيم فاندرس من كثرة المسح بالأيدي { ومن ~~دخله كان آمنا } قيل لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله: إن أول بيت ~~وضع للناس موجودة في جميع الحرم، علم أن المراد بقوله ومن دخله كان آمنا ~~جميع الحرم يدل عليه أيضا دعوة إبراهيم حيث قال رب اجعل هذا البلد آمنا ~~يعني من أن يهاج فيه وكانت العرب يقتل بعضهم بعضا ويغير بعضهم على بعض ~~وكان من دخل الحرم آمن من القتل والغارة وهو المراد من حكم الآية على قول ~~أكثر المفسرين قال الله تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم # [العنكبوت: 67] وقيل في معنى الآية ومن دخله عام عمرة القضاء مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms0494 كان آمنا، وقيل هو خبر بمعنى الأمر تقديره ومن ~~دخله فأمنوه وهو قول ابن عباس حتى ذهب أبو حنيفة إلى أن من وجب عليه ~~القتل قصاصا كان أو أحدا فالتجأ إلى الحرم فإنه لا يستوفى منه القصاص ~~أو الحد في الحرم لكنه لا يطعم ولا يبايع ولا يشارى ولا يكلم ويضيق عليهم ~~حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد خارج الحرم. وقال الشافعي: إذا وجب ~~عليه القصاص خارج الحرم ثم لجأ استوفي منه في الحرم. وأجمعوا على أنه لو ~~قتل في الحرم أو سرق أو زنى فإنه يستوفى منه الحد في الحرم عقوبة له، ~~وقيل في معنى الآية ومن دخله معظما له متقربا بذلك إلى الله تعالى كان ~~آمنا من العذاب يوم القيامة وقيل ومن دخله كان آمنا من الذنوب التي ~~اكتسبها قبل ذلك. # قوله عز وجل: { ولله على الناس حج البيت } أي ولله على الناس فرض حج ~~البيت والحج أحد أركان الإسلام. ق عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والحج وصوم رمضان " # فعد النبي صلى الله عليه وسلم الحج من أركان الإسلام الخمسة و { من ~~استطاع إليه سبيلا } يعني وفرض الحج واجب على ما استطاع من أهل التكليف ~~ووجد السبيل إلى حج البيت الحرام. فصل في فضل البيت والحج والعمرة ق عن ~~أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أول بيت وضع للناس مباركا يصلي فيه الكعبة قلت ثم أي؟ قال: المسجد ~~الأقصى قلت كم بينهما؟ قال أربعون عاما " # عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن وإنما سودته خطايا ~~بني آدم " # أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الحجر: # " والله ليبعثنه الله يوم القيامة وله عينان يبصر بهما ms0495 ولسان ينطق به ~~يشهد على استلمه بحق " # وله عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لم ~~يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق المغرب " # قال الترمذي: وهذا يروى عن ابن عمر موقوفا ق عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول ~~والمسجد الأقصى " # ق عن أبي سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال: # " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد ~~الأقصى " # م عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال له رجل: في كل عام يا رسول ~~الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت ~~نعم لوجبت ولما استطعتم " # عن ابن عمر قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما يوجب ~~الحج؟ قال الزاد والراحلة " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن وإبراهيم بن يزيد الجوزي المكي قد تكلم فيه ~~بعض أهل العلم من قبل حفظه. ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا ~~الجنة " # وفي رواية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من حج لله عز وجل وفي لفظ من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ~~ولدته أمه " # أخرجه الترمذي وقال: " غفر له ما تقدم من ذنبه " وعن ابن مسعود أن رسول ~~الله صلىالله عليه وسلم قال: # " تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب والفقر كما ينفي الكير ~~خبث الحديد والذهب والفضة وليس لحجة مبرورة ثواب إلا الجنة. وما من مؤمن ~~يظل يومه محرما إلا غابت الشمس بذنوبه " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وله عن سهل بن سعد ms0496 قال: قال رسول الله ~~صلىالله عليه وسلم: # " ما من مسلم لبى إلا بلي ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى ~~تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا " # وقال الترمذي: هذا حديث غريب وله عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " # قال الترمذي: هذا حديث غريب. فصل: في أحكام تتعلق بالحج قال العلماء: ~~الحج واجب على كل مسلم وهو أحد أركان الإسلام الخمسة. ولوجوب الحج خمس ~~شرائط: الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والاستطاعة، ولا يجب على الكافر ~~والمجنون، ولو حجا لم يصح لأن الكافر ليس من أهل القربة ولا حكم لقول ~~المجنون ولا يجب على الصبي والعبد ولو حج صبي يعقل، أو حج عبد صح حجهما ~~تطوعا، ولا يسقط الفرض فإذا بلغ الصبي وعتق العبد واجتمع فيهما شرائط ~~الحج وجب عليهما أن يحجا ثانيا، ولا يجب على غير المستطيع لقوله تعالى: ~~{ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } فلو تكلف غير ~~المستطيع الحج وحج صح حجه وسقط عنه فرض حجة الإسلام والاستطاعة نوعان: ~~أحدهما: أن يكون مستطيعا بنفسه، والآخر أن يكون مستطيعا بغيره فأما ~~المستطيع بنفسه فهو أن يكون قويا قادرا على الذهاب ووجد الزاد والراحلة ~~لما تقدم من حديث ابن عمر في الزاد والراحلة قال ابن المنذر، وحديث الزاد ~~والراحلة لا يثبت لأنه ليس بمتصل وإنما المرفوع ما رواه إبراهيم بن يزيد ~~عن محمد بن عباد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وإبراهيم متروك ~~الحديث قال يحيى بن معين: إبراهيم ليس بثقة قال ابن المنذر: واختلف ~~العلماء في قوله تعالى: من استطاع إليه سبيلا فقالت طائفة الآية على ~~العموم إذ لا نعلم خبرا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا إجماعا ~~لأهل العلم يوجب أن نستثني من ظاهر الآية بعضا فعلى كل مستطيع الحج يجد ~~إليه السبيل بأي وجه كانت الاستطاعة الحج على ظاهر الآية قال: ms0497 وروينا عن ~~عكرمة أنه قال: الاستطاعة الصحة، وقال الضحاك: إذا كان شابا صحيحا ~~فليؤجر نفسه بأكله وعقبه حتى يقضي نسكه وقال مالك الاستطاعة على إطاقة ~~الناس الرجل يجد الزاد والراحلة ولا يقدر على المشي وآخر يقدر على المشي ~~على رجليه وقالت طائفة: الاستطاعة الزاد والراحلة كذلك قال الحسن وسعيد ~~بن جبير ومجاهد وأحمد بن حنبل واحتجوا بحديث ابن عمر المتقدم. # وقال الشافعي: الاستطاعة وجهان: أحدهما أن يكون الرجل مستطيعا ببدنه ~~واجدا من ماله ما يبلغه الحج فتكون استطاعته تامة فعليه فرض الحج. ~~والثاني: لا يقدر أن يثبت على الراحلة وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن ~~يحج عنه، أو قادر على مال ويجد من يستأجره فيحج عنه فيكون هذا ممن لزمه ~~فرض الحج. أما حكم الزاد والراحلة فهو أن يجد راحلة تصلح له ووجد من ~~الزاد ما يكفيه لذهابه ورجوعه فاضلا عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقتهم ~~وكسوتهم وعن دين إن كان عليه ووجد رفقة يخرجون في وقت جرت العادة بخروج ~~أهل البلد في ذلك الوقت، فإن خرجوا قبله أو أخروا الخروج إلى وقت لا ~~يصلون إلا بقطع أكثر من مرحلة لا يلزمه الخروج معهم. ويشترط أن يكون ~~الطريق آمنا فإن كان فيه خوف من عدو مسلم أو كافر أو رصدي يطلب الخفارة ~~لا يلزمه. ويشترط أن تكون منازل الماء مأهولة معمورة يجد فيها ما جرت ~~العادة بوجوده من الماء والزاد فإن تفرق أهلها بجدب أو غارت مياهها فلا ~~يلزمه الخروج ولو لم يجد الراحلة وهو قادر على المشي أو لم يجد الزاد وهو ~~قادر على الاكتساب لا يلزمه الحج عند من جعل وجدان الزاد والراحلة شرطا ~~لوجوب الحج ويستحب له أن يفعل ذلك ويلزمه الحج عند مالك. وأما المستطيع ~~بغيره فهو أن يكون الرجل عاجزا بنفسه بأن كان زمنا أو به مرض لا يرجى ~~برؤه وله مال يمكنه أن يستأجر من يحج عنه فيجب عليه أن يستأجر من يحج عنه ~~وإن لم يكن له مال وبذل له ولده ms0498 أو أجنبي الطاعة في أن يحج عنه لزمه الحج ~~إن كان يعتمد على صدقه لأن وجوب الحج متعلق بالاستطاعة. وعند أبي حنيفة ~~لا يجب الحج ببذل الطاعة وعند مالك لا يجب على من غصب ماله وحجه من أوجب ~~الحج ببذله الطاعة. ما روي عن ابن عباس قال: # " كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من ~~خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر قالت: يا رسول الله إن فريضة ~~الله عباده في الحجه أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على ~~الراحلة أفأحج عنه قال: نعم وذلك في حجة الوداع " # أخرجاه في الصحيحين. قوله تعالى: { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } ~~يعني ومن جحد ما ألزمه الله من فرض حج بيته وكفر به فإن الله غني عنه وعن ~~حجه وعمله وعن جميع خلقه وقيل نزلت فيمن وجد ما يحج ثم مات ولم يحج فهو ~~كفر به لما روي عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من ملك زادا أو راحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت ~~يهوديا أو نصرانيا وذلك أن الله تعالى يقول ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا " # أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وفي ~~إسناده مقال وهلال بن عبدالله مجهول والحارث يضعف في الحديث وقيل هو الذي ~~إن حج لم يره برا وإن قعد لم يره إثما، وقيل نزلت في اليهود وغيرهم من ~~أصحاب الملل حيث قالوا: إنا مسلمون فنزلت ولله على الناس حج البيت فلم ~~يحجوا. وقالوا: الحج إلى مكة غير واجب وكفروا به فنزلت ومن كفر فإن الله ~~غني عن العالمين. فعلى هذه الأقوال تكون هذه الآية متعلقة بما قبلها وقيل ~~إنه كلام مستأنف ومعناه ومن كفر بالله واليوم الآخر فإن الله غني عن ms0499 ~~العالمين. ### || [3.98-100] # قوله عز وجل: { قل يا أهل الكتاب } قيل الخطاب لعلماء أهل الكتاب الذين ~~علموا صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل الخطاب لجميع أهل الكتاب ~~اليهود والنصارى الذين أنكروا نبوته { لم تكفرون بآيات الله } يعني ~~الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أنه حق وصدق والمعنى لم ~~تكفرون بآيات الله التي دلتكم على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل ~~المراد بآيات الله القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم { والله شهيد على ما ~~تعملون } أي والله شهيد على أعمالكم فيجازيكم عليها { قل يا أهل الكتاب ~~لم تصدون عن سبيل الله من آمن } ، يعني لم تصرفون عن دين الله من آمن ~~وكان صدهم عن سبيل الله بالقاء الشبهة والشكوك وذلك بإنكارهم صفة محمد ~~صلى الله عليه وسلم في كتبهم { تبغونها عوجا } يعني زيغا وميلا عن ~~الحق والعوج بالكسر الزيغ والميل عن الاستواء في الدين والقول والعمل وكل ~~ما لا يرى فأما الشيء الذي يرى كالحائط والقناة ونحو ذلك يقال فيه عوج ~~بفتح العين والهاء في قوله تبغونها عائدة على السبيل والمعنى لم تطلبون ~~الزيغ والميل في سبيل الله بإلقاء الشبه في قلوب الضعفاء { وأنتم شهداء } ~~قال ابن عباس: يعني وأنتم شهداء أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ~~مكتوب في التوراة، وأن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام وقيل معناه ~~وأنتم تشهدون المعجزات التي تظهر على يد محمد صلى الله عليه وسلم الدالة ~~على نبوته { وما الله بغافل عما تعملون } فيه وعيد وتهديد لهم وذلك أنهم ~~كانوا يجتهدون ويحتالون بإلقاء الشبهة في قلوب الناس ليصدوهم عن سبيل ~~الله والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم فلذلك قال الله تعالى: { وما ~~الله بغافل عما تعملون }. قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا ~~فريقا من الذين أوتوا الكتاب } الآية قال زيد بن أسلم: مر شاس بن قيس ~~اليهودي وكان شيخا عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين فمر بنفر من ~~الأوس والخزرج وهم في ms0500 مجلس يتحدثون فيه فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات ~~بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية وقال: قد ~~اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار ~~فأمر شابا من اليهود كان معه فقال له اعمد إليهم واجلس معهم ثم ذكرهم ~~يوم بعاث وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من الأشعار ~~وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على ~~الخزرج ففعل فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من ~~الحيين على الركب وهما أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس وجبار بن صخر ~~أحد بني سلمة من الخزرج فتقاولا فقال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله ~~رددناها الآن جذعة وغضب الفريقان جميعا وقالا قد فعلنا السلاح السلاح ~~موعدكم الظاهر وفي الحرة فخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضهم إلى ~~بعض على دعواهم في الجاهلية فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج ~~إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال: # " يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله ~~بالإسلام وقطع عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه ~~كفارا؟ الله الله " # فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من ~~أيديهم وبكوا واعتنق بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه ~~سلم سامعين مطيعين قال جابر: فما رأيت يوما أقبح أولا وأحسن آخرا من ~~ذلك اليوم فأنزل الله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من ~~الذين أوتوا الكتاب } يعني شاسا اليهودي وأصحابه { يردوكم بعد إيمانكم ~~كافرين } والكفر يوجب الهلاك في الدنيا بوقوع العداوة والبغضاء وهيجان ~~الفتنة والحرب وسفك الدماء وفي الآخرة النار. ### || [3.101-102] # قال تعالى: { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله } ~~وكلمة كيف كلمة تعجب والتعجب إنما يليق بمن لا يعلم السبب وذلك على الله ~~محال، فالمراد منه المنع والتغليظ وذلك لأن تلاوة ms0501 آيات الله وهي القرآن ~~حالا بعد حال وكون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم يرشدكم إلى ~~مصالحكم وذلك يمنع من وقوع الكفر فكان وقوع الكفر منهم بعيدا على هذا ~~الوجه قال قتادة: في هذه الآية علمان بينان كتاب الله تعالى ونبي الله ~~صلى الله عليه وسلم أما نبي الله فقد مضى، وأما كتاب الله تعالى فقد ~~أبقاه الله بين أظهركم رحمة منه ونعمة. م عن زيد بن أرقم قال: قام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة ~~والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ الناس وذكر، ثم قال: # " أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، ~~وإني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب ~~الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم ~~الله في أهل بيتي " # وقوله تعالى: { ومن يعتصم بالله } أي يمتنع بالله ويستمسك بدينه وطاعته ~~وأصل العصمة الامتناع من الوقوع في آفة، وفيه حث لهم في الالتجاء إلى ~~الله تعالى في دفع شر الكفار شر الكفار عنهم { فقد هدي إلى صراط مستقيم } ~~أي إلى طريق واضح وهو طريق الحق المؤدي إلى الجنة. قوله عز وجل: { يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته }. قال مقاتل بن حيان: كان بين ~~الأوس والخزرج عداوة في الجاهلية وقتال فلما هاجر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المدينة أصلح بينهم فافتخر بعد ذلك منهم رجلان وهما ثعلبة ~~بن غنم من الأوس وأسعد بن زرارة من الخزرج. فقال الأوسي: منا خزيمة بن ~~ثابت ذو الشهادتين ومنا حنظلة غسيل الملائكة ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح ~~حمي الدبر ومنا سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن له ورضى الله بحمكه في ~~بني قريظة وقال الحزرجي: منا أربعة أحكموا القرآن أبي بن كعب ومعاذ بن ~~جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد ومنا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم فجرى ~~الحديث بينهما ms0502 فغضبا وأنشدا الأشعار وتفاخرا فجاء الأوس والخزرج ومعهم ~~السلاح فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم فأنزل الله عز وجل ~~هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } قال ابن عباس: ~~هو أن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى. وقال مجاهد: هو أن ~~تجاهدوا في الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لومة لائم وتقوموا لله ~~بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم وعن أنس قال: لا يتقي الله عبد ~~حق تقاته حتى يخزن لسانه، وقيل حق تقاته يعني واجب تقواه وهو القيام ~~بالواجب واجتناب المحارم. # واختلف العلماء في هذا القدر من هذه الآية هل هو منسوخ أم لا على قولين ~~أحدهما أنه منسوخ وذلك أنه لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين ~~وقالوا: يا رسول الله ومن يقوى على هذا؟ فأنزل الله تعالى الناسخ وهو ~~قوله تعالى في سورة التغابن: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد والسدي. ~~والقول الثاني أنها محكمة غير منسوخة وهو رواية عن ابن عباس أيضا وبه ~~قال طاوس: وموجب هذا الاختلاف يرجع إلى معنى الآية فمن قال إنها منسوخة ~~قال حق تقاته هو أن يأتي العبد بكل ما يجب لله ويستحقه فهذا يعجز العبد ~~عن الوفاء به فتحصيله ممتنع ومن قال بأنها محكمة قال: إن حق تقاته أداء ~~ما يلزم العبد على قدر طاقته فكان قوله تعالى اتقوا الله ما استطعتم ~~مفسرا لحق تقاته لا ناسخا ولا مخصصا فمن اتقى الله ما استطاع فقد ~~اتقاه حق تقواه وقيل معنى حق تقاته كما يجب أن يتقي وذلك بأن يجتنب جميع ~~معاصيه، وقيل في معنى قول ابن عباس هو أن يطاع فلا يعصى هذا صحيح والذي ~~يصدر من العبد على سبيل السهو والنسيان غير قادح فيه لأن التكليف في تلك ~~الحال مرفوع عنه وكذلك قوله: وأن يشكر فلا يكفر فواجب على العبد حضور ما ~~أنعم الله به عليه بالبال، وأما عنه السهو ms0503 فلا يجب عليه. وكذلك قوله وأن ~~يذكر فلا ينسى فإن هذا إنما يجب عند الدعاء والعبادة لا عند السهو ~~والنسيان. وقوله تعالى: { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } لفظ النهي واقع ~~على الموت والمعنى واقع على الأمر بالإقامة على الإسلام، والمعنى كونوا ~~على الإسلام فإذا ورد عليكم الموت صادفكم على ذلك. وقيل هذا في الحقيقة ~~نهي عن ترك الإسلام المعنى لا تتركوا الإسلام فإن الموت لا بد منه فمتى ~~جاءكم صادفكم وأنتم على الإسلام لأنه لما كان يمكنكم الثبات على الإسلام ~~حتى إذا أتاهم الموت أتاهم على الإسلام صار الموت على الإسلام بمنزلة ما ~~قد دخل في إمكانهم، وقيل معناه ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون مخلصون ~~مفوضون إلى الله أموركم تحسنون الظن به عز وجل. عن ابن عباس: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: اتقوا الله حق تقاته ~~ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون فقال: لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار ~~الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن تكون طعامه " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. ### || [3.103] # قوله عز وجل: { واعتصموا بحبل الله جميعا } أي تمسكوا بحبل الله والحبل ~~هو السبب الذي يتوصل به إلى البغية وسمي الإيمان حبلا لأنه سبب يتوصل به ~~إلى زوال الخوف وقيل حبل الله هو السبب الذي به يتوصل إليه فعلى هذا ~~اختلفوا في معنى الآية فقال ابن عباس: معناه تمسكوا بدين الله لأنه سبب ~~يوصل إليه، وقيل: حبل الله هو القرآن لأنه أيضا سبب يتوصل إليه. وفي ~~أفراد مسلم من حديث زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان ~~على الهدى ومن تركه كان على ضلالة " # الحديث عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن هذا القرآن هو حبل الله المتين وهو النور المبين والشفاء النافع ~~عصمة لمن تمسك به " # وذكره البغوي بغير سند وقال ابن مسعود: هو الجماعة ms0504 قال عليكم بالجماعة ~~فإنها حبل الله الذي أمر به وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما ~~تحبون في الفرقة وقيل بحبل الله يعني بأمر الله وطاعته { ولا تفرقوا } ~~يعني كما تفرقت اليهود والنصارى وقيل ولا تفرقوا يعني كما كنتم متفرقين ~~في الجاهلية متدابرين يعادي بعضكم بعضا ويقتل بعضكم بعضا. قيل معناه لا ~~تحدثوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه الاجتماع والألفة التي أنتم عليها ~~ففيه النهي عن التفرق والاختلاف والأمر بالاتفاق والاجتماع لأن الحق لا ~~يكون إلا واحدا وما عداه يكوه جهلا وضلالا وإذا كان كذلك وجب النهي عن ~~الاختلاف في الدين وعن الفرقة لأن كل ذلك كان عادة اهل الجاهلية فنهوا ~~عنه وروى البغوي بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا ~~تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، وأن تناصحوا من ولى الله ~~أمركم، ويسخط لكم ثلاثا قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال ". # قوله تعالى: { واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ~~فأصبحتم بنعمته إخوانا } قال محمد بن إسحاق وغيره من أهل الأخبار كان ~~الأوس والخزرج أخوين لأب وأم فوقعت بينهما عداوة قتيل ثم تطاولت تلك ~~العداوة والحروب بينهم مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام ~~وألف بينهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وسبب ذلك أن سويد بن الصامت ~~أخا بني عمرو بن عوف وكان شريفا يسميه قومه الكامل لجلده ونسبه قدم مكة ~~حاجا أو معتمرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث وأمر بالدعوة ~~فتصدى له النبي حين سمع به ودعاه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام فقال له ~~سويد فلعل الذي معك مثل الذي معي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وما الذي معك؟ قال مجلد لقمان يعني حكمة لقمان فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أعرضها علي فعرضها عليه فقال: إن هذا الكلام حسن ms0505 ومعي ~~أفضل من هذا قرآن أنزل الله عز وجل على نورا وهدى فتلا عليه القرآن ~~ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول قول حسن ثم انصرف إلى ~~المدينة فلم يلبث أن قتله الخزرج يوم بعاث وإن قومه يقولون: قد قتل وهو ~~مسلم. # ثم قدم أبو الحيس أنس بن رافع ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن ~~معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج فلما سمع بهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أتاهم وجلس إليهم وقال لهم: هل لكم إلى خير مما جئتم ~~له قالوا وما هو؟ قال أنا رسول الله قد بعثني الله إلى العباد أدعوهم إلى ~~أن لا يشركوا بالله شيئا وأنزل على الكتاب ثم ذكر الإسلام وتلا عليهم ~~القرآن. قال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا أي قوم هذا والله خير مما ~~جئتم له فأخذ أبو الحيس حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس وقال: دعنا ~~منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا فصمت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عنهم وانصرفوا إلى المدينة فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج فلم ~~يلبث إياس بن معاذ أن هلك، فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه ~~صلى الله عليه وسلم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي ~~فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على القبائل من العرب كما كان يصنع في كل ~~موسم فلقي عند العقبة رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا وهم ستة نفر ~~أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء ورافع بن مالك العجلاني ~~وقطبة بن عامر بن خريدة وعقبة بن عامر بن بابي وجابر بن عبدالله رضي الله ~~عنهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنتم قالوا نفر من الخزرج ~~قال أمن موالي اليهود قالوا نعم قال: أفلا تجلسون حتى أكلمكم قالوا: بلى، ~~فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم ~~القرآن. ms0506 قال: وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام ان يهود كانوا معهم ~~ببلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم وهم أهل أوثان وشرك وكانوا إذا كان بينهم ~~شيء قالوا: إن نبيا الآن مبعوث قد أظل زمانه سنتبعه ونقتلكم معه قتل ~~عاد وإرم فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى ~~الله عز وجل قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله أنه النبي الذي توعدكم ~~به يهود فلا يسبقنكم إليه فأجابوه وصدقوه وأسلموا معه وقالوا إنا تركنا ~~قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم فعسى الله أن يجمعهم بك ~~وسنقدم عليهم وندعوهم إلى أمرك، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ثم ~~انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم فلما قدموا ~~المدينة ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى ~~فشا فيهم فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر ~~رجلا وهم أسعد بن زرارة وعوف ومعاذ ابنا عفراء ورافع بن مالك العجلاني ~~وذكوان بن عبدالقيس وعبادة بن الصامت وزيد بن ثعلبة وعباس بن عبادة وعقبة ~~بن عامر وقطبة بن عامر فهؤلاء خزرجيون وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ~~ساعدة من الأوس فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على بيعة النساء على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ~~ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين بهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ~~ولا يعصينك في معروف الآية فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم شيئا من ذلك ~~فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة وإن ستر عليكم فأمركم إلى الله عز وجل ~~إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم قال وذلك قبل أن يفرض الحرب، قال: فلما ~~انصرف القوم بعث معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف وأمره أن يقرئهم ~~القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم ms0507 في الدين وكان يسمى مصعب بالمدينة ~~المقرئ، وكان منزله على أسعد بن زرارة ثم إن أسعد بن زرارة خرج ومصعب ~~فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن ~~أسلم فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير انطلق إلى هذين الرجلين اللذين أتيا ~~دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما فإن أسعد بن خالتي ولولا ذلك لكفيتكه، ~~وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدي قومهما من بني عبد الأشهل وهما بعد ~~مشركان فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إلى مصعب: وأسعد وهما جالسان في ~~الحائط فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق ~~الله فيه قال مصعب إن يجلس أكلمه فلما وقف عليهما متشتما وقال ما جاء ~~بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة قال له ~~مصعب أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ قال: ~~أنصفت ثم ركز حربته وجلس إليهما فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن ~~قال والله لعرفنا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم من إشراقه وتسهله ثم قال ~~ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين قالا ~~تغتسل وتطهر ثوبك وتشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين فقام واغتسل وطهر ثوبه ~~وشهد شهادة الحق ثم صلى ركعتين ثم قال: إن ورائي رجلا إن تبعكما لم ~~يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن سعد بن معاذ ثم أخذ حربته ~~فانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم فلما نظر سعد إلى أسيد مقبلا ~~قال أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف ~~أسيد على النادي قال له سعد ما فعلت قال كلمت الرجلين فوالله ما رأيت ~~بهما بأسا وقد نهيتهما فقال: لا نفعل إلا ما أحببت وقد حدثت أن بني ~~حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ~~ليحقروك فقام سعد مغضبا للذي ms0508 ذكره من بني حارثة فأخذ الحربة ثم قال ~~والله ما أراك أغنيت شيئا فانصرف إليهما فلما رآها مطمئنين عرف أن ~~أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما فوقف عليهما متشتما ثم قال لأسعد بن ~~زرارة: لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني تغشانا في دارنا ~~بما نكره وقد كان قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد قومه إن يتبعك لم ~~يخالفك أحد منهم، فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا ورغبت فيه ~~قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره فقال سعد: أنصفت ثم ركزا الحربة وجلس ~~فعرض عليه مصعب الإسلام وقرأ عليه القرآن قالا فعرفنا والله الإسلام في ~~وجهه قبل أن يتكلم من إشراق وجهه وتسهله ثم قال: كيف تصنعون إذا أسلمتم ~~ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم ~~تصلي ركعتين. # فقام واغتسل وطهر ثوبه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين ثم أخذ حربته وأقبل ~~عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير فلما رأوه مقبلا قالوا نحلف ~~بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف عليهم ~~قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا ~~وأيمننا نقيبة. قال: فإن كان رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ~~ورسوله قال فما أمسى في دار بني الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلم ومسلمة ~~ورجع أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير إلى منزل أسعد فأقام عنده يدعو الناس ~~إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون ~~ومسلمات إلا ما كان من دار أمية بن زيد وخطمة ووائل ووافق ذلك أنه كان ~~فيهم أبو قيس بن الأسلت الشاعر وكانوا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن ~~الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر ~~وأحد والخندق قالوا ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج معه من الأنصار ~~المسلمين سبعون رجلا مع حجاج قومهم ms0509 من أهل الشرك حتى قدموا مكة فوعدوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق وهي بيعة ~~العقبة الثانية قال كعب ابن مالك وكان قد شهد ذلك فلما فرغنا من الحج ~~وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا عبدالله بن ~~عمرو بن حرام أبو جابر أخبرناه كنا نكتم من معنا من المشركين من قومنا ~~أمرنا فكلمناه وقلنا: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، ~~وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ودعوناه إلى الإسلام ~~فأسلم فأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معنا العقبة ~~وكان نقيبا فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل ~~خرجنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل مستخفين تسلل القطا حتى ~~اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا ~~نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني النجار وأسماء بنت عمرو بن عدي أم ~~منيع إحدى نساء بني سلمة فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس ابن عبدالمطلب وهو يومئذ على دين قومه ~~إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوقف له فلما جسلنا كان أول من تكلم ~~العباس بن عبدالمطلب فقال: يا معشر الخزرج وكانت العرب يسمون هذا الحي من ~~الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها إن محمدا منا حيث حيث قد علمتم وقد منعناه ~~عن قومنا ممن هو على مثل رأينا وهو في عز من قومه ومنعة في بلده وإنه قد ~~أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون بما ~~دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم به من ذلك، وإن كنتم ~~ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز ~~ومنعة قال فقلنا: قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك ولربك ما ~~شئت فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0510 فتلا القرآن ودعا إلى الله عز ~~وجل ورغب في الإسلام ثم قال # " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم ونساءكم وأبناءكم قال ~~فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال والذي بعثك بالحق نبيا لنمعنك مما ~~نمنع أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناهما ~~كابرا عن كابر فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالا ~~يعني عهودا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك أن ترجع إلى ~~قومك وتدعنا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم قال: " بل الدم الدم ~~والهدم الهدم أنتم مني وأنا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أخرجوا إلى مننكم اثني عشر نقيبا كفلاء على قومهم بما فيهم ككفالة ~~الحواريين لعيسى ابن مريم فأخرجوا اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة ~~من الأوس " # قال عاصم بن عمرو بن قتادة # " ان القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس ~~بن عبادة بن نضلة الأنصاري: يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا ~~الرجل إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنكم إذا ~~نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله خزي في ~~الدنيا والآخرة وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة ~~الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا فإنا ~~نأخذ على مصيبة الأموال وقتل الأشراف فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن ~~وفينا قال الجنة قالوا ابسط يدل فبسط يده فبايعوه وأول من ضرب على يده ~~البراء بن معرور ثم تتابع القوم قال فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت ما سمعته قط يا أهل الحباحب هل ~~لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ms0511 " هذا عدو الله هذا أزب العقبة يعني شيطان العقبة اسمع أي عدو ~~الله أما والله لأفرغن لك " ثم قال رسول الله " انفضوا إلى رحالكم فقال ~~العباس بن عبادة بن نضلة والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن على أهل منى ~~بأسيافنا " فقال رسول الله صلى الله: " لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى ~~رحالكم فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا ~~جلة قريش حتى جاؤونا في منازلنا " # فقالوا: يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا تستخرجونه من بين ~~أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه والله ماحي من العرب وأبغض إلينا أن ~~تنشب الحرب بيننا وبينه منكم فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ~~ما كان من هذا شيء وما علمناه وصدقوا لم يعلموا به وبعضنا ينظر إلى بعض ~~وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان ~~جديدتان قال: فقلت له كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوه يا ~~أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من ~~قريش قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ورمى بهما إلي وقال والله ~~لتنتعلنهما قال أبو جابر مه والله أحفظت الفتى فاردد إليه نعليه قال فقلت ~~لا أردهما قال: والله يا أبا صالح لئن صدق الفأل لأسلبنه قال: ثم انصرف ~~الأنصار إلى المدينة وقد شدوا العقد فلما قدموها أظهروا الإسلام بها وبلغ ~~ذلك قريشا فآذوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأصحابه: # " إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها " # فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار فأول من هاجر ~~إلى المدينة أبو سلمة بن عبدالأسد المخزومي ثم عامر بن ربيعة ثم عبدالله ~~بن جحش ثم تتابعوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا إلى ~~المدينة ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجمع الله عز ~~وجل أهل المدينة أوسها وخزرجها بالإسلام، وأصلح ذات بينهم بنبيه ms0512 عليه ~~الصلاة والسلام وأنزل الله عز وجل: { واذكروا } يعني يا معشر الأنصار { ~~نعمة الله عليكم } يعني بالإسلام { إذ كنتم أعداء } يعني قبل الإسلام { ~~فألف بين قلوبكم } يعني بالإسلام وبنبيه عليه الصلاة والسلام فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا يعني فصرتم برحمته وبدينه الإسلام إخوانا في الدين ~~والولاية بعد العداوة { وكنتم } يا معشر الأوس والخزرج { على شفا حفرة من ~~النار } يعني على طرف حفرة مثل شفا البئر ليس بينكم وبين الوقوع في النار ~~إلا أن تموتوا على كفركم { فأنقذكم منها } أي فخلصكم بالإيمان من الوقوع ~~في النار { كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون }. ### || [3.104] # قوله تعالى: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر } اللام في قوله ولتكن لام الأمر أي لتكن منكم أمة دعاة إلى ~~الخير، وقيل إن كلمة من في قوله منكم للتبيين لا للتبعيض وذلك لأن الله ~~عز وجل أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله ~~تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } ~~فيجب على كل مكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إما بيده أو بلسانه أو ~~بقلبه م عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع ~~فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " # فعلى هذا يكون معنى الآية كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف ~~ناهين عن المنكر ومن قال بهذا القول يقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر فرض كفاية إذا قام به واحد سقط الفرض عن الباقين، وقيل إن من هنا ~~للتبعيض وذلك لأن في الأمة من لا يقدر على الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر لعجز وضعف فحسن إدخال لفظ من في قوله ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير وقيل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما يختص بالعلماء ولاة ~~الأمر فعلى هذا يكون المعنى ليكن بعضكم آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر. ~~خ عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله ms0513 عليه وسلم قال: # " مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة ~~فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسلفها فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من ~~الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ ~~من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ~~جميعا " # والخير المذكور في الآية هو كل شيء يرغب فيه من الأفعال الحسنة وقيل: هو ~~هنا كناية عن الإسلام والمعنى لتكن أمة أي جماعة دعاة إلى الإسلام وإلى ~~كل فعل حسن يستحسن في الشرع والعقل وقيل الدعوة إلى فعل الخير يندرج ~~تحتها نوعان: أحدهما: الترغيب في فعل ما ينبغي وهو الأمر بالمعروف. ~~والثاني: الترغيب في ترك ما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر فذكر الحسن ~~أولا وهو الخير ثم أتبعه بنوعيه مبالغة في البيان والمعروف اسم لكل فعل ~~يعرف بالعقل والشرع حسنه والمنكر ضد ذلك وهو ما عرف بالعقل والشرع قبحه ~~وقوله تعالى: { وأولئك هم المفلحون } تقدم تفسيره. ### || [3.105-106] # قوله عز وجل: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا } يعني ولا تكونوا يا ~~معشر المؤمنين كالذين تفرقوا يعني أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى في قول ~~أكثر المفسرين واختلفوا في دين الله وأمره ونهيه، وقيل تفرقوا واختلفوا ~~بمعنى واحد وإنما ذكرهما للتأكيد وقيل تفرقوا بسبب العداوة واتباع الهوى ~~واختلفوا في دين الله فصاروا فرقا مختلفين قال الربيع في هذه الآية: هم ~~أهل الكتاب نهى الله أهل الإسلام أن يتفرقوا أو يختلفوا كما تفرق واختلف ~~أهل الكتاب. وقال ابن عباس: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن ~~الاختلاف والفرقة وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في ~~الدين. وقال بعضهم: هم المبتدعة من هذه الأمة وقال أبو أمامة: هم ~~الحرورية: قال عبدالله بن شداد: وقف أبو أمامة وأنا معه على رؤوس ~~الحرورية على درج جامع دمشق فذرفت عيناه ثم قال: كلاب أهل النار وكانوا ~~مؤمنين فكفروا بعد إيمانهم، شر قتيل تحت أديم السماء، وخير قتيل تحت أديم ~~السماء الذين قتلهم ms0514 هؤلاء قلت فما شأنك دمعت عيناك قال رحمة لهم كانوا من ~~أهل الإسلام فكفروا بعد إيمانهم ثم أخذ بيدي وقال: إن بأرضي منهم كثير ~~وفي رواية ثم قرأ بعد قوله: { فكفروا بعد إيمانهم ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا } إلى قوله: { أكفرتم بعد إيمانكم } ورواه الترمذي عن ~~أبي غالب قال رأى أبو أمامة: رؤوسا منصوبة على درج دمشق فقال أبو أمامة ~~كلاب أهل النار شر قتلي تحت أديم السماء خير قتلي من قتلوه ثم قرأ: { يوم ~~تبيض وجوه وتسود وجوه } إلى آخر الآية قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاث ~~مرات أو أربع مرات حتى عد سبعا ما حدثتكموه وقال فيه هذا حسن وقوله ~~تعالى: { من بعد ما جاءهم البينات } يعني الحجج الواضحات فعلموها ثم ~~خالفوها وإنما قال جاءهم ولم يقل جاءتهم لجواز حذف علامة التأنيث من ~~الفعل في التقديم تشبيها بعلامة التثنية والجمع { وأولئك لهم عذاب عظيم ~~} يعني لهؤلاء الذين تفرقوا واختلفوا لهم عذاب عظيم في الآخرة وفيه زجر ~~عظيم للمؤمنين عن التفرق والخلاف عن أي ذر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " # أخرجه ابو داود. أراد بربقة الإسلام عقد الإسلام وأصله أن الربق حبل فيه ~~عدة عرا يشد بها الغنم الواحدة من العري ربقة. وروى البغوي بسنده عن عمر ~~بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة فإن الشيطان مع الفذ وهو ~~من الاثنين أبعد " # بحبوحة الجنة وسطها والفذ هو الواحد. قوله عز وجل: { يوم تبيض وجوه ~~وتسود وجوه } يعني اذكروا يوم تبيض وجوه المؤمنين وتسود وجوه الكافرين، ~~وقيل تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة، وقيل تبيض وجوه ~~المخلصين وتسود وجوه المنافقين وفي بياض الوجوه وسوادها قولان: أحدهما، ~~إن البياض كناية عن الفرح والسرور والسواد كناية عن الغم والحزن، وهذا ms0515 ~~مجاز مستعمل يقال لمن نال بغيته وظفر بمطلوبه ابيض وجهه يعني من السرور ~~والفرح ولمن ناله مكروه اسود وجهه وأريد لونه يعني من الحزن والغم قال ~~الله تعالى: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا # [النحل: 58] يعني من الحزن فعلى هذا بياض الوجوه إشراقها وسرورها ~~واستبشارها بعملها، وذلك أن المؤمن إذا ورد القيامة على ما قدم من خير ~~وعمل صالح استبشر بثواب الله ونعمه عليه فإذا كان كذلك وسم وجهه ببياض ~~اللون وإشراقه واستنارته وابيضت صحيفته وأشرقت وسعى النور بين يديه وعن ~~يمينه وشماله. وأما الكافر والظالم إذا ورد القيامة على ما قدم من قبيح ~~عمل وسيئات حزن واغتم لعلمه بعذاب الله فإذا كان كذلك وسم وجهه بسواد ~~اللون وكمودته واسودت صحيفته وأظلمت وأحاطت به الظلمة من كل جانب نعوذ ~~بفضل الله وسعة رحمته من الظلمات يوم القيامة والقول الثاني بياض الوجوه ~~وسوادها حقيقة تحصل في الوجه فيبيض وجه المؤمن ويكسى نورا ويسود وجه ~~الكافر ويكسى ظلمة لأن لفظ البياض والسواد حقيقة فيهما والحكمة في بياض ~~الوجوه وسوادها أن أهل الموقف إذا رأوا بياض وجه المؤمن عرفوا أنه من أهل ~~السعادة وإذا رأوا سواد وجه الكافر عرفوا أنه من أهل الشقاوة { فأما ~~الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } ~~أي فيقال لهم أكفرتم والهمزة للتوبيخ والتقريع. فإن قلت كيف قال أكفرتم ~~بعد إيمانكم وهم لم يكونوا مؤمنين فمن المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد ~~إيمانهم. قلت اختلف العلماء في ذلك فروى عن أبي بن كعب أنه قال: أراد به ~~الإيمان يوم أخذ الميثاق حين قال لهم ألست بربكم؟ قالوا بلى فآمن الكل، ~~فكل من كفر في الدنيا فقد كفر بعد الإيمان، وقال الحسن: هم المنافقون ~~وذلك أنهم تكلموا بالإيمان بألسنتهم وأنكروه بقلوبهم. وقال عكرمة: هم أهل ~~الكتاب وذلك أنهم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه فلما بعث ~~أنكروه وكفروا به وقيل هم الذين ارتدوا زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~وهم أهل الردة ق ms0516 عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنا فرطكم على الحوض وليرفعن إلي رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأنا ~~لهم اختلجوا دوني فأقول أي رب أصحابي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " # ق عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رفعوا إلي اختلجوا دوني ~~فلأقولن أي رب أصحابي أصحابي فيقال لي لا تدري ما أحدثوا " # زاد في رواية فأقول: # " سحقا لمن بدل بعدي " # ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يرد على يوم القيامة رهط من أصحابي أو قال من أمتي فيجلون عن الحوض ~~فأقول يا رب أصحابي فيقول: أنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا ~~على أدبارهم القهقهرى " # وقيل هم الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب وقتلهم وهم الحرورية. ~~م عن زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي لما ساروا إلى ~~الخوارج فقال علي: أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " " يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا ~~صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرءون القرآن ~~يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما ~~يمرق السهم من الرمية " # وفي رواية سويد بن غفلة عنه # " يقرؤون القرآن لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق ~~السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم ~~عند الله يوم القيامة " # ق بشير بن عمرو. قال: قلت لسهل بن حنيف هل سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول في الخوارج شيئا قال: سمعته يقول وأهوى بيده إلى العراق # " يخرج منهم قوم يقرؤون القرآن لايجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام مروق ~~السهم من الرمية " # وقيل هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة كالقدرية ونحوهم ومن قال بهذا ~~القول يقول كفرهم بعد إيمانهم هو ms0517 خروجهم من الجماعة ومفارقتهم في ~~الاعتقاد. م عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي ~~كافرا، ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا " # وقال الحارث الأعور: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول على ~~المنبر: إن الرجل ليخرج من أهله فما يؤوب إليهم حتى يعمل عملا يستوجب به ~~الجنة وإن الرجل ليخرج من أهله فما يعود إليهم حتى يعمل عملا يستوجب به ~~النار ثم قرأ { يوم تبيض وجوه } الآية ثم نادى هم الذين كفروا بعد ~~الإيمان ورب الكعبة. ### || [3.107-108] # قوله تعالى: { وأما الذين ابيضت وجوههم } يعني المؤمنين المطيعين لله عز ~~وجل { ففي رحمة الله } يعني ففي جنة الله وإنما سميت الجنة رحمة لأنها ~~دار رحمة وفيه إشارة إلى أن العبد وإن عمل بالطاعات لا يدخل الجنة إلا ~~برحمة الله تعالى { هم فيها خالدون } قيل: إنما كرر كلمة في لأن في كل ~~واحدة منهن معنى غير الأخرى المعنى أنهم في رحمة الله وأنهم في الرحمة ~~خالدون { تلك آيات الله } يعني القرآن وقيل هذه الآيات التي تقدمت { ~~نتلوها عليك بالحق } أي بالمعنى الحق لأن المتلو حق { وما الله يريد ~~ظلما للعالمين } يعني لا يعاقب أحدا بغير جرم واستحقاق للعقوبة وإنما ~~ذكر الظلم هنا لأنه قد تقدم ذكر العقوبة في قوله فأما الذين اسودت ~~وجوههم إلى قوله فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون أخبر أنهم إنما وقعوا ~~فيما وقعوا فيه بسبب أفعالهم المنكرة وأنه لا يظلم أحدا من خلقه. ### || [3.109-110] # { ولله ما في السموات وما في الأرض } لما ذكر الله أنه لا يريد ظلما ~~للعالمين لأنه لا حاجة به إلى الظلم، وذلك أن الظالم إنما يظلم غيره ~~ليزداد مالا أو عزا أو سلطانا أو يتم نقصا فيه بما يظلم به غيره ولما ~~كان الله عز وجل مستغنيا عن ذلك، وله صفة الكمال أخبر أن له ما في ~~السموات وما في الأرض وأن جميع ما فيها ملكه وأهلها عبيده، وإذا ms0518 كان كذلك ~~يستحيل في حقه سبحانه وتعالى أن يظلم أحدا من خلقه لأنهم عبيده، وفي ~~قبضته ثم قال: { وإلى الله ترجع الأمور } يعني وإليه مصير جميع الخلائق ~~المؤمن والكافر والطائع والعاصي فيجازي الكل على قدر استحقاقهم ولا يظلم ~~أحدا منهم. قوله عز وجل: { كنتم خير أمة } سبب نزول هذه الآية أن مالك ~~بن الصيف ووهب بن يهودا اليهوديين قالا لعبدالله بن مسعود وأبي بن كعب ~~ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة: نحن أفضل منكم وديننا خير من دينكم الذي ~~تدعوننا إليه فأنزل الله هذه الآية واختلف في لفظة كان فقيل هي بمعنى ~~الحدوث والوقوع والمعنى حدثتم ووجدتم وخلقتم خير أمة وقيل كان هنا ناقصة ~~وهي عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض ولا تدل على انقطاع طارئ بدليل ~~قوله: { وكان الله غفورا رحيما } فعلى هذا التقدير يكون المعنى: كنتم ~~في علم الله خير أمة وقيل كنتم مذكورين في الأمم الماضية بأنكم خير أمة، ~~وقيل كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة وقيل معناه كنتم منذ ~~آمنتم خير أمة وقيل قوله خير أمة تابع لقوله: { فأما الذين ابيضت وجوههم ~~} والتقدير أنه يقال لهم عند دخول الجنة: كنتم في دنياكم خير أمة فلهذا ~~استحققتم ما أنتم فيه من بياض الوجوه والنعيم المقيم، وقيل كنتم بمعنى ~~أنتم وقيل يحتمل أن يكون كان بمعنى صار فمعنى قوله كنتم أي صرتم خير أمة. ~~فأما المخاطبون بهذا من هم ففيه خلاف قال ابن عباس في قوله كنتم خير أمة ~~هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى ابن جرير عن عمر ~~بن الخطاب قال لو شاء الله تعالى لقال: أنتم فكنا كلنا ولكن في خاصة من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صنع مثل ما صنعتم كانوا خير أمة ~~أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وقال الضحاك: هم أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني به كانوا هم الرواة الدعاة الذين أمر ~~الله عز وجل المسلمين باتباعهم وطاعتهم. ms0519 ق عن عمران بن حصين أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم قال عمران: فلا أدري ~~أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ثم إن بعدهم قوما يشهدون ولا يستشهدون ~~ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن " # زاد في رواية: # " ويحلفون ولا يستحلفون " # ق عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق ~~شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته " # قوله: # " خير الناس قرني " # يعني أصحابي القرن أهل كل زمان مأخوذ من الاقتران فكأنه الزمان الزمان ~~الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم، وقيل القرن أربعون ~~سنة وقيل ثمانون وقيل مائة. ق عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدا أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا ~~نصيفه " # النصيف النصف. وقال ابن عباس في رواية عطاء في قوله: كنتم خير أمة هم ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال الزجاج قوله كنتم خير أمة الخطاب فيه ~~مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه عام في كل أمة ونظيره قوله: ~~" كتب عليكم الصيام، كتب عليكم القصاص " فإن كل ذلك خطاب مع الحاضرين ~~بحسب اللفظ، ولكنه عام في حق الكل كذا ههنا عن # " بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ~~قوله تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس } قال أنتم الأمة تتمون سبعين ~~أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن وأصل الأمة الجماعة المجتمعة على الشيء. ~~وأمة محمد صلى الله عليه وسلم هم الجماعة الموصوفين بالإيمان بالله عز ~~وجل وبمحمد صلى الله عليه وسلم خ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى؟ قال من أطاعني ms0520 دخل ~~الجنة ومن عصاني فقد أبى " # عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله لا يجمع أمتي او قال أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة ~~ويد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار " # أخرجه الترمذي عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أمتي أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة عذابها في الدنيا الفتن ~~والزلازل والقتل " # أخرجه أبو داود عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مثل أمتي كمثل المطر لا يدري آخره خير أم أوله " # أخرجه الترمذي وله عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون من هذه الأمة، وأربعون من سائر ~~الأمم " # وله عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " باب أمتي الذي يدخلون منه الجنة عرضه مسيرة الراكب المسرع المجد ~~ثلاثا ثم إنهم يتضاغطون عليه حتى تكاد مناكبهم تزول " # قال الترمذي سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فلم يعرفه وقال ~~لخالد بن أبي بكر مناكير عن سالم بن عبدالله زاد غيره في الحديث وهم ~~شركاء الناس في سائر الأبواب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من أمتي من يشفع في الفئام من الناس ومنهم من يشفع في القبيلة ومنهم ~~من يشفع للعصبة من يشفع للواحد " # أخرجه الترمذي خ عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو سبعمائة ألف سماطين متماسكين آخذ ~~بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة ~~البدر " # عن أبي أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " وعدني ربي أن يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب ~~ومع كل ألف سبعون ألفا وثلاث حثيات من حثيات ربي " # أخرجه الترمذي. وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن عمر بن الخطاب ms0521 رضي الله ~~عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها وحرمت على الأمم حتى ~~تدخلها أمتي " # وقوله تعالى: { أخرجت للناس } معناه كنتم خير الأمم المخرجة للناس في ~~جميع الأعصار ومعنى أخرجت أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وقيل معناه كنتم ~~للناس خير أمة أخرجت خ عن أبي هريرة قال: { كنتم خير أمة أخرجت للناس } ~~قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في ~~الإسلام، وقيل: أخرجت صلة والتقدير كنتم خير أمة للناس وقيل معناه ما ~~أخرج للناس أمة خير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم: { تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر } هذا كلام مستأنف والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية ~~وكونهم خير أمة كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم. ~~والمعروف هو التوحيد، والمنكر هو الشرك، المعنى تأمرون الناس بقول لا إله ~~إلا الله وتنهونهم عن الشرك { وتؤمنون بالله } أي وتصدقون بالله وتخلصون ~~له التوحيد والعبادة. فإن قلت لم قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~على الإيمان بالله في الذكر مع أن الإيمان يلزم أن يكون مقدما على كل ~~الطاعات والعبادات؟. قلت الإيمان بالله أمر يشترك فيه جميع الأمم المؤمنة ~~وإنما فضلت هذه الأمة الإسلامية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ~~سائر الأمم، وإذا كان كذلك كان المؤثر في هذه الخيرية هو الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وأما الإيمان بالله فهو شرط في هذا الحكم لأنه ما لم ~~يوجد الإيمان لم يضر شيء من الطاعات مقبولا فثبت أن الموجب لهذه الخيرية ~~لهذه الأمة هو كونهم آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، فلهذا السبب حسن ~~تقديم ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ذكر الإيمان وقوله تعالى: ~~{ ولو آمن أهل الكتاب } يعني ولو آمن اليهود والنصارى بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وبالدين الذي جاء به { لكان خيرا لهم } يعني مما هم عليه من ~~اليهودية والنصرانية وإنما حملهم على ذلك حب الرياسة واستتباع العوام ولو ~~أنهم آمنوا لحصلت لهم ms0522 الرياسة في الدنيا، والثواب العظيم في الآخرة وهو ~~دخول الجنة { منهم } يعني من أهل الكتاب { المؤمنون } يعني عبدالله بن ~~سلام وأصحابه الذين أسلموا من اليهود والنجاشي وأصحابه الذين أسلموا من ~~النصارى { وأكثرهم الفاسقون } أي المتمردون في الكفر، وقيل إن الكافر قد ~~يكون عدلا في دينه وهؤلاء مع كفرهم فاسقون. ### || [3.111-112] # قوله عز وجل: { لن يضروكم إلا أذى } سبب نزول هذه الآية أن رؤساء عمدوا ~~إلى من آمن منهم مثل عبدالله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم فأنزل الله ~~تعالى { لن يضروكم إلا أذى } يعني لن يضركم أيها المؤمنون هؤلاء اليهود ~~إلا أذى يعني باللسان من طعنهم في دينكم أو تهديد أو إلقاء شبهة وتشكيك ~~في القلوب وكل ذلك يوجب الأذى والغم { وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار } ~~يعني منهزمين مخذولين { ثم لا ينصرون } يعني لا يكون لهم النصر عليكم بل ~~تنصرون عليهم وفيه تثبيت لمن أسلم من أهل الكتاب لأنهم كانوا يؤذونهم ~~بالقول ويهددونهم ويوبخونهم فأعلمهم الله تعالى أنهم لا يقدرون أن ~~يجاوزوا الأذى بالقول إلى غيره من الضرر ثم وعدهم الغلبة والانتقام منهم ~~وأن عاقبتهم الخذلان والذل فقال تعالى: { ضربت عليهم الذلة } يعني جعلت ~~الذلة ملصقة بهم كالشيء يضرب على الشيء فيلتصق به، والمراد بالذلة قتلهم ~~وسبيهم وغنيمة أموالهم وقيل الذلة ضرب الجزية عليهم لأنهم ذلة وصغار وقيل ~~ذلتهم أنك لا ترى في اليهود ملكا قاهرا ولا رئيسا معتبرا بل مستضعفون ~~في جميع البلاد { أينما ثقفوا } أي حيثما وجدوا وصودفوا { إلا بحبل من ~~الله } يعني إلا بعهد من الله وهو أن يسلموا فتزول عنهم الذلة { وحبل من ~~الناس } يعني المؤمنين ببذل الجزية والمعنى ضربت عليهم الذلة في عامة ~~الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس وهو ذمة الله وعهده ~~وذمة المسلمين وعهدهم لا عزلهم إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة ~~لما قبلوه من بذل الجزية. وإنما سمي العهد حبلا لأنه سبب يوصل إلي الأمن ~~وزال الخوف { وباؤوا بغضب من الله } يعني رجعوا بغضب من الله واستوجبوه ~~وقيل أصله من ms0523 البواء وهو المكان والمعنى أنهم مكثوا في غضب من الله وحلوا ~~فيه { وضربت عليهم المسكنة } يعني كما يضرب البيت على أهله فهم ساكنون في ~~المسكنة غير خارجين منها قال الحسن المسكنة هي الجزية، وذلك لأن الله ~~تعالى أخرج المسكنة عن الاستثناء، وذلك يدل على انها باقية عليهم والباقي ~~عليهم هو الجزية فدل على أن المسكنة هي الجزية، وقيل المراد بالمسكنة هو ~~أن اليهودي يظهر من نفسه الفقر وإن كان غنيا موسرا { ذلك } إشارة إلى ~~ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب { بأنهم } أي بسبب أنهم { ~~كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون } أي ذلك الذي نزل بهم بسبب عصيانهم لله عز وجل وتعديهم لحدوده ~~فنزل بهم ما نزل. ### || [3.113-114] # قوله عز وجل: { ليسوا سواء } قال ابن عباس: لما أسلم عبدالله بن سلام ~~وأصحابه قالت أحبار اليهود ما آمن محمد صلى الله عليه وسلم إلا شرارنا ~~ولولا ذلك ما تركوا دين آبائهم فأنزل الله تعالى هذه الآية وفي وقوله: { ~~ليسوا سواء } قولان أحدهما أنه كلام تام يوقف عليه والمعنى أهل الكتاب ~~الذي سبق ذكرهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ليسوا سواء، وقيل معناه ~~لا يستوي اليهود وأمة محمد صلى الله عليه وسلم القائمة بأمر الله الثابتة ~~على الحق. والقول الثاني أن قوله: { ليسوا سواء } متعلق بما بعده ولا ~~يوقف عليه وقوله: { من أهل الكتاب أمة قائمة } فيه اختصار وإضمار ~~والتقدير ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة ومنهم أمة مذمومة غير قائمة ~~فترك ذكر الأمة الأخرى اكتفاء بذكر أحد الفريقين وهذا على مذهب العرب أن ~~ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الآخر قال أبو ذؤيب: # دعاني إليها القلب إني امرؤ لها مطيع فلا أدري أرشد طلابها # أراد أم غير رشد فاكتفى بذكر أحد الرشدين دون الآخر. وقال الزجاج: لا ~~حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة لأنه قد جرى ذكر أهل الكتاب بقوله: كانوا ~~يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق فأعلم الله أن منهم أمة ~~قائمة ms0524 فلا حاجة بنا إلى أن نقول وأمة غير قائمة إنما ابتدأ فعل الأكثر ~~منهم وهو الكفر والمشاقة، ثم ذكر من كان مباينا لهم في فعلهم فقال: " ~~ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة " قال ابن عباس: قائمة أي مهدية ~~قائمة على أمر الله تعالى لم يضعوه ولم يتركوه، وقيل قائمة أي عادلة وقيل ~~قائمة على كتاب الله عز وجل وحدوده وقيل: قائمة في الصلاة { يتلون آيات ~~الله } أي يقرؤون كتاب الله عز وجل: { آناء الليل } يعني ساعاته { وهم ~~يسجدون } يعني يصلون، عبر بالسجود عن الصلاة لأن التلاوة لا تكون في ~~السجود وقيل: هي صلاة التهجد بالليل وقيل هي صلاة العشاء لأن اليهود لا ~~يصلونها وقيل يحتمل أنه أراد بالسجود الخضوع والخشوع لأن العرب تسمي ~~الخشوع سجودا وقال عطاء في قوله تعالى: { ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة ~~قائمة } يريد أربعين رجلا من أهل نجران من العرب واثنين وثلاثين من ~~الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه الصلاة والسلام وصدقوا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وآمنوا به وكانوا عدة نفر من الأنصار منهم أسعد ~~بن زرارة والبراء بن معرور ومحمد بن مسلمة وأبو قيس صرمة بن أنس كانوا ~~قبل الإسلام موحدين يغتسلون من الجنابة ويقومون بما عرفوا من شرائع ~~الحنيفية حتى جاءهم الله عز وجل بالنبي صلىالله عليه وسلم فآمنوا به ~~وصدقوه، ثم وصفهم الله تعالى بصفات ما كانت في اليهود فقال: { يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر } وذلك لأن إيمان أهل الكتاب فيه شرك ويصفون اليوم ~~الآخر بغير ما يصفه المؤمنون، وقيل إن الإيمان بالله يسلتزم الإيمان ~~بجميع أنبيائه ورسله واليهود يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض والإيمان ~~باليوم الآخر يستلزم الحذر من فعل المعاصي واليهود لا يحترزون منها فلم ~~يحصل الإيمان الخالص بالله واليوم الآخر { ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر } يعني غير مداهنين كما يداهن اليهود بعضهم بعضا. # وقيل يأمرون بالمعروف يعني بتوحيد الله تعالى والإيمان بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وينهون عن المنكر يعني عن الشرك وعن كتم صفة ms0525 محمد صلى الله ~~عليه وسلم { ويسارعون في الخيرات } أي يبادرون إليها خوف الفوت وذلك أن ~~من رغب في أمر سارع إليه وقام به غير متوان عنه وقيل يسارعون في الخيرات ~~غير متثاقلين ولا كسالى { وأولئك } إشارة إلى الموصوفين بما وصفوا به { ~~من الصالحين } أي من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله عز وجل ~~ورضي عنهم واستحقوا ثناءه عليهم، وذلك لأن الصلاح ضد الفساد فإذا حصل ~~الصلاح للإنسان فقد حصل له أعلى الدرجات وأكمل المقامات وقيل يحتمل أن ~~يراد بالصالحين المسلمون والمعنى أولئك الذين تقدم وصفهم من جملة ~~المسلمين. ### || [3.115-118] # قوله عز وجل: { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه } قرئ بالياء لأن الكلام ~~متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب وذلك أن اليهود لما قالوا ~~لعبدالله بن سلام وأصحابه إنكم خسر ثم بسبب هذا الدين الذي دخلتم فيه ~~فأخبر الله تعالى أنهم فازوا بالدرجات العلى وما فعلوه مكن خير يجازيهم ~~به ولا يمنع من خصوص السبب عموم الحكم فيدخل فيه كل فاعل للخير وقرئ ~~بالتاء على أنه ابتداء كلام وهو خطاب لجميع المؤمنين ويدخل فيه مؤمنوا ~~أهل الكتاب أيضا ومعنى الآية وما تفعلوا من خير أيها المؤمنون فلن ~~تكفروه أي فلن تعدموا ثوابه ولن تجرموه أو تمنعوه بل يشكره لكم ويجازيكم ~~به { والله عليم بالمتقين } فيه بشارة للمتقين بجزيل الثواب ودلالة على ~~أنه لا يفوز عنده إلا أهل الإيمان والتقوى. قوله عز وجل: { إن الذين ~~كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } قال ابن عباس: ~~يريد بني قريظة والنضير وذلك أن رؤساء اليهود مالوا إلى تحصيل الأموال في ~~معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان مقصودهم بمعاداته تحصيل ~~الرياسة والأموال فقال الله عز وجل: { لن تغني عنهم أموالهم } وقيل: نزلت ~~في مشركي قريش فإن أبا جهل كان كثير الافتخار بالأموال وأنفق أبو سفيان ~~مالا كثيرا في يومي بدر وأحد على المشركين وقيل: إن الآية عامة في جميع ~~الكفار لأن اللفظ عام ولا دليل يوجب ms0526 التخصيص فوجب إجراء اللفظ على عمومه ~~ومعنى الآية: { إن الذين كفروا لن تغني } أي تذفع أموالهم بالفدية لو ~~افتدوا بها من عذاب الله ولا أولادهم بالنصر وإنما خص الأموال والأولاد ~~بالذكر لأن الإنسان يدفع عن نفسه تارة بالفداء بالمال وتارة بالاستعانة ~~بالأولاد فأعلم الله تعالى أن الكافر لا ينفعه شيء من ذلك في الآخرة ولا ~~مخلص له من عذاب الله وهو قوله: { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ~~لا يخرجون منها ولا يفارقونها قوله عز وجل: { مثل ما ينفقون في هذه ~~الحياة الدنيا } قيل أراد نفقة أبي سفيان وأصحابه ببدر وأحد في معاداة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل أراد نفقة اليهود على علمائهم ~~ورؤسائهم وقيل: أراد نفقات جميع الكفار وصدقاتهم في الدنيا وقيل: أراد ~~نفقة المرائي الذي لا يريد بما ينفق وجه الله تعالى وذلك لأن إنفاقهم ~~المال إما أن يكون لمنافع الدنيا أو لمنافع الآخرة فإن كان لمنافع الدنيا ~~لم يبق له أثر في الآخرة في حق المسلم فضلا عن الكافر وان كان لمنافع ~~الآخرة كمن يتصدق ويعمل أعمال البر فإن كان كافرا فإن الكفر محبط لجميع ~~أعمال البر فلا ينتفع بما أنفق في الدنيا لأجل الآخرة وكذلك المرائي الذي ~~لا يريد بما أنفق وجه الله تعالى فإنه لا ينتفع بنفقته في الآخرة ثم ضرب ~~لذلك الإنقاق مثلا فقال تعالى: { كمثل ريح فيها صر } فيه وجهان: أحدهما ~~وهو قول أكثر المفسرين، وأهل اللغة إن الصر البرد الشديد وبه قال ابن ~~عباس وقتادة والسدي وابن زيد: والوجه الثاني أن الصر هو السموم الحارة ~~التي تقتل وهو رواية عن ابن عباس وبه قال ابن الأنباري من أهل اللغة وعلى ~~الوجهين فالتشبيه صحيح والمقصود منه حاصل لأنها سواء كان فيها برد فهي ~~مهلكة أو حر فهي مهلكة أيضا { أصابت } يعني الريح التي فيها صر { حرث ~~قوم } أي زرع قوم { ظلموا أنفسهم } يعني بالكفر والمعاصي ومنع حق الله ~~فيه { فأهلكته } يعني فأهلكت الريح الزرع ومعنى الآية مثل نفقات الكفار ~~في ذهابها ms0527 وقت الحاجة إليها كمثل زرع أصابته ريح باردة فأهلكته أو نار ~~فأحرقته فلم ينتفع به أصحابه. # فإن قلت الغرض تشبيه ما أنفقوا وأبطال ثوابه وعدم الانتفاع به الحرث ~~الذي هلك بالريح فكيف شبهه بالريح المهلكة للحرث؟ قلت هو من التشبيه ~~المركب وهو ما حصلت فيه المشابهة بين ما هو المقصود من الجملتين وإن لم ~~تحصل المشابهة بين أجزاء الجملتين فعلى هذا زال الإشكال ومن التشبيه ما ~~حصلت فيه المشابهة بين المقصود من الجملتين وبين أجزاء كل واحدة منهما ~~فإن جعلنا هذا المثل من هذا القسم ففيه وجهان: أحدهما أن يكون التقدير ~~مثل الكفر في إهلاك ما ينفقون كمثل الريح المهلكة للحرث. الوجه الثاني ~~مثل ما ينفقون كمثل مهلك الريح وهو الحرث والمقصود من ضرب هذا المثل هو ~~تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكلية ولا يبقى منه شيء. وقوله تعالى: { وما ~~ظلمهم الله } يعني بأن لم يقبل نفقاتهم { ولكن أنفسهم يظلمون } يعني أنهم ~~عصوا الله فاستحقوا عقابه فأبطل نفقاتهم وأهلك حرثهم وقيل ظلموا أنفسهم ~~حيث لم يأتوا بنفقاتهم مستحقة للقبول. قوله عز وجل: { يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا بطانة } الآية قال ابن عباس: كان رجال من المسلمين ~~يواصلون اليهود لما بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع ~~فأنزل الله عز وجل هذه الآية ونهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة عليهم ويدل ~~على صحة هذا القول أن الآيات المتقدمة فيها ذكر اليهود فتكون هذه الآية ~~كذلك. وقيل كان قوم من المؤمنين يصافون المنافقين ويفشون إليهم الأسرار ~~ويطلعونهم على الأحوال الخفية فنهاهم الله عن ذلك وحجة هذا القول أن الله ~~ذكر في سياق هذه الآية قوله: # وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ # [آل عمران: 119] وهذه صفة المنافقين لا صفة اليهود وقيل المراد بهذه ~~جميع أصناف الكفار، ويدل على صحة هذا القول معنى الآية لأن الله تعالى ~~قال لا تتخذوا بطانة من دونكم فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من دون ~~المؤمنين فيكون ذلك نهيا عن جميع الكفار والبطانة خاصة ms0528 الرجل المطلع على ~~سره واشتقاقه من بطانة الثوب بدلالة قولهم لبست فلانا إذا اختصصته، ~~ويقال فلان شعاري ودثاري والشعار الذي يلي الجسد وكذلك البطانة والحاصل ~~أن الذي يخصه الإنسان بمزيد القرب يسمي بطانة لأنه يستبطن أمره ويطلع منه ~~على ما لا يطلع عليه غيره { من دونكم } قبل من صلة زائدة والتقدير لا ~~تتخذوا بطانة دونكم، وقيل من للتبيين أي لا تتخدوا بطانة من دون أهل ~~ملتكم والمعنى لا تتخذوا أولياء ولا أصفياء من غير أهل ملتكم ثم بين ~~سبحانه وتعالى علة النهي عن مباطنتهم فقال تعالى: { لا يألونكم خبالا } ~~يعني لا يقصرون ولا يتركون جهدكم فيما يورثكم الشر والفساد وهو الخبال ~~لأن أصل الخبال الفساد والضرر الذي يلحق الإنسان فيورثه نقصان العقل { ~~ودوا ما عنتم } أي يودون عنتكم وهو ما يشق عليكم من الضرر والشر والهلاك ~~والعنت المشقة { قد بدت البغضاء من أفواههم } أي ظهرت العداوة من أفواههم ~~بالشتيمة والوقيعة بين المسلمين وقيل هو إطلاع المشركين على أسرار ~~المؤمنين { وما تخفي صدورهم } يعني من العداوة والغيظ { أكبر } أي أعظم ~~مما يظهرونه { قد بينا لكم الآيات } يعني الدالة على وجوب الإخلاص في ~~الدين من موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين { إن كنتم تعقلون } يعني ما ~~بين لكم فتتعظون به. ### || [3.119-120] # قوله تعالى: { ها أنتم } ها للتنبيه وأنتم كناية للمخاطبين من الذكور { ~~أولاء } اسم للمشار إليهم في قوله { تحبونهم } والمعنى أنتم إليها ~~المؤمنون تحبون هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي ~~بينكم وبينهم من القرابة والرضاع والمصاهرة والحلف { ولا يحبونكم } يعني ~~اليهود لما بينكم وبينهم من المخالفة في الدين، وقيل تحبونهم يعني تريدون ~~لهم الإسلام وهو خير الأشياء ولا يحبونكم لأنهم يريدون لكم الكفر وهو شر ~~الأشياء لأن فيه هلاك الأبد وقيل هم المنافقون تحبونهم لما أظهروا من ~~الإيمان وأنتم لا تعلمون ما في قلوبهم ولا يحبونكم لأن الكفر ثابت في ~~قلوبهم وقيل تحبونهم وذلك بأن تفشوا إليهم أسراركم ولا يحبونكم أي لا ~~يفعلون مثل ذلك معكم { وتؤمنون بالكتاب كله } يعني وهم لا ms0529 يؤمنون وإنما ~~ذكر الكتاب بلفظ الواحد والمراد به الجمع لأنه ذهب به إلى الجنس كقولهم ~~كثر الدرهم في أيدي الناس والمعنى أنكم تؤمنون بالكتب كلها وهم لا يؤمنون ~~بشيء من كتابكم { وإذا لقوكم قالوا آمنا } يعني أن الذين وصفهم في هذه ~~الآية بهذه الصفات إذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا كإيمانكم وصدقنا ~~كتصديقكم وهذه صفة المنافقين وقيل هم اليهود { وإذا خلوا } أي خلا بعضهم ~~إلى بعض { عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } الأنامل جمع أنملة وهي طرف ~~الأصبع والمعنى أنه إذا خلا بعضهم ببعض أظهروا العداوة وشدة الغيظ، على ~~المؤمنين لما يرون من ائتلافهم واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم وعض ~~الأنامل عبارة عن شدة الغيظ وهذا من مجاز الأمثال وان لم يكن هناك عض كما ~~يقال عض يده من الغيظ والغضب { قل موتوا بغيظكم } هذا دعاء عليهم أن ~~يزداد غيظهم حتى يهلكوا به وذلك لما يرون من قوة الإسلام وعزة أهله ~~ومالهم في ذلك من الذل والخزي والمعنى ابقوا إلى الممات بغيظكم { إن الله ~~عليم بذات الصدور } يعني به الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف ~~الموجودة فيه وهي لكونها حالة في القلب منتسبة إليه كنى عنها بذات الصدور ~~والمعنى أنه تعالى عالم بكل ما يحصل في قلوبكم من الخواطر فأخبرهم أنه ~~عليم بما يسرونه من عض الأنامل غيظا إذا خلوا وأنه عليم بما هو أخفى منه ~~وهو ما يسرونه في قلوبهم. قوله عز وجل: { إن تمسسكم } أي تصبكم أيها ~~المؤمنون وأصل المس باليد ثم يسمى كل ما يصل إلى شيء ماسا له على سبيل ~~التشبيه كما يقال مسه نصب وتعب أي أصابه { حسنة } المراد بالحسنة هنا ~~منافع الدنيا مثل ظهوركم على عدوكم وإصابتكم غنيمة منهم وتتابع الناس في ~~الدخول في دينكم وخصب في معايشكم { تسؤهم } أي تحزنهم وتغمهم والسوء ضد ~~الحسنى { وإن تصبكم سيئة } أي مساءة من إخفاق سرية لكم أو إصابة عدو منكم ~~أو اختلاف يقع بينكم أو غدر ونكبة ومكروه يصيبكم { يفرحوا بها } أي بما ~~أصابكم من ذلك المكروه { وإن تصبروا ms0530 } يعني على أذاهم وقيل إن تصبروا على ~~طاعة الله وما ينالكم فيها من شدة { وتتقوا } أي تخالفوا ربكم وقيل ~~وتتقوا ما نهاكم عنه وتتوكلوا عليه { لا يضركم } أي لا ينقصكم { كيدهم } ~~أي عداوتهم ومكرهم { شيئا } أي لأنكم في عناية الله وحفظه { إن الله بما ~~يعملون } قرئ بالياء على الغيبة والمعنى أنه عالم بما يعملون من عداوتكم ~~وأذاكم فيعاقبهم عليه وقرئ بالتاء على خطاب الحاضر والمعنى أنه عالم بما ~~تعملون أيها المؤمنون من الصبر والتقوى فيجازيكم عليه { محيط } أي عالم ~~بجميع ذلك حافظ لا يعزب عنه شيء منه. ### || [3.121] # قوله عز وجل: { وإذا غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال } قال ~~جمهور المفسرين إن هذا كان يوم أحد وهو قول عبدالرحمن بن عوف وابن مسعود ~~وابن عباس والزهري وقتادة والسدي والربيع وابن إسحاق، وقال الحسن ومجاهد ~~ومقاتل: إنه يوم الأحزاب ونقل عن الحسن أيضا أنه يوم بدر قال ابن جرير ~~الطبري الأول أصح لقوله تعالى: # إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا # [آل عمران: 122] وقد اتفق العلماء أن ذلك كان يوم أحد قال مجاهد والكلبي ~~والواقدي غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل عائشة فمشى على ~~رجليه إلى أحد فجعل يصف أصحابه للقتال كما يقوم القدح قال محمد بن إسحاق ~~والسدي عن رجالهما إن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فلما سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه ودعا عبدالله بن أبي ابن ~~سلول ولم يدعه قط قبلها فاستشاره فقال عبدالله بن أبي وأكثر الأنصار يا ~~رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليه فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط ~~إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه فكيف وأنت فينا فدعهم يا ~~رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس وإن دخلوا قاتلتهم الرجال في ~~وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم وإن رجعوا رجعوا خائبين ~~فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرأي وقال بعض أصحابه يا رسول ~~الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب لئلا ms0531 يروا أنا جبنا عنهم وضعفنا وخفناهم ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إني قد رأيت في منامي بقرا فأولتها خيرا ورأيت في ذباب سيفي ثلما ~~فأولتها هزيمة ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن ~~رأيتم ان تقيموا بالمدينة وتدعوهم فإن أقاموا أقاموا بشر وإن دخلوا علينا ~~المدينة قاتلناهم فيها " # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة ~~فيقاتلهم في الأزقة فقال رجال من المسلمين ممن فاتهم يوم بدر وأكرمهم ~~الله بالشهادة يوم أحد أخرج بنا إلى أعدائنا، فلم يزالوا برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من حبهم للقاء القوم حتى دخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم منزله ولبس لأمته فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا وقال بئس ما صنعنا ~~نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه فقاموا واعتذروا ~~إليه وقالوا: يا رسول الله اصنع ما شئت فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل " # وكان قد قام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس وخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم الجمعة بعد ما صلى بأصحابه الجمعة، وكان قد مات في ~~ذلك اليوم رجل من الأنصار فصلى عليه ثم خرج عليهم فأصبح بالشعب من أحد ~~يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة. # وقيل كان نزوله في جانب الوادي وجعل ظهره وأصحابه إلى أحد وأمر عبدالله ~~بن جبير على الرماة. وقال ادفعوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اثبتوا في هذا المقام فإذا عاينوكم ولوا الأدبار فلا تطلبوا المدبرين ~~ولا تخرجوا من هذا المقام " # ولما خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى عبدالله بن أبي ابن سلول شق ~~عليه ذلك وقال لأصحابه أطاع الولدان وعصاني ثم قال لأصحابه إن محمدا ~~إنما يظفر بعدوه بكم وقد وعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا فإذا ~~رأيتم أعداءهم فانهزموا أنتم فيتبعونكم فيصير الأمر إلى ms0532 خلاف ما قاله ~~محمد لأصحابه فلما التقى الجمعان وكان عسكر المسلمين ألفا وكان المشركون ~~ثلاثة آلاف انخذل عبدالله بن أبي ابن سلول بثلاثمائة من أصحابه من ~~المنافقين وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو سبعمائة من أصحابه ~~فقواهم الله تعالى وثبتهم حتى هزموا المشركين. فلما رأى المؤمنون انهزام ~~المشركين طمعوا في أن تكون هذه الواقعة كوقعة بدر فطلبوا المدبرين ~~وخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد الله أن يقطعهم عن هذا ~~الفعل لئلا يقدموا على مثله من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وليعلموا أن ظفرهم يوم بدر إنما كان ببركة طاعة الله وطاعة رسوله. ثم إن ~~الله تعالى نزع الرعب من قلوب المشركين فكروا راجعين على المسلمين فانهزم ~~المسلمون وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة من أصحابه منهم أبو ~~بكر وعلي والعباس وطلحة وسعد وكسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وشج وجهه يومئذ وكان من أمر غزوة أحد ما كان فذلك قوله تعالى: { وإذ ~~غدوت من أهلك } أي واذكر إذ غدوت من أهلك يعني منزل عائشة ففيه منقبة ~~عظيمة لعائشة رضي الله عنها لقوله من أهلك فنص الله تعالى على أنها من ~~أهله تبوئ المؤمنين أي تنزل المؤمنين مقاعد للقتال أي مواضع ومواطن ~~للقتال. وقيل تتخذ عسكرا للقتال { والله سميع } يعني لأقوالكم { عليم } ~~يعين بنياتكم وضمائركم. ### || [3.122-125] # قوله عز وجل: { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا } أي تجبنا وتضعفا عن ~~القتال والطائفتان بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس كان جناحي ~~العسكر وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد مع ألف رجل، ~~وقيل في تسعمائة وخمسين رجلا وكان المشركون ثلاثة آلاف رجل فلما بلغوا ~~الشوط انخذل عبدالله بن أبي بثلث الناس ورجع في ثلاثمائة وقال علام نقتل ~~أنفسنا وأولادنا فتبعه أبو جابر السلمي وقال أنشدكم الله في نبيكم ~~وأنفسكم فقال عبدالله بن أبي لو نعلم قتالا لاتبعناكم وهمت الطائفتان ~~بالانصراف مع عبدالله بن أبي ms0533 فعصمهم الله فثبتوا ومضوا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال ابن عباس: أضمروا أن يرجعوا فعزم الله لهم على الرشد ~~فثبتوا فذكرهم الله عظيم نعمته عليهم فقال: إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ~~{ والله وليهما } أي ناصرهما وحافظهما ومتولي أمرهما بالتوفيق والعصمة. ~~فإن قلت الهم العزم على فعل الشيء والآية تدل على أن الطائفتين قد عزمتا ~~على الفشل وترك القتال وذلك معصية فكيف مدحهما الله تعالى بقوله والله ~~وليهما. قلت الهم قد يراد به العزم وقد يراد به حديث النفس وإذا كان كذلك ~~فحمل الهم على حديث النفس هنا أولى والله تعالى لا يؤاخذ بحديث النفس ~~ويعضده قول ابن عباس إنهم أضمروا أن يرجعوا فلما عزم الله لهم على الرشد ~~وثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مدحهم الله تعالى بقوله والله ~~وليهما ق عن جابر قال: نزلت فينا: { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله ~~وليهما } قال نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة وما يسرني أنها لم تنزل ~~لقول الله والله وليهما ففيه الاستبشار بما حصل لهم من الشرف العظيم، ~~وإنزاله فيهم آياته ناطقة مفصحة بأن الله وليهم وأن تلك الهمة التي هموها ~~ما أخرجتهم من ولاية الله تعالى. وقوله تعالى: { وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } التوكل تفعل من وكل أمره إلى غيره إذا اعتمد عليه في كفايته ~~والقيام به، وقيل التوكل هو العجز والاعتماد على الغير وقيل هو تفويض ~~الأمر إلى الله تعالى ثقة بحسن تدبيره فأمر الله عباده المؤمنين أن لا ~~يتوكلوا إلا عليه وأن لا يفوضوا أمرهم إلا إليه. قوله عز وجل: { ولقد ~~نصركم الله ببدر } اسم موضع بين مكة والمدينة معروف وقيل هو اسم لبئر ~~هناك وكانت البئر لرجل يقال له بدر فسميت به. ذكر الله المؤمنين منته ~~عليهم بالنصر يوم بدر { وأنتم أذلة } جمع ذليل وهو جمع قلة وأراد به قلة ~~العدد فإن المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر وفي رواية وثلاثة عشر رجلا ~~والمراد بذلتهم ضعف الحال وقلة السلاح والمركوب والمال وعدم ms0534 القدرة على ~~مقاومة العدو وذلك أنهم خرجوا على مواضح وكان النفر منهم يتعقب على ~~البعير الواحد. # وكان أكثرهم رجالة ولم يكن معهم إلا فرس واحد وكان عدوهم من كفار قريش ~~في حال الكثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس وكان معهم السلاح والشوكة ~~فنصر الله المؤمنين مع قلتهم على عدوهم مع كثرتهم { فاتقوا الله } يعني ~~في الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: { لعلكم تشكرون } يعني ~~بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصرته. قوله عز وجل: { إذ تقول للمؤمنين ألن ~~يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين } اختلف المفسرون ~~في أن هذا الوعد بإنزال الملائكة هل حصل يوم بدر أو يوم أحد على قولين ~~أحدهما أنه كان يوم بدر. قال قتادة: كان هذا يوم بدر أمدهم الله بألف من ~~الملائكة كما قال: إن تستغيثون ربكم فاستجاب لكم: # أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين # [الأنفال: 9] ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خسمة آلاف كما ذكر ههنا { ~~بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة } فصيروا يوم بدر وتقوا فأمدهم الله بخمسة آلاف كما وعد. قال ~~ابن عباس: لم تقاتل الملائكة في معركة إلا يوم بدر وفيما سوى ذلك يشهدون ~~القتال ولا يقاتلون إنما يكونون عددا أو مددا، وقال الحسن: هؤلاء ~~الخمسة آلاف ردء للمؤمنين إلى يوم القيامة، وقال الشعبي: بلغ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن ~~يمد المشركين فشق ذلك عليهم فأنزل الله تعالى ألن يكفيكم إلى قوله مسومين ~~فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يأتهم ولم يمدهم فلم يمدهم الله أيضا ~~بالخمسة آلاف وكانوا قد أمدوا بألف من الملائكة، وفي صحيح البخاري من ~~حديث ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: " هذا جبريل آخذ برأس ~~فرسه عليه أداة الحرب " # واحتج لصحة هذا القول أيضا بأن الله تعالى قال قبل هذه الآية ولقد ~~نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ms0535 وظاهر هذا يقتضي أن الله نصرهم حين قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم للمؤمنين: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف ولأن ~~العدد والعدد كانت يوم بدر قليلة وكان الاحتياج إلى الإمداد أكثر. القول ~~الثاني إن هذا الوعد بإنزال الملائكة كان يوم أحد وهو قول عكرمة والضحاك ~~ومقاتل. قال عمير بن إسحاق: لما كان يوم أحد انجلى القوم عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وبقي سعد بن مالك يرمي وفتى شاب يتنبل له كلما فني ~~النبل أتاه به فنثره وقال ارم أبا إسحاق ارم أبا إسحاق مرتين فلما انجلت ~~المعركة سئل عن ذلك الرجل فلم يعرف ق عن سعد بن أبي وقاص قال: " رأيت عن ~~يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب ~~بيض يقاتلان عنه كأشد القتال ما رأيتهما قبل، ولا بعد يعني جبريل ~~وميكائيل " واحتج لصحة هذا القول بأن المدد كان يوم بدر بألف من الملائكة ~~كما نص عليه في سورة الإنفاق ولم يكن بثلاثة آلاف ولا بخمسة آلاف كما هنا ~~وأيضا أن الكفار كانوا يوم بدر ألفا أو ما يقرب منهم وكان المسلمون على ~~الثلث من ذلك فإنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر فأنزل الله يوم بدر ألفا ~~من الملائكة في مقابلة عدد الكفار فوقع النصر يومئذ للمسلمين والهزيمة ~~للكفار، وكان عدد المسلمين يوم أحد ألفا وعدد الكفار ثلاثة آلاف فناسب ~~أن يكون المدد يومئذ للمسلمين ثلاثة آلاف من الملائكة ليكون ذلك مقابلا ~~لعدد الكفار كما في يوم بدر. # وأجيب عن الاحتجاج الأول لهذا القول بأن الله تعالى أمدهم يوم بدر بألف ~~كما ذكر في سورة الأنفال ثم لما سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بإمداد كرز لكفار قريش شق عليهم وعدوا بأن يمدوا بثلاثة آلاف وبخمسة آلاف ~~لتقوى قلوبهم بذلك. وأجيب عن الثاني وهو أن الكفار كانوا يوم بدر ألفا ~~فأنزل الله ألفا وفي يوم أحد كانوا ثلاثة آلاف فأنزل الله ثلاثة آلاف ~~بأن هذا تقريب حسن ولله ms0536 أن يزيد ما شاء في أي وقت شاء ولهذا قال عكرمة في ~~قوله تعالى: { بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا } قال يوم بدر ~~قال ولم يصبروا ولم يتقوا يوم أحد فلم يمدوا ولو أمدوا لم يهزموا يومئذ ~~وقيل لم يصبروا ولم يتقوا إلا في يوم الأحزاب فأمدهم الله بالملائكة حتى ~~حاصروا قريظة ق عن عائشة رضي الله عنها قالت: " لما رجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل فقال: قد وضعت ~~السلاح والله ما وضعناه اخرج إليهم قال: فإلى أين؟ قال ههنا وأشار إلى ~~بني قريظة فخرج النبي صلى الله عليه وسلم " ق عن أنس رضي الله عنه قال: " ~~كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم موكب جبريل عليه السلام حين ~~سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة وقال عبدالله بن أبي ~~أوفى كنا محاصرين قريظة والنضير ما شاء الله فلم يفتح علينا فرجعنا فدعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل فهو يغسل رأسه إذ جاءه جبريل عليه ~~السلام فقال: أوضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها فدعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بخرقة فلف بها رأسه ولم يغسله ثم نادى فينا فقمنا حتى ~~أتينا قريظة والنضير فيوميذ أمدنا الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة ~~ففتح لنا فتحا يسيرا " وقال ابن جرير الطبري: وأولى الأقوال بالصواب أن ~~الله تعالى أخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: # ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة # [آل عمران: 124] فوعدهم بثلاثة آلاف من الملائكة مددا لهم ثم وعدهم ~~بخمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا ~~بهم ولا على أنهم لم يمدوا بهم فقد يجوز أن الله أمدهم وقد يجوز أن لا ~~يكون أمدهم ولا يثبت ذلك إلا بنص تقوم به الحجة في ذلك. وقد ثبت بنص ~~القرآن أنهم أمدوا يوم بدر بألف من الملائكة كما في سورة الأنفال وأما ms0537 ~~يوم أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها بأنهم أمدوا وذلك أنهم لو ~~أمدوا لم ينهزموا ولم ينل منهم ما نيل منهم. فإن قلت فما تصنع بحديث سعد ~~بن أبي وقاص المتقدم في يوم أحد وأنه رأى ملكين عن يمين النبي صلى الله ~~عليه وسلم وشماله قلت إنما كان ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة لأنه ~~صبر ولم ينهزم كما انهزم أصحابه يوم أحد. وأما التفسير فقوله تعالى: إذ ~~تقول للمؤمنين فعلى قول من قال: إن هذا كان يوم بدر. قال نظم الآية ولقد ~~نصركم الله ببدر وأنتم أذلة إذ تقول للمؤمنين ومن قال هذا يوم أحد يقول ~~نظم الآية إن الله ذكر قصة أحد ثم أتبعه بقوله: { ولقد نصركم الله ببدر ~~وأنتم أذلة } فكذلك هو قادر أن ينصركم في سائر المواطن ثم رجع إلى قصة ~~أحد فقال تعالى: { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم } ومعنى الكفاية هو سد ~~الخلة والقيام بالأمر مع بلوغ المراد أن يمدكم ربكم. الإمداد إعانة الجيش ~~فما كان على جهة القوة والإعانة يقال أمده إمدادا وما كان على جهة ~~الزيادة يقال. فيه مده مدا، وقيل المد في الشر والإمداد في الخير بثلاثة ~~آلاف من الملائكة منزلين إنما وعدهم الله بنزول الملائكة لتقوى قلوبهم ~~ويثقوا قلوبهم ويثقوا بنصر الله ويعزموا على الثبات. بلى تصديق لوعد الله ~~أي بلى نمدكم، وقيل بلى إيجاب لما بعد ألن يعني يكفيكم الأمداد بهم فأوجب ~~الكفاية أن تصبروا أي على لقاء عدوكم وتتقوا يعني معصية الله ومخالفة ~~نبيه صلى الله عليه وسلم ويأتوكم يعني المشركين من فورهم هذا قال ابن ~~عباس: ابتداء الأمر يوجد فيه ثم يوصل آخر فمن قال معنى من فورهم من وجههم ~~أراد ابتداء مخرجهم يوم بدر. ومن قال معناه من غضبهم أراد ابتداء غضبهم ~~لقتلاهم يوم بدر لأنهم رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم يوم بدر. يمددكم ~~ربكم بخمسة آلاف من الملائكة لم يرد خسمة آلاف سوى الثلاثة المتقدمة بل ~~أراد معهم فمن قال إن هذا ms0538 الإمداد كان يوم بدر قال: إن الله تعالى أمدهم ~~بألف فلما سمعوا أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق على ~~المسلمين ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين ألن يكفيكم أن يمدكم ~~ربكم الآية على تقدير أن يجيء للمشركين المدد، فلما لم يمدوا لم يمد الله ~~المسلمين بغير ألف وروى ابن الجوزي في تفسيره عن جبير بن مطعم عن علي بن ~~أبي طالب قال: بينا أنا امتح من قليب بدر جاءت ريح ريح شديدة لم أر أشد ~~منها ثم جاءت ريح شديدة لم أر اشد منها إلا التي قبلها ثم جاءت ريح ~~شديدة لم أر أشد منها إلا التي كانت قبلها فكانت الريح الأولى جبريل نزل ~~في ألفين من الملائكة وكانوا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وكانت ~~الريح الثانية ميكائيل نزل في ألفين من الملائكة وكانوا عن يمين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والريح الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة ~~عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت عن يساره وهزم الله أعداءه ~~ومن الناس من ضم العدد القليل إلى الكثير. # فقال لأن الله تعالى ذكر الألف في سورة الأنفال وذكر هنا ثلاثة آلاف ~~وخمسة آلاف فيكون المجموع تسعة آلاف، وإن جعلناه على غزوة أحد فيكون ~~المجموع ثمانية آلاف لأنه ليس فيها ذكر الألف المفردة { مسومين } قرئ ~~بفتح الواو وبكسرها فمن فتح الواو أراد أن الله سومهم ومعناه معلمين قد ~~سوموا فيهم مسومون والسومة والسيما العلامة وهذه العلامة يعلمها الفارس ~~يوم اللقاء ليعرف بها قال عنترة: # فتعرفوني أنني أنا ذلكم شاكي سلاح في الحوادث معلم # ومن كسر الواو نسب الفعل إلى الملائكة والمعنى أنهم أعلموا انفسهم ~~بعلامات مخصوصة أو أعلموا خيلهم واختلفوا في تلك العلامة فقال عروة بن ~~الزبير: كانت الملائكة على خيل بلق وعليهم عمائم صفر. وقال علي وابن ~~عباس: كان عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين اكتافهم وقال هشام بن عروة ~~والكلبي: كانت عليهم عمائم صفر مرخاة على أكتافهم، ms0539 وقال قتادة والضحاك: ~~كانوا قد أعلموا بالعهن يعني بالصوف المصبوغ في نواصي خيلهم وأذنابها ~~وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: # " تسوموا فإن الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم " # ذكره البغوي بغير سند وقيل كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء فنزلت ~~الملائكة كذلك وقيل كانوا قد سوموا أنفسهم بسيما القتال. ### || [3.126-128] # قوله تعالى: { وما جعله الله } يعني هذا الوعد والمدد { إلا بشرى لكم } ~~يعني بشارة بأنكم تنصرون فتستبشرون به { ولتطمئن } أي ولتسكن { قلوبكم به ~~} أي فلا تجزع من كثرة عدوكم وقلة عددكم { وما النصر إلا من عند الله } ~~يعني لا تحيلوا النصر على الملائكة والجند وكثرة العدد، فإن النصر من عند ~~الله لا من عند غيره والغرض أن يكون توكلهم على الله لا على الملائكة ~~الذين أمدوا بهم وفيه تنبيه على الإعراض عن الأسباب والإقبال على مسبب ~~الأسباب { العزيز الحكيم } يعني فاستعينوا به وتوكلوا عليه لأن العز وهو ~~كمال القدرة والقوة والحكم وهو كمال العلم فلا تخفى عليه مصالح عباده { ~~ليقطع طرفا من الذين كفروا } هذا متعلق بقوله ولقد نصركم الله ببدر، ~~والمعنى أن المقصود من نصركم ببدر ليقطع طرفا أي ليهلك طائفة من الذين ~~كفروا وقيل معناه ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل والأسر فقتل يوم بدر ~~من قادتهم وساداتهم سبعون وأسر سبعون ومن حمل الآية على غزوة أحد قال: قد ~~قتل منهم ستة عشر وكان النصر فيه للمسلمين حتى خالفوا أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { أو يكبتهم } أصل الكبت في اللغة صرع الشيء على وجهه ~~والمعنى أنه يصرعهم على وجوههم والمراد منه القتل والهزيمة أو الإهلاك أو ~~اللعن والخزي { فينقلبوا خائبين } أي بالخيبة لم ينالوا شيئا من الذي ~~أملوه من الظفر بكم. قوله عز وجل: { ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم ~~أو يعذبهم } اختلف في سبب نزول هذه الآية فقيل: إنها نزلت في أهل بئر ~~معونة وهم سبعون رجلا من القراء بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0540 إلى ~~بئر معونة وهي بين مكة وعسفان وأرض هذيل وذلك في صفر سنة أربع من الهجرة ~~على رأس أربعة أشهر من أحد بعثهم ليعلموا الناس القرآن والعلم وأمر عليهم ~~المنذر بن عمرو فقتلهم عامر بن الطفيل فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من ذلك وجدا شديدا وقنت شهرا في الصلوات كلها يدعوة على جماعة من تلك ~~القبائل باللعن خ عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: # " اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعدما يقول سمع الله لمن حمده ~~ربنا لك الحمد " # فأنزل الله تعالى عليه ليس لك من الأمر شيء إلى قوله فإنهم ظالمون ق عن ~~أبي هريرة قال: " لما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الركعة ~~الثانية قال: # " اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة ~~والمستضعفين بمكة اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم أجعلها عليهم سنين كسني ~~يوسف " # زاد في رواية: # " اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب حتى أنزل الله تعالى ليس ~~لك من الأمر شيء " # الآية سماهم في رواية يونس اللهم العن رعلا وذكوان وعصية عصت الله ~~ورسوله قال ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل الله ليس لك من الأمر شيء أو ~~يتوب عليهم أو يعذبهم، فإنهم ظالمون وقيل إنها نزلت يوم أحد اختلفوا في ~~سببها فقيل: إن عتبة بن أبي وقاص شج وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكسر رباعيته. ق عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت ~~رباعيته وشج في رأسه فجعل يسلت الدم عنه ويقول: # " كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله فأنزل ~~الله " # تعالى: { ليس لك من الأمر شيء }. وقيل أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يدعو عليهم بالاستئصال فنزلت هذه الآية وذلك لعلمه أن أكثرهم يسلمون وقيل ~~إن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقف على عمه ms0541 حمزة ورأى ما صنعوا به من ~~المثلة أراد أن يدعو عليهم فنزلت هذه الآية. وقال العلماء: وهذه الأشياء ~~كلها محتملة فلا يبعد حمل الآية في النزول على كلها ومعنى الآية ليس لك ~~من أمر مصالح عبادي شيء إلا ما أوحى إليك، فإن الله تعالى هو مالك أمرهم ~~فإما أن يتوب عليهم ويهديهم فيسلموا أو يهلكهم ويعذبهم إن أصروا على ~~الكفر. وقيل ليس لك مسألة هلاكهم والدعاء عليهم لأنه تعالى أعلم بمصالحهم ~~فربما تاب على من يشاء منهم وقيل معناه ليس لك من أمر خلقي شيء إلا ما ~~وافق أمري إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم، وقيل إن قوله أو يتوب ~~عليهم معطوف على قوله ليقطع طرفا وقوله ليس لك من الأمر شيء كلام معترض ~~بين المعطوف والمعطوف عليه والتقدير ليقطع طرفا من الذين كفروا أو ~~يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ليس لك من الأمر شيء بل ~~الأمر أمري في ذلك كله. قال بعض العلماء: والحكمة في منعه صلى الله عليه ~~وسلم من الدعاء عليهم ولعنهم أن الله تعالى علم من حال بعض الكفار أنه ~~سيسلم فيتوب عليهم أو سيولد من بعضهم ولد يكون مسلما برا تقيا فلأجل ~~هذا المعنى منعه الله تعالى من الدعاء عليهم لأن دعوته صلى الله عليه ~~وسلم مجابة. فلو دعا عليهم بالهلاك هلكوا جميعا لكن اقتضت حكمة الله وما ~~سبق في علمه إبقاءهم ليتوب على بعضهم وسيخرج من بعضهم ذرية صالحة مؤمنة، ~~ويهلك بعضهم بالقتل والموت وهو قوله أو يعذبهم فيحتمل أن يكون المراد ~~بعذابهم في الدنيا وهو القتل والأسر وفي الآخرة وهو عذاب النار { فإنهم ~~ظالمون } هو كالتعليل لعذابهم والمعنى إنما يعذبهم لأنهم ظالمون ### || [3.129-130] # قوله تعالى: { ولله ما في السموات وما في الأرض } هذا تأكيد لما قبله من ~~قوله ليس لك من الأمر شيء. والمعنى إنما يكون لمن له ما في السموات وما ~~في الأرض وليس ذلك إلا الله تعالى وليس لأحد معه أمر { يغفر لمن يشاء } ~~بفضله ورحمته { ويعذب من ms0542 يشاء } بعدله يحكم فيهم بما يشاء لا منازع له في ~~حكمه ولا معارض له في فعله { والله غفور رحيم } يعني أنه تعالى يستر ذنوب ~~عباده ويغفرها لهم ويرحمهم بترك العقوبة عنهم عاجلا، وإنما يفعل ذلك على ~~سبيل التفضل والإحسان إلى عباده لا على سبيل الوجوب عليه، لأنه تعالى لو ~~أدخل جميع خلقه الجنة لكان ذلك برحمته ولو أدخل جميع خلقه النار كان ذلك ~~بعدله لكن جانب المغفرة والرحمة غالب. قوله عز وجل: { يا أيها الذين ~~آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } أراد به ما كانوا يفعلونه في ~~الجاهلية عند حلول الدين من زيادة المال وتأخير الأجل كان الرجل في ~~الجاهلية إذا كان له على إنسان دين فإذا جاء الأجل ولم يكن للمديون ما ~~يؤدي قال له صاحب الدين: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل فربما فعلوا ~~ذلك مرارا فيصير الدين أضعافا مضاعفة فنهى الله عز وجل عن ذلك، وحرم ~~أصل الربا ومضاعفته { واتقوا الله } يعني في أكل الربا فلا تأكلوه { ~~لعلكم تفلحون } أي لكي تسعدوا بثوابه في الآخرة لأن الفلاح يتوقف على ~~التقوى فلو أكل ولم يتق لم يحصل الفلاح، وفيه دليل على أن أكل الربا من ~~الكبائر ولهذا أعقبة. ### || [3.131-134] # قوله تعالى: { واتقوا النار التي أعدت للكافرين } يعني واتقوا أيها ~~المؤمنون أن تستحلوا شيئا مما حرم الله. فإن من استحل شيئا مما حرم ~~الله فهو كافر بالإجماع ويستحق النار بذلك قال ابن عباس: هذا تهديد ~~للمؤمنين أن يستحلوا ما حرم الله عليهم من الربا وغيره مما أوجب الله فيه ~~النار قال بعضهم: إن هذه الآية أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله ~~المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه يجتنبوا محارمه. وقال ~~الواحدي: في الآية تقوية لرجاء المؤمنين رحمة من الله تعالى لأنه قال ~~أعدت للكافرين فجعلها معدة للكافرين دون المؤمنين { وأطيعوا الله } يعني ~~فيما أمركم به أو نهاكم عنه من أكل الربا وغيره { والرسول } أي وأطيعوا ~~الرسول أيضا فإن طاعته طاعة الله قال محمد بن إسحاق في ms0543 هذه الآية معاتبة ~~للذين عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد { لعلكم ترحمون } أي ~~لكي ترحموا وما تعذبوا إذا أطعتم الله ورسوله فإن طاعة الله مع معصية ~~رسوله ليست بطاعة. قوله عز وجل: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } يعني ~~وبادروا وسابقوا إلى ما يوجب المغفرة من ربكم وهي الأعمال الصالحة ~~المأمور بفعلها قال ابن عباس: إلى الإسلام ووجهه أن الله تعالى ذكر ~~المغفرة على سبيل التنكير والمراد منه المغفرة العظيمة وذلك لا يحصل إلا ~~بسبب الإسلام لأنه يجب ما قبله وعن ابن عباس أيضا إلى التوبة لأن التوبة ~~من الذنوب توجب المغفرة وقال علي بن أبي طالب: إلى داء الفرائض لأن اللفظ ~~مطلق فيعم الكل وكذا وجه من قال إلى جميع الطاعات وروي عن أنس بن مالك ~~وسعيد بن جبير أنها التكبيرة الأولى يعني تكبيرة الإحرام وقيل إلى ~~الإخلاص في الأعمال لأن المقصود من جميع العبادات هو الإخلاص وقيل إلى ~~الهجرة وقيل إلى الجهاد { وجنة } أي وسارعوا إلى جنة وإنما فصل بين ~~المغفرة والجنة لأن المغفرة هي إزالة العقاب والجنة هي حصول الثواب وقيل ~~إشعار بأنه لا بد من المسارعة إلى التوبة الموجبة للمغفرة وذلك بترك ~~المنهيات والمسارعة إلى الأعمال الصالحة المؤدية إلى الجنة { عرضها } أي ~~عرض الجنة { السموات والأرض } يعني كعرض السموات والأرض لأن نفس السموات ~~والأرض ليس عرضا للجنة والمراد سعتها وإنما خص العرض للمبالغة لأن الطول ~~في العادة يكون أكثر من العرض يقول هذه صفة عرضها فكيف بطولها، والمراد ~~وصف الجنة بالسعة والبسط فشبهت بأوسع شيء علمه الناس وذلك أنه لو جعلت ~~السموات والأرض طبقا طبقا ثم وصل البعض بالبعض حتى يكون طبقا واحدا ~~كان ذلك مثل عرض الجنة فأما طولها فلا يعلمه إلا الله تعالى. وقيل ~~المراد بالعرض السعة كما تقول العرب بلاد عريضة أي واسعة عظيمة قال ~~الشاعر: # كأن بلاد الله وهي عريضة على الخائف المطلوب كفة حابل # والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ولم يدق وما ضاق عرضه دق فجعل ms0544 العرض ~~كناية عن السعة. وروي أن هرقل أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إنك ~~كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار قيل معناه ~~والله أعلم بذلك أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب والليل في ضد ذلك ~~الجانب فكذلك الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل. وروى طارق بن شهاب ~~أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعنده أصحابه ~~فقالوا: أرأيتم قولكم وجنة عرضها السموات والأرض. فأين النار؟ فقال عمر ~~بن الخطاب أرأيتم إذا جاء الليل فأين يكون النهار وإذا جاء النهار فأين ~~يكون الليل فقالوا إنها لمثلها في التوراة ومعناه حيث يشاء الله تعالى. ~~فإن قلت قال الله تعالى: # وفي السماء رزقكم وما توعدون # [الذاريات: 22] وأراد بالذي وعدنا به الجنة ومذهب أهل السنة أنها في ~~السموات وإذا كانت الجنة في السموات فكيف يكون عرضها السموات والأرض قلت ~~المراد من قولنا إنها في السموات إنها فوق السموات وتحت العرش كما سئل ~~أنس بن مالك عن الجنة أفي السماء هي أم في الأرض؟ فقال: أي أرض وسماء تسع ~~الجنة قيل له: فأين هي؟ قال فوق السموات تحت العرش وقد وصف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الفردوس فقال وسقفها عرش الرحمن وقال قتادة: كانوا يرون ~~أن الجنة فوق السموات السبع وأن جهنم تحت الأرضين السبع وقيل: إن باب ~~الجنة في السماء وعرضها كعرض السموات والأرض { أعدت للمتقين } أي هيئت ~~للمتقين وفيه دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن. قوله عز وجل: { ~~الذين ينفقون في السراء والضراء } يعني في العسر واليسر لا يتركون ~~الإنفاق في كلتا الحالتين في الغنى والفقر والرخاء والشدة ولا في حال فرح ~~وسرور ولا في حال محنة وبلاء. وسواء كان الواحد منهم في عرس أو في حبس ~~فإنهم لا يدعون الإحسان إلى الناس فأول ما ذكر الله من أخلاقهم الموجبة ~~للجنة السخاء لأنه أشق على ms0545 النفس. وكانت الحاجة إلى إخراج المال في ذلك ~~الوقت أعظم الأحوال للحاجة إليه في مجاهدة الأعداء ومواساة الفقراء من ~~المسلمين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار ~~والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار ولجاهل ~~سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل " # أخرجه الترمذي ق عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد من ثديهما إلى ~~تراقيهما فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفت على جلده حتى تخفي ثيابه ~~وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل حلقة ~~مكانها فهو يوسعها فلا تتسع " # الجنة الدرع من الحديد ق عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم ~~أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا " # ق عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " قال الله تبارك وتعالى أنفق ينفق عليك " # ق عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزية الجنة كل خزنة باب أي قل هلم ~~فقال أبو بكر: فقال يا رسول الله ذاك الذي لا توي عليه قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إني لأرجو أن تكون منهم " # قوله أي فل يعني يا فلان وليس بترخيم والتوي الهلاك يعني ذاك الذي لا ~~هلاك عليه. وقوله تعالى: { والكاظمين الغيظ } يعني والجارعين الغيظ عند ~~امتلاء نفوسهم منه والكظم حبس الشيء عند امتلائه وكظم الغيظ هو أن يمتلئ ~~غيظا فيرده في جوفه ولا يظهره بقول ولا فعل ويصبر عليه ويسكت عنه ومعنى ~~الآية أنهم يكفون غيظهم عن الأمضاء ويردون غيظهم في أجوافهم وهذا الوصف ~~من أقسام الصبر والحلم عن سهل بن معاذ عن ms0546 أنس الجهني عن أبيه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله تعالى يوم القيامة على ~~رؤوس الخلائق حتى يخبره في أي الجورشاء " # أخرجه الترمذي وأبو داود ق عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " # وروي عن عائشة رضي الله عنها أن خادما لها غاظها فقالت لله در التقوى ~~ما تركت لذي غيظ شفاء { والعافين عن الناس } يعني إذا جنى عليهم أحد لم ~~يؤاخذه فتكون الآية على العموم وقيل أراد بالناس المماليك لسوء أدب يقع ~~منهم، فتكون على الخصوص وقيل يعفون عمن ظلمهم وأساء إليهم وهو قريب من ~~القول الأول { والله يحب المحسنين } يحتمل أن تكون اللام للجنس فيتناول ~~كل محسن ويحتمل أن تكون للعهد فتكون إشارة إلى المذكورين في الآية ~~والإحسان إلى الغير إنما يكون بإيصال النفع إليه وبدفع الضرر عنه وقيل ~~الإحسان أن تحسن لمن أساء إليك فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة. وقيل ~~المحسن هو الذي يعم بإحسانه كل أحد كالشمس والمطر والريح، وقيل الإحسان ~~وقت الإمكان وليس عليك في كل وقت إحسان. وقيل الإحسان هذه الخصال ~~المذكورة في هذه الآية فمن فعلها فهو محسن. ولما كانت هذه الخصال إحسانا ~~إلى الغير ذكر الله ثوابها بقوله والله يحب المحسنين فإن محبة الله تعالى ~~للعبد أعظم درجات الثواب. ### || [3.135] # قوله عز وجل: { والذين إذا فعلوا فاحشة } قال ابن مسعود رضي الله عنه ~~قال المؤمنون للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله كانت بنو إسرائيل ~~أكرم على الله منا كان أحدهم إذا أذنب ذنبا أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة على ~~عتبة بابه اجدع أنفك أو أذنك افعل كذا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله هذه الآية وروى عطاء عن ابن عباس أنها نزلت في تيهان التمار ~~أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد وفي ~~البيت أجود منه فذهب ms0547 بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها فقالت له: اتق ~~الله فتركها وندم على ذلك. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له ذلك ~~فنزلت هذه الاية في رواية أبي صالح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم آخى بين رجلين أحدهما أنصاري والآخر ثقفي، فخرج الثقفي في غزوة ~~واستخلف أخاه الأنصاري على أهله فاشترى لهم ذات يوم لحما فلما أرادت ~~المرأة أن تأخذه منه دخل على أثرها وقبل يدها ثم ندم وانصرف ووضع التراب ~~على رأسه وهام على وجهه فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسأل امرأته ~~عن حاله فقالت: لا أكثر الله في الإخوان مثله وذكرت له الحال والأنصاري ~~يسيح في الجبال تائبا مستغفرا، فطلبه الثقفي حتى وجده فأتى به إلى أبي ~~بكر رجاء أن يجد عنده راحة وفرجا فقال الأنصاري: هلكت وذكر القصة فقال ~~أبو بكر: ويحك أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي ما لا يغار للمقيم ثم ~~لقيا عمر فقال لهما: مثل ذلك فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهما ~~مثل مقالتهما فأنزل الله عز وجل: { والذين إذا فعلوا فاحشة } يعني فعله ~~فاحشة خارجة عما أذن الله فيه والفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال ~~وأصل الفحش القبح والخروج عن الحد، قال جابر: الفاحشة الزنا. وقوله ~~تعالى: { أو ظلموا أنفسهم } ظلم النفس هو ما دون الزنا مثل القبلة ~~والمعانقة واللمس والنظر وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس هي الصغيرة ~~وقيل الفاحشة مما يكون فعله كاملا في القبح وظلم النفس هو أي ذنب كان { ~~ذكروا الله } يعني ذكروا وعيد الله وعقابه وأن الله يسألهم عن ذلك يوم ~~الفزع الأكبر وقيل ذكروا جلال الله الموجب للحياء منه. وقيل ذكروا لله ~~باللسان عند الذنوب وهو قوله تعالى: { فاستغفروا لذنوبهم } يعني لأجل ~~ذنوبهم فتابوا منها واقلعوا عنها نادمين على فعلها عازمين أن لا يعودوا ~~إليها وهذه شروط صحة التوبة المقبولة { ومن يغفر الذنوب إلا الله } وصف ~~نفسه بسعة الرحمة وقرب المغفرة وأن التائب من الذنب عنده ms0548 كمن لا ذنب له، ~~وأنه لا مفزع للمذنبين إلا إلى فضله وكرمه وإحسانه وعفوه ورحمته وفيه ~~تنبيه على أن العبد لا يطلب المغفرة إلا منه وأنه القادر على عقاب ~~المذنب وكذلك هو القادر على إزالة ذلك العقاب عنه فثبت أنه لا يجوز طلب ~~المغفرة إلا منه { ولم يصروا على ما فعلوا } يعني ولم يقيموا على الذنوب ~~ولم يثبتوا عليها ولكن تابوا منها وأنابوا واستغفروا قيل الإصرار هو ترك ~~الاستغفار عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة " # أخرجه أبو داود وقال: حديث حسن غريب وعنده عوض ولو عاد ولو فعل { وهم ~~يعلمون } قال ابن عباس: وهم يعلمون أنها معصية وأن لهم ربا يغفرها وقيل ~~وهم يعلمون إن الإصرار ضار وقيل معناه وهم يعلمون أن الله يملك مغفرة ~~الذنب وقيل وهم يعلمون أن الله لا يتعاظمه العفو عن الذنوب وإن كثرت وقيل ~~معناه وهو يعلمون أنهم إن استغفروه غفر لهم قال ثابت البناني بلغني أن ~~إبليس بكى حين نزلت هذه الآية والذين إذا فعلوا فاحشة إلى آخرها. فصل: في ~~فضل الاستغفار عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: إني كنت ~~إذا سمعت حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعني الله منه ما يشاء ~~أن ينفعني. وإذا حدثني أحد من الصحابة استحلفته فإذا حلف لي صدقته وإنه ~~حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من عبد مؤمن أو قال ما من رجل يذنب ذنبا فيقوم فيتطهر ثم يصلي ~~ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له ثم قرأ هذه الآية { والذين إذا ~~فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله } إلى آخر الآية " # أخرجه الترمذي وأبو داود والترمذي وقال هذا حديث قد رواه غير واحد عن ~~عثمان بن المغيرة فرفعوه ورواه مسعر وسفيان عن عثمان بن المغيرة فوقفاه ~~ولم يرفعاه ولا ms0549 يعرف لأسماء إلا هذا الحديث عن ابن عباس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ورزقه ~~من حيث لا يحتسب " # أخرجه أبو داود م عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ~~فيستغفرون فيغفر لهم " # ق عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن ربه تبارك وتعالى قال: # " إذا أذنب عبد ذنبا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي قال تبارك وتعالى أذنب ~~عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال: ~~أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: إن عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ~~ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فقال: أي رب اغفر لي ذنبي فقال ~~تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ~~" # وفي رواية اعمل ما شئت قد غفرت لك " قال عبد الأعلى لا أدري أقال في ~~الثالثة أو الرابعة اعمل ما شئت عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " قال الله تبارك وتعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ~~ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني ~~غفرت لك ولا أبالي يا ابن آدم وأتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا ~~تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن عنان السماء بفتح العين قيل هو السحاب وقيل ~~هو ما عن لك منها أي ما ظهر لك منها وقراب الأرض بضم القاف وروي بكسرها ~~والضم أشهر وهو ما يقارب ملأها عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قال أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب ~~إليه غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف " # أخرجه أبو ms0550 داود والترمذي والحاكم قال حديث حسن صحيح على شرط البخاري ~~ومسلم عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " كل ذنب عسى الله أن يغفر أو قال عسى أن يغفره الله إلا من مات مشركا ~~ومن قتل مؤمنا متعمدا " # أخرجه أبو داود اه. ### || [3.136] # قوله عز وجل: { أولئك } إشارة إلى من تقدم ذكره في قوله تعالى: # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم # [آل عمران: 123] الآية { جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها ~~الأنهار } معنى الآية ان المطلوب بالتوبة أمران أحدهما الأمن من العقاب ~~وإليه الإشارة بقوله مغفرة من ربهم والثاني إيصال الثواب وإليه الإشارة ~~بقوله وجنات تجري من تحتها الأنهار أي ذلك لهم ذخر لا يبخس وأجر لا يوكس ~~{ خالدين فيها } أي في الجنات { ونعم أجر العاملين } أي ونعم ثواب ~~المطيعين يعني الجنة. ### || [3.137-138] # قوله عز وجل: { قد خلت من قبلكم سنن } يعني قد انقضت من قبلكم سنة الله ~~في الأمم الماضية بالهلاك والاستئصال لأنهم خالفوا الأنبياء والرسل للحرص ~~على الدنيا وطلب لذاتها والبقاء فيها فانقرضوا ولم يبق منهم أحد وقيل في ~~معنى السنة الطريقة المستقيمة والمثال المتبع. لكل أمة سنة ومنهاج إذا ~~اتبعوه رضي الله عنهم بذلك. وقيل سنن أي شرائع وقيل سنن أي أمم والسنة ~~الأمة ومعنى الآية قد مضت وسلفت مني سنن فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية ~~الكافرة بإمهالي واستدراجي إياهم حتى يبلغ الكتاب أجله فيهم الذي أجلته ~~لإهلاكهم { فسيروا في الأرض } أمر ندب لا على سبيل الوجوب بل المقصود ~~تعرف أحوال الأمم الماضين بقوله { فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } فرغب ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم في تأمل أحوال الأمم الماضية ليصير ذلك ~~داعيا لهم إلى الإيمان بالله ورسوله والإعراض عن الدنيا ولذاتها. وفيه ~~أيضا زجر للكافر عن كفره لأنه إذا تأمل أحوال الكفار وإهلاكهم صار ذلك ~~داعيا إلى الإيمان لأن النظر إلى آثار المتقدمين له أثر في النفس كما ~~قيل: # إن آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار ms0551 # وفي هذه الآية تسلية لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جرى لهم ~~في غزوة أحد يقول فإني إنما أمهلت الكفار حتى يبلغ الكتاب أجله فيهم الذي ~~أجلته لهم في إهلاكهم ونصر محمد صلى الله عليه وسلم وأوليائه وهلاك ~~أعدائه. قوله عز وجل: { هذا } يعني القرآن وقيل هو اسم إشارة إلى ما تقدم ~~من أمره ونهيه ووعده ووعيده { بيان للناس } يعني عامة { وهدى } يعني من ~~الضلالة { وموعظة للمتقين } يعني خاصة وقيل في الفرق بين البيان والهدى ~~والموعظة لأن العطف يقتضي المغايرة والبيان هو الدلالة التي تفيد إزالة ~~الشبهة بعد أن كانت حاصلة والهدى هو طريق الرشد المأمور بسلوكه دون طريق ~~الغي، والموعظة هي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين. ~~فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان أحدهما الكلام الهادي إلى ما ينبغي في ~~الدين وهو الهدى والثاني الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو ~~الموعظة وإنما خصص المتقين بالهدى والموعظة لأنهم المنتفعون بهما دون ~~غيرهم. ### || [3.139-140] # قوله عز وجل: { ولا تهنوا ولا تحزنوا } نزلت يوم أحد حين أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بطلب القوم مع ما أصابهم من الجراح فاشتد ذلك على ~~المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية وحث فيها أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم على الجهاد على ما أصابهم من الجراح والقتل. وكان قد قتل يوم أحد من ~~الأنصار سبعون رجلا ومن المهاجرين خمسة رجال منهم حمزة بن عبدالمطلب عم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومصعب بن عمير. ومعنى الآية ولا تهنوا أي ~~ولا تضعفوا عن الجهاد ولا تحزنوا يعني على من قتل منكم لأنهم في الجنة { ~~وأنتم الأعلون } يعني بالنصر والغلبة عليهم وأن العاقبة لكم وقال ابن ~~عباس: انهزم أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم في الشعب فأقبل خالد بن ~~الوليد في خيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " اللهم لا يعلوه علينا اللهم لا قوة لنا إلا بك " # فثاب نفر من المسلمين ms0552 رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى انهزموا ~~وعلا المسلمون الجبل فذلك قوله تعالى: { وأنتم الأعلون } وقيل أنتم ~~الأعلون لأن حالكم خير من حالهم لأن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار ~~وأنتم تقاتلون على الحق وهم يقاتلون على الباطل. وقيل وأنتم الأعلون في ~~العاقبة لأنكم تظفرون بهم وتستولون عليهم { إن كنتم مؤمنين } أي إذ كنتم ~~مؤمنين وقيل معناه إن كنتم مصدقين بأن ناصركم هو الله تعالى فصدقوا بذلك ~~فإنه حق وصدق. وقوله تعالى: { إن يمسكم قرح } قرئ بضم القاف وبفتحها وهما ~~لغتان ومعناهما واحد وقيل إنه بالفتح مصدر وبالضم اسم وقيل إنه بالفتح ~~اسم للجراحة وبالضم ألم للجراحة الآية خطاب للمسلمين حين انصرفوا من أحد ~~مع الحزن والكآبة يقول: إن يمسسكم أيها المسلمون قرح يوم أحد { فقد مس ~~القوم } يعني في يوم بدر وقيل إن الكفار قد نالهم يوم أحد مثل ما نالكم ~~من الجراح والقتل فقد قتل منهم نيف وعشرون رجلا وكثرت الجراحات فيهم { ~~وتلك الأيام نداولها بين الناس } المداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر ~~يقال تداولته الأيدي إذا انتقل من واحد إلى آخر ويقال الدنيا دول أي ~~تنتقل من قوم إلى آخرين ثم منهم إلى غيرهم والمعنى أن أيام الدنيا هي دول ~~بين الناس فيوم لهؤلاء ويوم لهؤلاء فكانت الدولة للمسلمين على المشركين ~~في يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين رجلا وأسروا سبعين وأديل المشركون من ~~المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمسا وسبعين خ عن البراء ~~بن عازب قال: # " جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد وكانوا خمسين رجلا ~~وهم الرماة عبدالله بن جبير. فقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا ~~من مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطئناهم فلا ~~تبرحوا حتى أرسل إليكم فهزمهم الله. قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن ~~قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن فقال أصحاب عبدالله بن جبير ~~الغنيمة أي قوم الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبدالله بن جبير ~~أنسيتم ما قال ms0553 لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: والله لنأتين ~~الناس فلنصيبن من الغنيمة فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك ~~قوله والرسول يدعوكم في اخراكم فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير ~~اثني عشر رجلا فأصابوا منا سبعين رجلا وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرا وسبعين قتيلا ~~فقال أبو سفيان أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات فنهاهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يجيبوه ثم قال أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرات ثم قال أفي ~~القوم عمر بن الخطاب؟ ثلاث مرات ثم رجع إلى أصحابه فقال أما هولاء فقد ~~قتلوا فما ملك عمر نفسه فقال كذبت والله يا عدو الله إن الذي عددت لأحياء ~~كلهم وقد بقي لك ما يسوءك قال يوم بيوم بدر والحرب سجال إنكم ستجدون في ~~القوم مثله لم آمر بها ولم تسؤني ثم أخذ يرتجز اعل هبل اعل هبل فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم " ألا تجيبوه؟ فقالوا: يا رسول الله ما نقول؟ ~~قال قولوا الله أعلى وأجل قال أبو سفيان. إن لنا عزى ولا عزى لكم فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ألا تجيبوه قالوا يا رسول الله ما نقول قال ~~قولوا الله مولانا ولا مولى لكم " # قال البغوي وقد روي هذا المعنى عن ابن عباس وفي حديثه قال أبو سفيان يوم ~~بيوم وإن الأيام دول والحرب سجال فقال عمر لا سواء قتلانا في الجنة ~~وقتلاكم في النار قال الزجاج الدولة تكون للمسلمين على الكفار لقوله ~~تعالى وإن جندنا لهم الغالبون فكانت يوم أحد للكفار على المسلمين ~~لمخالفتهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: { وليعلم الله ~~الذين آمنوا } يعني إنما جعل الدولة للكفار على المسلمين ليميز المؤمن ~~المخلص ممن يرتد عن الدين إذا أصابته نكبة وشدة وقيل معناه وليعلم الله ~~الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم أي ليعرفهم بأعيانهم إلا ~~أن السبب العلم وهو ظهور الصبر ms0554 حذف هنا وقيل معناه ليعلم الله ذلك واقعا ~~منهم لأن الله تعالى يعلم الشيء قبل وجوده ولا يحتاج إلى سبب حتى يعلم ~~والمعنى ليقع ما علمه عيانا ومشاهدة للناس والمجازاة إنما تقع على ~~الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد وقيل معناه ليعلم أولياء الله فأضاف ~~علمهم إلى نفسه تفخيما. # وقيل معناه ليحكم الله بالامتياز بين المؤمن والمنافق فوضع العلم موضع ~~الحكم لأن الحكم لا يحصل إلا بعد العلم { ويتخذ منكم شهداء } يعني ~~وليكرم قوما منكم بالشهادة ممن أراد أن يكرمهم بها وذلك لأن قوما من ~~المسلمين فاتهم يوم بدر وكانوا يتمنون لقاء العدو وأن يكون لهم يوم كيوم ~~بدر فيقاتلون فيه العدو ويلتمسون فيه الشهادة والشهداء جمع شهيد وهو من ~~قتل من المسلمين بسيف الكفار في المعركة واختلفوا في معنى الشهيد فقيل ~~الشهيد الحي لقوله تعالى بل أحياء عند ربهم يرزقون فأرواحهم حية حضرت دار ~~السلام وشهدتها وأرواح غيرهم لا تشهدها وقيل سمي شهيدا لأن الله تعالى ~~شهد له بالجنة. وقيل سموا شهداء لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء ~~والصديقين على الأمم لأن الشهادة تكون للأفضل فالأفضل من الأمة لأن منصب ~~الشهادة منصب عظيم ودرجة عالية { والله لا يحب الظالمين } يعني المشركين ~~وقيل هم الذين ظلموا أنفسهم بالمعاصي وقيل هم المنافقون الذين يظهرون ~~الإيمان بألسنتهم ويسرون الكفر، والمعنى والله لا يحب من لا يكون ثابتا ~~على الإيمان صابرا على الجهاد. ### || [3.141-143] # { وليمحص الله الذين آمنوا } أي وليطهرهم من ذنوبهم ويزيلها عنهم وأصل ~~المحص في اللغة التنقية والإزالة { ويمحق الكافرين } أي يفنيهم ويهلكهم ~~ومعنى الآية إن قتلكم الكافرون فهو شهادة وتطهير لكم وإن قتلتموهم أنتم ~~فهو محقهم واستئصالهم. قوله عز وجل: { أم حسبتم } أي بل حسبتم وظننتم ~~والمراد به الإنكار والمعنى لا تحسبوا أيها المؤمنون { أن تدخلوا الجنة } ~~وتنالوا كرامتي وثوابي { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } قال الإمام ~~فخر الدين الرازي: ظاهر الآية يدل على وقوع النفي على العلم والمراد ~~وقوعه على نفي المعلوم والتقدير: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ms0555 ولما يصدر ~~الجهاد عنكم وتقديره إن العلم متعلق بالمعلوم كما هو عليه فلما حصلت هذه ~~المطابقة لا جرم حسن إقامة كل واحد منهما مقام الآخر وقال الواحدي النفي ~~في الآية واقع على العلم والمعنى على الجهاد دون العلم وذلك لما فيه من ~~الإيجاز في انتفاء جهاد لو كان لعلمه والتقدير: ولما يكن المعلوم من ~~الجهاد الذي أوجب عليكم فجرى النفي على العلم للإيجاز على سبيل التوسع في ~~الكلام إذ المعنى مفهوم من غير إخلال. وقال الزجاج: المعنى ولما يقع ~~العلم بالجهاد والعلم بصبر الصابرين أي ولما يعلم الله ذلك واقعا منكم ~~لأنه يعلمه غيبا وإنما يجازيهم على عملهم وقال الطبري يقول ولما يتبين ~~لعبادي المؤمنين المجاهد منكم على ما أمرته به { ويعلم الصابرين } يعني ~~في الحرب وعلى ما نالهم في ذات الله عز وجل من جراح وألم ومكروه وفي هذه ~~الآية معاتبة لمن انهزم يوم أحد والمعنى أم حسبتم أيها المهزمون أن ~~تدخلوا الجنة كما دخلها الذين قتلوا وبذلوا مهجهم لربهم عز وجل وصبروا ~~على ألم الجراح والضرب وثبتوا لعدوهم من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا ~~صبرهم. قوله تعالى: { ولقد كنتم تمنون من قبل أن تلقوه } قال ابن عباس: ~~لما أخبر الله عز وجل المؤمنين على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بما فعل ~~بشهدائهم يوم بدر من الكرامة رغبوا في ذلك فتمنوا قتالا يستشهدون فيه ~~فيلحقون بإخوانهم فأراهم الله يوم أحد فلم يلبثوا أن أنهزموا إلا من شاء ~~الله منهم فأنزل الله هذه الآية وقيل إن قوما من المسلمين تمنوا يوما ~~كيوم بدر ليقاتلوا فيه ويستشهدوا فأراهم الله يوم أحد ومعنى قوله له ~~تمنون الموت أي تطلبون أسباب الموت وهو القتال والجهاد من قبل أن تلقوه ~~أي من قبل من تلقوا يوم أحد { فقد رأيتموه } يعني رأيتم ما كنتم تتمنون ~~والهاء في رأيتموه عائدة على الموت أي رأيتم أسبابه معاينين له شاهدين ~~قتل من قتل من إخوانكم بين أيديكم { وأنتم تنظرون } قيل ذكره تأكيدا. ~~وقال الزجاج: معناه فقد رأيتموه ms0556 وأنتم بصراء كما تقول: رأيت كذا وكذا ~~وليس في عينك علة أي رأيته رؤية حقيقية وقيل: معناه وأنتم تنظرون ما ~~تمنيتم فلم انهزمتهم. ### || [3.144] # قوله عز وجل: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } قال أهل ~~المغازي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشعب من أحد في ~~سبعمائة رجل وجعل عبدالله بن جبير على الرجالة وكانوا خمسين رجلا وقال: # " أقيموا بأصل الجبل وانضحوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من خلفنا فإن ~~كانت لنا أو علينا لا تبرحوا من مكانكم حتى أرسل إليكم فأنا لن نزال ~~غالبين ما ثبتم مكانكم " # وكانت قريش على ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل ~~ومعهم النساء يضربن بالدفوف وينشدن الأشعار فقاتلوا حتى حميت الحرب وحمل ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين فهزموهم وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد أخذ سيفا وقال: # " من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى يثخن " # فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري فلما أخذه اعتم بعمامة حمراء ~~وجعل يتبختر في مشيته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنها لمشية يبغضها الله تعالى ورسوله إلا في هذا الموضع " # فلما نظرت الرماة إلى المشركين وقد انكشفوا ورأوا أصحابهم ينهبون ~~الغنيمة أقبلوا يريدون النهب، فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة ~~واشتغال المسلمين بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله وحمل على أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فهزموهم ورمى عبدالله بن قميئة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق ~~عنه أصحابه ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة ليعلوها فلم ~~يستطع وكان قد ظاهر بين درعين فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى على الصخرة ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أوجب طلحة " # ووقعت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت من ذلك قلائد وأعطتها وحشيا وبقرت ms0557 ~~عن كبد حمزة رضي الله تعالى عنه وكان قد قتل يومئذ فأخذت منها قطعة ~~فلاكتها فلم تسغها فلفظتها وأقبل عبدالله بن قميئة يريد قتل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فذب عنه مصعب بن عمير رضي الله عنه وهو يومئذ صاحب ~~راية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله ابن قميئة وهو يرى أنه قتل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فرجع وقال: إني قد قتلت محمدا وصاح صارخا ألا ~~إن محمدا قد قتل ويقال إن الصارخ إبليس اللعين فانكفأ الناس وجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إلي عباد الله إلي عباد الله " # فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين ورمى سعد بن أبي ~~وقاص حتى اندقت سية قوسه ونثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته ~~وقال: # " ارم فداك أبي وأمي " # وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثة وكان ~~الرجل يمر معه جعبة النبل فيقول: " انثرها لأبي طلحة " وكان إذا رمى تشرف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر موضع نبله وأصيبت يد طلحة بن عبيدالله ~~فيبست حين وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيبت عين قتادة بن ~~النعمان يومئذ حتى وقعت وجنته فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعادت ~~أحسن ما كانت فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبي بن خلف ~~الجمحي وهو يقول لانجوت إن نجوت فقال: القوم يا رسول الله ألا تعطف عليه ~~رجل منا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " دعوه " # حتى إذا دنا منه وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيقول عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها فقال رسول الله عليه ~~وسلم: # " بل أنا أقتلك إن شاء الله " # فلما دنا منه تناول رسول الله الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله ~~وطعنه في عنقه وخدشه خدشه فسقط عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور ويقول ~~قتلني محمد. فاحتمله أصحابه ms0558 وقالوا ليس عليك بأس بل لو كانت هذه الطعنة ~~بربيعة ومضر لقتلتهم أليس قال لي أنا أقتلك؟ فلو بزق علي بعد تلك ~~المقالة لقتلني بها فلم يلبث بعد ذلك إلا يوما حتى مات بموضع يقال له ~~سرف خ عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اشتد غضب الله على من قتله نبي في سبيل الله اشتد غضب الله على قوم ~~أدموا وجه نبي الله " # قالوا وفشا في الناس أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل فقال: بعض ~~المسلمين ليت لنا رسولا إلى عبدالله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي ~~سفيان وجلس بعض الصحابة وألقوا ما بأيديهم وقال أناس من المنافقين إن كان ~~محمد قد قتل فألحقوا بدينكم الأول وقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا ~~قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل وما تصنعون بالحياة بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات ~~عليه ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء يعني المسلمين ~~وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المشركين ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل. ~~ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس ~~فأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك قال قد عرفت عينيه ~~تزهران تحت المغفرة فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلي أن أسكت فانحازت إليه طائفة من أصحابه ~~فلامهم النبي صلى الله عليه وسلم على الفرار فقالوا يا رسول الله فديناك ~~بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر بأنك قد قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين ~~فأنزل الله عز وجل: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } ومعنى ~~الآية فسيخلو محمد كما خلت الرسل من قبله فكما أن أتباعهم بقوا متمسكين ~~بدينهم بعد خلو أنبيائهم فعليكم أنتم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه لأن ~~الغرض من ms0559 بعث الرسول تبليغ الرسالة وإلزام الحجة لا وجوده بين ظهراني ~~قومه ومحمد اسم علم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه إشارة إلى وصفه ~~بذلك وتخصيصه بمعناه وهو الذي كثرت خصاله المحمودة والمستحق جميع المحامد ~~لأنه الكامل في نفسه صلى الله عليه وسلم فأكرم الله عز وجل نبيه صلى الله ~~عليه وسلم فسماه باسمين مشتقين من اسمه المحمود سبحانه وتعالى فسماه ~~محمدا وأحمد وفي ذلك يقول حسان بن ثابت: # ألم تر أن الله أرسل عبده ببرهانه والله أعلى وأمجد أغر عليه للنبوة ~~خاتم من الله مشهور يلوح ويشهد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش من ~~محمود وهذا محمد # ق عن جبير بن مطعم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي ~~الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب " # والعاقب الذي ليس بعده نبي وسماه الله رؤوفا رحيما م عن أبي موسى ~~الأشعري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء فقال: # " أنا محمد وأنا أحمد وأنا المقفى ونبي التوبة ونبي الرحمة " # قوله المقفى هو آخر الأنبياء الذي لا نبي بعده والرسول هو المرسل ويكون ~~بمعنى الرسالة والمراد به هنا المرسل بدليل قوله تعالى: { وإنك لمن ~~المرسلين } { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } يعني أتنقلبون على ~~أعقابكم إن مات محمد أو قتل وترجعون إلى دينكم الأول يقال لكل من رجع إلى ~~ما كان عليه رجع وراءه ونكص على عقبيه وحاصل الكلام إن الله تعالى بين ~~أن موت محمد صلى الله عليه وسلم أو قتله لا يوجب ضعفا في دينه ولا ~~الرجوع عنه بدليل موت سائر الأنبياء قبله وأن أتباعهم ثبتوا على دين ~~أنبيائهم بعد موتهم { ومن ينقلب على عقبيه } يعني فيرتد عن دينه ويرجع ~~إلى الكفر { فلن يضر الله شيئا } يعني بارتداده لأن الله تعالى لا يضره ~~كفر الكافرين لأنه تعالى غني عن العالمين وإنما يضر المرتد والكافر نفسه ms0560 ~~{ وسيجزي الله الشاكرين } يعني الثابتين على دينهم الذين لم ينقلبوا عنه ~~لأنهم شكروا نعمة الله عليهم بالإسلام وثباتهم عليه فسماهم الله شاكرين ~~لما فعلوا والمعنى وسيثيب الله من شكره على توفيقه وهدايته وروى ابن جبير ~~عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: { وسيجزي الله الشاكرين } قال ~~الثابتين على دينهم أبا بكر وأصحابه وكان علي يقول أبو بكر أمين الشاكرين ~~وأمين أخبار الله وكان أشكرهم وأحبهم إلى الله تعالى. ### || [3.145-146] # قوله عز وجل: { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } أي بأمر الله ~~وقضائه وقدره وعلمه وذلك أن الله تعالى يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا ~~يموت أحد إلا بإذن الله تعالى وأمره والمراد من الآية تحريض المؤمنين ~~على الجهاد وتشجيعهم على لقاء العدو بإعلامهم بأن الجبن لا ينفع وأن ~~الحذر لا يدفع المقدور وأن أحدا لا يموت قبل أجله وإن خاض المهالك ~~واقتحم المعارك وإذا جاء الأجل لم يدفع الموت بحيلة فلا فائدة في الخوف ~~والجبن. وفي الآية أيضا ذكر حفظ الله رسوله صلى الله عليه وسلم عند غلبة ~~العدو وتخليصه منهم عند التفافهم عليه وإسلام أصحابه له فأنجاه الله ~~تعالى من عدوه سالما مسلما لم يضره شيء { كتابا مؤجلا } يعني مؤقتا ~~له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر. والمعنى أن الله تعالى كتب لكل نفس ~~أجلا لا يقدر أحد على تغييره أو تقديمه أو تأخيره وقيل الكتاب هو اللوح ~~المحفوظ لأن فيه آجال جميع الخلق { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها } يعني ~~من يرد بعمله وطاعته الدنيا ويعمل لها نؤته منها ما يكون جزاء لعمله ~~والمعنى نؤته منها ما نشاء على ما قدرناه له نزلت في الذين تركوا المركز ~~يوم أحد وطلبوا الغنيمة { ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها } يعني من يرد ~~بعمله الآخرة نؤته ثوابه فيها نزلت في الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم أحد. واعلم أن هذه الآية وإن نزلت في الجهاد خاصة لكنها ~~عامة في جميع الأعمال ذلك ms0561 لأن الأصل في ذلك كله يرجع إلى نية العبد فإن ~~كان يريد بعمله الدنيا فليس له جزاء إلا فيها وكذلك من أراد بعمله الدار ~~الآخرة فجزاؤه أيضا فيها ق عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إنما الأعمال بالنيات " # وفي رواية # " بالنية وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته ~~إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها " # ، وفي رواية # " ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " # وروى البغوي بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته ~~الدنيا راغمة وما كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بن عينيه وشتت ~~عليه أمره ولا يأتيه منها إلا ما كتب الله له ". # وقوله تعالى: { وسنجزي الشاكرين } يعني المؤمنين المطيعين الذين لم ~~يشغلهم شيء عن الجهاد ولم يريدوا بأعمالهم إلا الله تعالى والدار ~~الآخرة. # قوله عز وجل: { وكأين من نبي } أي وكم من نبي { قتل معه } وقرئ قاتل معه ~~فمن قرأ قتل بضم القاف فله أوجه: أحدها أن يكون القتل راجعا على النبي ~~وحده فعلى هذا يكون الوقف على قتل لأنه كلام تام وفيه إضمار تقديره قتل ~~ومعه ربيون كثير. ويكون معناه قتل حال ما كان معه ربيون كثير والمعنى أن ~~كثيرا من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعدهم ما وهنوا في دينهم وما ~~استكانوا بل استمروا على جهاد عدوهم ونصرة دينهم فكان ينبغي لكم أن ~~تكونوا مثلهم. الوجه الثاني أن القتل نال النبي ومن معه من الربيين ويكون ~~أن المراد البعض ويكون قوله: { فما وهنوا } راجعا إلى الباقين والمعنى ~~وكأين من نبي قتل وبعض من كان معه فما ضعف الباقون لقتل من قتل من ~~إخوانهم بل مضوا على جهاد عدوهم فكان ينبغي لكم أن تكونوا كذلك. الوجه ~~الثالث أن يكون القتل نال الربيين لا النبي والمعنى وكأي ms0562 من نبي قتل من ~~كان معه وعلى دينه ربيون كثير ومن قرأ قاتل معه ربيون كثير أصابهم بل ~~استمروا على جهاد عدوهم لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته ~~وإقامة دينه ونصرة نبيه فكان ينبغي لكم أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد، ~~وحجة هذه القراءة ما روي عن سعيد بن جبير أنه قال ما سمعنا أن نبيا ~~قتل في القتال وقوله { ربيون كثير } قال ابن عباس جموع كثيرة وقيل ~~الربيون الألوف وقيل الربية الواحدة عشرة آلاف وقيل ألف وقيل ربيون يعني ~~فقهاء علماء وقيل الربيون هم الأتباع { فما وهنوا } أي فما جبنوا عن ~~الجهاد في سبيل الله { لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا } يعني عن ~~مجاهدة عدوهم بما نالهم من ألم الجراح وقتل الأصحاب { وما استكانوا } ~~يعني وما استسلموا وما خضعوا لعدوهم ولكنهم صبروا على أمر ربهم وطاعة ~~نبيهم وجهاد عدوهم وهذا تعريض بما أصابهم يوم أحد من الوهن والانكسار عند ~~الارجاف بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعفهم عن مجاهدة المشركين ~~واستكانتهم لهم حين أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبدالله بن أبي في طلب ~~الأمان من أبي سفيان والمقصود من الآية حكاية ما جرى لسائر الأنبياء ~~وأتباعهم لتقتدي هذه الأمة بهم وترغيب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الجهاد { والله يحب الصابرين } يعني في الجهاد، والمعنى أن ~~من صبر على تحمل الشدائد في طلب الآخرة ولم يظهر الجزع والعجز فإن الله ~~تعالى يحبه ومحبة الله تعالى للعبد عبارة عن إرادة إكرامه وإعزازه وإيصال ~~الثواب له وإدخال الجنة مع أوليائه وأصفيائه. ### || [3.147-149] # قال تعالى: { وما كان قولهم } يعني قول الربيين { إلا أن قالوا ربنا ~~اغفر لنا ذنوبنا } فيدخل فيه جميع الصغائر والكبائر { وإسرافنا في أمرنا ~~} يعني ما أسرفنا فيه فتخطينا إلى العظام من الذنوب لأن الإسراف الإفراط ~~في الشيء ومجاوزة الحد فيه فيكون المعنى اغفر لنا ذنوبنا الصغائر منها ~~والكبائر { وثبت أقدامنا } لكي لا نزل عند لقاء العدو وذلك يكون بإزالة ~~الخوف ms0563 والرعب من قلوبهم { وانصرنا على القوم الكافرين } لأن النصر على ~~الأعداء لا يكون إلا من عند الله. بين الله تعالى أنهم كانوا مستعدين ~~عند لقاء العدو بالدعاء والتضرع وطلب الإعانة والنصر من الله تعالى ~~والغرض منه أن يقتدي بهم في هذه الطريقة الحسنة أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم يقول هلا فعلتم مثل ما فعلوا وقلتم مثل ما قالوا { فآتاهم الله ~~الثواب الدنيا } يعني النصر والغنيمة وقهر الأعداء، والثناء الجميل ~~وغفران الذنوب والخطايا { وحسن ثواب الآخرة } يعني الجنة وما فيها من ~~النعيم المقيم وإنما خص ثواب الآخرة بالحسن تنبيها على إجلاله وعظمته، ~~لأنه غير زائل ولم يشب بتنغيص ولم يصف ثواب الدنيا بالحسن لقلته ولأنه ~~سريع الزوال مع ما يشوبه من التنغيص { والله يحب المحسنين } يعني الذين ~~يفعلون مثل ما فعل هؤلاء وهذا تعليم من الله تعالى لعباده المؤمنين أن ~~يقولوا مثل هذا عند لقاء العدو وفيه دقيقة لطيفة وهي أنهم لما اعترفوا ~~بذنوبهم وكونهم مسيئين سماهم الله تعالى محسنين. قوله عز وجل: { يا أيها ~~الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا } يعني اليهود والنصارى، وقيل ~~المنافقين وذلك في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة يوم أحد ارجعوا إلى ~~إخوانكم وادخلوا في دينهم. وقيل معناه أن تطيعوهم فيما يأمرونكم به من ~~ترك الجهاد { يردوكم على أعقابكم } يعني يرجعوكم إلى أمركم الأول وهو ~~الكفر والشرك بالله بعد الإيمان به لأن قبول قولهم في الدعوة إلى الكفر ~~كفر { فتنقلبوا خاسرين } يعني مغبونين في الدنيا والآخرة أما خسار الدنيا ~~فهو طاعة الكفار والتذلل للأعداء وأما خسار الآخرة فهو دخول النار وحرمان ~~دار القرار. ### || [3.150-152] # { بل الله مولاكم } أي وليكم وناصركم وحافظكم فاستعينوا به { وهو خير ~~الناصرين } يعني أنه تعالى قادر على نصركم والمعنى أنكم إنما تطيعون ~~الكفار لينصروكم ويعينوكم وهم عاجزون عن نصر أنفسهم فضلا عن غيرهم ~~فاطلبوا النصر من الله تعالى فهو خير الناصرين. قوله عز وجل: { سنلقي في ~~قلوب الذين كفروا الرعب } وذلك أنا أبا سفيان ومن معه ارتحلوا يوم أحد ~~متوجهين إلى مكة، ms0564 فلما بلغوا بعض الطريق ندموا وقالوا بئس ما صنعنا ~~قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم ارجعوا إليهم فاستأصلوهم ~~فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب، يعني الخوف الشديد حتى ~~رجعوا عما هموا به فعلى هذا القول يكون الوعد بإلقاء الرعب في قلوب ~~الكفار مخصوصا بيوم أحد وقيل إنه عام وإن كان السبب خاصا لقوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " نصرت بالرعب مسيرة شهر " # فكأنه قال سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب منكم حتى تقهروهم ويظهر ~~دينكم على سائر الأديان وقد فعل الله ذلك بفضله وكرمه حتى صار دين ~~الإسلام ظاهرا على جميع الأديان والملل كما قال الله تعالى ليظهره على ~~الدين كله { بما أشركوا بالله } يعني إنما كان إلقاء الرعب في قلوبهم ~~بسبب إشراكهم بالله { ما لم ينزل به سلطانا } يعني حجة وبرهانا وسميت ~~الحجة سلطانا لأن السلطان مشتق من السليط وهو ما يستصبح به وقيل السلطان ~~القوة والقدرة وسميت الحجة سلطانا لقوتها على دفع الباطل { ومأواهم ~~النار } لما بين الله تعالى حال الكفار في الدنيا وهو إلقاء الرعب والخوف ~~في قلوبهم بين حالهم في الآخرة فقال تعالى: { ومأواهم النار } أي مسكنهم ~~{ وبئس مثوى الظالمين } أي المسكن الذي يستقرون به ويقيمون فيه وكلمة بئس ~~تستعمل في جميع المذام والمعنى وبئس مقام الظالمين الذين ظلموا أنفسهم ~~باكتساب ما أوجب لهم عذاب النار والإقامة فيها. قوله عز وجل: { ولقد ~~صدقكم الله وعده } قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه من أحد إلى المدينة وقد أصابهم ما أصابهم قال ناس من ~~الصحابة من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فأنزل الله تعالى: { ~~ولقد صدقكم الله وعده } يعني بالنصر والظفر وذلك أن الظفر كان للمسلمين ~~في الابتداء وقيل إن الله وعد المؤمنين النصر بأحد فنصرهم فلما خالفوا ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبوا الغنيمة هزموا { إذ تحسونهم } ~~يعني إذ تقلتون الكفار قتلا ذريعا وقيل معنى تحسونهم تستأصلونهم بالقتل ~~{ بإذنه } يعني ms0565 بعلم الله وأمره وقيل بقضاء الله وقدره { حتى إذا فشلتم ~~وتنازعتم في الأمر وعصيتم } قال الفراء فيه تقديم وتأخير تقديره حتى إذا ~~تنازعتم في الأمر وعصيتم فشلتم. # وقيل معناه ولقد صدقكم الله وعده بالنصر إلى أن مكان الفشل والتنازع ~~والمعصية وقيل فيه معنى الشرط وجوابه محذوف تقديره حتى إذا فشلتم ~~وتنازعتم في الأمر وعصيتم منعكم الله النصر ومعنى فشلتم ضعفتم والفشل ~~الضعف مع جبن ومعنى التنازع الاختلاف وكان اختلافهم وتنازعهم أن الرماة ~~الذين كانوا مع عبدالله بن جبير لما انهزم المشركون قال بعضهم لبعض أي ~~قوم ما نصنع بمقامنا ها هنا وقد انهزم المشركون ثم أقبلوا على الغنيمة، ~~وقال بعضهم لبعض لا تجاوزوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت ~~عبدالله بن جبير أمير القوم في نفر يسير دون العشرة ممن كان معه فما رأى ~~خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ذلك حملوا على الرماة الذين ثبتوا مع ~~عبدالله بن جبير وأصحابه وأقبلوا على المسلمين وتحولت الريح دبورا بعد ~~ما كانت صبا، وانقضت صفوف المسلمين واختلطوا فجعلوا يقتلون على غير شعار ~~يضرب بعضهم بعضا وما يشعرون بذلك من الدهش ونادى إبليس أن محمدا قد قتل ~~فكان ذلك سبب هزيمة المسلمين وقوله: وعصيتم يعني أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيما أمركم به من لزوم المركز { من بعد ما أراكم ما تحبون } من ~~النصر والظفر يا معشر المسلمين { منكم من يريد الدنيا } يعني الذين تركوا ~~المركز وأقبلوا على النهب { ومنكم من يريد الآخرة } يعني الذين ثبتوا مع ~~أميرهم عبدالله بن جبير حتى قتلوا قاله عبدالله بن مسعود ما شعرت أن ~~أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدينا حتى كان يوم ~~أحد نزلت هذه الآية { ثم صرفكم عنهم } يعني يا معشر المسلمين يعني عن ~~المشركين بالهزيمة { ليبتليكم } يعني ليمتحنكم وقيل لينزل عليكم البلاء ~~لتتوبوا إليه وتستغفروه وقيل معناه ليختبركم وهو أعلم ليتميز المؤمن من ~~المنافق ومن يريد الدنيا ممن يريد الآخرة { ولقد عفا عنكم } يعني ms0566 ولقد ~~عفا الله عنكم أيها المخالفون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ~~يستأصلكم بعد المخالفة والمعصية وقيل: عفا عن عقوبتكم أيها المخالفون { ~~والله ذو فضل على المؤمنين } وهذا من تمام نعمه على عباده المؤمنين لأنه ~~نصرهم أولا ثم عفا عن المذنبين منهم ثانيا لأنه ذو الفضل والطول ~~والإحسان. وفي الآية دليل على أن صاحب الكبيرة مؤمن وأن الله تعالى يعفو ~~عنه بفضله وكرمه إن شاء لأنه سماهم مؤمنين مع ما ارتكبوه من مخالفة أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي كبيرة وعفا عنهم بعد ذلك. ### || [3.153] # قوله عز وجل: { إذ تصعدون } قيل هو متعلق بما قبله والتقدير ولقد عفا ~~عنكم إذ تصعدون لأن عفوه عنهم لا بد وأن يتعلق بأمر اقترفوه وذلك الأمر ~~هو ما بينه بقوله إذ تصعدون يعني هاربين في الجبل. وقيل هو ابتداء كلام ~~لا تعلق له بما قبله والمعنى اذكروا إذ تصعدون قراءة الجمهور بضم التاء ~~وكسر العين من الإصعاد وهو الذهاب في الأرض والإبعاد فيها وقرأ الحسن ~~تصعدون بفتح التاء من الصعود وهو الارتقاء من أسفل إلى أعلى كالصعود على ~~الجبل وعلى السلم ونحوه، وللمفسرين في معنى الآية قولان أحدهما أنه ~~صعودهم في الجبل عند الهزيمة والثاني أنه الإبعاد في الأرض في حال ~~الهزيمة ووقت الهرب { ولا تلوون على أحد } أي لا تعرجون ولا تقيمون على ~~أحد ولا يلتفت بعضكم إلى بعض من شدة الهرب { والرسول يدعوكم في أخراكم } ~~أي في آخركم ومن ورائكم يقول إلي عباد الله أنا رسول الله من كر ~~أي رجع فله الجنة { فأثابكم غما بغم } يعني فجزاكم بفراركم عن ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم وفشلكم عن عدوكم غما بغم فسمى العقوبة التي ~~عاقبهم بها ثوابا على سبيل المجاز لأن لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب ~~إلا في الخير وقد يجوز استعماله في الشر لأنه مأخوذ من ثاب إذا رجع فأصل ~~الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله سواء كان خيرا أو شرا فمتى ~~حملنا الثواب ms0567 على أصل اللغة كان الكلام صحيحا ومتى حملناه على الأغلب ~~كان على سبيل المجاز فهو كقول الشاعر: # أخاف زيادا أن يكون عطاؤه أداهم سودا أو محدرجة سمرا # فجعل العطاء مكان العقاب لأن الأداهم السود هي القيود الثقال والمحدرجة ~~هي السياط والباء في قوله غما بغم بمعنى مع أو بمعنى على لأن حروف الجر ~~ينوب بعضها عن بعض. وقيل الباء على بابها والمعنى غما متصلا بغم ~~واختلفوا في معنى الغمين فقيل الغم الأول هو ما فاتهم من الظفر والغنيمة ~~والغم الثاني هو ما نالهم من القتل والهزيمة وقيل الغم الأول ما أصابهم ~~من القتل والجراح والغم الثاني هو ما سمعوا بأن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم قد قتل فأنساهم غمهم. وقيل الغم الأول هو أنهم غموا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بمخالفة أمره فجزاهم الله بذلك الغم القتل والهزيمة. وقيل ~~إن غمهم الأول بسبب إشراف خالد بن الوليد مع خيل المشركين عليهم والغم ~~الثاني حين أشرف أبو سفيان عليهم. وذلك أن أبا سفيان وأصحابه وقفوا بباب ~~الشعب فلما نظر المسلمون إليهم غمهم ذلك وظنوا أنهم يميلون عليهم ~~فيقتلونهم فأغمهم ذلك. قوله تعالى: { لكيلا } في لفظة لا قولان: أحدهما ~~أنها باقية على أصلها ومعناها النفي هذا يكون الكلام متصلا بقوله ولقد ~~عفا عنكم والمعنى ولقد عفا عنكم لكيلا { تحزنوا على ما فاتكم ولا ما ~~أصابكم } لأن عفوه يذهب كل هم وحزن وقيل معناه فأثابكم غما أنساكم الحزن ~~على ما فاتكم ولا ما أصابكم وقد روي أنهم لما سمعوا بأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد قتل نسوا ما أصابهم وما فاتهم والقول الثاني أن لفظة لا صلة ~~ومعنى الكلام لكي تحزنوا على ما فاتكم وأصابكم عقوبة لكم على مخالفتكم. # قال ابن عباس: الذي فاتهم الغنيمة والذي أصابهم القتل والهزيمة { والله ~~خبير بما تعملون } أي هو عالم بجميع أعمالكم خيرها وشرها فيجازيكم عليها. ### || [3.154] # قوله عز وجل: { ثم أنزل عليكم } يا معشر المسلمين { من بعد الغم } الذي ~~أصابكم { أمنة نعاسا } يعني أمنا ms0568 والأمنة والأمن واحد وقيل الأمن يكون ~~مع زوال الخوف والأمنة مع بقاء سبب الخوف. وكان سبب الخوف يعد باقيا، ~~والنعاس أخف من النوم والمعنى أعقبكم بما نالكم من الخوف والرعب أن أمنكم ~~أمنا تنامون معه لأن الخائف لا يكاد ينام فأمنهم بعد خوفهم { يغشى ~~طائفة منكم } قال ابن عباس: أمنهم يومئذ بنعاس يغشاهم وإنما ينعس من ~~يأمن والخائف لا ينام خ عن أنس عن أبي طلحة قال: كنت فيمن يغشاهم النعاس ~~يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه ويسقط فآخذه. وأخرجه ~~الترمذي عنه قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد وذكر نحو رواية ~~البخاري وزاد والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم إلا أنفسهم أجبن قوم ~~وأرعبه وأخذ له للحق. وفي رواية أخرى له قال رفعت رأسي يوم أحد فجعلت ~~أراهم وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس فذلك قوله تعالى ~~ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا. وقال الزبير بن العوام لقد ~~رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الخوف أرسل الله ~~تعالى علينا النوم والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني ما ~~أسمعه إلا كالحلم يقول لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلناها هنا فقوله ~~تعالى: { يغشى طائفة منكم } يعني المؤمنين { وطائفة قد أهمتهم أنفسهم } ~~يعني المنافقين أراد الله يميز المؤمنين فأوقع النعاس على المؤمنين حتى ~~أمنوا ولم يوقع النعاس على المنافقين فبقوا في الخوف. وفي إلقاء النعاس ~~على المؤمنين دون المنافقين آية عظيمة ومعجزة باهرة لأن النعاس كان سبب ~~أمن المؤمنين وعدم النعاس كان سبب خوفهم وهو قوله تعالى: { وطائفة قد ~~أهمتهم أنفسهم } يعني حملتهم أنفسهم على الهم لأن أسباب الخوف وهي قصد ~~الأعداء كانت حاصلة عندهم { يظنون بالله غير الحق } يعني يظنون أن الله ~~لا ينصر محمدا وأصحابه وقيل إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل وإن ~~أمره يضمحل والمعنى يظنون بالله غير الظن الحق الذي أن يظن به { ظن ~~الجاهلية } أي ms0569 كظن أهل الجاهلية { يقولون } يعني المنافقين { هل لنا } أي ~~مالنا { من الأمر شيء } وذلك أنه لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم ~~عبدالله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين في هذه الواقعة وأشار عليه أن لا ~~يخرج من المدينة فلما خالفه النبي صلى الله عليه وسلم وخرج وقتل من قتل ~~قيل لعبدالله بن أبي قد قتل بنو الخزرج قال هل لنا من الأمر شيء وهو ~~استفهام على سبيل الإنكار أي ما لنا أمر يطاع. # وقيل المراد بالأمر النصر والظفر يعني ما لنا من هذا الذي يعدنا محمد به ~~من النصر والظفر من شيء إنما هو للمشركين { قل } يا محمد لهؤلاء ~~المنافقين { إن الأمر كله لله } يعني النصر والظفر والقضاء والقدر كله ~~لله وبيده يصرفه كيف يشاء ويدبره كيف أحب { يخفون في أنفسهم ما لا يبدون ~~لك } يعني من الكفر والشك في وعد الله عز وجل وقيل يخفون الندم على ~~خروجهم مع المسلمين وقيل الذي أخفوه وهو قوله تعالى حكاية عنهم: { يقولون ~~لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا } وذلك أن المنافقين قال بعضهم ~~لبعض لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة ولم تقتل ~~رؤساؤنا. وقيل كانوا يقولون لو كنا على الحق ما قتلنا هاهنا. وعن ابن ~~عباس في قوله تعالى: { يظنون بالله غير الحق } يعني التكذيب بالقدر وهو ~~قولهم: " لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا " قيل إن الذي قال هل ~~لنا من الأمر من شيء هو عبدالله بن أبي ابن سلول المنافق والذي قال لو ~~كان لنا من الأمر شيء هو معتب بن قشير { قل } أي قل يا محمد لهؤلاء ~~المنافقين { لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل } أي قضى ~~عليهم القتل وقدر عليهم { إلى مضاجعهم } يعني مصارعهم التي يصرعون بها ~~وقت القتل ومعنى الآية أن الحذر لا ينفع مع القدر والتدبير لا يقاوم. ~~التقدير فالذين قدر عليهم القتل وقضاه وحكم به عليهم لا بد وأن يقتلوا ms0570 ~~والمعنى لو جلستم في بيوتكم لخرج منها ولظهر الذين قضى الله عليهم بالقتل ~~وقضاه وحكم به عليهم لا بد وأن يقتلوا والمعنى لو جلستم في بيوتكم لخرج ~~منها ولظهر الذين قضى الله عليهم بالقتل وقضاه إلى حيث يقتلون فيه { ~~وليبتلي الله ما في صدوركم } أي وليختبر ما في صدوركم ليعلمه مشاهدة، ~~كما علمه غيبا لأن المجازاة إنما تقع على ما علمه مشاهدة وقيل معناه ~~ليعاملكم معاملة المبتلي المختبر لكم وقيل معناه ليبتلي أولياء الله ما ~~في صدوركم فأضاف الابتلاء إليه تعظيما لشأن أوليائه المؤمنين { وليمحص ~~الله ما في قلوبكم } قال قتادة أي يطهرها من الشك والارتياب بما يريكم من ~~عجائب صنعه في إلقاء الأمنة وصرف العدو وإظهار سرائر المنافقين فعلى هذا ~~يكون الخطاب للمؤمنين خاصة. وقيل معناه وليبين ويظهر ما في قلوبكم يعني ~~من الاعتقاد لله ولرسوله وللمؤمنين من العداوة فعلى هذا يكون الخطاب ~~للمنافقين خاصة { والله عليم بذات الصدور } يعني بالأشياء الموجودة في ~~الصدور وهي الأسرار والضمائر لأنه عالم بجميع المعلومات. ### || [3.155-156] # قوله عز وجل: { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان } أي انهزموا ~~وهربوا منكم يا معشر المسلمين فهو خطاب لمن كان مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم من المؤمنين يوم أحد بأحد وكان قد انهزم أكثر المسلمين ولم يبق مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة عشر رجلا وقيل أربعة عشر من ~~المهاجرين سبعة ومن الأنصار سبعة، فمن المهاجرين أبو بكر وعمر وعلي وطلحة ~~بن عبيدالله وعبدالرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم { ~~إنما استزلهم الشيطان } أي طلب زلتهم كما يقال استعجله أي طلب عجلته وقيل ~~حملهم على الزلة وهي الخطيئة وذلك بإلقاء الوسوسة في قلوبهم لا أنه أمرهم ~~بها { ببعض ما كسبوا } يعني بمعصيتهم النبي صلى الله عليه وسلم وتركهم ~~المركز. وقيل استزلهم الشيطان بتذكير خطايا سبقت لهم فكرهوا أن يقتلوا ~~قبل إخلاص التوبة منها وهذا اختيار الزجاج لأنه قال لم يتولوا على جهة ~~المعاندة ولا على الفرار من الزحف رغبة ms0571 في الدنيا وإنما ذكرهم الشيطان ~~خطايا سلفت لهم فكرهوا إلقاء الله إلا على حالة يرضاها { ولقد عفا الله ~~عنهم } يعني ولقد تجاوز الله عن الذين تولوا يوم التقى الجمعان فلم ~~يعاقبهم بذلك وغفر لهم وقيل إن عثمان عوتب في هزيمة يوم أحد فقال إن ذلك ~~وإن كان خطأ لكن الله قد عفا عنه وقرأ هذه الآية { إن الله غفور } يعني ~~لمن تاب وأناب { حليم } لا يعجل العقوبة ولا يستأصلهم بالقتل. قوله عز ~~وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا } يعني المنافقين ~~عبدالله بن أبي وأصحابه { وقالوا لإخوانهم } يعني في النفاق والكفر وقيل ~~لإخوانهم في النسب وكانوا مسلمين { إذا ضربوا في الأرض } يعني إذا سافروا ~~في الأرض لتجارة وغيرها { أو كانوا غزى } جمع غاز أي غزاة، في الكلام حذف ~~دل المعنى على ذلك الحذف وهو إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزى ~~فقتلوا { لو كانوا عندنا } يعني مقيمين { ما ماتوا وما قلتوا ليجعل الله ~~ذلك } يعني قولهم وظنهم { حسرة في قلوبهم } يعني غما وتأسفا { والله ~~يحيي ويميت } هذا رد لقول المنافقين لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ~~والمعنى أن الأمر بيد الله وأن المحيي والمميت هو الله تعالى فقد يحيي ~~المسافر والغازي ويميت المقيم والقاعد عن الغزو كما يشاء فكيف ينفع ~~الجلوس في البيت وهل يحمي أحد من الموت { والله بما تعملون بصير } يعني ~~أنه تعالى مطلع على ما تعملون من خير أو شر فيجازيكم به فاتقوه ولا ~~تكونوا مثل المنافقين لأن مقصدهم تنفير المؤمنين عن الجهاد بقولهم لو ~~كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فإن الله تعالى هو المحيي المميت، فمن ~~قدر له البقاء لم يقتل في الجهاد ومن قدر له الموت لم يبق وإن أقام ببيته ~~عند أهله فلا تقولوا أنتم أيها المؤمنون لمن يريد الخروج إلى الجهاد لا ~~تخرج فتقتل فلان يموت في الجهاد فيستوجب الثواب فإن ذلك خير له من أن ~~يموت لمن يريد في بيته بلا فائدة. ### || [3.157-159] # قوله تعالى: { ولئن قتلتم ms0572 في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة } ~~يعني في العاقبة { خير مما تجمعون } يعني من الغنائم والمعنى ولئن تم ~~عليكم ما تخافونه من القتل في سبيل الله أو الهلاك بالموت فإن ما تنالونه ~~من المغفرة والرحمة بالموت والقتل في سبيل الله خير مما تجمعون من الدنيا ~~ومنافعها لو لم تموتوا { ولئن متم أو فعلتم لإلى الله تحشرون } يعني لإلى ~~الله الرحيم الواسع الرحمة والمغفرة المثيب العظيم الثواب تحشرون في ~~الآخرة فيجازيكم بأعمالكم. وقد قسم بعض مقامات العبودية ثلاثة أقسام فمن ~~عبد الله خوفا من ناره أمنه الله مما يخاف وإليه الإشارة بقوله تعالى ~~لمغفرة من الله ومن عبد الله تعالى شوقا إلى جنته أناله ما يرجو. وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى لمغفرة من الله ومن عبد الله تعالى شوقا إلى جنته ~~أناله ما يرجو وإليه الإشارة بقوله تعالى ورحمة لأن الرحمة من أسماء ~~الجنة ومن عبد الله شوقا إلى وجهه الكريم لا يريد غيره فهذا هو العبد ~~المخلص الذي يتجلى له الحق سبحانه وتعالى في دار كرامته. وإليه الإشارة ~~بقوله لإلى الله تحشرون. قوله عز وجل: { فبما رحمة من الله لنت لهم } أي ~~فبرحمة من الله وما صلة لنت لهم أي سهلت لهم أخلاقك وكثرة احتمالك ولم ~~تسرع إليهم بتعنيف على ما كان يوم أحد منهم ومعنى فبما رحمة من الله هو ~~توفيق الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم للرفق والتلطف بهم وإن ~~الله تعالى ألقى في قلب نبيه صلى الله عليه وسلم داعية الرحمة واللطف حتى ~~فعل ذلك معهم { ولو كنت فظا } يعني جافيا { غليظ القلب } يعني قاسي ~~القلب سيئ الخلق قليل الاحتمال { لانفضوا من حولك } أي لنفروا عنك ~~وتفرقوا حتى لا يبقى منهم أحد عندك { فاعف عنهم } أي تجاوز عن زلاتهم وما ~~أتوا يوم أحد { واستغفر لهم } أي واسأل الله المغفرة لهم حتى يشفعك فيهم ~~وقيل فاعف عنهم فيما يختص بك واستغفر لهم فيما يختص بحقوق الله وذلك من ~~تمام الشفقة عليهم { وشاورهم في ms0573 الأمر } أي استخرج آراءهم واعلم ما ~~عندهم. واختلف العلماء في المعنى الذي من أجله أمر الله عز وجل نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بالمشاورة لهم مع كمال عقله وجزالة رأيه ونزول الوحي عليه ~~ووجوب طاعته وعلى كافة الخلق فيما أحبوا أو كرهوا. فقيل هو عام مخصوص ~~والمعنى وشاورهم فيما ليس عندك من الله فيه عهد وذلك في أمر الحرب ونحوه ~~من أمور الدنيا لتستظهر برأيهم فيما تشاورهم فيه. وقيل أمر الله عز وجل ~~نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورتهم تطييبا لقلوبهم فإن ذلك أعطف لهم ~~عليه وأذهب لأضغانهم فإن سادات العرب كانوا إذا لم يشاوروا في الأمور شق ~~ذلك عليهم. # وقال الحسن قد علم الله تعالى أن ما به إلى مشاورتهم حاجة ولكن أراد أن ~~يستن به من بعده من أمته، وقيل إنما أمر بمشاورتهم ليعلم مقادير عقولهم ~~وأفهامهم لا ليستفيد منهم رأيا وروى البغوي بسنده عن عائشة أنها قالت ما ~~رأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفق ~~العلماء على أن كل ما نزل فيه وحي من الله تعالى لم يجز لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يشاور فيه الأمة وإنما أمر أن يشاور فيما سوى ذلك من ~~أمر الدنيا ومصالح الحرب ونحو ذلك وقيل أن يشاورهم في أمر الدين والدنيا ~~فيما لم ينزل عليه فيه شيء لأن النبي صلى الله عليه وسلم شاورهم في أسارى ~~بدر وهو من أمر الدين قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الاستشارة عين ~~الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه والتدبر قبل العمل يؤمنك من الندم. ~~وقال بعض الحكماء ما استنبط الصواب بمثل المشاورة ومن فوائد المشاورة أنه ~~قد يعزم الإنسان على أمر فيشاور فيه فيتبين له الصواب في قول غيره فيعلم ~~بذلك عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح ومنها أنه إذا لم ينجح أمره علم ~~أن امتناع النجاح محض قدر فلم يلم نفسه وقال بعضهم في مدح المشاورة: # وشاور إذا شاورت كل مهذب لبيب أخي ms0574 حزم لترشد في الأمر ولا تك ممن ~~يستبد برأيه فتعجز أو لا تستريح من الفكر ألم تر أن الله قال لعبده ~~وشاورهم في الأمر حتما بلا نكر # قوله تعالى: { فإذا عزمت } يعني على المشاورة { فتوكل على الله } أي ~~فاستعن بالله في أمورك كلها وثق به ولا تعتمد إلا عليه فإنه ولي الإعانة ~~والعصمة والتسديد والمقصود أن لا يكون للعبد اعتماد على شيء إلا على الله ~~تعالى في جميع أموره وأن المشاورة لا تنافي التوكل { إن الله يحب ~~المتوكلين } يعني المتوكلين عليه في جميع أمورهم. ### || [3.160-161] # قوله عز وجل: { إن ينصركم الله } يعني إن يعنكم الله بنصره ويمنعكم من ~~عدوكم كما فعل يوم بدر { فلا غالب لكم } يعني من الناس لأن الله تعالى هو ~~المتولي نصركم { وإن يخذلكم } كما فعل يوم أحد فلم ينصركم ووكلكم إلى ~~أنفسكم لمخالفتكم أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم { فمن ذا الذي ~~ينصركم من بعده } أي من بعد خذلانه { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } لا ~~على غيره لأن الأمر كله لله ولا راد لقضائه ولا دافع لحكمه فيجب أن يتوكل ~~العبد في كل الأمور على الله تعالى لا على غيره. وقيل التوكل أن لا تعصي ~~الله من أجل رزقك ولا تطلب لنفسك ناصرا غيره ولا لعملك شاهدا سواه م عن ~~عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب قالوا ومن هم يا رسول الله ~~قال هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، فقام ~~عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال أنت منهم ~~فقام آخر فقال يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة ~~" # عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو ~~خماصا وتروح بطانا " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. قوله عز وجل: { وما كان لنبي ms0575 أن يغل } قال ~~ابن عباس نزلت هذه الآية وما كان لنبي أن يغل في قطيفة حمراء فقدت يوم ~~بدر فقال بعض القوم لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية إلى آخرها. أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن غريب ~~وروي عن الضحاك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلائع فغنم النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلم يقسم الطلائع فأنزل الله تعالى وما كان لنبي أن ~~يغل وروى ابن جرير الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى وما كان لنبي أن يغل ~~يقول ما كان لنبي أن يقسم إلى طائفة من المؤمنين ويترك طائفة ويجور في ~~القسم ولكن يقسم بالعدل ويأخذ فيه بأمر الله ويحكم فيه بما أنزل الله ~~يقول ما كان الله ليجعل نبيا يغل من أصحابه فإذا فعل ذلك النبي استنوا ~~به وقال مقاتل والكلبي نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز للغنيمة. ~~وقالوا نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئا فهو له وأن ~~لا تقسم الغنائم كما لم تقسم يوم بدر فتركوا المركز ووقعوا في الغنائم ~~فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: # " ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري قالوا تركنا بقية ~~إخواننا وقوفا فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل ظننتم أنا نغل فلا نقسم ~~" # فأنزل الله هذه الآية وقال قتادة ذكر لنا أنها نزلت في طائفة غلت من ~~أصحابه وقيل إن الأقوياء ألحوا عليه يسألونه من المغنم فأنزل الله تعالى ~~{ وما كان لنبي أن يغل } يعني فيعطي قوما ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم ~~بينهم بالسوية وقال محمد بن كعب القرظي ومحمد بن إسحاق بن يسار هذا في ~~شأن الوحي يقول وما كان لنبي أن يكتم شيئا من الوحي رغبة أو رهبة أو ~~مداهنة والغلول هو الخيانة. وأصله أخذ الشيء في خفية يقال غل فلان يغل ~~قرئ بفتح الياء وضم الغين أي وما كان لنبي أن يخون لأن النبوة ms0576 والخيانة ~~لا يجتمعان لأن منصب النبوة أعظم المناصب وأشرفها وأعلاها لا تليق به ~~الخيانة لأنها في نهاية الدناءة والخسة والجمع بين الضدين محال فثبت بذلك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخن أمته في شيء لا من الغنائم، ولا من ~~الوحي. وقيل المراد به الأمة لأنه قد ثبت براءة ساحة النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الغلول والخيانة فدل ذلك على أن المراد بالغلول غيره وقيل اللام ~~فيه منقولة معناه ما كان النبي ليغل على نفي الغلول عن الأنبياء وقيل ~~معناه ما كان لبني الغلول أراد ما غل نبي قط فنفى عن الأنبياء: الغلول ~~وقيل معناه وما كان يحل لنبي الغلول وإذا لم يحل له لم يفعله وحجة هذه ~~القراءة أنهم نسبوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغلول. في بعض ~~الروايات فبين الله تعالى بهذه الآية أن هذه الخصلة لا تليق به ونفى عنه ~~ذلك بقوله وما كان لنبي أن يغل وقرئ يغل بضم الياء وفتح الغين ولها ~~معنيان أحدهما أن يكون من الغلول أيضا ومعناه وما كان لنبي أن يخان أي ~~تخونه أمته والثاني أن يكون من الإغلال ومعناه وما كان لنبي أن يخون أي ~~ينسب إلى الخيانة { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } يعني بالشيء الذي ~~غله بعينه يحمله على ظهره يوم القيامة ليزداد فضيحة بما يحمله يوم ~~القيامة وقيل يمثل ذلك الشيء في النار ثم يقال له أنزل فخذه فينزل فيحمله ~~على ظهره فإذا بلغ موضعه وقع ذلك الشيء في النار فيكلف أن ينزل إليه ~~ليخرجنه يفعل به ذلك ما شاء الله وقيل معناه أنه يأتي بإثم ما غله فيجازى ~~به يوم القيامة وهو قوله تعالى: { ثم توفى كل نفس ما كسبت } يعني من خير ~~أو شر والمعنى أن كل كاسب خيرا كان ذلك الكسب أو شرا فهو مجزى به يوم ~~القيامة وهو في جزاء عمله { وهم لا يظلمون } يعني بل يعدل بينهم يوم ~~القيامة في الجزاء فيجازى كل على عمله. # فصل في ذكر ms0577 أحاديث وردت في الغلول ووعيد الغال وقد تقدم أن أصل الغلول ~~هو أخذ الشيء في خفية وأنه الخيانة إلا أنه قد صار في العرف مخصوصا ~~بالخيانة في الغنيمة وبهذا وردت الأحاديث ق عن أبي هريرة قال: قام فينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى ~~قال: # " لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول ~~الله أغثني وأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم ~~القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك ~~لك شيئا قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ~~ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين ~~أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني ~~فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة وعلى ~~رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد ~~أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول ~~الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك " # لفظ مسلم. الرغاء صوت البعير والثغاء صوت الشاة والرقاع الثياب والصامت ~~الذهب والفضة ق عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى خيبر ففتح الله علينا فلم نغنم ذهبا ولا ورقا غنمنا المتاع والطعام ~~والثياب ثم انطلقنا إلى الوادي يعني وادي القرى ومع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عبد له وهبه له رجل من جذام يدعى رفاعة بن زيد من بني الضبيب ~~فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحل رحله فرمى ~~بسهم فكان فيه حتفه فقلنا هنيئا له شملته الشهادة يا رسول الله فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كلا والذي نفس محمد بيده إن الشملة لتلتهب عليه نارا أخذها ms0578 من ~~الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم " # قال ففزع الناس فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال: أصبتها يوم خيبر فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شراك من نار أو شراكان من نار وفي رواية ~~نحوه وفيه ومعه عبد يقال له مدعم أهداه له أحد بني الضبيب وفيه إذ جاءه ~~سهم عائر إشراك سير النعل الذي يكون على ظهر القدم ومثله شسع النعل ~~والسهم العائر هو السهم الذي لا يدرى من رماه خ عن عبدالله بن عمرو بن ~~العاص قال كان على ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: رجل يقال له كركرة ~~فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو في النار فذهبوا ينظرون إليه ~~فوجدوا عباءة قد غلها عن زيد بن خالد الجهني أن رجلا من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم توفي فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلوا ~~على صاحبكم فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال إن صاحبكم غل في سبيل الله ~~ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين. # أخرجه أبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " من غل فاحرقوا متاعه واضربوه " # أخرجه أبو داود والترمذي عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغال وضربوه زاد في رواية ~~ومنعوه سهمه أخرجه أبو داود. ### || [3.162-165] # قوله عز وجل: { أفمن اتبع رضوان الله } يعني فترك الغلول فلم يغل { كمن ~~باء } أي رجع { بسخط من الله } يعني بغضب من الله والمعنى فغل والسخط ~~الغضب الشديد المفضي للعقوبة وهو من الله إنزال العقوبة بمن سخط عليه ~~وقيل في معنى الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر المسلمين ~~باتباعه والخروج معه يوم أحد اتبعه المؤمنون وتخلف عنه جماعة من جماعة ~~المنافقين فأخبرنا الله تعالى بحال من اتبعه بقوله { أفمن اتبع رضوان ~~الله } وبحال من تخلف عنه بقوله: { كمن باء بسخط من الله } { ومأواه ~~جهنم وبئس ms0579 المصير } يعني الغال أو المتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم { ~~هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون } يعني هم ذوو درجات عند الله ~~قال ابن عباس: يعني من اتبع رضوان الله ومن باء بسخط من الله مختلفو ~~المنازل عند الله فلمن اتبع رضوان الله الثواب العظيم ولمن باء بسخط من ~~الله ليسوا سواء بل هم درجات عند الله على حسب أعمالهم. وقيل الضمير في ~~قوله هم درجات عائد على قوله أفمن اتبع رضوان الله فقط لأن الغالب في ~~العرف استعمال الدرجات لأهل الثواب والدركات لأهل النار ولأن الله وصف من ~~باء بسخط من الله إن مأواه جهنم وبئس المصير فدل على أن الضمير في قوله ~~هم درجات عند الله راجع للأول وفيه تحريض على العمل بطاعته وتحذير عن ~~العمل بمعاصيه. قوله عز وجل: { لقد من الله على المؤمنين } يعني أحسن ~~إليهم وتفضل عليهم والمنة النعمة العظيمة وذلك في الحقيقة لا يكون إلا من ~~الله ومنه قوله تعالى لقد من الله على المؤمنين { إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم } يعني من جنسهم عربيا مثلهم ولد ببلدهم ونشأ بينهم يعرفون نسبه ~~وليس حي من أحياء العرب إلا وقد ولده وله فيهم نسب. إلا بني تغلب فإنهم ~~كانوا نصارى وقد ثبتوا على النصرانية فطهر الله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من أن يكون له فيهم نسب وقيل أراد بالمؤمنين جميع المؤمنين ومعنى ~~قوله تعالى من أنفسهم أي بالإيمان والشفقة لا بالنسب ومن جنسهم ليس بملك ~~ولا أحد من غير بني آدم وقيل من أنفسهم يعني أنه من ولد إسماعيل بن ~~إبراهيم الخليل عليهما السلام ووجه المنة والإنعام على المؤمنين ببعث ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لكونه داعيا لهم إلى ما يخلصهم من العذاب ~~الأليم ويوصلهم إلى الثواب في جنات النعيم وكونه من أنفسهم ومن جنسهم ~~لأنه إذا كان اللسان واحدا سهل الأخذ عنه فيما يجب عليهم، وكانوا واقفين ~~على جميع أحواله وأفعاله يعرفون صدقه وأمانته فكان ذلك أقرب إلى تصديقه ms0580 ~~والوثوق به، وفي كونه من أنفسهم شرف لهم وكان فيما خطب به أبو طالب حين ~~زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها ~~وقد حضر ذلك بنو هاشم ورؤساء مضر قوله الحمد لله الذي جعلنا من ذرية ~~إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معد وعنصر مضر وجعلنا سدنة بيته وسواس حرمه ~~وجعل لنا بيتا محجوبا وحرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس وإن ابني ~~هذا محمد بن عبدالله لا يوزن به فتى إلا رجح وهو الله بعد هذا له نبأ ~~عظيم وخطب جليل. # وقيل في وجه المنة ببعثة الرسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخلق ~~جبلوا على الجهل ونقصان العقل وقلة الفهم وعدم الدراية فمن الله تعالى ~~على خلقه وأنعم عليهم وأحسن إليهم بأن بعث فيهم رسولا من أنفسهم أنقذهم ~~به من الضلالة وبصرهم به من الجهالة وهداهم به إلى صراط مستقيم وإنما خص ~~المؤمنين بالذكر لأنهم هم المنتفعون بما جاء به دون غيرهم { يتلو عليهم ~~آياته } يعني يقرأ عليهم كتابه الذي أنزل عليه بعد أن كانوا أهل جاهلية ~~لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي السماوي { ويزكيهم } أي ويطهرهم من دنس ~~الكفر ونجاسة المحرمات والخبائث { ويعلمهم الكتاب والحكمة } يعني القرآن ~~والسنة التي سنها لهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم { وإن كانوا من ~~قبل } يعني من قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم { لفي ضلال مبين } ~~يعني لفي جهالة وحيرة عن الهدى عميا لا يعرفون معروفا ولا ينكرون ~~منكرا فهداهم الله بنبيه صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { أو لما ~~أصابتكم مصيبة } يعني ما أصابهم يوم أحد { قد أصبتم مثليها } يعني ببدر ~~وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين وقتل المسلمون من ~~المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين وقيل إن المسلمين هزموا المشركين ~~يوم بدر وهزمهم في أول الأمر يوم أحد ولما عصوا الله ورسوله هزمهم ~~المشركون فحصل انهزام المشركين مرتين وانهزام المسلمين مرة واحدة { قلتم ~~أنى هذا } أي من أين لنا هذا ms0581 القتل والهزيمة ونحن المسلمون ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فينا وهو استفهام إنكار { قل هو من عند أنفسكم } يعني ~~إنما وقعتم فيما وقعتم فيه بشؤم ذنوبكم وهو مخالفتكم أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وذلك أنه صلى الله عليه وسلم اختار الإقامة في المدينة ~~على الخروج إلى العدو واختاروا هم الخروج إليه وأيضا أمر الرماة ~~بالإقامة في الموضع الذي عينه لهم فخالفوا وتركوا المركز لأجل الغنيمة ~~فكان ذلك سبب القتل والهزيمة. وروى عبيدة السلماني عن علي بن أبي طالب ~~قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن الله قد كره ما صنع ~~قومك في أخذهم الفداء من الأسارى وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يضربوا أعناق ~~الأسارى وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم فذكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم للناس فقالوا يا رسول الله عشائرنا وإخواننا بل نأخذ ~~فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم فقتل منهم يوم أحد ~~سبعون عدد أسارى أهل بدر لم يسنده البغوي وأسنده ابن جرير الطبري فذلك ~~معنى قوله { قل هو من عند أنفسهم } يعني بأخذكم الفداء واختياركم القتل ~~لأنفسكم { إن الله على كل شيء قدير } يعني من نصركم مع الطاعة وترك نصركم ~~مع المخالفة. ### || [3.166-169] # قوله عز وجل: { وما أصابكم } يعني من القتل والجراح والهزيمة { يوم ~~التقى الجمعان } يعني جمع المؤمنين وجمع المشركين وذلك بأحد يوم أحد { ~~فبإذن الله } يعني فبعلمه وقضائه وقدره وحكمه وفيه تسلية للمؤمنين بما ~~حصل لهم يوم أحد من القتل والهزيمة ولا تقع التسلية إلا إذا علموا أن ذلك ~~كان واقعا بقضاء الله وقدره فحينئذ يرضون بما قضى الله عليهم { وليعلم ~~المؤمنين وليعلم الذين نافقوا } أي ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم على ~~مالهم ويظهر نفاق المنافقين بقلة صبرهم على ما نزل بهم فالمراد من العلم ~~المعلوم والتقدير ليتبين المؤمن من المنافق وليتميز أحدهما من الآخر ~~والمنافق هو الذي أظهر الإيمان بلسانه وأضمر خلافه واشتقاقه من النفق وهو ~~السرب في الأرض ms0582 النافذ، ومنه نافقا اليربوع لأن له حجرا في الأرض له ~~بابان إذا طلب من أحدهما خرج من الآخر فكذلك المنافق صنع له طريقين ~~أحدهما إظهار الإيمان بلسانه والآخر إضمار الكفر بقلبه من أيهما طلب خرج ~~من الآخر. وقيل لأنه دخل في الإيمان من باب وخرج من باب آخر والنفاق اسم ~~إسلامي لم تك العرب تعرفه قبل الإسلام { وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل ~~الله أو ادفعوا } المقول له عبدالله بن أبي ابن سلول المنافق وأصحابه ~~وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد في ألف رجل حتى ~~إذا كان بالشوط بين أحد والمدينة انخذل عبدالله بن أبي ابن سلول بثلث ~~الناس وقال ما ندري علام نقتل أنفسنا فرجع بمن معه من المنافقين فتبعهم ~~جابر بن عبدالله بن عمر بن حرام الإنصاري أخو بني سلمة وهو يقول: يا قوم ~~أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم عند حضور عدوه فذلك قوله تعالى وقيل لهم ~~يعني المنافقين عبدالله بن أبي ابن سلول وأصحابه تعالوا قاتلوا في سبيل ~~الله أي لأجل دين الله وطاعته أو ادفعوا يعني عن أموالكم وأهليكم وقيل ~~معناه تعالوا كثروا سواد المسلمين إن لم تقاتلوا ليكون ذلك دفعا وقمعا ~~للعدو { قالوا } يعني المنافقين { لو نعلم قتالا لاتبعناكم } أي لو نعلم ~~أن اليوم يجري فيه قتال لاتبعناكم ولم نرجع ولو علموا ما تبعوهم. وقيل ~~معناه لو نحسن قتالا لاتبعناكم { هم للكفر } يعني المنافقين إلى الكفر { ~~يومئذ أقرب منهم للإيمان } أي الإيمان وإنما قال تعالى يومئذ لأنهم قبل ~~ذلك اليوم لم يظهروا ما أظهروه من المعاندة والرجوع عن المسلمين وقولهم ~~لو لم نعلم قتالا لاتبعانكم وإنما كانوا قبل ذلك يظهرون كلمة الإسلام ~~ويخفون الكفر { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } يعني يظهرون بألسنتهم ~~الإيمان وليس هو في قلوبهم إنما في قلوبهم الكفر والنفاق وهذه صفة ~~المنافقين لا صفة المؤمنين لأن صفة المؤمن المخلص موطأة القلب للسان على ~~شيء واحد وهو التوحيد { والله أعلم بما يكتمون } يعني من النفاق { الذين ms0583 ~~قالوا لإخوانهم } نزلت في عبدالله بن أبي المنافق وأصحابه وفي المراد ~~بإخوانهم قولان: أحدهما أن المراد بإخوانهم الذين استشهدوا بأحد فيكون ~~إخوانهم في النسب لا في الدين والقول الثاني إن المراد بإخوانهم ~~المنافقون فعلى القول الأول يكون معنى الآية الذين قالوا في إخوانهم أو ~~عن إخوانهم الذين قتلوا بأحد لو أطاعونا ما قتلوا لأنهم بعد أن قتلوا لا ~~يخاطبون وعلى القول الثاني يكون معنى الآية الذين قالوا وهم عبدالله بن ~~أبي وأصحابه لإخوانهم يعني في النفاق { وقعدوا } يعني عن الجهاد { لو ~~أطاعونا } يعني هؤلاء الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لو ~~أطاعونا يعني في القعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الانصراف عنه ~~{ ما قتلوا } يومئذ فرد الله تعالى عليهم بقوله { قل } يعني قل لهم يا ~~محمد { فادرؤوا } أي فادفعوا { عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } يعني أن ~~الحذر لا ينفع من القدر وفي الآية دليل على أن المقتول يموت بأجله خلافا ~~لمن يزعم أن القتل قطع على المقتول أجله { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ~~الله أمواتا } قيل نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلا ستة من ~~المهاجرين وثمانية من الأنصار. # وقال أكثر المفسرين إنها نزلت في شهداء أحد ويدل على ذلك ما روي عن ابن ~~عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه إنه لما أصيب إخوانكم ~~بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها ~~وتأوي إلى قناديل من ذهب معقلة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ~~ومشربهم ومقيلهم. قالوا من يبلغ أخواننا عنا أننا أحياء في الجنة لئلا ~~يزهدوا في الجنة ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله تعالى أنا أبلغهم عنكم ~~فأنزل الله: { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون } إلى آخر الآية أخرجه أبو داود م عن مسروق قال سألنا ~~عبدالله عن هذه الآية: { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ms0584 ربهم يرزقون } فقال أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال # " أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث ~~شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فأطلع إليهم ربهم إطلاعه فقال: هل تشتهون ~~شيئا قالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا " # ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا يا ~~رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى ~~أن ليس لهم حاجة تركوا. # ذكر ما يتعلق بهذا الحديث قول مسروق سألنا عبدالله كذا جاء عبدالله غير ~~منسوب وقد نسبه بعض الناس فقال عبدالله بن عمر قد ذكره أبو مسعود الدمشقي ~~والحميدي في مسنده عن عبدالله بن مسعود وهو الصحيح وهذا الحديث مرفوع ~~لقوله أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال يعني النبي صلى الله عليه وسلم وفي ~~الحديث دليل عن أن الجنة مخلوقة الآن خلافا للمعتزلة لقوله صلى الله ~~عليه وسلم تسرح من الجنة حيث شاءت وهو مذهب أهل السنة وفيه دليل على أن ~~الأرواح باقية لا تفنى بفناء الجسد لأن المحسن ينعم ويجازى بالثواب وأن ~~المسيء يعذب ويجازى بالعقاب قبل يوم القيامة وهو مذهب أهل السنة أيضا ~~قوله أرواحهم في جوف طير خضر أي يجعل الله أرواح الشهداء في جوف طير خضر ~~وهذا ليس ببعيد لا سيما مع القول بأن الأرواح أجسام لطيفة. وقيل إن ~~المنعم والمعذب من الأرواح والأجساد جزء من الجسد تبقى فيه الروح وهو ~~الذي يتلذذ بالنعيم ويتألم بالعذاب فغير مستحيل أن يصور الله تعالى ذلك ~~الجزء طائرا ويجعل في جوف طير فتسرح في الجنة وتأوي إلى تلك القناديل ~~وقد تعلق بهذا الحديث من يقول بالتناسخ من المبتدعة ويقول بانتقال ~~الأرواح وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة وتعذيبها في الصور القبيحة ~~المسخرة ويزعمون أن هذه هو الثواب والعقاب وهذا ضلال بين وقول سخيف ~~وبدعة باطلة لما في هذا القول من إبطال ما ms0585 جاءت به الشرائع من الحشر ~~والنشر والمعاد والجنة والنار وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث ما يرد ~~عليهم وهو قوله حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه يعني يحيي جميع جسده ~~يوم يبعثه وهو يوم القيامة والله أعلم. # " عن جابر قال لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مهتم فقال ما لي ~~أراك منكسرا قلت يا رسول الله استشهد أبي يوم أحد وترك عيالا ودينا ~~فقال ألا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قلت: بلى قال ما كلم الله أحدا قط ~~إلا من وراء حجاب وإنه أحيا أباك وكلمه كفاحا وقال يا عبدي تمن علي ~~أعطك قال: يا رب تحييني فأقتل ثانية قال سبحانه إنه قد سبق مني أنهم لا ~~يرجعون فنزلت: { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله } الآية " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وقيل إن الآية نزلت في شهداء بئر ~~معونة وهي بئر بين مكة وعسفان وأرض هذيل قال محمد بن إسحاق عن أشياخه من ~~أهل العلم قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة وكان ~~سيد بني عامر بن صعصعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهدى له هدية ~~فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلها وقال إني لا أقبل هدية مشرك ~~ثم عرض عليه الإسلام وأخبره بما له فيه وما أعد الله للمؤمنين وقرأ عليه ~~القرآن فلم يسلم ولم يبعد وقال يا محمد إن الذي تدعو إليه حسن جميل فلو ~~بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أخشى عليهم أهل نجد فقال أبو براء ~~نالهم جار فأبعثهم فليدعو الناس إلى أمرك فبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في سبعين رجلا من خيار المسلمين. # وكان يقال لهم القراء منهم الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان وعروة بن ~~أسماء بن الصلت ونافع بن يزيد بن ورقاء الخزاعي ms0586 وعامر بن فهيرة مولى أبي ~~بكر. وذلك في سفر سنة أربع من الهجرة بعد أحد بأربعة أشهر فساروا حتى ~~نزلوا بئر معونة وهي أرض بين أرض بني عامر وحرة بني سليم فلما نزلوها قال ~~بعضهم لبعض أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء ~~فقال حرام بن ملحان: أنا فخرج بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~عامر بن الطفيل وكان على ذلك الماء فلما أتاهم حرام بن ملحان: لم ينظر ~~عامر بن الطفيل في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حرام بن ملحان ~~يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله إليكم وإني أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا عبده ورسوله فآمنوا بالله ورسوله فخرج إليه رجل من كسر البيت ~~برمح فضربه به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر فقال: الله أكبر فزت ورب ~~الكعبة ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين فأبوا أن يجيبوه ~~إلى ما دعاهم إليه وقالوا لا نخفر أبا براء فقد عقد لهم عقدا وجوارا ~~فاستصرخ عليهم قبائل بني سليم عصية ورعلا وذكوان فأجابوه فخرجوا حتى غشوا ~~القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا السيوف فقاتلوهم حتى قتلوا ~~عن آخرهم إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق فارتث بين القتلى فعاش حتى ~~قتل يوم الخندق وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار ~~أحد بني عمرو بن عوف فلم يعلمها بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على ~~العسكر فقالا: والله إن لهذا الطير لشأنا فأقبلا لينظرا فإذا القوم في ~~دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة فقال الأنصاري لعمرو بن أمية ماذا ~~ترى قال نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ونخبره فقال الأنصاري لكن لا ~~أرغب عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ثم قاتل القوم حتى قتل وأخذ عمرو بن ~~أمية الضمري أسيرا فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ~~ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم ms0587 أنها كانت على أمة فقدم عمرو بن أمية على رسول ~~الله صلى لله عليه وسلم وأخبره الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " هذا عمل أبي براء وقد كنت لهذا كارها متخوفا " # فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه أخفار عامر بن الطفيل إياه وما أصاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره. وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة ~~مولى أبي بكر الصديق فروى محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه أن عامر ~~بن الطفيل كان يقول من الرجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض ~~حتى رأيت السماء من دونه قالوا هو عامر بن فهيرة قالوا: وبلغ ربيعة بن ~~أبي براء أن عامر بن الطفيل أخفر ذمة أبيه فحمل على عامر بن الطفيل فطعنه ~~فخر عن فرسه. قلت وذكر ابن الأثير الجزري في كتاب جامع الأصول له في قسم ~~الأسماء في ترجمة عامر بن الطفيل أن عامر بن الطفيل قدم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو ابن بضع وثمانين سنة ولم يسلم وعاد من عنده فخرج له ~~خراج في أصل أذنه أخذه منه مثل النار فاشتد عليه ومات منه ق عن أنس قال: ~~بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أقواما من بني سليم إلى بني عامر في ~~سبعين وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خاله أخا لأم سليم ~~واسمه حرام في سبعين راكبا فلما قدموا قال لهم خالي أتقدمكم فإن أمنوني ~~حتى أبلغكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا كنتم مني قريبا فتقدم ~~فأمنوه فبينما هو يحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أمنوا إلى ~~رجل منهم فطعنه فأنفذه فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة ثم مالوا على بقية ~~أصحابه فقتلوهم إلا رجلا أعرج صعد الجبل قال همام وأراه آخر معه فأخبر ~~جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم إنهم قد لقوا ربهم فرضي عنهم ~~وأرضاهم. قال فكنا نقرأ أن بلغوا قومنا إن قد ms0588 لقينا ربنا فرضي عنا ~~وأرضانا ثم نسخ بعد فدعا عليهم أربعين صباحا على رعل وذكوان وبني عصية ~~الذين عصوا الله ورسوله وفي رواية إن رعلا وذكوان وبني لحيان استمدوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمدهم بسبعين رجلا من الأنصار كنا نسميهم ~~القراء في زمانهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل حتى إذا كان ببئر ~~معونة قتلوهم وغدروا بهم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقنت عليهم ~~شهرا يدعو في الصبح على أحياء من العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان ~~قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنا ثم إن ذلك رفع بلغوا قومنا إن قد لقينا ربنا ~~فرضي عنا وأرضانا ولمسلم قال: جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسألوه أن ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة فبعث إليهم سبعين ~~رجلا من الأنصار وذكر نحو ما تقدم وقيل إن أولياء الشهداء وأهليهم كانوا ~~إذا أصابتهم نعمة وخير تحسروا على الشهداء وقالوا نحن في النعمة والرخاء ~~وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور فأنزل الله تعالى هذه الآية تطييبا ~~لقلوبهم وتنفيسا عنهم وإخبارا عن حال قتلاهم فقال تعالى: { ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في سبيل الله } أي ولا تظنن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولكل أحد من أمته والمعنى لا يظن ظان إن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا يعني كأموات غيرهم ممن لم يقتل في سبيل الله { بل أحياء } أي بل ~~هم أحياء وظاهر الآية يدل على كون من قتل في سبيل الله حيا فأما أن يكون ~~المراد أنهم سيصيرون أحياء في الآخرة أو يكون المراد إنهم أحياء في الحال ~~وعلى تقدير أنهم أحياء في الحال يكون المراد إثبات الحياة الروحانية او ~~إثبات الحياة الجثمانية. # فهذه ثلاثة أوجه في معنى احتمال الحياة فيمن قال بالوجه الأول هو أنهم ~~سيصيرون أحياء في الآخرة قال معنى الآية بل هم أحياء في الذكر: وأنهم ~~يذكرون بخير أعمالهم وأنهم استشهدوا في سبيل الله وقيل بل هم أحياء في ~~الدين وهذا القول ليس بصواب لأن الله ms0589 تعالى أثبت لهم الحياة في الحال ~~بقوله بل أحياء يعني في حال ما يقتلون فإنهم يحيون وهو الاحتمال الثاني. ~~واختلفوا في معنى هذه الحياة هل هي للروح أو للجسم والروح معا فمن أثبت ~~الحياة للروح دون الجسم يقال يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم أرواح ~~الشهداء في حواصل طير خضر فخص الأرواح دون الأجساد وقال بعض المفسرين إن ~~أرواح الشهداء تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة. ومن أثبت ~~الحياة الروح والجسم معا قال: يدل عليه سياق الآية وهو قوله عند ربهم ~~يرزقون فأخبر الله سبحانه وتعالى أنهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون كالأحياء ~~وقيل إن الشهيد لا يبلى في قبره ولا تأكله الأرض كغيره. وروي أنه لما ~~أراد معاوية أن يجري الماء على قبور الشهداء أمر أن ينادي من كان له قتيل ~~فليخرجه وليحوله من هذا الموضع قال جابر: فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب ~~الأبدان فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم فأنبعث دما وذكر البغوي بغير سند ~~عن عبيدالله بن عمير قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من ~~أحد على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا له ثم قرأ: # من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه # [الأحزاب: 23] ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزوروهم وسلموا ~~عليهم فالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه ~~" # قوله تعالى: { عند ربهم } يعني في محل كرامته وفضله { يرزقون } يعني من ~~ثمار الجنة وتحفها. ### || [3.170] # { فرحين بما آتاهم الله من فضله } يعني بما أعطاهم من الثواب والكرامة ~~والإحسان والإفضال في دار النعيم { ويستبشرون } أي يفرحون والاستبشار هو ~~الفرح والسرور الذي يحصل للإنسان عند البشارة { بالذين لم يلحقوا بهم من ~~خلفهم } يعني من إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا على منهج الإيمان ~~والجهاد لعلمهم بأنهم إذا استشهدوا سألوا الله عز وجل أن يخبر إخوانهم ~~بما ناولوا من الخير والكرامة ليرغبوا في الجهاد ms0590 فأخبرهم الله عز وجل إني ~~قد أنزلت على نبي محمد صلى الله عليه وسلم وأخبرته بحالكم وما صرتم إليه ~~من الكرامة وأن محمدا صلى الله عليه وسلم قد أخبر إخوانكم بذلك ففرحوا ~~بذلك واستبشروا { أن لا خوف عليهم } يعني في الآخرة { ولا هم يحزنون } ~~يعني على ما فاتهم من نعيم الدنيا. ### || [3.171-172] # { يستبشرون بنعمة من الله وفضل } لما بين الله تعالى أن الشهداء ~~يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم في خلفهم ذكر أنهم أيضا يستبشرون لأنفسهم ~~بما رزقوا من النعيم والفضل فالاستبشار الأول كان لغيرهم والاستبشار ~~الثاني لأنفسهم خاصة { وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين } يعني كما أنه ~~تعالى لا يضيع أجر المجاهدين والشهداء كذلك لا يضيع أجر المؤمنين. فصل في ~~فضل الجهاد في سبيل الله ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيل وإيمان بي ~~وتصديق برسلي فهو على ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج ~~منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة. والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم ~~في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين يكلم لونه لون دم وريحه ~~ريح مسك. والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف ~~سرية تغزو في سبيل الله أبدا ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ~~ويشق عليهم أن يتخلفوا عني. والذي نفس محمد بيده لوددت اني أغزو في سبيل ~~الله فأقتل ثم اغزوا فأقتل " # لفظ ق عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها " # ق عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم في ~~الجنة خير من الدنيا وما عليها " # عن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله ms0591 عليه وسلم قال: # " كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله ~~إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر " # أخرجه أبو داود والترمذي عن معاذ بن جبل أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول # " من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة ومن سأل الله القتل في ~~سبيل الله صادقا من نفسه ثم مات أو قتل كان له أجر شهيد، ومن جرح جرحا ~~في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها ~~لون الزعفران وريحها ريح المسك ومن خرج به خراج في سبيل الله فإن عليه ~~طابع الشهداء " # أخرجه أبو داود والنسائي وأخرجه الترمذي مفرقا في موضعين ق عن أبي سعيد ~~قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله قال ثم من ~~قال رجل في شعب من الشعاب يعبد الله " # وفي رواية يتقي الله ويدع الناس من شره خ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا واحتسابا وتصديقا فإن شبعه ~~وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة يعني حسنات " # ق عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما أحد يدخل الجنة فيحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء ~~إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة ~~وفي رواية لما يرى من فضل الشهادة " # م عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~يغفر للشهيد كل ذنب إلى الدين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من القرصة " # أخرجه الترمذي وللنسائي نحوه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " يشفع الشهيد في سبعين من ms0592 أهل بيته " # أخرجه أبو داود: قوله عز وجل: { الذين استجابوا لله والرسول } الآية قال ~~أكثر المفسرين أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ~~ندموا على انصرافهم وتلاوموا فقالوا: لا محمدا قتلتم ولا الكواكب أردفتم ~~قتلتموهم حتى إذا لم يبق الشريد تركتموهم ارجعوا فاستأصلوهم فبلغ ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهب العدو ويريهم من نفسه ~~وأصحابه قوة فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان فانتدب عصابة منهم مع ~~ما بهم من ألم الجراح والقرح الذي أصابهم يوم أحد وناد مناد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ألا لا يخرجن معنا أحد إلا من حضرنا بالأمس فكلمه ~~جابر بن عبدالله فقال: يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع ~~وقال لي بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة ولا رجل فيهن ~~ولست بالذي أوثرك على نفسي بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فخرج معه وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو وليبلغهم ~~أنه خرج في طلبهم فيظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم فينصرفوا فخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة ~~والزبير وسعد وسعيد وعبدالرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وعبدالله بن ~~مسعود وحذيفة بن اليمان في سبعين رجلا من أصحابه حتى بلغوا حمراء الأسد ~~وهي من المدينة على ثماينة أميال، ق عن عائشة في قوله الذين استجابوا لله ~~والرسول من بعد ما أصابهم القرح، الذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم. # قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر لما أصاب نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد وانصرف المشركون خاف أن يرجعوا ~~فقال من يذهب في أثرهم فانتدب منهم سبعون رجلا كان فيهم أبو بكر والزبير ~~قال: فمر برسول الله صلى الله عليه وسلم ms0593 الخزاعي بحمراء الأسد كانت خزاعة ~~مسلمهم وكافرهم عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا ~~يخفون عنه شيئا كان بها ومعبد يومئذ مشرك فقال يا محمد والله لقد عز ~~علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله كان قد أعفاك فيهم. ثم خرج ~~معبد من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقي أبا سفيان ومن معه ~~بالروحاء وقد أجمعوا على الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا ~~قد أصبنا جل أصحابه وقادتهم لنكرن على بقيتهم ولنفرغن منهم فلما رأى أبو ~~سفيان معبدا قال له: ما وراءك يا معبد قال محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم ~~في جمع لم أر مثله قد يتحرقون عليكم تحرقا وقد اجتمع معه من كان تخلف ~~عنه في يومكم وندموا على صنيعهم، وفيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط ~~قال أبو سفيان: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترحل حتى ترى نواصي ~~الخيل قال فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم فقال والله إني ~~أنهاك عن ذلك فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت أبياتا قال وما قلت ~~قال قلت: # كادت تهدي من الأصوات راحلتي إذ سألت الأرض بالجرد الأبابيل تردى ~~بأسد كرام لا تنابلة عند اللقاء ولا ميل معازيل فقلت ويل ابن حرب من ~~لقائكمو إذا تغطغطت البطحاء بالخيل إني نذير لأهل السبل ضاحية لكل ~~ذي أربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وحش يقابله وليس يوصف ما أنذرت ~~بالفيل # قالوا فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ومر ركب من عبد القيس فقال: أين ~~تريدون؟ قولوا نريد المدينة لأجل الميرة قال: فهل أنتم مبلغون عنا محمدا ~~رسالة وأحمل لكم إبلكم زبيبا بعكاظ إذا وفيتموها قالوا: نعم إذا ~~وافيتموه فأخبروه إنا أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم ~~وانصرف أبو سفيان إلى مكة ومر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه ms0594 ~~وسلم وأصحابه: # " حسبنا الله ونعم الوكيل " # ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة بعد ثالثة ~~وقال مجاهد وعكرمة نزلت هذه الآية في غزوة بدر الصغرى وذلك أن أبا سفيان ~~يوم أحد حين أراد أن ينصرف قال يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر ~~الصغرى لقابل إن شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بيننا وبينك ~~إن شاء الله فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل ~~بمجنة من ناحية مر الظهران ثم ألقى الله الرعب في قلبه فبدى له الرجوع ~~فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا فقال له أبو سفيان: يا نعيم ~~إني قد واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم الصغرى وهذا عام جدب ولا ~~يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج ~~إليها وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيذهم ذلك جراءة ولا أن يكون ~~الخلف من قبلهم أحب إلي من أن يكون من قبلي فألحق بالمدينة فثبطهم ~~وأعلمهم أنا في جمع كثير لا طاقة لهم بنا ولك عندي عشرة من الإبل أضعها ~~لك على يد سهيل بن عمرو ويضمنها لك قال وجاء سهيل فقال له نعيم: يا أبا ~~يزيد أتضمن لي هذه القلائص وانطلق إلى محمد فاثبته قال: نعم، قال: فخرج ~~نعيم حتى أتى المدينة فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال نعيم: ~~أين تريدون؟ قالوا: واعدنا أبا سفيان أن نلتقي بموسم بدر الصغرى فقال ~~نعيم بئس الرأي رأيتم أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا الشريد ~~أفتريدون أن تخرجوا إليهم وقد جمعوا لكم عند الموسم والله لا يفلت منكم ~~أحد فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج فقال رسول الله ~~صلىالله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي فأما الجبان فإنه رجع وأما الشجاع ~~فإنه تأهب للقتال وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " # فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى وافوا ms0595 بدر الصغرى ~~وكانوا يلقون المشركين فيسألونهم عن قريش فيقولون قد جمعوا لكم يريدون ~~بذلك أن يرعبوا المسلمين فيقول المؤمنون حسبنا الله ونعم الوكيل. حتى ~~بلغوا بدر الصغرى وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها كل عام ~~ثمانية أيام فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ينتظر أبا سفيان ~~وقد انصرف أبا سفيان من مجنة إلى مكة فلم يلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه أحدا من المشركين ووافوا السوق وكان معهم تجارات ونفقات ~~فباعوا فأصابوا بالدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين فذلك ~~قوله تعالى الذين استجابوا لله والرسول أي أجابوا الله وأطاعوه في جميع ~~أوامره وأطاعوا الرسول أيضا { من بعدما أصابهم القرح } يعني من بعد ما ~~نالهم من ألم الجراح { للذين أحسنوا منهم واتقوا } يعني أحسنوا بطاعة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجابوه إلى الغزو واتقوا معصيته والتخلف ~~عنه { أجر عظيم } يعني لهم ثواب جزيل وهو الجنة. ### || [3.173-174] # قوله عز وجل: { الذين قال لهم الناس } هذه الآية متعلقة بالآية التي ~~قبلها لأن المراد بالذين من تقدم ذكره وهم الذين استجابوا لله والرسول ~~وفي المراد بالناس وجوه أحدها: أنه نعيم بن مسعود الأشجعي فيكون اللفظ ~~عاما أريد به الخاص وإنما جاز إطلاق لفظ الناس على الإنسان الواحد لأن ~~ذلك الواحد إذا فعل فعلا أو قال قولا ورضي به غيره حسن إضافة ذلك الفعل ~~والقول إلى الجماعة وإن كان الفاعل واحدا فهو كقوله تعالى: # وإذ قتلتم نفسا # [البقرة: 72] والقاتل واحد والوجه الثاني أن المراد بالناس الركب من عبد ~~القيس قاله ابن عباس ومحمد بن إسحاق. الوجه الثالث أن المراد بالناس ~~المنافقون وذلك أنهم لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يتجهز لميعاد أبي ~~سفيان نهوا أصحابه عن الخروج معه وقالوا لهم إن القوم قد أتوكم في دياركم ~~فقتلوا الأكثر منكم فإن خرجتم إليهم لم يبق أحد منكم { إن الناس } يعني ~~أبا سفيان وأصحابه من رؤساء المشركين { قد جمعوا لكم } يعني الجموع ~~الكثيرة لأن العرب تسمى الجيش جمعا ms0596 ويجمعونه جموعا { فاخشوهم } أي ~~فخافوهم واحذروهم فإنه لا طاقة لكم بهم { فزادهم إيمانا } يعني فزاد ~~المسلمين ذلك التخويف تصديقا ويقينا وقوة في دينهم وثبوتا على نصر ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم وفي هذه الآية دليل لمن يقول بزيادة الإيمان ~~ونقصانه لأن الله تعالى نص على وقوع الزيادة في الإيمان { وقالوا حسبنا ~~الله ونعم الوكيل } أي كافينا الله هو يكفينا أمرهم فهو كقول امرئ القيس. ~~وحسبك من غني شبع. وروي أي يكفيك الشبع والري ونعم الوكيل يعني ونعم ~~الموكول إليه في الأمور كلها وقيل الوكيل هو الكافي يكفينا الله ونعم ~~الكافي هو. وقيل الوكيل هو الكفيل ووكيل الرجل في ماله هو الذي كفله وقام ~~به والوكيل في صفة الله تعالى هو الكفيل بأرزاق العباد ومصالحهم وأنه ~~الذي يستقل بأمورهم كلها خ عن ابن عباس قال في قوله تعالى: { إن الناس قد ~~جمعوا لكم } إلى قوله { وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } قالها إبراهيم ~~حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس إن ~~الناس قد جمعوا لكم. قوله تعالى: { فانقلبوا } أي فانصرفوا ورجعوا بعد ~~خروجهم والمعنى وخرجوا فانقلبوا فحذف الخروج لأن الانقلاب يدل عليه { ~~بنعمة من الله } أي بعافية لم يلقوا عدوا { وفضل } أي تجارة وربح وهو ما ~~أصابوا في سوق بدر من الربح وقيل النعمة منافع الدنيا والفضل ثواب الآخرة ~~{ لم يمسسهم سوء } أي لم يصيبهم أذى ولا مكروه من قتل وجراح { واتبعوا ~~رضوان الله } يعني في طاعة الله وطاعة رسوله وقيل إنهم قالوا هل يكون هذا ~~غزوا فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم بمجرد خروجهم مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { والله ذو فضل عظيم } يعني أنه تعالى تفضل عليهم ~~بالتوفيق لما فعلوا وقيل تفضل عليهم بإلقاء الرعب في قلوب المشركين حتى ~~رجعوا. ### || [3.175-178] # قوله عز وجل: { وإنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه } يعني إنما ذلكم ~~المخوف والمثبط هو الشيطان يخوف بالوسوسة بأن ألقى ذلك في أفواههم ~~ليرهبوا المؤمنين ويخوفوهم ويجبنوهم قوله أولياءه يعني الشيطان ms0597 يخوفكم يا ~~معشر المؤمنين بأوليائه. وقيل معناه أولياءه في صدوركم لتخافوهم وقيل ~~معناه يخوف أولياءه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين وأولياء الشيطان ~~هم الكفار والمنافقون الذين يطيعونه ويؤثرون أمره وأولياء الله هم ~~المؤمنون الذين لا يخافون الشيطان إذا خوفهم ولا يطيعونه إذا أمرهم { فلا ~~تخافوهم } يعني فلا تخافوا أولياء الشيطان ولا تقعدوا عن قتلهم ولا ~~تجبنوا عنهم { وخافون } أي فجاهدوا في سبيلي مع رسولي فإني وليكم وناصركم ~~{ إن كنتم مؤمنين } أي مصدقين بوعدي إني متكفل لكم بالنصر والظفر. قوله ~~تعالى: { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } قيل هم كفار قريش وقيل هم ~~المنافقون ورؤساء اليهود وقيل هم قوم ارتدوا عن الإسلام والمعنى ولا ~~يحزنك يا محمد من يسارع في الكفر ويجمع الجموع لمحاربتك فإن هذا المقصود ~~لا يحصل له وقيل مسارعتهم في الكفر ومظاهرتهم الكفار على النبي صلى الله ~~عليه وسلم والمعنى يسارعون في نصرة الكفر فلا يحزنك فعلهم فإنك منصور ~~عليهم { إنهم لن يضروا الله شيئا } يعني بمسارعتهم في الكفر إنما يضرون ~~أنفسهم بذلك وقيل معناه لن يضروا أولياء الله شيئا { يريد الله ألا يجعل ~~لهم حظا في الآخرة } يعني لا يجعل لهم نصيبا في ثواب الآخرة فلذلك ~~خذلهم حتى سارعوا في الكفر. وفي الآية دليل على أن الخير والشر بإرادة ~~الله تعالى وفيه رد على القدرية والمعتزلة { ولهم عذاب عظيم } يعني في ~~الآخرة { إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان } يعني المنافقين آمنوا ثم ~~كفروا والمعنى أنهم استبدلوا الكفر بالإيمان فكأنهم أعطوا الإيمان وأخذوا ~~الكفر كما يفعل المشتري من إعطاء شيء وأخذ غيره بدلا عنه { لن يضروا ~~الله شيئا } يعني باستبدالهم الكفر وإنما ضروا أنفسهم بذلك { ولهم عذاب ~~أليم } يعني في الآخرة. قوله عز وجل: { ولا يحسبن الذين كفروا } قرئ ~~تحسبن بالتاء والياء فمن قرأ بالتاء فمعناه ولا تحسبن يا محمد إملاءنا ~~للكفار خير لأنفسهم ومن قرأ بالياء قال: معناه ولا يحسبن الكفار إملاءنا ~~لهم خيرا نزلت في مشركي مكة وقيل نزلت في يهود بني قريظة والنضير { أنما ~~نملي لهم ms0598 } الإملاء الإمهال والتأخير وأصله من الملوءة وهي المدة من ~~الزمان والمعنى ولا يظنن الذين كفروا أن إمهالنا إياهم بطول العمر ~~والإنساء في الأجل { خير لأنفسهم } ثم قال تعالى: { أنما نملي لهم } ~~ليزدادوا إثما يعني إنما نمهلهم ونؤخر في آجالهم ليزدادوا إثما { ولهم ~~عذاب مهين } يعني في الآخرة روى البغوي بسنده عن عبدالرحمن بن أبي بكر عن ~~أبيه قال # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس خير؟ قال: من طال عمره ~~وحسن عمله قيل فأي الناس شر؟ قال: من طال عمره وساء عمله " # وروى ابن جرير الطبري بسنده عن الأسود قال: قال عبدالله: ما من نفس برة ~~ولا فاجرة إلا والموت خير لها. وقرأ: { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي ~~لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } وقرأ # نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار # [آل عمران: 198] وقال ابن الأنباري قال جماعة من أهل العلم أنزل الله عز ~~وجل هذه الآية في قوم يعاندون الحق سبق في علمه أنهم لا يؤمنون فقال إنما ~~نملي لهم ليزدادوا إثما بمعاندتهم الحق وخلافهم الرسول وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " إذا رأيت الله يعطي على المعاصي فإن ذلك استدراج من الله لخلقه " # ثم تلا هذه الآية وقال الزجاج هؤلاء قوم أعلم الله نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أنهم لا يؤمنون أبدا وأن نفاقهم يزيدهم كفرا وإثما وهذه الآية ~~حجة ظاهرة على القدرية حيث أخبر الله تعالى أنه يطيل أعمار قوم ويمهلهم ~~ليزدادوا كفرا وإثما وغيا. ### || [3.179] # قوله تعالى: { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز ~~الخبيث من الطيب } اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية فقال الكلبي قالت ~~قريش يا محمد تزعم أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان وإن من ~~أطاعك وتبعك على دينك فهو في الجنة والله عنه راض فأخبرنا بمن يؤمن بك ~~ومن لا يؤمن بك فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال السدي قال رسول الله صلى ~~الله ms0599 عليه وسلم: # " عرضت على أمتي في صورها في الطين كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ~~ومن يكفر بي " # فبلغ ذلك المنافقين فقالوا استهزاء زعم محمدا أنه يعلم من يؤمن به ومن ~~يكفر ممن لم يخلق بعد ونحن معه وما يعرفنا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقام على المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: # " ما بال أقوام طعنوا في علمي لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة ~~إلا نبأتكم به " # فقام عبدالله بن حذافة السهمي فقال من أبي يا رسول الله فقال حذافة فقام ~~عمر فقال يا رسول الله رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما ~~وبك نبيا فاعف عنا عفا الله عنك فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " فهل أنتم منتهون فهل أنتم منتهون " # ثم نزل عن المنبر فأنزل الله هذه الآية. وقيل إن المؤمنين سألوا أن ~~يعطوا آية يفرقون بها بين المؤمن والكافر فنزلت هذه الآية وقيل إن قوما ~~من المنافقين ادعوا أن إيمانهم كإيمان المؤمنين فأظهر الله نفاقهم يوم ~~أحد وأنزل هذه الآية واختلفوا في معنى الآية وحكمها فقال ابن عباس وأكثر ~~المفسرين الخطاب للكفار والمنافقين والمعنى ما كان ليذر المؤمنين على ما ~~أنتم عليه يا معشر الكفار والمنافقين من الكفر والنفاق حتى يميز الخبيث ~~من الطيب وقيل الخطاب للمؤمنين والمعنى ما كان الله ليذركم يا معشر ~~المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق والتباس بعضهم ببعض ~~حتى يميز الخبيث من الطيب يعني المنافق من المؤمن الخالص فيميز الله ~~المؤمنين من المنافقين يوم أحد فأظهر المنافقون النفاق وتخلفوا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقيل: إنما حصل التمييز يوم أحد بإلقاء الجميع ~~في الخوف والقتل والهزيمة فمن كان مؤمنا ثبت على إيمانه وتصديقه ولم ~~يتزلزل ومن كان منافقا ظهر نفاقه وكفره وقيل في معنى الآية حتى يميز ~~المؤمن من الكافر بالجهاد والهجرة. وقيل في معنى الآية ما كان الله ليذر ~~المؤمنين في أصلاب الرجال المشركين وأرحام النساء ms0600 المشركات. والمعنى ما ~~كان الله ليدع أولادكم الذين جرى لهم الحكم بالإيمان على ما أنتم عليه من ~~الشرك حتى يميز الخبيث من الطيب يعني يفرق بينكم وبين من في أصلابكم ~~وأرحام نسائكم من المؤمنين فيحكم لأهل الإيمان بالجنة ولأهل الشرك والكفر ~~والنفاق بالنار { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } الخطاب في قوله ~~ليطلعكم لكفار قريش الذين قالوا يا محمد أخبرنا عمن يؤمن بك ومن لا يؤمن ~~والمعنى وما كان الله ليبين لكم أيها الكفار المؤمن من الكافر فيقول فلان ~~مؤمن وفلان كافر أو منافق لأنه لا يعلم الغيب أحد غيره وإن سنة الله ~~جارية أنه لا يطلع على غيبه أحاد الناس فلا سبيل إلى معرفة المؤمن من ~~الكافر والمنافق إلا بالامتحان بالآفات والمصائب فيتميز المؤمن المخلص ~~بثباته على إيمانه ويتزلزل المنافق عن المحن والبلايا. # وقيل في معنى الآية وما كان الله ليطلع محمدا على الغيب فيخبركم ~~بالمؤمن من الكافر { ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء } يعني ولكن الله ~~يصطفى ويختار من رسله من يشاء فيطلعه على ما يشاء من غيبه { فآمنوا بالله ~~ورسله } يعني أنه لما قالت الدلائل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~فلم يبق إلا الإيمان بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وإنما قال ~~ورسله على الجمع ولم يقل ورسوله على التوحيد لقوله ولكن الله يجتبي من ~~رسله من يشاء ولأنه إذا أقر بجميع الرسل كان مقرا بأحدهم وهذه صفة ~~المؤمنين لأنهم آمنوا بجميع الرسل { وإن تؤمنوا وتتقوا } يعني وأن تصدقوا ~~أجتبيته برسالتي وأطلعته على ما أشاء من غيبي وأعلمته بالمنافق منكم ~~والمؤمن المخلص وتتقوا ربكم فيما أمركم به ونهاكم عنه { فلكم أجر عظيم } ~~يعني فلكم بإيمانكم واتقائكم ثواب جزيل وهو الجنة. ### || [3.180] # قوله عز وجل: { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا ~~لهم } يعني ولا يحسبن الذين يبخلون البخل خيرا لهم { بل هو } يعني البخل ~~{ شر لهم } والبخل هو إمساك المقتنيات عما لا يستحق حبسها عنه والبخيل هو ~~الذي ms0601 يكثر منه البخل والآية دالة على ذم البخل عن عبدالله بن عمر قال: ~~خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح " # أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالفجور ففجروا أخرجه أبو داود عن أبي سعيد ~~الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " خصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب واختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآية ~~فقال عبدالله بن مسعود وأبو هريرة وابن عباس في رواية أبي صالح عنه ~~والشعبي ومجاهد نزلت هذه الآية في الذين يبخلون أن يؤدوا زكاة أموالهم ~~ووجه هذا القول أن أكثر العلماء ذهبوا إلى أن البخل عبارة عن منع الواجب ~~وأن من منع التطوع لا يكون بخيلا ويدل عليه الوعيد الشديد في سياق ~~الآية. وهو قوله تعالى سيطوقون ما بخلوا به وهذا لا يكون إلا في ترك ~~الواجب لا في التطوع وقال ابن عباس في رواية عطية عنه وابن جريج عن مجاهد ~~أنها نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ~~ونبوته وهذا القول هو اختيار الزجاج ووجه هذا القول أن البخل عبارة عن ~~منع الخير والنفع ويدخل فيه العلم كما يقال بخل فلان بعلمه وصحح الطبري ~~القول الأول واختاره وقوله { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } أي ~~سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق فإن حملنا معنى الآية على منع ~~الزكاة والبخل بها فقد قال ابن مسعود وابن عباس يجعل ما منعه من الزكاة ~~حية تطوق في عنقه يوم القيامة تنهشه من فرقه إلى قدمه ويدل على صحة هذا ~~التأويل ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من آتاه الله مالا فلم يود زكاته مثل له يوم القيام شجاع أقوع له ~~زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم أخذ بلهزمتيه يعني شدقيه ثم يقول: أنا مالك ~~أنا كنزك ثم تلا ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم " # الآية أخرجه البخاري قوله زبيبتان قيل ms0602 هما النكتتان السوداوان فوق عيني ~~الحية وقيل هما نقطتان يكتنفان فاها وقيل هما زبيبتان في شدقيها وقد جاء ~~في الحديث تفسير لهزمتيه بأنهما شدقاه وقيل إنهما مضغتان في أصل الحنك ~~وقيل هما منحنى اللحيين أسفل من الأذنين وكله متقارب. # ق عن أبي ذر قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل ~~الكعبة فلما رآني قال: # " هم الأخسرون ورب الكعبة قال: فجئت حتى جلست فلم أتقار أن قمت فقلت يا ~~رسول الله فداك أبي وأمي من هم؟ قال هم الأكثرون أموالا إلا من قال ~~هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقيل ما هم ~~ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة ~~أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما نفذت أخراها عادت ~~عليه أولاها حتى يقضي بين الناس " # لفظ مسلم وفرقه البخاري، بمعناه في موضعين. وقيل في معنى الآية إنه يجعل ~~في أعناقهم أطواق من النار وقيل يكلفون يوم القيامة أن يأتوا بما بخلوا ~~به من أموالهم في الدنيا وإن حملنا تفسير البخل بالعلم وكتمانه فقد قال ~~ابن عباس في قوله سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة أي يحملون وزره وإثمه ~~فيكون على طريق التمثيل كما يقال قلدتك هذا الأمر وجعلته في عنقك وقيل ~~يجعل في رقابهم طوق من نار ويدل عليه ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " من سئل علما يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار " # أخرجه الترمذي وفي رواية أبي داود # " من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة " # قيل في معنى الحديث إنهم لما سألوا عن العلم فكتموه ولم ينطقوا به ~~بألسنتهم ولم يخرجوه من أفواههم عوضوا عن ذلك بلجام من نار في أفواههم ~~عقوبة لهم والله أعلم. قوله تعالى: { ولله ميراث السموات والأرض } يعني ~~أنه سبحانه وتعالى الباقي الدائم بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم فيموتون ~~وتبقى أملاكهم فيرثها ms0603 سبحانه والمقصود من الآية أنه يبطل ملك جميع ~~المالكين ويبقى الملك لله تعالى وقيل في معنى الآية وله ما فيهما مما ~~يتوارثه أهلهما من مال وعلم وغير ذلك ذلك فما لهؤلاء البخلاء يبخلون عليه ~~بملكه ولا ينفقونه في سبيله { والله بما تعملون خبير } قرئ يعملون الياء ~~على الغيبة على طريقة الالتفات وهي أبلغ في الوعيد والمعنى والله بما ~~يعملون يعني البخلاء من منعهم الحقوق خبير فيجازيهم عليهم وقرئ بالتاء ~~على خطاب الحاضرين ### || [3.181-182] # قوله عز وجل: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ~~} قال الحسن وقتادة لما نزلت هذه الآية من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ~~قالت اليهود إن الله فقير يستقرض منا ونحن أغنياء وذكر الحسن أن القائل ~~هذه المقالة هو حيي بن أخطب وقال عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق كتب ~~النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق إلى يهود بني قينقاع يدعوهم ~~إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا ~~فدخل أبو بكر ذات يوم بيت مدراسهم فوجد ناسا كثيرا قد اجتمعوا على ~~فنحاص بن عازوراء وكان من علمائهم ومعه حبر آخر يقال له أسبيع فقال أبو ~~بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوبا عندكم في ~~التوراة فآمن وصدق وأقرض الله قرضا حسنا يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب. ~~فقال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أن ربنا يستقرض أموالنا وما يستقرض إلا ~~الفقير من الغنى فإن كان ما تقول حقا فإن الله إذا فقير ونحن أغنياء ~~فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال والذي نفسي بيده لولا العهد ~~الذي بيننا وبينكم لضربت عنقك يا عدو الله فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأبي بكر ما حملك على ما صنعت فقال ms0604 يا رسول الله إن هذا ~~عدو الله قال قولا عظيما زعم أن الله فقير وأنهم أغنياء فغضبت لله ~~وضربت وجهه فجحد ذلك فنحاص فأنزل الله تصديقا لأبي بكر وتكذيبا لفنحاص ~~وردا عليهم: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء } ~~وهذه المقالة وإن كانت قد صدرت من واحد من اليهود لكنهم يرضون بمقالته ~~هذه فنسبت إلى جميعهم ولا يخلوا أن يكونوا قالوا هذه المقالة عن اعتقاد ~~لذلك القول أو قالوها استهزاء وأيهما كان فهذه المقالة عظيمة القبح لا ~~تصدر عن عاقل وإنما صدرت عن كافر متمرد في كفره وضلاله { سنكتب ما قالوا ~~} يعني قولهم إن الله فقير ونحن أغنياء لأن ذلك كذب وافتراء والمعنى ~~سنحفظ عليهم ما قالوا وقيل: سنثبت ذلك القول في صحائف أعمالهم التي ~~تكتبها الحفظة عليهم حتى يوافوا بها يوم القيامة فهو وعيد وتهديد لهم { ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق } قيل معناه سنكتب ما قال هؤلاء اليهود ونكتب ما ~~فعله أسلافهم فنجازي كلا الفريقين بما هو أهله وإنما نسب قتل الأنبياء ~~إلى اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما فعله ~~أسلافهم وأوائلهم لأنهم رضوا بفعلهم فنسب إليهم. # وقيل في معنى الآية سنكتب على هؤلاء ما قالوا بأنفسهم ونكتب عليهم أيضا ~~رضاهم بقتل آبائهم الأنبياء والفائدة في ضم قتلهم الأنبياء إلى ما وصفوا ~~الله تعالى بالفقر الإعلام بذلك أنهما أخوان في العظم وإن هذا القول منهم ~~ليس بأول ما ارتكبوه من العظائم وأنهم أصلاء في الكفر والجهل والضلال ~~ولهم في ذلك سوابق، وأن من قتل الأنبياء لا يبعد منه الإجتراء على مثل ~~هذا القول العظيم الفحش والقبح { ونقول } يعني لهؤلاء الذين قالوا هذه ~~المقالة { ذوقوا عذاب الحريق } أي ننتقم منهم بأن نقول لهم يوم القيامة ~~ذوقوا عذاب الحريق كما أذقتم المسلمين الغصص في الدنيا { ذلك } أي ذلك ~~العذاب المحرق جزاء فعلكم حيث وصفتم الله بالفقر وأقدمتم على قتل ~~الأنبياء { بما قدمت أيديكم } إنما ذكر الأيدي على سبيل المجاز لأن ~~الفاعل هو الإنسان ms0605 لا اليد إلا أن اليد لما كانت آلة الفعل حسن إسناد ~~الفعل إليها ولأن أكثر الأعمال يكون باليد فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي ~~على سبيل التغليب { وأن الله ليس بظلام للعبيد } فيعذب بغير ذنب بل هو ~~سبحانه وتعالى عادل ومن العدل أن يعاقب المسيء ويثبت المحسن. ### || [3.183-185] # قوله عز وجل: { الذين قالوا إن الله عهد إلينا } قال الكلبي نزلت في كعب ~~بن الأشرف ومالك بن صيفي ووهب بن يهوذا وزيد بن تابوت وفنحاص بن عازوراء ~~وحيي بن أخطب من اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد ~~تزعم أن الله بعثك إلينا رسولا وأنزل عليك كتابا وإن الله عهد إلينا في ~~التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان ~~تأكله النار فإن جئتنا به صدقناك فأنزل الله تعالى { الذين قالوا } يعني ~~قد سمع الله قول الذين { إن الله عهد إلينا } يعني أمرنا وأوصانا في كتبه ~~{ أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار } يعني فيكون ذلك ~~دليلا على صدقه. وذكر الواحدي عن السدي أنه قال إن الله تعالى أمر بني ~~إسرائيل في التوراة من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم ~~بقربان تأكله النار. حتى يأتيكم المسيح ومحمد فإذا أتياكم فآمنوا بهما ~~فإنهما يأتيان بغير قربان. زاد غير الواحدي عنه قال: وكانت هذه العادة ~~باقية فيهم إلى مبعث المسيح عليه السلام ثم ارتفعت وزالت وقيل إن ادعاء ~~هذا الشرط كذب على التوراة وهو من كذب اليهود وتحريفهم ويدل على ذلك أن ~~المقصود في الدلالة على صدق النبي هو ظهور المعجزة الخارقة للعادة فأي ~~معجزة أتى بها النبي قبلت منه وكانت دليلا على صدقه. وقد أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالمعجزات الباهرات الدالة على صدقه فوجب على كافة الخلق ~~اتباعه وتصديقه والقربان كل ما يتقرب به العبد إلى الله عز وجل من أعمال ~~البر من نسك وصدقة وذبح وكل عمل صالح، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم ms0606 الصوم جنة والصلاة قربان يعني أنها مما يتقرب بها إلى الله عز وجل. ~~وكانت القرابين والغنائم لا تحل لبني إسرائيل وكانوا إذا قربوا قربانا ~~أو غنموا غنيمة جمعوا ذلك وجاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها ولها ~~دوي حفيف فتأكل ذلك القربان أو الغنيمة وتحرقه فيكون ذلك دليلا وعلامه ~~على القبول وإذا لم يقبل بقي على حاله ولم تنزل نار. وقال عطاء كانت بنو ~~إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت ~~والسقف مكشوف فيقوم نبيهم عليه السلام في البيت ويناجي ربه عز وجل وبنو ~~إسرائيل خارجون حول البيت فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف ولا دخان لها ~~فتأكل ذلك القربان ثم قال الله عز وجل مجيبا عن هذه الشبهة التي ذكرها ~~هؤلاء اليهود وإقامة للحجة عليهم { قل } يعني قل يا محمد لهؤلاء اليهود { ~~قد جاءكم } يا معشر اليهود { رسل من قبلي } يعني مثل زكريا ويحيى وعيسى ~~عليهم السلام { بالبينات } يعني بالدلات الواضحات الدالة على صدقهم { ~~وبالذي قلتم } يعني ما طلبوا من القربان { فلم قتلتموهم } عني فلم قتلتم ~~الأنبياء الذين أوتوا بنا طلبتمم منهم مثل زكريا ويحيى وسائر من قتلوا من ~~الأنبياء وأراد بذلك فعل أسلافهم وإنما خاطب بذلك اليهود الذين كانوا في ~~زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا راضين بفعل أسلافهم { إن كنتم ~~صادقين } يعني في دعواكم ومعناه تكذيبهم إياك يا محمد مع علمهم بصدقك ~~كقتل آبائهم الأنبياء مع إتيانهم بالقربان ثم قال تعالى مسليا لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم { فإن كذبوك } يعني هؤلاء اليهود { فقد كذب رسل من قبلك } ~~يعني مثل نوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم من الرسل { جاؤوا بالبينات } ~~يعني بالدلالات الواضحات والمعجزات الباهرات { والزبر } أي الكتب واحدها ~~زبور وكل كتاب فيه حكمة فهو زبور وأصله من الزبر وهو الزجر وسمي الكتاب ~~الذي فيه الحكمة زبورا لأنه يزبر عن الباطل ويدعو إلى الحق { والكتاب ~~المنير } أي الواضح المضيء وإنما عطف الكتاب المنير على الزبر لشرفه ~~وفضله وقيل أراد بالزبر الصحف وبالكتاب ms0607 المنير التوراة والإنجيل. # قوله عز وجل: { كل نفس ذائقة الموت } يعني أن كل نفس مخلوقة ذائقة الموت ~~ولا بد لها منه. قيل لما نزل # قل يتوفاكم ملك الموت # [السجدة: 11] يا رسول الله إنما نزلت في بني آدم فأين ذكر الموت للجن ~~والأنعام والوحوش والطير؟ فنزلت هذه الآية وقيل لما خلق الله آدم عليه ~~السلام اشتكت الأرض إلى ربها عز وجل مما أخذ منها فوعدها أن يرد فيها ما ~~أخذ منها فما أحد يموت إلا ويدفن في التربة التي خلق منها. فإن قلت ~~الحور والولدان نفوس مخلوقة في الجنة لا تذوق الموت فما حكم لفظ كل في ~~قوله كل نفس ذائقة الموت؟ قلت لفظة كل لا تقتضي الشمول والإحاطة بدليل ~~قوله تعالى وأوتيت من كل شي ولم تؤت ملك سليمان فتكون الآية من العام ~~المخصوص ويحتمل أن يكون المراد بهم المكلفين بدليل سياق الآية وهو قوله ~~تعالى: { وإنما توفون أجوركم } يعني توفون جزاء أعمالكم { يوم القيامة } ~~إن خيرا فخير وإن كان شرا فشر { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ~~} يعني فمن نجا وأبعد من النار وأدخل الجنة فقد ظفر بالنجاة ونجا من ~~الخوف { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } يعني أن العيش في هذه ~~الدار الفانية يغر الإنسان بما يمنيه من طول البقاء وسينقطع عن قريب ~~فوصفت بأنها متاع الغرور لأنها تغر ببذل المحبوب. وتخيل للإنسان أنه يدوم ~~وليس بدائم والمتاع كل ما استمتع به الإنسان من مال وغيره وقيل المتاع ~~كالفارس والقدر والقصعة ونحوها والغرور ما يغر الإنسان مما لا يدوم وقيل ~~الغرور الباطل. # ومعنى الآية أن منفعة الإنسان بالدنيا كمنفعته بهذه الأشياء التي يستمتع ~~بها ثم تزول عن قريب. وقيل متاع متروك يوشك أن يضمحل ويزول فخذوا من هذا ~~المتاع واعملوا فيه بطاعة الله ما استطعتم. قال سعيد بن جبير هي متاع ~~الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة فأما من اشتغل بطلب الآخرة فهي له متاع ~~وبلاغ إلى ما هو خير منها ق عن أبي هريرة قال: ms0608 قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال الله عز وجل: # " " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر " واقرؤوا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين " # زاد الترمذي: # " " وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها " واقرؤوا ~~إن شئتم: " وظل ممدود ولموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها " ~~واقرؤوا إن شئتم: { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة ~~الدنيا إلا متاع الغرور } ". ### || [3.186] # قوله عز وجل: { لتبلون } اللام لام القسم تقديره والله لتبلون أي ~~لتختبرن فتوقع عليكم المحن ليعلم المؤمن من غيره والاختبار طلب المعرفة ~~ليعرف الجيد من الرديء وذلك في وصف الله محال لأن الله تعالى عالم بحقائق ~~الأشياء كلها قبل أن يخلقها فعلى هذا يكون معنى الاختبار في وصف الله ~~تعالى أنه يعامل العبد معاملة المختبر { في أموالكم } يعني بالابتلاء في ~~الأموال بالنقصان منها وقيل بأداء ما فرض فيها من الحقوق { وأنفسكم } ~~يعني بالمصائب والأمراض والقتل وفقد الأقارب والعشائر خوطب بهذه الآية ~~المسلمون ليوطنوا أنفسهم على احتمال الأذى وما سيلقون من الشدائد ~~والمصائب ليصبروا على ذلك حتى إذ لقوها لقوها وهم مستعدون بالصبر لها لا ~~يرهقهم ما يرهق غيرهم ممن تصيبه الشدة بغتة فينكرها ويشمئز منها { ~~ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } ~~قال عكرمة نزلت في أبي بكر الصديق وفنحاص بن عازوراء وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى فنحاص سيد بني قينقاع يستمده وكتب إليه ~~معه كتابا وقال لأبي بكر: لا تفتأتن علي بشيء حتى ترجع فجاء أبو بكر وهو ~~متوشح بالسيف إلى فنحاص وأعطاه الكتاب فلما قرأه قال فنحاص قد احتاج ربك ~~حتى نمده فهم أبو بكر أن يضربه بالسيف ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا تفتأتن علي بشيء حتى ترجع فنزلت الآية وقال الزهري نزلت هذه ~~الآية في النبي صلى الله عليه ms0609 وسلم وكعب بن الأشرف اليهودي وذلك أنه كان ~~يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويسب المسلمين ويحرض المشركين على قتالهم ~~في شعره. ق عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله قال محمد بن مسلمة أتحب أن ~~أقتله قال نعم قال ائذن لي فالأقل قال فأتاه فقال له وذكر ما بينهم وقال ~~إن هذا الرجل قد أراد الصدقة وقد عنانا فلما سمعه قال وأيضا والله ~~لتملنه قال إنا قد ابتعناه ونكره الآن أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير ~~أمره قال: وقد أردت أن تسلفني سلفا قال فما ترهنني أترهنني نساءكم؟ قال ~~أنت أجمل العرب أنرهنك نساءنا قال له ترهنون أولادكم قال يسب ابن أحدكم ~~فيقال رهن في وسقين من تمر ولكن نرهنك اللأمة يعني السلاح قال: نعم. ~~وواعده أن يأتيه بالحارث وأبي عيسى بن جبر وعباد بن بشر قال فجاؤا فدعوه ~~ليلا إليهم قالت امرأته إني لأسمع صوتا كأنه صوت دم قال إنما هو محمد ~~ورضيعي أبو نائلة أن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا لأجاب قال محمد: إني ~~إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم قال فلما نزل نزل ~~وهو متوشح فقالوا: نجد منك ريح الطيب قال: نعم تحتي فلانة أعطر نساء ~~العرب قال فتأذن لي أن أشم منه قال نعم فتناول فشم ثم قال: أتأذن لي أن ~~أعود فاستمكن من رأسه ثم قال دونكم فقتلوه " # زاد في رواية ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه وزاد أصحاب ~~السير والمغازي فاختلف عليهم أسيافهم فلم تغن شيئا قال محمد بن مسلمة ~~فذكرت مغولا في سيفي فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا إلا ~~وأوقدت عليه نار قال فوضعته في ثندوته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ~~ووقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس بجرح في رأسه أصابه بعض أسيافنا ~~فخرجنا وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث ونزفه الدم فوقفنا له ms0610 ساعة حتى ~~أتانا يتبع آثارنا فحملناه وجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر ~~الليل وهو قائم يصلي فسلمنا عليه فخرج علينا فأخبرناه بقتل كعب بن الأشرف ~~وجئنا برأسه إليه وتفل على جرح صاحبنا فرجعنا إلى أهلنا وأصبحنا وقد خافت ~~اليهود وقعتنا بعدو الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ظفرتم به ~~من رجال اليهود فاقتلوه وأنزل الله عز وجل في شأن الأشرف اليهودي { ~~لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } ~~يعني اليهود والنصارى { ومن الذين أشركوا } يعني مشركي العرب { أذى ~~كثيرا } يعني بالأذى قول اليهود إن الله فقير ونحن أغنياء وما أشبه ذلك ~~من افترائهم وكذبهم على الله ورسوله وما كان كعب بن الأشرف يهجو به النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمين فهذا هو الأذى الكثير { وإن تصبروا وتتقوا ~~} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين يعني وإن تصبروا على ~~أذاهم وتتقوا فيما أمركم به ونهاكم عنه لأن الصبر عبارة عن احتمال الأذى ~~والمكروه والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي { فإن ذلك من عزم ~~الأمور } أي من صواب التدبير الذي لا شك أن الرشد فيه ولا ينبغي لعاقل ~~تركه وأصله من قولك عزمت عليك أن تفعل كذا أي ألزمتك أن تفعله لا محالة ~~ولا تتركه وقيل معناه فإن ذلك مما قد عزم عليكم فعله أي ألزمتم الأخذ به. ### || [3.187-188] # قوله تعالى: { وإذ أخذ الله } أي واذكر يا محمد وقت إذ أخذ الله { ميثاق ~~الذين أوتوا الكتاب } يعني اليهود والنصارى، والمراد منهم العلماء خاصة ~~وقيل المراد بالذين أوتوا العلماء والأحبار من اليهود خاصة وأخذ الميثاق ~~هو التوكيد والإلزام لبيان ما أوتوه من الكتاب وهو قوله تعالى: { لتبيننه ~~للناس } يعني لتبينن ما في الكتاب ولتظهرنه للناس حتى يعلموه وذلك أن ~~الله أوجب على علماء التوراة والإنجيل أن يشرحوا للناس ما في هذين ~~الكتابين من الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم { ولا ~~تكتمونه } يعني ولا تخفون ذلك عن الناس { فنبذوه ms0611 } يعني الكتاب وقيل ~~الميثاق { وراء ظهورهم } أي فطرحوه وضيعوه وتركوا العمل به { واشتروا به ~~ثمنا قليلا } يعني المآكل والرشا التي كانوا يأخذونها من عوامهم ~~وسفلتهم { فبئس ما يشترون } ذمهم الله تعالى على فعلهم ذلك. واعلم أن ~~ظاهر هذه الآية وإن كان مخصوصا بعلماء أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى ~~فلا يبعد أن يدخل فيه علماء هذه الأمة الإسلامية لأنهم أهل كتاب وهو ~~القرآن وهو أشرف الكتب. قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله تعالى على أهل ~~العلم فمن علم شيئا فليعلمه وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة وقال أيضا ~~مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم لا ~~يأكل ولا يشرب وقال أيضا طوبى لعالم ناطق ومستمع واع هذا علم علما ~~فبذله وهذا سمع خيرا فقبله ووعاه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " من سئل علما يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار " # أخرجه الترمذي. ولأبي داود # " من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة " # وقال أبو هريرة لولا ما أخذ الله عز وجل على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء ~~ثم تلا هذه الآية { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب } الآية وقال ~~الحسن بن عمارة أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألفيته على بابه فقلت ~~أريد أن تحدثني، فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث فقلت: إما أن تحدثني ~~وإما أن أحدثك قال: حدثني فقلت: حدثني الحكم بن عيينة عن يحيى بن الخزار ~~قال سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: ما أخذ الله على أهل الجهل ~~أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا قال: فحدثني أربعين حديثا. ~~قوله عز وجل: { لا تحسبن الذين يفرحون } قرئ بالتاء على الخطاب أي لا ~~تحسبن يا محمد الفارحين الذين يفرحون، وقرئ بالياء على الغيبة يعني ولا ~~يحسبن الفارحون والمعنى لا يحسبن الذين يفرحون فرحهم منجيا لهم من ~~العذاب نزلت هذه الآية في المنافقين ق عن ms0612 أبي سعيد الخدري أن رجالا من ~~المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه ~~وحلفوا له وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا { لا تحسبن الذين يفرحون بما ~~أوتوا } الآية وقيل نزلت في اليهود ق عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف أن ~~مروان قال اذهب يا رافع لبوابه إلى ابن عباس فقل لئن كان كل امرئ مما فرح ~~بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل لنعذبن أجمعون. # قال ابن عباس: مالكم. ولهذه الآية إنما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب ثم ~~تلا ابن عباس: { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس } ~~الآية وتلا ابن عباس: { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا ~~بما لم يفعلوا } وقال ابن عباس سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم ~~عنه واستحمدوا إليه بذلك وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه { ~~بما أتوا } يعني يفرحون بما فعلوا { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } أي ~~ويحبون أن يحمدهم الناس على شيء لي يفعلوه قيل عنى بذلك قوما من أحبار ~~اليهود كانوا يفرحون بإضلالهم الناس ونسبة الناس إياهم إلى العلم قال ابن ~~عباس: { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب إلى قوله ولهم عذاب أليم ~~} يعني فنحاص وأسبيع وأشباههما من الأحبار الذين يفرحون بما يصيبون من ~~الدنيا على ما زينوا للناس من الضلالة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا أي ~~بقول الناس لهم علماء وليسوا بأهل علم. وقيل هم اليهود فرحوا باحتماع ~~كلمتهم على تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم. وذلك أنهم كتبوا إلى يهود ~~العراق والشام واليمن ومن يبلغهم كتابهم من اليهود في الأرض كلها أن ~~محمدا ليس بنبي فاثبتوا على دينكم فاجتمعت ms0613 كلمتهم على الكفر ففرحوا ~~بذلك، وقالوا: نحن أهل الصوم والصلاة وأحبوا أن يحمدوا على ذلك. وقيل ~~فرحوا بما أوتوا من تبديلهم التوراة وأحبوا أن يحمدهم الناس على ذلك. ~~وقيل أن يهود خيبر أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا نحن نعرفك ~~ونصدقك وقالوا لأصحابه نحن على رأيكم نحن لكم ردء وليس ذلك في قلوبهم ~~وأحبوا أن يحمدهم النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون على ذلك { فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب } أي فلا تظنهم بمنجاة من العذاب الذي أعده ~~الله لهم في الدنيا من القتل والأسر وضرب الجزية والذلة والصغار { ولهم ~~عذاب أليم } يعني في الآخرة وهذه الآية وإن كانت قد نزلت في اليهود أو ~~المنافقين خاصة فإن حكمها عام في كل من أحب أن يحمد بما لم يفعل من الخير ~~والصلاح أو ينسب إلى العلم وليس هو كذلك. ### || [3.189-190] # قوله عز وجل: { ولله ملك السموات والأرض } يعني أنه تعالى مالك لما ~~فيهما جميعا يتصرف فيه كيف يشاء وفيه تكذيب لمن قال إن الله فقير ونحن ~~أغنياء يقول الله عز وجل: إن من له جميع ما حوته السموات والأرض من شيء ~~كيف يكون فقيرا { والله على كل شيء قدير } يعني أنه تعالى قادر على ~~تعجيل العقوبة لهم على ذلك القول لكنه تفضل على خلقه بإمهالهم. قوله عز ~~وجل: { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب } قال ابن عباس إن أهل مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يأتيهم بآية فنزلت هذه الآية والمعنى تفكروا واعتبروا أيها الناس فيما ~~خلقته وأنشأته من السموات والأرض لمعاشكم وأرزاقكم وفيما عقبت من ذلك بين ~~الليل والنهار، واختلافهما في الطول والقصر، فجعلتهما يختلفان ويعتقبان ~~عليكم لكي تتصرفوا فيهما لمعاشكم تطبلون أرزاقكم في النهار وتسكنون في ~~الليل لراحة أجسادكم، فاعتبروا وتفكروا يا أولي الألباب يعني يا ذوي ~~العقول الصافية. يعني الذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال. والاعتبار ~~لا ينظرون إليهما نظر البهائم غافلين عما فيهما من عجائب مخلوقاته وغرائب ~~مبتدعاته ق عن ms0614 ابن عباس أنه بات عند ميمونة أم المؤمنين وهي خالته قال: ~~فقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فطرحت لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وسادة فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأهله في طولها فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل ثم استيقظ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ العشر آيات الخواتيم من ~~سورة آل عمران. ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه ثم قام يصلي. ~~قال عبدالله بن عباس فقمت فصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه فوضع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى إلى رأسي وأخذ بأذني ففتلها ~~فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر ثم ضطجع حتى جاء ~~المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح وفي رواية فقمت عن ~~يساره فأخذني فجعلني عن يمينه وفي رواية قال بت في بيت خالتي ميمونة ~~فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد فلما كان ثلث ~~الليل الأخير قعد فنظر إلى السماء فقال: { إن في خلق السموات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } ذكره. ### || [3.191-192] # قوله تعالى: { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم } قال علي ~~بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وقتادة هذا في الصلاة. يعني الذين ~~يصلون قياما فإن عجزوا فقعودا فإن عجزوا فعلى جنوبهم والمعنى أنهم لا ~~يتركون الصلاة في حال من الأحوال بل يصلون في كل حال خ عن عمران بن حصين ~~قال كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: # " صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب " # أخرجه الترمذي. وقال فيه سألته عن صلاة المريض وذكره نحوه قال الشافعي ~~رضي الله عنه إذا صلى المريض مضطجعا وجب عليه أن يصلي على جنب ويومئ ~~برأسه ms0615 إيماء. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: بل يصلي مستلقيا على ظهره ~~فإن وجد خفة قعد وحجة الشافعي ظاهر الآية وهو قوله تعالى وعلى جنوبهم ~~وقوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين فإن لم تستطع فعلى جنب فنص على ~~الجنب دون غيره. وقال أكثر المفسرين المراد به المداومة على الذكر في ~~غالب الأحوال لأن الإنسان قل أن يخلو من إحدى هذه الثلاث حالات وهي: ~~القيام والقعود وكونه نائما على جنبه م عن عائشة رضي الله تعالى عنها ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله عز وجل في كل أحيانه ~~وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة ومن اضطجع ~~مضطجعا لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة وما مشى أحد ممشى لا ~~يذكر الله فيه إلا كانت عليه من الله ترة " # أخرجه أبو داود والترة النقص وقيل هي هنا التبعة. وقوله تعالى: { ~~ويتفكرون في خلق السموات والأرض } أصل الفكر إعمال الخاطر في الشيء وتردد ~~القلب في ذلك الشيء وهو قوة متطرفة للعلم إلى المعلوم والتفكر جريان تلك ~~القوة بحسب نظر العقل. ولا يمكن التفكر إلا فيما له صورة في القلب ولهذا ~~قيل تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله إذ الله منزه أن يوصف بصورة. ~~فلذلك أخبر عن عباده الصالحين بأنهم يتفكرون في خلق السموات والأرض وما ~~أبدع الله فيهما من عجائب مصنوعاته وغرائب مبتدعاته ليدلهم ذلك على كمال ~~قدرة الصانع سبحانه وتعالى ويعلموا أن لهما خالقا قادرا مدبرا حكيما ~~لأن عظم آثاره وأفعاله تدل على عظم خالقها سبحانه وتعالى كما قيل: # وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد # وقيل: إن الفكر مقلوب عن الفرك لأن الفكر مستعمل في المعاني وهو فرك ~~الأمور وبحثها طلبا للوصول إلى حقيقتها. # وقيل الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع ~~النماء وما جليت ms0616 القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكرة { ربنا } ~~أي ويقولون ربنا وقيل معناه ويتفكرون في خلق السموات والأرض قائلين ربنا ~~{ ما خلقت هذا باطلا } يعني وهزلا بل خلقته دليلا على وحدانيتك وكمال ~~قدرتك { سبحانك } تنزيها لك عن أن تخلق شيئا عبثا لغير حكمة { فقنا ~~عذاب النار } يعني إنا قد صدقنا بوحدانيتك وإن لك جنة ونارا فقنا عذاب ~~النار والمقصود من قوله سبحانك فقنا عذاب النار تعليم عباده كيفية الدعاء ~~ويدل عليه قوله فقنا عذاب النار { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } ~~أي أهنته وأذللته وقيل أهلكته وقيل فضحته وأبلغت في إيذائه والخزي ضرب من ~~الاستخفاف أو انكسار يلحق الإنسان وهو الحياء المفرط. فإن قلت قد تمسكت ~~المعتزلة بهذه الآية وقالوا قد أخبرنا الله أنه لا يخزي الله النبي ~~والذين آمنوا معه فوجب أن كل من يدخل النار لا يكون مؤمنا لقوله إنك من ~~تدخل النار فقد أخزيته والمؤمن لا يخزي. قلت قد ذكر العلماء في الجواب ~~وجوها أحدها ما روي عن أنس في تفسير قوله تعالى إنك من تدخل النار فقد ~~أخزيته قال من يخلده وروي نحوه عن سعيد بن المسيب قال هي خاصة لمن لا ~~يخرج منها وهذا الجواب إنما يصح على مذهب أهل السنة الذين يرون إخراج ~~الموحدين من النار أما على مذهب المعتزلة فلا يصح هذا الجواب لأن مذهبهم ~~أن الفاسق مخلد في النار فهو داخل في قوله تعالى فقد أخزيته، الوجه ~~الثاني في الجواب أن المدخل في النار مخزي في حال دخوله وإن كانت عاقبته ~~أن يخرج منها ومعنى الآية على هذا فقد أخزيته بدخوله فيها وتعذيبه بها ~~ويدل على صحة هذا المعنى ما روي عن عمرو بن دينار قال قدم علينا جابر بن ~~عبدالله في عمرة فانتهيت إليه أنا وعطاء فسألته عنه هذه الآية: { ربنا ~~إنك من تدخل النار فقد أخزيته } فقال وما أخزاه حين أحرقه بالنار إن دون ~~ذا لخزيا. وهذا الوجه هو اختيار ابن جرير الطبري لأن من أدخل النار فقد ~~أخزي ms0617 بدخوله إياها وإن خرج منها وذلك الخزي هو هتك المخزي وفضيحته. وقال ~~ابن الأنباري حمل الآية على العموم أولى من نقلها إلى الخصوص إذ لا دليل ~~عليه، الوجه الثالث في الجواب ما قاله أهل المعاني وهو أن الخزي يحتمل ~~معاني منها الإهانة والإهلاك والإبعاد. وهذا للكفار ومنها الإخجال يقال ~~خزي خزاية إذا استحى وإذا عمل عملا يستحيي منه ويخجل فيكون خزي المؤمن ~~الذي يدخل النار الحياء من المؤمنين بدخوله النار إلى أن يخرج منها. وخزي ~~الكافر والهلاك بالخلود في النار وحاصل هذا الجواب أن لفظ الإخزاء مشترك ~~بين التخجيل والإهلاك. # واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طرفي النفي والإثبات على معنييه جميعا ~~وهذا يسقط الاستدلال، الوجه الرابع في الجواب وهو الذي اختاره الفخر ~~الرازي وصححه أن قوله تعالى: # يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه # [التحريم: 8] لا يقتضي نفي الإخزاء مطلقا وإنما يقتضي أن لا يحصل ~~الإخزاء حال ما يكونون مع النبي وهذا النفي لا يناقضه إثبات الإخزاء في ~~الجملة لاحتمال أن يحصل ذلك الإثبات في وقت آخر والله أعلم وقوله تعالى { ~~وما للظالمين } يعني المشركين الذين وضعوا العبادة في غير موضعها { من ~~أنصار } يعني ينصرونهم يوم القيامة ويمنعونهم من العذاب. ### || [3.193-195] # قوله عز وجل: { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان } قال ابن عباس ~~وأكثر المفسرين المنادي هو محمد صلى الله عليه وسلم ويدل على صحة هذا ~~قوله تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة # [النحل: 126] وقوله: # وداعيا إلى الله بإذنه # [الأحزاب: 46] وقال محمد بن كعب القرظي المنادي هو القرآن قال إذ ليس ~~كل أحد لقي النبي صلى الله عليه وسلم ووجه هذا لقول أن كل أحد يسمع ~~القرآن ويفهمه فإذا وفقه الله تعالى للإيمان به فقد فاز به. وذلك لأن ~~القرآن مشتمل على الرشد والهدى وأنواع الدلائل الدالة على الوحدانية فصار ~~كالداعي إليها واللام في للإيمان بمعنى إلى يعني ينادي إلى الإيمان { أن ~~آمنوا بربكم فآمنا } أي فصدقنا { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا } أي كبائر ~~ذنوبنا { وكفر عنا سيئاتنا } أي ms0618 صغائر ذنوبنا وقيل إن الغفر هو الستر ~~والتغطية وكذلك التفكير فهما بمعنى واحد وإنما ذكرهما للتأكيد لأن ~~الإلحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب إليه وقيل معناه اغفر لنا ما تقدم ~~من ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا في المستقبل وقيل يريد بالغفران ما يزول ~~بالتوبة من الذنوب وبالتكفير ما يكفر بالطاعات من الذنوب { وتوفنا مع ~~الأبرار } يعني في جملتهم وزمرتهم والأبرار هم الأنبياء والصالحون ~~والمعنى توفنا على مثل أعمالهم حتى نكون في درجتهم يوم القيامة وقيل ~~توفنا في جملة أتباعهم وأشياعهم { ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك } يعني ~~على ألسنة رسلك وقيل معناه وآتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك. فإن قلت كيف ~~سألوا الله إنجاز ما وعد الله لا يخلف المعياد. قلت معناه أنهم طلبوا من ~~الله تعالى التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد. وقيل هو من باب ~~اللجأ إلى الله تعالى والتذلل له وإظهار الخضوع والعبودية. كما أن ~~الأنبياء عليهم السلام يستغفرون الله مع علمهم أنهم مغفور لهم يقصدون ~~بذلك التذلل لربهم سبحانه وتعالى والتضرع إليه واللجأ إليه الذي هو سيما ~~العبودية. وقيل معناه ربنا واجعلنا ممن يستحق ثوابك وتؤتيهم ما وعدتهم ~~على ألسنة رسلك لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم لتلك الكرامة فسألوه أن ~~يجعلهم مستحقين لها. وقيل إنما سألوه تعجيل ما وعدهم من النصر على ~~الأعداء وقالوا قد علمنا أنك لا تخلف الميعاد ولكن لا صبر لنا على حلمك ~~فعجل هلاكهم وانصرنا عليهم { ولا تخزنا يوم القيامة } يعني ولا تهلكنا ~~ولا تفضحنا ولا تهنا في ذلك اليوم فإن قلت قوله وآتنا ما وعدتنا على رسلك ~~يدل على طلب الثواب ومتى حصل الثواب اندفع العقاب لا محالة فما معنى قوله ~~ولا تخزنا وهو طلب دفع العقاب عنهمم قلت المقصود من الآية طلب التوفيق ~~على الطاعة والعصمة عن فعل المعصية كأنهم قالوا وفقنا للطاعات وإذا وفقنا ~~لها فاعصمنا عن فعل ما يبطلها ويوقعنا في الخزي وهو الهلاك ويحتمل أن ~~يكون قوله ولا تخزنا يوم القيامة سببا لقوله تعالى: # وبدا لهم من الله ms0619 ما لم يكونوا يحتسبون # [الزمر: 47] فإنه ربما يظن الإنسان أنه على عمل صالح فإذا كان يوم ~~القيامة ظهر أنه على غير ما يظن فيحصل الخجل والحسرة والندامة في موقف ~~فسألوا الله تعالى أن يزيل ذلك عنهم فقالوا { ولا تخزنا يوم القيامة إنك ~~لا تخلف الميعاد }. قوله تعالى: { فاستجاب لهم ربهم } يعني أجاب دعاءهم ~~وأعطاهم ما سألوه { أني } أي وقال لهم أني { لا أضيع عمل عامل منكم } ~~يعني لا أحبط عملكم أيها المؤمنون بل أثيبكم عليه { من ذكر أو أثنى } ~~يعني لا أضيع عمل عامل منكم ذكرا أو أنثى عن أم سلمة قالت قلت يا رسول ~~الله ما أسمع الله تعالى ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله تعالى: { ~~أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض إلى - والله ~~عنده حسن الثواب } أخرجه الترمذي وغيره. وقوله تعالى: { بعضكم من بعض } ~~يعني في الدين والنصرة والموالاة. وقيل كلكم من آدم وحواء وقيل بمعنى ~~الكاف أي بعضكم كبعض في الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية فهو كما ~~يقال: فلان يعني على خلقي وسيرتي وقيل إن الرجال والنساء في الطاعة على ~~شكل واحد { فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي } يعني ~~المهاجرين الذين هجروا أوطانهم وأهليهم وأذاهم المشركون بسبب إسلامهم ~~ومتابعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجوا مهاجرين إلى الله ورسوله ~~وتركوا أوطانهم وعشائرهم لله ورسوله ومعنى { في سبيلي } في طاعتي وديني ~~وابتغاء مرضاتي وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة فهاجر طائفة ~~إلى الحبشة وطائفة إلى المدينة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبعد هجرته فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة رجع إليه ~~من كان هاجر إلى الحبشة من المسلمين { وقاتلوا وقتلوا } يعني وقاتلوا ~~العدو واستشهدوا في جهاد الكفار { لأكفرن عنهم سيئاتهم } يعني لأمحون ~~عنهم ذنوبهم ولأغفرنها لهم { ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~ثوابا من عند الله } يعني ذلك الذي أعطاهم من تكفير سيئاتهم وإدخالهم ~~الجنة ثوابا من فضل ms0620 الله وإحسانه إليهم { والله عنده حسن الثواب } وهذا ~~تأكيد لكون ذلك الثواب الذي أعطاهم من فضله وكرمه لأنه جواد كريم روى ابن ~~جرير الطبري بسنده عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " إن أول ثلة تدخل الجنة فقراء المهاجرين الذين يتقى بهم المكاره إذا ~~أمروا سمعوا وأطاعوا وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تقض له حتى ~~يموت وهي في صدره " # فإن الله عز وجل يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول ~~أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا وأوذوا في سبيلي وجاهدوا في ~~سبيلي، ادخلوا الجنة فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب وتأتي الملائكة ~~فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار ونقدس لك من هؤلاء ~~الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرب عز وجل: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في ~~سبيلي وأوذوا في سبيلي فتدخل الملائكة عليهم من كل باب سلام عليكم بما ~~صبرتم فنعم عقبى الدار. قال بعضهم في هذه الآية تعليم من الله تعالى ~~لعباده كيف يدعى وكيف يبتهل إليه ويتضرع وتكرير ربنا من باب الابتهال ~~وإعلام بما يوجب حسن الإجابة. وقال جعفر الصادق من حزبه أمر فقال خمس ~~مرات: ربنا نجاه الله تعالى مما يخاف وأعطاه ما أراد وقرأ هذه الآية ~~وقال الحسن حكى الله عنهم أنهم قالوا خمس مرات ربنا ثم أخبر أنه استجاب ~~لهم. ### || [3.196-198] # قوله عز وجل: { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد } نزلت في المشركين ~~وذلك أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش يتجرون ويتنعمون فقال بعض ~~المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير ونحن في الجهد فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية لا يغرنك الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد ~~به غيره من الأمة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يغتر قط والمعنى لا يغرنك ~~أيها السامع تقلب الذين كفروا في البلاد يعني ضربهم في الأرض وتصرفهم في ~~البلاد للتجارات وطلب الأرباح والمكاسب { متاع قليل } أي ذلك متاع قليل ~~وبلغة فانية ms0621 ونعمة زائلة { ثم مأواهم } يعني مصيرهم في الآخرة { جهنم ~~وبئس المهاد } أي وبئس الفراش هي: قوله تعالى: { لكن الذين اتقوا ربهم } ~~فيما أمرهم به من العمل بطاعته واتباع مرضاته واجتناب ما نهاهم عنه من ~~معاصيه { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا } أي جزاء ~~وثوابا والنزل ما يهيأ للضيف عند قدومه { من عند الله } يعني من فضل ~~الله وكرمه وإحسانه { وما عند الله } يعني من الخير والكرامة والنعيم ~~الدائم الذي لا ينقطع { خير للأبرار } يعني ذلك الفضل والنعمة التي أعدها ~~الله للمطيعين الأبرار خير مما يتقلب فيه هؤلاء الكفار من نعيم الدنيا ~~ومتاعها فإنه قليل زائل ق عن عمر بن الخطاب قال: جئت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإذا هو في مشربة وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه ~~وسادة من أدم حشوها ليف وعند رجليه قرظ مصبور وعند رأسه أهب معلقة فرأيت ~~أثر الحصير في جنبه فبكيت فقال: ما يبكيك؟ قلت: يا رسول الله إن كسرى ~~وقيصر فيما هم وأنت رسول الله فقال أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا ~~الآخرة. لفظ البخاري المشربة الغرفة والعلية والمشارب العلالي. ### || [3.199-200] # قوله عز وجل: { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما ~~أنزل إليهم } قال ابن عباس نزلت في النجاشي ملك الحبشة واسمه أصحمة ~~ومعناه بالعربية عطية وذلك إنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأصحابه اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم النجاشي. فخرج ~~إلى البقيع وكشف له إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي فصلى عليه وكبر ~~أربع تكبيرات واستغفر له فقال المنافقون انظروا إلى هذا يصلي على علج ~~حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه فأنزل الله تعالى هذه الآية وقيل ~~نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من ~~الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام ms0622 فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~وصدقوه. وقيل نزلت في عبدالله بن سلام وأصحابه الذين آمنوا بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم وقيل نزلت في جميع مؤمني أهل الكتاب وهذا القول أولى لأنه ~~لما ذكر أحوال الكفار وأحوال أهل الكتاب وأن مصيرهم إلى النار ذكر حال من ~~آمن من أهل الكتاب وأن مصيرهم إلى الجنة فقال تعالى: { وإن من أهل الكتاب ~~} يعني بعض اليهود والنصارى أهل التوراة والإنجيل لمن يؤمن بالله يعني من ~~يقر بوحدانية الله وما أنزل إليكم يعني ويؤمن بما أنزل إليكم أيها ~~المؤمنون يعني القرآن وما أنزل إليهم يعني من الكتب المنزلة مثل التوراة ~~والإنجيل والزبور { خاشعين لله } يعني خاضعين لله متواضعين له غير ~~مستكبرين { لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا } يعني لا يغيرون كتبهم ~~ولا يحرفونها ولا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم لأجل الرياسة ~~والمأكل والرشى كا يفعله غيرهم من رؤساء اليهود { أولئك } إشارة إلى أن ~~من هذه صفته من أهل الكتاب { لهم أجرهم عند ربهم } يعني لهم ثواب أعمالهم ~~التي عملوها لله ذلك الثواب لهم ذخر عند الله يوفيه إليهم يوم القيامة { ~~إن الله سريع الحساب } يعني إنه تعالى عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه ~~شيء من أعمال عباده فيجازي كل أحد على قدر عمله لأنه سريع الحساب قوله ~~تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اصبروا } يعني على دينكم الذي أنتم عليه ~~ولا تدعوه لشدة ولا لغيرها وأصل الصبر حبس النفس عما لا يقتضيه شرع ولا ~~عقل. والصبر لفظ عام تحته أنواع من المعاني قال بعض الحكماء: الصبر على ~~ثلاثة أقسام ترك الشكوى وقبول القضاء وصدق الرضا. وقيل في معنى الآية ~~اصبروا على طاعة الله وقيل على أداء الفرائض وقيل على تلاوة القرآن وقيل ~~اصبروا على أمر الله وقيل اصبروا على البلاء وقيل اصبروا على الجهاد وقيل ~~اصبروا على أحكام الكتاب والسنة { وصابروا } يعني الكفار والأعداء ~~وجاهدوهم. # { ورابطوا } يعني وداموا على جهاد المشركين واثبتوا عليه. وأصل المرابطة ~~أن يربط هؤلاء خيولهم. وهؤلاء خيولهم، بحيث يكون ms0623 كل من الخصمين مستعدا ~~لقتال الآخر. ثم قيل لكل مقيم بثغر يدفع عمن وراءه مرابط، وإن لم يكن له ~~مركب مربوط ق عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من ~~الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد في سبيل الله ~~والغدوة خير من الدنيا وما عليها " # م عن سلمان الخير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه جرى عليه عمله ~~الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه وأمن الفتان " # وقيل المراد بالمرابطة انتظار الصلاة بعد الصلاة قال أبو سلمة بن ~~عبدالرحمن: لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ولكنه ~~انتظار الصلاة خلف الصلاة ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا ~~رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار ~~الصلاة بعد الصلاة. فذلكم الرباط فذلكم الرباط " # أخرجه مسلم { واتقوا الله لعلكم تفلحون } قال محمد بن كعب القرظي يقول ~~الله عز وجل: # " واتقوا الله فيما بيني وبينكم لعلكم تفلحون " # غدا إذا لقيتموني وقال أهل المعاني في معنى هذه الآية يا أيها الذين ~~آمنوا اصبروا على بلائي وصابروا على نعمائي ورابطوا على مجاهدة أعدائي ~~واتقوا محبة سوائي لعلكم تفلحون بلقائي وقيل اصبروا على النعماء وصابروا ~~على البأساء والضراء ورابطوا في دار الأعداء واتقوا إله الأرض والسماء ~~لعلكم تفلحون في دار البقاء وقيل اصبروا على الدنيا ومحنها رجاء السلامة ~~وصابروا عند القتال بالثبات والاستقامة ورابطوا على مجاهدة النفس اللوامة ~~واتقوا الندامة لعلكم تفلحون غدا في دار الكرامة والله أعلم بمراده ~~وأسرار كتابه. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1] # قوله عز وجل: { يا أيها الناس } خطاب للكافة فهو كقوله يا بني ms0624 آدم { ~~اتقوا ربكم } أي احذروا أمر ربكم أن تخالفوه فيما أمركم به أو نهاكم عنه ~~ثم وصف نفسه بكمال القدرة فقال تعالى { الذي خلقكم من نفس واحدة } يعني ~~من أصل واحد وهو آدم أبو البشر عليه السلام وإنما أنث الوصف على لفظ ~~النفس وإن كان المراد به الذكر فهو كما قال بعضهم: # أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمال # فإنما قال ولدته أخرى لتأنيث { وخلق منها زوجها } يعني حواء وذلك أن ~~الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام ألقى عليه النوم ثم خلق حواء من ضلع ~~من أضلاعه اليسرى، وهو قصير. فلما استيقظ رآها جالسة عند رأسه فقال لها: ~~من أنت؟ قال: امرأة قال: لماذا خلقت قالت خلقت لتسكن إلي فمال إليها ~~وألفها لأنها خلقت منه واختلفوا في أي وقت خلقت حواء. فقال كعب الأحبار ~~ووهب وابن إسحاق خلقت قبل دخوله الجنة وقال ابن مسعود وابن عباس إنما ~~خلقت في الجنة بعد دخوله إياها { وبث منهما } يعني نشر وأظهر من آدم ~~وحواء { رجالا كثيرا ونساء } إنما وصف الرجال بالكثرة دون النساء لأن ~~حال الرجال أتم وأكمل وهذا كالتنبيه عن أن اللائق بحال الرجال الظهور ~~والاستشهار وبحال النساء الاختفاء والخمول { واتقوا الله الذي تساءلون به ~~} إنما كرر التقوى للتأكيد وأنه أهل أن يتقى والتساؤل بالله هو كقولك ~~أسألك بالله واحلف عليك بالله واستشفع إليك بالله { والأرحام } قرئ بفتح ~~الميم ومعناه واتقوا الأرحام أن تقطعوها وقرئ بكسر الميم فهو كقولك سألتك ~~بالله وبالرحم وناشدتك بالله وبالرحم لأن العرب كان من عادتهم أن يقولوا ~~ذلك والرحم القرابة. وإنما استعير اسم الرحم للقرابة لأنهم خرجوا من رحم ~~واحدة وقيل هو مشتق من الرحمة لأن القرابة يتراحمون ويعطف بعضهم على بعض. ~~وفي الآية دليل على تعظيم حق الرحم والنهي عن قطعها ويدل على ذلك أيضا ~~الأحاديث الواردة في ذلك ق عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله " # ق عن ms0625 أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من سره أن يبسط عليه من رزقه وينسأ في أثره فليصل رحمه " # قوله وينسأ في أثره أي يؤخر له في أجله. ق عن جبير بن مطعم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يدخل الجنة قاطع " # قال سفيان في روايته يعني قاطع رحم وعن الحسن قال من سألك بالله فأعطه ~~ومن سألك بالرحم فأعطه وعن ابن عباس قال: الرحم معلقة بالعرش فإذا أتاها ~~الواصل بشت به وكلمته وإذا أتاها القاطع احتجبت عنه { إن الله كان عليكم ~~رقيبا } يعني حافظا والرقيب في صفة الله تعالى هو الذي لا يغفل عما خلق ~~فيلحقه نقص ويدخل عليه خلل وقيل هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء من أمر ~~خلقه فبين بقوله: { إن الله كان عليكم رقيبا } إنه يعلم السر وأخفى، ~~وإذا كان كذلك فهو جدير بأن يخاف ويتقى. ### || [4.2-3] # قوله عز وجل: { وآتوا اليتامى أموالهم } نزلت في رجل من غطفان كان معه ~~مال كثير لابن أخ له يتيم كان في حجره فلما بلغ اليتيم طلب المال الذي له ~~فمنعه عمه فترافعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية فلما ~~سمعها العم قال: " أطعنا الله وأطعنا الرسول نعوذ بالله من الحوب الكبير ~~ودفع إلى اليتيم ماله " فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره " # يعني جنته فلما قبض الصبي أنفقه في سبيل الله فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " ثبت الأجر وبقي الوزر فقالوا كيف ثبت الأجر وبقي الوزر؟ قال ثبت الأجر ~~للغلام وبقي الوزر على أبيه " # والخطاب في قوله تعالى { وآتوا } خطاب للأولياء والأوصياء واليتامى جمع ~~يتيم وهو الصبي الذي مات أبوه واليتيم في اللغة الانفراد ومن الدرة ~~اليتيمة لانفرادها واسم اليتيم يقع على الصغير والكبير لغة لبقاء معنى ~~الانفراد عن الآباء لكن في العرف اختص اسم اليتيم بمن لم يبلغ مبلغ ~~الرجال. فإذا بلغ الصبي وصار يستغني بنفسه عن غيره زال ms0626 عنه اسم اليتم ~~وسئل ابن عباس اليتيم متى ينقطع عنه اسم اليتم؟ قال إذا أونس منه الرشد ~~وإنما سماهم يتامى بعد البلوغ على مقتضى اللغة أو لقرب عهدهم باليتم وإن ~~كان قد زال عنهم بالبلوغ وقيل المراد باليتامى الصغار الذين لم يبلغوا ~~والمعنى { وآتوا اليتامى أموالهم } بعد البلوغ وتحقق الرشد وقيل معناه ~~وآتوا اليتامى الصغار ما يحتاجون إليه من نفقة وكسوة والقول الأول هو ~~الصحيح إذا المراد باليتامى البالغون لأنه لا يجوز دفع المال إلى اليتيم ~~إلا بعد البلوغ وتحقق الرشد { ولا تتبدلوا } أي ولا تستبدلوا { الخبيث ~~بالطيب } يعني الخبيث الذي هو حرام عليكم بالحلال من أموالكم واختلفوا في ~~هذا التبديل فقال سعيد بن المسيب والنخعي والزهري والسدي كان أولياء ~~اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم ويجعلون مكانه الرديء، فربما كان ~~أحدهم يأخذ الشاة السمينة ويجعل مكانها الهزيلة ويأخذ الدرهم الجيد ويجعل ~~مكانه الزيف ويقول شاة بشاة ودرهم بدرهم فذلك تبديلهم فنهوا عنه وقال ~~عطاء هو الربح في مال اليتيم وهو صغير لا علم له بذلك. وقيل إنه ليس ~~بإبدال حقيقة. وإنما هو أخذه مستهلكا وذلك أن أهل الجاهلية كانوا لا ~~يورثون النساء والصغار وإنما كان يأخذ الميراث الأكابر من الرجال وقيل هو ~~أكل مال اليتيم عوضا عن أكل أموالهم فنهوا عن ذلك { ولا تأكلوا أموالهم ~~إلى أموالكم } يعني مع أموالكم وقيل معناه ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم ~~في الإنفاق واعلم أن الله تعالى نهى عن أكل مال اليتيم وأراد به جميع ~~التصرفات المهلكة للمال وإنما ذكر الأكل لأنه معظم المقصود { إنه كان ~~حوبا كبيرا } يعني أن أكل مال اليتيم من غير حق إثم عظيم والحوب الإثم. # قوله عز وجل: { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } يعني وإن خفتم يا ~~أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن فانكحوا غيرهن من الغرائب ~~ق عن عروة أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنهما عن قوله تعالى: { وإن خفتم ~~ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء إلى قوله أو ms0627 ~~ملكت أيمانكم } قالت يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في ~~جمالها ومالها ويريد أن ينتقص صداقها فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن ~~في إكمال الصداق وأمروا بنكاح من سواهن قالت عائشة رضي الله عنها فاستفتى ~~الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فأنزل الله عز وجل # ويستفتونك في النساء # [النساء: 127] إلى # وترغبون أن تنكحوهن # [النساء: 127] فبين الله لهم هذه الآية أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ~~ومال رغبوا في نكاحها ولم يلحقوها بسنتها في إكمال الصداق وإن كانت ~~مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء قال ~~فكلما يتركونها حين يرغبونها عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها ~~إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق. وقال الحسن كان الرجل ~~من أهل المدينة تكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له نكاحها فيتزوجها لأجل ~~مالها وهي لا تعجبه كراهية أن يدخل غريب فيشاركه في مالها ثم يسيء صحبتها ~~ويتربص بها إلى أن تموت فيورثها فعاب الله ذلك عليهم وأنزل هذه الآية. ~~وقال عكرمة في روايته عن ابن عباس كان الرجل من قريش يتزوج العشر من ~~النساء أو أكثر فإذا صار معدما من نساء مال إلى مال يتيمته التي في حجره ~~فأنفقه فقيل لهم: لا تزيدوا على أربع حتى لا يحوجكم إلى أخذ مال اليتامى ~~وقيل كانوا يتحرجون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء فيتزوجون ما ~~شاؤوا فربما عدلوا وربما لم يعدلوا فلما أنزل الله تعالى في أموال ~~اليتامى { وآتوا اليتامى أموالهم } أنزل هذه الآية { وإن خفتم ألا تقسطوا ~~في اليتامى } يقول فكلما خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في ~~النساء ألا تعدلوا فيهن فلا تتزوجوا أكثر مما يمكنكم القيام بحقهن، لأن ~~النساء في الضعف كاليتامى. وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والضحاك والسدي: ~~ثم رخص الله تعالى في نكاح أربع فقال تعالى: { فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء } يعني ما حل لكم من النساء واستدلت الظاهرية بهذه الآية ms0628 على وجوب ~~النكاح قالوا لأن قوله فانكحوا أمر والأمر للوجوب. وأجيب عنه بأن قوله ~~تعالى فانكحوا إنما هو بيان لما يحل من العدد في النكاح وتمسك الشافعي في ~~بيان أن النكاح ليس بواجب بقوله # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح # [النساء: 25] إلى قوله # ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم # [النساء: 25] الآية فحكم في هذه السورة بأن ترك النكاح خير من فعله وذلك ~~يدل على أنه ليس بواجب ولا مندوب وقوله تعالى: { مثنى وثلاث ورباع } ~~معناه اثنين اثنين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا وهو غير منصرف لأنه ~~اجتمع فيه أمران: العدل والوصف والواو بمعنى أو في هذا الفصل لأنه لما ~~كانت أو بمنزلة واو النسق جاز أن تكون الواو بمنزلة أو. وقيل إن الواو ~~أفادت أنه يجوز لكل أحد أن يختار لنفسه قسما من هذه الأقسام بحسب حاله ~~فإن قدر على نكاح اثنتين فاثنتان. وإن قدر على ثلاث فثلاث وإن قدر على ~~أربع فأربع إلا أنه يضم عددا وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز لأحد أن يزيد ~~على أربع نسوة وأن الزيادة على أربع من خصائص رسول الله عليه وسلم التي ~~لا يشاركه فيها أحد من الأمة ويدل على أن الزيادة على أربع غير جائزة ~~وأنها حرام ما روي # " عن الحارث بن قيس أو قيس بن الحارث قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فذكرت ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " اختر منهن أربعا " # أخرجه أبو داود. عن ابن عمران غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة ~~في الجاهلية فأسلمن معه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختار ~~منهن أربعا. أخرجه الترمذي قال العلماء: فيجوز للحر أن يجمع بين أربع ~~نسوة حرائر ولا يجوز للعبد أن ينكح أكثر من امرأتين وهو قول أكثر العلماء ~~لأنه خطاب لمن ولي وملك وذلك للأحرار دون العبيد. وقال مالك في إحدى ~~الروايتين عنه وربيعة: يجوز للعبد أن يتزوج بأربع نسوة واستدل بهذه الآية ~~وأجاب الشافعي بأن هذه الآية مختصة ms0629 بالأحرار ويدل عليه آخر الآية وهو ~~قوله: { فإن خفتم } ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم أو العبد لا ~~يملك شيئا فثبت بذلك أن المراد من حكم الآية الأحرار دون العبيد. وقوله ~~تعالى: { فإن خفتم } يعني فإن خشيتم وقيل فإن علمتم { ألا تعدلوا } يعني ~~بين الأزواج الأربع { فواحدة } يعني فانكحوا واحدة { أو ما ملكت أيمانكم ~~} يعني وما ملكتم من السراري لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق مثل ما يلزم في ~~الحرائر ولا قسم لهن { ذلك أدنى } أي أقرب { أن لا تعولوا } معناه أقرب ~~من أن لا تعولوا فحذف لفظة من لدلالة الكلام عليه ومعنى أن لا تعولوا أي ~~لا تميلوا ولا تجوروا وهو قول أكثر المفسرين لأن أصل العول الميل يقال: ~~عال الميزان إذا مال وقيل معناه لا تجاوزوا ما فرض الله عليكم ومنه عول ~~الفرائض إذا جاوزت سهامها وقيل معناه ذلك أدنى لا تضلوا. # وقال الشافعي رحمه الله تعالى معناه أن لا تكثر عيالكم وقد أنكر على ~~الشافعي من ليس له إحاطة بلغة العرب. فقال إنما يقال من كثرة العيال أعال ~~الرجل يعيل إعالة إذا كثر عياله. قال وهذا من خطأ الشافعي لأنه انفرد به ~~ولم يوافقه عليه أحد وإنما قال هذه المقالة من أنكر على الشافعي وخطأه من ~~غير علم له بلغة العرب فقد روى الأزهري في كتابه تهذيب اللغة عن ~~عبدالرحمن بن زيد بن أسلم في قوله الفصحاء ألا تعولوا أي لا تكثر عيالكم. ~~وروى الأزهري عن الكسائي قال عال الرجل إذا افتقر وأعال إذا كثر عياله ~~قال ومن العرب الفصحاء من يقول عال يعول إذا كثر عياله قال الأزهري وهذا ~~يقوي قول الشافعي لأن الكسائي لا يحكي عن العرب إلا ما حفظه وضبطه وقول ~~الشافعي نفسه حجة لأنه عربي فصيح والذي اعترض عليه وخطأه عجل ولم يثبت ~~فيما قال ولا ينبغي للحضري أن يعجل إلى إنكار ما لا يحفظه من لغات العرب ~~هذا آخر كلام الأزهري. وبسط الإمام فخرالدين الرازي في هذا الموضع من ~~تفسيره ورد ms0630 على أبي بكر الرازي ثم قال الطعن لا يصدر إلا عن كثرة الغباوة ~~وقلة المعرفة. وحكى البغوي عن أبي حاتم قال كان الشافعي أعلم بلسان العرب ~~منا ولعله لغة ويقال هي لغة حمير وقرأ طلحة بن مصرف ألا تعيلوا بضم التاء ~~وهو حجة للشافعي. ### || [4.4] # { وآتوا النساء صدقاتهن } قال الكلبي وجماعة هذا خطاب للأولياء قال أبو ~~صالح كان الرجل إذا تزوج أيمة أخذ صداقها دونها فنهاهم الله عن ذلك. وقيل ~~إن ولي المرأة كان إذا زوجها فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها ~~لا قليلا ولا كثيرا، وإن كان زوجها غريبا حملوها إليه على بعير ولا ~~يعطيها من مهرها غير ذلك فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم أن يدفعوا الحق إلى ~~أهله. وقال الحضرمي كان أولياء النساء يعطي هذا أخته على أن يعطيه الآخر ~~أخته ولا مهر بينهما وهذا هو الشغار فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم بتسمية ~~المهر في العقد ق عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار ~~في العقد والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الرجل ابنته وليس ~~بينهما صداق. وقيل الخطاب للأزواج وهذا أصح وهو قول الأكثرين لأن الخطاب ~~فيما قبل مع الناكحين وهم الأزواج أمرهم الله تعالى بإتيان نسائهم الصداق ~~والصداق المهور واحدها صدقة بفتح الصاد وضم الدال { نحلة } يعني فريضة ~~مسماة وقيل عطية وهبة. وقيل نحلة يعني عن طيب نفس وأصل النحلة العطية على ~~سبيل التبرع وهي أخص من الهبة وسمي الصداق نحلة من حيث إنه لا يجب في ~~مقابلته غير التمتع دون عرض مالي ق عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج " # وقوله تعالى: { فإن طبن } يعني النساء المتزوجات { لكم } يعني للأزواج { ~~عن شيء منه } يعني من الصداق ومن هنا لبيان الجنس لا للتبعيض لأنها لو ~~وهبت المرأة لزوجها جميع صداقها جاز { نفسا } نصب على التمييز والمعنى ~~فإن طابت نفوسهن عن شيء من ms0631 ذلك الصداق المبين فوهبن ذلك لكم فنقل الفعل ~~من النفوس إلى أصحابها فخرجت النفس مفسرا فلذلك وحد النفس وقيل لفظه ~~واحد ومعناه الجمع { فكلوه } يعني ما وهبنه لكم { هنيئا مريئا } يعني ~~طيبا سائغا وقيل الهنيء الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء والمريء ~~المحمود العاقبة وفي الآية دليل على إباحة هبة المرأة صداقها وأنها تملكه ~~ولا حق للوالي فيه. ### || [4.5] # قوله تعالى: { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } اختلفوا في هؤلاء السفهاء من ~~هم فقيل هم النساء نهى الله الرجال أن يؤتوا النساء أموالهم سواء كن ~~أزواجا أو بنات أو أمهات وقيل هم الأولاد خاصة يقول لا تعط ولدك السفيه ~~مالك الذي هو قيامك فيفسده عليك وقيل امرأتك وابنك السفيه. قال ابن عباس ~~لا تعمد إلى مالك الذي خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك وابنك ~~فيكونوا هم الذين يقومون عليك ثم تنظر إلى ما بين أيديهم أمسك مالك ~~وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في رزقهم ومؤنتهم. وقال الكلبي: إذا علم ~~الرجل إن امرأته سفيهة مفسدة وإن ولده سفيه مفسد لا ينبغي له أن يسلط ~~واحدا منهما على ماله فيفسده. وقال سعيد بن جبير هو مال اليتيم يكون ~~عندك يقول لا تؤته إياه وأنفق عليه منه حتى يبلغ وإنما أضاف المال إلى ~~الأولياء لأنهم قوامها ومدبروها. وأصل السفه الخفة واستعمل في خفة النفس ~~لنقصان العقل في الأمور الدنيوية والدينية والسفيه المستحق الحجر هو الذي ~~يكون مبذرا في ماله ومفسدا في دينه فلا يجوز لوليه أن يدفع إليه ماله. ~~وقيل إن السفه المذكور في هذه الآية ليس هو صفة ذم لهؤلاء وإنما سموا ~~سفهاء لخفة عقولهم ونقصان تمييزهم وضعفهم عن القيام بحفظ المال فقوله ~~تعالى: { ولا تؤتوا السفهاء } يعني الجهال بموضع الحق أموالكم { التي جعل ~~الله لكم قياما } يعني قوام معايشكم يقول المال هو قوام الناس وقوام ~~معايشهم كن أنت قيم أهلك أنفق عليهم ولا تؤت مالك امرأتك وولدك فيكونوا ~~هم الذين يقومون عليك. ولما كان المال سببا للقيام بالمعاش سمي به ~~إطلاقا ms0632 لاسم المسبب على السبب على سبيل المبالغة لأنه به يقام الحج ~~والجهاد وأعمال البر وفكاك الرقاب من النار { وارزقوهم فيها } أي أطعموهم ~~{ واكسوهم } يعني لمن يجب عليكم رزقه وكسوته لما نهى الله عن إيتاء المال ~~للسفيه أمر أن يجري رزقه وكسوته وإنما قال: وارزقوهم فيها ولم يقل منها ~~لأنه أراد اجعلوا لهم فيها رزقا والرزق من الله تعالى هو العطية من عير ~~حد ولا قطع ومعنى الرزق من العباد هو الأجر الموظف المعلوم لوقت معلوم ~~محدود { وقولوا لهم قولا معروفا } يعني قولا جميلا لأن القول الجميل ~~يؤثر في القلب ويزيل السفه وقيل معناه عدوهم عدة جميلة من البر والصلة. ~~قال عطاء يقول: إذا ربحت أعطيتك وإن غنمت قسمت لك حظا وقيل معناه الدعاء ~~أي ادعوا لهم. قال ابن زيد إن لم يكن ممن تجب عليك نفقته فقل له عافانا ~~الله وإياك بارك الله فيك. وقيل معناه قولوا لهم قولا تطيب به أنفسهم ~~وهو أن يقول الولي لليتيم السفيه: مالك عندي وأنا أمين عليه فإذا بلغت ~~ورشدت أعطيتك مالك. وقال الزجاج معناه علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياههم ~~أمر دينهم مما يتعلق بالعلم والعمل. ### || [4.6] # قوله عز وجل: { وابتلوا اليتامى } الآية نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه ~~وذلك أن رفاعة مات وترك ابنه ثابتا وهو صغير فجاء عمه إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال له إن ابن أخي يتيم في حجري فيما يحل لي من ماله ~~ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية { وابتلوا اليتامى } ~~يعني اختبروهم في عقولهم وأديانهم وحقوق أموالهم { حتى إذا بلغوا النكاح ~~} أي مبلغ الرجال والنساء { فإن آنستم } أي أبصرتم وعرفتم { منهم رشدا } ~~يعني عقلا وصلاحا في الدين وحفظا للمال وعلما بما يصلحه. فصل في ~~أحكام تتعلق بالحجر وفيه مسائل المسألة الأولى: الابتلاء يختلف باختلاف ~~أحوال اليتامى فإن كان ممن يتصرف بالبيع والشراء في الأسواق يدفع إليه ~~شيئا يسيرا من المال، وينظر في تصرفه وإن كان ممن لا يتصرف في الأسواق ~~فيختبر بنفقته على ms0633 أهله وعبيده وأجرائه وتصرفه في أموال داره، وتختبر ~~المرأة في أمر بيتها وحفظ متاعها وغزلها واستغزالها فإذا رأى حسن تدبير ~~اليتيم وحسن تصرفه في الأمور مرار أو غلب على الظن رشده دفع إليه ماله ~~بعد بلوغه ولا يدفع إليه ماله وإن كان شيخا يغلب عليه السفه حتى يؤنس ~~منه الرشد. المسألة الثانية: قال الإمام أبو حنيفة: تصرفات الصبي العاقل ~~المميز بإذن الولي صحيحة. وقال الشافعي هي غير صحيحة. واحتج أبو حنيفة ~~على قوله بهذه الآية وذلك لأن قوله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا ~~النكاح يقتضي أن هذا الابتلاء إنما يحصل قبل البلوغ والمراد من هذا ~~الابتلاء اختبار حاله في جميع تصرفاته فثبت أن قوله وابتلوا اليتامى أمر ~~للأولياء بالإذن لهم في البيع والشراء قبل البلوغ أجاب الشافعي بأن قال ~~ليس المراد وابتلوا اليتامى الإذن لهم في التصرف حال الصغر بدليل قوله ~~فإن آنستم منهم رشدا { فادفعوا إليهم أموالهم } وإنما تدفع إليهم ~~أموالهم بعد البلوغ وإيناس الرشد فثبت بموجب هذه الآية أنه لا يدفع إليه ~~ماله حال الصغر فوجب إن لا يصح تصرفه حال الصغر وإنما المراد من الابتلاء ~~هو اختبار عقله واستكشاف حاله في معرفة المصالح والمفاسد. المسألة ~~الثالثة: في بيان البلوغ وذلك بأربعة أشياء اثنان يشترك فيهما الرجال ~~والنساء. واثنان يختصان بالنساء أما اللذان يشترك فيهما الرجال والنساء ~~فأحدهما بالسن فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة. حكم ببلوغه غلاما كان ~~أو جارية. ويدل عليه ما روى عن ابن عمر قال: عرضت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني. ثم عرضت عليه عام ~~الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. أخرجاه في الصحيحين وهذا قول أكثر ~~أهل العلم. # وقال أبو حنيفة بلوغ الجارية باستكمال سبع عشرة سنة وبلوغ الغلام ~~باستكمال ثماني عشرة سنة والثاني الاحتلام وهو إنزال المني الدافق سوا ~~أنزل باحتلام أو جماع فإذا وجد ذلك من الصبي أو الجارية حكم ببلوغه لقوله ~~تعالى { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم } ولقوله ms0634 صلى الله عليه وسلم لمعاذ: # " خذ من كل حالم دينارا أما نبات الشعر الخشن حول الفرج فهو يدل على ~~البلوغ " # في أولاد المشركين لما روى عن عطية القرظي قال: كنت من سبي قريظة فكانوا ~~ينظرون فمن أنبت الشعر قتل ومن لم ينبت لم يقتل. فكنت ممن لم ينبت وهل ~~يكون ذلك علامة عن البلوغ في أولاد المسلمين؟ فيه قولان: أحدهما أنه يكون ~~بلوغا كما في أولاد المشركين والثاني لا يكون ذلك بلوغا في حق أولاد ~~المسلمين لأنه يمكن الوقوف على مواليد أولاد المسلمين والرجوع إلى قول ~~آبائهم بخلاف الكفار فإنه لا يوقف على مواليدهم ولا يقبل في ذلك قول ~~آبائهم لكفرهم فجعل الإنبات الذي هو أمارة البلوغ بلوغا في حقهم. وأما ~~الذي يختص بالنساء فهو الحيض والحبل فإذا حاضت الجارية بعد استكمال تسع ~~سنين حكم ببلوعها وكذلك إذا ولدت حكم ببلوغها قبل الوضع بستة أشهر لأنها ~~أقل مدة الحمل. المسألة الرابعة: في بيان الرشد وهو أن يكون مصلحا في ~~دينه وماله فالصلاح في الدين هو اجتناب الفواحش والمعاصي التي تسقط بها ~~العدالة والصلاح في المال هو أن لا يكو مبذرا والتبذير أن ينفق ماله ~~فيما لا يكون فيه محمدة دنيوية ولا مثوبة أخروية أو لا يحسن التصرف فيغبن ~~في البيع والشراء. فإذا بلغ الصبي وهو مفسد لماله ودينه لم ينفك عنه ~~الحجر ولا ينفذ تصرفه في ماله. وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا كان ~~مصلحا لماله زال عنه الحجر وإن كان مفسدا لدينه وإذا كان لما له مفسدا ~~لا يدفع إليه المال حتى يبلغ خمسة وعشرين سنة غير أنه ينفذ تصرفه قبله ~~والقرآن حجة الشافعي في استدامة الحجر عليه لأن الله تعالى قال { فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } أمر بدفع المال بعد البلوغ ~~وإيناس الرشد والفاسق لا يكون رشيدا وبعد بلوغه خمسا وعشرين سنة وهو ~~مفسد لماله بالإنفاق غير رشيد فوجب أن لا يجوز دفع المال إليه كما قبل ~~بلوغ هذا السن. المسألة الخامسة: إذا بلغ الصبي ms0635 أو الجارية وأونس منه ~~الرشد زال عنه الحجر ودفع إليه ماله سواء تزوج أو لم يتزوج وقال مالك إن ~~كانت امرأة لا يدفع إليها المال ما لم تتزوج فإذا تزوجت دفع إليها مالها ~~ولا ينفذ تصرفها إلا بإذن الزوج ما لم تكبر وتجرب. المسألة السادسة: إذا ~~بلغ الصبي رشيدا زال عنه الحجر فلو عاد سفيها ينظر فإن كان مبذرا ~~لماله حجر عليه وإن كان مفسدا في دينه فعلى وجهين: إحدهما أن يعاد عليه ~~الحجر كما يستدام إذا بلغ وهو بهذه الصفة. # والثاني لا يحجر عليه لأن حكم الدوام أقوى من حكم الابتداء. وعند أبي ~~حنيفة لا حجر على الحر العاقل البالغ بحال والدليل على إثبات الحجر من ~~اتفاق الصحابة ما روي عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبدالله بن جعفر ابتاع ~~أرضا سبخة بستين ألف درهم فقال علي: لآتين عثمان ولأحجرن عليك فأتى ابن ~~جعفر الزبير فأعلمه بذلك فقال الزبير أنا شريكك في بيعك فأتى علي عثمان ~~فقال احجر على هذا فقال الزبير أنا شريكه فقال عثمان كيف أحجر على رجل في ~~بيع شريكه فيه الزبير فكان اتفاقا منهم على جواز الحجر حتى حتى احتال ~~الزبير لدفعه وقوله تعالى: { ولا تأكلوها إسرافا } الخطاب للأولياء يعني ~~يا معشر الأولياء لا تأكلوا أموال اليتامى بغير حق { وبدارا أن يكبروا } ~~يعني لا تبادروا كبرهم ورشدهم فتفرطوا في إنفاقها وتقولون ننفق كما نشتهي ~~قبل أن يكبروا فيلزمكم تسليمها إليهم. ثم بين تعالى حال الأولياء وقسمهم ~~قسمين فقال تعالى: { ومن كان غنيا فليستعفف } أي فليمتنع من أكل مال ~~اليتيم ولا يرزأه قليلا ولا كثيرا { ومن كان فقيرا } يعني محتاجا إلى ~~مال اليتيم وهو يحفظه { فليأكل بالمعروف } روى أبو داود عن عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده # " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني فقير وليس لي ولي ~~يتيم فقال: " كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل " # واختلف العلماء في حكم هذه الآية فروي عن عمر وابن عباس ms0636 وابن جبير وأبي ~~العالية وعبيدة السلماني وأبي وائل ومجاهد ومقاتل أنه يأخذ من مال اليتيم ~~على وجه القرض. واختلفوا في أنه هل يلزمه القضاء فذهب قوم إلى أنه يلزمه ~~القضاء إذا أيسر وهو المراد من قوله تعالى فليأكل بالمعروف والمعروف ~~القرض أي يستقرض من مال اليتيم إذا احتاج إليه، فإذا أيسر قضاه وهو قول ~~مجاهد وسعيد بن جبير قال عمر بن الخطاب: إني أنزلت نفسي من مال الله ~~بمنزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف فإذا ~~أيسرت قضيت. وقال قوم لا ضمان عليه ولا قضاء بل يكون ما يأكله كالأجرة له ~~على عمله وهو قول الحسن والشعبي والنخعي وقتادة قال الشعبي لا يأكله إلا ~~أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة ثم القائلون بجواز الأكل من مال اليتيم ~~اختلفوا في قوله فليأكل بالمعروف. فقال عطاء وعكرمة يأكل بأطراف أصابعه ~~ولا يسرف ولا يكتسي منه ولا يلبس الكتان ولا الحلل لكن يأكل ما يسد به ~~الجوع ويلبس ما يستر به العورة. # وقال الحسن يأكل من تمر نخله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء عليه فأما ~~الذهب الفضة فلا يأخذ منه شيئا فإن أخذ وجب عليه رده. وقال الكلبي ~~المعروف هو ركوب الدابة وخدمة الخادم، وليس له أن يأكل من ماله شيئا ~~وروي أن رجلا قال لابن عباس إن لي يتيما وإن له إبلا أفأشرب من لبن ~~إبله فقال ابن عباس إن كنت تبغي ضالة إبل وتهنأ جرباها وتليط حوضها ~~وتسقيها يوم ورودها فاشرب غير مضر نسل ولا ناهك في الحلب وقال قوم ~~المعروف أن يأخذ من ماله بقدر قيامه وأجرة عمله ولا قضاء عليه وهو قول ~~عائشة وجماعة من أهل العلم وقوله تعالى: { فإذا دفعتم إليهم أموالهم ~~فأشهدوا عليهم } هذا أمر إرشاد وليس بواجب أمر الله تعالى الولي بالإشهاد ~~على دفع المال إلى اليتيم بعد البلوغ لتزول عنه التهمة وتنقطع الخصومة ~~لأنه إذا كانت عليه بينة كان أبعد من أن يدعى عدم القبض وتظهر بذلك أمانة ~~الوصي وتسقط عنه ms0637 اليمين عند إنكار اليتيم القبض { وكفى بالله حسيبا } ~~يعني محاسبا ومجازيا وشاهدا به. ### || [4.7] # قوله تعالى: { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } نزلت هذه الآية ~~في أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك امرأته ويقال لها أم كحة وثلاث بنات ~~منها فقام رجلان هما ابن عم الميت ووصياه يقال لهما سويد وعرفجة فأخذا ~~ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا من ماله. وذلك أنهم كانوا في ~~الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير من الذكور وإنما يورثون الرجال ~~يقولون لا يعطى الإرث إلا من قاتل وحاز الغنيمة وحمى الحوزة فجاءت أم ~~كحة امرأة أوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله مات ~~أوس بن ثابت وترك ثلاثة بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن وقد ~~ترك أبوهن مالا حسنا وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناته منه ~~شيئا وهن في حجري ولا يطعمن ولا يسقين فدعاهما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالا: يا رسول الله إن ولدها لا يركبن فرسا ولا يحملن كلأ ولا ~~ينكبن عدوا فأنزل الله هذه الآية وبين أن الإرث ليس مختصا بالرجال بل ~~هو أمر يشترك فيه الرجال والنساء. فقال تعالى للرجال يعني الذكور من ~~أولاد الميت وعصبته نصيب أي حظ مما ترك الوالدن والأقربون يعني من لميراث ~~{ وللنساء نصيب } يعني وللإناث من أولاد الميت حظ { مما ترك الوالدان ~~والأقربون مما قل منه أو كثر } يعني من المال المخلف عن الميت { نصيبا ~~مفروضا } يعني معلوما والفرض ما فرضه الله تعالى وهو آكد من الواجب ~~فلما نزلت هذه الآية مجملة ولم يبين كم هو النصيب أرسل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة لا تفرقا من المال شيئا فإن الله تعالى ~~قد جعل لبناته نصيبا مما ترك ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل فيهن ~~فأنزل الله تعالى: # يوصيكم الله في أولادكم # [النساء: 11] الآية فلما نزلت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~سويد وعرفجة أن ادفعا إلى ms0638 أم كحة الثمن مما ترك وإلى بناته الثلثين ولكما ~~باقي المال. ### || [4.8] # قوله عز وجل: { وإذا حضر القسمة } يعني قسمة الميراث فعلى هذا القول ~~يكون الخطاب للوارثين { أولو القربى } يعني القرابة الذين لا يرثون { ~~واليتامى والمساكين } إنما قدم اليتامى لشدة ضعفهم وحاجتهم { فارزقوهم ~~منه } أي فارضخوا لهم من المال قبل القسمة. واختلف العلماء في حكم هذه ~~الآية فقال قوم هذه الآية منسوخة بآية المواريث وهذا قبل نزول آية ~~المواريث فلما نزلت آية المواريث جعلت لأهلها ونسخت هذه الآية وهي رواية ~~مجاهد عن ابن عباس وقول سعيد بن المسيب وعكرمة والضحاك وقتادة وقال قوم ~~هي محكمة غير منسوخة. وهي الرواية الأخرى عن ابن عباس وهو قول أبي موسى ~~الأشعري والحسن وأبي العالية والشعبي وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير ~~ومجاهد والنخعي والزهري ثم اختلف العلماء بعد القول بأنها محكمة هل هذا ~~الأمر أمر وجوب أو ندب على قولين: أحدهما أنه واجب فقيل إن كان لوارث ~~كبيرا وجب عليه أن يرضخ لمن حضر القسمة شيئا من المال بقدر تطيب به ~~نفسه وإن الوارث صغيرا وجب على الولي أن يعتذر إليهم ويقول إني لا أملك ~~هذا المال وهو لهؤلاء الضعفاء. قال ابن عباس إن كان الورثة كبارا رضخوا ~~لهم وإن كان الورثة صغارا اعتذر إليهم فيقول الولي أو الوصي إني لا أملك ~~هذا المال وإنما هو للصغار ولو كان لي منه شيء لأعطيتكم وإن يكبروا ~~فسيعرفوا حقكم هذا هو القول المعروف وقال بعضهم: هذا حق واجب في مال ~~الصغار والكبار فإن كان الورثة كبارا تولوا إعطاءهم بأنفسهم وإن كانوا ~~صغارا أعطى وليهم. وروى محمد بن سيرين أن عبيدة السلماني قسم أموال ~~أيتام فأمر بشاة فذبحت وصنعت طعاما لأجل هذه الآية وقال لولا هذه الآية ~~لكان هذا من مالي، وقال الحسن والنخعي هذا الرضخ مختص بقسمة الأعيان فإذا ~~آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك فقولوا لهم قولا ~~معروفا وقيل كانوا يعطون التابوت والأواني ورث الثياب والمتاع الذي ~~يستحي من قسمته ms0639 والقول الثاني إن هذا الأمر ندب واستحباب لا على سبيل ~~الفرض والإيجاب وهذا القول هو الأصح الذي عليه العمل اليوم واحتجوا لهذا ~~القول بأنه لو كان لهؤلاء حق معين لبينه الله تعالى كما بين سائر الحقوق ~~فحيث لم يبين علمنا أن ذلك غير واجب وقيل في معنى الآية أن المراد ~~بالقسمة الوصية فإذا حضر الوصية من لا يرث من الأقرباء واليتامى ~~والمساكين أمر الله الوصي أن يجعل لهم نصيبا من تلك الوصية ويقول لهم مع ~~ذلك قولا معروفا وقوله: { وقولوا لهم قولا معروفا } هو أن لا يتبع ~~العطية بالمن والأذى. ### || [4.9-10] # قوله تعالى: { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا } يعني ~~أولادا صغارا { خافوا عليهم } يعني الفقر قيل هذا خطاب للذين يجلسون ~~عند المريض وقد حضره الموت فيقول له انظر لنفسك فإن أولادك وورثتك لا ~~يغنون عنك شيئا قدم لنفسك أعتق وتصدق وأعط فلا يزالون به حتى يأتي على ~~عامة ماله فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم بأن يأمروه بالنظر لولده ولا يزيد ~~على الثلث في وصيته ولا يجحف. والمعنى كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم في ~~الضعف والجوع من غير مال فاخشوا الله ولا تحملوا المريض على أن يحرم ~~أولاده الصغار من ماله وحاصل هذا الكلام كما أنك لا ترضى مثل هذا الفعل ~~لنفسك فلا ترضه لأخيك المسلم. وكما أنه لو كان هذا القائل هو الموصي لسره ~~أن يحثه من يحضره على حفظ ماله لولده ولا يدعهم عالى يتكففون الناس مع ~~ضعفهم وعجزهم. وقيل هو الرجل يحضره الموت ويريد أن يوصي بشيء فيقول له من ~~حضره من الرجال اتق الله وأمسك أموالك لولدك فيمنعونه من الوصية لأقاربه ~~المحتاجين وقيل الآية يحتمل أن تكون خطابا لمن حضر أجله ويكون المقصود ~~نهيه عن تكثير الوصية لئلا تبقى ورثته فقراء ضعافا ضائعين بعد موته. ثم ~~إن كانت هذه الآية نزلت قبل تقدير الثلث كان المراد منها أن لا يجعل ~~الوصية مستغرقة للتركة وإن كانت قد نزلت بعد تقدير الثلث كان المراد منها ~~أن ms0640 يوصي بالثلث أو بأقل منه إذا خاف عل ورثته كما روى عن كثير من الصحابة ~~أنهم أوصوا بالقليل لأجل ذلك وكانوا يقولون الخمس في الوصية أفضل من ~~الربع والربع أفضل من الثلث. وقد ورد في الصحيح الثلث والثلث كثير لأن ~~تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس يعني يسألونهم ~~بأكفهم وقيل هو خطاب لأولياء اليتامى والمعنى وليخش من خاف على ولده من ~~بعد موته أن يضيع مال اليتيم الضعيف الذي هو ذرية غيره إذا كان في حجره ~~والمقصود من الآية أن من كان في حجره يتيم فليحسن إليه وليه أو وصيه ~~وليفعل به ما يحب أن يفعل بأولاده من بعده { فليتقوا الله } يعني في ~~الأمر الذي تقدم ذكره { وليقولوا قولا سديدا } يعني عدلا وصوابا ~~فالقول السديد من الجالسين عند المريض هو أن يأمروه أن يتصدق بدون الثلث ~~ويترك الباقي لولده ورثته وأن لا يحيف في وصيته. والقول السديد من ~~الأوصياء وأولياء اليتامى أن يكلموهم كما يكلمون أولادهم ولا يؤذوهم بقول ~~ولا فعل قوله عز وجل: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } قال مقاتل ~~وابن حبان نزلت في رجل من غطفان يقاله له مرثد بن زيد ولي مال يتيم وكان ~~اليتيم ابن أخيه فأكله فأنزل الله هذه الآية { إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما } يعني حراما بغير حق { إنما يأكلون في بطونهم نارا } ~~يعني سيأكلون يوم القيامة فسمي الذين يأكلون نارا بما يؤول إليه أمرهم ~~يوم القيامة. # قال السدي يبعث آكل مال اليتيم ظلما يوم القيامة ولهب النار يخرج من ~~فيه ومن مسامعه وأذنيه وعينيه وأنفه يعرفه من رآه بآكل مال اليتيم. وفي ~~حديث أبي سعيد الخدري قال حدثني النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري ~~به قال # " نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ ~~بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار يخرج من أسافلهم قلت يا جبريل ~~من هؤلاء قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في ms0641 ~~بطونهم نارا " # وقيل إنما ذكر أكل النار على سبيل التمثيل والتوسع في الكلام والمراد أن ~~أكل مال اليتيم ظلما يفضي به إلى النار وإنما خص الأكل بالذكر وإن كان ~~المراد سائر أنواع الإتلافات وجميع التصرفات الرديئة المتلفة للمال لأن ~~الضرر يحصل بكل ذلك لليتيم. فعبر عن جميع ذلك بالأكل لأنه معظم المقصود ~~وإنما ذكر البطون للتأكيد فهو كقولك رأيت بعيني وسمعت بأذني { وسيصلون ~~سعيرا } يعني بأكلهم أموال اليتامى ظلما والسعير النار الموقدة ~~المسعرة. ولما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس واحترزوا من مخالطة ~~اليتامى وأموالهم بالكلية فشق ذلك على اليتامى فنزل قوله تعالى: # وإن تخالطوهم فإخوانكم # [البقرة: 220] وقد توهم بعضهم أن قوله وإن تخالطوهم ناسخ لهذه الآية ~~وهذا غلط ممن توهمه لأن هذه الآية واردة في المنع من أكل أموال اليتامى ~~ظلما وهذا لا يصير منسوخا لأن أكل مال اليتيم بغير حق من أعظم الآثام ~~وقوله: وإن تخالطوهم فإخوانكم وارد على سبيل الإصلاح في أموال اليتامى ~~والإحسان إليهم وهو من أعظم القرب. ### || [4.11] # قوله تعالى: { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } اختلف ~~العلماء في سبب نزول هذه الآية فروي عن جابر قال مرضت فأتاني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعودني وأبو بكر وهما يمشيان فوجداني أغمي علي فتوضأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صب وضوءه علي فأفقت فإذا النبي صلى ~~الله عليه وسلم جالس فقلت يا رسول الله كيف أصنع في مالي كيف أقضى في ~~مالي فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث، وفي رواية فقلت لا يرثني إلا ~~كلالة فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض وفي رواية أخرى فنزلت: { يوصيكم ~~الله في أولادكم } وفي رواية أخرى فلم يرد على شيئا حتى نزلت آية ~~الميراث يستفتونك قل الله يفتيكم أخرجه البخاري ومسلم وقال مقاتل ~~والكلبي: نزلت في أم كحة امرأة أوس بن ثابت وبناته. وقال عطاء نزلت في ~~سعد بن الربيع النقيب استشهد يوم أحد وترك بنتين وامرأة وأخا ق عن جابر ~~رضي الله عنه ms0642 قال # " جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلىالله عليه ~~وسلم فقالت: " يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك ~~يوم أحد شهيدا وأن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا ينكحان إلا ~~ولهما مال قال: يقضي الله في ذلك " # فنزلت آية الميراث فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال ~~أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فهو لك أخرجه الترمذي. ~~وقال السدي: كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلماء ~~لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال فمات عبدالرحمن أخو حسان الشاعر ~~وترك امرأة وخمس بنات فجاء الورثة وأخذوا ماله فشكت امرأته إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة وقبل الشروع في تفسير ~~هذه الآية الكريمة. نقدم فصولا تتضمن أحكام الفرائض وأصول قواعدها. فصل ~~في الحث على تعليم الفرائض اعلم أن الفرائض من أعظم العلوم قدرا وأشرفها ~~ذخرا وأفضلها ذكرا وهي ركن من أركان الشريعة وفرع من فروعها في الحقيقة ~~اشتغل الصدر الأول من الصحابة بتحصيلها وتكلموا في فروعها وأصولها ويكفي ~~في فضلها أن الله عز وجل تولى قسمتها بنفسه وأنزلها في كتابه مبينة من ~~محل قدسه وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعليمها فيما رواه أبو ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تعلموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس فإني مقبوض " # أخرجه الترمذي وقال فيه اضطراب وأخرجه أحمد بن حنبل وزاد فيه فإني امرؤ ~~مقبوض والعلم مرفوع ويوشك أن يختلف اثنان في الفريضة فلا يجدان أحدا ~~يخبرهما. # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم " # وهو أول علم ينسى وهو أول شيء ينزع من أمتي " أخرجه ابن ماجه ~~والدارقطني. فصل في بيان أحكام الفرائض إذا مات الميت وله مال يبدأ ~~بتجهيزه من ماله ثم تقضي ديونه إن كان عليه دين ثم تنفذ وصاياه ms0643 وما فضل ~~بعد ذلك من ماله يقسم بين ورثته والوارثون من الرجال عشرة: الابن وابن ~~الابن وإن سفل الأب والجد وإن علا والأخ سواء كان لأب وأم أو لأب أو لأم ~~وابن الأخ للأب والأم أو للأب وإن سفل والعم للأب والأم أو للأب وابناهما ~~وإن سفلوا والزوج والمعتق. والوارثات من النساء سبع: البنت وبنت الابن ~~وإن سفلت. والأم والجدة وإن علت. والأخت من كل الجهات. والزوجة والمعتقة ~~وستة من هؤلاء لا يلحقهم حجب الحرمان بالغير وهم: الأبوان والوالدان ~~والزوجان لأنه ليس بينهم وبين الميت واسطة ثم الورثة ثلاثة أصناف: صنف ~~يرث بالفرض المجرد وهم الزوجان والبنات والأخوات والأمهات والجدات وأولاد ~~الأم وصنف يرث بالتعصيب وهم: البنون والإخوة وبنوهم والأعمام وبنوهم وصنف ~~يرث بالتعصيب تارة وبالفرض أخرى وهما: الأب والجد فيرث بالتعصيب إذا لم ~~يكن للميت ولد فإن كان له ابن ورث الأب بالفرض السدس وإن كانت بنت ورث ~~السدس بالفرض وأخذ الباقي بالتعصيب والعصبة اسم لمن يأخذ جميع المال إذا ~~انفرد ويأخذ ما فضل عن أصحاب الفرائض. فصل وأسباب الإرث ثلاثة: نسب ونكاح ~~وولاء فالنسب القرابة يرث بعضهم بعضا والنكاح هو أن يرث أحد الزوجين من ~~صاحبه بسبب النكاح والولاء هو أن المعتق وعصباته يرثون المعتق والأسباب ~~التي تمنع الميراث أربعة: اختلاف الدين فالكافر لا يرث المسلم ولا المسلم ~~يرث الكافر لما روي من أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم " # أخرجاه في الصحيحين. فأما الكفار فيرث بعضهم بعضا مع اختلاف مللهم ~~وأديانهم لأن الكفر كله ملة واحدة فذهب بعضهم إلى أن اختلاف الملل والكفر ~~يمنع التوارث أيضا حتى لا يرث اليهودي من النصراني ولا النصراني من ~~المجوسي وإلى هذا ذهب الزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق لما روي عن جابر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا توارث بين أهل ملتين " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول ~~الله صلى الله ms0644 عليه وسلم قال: # " لا يتوارث أهل ملتين شتى " # أخرجه أبو داود وحمله الآخرون على الإسلام والكفر لأن الكفر عندهم ملة ~~واحدة فتوريث بعضهم من بعض لا يكون فيه إثبات التوارث بين ملتين شتى ~~والرق يمنع الإرث لأن الرقيق ملك ولا ملك له فلا يرث ولا يورث والقتل ~~يمنع الإرث عمدا كان القتل أو خطأ لما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " القاتل لا يرث " # أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث لا يصح والذي عليه العمل عند أهل العلم أن ~~القاتل لا يرث سواء كان القتل عمدا أو خطأ. وقال بعضهم إذا كان القتل ~~خطأ فإنه يرث وهو قول مالك وعمى الموت وهو أن يخفى موت المتوارثين وذلك ~~بأن غرقا أو انهدم عليهما بناء فلم يدر أيهما سبق موته فلا يرث أحدهما ~~الآخر بل يكون إرث كل واحد منهما لما كانت حياته يقينا بعد موته من ~~ورثته. فصل: السهام المحدودة والسهام المحدودة في الفرائض المذكورة في ~~كتاب الله عز وجل ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس ~~فالنصف فرض خمسة: فرض خسمة: فرض الزوج عند عدم الولد وفرض البنت الواحدة ~~للصلب أو بنت الابن عند عدم بنت الصلب وفرض الأخت الواحدة للأب والأم ~~وفرض الأخت الواحدة للأب والأم وفرض الأخت الواحدة للأب إذا لم يكن ولد ~~لأب وأم والربع فرض الزوج من الولد وفرض الزوجة مع عدم الولد والثمن فرض ~~الزوجة مع الولد والثلثان فرض البنتين فصاعدا أو بنات الابن عند عدم ~~بنات الصلب وفرض الأختين فصاعدا للأب والأم أو للأب والثلث فرض ثلاثة: ~~فرض الأم إذا لم يكن للميت ولد ولا اثنان من الإخوة والأخوات إلا في ~~مسألتين: إحداهما زوج وأبوان والأخرى زوجة وأبوان فإن للأم فيهما ثلث ~~الباقي بعد نصيب الزوج أو الزوجة وفرض الاثنين فصاعدا من أولاد الأم ~~ذكرهم وأنثاهم فيه سواء وفرض الجد مع الإخوة إذا لم يكن في المسألة صاحب ~~فرض وكان الثلث للجد خيرا من المقاسمة مع الإخوة والسدس فرض سبعة: ms0645 فرض ~~الأب إذا كان للميت ولد وفرض الأم إذا كان للميت ولد أو ولد ابن أو اثنان ~~من الإخوة والأخوات وفرض الجد إذا كان للميت ولد مع الإخوة إذا كان في ~~المسألة صاحب فرض وكان السدس خير للجد من المقاسمة مع الإخوة وفرض الجدة ~~والجدات، وفرض الواحد من أولاد الأم ذكرا كان أم أنثى وفرض بنات الابن ~~مع بنت الصلب تكملة الثلثين وفرض الأخوات للأب مع الأخت للأب والأم تكملة ~~الثلثين ق عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي لأولى رجل ذكر " # خ عن ابن عباس قال كان المال للولد والوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك ~~من أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس ~~والثلث وجعل للمرأة الثمن والربع وللزوج الشطر والربع ا ه. # فصل روي عن زيد بن ثابت قال: ولد الأبناء بمنزلة إذا لم يكن دونهن ابن ~~ذكرهمم كذكرهم وأنثاهم كأنثاهم يرثون ويحجبون كما يحجبون ولا يرث ولد ابن ~~مع ابن ذكر فإن ترك ابنة وابن ابن ذكر كان للبنت النصف ولابن الابن ما ~~بقي لقوله صلى الله عليه وسلم: # " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر " # ففي هذا الحديث دليل على أن بعض الورثة يحجب البعض والحجب حجبان: حجب ~~نقصان وحجب حرمان. أما الأول وهو حجب النقصان فهو أن الولد وولد الابن ~~يحجب الزوج من النصف إلى الربع والزوجة من الربع إلى الثمن والأم من ~~الثلث إلى السدس وكذلك الاثنان من الإخوة والأخوات يحجبون الأم من الثلث ~~إلى السدس. وأما الثاني وهو حجب الحرمان فهو أن الأم تسقط الجدات وأولاد ~~الأم وهم الإخوة للأم يسقطون بأربعة بالأب والجد وإن علا وبالولد وولد ~~الابن وأولاد الأب والأم وهم الإخوة للأب والأم يسقطون بثلاثة بالأب ~~والابن وابن الابن وإن سفلوا ولا يسقطون بالجد على مذهب زيد بن ثابت. وهو ~~قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد ~~وأولاد الأب ms0646 يسقطون بهؤلاء الثلاثة وبالأخ للأب والأم وذهب قوم إلى أن ~~الإخوة يسقطون جميعا بالجد كما يسقطون بالأب. وهو قول أبي بكر الصديق ~~وابن عباس ومعاذ وأبي الدرداء وعائشة. وبه قال الحسن وعطاء وطاوس وأبو ~~حنيفة والأقرب من العصبات يسقط الأبعد منهم فأقربهم الابن ثم ابن الابن ~~وإن سفل ثم الأب ثم الجد وإن علا فإن كان مع الجد أحد من الإخوة والأخوات ~~للأب والأم أو للأب يشتركان في الميراث فإن لم يكن جد فالأخ للأب والأم ~~ثم الأخ للأب ثم بنو الإخوة يقدم أقربهم سواء كان لأب وأم أو لأب فإن ~~استويا في الدرجة فالذي هو لأب وأم ثم العم لأب وأم ثم بنوهم على ترتيب ~~بني الإخوة ثم عم الأب ثم عم الجد على الترتيب فإن لم يكن أحد من عصابات ~~النسب وعلى الميت، ولا فالميراث للمعتق فإن لم يكن حيا فلعصبات المعتق ~~وأربعة من الذكور يعصبون الإناث: الابن وابن الابن والأخ للأب والأم ~~والأخ للأب فلو مات عن ابن أو وبنت أو عن أخ وأخت لأب وأم أو لأب يكون ~~المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين ولا يفرض للبنت والأخت، وكذلك ابن ~~الابن يعصب من في درجته من الإناث ومن فوقه إذا لم يأخذ من الثلثين شيئا ~~حتى لو مات عن بنتين وبنت ابن فللبنتين الثلثان ولا شيء لبنت الابن فإن ~~كان في درجتها ابن ابن أو أسفل منها ابن ابن ابن كان الباقي بينهما للذكر ~~مثل حظ الأنثيين والأخت للأب والأم أو للأب تكون مع البنت عصبة حتى لو ~~مات عن بنت وأخت كان للبنت النصف والباقي وهو النصف للأخت ولو مات عن ~~بنتين وأخت كان للبنتين الثلثان والباقي للأخت ويدل على ذلك ما روي عن ~~هزيل بن شرحبيل قال سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن أخت فقال: للابنة ~~النصف وللأخت النصف وائت ابن مسعود. # فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال ابن مسعود: لقد ضللت وما أنا ~~من المهتدين ثم قال اقضي فيها بقضاء ms0647 رسول الله صلى الله عليه وسلم للابنة ~~النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت فأخبر أبو موسى ~~بقول ابن مسعود فقال لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم أخرجه البخاري. ~~وأما تفسير قوله تعالى يوصيكم الله أي يعهد إليكم ويفرض عليكم في أولادكم ~~يعني في أمر من أولادكم إذا متم والوصية من الله إيجاب وإنما بدأ الله ~~تعالى بذكر ميراث الأولاد لأن تعلق قلب الإنسان بولده أشد من تعلقه بغيره ~~فلهذا قدم الله ذكر ميراثهم للذكر مثل حظ الأنثيين يعني أن الولد الذكر ~~له من الميراث ضعفا سهام الأنثى فللذكر سهمان وللأنثى سهم فلو حصل مع ~~الأولاد غيرهم من الورثة من أهل الفروض كالأبوين أخذوا فروضهم وما بقي ~~بعد ذلك كان بين الأولاد للذكر مثل حظ الانثيين { فإن كن } يعني ~~المتروكات من الأولاد { نساء فوق اثنتين } يعني بنتين فصاعدا { فلهن ~~ثلثا ما ترك } وأجمعت الأمة على أن للبنتين الثلثين إلا ما روي عن ابن ~~عباس أنه ذهب إلى ظاهر الآية وقال: الثلثان فرض الثلاث من البنات لأن ~~الله تعالى قال: { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } فجعل ~~الثلثين للنساء إذا زدن على الثنتين. وعنده أن فرض الثنتين النصف كفرض ~~الواحدة وأجيب عنه بوجوده فيها حجة لمذهب الجمهور أيضا: الوجه الأول أن ~~الله تعالى قال: { وإن كانت واحدة فلها النصف فجعل للواحدة } وذلك ينفي ~~حصول النصف نصيبا للبنتين. الوجه الثاني في الآية تقديما وتأخيرا ~~والتقدير: فإن كن نساء اثنتين فما فوقها فلهن الثلثان. والوجه الثالث أن ~~لفظة فوق ها هنا صلة والتقدير فإن كن نساء اثنتين فهو كقوله: # فاضربوا فوق الأعناق # [الأنفال: 12] يعني فاضربوا الأعناق وإنما سمى الاثنتين نساء بلفظ ~~الجمع، لأن العرب تطلق على الاثنين جماعة بدليل قوله تعالى: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4]. الوجه الرابع قال علماء الجمهور: وإنما أعطينا البنتين ~~الثلثين بتأويل القرآن لأن الله تعالى جعل للبنت الواحدة النصف بقوله ~~تعالى: { وإن كانت واحدة فلها النصف } وجعل للأخت الواحدة النصف بقوله: # إن امرؤ ms0648 هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك # [النساء: 176] ثم جعل للأختين الثلثين بقوله: # فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان # [النساء: 176] فلما جعل للأختين الثلثين علمنا أن للبنتين الثلثين ~~قياسا على الأختين. # الوجه الخامس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالثلثين لابنتي سعد بن ~~الربيع وهذا نص واضح في المسألة. قوله تعالى: { وإن كانت واحدة } يعني ~~البنت واحدة { فلها النصف } يعني فرضا لها { ولأبويه } يعني أبوي الميت ~~كناية عن غير مذكور وهما والداه { لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان ~~له ولد } يعني أن للأب والأم مع وجود الولد أو ولد الابن لكل واحد منهما ~~سدس الميراث. واعلم أن اسم الولد يقع على الذكر والأنثى فإذا مات الميت ~~وترك أبوين وولدا ذكرا واحدا كان أو أكثر أو ترك بنات فإن للأم السدس ~~بالفرض وللأب السدس مع الولد بالذكر بالفرض ومع البنات له السدس بالتعصيب ~~وهو الباقي من التركة وله مع البنت الواحدة السدس بالفرض والباقي ~~بالتعصيب { فإن لم يكن له ولد } يعني للميت { وورثه أبواه فلأمه الثلث } ~~يعني أن الميت إذا مات عن أبوين وليس له وارث سواهما فإن الأم تأخذ الثلث ~~بالفرض ويأخذ الأب باقي المال بالفرض والتعصيب. فيكون المال بينهما ~~أثلاثا للذكر مثل حظ الانثيين فإن كان مع الأبوين أحد الزوجين فيفرض ~~للأم ثلث الباقي بعد نصيب الزوج أو الزوجة { فإن كان له } يعني للميت { ~~إخوة } يعني ذكورا أو إناثا { فلأمه السدس } يعني لأم الميت سدس للتركة ~~إذا كان معها أب وأجمع العلماء على أن الثلاثة يحجبون الأم من الثلث ~~السدس وأن الأخ الواحد والأخت الواحدة لا تحجب الأم من الثلث إلى السدس. ~~واختلفوا في الأخوين فالأكثرون من الصحابة يقولون الأخوين يحجبان الأم من ~~الثلث إلى السدس وهذا قول عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت والجمهور. وقال ~~ابن عباس: لا تحجب الإخوة الأم من الثلث إلى السدس إلا أن يكونوا ثلاثة. ~~قال ابن عباس لعثمان: لم صار الأخوين يردان الأم من الثلث إلى السدس، ~~وإنما ms0649 قال الله تعالى: { فإن كان له إخوة } والأخوان في لسان قومك ليسا ~~بأخوة فقال عثمان: يا بني إن قومك حجبوها بأخوين ولا أستطيع نقد أمر قد ~~كان قبلي وإنما نشأ هذا الاختلاف لأنهم اختلفوا في أقل الجمع وفيه قولان: ~~أحدهما أن أقل الجمع اثنان وهو قول أبي بكر الباقلاني. وحجة هذا القول ~~أنك إذا جمعت واحد إلى واحد فهما جماعة لأن أصل الجمع ضم شيء. وقال ابن ~~الأنباري: التثنية عند العرب أول الجمع مشهور في كلامهم إيقاع الجمع على ~~التثنية فمن ذلك قوله تعالى: # وكنا لحكمهم شاهدين # [الأنبياء: 78] وهما داود وسليمان عليهما السلام ومنه قوله تعالى: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4] يريد قلباكما. والقول الثاني أن أقل الجمع ثلاثة وهو قول ~~الجمهور العلماء وهو الأصح. إنما حجب العلماء الأم بالأخوين لدليل اتفقوا ~~عليه وهو أن لفظ الاخوة يطلق على الأخوين فما زاد وذلك جائز في اللغة كما ~~تقدم ثم إن الإخوة إذا حجبوا الأم من الثلث إلى السدس فإنهم لا يرثون ~~شيئا البتة بل يأخذ الأب الباقي كرجل مات عن أبوين وأخوين فإن للأم ~~السدس والباقي وهو خمسة أسداس للأب سدس بالفريضة والباقي بالتعصيب قال ~~قتادة: وإنما حجب الأخوة الأم من غير أن يرثوا مع الأب شيئا معونة للأب ~~لأنه يقوم بشأنهم وينفق عليهم دون الأم { من بعد وصية يوصي بها أو دين } ~~يعني أن هذه الأنصباء والسهام إنما تقسيم بعد قضاء الدين وانفاذ وصية ~~الميت في ثلثه وذكر الوصية مقدم على الدين في اللفظ لا في الحكم لأن لفظة ~~أو لا توجب الترتيب. # وإنما هي لأحد الشيئين كأنه قال من بعد أحد هذين مفردا أو مضموما إلى ~~الآخر قال علي رضي الله عنه: إنكم تقرؤون الوصية قبل الدين. وبدأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية وهذا إجماع على أن الدين مقدم ~~على الوصية والإرث مؤخر عنهما لأن الدين حق على الميت والوصية حق له وهما ~~يتقدمان على حق الورثة. قوله تعالى: { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم ~~أقرب ms0650 لكم نفعا } قيل هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم وبين ~~قوله فريضة من الله ولا تعلق لمعناه بمعنى الآية ومعنى هذا الكلام في قول ~~ابن عباس: إن الله عز وجل يشفع المؤمنين بعضهم في بعض فأطوعكم لله من ~~الآباء والأبناء أرفعكم درجة، فإن كان الوالد أرفع درجة من ولده رفع الله ~~درجة ولده إليه وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله إليه لتقر ~~بذلك أعينهم فقال تعالى: { لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } لأن أحدهما لا ~~يعرف منفعة صاحبه له في الجنة وسبقه إلى منزلة عالية تكون سببا لرفعته ~~إليها، وقيل إن هذا الكلام ليس معترضا بينهما ومعناه متعلق بمعنى الآية ~~يقول آباؤكم وأبناؤكم يعني الذين يرثونكم أيهم أقرب لكم نفعا أي لا ~~تعلمون أيهم أنفع لكم في الدين والدنيا. فمنكم من يظن أن الأب أنفع له ~~فيكون الابن أنفع له ومنكم من يظن أن الابن أنفع له فيكون الأب أنفع له ~~ولكن الله هو الذي دبر أمركم على ما فيه المصلحة لكم فاتبعوه ولو وكل ذلك ~~إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم فتعطون من لا يستحق ما لا يستحق من ~~الميراث وتمنعون من يستحق الميراث { فريضة من الله } يعني ما قدر من ~~المواريث لأهلها فريضة واجبة { إن الله كان عليما حكيما } يعني كان ~~عليما بالأشياء قبل خلقها حكيما فيما قدر من الفرائض وفرض من الأحكام، ~~وقيل معناه عليما بخلقه قبل أن يخلقهم حكيما حيث فرض للصغار مع الكبار ~~ولم يخص الكبار بالميراث كما كانت العرب تفعل وفي معنى لفظة كان ثلاثة ~~أقوال: أحدها أن الله تعالى كان عليما بالأشياء قبل خلقها ولم يزل كذلك، ~~الثاني حكى الزجاج عن سيبويه أنه قال: إن القول لما شاهدوا علما وحكمة ~~ومغفرة وفضلا قيل لهم إن الله كان كذلك ولم يزل الله على ما شاهدتم. ~~الثالث قال الخليل الخبر عن الله عز وجل بمثل هذه الأشياء كالخبر ~~بالحال والاستقبال لأن صفات الله تعالى لا يجوز عليها الزوال والتقلب. ### || [4.12] # قوله ms0651 عز وجل: { ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ~~ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين } هذا ميراث ~~الأزواج من الزوجات. وقال تعالى في ميراث الزوجات من الأزواج { ولهن } ~~يعني للزوجات { الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن ~~الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين } لما جعل الله في الموجب ~~النسبي حظ الرجل مثل حظ الأنثيين جعل الله في الموجب السبي للرجل مثل حظ ~~الأنثيين واعلم أن الواحدة من النساء لها الربع أو الثمن وكذلك لو كن ~~أربع زوجات فإنهن يشتركن في الربع أو الثمن واسم الولد يطلق على الذكر ~~والأنثى. ولا فرق بين الولد وولد الابن وولد البنت في ذلك وسواء كان ~~الولد للرجل من الزوجة أو من غيرها. قوله تعالى: { وان كان رجل يورث ~~كلالة أو امرأة } تقدير الآية وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة واختلفوا ~~في الكلالة فذهب أكثر الصحابة إلى أن الكلالة من لا ولد له ولا والد روى ~~الشعبي قال: سئل أبو بكر الصديق عن الكلالة فقال: سأقول فيها قولا برأيي ~~فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان أراه ما خلا ~~الوالد والولد فلما استخلف عمر قال: إني لا أستحيي من الله أن أراد شيئا ~~قاله أبو بكر وهذا قول علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وإحدى الروايتين عن ~~عمر وابن عباس وهذا القول هو الصحيح المختار ويدل على صحته أن اشتقاق ~~الكلالة من كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة بينهم فسميت ~~القرابة البعيدة كلالة من هذا الوجه، وقيل إن الكلالة في أصل اللغة عبارة ~~عن الإحاطة ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس. فمن عد الوالد والولد من ~~القرابة إنما سموا كلالة لأنهم كالدائرة المحيطة بالإنسان أما نسبة ~~الولادة فليست كذلك لأن فيه تنوع البعض عن البعض وتولد البعض من البعض ~~فهو كالشيء الواحد الذي يتزايد على نسق واحد. فأما ms0652 القرابة المغايرة ~~لقرابة الولادة وهم الإخوة والأخوات والأعمام والعمات وغيرهم فإنما محصل ~~نسبهم اتصال إحاطة بالمنسوب إليه فثبت بذلك أن الكلالة عبارة عمن عدا ~~الوالد والولد والرواية الأخرى عن عمر وابن عباس أن الكلالة من لا ولد ~~له. وبه قال طاوس واحتج لهذا القول بقوله تعالى: # قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤا هلك ليس له ولد # [النساء: 176] وبيانه عند عامة العلماء مأخوذ من حديث جابر بن عبدالله ~~لأن الآية نزلت فيه ولم يكن له يوم نزولها أب ولا ابن لأن أباه قتل يوم ~~أحد وآية الكلالة نزلت في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم فصار شأن ~~جابر بيانا لمراد الآية التي نزلت في آخر السورة لنزولها فيه واختلفوا ~~في أن الكلالة اسم لمن؟ فمنهم من قال هو اسم للميت، وهو قول علي بن أبي ~~طالب وابن مسعود وابن عباس لأنه مات عن ذهاب طرفيه فكل عمود نسبه وقيل هو ~~اسم للحي من الورثة وهو قول أبي بكر الصديق. # وعليه جمهور العلماء الذين قالوا: إن الكلالة من دون الوالد والولد ويدل ~~عليه حديث لجابر إنما يرثني كلالة أي يرثني ورثة ليسوا بولد ولا والد فإن ~~كان المراد بالكلالة الميت الموروث فالمراد يرثه غير الوالد والولد. وإن ~~كان المراد الوارثين فهم غير الوالد والولد وقال ابن زيد: الكلالة الذي ~~لا ولد له ولا والد والحي والميت كلهم كلالة هذا يرث بالكلالة وهذا يورث ~~بالكلالة. وقال أبو الخير: سأل رجل عقبة عن الكلالة فقال ألا تعجبون من ~~هذا يسألني عن الكلالة وما أعضل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شيء ما ~~أعضلت بهم الكلالة ق عن عمر قال: ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان عهد إلينا فيهن عهد انتهى إليه الجد والكلالة وأبواب من أبواب ~~الربا وهذا طرف حديث ذكر في الخمر ق عن معدان بن أبي طلحة قال خطب عمر بن ~~الخطاب: فقال إني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة ما راجعت رسول ~~الله ms0653 صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في ~~شيء ما أغلظ في الكلالة حتى طعن بأصبعيه في صدري وقال: يا عمر ألا يكفيك ~~آية الصيف التي في آخر سورة النساء وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها ~~من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن. لفظ مسلم قوله: ألا يكفيك آية الصيف ~~أراد أن الله عز وجل أنزل في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء وهي التي ~~في أول سورة النساء والآية الأخرى في الصيف وهي التي آخر السورة وفيها من ~~البيان ما ليس في آية الشتاء فلذلك أحاله عليها. وقوله تعالى: { وله أخ ~~أو أخت فلكل واحد منهما السدس } أراد به الأخ والأخت للأم باتفاق العلماء ~~وقرأ سعد بن أبي وقاص وله أخ أو أخت من أم. فإن قلت إن الله تعالى قال ~~وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ثم قال تعالى وله أخ فذكر الرجل ولم ~~يذكر المرأة فما السبب فيه. قلت هذا على عادة العرب فإنهم إذا ذكروا ~~اسمين ثم أخبروا عنهما وكان في الحكم سواء ربما أضافوا أحدهما إلى الآخر ~~وربما أضافوا إليهما فهو كقوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة، ثم قال ~~تعالى وإنها لكبيرة وقال الفراء إذا جاء حرفان بمعنى واحد جاز إسناد ~~التفسير إلى أيهما أريد ويجوز إسناده إليهما أيضا { فإن كانوا أكثر من ~~ذلك فهم شركاء في الثلث } وهذا إجماع العلماء أن أولاد الأم إذا كانوا ~~اثنين فصاعدا يشتركون في الثلث ذكرهم وأنثاهم فيه سواء قال أبو بكر ~~الصديق في خطبته: إلا أن الآية التي أنزل الله في أول سورة النساء من ~~شأن الفرائض أنزلها في الولد والوالد والأم والآية الثانية في الزوج ~~والزوجة والإخوة من الأم والآية الثالثة التي ختم الله بها سورة النساء ~~في الإخوة والأخوات من الأب والأم والآية التي ختم بها سورة الأنفال ~~أنزلها الله في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. # وقوله تعالى: { من بعد وصية يوصي بها أو دين } تقدم ms0654 تفسيره وبقي شيء من ~~الأحكام يذكر هنا وذلك أن ظاهر الآية يدل على جواز الوصية بكل المال ~~وببعضه وفي معنى الآية ما روي عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به " # وفي رواية له شيء يريد أن يوصي به أن يبيت ليلتين وفي رواية ثلاث ليال ~~إلا ووصيته مكتوبة عنده. قال نافع: سمعت عبدالله بن عمر يقول ما مرت علي ~~ليلة منذ سمعت رسول الله صلىالله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي ~~مكتوبة أخرجاه في الصحيحين، ففي ظاهر الآية والحديث ما يدل على إطلاق ~~الوصية لكن ورد في السنة ما يدل على تقييد هذا المطلق وتخصيصه وهو قوله ~~صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص قال: # " الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء أخير من أن تذرهم عالة ~~يتكففون الناس " # أخرجاه في الصحيحين. ففي هذا الحديث دليل على أن الوصية لا تجوز بأكثر ~~من الثلث وأن النقصان عن الثلث جائز ولا تجوز الوصية لوارث ويدل عليه ما ~~روي عن عمرو بن خارجة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله عز وجل أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث والولد للفراش ~~وللعاهر الحجر " # أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " # أخرجه أبو داود. وقوله تعالى: { غير مضار } يعني غير مدخل الضرر على ~~الورثة بمجاوزة الثلث في الوصية وهو أن يوصي بأكثر من الثلث وقيل هو أن ~~يوصي بدين ليس عليه أو يقر بماله أو أكثر ماله لأجنبي ويترك ورثته عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران ~~في الوصية فتجب لهما النار " # ، ثم قرأ أبو هريرة من بعد وصية يوصي بها أو دين إلى قوله ms0655 وذلك هو الفوز ~~العظيم أخرجه أبو داود والترمذي. وقال قتادة: كره الله تعالى الضرار في ~~الحياة وعند الموت فنهى عنه وقدم فيه وقيل: إن الإضرار في الوصية من ~~الكبائر لأن مخالفة أمر الله عز وجل كبيرة وقد نهى الله عن الإضرار في ~~الوصية فدل على أن ذلك من الكبائر، واعلم أن الأولى بالإنسان أن ينظر عند ~~الموت في قدر ما يخلف من المال ومن يخلف من الورثة ثم يجعل وصيته بحسب ~~ذلك فإن كان ماله قليلا، وفي الورثة كثرة فالأولى به أن لا يوصي بشيء ~~لقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: # " إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " # وإن كان في المال كثرة أوصى بحسب المال وبحسب الورثة وحاجتهم بعده في ~~القلة والكثرة. وقوله تعالى: { وصية من الله } أي فريضة من الله وقيل ~~عهدا من الله إليكم فيما يجب لكم من ميراث من مات منكم { والله عليم } ~~يعني أنه عالم بمصالح عباده ومضارهم وبما يفرض عليهم من الأحكام وقيل ~~عليم بمن يجور في وصيته وبمن لا يجور { حليم } يعني أنه تعالى ذو حلم وذو ~~أناة في ترك العقوبة عمن جار في وصيته وقال أبو سليمان الخطابي: الحليم ~~ذو الصفح والأناة الذي لا يستفزه غضب ولا يستخفه جهل جاهل والحليم هو ~~الصفوح مع القدرة المتأني الذي لا يعجل بالعقوبة. ### || [4.13-15] # قوله عز وجل: { تلك حدود الله } يعني الأحكام التي تقدم ذكرها في هذه ~~السورة من مال اليتامى والوصايا والأنكحة والمواريث وإنما سماها حدودا ~~لأن الشرائع كالحدود المضروبة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتجاوزوها وقال ~~ابن عباس يريد ما حد الله من فرائضه { ومن يطع الله ورسوله } يعني في شأن ~~المواريث ورضي بما قسم الله له وحكم عليه { يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله } يعني في شأن ~~المواريث ولم يرض بقسمة الله ورسوله { ويتعد حدوده } يعني ويتجاوز ما أمر ~~الله تعالى به { يدخله نارا خالدا ms0656 فيها وله عذاب مهين } فإن قلت كيف ~~قطع للعاصي بالخلود في النار في هذه الآية وهل فيها دليل للمعتزلة على ~~قولهم إن العصاة والفساق من أهل الإيمان يخلدون في النار. قلت قال الضحاك ~~المعصية هنا الشرك وروى عكرمة عن ابن عباس في معنى الآية من لم يرض بقسمة ~~الله ويتعد ما قال الله يدخله نارا وقال الكلبي: يكفر بقسمة المواريث ~~ويتعد حدود الله استحلالا إذا ثبت ذلك فمن رد حكم الله ولم يرض بقسمته ~~كفر بذلك وإذا كفر كان حكمه حكم الكفار في الخلود في النار إذا لم يتب ~~قبل وفاته إذا مات وهو مصر على ذلك كان مخلدا في النار بكفره فلا دليل ~~في الآية للمعتزلة والله أعلم. قوله تعالى: { واللاتي } هو جمع التي وهي ~~يخبر بها عن المؤنثة خاصة { يأتين الفاحشة } يعني يفعلن الفاحشة يقال ~~أتيت أمرا قبيحا إذا فعلته والفاحشة في اللغة الفعلة القبيحة، وقيل ~~الفاحشة عبارة عن كل فعل أو قول يعظم قبحه في النفوس ويقبح ذكره في ~~الألسنة حتى يبلغ الغاية في جنسه وذلك مخصوص بشهوة الفرج الحرام ولذلك ~~أجمعوا على أن الفاحشة ها هنا هي الزنا وإنما سمي الزنى فاحشة لزيادة ~~قبحه { من نسائكم } قيل هن الزوجات وقيل المراد بهن جنس النساء { ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } يعني من المسلمين وهذا خطاب للأزواج أي ~~اطلبوا أربعة من الشهود ليشهدوا عليهن وقيل هو خطاب للحكام اي استمعوا ~~شهادة أربع عليهن. ويشترط في هذه الشهادة العدالة والذكورة قال عمر بن ~~الخطاب: إنما جعل الله الشهود أربعة سترا يستركم به دون فواحشكم { فإن ~~شهدوا } يعني الشهود بالزنا { فأمسكوهن في البيوت } أي فاحبسوهن في ~~البيوت والحكمة في حبسهن أن المرأة إنما تقع في الزنى عند الخروج والبروز ~~للرجال فإذا حبست في البيت لم تقدر على الزنى { حتى يتوفاهن الموت } يعني ~~تتوفاهن ملائكة الموت عند انقضاء آجالهن { أو يجعل الله لهن سبيلا } ~~وهذا الحكم كان في أول الإسلام قبل نزول الحدود كانت المرأة إذا زنت حبست ~~في البيت حتى تموت ms0657 ثم نسخ الحبس بالحدود وجعل الله لهن سبيلا م عن عبادة ~~بن الصامت قال: " كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه حكم كرب ~~لذلك وتربد وجهه فأنزل الله عليه ذات يوم فبقي كذلك فلما سري عنه قال: # " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ~~والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ". # فصل اتفق العلماء على أن هذه الآية منسوخة ثم اختلفوا في ناسخها فذهب ~~بعضهم إلى أن ناسخها هو حديث عبادة بن الصامت المتقدم وهذا على مذهب من ~~يرى نسخ القرآن بالسنة وذهب بعضهم إلى أن الآية الحد التي في سورة النور ~~وقيل إن هذه الآية منسوخة الصامت المتقدم وهذا على مذهب من يرى نسخ ~~القرآن بالنسة بالحديث والحديث منسوخ بآية الجلد وقال أبو سلمان الخطابي: ~~لم يحصل النسخ في هذه الآية ولا في الحديث وذلك لأن قوله تعالى: { ~~فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا } يدل على ~~إمساكهن في البيوت ممدودا إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلا وأن ذلك ~~السبيل كان مجملا فلما قال صلى الله عليه وسلم: # " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا " # الحديث صار هذا الحديث بيانا لتلك الآية المجملة لا ناسخا لها. وأجمع ~~العلماء على جلد البكر الزاني مائة ورجم المحصن وهو الذي اجتمع فيه أربعة ~~أوصاف البلوغ والعقل والحرية والإصابة في نكاح صحيح وهو الثيب واختلفوا ~~في جلد الثيب ورجمه فذهب طائفة إلى أنه يجب الجمع بينهما وبه قال علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه. والحسن وإسحاق بن راهويه وداود وأهل الظاهر وروي ~~عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أنه جلد شراحة الهمدانية يوم ~~الخميس ورجمها يوم الجمعة. وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وقال جماهير العلماء الواجب على المحصن الزاني ~~الرجم وحده لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية ولم ~~يجلدهما. وأما تغريب البكر والزاني ونفيه سنة فمذهب الشافعي ms0658 وجماهير ~~العلماء وجوب ذلك وقال أبو حنيفة وحماد لا يقضى بالنفي أحد إلا أن يراه ~~الحاكم تعزيرا، وقال مالك والأوزاعي: لا نفي على النساء ويروى مثله عن ~~علي قال لأن المرأة عورة وفي نفيها تضييع لها وتعريض للفتنة وحجة الشافعي ~~وجماهير العلماء ظاهر حديث عبادة بن الصامت وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة " # وروى نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب وأن أبا ~~بكر ضرب وغرب وإن عمر ضرب وغرب وإن كان الزاني عبدا فعليه جلد خمسين وفي ~~تغريبه قولين. فإن قلنا إنه يغرب ففيه قولان أصحهما أنه يغرب سنة قياسا ~~على حده وأن كان الزاني مجنونا أو أنه يغرب ففيه قولان: أصحهما أنه يغرب ~~نصف سنة قياسا على حده وإن كان الزاني مجنونا أو غير بالغ فلا جلد ~~عليه. ### || [4.16] # قوله عز وجل: { واللذان } هو تثنية الذي { يأتيانها } يعني يأيتان ~~الفاحشة { منكم } من رجالكم ونسائكم وقيل هما البكران اللذان لم يحصنا ~~وهما غير المعنيين بالآية الأولى وقيل المراد بمن ذكر في الأولى النساء ~~وهذه للرجال لأن الله تعالى حكم في الآية بالحبس في البيت على النساء وهو ~~اللائق بحالهن لأن المرأة إنما تفعل الفاحشة عند الخروج فإذا حبست في ~~البيت انقطعت مادة المعصية، وأما الرجل فلا يمكن حبسه في البيت لأنه ~~يحتاج إلى الخروج في إصلاح معاشه واكتساب قوت عياله فجعلت عقوبة الرجل ~~الزاني الأذية بالقول والفعل { فآذوهما } يعني عيروهما بالقول باللسان ~~وهو أن يقال له أما خفت الله أما استحيت من الله حين زنيت وقال ابن عباس: ~~سبوهما واشتموهما وفي رواية عنه قال: هو باللسان واليد يؤذي بالتعيير ~~ويضرب بالنعال { فإن تابا } يعني من الفاحشة { وأصلحا } يعني العمل فيما ~~يأتي { فأعرضوا عنهما } أي اتركوهما ولا تؤذوهما { إن الله كان توابا } ~~يعني أنه تعالى يعود على عبده بفضله ومغفرته ورحمته إذا تاب إليه وهذا ~~الحكم كان في ابتداء الإسلام كان حد الزاني الأذى بالتوبيخ والتعيير ~~بالقول باللسان ms0659 فلما نزلت الحدود وثبتت الأحكام نسخ ذلك الأذى بالآية ~~التي في سورة النور وهي قوله تعالى: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة ~~في دين الله # [النور: 2] الآية فثبت الجلد على البكر بنص الكتاب وثبت الرجم على الثيب ~~المحصن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصح أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رجم ماعزا وكان قد أحصن وسواء في هذا الحكم المسلم واليهودي ~~لأنه ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين زنيا وكانا ~~قد أحصنا وقال أبو حنيفة: لا رجم على اليهودي لأن المشرك ليس بمحصن وأجيب ~~عنه بأن المراد بهذا الإحصان إحصان العفاف لا إحصان الفرج. ### || [4.17] # قوله تعالى { إنما التوبة على الله } يعني التوبة التي يقبلها الله ~~تعالى فيكون على بمعنى عند وقيل على بمعنى من أي من الله وقال أهل ~~المعاني إن الله تعالى وعد قبول التوبة من المؤمنين في قوله كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة وإذا وعد الله شيئا أنجز ميعاده وصدق فيه فمعنى قوله على ~~الله أوجب على نفسه من إيجاب أحد عليه لأنه تعالى يفعل ما يريد { للذين ~~يعلمون السوء } يعني الذنوب والمعاصي سميت سوءا لسوء عاقبتها إذا لم يتب ~~منها { بجهالة } قال قتادة أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~أن كل شيء عصى الله به فهو جهالة عمدا كان أو غيرهن وكل من عصى الله فهو ~~جاهل. وقال ابن عباس: من عمل السوء فهو جاهل من جهالته عمل السوء فكل من ~~عصى الله سمي جاهلا وسمي فعله جهالة وإنما سمي من عصى الله جاهلا لأنه ~~لم يستعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب وإذا لم يستعمل ذلك سمي ~~جاهلا وسمي فعله جهالة وإنما سمي من عصى الله جاهلا لأنه لم يستعمل ما ~~معه من العلم بالثواب والعقاب وإذا لم يستعمل ذلك سمي جاهلا بهذا ~~الاعتبار وقيل معنى الجهالة أن يأتي الإنسان بالذنب مع العلم بأنه ذنب ~~لكنه يجهل ms0660 عقوبته وقيل معنى الجهالة هو اختيار اللذة الفانية على اللذة ~~الباقية { ثم يتوبون من قريب } يعني يتوبون بعد الإقلاع عن الذنب بزمان ~~قريب لئلا يعد في زمرة المصرين وقيل القريب أن يتوب في صحته قبل مرض موته ~~وقيل قبل موته وقيل قبل معاينة ملك الموت ومعاينة أهوال الموت وإنما سميت ~~هذه المدة قريبة لأن كل ما هو آت قريب وفيه تنبيه على أن عمر الإنسان وإن ~~طال فهو قليل وأن الإنسان يتوقع في كل ساعة ولحظة نزول الموت به عن ابن ~~عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " # أخرجه الترمذي. الغرغرة أن يجعل المشروب في فم المريض فيردده في الحلق ~~ولا يصل إليه ولا يقدر على بلعه وذلك عند بلوغ الروح إلى الحلقوم. وروى ~~البغوي بسنده عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الشيطان قال وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في ~~أجسادهم " # فقال الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي وارتفاعي في مكاني لا أزال أغفر ~~لهم ما استغفروني وقيل في معنى الآية إن القريب هو أن يتوب الإنسان قبل ~~أن يحيط السوء بحسناته فيحبطها { فأولئك يتوب الله عليهم } يعني يقبل ~~توبتهم { وكان الله عليما حكيما } قال ابن عباس: علم ما في قلوب عباده ~~المؤمنين من التصديق واليقين فحكم بالتوبة قبل الموت ولو بقدر فواق ناقة ~~وقيل في معنى الآية علم أنه إنما أتى بتلك المعصية باستيلاء الشهوة ~~والجهالة عليه فحكم بالتوبة لمن تاب عنها وأناب عن قريب. ### || [4.18-19] # قوله عز وجل: { وليست التوبة للذين يعملون السيئات } قال ابن عباس: يريد ~~الشرك وقال أبو العالية وسعيد بن جبير: هم المنافقون وقال سفيان الثوري ~~هم المسلمون ألا ترى أنه قال ولا والذين يموتوا وهم كفار { حتى إذا حضر ~~أحدهم الموت } يعني وقع في النزاع وعاين ملائكة الموت وهو حالة السوق حين ~~تساق الروح للخروج من جسده { قال إني تبت الآن } قال المحققون ms0661 قرب الموت ~~لا يمنع من قبول التوبة بل المانع من قبولها مشاهدة الأحوال التي لا يمكن ~~معها الرجوع إلى الدنيا بحال ولذلك لم تقبل توبة فرعون ولا إيمانه وهو ~~قوله تعالى: حتى إذا أدركه الغرق. قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت ~~به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ~~ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85] فإن قلت قد تعلقت الوعيدية بهذه الآية وقالوا أخبر الله ~~تعالى إن عصاة المؤمنين إذا أهملوا أمرهم إلى انقضاء آجالهم حصلوا على ~~عذاب الآخرة مع الكفار لأن الله تعالى جمعهم في قوله أولئك أعتدنا لهم ~~عذابا أليما، وأيضا أنه تعالى أخبر أنه لا توبة لهم عند معاينة الموت ~~وأسبابه. قلت ليس الأمر على ما زعموا فقد روي عن ابن عباس في قوله وليست ~~التوبة للذين يعملون السيئات يريد الشرك وقال سعيد بن جبير: نزلت الآية ~~الأولى في المؤمنين يعني قوله: إنما التوبة على الله والوسطى في ~~المنافقين يعني قوله وليست التوبة والأخرى في الكافرين يعني قوله ولا ~~الذين يموتون وهم كفار وإذا كانت الآية نازلة في المنافقين والكفار فلا ~~وجه لحملها على المؤمنين وعلى تقدير أن تكون الآية نازلة في عصاة ~~المؤمنين فقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى: وليست التوبة للذين يعملون ~~السيئات الآية، ثم أنزل الله تعالى بعد ذلك إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون لك لمن يشاء فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر وأرجأ ~~أهل التوحيد إلى مشيئته ولم يؤيسهم من المغفرة فعلى هذا القول تكون الآية ~~منسوخة في حق المؤمنين. وقوله تعالى: { ولا الذين يموتون وهم كفار } ~~معناه لا توبة للكفار إذا ماتوا على كفرهم وإنما لم تقبل توبتهم في ~~الآخرة لرفع التكليف في الآخرة ومعاينة ما وعدوا به من العقاب { أولئك ~~أعتدنا لهم } أي هيأنا لهم { عذابا أليما } قوله عز وجل: { يا أيها ~~الذين آمنوا لا يحل لكم ms0662 أن ترثوا النساء كرها } نزلت في أهل المدينة ~~وذلك أنهم كانوا في الجاهلية في أول الإسلام إذا مات الرجل وخلف امرأة ~~جاء ابنه من غيرها أو قريبة من ذوي عصبته، فألقى ثوبه على تلك المرأة أو ~~على خبائها فصار أحق بها من نفسها ومن غيره فإن شاء تزوجها بغير صداق ~~إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت وإن شاء زوجها غيره وأخذ هو صداقها ~~وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج يضراها بذلك لتفتدي منه بما ورثت من ~~الميت أو تموت هي فيرثها فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ~~ولي زوجها ثوبه كانت أحق بنفسها وكانوا على ذلك حتى توفي أبو قيس بن ~~الأسلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية فقام ابن له من ~~غيرها يقال له حصن، وقيل اسمه قيس بن أبي قيس فطرح ثوبه عليها فورث ~~نكاحها ثم تركها فلم ينفق عليها يضارها بلك لتفتدي منه فأتت كبيشة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن أبا قيس توفي وورث ~~نكاحي ابنه فلا هو ينفق علي ولا هو يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال اقعدي ~~في بيتك حتى يأتي أمر الله فيك فأنزل الله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا ~~لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } يعني ميراث نكاح النساء وقيل في ~~معناه إن ترثوا أموالهن كرها يعني وهن كارهات { ولا تعضلوهن } أي ولا ~~تمنعوهن من الأزواج وأصل العضل المنع { لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } يعني ~~لتضجر فتفتدي ببعض مالها قيل هو خطاب للأزواج قال ابن عباس: هذا في الرجل ~~تكون له امرأة وهو كاره لها ولصحبتها ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي منه ~~وترد إليه ما ساق إليها من المهر فنهى الله عن ذلك وقيل كان الرجل يطلق ~~امرأته ثم يراجعها ثم يطلقها يضارها بذلك فنهوا عن ذلك وهو خطاب لأولياء ~~الميت فنهاهم الله عن عضل المرأة ثم قال تعالى: { إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة } يعني فحينئذ يحل لكم إضرارهن ليفتدين منكم ms0663 واختلفوا في الفاحشة ~~المبينة فقيل هي النشوز وسوء الخلق وإيذاء الزوج وأهله، وقيل الفاحشة هي ~~الزنى يعني أن المرأة إذا نشزت أو زنت حل للزوج أن يسألها الخلع وقيل ~~كانت المرأة إذا أصابت فاحشة أخذ منها زوجها ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ~~الله ذلك بالحدود { وعاشروهن بالمعروف } قيل هو راجع للكلام الذي قبله ~~والمعنى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة وعاشروهن بالمعروف هو الإجمال في ~~القول والمبيت والنفقة وقيل هو أن تصنع لها كما تحب أن تصنع لك { فإن ~~كرهتموهن } يعني فإن كرهتم عشرتهن وصحبتهن وآثرتم فراقهن { فعسى أن ~~تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } قال ابن عباس: ربما رزق منها ~~ولدا صالحا فجعل الله في ولدها خيرا كثيرا فتنقلب تلك الكراهة محبة ~~والنفرة رغبة، وقيل في الآية ندب إلى إمساك المرأة مع الكراهية لها لأنه ~~إذا كره صحبتها وتحمل ذلك المكروه طلبا للثواب وأنفق عليها وأحسن هو ~~صحبتها استحق الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى وقيل في ~~معنى الآية إنكم إن كرهتموهن ورغبتم في فراقهن فربما جعل الله في تلك ~~المفارقة لهن خيرا كثيرا وذلك بأن تخلص من هذا الزوج الكاره لها وتتزوج ~~غيره خيرا منه. ### || [4.20-22] # قوله عز جل: { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج } الخطاب للرجال وأراد ~~بالزوج الزوجة قال المفسرون: لما ذكر الله في الآية الأولى مضارة الزوجات ~~إذا أتين بفاحشة وهي إما النشوز أو الزنا بين في هذه الآية تحريم ~~المضارة إن لم يكن من قبلها نشوز ولا زنى عن بخس الرجل حق المرأة إذا ~~أراد طلاقها واستبدال غيرها { وآتيتم إحداهن قنطارا } يعني وكان ذلك ~~الصداق مالا كثيرا، وفي الآية دليل على جواز المغالاة في المهور روي أن ~~عمر قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم فقامت امرأة فقالت يا ~~ابن الخطاب الله يعطينا وأنت تمنعنا وتلت الآية. فقال كل الناس أفقه منك ~~يا عمر وفي رواية امرأة أصابت وأمير أخطأ ورجع عن كراهة المغالاة وقد ~~تغالى الناس في صدقات النساء حتى ms0664 بلغوا الألوف وقيل إن خير المهور أيسرها ~~وأسهلها { فلا تأخذوا منه شيئا } يعني من القنطار الذي آتيتموهن لو ~~جعلتم ذلك القدر لهن صداقا فلا تأخذوا منه شيئا وذلك أن سوء العشرة إما ~~أن يكون من قبل الزوج أو من قبل الزوجة فإن كان من قبل الزوج وأراد طلاق ~~المرأة فلا يحل له أن يأخذ شيئا من صداقها وإن كان النشوز من قبل المرأة ~~جاز له ذلك { أتأخذونه } استفهام بمعنى التوبيخ { بهتانا } يعني ظلما ~~وقيل باطلا { وإثما مبينا } يعني أتأخذونه مباهتين آثمين فلا تفعلوا ~~مثل هذا الفعل مع ظهور قبحه في الشرع والعقل ثم قال تعالى: { وكيف ~~تأخذونه } كلمة تعجب والمعنى لأي وجه تفعلون مثل هذا الفعل وكيف يليق ~~بالعاقل أن يسترد شيئا بذله لزوجته عن طيب نفس وقيل هو استفهام معناه ~~التوبيخ والتعظيم لأخذ المهر بغير حقه ثم ذكر السبب في ذلك فقال تعالى { ~~وقد أفضى بعضكم إلى بعض } أصل الإفضاء في اللغة الوصول يقال أفضى إليه أي ~~وصل إليه ثم للمفسرين في معنى الإفضاء في هذه الآية قولان: أحدهما أنه ~~كناية عن الجماع وهو قول ابن عباس ومجاهد والسدي واختيار الزجاج وابن ~~قتيبه ومذهب الشافعي لأن عنده أن الزوج إذا طلق قبل المسيس فله أن يرجع ~~بنصف المهر وإن خلا بها والقول الثاني في معنى الإفضاء هو أن يخلو بها ~~وإن لم يجامعها وقال الكلبي الإفضاء أن يكون معها في لحاف واحد جامعها أو ~~لم يجامعها وهذا القول هو اختيار الفراء ومذهب أبي حنيفة أن الخلوة ~~الصحيحة عنده تقرر المهر { وأخذن منكم ميثاقا غليظا } قيل هو قول ~~العاقد عند العقد زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان وقيل هي كلمة النكاح المعقودة على الصداق وهي ~~الكلمة التي تستحل بها فروج النساء ويدل على ذلك ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله ". # قوله تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح ms0665 آباؤكم من النساء } قال المفسرون كان ~~أهل الجاهلية يتزوجون أزواج آبائهم فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية روي ~~أنه لما توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار خطب ابنه قيس امرأة أبيه ~~فقالت إني اتخذتك ولدا وأنت من صالحي قومك ولكني آتي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأستأمره فأتته فأخبرته فأنزل الله عز وجل { ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف } يعني إلا ما مضى في الجاهلية قبل ~~نزول التحريم فإنه معفو عنه { إنه كان فاحشة } إنما سماه فاحشة لأن زوجة ~~الأب في منزلة الألم ونكاح الأمهات حرام فلما كان ذلك كذلك سماه الله ~~فاحشة لأنه من أقبح المعاصي { ومقتا } يعني أنه يورث المقت من الله وهو ~~أشد الغضب وغاية الخزي والخسارة { وساء سبيلا } أي وبئس طريقا لأنه ~~يؤدي إلى مقت الله والعرب تسمي ولد الرجل من امرأة أبيه مقيتا وكان منهم ~~الأشعث بن قيس وأبو معيط بن أبي عمرو بن أمية روى البغوي بسنده عن البراء ~~بن عازب قال: مر بي خالي ومعه لواء فقلت أين تذهب؟ قال: بعثني النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه آتيه برأسه. ### || [4.23] # قوله عز وجل: { حرمت عليكم أمهاتكم } بين الله عز وجل في هذه الآية ~~المحرمات من النساء بسبب الوصلة إما بسبب أو نسب خ عن ابن عباس قال حرم ~~من النساء سبع ومن الصهر سبع، ثم قرأ حرمت عليكم أمهاتكم الآية فجملة ~~المحرمات من النساء بنص الكتاب أربعة عشر صنفا، فأما المحرمات بالنسب ~~فقوله حرمت عليكم أمهاتكم جمع أم وأصل أمهات أمات وإنما زيدت الهاء ~~للتوكيد والأم هي الوالدة القريبة ويدخل في حكمها كل امرأة رجع النسب ~~إليها من جهة الأب أو من جهة الأم بدرجة أو بدرجات وهي جميع الجدات وإن ~~علون فيحرم الأم وجميع الجدات { وبناتكم } والبنت عبارة عن كل أنثى رجع ~~نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإناث كبنت البنت وإن سفلت وكذا بنت ~~الابن { وأخواتكم } جمع أخت وهي عبارة ms0666 عن كل امرأة شاركتك في أصلك فتدخل ~~فيه الأخوات من الأب والأم والأخوات من الأب والأخوات من الأم { وعماتكم ~~} جمع عمة وهي كل امرأة شاركت أباك في أصله وهن جميع أخوات الأب وأخوات ~~آبائه وإن علون وقد تكون العمة من جهة الأم أيضا وهي أخت أبي الأم { ~~وخالاتكم } جمع خالة وهي كل امرأة شاركت الأم في أصلها فيدخل فيه جميع ~~أخوات الأم وأخوات أمهاتها، وقد تكون الخالة من جهة الأب أيضا وهي أخت ~~أم الأب { وبنات الأخ وبنات الأخت } وهي عبارة عن كل امرأة لأخيك أو ~~لأختك عليها ولادة يرجع نسبها إلى الأخ أو الأخت فيدخل فيهن جميع بنات ~~أولاد الأخ والأخت وإن سفلن فهذه الأصناف السبعة محرمة بسبب النسب بنص ~~الكتاب وجملته أنه يحرم على الرجل أصوله وفصوله وفصول أول أصوله، وأول ~~فصل من كل أصل بعده أصل فالأصول هن الأمهات والجدات، والفصول هن البنات ~~وبنات الأولاد وفصول أول أصوله هن الأخوات وبنات الإخوة والأخوات وأول ~~فصل من كل أصل بعده أصل هن العمات والخالات وإن علون. قال العلماء: كل ~~امرأة حرم الله نكاحها بالنسب والرحم فحرمتها مؤبدة لا تحل يوجه من ~~الوجوه. الصنف الثاني المحرمات بالسبب وهن سبع الأول والثاني المحرمات ~~بالرضاع وذلك في قوله تعالى: { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من ~~الرضاعة } كل أنثى انتسبت باللبن إليها فهي أمك وبنتها أختك وإنما نص ~~الله على ذكر الأم والأخت ليدل بذلك على جميع الأصوال والفروع فنبه بذلك ~~أنه تعالى أجرى الرضاع مجرى النسب ويدل على ذلك ما روي عن عائشة رضي الله ~~تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة " # أخرجاه في الصحيحين ق عن ابن عباس قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " في بنت حمزة إنها لا تحل لي يحرم ~~من الرضاع ما يحرم من النسب " وإنها ابنة أخي من الرضاعة " # فكل من حرمت بسبب النسب حرم نظيرها بسبب الرضاعة، وإنما سمى الله تعالى ~~المرضعات أمهات لأجل ms0667 الحرمة فيحرم عليه نكاحها ويحل له النظر إليها ~~والخلوة بها والسفر معها ولا يترتب عليه جميع أحكام الأمومة من كل وجه ~~فلا يتوارثان ولا تجب على كل واحد منهما نفقة الآخر وغير ذلك من الأحكام، ~~وإنما ثبتت حرمة الرضاع بشرطين: أحدهما أن يكون إرضاع الصبي في حال الصغر ~~وذلك إلى انتهاء سنتين من ولادته لقوله تعالى: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين # [البقرة: 234] وقوله تعالى: # وفصاله في عامين # [لقمان: 14] عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يحرم من الرضاع إلا من فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام " # أخرجه الترمذي عن ابن مسعود قال: لا رضاعة إلا ما كان في الحولين أخرجه ~~مالك في الموطأ بأطول من هذا وأخرجه أبو داود مختصرا قال: قال عبدالله ~~بن مسعود لا رضاع إلا ما شد اللحم. وقال أبو حنيفة مدة الرضاع ثلاثون ~~شهرا لقوله تعالى: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا # [الأحقاف: 15] وحمله الجمهور على أقل مدة الحمل وأكثر مدة الرضاع لأن ~~مدة الحمل داخلة فيه وأقله ستة أشهر. الشرك الثاني أن يوجد خمس رضعات ~~متفرقات. روي ذلك عن عائشة وبه قال عبدالله بن الزبير، وإليه ذهب الشافعي ~~ويدل على ذلك ما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تحرم المصة ولا المصتان " # أخرجه مسلم م عن أم الفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان " # وفي رواية: # " أن رجلا من بني عامر بن صعصعة قال يا نبي الله هل تحرم الرضعة ~~الواحدة قال لا " # م عن عائشة قالت كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم ~~نسخت بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من ~~القرآن قولها فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من ~~القرآن يحتمل أنه لم يبلغها نسخ ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يتلى فهو مما ~~نسخ تلاوته وبقي حكمه، وذهب جمهور العلماء إلى أن قليل الإرضاع ms0668 وكثيره ~~يحرم وهو قول ابن عباس وابن عمر وبه قال سعيد بن المسيب وإليه ذهب الثوري ~~والأوزاعي ومالك وابن المبارك وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه ~~والرواية الأخرى كمذهب الشافعي واحتج مذهب الجمهور بمطلق الآية لأنه عمل ~~بعموم القرآن وظاهره ولم يذكر عددا وأجاب الشافعي ومن وافقه في هذه ~~المسألة بأن السنة مبينة للقرآن مفسرة له. # وقوله تعالى: { وأمهات نسائكم } يعني إذا تزوج الرجل بامرأة حرمت عليه ~~أمها الأصلية وجميع جداتها من قبل الأب والأم كما في النسب والرضاع أيضا ~~ومذهب أكثر الصحابة وجميع التابعين وكل العلماء أن من تزوج امرأة حرمت ~~عليه أمها بنفس العقد سواء دخل بها أو لم يدخل بها وذهب جمع من الصحابة ~~إلى أن أم المرأة إنما تحرم بالدخول بابنتها وهو قول علي وزيد بن ثابت ~~وابن عمر وابن الزبير وجابر وأظهر الروايات عن ابن عباس والعمل اليوم على ~~القول الأول هو مذهب الجمهور ويدل على ذلك ما روي عن عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أيما رجل نكح امرأة فلا يحل له نكاح ابنتها. وإن لم يكن دخل بها ~~فلينكح ابنتها وأيما رجل نكح امرأة فلا يحل له أن ينكح امرأة دخل بها أو ~~لم يدخل " # أخرجه الترمذي وقوله تعالى: { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ~~اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم } الربائب جمع ~~ربيبة وهي بنت المرأة من رجل آخر سميت ربيبة لتربيتها في حجر الرجل، ~~وقوله دخلتم بهن كناية عن الجماع لا نفس العقد فيحرم على الرجل بنات ~~امرأته وبنات أولادها وأن سفلن من النسب والرضاع بعد الدخول بالزوجة. فلو ~~فارق زوجته قبل الدخول بها أو ماتت قبل دخوله بها جاز أن يتزوج بنتها ولا ~~يجوز له أن يتزوج أمها لأن الله تعالى أطلق تحريم الأمهات، وعلق تحريم ~~البنات بالدخول بالأم وقوله تعالى: { وحلائل أبنائكم } يعني أزواج ~~أنبائكم واحدتها حليلة والرجل حليل سميا بذلك لأن كل واحد ms0669 منهما يحل ~~لصاحبه وقيل لأن كل واحد منهما يحل حيث يحل صاحبه في إزار واحد قيل لأن ~~كل واحد منهما يحل إزار صاحبه من الحل بفتح الحاء وجملته أنه يحرم على ~~الرجل أزواج أبنائه وأبناء أولاده وإن سفلوا من النسب والرضاع وذلك بنفس ~~العقد { الذين من أصلابكم } إنما قال من أصلابكم احترازا من التبني ~~ليعلم أن زوجة المتبنى لا تحرم على الرجل الذي تبناه لأنه كان في صدر ~~الإسلام بمنزلة الابن فنسخ الله ذلك وقال تعالى: # ادعوهم لآبائهم # [الأحزاب: 5] وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجة زيد بن حارثة ~~وكان قد تبناه فقال المشركون تزوج زوجة ابنه فأنزل الله تعالى وما جعل ~~أدعياءكم أبناءكم وقال تعالى لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم وقوله تعالى: { وأن تجمعوا بين الأختين } يعني لا يجوز للرجل أن ~~يجمع بين الأختين في نكاح واحد سواء كانت الأخوة بينهما أخوة نسب أو رضاع ~~والجمع بين الأختين يقع على ثلاثة أوجه: أحدهما أن يجمع بينهما بعقد واحد ~~فهذا العقد فاسد لا يصح فلو تزوج إحدى الأختين ثم تزوج الأخرى بعدها ~~فها هنا يحكم ببطلان نكاح الثانية فلو طلق الأولى طلاقا بائنا جاز له ~~نكاح أختها، الوجه الثاني من صور الجمع بين الأختين هو أن يجمع بينهما ~~بملك اليمين فلا يجوز له أن يجمع بينهما في الوطء فإذا وطئ إحداهما حرمت ~~عليه الثانية حتى يحرم الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة، الوجه الثالث ~~من صور الجمع بين الأختين هو أن يتزوج إحداهما ويشتري الأخرى فيملكها ~~بملك اليمين فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما لأن ظاهر هذه ~~الآية يقتضي تحريم الجمع مطلقا فوجب أن يحرم الجمع بينهما على جميع ~~الوجوه وذهب بعضهم إلى جوازه والقول الأول أصح، وأولى لما روى قبيصة بن ~~ذؤيب أن رجلا سأل عثمان عن أختين مملوكتين لرجل هل يجمع بينهما فقال ~~عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية فأما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك فخرج من ~~عنده فلقي ms0670 رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عنه فقال ~~أما أنا فلو كان لي من الأمر شيء لم أجد أحد فعل ذلك إلا جعلته نكالا ~~قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب قال مالك أنه بلغه عن الزبير بن ~~العوام مثل ذلك أخرجه مالك في الموطأ وقوله تعالى: { إلا ما قد سلف } ~~يعني لكن ما قد مضى فإنه معفو عند بدليل قوله تعالى: { إن الله كان ~~غفورا رحيما } وقيل إن فائدة هذا الاستثناء أن أنكحة الكفار صحيحة فلو ~~أسلم عن أختين قيل له أختر أيتهما شئت. # ويدل على ذلك ما # " روي عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال قلت يا رسول الله إني أسلمت وتحتي ~~أختان قال طلق أيتهما شئت " # أخرجه أبو داود. فروع تتعلق بحكم الآية. الأول: لا يجوز الجمع بين ~~المرأة ولا بين المرأة وخالتها ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها " # أخرجه في الصحيحين قال بعض العلماء في حد ما يحرم الجمع كل امرأتين ~~بينهما قرابة أو لبن لو كان ذلك بينك وبين المرأة لم يجز لك نكاحها لم ~~يجز لك الجمع بينهما. الفرع الثاني: المحرمات بالنسب سبعة أصناف ذكرت في ~~الآية نسقا والمحرمات بالسبب صنفان: صنف يحرم بالرضاع وهن الأمهات ~~والأخوات على ما تقدم ذكره وصنف يحرم بالمصاهرة وهي أم المرأة وحليلة ~~الابن وزوجة الأب وقد تقدم ذكرها في قوله تعالى: # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء # [النساء: 22] الآية والربائب على التفصيل المذكور والجمع بين الأختين. ~~الفرع الثالث: التحريم الحاصل بسبب المصاهرة إنما حصل بنكاح صحيح فلو زنى ~~بامرأة لم تحرم عليه أمها ولا بنتها لو أراد أن يتزوج بهن وكذلك لا تحرم ~~المزني بها على آباء الزاني ولا أبنائه إنما تتعلق الحرمة بنكاح صحيح أو ~~بنكاح فاسد يجب لها به الصداق وتجب عليها العدة ويلحق به الولد. # وهذا قول علي وابن عباس ms0671 وبه قال سعيد بن المسيب وعروة بين الزبير ~~والزهري وإليه ذهب مالك والشافعي وفقهاء الحجاز. وذهب قوم إلى أن الزنى ~~يتعلق به تحريم المصاهرة يروى ذلك عن عمران بن حصين وأبي هريرة وبه قال ~~جابر بن زيد والحسن وأهل العراق. ولو لمس امرأة أجنبية بشهوة أو قبلها هل ~~يجعل ذلك كالدخول في إثبات تحريم المصاهرة وكذلك لو مس أمراة بشهوة هل ~~يجعل ذلك كالوطء في تحريم الربيبة؟ فيه قولان: أصحهما أنه تثبت به حرمة ~~المصاهرة وهو قول أكثر أهل العلم والثاني لا تثبيت به كما لا تثبت ~~بالنظرة بشهوة. ### || [4.24] # قوله تعالى: { والمحصنات } يعني حرمت المحصنات { من النساء } وأصل ~~الإحصان في اللغة المنع والحصان بالفتح المرأة العفيفة ويطلق الإحصان على ~~المرأة ذات الزوج والحرة والعفيفة والمرأة المسلمة والمراد من الإحصان في ~~قوله والمحصنات ذوات الأزواج من النساء فلا يحل لأحد نكاحهن قبل مفارقة ~~أزواجهن وهذه هي السابعة من النساء التي حرمن بالسبب. قال أبو سعيد ~~الخدري: نزلت هذه الآية في نساءكن هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولهن أزواج فتزوجن ببعض المسلمين ثم قدم أزواجهن مهاجرين فنهى الله ~~المسلمين عن نكاحهن ثم استثنى فقال تعالى: { إلا ما ملكت أيمانكم } يعني ~~السبايا اللاتي سبين ولهن أزواج في دار الحرب، فيحل لمالكهن وطؤهن بعد ~~الاستبراء لأن السبي يرتفع به النكاح بينها وبين زوجها قال أبو سعيد ~~الخدري: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا إلى أوطاس فأصابوا سبايا ~~لهن أزواج من المشركين فكرهوا غشيانهن فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال ~~ابن مسعود: أراد أنه إذا باع الجارية المزوجة فتقع الفرقة بينها وبين ~~زوجها ويكون بيعها طلاقا فيحل للمشتري وطؤها. وقال عطاء: أراد بقوله إلا ~~ما ملكت أيمانكم أن تكون أمته في نكاح عبده فيجوز له أن ينتزعها منه وقيل ~~أراد بالمحصنات من النساء الحرائر ومعناه أن ما فوق الأربع منهن فإنه ~~عليكم حرام إلا ما ملكت أيمانكم فإنه لا عدد عليكم في الجواري ولا حصر { ~~كتاب الله عليكم } يعني ms0672 حرمت عليكم أمهاتكم وكتب عليكم هذا كتابا وقيل ~~معناه الزموا كتاب الله وقيل معناه كتابا من الله عليكم بمعنى كتب الله ~~تحريم ما حرم عليكم من ذلك وتحليل ما حلل كتابا { وأحل لكم ما وراء ذلكم ~~} يعني وأحل الله لكم ما سوى ذلكم الذي ذكر من المحرمات. وظاهر هذه الآية ~~يقتضي حل ما سوى المذكورين من الأصناف المحرمات، لكن قد دل الدليل من ~~السنة بتحريم أصناف أخر سوى ما ذكر فمن ذلك أنه يحرم الجمع بين المرأة ~~وعمتها وبين المرأة وخالتها ومن ذلك المطلقة ثلاثا لا تحل لزوجها الأول ~~حتى تنكح زوجا غيره ومن ذلك نكاح المعتدة فلا تحل للأزواج حتى تنقضي ~~عدتها ومن ذلك أن من كان في نكاحه حرة لم يجز له أن يتنزوج بأمة والقادر ~~على طول الحرة لم يجز له أن يتزوج بالأمة ومن ذلك من كان عنده أربع نسوة ~~حرم عليه أن يتزوج بخامسة ومن ذلك الملاعنة فإنها محرمة على الملاعن ~~بالتأبيد فهذه أصناف من المحرمات سوى ما ذكر في الآية فعلى هذا يكون قوله ~~تعالى: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } ورد بلفظ العموم لكن العموم دخله ~~التخصيص فيكون عاما مخصوصا. # وقوله تعالى: { أن تبتغوا بأموالكم } فيه إضمار تقديره وأحل لكم أن ~~تبتغوا أي تطلبوا بأموالكم أن تنكحوا بصداق أو تشتروا بثمن. وفي الآية ~~دليل على أن الصداق لا يتقدر بشيء فيجوز على القليل والكثير لإطلاق قوله ~~تعالى: { أن تبتغوا بأموالكم محصنين } يعني متزوجين وقيل متعففين { غير ~~مسافحين } يعني غير زانين والسفاح الفجور وأصله من السفح وهو الصب وإنما ~~سمي الزنى سفاحا لأن الزاني لا غرض له إلا صب النطفة فقط. قوله تعالى: { ~~فما استمتعتم به منهن } اختلفوا في معناه فقال الحسن ومجاهد: أراد ما ~~انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بنكاح صحيح لأن أصل الاستمتاع في ~~اللغة الانتفاع وكل ما انتفع به فهو متاع { فآتوهن أجورهن } يعني مهورهن ~~وإنما سمي المهر أجرا لأنه بدل المنافع ليس بدل الأعيان كما سمي بدل ~~منافع الدار والدابة أجرا. ms0673 وقال قوم المراد من حكم الآية وهو نكاح ~~المتعة وهو أن ينكح امرأة إلى مدة معلومة بشيء معلوم فإذا انقضت تلك ~~المدة بانت منه بغير طلاق ويستبرئ رحمها وليس بينهما ميراث وكان هذا في ~~ابتداء الإسلام ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة فحرمها م ~~عن سبرة بن معبد الجهني أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال # " يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد ~~حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا ~~مما آتيتموهن شيئا " # وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم أي أن نكاح المتعة ~~حرام والآية منسوخة واختلفوا في ناسخها فقيل نسخت بالسنة وهو ما تقدم من ~~حديث سبرة الجهني ق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: " نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر ~~الإنسية " وهذا على مذهب من يقول إن السنة تنسخ القرآن ومذهب الشافعي في ~~أن السنة لا تنسخ القرآن فعلى هذا يقول: إن ناسخ هذه الآية قوله تعالى ~~في سورة المؤمنون: # والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين # [المؤمنون: 5-6] والمنكوحة في المتعة ليست بزوجة ولا ملك يمين واختلفت ~~الروايات عن ابن عباس في المتعة فروي عنه أن الآية محكمة وكان يرخص في ~~المتعة. قال عمارة سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ فقال لا ~~سفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟ قال متعة؟ قال الله تعالى فما به منهن قلت ~~هل لها عدة قال نعم؟ حيضة قلت هل يتوارثان؟ قال لا وروى أن الناس لما ~~ذكروا الأشعار في فتيا ابن عباس بالمتعة قال: قاتلهم الله أنا ما أفتيت ~~بإباحتها على الإطلاق لكن قلت إنما تحل للمضطر كما تحل الميتة له وروي ~~أنه رجع عنه. # وقال بتحريمها وروى عطاء الخرساني عن ابن عباس في ms0674 قوله فما استمتعتم به ~~منهن إنها صارت منسوخة بقوله: # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن # [الطلاق: 1] وروى سالم بن عبدالله بن عمر أن عمر بن الخطاب صعد المنبر ~~فحمد الله واثنى عليه ثم قال ما بال أقوام ينكحون هذه المتعة وقد نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها لا أجد رجلا نكحها إلا رجمته ~~بالحجارة وقال هدم المتعة: النكاح والطلاق والعدة والميراث قال الشافعي: ~~لا أعلم في الإسلام شيئا أحل ثم حرم ثم أحل ثم حرم غير المتعة. وقال أبو ~~عبيد: المسلمون اليوم مجمعون على أن متعة النساء قد نسخت بالتحريم نسخها ~~الكتاب والسنة هذا قول أهل العلم جميعا من أهل: الحجاز الشام والعراق ~~من أصحاب الأثر والرأي وأنه لا رخصة فيها لمضطر ولا لغيره قال ابن الجوزي ~~في تفسيره: وقد تكلف قوم من مفسري القرآن فقالوا: المراد بهذه الآية نكاح ~~المتعة ثم نسخت بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن متعة ~~النساء وهذا تكلف لا يحتاج إليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز ~~المتعة ثم منع منها فحرمها فكان قوله منسوخا بقوله وأما الآية فإنها لم ~~تتضمن جواز المتعة لأنه تعالى قال فيها إن تبتغوا بأموالكم محصنين غير ~~مسافحين فدل ذلك على النكاح الصحيح. قال الزجاج ومعنى قوله فما استمتعتم ~~به منهن فما نكحتموه على الشرائط التي جرت وهو قوله محصنين غير مسافحين ~~أي عاقدين التزويج. وقال ابن جرير الطبري: أولى التأويلين في ذلك بالصواب ~~تأويل من تأوله فما نكحتموه منهن فجامعتموهن فآتوهن أجورهن لقيام الحجة ~~بتحريم الله تعالى متعة النساء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقوله تعالى: { فآتوهن أجورهن } يعني مهورهن { فريضة } يعني لازمة وواجبة ~~{ ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } اختلفوا فيه فمن حمل ~~ما قبله على نكاح المتعة قال: أراد إنهما إذا عقد عقدا إلى أجل على مال ~~فإذا تم الأجل فإن شاءت المرأة زادت في الأجل وزاد الرجل في الأجر، وإن ms0675 ~~لم يتراضيا فارقها وقد تقدم أن ذلك كان جائزا ثم نسخ وحرم ومن حمل الآية ~~على الاستمتاع بالنكاح الصحيح. قال المراد بقوله ولا جناح عليكم فيما ~~تراضيتم به يعني من الإبراء من المهر والافتداء والاعتياض. وقال الزجاج ~~معناه لا جناح عليكم أن تهب المرأة للزوج مهرها وأن يهب الرجل للمرأة ~~التي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب عليه { إن الله كان عليما } ~~يعني بما يصلحكم أيها الناس في مناكحكم وغيرها من سائر أموركم { حكيما } ~~يعني فيما دبر لكم من التدبير وفيما يأمركم به وينهاكم عنه ولا يدخل حكمه ~~خلل ولا زلل. # فصل في قدر الصداق وما يستحب منه اعلم أنه لا تقدير لأكثر الصداق لقوله ~~تعالى: # وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا # [النساء: 20] والمستحب أن لا يغالي فيه قال عمر بن الخطاب رضي الله ~~تعالى عنه: ألا لا تغالوا في صدقة النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا ~~وتقوى عند الله لكان أولاكم بها نبي الله صلى الله عليه وسلم ما علمت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئا من نسائه ولا أنكح شيئا من ~~بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية أخرجه الترمذي ولأبي داود نحوه م عن ~~أبي سلمة قال: سألت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كم كان صداق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشر أوقية ونشا ~~قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا قالت: نصف أوقية فذلك خمسمائة درهم واختلف ~~العلماء في أقل الصداق فذهب جماعة إلى أنه لا تقدير لأقله بل كل ما جاز ~~أن يكون مبيعا أو ثمنا جاز أن يكون صداقا وهو قول ربيعة وسفيان الثوري ~~والشافعي وأحمد وإسحاق وقال قوم يتقدر الصداق بنصاب السرقة وهو قول مالك ~~وأبي حنيفة. غير أن نصاب السرقة عند مالك ثلاث دراهم وعند أبي حنيفة عشرة ~~دراهم والدليل على أن الصداق لا يتقدر ما روي عن سهل بن سعد الساعدي قال: # " جاءت امرأة إلى النبي صلى الله ms0676 عليه وسلم فقالت يا رسول الله قد وهبت ~~نفسي لك فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد النظر فيها وصوبه ~~ثم طأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه فلما رأت المرأة أنه لم يقض ~~فيها شيئا جلست فقام رجل من أصحابه فقال يا رسول الله إن لم تكن لك بها ~~حاجة فزوجنيها فقال: " فهل عندك من شيء "؟ فقال لا والله يا رسول الله ~~فقال: " اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا؟ " فذهب ثم رجع فقال: لا والله ~~ما وجدت شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انظر ولو خاتما من ~~حديد " فذهب ثم رجع فقال لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد ولكن ~~إزاري هذا. قال سهل ما له رداء فلها نصفه فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته لم يكن ~~عليك منه شيء " فجلس الرجل حتى طال مجلسه قام فرآه النبي صلى الله عليه ~~وسلم موليا فأمر به فدعا له فلما جاء قال: " ماذا معك من القرآن " قال: ~~معي سورة كذا وسورة كذا عددها قال: " تقرأهن عن ظهر قلب "؟ قال: نعم. ~~قال: " اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن " # وفي رواية: # " فقد زوجتكها تعلمها من القرآن " # وفي رواية: # " فقد أنكحناكها بما معك من القرآن " # أخرجاه في الصحيحين وهذا لفظ الحميدي. ففي هذا الحديث دليل على أنه لا ~~تقدير لأقل الصداق لأنه هل تجد شيئا فهذا يدل على جواز أي شيء كان من ~~المال ثم قال ولو خاتما من حديد ولا قيمة له إلا القليل التافه وفيه ~~دليل على أنه يجوز أن يجعل تعليم القرآن صداقا وهو قول الشافعي ومنعه ~~أصحاب الرأي عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من أعطى من صداق امرأة ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل " # أخرجه أبو داود عن عبدالله بن عامر عن أبيه # " أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال لها ms0677 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " أرضيت من نفسك ومالك بنعلين قالت نعم فأجازه " # أخرجه الترمذي وقال عمر بن الخطاب: ثلاث قبضات من زبيب مهر. ### || [4.25] # قوله عز وجل: { ومن لم يستطع منكم طولا } يعني فضلا وسعة وإنما سمي ~~الغني طولا لأنه ينال به من المراد ما لا ينال مع الفقر والطول هنا ~~كناية عما يصرف إلى المهر والنفقة { أن ينكح المحصنات } يعني الحرائر { ~~المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم } يعني جارية أخيك المؤمن فإن الإنسان لا ~~يجوز له أن يتزوج بجارية نفسه { من فتياتكم المؤمنات } المعنى من لم يقدر ~~على مهر الحرة المؤمنة فليتزوج الأمة المؤمنة والفتيات الجواري المملوكات ~~جمع فتاة يقال للأمة فتاة والعبد فتى. وفي الآية دليل على أنه لا يجوز ~~للحر نكاح الأمة إلا بشرطين: أحدهما أن لا يجد مهر حرة لأنه جرت العادة ~~في الإماء بتخفيف مهورهن ونفقتهن وسبب ذلك اشتغالهن بخدمة ساداتهن. ~~والشرط الثاني وهو خوف العنت على نفسه وهو قوله تعالى ذلك لمن خشي العنت ~~منكم. قال ابن عباس: هو الزنا وهذا قول جابر وابن عباس وسعيد بن جبير ~~وطاوس ومسروق ومكحول وعمرو بن دينار وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد. وروي ~~عن علي والحسن البصري وابن المسيب ومجاهد والزهري أنه يجوز للحر أن ينكح ~~الأمة وإن كان موسرا وهو مذهب أبي حنيفة إلا أن يكون في نكاح حرة والسبب ~~مع منع الحر من نكاح الأمة إلا عند خوف العنة إن الولد يتبع الأم في الرق ~~والحرية، وإذا كانت الأم رقيقة كان الولد رقيقا وذلك نقص في حق الحر وفي ~~حق ولده ولأن حق السيد أعظم من حق الزوج فربما احتاج الزوج إليها فلا يجد ~~إليها سبيلا لأن للسيد حبسها لخدمته ولأن مهرها ملك السيد فلا تقدر على ~~هبته من زوجها ولا أن تبرئه منه بخلاف الحرة فلهذا السبب منع الله من ~~نكاح الأمة إلاعلى سبيل الرخصة والاضطرار ويجوز للعبد نكاح الأمة وإن كان ~~في نكاحه حرة. وعند أبي حنيفة لا يجوز له إذا كانت ms0678 تحته حرة كما يقول في ~~الحر وفي الآية دليل على أنه لا يجوز للمسلم حرا كان أو عبدا نكاح ~~الأمة الكتابية لقوله تعالى: { من فتياتكم المؤمنات } يفيد جواز نكاح ~~الأمة المؤمنة دون الكتابية لأن فيها نوعين من النقص وهما: الرق والكفر ~~بخلاف الأمة المؤمنة لأن فيها نقصا واحدا وهو الرق وهذا قول مجاهد ~~والحسن وإليه ذهب مالك والشافعي وقال أبو حنيفة: يجوز التزويج بالأمة ~~الكتابية وبالاتفاق يجوز وطء الأمة الكتابية بملك اليمين وقوله تعالى: { ~~والله أعلم بأيمانكم } قال الزجاج أي اعملوا على الظاهر في الإيمان ~~فإنكم متعبدون بما ظهر والله يتولى السرائر والحقائق وقيل معناه لا ~~تتعرضوا للباطن في الإيمان وخذوا بالظاهر فإن الله أعلم بإيمانكم { بعضكم ~~من بعض } يعني أنكم كلكم من نفس واحدة فلا تستنكفوا من نكاح الإماء عند ~~الضرورة وإنما قيل لهم ذلك لأن العرب كانت تفتخر بالأنساب والأحساب ~~ويسمون ابن الأمة الهجين فأعلم الله تعالى أن ذلك أمر لا يلتفت إليه فلا ~~يتداخلنكم شموخ وأنفة من التزويج بالإماء، فإنكم متساوون في النسب إلى ~~آدم وقيل إن معناه إن دينكم واحد وهو الإيمان وأنتم مشتركون فيه فمتى وقع ~~لأحدكم الضرورة جاز له أن يتزوج بالأمة عند خوف العنت. # وقال ابن عباس: يريد أن المؤمنين بعضهم أكفاء بعض { فانكحوهن بإذن أهلهن ~~} يعني اخطبوا الإماء إلى ساداتهن واتفق العلماء على أن نكاح الأمة بغير ~~إذن سيدها باطل لأن الله تعالى جعل إذنه السيد شرطا في جواز نكاح الأمة ~~{ وآتوهن أجورهن } يعني مهورهن { بالمعروف } يعني من غير مطل ولا ضرار. ~~وقيل معناه وآتوهن مهور أمثالهن وأجمعوا على أن المهر للسيد لأنه ملكه ~~وإنما أضيف إيتاء المهر إلى الإماء لأنه ثمن بضعهن { محصنات } يعني عفائف ~~{ غير مسافحات } يعني غير زانيات { ولا متخذات أخدان } جمع خدن وهو ~~الصاحب الذي يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن وأكثر ما يستعمل فيمن يصاحب ~~بشهوة يقال خدن المرأة وخدينها يعني حبها الذي يزني بها في السر. قال ~~الحسن: المسافحة هي التي كل من دعاها تبعته ms0679 وذات الأخذان هي التي تختص ~~بواحد ولا تزني مع غيره وكانت العرب في الجاهلية تحرم الأولى وتجوز ~~الثانية فلما كان الفرق معتبرا عندهم لا جرم أن الله تعالى أفرد كل واحد ~~من هذين القسمين بالذكر ونص على تحريمهما معا { فإذا أحصن } قرئ بفتح ~~الألف والصاد ومعناه حفظن فروجهن، وقيل معناه أسلمن وقرأ حفص بضم الألف ~~وكسر الصاد ومعناه زوجن { فإن أتين بفاحشة } يعني بزنى { فعليهن نصف ما ~~على المحصنات من العذاب } يعني فعلى الإماء اللاتي زنين نصف ما على ~~الحرائر الأبكار إذا زنين من الجلد ويجلد العبد الزنا إذا زنا خمسين جلدة ~~ولا فرق بين المملوك المتزوج وغير المتزوج فإنه يجلد خمسين ولا رجم عليه ~~هذا قول أكثر العلماء ويروى عن ابن عباس وقال طاوس: أنه لا حد على من لم ~~يتزوج من المماليك إذا زنى لأن الله تعالى قال فإذا أحصن والذي لم يتزوج ~~ليس بمحصن وأجيب عنه بأن معنى الإحصان عند الأكثرين الإسلام، وإن كان ~~المراد منه التزويج فليس المراد منه أن التزويج شرط لوجوب الحد عليه بل ~~المراد منه التنبيه على أن المملوك وإن كان محصنا فلا رجم عليه إنما حده ~~الجلد، بخلاف الحر فحد الأمة ثابت بهذه الآية وبيان أنه بالجلد لا بالرجم ~~ثابت بالحديث وهو ما روي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن ~~زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ~~ولو بحبل من شعر " # أخرجاه في الصحيحين قوله ولا يثرب عليها أي لا يعيرها والتثريب التأبين ~~والتعيير والاستقصاء في اللوم قال الشيخ محيي الدين النواوي: وهذا البيع ~~المأمور به في الحديث مستحب وليس بواجب عندنا وعند الجمهور وقال داود ~~وأهل الظاهر هو واجب وفيه جواز بيع الشيء الثمين بالثمن الحقير وهذا ~~البيع المأمور به يلزم صاحبه أن يبين حالها للمشتري لأنه عيب والإخبار ~~بالعيب واجب. فإن قيل كيف يكره شيئا ms0680 ويرتضيه لأخيه المسلم. فالجواب ~~لعلها تستعف عند المشتري بأن يعفها بنفسه أو يصونها بهيبته أو بالإحسان ~~إليها أو يزوجها أو غير ذلك والله أعلم. { ذلك } إشار إلى نكاح الأمة { ~~لمن خشي العنت منكم } يعني الزنا والمعنى ذلك لمن خاف أن تحمله شدة الشبق ~~والغلمة وشدة الشهوة على الزنى وإنما سمي الزنى بالعنت لما يعقبه من ~~المشقة وهي شدة العزوبة فأباح الله تعالى نكاح الإماء بثلاثة شروط: عدم ~~القدرة على نكاح الحرة وخوف العنت وكون الأمة مؤمنة { وأن تصبروا } يعني ~~عن نكاح الإماء متعففين { خير لكم } يعني كيلا يكون الولد عبدا رقيقا { ~~والله غفور رحيم } وهذا كالتوليد لما تقدم يعني أنه تعالى غفر لكم ورحمكم ~~حيث أباح لكم ما أنتم محتاجون إليه. ### || [4.26-29] # قوله تعالى: { يريد الله ليبين لكم } اللام في قوله ليبين معناه أن يبين ~~وقيل معناه يريد إنزال هذه الآيات من أجل أن يبين لكم دينكم ويوضح لكم ~~شرعكم ومصالح أموركم وقيل يبين لكم ما يقربكم منه وقيل يبين أن الصبر على ~~نكاح الإماء خير لكم { ويهديكم } أي ويرشدكم { سنن الذين من قبلكم } أي ~~شرائع من قبلكم في تحريم الأمهات والبنات والأخوات فإنها كانت محرمة على ~~من قبلكم وقيل معناه يرشدكم إلى ما لكم فيه مصلحة كما بينه لمن كان ~~قبلكم، وقيل معناه ويهديكم إلى الملة الحنيفية وهي ملة إبراهيم عليه ~~السلام و { يتوب عليكم } يعني ويتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبين لكم ~~ويرجع بكم عن المعصية التي كنتم عليها إلى طاعته، وقيل لما بين لنا أمر ~~الشرائع والمصالح وأرشدنا إلى طاعته فربما وقع منا تقصير وتفريط فيما أمر ~~به وبينه فلا جرم أنه تعالى قال ويتوب عليكم { والله عليم } يعني بمصالح ~~عباده في أمر دينهم ودنياهم { حكيم } يعني فيما دبر من أمورهم. { والله ~~يريد أن يتوب عليكم } قال ابن عباس معناه يريد أن يخرجكم من كل ما يكره ~~إلى ما يحب ويرضى. وقيل معناه يدلكم على ما يكون سببا لتوبتكم التي يغفر ~~لكم ما سلف من ذنوبكم ms0681 وقيل معناه إن وقع منكم تقصير في دينه فيتوب عليكم ~~ويغفر لكم { ويريد الذين يتبعون الشهوات } قيل هم اليهود والنصارى وقيل ~~هم اليهود خاصة لأنهم يقولون إن نكاح بنت الأخت من الأب حلال. وقيل هم ~~المجوس لأنهم يستحلون نكاح الأخوات وبنات الإخوة فلما حرمهن الله قالوا ~~إنكم تحلون بنت الخالة وبنت العمة والخالة والعمة عليكم فانكحوا بنات ~~الأخ والأخت فنزلت هذه الآية. وقيل هم الزناة يريدون أن تكونوا مثلهم { ~~أن تميلوا } يعني عن الحق وقصد السبيل بالمعصية { ميلا عظيما } يعني ~~بإتيانكم ما حرم الله عليكم { يريد الله أن يخفف عنكم } يعني ليسهل عليكم ~~أحكام الشرائع فهو عام في كل أحكام الشرع وجميع ما يسره لنا وسهله علينا ~~إحسانا منه إلينا وتفضلا ولطفا علينا، ولم يثقل التكاليف علينا كما ~~ثقلها على بني إسرائيل فهو كقوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر وقوله تعالى: # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78] وكما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " بعثت بالحنيفية السهلة السمحة " # وقوله تعالى: { وخلق الإنسان ضعيفا } يعني في قلة الصبر عن النساء فلا ~~صبر له عنهن وقيل إنه لضعفه يستميله هواه فهو ضعيف العزم عن قهر الهوى ~~وقيل هو ضعيف في أصل الخلقة لأنه خلق من ماء مهين. قوله عز وجل: { يا ~~أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } يعني بالحرام الذي ~~لا يحل في الشرع كالربا والقمار والغصب والسرقة والخيانة وشهادة الزور ~~وأخذ المال باليمين الكاذبة ونحو ذلك. # وإنما خص الأكل بالذكر ونهى عنه تنبيها على غيره من جميع التصرفات ~~الواقعة على وجه الباطل لأن معظم المقصود من المال الأكل، وقيل يدخل فيه ~~أكل ماله نفسه بالباطل ومال غيره أما أكل ماله بالباطل فهو إنفاقه في ~~المعاصي، وأما أكل مال غيره فقد تقدم معناه وقيل يدخل في أكل المال ~~الباطل جميع العقود الفاسدة. وقوله تعالى: { إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم } هذا الاستثناء منقطع لأن التجارة عن تراض ليست من جنس ms0682 أكل المال ~~بالباطل فكان إلا ها هنا بمعنى لكن يحل أكله بالتجارة عن تراض يعني بطيبة ~~نفس كل واحد منكم. وقيل هو أن يخير كل واحد من المتبايعين صاحبه بعد ~~البيع فيلزم وإلا فلهما الخيار ما لم يتفرقا لما روي عن ابن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا ~~أو يخير أحدهما الآخر فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب ~~البيع وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع ~~" # أخرجاه في الصحيحين. قوله تعالى: { ولا تقتلوا أنفسكم } أي لا يقتل ~~بعضكم بعضا وإنما قال أنفسكم لأنهم أهل دين واحد فهم كنفس واحدة وصح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع # " ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " # وقيل إن هذا نهي للإنسان عن قتل نفسه ق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا ~~فيها أبدا ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم ~~خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها ~~في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا " # قوله يتردى التردي هو الوقوع من موضع عال إلى أسفل قوله يتوجأ يقال ~~وجأته بالسكين إذا ضربته بها وهو يتوجأ أي يضرب بها نفسه ق عن جندب عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " كان برجل جراح فقتل نفسه فقال الله تبارك وتعالى: بدرني عبدي بنفسه ~~حرمت عليه الجنة " # وفي رواية قال: # " كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا فحزبها يده فما رقأ ~~الدم حتى مات فقال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة " # وقيل في معنى قتل الإنسان نفسه أن لا يفعل شيئا يستحق به القتل مثل أن ~~يقتل فيقتل ms0683 به فيكون هو الذي تسبب في قتل نفسه، وقيل معناه ولا تقتلوا ~~أنفسكم بأكل المال بالباطل وقيل معناه ولا تهلكوا أنفسكم بأن تعملوا ~~عملا ربما أدى إلى قتلها { إن الله كان بكم رحيما } يعني أنه تعالى من ~~رحمته بكم نهاكم عن كل شيء تستوجبون به مشقة أو محنة وقيل إنه تعالى أمر ~~بني إسرائيل بقتل أنفسهم ليكون ذلك توبة لهم وكان بكم يا أمة محمد رحيما ~~حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الشاقة الصعبة. ### || [4.30-31] # { ومن يفعل ذلك } يعني ما سبق ذكره من قتل النفس المحرمة لأن الضمير ~~يعود إلى أقرب المذكورات وقيل: إنه يعود إلى قتل النفس وأكل المال ~~بالباطل لأنهما مذكوران في آية وقيل إنه يعود إلى كل ما نهى الله عنه من ~~أول السورة إلى هنا { عدوانا وظلما } يعني يتجاوز الحد فيضع الشيء في ~~غير موضعه فلذلك قيده بالعدوان والظلم لأنه قد يكون القتل بحق، وهو ~~القصاص وكذلك قد يكون أخذ المال بحق فلهذا السبب قيده بالوعيد وما كان ~~على وجه العدوان والظلم وهو قوله تعالى: { فسوف نصليه نارا } أي ندخله ~~في الآخرة نارا يصلى فيها { وكان ذلك على الله يسيرا } أي هينا قادرا ~~على ما يريد. قوله عز وجل: { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } اجتناب ~~الشيء المباعدة عنه وتركه جانبا والكبيرة ما كبر وعظم من الذنوب وعظمت ~~عقوبته وقبل ذكر التفسير نذكر الأحاديث الواردة في الكبائر فمن ذلك ما ~~روي عن أبي بكرة قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا قلنا بلى يا رسول الله قال: الإشراك ~~بالله وعقوق الوالدين ألا وشهادة الزور وقول الزور وكان متكئا فجلس فما ~~زال يكررها حتى قلنا ليته سكت " # أخرجاه في الصحيحين ق عن أنس بن مالك قال: # " ذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر فقال: الشرك بالله ~~وعقوق الوالدين وقتل النفس وقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قول الزور أو ~~قال شهادة الزور " # ق عن أبي هريرة أن رسول الله ms0684 صلى الله عليه وسلم قال: # " " اجتنبوا السبع الموبقات " قيل يا رسول الله وما هن؟ قال: " الشرك ~~بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم ~~والزنى والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " # خ # " عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم ~~عند الله؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت إن ذلك لعظيم ثم أي قال ~~أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قلت ثم أي قال تزاني بحليلة جارك " # ق عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس " # وفي رواية # " أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما ~~الكبائر؟ قال: " الإشراك بالله قال ثم ماذا قال اليمين الغموس قلت وما ~~اليمين الغموس قال الذي يقتطع مال امرئ مسلم بيمين هو فيها كاذب " # ق عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا: وهل يشتم الرجل والديه؟ قال ~~نعم: يسب الرجل أبا الرجل أو أمه: فيسب أباه أو أمه " # وفي رواية من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه وذكر الحديث. وقال ~~عبدالله بن مسعود: أكبر الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله ~~والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله وعند سعيد بن جبير أن رجلا سأل ~~ابن عباس عن الكبائر أسبع هي قال هي إلى السبعمائة أقرب وفي رواية إلى ~~السبعين أقرب إلا أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار وقال كل ~~شيء عصي الله به فهو كبيرة فمن عمل شيئا منها فليستغفر الله فإن الله لا ~~يخلد في النار من هذه الأمة إلا من كان راجعا عن الإسلام أو جاحدا ~~فريضة أو مكذبا بقدر وقال علي بن أبي طالب: كل ذنب ختمه الله بنار أو ~~غضب أو لعنة أو عذاب فهو كبيرة. وقال سفيان الثوري: الكبائر ما كان ms0685 فيه ~~المظالم فيما بينك وبين العباد والصغائر ما كان بينك وبين الله تعالى لأن ~~الله تعالى كريم يغفر ويعفو واحتج لذلك بما روي عن أنس بن مالك قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة يا أمة محمد إن الله قد عفا ~~عنكم جميعا المؤمنين والمؤمنات تواهبوا المظالم وادخلوا الجنة برحمتي " # وقال مالك بن مغول: الكبائر ذنوب أهل البدع والسيئات ذنوب أهل السنة، ~~وقيل الكبائر ذنوب العمد والسيئات الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ~~وحديث النفس المرفوع عن هذه الأمة وقال السدي: الكبائر ما نهى الله عنه ~~من الذنوب والسيئات مقدماتها وتوابعها للتي يقع فيها المصالح والفاسق مثل ~~النظرة واللمسة والقبلة واشباه ذلك ق عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة العينان زناهما ~~النظر والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش ~~والرجل زناها الخطأ والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه " # لفظ مسلم، وقيل الكبائر الشرك وما يؤدي إليه وما دونه فهو من السيئات ~~فقد ثبت بما تقدم من الأدلة أن من الذنوب كبائر وصغائر وإلى هذا ذهب ~~الجمهور من السلف والخلف. وثبت بدلائل الكتاب والسنة وإذا ثبت انقسام ~~المعاصي إلى صغائر وكبائر فقوله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه هي ~~كل ذنب عظم قبحه وعظمت عقوبته إما في الدنيا بالحدود وإما في الآخرة ~~بالعذاب عليه { نكفر عنكم سيئاتكم } يعني نسترها عليكم حتى تصير بمنزلة ~~ما لم يعمل لأن أصل التكفير الستر والتغطية فصغار الذنوب تكفر بالحسنات ~~ولا تكفر كبارها إلا بالتوبة والإقلاع عنها كما ورد في الصحيح عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن " # زاد في رواية ما لم تغش الكبائر وزاد في رواية أخرى ورمضان إلى رمضان ~~مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر أخرجه مسلم. وقوله تعالى: { وندخلكم ~~مدخلا كريما } يعني حسنا ms0686 شريفا وهو الجنة والمعنى إذا اجتنبتم ~~الكبائر وأتيتم الطاعات ندخلكم مدخلا تكرمون فيه. ### || [4.32] # قوله عز وجل: { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } أصل التمني ~~إرادة الشيء وتشهي حصول ذلك الأمر المرغوب فيه ومنه حديث النفس بما يكون ~~وبما لا يكون وقيل التمني تقدير الشيء في النفس وتصويره فيها وذلك قد ~~يكون عن تخمين وظن، وقد يكون عن رؤية وأكثر التمني تصور ما لا حقيقة له ~~وقيل التمني عبارة عن إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون، عن مجاهد عن أم ~~سلمة قالت: قلت يا رسول الله يغزوا الرجال ولا تغزوا النساء وإنما لنا ~~نصف الميراث فأنزل الله تعالى ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ~~قال مجاهد: وأنزل إن المسلمين والمسلمات وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت ~~المدينة مهاجرة أخرجه الترمذي. وقال هذا حديث مرسل وقيل لما جعل الله ~~للذكر مثل حظ الأنثيين من الميراث قالت النساء نحن أحق وأحوج إلى زيادة ~~من الرجال لأنا ضعيفات وهم أقوى وأقدر على طلب المعاش منا فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية وقيل لما نزل قوله للذكر مثل حظ الأنثيين قالت الرجال ~~إنا لنرجو أن نفضل على النساء في الحسنات في الآخرة فيكون لنا أجرنا على ~~ضعف أجر النساء كما فضلنا عليهن في الميراث، وقالت النساء إنا لنرجو أن ~~يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال كما لنا في الميراث النصف من نصيبهم: ~~فنزلت هذه الآية والتمني على قسمين: أحدهما أن يتمنى الإنسان أن يحصل له ~~مال غيره مع زوال تلك النعمة عن ذلك الغير فهذا القسم هو الحسد وهو مذموم ~~لأن الله تعالى يفيض نعمه على من يشاء من عباده وهذا الحاسد يعترض على ~~الله تعالى فيما فعل وربما اعتقد في نفسه أنه أحق بتلك النعمة من ذلك ~~الإنسان أيضا فهذا اعتراض على الله أيضا وهو مذموم. القسم الثاني أن ~~يتمنى مثل مال غيره ولا يحب أن يزول ذلك المال عن الغير وهذا هو الغبطة ~~وهذا ms0687 ليس بمذموم. ومن الناس من منع منه أيضا قال لأن تلك النعمة ربما ~~كانت مفسدة في حقه في الدين والدنيا. قال الحسن: لا تتمنى مال فلان ولا ~~تدري لعل هلاكك في ذلك المال فيعلم العبد أن الله عز وجل أعلم بمصالح ~~عباده فليرض بقضائه ولتكن أمنيته الزيادة من عمل الآخرة وليقل: اللهم ~~اعطني ما يكون صلاحا في ديني ودنياي ومعادي. وقوله تعالى: { للرجال نصيب ~~مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } قال ابن عباس: يعني مما ترك ~~الوالدان والأقربون من الميراث يقول للذكر مثل حظ الأنثيين وقيل هذا ~~الاكتساب في الآخرة يعني أن الرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء لأن ~~الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها يستوي في ذلك الرجال والنساء وإن فضل ~~الرجال في الدنيا على النساء وقيل للرجال نصيب مما اكتسبوا من أمر الجهاد ~~وللنساء نصيب مما اكتسبن يعني من طاعة الأزواج وحفظ الفروج { واسألوا ~~الله من فضله } قال ابن عباس: يعني من رزقه وقيل من عبادته وهو سؤال ~~التوفيق للعبادة وقيل لم يأمر الله عباده بالمسألة إلا ليعطيهم وفيه ~~تنبيه على أن العبد لا يعين شيئا في الدعاء والطلب لكن يطلب من فضل الله ~~ما يكون سببا لصلاح دينه ودنياه وآخرته وقيل لما تمنى النساء أن يكن ~~رجالا وأن يكون لهن مثل ما للرجال نهاهن الله عن ذلك وأمرهن أن يسألوه ~~من فضله فإنه أعلم بمصالح عباده { إن الله كان بكل شيء عليما } يعني أنه ~~تعالى عليم بما يكون صلاحا للسائلين فليقتصر السائل على المجمل في الطلب ~~فإن الله تعالى عليم بما يصلحه فلا يتمنى غير الذي قدر له. ### || [4.33] # قوله تعالى: { ولكل } يعني من الرجال والنساء { جعلنا موالي } يعني ورثة ~~من بني عم وإخوة سائر العصبات { مما ترك } يعني يرثون مما ترك { الوالدان ~~والأقربون } من ميراثهم فعلى هذا الوالدان والأقربون هم المورثون وقيل ~~معناه ولكل جعلنا موالي أي ورثة مما ترك وتكون ما بمعنى يعني من من تركهم ~~الميت ثم فسر الموالي فقال الوالدان والأقربون هم الوارثون. ms0688 والمعنى ولكل ~~شخص جعلنا ورثة ممن تركهم وهم والداه وأقربوه والقول الأول أصح لأنه مروي ~~عن ابن عباس وغيره { والذين عاقدت أيمانكم } وقرئ عقدت بغير ألف مع ~~التخفيف والمعاقدة المحالفة والمعاهدة والأيمان جمع يمين يحتمل أن يراد ~~بها القسم أو اليد أو هما جميعا وذلك أنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل ~~واحد منهم بيد صاحبه وتحالفوا على الوفاء بالعهد والتمسك بذلك العقد. ~~وكان الرجل يحالف الرجل في الجاهلية ويعاقده فيقول دمي دمك، وهدمي هدمك، ~~وثأري ثأرك وحربي حربك، وسلمي سلمك ترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل ~~عني وأعقل عنك فيكون لكل واحد من الحليفين السدس في مال الآخر وكان الحكم ~~ثابتا في الجاهلية وابتداء الإسلام فذلك قوله تعالى: { فآتوهم نصيبهم } ~~يعني أعطوهم حظهم من الميراث ثم نسخ الله هذا الحكم بقوله وأولو الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في الذين ~~آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار لما قدموا ~~المدينة وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة دون النسب والرحم، فلما نزلت ولكل ~~جعلنا موالي مما ترك الوالدان نسختها ثم قال والذين عاقدت أيمانكم من ~~النصر والرفادة والنصحية وقد ذهب الميراث ويوصي له وفي رواية أخرى عنه. ~~قال والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم كان الرجل يحالف الرجل ليس ~~بينهما نسب فيرث أحدهما كالآخر فنسخ ذلك بسورة الأنفال فقال # وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله # [الأنفال: 75] وقال سعيد بن المسيب: كانوا يتوارثون بالتبني بهذه الآية ~~ثم نسخ ذلك وذهب قوم إلى أن الآية ليست بمنسوخة بل حكمها باق والمراد ~~بقوله والذين عاقدت أيمانكم الحلفاء والمراد من قوله فآتوهم نصيبهم يعني ~~من النصرة والنصيحة والموافاة والمصافاة ونحو ذلك فعلى هذا لا تكون ~~منسوخة وقيل نزلت في عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق عن داود بن الحصين قال: ~~كنت أقرأ على أم سعد بنت الربيع وكانت يتيمة في حجر أبي بكر الصديق، ~~فقرأت والذين عاقدت أيمانكم فقالت: لا تقرأ والذين عقدت أيمانكم إنما ms0689 ~~نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن حين أبى الإسلام فحلف أبو بكر أن لا ~~يورثه فلما أسلم أمره الله أن يؤتيه نصيبه أخرجه أبو داود على هذا فلا ~~نسخ أيضا فمن قال إن حكم الآية باق قال: إنما كانت المعاقدة في الجاهلية ~~على النصرة لا غير والإسلام لم يغير ذلك ويدل عليه ما روي عن جبير بن ~~مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ~~" # أخرجه مسلم. وقوله تعالى: { إن الله كان على شيء شهيدا } قال عطاء: ~~يريد أنه لم يغب عنه علم ما خلق وبرأ فعلى هذا الشهيد بمعنى الشاهد ~~والمراد منه علمه بجميع الأشياء وقيل الشهيد على الخلق يوم القيامة بكل ~~ما عملوه فعلى هذا الشاهد بمعنى المخبر وفيه وعد للطائعين ووعيد للعصاة ~~المخالفين. ### || [4.34] # قوله عز وجل: { الرجال قوامون على النساء } # " نزلت في سعد بن الربيع وكان من النقباء وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن ~~أبي زهير، ويقال امرأته بنت محمد بن مسلمة وذلك أنها نشزت عليه فلطمها ~~فانطلق أبوها معها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أفرشته كريمتي ~~فلطمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لتقتص من زوجها " فانصرفت مع ~~أبيها لتقتص منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ارجعوا هذا جبريل أتاني ~~" فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أردنا ~~أمرا وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير ورفع القصاص " # فقوله تعالى: { الرجال قوامون على النساء } أي متسلطون على تأديب النساء ~~والأخذ على أيديهن قال ابن عباس: أمروا عليهن فعلى المرأة أن تطيع زوجها ~~في طاعة الله والقوام هو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب فالرجل يقوم ~~بأمر المرأة ويجتهد في حفظها ولما أثبت القيام للرجال على النساء بين ~~السبب في ذلك فقال تعالى: { بما فضل الله بعضهم على بعض } يعني أن الله ~~تعالى فضل الرجال على النساء بأمور منها زيادة العقل والدين والولاية ~~والشهادة ms0690 والجهاد والجمعة والجماعات وبالإمامة لأن منهم الأنبياء ~~والخلفاء والأئمة ومنها أن الرجل يتزوج بأربع نسوة ولا يجوز للمرأة غير ~~زوج واحد ومنها زيادة النصيب في الميراث والتعصيب في الميراث وبيده ~~الطلاق والنكاح والرجعة وإليه الانتساب فكل هذا يدل على فضل الرجل على ~~النساء ثم قال تعالى: { وبما أنفقوا من أموالهم } يعني وبما أعطوا من ~~مهور النساء والنفقة عليهن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " # أخرجه الترمذي { فالصالحات } يعني المحسنات العاملات بالخير { قانتات } ~~أي مطيعات لأزواجهن وقيل مطيعات لله { حافظات للغيب } لفروجهن في غيبة ~~أزواجهن لئلا يلحق الزوج العار بسبب زناها ويلحق به الولد الذي هو من ~~غيره وقيل معناه حفظ سر زوجها وحفظ ماله وما يجب على المرأة من حفظ متاع ~~البيت في غيبة زوجها عن أبي هريرة قال # " قيل يا رسول الله أي النساء خير " قال التي تسره إذا نظر إليها وتطيعه ~~إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره " # أخرجه النسائي ورواه البغوي بسند الثعلبي عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت ~~عنها حفظتك في مالها ونفسها " # ثم تلا: { الرجال قوامون على النساء } الآية. وقوله تعالى: { بما حفظ ~~الله } يعني بما حفظهن الله حين أوصى بهن الأزواج وأمرهم بأداء المهر ~~والنفقة إليهن ق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " استوصوا بالنساء خيرا فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج ما في ~~الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا ~~بالنساء " # وقيل في معنى الآية بما حفظن الله وعصمهن ووفقهن لحفظ الغيب وقيل بما ~~حفظ الله من حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بعدل فيهن وإمساكهن بمعروف أو ~~تسريحهن بإحسان { واللاتي تخافون } أي تعلمون وقيل تظنون { نشوزهن } أي ~~شرورهن وأصل النشوز الارتفاع ونشوز المرأة هو ms0691 بغضها لزوجها ورفع نفسها عن ~~طاعته والتكبر عليه وقيل دلالات النشوز قد تكون بالقول والفعل. فالقول ~~مثل إن كانت تلبيه إذا دعاها وتخضع له خاطبها والفعل مثل إن كانت تقوم له ~~إذا دخل عليها وتسرع إلى أمره إذا أمرها فإذا خالفت هذه الأحوال بأن رفعت ~~صوتها عليه أو لم تجبه إذا دعاها ولم تبادر إلى أمره إذا أمرها دل ذلك ~~على نشوزها على زوجها { فعظوهن } يعني إذا ظهر منهن أمارات النشوز فعظوهن ~~بالتخويف بالقول وهو أن يقول لها اتقي الله وخافيه فإن لي عليك حقا ~~وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو ذلك فإن أصرت على ~~ذلك هجرها في المضجع وهو قوله تعالى: { واهجروهن في المضاجع } يعني إن لم ~~ينزعن عن ذلك بالقول فاهجروهن في المضاجع. قال ابن عباس: هو أن يوليها ~~ظهره في الفراش ولا يكلمها وقيل هو أن يعتزل عنها إلى فراش آخر { ~~واضربوهن } يعني إن لم ينزعن بالهجران فاضربوهن يعني ضربا غير مبرح ولا ~~شائن قيل هو أن يضربها بالسواك ونحوه. وقال الشافعي: الضرب مباح وتركه ~~أفضل عن عمرو بن الأحوص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة ~~الوداع يقول بعد أن حمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ فذكر في الحديث قصة ~~فقال: # " ألا فاستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن ~~شيئا غير ذلك إلا أن تأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع ~~واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا " # أخرجه الترمذي بزيادة فيه قوله عوان جمع عانية أي أسيرة شبه المرأة ~~ودخولها تحت حكم زوجها بالأسير والضرب المبرح الشديد الشاق. وقوله: { فإن ~~أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } أي لا تطلبوا عليهن طريقة تحتجون بها ~~عليهن إذا قمن بواجب حقكم # " عن حكيم بن معاوية عن أبيه. قال: قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا ~~عليه قال: " أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسبت ولا تضرب الوجه ولا ~~تقبح ولا تهجر إلا في البيت ms0692 " # أخرجه أبو داود قوله ولا تقبح أي لا تقل قبحك الله ق عن عبدالله بن زمعة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم لعله يجامعها أو قال يضاجعها من ~~آخر اليوم " # عن إياس بن عبدالله بن أبي ذئاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " لا تضربوا النساء " فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: زبرت النساء على أزواجهن فرخص في ضربهن فأطاف بآل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نساء كثيرون يشكون أزواجهن فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم " # أخرجه أبو داود. إياس بن عبدالله هذا قد اختلف في صحبته وقال البخاري لا ~~يعرف له صحبة قوله زبرت يقال زبرت المرأة على زوجها نشزت واجترأت عليه ~~وأطاف بالشيء أحاط به. ففي هذه الأحاديث دليل على أن الأولى ترك الضرب ~~للنساء فإن احتاج إلى ضربها لتأديب فلا يضربها ضربا شديدا وليكن ذلك ~~مفرقا ولا يوالي بالضرب على موضع واحد من بدنها وليتق الوجه لأنه يجمع ~~المحاسن ولا يبلغ بالضرب عشرة أسواط وقيل ينبغي أن يكون الضرب بالمنديل ~~واليد ولا يضرب بالسوط والعصا وبالجملة فالتخفيف بأبلغ شيء أولى في هذا ~~الباب واختلف العلماء فقال بعضهم حكم الآية مشروع على الترتيب فإن ظاهر ~~اللفظ وإن دل على الجمع إلا أن مجرى الآية يدل على الترتيب قال علي بن ~~أبي طالب رضي الله تعالى عنه: يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، ~~فإن أبت هجر مضجعها فإن أبت ضربها فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكم. وقال ~~الآخرون هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز أما عند تحقق النشوز فلا بأس ~~بالجمع بين الكل وقيل له أن يعظها عند خوف النشوز وهل له أن يهجرها فيه ~~احتمال ذلك وله عند ظهور النشوز أن يعظها وأن يهجرها أو يضربها عن عمر ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ms0693 # " لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته " # أخرجه أبو داود ق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان عليها لعنتها ~~الملائكة حتى تصبح " # وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان ~~الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها " # وفي رواية: # " إذا باتت مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح وفي أخرى " # حتى ترجع عن طلق بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا دعا الرجل امرأته إلى حاجته فلتأته وإن كانت على التنور " # أخرجه الترمذي وله عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين لا ~~تؤذيه قاتلك الله فإنما هو دخيل عندك يوشك أن يفارقك إلينا " # وله عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة " # وقوله تعالى: { فإن أطعنكم } يعني فإن رجعن عن النشوز إلى طاعتكم عند ~~هذا التأديب فلا تبغوا عليهن سبيلا يعني فلا تطلبوا عليهن الضرب ~~والهجران على سبيل التعنت والإيذاء، وقيل معناه أزيلوا عنهن التعرض ~~بالأذى والتوبيخ ولا تجنوا عليهن الذنوب وقيل معناه لا تكلفوهن محبتكم ~~فإن القلب ليس بأيديهن { إن الله كان عليا كبيرا } العلي الكبير في صفة ~~الله تعالى معناه الرفيع الذي يعلو عن وصف الواصفين ومعرفة العارفين ~~بالإطلاق الذي يستحق جميع صفات المدح والتكبير هو المستغني عن غيره وذلك ~~هو الله تعالى الموصوف بالجلال والعظمة والكبرياء وكبر الشأن الذي يصغر ~~كل أحد لكبريائه وعظمته تعالى، والمعنى إن الله متعال من أن يكلف عباده ~~ما لا يطيقونه. وقيل إن النساء وإن ضعفن عن دفع ظلم الرجال عنهن فإن الله ~~علي كبير قادر على أن ينتصف لهن ممن ظلمهن من الرجال وقيل معناه أن الله ms0694 ~~مع علوه وكبريائه يقبل توبة العاصي إذا تاب ويغفر له فإذا تابت المرأة من ~~نشوزها، فالأولى بكم أن تقبلوا توبتها وتتركوا معاتبتها واعلموا أن قدرته ~~عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم فأنتم أحق بالعفو عمن جنى عليكم. ### || [4.35] # قوله تعالى: { وإن خفتم } يعني وإن علمتم وتيقنتم وقيل معناه الظن أي ~~ظننتم { شقاق بينهما } يعني بين الزوجين وأصل الشقاق المخالفة وكون كل ~~واحد من المتخالفين في شق غير شق صاحبه أو يكون أصله من شق العصا وهو أن ~~يقول كل واحد من الزوجين ما يشق على صاحبه سماعه، وذلك أنه إذا ظهر بين ~~الزوجين شقاق ومخالفة واشتبه حالهما ولم يفعل الزوج الصلح ولا الصفح ولا ~~الفرقة وكذلك الزوجة لا تؤدي الحق ولا الفدية وخرجا إلى ما لا يحل قولا ~~وفعلا. قوله تعالى: { فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها } اختلفوا ~~في المخاطبين بهذا ومن المأمور ببعثة الحكمين، فقيل المخاطب بذلك هو ~~الإمام أو نائبه لأن تنفيذ الأحكام الشرعية إليه وقيل المخاطب بذلك كل ~~أحد من صالحي الأمة لأن قوله تعالى فابعثوا خطاب الجمع وليس حمله على ~~البعض أولى من حمله على البعض أولى من حمله على البقية فوجب حمله على ~~الكل فعلى هذا يجب أن يكون أمرا لآحاد الأمة سواء وجد الإمام أو لم ~~يوجد. فللصالحين أن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، وأيضا فهذا ~~يجري مجرى دفع الضرر فلكل واحد أن يقول به وقيل وهو خطاب للزوجين فإذا ~~حصل بينهما شقاق بعثا حكمين حكما من أهله وحكما من أهلها { إن يريدا ~~إصلاحا } يعني الحكمين وقيل الزوجين { يوفق الله بينهما } يعني بالصلاح ~~والألفة روى الشافعي بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه ~~جاءه رجل وامرأة ومع كل واحد منهما فئام من الناس فقال: علام شأن هذين؟ ~~قولوا: وقع بينهما شقاق قال علي فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ~~ثم قال للحكمين تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن ~~رأيتما أن ms0695 تفرقا فرقتما فقالت المرأة رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي ~~وقال الرجل أما الفرقة فلا قال علي كذبت والله حتى تقر بمثل ما أقرت به. ~~قال الشافعي: والمستحب أن يبعث الحاكم عدلين ويجعلهما حكمين والأولى أن ~~يكون واحد من أهله وواحد من أهلها لأن أقاربهما أعرف بحالهما من الأجانب ~~وأشد طلبا للإصلاح فإن كانا أجنبيين جاز وفائدة الحكمين أن كل واحد ~~منهما يخلو بصاحبه ويستكشف حقيقة الحال ليعرف أن رغبته في الإقامة على ~~النكاح أو في المفارقة ثم يجتمعان فيفعلان ما هو الصواب من اتفاق أو طلاق ~~أو خلع والحكمان وكيلان للزوجين وهل يجوز تنفيذ أمر يلزم الزوجين دون ~~رضاهما وإذنهما في ذلك مثل أن يطلق حكم الرجل أو يفتدي حكم المرأة بشيء ~~من مالها، فللشافعي في ذلك قولان: أحدهما أنه لا يجوز إلا برضاهما وليس ~~الحكم الزوج أن يطلق إلا بإذنه ولا لحكم المرأة أن يختلع بشيء من مالها ~~إلا بإذنها وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد لأن عليا توقف حين لم يرض الزوج ~~وذلك حين قال أما الفرقة فلا فقال له علي كذبت حتى تقر بمثل ما أقرت به ~~فثبت أن تنفيذ الأمر موقوف على إقراره ورضاها ومعنى قول علي للزوج كذبت ~~أي لست بمنصف في دعواك حيث لم تقر بمثل ما أقرت به من الرضا بحكم كتاب ~~الله لها وعليها والقول الثاني إنه يجوز بعث الحكمين دون رضاهما ويجوز ~~لكم الزوج أن يطلق دون رضاه ولحكم الزوجة أن يختلع دون رضاها إذا رأيا ~~الصلاح في ذلك كالحاكم يحكم بين الخصمين وإن لم يكن على وفق مرادهما وبه ~~قال مالك: ومن قال بهذا القول قال ليس المراد من قول علي للزوج حتى تقر ~~أن رضاه شرط بل معناه أن المرأة لما رضيت بما في كتاب الله تعالى. # فقال الرجل أما الفرقة فلا يعني ليست الفرقة في كتاب الله فقال له علي: ~~كذبت حتى أنكرت أن تكون الفرقة في كتاب الله، بل هي في كتاب الله فإن ~~قوله تعالى ms0696 يوفق الله بينهما يشتمل على الفراق وعلى غيره لأن التوفيق أن ~~يخرج كل واحد منهما من الإثم والوزر ويكون تارة ذلك بالفراق وتارة بصلاح ~~حاليهما في الوصلة. وقوله تعالى: { إن الله كان عليما خبيرا } يعني أن ~~الله تعالى يعلم كيف يوفق بين المختلفين ويجمع بين المتفرقين وفيه وعيد ~~شديد للزوجين والحكمين إن سلكوا غير طريق الحق. ### || [4.36] # قوله عز وجل: { واعبدوا الله } يعني وحدوه وأطيعوه وعبادة الله تعالى ~~عبارة عن كل فعل يأتي به العبد لمجرد الله تعالى ويدخل فيه جميع أعمال ~~القلوب وأعمال الجوارح { ولا تشركوا به شيئا } يعني وأخلصوا له في ~~العبادة ولا تجعلوا له في الربوبية والعبادة شريكا لأن من عبد مع الله ~~غيره أو أراد بعمله غير الله فقد أشرك به ولا يكون مخلصا ق عن معاذ بن ~~جبل قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير ~~أو اسمه يعفور فقال: يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده وما حق العباد ~~على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: # " فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على ~~الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا فقلت يا رسول الله أفلا أبشر الناس ~~قال لا تبشرهم فيتكلوا " # قوله هل تدري ما حق الله على عباده معناه ما يستحقه مما أوجبه وجعله ~~متحتما عليهم ثم فسر ذلك الحق بقوله أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ~~وقوله وما حق العباد على الله إنما قال حقهم على سبيل المقابلة لحقه ~~عليهم لا لأنهم يستحقون عليه شيئا ويجوز أن يكون من قول الرجل لصاحبه ~~حقك علي واجب أي متأكد قيامي به. وقوله أفلا أبشر الناس إلخ إنما قال لا ~~تبشرهم فيتكلوا. لأنه صلى الله عليه وسلم رأى ذلك أصلح لهم وأحرى أن لا ~~يتلكوا على هذه البشارة ويتركوا العمل الذي ترفع لهم به الدرجات في ~~الجنة. وقوله تعالى: { وبالوالدين إحسانا } تقديره وأحسنوا بالوالدين ~~إحسانا يعني برا بهما ms0697 وعطفا عليهما وإنما قرن بر الوالدين بعبادته ~~وتوحيده لتأكد حقهما على الولد. واعلم أن الإحسان بالوالدين هو أن يقوم ~~بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما ويسعى في تحصيل مرادهما والإنفاق عليهما ~~بقدر القدرة ق عن أبي هريرة قال: # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق ~~الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك قال ثم من؟ قال ثم أمك؟ قال ثم من؟ قال ثم ~~أمك؟ قال ثم من؟ قال ثم أبوك؟ " # وفي رواية قال: # " أمك ثم أباك ثم أدناك " # فأدناك قوله ثم أباك فيه حذف تقديره ثم بر أباك م عنه قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه قيل من يا رسول الله؟ قال من أدرك والديه ~~عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة " # قوله تعالى: { وبذي القربى } أي وأحسنوا إلى ذي القرابة وهو ذوو رحمه من ~~قبل أبيه وأمه ق عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه " # قوله ينسأ له في أثره يعني يؤخر له في أجله وعمره. وقوله تعالى: { ~~واليتامى والمساكين } أي وأحسنوا إلى اليتامى وإنما أمر بالإحسان إليهم ~~لأن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز والصغر وعدم المشفق والمسكين هو الذي ~~ركبه ذل الفاقة والفقر فتمسكن لذلك خ عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أنا وكافل اليتيم في الجنة " # هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا. عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال ~~وكالقائم الذي لا يفتر وكالصائم الذي لا يفطر " # وقوله تعالى: { والجار ذي القربى والجار الجنب } أي وأحسنوا إلى الجار ~~ذي القربى وهو الذي قرب جواره منك والجار الجنب هو الذي بعد جواره عنك ~~وقيل الجار ذي القربى هو القريب والجار ms0698 الجنب هو الأجنبي الذي ليس بينك ~~وبينه قرابة: ق عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " # وعن عائشة مثله خ # " عن عائشة رضي الله عنها قالت: " قلت: يا رسول الله إن لي جارين فإلى ~~أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما بابا منك " # م عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك " # وفي رواية قال أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها ثم انظر إلى أهل البيت من جيرانك فأصبهم ~~منها بمعروف " # ق عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل من يا رسول الله؟ قال ~~الذي لا يأمن جاره بوائقه " # ولمسلم # " لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه " # البوائق الغوائل والشرور ق عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا نساء المؤمنات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة " # معناه ولو أن تهدي إليها فرسن شاة وهو الظلف وأراد به الشيء الحقير ق ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا ~~أو ليصمت " # وقوله تعالى: { والصاحب بالجنب } قال ابن عباس هو الرفيق في السفر وقيل ~~هي المرأة تكون معك إلى جنبك وقيل هو الذي يصحبك رجاء نفعك. # عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله تعالى ~~خيرهم لجاره " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن وقوله تعالى: { وابن السبيل } يعني المسافر ~~المجتاز بك الذي قد انقطع به وقال الأكثرون المراد بابن السبيل الضيف يمر ~~بك فتكرمه وتحسن إليه ق عن أبي شريح ms0699 خويلد بن عمرو العدوي قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته قالوا وما جائزته ~~يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك ~~فهو صدقة عليه " # وقال: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " # زاد في رواية # " ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه. قال: يا رسول الله ~~وكيف يؤثمه؟ قال يقيم عنده ولا شيء عنده يقربه به " # قوله جائزته يومه وليلته الجائزة العطية أي يقري الضيف ثلاثة أيام ثم ~~يعطيه ما يجوز به من منهل إلى منهل وقيل هو أن يكرم الضيف فإذا سافر ~~أعطاه ما يكفيه يوما وليلة حتى يصل إلى موضع آخر وقوله أن يقيم عند أخيه ~~حتى يؤثمه أي يوقعه في الإثم لأنه إذا أقام عنده ولم يقره أثم بذلك. ~~وقوله تعالى: { وما ملكت أيمانكم } يعني المماليك فأحسنوا إليهم والإحسان ~~إليهم أن لا يكلفهم ما لا يطيقون ولا يؤذيهم بالكلام الخشن وأن يعطيهم من ~~الطعام الكسوة ما يحتاجون إليه بقدر الكفاية عن أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يدخل الجنة سيئ الملكة " # أخرجه الترمذي عن رافع بن مكيث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " حسن الملكة نماء وسوء الخلق شؤم " # أخرجه أبو داود وله عن علي بن أبي طالب قال # " كان آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الصلاة الصلاة اتقوا ~~الله فيما ملكت أيمانكم " # ق عن المعرور بن سويد قال رأيت أبا ذر وعليه حلة وعلى غلامه حلة مثلها ~~فسألته عن ذلك فذكر أنه ساب رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فعيره بأمه فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " إنك امرؤ فيك جاهلية قلت على ساعتي هذه من كبر سني قال نعم هم إخوانكم ~~وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم ms0700 فمن كان تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه ~~مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه " # وقوله تعالى: { إن الله لا يحب من كان مختالا } المختال المتكبر العظيم ~~في نفسه الذي لا يقوم بحقوق الناس { فخورا } الفخور هو الذي يفتخر على ~~الناس ويعدد مناقبه تكبرا وتطاولا على من دونه، وقيل هو الذي يفتخر على ~~عباد الله بما أعطاه الله من نعمه ولا يشكره عليها وإنما ختم الله هذه ~~الآية بهذين الوصفين المذمومين لأن المختال الفخور يأنف من أقاربه ~~الفقراء ومن جيرانه الضعفاء فلا يحسن إليهم ولا يلوي بنظره عليهم ولأن ~~المختال هو المتكبر ومن كان متكبرا فلا يقوم بحقوق الناس ق عن ابن عمر ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا ينظر الله تعالى يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء " # ق عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا " # ق عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل جمته يختال في مشيته إذ خسف ~~الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة " # خ عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " بينما رجل ممن كان قبلكم يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في ~~الأرض إلى يوم القيامة " # ق عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " الفخر والخيلاء في الفدادين من أهل الوبر والسكينة في أهل الغنم ~~الفدادون هم الفلاحون والحراثون وأصحاب الإبل والبقر المستكبرون منهما ~~المتكبرون على الناس بهما " ### || [4.37] # قوله عز وجل: { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } نزلت في اليهود ~~الذين بخلوا ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم فكتموها وعلى هذا يكون ~~المراد بالبخل كتمان العلم وقال ابن عباس نزلت في كردم بن زيد ويحيى بن ~~أخطب ورفاعة ms0701 بن زيد بن التابوت وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع ويحيى ~~بن عمر وكانوا يأتون رجالا من الأنصار ويخاطبونهم يقولون لهم لا تنفقوا ~~أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون فأنزل الله عز وجل هذه ~~الآية وقيل يحتمل أن يكون المراد بالبخل كتمان العلم ومنع المال لأن ~~البخل في كلام العرب منع السائل من فضل ما لديه وإمساك المقتنيات وفي ~~الشرع البخل عبارة عن إمساك الواجب ومنعه، وإذا كان ذلك أمكن حمله على ~~منع المال ومنع العلم { ويكتمون ما آتاهم الله من فضله } يعني اليهود ~~كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وما عندهم من العلم وقيل هم الأغنياء ~~الذين كتموا الغنى وأظهروا الفقر وبخلوا بالمال { وأعتدنا للكافرين } ~~يعني الجاحدين نعمة الله عليهم { عذابا مهينا } يعني في الآخرة عن أبي ~~سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب ### || [4.38-40] # قوله عز وجل: { والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس } يعني للفخار والسمعة ~~وليقال ما أسخاهم وما أجودهم لا يريدون بما أنفقوا وجه الله تعالى م عن ~~أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " قال الله تبارك وتعالى: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا ~~أشرك معي فيه غيري تركته وشركه " # نزلت هذه الآية في اليهود وقيل في المنافقين لأن الرياء ضرب من النفاق، ~~وقيل نزلت في مشركي مكة المنفقين أموالهم في عداوة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } يعني ولا يصدقون بتوحيد ~~الله ولا بالمعاد الذي فيه جزاء الأعمال أنه كائن { ومن يكن الشيطان له ~~قرينا فساء قرينا } يعني من يكن الشيطان صاحبه وخليله فبئس الصاحب وبئس ~~الخليل الشيطان، وإنما اتصل الكلام هنا بذكر الشيطان تقريعا لهم على ~~طاعة الشيطان. والمعنى من يكن عمله بما سول له الشيطان فبئس العمل عمله ~~وقيل هذا في الآخرة يجعل الله الشياطين قرناءهم في النار يقرن مع ms0702 كل كافر ~~شيطان في سلسلة من النار ثم وبخهم الله تعالى وعيرهم على ترك الإيمان ~~فقال تعالى: { وماذا عليهم } يعني وأي شيء عليهم وأي وبال وتبعة تلحقهم { ~~لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله } أي أي وبال عليهم ~~في الإيمان بالله والإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته { وكان الله بهم ~~عليما } يعني لا يخفى عليه شيء من أعمال هؤلاء الذين ينفقون أموالهم ~~لأجل الرياء والسمعة ففيه وعيد وتهديد لهم. قوله عز وجل: { إن الله لا ~~يظلم مثقال ذرة } نظم الكلام وماذا عليهم لو آمنوا وأنفقوا فإن الله لا ~~يظلم ولا يبخس ولا ينقص أحدا من ثواب عمله مثقال ذرة يعني وزن ذرة. وقال ~~ابن عباس: الذرة رأس نملة حمراء وقيل الذرة كل جزء من أجزاء الهباء الذي ~~يكون في الكوة إذا كان فيها ضوء الشمس لا وزن لها وهذا مثل ضربه الله ~~تعالى لأقل الأشياء والمعنى أن الله تعالى لا يظلم أحدا شيئا من قليل ~~ولا كثير فخرج الكلام على أصغر شيء يعرفه الناس { وإن تك حسنة يضاعفها } ~~يعني الحسنة بعشر أمثالها وقيل هذا عند الحساب فمن بقي له من الحسنات ~~مثقال ذرة ضاعفها الله له إلى سبعمائة وإلى أجر عظيم. قال قتادة: لأن ~~تفضل حسناتي على سيئاتي بمثقال ذرة أحب إلي من الدنيا وما فيها م عن أنس ~~بن مالك في قوله تعالى: إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطي بها في الدنيا ويجزي بها في الآخرة، ~~وأما الكافر فيعطي بحسنات قد عمل بها في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة ~~لم تكن له حسنة يجزى بها " # عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تعالى سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة ~~فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل مثل مد البصر ثم يقول أتنكر من هذا ~~شيئا أظلمك ms0703 كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يا رب فيقول أفلك عذر؟ فيقول لا يا ~~رب فيقول تعالى: بل إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم فيخرج بطاقة ~~فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسول الله فيقول ~~احضر وزنك فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال فإنك لا تظلم ~~فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا ~~يثقل مع اسم الله شيء " # أخرجه الترمذي ق عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم قيل يا ~~رسول الله وما الجسر قال دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد ~~فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح ~~وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوش في نار ~~جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم ~~بأشد منا شدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم ~~الذين في النار " # وفي رواية # " فما أنتم بأشد منا شدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار ~~إذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ~~ويحجون. فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا ~~كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي ~~فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير ~~فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن ~~أمرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير ~~فأخرجوه. فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا ~~أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فاخرجوه ~~فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا وكان أبو سعيد ms0704 ~~يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم { إن الله لا يظلم ~~مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } فيقول الله ~~تبارك وتعالى شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم ~~الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد ~~عادوا حمما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون ~~كما تخرج الحبة في حميل السيل ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما ~~يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض فقالوا: ~~يا رسول الله كأنك كنت ترعى بالبادية قال فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم ~~الخواتم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير ~~عمل عملوه ولا خير قدموه. ثم يقول ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم ~~فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين فيقول لكم عندي أفضل ~~من هذا فيقولون ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول رضاي فلا أسخط عليكم بعده ~~أبدا " # لفظ مسلم وهو بعض حديث. وقال بعضهم هذه الآية واردة في الخصوم ويدل عليه ~~ما روي عن عبدالله بن مسعود قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين ~~والآخرين ثم نادى مناد من عند الله إلا من كان يطلب مظلمة فليجئ إلى حقه ~~فليأخذه قال فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته أو ~~أخيه منه وإن كان صغيرا ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى قوله تعالى: # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون # [المؤمنون: 101] ويؤتى بالعبد وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين ~~هذا فلان ابن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ثم يقال له آت هؤلاء ~~حقوقهم فيقول أي رب من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله تبارك وتعالى ~~لملائكته انظروا في أعماله الصالحات فأعطوهم منها فإن بقي مثقال ذرة من ~~حسنة قالت الملائكة يا ربنا وهو أعلم بذلك أعطينا كل ms0705 ذي حق حقه وبقي له ~~مثقال ذرة من حسنة فيقول للملائكة ضعفوها لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة ~~ومصداق ذلك في كتاب الله: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } أي الجنة وإن كان عبدا شقيا قالت ~~الملائكة إلهنا فنيت حسناته وبقي طالبون كثير فيقول الله تبارك وتعالى: " ~~خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم اكتبوا له كتابا إلى النار " ~~أخرجه البغوي بغير سند عن ابن مسعود موقوفا عليه. وأسنده ابن جرير ~~الطبري عن ابن مسعود فمعنى الآية على هذا التأويل أن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة للخصم على خصمه بل يأخذها له منه ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له بل ~~يثيبه عليها ويضاعفها له فذلك قوله تعالى: { وإن تك حسنة يضاعفها } أي ~~يجعلها أضعافا كثيرة { ويؤت من لدنه } يعني من عنده { أجرا عظيما } ~~يعني الجنة والمعنى ويعطي من عنده أجرا عظيما يعني عوضا من حسنة وذلك ~~العوض هو الجنة وقال أبو هريرة: إذا قال الله عز وجل أجرا عظيما فمن ~~يقدر قدره. ### || [4.41-42] # قوله عز وجل: { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } يعني فكيف يكون حال ~~هؤلاء المشركين والمنافقين يوم القيامة إذا جئنا من كل أمة بشهيد. قال ~~ابن عباس: يريد بنبيها والمعنى أنه يؤتى بنبي كل أمة يشهد عليها ولها { ~~وجئنا بك } يا محمد { على هؤلاء شهيدا } يعني تشهد على هؤلاء الذين ~~سمعوا القرآن وخوطبوا به بما عملوا ق عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " " اقرأ علي القرآن " فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ " قال ~~إني أحب أن أسمعه من غيري " قال فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه ~~الآية { فكيف إذ جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } قال: ~~حسبك الآن. قال: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان زاد مسلم شهيدا ما دمت ~~فيهم أو قال ما كنت فيهم شك أحد رواته " # وقوله تعالى: { يومئذ } يعني يوم القيامة { يود ms0706 } أي يتمنى { الذين ~~كفروا } يعني جحدوا وحدانية الله تعالى { وعصوا الرسول } يعني فيما أمرهم ~~به من توحيد الله عز وجل { لو تسوى بهم الأرض } يعني لو صاروا فيها وسويت ~~عليهم وقيل إنهم ودوا أن لن يبعثوا لأنهم إنما كانوا في الأرض وهي مستوية ~~عليهم. وقال الكلبي: يقول الله تعالى للبهائم والوحوش والطيور والسباع ~~كوني ترابا فتسوى بهن الأرض فعند ذلك يتمنى الكافر أن لو يكون ترابا { ~~ولا يكتمون الله حديثا } قال ابن عباس: في رواية عطاء ودوا لو تسوى بهم ~~الأرض وأنهم لم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا كفروا به ~~ولا نافقوه فعلى هذا القول يكون الكتمان ما كتموا في الدنيا من صفة محمد ~~صلى الله عليه وسلم ونعته وهو كلام متصل بما قبله وقيل هو كلام مستأنف ~~قال سعيد بن جبير سأل رجل ابن عباس فقال إني أجد في القرآن أشياء تختلف ~~علي قال: هات ما يختلف عليك قال منها قوله تعالى { ولا يكتمون الله ~~حديثا } ومنها قوله تعالى # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] فقد كتموا فقال يغفر الله تعالى لأهل الإسلام ذنوبهم ~~ويدخلهم الجنة فيقول المشركون تعالوا نقول ما كنا مشركين فيقولون والله ~~ربنا ما كنا مشركين رجاء أن يغفر لهم، فيختم على أفواههم وتنطق أيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون فعند ذلك عرفوا أن الله لا يكتم حديثا وعنده ~~يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض فلا يختلف عليك القرآن ~~فإن كلا من عند الله. وقال الحسن: إنها مواطن، ففي موطن لا يتكلمون ولا ~~تسمع إلا همسا وفي موطن يتكلمون ويكذبون ويقولون # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] وما كنا نعمل من سوء في موطن يعترفون على أنفسهم وهو ~~قوله تعالى فاعترفوا بذنبهم وفي موطن لا يتساءلون وفي موطن يسألون الرجعة ~~وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم فهو قوله تعالى ولا ~~يكتمون الله حديثا. ### || [4.43] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } جمع ms0707 ~~سكران { حتى تعلموا ما تقولون } سبب نزول هذه الآية ما روي عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه قال صنع لنا ابن عوف طعاما فدعانا فأكلنا وسقانا ~~خمرا قبل تحريم الخمر فأخذت منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: قل يا ~~أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون قال فخلطت فنزلت { لا ~~تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } أخرجه الترمذي وقال ~~حديث حسن غريب وأخرجه أبو داود ولفظه أن رجلا من الأنصار دعاه ~~وعبدالرحمن بن عوف فسقاهما قبل أن تحرم الخمر فحضرت الصلاة فأمهم علي ~~في المغرب فقرأ قل يا أيها الكافرون فخلط فيها فنزلت الآية: { لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } وروى ابن جرير الطبري عن ابن ~~عباس أن رجالا كانوا يأتون الصلاة وهم سكارى قبل أن تحرم الخمر فقال ~~الله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } ~~الآية فعلى هذا ففي المراد بالصلاة قولان: أحدهما أنه نفس الصلاة ذات ~~الركوع والسجود وهو قول الأكثرين المعنى لا تصلوا وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون. والقول الثاني إن المراد بالصلاة موضع الصلاة وهو ~~المسجد وإطلاق لفظ الصلاة على المسجد محتمل فيكون من باب حذف المضاف. ~~والمعنى لا تقربوا مواضع الصلاة وأنتم سكارى وحذف المضاف جائز سائغ. ويدل ~~عليه قوله تعالى لهدمت صوامع وبيع وصلوات والمراد بالصلوات مواضعها فثبت ~~أن إطلاق لفظ الصلاة والمراد موضعها جائز. واعلم أن هذا النهي عن قربان ~~الصلاة في حالة السكر إنما كان قبل تحريم الخمر فكانوا يشربونها في غير ~~أوقات الصلاة ثم نزل تحريم الخمر بعد ذلك ونسخت هذه الآية وقال الضحاك ~~المراد بالسكر سكر النوم يعني لا تقربوا الصلاة عند غلبة النوم ويدل عليه ~~ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى ~~وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر ربه فيسب نفسه " # أخرجاه في ms0708 الصحيحين. وقوله تعالى: { ولا جنبا } يعني ولا تقربوا الصلاة ~~وأنتم جنب والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى ~~مجرى المصدر الذي هو الإجناب وأصل الجنابة البعد سمي الذي أصابته الجنابة ~~جنبا لأنه يتجنب الصلاة والمسجد وقيل لمجانبته الناس حتى يغتسل { إلا ~~عابري سبيل } العابر هاهنا فاعل من العبور وهو قطع الطريق من هذا الجانب ~~إلى الجانب الآخر واختلف العلماء في معنى قوله إلا عابري سبيل على قولين: ~~أحدهما إن المراد بالعبور هو العبور في المسجد وذلك أن قوما من الأنصار ~~كانت أبوابهم في المسجد فتصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم ولا ممر لهم إلا ~~في المسجد فرخص لهم العبور فيه فعلى هذا القول يكون المراد بالصلاة موضع ~~الصلاة والمعنى لا تقربوا المسجد وأنتم جنب إلا مجتازين فيه للخروج منه ~~أو للدخول فيه مثل أن يكون قد نام في المسجد فأجنب فيجب الخروج منه أو ~~يكون الماء في المسجد فيدخل إليه أو يكون طريقه عليه فيمر فيه من غير ~~إقامة وهذا قول ابن مسعود وأنس بن مالك والحسن وسعيد بن المسيب وعكرمة ~~وعطاء الخرساني والنخعي والزهري وإليه ذهب الشافعي وأحمد. # القول الثاني أن المراد من قوله إلا عابري سبيل المسافرون والمعنى لا ~~تقربوا الصلاة وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين ولم تجدوا الماء فتيمموا ~~فمنع الجنب من الصلاة حتى يغتسل إلا أن يكون في سفر ولا ماء معه فيتيمم ~~ويصلي إلى أن يجد الماء فيغتسل وهذا قول علي وابن عباس وسعيد بن جبير ~~ومجاهد وقتادة فمن جعل عابري السبيل المسافرين منه الجنب من العبور في ~~المسجد وهو مذهب أبي حنيفة. وصحح ابن جرير الطبري الواحدي القول الأول ~~ويدل على صحته وجهان: أحدهما أن المسافر الجنب لا تصح صلاته بدون التيمم ~~ولم يذكر التيمم ها هنا فيحتاج إلى إضمار شيئين: عدم الماء وذكر التيمم ~~وعلى القول الأول لا يحتاج إلى إضمار شيء. الوجه الثاني أن الله ذكر حكم ~~السفر وعدم الماء وجواز التيمم بعد هذا فلا يحل هذا على حكم ms0709 معاد في ~~الآية ويدل على أن جميع القراء استحسنوا الوقف على قوله: { حتى تغتسلوا } ~~يعني إلى أن تغتسلوا وفيه دليل على أن حكم الجنابة باق على الجنب إلى ~~غاية هي الاغتسال. فصل في أحكام تتعلق بالآية اختلف العلماء في العبور في ~~المسجد فأباحه قوم على الإطلاق وهو قول الحسن وبه قال مالك والشافعي ~~ومنعه بعضهم على الإطلاق وهو قول أصحاب الرأي. وقال قوم يتيمم للعبور في ~~المسجد واختلف العلماء في المكث في المسجد أيضا للجنب فمنعه أكثر أهل ~~العلم وقالوا لا يجوز للجنب المكث في المسجد بحال لما روي عن عائشة رضي ~~الله تعالى عنها قالت: # " جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحاب شراعة في المسجد ~~فقال: " وجهوا هذه البيوت عن المسجد " ثم دخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن تنزل لهم رخصة فخرج إليهم بعد. فقال " ~~وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل لحائض ولا جنب " # أخرجه أبو داود وجوز أحمد المكث في المسجد بشرط الوضوء به. قال المزني ~~من أصحاب الشافعي وأجاب أحمد عن حديث عائشة بأنه في رواته مجهول. # وقال عبد الحق لا يثبت من قبل إسناده واستدل أحمد لمذهبه بما روي عن ~~عطاء بن يسار قال رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة أخرجه سعيد بن منصور ~~في مسنده واحتج لمذهب الجمهور بعموم الآية وبما روي عن أم سلمة قالت دخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صرحة هذا المسجد فنادى بأعلى صوته # " أن المسجد لا يحل لجنب ولا حائض " # أخرجه ابن ماجه ويحرم على الجنب أيضا الطواف وقراءة القرآن كما يحرم ~~عليه فعل الصلاة ويدل على ذلك أيضا ما روي عن علي بن أبي طالب قال كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته ثم يخرج فيقرأ القرآن ويأكل ~~معنا اللحم ولا يحجبه وربما قال ولا يحجزه من القرآن شيء ليس الجنابة ms0710 ~~أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي ولفظه كان يقرأ القرآن على كل حال ما ~~لم يكن جنبا وقال حديث حسن صحيح عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا يقرأ الجنب ولا الحائض ولا النفساء من القرآن شيئا " # أخرجه الدارقطني ويجب الغسل بأحد شيئين: بإنزال المني وهو الماء الدافق ~~أو بإيلاج الحشفة في الفرج وإن لم ينزل ويدل على ذلك ما روي عن عائشة رضي ~~الله تعالى عنها قالت # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر ~~احتلاما " قال يغتسل وعن الوجه يرى أنه احتلم ولا يجد بللا. قال لا غسل ~~عليه قالت أم سلمة والمرأة ترى ذلك أعليها غسل؟ قال نعم؟ " # أخرجه أبو داود والترمذي ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل " # زاد في رواية: # " وإن لم ينزل ". # وقوله تعالى: { وإن كنتم مرضى } جمع مريض وأراد به المرض الذي يضر معه ~~إمساك الماء مثل الجدري وإحراق النار ونحو ذلك وإن كان على بعض مع وجود ~~الماء وإن كان بعض أعضائه من استعمال الماء التلف أو زيادة الوجع فإنه ~~يتيمم ويصلي مع وجود الماء وإن كان بعض أعضائه صحيحا وبعضها جريحا غسل ~~الصحيح وتيمم للجريح في الوجه واليدين لما روي # " عن جابر قال: خرجنا في سفرنا فأصاب رجلا منا حجرا فشجه في رأسه ثم ~~احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا ما نجد لك رخصة ~~وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أخبر بذلك فقال: " قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما ~~شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو قال يعصب شك الراوي ~~على جرحه خرقة ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده " # أخرجه أبو داود والدارقطني ولم يجوز أصحاب الرأي الجمع بين الغسل ~~والتيمم قالوا إذا كان أكثر أعضائه أو بدنه ms0711 صحيحا غسل الصحيح ولا يتيمم ~~عليه وإن كان الأكثر جريحا اقتصر على التيمم والحديث حجة لمن أوجب الجمع ~~بين الغسل والتيمم. قوله تعالى: { أو على سفر } يعني أو كنتم مسافرين ~~وأراد به السفر الطويل والقصير وعدم الماء فإنه يتيمم ويصلي ولا إعادة ~~عليه لما روي عن أبي ذر قال: " اجتمعت غنيمة عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال أبا ذر ابد فيها فبدوت إلى الربذة فكانت تصيبني الجنابة فأمكث ~~الخمس والست فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو ذر فسكت فقال ~~ثكلتك أمك يا أبا ذر لأمك الويل فدعا بجارية سوداء فجاءت بعس فيه ماء ~~فسترتني بثوب واستترت بالراحلة فاغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلا. فقال ~~الصعيد الطيب: وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك ~~فإن ذلك خير أخرجه أبو داود العس قدح من فخار يجعل فيه الماء للوضوء ~~والاغتسال. أما إذا لم يكن الرجل مريضا ولا على سفر وعدم الماء في موضع ~~لا يعدم فيه غالبا فإنه يتيمم ويصلي ثم يعيد إذا وجد الماء وقدر عليه ~~وبه قال الشافعي وقال مالك والأوزاعي لا إعادة عليه وقال ابو حنيفة يؤخر ~~الصلاة حتى يجد الماء. وقوله تعالى: { أو جاء أحد منكم من الغائط } ~~الغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان وكانت عادة العرب إتيان ~~الغائط للحدث فكنوا به عن الحدث وذلك أن الرجل منهم كان إذا أراد قضاء ~~الحاجة طلب غائطا من الأرض يعني مكانا منخفضا من الأرض يحجبه عن أعين ~~الناس فسمي الحدث بهذا الاسم فهو من باب تسمية الشيء باسم مكانه. وقوله ~~تعالى { أو لامستم النساء } قرئ هنا وفي سورة المائدة لامستم النساء ~~ولمستم بغير ألف واختلف العلماء في معنى الملامسة على قولين أحدهما أنه ~~الجماع وهو قول علي وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ووجه هذا القول أن ~~الله تعالى كنى باللمس عن الجماع لأن اللمس يوصل إليه. قال ابن عباس إن ~~الله حيي كريم يكني عن الجماع بالملامسة، والقول الثاني إن المراد ms0712 باللمس ~~هنا التقاء البشرتين سواء كان بجماع أو بغير جماع وهو قول ابن مسعود وابن ~~عمر والشعبي والنخعي ووجه هذا القول إن اللمس حقيقة في اللمس باليد فأما ~~حمله على الجماع فمجاز والأصل حمل الكلام على الحقيقة لا على المجاز. ~~وأما قراءة من قرأ أو لامستم فالملامسة مفاعلة والأصل حمل الكلام على ~~الحقيقية لا على الإطلاق لأنه قد ورد في الحديث النهي عن بيع الملامسة ~~قال أبو عبيدة في معناها هي أن يقول: إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك فقد وجب ~~البيع فالملامسة في الحديث بمعنى اللمس باليد وإذا كانت مستعملة في غير ~~المجامعة لم يدل قوله تعالى: { أو لامستم النساء } على صريح الجماع بل ~~حمل على الأصل الموضوع له وهو اللمس باليد. # فصل في أحكام تتعلق بالآية وفيه مسائل المسألة الأولى: إذا أفضى الرجل ~~بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة ولا حائل بينهما انتقض وضوءهما وهو ~~قول ابن مسعود وابن عمر وبه قال الزهري والأوزاعي والشافعي لما روى ~~الشافعي عن ابن عمر أنه قال قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة ~~فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء أخرجه مالك في الموطأ قال ~~الشافعي: وبلغنا عن ابن المسعود مثله وقال مالك والليث بن سعد وأحمد ~~وإسحاق إذا كان اللمس بشهوة انتقض الوضوء وإن لم يكن بشهوة فلا ويدل عليه ~~ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ " قال عروة ومن هي إلا ~~لا أنت فضحكت أخرجه أبو داود وأجيب عن هذا الحديث بأنه ليس بثابت قال ~~الترمذي إنه لا يصلح إسناده بحال وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث ~~وقال حبيب بن ثابت لم يسمع من عروة وضعف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث ~~وقال هو شبه لا شيء وفيه ضعف من وجه آخر وهو أن عروة هذا ليس بعروة بن ~~الزبير ابن أخت عائشة إنما هو شيخ مجهول ms0713 قال البيهقي يعرف بعروة المزني ~~وإنما المحفوظ عن عائشة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم " # كذا رواه الثقات عن عائشة وقال أبو حنيفة لا ينتفض الوضوء باللمس إلا ~~أن يحدث الانتشار وقال قوم لا ينتقض بحال وهو وقول ابن عباس وبه قال ~~الحسن والثوري واحتج من لم يوجب الوضوء باللمس بما روي عن عائشة أنها ~~قالت: # " كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا ~~سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطتهما والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح " # أخرجاه في الصحيحين وأجاب من أوجب الوضوء باللمس عن هذا الحديث بأنه ~~يحتمل أن يكون غمزه لها على حائل. المسألة الثانية: اختلف قول الشافعي في ~~لمس المحرم كالأم والبنت والأخت أو أجنبية صغيرة فأصح القولين عنه أنه لا ~~ينتقض الوضوء به والثاني أنه ينتقض الوضوء به ومأخذ القولين عند أصحاب ~~الشافعي التردد بين التعلق بعموم الآية في قوله: { أو لا مستم النساء } ~~أو النظر إلى المعنى في النقض باللمس وهو تحرك الشهوة فإن أخذنا بعموم ~~الآية فينتقض الوضوء بلمس المحارم وإن أخذنا بالمعنى فلا ينتقض وفي ~~الملموس قولان والملموس هو الذي لا فعل منه في المباشرة رجلا كان أو ~~امرأة واللامس هو الفاعل اللمس وإن لم يقصد المباشرة فأحد القولين إنه ~~ينتقض وضوء اللامس والملموس لعموم الآية لأنه لمس وقع بين الرجل والمرأة ~~فينتقض وضوءهما معا والقول الثاني إنه ينتقض وضوء اللامس دون الملموس ~~لما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: # " فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوضعت يدي ~~على أخمص قدميه وهو ساجد وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك ~~من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت على نفسك " # أخرجه مسلم فلو انتقض وضوءه صلى الله عليه وسلم لقطع الصلاة ولو لمس شعر ~~امرأة أو سنها أو ظفرها فلا وضوء عليه. المسألة الثالثة في الحديث: وهو ~~الخارج ms0714 من السبيلين عينا كالبول والغائط أو أثرا كالريح ونحوها فإذا ~~حصل شي من ذلك فلا تصح صلاته ما لم يتوضأ أو يتيمم عند عدم الماء لما روي ~~عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ " # فقال رجل من أهل حضرموت ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال فساء أو ضراط أخرجاه ~~في الصحيحين أما خروج النجاسة من غير السبيلين كالفصد والحجامة والرعاف ~~والقيء ونحوها فذهب قوم إلى أنه لا وضوء من خروج هذه الأشياء يروى عن ابن ~~عمر وابن عباس وبه قال عطاء وطاوس والحسن وابن المسيب وإليه ذهب مالك ~~والشافعي لما روي عن أنس قال: " احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ~~ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه " أخرجه الدارقطني وذهب قوم إلى إيجاب ~~الوضوء من ذلك منهم سفيان الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق ~~واتفق هؤلاء على أن خروج القليل منه لا ينقض الوضوء ويدل على انتقاض ~~الوضوء بخروج هذه الأشياء ما روي عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ. قال: معدان فلقيت ثوبان في ~~مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال: صدق أنا صببت له وضوءه " # أخرجه الترمذي وقال: هو أصح شيء في هذا الباب. المسألة الرابعة: من ~~نواقض الوضوء زوال العقل بجنون أو إغماء أو نوم لما روي عن علي قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ " # أخرجه أبو داود وابن ماجه ويستثنى من ذلك النوم اليسير قاعدا مفضيا ~~بمحل الحدث إلى الأرض ويدل على ذلك ما روي عن أنس. # قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الأخير حتى ~~تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون أخرجه أبو داود وذهب قوم إلى أن النوم ~~لا ينقض الوضوء بكل حال وهو قول أبي هريرة وعائشة وبه قال الحسن وإسحاق ~~والمزني وذهب ms0715 قوم إلى أنه لو نام قائما أو قاعدا أو ساجدا وهو في ~~الصلاة فلا وضوء عليه حتى يضطجع وبه قال سفيان الثوري وابن المبارك ~~وأصحاب الرأي لما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس على من نام ساجدا وضوء حتى يضطجع فإذا اضطجع استرخت مفاصله " # أخرجه أحمد بن حنبل وضعف بعضهم هذا الحديث. المسألة الخامسة: من نواقض ~~الوضوء مس الفرج من نفسه أو غيره فذهب قوم إلى أنه يوجب الوضوء وهو قول ~~عمر وابن عمر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وعائشة وبه قال سعيد ~~بن المسيب وسليمان بن يسار وإليه ذهب الأوزاعي الشافعي وأحمد وإسحاق غير ~~أن الشافعي قال: ينتقض الوضوء إذا لمس ببطن الكف والرجل والمرأة في ذلك ~~سواء يدل على ذلك ما روي عن بسرة بنت صفوان أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ " # أخرجه الترمذي وقال حديث صحيح ولأبي داود والنسائي نحوه وعن أم حبيبة ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من مس فرجه فليتوضأ " # أخرجه ابن ماجه وصححه أحمد وأبو زرعة وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " من أفضى بيده إلى ذكره وليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء " # أخرجه أحمد بن حنبل وذهب قوم إلى مس الذكر لا يوحب الوضوء وهو قول علي ~~وابن مسعود وأبي الدرداء وحذيفة وبه قال الحسن وإليه ذهب الثوري وابن ~~المبارك وأصحاب الرأي واحتجوا بما روي عن طلق بن علي قال قدمنا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل كأنه بدوي فقال: # " يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما توضأ قال هل هو إلا مضغة ~~أو قال بضعة منه؟ " # أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي نحوه بمعناه وأجاب من أوجب الوضوء على ~~من مس الذكر عن حديث طلق بن علي بأن قدومه على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان في أول الهجرة ms0716 وهو يبني المسجد وأبو هريرة من آخرهم إسلاما. ~~وقد روي انتقاض الوضوء بمس الذكر فصار حديث أبي هريرة ناسخا لحديث طلق ~~بن علي وأيضا فإن حديث طلق يرويه عنه ابنه قيس بن طلق وهو ليس بالقوي ~~عند أهل الحديث. # وقوله تعالى: { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } اعلم أن التيمم من ~~خصائص هذه الأمة خصها الله تعالى به ليسهل عليهم أسباب العبادة ويدل على ~~ذلك ما روي عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض ~~كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء " # أخرجه مسلم وكان سبب بدء التيمم ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها ~~قالت: " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا ~~كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى ~~الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فجاء أبو بكر ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال حبست رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء قالت عائشة ~~فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعن بيده في خاصرتي فلا ~~يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي فنام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله عز وجل ~~آية التيمم فتيمموا فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء ما هي بأول بركتكم ~~يا آل أبي بكر قال عائشة فبعثنا البعير الذي كنا عليه فوجدنا العقد تحته ~~" أخرجاه في الصحيحين قولها بالبيداء البيداء: المفازة والقفر وكل صحراء ~~فهي بيداء وجمعها بيد وذات الجيش اسم لموضع ms0717 وهو على بريد من المدينة ~~وقولها فبعثنا البعير أي أثرناه قوله تعالى: { فلم تجدوا ماء } هو معطوف ~~على ما قبله والمعنى أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فطلبتم ~~الماء لتطهروا به فلم تجدوه يعني فأعوزكم فلم تجدوه بثمن ولا بغير ثمن ~~لأن المحدث مأمور بالتطهر بالماء فإذا أعوزه الماء عدل عنه إلى التيمم ~~بعد طلب الماء. قال الشافعي: إذا دخل وقت الصلاة طلب الماء فإن لم يجده ~~تيمم وصلى ثم إذا دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى. وقال ~~أبو حنيفة: لا يجب عليه الطلب للصلاة الثانية حجة الشافعي قوله تعالى فلم ~~تجدوا ماء فعدم الوجدان مشعر بسبق الطلب فلا بد في كل مرة من سبق الطلب ~~وأجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه يحتاج إليه لعطشه أو عطش حيوان محترم ~~فإنه يجوز له التيمم مع وجدان ذلك الماء وقوله تعالى: { فتيمموا صعيدا ~~طيبا } أصل التيمم في اللغة القصد يقال تيممت فلانا إذا قصدته وهو في ~~الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة عند عدم الماء لتأدية الصلاة واختلفوا في ~~الصعيد الطيب فقال قتادة الصعيد الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات. # وقال ابن زيد الصعيد: المستوي من الأرض وكذلك قال الليث: الصعيد الأرض ~~المستوية التي لا شيء فيها. وقال الفراء: الصعيد هو التراب وكذلك قال أبو ~~عبيد في قوله صلى الله عليه وسلم: # " إياكم والقعود بالصعدات " # قال الصعدات الطرق مأخوذ من الصعيد وهو التراب وقيل الصعيد وجه الأرض ~~البارز وهو اختيار الزجاج قال: الصعيد وجه الأرض ولا تبال أكان في الموضع ~~تراب أو لا لأن الصعيد ليس هو التراب إنما هو وجه الأرض ونقل الربيع عن ~~الشافعي في تفسير الصعيد قال: لا يقع اسم الصعيد إلا على تراب ذي غبار ~~فأما البطحاء الغليظة والرقيقة فلا يقع عليها اسم الصعيد فإن خالطه تراب ~~أو مدر يكون له غبار كالذي خالطه هو الصعيد قال ولا يتيمم بنورة ولا كحل ~~ولا زرنيخ كل هذا حجارة هذا كلام الشافعي في ms0718 تفسير الصعيد وهو القدوة في ~~اللغة وقوله في ذلك حجة وقد وافقه على ذلك الفراء وأبو عبيدة في أنه ~~التراب وجميع الأقوال في الصعيد صحيحه في اللغة لكن المراد به هنا التراب ~~وقد قال ابن عباس في قوله صعيدا هو التراب. واختلف أهل العلم فيما يجوز ~~به التيمم فذهب الشافعي إلى أنه يختص بما وقع عليه اسم التراب مما له ~~غبار يعلق بالوجه واليدين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا " # فخص التراب بالطهور ولأن الله تعالى وصف الصعيد بالطيب والطيب من الأرض ~~هو الذي ينبت فيها بدليل قوله والبلد الطيب يخرج نباته فعلى هذا ما لا ~~ينبت ليس بطيب ولنا أيضا قوله تعالى في سورة المائدة فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه وكلمة من للتبعيض هنا ولا يتأتى ذلك في الصخر الذي لا تراب ~~عليه وأيضا فإنه يقال للغبار صعيد لأنه مأخوذ من الصعود وهو الارتفاع ~~ولا يكون ذلك في الصخر وما أشبهه. وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه يجوز ~~التيمم بكل ما هو من جنس الأرض كالرمل والجص والنورة والزرنيخ ونحو ذلك ~~حتى لو ضرب يده على صخرة ملساء لا غبار عليها صح تيممه عندهم واحتج أبو ~~حنيفة ومن وافقه بظاهر الآية قالوا لأن التيمم هو القصد والصعيد اسم لما ~~تصاعد من الأرض فقوله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا أي اقصدوا أرضا فوجب ~~أن يكون هذا القدر كافيا وأجيب عنه بما تقدم من الدليل في قوله منه وإن ~~لفظة من تكون للتبعيض قالوا ولما روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " # وأجيب عنه بأن هذا مجمل يفسره ما تقدم من حديث حذيفة في تخصيص التراب ~~والمفسر يقضي على المجمل وجوز بعضهم التيمم بكل ما هو متصل بالأرض من شجر ~~ونبات ومدر ونحو ذلك قالوا لأن اسم الصعيد يقع على ما تصاعد على الأرض ~~وأجيب عنه بما تقدم من الأدلة. وقوله تعالى: { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } ~~الوجه المسموح في ms0719 التيمم هو المجدود في الوضوء واختلف العلماء فيما يجب ~~مسحه من اليد فذهب أكثر أهل العلم منهم ابن عمر وابنه سالم والحسن وهو ~~مذهب أبي حنيفة والشافعي أنه يمسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين ~~وصورة ذلك أن يضرب كفيه على التراب ويمسح بهما وجهه ولا يجب إيصال التراب ~~إلى منابت الشعور ثم يضرب ضربة أخرى ويفرق أصابعه فيمسح يديه إلى ~~المرفقين ويدل على ذلك ما روي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين " # رواه البيهقي ولم يضعفه وروى الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث ~~عن الأعرج عن ابن الصمة قال مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول ~~فسلمت عليه فلم يرد علي حتى قام إلى الجدار فحته بعصا كانت معه ثم وضع ~~يده على الجدار فمسح وجهه وذراعيه ثم رد على هذا حديث منقطع لأن الأعرج ~~وهو عبدالرحمن بن هرمز لم يسمع هذا من ابن الصمة وإنما سمعه من عمير مولى ~~ابن عباس عن ابن الصمة وكذا هو مخرج في الصحيحين عن عمير مولى ابن عباس ~~قال دخلنا على أبي جهيم بن الحارث فقال أبو جهيم أقبل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد النبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فوضع يده على الحائط فمسح بوجهه ويديه ثم ~~رد عليه السلام. ولأبي داود عن نافع قال انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ~~ابن عباس فلما أن قضى حاجته فكان من حديثه يومئذ أن قال مر رجل في سكة ~~من سكك المدينة فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج من غائط أو بول ~~فسلم عليه الرجل فلم يرد عليه حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ضرب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على حائط مسح بها وجهه ثم ضرب ضربة ~~أخرى فمسح بها ذراعيه ثم رد عليه السلام قال: لم ms0720 يمنعني إن أرد عليك ~~أولا إلا أني لم أكن على طهر وفي رواية فمسح ذراعيه إلى المرفقين فهذا ~~أجود ما في هذا الباب. فإن البيهقي أشار إلى صحة إسناده وفيه دليل على ~~الحكمين يعني مسح الوجه واليدين بضربتين وإيصال المسح إلى المرفقين وفيه ~~دليل على أن التيمم لا يصح ما لم يعلق بالوجه واليدين غبار التراب لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حت الجدار بالعصى ولو كان مجرد الضرب كافيا ~~لما كان حته. # ذهب الزهري أنه يمسح اليد إلى المنكبين ويدل على ذلك ما روي عن عمار بن ~~ياسر قال تمسحوا وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصعيد لصلاة ~~الفجر بأكفهم الصعيد ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة ثم عادوا فضربوا بأكفهم ~~الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم. كلها إلى المناكب والإباط ثم بطون ~~أيديهم أخرجه أبو داود وذهب جماعة إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه ~~والكفين وهو قول علي وابن عباس وبه قال الشعبي وعطاء ومكحول وإليه ذهب ~~الأوزاعي ومالك وأحمد وداود الظاهري واحتجوا بما روي عن عمار بن ياسر ~~قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء ~~فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكرت ذلك له فقال # " إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض واحدة ثم مسح ~~الشمال على اليمين وظاهر كفيه، وباطنهما ووجهه " # وفي رواية أن تقول هكذا وضرب بيديه الأرض فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه ~~أخرجاه في الصحيحين وجملته أن اليد اسم لهذه الجارحة وحدها عند بعض أهل ~~اللغة من أطراف الأنامل إلى الكوع وهذا هو المقطوع في حد السرقة. وقال ~~أبو إسحاق الزجاج: حدها من أطراف الأنامل إلى الكتف فمن ذهب إلى أن ~~الممسوح في التيمم هو الكف. قال إن حد اليد هو المقطوع في حد السرقة ومن ~~ذهب إلى أن الممسوح في التيمم إلى المناكب والأباط نظر إلى أن مسمى اليد ~~يطلق على جميعها ومن ذهب إلى أن الممسوح ms0721 في التيمم إلى المرفقين قال إن ~~التيمم بدل عن الوضوء واليد المغسولة في الوضوء هي الممسوحة في التيمم ~~فيحمل المطلق الذي في قوله تعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم على المقيد ~~الذي في قوله تعالى في آية الوضوء فأغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ~~وأجاب من ذهب إلى هذا عن حديث عمار بأن المراد منه بيان صورة الضرب وليس ~~المراد منه جميع ما يحصل به التيمم. فصل وأركان التيمم خمسة: الأول تراب ~~طاهر خالص له غبار يعلق بالوجه واليدين ويحوز بالرمل إذا كان عليه غبار. ~~الثاني قصد الصعيد فلو تعرض لمهب الريح لم يكفه ولو يممه غيره بإذنه مع ~~عجزه جاز وإن كان قادرا فوجهان. الثالث نقل التراب إلى الوجه واليدين. ~~الرابع نية استباحة الصلاة فلو نوى رفع الحدث لم يصح وأكمله أن ينوي ~~استباحة الفرض والنفل. الخامس مسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين ~~والترتيب ولا يصح التيمم لصلاة إلا بعد دخول وقتها ولا يجوز الجمع بين ~~صلاتي فرض بتيمم واحد وهو قول علي وابن عباس وابن عمر وبه قال الشعبي ~~والنخعي وقتادة وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وذهب جماعة إلى أن ~~التيمم كالوضوء فيجوز تقديمه إلى الوقت ويجوز أن يصلي به ما شاء من ~~الفرائض ما لم يحدث وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والزهري والثوري ~~وأصحاب الرأي واتفقوا على أنه يجوز أن يصلي بتيمم واحد ما شاء من النوافل ~~قبل الفرض وبعده إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى، وأن يقرأ القرآن إن كان ~~جنبا ويشترط طلب الماء في السفر بأن يطلبه في رحله وعند رفقائه وإن كان ~~في صحراء ولا حائل دون نظره حواليه، وإن كان دون نظره حائل قريب من تل أو ~~جدار أو نحوه عدل عنه لأن الله تعالى قال فلم تجدوا ماء فتيمموا ولا يقال ~~لم يجد إلا لمن طلب ولا يشترط طلب عند أبي حنيفة فإن رأى الماء ولا يقدر ~~عليه لمانع من عدو أو سبع يمنعه من الذهاب إليه أو كان الماء في بئر وليس ms0722 ~~معه آلة الاستقاء فهو كالعادم فيتيمم ويصلي ولا إعادة عليه والله أعلم. # وقوله تعالى: { إن الله كان عفوا } يعني يتجاوز عن ذنوب عباده ويعفو ~~ويصفح عنهم { غفورا } ستورا على عباده يغفر الذنوب ويسترها وفيه تنبيه ~~على أن الله تعالى رخص لعباده أمر العبادة ويسرها عليهم لأن من كانت ~~عادته أن يغفر الذنوب ويعفو عنها كان أولى بأن يرخص للعاجزين أمر ~~العبادة. ### || [4.44] # قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } نزلت في يهود ~~المدينة وقال ابن عباس نزلت في رفاعة بن زيد ومالك بن دخشم اليهوديين ~~كانا إذا تلكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لويا ألسنتهما وعاباه فأنزل ~~الله تعالى ألم تر يعني ألم ينته علمك يا محمد إلى هؤلاء الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب يعني أعطوا حظا من علم التوراة وذلك أنهم عرفوا نبوة ~~موسى من التوراة وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم منها فلذلك أتى ~~بمن التي هي للتبعيض وقيل إنهم علموا التوراة ولم يؤتوا العمل بها { ~~يشترون الضلالة } يؤثرون تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم ليأخذوا بذلك ~~الرشا وتحصل لهم الرياسة وإنما ذكر بلفظ الشراء لأنه استبدال شيء بشيء ~~وقيل فيه إضمار يعني يستبدلون الضلالة بالهدى { ويريدون } يعني اليهود { ~~أن تضلوا السبيل } يعني عن السبيل والمعنى أنهم يتوصلون إلى إضلال ~~المؤمنين والتلبيس عليهم لكي يجتنبوا الإسلام. ### || [4.45-47] # { والله أعلم بأعدائكم } يعني أنه سبحانه وتعالى أعلم بكنه ما في قلوب ~~اليهود من العداوة والبغضاء لكم يا معشر المؤمنين فلا تنصحوهم فإنهم ~~أعداؤكم { وكفى بالله وليا } يعني متوليا أمركم والقائم به ومن كان ~~الله تعالى وليه لم يضره أحد { وكفى بالله نصيرا } يعني ينصركم عليهم ~~فثقوا بولايته ونصره. وقوله تعالى: { من الذين هادوا } قيل هو بيان للذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب والتقدير ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب من الذين هادوا وقيل هو متعلق بما قبله والتقدير وكفى بالله ~~نصيرا من الذين هادوا وقيل هو ابتداء الكلام وفيه حذف تقديره من الذين ms0723 ~~هادوا قوم { يحرفون الكلم } أي يزيلونه ويغيرونه ويبدلونه { عن مواضعه } ~~يعني يغيرون صفة محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة وقال ابن عباس: كانت ~~اليهود يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسألونه عن الأمر فيخبرهم به ~~فيرى أنهم يأخذون بقوله فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه، وقيل المراد ~~بالتحريف إلقاء الشبهة الباطلة والتأويلات الفاسدة وهو تحريف اللفظ عن ~~معناه الحق إلى معنى الباطل { ويقولون سمعنا وعصينا } يعني سمعنا قولك ~~وعصينا أمرك وذلك أنهم كانوا إذا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر ~~قالوا في الظاهر سمعنا وقالوا في الباطن: عصينا وقيل إنهم كانوا يظهرون ~~ذلك القول عنادا واستخفافا { واسمع غير مسمع } هذه كلمة تحتمل المدح ~~والذم فأما معناها في المدح اسمع غير مسمع مكروها. وأما معناها في الذم ~~فإنهم كانوا يقولون اسمع منا ولا نسمع منك. وقيل إنهم كانوا يقولون للنبي ~~صلى الله عليه وسلم اسمع ثم يقولون في أنفسهم لا سمعت وقيل معناه غير ~~مقبول منك ما تدعو إليه وقيل معناه غير مسمع جوابا يوافقك ولا كلاما ~~ترتضيه { وراعنا } أي ويقولون راعنا يريدون بذلك نسبته إلى الرعونة وقيل ~~معناه أرعنا سمعك أي اصرف سمعك إلى كلامنا وأنصت إلى قولنا ومثل هذا لا ~~يخاطب به الأنبياء بل إنما يخاطبون بالإجلال والتعظيم والتبجيل والتفخيم ~~{ ليا بألسنتهم وطعنا في الدين } أصله لويا لأنه من لويت الشيء إذا ~~فتلته والمعنى أنهم يفتلون الحق فيجعلونه باطلا لأن راعنا من المراعاة ~~فيجعلونه من الرعونة. وكانوا يقولون لأصحابهم إنما نشتمه ولا يعرف ولو ~~كان نبيا لعرف ذلك فأظهره الله تعالى على خبث ضمائرهم وما في قلوبهم من ~~العداوة والبغضاء ثم قال تعالى: { ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا } يعني ~~ولو أنهم قالوا بدل سمعنا وعصينا سمعنا وأطعنا { واسمع } يعني بدل قولهم ~~لا سمعت { وانظرنا } يعني بدل قولهم راعنا أي انظر إلينا { لكان خيرا ~~لهم } يعني عبدالله { وأقوم } يعني أعدل وأصوب { ولكن لعنهم الله } يعني ~~طردهم وأبعدهم من رحمته { بكفرهم } يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم: { فلا ms0724 ~~يؤمنون إلا قليلا } يعني فلا يؤمن من اليهود إلا نفر قليل مثل عبدالله ~~بن سلام وأصحابه وقيل أراد بذلك القليل هو اعترافهم بأن الله خلقهم ~~ورزقهم. # قوله تعالى: { يا أيها الذين أوتوا الكتاب } خطاب لليهود { آمنوا بما ~~نزلنا } يعني القرآن { مصدقا لما معكم } يعني التوراة وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كلم أحبار اليهود عبدالله بن صوريا وكعب بن الأشرف فقال # " يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم ~~به لحق " # قالوا ما نعرف ذلك وأصروا على الكفر فأنزل الله هذه الآية وأمرهم ~~بالإيمان وقرن بهذا الأمر الوعيد الشديد فقال تعالى: { من قبل أن نطمس ~~وجوها } أصل الطمس إزالة الأثر بالمحو وذكروا في المراد بالطمس ها هنا ~~وجهين: أحدهما أن يحمل على حقيقته والثاني أن يحمل على مجازه أما من حمله ~~على الحقيقة فقال هو محو تخطيط صور الوجوه قال ابن عباس يجعلها كخف ~~البعير وقيل نعميها فيكون المراد بالوجه العين { فنردها على أدبارها } ~~يعني نجعلها على هيئة أدبارها وهي الاقفاء وقيل نديرها فنجعل الوجوه إلى ~~خلف والأقفاء إلى قدام وإنما جعل الله هذا عقوبة لهم لما فيه من تشويه ~~الخلقة والمثلة والفضيحة، وعند هذا يحصل لهم الغم وتكثر الحسرات فعلى هذا ~~يكون هذا الوعيد مختصا بيوم القيامة. وأما من حمل الطمس على المجاز فقال ~~المراد به نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها يعني على ضلالتها وقيل ~~المراد بالطمس طمس القلب والبصيرة فنردها على أدبارها يعني بتغيير ~~أحوالهم فنلبسهم الصغار والذلة بعد العز وقيل المراد بالطمس محو آثارهم ~~من المدينة وردهم إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام من حيث جاؤوا وهو ~~إجلاء بني النضير فإن قلت قد أوعدهم وهددهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا ولم ~~يؤمنوا فلم يفعل بهم ذلك قلت هذا الإشكال إنما يرد على من فسر الطمس ~~بتغيير الوجوه ومحو تخطيطها وحمله على الحقيقة والجواب عنه إن هذا مشروط ~~بعدم الإيمان وقد آمن منهم ناس فرفع عن الباقين. وروى أن عبدالله بن سلام ms0725 ~~لما سمع هذه الآية جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله ~~فأسلم وقال: يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يحول وجهي إلى قفاي ~~وكذلك روي عن كعب الأحبار أنه لما سمع هذه الآية في خلافة عمر بن الخطاب ~~أسلم. وقال يا رب أسلمت مخافة أن يصيبني وعيد هذه الآية فكان هذا الوعيد ~~مشروطا بأن لا يؤمن أحد منهم وهذا الشرط لم يوجد لأنه آمن منهم جمع كثير ~~في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كعبدالله بن سلام وأصحابه ففات الشرط ~~لفوات المشروط وقيل إن الطمس باق في اليهود فيكون فيهم طمس ومسخ قبل يوم ~~القيامة وقيل إنه تعالى جعل الوعيد بأحد شيئين إما بالطمس أو باللعنة وهو ~~قوله تعالى: { أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت } أي نجعلهم قردة كما ~~فعلنا بأوائلهم وفي المراد من لعنهم الطرد والإبعاد من الرحمة والكناية ~~في نلعنهم تعود إلى المخاطبين في قوله تعالى: { يا أيها الذين أوتوا ~~الكتاب } وهذا على طريقة الالتفات كما في قوله تعالى: { حتى إذا كنتم في ~~الفلك } وجرين بهم بريح طيبة وقد يحتمل أن يكون معناه من قبل أن نطمس ~~وجوها فنردها ونلعن أصحاب الوجوه فنجعل الكناية في قوله أو نلعنهم عن ~~ذكر أصحاب الوجوه إذا كان في الكلام دلالة عليهم. # وقوله تعالى: { وكان أمر الله مفعولا } يعني لا بد وأن يقع لهم ذلك إن ~~لم يؤمنوا فلا راد لحكمه ولا ناقض لأمره على معنى أنه لا يمتنع عليه شيء ~~يريد أن يفعله وقيل معناه وكان مأمور الله مفعولا والأمر هنا في موضع ~~المأمور سمي أمرا لأنه عن أمره كان. ### || [4.48] # قوله عز وجل: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ~~قال ابن جرير الطبري معناه يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا ~~فإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فعلى هذا يكون ~~في الآية دلالة على أن اليهودي يسمى ms0726 مشركا في عرف الشرع وقيل إن الآية ~~نزلت في وحشي وأصحابه، وذلك لما قتل حمزة رضي الله عنه ورجع إلى مكة ندم ~~هو وأصحابه فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا ندمنا على ما ~~صنعنا وأنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك بمكة تقول والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر إلى آخر الآيات وقد دعونا مع الله إلها آخر ~~وقتلنا النفس التي حرم الله وزنينا فلولا هذه الآيات لاتبعناك فنزلت # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا # [الفرقان: 70] الآيتين فبعث بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ~~فلما قرؤوهما كتبوا إليه إن هذا شرط شديد ونخاف أن لا نعمل عملا صالحا ~~فنزلت إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فبعثوا إنا ~~نخاف أن لا نكون من أهل المشيئة فنزلت # قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم # [الزمر: 53] الآية فبعث بها إليهم فدخلوا في الإسلام ورجعوا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقبل منهم ثم قال لوحشي أخبرني كيف قتلت حمزة؟ فلما ~~أخبره قال ويحك غيب وجهك عني فلحق بالشام فكان به إلى أن مات وقيل لما ~~نزلت # قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم # [الزمر: 53] الآية قام رجل فقال: يا رسول الله والشرك؟ فسكت ثم قام إليه ~~مرتين أو ثلاثا فنزلت هذه الآية ومعنى الآية أن الله لا يغفر لمشرك مات ~~على شركه ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء يعني ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء من ~~أصحاب الذنوب والآثام. ففي الآية دليل على أن صاحب الكبيرة إذا مات من ~~غير توبة فإنه في خطر المشيئة إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة بمنه وكرمه ~~وإن شاء عذبه بالنار ثم أدخله الجنة برحمته وإحسانه لأن الله تعالى وعد ~~المغفرة لما دون الشرك فإن مات على الشرك فهو مخلد في النار لقوله تعالى ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وفي الآية رد على ~~المعتزلة ms0727 والقدرية حيث قالوا: لا يجوز في الحكمة أن يغفر لصاحب كبيرة ~~وعند أهل السنة أن الله تعالى يفعل ما يشاء لا مكره له ولا حجر عليه ويدل ~~على ذلك أيضا ما روي عن ابن عمر قال كنا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا مات الرجل على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه ~~الآية: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ~~فأمسكنا عن الشهادة. # وقال ابن عباس لعمر بن الخطاب يا أمير المؤمنين الرجل يعمل من الصالحات ~~لم يدع من الخير شيئا إلا عمله غير أنه مشرك قال عمر هو في النار فقال ~~ابن عباس الرجل لم يدع شيئا من الشر إلا عمله غير أنه لم يشرك بالله ~~شيئا فقال عمر: الله أعلم قال ابن عباس: إني لأرجو له كما أنه لا ينفع ~~مع الشرك عمل كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب فسكت عمر. عن علي بن أبي طالب ~~قال: ما في القرآن أحب إلي من هذه الآية إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب م عن جابر ~~قال # " جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما ~~الموجبتان؟ " قال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك به ~~دخل النار ". # وقوله تعالى: { ومن يشرك بالله } يعني يجعل معه شريكا غيره { فقد افترى ~~} أي اختلق { إثما عظيما } يعني ذنبا عظيما غير مغفور إن مات عليه. ### || [4.49-50] # قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } نزلت في رجال من اليهود ~~أتوا بأطفالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هل على ~~هؤلاء من ذنب؟ قال: لا قالوا: ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار ~~يكفر عنا بالليل وما عملناه بالليل يكفر عنا بالنهار فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية وقيل نزلت في اليهود والنصارى حين قالوا نحن أبناء ms0728 الله ~~وأحباؤه وقولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى والتزكية هنا ~~عبارة عن مدح الإنسان نفسه بالصلاح والدين منه تزكية الشاهد حتى يصير ~~عدلا قال الله تعالى: # فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى # [النجم: 32] وذلك لأن التزكية متعلقة بالتقوى وهي صفة في الباطن فلا ~~يعلم حقيقتها إلا الله تعالى فلا تصلح التزكية إلا من عند الله تعالى ~~فلهذا قال الله تعالى: { بل الله يزكي من يشاء } ويدخل في هذا المعنى كل ~~من ذكر نفسه بصلاح أو وصفها بزكاء العمل أو بزيادة الطاعة والتقوى أو ~~بزيادة الزلفى عند الله تعالى فهذه الأشياء لا يعلمها إلا الله فلهذا ~~قال: # فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى # [النجم: 32] ومعنى يزكون أنفسهم يزعمون أنهم أزكياء لأنهم برؤوا أنفسهم ~~من الذنوب قال تعالى ردا عليهم: { بل الله يزكي من يشاء } فيجعله زاكيا ~~{ ولا يظلمون فتيلا } يعني أن الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تلك ~~التزكية من غير ظلم وقيل معناه إن الذين زكاهم الله لا ينقصون من ثواب ~~طاعتهم شيئا والفتيل المفتول وسمي ما يكون في شق النواة فتيلا لكونه ~~على هيئته وقيل الفتيل هو ما تفتله بين أصابعك من وسخ وغيره ويضرب به ~~المثل في الشيء الحقير الذي لا قيمة له { انظر } الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم انظر يا محمد إلى هؤلاء اليهود { كيف يفترون على الله الكذب } ~~يعني قولهم أنهم لا ذنوب لهم وتزكيتهم أنفسهم { وكفى به } أي بذلك الكذب ~~{ إثما مبينا }. ### || [4.51] # قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت } نزلت في كعب بن الأشرف وسبعين راكبا من اليهود قدموا مكة بعد ~~وقعة أحد ليحالفوا قريشا على النبي صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد ~~الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل كعب بن الأشرف على ~~أبي سفيان فأحسن مثواه ونزل باقي اليهود على قريش في دورهم أهل مكة أنتم ~~فقال لهم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب ولا نأمن أن ms0729 يكون هذا مكرا منكم فإن ~~أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا إلى هذين الصنمين ففعلوا ذلك فذلك قوله ~~تعالى: { يؤمنون بالجبت والطاغوت } ثم قال كعب بن الأشرف لأهل مكة ليجيء ~~منكم ثلاثون رجلا ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب هذا ~~البيت لنجهدن على قتال محمد ففعلوا ثم قال أبو سفيان لكعب بن الأشرف إنك ~~امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى سبيلا نحن أم ~~محمد؟ قال كعب اعرض علي دينكم فقال أبو سفيان نحن ننحر للحجيج الكوماء ~~ونسقيهم الماء ونقري الضيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف ~~به ونحن أهل الحرم ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم وديننا ~~القديم ودين محمد الحديث فقال كعب أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد ~~فأنزل الله تعالى ألم تر يعني يا محمد إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~كعب بن الأشرف وأصحابه اليهود يؤمنون بالجبت والطاغوت يعني سجودهم ~~للصنمين واختلف العلماء فيهما الجبت والطاغوت كل معبود دون الله تعالى، ~~وقيل هما صنمان كانا لقريش وهما اللذان سجد اليهود لهما لمرضاة قريش وقيل ~~الجبت اسم للأصنام والطاغوت شياطين الأصنام ولكل صنم شيطان يعبر فيها ~~ويكلم الناس فيغترون بذلك وقيل الجبت الكاهن والطاغوت الساحر عن قطن بن ~~قبيصة عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " العيافة والطيرة والطرق من الجبت " # أخرجه أبو داود وقال الطرق الزجر والعيافة الخط وقيل العيافة هي زجر ~~الطير وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا خرج لأمر زجر طيرا فإذا أخذ ~~ذات اليمين مضى في حاجته وإذا أخذ ذات الشمال رجع فنهوا عن ذلك والطرق هو ~~ضرب الحجارة والحصا على طريق الكهانة فنهوا عنه والطيرة هو أن يتطير ~~بالشيء فيرى الشؤم فيه والشر منه وقيل هو من التطير وهو زجر الطائر والخط ~~هو ضرب الرمل لاستخراج الضمير وقيل الجبت كل ما حرم الله تعالى والطاغوت ~~كل ما يطغى الإنسان وقيل الجبت هو حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف ms0730 ~~اليهوديان وكانا طاغية اليهود { ويقولون } يعني كعب بن الأشرف وأصحابه { ~~للذين كفروا } يعني لكفار قريش { هؤلاء } يعني أنتم يا هؤلاء { أهدى من ~~الذين آمنوا سبيلا } يعني طريقا. ### || [4.52-56] # { أولئك الذين لعنهم الله } يعني كعب بن الأشرف وأصحابه { ومن يلعن الله ~~} يعني طرده من رحمته { فلن تجد له نصيرا } يعني ينصره. قوله تعالى: { ~~أم لهم نصيب من الملك } هذا استفهام إنكار يعني ليس لهم من الملك شيء ~~البتة وذلك أن اليهود كانوا يقولون نحن أولى بالملك والنبوة فكيف نتبع ~~العرب فأكذبهم الله تعالى وأبطل دعواهم { فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } ~~هذا جواب وجزاء لمضمر تقديره ولئن كان لهم نصيب وحظ من الملك فلا يؤتون ~~الناس منه نقيرا وصفهم بالبخل في هذه الآية ووصفهم بالجهل في الآية ~~المتقدمة ووصفهم بالحسد في الآية الآتية. وهذه الخصال كلها مذمومة فكيف ~~يدعون الملك وهي حاصلة فيهم والنقير التي تكون على ظهر النواة ومنها تنبت ~~النخلة ويضرب به المثل في الشيء الحقير التافه الذي لا قيمة له. قوله عز ~~وجل: { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله } أصل الحسد تمني زوال ~~النعمة عمن هو مستحق لهما وربما يكون ذلك مع سعي في زوالها وصف الله ~~اليهود بشر خصلة وهي الحسد والمراد بالناس محمد صلى الله عليه وسلم وحده ~~وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد لأنه صلى الله عليه وسلم اجتمع ~~فيه من خصال الخير والبركة ما لا يجتمع مثله في جماعة ومن هذا القبيل ~~يقال فلان أمة وحده يعني أن يقوم مقام أمة، وقيل المراد بالناس النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه لأن لفظ الناس جمع وحمله على الجمع أولى والمراد ~~بالفضل النبوة لأنها أعظم المناصب وأشرف المراتب، وقيل حسدوه على ما أحل ~~الله له من النساء وكان له يومئذ تسع نسوة. فقالت اليهود لو كان نبيا ~~لشغله أمر النبوة عن الاهتمام بأمر النساء فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم ~~بقوله { فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة } يعني أنه قد حصل في ms0731 أولاد ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم جماعة كثيرون جمعوا بين الملك والنبوة مثل ~~داود وسليمان عليهما السلام فلم يشغلهم الملك عن أمر النبوة والمعنى كيف ~~يحسدون محمدا صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله وقد آتينا آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة وأنتم لا تحسدونهم. والمراد بالكتاب التوراة ~~وبالحكمة النبوة { وآتيناهم ملكا عظيما } يعني فلم يشغلهم عن النبوة ~~فمن فسر الفضل بكثرة النساء فسر الملك العظيم في حق داود وسليمان بكثرة ~~النساء فإنه كان لداود مائة امرأة ولسليمان ألف امرأة ثلاثمائة حرة ~~وسبعمائة سرية ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمئذ إلا تسع ~~نسوة ولما لم يكن ذلك مستبعدا في حقهم ولا نقصا في نبوتهم فلا يكون ~~مستبعدا في حق محمد صلى الله عليه وسلم ولا نقصا في نبوته { فمنهم } ~~يعني من اليهود { من آمن به } أي بالنبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل ~~الله إليه كعبد الله بن سلام وأصحابه { ومنهم من صد عنه } أي أعرض عنه ~~ولم يؤمن به { وكفى بجهنم سعيرا } يعني وكفى في عذاب من لم يؤمن بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم سعيرا. # قوله تعالى: { إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا } هذا وعيد من ~~الله عز وجل للذين أقاموا على كفرهم وتكذيبهم بما أنزل الله عز وجل على ~~محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود وغيرهم من سائر الكفار والمعنى إن ~~الذين جحدوا ما أنزلت على رسولي محمد من آياتي الدالة على توحيدي وصدق ~~رسولي محمد صلى الله عليه وسلم سوف نصليهم نارا أي ندخلهم نارا نشويهم ~~فيها: { كلما نضجت جلودهم } يعني احترقت { بدلناهم جلودا غيرها } يعني ~~غير الجلود المحترقة قال ابن عباس: يبدلون جلودا بيضاء كأمثال القراطيس. ~~وروي أن هذه الآية قرئت عند عمر بن الخطاب فقال عمر للقارئ: أعدها ~~فأعادها وكان عنده معاذ بن جبل فقال معاذ: عندي تفسيرها تبدل في كل ساعة ~~مائة مرة فقال عمر للقارئ: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره ~~البغوي بغير سند ms0732 وقال الحسن تأكلهم النار في كل يوم سبعين ألف مرة ق عن ~~أبي هريرة يرفعه ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب ~~المسرع م عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ضرس الكافر أو قال ناب الكافر مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام " # فإن قلت كيف تعذب جلود لم تكن في الدنيا ولم تعص؟ قلت يعاد الجلد الأول ~~في كل مرة وإنما قال جلودا غيرها لتبديل صفتها كما تقول صغت من خاتمي ~~خاتما غيره، فالثاني هو الأول غير أن الصناعة بدلت الصفة وقيل إن العذاب ~~للجملة الحساسة وهي النفس التي عصت فإن كان كذلك فغير مستحيل إن الله ~~يخلق للكافر في كل ساعة من الجلود ما لا يحصى لتحترق ويصل ألمها وقيل ~~المراد بالجلود السرابيل وهوقوله: # سرابيلهم من قطران # [إبراهيم: 50] والمعنى كلما نضجت سرابيلهم واحترقت بدلناهم سرابيل من ~~قطران غيرها لأن الجلود لو احترقت لفنيت وفي فنائها راحتها وقد أخبر الله ~~عنهم أنهم لا يموتون فيها ولا يخفف عنهم من عذابها ولأن الجلد أحد أجزاء ~~الجسم فثبت أن التبديل إنما هو للسرابيل وقيل يبدل الجلد من نفس الكافر ~~فيخرج من لحمه جلدا وقيل إن الله تعالى يلبس أهل النار جلودا لا تألم ~~لتكون زيادة في عذابهم كلما احترق جلد بدلهم جلدا غيره. وقوله تعالى: { ~~ليذوقوا العذاب } أي إنما فعلنا بهم ذلك ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدته ~~وإنما أتى بلفظ الذوق مع ما ينالهم من عظم العذاب الذي نالوه إخبارا بأن ~~إحساسهم به في كل حال فإحساس الذائق في تجديد وجدان الذوق من غير نقصان ~~في الإحساس { إن الله كان عزيزا } يعني في انتقامه ممن ينتقم من خلقه لا ~~يغلبه شيء ولا يمتنع عليه أحدا { حكيما } يعني في تدبيره وقضائه وأنه ~~لا يفعل إلا ما هو الصواب. ### || [4.57-58] # { والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم } يعني سوف ندخلهم يوم القيامة ~~{ جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } يعني باقين فيها { أبدا } ~~يعني ذلك الخلود بغير نهاية ولا ms0733 انقطاع { لهم فيها } يعني في الجنات { ~~أزواج مطهرة } يعني مطهرات من الحيض والنفاس وسائر أقذار الدنيا { ~~وندخلهم ظلا ظليلا } كنينا ذلك الظل لا تنسخه الشمس ولا يؤذيهم فيه حر ~~ولا برد وذلك الظل هو ظل الجنة. فإن قلت إذا لم يكن في الجنة شمس يؤذي ~~حرها فما فائدة وصفها بالظل الظليل؟ قلت إنما خاطبهم بما يعقلون ويعرفون ~~وذلك لأن بلاد العرب في غاية الحرارة فكان الظل عندهم من أعظم أسباب ~~الراحة واللذة فهو كقوله ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا. قوله عز وجل: { إن ~~الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } قال البغوي نزلت في عثمان بن ~~طلحة الحجبي من بني عبد الدار وكان سادن الكعبة فلما دخل النبي صلى الله ~~عليه وسلم مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح فطلب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المفتاح فقيل له: إنه مع عثمان فطلب منه رسول الله ~~المفتاح فأبى وقال لو علمت إنه رسول الله لم أمنعه المفتاح فلوى علي بن ~~أبي طالب يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب ودخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم البيت وصلى فيه ركعتين فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح وأن ~~يجمع له بين السقايا والسدانة فأنزل الله هذه الآية فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه ففعل ذلك ~~فقال له عثمان: أكرهت ثم جئت ترفق فقال علي لقد أنزل الله عز وجل في شأنك ~~قرآنا وقرأ عليه الآية فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله فأسلم فكان المفتاح معه إلى أن مات فدفعه إلى أخيه شيبه ~~فالمفتاح والسدانة في أولادهم إلى يوم القيامة. قلت وفيما ذكره البغوي ~~رحمه الله من إسلام عثمان بن طلحة يوم الفتح ومنعه المفتاح وقوله لو أعلم ~~أنه رسول الله لم أمنعه المفتاح نظر والصحيح ما حكاه أبو عمر بن عبد البر ~~وابن منده وابن الأثير أن عثمان بن طلحة هاجر إلى المدينة في ms0734 هدنة ~~الحديبية سنة ثمان مع خالد بن الوليد ولقيهما عمرو بن العاص مقبلا من ~~عند النجاشي فرافقهما وهاجر معهما فلما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم: ~~قال رمتكم مكة بأفلاذ كبدها يعني أنهم وجوه أهل مكة فأسلموا وسلم عثمان ~~بن طلحة المفتاح للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فرده النبي صلى الله ~~عليه وسلم إليه وقال # " خذوها يا بني طلحة خالدة مخلدة لا ينزعها منكم إلا ظالم ولم يذكروا ~~سؤال العباس السدانة والله أعلم " # وثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أقبل النبي صلى الله عليه وسلم عام ~~الفتح وهو مردف أسامة على القصواء ومعه بلال وعثمان حتى أناخ عند البيت ~~ثم قال لعثمان ائتنا بالمفتاح فجاءه بالمفتاح ففتح الباب. وذكر الحديث ~~وذكر ابن الجوزي في تفسير هذه الآية من رواية أبي صالح عن ابن عباس قال: # " إن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة طلب مفتاح البيت من عثمان بن ~~طلحة فذهب ليعطيه إياه فقال العباس بأبي أنت وأمي اجمعه إلي مع السقاية ~~فكف عثمان يده مخافة أن يعطيه العباس فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ~~هات المفتاح " فأعاد العباس قوله وكف عثمان يده فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " هات المفتاح أن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر " فقال هاكه يا رسول ~~الله بأمانة الله فأخذ المفتاح ونزل جبريل بهذه الآية " # فدعا عثمان ودفعه إليه ففي هذه الرواية أيضا ما يدل على تقديم إسلام ~~عثمان بن طلحة على فتح مكة. لأن قوله صلى الله عليه وسلم لعثمان إن كنت ~~تؤمن بالله واليوم الآخر يدل على ذلك فعلى هذا القول يكون الخطاب في قوله ~~إن الله يأمركم للنبي صلى الله عليه وسلم وهو أن الله أمره أن يرد مفتاح ~~البيت إلى عثمان بن طلحة. وقيل الخطاب في قوله إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها لولاة أمور المسلمين من الأمراء والحكام وغيرهم ويدل ~~على ذلك سياق الآية وهو قوله وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ~~ومعنى ms0735 الآية إن الله يأمركم يا ولا ة الأمور أن تؤدوا ما ائتمنتم عليه من ~~أمور رعيتكم وأن توفوهم حقوقهم وأن تعدلوا بينهم. وقيل إن الآية عامة في ~~جميع الأمانات ولا يمتنع من خصوص السبب عموم الحكم فيدخل في ذلك جميع ~~الأمانات التي حملها الإنسان ويقسم ذلك إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول ~~رعاية الأمانة في عبادة الله عز وجل وهو فعل المأمورات وترك المنيهات قال ~~ابن مسعود الأمانة لازمة في كل شيء حتى في الوضوء والغسل من الجنابة ~~والصلاة والزكاة والصوم وسائر أنواع العبادات. القسم الثاني هو رعاية ~~الأمانة مع نفسه وهو ما أنعم الله به عليه من سائر أعضائه فأمانة اللسان ~~حفظه من الكذب والغيبة والنميمة ونحو ذلك وأمانة العين غضها عن المحارم ~~وأمانة السمع أن لا يشغله بسماع شيء من اللهو والفحش والأكاذيب ونحوه ثم ~~سائر الأعضاء على نحو ذلك. القسم الثالث هو رعاية أمانة العبد مع سائر ~~عباد الله فيجب عليه رد الودائع والعواري إلى أربابها الذي ائتمنوه عليها ~~ولا يخونهم فيها عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " # أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن غريب ويدخل في ذلك وفاء الكيل ~~والميزان فلا يطفف فيهما ويدخل في ذلك أيضا عدل الأمراء والملوك في ~~الرعية ونصح العلماء للعامة فكل هذه الأشياء من الأمانة التي أمر الله عز ~~وجل بأدائها إلى أهلها وروى البغوي بسنده عن أنس قال قلما خطبنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: # " لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له " # وقوله تعالى: { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } يعني وإن الله ~~يأمركم أن تحكموا بين الناس بالعدل فيجب على الحاكم أن يأخذ الحق ممن وجب ~~عليه لمن وجب له وأصل العدل هو المساواة في الأشياء فكل ما خرج عن الظلم ~~والاعتداء سمي عدلا قال بعض العلماء ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين ~~في خمسة أشياء ms0736 في الدخول عليه والجلوس بين يديه والإقبال عليهما ~~والاستماع منهما والحكم بالحق فيما لهما وعليهما وحاصل الأمر فيه أن يكون ~~مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحق إلى مستحقه وأن لا يمتزج ذلك بغرض آخر م ~~عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه ~~يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا " # عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم عنده مجلسا إمام عادل وأبغض ~~الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر " # أخرجه الترمذي. وقوله تعالى: { إن الله نعما يعظكم به } أي نعم الشيء ~~الذي يعظكم به وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل { إن الله كان سميعا ~~بصيرا } يعني أنه تعالى سميع لما تقولون وبصير بما تفعلون فإذا حكمتم ~~فهو يسمع حكمكم وإذا أديتم الأمانة فهو يبصر فعلكم. ### || [4.59] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم } ق عن ابن عباس قال لما نزل قوله: { أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم } الآية قال نزلت في عبدالله بن حذافة بن قيس بن ~~عدي السهمي إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وقال السدي ~~نزلت في خالد بن الوليد وذلك أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~سرية وفيها عمار بن ياسر فلما قربوا من القوم هربوا منهم وجاء رجل إلى ~~عمار قد أسلم فأمنه عمار فرجع الرجل فجاء خالد فأخذ مال الرجل فقال عمار ~~إني قد أمنته وقد أسلم خالد أتجير علي وأنا الأمير فتنازعا وقدما على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على ~~أمير فأنزل الله تعالى أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم وأصل الطاعة ~~الانقياد وهو امتثال الأمر فطاعة الله عز وجل امتثال أمره فيما أمر ~~والانقياد لذلك الأمر وطاعة الله واجبة على ms0737 كافة الخلق. وكذا طاعة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم واجبة أيضا لقوله تعالى وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~فأوجب طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم على الخلق واختلف العلماء في أولي ~~الأمر الذين أوجب طاعتهم بقوله وأولي الأمرم منكم. يعني وأطيعوا أولي ~~الأمر منكم قال ابن عباس وجابرهم الفقهاء والعلماء الذين يعلمون معالم ~~الناس دينهم وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد وقال أبو هريرة الأمراء ~~والولاة. وهي رواية عن ابن عباس أيضا قال علي بن أبي طالب حق على الإمام ~~أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن ~~يسمعوا ويطيعوا ق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني قد عصى الله ومن يطع الأمير فقد ~~أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني " # ق عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره إلا إن يؤمر بمعصية ~~الله فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " # خ عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام ~~فيكم كتاب الله " # وقال ميمون بن مهران هم أمراء السرايا والبعوث وهي رواية عن ابن العباس ~~أيضا ووجه هذا القول أن الآية نازلة فيهم. وقال عكرمة: أراد بأولي ~~الأمر. أبا بكر وعمر لما روي عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " # أخرجه الترمذي وقيل هم جميع الصحابة لما روي عن عمر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " # أخرجه رزين في كتابه وروى البغوي بسنده عن الحسن قال إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " مثل أصحابي في أمتي كالملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح " # قال الحسن قد ذهب ملحنا فكيف ms0738 نصلح قال الطبري وأولى الأقوال بالصواب قول ~~من قال هم الأمراء والولاة لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله عز وجل طاعة وللمسلمين مصلحة ~~وقال الزجاج وجملة أولي الأمر من يقوم بشأن المسلمين في أمر دينهم وجميع ~~ما أدى إليه صلاحهم قال العلماء طاعة الإمام واجبة على الرعية ما دام على ~~الطاعة فإذا زال عن الكتاب والسنة فلا طاعة له وإنما تجب طاعته فيما وافق ~~الحق. وقوله تعالى: { فإن تنازعتم في شيء } يعني اختلفتم في شيء من أمر ~~دينكم والتنازع اختلاف الآراء وأصله من انتزاع الحجة وهو أن كل واحد من ~~المتنازعين ينزع الحجة لنفسه { فردوه إلى الله والرسول } أي ردوا ذلك ~~الأمر الذي تنازعتم فيه إلى كتاب الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه ~~وسلم ما دام حيا وبعد وفاته فردوه إلى سنته والرد إلى كتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم واجب إن وجد ذلك الحكم في كتاب الله أخذ به فإن ~~لم يوجد في كتاب الله ففي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن لم يوجد في ~~السنة فسبيله الاجتهاد وقيل الرد إلى الله ورسوله أن يقول لما لا يعلم ~~الله ورسوله أعلم { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } يعني افعلوا ذلك ~~الذي أمرتكم به إن كنتم تؤمنون بالله وإن طاعته واجبه عليكم وتؤمنون ~~بالميعاد الذي فيه جزاء الأعمال قال العلماء في الآية دليل على أن من لا ~~يعتقد وجوب طاعة الله وطاعة الرسول ومتابعة السنة والحكم بالأحاديث ~~الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون مؤمنا بالله واليوم الآخر ~~{ ذلك خير } يعني رد الحكم إلى الله ورسوله خير { وأحسن تأويلا } يعني ~~وأحمد عاقبة وقيل معناه ذلك أي ردكم ما اختلفتم فيه إلى الله ورسوله أحسن ~~تأويلا منكم له وأعظم أجرا. ### || [4.60] # قوله عز وجل: { ألم تر الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ms0739 أن يكفروا به } قال ~~ابن عباس: نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر كان بينه وبين يهودي ~~خصومة فقال اليهودي ننطلق إلى محمد وقال المنافق بل ننطلق إلى كعب بن ~~الأشرف وهو الذي سماه الله الطاغوت فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى المنافق ذلك أتى معه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودي. فلما خرجا من ~~عنده لزمه المنافق وقال انطلق بنا إلى عمر فأتيا عمر فقال اليهودي اختصمت ~~أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه مخاصمي إليك ~~فقال عمر للمنافق أكذلك قال؟ قال نعم فقال لهما عمر: رويدا حتى أخرج ~~إليكما فدخل عمر البيت وأخذ السيف واشتمل عليه ثم خرج فضرب به المنافق ~~حتى برد وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله فنزلت هذه ~~الآية وقال جبريل إن عمر فرق بين الحق والباطل فسمي الفاروق. وقال السدي ~~كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم وكانت قريظة والنضير في ~~الجاهلية وكانت قريظة حلفاء الخزرج والنضير حلفاء الأوس وكان إذا قتل رجل ~~من بني قريظة رجلا من بني النضير قتل به أو أخذت ديته مائة وسق من تمر، ~~وإذا قتل رجل من بني النضير رجلا من قريظة لم يقتل به وأعطى ديته ستين ~~وسقا فلما جاء الإسلام وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قتل ~~رجل من النضير رجلا من قريظة فاختصموا في ذلك فقال بنوا النضير كنا ~~وأنتم قد اصطلحنا على أن نقتل منكم ولا تقتلوا منا وديتنا مائة وسق ~~وديتكم ستون وسقا فنحن نعطيكم ذلك فقالت الخزرج هذا شيء كنتم فعلتموه في ~~الجاهلية لكثرتكم وقلتنا فقهرتمونا على ذلك، فاليوم نحن إخوة في الدين ~~فلا فضل لكم علينا فقال المنافقون منهم ننطلق إلى أبي بردة الكاهن ~~الأسلمي وقال المسلمون من الفريقين بل ننطلق إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأبى المنافقون وانطلقوا ms0740 إلى أبي بردة الكاهن ليحكم بينهم فقال ~~أطعموا اللقمة يعني الخطر فقالوا لك عشرة أوسق فقال لا بل مائة وسق ديتي ~~فأبوا أن يعطوه إلا عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم فأنزل الله عز وجل ~~آيتي القصاص وأنزل هذه الآية: { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك } الزعم والزعم بضم الزاي وفتحها لغتان وأكثر ~~ما يستعمل الزعم بمعنى القول الذي لا يتحقق. # وقيل هو حكاية قول يكون مظنة للكذب ولذلك قيل زعم مطية الكذب والمراد به ~~في هذه الآية الكذب لأن الآية نازلة في المنافقين وظاهر الآية يدل على ~~أنها نازلة في الذين نافقوا من مؤمني أهل الكتاب ويدل عليه قوله آمنوا ~~بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يرون أن يتحاكموا إلى الطاغوت يعني كعب ~~بن الأشرف في قول ابن عباس سماه الله طاغوتا لأفراطه في الطغيان وعداوة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل هو أبو بردة الكاهن في قول السدي وقد ~~أمروا أن يكفروا به يعني بالطاغوت لأن الكفر بالطاغوت إيمان بالله عز ~~وجل: { يريد الشيطان أن يضلهم } يعني عن طريق الهدى والحق { ضلالا ~~بعيدا }. ### || [4.61-62] # { وإذا قيل لهم } يعني للمنافقين { تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ~~} يعني هلموا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه وإلى الرسول ليحكم بينكم ~~به { رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا } يعني يعرضون عنك وعن حكمك ~~إعراضا وأي إعراض وإنما أعرض المنافقون عن حكم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأنهم علموا أنه صلى الله عليه وسلم كان يحكم بينهم بالحق الصريح ~~ولا يقبل الرشا. قوله عز وجل: { فكيف إذا أصابتهم مصيبة } يعني فكيف حال ~~هؤلاء المنافقين وكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة يعجزون عنها { بما قدمت ~~أيديهم } يعني تصيبهم عقوبة بسبب ما قدمت أيديهم وهو التحاكم إلى غير ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا وعيد لهم على سوء صنيعهم ورضاهم بحكم ~~الطاغوت دون حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل المصيبة هي ms0741 قتل عمر ~~لذلك المنافق وقيل هي كل مصيبة تصيب في الدنيا والآخرة { ثم جاؤوك } يعني ~~المنافقين حين تصيبهم المصائب يعتذرون إليك { يحلفون بالله إن أردنا } أي ~~ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك { إلا إحسانا } يعني في التحاكم إلى غيرك ~~لا إساءة { وتوفيقا } يعني بين الخصمين لا مخالفة لك في حكمك وقيل جاء ~~أولياء المنافق الذي قتله عمر يطلبون ديته وقالوا ما أردنا بالتحاكم إلى ~~عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا في حكمه ويوفق بينه وبين خصمه، وما خطر ~~ببالنا أن يحكم بما حكم به من قتل صاحبنا في حكمه ويوفق بينه وبين خصمه ~~وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به من قتل صاحبنا فأهدر الله ذلك ~~المنافق. ### || [4.63-65] # { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم } يعني من النفاق { فأعرض عنهم } ~~يعني عن عقوبتهم وقيل عن قبول عذرهم { وعظهم } يعني باللسان والمراد ~~زجرهم بالوعظ عن النفاق والكفر والكذب وتخويفهم بعذاب الآخرة { وقل لهم ~~في أنفسهم قولا بليغا } يعني بليغا يؤثر في قلوبهم موقعه وهو التخويف ~~بالله عز وجل هو أن يوعدهم بالقتل إن لم يتوبوا من النفاق. وقيل هو أن ~~يقول إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق قتلتم لأن هذا القول يبلغ في ~~نفوسهم كل مبلغ وقيل معناه فأعرض عنهم في الملأ وقل لهم في أنفسهم إذا ~~خلوت بهم قولا بليغا أي اغلظ لهم في القول خاليا بهم ليس معهم غيرهم ~~مسارا لهم بالنصيحة لأنها في السر أنجع. وقيل هذا الإعراض منسوخ بآية ~~القتال وقد تكلم العلماء في حد البلاغة فقال بعضهم البلاغة إيصال المعنى ~~إلى الفهم في أحسن صورة من اللفظ وقيل البلاغة حسن العبارة مع صحة المعنى ~~وقيل البلاغة سرعة الإيحاز مع الإفهام وحسن التصرف من غير إدجار. وقيل ~~أحسن الكلام ما قلت ألفاظه وكثرت معانيه وقيل خير الكلام ما شوق أوله إلى ~~سماع آخره وقيل لا يستحق الكلام اسم البلاغة إلا إذا طابق لفظه معناه ~~ومعناه لفظه ولم يكن لفظه إلى السمع أسبق من معناه إلى القلب. ms0742 وقيل ~~المراد بالقول البليغ في الآية أن يكون حسن الألفاظ حسن المعاني مشتملا ~~على الترغيب والترهيب والإعذار والإنظار والوعد والوعيد بالثواب والعقاب، ~~فإن الكلام إذا كان كذلك عظم وقعه في القلوب وأثر في النفوس. قوله تعالى: ~~{ وما أرسلنا من رسول } قال الزجاج لفظه من هنا صلة مؤكدة والمعنى وما ~~أرسلنا رسولا { إلا ليطاع بإذن الله } يعني بأمر الله والمعنى إنما وجبت ~~طاعة الرسول بأمر الله لأن الله أذن في ذلك وأمر به وقيل معناه بعلم الله ~~وقضائه أي طاعته تكون بإذن الله لأنه أذن فيه فتكون طاعة الرسول طاعة ~~الله ومعصيته معصية الله والمعنى وما أرسلنا من رسول إلا فرضت طاعته على ~~من أرسلته إليهم وأنت يا محمد من الرسل الذين فرضت طاعتهم على من أرسلوا ~~إليهم ففيه توبيخ وتقريع للمنافقين الذين تركوا حكم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ورضوا بحكم الطاغوت { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم } يعني الذين ~~تحاكموا إلى الطاغوت ظلموا أنفسهم بالتحاكم إليه { جاؤوك } يعني جاؤوك ~~تائبين من النفاق والتحاكم إلى الطاغوت متنصلين مما ارتكبوا من المخالفة ~~{ فاستغفروا الله } يعني من ذلك الذنب بالإخلاص وبالغوا في الاعتذار إليك ~~من إيذائك برد حكمك والتحاكم إلى غيرك { واستغفر لهم الرسول } يعني من ~~مخالفته والتحاكم إلى غيره وإنما قال واستغفر لهم الرسول ولم يقل ~~واستغفرت لهم إجلالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتفخيما له ~~وتعظيما لاستغفاره وانهم إذا جاؤوه فقد جاؤوا من خصه الله برسالته وجعله ~~سفيرا بينه وبين خلقه ومن كان كذلك فإن الله تعالى لا يرد شفاعته فلهذا ~~السبب عدل إلى طريقة الالتفات من لفظ الخطاب إلى لفظ الغيبة { لوجدوا ~~الله توابا رحيما } يعني لو أنهم تابوا من ذنوبهم ونفاقهم واستغفرت لهم ~~لعلموا أن الله يتوب عليهم ويتجاوز عنهم ويرحمهم. # قوله عز وجل: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } نزلت ~~هذه الآية في الزبير بن العوام ورجل من الأنصار ق عن عروة بن الزبير عن ~~أبيه # " أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في ms0743 شراج الحرة التي يسقون بها النخل ~~فقال الأنصاري: سرح الماء يمر فأبى عليه فاختصما عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: " اسق يا زبير ثم ~~أرسل إلى جارك " فغضب الأنصاري ثم قال يا رسول الله إن كان ابن عمتك. ~~فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال للزبير اسق يا زبير ثم ~~احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر " # فقال الزبير والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: { فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } زاد البخاري فاستوعى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حينئذ للزبير حقه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ~~ذلك قد أشار على الزبير رأيا أي أراد سعة له وللأنصاري فلما أحفظ ~~الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم للزبير حقه في صريح الحكم قال الزبير والله ما أحسب هذه الآية نزلت ~~إلا في ذلك. قوله في شراج الحرة الشراج مسايل الماء التي تكون من الجبل ~~وتنزل إلى السهل الواحدة شرجة بسكون الراء والحرة الأرض الحمراء المتلبسة ~~بالحجارة السود وقوله فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني تغير ~~وقوله فلما أحفظ أي أغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله حتى يرجع ~~إلى الجدر هو بفتح الجيم يعني أصل الجدار وقوله فاستدعى له أي استوفى له ~~حقه في صريح الحكم. وهو أن من كان أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول ~~الوادي وحقه تمام السقي فرسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للزبير في ~~السقي على وجه المسامحة فلما أبى خصمه ذلك ولم يعترف بما أشار به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من المسامحة لأجله أمر الزبير باستيفاء حقه على ~~التمام وحمل خصمه على مر الحق. فعلى هذا القول تكون الآية مستأنفة لا ~~تعلق لها بما قبلها قال البغوي: روي أنهما لما خرجا مرا على المقداد فقال ~~لمن كان القضاء قال ms0744 الأنصاري لابن عمته ولوى شدقه ففطن له يهودي كان مع ~~المقداد فقال قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء ~~يقضي بينهم وأيم الله لقد أذنبنا ذنبا مرة في حياة موسى فدعا موسى إلى ~~التوبة منه فقال فاقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفا في طاعة ~~ربنا حتى رضي عنا. # فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق ولو أمرني ~~محمد أن أقتل نفسي لفعلت. وقال مجاهد والشعبي نزلت هذه الآية في بشر ~~المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى الطاغوت. وعلى هذا القول تكون الآية ~~متصلة بما قبلها فلا وربك معناه فوربك فعلى هذا تكون لا مزيدة لتأكيد ~~معنى القسم. وقيل إن لا رد لكلام سبق كأنه قال ليس الأمر كما يزعمون أنهم ~~آمنوا وهم يخالفون حكمك ثم استأنف القسم فقال تعالى فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم يعني فيما اختلفوا فيه من الأمور وأشكل عليهم ~~حكمه وقيل فيما التبس عليهم يقال شاجره في الأمر إذا نازعه فيه وأصله ~~التداخل والاختلاط وشجر الكلام إذا دخل بعضه في بعض واختلط { ثم لا يجدوا ~~في أنفسهم حرجا مما قضيت } يعني ضيقا مما قضيت وقيل شكا فيما قضيت بل ~~يرضوا بقضائك { ويسلموا تسليما } يعني وينقادوا لأمرك انقيادا أو لا ~~يعارضونك في شيء من أمرك وقيل معناه يسلموا ما تنازعوا فيه لحكمك. ### || [4.66-68] # قوله عز وجل: { ولو أنا كتبنا عليهم } أي فرضنا وأوجبنا عليهم الضمير في ~~عليهم يعود على المنافقين وقيل يعود الضمير على الكافة فيدخل فيه المنافق ~~وغيره { أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم } يعني كما كتبنا على بني ~~إسرائيل القتل والخروج من مصر { ما فعلوه إلا قليل منهم } معناه لم ~~يفعله إلا القليل منهم نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أن رجلا من ~~اليهود قال: والله لقد كتب الله علينا القتل والخروج ففعلنا فقال ثابت: ~~والله لو كتب الله علينا ذلك لفعلنا وهو من القليل الذي استثنى الله وقيل ms0745 ~~لما نزلت هذه الآية قال عمر وعمار بن ياسر وابن مسعود وناس من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهم القليل الذين ذكرهم الله والله لو أمرنا ~~لفعلنا والحمد لله الذي عافانا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " إن من أمتي لرجالا الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي " # ومن قال إن الضمير في عليهم يعود إلى المنافقين قال معنى ما فعلوه إلا ~~قليل منهم يعني رياء وسمعة والمعنى إن ما كتبنا عليهم إلا طاعة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والرضا بحكمه ولو أنا كتبنا عليهم القتل والخروج من ~~الدور والوطن ما كان فعله إلا نفر يسير منهم وقرئ { إلا قليلا منهم } ~~بالنصب وتقديره إلا أن يكون قليلا منهم { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } ~~يعني ولو أنهم فعلوا ما كلفوا به من طاعة الرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والرضا بحكمه { لكان خيرا لهم } يعني في الدنيا والآخرة وإنما سمي ذلك ~~التكليف وعظا لأن أوامر الله تعالى وتكاليفه مقرونة بالوعد والوعيد ~~والثواب والعقاب وما كان كذلك يسمى وعظا { وأشد تثبيتا } يعني تحقيقا ~~وتصديقا لإيمانهم، والمعنى أن ذلك أقرب إلى إثبات إيمانهم وتصديقهم { ~~وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما } يعني ثوابا وافرا جزيلا وإذا ~~جواب لسؤال مقدر كأنه قيل ماذا يكون من هذا الخير والتثبيت قال هو أن ~~نؤتيهم من لدنا أجرا عظيما { ولهديناهم صراطا مستقيما } قال ابن عباس ~~معناه ولأرشدناهم إلى دين مستقيم يعني دين الإسلام وقيل معناه ولهديناهم ~~إلى الأعمال الصالحة التي تؤدي إلى المستقيم وهو الصراط الذي يمر عليه ~~المؤمنون إلى الجنة لأن الله تعالى ذكر الأجر العظيم أولا ثم ذكر الصراط ~~المستقيم بعده لأنه هو المؤدي إلى الجنة. ### || [4.69-70] # قوله عز وجل: { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم } # " الآية نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير ~~لونه يعرف ms0746 الحزن في وجهه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ~~غير لونك؟ " فقال يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أراك ~~استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك. ثم إني إذا ذكرت الآخرة أخاف أن لا أراك ~~لأنك ترفع إلى عليين مع النبيين وإني أخاف إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي ~~أدنى من منزلتك وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدا فنزلت هذه الآية " # وقيل إن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: كيف يكون الحال وأنت ~~يا رسول الله في الدرجات العلى ونحن أسفل منك فكيف نراك؟ فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية: { ومن يطع الله } يعني في أداء الفرائض واجتناب النواهي ~~{ والرسول } أي ويطع الرسول في السنن التي سنها فأولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم يعني بالهداية والتوفيق في الدنيا وبدخول الجنة في الآخرة { ~~من النبيين } يعني أن المطيعين مع النبيين في الجنة لا تفوتهم رؤية ~~الأنبياء في الجنة ومجالستهم لأنهم يكونون في درجتهم في الجنة لأن ذلك ~~يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول { والصديقين } الصديق ~~الكثير الصدق فعيل من الصدق بكل الدين والصديقون هم أتباع الرسل الذين ~~اتبعوهم على مناهجهم بعدهم حتى لحقوا بهم وقيل الصديق هو الذي صدق بكل ~~الدين حتى لا يخالطه فيه شك والمراد بالصديقين في هذه الآية أفاضل أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي بكر فإنه هو الذي سمي بالصديق من هذه ~~الأمة وهو أفضل أتباع الرسل { والشهداء } هم الذين استشهدوا في سبيل الله ~~وقيل هم الذين استشهدوا يوم أحد { والصالحين } جمع صالح وهو الذي استوت ~~سريرته وعلانيته في الخير. وقيل الصالح من اعتقاده صواب وعمله في سنة ~~وطاعة وقيل المراد بالنبيين هنا محمد صلى الله عليه وسلم وبالصديقين أبو ~~بكر وبالشهداء عمر وعثمان وعلي وبالصالحين سائر الصحابة { وحسن أولئك } ~~يعني المشار إليهم وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون وفيه معنى ~~التعجب كأنه قال وما أحسن أولئك { رفيقا } يعني في الجنة والرفيق الصاحب ~~سمي رفيقا ms0747 لارتفاقك به وبصحبته وإنما وحد الرفيق وهو صفة الجمع لأن ~~العرب تعبر به عن الواحد والجمع وقيل معناه وحسن كل واحد من أولئك رفيقا ~~ق عن أنس # " أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة: فقال متى الساعة ~~قال: " وما أعددت لها "؟ قال لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله. فقال: " ~~أنت مع من أحببت " # قال أنس فما فرحنا بشيء أشد فرحا بقول النبي صلى الله عليه وسلم أنت مع ~~من أحببت قال أنس: فأنا أحب النبي وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي ~~إياهم وإن لم أعمل بأعمالهم. وقوله تعالى: { ذلك } إشارة إلى ما تقدم ~~ذكره من وصف الثواب { الفضل من الله } يعني الذي أعطى الله المطيعين من ~~الأجر العظيم { وكفى بالله عليما } يعني بجزاء من أطاعه وقيل معناه وكفى ~~بالله عليما بعباده فهو يوفقهم لطاعته وفيه دليل على أنهم لم ينالوا تلك ~~الدرجة بطاعتهم بل إنما نالوها بفضل الله تعالى ورحمته ويدل عليه ما روي ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا ~~أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة " # لفظ البخاري ولمسلم نحوه. ### || [4.71-74] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم } الحذر احتراز من مخوف ~~والمعنى احذرو واحترزوا من عدوكم. ولا تمكنوه من أنفسكم وقيل المراد ~~بالحذر هنا السلاح يعني خذوا سلاحكم وعدتكم لقتال عدوكم وإنما سمي السلاح ~~حذرا لأن به يتقى ويحذر. وقيل معناه احذروا عدوكم ولقائل أن يقول إذا ~~كان المقدور كائنا فما يمنع الحذر فالجواب عنه بأنه لما كان الكل بقضاء ~~الله وقدره كان الأمر بأخذ الحذر من قضاء الله وقدره { فانفروا ثبات } أي ~~اخرجوا سرايا متفرقين سرية بعد سرية { أو انفروا جميعا } يعني أو اخرجوا ~~جميعا كلكم مع نبيكم صلى الله عليه وسلم إلى جهاد عدوكم { وإن منكم لمن ~~ليبطئن } نزلت في المنافقين. وإنما قال منكم لاجتماعهم مع أهل الإيمان ms0748 في ~~الجنسية والنسب وإظهار كلمة الإسلام لا في حقيقة الإيمان والمعنى وإن ~~منكم لمن ليتأخرن وليتثاقلن عن الجهاد وهو عبدالله بن أبي ابن سلول ~~المنافق وكان رأس المنافقين { فإن أصابتكم مصيبة } أي قتل وهزيمة { قال } ~~يعني هذا المنافق { قد أنعم الله علي } يعني بالقعود { إذا لم أكن معهم } ~~يعني مع المؤمنين { شهيدا } يعني حاضر الوقعة فيصيبني ما أصابهم { ولئن ~~أصابكم فضل من الله } أي فتح وغنيمة { ليقولن } يعني هذا المنافق { كأن ~~لم تكن بينكم وبينه مودة } أي معرفة ومودة في الدين والمعنى كأنه ليس من ~~أهل دينكم وذلك أن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين في الظاهر { يا ~~ليتني كنت معهم } في تلك الغزوة التي غنم فيها المؤمنون { فأفوز فوزا ~~عظيما } أي فآخذ نصيبا وافرا من الغنيمة. قوله عز وجل: { فليقاتل في ~~سبيل الله } هذا خطاب للمنافق أي فليخلص الإيمان وليقاتل في سبيل الله ~~وقيل هو خطاب للمؤمنين المخلصين أي فليقاتل المؤمنون في سبيل الله { ~~الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة } أي يبيعون يقال شريت بمعنى بعت لأنه ~~استبدال عوض بعوض. والمعنى فليقاتل المؤمنون الكافرين الذين يبيعون ~~حياتهم الدنيا بثواب الآخرة وما وعد الله فيها لأهل الإيمان والطاعة وقيل ~~معناه فليقاتل في سبيل الله المؤمنون الذين يبيعون الحياة الدنيا ~~ويختارون الآخرة وثوابها على الدنيا الفانية { ومن يقاتل في سبيل الله ~~فيقتل } أي فيستشهد { أو يغلب } يعني يظفر بعدوه من الكفار { فسوف نؤتيه ~~} يعني في كلا الحالتين الشهادة أو الظفر نؤتيه فيهما { أجرا عظيما } ~~يعني ثوابا وافرا ق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي ~~وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج ~~منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة " # لفظ مسلم. ### || [4.75-76] # قوله عز وجل: { وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله } قال المفسرون: هذا حض ~~من الله على الجهاد في سبيله لاستنقاذ المؤمنين المستضعفين من أيدي ~~الكفار ms0749 وفيه دليل على أن الجهاد واجب والمعنى لا عذر لكم في ترك الجهاد ~~وقد بلغ حال المستضعفين ما بلغ من الضعف والأذى { والمستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان } قال ابن عباس يريد أن قوما من المؤمنين استضعفوا ~~فحبسوا وعذبوا وقيل كان هؤلاء بمكة يلقون من المشركين أذى شديدا. وكان ~~أهل مكة قد اجتهدوا أن يفتنوا قوما من المؤمنين عن دينهم بالأذى لهم ~~وكانوا مستضعفين في أيديهم ولم يكن لهم بمكة قوة يمتنعون بها من المشركين ~~فعلى هذا يكون معنى الآية: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي خلاص ~~المستضعفين. وقال ابن عباس معناه وعن المستضعفين لأن المراد صرف الأذى ~~عنهم خ عن ابن عباس في قوله: { وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ~~والمستضعفين } الآية. قال كنت أنا وأمي من المستضعفين وفي رواية ابن أبي ~~مليكة قال تلا ابن عباس # إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان # [النساء: 98] قال كنت أنا وأمي ممن عذر الله أنا من الولدان وأمي من ~~النساء فعلى هذه الرواية الثانية من حديث ابن عباس يكون معنى والمستضعفين ~~إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان فإنهم ممن عذر الله في ترك ~~القتال والولدان جمع وليد وهو الصبي الصغير { الذين يقولون ربنا أخرجنا ~~من هذه القرية } يعني مكة { الظالم أهلها } يعني الظالم أهلها أنفسهم ~~بالشرك لقوله تعالى: { إن الشرك لظلم عظيم } وذلك أن المستضعفين لما ~~منعهم المشركون من الهجرة من مكة إلى المدينة دعوا الله عز وجل فقالوا ~~ربنا أخرجنا من هذه القرية يعني مكة الظالم أهلها بالشرك { واجعل لنا من ~~لدنك وليا } يعني وليا يلي أمرنا { واجعل لنا من لدنك نصيرا } يعني ~~يبصرنا ويمنعنا من العدو فاستجاب الله دعاءهم وجعل لهم من لدنه خير ولي ~~وخير ناصر وهو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتولى أمرهم ونصرهم ~~واستنقذهم من أيدي المشركين يوم فتح مكة واستعمل عليهم عتاب بن أسيد وكان ~~ابن ثمان عشرة سنة فكان ينصر المظلمومين على الظالمين ويأخذ للضعيف من ~~القوي. قوله عز وجل: { الذين ms0750 آمنوا يقاتلون في سبيل الله } يعني في طاعة ~~الله وإعلاء كلمته وابتغاء مرضاته { والذين كفروا يقاتلون في سبيل ~~الطاغوت } يعني في طاعة الشيطان { فقاتلوا أولياء الشيطان } أي فقاتلوا ~~أيها المؤمنون حزب الشيطان وجنوده وهم الكفار { إن كيد الشيطان كان ~~ضعيفا } الكيد السعي في الفساد على جهة الاحتيال ويعني بكيده ما كاد ~~المؤمنين به من تخويفه أولياءه الكفار يوم بدر وكونه ضعيفا لأنه خذل ~~أولياءه الكفار لما رأى الملائكة قد نزلت يوم بدر وكان النصر لأولياء ~~الله وحزبه على أولياء الشيطان وإدخال كان في قوله ضعيفا لتأكيد ضعف كيد ~~الشيطان. ### || [4.77-78] # قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة } قال الكلبي نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن ~~الأسود الكندي وقدامة بن مظعون الجمحي وسعد بن أبي وقاص وجماعة من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يلقون من المشركين أذى كثيرا بمكة قبل ~~أن يهاجروا فكانوا يقولون يا رسول الله ائذن لنا في قتالهم فإنهم قد ~~آذونا فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كفوا أيديكم فإني لم أؤمر بقتالهم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " # يعني قيل لهم كفوا أيديكم عن قتالهم وأدوا ما افترض عليكم من الصلاة ~~والزكاة وفيه دليل على أن فرض الصلاة والزكاة كان قبل فرض الجهاد { فلما ~~كتب عليهم القتال } أي فرض عليهم جهاد المشركين وأمروا بالخروج إلى بدر { ~~إذا فريق منهم } يعني إذا جماعة من الذين سألوا أن يفرض عليهم الجهاد { ~~يخشون الناس } يعني يخافون مشركي مكة { كخشية الله أو أشد خشية } أو ~~بمعنى الواو يعني وأشد خشية { وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال } يعني ~~لم فرضت علينا الجهاد { لولا أخرتنا إلى أجل قريب } يعني هلا تركتنا ~~ولم تفرض علينا القتال حتى نموت بآجالنا والقائلون لهذا القول هم ~~المنافقون لأن هذا القول لا يليق بالمؤمنين وقيل قاله بعض المؤمنين وإنما ~~قالوا ذلك خوفا وجبنا لا اعتقادا ثم إنهم تابوا من هذا القول { قل } ~~أي قل لهم ms0751 يا محمد { متاع الدنيا قليل } يعني أن منفعتها والاستمتاع ~~بالدنيا قليل لأنه فان زائل { والآخرة } يعني وثواب الآخرة { خير لمن ~~اتقى } يعني اتقى الشرك ومعصية الرسول صلى الله عليه وسلم { ولا تظلمون ~~فتيلا } أي ولا تنقصون من أجوركم قدر فتيل م عن المستورد بن شداد قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه وأشار يعني ~~بالسبابة في اليم فلينظر بم ترجع ". # قوله عز وجل: { أينما تكونوا يدرككم الموت } نزلت في المنافقين الذين ~~قالوا في قتلى أحد لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فرد الله عليهم ~~بهذه الآية وقيل نزلت في الذين قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال فرد الله ~~عليهم بقوله تعالى: { أينما تكونوا يدرككم الموت } يعني ينزل بكم الموت ~~فبين تعالى أنه لا خلاص لهم من الموت وإذا كان لا بد لهم من الموت كان ~~القتل في القتال في سبيل الله وجهاد أعدائه أفضل من الموت على الفراش لأن ~~الجهاد موت تحصل به سعادة الآخرة ثم بين تعالى أنه لا بد لهم من الموت ~~وأنه لا ينجي منه شيء بقوله: { ولو كنتم في بروج مشيدة } البروج في كلام ~~العرب الحصون والقلاع والمشيدة المرفوعة المطولة وقيل هي المطلية بالشيد ~~وهو الجص { إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله } نزلت في المنافقين ~~واليهود وذلك أن المدينة كانت ذات خير وأرزاق ونعم عند مقدم النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلما ظهر نفاق المنافقين وعناد اليهود أمسك الله عنهم بعض ~~الإمساك فقال المنافقون واليهود ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا ~~منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. # فقال الله تعالى وإن تصبهم يعني المنافقين واليهود حسنة أي خصب في ~~الثمار ورخص في السعر يقولوا هذه من عند الله يعني من قبل الله { وإن ~~تصبهم سيئة } أي جدب في الثمار وغلاء في السعر { يقولوا هذه من عندك } ~~يعني من شؤم محمد وأصحابه وقيل المراد بالحسنة الظفر والغنيمة يوم بدر ~~وبالسيئة القتل ms0752 والهزيمة يوم أحد ومعنى من عندك أنت الذي حملتنا عليه يا ~~محمد فعلى هذا القول يكون هذا إخبارا عن المنافقين خاصة { قل } أي قل ~~لهم يا محمد { كل من عند الله } يعني الحسنة والسيئة والخصب والجدب ~~والغنيمة والهزيمة والظفر والقتل فأما الحسنة فإنعام من الله وأما السيئة ~~فابتلاء منه { فمال هؤلاء القوم } أي فما شأن هؤلاء القوم المنافقين ~~واليهود الذين قالوا ما قالوا { لا يكادون يفقهون حديثا } يعني لا ~~يفقهون معاني القرآن وأن الأشياء كلها من الله عز وجل خيرها وشرها. ### || [4.79] # قوله عز وجل: { ما أصابك من حسنة } يعني من خير ونعمة { فمن الله } يعني ~~من فضل الله عليك يتفضل به إحسانا منه إليك { وما أصابك من سيئة } يعني ~~من شدة ومكروه ومشقة وأذى { فمن نفسك } يعني فمن قبل نفسك وبذنب اكتسبته ~~نفسك استوجبت ذلك به وفي المخاطب بهذا الكلام قولان: أحدهما أنه عام ~~وتقديره ما أصابك أيها الإنسان والثاني أنه خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمراد به من غيره من الأمة والنبي صلى الله عليه وسلم بريء لأن ~~الله عز وجل قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وقد عصمه من حين البعثة ~~فهو معصوم فيما يستقبل حتى يموت ويدل على أن المراد بهذا الخطاب غيره ~~قوله عز وجل: # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء # [الطلاق: 1] خاطبه وحده ثم جمع الكل بقوله إذا طلقتم النساء فمعنى قوله ~~فمن نفسك أي عقوبة لذنبك يا ابن آدم كذا قاله قتادة. وقال الكلبي: ما ~~أصابك من خير فالله هداك له وأعانك فيه وما أصابك من أمر تكرهه فبذنبك ~~عقوبة لذلك الذنب وقد تعلق بظاهر هذه الآية القدرية وقالوا نفى الله ~~السيئة عن نفسه ونسبها إلى الإنسان بقوله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ولا ~~متعلق لهم بها لأنه ليس المراد من الآية حسنة الكسب من الطاعات ولا ~~السيئة المكتسبة من فعل المعاصي بل المراد من الحسنة والسيئة في هذه ~~الآية ما يصيب الإنسان من النعم والمحن وذلك ليس ms0753 من فعل العبد لأنه لا ~~يقال في الطاعة والمعصية أصابني وإنما يقال أصبتها. ويقال في النعم ~~والمحن أصابني بدليل أنه لم يذكر عليه ثوبا ولا عقابا فهو كقوله تعالى: # فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه # [الأعراف: 131] ولما ذكر الله حسنات الكسب وسيئاته وعد عليها بالثواب ~~والعقاب فقال تعالى: # من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها # [الأنعام: 160] فبطل بهذا قول القدرية وقال بعضهم لو كانت الآية على ما ~~يقول أهل القدر لقال ما أصبت من حسنة وما أصبت من سيئة ولم يقل ما أصابك ~~لأن العادة جرت بقول الإنسان أصابني خير أو مكروه وأصبت حسنة أو سيئة ~~وقيل في معنى الآية ما أصابك من حسنة أي النصر والظفر يوم بدر فمن الله ~~أي من فضل الله، وما أصابك من سيئة أي من قتل وهزيمة يوم أحد فمن نفسك ~~يعني فبذنوب أصحابك وهو مخالفتهم إياك. فإن قلت كيف وجه الجمع بين قوله ~~تعالى قل كل من عند الله وبين قوله وما أصابك من سيئة فمن نفسك فأضاف ~~السيئة إلى فعل العبد في هذه الاية. # قلت أما إضافة الأشياء كلها إلى الله تعالى في قوله: # قل كل من عند الله # [النساء: 78] فعلى الحقيقة لأن الله تعالى وهو خالقها وموجدها وأما ~~أضافة السيئة إلى فعل العبد فعلى المجاز تقديره وما أصابك من سيئة فمن ~~الله بذنب نفسك عقوبة لك وقيل السيئة إلى فعل العبد على سبيل الأدب فهو ~~كقوله تعالى: # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80] فأضاف المرض إلى نفسه على طريق الأدب ولا يشك عاقل أن ~~المرض هو الله تعالى وقيل هذه متصلة بما قبلها وفيه إضمار وتقديم وتأخير ~~تقديره فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ويقولون ما أصابك من ~~حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك قل كل من عند الله وقال ابن ~~الأنباري في معنى الآية ما أصابك الله به من حسنة وما أصابك به من ms0754 سيئة ~~فالفعلان راجعان إلى الله تعالى. قوله تعالى: { وأرسلناك للناس رسولا } ~~يعني وأرسلناك يا محمد إلى كافة الناس رسولا لتبلغهم رسالتي وما أرسلتك ~~به ولست رسولا إلى العرب خاصة كما قال بعض اليهود بل أنا رسول إلى الخلق ~~كافة العرب وغيرهم { وكفى بالله شهيدا } يعني على إرسالك للناس كافة فما ~~ينبغي لأحد أن يخرج عن طاعتك واتباعك، وقيل معناه وكفى بالله شهيدا على ~~تبليغك ما أرسلت به إلى الناس وقيل معناه وكفى بالله شهيدا على أن ~~الحسنة والسيئة من الله. ### || [4.80-81] # قوله عز وجل: { من يطع الرسول فقد أطاع الله } سبب نزول هذه الآية أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد أحب الله " # فقال بعض المنافقين ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت ~~النصارى عيسى ابن مريم ربا فأنزل الله هذه من يطع الرسول يعني فيما أمر ~~به ونهى عنه فقد أطاع الله يعني أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة ~~لله تعالى لأنه هو أمر بها. وقال الحسن جعل الله طاعة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم طاعته وقامت به الحجة على المسلمين. وقال الشافعي: إن كل فريضة ~~فرضها الله في كتابه كالحج والصلاة والزكاة لولا بيان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لها ما كنا نعرف كيف نأتيها ولا كان يمكننا أداء شيء من ~~العبادات وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه المنزلة الشريفة كانت ~~طاعته على الحقيقة طاعة لله { ومن تولى } أي أعرض عن طاعته { فما أرسلناك ~~عليهم حفيظا } يعني حافظا تحفظ أعمالهم عليهم بل كل أمرهم إلى الله قال ~~المفسرون وكان هذا قبل أن يؤمر بالقتال ثم نسخ ذلك بآية القتال قوله ~~تعالى: { ويقولون طاعة } نزلت في المنافقين وذلك أن المنافقين كانوا ~~يقولون باللسان لرسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بك وصدقناك فمرنا ~~فأمرك طاعة أي أمرنا وشأننا طاعة { فإذا برزوا من عندك } أي خرجوا من ~~عندك { بيت طائفة منهم غير الذي تقول ms0755 } التبييت كل أمر يفعل بالليل يقال ~~هذا أمر مبيت إذا دبر بليل وقضي بليل فقد بيت والمعنى أنهم قالوا وقدروا ~~أمرا بالليل غير الذي أعطوك بالنهار من الطاعة وقيل معنى بيت غير وبدل ~~طائفة منهم غير الذي تقول يعني غير الذي عهدت إليهم فعلى هذا يكون ~~التبييت بمعنى التبديل وإنما خص طائفة من المنافقين بالتبييت في قوله ~~منهم. وكلمة من للتبعيض لأنه تعالى علم أن منهم من يبقى على كفره ونفاقه ~~ومنهم من يرجع عنه ويتوب فخص من يصر على النفاق والذكر وقيل إن طائفة ~~منهم اجتمعوا في الليل وبيتوا ذلك القول فخصهم بالذكر { والله يكتب } أي ~~يثبت ويحفظ عليهم { ما يبيتون } يعني ما يزورون ويغيرون ويقدرون وقال ابن ~~عباس يكتب ما يسرون من النفاق { فأعرض عنهم } أي لا تعاقبهم يا محمد ولا ~~تحدث نفسك بالانتقام منهم وخلهم في ضلالتهم فأنا منتقم منهم وقيل لا تغتر ~~بإسلامهم { وتوكل على الله } أي فوض أمرك إلى الله في شأنهم فإن الله ~~يكفيك أمرهم وينتقم لك منهم { وكفى بالله وكيلا } يعني ناصرا لك عليهم. ### || [4.82-83] # قوله عز وجل: { أفلا يتدبرون القرآن } أصل التدبر النظر في عواقب الأمور ~~والتفكر في أدبارها ثم استعمل في كل تفكر وتأمل. ويقال تدبرت الشيء أي ~~نظرت في عاقبته ومعنى تدبر القرآن تأمل معانيه وتفكر في حكمه وتبصر ما ~~فيه من الآيات. قال ابن عباس: أفلا يتدبرون القرآن فيتفكرون فيه فيرون ~~تصديق بعضه لبعض وما فيه من المواعظ والذكر والأمر والنهي وأن أحدا من ~~الخلق لا يقدر عليه قال العلماء إن الله تعالى احتج بالقرآن والتدبر فيه ~~على صحة نبوة محمد لله والحجة في ذلك من ثلاثة أوجه أحدها فصاحته التي ~~عجز الخلائق عن الإتيان بمثلها في أسلوبه. الثاني إخباره عن الغيوب وهو ~~ما يطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على أحوال المنافقين وما ~~يخفونه من مكرهم وكيدهم فيفضحهم بذلك وغير ذلك من الأخبار عن أحوال ~~الأولين وأخبارهم وما يأتي في المستقبل من أمور الغيب التي لا ms0756 يعلمها إلا ~~الله تعالى. الثالث سلامته من الاختلاف والتناقض وهو المراد بقوله تعالى: ~~{ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } قال ابن عباس ~~يعني تفاوتا وتناقضا وفي رواية عنه لو كان من عند مخلوق لكان فيه كذب ~~واختلاف وقيل معناه لوجدوا في إخباره عن الغيب بما يكون وبما قد كان ~~اختلافا كثيرا لأن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى. وإذا كان كذلك ثبت ~~أنه من عند الله وأنه ليس فيه اختلاف ولا تناقض وقيل لو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا من حيث البلاغة والفصاحة والمعنى لو كان ~~من عند مخلوق لكان على قياس الكلام المخلوق بعضه فصيح بليغ حسن وبعضه ~~مردود ركيك فاسد فلما كان القرآن جميعه على منهاج واحد في الفصاحة ~~والبلاغة ثبت أنه من عند الله والمعنى أفلا يتفكرون في القرآن فيعرفوا ~~بعدم التناقض فيه وصدق ما يخبر به عن الغيوب أنه كلام الله عز وجل وأن ~~ما يكون من عند الله لا يخلو عن تناقض واختلاف فلما كان القرآن ليس فيه ~~تناقض واختلاف علم أنه من عند قادر على ما لا يقدر غيره عالم بما لا ~~يعلمه سواه. قوله تعالى: { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به } ~~وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث البعوث والسرايا فإذا غلبوا ~~أو غلبوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم ثم يشيعونه ويتحدثون به قبل ~~أن يحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضعفون به قلوب المؤمنين فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية: { وإذا جاءهم } يعني المنافقين أمر من الأمن يعني ~~جاءهم خبر بفتح وغنيمة أو الخوف يعني القتل والهزيمة أذاعوا به أي أفشوا ~~ذلك الخبر وأشاعوه بين الناس يقال أذاع السر وأذاع به إذا أشاعه وأظهره ~~قال الشاعر: # أذاع به في الناس حتى كأنه بعلياء نار أوقدت بثقوب # { ولو ردوه } يعني الأمر الذي تحدثوا به { إلى الرسول } يعني أنهم لم ~~يتحدثوا به حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0757 هو الذي يتحدث به ~~ويظهره { وإلى أولي الأمر منهم } يعني ذوي العقول والرأي والبصيرة ~~بالأمور منهم وهم كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وقيل هم أمراء ~~السرايا والبعوث وإنما قال منهم على حسب الظاهر ولأن المنافقين كانوا ~~يظهرون الإيمان فلذا قال وإلى أولي الأمر منهم { لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم } أي يستخرجون تدبيره بذكائهم وفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور ~~الحرب وما ينبغي لها ومكايدها وهم العلماء الذين علموا ما ينبغي أن يكتم ~~من الأمور وما ينبغي ان يذاع منها والنبط الماء الذي يخرج من البئر أول ~~ما تحفر واستنباطه استخراجه فاستعير لما يخرجه الرجل بفضل ذكائه وصفاء ~~ذهنه وفطنته من المعاني والتدبير فيما يعضل ويهم. ويقال استنبط الفقيه ~~المسألة إذا استخرجها باجتهاده وفهمه وفي الآية دليل على جواز القياس وأن ~~من العلم ما يدرك بالنص وهو الكتاب والسنة ومنه ما يدرك بالاستنباط وهو ~~القياس عليهما ومعنى الآية ولو أن هؤلاء المنافقين والمذيعين ردوا الأمر ~~من الأمن والخوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر ~~وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم لعلموا حقيقة ذلك منهم وإنهم أولى ~~بالبحث عنه فإنهم أعلم بما ينبغي أن يشاع أو يكتم. قوله تعالى: { ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته } يعني ولولا فضل الله عليكم ببعثة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وإنزال القرآن ورحمته بالتوفيق والهداية { لاتبعتم الشيطان } ~~يعني لبقيتم على الكفر والضلالة { إلا قليلا } اختلف العلماء في هذا ~~الاستثناء وإلى ماذا يرجع فقيل هو راجع إلى الإذاعة وهو قول ابن عباس ~~والتقدير وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا فأخرج ~~بعض المنافقين والمؤمنين عن هذه الإذاعة لأنهم لم يذيعوا ما علموا من أمر ~~السرايا. وهذا القول اختيار الفراء وابن جرير الطبري وقيل هو راجع إلى ~~المستنبطين وهو قول الحسن وقتادة واختاره ابن قتيبه وتقديره لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم إلا قليلا فعلى هذين القولين في الآية تقديم وتأخير وقيل ~~إنه راجع إلى اتباع الشيطان وهو قول الضحاك. واختاره الزجاج ومعلوم أن ms0758 ~~صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى من صرفه إلى الشيء البعيد ~~وتقديره ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا منكم ~~وهم قوم آمنوا واهتدوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن ~~مثل زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وقس بن ساعدة الأيادي. ### || [4.84-85] # قوله تعالى: { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك } نزلت في مواعدة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم واعده موسم بدر الصغرى بعد حرب أحد وذلك في ذي القعدة ~~فلما بلغ الميعاد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخروج ~~فكرهه بعضهم فأنزل الله هذه الآية فقاتل في سبيل الله يعني لا تدع جهاد ~~العدو والانتصار للمستضعفين من المؤمنين لا تكلف إلا نفسك يعني لا تكلف ~~فرض غيرك بل جاهد في سبيل الله ولو وحدك فإن الله ناصرك لا الجنود وقد ~~وعدك النصر عليهم وهو لا يخلف الميعاد فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في سبعين راكبا إلى بدر الصغرى فكفاهم الله القتال ورجعوا سالمين وعاتب ~~الله من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية على ترك الجهاد ~~والخروج معه. وفي الآية دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشجع ~~الناس وأعلمهم بأمور القتال ومكايده لأن الله تعالى أمره بالقتال وحده ~~ولو لم يكن أشجع الناس لما أمره بذلك، ولقد اقتدى به أبو بكر الصديق في ~~قتال أهل الردة من بني حنيفة الذين منعوا الزكاة فعزم على الخروج إلى ~~قتالهم ولو وحده { وحرض المؤمنين } يعني حضهم على الجهاد ورغبهم في ~~الثواب وليس عليك في شأنهم إلا التحريض فحسب لا التعنيف بهم { عسى الله } ~~أي لعل الله { أن يكف بأس الذين كفروا } يعني لعل الله أن يمنع بأس ~~الكفار وشدتهم وقد فعل وذلك أن أبا سفيان بداله عن القتال فلم يخرج إلى ~~الموعد { والله أشد بأسا } أي أعظم صولة ms0759 { وأشد تنكيلا } يعني وأشد ~~عذابا وعقوبة من غيره قوله عز وجل: { من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب ~~منها } الشفاعة مأخوذة من الشفع وهو أن يصير الإنسان بنفسه شفيعا لصاحب ~~الحاجة حتى يجتمع معه على المسألة إلى المشفوع إليه فعلى هذا قيل إن ~~المراد بالشفاعة المذكورة في الآية هي شفاعة الإنسان لغيره ليجلب له ~~بشفاعته نفعا أو يخلصه من بلاء نزل به. وقيل هي الإصلاح بين الناس وقيل ~~معنى الآية من يصر شفعا لوتر أصحابك يا محمد فيشفعهم في جهاد عدوهم يكن ~~له نصيب منها أي حظ وافر من أجر شفاعته وهو ثواب الله وكرامته { ومن يشفع ~~شفاعة سيئة } قيل هي النميمة ونقل الحديث لإيقاع العداوة بين الناس وقيل ~~أراد بالشفاعة السيئة دعاء اليهود على المسلمين وقيل معناه من يشفع كفره ~~بقتال المؤمنين { يكن له كفل } أي ضعف وقيل نصيب { منها } أي من وزرها { ~~وكان الله على كل شيء مقيتا } قال ابن عباس يعني مقتدرا أو مجازيا ~~وأقات على الشيء قدر عليه قال الشاعر: # وذي ضغن كففت الشر عنه وكنت على إساءته مقيتا # يعني قادرا على الإساءة إليه وقيل معناه شاهدا أو حفيظا على الأشياء ~~ق عن أبي موسى قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا فجاء رجل ~~يسأل فأقبل علينا بوجهه وقال: # " اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء " # وفي رواية كان إذا جاءه طالب حاجة أقبل على جلسائه وقال: # " اشفعوا تؤجروا " # وذكره. ### || [4.86-87] # قوله عز وجل: { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها } التحية تفعله من ~~حيا وأصلها من الحياة ثم جعل السلام تحية لكونه خارجا عن حصول الحياة ~~وسبب الحياة في الدنيا أو في الآخرة والتحية أن يقال حياك الله أي جعل لك ~~حياة وذلك أخبار ثم يجعل دعاء وهذه اللفظة كانت العرب تقولها فلما جاء ~~الإسلام بدل ذلك بالسلام وهو المراد به في الآية يعني إذا سلم عليكم ~~المسلم فأجيبوه بأحسن مما سلم عليكم به وإنما اختير لفظ السلام على لفظة ~~حياك الله ms0760 لأنه أتم وأحسن وأكمل لأن معنى السلام السلامة من الآفات فإذا ~~دعا الإنسان بطول الحياة بغير سلامة كانت حياته مذمومة منغصة. وإذا كان ~~في حياته سليما كان أتم وأكمل فلهذا السبب اختير لفظ السلام { أو ردوها ~~} يعني أو ردوا عليه كما سلم عليكم { إن الله كان على كل شيء حسيبا } ~~يعني محاسبا ومجازيا والمعنى أنه تعالى على كل شيء من رد السلام بمثله ~~أو بأحسن منه مجاز. فصل في فضل السلام والحث عليه ق عن عبدالله بن عمرو ~~بن العاص # " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: " ~~تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " # قوله أي الإسلام خير معناه أي خصال الإسلام خير م عن أبي هريرة قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء ~~إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم " # عن عبدالله بن سلام قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا والناس ~~نيام تدخلوا الجنة بسلام " # أخرجه الترمذي وقال حديث صحيح عن أبي أمامة قال: أمرنا نبينا صلى الله ~~عليه وسلم أن نفشي السلام، أخرجه ابن ماجه. فصل في أحكام تتعلق بالسلام ~~وفيه مسائل المسألة الأولى في كيفية السلام: ق عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام قال اذهب فسلم على أولئك نفر من ~~الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك به فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام ~~عليكم فقالوا عليك السلام ورحمة الله فزادوه ورحمة الله " # قال العلماء يستحب لمن يبتدئ بالسلام أن يقول السلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته فيأتي بضمير الجمع وإن كان المسلم عليه واحد ويقول المجيب وعليكم ~~السلام ورحمة الله وبركاته فيأتي بواو العطف في قوله وعليكم عن عمران بن ~~حصين قال # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم فرد عليه ms0761 ثم ~~جلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عشر ثم جاء آخر فقال وعليكم ~~السلام ورحمة الله فرد عليه فجلس فقال عشرون فجاء آخر فقال السلام عليكم ~~ورحمة الله وبركاته فرد عليه فجلس فقال ثلاثون " # أخرجه الترمذي. وأبو داود وقال الترمذي حديث حسن وقيل إذا قال المسلم ~~السلام عليكم فيقول المجيب وعليكم السلام ورحمة الله فيزيده ورحمة الله ~~وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله فيقول وعليكم السلام ورحمة الله ~~وبركاته، وإذا قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فيرد عليه السلام ~~بمثله ولا يزيد عليه وروي أن رجلا سلم على ابن عباس فقال: السلام عليكم ~~ورحمة الله وبركاته ثم زاد شيئا فقال ابن عباس إن السلام انتهى إلى ~~البركة ويستحب للمسلم أن يرفع صوته بالسلام ليسمع المسلم عليه فيجيبه ~~ويشترط أن يكون الرد على الفور فإن أخره ثم رد لم يعد جوابا وكان آثما ~~بترك الرد. المسألة الثانية في حكم السلام: الابتداء بالسلام سنة مستحبة ~~ليس بواجب وهو سنة على الكفاية فإن كانوا جماعة فسلم واحد منهم كفى عن ~~جميعهم ولو سلم كلهم كان أفضل وأكمل قال القاضي حسين: من أصحاب الشافعي ~~ليس لنا سنة على الكفاية إلا هذا وفيه نظر لأن تشميت العاطس سنة على ~~الكفاية أيضا كالسلام. ولو دخل على جماعة في بيت أو مجلس أو مسجد وجب ~~عليه أن يسلم على الحاضرين لقوله صلى الله عليه وسلم: # " أفشوا السلام " # والأمر للوجوب أو يكون ذلك سنة متأكدة لأن السلام من شعار أهل الإسلام ~~فيجب إظهاره أو يتأكد استحبابه أما الرد على المسلم فقد أجمع العلماء على ~~وجوبه ويدل عليه قوله تعالى: { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ~~ردوها } والأمر للوجوب لأن ترك الرد إهانة للمسلم فيجب ترك الإهانة فإن ~~كان المسلم عليه واحدا وجب عليه الرد وإذا كانوا جماعة كان رد السلام في ~~حقهم فرض كفاية فلو رد واحد منهم سقط فرض الرد عن الباقين وإن تركوه كلهم ~~أثموا. عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ms0762 عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " يجزي عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدكم ويجزي عن الجلوس أن يرد أحدكم ~~" # أخرجه أبو داود. المسألة الثالثة في آداب السلام: السنة أن يسلم الراكب ~~على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير والصغير على الكبير ق ~~عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير " # وفي رواية للبخاري قال: # " يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد والقليل على الكثير " # وإذا تلاقى رجلان فالمبتدئ بالسلام هو الأفضل لما روي عن أبي أمامة ~~الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أولى الناس بالله عز وجل من بدأهم بالسلام " # أخرجه أبو داود والترمذي ولفظه قال # " قيل يا رسول الله الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام قال: " أولاهما ~~بالله " # قال الترمذي حديث حسن ويستحب أن يبدأ بالسلام قبل الكلام والحاجة والسنة ~~إذا مر بجماعة صبيان صغار أن يسلم عليهم لما روي عن أنس أنه مر على صبيان ~~فسلم عليهم وقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله أخرجاه في ~~الصحيحين وفي رواية لأبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على غلمان ~~يلعبون فسلم عليهم وأما السلام على النساء فإن كن جمعا جالسات في مسجد ~~أو موضع فيستحب أن يسلم عليهن إذا لم يخف على نفسه أو عليهن فتنة لما ~~روي عن أسماء بنت يزيد قالت مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~نسوة فسلم علينا أخرجه أبو داود وفي رواية الترمذي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مر في مسجد يوما وعصبة من النساء قعود فألوى بيده ~~للتسليم قال الترمذي حديث حسن وإذا مر على امرأة مفردة أجنبية فإن كانت ~~جميلة فلا يسلم عليها ولو سلم فلا ترد هي عليه لأنه لم يستحق الرد وإن ~~كانت عجوزا لا يخاف عليه ولا عليها الفتنة سلم عليها وترد هي عليه وحكم ~~النساء مع النساء كحكم الرجال مع ms0763 الرجال في السلام فيسلم بعضهن على بعض. ~~المسالة الرابعة في الأحوال التي يكره السلام فيها: فمن ذلك الذي يبول أو ~~يتغوط أو يجامع ونحو ذلك لا يسلم عليه فلو سلم فلا يستحق المسلم جوابا ~~لما روي عن ابن عمر: # " أن رجلا مر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبول فسلم عليه فلم يرد ~~عليه " # أخرجه مسلم قال الترمذي إنما يكره إذا كان على الغائط أو البول ويكره ~~التسليم على من في الحمام وقيل إن كانوا متزرين بالمآزر سلم عليهم وإلا ~~فلا، ويكره التسليم على النائم والناعس والمصلي والمؤذن والتالي في حال ~~الصلاة والأذان والتلاوة ويكره الابتداء بالسلام في حال الخطبة لأن ~~الجالسين مأمورون بالإنصات للخطبة ويكره أن يبدأ المبتدع بالتسليم عليه ~~وكذلك المعلن بفسق وكذلك الظلمة ونحوهم فلا يسلم على هؤلاء. المسألة ~~الخامسة في حكم السلام على أهل الذمة: اليهود والنصارى: اختلف العلماء ~~فيه فذهب أكثرهم إلى أنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام. وقال بعضهم إنه ليس ~~بحرام بل هو مكروه كراهة تنزيه ويدل على ذلك ما وري عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في طريق ~~فاضطروه إلى أضيقه " # أخرجه مسلم وإذا سلم يهودي أو نصراني على مسلم فيرد عليه ويقول عليك ~~بغير واو العطف، لما روي عن أنس # " أن يهوديا أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال السلام ~~عليكم فرد عليه القول فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل تدرون ما ~~قال؟ قالوا الله ورسوله أعلم، سلم يا نبي الله قال: لا ولكنه قال كذا ~~وكذا ردوه على فردوه فقال: قلت السلام عليكم قال: نعم يا نبي الله فقال ~~صلى الله عليه وسلم عند ذلك إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا عليك ~~أي عليك ما قلت " # أخرجه الترمذي فلو أتى بواو العطف وميم الجمع فقال عليكم جاز لأنا نجاب ~~عليهم في الدعاء ولا يجابون علينا ويدل على ذلك ما روي ms0764 عن جابر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه ناس من اليهود، فقالوا السام ~~عليك يا أبا القاسم فقال: " وعليكم " فقالت عائشة وغضبت: ألم تسمع ما ~~قالوا؟ قال: بلى قد سمعت فرددت عليهم وإنا نجاب عليهم ولا يجيبون علينا " # أخرجه مسلم وإذا مر المسلم على جماعة فيهم مسلمون ويهود ونصارى يسلم ~~عليهم ويقصد بتسليمه المسلمين لما روي عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين واليهود فسلم عليهم ~~أخرجه الترمذي. قوله عز وجل: { الله لا إله إلا هو ليجمعنكم } هذه لام ~~القسم تقديره والله الذي لا إله إلا هو ليجمعنكم الله في الموت وفي ~~القبور { إلى يوم القيامة } يعني إلى يوم الحشر والبعث سميت القيامة ~~لقيام الناس من قبورهم بعد الموت وقيل لقيامهم للحساب نزلت هذه الآية في ~~منكري البعث { لا ريب فيه } يعني لا شك في ذلك اليوم أنه كائن { ومن أصدق ~~من الله حديثا } يعني لا أحد أصدق من الله فإنه لا يخلف الميعاد ولا ~~يجوز عليه الكذب والمعنى أن القيامة كائنة لا شك فيها ولا ريب. ### || [4.88] # قوله عز وجل: { فما لكم في المنافقين فئتين } اختلفوا في سبب نزول هذه ~~الآية فقيل نزلت في الذين تخلفوا يوم أحد من المنافقين فلما رجعوا قال ~~بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اقتلهم يا رسول الله فإنهم منافقون وقال بعضهم أعف عنهم فإنهم قد تكلموا ~~بكلمة الإسلام ق عن زيد بن ثابت قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيهم فئتين قال فرقة نقتلهم وقالت فرقة لا نقتلهم فنزلت فما لكم في ~~المنافقين فئتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إنها طيبة تنفي الرجال كما ينفي الكير خبث الحديد " # وقيل نزلت في قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا ثم استأذنوا رسول الله صلى ms0765 ~~الله عليه وسلم في الخروج إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها فخرجوا ~~وأقاموا بمكة فاختلف المسلمون فيهم فقائل يقول هم منافقون وقائل يقول هم ~~مؤمنون وقيل نزلت في ناس من قريش قدموا المدينة وأسلموا ثم ندموا على ذلك ~~فخرجوا كهيئة المتنزهين فلما بعدوا عن المدينة كتبوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إنا على الذي فارقناك عليه من الإيمان ولكنا اجتوينا ~~المدينة واشتقنا إلى أرضنا ثم إنهم خرجوا في تجارة إلى الشام فبلغ ذلك ~~المسلمين فقال بعضهم تخرج إليهم ونقتلهم ونأخذ ما معهم لأنهم رغبوا في ~~ديننا وقالت طائفة منهم كيف تقتلون قوما على دينكم وإن لم يذروا ديارهم. ~~وكان هذا بعين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساكت لا ينهي أحد ~~الفريقين فنزلت هذه الآية وقيل نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا ~~وكانوا يظاهرون المشركين وقيل نزلت في عبدالله بن أبي ابن سلول المنافق ~~لما تكلم في حديث الإفك. ومعنى الآية فما لكم يا معشر المؤمنين في ~~المنافقين فئتين أي صرتم في أمرهم فرقتين فرقة تذب عنهم وفرقة تباينهم ~~وتعاديهم فنهى الله الفرقة الذين يذبون عنهم وأمر المؤمنين جميعا أن ~~يكونوا على منهاج واحد في التباين لم والتبرئ منهم ثم أخبر عن كفرهم ~~بقوله { والله أركسهم } يعني نكسهم في كفرهم وارتدادهم وردهم إلى أحكام ~~الكفار { بما كسبوا } أي بسبب ما اكتسبوا من أعمالهم الخبيثة وقيل بما ~~أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق { أتريدون أن تهدوا من أضل ~~الله } هذا خطاب للفئة التي دافعت عن المنافقين والمعنى أتبتغون أيها ~~المؤمنون هداية المنافقين الذين أضلهم الله عن الهدى { ومن يضلل الله } ~~يعني عن الهدى { فلن تجد له سبيلا } يعني فلن تجد له طريقا تهديه فيها ~~إلى الحق والهدى. ### || [4.89-90] # قوله عز وجل: { ودوا } يعني تمنى أولئك الذين رجعوا عن الإيمان إلى ~~الإرتداد والكفر { لو تكفرون } يعني تكفرون أنتم يا معشر المؤمنين { كما ~~كفروا فتكونون سواء } في الكفر { فلا تتخذوا منهم أولياء } يعني من ~~الكفار منع المؤمنين ms0766 من موالاتهم { حتى يهاجروا } يعني يسلموا أو يهاجروا ~~{ في سبيل الله } معكم وهي هجرة أخرى والهجرة على ثلاثة أوجه: الأولى ~~هجرة المؤمنين في أول الإسلام من مكة إلى المدينة. الثانية هجرة المؤمنين ~~وهي الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله مخلصين صابرين ~~محتسبين كما حكى الله عنهم وفي هذه الآية منع المؤمنين من موالاة ~~المنافقين حتى يهاجروا والهجرة الثالثة هجرة المؤمنين ما نهى الله عنه ~~بقوله { فإن تولوا } يعني فإن أعرضوا عن الإسلام والهجرة واختاروا ~~الإقامة على الكفر { فخذوهم } الخطاب للمؤمنين أي خذوهم أيها المؤمنون { ~~واقتلوهم حيث وجدتموهم } يعني إن وجدتموهم في الحل والحرم { ولا تتخذوا ~~منهم وليا } يعني في هذه الحالة { ولا نصيرا } يعني ينصركم على أعدائكم ~~لأنهم أعداء ثم استثنى الله عز وجل طائفة منهم فقال تعالى: { إلا الذين ~~يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق } هذا الاستثناء يرجع إلى القتل لا إلى ~~الموالاة الكفار والمنافقين لا تجوز بحال ومعنى يصلون ينتسبون إليهم أو ~~ينتمون إليهم أو يدخلون معهم بالحلف والجوار. وقال ابن عباس يريد يلجؤون ~~إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أي عهد وهم الأسلميون وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وادع هلال بن عويمر الأسلمي عند خروجه إلى مكة على أن لا ~~يعينه ولا يعين عليه ومن وصل إلى هلال من قومه وغيرهم ولجأ إليه فلهم ~~الجوار مثل ما لهلال. وفي رواية عن ابن عباس قال: أراد بالقوم الذي بينكم ~~وبينهم ميثاق بني بكر بن مناة كانوا في الصلح والهدنة. وقيل هم خزاعة ~~والمعنى أن من دخل في عهد من كان داخلا في عهدكم فهم أيضا داخلون في ~~عهدكم { أو جاؤوكم حصرت صدورهم } يحتمل أن يكون عطفا على الذين وتقديره ~~إلا الذين يتصلون بالمعاهدين أو يتصلون بالذين حصرت صدورهم فلا تقتلوهم ~~وقيل يحتمل أن يكون عطفا على صفة تقديره إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم ~~وبينهم عهد أو يصلون إلى قوم حصرت صدورهم فلا تقتلوهم ومعنى حصرت أي ضاقت ~~صدورهم عن المقاتلة ms0767 فلا يريدون قتالكم لأنكم مسلمون ولا يريدون قتالهم ~~لأنهم أقاربهم وهم بنو مدلج وكانوا عاهدوا أن لا يقاتلوا المسلمين ~~وعاهدوا قريشا أن لا يقاتلوهم { أن يقاتلوكم } يعني ضاقت صدورهم عن ~~قتالكم للعهد الذي بينكم وبينهم { أو يقاتلوا قومهم } يعني من آمن منهم ~~وقيل معناه أنهم لا يقاتلونكم مع قومهم ولا يقاتلون قومهم معكم فقد ضاقت ~~صدورهم لذلك عن قتالكم والقتال معكم وهم قوم هلال الأسلميون وبنو بكر نهى ~~الله عن قتال هؤلاء المرتدين إذا اتصلوا بأهل عهد المسلمين لأن من انضم ~~إلى قوم ذوي عهد فله حكمهم في حقن الدم وذلك أن الله تعالى أوجب قتال ~~الكفار إلا من كان معاهدا أو لجأ إلى معاهد أو ترك القتال لأنه لا يجوز ~~قتل هؤلاء وعلى هذا القول فالقول بالنسخ لازم لأن الكافر وإن ترك القتال ~~فقتاله جائز وقال جماعة من المفسرين معاهدة المشركين وموادعتهم في هذه ~~الآية منسوخة بآية السيف وذلك لأن الله تعالى لما أعز الإسلام وأهله أمر ~~أن لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو القتل { ولو شاء الله لسلطهم ~~عليكم فلقاتلوكم } يذكر الله تعالى منته على المسلمين بكف بأس المعاهدين ~~وذلك لما ألقى الله الرعب في قلوبهم وكفهم عن قتالكم ومعنى التسليط هنا ~~تقوية قلوبهم على قتال المسلمين ولكن قذف الله الرعب في قلوبهم وكفهم عن ~~المسلمين { فإن اعتزلوكم } يعني فإن اعتزلوكم عن قتالكم { فلم يقاتلوكم ~~}: ويقال فلم يقاتلوكم يوم فتح مكة مع قومهم { وألقوا إليكم السلم } يعني ~~الانقياد والصلح فانقادوا واستسلموا { فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } ~~يعني بالقتل والقتال قال بعض المفسرين هذا منسوخ بآية القتال وهي قوله ~~تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] وقال بعضهم هي غير منسوخة لأنا إذا حملناها على المعاهدين ~~فكيف يمكن أن يقال إنها منسوخة. ### || [4.91] # قوله عز وجل: { ستجدون آخرين } قال ابن عباس: هم أسد وغطفان كانوا من ~~حاضري المدينة فتكلموا بكلمة الإسلام رياء وهم غير مسلمين وكان الرجل ~~منهم يقول له قومه بماذا آمنت يقول آمنت بهذا القرد ms0768 والعقوب والخنفساء ~~وإذا لقوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لهم إنا على دينكم ~~يريدون بذلك الأمن من الفريقين وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنها نزلت في ~~بني عبد الدار وكانوا بهذه الصفة { يريدون أن يأمنوكم } يعني يريدون ~~بإظهار الإيمان أن يأمنوكم فلا تتعرضوا لهم { ويأمنوا قومهم } يعني ~~بإظهار الكفر لهم فلا يتعرضوا لهم { كلما ردوا إلى الفتنة } يعني كلما ~~دعوا إلى الشرك { أركسوا فيها } رجعوا إلى الشرك وقادوا إليه منكوسين على ~~رؤوسهم فيه { فإن لم يعتزلوكم } يعني فإن لم يكفوا عن قتالكم حتى يسيروا ~~إلى مكة { ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم } أي ولم يلقوا الصلح ولم ~~يكفوا عن قتالكم { فخذوهم } يعني أسرى { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } يعني ~~حيث أدركتموهم { وأولئكم } يعني أهل هذه الصفة { جعلنا لكم عليهم سطانا ~~مبينا } يعني حجة ظاهرة بالقتل والقتال وقيل الحجة الواضحة هي ظهور ~~عداوتهم وانكشاف حالهم بالكفر والعداوة. ### || [4.92] # قوله عز وجل: { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } الآية نزلت في ~~عياش بن أبي ربيعة المخزومي وذلك أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو بمكة قبل الهجرة فأسلم ثم خاف أن يظهر إسلامه لأهله فخرج هاربا إلى ~~المدينة وتحصن في أطم من أطامها والأطم الحصن فجزعت أمه لذلك جزعا ~~شديدا، وقالت لابنها الحارث وأبي جهل ابني هشام وهما أخوا عياش بن أبي ~~ربيعة لأمه والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى تأتيان به ~~فخرجا في طلبه وخرج معهما الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى أوتوا المدينة ~~فأتوا عياشا وهو في الأطم فقالوا: أنزل فإن أمك لم يؤوها سقف بعدك وقد ~~حلفت لا تأكل ولا تشرب حتى ترجع إليها ولك عهد تالله علينا أن نكرهك على ~~شيء يحول بينك وبين دينك. فلما ذكروا له جزع أمه وأوثقوه بنسعة وجلده كل ~~واحد منهم مائة جلدة ثم قدموا به على أمه فلما أتاها قالت لا أحلك من ~~وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به ثم تركوه موثقا ms0769 في الشمس ما شاء الله ~~فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحارث بن زيد فقال: يا عياش أهذا الذي كنت ~~عليه لئن كان هدى لقد تركت الهدى ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها فغضب عياش ~~من مقالته وقال والله لألقاك خاليا إلا قتلتك ثم إن عياشا أسلم بعد ~~ذلك وهاجر وأسلم الحارث بن زيد من بعده وهاجر إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وليس عياش حاضرا يومئذ ولم يشعر بإسلامه فبينا عياش يسير ~~بظهر قباء إذ لقي الحارث فقتله فقال لهم ناس: ويحك يا عياش أي شيء صنعت ~~إنه قد أسلم فرجع عياش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول ~~الله إنه كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت وإني لم أشعر بإسلامه حتى ~~قتلته فنزل وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومعنى الآية وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا ألبتة وما كان له سبب جواز قتله وقيل معناه ما كان ~~له ذلك فيما أتاه من ربه وعهد إليه ففيه تحريم قتل المؤمن من كل وجه ~~وقوله تعالى إلا خطأ استثناء منقطع معناه لكن إن وقع خطأ فتحرير رقبة. ~~وقيل معناه ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة إلا أن يخطئ المؤمن ~~فكفارة خطئه ما ذكر من بعد والخطأ فعل الشيء من غير قصد وتعمد { ومن قتل ~~مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة } يعني فعليه إعتاق رقبة مؤمنة كفارة { ~~ودية مسلمة إلى أهله } أي وعليه دية كاملة مسلمة إلى أهل القتيل الذين ~~يرثونه { إلا أن يصدقوا } يعني إلا أن يتصدق أهل القتيل على القاتل ~~بالدية ويعفو عنه { فإن كان } يعني المقتول { من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة } أراد أنه إذا كان رجل مسلم في دار الحرب وهو منفرد ~~مع قوم كفار فقتله من لم يعلم بإسلامه فلا دية عليه الكفارة وقيل المراد ~~منه إنه إذا كان المقتول مسلما في دار الإسلام وهو من نسب قوم كفار ~~وأهله الذين يرثونه في دار الحرب وهم ms0770 حرب للمسلمين ففيه كفارة ولا دية ~~لأهله وكان الحارث بن زيد من قوم كفار حرب للمسلمين فكان فيه الكفارة ~~تحرير رقبة مؤمنة دون الدية لأنه لم يكن بين قومه وبين المسلمين عهد { ~~وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } أي عهد { فدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة مؤمنة } يعني أنه إذا كان المقتول كافرا معاهدا أو ذميما ~~فتجب فيه الدية والكفارة { فمن لم يجد الرقبة } فصيام شهرين متتابعين أي ~~فعليه صيام شهرين متتابعين بدلا عن الرقبة { توبة من الله } يعني جعل ~~الله ذلك توبة لقاتل الخطأ { وكان الله عليما } يعني بمن قتل خطأ { ~~حكيما } يعني فيما حكم به عليه من الدية والكفارة. # فصل في أحكام تتعلق بالآية وفيه مسائل المسألة الأولى: في بيان صفة ~~القتل: قال الشافعي: القتل على ثلاثة أقسام: عمد وشبه عمد وخطأ، أما ~~العمد المحض فهو أن يقصد قتل إنسان بما يقتل به غالبا فقتل به ففيه ~~القصاص عند وجود التكافؤ أو دية حالة مغلظة في مال القاتل. وأما شبه ~~العمد فهو أن يقصد ضرب إنسان بما لا يقتل بمثله غالبا مثل أن ضربه بعصا ~~خفيفة أو رماه بحجر صغير فمات فلا قصاص عليه وتجب عليه دية مغلظة على ~~عائلته مؤجلة إلى ثلاث سنين. وأما الخطأ المحض فهو أن لا يقصد قتله بل ~~قصد شيئا آخر فأصابه فمات منه فلا قصاص عليه وتجب فيه دية مخففة على ~~عاقلته مؤجلا إلى ثلاث سنين ومن صور قتل الخطأ أن يقصد رمي مشرك أو كافر ~~فيصيب مسلما أو يقصد قتل إنسان يظنه مشركا بأن كان عليه لباس المشركين ~~أو شعارهم فالصورة الأولى خطأ في الفعل والثانية خطأ في القصد. المسألة ~~الثانية: في حكم الديات: فدية الحر المسلم مئة من الإبل فإذا عدمت الإبل ~~فتجب قيمتها من الدراهم أو الدنانير في قول وفي قول بدل مقدر وهو ألف ~~دينار أو أثنا ألف درهم ويدل على ذلك ما روي عن عبدالله بن عمرو بن ~~العاص. قال كانت الدية على عهد رسول الله ms0771 صلى الله عليه وسلم ثمانمائة ~~دينار أو ثمانية آلاف درهم قال وكانت دية أهل الكتاب يومئذ على النصف من ~~دية المسلم فكانت كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال إن الإبل قد غلت ~~فقرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم ~~وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي ~~حلة قال: وترك دية أهل الكتاب فلم يرفعها فيما رفع من الدية أخرجه أبو ~~داود فذهب قوم إلى أن الواجب في الدية مائة من الإبل وألف دينار أو اثنا ~~عشر ألف درهم وهو قول عروة بن الزبير والحسن البصري وبه قال الشافعي وذهب ~~قوم إلى أنها من الإبل أو ألف دينار أو عشرة آلاف درهم وهو قول سفيان ~~الثوري وأصحاب الرأي ودية المرأة نصف دية الذكر الحر ودية أهل الذمة ~~والعهد ثلث دية المسلم إن كان كتابيا وإن كان مجوسيا فخمس الثلث ~~ثمانمائة درهم وهو قول سعيد بن المسيب. # وإليه ذهب الشافعي وذهب قوم إلى أن دية الذمي والمعاهد مثل دية المسلم ~~روي ذلك عن ابن مسعود وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي وقال قوم دية ~~الذمي نصف دية المسلم وهو قوم عمر بن عبدالعزيز وبه قال مالك وأحمد ~~والأصل في ذلك ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " دية المعاهد نصف دية الحر " # أخرجه أبو داود وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين " # وهم اليهود والنصارى أخرجه النسائي فمن ذهب إلى أن دية أهل الذمة ثلث ~~دية المسلم أجاب عن هذا الحديث بأن الأصل في ذلك كان النصف ثم رفعت زمن ~~عمر دية المسلم، ولم ترفع دية الذمي فبقيت على أصلها وهو قدر الثلث من ~~دية المسلمين والدية في قتل العمد وشبه العمد مغلظة فتجب ثلاثون حقة ~~وثلاثون جذعة وأربعون في بطونها أولادها. وهذا قول عمر وزيد بن ثابت وبه ms0772 ~~قال عطاء وإليه ذهب الشافعي لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا ~~أخذوا الدية وهي ثلاثون حقه ثلاثون جذعة وأربعون خلفة وما صولحوا عليه ~~فهو لهم وذلك لتشديد العقل " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وعن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ~~فقال: # " ألا وإن قتيل العمد بالسوط والعصا والحجر مائة من الإبل أربعون ثنية ~~إلى بازل عامها كلهن خلفة " # وفي رواية أخرى # " ألا إن كل قتيل خطأ العمد أو شبه العمد قتيل السوط والعصا مائة من ~~الإبل فيها أربعون في بطونها أولادها " # أخرجه النسائي وذهب قوم إلى أن الدية المغلظة أرباع خمس وعشرون بنت مخاض ~~وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وهذا قول الزهري ~~وربيعة وإليه ذهب مالك وأحمد وأصحاب الرأي. وأما دية الخطأ فمخففة وهي ~~أخماس بالاتفاق غير أنهم اختلفوا في تقسيمها فذهب قوم إلى أنها عشرون بنت ~~مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة وهذا قول ~~عمر بن عبدالعزيز وسليمان بن يسار والزهري وربيعة وبه قال مالك والشافعي ~~وأبدل قوم أبناء اللبون ببنات المخاض يرون ذلك عن ابن مسعود وبه قال أحمد ~~وأصحاب الرأي والدية في قتل الخطأ وشبه العمد على العاقلة وهم العصيات من ~~الذكور ولا يجب على الجاني منها شيء لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجبها ~~على العاقلة ودية الأعضاء والأطراف حكمها مبين في كتب الفقه ودية أعضاء ~~المرأة على النصف من دية أعضاء الرجل والله أعلم. المسألة الثالثة: في ~~حكم الكفارة: الكفارة إعتاق رقبة مؤمنة وتجب في مال القاتل سواء كان ~~المقتول مسلما أو معاهدا رجلا كان أو امرأة حرا كان أو عبدا فمن لم ~~يجد الرقبة فعليه صيام شهرين متتابعين فالقاتل إن كان واجدا للرقبة أو ms0773 ~~قادرا على تحصيلها بوجود الثمن فاضلا عن نفقته ونفقة عياله وحاجته من ~~مسكن ونحوه فعليه الإعتاق. ولا يجوز له أن ينتقل إلى الصوم فمن عجز عن ~~الرقبة أو عن تحصيل ثمنها فعليه صوم شهرين متتابعين فإن أفطر يوما ~~متعمدا في خلال الشهرين أو نسي النية أو نوى صوما آخر وجب عليه استئناف ~~الشهرين وإن أفطر يوما بعذر مرض أو سفر هل ينقطع التابع؟ اخلتف العلماء ~~فيه فمنهم من قال ينقطع التتابع وعليه استئناف الشهرين وهو قول النخعي ~~وأظهر قولي الشافعي لأنه أفطر مختارا. ومنهم من قال لا ينقطع التتابع ~~وعليه أن يبني وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي ولو حاضت المرأة في ~~خلال الشهرين فطرت أيام الحيض ولا ينقطع التتابع فإذا طهرت بنت لأنه أمر ~~كتبه الله على النساء ولا يمكن الاحتراز عنه فإن عجز عن الصوم فهل ينتقل ~~عنه إلى الإطعام فيطعم ستين مسكينا ففيه قولان: أحدهما أنه ينتقل إلى ~~الإطعام كما في كفارة الظهار. والثاني لا ينتقل لأن الله تعالى لم يذكر ~~له بدلا فقال فصيام شهرين متتابعين توبة من الله فنص على الصوم وجعل ذلك ~~عقوبة لقتل الخطأ والله أعلم. ### || [4.93] # قوله عز وجل: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم } نزلت في مقيس بن ~~صبابة الكناني وكان قد أسلم هو وأخوه هشام فوجد أخاه هشاما قتيلا في ~~بني النجار فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فأرسل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني فهر إلى بني النجار أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن صبابة أن تدفعوه إلى ~~أخيه مقيس فيقتص منه وأنت لم تعلموه ادفعوا إليه ديته فبلغهم الفهري ذلك ~~فقالوا سمعا وطاعة لله ولرسوله ما نعلم له قاتلا ولكن نؤدي إليه ديته ~~فأعطوه مائة من الإبل فانصرفا راجعين نحو المدينة فأتى الشيطان مقيسا ~~فوسوس إليه فقال له: تقبل دية أخيك لتكون عليك سبة أقتل الفهري الذي معك ~~فتكون نفس مكان نفس وفضل ms0774 الدية فتغفل الفهري فرماه بصخرة فقتله ثم ركب ~~بعيرا من الإبل وساق بقيتها راجعا إلى مكة كافرا وقال في ذلك: # قتلت به فهرا وحملت عقله سراة بني النجار أرباب قارع وأدركت ثأري ~~واضطجعت موسدا وكنت إلى الأصنام أول راجع # فنزلت فيه ومن يقتل مؤمنا متعمدا يعني قاصدا لقتله فجزاؤه جهنم { ~~خالدا فيها } يعني بكفره وارتداده وهو الذي استثناه النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم فتح مكة عمن أمنه من أهلها فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة { وغضب ~~الله عليه } يعني لأجل كفره وقتله المؤمن متعمدا { ولعنه } يعني طرده عن ~~رحمته { وأعد له عذابا عظيما } اختلف العلماء في حكم هذه الآية هل هي ~~منسوخة أم لا؟ وهل لمن قتل مؤمنا متعمدا توبة؟ أم لا فروي عن سعيد بن ~~جبير قال قلت لابن عباس ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة قال لا؟ فتلوت ~~عليه الآية التي في الفرقان والذين لا يدعون مع الله إلها آخر: # ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق # [الفرقان: 68] إلى آخر الآية قال هذه آية مكية نسختها آية مدنية، ومن ~~يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم وفي رواية قال اختلف أهل الكوفة في قتل ~~المؤمن فرحلت إلى ابن عباس قال نزلت في آخر ما نزل ولم ينسخها شيء وفي ~~رواية أخرى. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بالمدينة والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر إلى قوله مهانا فقال المشركون وما يعني عنا الإسلام وقد ~~عدلنا بالله وقد قتلنا النفس التي رحم الله وأتينا الفواحش فأنزل الله ~~تعالى: # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا # [الفرقان: 70] إلى آخر الآية زاد في رواية فأما من دخل في الإسلام وعقله ~~ثم قتل فلا توبة له أخرجاه في الصحيحين. وروي عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله تعالى عنه أنه ناظر ابن عباس في هذه الآية فقال من أين لك أنها ~~محكمة؟ فقال ابن عباس تكاثف الوعيد فيها وقال ابن مسعود إنها محكمة وما ~~تزداد إلا شدة وعن خارجة بن زيد قال ms0775 سمعت زبيد بن ثابت يقول أنزلت هذه ~~الآية ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها بعد التي في ~~الفرقان والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم ~~الله بالحق بستة أشهر. # أخرجه أبو داود وزاد النسائي في رواية أشهر بثمانية أشهر. وقال زيد بن ~~ثابت لما نزلت هذه الآية التي في الفرقان والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة فنسخت ~~اللينة وأراد بالغليظة هذه الآية التي في سورة النساء وباللينة آية ~~الفرقان. وذهب الأكثرون من علماء السلف والخلف إلى أن هذه الآية منسوخة ~~واختلفوا في ناسخها. فقال بعضهم نسختها التي في الفرقان وليس هذا القول ~~بالقوي لأن آية الفرقان نزلت قبل آية النساء والمتقدم لا ينسخ المتأخر ~~وذهب جمهور من قال بالنسخ إلى أن ناسخها الآية التي في النساء أيضا وهي ~~قوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء # [النساء: 48] وأجاب من ذهب إلى أنها منسوخة عن حديث ابن عباس المتقدم ~~المخرج في الصحيحين بأن هذه الآية خبر عن وقوع العذاب بمن فعل ذلك الأمر ~~المذكور في الآية والنسخ لا يدخل الإخبار ولئن سلمنا أنه يدخلها النسخ ~~لكن الجمع بين الآيتين ممكن، بحيث لا يكون بينهما تعارض، وذلك بأن يحمل ~~مطلق آية النساء على تقييد آية الفرقان فيكون المعنى فجزاؤه جهنم إلا من ~~تاب وقال بعضهم ما ورد عن ابن عباس إنما هو على سبيل التشديد والمبالغة ~~في الزجر عن القتل فهو كما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال إن لم يقتل ~~يقال له لا توبة لك وإن قتل ثم ندم وجاء تائبا يقال له لك توبة وقيل إنه ~~قد روي عن ابن عباس مثله وروي عنه أيضا أن توبته تقبل وهو قول أهل السنة ~~ويدل عليه الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا # [طه: 82] ثم اهتدى وقوله إن الله ms0776 يغفر الذنوب جميعا وأما السنة فما روي ~~عن جابر بن عبدالله قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~رسول الله ما الموجبتان؟ قال: # " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك به شيئا دخل ~~النار " # أخرجه مسلم ق عن عبادة بن الصامت قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ~~ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق وفي رواية ولا تقتلوا أولادكم ~~ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن ~~وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه فأمره ~~إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه فبايعناه على ذلك. # فصل وقد تعلقت المعتزلة والوعيدية بهذه الآية لصحة مذهبهم على أن الفاسق ~~يخلد في النار وأجاب علماء بأن الآية نزلت في كافر قتل مسلما وهو مقيس ~~بن صبابة فتكون الآية على هذا مخصوصة. وقيل هذا الوعيد لمن قتل مسلما ~~مستحلا لقتله ومن استحل قتل مسلم كان كافرا وهو مخلد في النار بسبب ~~كفره وعن أبي مجلز في قوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم. ~~قال: هي جزاؤه فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل أخرجه أبو داود. وقيل ~~إن الخلود لا يقتضي التأبيد بل معناه دوام الحالة التي هو عليها ويدل ~~عليه قول العرب للأيام خوالد وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها وإذا ذكر ~~الخلود في حق الكفار قرنه بذكر التأبيد كقوله خالدين فيها أبدا فإذا قرن ~~الخلود بهذه اللفظة علم أن المراد منه الدوام الذي لا ينقطع إذا ثبت هذا ~~كان معنى الخلود المذكور في الآية أن الله تعالى يعذب قاتل المؤمن عمدا ~~في النار إلى حيث يشاء الله ثم يخرجه منها بفضل رحمته كرمه. فإنه قد ثبت ~~في أحاديث الشفاعة الصحيحة إخراج جميع الموحدين من النار وقيل إن قاتل ~~المؤمن عمدا عدوانا إذا تاب قبلت ms0777 توبته بدليل قوله تعالى: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء # [النساء: 48] ولأن الكفر أعظم من هذا القتل وتوبة الكافر من كفره مقبولة ~~بدليل قوله: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإذا كانت ~~التوبة من الكفر مقبولة فلأن تقبل من القاتل أولى والله أعلم. ### || [4.94] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا } ~~الآية قال ابن عباس: # " نزلت في رجل من بني مرة بن عوف يقال له مرداس بن نهيك وكان من أهل فدك ~~لم يسلم من قومه غيره فسمعوا بسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم تريدهم ~~وكان على السرية رجل يقال له غالب بن فضالة الليثي فهربوا منه، وأقام ذلك ~~الرجل المسلم فلما رأى الخيل خاف أن لا يكونوا مسلمين فألجأ غنمه إلى ~~عاقول من الجبل وصعد هو الجبل، فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون فعرف أنهم ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر ونزل وهو يقول لا إله إلا الله ~~محمد صلى الله عليه وسلم السلام عليكم فتغشاه أسامة بن زيد بسيفه فقتله ~~واستاق غنمه ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه الخبر ~~فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدا شديدا، وكان قد سبقهم ~~الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أقتلتموه إرادة ما معه؟ " ثم ~~قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد هذه الآية. فقال ~~أسامة استغفر لي يا رسول الله فقال " كيف أنت بلا إله إلا الله؟ " ~~يقولها ثلاث مرات قال أسامة فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكررها ~~حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ثم استغفر له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال: اعتق رقبة " # وروى أبو ظبيان # " عن أسامة قال: قلت يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح فقال أفلا ~~شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفا أم لا؟ " # وفي رواية عن ابن عباس قال مر رجل من ms0778 بني سليم على نفر من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومعه غنم فسلم عليهم، فقالوا إنما سلم عليكم ~~ليتعوذ منكم فقاموا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه فأتوا بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا إذا ~~ضربتم في سبيل الله } يعني إذا سافرتم إلى الجهاد فتبينوا من البيان يقال ~~تبينت الأمر إذا تأملته قبل الإقدام عيه وقرئ فتثبتوا من التثبت وهو خلاف ~~العجلة والمعنى فقفوا وتثبتوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر وتعرفوا حقيقة ~~الأمر الذي تقدمون عليه { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام } يعني ~~التحية يعني لا تقوموا لمن حياكم بهذه التحية أنه إنما قالها تعوذا ~~فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله ولكن كفوا عنه واقبلوا منه ما أظهره ~~لكم وقرئ السلم بفتح السين من غير ألف ومعناه الاستسلام والانقياد أي ~~استسلم وانقاد لكم وقال لا إله إلا الله محمد رسول الله وقيل السلام ~~والسلم بمعنى واحد أي لا تقولوا لمن سلم عليكم { لست مؤمنا } يعني لست ~~من أهل الإيمان فتقتلوه بذلك قال العلماء: إذا رأى الغزاة في بلد أو قرية ~~أو حي من العرب شعار الإسلام يجب إن يكفوا عنهم ولا يغيروا عليهم لما روي ~~عن عصام المزني قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا أو ~~سرية يقول لهم إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا أخرجه ~~أبو داود والترمذي: وقال أكثر الفقهاء لو قال اليهودي أو النصراني أنا ~~مؤمن لا يحكم بأيمانه لأنه يدعي أن الذي هو عليه إيمان ولو قال لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله فعند بعض العلماء لا يحكم حتى يتبرأ من دينه ~~الذي كان عليه ويعترف أنه دين باطل وذلك لأن بعض اليهود يزعم أن محمدا ~~رسول العرب خاصة لا أنه رسول إلى كافة الخلق فإذا اعترف أنه رسول إلى ~~كافة الخلق وأن كان عليه من التهود أو التنصر باطل صح إسلامه وحكم بصحته ~~وقوله تعالى: { تبتغون عرض ms0779 الحياة الدنيا } يعني تطلبون الغنيمة التي هي ~~من حطام الدنيا سريعة النفاد والذهاب وعرض الدنيا منافعها ومتاعها { فعند ~~الله مغانم كثيرة } أي غنائم كثيرة من رزقه يغنمكوها يغنيكم بها عن قتل ~~من يظهر الإسلام ويتعوذ به. # وقيل معناه فعند الله ثواب كثير لمن اتقى قتل المؤمن { كذلك كنتم من قبل ~~} يعني كما كان هذا الذي ألقى إليكم السلام فقلتم له لست مؤمنا فقتلتموه ~~كنتم أنتم من قبل يعني من قبل أن يعز الله دينه كنتم تستخفون أنتم بدينكم ~~كما استخفى هذا الذي قتلتموه بدينه من قومه حذرا على نفسه منهم، وقيل ~~معناه كذلك كنتم تأمنون في قومكم بهذه الكلمة فلا تحقروا من قالها ولا ~~تقتلوه وقيل معناه كذلك كنتم من قبل مشركين { فمن الله عليكم } يعني ~~بالإسلام والهداية فلا تقتلوا من قال لا إله إلا الله وقيل معناه من ~~عليكم بإعلان الإسلام بعد الإختفاء، وقيل من عليكم بالتوبة { فتبينوا } ~~أي ولا تعجلوا بقتل مؤمن وهو تأكيد للأمر بالتبين { إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا } يعني فلا تتهاونوا في القتل وكونوا متحرزين من ذلك ~~محتاطين فيه. ### || [4.95] # قوله عز وجل: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم } الآية خ عن زيد بن ثابت قال: ~~" أملى علي النبي صلى الله عليه وسلم ": { لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم } ~~فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي فقال: والله يا رسول الله لو أستطيع ~~الجهاد لجاهدت وكان أعمى فأنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وفخذه على فخذي فثقلت على حتى خفت أن ترض فخذي ثم سري عنه فأنزل الله عز ~~وجل غير أولى الضرر ق عن البراء بن عازب: # " لما نزلت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } دعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم زيدا فجاء بكتف فكتبها وشكا ابن أم مكتوم ضرارته فنزلت { لا ~~يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر } وفي رواية أخرى: لما ms0780 نزلت ~~لا يستوي القاعدون من المؤمنين قال النبي صلى الله عليه وسلم " ادعوا ~~فلانا فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف فقال اكتب لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله " وخلف النبي صلى الله عليه وسلم ابن ~~أم مكتوم فقال يا رسول الله أنا ضرير فنزلت مكانها لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله " # هذه الرواية الثانية أخرجها ابن الأثير في كتابه جامع الأصول، وأضافها ~~إلى البخاري ومسلم ولم أجدها في كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي. وفي ~~هذه الآية فضل الجهاد في سبيل الله والحث عليه فقوله تعالى: { لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين } يعني لا يعدل المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله ~~من المؤمنين المجاهدين في سبيل الله غير أولي الضرر يعني أولى الزمانة ~~والضعف في البدن والبصر فإنهم يساوون المجاهدين لأن العذر أقعدهم عن ~~الجهاد م # " عن جابر قال: " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بالمدينة رجالا ماسرتم مسيرا ولا ~~قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض " # خ # " عن أنس قال: " رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~إن أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا ~~حبسهم العذر " # خ عن ابن عباس قال لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون ~~إليها. وقوله تعالى: { فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ~~درجة } يعني فضيلة في الآخرة قال ابن عباس: أراد بالقاعدين هنا أولي ~~الضرر فضل الله المجاهدين على أولي الضرر درجة لأن المجاهد باشر الجهاد ~~بنفسه وماله مع النية وأولو الضرر لهم نية ولم يباشروا الجهاد فنزلوا عن ~~المجاهدين درجة { وكلا } يعني كلا من المجاهدين والقاعدين { وعد الله ~~الحسنى } يعني الجنة بإيمانهم { وفضل الله المجاهدين } يعني في سبيل الله ~~{ على القاعدين } يعني الذين لا عذر لهم ولا ضرر { أجرا عظيما } يعني ~~ثوابا جزيلا. ثم فسر ذلك الأجر العظيم. ### || [4.96] # فقال تعالى: { درجات منه } قال ms0781 قتادة: كان يقال للإسلام درجة والهجرة في ~~الإسلام درجة والجهاد في الهجرة درجة والقتل في الجهاد درجة، وقال ابن ~~زيد الدرجات هي سبع وهي التي ذكرها الله في سورة براءة حين قال: # ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله # [التوبة: 120] إلى قوله: # ولا يقطعون واديا إلا كتب الله لهم # [التوبة: 121] وقال ابن محيريز الدرجات سبعون درجة ما بين كل درجتين حضر ~~الفرس الجواد المضمر سبعين سنة م عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وجبت له الجنة فتعجب ~~لها أبو سعيد فقال أعدها علي يا رسول الله فأعادها عليه ثم قال وأخرى ~~يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء ~~والأرض قال وما هي يا رسول الله؟ قال الجهاد في سبيل الله " # خ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحج كان ~~حقا على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد ~~فيها فقالوا أولا نبشر الناس بقولك؟ فقال إن في الجنة مائة درجة أعدها ~~الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا ~~سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه ~~عرش الرحمن ومنه تفجير أنهار الجنة " # فإن قلت قد ذكر الله عز وجل في الآية الأولى درجة واحدة وذكر في هذه ~~الآية درجات فما وجه الحكمة في ذلك؟ قلت أما الدرجة الأولى فلتفضيل ~~المجاهدين على القاعدين بوجود الضرر والعذر. وأما الثانية فلتفضيل ~~المجاهدين على القاعدين من غير ضرر ولا عذر فضلوا عليهم بدرجات كثيرة ~~وقيل يحتمل أن تكون الدرجة الأولى درجة المدح والتعظيم والدرجات درجات ~~الجنة ومنازلها كما في الحديث والله أعلم. قوله تعالى: { ومغفرة } يعني ~~لذنوبهم يسترها ويصفح عنها { ورحمة } يعني رأفة بهم { وكان الله ms0782 غفورا } ~~يعني لذنوب عباده المؤمنين رحيما يعني بهم يتفضل عليهم برحمته ومغفرته ~~عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل قال: ~~قال: # " أيما عبد من عبادي خرج مجاهدا في سبيل الله ابتغاء مرضاتي ضمنت له إن ~~أرجعته أرجعته بما أصاب من أجر أو غنيمة وأن قبضته غفرت له ورحمته " # أخرجه النسائي. فصل اعلم أن الجهاد ينقسم إلى: فرض عين وفرض كفاية، ففرض ~~العين أن يدخل العدو دار قوم من المؤمنين وبلادهم فيجب على كل مكلف من ~~الرجال ممن لا عذر له ولا ضرر به من أهل تلك البلدة الخروج إلى عدوهم ~~دفعا عن أنفسهم وعن أهليهم وجيرانهم وسواء في ذلك الحر والعبد والغني ~~والفقير فيجب على الكافة وهو في حق من بعد عنهم من المسلمين فرض كفاية ~~فإن لم تقع الكفاية بمن نزل بهم العدو فتجب مساعدتهم على من قرب منهم من ~~المسلمين أو بعد عنهم، وإن وقعت الكفاية بالمنزول بهم فلا فرض على ~~الأبعدين إلا على طريق الاختبار ولا يدخل في هذا الفرض يعني فرض الكفاية ~~الفقراء والعبيد، وإذا كان الكفار قادرين في بلادهم فعلى الإمام أن لا ~~يخلي كل سنة من غزاة يغزوهم فيها إما بنفسه أو سراياه حتى لا يبطل الجهاد ~~والاختبار. # والمطيق الجهاد مع وقوع الكفاية بغيره لا يقعد عنه ولكن لا يفرض عليه ~~لأن الله تعالى وعد المجاهدين والقاعدين الثواب بقوله: { وكلا وعد الله ~~الحسنى } ولو كان فرضا على الكافة لاستحق القاعدون عن الجهاد العقاب لا ~~الثواب والله أعلم. ### || [4.97-98] # قوله عز وجل: { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } الآية: نزلت في ~~أناس تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا منهم قيس بن الفاكه بن المغيرة وقيس بن ~~الوليد بن المغيرة وأشباههما فلما خرج المشركون إلى بدر خرجوا معهم ~~فقتلوا مع الكفار فأنزل الله تعالى هذه الآية { إن الذين توفاهم الملائكة ~~} يعني ملك الموت وأعوانه وهم ستة: ثلاثة منهم يلون قبض أرواح المؤمنين ~~وثلاثة يلون قبض أرواح الكفار. وقيل أراد به ms0783 ملك الموت وحده وإنما ذكره ~~بلفظ الجمع على سبيل التعظيم كما يخاطب الواحد بلفظ الجمع وفي التوفي هنا ~~قولان: أحدهما أنه قبض أرواحهم. الثاني حشرهم إلى النار فعلى القول ~~الثاني يكون المراد بالملائكة الزبانية الذين يلون تعذيب الكفار { ظالمي ~~أنفسهم } يعني بالشرك وقيل بالمقام في دار الشرك وذلك لأن الله تعالى لم ~~يقبل الإسلام من أحد بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يهاجر إليه ~~ثم نسخ ذلك فتح مكة بقوله صلى الله عليه وسلم: # " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " # أخرجاه في الصحيحين وقيل ظالمي أنفسهم بخروجهم مع المشركين يوم بدر ~~وتكثير سوادهم حتى قتلوا معهم فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم { قالوا ~~فيم كنتم } سؤال توبيخ وتقريع يعني قالت الملائكة: لهؤلاء الذين قتلوا في ~~أي الفريقين كنتم أفي فريق المسلمين أم في فريق المشركين فاعتذروا بالضعف ~~عن مقاومة المشركين وهو قوله تعالى إخبارا عنهم: { قالوا كنا مستضعفين } ~~يعني عاجزين { في الأرض } يعني في أرض مكة { قالوا } يعني قال لهم ~~الملائكة { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } يعني إلى المدينة ~~وتخرجوا من بين أظهر المشركين فأكذبهم الله في قولهم كنا مستضعفين ~~وأعلمنا بكذبهم { فأولئك } يعني من هذه صفتهم { مأواهم } يعني منزلهم { ~~جهنم وساءت مصيرا } يعني بئس المصير مصيرهم إلى جهنم ثم استثنى أهل ~~الهذر ومن علم ضعفه منهم فقال تعالى: { إلا المستضعفين من الرجال والنساء ~~والولدان لا يستطيعون حيلة } يعني لا يقدرون على حيلة ولا نفقة ولا قوة ~~لهم على الخروج من مكة { ولا يهتدون سبيلا } يعني ولا يعرفون طريقا ~~يسلكونه من مكة إلى المدينة. ### || [4.99-100] # { فأولئك } يعني المستضعفين وأهل الأعذار { عسى الله أن يعفو عنهم } ~~يعني يتجاوز عنهم بفضله وإحسانه وعسى من الله واجب إطماع وترج والله ~~تعالى إذا أطمع عبدا وصله { وكان الله عفوا غفورا } قال ابن عباس كنت ~~أنا وأمي ممن عذر الله يعني من المستضعفين وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يدعو لهؤلاء المستضعفين في الصلاة ق عن أبي هريرة قال لما رفع ms0784 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الركعة الثانية قال: # " اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة ~~والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين ~~كسني يوسف " # قوله عز وجل: { ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا ~~وسعة } قال الزجاج معنى مراغما مهاجرا يعني يجد في الأرض مهاجرا يعني ~~أن المهاجر لقومه والمراغم لها بمنزلة واحدة. وإن اختلف اللفظان وهو ~~مأخوذ من الرغام وهو التراب يقال رغم أنفه إذا التصق بالتراب وذلك لأن ~~الأنف عضو شريف والتراب ذليل حقير فجعلوا قولهم رغم أنفه كناية عن حصول ~~الذل له ويقال راغمت فلانا بمعنى هجرته وعاديته ولم أبال به رغم أنفه ~~ويقوي ذلك قول بعض أهل اللغة هو الخروج من بلاد العدو برغم أنفه. وقيل ~~معناه أن الرجل إذا خرج عن قومه خرج مراغما لهم أي مغاضبا لهم ومقاطعا ~~وقال الفراء المراغم المضطرب والمذهب في الأرض وأنشد الزجاج في المعنى: # إلى بلد غير داني المحل بعيد المراغم والمضطرب # فعلى هذا يكون معنى الآية يجد مذهبا يذهب إليه إذا رأى ما يكرهه هذا ~~قول أهل اللغة في معنى المراغمة. وقال ابن عباس: يجد متحولا يتحول إليه ~~من أرض إلى أرض، وقال مجاهد يجد متزحزحا عما يكره وقيل يجد منقلبا ~~ينقلب إليه وقيل المراغمة والمهاجرة واحدة يقال: راغمت قومي أي هاجرتهم ~~وسميت المهاجرة مراغمة لأنه يهاجر قومه برغمهم. وقوله وسعة يعني في ~~الرزق. وقيل يجد سعة من الضلالة إلى الهدى وقيل يجد سعة في الأرض التي ~~يهاجر إليها قال ابن عباس: لما نزلت الآية التي قبل هذه سمعها رجل من بني ~~ليث شيخ كبير مريض يقال له جندع بن ضمرة فقال: والله ما أنا ممن استثنى ~~الله عز وجل وإني لأجد حيلة ولي من المال ما يبلغني إلى المدينة وأبعد ~~منها والله لا أبيت الليلة بمكة أخرجوني فخرجوا به يحملونه على سرير حتى ~~أتوا به النعيم فأدركه الموت فصفق بيمينه على شماله ms0785 ثم قال: اللهم هذه لك ~~وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك رسولك ثم مات فبلغ خبره أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا لو وافى المدينة لكان أتم وأوفى أجرا وضحك ~~المشركون، وقالوا ما أدرك ما طلب فأنزل الله عز وجل: { ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت } يعني قبل بلوغه إلى مهاجره { ~~فقد وقع أجره على الله } يعني فقد وجب أجر هجرته على الله بإيجابه على ~~نفسه بحكم الوعد والتفضل والكرم لا وجوب استحقاق وتحتم قال بعض العلماء ~~ويدخل في حكم الآية من قصد فعل طاعة من الطاعات ثم عجز عن إتمامها كتب ~~الله له ثواب تلك الطاعة كاملا وقال بعضهم إنما يكتب له أجر ذلك القدر ~~الذي عمل وأتى به، أما تمام الأجر فلا والقول الأول أصح لأن الآية إنما ~~نزلت في معرض الترغيب في الهجرة وأن من قصدها ولم يبلغها بل مات دونها ~~فقد حصل له ثواب الهجرة كاملا فكذلك كل من قصد فعل طاعة ولم يقدر على ~~إتمامها كتب الله له ثوابها كاملا { وكان الله غفورا رحيما } يعني ~~ويغفر الله له ما كان منه من القعود قبل الهجرة إلى أن خرج مهاجرا. ### || [4.101] # قوله عز وجل: { وإذا ضربتم في الأرض } يعني إذا سافرتم فيها { فليس ~~عليكم جناح } أي حرج وإثم { أن تقصروا من الصلاة } يعني من أربع ركعات ~~إلى ركعتين وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء، وأصل القصر في اللغة ~~التضييق وقيل هو ضم الشيء إلى أصله. وفسر ابن الجوزي القصر بالنقص ولم ~~أره لأحد من أهل التفسير واللغة وقيل معنى قصر الصلاة جعلها قصيرة بترك ~~بعض ركعاتها أو بعض أركانها ترخيصا ولهذا السبب ذكروا في تفسير قصر ~~الصلاة المذكورة في الآية قولين: أحدهما أنه في عدد الركعات وهو رد ~~الصلاة الرباعية إلى ركعتين والقول الثاني أن المراد بالقصر إدخال ~~التخفيف في أدائها وهو أن يكتفي بالإيماء والإشارة عن الركوع والسجود. ~~والقول الأول أصح ويدل عليه لفظة من في قوله أن ms0786 تقصروا من الصلاة ولفظة ~~من هنا للتبعيض وذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة فثبت بهذا أن ~~تفسير القصر بإسقاط بعض ركعات الصلاة أولى { إن خفتم أن يفتنكم } يعني ~~يغتالكم ويقتلكم في الصلاة { الذين كفروا } ذهب داود الظاهري إلى أن جواز ~~القصر مخصوص بحال الخوف واستدل على صحة مذهبه بقوله تعالى: { إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا } ولأن عدم الشرط يقتضي عدم المشروط فعلى هذا لا يجوز ~~القصر عند الأمن ولا يجوز رفع هذا الشرط بخبر الآحاد لأنه يقتضي نسخ ~~القرآن بخبر واحد، وذهب جمهور أهل العلم إلى أن القصر في حال الأمن في ~~السفر جائز ويدل عليه ما روي # " عن يعلى بن أمية. قال: قلت لعمر بن الخطاب ليس عليكم جناح أن تقصروا ~~من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فقد أمن الناس فقال عجبت مما ~~عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: " صدقة تصدق ~~الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " # أخرجه مسلم وعن عبدالله بن خالد بن أسيد أنه قال لابن عمر كيف تقصرون ~~الصلاة وإنما قال الله تعالى ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ~~أن يفتنكم الذين كفروا # " فقال ابن عمر يا ابن أخي: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا ~~ونحن في ضلال فعلمنا فكان فيما علمنا أن أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر " # أخرجه النسائي وعن ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا ~~رب العالمين فصلى ركعتين " # أخرجه الترمذي والنسائي وأجاب الجمهور عن قوله تعالى إن خفتم أن كلمة إن ~~تفيد حصول الشرط ولا يلزم عند عدم الشرط عدم المشروط فقوله تعالى: { إن ~~خفتم } يقتضي أن عند عدم الخوف لا تحصل رخصة القصر. # وإذا كان كذلك كانت الآية ساكتة عن حال الأمن فإثبات الرخصة حال الأمن ~~بخبر الواحد يكون إثباتا لحكم سكت عنه القرآن وذلك غير ممتنع إنما ~~الممتنع إثبات الحكم بخبر الواحد على خلاف ما ms0787 دل عليه القرآن. فإن قلت ~~إذا كان هذا الحكم ثابتا في حال الأمن والخوف فما فائدة تقييده بحال ~~الخوف؟ قلت إنما نزلت الآية على غالب أسفار النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأكثرها لم يخل عن خوف العدو فذكر الله عز وجل هذا الشرط من حيث إنه ~~الأغلب في الوقوع. وقوله تعالى. { إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا } ~~أي ظاهر العداوة فلعلمي بهذا رخصت لكم في قصر الصلاة لئلا يجدوا إلى ~~قتلكم واغتيالكم سبيلا وإنما قال عدوا ولم يقل أعداء لأنه يستوي فيه ~~الواحد والجمع. فصل في أحكام تتعلق بالآية وفيه مسائل المسألة الأولى: في ~~حكم القصر قصر الصلاة في حالة السفر جائز بإجماع الأمة وإنما اختلفوا في ~~جواز الإتمام في حال السفر فذهب أكثر العلماء إلى أن القصر واجب في السفر ~~وهو قول عمر وعلي وابن عمر وجابر وابن عباس وبه قال الحسن وعمر بن ~~عبدالعزيز وقتادة وهو قول مالك وأبي حنيفة ويدل عليه ما روي عن عائشة ~~قالت # " فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ثم أتمها في الحضر وأقرت صلاة السفر ~~على الفريضة الأولى " # وفي رواية أخرى قالت: # " فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة ~~السفر وزيد في صلاة الحضر " # أخرجاه في الصحيحين وذهب قوم إلى جواز الإتمام في السفر، ولكن القصر ~~أفضل يروى ذلك عن عثمان وسعد بن أبي وقاص وإليه ذهب الشافعي وأحمد وهو ~~رواية عن مالك أيضا. ويدل على ذلك ما روى البغوي بسند الشافعي عن عائشة ~~قالت: كل ذلك قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر وأتم و # " عن عائشة أنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى ~~مكة حتى إذا قدمت مكة قالت يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وصمت ~~وأفطرت؟ قال أحسنت يا عائشة وما عاب علي " # أخرجه النسائي وظاهر القرآن يدل على ذلك لأن الله تعالى قال فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلاة ولفظة ولا جناح إنما تستعمل ms0788 في الرخصة لا فيما ~~يكون حتما، وأجيب عن حديث عائشة فرض الله الصلاة ركعتين بأن معناه فرضت ~~ركعتين أولا وزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم وأقرت صلاة ~~السفر على جواز الاقتصار عليها وثبت جواز الإتمام بدليل آخر فوجب المصير ~~إليه ليمكن الجمع بين الأحاديث ودلائل الشرع. المسألة الثانية: اختلف في ~~صلاة المسافر إذا صلى ركعتين ركعتين هل هي مقصورة أم غير مقصورة فذهب قوم ~~إلى أنها غير مقصورة وإنما فرض صلاة المسافر ركعتان تمام غير قصر يروى ~~ذلك عن ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبدالله وإليه ذهب سعيد بن جبير ~~والسدي وأبو حنيفة فعلى هذا يكون معنى القصر المذكور في الآية هو تخفيف ~~ركوعها وسجودها. # وقد تقدم الجواب عنه وذهب قوم إلى أنها مقصورة وليست بأصل، وهو قول ~~مجاهد وطاوس، وإليه ذهب الشافعي وأحمد. المسألة الثالثة: ذهب الشافعي ~~ومالك وأحمد والجمهور، إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح وشرط بعضهم ~~كونه سفر حج أو عمرة أو جهاد أو سفر طاعة، ولا يجوز القصر في سفر ~~المعصية، وقال أبو حنيفة والثوري يجوز ذلك. المسألة الرابعة: اختلف ~~العلماء في مسافة القصر فقال داود أهل الظاهر يجوز القصر في قصير السفر ~~وطويله وروي ذلك عن أنس أيضا وقال عمرو بن دينار قال لي جابر بن زيد ~~أقصر بعرفة. وأما عامة أهل العلم فإنهم لا يجوزون القصر في السفر القصير ~~واختلفوا في حد الطويل الذي يجوز فيه القصر. فقال الأوزاعي مسيرة يوم ~~وكان ابن عمرو وابن عباس يقصران ويفطران في مسيرة أربعة برد هي ستة عشر ~~فرسخا وإليه ذهب مالك وأحمد وإسحاق وقول الحسن والزهري قريب من ذلك ~~فإنهما قالا مسيرة يومين، وإليه ذهب الشافعي فقال مسيرة ليلتين قاصدتين ~~ستة عشر فرسخا كل فرسخ ثلاثة أميال فتكون ثمانية وأربعين ميلا بالهاشمي ~~والميل ستة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة والأصبع ~~ست شعيرات معترضات معتدلات، وقال الثوري وأبو حنيفة وأهل الكوفة لا قصر ~~في أقل من ثلاثة أيام. فصل ms0789 قيل قوله تعالى: { إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا } كلام متصل بما بعده منفصل عما قبله وتقديره وإن خفتم روي عن أبي ~~أيوب الأنصاري أنه قال نزل قوله تعالى: { فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة } هذا القدر ثم بعد حول سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~صلاة الخوف فنزل: { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم ~~عدوا مبينا وإذا كنت فيهم } الآية ومثل هذا في القرآن كثير يجيء الخبر ~~بتمامه ثم ينسق عليه خبر آخر هو في الظاهر كالمتصل به وهو منفصل عنه. ### || [4.102] # قوله عز وجل: { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } الآية روي عن ابن عباس ~~وجابر أن المشركين لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا ~~إلى الظهر يصلون جميعا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقال بعضهم لبعض ~~دعوهم فإن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم يعني صلاة ~~العصر فإذا قاموا فشدوا عليهم فاقتلوهم فنزل جبريل عليه السلام فقال يا ~~محمد إنها صلاة الخوف وإن الله عز وجل يقول وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة فعلمه صلاة الخوف وروي عن أبي عياش الزرقي في سبب نزول هذه الآية. ~~قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان وعلى المشركين خالد بن ~~الوليد فصلينا الظهر فقال المشركون لقد أصبنا غرة وفي رواية غفلة ولو ~~حملنا عليهم وهم في الصلاة فنزلت الآية بين الظهر والعصر قوله تعالى: { ~~وإذا كنت فيهم } هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني وإذا كنت يا ~~محمد في أصحابك وشهدت معهم القتال فأقمت لهم الصلاة { فلتقم طائفة منهم ~~معك } يعني إذا حان وقت الصلاة وأقمتها لأصحابك فاجعلهم فرقتين فلتقف ~~فرقة منهم معك فتصلي بهم { وليأخذوا أسلحتهم } اختلفوا في هؤلاء الذين ~~أمرهم الله بأخذ السلاح فقيل أراد بهم الذين قاموا معه إلى الصلاة فإنهم ~~يأخذون أسلحتهم في الصلاة، فعلى هذا القول إنما يأخذون من السلاح ما لا ~~يشغلهم عن الصلاة ولا يؤذي ms0790 به من إلى جنبه كالسيف والخنجر وذلك لأنه أقرب ~~إلى الاحتياط وأمنع للعدو من الإقدام عليهم فإن كان السلاح يشغل بحركته ~~وثقله عن الصلاة كالترس الكبير أو يؤذي من إلى جنبه كالرمح فلا يأخذه. ~~وقيل أراد بهم الطائفة الذين بقوا في وجه العدو فإنهم يأخذون أسلحتهم ~~للحراسة وقيل يحتمل أن يكون أمرا للفريقين بحمل السلاح لأن ذلك أقرب إلى ~~الاحتياط { فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم } يعني إذا صلى الذين معك ~~وفرغوا من الصلاة فليكونوا من ورائكم يعني فلينصرفوا إلى المكان الذي هو ~~في وجه العدو وللحراسة { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا } يعني ولتأت الطائفة ~~التي كان في وجه العدو { فليصلوا معك } الركعة الثانية التي بقيت عليك ~~ويتموا بقية صلاتهم { وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } يعني أن الله تعالى جعل ~~الحذر وهو التحرز والتيقظ آلة يستعملها الغازي في دفع العدو فلذلك جعله ~~مأخوذا مع السلاح. فإن قلت لم ذكر في أول الآية الأسلحة فقط وذكر هنا ~~الحذر والأسلحة. قلت لأن العدو قلما ينتبه للمسلمين في أول الصلاة بل ~~يظنون كونهم قائمين في المحاربة والمقاتلة فإذا قاموا على الركعة الثانية ~~ظهر للكفار أن المسلمين في الصلاة فحينئذ ينتهزون الفرصة في الإقدام على ~~المسلمين فلا جرم أن الله تعالى أمرهم في هذا الموضع بزيادة الحذر من ~~الكفار مع أخذ الأسلحة { ود الذين كفروا } يعني تمنى الكفار { لو تغفلون ~~} يعني لو وجدوكم غافلين { عن أسلحتكم وأمتعتكم } يعني حوائجكم التي بها ~~بلاغكم في أسفاركم فتسهون عنها { فيميلون عليكم ميلة واحدة } يعني ~~فيقصدونكم ويحملون عليكم حملة واحدة وأنتم مشتغلون بصلاتكم عن أسلحتكم ~~وأمتعتكم فيصيبون منكم غرة فيقتلونكم. # فصل في أحكام تتعلق بالآية وصفة صلاة الخوف وفيه مسائل المسألة الأولى: ~~قال أبو يوسف والحسن بن زياد من أصحاب أبي حنيفة صلاة الخوف كانت خاصة ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز لغيره بعده فعلها، وقال المزني من ~~أصحاب الشافعي كانت ثابتة ثم نسخت واحتجوا لصحة هذا القول بأن الله تعالى ~~خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: { وإذا ms0791 كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة } وظاهر هذا يدل على أن إقامة الصلاة مشروطة بكون النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيهم فدل على تخصيصه بها ولأن كلمة إذا تفيد الشرط وذهب جمهور ~~العلماء والفقهاء إلى أن هذا الحكم لما ثبت في حق النبي صلى الله عليه ~~وسلم بحكم هذه الآية وجب أن يثبت في حق غيره من أمته لقوله تعالى: { ~~فاتبعوه } ولقوله صلى الله عليه وسلم: # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # ولأن ذلك إجماع الصحابة على فعلها وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه صلى ~~صلاة الخوف بأصحابه ليلة الهرير وكذلك أبو موسى صلى بأصحابه بطبرستان ~~وليس لهؤلاء مخالف من الصحابه وأجيب عن قوله تعالى: { وإذا كنت فيهم ~~فأقمت لهم الصلاة } بأن هذا وإن كان قد خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم ~~فإن سائر أمته داخلون في هذا الحكم فهو كقوله: # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء # [الطلاق: 1] إلا أن يرد نص بتخصيصه صلى الله عليه وسلم بحكم دون أمته ~~كقوله تعالى: # خالصة لك من دون المؤمنين # [الأحزاب: 50] ونظير قوله { وإذا كنت فيهم } قوله: # خذ من أموالهم صدقة # [التوبة: 103] وإذا كان هو المخاطب بها وقد ثبت حكم أخذ الزكاة لمن بعده ~~من الأئمة كان كذلك قوله وإذا كنت فيهم وأجيب عن لفظه إذا: بأن مقتضاه ~~الثبوت عند الثبوت وأما العدم عند العدم فغير مسلم. المسألة الثانية: قال ~~الخطابي: صلاة الخوف أنواع صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في أيام ~~مختلفة وأشكال متباينة يتحرى في ذلك كله ما هو الأحوط للصلاة وأبلغ في ~~الحراسة فهي مع اختلاف صورها متفقة المعنى فمن أنواع صلاة الخوف ما إذا ~~كان العدو في غير جهة القبلة. فرق الإمام أصحابه فرقتين فتقف طائفة وجاه ~~العدو فتحرس ويصلي بالطائفة الأخرى ركعة فإذا قام إلى الثانية أتموا ~~لأنفسهم وذهبوا إلى وجاه العدو فيحرسون وتأتي الطائفة الثانية التي كانت ~~تحرس فيصلي بهم الركعة الثانية ويثبت جالسا في التشهد حتى يتموا ~~لأنفسهم الصلاة ثم يسلم بهم ويدل على ذلك ما ms0792 روي عن يزيد بن رومان عن ~~صالح بن خوان # " عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن ~~طائفة صفت معه وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما وأتموا ~~لأنفسهم، ثم انصرفوا وجاء العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة ~~التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسا فأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم " # أخرجاه في الصحيحين الذي صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم هو سهل بن أبي ~~حثمة وقد أخرجاه من رواية أخرى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ~~بأصحابه وذكر نحوه وهذا هو مختار الشافعي لأنه أشد موافقة لظاهر القرآن ~~وأحوط للصلاة وأبلغ في حراسة العدو، وأما كونه أشد موافقة لظاهر القرآن ~~فإن قوله ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك يدل على أن الطائفة ~~الأولى قد صلت قوله فليصلوا معك ظاهره يدل على أن جميع صلاة الطائفة ~~الثانية حصلت مع الإمام وكونها أحوط لأمر الصلاة من حيث إنه لا يكثر فيها ~~العمل من المجيء والذهاب وكونها أحوط لأمر الحرب والحراسة من حيث إنه إذا ~~لم يكونوا في الصلاة كان أمكن للحراسة والكر والفر والهرب إن احتاجوا ~~إليه وذهب قوم إلى أن الطائفة الأولى تصلي مع الإمام ركعة ثم تذهب إلى ~~وجه العدو فتحرس وهم في صلاتهم ثم تأتي الطائفة الثانية فتصلي مع الإمام ~~الركعة الثانية ويسلم الإمام ولا يسلمون هم بل يذهبون إلى وجه العدو، ~~وترجع الطائفة الأولى إلى موضع الإمام فتقضي بقية صلاتها ثم تذهب ثم تأتي ~~الطائفة الثانية إلى موضع الإمام فتقضي بقية صلاتها يروى ذلك عن ابن ~~مسعود وهو مذهب أبي حنيفة ويدل على ذلك ما روي عن ابن عمر قال # " صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف قال فكبر فصلى خلفه طائفة منا وطائفة ~~مواجهة للعدو فركع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة وسجد سجدتين ثم ~~انصرفوا ولم يسلموا وأقبلوا على العدو فصفوا مكانهم وجاءت الطائفة الأخرى ~~فصفوا خلف رسول الله صلى الله عليه ms0793 وسلم فصلى بهم ركعة وسجدتين ثم سلم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تم ركعتين وأربع سجدات ثم قامت ~~الطائفتان فصلى كل إنسان منهم لنفسه ركعة وسجدتين " # أخرجه النسائي قال أبو بكر السني سمع الزهري من ابن عمر ولم يسمع هذا ~~منه والذي أخرجاه في الصحيحين عن ابن عمر قال: # " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة ~~والطائفة الأخرى مواجهة العدو ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين ~~على العدو وجاء أولئك فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة ثم ~~قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة " # وفي رواية أخرى قال: # " صلى رسول الله صلى عليه وسلم صلاة الخوف في بعض أيامه فقامت طائفة معه ~~وطائفة بإزاء العدو فصلى بالذين معه ركعة. وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة ~~وقضت الطائفتان ركعة ركعة " # وبهذه الرواية المخرجة في الصحيحين أخذ الأوزاعي وأشهب المالكي وهو جائز ~~عند الشافعي أيضا ثم قيل إن الطائفتين قضوا ركعتهم الباقية معا وقيل ~~متفرقين وهو الصحيح والفرق بين الروايتين أن الطائفة الأولى أدركت أول ~~الصلاة وهي في حكم من خلف الإمام. وأما الطائفة الثانية فلم تدرك أول ~~الصلاة والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد في حكم صلاته. المسألة الثالثة: فيما ~~إذا كان العدو في ناحية القبلة وصورة هذا الصلاة ما روي # " عن جابر بن عبدالله: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ~~فصففنا صفين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم والعدو بيننا وبين القبلة ~~فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعا ثم ركع وركعنا جميعا ثم ~~رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام ~~الصف المؤخر في نحو العدو فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود ~~وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف ~~المؤخر وتأخر الصف المقدم ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعا ~~ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ثم انحدر بالسجود والصف الذي ms0794 يليه ~~الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى فقام الصف المؤخر في نحر العدو فلما ~~قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر ~~بالسجود فسجدوا ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا " # قال جابر كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم أخرجه مسلم بتمامه وأخرجه ~~البخاري طرفا منه أنه صلى الخوف مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوة ~~السابقة غزوة ذات الرقاع. وبهذا الحديث أخذ الشافعي ومن وافقه فيما إذا ~~كان العدو في جهة القبلة. المسألة الرابعة: إذا اشتد الحرب والتحم القتال ~~صلوا رجالا وركبانا يؤمنون بالركوع والسجود إلى أي جهة كانت هذا مذهب ~~الشافعي ومذهب أبي حنيفة أنهم لا يصلون في هذه الحالة فإذا أمنوا قضوا ~~ما فاتهم من الصلاة ولصلاة الخوف صور أخر مذكورة في كتب الفقه وليس هذا ~~موضعها والله أعلم. وقوله تعالى: { ولا جناح عليكم } أي ولا إثم ولا حرج ~~عليكم { إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم } قال ابن ~~عباس: رخص الله لهم في وضع السلاح في حال المطر وحال المرض لأن السلاح ~~يثقل حمله في هاتين الحالتين { وخذوا حذركم } يعني راقبوا عدوكم ولا ~~تغفلوا عنه أمرهم الله بالتحفظ والتحرز والاحتياط لئلا يتجرأ العدو عليهم ~~قال ابن عباس: # " نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه غزا بني محارب وبني أنمار ~~فنزلوا ولا يرون من العدو أحدا فوضع الناس السلاح فخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لحاجة حتى قطع الوادي والسماء ترش بالمطر فسال الوادي ~~فحال السيل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه فجلس تحت شجرة ~~فبصر به غورث بن الحارث المحازي فقال: قتلني الله إن لم أقتله ثم انحدر ~~من الجبل ومعه السيف ولم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو ~~قائم على رأسه وقد سل السيف من غمده وقال يا محمد من يمنعك مني الآن؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الله عز وجل " ثم ms0795 قال: " اللهم ~~أكفني غورث بن الحارث بما شئت " فأهوى غورث ليضرب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم به فأكب لوجهه من زلخة زلخها فندر السيف من يده فقام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخذ السيف ثم قال: " يا غورث من يمنعك مني الآن؟ ~~فقال لا أحد فقال أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ~~وأعطيك سيفك فقال: لا ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبدا ولا أعين عليك عدوا ~~فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه فقال غورث لأنت خير مني فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم أجل أنا أحق بذلك منك " # فرجع غورث إلى أصحابه فقالو له: ويلك يا غورث ما منعك منه فقال والله ~~لقد أهويت إليه بالسيف لأضربه به فوالله ما أدري من زلخني بين كتفي فخررت ~~لوجهي وذكر حاله لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وسكن الوادي ~~فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الوادي إلى أصحابه وأخبرهم الخبر وقرأ ~~هذه الآية: { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى } قال ~~ابن عباس: كان عبدالرحمن بن عوف جريحا فنزلت فيه أن تضعوا أسلحتكم وخذوا ~~حذركم يعني من عدوكم { إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا } يعني يهانون ~~به. ### || [4.103] # قوله عز وجل: { فإذا قضيتم الصلاة } يعني فإذا فرغتم من صلاة الخوف { ~~فاذكروا الله } يعني بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وأثنوا على ~~الله في جميع أحوالكم { قياما وقعودا وعلى جنوبكم } فإن ما أنتم عليه ~~من الخوف جدير بالمواظبة على ذكر الله عز وجل والتضرع إليه ق عن عائشة ~~قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحيانه وقيل ~~المراد بالذكر الصلاة يعني فصلوا لله قياما يعني في حال الصحة وقعودا ~~في حال المرض وعلى جنوبكم يعني في حال الزمانة والجراح { فإذا اطمأننتم } ~~يعني فإذا أمنتم وسكنت قلوبكم. وأصل الطمأنينة سكون القلب { فأقيموا ~~الصلاة } يعني فأتموها أربعا فعلى هذا يكون المراد بالطمأنينة ترك السفر ~~والمعنى ms0796 فإذا صرتم مقيمين في أوطانكم فأقيموا الصلاة تامة أربعا من غير ~~قصر. وقيل معناه فأقيموا الصلاة بإتمام ركوعها وسجودها فعلى هذا يكون ~~المراد بالطمأنينة سكون القلب عن الاضطراب والأمن بعد الخوف { إن الصلاة ~~كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } يعني فرضا موقتا والكتاب هنا بمعنى ~~المكتوب يعني مكتوبة موقتة في أوقات محدودة فلا يجوز إخراجها عن أوقاتها ~~على أي حال كان من خوف أو أمن وقيل معناه فرضا واجبا مقدرا في الحضر ~~أربع ركعات وفي السفر ركعتين. ### || [4.104] # قوله تعالى: { ولا تهنوا في ابتغاء القوم } سبب نزول هذه الآية أن أبا ~~سفيان وأصحابه لما رجعوا يوم أحد بعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم ~~فشكوا من ألم الجراحات فقال الله تعالى ولا تهنوا يعني ولا تضعفوا، ولا ~~تتوانوا في ابتغاء القوم يعني في طلب أبي سفيان وأصحابه ثم أورد عليهم ~~الحجة في ذلك وألزمهم بها فقال تعالى: { إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون ~~كما تألمون } يعني أن حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم وليس ما تكابدون ~~من الوجع وألم الجراح مختصا لكم بل هم كذلك فإذا لم يكن الألم مانعا ~~لهم عن قتالكم فكيف يكون مانعا لكم عن قتالهم وكيف لا تصبرون مثل صبرهم ~~مع أنكم أولى بالصبر منهم لأنكم مقرون بالحشر والنشر والثواب والعقاب ~~والمشركون لا يقرون بذلك كله فأنتم أيها المؤمنون أولى بالجهاد منهم وهو ~~قوله تعالى: { وترجون من الله ما لا يرجون } يعني وتأملون من الله من ~~الثواب في الآخرة ما لا يرجعون وقيل ترجون النصر والظفر في الدنيا وإظهار ~~دينكم على الأديان كلها { وكان الله عليما حكيما } يعني أنه تعالى لا ~~يأمركم بشيء إلا وهو يعلم أنه مصلحة لكم. ### || [4.105-106] # قوله عز وجل: { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق } قال ابن عباس نزلت هذه ~~الآية في رجل من الأنصار يقال له طعمة بن إبيرق من بني ظفر بن الحارث سرق ~~درعا من جار له يقال له قتادة بن النعمان وكانت الدرع في جراب فيه دقيق ~~فجعل الدقيق ينتثر ms0797 من خرق في الجراب حتى انتهى إلى داره ثم خبأها عند رجل ~~من اليهود يقال له زيد بن السمين فالتمست الدرع عند طعمة فحلف بالله ~~فأخذها وما له بها من علم فقال أصحاب الدرع: لقد رأينا أثر الدقيق حتى ~~دخل داره فلما حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق إلى منزل اليهودي فأخذوه ~~فقال اليهودي: دفعها إلي طعمة بن أبيرق زاد في الكشاف وشهد له جماعة من ~~اليهود. قال البغوي: وجاء بنو ظفر قوم طعمة إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسألوه أن يجادل عن صاحبهم طعمة فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يعاقب اليهودي وأن يقطع يده فأنزل الله هذه الآية وقيل إن زيد بن ~~السمين أودع الدرع عند طعمة فجحده طعمة الله فأنزل هذه الآية: { إنا ~~أنزلنا إليك } يعني يا محمد الكتاب يعني القرآن بالحق يعني بالصدق ~~وبالأمر والنهي والفصل { لتحكم بين الناس بما أراك الله } يعني بما علمك ~~الله وأوحى إليكم وإنما سمي العلم اليقيني رؤية لأنه جرى مجرى الرؤية في ~~قوة الظهور روي عن عمر أنه قال لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله فإن ~~الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم ولكن ليجهد رأيه لأن ~~الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيبا، لأن الله تعالى كان ~~يريه إياه وإن رأي أحدنا يكون ظنا ولا يكون علما قال المحققون دلت هذه ~~الآية على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يحكم إلا بالوحي ~~الإلهي والنص المنزل عليه { ولا تكن } يعني يا محمد { للخائنين خصيما } ~~يعني ولا تكن لأجل الخائنين وهم قوم طعمة تخاصم عنهم وتجادل عن طعمة ~~مدافعا عنه ومعينا له { واستغفر الله } يعني مما هممت به من معاقبة ~~اليهودي وقيل من جدالك عن طعمة { إن الله كان غفورا } يعني لذنوب عباده ~~يسترها عليهم ويغفرها لهم { رحيما } يعني بعباده المؤمنين. فصل وقد تمسك ~~بهذه الآية من يرى جواز صدور الذنب من الأنبياء وقالوا لو لم يقع من ms0798 ~~الرسول الله صلى الله عليه وسلم ذنب لما أمر بالاستغفار والجواب عما ~~تمسكوا به من وجوه: أحدها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل ~~المنهي عنه في قوله ولا تكن للخائنين خصما ولم يخاصم عن طعمة لما سأله ~~قومه أن يذب عنه أن يلحق السرقة باليهودي فتوقف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن ذلك وانتظر ما يأتيه من الوحي السماوي والأمر الإلهي فنزلت هذه ~~الآية وأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن طعمة كذاب وأن اليهودي ~~بريء من السرقة. # وإنما مال صلى الله عليه وسلم إلى نصرة طعمة وهم بذلك بسبب أنه في ~~الظاهر من المسلمين فأمره الله بالاستغفار لهذا القدر. الوجه الثاني أن ~~قوم طعمة لما شهدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة طعمة من ~~السرقة ولم يظهر في الحال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوجب القدح ~~في شهادتهم هم بأن يقضي على اليهودي بالسرقة فلما أطلعه الله على كذب ~~قوم طعمة عرف أنه لو وقع ذلك الأمر لكان خطأ في نفس الأمر فأمره الله ~~بالاستغفار منه وإن كان معذورا. الوجه الثالث يحتمل أن الله تعالى أمره ~~بالاستغفار لقوم طعمة لذبهم عن طعمة فإن استغفاره صلى الله عليه وسلم ~~يحتمل أن يكون لذنب قد سبق قبل النبوة وأن يكون لذنوب أمته. الوجه الرابع ~~أن درجة النبي صلى الله عليه وسلم أعلى الدرجات ومنصبه أشرف المناصب ~~فلعلو درجته وشرف منصبه وكمال معرفته بالله عز وجل فما يقع منه على وجه ~~التأويل أو السهو أو أمر من أمور الدنيا فإنه ذنب بالنسبة إلى منصبه صلى ~~الله عليه وسلم كما قيل حسنات الأبرار سيئآت المقربين. وذلك بالنسبة إلى ~~منازلهم ودرجاتهم والله أعلم. ### || [4.107-110] # قوله تعالى: { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } يعني ولا تجادل يا ~~محمد عن الذين يظلمون أنفسهم بالخيانة وهم طعمة ومن عاونه وذب عنه من ~~قومهم وإنما سماهم خائنين لأن من أقدم على ذنب فقد خان نفسه لأنه أوقعها ~~في العذاب ms0799 وحرمها من الثواب ولهذا قيل لمن ظلم غيره إنما ظلم نفسه وقيل ~~المراد بهذا الجمع كل من خان خيانة أي فلا تخاصم ولا تجادل عنه { إن الله ~~لا يحب من كان خوانا أثيما } يعني خوانا بسرقة الدرع أثيما برميه ~~اليهودي وهو بريء وإنما قال تعالى خوانا أثيما على المبالغة لأنه تعالى ~~علم من طعمة الإفراط في الخيانة وركوب المآثم. ويدل على ذلك أنه لما نزل ~~فيه القرآن لحق مكة مرتدا عن دينه ثم عدا على الحجاج بن علاط فنقب عليه ~~بيته فسقط عليه حجر من الحائط فلما أصبحوا أخرجوه من مكة فلقي ركبا فعرض ~~لهم. وقال ابن السبيل ومنقطع به فحملوه حتى إذا جن عليه الليل عدا عليهم ~~فسرقهم ثم انطلق فركبوا في طلبه فأدركوه فرموه بالحجارة حتى مات، ومن ~~كانت هذه حاله كان كثير الخيانة والإثم فلذلك وصفه الله تعالى بالمبالغة ~~في الخيانة والإثم قال بعضهم إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها ~~أخوات. ويروى عن عمر أنه أمر بقطع يد سارق فجاءت أمه تبكي وتقول هذه أول ~~سرقة سرقها فاعف عنه يا أمير المؤمنين فقال كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده ~~في أول مرة. قوله عز وجل: { يستخفون من الناس } يعني يستترون حياء من ~~الناس يريد بذلك بني ظفر بن الحارث وهم قوم طعمة بن أبيرق { ولا يستخفون ~~من الله } يعني ولا يستترون من الله ولا يستحيون منه وأصل الاستخفاء ~~الاستتار وإنما فسر الاستخفاء بالاستحياء على المعنى لأن الاستحياء من ~~الناس يوجب الاستتار منهم { وهو معهم } يعني والله معهم بالعلم والقدرة ~~ولا يخفى عليه شيء من حالهم لأنه تعالى لا تخفى عليه خافية. وكفى بذلك ~~زجرا للإنسان عن ارتكاب الذنوب { إذ يبيتون ما لا يرضى من القول } يعني ~~يضمرون ويقدرون ويزورون في أذهانهم. وأصل التبييت تديبر الفعل بالليل ~~وذلك أن قوم طعمة قالوا فيما بينهم: نرفع الأمر إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإنه يسمع قول طعمة ويقبل يمينه لأنه مسلم ولا يسمع قول اليهودي ~~لأنه ms0800 كافر فلم يرض الله تعالى بذلك منهم فأطلع نبيه صلى الله عليه وسلم ~~على سرهم وما هموا به { وكان الله بما يعملون محيطا } يعني أنه تعالى لا ~~يخفى عليه شيء من أسرار عباده وهو مطلع عليهم محيط بهم لا تخفى عليه ~~خافيه { ها أنتم هؤلاء } ها للتنبيه يعني يا هؤلاء الذين هو خطاب لقوم من ~~المؤمنين كانوا يذبون عن طعمة وعن قومه { جادلتم عنهم } يعني خاصمتم عنهم ~~بسبب أنهم كانوا يرونهم في الظاهر مسلمين وأصل الجدال شدة الفتل لأن كل ~~واحد من الخصمين يريد أن يفتل صاحبه عما هو عليه والمعنى هبوا إنكم ~~خاصمتم وجادلتم عن طعمة وقومه في الحياة الدنيا وقيل هو خطاب لقوم طعمة ~~وفي قراءة ابن مسعود: جادلتم عنه والمعنى هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة في ~~الحياة الدنيا { فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة } يعني إذا أخذه بعذابه ~~فهو استفهام بمعنى التوبيخ والتقريع: { أمن يكون عليهم وكيلا } يعني ~~محافظا ومحاميا عنهم من بأس الله إذا نزل بهم. # قوله تعالى: { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه } نزلت هذه الآية في ترغيب ~~طعمة في التوبة وعرضها عليه. وقيل نزلت في قومه الذين جادلوا عنه وقيل هي ~~عامة في كل مسيء ومذنب لأن خصوص السبب لا يمنع من إطلاق الحكم ومعنى ~~الآية ومن يعمل سوءا يسيء به غيره كما فعل طعمة بالسرقة من قتادة وإنما ~~خص ما يتعدى إلى الغير باسم السوء لأن ذلك يكون في الأكثر إيصالا للضرر ~~إلى الغير أو يظلم نفسه يعني فيما يختص به من الحلف الكاذب ونحو ذلك. ~~وقيل معناه ومن يعمل سوءا أي قبيحا أو يظلم نفسه يرميه البريء وقيل ~~السوء كل ما يأثم به الإنسان والظلم هو الشرك فما دونه { ثم يستغفر الله ~~} يعني من ذنوبه { يجد الله غفورا رحيما } ففي هذه الآية دليل على ~~حكمين: أحدهما أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب الكبائر والصغائر لأن ~~قوله ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه عم الكل. والحكم الثاني أن ظاهر الآية ~~يقتضي أن مجرد ms0801 الاستغفار كاف. وقال بعضهم إنه مقيد بالتوبة لأنه لا ينفع ~~الاستغفار مع الإصرار على الذنوب. ### || [4.111-113] # { ومن يكسب إثما } يعني ومن يعمل ذنبا يأثم به { فإنما يكسبه على نفسه ~~} يعني إنما يعود وبال كسبه عليه والكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع ~~مضرة فكأنه تعالى يقول يا أيها الإنسان إن الذنب الذي ارتكبته إنما عادت ~~مضرته عليك فإني منزه عن الضر والنفع فأكثر من الاستغفار ولا تيأس من ~~قبول التوبة فإني لغفار لمن تاب وهذه الآية نزلت في طعمة أيضا { وكان ~~الله عليما } يعني بسارق الدرع { حكيما } يعني إذا حكم عليه بالقطع ~~وقيل معناه عليها بما في قلب عبده عند إقدامه على التوبة حكيما تقتضي ~~حكمته أن يتجاوز عن التائب ويغفر له ويقبل توبته { ومن يكسب خطيئة أو ~~إثما } قيل إن الخطيئة هي الصغيرة من الذنوب والإثم هو الكبيرة وقيل ~~الخطيئة هي الذنب المختص بفاعله والإثم الذنب المتعدي إلى الغير وقيل إن ~~الخطيئة هي سرقة الدرع والإثم هو يمينه الكاذبة { ثم يرم به بريئا } ~~يعني ثم يقذف بما جناه بريئا منه وهو نسبة السرقة إلى اليهود ولم يسرق. ~~فإن قلت الخطيئة والإثم اثنان فكيف وحد الضمير في قوله ثم يرم به. قلت ~~معناه ثم يرم بأحد هذين المذكورين بريئا وقيل معناه ثم يرم بهما فاكتفى ~~بأحدهما عن الآخر وقيل إنه يعود الضمير إلى الإثم وحده لأنه أقرب مذكور ~~وقيل إن الضمير يعود إلى الكسب ومعناه ثم يرم بما كسب بريئا { فقد احتمل ~~بهتانا } البهتان من البهت وهو الكذب الذي يتحير في عظمه { وإثما ~~مبينا } يعني ذنبا بينا لأنه بكسب الإثم آثم وبرميه البريء باهت فقد ~~جمع بين الأمرين. قوله عز وجل: { ولولا فضل الله عليك ورحمته } هذه الآية ~~متعلقة بقصة طعمة بن أبيرق وقومه حيث لبسوا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أمر صاحبهم. فقوله تعالى فلولا فضل الله عليك يعني يا محمد بالنبوة ~~ورحمته يعني بالعصمة وما أوحى إليك من الاطلاع على أسرارهم فهو خطاب ~~للنبي صلى ms0802 الله عليه وسلم { لهمت طائفة منهم } يعني من بني ظفر وهم قوم ~~طعمة { أن يضلوك } يعني عن القضاء بالحق وتوخي طريق العدل وقيل معناه ~~يخطئوك في الحكم ويلبسوا عليك الأمر حتى تدفع عن طعمة وذلك لأن قوم طعمة ~~عرفوا أنه سارق ثم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفع عنه وينزهه عن ~~السرقة ويرمي بها اليهودي { وما يضلون إلا أنفسهم } يعني أن وبال ذلك ~~يرجع عليهم بسبب تعاونهم على الإثم وبشهادتهم له أنه بريء فهم لما قدموا ~~على ذلك رجع وباله عليهم { وما يضرونك من شيء } يعني أنهم وإن سعوا في ~~إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت فيه لأنك بنيت الأمر على ظاهر الحال وما ~~خطر ببالك أن الأمر على خلاف ذلك وقيل معناه وما يضرونك من شيء في ~~المستقبل فوعده الله إدامة العصمة وإنه لا يضره أحد { وأنزل الله عليك ~~الكتاب } يعني القرآن { والحكمة } يعني القضاء بما يعني وأوجب بهما بناء ~~الحكم على الظاهر فكيف يضرونك بإلقائك في الشبهات { وعلمك ما لم تكن تعلم ~~} يعني من أحكام الشرع وأمور الدين وقيل علمك من علم الغيب ما لم تكن ~~تعلم وقيل معناه وعلمك من خفيات الأمور وأطلعك على ضمائر القلوب وعلمك من ~~أحوال المنافقين وكيدهم ما لم تكن تعلم { وكان فضل الله عليك عظيما } ~~يعني ولم يزل فضل الله عليك يا محمد عظيما فاشكره على ما أولاك من ~~إحسانه ومن عليك بنبوته وعلمك ما أنزل عليك من كتابه وحكمته وعصمك ممن ~~حاول إضلالك فإن الله هو الذي تولاك بفضله وشملك بإحسانه وكفاك غائلة من ~~أرادك بسوء ففي هذه الآية تنبيه من الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم على ما حباه من ألطافه وما شمله من فضله وإحسانه ليقوم بواجب حقه. ### || [4.114] # قوله تعالى: { لا خير في كثير من نجواهم } يعني من نجوى قوم طعمة وقيل ~~هي عامة في جميع ما يتناجى الناس به والنجوى هي الإسرار في التدبير وقيل ~~النجوى ما تفرد بتدبيره قوم سرا كان ms0803 ذلك أو جهرا وناجيته ساررته وأصله ~~أن يخلوا في نجوة من الأرض وقيل أصله من النجي والمعنى لا خير في كثير ما ~~يدبرونه ويتناجون فيه { إلا من أمر بصدقة } يعني إلا في نجوى من أمر ~~بصدقة وقيل معناه لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث ~~إلا فيما كان من أعمال الخير وقيل هو استثناء منقطع تقديره لكن من أمر ~~بصدقة وحث عليها { أو معروف } يعني أو أمر بطاعة الله وما يجيزه الشرع ~~وأعمال البر كلها معروف لأن العقول تعرفها { أو إصلاح بين الناس } يعني ~~الإصلاح بين المتباينين والمتخاصمين ليتراجعا إلى ما كانا فيه من الألفة ~~والاجتماع على ما أذن الله فيه وأمر به. عن أبي الدرداء قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة قالوا بلى يا رسول ~~الله قال إصلاح ذات البين وإن فساد ذات البين هي الحالقة " # أخرجه الترمذي وأبو داود وقال الترمذي ويروى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين " # خ عن سهل بن سعد # " أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: " اذهبوا بنا نصلح بينهم " # ق عن أم مكتوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " ليس الكذاب الذي يصلح بين اثنين أو قال بين الناس فيقول خيرا أو ينمى ~~خيرا " # زاد مسلم في رواية قالت ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا فيما ~~في ثلاث: يعني الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل زوجته وحديث المرأة ~~زوجها { ومن يفعل ذلك } يعني هذه الأشياء التي ذكرت { ابتغاء مرضاة الله ~~} يعني طلب رضاه لأن الإنسان إذا فعل ذلك خالصا لوجه الله نفعه وإن فعله ~~رياء وسمعة لم ينفعه ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: # " إنما الأعمال بالنيات " # الحديث { فسوف نؤتيه } يعني في الآخرة إذا فعل ذلك ابتغاء مرضاة الله { ~~أجرا ms0804 عظيما } لا حد له لأن الله سماه عظيما وإذا كان كذلك فلا يعلم ~~قدره إلا الله. ### || [4.115-116] # قوله عز وجل: { ومن يشاقق الرسول } نزلت في طعمة أيضا وذلك أنه لما سرق ~~وظهرت عليه السرقة خاف على نفسه القطع والفضيحة فهرب إلى مكة كافرا ~~مرتدا عن الدين فأنزل الله عز وجل فيه: { ومن يشاقق الرسول } يعني ~~يخالفه في التوحيد والإيمان وأصله من المشاقة وهي كون كل واحد منهما في ~~شق غير شق الآخر { من بعد ما تبين له الهدى } أي وضح له التوحيد والحدود ~~وظهر له صحة الإسلام وذلك لأن طعمة كان قد تبين له بما أنزل فيه وأظهر من ~~سرقته ما يدل على صحة دين الإسلام فعادى الرسول صلى الله عليه وسلم وأظهر ~~الشقاق ورجع عن الإسلام { ويتبع غير سبيل المؤمنين } يعني ويتبع غير طريق ~~المؤمنين وما هم عليه من الإيمان وتبيع عبادة الأوثان { نوله ما تولى } ~~أي نكله في الآخرة إلى ما تولى في الدنيا ونتركه وما اختار لنفسه { ونصله ~~جهنم } يعني ونلزمه جهنم وأصله من الصلي وهو لزوم النار وقت الاستدفاء { ~~وساءت مصيرا } يعني وبئس المرجع إلى النار. وري أن الشافعي سئل عن آية ~~من كتاب الله تدل على أن الإجماع حجة فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى ~~استخرج هذه الآية وهي قوله تعالى: { ويتبع غير سبيل المؤمنين } وذلك لأن ~~اتباع غير سبيل المؤمنين وهي مفارقة الجماعة حرام فوجب أن يكون اتباع ~~سبيل المؤمنين ولزوم جماعتهم واجبا وذلك لأن الله تعالى ألحق الوعيد بمن ~~يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين فثبت بهذا أن إجماع الأمة حجة. ~~قوله عز وجل: { إن الله لا يغفر أن يشرك به } نزلت في طعمة بن أبيرق ~~لكونه مات مشركا وقال ابن عباس نزلت هذه الآية في شيخ من الأعراب جاء ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إني شيخ منهمك في ~~الذنوب غير أني لم أشرك بالله منذ عرفته وآمنت به ولم أتخذ مند دونه ~~وليا ولم أواقع المعاصي جراءة ms0805 على الله عز وجل وما توهمت طرفة عين أني ~~أعجز الله هربا وإني لنادم تائب مستغفر فما حالي عندا الله فأنزل الله ~~هذه الآية: { إن الله لا يغفر أن يشرك به } فهذا نص صريح بأن الشرك غير ~~مغفور إذا مات صاحبه عليه لأنه قد ثبت ان المشرك إذا تاب من شركه وآمن ~~قبلت توبته وصح إيمانه وغفرت ذنوبه كلها التي عملها في حال الشرك { ويغفر ~~ما دون ذلك } يعني ما دون الشرك { لمن يشاء } يعني لمن يشاء من أهل ~~التوحيد قال العلماء لما أخبر الله أنه يغفر الشرك بالإيمان والتوبة ~~علمنا أنه يغفر ما دون الشرك بالتوبة وهذه المشيئة فيمن لم يتب من ذنوبة ~~من أهل التوحيد فإذا مات صاحبه الكبيرة أو الصغيرة من غير توبة فهو على ~~خطر المشيئة إن شاء غفر له وأدخله الجنة بفضله ورحمته وإن شاء عذبه ثم ~~يدخله الجنة بعد ذلك { ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا } يعني فقد ~~ذهب عن طريق الهدى وحرم الخير كله إذا مات على شركه فإن قلت لم كررت هذه ~~الآية بلفظ واحد في موضعين من هذه السورة وما فأئدة ذلك. # قلت فائدة ذلك التأكيد أو لأن الآية المتقدمة نزلت في سبب. ونزلت هذه ~~الآية في سبب آخر وهو أن الآية المتقدمة نزلت في سبب سرقة طعمة بن أبيرق ~~ونزلت هذه الآية في سبب ارتداده وموته على الشرك. ### || [4.117-119] # قوله عز وجل: { إن يدعون من دونه إلا إناثا } نزلت في أهل مكة يعني ما ~~يعبدون من دون الله إلا إناثا لأن كل من عبد شيئا فقد دعاه لحاجته وفي ~~قوله إناثا أقوال أحدها إنهم كانوا يسمون أصنامهم بأسماء الإناث فيقولون ~~اللات والعزى ومناة قال الحسن كانوا يقولون لصنم كل قبيلة أنثى بني فلان ~~والقول الثاني إناثا يعني أمواتا. قال الحسن: كل شيء لا روح فيه كالحجر ~~والخشبة هو إناث قال الزجاج والموات كلها يخبر عنها كما يخبر من المؤنث ~~تقول هذه الحجر تعجبني وهذه الدراهم تنفعني. ولأن الأنثى أنزل ms0806 درجة من ~~الذكر والميت أنزل درجة من الحي كما أن الموت أنزل من الحيوان وقد يطلق ~~اسم الأنثى على الجمادات والقول الثالث إن بعضهم كان يعبد الملائكة ويقول ~~هن بنات الله { وإن يدعون } أي وما يعبدوا { إلا شيطانا مريدا } قال ~~ابن عباس: لكل صنم شيطان يدخل في جوفه ويتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم ~~فلذلك قال الله تعالى: { وإن يدعون إلا شيطانا مريدا } وقيل هو إبليس ~~لأنه أغواهم وأغراهم على عبادتها وأطاعوه فجعلت طاعتهم له عبادة والمريد ~~والمارد هو المتمرد العاتي الخارج عن الطاعة { لعنه الله } أي أبعده الله ~~وطرده عن رحمته { وقال } يعني إبليس { لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } ~~يعني حظا مقدرا معلوما فكل ما أطيع فيه إبليس فهو نصيبه ومفروضه وأصل ~~الفرض القطع وهذا النصيب هم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه { ~~ولأضلنهم } عن طريق الحق والمراد به التزيين والوسوسة وإلا فليس إليه من ~~الإضلال شيء. قال بعضهم لو كانت الضلالة إلى إبليس لأضل جميع الخلق { ~~ولأمنينهم } قال ابن عباس يريد تسويف التوبة وتأخيرها وقال الكلبي أمنيهم ~~أنه لا جنة ولا نار ولا بعث وقيل أمنيهم إدراك الجنة مع عمل المعاصي وقيل ~~أزين لهم ركوب الأهواء والأهوال الداعية إلى العصيان وقيل أمنيهم طول ~~البقاء في الدنيا ونعيمها ليؤثروها على الآخرة { ولآمرنهم فليبتكن آذان ~~الأنعام } يعني يقطعونها ويشقونها وهي البحيرة. وذلك أنهم كانوا يشقون ~~آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا وحرموا على أنفسهم ~~الانتفاع بها ولا يردونها عن ماء ولا مرعى وسول لهم إبليس إن هذا قربة { ~~ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } قال ابن عباس يعني دين وتغيير دين الله هو ~~تحليل الحرام وتحريم الحلال وقيل تغيير خلق الله هو تغيير الفطرة التي ~~فطر الخلق عليها ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " # وقيل يحتمل أن يحمل هذا التغيير على تغيير أحوال تتعلق بظاهر الخلق مثل ~~الوشم ووصل الشعر ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: # " لعن الله الواشمات ms0807 والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات ~~خلق الله " # أخرجاه من رواية ابن مسعود ولهما عن أسماء قالت: " لعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم الواصلة والمستوصلة " وقيل تغيير خلق الله هو الاختصاء وقطع ~~الآذان حتى إن بعض العلماء حرمه. وكره أنس إخصاء الغنم وجوز بعض العلماء ~~لأن فيه غرضا ظاهرا ق عن سعد بن أبي وقاص قال لولا أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رد على عثمان بن مظعون التبتل لاختصينا. التبتل: هو ترك ~~النكاح والانقطاع للعبادة عن نافع قال كان ابن عمر يكره الاختصاء ويقول ~~إن فيه نماء الخلق أخرجه مالك في الموطأ ومعناه في ترك الاختصاء نماء ~~الخلق يعني زيادتهم. وقال ابن زيد هو التخنث وهو أن يتشبه الرجل بالنساء ~~في حركاتهن وكلامهن ولباسهن ونحو ذلك. وقيل تغيير خلق الله هو أن الله ~~تعالى خلق البهائم والأنعمام للركوب والأكل فحرموها على أنفسهم وخلق ~~الشمس والقمر والنجوم والنار والأحجار لمنفعة الناس فعبدوها من الله { ~~ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله } يعني يتخذه ربا يطيعه فيما يأمره ~~به وقيل الولي من الموالاة وهو الناصر { فقد خسر خسرانا مبينا } لأن ~~طاعة الشيطان توصله إلى نار جهنم وهي غاية الخسران، بقي في الآية سؤالان: ~~الأول قال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا والنصيب المفروض هو الشيء ~~المقدر القليل وقال في موضع آخر لأحتنكن ذريته إلا قليلا وقال: ~~لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين. وهذا استثناء القليل من ~~الكثير فكيف وجه الجمع فالجواب أن الكفار الذين هم حزب الشيطان وإن كانوا ~~أكثر من المسلمين في العدد لكنهم أقل من المؤمنين في الفضل والشرف وعلو ~~الدرجة عند الله والمؤمنون وإن كانوا أقل من الكفار لكنهم أكثر منهم لأن ~~الفضل والشرف والسؤدد والغلبة في الدنيا وعلو الدرجة في الآخرة وأنشد ~~بعضهم في هذا المعنى قال: # وهم الأقل إذا تعد عشيرة والأكثرون إذا يعد السؤدد # وقيل إن إبليس لما لم ينل من آدم ما أراد ورأى الجنة والنار وعلم أن ~~لهذه أهلا ولهذه أهلا قال: لأتخذن من ms0808 عبادك نصيبا مفروضا يعني الذين ~~هم أهل النار. السؤال الثاني: من أين لإبليس العلم بالعواقب حتى يقول ~~ولأضلنهم ولأغوينهم ولأمنينهم ولآمرنهم، وقال في الأعراف # ولا تجد أكثرهم شاكرين # [الأعراف: 17] وقال في بني إسرائيل # لأحتنكن ذريته إلا قليلا # [الإسراء: 62] فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن إبليس ظن أن تقع منهم ~~هذه الأمور التي يريدها منهم فحصل له ما ظنه ويدل على ذلك قوله تعالى: # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه # [سبأ: 20]. الوجه الثاني: قال ابن الأنباري المعنى لأجتهدن ولأحرصن في ~~ذلك أنه كان يعلم الغيب. الوجه الثالث: قال الماوردي من الجائز أن يكون ~~قد علم ذلك من الملائكة بخبر من الله تعالى أن أكثر الخلائق لا يؤمنون. ### || [4.120-123] # قوله تعالى: { يعدهم ويمنيهم } يعني الشيطان يعد حزبه وأولياءه ويمنيهم ~~فوعده وتمنيته إياهم ما يوقع في قلب الإنسان من طول العمر ونيل ما أراد ~~من الدنيا ومن نعيمها ولذاتها وكل ذلك غرور فيجب على العاقل أن لا يلتفت ~~إلى شيء منها فربما لم يطل عمره ولم يحصل له ما أراد منها ولئن طال عمره ~~وحصل مقصوده فالموت وراءه ينغص عليه ما هو فيه وقيل يعدهم ويمنيهم بأن لا ~~جنة ولا نار ولا بعث فاجتهدوا في تحصيل اللذات الدنيوية { وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا } يعني باطلا وضلالا { أولئك } يعني الذين اتخذوا ~~الشيطان وليا { مأواهم جهنم } يعني مرجعهم ومستقرهم جهنم { ولا يجدون ~~عنها } يعني عن جهنم { محيصا } يعني مفرا ومعدلا يعني لا يعدلون عنها ~~إلى غيرها ولا بد لهم من ورودها والخلد فيها ولما ذكر وعيد الكفار أتبعه ~~بوعد المؤمنين فقال تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار } يعني من تحت المساكن والغرف { خالدين فيها } ~~يعني في الجنات { أبدا } بلا انتهاء ولا غاية والأبد عبارة عن مدة ~~الزمان الممتد الذي لا انقطاع له ولا يتجزأ كما يتجزأ غيره من الأزمنة ~~لأنه لا يقال أبد كذا كما يقال زمن كذا وفي قوله: { خالدين فيها أبدا } ~~دليل على أن الخلود لا يفيد التأبيد ms0809 والدوام لأنه لو أفاد ذلك لزم ~~التكرار وهو خلاف الأصل فعلم من ذلك أن الخلود عبارة عن طول الزمان لا ~~على الدوام فلما أتبع الخلود بالأبد علم أنه يراد به الدوام الذي لا ~~ينقطع. وقوله عز وجل: { وعد الله حقا } يعني وعد الله ذلك الذي ذكر وعدا ~~حقا { ومن أصدق من الله قيلا } يعني ليس أحد أصدق من الله وهو توكيد ~~بليغ لقوله: { وعد الله حقا } قوله تعالى: { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب } قولان: أحدهما أنه خطاب للمسلمين وأهل الكتاب اليهود والنصارى ~~وذلك أنهم افتخروا فقال أهل الكتاب نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ~~فنحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي ~~على الكتب وقد آمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا فنحن أولى بالله منكم. ~~والقول الثاني أنه خطاب لمشركي مكة في قولهم لانبعث ولا نحاسب وخطاب لأهل ~~الكتاب في قولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودة. والمعنى ليس الأمر ~~بالأماني إنما الأمر بالعمل الصالح { من يعمل سوءا يجز به } قال الضحاك ~~يقول: ليس لكم ما تمنيتم وليس لأهل الكتاب ما تمنوا ولكن من عمل سوءا ~~يعني شركا فمات عليه يجز به النار. وقال الحسن هذا في حق الكفار خاصة ~~لأنهم يجازون بالعقاب على الصغير والكبير ولا يجزى المؤمن بسيئ عمله يوم ~~القيامة ولكن يجزى بأحسن عمله ويتجاوز عن سيئاته ويدل على صحة هذا القول ~~سياق الآية وهو قوله: { ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا } وهذا ~~هو الكافر، فأما المؤمن فله ولي ونصير. # وقال آخرون هذه الآية في حق كل من عمل سوءا من مسلم ونصراني وكافر. قال ~~ابن عباس هي عامة في حق كل من عمل سوءا يجز به إلا أن يتوب قبل أن يموت ~~فيتوب الله عليه. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه # " لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين مشقة شديدة وقالوا يا رسول الله ~~وأينا من لم يعمل سوءا غيرك فكيف الجزاء؟ قال " منه ما يكون في الدنيا ms0810 ~~فمن يعمل حسنة فله عشر حسنات ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشر حسناته ~~وبقيت له تسع حسنات فويل لمن غلبت آحاده أعشاره. وأما من كان جزاؤه في ~~الآخرة فيقابل بين حسناته وسيئاته فيلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر في ~~الفضل فيعطى الجزاء في الجنة فيؤتى كل ذي فضل فضله " # ويدل على صحة هذا القول ما روي عن أبي هريرة قال لما نزلت # من يعمل سوءا يجز به # [النساء: 123] بلغت من المسلمين مبلغا شديدا قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها ~~والشوكة يشاكها " # أخرجه مسلم و # " عن أبي بكر الصديق قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: { ~~من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا } فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت علي قلت ~~بلى يا رسول الله قال فأقرأنيها فلا أعلم إلا أني وجدت انقساما في ظهري ~~فتمطيت لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأنك يا أبا بكر؟ قلت ~~يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءا وإنا لمجزيون بأعمالنا " ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون ~~فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس عليكم ذنوب. وأما الآخرون ~~فيجتمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب وفي إسناده مقال وقد روي هذا الحديث من ~~غير وجه عن أبي بكر وليس له إسناد صحيح وقوله: { ولا يجد له من دون الله ~~وليا ولا نصيرا } قال ابن عباس: يريد وليا يمنعه ولا نصيرا ينصره فإن ~~قلنا إن هذه الآية خاصة في حق الكفار فتأويلها ظاهر وإن قلنا إنها في حق ~~كل عامل سوء من مسلم وكافر فإنه لا ولي لأحد من دون الله يوم القيامة ولا ~~ناصر. فالمؤمنون لا ولي لهم غير الله وشفاعة الشافعين تكون ms0811 بإذن الله ~~فليس يمنع أحد أحدا عن الله. ### || [4.124] # وقوله تعالى: { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } قال ~~مسروق لما نزلت من يعمل سوءا يجز به قال أهل الكتاب نحن وأنتم سواء ~~فنزلت هذه الآية قال المفسرون بين الله تعالى بهذه الآية فضيلة المؤمنين ~~على غيرهم ولفظة من في قوله من الصالحات للتبعيض، لأن أحدا لا يقدر أن ~~يستوعب جميع الصالحات بالعمل فإذا عمل بعضها استحق الثواب { فأولئك ~~يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا } النقير نقرة في ظهر النواة ومنها تنبت ~~النخلة قال ابن عباس يريد لا ينقصون قدر نقرة النواة وهذا على سبيل ~~المبالغة في نفي الظلم ووعد بتوفية جزاء أعمالهم من غير نقصان. ### || [4.125] # قوله عز وجل: { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن } لما بين ~~الله تعالى أن الجنة لمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن شرح الإيمان وبين ~~فضله فقال تعالى: { ومن أحسن دينا } يعني ومن أحكم دينا والدين هو ~~المشتمل على كمال العبودية والخضوع والانقياد لله عز وجل وهو الذي كان ~~عليه إبراهيم صلى الله عليه وسلم. واعلم أن دين الإسلام مبني على أمرين: ~~أحدهما الاعتقاد وإليه الإشارة بقوله: { أسلم وجهه لله } يعني انقاد لله ~~وخضع له في سره وعلانيته وقيل معناه أخلص طاعته لله وقيل فوض أمره إلى ~~الله. الأمر الثاني من مباني الإسلام العمل وإليه الإشارة بقوله: { وهو ~~محسن } يعني في عمله لله فيدخل فيه فعل الحسنات والمفروضات والطاعات وترك ~~السيئات وقال ابن عباس في تفسير قوله: { وهو محسن } يريد وهو موحد لله عز ~~وجل لا يشرك به شيئا قال العلماء وإنما صار دين الإسلام أحسن الأديان ~~لأنه فيه طاعة الله ورضاه وهما أحسن الأعمال. وإنما خص الوجه بالذكر في ~~قوله: { أسلم وجهه لله } لأنه أشرف الأعضاء فإذا انقاد الوجه لله وخضع له ~~فقد انقاد لله جميع الأعضاء لأنها تابعة له { واتبع ملة إبراهيم } يعني ~~دين إبراهيم عليه السلام { حنيفا } يعني مسلما مخلصا والحنيف المائل ~~ومعناه المائل عن الأديان ms0812 كلها إلى الإسلام لأن كل ما سواه من الأديان ~~باطل وحنيفا يجوز أن يكون حالا لإبراهيم ويجوز أن يكون حالا للمتبع ~~كما تقول رأيته راكبا. قال ابن عباس ومن دين إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام إلى الكعبة والطواف ومناسك الحج والختان هو نحو ذلك. فإن قلت ~~ظاهر هذه الآية يقتضي أن شرع محمد صلى الله عليه وسلم هو نفس شرع إبراهيم ~~عليه السلام وعلى هذا لم يكن لمحمد صلى الله عليه وسلم شرع يستقل به وليس ~~الأمر كذلك فما الجواب؟ قلت إن شرع إبراهيم وملته داخلان في شرع محمد صلى ~~الله عليه وسلم وملته مع زيادات كثيرة حسنة خص الله بها محمدا صلى الله ~~عليه وسلم فمن اتبع ملة محمد صلى الله عليه وسلم فقد اتبع ملة إبراهيم ~~لأنها داخلة في ملة محمد صلى الله عليه وسلم وشرع إبراهيم داخل في شرع ~~محمد صلى الله عليه وسلم وإنما قال تعالى: { واتبع ملة إبراهيم } لأن ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان يدعو إلى توحيد الله وعبادته ولهذا خصه ~~بالذكر لأنه كان مقبولا عند جميع الأمم فإن العرب كانوا يفتخرون ~~بالانتساب إليه وكذا اليهود والنصارى. فإذا ثبت هذا وأن شرعه كان مقبولا ~~عند الأمم وأن شرع محمد صلى الله عليه وسلم وملته هو شرع إبراهيم وملته ~~لزم الخلق الدخول في دين محمد صلى الله عليه وسلم وقبول شرعه وملته. # وقوله تعالى: { واتخذ الله إبراهيم خليلا } يعني صفيا والخلة صفاء ~~المودة وقيل الخلة الافتقار والانقطاع فخليل الله المنقطع إليه وسمي ~~إبراهيم خليلا لأنه انقطع إلى الله في كل حال. وقيل الخلة الاختصاص ~~والاصطفاء وسمي إبراهيم خليلا لأنه والى في الله وعادى في الله وقيل ~~لأنه تخلق بأخلاق حسنة وخلال كريمة وقيل الخليل المحب الذي ليس في ~~محبته خلل وسمي إبراهيم خليل الله لأنه أحبه محبة كاملة ليس فيها نقص ولا ~~خلل وأنشد في معنى الخلة التي هي بمعنى المحبة: # قد تخللت مسلك الروح مني وبه سمي الخليل خليلا # وقيل الخليل من الخلة بفتح الخاء ms0813 وهي الحاجة سميت خلة للاختلال الذي ~~يلحق الإنسان فيها وسمي إبراهيم خليلا لأنه جعل فقره وفاقته وحاجته إلى ~~الله تعالى. وخلة الله للعبد هي تمكينه من طاعته وعصمته وتوفيقه وستر ~~خلله ونصره والثناء عليه فقد أثنى الله عز وجل على إبراهيم عليه السلام ~~وجعله إماما للناس يقتدى به. واختلفوا في السبب الذي من أجله اتخذ الله ~~إبراهيم خليلا فقال ابن عباس كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم أبا ~~الضيفان وكان منزله على ظهر الطريق يضيف من مر به من الناس فأصاب الناس ~~شدة قحط فقصد الناس باب إبراهيم يطلبون منه الطعام، وكانت الميرة تأتيه ~~من صديق له بمصر فبعث إبراهيم غلمانه إلى خليله الذي بمصر فقال خليله ~~لغلمان إبراهيم لو كان إبراهيم يريد إنماء الطعام لنفسه احتملنا ذلك له ~~وقد دخل علينا مثل ما دخل على الناس من الشدة فرجع غلمان إبراهيم بغير ~~طعام فمروا ببطحاء من الرمل سهلة فقالوا لو حملنا من هذه البطحاء ليرى ~~الناس أنا قد جئنا بالميرة فإنا نستحي أن نمر بهم وإبلنا فارغة فملؤوا من ~~ذلك الرمل الغرائر التي معهم ثم أتوا إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم ~~فأعلموه وسارة نائمة فاهتم لذلك ولمكان الناس ببابه فغلبته عيناه فنام ~~واستيقظت سارة وقد ارتفع النهار فقالت سبحان الله ما جاء الغلمان قالوا ~~بلى قالت فجاؤوا بشيء قالوا نعم فقامت إلى الغرائر ففتحتها فإذا هي ملأى ~~بأجود دقيق يكون حواري فأمرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس فاستيقظ ~~إبراهيم فوجد ريح الطعام فقال يا سارة من أين لكم هذا؟ فقالت من عند ~~خليلك المصري فقال هذا من عند خليلي الله قال فيومئذ اتخذه الله خليلا ~~وقيل لما أراه الله ملكوت السموات والأرض وحاج قومه في الله ودعاهم إلى ~~توحيده ومنعهم من عبادة النجوم والشمس والقمر والأوثان وبذل نفسه للإلقاء ~~في النيران وبذل ولده للقربان وماله للضيفان اتخذه الله خليلا وجعله ~~إماما للناس يقتدى به وجعل النبوة فيه وفي ذريته وقيل إن إبراهيم عليه ~~السلام لما كسر الأصنام وعادى قومه ms0814 في الله عز وجل اتخذه الله خليلا ~~وقيل لما دخل عليه الملائكة فظنهم ضيفا فقرب إليهم عجلا مشويا وقال ~~كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره فقال جبريل أنت خليل ~~الله فمن يومئذ سمي إبراهيم خليل الله م عن أنس قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا خير البرية فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذلك إبراهيم خليل الله ". # فصل وقد اتخذ الله محمدا خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا فقد ثبت في ~~الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا " # وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكنه أخي وصاحبي وقد ~~اتخذ الله صاحبكم خليلا " # أخرجه مسلم فقد ثبت بهذين الحديثين الخلة للنبي صلى الله عليه وسلم وزاد ~~على إبراهيم عليه السلام بالمحبة فمحمد صلى الله عليه وسلم خليل الله ~~وحبيبه فقد جاء في حديث عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ألا وأنا حبيب الله ولا فخر " # أخرجه الترمذي بأطول منه. ### || [4.126-127] # قوله تعالى: { ولله ما في السموات وما في الأرض } قال أهل المعاني: لما ~~دعا الله الخلق إلى طاعته وعبادته والانقياد لأمره بين سعة ملكه ليرغب ~~الخلق إليه بالطاعة له. وإنما قال ما في السموات وما في الأرض ولم يقل من ~~لأنه ذهب به مذهب الجنس والذي يعقل إذا ذكر وأريد به الجنس ذكر بلفظة ما ~~{ وكان الله بكل شيء محيطا } يعني عالما علم إحاطة وهو العلم بالشيء من ~~كل وجه حتى لا يشذ عنه نوع إلا علمه وقيل يجوز أن يكون معناه محيطا ~~بالقدرة عليه. قوله عز وجل: { ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن } ~~الآية. قال ابن عباس: نزلت في بنات أم كحة وقد تقدمت قصتهن في أول السورة ~~وقالت عائشة هي اليتيمة تكون في حجر الرجل وهو وليها ms0815 فيرغب في نكاحها إذا ~~كانت ذات جمال ومال بأقل من سنة صداقها وإذا كانت غير مرغوب فيها لقلة ~~الجمال والمال تركها، وفي رواية قالت هي اليتيمة تكون في حجر الرجل وقد ~~شركته في ماله فيرغب عنها فلا يتزوجها لدمامتها ويكره أن يزوجها غيره ~~فيدخل عليه ويشركه في ماله فحبسها حتى تموت فنهاهم الله عن ذلك وأنزل هذه ~~الآية فقال ويستفتونك يعني ويستخبرونك يا محمد في شأن النساء وحالهن ~~والاستفتاء طلب الفتوى وهو إظهار ما أشكل من الأحكام الشرعية وكشفه ~~وتبيينه قال المفسرون والذي استفتوه فيه هو ميراث النساء وذلك أنهم كانوا ~~لا يورثون النساء ولا الصغار من الأولاد فلما نزلت آية الميراث قالوا: يا ~~رسول الله كيف ترث المرأة والصغير؟ فأجابهم بهذه الآية: { قل الله يفتيكم ~~فيهن } يعني قل يا محمد الله يفتيكم في شأن النساء وحالهن { وما يتلى ~~عليكم في الكتاب } يعني يفتيك فيما يتلى عليكم والمعنى أن الله يفتيكم في ~~النساء بما أنزل في كتابه عليكم وقيل المراد بالكتاب اللوح المحفوظ ~~والغرض منه تعظيم حال هذه الآية التي تتلى عليكم وأنها في اللوح المحفوظ ~~وأن العدل والإنصاف في حقوق اليتامى من أعظم الأمور عند الله تعالى التي ~~تجب مراعاتها وأن المخل بها ظالم { في يتامى النساء } قيل معناه في ~~النساء اليتامى وقيل في اليتامى أولاد النساء، لأن الآية نزلت في يتامى ~~أم كحة { اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن } يعني ما فرض لهن من الميراث ~~وهذا على قول من يقول إن الآية نازلة في ميراث اليتامى والصغار وعلى ~~القول الآخر معناه ما كتب لهن من الصداق { وترغبون أن تنكحوهن } يعني ~~وترغبون في نكاحهن لمالهن وجمالهن بأقل من صداقهن وقيل معناه وترغبون عن ~~نكاحهن لقبحهن ودمامتهن وتمسكوهن رغبة في أموالهن ق عن عائشة قالت هذه ~~اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن ينقص صداقها ~~فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق وأمروا بنكاح من ~~سواهن قالت عائشة رضي الله عنها فاستفتى الناس ms0816 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد ذلك فأنزل الله عز وجل: { يستفتونك في النساء } إلى قوله: { ~~وترغبون أن تنكحوهن } فبين لهم أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا ~~في نكاحها ولم يحلقوها بسنتها في إكمال الصداق وإذا كانت مرغوبة عنها في ~~قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها قال فكما يتركونها حين يرغبون ~~عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها ~~الأوفى من الصداق. # وقوله تعالى: { والمستضعفين من الولدان } يعني ويفتيكم في المستضعفين من ~~الولدان وهم الصغار أن تعطوهم حقوقهم لأن العرب في الجاهلية كانوا لا ~~يورثون الصغار أيضا فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم أن يعطوهم حقهم من ~~الميراث { وأن تقوموا لليتامى بالقسط } يعني بالعدل في مهورهن ومواريثهن ~~{ وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما } يعني فيجازيكم عليه. ### || [4.128] # قوله تعالى: { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا } ق عن عائشة ~~في قوله تعالى: { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا } قالت نزلت ~~في المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها فيريد طلاقها ويتزوج غيرها ~~فنقول له امسكني لا تطلقني ثم تزوج غيري وأنت في حل من النفقة علي ~~والقسمة لي قالت فذلك قوله تعالى: { فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما ~~صلحا والصلح خير } وقيل نزلت في عمرة بنت محمد بن مسلمة ويقال اسمها ~~خولة وفي زوجها سعد بن الربيع ويقال له رافع بن خديج تزوجها وهي شابة ~~فلما كبرت تزوج عليها امرأة أخرى شابة وآثرها عليها وجفا الأولى فأتت ~~ابنة محمد بن مسلمة تشكو زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ~~هذه الآية. وقيل كان رجل له امرأة قد كبرت وله منها أولاد فأراد أن ~~يطلقها ويتزوج غيرها فقالت لا تطلقني ودعني أقوم على أولادي واقسم لي كل ~~شهرين إن شئت وإن شئت فلا تقسم لي فقال إن كان يصلح ذلك فهو أحب إلي ~~فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فأنزل الله ms0817 هذه الآية: { ~~وإن امرأة خافت } يعني علمت وقيل ظنت وقيل بل المراد نفس الخوف لأن الخوف ~~لا يحصل إلا عند ظهور الأمارات الدالة على وقوعه من بعلها يعني من زوجها. ~~والبعل هو السيد وسمي الزوج بعلا لأنه سيد المرأة. نشوزا يعني بغضا ~~وقيل هو ترك مضاجعتها وأصله من النشز وهو المرتفع من الأرض والنشوز قد ~~يكون من الزوجين وهو أن يكره كل واحد منهما صاحبه فنشوز الزوج هو أن يعرض ~~عن المرأة. وهو قوله تعالى: { أو إعراضا } يعني بوجهه عنها أو يعبس في ~~وجهها أو يترك مضاجعتها أو يسيء عشرتها أو يشتغل بغيرها وقيل المراد من ~~النشوز إظهار الخشونة في القول والفعل والمراد من الإعراض السكوت عن ~~الخير والشر والإيذاء بل يعرض عنها بوجهه أو يشتغل بغيرها { فلا جناح ~~عليهما } يعني فلا حرج ولا إثم على الزوج والمرأة { أن يصلحا } من ~~المصالحة، وقرئ أن يصلحا بضم الياء وكسر اللام من الإصلاح { بينهما صلحا ~~} يعني في القسمة والنفقة وهو أن يقول الزوج للمرأة: إنك قد كبرت ودخلت ~~في السن، وأنا أريد أن أتزوج امرأة جميلة شابة أوثرها عليك في القسمة ~~ليلا ونهارا فإن رضيت فأقيمي وإن كرهت ذلك فارقتك وخليت سبيلك فإن رضيت ~~بذلك كانت هي المحسنة ولا تجبر على ذلك وإن لم ترض بدون حقها كان على ~~الزوج أن يوفيها حقها من القسم والنفقة أو يسرحها بإحسان وإن أمسكها ~~ووفاها حقها مع الكراهة لها كان هو المحسن قال ابن عباس: فإن صالحته على ~~بعض حقها من القسمة والنفقة جاز وإن أنكرت ذلك بعد الصلح كان ذلك لها ~~ولها حقها { والصلح خير } يعني إقامتها بعد تخييره إياها والمصالحة على ~~ترك بعض حقها من القسم والنفقة خير من الفرقة عن ابن عباس قال: " خشيت ~~سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لا تطلقني وأمسكني ~~واجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت { فلا جناح عليهما أن يصالحها بينهما ~~صلحا والصلح خير } فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز " أخرجه الترمذي ~~وقال حديث ms0818 حسن غريب، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة ~~يومين يومها ويوم سودة { وأحرضت الأنفس الشح } الشح أقبح البخل، وحقيقته ~~الحرص على من الخير، وإنما قال: وأحضرت الأنفس الشح لأنه كالأمر اللازم ~~للنفوس لأنه مطبوعة عليه، ومعنى الآية أن كل واحد من الزوجين يشح بنصيبه ~~من الآخر فالمرأة تشح على مكانها من زوجها والرجل يشح عليها بنفسه إذا ~~كان غيرها أحب إليه منها { وإن تحسنوا وتتقوا } هذا خطاب للأزواج يعني ~~وإن تحسنوا أيها الأزواج الصحبة والعشرة وتتقوا الله في حق المرأة فإنها ~~أمانة عندكم وقيل معناه وإن تحسنوا بالإقامة معها على الكراهة وتتقوا ~~ظلمها والجور عليها. # { فإن الله كان بما تعملون خبيرا } يعني فيجازيكم بأعمالكم. ### || [4.129-130] # قوله عز وجل: { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } يعني ولن تقدروا أن ~~تسووا بين النساء في الحب وميل القلب لأن ذلك مما لا تقدرون عليه وليس من ~~كسبكم { ولو حرصتم } يعني على العدل والتسوية بينهن وقيل معناه ولو حرصتم ~~على ذلك { فلا تميلوا كل الميل } يعني إلى التي تحبونها في القسم والنفقة ~~والمعنى أنكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج ~~عن قدرتكم ووسعكم ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك الميل في القول والفعل عن ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط " # أخرجه الترمذي وعند أبي داود # " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل " # وعن عائشة قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيقول # " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك يعني القلب " # أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وقوله تعالى: { فتذروها كالمعلقة } ~~يعني فتدعوا الأخرى التي لا تميلون إليها كالمعلقة لا أيما ولا ذات بعل ~~كالشيء المعلق لا هو في السماء ولا على الأرض. وقيل معناه فتذروها ~~كالمسجونة لا هي مخلصة فتتزوج ولا هي ذات بعل فيحسن إليها { وإن تصلحوا } ~~يعني بالعدل ms0819 في القسم { وتتقوا } يعني الجور في القسم { فإن الله كان ~~غفورا } يعني لما حصل من الميل إلى بعضهن دون بعض { رحيما } يعني بكم ~~حيث لم يكلفكم ما لا تقدرون عليه { وإن يتفرقا } يعني إن لم يصطلحا ~~وأرادا الفرقة { يغن الله كلا من سعته } يعني من فضله ورزقه والمعنى ~~يغني الزوج بامرأة أخرى والمرأة بزوج آخر. وقيل معناه يعوض الزوج بما يحب ~~والمرأة بما تحب ويوسع عليهما وفي هذا تسلية لكل واحد من الزوجين بعد ~~الطلاق { وكان الله واسعا } يعني واسع الفضل والرحمة وقيل واسع القدرة ~~والعلم والرزق وقيل هو الغني الذي وسع جميع مخلوقاته غناه { حكيما } ~~يعني فيما أمر به ونهى عنه. فصل فيما يتعلق بحكم الآية وجملته أن الرجل ~~إذا كان تحته امرأتان أو أكثر يجب عليه التسوية بينهن في القسم فإن ترك ~~التسوية بينهن في فعل القسم عصى الله عز وجل في ذلك وعليه القضاء ~~للمظلومة والتسوية شرك في البيتوتة أما في الجماع فلا لأن ذلك يدور ~~النشاط وميل القلب وليس ذلك إليه ولو كان في نكاحه حرة وأمة قسم للحرة ~~ليلتين وللأمة ليلة واحدة. وإذا تزوج جديدة على قديمات كن عنده فإنه يخص ~~الجديدة بأن يبيت عندها سبع ليال إن كانت الجديدة بكرا وإن كانت ثيبا ~~خصها بثلاث ليال ثم إنه يستأنف القسم ويسوي بينهن ولا يجب عليه قضاء عوض ~~هذه الليالي للقديمات ويدل على ذلك ما روى أبو قلابة عن أنس قال: " من ~~السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا وقسم وإذا تزوج الثيب ~~أقام عندها ثلاثا وقسم " قال أبو قلابة ولو شئت لقلت إن أنسا رفعه إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخرجاه في الصحيحين. # وإذا سافر الرجل إلى سفر حاجة جاز له أن يحمل معه بعض نسائه بشرط أن ~~يقرع بينهن ولا يجب عليه أن يقضي للباقيات عوض مدة سفره وإن طالت إذا لم ~~يزد مقامه في البلد على مدة المسافرين ويدل على ذلك ما روي عن عائشة ~~قالت: " كان رسول الله ms0820 صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ~~فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ". أخرجه البخاري مع زيادة فيه. وإذا أراد ~~الرجل سفر نقلة وجب عليه أخذ نسائه معه. ### || [4.131-133] # قوله تعالى: { ولله ما في السموات وما في الأرض } يعني عبيدا وملكا ~~قال أهل المعاني لما ذكر الله تعالى أنه يغني من سعته وفضله أشار إلى ما ~~يوجب الرغبة إليه في طلب الخير منه لأن من ملك السموات والأرض لا تفنى ~~خزائنه { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } يعني من اليهود ~~والنصارى وأصحاب الكتب القديمة { وإياكم } يعني ووصيناكم يا أهل القرآن ~~في كتابكم { أن اتقوا الله } أي بأن تتقوا الله وهو أن توحدوه وتطيعوه ~~وتحذروه ولا تخالفوا أمره والمعنى أن الأمر بتقوى الله شريعة قديمة أوصى ~~الله بها جميع الأمم السالفة في كتبهم { وإن تكفروا } يعني وإن تجحدوا ما ~~أوصاكم به { فإن لله ما في السموات وما في الأرض } يعني فإن لله ملائكة ~~في السموات والأرض هم أطوع له منكم. وقيل معناه أن الله خالق السموات ~~والأرض وما فيه ومالكهن، والمنعم عليهم بأصناف النعم ومن كان كذلك فحق ~~لكل أحد أن يتقيه ويرجوه { وكان الله غنيا } يعني عن جميع خلقه غير ~~محتاج إليهم ولا إلى طاعتهم { حميدا } يعني محمودا على نعمه عليهم { ~~ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا } قال ابن عباس يعني ~~شهيدا على أن له فيهن عبيدا وقيل معناه وكفى بالله دافعا ومجيرا. فإن ~~قلت ما الفائدة في تكرير قوله تعالى: { ولله ما في السموات وما في الأرض ~~} قلت الفائدة في ذلك أن لكل آية معنى تخص به، أما الآية الأولى فمعناها ~~فإن لله ما في السموات وما في الأرض وهو يوصيكم بتقوى الله فاقبلوا وصيته ~~وقيل لما قال تعالى: # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته # [النساء: 130] بين أن له ما في السموات وما في الأرض وأنه قادر على ~~إغناء جميع الخلائق وهو المستغني عنهم. وأما الآية الثانية فإنه تعالى ~~قال: ms0821 # وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض # [النساء: 131] والمراد أنه تعالى منزه عن طاعات الطائعين وعن ذنوب ~~المذنبين وأنه لا يزداد جلاله بالطاعات ولا ينقص بالمعاصي. وقيل لما بين ~~أن له ما في السموات وما في الأرض وقال بعد ذلك: { وكان الله غنيا ~~حميدا } فالمراد منه أنه تعالى هو الغني وله الملك فاطلبوا منه ما ~~تطلبون فهو يعطيكم لأن له ما في السموات وما في الأرض. وأما الثالثة فقال ~~تعالى: { ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا } أي فتوكلوا ~~عليه ولا تتوكلوا على غيره فإنه المالك لما في السموات والأرض. وقيل ~~تكريرها تعديدها لما هو موجب تقواه لتتقوه وتطيعوه ولا تعصوه لأن التقوى ~~والخشية أصل كل خير. قوله عز وجل: { إن يشأ يذهبكم أيها الناس } قال ابن ~~عباس: يريد المشركين والمنافقين { ويأت بآخرين } بغيركم هم خير منكم ~~وأطوع له ففيه تهديد للكفار والمعنى أنه يهلككم أيها الكفار كما أهلك من ~~كان قبلكم، إذ كفروا به وكذبوا به وكذبوا رسله { وكان الله على ذلك ~~قديرا } يعني وكان الله على ذلك الإهلاك وإعادة غيركم قادرا بليغا في ~~القدرة لا يمتنع عليه شيء أراده لم يزل ولا يزال موصوفا بالقدرة على ~~جميع الأشياء. ### || [4.134-136] # قوله تعالى: { من كان يريد ثواب الدنيا } يعني من كان يريد بعمله عرضا ~~من الدنيا نزلت في مشركي العرب وذلك أنهم كانوا يقرون بالله تعالى خالقهم ~~ولا يقرون بالبعث يوم القيامة فكانوا يقربون إلى الله ليعطيهم من خير ~~الدنيا ويصرف عنهم شرها وقيل نزلت في المنافقين لأنهم كانوا لا يصدقون ~~بيوم القيامة، وإنما كان يطلبون بجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عاجل الدنيا وهو ما ينالونه من الغنيمة { فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ~~} يعني الذين يطلبون بأعمالهم وجهادهم ثواب الدنيا وما ينالونه من ~~الغنيمة مخطئون في قصدهم لأن الله عنده ثواب الدنيا وثواب الآخرة فلو ~~كانوا عقلاء لطلبوا ثواب الآخرة حتى يحصل لهم ذلك ويحصل لهم ثواب الدنيا ~~على سبيل التبعية ms0822 والمعنى أن من أراد بعمله الدنيا آتاه الله منها ما ~~أراد وصرف عنه من شرها ما أراد وليس له ثواب في الآخرة يجزى به، ومن أراد ~~بعمله وجه الله ثواب الآخرة فعند الله ثواب الدنيا والآخرة يؤتيه من ~~الدنيا ما قدر له ويجزيه في الآخرة خير الجزاء { وكان الله سميعا } يعني ~~لأقوالهم وما يسرونه من طلب ثواب الدنيا { بصيرا } يعني بنياتهم وما في ~~نفوسهم وقيل بصيرا بمن يطلب الدنيا بعمله وبمن طلب الآخرة بعمله. قوله ~~عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله } قال ~~السدي إن فقيرا وغنيا اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكان صغوه ~~مع الفقير يرى أن الفقير لا يظلم الغني فأنزل الله هذه الآية وأمر ~~بالقيام بالقسط مع الغني والفقير وقيل إن هذه الآية متعلقة بقصة طعمة بن ~~أبيرق فهي خطاب لقومه الذين جادلوا عنه وشهدوا به بالباطل، فأمرهم الله ~~تعالى أن يكونوا قائمين بالقسط شاهدين لله على كل حال ولو على أنفسهم ~~وأقاربهم فقال تعالى: { كونوا قوامين بالقسط } القوام مبالغة في القيام ~~بالعدل في جميع الشهادات واجتناب الجور فيها قال ابن عباس كونوا قوامين ~~بالعدل في جميع الشهادات على من كانت شهداء لله يعني أقيموا شهادتك لوجه ~~الله كما أمركم فيها فيقول الحق في شهادته { ولو على أنفسكم } يعني ولو ~~كانت الشهادة على أنفسكم أمر الله العبد أن يشهد على نفسه بالحق وهو أن ~~يقر على نفسه وذلك الإقرار يسمى شهادة في كونه موجبا للحق عليه { أو ~~الوالدين والأقربين } يعني ولو كانت الشهادة على الوالدين والأقربين من ~~ذوي رحمه أو أقاربه والمعنى قولوا الحق ولو على أنفسكم أو على الوالدين ~~أو الأقارب فأقيموا الشهادة عليهم لله تعالى ولا تحابوا غنيا لغناه ولا ~~ترحموا فقيرا لفقره فذلك قوله تعالى: { إن يكن } يعني المشهود عليه { ~~غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما } يعني منكم والمعنى كلوا أمرهم إلى ~~الله تعالى فهو أعلم بهم وبحالهم وإنما قال بهما على التثنية لأن رد ~~الضمير إلى المعنى ms0823 دون اللفظ يعني فالله أولى بالغني والفقير { فلا ~~تتبعوا الهوى أن تعدلوا } يعني فلا تتبعوا الهوى واتقوا الله أن تعدلوا ~~عن الحق في أداء الشهادة وقيل معناه اتركوا متابعة الهوى حتى تصيروا ~~موصوفين بصفة العدل، لأن العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى { وإن تلووا } ~~قرئ بواوين ومعناه أن يلوي الشاهد لسانه إلى غير الحق قال ابن عباس يلوي ~~لسانه بغير الحق ولا يقيم الشهادة على وجهها { أو تعرضوا } يعني أو يعرض ~~الشاهد عن الشهادة فيكتمها ولا يقيمها يقال لويته حقه إذا دفعته عنه ~~ومطلته به، وقيل معناه وإن تلووا عن القيام بأداء الشهادة أو تعرضوا عنها ~~فتتركوها وقيل معناه التحريف والتبديل في الشهادة من قولهم لويت الشيء ~~إذا قبلته وقيل هو خطاب مع الحكام يقول وإن تلووا يعني تميلوا مع أحد ~~الخصمين دون الآخر أو تعرضوا عنه بالكلية وقرئ تلوا بواو واحدة من ~~الولاية فهو خطاب للحكام أيضا ومعناه فلا تلوا أمور المسلمين وتضيعوهم ~~أو تعرضوا عنهم { فإن الله كان بما تعملون خبيرا } يعني أنه تعالى يجازي ~~المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فيجازيكم بأعمالكم. # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } قال ابن عباس # " نزلت في عبدالله بن سلام وأسد وأسيد ابني كعب وثعلبة بن قيس وسلام ابن ~~أخت عبدالله بن سلام وسلمة ابن أخيه ويامين بن يامين فهؤلاء مؤمنو أهل ~~الكتاب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إنا نؤمن بك وبكتابك ~~وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سوى ذلك من الكتب والرسل فقال لهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " بل آمنوا بالله وبرسوله محمد والقرآن وبكل كتاب ~~كان قبله " # فأنزل الله هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا } يعني بمحمد والقرآن ~~وبموسى والتوراة آمنوا بالله ورسوله اسم جنس يعني آمنوا بجميع رسله وقيل ~~هو خطاب لأهل الكتاب جميعا والمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى والتوراة ~~وبعيسى والإنجيل آمنوا بمحمد والقرآن وقيل هو خطاب للمنافقين والمعنى يا ~~أيها الذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم آمنوا بقلوبكم حتى ينفعكم ms0824 ~~الإيمان لأن الإيمان باللسان لا ينفع من غير مواطأة القلب وقيل هو خطاب ~~للمؤمنين والمعنى يا أيها الذين آمنوا في الماضي والحال آمنوا في ~~المستقبل ودوموا واثبتوا على الإيمان والكتاب { والكتاب الذي نزل على ~~رسوله } يعني القرآن { والكتاب الذي أنزل من قبل } يعني وآمنوا بالقرآن ~~وبجميع الكتب الذي أنزلها على أنبيائه قبل القرآن فيكون الكتاب اسم جنس ~~لجميع الكتب { ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ~~ضلالا بعيدا } ### || [4.137-138] # قوله عز وجل: { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا ~~كفرا } قال ابن عباس نزلت في اليهود آمنوا بموسى ثم كفروا بعبادتهم ~~العجل ثم بعد ذلك كفروا بعيسى والإنجيل ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم والقرآن وقيل إنهم آمنوا بموسى ثم كفروا بعده ثم آمنوا بداود ~~ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل نزلت في ~~المنافقين وذلك أنهم آمنوا ثم كفروا بعد الإيمان ثم آمنوا يعني بألسنتهم ~~وهو إظهارهم الإيمان لتجري عليهم أحكام المؤمنين ثم ازدادوا كفرا يعني ~~بموتهم على الكفر. وقيل بذنوب أحدثوها في الكفر وقيل هم قوم آمنوا ثم ~~ارتدوا إلى الكفر ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا يعني بموتهم عليه. ~~وذلك لأن من تكرر منه الإيمان بعد الكفر والكفر بعد الإيمان مرات كثيرة ~~يدل على أنه لا وقع للإيمان في قلبه، ومن كان كذلك لا يكون مؤمنا بالله ~~إيمانا صحيحا وازديادهم الكفر هو استهزاؤهم وتلاعبهم بالإيمان ومثل هذا ~~المتلاعب بالدين هل تقبل توبته أم لا؟ حكي عن علي ابن أبي طالب أنه قال ~~لا تقبل توبته بل يقتل وذهب أهل العلم إلى أن توبته مقبولة. وقوله تعالى: ~~{ لم يكن الله ليغفر لهم } يعني ما أقاموا على الكفر وماتوا عليه وذلك ~~لأن الله تعالى أخبر أنه يغفر الكفر إذا تاب منه بقوله قل للذين كفروا إن ~~ينتهوا يعني عن الكفر يغفر لهم ما قد سلف يعني من كفرهم { ولا ليهديهم ~~سبيلا } يعني طريق هدى ms0825 وقيل لا يجعلهم بكفرهم مهتدين. قوله تعالى: { بشر ~~المنافقين بأن لهم عذابا أليما } يعني أخبرهم يا محمد وإنما وضع بشر ~~مكان أخبر تهكما بهم وقيل البشارة كل خبر تتغير به بشرة الوجه سارا كان ~~ذلك الخبر أو غير سار وقيل معناه اجعل موضع بشارتك لهم العذاب لأن العرب ~~يقول تحيتك الضرب أي هذا بدل من تحيتك قال الشاعر: # وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع ### || [4.139-141] # ثم وصف الله تعالى المنافقين فقال تعالى: { الذين يتخذون الكافرين ~~أولياء من دون المؤمنين } يعني يتخذون اليهود أولياء وأنصارا وبطانة من ~~دون المؤمنين وذلك أن المنافقين كانوا يقولون إن محمدا لا يتم أمره ~~فيوالون اليهود فقال الله تعالى ردا على المنافقين: { أيبتغون عندهم ~~العزة } يعني يطلبون من اليهود العزة والمعونة والظهور على محمد صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه { فإن العزة لله جميعا } يعني فإن القوة والقدرة ~~والغلبة لله جميعا وهو الذي يعز أولياءه وأهل طاعته كما قال تعالى: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8] { وقد نزل عليكم } يا معشر المسلمين { في الكتاب } يعني ~~القرآن { أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها } قال المفسرون ~~الذي أنزل عليهم في النهي عن مجالستهم هو قوله تعالى في سورة الأنعام: # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره # [الأنعام: 68] وهذا أنزله بمكة لأن المشركين كانوا يخوضون في القرآن ~~ويستهزؤون به في مجالسهم ثم إن أحبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون مثل ~~فعل المشركين وكان المنافقون يجلسون إليهم ويخوضون معهم في الاستهزاء ~~بالقرآن فنهى الله المؤمنين عن القعود معهم بقوله: { فلا تقعدوا معهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره } يعني يأخذوا في حديث آخر غير الاستهزاء بالقرآن ~~وبمحمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس دخل في هذه الآية كل محدث في ~~الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة { إنكم إذا مثلهم } يعني أنكم يا أيها ~~الجالسون مع المستهزئين بآيات الله إذا رضيتم بذلك فأنتم وهم في الكفر ~~سواء. قال العلماء وهذا يدل على ms0826 أن من رضي بالكفر فهو كافر ومن رضي بمنكر ~~أو خالط أهله كان في الإثم بمنزلتهم إذا رضي به وإن لم يباشره فإن جلس ~~إليهم، ولم يرض بفعلهم بل كان ساخط له وإنما جلس على سبيل التقية والخوف ~~فالأمر فيه أهون من المجالسة مع الرضا وإن جلس مع صاحب بدعة أو منكر ولم ~~يخض في بدعته أو منكره فيجوز الجلوس معه مع الكراهة وقيل لا يجوز بحال ~~والأول أصح { إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا } أي إنهم ~~اجتمعوا في الدنيا على الاستهزاء بآيات الله وكذلك يجمعهم في عذاب جهنم ~~يوم القيامة قوله عز وجل: { الذين يتربصون بكم } نزلت في المنافقين ~~والمعنى ينتظرون ما يحدث بكم من خير أو شر { فإن كان لكم فتح من الله } ~~أي ظفر على عدوكم، وغنيمة تنالونها منهم { قالوا } يعني المنافقين لكم { ~~ألم نكن معكم } يعني في الوقعة والفتح فأعطونا من الغنيمة وقيل معناه ألم ~~نكن على دينكم وفي الجهاد كنا معكم فاجعلوا لنا نصيبا من الغنيمة { وإن ~~كان للكافرين نصيب } أي دولة وظهور على المسلمين { قالوا } يعني ~~المنافقين للكفار { ألم نستحوذ عليكم } الاستحواذ هو الاستيلاء والغلبة ~~يقال استحوذ فلان على فلان أي غلب عليه والمعنى أم نغلبكم ونتمكن منكم ~~ومن قتالكم وأسركم ثم لم نفعل ذلك وقيل معناه ألم نغلبكم على رأيكم { ~~ونمنعكم من المؤمنين } يعني في صلاتهم والدخول في دينهم وقيل معناه ألم ~~ندفع المؤمنين بتخذيلهم عنكم ومراسلتنا إياكم بأخبارهم وأسرارهم فهاتوا ~~نصيبا مما أصبتم منهم ومراد المنافقين إظهار المنة على الكفار. # فإن قلت لم سمي ظفر المؤمنين فتحا وسمي ظفر الكافرين نصيبا. قلت ~~تعظيما لشأن المؤمنين وتخسيسا لحظ الكافرين لأن ظفر المؤمنين أمر عظيم ~~تفتح له أبواب السماء حتى ينزل النصر على المسلمين وأما ظفر الكفار فما ~~هو إلا حظ دنيء ونصيب خسيس لا يبقى منه إلا ما نالوه ولهم في الآخرة ~~العقوبة الشديدة على ذلك النصيب الذي نالوه من المسلمين { فالله يحكم ~~بينكم يوم القيامة } يعني الفريقين فريق المؤمنين وفريق ms0827 المنافقين ~~والمعنى إنما وضع السيف عن المنافقين في الدنيا لا لأجل كرامتهم بل أخر ~~عذابهم إلى يوم القيامة { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } ~~فيه قولان: أحدهما وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس أن المراد به يوم ~~القيامة بدليل أنه عطف على قوله تعالى فالله يحكم بينكم يوم القيامة روي ~~أن رجلا سأل علي بن أبي طالب عن هذه الآية: { ولن يجعل الله للكافرين ~~على المؤمنين سبيلا } وهم يقتلوننا فقال ولن يجعل الله للكافرين يوم ~~القيامة على المؤمنين سبيلا. والقول الثاني إن هذا في الدنيا والمعنى أن ~~حجة المؤمنين غالبة في الدنيا على الكافرين وليس لأحد أن يغلبهم بالحجة ~~وقيل معناه إن الله لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا بأن يمحو دولة ~~المؤمنين بالكلية حتى يستبيحوا بيضتهم فلا يبقى أحد من المؤمنين وقيل ~~معناه إن الله لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا بالشرع فإن شريعة ~~الإسلام ظاهرة إلى يوم القيامة ويتفرع على ذلك مسائل من أحكام الفقه منها ~~أن الكافر لا يرث المسلم ومنها أن الكافر إذا استولى على مال المسلم لم ~~يملكه بدليل هذه الآية ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبدا مسلما ~~ومنها أن المسلم لا يقتل بالذمي بدليل هذه الآية. ### || [4.142-144] # قوله تعالى: { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم } يعني يعاملون ~~الله وهو يجازيهم على خداعهم وقيل معناه يخادعون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأنهم يظهرون له الإسلام ويبطنون له الكفر وهو خادعهم يعني والله ~~مجازيهم بالعقاب وقيل إنهم يعطون نورا يوم القيامة كما يعطى المؤمنون ~~فيمضي المؤمنون بنورهم على الصراط ويطفأ نور المنافقين { وإذا قاموا إلى ~~الصلاة } يعني المنافقين { قاموا كسالى } يعني مثتاقلين وسبب هذا الكسل ~~أنهم يتعبون بها لأنهم لا يريدون بفعلها ثوابا ولا يريدون بها وجه الله ~~عز وجل ولا يخافون على تركها عقابا لأن الداعي إلى فعلها خوف الناس ~~فلذلك وقع فعلها على وجه الكسل والفتور { يراؤون الناس } يعني أنهم لا ~~يقومون إلى الصلاة إلا لأجل الرياء والسمعة ms0828 لا لأجل الدين ولا يرون أنها ~~واجبة عليهم قال قتادة والله لولا الناس ما صلى منافق { ولا يذكرون الله ~~إلا قليلا } قال ابن عباس إنما قال ذلك لأنهم يفعلونه رياء وسمعة ولو ~~أرادوا بذلك القليل وجه الله لكان كثيرا وقيل لأن الله لم يقبله ولو ~~قبله لكان كثيرا وقبل المراد بذكر الله الصلاة والمعنى أنهم لا يصلون ~~إلا قليلا لأنهم متى لم يكن معهم أحد من المؤمنين فلا يصلون وإذا كانوا ~~مع المؤمنين يتكلفون فعلها { مذبذبين بين ذلك } يعني متحيرين مترددين بين ~~الكفر والإيمان لأنهم ليسوا مع المؤمنين المخلصين ولا مع المشركين ~~المصرحين بالشرك وهو وقوله تعالى: { لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } يعني ~~ليسوا من المؤمنين حتى يجب لهم ما يجب للمؤمنين وليسوا من الكفار فيؤخذ ~~منهم ما يؤخذ من الكفار { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } يعني طريقا ~~إلى الهدى ق عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة إلى هذه ~~مرة " # قوله كمثل الشاة العائرة بالعين المهملة ومعناه المتحيرة المترددة لا ~~تدري لأي الغنمين تتبع ومعنى تعير تتردد وتذهب يمينا وشمالا مرة إلى ~~هذه ومرة إلى هذه لا تدري إلى أين تذهب وهذا مثل المنافق مرة على ~~المؤمنين ومرة مع الكافرين أو ظاهره مع المؤمنين وباطنه مع الكافرين. ~~قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين } لما ذم الله عز وجل المنافقين بقوله مذبذبين بين ذلك نهى الله ~~المؤمنين أن يتخلقوا بأخلاق المنافقين يقول لا تولوا الكفار من دون أهل ~~ملتكم ودينكم فتكونوا كمن أوجبت له النار من المنافقين والسبب في هذا ~~النهي أن الأنصار بالمدينة كان لهم من يهود بني النضير وقريظة حلف ومودة ~~ورضاع فقالوا يا رسول الله من نتولى؟ فقال: المهاجرين { أتريدون أن ~~تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا } يعني أتريدون أيها المتخذون الكفار ~~أولياء أن تجعلوا لله عليكم حجة بينة باتخاذكم الكفار أولياء من ms0829 دون ~~المؤمنين فتستوجبوا بذلك النار ثم بين مقر النار من المنافقين ### || [4.145-148] # فقال تعالى: { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } يعني في الطبق ~~الذي في قعر جهنم والنار سبع دركات بعضها فوق بعض سميت طبقات جهنم دركات ~~لأنها متداركة متتابعة. وقيل الدرك بيت مقفل عليهم تتوقد فيه النار من ~~فوقهم ومن تحتهم وقيل هي توابيت من حديد مقفلة عليهم في النار. فإن قلت ~~لم كان المنافق أشد عذابا من الكافر؟ قلت إن المنافق مثل الكافر في ~~الكفر وزيادة وهو أنه ضم إلى كفره نوعا آخر من الكفر أخبث منه وهو ~~الاستهزاء بالإسلام والمسلمين وإفشاء أسرار المسلمين ونقلها إلى الكفار. ~~فلهذا السبب جعل الله عذاب المنافقين أشد عذابا من الكفار والمنافق من ~~أظهر الإيمان وأبطن الكفر وقيل هو الذي يصف الإسلام بلسانه ولا يعمل ~~بشرائعه ولا يتقيد بقيوده ولا يدخل تحت أحكامه وأما تسمية من ارتكب ما ~~يفسق به منافقا فللتغليظ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم من إذا حدث ~~كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان " # فإن هذه الخصال صفات المنافقين فمن فعلها فقد تشبه بالمنافقين. وقوله ~~تعالى: { ولن تجد لهم نصيرا } يعني ولن تجد يا محمد لهؤلاء المنافقين ~~ناصرا ينصرهم من عذاب الله إذا نزل بهم ثم استثنى الله عز وجل من تاب من ~~المنافقين فقال تعالى: { إلا الذين تابوا } يعني من النفاق { وأصلحوا } ~~يعني أصلحوا الأعمال فعملوا بما أمر الله به وأدوا فرائضه وانتهوا عما ~~نهاهم عنه { واعتصموا بالله } يعني وتمسكوا بعهد الله ووثقوا به { ~~وأخلصوا دينهم لله } يعني وأخلصوا طاعتهم وأعمالهم التي عملوها لله ~~وأرادوه بها ولم يريدوا رياء ولا سمعة فهذه الأمور الأربعة إذا حصلت فقد ~~كمل الإيمان فلذلك قال تعالى: { فأولئك } يعني التائبين من النفاق { مع ~~المؤمنين } يعني في الجنة وقيل مع بمعنى من أي المؤمنين { وسوف يؤت الله ~~المؤمنين أجرا عظيما } يعني في الآخرة. قوله تعالى: { ما يفعل الله ~~بعذابكم إن ms0830 شكرتم وآمنتم } هذا استفهام تقرير معناه أنه تعالى لا يعذب ~~الشاكر المؤمن فإن تعذيبه لا يزيد في ملكه وتركه عقوبته لا ينقص من ~~سلطانه لأنه الغني الذي لا يحتاج إلى شيء من ذلك فإن عاقب أحدا فإنما ~~يعاقبه لأمر أوجبه العدل والحكمة فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد ~~أنقذتم أنفسكم من عذابه قال أهل المعاني فيه تقديم وتأخير تقديره إن ~~آمنتم وشكرتم لأن الإيمان مقدم على سائر الطاعات ولأن الشكر لا ينفع مع ~~عدم الإيمان ولأن الواو لا توجب الترتيب وقيل هو على أصله والمعنى أن ~~العاقل ينظر بعين بصيرته أولا إلى ما عليه من النعمة العظيمة في إيجاده ~~وخلقه فيشكر على ذلك شكرا عظيما مبهما ثم إذا تمم النظر ثانيا انتهى ~~به النظر إلى معرفة المنعم عليه فآمن به ثم شكره شكرا مفصلا فكان ذلك ~~الشكر المبهم مقدما على الإيمان فلذلك قدم الشكر على الإيمان في الذكر { ~~وكان الله شاكرا } يعني مثيبا عباده المؤمنين موفيا أجورهم والشكر من ~~الله الرضا بالقليل من أعمال عباده وإضعاف الثواب عليه وقيل لما أمر الله ~~عباده بالشكر سمى الجزاء شكرا على سبيل الاستعارة فالمراد من الشاكر في ~~صفة الله تعالى كونه مثيبا على الشكر { عليما } يعني بحق شكركم، ~~وإيمانكم فيجازيكم على ذلك. # قوله عز وجل: { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } قال أهل ~~المعاني يعني أنه تعالى لا يحب الجهر بالسوء ولا غير الجهر به أيضا من ~~القول يعني من القول القبيح إلا من ظلم قيل هو استثناء متصل والمعنى إلا ~~جهر من ظلم وقيل هو استثناء منقطع ومعناه لكن المظلموم يجوز أن يجهر بظلم ~~الظالم قال العلماء لا يجوز إظهار أحوال الناس المستورة المكتومة لأن ذلك ~~يصير سببا لوقوع الناس في الغيبة ووقوع ذلك الشخص في الريبة لكن من ظلم ~~فيجوز له إظهار ظلمه فيقول سرق مني أو غصب ونحو ذلك. وإن شتم جاز له أن ~~يشتم بمثله ولا يزيد شيئا على ذلك ويدل على ذلك ما ms0831 روي عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " المستبان ما قالا فعلى الأول " # وفي رواية # " فعلى البادئ منهما حتى يعتدي المظلوم " # أخرجه مسلم قال ابن عباس: لا يحب الله أن يدعو أحد إلا أن يكون مظلموما ~~فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه وذلك قوله إلا من ظلم وإن صبر فهو ~~خير له وقال الحسن البصري هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه ولكن ليقل: ~~اللهم أعني عليه اللهم استخرج لي حقي، اللهم حل بيني وبين ما يريد ونحوه ~~من الدعاء وقيل نزلت الآية في الضيف إذا نزل بقوم فلم يقروه ولم يحسنوا ~~ضيافته فله أن يشكو ما صنع به قال مجاهد: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ~~ضيافته فيخرج من عنده فيقول أساء ضيافتي وقال مقاتل نزلت في أبي بكر ~~الصديق وذلك أن رجلا نال منه والنبي صلى الله عليه وسلم حاضر فسكت عنه ~~أبو بكر مرارا ثم رد عليه فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر ~~يا رسول الله شتمني فلم تقل له شيئا حتى إذا رددت عليه قمت ونزلت هذه ~~الآية: { وكان الله سميعا } يعني لدعاء المظلوم { عليما } بما في قلبه ~~فليتق الله ولا يقل إلا الحق. ### || [4.149-151] # قوله تعالى: { إن تبدوا خيرا } قال ابن عباس يريد من أعمال البر ~~كالصيام والصدقة والضيافة والصلة. وقيل معناه إن تبدوا خيرا بدلا من ~~السوء { أو تخفوه } يعني تخفوا الخير فلم تظهروه وقيل معناه إن تبدوا ~~حسنة فتعملوا بها تكتب لكم عشرا وإن هم بها ولم يعملها كتبت له واحدة ~~وقيل إن جميع مقاصد الخيرات على كثرتها محصورة في قسمين: أحدهما صدق ~~النية مع الحق. والثاني التخلق مع الخلق فالذي يتعلق بالخلق ينحصر في ~~قسمين أيضا وهما إيصال نفع إليهم في السر والعلانية وإليه الإشارة بقوله ~~تعالى: { إن تبدوا خيرا أو تخفوه } أو رفع ضر عنهم وإليه الإشارة بقوله ~~تعالى: { أو تعفوا عن سوء } فيدخل في هاتين الكلمتين جميع أعمال البر ~~وجميع ms0832 دفع الضر، وقيل المراد بالخير المال والمعنى إن تبدوا الصدقة ~~فتعطوها الفقراء جهرا أو تخفوها فتعطوها سرا أو تعفوا عن مظلمة { فإن ~~الله كان عفوا قديرا } يعني لم يزل ذا عفو مع قدرته على الانتقام ~~فاعفوا أنتم عمن ظلمكم واقتدوا بسنة الله عز وجل يعف عنكم يوم القيامة ~~لأنه أهل للتجاوز والعفو عنكم وقيل معناه إن الله كان عفوا لمن عفا ~~قديرا على إيصال الثواب إليه. قوله عز وجل: { إن الذين يكفرون بالله ~~ورسله } نزلت في اليهود وذلك أنهم آمنوا بموسى والتوراة وكفروا بعيسى ~~والإنجيل وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقيل نزلت في اليهود ~~والنصارى جميعا وذلك أن اليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد والنصارى ~~آمنوا بعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين { ويريدون أن ~~يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض } يعني ويريدون أن ~~يفرقوا بين الإيمان بالله والإيمان برسله ولا يصح الإيمان مع التكذيب ~~ببعض رسله { ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا } يعني بين الإيمان بالبعض ~~دون البعض يتخذون مذهبا يذهبون إليه ودينا يدينون به { أولئك } يعني من ~~هذه صفتهم { هم الكافرون حقا } يعني يقينا وإنما قال ذلك توكيدا ~~لكفرهم لئلا يتوهم متوهم أن الإيمان ببعض الرسل يزيل اسم الكفر عنهم ~~وليعلم أن الكفر ببعض الأنبياء كالكفر بكلهم لأن الدليل الذي يدل على ~~نبوة البعض وهو المعجزة لزم منه أنه حيث وجدت المعجزة حصلت النبوة وقد ~~وجدت المعجزة لجميع الأنبياء فلزم الإيمان بجميعهم { وأعتدنا } يعني ~~وهيأنا { للكافرين عذابا مهينا } يعني يهانون فيه. ### || [4.152-155] # { والذين آمنوا بالله ورسله } يعني والذين صدقوا بوحدانية الله ونبوة ~~جميع أنبيائه وأن جميع ما جاؤوا به من عند الله حق وصدق { ولم يفرقوا بين ~~أحد منهم } يعني من الرسل بل آمنوا بجميعهم وهم المؤمنون { أولئك } يعني ~~من هذه صفتهم { سوف يؤتيهم أجورهم } يعني جزاء إيمانهم بالله وبجميع كتبه ~~ورسله { وكان الله غفورا رحيما } يعني أنه تعالى لما وعدهم بالثواب ~~أخبرهم أنه يتجاوز عن سيئاتهم ويغفرها لهم ويرحمهم فهو كالترغيب ms0833 لليهود ~~والنصارى في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم إذا آمنوا غفر لهم ~~ما كان منهم في حال الكفر. قوله تعالى: { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم ~~كتابا من السماء } يعني يسألك يا محمد أهل الكتاب، وهم اليهود وذلك أن ~~كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء من اليهود قالا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إن كنت نبيا فأتنا بكتاب جملة واحدة من السماء كما أتى موسى ~~بالتوراة وقيل: سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا ~~مختصا بهم وقيل سألوه أن ينزل عليهم كتابا إلى فلان وكتابا إلى فلان ~~ليشهدا لك بأنك رسول الله وكان هذا السؤال من اليهود سؤال تعنت واقتراح ~~لا سؤال استرشاد وانقياد والله تعالى لا ينزل الآيات على اقتراح العباد، ~~ولأن معجزة النبي صلى الله عليه وسلم كانت قد تقدمت وظهرت فكان طلب ~~الزيادة من باب التعنت. وقوله تعالى: { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك } ~~يعني أعظم من الذي سألوك يا محمد ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وتوبيخ وتقريع لليهود حيث سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤال تعنت ~~والمعنى لا تعظمن عليك يا محمد مسألتهم ذلك فإنهم من فرط جهلهم واجترائهم ~~على الله لو أتيتهم بكتاب من السماء لما آمنوا بك وإنما أسند السؤال إلى ~~اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإن وجد هذا السؤال ~~من آبائهم الذين كانوا في أيام موسى عليه السلام لأنهم كانوا على مذهبهم ~~وراضين بسؤالهم ومشاكلين لهم في التعنت { فقالوا } يعني أسلاف هؤلاء ~~اليهود { أرنا الله جهرة } يعني عيانا. والمعنى أرناه نره جهرة وذلك أن ~~سبعين من بني إسرائيل خرجوا مع موسى عليه الصلاة والسلام إلى الجبل ~~فقالوا ذلك وقد تقدمت القصة في سورة البقرة { فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } ~~يعني بسبب ظلمهم وسؤالهم الرؤية { ثم اتخذوا العجل } يعني إلها وهم ~~الذين خلفهم موسى مع أخيه هارون حين خرج إلى ميقات ربه { من بعد ما ~~جاءتهم البينات } يعني الدلالات الواضحات ms0834 الدالة على صدق موسى وهي: العصا ~~واليد وفلق البحر وغير ذلك من المعجزات الباهرة { فعفونا عن ذلك } يعني ~~عن ذلك الذنب العظيم فلم نستأصل عبدة العجل. # والمقصود من هذا تسلية النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى أن هؤلاء الذين ~~يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتابا من السماء إنما يطلبونه عنادا ~~ولجاجا فإني قد أنزلت التوراة جملة واحدة على موسى وآتيته من المعجزات ~~الباهرات والآيات البينات ما فيه كفاية ثم إنهم طلبوا الرؤية على سبيل ~~العناد وعبدوا العجل وكل ذلك يدل على جهلهم وأنهم مجبولون على اللجاج ~~والعناد. وفي قوله فعفونا عن ذلك استدعاء إلى التوبة. والمعنى أن أولئك ~~الذين أجرموا لما تابوا عفونا عنهم فتوبوا أنتم نعف عنكم { وآتينا موسى ~~سلطانا مبينا } يعني حجة واضحة تدل على صدقه وهي المعجزات الباهرات ~~التي أعطاها الله عز وجل لموسى عليه السلام قوله عز وجل: { ورفعنا فوقهم ~~الطور بميثاقهم } يعني ورفعنا فوقهم الجبل المسمى بالطور بسبب أخذ ~~ميثاقهم وذلك أن بني إسرائيل امتنعوا من قبول التوراة والعمل بما فيها ~~فرفع الله فوقهم الطور حتى أظلهم ليخافوا فلا ينقضوا العهد والميثاق { ~~وقلنا لهم } يعني والطور يظلهم { ادخلوا الباب سجدا } فخالفوا ودخلوا ~~وهم يزحفون على أستاههم { وقلنا لهم لا تعدوا في السبت } يعني وقلنا لهم ~~لا تجاوزوا في يوم السبت إلى ما لا يحل لكم فيه. وذلك أنهم نهوا أن ~~يصطادوا السمك في يوم السبت فاعتدوا واصطادوا فيه، وقيل المراد به النهي ~~عن العمل والكسب في يوم السبت { وأخذنا منهم ميثاقا غلظيا } يعني ~~وأخذنا منهم عهدا مؤكدا شديدا بأن يعملوا بما أمرهم الله به وأن ~~ينتهوا عما نهاهم الله عنه ثم إنهم نقضوا ذلك الميثاق وهو قوله تعالى: { ~~فبما نقضهم ميثاقهم } يعني فبنقضهم وما مزيدة للتوكيد والمعنى فبسبب ~~نقضهم ميثاقهم لعناهم وسخطنا عليهم وفعلنا بهم ما فعلنا { وكفرهم بآيات ~~الله } يعني وبجحودهم بآيات الله الدالة على صدق أنبيائه { وقتلهم ~~الأنبياء } يعني بعد قيام الحجة والدلالة على صحة نبوتهم { بغير حق } ~~يعني بغير استحقاق ms0835 لذلك القتل { وقولهم قلوبنا غلف } يعني وبقولهم على ~~قلوبنا أغطية وغشاوة فهي لا تفقه ما تقول جمع أغلف وقيل جمع غلاف يعني ~~قلوبنا أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى ما تدعونا إليه فرد الله عليهم ~~بقوله: { بل طبع الله عليها بكفرهم } يعني بل ختم الله على قلوبهم بسبب ~~كفرهم { فلا يؤمنون إلا قليلا } يعني إيمانهم بموسى والتوراة وكفرهم بما ~~سواه من الأنبياء والكتب وقيل لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا وقيل المراد ~~بالقليل هو عبدالله بن سلام وأصحابه والذين آمنوا من اليهود. ### || [4.156-158] # قوله تعالى: { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما } يعني حين رموها ~~بالزنا وذلك أنهم أنكروا قدرة الله تعالى على خلق الولد من غير أب ومنكر ~~قدرة الله كافر. فالمراد بقوله وبكفرهم هو إنكارهم قدرة الله تعالى ~~والمراد بقولهم على مريم بهتانا عظيما هو رميهم إياها بالزنا وإنما ~~سماه بهتانا عظيما لأنه قد ظهر عند ولادة مريم من المعجزات ما يدل على ~~براءتها من ذلك فلهذا السبب وصف الله قول اليهود على مريم بالبهتان ~~العظيم. قوله عز وجل: { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~} ادعت اليهود أنهم قتلوا عيسى عليه السلام وصدقتهم النصارى على ذلك ~~فكذبهم الله عز وجل جميعا ورد عليهم بقوله: { وما قتلوه وما صلبوه } ~~وفي قول رسول الله قولان: أحدهما أنه من قول اليهود فيكون المعنى أنه ~~رسول الله على زعمه. والقول الثاني أن من قول الله لا على وجه الحكاية ~~عنهم وذلك أن الله تعالى أبدل ذكرهم في عيسى عليه السلام القول القبيح ~~بالقول الحسن رفعا لدرجته عما كانوا يذكرونه من القول القبيح. وقوله ~~تعالى: { ولكن شبه لهم } يعني ألقى شبه عيسى غيره حتى قتل وصلب. واختلف ~~العلماء في صفة التشبيه الذي شبه على اليهود في أمر عيسى عليه السلام. ~~فروى الطبري بسنده عن وهب بن منبه أنه قال أتى اليهود عيسى ومعه سبعة عشر ~~من الحواريين في بيت فأحاطوا بهم فلما دخلوا عليهم صورهم الله تعالى كلهم ~~على صورة عيسى فقالوا ms0836 لهم: سحرتمونا لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعا ~~فقال عيسى لأصحابه من يشتري نفسه منكم اليوم بالجنة فقال رجل منهم أنا ~~فخرج إليهم فقال: أنا عيسى وقد صوره الله تعالى على صورة عيسى فأخذوه ~~وصلبوه فمن ثم شبه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى وظنت النصارى مثل ذلك. ~~ورفع الله عز وجل عيسى عليه السلام من يومه ذلك. وفي رواية أخرى عن وهب ~~أن عيسى عليه السلام قال لأصحابه: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ~~ثلاث مرات وليبيعني بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني فخرجوا وتفرقوا وكانت ~~اليهود تطلبه فأخذوا شمعون أحد الحواريين. فقالوا هذا من أصحاب عيسى فجحد ~~وقال: ما أنا بصاحبه فتركوه ثم أخذوا آخر فجحد كذلك فلما أصبح أتى بعض ~~الحواريين إلى اليهود وكان منفاقا فقال ما تجعلون لي إن أنا دللتكم على ~~المسيح فجعلوا له ثلاثين درهما فدلهم عليه فألقى الله شبه عيسى على ذلك ~~المنافق الذي دل عليه فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى. وقال ~~قتادة إن أعداء الله اليهود زعموا أنهم قتلوا عيسى وأصلبوه وذكر لنا أن ~~نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام قال لأصحابه أيكم يقذف عليه شبهي وله ~~الجنة فإنه مقتول فقال رجل منهم حبسوا عيسى في بيت وجعلوا عليه رقيبا ~~يحفظه فألقى الله شبه عيسى على ذلك الرقيب فأخذ فقتل وصلب فرفع الله عز ~~وجل عيسى في ذلك الوقت. # قال الطبري وأولى الأقوال بالصواب ما ذكرنا عن وهب بن منبه من أن شبه ~~عيسى ألقى على جميع من كان مع عيسى في البيت حين أحيط بي وبهم من غير ~~مسألة عيسى إياهم ذلك ولكن ليخزي الله بذلك اليهود وينقذ به نبيه عيسى ~~عليه السلام من كل مكروه أرادوه به من قتل وغيره وليبتلي الله من أراد ~~ابتلاءه من عباده ويحتمل أن يكون ألقى شبهه على بعض أصحابه بعد ما تفرق ~~عنه أصحابه ورفع الله عيسى عليه السلام. وبقي ذلك فأخذ وقتل وصلب وظن ~~أصحابه واليهود أن الذي قتلوه وصلبوه وهو ms0837 عيسى لما رأوا من شبهه به وخفي ~~أمر عيسى عليهم وكانت حقيقة ذلك الأمر عند الله فلذلك قال تعالى: { وما ~~قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } { وإن الذين اختلفوا فيه } يعني في قتل ~~عيسى وهم اليهود { لفي شك منه } يعني من قتله وذلك أن اليهود قتلوا ذلك ~~الشخص المشبه بعيسى وكان قد ألقي الشبه على وجه ذلك الشخص دون جسده فلما ~~قتلوه نظروا إلى جسده فوجدوه غير جسد عيسى فقالوا: الوجه وجه عيسى والجسد ~~جسد غيره فهذا هو اختلافهم فيه وقيل: إن اليهود لما حبسوا عيسى وأصحابه ~~في البيت دخل عليه رجل منهم ليخرجه إليهم. فألقى الله شبه عيسى على ذلك ~~الرجل فأخذ وقتل ورفع الله عز وجل عيسى إلى السماء وفقدوا صاحبهم فقالوا: ~~إن كنا قتلنا المسيح فأين صاحبنا؟ وإن كنا قتلنا صاحبنا فأين المسيح ~~عيسى؟ فهذا هو اختلافهم فيه وقيل إن الذين اختلفوا فيه هم النصارى فبعضهم ~~يقول إن القتل وقع على ناسوت عيسى دون لاهوته وبعضهم يقول وقع القتل ~~عليهما جميعا وبعضهم يقول رأيناه قتل وبعضهم يقول رأيناه رفع إلى السماء ~~فهذا هو اختلافهم فيه قال الله تعالى: { ما لهم به من علم } يعني أنهم ~~قتلوا من قتلوا على شك منهم فيه ولم يعرفوا حقيقة ذلك المقتول هل هو عيسى ~~أو غيره { إلا اتباع الظن } يعني لكن يتبعون الظن في قتله ظنا منهم أنه ~~عيسى لا عن علم وحقيقة { وما قتلوه يقينا } قال ابن عباس: يعني لم ~~يقتلوا ظنهم يقينا فعلى هذا القول تكون الهاء في قتلوه عائدة على الظن. ~~والمعنى مما قتلوا ذلك الظن يقينا ولم يزل ظنهم ولم يرتفع ما وقع لهم من ~~الشبه في قتله فهو كقول العرب قتله علما وقتله يقينا يعني علمه علما ~~تاما. وأصل ذلك أن القتل للشيء يكون عن قهر واستيلاء وغلبة وكمعنى الآية ~~على هذا لم يكن علمهم بقتل عيسى علما تاما كاملا إنما كان ظنا منهم ~~إنهم قتلوه ولم يكن لذلك حقيقة. # وقيل إن الهاء في قتلوه عائدة ms0838 على عيسى والمعنى ما قتلوا المسيح يقينا ~~كما ادعوا أنهم قتلوه وقيل إن قوله يقينا يرجع إلى ما بعده تقديره وما ~~قتلوه { بل رفعه الله إليه } يقينا والمعنى أنهم لم يقتلوا عيسى ولم ~~يصلبوه ولكن الله عز وجل رفعه إليه وطهره من الذين كفروا وخلصه ممن أراده ~~بسوء وقد تقدم كيف كان رفعه في سورة آل عمران بما فيه كفاية. وقوله ~~تعالى: { وكان الله عزيزا } يعني اقتداره على من يشاء من عباده { حكيما ~~} يعني في إنجاء عيسى عليه السلام وتخليصه من اليهود. وقيل عزيزا يعني ~~منيعا منتقما من اليهود فسلط عليهم ينطيونس بن اسبسيانوس الرومي فقتل ~~منهم مقتله عظيمة حكيما حكم باللعنة والغضب على اليهود حيث ادعوا هذه ~~الدعوى الكاذبة. ### || [4.159-160] # قوله تعالى: { وإن من أهل الكتاب } يعني وما من أحد من أهل الكتاب { ~~إلا ليؤمنن به } يعني بعيسى عليه السلام وأنه عبدالله ورسوله وروحه ~~وكلمته هذا قول ابن عباس وأكثر المفسرين وقال عكرمة في قوله إلا ليؤمنن ~~به يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا القول لا وجه له لأنه لم يجر ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ذكر قبل هذه الآية حتى يرجع الضمير إليه وقول ~~الأكثرين الأولى لأنه تقدم ذكر عيسى عليه السلام فكان عود الضمير إليه ~~أولى { قبل موته } اختلف المفسرون في هذا الضمير إلى من يرجع؟ فقال ابن ~~عباس وأكثر المفسرين إن الضمير يرجع إلى الكتابي والمعنى وما من أحد من ~~أهل الكتاب إلا آمن بعيسى قبل موت ذلك الكتابي ولكن يكون ذلك الإيمان ~~عند الحشرجة حين لا ينفعه إيمانه قال ابن عباس: معناه إذا وقع في اليأس ~~حين لا ينفعه إيمانه سواء احترق أو تردى من شاهق أو سقط عليه جدار أو ~~أكله سبع أو مات فجأة فقيل له أرأيت إن خر من فوق بيت قال: يتكلم به في ~~الهواء فقيل له أرأيت إن ضربت عنقه قال يتلجلج به لسانه وقال شهر بن حوشب ~~إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة بأجنحتها وجهه ودبره وقالوا ms0839 يا ~~عدو الله أتاك موسى نبيا فكذبت به فيقول آمنت إنه عبدالله ورسوله وتقول ~~للنصراني أتاك عيسى نبيا فزعمت أنه الله وابن الله فيقول آمنت أنه ~~عبدالله فأهل الكتابين يؤمنون به ولكن حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان وذهب ~~جماعة من أهل التفسير إلى أن الضمير يرجع إلى عيسى السلام وهو رواية عن ~~ابن عباس أيضا والمعنى وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل ~~موت عيسى وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل ~~الكتابين إلا من آمن بعيسى حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام قال ~~عطاء إذا نزل عيسى إلى الأرض لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا أحد يعبد غير ~~الله إلا آمن بعيسى وأنه عبدالله وكلمته ويدل على صحة هذا القول ما روي ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ~~ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد " # زاد في رواية: # " حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها " # ثم يقول أبو هريرة: " اقرؤوا إن شئتم وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به ~~قبل موته " الآية وفي رواية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والله لينزلن فيكم ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن ~~الخنزير وليضعن الجزية وليتركن القلاص فلا يسعى عليها وليذهبن الشحناء ~~والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد " # أخرجاه في الصحيحين. ففي هذا الحديث دليل على أن عيسى ينزل في آخر ~~الزمان في هذه الأمة ويحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه لا ينزل ~~نبيا برسالة مستقلة وشريعة ناسخة بل يكون حاكما من حكام هذه الأمة ~~وإماما من أئمتهم لقوله صلى الله عليه وسلم فيكسر الصليب يعني يكسره ~~حقيقة ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه. وكذلك قتله الخنزير وقوله ويضع ~~الجزية يعني لا يقبلها ممن بدلها من اليهود والنصارى. ولا يقبل من أحد ~~إلا ms0840 الإسلام أو القتل وعلى هذا قد يقال هذا خلاف منا هو حكم الشرع اليوم ~~فإن الكتابي إذا بذل الجزية وجب قبولها منه ولم يجر قتله ولا إجباره على ~~الإسلام والجواب أن هذا الحكم ليس مستمر إلى يوم القيامة بل هو مقيد بما ~~قبل نزول عيسى عليه السلام وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بنسخه وليس ~~الناسخ هو عيسى عليه السلام يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم فدل على ~~أن الامتناع من قبول الجزية في ذلك الوقت هو شرع نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم والله أعلم. قال الزجاج هذا القول بعيد يعني قول من قال إن ~~إيمان أهل الكتاب بعيسى إنما يكون عند نزوله في آخر الزمان قال لعموم ~~قوله تعالى: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به } قال والذين يبقون ~~يومئذ يعني عند نزوله شرذمة قليلة منهم وأجاب أصحاب هذا القول يعني ~~الذين يقولون إن إيمان أهل الكتاب بعيسى إنما يكون عند نزوله في آخر ~~الزمان بأن هذا على العموم. ولكن المراد بهذا العموم الذين يشهدون ذلك ~~الوقت ويدركون نزوله فيؤمنون به ويكون معنى الآية وما من أحد، من أهل ~~الكتاب أدرك ذلك الوقت إلا آمن بعيسى عند نزوله من السماء وصحح الطبري ~~هذا القول وقال عكرمة في معنى الآية وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم قبل موت الكتابي فلا يموت يهودي ولا نصراني حتى يؤمن ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك عند الحشرجة حتى لا ينفعه إيمانه. وقوله ~~تعالى: { ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا } يعني يكون عيسى عليه السلام ~~شاهدا على اليهود أنهم كذبوه وطعنوا فيه وعلى النصارى أنهم اتخذوه ربا ~~وأشركوا به ويشهد على تصديق من صدقه منهم وآمن به قال قتادة معناه إنه ~~يكون شهيدا يوم القيامة إنه قد بلغ رسالة ربه وأقر على نفسه بالعبودية. ~~قوله عز وجل: { فبظلم من الذين هادوا } يعني فبسبب ظلم منهم { حرمنا ~~عليهم طيبات أحلت لهم } يعني ما حرمنا عليهم الطيبات التي كانت ms0841 حلالا ~~لهم إلا بظلم عظيم ارتكبوه وذلك الظلم هو ما ذكره من نقضهم الميثاق وما ~~عدد عليهم من أنواع الكفر والكبائر العظيمة مثل قولهم اجعل لنا إلها كما ~~لهم آلهة وكقولهم أرنا الله جهرة وكعبادتهم العجل فبسبب هذه الأمور حرم ~~الله عليهم طيبات كانت حلالا لهم وهي ما ذكره في سورة الأنعام في قوله: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر # [الأنعام: 146] الآية وقال الطبري: في معنى الآية فحرمنا على اليهود ~~الذين نقضوا ميثاقهم الذي واثقوا ربهم به وكفروا بآيات الله، وقالوا ~~أنبيائهم وقالوا البهتان على مريم وفعلوا ما وصفهم الله به في كتابه ~~طيبات من المآكل وغيرها التي كانت لهم حلالا عقوبة لهم بظلمهم الذي أخبر ~~الله عنهم في كتابه. وروي عن قتادة قال عوقب القوم بظلم ظلموه وبغي بغوه ~~وحرمت عليهم أشياء ببغيهم وظلمهم. ونقل الواحدي وابن الجوزي عن مقاتل قال ~~كان الله حرم على أهل التوراة أن يأكلوا الربا ونهاهم أن يأكلوا أموال ~~الناس ظلما فأكلوا الربا وأكلوا أموال الناس وظلموا بالباطل وصدوا عن ~~دين الله وعن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فحرم الله عليهم عقوبة ~~لهم ما ذكر في قوله: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر # [الأنعام: 146] الآية قال الواحدي فأما وجه تحريم الطيبات عليهم كيف ~~ومتى كان على لسان من حرم عليهم فلم أجد فيه شيئا انتهى إليه فتركه ولقد ~~أنصف الواحدي فيما قال فإن هذه الآية في غاية الإشكال وبيانه إن الله ~~تعالى لا يعاقب على ذنب قبل وقوعه وقد ذكر المفسرون في معنى الظلم ~~المذكور في الآية ما تقدم ذكره وكلها ذنوب في المستقبل. فإن قلت علم الله ~~وقوع هذه الذنوب منهم قبل وقوعها لحرم عليهم ما حرم من الطيبات التي كانت ~~لهم حلالا عقوبة لهم على ما سيقع منهم قلت جوابه ما تقدم وهو أن الله ~~تعالى لا يعاقب على ذنب قبل وقوعه ولهذا لم يذكر الإمام فخر الدين في ~~تفسير هذه الآية ما ذكره المفسرون بل ذكر تفسيرا إجماليا ms0842 فقال اعلم أن ~~أنواع الذنوب محصورة في نوعين: الظلم للخلق والإعراض عن الدين الحق، وأما ~~ظلم الخلق فإليه الإشارة بقوله { وبصدهم عن سبيل الله كثيرا }. ### || [4.161-162] # { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه } ثم إنهم مع ذلك في غاية الحرص على طلب ~~المال فتارة يحصلونه بطريق الربا مع أنهم قد نهوا عنه وتارة يحصلونه ~~بطريق الرشا وهو المراد بقوله { وأكلهم أموال الناس بالباطل } فهذه ~~الأربعة هي الذنوب التي شدد عليهم بسببها في الدنيا والآخرة، أما التشديد ~~في الدنيا فهو ما تقدم من تحريم الطيبات عليهم وأما التشديد في الآخرة ~~فهو المراد بقوله تعالى: { وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما } قال ~~المفسرون: إنما قال منهم لأن الله علم أن قوما منهم سيؤمنون فيأمنون من ~~العذاب. قوله تعالى: { لكن الراسخون في العلم منهم } يعني من اليهود وهذا ~~استثناء استثنى الله عز وجل من آمن من أهل الكتاب ممن تقدم وصفهم في ~~الآيات التي تقدمت فبين فيما تقدم حال كفار اليهود والجهال منهم وبين في ~~هذه الآية حال من هداه لدينه منهم وأرشده للعمل بما علم فقال لكن ~~الراسخون في العلم ولكن هنا بمعنى الاستدراك والاستثناء والراسخون في ~~العلم الثابتون في العلم البالغون فيه أولو البصائر الثاقبة والعقول ~~الصافية وهم عبدالله بن سلام وأصحابه الذين أسلموا من أهل الكتاب لأنهم ~~رسخوا في العلم وعرفوا حقيقته فأوصلهم ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم { والمؤمنون } يعني بالله ورسله { يؤمنون بما أنزل إليك } يعني ~~بالقرآن الذي أنزل إليك { وما أنزل من قبلك } يعني ويؤمنون بسائر الكتب ~~التي أنزلها الله على أنبيائه من قبله يا محمد وفي المراد بالمؤمنين ها ~~هنا قولان: أحدهما إنهم أهل الكتاب فيكون المعنى لكن الراسخون في العلم ~~منهم وهم المؤمنون. والقول الثاني أنهم المهاجرون والأنصار من هذه الأمة ~~فيكون قوله والمؤمنون ابتداء كلام مستأنف يؤمنون بما أنزل إليك ويعني ~~أنهم يصدقون بالقرآن الذي أنزل إليك يا محمد وما أنزل من قبلك { ~~والمقيمين الصلاة } اختلف العلماء في وجه نصبه فحكي عن عائشة وأبان بن ms0843 ~~عثمان أنه غلط من الكتاب ينبغي أن يكتب والمقيمون الصلاة. وقال عثمان بن ~~عفان إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتهم فقيل له أفلا تغيره؟ فقال ~~دعوه فإنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا وذهب عامة الصحابة وسائر ~~العلماء من بعدهم إلى أنه لفظ صحيح ليس فيه من خطأ من كاتب ولا غيره ~~وأجيب عما روي عن عثمان بن عفان وعن عائشة وأبان بن عثمان بأن هذا بعيد ~~جدا لأن الذين جمعوا القرآن هم أهل اللغة والفصاحة والقدرة على ذلك فكيف ~~يتركون في كتاب الله لحنا يصلحه غيرهم فلا ينبغي أن ينسب هذا إليهم. قال ~~ابن الأنباري: ما روي عن عثمان لا يصلح لأنه غير متصل ومحال أن يؤخر ~~عثمان شيئا فاسدا ليصلحه غيره ولأن القرآن منقول بالتواتر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه؟ وقال الزمخشري في الكشاف ~~ولا يلتفت إلى ما زعموا من قوع لحن في خط المصحف وربما التفت إليه من لم ~~ينظر في الكتاب يعني كتاب سيبويه ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب ~~على الاختصاص والمدح من الافتتان وهو باب قد ذكره سيبويه على أمثلة ~~وشواهد وربما غبي عليه أن السابقين الأولين كانوا أبعد همة في الغيرة في ~~الإسلام وذب الطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله عز وجل ثلمة يسدها من ~~بعدهم وخرقا يرفؤه من يلحن بهم ثم اختلف العلماء في المقيمين الصلاة أهم ~~الراسخون في العلم أم غيرهم؟ على قولين: أحدهما إنهم هم وإنما نصب على ~~المدح والمعنى أذكر المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة قالوا العرب تفعل ~~ذلك في صفة الشيء الواحد ونعته وإذا تطاولت بمدح أو ذم فربما خالفوا بين ~~إعراب أوله وأوسطه أحيانا ثم رجعوا بآخره إلى إعراب أوله وربما أجروا ~~إعراب آخره على إعراب أوسطه وربما أجروا ذلك على نوع واحد من الإعراب ~~واستشهدوا على معنى الآية: # لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك ~~والطيبون معاقد الأزر # وهذا ms0844 على معنى أذكر النازلين وهم الطيبون ومن هذا المعنى تقول جاءني ~~المطعمين وهم المعينون. والقول الثاني أن المقيمين الصلاة غير الراسخين ~~في العلم وموضع والمقيمين الصلاة خفض بالعطف على قوله تعالى بما أنزله ~~إليك فعلى هذا القول يكون معنى الآية: { والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة } وهم الأنبياء لأنه لم يخل شرع أحد ~~منهم عن إقامة الصلاة وقيل المراد بهم الملائكة لأنهم يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون وصحح الزجاج القول الأول واختاره وصحح الطبري القول ~~الثاني واختاره. وقوله تعالى: { والمؤتون الزكاة } عطف على والمؤمنون ~~لأنه من صفتهم { والمؤمنون بالله واليوم الآخر } يعني والمصدقون بوحدانية ~~الله تعالى وبالبعث بعد الموت وبالثواب وبالعقاب { أولئك } يعني من هذه ~~الأوصاف صفته { سنؤتيهم أجرا عظيما } يعني سنعطيهم على ما كان منهم من ~~طاعة الله وإتباع أمره ثوابا عظيما وهو الجنة. ### || [4.163] # قوله عز وجل: { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلىنوح والنبيين من بعده } ~~قال ابن عباس قال سكين وعدي بن زيد يا محمد ما نعلم أن الله أنزل على بشر ~~من شيء من بعد موسى فأنزل الله هذه الآيات وقيل هو جواب لأهل الكتاب عن ~~سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء ~~جملة وأحدة فأجاب الله عز وجل عن سؤالهم بهذه الآية فقال: إنا أوحينا ~~إليك يا محمد كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده والمعنى إنكم يا معشر ~~اليهود تقرون بنبوة نوح وبجميع الأنبياء المذكورين في هذه الآية وهم اثنا ~~عشر نبيا والمعنى أن الله تعالى أوحى إلى هؤلاء الأنبياء وأنتم يا معشر ~~اليهود معترفون بذلك وما أنزل الله على أحد من هؤلاء المذكورين كتابا ~~جملة واحدة مثل ما أنزل على موسى فلما لم يكن عدم إنزال الكتاب جملة ~~واحدة على أحد هؤلاء الأنبياء قادحا في نبوته فكذلك لم يكن إنزال القرآن ~~على محمد صلى الله عليه وسلم قادحا في نبوته بل قد أنزل عليه كما أنزل ~~عليهم. قال المفسرون وإنما بدأ الله ms0845 عز وجل بذكر نوح عليه السلام لأنه ~~أول نبي بعث بشريعة وأول نذير على الشرك وأنزل الله عز وجل عليه عشر ~~صحائف وكان أول من عذبت أمته لردهم دعوته وأهلك أهل الأرض بدعائه وكان ~~أبا البشر كآدم عليهما السلام وكان أطول الأنبياء عمرا عاش ألف سنة لم ~~تنقص قوته ولم يشب ولم تنقص له سن وصبر على أذى قومه طول عمره ثم ذكر ~~الله الأنبياء من بعده جملة بقوله تعالى: { والنبيين من بعده } ثم خص ~~جماعة من الأنبياء بالذكر لشرفهم وفضلهم فقال { وأوحينا إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } وهم أولاد يعقوب وكانوا اثنى عشر { ~~وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا } يعني وآتينا داود ~~كتابا مزبورا يعني مكتوبا. وقيل: الزبور بالفتح اسم الكتاب الذي أنزل ~~على داود وهو مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام بل كلها ~~تسبيح وتقديس وتمجيد وثناء على الله عز وجل ومواعظ وكان داود عليه السلام ~~يخرج إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور وتقوم علماء بني إسرائيل خلفه ويقوم ~~الناس خلف العلماء وتقوم الجن خلف الناس والشياطين خلف الجن وتجيء الدواب ~~التي في الجبال فيقمن بين يديه وترفرف الطير على رؤوس الناس وهم يستمعون ~~لقراءة داود ويتعجبون منها فلما قارف الذنب زال عنه ذلك وقيل له ذلك أنس ~~الطاعة وهذا ذل المعصية ق عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك لقد أعطيت مزمارا من مزامير آل ~~داود " # قال الحميدي زاد البرقاني قلت والله يا رسول الله لو علمت إنك تسمع ~~لقراءتي لحبرتها لك تحبيرا، التحبير تحسين الصوت بالقراءة قال بعض ~~العلماء إنما لم يذكر موسى في هذه الآية لأن الله أنزل عليه التوراة جملة ~~واحدة وكان المقصود بذكر من ذكر من الأنبياء في الآية أنه لم ينزل على ~~أحد منهم كتابا جملة واحدة فلهذا لم يذكر موسى عليه السلام. ### || [4.164-165] # قوله تعالى: { ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل } لما نزلت هذه ms0846 الآية ~~المتقدمة قالت اليهود ما لموسى لم يذكر؟ فأنزل الله هذه الآية وفيها ذكر ~~موسى عليه السلام والمعنى وأوحينا إلى رسل قد قصصناهم عليك من قبل يعني ~~سميناهم في القرآن وعرفناك أخبارهم وإلى من بعثوا وما ورد عليهم من قومهم ~~{ ورسلا لم نقصصهم عليك } أي لم نسمهم لك ولم نعرفك أخبارهم قال أهل ~~المعاني الذين نوه الله بذكرهم من الأنبياء يدل على تفضيلهم على من لم ~~يذكر ولم يسم. وقوله تعالى: { وكلم الله موسى تكليما } يعني خاطبه ~~مخاطبة من غير واسطة لأن تأكيد كلم بالمصدر يدل على تحقيق الكلام وأن ~~موسى عليه السلام سمع كلام الله بلا شك لأن أفعال المجاز لا تؤكد ~~بالمصادر فلا يقال أراد الحائط يسقط إرادة. وهذا رد على من يقول إن الله ~~خلق كلاما في محل فسمع موسى ذلك الكلام وقال الفراء العرب تسمى كل ما ~~يوصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل لكن لا تحققه بالمصدر وإذا حقق ~~بالمصدر لم يكن إلا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام فدل قوله ~~تعالى تكليما على أن موسى قد سمع كلام الله حقيقة من غير واسطة. وروى ~~الطبري بسنده من عدة طرق عن كعب الأحبار قال لما كلم الله موسى عليه ~~السلام بالألسنة كلها قبل كلامه يعني كلام موسى بلسانه فجعل موسى يقول يا ~~رب لا أفهم حتى كلمه بلسانه آخر الألسنة فقال: يا رب هكذا كلامك قال لو ~~سمعت كلامي يعني على وجهه لم تك شيئا قال موسى: يا رب هل في خلقك شيء ~~يشبه كلامك قال لا وأقرب خلقي شبها بكلامي أشد ما سمع الناس من الصواعق ~~قال بعض العلماء كما أن الله تعالى خص موسى عليه السلام بالتكليم وشرفه ~~به ولم يكن ذلك قادحا في نبوة غيره من الأنبياء فكذلك إنزال التوراة ~~عليه جملة واحدة لم يكن قادحا في نبوة من أنزل عليه كتابه متفرقا من ~~الأنبياء. قوله عز وجل: { رسلا مبشرين ومنذرين } يعني: # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من ms0847 بعده # [النساء: 163] ومن أولئك النبيين أرسلت رسلا إلى خلقي مبشرين من أطاعني ~~واتبع أمري وصدق رسلي بالثواب الجزيل في الجنة ومنذرين من عصاني وخالف ~~أمري وكذب رسلي بالعذاب الأليم في النار. وقيل هو جواب عن سؤال اليهود ~~إنزال الكتاب جملة واحدة والمعنى أن المقصود من بعثة الرسول هو إرشاد ~~الخلق إلى معرفة الله وتوحيده والإيمان به والاشتغال بعبادته وإنذار من ~~خالف ذلك وهذا المقصود يحصل بإنزال الكتاب جملة واحدة وبإنزاله نجوما ~~متفرقة بل إنزاله متفرقا أولى. # وذلك أن النفوس قبل بعثة الرسل وإنزال الكتب لم تكن تعرف شيئا من ~~العبادات ولم تألفها فإذا نزل الكتاب جملة واحدة وفيه جميع التكاليف ربما ~~حصل في بعض نفوس العباد نفور العباد نفور من تلك التكاليف وتثقل عليهم ~~كما أخبر الله عن قوم موسى بقوله تعالى: # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم ~~بقوة واذكروا ما فيه # [الأعراف: 15] فلم يقبلوا أحكام التوراة إلا بعد شدة فلهذا السبب كان ~~إنزال القرآن نجوما متفرقة أولى. وقوله تعالى: { لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل } يعني بعد إرسال الرسل وإنزال الكتاب والمعنى لئلا ~~يحتج الناس على الله في ترك التوحيد والطاعة بعدم الرسل فيقولوا ما أرسلت ~~إلينا رسولا وما أنزلت علينا كتابا ففيه دليل على أنه لو لم يبعث الرسل ~~لكان للناس عليه حجة في ترك التوحيد والطاعة وفيه دليل على ان الله لا ~~يعذب الخلق قبل بعثة الرسل كما قال تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] وفيه دليل لمذهب أهل السنة على أن معرفة الله تعالى لا ~~تثبت إلا بالسمع لأن قوله: { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ~~يدل على أن قبل بعثة الرسل تكون لهم الحجة في ترك الطاعات والعبادات. فإن ~~قلت كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل والخلق محجوبون بما نصب من ~~الأدلة التي النظر فيها موصل إلى معرفته ووحدانيته كما قيل: # وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد ms0848 # قلت الرسل منبهون من رقاد الغفلة والجهالة وباعثون الخلق إلى النظر في ~~تلك الدلائل التي تدل على وحدانيته سبحانه وتعالى ومبينون لها وهم وسائط ~~بين الله تعالى وخلقه ومبينون أحكام الله تعالى التي افترضها على عباده ~~ومبلغون رسالته إليهم ق عن المغيرة بن شعبة قال: قال سعد بن عبادة لو ~~رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: # " أتعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة ~~الله حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من ~~الله من أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين ولا أحد أحب إليه المدحة من ~~الله، ومن أجل ذلك وعد الجنة " # لفظ البخاري وفي لفظ مسلم ولا شخص أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك ~~بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين. وقوله تعالى: { وكان الله عزيزا } ~~يعني في انتقامه ممن خالف أمره وعصى رسله { حكيما } يعني في إرساله ~~الرسل. ### || [4.166-170] # قوله تعالى: { لكن الله يشهد بما أنزل إليك } قال ابن عباس دخل على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود فقال لهم: # " إني والله أعلم أنكم لتعلمن أني رسول الله " # فقالوا ما نعلم ذلك فأنزل الله هذه الآية وفي رواية ابن عباس أن رؤوساء ~~مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد إنا سألنا عنك ~~اليهود وعن صفتك في كتابهم فزعموا أنهم لا يعرفونك فأنزل الله عز وجل لكن ~~الله يشهد بما أنزل إليك يعني إن جحدك هؤلاء اليهود يا محمد وكفروا بما ~~أوحينا إليك وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء فقد كذبوا فيما ادعوا ~~فإن الله يشهد لك بالنبوة ويشهد بما أنزل إليك من كتابه ووحيه. والمعنى ~~أن اليهود وإن شهدوا أن القرآن لم ينزل عليك يا محمد لكن الله يشهد بأنه ~~أنزل عليك وشهادة الله إنما عرفت بسبب أنه أنزل هذا القرآن البالغ في ~~الفصاحة والبلاغة إلى ms0849 حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته، والإيمان ~~بمثله فكان ذلك معجزا وإظهار المعجزة شهادة يكون المدعي صادقا لا جرم ~~قال الله تعالى لكن الله يشهد لك يا محمد بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي ~~أنزله عليك { أنزله بعلمه } يعني أنه تعالى لما قال لكن الله يشهد بما ~~أنزل إليك بين صفة ذلك الإنزال وهو أنه تعالى أنزله بعلم تام وحكمة بالغة ~~وقيل معناه أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله عليك وأنك مبلغه إلى عباده ~~وقيل معناه أنزله بما علم من مصالح عباده في إنزاله عليك { والملائكة ~~يشهدون } يعني يشهدون بأن الله أنزله عليك ويشهدون بتصديقك وإنما عرفت ~~شهادة الملائكة لأن الله تعالى إذا شهد بشيء شهدت الملائكة بذلك الشيء. ~~وقد ثبت أن الله يشهد بأنه أنزله بعلمه فلذلك الملائكة يشهدون بذلك { ~~وكفى بالله شهيدا } يعني وحسبك يا محمد أن الله يشهد لك وكفى بالله ~~شهيدا وإن لم يشهد معه أحد غيره ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن ~~شهادة أهل الكتاب له فإن الله يشهد له وملائكته كذلك. قوله عز وجل: { إن ~~الذين كفروا } يعني جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود { ~~وصدوا عن سبيل الله } يعني منعوا غيرهم عن الإيمان به بكتمان صفته وإلقاء ~~الشبهات في قلوب الناس وهو قولهم لو كان محمد رسولا لأتى بكتاب من ~~السماء جملة واحدة كما أتى موسى بالتوراة { قد ضلوا ضلالا بعيدا } يعني ~~عن طريق الهدى { إن الذين كفروا وظلموا } يعني كفروا بالله وظلموا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم بكتمان صفته وظلموا غيرهم بإلقاء الشبهة في قلوبهم { ~~لم يكن الله ليغفر لهم } يعني لمن علم منهم أنهم يموتون على الكفر وقيل ~~معناه لم يكن الله ليستر عليهم قبائح أفعالهم بل يفضحهم في الدنيا ~~ويعاقبهم عليها بالقتل والسبي والجلاء في الآخرة بالنار وهو قوله تعالى: ~~{ ولا ليهديهم طريقا } يعني ينجون فيه من النار وقيل ولا ليهديهم طريقا ~~إلى الإسلام لأنه قد سبق في علمه أنهم لا يؤمنون { إلا طريق جهنم } يعني ~~لكنه ms0850 تعالى يهديهم إلى طريق يؤدي إلى جهنم وهي اليهودية لما سبق في علمه ~~أنهم أهل لذلك { خالدين فيها } يعني في جهنم { أبدا وكان ذلك على الله ~~يسيرا } يعني هينا. # قوله عز وجل: { يا أيها الناس } هذا خطاب عام يدخل فيه جميع الكفار من ~~اليهود والنصارى وعبادة الأصنام وغيرهم وقيل هو خطاب لمشركي العرب { قد ~~جاءكم الرسول } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { بالحق } يعني بدين ~~الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده وقيل جاء بالقرآن الذي هو الحق { من ~~ربكم } يعني من عند ربكم { فآمنوا خيرا لكم } يعني فآمنوا بما جاءكم به ~~محمد صلى الله عليه وسلم يكن الإيمان بذلك خيرا لكم يعني من الكفر الذي ~~أنتم عليه { وإن تكفروا } يعني وإن تجحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وتكذبوا بما جاءكم من الحق من ربكم { فإن لله ما في السموات والأرض } ~~يعني فإن الله هو الغني عن إيمانكم لأن له ما في السموات والأرض ملكا ~~وعبيدا ومن كان كذلك لم يكن محتاجا إلى شيء وأنه قادر على من يشاء { ~~وكان الله عليما } يعني بما يكون منكم لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده ~~فيجزي كل عامل بعمله { حكيما } يعني في تكليفهم مع علمه بما يكون منكم. ### || [4.171] # قوله عز وجل: { يا أهل الكتاب } نزلت هذه الآية في النصارى وذلك أن الله ~~تعالى لما أجاب عن شبه اليهود فيما تقدم من الآية أتبع ذلك بإبطال ما ~~تعتقده النصارى وأصناف النصارى أربعة: اليعقوبية والملكانية والنسطورية ~~والمرقوسية، فأما اليعقوبية والملكانية فقالوا في عيسى أنه الله وقالت ~~النسطورية إنه ابن الله وقالت المرقوسية ثالث ثلاثة وقيل: إنهم يقولون إن ~~عيسى جوهر واحد ثلاثة أقانيم أقنوم الأب وبأقنوم الابن وأقنوم روح القدس ~~وأنهم يريدون بأقنوم الأب الذات وأقنوم الابن عيسى. وبأقنوم روح القدس ~~الحياة الحالة فيه فتقديره عندهم الإله ثلاثة، وقيل إنهم يقولون في عيسى ~~ناسوتية وألوهية فناسوتيته من قبل الأم وألوهيته من قبل الأب تعالى الله ~~عما يقولون علوا كبيرا يقال إن الذي أظهر هذا ms0851 للنصارى رجل من اليهود ~~يقال له بولص تنصر ودس هذا في دين النصارى ليضلهم بذلك. وستأتي قصته في ~~سورة التوبة إن شاء الله تعالى وقيل يحتمل أن يكون المراد بأهل الكتاب ~~اليهود والنصارى جميعا. فإنهم غلوا في أمر عيسى عليه السلام. فأما ~~اليهود فإنهم بالغوا في التقصير في أمره حتى حطوه عن منزلته حيث جعلوه ~~مولودا لغير رشده وغلت النصارى في رفع عيسى عن منزلته ومقداره حيث جعلوه ~~إلها فقال الله تعالى ردا عليهم جميعا يا أهل الكتاب { لا تغلوا في ~~دينكم } وأصل الغلو مجاوزة الحد وهو في الدين حرام والمعنى لا تفرطوا في ~~أمر عيسى ولا تحطوه عن منزلته ولا ترفعوه فوق قدره ومنزلته { ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق } يعني لا تقولوا إن له شريكا وولدا وقيل معناه لا ~~تصفوه بالحلول والاتحاد في بدن الإنسان ونزهوا الله تعالى عن ذلك، ولما ~~منعهم الله من الغلو في دينهم أرشدهم إلى طريق الحق في أمر عسى عليه ~~السلام فقال تعالى: { إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } يقول إنما ~~المسيح هو عيسى ابن مريم ليس له نسب غير هذا وأنه رسول الله فمن زعم غير ~~هذا فقد كفر وأشرك { وكلمته } هي قوله تعالى: كن فكان بشرا من غير أب ~~ولا واسطة { ألقاها إلى مريم } يعني أوصلها إلى مريم { وروح منه } يعني ~~أنه كسائر الأرواح التي خلقها الله تعالى وإنما أضافه إلى نفسه على سبيل ~~التشريف والتكريم كما يقال بيت الله وناقة الله. وهذه نعمة الله يعني أنه ~~تفضل بها وقيل الروح هو الذي نفخ فيه جبريل في جيب درع مريم فحملت بإذن ~~الله. وإنما أضافه إلى نفسه بقوله منه لأنه وجد بأمر الله قال بعض ~~المفسرين إن الله تعالى لما خلق أرواح البشر جعلها في صلب آدم عليه ~~السلام، وأمسك عنده روح عيسى عليه السلام فلما أراد الله أن يخلقه أرسل ~~بروحه مع جبريل إلى مريم فنفخ في جيب درعها فحملت بعيسى عليه السلام وقيل ~~إن الروح والريح متقاربان في ms0852 كلام العرب، فالروح عبارة عن نفخ جبريل عليه ~~السلام وقوله منه يعني إن ذلك النفخ كان بأمره وإذنه وقيل أدخل النكرة في ~~قوله وروح على سبيل التعظيم والمعنى روح وأي روح من الأرواح القدسية ~~العالية المطهرة وقوله منه إضافته تلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف ~~والتكريم ق عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ~~وأن عيسى عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة والنار حق ~~أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ". # وقوله تعالى: { فآمنوا بالله ورسله } يعني فصدقوا يا أهل الكتاب ~~بوحدانية الله وأنه لا ولد له وصدقوا رسله فيما جاءكم به من عند الله ~~وصدقوا بأن عيسى عليه السلام من رسل الله فآمنوا به ولا تجعلوه إله وقوله ~~تعالى: { ولا تقولوا ثلاثة } يعني ولا تقولوا الآلهة ثلاثة وذلك أن ~~النصارى يقولون أب وابن وروح القدس وقيل إنهم يقولون إن الله بالجوهر ~~ثلاثة أقانيم وذلك أنهم أثبتوا ذاتا موصوفة بصفات ثلاثة بدليل أنهم ~~يجوزون على تلك الذات الحلول في عيسى وفي مريم فأثبتوا ذواتا متعددة ~~ثلاثة وهذا هو محض الكفر. فلهذا قال الله تعالى ولا تقولوا ثلاثة { ~~انتهوا خيرا لكم } يعني يكون الانتهاء عن هذا القول خير لكم من القول ~~بالتثليث ثم نزه الله تعالى نفسه عن قول النصارى بالتثليث فقال تعالى: { ~~إنما الله إله واحد } ثم نزه نفسه عن الولد فقال { سبحانه أن يكون له ولد ~~} يعني لا ينبغي أن يكون له ولد لأن الولد جزء من الأب وتعالى الله عن ~~التجزئة، وعن صفات الحدوث { له ما في السموات وما في الأرض } يعني أنه ~~تعالى له ملك السموات والأرض وما فيهما عبيده وملكه وعيسى ومريم من جملة ~~من فيهما فهما عبيده وملكه فإذا كانا عبدين له فكيف يعقل مع هذا أن له ~~ولدا أو زوجة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؟ وهذا بيان لتنزيهه مما ms0853 ~~نسب إليه من الولد والمعنى أن جميع ما في السموات والأرض خلقه وملكه فكيف ~~يكون بعض ملكه جزء منه؟ لأن التجزئة إنما تصح في الأجسام والله تعالى ~~منزه عن صفات الأعراض والأجسام { وكفى بالله وكيلا } يعني أنه تعالى كاف ~~في تدبير جميع خلقه فلا حاجة له إلى غيره، وكل الخلق محتاجون إليه وفقراء ~~إليه وهو غني عنهم. ### || [4.172-175] # وقوله تعالى: { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله } وذلك أن وفد نجران ~~قالوا يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول إنه عبد الله فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنه ليس بعارعلى عيسى أن يكون عبد الله فنزلت لن يستنكف المسيح ~~يعني لن يأنف ولن يتعظم والاستنكاف الاستكبار مع الأنفة يقال نكفت من كذا ~~واستنكفت منه أي أنفت منه وأصله من نكفت الشيء نحيته ونكفت الدمع إذا ~~نحيته بأصبعك من خدك والمعنى لن ينقبض ولن يمتنع ولن يأنف المسيح أن يكون ~~عبدالله { ولا الملائكة المقربون } يعني ولن يستنكف الملائكة المقربون ~~وهم حملة العرش والكروبيون وأفاضل الملائكة مثل: جبريل وميكائيل وإسرافيل ~~وعزرائيل أن يكونوا عبيدالله لأنهم في ملكه ومن جملة خلقه وقيل لما ادعت ~~النصارى في عيسى أنه ابن الله وذلك لما رأوا منه خوارق العادات من أحياء ~~الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من المعجزات، أجاب الله تعالى عن ~~هذه الشبهات التي وقعت للنصارى بأن عيسى من شرف قدره وكرامته لن يستنكف ~~أن يكون عبدا لله. وكذلك الملائكة المقربون فإنهم مع كرامتهم وعلو ~~منزلتهم لن يستنكفوا أن يكونوا عبيدا لله وقد يستدل بهذه الآية من يقول ~~بتفضيل الملائكة على البشر ووجه الدليل أن الله تعالى ارتقى من عيسى إلى ~~الملائكة ولا يرتقي إلا من الأدنى إلى الأعلى ولا حجة لهم فيه والجواب ~~عنه أن الله تعالى لم يقل ذلك رفعا لمقامهم على مقام البشر بل قاله ردا ~~على من يقول إن الملائكة بنات الله أو أنهم آلهة كما رد على النصارى ~~قولهم إن المسيح ابن الله وقاله أيضا ردا على النصارى فإنهم ms0854 يقولون ~~بتفضيل الملائكة يعني كما أن المسيح عبدالله فكذلك الملائكة عبيدالله. ~~وقوله تعالى: { ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر } يعني ومن يتعظم عن عبادة ~~الله ويأنف من التذلل لله والخضوع والطاعات من جميع خلقه { فسيحشرهم إليه ~~جميعا } يعني فسيبعثهم يوم القيامة لموعدهم الذي وعدهم حيث لا يملكون ~~لأنفسهم شيئا { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم } يعني ~~يوفيهم جزاء أعمالهم الصالحة { ويزيدهم من فضله } يعني ويزيدهم على ما ~~أعطاهم من الثواب على أعمالهم الصالحة من التضعيف على ذلك ما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر { وأما الذين استنكفوا واستكبروا } ~~يعني الذين أنفوا وتكبروا عن عبادة الله تعالى { فيعذبهم عذابا أليما ~~ولا يجدون لهم من دون الله } يعني من سوى الله لأنفسهم { وليا } يعني ~~ينجيهم من عذابه { ولا نصيرا } يعني ولا ناصرا ينصرهم منه، ويدفع عنهم ~~عقوبته بقي في الآية سؤال وهو أن التفصيل غير مطابق للمفصل لأن التفصيل ~~اشتمل على ذكر فريقين: وهو قوله: { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ~~فيوفيهم أجورهم وأما الذين استنكفوا واستكبروا } والمفصل اشتمل على ذكر ~~فريق واحد وهو قوله: { ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر } والجواب أنه لا ~~إشكال فيه فهو مثل قولك جمع الإمام الخوارج فمن لم يخرج عليه كساه وحمله ~~ومن خرج عليه نكل به، وصحة ذلك لوجهين: أحدهما أنه حذف ذكر أحد الفريقين ~~لدلالة التفصيل عليه لأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني، والوجه الثاني ~~أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم فكان داخلا في جملة التنكيل بهم فكأنه ~~قال ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فيعذبهم بالحسرة والغم إذا رأوا أجور ~~المطيعين العاملين لله تعالى. # قوله عز وجل: { يا أيها الناس } خطاب للكافة { قد جاءكم برهان من ربكم } ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وما جاء به من البينات من ربه عز وجل ~~وإنما سماه برهانا لما معه من المعجزات الباهرات التي تشهد بصدقه ولأن ~~للبرهان دليل على إقامة الحق وإيصال الباطل والنبي صلى الله عليه وسلم ~~كان كذلك ولأنه تعالى ms0855 جعله حجة قاطعة قطع به عذر جميع الخلائق { وأنزلنا ~~إليكم نورا مبينا } يعني القرآن وإنما سماه نورا لأن به تتبين الأحكام ~~كما تتبين الأشياء بالنور بعد الظلام ولأنه سبب لوقوع نور الإيمان في ~~القلب فسماه نورا لهذا المعنى { فأما الذين آمنوا بالله } يعني صدقوا ~~بوحدانية الله وبما أرسل من رسول وأنزل من كتاب { واعتصموا به } يعني ~~بالله في أن يثبتهم على الإيمان ويصونهم عن زيغ الشيطان، وقيل في معنى ~~واعتصموا به أي وتمسكوا بالنور وهو القرآن الذي أنزله على نبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم { فسيدخلهم في رحمة منه } يعني فسيدخلهم في رحمته التي ~~ينجيهم بها من أليم عذابه قال ابن عباس الرحمة الجنة { وفضل } يعني ما ~~يتفضل به عليهم بعد إدخالهم الجنة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر { ويهديهم إليه صراطا مستقيما } يعني ويوفقهم لإصابة فضله ~~الذي تفضل به عليهم ويسددهم لسلوك منهج من أنعم عليه من أهل طاعته ~~ويرشدهم لدينه الذي ارتضاه لعباده وهو دين الإسلام. ### || [4.176] # قوله تعالى: { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } نزلت في جابر بن ~~عبدالله الأنصاري ق عن جابر بن عبدالله قال مرضت فأتاني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبو بكر يعوداني ماشيين فأغمي علي فتوضأ النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم صب علي من وضوئه فأفقت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ~~يا رسول الله كيف أصنع في مالي؟ كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد علي شيئا ~~حتى نزلت آية الميراث: { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } وفي رواية ~~فقلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة فنزلت آية الميراث قال شعبة فقلت ~~لمحمد بن المنكدر يستفتونك: { قل الله يفتيكم في الكلالة } قال هكذا نزلت ~~وفي رواية الترمذي وكان لي تسع أخوات حتى نزلت آية الميراث: { يستفتونك ~~قل الله يفتيكم في الكلالة } ولأبي داود قال اشتكيت وعند سبع أخوات فدخل ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفخ في وجهي فأفقت فقلت يا رسول الله ms0856 ~~ألا أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال أحسن قلت بالشطر؟ قال أحسن ثم خرج وتركني ~~فقال يا جابر لا أراك ميتا من وجعك هذا وإن الله قد أنزل فبين الذي ~~لأخواتك فجعل لهن الثلثين قال فكان جابر يقول أنزلت هذه الآية في: { ~~يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } وروى الطبري عن قتادة أن الصحابة ~~أهمهم شأن الكلالة فسألوا عنها نبي الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ~~هذه الآية وروى عن ابن سيرين قال نزلت: { يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة } والنبي صلى الله عليه وسلم في مسير له وإلى جنبه حذيفة بن ~~اليمان فبلغها النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة وبلغها حذيفة عمر بن ~~الخطاب وهو يسير خلفه فلما استخلف عمر سأل حذيفة عنها ورجا أن يكون عنده ~~تفسيرها، فقال له حذيفة والله لأنك لعاجز إن ظننت أن إمارتك تحملني أن ~~أحدثك فيها ما لم أحدثك يومئذ فقال عمر لم أرد هذا رحمك الله. وأما ~~التفسير فقوله تعالى: { يستفتونك } يعني يسألونك ويستخبرونك عن معنى ~~الكلالة يا محمد قل: الله يفتيكم في الكلالة يعني أن الله هو يخبركم عما ~~سألتم عنه من أمر الكلالة. وقد تقدم في أول السورة الكلام على معنى ~~الكلالة من حيث الاشتقاق وغيره وأن اسم الكلالة يقع على الوارث وعلى ~~الموروث فإن وقع على الوارث فهم من سوى الوالد والولد وإن وقع على ~~الموروث فهو من مات ولا يرثه أحد الأبوين ولا أحد الأولاد. قوله تعالى: { ~~إن امرؤ هلك } يعني مات الموت هلاكا لأنه إعدام في الحقيقة { ليس له ولد ~~} يعني ولا والد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر ودل على المحذوف أن السؤال ~~في الفتيا إنما كان في الكلالة وقد تقدم أن الكلالة من ليس له ولد ولا ~~والد { ولا أخت } يعني ولذلك الهالك أخت وأراد بالأخت من أبيه وأمه أو من ~~أبيه { فلها نصف ما ترك } يعني فلأخت الميت نصف تركته وهو فرضها إذا ~~انفردت وباقي المال لبيت المال إذا لم يكن للميت عصبة. # وهذا مذهب زيد ms0857 بن ثابت وبه قال الشافعي وعند أبي حنيفة وأهل العراق يرد ~~الباقي عليها فإذا كان للميت بنت أخذت النصف بالفرض وتأخذ الأخت النصف ~~الباقي بالتعصيب لا بالفرض لأن الأخوات مع البنات عصبة. وقوله تعالى: { ~~وهو يرثها إن لم يكن لها ولد } يعني أن الأخت إذا ماتت وتركت أخا من ~~الأب والأم أو من الأب فإنه يستغرق جميع ميراث الأخت إذا انفرد ولم يكن ~~للأخت ولد وهذا أصل في جميع العصبات واستغراقهم جميع المال، فأما الأخ من ~~الأم فإنه صاحب فرض لا يستغرق جميع المال وقد تقدم بيانه { فإن كانتا ~~اثنتين فلهما الثلثان مما ترك } أراد بنتين فصاعدا وهو أن من مات وترك ~~أختين أو أخوات فلهن الثلثان مما ترك الميت { وإن كانوا إخوة رجالا ~~ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين } يعني وان كان المتروكون من الإخوة رجالا ~~ونساء فللذكر منهم نصيب اثنتين من الإخوة الإناث { يبين الله لكم أن ~~تضلوا } يعني يبين الله لكم هذه الفرائض والأحكام لئلا تضلوا. وقيل معناه ~~كراهية أن تضلوا وقيل بين الله الضلالة لتجتنبوها { والله بكل شيء عليم ~~} يعني من مصالح عباده التي حكم بها من قسمة المواريث وبيان الأحكام وغير ~~ذلك لأن علمه محيط بكل شيء ق عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال إن آخر ~~سورة نزلت تامة سورة التوبة وإن آخر آية نزلت آية وفي رواية لمسلم قال ~~آخر آية نزلت يستفتونك وروي عن ابن عباس أن آخر سورة نزلت سورة التوبة ~~وأن آخر آية الكلالة وفي رواية لمسلم قال آخر آية الربا وآخر سورة نزلت ~~إذا جاء نصر الله والفتح وروي عنه أن آخر آية نزلت # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281] وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم عاش بعد نزول سورة ~~النصر سنة ونزلت بعدها سورة براءة وهي آخر سورة نزلت كاملة فعاش بعدها ~~ستة أشهر هكذا ذكره البغوي وفيه نظر لأنه قد ثبت في الصحيحن من حديث أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله ms0858 عليه وسلم بعثه في الحجة التي ~~أمره عليها قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس يوم النحر: ألا لا يحج ~~بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة قال أبو هريرة فأذن معنا في أهل ~~منى ببراءة ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. وكانت حجة ~~أبي بكر هذه سنة تسع قبل حجة الوداع بسنة قال البغوي: ثم نزلت في طريق ~~حجة الوداع { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } فسميت آية الصيف ثم ~~نزلت وهو واقف بعرفة # اليوم أكملت لكم دينكم # [المائدة: 3] فعاش بعدها أحدا وثمانين يوما ثم نزلت آية الربا ثم ~~نزلت: # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281] عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها أحدا وعشرين يوما. ~~وهذا آخر تفسير سورة النساء والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } يعني العهود قال ~~الجماعة: واختلفوا في المراد بهذه العقود التي أمر الله تعالى بوفائها ~~فقال ابن جريج: هذا خطاب لأهل الكتاب. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا ~~بالكتب المتقدمة، أوفوا بالعقود التي عهدتها إليكم في شأن محمد صلى الله ~~عليه وسلم والإيمان به. وقيل هو خطاب للمؤمنين أمرهم بالوفاء بالعقود. ~~قال ابن عباس: هي عهود الإيمان وما أخذه على عباده في القرآن فيما أحل ~~وحرم. وقيل هي العقود التي كانت في الجاهلية كان يعاقد بعضهم بعضا على ~~النصرة والمؤازرة على من حاول ظلمه أو بغاه بسوء وذلك هو معنى الحلف الذي ~~كانوا يتعاقدونه بينهم. قال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يقول # " أوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقدا في الإسلام ". # وقيل: بل هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم وما يعقده الإنسان على ~~نفسه. والعقود خمسة: عقد اليمين، وعقد النكاح، وعقد العهد، وعقد البيع، ~~وعقد الشركة. زاد بعضهم: وعقد الحلف. قال الطبري: وأولى الأقوال عندنا ~~بالصواب ما ms0859 قاله ابن عباس أن معناه أوفوا يا أيها المؤمنون بعقود الله ~~التي أوجبها عليكم وعقدها فيما أحل وحرم عليكم وألزمكم فرضه وبين لكم ~~حدوده وإنما قلنا إن هذا القول أولى بالصواب، لأن الله تعالى أتبعه ~~بالبيان عما أحل لعباده وحرم عليهم فقال تعالى: { أحلت لكم بهيمة الأنعام ~~} وهو خطاب للمؤمنين خاصة والبهيمة اسم لكل ذي أربع من الحيوان لكن خص في ~~التعارف بما عدا السباع والضواري من الوحوش وإنما سميت بهيمة لأنها أبهمت ~~عن العقل والتمييز. قال الزجاج: كل حي لا يميز فهو بهيمة. والأنعام: جمع ~~النعم وهي الإبل والبقر والغنم ولا يدخل فيها ذوات الحافر في قول جميع ~~أهل اللغة. واختلفوا في معنى الآية فقال الحسن وقتادة: بهيمة الأنعام، ~~الإبل والبقر والغنم والمعز. وعلى هذا القول إنما أضاف البهيمة إلى ~~الأنعام على جهة التوكيد. وقال الكلبي: بهيمة الأنعام وحشيها كالظباء ~~وبقر الوحش وحمر الوحش. وعلى هذا إنما أضاف البهيمة إلى الأنعام ليعرف ~~جنس الأنعام وما أحل منها لأنه لو أفردها فقال البهيمة لدخل فيه ما يحل ~~ويحرم من البهائم فلهذا قال تعالى: { أحلت لكم بهيمة الأنعام }. وقال ابن ~~عباس: هي الأجنة التي توجد ميتة في بطون أمهاتها إذا ذبحت أو نحرت. ذهب ~~أكثر العلماء إلى تحليلها وهو مذهب الشافعي ويدل عليه ما روي عن أبي سعيد ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " في الجنين ذكاته ذكاة أمه " # أخرجه الترمذي وابن ماجه. وفي رواية أبي داود قال: # " قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة ونجد في بطنها ~~الجنين أنلقيه أم نأكله؟ قال: كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه " # وروى الطبري عن ابن عمر في قوله: أحلت لكم بهيمة الأنعام، قال: ما في ~~بطنها. قال عطية العوفي: قلت إن خرج ميتا آكله؟ قال: نعم هو بمنزلة ~~رئتها وكبدها. وعن ابن عباس قال: الجنين من بهيمة الأنعام وعنه أن بقرة ~~نحرت فوجد في بطنها جنين فأخذ ابن عباس بذنب الجنين. وقال: هذا من بهيمة ~~الأنعام. وشرط بعضهم ms0860 الإشعار وتمام الخلق. وقال ابن عمر: ذكاة ما في ~~بطنها ذكاتها إذا تم خلقه ونبت شعره ومثله عن سعيد بن المسيب. وقال أبو ~~حنيفة: لا يحل أكل الجنين إذا خرج ميتا بعد ذكاة الأم. وقوله تعالى: { ~~إلا ما يتلى عليكم } يعني في القرآن تحريمه وأراد به قوله تعالى: # حرمت عليكم الميتة # [المائدة: 3] إلى آخر الآية فهذا من المتلو علينا وهو ما استثنى الله عز ~~وجل من بهيمة الأنعام { غير محلي الصيد وأنتم حرم } يعني أحللت لكم ~~الأنعام كلها والوحشية أيضا من الظباء والبقر والحمر غير محلى صيدها ~~وأنتم محرمون في حال الإحرام فلا يجوز للمحرم أن يقتل صيدا في حال ~~إحرامه { إن الله يحكم ما يريد } يعني أن الله يقضي في خلقه ما يشاء، من ~~تحليل ما أراد تحليله وتحريم ما أراد تحريمه وفرض ما يشاء أن يفرضه عليهم ~~من أحكامه وفرائضه مما فيه مصلحة لعباده. ### || [5.2] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله } # " نزلت في الحطم واسمه شريح بن هند بن ضبعة البكري أتى المدينة وحده ~~وخلف خيله خارج المدينة ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: " إلا ما، تدعو الناس فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فقال حسن إلا أن ~~لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم ولعلي أسلم وآتي بهم فخرج من عنده وقد كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل من ربيعة ~~يتكلم بلسان شيطان فلما خرج شريح. قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد دخل ~~بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم، فمر بسرح من سرح المدينة ~~فاستاقه وانطلق به وهو يرتجز ويقول: لقد لفها بالليل سواق حطم * ليس ~~براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم * باتوا نياما وابن هند لم ينم ~~بات يقاسيها غلام كالزلم * خدلج الساقين ممسوح القدم فتبعوه فلم يدركوه ~~فلما كان العام القابل، خرج شريح ms0861 حاجا مع حجاج بكر بن وائل من اليمامة ~~ومعه تجارة عظيمة وقد قلد الهدي، فقال المسلمون: يا رسول الله هذا الحطم ~~قد خرج حاجا فخل بيننا وبينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه قد ~~قلد الهدي. فقالوا: يا رسول الله هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية فأبى ~~النبي صلى الله عليه وسلم " # فأنزل الله: { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله }. قال ابن ~~عباس: هي المناسك كان المشركون يحجون ويهدون، فأراد المسلمون أن يغيروا ~~عليهم فنهاهم الله عن ذلك. وقيل: الشعائر، الهدايا المشعرة وإشعارها أن ~~يطعن في صفحة سنام البعير بحديدة حتى يسيل دمه فيكون ذلك علامة أنها هدي ~~وهو سنة في الأبل والبقر عون الغنم، ويدل عليه ما روي عن عائشة: # " فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم ثم أشعرها وقلدها ثم بعث بها ~~إلى البيت فما حرم عليه شيء كان له حلالا " # أخرجاه في الصحيحين م. عن ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته ~~فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين ثم ركب ~~راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج " # وعند أبي حنيفة لا يجوز إشعار الهدي بل قال يكره ذلك. وقال ابن عباس في ~~معنى الآية: لا تحلوا شعائر الله هي أن تصيد وأنت محرم. وقيل: شعائر الله ~~شرائع الله ومعالم دينه، والمعنى: لا تحلوا شيئا من فرائضه التي افترض ~~عليكم واجتنبوا نواهيه التي نهى عنها { ولا الشهر الحرام } أي ولا تحلوا ~~الشهر الحرام بالقتال فيه والشهر الحرام: هو الذي كانت العرب تعظمه وتحرم ~~القتال في الجاهلية فيه، فلما جاء الإسلام، لم ينقض هذا الحكم، بل أكده. # والمراد بالشهر الحرام هنا، ذو القعدة. وقيل: رجب. ذكرهما ابن جرير. ~~وقيل: المراد بإحلال الشهر الحرام النسيء. قال مقاتل: كان جنادة بن عوف ~~يقوم في سوق عكاظ، فيقول: إني قد أحللت كذا وحرمت كذا يعني به الأشهر ~~فنهى الله عن ذلك وسيأتي تفسير النسيء ms0862 في سورة براءة: { ولا الهدي ولا ~~القلائد } الهدي ما يهدى إلى بيت الله من بعير أو بقرة أو شاة أو غير ذلك ~~مما يتقرب به إلى الله تعالى، والقلائد جمع قلادة وهي التي تشد في عنق ~~البعير وغيره والمعنى: ولا الهدي ذوات القلائد. قال الشاعر: # حلفت برب مكة والمصلى وأعناق هدين مقلدات # فعلى هذا القول إنما عطف القلائد على الهدي مبالغة في التوصية لأنها من ~~أشراف البدن المهداة والمعنى: ولا تستحلوا الهدي خصوصا المقلدات منها. ~~وقيل: أراد أصحاب القلائد وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا أرادوا ~~الخروج من الحرم قلدوا أنفسهم وإبلهم من لحاء شجر الحرم فكانوا يأمنون ~~بذلك فلا يتعرض لهم أحد، فنهى الله المؤمنين عن ذلك الفعل ونهاهم عن ~~استحلال نزع شيء من شجر الحرم { ولا آمين البيت الحرام } يعني ولا ~~تستحلوا القاصدين إلى البيت الحرام وهو الكعبة شرفها الله وعظمها { ~~يبتغون } يعني يطلبون { فضلا من ربهم } يعني الرزق والأرباح في التجارة ~~{ ورضوانا } يعني ويطلبون رضا الله عنهم بزعمهم لأن الكافر لا حظ له في ~~الرضوان لكن يظن أن فعله ذلك طلب الرضوان فيجوز أن يوصف به بناء على ظنه. ~~وقيل إن المشركين كانوا يقصدون بحججهم ابتغاء رضوان الله وإن كانوا لا ~~يغالونه فلا يبعد أن يحصل لهم بسبب ذلك القصد نوع من الحرمة وهو الأمن ~~على أنفسهم. وقيل: كان المشركون يلتمسون في حجهم ما يصلح لهم دنياهم ~~ومعاشهم. وقيل: ابتغاء الفضل هو للمؤمنين والمشركين عامة وابتغاء الرضوان ~~للمؤمنين خاصة وذلك أنهم يحجون جميعا. فصل اختلف علماء الناسخ والمنسوخ ~~في هذه الآية فقال قوم: هذه الآية منسوخة إلى هاهنا لأن قوله تعالى لا ~~تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام يقتضي حرمة القتل في الشهر الحرام وفي ~~الحرم وذلك منسوخ بقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] وقوله تعالى: { ولا آمين البيت الحرام } يقتضي حرمة منع ~~المشركين عن البيت الحرام وذلك منسوخ بقوله تعالى: # فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة: 28] فلا يجوز أن يحج مشرك ولا ms0863 يأمن بالهدي والقلائد كافر وهذا ~~قول ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وأكثر المفسرين. قال الشعبي: لم ينسخ ~~من سورة المائدة إلا هذه الآية. # وقيل: المنسوخ منها قوله ولا آمين البيت الحرام نسختها آية براءة # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] وقوله: # فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم # [التوبة: 28] هذا وقال ابن عباس: كان المؤمنون والمشركون يحجون البيت ~~جميعا فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدا أن يحج البيت أو يتعرضوا له ~~من مؤمن أو كافر ثم أنزل الله بعد هذا إنما المشركون نجس فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا وقال آخرون: لم ينسخ من ذلك شيء سوى القلائد ~~التي كانت في الجاهلية يتقلدونها من لحاء شجر الحرم. قال الواحدي: وذهب ~~جماعة إلى أنه لا منسوخ في هذه السورة وأن هذه الآية محكمة قالوا ما ~~ندبنا إلى أن نخيف من يقصد بيته من أهل شريعتنا في الشهر الحرام ولا في ~~غيره وفصل الشهر الحرام عن غيره بالذكر تعظيما وتفضيلا وحرم علينا أخذ ~~الهدي من المهدين وصرفه عن بلوغ محله وحرم علينا القلائد التي كانوا ~~يفعلونها في الجاهلية وهذا غير مقبول، والظاهر ما عليه جمهور العلماء من ~~نسخ هذه الآية لإجماع العلماء، على أن الله عز وجل قد أحل قتال أهل ~~الشرك في الأشهر الحرم وغيرها. وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه ~~وذراعيه جميع لحاء الشجر لم يكن ذلك له أمانا من القتل إذا لم يكن قد ~~تقدم له عهد ذمة أو أمان. وكذلك أجمعوا على منع من قصد البيت بحج أو عمرة ~~من المشركين لقوله تعالى عمرة من المشركين لقوله تعالى: # إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة: 28] والله أعلم. وقوله تعالى: { وإذا حللتم } يعني من إحرامكم ~~{ فاصطادوا } هذا أمر إباحة، لأن الله حرم الصيد على المحرم حالة إحرامه ~~بقوله تعالى: # غير محلي الصيد وأنتم حرم # [المائدة: 1] وإذا حل من إحرامه بقوله وإذا حللتم فاصطادوا وإنما قلنا ~~إنه أمر إباحة لأنه ليس واجبا على المحرم إذا ms0864 حل من إحرامه أن يصطاد ~~ومثله قوله تعالى: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض # [الجمعة: 10] معناه أنه قد أبيح لكم ذلك بعد الفراغ من الصلاة { ولا ~~يجرمنكم }. قال ابن عباس: لا يحملنكم. وقيل: معناه لا يكسبنكم ولا يدعوكم ~~{ شنآن قوم } يعني بغض قوم وعداوتهم { أن صدوكم } يعني لأن صدوكم { عن ~~المسجد الحرام } والمعنى: لا يحملنكم عداوة قوم على الاعتداء، لأن صدوكم ~~عن المسجد الحرام، لأن هذه السورة نزلت بعد قصة الحديبية، فكان الصد قد ~~تقدم { أن تعتدوا } عليهم يعني: بالقتل وأخذ المال { وتعاونوا على البر ~~والتقوى } يعني ليعن بعضكم بعضا على ما يكسب البر والتقوى قال ابن عباس: ~~البر متابعة السنة { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } يعني ولا يعن ~~بعضكم بعضا على الأثم وهو الكفر والعدوان هو الظلم. وقيل: الإثم ~~المعاصي، والعدوان البدعةم عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: # " البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس " # { واتقوا الله } أي احذروا الله أن تعتدوا ما أمركم به أو تجاوزوا إلى ~~ما نهاكم عنه { إن الله شديد العقاب } يعني لمن خالف أمره ففيه وعيد ~~وتهديد عظيم. ### || [5.3] # قوله عز وجل: { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } بين الله ~~تعالى في أول السورة ما أحل لنا من بهيمة الأنعام بقوله أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام ثم إنه تعالى استثنى من ذلك بقوله: إلا ما يتلى عليكم. فذكر ذلك ~~المستثنى بقوله حرمت عليكم الميتة فكل ما فارقته الروح مما يذبح بغير ~~ذكاة فهو ميتة. وسبب تحريم الميتة، أن الدم لطيف جدا، فإذا مات الحيوان ~~حتف أنفه احتبس ذلك الدم وبقي في العروق فيفسد ويحصل منه ضرر عظيم والدم ~~هو المسفوح الجاري، وكانت العرب في الجاهلية تجعل الدم في المصارين ~~وتشويه وتأكله، فحرم الله ذلك كله. ولحم الخنزير، أراد به جميع أجزائه ~~وأعضائه. وإنما خص اللحم بالذكر، لأنه المقصود بالأكل وقد تقدم في سورة ~~البقرة أحكام هذه الثلاثة أشياء وما ms0865 استثنى الشارع من الميتة والدم وهو ~~السمك والجراد والكبد والطحال وذكرنا الدليل على إباحة ذلك واختلاف ~~العلماء في ذلك. وقوله تعالى: { وما أهل لغير الله به } يعني ما ذكر ~~على ذبحه غير اسم الله وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا يذكرون أسماء ~~أصنامهم عند الذبح فحرم الله ذلك بهذه الآية وبقوله: ولا تأكلوا مما لا ~~يذكر اسم الله عليه { والمنخنقة }. قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية ~~يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها فحرم الله ذلك. والمنخنقة: جنس الميتة ~~لأنها لما ماتت لم يسل دمها. والفرق بينهما، أن الميتة تموت بلا سبب أحد، ~~والمنخنقة تموت بسبب الخنق. { والموقوذة }: يعني المقتولة بالخشب. وكانت ~~العرب في الجاهلية يضربون الشاة بالعصا حتى تموت ويأكلونها فحرم الله ~~ذلك { والمتردية } يعني التي تتردى من مكان عال فتموت أو في بئر فتموت. ~~والتردي: هو السقوط من سطح أو من جبل ونحوه وهذه المتردية تلحق بالميتة ~~فيحرم أكلها ويدخل في هذا الحكم إذا رمى بسهمه صيدا فتردى ذلك الصيد من ~~جبل ونحوه أو من مكان عال فمات فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم هل مات ~~بالتردي أو بالسهم { والنطيحة } يعني التي تنطحها شاة أخرى حتى تموت ~~وكانت العرب في الجاهلية تأكل ذلك، فحرمها الله تعالى لأنها في حكم ~~الميتة. فأما الهاء في الكلمات التي تقدمت أعني المنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة، فإنما دخلت عليها، لأنها صفات لموصوف مؤنث وهو ~~الشاة. كأنه قال: حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة والمتردية. وخصت ~~الشاة، لأنها من أعم ما يأكله الناس، والكلام إنما يخرج على الأعم الأغلب ~~ثم يلحق به غيره. فإن قلت: لم أثبتت الهاء في النطيحة مع أنها في الأصل ~~منطوحة فعدلوا بها إلى النطيحة وفي مثل هذا الموضع تكون الهاء محذوفة ~~تقول: كف خضيب وعين كحيل يعني كف مخضوبة وعين مكحولة. # قلت: إنما تحذف الهاء من الفعيلة إذا كانت صفة لموصوف يتقدمها، فإذا لم ~~يذكر الموصوف وذكرت الصفة وضعتها موضع الموصوف تقول: رأيت قبيلة بني فلان ~~بالهاء لأنك إن لم تدخل ms0866 الهاء لم يعرف أرجل هو أم امرأة. فعلى هذا، إنما ~~دخلت الهاء في النطيحة لأنها صفة لموصوف غير مذكور وهو الشاة. وقال ابن ~~السكيت: قد تأتي فعيلة بالهاء وهي في تأويل مفعول بها تخرج مخرج الأسماء ~~ولا يذهب بها مذهب النعوت نحو النطيحة والذبيحة والفريسة وأكيلة السبع ~~ومررت بقبيلة بني فلان. وقوله تعالى: { وما أكل السبع } قال قتادة: كان ~~أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئا فقتله أو أكل منه أكلوا ما بقي منه، ~~فحرمه الله تعالى. والسبع اسم يقع على كل حيوان له ناب ويعدو على الناس ~~والدواب فيفترس بنابه كالأسد والذئب والنمر والفهد ونحوه وفي الآية محذوف ~~تقديره وما أكل السبع منه لأن ما أكله السبع فقد فقد فلا حكم له، إنما ~~الحكم للباقي منه. { إلا ما ذكيتم } يعني إلا ما أدركتموه وقد بقيت فيه ~~حياة مستقرة من هذه الأشياء المذكورة والظاهر أن هذا الاستثناء يرجع إلى ~~جميع المحرمات المذكورة في الآية من قوله تعالى: والمنخنقة، إلى، وما أكل ~~السبع. وهذا قول علي بن أبي طالب وابن عباس والحسن وقتادة. قال ابن عباس: ~~يقول الله تعالى ما أدركتم من هذا كله وفيه روح فاذبحوه فهو حلال. وقال ~~الكلبي: هذا الاستثناء مما أكل السبع خاصة. والقول هو الأول وأما كيفية ~~إدراكها، فقال أكثر أهل العلم من المفسرين: إن أدركت ذكاته بأن توجد له ~~عين تطرف أو ذنب يتحرك فأكله جائز. قال ابن عباس: إذا طرفت بعينها أو ~~ركضت برجلها أو تحركت فاذبح فهو حلال. وذهب بعض أهل العلم إلى أن السبع ~~إذا جرح فأخرج الحشوة أو قطع لجوف قطعا تيأس معه الحياة فلا ذكاة لأن ~~ذلك وإن كان به حركة ورمق إلا أنه قد صار إلى حالة لا يؤثر في حياته ~~الذبح وهو مذهب مالك واختاره الزجاج وابن الأنباري، لأن معنى التذكية أن ~~يلحقها وفيها بقية تشخب معها الأوداج وتضطرب اضطراب المذبوح لوجود الحياة ~~فيه قبل ذلك وإلا فهو كالميتة. وأصل الذكاة في اللغة تمام الشيء، فالمراد ~~من التذكية، تمام ms0867 قطع الأوداج وإنهار الدم ويدل عليه ما روي عن رافع بن ~~خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ~~ذلك، أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة " # أخرجاه في الصحيحين. وأقل الذبح في الحيوان المقدور عليه قطع المريء ~~والحلقوم وأكمله قطع الودجين مع ذلك والحلقوم بعد الفم، وهو موضع النفس ~~والمريء مجرى الطعام والودجان عرقان يقطعان عند الذبح وأما آلة الذبح فكل ~~ما أنهرا الدم وفرى الأوداج من حديد وغيره إلا السن والظفر لما تقدم من ~~نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. # قوله تعالى: { وما ذبح على النصب } يعني وحرم ما ذبح على النصب. والنصب ~~يحتمل أن يكون جمعا واحده نصاب وأن يكون واحدا وجمعه أنصاب وهو الشيء ~~المنصوب. قيل: كان حول الكعبة ثلثمائة وستون حجرا منصوبة كان أهل ~~الجاهلية يعبدونها ويعظمونها ويذبحون لها وليست هذه الحجارة بأصنام إنما ~~الأصنام الصور المنقوشة. وقال ابن عباس: هي الأصنام المنصوبة. والمعنى: ~~وما ذبح على اسم النصب أو لأجل النصب فهو حرام { وإن تستقسموا بالأزلام } ~~يعني وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام وهو طلب القسم والحكم من الأزلام وهي ~~القداح وكانت أزلامهم سبع قداح مستوية مكتوب على واحد منها أمرني ربي ~~وعلى واحد نهاني وعلى واحد منكم وعلى واحد من غيركم وعلى واحد ملصق وعلى ~~واحد العقل وعلى واحد غفل أي ليس عليه شيء. وكانت العرب في الجاهلية، إذا ~~أرادوا سفرا أو تجارة أو نكاحا أو اختلفوا في نسب أو أمر قتيل أو تحمل ~~عقل أو غير ذلك من الأمور العظام جاؤوا إلى هبل وكانت أعظم صنم لقريش، ~~بمكة وجاؤوا بمائة درهم وأعطوها صاحب القداح حتى يجيلها لهم. فإن خرج ~~أمرني ربي فعلوا ذلك الأمر وإن خرج نهائي ربي ولم يفعلوه وإن أجالوا على ~~نسب فإن خرج منكم كان وسطا فيهم وإن خرج من غيركم كان حلفا فيهم وإن ~~خرج ملصق كان على حاله وإن اختلفوا في العقل وهو الدية ms0868 فمن خرج عليه قدح ~~العقل تحمله وإن خرج الغفل أجابوا ثانيا حتى يخرج المكتوب عليه فنهاهم ~~الله عن ذلك وحرمه وسماه فسقا. وقيل: الأزلام كعاب فارس والروم التي ~~كانوا يقامرون بها. وقيل: كانت الأزلام للعرب. والكعاب للعجم وهي: النرد ~~وكلها حرام لا يجوز اللعب بشيء منها. عن قطن بن قبيصة عن أبيه قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " العيافة والطيرة والطرق من الجبت " # أخرجه أبو داود وقال: الطرق الزجر والعيافة الخط. وقيل العيافة زجر ~~الطير والطرق الضرب بالحصى والجبت كل ما عبد من دون الله عز وجل. وقيل: ~~الجبت الكاهن. وروى البغوي بسند الثعلبي عن أبي الدرداء قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " من تكهن أو استقسم بالأزلام أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى ~~الدرجات العلى يوم القيامة " # وقوله تعالى: { ذلكم فسق } يعني ما ذكر من هذه المحرمات في هذه الآية ~~لأن المعنى حرم عليكم تناول كذا وكذا فإنه فسق والفسق ما يخرج من الحلال ~~إلى الحرام وقيل إن الإشارة عائدة على الاستقسام بالأزلام والأول أصح { ~~اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } يعني يئسوا أن ترجعوا عن دينكم إلى ~~دينهم كفارا، وذلك أن الكفار كانوا يطمعون في أن يعود المسلمون إلى ~~دينهم، فلما قوي الإسلام، أيسوا من ذلك وذلك هو اليوم الذي دخل فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مكة عام حجة الوداع فعند ذلك يئس الكفار من ~~بطلان دين الإسلام. # وقيل: إن ذلك هو يوم عرفة فنزلت هذه الآية والنبي صلى الله عليه وسلم ~~واقف بعرفة. وقيل: لم يرد يوما بعينه وإنما المعنى الآن يئس الذين ~~كفروا من دينكم فهو كما تقول: اليوم قد كبرت. تريد: الآن قد كبرت. وتقول: ~~فلان كان يزورنا وهو اليوم يجفونا ولم ترد يوما بعينه. يعني: وهو الآن ~~يجفونا ولم تقصد به اليوم قال الشاعر: # فيوم علينا ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسر # أراد فزمان علينا وزمان لنا ولم يقصد اليوم واحد معين { فلا تخشوهم ms0869 } ~~فلا تخافوا الكفار أيها المؤمنون الذين آمنوا أن يظهروا على دينكم فقد ~~زال الخوف عنك بإظهار دينكم { واخشون } أي وخافوا مخالفة أمري وأخلصوا ~~الخشية لي. قوله عز وجل: { اليوم أكملت لكم دينكم } نزلت هذه الآية في ~~يوم الجمعة بعد العصر في يوم عرفة والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات ~~على ناقته العضباء فكادت عضد الناقة تندق وبركت لثقل الوحي وذلك في حجة ~~الوداع سنة عشر من الهجرة ق. عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى ~~عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا ~~نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال: فأي آية؟ قال: { اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } فقال عمر: ~~إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه نزلت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعرفات في يوم الجمعة أشار عمر إلى ذلك اليوم يوم عيد ~~لنا. وعن ابن عباس أنه قرأ { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا } وعنده يهودي فقال: لو نزلت هذه الآية علينا ~~لاتخذناها عيدا فقال ابن عباس: " فإنها نزلت في يوم عيدين في يوم جمعة ~~ويوم عرفة " أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. قال ابن عباس: كان في ~~ذلك اليوم خمسة أعياد يوم جمعة، ويوم عرفة، وعيد لليهود، وعيد للنصارى، ~~وعيد للمجوس.ولم تجتمع أعياد لأهل الملل في يوم واحد قبله ولا بعده. وروي ~~أنه لما نزلت هذه الآية، بكى عمر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما يبكيك يا عمر؟ فقال أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا. فأما إذا ~~كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص قال: صدقت " # فكانت هذه الآية نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش بعدها أحدا ~~وثمانين يوما ومات صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع ~~الأول وقيل: لاثنتي عشر ليلة وهو الأصح سنة إحدى عشرة من الهجرة. وأما ~~تفسير الآية فقوله ms0870 تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم } يعني بالفرائض ~~والسنن والحدود والأحكام والحلال والحرام ولم ينزل بعد هذه الآية حلال ~~ولا حرام ولا شيء من الفرائض هذا معنى قول ابن عباس. وقال سعيد بن جبير ~~وقتادة: معنى أكملت لكم دينكم، أي حيث لم يحج معكم مشرك وخلا الموسم ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين. وقيل: معناه أني أظهرت دينكم ~~على الأديان وأمنتكم من عدوكم بأن كفيتكم ما كنتم تخافونه. وقيل: إكمال ~~الدين لهذه الأمة أنه لا يزول ولا ينسخ وإن شريعتهم باقية إلى يوم ~~القيامة. وقيل: إكمال الدين لهذه الأمة أنهم آمنوا بكل نبي وكل كتاب ولم ~~يكن هذا لغير هذه الأمة. وقال ابن الأنباري: اليوم أكملت شرائع الإسلام ~~على غير نقصان كان قبل هذا الوقت وذلك أن الله تعالى كان يتعبد خلقه ~~بالشيء في وقت ثم يزيد عليه في وقت آخر فيكون الوقت الأول تاما في وقته، ~~وكذلك الوقت الثاني تاما في وقته فهو كما يقول القائل: عندي عشرة كاملة. ~~ومعلوم أن العشرين أكمل منها والشرائع التي تعبد الله عز وجل بها عباده ~~في الأوقات المختلفة مختلفة وكل شريعة منها كاملة في وقت التعبد بها فكمل ~~الله عز وجل الشرائع في اليوم الذي ذكره وهو يوم عرفة ولم يوجب ذلك أن ~~الدين كان ناقصا في وقت من الأوقات ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن ~~القفال واختاره أن الدين ما كان ناقصا ألبتة بل كان أبدا كاملا كانت ~~الشرائع النازلة من عند الله كافية في ذلك الوقت إلا أنه تعالى كان ~~عالما في أول وقت البعثة بأن ما هو كامل في هذا اليوم ليس بكامل في الغد ~~لا يصلح فيه لا جرم كان ينسخ بعد الثبوت وكان يزيل بعد التحتم. وأما في ~~آخر زمان البعثة، فأنزل الله شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة، ~~فالشرع أبدا كان كاملا إلا أن الأول كمال إلى يوم مخصوص، والثاني كمال ~~إلى يوم القيامة، فلأجل هذا المعنى قال: اليوم أكملت لكم دينكم. ثم قال ~~تعالى: ms0871 { وأتممت عليكم نعمتي } يعني بإكمال الدين والشريعة، لأنه لا نعمة ~~أتم من الإسلام. وقال ابن عباس: حكم لها بدخول الجنة. وقيل: معناه أنه ~~تعالى أنجز لهم ما وعدهم في قوله ولأتم نعمتي عليكم فكان من تمام النعمة ~~أن دخلوا مكة آمنين وحجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين { ورضيت ~~لكم الإسلام دينا } يعني واخترت لكم الإسلام دينا من بين الأديان وقيل: ~~معناه ورضيت لكم الإسلام لأمري والانقياد لطاعتي فيما شرعت لكم من ~~الفرائض والأحكام والحدود ومعالم الدين الذي أكملته لكم وإنما قال تعالى: ~~{ ورضيت لكم الإسلام دينا } يوم نزلت هذه الآية وإن كان الله تعالى لم ~~يزل راضيا بدين الإسلام فيما مضى قبل نزول هذه الآية لأنه لم يزل يصرف ~~نبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين من حال إلى حال ~~وينقلهم من مرتبة إلى مرتبة أعلى منها حتى أكمل لهم شرائع الدين ومعالمه ~~وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه ثم أنزل عليهم هذه الآية: ورضيت لكم ~~الإسلام دينا، يعني بالصفة التي هو اليوم بها وهي نهاية الكمال وأنتم ~~الآن عليه فالزموه ولا تفارقوه. # روى البغوي بسنده عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول قال جبريل قال الله عز وجل: # " هذا دين ارتضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ~~ما صحبتموه " # وروى الطبري عن قتادة قال: ذكر لنا أنه يمثل لكل أهل دين دينهم يوم ~~القيامة فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ويعدهم في الخبر حتى يجيء ~~الإسلام فيقول يا رب أنت السلام وأنا الإسلام فيقول إياك اليوم أقبل وبك ~~اليوم أجزى. وقوله تعالى: { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم } هذه ~~الآية من تمام ما تقدم ذكره في المطاعم التي حرمها الله تعالى ومتصلة ~~بها، والمعنى: أن المحرمات وإن كانت محرمة، إلا أنها قد تحل في حالة ~~الاضطرار إليها. ومن قوله تعالى: ذلكم فسق، إلى هنا اعتراض وقع بين ~~الكلامين والغرض منه تأكيد ما تقدم ذكره من معنى التحريم، ms0872 لأن تحريم هذه ~~الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام الذي هو المرضي ~~عند الله. ومعنى الآية: فمن اضطر أي أجهد وأصيب بالضر الذي لا يمكنه ~~معه الامتناع من أكل الميتة. وهو قوله تعالى: في مخمصة، يعني في مجاعة. ~~والمخمصة: خلو البطن من الغذاء عند الجوع. غير متجانف لإثم: يعني غير ~~مائل إلى إثم أو منحرف إليه. والمعنى: فمن اضطر إلى أكل الميتة إو إلى ~~غيرها في المجاعة فليأكل غير متجانف لإثم وهو أن يأكل فوق الشبع. وقول ~~فقهاء العراق. وقيل: معناه غير متعرض لمعصية في مقصد وهو قول فقهاء ~~الحجاز { فإن الله غفور رحيم } يعني لمن أكل من الميتة في حال الجوع ~~والاضطرار. ### || [5.4] # قوله عز وجل: { يسألونك ماذا أحل لهم } روى الطبري بسنده عن أبي رافع ~~قال: # " " جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن عليه فأذن له فلم ~~يدخل فقال: قد أذنا لك يا رسول الله قال أجل ولكنا لا ندخل بيتا فيه ~~كلب ". قال أبو رافع فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة ففعلت حتى انتهيت ~~إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها فتركته رحمة لها ثم جئت إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأمرني بقتله فرجعت إلى الكلب فقتلته فجاؤوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله ما يحل لنا من هذه ~~الأمة التي أمرت بقتلها قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل ~~الله: { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح ~~مكلبين } ". # وروي عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب ~~فقتل حتى بلغ العوالي فدخل عاصم وسعد بن أبي خيثمة وعويمر بن ساعدة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ماذا أحل لنا فنزلت: { يسألونك ماذا ~~أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين } قال ابن ~~الجوزي: وأخرج حديث أبي رافع الحاكم في صحيحه قال البغوي: فلما نزلت هذه ~~الآية أذن رسول ms0873 الله صلى الله عليه وسلم في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها ~~ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه منها ق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " من أمسك كلبا فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط إلا كلب حرث أو ماشية " # ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينقص من أجره ~~قيراطان كل يوم " # وقال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل ~~الطائيين وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد ~~الخير قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب وبالبزاة فماذا يحل لنا ~~فنزلت هذه الآية. قال البغوي: وهذا القول أصح في سبب نزولها. وأما ~~التفسير فقوله تعالى يسألونك يعني يسألك أصحابك يا محمد ما الذي أحل لهم ~~أكله من المطاعم والمآكل كأنهم لما تلا عليهم من خبائث المآكل ما تلا ~~سألوا عما أحل لهم { قل أحل لكم الطيبات } يعني قل لهم يا محمد أحل لكم ~~الطيبات يعني: ما ذبح عن اسم الله عز وجل. وقيل: الطيبات كل ما تستطيبه ~~العرب وتستلذه من غير أن يرد بتحريمه نص من كتاب أو سنة. # واعلم: أن العبرة في الاستطابة والاستلذاذ بأهل المروءة والأخلاق ~~الجميلة من العرب، فإن أهل البادية منهم يستطيبون أكل جميع الحيوانات فلا ~~عبرة بهم لقوله تعالى: # ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث # [الأعراف: 157] فإن الخبيث غير مستطاب، فصارت هذه الآية الكريمة نصا ~~فيما يحل ويحرم من الأطعمة. وقوله تعالى: { وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~} يعني وأحل صيد ما علمتم من الجوارح فحذف ذكر الصيد وهو مراد في الكلام ~~لدلالة الباقي عليه ولأنهم سألوا عن الصيد وقيل: إن قوله وما علمتم من ~~الجوارح ابتداء كلام خبره فكلوا مما أمسكن عليكم وعلى هذا القول يصح معنى ~~الكلام من غير إضمار. والجوارح: جمع جارحة وهي الكواسب من: السباع والطير ~~كالفهد والنمر والكلب والبازي ms0874 والصقر والعقاب والشاهين والباشق من الطير ~~مما يقبل التعليم سميت جوارح من الجرح لأنها تجرح الصيد عند إمساكه وقيل: ~~سميت جوارح لأنها تكسب. والجوارح: الكواسب من جرح واجترح إذا اكتسب ومنه ~~قوله تعالى: # الذين اجترحوا السيئات # [الجاثية: 21] يعني اكتسبوا وقوله ويعلم ما جرحتم بالنهار أي اكتسبتم ~~مكلبين يعني معلمين. والمكلب: هو الذي يغري الكلاب على الصيد. وقيل: هو ~~مؤدب الجوارح ومعلمها وإنما اشتق له هذا الاسم من الكلب، لأنه أكثر ~~احتياجا إلى التعليم من غيره من الجوارح. { تعلمونهن } يعني تعلمون ~~الجوارح الاصطياد { مما علمكم الله } يعني من العلم الذي علمكم الله، ففي ~~الآية دليل على أنه لا يجوز صيد جارحة ما لم تكن معلمة. وصفة التعليم هو ~~أن الرجل يعلم جارحة الصيد وذلك أن يوجد فيها أمور منها: أنه إذا أشليت ~~على الصيد استشلت وإذا زجرت انزجرت وإذا أخذت الصيد أمسكت ولم تأكل منها ~~شيئا ومنها أن لا ينفر منه إذا أراده وأن يجيبه إذا دعاه فهذا هو تعليم ~~جميع الجوارح فإذا وجد ذلك منها مرارا كانت معلمة وأقلها ثلاث مرات فإنه ~~يحل قتلها إذا جرحت بإرسال صاحبها ق. عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقلت إنا قوم نصيد بهذه الكلاب؟ فقال # " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك إلا أن ~~يأكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه وإن خالط ~~كلابا لم يذكر اسم الله عليه فأمسكن وقتلن فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ~~ولم تسم علىغيره ". # وفي رواية: فإنك لا تدري أيها قتل وسألته عن الصيد المعراض، فقال: إذا ~~أصبت بحده فكل وإذا أصبت بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل وإذا رميت الصيد ~~فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل فإن وقع في المال فلا ~~تأكل. واختلف العلماء فيما إذا أخذت الكلاب الصيد وأكلت منه شيئا فذهب ~~أكثر أهل العلم إلى تحريمه ويروى ذلك عن ابن عباس وهو قول ms0875 عطاء وطاوس ~~الشعبي وبه قال الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي وهو أصح قول الشافعي ~~ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: # " وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه " # ورخص بعضهم في أكله يروي ذلك عمر وسلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وبه ~~قال مالك لما روي عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في صيد الكلب # " إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه " # أخرجه أبو داود. وأما غير المعلم من الجوارح إذا أخذت صيدا أو المعلم ~~إذا خرج بغير إرسال صاحبه فأخذ وقتل فإنه لا يحل إلا أن يدركه حيا ~~فيذبحه فيحل ق. # " عن أبي ثعلبة الخشني قال: قلت يا رسول الله أنا بأرض قوم أهل الكتاب ~~أفنأكل في آنيتهم وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم وبكلبي ~~المعلم فما يصلح لي؟ قال: " أما ما ذكرت من آنية أهل الكتاب فإن وجدتم ~~غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها وما صدت ~~بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه ~~فكل وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل ". # وقوله تعالى: { فكلوا مما أمسكن عليكم } دخلت من في قوله مما للتبعيض ~~لأنه إنما أحل أكل بعض الصيد وهو اللحم دون الفرث والدم. وقيل: من زائدة ~~فهو كقوله تعالى: # كلوا من ثمره إذا أثمر # [الأنعام: 141] { واذكروا اسم الله عليه }. قال ابن عباس: يعني إذا ~~أرسلت جارحك فقل بسم الله وإن نسيت فلا حرج. ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم لعدي: # " إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل " # فعلى هذا يكون الضمير في عليه عائد إلى ما علمتم من الجوارح أي سموا ~~الله عليه عند إرساله. وقيل: الضمير عائد إلى ما أمسكن عليكم. والمعنى: ~~سموا الله عليه إذا أدركتم ذكاته. وقيل: يحتمل أن يكون الضمير عائد إلى ~~الأكل يعني واذكروا اسم الله عليه عند الكل فعلى هذا تكون للتسمية شرطا ~~عند إرسال ms0876 الجوارح وعند إرسال الذبيحة وعند الأكل وسيأتي بيان هذه ~~المسألة في سورة الأنعام عند قوله ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~{ واتقوا الله } يعني واحذروا مخالفة الله يعني فيما أحل لكم وحرم عليكم ~~{ إن الله سريع الحساب } يعني إذا حاسب عباده يوم القيامة ففيه تخويف لمن ~~خالف أمره وفعل ما نهاه عنه. ### || [5.5] # قوله عز وجل: { اليوم أحل لكم الطيبات } إنما كرر إحلال الطيبات للتأكيد ~~كأنه قال: اليوم أحل لكم الطيبات التي سألتم عنها ويحتمل أن يراد باليوم، ~~اليوم الذي أنزلت فيه هذه الآية أو اليوم الذي تقدم ذكره في قوله: اليوم ~~يئس الذين كفروا من دينكم اليوم أكملت لكم دينكم. ويكون الغرض من ذكر هذا ~~الحكم، أنه تعالى قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، فبين ~~أنه كما أكمل الدين وأتم النعمة، فكذلك أتم النعمة بإحلال الطيبات. وقيل: ~~ليس المراد باليوم يوما معينا وقد تقدم الكلام في ذلك اليوم وفي معنى ~~الطيبات في الآية المتقدمة. وقوله تعالى: { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل ~~لكم } يعني وذبائح أهل الكتاب حل لكم وهم اليهود والنصارى ومن دخل في ~~دينهم من سائر الأمم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. فأما من دخل في ~~دينهم بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهم متنصرو العرب من بني تغلب ~~فلا تحل ذبيحته. روي عن علي بن أبي طالب قال: لا تأكل من ذبائح نصارى ~~العرب بني تغلب فإنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر. وبه ~~قال ابن مسعود. ومذهب الشافعي: أن من دخل في دين أهل الكتاب بعد نزول ~~القرآن، فإنه لا تحل ذبيحته. سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا ~~بأس به. ثم قرأ: ومن يتولهم منكم، فإنه منهم وهذا قول الحسن وعطاء بن أبي ~~رباح والشعبي وعكرمة وقتادة والزهري والحكم وحماد وهو مذهب أبي حنيفة ~~ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد والرواية الأخرى مثل هذا مذهب الشافعي. ~~واجمعوا على تحريم ذبائح المجوس وسائر أهل الشرك من ms0877 مشركي العرب وعبدة ~~الأصنام ومن لا كتاب له، وأجمعوا على أن المراد بطعام الذين أتوا الكتاب ~~ذبائحهم خاصة لأن ما سوى الذبائح فهي محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب وبعد ~~أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة ولأن ما قبل هذه الآية ~~في بيان حكم الصيد والذبائح فحمل هذه الآية عليه أولى ولأن سائر الطعام ~~لا يختلف من تولاه من كتابي أو غيره، وإنما تختلف الذكاة، فلما خص أهل ~~الكتاب بالذكر دل على أن المراد بطعامهم وذبائحهم واختلف العلماء فيما لو ~~ذبح يهودي أو نصراني على غير اسم الله فقال ابن عمر: لا يحل ذلك وهو قول ~~ربيعة وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يحل. سئل الشعبي وعطاء عن النصراني ~~يذبح باسم المسيح فقال: يحل فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. ~~وقال الحسن: إذا ذبح اليهودي والنصراني وذكر غير اسم الله وأنت تسمع فلا ~~تأكل وإذا غاب عنك فكل فقد أحله الله لك وقد زعم قوم أن هذه الآية اقتضت ~~إباحة ذبائح أهل الكتاب مطلقا وإن ذكروا غير اسم الله فيكون هذا ناسخا ~~لقوله تعالى: ولا تأكلو مما لم يذكر اسم الله عليه، وليس الأمر كذلك ولا ~~نسخ لأن الأصل أنهم يذكرون الله عند الذبح فيحمل أمرهم على هذا فإن تيقنا ~~أنهم ذبحوا على غير اسم الله لم تأكل ولا وجه للنسخ. # وقوله تعالى: { وطعامكم حل لهم } يعني أن ذبائحنا لهم حلال وهذا يدل على ~~أنهم مخاطبون بشريعتنا. وقال الزجاج: معناه ويحل لكم أن تطعموهم من ~~طعامكم فجعل الخطاب للمؤمنين على معنى أن التحليل يعود إلى إطعامنا إياهم ~~لا إليهم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله تعالى أن تطعمهم من ذبائحنا. وقيل: ~~إن الفائدة في ذكر ذلك أن إباحة المناكحة غير حاصلة من الجانبين وإباحة ~~الذبائح كانت حاصلة من الجانبين لا جرم ذكر الله تعالى ذلك تنبيها على ~~التمييز بين النوعين ثم قال تعالى: { والمحصنات من المؤمنات } قال مجاهد: ~~هن الحرائر فعلى هذا القول لا ms0878 تدخل الأمة المؤمنة في هذا التحليل ومن ~~أجاز نكاحهن أجازه بشرطين: خوف العنت، وعدم طول الحرة. وقال ابن عباس: ~~المحصنات: العفائف. فعلى هذا القول لا يحل نكاح الزانية لأنها لم تدخل في ~~هذا التحليل وأباح العلماء نكاحها إذا تابت وحسنت توبتها. روى طارق بن ~~شهاب أن رجلا أراد أن يزوج أخته فقالت: إني أخشى أن أفضحك إني قد بغيت ~~فأتى عمر فذكر ذلك له منها فقال: أليس قد تابت؟ قال: بلى. قال: فزوجها. ~~وقيل: إنما خص المحصنات بالذكر وهن الحرائر أو العفائف ليحث المؤمنين على ~~تخير النساء ليكون الولد كريم الأصل من الطرفين. وقوله تعالى: { ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } يعني وأحل لكم المحصنات من ~~أهل الكتاب اليهود والنصارى. قال ابن عباس: يعني الحرائر من أهل الكتاب. ~~وقال الحسن والشعبي والنخعي والضحاك: يريد العفائف من أهل الكتاب فعلى ~~قول ابن عباس: لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية وهو مذهب الشافعي قال: ~~لأنه اجتمع في حقها نوعان من النقصان، الكفر، والرق. وعلى قول الحسن ومن ~~وافقه، يجوز التزويج بالأمة الكتابية وهو مذهب أبي حنيفة لعموم هذه ~~الآية. واختلف العلماء في حكم هذه المسألة فذهب جمهور الفقهاء إلى جواز ~~التزويج بالذميات من اليهود والنصارى. روي أن عثمان بن عفان تزوج نائلة ~~بنت الفرافصة على نسائه وهي نصرانية وأن طلحة بن عبيد الله تزوج يهودية ~~وروي عن ابن عمر كراهية ذلك ويحتج بقوله تعالى: # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # [البقرة: 221] وكان يقول: لا أعلم شركا أعظم من قولها إن ربها عيسى ~~وأجاب الجمهور عن قوله ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن بأنه عام خص بهذه ~~الآية فأباح الله تعالى المحصنات من أهل الكتاب وحرم من سواهن من أهل ~~الشرك وقال سعيد بن المسيب والحسن: يجوز التزويج بالذميات والحربيات من ~~أهل الكتاب لعموم قوله تعالى: { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم } وأجاب جمهور العلماء بأن ذلك مخصوص بالذميات دون الحربيات من أهل ~~الكتاب. # قال ابن عباس: من نساء أهل الكتاب من تحل لنا ms0879 ومنهن من لا تحل لنا. ~~وقرأ: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله إلى قوله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون والمراد بهم أهل الذمة دون أهل الحرب من أهل الكتاب. وقوله تعالى: ~~{ إذا آتيتموهن أجورهن } يعني مهورهن وهو العوض الذي يبذله الزوج للمرأة ~~{ محصنين غير مسافحين } يعني متعففين بالتزوج غير زانين { ولا متخذي ~~أخدان } يعني ولا منفردين ببغي واحدة قد خادنها وخادنته واتخذها لنفسه ~~صديقة يفجر بها وحده حرم الله الجماع على جهة السفاح وهو الزنا واتخاذ ~~الصديق وهو الخدن وأحله على جهة الإحصان وهو التزويج بعقد صحيح { ومن ~~يكفر بالإيمان } يعني ومن يجحد ما أمر الله به من توحيده ونبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله { فقد حبط عمله } يعني فقد بطل ~~ثواب عمله الذي كان عمله في الدنيا وخاب وخسر في الدنيا والآخرة. وقيل في ~~معنى الآية، ومن يكفر بشرائع الإيمان وتكاليفه فقد خاب وخسر وقال قتادة ~~ذكر لنا إن ناسا من المسلمين قالوا: كيف نتزوج نساءهم؟ يعني نساء أهل ~~الكتاب وهم على غير ديننا، فأنزل الله تعالى: ومن يكفر بالإيمان فقد حبط ~~عمله وهو في الآخرة من الخاسرين. وقيل: لما أباح الله تعالى نكاح ~~الكتابيات، قلن فيما بينهن لولا أن الله قد رضي أعمالنا لم يبح ~~للمؤمنين تزويجنا، فأنزل الله هذه الآية والمعنى أن تزوج المسلمين إياهن ~~ليس بالذي يخرجهن من الكفر. وقيل: إن أهل الكتاب وإن حصلت لهم في الدنيا ~~فضيلة بإباحة ذبائحهم ونكاح نسائهم إلا أن ذلك غير حاصل لهم في الآخرة، ~~لأن كل من كفر بالله وجحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد حبط عمله ~~وهو في الآخرة من الخاسرين. وقيل: إن من أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل ~~الله أو جحد بشيء مما أنزل الله فقد كفر بالله وحبط عمله المتقدم { وهو ~~في الآخرة من الخاسرين } إذا مات على ذلك وهذا الشرط لا بد منه لأنه إذا ~~تاب وآمن قبل الموت قبلت توبته وصح إيمانه. ms0880 ### || [5.6] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } يعني إذا ~~أردتم القيام إلى الصلاة ومثله قوله تعالى: # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله # [النحل: 98] أي: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله ومثله من الكلام ~~إذا اتجرت فاتجر في البر أي إذا أردت التجارة. وهذا القول يقتضي وجوب ~~الوضوء عند كل صلاة وهو ظاهر الآية ومذهب داود الظاهري وذهب جمهور ~~العلماء من الصحابة فمن بعدهم إلى أنه يجزىء عدة صلوات بوضوء واحد وأجيب ~~عن ظاهر الآية بأن المعنى إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم على غير طهر فحذف ~~ذلك لدلالة المعنى عليه وهذا أحد اختصارات القرآن وهو كثير جدا ولأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم جمع يوم الخندق بين أربع صلوات بوضوء واحد وعن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ " # أخرجاه في الصحيحين وقيل في معنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة من النوم ~~وقيل: هو أمر ندب ندب من قام إلى الصلاة أن يجدد لها طهارة وإن كان على ~~طهر ويدل عليه ما روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات " # أخرجه الترمذي. وقيل: هذا إعلام من الله إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن لا وضوء عليه إلا إذا قام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال ويدل ~~عليه ما روي عن ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما من الخلاء فقدم إليه طعام ~~فقالوا ألا نأتيك بوضوء فقال إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة " # أخرجه مسلم. والقول الأول هو المختار في معنى الآية وفروض الوضوء ~~المذكور في هذه الآية أربعة: الأول غسل الوجه وهو قوله تعالى: { فاغسلوا ~~وجوهكم } واستدل الشافعي على وجوب النية عند غسل الوجه بهذه الآية وحجته ~~أن الوضوء مأمور به وكل مأمور به يجب أن يكون منويا ولما روي في ~~الصحيحين من حديث ms0881 عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم # " قال إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى " # والوضوء من الأعمال فيجب أن يكون منويا وإنما قلنا: إن الوضوء مأمور به ~~وأنه من أعمال الدين لقوله تعالى: # وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين # [البينة: 5] والإخلاص، عبارة عن النية الخالصة ومتى كانت النية الخالصة، ~~معتبرة كان أصل النية في جميع الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى ~~معتبرا. واستدل أبو حنيفة لعدم وجوب النية في الوضوء بهذه الآية قال: إن ~~النية ليست شرطا لصحة الوضوء، لأن الله تعالى أوجب غسل الأعضاء الأربعة ~~في هذه الآية ولم يوجب النية فيها، فإيجاب النية زيادة على النص والزيادة ~~على النص نسخ ونسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس غير جائز. # وأجيب عنه: بأنا إنما أوجبنا النية في الوضوء بدلالة القرآن وهو قوله ~~تعالى: # وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين # [البينة: 5] وأما حد الوجه، فمن منابت شعر الرأس إلى منتهى الذقن طولا ~~ومن الأذن إلى الأذن عرضا لأنه مأخوذ من المواجهة فيجب غسل جميع الوجه ~~في الوضوء ويجب إيصال الماء إلى ما تحت الحاجبين وأهداب العينين ~~والعذارين والشارب والعنفقة وإن كانت كثة. وأما اللحية فإن كانت كثة لا ~~ترى البشرة من تحتها لا يجب غسل ما تحتها ويجب غسل ما تحت اللحية الخفيفة ~~وهل يجب إمرار الماء على ظاهر ما نزل من اللحية عن الذقن؟ فيه قولان: ~~أحدهما وبه قال أبو حنيفة، لا يجب لأن الشعر النازل عن حد الرأس لا يكون ~~حكمه حكم الرأس في المسح فكذلك حكم الشعر النازل عن حد الوجه لا يجب ~~غسله. والقول الثاني يجب إمرار الماء على ظاهره لأن الوجه مأخوذ من ~~المواجهة فتدخل جميع اللحية في حكم الوجه. الفرض الثاني قوله تعالى: { ~~وأيديكم إلى المرافق } يعني: واغسلوا أيديكم إلى المرافق والمرافق ~~بالكسر هو من الإنسان أعلىالذراع وأسفل العضد. وذهب جمهور العلماء إلى ~~وجوب إدخال المرفقين في الغسل ونقل عن مالك والشافعي وزفر وأبي بكر بن ~~داود ms0882 الظاهري، أنه لا يجب إدخال المرفقين في الغسل واختاره ابن جرير ~~الطبري. ونقل عن مالك: وقد سئل عن قول الله عز وجل: { فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق } فقال: الذي آمر به أن يبلغ المرفقين في الغسل لا ~~يجاوزهما وحجة أصحاب هذا القول أن كلمة إلى لانتهاء الغاية وما يجعل غاية ~~للحكم يكون خارجا عنه كما في قوله تعالى: # ثم أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187] ولأن الحد لا يدخل في المحدود فوجب أن لا يجب غسل ~~المرفقين في الوضوء وحجة الجمهور أن كلمة إلى هنا بمعنى مع ومنه قوله ~~تعالى: # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم # [النساء: 2] أي مع أموالكم ويعضده من السنة ما صح من حديث أبي هريرة أنه ~~توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل اليمنى حتى أشرع في العضد ثم يده ~~اليسرى حتى أشرع في العضد ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يتوضأ. والجواب عن الحجة المتقدمة إن الحد إذا كان من جنس ~~المحدود دخل فيه كما في هذه الآية لأن المرفق من جنس اليد وإذا لم يكن من ~~جنس المحدود لم يدخل فيه كما في قوله تعالى: # ثم أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187] لأن النهار من غير جنس الليل فلا يدخل فيه. # الفرض الثالث: قوله تعالى: { وامسحوا برؤوسكم } اختلف العلماء في القدر ~~الذي يجب مسحه من الرأس فقال مالك يجب مسح جميعه وهو إحدى الروايتين عن ~~أحمد والرواية الأخرى عنه أنه يجب مسح أكثره وقال أبو حنيفة: يجب مسح ~~ربعه. وفي رواية أخرى عنه: يجب مسح قدر ثلاثة أصابع منه وقال الشافعي ~~والواجب مسح ما ينطلق عليه اسم المسح والمراد إلصاق المسح بالرأس وماسح ~~بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح بالرأس فأخذ مالك بالاحتياط ~~فأوجب الاستيعاب وأخذ الشافعي باليقين فأوجب مسح ما يقع عليه اسم المسح ~~وأخذ أبو حنيفة ببيان السنة وهو ما روي عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين متفق عليه وقدر ms0883 ~~الناصية بربع الرأس. الفرض الرابع: قوله تعالى: { وأرجلكم إلى الكعبين } ~~اختلف العلماء في هذا الحكم. وهل فرض الرجلين المسح أو الغسل؟ فروي عن ~~ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان. ويروى ذلك عن قتادة أيضا. ~~ويروى عن أنس أنه قال: نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل. وعن عكرمة قال: ~~ليس في الرجلين إنما نزل فيهما المسح. وعن الشعبي أنه قال: إنما هو المسح ~~عن الرجلين. ألا ترى إن ما كان عليه الغسل جعل عليه التيمم وما كان عليه ~~المسح أهمل. ومذهب الإمامية من الشيعة: أن الواجب في الرجلين المسح. وقال ~~جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم والأئمة الأربعة وأصحابهم: ~~إن فرض الرجلين هو الغسل. وقال داود الظاهري: يجب الجمع بينهما. وقال ~~الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين الغسل والمسح. وسبب ~~هذا الاختلاف، اختلاف القراء في هذا الحرف. فقرأ نافع وابن عامر والكسائي ~~وحفص عن عاصم: وأرجلكم بفتح اللام عطفا على الغسل فيكون من المؤخر الذي ~~معناه التقديم ويكون المعنى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم ~~إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم. وقال أصحاب هذه القراءة: إنما أمر الله ~~عباده بغسل الأرجل دون مسحها ويدل عليه أيضا فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه والتابعين فمن بعدهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وأبو ~~بكر عن عاصم وأرجلكم بكسر اللام عطفا على المسح. أما قراءة النصب ~~فالمعنى فيها ظاهر لأنه عطف على المغسول لوجوب غسل الرجلين على مذهب ~~الجمهور ولا يقدح فيه قول من خالف. وأما قراءة الكسر فقد اختلفوا في ~~معناها والجواب عنها فقال أبو حاتم وابن الأنباري وأبو علي الكسر عطف على ~~الممسوح، غير أن المراد بالمسح في الأرجل الغسل. وقال أبو زيد: المسح ~~خفيف الغسل لقول العرب تمسحت للصلاة بمعنى توضأت لها وهات ما أتمسح به ~~للصلاة بمعنى أتوضأ. قال أبو حاتم: وذلك أن المتوضىء لا يرضى بصب الماء ~~على أعضائه حتى يمسحها مع الغسل فسمي الغسل مسحا بهذا الاعتبار فعلى هذا ~~الرأس والرجل ممسوحا إلا أن ms0884 مسح الرأس أخف. # والذي يدل على أن المراد بالمسح في الرجل الغسل ذكر التحديد وهو قوله ~~تعالى: إلى الكعبين لأن التحديد إنما جاء في المغسول ولم يجىء في الممسوح ~~فلما وقع التحديد مع المسح علم أنه في حكم الغسل. وقال جماعة من العلماء: ~~إن الأرجل معطوفة على الرؤوس في الظاهر والمراد فيها الغسل لأنه قد ينسق ~~بالشيء على غيره والحكم فيهما مختلف كما قال الشاعر: # يا ليت بعلك قد غدا متقلدا سيفا ورمحا # والمعنى: وحاملا رمحا لأن الرمح لا يتقلد به وكذلك قول الآخرين. ~~علفتها تبنا وماء باردا. يعني وسقيتها ماء باردا. وكذلك المعنى في ~~الآية وامسحوا برؤوسكم واغسلوا أرجلكم فلما لم يذكر الغسل وعطفت الأرجل ~~على الرؤوس في الظاهر اكتفى بقيام الدليل على أن الأرجل مغسولة من مفهوم ~~الآية والأحاديث الصحيحة الواردة بغسل الرجلين في الوضوء. وأما من جعل ~~كسر اللام في الأرجل على مجاورة اللفظ دون الحكم واستدل بقولهم: جحر ضب ~~خرب. وقال: الخرب نعت للجحر لا للضب وإنما أخذ إعراب الضب للمجاورة فليس ~~يجيد لأن الكسر على المجاورة إنما يحمل لأجل الضرورة في الشعر أو يصار ~~إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس لأن الخرب لا يكون نعتا للضب بل للجحر ~~ولأن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف. أما مع حرف العطف فلم ~~تتكلم به العرب وقوله تعالى { إلى الكعبين } فيه دليل قاطع على وجوب غسل ~~الكعبين كما في وجوب غسل الرجلين كما في قوله تعالى: { وأيديكم إلى ~~المرافق } والمعنى: واغسلوا أرجلكم مع الكعبين وقد تقدم اختلاف العلماء ~~في ذلك عند قوله إلى المرافق، والكعبان: هما العظمان الناتئان عند مفصل ~~الساق والقدم هذا قول جمهور العلماء من أهل الفقه واللغة وشذت الشيعة، ~~ومن قال بمسح الرجلين. فقال: الكعب عبارة عن عظم مستدير على ظهر القدم ~~ويدل على بطلان هذا القول أن الكعب لو كان على ما ذكره لكان في كل رجل ~~كعب واحد فكان ينبغي أن يقال: وأرجلكم إلى الكعاب كما في قوله تعالى: { ~~وأيديكم إلى المرافق ms0885 } فلما قال إلى الكعبين علم أن لكل رجل كعبين فبطل ~~ما قالوه وثبت قول الجمهور. فصل قد تقدم أن الفروض المذكورة في هذه الآية ~~أربعة: وهي غسل الوجه وغسل اليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين ~~إلى الكعبين وقد تقدم استدلال الشافعي بهذه الآية على وجوب النية في ~~الوضوء فصارت فرضا خامسا. وذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى وجوب الترتيب ~~في الوضوء، وهو أن يغسل الأعضاء في الوضوء على الولاء كما ذكره الله في ~~هذه الآية فيغسل أولا وجهه ثم يده ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه، فصار ~~الترتيب فرضا سادسا. # وذهب أبو حنيفة، إلى أن الترتيب في الوضوء غير واجب احتج الشافعي على ~~وجوب الترتيب بهذه الآية وذلك أن الله تعالى أمر بغسل الوجه ثم بغسل ~~اليدين ثم بمسح الرأس ثم بغسل الرجلين فوجب أن يقع الفعل مرتبا كما أمر ~~الله تعالى ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث حجة الوداع # " ابدأ بما بدأ الله به " # وهذا الحديث، وإن ورد في قصة السعي بين الصفا والمروة، فإن العبرة بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب، ولأن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء ما ~~وردت إلا مرتبة كما ورد في نص الآية ولم ينقل عنه ولا عن غيره من الصحابة ~~أنه توضأ منكسا أو غير مرتب، فثبت أن ترتيب أفعال الوضوء كما أمر الله ~~تعالى ونص عليه في هذه الآية واجب واحتج. أبو حنيفة لمذهبه بهذه الآية ~~أيضا. وذلك أن الواو لا توجب الترتيب، فإذا قلنا بوجوب الترتيب صار ذلك ~~زيادة على النص وذلك غير جائز وأجيب عنه بأنه لم ينقل عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه توضأ إلا مرتبا كما ذكر وبيان الكتاب إنما يؤخذ من السنة. ~~فصل في ذكر الأحاديث التي وردت في صفة الوضوء وفضله ق عن حمران مولى ~~عثمان بن عفان " أن عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات فغسلهما ثم ~~أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه ~~إلى المرفقين ms0886 ثلاثا ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين ثم ~~قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال: # " من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما ~~تقدم من ذنبه " # ق. عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري " قيل له توضأ لنا وضوء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فدعا بإناء فأفرغ منه على يديه ثلاثا ثم أدخل ~~يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثا ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى ~~المرفقين مرتين مرتين ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه ~~وأدبر ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثم قال هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " زاد في رواية بعد قوله: " فأقبل بيديه وأدبر بدأ بمقدم رأسه ~~ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ". عن ~~عبد خير قال: أتانا علي كرم الله وجهه وقد صلى فدعا بطهور فقلنا ما يصنع ~~بالطهور وقد صلى ما يريد إلا ليعلمنا فأتى بإناء فيه ماء وطست فأفرغ من ~~الإناء على يمينه فغسل يده ثلاثا ثم تمضمض واستنشق ثلاثا فمضمض ونثر من ~~كف يأخذ منه ثم غسل وجهه ثلاثا وغسل يده اليمين ثلاثا وغسل الشمال ~~ثلاثا ثم جعل يده في الإناء فمسح رأسه مرة واحدة ثم غسل رجله اليمنى ~~ثلاثا ورجله الشمال ثلاثا ثم جعل يده في الإناء فمسح رأسه مرة واحدة ثم ~~غسل رجله اليمنى ثلاثا ورجله الشمال ثلاثا ثم قال: " من سره أن يعلم ~~وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو هذا " أخرجه أبو داود عن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص # " أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف ~~الطهور فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل ~~ذراعيه ثلاثا ثم مسح برأسه فأدخل اصبعيه السبابتين في أذنيه ومسح ~~بإبهاميه على ظاهر أذنيه ثم غسل رجليه ms0887 ثلاثا ثلاثا ثم قال: هكذا الوضوء ~~فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم أو قال ظلم وأساء " # أخرجه أبو داود. وعن ابن عباس: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح ~~برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما " أخرجه الترمذي وصححه ق عن أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا لم يغسل عقبه فقال: # " ويل للأعقاب من النار " # م عن جابر قال: أخبرني عمر بن الخطاب # " أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال " ارجع وأحسن وضوءك " قال فرجع فتوضأ ثم صلى " # أخرجه مسلم عن خالد عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفي قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها ~~الماء فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة " أخرجه ~~أبو داود ق عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: تخلف عنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ ~~فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادانا بأعلى صوته: # " ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثا " # عن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة " أخرجه البخاري عن ~~أبي هريرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين أخرجه أبو ~~داود والترمذي. وقال وقد روي عن أبي هريرة: " أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم توضأ ثلاثا " م. عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل ~~فجاءت نوبتي فروحتها بعشي فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما ~~يحدث الناس فأدركت من قوله # " ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ~~ووجهه إلا وجبت له الجنة " # فقلت ما أجود هذا فإذا قائل بين يدي يقول التي قبلها أجود فنظرت فإذا ~~عمر قال: إني قد رأيتك جئت آنفا قال: # " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن ms0888 محمد عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من ~~أيها شاء " # م. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر ~~إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل ~~خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت ~~كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من ~~الذنوب " # ق عن نعيم بن عبد الله المجمر عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع ~~منكم أن يطيل غرته فليفعل " # وفي رواية قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده ~~اليمنى حتى أشرع في العضد ثم غسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد ثم مسح ~~رأسه ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع ~~في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وقال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء فمن استطاع منكم ~~فليطل غرته وتحجيله ". # وفي رواية لمسلم قال: سمعت خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " # عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات " # أخرجه الترمذي. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " # أخرجه أبو داود وابن ماجه. وقوله تعالى: { وإن كنتم جنبا فاطهروا } أي ~~اغتسلوا أمر الله بالاغتسال من الجنابة وذلك يجب على الرجل والمرأة بأحد ~~شيئين: إما بخروج المني على أي صفة كان من ms0889 احتلام أوغيره أو بالتقاء ~~الختانين وإن لم يكن معه إنزال فإذا حصل وجب الغسل ق. عن عائشة: " أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم ~~يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل ~~أصابعه في الماء يخلل بهما أصول شعره ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيده ثم ~~يفيض الماء على سائر جسده " أو قوله تعالى: { وإن كنتم مرضى أو على سفر ~~أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } فقد تقدم تفسيره وأحكامه في ~~تفسير سورة النساء وفي قوله تعالى منه دليل على أنه يجب مسح الوجه ~~واليدين بالصعيد وهو التراب. # وقوله تعالى: { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } يعني من ضيق بما فرض ~~عليكم من الوضوء والغسل والتيمم عند عدم الماء { ولكن يريد ليطهركم } ~~يعني من الاحداث والذنوب والخطايا لأن الوضوء تكفير للذنوب { لعلكم ~~تشكرون } يعني تشكرون نعمة الله عليكم بأن طهركم من الاحداث والذنوب وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج. ### || [5.7-9] # قوله تعالى: { واذكروا نعمة الله عليكم } يعني: ما أنعم به عليكم من ~~النعم كلها، لأن كثرة النعم وذكرها يوجب مزيد الشكر من المنعم عليه ~~والاشتغال بطاعة المنعم بها والانقياد لأمره وهو الله تعالى: { وميثاقه ~~الذي واثقكم به } يعني: واذكروا عهده الذي عاهدكم به أيها المؤمنون { إذ ~~قلتم سمعنا وأطعنا } وذلك حين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~السمع والطاعة فيما أحبوا وكرهوا وقيل الميثاق هو الذي أخذه عليهم في يوم ~~ألست بربكم قالوا بلى: { واتقوا الله } يعني فيما أخذه عليكم من الميثاق ~~فلا تنقضوه { إن الله عليم بذات الصدور } يعني إن الله تعالى عالم بما في ~~قلوب عباده من خير وشر. وقوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين لله } قال ابن عباس يريد أنهم يقومون لله بحقه ومعنى ذلك: هو أن ~~يقوم لله بالحق في كل ما ms0890 يلزمه القيام به من العمل بطاعته واجتناب نواهيه ~~{ شهداء بالقسط } يعني وتشهدون بالعدل يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودك ~~وقرابتك ولا تمنع شهادتك أهل بغضك وأعداءك أقم شهادتك لهم وعليهم بالصدق ~~والعدل. { ولا يجرمنكم شنآن قوم } ولا يحملنكم بغض قوم { على ألا تعدلوا ~~} على ترك العدل فيهم لعدوانهم { اعدلوا } أمر الله بالعدل في كل أحد ~~القريب والبعيد والصديق والعدو { هو أقرب للتقوى } أي العدل أقرب للتقوى ~~{ واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } يعني: أن الله تعالى خبير بجميع ~~أعمالكم مطلع عليها وخبير بمن عدل ومن لم يعدل. قوله تعالى: { وعد الله ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات } يعني عملوا بما واثقهم الله به وأوفوا ~~بالعهود التي عاهدهم عليها { لهم مغفرة وأجر عظيم } هذا بيان للوعد كأنه ~~لما تقدم ذكر الوعد فقيل: أي شيء هذا الوعد؟ فقال: لهم مغفرة وأجر عظيم ~~وإذا وعدهم أنجز لهم الوعد فإنه تعالى لا يخلف الميعاد. ### || [5.10-11] # { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا } يعني: والذين جحدوا وحدانية الله ~~ونقضوا عهوده ومواثيقه وكذبوا بما جاءت به الرسل من عنده { أولئك } يعني ~~من هذه صفته { أصحاب الجحيم } هذه الآية نص قاطع في أن الخلود في النار ~~ليس إلا للكفار لأن المصاحبة تقتضي الملازمة كما يقال: فلان صاحب فلان ~~يعني الملازم له. قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله ~~عليكم } يعني: اذكروا نعمة الله عليكم بالدفع عنكم مع سائر نعمه التي ~~أنعم بها عليكم ثم وصف تلك النعمة التي ذكرهم بها وأمرهم بالشكر عليها ~~فقال تعالى: { إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم } يعي بالقتل والبطش بكم ~~فصرفهم عنكم وحال بينكم وبين ما أرادوه بكم. اختلف أهل التفسير في سبب ~~نزول هذه الآية وفي صفة هذه النعمة التي أمر الله تعالى أصحاب نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بذكرها والشكر عليها، فقال قتادة: نزلت هذه الآية ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخلة حين أراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن ~~يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه ms0891 إذا اشتغلوا بالصلاة ~~فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك وأنزل صلاة الخوف. ~~وقال الحسن: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم محاصرا غطفان بنخل فقال ~~رجل من المشركين: هل لكم أن أقتل محمدا؟ قالوا: وكيف تقتله؟ قال: أفتك ~~به. قالوا: وددنا أنك فعلت ذلك. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم والنبي ~~صلى الله عليه وسلم متقلد سيفه فقال: يا محمد أرني سيفك فأعطاه أياه فجعل ~~الرجل يهز السيف وينظر إليه مرة وإلى النبي صلى الله عليه وسلم مرة ثم ~~قال: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: الله. فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأغمد السيف ومضى فأنزل الله هذه الآية. وقال مجاهد وعكرمة ~~والكلبي: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو الساعدي وهو ~~أحد النقباء ليلة العقبة في ثلاثين راكبا من المهاجرين والأنصار إلى بني ~~عامر بن صعصعة فخرجوا فلقوا عامر بن الطفيل على بئر معونة وهي من مياه ~~بني عامر فاقتتلوا فقتل المنذر وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة ~~لهم: أحدهم عمرو بن أمية الضمري فلم يرعهم إلا الطير تحوم في السماء يسقط ~~من بين مناقيرها علق الدم فقال أحد النفر الثلاثة: قتل أصحابنا. ثم تولى ~~يشتد حتى لقي رجلا من المشركين فاختلفا ضربتين فلما خالطته الضربة رفع ~~رأسه إلى السماء وفتح عينيه فقال: الله أكبر الجنة ورب العالمين ورجع ~~صاحباه فلقيا رجلين من بني سليم وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ~~قومهما موادعة فانتسبا إلى بني عامر فقتلاهما وقدم قومهما ألى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يطلبون الدية فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر ~~وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبدالرحمن بن عوف حتى دخلوا على كعب بن الأشرف ~~وبني النضير يستعينهم في عقلهما وكانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات. # وقيل أراد أن يستقرض منهم ديه رجلين فقالوا نعم يا أبا القاسم قد آن ms0892 لك ~~أن تأتينا وتسألنا حاجة أجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي سألته فجلس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخلا بعض اليهود ببعض وقالوا: إنكم لم تجدوا ~~محمدا أقرب منه الآن فمن يظهر منكم على هذا البيت فيطرح عليه صخرة ~~فيربحنا منه فقال عمرو بن جحاش: أنا. فعمد إلى رحى عظيمة ليطرحها على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأمسك الله يده ونزل جبريل فأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذلك، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة. ~~قال: وخرج معه علي بن أبي طالب فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي لا ~~تبرح مكانك حتى يخرج إليك أصحابي فمن خرج إليك منهم وسألك عني فقل توجه ~~إلى المدينة ففعل ذلك حتى تناهوا إليه ثم اتبعوه إلى المدينة وأنزل الله ~~عز وجل هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم ~~قوم } يعني اليهود { أن يبسطوا إليكم أيديهم } يقال بسط يده إليه إذا بطش ~~به وهو إذا مدها إلى المبطوش به ليقتله { فكف أيديهم عنكم } يعني أنه ~~تعالى منعهم مما أرادوه بكم { واتقوا الله } يعني فيما أمركم به ونهاكم ~~عنه { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أمر الله تعالى المؤمنين بالتوكل ~~عليه لأنه هو الكافي عباده جميع أمورهم فإذا فعلوا ذلك وتوكلوا عليه ~~حفظهم ورعاهم ممن أرادهم بسوء كما كف أيدي اليهود عنهم لما أرادوا أن ~~يفتكوا بهم وهذه القصة أولى بالصواب لأنه عقب الآية بذم اليهود وذكر قبيح ~~أفعالهم وخيانتهم. ### || [5.12] # قوله تعالى: { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل } لما ذكر الله في الآية ~~المتقدمة بعض غدرات اليهود وما أرادوه من كيد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه أتبعه بذكر أسلافهم وما نقضوه من المواثيق والعهود ومعنى ~~الآية أن الله أخذ ميثاقهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وأن يعملوا بما ~~في التوراة من الأحكام والتكاليف { وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا } اختلف ~~العلماء في معنى النقيب فقال ابن عباس: النقيب الضمين. وقال قتادة: هو ~~الشهيد على ms0893 قومه. وقيل: هو الأمين الكفيل. وقيل: هو الباحث عن القوم وعن ~~أحوالهم. ذكر القصة في ذلك قال أصحاب الأخبار والسير: إن الله عز وجل وعد ~~موسى عليه السلام أن يورثه وقومه الأرض المقدسة وكان يسكنها الكنعانيون ~~الجبارون فأمر الله موسى أن يسير ببني إسرائيل إلى الأرض وقال: إني ~~كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فإني ناصرك ~~عليهم وخذ من قومك اثني عشر نقيبا من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على ~~قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به فاختار موسى النقباء وسار ببني ~~إسرائيل حتى قربوا من أريحاء وهي مدينة الجبارين فبعث هؤلاء النقباء ~~يتجسسون له الأخبار ويعلمون علمها فلقيهم رجل من الجبارين يقال له، عوج ~~بن عنق، وعنق: أمه، وهي إحدى بنات آدم عليه السلام. وكان طوله ثلاثة آلاف ~~ذراع وثلثمائة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع هكذا نقله البغوي وفيه نظر لأن ~~آدم عليه السلام كان طوله على ما ورد في الأحاديث الصحيحة ستين ذراعا. ~~قال: وكان عوج يحتجر بالسحاب ويشرب من مائة ويتناول الحوت من قعر البحر ~~ويشويه في عين الشمس، ويروى أن الماء لما طبق على الأرض من جبل وغيره ما ~~بلغ ركبتي عوج وقال لنوح عليه السلام: احملني معك في السفينة فقال نوح ~~عليه السلام: اخرج عني يا عدو الله فإني لم أؤمر بك وعاش عوج ثلاثة آلاف ~~سنة حتى أهلكه الله تعالى على يد موسى عليه السلام وذلك أنه اقتلع صخرة ~~من الجبل على قدر عسكر موسى، وكان فرسخا في فرسخ وحملها على رأسه ~~ليطبقها عليهم فبعث الله الهدهد فنقب الصخرة وقورها بمنقاره فوقعت في ~~عنقه فصرعته وأقبل موسى عليه السلام وهو مصروع فقتله قال، فلما لقي عوج ~~النقباء أخذهم وجعلهم في حجزته وكان على رأسه حزمة حطب وانطلق بهم إلى ~~امرأته وقال لها: انظري إلى هؤلاء الذين يريدون قتالنا وطرحهم بين يديها ~~وقال لا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما ~~رأوا منك وقيل إنه جعلهم في ms0894 كمه وأتى بهم إلى الملك فنثرهم بين يديه فقال ~~لهم الملك ارجعوا إلى قومكم فأخبروهم بما رأيتم وكان مما رأوا أن العنقود ~~العنب لا يحمله إلا خمسة أنفس منهم بينهم في خشبة ويدخل في شطر الرمانة ~~إذا نزع منها حبسها خمسة أنفس فرجع النقباء وقال بعضهم لبعض: يا قوم إنكم ~~إذا خبرتم بني إسرائيل خبر القوم رجعوا عن نبي الله موسى ولا يقاتلونهم ~~معه اكتموا عن بني إسرائيل خبر القوم وأخبروا موسى وهارون بما رأيتم ~~فيريان رأيهما وأخذ بعض النقباء على بعض الميثاق بذلك فلما رجعوا إلى بني ~~إسرائيل نكثوا العهد والميثاق وأخبر كل رجل سبطه بما رأى إلا رجلان منهم ~~وهم يوشع بن نون وكالب بن يوقنا فإنهم أوفيا بالعهود ولم ينكثا الميثاق ~~فذلك قوله تعالى: { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني ~~عشر نقيبا } { وقال الله إني معكم } فيه حذف تقديره وقال للنقباء: إني ~~معكم يعني بالنصر والمعونة. # وقيل: هو خطاب لعامة بني إسرائيل: والقول الأول أولى لأن الضمير يعود ~~إلى أقرب مذكور فكان عوده إلى النقباء أولى ثم ابتدأ الكلام فقال مخاطبا ~~لبني إسرائيل: { لئن أقمتم الصلاة } هذه جملة شرطية والشرط مركب من خمسة ~~أمور، وهي قوله: لئن أقمتم الصلاة { وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي ~~وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا } وجزاء الشرط قوله تعالى: { لأكفرن ~~عنكم سيئاتكم } وذلك إشارة إلى إزالة العذاب. وقوله تعالى: { ولأدخلنكم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار } إشارة إلى إيصال الثواب ومعنى الآية لئن ~~أقمتم الصلاة المكتوبة وآتيتم الزكاة المفروضة وآمنتم برسلي يعني جميع ~~رسلي وإنما أخر ذكر الإيمان بالرسل لأن اليهود كانوا مقربين بإقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان ببعض الرسل فقال الله لهم إنه لا يتم لكم ~~ذلك ولا يحصل المقصود إلا بالإيمان بجميع الرسل. وقوله تعالى: وعزرتموهم، ~~يعني ونصرتموهم. وأصل التعزير في اللغة: الردع. فمعنى وعزرتموهم: ~~ونصرتموهم بأن تردوا أعداءهم عنهم. وقيل: معناه وقرتموهم وعظتموهم. ~~والقول هو الأول. وأقرضتم الله قرضا حسنا: يعني به الصدقات المندوبة ~~لأن الزكاة تقدم ذكرها فلا ms0895 فائدة في تفسير هذا الفرض بالزكاة. فإن قلت: ~~كيف؟ قال: وأقرضتم الله قرضا حسنا ولم يقل إقراضا حسنا لأن مصدر ~~أقرضتم الإقراض قلت: إن قوله قرضا أخرج مصدرا من معناه لا من لفظه وذلك ~~أن أقرض بمعنى قرض فكان معنى الكلام وأقرضتم الله فقرضتم قرضا حسنا ~~ونظير ذلك قوله تعالى: # والله أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17] إذ كان معناه فنبتم نباتا وقوله { لأكفرن عنكم سيئاتكم } ~~يعني إذا فعلتم سائر ما أمرتكم به لأمحون عنكم سيئآتكم وأغفرها لكم ~~ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار { فمن كفر بعد ذلك منكم } يعني بعد ~~أخذ العهد والميثاق { فقد ضل سواء السبيل } يعني فقد أخطأ الطريق ~~المستقيم وهو طريق الدين الذي شرعه والهدى الذي أمر باتباعه. ### || [5.13-14] # قوله تعالى: { فبما نقضهم ميثاقهم } أي بسبب نقضهم الميثاق وذلك أن بني ~~إسرائيل نقضوا ميثاق الله وعهده بأن كذبوا الرسل الذين جاؤوا من بعد موسى ~~وقتلوا أنبياء الله ونبذوا كتابه وضيعوا فرائضه { لعناهم } يعني ~~جازيناهم على ذلك بأن أبعدناهم وطردناهم عن رحمتنا وأصل اللعنة الإبعاد ~~عن الرحمة { وجعلنا قلوبهم قاسية } يعني غليظة يابسة لا تلين لأن القسوة ~~خلاف اللين والرقة وقيل معناه أن قلوبهم ليست خالصة للإيمان بل إيمانهم ~~مشوب بالكفر والنفاق { يحرفون الكلم عن مواضعه } يعني يغيرون حدود ~~التوراة وأحكامها وقيل هو تبديلهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته من ~~التوراة وقيل هو تحريفهم معاني الألفاظ بسوء التأويل { ونسوا حظا مما ~~ذكروا به } يعني وتركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الأيمان يعني على ~~معصية منهم وكانت خيانتهم نقض العهد ومظاهرتهم المشركين على حرب محمد صلى ~~الله عليه وسلم وهمهم بقتله وسمه ونحوها من خيانتهم التي ظهرت { إلا ~~قليلا منهم } يعني أنهم لم يخونوا ولم ينقضوا العهد وهم عبد الله بن ~~سلام وأصحابه الذين أسلموا من أهل الكتاب { فاعف عنهم واصفح } أي فاعف عن ~~زلاتهم يا محمد واصفح عن جرمهم ومؤاخذتهم وهذا الأمر بالعفو والصفح عن ~~أهل الكتاب منسوخ بقوله تعالى: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ms0896 ولا باليوم الآخر # [التوبة: 29] الآية التي نزلت في سورة براءة قاله قتادة وقيل إنها غير ~~منسوخة بل نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد ~~فغدروا ونقضوا ذلك العهد فأظهر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ~~ذلك وأنزل هذا الآية ولم تنسخ وذلك أن يجوز أن يعفوا عن غدرة فعلوها ما ~~لم ينصبوا حربا ولم يمنعوا من أداء الجزية والصغار وعلى هذا القول بأنها ~~غير منسوخة يكون معنى الاية فاعف عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم ~~قبل ذلك. وقيل: معناه فاعف عن صغائر زلاتهم ما داموا باقين على العهد { ~~إن الله يحب المحسنين } يعني إذا عفوت عنهم فإنك تحسن والله يحب المحسنين ~~قوله عز وجل: { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم } لما ذكر نقض ~~اليهود الميثاق اتبعه بذكر نقض النصارى الميثاق وأن سبيل النصارى مثل ~~سبيل اليهود في نقض العهد والميثاق وإنما قال تعالى: { ومن الذين قالوا ~~إنا نصارى } ولم يقل من النصارى لأنهم الذين ابتدعوا هذا الاسم وسموا به ~~أنفسهم لأن الله تعالى سماهم به أخذنا ميثاقهم يعني كتبنا عليهم في ~~الإنجيل أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم { فنسوا حظا مما ذكروا به } ~~يعني فتركوا ما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم { فأغرينا ~~} يعني فألقينا وأوقعنا { بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة }. قال ~~قتادة: لما تركوا العمل بكتاب الله وعصوا رسله وضيعوا فرائضه وعطلوا ~~حدوده، ألقى الله العداوة والبغضاء بينهم. وقيل: العداوة والبغضاء هي ~~الأهواء المختلفة وفي الهاء والميم من قوله بينهم قولان: أحدهما أن ~~المراد بهم اليهود والنصارى فإن العداوة والبغضاء حاصلة بينهم إلى يوم ~~القيامة. والقول الثاني أن المراد بهم فرق النصارى، فإن كل فرقة منهم ~~تكفر الأخرى { وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } يعني أن الله تعالى ~~يخبرهم في الآخرة بأعمالهم التي عملوها في الدنيا ففيه وعيد وتهديد لهم. ### || [5.15-17] # قوله تعالى: { يا أهل الكتاب } يعني اليهود والنصارى { قد جاءكم رسولنا ~~} يعني محمد صلى ms0897 الله عليه وسلم { يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من ~~الكتاب } يعني أن محمدا صلى الله عليه وسلم يظهر كثيرا مما أخفوا ~~وكتموا من أحكام التوراة والإنجيل وذلك أنهم أخفوا آية الرجم وصفة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وغير ذلك ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~ذلك وأظهره وهذا معجزة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يقرأ كتابهم ولم ~~يعلم ما فيه فكان إظهاره ذلك معجزة له { ويعفو عن كثير } يعني مما ~~يكتمونه فلا يتعرض له ولا يؤاخذهم به لأنه لا حاجة إلى إظهاره والفائدة ~~في ذلك أنهم يعلمون كون النبي صلى الله عليه وسلم عالما بما يخفونه وهو ~~معجزة له أيضا فيكون ذلك داعيا لهم إلى الإيمان به { قد جاءكم من الله ~~نور } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم إنما سماه الله نورا لأنه يهتدى ~~به كما يهتدى بالنور في الظلام وقيل: النور هو الإسلام { وكتاب مبين } ~~يعني القرآن { يهدي الله به } يعني يهدي الله بالكتاب المبين { من اتبع ~~رضوانه } أي اتبع ما رضيه الله وهو دين الإسلام لأنه مدحه وأثنى عليه { ~~سبل السلام } قال ابن عباس: يريد دين الله وهو الإسلام فسبله دينه الذي ~~شرع لعباده وبعث به رسله وأمر عباده باتباعه. وقيل: سبل السلامة طرق ~~السلام. وقيل: سبل السلام دار السلام فيكون من باب حذف المضاف { ويخرجهم ~~من الظلمات إلى النور } يعني من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان { بإذنه } ~~يعني بتوفيقه وهدايته { ويهديهم إلى صراط مستقيم } يعني دين الإسلام قوله ~~عز وجل { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم }. قال ابن ~~عباس: هؤلاء نصارى نجران، فإنهم قالوا هذه المقالة وهو مذهب اليعقوبية ~~والملكانية من النصارى لأنهم يقولون بالحلول وأن الله قد حل في بدن عيسى ~~فلما كان اعتقادهم ذلك لا جرم حكم الله عليهم بالكفر ثم ذكر الله ما يدل ~~على فساد مذهبهم فقال تعالى: { قل } يعني يا محمد لهؤلاء النصارى الذين ~~يقولون هذه المقالة { فمن يملك } يعني يقدر أن ms0898 يدفع { من الله شيئا } ~~يعني من أمر الله شيئا { إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه } يعني ~~يعدم المسيح وأمه { ومن في الأرض جميعا } ووجه الاحتجاج على النصارى ~~بهذا أن المسيح لو كان إنما كما يقولون لقدر على دفع أمر الله إذا أراد ~~إهلاكه وإهلاك أمه وغيرها { ولله ملك السموات والأرض وما بينهما } إنما ~~قال وما بينهما ولم يقل وما بينهن لأنه أراد ما بين هذين النوعين أو ~~الصنفين من الأشياء فإنها ملكه وأهلها عبيده وعيسى وأمه من جملة عبيده { ~~يخلق ما يشاء } يعني من غير اعتراض عليه فيما يخلق لأنه خلق آدم من غير ~~أب وأم وخلق عيسى من أم بلا أب وخلق سائر الخلق من أب وأم { والله على كل ~~شيء قدير } يعني أن الله تعالى لا يعجزه شيء أراده فلا اعتراض لأحد من ~~خلقه عليه. ### || [5.18-20] # قوله تعالى: { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه } قال ابن ~~عباس: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان وابن أصار وبحري بن عمرو ~~وشاس بن عدي فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله ~~وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد نحن أبناء الله وأحباؤه كقول ~~النصارى، فأنزل الله عز وجل فيهم { وقالت اليهود والنصارى، نحن أبناء ~~الله وأحباؤه } الآية. وسبب هذه المقالة ما حكاه السدي قال: أما اليهود ~~فإنهم قالوا إن الله أوحى إلى إسرائيل إني أدخل من ولدك النار فيكونون ~~فيها أربعين يوما حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم ثم ينادي مناد أن اخرجوا كل ~~مختون من ولد إسرائيل فيخرجون فذلك قوله تعالى: لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودات. وأما النصارى، فإن فرقا منهم يقولون المسيح ابن الله ~~وكذبوا فيما قالوا على الله تعالى فأما وجه قول اليهود فإنهم يعنون أنه ~~من عطفه عليهم كالأب الشفيق على الولد وأما وجه قول النصارى، فإنهم لما ~~قالوا في المسيح أنه ابن الله وادعوا أنه منهم فكأنهم قالوا: نحن أبناء ~~الله لهذا السبب. وقيل: إن اليهود إنما قالوا ms0899 هذه المقالة من باب حذف ~~المضاف والمعنى نحن أبناء رسول الله وأما النصارى فإنهم تأولوا قول ~~المسيح أذهب إلى أبي وأبيكم. وقوله: إذا صليتم فقولوا يا أبانا الذي في ~~السماء لنقدسن اسمك فذهبوا إلى ظاهر هذه المقالة ولم يعلموا ما أراد ~~المسيح عليه السلام إن صحت هذه المقالة عنه فإن تأويلها أنه في بره ~~ورحمته وعطفه على عباده الصالحين كالأب الرحيم لولده وجملة الكلام في ذلك ~~أن اليهود والنصارى كانوا يرون لأنفسهم فضلا على من سواهم بسبب أسلافهم ~~الأفاضل حتى انتهوا في تعظيم أنفسهم إلى أن قالوا: نحن أبناء الله ~~وأحباؤه فأبطل الله عز وجل دعواهم وكذبهم فيما قالوا بقوله تعالى: { قل ~~فلم يعذبكم بذنوبكم }. معناه: إذا كان الأمر كما تزعمون فلم يعذبكم الله ~~وأنتم قد أقررتم على أنفسكم أنه يعذبكم أربعين يوما وهل رأيتم والدا ~~يعذب ولده بالنار وهل تطيب نفس محب أن يعذب حبيبه في النار { بل أنتم بشر ~~ممن خلق } يعني بل أنتم يا معشر اليهود والنصارى كسائر بني آدم مجزيون ~~بالإساءة والإحسان. قوله تعالى: { يغفر لمن يشاء } يعني لمن تاب من ~~اليهود والنصرانية { ويعذب من يشاء } يعني من مات على اليهودية ~~والنصرانية. وقيل: معناه يهدي من يشاء فيغفر له ويميت من يشاء على كفره ~~فيعذبه { ولله ملك السموات والأرض وما بينهما }. يعني: أنه تعالى يملك ~~ذلك لا شريك له في ذلك فيعارضه وهو الذي يملك المغفرة لمن يشاء والتعذيب ~~لمن يشاء وفيه دليل على أنه تعالى لا ولد له لأن من يملك السموات والأرض ~~يستحيل أن يكون له شبيه من خلقه أو شريك في ملكه { وإليه المصير } يعني ~~وإلى الله مرجع العباد في الآخرة فيجازيهم بأعمالهم. # قوله تعالى: { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من ~~الرسل } قال ابن عباس: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب ~~لليهود: يا معشر اليهود اتقوا الله فولله إنكم لتعلمون أنه رسول الله لقد ~~كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع ms0900 بن حريملة ووهب ~~بن يهودا: ما قلنا ذلك لكم وما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل ~~بشيرا ولا نذيرا بعده فأنزل الله هذه الآية يا أهل الكتاب قد جاءكم ~~رسولنا يعني محمدا صلى الله عليه وسلم يبين لكم يعني أحكام الدين ~~والشرائع على فترة من الرسل قال ابن عباس: يعني على انقطاع من الرسل. ~~واختلف العلماء في قدر مدة الفترة فروي عن سلمان قال: فترة ما بين عيسى ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة أخرجه البخاري. وقال قتادة: كانت ~~الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة وما شاء الله من ~~ذلك وعنه أنها خمسمائة سنة وستون سنة. وقال ابن السائب: خمسمائة وأربعون ~~سنة. وقال الضحاك: إنها أربعمائة وبضع وثلاثون سنة. ونقل ابن الجوزي عن ~~ابن عباس: على فترة من الرسل قال: على انقطاع منهم. قال: وكان بين ميلاد ~~عيسى وميلاد محمد صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسعة وستون سنة وهي ~~الفترة وكان بين عيسى ومحمد أربعة من الرسل فذلك قوله # إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث # [يس: 14] قال: والرابع لا أدري من هو فكانت تلك السنون مائة وأربعا ~~وثلاثين سنة نبوة وسائرها فترة. قال أبو سليمان الدمشقي: والرابع والله ~~أعلم خالد بن سنان الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نبي ضيعه قومه ". # قال الإمام فخر الدين الرازي: والفائدة في بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ~~عند فترة الرسل، هي أن التحريف والتغيير كان قد تطرف إلى الشرائع ~~المتقدمة لتقادم عهدها وطول زمانها وسبب ذلك اختلاط الحق بالباطل والكذب ~~بالصدق فصار ذلك عذرا ظاهرا في إعراض الخلق عن العبادات لأن لهم أن ~~يقولوا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادتك ولكنا ما عرفنا كيف نعبدك فبعث ~~الله في هذا الوقت محمدا صلى الله عليه وسلم لإزالة هذا العذر فذلك قوله ~~عز وجل: { أن تقولوا ما جاءنا من بشير ونذير } يعني لئلا تقولوا وقيل ~~معناه كراهية أن تقولوا ما جاءنا من ms0901 بشير ولا نذير في هذا الوقت { فقد ~~جاءكم بشير ونذير } يعني فقد أرسلت إليكم محمدا صلى الله عليه وسلم ~~لإزالة هذا العذر { والله على كل شيء قدير } يعني أنه قادر على بعثة ~~الرسل في وقت الحاجة إليهم. # قوله عز وجل: { وإذا قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم } ~~قال ابن عباس: اذكروا عافية الله. وقيل: معناه اذكروا أيادي الله عندكم ~~وأيامه التي أنعم فيها عليكم قال الطبري: هذا تعريف من الله تعالى لنبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم بتمادي هؤلاء في الغي وبعدهم عن الحق وسوء ~~اختيارهم لأنفسهم وشدة مخالفتهم لأنبيائهم مع كثرة نعم الله عليهم وتتابع ~~أياديه وآلائه لديهم سلى بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم عما نزل به من ~~مقاساتهم ومعالجتهم في ذات الله عز وجل { إذ جعل فيكم أنبياء } يعني أن ~~موسى عليه السلام ذكر قومه بني إسرائيل بأيام الله عندهم وبما أنعم به ~~عليهم فقال اذكروا نعمة الله عليكم إذ فضلكم بان جعل فيكم أنبياء. قال ~~الكلبي: هم السبعون الذي اختارهم موسى من قومه وانطلق بهم إلى الجبل ~~وأيضا كان أنبياء بني إسرائيل من أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم ~~السلام وهؤلاء لا شك أنهم من أكابر الأنبياء وأولاد يعقوب وهم الأسباط ~~أنبياء على قول الأكثرين وموسى وهارون عليهما السلام وأيضا فإن الله ~~تعالى أعلم موسى أنه يبعث من بعده في بني إسرائيل أنبياء فإنه لم يبعث في ~~أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء فكان هذا شرفا عظيما لهم ونعمة ~~ظاهرة عليهم { وجعلكم ملوكا } يعني: وجعلكم أحرارا تملكون أنفسكم بعد ~~أن كنتم عبيدا في أيدي القبط. قال ابن عباس: يعني جعلكم أصحاب خدم وحشم. ~~قال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم ولم يكن لمن قبلهم خدم وروي عن أبي ~~سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكا " # ذكره البغوي بغير سند وسأل رجل عبد الله بن عمرو بن العاص ms0902 فقال ألسنا من ~~فقراء المهاجرين فقال له عبد الله ألك امرأة تأوي إليها؟ قال نعم، قال: ~~لك مسكن تسكنه؟ قال نعم، قال: أنت من الأغنياء، قال فإن لي خادما قال ~~فأنت من الملوك. وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية ومن ~~كان مسكنه واسعا وفيه ماء جار فهو ملك { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين } يعني من عالمي زمانكم يذكرهم ما أنعم الله به عليهم من فلق ~~البحر لهم وإهلاك عدوهم وإنزال المن والسلوى عليهم وإخراج الماء من الحجر ~~لهم وتظليل الغمام فوقهم إلى غير ذلك من النعم التي أنعم الله بها عليهم. ### || [5.21-22] # قوله تعالى: { يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم } لما ذكر ~~موسى قومه ما أنعم الله عليهم أمرهم بالخروج إلى جهاد عدوهم فقال: يا قوم ~~ادخلوا الأرض المقدسة المباركة. قال الكلبي: صعد إبراهيم عليه السلام جبل ~~لبنان فقيل له انظر فما أدرك بصرك فهو مقدس وهو ميراث لذريتك والأرض هي ~~الطور وما حوله. وقيل: هي أريحاء وفلسطين وبعض الأردن. وقيل: هي دمشق. ~~وقيل: هي الشام، كلها. قال كعب الأحبار: ووجدت في كتاب الله المنزل أن ~~الشام كنز الله في أرضه وبها أكثر عباده التي كتب الله لكم يعني كتب الله ~~في اللوح المحفوظ إنها لكم مساكن وقيل: فرض الله عليكم دخولها وأمركم ~~بسكناها. وقيل: وهبها لكم. فإن قلت: كيف؟ قال الله تعالى: ادخلوا الأرض ~~المقدسة التي كتب الله لكم. وقال فإنها محرمة عليهم وكيف الجمع بينهما؟ ~~قلت فيه وجوه أحدها أنها كانت هبة من الله ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم ~~وعصيانهم. الوجه الثاني: أن اللفظ وإن كان عاما لكن المراد منه الخصوص ~~فصار كأنه مكتوب لبعضهم وحرام على بعضهم فإن يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ~~دخلاها وكانا ممن خوطب بهذا الخطاب. الوجه الثالث: إن هذا الوعد كان ~~مشروطا بالطاعة فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط. الوجه الرابع: أنه ~~قال: إنها محرمة عليهم أربعين سنة فلما مضت الأربعون دخلوها وكانت مساكن ms0903 ~~لهم كما وعدهم الله تعالى: { ولا ترتدوا على أدباركم } يعني ولا ترجعوا ~~القهقرى مرتدين على أعقابكم إلى ورائكم ولكن امضوا لأمر الله الذي أمركم ~~به وإن فعلتم خلاف ما أمركم الله به { فتنقلبوا خاسرين } يعني فترجعوا ~~خائبين لأنكم رددتم أمر الله قوله عز وجل: { قالوا } يعني قوم موسى { يا ~~موسى إن فيها } يعني في الأرض المقدسة { قوما جبارين } يعني قوما عاتين ~~لا طاقة لنا بهم ولا قوة لنا بقتالهم وسموا أولئك القوم جبارين لشدة ~~بطشهم وعظم خلقهم وكانوا ذوي أجسام عظيمة وأشكال هائلة وهم العمالقة بقية ~~قوم عاد وأصل الجبار في صفة الإنسان فعال من جبره على الأمر يعني أجبره ~~عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد وقيل إنه مأخوذ من قولهم ~~نخلة جباة إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها ويقال رجل جبار إذا ~~كان طويلا عظيما قويا تشبيها بالجبار من النخل { وإنا لن ندخلها } ~~يعني أرض الجبارين التي أمرهم الله بدخولها { حتى يخرجوا منها } حتى يخرج ~~الجبارون من الأرض المقدسة وإنما قالوا ذلك استبعادا لخروج الجبارين من ~~أرضهم { فإن يخرجوا منها فإنا داخلون } يعني إليها قال العلماء بالأخبار ~~إن النقباء لما خرجوا يتجسسون الأخبار لموسى عليه السلام ورجعوا إليه ~~وأخبروه خبر القوم وما عاينوه منهم. # قال لهم موسى: لا تخبروا بني إسرائيل بهذا فيجبنوا ويضعفوا عن قتالهم. ~~وقيل: إن النقباء الاثني عشر لما خرجوا من أرض الجبارين قال بعضهم لبعض: ~~لا تخبروا بني إسرائيل بما رأيتم فلما رجعوا وأخبروا موسى أمرهم أن لا ~~تخبروا بني إسرائيل بذلك فخالفوا أمره ونقضوا العهد وأخبر كل رجل النقباء ~~سبطه بما رأى إلا يوشع بن نون وكالب فإنهما كتما ووفيا بالعهد فلما علم ~~بنو إسرائيل بذلك وفشا ذلك فيهم رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: ليتنا ~~متنا في أرض مصر ولا يدخلنا الله أرضهم فتكون نساؤنا وأولادنا وأموالنا ~~غنيمة لهم. وجعل الرجل من بني إسرائيل يقول لصاحبه: تعالوا نجعل لنا ~~رأسا وننصرف إلى مصر فلما قال بنو إسرائيل ذلك هموا بالانصراف ms0904 إلى مصر ~~خر موسى وهارون ساجدين وخرق يوشع وكالب ثيابهما وهما اللذان أخبرنا الله ~~عنهما. ### || [5.23-26] # { قال رجلان من الذين يخافون } يعني يخافون الله ويراقبونه { أنعم الله ~~عليهما } يعني بالهداية والوفاء { ادخلوا عليهم الباب } يعني قال ~~الرجلان، وهما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا لبني إسرائيل، ادخلوا على ~~الجبارين باب مدينتهم { فإذا دخلتموه فإنكم غالبون } لأن الله وعدكم ~~بالنصر وأن الله ينجز لكم وعده { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } ~~يعني يقول الرجلان لقوم موسى ثقوا بالله فإنه معكم وناصركم إن كنتم ~~مصدقين بأن الله ناصركم لا يهولنكم عظم أجسامهم فإنا قد رأيناهم فكانت ~~أجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة فلما قالا ذلك، أراد بنو إسرائيل أن ~~يرجموهما بالحجارة وعصوا أمرهما، وقالوا: ما أخبرنا الله عنهم بقوله ~~تعالى: { قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا } يعني: قال قوم موسى لموسى ~~إنا لن ندخل مدينة الجبارين أبدا يعني مدة حياتنا { ما داموا فيها } ~~يعني مقيمين فيها { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } إنما قالوا ~~هذه المقالة لأن مذهب اليهود التجسيم فكانوا يجوزون الذهاب والمجيء على ~~الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا. قال بعض العلماء: إن كانوا قالوا هذا ~~على وجه الذهاب من مكان إلى مكان فهو كفر وإن كانوا قالوه على وجه الخلاف ~~لأمر الله وأمر نبيه فهو فسق، وقال بعضهم: إنما قالوه على وجه المجاز. ~~والمعنى: اذهب أنت وربك معين لك لكن قوله: فقاتلا يفسد هذا التأويل. وقال ~~بعضهم: إنما أرادوا بقولهم وربك أخاه هارون لأنه كان أكبر من موسى والأصح ~~أنهم إنما قالوا ذلك جهلا منهم بالله تعالى وصفاته ومنه قوله تعالى: # وما قدروا الله حق قدره # [الزمر: 67] خ. عن ابن مسعود قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن ~~أكون أنا صاحبه أحب إلي مما عدل به أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~يدعو على المشركين يوم بدر فقال يا رسول الله ألا لا نقول كما قالت بنو ~~إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن ms0905 امض ونحن معك ~~فكأنه سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: لكنا نقاتل عن ~~يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك فرأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أشرق وجهه وسر. قوله تعالى: { قال } يعني موسى عليه السلام { رب } ~~أي يا رب { إني لا أملك إلا نفسي وأخي } يعني إني لا أملك إلا نفسي وأخي ~~لا يملك إلا نفسه وقيل معناه لا أملك إلا نفسي ونفس أخي لأنه كان يطيعه ~~وإذا كان كذلك فقد ملكه وإنما قال موسى لا أملك إلا نفسي وأخي وإن كان ~~معه في طاعته يوشع بن نون وكالب بن يوفنا لاختصاص هارون به ولمزيد ~~الاعتناء بأخيه ويحتمل أن يكون معناه وأخي في الدين ومن كان على دينه ~~وطاعته فهو أخوه في الدين فعلى هذا الاحتمال يدخل الرجلان في قوله وأخي ~~ثم قال: { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } أي افصل وقيل احكم بيننا ~~وبين القوم الفاسقين يعني الخارجين عن طاعتك وإنما قال موسى ذلك لأنه لما ~~رأى بني إسرائيل وما فعلوه من مخالفة أمر الله وهمهم بيوشع وكالب غضب ~~لذلك ودعا عليهم فأجاب الله تعالى دعاء موسى عليه السلام { قال } الله عز ~~وجل: { فإنها محرمة عليهم } يعني فإن الأرض المقدسة محرمة عليهم ومعناه ~~أن تلك البلدة محرمة عليهم أبدا ولم يرد تحريم تعبد وإنما أراد تحريم ~~منع فأوحى الله تعالى إلى موسى " بي حلفت لأحرمن عليهم دخول الأرض ~~المقدسة غير عبدي يوشع وكالب ولأتيهنهم في هذه البرية أربعين سنة مكان كل ~~يوم من الأيام التي كانوا يتجسسون فيها سنة ولألقين جيفهم في هذه القفار ~~وأما أبناؤهم الذين لم يعملوا الشر فيدخلوها " فذلك قوله تعالى فإنها ~~يعني الأرض المقدسة محرمة عليهم. # قال أكثر أهل العلم: هذا تحريم منع لا تحريم تعبد. وقيل: يحتمل أن ~~يكون تحريم تعبد فيجوز أن يكون الله تعالى أمرهم بأن يمكثوا في تلك ~~المفازة في الشدة والبلية عقابا لهم على سوء صنيعهم أربعين سنة فمن قال ~~إن الكلام ثم عند ms0906 قوله فإنها محرمة عليهم قال أربعين سنة يتيهون في الأرض ~~فأما الحرمة فإنها مؤبدة حتى يموتوا ويدخلها أبناؤهم. وقيل: معناه أن ~~الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة ثم يدخلونها وتفتح لهم. وقوله ~~تعالى: { يتيهون في الأرض } يعني يتحيرون فيها. يقال: تاه يتيه إذا تحير. ~~واختلفوا في مقدار الأرض التي تاهوا فيها، فقيل: مقدار ستة فراسخ. وقيل: ~~ستة فراسخ في اثني عشر فرسخا. وقيل: تسع فراسخ في ثلاثين فرسخا. وكان ~~القوم ستمائة ألف مقاتل وكانوا يرحلون ويسيرون يومهم أجمع فإذا أمسوا إذا ~~هم في الموضع الذي رحلوا منه وكان ذلك التيه عقوبة لبني إسرائيل ما خلا ~~موسى وهارون ويوشع وكالب فإن الله تعالى سهله عليهم وأعانهم عليه كما سهل ~~على إبراهيم النار وجعلها بردا وسلاما. فإن قلت: كيف يعقل بقاء هذا ~~الجمع العظيم في هذا المقدار الصغير من الأرض أربعين سنة بحيث لم يخرج ~~منه أحد؟. قلت: هذا من باب خوارق العادات. وخوارق العادات في أزمان ~~الأنبياء غير مستبعدة، فإن الله على كل شيء قدير. وقيل: إن فسرنا ذلك ~~التحريم بتحريم التعبد زال هذا الإشكال لاحتمال أن الله ما حرم عليهم ~~الخورج من تلك الأرض بل أمر بالمكث أربعين سنة في المشقة والمحنة جزاء ~~لهم على سوء صنيعهم ومخالفتهم أمر الله ولما حصل بنو إسرائيل في التيه ~~شكوا إلى موسى عليه السلام حالهم فأنزل الله عليهم المن والسلوى وأعطوا ~~من الكسوة ما هي قائمة لهم فينشأ الناشىء منهم فتكون معه على مقداره ~~وهيئته وسأل موسى ربه أن يسقيهم فأتى بحجر أبيض من جبل الطور فكان إذا ~~نزل ضربه بعصاه فيخرج منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط منهم عين وأرسل الله ~~عليهم الغمام يظلهم في التيه ومات في التيه كل من دخله ممن جاوز عشرين ~~سنة غير يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ولم يدخل أريحاء ممن قال: إنا لن ~~ندخلها أبدا واختلفوا في أن موسى عليه السلام مات في التيه أم خرج منه ~~فقيل: إن موسى وهارون ماتا في التيه جميعا. ms0907 # قصة وفاة موسى وهارون عليهما السلام فأما هارون فإنه كان أكبر من موسى ~~بسنة. قال السدي: أوحى الله عز وجل إلى موسى إني متوفى هارون فأت به جبل ~~كذا وكذا فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل فإذا بشجرة لم ير مثلها وإذا ~~ببيت مبني وفيه سرير عليه فراش وفيه رائحة طيبة فلما رأى هارون ذلك البيت ~~أعجبه، وقال: يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير. قال: نم. قال: إني ~~أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب علي. قال: لا تخف إني أكفيك رب هذا ~~البيت فنم. قال: يا موسى فنم أنت معي فإن جاء رب هذا البيت غضب علي ~~وعليك جميعا. فلما ناما أخذ هارون الموت فلما وجد مسه قال: يا موسى ~~خدعتني فلما قبض هارون رفع البيت والسرير إلى السماء وهارون عليه وذهبت ~~الشجرة فرجع موسى إلى بني إسرائيل وليس هارون معه فقال بنو إسرائيل حسد ~~موسى هارون فقتله لحبنا إياه. قال موسى: ويحكم إن هارون كان أخي أفتروني ~~أقتله؟ فلما أكثروا عليه قام موسى فصلى ركعتين ثم دعا الله عز وجل فنزل ~~السرير وعليه هارون فنظروا إليه وهو بين السماء والأرض فصدقوه ثم رفع. ~~وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: صعد موسى عليه السلام وهارون إلى ~~الجبل فمات هارون وبقي موسى فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته وآذوه ~~فأمر الله الملائكة فحملوه حتى مروا به على بني إسرائيل وتكلمت الملائكة ~~بموته فصدقت بنو إسرائيل أنه مات وبرأ الله موسى مما قالوه ثم إن ~~الملائكة حملوه ودفنوه ولم يطلع على موضع قبره أحد إلا الرخم فجعله الله ~~أصم أبكم. وأما وفاة موسى عليه السلام فقال ابن إسحاق كان صفي الله موسى ~~عليه السلام قد كره الموت وأعظمه فأراد الله أن يحبب إليه الموت فنبأ ~~يوشع بن نون فكان موسى يغدو ويروح إليه ويقول له يا نبي الله ما أحدث ~~الله إليك فيقول له يوشع يا نبي الله ألم أصحبك كذا وكذا سنة فهل كنت ~~أسألك ms0908 عن شيء مما أحدث الله إليك حتى كنت أنت تبتدىء به وتذكره لي ولا ~~يذكر له شيئا فلما رأى موسى ذلك كره الحياة وأحب الموت ق. # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أرسل ملك الموت إلى موسى فلما جاءه صكه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فقال ~~أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إليه فقل ~~له يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت يده من شعره سنة. قال: أي رب ثم ~~مه قال: ثم الموت قال: فالآن فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية ~~بحجر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى ~~جانب الطريق عند الكثيب الأحمر " # وفي رواية لمسلم قال: جاء ملك الموت إلى موسى فقال: أجب ربك قال فلطم ~~موسى عين ملك الموت ففقأها " ثم ذكر معنى ما تقدم قال الشيخ محيي الدين ~~النووي. قال المازري: وقد أنكر بعض الملاحدة هذا الحديث وأنكر تصوره ~~قالوا كيف يجوز على موسى فقء عين ملك الموت. وأجاب عنه العلماء بأجوبة ~~أحدها أنه لا يمتنع أن يكون الله قد أذن لموسى في هذه اللطمة ويكون ذلك ~~امتحانا للملطوم والله تعالى يفعل في خلقه ما يشاء ويمتحنهم بما أراد. ~~الثاني: أن موسى لم يعلم أنه ملك من عند الله وظن أنه رجل قصده يريد نفسه ~~فدافعه عنها فأدت المدافعة إلى فقء عينه لأنه قصدها بالفقء وتؤيده رواية ~~صكه وهذا جواب الإمام أبي بكر بن خزيمة وغيره من المتقدمين واختاره ~~المازري والقاضي عياض. قالوا: وليس في الحديث تصريح بأنه قصد فقء عينه. ~~فإن قيل: فقد اعترف موسى حين جاء ثانيا بأنه ملك الموت. فالجواب، أنه ~~أتاه في المرة الثانية بعلامة علم بها أنه ملك الموت فاستسلم له بخلاف ~~المرة الأولى وأما سؤال موسى الإدناء من الأرض المقدسة فلشرفها وفضلها ~~وفضل من بها من المدفونين من الأنبياء وغيرهم وفيه دليل على استحباب ~~الدفن في المواضع الفاضلة ms0909 والمواطن المباركة والقرب من مدافن الصالحين ~~قال بعض العلماء وإنما سأل موسى الإدناء ولم يسأل نفس بيت المقدس لأنه ~~خاف أن يكون قبره مشهورا عندهم فيفتتن به الناس والله أعلم. قال وهب بن ~~منبه: خرج موسى لبعض حاجته فمر برهط من الملائكة وهم يحفرون قبرا لم ير ~~شيئا أحسن منه ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ~~ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر؟ فقالوا: لعبد كريم على ربه. فقال: إن ~~هذا العبد من الله بمنزلة ما رأيت كاليوم قط. فقالت الملائكة: يا صفي ~~الله تحب أن يكون لك؟ قال: وددت.قالوا: فانزل واضطجع فيه وتوجه إلى ربك ~~فنزل واضطجع وتوجه إلى ربه عز وجل ثم تنفس أسهل تنفس فقبض الله روحه ثم ~~سوت الملائكة عليه التراب. # وقيل: إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقيض روحه وكان عمر موسى ~~عليه السلام مائة وعشرين سنة فلما مات موسى عليه السلام انقضت الأربعون ~~سنة وبعث الله يوشع إلى بني إسرائيل فأخبرهم أن الله قد أمره بقتال ~~الجبارين فصدقوه وتابعوه فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء وهي مدينة ~~الجبارين ومعه تابوت الميثاق فأحاط بمدينة أريحاء ستة أشهر فلما كان من ~~السابع نفخوا في القرون وضجوا في الشعب ضجة واحدة فسقط سور المدينة ~~فدخلوها وقاتلوا الجبارين وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم فكانت العصابة ~~من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل من الجبابرة يضربونها حتى يقطعونها ~~وكان القتال والفتح يوم الجمعة فبقيت منهم بقية وكادت الشمس أن تغرب ~~وتدخل ليلة السبت فقال: اللهم اردد علي الشمس وقال للشمس: إنك في طاعة ~~الله وأنا في طاعة الله وسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقف حتى ينتقم من ~~أعداء الله قبل دخول السبت فرد الله عليه الشمس وزيد في النهار ساعة حتى ~~قتلهم أجمعين وتتبع ملوك الشام فاستباح منهم أحدا وثلاثين ملكا حتى غلب ~~على جميع أرض الشام وصارت كلها لبني إسرائيل وفرق عماله نواحيها وجميع ~~الغنائم فجاءت النار لتأكلها فلم تطعمها فقال: إن فيكم ms0910 غلولا فليبايعني ~~من كل قبيلة رجل ففعلوا فلصقت يد رجل بيده. فقال: فيكم الغلول فجاؤوا ~~برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت والجوهر قد غله رجل منهم فجعله في ~~القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان. وفي الحديث ~~الصحيح ما يدل على صحة هذا أو هو ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد ~~أن يبني بها ولم يبن بها ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها ولا رجل ~~اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر أولادها فغزا فدنا من القرية صلاة العصر ~~أو قريبا من ذلك فقال للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علينا ~~فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم فجاءت يعني النار لتأكلها فلم ~~تطعمها فقال إن فيكم غلولا فليبايعني من كل قبيلة رجل فلزقت يد رجل بيده ~~فقال فيكم الغلول فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعها فجاءت النار ~~فأكلتها " # زاد في رواية: # " فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا ثم أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا ~~وعجزنا فأحلها لنا " # أخرجه البخاري ومسلم. شرح غريب هذا الحديث. قوله لا يتبعني رجل ملك بضع ~~امرأة، البضع بضم الباء كناية عن فرج المرأة ولم يبن بها أي لم يدخل ~~عليها، ولخلفات النوق الحوامل قوله للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم ~~احبسها علينا قال الشيخ محيي الدين قال القاضي عياض: اختلف الناس في حبس ~~الشمس المذكور هنا فقيل: ردت إلى ورائها وقيل: وقفت ولم ترد وقيل: بطء ~~حركتها وكل ذلك من معجزات النبوة قال ويقال إن الذي حبست عليه الشمس يوشع ~~بن نون قال القاضي. # وقد روي أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم حبست له الشمس مرتين ~~إحداهما يوم الخندق حين شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس فردها الله ~~عليه حتى صلى العصر ذكر، ذلك الطحاوي وقال: رواته ثقات. والثانية: صبيحة ~~ليلة الإسراء حين انتظر العير لما ms0911 أخبر بوصولها مع شروق الشمس ذكره يونس ~~بن بكير في زياداته عن سيرة بن إسحاق. وقال وهب: ثم مات يوشع بن نون ودفن ~~في جبل أفراثيم وكان عمره مائة سنة وستا وعشرين سنة وكان تدبيره أمر بني ~~إسرائيل بعد موسى سبعا وعشرين سنة. وقيل: إن الذي فتح أريحاء هو موسى ~~عليه السلام وكان يوشع بن نون على مقدمته فسار إليهم بمن بقي من بني ~~إسرائيل فدخلها يوشع وقاتل الجبابرة ثم دخلها موسى وأقام بها ما شاء الله ~~تعالى ثم قبضه الله إليه ولا يعلم أحد قبره وهذا أصح الأقاويل لاتفاق ~~العلماء أن موسى عليه السلام هو الذي قتل عوج ابن عنق وهذا القول هو ~~اختيار الطبري. ونقل عن السدي قال: غضب موسى على قومه فدعا عليهم فقال: ~~رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي الآية. فقال الله عز وجل: فإنها محرمة ~~عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلما ضرب عليهم التيه ندم موسى وأتاه ~~قومه الذين كانوا يطيعونه فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى فمكثوا في ~~التيه فلما خرجوا منه رفع المن والسلوى والبقول والتقى موسى وعوج فنزا ~~موسى في السماء عشر أذرع وكانت عصاه عشرة أذرع وكان طوله عشرة فأصاب كعب ~~عوج فقتله. قال الطبري: ولو كان قتل موسى إياه قبل مصيره في التيه لم ~~يجزع بنو إسرائيل لأنه كان من أعظم الجبارين. وروي عن نون قال: كان سرير ~~عوج ثمانمائة ذراع. وقال: وإن أهل العلم بأخبار الأولين مجمعون على أن ~~بلعم بن باعوراء كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على موسى لأنه كان يعلم ~~الاسم الأعظم فدعا عليه وسترد قصته في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى ~~وقوله تعالى: { فلا تأس على القوم الفاسقين } يعني: لا تحزن عليهم لأنهم ~~أهل مخالفة وخروج عن الطاعة. وقيل: لما ندم موسى على ما دعاه على قومه ~~أوحى الله إليه فلا تأس على القوم الفاسقين. قال الزجاج: وجائز أن يكون ~~خطابا لمحمد صلى الله عليه وسلم أي: لا تحزن يا محمد على ms0912 قوم لم يزل ~~شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل. ### || [5.27] # قوله عز وجل: { واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق } يعني اذكر لقومك ~~وأخبرهم خبر ابني آدم وهما هابيل وقابيل في قول جمهور المفسرين ونقل عن ~~الحسن والضحاك أن ابني آدم اللذين قربا القربان ما كانا ابني آدم لصلبه ~~وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل ويدل عليه قوله تعالى في آخر القصة # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس # [المائدة: 32] الآية والصحيح ما ذهب إليه جمهور المفسرين، لأن الله ~~تعالى قال في آخر الاية: # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض # [المائدة: 31] لأن القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم من فعل ~~الغراب بالحق أن أخبرهم خبرا ملتبسا بالحق والصدق لأنه من عند الله ~~وموافقا لما في الكتب المتقدمة وهم يعلمون صحته ومقصود هذا الخبر هو ~~تقبيح الحسد لأن المشركين وأهل الكتاب كانوا يحسدون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { إذا قربا قربانا } القربان اسم لما يتقرب به إلى الله عز ~~وجل من صدقة أو ذبيحة أو غير ذلك مما يتقرب به. ذكر قصة القربان وسببه ~~وقتل قابيل هابيل ذكر أهل العلم بالأخبار والسير أن حواء كانت تلد لآدم ~~في كل بطن غلاما وجارية فكان جميع ما ولدته أربعين ولدا في عشرين بطنا ~~أولهم قابيل وتوأمته إقليما وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أم المغيث ثم بارك ~~الله في نسل آدم. قال ابن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده ~~أربعين ألفا واختلفوا في مولد قابيل وهابيل فقال بعضهم غشي آدم حواء بعد ~~مهبطهما إلى الأرض بمائة سنة فولدت له قابيل وتوأمته إقليما في بطن ثم ~~هابيل وتوأمته لبودا في بطن. وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم ~~بالكتاب الأول: إن آدم كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت ~~بقابيل وأخته فلم تجد عليهما وحما ولا وصبا ولا طلقا ولم تر دما وقت ~~الولادة فلما هبط إلى الأرض تغشاها فحملت بهابيل وتوأمته فوجدت عليهما ms0913 ~~الوحم والوصب والطلق والدم وكان إذا كبر أولاده زوج غلام هذا البطن جارية ~~بطن أخرى وكان الرجل منهم يتزوج أية أخواته شاء غير توأمته التي ولدت معه ~~لأنه لم يكن يومئذ نساء إلا أخواتهم فكبر قابيل وأخوه هابيل وكان بينهما ~~سنتان، فلما بلغوا، أمر الله آدم أن يزوج قابيل لبودا أخت هابيل ويزوج ~~هابيل إقليما. وكانت إقليما أحسن من لبودا، فذكر آدم ذلك لهما فرضي هابيل ~~وسخط قابيل وقال: هي أختي وأنا أحق بها ونحن أولاد من الجنة وهما من ~~أولاد الأرض. فقال أبوه آدم: إنها لا تحل لك. فأبى أن يقبل ذلك. # وقال: إن الله لم يأمرك بهذا وانما هو من رأيك فقال لهما آدم. قربا لله ~~قربانا فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها وكانت القرابين إذا كانت مقبولة ~~نزلت من السماء نار بيضاء فأكلتها وإن لم تكن مقبولة لم تنزل النار بل ~~تأكلها الطير والسباع. فخرجا من عند آدم ليقربا القربان وكان قابيل صاحب ~~زرع فقرب صبرة من طعام رديء وأضمر في نفسه: لا أبالي أيتقبل مني أم لا لا ~~يتزوج أختي أحد غيري وكان هابيل صاحب غنم فعدل إلى أحسن كبش في غنمه ~~فقربه وأضمر في نفسه رضا الله فوضعا قربانهما على جبل ثم دعا آدم فنزلت ~~النار من السماء فأكلت قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل فذلك قوله ~~تعالى: { فتقبل من أحدهما } يعني هابيل { ولم يتقبل من الآخر } يعني ~~قابيل فغضب قابيل إذ لم يتقبل قربانه فأضمر لأخيه الحسد إلى أن آتى آدم ~~مكة لزيارة البيت وغاب عنهم فأتى قابيل وهابيل وهو في غنمه { قال لأقتلنك ~~قال } قال هابيل ولم تقتلني؟ قال قابيل: لأن الله تقبل قربانك ورد ~~قرباني وتريد أن تنكح أختي الحسناء وأنكح أختك الدميمة فيتحدث الناس بأنك ~~خير مني ويفخر ولدك على ولدي فقال هابيل وما ذنبي { إنما يتقبل الله من ~~المتقين } يعني أن حصول التقوى شرط في قبول الأعمال فلذلك كان أحد ~~القربانين مقبولا دون الآخر ولأن التقوى من أعمال القلوب وكان ms0914 قد أضمر ~~في قلبه الحسد لأخيه على تقبل قربانه وتوعده بالقتل فقال له: إنما ~~أوتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى وإنما يتقبل الله من المتقين ~~فأجابه بجواب مختصر. وقيل: يحتمل أن يكون خطابا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فكأنه تعالى بين للنبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما لم يتقبل قربانه ~~لأنه لم يكن متقيا وإنما يتقبل الله من المتقين ثم قال تعالى إخبارا عن ~~هابيل. ### || [5.28-30] # { لئن بسطت إلي يدك } يعني لئن مددت إلي يدك { لتقتلني ما أنا بباسط ~~يدي إليك لأقتلك } يعني ما أنا بمنتصر لنفسي بل أستسلم لأمر الله. وقيل: ~~معناه ما كنت بمبتدئك بالقتل وذلك أن الله كان قد حرم عليهم قتل نفس بغير ~~نفس ظلما. وقال مجاهد: كان قد كتب عليهم إذا أراد الرجل أن يقتل رجلا ~~تركه ولا يمتنع منه. وقيل: إن المقتول كان أقوى من القاتل وأبطش منه ~~ولكنه تحرج عن قتل أخيه فاستسلم له خوفا من الله فذلك قوله { إني أخاف ~~الله رب العالمين } والمعنى إني أخاف الله في بسط يدي إليك إن أبسطها ~~لقتلك أن يعاقبني على ذلك. قوله عز وجل إخبارا عن هابيل { إني أريد أن ~~تبوء بإثمي وإثمك } يعني ترجع بإثم قتلي إلى إثم معاصيك التي عملتها من ~~قبل. فإن قلت: كيف؟ قال هابيل إني أريد وإرادة القتل والمعصية من الغير ~~لا تجوز. قلت: أجاب ابن الأنباري عن هذا بأن قال: إن قابيل لما قال لأخيه ~~هابيل لأقتلنك وعظه هابيل وذكره الله واستعطفه وقال لئن بسطت إلي يدك ~~الآية فلم يرجع فلما رآه هابيل قد صمم على القتل وأخذ له الحجارة ليرميه ~~بها قال له هابيل عند ذلك إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك أي إذا قتلتني ~~ولم يندفع قتلك إياي إلا بقتلي إياك فحينئذ يلزمك إثم قتلي إذا قتلتني ~~فكان هذا عدلا من هابيل وإليه أشار الزجاج فقال: معناه إن قتلتني فما ~~أنا مريد ذلك فهذه الإرادة منه بشرط أن يكون قاتلا له والإنسان إذا تمنى ms0915 ~~أن يكون إثم دمه على قاتله لم يلم على ذلك وعلى هذا التأويل. قال بعضهم: ~~معناه إني أريد أن تبوء بعقاب إثمي وإثمك فحذف المضاف وما باء بإثم باء ~~بعقاب ذلك الإثم ذكره الواحدي وقال الزمخشري: ليس ذلك بحقيقة الإرادة ~~لكنه لما علم أنه يقتله لا محالة ووطن نفسه على الاستسلام للقتل طلبا ~~للثواب فكأنه صار مريدا لقتله مجازا وإن لم يكن مريدا حقيقة { فتكون ~~من أصحاب النار } ينعي الملازمين لها { وذلك جزاء الظالمين } يعني جهنم ~~جزاء من قتل أخاه ظلما. قوله تعالى: { فطوعت له نفسه قتل أخيه } يعني ~~زينت له وسهلت عليه القتل وذلك أن الإنسان إذا تصور أن قتل النفس من أكبر ~~الكبائر صار ذلك صارفا له عن القتل فلا يقدم عليه فإذا سهلت عليه نفسه ~~هذا الفعل فعله بغير كلفة فهذا هو المراد من قوله تعالى: { فطوعت له نفسه ~~قتل أخيه } { فقتله }. قال ابن جريج: لما قصد قابيل قتل هابيل لم يدر ~~كيف يقتله فتمثل له إبليس وقد أخذ طيرا فوضع رأسه على حجر ثم رضخه بحجر ~~آخر وقابيل ينظر فعلمه القتل فرضخ قابيل رأس هابيل بين حجرين وهو مستسلم ~~صابر وقيل بل اغتاله وهو نائم فقتله. # واختلف في موضع قتله فقال ابن عباس: على جبل ثور. وقيل: على عقبة حراء. ~~وقيل: بالبصرة عند مسجدها الأعظم وكان عمر هابيل يوم قتل عشرين سنة. ~~وقوله تعالى: { فأصبح من الخاسرين } قال ابن عباس: خسر دنياه وآخرته أما ~~دنياه فإسخاط والديه وبقي بلا أخ وأما آخرته فأسخط ربه وصار إلى النار ق ~~عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من ~~سن القتل ". ### || [5.31] # قوله تعالى: { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة ~~أخيه } قال أصحاب الأخبار لما قتل قابيل هابيل تركه بالعراء ولم يدر ما ~~يصنع به لأنه أول ميت من بني آدم على وجه الأرض ms0916 فقصدته السباع لتأكله ~~فحمله قابيل على ظهره في جراب أربعين يوما. وقال ابن عباس: سنة حتى ~~أروح وأنتن فأراه الله أن يرى قابيل سنته في موتى بني آدم في الدفن ~~فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجليه ~~حفيرة ثم ألقاه فيها وواراه بالتراب وقابيل ينظر فذلك قوله تعالى: { فبعث ~~الله غرابا يبحث في الأرض } يعني يحفرها وينثر ترابها ليريه كيف يواري ~~سوأة أخيه يعني ليري الله أو يري الغراب قابيل كيف يواري ويستر جيفة أخيه ~~فلما رأى ذلك قابيل من فعل الغراب { قال يا ويلتا } أي لزمه الويل وحضره ~~وهي كلمة تحسر وتلهف وتستعمل عند وقوع الداهية العظيمة وذلك أنه ما كان ~~يعلم كيف يدفن المقتول فلما علم ذلك من فعل الغراب علم أن الغراب أكثر ~~علما منه وعلم أنه إنما ندم على قتل أخيه بسبب جهله وعدم معرفته فعند ~~ذلك تلهف وتحسر على ما فعله فقال: يا ويلتا. وفيه اعتراف على نفسه ~~باستحقاق العذاب { أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب } يعني مثل هذا الغراب ~~الذي وارى الغراب الآخر { فأواري سوأة أخي } يعني فأستر جيفته وعورته عن ~~الأعين { فأصبح من النادمين } يعني على حمله على ظهره مدة سنة لا على ~~قتله. وقيل: إنه ندم على قتل أخيه لأنه لم ينتفع بقتله وسخط عليه أبواه ~~وإخوته فندم لأجل ذلك لا لأجل أنه جنى جناية واقترف ذنبا عظيما بقتله ~~فلم يكن ندمه ندم توبة وخوف وإشفاق من فعله فلأجل ذلك لم ينفعه الندم، ~~قال المطلب بن عبد الله بن حطب: لما قتل ابن آدم أخاه رجفت الأرض بمن ~~عليها سبعة أيام وشربت دم المقتول كما تشرب الماء فناداه تعالى أين أخوك ~~هابيل؟ فقال ما أدري ما كنت عليه رقيبا: فقال الله تعالى إن دم أخيك ~~ليناديني من الأرض فلم قتلت أخاك؟ قال فأين دمه إن كنت قتلته! فحرم الله ~~على الأرض يومئذ أن تشرب دما بعده ابدا ويروى عن ابن عباس قال لما قتل ~~قابيل هابيل كان آدم ms0917 بمكة فاشتاك الشجر وتغيرت الأطعمة وحمضت الفواكه ~~واغبرت الأرض فقال آدم: قد حدث في الأرض حدث، فأتى الهند فوجد قابيل قد ~~قتل هابيل، وقيل: لما رجع آدم سأل قابيل عن أخيه، فقال: ما كنت عليه ~~وكيلا. فقال: بل قتلته ولذلك اسود جلدك. وقيل: إن آدم مكث بعد قتل هابيل ~~مائة سنة لا يضحك وأنه رثاه بشعر فقال: # تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون ~~وقل بشاشة الوجه المليح # ويروى عن ابن عباس أنه قال: من قال إن آدم قال شعرا فقد كذب وأن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلهم في النهي سواء ولكن لما قتل هابيل ~~رثاه آدم وهو سرياني فلما قال آدم مرثيته قال لشيث: يا بني أنت وصيي احفظ ~~هذا الكلام ليتوارث فيرثي الناس عليه فلم يزل ينتقل حتى وصل إلى يعرب بن ~~قحطان وكان يتكلم بالعربية والسريانية وهو أول من خط العربية وكان يقول ~~الشعر فنظر في المرثية فرد المقدم إلى المؤخر والمؤخر إلى المقدم فوزنه ~~شعرا وزاد فيه أبياتها منها: # وما لي لا أجود بسكب دمع وهابيل تضمنه الضريح أرى طول الحياة علي ~~غما فهل أنا من حياتي مستريح # قال الزمخشري: ويروى أنه رثاه بشعر وهو كذب بحت وما الشعر إلا منحول ~~ملحون وقد صح أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر. قال الإمام فخر ~~الدين الرازي: ولقد صدق صاحب الكشاف فيما قال فإن ذلك الشعر في غاية ~~الركاكة لا يليق إلا بالحمقى من المعلمين فكيف ينسب إلى من جعل الله علمه ~~حجة على الملائكة؟. قال أصحاب الأخبار: فلما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون ~~سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمسين سنة ولدت له حواء شيثا وتفسيره هبة الله ~~يعني أنه خلف من هابيل وعلمه الله تعالى ساعات الليل والنهار وعلمه عبادة ~~الخلق في كل ساعة وأنزل عليه خمسين صحيفة وصار وصي آدم وولي عهده وأما ~~قابيل فقيل له اذهب طريدا شريدا فزعا مرعوبا لا تأمن من تراه فأخذ ms0918 ~~بيد أخته إقليما وهرب بها إلى عدن من أرض اليمن فأتاه إبليس وقال له إنما ~~أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يعبدها فانصب أنت نارا تكون لك ولعقبك ~~فبنى بيت النار فهو أول من عبد النار وكان قابيل لا يمر به أحد إلا رماه ~~بالحجارة فأقبل ابن لقابيل أعمى ومعه ابنه فقال ابن الأعمى لأبيه هذا ~~أبوك قابيل فرماه بحجارة فقتله فقال ابن الأعمى لأبيه قتلت أباك قابيل ~~فرفع الأعمى يده ولطم ابنه فمات فقال الأعمى ويل لي قتلت أبي برميتي ~~وقتلت ابني بلطمتي فلما مات قابيل علقت إحدى رجليه بفخذه وعلق بها فهو ~~معلق بها إلى يوم القيامة ووجهه إلى الشمس حيث دارت وعليه حظيرة من نار ~~في الصيف وحظيرة من ثلج في الشتاء فهو يعذب بذلك إلى يوم القيامة قالوا: ~~وأتخذ أولاد قابيل آلات للهو من الطبول والزمور والعيدان والطنابير ~~وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والفواحش حتى أغرقهم الله ~~تعالى جميعا بالطوفان في زمن نوح عليه السلام فلم يبق من ذرية قابيل أحد ~~وأبقى الله ذرية شيث ونسله إلى يوم القيامة. ### || [5.32] # قوله تعالى: { من أجل ذلك } يعني بسبب ذلك القتل الذي حصل وقيل الأجل في ~~اللغة الجناية يقال أجل عليهم شرا أي جنى عليهم شرا { كتبنا } أي فرضنا ~~وأوجبنا { على بني إسرائيل }. فإن قلت: من أجل ذلك معناه من أجل ما مر من ~~قصة قابيل وهابيل كتبنا على بني إسرائيل. وهذا مشكل لأنه لا مناسبة بين ~~واقعه قابيل وهابيل وبين وجوب القصاص على بني إسرائيل. قلت: قال بعضهم هو ~~من تمام الكلام الذي قبله والمعنى فأصبح من النادمين من أجل ذلك أي من ~~أجل أنه قتل هابيل ولم يواره. ويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله من أجل ~~ذلك ويجعله تمام الكلام الأول فعلى هذا يزول الإشكال. لكن جمهور المفسرين ~~وأصحاب المعاني على أن قوله من أجل ذلك ابتداء كلام وليس يوقف عليه. فعلى ~~هذا قال بعضهم: إن قوله من أجل ذلك ليس هو ms0919 إشارة إلى قصة قابيل وهابيل، ~~بل هو إشارة إلى ما مر ما ذكره في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة ~~بسبب هذا القتل الحرام منها قوله # فأصبح من الخاسرين # [المائدة: 30] وفيه إشارة إلى أنه حصلت له خسارة في الدين والدنيا ~~والآخرة. ومنها قوله: { فأصبح من النادمين } وفيه إشارة إلى أنه حظر في ~~أنواع الندم والحسرة والحزن مع أنه لا دافع لذلك البتة فقوله من أجل ذلك ~~كتبنا على بني إسرائيل أي من أجل ذلك الذي ذكرنا في أثناء القصة من أنواع ~~المفاسد المتولدة من القتل العمد المحرم شرعنا القصاص على القاتل. فإن ~~قلت: فعلى هذا تكون شريعة القصاص حكما ثابتا في جميع الأمم، فما ~~الفائدة بتخصيصه ببني إسرائيل. قلت: إن وجوب القصاص وإن كان عاما في ~~جميع الأديان والملل إلا أن التشديد المذكور هاهنا في حق بني إسرائيل غير ~~ثابت في جميع الأديان والملل لأنه تعالى حكم في هذه الاية بأن من قتل ~~نفسا فكأنما قتل الناس جميعا ولا يشك أن المقصود منه المبالغة في عقاب ~~قاتل النفس عدوانا وأن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا ~~على قتل الأنبياء والرسل وذلك يدل على قساوة قلوبهم وبعدهم عن الله عز ~~وجل ولما كان الفرض من ذكر هذه القصة تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ~~ما أقدم عليه اليهود بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأصحابه فتخصيص ~~بني إسرائيل في هذه القصة بهذه المبالغة مناسب للكلام وتوكيد للمقصود ~~والله أعلم بمراده. قوله عز وجل: { أنه من قتل نفسا } يعني من قتل نفسا ~~ظلما { بغير نفس } يعني بغير قتل نفس لا على وجه الاقتصاص فيقاد من قاتل ~~النفس على وجه العدوان المحرم { أو فساد في الأرض } هو عطف على بغير نفس ~~يعني وبغير فساد في الأرض فيستحق به القتل لأن القتل على أسباب كثيرة ~~منها القصاص وهو المراد من قوله: قتل نفسا بغير نفس. # ومنها الشرك والكفر بعد الإيمان ومنها قطع الطريق ونحو ذلك وهو المراد ~~من قوله أو فساد في ms0920 الأرض { فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما ~~أحيا الناس جميعا } قال مجاهد: من قتل نفسا محرمة يصلى النار بقتلها ~~كما يصلاها بقتل الناس جميعا ومن سلم من قتلها فكأنما سلم من قتل الناس ~~جميعا. وقال ابن عباس: من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس ~~جميعا. ومن شد عضد نبي أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعا. وقيل: ~~معناه أن من قتل نفسا محرمة يجب عليه القصاص مثل الذي يجب عليه لو قتل ~~الناس جميعا ومن أحياها يعني من غرق أو حرق أو وقوع في هلكة فكأنما أحيا ~~الناس جميعا يعني أن له من الثواب مثل ثواب من أحيا الناس جميعا وقيل: ~~معناه من استحل قتل مسلم بغير حقه فكأنما استحل قتل الناس جميعا لأنهم ~~لا يسلمون منه ومن تورع عن قتل مسلم فكأنما تورع عن قتل جميع الناس فقد ~~سلموا منه قال أهل المعاني قوله ومن أحياها على المجاز لأن المحيي هو ~~الله تعالى في الحقيقة فيكون المعنى ومن ناجاها من الهلاك فكأنما نجى ~~جميع الناس منه. سئل الحسن عن هذه الاية أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل ~~فقال: أي والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني إسرائيل أكرم على الله من ~~دمائنا. وقوله تعالى: { ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات } يعني: ولقد جاءت ~~بني إسرائيل رسلنا ببيان الأحكام والشرائع والدلالات الواضحات { ثم إن ~~كثيرا منهم بعد ذلك } يعني بعد مجيء الرسل وبعد ما كتبنا عليهم تحريم ~~القتل { في الأرض لمسرفون } يعني بالقتل لا ينتهون عنه وقيل معناه ~~لمجازون حد الحق وإنما قال تعالى وإن كثيرا منهم، لأنه تعالى علم أن ~~منهم من يؤمن بالله ورسوله وهم قليل من كثير. قوله عز وجل: # إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله # [المائدة: 33] قال ابن عباس نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض ~~فخير الله رسوله صلى الله عليه وسلم إن يشأ يقتل وإن يشأ يصلب ms0921 وإن يشأ ~~يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وهذا قول الضحاك أيضا. وقال الكلبي: نزلت ~~في قوم هلال بن عويمر وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وادع هلال بن ~~عويمر وهو أبو بردة الأسلمي على أن يعينه ولا يعين عليه ومن مر بهلال إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فهو آمن لا يهاج فمر قوم من بني كنانة يريدون ~~الإسلام بقوم هلال ولم يكن هلال شاهدا فشدوا عليهم فقتلوهم وأخذوا ~~أموالهم فنزل جبريل عليه السلام بالقضاء فيهم بهذه الاية. # وقال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في قوم من عرينة وعكل أتوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام وهم كذبة فاستوخموا ~~المدينة، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة فارتدوا ~~وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل ق. عن أنس بن مالك أن ناسا من عكل وعرينة ~~قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام فقالوا: يا نبي ~~الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة فأمر لهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها ~~وأبوالها فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد الإسلام وقتلوا ~~راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود، فبلغ ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم فبعث الطلب في أثرهم فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم ~~وأرجلهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم. قال قتادة بلغنا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعد ذلك يحث على الصدقة وينهى عن ~~المثلة. زاد في رواية قال قتادة: فحدثني ابن سيرين إن ذلك قبل إن تزول ~~الحدود. وفي رواية للبخاري أن ناسا من عرينة اجتووا المدينة فرخص لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها ~~وأبوالها فقتلوا الرعي واستاقوا الذود فأرسل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم وتركهم في الحرة يعضون ~~الحجارة. زاد في رواية: قال ms0922 أبو قلابة وأي شيء أشد مما صنع هؤلاء ارتدوا ~~عن الإسلام وقتلوا وسرقوا، وفي رواية أبي داود إن قوما من عكل أو قال من ~~عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة فأمر لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها ~~فانطلقوا فما صحوا قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا ~~النعم فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم من أول النهار فأرسل في ~~آثارهم فلما ارتفع النهار حتى جيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم ~~وسمرت أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون قال أبو قلابة: فهؤلاء ~~قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله زاد في رواية ~~له. ### || [5.33] # أنزل الله عز وجل: { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا أن يقتلوا } الآية. شرح غريب هذا الحديث وحكمه قوله إنا كنا ~~أهل ضرع يعني، أهل ماشية وبادية نعيش باللبن ولسنا من أهل المدن. والريف ~~هو الأرض التي فيها زرع وخصب والجمع أرياف. قوله: استوخموا المدينة أنها ~~لم توافق مزاجهم وكذا قوله: فاجتووا المدينة وهو معناه والذود من الأبل ~~ما بين الثلاثة إلى العشرة والحرة هي أرض ذات حجارة سود وهي هنا اسم لأرض ~~بظاهر المدينة معروفة. وقوله: فسمر أعينهم، معناه أنه حمى مسامير الحديد ~~وكحل بها أعينهم حتى ذهب بصرها. وقوله: وينهى عن المثلة، أن تقطع أطراف ~~الحيوان وتشوه خلقته ومثلة القتيل أن يقطع أنفه وأذنيه ومذاكيره ونحو ~~ذلك. واختلف العلماء في حكم هذا الحديث فقيل: هو منسوخ لنهي النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن المثلة. وقيل: حكمه ثابت غير السمل والمثلة. وقيل: إن ~~هذه الاية ناسخة لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بهم. وقيل: كان ذلك ~~قبل أن تنزل الحدود، فلما نزلت الحدود وجب الأخذ بها والعمل بمقتضاها. ~~وقيل: نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليما من ~~الله تعالى إياه عقوبتهم وما يجب عليهم فقال تعالى: { إنما ms0923 جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله } واعلم أن المحاربة لله غير ممكنة وفي معناها ~~للعلماء قولان: أحدهما أن المحاربين لله هم المخالفون أمره الخارجون عن ~~طاعته لأن كل من خالف أمر إنسان فهو حرب له فيكون المعنى يخالفون الله ~~ورسوله ويعصون أمرهما. والقول الثاني: معناه يحاربون أولياء الله وأولياء ~~رسوله فهو من باب حذف المضاف { ويسعون في الأرض فسادا } يعني بحمل ~~السلاح والخروج على الناس وقتل النفس وأخذ الأموال وقطع الطريق. واختلفوا ~~في حكم هؤلاء المحاربين الذين يستحقون هذا الحد فقال قوم: هم الذين ~~يقطعون الطريق ويحملون السلاح والمكابرون في البلد وهذا قول الأوزاعي ~~ومالك والليث بن سعد والشافعي وقال أبو حنيفة: المكابرون في الأمصار ليس ~~لهم حكم المحاربين في استحقاق هذا الحد ثم ذكر الله تعالى عقوبة هؤلاء ~~المحاربين وما يستحقونه فقال تعالى: { أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع ~~أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض } وللعلماء في لفظة أو ~~المذكورة في هذه الآية قولان: أحدهما أنها للتخيير وهو قول ابن عباس في ~~رواية عنه وبه قال الحسن وسعيد بن المسيب والنخعي ومجاهد، وهو أن الإمام ~~مخير في أمر المحاربين فإن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع، وإن شاء ~~نفى من الأرض كما هو ظاهر الآية. والقول الثاني: أن لفظة أو للبيان وليست ~~للتخيير وهو الرواية الثانية عن ابن عباس وهو قول أكثر العلماء لأن ~~الأحكام تختلف فترتبت هذه العقوبات على ترتيب الجرائم. # وهذا كما روي عن ابن عباس في قطاع الطريق قال: إذا قتلوا وأخذوا المال ~~قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا لم يأخذوا المال قتلوا وإذا أخذوا المال ولم ~~يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم ~~يأخذوا مالا نفوا من الأرض، وهذا قول قتادة والأوزاعي والشافعي وأصحاب ~~الرأي. واختلفوا في كيفية الصلب فقيل: يصلب حيا ثم يطعن في بطنه برمح ~~حيت يموت. قال الشافعي: يقتل أولا ويصلى عليه ثم يصلب. وإنما يجمع بين ~~القتل والصلب إذا قتل وأخذ المال ويصلب على الطريق ms0924 في ممر الناس ليكون ~~ذلك زاجرا لغيره عن الإقدام على مثل هذه المعصية. واختلفوا في تفسير ~~النفي من الأرض المذكور في الآية، فقيل: إن الإمام يطلبهم ففي كل بلد ~~وجدوا نفوا عنه وهو قول سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز. وقيل: يطلبون ~~حتى تقام عليهم الحدود وهو قول ابن عباس والليث بن سعد والشافعي وقال أبو ~~حنيفة وأهل الكوفة: النفي هو الحبس لأنه نفي من الأرض لأن المحبوس لا يرى ~~أحدا من أحبابه ولا ينتفع بلذات الدنيا وطيباتها فهو منفي من الأرض في ~~الحقيقة إلا من تلك البقعة الضيقة التي هو فيها. قال مكحول: إن عمر بن ~~الخطاب أول من حبس في السجون يعني من هذه الأمة وقال أحبسه حتى أعلم منه ~~التوبة ولا أنفيه إلى بلد آخر فيؤذيهم ثم قال تعالى: { ذلك } يعني الذي ~~ذكر في هذه الآية من الحدود { لهم } يعني للمحاربين { خزي في الدنيا } أي ~~عذاب وهوان وفضيحة { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } هذا الوعيد في حق الكفار ~~الذين نزلت الآية فيهم، فأما من أجرى حكم الآية على المحاربين من ~~المسلمين فينفي العذاب العظيم عنهم في الآخرة لأن المسلم إذا عوقب بجناية ~~في الدنيا كانت عقوبته كفارة له وإن لم يعاقب في الدنيا فهو في خطر ~~المشيئة، إن شاء عذبه بجنايته ثم يدخله الجنة، وإن شاء عفا وأدخله الجنة ~~هذا مذهب أهل السنة. ### || [5.34] # وقوله تعالى: { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } يعني لكن ~~الذين تابوا من شركهم وحربهم لله ورسوله ومن السعي في الأرض بالفساد من ~~قبل أن تقدروا عليهم. يعني فلا سبيل لكم عليهم بشيء من العقوبات المذكورة ~~في الآية المتقدمة { فاعلموا أن الله غفور } يعني لمن تاب من الشرك { ~~رحيم } يعني به إذا رجع عما يسخط الله عز وجل وهذا قول معظم أهل التفسير ~~أن المراد بهذا الاستثناء المشرك المحارب إذا آمن وأصلح قبل القدرة عليه ~~سقط عنه جميع الحدود التي ذكرها الله تعالى في هذه الاية وأنه لا يطالب ~~بشيء ms0925 مما أصاب من مال أو دم. قال أبو إسحاق: جعل الله التوبة للكفار تدرأ ~~عنهم الحدود التي وجبت عليهم في كفرهم ليكون ذلك داعيا لهم إلى الدخول ~~في الإسلام، فهذا حكم المشرك المحارب إذا آمن وأصلح وكذلك لو آمن بعد ~~القدرة عليه لم يطالب بشيء بالإجماع، وأما المسلم المحارب، إذا تاب ~~واستأمن قبل القدرة عليه. فقال السدي: هو الكافر إذا آمن لم يطالب بشيء ~~إلا إذا أصيب عنده مال بعينه فإنه يرده على أهله وهذا مذهب مالك ~~والأوزاعي غير أن مالك قال يؤخذ بالدم إذا طلب به وليه، فأما ما أصاب من ~~الدماء والأموال ولم يطلبها أولياؤها فلا يتبعه الإمام بشيء من ذلك وهذا ~~حكم علي بن أبي طالب في حارثة بن زيد وكان قد خرج محاربا فتاب قبل أن ~~يقدر عليه فآمنه علي على نفسه وكذلك جاء رجل من مراد إلى أبي موسى ~~الأشعري وهو على الكوفة في خلافة عثمان بعد ما صلى المكتوبة، فقال: يا ~~أبا موسى هذا مقام العائز بك أنا فلان بن فلان المرادي كنت قد حاربت الله ~~ورسوله وسعيت في الأرض بالفساد وإني قد تبت من قبل أن يقدر علي. فقام ~~أبو موسى فقال: هذا فلان المرادي وأنه كان حارب الله ورسوله وسعى في ~~الأرض فسادا وأنه قد تاب من قبل أن يقدر عليه فلا يتعرض له أحد إلا ~~بخير. وقال الشافعي: يسقط عنه بتوبته قبل القدرة عليه حد الله ولا يسقط ~~عنه بها ما كان من حقوق بني آدم من قصاص أو مظلمة من مال أو غيره وأما ~~إذا تاب بعد القدرة عليه فظاهر الاية أن التوبة لا تنفعه وتقام عليه ~~الحدود وقال الشافعي: ويحتمل أن يسقط كل حد لله عز وجل بالتوبة. ### || [5.35-38] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } أي خافوا الله بترك ~~المنهيات { وابتغوا إليه الوسيلة } يعني واطلبوا إليه القرب بطاعته ~~والعمل بما يرضي وإنما قلنا ذلك، لأن مجامع التكاليف محصورة في نوعين لا ~~ثالث لهما. أحد النوعين: ترك المنهيات ms0926 وإليه الإشارة بقوله: اتقوا الله. ~~والثاني: التقرب إلى الله تعالى بالطاعت وإليه الإشارة بقوله: وابتغوا ~~إليه الوسيلة والوسيلة فعلية من وسل إليه إذا تقرب ومنه قول الشاعر: # إن الرجال لهم إليك وسيلة # أي قربة. وقيل: معنى الوسيلة المحبة أي تحببوا إلى الله عز وجل { ~~وجاهدوا في سبيله } أي وجاهدوا العدو في طاعته وابتغاء مرضاته { لعلكم ~~تفلحون } يعني لكي تسعدوا بالخلود في جنته لأن الفلاح اسم جامع للخلاص من ~~كل مكروه والفوز بكل محبوب قوله عز وجل { إن الذين كفروا لو أن لهم ما في ~~الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم } ~~يعني: أن الكافر لو ملك الدنيا ودنيا أخرى مثلها معها ثم فدى نفسه من ~~العذاب يوم القيامة لم يقبل منه ذلك الفداء { لهم عذاب أليم } المقصود من ~~هذا أن العذاب لازم للكفار وأنه لا سبيل لهم إلا الخلاص منه بوجه من ~~الوجوه ق. عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يقول الله تبارك وتعالى لأهون أهل النار عذابا لو كانت لك الدنيا ~~كلها أكنت مفتديا بها فيقول نعم فيقول قد أردت منك أيسر من هذا وأنت في ~~صلب آدم أن لا تشرك بي ولا أدخلك النار وأدخلك الجنة فأبيت إلا الشرك " # هذا لفظ مسلم. وفي رواية البخاري قال: يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال ~~له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له ~~لقد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك أن لا تشرك بي { يريدون أن يخرجوا من ~~النار وما هم بخارجين منها } فيه وجهان: أحدهما أنهم يقصدون الخروج من ~~النار ويطلبونه ولكن لا يستطيعون ذلك قيل إذا حملهم لهب النار إلى فوق ~~طلبوا الخروج منها فلا يقدرون عليه. والوجه الثاني: أنهم يتمنون الخروج ~~من النار بقلوبهم { ولهم عذاب مقيم } يعني ولهم عذاب دائم ثابت لا يزول ~~عنهم ولا ينتقل أبدا. قوله عز وجل: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ~~} قال ابن السائب نزلت في طعمة ms0927 بن أبيرق وقدمنا قصته في سورة النساء ~~وإنما سمي السارق سارق لأنه يأخذ الشيء الذي ليس له أخذه في خفاء ومنه ~~استرق السمع مستخفيا والسارق هنا مرفوع بالابتداء لأنه لم يقصد واحد ~~بعينه إنما هو كقولك من سرق فاقطع يده والمراد باليد المذكورة هنا ~~اليمين. # قاله الحسن والشعبي والسدي وكذلك هو في قراءة عبد الله بن مسعود: ~~فاقطعوا أيمانهما. وإنما قال: أيديهما ولم يقل يديهما، لأنه أراد يمينا ~~من هذا ويمينا من هذه فجمع فإنه ليس للإنسان إلا يمين واحدة وكل شيء ~~موحد من أعضاء الإنسان إذا ذكر مضافا إلى اثنين فصاعدا جمع والمراد ~~باليد هنا الجارحة وحدها عند جمهور أهل اللغة من رؤوس الأصابع إلى الكوع ~~فيجب قطعها في حد السرقة من الكوع. وقوله تعالى: { جزاء بما كسبا } يعني ~~ذلك القطع جزاء على فعلهم { نكالا من الله } يعني عقوبة من الله { والله ~~عزيز } في انتقامه ممن عصاه { حكيم } يعني فيما أوجبه من قطع يد السارق. ~~فصل في بيان حكم الآية: وفيه مسائل المسألة الأولى: اقتضت هذه وجوب القطع ~~على كل سارق وقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السرقة ق. عن عائشة، # " أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: قالوا: ومن يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد حب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب ثم قال: إنما هلك الذين ~~من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف ~~أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " # وعن عائشة قالت: # " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق فقطعه فقالوا ما كنا نراك ~~تبلغ به هذا قال لو كانت فاطمة لقطعتها " # أخرجه النسائي ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ms0928 ويسرق الحبل فتقطع يده " # قال الأعمش: يرون أنه بيض الحديد وأن من الحبال ما يساوي دراهم أخرجه ~~البخاري ومسلم، أما السارق الذي يجب عليه القطع، فهو البالغ، العاقل، ~~العالم بتحريم السرقة، فلو كان حديث عهد بالإسلام ولا يعلم أن السرقة ~~حرام، فلا قطع عليه. المسألة الثانية: اختلف العلماء في قدر النصاب الذي ~~يقطع به فذهب أكثر العلماء إلى أنه ربع دينار فإن سرق ربع دينار أو ~~متاعا قيمته ربع دينار يقطع، وهذا قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وبه ~~قال عمر بن العزيز والأوزاعي والشافعي. ويدل عليه ما روي عن عائشة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا " # أخرجاه في الصحيحين وذهب مالك وأحمد وإسحاق إلى أنه ثلاثة دراهم أو ~~قيمتها لما روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقا ~~في مجن قيمته ثلاثة دراهم أخرجه الجماعة. # المجن: الترس. ويروى عن أبي هريرة أن قدر النصاب الذي تقطع به اليد خمسة ~~دراهم وبه قال ابن أبي ليلى لما روي عن أنس قال: قطع أبو بكر في مجن ~~قيمته خمسة دراهم وفي رواية قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه ~~النسائي. وقال: الرواية الأولى، أصح. وذهب قوم إلى أنه لا قطع في أقل من ~~دينار أو عشرة دراهم يروى ذلك عن ابن مسعود وإليه ذهب سفيان الثوري وأبو ~~حنيفة لما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من قطع ~~في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم أخرجه أبو داود فإذا سرق نصابا من ~~المال من حرز لا شبهة له فيه قطعت يده اليمنى من الكوع ولا يجب القطع ~~بسرقة ما دون النصاب وقال ابن عباس وابن الزبير والحسن القدر غير معتبر ~~فيجب القطع في القليل والكثير وكذا الحرز غير معتبر أيضا عندهم وإليه ~~ذهب داود الظاهري واحتجوا بعموم الآية فإن قوله تعالى: { والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما } يتناول القليل والكثير وسواء ms0929 سرقة من حرز أو ~~غير حرز. المسألة الثالثة: الحرز، هو ما جعل للسكنى وحفظ الأموال كالدور ~~والمضارب والخيم التي يسكنها الناس ويحفظون أمتعتهم فيها فكل حرز وإن لم ~~يكن فيه حافظ ولا عنده وسواء سرق من ذلك وهو مفتوح الباب أو مغلق، فأما ~~ما كان في غير بناء ولا خيمة فإنه ليس بحرز إلا أن يكون عنده من يحفظه ~~أما نباش القبور، فإنه يقطع وهو قول مالك والشافعي وأحمد. وقال ابن أبي ~~ليلى والثوري والأوزاعي وابو حنيفة: لا قطع عليه، فإن سرق شيئا من غير ~~حرز كثمر من بستان لا حارس له أو حيوان في برية ولا راعي له أو متاع في ~~بيت منقطع عن البيوت فلا قطع عليه. عن عبد الله بن عمرو بن العاص # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال: " من أصاب ~~بفيه منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه " # أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي. وزاد فيه: ومن خرج بشيء منه فعليه ~~غرامة مثله والعقوبة. ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن ~~المجن فعليه القطع ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثله والعقوبة. قوله: غير ~~متخذ الخبنة: بالخاء المعجمة وبعدها باء موحدة من تحت نون وهو ما يحمله ~~الإنسان في حضنه. وقيل: وما يأخذه من خبنة ثوبه وهو ذيله وأسفله. ~~والجرين: موضع التمر الذي يجفف فيه مثل البيدر للحنطة. وروى مالك في ~~الموطأ، عن أبي حسين المكي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة الجبل فإذا آواه المراح أو الجرين ~~فالقطع فيما بلغ ثمن المجن " # هكذا رواه مالك منقطعا. وهو رواية من حديث عبد الله بن عمرو المتقدم ~~فإن هذه الرواية عن أبي حسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وجده هو عبد ~~الله بن عمرو بن العاص قوله: ولا في حريسة الجبل. من العلماء من يجعل ~~الحريسة السرقة نفسها. يقال: حرس يحرس حرسا إذا ms0930 سرق ومنهم من يجعلها ~~المحروسة. ومعنى الحديث: أنه ليس فيما يحرس في الجبل إذا سرق قطع لأنه ~~ليس بحرز. وقيل: حريسة الجبل هي الشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل ~~مأواها والمراح بضم الميم هو الموضع الذي تأوي إليه الماشية بالليل. عن ~~جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس. قطع " # أخرجه الترمذي والنسائي. المسألة الرابعة: إذا سرق مالا له فيه شبهة ~~كالولد يسرق من مال والده والوالد يسرق من مال ابنه أو العبد يسرق من مال ~~سيده أوالشريك يسرق من مال شريكه فلا قطع على أحد من هؤلاء فيه. المسألة ~~الخامسة: إذا سرق أول مرة قطعت يده اليمنى من الكوع وإذا سرق ثانية قطعت ~~رجله اليسرى من مفصل القدم واختلفوا فيما إذا سرق مرة ثالثة فذهب أكثرهم ~~إلى أن تقطع يده اليسرى فإن سرق مرة رابعة قطعت رجله اليمنى ثم إذا سرق ~~بعد ذلك يعذر ويحبس حتى تظهر توبته. يروى عن هذا عن أبي بكر وهو قول ~~قتادة وبه قال مالك والشافعي لما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " في السارق إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق ~~فاقطعوا رجله " # ذكره البغوي بغير سند وذهب قوم إلى أنه " إن سرق بعد ما قطعت يده ورجله ~~فلا قطع عليه بل يحبس " ويروى عن علي أنه قال: إني أستحي أن لا أدع له ~~يدا يستنجي بها ولا رجلا يمشي بها. وهذا قول الشعبي والنخعي والأوزاعي ~~وبه قال أحمد وأصحاب الرأي. ### || [5.39-41] # قوله تعالى: { فمن تاب من بعد ظلمه } يعني من بعد ما ظلم نفسه بالسرقة { ~~وأصلح } يعني وأصلح العمل في المستقبل { فإن الله يتوب عليه } يعني فإن ~~الله يغفر له ويتجاوز عنه { إن الله غفور } يعني لمن تاب { رحيم } به. ~~فصل وهذه التوبة مقبولة فيما بينه وبين الله. فأما القطع، فلا يسقط عنه ~~بالتوبة عند أكثر العلماء لأن الحد جزاء عن الجناية. ولا ms0931 بد من التوبة ~~بعد القطع وتوبته الندم على ما مضى والعزم على تركه في المستقبل. عن أبي ~~أمية المخزومي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص قد اعترف اعترافا ولم ~~يوجد معه متاع فقال له رسول الله: صلى الله عليه وسلم ما أخالك سرقت ~~فقال: بلى فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا كل ذلك يعترف فأمر به فقطع. ثم جيء ~~به فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: استغفر الله وتب إليه. فقال ~~رجل: أستغفر الله وأتوب إليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم تب ~~عليه " # أخرجه أبو داود والنسائي بمعناه وإذا قطع السارق يجب عليه غرم ما سرق من ~~المال عند أكثر أهل العلم. وقال الثوري وأصحاب الرأي: لا غرم عليه فلو ~~كان المسروق باقيا عنده يجب عليه أن يرده إلى صاحبه وتقطع يده لأن القطع ~~حق الله والغرم حق الآدمي فلا يمتنع أحدهما بالآخر والله أعلم. قوله عز ~~وجل: { ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض } الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم والمراد به جميع الناس وقيل معناه، ألم تعلم أيها الإنسان ~~فيكون الخطاب لكل فرد من الناس أن الله له ملك السموات والأرض، يعني أن ~~الله مدبر أمره في السموات والأرض ومصرفه وخالق من فيها ومالكه لا يمتنع ~~عليه شيء مما أراده فيهما لأن ذلك كله في ملكه وإليه أمره { يعذب من يشاء ~~ويغفر لمن يشاء }. قال ابن عباس: يعذب من يشاء على الصغيرة ويغفر لمن ~~يشاء على الكبيرة وقيل يعذب من يشاء على معصيته وكفره بالقتل والقطع وغير ~~ذلك في الدنيا، ويغفر لمن يشاء بالتوبة عليه فينقذه من الهلكة والعذاب ~~وإنما قدم التعذيب على المغفرة، لأنه في مقابلة قطع السرقة على التوبة. ~~وهذه الآية فاضحة للقدرية والمعتزلة في قولهم بوجوب الرحمة للمطيع ~~والعذاب للعاصي لأن الآية دالة على أن التعذيب والرحمة مفوضان إلى ~~المشيئة والوجوب ينافي ذلك وجواب آخر وهو أنه تعالى أخبر أن له ملك ~~السموات والأرض والمالك له أن يتصرف ms0932 في ملكه كيف يشاء وأراد لا اعتراض ~~لأحد عليه في ملكه يؤكد ذلك قوله { والله على شيء قدير } يعني أنه تعالى ~~قادر على تعذيب من أراد تعذيبه من خلقه وغفران ذنوب من أراد إسعاده ~~وإنقاذه من الهلكة من خلقه، لأن الخلق كلهم عبيده وفي ملكه. # قوله تعالى: { يا أيها الرسول } هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~خطاب تشريف وتكريم وتعظيم، وقد خاطبه الله عز وجل بيا أيها النبي في ~~مواضع من كتابه وبيا أيها الرسول في موضعين: هذا أحدهما والآخر قوله ~~تعالى: # يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك # [المائدة: 67] وقوله { لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } يعني لا تهتم ~~بموالاتهم الكفار ولا تبال بهم فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم { ومن ~~الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } يعني المنافقين لأنهم ~~أظهروا الإيمان بالقول وكتموا الكفر وهذه صفة المنافقين { ومن الذين ~~هادوا } أي وطائفة من اليهود قال الزجاج وهذا يحتمل وجهين: أحدهما أن ~~الكلام تم عند قوله ومن الذين هادوا ثم ابتدأ الكلام بقوله: { سماعون ~~للكذب } ويكون تقدير الكلام { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من ~~المنافقين ومن الذين هادوا } ثم وصف الكل بكونهم سماعين للكذب. والوجه ~~الثاني: أن الكلام تم عند قوله { ولم تؤمن قلوبهم } ثم ابتدأ فقال تعالى: ~~{ ومن الذين هادوا سماعون للكذب } أي ومن { الذين هادوا قوم سماعون للكذب ~~} والمعنى أنهم قائلون الكذب، أي يسمعون الكذب من رؤسائهم ويقبلونه منهم ~~والسمع يستعمل والمراد منه القبول، كما تقول: لا تسمع من فلان أي، لا ~~تقبل منه. وقيل: معناه سماعون لأجل أن يكذبوا عليك وذلك أنهم كانوا ~~يسمعون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرجون من عنده ويقولون سمعنا ~~منه كذا وكذا ولم يسمعوا ذلك منه بل كذبوا عليه. وقوله تعالى: { سماعون } ~~يعني بني قريظة يعني أنهم جواسيس وعيون { لقوم آخرون } وهم أهل خيبر { لم ~~يأتوك } يعني أهل خيبر لم يأتوك ولم يحضروا عندك يا محمد. ذكر القصة في ~~ذلك قال علماء التفسير: ms0933 إن رجلا وامرأة من أشراف يهود خيبر زنيا وكانا ~~محصنين وكان حدهما الرجم عندهم في حكم التوراة فكرهت اليهود رجمهما ~~لشرفهما، فقالوا: إن هذا الرجل بيثرب يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وليس في كتابه الرجم ولكن الضرب فأرسلوا إلى إخوانكم بني قريظة فإنهم ~~جيرانه وصلح معه فليسألوه عن ذلك، فبعثوا رهطا منهم مستخفين وقالوا لهم: ~~اسألوا محمدا عن الزانيين إذا أحصنا ما حدهما؟ فإن أمركم بالحد فاقبلوا ~~منه، وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه وأرسلوا معهم الزانيين. ~~فقدم الرهط حتى نزلوا على بني قريظة والنضير وقالوا لهم: إنكم جيران هذا ~~الرجل ومعه في بلده وقد حدث فينا حدث وذلك أن فلان وفلانة قد زنيا وقد ~~أحصنا فنحب أن تسألوه عن قضائه في ذلك فقال لهم بنو قريظة والنضير إذا ~~والله يأمركم بما تكرهون ثم انطلق قوم منهم فيهم كعب بن الأشرف وكعب بن ~~أسد وسعيد بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانة ابن أبي الحقيق وغيرهم إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية ~~إذا أحصنا ما حدهما في كتابك؟ فقال هل ترضون بقضائي؟ قالوا: نعم فنزل ~~جبريل عليه السلام بآية الرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به فقال ~~جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، ووصفه لهم ~~فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم # " هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟ قالوا ~~نعم قال فأي رجل فيكم؟ فقالوا هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل ~~الله على موسى عليه السلام في التوراة قال فأرسلوا إليه ففعلوا فلما جاء ~~قال له النبي صلى الله عليه وسلم أنت ابن صوريا؟ قال نعم، قال: أنت أعلم ~~يهودي؟ قال كذلك يقولون فقال النبي لليهود تجعلونه بيني وبينكم قالوا نعم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صوريا: " ناشدتك بالله الذي لا إله ~~إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى وأخرجكم من مصر وفلق لكم البحر ms0934 ~~وأنجاكم وأغرق آل فرعون وبالذي ظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المن ~~والسلوى وأنزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه هل تجدون في كتابكم الرجم ~~على المحصن؟ فقال ابن صوريا: اللهم نعم والذي ذكرتني به لولا خشيت أن ~~ينزل علينا العذاب إن كذبت وغير ما اعترفت لك ولكن كيف هي في كتابكم يا ~~محمد؟ قال: إذا شهد أربعة رهط عدول أنه أدخله فيها كما يدخل الميل في ~~المكحلة وجب عليهما الرجم. فقال ابن صوريا: والذي أنزل التوراة على موسى ~~هكذا أنزل الله في التوراة على موسى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~فما كان أول ما ترخصتم به أمر الله تعالى؟ فقال ابن صوريا: كنا إذا أخذنا ~~الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فكثر الزنا في أشرافنا ~~حتى زنى ابن عم ملك لنا فلم نرجمه ثم زنى رجل آخر في امرأة من قومه فأراد ~~الملك رجمه فقام قومه دونه وقالوا والله لا ترجمه حتى ترجم فلانا لابن ~~عم الملك، فقلنا: تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرجم يكون على الشريف ~~والوضيع فوضعنا الجلد والتحميم وهو أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلي بقار ~~ثم تسود وجوههما ثم يحملان على حمارين ووجوههما من قبل دبر الحمار ويطاف ~~بهما فجعلوا ذلك مكان الرجم. فقالت اليهود لابن صوريا: ما أسرع ما أخبرته ~~وما كنت لما أثنينا عليك بأهل ولكنك كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك. فقال ~~لهم ابن صوريا: إنه قد ناشدني بالتوراة ولولا خشيت أن ينزل علينا العذاب ~~ما أخبرته. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهما فرجما عند باب المسجد ~~وقال: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه " # فأنزل الله هذه الآية ق عن ابن عمر قال # " إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن ~~امرأة منهم ورجلا زنيا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون ~~في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام: ~~كذبتم إن فيها الرجم فأتوا ms0935 بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية ~~الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع ~~يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما ~~النبي صلى الله عليه وسلم فرجما قال: فرأيت الرجل ينحني على المرأة يقيها ~~الحجارة. " # وفي رواية أخرى لهما قال: # " أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة من اليهود قد زنيا فقال ~~لليهود ما تصنعون بهما قال نفحم وجوههما ونخزيهما قال فأتوا بالتوراة ~~فاتلوها إن كنتم صادقين فجاؤوا بها فقال لرجل ممن يرضون أعور اقرأ فقرأ ~~حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليها فقال ارفع يدك فرفع يده فإذا آية ~~الرجم تلوح، فقال: يا محمد إن فيها الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا فأمر بهما ~~فرجما فرأيته يحنى " # زاد في رواية أخرى: # " فرجما قربيا موضع الجنائز قرب المسجد " # م عن البراء بن عازب قال: # " مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم مجلود فدعاهم فقال: ~~هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم فقال ~~أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ ~~قال: لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك بحد الرجم ولكنه كثر في أشرافنا ~~فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا ~~تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد ~~مكان الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا ~~أمرك إذ أماتوه " # ، فأمر به فرجم فأنزل الله: يا أيها الرسول " لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر، إلى قوله، إن أوتيتم هذا فخذوه. يقول: ائتوا محمدا فإن أمركم ~~بالتحميم والجلد فخذوه وإن أمركم بالرجم فاحذروه فأنزل الله تبارك ~~وتعالى: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الظالمون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون " في الكفار كلها. التحميم هو ms0936 تسويد الوجه بالحمم وهو الفحم ~~وقوله ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ قال العلماء: هذا السؤال من ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم، وإنما هو ~~لإلزامهم بما يعقدونه في كتابهم. # ولعله صلى الله عليه وسلم كان قد أوحى إليه أن الرجم في التوراة ~~الموجودة في أيديهم لم يغيروه كما غيروا شيئا منها أو أخبره بذلك من ~~أسلم من أهل الكتاب وهو عبد الله بن سلام كما في حديث بن عمر المتفق عليه ~~ولذلك لم يخف عليه صلى الله عليه وسلم حين كتموه. قوله تعالى: { يحرفون ~~الكلم } يعني: يغيرون حدود الله التي أوجبها عليهم في التوراة وذلك أنهم ~~بدلوا الرجم بالجلد والتحميم وقال الحسن إنهم يغيرون ما يسمعون من النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالكذب عليه. وقال ابن جرير الطبري: يحرفون حكم الكلم ~~فحذف ذكر الحكم لمعرفة السامعين به { من بعد مواضعه } يعني من بعد أن ~~وضعه الله مواضعه وفرض فروضه وأحل حلاله وحرم حرامه فإن قلت: قد قال ~~الله عز وجل هنا يحرفون الكلم من بعد واضعه. وقال في موضع آخر: يحرفون ~~الكلم عن مواضعه فهل من فرق بينهما؟ قلت نعم بينهما فرق وذلك أنا إذا ~~فسرنا يحرفون الكلم عن مواضعه بالتأويلات الباطلة فيكون معنى قوله يحرفون ~~الكلم عن مواضعه أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص وليس فيه ~~بيان أنهم يحرفون تلك اللفظة من الكتاب. وأما قوله يحرفون الكلم من بعد ~~مواضعه ففيه دلالة على أنهم جمعوا بين الأمرين يعني أنهم كانوا يذكرون ~~التأويلات الفاسدة وكانوا يحرفون اللفظة من الكتاب ففي قوله: يحرفون ~~الكلم عن مواضعه إشارة إلى التأويل الباطل وفي قوله من بعد مواضعه إشارة ~~إلى إخراجه من الكتاب بالكلية وقوله تعالى: { يقولون } يعني اليهود { إن ~~أوتيتم هذا فخذوه } يعني إن أفتاكم محمد بالجلد والتحميم فاقبلوامنه { ~~وإن لم تؤتوه فاحذروا } يعني وإن لم يفتكم بذلك وأفتاكم بالرجم فاحذروا ~~أن تقبلوه { ومن يرد الله فتنته } يعني كفره وضلالته { فلن تملك له من ~~الله شيئا ms0937 } يعني فلن تقدر على دفع أمر الله فيك { أولئك الذين لم يرد ~~الله أن يطهر قلوبهم } قال ابن عباس معناه أن يخلص نياتهم وقيل معناه لم ~~يرد الله أن يهديهم وفي هذه الآية دلالة على أن الله تعالى لم يرد إسلام ~~الكافر وإنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك ولو فعل ذلك لآمن وهذه الآية من ~~أشد الآيات على القدرية { لهم في الدنيا خزي } يعني للمنافقين واليهود ~~أما خزي المنافقين، فبالفضيحة وهتك ستارهم بإظهار نفاقهم وكفرهم وأما خزي ~~اليهود فبأخذ الجزية والقتل والسبي والإجلاء من أرض الحجاز إلى غيرها { ~~ولهم في الآخرة عذاب عظيم } يعني الخلود في النار للمنافقين واليهود. ### || [5.42] # قوله عز وجل: { سماعون للكذب أكالون للسحت } نزلت في حكام اليهود مثل ~~كعب بن الأشرف ونظرائه كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم قال الحسن: كان ~~الحاكم منهم إذا أتاه أحدهم برشوة جعلها في كمه ثم يريها إياه ويتكلم ~~بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه فيسمع الكذب ويأكل الرشوة وهي السحت ~~وأصل السحت الاستئصال يقال: سحته إذا استأصلته وسميت الرشوة في الحكم ~~سحتا، لأنها تستأصل دين المرتشي. والسحت كله حرام يحمل عليه شدة الشره ~~وهو يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا تكون له بركة ولا لآخذه مروءة ويكون ~~في حصوله عار بحيث يخفيه لا محالة ومعلوم أن حالة الرشوة كذلك فلذلك حرمت ~~الرشوة على الحاكم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لعن الراشي والمرتشي في الحكم " # أخرجه الترمذي وأخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال ~~الحسن: إنما ذلك في الحاكم إذا رشوته ليحق لك باطلا أو يبطل عنك حقا ~~وقال ابن مسعود: الرشوة في كل شيء فمن شفع شفاعة ليرد بها حقا أو يدفع ~~بها ظلما فأهدى بها إليه فقبل فهو سحت. فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ما ~~كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم كفر قال الله تعالى: ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون. قوله عز وجل: ms0938 { فإن جاؤوك } يعني اليهود { ~~فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك سيئا } خير الله ~~رسوله صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم فإن شاء حكم وإن شاء ترك قال ~~الحسن ومجاهد والسدي نزلت في اليهوديين اللذين زنيا. وقال قتادة: نزلت في ~~رجلين من قريظة والنضير قتل أحدهما الآخر. قال ابن زيد: كان حيي بن أخطب ~~قد جعل للنضير ديتين وللقرظي دية واحدة لأنه كان من بني النضير فقالت ~~قريظة: لا نرضى بحكم حيي ونتحاكم إلى محمد فأنزل الله هذه الآية يخير ~~نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم. فصل اختلف علماء التفسير ~~في حكم هذه الآية على قولين: أحدهما أنها منسوخة وذلك أن أهل الكتاب ~~كانوا إذا ترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان مخيرا فإن شاء حكم ~~بينهم وإن شاء عرض عنهم ثم نسخ ذلك بقوله # وأن احكم بينهم بما أنزل الله # [المائدة: 49] فلزمه الحكم بينهم وزال التخير هذا القول مروي عن ابن ~~عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والسدي. والقول الثاني: إنها محكمة وحكام ~~المسلمين بالخيار إذا ترافعوا إليهم فإن شاؤوا حكموا بينهم وإن شاؤوا ~~أعرضوا عنهم وهذا القول مروي عن الحسن والشعبي والنخعي والزهري وبه، قال ~~أحمد: لأنه لا منافاة بين الآيتين. # أما قوله فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ففيه التخيير بين الحكم والإعراض. ~~وأما قوله # وأن احكم بينهم بما أنزل الله # [المائدة: 49] ففيه كيفية الحكم إذا حكم بينهم قال الإمام فخر الدين ~~الرازي: ومذهب الشافعي، إنه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل ~~الكتاب إذا تحاكموا إليه لأن إمضاء حكم الإسلام صغارا لهم. فأما ~~المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة فليس بواجب على الحاكم أن ~~يحكم بينهم بل يتخير في ذلك وهو التخيير المذكور في هذه الآية مخصوص ~~بالمعاهدين وأما إذا تحاكم مسلم وذمي وجب على الحاكم بينهم لا يختلف ~~القول فيه لأنه لا يجوز للمسلم الانقياد لحكم أهل الذمة والله أعلم. قوله ~~تعالى: { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ms0939 } يعني بالعدل والاحتياط { إن الله ~~يحب المقسطين } يعني العادلين فيما ولوا وحكموا فيه م عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه ~~يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا " # هذا من أحاديث الصفات فمن العلماء من قال فيه وفي أمثاله: نؤمن بها ولا ~~نتكلم في تأويلها ولا نعرف معناها لكن نعتقد أن ظاهرها غير مراد وأن لها ~~معنى يليق بالله. هذا مذهب جماهير السلف وطوائف من المتكلمين. ومنهم من ~~قال: إنها تؤول بتأويل يليق بها وهذا قول أكثر المتكلمين. فعلى هذا قال ~~القاضي عياض: المراد بكونه عن اليمين الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة ~~والعرب تنسب الفعل المحمود والإحسان إلى اليمين وضده إلى اليسار قالوا ~~واليمين مأخوذة من اليمن وقوله وكلتا يديه يمين مبني على أنه ليس المراد ~~باليمين الجارحة تعالى الله عن ذلك فإنها مستحيلة في حقه تعالى وقوله { ~~وما ولوا } بفتح الواو وضم اللام المخففة هكذا ذكره الشيخ محيي الدين في ~~شرح مسلم. قال: ومعناه وما كانت له عليه ولاية وهذا الفضل لمن عدل فيما ~~تقلده من الأحكام والله أعلم. ### || [5.43] # قوله تعالى: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة } هذا تعجيب من الله تعالى ~~لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فى تحكيم اليهود إياه مع علمهم بما فى ~~التوراة تركهم قبول ذلك الحكم مع اعتقادهم صحته وعدولهم إلى حكم من ~~يجحدون نبوته طلبا للرخصة لا جرم إن الله تعالى أظهر جهلهم وعنادهم ~~لأنهم حكموا النبي صلى الله عليه وسلم فى أمر الزانيين ثم أعرضوا عن حكمه ~~فى الآية لتقريع اليهود والمعنى وكيف يجعلونك حكما بينهم ويرضون بحكمك ~~وعندهم التوراة { فيها حكم الله } يعني الرجم الذي تحاكموا إليك من أجله ~~{ ثم يتولون من بعد ذلك } يعني ثم يعرضون عن حكمك الموافق لما في كتابهم ~~{ وما أولئك } يعني اليهود { بالمؤمنين } يعني بكتابهم كما يزعمون. وقيل: ~~معناه وما أولئك بالمصدقين. ### || [5.44] # قوله عز وجل: ms0940 { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } سبب نزول هذه الآية ~~استفتاء اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أمر الزانيين وقد سبق ~~بيانه والهدى هو البيان لأن التوراة مبينة صحة نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ومبينة ما تحاكموا فيه والنور هو الكاشف للشبهات الموضح للمشكلات ~~والتوراة كذلك. وقيل: الفرق بين الهدى والنور أن الهدى محمول على بيان ~~الأحكام والشرائع والنور محمول على بيان أحكام التوحيد والنبوات والمعاد ~~{ يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا } أراد بالنبيين الذين ~~بعثوا بعد موسى عليه السلام وذلك أن الله بعث فى بني إسرائيل ألوفا من ~~الأنبياء وليس معهم كتاب إنما بعثوا بإقامة التوراة وأحكامها ومعنى ~~أسلموا: أي انقادوا لأمر الله تعالى والعمل بكتابه وهذا على سبيل المدح ~~لهم وفيه تعريض باليهود لأنهم بعدوا عن الإسلام الذي هو دين الأنبياء ~~عليهم السلام وقال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي: يحتمل أن يكون ~~المراد بالنبيين الذين أسلموا هو محمد صلى الله عليه وسلم وإنما ذكره ~~بلفظ الجمع تعظيما وتشريفا له صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حكم على اليهود بالرجم وكان هذا الحكم فى التوراة. قال ابن ~~الأنباري هذا رد على اليهود والنصارى لأن الأنبياء عليهم السلام ما كانوا ~~موصوفين باليهودية والنصرانية بل كانوا مسلمين لله تعالى منقادين لأمره ~~ونهيه. للذين هادوا يعني لليهود يعني يحكم بالتوراة لهم وفيما بينهم ~~ويحملهم على أحكامها كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حملهم على ~~حكم الرجم كما هو في التوراة ولم يوافقهم على ما أرادوه من الجلد وقال ~~الزجاج وجائز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير على معنى: إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا { ~~والربانيون والأحبار } أما الربانيون فتقدم تفسيره فى سورة آل عمران وأما ~~الأحبار فقال ابن عباس: هم الفقهاء. وقيل: هم العلماء الأحبار واحده حبر ~~بفتح الحاء وكسرها لغتان. وقال الفراء: إنما هو حبر بكسر الحاء وإنما سمي ~~به لمكان الحبر الذى ms0941 يكتب به وذلك لأنه صاحب كتاب. وقال أبو عبيد: إنما ~~هو حبر بفتح الحاء والحبر العالم لما يبقى من أثر علومه في قلوب الناس ~~وأفعاله الحسنة التى يقتدى بها وجمعه أحبار ومنه كعب الأحبار. وقيل: ~~الحبر الأثر المستحسن ومنه الحديث: يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره ~~أي جماله وبهاؤه. وإنما سمي العالم حبرا لما عليه من أثر جمال العلم وهل ~~فرق بين الربانيين والأحبار أم لا؟ فيه خلاف، فقيل: لا فرق. والربانيون، ~~والأحبار بمعنى واحد وهم: العلماء والفقهاء. # وقيل: الربانيون أعلى درجة من الأحبار لأن الله تعالى قدمهم في الذكر ~~على الأحبار. وقيل: الربانيون هم الولاة. والحكام والأحبار هم العلماء: ~~وقيل: الربانيون علماء النصارى، والأحبار: علماء اليهود. ومعنى الآية: ~~يحكم بأحكام التوراة النبيون وكذلك يحكم بها الربانيون والأحبار. وقوله ~~تعالى: { بما استحفظوا من كتاب الله } يعني بما استودعوا من كتاب الله. ~~وقيل: هو أن يحفظوا كتاب الله فلا ينسوه وقيل هو أن يحفظوه فلا يضيعوا ~~أحكامه وشرائعه. وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين ~~معا وذلك بأن يحفظوا كتاب الله فى صدورهم ويدرسونه بألسنتهم لئلا ينسوه ~~وأن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه فإذا فعلوا كانوا قائمين بحفظه { ~~وكانوا عليه شهداء } يعني: أن هؤلاء النبيين والربانيين والأحبار كانوا ~~شهداء على كتاب الله تعالى ويعلمون أنه حق وصدق وأنه من عند الله { فلا ~~تخشوا الناس واخشون } هذا خطاب لحكام اليهود الذين كانوا فى زمان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعني لا تخافوا أحدا من الناس فى إظهار صفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم والعمل بالرجم واخشون يعني في كتمان ذلك { ولا ~~تشتروا بآياتى ثمنا قليلا } يعني ولا تستبدلوا بآيات الله وأحكامه ~~ثمنا قليلا يعني الرشوة فى الأحكام والجاه عند الناس ورضاهم والمعنى ~~كما نهيتكم عن تغير الأحكام لأجل خوف الناس كذلك أنهاكم عن التغيير ~~والتبديل لأجل الطمع في المال والجاه وأخذ الرشوة فإن كل متاع الدنيا ~~قليل { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ms0942 الكافرون } بمعنى: أن اليهود ~~لما أنكروا حكم الله تعالى المنصوص عليه فى التوراة وقالوا إنه غير واجب ~~عليهم، فهم كافرون على الإطلاق بموسى والتوراة وبمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن واختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآيات الثلاث وهي قوله: { ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الظالمون، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } ~~فقال جماعة من المفسرين: الآيات الثلاث نزلت فى الكفار ومن غير حكم الله ~~من اليهود، لأن المسلم وإن ارتكب كبيرة، لا يقال إنه كافر وهذا قول ابن ~~عباس وقتادة والضحاك. ويدل على صحة هذا القول ما روي عن البراء بن عازب ~~قال أنزل الله تبارك وتعالى: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون، ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } في الكفار كلها أخرجه مسلم وعن ابن ~~عباس قال # ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون # [المائدة: 44] إلى قوله هم الفاسقون هذه الآيات الثلاث في اليهود خاصة ~~قريظة والنضير أخرجه أبو داود. وقال مجاهد: فى هذه الآيات الثلاث من ترك ~~الحكم بما أنزل الله ردا لكتاب الله فهو كافر ظالم فاسق. # وقال عكرمة ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به فقد كفر ومن أقر به ولم ~~يحكم به فهو ظالم فاسق وهذا قول ابن عباس أيضا واختار الزجاج لأنه قال: ~~من زعم أن حكما من أحكام الله تعالى التي أتانا بها الأنبياء باطل فهو ~~كافر. وقال طاوس: قلت لابن عباس أكافر من لم يحكم بما أنزل الله؟ فقال: ~~به كفر وليس بكفر ينقل عن الملة كمن كفر بالله وملائكته ورسله واليوم ~~الآخر ونحو هذا روي عن عطاء. قال: هو كفر دون الكفر. وقال ابن مسعود ~~والحسن والنخعي: هذه الآيات الثلاث عامة فى اليهود وفي هذه الأمة فكل من ~~ارتشى وبدل الحكم فحكم بغير حكم الله فقد كفر وظلم ms0943 وفسق وإليه ذهب السدي ~~لأنه ظاهر الخطاب. وقيل: هذا فيمن علم نص حكم الله ثم رده عيانا عمدا ~~وحكم بغيره وأما من خفي عليه النص أو أخطأ فى التأويل فلا يدخل فى هذا ~~الوعيد والله أعلم بمراده. ### || [5.45] # قوله تعالى: { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } يعني: وفرضنا على ~~بني اسرائيل فى التوراة أن نفس القاتل بنفس المقتول وفاقا فيقتل به وذلك ~~أن الله تعالى حكم فى التوراة أن على الزاني المحصن الرجم وأخبر أن ~~اليهود بدلوه وغيروه وأخبر أيضا أن فى التوراة أن النفس بالنفس وأن ~~هؤلاء اليهود غيروا هذا الحكم وبدلوه ففضلوا بني النضير على بني قريظة ~~فكان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة أدوا إليهم نصف الدية وإذا قتل ~~بنو قريظة من بني النضير أدوا إليهم الدية كاملة فغيروا حكم الله الذي ~~أنزل فى التوراة. قال ابن عباس: أخبر الله بحكمه فى التوراة وهو أن النفس ~~بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح ~~قصاص. قال: فما لهم يخالفون فيقتلون النفسين بالنفس ويفقأون العينين ~~بالعين. ومعنى الآية: أن قاتل النفس يقتل بها إذا تكافأ الدمان ومذهب ~~الشافعي: أنه لا يقتل مسلم بكافر لما صح من حديث علي بن أبي طالب أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يقتل مسلم بكافر " # الحديث أخرجاه فى الصحيحين وقوله تعالى: { والعين بالعين } يعني تفقأ ~~بها { والأنف بألأنف } يعني يجدع به { والأذن بالأذن } يعني تقطع بها { ~~والسن بالسن } يعني تقلع بها وأما سائر الأطراف والأعضاء فيجري فيها ~~القصاص كذلك، وقوله تعالى: { والجروح قصاص } يعني فيما يمكن أن يقتص منه ~~وهذا تعميم بعد التخصيص، لأن الله تعالى ذكر النفس والعين والأنف والأذن ~~فخص هذه الأربعة بالذكر ثم قال تعالى: والجروح قصاص، على سبيل العموم ~~فيما يمكن أن يقتص منه كاليد والرجل والذكر والانثيين وغيرها وأما مالا ~~يمكن القصاص فيه كرض في لحم أو كسر فى عظم أو جراحة فى بطن يخاف منها ~~التلف فلا قصاص فى ذلك وفيه الأرش ms0944 والحكومة. واعلم أن هذه الآية دالة على ~~أن هذا الحكم كان شرعا فى التوراة فمن قال شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما ~~نسخ منه بالتفصيل قال هذه الآية حجة فى شرعنا ومن أنكره قال إنها ليست ~~بحجة علينا وأصل هذه المسألة أن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته بعد ~~البعثة هل هم متعبدون بشرع من تقدم من الأنبياء عليهم السلام؟ فنقل عن ~~أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وعن أحمد فى أحد الروايتين عنه أنه ~~كان متعبدا بما صح من شرائع من قبله بطريق الوحي إليه لا من جهة كتبهم ~~المبدلة ونقل أربابها واختار ابن الحاجب من المتأخرين هذا المذهب وهو أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان بعد البعثة متعبدا بشرع من قبله فيما لم ينسخ من ~~الأحكام الباقية قبل شريعته لكنه لم يعتبر فيه قيد الوحي وهو الحق وإلا ~~لم يبق للنزاع معنى إذ لا ينكر أحدا كون النبي صلى الله عليه وسلم ~~متعبدا بعد البعثة بما أوحى إليه سواء كان من شريعة من قبله أم لا وذهبت ~~الأشاعرة والمعتزلة إلى المنع من ذلك وهو اختيار الآمدي من المتأخرين ~~واحتج الأولون لصحة مذهبهم بأن الإجماع منعقد على صحة الاستدلال بقوله: { ~~وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } الآية مع أنه من شريعة من تقدم لأنه ~~مذكور في التوراة. # ومكتوب على بني إسرائيل: ولولا أنا متعبدون بشريعة من قبلنا لما صح هذا ~~الاستدلال، وقوله تعالى: { فمن تصدق به } يعني بالقصاص فلم يقتص من ~~الجاني { فهو كفارة له } فى هاء له قولان: أحدهما أن الهاء فى له كناية ~~عن المجروح وولي المقتول وذلك أن المجروح أو ولي المقتول إذا تصدق ~~بالقصاص كان ذلك كفارة لذنوبه وهذا قول ابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن ~~العاص والحسن ويدل عليه ما روي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " ما من رجل يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه ~~به خطيئة " # أخرجه الترمذي. ms0945 وعن أنس قال: " ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو أخرجه أبو داود والنسائي ". ~~والقول الثاني: أن الضمير فى قوله له يعود إلى الجارح والقاتل يعني أن ~~المجني عليه إذا عفا عن الجاني كان ذلك العفو كفارة لذنب الجاني لا يؤاخذ ~~به فى الآخرة وهذا قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل كما أن القصاص كفارة له ~~فأما أجر العافي، فعلى الله تعالى. وقوله تعالى: { ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الظالمون }: يعني لأنفسهم حيث لم يحكموا بما أنزل الله عز ~~وجل. ### || [5.46-48] # قوله عز وجل: { وقفينا على آثارهم } يعني وعقبنا على آثار النبيين الذين ~~أسلموا { بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة } يعني أن عيسى ~~عليه السلام كان مصدقا بأن التوراة منزلة من عند الله عز وجل وكان العمل ~~بها واجبا قبل ورود النسخ عليها فإن عيسى عليه السلام نسخ بعض أحكام ~~التوراة وخالفها { وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور } يعني فيه هدى من ~~الجهالة وضياء من عمى البصيرة { ومصدقا لما بين يديه من التوراة } هذا ~~ليس بتكرار للأول لأن فى الأول الإخبار بأن عيسى مصدق لما بين يديه من ~~التوراة. وفي الثاني: الإخبار بأن الإنجيل مصدق للتوراة، فظهر الفرق بين ~~اللفظين وأنه ليس بتكرار { وهدى وموعظة للمتقين } إنما قال: وهدى مرة ~~أخرى لأن الإنجيل يتضمن البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فيكون سببا ~~لاهتداء الناس إلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وأما كون الإنجيل ~~موعظة، فلما فيه من المواعظ البليغة والزواجر والأمثال وإنما خص المتقين ~~بالذكر لأنهم هم الذين ينتفعون بالمواعظ. قوله تعالى: { وليحكم أهل ~~الإنجيل بما أنزل الله فيه } قال أهل المعاني: قوله وليحكم يحتمل وجهين: ~~أحدهما أن يكون المعنى وقلنا ليحكم أهل الإنجيل، فيكون هذا إخبارا عما ~~فرض عليهم فى وقت إنزاله عليهم من الحكم بما تضمنه الإنجيل ثم حذف القول ~~لأن ما قبله من قوله وكتبنا وقفينا يدل عليه وحذف القول كثير. والوجه ms0946 ~~الثاني: أن يكون قوله وليحكم ابتداء وفيه أمر للنصارى بالحكم بما فى ~~كتابهم وهو الإنجيل. فإن قلت فعلى هذا الوجه كيف جاز أن يؤمروا بالحكم ~~بما في الإنجيل بعد نزول القرآن قلت: إن المراد بهذا الحكم الإيمان بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم لأن ذكره فى الإنجيل ووجوب التصديق بنبوته موجود فإذا ~~آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد حكموا بما فى الإنجيل. وقوله { ومن ~~لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } يعني: فأولئك هم الخارجون عن ~~طاعة الله عز وجل. قوله عز وجل: { وأنزلنا إليك الكتاب } الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم يعني وأنزلنا إليك يا محمد القرآن { بالحق } يعني ~~بالصدق الذي لا شك فيه أنه من عند الله { مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~} يعني أن يصدق جميع الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه { ومهيمنا عليه ~~} قال ابن عباس يعني شاهدا على الكتب التي قبله ومنه قول حسان: # إن الكتاب مهيمن لنبينا والحق يعرفه ذوو الألباب # يريد أنه شاهد ومصدق لنبينا صلى الله عليه وسلم وإنما كان القرآن ~~مهيمنا على الكتب التي قبله لأنه الكتاب الذي لا ينسخ ولا يغير ولا ~~يبدل. وإذا كان القرآن كانت شهادته على التوراة والإنجيل والزبور وجميع ~~الكتب المنزلة حقا وصدقا. # وقيل: المهيمن الأمين. وإنما كان القرآن أمينا على الكتب التي قبله ~~فيما أخبر أهل الكتب عن كتبهم فإن قالوا ذلك فى القرآن فقد صدقوا وإلا ~~فلا { فاحكم بينهم بما أنزل الله } يعني: إذا ترافع أهل الكتاب إليك يا ~~محمد فاحكم بينهم بالقرآن الذي أنزل الله إليك { ولا تتبع أهواءهم } ~~يعني: ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود فى الحكم وقال ابن عباس لا تأخذ ~~بأهوائهم في جلد المحصن { عما جاءك من الحق } يعني ولا تنحرف عن الحق ~~الذي جاءك من عند الله متبعا أهواءهم، وقوله: ولا تتبع أهواءهم عما جاءك ~~من الحق وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم لكن المراد به غير لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يتبع أهواءهم قط. وقوله ms0947 تعالى: { لكل جعلنا منكم ~~شرعة ومنهاجا } الخطاب فى قوله منكم للأمم الثلاثة أمة موسى وأمة عيسى ~~وأمة محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين بدليل أن الله عز وجل قال ~~قبل هذه # إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور # [المائدة: 44] ثم قال بعد ذلك { وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم } ثم ~~قال { وأنزلنا إليك الكتاب } ثم جمع فقال { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ~~} والشرعة: الشريعة. يعني لكل أمة شريعة فللتوراة شريعة وللإنجيل شريعة ~~وللقرآن شريعة والدين واحد وهو التوحيد. وأصل الشريعة من الشرع وهو ~~البيان والإظهار فمعنى شرع بين وأوضح. وقيل: هو من الشروع في الشيء. ~~والشريعة في كلام العرب، المشرعة التي يشرعها الناس فيشربون ويسقون منها. ~~وقيل: الشريعة الطريقة ثم استعير ذلك للطريقة الإلهية المؤدية إلى الدين ~~والمنهاج الطريق الواضح وقال بعضهم الشريعة والمنهاج عبارتان عن معنى ~~واحد والتكرير للتأكيد والمراد بهما: الدين وقال آخرون: بينهما فرق لطيف ~~وهو أن الشريعة هي التي أمر الله بها عباده. والمنهاج: الطريق الواضح ~~المؤدي إلى الشريعة. قال ابن عباس: في قوله شرعة ومنهاجا سنة وسبيلا. ~~وقال قتادة: سبيلا وسنة فالسنن مختلفة للتوراة شريعة وللإنجيل شريعة ~~وللقرآن شريعة يحل الله عز وجل فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء ليعلم من ~~يطيعه ممن يعصيه والدين الذي لا يقبل غيره هو التوحيد والإخلاص لله الذي ~~جاءت به جميع الرسل عليهم السلام وقال علي بن أبي طالب: الإيمان منذ بعث ~~آدم عليه السلام شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء من عند الله ~~ولكل قوم شريعة ومنهاج. قال العلماء: وردت آيات دالة على عدم التباين فى ~~طريقة الأنبياء والرسل منها قوله: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90] ووردت آيات دالة على حصول التباين بينهم منها هذه الآية ~~وهي قوله { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } وطريق الجمع بين هذه الآيات ~~أن كل آية دلت على عدم التباين فهي دالة على أصول الدين من الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وكل ذلك جاءت به الرسل ms0948 من عند الله ~~ولم يختلفوا فيه. # وأما الآيات الدالة على حصول التباين بينهم، فمحمولة على الفروع، وما ~~يتعلق بظواهر العبادات فجائز أن يتعبد الله عباده فى كل وقت بما يشاء ~~فهذه طريق الجمع بين هذه الآيات والله أعلم بأسرار كتابه واحتج بهذه من ~~قال إن شرع من قبلنا لا يلزمنا لأن قوله لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ~~يدل على أن كل رسول جاء بشريعة خاصة فلا يلزم أمة رسول الاقتداء بشريعة ~~رسول آخر ثم قال تعالى: { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } يعني جماعة ~~متفقة على شريعة واحدة ودين واحد لا اختلاف فيه { ولكن ليبلوكم } يعني ~~ولكن أراد أن يختبركم { فيما آتاكم } يعني من الشرائع المختلفة هل تعلمون ~~بها أم لا؟ فيتبين بذلك المطيع من العاصي والموافق من المخالف { فاستبقوا ~~الخيرات } هذا خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم يعني فبادروا يا أمة ~~محمد بالأعمال الصالحات التي تقربكم إلى الله تعالى { إلى الله مرجعكم ~~جميعا } يعني المطيع والعاصي والموافق والمخالف { فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون } يعني: فيخبركم فى الآخرة بما كنتم فيه تختلفون من أمر الدين ~~والدنيا. والمعنى: فيخبركم في الآخرة بما لا تشكون معه فيفصل بين المحق ~~والمبطل والطائع والعاصي بالثواب والعقاب. ### || [5.49-50] # قوله تعالى: { وأن أحكم بينهم بما أنزل الله } قال ابن عباس: إن كعب بن ~~أسيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس قال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى ~~محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار ~~اليهود وأشرافهم وسادتهم وأنا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود ولم يخالفونا ~~وأن بيننا وبين قومنا خصومة فتتحاكم إليك فاقض لنا عليهم نؤمن بك ونصدقك ~~فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية { وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله } يعني احكم بينهم يا محمد بالحكم الذي أنزله الله ~~في كتابه { ولا تتبع أهواءهم } يعني فيما أمروك به. قال العلماء: ليس في ~~هذه الآية تكرار لما تقدم، وإنما أنزلت فى حكمين مختلفين. أما الآية ~~الأولى: ms0949 فنزلت فى شأن رجم المحصن وأن اليهود طلبوا منه أن يجلده وهذه ~~الآية نزلت فى شأن الدماء والديات حين تحاكموا إليه في أمر قتيل كان ~~بينهم قال بعض العلماء هذه الآية ناسخة للتخيير فى قوله: # فاحكم بينهم أو أعرض عنهم # [المائدة: 42]. وقوله تعالى: { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله ~~إليك } يعني: واحذر يا محمد هؤلاء اليهود الذين جاؤوا إليك أن يصرفوك ~~ويصدوك بمكرهم وكيدهم فيحملوك على ترك العلم ببعض ما أنزل الله إليك في ~~كتابه واتباع أهوائهم { فإن تولوا } يعني فإن أعرضوا عن الإيمان بك ~~والرضا بالحكم بما أنزل الله عليك { فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ~~ذنوبهم } يعني فاعلم يا محمد أن الله يريد أن يعجل لهم العقوبة فى الدنيا ~~ببعض ذنوبهم وإنما خص بعض الذنوب لأن الله جازاهم فى الدنيا على بعض ~~ذنوبهم بالقتل والسبي والجلاء وأخر مجازاتهم على باقي ذنوبهم إلى الآخرة ~~{ وإن كثيرا من الناس لفاسقون } يعني اليهود لأنهم ردوا حكم الله تعالى ~~{ أفحكم الجاهلية يبغون } يعني أفحكم الجاهلية هؤلاء اليهود قال ابن ~~عباس: يعني بحكم الجاهلية ما كانوا عليه من الضلال والجور في الأحكام ~~وتحريفهم إياها عما أمر الله به وقال مقاتل # " كانت بين بني النضير وقريظة دماء وهما حيان من اليهود وذلك قبل أن ~~يبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فلما بعث وهاجر إلى المدينة تحاكموا ~~إليه فقالت بنو قريظة بنو النضير إخواننا أبونا واحد وديننا واحد وكتابنا ~~واحد فإن قتل بنو النضير منا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر وإن قتلنا ~~منهم قتيلا أخذوا منا مائة وأربعين وسقا وأرش جراحتنا على النصف من ~~جراحتهم فاقض بيننا وبينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني أحكم ~~أن دم القرظي وفاء من دم النضيري، ودم النضيري وفاء من دم القرظي ليس ~~لأحدهما فضل على الآخر فى دم ولا عقل ولا جراحة " # فغضبت بنو النضير، وقالوا: لا نرضى بحكمك فإنك لنا عدو وإنك ما تألو فى ~~وضعنا وتصغيرنا. فأنزل الله: أفحكم ms0950 الجاهلية يبغون. وقرئ بالتاء على ~~الخطاب. والمعنى: قل لهم يا محمد أفحكم الجاهلية تبغون { ومن أحسن من ~~الله حكما لقوم يوقنون } يعني: أي حكم أحسن من حكم الله إن كنتم موقنين ~~أن لكم ربا وأنه عدل في أحكامه. ### || [5.51-52] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء } ~~اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية وإن كان حكمها عاما لجميع ~~المؤمنين، لأن خصوص السبب لا يمنع من عموم الحكم، فقال قوم: نزلت هذه ~~الآية فى عبادة بن الصامت رضي الله عنه وعبد الله بن أبي سلول رأس ~~المنافقين وذلك أنهما اختصما فقال عبادة إن لي أولياء من اليهود كثير ~~عددهم شديدة شوكتهم وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم ولا مولى ~~لي إلا الله ورسوله فقال عبد الله بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود ~~فإني أخاف الدوائر ولا بد لي منهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا ~~أبا الحباب ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه ~~فقال: إذن أقبل فأنزل الله هذه الآية. وقال السدي: لما كانت وقعة أحد ~~اشتد الأمر على طائفة من الناس وتخوفوا أن يدال عليهم الكفار فقال رجل من ~~المسلمين: أنا ألحق بفلان اليهودي وآخذ منه أمانا إني أخاف أن يدال ~~علينا اليهود. وقال رجل آخر: أنا ألحق بفلان النصراني من أهل الشام وآخذ ~~منه أمانا. فأنزل الله هذه الآية ينهاهم عن موالاة اليهود والنصارى. ~~وقال عكرمة: نزل فى أبي لبابة بن عبد المنذر لما بعثه النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى بني قريظة حين حاصرهم فاستشاروه في النزول وقالوا: ماذا ~~يصنع بنا إذا نزلنا؟ فجعل إصبعه في حلقه أشار إلى أنه الذبح وأنه يقتلكم ~~فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء } ~~فنهى الله المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارا وأعوانا ~~على أهل الإيمان بالله ورسوله وأخبر أنه من اتخذهم أنصارا وأعوانا ~~وخلفاء من دون الله ورسوله والمؤمنين ms0951 فإنه منهم وإن الله ورسوله ~~والمؤمنين منه براء { بعضهم أولياء بعض } يعني أن بعض اليهود أنصار لبعض ~~على المؤمنين وأن النصارى كذلك يد واحدة على من خالفهم فى دينهم وملتهم { ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم } يعني ومن يتول اليهود والنصارى دون ~~المؤمنين فينصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم لأنه لا يتولى ~~مولى إلا وهو راض به وبدينه وإذا رضيه ورضى دينه صار منهم وهذا تعليم من ~~الله تعالى وتشديد عظيم في مجانبة اليهود والنصارى وكل من خالف دين ~~الإسلام { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } يعني أن الله لا يوفق من وضع ~~الولاية في غير موضعها فتول اليهود والنصارى مع علمه بعداوتهم لله ~~ولرسوله وللمؤمنين، روي أن أبا موسى الأشعري قال: قلت لعمر بن الخطاب: إن ~~لي كاتبا نصرانيا فقال: مالك وله قاتلك الله ألا اتخذت حنيفا؟ يعني ~~مسلما أما سمعت قول الله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } قلت: له دينه ولي كتابته: ~~فقال: لا أكرمهم إذا أهانهم الله ولا أعزهم إذا أذلهم الله ولا أدنيهم ~~إذا أبعدهم الله. # قلت: إنه لا يتم أمر البصرة إلا به. فقال: مات النصراني والسلام يعني: ~~هب أنه مات فما تصنع بعده فما تعمله بعد موته فاعمله الآن واستغن عنه ~~بغيره من المسلمين. قوله تعالى: { فترى الذين في قلوبهم مرض } يعني فترى ~~يا محمد الذين في قلوبهم شك ونفاق { يسارعون فيهم } يعني يسارعون في مودة ~~اليهود وموالاتهم ومناصحتهم لأنهم كانوا أهل ثروة ويسار فكانوا يغشونهم ~~ويخالطونهم لأجل ذلك. نزلت في عبد الله بن أبي، المنافق وفي أصحابه من ~~المنافقين { يقولون } يعني المنافقين { نخشى أن تصيبنا دائرة } الدائرة ~~من دوائر الدهر كالدولة التي تدول والمعنى. يقول المنافقون: إنما نخالط ~~اليهود لأنا نخشى أن يدور علينا الدهر بمكروه، ويعنون بذلك المكروه ~~الهزيمة فى الحرب والقحط والجدب والحوادث المخوفة. قال ابن عباس: معناه ~~نخشى أن لا يتم أمر محمد فيدور علينا الأمر كما كان قبل محمد ms0952 { فعسى الله ~~أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده } قال المفسرون: عسى من الله واجب لأن ~~الكريم إذا أطمع في خير فعله وهو بمنزلة الواعد لتعلق النفس به ورجائها ~~له والمعنى فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم على ~~أعدائه وإظهار دينه على الأديان كلها وإظهار المسلمين على أعدائهم من ~~الكفار واليهود والنصارى وقد فعل الله ذلك بمنه وكرمه فأظهر دينه ونصر ~~عبده. وقيل: أراد بالفتح فتح مكة. وقيل: فتح قرى اليهود مثل خيبر وفدك ~~ونحوهما من بلادهم { أو أمر من عنده } يعني أنه تعالى يقطع أصل اليهود من ~~أرض الحجاز ويخرجهم من بلادهم بلا كلفة وتعب ولا يكون للناس فيه فعل ~~ألبتة كما ألقى في قلوبهم الرعب فأخلوا ديارهم وخربوها بأيديهم ورحلوا ~~إلى الشام. وقوله تعالى: { فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين } يعني ~~فيصبح المنافقون الذين كانوا يوالون اليهود نادمين على ما حدثوا به ~~أنفسهم أن أمر محمد لا يتم وقيل ندموا على دس الأخبار إلى اليهود. ### || [5.53-54] # { ويقول الذين آمنوا } يعني ويقول الذين آمنوا في وقت إظهار الله تعالى ~~نفاق المنافقين { أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم } ~~وذلك أن المؤمنين كانوا يتعجبون من حال المنافقين عندما أظهروا الميل إلى ~~موالاة اليهود والنصارى ويقولون إن المنافقين حلفوا بالله جهد أيمانهم ~~إنهم لمعنا ومن أنصارنا والآن كيف صاروا موالين لأعدائنا من اليهود محبين ~~للاختلاط بهم فبان كذب المنافقين في أيمانهم الباطلة { حبطت أعمالهم } أي ~~بطل كل خير عملوه لأجل ما أظهروا من النفاق ومولاة اليهود { فأصبحوا ~~خاسرين } يعني أنهم خسروا في الدنيا بافتضاحهم وخسروا في الآخرة بإحباط ~~ثواب أعمالهم وحصلوا بالعذاب الدائم المقيم. قوله عز وجل: { يا أيها ~~الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } يعني من يرجع منكم عن دينه الحق الذي ~~هو عليه وهو دين الإسلام فيبدله ويغيره بدخوله فى الكفر بعد الإيمان ~~فيختار: إما اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من أصناف الكفر فلن يضر ~~الله شيئا وإنما ضر نفسه ms0953 برجوعه عن الدين الصحيح الذي هو دين الإسلام ~~قال الحسن: علم الله تعالى أن قوما سيرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم فأخبر أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه. وذكر صاحب ~~الكشاف أن إحدى عشرة فرقة من العرب ارتدت ثلاث في زمن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهم: بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار وهو الأسود العنسي وكان ~~كاهنا فتنبأ باليمن واستولى على بلاده وأخرج منها عمال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وإلى ~~سادات اليمن فأهلكه الله تعالى على يد فيروز الديلمي في بيته فقتله فأخبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بقتله ليلة قتل فسر المسلمون ~~بذلك وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد وأتى خبر قتله في آخر ~~ربيع الأول. وبنو حنيفة وهم قوم مسيلمة الكذاب تنبأ وكتب إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. " أما بعد ~~فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك " فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. أما بعد فإن الأرض لله يورثها ~~من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " # وستأتي قصة قتله فيما بعد وبنو أسد وهم قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث ~~إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقاتله فانهزم بعد ~~القتال إلى الشام ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه وارتد سبع فرق في خلافة ~~أبي بكر الصديق وهم فزارة قوم عيينة بن حصن الفزاري وغطفان قوم قرة بن ~~سلمة القشيري وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل وبنو يربوع قوم مالك بن ~~نويرة اليربوعي وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة التي زوجت نفسها ~~من مسيلمة الكذاب. # وكندة قوم الأشعث بن قيس الكندي وبنو بكر بن وائل قوم الحطم بن زيد فكفى ~~الله أمرهم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفرقة واحدة ارتدت فى ms0954 ~~خلافة عمر بن الخطاب وهم غسان قوم جبلة بن الأيهم واختلف العلماء في ~~المعنى بقوله تعالى: { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } فقال علي بن ~~أبي طالب والحسن وقتادة هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ~~ومانعي الزكاة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض ارتد عامة العرب ~~كما تقدم تفصيله إلا أهل المدينة وأهل مكة وأهل البحرين من بني عبد القيس ~~فإنهم ثبتوا على الإسلام ونصر الله بهم الدين ولما ارتد من ارتد من ~~العرب ومنعوا الزكاة هم أبو بكر بقتالهم وكره ذلك أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم ~~مني ماله ودمه إلا بحقه وحسابه على الله " # فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق ~~المال والله لو منعوني عناقا أو قال عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. وقال أنس بن مالك: كرهت الصحابة ~~قتال مانعي الزكاة، وقالوا: هم أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده ~~فلم يجدوا بدا من الخروج على أثره، فقال ابن مسعود: كرهنا ذلك فى ~~الابتداء ثم حمدناه عليه في الانتهاء. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا ~~حصين يقول: ما ولد بعد النبيين أفضل من أبي بكر الصديق لقد قام مقام نبي ~~من الأنبياء في قتال أهل الردة وقالت عائشة: توفي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وارتدت العرب واشرأب النفاق ونزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال ~~الراسيات لهاضها وبعث أبو بكر الصديق خالد بن الوليد في جيش كثير إلى بني ~~حنيفة باليمامة وهم قوم مسيلمة الكذاب فأهلك الله مسيلمة على يد وحشي ~~غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة، فكان وحشي يقول: قتلت خير الناس في ~~الجاهلية وشر الناس في الإسلام أراد بذلك وحشي أنه في حال الجاهلية ms0955 قتل ~~حمزة وهو خير الناس وفي حال إسلامه قتل مسيلمة الكذاب وهو شر الناس وقال ~~قوم: المراد بقوله تعالى: { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } # " الأشعريون قوم أبي موسى الأشعري، روي عن عياض بن غنم الأشعري قال لما ~~نزلت هذه الآية { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " هم قوم هذا " # يعني أبا موسى الاشعري أخرجه الحاكم في المستدرك وقيل هم أهل اليمن ق عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا الإيمان يمان والحكمة ~~يمانية " # وقال السدي: نزلت في الأنصار لأنهم هم الذين نصروا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأعانوه على إظهار الدين، وقيل: هم أحياء من أهل اليمن ألفان ~~من النخع وخمسة آلاف من أهل كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من أخلاط الناس ~~جاهدوا في سبيل الله يوم القادسية في خلافة عمر، وعلى هذا التقدير، تكون ~~هذه الآية إخبارا عن الغيب وقد وقع الخبر على وفقه بحمد الله تعالى ~~فتكون هذه الآية معجزة. وأما معنى المحبة، فيقال أحببت فلانا بمعنى جعلت ~~قلبي معرضا بأن يحبه والمحبة إرادة ما تراه أو تظنه خيرا. ومحبة الله ~~تعالى العبد، إنعامه عليه وتوفيقه وهدايته إلى طاعته والعمل بما يرضى به ~~عنه وأن يثيبه أحسن الثواب على طاعته وأن يثني عليه ويرضى عنه ومحبة ~~العبد لله عز وجل أن يسارع إلى طاعته وابتغاء مرضاته وأن لا يفعل ما ~~يوجب سخطه وعقوبته وأن يتحبب بما يوجب له الزلفى لديه جعلنا الله ممن ~~يحبهم ويحبونه بمنه وكرمه. وقوله تعالى: { أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين } هذه من صفات الذين اصطفاهم الله تعالى ووصفهم بقوله: يحبهم ~~ويحبونه، يعني أنهم أرقاء رحماء لأهل دينهم وإخوانهم من المؤمنين ولم يرد ~~ذل الهوان بل أراد لين جانبهم لإخوانهم المؤمنين وهم من رقتهم ورحمتهم ~~ولين جانبهم أشداء أقوياء غلظاء على أعدائهم الكافرين. قال علي بن أبي ~~طالب: أذلة على المؤمنين يعني أهل رقة ms0956 على أهل دينهم أعزة على الكافرين ~~أهل غلظة على من خالفهم في دينهم. وقال ابن عباس: تراهم كالولد لوالده ~~والعبد لسيده وهم في الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسته. وقال ابن ~~الأنباري: أثنى الله على المؤمنين بأنهم يتواضعون للمؤمنين إذا لقوهم ~~ويعنفون الكافرين إذا لقوهم. وقيل: إن الذل بمعنى الشفقة والرحمة كأنه ~~قال راحمين للمؤمنين مشفقين عليهم على وجه التذلل والتواضع وإنما أتى ~~بلفظة على حتى يدل على علو منصبهم وفضلهم وشرفهم لا لأجل كونهم ذليلين في ~~أنفسهم بل ذلك التذلل لأجل أنهم ضموا إلى علو منصبهم فضيلة التواضع ويدل ~~على صحة هذا سياق الآية وهو قوله: { أعزة على الكافرين } يعني أنهم أشداء ~~أقوياء في أنفسهم وعلى أعدائهم { يجاهدون في سبيل الله } يعني أنهم ~~ينصرون دين الله { ولا يخافون لومة لائم } يعني لا يخافون عدل عادل فى ~~نصرهم الدين وذلك أن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم فبين ~~الله تعالى في هذه الآية أن من كان قويا في الدين فإنه لا يخاف في نصره ~~لدين الله بيده أو بلسانه لومة لائم وهذه صفة المؤمنين المخلصين إيمانهم ~~لله تعالى ق. # عن عبادة بن الصامت قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع ~~والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره على أن لا ننازع الأمر أهله ~~وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم ثم قال تعالى: { ~~ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } ذلك إشارة إلى ما تقدم ذكره من وصفهم بمحبة ~~الله ولين جانبهم للمؤمنين وشدتهم على الكافرين وأنهم يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم كل ذلك من فضل الله تعالى تفضل بهم عليهم ومن ~~إحسانه إليهم { والله واسع عليم } يعني أنه تعالى واسع الفضل عليم بمن ~~يستحقه. ### || [5.55-56] # قوله تعالى: { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا } قال ابن عباس: ~~نزلت هذه الآية فى عبادة بن الصامت حين تبرأ من موالاة اليهود وقال: ~~أوالي الله ورسوله والمؤمنين يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ms0957 وقال ~~جابر بن عبد الله: نزلت فى عبد الله بن سلام وذلك أنه جاء إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن قومنا قريظة والنضير قد هجرونا ~~وفارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا، فنزلت هذه الآية، فقرأ: عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله بن سلام: رضينا بالله ربا وبرسوله ~~نبيا وبالمؤمنين أولياء. وقيل: الآية عامة في حق جميع المؤمنين لأن ~~المؤمنين بعضهم أولياء بعض فعلى هذا يكون قوله تعالى: { الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } صفة لكل مؤمن ويكون المراد بذكر هذه ~~الصفات تمييز المؤمنين عن المنافقين لأن المنافقين كانوا يدعون أنهم ~~مؤمنون إلا أنهم لم يكونوا يداومون على فعل الصلاة والزكاة فوصف الله ~~تعالى المؤمنين بأنهم يقيمون الصلاة يعني بتمام ركوعها وسجودها فى ~~مواقيتها ويؤتون الزكاة يعني ويؤدون الزكاة يعني ويؤدون زكاة أموالهم إذا ~~وجبت عليهم. أما قوله تعالى وهم راكعون فعلى هذا التفسير فيه وجوه: ~~أحدهما: أن المراد من الركوع هنا الخضوع والمعنى أن المؤمنين يصلون ~~ويزكون وهم منقادون خاضعون لأوامر الله ونواهيه. الوجه الثاني: أن يكون ~~المراد منه أن من شأنهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإنما خص الركوع ~~بالذكر تشريفا له. الوجه الثالث: قيل إن هذه الآية نزلت وهم ركوع. وقيل: ~~نزلت في شخص معين وهو علي بن أبي طالب. قال السدي: مر بعلي سائل وهو راكع ~~في المسجد فأعطاه خاتمه، فعلى هذا قال العلماء: العمل القليل في الصلاة ~~لا يفسدها والقول بالعموم أولى وإن كان قد وافق وقت نزولها صدقة علي بن ~~أبي طالب وهو راكع. ويدل على ذلك ما روي عن عبد الملك بن سليمان قال: ~~سألت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عن هذه الآية { إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا } من هم؟ فقال: المؤمنون، فقلت: إن ناسا يقولون هو علي، ~~فقال: علي من الذين آمنوا. وقوله تعالى: { ومن يتول الله ورسوله والذين ~~آمنوا } يعني ومن يتول القيام بطاعة الله ونصر رسوله والمؤمنين. قال ابن ~~عباس: يريد ms0958 المهاجرين والأنصار ومن يأتي بعدهم { فإن حزب الله } يعني ~~أنصار دين الله { هم الغالبون } لأن الله ناصرهم على عدوهم والحزب في ~~اللغة أصحاب الرجل الذين يكونون معه على رأيه وهم القوم الذين يجتمعون ~~لأمر حزبه يعني أهمه. ### || [5.57-59] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ~~ولعبا } قال ابن عباس: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد ~~أظهرا الإسلام ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. ومعنى: اتخذوا دينكم هزوا ولعبا هو إظهارهم الإسلام ~~بألسنتهم قولا وهم على ذلك يبطنون الكفر ويسرونه { من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم } يعني اليهود { والكفار } يعني عبدة الأصنام وإنما فصل ~~بين أهل الكتاب والكفار وإن كان أهل الكتاب من الكفر لأن كفر المشركين من ~~عبدة الأصنام أغلظ وأفحش من كفر أهل الكتاب { أولياء } يعني لا تتخذوهم ~~أولياء والمعنى أن أهل الكتاب والكفار اتخذوا دينكم يا معشر المؤمنين ~~هزوا وسخرية فلا تتخذوهم أنتم أولياء وأنصارا { واتقوا الله إن كنتم ~~مؤمنين } يعني مؤمنين حقا لأن المؤمن يأبى موالاة أعداء الله عز وجل. ~~قوله تعالى: { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا } قال ~~الكلبي: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى إلى الصلاة ~~وقام المسلمون إليها، قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا وصلوا لا صلوا ~~ويضحكون على طريق الاستهزاء فأنزل الله هذه الآية. وقال السدي: نزلت هذه ~~الآية في رجل من النصارى كان بالمدينة فكان إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله يقول حرق الكاذب فدخل خادمه ~~ذات ليلة بنار وهو وأهله نيام فطارت منها شرارة فاحترق البيت واحترق هو ~~وأهله. وقيل: إن الكفار والمنافقين كانوا إذا سمعوا حسدوا المسلمين على ~~ذلك فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد لقد أبدعت ~~شيئا لم يسمع بمثله فيما مضى من الأمم قبلك فإن كنت تدعي النبوة فقد ~~خالفت الأنبياء قبلك ولو ms0959 كان فيه خير لكان أولى الناس به الأنبياء فمن ~~أين لك صياح كصياح العير فما أقبح هذا الصوت وما أسمج هذا الأمر؟ فأنزل ~~الله عز وجل: # ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله # الآية وأنزل { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا } { ذلك ~~بأنهم قوم لا يعقلون } يعني أن هزؤهم ولعبهم من أفعال السفهاء والجهال ~~الذين لا عقل لهم. قوله تعالى: { قل يا أهل الكتاب } الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم يعني: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى الذين اتخذوا ~~دينك هزوا ولعبا { هل تنقمون منا } وهذا على سبيل التعجب من فعل أهل ~~الكتاب والمعنى هل تجدون علينا في الدين إلا الإيمان بالله وبما أنزل ~~إلينا وبما أنزل على جميع الأنبياء من قبل وهذا ليس مما ينكر أو ينقم منه ~~وهذا كما قال بعضهم: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب # يعني أنه ليس فيهم عيب إلا ذلك وهذا ليس بعيب بل هو مدح عظيم لهم. قال ~~ابن عباس: # " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود فيهم أبو ياسر بن ~~أخطب ورافع بن أبي رافع وعازوراء وزيد وخالد وأزار بن أبي أزار وأشيع ~~فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال: أؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط - إلى قوله - ونحن له ~~مسلمون الآية " # فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله لا نؤمن بمن آمن به، فأنزل ~~الله هذه الآية. وقيل: إنهم قالوا والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في ~~الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم فأنزل الله هذه الآية { قل ~~يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~من قبل } وهذا هو ديننا الحق وطريقنا المستقيم فلم تنقمونه علينا { وأن ~~أكثركم فاسقون } يعني أنما كرهتم إيماننا ونقمتموه علينا مع علمكم بأننا ~~على الحق بسبب فسقكم وإقامتكم على الدين الباطل لحب الرياسة وأخذ الأموال ~~بالباطل وإنما قال أكثركم ms0960 لأن الله يعلم أن من أهل الكتاب من يؤمن بالله ~~وبرسوله. قوله عز وجل. ### || [5.60-63] # { قل هل أنبئكم بشر من ذلك } هذا جواب لليهود لما قالوا ما نعرف دينا ~~شرا من دينكم. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الذين قالوا هذه المقالة هل ~~أخبركم بشر من ذلك الذي ذكرتم ونقمتم علينا من إيماننا بالله وبما أنزل ~~علينا { مثوبة عند الله } يعني جزاء. فإن قلت: المثوبة مختصة بالإحسان ~~لأنها في معنى الثواب، فكيف جاءت في الإساءة؟. قلت: وضعت المثوبة موضع ~~العقوبة على طريقة قوله: تحية بينهم ضرب وجيع. فإن قلت: هذا يقتضي أن ~~الموصوفين بذلك الدين محكوم عليهم بالشر لأنه تعالى قال بشر من ذلك ~~ومعلوم أن الأمر ليس كذلك فما جوابه؟. قلت: جوابه أن الكلام خرج على حسب ~~قولهم واعتقادهم، فإن اليهود حكموا بأن اعتقاد ذلك الدين شر فقال لهم: هب ~~أن الأمر كذلك لكن من لعنه الله وغضب عليه ومسخ صورته شر من ذلك. وقوله ~~تعالى: { من لعنه الله } معناه هل أنبئكم بمن لعنه الله أو هو من لعنه ~~الله ومعنى لعنه الله: أبعده وطرده عن رحمته { وغضب عليه } يعني وانتقم ~~منه لأن الغضب إرادة الانتقام من العصاة { وجعل منهم القردة والخنازير } ~~يعني من اليهود من لعنه الله وغضب عليه ومنهم من جعلهم قردة وخنازير قال ~~ابن عباس: إن الممسوخين كلاهما أصحاب السبت فشبانهم مسخوا قردة ومشايخهم ~~مسخوا خنازير. وقيل إن مسخ القردة كان من أصحاب السبت من اليهود ومسخ ~~الخنازير كان في الذين كفروا بعد نزول المائدة في زمن عيسى عليه السلام ~~ولما نزلت هذه الآية عير المسلمون اليهود وقالوا لهم: يا إخوان القردة ~~والخنازير وافتضحوا بذلك { وعبد الطاغوت } يعني: وجعل منهم عبد الطاغوت، ~~يعني من أطاع الشيطان فيما سول له والطاغوت هو الشيطان. وقيل: هو العجل. ~~وقيل: هو الكهان والأحبار. وجملته أن كل من أطاع أحدا في معصية الله فقد ~~عبده وهو الطاغوت { أولئك } يعني الملعونين والمغضوب عليهم والممسوخين { ~~شر مكانا } يعني من غيرهم ونسب الشر إلى المكان ms0961 والمراد به أهله فهو من ~~باب الكناية وقيل: أراد أن مكانهم سقر ولا مكان أشد شرا منه { وأضل عن ~~سواء السبيل } يعني وأخطأ عن قصد طريق الحق. قوله تعالى: { وإذا جاؤوكم ~~قالوا آمنا } قال قتادة: نزلت في أناس من اليهود دخلوا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبروه أنهم مؤمنون راضون بالذي جاء به وهم متمسكون ~~بضلالتهم وكفرهم فكان هؤلاء يظهرون الإيمان وهم في ذلك منافقون، فأخبر ~~الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بحالهم وشأنهم { وقد دخلوا بالكفر ~~وهم قد خرجوا به } يعني: إنهم دخلوا كافرين وخرجوا كما دخلوا كافرين لم ~~يتعلق بقلوبهم شيء من الإيمان فهم كافرون في حالتي الدخول والخروج { ~~والله أعلم بما كانوا يكتمون } يعني من الكفر الذي في قلوبهم. # قوله عز وجل: { وترى كثيرا منهم } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. ~~وترى يا محمد كثيرا من اليهود وكلمة " من " يحتمل أن تكون للتبعيض. ولعل ~~هذه الأفعال المذكورة في هذه الآية ما كان يفعلها كل اليهود فلذا قال ~~تعالى: وترى كثيرا منهم { يسارعون }. المسارعة في الشيء: المبادرة إليه ~~بسرعة لكن لفظة المسارعة إنما تستعمل في الخير. ومنه قوله تعالى: يسارعون ~~في الخيرات وضدها العجلة، وتقال في الشر في الأغلب وإنما ذكرت لفظة في ~~قوله يسارعون { في الإثم والعدوان وأكلهم السحت } الفائدة وهي أنهم كانوا ~~يقدمون على هذه المنكرات كأنهم محقون فيها. والإثم اسم جامع لجميع ~~المعاصي والمنهيات فيدخل تحته العدوان وأكل السحت، فلهذا ذكر الله ~~العدوان وأكل السحت بعد الإثم والمعاصي وقيل الإثم ما كتموه من التوراة ~~والعدوان وما زادوا فيها والسحت هو الرشا وما يأكلونه من غير وجهه { لبئس ~~ما كانوا يعملون } يعني لبئس العمل كان هؤلاء اليهود يعملون وهو مسارعتهم ~~إلى الإثم والعدوان وأكلهم السحت. قوله تعالى: { لولا } يعني هلا وهي ~~هنا بمعنى التحضيض والتوبيخ { ينهاهم الربانيون والأحبار } قال الحسن ~~الربانيون علماء أهل الإنجيل والأحبار علماء أهل التوراة وقال غيره كلهم ~~من اليهود لأنه متصل بذكرهم { عن قولهم الإثم } يعني الكذب { وأكلهم ~~السحت ms0962 } والمعنى هلا نهى الأحبار والرهبان، اليهود عن قولهم الإثم وأكلهم ~~السحت { لبئس ما كانوا يصنعون } يعني الأحبار والرهبان إذا لم ينهوا ~~غيرهم عن المعاصي. وهذا يدل على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه ~~لأن الله تعالى ذم الفريقين في هذه الآية. قال ابن عباس: ما في القرآن ~~أشد توبيخا من هذه الآية. وقال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي ~~منها. ### || [5.64] # قوله عز وجل: { وقالت اليهود يد الله مغلولة } نزلت هذه الآية في فنحاص ~~اليهودي. قال ابن عباس: إن الله قد بسط على اليهود حتى كانوا أكثر الناس ~~أموالا وأخصبهم ناحية فلما عصوا الله ومحمدا صلى الله عليه وسلم وكذبوا ~~به كف عنهم ما بسط عليهم من السعة. فعند ذلك قال فنحاص: يد الله مغلولة ~~يعني محبوسة مقبوضة عن الرزق والبذل والعطاء. فنسبوا الله تعالى إلى ~~البخل والقبض تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، ولما قال هذه المقالة ~~الخبيثة فنحاص ولم ينهه بقية اليهود ورضوا بقوله، لا جرم لأن الله تعالى ~~أشركهم معه في هذه المقالة فقال تعالى إخبارا عنهم: وقالت اليهود يد ~~الله مغلولة. يعني نعمته مقبوضة عنا. وقيل: معناه يد الله مكفوفة عن ~~عذابنا فليس يعذبنا إلا بقدر ما يبر به قسمه وذلك قدر ما عبد آباؤنا ~~العجل. والقول الأول أصح، لقوله تعالى: ينفق كيف يشاء. واعلم أن غل اليد ~~وبسطها مجاز عن البخل والجود بدليل قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط # [الإسراء: 29] والسبب أن اليد آلة لكل الأعمال لا سيما لدفع المال ~~وإنفاقه وإمساكه فأطلقوا اسم السبب على المسبب وأسندوا الجود والبخل إلى ~~اليد مجازا فقيل للجواد الكريم فياض اليد ومبسوط اليد وقيل للبخيل مقبوض ~~اليد. وقوله تعالى: { غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا } يعني: أمسكت أيديهم ~~عن كل خير وطردوا عن رحمة الله. قال الزجاج: رد الله عليهم فقال: أنا ~~الجواد الكريم وهم البخلاء وأيديهم هي المغلولة الممسوكة. وقيل: هذا دعاء ~~على اليهود علمنا ms0963 الله كيف ندعو عليهم؟ فقال: غلت أيديهم أي في نار جهنم. ~~فعلى هذا هو من الغل حقيقة أي شدت أيديهم إلى أعناقهم وطرحوا في النار ~~جزاء لهم على هذا القول ومعنى لعنوا بما قالوا عذبوا بسبب ما قالوا فمن ~~لعنتهم أنهم مسخوا في الدنيا قردة وخنازير وضربت عليهم الذلة والمسكنة ~~والجزية وفي الآخرة لهم عذاب النار. وقوله تعالى: { بل يداه مبسوطتان } ~~يعني أنه تعالى جواد كريم ينفق كيف يشاء وهذا جواب لليهود ورد عليهم ما ~~افتروه واختلقوه على الله تعالى عن قولهم علوا كبيرا وإنما أجيبوا بهذا ~~الجواب على قدر كلامهم. وأما الكلام في اليد فقد اختلف العلماء في معناها ~~على قولين: أحدهما وهو مذهب جمهور السلف وعلماء أهل السنة وبعض المتكلمين ~~أن يد الله صفة من صفات ذاته كالسمع والبصر والوجه فيجب علينا الإيمان ~~بها والتسليم ونمرها كما جاءت في الكتاب والسنة بلا كيف ولا تشبيه ولا ~~تعطيل قال الله تعالى # لما خلقت بيدي # [ص: 75] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين " # والقول الثاني: قول جمهور المتكلمين وأهل التأويل، فإنهم قالوا اليد ~~تذكر في اللغة على وجوه، أحدها: الجارحة وهي معلومة. وثانيهما: النعمة. ~~يقال: لفلان عندي يد أشكره عليها. وثالثها: القدرة قال الله تعالى: # أولي الأيدي والأبصار # [ص: 45] فسروه بذوي القوى والعقول لا يدلك بهذا الأمر والمعنى سلب كمال ~~القدرة. ورابعها: الملك يقال هذه الضيعة في يد فلان أي في ملكه ومنه قوله ~~تعالى # الذي بيده عقدة النكاح # [البقرة: 237] أي يملك ذلك، أما الجارحة فمنتفية في صفة الله عز وجل لأن ~~العقل دل على أنه يمتنع أن تكون يد الله عبارة عن جسم مخصوص وعضو مركب من ~~الأجزاء والأبعاض تعالى الله عن الجسمية والكيفية والتشبيه علوا كبيرا ~~فامتنع بذلك أن تكون يد الله بمعنى الجارحة وأما سائر المعاني، التي فسرت ~~اليد بها فحاصلة، لأن أكثر العلماء من المتكلمين زعموا أن اليد في حق ~~الله عبارة عن القدرة وعن الملك وعن النعمة وها هنا إشكالان: ms0964 أحدهما: أن ~~اليد إذا فسرت بمعنى القدرة فقدرة الله واحدة ونص القرآن ناطق بإثبات ~~اليدين في قوله تعالى بل يداه مبسوطتان وأجيب عن هذا الإشكال بأن اليهود ~~لما جعلوا قولهم { يد الله مغلولة } كناية عن البخل أجيبوا على وفق ~~كلامهم فقال: بل يداه مبسوطتان. أي ليس الأمر على ما وصفتموه من البخل بل ~~هو جواد كريم على سبيل الكمال فإن من أعطى بيديه فقد أعطى على أكمل ~~الوجوه. الإشكال الثاني: أن اليد إذا فسرت بالنعمة فنص القرآن ناطق ~~بتثنية اليد ونعم الله غير محصورة ولا معدودة ومنه قوله تعالى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها # [النحل: 18] وأجيب عن هذا الإشكال بأن التثنية بحسب الجنس ثم يدخل تحت ~~كل واحد من الجنسين أنواع لا نهاية لها مثل: نعمة الدنيا ونعمة الدين ~~ونعمة الظاهر ونعمة الباطن ونعمة النفع ونعمة الدفع. فالمراد بالتثنية، ~~المبالغة في وصف النعمة. أجاب أصحاب القول عن هذا بأن قالوا: إن الله ~~تعالى أخبر عن آدم أنه خلقه بيديه ولو كان معنى خلقه لآدم بقدرته أو ~~بنعمته أو بملكه لم يكن لخصوصية آدم بذلك وجه مفهوم لأن جميع خلقه ~~مخلوقون بقدرته وجميعهم في ملكه ومتقلبون في نعمه فلما خص الله آدم عليه ~~السلام بقوله تعالى لما خلقت بيدي دون خلقه علم بذلك اختصاصه وتشريفه على ~~غيره. ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن أبي الحسن الأشعري قولا: أن اليد ~~صفة قائمة بذات الله وهي صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل ~~الاصطفاء قال والذي يدل عليه أنه تعالى جعل وقوع خلق آدم بيديه على سبيل ~~الكرامة لآدم واصطفائه له فلو كانت اليد عبارة عن القدرة امتنع كون آدم ~~مصطفى بذلك لأن ذلك حاصل في جميع المخلوقات فلا بد من إثبات صفة أخرى ~~وراء القدرة يقع بها الخلق والتكوين على سبيل الاصطفاء هذا آخر كلامه. # وأجيب عن قولهم: إن التثنية بحسب الجنس ثم يدخل تحت كل واحد من الجنسين ~~أنواع كثيرة بأن الاسم إذا ثني لا يؤدي في كلام العرب ms0965 إلا عن اثنين ~~بأعيانهما دون الجمع ولا يؤدي عن الجنس أيضا قالوا وخطأ في كلام العرب ~~أن يقال ما أكثر الدرهمين في أيدي الناس بمعنى ما أكثر الدراهم في أيديهم ~~لأن الدرهم إذا ثني لا يؤدي في كلام العرب إلا عن اثنين بأعيانهما ولكن ~~الواحد يؤدي عن جنسه، كما تقول العرب: ما أكثر الدرهم في أيدي الناس. ~~بمعنى ما أكثر الدراهم في أيديهم، لأن الواحد يؤدي عن الجمع فثبت بهذا ~~البيان قول من قال: إن اليد صفة لله تعالى تليق بجلاله وإنها ليست ~~بجارحة، كما تقول: المجسمة تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا { ينفق كيف ~~يشاء } يعني أنه تعالى يرزق كما يريد ويختار فيوسع على من يشاء ويقتر ~~على من يشاء لا اعتراض عليه في ملكه ولا فيما يفعله ق عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " قال الله تبارك وتعالى لما أنفق عليك وقال يد الله ملأى لا تغيضها ~~نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم ~~ينقص ما بيده وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يرفع ويخفص " # وهذا الحديث أيضا أحد أحاديث الصفات فيجب الإيمان به وإمراره كما جاء ~~من غير تشبيه ولا تكييف. وقوله تعالى: { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل ~~إليك من ربك طغيانا وكفرا } يعني كلما نزلت عليك آية من القرآن كفروا ~~بها فازدادوا شدة في كفرهم وطغيانا مع طغيانهم والمراد بالكثير علماء ~~اليهود وقيل إقامتهم على كفرهم زيادة منهم فيه { وألقينا بينهم العداوة ~~والبغضاء إلى يوم القيامة } يعني: ألقينا العداوة والبغضاء بين اليهود ~~والنصارى. وقيل: ألقى ذلك بين طوائف اليهود، فجعلهم مختلفين في دينهم ~~متعادين متباغضين إلى يوم القيامة، فإن بعض اليهود جبرية، وبعضهم قدرية، ~~وبعضهم مشبهة وكذلك النصارى فرق كالملكانية، والنسطورية، واليعقوبية، ~~والمارونية. فإن قلت، فهذا المعنى أيضا حاصل بين فرق المسلمين فكيف يكون ~~ذلك عيبا على اليهود والنصارى حتى يذموا به. قلت: هذه البدع التي حصلت ~~في المسلمين إنما حدثت بعد عصر النبي صلى ms0966 الله عليه وسلم وعصر الصحابة ~~والتابعين. أما في الصدر الأول، فلم يكن شيء من ذلك حاصلا بينهم فحسن ~~جعل ذلك عيبا على اليهود والنصارى في ذلك العصر الذي نزل فيه القرآن على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } ~~يعني كلما أفسد اليهود وخالفوا حكم الله يبعث الله عليهم من يهلكهم. # أفسدوا فبعث الله عليهم بختنصر البابلي ثم أفسدوا فبعث الله عليهم طيطوس ~~الرومي ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس وهم الفرس ثم أفسدوا. وقالوا: ~~يد الله مغلولة فبعث الله المسلمين فلا تزال اليهود في ذلة أبدا وقال ~~مجاهد: معنى الآية كلما مكروا في حرب محمد صلى الله عليه وسلم أطفأه الله ~~تعالى وقال السدي: كلما أجمعوا أمرهم على شيء ليفسدوا به أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم فرقه الله تعالى وكلما أوقدوا نارا في حرب محمد صلى ~~الله عليه وسلم أطفأها الله وأخمد نارهم وقذف في قلوبهم الرعب وقهرهم ~~ونصر نبيه ودينه { ويسعون في الأرض فسادا } يعني ويجتهدون في دفع ~~الإسلام ومحو ذكر محمد صلى الله عليه وسلم من كتبهم. وقيل: إنهم يسعون ~~بالمكر والكيد والحيل وليس يقدرون على غير ذلك { والله لا يحب المفسدين } ~~يعني أن الله لا يحب من كانت هذه صفته. قال قتادة: لا نلقى اليهود ببلدة ~~إلا وجدتهم من أذل الناس فيها وهم أبغض خلق الله إليه. ### || [5.65-67] # قوله تعالى: { ولو أن أهل الكتاب آمنوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وصدقوه فيما جاء به { واتقوا } يعني اليهودية والنصرانية { لكفرنا عنهم ~~سيئاتهم } يعني: لمحونا عنهم ذنوبهم التي عملوها قبل الإسلام لأن الإسلام ~~يجب ما قبله { ولأدخلناهم جنات النعيم } يعني مع المسلمين يوم القيامة { ~~ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } يعني أقاموا أحكامهما بحدودهما ~~وعملوا بما فيهما من الوفاء بالعهود والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~لأن نعته وصفته موجودان فيهما. فإن قلت: كيف يأمر أهل الكتاب بإقامة ~~التوراة والإنجيل مع أنهما نسخا وبدلا. قلت: إنما أمرهم الله تعالى ~~بإقامة ما فيهما من ms0967 الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واتباع شريعته وهذا ~~غير منسوخ لأنه موافق لما في القرآن. وقوله تعالى: { وما أنزل إليهم من ~~ربهم } فيه قولان أحدهما أن المراد به كتب أنبيائهم القديمة مثل كتاب ~~شعياء وكتاب أرمياء وزبور داود وفي هذه الكتب أيضا ذكر محمد صلى الله ~~عليه وسلم فيكون المراد بإقامة هذه الكتب الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. والقول الثاني: أن المراد بما أنزل من ربهم هو القرآن لأنهم ~~مأمورون بالإيمان به فكأنه نزل إليهم من ربهم { لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم } يعني أن اليهود لما أصروا على تكذيب محمد وثبتوا على كفرهم ~~ويهوديتهم أصابهم الله بالقحط والشدة حتى بلغوا إلى حيث قالوا # يد الله مغلولة # [المائدة: 64] فأخبر الله أنهم لو تركوا اليهودية والكفر الذي هم عليه ~~لانقلبت تلك الشدة بالخصب والسعة وهو قوله تعالى: { لأكلوا من فوقهم ومن ~~تحت أرجلهم } قال ابن عباس: معناه لأنزلت عليهم المطر وأخرجت لهم النبات ~~والمراد من ذلك توسعة الرزق عليهم { منهم أمة مقتصدة } أي عادلة. ~~والاقتصاد: الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير. أصله من القصد، لأن ~~من عرف مقصودا طلبه من غير اعوجاج عنه. والمراد بالأمة المقتصدة: من آمن ~~من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه والنجاشي وأصحابه الذين ~~أسلموا { وكثير منهم } يعني من أهل الكتاب الذين أقاموا على كفرهم مثل ~~كعب بن الأشرف ورؤساء اليهود { ساء ما يعملون } يعني بئس ما يعملون من ~~إقامتهم على كفرهم قال ابن عباس: عملوا بالقبيح مع التكذيب بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم. قوله عز وجل: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ~~} الآية روي عن الحسن أن الله تعالى لما بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ضاق ذرعا وعرف أن من الناس من يكذبه، فأنزل هذه الآية. وقيل: نزلت ~~في عيب اليهود وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام ~~فقالوا: أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزئون به ويقولون: تريد أن نتخذك حنانا ~~كما اتخذت النصارى ms0968 عيسى حنانا، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~منهم، سكت، فأنزل الله هذه الآية وأمره بأن يقول لهم: # يا أهل الكتاب لستم على شيء # [المائدة: 68] الآية. وقيل: نزلت هذه الآية في أمر الجهاد وذلك أن ~~المنافقين كرهوا فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك في بعض الأحايين عن ~~الحث على الجهاد لما علم من كراهية بعضهم له فأنزل الله هذه الآية. وقيل: ~~نزلت في قصة الرجم والقصاص وما سأل عنه اليهود ومعنى الآية يا أيها ~~الرسول بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك مجاهرا به ولا تراقبن أحدا ولا ~~نترك شيئا مما أنزل إليك من ربك وإن أخفيت شيئا من ذلك في وقت من ~~الأوقات فلما بلغت رسالته وهو قوله تعالى { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~} وقرئ رسالاته قال ابن عباس: يعني إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم ~~تبلغ رسالتي يعني أنه صلى الله عليه وسلم لو ترك إبلاغ البعض كان كمن لم ~~يبلغ شيئا مما أنزل الله إليه وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يكتم شيئا مما أوحي إليه. روى مسروق عن عائشة قالت من حدثك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أنزل إليه فقد كذب؟ ثم قرأت { يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } أخرجاه في الصحيحين بزيادة فيه. وقوله ~~تعالى: { والله يعصمك من الناس } يعني يحفظك يا محمد ويمنعك منهم والمراد ~~بالناس هنا الكفار فإن قلت أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته يوم أحد وقد ~~أوذي بضروب من الأذى فكيف يجمع بين ذلك وبين قوله والله يعصمك من الناس. ~~قلت: المراد منه أنه يعصمه من القتل فلا يقدر عليه أحد أراده بالقتل ويدل ~~على صحة ذلك ما روي # " عن جابر أنه غزى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد فلما قفل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه فأدركتهم القائلة في واد كثير ~~العضاة فنزل رسول الله صلى الله عليه ms0969 وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر ~~فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق بها سيفه ونمنا معه ~~نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال: ~~" إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا. فقال: ~~من يمنعك مني؟ فقلت: الله ثلاثا ولم يعاقبه وجلس ". # وفي رواية أخرى # " قال جابر كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع فإذا أتينا ~~على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من ~~المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بالشجرة فاخترطه فقال ~~تخافني؟. فقال: لا. فقال من يمنعك مني؟ قال: الله فتهدده أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " # أخرجاه في الصحيحين وزاد البخاري في رواية له: أن اسم ذلك الرجل غورث بن ~~الحارث ق. عن عائشة رضي الله عنها قالت: # " سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال: ليت رجلا ~~صالحا من أصحابي يحرسني الليلة قال: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة السلاح ~~فقال من هذا؟ قال سعد بن أبي وقاص: فقال له رسول الله ما جاء بك؟ فقال: ~~وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه فدعا له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام " # وعن عائشة قالت # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس ليلا حتى نزلت { والله يعصمك ~~من الناس } فأخرج رسول الله من القبة فقال لهم أيها الناس انصرفوا فقد ~~عصمني الله " # أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب. وقيل في الجواب عن هذا: إن هذه الآية ~~نزلت بعد ما شج رأسه في يوم أحد لأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا ~~وقوله { إن الله لا يهدي القوم الكافرين } قال ابن عباس: معناه لا يرشد ~~من كذبك وأعرض عنك. وقال ابن جرير الطبري: معناه إن الله لا يوفق للرشد ~~من حاد عن سبيل الحق وجار عن قصد السبيل وجحد ما جئت به من عند ms0970 الله ولم ~~ينته إلى أمر الله وطاعته فيما فرض عليه وأوجبه. قوله تعالى: # قل يا أهل الكتاب لستم على شيء # [المائدة: 68] يعني: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى لستم على شيء من ~~الدين الحق المرتضى عند الله ولستم على شيء مما تدعون أنكم عليه مما ~~جاءكم به موسى عليه السلام يا معشر اليهود ولا مما جاءكم به عيسى يا معشر ~~النصارى فإنكم أحدثتم وغيرتم. قال ابن عباس: # " جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن حارثة وسلام بن مشكم ومالك ~~بن الصيف وراتع بن حرملة. قالوا يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ~~ودينه وتؤمن بما عندنا من التوراة وتشهد أنها حق، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " بلى " ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيه ما أخذ عليكم من ~~الميثاق وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس فأنا برئ من إحداثكم " # قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا فإنا على الحق والهدى ولا نؤمن لك ولا ~~نتبعك فأنزل الله:. ### || [5.68-71] # { قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليكم من ربكم } الآية وقد تقدم معنى إقامة التوراة والإنجيل وإنه يلزمهم ~~العمل بما فيهما وهو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد تقدم تفسير ما ~~أنزل إليكم من ربكم { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا } وقوله تعالى { فلا تأس على القوم الكافرين } يعني فلا تحزن يا ~~محمد على هؤلاء اليهود الذين جحدوا نبوتك ولم يؤمنوا بك فإنما يعود ضرر ~~ذلك الكفر عليهم. قوله عز وجل: { إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ~~والنصارى } لما بين الله عز وجل أن أهل الكتاب ليسوا على شيء ما لم ~~يؤمنوا، بين في هذه الآية أن هذا الحكم عام في كل أهل الملل وأنه لا يحصل ~~لأحد منهم فضيلة ولا منقبة إلا إذا آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ~~يرضاه الله ومن العمل الصالح الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه لا ~~يتم الإيمان إلا به ms0971 وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة. وقوله ~~تعالى: { والصابئون } ظاهر الإعراب يقتضي أن يقال: والصابئين، وكذا قراءة ~~أبي بن كعب وابن مسعود وابن كثير من السبعة. وقرأ الجمهور بالرفع. ~~ومذهب الخليل وسيبويه أنه ارتفع الصابئون بالابتداء على نية التأخير كأنه ~~قيل { إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر ~~وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } والصابئون كذلك فحذف خبره ~~والحكمة في عطف الصابئين على من قبلهم هي أن الصابئين أشد الفرق المذكورة ~~في هذه الآية ضلالا فكأنه قال: كل هؤلاء الفرق إذا آمنوا وأتوا بالعمل ~~الصالح قبل الله توبتهم حتى الصابئون، فإنهم إذا آمنوا كانوا أيضا كذلك، ~~وإنما سموا صابئين، لأنهم صبئوا عن الأديان كلها، بمعنى: خرجوا لأنهم ~~صبئوا إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم ولم يتبعوا ما جاءت به الرسل من ~~عنده الله. فإن قلت: قد قال الله تعالى في أول الآية إن الذين آمنوا ثم ~~قال في آخر الآية فمن آمن فما فائدة هذا التكرار. قلت: فائدته أن ~~المنافقين كانوا يظهرون الإسلام ويزعمون أنهم مؤمنون، ففي هذا التكرار ~~إخراجهم من قبيل المؤمنين فيكون معنى إن الذين آمنوا أي بألسنتهم لا ~~بقلوبهم. ثم قال: من آمن يعني من ثبت على إيمانه ورجع عن نفاقه منهم. ~~وقيل: فيه فائدة أخرى وهي أن الإيمان يدخل تحته أقسام كثيرة وأشرفها ~~الإيمان بالله واليوم الآخر ففائدة التكرار التنبيه على أشرف أقسام ~~الإيمان هذان القسمان وفي قوله { من آمن بالله } حذف تقديره من آمن بالله ~~{ واليوم الآخر } منهم وإنما حسن هذا الحذف لكونه معلوما عند السامعين { ~~وعمل صالحا } يعني وضم إلى إيمانه العمل الصالح وهو الذي يراد به وجه ~~الله تعالى { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } يعني في الآخر. # قوله عز وجل: { لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل } يعني أخذنا العهود عليهم ~~في التوراة بأن يعملوا بما فيها من التوحيد والعمل بما أمرناهم به ~~والانتهاء عما نهيناهم عنه { وأرسلنا إليهم رسلا } يعني لبيان الشرائع ~~والأحكام { كلما جاءهم ms0972 رسول بما لا تهوى أنفسهم } يعني بما يخالف أهواءهم ~~ويضاد شهواتهم من ميثاق التكليف والعمل بالشرائع { فريقا كذبوا } يعني ~~من الرسل الذين جاءتهم { وفريقا يقتلون } يعني من الرسل فكان فيمن كذبوا ~~عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وكان فيمن قتلوا زكريا ويحيى عليهما ~~السلام وإنما فعلوا ذلك نقضا للميثاق وجراءة على الله عز وجل ومخالفة ~~لأمره. قوله تعالى: { وحسبوا } يعني وظن هؤلاء الذين كذبوا الرسل وقتلوا ~~الأنبياء { أن لا تكون فتنة } يعني أن لا يعذبهم الله ولا يبتليهم بذلك ~~الفعل الذي فعلوه وإنما حملهم على هذا الظن الفاسد أنهم كانوا يعتقدون أن ~~كل رسول جاءهم بشرع آخر غير شرعهم يجب عليهم تكذيبه وقتله. فلهذا السبب ~~حسبوا أن لا يكون فعلهم ذلك فتنة يبتلون بها. وقيل: إنما قدموا على ذلك ~~لاعتقادهم أن آباءهم وأسلافهم يدفعون عنهم العذاب في الآخرة { فعموا ~~وصموا } يعني أنهم عموا عن الحق فلم يبصروه وصموا عنه فلم يسمعوه وهذا ~~العمى هو كناية عن عمى البصيرة لا البصر وكذلك الصمم هو كناية عن منع ~~نفوذ الحق إلى قلوبهم وسبب ذلك شدة جهلهم وقوة كفرهم وإعراضهم عن قبول ~~الحق قال بعض المفسرين سبب هذا العمى والصمم عبادتهم العجل في زمن موسى ~~عليه السلام { ثم تاب الله عليهم } يعني أنهم لما تابوا من عبادتهم العجل ~~تاب الله عليهم { ثم عموا وصموا } يعني في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم ~~السلام لأنهم كذبوا عيسى وقتلوا زكريا ويحيى وقيل إن العمى والصمم الأول ~~كان بعد موسى ثم تاب الله عليهم يعني ببعثه عيسى عليه السلام ثم عموا ~~وصموا يعني بسبب الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم { كثير منهم } من اليهود ~~لأن بعضهم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم مثل عبد الله بن سلام وأصحابه { ~~والله بصير بما يعملون } يعني من قتل الأنبياء وتكذيب الرسل. ### || [5.72-75] # قوله عز وجل: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } لما ~~حكى الله عن اليهود ما حكاه من نقضهم الميثاق وقتلهم الأنبياء وتكذيبهم ~~الرسل وغير ms0973 ذلك شرع في الأخبار عن كفر النصارى وما هم عليه من فساد ~~الاعتقاد فقال تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ~~} وهذا قول اليعقوبية والملكانية من النصارى لأنهم لا يقولون إن مريم ~~ولدت إلها ولأنهم يقولون إن الإله جل وعلا حل في ذات عيسى واتحد به فصار ~~إلها تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا { وقال المسيح يا بني إسرائيل ~~اعبدوا الله ربي وربكم } يعني وقد كان المسيح قال هذا لبني إسرائيل عند ~~مبعثه إليهم وهذا تنبيه على ما هو الحجة القاطعة على فساد قول النصارى ~~ذلك لأنه عليه السلام لم يفرق بينه وبين غيره في العبودية والإقرار ~~بالربوبية وإن دلائل الحدوث ظاهرة عليه { أنه يشرك بالله فقد حرم الله ~~عليه الجنة } يعني أنه من يجعل له شريكا من خلقه فقد حرم الله عليه ~~الجنة يعني إذا مات على شركه { ومأواه النار } يعني أنه يصير إلى النار ~~في الآخرة { وما للظالمين } يعني وما للمشركين الذين ظلموا أنفسهم بالشرك ~~{ من أنصار } يعني ما لهم من أنصار ينصرونهم ويمنعونهم من العذاب يوم ~~القيامة. قوله تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } وهذا ~~قول المرقوسية والنساورية من النصارى. ولتفسير قول النصارى طريقان: ~~أحدهما وهو قول أكثر المفسرين إنهم أرادوا بهذه المقالة أن الله ومريم ~~وعيسى آلهة ثلاثة وأن الإلهية مشتركة بينهم وأن كل واحد منهم إله ويبين ~~ذلك قوله تعالى للمسيح: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله # [المائدة: 116] فقوله ثالث ثلاثة فيه إضمار تقديره إن الله أحد ثلاثة ~~آلهة أو واحد من ثلاثة آلهة. قال الواحدي: ولا يكفر من يقول إن الله ثالث ~~ثلاثة ولم يرد به أنه ثالث ثلاثة آلهة لأنه ما من اثنين إلا والله ~~ثالثهما بالعلم ويدل عليه قوله تعالى في سورة المجادلة # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا وهو سادسهم # [المجادلة: 7] وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ms0974 " # والطريق الثاني: أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون: إنه جوهر ~~واحد ثلاثة أقانيم أب وابن وروح القدس وهذه الثلاثة إله واحد كما أن ~~الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة، وعنوا بالأب الذات وبالابن ~~الكلمة وبالروح الحياة وأثبتوا الذات والكلمة والحياة قالوا إن الكلمة ~~التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء باللبن، وزعموا أن الأب ~~إله والابن إله والروح إله والكل إله واحد واعلم ان هذا الكلام معلوم ~~البطلان لبديهة العقل، فإن الثلاة لا تكون واحدا والواحد لا يكون ثلاثة، ~~ولا ترى في الدنيا مقالة أشد فسادا ولا أظهر بطلانا من مقالة النصارى ~~وعلى هذا أخبر الله عنهم في قوله { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة } فهذا معنى مذهبهم وإن لم يصرحوا بأنه واحد من ثلاثة آلهة فذلك ~~لازم لهم وإنما يمتنعون من هذه العبارة لأنهم إذا قالوا: إن كل واحد من ~~الأقانيم إله فقد جعلوه ثالث ثلاثة. # وقولهم بعد هذا: هو إله واحد فيه مناقضة لما قالوا أولا فهذا بيان فساد ~~قول النصارى ثم رد الله عليهم فقال تعالى: { وما من إله إلا إله واحد } ~~يعني أنه ليس في الوجود إله واحد موصوف بالوحدانية لا ثاني له ولا شريك ~~له ولا والد له ولا ولد له ولا صاحبة له إلا الله تعالى: { وإن لم ينتهوا ~~عما يقولون } يعني وإن لم ينته النصارى عن هذه المقالة الخبيثة { ليمسن ~~الذين كفروا منهم عذاب أليم } يعني ليصيبن الذين أقاموا على هذا القول ~~الخبيث وهذا الدين الذي ليس بمرضي عذاب وجيع في الآخرة وإنما قال تعالى ~~منهم لعلمه السابق أن من النصارى من سيؤمن ويخلص ويترك هذا القول ويعلم ~~أنه فاسد ثم ندب سائر النصارى إلى التوبة من هذه المقالة الخبيثة فقال ~~تعالى: { أفلا يتوبون إلى الله } يعني من قولهم بالتثليث { ويستغفرونه } ~~وهذا استفهام بمعنى الأمر أي: توبوا إلى الله واستغفروه من هذا الذنب ~~العظيم فإنه تعالى يغفر الذنوب { والله غفور } يعني لمن استغفره وتاب ~~إليه { رحيم } به وبسائر ms0975 خلقه. قوله عز وجل: { ما المسيح ابن مريم إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل } يعني أن المسيح رسول من الله عز وجل ليس ~~بإله كما أن الرسل الذين كانوا من قبله لم يكونوا آلهة وقد أتى عيسى عليه ~~السلام بالمعجزات الدالة على صدقه كما أن الذين من قبله أتوا بالمعجزات ~~الدالة على صدقهم { وأمه صديقة } يعني أنها كثيرة الصدق وقيل: سميت مريم ~~صديقة، لأنها صدقت بآيات ربها وكتبه. وقوله تعالى: { كانا يأكلان الطعام ~~} في احتجاج على فساد قول النصارى بإلهية المسيح. يعني: أن المسيح وأمه ~~مريم كانا بشرين يأكلان الطعام ويعيشان به كسائر بني آدم، فكيف يكون ~~إلها من يحتاج إلى الطعام ولا يعيش إلا به؟ وقيل: معناه أنه لو كان ~~إلها كما يزعمون لدفع عن نفسه ألم الجوع وألم العطش ولم يوجد ذلك فكيف ~~يكون إلها وقيل هذا كناية عن الحدث وذلك أن كل من أكل وشرب لا بد له من ~~الغائط والبول ومن كانت هذه صفته فكيف يكون إلها؟ وبالجملة فإن فساد قول ~~النصارى أظهر من أن يحتاج إلى إقامة دليل عليه ثم قال تعالى: { انظر } ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي انظر يا محمد { كيف نبين لهم الآيات ~~} يعني الدالة على بطلان قولهم { ثم انظر أنى يؤفكون } أي كيف يصرفون عن ~~استماع الحق وقبوله. ### || [5.76-79] # قوله تعالى: { قل أتعبدون من دون الله } الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أي: قل يا محمد لهؤلاء النصارى أتعبدون من دون الله { ما لا يملك ~~لكم ضرا ولا نفعا } يعني لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم الله به من ~~البلايا والمصائب في الأنفس والأموال ولا يقدر أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم ~~الله به من صحة الأبدان وسعة الأرزاق فإن الضار والنافع هو الله تعالى لا ~~من تعبدون من دونه ومن لم يقدر على النفع والضر لا يكون إلها { والله هو ~~السميع العليم } يعني أنه تعالى سميع لأقوالكم وكفركم عليهم بما في ~~ضمائركم. قوله عز وجل: { قل يا أهل ms0976 الكتاب لا تغلوا في دينكم } الغلو: ~~مجاوزة الحد وذلك أن الحق بين طرفي الإفراط والتفريط فمجاوزة الحد ~~والتقصير مذمومان في الدين { غير الحق } يعني: لا تغلوا في دينكم غلوا ~~باطلا غير الحق وذلك أنهم خالفوا الحق في دينهم ثم غلوا في الإصرار عليه ~~وكلا الفريقين من اليهود والنصارى غلوا في عيسى عليه السلام، أما غلو ~~اليهود فالتقصير في حقه حتى نسبوه إلى غير رشدة، وأما غلو النصارى ~~فمجاوزة الحد في حقه حتى جعلوه إلههم وكلا الغلوين مذموم { ولا تتبعوا ~~أهواء قوم قد ضلوا من قبل } الأهواء جمع هوى وهو ما تدعو شهوة النفس ~~إليه، قال الشعبي: ما ذكر الله تعالى الهوى في القرآن إلا وذمه وقال أبو ~~عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر لأنه لا يقال فلان يهوى الخير ~~إنما يقال فلان يحب الخير ويريده والخطاب في قوله ولا تتبعوا أهواء قوم ~~لليهود والنصارى الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهوا ~~عن اتباع أسلافهم فيما ابتدعوه من الضلالة بأهوائهم وهو المراد بقوله ~~أهواء قوم قد ضلوا من قبل فبين الله تعالى أنهم كانوا على ضلاله { وأضلوا ~~كثيرا } يعني من اتبعهم على ضلالتهم وأهوائهم { وضلوا عن سواء السبيل } ~~يعني وأخطؤوا عن قصد طريق الحق. قوله تعالى: { لعن الذين كفروا من بني ~~إسرائيل على لسان داود } قال أكثر المفسرين: هم أصحاب السبت لما اعتدوا ~~في السبت واصطادوا الحيتان فيه. قال داود عليه السلام: اللهم العنهم ~~واجعلهم قردة فمسخوا قردة وستأتي قصتهم في سورة الأعراف { وعيسى ابن مريم ~~} يعني وعلى لسان عيسى ابن مريم وهم كفار أصحاب المائدة لما أكلوا منها ~~وادخروا ولم يؤمنوا قال عيسى عليه السلام اللهم العنهم واجعلهم خنازير ~~فمسخوا خنازير وستأتي قصتهم. وقال بعض العلماء: إن اليهود كانوا يفتخرون ~~بآبائهم ويقولون نحن من أولاد الأنبياء عليهم السلام، فأخبر الله تعالى ~~بأنهم ملعونون على ألسنة الأنبياء عليهم السلام. # وقيل: إن داود وعيسى بشرا بمحمد صلى الله عليه وسلم ولعنا من يكفر به ~~{ ذلك بما ms0977 عصوا وكانوا يعتدون } يعني ذلك اللعن بسبب عصيانهم واعتدائهم ~~ثم فسر الاعتداء والمعصية فقال تعالى: { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ~~} أي لا ينهى بعضهم بعضا عن منكر. وقيل: معناه لا يتناهون عن معاودة ~~منكر فعلوه ولا عن الإصرار عليه { لبئس ما كانوا يفعلون } اللام في لبئس ~~لام القسم أي أقسم لبئس ما كانوا يفعلون يعني من ارتكاب المعاصي ~~والعدوان. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول ~~يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على ~~حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك، ضرب ~~الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان ~~داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن ~~منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ~~لبئس ما قدمت لهم أنفسهم } إلى قوله فاسقون ثم قال " كلا والله لتأمرن ~~بالمعروف ولتنهون عن المنكر ثم لتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق ~~أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا " # زاد في رواية # " أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم يلعنكم كما لعنهم " # أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي عنه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " " لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم ~~في مجالسهم وآكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان ~~داود وعيسى ابن مريم: { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } " وجلس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكان متكئا فقال " لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم ~~على الحق أطرا " # قال الترمذي: هذا الحديث حسن غريب قوله أكيله وشريبه وقعيده هو المؤاكل ~~والمشارب والمقاعد فعيل بمعنى فاعل وقوله: لتأطرنه، الأطر العطف يعني ~~لتعطفنه ولتردنه إلى الحق الذي خالفه والقصر والقهر على الشيء. ### || [5.80-82] ms0978 # قوله عز وجل: { ترى كثيرا منهم } يعني من اليهود مثل كعب بن الأشرف ~~وأصحابه { يتولون الذين كفروا } يعني: يوالون المشركين من أهل مكة وذلك ~~حين خرجوا إليهم ليجيشوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن ~~عباس: معناه ترى كثيرا من المنافقين يتولون اليهود { لبئس ما قدمت لهم ~~أنفسهم } يعني بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة { أن سخط الله ~~عليهم } يعني بما فعلوا من موالاة الكفار { وفي العذاب هم خالدون } يعني ~~في الآخرة { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي } يعني ولو كان هؤلاء الذين ~~يتولون الكفار يؤمنون بالله ويصدقونه بمحمد صلى الله عليه وسلم وأنه نبي ~~مبعوث إلى كافة الخلق { وما أنزل إليه } يعني ويؤمنون بالقرآن الذي أنزل ~~إليه من ربه { ما اتخذوهم أولياء } يعني ولكن أكثرهم خارجون عن طاعة الله ~~وأمره وإنما قال كثيرا لأنه علم أن منهم من سيؤمن مثل عبد الله ابن سلام ~~وأصحابه. قوله تعالى: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين ~~أشركوا } اللام في قوله لتجدن لام القسم تقديره والله يا محمد إنك لتجدن ~~أشد الناس عداوة للذين آمنوا بك وصدقوك اليهود والذين أشركوا ووصف الله ~~شدة عداوة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق وجعلهم قرناء المشركين عبدة ~~الأصنام في العداوة للمؤمنين وذلك حسدا منهم للمؤمنين { ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } ووصف لين عريكة النصارى وسهولة ~~قبولهم الحق. قال بعضهم: مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر والأذى ~~إلى من خالفهم في الدين بأي طريق كان مثل القتل ونهب المال بأنواع المكر ~~والمكيد والحيل، ومذهب النصارى خلاف اليهود، فإن الإيذاء في مذهبهم حرام، ~~فحصل الفرق بين اليهود والنصارى. وقيل: إن اليهود مخصوصون بالحرص الشديد ~~على الدنيا وطلب الرياسة ومن كان كذلك كان شديد العداوة لغيره. وأما ~~النصارى، فإن فيهم من هو معرض عن الدنيا ولذتها وترك طلب الرياسة ومن كان ~~كذلك فإنه لا يحسد أحدا ولا يعاديه بل يكون لين العريكة في طلب الحق ~~لهذا قال تعالى: { ذلك بأن ms0979 منهم } يعني من النصارى { قسيسين ورهبانا ~~وأنهم لا يستكبرون } ولم يرد به كل النصارى فإن معظم النصارى في عداوة ~~المسلمين كاليهود بل الآية نزلت فيمن آمن من النصارى مثل النجاشي ~~وأصحابه. والقس والقسيس: اسم رئيس النصارى والجمع قسيسون. وقال قطرب: ~~القس والقسيس العالم بلغة الروم. وهذا مما وقع الوفاق بين اللغتين يعني ~~العربية والرومية. وأما الرهبان، فهو جمع راهب. وقيل: الرهبان واحد وجمعه ~~رهابين وهم سكان الصوامع. فإن قلت: كيف مدحهم الله بذلك مع قوله # ورهبانية ابتدعوها # [الحديد: 27] قلت: إنما مدحهم الله في مقابلة ذم اليهود ووصفهم بشدة ~~العداوة للمؤمنين ولا يلزم من هذا القدر أن يكون مدحا على الإطلاق. # وقيل: إنما مدح من آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فوصفهم بالتمسك ~~بدين عيسى إلى أن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنوا به واتبعوه ~~فإن قلت: كفر النصارى أشد وأغلظ من كفر اليهود وأقبح فإن النصارى ينازعون ~~في الإلهيات فيدعون أن لله ولدا واليهود ينازعون في النبوات فيقرون ببعض ~~النبيين وينكرون بعضهم والأول أقبح فلم ذم اليهود ومدح النصارى؟ قلت: ~~إنما هو مدح في مقابلة ذم وليس بمدح على الإطلاق وقد تقدم الفرق بين شدة ~~عداوة اليهود ولين النصارى فلذلك ذم اليهود ومدح النصارى الذين آمنوا ~~منهم. واختلف العلماء في من نزلت هذه الآية فقيل نزلت في النجاشي ملك ~~الحبشة واسمه أصحمة وأصحابه الذين أسلموا معه. ذكر قصة الهجرة الأولى ~~وسبب نزول هذه قال ابن عباس وغيره من المفسرين في قوله { ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى }: إن قريشا ائتمرت أن يفتنوا ~~المؤمنين عن دينهم فوثبت كل قبيلة على من آمن منهم فأذوهم وعذبوهم فافتتن ~~من افتتن منهم وعصم الله من شاء منهم ومنع الله رسوله محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نزل ~~بأصحابه ولم يقدر أن يمنعهم من المشركين ولم يؤمر بعد بالجهاد، # " أمر أصحابه بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: إن بها ms0980 ملكا صالحا لا ~~يظلم ولا يظلم عنده أحد فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا " # فخرج إليها أحد عشر رجلا وأربع نسوة سرا وهم: عثمان بن عفان وزوجته ~~رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام وعبد الله بن ~~مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو حذيفة بن عقبة وامرأته سهلة بنت سهل بن ~~عمرو، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الأسد وزوجته أم سلمة بنت أمية، ~~وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة، وحاطب بن ~~عمرو وسهيل بن بيضاء، فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة بنصف دينار إلى أرض ~~الحبشة وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وهذه الهجرة الأولى. ثم خرج بعدهم جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون فكان ~~جميع من هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء ~~والصبيان، فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمرو بن العاص وجماعة بهدايا إلى ~~النجاشي وبطارقته ليردهم إليهم، فدخل إليه عمرو وقال له: أيها الملك إنه ~~قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها وزعم أنه نبي وأنه قد بعث إليك ~~برهط من أصحابه ليفسدوا عليك قومك فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم وأن ~~قومهم يسألونك أن تردهم إليهم. # فقال: حتى نسألهم فأمر بهم فأحضروا فلما أتوا باب النجاشي قالوا: يستأذن ~~أولياء الله. فقال: ائذنوا لهم فمرحبا بأولياء الله. فلما دخلوا عليه ~~سلموا، فقال الرهط من المشركين: أيها الملك ألا ترى أنا قد صدقناك إنهم ~~لم يحيوك بتحيتك التي تحيا بها؟ فقال لهم الملك: ما منعكم أن تحيوني ~~بتحيتي؟ فقالوا له: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة. فقال لهم ~~النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ فقال جعفر بن أبي طالب: يقول هو ~~عبد الله ورسوله وكلمة الله وروح منه ألقاها إلى مريم العذراء، ويقول في ~~مريم إنها العذراء البتول. قال: فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال: والله ~~ما زال صاحبكم على ما قال عيسى قدر ms0981 هذا العود. فكره المشركون قوله وتغيرت ~~وجوههم. فقال: هل تعرفون شيئا مما أنزل على صاحبكم؟ قالوا: نعم. قال: ~~اقرؤوا، فقرأ جعفر سورة مريم وهنالك قسيسون ورهبان وسائر النصارى فعرفوا ~~ما قرأ فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق فأنزل الله فيهم { ذلك بأن منهم ~~قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون } إلى آخر الآيتين فقال النجاشي لجعفر ~~وأصحابه، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي يعني أنكم آمنون فرجع عمرو وأصحابه ~~خائبين وأقام المسلمون عند النجاشي بخير دار وخير جوار إلى أن هاجر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وعلا أمره وقهر أعداءه وذلك في سنة ~~ست من الهجرة وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يد عمرو ~~بن أمية الضمري أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وكانت قد هاجرت مع زوجها ~~ومات عنها فأرسل النجاشي جارية يقال لها أبرهة إلى أم حبيبة يخبرها أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خطبها فسرت بذلك وأعطت الجارية أوضاحا ~~كانت لها وأذنت لخالد بن سعيد في نكاحها فأنكحا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على صداق مبلغه أربعمائة دينار وكان الخاطب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم النجاشي فأرسل إليها بجميع الصداق على يد جاريته أبرهة فلما ~~جاءتها بالدنانير وهبتها منها خمسين دينارا فلم تأخذها. وقالت: إن الملك ~~أمرني أن لا آخذ منك شيئا. وقالت: أنا صاحبة دهن الملك وثيابه وقد صدقت ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وآمنت به وحاجتي إليك أن تقرئيه مني السلام. ~~قالت: نعم. فقالت قد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من دهن ~~وعود وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عندها فلا ينكره. قالت أم ~~حبيبة: فخرجنا إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحاصر خيبر ~~فخرج من خرج إليه ممن قدم من الحبشة وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فكان يسألني عن النجاشي وقرأت عليه السلام من أبرهة ~~جارية الملك فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0982 عليها السلام وأنزل الله ~~عز وجل: # عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة # [الممتحنه: 7] يعني أبا سفيان وذلك بتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أم حبيبة ولما بلغ أبا سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أم ~~حبيبة قال ذلك الفحل لا يجدع أنفه. وبعث النجاشي بعد خروج جعفر وأصحابه ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم ابنه أزهى في ستين رجلا من أصحابه وكتب ~~إليه يا رسول الله إني أشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك ~~وبايعت ابن عمك جعفرا وأسلمت لله رب العالمين وقد بعثت إليك ابني أزهى ~~وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت والسلام عليك يا رسول الله. فركبوا في سفينة ~~في أثر جعفر حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا ووافى جعفر وأصحابه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو بخير ووافى مع جعفر سبعون رجلا عليهم ثياب ~~الصوف منهم اثنان وستون رجلا من الحبشة وثمانية من الشام فقرأ عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يس إلى آخرها فبكى القوم حين سمعوا القرآن ~~وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه السلام فأنزل ~~الله هذه الآية فيهم وهي قول: { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين ~~قالوا إنا نصارى } يعني: وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر وهم السبعون ~~وكانوا من أصحاب الصوامع. وقيل: نزلت في ثمانين رجلا أربعين من نصارى ~~نجران من بني الحرث بن كعب واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية روميين من ~~أهل الشام. وقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب على شريعة من الحق بما ~~جاء به عيسى عليه السلام فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به ~~وصدقوه فأثنى الله عليهم بقوله: { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين ~~قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون } يعني ~~لا يتعظمون عن الإيمان والإذعان للحق. ### || [5.83-87] # قوله عز وجل: { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } يعني: وإذا سمعوا ~~القرآن الذي أنزل ms0983 إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم { ترى أعينهم تفيض ~~من الدمع } يقال: فاض الإناء إذا امتلأ حتى يخرج منه ما فيه. وصفهم الله ~~تعالى بسيل الدمع عند البكاء ورقة القلب عن سماع القرآن. قال ابن عباس: ~~يريد النجاشي وأصحابه لما قرأ عليهم جعفر بن أبي طالب سورة مريم. قال: ~~فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة { مما عرفوا من الحق } يعني ~~الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو الحق { يقولون } يعني القسيسين ~~والرهبان الذين سمعوا القرآن من جعفر عند النجاشي { ربنا آمنا } يعني ~~بالقرآن وشهدنا أنه حق وصدق { فاكتبنا مع الشاهدين } يعني مع أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون بالحق { وما لنا لا نؤمن بالله وما ~~جاءنا من الحق } قال ابن عباس: لما رجع الوفد من عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لامهم قومهم على ترك دينهم. وقيل: إن اليهود عيروهم وقالوا ~~تركتم دينكم فأجابوا بهذا الجواب. ومعنى الآية: وما لنا لا نؤمن بوحدانية ~~الله وما جاءنا من الحق من عنده على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~ونطمع } يعني: ونرجو بذلك الإيمان { أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } ~~يعني مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: { فأثابهم الله بما ~~قالوا } يعني بالتوحيد الذي قالوه وإنما علق الثواب وهو قوله تعالى: { ~~جنات تجري من تحتها الأنهار } بمجرد القول لأنه قد سبق وصفهم بما يدل على ~~إخلاصهم فيما قالوا وهو المعرفة والبكاء المؤذنان بحقيقة الإخلاص ~~واستكانة القلب، لأن القول إذا اقترن بالمعرفة، فهو الإيمان الحقيقي ~~الموعود عليه بالثواب، وقال ابن عباس: بما قالوا يريد سألوا يعني قولهم ~~فاكتبنا مع الشاهدين { خالدين فيها } يعني في الجنات { وذلك جزاء ~~المحسنين } يعني المؤمنين الموحدين المخلصين في إيمانهم { والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا } لما ذكر الله عز وجل الوعد لمؤمني أهل الكتاب وما أعد ~~لهم من الجنات ذكر الوعيد لمن أقام منهم على كفره وتكذيبه وأطلق القول ~~بذلك ليكون هذا الوعيد لهم ولمن جرى مجراهم في ms0984 الكفر والتكذيب فقال ~~والذين كفروا وكذبوا بآياتنا { أولئك أصحاب الجحيم } قوله عز وجل: { يا ~~أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } قال علماء التفسير: # " إن النبي صلىالله عليه وسلم ذكر الناس يوما ووصف القيامة فرق الناس ~~وبكوا، فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي وهم: أبو ~~بكر، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأبو ذر ~~الغفاري، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، ~~ومعقل بن مقرن، وتشاوروا واتفقوا على أنهم يترهبون ويلبسون المسوح ويجبون ~~مذاكيرهم ويصومون الدهر ويقومون الليل ولا ينامون على الفرش ولا يأكلون ~~اللحم والودك ولا يقربون النساء ولا الطيب ويسيحون في الأرض. فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه، فقال ~~لامرأته: " أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟ " فكرهت أن تكذب وكرهت أن تبدي ~~سر زوجها، فقالت يا رسول الله إن كان قد أخبرك عثمان فقد صدق. فانصرف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاء عثمان أخبرته بذلك فأتى هو ~~وأصحابه العشرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال لهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا " فقالوا بلى يا ~~رسول الله وما أردنا إلا الخير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني ~~لم أؤمر بذلك " ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن لأنفسكم ~~عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر ~~وآكل اللحم والدسم وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني " ثم جمع الناس ~~وخطبهم فقال: " ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب وشهوات الدنيا ~~فإني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا فإنه ليس في ديني ترك اللحم ~~والنساء ولا اتخاذ الصوامع وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، ~~اعبدو الله ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فإنما هلك من كان قبلكم ~~بالتشديد ms0985 شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الديار ~~والصوامع " # فأنزل الله عز وجل هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما ~~أحل الله لكم } يعني الطيبات اللذيذات التي تشتهيها الأنفس وتميل إليها ~~القلوب من المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة فأعلم الله عز وجل بهذه الآية ~~أن شريعة نبيه صلى الله عليه وسلم غير ما عزموا عليه من ترك الطيبات وأنه ~~لا ينبغي أن تجتنب الطيبات المباحات ومعنى: لا تحرموا، لا تعتقدوا تحريم ~~الطيبات المباحات، فإن من اعتقد تحريم شيء أحله الله فقد كفر. أما ترك ~~لذات الدنيا وشهواتها والانقطاع إلى الله والتفرغ لعبادته من غير إضرار ~~بالنفس ولا تفويت حق الغير ففضيلة لا مانع منها بل مأمور بها. وقوله ~~تعالى: { ولا تعتدوا } يعني: ولا تجاوزوا الحلال إلى الحرام. وقيل: معناه ~~ولا تجبوا أنفسكم فسمى جب المذاكير اعتداء وقيل معناه ولا تعتدوا ~~بالإسراف في الطيبات { إن الله لا يحب المعتدين } يعني المجاوزين الحلال ~~إلى الحرام. ### || [5.88] # وقوله تعالى: { وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } يعني: وكلوا أيها ~~المؤمنون من رزق الله الذي رزقكم وأحله لكم من المطاعم والمشارب. قال عبد ~~الله بن المبارك: الحلال ما أخذته من وجهه، والطيب ما غذى وأنمى، فأما ~~الجامد كالطين والتراب وما لا يغذي فمكروه إلا على وجه التداوي. وعن ابن ~~عباس: # " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني إذا ~~أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي فحرمت علي اللحم فأنزل الله: { ~~يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل لكم ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وله عن عائشة قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل " # وله عن أبي هريرة قال: # " أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه ~~فنهش منها قالت عائشة: ما كان الذراع أحب إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms0986 ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبا وكان يعجل إليه الذراع لأنه أعجلها ~~نضجا " # أخرجه الترمذي. وقوله تعالى: { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } هذا ~~تأكيد للوصية بما أمر الله تعالى به وزاد التأكيد بقوله الذي أنتم به ~~مؤمنون لأن الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى أمر الله به وعما نهى ~~عنه، وفي الآية دليل على أن الله عز وجل قد تكفل برزق كل أحد من عباده ~~فإنه تعالى لو لم يتكفل بذلك لما قال وكلوا مما رزقكم الله وإذا تكفل ~~برزق العبد وجب أن لا يبالغ في الطلب والحرص على الدنيا وأن يعول على ما ~~وعده الله وتكفل به فإنه تعالى أكرم من أن يخلف الوعد. ### || [5.89] # قوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال ابن عباس: " لما ~~نزلت يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم - قالوا يا ~~رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها كانوا قد حلفوا على ما ~~اتفقوا عليه فأنزل الله عز وجل هذه الآية لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم " وقد تقدم تفسير اللغو في الأيمان في سورة البقرة وقوله تعالى: ~~{ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } يعني ولكن يؤاخذكم بما تعمدتم وقصدتم ~~به اليمين ومنه قول الفرزدق: # ولست بمأخوذ بلغو تقوله إذا لم تعمد عاقدات العزائم # وفي الآية حذف تقديره ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم فحذفه لأنه ~~معلوم عند السامعين { فكفارته } يعني فكفارة إيمانكم التي عقدتموها إذا ~~حنثتم { إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم } يعني من أقصد ذلك ~~لأن من الناس من يسرف في إطعام أهله ومنهم من يقتر عليهم فأمر الله ~~بالعدل في أداء الكفارة. وقيل: أراد بالأوسط في القيمة فلا يكون غالبا ~~من أعلى الموجود ولا خسيس الثمن من أردأ الموجود بل الوسط في القيمة وقيل ~~أراد بالأوسط الأفضل قال ابن عباس: كل شيء في كتاب الله أوسط فهو أفضل ~~فعلى هذا يكون المعنى من خير ما تطعمون أهليكم وأفضله { أو كسوتم } هو ms0987 ~~معطوف على محل أوسط أي كما تطعمون المساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم ~~فكذلك فاكسوهم من أوسط الكسوة { أو تحرير رقبة } يعني عتق رقبة والمراد ~~جملة الشخص. فصل في حكم الآية وفيه مسائل المسألة الأولى: في بيان ~~الكفارة وهي أربعة أنواع: النوع الأول: من الكفارة الإطعام فيجب إطعام ~~عشرة مساكين واختلفوا في قدر ما يطعم لكل مسكين فذهب قوم إلى أنه يطعم ~~لكل مسكين مد من الطعام بمد النبي صلى الله عليه وسلم وهو رطل وثلث ~~بالبغدادي من غالب قوت البلد وكذلك سائر الكفارات وهذا قول ابن عباس وابن ~~عمر وزيد بن ثابت وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وسليمان بن ~~يسار وعطاء والحسن وإليه ذهب مالك والشافعي ويروى عن عمر وعلي وعائشة أنه ~~يطعم لكل مسكين مدان من بر وهو نصف صاع وبه قال أهل العراق. وقال أبو ~~حنيفة: إن أطعم من الحنطة فنصف صاع وإن أطعم من غيرها فصاع وهو قول ~~الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير ومجاهد. وقال أحمد بن حنبل: يطعم لكل مسكين ~~مد من البر أو نصف صاع من غيرها مثل التمر والشعير: ومن شرط الإطعام ~~تمليك الطعام للمساكين فلو عشاهم وغداهم لم يجزه وقال أبو حنيفة: يجزيه ~~ذلك ولا يجوز إخراج القيمة في الكفارة كالدراهم والدنانير: وقال أبو ~~حنيفة: يجوز ذلك ولا إخراج الدقيق والخبز في الكفارة بل يجب إخراج الحب، ~~وجوزه أبو حنيفة ولا يجوز صرف الكل إلى مسكين واحد في عشرة أيام. # النوع الثاني: من الكفارات الكسوة واختلف العلماء في قدرها فذهب قوم إلى ~~أنه يكسو كل مسكين ثوبا واحدا مما يقع عليه اسم الكسوة إزار أو رداء أو ~~قميص أو عمامة أو سراويل أو كساء ونحو ذلك وهذا قول ابن عباس والحسن ~~ومجاهد وعطاء وطاوس وإليه ذهب الشافعي. وقال مالك: يجب أن يكسو كل مسكين ~~ما تجوز به الصلاة فيكسو الرجل ثوبا والمرأة ثوبين درعا وخمارا. وقال ~~أحمد: للرجال ثوبا وللمرأة ثوبين درعا وخمارا وهو أدنى ما يجزى في ~~الصلاة ms0988 وقال ابن عمر: يجب قميص وإزار ورداء. وقال أبو موسى الأشعري: يجب ~~ثوبان وهو قول سعيد بن المسيب وابن سيرين وقال إبراهيم النخعي: يجب ثوب ~~جامع كالملحفة. النوع الثالث: من الكفارات العتق فيجب إعتاق رقبة مؤمنة ~~وكذلك يجب في جميع الكفارات وأجاز أبو حنيفة والثوري إعتاق الرقبة ~~الكافرة في جميع الكفارات إلا كفارة القتل فإن الله قيد الرقبة بالإيمان ~~في كفارة القتل ومذهب الشافعي أن المطلق يحمل على المقيد ولا يجوز إعتاق ~~المرتد في الكفارات بالإجماع ويشترط أن تكون الرقبة سليمة الرق حتى لو ~~أعتق في الكفارة مكاتبا أو أم ولد أو عبدا اشتراه بشرط العتق أو اشترى ~~قريبه الذي يعتق عليه فكل هؤلاء لا يجزى في إعتاق الكفارة وجوز أصحاب ~~الرأي عتق المكاتب في الكفارة إذا لم يؤد من نجوم الكتابة شيئا وجوزوا ~~عتق القريب في الكفارة ويشترط أن تكون الرقبة سليمة من كل عيب يضر بالعمل ~~فلا يجزى مقطوع اليد أو الرجل ولا الأعمى ولا الزمن ولا المجنون المطبق ~~ويجوز عتق الأعور والأصم ومقطوع الأذنين والأنف لأن هذه العيوب كلها لا ~~تضر بالعمل وعند أبي حنيفة كل عيب يفوت جنسا من المنفعة يمنع الجواز ~~فيجوز عتق مقطوع إحدى اليدين ولا يجوز عتق مقطوع الأذنين في الكفارة. ~~النوع الرابع: من الكفارات الصوم وهو قوله تعالى: { فمن لم يجد } يعني ~~الكفارة { فصيام ثلاثة أيام } يعني فإذا عجز من لزمته كفارة اليمين عن ~~الإطعام أو الكسوة أو العتق وجب عليه صيام ثلاثة أيام وهو قوله تعالى: ~~فصيام ثلاثة أيام، يعني فعليه صيام ثلاثة أيام. قال الشافعي: إذا كان ~~عنده قوته أو قوت عياله يومه وليلته وفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته ~~الكفارة بالإطعام وإن لم يكن عنده هذا القدر جاز له الصيام. وقال أبو ~~حنيفة: يجوز له الصيام إذا لم يكن عنده من المال ما تجب فيه الزكاة فجعل ~~من لا زكاة عليه عادما. وقال الحسن: إذا لم يجد درهمين صام. # وقال سعيد بن جبير: ثلاثة دراهم. واختلفوا في وجوب التتابع ms0989 في الصيام عن ~~كفارة اليمين على قولين: أحدهما: أنه يجب التتابع فيه قياسا على كفارة ~~الظهار والقتل وهو قول ابن عباس ومجاهد وطاوس وعطاء وقتادة وهو مذهب أبي ~~حنيفة وأحمد وأحد قولي الشافعي والقول الثاني: لا يجب التتابع في كفارة ~~اليمين فإن شاء تابع وإن شاء فرق والتتابع أفضل وبه قال الحسن ومالك وهذا ~~القول الثاني للشافعي. المسألة الثانية: كلمة أو للتخيير بين الإطعام ~~والكسوة والعتق فإن شاء أطعم وإن شاء كسا وإن شاء أعتق فبأيها أخذ المكفر ~~فقد أصاب وخرج عن العهدة. المسألة الثالثة: لا يجوز صرف شيء من الكفارات ~~إلا إلى مسلم حر محتاج فلو صرف إلى ذمي أو عبد أو غني لا يجزيه. وجوز أبو ~~حنيفة صرفها إلى أهل الذمة واتفقوا على أن صرف الزكاة إلى أهل الذمة لا ~~يجوز. المسألة الرابعة: اختلفوا في تقديم الكفارة على الحنث فذهب قوم إلى ~~جوازه لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من حلف على يمينه فرأى خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير ~~" # أخرجه الترمذي ق عن عبد الرحمن بن سمرة. قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " يا عبد الرحمن لا تسأل الأمارة فإنها إن أتتك عن مسألة وكلت إليها وإن ~~أتتك من غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها ~~فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك " # وهذا قول عمر وابن عباس وعائشة وعامة الفقهاء وبه قال الحسن وابن سيرين ~~وإليه ذهب مالك والأوزاعي والشافعي. إلا أن الشافعي قال: إن كفر بالصوم ~~قبل الحنث لا يجوز لأنه بدني إنما يجوز الطعام أو الكسوة أو العتق. وقال ~~أبو حنيفة: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث وقوله { ذلك } إشارة إلى ما ~~تقدم ذكره من الإطعام أو الكسوة أو العتق أو الصوم عند العجز { كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم } يعني: وحنثتم، لأن الكفارة لا تجب بمجرد اليمين إنما ~~تجب بالحنث بعد اليمين وفيه إشارة إلى تقديم الكفارة على ms0990 اليمين لا يجوز، ~~بل بعد اليمين وقبل الحنث كما تقدم { واحفظوا أيمانكم } يعني قللوا ~~أيمانكم ففيه النهي عن كثرة الحلف ومنه قول الشاعر: # قليل الألايا حافظ ليمينه # وصفه بأنه لا يحلف وقيل في معنى الآية: واحفظوا أيمانكم عن الحنث إذا ~~حلفتم لئلا تحتاجوا إلى التكفير وهذا إذا لم يحلف على ترك مندوب أو فعل ~~مكروه فإن حلف على ذلك فالأفضل، بل الأولى أن يحنث نفسه ويكفر لما روي عن ~~أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خير منها إلا كفرت ~~عن يميني وأتيت الذي هو خير " # أخرجاه في الصحيحين قوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم آياته } يعني كما ~~بين لكم كفارة إيمانكم إذا حنثتم كذلك يبين لكم جميع ما تحتاجون إليه ~~في أمر دينكم { لعلكم تشكرون } يعني نعمه التي أنعم بها عليكم أن بين ~~لكم آياته ومعالم شريعته. ### || [5.90-91] # { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس } لما ~~أنزل الله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم # [المائدة: 87] وقوله: # وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا # [المائدة: 88] وكانت الخمر والميسر مما يستطاب عندهم بين الله تعالى في ~~هذه الآية أن الخمر والميسر غير داخلين في جملة الطيبات المحللات، بل هما ~~من جملة المحرمات والخمر كل ما خامر العقل وغطاه والميسر القمار وقد تقدم ~~تفسيرهما في سورة البقرة والأنصاب هي الحجارة التي كانوا ينصبونها ~~للعبادة ويذبحون عندها والأزلام هي القداح التي كانوا يستقسمون بها وتقدم ~~تفسير ذلك. والرجس في اللغة الشيء الخبيث المستقذر { من عمل الشيطان } ~~يعني من تزيينه وإغوائه ودعائه إياكم إليها وليس المراد أنها من عمل يديه ~~{ فاجتنبوه } يعني كونوا جانبا منه والضمير في قوله فاجتنبوه عائد إلى ~~الرجس لأنه اسم جامع للكل كأنه قال إن هذه الأربعة الأشياء كلها رجس ~~فاجتنبوه { لعلكم تفلحون } يعني لكم لكي تدركوا الفلاح إذا اجتنبتم هذه ~~المحرمات التي هي رجس قوله تعالى: ms0991 { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر } اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فروى ~~أبو ميسرة أن عمر بن الخطاب قال: اللهم بين لنا في الخمر والميسر ~~بيانا شافيا فنزلت الآية في سورة البقرة: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير # [البقرة: 219] الآية فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في ~~الخمر والميسر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في سورة النساء: # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى # [النساء: 43] فدعي عمر فقرئت عليه ثم قال: اللهم بين لنا في الخمر ~~والميسر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في المائدة { إنما يريد الشيطان ~~أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر } إلى قوله { فهل أنتم ~~منتهون } فدعي عمر فقرئت عليه فقال انتهينا انتهينا أخرجه الترمذي من ~~طريقين: وقال رواية أبي ميسرة هذه أصح وأخرجه أبو داود والنسائي. وروى ~~مصعب بن سعيد عن أبيه قال: صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا فشربنا وذلك ~~قبل أن تحرم زاد حتى انتشينا فتفاخرت الأنصار وقريش فقالت الأنصار نحن ~~أفضل منكم فقال سعد بن أبي وقاص: المهاجرون خير منكم فأخذ رجل من الأنصار ~~لحى جمل فضرب به أنف سعد ففزره فأتى سعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره فنزلت هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } إلى ~~قوله { فهل أنتم منتهون } وقال ابن عباس: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من ~~قبائل الأنصار شربوا حتى ثملوا وعبث بعضهم ببعض فلما صحوا جعل الرجل يرى ~~الأثر بوجهه ولحيته فيقول فعل بي هذا فلان أخي وكانوا أخوة ليس في قلوبهم ~~ضغائن فأنزل الله تعالى تحريم الخمر في هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا ~~إنما الخمر والميسر } إلى قوله { فهل أنتم منتهون } وأما تفسير الآية ~~فقوله تعالى إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر يعني إنما يزين لكم الشيطان شرب الخمر والقمار بالقداح وهو ~~الميسر ويحسن ذلك لكم إرادة أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء بسبب شرب ms0992 ~~الخمر لأنها تزيل عقل شاربها فيتكلم بالفحش وربما أفضى ذلك إلى المقاتلة ~~وذلك سبب إيقاع العداوة والبغضاء بين شاربيها. # وأما الميسر، فقال قتادة: كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله ~~فيقمر فيقعد حزينا سليبا ينظر إلى ماله في يد غيره فيورثه ذلك العداوة ~~والبغضاء فنهى الله عن ذلك وتقدم ما فيه والله أعلم بما يصلح خلقه فظهر ~~بذلك أن الخمر والميسر سببان عظيمان في إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس ~~وهذا فيما يتعلق بأمر الدنيا وفيهما مفاسد تتعلق بأمر الدين وهي قوله ~~تعالى: { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة } لأن شرب الخمر يشغل عن ذكر ~~الله وعن فعل الصلاة وكذلك القمار يشغل صاحبه عن ذكر الله وعن الصلاة. ~~فإن قلت: لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام في الآية الأولى ثم ~~أفرد الخمر والميسر في هذه الآية؟ قلت: لأن الخطاب مع المؤمنين بدليل ~~قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا والمقصود نهيهم عن شرب الخمر واللعب ~~بالقمار وإنما ضم الأنصاب والأزلام إلى الخمر والميسر لتأكيد تحريم الخمر ~~والميسر فلما كان المقصود من الآية النهي عن شرب الخمر والميسر لا جرم ~~أفردهما بالذكر في آخر الآية والله أعلم. قوله تعالى: { فهل أنتم منتهون ~~} لفظة استفهام ومعناه الأمر أي انتهوا وهذا من أبلغ ما ينهى به لأنه ~~تعالى ذم الخمر والميسر واظهر قبحهما للمخاطب كأنه قيل قد تدلى عليكم ما ~~فيهما من أنواع الصوارف والموانع فهل أنتم منتهون مع هذه الأمور أم أنتم ~~على ما كنتم عليه كأنكم لم توعظوا ولم تنزجروا؟ وفي هذه الآية دليل على ~~تحريم شرب الخمر لأن الله تعالى قرن الخمر والميسر بعبادة الأصنام وعدد ~~أنواع الفساد الحاصلة بهما ووعد بالفلاح عند اجتنابهما وقال فهل أنتم ~~منتهون ومعناه الأمر وقد صح من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " كل شراب أسكر فهو حرام " # أخرجاه في الصحيحين وزاد الترمذي وأبو داود: ما أسكر الفرق منه فملء ~~الكف منه حرام. الفرق بالتحريك إناء يسع ستة عشر رطلا، عن ms0993 ابن عمر قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه ~~فإن عاد لن يقبل الله له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن ~~عاد لن يقبل الله له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد ~~الرابعة لم يقبل الله له أربعين صباحا فإن تاب لم يتب الله عليه وسقاه ~~الله من نهر الخبال " # قالوا يا أبا عبد الرحمن وما نهر الخبال؟ قال: صديد أهل النار أخرجه ~~الترمذي. وقال: حديث حسن وأخرجه النسائي وعنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها ~~وحاملها والمحمولة إليه " # أخرجه أبو داود. ### || [5.92-94] # قوله عز وجل: { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } يعني، فيما أمركم به ~~ونهاكم عنه { واحذروا } أي واحذروا مخالفة الله ومخالفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيما أمركم به ونهاكم عنه { فإن توليتم } يعني فإن أعرضتم ~~عما أمركم به ونهاكم عنه { فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } وهذا ~~وعيد وتهديد لمن أعرض عن أمر الله ونهيه كأنه قال فاعلموا أنكم بسبب ~~توليكم وإعراضكم قد استحققتم العذاب والسخط. قوله تعالى: { ليس على الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } الآية عن البراء بن عازب قال: # " مات ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر، فلما ~~نزل تحريم الخمر قال ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: كيف ~~بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ قال: فنزلت: { ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } الآية " # أخرجه الترمذي. وقال حديث: حسن صحيح. عن ابن عباس قال: # " قالوا يا رسول الله صلى الله أرأيت الذين ماتوا وهم يشربون الخمر لما ~~نزل تحريم الخمر فنزلت: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا } الآية " # أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. ومعنى الآية { ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } أي لا حرج ولا إثم ms0994 عليهم فيما شربوا ~~من الخمر وأكلوا من مال القمار في وقت الإباحة قبل التحريم قال ابن قتيبة ~~يقال: لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نوما قال الشاعر: # فإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا # النقاخ الماء والبرد النوم { إذا ما اتقوا } يعني إذا ما اتقوا الشرك ~~وقيل اتقوا ما حرم الله عليهم { وآمنوا } يعني بالله ورسوله { وعملوا ~~الصالحات } أي وازدادوا من عمل الصالحات { ثم اتقوا وآمنوا } يعني اتقوا ~~الخمر والميسر بعد التحريم فعلى هذا تكون الأولى إخبارا عن حال من مات ~~وهو يشربها قبل التحريم أنه لا جناح عليه. والثانية: خطاب لمن بقي بعد ~~التحريم أمروا باتقائها والإيمان بتحريمها { ثم اتقوا } يعني ما حرم ~~عليهم في المستقبل { وأحسنوا } يعني العمل. وقيل: المراد بالاتقاء الأول ~~فعل التقوى وبالثاني المداومة عليها وبالثالث اتقاء الظلم مع ضم الإحسان ~~إليه. وقيل: إن المقصود من التكرير التأكيد والمبالغة في الحث على ~~الإيمان والتقوى وضم الإحسان إليهما ثم قال تعالى: { والله يحب المحسنين ~~} يعني أنه تعالى يحب المتقربين إليه بالإيمان والأعمال الصالحة والتقوى ~~والإحسان وهذا ثناء ومدح لهم على الإيمان والتقوى والإحسان لأن هذه ~~المقامات من أشرف الدرجات وأعلاها م عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت ~~هذه الآية { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } إلى ~~آخر الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لي: أنت منهم ومعناه، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له إن ابن مسعود منهم يعني من الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات والتقوى والإحسان. # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد } نزلت ~~هذه الآية عام الحديبية وكانوا محرمين، فابتلاهم الله بالصيد، فكانت ~~الوحوش تغشى رحالهم من كثرتها فهموا بأخذها وصيدها فأنزل الله هذه ~~الآية: { يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله } الآية اللام في ليبلونكم ~~لام القسم أي ليخبرن طاعتكم من معصيتكم والمعنى يعاملكم معاملة المختبر ~~بشيء من الصيد يعني بصيد البر دون البحر. وقيل: أراد الصيد ms0995 في حالة ~~الإحرام دون الإحلال وإنما قال بشيء من الصيد ليعلم أنه ليس بفتنة من ~~الفتن العظام التي نزل عندها أقدام الثابتين ويكون التكليف فيها صعبا ~~شاقا كالابتلاء ببذل الأموال والأرواح وإنما هو ابتلاء سهل كما ابتلي ~~أصحاب السبت بصيد السمك فيه لكن الله عز وجل بفضله وكرمه عصم أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم فلم يصطادوا شيئا في حالة الابتلاء ولم يعصم أصحاب ~~السبت فمسخوا قردة وخنازير. وقوله تعالى: { تناله أيديكم } يعني الفرخ ~~والبيض وما لا يقدر أن يفر من صغار الصيد { ورماحكم } يعني كبار الصيد ~~مثل حمر الوحش ونحوها. وقال ابن عباس: في قوله تناله أيديكم ورماحكم هو ~~الضعيف من الصيد وصغير يبتلي الله به عباده في إحرامهم حتى لو شاؤوا ~~نالوه بأيديهم فنهاهم الله أن يقربوه { ليعلم الله } أي: ليرى الله فإنه ~~قد علمه فهو مجاز لأنه تعالى عالم لم يزل والمعنى يعاملكم معاملة ~~المختبر. وقيل: معناه ليظهر المعلوم وهو خوف الخائف وقيل هو من باب حذف ~~المضاف والتقدير ليعلم أولياء الله { من يخافه بالغيب } يعني: من يخاف ~~الله ولم يره فلا يصطاد في حالة الإحرام شيئا بعد النهي { فمن اعتدى بعد ~~ذلك } يعني فصاد في حالة الإحرام بعد النهي { فله عذاب أليم } يعني في ~~الدنيا. قال ابن عباس: هو أن يوجع ظهره وبطنه جلدا وتسلب ثيابه وهذا قول ~~أكثر المفسرين في معنى هذه الآية لأنه قد سمى الجلد عذابا وهو قوله ~~وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين. ### || [5.95] # وقوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } جمع ~~حرام. أي: لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بالحج والعمرة وقيل المراد منه ~~دخول الحرم. يقال: أحرم إذا عقد الإحرام، وأحرم: إذا دخل الحرم. وقيل: ~~هما مرادان بالآية فلا يجوز قتل الصيد للمحرم ولا في الحرم نزلت هذه ~~الآية في أبي اليسر شد على حمار وحش فقتله وهو محرم ثم صار هذا الحكم ~~عاما فلا يجوز قتل الصيد ولا التعرض له ما دام محرما ولا في الحرم. ms0996 ~~والمراد بالصيد، كل حيوان متوحش مأكول اللحم وهذا قول الشافعي. وقال أبو ~~حنيفة: هو كل حيوان متوحش سواء كان مأكولا أو لم يكن فيجب عنده الضمان ~~على من قتل سبعا أو نمرا أو نحو ذلك واستثنى الشارع خمس فواسق فأجاز ~~قتلهن ق. عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، ~~والعقرب، والفأرة، والكلب العقور " # وفي رواية: # " خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم والإحرام " # ق. عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، ~~والفأرة، والكلب العقور " # ولمسلم # " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم " # وذكر نحوه. وفي رواية النسائي قال: # " خمس يقتلن المحرم: الحية، والعقرب، والفأرة، والغراب الأبقع، والكلب ~~العقور " # قال ابن عيينة: الكلب العقور كل سبع ضار يعقر. وقاس الشافعي عليها جميع ~~ما لا يؤكل لحمه، قال: لأن الحديث يشتمل على أشياء بعضها سباع ضارية ~~وبعضها هوام قاتلة وبعضها طير لا يدخل في معنى السباع ولا في معنى الهوام ~~وإنما هو حيوان مستخبث اللحم. وتحريم الأكل، يجمع الكل فاعتبره ورتب عليه ~~الحكم. وذهب أصحاب الرأي إلى وجوب الجزاء في كل ما لا يؤكل لحمه إلا ~~الأعيان المذكورة في الحديث وقاسوا عليها الذئب فلم يوجبوا فيه كفارة. ~~قوله تعالى: { ومن قتله منكم متعمدا } قال مجاهد والحسن وابن زيد: هو ~~الذي يتعمد قتل الصيد مع نسيان الإحرام فعليه الجزاء. أما إذا تعمد قتل ~~الصيد ذكرا لإحرامه، فلا جزاء عليه لأنه أعظم من أن يكون له كفارة. وقال ~~ابن عباس والجمهور: يحكم عليه بالجزاء وإن تعمد القتل مع ذكر الإحرام ~~وهذا مذهب عامة الفقهاء، أما إذا قتل الصيد خطأ بأن قصد غيره بالرمي ~~فأصابه، فهو كالعمد في وجوب الجزاء وهذا مذهب جمهور المفسرين والفقهاء ~~قال الزهري: نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في الخطأ يعني ألحقت المخطئ ~~بالمتعمد في وجوب الجزاء وقال سعيد ms0997 بن جبير: لا أرى في الخطأ شيئا وهذا ~~قول شاذ لا يؤخذ به { فجزاء مثل ما قتل من النعم } يعني فعليه جزاء من ~~النعم مثل ما قتل والمثل والشبه واحد واختلفوا في هذه المماثلة أهي ~~بالخلقة أم بالقيمة والذي عليه جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم أن ~~المماثلة في الخلقة معتبرة لأن ظاهر الآية يدل على ذلك وما لا مثل له ~~فالقيمة، وقال أبو حنيفة: المثل الواجب في قتل الصيد هو القيمة لأن الصيد ~~المقتول إذا لم يكن له مثل فإنه يضمن بالقيمة وهذا لا نزاع فيه فكان ~~المراد بالمثل هو القيمة في هذه الصورة فوجب أن يكون في سائر الصور كذلك ~~لأن اللفظ الواحد لا يجوز حمله إلا على معنى واحد وأجيب عنه بأن حقيقة ~~المماثلة أمر معلوم فيجب رعايتها بأقصى الإمكان وإن لم تكن رعايتها إلا ~~بالقيمة وجب الاكتفاء بها للضرورة وحجة الشافعي ومن وافقه في اعتبار ~~المماثلة بالخلقة أن الصحابة حكموا في بلدان شتى وأزمان مختلفة بالمثل من ~~النعم فحكموا في النعامة ببدنة وهي لا تساوي بدنة وحكموا في حمار الوحش ~~ببقرة وهو لا يساوي بقرة وكذا في الضبع بكبش فدل ذلك على أنهم إنما نظروا ~~إلى ما يقرب من الصيد شبها من حيث الخلقة فحكموا به ولم يعتبروا القيمة ~~فيجب في الظبي شاة وفي الأرنب سخل وفي الضب سخلة وفي اليربوع جفرة ويجب ~~في الحمامة وكل ما عب وهدر كالفواخت والقمري وذوات الأطواق شاة وما ~~سواه من الطير ففيه القيمة في المكان الذي أصيب فيه. # وروي عن عثمان وابن عباس أنهما حكما في حمام الحرم. وروي عن عمر أنه قضى ~~في الضبع بكبش وفي الغزال بعنز وفي الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة. ~~وقوله تعالى: { يحكم به ذوا عدل منكم } يعني يحكم بالجزاء في قتل الصيد ~~رجلان صالحان عدلان من أهل ملتكم ودينكم وينبغي أن يكونا فقيهين فينظران ~~إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به. قال ميمون ابن مهران: جاء ~~أعرابي إلى أبي بكر الصديق، فقال: ms0998 إني أصبت من الصيد كذا وكذا فسأل أبو ~~بكر أبي بن كعب، فقال الأعرابي: إني أتيتك أسألك وأنت تسأل غيرك، فقال ~~أبو بكر: وما أنكرت من ذلك؟ قال الله تعالى: يحكم به ذوا عدل منكم فشاورت ~~صاحبي فإذا اتفقنا على شيء أمرناك به وقوله تعالى: { هديا بالغ الكعبة } ~~يعني أن الكفارة هدي يساق إلى الكعبة وسميت الكعبة كعبة لارتفاعها والعرب ~~تسمي كل بيت مرتفع كعبة. وإنما أريد الكعبة، كل الحرم لأن الذبح لا يقع ~~في الكعبة وعندها ملاقيا لها إنما يقع في الحرم وهو المراد بالبلوغ ~~فيذبح الهدي بمكة ويتصدق به على مساكين الحرم هذا مذهب الشافعي وقال أبو ~~حنيفة له أن يتصدق به حيث شاء إذا وصل الهدي إلى الكعبة { أو كفارة طعام ~~مساكين أو عدل ذلك صياما } ذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة إلى أن كلمة - ~~أو- في هذه الآية للتخيير وقال أحمد وزفر من أصحاب أبي حنيفة إنها ~~للترتيب وهما روايتان. # عن ابن عباس قال الشافعي إذا قتل صيدا له مثل فهو مخير بين ثلاثة ~~أشياء: إن شاء ذبح المثل من النعم وتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء قوم ~~المثل دراهم والدراهم طعاما ثم يتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء صام ~~عن كل مد من الطعام يوما. وقال أبو حنيفة: يصوم عن كل نصف صاع يوما. ~~وعن أحمد روايتان كالقولين وأصل هذه المسألة أن الصوم مقدر بطعام اليوم ~~فعند الشافعي مقدر بالمد وعند أبي حنيفة مقدر بنصف صاع وله أن يصوم حيث ~~شاء لأنه لا نفع فيه للمساكين وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخيار في تعيين ~~أحد هذه الثلاثة الأشياء إلى قاتل الصيد الذي وجب عليه الكفارة لأن الله ~~أوجب عليه أحد هذه الثلاثة على التخيير فوجب أن يكون هو المخير بين أيها ~~شاء وقال محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة التخيير إلى الحكمين لأن الله ~~تعالى قال: { يحكم به ذوا عدل منكم } ومن قال: إن كلمة أو للترتيب، قال: ~~إن لم يجد الهدي اشترى طعاما ms0999 وتصدق به فإن كان معسرا صام وقال مالك: إن ~~لم يخرج المثل من النعم يقوم الصيد ثم يجعل القيمة طعاما فيتصدق به أو ~~يصوم. وقال أبو حنيفة: لا يجب المثل من النعم، بل يقوم الصيد فإن شاء صرف ~~تلك القيمة إلى شيء من النعم وإن شاء إلى الطعام فيتصدق به وإن شاء صام ~~عن كل نصف صاع من بر أو صاع من غيره يوما واختلفوا في موضع التقويم فقال ~~جمهور الفقهاء يقوم في المكان الذي قتل فيه الصيد. وقال الشعبي: يقوم ~~بمكة بثمن مكة لأنه يصرف بها. وقوله تعالى: { ليذوق وبال أمره } يعني ~~جزاء ذنبه. والوبال في اللغة، الشيء الثقيل الذي يخاف ضرره. يقال: مرعى ~~وبيل إذا كان فيه وخامة وإنما سمى ذلك الله وبالا لأن إخراج الجزاء ثقيل ~~على النفس لأن فيه تنقيصا للمال وهو ثقيل على النفس وكذا الصوم أيضا ~~ثقيل على النفس لأن فيه إنهاك البدن { عفا الله عما سلف } يعني قبل ~~التحريم { ومن عاد } يعني إلى قتل الصيد مرة ثانية { فينتقم الله منه } ~~يعني في الآخرة والانتقام المبالغة في العقوبة وهذا الوعيد لا يمنع إيجاب ~~الجزاء في المرة الثانية والثالثة فإذا تكرر من المحرم قتل الصيد تكرر ~~عليه الجزاء وهذا قول جمهور العلماء وقد روي عن ابن عباس والنخعي وداود ~~الظاهري أنه إذا قتل الصيد مرة ثانية فلا جزاء عليه لأنه وعد بالانتقام ~~منه. # قال ابن عباس: إذا قتل المحرم صيدا متعمدا سئل هل قتل شيئا من الصيد، ~~فإن قال نعم، لم يحكم عليه. ويقال له: اذهب فينتقم الله منك وإن قال لم ~~أقتل قبله شيئا، حكم عليه، فإن عاد بعد ذلك لم يحكم عليه، ولكن يملأ ~~ظهره وصدره ضربا وكذلك حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيدوج وهو ~~واد بالطائف: { والله عزيز ذو انتقام } يعني ممن عصاه. وإذا أتلف المحرم ~~شيئا من الصيد الذي لا مثل له من النعم مثل البيض وطائر صغير دون الحمام ~~ففيه القيمة فيقوم ثم يشتري بقيمته طعاما ويتصدق ms1000 به على محاويج الحرم ~~أو يصوم عن كل مد يوما. ### || [5.96] # قوله تعالى: { أحل لكم صيد البحر وطعامه } المراد بالصيد ما صيد من ~~البحر والمراد جميع المياه العذبة والمالحة. فأما طعامه. فاختلفوا فيه ~~فقيل: هو ما قذفه البحر ورمى به إلى الساحل يروى ذلك عن أبي بكر وعمر ~~وابن عمر وأبي أيوب وقتادة وقيل: صيد البحر طريه وطعامه مالحه. يروى ذلك ~~عن سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والسدي. ويروى عن ابن عباس ومجاهد ~~كالقولين وجملة حيوان الماء على قسمين: سمك وغير سمك فأما السمك فجميعه ~~حلال على اختلاف أجناسه وأنواعه # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ~~ميتته " # أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير ~~سبب فيحل أكله وقال أبو حنيفة لا يحل إلا أن يموت بسبب وما عدا السمك ~~فقسمان: قسم يعيش في البر والبحر كالضفدع والسرطان فلا يحل أكلهما وقال ~~سفيان أرجو أن يكون بالسرطان بأس واختلفوا في الجراد فقيل هو من صيد ~~البحر فيحل أكله للمحرم وذهب جمهور العلماء إلى أنه من صيد البر وأنه لا ~~يحل للمحرم أكله في حال الإحرام فإن أصاب جرادة فعليه صدقة. قال عمر: في ~~الجرادة تمرة. وعنه وعن ابن عباس قبضة من طعام وكذلك طير الماء فهو من ~~صيد البر أيضا وقال أحمد: يؤكل كل ما في البحر إلا الضفدع والتمساح قال ~~لأن التمساح يفترس ويأكل الناس. وقال ابن أبي ليلى ومالك يباح كل ما في ~~البحر وذهب جماعة إلى أن ماله نظير من البر يؤكل فيؤكل نظيره من حيوان ~~البحر مثل بقر الماء ونحوه ولا يؤكل ما لا يؤكل نظيره في البر مثل كلب ~~الماء وخنزير الماء فلا يحل أكله. قوله تعالى: { متاعا لكم وللسيارة } ~~يعني ينتفع به المقيمون والمسافرون فيتزودون منه. قوله تعالى: { وحرم ~~عليكم صيد البر ما دمتم حرما } ذكر الله عز وجل تحريم الصيد على المحرم ~~في ثلاثة مواضع من هذه السورة أحدها في ms1001 أول السورة وهو قوله: غير محلي ~~الصيد وأنتم حرم. والثاني قوله: # يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم # [المائدة: 95] والثالث: هذه الآية وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما. ~~كل ذلك لتأكيد تحريم قتل الصيد على المحرم واختلف العلماء هل يجوز للمحرم ~~أن يأكل من لحم صيد صاده غيره فذهب قوم إلى أنه لا يحل ذلك بحال يروى ذلك ~~عن ابن عباس وهو قول طاوس وإليه ذهب الثوري واحتجوا على ذلك بما روي عن ~~الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا ~~وهو بالأبواء أبو بودان فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلما ~~رأى ما في وجهه من الكراهة قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم. # أخرجاه في الصحيحين وذهب جمهور العلماء إلى أنه يجوز للمحرم أن يأكل لحم ~~الصيد إذا لم يصده بنفسه ولا صيد له ولا بإشارته ولا أعان عليه. وهذا ~~قول عمر وعثمان وأبي هريرة وبه قال عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وهو مذهب ~~مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي ويدل عليه ما روي # " عن أبي قتادة الأنصاري، قال: كنت جالسا مع رجال من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم في منزل في طريق مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمامنا والقوم محرمون وأنا غير محرم عام الحديبية، فأبصروا حمارا وحشيا ~~وأنا مشغول أخصف نعلا فلم يؤذنوا بي وأحبوا لو أني أبصرته فالتفت، ~~فأبصرته، فقمت إلى الفرس فأسرجته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح فقلت لهم ~~ناولوني السوط والرمح. قالوا: لا والله لا نعينك عليه، فغضبت ونزلت ~~فأخذتهما ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته ثم جئت به وقد مات، فوقعوا فيه ~~يأكلون. ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم فرحنا وخبأت العضد فأدركنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال: " هل معكم منه شيء؟ " ~~فقلت نعم. فناولته العضد فأكل منها وهو محرم. " # وزاد في رواية: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: إنما ms1002 هي طعمة أطعمكموها الله " # وفي رواية: # " هو حلال فكلوه " # وفي رواية قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها قالوا: لا؟ قال: كلوا ~~ما بقي من لحمها " # أخرجاه في الصحيحين وأجاب أصحاب هذا المذهب عن حديث الصعب بن جثامة بأنه ~~إنما رده النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ظن أنه إنما صيد لأجله والمحرم ~~لا يأكل ما صيد لأجله { واتقوا الله } يعني فلا تستحلوا الصيد في حال ~~الإحرام ولا في الحرم ثم حذرهم بقوله { الذي إليه تحشرون } يعني في ~~الآخرة فيجازيكم بأعمالكم. ### || [5.97-98] # قوله عز وجل: { جعل الله الكعبة البيت الحرام } جعل بمعنى صبر. وقيل: ~~معناه بين وحكم. وقال مجاهد: سمي البيت كعبة لتربيعه. وقيل: لارتفاعه ~~عن الأرض. وسمي البيت الحرام لأن الله حرمه وعظمه وشرفه وعظم حرمته وحرم ~~أن يصطاد عنده وأن يختلى خلاه وأن يعضد شجره وأراد بالبيت الحرام، جميع ~~الحرم لما صح من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح ~~مكة فقال # " إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة ~~الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من ~~عرفها ولا يختلى خلاه " # وقوله تعالى: { قياما للناس } أصله قواما لأنه سبب لقوام مصالح الناس ~~في أمر دينهم ودنياهم وآخرتهم. أما في أمر الدين فإنه به يقوم الحج وتتم ~~المناسك، وأما في أمر الدنيا فإنه تجبى إليه ثمرات كل شيء ويأمنون فيه من ~~النهب والغارة فلو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم لم يهجه، وأما ~~في أمر الآخرة فإن البيت جعل لقيام المناسك عنده وجعلت تلك المناسك التي ~~تقام عنده أسبابا لعلو الدرجات وتكفير الخطيئات وزيادة الكرامات ~~والمثوبات فلما كانت الكعبة الشريفة سببا لحصول هذه الأشياء كانت سببا ~~لقيام الناس { والشهر الحرام } يعني وجعل الشهر الحرام قياما للناس ~~وأراد بالشهر الحرام الأشهر الحرم الأربعة وهي: ذو القعدة وذو الحجة ~~والمحرم ms1003 ورجب الفرد يعني وكذلك جعل الأشهر الحرم يأمنون فيها من القتال ~~وذلك أن العرب كان يقتل بعضهم بعضا ويغير بعضهم على بعض وكانوا إذا دخلت ~~الأشهر الحرم أمسكوا عن القتال والغارة فيها فكانوا يأمنون في الأشهر ~~الحرم فكانت سببا لقيام مصالح الناس. { والهدي والقلائد } يعني وكذلك ~~جعل الهدي والقلائد سببا لقيام مصالح الناس وذلك أنهم كانوا يأمنون بسوق ~~الهدي إلى البيت الحرام على أنفسهم وكذلك كانوا يأمنون إذا قلدوا أنفسهم ~~من لحاء شجر الحرم فلا يتعرض لهم أحد { ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في ~~السموات وما في الأرض } يعني: أنه تعالى علم في الأزل بمصالح العباد وما ~~يحتاجون إليه فجعل الكعبة البيت الحرام والشهر الحرام والهدي والقلائد ~~يأمنون بها لأنه يعلم مصالح العباد كما يعلم ما في السموات وما في الأرض ~~لأنه تعالى علم جميع المعلومات الكليات والجزئيات وهو قوله تعالى: { وأن ~~الله بكل شيء عليم } يعني أنه تعالى لا تخفى عليه خافية { واعلموا أن ~~الله شديد العقاب } يعني لمن انتهك محارمه واستحلها { وأن الله غفور رحيم ~~} يعني لمن تاب وآمن ولما ذكر الله أنواع رحمته بعباده ذكر بعدها أنه ~~شديد العقاب لأن الإيمان لا يتم إلا بحصول الرجاء والخوف ثم ذكر بعده ما ~~يدل على سعة رحمته وأنه غفور رحيم. ### || [5.99-101] # قوله تعالى: { ما على الرسول إلا البلاغ } يعني ليس على رسولنا الذي ~~أرسلناه إليكم إلا تبليغ ما أرسل به من الإنذار بما فيه قطع الحجج، ففي ~~الآية تشديد عظيم في إيجاب القيامة بما أمر الله وأن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ وقامت الحجة عليكم بذلك ~~ولزمتكم الطاعة فلا عذر في التفريط { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } ~~يعني أنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أحوالكم ظاهرا وباطنا { قل لا ~~يستوى الخبيث والطيب } يعني الحلال والحرام في الدرجة والرتبة ولا يعتد ~~الردئ والجيد ولا المسلم والكافر ولا الصالح والطالح { ولو أعجبك كثرة ~~الخبيث } يعني ولو سرك كثرة الخبيث لأن عاقبته ms1004 عاقبة سوء. والمعنى: أن ~~أهل الدنيا يعجبهم كثرة المال وزينة الدنيا وما عند الله خير وأبقى لان ~~زينة الدنيا ونعيمها يزول وما عند الله يدوم. وقال ابن الجوزي: روى جابر ~~بن عبد الله أن رجلا قال: يا رسول الله إن الخمر كانت تجارتي فهل ينفعني ~~ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب " # وقال مقاتل: نزلت في شريح بن ضبعة البكري وحجاج بن بكر وقد تقدمت القصة ~~في أول السورة { فاتقوا الله } يعني فيما أمركم به أو نهاكم عنه ولا ~~تعتدوه { يا أولي الألباب } يعني يا ذوي العقول السليمة { لعلكم تفلحون } ~~قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ~~} اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فروي عن أنس بن مالك قال خطب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعنا مثلها قط فقال # " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " # قال فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم حنين فقال رجل: ~~من أبي؟ فقال فلان فنزلت هذه الآية { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم } وفي رواية أخرى # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر فقام ~~على المنبر فذكر الساعة فذكر فيها أمورا عظاما ثم قال: من أحب أن ~~يسألني عن شيء فليسأل، فلا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في ~~مقامي فأكثر الناس البكاء وأكثر أن يقول سلوا فقام عبد الله بن حذافة ~~السهمي فقال: من أبي؟ فقال: أبوك حذافة. ثم أكثر أن يقول سلوني فبرك عمر ~~على ركبتيه فقال: " رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا " ~~فسكت ثم قال: عرضت علي الجنة والنار أنفا في عرض هذا الحائط فلم أر ~~كاليوم في الخير والشر. قال ابن شهاب: فأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن ~~عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن ms1005 حذافة ما سمعت بابن قط ~~أعق منك أمنت أن تكون أمك قارفت بعض ما تقارف أهل الجاهلية فتفضحها عن ~~أعين الناس؟ فقال عبد الله بن حذافة: لو ألحقني بعبد أسود للحقته " # زاد في رواية أخرى قال قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية { لا تسألوا ~~عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } أخرجاه في الصحيحين خ. عن ابن عباس قال: # " كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل: من ~~أبي؟ ويقول الرجل: تضل ناقته أين ناقتي؟ فأنزل الله هذه الآية { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } الآية " # كلها وقيل نزلت هذه الآية في شأن الحج عن علي بن أبي طالب قال # " لما نزلت { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } قالوا: ~~يا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل عام؟ فسكت فقالوا يا رسول الله ~~صلى الله في كل عام؟ قال: " لا ولو قلت نعم لوجبت " فأنزل الله عز وجل { ~~يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب م. عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله ~~فقال: # " " يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا ". فقال رجل: أفي كل عام؟ ~~فسكت حتى قالها ثلاثا ثم قال: " ذروني ما تركتكم ولو قلت نعم لوجبت ولما ~~استطعتم وإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم إذا ~~أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " # وروى مجاهد عن ابن عباس: لا تسألوا عن أشياء قال هي البحيرة والوصيلة ~~والسائبة والحام ألا ترى أنه يقول بعد ذلك ما جعل الله من بحيرة ولا كذا ~~ولا كذا وقال عكرمة: إنهم كانوا يسألون عن الآيات فنهوا عن ذلك ثم قال قد ~~سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ومعنى الآية { يا أيها الذين ~~آمنوا لا تسألوا عن أشياء } جمع شيء { إن تبد لكم } أي تظهر لكم وتبن لكم ~~{ تسؤكم ms1006 } يعني إن أمرتم بالعمل بها فإن من سأل عن الحج لم يأمن أن يؤمر ~~به فلا يقدر عليه فيسوءه ذلك ومن سأل عن نسبه لم يأمن أن يلحقه النبي صلى ~~الله عليه وسلم بغير أبيه فيفتضح ويسوءه ذلك { وإن تسألوا عنها حين ينزل ~~القرآن تبد لكم } معناه: إن صبرتم حتى ينزل القرآن بحكم من فرض أو نهي أو ~~حكم وليس في ظاهره شرح ما تحتاجون إليه ومست حاجتكم إليه فإذا سألتم عنه ~~فحينئذ يبدى لكم، ومثال هذا: أن الله عز وجل لما بين عدة المطلقة ~~والمتوفى عنها زوجها والحامل ولم يكن في عدد هؤلاء دليل على عدة التي ~~ليست ذات قرء ولا حامل فسألوا عنها فأنزل الله عز وجل جوابهم في قوله # واللائي يئسن من المحيض من نسائكم # [الطلاق: 4] الآية { عفا الله عنها } يعني عن مسألتكم عن الأشياء التي ~~سألتم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كره الله لكم السؤال عنها ~~فلم يؤاخذكم بها ولم يعاقبكم عليها { والله غفور } يعني لمن تاب منكم { ~~حليم } فلا يعجل بعقوبتكم. وقال عطاء: غفور يعني لما كان في الجاهلية. ~~حليم: يعني عن عقابكم منذ آمنتم وصدقتم. وقال بعض العلماء: الأشياء التي ~~يجوز السؤال عنها، هي ما يترتب عليها أمر الدين والدنيا من مصالح العباد ~~وما عدا ذلك فلا يجوز السؤال عنه ق. عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على الناس ~~فحرم من أجل مسألته " # ق. عن المغيرة بن شعبة أنه كتب إلى معاوية # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قيل وقال وإضاعة المال وكثرة ~~السؤال " # عن معاوية # " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات " # أخرجه أبو داود. والأغلوطات صعاب المسائل التي تزل فيها أقدام العلماء ~~ويؤيد ذلك قول أبي هريرة: شرار الناس الذين يسألون عن شرار المسائل كي ~~يغلطوا بها العلماء. عن سلمان قال سئل رسول الله صلى ms1007 الله عليه وسلم عن ~~أشياء فقال # " الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه وما سكت ~~عنه فهو مما قد عفا عنه فلا تتكلفوا " # وعن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم ~~أشياء فلا تقربوها وترك أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها " # هذان الحديثان أخرجهما في جامع الأصول ولم يعزهما إلى الكتب الستة. ### || [5.102-103] # { قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين } قال المفسرون: يعني قوم ~~صالح سألوا الناقة ثم عقروها فأصبحوا بها كافرين، وقوم موسى قالوا: أرنا ~~الله جهرة، فكان هذا السؤال وبالا عليهم، وقوم عيسى، سألوا نزول المائدة ~~عليهم ثم كذبوها. كأنه تعالى يقول: إن أولئك سألوا فلما أعطوا سؤلهم ~~كفروا به فلا تسألوا أنتم شيئا فلعلكم إن أعطيتم سؤلكم ساءكم ذلك. قوله ~~تعالى: { ما جعل الله } أي ما أنزل الله ولا حكم به ولا شرعه ولا أمر به ~~{ من بحيرة } البحيرة: من البحر وهو الشق. يقال: بحر ناقته إذا شق أذنها ~~فهي فعيلة بمعنى مفعولة { ولا سائبة } يعني المسيبة المخلاة { ولا وصيلة ~~} الوصيلة: الشاة وكانت العرب في الجاهلية إذا ولدت لهم ذكرا أو أنثى ~~قالوا وصلت أخاها { ولا حام } الحام: هو الفحل من الإبل يحمى ظهره فلا ~~يركب ولا ينتفع به. قال ابن عباس: في بيان هذه الأوصاف، البحيرة: هي ~~الناقة إذا ولدت خمسة أبطن لم يركبوها ولم يجزوا وبرها ولم يمنعوها ~~الماء والكلأ ثم نظروا إلى خامس ولدها فإن كان ذكرا نحروه وأكله الرجال ~~والنساء وإن كانت أنثى شقوا أذنها وتركوها وحرموا على الناس منافعها. ~~وكانت منافعها للرجال خاصة فإذا ماتت حلت الرجال والنساء. وقيل كانت ~~الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة سنة إناثا سيبت فلم يركب ظهرها ولم يجز ~~وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم سيب ~~مع أمها ويفعل بها ما يفعل بأمها. وقيل: السائبة ms1008 البعير الذي يسيب ~~لآلهتهم وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية كان إذا مرض أو غاب له قريب نذر، ~~فقال: إن شفاني الله أو شفى الله مريضي أو قدم غائبي فناقتي هذه سائبة ~~ثم يسيبها، فلا تحبس عن ماء ولا مرعى ولا يركبها أحد، فهي بمنزلة البحيرة ~~والوصيلة من الغنم. كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن نظروا فإن كان السابع ~~ذكر ذبحوه وأكل منه الرجال والنساء وإن كانت أنثى تركوها في الغنم وإن ~~كانت ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها واستحيوا الذكر فلم يذبحوه من ~~أجل الأنثى والحامي هو الفحل إذا ركب ولد ولده. وقيل: هو الفحل إذا نتج ~~من صلبه عشرة أبطن. قالوا: حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ~~ماء ولا مرعى فإذا مات أكله الرجال والنساء ق عن سعيد بن المسيب قال: ~~البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس والسائبة كانوا ~~يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار " # ولمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أخا بني كعب وهو يجر قصبه في النار ~~" # خ عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " رأيت جهنم تحطم بعضها بعضا ورأيت عمرا يجر قصبه وهو أول من سيب ~~السوائب " # القصب بضم القاف وسكون الصاد المهملة الأمعاء كانت الجاهلية تفعل هذا ~~في جاهليتهم فلما بعث الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أبطل ذلك ~~بقوله # " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام يعني ما بحر الله ~~من بحيرة ولا سيب من سائبة ولا وصل من وصيلة ولا حمى من حام ولا أذن فيه ~~ولا أمر به ولكنكم أنتم فعلتم ذلك من عند أنفسكم " # خ عن ابن مسعود أن أهل الإسلام لا يسيبون وأن أهل الجاهلية كانوا ~~يسيبون. وقوله ms1009 تعالى: { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } يعني ~~بقولهم إن الله أمرنا بهم { وأكثرهم لا يعقلون } أراد بالأكثر الاتباع ~~يعني أن الاتباع لا تعقل أن هذا كذب وافتراء من الرؤساء على الله عز وجل. ### || [5.104] # { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول } يعني: وإذا قيل ~~لهؤلاء الذين بحروا البحائر وفعلوا هذه الأشياء أضافوها إلى الله كذبا ~~تعالوا إلى ما أنزل الله يعني في كتابه وإلى الرسول يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم الذي أنزل عليه كتابه ليبين لكم كذب ما تضيفونه إلى الله ويبين ~~لكم الشرائع والأحكام وإن الذي تفعلونه ليس بشيء { قالوا حسبنا ما وجدنا ~~عليه آباءنا } يعني قد اكتفينا بما أخذنا عنهم من الدين ونحن لهم تبع قال ~~الله ردا عليهم { أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون } يعني ~~إنما يصح الاقتداء بالعالم المهتدي الذي يبني قوله على الحجة والبرهان ~~والدليل وأن آباءهم ما كانوا كذلك فيصح اقتداؤهم بهم. ### || [5.105] # { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } قال ~~بعض العلماء: هذا أمر من الله تعالى ومعناه احفظوا أنفسكم من ملابسة ~~الذنوب والإصرار على المعاصي لأنك إذا قلت عليك زيدا معناه الزم زيدا ~~وقيل معناه عليكم أنفسكم فأصلحوا واعملوا في خلاصها من عذاب الله عز وجل. ~~وانظروا لها ما يقربها من الله عز وجل. لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، يعني ~~لا يضركم كفر من كفر إذا كنتم مهتدين وأطعتم الله عز وجل فيما أمركم به ~~ونهاكم عنه. قال سعيد بن جبير ومجاهد: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب ~~اليهود والنصارى يعني عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل من أهل الكتاب فخذوا ~~منهم الجزية واتركوهم. وقيل: لما قبلت الجزية من أهل الكتاب قال بعض ~~الكفار: كيف تقبل الجزية من بعض دون بعض؟ فنزلت هذه الآية. وقيل: إن ~~المؤمنين كان يشتد عليهم بقاء الكفار على كفرهم فقيل لهم: عليكم أنفسكم ~~واجتهدوا في صلاحهم لا يضركم ضلال الضالين ولا جهل ms1010 الجاهلين إذا كنتم ~~مهتدين. فإن قلت هل يدل ظاهر هذه الآية على جواز ترك الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر. قلت: لا يدل على ذلك والذي عليه أكثر الناس أن المطيع ~~لربه عز وجل لا يكون مؤاخذا بذنوب أصحاب المعاصي فأما وجوب الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر فثابت بدليل الكتاب والسنة. عن قيس بن أبي ~~حازم عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: أيها الناس إنكم ~~تقرؤون هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لايضركم من ضل ~~إذا اهتديتم } ولا تضعونها موضعها ولا تدرون ما هي وإني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الناس إذا رأوا ظالما فلم يأخذوا على يديه أو شك أن يعمهم الله ~~بعقاب منه " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وأخرجه أبو داود زاد فيه: # " ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ولا يغيروا ~~إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب " # وقال قوم في معنى الآية عليكم أنفسكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن ~~المنكر فلم يقبل منكم قال ابن مسعود مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما ~~قبل منكم فإن رد عليكم فعليكم أنفسكم، ثم قال: إن القرآن نزل منه أي قد ~~مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ومنه أي وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومنه أي وقع تأويلهن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بيسير ومنه أي يقع تأويلهن في آخر الزمان ومنه أي يقع تأويلهن يوم ~~القيامة وهو ما ذكر من الحساب والجنة والنار فما دامت قلوبكم وأهواؤكم ~~واحدة لم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فامروا بالمعروف وانهوا عن ~~المنكر فإذا اختلفت قلوبكم وأهواؤكم وألبستم شيعا وأذيق بعضكم بأس بعض ~~فأمرؤ ونفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. # وقيل لابن عمر لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه فإن الله يقول { ~~عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا هتديتم } فقال ابن عمر: إنها ليست لي ~~ولا لأصحابي ms1011 لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ألا ليبلغ الشاهد الغائب " # فكنا نحن الشهود وأنت الغائب ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن ~~قالوا لم يقبل منهم. وعن أبي أمية الشعباني قال أتيت أبا ثعلبة الخشني ~~فقلت له: كيف نصنع بهذه الآية قال: أية آية قلت { يا أيها الذين آمنوا ~~عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } قال: أما والله لقد سألت عنها ~~خبيرا سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال # " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى ~~متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام ~~فإن من ورائكم أيام الصبر فمن صبر فيهن قبض على الجمر للعامل فيهن مثل ~~أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم " # وفي رواية: # " قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا أو منهم، قال: لا بل أجر خمسين ~~منكم " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. وقيل في معنى الآية: إن العبد إذا ~~عمل بطاعة الله واجتنب نواهيه لا يضره من ضل. وقال ابن عباس: قوله { ~~عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } يقول إذا ما العبد أطاعني ~~فيما أمرته من الحلال والحرام فلا يضره من ضل بعده إذا عمل بما أمرته به ~~وعن صفوان بن محرز قال: دخل علي شاب من أصحاب الأهواء فذكر شيئا من ~~أمره فقلت له: ألا أدلك على خاصة الله التي خص بها أوليائه { يا أيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } وقال الحسن: لم ~~يكن مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله. ~~وقيل في معنى الآية: لا يضركم من كفر بالله وحاد عن قصد السبيل من أهل ~~الكتاب إذا اهتديتم أنتم. قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في أهل ~~الكتاب. وقال ابن زيد: كان الرجل إذا أسلم قالوا له سفهت آباءك وضللتهم ~~وفعلت وفعلت وكان ينبغي لك أن تنصرهم وتفعل وتفعل فقال الله عز ms1012 وجل: { يا ~~أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } قال الطبري: ~~وأولى هذه الأقوال وأصح التأويلات عندنا في هذه الآية ما روي عن أبي بكر ~~الصديق وهو العمل بطاعة الله وأداء ما لزم من الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر والأخذ على يد الظالم لأن الله تعالى يقول: # وتعاونوا على البر والتقوى # [المائدة: 2] ومن التعاون على البر والتقوى الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر والأخذ على يد الظالم حتى يرجع عن ظلمه. وقال عبد الله بن ~~المبارك: هذه الآية أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~لأن الله تعالى قال: عليكم أنفسكم يعني أهل دينكم بأن يعظ بعضكم بعضا ~~ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والمكروهات والذي يؤكد ذلك أن معنى ~~قوله: عليكم أنفسكم أي احفظوا أنفسكم وهذا أمر بأن نحفظ أنفسنا ولا يتم ~~ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والله أعلم. وقوله تعالى: { ~~إلى الله مرجعكم جميعا } يعني في الآخرة الطائع والعاصي والضال والمهتدي ~~{ فينبئكم بما كنتم تعملون } يعني فيخبركم بأعمالكم ويجزيكم عليها. ### || [5.106] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } سبب نزول هذه الآية ما ~~روي أن تميم بن أوس الداري، وعدي بن بداء، خرجا من المدينة في تجارة إلى ~~الشام وهما نصرانيان ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلما فلما ~~قدموا الشام مرض بديل فكتب كتابا فيه جميع ما معه من المتاع وألقاه في ~~متاعه ولم يخبر صاحبيه بذلك فلما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي وأمرهما ~~أن يدفعا متاعه إلى أهله إذا رجعا إلى المدينة ومات بديل، ففتشا متاعه، ~~فوجدا فيه إناء من فضة منقوشا بالذهب فيه ثلثمائة مثقال فغيباه، ثم ~~إنهما قضيا حاجتهما وانصرفا إلى المدينة فدفعا المتاع إلى أهل البيت ~~ففتشوه فأصابوا الصحيفة وفيها تسمية ما كان معه فجاء أهل الميت إلى تميم ~~وعدي فقالوا: هل باع صاحبنا شيئا من متاعه قالا: لا. قالوا: فهل أتجر ~~تجارة؟ قالا: لا. قالوا: فهل طال مرضه فأنفق شيئا على نفسه ms1013 قالا: لا. ~~قالوا: إنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما كان معه وإنا فقدنا إناء ~~من فضة منقوشا بالذهب فيه ثلثمائة مثقال فضة قالا: لا ندري إنما أوصى ~~إلينا بشيء وأمرنا أن ندفعه إليكم فدفعناه وما لنا بالإناء فاختصموا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأصرا على الإنكار وحلفا فأنزل الله هذه ~~الآية هذا قول المفسرين. وروى الترمذي عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه ~~الآية يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت قال تميم برئ ~~الناس منها غيري وغير عدي بن بداء وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام ~~بتجارتهما قبل الإسلام فأتيا إلى الشام بتجارتهما وقدم عليهما مولى لبني ~~سهم يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة ومعه جام من فضة يريد به الملك وهو ~~أعظم تجارته فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله قال تميم: ~~ولما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناه أنا وعدي فلما ~~أتينا أهله دفعنا إليهم ما كان معنا وفقد الجام فسألونا عنه فقلنا ما ترك ~~غير هذا ولا دفع إلينا غيره قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم النبي صلى ~~الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت ~~إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فأتوا به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم على ~~أهل دينه فحلف فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر ~~أحدكم الموت } إلى قوله { أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } فقام ~~عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا فنزعت الخمسمائة درهم من عدي قال الترمذي: ~~هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح. # وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه قال ابن ~~عباس: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء فمات السهمي بأرض ~~ليس فيها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب ~~فأحلفهما ms1014 رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وجدوا الجام بمكة فقيل ~~اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا ~~أحق من شهادتهما وإن الجام لصاحبهم قال وفيهم نزلت هذه الآية: { يا أيها ~~الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت } أخرجه الترمذي وقال حديث ~~حسن غريب وأخرج هذه الرواية الأخيرة البخاري في صحيحه فأما التفسير فقوله ~~تعالى: { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } يعني ليشهد ما بينكم لأن ~~الشهادة إنما يحتاج إليها عند وقوع التنازع والتشاجر { إذا حضر أحدكم ~~الموت } يعني إذا قارب وقت حضور الموت { حين الوصية اثنان } لفظه خبر ~~ومعناه الأمر يعني ليشهد اثنان منكم عند حضور الموت وأردتم الوصية { ذوا ~~عدل منكم } يعني من أهل دينكم وملتكم يا معشر المؤمنين واختلفوا في هذين ~~الاثنين فقيل هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصي وقيل هما ~~الوصيان لأن الآية نزلت فيهما ولأنه قال تعالى: { فيقسمان بالله } ~~والشاهد لا يلزمه يمين وجعل الوصي اثنين تأكيدا فعلى هذا تكون الشهادة ~~بمعنى الحضور كقولك: شهدت وصية فلان بمعنى حضرت { أو آخران من غيركم } ~~يعني من غير أهل دينكم وملتكم وهذا قول ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد ~~بن المسيب وابن جبير والنخعي والشعبي وابن سيرين وابن شريح وأكثر ~~المفسرين: وقيل: معناه من غير عشيرتكم وقبيلتكم وهم مسلمون. واختلف ~~العلماء في حكم هذه الآية فقال إبراهيم النخعي وجماعة: هي منسوخة كانت ~~شهادة أهل الذمة مقبولة في الابتداء ثم نسخت بقوله تعالى: # واستشهدوا شهيدين من رجالكم # [البقرة: 282] لأن إجماع الأمة على أن شهادة الفاسق لا تجوز فشهادة ~~الكفار وأهل الذمة لا تجوز بطريق الأولى وذهب قوم إلى أنها ثابتة لم تنسخ ~~وهو قول ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وابن جبير وابن ~~سيرين وبه قال أحمد بن حنبل قالوا إذا لم يجد مسلمين يشهدان على وصيته ~~وهو في أرض غربة فليشهد كافرين أو ذميين أو من أي دين كانا لأن هذا موضع ~~ضرورة قال شريح: من كان بأرض ms1015 غربة لم يجد مسلما وصيته فليشهد كافرين على ~~أي دين كانا من أهل الكتاب أو من عبدة الأصنام فشهادتهم جائزة في هذا ~~الموضع ولا تجوز شهادة كافر على مسلم بحال إلا على وصيته في سفر لا يجد ~~فيه مسلما. عن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا هذه ولم ~~يجد أحدا من المسلمين حضر يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب ~~فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى فأخبراه وقدما بتركته ووصيته فقال أبو موسى ~~هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا ~~وأنها لوصيته الرجل وتركته فأمضى شهادتهما أخرجه أبو داود. # وقال قوم في قوله ذوا عدل منكم يعني من عشيرتكم وحيكم أو آخران من غيركم ~~من غير عشيرتكم وحيكم وأن الآية كلها في المسلمين وهذا قول الحسن والزهري ~~وعكرمة وقالوا لا تجوز شهادة كافر في شيء من الأحكام وهذا مذهب الشافعي ~~ومالك وأبي حنيفة غير أن أبا حنيفة أجاز شهادة أهل الذمة فيما بينهم ~~بعضهم على بعض واحتج من قال بأن هذه الآية محكمة بأن سورة المائدة من آخر ~~القرآن نزولا وليس فيها منسوخ واحتج من أجاز شهادة غير المسلم في هذا ~~الموضع بأن الله تعالى قال في أول الآية: { يا أيها الذين آمنوا } فعم ~~بهذا الخطاب جميع المؤمنين ثم قال بعده { ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ~~} فعلم بذلك أنهما من غير المؤمنين، ولأن الآية دالة على وجوب الحلف على ~~هذين الشاهدين وأجمع المسلمون على أن الشاهد المسلم لا يجب عليه يمين ~~ولأن الميت إذا كان في أرض غربة ولم يجد مسلما يشهده على وصيته ضاع ماله ~~وربما كان عليه ديون أو عنده وديعة فيضيع ذلك كله وإذا كان ذلك كذلك ~~احتاج إلى إشهاد من حضر من أهل الذمة وغيرهم من الكفار حتى لا يضيع ماله ~~وتنفذ وصيته فهذا كالمضطر الذي أبيح له أكل الميتة ms1016 في حال الاضطرار ~~والضرورات قد تبيح شيئا من المحظورات واحتج من منع ذلك بأن الله تعالى ~~قال: # ممن ترضون من الشهداء # [البقرة: 282] والكفار ليسوا مرضيين ولا عدولا فشهادتهم غير مقبولة في ~~حال من الأحوال. وقوله تعالى: { إن أنتم ضربتم في الأرض } يعني: إن أنتم ~~سافرتم في الأرض { فأصابتكم مصيبة الموت } يعني نزل بكم أسباب الموت ~~فأوصيتم إليهما ودفعتم مالكم إليهما { تحبسونهما } يعني إن اتهمهما بعض ~~الورثة وادعوا عليهما خيانة فالحكم فيه أن يوقفوهما { من بعد الصلاة } ~~يعني من بعد صلاة العصر لأن جميع أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويجتنبون ~~فيه الحلف الكاذب وقيل من بعد صلاة أهل دينهم لأنهما إذا كانا كافرين لا ~~يحترمان صلاة العصر { فيقسمان بالله } يعني فيحلفان بالله. قال الشافعي: ~~الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم ~~بالزمان والمكان فيحلف بعد صلاة العصر إن كان بمكة بين الركن والمقام وإن ~~كان بالمدينة فعند المنبر وإن كان في بيت المقدس فعند الصخرة وفي سائر ~~البلاد في أشرف المساجد وأعظمها بها { إن ارتبتم } يعني إن شككتم أيها ~~الورثة في قول الشاهدين وصدقهما، فحلفوهما وهذا إذا كانا كافرين أما إذا ~~كانا مسلمين فلا يمين عليهما لأن تحليف الشاهد المسلم غير مشروع { لا ~~نشتري به ثمنا } يعني لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا ولا نحلف بالله ~~كاذبين لأجل عوض نأخذه أو حق نجحده { ولو كان ذا قربى } يعني ولو كان ~~المشهود له ذا قرابة منا وإنما خص القربى بالذكر لأن الميل إليهم أكثر من ~~غيرهم { ولا نكتم شهادة الله } إنما أضاف الشهادة إليه لأنه أمر بإقامتها ~~ونهى عن كتمانها { إنا إذا لمن الآثمين } يعني إن كتمنا الشهادة أو خنا ~~فيها ولما نزلت هذه الآية صلى صلى الله عليه وسلم العصر ودعا تميما ~~وعديا وحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يخونا ~~شيئا مما دفع إليهما فحلفا على ذلك فخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سبيلهما ثم ظهر الإناء من بعد ذلك ms1017 قال ابن عباس وجد الإناء بمكة، فقالوا: ~~اشتريناه من تميم وعدي. # وقيل: لما طالت المدة أظهروه فبلغ ذلك بني سهم، فأتوهما في ذلك، فقالا: ~~إنا كنا اشتريناه منه. فقالوا لهما: ألم تزعما أن صاحبنا لم يبع شيئا من ~~متاعه؟ قالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر لكم به فكتمناه لذلك ~~فرفعوهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ### || [5.107-108] # { فإن عثر } يعني فإن اطلع وظهر والعثور الهجوم على أمر لم يهجم عليه ~~غيره وكل من اطلع على أمر كان قد خفي عليه قيل له قد عثر عليه { على ~~أنهما استحقا إثما } يعني الوصيين ومعنى الآية فإن حصل العثور والوقوف ~~على أن الوصيين كانا استوجبا الإثم بسبب خيانتهما وأيمانهما الكاذبة { ~~فآخران } يعني من أولياء الميت وأقربائه { يقومان مقامهما } يعني مقام ~~الوصيين في اليمين { من الذين استحق عليهم } يعني من الذين استحق عليهم ~~الإثم وهم الورثة والمعنى إذا ظهرت خيانة الحالفين وبان كذبهما يقوم ~~اثنان آخران من الذين جنى عليهم وهم أهل الميت وعشيرته { الأوليان } يعني ~~بأمر الميت وهم أهله وعشيرته { فيقسمان بالله } يعني فيحلفان بالله { ~~لشهادتنا أحق من شهادتهما } يعني أيماننا أحق وأصدق من أيمانهما { وما ~~اعتدينا } يعني في أيماننا وقولنا إن شهادتنا أحق من شهادتهما { إنا إذا ~~لمن الظالمين } ولما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي ~~وداعة السهميان لو وهما من أهل الميت وحلفا بالله بعد العصر ودفع الإناء ~~إليهما وإنما ردت اليمين على أولياء الميت لأن الوصيين ادعيا أن الميت ~~باعهما الإناء وأنكر ورثة الميت ذلك ومثل هذا أن الوصي إذا أخذ شيء من ~~مال الميت قال: إنه أوصى له به وأنكر ذلك الورثة ردت اليمين عليه ولما ~~أسلم تميم الداري بعد هذه القصة كان يقول صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت ~~الإناء فأنا أتوب إلى الله وأستغفره. وقوله تعالى: { ذلك أدنى أن يأتوا ~~بالشهادة على وجهها } يعني ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين على أولياء ~~الميت بعد أيمانهم أدنى، أي أجدر وأحرى أن ms1018 يأتوا بالشهادة على وجهها يعني ~~أن يأتي الوصيان وسائر للناس بالشهادة على وجهها فلا يخونوا فيها { أو ~~يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } أي وأقرب أن يخاف الوصيان أن ترد ~~الأيمان على أولياء الميت فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا ويغرموا ~~فربما لا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم { واتقوا الله } يعني وخافوا ~~الله أن تحلفوا أيمانا كاذبة أو تخونوا أمانة { واسمعوا } يعني المواعظ ~~والزواجر وقيل معناه واسمعوا سمع إجابة { والله لا يهدي القوم الفاسقين } ~~يعني: والله لا يرشد من كان على معصية وهذا تهديد وتخويف ووعيد لمن خالف ~~حكم الله تعالى أو خان أمانته أو حلف أيمانا كاذبة وهذه الآية الكريمة ~~من أصعب ما في القرآن من الآيات نظما وإعرابا وحكما والله أعلم بأسرار ~~كتابه. ### || [5.109-110] # قوله عز وجل: { يوم يجمع الله الرسل } قال الزجاج هي متصلة بما قبلها ~~تقديرها: واتقوا الله يوم يجمع الله الرسل، وقيل: تقدير: والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين يوم يجمع الله الرسل. أي لا يهديهم إلى الجنة في ذلك ~~اليوم وهو يوم القيامة وقيل إنها منقطعة عما قبلها وتقديره اذكر يا محمد ~~يوم يجمع الله الرسل ذلك يوم القيامة { فيقول ماذا أجبتم } يعني فيقول ~~الله تبارك وتعالى للرسل ماذا أجابكم أممكم وما الذي رد عليكم قومكم حين ~~دعوتموهم في دار الدنيا إلى توحيدي وطاعتي وفائدة هذا السؤال توبيخ أمم ~~الأنبياء الذين كذبوهم { قالوا } يعني الرسل { لا علم لنا } قال ابن ~~عباس: معناه لا علم لنا كعلمك فيهم لأنك تعلم ما أضمروا وما أظهروا ونحن ~~لا نعلم إلا ما أظهروا فعلمك فيهم أنفذ من علمنا وأبلغ. فعلى هذا القول، ~~إنما نفوا العلم عن أنفسهم وإن كانوا علماء لأن علمهم صار كلاعلم عند علم ~~الله. وقال في رواية أخرى: معناه لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا ~~وهذا القول قريب من الأول. وقيل: معناه لا علم لنا بوجه الحكمة عن سؤالك ~~إيانا عن أمر أنت أعلم به منا. وقيل: معناه لا حقيقة لعلمنا بعاقبة أمرهم ms1019 ~~لأنا كنا نعلم ما كان من أفعالهم وأقوالهم وقت حياتنا ولا نعلم ما كان ~~منهم بعد وفاتنا ولا نعلم ما أحدثوا من بعدنا ومنه ما أخبر الله عن عيسى ~~عليه السلام بقوله: # وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم # [المائدة: 117] ومنه ما روي عن انس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رفعوا إلي اختلجوا دوني ~~فلأقولن أي رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " # زاد في رواية # " فأقول سحقا لمن بدل بعدي " # أخرجاه في الصحيحين وقال جمع من المفسرين إن للقيامة أهوالا وزلازل ~~تزول فيها القلوب عن مواضعها فيفزعون من هول ذلك ويذهلون عن الجواب ثم ~~إذا ثابت إليهم عقولهم يشهدون على أممهم بالتبليغ. وهذا فيه ضعف ونظر لأن ~~الله تعالى قال في حق الأنبياء: # لا يحزنهم الفزغ الأكبر # ،[الأنبياء: 103] وذكر الإمام فخر الدين الرازي وجها آخر وهو أن الرسل ~~عليهم السلام لما علموا أن الله تعالى عالم لا يجهل وحليم لا يسفه وعادل ~~لا يظلم علموا أن قولهم لا يفيد خيرا ولا يدفع شرا فرأوا أن الأدب في ~~السكوت وفي تفويض الأمر إلى الله تعالى وعدله فقالوا لا علم لنا { إنك ~~أنت علام الغيوب } يعني إنك تعلم ما غاب عنا من بواطن الأمور ونحن نعلم ~~ما نشاهد ولا نعلم ما في البواطن. # وقيل معناه إنك لا يخفى عليك ما عندنا من العلوم وأن الذي سألتنا عنه ~~ليس بخاف عليك لأنك أنت علام الغيوب ومعناه العالم بأصناف المعلومات على ~~تفاوتها ليس تخفى عليه خافية وبناء فعال بتاء التكثير ودلت الآية على ~~جواز إطلاق العلام على الله تعالى كما يجوز إطلاق الخلافة عليه. قوله عز ~~وجل: { إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك } قال بعضهم: إن إذ ~~قال الله تعالى: يا عيسى صلة لماذا أجبتم ولما كان المراد بقوله للرسل ما ~~أجبتم توبيخ الأمم ومن تمرد منهم على الله وكان أشد ms1020 الأمم احتياجا ~~وافتقارا إلى التوبيخ والملامة النصارى الذين يزعمون أنهم أتباع عيسى ~~عليه السلام ووجه ذلك أن جميع الأمم إنما كان طعنهم في أنبيائهم بالتكذيب ~~لهم وطعن هؤلاء النصارى تعدي إلى جلال الله تعالى حيث وصفوه بما لا يليق ~~بجلاله من اتخاذ الزوجة والولد. ذكر الله في هذه الآية أنواع نعمه على ~~عيسى عليه السلام التي تدل على أنه عبد وليس بإله والفائدة في ذكر هذه ~~الحكاية تنبيه النصارى على قبح مقالتهم وفساد اعتقادهم وتوكيد الحجة ~~عليهم. وقيل: فائدة ذلك إسماع الأمم يوم القيامة ما خص الله عيسى عليه ~~السلام به من الكرامة، وقيل: موضع إذا رفع بالابتداء على القطع ومعناه ~~اذكر إذ قال الله: يا عيسى وإنما خرج قوله: إذ قال الله على لفظ الماضي ~~دون المستقبل لأنه ورد على سبيل حكاية الحال. وقيل: تقديره إذ يقول الله ~~يا عيسى ابن مريم اذكر نعتمي عليك لفظه واحد والمراد به الجمع لأن الله ~~تعالى عدد نعمه عليه في هذه الآية والمراد من ذكرها شكرها { وعلى والدتك ~~} يعني بنعمته على مريم عليها السلام أنه تعالى: { أنبتها نباتا حسنا ~~وطهرها واصطفاها على نساء العالمين }. ثم ذكر نعمه على عيسى عليه السلام ~~فقال تعالى: { إذ أيدتك بروح القدس } يعني بجبريل عليه السلام لأن القدس ~~هو الله تعالى وأضافه إليه على سبيل التشريف والتعظيم كإضافة بيت الله ~~وناقة الله. وقيل: أراد بروح القدس الروح المطهرة لأن الأرواح تختلف ~~باختلاف الماهية فمنها روح طاهرة مقدسة نورانية ومنها روح خبيثة كدرة ~~ظلمانية فخض الله عيسى بالروح المقدسة الطاهرة النورانية المشرفة { ~~تكلم الناس في المهد } يعني تكلمهم طفلا في حال الصغر { وكهلا } يعني ~~وفي حالة الكهولة من غير أن يتفاوت كلامك في هذين الوقتين وهذه معجزة ~~عظيمة وخاصة شريفة ليست لأحد قبله. قال ابن عباس: أرسل الله عيسى عليه ~~السلام وهو ابن ثلاثين سنة فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رفعه الله ~~إليه { وإذ علمتك الكتاب والحكمة } يعني الكتابة وهي الخط والحكمة الفهم ~~والاطلاع على أسرار العلوم ms1021 { والتوراة والإنجيل } أي وعلمتك التوراة التي ~~أنزلتها على موسى والإنجيل الذي أنزلته عليك { وإذ تخلق من الطين كهيئة ~~الطير بإذني } يعني وإذ تجعل وتصور من الطين كصورة { الطير بإذني } { ~~فتنفخ فيها } ذكر هنا فيها سورة آل عمران فيه يعني بالضمير في قوله فيها ~~يعود إلى الهيئة بجعلها مصدرا كما يقع اسم الخلق على المخلوق وذلك لأن ~~النفخ لا يكون في الهيئة إنما يكون في المهيأ وذي الهيئة ويجوز أن يعود ~~الضمير إلى الطير لأنها مؤنثة قال الله تعالى: # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات # [الملك: 19]. وأما الضمير المذكور في آل عمران في قوله فيه فيعود إلى ~~الكاف يعني في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير { فتكون طيرا بإذني } ~~وإنما كرر قوله بإذني تأكيدا لكون ذلك الخلق واقعا بقدرة الله وتخليقه ~~لا بقدرة عيسى عليه السلام وتخليقه لأن المخلوق لا يخلق شيئا إنما خالق ~~الأشياء كلها هو الله تعالى لا خالق لها سواه وإنما كان الخلق لهذا الطير ~~معجزة لعيسى عليه السلام أكرمه الله بها وكذا قوله تعالى: { وتبرئ الأكمه ~~والأبرص بإذني } يعني وتشفي الأكمه وهو الأعمى المطموس البصر والأبرص ~~معروف ظاهر { وإذ تخرج الموتى } يعني من قبورهم أحياء { بإذني } تفعل ذلك ~~كله بدعائك والفاعل لهذه الأشياء كلها في الحقيقة هو الله تعالى لأنه هو ~~المبرئ للأكمه والأبرص وهو محيي الموتى وهو على كل شيء قدير وإنما كانت ~~هذه الأشياء معجزات لعيسى عليه السلام ووقعت بإذن الله تعالى وقدرته. ~~وقوله تعالى: { وإذ كففت بني إسرائيل عنك } يعني واذكر نعمتي عليك إذ ~~كففت وصرفت عنك اليهود ومنعتك منهم حين أرادوا قتلك { إذ جئتهم بالبينات ~~} يعني بالدلالات الواضحات والمعجزات الباهرات التي ذكرت في هذه الآية ~~وذلك أن عيسى عليه السلام لما أتى بهذه المعجزات العجيبة الباهرة قصد ~~اليهود قتله فخلصه الله منهم ورفعه إلى السماء { فقال الذين كفروا منهم } ~~يعني فقال الذين استمروا على كفرهم من اليهود ولم يؤمنوا بهذه المعجزات { ~~إن هذا إلا سحر مبين } يعني ما جاءهم به عيسى عليه السلام من ms1022 المعجزات. ### || [5.111-112] # قوله عز وجل: { وإذ أوحيت إلى الحواريين } يعني ألهمتهم وقذفت في قلوبهم ~~فهو وحي إلهام كما أوحى إلى أم موسى وإلى النحل والحواريون هم أصحاب عيسى ~~وخواصه { أن آمنوا بي وبرسولي } يعني عيسى عليه السلام { قالوا آمنا ~~واشهد بأننا مسلمون } لما وفقهم الله للإيمان، قالوا: آمنا. وإنما قدم ~~ذكر الإيمان على الإسلام، لأن الإيمان من أعمال القلوب والإسلام هو ~~الانقياد والخضوع في الظاهر والمعنى أنهم آمنوا بقلوبهم وانقادوا ~~بظواهرهم. قوله تعالى: { إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ~~ربك } قال المفسرون: هذا على المجاز ولا يجوز لأحد أن يتوهم على ~~الحواريين أنهم شكوا في قدرة الله تعالى لكنه كما يقول الرجل لصاحبه هل ~~تستطيع أن تقوم معي؟ مع علمه بأنه يقدر على القيام وإنما قصد بقوله هل ~~تستطيع هل يسهل عليك وهل يخف أن تقوم معي فكذلك. معنى الآية: لأن ~~الحواريين كانوا مؤمنين عارفين بالله عز وجل ومعترفين بكمال قدرته وإنما ~~قالوا ذلك ليحصل لهم مزيد الطمأنينة كما قال إبراهيم عليه السلام ولكن ~~ليطمئن قلبي. ولا شك أن مشاهدة هذه الآية العظيمة تورث مزيد الطمأنينة في ~~القلب ولهذا السبب قالوا وتطمئن قلوبنا وقال بعضهم هو على ظاهره. وقال: ~~غلط القوم وقالوا ذلك قبل استحكام الإيمان والمعرفة في قلوبهم وكانوا ~~بشرا فقالوا هذه المقالة فرد الله عليهم عند غلطهم بقوله: { اتقوا الله ~~إن كنتم مؤمنين } يعني اتقوا الله إن كنتم مؤمنين يعني اتقوا الله أن ~~تشكوا في قدرة الله عز وجل والقول الأول أصح وقيل في معنى الآية: هل يقبل ~~ربك دعاءك ويعطيك بإجابة دعائك وسؤالك إنزال المائدة، فقد ورد في الآثار: ~~من أطاع الله أطاعه كل شيء { أن ينزل علينا مائدة من السماء } المائدة ~~الخوان الذي عليه الطعام ولا يسمى مائدة إن لم يكن عليه طعام إنما يقال ~~خوان أو طبق وأصلها من ماد يميد إذا تحرك كأنها تميد بما عليها من الطعام ~~{ قال } يعني عيسى مجيبا للحواريين { اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } يعني ~~اتقوا الله ms1023 في هذا السؤال إن كنتم مؤمنين لأنه سؤال تعنت وقيل: أمرهم ~~بالتقوى ليحصل لهم هذا السؤال ومعنى إن كنتم مؤمنين مصدقين فلا تشكوا في ~~قدرة الله تعالى وقيل معناه اتقوا الله أن تسألوا شيئا لم يسأله أحد من ~~الأمم قبلكم فنهاهم عن اقتراح الآية بعد الإيمان. ### || [5.113-115] # { قالوا نريد أن نأكل منها } يعني: قال الحواريون مجيبين لعيسى عليه ~~السلام إنما نطلب نزول المائدة علينا لأن نأكل منها فإن الجوع قد غلب ~~علينا. وقيل: معناه نريد ان نأكل منها للتبرك بها لا أكل حاجة { وتطمئن ~~قلوبنا } يعني وتسكن قلوبنا ونستيقن قدرة الله تعالى لأنا، وإن علمنا ~~قدرة الله بالدليل، فإذا شاهدنا نزول المائدة ازداد اليقين وقويت ~~الطمأنينة { ونعلم أن قد صدقتنا } يعني: ونزداد إيمانا ويقينا بأنك ~~رسول الله { ونكون عليها من الشاهدين } يعني لله بالوحدانية ولك بالرسالة ~~والنبوة. وقيل: معناه ونكون لك عليها من الشاهدين عند بني إسرائيل إذا ~~رجعنا إليهم، فلما قالوا ذلك، أمرهم عيسى أن يصوموا ثلاثين يوما وقال ~~لهم: إنكم إذا صمتم ذلك وأفطرتم فلا تسألون الله شيئا إلا أعطاكم، ~~ففعلوا ذلك وسألوا نزول المائدة فعند ذلك { قال عيسى ابن مريم اللهم } ~~قيل: إنه اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين وطأطأ رأسه وبكى ثم دعا فقال ~~اللهم { ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا } ~~يعني عائدة من الله علينا وحجة وبرهانا والعيد يوم السرور وأصله من عاد ~~يعود إذا رجع والمعنى نتخذ ذلك اليوم الذي تنزل فيه المائدة عيدا لعظمه ~~ونصلي فيه نحن ومن يجيء من بعدنا فنزلت في يوم الأحد فاتخذه النصارى ~~عيدا. وقال ابن عباس: معناه يأكل منها أول الناس كما يأكل آخرهم { وآية ~~منك } أي وتكون المائدة دلالة على قدرتك دلالة على قدرتك ووحدانيتك وحجة ~~بصدق رسولك { وارزقنا } أي ارزقنا ذلك من عندك وقيل: ارزقنا الشكر على ~~هذه النعمة { وأنت خيرالرازقين } يعني وأنت خير من تفضل ورزق { قال الله ~~} عز وجل مجيبا لعيسى { إني منزلها عليكم } يعني المائدة { فمن يكفر بعد ~~منكم ms1024 } يعني بعد نزول المائدة { فإني أعذبه عذابا } يعني جنسا من ~~العذاب { لا أعذبه أحدا من العالمين } يعني من عالمي زمانهم فجحدوا ~~وكفروا بعد نزول المائدة فمسخوا خنازير. قال الزجاج: ويجوز أن يكون هذا ~~العذاب معجلا في الدنيا ويجوز أن يكون مؤخرا إلى الآخرة. قال عبد الله ~~بن عمر: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب ~~المائدة وآل فرعون. واختلف العلماء في نزول المائدة فقال الحسن ومجاهد: ~~لم تنزل المائدة لأن الله لما أوعدهم على كفرهم بالعذاب بعد نزول المائدة ~~خافوا أن يكفر بعضهم فاستعفوا وقالوا: لا نريدها فلم تنزل عليهم فعلى هذا ~~القول يكون معنى قوله تعالى: { إني منزلها عليكم } إن سألتم نزولها ~~والصحيح الذي عليه جمهور العلماء والمفسرين أنها نزلت لأن الله تعالى ~~قال: { إني منزلها عليكم } وهذا وعد من الله بإنزالها ولا خلف في خبره ~~ووعده ولما روي عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا ~~لغد فخانوا وادخروا ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازير " # أخرجه الترمذي. وقال قد روي عن عمار من غير طريق موقوفا وهو أصح. وقال ~~ابن عباس: إن عيسى عليه السلام قال لهم: صوموا ثلاثين يوما ثم اسألوا ما ~~شئتم يعطيكموه فصاموا فلما فرغوا قالوا يا عيسى إنا لو عملنا عملا لأحد ~~فقضينا عمله لأطعمنا وسألوا المائدة فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها ~~عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعوها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس ~~كما أكل أولهم. وقال سلمان الفارسي: لما سأل الحواريون المائدة لبس عيسى ~~صوفا وبكى وقال: اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء الآية، فنزلت ~~سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها ~~وهي تهوي إليهم منقضة حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى عليه السلام وقال: ~~اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة واليهود ~~ينظرون إلى شيء لم ينظروا مثله ولم يجدوا ريحا أطيب ms1025 من ريحه فقال عيسى ~~عليه السلام ليقم أحسنكم عملا فليكشف عنها ويسم الله. فقال شمعون ~~الصفار رأس الحواريين: أنت أولى بذلك منا. فقام عيسى عليه السلام فتوضأ ~~وصلى صلاة طويلة وبكى بكاء كثيرا ثم كشف المنديل عنها وقال بسم الله خير ~~الرازقين، فإذا هو بسمكة مشوية ليس فيها شوك ولا عليها فلوس تسيل من ~~الدسم وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها ألوان من البقول ما خلا ~~الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى ~~الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد. فقال شمعون: يا روح الله ~~أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى: ليس شيء مما ترون من ~~طعام الدنيا ولا من طعام الجنة ولكنه شيء اخترعه الله بقدرته العالية. ~~كلوا مما سألتم واشكروا يمددكم ويزدكم من فضله. فقالوا: يا روح الله كن ~~أول من يأكل منها فقال عيسى: معاذ الله أن آكل منها يأكل منها من سألها، ~~فخافوا أن يأكلوا منها فدعا لها أهل الفاقة والمرض والبرص والجذام ~~والمقعدين فقال: كلوا من رزق الله لكم الشفاء ولغيركم البلاء، فأكلوا ~~منها وهم ألف وثلثمائة رجل وامرأة من فقير ومريض وزمن ومبتلى وصدروا ~~عنها وهم شباع، وإذا السمكة بحالها حين أنزلت ثم طارت المائدة صعودا وهم ~~ينظرون إليها حتى توارت ولم يأكل منها مريض أو زمن أو مبتلى إلا عوفي ~~ولا فقير إلا استغنى. وندم من لم يأكل منها. وقيل: مكثت أربعين صباحا ~~تنزل ضحى فإذا نزلت اجتمع إليها الأغنياء والفقراء والصغار والكبار ~~والرجال والنساء يأكلون منها ولا تزال منصوبة يؤكل منها حتى يفيء الفيء، ~~فإذا فاء الفيء، طارت وهم ينظرون إليها حتى تتوارى عنهم وكانت تنزل غبا ~~يوما ويوما لا تنزل فأوحى الله عز وجل إلى عيسى عليه السلام اجعل ~~مائدتي ورزقي للفقراء دون الأغنياء فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكوا ~~وشككوا الناس فيها وقالوا: ترون المائدة حقا تنزل من السماء، فأوحى الله ~~عز وجل إلى عيسى عليه السلام إني شرطت ms1026 أن من كفر بعد نزولها عذبته عذابا ~~لا أعذبه أحدا من العالمين فقال عيسى عليه السلام عند ذلك # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118] فمسخ الله منهم ثلثمائة وثلاثين رجلا باتوا ليلتهم مع ~~نسائهم على فرشهم ثم أصبحوا خنازير يسعون في الطرق يأكلون العذرة من ~~الكناسات والحشوش فلما رأى الناس ذلك فزعموا إلى عيسى عليه السلام وبكوا ~~ولما أبصرت الخنزير عيسى عليه السلام بكت وجعلت تطيف به وجعل عيسى عليه ~~السلام يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برؤوسهم ولا يقدرون على الكلام فعاشوا ~~ثلاثة أيام ثم هلكوا. وقال كعب: أنزلت المائدة منكوسة تطير بها الملائكة ~~بين السماء والأرض عليها كل شيء إلا اللحم وقال ابن عباس: أنزل على ~~المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم. وقال الكلبي: كان عليها خبز بر وبقل. ~~وقال وهب ابن منبه: أنزل الله أقرصة من شعير وحيتانا فكان القوم يأكلون ~~ويخرجون ثم يجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوا بأجمعهم وفضل. وقال قتادة: كانت ~~تنزل عليهم بكرة وعشيا حيث كانوا كالمن والسلوى لبني إسرائيل. وقال ~~الكلبي ومقاتل: أنزل الله سمكا وخمسة أرغفة فأكلوا منها ما شاء الله ~~والناس ألف ونيف فلما رجعوا إلى قراهم ونشروا الحديث ضحك من لم يشهد منهم ~~وقالوا ويحكم إنما سحر أعينكم فمن أراد الله به خيرا ثبته ومن أراد ~~فتنته رجع إلى كفره فمسخوا خنازير وليس فيهم صبي ولا امرأة فمكثوا ثلاثة ~~أيام ثم هلكوا ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم يشربوا وكذلك كل ممسوخ. ### || [5.116] # قوله عز وجل: { وإذا قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله } الآية اختلف المفسرون في وقت هذا القول فقال ~~السدي: قال الله لعيسى هذا القول حين رفعه إلى السماء بدليل أن حرف إذ ~~يكون للماضي وقال سائر المفسرين: إنما يقول الله له هذا القول يوم ~~القيامة بدليل قوله: # يوم يجمع الله الرسل # [المائدة: 109] وذلك يوم القيامة وبدليل قوله # هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم # [المائدة: 119] وذلك يوم القيامة ms1027 وأجيب عن حرف أذ بأنها قد تجيء بمعنى ~~إذا كقوله # ولو ترى إذا فزعوا # [سبأ: 51] يعني إذ فزعوا وقال الراجز ثم جزاك الله عني إذا جزى. جنات ~~عدن في السموات العلى ولفظ الآية في قوله: أأنت قلت للناس لفظ استفهام ~~ومعناه الإنكار والتوبيخ لمن ادعى ذلك على عيسى عليه السلام من النصارى، ~~لأن عيسى عليه السلام لم يقل هذه المقالة، فإن قلت إذا كان عيسى عليه ~~السلام لم يقلها فما وجه هذا السؤال له مع علم الله بأنه لم يقله؟ قلت: ~~وجه هذا السؤال تثبيت الحجة على قومه وإكذاب لهم في ادعائهم ذلك عليه ~~وأنه أمرهم به فهو كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا؟ وهو يعلم أنه لم ~~يفعله وإنما أراد تعظيم ذلك الفعل فنفى عن نفسه هذه المقالة. وقال: ما ~~قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم فاعترف بالعبودية ~~وأنه ليس بإله كما زعمت وادعت فيه النصارى فإن قلت إن النصارى لم يقولوا ~~بإلهية مريم، فكيف قال: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قلت إن النصارى ~~لما ادعت في عيسى أنه إله ورأوا أن مريم ولدته لزمهم بهذه المقالة على ~~سبيل التبعية وقوله تعالى إخباراعن عيسى عليه السلام { قال سبحانك } ~~يعني تنزيها لك عن النقائص وبراءة لك من العيوب قال أبو روق إذا سمع ~~عيسى عليه السلام هذا الخطاب وهو قوله: { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله } ارتعدت مفاصلة وانفجرت من أصل كل شعرة من جسده عين ~~من دم وقال مجيبا لله تعالى سبحانك { ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ~~} أي كيف أقول هذا الكلام ولست بأهل ولست أستحق العبادة حتى ادعو الناس ~~إليها ولما بين أنه ليس له أن يقول هذه المقالة وهذا المقام مقام ~~التواضع والخشوع لعظمة الله تعالى شرع في بيان هل وقع ذلك منه أم لا؟ ~~فقال: { إن كنت قلته فقد علمته } أسند العلم إلى الله تعالى وهذا هو غاية ~~الأدب وإظهار المسكنة لعظمة الله ms1028 تعالى وتفويض الأمر إلى علمه ثم قال { ~~تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } يعني تعلم ما أعلم ولا أعلم ما ~~تعلم وقال ابن عباس تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك وقيل معناه تعلم ~~ما أخفي ولا أعلم ما تخفي وقيل معناه تعلم ما كان مني في دار الدنيا ولا ~~أعلم ما يكون منك في دار الآخرة وقيل معناه تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ~~ما تقول وتفعل والنفس عبارة عن ذات الشيء يقال نفس الشيء وذاته بمعنى ~~واحد. # وقال الزجاج: النفس عبارة عن جملة الشيء وحقيقته يقال تعلم جميع حقيقة ~~أمري ولا أعلم حقيقة أمرك. وقيل: معناه تعلم معلومي ولا أعلم معلومك ~~وإنما ذكر هذا الكلام على طريقة المشاكلة والمطابقة وهو فصيح الكلام ثم ~~قال: { إنك أنت علام الغيوب } يعني أنك تعلم ما كان وما سيكون وهذا تأكيد ~~لما تقدم من قوله تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك. ### || [5.117-118] # قوله تعالى إخبارا عن عيسى { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به } يعني ما ~~قلت لهم إلا قولا أمرتني به { أن اعبدوا الله } يعني قلت لهم اعبدوا ~~الله { ربي وربكم } يعني وحده ولا تشركوا به شيئا { وكنت عليهم شهيدا ~~ما دمت فيهم } يعني وكنت أشهد ما يفعلون وأحصره ما دمت مقيما فيهم { ~~فلما توفيتني } يعني فلما رفعتني إلى السماء فالمراد به وفاة الرفع لا ~~الموت { كنت أنت الرقيب عليهم } يعني الحفيظ عليهم المراقب لأعمالهم ~~وأحوالهم والرقيب الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء { وأنت على كل شيء شهيد } ~~يعني أنت شهدت مقالتي التي قلتها لهم وأنت الشهيد عليهم بعد ما رفعتني ~~إليك لا تخفى عليك خافية فعلى هذا الشهيد هنا بمعنى الشاهد لما كان وما ~~يكون أن يجوز أن يكون الشهيد هنا بمعنى العليم يعني أنت العالم بكل شيء ~~فلا يعزب عن علمك شيء. قوله عز وجل إخبارا عن عيسى عليه السلام { إن ~~تعذبهم } يعني إن تعذب هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة بأن ms1029 تميتهم على ~~كفرهم { فإنهم عبادك } لا يقدرون على دفع ضر نزل بهم ولا جلب نفع لأنفسهم ~~وأنت العادل فيهم لأنك أوضحت لهم طريق الحق فرجعوا عنه وكفروا { وإن تغفر ~~لهم } يعني لمن تاب من كفره منهم بأن تهديه إلى الإيمان فإن ذلك بفضلك ~~ورحمتك { فإنك أنت العزيز } يعني في الانتقام ممن تريد الانتقام منه لا ~~يمتنع عليك ما تريده { الحكيم } في أفعالك كلها وهذا التفسير إنما يصح ~~على قول السدي لأنه قال كان سؤال الله عز وجل لعيسى عليه السلام حين رفعه ~~إلى السماء قبل يوم القيامة. أما على قول جمهور المفسرين إن هذا السؤال ~~إنما يقع يوم القيامة ففي قوله { وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ~~إشكال وهو أنه يليق بعيسى عليه السلام طلب المغفرة لهم مع علمه بأن الله ~~تعالى لا يغفر لمن يموت على الشرك والجواب عن هذا الإشكال من وجوه أحدها ~~أنه ليس هذا على طريق طلب المغفرة ولو كان كذلك لقال فإنك أنت الغفور ~~الرحيم ولكنه على تسليم الأمر إلى الله وتفويضه إلى مراده فيهم لأنه ~~العزيز في ملكه الحكيم في فعله ويجوز في حكمته وسعة مغفرته ورحمته أن ~~يغفر للكفار، لكنه تعالى أخبر أنه لا يفعل ذلك بقوله { إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به } الوجه الثاني: قيل معناه أن تعذبهم يعني أقامتهم على كفرهم ~~إلى الموت وإن تغفر لهم يعني لمن آمن منهم وتاب ورجع عن كفره، الوجه ~~الثالث: قال ابن الأنباري: لما قال الله لعيسى # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله # [المائدة: 116]. لم يقع لعيسى إلا أن النصارى حكت عنه الكذب لأنه لم يقل ~~ذلك وقول الكذب ذنب فيجوز أن يسأل له المغفرة والله أعلم بمراده وأسرار ~~كتابه م عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا ~~قول الله عز وجل في إبراهيم # رب إنهن أضللن كثرا من الناس فمن تبعني فإنه مني # [إبراهيم: 36] الآية وقول عيسى: { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن ms1030 تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم } فرفع يديه وقال اللهم أمتي أمتي فبكى فقال الله ~~تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فاسأله ما يبكيك، فأتاه جبريل ~~عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم ~~فقال يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك. عن ~~أبي ذر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حتى أصبح بآية والآية { إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } " # أخرجه النسائي قوله عز وجل. ### || [5.119-120] # { قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } اتفق جمهور العلماء على أن ~~المراد بهذا اليوم يوم القيامة والمعنى أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في ~~الآخرة لأنه يوم الإثابة والجزاء وما تقدم من صدقهم في الدنيا يتبين نفعه ~~يوم القيامة والمراد بالصادقين النبيون والمؤمنون لأن الكفار لا ينفعهم ~~صدقهم يوم القيامة. قال قتادة: متكلمان لا يخطئان يوم القيامة عيسى عليه ~~السلام لأنه يقوم فيقول ما قص الله عنه ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ~~الآية فكان صادقا في الدنيا والآخرة فينفعه صدقه. وأما المتكلم الآخر ~~فإبليس فإنه يقوم فيقول وقال الشيطان لما قضى الأمر الآية فصدق عدو الله ~~فيما قال ولم ينفعه صدقه. وقال عطاء هو يوم من أيام الدنيا لأن الآخرة ~~دار جزاء لا دار عمل وذهب في هذا القول إلى ظاهر الآية من أن الصدق ~~النافع إنما يكون في الدنيا وهذا القول موافق لمذهب السدي حيث يقول إن ~~هذه المخاطبة جرت مع عيسى عليه السلام حين رفع إلى السماء، والوجه ما ذهب ~~إليه الجمهور ثم ذكر الله تعالى ما لهم من الثواب على صدقهم فقال تعالى: ~~{ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا } فهذا إشارة إلى ما ~~يحصل من الثواب الدائم الذي لا انقطاع له ولا انتهاء { رضي الله عنهم } ~~يعني بطاعتهم له { ورضوا عنه } يعني بما أعطاهم من ثوابه وجزيل كرامته { ~~ذلك } إشارة إلى ما ذكره من ms1031 ثوابهم { الفوز العظيم } يعني أنهم فازوا ~~بالجنة وبرضوانه عنهم ونجوا من النار { لله ملك السموات والأرض وما فيهن ~~} عظم الله عز وجل نفسه عما قال فيه النصارى يعني، أن الذي له ملك ~~السموات والأرض هو الذي يستحق الإلهية لا ما قالت النصارى من إلهة المسيح ~~وأمه لأنهما جملة من في السموات والأرض فهما عبيده وفي ملكه. وقيل: هو ~~جواب السؤال مضمر في الكلام كأنه لما وعد الصادقين بالثواب العظيم قيل من ~~يعطيهم ذلك قال الذي له ملك السموات والأرض ومن فيهن { وهو على كل شيء ~~قدير } والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1] # قوله عز وجل: { الحمد لله الذي خلق السموات والأرض } قال كعب الأحبار: ~~هذه الآية أول آية في التوراة وآخر آية في التوراة قوله تعالى: # وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا # [الإسراء: 111] الآية وفي رواية عنه أن آخر آية في التوراة آخر سورة ~~هود قال ابن عباس: افتتح الله الخلق بالحمد فقال الحمد لله الذي خلق ~~السموات والأرض وختمه بالحمد فقال تعالى: # وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين # [الزمر: 75] وفي قوله: الحمد لله، تعليم لعباده كيف يحمدونه أي: قولوا ~~الحمد لله. وقال أهل المعاني لفظه خبر ومعناه الأمر أي احمدوا الله وإنما ~~جاء على صيغة الخبر وفيه معنى الأمر لأنه أبلغ من البيان من حيث إنه جمع ~~الأمرين ولو قيل احمدوا الله لم يجمع الأمرين فكان قوله الحمد لله أبلغ ~~وقد تقدم معنى الحمد في تفسير سورة فاتحة الكتاب بما فيه مقنع الذي خلق ~~السموات والأرض أي احمدوا الله خلق السموات والأرض وإنما خصهما بالذكر ~~لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد لأن السماء بغير عمد ترونها وفيها ~~العبر والمنافع والأرض مسكن الخلق وفيها أيضا العبر والمنافع { وجعل ~~الظلمات والنور } الجعل هنا بمعنى الخلق أي وخلق الظلمات والنور. قال ~~السدي: يريد بالظلمات، ظلمات الليل والنهار، وبالنور، نور النهار. وقال ~~الحسن: يعني بالظلمات الكفر وبالنور الإيمان. وقيل: يعني بالظلمات الجهل ~~وبالنور العلم. وقيل: ms1032 الجنة والنار. وقال قتادة: خلق الله السموات قبل ~~الأرض وخلق الظلمات قبل النور وخلق الجنة قبل النار. روي عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور ~~فقد اهتدى ومن أخطأه ضل " # ذكره البغوي بغير سند { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } يعني والذين ~~كفروا بعد هذا البيان بربهم يشركون وأصل العدل، مساواة الشيء بالشي. ~~والمعنى: أنهم يعدلون بالله غير الله ويجعلون له عديلا من خلقه فيعبدون ~~الحجارة مع إقرارهم بأن الله خلق السموات والأرض. وقال النضر بن شميل: ~~الباء في قوله بربهم بمعنى عن أي عن ربهم يعدلون وينحرفون من العدول عن ~~الشيء وقيل دخول ثم في قوله ثم الذين كفروا بربهم يعدلون دليل على معنى ~~لطيف وهو أنه تعالى دل به على إنكاره على الكفار العدل به وعلى تعجيب ~~المؤمنين من ذلك ومثال ذلك: أن تقول لرجل أكرمتك وأحسنت إليك وأنت تنكرني ~~وتجحد إحساني إليك فتقول ذلك منكرا عليه ومتعجبا من فعله. ### || [6.2-3] # { هو الذي خلقكم من طين } يعني أنه تعالى خلق آدم من طين وإنما خاطب ~~ذريته بذلك لأنه أصلهم وهم من نسله وذلك لما أنكر المشركون البعث وقالوا ~~من يحيي العظام وهي رميم أعلمهم بهذه الآية أنه خلقهم من طين وهو القادر ~~على إعادة خلقهم وبعثهم بعد الموت. قال السدي: لما أراد الله عز وجل أن ~~يخلق آدم بعث جبريل إلى الأرض ليأتيه بقبضة منها، فقالت الأرض: إني أعوذ ~~بالله منك أن تقبض مني فراجع ولم يأخذ منها شيئا فقال: يا رب عاذت بك ~~فبعث الله ميكائيل فاستعاذت فرجع فبعث الله ملك الموت فعاذت منه فقال: ~~وأنا أعوذ بالله أن أخالف أمره وأخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء ~~والبيضاء فلذا اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والملح والمر ~~فلذلك اختلفت أخلاقهم ثم قال الله لملك الموت رحم جبريل وميكائيل الأرض ~~ولم ترحمها لا ms1033 جرم اجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك عن أبي موسى ~~الأشعري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على ~~قدر الأرض منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث ~~والطيب " # أخرجه أبو داود والترمذي وأما قوله تعالى: { ثم قضى أجلا وأجل مسمى ~~عنده } فاختلف العلماء في معنى ذلك فقال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل ~~الأول، من وقت الولادة إلى وقت الموت. والأجل الثاني: من وقت الموت إلى ~~البعث، وهو البرزخ. ويروى نحو ذلك عن ابن عباس قال: لكل أحد أجلان: أجل ~~إلى الموت، وأجل من الموت إلى البعث، فإن كان الرجل برا تقيا وصولا ~~للرحم زيد له من أجل البعث إلى أجل العمر، وإن كان فاجرا قاطعا للرحم ~~نقص من أجل العمر وزيد في أجل البعث وذلك قوله: # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب # [فاطر: 11] وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الأجل الأول أجل الدنيا، والأجل ~~الثاني أجل الآخرة. وقيل: الأجل هو الوقت المقدر فأجل كل إنسان مقدر ~~معلوم عند الله لا يزيد ولا ينقص. والأجل الثاني: هو أجل القيامة وهو ~~أيضا معلوم مقدر عند الله لا يعلمه إلا الله تعالى وقال ابن عباس في ~~رواية عطاء عنه ثم قضى أجلا يعني النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع عند ~~الانتباه وأجل مسمى عنده هو أجل الموت وقيل هما واحد ومعناه ثم قضى أجلا ~~يعني قدر مدة لأعماركم تنتهون إليها وهو أجل مسمى عنده يعني أن ذلك ~~الأجل عنده لا يعلمه إلا هو والمراد بقوله عنده يعني في اللوح المحفوظ ~~الذي لا يطلع عليه غيره { ثم أنتم تمترون } يعني ثم أنتم تشكون في البعث. # قوله عز وجل: { وهو الله في السموات وفي الأرض } يعني وهو إله السموات ~~وإله الأرض. وقيل: معناه وهو المعبود في السموات وفي الأرض. وقال محمد بن ~~جرير الطبري: معناه وهو الله في السموات { يعلم سركم ms1034 وجهركم } في الأرض. ~~وقال الزجاج: فيه تقديم وتأخير تقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في ~~السموات وفي الأرض. وقيل: معناه وهو المنفرد بالتدبير في السموات وفي ~~الأرض لا شريك له فيهما. والمراد بالسر، ما يخفيه الإنسان في ضميره فهو ~~من أعمال القلوب وبالجهر وما يظهر الإنسان فهو من أعمال الجوارح والمعنى: ~~أن الله لا يخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض { ويعلم ما تكسبون } ~~يعني من خير أو شر، بقي في الآية سؤال وهو أن الكسب إما أن يكون من أعمال ~~القلوب وهو المسمى بالسر أو من أعمال الجوارح وهو المسمى بالجهر فالأفعال ~~لا تخرج عن هذين النوعين يعني السر والجهر فقوله ويعلم ما تكسبون يقتضي ~~عطف الشيء بالجهر فالأفعال لا تخرج عن هذين النوعين يعني السر والجهر ~~فقوله ويعلم ما تكسبون يقتضي عطف الشيء على نفسه وذلك غير جائز فما معنى ~~ذلك وأجيب عنه بأنه يجب حمل قوله ويعلم ما تكسبون على ما يستحقه الإنسان ~~على فعله وكسبه من الثواب والعقاب والحاصل فيه أنه محمول على المكتسب فهو ~~كما يقال: هذا المال كسب فلان أي مكتسبه ولا يجوز حمله على نفس الكسب ~~وإلا لزم عطف الشيء على نفسه ذكره الإمام فخر الدين. ### || [6.4-7] # { وما تأتيهم } يعني أهل مكة { من آية من آيات ربهم } يعني من المعجزات ~~الباهرات التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل انشقاق القمر ~~وغير ذلك وقيل المراد بالآيات آيات القرآن { إلا كانوا عنها معرضين } ~~يعني إلا كانوا لها تاركين وبها مكذبين { فقد كذبوا بالحق } يعني بآيات ~~القرآن وقيل بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما أتى به من المعجزات { لما ~~جاءهم } يعني لما جاءهم الحق من عند ربهم كذبوا به { فسوف يأتيهم أنباء ~~ما كانوا به يستهزئون } يعني فسوف يأتيهم أخبار استهزائهم إذا عذبوا في ~~الآخرة. قوله تعالى: { ألم يروا } الخطاب لكفار مكة يعني ألم ير هؤلاء ~~المكذبون بآياتي { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } يعني مثل قوم نوح وعاد ~~وثمود وغيرهم من ms1035 الأمم الماضية والقرون الخالية. والقرن الأمة من الناس ~~وأهل كل زمان قرن سموا بذلك لاقترانهم في الوجود في ذلك الزمان وقيل سمي ~~قرنا لأنه زمان بزمان وأمة بأمة واختلفوا في مقدار القرن، فقيل: ثمانون ~~سنة. وقيل: ستون سنة. وقيل: أربعون سنة. وقيل: مائة وعشرون، وقيل: مائة ~~سنة. وهو الأصح لما روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بشر المازني: " إنك ~~تعيش قرنا " # فعاش مائة سنة. فعلى هذا القول: المراد بالقرن أهله الذين وجدوا فيه، ~~ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " # يعني أصحابي وتابعيهم وتابعي التابعين { مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ~~} يعني أعطيناهم ما لم نعطكم يا أهل مكة وقيل أمددناهم في العمر والبسطة ~~في الأجسام والسعة في الأرزاق مثل إعطاء قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم { ~~وأرسلنا السماء عليهم مدرارا } مفعال من الدر يعني وأرسلنا المطر ~~متتابعا في أوقات الحاجة إليه والمراد بالسماء المطر سمي بذلك لنزوله ~~منها { وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم } يعني: وفجرنا لهم العيون تجري من ~~تحتهم والمراد منه كثرة البساتين { فأهلكناهم بذنوبهم } يعني بسبب ذنوبهم ~~وكفرهم { وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } يعني وخلفنا من بعد هلاك أولئك ~~أهل قرن آخرين وفي هذه الآية ما يوجب الاعتبار والموعظة بحال من مضى من ~~الأمم السالفة والقرون الخالية فإنهم مع ما كانوا فيه من القوة وسعة ~~الرزق وكثرة الأتباع أهلكناهم لما كفروا وطغوا وظلموا فكيف حال من هو ~~أضعف منهم وأقل عددا وعددا وهذا يوجب الاعتبار والانتباه من نوم ~~الغفلة ورقدة الجهالة. قوله عز وجل: { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس } ~~الآية. قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية ~~ونوفل بن خويلد قالوا يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ~~ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وإنك رسوله فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس } يعني من ms1036 عندي ~~يعني مكتوبا في قرطاس وهو الكاغد والصحيفة التي يكتب فيها { فلمسوه ~~بأيديهم } يعني فعاينوه ومسوه بأيديهم وإنما ذكر اللمس، ولم يذكر ~~المعاينة، لأنه أبلغ في إيقاع العلم بالشيء من الرؤية، لأن المرئيات قد ~~يدخلها التخيلات كالبحر ونحوه بخلاف الملموس { لقال الذين كفروا إن هذا ~~إلا سحر مبين } يعني لو أنزلنا عليهم كتابا كما سألوه لما آمنوا به ~~ولقالوا هذا سحر مبين كما قالوا في انشقاق القمر وأنه لا ينفع معهم شيء ~~لما سبق فيهم من علمي بهم. ### || [6.8-11] # { وقالوا } يعني مشركي مكة { لولا } يعني هلا { أنزل عليه } يعني على ~~محمد { ملك } يعني نراه عيانا { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر } يعني ~~لفرغ الامر ولوجب العذاب وهذه سنة الله في الكفار أنهم متى اقترحوا آية ~~ثم لم يؤمنوا استوجبوا العذاب واستؤصلوا به { ثم لا ينظرون } يعني أنهم ~~لا يمهلون ولا يؤخرون طرفة عين بل يعجل لهم العذاب { ولو جعلناه ملكا ~~لجعلناه رجلا } يعني ولو أرسلنا إليهم ملكا لجعلناه في صورة رجل وذلك ~~أن البشر لا يستطيعون أن ينظروا إلى الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها ~~ولو نظر إلى الملك ناظر لصعق عند رؤيته ولذلك كانت الملائكة تأتي ~~الأنبياء في صورة الأنس كما جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ~~صورة دحية الكلبي وكما جاء الملكان إلى داود عليه السلام في صورة رجلين ~~وكذلك أتى الملائكة إلى إبراهيم ولوط عليهما السلام ولما رأى النبي صلى ~~الله عليه وسلم جبريل في صورته التي خلق عليها صعق لذلك وغشي عليه. وقوله ~~تعالى: { وللبسنا عليهم ما يلبسون } يقال لبست الأمر على القوم إذا ~~أشبهته عليهم وجعلته مشكلا ولبست عليه الأمر إذا خلطته عليه حتى لا يعرف ~~جهته ومعنى الآية وخالطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا فلا ~~يدروا أملك هو أم آدمي وقيل في معنى الآية إنا لو جعلنا الملك في صورة ~~البشر لظنوه بشرا فتعود المسألة بحالها أنا لا نرضى برسالة البشر ولو ~~فعل الله عز وجل ذلك صار فعل الله ms1037 مثل فعلهم في التلبيس وإنما كان ~~تلبيسا لأنهم يظنون أنه ملك وليس بملك أو يظنون أنه بشر وليس هو بشرا ~~وإنما كان فعلهم تلبيسا لأنهم لبسوا على ضعفتهم في أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: إنما هو بشر مثلكم ولو رأوا الملك رجلا للحقهم من ~~اللبس مثل ما لحق بضعفائهم فيكون اللبس نقمة من الله وعقوبة لهم على ما ~~كان منهم من التخليط في السؤال واللبس على الضعفاء. قوله عز وجل: { ولقد ~~استهزئ برسل من قبلك } يعني كما استهزئ بك يا محمد وفي هذه الآية تعزية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له عما كان من تكذيب المشركين إياه ~~واستهزائهم به إذ جعل له أسوة في ذلك بالأنبياء الذين كانوا قبله { فحاق ~~} أي فنزل وقيل: أحاط، وقيل: حل { بالذين سخروا منهم ما كانوا به ~~يستهزئون } والمعنى: فنزل العذاب بهم ووجب عليهم من النقمة والعذاب جزاء ~~استهزائهم أو في هذه الآية تحذير للمشركين أن يفعلوا لنبيهم كما فعل من ~~كان قبلهم بأنبيائهم فينزل بهم مثل ما نزل بهم { قل سيروا في الأرض } أي ~~قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين سيروا في الأرض معتبرين ومتفكرين وقيل هو ~~سير الأقدام { ثم انظروا } فعلى القول الأول يكون النظر نظرة فكرة وعبرة ~~وهو بالبصيرة لا بالبصر وعلى القول الثاني يكون المراد بالنظر نظر العين ~~والمعنى ثم انظروا بأعينكم إلى آثار الأمم الخالية والقرون الماضية ~~السالفة وهو قوله تعالى: { كيف كان عاقبة المكذبين } يعني كيف كان جزاء ~~المكذبين وكيف أورثهم الكفر والتكذيب الهلاك فحذر كفار مكة عذاب الأمم ~~الخالية. ### || [6.12-13] # قوله عز وجل: { قل لمن ما في السموات والأرض قل لله } هذا سؤال وجواب ~~المعنى قل يا محمد لهؤلاء المكذبين العادلين بربهم لمن ملك ما في السموات ~~والأرض فإن أجابوك وإلا فأخبرهم أن ذلك لله الذي قهر كل شيء وملك كل شيء ~~واستعبد كل شيء لا للأصنام التي تعبدونها أنتم فإنها موات لا تملك شيئا ~~ولا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا وإنما أمره بالجواب عقب السؤال ms1038 ليكون ~~أبلغ في التأكيد وآكد في الحجة ولما بين الله تعالى كمال قدرته وتصرفه في ~~سائر مخلوقاته أردفه بكمال رحمته وإحسانه إليهم فقال تعالى: { كتب على ~~نفسه الرحمة } يعني أنه تعالى أوجب وقضى على نفسه الرحمة وهذا استعطاف ~~منه للمتولين عنه الإقبال عليه وإخبار بأنه رحيم بعباده وأنه لا يعجل ~~بالعقوبة بل يقبل التوبة والإنابة ممن تاب وأناب ق عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب ~~غضبي " # وفي البخاري: # " أن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي فهو مكتوب ~~عنده فوق العرش " # وفي رواية لهما أن الله لما خلق الخلق، وعند مسلم لما قضى الله الخلق ~~كتب في كتاب كتبه على نفسه فهو موضوع عنده، زاد البخاري على العرش ثم ~~اتفقا " إن رحمتي تغلب غضبي " ق عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين وأنزل في الأرض ~~جزءا واحدا فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ~~ولدها خشية أن تصيبه " # زاد البخاري في رواية له ولو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة ~~لم ييأس من الجنة ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن ~~من العذاب. ولمسلم إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن ~~والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش ~~على ولدها وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة م عن ~~سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين ~~السماء والأرض فجعل منها في الأرض رحمة فبها تعطف الوالدة على ولدها ~~والوحش والطير بعضها على بعض فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة " # ق عن عمر قال: # " قدم على رسول الله ms1039 صلى الله عليه وسلم سبي فإذا امرأة من السبي تبتغي ~~إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا لا والله ~~وهي تقدر أن تطرحه فقال صلى الله عليه وسلم الله أرحم بعباده من هذه ~~المرأة بولدها " # وقوله تعالى: { ليجمعنكم } اللام في قوله ليجمعنكم لام القسم تقديره ~~والله ليجمعنكم { إلى يوم القيامة } يعني في يوم القيامة وقيل معناه في ~~قبوركم إلى يوم القيامة { لا ريب فيه } أي لا شك فيه أنه آت { الذين ~~خسروا أنفسهم } يعني بالشرك بالله أو غبنوا أنفسهم باتخاذهم الأصنام ~~فعرضوا أنفسهم لسخط الله وأليم عقابه فكانوا كمن خسر شيئا وأصل الخاسر ~~الغبن يقال خسر الرجل إذا غبن في بيعه { فهم لا يؤمنون } يعني لما سبق ~~عليهم القضاء بالخسران فهو الذي حملهم على الامتناع عن الإيمان. قوله ~~تعالى: { وله ما سكن في الليل والنهار } يعني وله ما استقر وقيل ما سكن ~~وما تحرك فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر وقيل إنما خص السكون بالذكر لأن ~~النعمة فيه أكثر وقال ابن جرير كل ما طلعت عليه الشمس وغربت فهو من ساكن ~~الليل والنهار فيكون المراد منه جميع ما حصل في الأرض من الدواب ~~والحيوانات والطير وغير ذلك مما في البر والبحر وهذا يفيد الحصر والمعنى ~~أن جميع الموجودات ملك لله تعالى لا لغيره { وهو السميع } لأقوالهم ~~وأصواتهم { العليم } بسرائرهم وأحوالهم. ### || [6.14-17] # قوله عز وجل: { قل أغير الله أتخذ وليا } قال مقاتل لما دعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى دين آبائه أنزل الله هذه الآية فقال قل لهم يا ~~محمد أغير الله اتخذ وليا يعني ربا ومعبودا وناصرا ومعينا وهو ~~استفهام ومعناه الإنكار أي لا أتخذ غير الله وليا { فاطر السموات والأرض ~~} أي خالق السموات والأرض ومبدعهما ومبدئهما { وهو يطعم ولا يطعم } يعني ~~وهو يرزق ولا يرزق وصف الله عز وجل نفسه بالغني عن الخلق وباحتياج الخلق ~~إليه لأن من كان من صفته ms1040 أن يطعم الخلق لاحتياجهم إليه وهو لا يطعم ~~لاستغنائه سبحانه وتعالى عن الإطعام فهو غني عن الخلق ومن كان كذلك وجب ~~أن يتخذ ربا وناصرا ووليا ومعبودا { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ~~} يعني من هذه الأمة والإسلام بمعنى الاستسلام يعني أمرت أن استسلم لأمر ~~الله وأنقاد إلى طاعته { ولا تكونن من المشركين } يعني وقيل لي يا محمد ~~لا تكونن من المشركين { قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } يعني قل ~~يا محمد لهؤلاء المشركين الذين دعوك إلى عبادة غيري إن ربي أمرني أن أكون ~~أول من أسلم ونهاني عن عبادة شيء سواه وإني أخاف إن عصيت ربي فعبدت شيئا ~~سواه عذاب يوم عظيم وهو عذاب يوم القيامة { من يصرف عنه } يعني العذاب { ~~يومئذ } يعني يوم القيامة { فقد رحمه } يعني بأن أنجاه من العذاب ومن ~~أنجاه من العذاب فقد رحمه وآتاه الثواب لا محالة وإنما ذكر الرحمة من صرف ~~العذاب لئلا يتوهم أنه صرف العذاب فقط بل تحصل الرحمة من صرف العذاب عنه ~~{ وذلك الفوز المبين } يعني أن صرف العذاب وحصول الرحمة هو النجاة ~~والفلاح المبين. قوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر } يعني بشدة وبلية ~~والضر اسم جامع لما ينال الإنسان من ألم ومكروه وغير ذلك مما هو في معناه ~~{ فلا كاشف له إلا هو } يعني فلا يدفع ذلك الضر إلا الله عز وجل: { وإن ~~يمسسك بخير } يعني بعافية ونعمة والخير اسم جامع لكل ما ينال الإنسان من ~~لذة وفرح وسرور ونحو ذلك { فهو على كل شيء قدير } يعني من دفع الضر وجلب ~~الخير. وهذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: لا تتخذ وليا ~~سوى الله لأنه هو القادر على أن يمسك بضر وهو القادر على دفعه عنك وهو ~~القادر على إيصال الخير إليك وأنه لا يقدر على ذلك إلا هو فاتخذه وليا ~~وناصرا ومعينا. وهذا الخطاب وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم فهو عام ~~لكل أحد والمعنى وأن يمسسك الله بضر أيها ms1041 الإنسان فلا كاشف لذلك الضر إلا ~~هو وإن يمسسك بخير أيها الإنسان فهو على كل شيء قدير من دفع الضر وإيصال ~~الخير. # " عن ابن عباس قال: " كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال ~~لي يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك وإذا ~~سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على ~~أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعت على أن ~~يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ~~" # أخرجه الترمذي زاد فيه رزين # " تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة وفيه " وإن استطعت أن تعمل ~~لله بالرضا في اليقين فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإن الصبر على ما تكره ~~خير كثير واعلم أن النصر مع الصبر والفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا ولن ~~يغلب عسر يسرين " # قال ابن الأثير: وقد جاء نحو هذا أو مثله بطوله في مسند أحمد بن حنبل. ### || [6.18-20] # قوله عز وجل: { وهو القاهر فوق عباده } يعني وهو الغالب لعباده القاهر ~~لهم وهم مقهورون تحت قدرته والقاهر والقهار معناه الذي يدبر خلقه بما ~~يريد فيقع في ذلك ما يشق عليهم ويثقل ويغم ويحزن ويفقر ويميت ويذل خلقه ~~فلا يستطيع أحد من خلقه رد تدبيره والخروج من تحت قهره وتقديره وهذا معنى ~~القاهر في صفة الله تعالى لأنه القادر والقاهر الذي لا يعجزه شيء أراده ~~ومعنى فوق عباده هنا أن قهره قد استعلى على خلقه فهم تحت التسخير ~~والتذليل بما علاهم به من الاقتدار والقهر الذي لا يقدر أحد على الخروج ~~منه ولا ينفك عنه فكل من قهر شيئا فهو مستعل عليه بالقهر والغلبة. وقال ~~ابن جرير الطبري: معنى القاهر المتعبد خلقه العالي عليهم وإنما قال فوق ~~عباده لأنه تعالى وصف نفسه بقهره إياهم ومن صفة كل قاهر شيئا أن يكون ~~مستعليا عليه فمعنى الكلام إذا والله الغالب عباده المذلل لهم العالي ms1042 ~~عليهم بتذليله إياهم فهو فوقهم بقهره إياهم وهم دونه. وقيل: فوق عباده هو ~~صفة الاستعلاء الذي تفرد به الله عز وجل: { وهو الحكيم } يعني في أمره ~~وتدبير عباده { الخبير } يعني بأعمالهم وما يصلحهم. قوله عز وجل: { قل أي ~~شيء أكبر شهادة } قال الكلبي أتى أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا يا محمد أرنا من يشهد أنك رسول الله فإنا لا نرى أحدا يصدقك ولقد ~~سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر فأنزل الله عز وجل ~~قل يعني يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك ويجحدون نبوتك من قومك أي ~~شيء أكبر شهادة يعني أعظم شهادة فإن هم أجابوك وإلا { قل } أنت يا محمد { ~~الله شهيد بيني وبينكم } قال مجاهد أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يسأل ~~قريشا أي شيء أكبر شهادة ثم أمره أن يخبرهم فيقول الله شهيد بيني وبينكم ~~يعني يشهد لي بالحق وعليكم بالباطل الذي تقولونه والحاصل أنهم طلبوا ~~شاهدا مقبول القول يشهد له بالنبوة فبين الله تعالى بهذه الآية أن ~~أكبر الأشياء شهادة هو الله تعالى ثم بين أنه يشهد له بالنبوة وهو ~~المراد بقوله: { وأوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به } يعني أن الله عز وجل ~~يشهد لي بالنبوة لأنه أوحى إلي هذا القرآن وهو معجزة لأنكم أنتم الفصحاء ~~البلغاء وأصحاب اللسان وقد عجزتم عن معارضته فكان معجزا وإذا كان معجزا ~~كان نزوله على شهادة من الله بأني رسوله وهو المراد بقوله لأنذركم به ~~يعني أوحي إلى هذا القرآن لأخوفكم به وأحذركم مخالفة أمر الله عز وجل: { ~~ومن بلغ } يعني وأنذر من بلغه القرآن ممن يأتي بعدي إلى يوم القيامة من ~~العرب والعجم وغيرهم من سائر الأمم فكل من بلغ إليه القرآن وسمعه فالنبي ~~صلى الله عليه وسلم نذير له قال محمد بن كعب القرظي من بلغه القرآن ~~فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وكلمه وقال أنس بن مالك لما نزلت ~~هذه الآية كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1043 إلى كسرى وقيصر وكل جبار ~~يدعوهم إلى الله عز وجل خ عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي ~~متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " # شرح ما يتعلق بهذا الحديث فيه الأمر بإبلاغ ما جاء به النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى من بعده من قرآن وسنة وقوله وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ~~الحرج الضيق والإثم ومعنى الحديث أنه مهما قلتم عن بني إسرائيل فإنهم ~~كانوا في حال أكثر مما قلتم وأوسع وليس هذا فيه إباحة الكذب والإخبار عن ~~بني إسرائيل لكن معناه الرخصة في الحديث عنهم على بعض البلاغ وإن لم ~~يتحقق ذلك بنقل لأنه أمر قد تعذر لبعد المسافة وطول المدة عن ابن مسعود ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " نضر الله امرءا سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى له من ~~سامع " # أخرجه الترمذي وله عن زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " نضر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه ~~إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه " # عن ابن عباس قال " تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم " أخرجه أبو ~~داود موقوفا. وقوله تعالى: { أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى } يعني ~~قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذي جحدوا نبوتك واتخذوا آلهة غيري إنكم ~~أيها المشركون لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى يعني الأصنام التي كانوا ~~يعبدونها وإنما قال أخرى لأن الجمع يلحقه التأنيث كما قال تعالى: # ولله الأسماء الحسنى # [الأعراف: 180] # فما بال القرون الأولى # [طه: 51] ولم يقل الأول ولا الأولين { قل لا أشهد } يعني قل يا محمد ~~لهؤلاء المشركين لا أشهد بما تشهدون به أن مع الله آلهة أخرى بل أجحد ذلك ~~وأنكره { قل إنما هو إله واحد } يعني قل لهم إنما الله إله واحد ومعبود ~~واحد لا ms1044 شريك له وبذلك أشهد { وإنني بريء مما تشركون } يعني أنا بريء من ~~كل شيء تعبدونه سوى الله وفي هذه الآية دليل على إثبات التوحيد لله عز ~~وجل وإبطال كل معبود سواه لأن كلمة إنما تفيد الحصر ولفظة الواحد صريح في ~~التوحيد ونفي الشريك فثبت بذلك إيجاب التوحيد وسلب كل شريك والتبرؤ من كل ~~معبود سوى الله تعالى قال العلماء يستحب لكل من أسلم أن يأتي بالشهادتين ~~ويبرأ من كل دين خالف الإسلام لقوله تعالى: { وإنني برئ مما تشركون }. # قوله عز وجل: { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } ~~المراد بالذين أوتوا الكتاب علماء اليهود والنصارى الذين كانوا في زمن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن كفار مكة لما قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إنا سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ~~ذكر وأنكروا معرفته بين الله عز وجل أن شهادته له كافية على صحة نبوته ~~وبين في هذه الآية أنهم يعرفونه وأنهم كذبوا في قولهم إنهم لا يعرفونه. ~~وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وأسلم عبد الله بن ~~سلام قال له عمر بن الخطاب: إن الله عز وجل أنزل على نبيه محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بمكة { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ~~} فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام: يا عمر لقد عرفته حين رأيته ~~كما أعرف ابني ولأنا أشد معرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم مني بابني فقال ~~عمر وكيف ذاك؟ قال أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا ولا أدري ~~ما يصنع النساء. وقوله تعالى: { الذين خسروا أنفسهم } يعني: أهلكوا ~~أنفسهم وغبنوها وأوبقوها في نار جهنم بإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وفي الذين خسروا أنفسهم قولان: أحدهما: أنه صفة الذين الأولى ويكون ~~المقصود من ذلك وعيد المعاندين الذين يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم ~~ويجحدون نبوته وهم كفار أهل الكتابين { فهم لا يؤمنون } يعني به. والقول ~~الثاني: إنه كلام مبتدأ ولا تعلق ms1045 له بالأول وهم كفار مكة الذين لم يؤمنوا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وذكروا في معنى الخسار وجهين: أحدهما: أنه ~~الهلاك الدائم الذي حصل لهم بسبب كفرهم وإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. والوجه الثاني: أنه جعل لكل واحد من بني آدم منزلا في الجنة ~~ومنزلا في النار فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل الكفار ~~التي في الجنة وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار فذلك هو ~~الخسران. ### || [6.21-24] # قوله تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } يعني ومن أشد عنادا ~~وأخطأ فعلا وأعظم كفرا ممن اختلق على الله كذبا فزعم أن له شريكا من ~~خلقه وإلها يعبد من دونه كما قال المشركون من عبدة الأصنام، أو ادعى أن ~~له صاحبة وولدا كما قالت النصارى { أو كذب بآياته } يعني كذب بحجته ~~وأعلام أدلته التي أعطاها رسله كما كذبت اليهود بمعجزات الأنبياء وقيل ~~معناه أو كذب بآيات القرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم { إنه ~~لا يفلح الظالمون } يعني أنه لا ينجح القائلون على الله الكذب والمفترون ~~على الله الباطل { ويوم نحشرهم جميعا } أي اذكر يوم نحشر العابدين ~~والمعبودين وهو يوم القيامة { ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين ~~كنتم تزعمون } يعني أنها تشفع لكم عند ربكم. قوله عز وجل: { ثم لم تكن ~~فتنتهم } يعني قولهم وجوابهم وقال ابن عباس معذرتهم والفتنة التجربة، ~~فلما كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في قلوبهم قيل له فتنة قال الزجاج في ~~قوله ثم لم تكن فتنتهم معنى لطيف وذلك أن الرجل يفتتن بمحبوب ثم تصيبه ~~فيه محنة فيبرأ من محبوبه فيقال لم تكن فتنته إلا بذلك المحبوب فكذلك ~~الكفار فتنوا بمحبة الأصنام ثم لما رأوا العذاب تبرؤوا منها. يقول الله ~~تبارك وتعالى ثم لم تكن فتنتهم ومحبتهم للأصنام إلا أن تبرؤوا منها وهو ~~قوله تعالى: { إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } وذلك إذا شاهدوا ~~يوم القيامة مغفرة الله تعالى لأهل التوحيد فيقول بعضهم لبعض تعالوا نكتم ~~الشرك ms1046 لعلنا ننجو من أهل التوحيد فيقولون والله ربنا ما كنا مشركين فيختم ~~على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالشرك والكفر قال الله تعالى: { انظر ~~كيف كذبوا على أنفسهم } يعني انظر يا محمد بعين البصيرة والتأمل إلى حال ~~هؤلاء المشركين كيف كذبوا على أنفسهم يعني اعتذارهم بالباطل وتبرؤهم من ~~الأصنام والشرك الذي كانوا عليه واستعمالهم الكذب مثل ما كانوا عليه في ~~دار الدنيا وذلك لا ينفعهم وهو قوله: { وضل عنهم } يعني زال عنهم وذهب { ~~ما كانوا يفترون } يعني ما كانوا يكذبون وهو قولهم إن الأصنام تشفع لهم ~~وتنصرهم فبطل ذلك كله في ذلك اليوم. ### || [6.25-26] # قوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } الآية. قال الكلبي: اجتمع أبو ~~سفيان صخر بن حرب وأبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث ~~وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحارث بن عامر يستمعون ~~القرآن فقالوا للنضر يا أبا قتيبة ما يقول محمد؟ قال: ما أدري ما يقول ~~إلا أني أراه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن ~~القرون الماضية. وكان النضر كثير الحديث عن القرون الماضية وأخبارها فقال ~~أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول حقا. فقال أبو جهل: كلا لا تقر بشيء من ~~هذا وفي رواية للموت أهون علينا من هذا فأنزل الله تعالى: { ومنهم من ~~يستمع إليك } يعني إلى كلامك وقراءتك يا محمد { وجعلنا على قلوبهم أكنة } ~~يعني أغطية جمع كنان { أن يفقهوه } يعني لئلا يفقهوه أو كراهية أن يفقهوه ~~{ وفي آذانهم وقرا } يعني وجعلنا في آذانهم صمما وثقلا وفي هذا دليل ~~على أن الله تعالى يقلب القلوب فيشرح بعضها للهدى والإيمان فتقبله ويجعل ~~بعضها في أكنة فلا تفقه كلام الله ولا تؤمن به: { وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها } يعني: كل معجزة من المعجزات الدالة على صدقك لا يؤمنوا بها ~~يعني لا يصدقوا بها ولا يقروا أنها دالة على صدقك { حتى إذا جاؤوك ~~يجادلونك } يعني أنهم إذا رأوا الآيات واستمعوا القرآن إنما جاؤوا ~~ليجادلوك ويخاصموك لا ms1047 ليؤمنوا بها { يقول الذين كفروا إن هذا } أي ما هذا ~~القرآن { إلا أساطير الأولين } يعني أحاديث الأولين من الأمم الماضية ~~وأخبارهم وأقاصيصهم. وما سطروا: يعني وما كتبوا والأساطير جمع أسطورة ~~وأسطارة. وقيل: واحدها سطر وأسطار جمع وأساطير جمع الجمع فعلى هذا لو قال ~~قائل: لم عابوا القرآن وجعلوه أساطير الأولين وقد سطر الأولون في كتبهم ~~الحكم والعلوم النافعة وما لا يعاب قائله؟ أجيب عنه: بأنهم إنما نسبوا ~~القرآن إلى أساطير الأولين بمعنى أنه ليس بوحي من الله تعالى وإنما هو ~~أخبار مجردة كما تروى أخبار الأولين. وقيل في معنى أساطير الأولين: إنها ~~الترهات وهي عند العرب طرق غامضة ومسالك وعرة مشكلة. يقول قائلهم: أخذنا ~~في الترهات، بمعنى عدلنا عن الطريق الواضح إلى الطريق المشكل الذي لا ~~يعرض فجعلت الترهات مثلا لما لا يعرف ولا يتضح من الأمور المشكلة ~~الغامضة التي لا أصل لها. قوله عز وجل: { وهم ينهون عنه } يعني ينهون ~~الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم { وينأون عنه } يعني ويتباعدون ~~عنه بأنفسهم نزلت في كفار مكة كانوا يمنعون الناس عن الإيمان بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وعن الاجتماع به وينهون عن استماع القرآن وكانوا هم كذلك. # وقال ابن عباس: نزلت في أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى ~~المشركين عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ويمنعه منهم وينأى هو بنفسه عن ~~الإيمان به بمعنى يبعد حتى روي أنه اجتمع إليه رؤوس المشركين وقالوا له ~~خذ شابا من أصبحنا وجها وادفع إلينا محمد. فقال: ما أنصفتموني أدفع ~~إليكم ابني محمدا لتقتلوه، وأربي لكم ابنكم وروي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم دعا أبا طالب إلى الإيمان فقال لولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينك ~~ولكن أذب عنك ما حييت وقال في ذلك أبياتا: # والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما ~~عليك غضاضة وابشر بذاك وقر منه عيونا ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ولقد ~~صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت دينا ms1048 قد علمت بأنه من خير أديان البرية ~~دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا # وقوله تعالى: { وإن يهلكون إلا أنفسهم } يعني لا يرجع وبال كفرهم وفعلهم ~~إلا عليهم { وما يشعرون } يعني بذلك. ### || [6.27-30] # قوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } يعني في النار فوضع على ~~موضع في: كقوله: # على ملك سليمان # [البقرة: 102] أي في ملك سليمان وقيل معناه إذ عرضوا على النار وجواب لو ~~محذوف. والمعنى: ولو ترى الكفار الذين ينهون عنك وينأون عنك يا محمد في ~~تلك الحالة لرأيت أمرا عجيبا وموقفا فظيعا { فقالوا } يعني الكفار { ~~يا ليتنا نرد } يعني إلى الدنيا { ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين } تمنوا أن يردوا إلى الدنيا مرة أخرى حتى يؤمنوا ولا يكذبوا ~~بآيات ربهم فرد الله عليهم ذلك فقال تعالى: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون ~~من قبل } يعني ليس الأمر كما قالوا لو ردوا إلى الدنيا لأمنوا بل ظهر لهم ~~ما كانوا يسرون في الدنيا من الكفر والمعاصي. وقيل: ظهر لهم ما كانوا ~~يخفون من قولهم والله ربنا ما كنا مشركين أخفوا شركهم وكتموه فأظهره الله ~~عليهم حين شهدت عليهم جوارحهم بما كتموا وستروا من شركهم وقيل ظهر لهم ما ~~أخفوا من الكفر فعلى هذا تكون الآية في المنافقين { ولو ردوا لعادوا لما ~~نهوا عنه وإنهم لكاذبون } يعني في قولهم لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب ~~بآيات ربنا ونكون من المؤمنين: { وقالوا إن هذه إلا حياتنا الدنيا وما ~~نحن بمبعوثين } وهذا خبر عن حال منكري البعث وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما أخبر الكفار عن أحوال القيامة وأهوالها وما أعد الله في الآخرة ~~من الثواب للمؤمنين المطيعين وما أعد الله من العقاب للكفار والعاصين ~~قالوا، يعني الكفار، إن هي أي ما هي إلا حياتنا الدنيا، أي، ليس لنا غير ~~هذه الدنيا التي نحن فيها وما نحن بمبعوثين يعني بعد الموت. وقال عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم: هذا خبر من الله عن هؤلاء الكفار ms1049 الذين وقفوا على ~~النار أنهم لو ردوا إلى الدنيا لقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن ~~بمبعوثين. قوله عز وجل: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } يعني على حكم ربهم ~~وقضائه ومسألته وقال مقاتل عرضوا على ربهم { قال أليس هذا بالحق } أي ~~يقول الله يوم القيامة أليس هذا البعث والنشر بعد الموت الذي كنتم ~~تنكرونه في الدنيا وتكذبون به وتقولون لا بعث ولا نشور حقا { قالوا بلى ~~وربنا } يعني أنهم اعترفوا بما كانوا ينكرونه فأجابوا وقالوا بلى والله ~~إنه لحق. وقيل: تقول لهم خزنة النار بأمر الله أليس هذا بالحق يعني ~~البعث حقا فأجابوا بقولهم بلى وربنا قال ابن عباس: للقيامة مواقف ففي ~~موقف ينكرون ويقولون والله ربنا ما كنا مشركين وفي موقف يعترفون بما ~~كانوا ينكرونه في الدنيا { قال فذوقوا العذاب } أي يقول الله لهم ذلك أو ~~الخزنة تقول لهم ذلك بأمر الله تعالى. وإنما خص لفظ الذوق، لأنهم في كل ~~حال يجدون ألم العذاب وجدان الذائق في شدة الإحساس { بما كنتم تكفرون } ~~يعني هذا العذاب بسبب كفركم وجحودكم البعث بعد الموت. ### || [6.31-33] # قوله تعالى: { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } يعني خسروا أنفسهم بسبب ~~تكذيبهم بالمصير إلى الله تعالى وبالبعث بعد الموت وهذا الخسران هو فوت ~~الثواب العظيم في دار النعيم المقيم وحصول العذاب الأليم، في دركات ~~الجحيم { حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة } يعني جاءتهم القيامة فجأة وسميت ~~القيامة ساعة: لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها أحد إلا الله ~~تبارك وتعالى. وقيل: سميت ساعة لسرعة الحساب فيها لأن حساب الخلائق يوم ~~القيامة يكون في ساعة أو أقل من ذلك { قالوا } يعني منكري البعث وهم كفار ~~قريش ومن سلك سبيلهم في الكفر والاعتقاد { يا حسرتنا } يعني: يا ندامتنا ~~والحسرة التلهف على الشيء الفائت وذكرت على وجه النداء للمبالغة والمراد ~~تنبيه المخاطبين على ما وقع بهم من الحسرة { على ما فرطنا } يعني قصرنا { ~~فيها } يعني في الدنيا لأنها موضع التفريط في الأعمال الصالحة والمعنى يا ~~حسرتنا على ms1050 الأعمال الصالحة التي فرطنا فيها في دار الدنيا. وقال محمد بن ~~جرير الطبري: الهاء والألف في قوله فيها تعود إلى الصفقة ولكن اكتفى ~~بدلالة قوله قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله عليها من ذكرها إذ كان ~~معلوما أن الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرى ومعنى الآية قد وكس ~~الذين كذبوا بلقاء الله ببيعهم الإيمان الذي يستوجبون به رضوان الله ~~وجنته بالكفر الذي يستوجبون به سخط الله وعقوبته وهم لا يشعرون بذلك حتى ~~تقوم الساعة. فإذا جاءتهم الساعة بغتة ورأوا ما لحقهم من الخسران في ~~بيعهم قالوا حينئذ: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وروى الطبرى بسنده عن ~~أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله يا حسرتنا، قال: # " يرى أهل النار منازلهم في الجنة فيقولون يا حسرتنا ". # وقوله تعالى: { وهم يحملون أوزارهم } يعني أثقالهم: { على ظهورهم } ~~والأوزار: الخطايا والذنوب. وأصل الوزر: الثقل والحمل. يقال: وزرته إذا ~~حملته وإنما قيل للذنوب أوزار، لأنها تثقل ظهر من يحملها. قال قتادة ~~والسدي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا ~~فيقول هل تعرفني؟ فيقول لا فيقول أنا عملك الصالح فاركبني فقد طالما ~~ركبتك في الدنيا فذلك قوله: # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا # [مريم: 85] يعني ركبانا. وأما الكافر فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ~~ريحا فيقول هل تعرفني؟ فيقول لا فيقول أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في ~~الدنيا فأنا اليوم أركبك فذلك معنى قوله { وهم يحملون أوزراهم على ظهورهم ~~}. وقال عمر بن هانئ: يحشر مع كل كافر عمله في صورة رجل قبيح كلما رأى هو ~~صورته وقبحه زاده الله خوفا فيقول له بئس الجليس أنت فيقول أنا عملك ~~طالما ركبتني فلأركبنك اليوم حتى أخزيك على رؤوس الخلائق فيركبه ويتخطى ~~به الناس حتى يقف بين يدي ربه تعالى فذلك قوله تعالى: { وهم يحملون ~~أوزارهم على ظهورهم }. # وقال الزجاج: الثقل كما يذكر في الوزن فقد يذكر في الحال والصفة يقال ~~ثقل علي كلام فلان بمعنى كرهته ms1051 فالمعنى أنهم يقاسون من ألم عقاب ذنوبهم ~~مقاساة تثقل ذلك عليهم فعلى هذا القول يكون قوله { وهم يحملون أوزارهم ~~على ظهورهم } مجازا عما يقاسونه من شدة العذاب. وقيل في معنى الآية: ~~أوزارهم لا تزايلهم كما تقول شخصه نصب عيني أي ذكره ملازم لي { ألا ساء ~~ما يزرون } يعني بئس الشيء شيئا يحملونه. وقال ابن عباس: بئس الحمل ~~حملوا. قوله عز وجل: { وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو } أي باطل وغرور ~~لا بقاء لها وهذا فيه رد على منكري البعث في قولهم # إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين # [الأنعام: 29] فقال الله ردا عليهم وكذبا لهم { وما الحياة الدنيا ~~إلا لعب ولهو } وهل المراد بهذه الحياة حياة المؤمن أو الكافر قولان: ~~أحدهما: إن المراد بها حياة الكافر لأن المؤمن لا يزداد بحياته في الدنيا ~~إلا خيرا لأنه يحصل في أيام حياته من الأعمال الصالحة والطاعة، ما يكون ~~سببا لحصول السعادة في الآخرة وأما الكافر فإن كل حياته في الدنيا وبال ~~عليه قال ابن عباس يريد حياة أهل الشرك والنفاق. والقول الثاني: إن هذا ~~عام في حياة المؤمن والكافر لأن الإنسان يلتذ باللعب واللهو ثم عند ~~انقضائه تحصل له الحسرة والندامة لأن الذي كان فيه من اللعب واللهو سريع ~~الزوال لا بقاء له فبان بهذا التقرير أن المراد بهذه الحياة حياة المؤمن ~~والكافر وأنه عام فيهما. وإنما شبه الحياة الدنيا باللعب واللهو لسرعة ~~زوالها وقصر عمرها كالشيء الذي يلعب به. وقيل: معناه إن أمر الدنيا ~~والعمل لها لعب ولهو فأما فعل الخير والعمل الصالح فهو من فعل الآخرة وإن ~~كان وقوعه في الدنيا وقيل معناه وما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو ~~لأنه لا يجدي شيئا ولاشتغالهم عما أمروا به ونسبوا إلى اللعب وقوله ~~تعالى: { وللدار الآخرة } يعني الجنة واللام فيه لام القسم تقديره والله ~~لدار الآخرة { خير } يعني من الدنيا وأفضل لأن الدنيا سريعة الزوال ~~والانقطاع { للذين يتقون } يعني الشرك. وقيل: يتقون اللعب واللهو { أفلا ~~تعقلون } إن الآخرة خير ms1052 من الدنيا فيعملون لها. قوله تعالى: { قد نعلم ~~إنه ليحزنك الذي يقولون } يعني قد نعلم يا محمد إنه ليحزنك الذي يقوله ~~المشركون لك، قال السدي: التقى الأخنس بن شريق أبو جهل بن هشام فقال ~~الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس ~~هنا أحد يسمع كلامك غيري؟ فقال أبو جهل: والله إن محمدا لصادق وما كذب ~~محمد قط ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة ~~فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله هذه الآية وقال ناجبة بن كعب: قال أبو ~~جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما نتهمك ولا نكذبك ولكنا نكذب الذي جئت ~~به، فأنزل الله هذه الآية. # عن علي بن أبي طالب أن أبا جهل قال للنبي إنا لا نكذبك ولكنا نكذب بما ~~جئت به فأنزل الله فيهم { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون } أخرجه الترمذي من طريقين وقال في أحدهما وهذا أصح، ففي هذا ~~الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية عما يواجهه به قومه لأنهم ~~كانوا يعتقدون صدقه وأنه ليس بكذاب وإنما حملهم على تكذيبه في الظاهر ~~الحسد والظلم: { فإنهم لا يكذبونك } يعني أنهم لا يكذبونك في السر، لأنهم ~~قد عرفوا أنك صادق { ولكن الظالمين } يعني الكافرين { بآيات الله يجحدون ~~} يعني في العلانية وذلك أنهم جحدوا القرآن بعد معرفة الصدق الذي أنزل ~~عليه لعنادهم وكفرهم كما قال الله تعالى في حق غيرهم، وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا. وقيل: ظاهر الآية يدل على أنهم لم ~~يكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم وإنما جحدوا آيات الله وهي القرآن ~~الدال على صدقه، فعلى هذا يكون المعنى: فإنهم لا يكذبونك لأنهم قد عرفوا ~~صدقك وإنما جحدوا صحة نبوتك ورسالتك. ### || [6.34-35] # قوله عز وجل: { ولقد كذبت رسل من قبلك } يعني ولقد كذبت الأمم الخالية ~~رسلهم كما كذبك قومك: { فصبروا على ما كذبوا وأوذوا } يعني أن الرسل ~~عليهم السلام صبروا على تكذيب قومهم إياهم وصبروا على أذاهم، فاصبر أنت ms1053 ~~يا محمد على تكذيب قومك وأذاهم لك كما صبر من كان قبلك من الرسل وهذا ~~فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وإزالة حزنه على تكذيب قومه له ~~وأذاهم إياه { حتى أتاهم نصرنا } يعني بإهلاك من كذبهم { ولا مبدل لكلمات ~~الله } يعني ولا ناقض لما حكم الله به من إهلاك المكذبين ونصر المسلمين ~~كما قال # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم ~~الغالبون # [الصافات: 171-173] وقال الله تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21] ولا خلف فيما وعد الله به. وقوله تعالى: { ولقد جاءك من ~~نبأ المرسلين } يعني ولقد أنزلت عليك في القرآن من أخبار المرسلين ما فيه ~~تسلية لك وتسكين لقلبك. وقال الأخفش: من هنا صلة كما تقول أصابنا من مطر ~~وقال غيره بل هي للتبعيض لأن الواصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قصص بعض الأنبياء وأخبارهم كما قال تعالى: # منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك # [غافر: 78] قوله تعالى: { إن كان كبر عليك إعراضهم } ذكر ابن الجوزي في ~~سبب نزول هذه الآية: أن الحارث بن عامر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في نفر من قريش فقال: ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات ~~فإن فعلت آمنا بك فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عباس. ومعنى ~~الآية: وإن كان عظم عليك يا محمد إعراض هؤلاء المشركين عنك وعن تصديقك ~~والإيمان بك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان قومه أشد ~~الحرص وكان إذا سألوه آية أحب أن يريهم الله ذلك طمعا في إيمانهم فقال ~~الله عز وجل: { فإن استطعت أن تبتغي } يعني تطلب وتتخذ { نفقا في الأرض ~~} يعني سربا في الأرض والنفق سرب في الأرض تخلص منه إلى مكان آخر { أو ~~سلما في السماء } يعني: أو تتخذ مصعدا إلى السماء والسلم المصعد وهو ~~مشتق من السلامة { فتأتيهم بآية } يعني بالآية: التي سألوا عنها. ومعنى ~~الآية وإن كان كبر وعظم عليك إعراض قومك عن ms1054 الإيمان بك فإن قدرت أن تذهب ~~في الأرض أو تصعد إلى السماء فتأتيهم بآية تدلهم على صدقك فافعل وإنما ~~حسن حذف جواب الشرط لأنه معلوم عند السامع والمقصود من هذا أن يقطع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم طمعه عن إيمانهم ولا يتأذى بسبب إعراضهم عنه وعن ~~الإيمان به ويدل عليه قوله تعالى: { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } ~~أخبر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم إنما تركوا الإيمان ~~وأعرضوا عنه وأقبلوا على الكفر بمشيئة الله تعالى ونافذ قضائه فيهم وأنه ~~لو شاء لجمعهم على الهدى: { فلا تكونن من الجاهلين } يعني بأن لو شاء ~~الله لجمعهم على الهدى وأنه يؤمن بك بعضهم دون بعض وقيل معناه لا يشتد ~~تحسرك على تكذيبهم، إياك ولا تجزع من إعراضهم عنك فتقارب حال الجاهلين ~~الذين لا صبر لهم وإنما نهاه عن هذه الحالة وغلظ له الخطاب تبعيدا له ~~عن هذه الحالة. ### || [6.36-38] # قوله عز وجل: { إنما يستجيب الذين يسمعون } يعني المؤمنين الذين فتح ~~الله أسماع قلوبهم فهم يسمعون الحق ويستجيبون له ويبغونه وينتفعون به دون ~~من ختم الله على سمع قلبه وهو قوله { الموتى } يعني الكفار الذين لا ~~يسمعون ولا يستجيبون { يبعثهم الله } يعني يوم القيامة { ثم إليه يرجعون ~~} فيجزيهم بأعمالهم { وقالوا } يعني رؤساء كفار قريش { لولا } يعني هلا { ~~نزل عليه آية من ربه } يعني الملك ليشهد لمحمد بالنبوة وقيل الآية ~~المعجزة الباهرة كمثل معجزات الأنبياء { قل } يعني قل لهم يا محمد { إن ~~الله قادر على أن ينزل آية } يعني أنه تعالى قادر على إيجاد ما طلبوه ~~وإنزال ما اقترحوه من الآيات والمعجزات الباهرات { ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~} يعني ماذا عليهم في إنزالها من العذاب إن لم يؤمنوا بها وقيل معناه ~~إنهم لا يعلمون أن الله قادر على إنزال الآيات وقيل إنهم لا يعلمون وجه ~~المصلحة في إنزالها قوله تعالى: { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير ~~بجناحيه إلا أمم أمثالكم } قال العلماء: جميع ما خلق الله عز وجل لا ms1055 يخرج ~~عن هاتين الحالتين إما أن يدب على الأرض، أو يطير في الهواء، حتى ألحقوا ~~حيوان الماء بالطير، لأن الحيتان تسبح في الماء كما أن الطير يسبح في ~~الهواء. وإنما خص ما في الأرض بذكر دون ما في السماء وإن كان ما في ~~السماء مخلوقا لأن الاحتجاج بالشاهد أظهر وأولى مما لا يشهد وإنما ذكر ~~الجناح في قوله بجناحيه للتوكيد كقولك كتبت بيدي ونظرت بعيني إلا أمم ~~أمثالكم. قال مجاهد: أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها. يريدون أن كل جنس من ~~الحيوان أمة فالطير أمة والدواب أمة والسباع أمة تعرف بأسمائها مثل بني ~~آدم يعرفون بأسمائهم كما يقال الإنس والناس ويدل على أن كل جنس من الدواب ~~أمة ما روي عن عبد الله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم ~~" # أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. فإن قلت ثبت بالآية والحديث أن ~~الدواب والطير أمم أمثالنا وهذه المماثلة لم تحصل من كل الوجوه فيما يظهر ~~لنا فما وجه هذه المماثلة. قلت: اختلف العلماء في وجه هذه المماثلة فقيل: ~~إن هذه الحيوانات تعرف الله وتوحده وتسبحه وتصلي له كما أنكم تعرفون ~~الله وتوحدونه وتسبحونه وتصلون له. وقيل: إنها مخلوقة لله كما أنكم ~~مخلوقون لله عز وجل وقيل إنها يفهم بعضها عن بعض ويألف بعضها بعضا كما ~~أن جنس الإنسان يألف بعضهم بعضا ويفهم بعضهم عن بعض. وقيل: أمثالكم في ~~طلب الرزق وتوقي المهالك ومعرفة الذكر والأنثى. # وقيل: أمثالكم في الخلق والموت والبعث بعد الموت للحساب حتى يقتص للجماء ~~من القرناء وهو قوله تعالى: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } يعني في اللوح ~~المحفوظ لأنه يشمل جميع أحوال المخلوقات وقيل إن المراد بالكتاب القرآن ~~يعني أن القرآن مشتمل على جميع الأحوال: { ثم إلى ربهم يحشرون } يعني ~~الدواب والطير قال ابن عباس: حشرها موتها. وقال أبو هريرة يحشر الله ~~الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شيء فيأخذ للجماء ms1056 من ~~القرناء ثم يقول كوني ترابا م. عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاء ~~القرناء " ### || [6.39-43] # قوله عز وجل: { والذين كذبوا بآياتنا } يعني بالقرآن وبمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وقيل: كذبوا بحجج الله وأدلته على توحيده { صم } يعني عن سماع ~~الحق { وبكم } يعني عن النطق به والمعنى أنهم في حال كفرهم وتكذيبهم كمن ~~لا يسمع ولا يتكلم، ولهذا شبه الكفار بالموتى لأن الميت لا يسمع ولا ~~يتكلم { في الظلمات } يعني في ظلمات الكفر، حائرين مترددين فيها لا ~~يهتدون سبيلا { من يشأ الله يضلله } يعني عن الإيمان { ومن يشأ يجعله ~~على صراط مستقيم } يعني ومن يشأ يجعله الله على دين الإسلام وفي هذا دليل ~~على أن الهادي والمضل هو الله تعالى فمن أحب هدايته وفقه بفضله وإحسانه ~~للإيمان به ومن أحب ضلالته تركه على كفره وهذا عدل منه لأنه تعالى هو ~~الفاعل المختار لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. قوله تعالى: { قل أرأيتكم } ~~يعني: قل يا محمد لهؤلاء الكفار الذين تركوا عبادة الله عز وجل وعبدوا ~~غيره من الأصنام أخبروني تقول العرب أرأيتك بمعنى أخبرنا بحالك وأصله ~~أرأيتم والكاف فيه للتأكيد: { إن أتاكم عذاب الله } يعني قبل الموت مثل ~~ما نزل بالأمم الماضية الكافرة من: الغرق والخسف والمسخ والصواعق ونحو ~~ذلك من العذاب { أو أتتكم الساعة } يعني القيامة { أغير الله تدعون } ~~يعني في كشف العذاب عنكم { إن كنتم صادقين } يعني في دعواكم. ومعنى الآية ~~أن الكفار كانوا إذا نزل بهم شدة وبلاء رجعوا إلى الله بالتضرع والدعاء ~~وتركوا الأصنام فقيل لهم: أترجعون إلى الله في حال الشدة والبلاء ولا ~~تعبدونه ولا تطيعونه في حال اليسر والرخاء؟ { بل إياه تدعون } يعني بل ~~تدعون الله، ولا تدعون غيره في كشف ما نزل بكم { فيكشف ما تدعون إليه إن ~~شاء } يعني فيكشف الضر الذي من أجله دعوتموه وإنما قيد الإجابة بالمشيئة ~~رعاية للمصلحة وإن كانت الأمور كلها بمشيئة ms1057 الله تعالى: { وتنسون ما ~~تشركون } يعني: وتتركون دعاء الأصنام التي تعبدونها فلا تدعونها لعلمكم ~~أنها لا تضر ولا تنفع وقيل معناه أنكم في ترككم دعاء الأصنام بمنزلة من ~~قد نسيها وهذا معنى قول الحسن لأنه قال وتعرضون عنها إعراض الناس لها. ~~قوله تعالى: { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك } في الآية محذوف والتقدير ~~ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك يا محمد رسلا فخالفوهم وكفروا وحسن هذا ~~الحذف لكونه معلوما عند السامع { فأخذناهم بالبأساء } يعني بالفقر ~~الشديد وأصله من البؤس وهو الشدة والمكروه وقيل: البأساء، شدة الجوع { ~~والضراء } يعني الأمراض والأوجاع والزمانة { لعلهم يتضرعون } يعني يخضعون ~~ويتوبون والتضرع التخشع والتذلل والانقياد وترك التمرد وأصله من الضراعة ~~وهي الذلة. ومقصود الآية، أن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قد أرسل من قبله رسلا إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا ~~بالبأساء والضراء وهي الشدة في النفس والمال فلم يخضعوا ولم يتضرعوا ففيه ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم { فلولا } يعني فهلا { إذ جاءهم بأسنا ~~تضرعوا } معناه نفي التضرع فلم يتضرعوا { ولكن قست قلوبهم } يعني ولكن ~~غلظت قلوبهم فلم تضرع ولم تخشع بل أقاموا على كفرهم وتكذيبهم رسلهم { ~~وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } يعني من الكفر والتكذيب وتزيين ~~الشيطان إغواؤه بما في المعصية من اللذة. قال ابن عباس: يريد زين الشيطان ~~الضلالة التي كانوا عليها فأصروا على معاصي الله عز وجل. ### || [6.44-45] # قوله عز وجل: { فلما نسوا ما ذكروا به } أي تركوا ما وعظوا به وقيل ~~تركوا العمل بما أمرتهم به الرسل وإنما كان النسيان بمعنى الترك لأن ~~التارك للشيء معرضا عنه كأنه قد صيره بمنزلة ما قد نسي { فتحنا عليهم ~~أبواب كل شيء } يعني بدلنا مكان البأساء والرخاء والسعة في الرزق والعيش ~~ومكان الضراء الصحة والسلامة في الأبدان والأجسام وذلك استدراج منه لهم. ~~وقيل: فتحنا عليهم أبواب كل شيء من الخير كان مغلقا عنهم { حتى إذا ~~فرحوا بما أوتوا } يعني فرحوا بما أوتوا من السعة والرخاء والصحة ms1058 في ~~الأبدان والمعيشة وظنوا أن ما كان نزل بهم من الشدة لم يكن انتقاما من ~~الله تعالى فإنهم لما فتح الله عليهم ما فتح من الخير والسعة فرحوا به ~~وظنوا أن ذلك باستحقاقهم وهذا فرح بطر كما فرح قارون بما أوتي من الدنيا ~~{ أخذناهم بغتة } يعني جاءهم عذابنا فجأة من حيث لا يشعرون قال الحسن مكر ~~بالقوم ورب الكعبة، وقال أهل المعاني: إنما أخذوا في حال الرخاء والسلامة ~~ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية والتصرف فى ضروب ~~اللذة، فأخذناهم في آمن ما كانوا وأعجب ما كانت الدنيا إليهم { فإذا هم ~~مبلسون } أى آيسون من كل خير، وقال الفراء المبلس اليائس المتقطع رجاءه ~~ولذلك يقال لمن يسكت عند انقطاع حجته ولا يكون له جواب قد أبلس وقال ~~الزجاج المبلس الشديد الحزن والحسرة وقال أبو عبيدة المبلس النادم ~~والحزين والإبلاس هو الإطراق من الحزن والندم روى عقب بن عامر ان النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته فإنما ذلك ~~استدراج ثم تلا { فلما نسوا ما ذكروا به } الآية " # ذكره البغوي بغير سند وأسند ه الطبري. وقوله تعالى: { فقطع دابر القوم ~~الذين ظلموا } أي آخرهم الذي يدبرهم. يقال: دبر فلان القوم، إذا كان ~~آخرهم. والمعنى: أنهم استؤصلوا بالعذاب فلم تبق منهم باقية { والحمد لله ~~رب العالمين } قال الزجاج: حمد الله نفسه على أن قطع دابرهم واستأصل ~~شأفتهم ومعنى هذا أن قطع دابرهم نعمة أنعم الله بها على الرسل الذين ~~أرسلوا اليهم فكذبوهم فذكر الحمد تعليما للرسل ولمن آمن بهم ليحمدوا ~~الله على كفايتهم إياهم شر الذين ظلموا وليحمد محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه ربهم، إذ أهلك المشركين المكذبين. وقيل: معناه الثناء الكامل ~~والشكر الدائم لله رب العالمين على إنعامه على رسله وأهل طاعته بإظهار ~~حجتهم على من خالفهم وإهلاك أعدائهم واستئصالهم العذاب. ### || [6.46-51] # قوله تعالى: { قل أرأيتم } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: { إن أخذ ~~الله سمعكم ms1059 } يعني الذي تسمعون به فأصمكم حتى لا تسمعوا شيئا { وأبصاركم ~~} يعني وأخذ أبصاركم التي تبصرون بها فأعماكم حتى لا تبصروا شيئا أصلا ~~{ وختم على قلوبكم } يعني لا تفقهوا شيئا أصلا ولا تعرفوا شيئا مما ~~تعرفون من أمور الدنيا. وإنما ذكر هذه الأعضاء الثلاثة، لأنها أشرف أعضاء ~~الإنسان فإذا تعطلت هذه الأعضاء، اختل نظام الإنسان وفسد أمره وبطلت ~~مصالحه في الدين والدنيا. ومقصود هذا الكلام ذكر ما يدل على وجود الصانع ~~الحكيم المختار وتقريره أن القادر على إيجاد هذه الأعضاء وأخذها هو الله ~~تعالى المستحق للعبادة لا الأصنام التي تعبدونها وهو قوله تعالى: { من ~~إله غير الله يأتيكم به } يعني يأتيكم بما أخذ الله منكم لأن الضمير في ~~به يعود على معنى الفعل ويجوز أن يعود على السمع الذي ذكر أولا ويندرج ~~تحته غيره { انظر } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل معه غيره أن ~~انظر يا محمد { كيف نصرف الآيات } يعني كيف نبين لهم العلامات الدالة على ~~التوحيد والنبوة { ثم هم يصدفون } يعني يعرضون عنها مكذبين لها { قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة } يعني فجأة { أو جهرة } يعني معاينة ~~ترونه عند نزوله، وقال ابن عباس ليلا أو نهارا { هل يهلك إلا القوم ~~الظالمون } يعني المشركين لأنهم ظلموا أنفسهم بالشرك. قوله عز وجل: { وما ~~نرسل المرسلين إلا بمشرين } يعني لمن آمن بالثواب { ومنذرين } يعني لمن ~~أقام على كفره بالعقاب والمعنى ليس في إرسالهم أن يأتوا الناس بما ~~يقترحون عليهم من الآيات إنما أرسلوا بالبشارة والنذارة { فمن آمن وأصلح ~~} يعني آمن بهم وأصلح العمل لله { فلا خوف عليهم } يعني حين يخاف أهل ~~النار { ولا هم يحزنون } أي إذا حزن غيرهم { والذين كذبوا بآياتنا يمسهم ~~العذاب } يعني يصيبهم العذاب { بما كانوا يفسقون } يعني بسبب ما كانوا ~~يكفرون ويخرجون عن الطاعة. قوله تعالى: { قل لا أقول لكم } الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم يعني: قل يا محمد لهؤلاء المشركين لا أقول لكم { عندي ~~خزائن الله } نزلت حين اقترحوا عليه الآيات فأمره الله تعالى ms1060 أن يقول لهم ~~إنما بعثت بشيرا ونذيرا ولا أقول لكم عندي خزائن الله جمع خزانة وهي ~~اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي ~~والمعنى ليس عندي خزائن رزق الله فأعطيكم منها ما تريدون لأنهم كانوا ~~يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إن كنت رسولا من الله فاطلب منه أن ~~يوسع علينا عيشنا ويغني فقرنا فأخبر أن ذلك بيد الله لا بيدي { ولا أعلم ~~الغيب } يعني فأخبركم بما مضى وما سيقع في المستقبل، وذلك أنهم قالوا له: ~~أخبرنا بمصالحنا ومضارنا في المستقبل حتى نستعد لتحصيل المصالح ودفع ~~المضار، فأجابهم بقوله: ولا أعلم الغيب فأخبركم بما تريدون { ولا أقول ~~لكم إني ملك } وذلك أنهم قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق ويتزوج النساء؟ فأجابهم بقوله: ولا أقول لكم إني ملك لأن الملك ~~يقدر على ما لا يقدر عليه البشر ويشاهد ما لا يشاهدون فلست أقول شيئا من ~~ذلك ولا أدعيه فتنكرون قولي وتجحدون أمري. # وإنما نفى عن نفسه الشريفة هذه الأشياء تواضعا لله تعالى واعترافا له ~~بالعبودية وأن لا يقترحوا عليه الآيات العظام { إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~} يعني ما أخبركم إلا بوحي من الله أنزله علي ومعنى الآية أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أعلمهم أنه لا يملك خزائن الله التي منها يرزق ويعطي وأنه ~~لا يعلم الغيب فيخبر بما كان وما سيكون وأنه ليس بملك حتى يطلع على ما لا ~~يطلع عليه البشر إنما يتبع ما يوحى إليه من ربه عز وجل فما أخبر عنه من ~~غيب بوحي الله إليه وظاهر الآية يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما ~~كان يجتهد في شيء من الأحكام بل جميع أوامره ونواهيه إنما كانت بوحي من ~~الله إليه { قل هل يستوي الأعمى والبصير } يعني: المؤمن والكافر والضال ~~والمهتدي والعالم والجاهل { أفلا تتفكرون } يعني أنهما لا يستويان. قوله ~~عز وجل: { وأنذر به } يعني وخوف بالقرآن والإنذار إعلام مع تخويف { الذين ~~يخافون أن يحشروا ms1061 إلى ربهم }. قال ابن عباس: يريد المؤمنين لأنهم يخافون ~~يوم القيامة وما فيه من شدة الأهوال. وقيل: معنى يخافون يعلمون والمراد ~~بهم كل معترف بالبعث من مسلم وكتابي وإنما خص الذين يخافون الحشر بالذكر ~~دون غيرهم وإن كان إنذاره صلى الله عليه وسلم لجميع الخلائق لأن الحجة ~~عليهم أوكد من غيرهم لاعترافهم بصحة المعاد والحشر. وقيل: المراد بهم ~~الكفار لأنهم لا يعتقدون صحة ولذلك قال: يخافون أن يحشروا إلى ربهم، ~~وقيل: المراد بالإنذار جميع الخلائق فيدخل فيه كل مؤمن معترف بالحشر وكل ~~كافر منكر له لأنه ليس أحد إلا وهو يخاف الحشر سواء اعتقد وقوعه أو كان ~~يشك فيه ولأن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وإنذاره لجميع الخلق { ليس ~~لهم من دونه } يعني من دون الله { ولي } أي قريب ينفعهم { ولا شفيع } ~~يعني يشفع لهم ثم إن فسرنا الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم أن المراد ~~بهم الكفار فلا إشكال فيه لقوله تعالى: # ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع # [غافر: 18] وإن فسرنا الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم أن المراد بهم ~~المؤمنون ففيه إشكال، لأنه قد ثبت بصحيح النقل شفاعة نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم للمذنبين من أمته وكذلك تشفع الملائكة والأنبياء والمؤمنون ~~بعضهم لبعض والجواب عن هذا الإشكال أن الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله ~~لقوله عز وجل: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255] وإذا كانت الشفاعة بإذن الله صح قوله: { ليس لهم من دونه ~~ولي ولا شفيع } يعني حتى يأذن الله لهم في الشفاعة فإذا أذن فيها كان ~~للمؤمنين ولي وشفيع { لعلهم يتقون } يعني ما نهيتم عنه. ### || [6.52] # قوله تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } ~~قال سلمان وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية جاء الأقرع بن حابس ~~التميمي وعيينة بن حصن الفزاري وهما من المؤلفة قلوبهم فوجدوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم قاعدا مع صهيب وبلال وعمار وخباب في نفر من ضعفاء ~~المؤمنين فلما رأوهم حوله، حقروهم فأتوه ms1062 فقالوا: يا رسول الله لو جلست ~~في صدر المجلس ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم وكانت عليهم جباب صوف لها ~~رائحة ليس عليهم غيرها لجالسناك وأخذنا عنك فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " ما أنا بطارد المؤمنين " # قالوا: فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف به العرب فضلنا فإن وفود ~~العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك ~~فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فأقعدهم إن شئت. قال: نعم. قالوا فاكتب لنا ~~عليك بذلك كتابا. قال: فأتى بالصحيفة ودعا عليا ليكتب. قال: ونحن قعود ~~في ناحية إذا نزل جبريل عليه السلام بقوله: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي } إلى قوله { أليس الله بأعلم الشاكرين } فألقى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول سلام عليكم ~~كتب ربكم على نفسه الرحمة فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا ~~فأنزل الله تبارك وتعالى: # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي # [الكهف: 28] الآية فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد ذلك ~~وندنو منه حتى كانت ركبنا تمس ركبته فإذا بلغ الساعة التي يريد أن يقوم ~~فيها قمنا وتركناه حتى يقوم وقال لنا # " الحمد الله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم ~~المحيا ومعكم الممات " # وروي عن سعد بن أبي وقاص قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة ~~نفر فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترؤون ~~علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هزيل وبلال ورجلان لست أسميهما ~~فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه ~~فأنزل الله عز وجل: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه } أخرجه مسلم. وقال الكلبي: قالوا له، يعني أشراف قريش، اجعل لنا ~~يوما ولهم يوما. قال: لا أفعل. قالوا: فاجعل المجلس واحدا وأقبل علينا ~~وول ظهرك إليهم. فأنزل ms1063 الله هذه الآية. وقال مجاهد: قالت قريش لولا ~~بلال وابن أم عبد يعني ابن مسعود لبايعناك فأنزل الله تعالى هذه الآية. ~~وقال ابن مسعود: مر ملأ من قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب ~~وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء ~~بدلا من قومك هؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا أنحن نكون تبعا ~~لهؤلاء اطردهم فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فنزلت هذه الآية. # وقال عكرمة: جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عدي والحارث بن ~~نوفل في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب عم النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا ~~وحلفاءنا فإنهم عبيدنا وعسفاءنا، كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا ~~وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقنا له فأتى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فحدثه بالذي كلموه به فقال عمر بن الخطاب: لو فعلت ذلك حتى ننظر ماالذي ~~يريدون وإلى ماذا يصيرون فأنزل الله عز وجل هذه الآية # وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم # -إلى قوله- # أليس الله بأعلم بالشاكرين # [الأنعام: 51-53] فجاء عمر فاعتذر من مقالته. قلت بين هذه الروايات ~~الرواية الأولى التي عن سلمان وخباب بن الأرت فرق كثير وبعد عظيم، وهو أن ~~إسلام سلمان كان بالمدينة، وكان إسلام المؤلفة قلوبهم بعد الفتح وسورة ~~الأنعام مكية. والصحيح ما روي عن ابن مسعود والكلبي وعكرمة في ذلك، ~~ويعضده حديث سعد بن أبي وقاص المخرج في صحيح مسلم من أن المشركين قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء، يعني ضعفاء المسلمين، والله أعلم. ~~وأما معنى الآية فقوله: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } ~~الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم. يعني: ولا تطرد هؤلاء الضعفاء ولا ~~تبعدهم عن مجلسك لأجل ضعفهم وفقرهم. ثم وصفهم فقال تعالى { الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي } يعني صلاة الصبح وصلاة العصر. ويروى عنه أن المراد ~~منه الصلوات الخمس. ms1064 وإنما ذكر هذين الوقتين تنبيها على شرفهما ولأنهم ~~مواظبون عليهما مع بقية الصلوات، ولأن الصلوات تشتمل على القراءة والدعاء ~~والذكر فعبر بالدعاء عن الصلاة لهذا المعنى. قال مجاهد: صليت الصبح مع ~~سعيد بن المسيب فلما سلم الإمام ابتدر الناس القاص فقال سعيد بن المسيب: ~~ما أسرع الناس إلى هذا المجلس؟ فقال مجاهد: يتأولون قوله تعالى يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي قال أوفي هذا إنما هو في الصلاة التي انصرفنا عنها ~~الآن وقال ابن عباس إن ناسا من الفقراء كانوا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال ناس من أشراف الناس نؤمن لك وإذا صلينا فأخر هؤلاء الذين معك ~~فليصلوا خلفنا، وقيل: المراد منه حقيقة الدعاء والذكر والمعنى: أنهم ~~كانوا يذكرون ربهم ويدعونه طرفي النهار يريدون وجهه يعني يطلبون بعبادتهم ~~وطاعتهم وجه الله مخلصين في عبادتهم له. وقال ابن عباس: يطلبون ثواب الله ~~تعالى: { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء } يعني لا ~~تكلف أمرهم ولا يكلفون أمرك. # وقيل: ما عليك حسابهم رزقهم فتملهم وتطردهم عنك ولا رزقك عليهم إنما ~~الرازق لجميع الخلق هو الله تعالى فلا تطردهم عنك: { فتطردهم فتكون من ~~الظالمين } يعني بطردهم عنك وعن مجلسك. فقوله: فتطردهم، جواب النفي وهو ~~قوله ما عليك من حسابهم من شيء وقوله: فتكون من الظالمين، جواب النهي وهو ~~قوله ولا تطرد الذين يدعون ربهم واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام بهذه الآية فقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لما هم ~~بطرد الفقراء عن مجلسه لأجل الأشراف عاتبه الله على ذلك ونهاه عن طردهم ~~وذلك يقدح في العصمة وقوله فتطردهم فتكون من الظالمين والجواب عن هذا ~~الاحتجاج أن النبي صلى الله عليه وسلم ما طردهم ولا هم بطردهم، لأجل ~~استخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما كان هذا الهم لمصلحة وهي التلطف ~~بهؤلاء الأشراف في إدخالهم في الإسلام فكان ترجيح هذا الجانب أولى وهو ~~اجتهاد منه فأعلمه الله تعالى أن إدناء هؤلاء الفقراء أولى من الهم ~~بطردهم ms1065 فقربهم منه وأدناهم. وأما قوله فتطردهم فتكون من الظالمين فإن ~~الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه فيكون المعنى أن أولئك الفقراء ~~الضعفاء يستحقون التعظيم والتقريب فلا تهم بطردهم عنك فتضع الشيء في غير ~~موضعه فهو من باب ترك الأفضل والأولى لا من باب ترك الواجبات والله أعلم. ### || [6.53-54] # قوله عز وجل: { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } يعني وكذلك ابتلينا الغني ~~بالفقير، والفقير بالغني، والشريف بالوضيع، والوضيع بالشريف فكل أحد ~~مبتلى بضده فكان ابتلاء الأغنياء فالشرفاء حسدهم لفقراء الصحابة على ~~كونهم سبقوهم إلى الإسلام وتقدموا عليهم فامتنعوا من الدخول في الإسلام ~~لذلك فكان فتنة وابتلاء لهم، وأما فتنة الفقراء بالأغنياء، فلما يرون من ~~سعة رزقهم وخصب عيشهم فكان ذلك فتنة لهم { ليقولوا } يعني الأغنياء ~~والشرفاء والرؤساء { أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } يعني من على ~~الفقراء والضعفاء بالإسلام ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا ~~اعتراض من الكفار على الله تعالى فأجابهم بقوله: { أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين } يعني أنه تعالى أعلم بخلقه وبأحوالهم وأعلم بالشاكرين من ~~الكافرين: قوله تعالى: { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ~~} قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله نبيه عن طردهم فكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام. وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر ~~وعثمان وعلي وبلال وسالم بن أبي عبيدة ومصعب بن عمير وحمزة وجعفر وعثمان ~~بن مظعون وعمار بن ياسر والأرقم بن أبي الأرقم وأبي سلمة بن عبد الأسد ~~وقيل إن الآية على إطلاقها في كل مؤمن. وقيل: لما جاء عمر بن الخطاب ~~واعتذر من مقالته التي تقدمت في رواية عكرمة وقال: ما أردت إلا الخير، ~~نزلت وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم { كتب ربكم } يعني ~~فرض ربكم وقضى ربكم { على نفسه الرحمة } وهذا يفيد الوجوب وسبب هذا أنه ~~تعالى يتصرف في عباده كيف يشاء وأراد فأوجب على نفسه الرحمة على سبيل ~~الفضل والكرم لأنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين: { أنه من عمل منكم ~~سوءا بجهالة } قال ms1066 مجاهد: كل من عمل ذنبا أو خطيئة فهو بها جاهل ~~واختلفوا في سبب هذا الجهل فقيل لأنه جاهل بمقدار ما استحقه من العقاب ~~وما فاته من الثواب. وقيل إنه وإن علم أن عاقبة ذلك السوء والفعل القبيح ~~مذمومة إلا أنه آثر اللذة العاجلة على الخير الكثير الآجل ومن آثر القليل ~~على الكثير فهو جاهل وقيل إنه لما فعل فعل الجهال نسب إلى الجهل وإن لم ~~يكن جاهلا: { ثم تاب من بعده } يعني من بعد ارتكابه ذلك السوء ورجع عنه ~~{ وأصلح } يعني أصلح العمل في المستقبل، وقيل أخلص توبته وندم على فعله { ~~فأنه غفور } يعني لمن تاب من ذنوبه { رحيم } بعباده قال خالد بن دينار ~~كنا إذا دخلنا على أبي العالية قال: { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ~~فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة } الآية. عن أبي سعيد الخدري ~~قال: جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري ~~وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا فلما ~~قام علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت القارئ فسلم ثم قال ما كنتم ~~تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله كان قارئ لنا يقرأ علينا وكنا نستمع إلى كتاب ~~الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم " # وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطنا ليعدل بنفسه فينا ثم قال بيده ~~هكذا فتلحقوا وبرزت وجوههم، قال فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عرف منهم أحدا غيري. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون ~~الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك خمسمائة عام " # أخرجه أبو داود. ### || [6.55-57] # وقوله عز وجل: { وكذلك نفصل الآيات } يعني وكما فصلنا لك يا محمد في هذه ~~السورة دلائلنا على صحة التوحيد وإبطال ما هم عليه من الشرك كذلك نميز ~~ونبين لك أدلة حججنا وبراهيننا ms1067 على تقرير كل حق ينكره أهل الباطل { ~~ولتستبين } قرأ بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني وليظهر ~~لك الحق يا محمد ويتبين لك { سبيل المجرمين } يعني طريق هؤلاء المجرمين ~~وقرأ بالياء على الغيبة ومعناه ليظهر ويتضح سبيل المجرمين يوم القيامة ~~إذا صاروا إلى النار. قوله تعالى: { قل } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين ~~{ إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } يعني نهيت أن أعبد الأصنام ~~التي تعبدونها أنتم من دون الله وقيل تدعونها عند شدائدكم من دون الله ~~لأن الجمادات أخس من أن تعبد أو تدعى وإنما كانوا يعبدونها على سبيل ~~الهوى وهو قوله تعالى { قل لا أتبع أهواءكم } يعني في عبادة الأصنام وطرد ~~الفقراء { قد ضللت } يعني: { إذ } عبدتها { وما أنا من المهتدين } يعني ~~لو عبدتها { قل } يعني قل يا محمد لهؤلاء المشركين { إني على بينة من ربي ~~} قال ابن عباس: يعني على يقين من ربي، وقيل: البينة الدلالة التي تفصل ~~بين الحق والباطل والمعنى: إني على بيان وبصيرة في عبادة ربي { وكذبتم به ~~} يعني وكذبتم بالبيان الذي جئت به من عند ربي وهو القرآن والمعجزات ~~الباهرات والبراهين الواضحات التي تدل على صحة التوحيد وفساد الشرك { ما ~~عندي ما تستعجلون به } يعني العذاب، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم وكانوا يستعجلون به استهزاء وكانوا ~~يقولون: يا محمد ائتنا بما تعدنا يعني من نزول العذاب، فأمر الله تعالى ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: ما عندي ما تستعجلون به لأن إنزال ~~العذاب لا يقدر عليه إلا الله تعالى ولا يقدر أحد على تقديمه ولا تأخيره. ~~وقيل: كانوا يستعجلون بالآيات التي طلبوها واقترحوها فأعلم الله أن ذلك ~~عنده ليس عند أحد من خلقه. وقيل: كانوا يستعجلون بقيام الساعة ومنه قوله ~~تعالى يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها { إن الحكم إلا لله } يعني الحكم ~~الذي يفصل به بين الحق والباطل والثواب للطائع والعقاب للعاصي أي ما ~~الحكم المطلق إلا لله ms1068 ليس معه حكم فهو يفصل بين المختلفين ويقضي بإنزال ~~العذاب إذا شاء { يقص الحق } قرئ بالصاد المهملة. ومعناه: يقول الحق لأن ~~كل ما أخبر به فهو وحق وقرئ يقض بالضاد المعجمة من القضاء يعني أنه تعالى ~~يقضي القضاء الحق { وهو خير الفاصلين } يعني وهو خير من بين وفصل وميز ~~بين المحق والمبطل لأنه لا يقع في حكمه وقضائه جور ولا حيف على أحد من ~~خلقه. ### || [6.58-60] # { قل لو أن عندي ما تستعجلون به } يعني: من إنزال العذاب. والاستعجال، ~~المطالبة بالشيء قبل وقته، فلذلك كانت العجلة مذمومة، والإسراع تقديم ~~الشيء في وقته، فلذلك كانت السرعة محمودة. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء ~~المشركين المستعجلين لنزول العذاب لو أن عندي ما تستعجلون به لم أمهلكم ~~ساعة ولكن الله حليم ذو أناة لا يعجل بالعقوبة. قوله تعالى: { لقضي الأمر ~~بيني وبينكم } يعني لا نفصل ما بيني وبينكم ولأتاكم ما تستعجلون به من ~~العذاب { والله أعلم بالظالمين } يعني أنه أعلم بما يستحقون من العذاب ~~والوقت الذي يستحثونه فيه وقيل علم أنه سيؤمن بعض من كان يستعجل بالعذاب ~~فلذلك أخره عنهم قال والله أعلم بالظالمين وبأحوالهم. قوله عز وجل: { ~~وعنده مفاتح الغيب } المفتاح الذي يفتح به المغلاق جمعه مفاتيح ويقال فيه ~~تفتح بكسر الميم وجمعه مفاتح والمفتح بفتح الميم الخزانة وكل خزانة كانت ~~لصنف من الأشياء فهي مفتح وجمعه مفاتح فقوله وعنده مفاتح الغيب يحتمل أن ~~يكون المراد منه المفاتيح التي يفتح بها ويحتمل أن يكون المراد منه ~~الخزائن. فعلى التفسير الأول فقد جعل للغيب مفاتيح على طرق الاستعارة، ~~لأن المفاتيح هي التي يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها ~~بالإغلاق، فمن علم كيف يفتح بها ويتوصل إلى ما فيها، فهو عالم. وكذلك ها ~~هنا لأن الله تعالى لما كان عالما بجميع المعلومات وما غاب منها وما لم ~~يغب عن هذا المعنى بهذه العبارة. وعلى التفسير الثاني، يكون المعنى وعنده ~~خزائن الغيب والمراد منه القدرة الكاملة على كل الممكنات ثم اختلفت أقوال ~~المفسرين في قوله ms1069 وعنده مفاتح الغيب { لا يعلمها إلا هو } فقيل: مفاتيح ~~الغيب خمس وهي ما روي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله تعالى، لا يعلم أحد ما يكون في غد ~~إلا الله، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلا الله، ولا تعلم نفس ماذا ~~تكسب غدا، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يدري أحد متى يجيء المطر ". # وفي رواية أخرى: # " لا يعلم أحد ما تغيض الأرحام، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ~~متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا ~~يعلم متى الساعة إلا الله " # ، أخرجه البخاري. وقال الضحاك ومقاتل: مفاتح الغيب: خزائن الأرض، وعلم ~~نزول العذاب، وقال عطاء: هو ما غاب عنكم من الثواب والعقاب. وقيل: هو ~~انقضاء الآجال وعلم أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم أعمالهم. ~~وقيل: هو علم ما لم يكن بعد أن يكون إذ يكون كيف يكون وما لا يكون أن لو ~~كان كيف يكون وقال ابن مسعود: أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء إلا ~~مفاتح الغيب. # وقال ابن عباس: إنها خزائن غيب السموات والأرض من الأقدار والأرزاق { ~~ويعلم ما في البر والبحر } قال مجاهد: البر المفاوز والقفار، والبحر ~~القرى والأمصار لا يحدث فيها شيء إلا وهو يعلمه. وقال جمهور المفسرين: ~~هو البر والبحر المعروفان، لأن جميع الأرض إما بر وإما بحر وفي كل واحد ~~منهما من عجائب مصنوعاته وغرائب مبتدعاته ما يدل على عظيم قدرته وسعة ~~علمه { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } يريد ساقطة وثابتة والمعنى أنه ~~يعلم عدد ما يسقط من الورق وما بقي على الشجر من ذلك ويعلم كم انقلبت ~~ظهرا لبطن إلى أن تسقط على الأرض { ولا حبة في ظلمات الأرض } قيل: هو ~~الحب المعروف يكون في بطن الأرض قبل أن ينبت. وقيل: هي الحبة التي في ~~الصخرة التي في أسفل الأرضين { ولا رطب ولا ms1070 يابس } قال ابن عباس: الرطب ~~الماء واليابس البادية. وقال عطاء: يريد ما ينبت وما لا ينبت. وقيل: ~~المراد بالرطب الحي واليابس الميت. وقيل: هو عبارة عن كل شيء لأن جميع ~~الأشياء إما رطبة وإما يابسة. فإن قلت إن جميع هذه الأشياء داخلة تحت ~~قوله وعنده مفاتح الغيب فلم أفرد هذه الأشياء بالذكر وما فائدة ذلك؟. ~~قلت: لما قال الله تعالى وعنده مفاتح الغيب على سبيل الإجمال ذكر من بعد ~~ذلك الإجمال ما يدل على التفصيل، فذكر هذه الأشياء المحسوسة ليدل بها على ~~غيرها، فقدم ذكر البر والبحر لما فيهما من العجائب والغرائب من المدن ~~والقرى والمفاوز والجبال وكثرة ما فيها من المعادن والحيوان، وأصناف ~~المخلوقات مما يعجز الوصف عن إدراكها، ثم ذكر بعد ذلك ما هو أقل من ذلك ~~وهو مشاهد لكل أحد لأن الورقة الساقطة والثابتة يراها كل أحد، لكن لا ~~يعلم عددها وكيفية خلقها إلا الله تعالى ثم ذكر بعد ذلك ما هو أصغر من ~~الورقة وهي الحبة. ثم ذكر بعد ذلك مثالا يجمع الكل وهو الرطب واليابس ~~فذكر هذه الأشياء وأنه لا يخرج شيء منها عن علمه سبحانه وتعالى فصارت هذه ~~الأمثال منبهة على عظمة عظيمة وقدرة عالية وعلم واسع فسبحان العليم ~~الخبير. قوله تعالى: { إلا في كتاب مبين } فيه قولان: أحدهما أن الكتاب ~~المبين هو علم الله الذي لا يغير ولا يبدل. والثاني: أن المراد بالكتاب ~~المبين، هو اللوح المحفوظ، لأن الله كتب فيه علم ما يكون وما قد كان قبل ~~أن يخلق السموات والأرض. وفائدة إحصاء الأشياء كلها في هذا الكتاب، لتقف ~~الملائكة على إنفاذ علمه ونبه بذلك على تعظيم الحساب وأعلم عباده أنه لا ~~يفوته شيء مما يصنعونه لأنه من أثبت ما لا ثواب فيه ولا عقاب في كتاب فهو ~~إلى إثبات ما فيه ثواب وعقاب أسرع. قوله تعالى: { وهو الذي يتوفاكم ~~بالليل } يعني يقبض أرواحكم إذا نمتم بالليل { ويعلم ما جرحتم } ما كسبتم ~~{ بالنهار ثم يبعثكم فيه } أي يوقظكم فيه أي في النهار ms1071 { ليقضى أجل مسمى ~~} يعني أجل الحياة إلى الممات يريد استيفاء العمر على التمام { ثم إليه ~~مرجعكم } في الآخرة { ثم ينبئكم } أي يخبركم { بما كنتم تعملون }. ### || [6.61-63] # قوله تعالى: { وهو القاهر فوق عباده } يعني وهو العالي عليهم بقدرته لأن ~~كل من قهر شيئا وغلبه فهو مستعل عليه بالقهر والقدرة. فهو كما يقال: ~~أمر فلان فوق أمر فلان، يعني: أنه أقدر منه. وأغلب هذا مذهب أهل ~~التأويل في معنى لفظة فوق في قوله: { وهو القاهر فوق عباده } وأما مذهب ~~السلف. فيها: فإمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تأويل ولا إطلاق على ~~جهة والقاهر هو الغالب لغيره المذلل له والله تعالى هو القاهر لخلقه وقهر ~~كل شيء بضده فقهر الحياة بالموت والإيجاد بالإعدام والغنى بالفقر والنور ~~بالظلمة. وقوله تعالى: { ويرسل عليكم حفظة } يعني أن من جملة قهره لعباده ~~إرسال الحفظة عليهم والمراد بالحفظة الملائكة الذي يحفظون أعمال بني آدم ~~من الخير والشر والطاعة والمعصية وغير ذلك من الأقوال والأفعال قيل إن مع ~~كل إنسان ملكين ملكا عن يمينه وملكا عن شماله فإذا عمل حسنة كتبها صاحب ~~اليمين وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال اصبر عليه لعله يتوب ~~منها فإن لم يتب منها كتبها عليه صاحب الشمال. وفائدة جعل الملائكة ~~موكلين بالإنسان أنه إذا علم أن له حافظا من الملائكة موكلا به يحفظ ~~عليه أقواله وأفعاله في صحائف تنشر له وتقرأ عليه يوم القيامة على رؤوس ~~الأشهاد كان ذلك زاجرا له عن فعل القبيح وترك المعاصي. وقيل: المراد ~~بقوله ويرسل عليكم حفظة، هم الملائكة الذين يحفظون بني آدم ويحفظون ~~أجسادهم. قال قتادة: حفظة يحفظون على ابن آدم رزقه وأجله وعمله { حتى ~~إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا } يعني أعوان ملك الموت الموكلين بقبض ~~أرواح البشر. فإن قلت قال الله تعالى في أية: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر: 42] وقال في آية أخرى: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # [السجده: 11] وقال هنا توفته رسلنا فكيف الجمع بين هذه الآيات؟ قلت وجه ms1072 ~~الجمع بين هذه الآيات أن المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى، فإذا حضر أجل ~~العبد، أمر الله ملك الموت بقبض روحه ولملك الموت أعوان من الملائكة ~~يأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده فإذا وصلت إلى الحلقوم تولى قبضها ملك ~~الموت نفسه فحصل الجمع بين الآيات. وقيل: المراد من قوله توفته رسلنا ملك ~~الموت وحده وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له. وقال مجاهد: جعلت الأرض ~~لملك الموت مثل اطشت يتناول من حيث شاء وجعلت له أعوان ينزعون الأنفس ثم ~~يقبضها منهم وقال أيضا: ما من أهل بيت شعر ولا مدر إلا وملك الموت يطيف ~~بهم كل يوم مرتين. وقيل: إن الأرواح إذا كثرت عليه يدعوها فتستجيب له ~~وقوله: { وهم لا يفرطون } يعني الرسل لا يقصرون فيما أمروا به ولا ~~يضيعونه. # قوله عز وجل: { ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق } يعني ثم رد العباد ~~بالموت إلى الله في الآخرة وإنما قال مولاهم الحق لأنهم كانوا في الدنيا ~~تحت أيدي موال بالباطل والله مولاهم وسيدهم ومالكهم بالحق { ألا له الحكم ~~} يعني لا حكم إلا له { وهو أسرع الحاسبين } يعني أنه تعالى أسرع من حسب ~~لأنه لا يحتاج إلى فكر وروية وعقد يد فيحاسب خلقه بنفسه لا يشغله حساب ~~بعضهم عن بعض. قوله تعالى: { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر } يعني ~~يا محمد، قل لهؤلاء الكفار الذين يعبدون الأصنام من دون الله من ذا الذي ~~ينجيكم من ظلمات البر إذا ضللتم فيه وتحيرتم وأظلمت عليكم الطرق ومن ذا ~~الذي ينجيكم من ظلمات البحر إذا ركبتم فيه فأخطأتم الطريق وأظلمت عليكم ~~السبل فلم تهتدوا وقيل: ظلمات البر والبحر مجاز عما فيهما من الشدائد ~~والأهوال وقيل الحل على الحقيقة أولى. فظلمات البر هي ما اجتمع فيه من ~~ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الرياح فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم ~~الاهتداء إلى الطريق الصواب وظلمات البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل ~~وظلمة السحاب وظلمة الرياح العاصفة والأمواج الهائلة فيحصل من ذلك أيضا ~~الخوف الشديد ms1073 من الوقوع في الهلاك فالمقصود أن عند اجتماع هذه الأسباب ~~الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان فيها إلا إلى الله سبحانه وتعالى ~~لأنه هو القادر على كشف الكروب وإزالة الشدائد وهو المراد من قوله: { ~~تدعونه تضرعا وخفية } يعني فإذا اشتد بكم الأمر تخلصون له الدعاء تضرعا ~~منكم إليه واستكانة. جهرا وخفية: يعني سرا وحالا { لئن أنجانا من هذه ~~} قائلين في حال الدعاء والتضرع لئن أنجيتنا من هذه الظلمات وخلصتنا من ~~الهلاك { لنكونن من الشاكرين } يعني لك على هذه النعمة والشكر وهو معرفة ~~النعمة مع القيام بحقها لمن أنعم بها. ### || [6.64-65] # { قل الله ينجيكم منها } يعني من الظلمات والشدائد التي أنتم فيها { ومن ~~كل كرب } يعني وهو الذي ينجيكم من كل كرب أيضا والكرب هو الغم الشديد ~~الذي يأخذ بالنفس { ثم أنتم تشركون } يريد أنهم يقرون بأن الذي أنجاهم من ~~هذه الشدائد هو الله تعالى ثم إنهم بعد ذلك الإقرار يشركون معه الأصنام ~~التي لا تضر ولا تنفع. قوله عز وجل: { قل هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا من فوقكم } أي: قل يا محمد لقومك إن الله هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم يعني الصيحة والحجارة والريح والطوفان كما فعل ~~بقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط { أو من تحت أرجلكم } يعني الرجفة والخسف ~~كما فعل بقوم شعيب وقارون. وقال ابن عباس ومجاهد: عذابا من فوقكم، يعني ~~أئمة السوء والسلاطين الظلمة أو من تحت أرجلكم يعني عبيد السوء. وقال ~~الضحاك: من فوقكم يعني من قبل كباركم أو من تحت أرجلكم يعني السفلة { أو ~~يلبسكم شيعا } الشيع جمع شيعة وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة وأشياع ~~وأصله من التشيع. ومعنى الشيعة: الذين يتبع بعضهم بعضا: وقيل: الشيعة هم ~~الذين يتقوى بهم الإنسان. قال الزجاج: في قوله أو يلبسكم شيعا يعني يخلط ~~أمركم خلط اضطراب لا خلط إنفاق فيجعلكم فرقا مختلفين يقاتل بعضكم بعضا ~~وهو معنى قوله: { ويذيق بعضكم بأس بعض } قال ابن عباس: قوله أو يلبسكم ~~شيعا يعني ms1074 الأهواء المختلفة ويذيق بعضكم بأس بعض يعني أنه يقتل بعضكم ~~بيد بعض. وقال مجاهد: يعني أهواء متفرقة وهو ما كان فيهم من الفتن ~~والاختلاف. وقال ابن زيد: هو الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف والأهواء ~~وسفك بعضهم دماء بعض. ثم اختلف المفسرون فيمن عني بهذه الآية فقال قوم ~~عني بها المسلمون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وفيهم نزلت هذه الآية. ~~قال أبو العالية: في قوله { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم } الآية. قال: هن أربع وكلهن عذاب فجاءت اثنتان بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة ألبسوا شيعا وأذيق بعضهم بأس بعض وبقيت ~~اثنتان وهما لا بد واقعتان يعني الخسف والمسخ. وعن أبي بن كعب نحوه وهن ~~أربع خلال وكلهن واقع قبل يوم القيامة مضت ثنتان بعد وفاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة ألبسوا شيعا وأذيق بعضهم بأس بعض ثنتان ~~واقعتان لا محالة الخسف والرجم. وقال مجاهد: في قوله من فوقكم أو من تحت ~~أرجلكم لأمة محمد فأعفاهم منه أو يلبسكم شيعا ما كان بينهم من الفتن ~~والاختلاف زاد غيره ويذيق بعضكم بأس بعض يعني ما كان فيهم من القتل بعد ~~وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم خ عن جابر قال لما نزلت هذه الآية قل ~~هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أعوذ بوجهك أو من تحت أرجلكم قال أعوذ بوجهك أو يلبسكم شيعا ويذيق ~~بعضكم بأس بعض قال هذا أهون أو هذا أيسر " # م. عن سعد بن أبي وقاص أنه أقبل مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم من ~~العالية حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ~~ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال: # " سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت ربي أن لا يهلك ~~أمتي بالسنة فأعطانيها وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألت ~~ربي ms1075 أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها " # عن خباب بن الأرت قال # " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فأطالها فقالوا يا رسول الله ~~صليت صلاة لم تكن تصليها قال: " أجل إنها صلاة رغبة ورهبة إني سألت الله ~~فيها ثلاثة فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا تهلك أمتي بسنة ~~فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها وسألته أن ~~لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها " # أخرجه الترمذي وقوله تعالى: { انظر كيف نصرف الآيات } أي انظر يا محمد ~~كيف نبين دلائلنا وحجتنا لهؤلاء المكذبين { لعلهم يفقهون } يعني يفهمون ~~ويعتبرون فينزجروا ويرجعوا عما هم عليه من الكفر والتكذيب. ### || [6.66-69] # قوله تعالى: { وكذب به قومك } يعني بالقرآن { وهو الحق } يعني في كونه ~~كتابا منزلا من عند الله وقيل الضمير في به يرجع إلى العذاب وهو الحق ~~يعني أنه نازل بهم أن أقاموا على كفرهم وتكذيبهم. وقيل: الضمير يرجع إلى ~~تصريف الآيات وهو الحق لأنهم كذبوا كونها من عند الله { قلت لست عليكم ~~بوكيل }. أي: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين لست عليكم بحافظ حتى أجازيكم ~~على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الحق بل إنما أنا منذر والله هو المجازي ~~لكم على أعمالكم وقيل معناه إنما أدعوكم إلى الله وإلى الإيمان به ولم ~~أومر بحربكم، فعلى هذا القول، تكون الآية منسوخة بآية السيف. وقيل في ~~معنى الآية: قل لست عليكم بوكيل، يعني حفيظا إنما أطالبكم بالظاهر من ~~الإقرار والعلم لا بما تحويه الضمائر والأسرار فعلى هذا تكون الآية محكمة ~~{ لكل نبأ مستقر } أي لكل خبر من أخبار القرآن حقيقة ومنتهى ينتهي إليه ~~إما في الدنيا وإما في الآخرة. وقيل لكل خبر يخبر الله به وقت ومكان يقع ~~فيه من غير خلف ولا تأخير فكان ما وعدهم به من العذاب في الدنيا وقع يوم ~~بدر { وسوف تعلمون } يعني صحة هذا الخبر إما في الدنيا وإما في الآخرة. ~~قوله تعالى: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } الخطاب في وإذا رأيت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ms1076 والمعنى وإذا رأيت يا محمد هؤلاء المشركين ~~الذين يخوضون في آياتنا يعني القرآن الذي أنزلناه إليك والخوض في اللغة ~~هو الشروع في الماء والعبور فيه، ويستعار للأخذ في الحديث والشروع فيه. ~~يقال: تخاوضوا في الحديث وتفاوضوا فيه، لكن أكثر ما يستعمل الخوض في ~~الحديث على وجه اللعب والعبث وما يذم عليه ومنه قوله # وكنا نخوض مع الخائضين # [المدثر: 45] وقيل: الخطاب في وإذا رأيت لكل فرد من الناس. والمعنى: ~~وإذا رأيت أيها الإنسان الذين يخوضون في آياتنا وذلك أن المشركين كانوا ~~إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في الاستهزاء بالقرآن وبمن أنزله وبمن أنزل ~~عليه، فنهاهم الله أن يقعدوا معهم في وقت الاستهزاء بقوله { فأعرض عنهم } ~~يعني فاتركهم ولا تجالسهم { حتى يخوضوا في حديث غيره } يعني حتى يكون ~~خوضهم في غير القرآن والاستهزاء به { وإما ينسينك الشيطان } يعني فقعدت ~~معهم { فلا تقعد بعد الذكرى } يعني إذا ذكرت فقم عنهم ولا تقعد { مع ~~القوم الظالمين } يعني المشركين قوله تعالى: { وما على الذين يتقون من ~~حسابهم من شيء } قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية { وإذا رأيت الذين ~~يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم } قال المسلمون: كيف نقعد في المسجد الحرام ~~ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبدا؟ وفي رواية، قال المسلمون، إنا نخاف الإثم ~~حين نتركهم ولا ننهاهم فأنزل الله هذه الآية { وما على الذين يتقون } ~~يعني يتقون الشرك والاستهزاء من حسابهم من حساب المشركين من شيء يعني ليس ~~عليهم شيء من حسابهم ولا آثامهم { ولكن ذكرى } يعني ولكن ذكروهم ذكرى. # وقيل: معناه ولكن عليكم أن تذكروهم { لعلهم يتقون } يعني لعل تلك الذكرى ~~تمنعهم من الخوض والاستهزاء. فصل قال سعيد بن المسيب وابن جريج ومقاتل: ~~هذه الآية منسوخة بالآية التي في سورة النساء وهي قوله تعالى: # وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم أيات الله يكفر بها ويستهزأ بها # [النساء: 140] وذهب الجمهور إلى أنها محكمة لا نسخ فيها لأنها خبر ~~والخبر لا يدخله النسخ لأنها إنما دلت على أن كل إنسان إنما يختص بحساب ~~نفسه لا ms1077 بحساب غيره، وقيل: إنما أباح لهم القعود معهم بشرط التذكير ~~والموعظة فلا تكون منسوخة. ### || [6.70-71] # { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } الخطاب للنبي. يعني: وذر يا ~~محمد هؤلاء المشركين الذين اتخذوا دينهم الذي أمروا به ودعوا إليه وهو ~~دين الإسلام لعبا ولهوا وذلك حيث سخروا به واستهزؤوا به وقيل إنهم ~~اتخذوا عبادة الأصنام لعبا ولهوا. وقيل: إن الكفار كانوا إذا سمعوا ~~القرآن لعبوا ولهوا عند سماعه. وقيل إن الله جعل لكل قوم عيدا فاتخذ كل ~~قوم دينهم يعني عيدهم لعبا ولهوا يلعبون ويلهون فيه إلا المسلمين فإنهم ~~اتخذوا عيدهم صلاة وتكبيرا وفعل الخير فيه مثل عيد الفطر وعيد النحر ~~ويوم الجمعة { وغرتهم الحياة الدنيا } يعني أنهم اتخذوا دينهم لعبا ~~ولهوا لأجل أنهم غرتهم الحياة الدنيا وغلب حبها على قلوبهم فأعرضوا عن ~~دين الحق واتخذوا دينهم لعبا ولهوا ومعنى الآية: وذر يا محمد الذين ~~اتخذوا دينهم لعبا ولهوا واتركهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم وهذا ~~يقتضي الإعراض عنهم ثم نسخ ذلك الإعراض بآية السيف وهو قول قتادة والسدي. ~~وقيل: إنه خرج مخرج التهديد فهو كقوله # ذرني ومن خلقت وحيدا # [المدثر: 11] وهذا قول مجاهد فعلى هذا تكون الآية محكمة. وقيل: المراد ~~بالإعراض عنهم: ترك معاشرتهم ومخالطتهم لا ترك الإنذار والتخويف ويدل ~~عليه قوله: { وذكر به } يعني وذكر بالقرآن وعظ به هؤلاء المشركين { أن ~~تبسل نفس بما كسبت } أي لئلا تبسل نفس وأصل البسل في اللغة: التحريم وضم ~~الشيء ومنعه. وهذا عليك بسل: أي حرام ممنوع. فمعنى تبسل نفس بما كسبت: ~~ترتهن وتحبس في جهنم وتحرم من الثواب بسب بما كسبت من الآثام. وقال ابن ~~عباس: تبسل تهلك. وقال قتادة: تحبس يعني في جهنم. وقال الضحاك: تحرق ~~بالنار. وقال ابن زيد: تؤخذ يعني بما كسبت. وقيل: تفضح. والمعنى: وذكرهم ~~بالقرآن ومواعظه وعرفهم الشرائع لكي لا تهلك نفس وترتهن في جنهم بسبب ~~الجنايات التي اكتسبت في الدنيا وتحرم الثواب في الآخرة { ليس لها } يعني ~~لتلك النفس التي هلكت { من دون الله ولي } أي قريب يلي ms1078 أمرها { ولا شفيع ~~} يعني يشفع لها في الآخرة { وإن تعدل كل عدل } يعني وإن تفتد بكل فداء ~~والعدل الفداء { لا يؤخذ منها } يعني العدل وتلك الفدية { أولئك الذين } ~~إشارة إلى الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا { ~~أبسلوا بما كسبوا } يعني أسلموا إلى الهلاك بسبب ما اكتسبوا { لهم شراب ~~من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } ذلك لهم بسبب كفرهم. قوله تعالى: ~~{ قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } يعني: قل يا محمد ~~لهؤلاء المشركين الذين دعوك إلى دين آبائك أندعو يعني أنعبد من دون الله ~~يعني الأصنام التي لا تنفع من عبدها ولا تضر من ترك عبادتها { ونرد على ~~أعقابنا } يعني ونرد إلى الشرك { بعد إذ هدانا الله } يعني إلى دين ~~الإسلام والتوحيد { كالذي استهوته الشياطين في الأرض } يعني كالذي ذهبت ~~به الشياطين فألقته في هوية من الأرض وأصله من الهوى وهو النزول من أعلى ~~إلى أسفل { حيران } يقال: حار فلان في الأمر، إذا تردد فيه فلم يهتد إلى ~~الصواب ولا المخرج منه { له أصحاب يدعونه إلى الهدى } يعني لهذا المتحير ~~الذي استهوته الشياطين أصحاب على الطريق المستقيم { ائتنا } يعني يقولون ~~له ائتنا وهذا مثل ضربه الله لمن يدعو إلى عبادة الأصنام التي لا تضر ولا ~~تنفع ولمن يدعو إلى عبادة الله عز وجل الذي يضر وينفع يقول مثلهما كمثل ~~رجل في رفقة ضل به الغول والشيطان عن الطريق المستقيم فجعل أصحابه ورفقته ~~يدعونه إليهم يقولون: هلم إلى الطريق المستقيم وجعل الغيلان يدعونه إليهم ~~فبقي حيران لا يدري أين يذهب فإن أجاب الغيلان ضل وهلك وإن أجاب أصحابه ~~اهتدى وسلم { قل إن هدى الله هو الهدى } يعني أن طريق الله الذي أوضحه ~~لعباده ودينه الذي شرعه لهم هو الهدى والنور والاستقامة لا عبادة الأصنام ~~ففيه زجر عن عبادتها كأنه يقول لا تفعل ذلك فإن هدى الله هو الهدى لا هدى ~~غيره { وأمرنا لنسلم } أي وأمرنا أن نسلم ونخلص العبادة { لرب العالمين } ~~لأنه هو الذي يستحق ms1079 العبادة لا غيره. ### || [6.72-73] # { وأن أقيموا الصلاة واتقوه } يعني وأمرنا بإقامة الصلاة والتقوى لأن ~~فيهما ما يقرب إليه { وهو الذي إليه تحشرون } يعني في يوم القيامة ~~فيجزيكم بأعمالكم. قوله عز وجل: { وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق } ~~يعني إظهارا للحق فعلى هذا تكون الباء بمعنى اللام لأنه جعل صنعه دليلا ~~على وحدانيته. وقيل: خلقها بكمال قدرته وشمول علمه وإتقان صنعه وكل ذلك ~~حق. وقيل خلقها بكلامه الحق وهو قول كن وفيه دليل على أن كلام الله تعالى ~~ليس بمخلوق لأنه لا يخلق مخلوق بمخلوق { ويوم يقول كن فيكون }. وقيل إنه ~~راجع إلى خلق السموات. والمعنى: اذكر يوم قال للسموات والأرض كن فيكون. ~~قيل: يرجع إلى القيامة ويدل عليه سرعة البعث والحساب كأنه قال: ويوم يقول ~~للخلق موتوا فيموتون وقوموا للحساب فيقومون أحياء { قوله الحق } يعني أن ~~قول الله تبارك وتعالى للشيء إذا أراده كن فيكون حق وصدق وهو كائن لا ~~محالة { وله الملك يوم ينفخ في الصور } إنما أخبر عن ملكه يومئذ وإن كان ~~الملك له سبحانه وتعالى خالصا في كل وقت في الدنيا والآخرة لأنه لا ~~منازع يومئذ يدعي الملك وأنه المنفرد بالملك يومئد وأن من كان يدعي الملك ~~بالباطل من الجبابرة والفراعنة وسائر الملوك الذين كانوا في الدنيا قد ~~زال ملكهم واعترفوا بأن الملك لله الواحد القهار وإنه لا منازع له فيه ~~واعلموا أن الذي كانوا يدعونه من الملك في الدنيا باطل وغرور. واختلف ~~العلماء في الصور المذكور في الآية فقال قوم: هو قرن ينفخ فيه وهو لغة ~~أهل اليمن: قال مجاهد: الصور قرن كهيئة البوق ويدل على صحة هذا القول ما ~~روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: # " جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما الصور؟ " قال قرن ~~ينفخ فيه " # أخرجه أبو داود والترمذي. عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " " كيف أنتم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر ~~أن يؤمر فينفخ فكان ms1080 ذلك ثقل على أصحابه " فقالوا كيف نفعل يا رسول الله ~~وكيف نقول؟ قال: " قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا، وربما ~~قال توكلنا على الله " # أخرجه الترمذي. وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة والنفخ فيه إحياؤها بنفخ ~~الروح فيها. وهذا قول الحسن ومقاتل. والقول الأول أصح لما تقدم في الحديث ~~ولقوله تعالى في آية أخرى: ثم نفخ فيه أخرى: ولإجماع أهل السنة أن المراد ~~بالصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل نفختين، نفخة الصعق، ونفخة البعث ~~للحساب. وقوله تعالى: { عالم الغيب والشهادة } يعني أنه تعالى ما غاب عن ~~عباده وما يشاهدونه فلا يغيب عن عمله شيء { وهو الحكيم } يعني في جميع ~~أفعاله وتدبير خلقه { الخبير } يعني بكل ما يفعلونه من خير أو شر. ### || [6.74-76] # قوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } اختلف العلماء في لفظ آزر ~~فقال محمد بن إسحاق والكلبي والضحاك: آزر اسم أبي إبراهيم وهو تارح ضبطه ~~بعضهم بالحاء المهملة وبعضهم بالخاء المعجمة فعلى هذا يكون لأبي إبراهيم ~~اسمان: آزر وتارح مثل يعقوب وإسرائيل اسمان لرجل واحد فيحتمل أن يكون ~~اسمه الأصلي آزر وتارح لقب له وبالعكس والله سماه آزر وإن كان عند ~~النسابين والمؤرخين اسمه تارح ليعرف بذلك وكان آزر أبو إبراهيم من كوثي ~~وهي قرية من سواد الكوفة. وقال سليمان التيمي: آزر سب وعيب. ومعناه في ~~كلامهم المعوج. وقيل: الشيخ الهرم وهو بالفارسية وهذا على مذهب من يجوز ~~أن في القرآن ألفاظا قليلة فارسية. وقيل: هو المخطئ فكان إبراهيم عابه ~~وذمه بسبب كفره وزيغه عن الحق. وقال سعيد بن المسيب ومجاهد: آزر اسم صنم ~~كان والد إبراهيم يعبده وإنما سماه بهذا الاسم لأن من عبد شيئا أو أحبه ~~جعل اسم ذلك المعبود أو المحبوب اسما له فهو كقوله # يوم ندعو كل أناس بإمامهم # [الإسراء: 71] وقيل: معناه وإذا قال إبراهيم لأبيه آزر فحذف المضاف ~~وأقيم المضاف إليه مقامه والصحيح هو الأول أن أزر اسم لأبي إبراهيم لأن ~~الله تعالى سماه به وما نقل عن النسابين والمؤرخين ms1081 أن اسمه تارح ففيه نظر ~~لأنهم إنما نقلوه عن أصحاب الأخبار وأهل السير من أهل الكتاب ولا عبرة ~~بنلقهم. وقد أخرج البخاري في أفراده من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " يلقى إبراهيم عليه السلام أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة ~~وغبرة " # الحديث فسماه النبي صلى الله عليه وسلم آزر أيضا ولم يقل أباه تارخ ~~فثبت بهذا ان اسمه الأصلي آزر لا تارخ والله أعلم. وقوله تعالى: { أتتخذ ~~أصناما آلهة } معناه: اذكر لقومك يا محمد قول إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ ~~أصناما آلهة تعبدها من دون الله الذي خلقك ورزقك. والأصنام: جمع صنم وهو ~~التمثال الذي يتخذ من خشب أو حجارة أو حديد أو ذهب أو فضة على صورة ~~الإنسان وهو الوثن أيضا { إني أراك وقومك في ضلال مبين } يعني: يقول ~~إبراهيم لأبيه آزر: إني أراك وقومك الذي يعبدون الأصنام معك ويتخذونها ~~آلهة في ضلال يعني عن طريق الحق مبين يعني بين لمن أبصر ذلك فإنه لا ~~يشك أن هذه الأصنام لا تضر ولا تنفع وهذه الآية احتجاج على مشركي العرب ~~بأحوال إبراهيم ومحاجته لأبيه وقومه لأنهم كانوا يعظمون إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم ويعترفون بفضله فلا جرم ذكر قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه ~~وقومه في معرض الاحتجاج على المشركين قوله عز وجل: { وكذلك نري إبراهيم ~~ملكوت السموات والأرض } معناه وكما أرينا إبراهيم البصيرة في دينه والحق ~~في خلاف قومه وما كانوا عليه من الضلال في عبادة الأصنام نريه ملكوت ~~السموات والأرض فلهذا السبب عبر عن هذه الرؤية بلفظ المستقبل في قوله { ~~وكذلك نري إبراهيم } لأنه تعالى كان أراه بعين البصيرة أن أباه وقومه ~~على غير الحق فخالفهم فجزاه الله بأن أراه بعد ذلك ملكوت السموات والأرض ~~فحسنت هذه العبارة لهذا المعنى. # والملكوت: الملك زيدت فيه التاء للمبالغة كالرهبوت والرغبوت، والرحموت ~~من الرهبة والرغبة والرحمة. قال ابن عباس: يعني خلق السموات والأرض. وقال ~~مجاهد وسعيد بن جبير: يعني آيات السموات والأرض وذلك أنه أقيم ms1082 على صخرة ~~وكشف له عن السموات حتى رأى العرش والكرسي وما في السموات من العجائب ~~وحتى رأى مكانه في الجنة فذلك قوله: # وآتيناه أجره في الدنيا # [العنكبوت: 27] يعني أريناه مكانه في الجنة وكشف له عن الأرض حتى نظر ~~إلى أسفل الأرضين ورأى ما فيها من العجائب. قال البغوي: وروي عن سليمان ~~ورفعه بعضهم عن علي قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر ~~رجلا على فاحشة فدعا عليه فهلك ثم أبصر آخر فدعا عليه فهلك ثم أبصر آخر ~~فأراد أن يدعو عليه فقال له تبارك وتعالى: يا إبراهيم أنت رجل مجاب ~~الدعوة فلا تدعون على عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خلال: إما أن ~~يتوب إلي فأتوب عليه وإما أن أخرج منه نسمة تعبدني وإما أن يبعث إلي فإن ~~شئت عفوت وإن شئت عاقبت وفي رواية، وإن تولى فإن جهنم من ورائه، قال ~~قتادة: ملكوت السموات الشمس والقمر والنجوم وملكوت الأرض الجبال والشجر ~~والبحار، واختلف في هذه الرؤية هل كانت بعين البصر أو بعين البصيرة على ~~قولين: أحدهما إنها كانت بين البصر الظاهر فشق لإبراهيم السموات حتى رأى ~~العرش وشق له الأرض حتى رأى ما في بطنها. والقول الثاني: إن هذه الرؤية ~~كانت بعين البصيرة لأن ملكوت السموات والأرض عبارة عن الملك وذلك لا يعرف ~~إلا بالعقل فبان بهذا أن هذه الرؤية كانت بعين البصيرة، إلا أن يقال: ~~المراد بملكوت السموات والأرض نفس السموات والأرض. وقوله تعالى: { وليكون ~~من الموقنين } عطف على المعنى ومعناه { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات ~~والأرض } ليستدل به { وليكون من الموقنين } واليقين: عبارة عن علم يحصل ~~بسب التأمل بعد زوال الشبهة، لأن الإنسان في أول الحال لا ينفك عن شبهة ~~وشك، فإذا كثرت الدلائل وتوافقت، صارت سببا لحصول اليقين والطمأنينة في ~~القلب وزالت الشبهة عند ذلك: قال ابن عباس في وليكون من الموقنين جلال له ~~الأمر سره وعلانيته فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق فلما جعل يلعن ~~أصحاب الذنوب قال الله تعالى: إنك لا ms1083 تستطيع هذا فرده الله كما كان قبل ~~ذلك فمعنى الآية على هذا القول وكذلك أريناه ملكوت السموات والأرض ليكون ~~ممن يوقن علم كل شيء حسا وخبرا. # وقوله تعالى: { فلما جن عليه الليل } يقال جن الليل وأجن إذا أظلم وغطى ~~كل شيء وأجنه الليل وجن عليه إذا ستره بسواده { رأى كوكبا قال هذا ربي ~~}. ذكر القصة في ذلك قال أهل التفسير وأصحاب الأخبار والسير: ولد إبراهيم ~~عليه السلام في زمن نمرود بن كنعان الملك وكان نمرود أول من وضع التاج ~~على رأسه ودعا الناس إلى عبادته وكان له كهان منجمون، فقالوا له: إنه ~~يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك ~~على يديه. ويقال: إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء. وقال السدي: رأى نمرود ~~في منامه كأن كوكبا قد طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ~~ففزع من ذلك فزعا شديدا، فدعا السحرة والكهان وسألهم عن ذلك، فقالوا: ~~هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة يكون هلاكك وزوال ملكك وهلاك أهل ~~دينك على يديه، فأمر بذبح كل غلام يولد في تلك السنة في ناحيته وأمر بعزل ~~النساء عن الرجال وجعل على كل عشرة، رجلا يحفظهم فإذا حاضت المرأة خلى ~~بينها وبين زوجها لأنهم كانوا لا يجامعون في المحيض فإذا طهرت من الحيض ~~حالوا بينهما. قالوا: فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فواقعها ~~فحملت بإبراهيم. وقال محمد بن إسحاق: بعث نمرود إلى كل رجل امرأة حبلى ~~بقربه فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها لأنها ~~كانت جارية صغيرة لم يعرف الحبل في بطنها. وقال السدي: فخرج نمرود ~~بالرجال إلى العسكر وعزلها عن النساء تخوفا من ذلك المولود فمكثت بذلك ~~ما شاء الله ثم بدت له حاجة إلى المدينة فلم يأمن عليها أحدا من قومه ~~إلا آزر فبعث إليه فأحضره عنده وقال له: إن لي إليك حاجة أحب أن أوصيك ~~بها ولم أبعثك فيها إلا لثقتي ms1084 بك فأقسمت عليك ألا تدنو من أهلك. فقال ~~آرز: أنا أشح على ديني من ذلك فأوصاه بحاجته فدخل المدينة وقضى حاجة ~~الملك، ثم قال: لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم فلما دخل على أم إبراهيم ~~ونظر إليها لم يتمالك حتى واقعها فحملت من ساعتها بإبراهيم. قال ابن ~~عباس: لما حملت أم إبراهيم قال الكهان لنمرود: إن الغلام الذي أخبرناك به ~~قد حملت به أمه الليلة، فأمر نمرود بذبح الغلمان فلما دنت ولادة أم ~~إبراهيم وأخذها المخاض، خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها. ~~قالوا: فوضعته في نهر يابس ثم لفته في خرقة ووضعته في حلفاء ثم رجعت ~~فأخبرت زوجها بأنها ولدت وأن الولد في موضع كذا، فانطلق إليه أبوه فأخذه ~~من ذلك المكان وحفر له سربا في النهر فواراه فيه وسد بابه بصخرة مخافة ~~السباع. # وكانت أمه تختلف إليه فترضعه. وقال محمد بن إسحاق: لما وجدت أم إبراهيم ~~الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبة منها فولدت فيها إبراهيم وأصلحت ~~من شأنه ما يصلح بالمولود ثم سدت عليها باب المغارة ثم رجعت إلى بيتها. ~~وكانت تختلف إليه لتنظر ما فعل فتجده حيا وهو يمص إبهامه. قال أبو روق: ~~قالت أم إبراهيم لأنظرن إلى أصابعه فوجدته يمص من أصبع ماء، ومن أصبع ~~لبنا، ومن أصبع سمنا، ومن أصبع عسلا، ومن أصبع تمرا. وقال محمد بن ~~إسحاق: كان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل فقالت: ولدت غلاما ~~فما صدقها وسكت عنها. وكان إبراهيم يشب في اليوم كالشهر وفي الشهر كالسنة ~~فلم يمكث في المغارة إلا خمسة عشر شهرا حتى قال: أخرجيني فأخرجته عشاء ~~فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض. وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني ~~وساقني لربي الذي ما لي إله غيره ونظر في السماء فرأى كوكبا قال: هذا ~~ربي ثم أتبعه بصره ينظر إليه حتى غاب فلما أفل قال: لا أحب الآفلين. فلما ~~رأى القمر بازغا، قال: هذا ربي وأتبعه بصره ينظر إليه حتى غاب ثم طلعت ms1085 ~~الشمس قال هكذا إلى آخره ثم رجعت به إلى أبيه آزر قد استقامت وجهته وعرف ~~ربه وبرئ من دين قومه إلا أنه لم ينادهم بذلك. فلما رجعت به أمه، أخبرته ~~أنه ابنه وأخبرته بما صنعت به فسر بذلك وفرح فرحا شديدا. وقيل: إنه مكث ~~في السرب سبع سنين. وقيل: ثلاث عشرة سنة وقيل سبع عشرة سنة. قالوا: فلما ~~شب إبراهيم وهو في السرب قال لأمه: من ربي؟ قالت: أنا. قال: فمن ربك؟ ~~قالت: أبوك قال: فمن رب أبي؟ قالت: اسكت، ثم رجعت إلى زوجها فقالت أرأيت ~~الغلام الذي كنا نحدث أنه يغير دين أهل الأرض فإنه ابنك. ثم أخبرته بما ~~قال فأتاه أبو آزر فقال إبراهيم: يا أبتاه من ربي؟ قال: أمك. قال: فمن رب ~~أمي؟ قال: انا. قال: فمن ربك؟ قال: نمرود. قال فمن رب نمرود؟ فلطمه لطمة ~~وقال: اسكت. فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة ~~فأبصر كوكبا قال: هذا ربي ويقال إنه قال لأبويه: أخرجاني، فأخرجاه من ~~باب السرب حين غابت الشمس فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم فسأل ~~أباه ما هذه؟ قال: إبل وخيل وغنم. فقال إبراهيم: ما لهذه بد من أن يكون ~~لها إله وهو ربها وخالقها. ثم نظر، فإذا المشتري قد طلع ويقال إنها ~~الزهرة، وكانت تلك الليلة من آخر الشهر فتأخر طلوع القمر فرأى الكوكب قبل ~~القمر فذلك قوله عز وجل: { فلما جن عليه الليل } يعني ستره بظلامه رأى ~~كوكبا قال { هذا ربي } ثم اختلف العلماء في وقت هذه الرؤية وفي وقت هذا ~~القول هل كان قبل البلوغ أو بعده على قولين: أحدهما أنه كان قبل البلوغ ~~في حال طفوليته وذلك قبل قيام الحجة عليه فلم يكن لهذا القول الذي صدر من ~~إبراهيم في هذا الوقت اعتبار ولا يترتب عليه حكم لأن الأحكام إنما تثبت ~~بعد البلوغ. # وقيل: إن إبراهيم لما خرج من السرب في حال صغره ونظر إلى السماء وما ~~فيها من العجائب ونظر إلى الأرض وما ms1086 فيها من العجائب وكان قد خصه الله ~~بالعقل الكامل والفطرة السليمة تفكر في نفسه وقال لا بد لهذا الخلق من ~~خالق مدبر وهو إله الخلق، ثم نظر في حال تفكره فرأى الكوكب وقد أزهر، ~~فقال: هذا ربي على ما سبق إلى وهمه وذلك في حال طفوليته وقبل استحكام ~~النظر في معرفة الرب سبحانه وتعالى واستدل أصحاب هذا القول على صحته ~~بقوله # لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين # [الأنعام: 77] قالوا وهذا يدل على نوع تحير وذلك لا يكون إلا في حال ~~الصغر وقبل البلوغ وقيام الحجة وهذا القول ليس بسديد ولا مرضي لأن ~~الأنبياء معصومون في كل حال من الأحوال وأنه لا يجوز أن يكون لله عز وجل ~~رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو بالله عارف وله موحد وله من كل ~~منقصة منزه ومن كل معبود سواه برئ وكيف يتوهم هذا على إبراهيم وقد عصمه ~~الله وطهره وآتاه رشده من قبل وأراه ملكوت السموات والأرض أفبرؤية الكوكب ~~يقول معتقدا هذا ربي؟ حاشا إبراهيم صلى الله عليه وسلم من ذلك لأن منصبه ~~أعلى وأشرف من ذلك صلى الله عليه وسلم. والقول الثاني: الذي عليه جمهور ~~المحققين إن هذه الرؤية وهذا القول كان بعد بلوغ إبراهيم وحين شرفه الله ~~بالنبوة وأكرمه بالرسالة ثم اختلف أصحاب هذا القول في تأويل الآية ~~ومعناها فذكروا فيها وجوها: الوجه الأول: أن إبراهيم عليه السلام أراد ~~أن يستدرج قومه بهذا القول ويعرفهم جهلهم وخطأهم في تعظيم النجوم ~~وعبادتها لأنهم كانوا يرون أن كل الأمور إليها، فأراهم إبراهيم أنه ~~معظم ما عظموه فلما أفل الكوكب والقمر والشمس أراهم النقص الداخل على ~~النجوم بسبب الغيبوبة والأقوال ليثبت خطأ ما كانوا يعتقدون فيها من ~~الألوهية. ومثل هذا كمثل الحواري الذي ورد على قوم كانوا يعبدون صنما ~~فأظهر تعظيمه فأكرموه لذلك حتى صاروا يصدرون عن رأيه في كثير من أمورهم ~~إلى أن دهمهم عدو لا قبل لهم به فشاوروه في أمر هذا العدو فقال: الرأي ~~عندي أن ندعو ms1087 هذا الصنم حتى يكشف عنا ما نزل بنا، فاجتمعوا حول الصنم ~~يتضرعون إليه فلم يغن شيئا فلما تبين لهم أنه لا ينفع ولا يضر ولا ~~يدفع، دعاهم الحواري وأمرهم أن يدعو الله عز وجل ويسألوه أن يكشف ما نزل ~~بهم، فدعو الله مخلصين، فصرف عنهم ما كانوا يحذرون فأسلموا جميعا. # الوجه الثاني: أن إبراهيم عليه السلام قال هذا القول على سبيل الاستفهام ~~وهو استفهام إنكار وتوبيخ لقومه وتقديره: أهذا ربي الذي تزعمون، وإسقاط ~~حرف الاستفهام كثير في كلام العرب ومنه قوله تعالى: # أفإن مت فهم الخالدون # [الأنبياء: 34] يعني أفهم الخالدون. والمعنى أيكون هذا ربا ودلائل ~~النقص فيه ظاهرة. الوجه الثالث: أن إبراهيم عليه السلام قال ذلك على وجه ~~الاحتجاج على قومه يقول هذا ربي بزعمكم فلما غاب قال لو كان إلها كما ~~تزعمون لما غاب فهو كقوله # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49] يعني عند نفسك وبزعمك وكما أخبر عن موسى عليه السلام بقوله ~~تعالى: # وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا # [طه: 97] يريد إلهك بزعمك. الوجه الرابع: إن في هذه الآية إضمارا ~~تقديره يقولون { هذا ربي } وإضمار القول كثير في كلام العرب ومنه قوله ~~تعالى: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا # [البقرة: 127] أي يقولان # ربنا تقبل منا # [البقرة: 127] الوجه الخامس: إن الله تعالى قال في حقه { وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين } ثم قال بعده { فلما ~~جن عليه الليل } والفاء تقتضي التعقيب فدل هذا أن هذه الواقعة كانت بعد ~~أن أراه الله ملكوت السموات والأرض وبعض الإيقان ومن كان معه بهذه ~~المنزلة العالية الشريفة لا يليق بحاله أن يعبد الكواكب ويتخذها ربا. ~~فأما الجواب عن قوله: # لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين # [الأنعام: 77] فإن الأنبياء عليهم السلام لم يزالوا يسألون الله ~~التثبيت ومنه قوله # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35] قوله تعالى: { فلما أفل } يعني غاب والأفول غيبة النيرات ~~{ قال } يعني إبراهيم { لا أحب الآفلين } يعني لا أحب ربا يغيب ms1088 ويطلع ~~لأن أمارات الحدوث فيه ظاهرة. ### || [6.77-80] # قوله تعالى: { فلما رأى القمر بازغا } يعني طالعا منتشر الضوء { قال ~~هذا ربي } معناه ما تقدم من الكلام في الكوكب { فلما أفل } يعني غاب { ~~قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين } يعني إن لم يثبتني ربي ~~على الهدى وليس المراد أنه لم يكن مهتديا لأن الأنبياء لم يزالوا على ~~الهداية من أول الفطرة وفي الآية دليل على أن الهداية من الله تعالى لأن ~~إبراهيم أضاف الهداية لله تعالى: { فلما رأى الشمس بازغة } يعني طالعة { ~~قال هذا ربي } يعني هذا الطالع أو أنه إشارة إلى الضياء والنور لأنه رأى ~~الشمس أضوأ من الكوكب والقمر وقيل إنما قال هذا ولم يقل هذه لأن تأنيث ~~الشمس غير حقيقي فلهذا أتى بلفظ التذكير { هذا أكبر } يعني من الكوكب ~~والقمر { فلما أفلت } يعني فلما غابت الشمس { قال يا قوم إني برئ مما ~~تشركون } يعني أنه لما أثبت إبراهيم عليه السلام بالدليل القطعي أن هذه ~~النجوم ليست بآلهة ولا تصلح للربوبية تبرأ منها وأظهر لقومه أنه بريء مما ~~يشركون ولما أظهر خلاف قومه وتبرأ من شركهم أظهر ما هو عليه من الدين ~~الحق فقال { إني وجهت وجهي } يعني إني صرفت وجه عبادتي وقصرت توحيدي { ~~للذي فطر السموات والأرض } يعني للذي خلقهما وأبدعهما { حنيفا } يعني ~~مائلا عن عبادة كل شيء سوى الله تعالى. وأصل الحنف: الميل، وهو ميل عن ~~طريق الضلالة إلى طريق الاستقامة. وقيل: الحنيف هو الذي يستقبل الكعبة في ~~صلاته { وما أنا من المشركين } تبرأ من الشرك الذي كان عليه قومه. قوله ~~عز وجل: { وحاجه قومه } يعني وخاصمه قومه وذلك لما أظهر إبراهيم عليه ~~السلام عيب آلهتهم التي كانوا يعبدونها وأظهر التوحيد لله عز وجل خاصمه ~~قومه وجادلوه في ذلك فقال: أتحاجوني في الله. يعني تجادلونني في توحيدي ~~لله وقد هداني وقد بين لي طريق الهداية إلى توحيده ومعرفته. وقال البغوي: ~~لما رجع إبراهيم إلى أبيه وصار من الشباب بحالة تسقط عنه طمع الذابحين ~~وضمه آزر ms1089 إلى نفسه جعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها إبراهيم ليبيعها فيذهب ~~إبراهيم وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يكتريها أحد فإذا بارت ~~عليه ذهب بها إلى نهر فصوب فيه رؤوسها وقال اشربي استهزاء بقومه وبما هم ~~فيه من الضلالة حتى فشا استهزاؤه بها في قومه وأهل قريته حاجه قومه يعني ~~خاصمه وجادله قومه في دينه { قال } يعني إبراهيم { أتحاجوني في الله وقد ~~هدان } يعني إلى توحيده ومعرفته { ولا أخاف ما تشركون به } وذلك أنهم ~~قالوا له: احذر الأصنام فإنا نخاف أن تمسك بخبل أو جنون لعيبك إياها ~~فأجابهم بقوله ولا أخاف ما تشركون به فإنها جمادات لا تضر ولا تنفع وإنما ~~يكون الخوف ممن يقدر على النفع والضر وهو قوله { إلا أن يشاء ربي شيئا } ~~يعني لكن أن يشأ ربي شيئا كان ما يشاء لأنه قادر على النفع والضر وإنما ~~قال إبراهيم ذلك لاحتمال أن الإنسان قد يصيبه في بعض حالاته وأيام عمره ~~ما يكرهه فلو أصابه مكروه نسبوه إلى الأصنام فنفى هذه الشبهة بقوله { إلا ~~أن يشاء ربي شيئا } وهذا استثناء منقطع وليس هو من الأول في شيء. # والمعنى ولكن إن شاء ربي شيئا كان { وسع ربي كل شيء علما } يعني أحاط ~~علمه بكل شيء فلا يخرج شيء عن علمه { أفلا تتذكرون } يعني أفلا تعتبرون ~~أن هذه الأصنام جمادات لا تضر ولا تنفع وأن الضار هو الذي خلق السموات ~~والأرض ومن فيهما. ### || [6.81-84] # { وكيف أخاف ما أشركتم } يعني وكيف أخاف الأصنام التي أشركتم بها لأنها ~~جمادات لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع { ولا تخافون أنكم أشركتم ~~بالله } يعني وأنتم لا تخافون وقد أشركتم بالله وهو من أعظم الذنوب { ما ~~لم ينزل به عليكم سلطانا } يعني ما ليس لكم فيه حجة وبرهان { فأي ~~الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون } يعني يقول من أولى بالأمن من ~~العذاب في يوم القيامة الموحد أم المشرك { الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم } وهذا فصل قضاه الله بين إبراهيم وبين قومه يعني ms1090 أن الذين ~~يستحقون الأمن يوم القيامة هم الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم. ~~وقيل: هو من تمام كلام إبراهيم في المحاجة لقومه. والمعنى: إن الذين ~~يحصل لهم الأمن يوم القيامة هم الذين آمنوا يعني آمنوا بالله وحده ولم ~~يشركوا به شيئا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم يعني ولم يخلطوا إيمانهم بشرك ~~ق. عن ابن مسعود قال: # " لما نزلت { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } شق ذلك على ~~المسلمين وقالوا أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا قول لقمان لابنه { يا بني لا تشرك ~~بالله إن الشرك لظلم عظيم } " # وفي رواية: # " ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه " # وذكره. وقيل: في معنى قوله ولم يلبس إيمانهم بظلم، يعني: ولم يخلطوا ~~إيمانهم بشيء من معاني الظلم وذلك بأن يفعل بعض ما نهى الله عنه أو يترك ~~ما أمر الله به فعلى هذا القول تكون الآية على العموم لأن الله لم يخص ~~معنى من معاني الظلم دون غيره والصحيح أن الظلم المذكور في هذه الآية هو ~~الشرك لما تقدم من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر ~~الظلم هنا بالشرك وفي الآية دليل على أن من مات لا يشرك بالله شيئا كانت ~~عاقبته الأمن من النار لقوله { أولئك } يعني الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم { لهم الأمن } يوم القيامة من عذاب النار { وهم مهتدون } ~~يعني إلى سبيل الرشاد. وقوله تعالى: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على ~~قومه } يعني ما جرى بين إبراهيم وبين قومه واستدل على حدوث الكوكب والقمر ~~والشمس بالأفول وقيل لما قالوا لإبراهيم إنا نخاف عليك من آلهتنا لسبك ~~إياها قال أفلا تخافون أنتم منها إذ سويتم بين الصغير والكبير في العبادة ~~أن يغضب الكبير عليكم؟ وقيل: إنه خاصم قومه المشركين فمالوا أي الفريقين ~~أحق بالأمن من يعبد إلها واحدا مخلصا له الدين والعبادة أم من يعبد ~~أربابا كثيرة فدلوا من يعبد إلها واحدا فقضوا على ms1091 أنفسهم فكانت هذه ~~حجة إبراهيم عليه { نرفع درجات من نشاء } يعني بالعلم والفهم والعدل ~~والفضيلة كما رفعنا درجات إبراهيم حتى اهتدى إلى محاجة قومه. # وقيل: نرفع درجات من نشاء في الدنيا بالنبوة والعلم والحكمة وفي الآخرة ~~بالثواب على الأعمال الصالحة { إن ربك حكيم عليم } يعني أنه تعالى حكيم ~~في جميع أفعاله عليم بجميع أحوال خلقه لا يفعل شيء إلا بحكمة وعلم. قوله ~~عز وجل: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب } لما أظهر إبراهيم عليه السلام دينه ~~وغلب خصمه بالحجج القاطعة والبراهين القوية والدلائل الصحيحة التي فهمه ~~الله تعالى إياه وهداه إليها عدد الله نعمه عليه وإحسانه إليه بأن رفع ~~درجته في عليين وأبقى النبوة في ذريته إلى يوم الدين فقال تعالى: { ~~ووهبنا له } يعني لإبراهيم إسحاق يعني ابنا لصلبه ويعقوب يعني ابن إسحاق ~~وهو ولد الولد { كلا هدينا } يعني هدينا جميعهم إلى سبيل الرشاد ~~ووفقناهم إلى طريق الحق والصواب { ونوحا هدينا من قبل } يعني من قبل ~~إبراهيم أرشدنا نوحا ووفقناه للحق والصواب ومننا عليه بالهداية { ومن ~~ذريته } اختلفوا في الضمير إلى من يرجع فقيل يرجع إلى إبراهيم يعني ومن ~~ذرية إبراهيم { داود وسليمان } وقيل: يرجع إلى نوح وهو اختيار جمهور ~~المفسرين، لأن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور ولأن الله ذكر في جملة هذه ~~الذرية لوطا وهو ابن أخي إبراهيم ولم يكن من ذريته فثبت بهذا أن هاء ~~الكناية ترجع إلى نوح وقال الزجاج: كلا القولين جائز لأن ذكرهما جميعا ~~قد جرى. وداود هو ابن بيشا وكان ممن آتاه الله الملك والنبوة وكذلك ~~سليمان بن داود { وأيوب } هو أيوب بن أموص بن رازح بن روم بن عيص بن ~~إسحاق بن إبراهيم { ويوسف } هو ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم { وموسى } ~~هو ابن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب { وهارون } هو أخو موسى ~~وكان أكبر منه بسنة { وكذلك نجزي المحسنين } يعني: وكما جزينا إبراهيم ~~على توحيده وصبره على أذى قومه كذلك نجزي المحسنين على إحسانهم. ### || [6.85-88] # { وزكريا } هو ابن آذن بن ms1092 بركيا { ويحيى } هو ابن زكريا { وعيسى } هو ~~ابن مريم بنت عمران { والياس }. قال ابن مسعود: هو إدريس وله اسمان مثل ~~يعقوب وإسرائيل وقال محمد بن إسحاق: هو الياس بن سنا ابن فنحاص بن ~~العيزار بن هارون بن عمران. وهذا هو الصحيح لأن أصحاب الأنساب يقولون: إن ~~إدريس جد نوح لأن نوحا بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو أدريس ولأن الله ~~تعالى نسب الياس في هذه الآية إلى نوح وجعله من ذريته { كل من الصالحين } ~~يعني أن كل من ذكرنا وسمينا من الصالحين { وإسماعيل } هو ابن إبراهيم ~~وإنما أخر ذكره إلى هنا لأنه ذكر إسحاق وذكر أولاده من بعده على نسق واحد ~~فلهذا السبب أخر ذكر إسماعيل إلى هنا { واليسع } هو ابن أخطوب بن العجوز ~~{ ويونس } هو ابن متى { ولوطا } هو ابن أخي إبراهيم: { وكلا فضلنا على ~~العالمين } يعني على عالمي زمانهم. ويستدل بهذه الآية من يقول إن ~~الأنبياء أفضل من الملائكة لأن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى ~~فيدخل فيه الملك فيقتضي أن الأنبياء أفضل من الملائكة. واعلم أن الله ~~تعالى ذكر هنا ثمانية عشر نبيا من الأنبياء عليهم السلام من غير ترتيب ~~لا بحسب الزمان ولا بحسب الفضل، لأن الواو لا تقتضي الترتيب ولكن هنا ~~لطيفة أوجبت هذا الترتيب وهي أن الله تعالى خص كل طائفة من طوائف ~~الأنبياء عليهم السلام بنوع من الكرامة والفضل، فذكر أولا نوحا ~~وإبراهيم وإسحاق ويعقوب لأنهم أصول الأنبياء وإليهم ترجع أنسابهم جميعا ~~ثم من المراتب المعتبرة بعد النبوة الملك والقدرة والسلطان قد أعطى الله ~~داود وسليمان من ذلك حظا وافرا من المراتب: الصبر عند نزول البلاء ~~والمحن والشدائد وقد خص الله بهذه أيوب عليه السلام ثم عطف على هاتين ~~المرتبتين من جمع بينهما وهو يوسف عليه السلام فإنه صبر على البلاء ~~والشدة إلى أن أعطاه الله ملك مصر مع النبوة ثم من المراتب المعتبرة في ~~تفضيل الأنبياء عليهم السلام كثرة المعجزات وقوة البراهين وقد خص الله ~~تعالى موسى وهارون من ذلك ms1093 بالحظ الوافر ثم من المراتب المعتبرة الزهد في ~~الدنيا والإعراض عنها وقد خص الله بذلك زكريا ويحيى وعيسى والياس عليهم ~~السلام ولهذا السبب وصفهم بأنهم من الصالحين ثم ذكر الله من بعد هؤلاء ~~الأنبياء من لم يبق له أتباع ولا شريعة وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط ~~فإذا اعتبرنا هذه اللطيفة على هذا الوجه كان هذا الترتيب من أحسن شيء ~~يذكر والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. قوله تعالى: { ومن آبائهم } يعني ~~ومن آباء الذين سميناهم ومن هنا للتبعيض لأن من آباء بعضهم من لم يكن ~~مسلما { وذرياتهم } يعني ومن ذرياتهم أي بعضهم لأن عيسى ويحيى لم يكن ~~لهما ولد وكان في ذرية بعضهم من هو كافر كابن نوح { وإخوانهم } يعني ومن ~~إخوانهم والمعنى أن الله تعالى وفق من آباء المذكورين ومن إخوانهم ~~وذرياتهم للهداية وخالص الدين وهو قوله تعالى: { واجتبيناهم } يعني ~~اخترناهم واصطفيناهم { وهديناهم } يعني وأرشدناهم { إلى صراط مستقيم } أي ~~إلى دين الحق { ذلك هدى الله } قال ابن عباس: ذلك دين الله الذي كان عليه ~~هؤلاء الأنبياء. # وقيل: المراد بهدى الله معرفة الله وتنزيهه عن الشركاء والأضداد ~~والأنداد { يهدي به من يشاء من عباده } يعني يوفق من يشاء من عباده ~~ويرشده إلى دينه وطاعته وخلع الأضداد والشركاء { ولو أشركوا } يعني هؤلاء ~~الذين سميناهم { لحبط } يعني لبطل وذهب { عنهم ما كانوا يعملون } من ~~الطاعات قبل ذلك لأن الله تعالى لا يقبل مع الشرك من الأعمال شيئا. ### || [6.89-91] # قوله عز وجل: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة } يعني أولئك ~~الذين سميناهم من الأنبياء أعطيناهم الكتب التي أنزلناها عليهم وآتيناهم ~~العلم والفهم وشرفناهم بالنبوة وإنما قدم ذكر الكتاب والحكمة على النبوة ~~وإن كانت النبوة هي الأصل لأن منصب النبوة أشرف المراتب والمناصب فذكروا ~~أولا الكتاب والحكم لأنهما يدلان على النبوة { فإن يكفر بها هؤلاء } ~~يعني فإن يجحد بدلائل التوحيد والنبوة كفار قريش { فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكافرين } قال ابن عباس: هم الأنصار وأهل المدينة. وقيل: هم ~~المهاجرون والأنصار وقال الحسن وقتادة: هم ms1094 الأنبياء الثمانية عشر الذين ~~تقدم ذكرهم واختاره الزجاج قال: والدليل عليه قوله { أولئك الذين هدى ~~الله فبهداهم اقتده } وقال رجاء العطاردي: هم الملائكة وفيه بعد لأن اسم ~~القوم لا ينطلق إلا على بني آدم وقيل هم الفرس. قال ابن زيد: كل من لم ~~يكفر فهو منهم سواء كان ملكا أو نبيا أو من الصحابة أو التابعين وفي ~~الآية دليل على أن الله تعالى ينصر نبيه صلى الله عليه وسلم ويقوي دينه ~~ويجعله عاليا على الأديان كلها وقد جعل ذلك فهو إخبار عن الغيب... قوله ~~تعالى: { أولئك الذين هدى الله } يعني النبيين الذين تقدم ذكرهم لأنهم هم ~~المخصوصون بالهداية { فبهداهم اقتده } إشارة إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يعني فبشرائعهم وسننهم اعمل وأصل الاقتداء في اللغة طلب موافقة ~~الثاني للأول في فعله. وقيل أمره أن يقتدي بهم في أمر الدين الذي أمرهم ~~أن يجمعوا عليه وهو توحيد الله تعالى وتنزيهه عن جميع النقائص التي لا ~~تليق بجلاله في الأسماء والصفات والأفعال. وقيل: أمره الله أن يقتدي بهم ~~في جميع الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية والصفات الرفيعة الكاملة مثل: ~~الصبر على أذى السفهاء، والعفو عنهم. وقيل: أمره أن يقتدي بشرائعهم إلا ~~ما خصه دليل آخر فعلى هذا القول يكون في الآية دليل على أن شرع من قبلنا ~~شرع لنا. فصل احتج العلماء بهذه الآية على أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. بيانه أن جميع خصال ~~الكمال وصفات الشرف وكانت متفرقة فيهم فكان نوح صاحب احتمال على أذى ~~قومه، وكان إبراهيم صاحب كرم وبذل مجاهدة في الله عز وجل، وكان إسحاق ~~ويعقوب من أصحاب الصبر على البلاء والمحن، وكان داود عليه السلام وسليمان ~~من أصحاب الشكر على النعمة، قال الله فيهم: # اعملوا آل داود شكرا # [سبأ: 13] وكان أيوب صاحب صبر على البلاء، قال الله فيه # إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب # [ص: 44] وكان يوسف قد جمع بين الحالتين، يعني: الصبر والشكر، وكان موسى ~~صاحب الشريعة ms1095 الظاهرة والمعجزات الباهرة، وكان زكريا ويحيى وعيسى وإلياس ~~من أصحاب الزهد في الدنيا، وكان إسماعيل صاحب صدق وكان يونس صاحب تضرع ~~وإخبات ثم إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم وجمع ~~له جميع الخصال المحمودة المتفرقة فيهم فثبت بهذا البيان أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان أفضل الأنبياء لما اجتمع فيه من هذه الخصال التي كانت ~~متفرقة في جميعهم والله أعلم. # وقوله تعالى: { قل لا أسألكم عليه أجرا } يعني: قل يا محمد لا أطلب على ~~تبليغ الرسالة جعلا قيل لما أمره الله تعالى بالاقتداء بالنبيين وكان من ~~جملة هداهم عدم طلب الأجر على إيصال الدين وإبلاغ الشريعة لا جرم اقتدى ~~بهم فقال: لا أسألكم عليه أجرا { إن هو } يعني ما هو يعني القرآن { إلا ~~ذكرى للعالمين } يعني أن القرآن موعظة وذكرى لجميع العالم من الجن والإنس ~~وفيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى جميع الخلق من ~~الجن والإنس وإن دعوته عمت جميع الخلائق. قوله عز وجل: { وما قدروا ~~الله حق قدره } قال ابن عباس: لما عظموا الله حق عظمته وعنه أن معناه ما ~~آمنوا أن الله على شيء قدير. وقال أبو العالية: ما وصفوا الله حق وصفه. ~~وقال الأخفش: ما عرفوا الله حق معرفته. يقال: قدر الشيء إذا حزره وسبره ~~وأراد ان يعلم مقداره يقال قدره يقدره بالضم قدرا ثم يقال لمن عرف شيئا ~~هو يقدره قدره وإذا لم يعرفه بصفاته يقال فيه إنه لا يقدر قدره فقوله { ~~وما قدروا الله حق قدره } يصح فيه جميع الوجوه المذكورة في معناه { إذ ~~قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } يعني الذين قالوا ما أنزل الله على ~~بشر من شيء ما قدروا الله حق قدره ولا عرفوه حق معرفته إذ لو عرفوه حق ~~معرفته لما قالوا هذه المقالة، ثم اختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآية على ~~قولين: أحدهما: أنها نزلت في كفار قريش وهذا على قول من يقول إن جميع هذه ~~السورة ms1096 مكية وهو قول السدي. ويروي ذلك عن مجاهد وصححه الطبري قال: لأن من ~~أول السورة إلى هذا الموضع هو خبر عن المشركين من عبدة الأصنام وكان قوله ~~{ وما قدروا الله حق قدره } موصولا بذلك غير مفصول عنه فلا يكون قوله إذ ~~قالوا: { ما أنزل الله على بشر من شيء } خبرا عن غيرهم وأورد فخر الدين ~~الرازي على هذا القول إشكالا وهو أن كفار قريش ينكرون نبوة جميع ~~الأنبياء فكيف يمكن إلزامهم بنبوة موسى وأيضا فما بعد هذه الآية لا يليق ~~بكفار قريش إنما يليق بحال اليهود وأجاب عنه بأن كفار قريش كانوا مختلطين ~~باليهود وقد سمعوا منهم أن موسى جاءهم بالتوراة وبالمعجزات الباهرات ~~وإنما أنكر كفار قريش نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فيمكن إلزامهم بقوله ~~{ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى } وأجاب عن كون سياق الآية لا يليق ~~إلا بحال اليهود بأن كفار قريش واليهود لما كانوا مشتركين في إنكار نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فلا يبعد أن بعض الآية يكون خطابا لكفار قريش ~~وبعضها خطابا لليهود. # والقول الثاني: في سبب نزول هذه الآية وهو قول جمهور المفسرين أنها نزلت ~~في اليهود وهذا على قول من يقول: إن هذه الآية نزلت بالمدينة وأنها من ~~الآيات المدنيات التي في السور المكية. قال ابن عباس: نزلت سورة الأنعام ~~بمكة إلا ست آيات منها قوله: { وما قدروا الله حق قدره } فإنها نزلت ~~بالمدينة ثم اختلف القائلون بهذا القول في اسم من نزلت هذه الآية فيه ~~فقال سعيد بن جبير: # " جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدك الله الذي أنزل التوراة على ~~موسى أما تجدون في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين وكان حبرا سمينا ~~فغضب. وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء فقال أصحابه الذين معه ~~ويحك ولا على موسى فقال والله ما أنزل الله على بشر من شيء فأنزل الله { ~~وما ms1097 قدروا الله حق قدره } " # { إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } { قل من أنزل الكتاب الذي ~~جاء به موسى } نورا وهدى للناس الآية. قال البغوي: وفي القصة أن مالك بن ~~الصيف لما سمعت اليهود منه تلك المقالة عتبوا عليه وقالوا: أليس الله ~~أنزل التوراة على موسى فلم قلت ما أنزل الله على بشر من شيء؟ فقال مالك ~~بن الصيف: أغضبني محمد فقلت ذلك. فقالوا له: وأنت إذا غضبت تقول على الله ~~غير الحق؟ فنزعوه عن الحبرية وجعلوا مكانه كعب الأشرف. وقال السدي: لما ~~نزلت هذه الآية في فنحاص بن عازوراء اليهودي وهو القائل هذه المقالة. ~~وقال ابن عباس: قالت اليهود يا محمد أنزل الله عليك كتابا؟ قال: نعم ~~فقالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا فأنزل الله: { وما قدروا ~~الله حق قدره } { إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } { قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى } الآية وقال محمد بن كعب القرظي: جاء ناس من ~~اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتب؟ فقالوا يا أبا القاسم ألا ~~تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحا يحملونها من عند الله ~~فأنزل الله # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء # [النساء: 153] الآية التي في سورة النساء فلما حدثهم بأعمالهم الخبيثة ~~جثا رجل منهم وقال: ما أنزل الله عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على ~~أحد شيئا فأنزل الله: { وما قدروا الله حق قدره } إذ قالوا ما أنزل الله ~~على بشر من شيء وأورد الرازي على هذا القول إشكالا أيضا وهو أنه قال: ~~إن اليهود مقرون بإنزال التوراة على موسى فكيف يقولون ما أنزل الله ~~على بشر من شيء مع اعترافهم بإنزال التوراة ولم يجب عن هذا الإشكال بشيء ~~وأجيب عنه بأن مراد اليهود إنكار إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه ~~وسلم فقط ولهذا ألزموا بملا لا بد لهم من الإقرار به من إنزال التوراة ~~على موسى فقال تعالى: ms1098 { قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى } أي: قل يا ~~محمد لهؤلاء اليهود الذين أنكروا إنزال القرآن عليك بقولهم ما أنزل الله ~~على بشر من شيء من أنزل التوراة على موسى وفي هذا الإلزام توبيخ اليهود ~~بسوء جهلهم وإقدامهم على إنكار الحق الذي لا ينكر { نورا وهدى للناس } ~~يعني التوراة ضياء من ظلمة الضلالة وبيانا يفرق بين الحق والباطل من ~~دينهم وذلك قبل أن تبدل وتغير { تجعلونه قراطيس } يكتبونه في قراطيس ~~مقطعة { تبدونها } يعني القراطيس المكتوبة { وتخفون كثيرا } يعني ويخفون ~~كثيرا مما كتبوه في القراطيس وهو ما عندهم من صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ونعته في التوراة ومما أخفوه أيضا آية الرجم وكانت مكتوبة عندهم في ~~التوراة { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } أكثر المفسرين على أن ~~هذا خطاب لليهود ومعناه: أنكم علمتم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما ~~لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم من قبل. # قال الحسن: جعل لهم علم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فضيعوه ولم ~~ينتفعوا به. وقال مجاهد: هذا خطاب للمسلمين يذكرهم النعمة فيما علمهم على ~~لسان نبيه صلى الله عليه وسلم { قل الله } هذا راجع إلى قوله: { قل من ~~أنزل الكتاب الذي جاء به موسى } فإن أجابوك يا محمد وإلا فقل أنت الله ~~الذي أنزله: { ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } يعني: دعهم يا محمد فيما هم فيه ~~يخوضون من باطلهم وكفرهم بالله. ومعنى يلعبون: يستهزؤون ويسخرون. وقيل: ~~معناه يا محمد إنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والإنذار هذا ~~المبلغ العظيم فحينئذ لم يبق عليك من أمرهم شيء فذرهم فيما هم فيه من ~~الخوض واللعب وفيه وعيد وتهديد للمشركين. وقال بعضهم: هذا منسوخ بآية ~~السيف وفيه بعد لأنه مذكور لأجل التهديد والوعيد. ### || [6.92-93] # قوله تعالى: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك } يعني: وهذا القرآن كتاب ~~أنزلناه من عندنا عليك يا محمد كثير الخير والبركة دائم النفع يبشر ~~المؤمنين بالثواب والمغفرة ويزجر عن القبيح والمعصية. وأصل البركة: ~~النماء والزيادة ms1099 وثبوت الخير { مصدق الذي بين يديه } يعني من الكتب ~~الإلهية المنزلة من السماء على الأنبياء يعني أنه موافق لما في التوراة ~~والإنجيل وسائر الكتب، لأنها اشتملت جميعها على التوحيد والتنزيه لله من ~~كل عيب ونقيصه وتدل على البشارة والنذارة فثبت بذلك كون القرآن مصدقا ~~لجميع الكتب المنزلة { ولتنذر } قرئ بالتاء يعني ولتنذر يا محمد وبالياء ~~ومعناه ولينذر الكتاب { أم القرى } يعني مكة وفيه حذف تقديره ولتنذر أهل ~~القرى وسميت مكة أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها. قاله ابن عباس: وقيل: ~~لأنها أقدم القرى وأعظمها بركة. وقيل: لأنها قبلة أهل الأرض { ومن حولها ~~} يعني جميع البلاد والقرى التي حولها شرقا وغربا { والذين يؤمنون ~~بالآخرة يؤمنون به } يعني: والذين يصدقون بقيام الساعة وبالمعاد والبعث ~~بعد الموت يصدقون بها الكتاب وأنه منزل من عند الله عز وجل وقيل ببعثة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك أن الذي يؤمن بالآخرة يؤمن بالوعد ~~والوعيد والثواب والعقاب ومن كان كذلك فإنه يرغب في تحصيل الثواب ورد ~~العقاب عنه وذلك لا يحصل إلا بالنظر التام فإذا نظر وتفكر علم بالضرورة ~~أن دين محمد أشرف الأديان وشريعته أعظم الشرائع { وهم على صلواتهم ~~يحافظون } يعني يداومون عليها في أوقاتها. والمعنى: أن الإيمان بالآخرة ~~يحمل على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك يحمل على المحافظة على ~~الصلاة، وفائدة تخصيص الصلاة بالذكر دون سائر العبادات، التنبيه على أنها ~~أشرف العبادات بعد الإيمان بالله تعالى، فإذا حافظ العبد عليها يكون ~~محافظا على جميع العبادات والطاعات قوله عز وجل: { ومن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا } يعني ومن أعظم خطأ وأجهل فعلا ممن اختلق على الله ~~كذبا فزعم أن الله بعثه نبيا وهو في زعمه كذاب مبطل { أو قال أوحي إلي ~~ولم يوح إليه شيء } قال قتادة: # " نزلت هذه الآية في مسيلمة الكذاب بن ثمامة. وقيل مسيلمة بن حبيب من ~~بني حنيفة وكان صاحب نيرجات وكهانة وسجع ادعى النبوة باليمن وزعم أن الله ~~أوحى إليه وكان قد أرسل إلى النبي صلى ms1100 الله عليه وسلم رسولين: فقال لهما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتشهدان أن مسيلمة نبي؟ " قالا: نعم. ~~فقال لهما: النبي صلى الله عليه وسلم: " لولا أن الرسل لا تقتل لضربت ~~أعناقكما " " # ق. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " بينا أنا نائم إذ أوتيت خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب فكبرا ~~علي وأهماني فأوحي إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا فأولتهما الكذابين ~~اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة " # وفي لفظ الترمذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رأيت في المنام كأن في يدي سوارين فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي، ~~يقال لأحدهما: مسيلمة صاحب اليمامة والعنسي صاحب صنعاء " # قوله فأوحى إلي أن أنفخهما يروى بالخاء المهملة ومعناه الرمي والدفع من ~~نفخت الدابة برجلها إذا دفعت ورمحت ويروى بالخاء المعجمة من النفخ يريد ~~أنه نفخهما فطارا عنه وهو قريب من الأول فأما مسيلمة الكذاب فإنه ادعى ~~النبوة باليمامة من اليمن وتبعه قوم من بني حنيفة وكان صاحب نيرجات ~~فاغتر قومه بذلك وقتل مسيلمة الكذاب في زمن خلافة أبي بكر الصديق قتله ~~وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب وكان وحشي يقول: قتلت خير الناس يعني حمزة ~~وقتلت شر الناس يعني مسيلمة وأما الأسود العنسي بالنون فهو عبهلة بن كعب ~~وكان يقال له ذو الحمار ادعى النبوة باليمن في آخر عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقتل والنبي صلى الله عليه وسلم حي لم يمت وذلك قبل موته ~~بيومين وأخبر أصحابه بقتله وقتله فيروز الديلمي فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فاز فيروز يعني بقتلة الأسود العنسي فمن قال إن هذه الآية يعني قوله ~~تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح ~~إليه شيء } انزلت في مسيلمة الكذاب والأسود العنسي يقول: إن هذه الآية ~~مدنية نزلت بالمدينة وهو قول لبعض علماء التفسير تقدم ذكره في أول السورة ~~ومن قال إن هذه الآية مكية وقال: إنها نزلت في شأنهما يقول إنها ms1101 خبر عن ~~غيب قد ظهر ذلك فيما بعد والله أعلم. وقوله تعالى: { ومن قال سأنزل مثل ~~ما أنزل الله } قال السدي: نزلت في عبد الله بن أبي سرح القرشي وكان قد ~~أسلم وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا أملى عليه سميعا ~~بصيرا كتب عليما حكيما وإذا أملى عليه عليما حكيما كتب غفورا ~~رحيما فلما نزلت # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12] أملاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجب عبد الله ~~من تفصيل خلق الإنسان فقال تبارك الله أحسن الخالقين فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اكتبها فهكذا نزلت فشك عبد الله بن أبي سرح وقال: لئن كان ~~محمد صادقا فقد أوحي إلي مثل ما أوحي إليه فارتد عن الإسلام ولحق ~~بالمشركين ثم رجع عبد الله بعد ذلك إلى الإسلام فأسلم قبل فتح مكة والنبي ~~صلى الله عليه وسلم نازل بمر الظهران وقال ابن عباس نزل قوله ومن قال: ~~سأنزل مثل ما أنزل الله في المستهزئين وهو جواب لقولهم لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا. # قال العلماء: وقد دخل في حكم هذه الآية كل من افترى على الله كذبا في ~~ذلك الزمان وبعده لأنه لا يمنع خصوص السبب من عموم الحكم: { ولو ترى إذ ~~الظالمون في غمرات الموت } يعني ولو ترى يا محمد حال هؤلاء الظالمين إذ ~~أنزل بهم الموت لرأيت أمرا عظيما وغمراته شدائده وسكراته وغمرة كل شيء ~~معظمه وأصلها الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها ثم وضعت في موضع الشدائد ~~والمكاره { والملائكة باسطو أيديهم } يعني بالعذاب يضربون وجوههم ~~وأدبارهم وقيل: باسطو أيديهم لقبض أرواحهم { أخرجوا أنفسكم } يعني يقولون ~~لهم أخرجوا أنفسكم. فإن قلت: إنه لا قدرة لأحد على إخراج روحه من بدنه ~~فما فائدة هذا الكلام. قلت: معناه يقولون لهم أخرجوا أنفسكم كرها لأن ~~المؤمن يحب لقاء الله بخلاف الكافر وقيل معناه يقولون لهم خلصوا أنفسكم ~~من هذا العذاب إن قدرتم على ذلك فيكون هذا القول توبيخا لهم لأنهم لا ~~يقدرون على خلاص ms1102 أنفسهم من العذاب في ذلك الوقت { اليوم تجزون عذاب الهون ~~} يعني الهوان { بما كنتم تقولون على الله غير الحق } يعني ذلك العذاب ~~الذي تجزونه بسبب ما كنتم تقولون على الله غير الحق { وكنتم عن آياتنا ~~تستكبرون } يعني وبسبب ما كنتم تتعظمون عن الإيمان بالقرآن ولا تصدقونه. ### || [6.94] # قوله تعالى: { ولقد جئتمونا فرادى } يعني وحدانا لا مال معكم ولا زوج ~~ولا ولد ولا خدم وهذا خبر من الله عز وجل عن حال الكافرين يوم القيامة ~~وكيف يحشرون إليه ماذا يقول لهم في ذلك اليوم وفي قوله للكافرين ولقد ~~جئتمونا فرادى تقريع وتوبيخ لهم لأنهم صرفوا هممهم في الدنيا إلى تحصيل ~~المال والولد والجاه وأفنوا أعمارهم في عبادة الأصنام فلم يغن عنهم كل ~~ذلك شيئا يوم القيامة فبقوا فرادى عن كل ما حصلوه في الدنيا { كما ~~خلقناكم أول مرة } يعني جئتمونها حفاة عراة غرلا يعني قلفا كما ولدتهم ~~أمهاتهم في أول مرة في الدنيا لا شيء عليهم ولا معهم ق. عن ابن عباس قال: ~~قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: # " أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا " # كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين # [الأنبياء: 104] ق عن عائشة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " " تحشر الناس حفاة عراة غرلا " قالت عائشة: فقلت الرجال والنساء ~~جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال " الأمر أشد من أن يهمهم ذلك " # روى الطبري بسنده # " عن عائشة أنها قرأت قول الله عز وجل { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم ~~أول مرة } فقالت: يا رسول الله واسوأتاه إن الرجال والنساء يحشرون جميعا ~~ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لكل امرئ ~~منهم يومئذ شيء يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال ~~شغل بعضهم عن بعض " # وقوله تعالى: { وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } يعني وتركتم الذي ~~أعطيناكم وملكناكم من الأموال والأولاد والخدم والخول وكل ما أعطى الله ~~العبد خوله فيه من ms1103 المال والعبيد وراء ظهوركم يعني في الدنيا { وما نرى ~~معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء } يعني أن المشركين زعموا أنهم ~~إنما عبدوا هذه الأصنام " لأنها تشفع لهم عند الله يوم القيامة لأنها ~~شركاء الله تعالى الله عن ذلك فإذا كان يوم القيامة وبخ الله المشركين ~~وقرعهم بهذه الآية ثم قال تعالى: { لقد تقطع بينكم } قرئ بنصب النون من ~~بينكم ومعناه لقد تقطع ما بينكم من الوصل أو يكون معناه لقد تقطع الأمر ~~بينكم وقرئ بينكم برفع النون، ومعناه لقد تقطع وصلكم والبين من الأضداد ~~يكون وصلا ويكون هجرا { وضل عنكم ما كنتم تزعمون } يعني: وذهب وبطل ما ~~كنتم تكذبون في الدنيا. ### || [6.95-98] # قوله عز وجل: { إن الله فالق الحب والنوى } لما تقدم الكلام على تقرير ~~التوحيد وتقرير النبوة، أردفه بذكر الدلائل على كمال قدرته وعلمه وحكمته ~~تنبيها بذلك على أن المقصود الأعظم هو معرفة الله سبحانه وتعالى بجميع ~~صفاته وأفعاله وأنه مبدع الأشياء وخالقها ومن كان كذلك كان هو المستحق ~~للعبادة لا هذه الأصنام التي كانوا يعبدونها وتعريفا منه خطأ ما كانوا ~~عليه من الإشراك الذي كانوا عليه. والمعنى: أن الذي يستحق العبادة دون ~~غيره هو الله الذي فلق الحب عن النبات والنواة عن النخلة. وفي معنى فلق ~~قولان: أحدهما: أنه بمعنى خلق ومعنى الآية على هذا القول: " أن الله خالق ~~الحب والنوى " وهو قول ابن عباس في رواية العوفي عنه وبه. قال الضحاك ~~ومقاتل: قال الواحدي: ذهبوا بفالق مذهب فاطر. وأنكر الطبري هذا القول ~~وقال لا يعرف في كلام العرب فلق الله الشيء بمعنى خلق. ونقل الأزهري عن ~~الزجاج جوازه فقال: وقيل الفلق الخلق، وإذا تأملت الخلق، تبين لك أن ~~أكثره عن انفلاق ومعنى هذا الكلام أن جميع الأشياء كانت قبل الوجود في ~~العدم فلما أوجدها الله تعالى وأخرجها من العدم إلى الوجود فكأنه فلقها ~~وأظهرها. والقول الثاني: وهو قول الأكثرين أن الفلق هو الشق ثم اختلفوا ~~في معناه على قولين: أحدهما: وهو مروي عن ابن عباس قال: ms1104 فلق الحبة عن ~~السنبلة والنواة عن النخلة وهو قول الحسن والسدي وابن زيد. قال الزجاج: ~~بشق الحبة اليابسة فيخرج منها ورقا أخضر. والقول الثاني: وهو قول مجاهد ~~إنه الشقان اللذان في الحب والنوى والحب هو الذي ليس له نوى كالحنطة ~~والشعير والأرز وما أشبه ذلك والنوى جمع نواة وهي ما كان على ضد الحب ~~كالرطب والخوخ والمشمش وما أشبه ذلك ومعنى قوله: { فالق الحب والنوى } ~~أنه إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة ثم مر على ذلك قدر من ~~الزمان أظهر الله تبارك وتعالى من تلك الحبة ورقا أخضر ثم يخرج من ذلك ~~الورق سنبلة يكون فيها الحب ويظهر من النواة شجرة صاعدة في الهواء ~~وعروقا ضاربة في الأرض فسبحان من أوجد جميع الأشياء بقدرته وإبداعه ~~وخلقه. وقوله تعالى: { يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي } قال ابن ~~عباس: في رواية عنه: يخرج من النطفة بشرا حيا ويخرج النطفة الميتة من ~~الحي وهذا قول الكلبي ومقاتل. قال الكلبي: يخرج النسمة الحية من النطفة ~~الميتة ويخرج الفرخة من البيضة ويخرج النطفة الميتة والبيضة الميتة من ~~الحي. وقال ابن عباس في رواية أخرى: يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر ~~من المؤمن فجعل الإيمان بمنزلة الحياة والكفر بمنزلة الموت وهذا قول ~~الحسن. # وقيل: معناه يخرج الطائع من العاصي والعاصي من الطائع. وقال السدي: يخرج ~~النبات من الحب والحب من النبات وهذا اختيار الطبري لأنه قال عقب قوله { ~~إن الله فالق الحب والنوى }. فإن قلت كيف قال ومخرج الميت من الحي بلفظ ~~اسم الفاعل بعد قوله { يخرج الحي من الميت } وما السبب في عطف الاسم على ~~الفعل. قلت: قوله { ومخرج الميت من الحي } عطف على قوله: { فالق الحب ~~والنوى } وقوله: { يخرج الحي من الميت } كالبيان والتفسير لقوله { فالق ~~الحب والنوى } لأن فلق الحب والنوى واليابس وإخراج النبات والشجر منه من ~~جنس إخراج الحي من الميت لأن النامي من النبات في حكم الحيوان وقوله { ~~ذلكم الله } يعني ذلكم الله المدبر الخالق الصانع لهذه ms1105 الأشياء المحيي ~~المميت لها { فأنى تؤفكون } يعني فأنى تصرفون عن الحق فتعبدون غير الله ~~الذي هو خالق الأشياء كلها وفيه دليل أيضا على صحة البعث بعد الموت لأن ~~القادر على إخراج البدن من النطفة قادر على إخراجه من التراب للحساب قوله ~~تعالى: { فالق الإصباح } أي شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده ~~والإصباح مصدر سمي به الصبح. وقال الزجاج: الإصباح والصبح واحد وهما أول ~~النهار. فإن قلت ظاهر الآية يدل على أنه تعالى فلق الصبح، والظلمة هي ~~التي تنلفق بالصبح فما معنى ذلك؟ قلت ذكر العلماء فيه وجوها: الأول: أن ~~يكون المراد فالق ظلمة الصبح وذلك لأن الصبح صبحان: فالصبح الأول هو ~~البياض المستطيل الصاعد في الأفق كذنب السرحان وهو الذئب ثم تعقبه ظلمة ~~بعد ذلك ويسمى هذا الصبح الفجر الكاذب لأنه يبدو في الأفق الشرقي ثم ~~يضمحل ويذهب ثم يطلع بعده الصبح الثاني، وهو الضوء المستطير في جميع ~~الأفق الشرقي ويسمى الفجر الصادق لأنه ليس بعده ظلمة والحاصل من هذا أن ~~يكون المعنى: فالق ظلمة الصبح الأول بنور الصبح الثاني. الوجه الثاني: ~~أنه تعالى كما شق ظلمة الليل بنور الصباح فكذلك يشق نور الصبح بضياء ~~النهار فيكون معنى قوله: { فالق الإصباح } أي فالق الصباح بنورالنهار. ~~الوجه الثالث: أن يراد فالق ظلمة الإصباح وهي الغبش في آخر الليل الذي ~~يلي الصبح. الوجه الرابع: أن يكون المعنى فالق الإصباح الذي هو عمود ~~الفجر إذا انصدع الفجر وانفلق وسمي الفجر فلقا بمعنى مفلوق. الوجه ~~الخامس: الفلق بمعنى الخلق يعني خالق الإصباح. وعلى هذا القول يزول ~~الإشكال. والصبح هو الضوء الذي يبدو أول النهار. والمعنى أنه تعالى مبدي ~~ضوء الصبح وخالقه ومنوره. وقوله تعالى: { وجعل الليل سكنا } السكن ما ~~سكنت إليه واسترحت به. يريد أن الناس يسكنون في الليل سكون راحة لأن الله ~~جعل الليل لهم كذلك. قال ابن عباس: إن كل ذي روح يسكن فيه لأن الإنسان قد ~~أتعب نفسه في النهار فاحتاج إلى زمان يستريح فيه ويسكن عن الحركة وذلك هو ms1106 ~~الليل { والشمس والقمر حسبانا } يعني أنه تعالى قدر حركة الشمس والقمر ~~في الفلك بحسبان معين. # قال ابن عباس: يجريان إلى أجل جعل لهما يعني عدد الأيام والشهور والسنين ~~وقال الكلبي منازلهما بحسبان لا يجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما { ~~ذلك } إشارة إلى ما تقدم ذكره في هذه الآية من الأشياء التي خلقها بقدرته ~~وكمال علمه وهو المراد بقوله { تقدير العزيز العليم } فالعزيز إشارة إلى ~~كمال قدرته والعليم إشارة إلى كمال علمه. قوله عز وجل: { وهو الذي جعل ~~لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر } جعل هنا بمعنى خلق يعني ~~والله الذي خلق لكم هذه النجوم أدلة لتهتدوا بها إذا ضللتم الطريق ~~وتحيرتم فيه، فامتن الله على عباده بأن جعل لهم النجوم ليهتدوا بها في ~~المسالك والطرق في البر والبحر إلى حيث يريدون ويستدلون بالنجوم أيضا ~~على القبلة فيستدلون على ما يريدون في النهار بحركة الشمس وفي الليل ~~بحركة الكواكب ومن منافعها أيضا أنه تعالى خلقها زينة للسماء ورجوما ~~للشياطين كما قال: # ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين # [الملك: 5] { قد فصلنا الآيات } يعني قد بينا الآيات الدالة على ~~توحيدنا وكمال قدرتنا { لقوم يعلمون } أن ذلك مما يستدل به على وجود ~~الصانع المختار وكمال علمه وقدرته. قوله تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس ~~واحدة } يعني والله الذي ابتدأ خلقكم أيها الناس من آدم عليه السلام فهو ~~أبو البشر كلهم وحواء مخلوقة منه وعيسى أيضا لأن ابتداء خلقه من مريم ~~وهي من بنات آدم فثبت أن جميع الخلق من آدم عليه السلام { فمستقر ومستودع ~~} قرئ فمستقر بكسر القاف وفتحها. يقال: قر في مكانه واستقر فمن كسر ~~القاف قال: المستقر بمعنى القار. والمعنى: منكم مستقر يعني في الأرحام. ~~ومن فتح القاف جعله مكانا فالمستقر نفس المقر فيكون المعنى لكم مقر. ~~وأما المستودع فهو مثل أودع فيجوز أن يكون اسما للإنسان الذي استودع ذلك ~~المكان ويجوز أن يكون المكان نفسه. فمن قرأ فمستقر بفتح القاف جعل ~~المستودع مكانا، والمعنى: فلكم مكان استقرار ms1107 ومكان استيداع ومن كسر ~~القاف جعل المعنى منكم مستقر ومنكم مستودع يعني منكم من استقر ومنكم من ~~استودع والفرق بين المستقر والمستودع أن المستقر أقرب إلى الثبات من ~~المستودع، لأن المستقر من القرار والمستودع معرض لأن يرد. ولهذا اختلفت ~~عبارات المفسرين في معنى هذين اللفظين فروي عن ابن عباس أنه قال المستقر ~~في أرحام الأمهات والمستودع في أصلاب الآباء ثم قرأ # ونقر في الأرحام ما نشاء # [الحج: 5] ويؤيد هذا القول أن النطفة لا تبقى في صلب الأب زمانا طويلا ~~والجنين يبقى في بطن الأم زمانا طويلا، ولما كان المكث في بطن الأم ~~أكثر من صلب الأب حمل المستقر على الرحم والمستودع على الصلب. # وروي عنه أنه قال: بالعكس يعني أن المستقر صلب الأب والمستودع رحم الأم. ~~ووجه هذا القول، أن النطفة حصلت في صلب الأب قبل رحم الأم فوجب حمل ~~المستقر على الصلب والمستودع على الرحم. وقال ابن مسعود: المستقر في ~~الرحم إلى أن يولد والمستودع في القبر إلى أن يبعث وقال مجاهد: المستقر ~~على ظهر الأرض في الدنيا لقوله: # ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين # [البقرة: 36] والمستودع عند الله في الآخرة. وقال الحسن: المستقر في ~~القبر والمستودع في الدنيا وكان يقول يا ابن آدم أنت مستودع في أهلك إلى ~~أن تلحق بصاحبك يعني القبر وقيل المستودع في القبر والمستقر إما في الجنة ~~والنار، لأن المقام فيهما يقتضي الخلود والتأبيد { قد فصلنا الآيات } قد ~~بينا الدلائل الدالة على التوحيد بالبراهين الواضحة والحجج القاطعة { ~~لقوم يفقهون } يعني لقوم يفهمون عن الله آياته ودلائله الدالة على توحيده ~~لأن الفقه هو الفهم. ### || [6.99] # قوله عز وجل: { وهو الذي أنزل من السماء ماء } يعني المطر وقيل إن الله ~~ينزل المطر من السماء إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض { فأخرجنا به } ~~يعني بالماء الذي أنزلناه من السماء { نبات كل شيء } يعني كل شيء ينبت ~~وينمو من جميع أصناف النبات، وقيل معناه أخرجنا بالماء الذي أنزلناه من ~~السماء غذاء كل شيء من: الأنعام والبهائم والطير ms1108 والوحش وأرزاق بني آدم ~~وأقواتهم مما يتغذون به فينبتون عليه وينمون { فأخرجنا منه خضرا } يريد ~~أخضر مثل عور وأعور. والأخضر هو جميع الزروع والبقول الرطبة { نخرج منه ~~حبا متراكبا } يعني: يخرج من ذلك الأخضر سنابل فيها الحب يركب بعضها ~~فوق بعض مثل: سنبل القمح والشعير والأرز والذرة وسائر الحبوب وفي تقديم ~~الزرع على النخيل دليل على الأفضلية ولأن حاجة الناس إليه أكثر لأنه ~~القوت المألوف { ومن النخل من طلعها قنوان دانية } يعني من ثمرها. يقال: ~~أطلعت النخلة إذا أخرجت طلعها وطلعها كفراها قبل أن ينشق عن الإغريض. ~~والإغريض: يسمى طلعا أيضا وهو ما يكون في قلب الطلع والطلع أول ما يبدو ~~ويخرج من ثمر النخل كالكيزان يكون فيه العذق فإذا شق عنه كيزانه سمي ~~عذقا وهو القنو وجمعه قنوان مثل: صنو وصنون. دانية أي قريبة التناول ~~ينالها القائم والقاعد وقال مجاهد: متدلية. وقال الضحاك: قصار ملتصقة ~~بالأرض وفيه اختصار وحذف تقديره ومن النخل ما قنوانها دانية قريبة ومنها ~~ما هي بعيدة عالية فاكتفى بذكر القريبة عن البعيدة لشدة الاهتمام بها ~~ولأنها أسهل تناولا من البعيدة لأن البعيدة تحتاج إلى كلفة { وجنات من ~~أعناب } يعني وأخرجنا من ذلك بساتين من أعناب { والزيتون والرمان } يعني ~~وأخرجنا شجرة الزيتون وشجر الرمان { مشتبها } قال قتادة مشتبها ورقها ~~مختلفا ثمرها لأن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان { وغير متشابه } يعني ~~ومنها غير متشابه في الورق والطعم. واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه الآية ~~أربعة أنواع من الشجر بعد ذكر الزرع وإنما قدم الزرع على سائر الأشجار ~~لأن الزرع غذاء وثمار أشجار فواكه والغذاء مقدم على الفواكه وإنما قدم ~~النخلة على غيرها لأن ثمرتها تجري مجرى الغذاء، وفيها من المنافع والخواص ~~ما ليس في غيرها من الأشجار وإنما ذكر العنب عقب النخلة لأنها من أشرف ~~أنواع الفواكه ثم ذكر عقبه الزيتون لما فيه من البركة والمنافع الكثيرة ~~في الأكل وسائر وجوه الاستعمال ثم ذكر عقيبه الرمان لما فيه من المنافع ~~أيضا لأنه فاكهة ودواء ثم قال ms1109 تعالى: { انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ~~} يعني ونضجه وإدراكه. والمعنى انظروا نظر استدلال واعتبروا كيف أخرج ~~الله تعالى هذه التمرة الرطبة اللطيفة من هذه الشجرة الكثيفة اليابسة وهو ~~قوله: { إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون } يعني يصدقون أن الذي أخرج هذا ~~النبات وهذه الثمار قادر على أن يحيى الموتى ويبعثهم وإنما احتج الله ~~عليهم بتصريف ما خلق ونقله من حال إلى حال وهو ما يعلمونه قطعا ~~ويشاهدونه من إحياء الأرض بعد موتها وإخراج سائر أنواع النبات والثمار ~~منها وأنه لا يقدر على ذلك أحد إلا الله تعالى ليبين أنه تعالى كذلك قادر ~~على أن يحييهم بعد موتهم ويبعثهم يوم القيامة فاحتج عليهم بهذه الأشياء ~~لأنهم كانوا ينكرون البعث. ### || [6.100-102] # قوله تعالى { وجعلوا لله شركاء الجن } قال الحسن: معناه أطاعوا الجن في ~~عبادة الأوثان. وهو اختيار الزجاج. قال: معناه إنهم أطاعوا الجن فيما ~~سولت لهم من شركهم فجعلوهم شركاء لله. وقال الكلبي: نزلت في الزنادقة ~~أثبتوا الشرك لاثنين في الخلق فقالوا الله خالق النور والناس والدواب ~~والأنعام وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب ونقل هذا القول ~~ابن الجوزي عن ابن السائب ونقله الرازي عن ابن عباس. قال الإمام فخر ~~الدين: وهذا مذهب المجوس. وإنما قال ابن عباس: هذا قول الزنادقة، لأن ~~المجوس يلتبسون بالزندقة، لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل من السماء ~~سماه بالزند والمنسوب إليه زندي ثم عرب: فقيل: زنديق فإذا جمع، قيل: ~~زنادقة. ثم إن المجوس قالوا: كل ما يكون في هذا العالم من الخير فهو من ~~يزدان يعني النور وجميع ما في العالم من الشر فهو من الظلمة يعني إبليس ~~ثم اختلف المجوس فالأكثرون منهم على أن إبليس محدث ولهم في كيفية حدوثه ~~أقوال عجيبة والأقلون منهم قالوا: إنه قديم وعلى كلا القولين فقد اتفقوا ~~على أنه شريك الله في تدبير هذا العالم فما كان من خير فمن الله وما كان ~~من شر فمن إبليس تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. فإن قلت فعلى هذا ~~القول ms1110 إنما أثبتوا لله شريكا واحدا وهو إبليس فكيف حكى الله أنهم جعلوا ~~له شركاء قلت: إن إبليس له أعوان من جنسه وحزبه وهم شياطين الجن يعملون ~~أعماله فصح ما حكاه الله عنهم من أنهم جعلوا له شركاء الجن ومعنى الآية ~~وجعلوا الجن شركاء لله واختلفوا في معنى هذه الشركة فمن قال إن الآية في ~~كفار العرب قال إنهم لما أطاعوا الجن فيما أمروهم به من عبادة الأصنام ~~فقد جعلوهم شركاء لله ومن قال إنها في المجوس قال إنهم أثبتوا إلهين ~~اثنين النور والظلمة، وقيل إن كفار العرب قالوا الملائكة بنات الله وهم ~~شركاؤه فعلى هذا القول فقد جعلوا الملائكة من الجن وذلك لأنهم مستورون عن ~~الأعين. وقوله { وخلقهم } في معنى الكناية قولان: أحدهما: أنها تعود إلى ~~الجن فيكون المعنى: والله خلق الجن فكيف يكون شريك الله من هو محدث ~~مخلوق. والقول الثاني: إن الكناية تعود إلى الجاعلين لله شركاء فيكون ~~المعنى: وجعلوا لله الذي خلقهم شركاء لا يخلقون شيئا. وهذا كالدليل ~~القاطع بأن المخلوق لا يكون شريكه لله وكل ما في الكون محدث مخلوق والله ~~تعالى هو الخالق لجميع ما في الكون فامتنع أن يكون لله شريك في ملكه { ~~وخرقوا له بنين وبنات بغير علم } أي اختلقوا وكذبوا يقال: اختلق واخترق ~~على فلان إذا كذب عليه وذلك أن النصارى وطائفة من اليهود ادعوا أن لله ~~ابنا، وكفار العرب ادعوا أن الملائكة بنات الله وكذبوا على الله جميعا ~~فيما ادعوه وقوله { بغير علم } كالتنبيه على ما هو الدليل القاطع على ~~فساد هذا القول لأن الولد جزء من الأب والله سبحانه وتعالى لا يتجزأ فثبت ~~بهذا فساد قول من يدعي أن لله ولدا ثم نزه الله تعالى نفسه عن اتخاذ ~~الولد وعن هذه الأقاويل الفاسدة فقال تعالى: { سبحانه وتعالى عما يصفون } ~~فقوله سبحانه فيه تنزيه الله عن كل ما لا يليق بجلاله وقوله تعالى يعني ~~هو المتعالي عن كل اعتقاد باطل وقول فاسد، أو يكون المعنى: المتعالي عن ~~اتخاذ الولد والتشريك وقوله ms1111 { عما يصفون } يعني عما يصفونه به من الكذب. # قوله عز وجل: { بديع السموات والأرض } الإبداع عبارة عن تكوين الشيء على ~~غير مثال سبق والله تعالى خلق السموات والأرض على غير مثال سبق { أنى ~~يكون له ولد } يعني من أين يكون له ولد { ولم تكن له صاحبة } لأن الولد ~~لا يكون إلا من صاحبة أنثى ولا ينبغي أن تكون لله صاحبة لأنه ليس كمثله ~~شيء { وخلق كل شيء } يعني أن الصاحبة والولد في جملة من خلق لأنه خالق كل ~~شيء وليس كمثله شيء فكيف يكون الولد لمن لا مثل له وإذا نسب الولد ~~والصاحبة إليه فقد جعل له مثل والله تعالى منزه عن المثلية وهذه الآية ~~حجة قاطعة على فساد قول النصارى { وهو بكل شيء عليم } يعني أنه تعالى ~~عالم بجميع خلقه لا يعزب عن علمه شيء وعلمه محيط بكل شيء. قوله تعالى: { ~~ذلكم الله ربكم } يعني ذلكم الله الذي من صفته أنه خلق السموات والأرض ~~وأبدعهما على غير مثال سبق { وأنه بكل شيء عليم } هو ربكم الذي يستحق ~~العبادة لا من تدعون من دونه من الأصنام لأنها جمادات لا تخلق ولا تضر ~~ولا تنفع ولا تعلم والله تعالى هو الخالق الضار النافع { لا إله إلا هو ~~خالق كل شيء فاعبدوه } يعني أنه هو الذي يستحق العبادة فاعبدوه وأطيعوه { ~~وهو على كل شيء وكيل } يعني أنه هو تعالى على كل شيء خلق رقيب حفيظ، يقوم ~~بأرزاق جميع خلقه. ### || [6.103-105] # قوله عز وجل: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } قال جمهور المفسرين ~~معنى: الإدراك الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته فالأبصار ترى البارئ جل جلاله ~~ولا تحيط به كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به. وقال سعيد بن المسيب في ~~تفسيره: قوله لا تدركه الأبصار، لا تحيط به الأبصار. وقال ابن عباس: كلت ~~أبصار المخلوقين عن الإحاطة به. فصل تمسك بظاهر الآية قوم من أهل البدع ~~ووهم الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة وقالوا: إن الله تبارك وتعالى لا ~~يراه أحد من خلقه وإن رؤيته مستحيلة ms1112 عقلا، لأن الله أخبر أن الأبصار لا ~~تدركه وإدراك البصر عبارة عن الرؤية، إذ لا فرق بين قوله أدركته ببصري ~~ورأيته ببصري فثبت بذلك أن قوله لا تدركه الأبصار بمعنى لا تراه الأبصار ~~وهذا يفيد العموم ومذهب أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي ~~الجنة وأن رؤيته غير مستحيلة عقلا واحتجوا لصحة مذهبهم بتظاهر أدلة ~~الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ومن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية ~~الله تبارك وتعالى للمؤمنين في الآخرة قال الله تبارك وتعالى: # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23] ففي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم يوم ~~القيامة وقال تعالى: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15] قال الشافعي رحمه الله: حجب قوما بالمعصية وهي الكفر ~~فثبت أن قوما يرونه بالطاعة وهي الإيمان وقال مالك لو لم ير المؤمنون ~~ربهم يوم القيامة لم يعير الكفار بالحجاب وقال تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26] وفسروا هذه الزيادة بالنظر إلى وجه الله تبارك وتعالى يوم ~~القيامة. وأما دلائل السنة فما روي عن جرير بن عبد الله البجلي قال # " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال ~~إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن ~~استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم ~~قرأ: { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } " # أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: # " أن ناسا قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هل تضامون في القمر ليلة البدر؟ قالوا لا يا رسول ~~الله قال هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا لا يا رسول الله قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكم ترونه " # كذلك أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي وليس عنده في أوله أن أناسا سألوا ~~ولا في آخره ليس دونها سحاب. عن أبي رزين العقيلي قال: # " قلت يا رسول الله ms1113 أكلنا يرى ربه مخليا به يوم القيامة؟ قال: نعم قلت ~~وما آية ذلك من خلقه؟ قال: يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر ~~مخليا به قلت بلى قال: " فالله أعظم إنما هو خلق من خلق الله يعني القمر ~~فالله أجل وأعظم " # أخرجه أبو داود وأما الدلائل العقلية، فقد احتج أهل السنة أيضا بهذه ~~الآية على جواز رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، وتقريره، أنه تعالى تمدح ~~بقوله لا تدركه الأبصار فلو لم يكن جائز الرؤية لما حصل هذا التمدح لأن ~~المعدوم لا يصح التمدح به فثبت أن قوله لا تدركه الأبصار يفيد المدح، ~~وهذا يدل على أنه تعالى جائز الرؤية وتحقيق هذا أن الشيء إذا كان في نفسه ~~بحيث تمتنع رؤيته فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم، أما إذا كان ~~في نفسه جائز الرؤية. ثم إنه قدر على حجب الأبصار عنه كانت القدرة دالة ~~على المدح والعظمة فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية ~~وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة، لأن موسى صلى ~~الله عليه وسلم سأل الرؤية بقوله: أرني أنظر إليك وذلك يدل على جواز ~~الرؤية، إذ لا يسأل نبي مثل موسى ما لا يجوز ويمتنع وقد علق الله الرؤية ~~على استقرار الجبل بقوله فإن استقر مكانه فسوف تراني. استقرار الجبل ~~جائز. والمعلق على الجائز جائز. وأما الجواب عن تمسك المعتزلة بظاهر هذه ~~الآية في نفي الرؤية، فاعلم أن الإدراك غير الرؤية، لأن الإدراك هو ~~الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته، والرؤية: المعاينة للشيء من غير إحاطة. وقد ~~تكون الرؤية بغير إدراك كما قال تعالى في قصة موسى: قال أصحاب موسى إنا ~~لمدركون قال كلا وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم ولكن ~~قاربوا إدراكهم إياه فنفى موسى الإدراك مع إثبات الرؤية بقوله كلا والله ~~تعالى يجوز أن يرى في الآخرة من غير إدراك ولا إحاطة لأن الإدراك هو ~~الإحاطة بالمرئي وهو ما كان محدودا وله جهات والله تعالى ms1114 منزه عن الحد ~~والجهة لأنه القديم الذي لا نهاية لوجوده فعلى هذا أنه تعالى يرى ولا ~~يدرك وقال قوم: إن الآية مخصوصة بالدنيا. قال ابن عباس في معنى الآية: لا ~~تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة وعلى هذا القول فلا فرق بين ~~الإدراك والرؤية قالوا ويدل على هذا التخصيص قوله: # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # [القيامه: 22-23] فقوله: # يومئذ ناضرة # [القيامه: 22] مقيد بيوم القيامة على هذا يمكن الجمع بين الآيتين وقال ~~السدي: البصر بصران: بصر معاينة وبصر علم فمعنى قوله { لا تدركه الأبصار ~~} لا يدركه علم العلماء ونظيره ولا يحيطون به علما هذا وجه حسن أيضا ~~والله أعلم. وقوله تعالى: { وهو يدرك الأبصار } يعني أنه تعالى يرى جميع ~~المرئيات ويبصر جميع المبصرات لا يخفى عليه شيء منها ويعلم حقيقتها ومطلع ~~على ماهيتها فهو تعالى لا تدركه أبصار المبصرين وهو يدركها { وهو اللطيف ~~الخبير } قال ابن عباس: بأوليائه الخبير بهم. # وقال الزهري: معنى اللطيف الرفيق بعباده. وقيل هو الموصل الشيء إليك ~~برفق ولين. وقيل هو الذي ينسى عباده ذنوبهم لئلا يخجلوا وأصل اللطف دقة ~~النظر في الأشياء. وقال أبو سليمان الخطابي: اللطيف هو اللين بعباده يلطف ~~بهم من حيث لا يعلمون ويوصل إليهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون. وقال ~~الأزهري: اللطيف في أسماء الله تعالى معناه الرفيق بعباده. وقيل: هو ~~اللطيف حيث لم يأمر عباده بفوق طاقتهم وينعم عليهم فوق استحقاقهم. وقيل: ~~هو اللطيف بعباده حيث يثني عليهم عند الطاعة ولم يقطع عنهم بره وإحسانه ~~عند المعصية. وقيل: هو الذي لطف عن أن تدركه الأبصار وهو يدركها. قوله ~~تعالى: { قد جاءكم بصائر من ربكم } البصائر: جمع البصيرة، وهي الدلالة ~~التي توجب البصر بالشيء والعلم به. والمعنى: قد جاءكم القرآن الذي فيه ~~البيان والحجج التي تبصرون بها الهدى من الضلالة والحق من الباطل. وقيل: ~~إن الآيات والبراهين ليست في أنفسها بصائر إلا أنها لقوتها توجب البصائر ~~لمن عرفها ووقف على حقائقها فلما كانت هذه الآيات والحجج والبراهين ~~أسبابا لحصول ms1115 البصائر سميت بصائر { فمن أبصر } يعني فمن عرف الآيات ~~واهتدى بها إلى الحق { فلنفسه } يعني فلنفسه أبصر ولها عمل لأنه يعود نفع ~~ذلك عليه { ومن عمي } يعني ومن جهل ولم يعرف الآيات ولم يستدل بها إلى ~~الطريق { فعليها } يعني فعلى نفسه عمى ولها ضر وكان وبال ذلك العمى عليه ~~لأن الله تعالى غني عن خلقه { وما أنا عليكم بحفيظ } يعني وما أنا عليكم ~~برقيب أحصي عليكم أعمالكم وأفعالكم إنما أنا رسول من ربكم إليكم أبلغكم ~~ما أرسلت به إليكم والله هو الحفيظ عليكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ~~وأحوالكم. وقيل معناه لا أقدر أن أدفع عنكم ما يريده الله بكم وقيل معناه ~~لست آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ الوكيل وهذا كان قبل الأمر بقتال المشركين ~~فعلى هذا القول تكون الآية منسوخة بآيات السيف وعلى القول الأول ليست ~~منسوخة والله أعلم. قوله عز وجل: { وكذلك نصرف الآيات } يعني وكذلك نبين ~~الآيات ونفصلها في كل وجه كما صرفناها وبيناها من قبل { وليقولوا درست } ~~يعني وكذلك نصرف الآيات لتلزمهم الحجة وليقولوا درست. وقيل: معناه لئلا ~~يقولوا درست وقيل اللام فيه لام العاقبة ومعناه عاقبة أمرهم أن يقولوا ~~درست يعني قرأت على غيرك. يقال: درس الكتاب يدرسه دراسة إذا أكثر قراءته ~~وذلله للحفظ. قال ابن عباس: وليقولوا، يعني أهل مكة حين تقرأ عليهم ~~القرآن درست يعني تعلمت من يسار وجبر وكانا عبدين من سبي الروم ثم قرأت ~~علينا تزعم أنه من عند الله وقال الفراء: معناه تعلمت من اليهود وقرئ ~~دارست بالألف بمعنى قارأت أهل الكتاب من المدارسة التي هي بين اثنين يعني ~~يقولون قرأت على أهل الكتاب وقرؤوا عليك وقرئ درست بفتح الدال والراء ~~والسين وسكون التاء ومعناه أن هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة فدرست ~~وانمحت من قولهم فرس الأثر إذا محي وذهب أثره { ولنبينه لقوم يعلمون } ~~يعني القرآن وقيل: معناه نصرف الآيات لقوم يعلمون. # قال ابن عباس: يريد أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد وقيل: معنى ~~الآية وكذلك نصرف الآيات ليسعد ms1116 بها قوم ويشفى بها آخرون فمن أعرض عنها ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " درست أو درست فهو شقي ومن تبين له الحق وفهم معناها وعمل بها فهو سعيد ~~" # وقال أبو إسحاق: إن السبب الذي أداهم إلى أن قالوا درست هو تلاوة الآيات ~~عليهم وهذه اللام تسميها أهل اللغة لام الصيرورة يعني صار عاقبة أمرهم أن ~~قالوا دارست فصار ذلك سببا لشقاوتهم وفي هذا دليل على أن الله تعالى جعل ~~تصريف الآيات سببا لضلالة قوم وشقاوتهم وسعادة قوم وهدايتهم. ### || [6.106-108] # قوله تعالى: { اتبع ما أوحي إليك من ربك } الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم يعني اتبع يا محمد ما أمرك به ربك في وحيه الذي أوحاه إليك وهو ~~القرآن فاعمل به وبلغه إلى البادي ولا تلتفت إلى قول من يقول: دارست أو ~~درست. وفي قوله اتبع ما أوحي إليك من ربك تعزية لقلب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإزالة الحزن الذي حصل له بسبب قولهم درست ونبه بقوله تعالى: { لا ~~إله إلا هو } أنه سبحانه وتعالى واحد فرد صمد لا شريك له وإذا كان كذلك ~~فإنه تجب طاعته ولا يجوز تركها بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين وقوله ~~تعالى: { وأعرض عن المشركين } قيل: المراد منه في الحال لا الدوام وإذا ~~كان كذلك لم يكن النسخ وقيل: المراد ترك مقالتهم فعلى هذا يكون الأمر ~~بالإعراض منسوخة بآية القتال قوله عز وجل: { ولو شاء الله ما أشركوا } ~~قال الزجاج: معناه لو شاء الله لجعلهم مؤمنين وهذا نص صريح في أن شركهم ~~كان بمشيئة الله تعالى خلافا للمعتزلة في قولهم لم يرد من أحد الكفر ~~والشرك فالآية رد عليهم { وما جعلناك عليهم حفيظا } يعني: وما جعلناك يا ~~محمد على هؤلاء المشركين رقيبا ولا حافظا تحفظ عليهم أعمالهم. وقال ابن ~~عباس في رواية عطاء: وما جعلناك عليهم حفيظا تمنعهم منا ومعناه إنك لم ~~تبعث لتحفظ المشركين من العذاب وإنما بعثت مبلغا فلا تهتم بشركهم فإن ~~ذلك بمشيئة الله تعالى: { وما أنت عليهم بوكيل } يعني وما ms1117 أنت عليهم ~~بقيم تقوم بأرزاقهم وما أنت عليهم بمسيطر، فعلى التفسير الأول تكون ~~الآية منسوخة بآية السيف وعلى قول ابن عباس: لا تكون منسوخة. قوله تعالى: ~~{ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } الآية ~~قال ابن عباس: لما نزلت: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] قال المشركون يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ~~ربك فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم فيسبوا الله عدوا بغير علم وقال ~~قتادة: كان المؤمنون يسبون أوثان الكفار فيردون ذلك عليهم فنهاهم الله عن ~~ذلك لئلا يسبوا الله لأنهم قوم جهلة لا علم لهم بالله عز وجل. وقال ~~السدي: # " لما حضرت أبا طالب الوفاة قالت قريش انطلقوا بنا لندخل على هذا الرجل ~~فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب ~~كان عمه يمنعه فلما مات قتلوه. فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن ~~الحارث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاص والأسود ~~بن أبي البختري إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإن ~~محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه ~~وإلهه فدعاه جاء النبي صلى الله عليه وسلم: فقال له أبو طالب: إن هؤلاء ~~قومك وبنو عمك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وما يريدون "؟ قالوا: ~~نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك. فقال له أبو طالب: قد أنصفك قومك ~~فاقبل منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرأيتم إن أعطيتكم هذا فهل ~~أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم العجم وأدت لكم ~~الخراج؟ فقال أبو جهل نعم وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها فما هي؟ فقال: " ~~قولوا لا إله إلا الله " " فأبوا ونفروا " فقال أبو طالب: قل غيرها يا ~~ابن أخي فقال: " يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها ~~في يدي ما قلت غيرها إرادة أن يؤيسهم " فقالوا: لتكفن عن شتمك آلهتنا ms1118 أو ~~لنشتمنك ونشتمن من يأمرك فأنزلت: { ولا تسبوا الذين تدعون من دون الله } ~~" # يعني ولا تسبوا أيها المؤمنون الأصنام التي يعبدها المشركون فيسبوا الله ~~عدوا بغير علم يعني فيسبوا الله ظلما بغير علم لأنهم جهلة بالله عز ~~وجل. قال الزجاج: نهوا في ذلك الوقت قبل القتال أن يلعنوا الأصنام التي ~~كانت عبدها المشركون. وقال ابن الأنباري: هذه الآية منسوخة أنزلها الله ~~عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة فلما قواه بأصحابه نسخ هذه الآية ~~ونظائرها بقوله اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم. وقيل إنما نهوا عن سب ~~الأصنام وإن كان في سبها طاعة وهو مباح لما يترتب على ذلك من المفاسد ~~التي هي أعظم من ذلك وهو سب الله عز وجل وسب رسوله وذلك من أعظم المفاسد ~~فلذلك نهوا عن سب الأصنام وقيل لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا تسبوا آلهتكم فيسبوا ربكم فأمسك المسلمون عن سب آلهتهم ~~فظاهر الآية وإن كان نهيا عن سب الأصنام فحقيقته النهي عن سب الله تعالى ~~لأنه سبب لذلك. وقوله تعالى: { كذلك زينا لكل أمة عملهم } يعني كما زينا ~~لهؤلاء المشركين عبادة الأصنام وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان كذلك ~~زينا لكل أمة عملهم من الخير والشر والطاعة والمعصية وفي هذه الآية دليل ~~على تكذيب القدرية والمعتزلة حيث قالوا لا يحسن من الله خلق الكفر ~~وتزيينه. وقوله تعالى: { ثم إلى ربهم مرجعهم } يعني المؤمن والكافر ~~والطائع والعاصي { فينبئهم بما كانوا يعملون } يعني في الدنيا ويجازيهم ~~على ذلك. ### || [6.109] # قوله عز وجل: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } قال محمد بن كعب القرظي ~~والكلبي: # " قالت قريش يا محمد إنك تخبرنا أن موسى كانت له عصا يضرب بها الحجر ~~فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى فأتنا بآية ~~حتى نصدقك ونؤمن بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أي شيء تحبون ~~"؟ قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا وابعث لنا بعض موتانا نسأله عنك أحق ما ~~تقول أم باطل؟ وأرنا الملائكة يشهدون لك؟ ms1119 قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " إن فعلت بعض ما تقولون أتصدقوني "؟ قالوا: نعم والله لئن فعلت ~~لنتبعك أجمعون. وسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها ~~عليهم حتى يؤمنوا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يدعو الله عز ~~وجل أن يجعل الصفا ذهبا فجاءه جبريل فقال ما شئت أن شئت أصبح ذهبا ولكن ~~إن لم يصدقوك لنعذبهم وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " بل يتوب تائبهم " فأنزل الله عز وجل: { وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم } " # يعني وحلفوا بالله جهد أيمانهم يعني وحلفوا بالله جهد أيمانهم يعني أوكد ~~ما قدروا عليه من الأيمان وأشدها. قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل ~~بالله فهو جهد يمينه { لئن جاءتهم آية } يعني كما جاءت من قبلهم من الأمم ~~{ ليؤمنن بها } يعني ليصدقن بها { قل } يعني قل يا محمد { إنما الآيات ~~عند الله } يعني أن الله تعالى قادر على إنزالها { وما يشعركم } يعني: ~~وما يدريكم. ثم اختلف في المخاطبين بقوله وما يشعركم فقيل هو خطاب ~~للمشركين الذين أقسموا بالله وقيل هو خطاب للمؤمنين واختلفوا في قوله { ~~أنها إذا جاءت لا يؤمنون } فقرأ ابن كثير وأهل البصرة وأبو بكر عن عاصي ~~إنها بكسر الألف على الابتداء وقالوا تم الكلام عند قوله وما يشعروكم على ~~معنى وما يدريكم ما يكون منهم ثم ابتداء فقال: { إنها إذا جاءت لا يؤمنون ~~} فمن جعل الخطاب للمشركين قال معناه وما يشعركم أيها المشركون أنها يعني ~~الآيات إنها إذا جاءت آمنتم. ومن جعل الخطاب للمؤمنين قال معناه وما ~~يشعركم أيها المؤمنون إذا جاءت آمنوا لأن المؤمنين كانوا يسألون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله أن يريهم ما اقترحوا حتى يؤمنوا ~~فخاطبهم الله بقوله: { وما يشعركم } ثم ابتدأ فقال تعالى إنها: { إذا ~~جاءت لا يؤمنون } وهذا في قوم مخصوصين حكم الله عز وجل عليهم بأنهم لا ~~يؤمنون وذلك لسابق علمه فيهم وقرأ الباقون أنها بفتح الألف وجعلوا الخطاب ~~في ms1120 ذلك للمؤمنين لأن المؤمنين هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إنزال الآيات حتى يؤمن المشركون بها إذا رؤوها لأن المشركين كانوا ~~حلفوا أنهم إذا جاءتهم آية آمنوا وصدقوا واتبعوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنزال الآيات لذلك فقال ~~الله تعالى: وما يشعركم أيها المؤمنون أن الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين ~~لا يؤمنون فعلى هذا اختلفوا في لفظة لا من قوله لا يؤمنون فقيل هي صلة ~~والمعنى وما يشعركم إنها إذا جاءت يؤمنون وقيل هي على بابها وفيه حذف ~~والمعنى وما يشعركم أنها إذا جاءتهم يؤمنون أو لا يؤمنون وقيل إن بمعنى ~~لعل في قوله إنها إذا جاءت وكذلك هو في قراءة أبي بن كعب لعلها إذا جاءت ~~وهذا سائغ في كلام العرب تقول العرب: أئت السوق أنك تشتري لنا شيئا، ~~بمعنى لعلك ومنه قول عدي بن زيد: # أعاذل ما يدريك أن منيتي إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد # يعني لعل منيتي. ### || [6.110-111] # قوله تعالى: { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } قال ابن عباس: يعني ونحول بينهم ~~وبين الإيمان فلو جئناهم بالآيات التي سألوها لما آمنوا بها. والتقليب هو ~~تحويل الشيء وتحريكه عن وجهه إلى وجه آخر لأن الله تعالى إذا صرف القلوب ~~والأبصار عن الإيمان بقيت على الكفر { كما لم يؤمنوا به أول مرة } يعني ~~كما لم يؤمنوا بما قبل ذلك من الآيات التي جاء بها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مثل انشقاق القمر وغير ذلك من المعجزات الباهرات، وقيل: أول ~~مرة يعني الآيات التي جاء بها موسى وغيره من الأنبياء. وقال ابن عباس: ~~المرة الأولى دار الدنيا يعني لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم عن الإيمان فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة قبل مماتهم وفي ~~الآية دليل على أن الله تعالى: يهدي من يشاء ويضل من يشاء وأن القلوب ~~والأبصار بيده وفي تصريفه فيقيم ما شاء منها ويزيغ ما أراد منها ومنه ms1121 ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " # فمعنى قوله بقلب أفئدتهم نزيغها عن الإيمان ونقلب أبصارهم عن رؤية الحق ~~ومعرفة الصواب وإن جاءتهم الآية التي سألوها فلا يؤمنون بها كما لم ~~يؤمنوا بالله ورسوله وبما جاء من عند الله، فعلى هذا تكون الكناية في به ~~عائدة على الإيمان بالقرآن وبما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ~~سؤالهم الآيات التي اقترحوها. وقوله تعالى: { ونذرهم في طغيانهم يعمهون } ~~يعني ونترك هؤلاء المشركين الذين سبق علم الله أنهم لا يؤمنون في تمردهم ~~على الله واعتدائهم عيله يترددون لا يهتدون إلى الحق. قوله عز وجل: { ولو ~~أننا أنزلنا إليهم الملائكة } قال ابن جريج: نزلت في المستهزئين، وذلك ~~أنهم أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قريش، فقالوا: يا ~~محمد ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك أحق ما تقول أم باطل وأرنا ~~الملائكة يشهدن لك أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ائتنا بالله ~~والملائكة قبيلا فنزلت هذه الآية جوابا لهم. والمعنى: ولو أنا نزلنا ~~إليهم الملائكة حتى يشهدوا لك بالرسالة { وكلمهم الموتى } يعني كما سألوا ~~{ وحشرنا عليهم كل شيء قبلا } يعني وجمعنا عليهم كل شيء قبلا قبيلا، ~~قيل القبيل الكفيل بصحة ما تقول ما آمنوا وهو قوله: { ما كانوا ليؤمنوا ~~إلا أن يشاء الله } يعني إلا أن يشاء الله الإيمان منهم وفيه دليل على أن ~~جميع الأشياء بمشيئة الله تعالى حتى الإيمان والكفر، وموضع المعجزة أن ~~الأشياء المحشورة منها ناطق ومنها صامت فإذا أنطق الله الكل حتى يشهدوا ~~له بصحة ما يقول كان ذلك في غاية الإعجاز. # وقيل قبلا من المقابلة والمواجهة، والمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء مواجهة ~~ومعاينة { ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله } أخبر الله أن الإيمان ~~بمشيئة الله لا كما ظنوا أنهم متى شاؤوا آمنوا ومتى شاؤوا لم يؤمنوا، ~~وقال ابن عباس: ما كانوا ليؤمنوا هم أهل الشقاء إلا أن يشاء الله هم أهل ~~السعادة الذين ms1122 سبق لهم في علمه أنهم يدخلون في الإيمان. وصحح الطبري قول ~~ابن عباس قال: لأن الله عم بقوله ما كانوا ليؤمنوا: القوم الذين تقدم ~~ذكرهم في قوله: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها # [الأنعام: 109] ثم استثنى منهم أهل السعادة وهم الذين شاء لهم الإيمان. ~~قوله تعالى: { ولكن أكثرهم يجهلون } يعني يجهلون أن ذلك كذلك ويحسبون أن ~~الإيمان إليهم متى شاؤوا آمنوا ومتى شاؤوا كفروا، وليس الأمر كذلك بل ~~الإيمان والكفر بمشيئة الله تعالى فمن شاء له الإيمان آمن ومن شاء له ~~الكفر كفر وفي هذا دليل لمذهب أهل السنة أن الأشياء كلها بمشيئة الله ~~تعالى ورد على القدرية والمعتزلة في قوله: إن الله أراد الإيمان من جميع ~~الكفار. ### || [6.112-113] # قوله تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا } قيل هو منسوق على قوله تعالى ~~كذلك زينا لكل أمة عملهم، أي كما فعلنا ذلك كذلك جعلنا لكل نبي عدوا. ~~وقيل: معناه كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء أعداء كذلك جعلنا لك أعداء ~~وفيه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له يقول الله تبارك وتعالى: ~~كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك عدوا ليعظم ثوابه ~~على ما يكابده من أذى أعدائه وعدو واحد يراد به الجمع يعني جعلنا لكل نبي ~~أعداء { شياطين الإنس والجن } اختلف العلماء في معنى شياطين الإنس والجن ~~على قولين: أحدهما: أن المراد شياطين من الإنس وشياطين من الجن والشيطان ~~كل عات متمرد من الجن والإنس وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وهو قول ~~مجاهد وقتادة. قالوا: وشياطين الإنس أشد تمردا من شياطين الجن لأن شيطان ~~الجن إذا عجز عن إغواء المؤمن الصالح وأعياه ذلك استعان على إغوائه ~~بشيطان الإنس ليفتنه، ويدل على صحة هذا القول ما روي # " عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل تعوذت بالله من ~~شيطان الجن والإنس قلت يا رسول الله وهل للإنس من شيطان؟ قال نعم هم شر ~~من شياطين الجن " # ذكره البغوي بغير ms1123 سند وأسنده الطبري. وقال مالك بن دينار: إن شيطان ~~الإنس أشد علي من شيطان الجن وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب شيطان الجن ~~وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي. القول الثاني: إن الجميع من ولد ~~إبليس وأضيف الشياطين إلى الإنس على معنى أنهم يغوونهم، وهذا قول عكرمة ~~والضحاك والكلبي والسدي. ورواية عن ابن عباس قالوا: والمراد بشياطين ~~الإنس التي مع الإنس وبشياطين الجن التي مع الجن وذلك أن إبليس قسم جنده ~~قسمين فبعث فريقا منهم إلى الجن وفريقا إلى الإنس فالفريقان شياطين ~~الجن والإنس بمعنى أنهم يغوونهم ويضلونهم وكلا الفريقين أعداء للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ولأولياءه من المؤمنين والصالحين. ومن ذهب إلى هذا القول ~~قال: يدل على صحته أن لفظ الآية يقتضي إضافة الشياطين إلى الإنس والجن ~~والإضافة تقتضي المغايرة فعلى هذا يكون في الشياطين نوع مغاير للإنس ~~والجن وهم أولاد إبليس. وقوله تعالى: { يوحي بعضهم إلى بعض } يعني يلقي ~~ويسر بعضهم إلى بعض ويناجي بعضهم بعضا وهو الوسوسة التي يلقيها إلى من ~~يريد إغوائه، فعلى القول الأول: إن شياطين الإنس والجن يسر بعضهم إلى بعض ~~ما يفتنون به المؤمنين والصالحين، وعلى القول الثاني: إن أولاد إبليس ~~يلقى بعضهم بعضا في كل حين فيقول شيطان الإنس لشيطان الجن أضللت صاحبي ~~بكذا وكذا فأضل أنت صاحبك بمثله ويقول شيطان الجن لشيطان الإنس كذلك ~~فذلك وحي بعضهم إلى بعض. # وقوله: { زخرف القول } يعني باطل القول والزخرف هو الباطل من الكلام ~~الذي قد زين ووشي بالكذب وكل شيء حسن مموه فهو زخرف { غرورا } يعني أن ~~الشياطين يغرون بذلك القول الكذب المزخرف غرورا وذلك أن الشياطين يزينون ~~الأعمال القبيحة لبني آدم ويغرونهم بها غرورا { ولو شاء ربك ما فعلوه } ~~يعني ما فعلوا الوسوسة التي يلقيها الشياطين في قلوب بني آدم، والمعنى أن ~~الله تعالى لو شاء لمنع الشياطين من إلقاء الوسوسة إلى الإنس والجن ولكن ~~الله يمتحن من يشاء من عباده بما يعلم أنه الأجزل له في الثواب إذا صبر ~~على المحنة { فذرهم ms1124 وما يفترون } يعني فخلهم يا محمد وما زين لهم إبليس ~~وغرهم به من الكفر والمعاصي فإني من ورائهم. قوله تعالى: { ولتصغي إليه ~~أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } قال ابن عباس: ولتميل إليه وأصل الصغو ~~في اللغة الميل، أصغى إلى كذا مال إليه. ويقال صغوت أصغو وصغيت أصغى ~~لغتان. قال ابن الأنباري: اللام في ولتصغى متعلقة بفعل مضمر معناه وفعلنا ~~بهم ذلك لكي تصغي إلى الباطل أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وقال غيره ~~اللام متعلقة بيوحي تقديره ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروا بذلك ~~ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة والضمير في إليه يرجع إلى ~~زخرف القول، ليغروا بذلك ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~والضمير في إليه يرجع إلى زخرف القول والمعنى أن قلوب الكفار تميل إلى ~~زخرف القول وباطله وتحبه وترضى به وهو قوله: { وليرضوه } يعني يرضون ذلك ~~القول المزخرف الباطل { وليقترفوا ما هم مقترفون } وليكتسبوا من الأعمال ~~الخبيثة ما هم مكتسبون. ### || [6.114-117] # قوله عز وجل: { أفغير الله أبتغي حكما } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين ~~أفغير الله أطلب حكا قاضيا يقضي بيني وبينكم وذلك أنهم كانوا يقولون ~~للنبي صلى الله عليه وسلم اجعل بيننا وبينك حكما، فأمره الله تعالى أن ~~يجيبهم بهذا الجواب والحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة، غير أن بعض أهل ~~المعاني قال: الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم من شأنه أن يحكم والحكم ~~أهل أن يتحاكم إليه وهو الذي لا يحكم إلا بالحق فالله تعالى حكم لا يحكم ~~إلا بالحق فلما أنزل الله على محمد القرآن فقد حكم له بالنبوة وهو قوله ~~تعالى: { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا } يعني علماء اليهود ~~والنصارى { يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } يعني يشهدون أن هذا القرآن ~~منزل من عند الله وذلك لما ثبت عندهم بالدلائل الدالة على ذلك، وقيل ~~المراد بهم علماء الصحابة ورؤساؤهم مثل: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ~~ونظرائهم يعلمون أن هذا القرآن منزل من ربك بالحق فآمنوا به وصدقوه { فلا ~~تكونن ms1125 من الممترين } يعني فلا تكونن يا محمد من الشاكين أن علماء أهل ~~الكتاب يعلمون أن هذا القرآن حق وأنه منزل من عند الله وقيل: معناه فلا ~~تكونن في شك مما قصصنا عليك أنه حق وصدق فهو من باب التهييج لأنه صلى ~~الله عليه وسلم لم يشك قط، وقيل: الخطاب وإن كان في الظاهر للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا أن المراد به غيره. والمعنى: فلا تكونن أيها الإنسان ~~السامع لهذا القرآن في شك أنه منزل من عند الله لما فيه من الإعجاز الذي ~~لا يقدر على مثله إلا الله تبارك وتعالى. قوله تعالى: { وتمت كلمة ربك } ~~وقرئ كلمات ربك على الجمع فمن قرأ على التوحيد قال: الكلمة قد يراد بها ~~الكلمات الكثيرة إذا كانت مضبوطة بضابط واحد كقولهم قال الشاعر في كلمته ~~يعني في قصيدته، وكذلك القرآن كلمة واحدة لأنه شيء واحد في إعجاز النظم ~~وكونه حقا وصدقا ومعجزا ومن قرأ بالجمع قال لأن الله قال في سياق ~~الآية { لا مبدل لكلماته } فوجب الجمع في اللفظ الأول إتباعا للثاني { ~~صدقا وعدلا } يعني صدقا فيما وعد وعدلا فيما حكم وقيل إن القرآن ~~مشتمل على الأخبار والأحكام فهو صادق فيما أخبر عن القرون الماضية والأمم ~~الخالية وعما هو كائن إلى قيام الساعة. وفيما أخبر عن ثواب المطيع في ~~الجنة وعقاب العاصي في النار وهو عدل فيما حكم من الأمر والنهي والحلال ~~والحرام وسائر الأحكام { لا مبدل لكلماته } يعني لا مغير لقضائه ولا راد ~~لحكمه ولا خلف لمواعيده، وقيل: لما وصف كلماته بالتمام في قوله وتمت كلمة ~~ربك والتمام في كلام الله لا يقبل النقص والتغيير والتبديل. # قال الله تعالى: { لا مبدل لكلماته } لأنها مصونة عن التحريف والتغيير ~~والتبديل باقية إلى يوم القيامة وفي قوله: { لا مبدل لكلماته } دليل على ~~أن السعيد لا ينقلب شقيا ولا الشقي ينقلب سعيدا، فالسعيد من سعد في ~~الأزل والشقي من شقي في الأزل وأورد على هذا أن الكافر يكون شقيا بكفره ~~فيسلم فينقلب سعيدا بإسلامه وأجيب عنه ms1126 بأن الاعتبار بالخاتمة فمن ختم له ~~بالسعادة كان قد كتب سعيدا في الأزل ومن ختم له بالشقاوة كان شقيا في ~~الأزل والله أعلم. وقوله تعالى: { وهو السميع } يعني لما يقول العباد { ~~العليم } بأحوالهم قوله عز وجل: { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن ~~سبيل الله } قال المفسرون إن المشركين جادلوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين في أكل الميتة وذلك أنهم قالوا للمسلمين كيف تأكلون ما ~~قتلتم ولا تأكلوا ما قتل ربكم؟ فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم: وإن تطع أكثر من في الأرض في أكل الميتة، وكان الكفار يومئذ أكثر ~~أهل الأرض يضلوك عن سبيل الله، يعني يضلوك عن دين الله الذي شرعه لك ~~وبعثك به وقيل معناه لا تطعهم في معتقداتهم الباطلة فإنك إن تطعهم يضلوك ~~عن سبيل الله يعني يضلوك عن طريق الحق ومنهج الصدق ثم أخبر عن حال الكفار ~~وما هم عليه فقال تعالى: { إن يتبعون إلا الظن } يعني أن هؤلاء الكفار ~~الذين يجادلونك ما يتبعون في دينهم الذي هم عليه إلا الظن وليسوا على ~~بصيرة وحق في دينهم وليسوا بقاطعين أنهم على حق لأنهم اتبعوا أهواءهم ~~وتركوا التماس الصواب والحق واقتصروا على اتباع الظن والجهل { وإن هم إلا ~~يخرصون } يعني يكذبون وأصل الخرص الحزر والتخمين، ومنه خرص النخلة إذا ~~حزر كمية ثمرتها على الظن من غير يقين ويسمى الكذب خرصا لما يدخله من ~~الظنون الكاذبة وقيل: إن كل قول مقول عن ظن وتخمين يقال له خرص لأن قائله ~~لم يقله عن علم ويقين { إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله } يقول الله ~~لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم يا محمد إن ربك هو أعلم منك ومن جميع خلقه ~~أي الناس يضل عن سبيله { وهو أعلم بالمهتدين } يعني وهو أعلم أيضا من ~~كان على هدى واستقامة وسداد ولا يخفى عليه شيء من أحوال خلقه فأخبر تعالى ~~أنه أعلم بالفريقين الضال والمهتدي وأنه يجازي كلا بما يستحق. ### || [6.118-120] # قوله تعالى: { فكلوا ms1127 مما ذكر اسم الله عليه } هذا جواب لقول المشركين ~~حيث قالوا للمسلمين أتأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتل ربكم؟ فقال ~~الله تعالى للمسلمين فكلوا أنتم ما ذكر اسم الله عليه من الذبائح: { إن ~~كنتم بآياته مؤمنين } وقيل كانوا يحرمون أصنافا من النعم ويحلون الميتة ~~فقيل: أحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله، فعلى هذا القول تكون الآية ~~خطابا للمشركين. وعلى القول الأول تكون الآية خطابا للمسلمين وهو الأصح ~~لقوله في آخر الآية: { إن كنتم بآياته مؤمنين } { وما لكم ألا تأكلوا ~~مما ذكر اسم الله عليه } يعني وأي شيء لكم في أن لا تأكلوا وما يمنعكم من ~~أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وهذا تأكيد في إباحة ما ذبح على اسم ~~الله دون غيره: { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } يعني وقد بين لكم الحلال من ~~الحرام فيما تطعمون. وقال جمهور المفسرين: المراد بقوله وقد فصل لكم ما ~~حرم عليكم المحرمات المذكورة في قوله تعالى: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به # [المائدة: 3] وأورد الإمام فخر الدين الرازي ها هنا إشكالا فقال: في ~~سورة الأنعام مكية وسورة المائدة من آخر ما أنزل الله تعالى بالمدينة، ~~وقد فصل يجب أن يكون ذلك المفصل متقدما على هذا المحل والمدني متأخر على ~~المكي فيمتنع كونه متقدما ثم قال بل الأولى أن يقال قوله تعالى بعد هذه ~~الآية # قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو ~~دما مسفوحا أو لحم خنزير # [الأنعام: 145] وهذه الآية وإن كانت مذكورة بعد هذه الآية بقليل إلا أن ~~هذا القدر من المتأخر لا يمنع أن يكون هو المراد قال كاتبه ولما ذكره ~~المفسرون وجه وهو أن الله لما علم أن سورة المائدة متقدمة على سورة ~~الأنعام في الترتيب لا في النزول حسن عود الضمير في قوله وقد فصل لكم ما ~~حرم عليكم إلى ما هو متقدم في الترتيب وهو قوله # حرمت عليكم الميتة # [المائدة: 3] الآية والله ms1128 أعلم بمراده. قوله تعالى: { إلا ما اضررتم ~~إليه } يعني إلا أن تدعوكم الضرورة إلى أكله بسبب شدة المجاعة فيباح لكم ~~ذلك عند الاضطرار { وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم } يعني وإن ~~كثيرا من الذين يجادلونكم في أكل الميتة ويحتجون عليكم في ذلك بقولهم ~~أتأكلون ما تذبحون ولا تأكلون ما يذبحه الله، وإنما قالوا هذه المقالة ~~جهلا منهم بغير علم منهم بصحة ما يقولون بل يتبعون أهواءهم ليضلوا ~~أنفسهم وأتباعهم بذلك. وقيل: المراد به عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين ~~لأنه أول من بحر البحائر وسيب السوائب وأباح الميتة وغير دين إبراهيم ~~عليه السلام { إن ربك هو أعلم بالمعتدين } يعني إن ربك يا محمد هو أعلم ~~بمن تعدى حدوده فأحل ما حرم وحرم ما أحل الله فهو يجازيهم على سوء ~~صنيعهم. # قوله عز وجل: { وذروا ظاهر الإثم وباطنه } يعني وذروا أيها الناس ما ~~يوجب الإثم وهي الذنوب والمعاصي كلها سرها وعلانيتها قليلها وكثيرها، قال ~~الربيع بن أنس: نهى الله عن ظاهر الإثم وباطنه أن يعمل به سرا وعلانية ~~وقال سعيد بن جبير: في هذه الآية الظاهر منه قوله: # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف # [النساء: 22] ونكاح المحارم من الأمهات والبنات والأخوات والباطن الزنا، ~~وقال السدي: أما الظاهر فالزواني في الحوانيت وهن أصحاب الرايات. وأما ~~الباطن فالمرأة يتخذها الرجل صديقة فيأتيها سرا، وقال الضحاك: كان أهل ~~الجاهلية يستسرون بالزنا ويرون أن ذلك حلالا ما كان سرا فحرم الله السر ~~منه والعلانية، وقال ابن زيد: ظاهر الإثم التجرد من الثياب والتعري في ~~الطواف والباطن الزنا، وقال الكلبي: ظاهر الإثم طواف الرجال بالبيت ~~نهارا عراة وباطنه طواف النساء بالليل عراة وكان أهل الجاهلية يفعلون ~~ذلك إلى أن جاء الإسلام فنهى الله عن ذلك كله. وقيل: إن هذا النهي عام في ~~جميع المحرمات التي نهى الله عنها وهو الأصح لأن تخصيص العام بصورة معينة ~~من غير دليل لا يجوز، فعلى هذا القول يكون معنى الآية وذروا ما أعلنتم به ms1129 ~~وما أسررتم من الذنوب كلها، قال ابن الأنباري: وذروا الإثم من جميع ~~جهاته. وقيل: المراد بظاهر الإثم الإقدام على الذنوب من غير مبالاة ~~وباطنه ترك الذنوب لخوف الله عز وجل لا خوف الناس وقيل المراد بظاهر ~~الإثم أفعال الجوارح وباطنه أفعال القلوب فيدخل في ذلك الحسد والكبر ~~والعجب إرادة السوء للمسلمين ونحو ذلك. وقوله عز وجل: { إن الذين يكسبون ~~الإثم } يعني إن الذين يعملون بما نهاهم الله عنه ويرتكبون ما حرم عليهم ~~من المعاصي وغيرها { سيجزون } يعني في الآخرة { بما كانوا يقترفون } يعني ~~بما كانوا يسكبون في الدنيا من الآثام وظاهر هذا النص يدل على عقاب ~~المذنب أنه مخصوص بمن لم يتب لأن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب العبد ~~من الذنب توبة صحيحة لم يعاقب وزاد أهل السنة في ذلك، فقالوا: المذنب إذا ~~لم يتب فهو في خطر المشيئة إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه بفضله وكرمه، ~~وقوله تعالى: # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه # [الأنعام: 121] قال ابن عباس: الآية في تحريم الميتات وما في معناها من ~~المنخنقة وغيرها، وقال عطاء الآية في تحريم الذبائح التي كانوا يذبحونها ~~على اسم الأصنام اه. فصل اختلف العلماء في ذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم ~~الله عليها فذهب قوم إلى تحريمها سواء تركها عامدا أو ناسيا: وهو قول ~~ابن سيرين والشعبي ونقله الإمام فخر الدين الرازي عن مالك، ونقل عن عطاء ~~أنه قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام أو شراب فهو حرام. # احتجوا في ذلك بظاهر هذه الآية. وقال الثوري وأبو حنيفة: إن ترك التسمية ~~عامدا لا تحل وإن تركها ناسيا تحل. وقال الشافعي: تحل الذبيحة سواء ترك ~~التسمية عامدا أو ناسيا، ونقله البغوي عن ابن عباس ومالك ونقل ابن ~~الجوزي عن أحمد روايتين: فيما إذا ترك التسمية عامدا وإن تركها ناسيا ~~حلت فمن أباح أكل الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها قال: المراد من ~~الآية الميتات وما ذبح على اسم الأصنام بدليل أنه ms1130 قال تعالى في سياق ~~الآية # وإنه لفسق # [الأنعام: 121] وأجمع العلماء على أن آكل ذبيحة المسلم التي ترك ~~التسمية عليها لا يفسق واحتجوا أيضا في إباحتها بما روى البخاري في ~~صحيحه # " عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت يا رسول الله إن هنا أقواما ~~حديثا عهدهم بشرك يأتوننا بلحمان فما ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا ~~قال " اذكروا أنتم اسم الله وكلوا " # قالوا لو كانت التسمية شرطا للإباحة لكان الشك في وجودها مانعا من ~~أكلها كالشك في أصل الذبح وقول الشافعي في أول الآية وإن كان عاما بحسب ~~الصيغة إلا أن آخرها لما حصلت فيه هذه القيود الثلاثة وهي قوله وإنه لفسق ~~وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم أنكم لمشركون ~~علمنا أن المراد من هذا العموم هو الخصوص والفسق ذكر اسم غير الله في ~~الذبح ما قال في آخر السورة # قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه # [الأنعام: 145] إلى قوله # أو فسقا أهل لغير الله به # [الأنعام: 145] فصار هذا الفسق الذي أهل لغير الله به مفسرا لقوله # وإنه لفسق # [الأنعام: 121]. ### || [6.121-122] # { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } مخصوصا بما # أهل لغير الله به # [الأنعام: 145] والله أعلم. وقوله تعالى: { وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم } يعني أن الشياطين يوسوسون إلى أوليائهم من المشركين ~~ليجادلوكم ويخاصمون محمدا صلى الله عليه وسلم، وذلك # " أن المشركين قالوا يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: ~~الله قتلها. قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتله الكلب ~~والصقر حلال وما قتله الله حرام فأنزل الله عز وجل هذه الآية " # ، وقال عكرمة: لما نزلت هذه الآية في تحريم الميتة كتبت فارس، وهم ~~المجوس، إلى مشركي قريش أن خاصموا محمدا وقولوا له إن ما ذبحت فهو ~~حلال، وما ذبحه الله فهو حرام فأنزل الله: وأن الشياطين، يعني مردة الإنس ~~وهم المجوس، ليوحون إلى أوليائهم، يعني مشركي قريش، وكان بين فارس والعرب ~~مولاة ومكاتبة ms1131 على الروم، فعلى هذا يكون المراد بالوحي المكاتبة في خفية ~~{ وإن أطعتموهم } يعني في أكل الميتة، وما حرم الله عليكم { إنكم لمشركون ~~} يعني أنكم إذا مثلهم في الشرك، قال الزجاج: فيه دليل على أن كل من أحل ~~شيئا مما حرم الله أو حرم شيئا مما أحل الله فهو مشرك إنما سمي مشركا ~~لأنه أثبت حاكما غير الله عز وجل ومن كان كذلك فهو مشرك. قوله عز وجل: { ~~أو من كان ميتا فأحييناه } يعني أو من كان ميتا بالكفر فأحييناه ~~بالإيمان وإنما جعل الكفر موتا لأنه جعل الإيمان حياة لأن الحي صاحب بصر ~~يهتدي به إلى رشده ولما كان الإيمان يهدي إلى الفوز العظيم والحياة ~~الأبدية شبهه بالحياة { وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } يعني وجعلنا ~~له نورا يستضيء به في الناس ويهتدي به إلى قصد السبيل، قيل: النور هو ~~الإسلام لأنه يخلص من ظلمات الكفر لقوله: يخرجهم من الظلمات إلى النور. ~~وقال قتادة: هو كتاب الله القرآن لأنه بينة من الله مع المؤمنين بما ~~يعمله { كمن مثله في الظلمات } يعني كمن هو في ظلمة الكفر وظلمة الجهالة ~~وظلمة عمى البصيرة { ليس بخارج منها } يعني من تلك الظلمات وهذا مثل ضربه ~~الله تعالى لحال المؤمن والكافر فبين أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ~~ميتا فأحياه وأعطاه نورا يهتدي به في مصالحه وأن الكافر بمنزلة من هو ~~في ظلمات منغمس فيها ليس بخارج منها فيكون متحيرا على الدوام، ثم اختلف ~~المفسرون في هذين المثالين هل هما مخصوصان بإنسانين معينين أو هما عامان ~~في كل مؤمن وكافر؟ فذكروا في ذلك قولين: أحدهما أن الآية في رجلين معينين ~~ثم اختلفوا فيهما فقال ابن عباس في قوله وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس يريد حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم كمن مثله في ~~الظلمات يريد بذلك أن أبا جهل بن هشام وذلك أبا جهل رمى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بفرث فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل، وكان حمزة ms1132 قد رجع من صيد ~~وبيده قوس وحمزة لم يؤمن بعد فأقبل حمزة غضبان حتى علا أبا جهل وجعل ~~يضربه بالقوس، وجعل أبو جهل يتضرع إلى حمزة ويقول: يا أبا يعلى أما ترى ~~ما جاء به سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا؟ فقال حمزة: ومن أسفه ~~منكم عقولا تعبدون الحجارة من دون الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد ~~أن محمدا رسول الله، فأسلم حمزة يومئذ فأنزل الله هذه الآية. # وقال الضحاك: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل. وقال عكرمة والكلبي: نزلت ~~في عمار بن ياسر وأبي جهل، وقال مقاتل: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأبي جهل وذلك أن أبا جهل قال زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا ~~نحن وهم كفرسي رهان، قالوا منا نبي يوحى إليه والله لا نؤمن حتى يأتينا ~~وحي كما يأتيه فنزلت هذه الآية. والقول الثاني: وهو قول الحسن في آخرين ~~أن هذه الآية عامة في حق كل مؤمن وكافر وهذا هو الصحيح لأن المعنى إذا ~~كان حاصلا في الكل دخل فيه كل أحد. وقوله تعالى: { كذلك زين للكافرين ما ~~كانوا يعملون } قال أهل السنة، المزين هو الله تعالى ويدل عليه قوله ~~زينا لهم أعمالهم ولأن حصول الفعل يتوقف على حصول الدواعي وحصوله لا ~~يكون إلا بخلق الله تعالى فدل ذلك على أن المزين هو الله تعالى، وقالت ~~المعتزلة المزين هو الشيطان ويرده ما تقدم. ### || [6.123-124] # وقوله تعالى: { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها } يعني وكما جعلنا ~~في مكة أكابر، وعظماء جعلنا في كل قرية أكابر وعظماء، وقيل: هو معطوف على ~~ما قبله. ومعناه: كما زينا للكافرين ما كانوا يعملون كذلك جعلنا في كل ~~قرية أكابر جمع الأكبر ولا يجوز أن يكون مضافا لأنه لا يتم المعنى في بل ~~الآية تقديم وتأخير تقديره: وكذلك جعلنا كل قرية أكابر " مجرميها " وإنما ~~جعل المجرمين أكابر لأنهم أقدر على المكر والغدر وترويج الباطل بين الناس ~~من غيرهم، وإنما حصل ذلك لأجل رياستهم ms1133 وذلك سنة الله أنه جعل في كل قرية ~~أتباع الرسل ضعفاءهم وجعل فساقهم أكابرهم { ليمكروا فيها } قال أبو ~~عبيدة: المكر، الخديعة والحيلة والغدر والفجور. زاد بعضهم والغيبة ~~والنميمة والأيمان الكاذبة وترويج الباطل. قال ابن عباس: معناه ليقولوا ~~فيها الكذب. وقال مجاهد: جلس على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا ~~الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ويقولوا هو كذاب ساحر كاهن ~~فكان هذا مكرهم { وما يمكرون إلا بأنفسهم } يعني ما يحيق هذا المكر إلا ~~بهم لأن وبال مكرهم يعود عليهم { وما يشعرون } يعني أن وبال ذلك المكر ~~يعود عليهم ويضرهم. قوله عز وجل: { وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى ~~نؤتى مثل ما أوتي رسل الله } يعني النبوة وذلك أن الوليد بن المغيرة قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: لو كانت النبوة حقا لكنت أنا أولى بها منك ~~لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا، فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل: ~~نزلت في أبي جهل، وذلك أنه قال زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا ~~صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى إليه والله لا نؤمن به ولا نتبعه ~~أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فأنزل الله هذه الآية. وإذا جاءتهم ~~آية، يعني حجة بينة ودلالة واضحة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم. ~~قالوا: يعني الوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام أو كل واحد من رؤساء ~~الكفر ويدل عليه الآية التي قبلها وهي قوله وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر ~~مجرميها ليمكروا فيها فكان من مكر كفار قريش أن قالوا لن نؤمن لك حتى ~~نؤتى مثل ما أوتي رسل الله يعني النبوة وإنما قالوا هذه المقالة الخبيثة ~~حسدا منهم للنبي صلى الله عليه وسلم وفي قولهم لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما ~~أوتي رسل الله قولان: أحدهما: وهو المشهور أن القوم أرادوا أن تحصل لهم ~~النبوة والرسالة كما حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأن يكونوا متبوعين ~~لا تابعين. القول الثاني: وهو قول ms1134 الحسن ومنقول عن ابن عباس أن المعنى: ~~وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: ~~لن نؤمن لك يعني لن نصدقك حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله يعني حتى يوحى ~~إلينا ويأتينا جبريل بصدقك بأنك رسول الله، فعلى هذا القول لم يطلبوا ~~النبوة وإنما طلبوا أن تخبرهم الملائكة بصدق محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأنه رسول الله تعالى. # وعلى القول الأول أنهم طلبوا أن يكونوا أنبياء ويدل على صحة هذا القول ~~سياق الآية وهو قوله تعالى: { الله أعلم حيث يجعل رسالاته } يعني أنه ~~تعالى يعلم من يستحق الرسالة فيشرفه بها ويعلم من لا يستحقها ومن ليس ~~بأهل لها، وأنتم لستم لها بأهل وأن النبوة لا تحصل لمن يطلبها، خصوصا ~~لمن عنده حسد ومكر وغدر. وقال أهل المعاني: الأبلغ في تصديق الرسل أن لا ~~يكونوا قبل البعثة مطاعين في قومهم، لأن الطعن كان يتوجه عليهم فيقال ~~إنما كانوا رؤساء مطاعين فاتبعهم قومهم لأجل ذلك فكان الله تعالى أعلم ~~بمن يستحق الرسالة فجعلها ليتيم أبي طالب دون أبي جهل والوليد وغيرهما من ~~أكابر قريش ورؤسائها وقوله تعالى: { سيصيب الذين أجرموا صغار } أي ذلة ~~وهوان. وقيل الصغار هو الذل الذي تصغر إلى المرء نفسه فيه { عند الله } ~~يعني هذا من عند الله وقيل إن هذا الصغار ثابت لهم عند الله فعلى هذا ~~القول إنما يحصل لهم الصغار في الآخرة وقيل معناه سيصيبهم صغار بحكم الله ~~حكم به عليهم في الدنيا { وعذاب شديد } يعني في الآخرة { بما كانوا ~~يمكرون } يعني إنما حصل لهم هذا الصغار والعذاب بسبب مكرهم وحسدهم وطلبهم ~~ما لا يستحقون. ### || [6.125] # قوله تعالى: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } أي الإيمان. ~~يقال: شرح الله صدره فانشرح أي وسعه لقبول الإيمان والخير فتوسع وذلك أن ~~الإنسان إذا اعتقد في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح وربحه ظاهر ~~مال بطبعه إليه وقويت رغبته فيه فتسمى هذه الحالة سعة النفس وانشراح ~~الصدر. وقيل الشرح ms1135 الفتح والبين ويقال شرح فلان أمره إذا: أوضحه وأظهره. ~~وشرح المسألة إذا كانت مشكلة فأوضحها وبينها فقد ثبت أن للشرح معنين: ~~أحدهما: الفتح ومنه يقال شرح الكافر بالكفر صدرا أي فتحه لقبوله ومنه ~~قوله تعالى: # ولكن من شرح بالكفر صدرا # [النحل: 106] وقوله: # أفمن شرح الله صدره للإسلام # [الزمر: 22] يعني فتحه ووسعه لقبوله. والثاني: أن الشرح نور يقذفه الله ~~في قلب العبد فيعرف بذلك النور الحق، فيقبله وينشرح صدره له ومعنى الآية: ~~{ فمن يرد الله أن يهديه للإيمان بالله } وبرسوله وبما جاء به من عنده ~~يوفقه له ويشرح صدره، لقبوله ويهونه عليه ويسهله له بفضله وكرمه ولطفه به ~~وإحسانه إليه فعند ذلك يستنير الإسلام في قلبه فيضيء به ويتسع له صدره ~~ولما نزلت هذه الآية # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر فقال " نور يقذفه الله في ~~قلب المؤمن فينشرح له وينفسح " قيل فهل لذلك أمارة قال: " نعم الإنابة ~~إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت ~~" " # وأسنده الطبري عن ابن مسعود قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت ~~عليه هذه الآية: # فمن يريد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام # [الأنعام: 125] قال # " " إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح " قالوا فهل لذلك من آية يعرف ~~بها؟ قال: " الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد ~~للموت قبل لقاء الموت " # وقوله تعالى: { ومن يرد } أي الله { أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } ~~يعني يجعل صدره ضيقا حتى لا يدخله الإيمان، وقال الكلبي: ليس للخير فيه ~~منفذ، وقال ابن عباس: إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه وإذا سمع ذكر الأصنام ~~ارتاح إلى ذلك. وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآية وعنده أعرابي من كنانة فقال ~~له: ما الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا ~~تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء، فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل ~~إليه شيء من الخير. وأصل الحرج الضيق وهو مأخوذ من الحرجة وهي الأشجار ~~الملتف ms1136 بعضها على بعض حتى لا يصل إليه شيء. وقرأ ابن عباس هذه الآية ~~فقال: هل هنا أحد من بني بكر؟ قال رجل: نعم. # قال: ما الحرجة فيكم؟ قال: الوادي الكثير الشجر المستمسك الذي لا طريق ~~فيه، فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر. قال أهل المعاني: لما كان القلب ~~محلا للعلوم والاعتقادات وصف الله تعالى قلب من يريد هدايته بالإنشراح ~~والانفساح ونوره فقبل ما أودعه من الإيمان بالله ورسوله ووصف قلب من يريد ~~ضلالته بالضيق الذي هو خلاف الشرح والانفساح فدل ذلك على أن الله تعالى ~~صير قلب الكافر بحيث لا يعي علما ولا استدلالا على توحيد الله تعالى ~~والإيمان به وفي الآية دليل على أن جميع الأشياء بمشيئة الله وإرادته حتى ~~إيمان المؤمن وكفر الكافر. وقوله تعالى: { كأنما يصعد في السماء } يعني ~~أن الكافر إذا دعي إلى الإسلام كأنه قد كلف أن يصعد إلى السماء ولا يقدر ~~على ذلك، وقيل: يجوز أن يكون المعنى كأن قلب الكافر يصعد إلى السماء ~~نبوا عن الإسلام وتكبرا، وقيل: ضاق عليه المذهب فلم يجد إلا أن يصعد ~~إلى الماء وليس يقدر على ذلك، وقيل: هو من المشقة وصعوبة الأمر فيكون ~~المعنى أن الكافر إذا دعي إلى الإسلام فإنه يتكلف مشقة وصعوبة في ذلك كمن ~~يتكلف إلى السماء وليس يقدر على ذلك { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا ~~يؤمنون } الكاف في كذلك تفيد التشبيه وفيه وجهان: الأول معناه أن جعله ~~الرجس عليهم كجعله صدورهم ضيقة حرجة والمعنى كما جعلنا صدورهم ضيقة حرجة ~~كذلك يجعل الله الرجس عليهم. والوجه الثاني: قال الزجاج: أي مثل ما قصصنا ~~عليك كذلك يجعل الله الرجس. قال ابن عباس: الرجس الشيطان أي فيسلطه الله ~~عليهم، وقال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه. وفي رواية عن ابن عباس أن الرجس ~~العذاب، وقال الزجاج: الرجس في الدنيا اللعنة وفي الآخرة العذاب. ### || [6.126-128] # قوله عز وجل: { وهذا صراط ربك مستقيما } يعني وهذا الذي بينا لك يا ~~محمد في هذه السورة وغيرها من سور ms1137 القرآن هو صراط ربك يعني دينه الذي ~~شرعه لعباده ورضيه لنفسه وجعله مستقيما لا اعوجاج فيه. قال ابن عباس: في ~~قوله وهذا صراط ربك مستقيما يعني الإسلام، وقال ابن مسعود: يعني القرآن ~~لأنه يؤدي من تبعه وعمل به إلى طريق الاستقامة والسداد { قد فصلنا الآيات ~~} يعني قد فصلنا آيات القرآن بالوعد والوعيد والثواب والعقاب والحلال ~~والحرام والأمر والنهي وغير ذلك من أحكام القرآن { لقوم يذكرون } يعني ~~لمن يتذكر بها ويتعظ بما فيها من المواعظ والعبر. قال عطاء: يعني أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان { لهم دار السلام عند ربهم } ~~يعني الجنة في قول جميع المفسرين. قال الحسن والسدي: السلام هو الله ~~تعالى وداره الجنة. معنى السلام في أسماء الله تعالى ذو السلام وهو جمع ~~سلامة لأنه تعالى ذو السلامة من جميع الآفات والنقائص فعلى هذا القول ~~أضيفت الدار إلى السلام الذي هو اسم الله تعالى إضافة تشريف وتعظيم كما ~~قيل للكعبة بيت الله وللنبي صلى الله عليه وسلم عبد الله في قوله # وأنه لما قام عبد الله يدعوه # [الجن: 19]، واحتج لصحة هذا بأن في إضافة الدار إلى الله تعالى نهاية ~~تشريفها وتعظيمها فكان ذكر الإضافة مبالغة في تعظيم أمرها. وقيل إن ~~السلام صفة للدار لأنها دار السلامة الدائمة التي لا تنقطع فعلى هذا يكون ~~السلام بمعنى السلامة كأنه قال دار السلامة التي لا يلقون فيها شيئا ~~يكرهونه. وقيل سميت بذلك لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلامة كما قال تعالى ~~في وصفها # ادخلوها بسلام آمنين # [الحجر: 46] # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم # [الرعد: 23-24]وقال # وتحيتهم فيها سلام # [يونس: 10] وقال # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58] # لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما # [مريم: 62] وقوله { عند ربهم } يعني أن الجنة معدة مهيأة لهم عند ربهم ~~حتى يوصلهم إليها { وهو وليهم بما كانوا يعملون } يعني أنه تعالى يتولى ~~أمرهم وإيصال المنافع إليهم ويدفع المضار عنهم. وقيل معناه أنه يتولاهم ~~في الدنيا بالتوفيق والهداية وفي الآخرة بالجزاء والجنة. وقيل: الولي هو ms1138 ~~الناصر والقريب يعني أنه تعالى ينصرهم في الدنيا ويقربهم في الآخرة بسبب ~~أعمالهم الصالحة التي كانوا يتقربون بها إليه في الدنيا قوله تعالى: { ~~ويوم نحشرهم جميعا } أي اذكر يا محمد يوم نحشر المعادلين بالله الأصنام ~~مع أوليائهم من الشياطين يعني نحشر المشركين والشياطين جميعا يوم ~~القيامة { يا معشر الجن } فيه حذف تقديره يقول لهم يا معشر الجن والمعشر ~~الجماعة والمراد من الجن الشياطين { قد استكثرتم من الإنس } يعني من ~~إضلالهم وإغوائهم وقال ابن عباس: معناه أضللتم كثيرا من الإنس وهذا ~~التفسير لا بد له من تأويل آخر لأن الجن لا يقدرون على إضلال الإنس ~~وإغوائهم بأنفسهم لأنه لا يقدر على الإجبار أحد إلا الله لأنه هو المتصرف ~~في خلقه بما شاء فوجب أن يكون المعنى: قد استكثرتم من الدعاء إلى الإضلال ~~مع مصادفة القبول من الإنس { وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ~~ببعض } يعني استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن فأما استمتاع الإنس بالجن ~~فقال الكلبي: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فنزل بأرض فقراء وخاف على ~~نفسه من الجن قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه فيبيت في ~~جوارهم. # وأما استمتاع الجن بالإنس فهم أنهم قالوا سدنا الإنس مع الجن حتى عاذوا ~~بنا فيزدادون بذلك شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم. وقيل: استمتاع الإنس ~~بالجن هو ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة وتزيينهم ~~الأمور التي كانوا يهوونها وتسهيل سبيلها عليهم واستمتاع الجن بالإنس ~~طاعة الإنس للجن، فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي، وقيل: استمتاع ~~الإنس بالجن فيما كانوا يدلونهم على أنواع الشهوات وأصناف الطيبات ~~ويسهلونها عليهم واستمتاع الجن بالإنس هي طاعة الإنس للجن، فيما يأمرونهم ~~به وينقادون لحكمهم فصاروا كالرؤساء للإنس والإنس كالأتباع. وقيل: إن ~~قوله ربنا استمتع بعضنا ببعض هو من كلام الإنس خاصة لأن استمتاع الجن ~~بالإنس وبالعكس أمر نادر لا يكاد يظهر، أما استمتاع الإنس بعضهم ببعض فهو ~~ظاهر فوجب حمل الكلام عليه { وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا } يعني أن ذلك ~~الاستمتاع ms1139 كان إلى أجل معين ووقت محدود ثم ذهب وبقيت الحسرة والندامة، ~~قال الحسن والسدي: لأجل الموت. وقيل: هو وقت البعث للحساب في يوم القيامة ~~{ قال } يعني قال الله لهؤلاء الذين استمتع بعضهم ببعض من الجن والإنس { ~~النار مثواكم } يعني أن النار مقامكم ومقركم فيه ومصيركم إليها { خالدين ~~فيها } يعني مقيمين في نار جهنم أبدا { إلا ما شاء الله } اختلفوا في ~~معنى هذا الاستثناء فقيل: معناه خالدين فيها إلا قدر مدة بعثهم ووقوفهم ~~للحساب إلى حين دخولهم إلى النار فإن هذا الوقت ليسوا بخالدين فيه في ~~النار، وقيل: المراد من الاستثناء هو أوقات نقلتهم من عذاب إلى عذاب آخر ~~وذلك أنهم يستغيثون من النار فينقلون إلى الزمهرير ثم يستغيثون منه ~~فينقلون إلى النار فكانت مدة نقلتهم هي المراد من هذا الاستثناء. ونقل ~~جمهور المفسرين عن ابن عباس أنه قال: إن هذا الاستثناء يرجع إلى قوم سبق ~~فيهم علم الله أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وسلم فيخرجون من ~~النار قالوا فعلى هذا التأويل تكون ما في قوله إلا ما شاء الله، بمعنى من ~~يعني إلا ما شاء الله ونقل الطبري عن ابن عباس أنه كان يتأول هذا ~~الاستثناء بأن الله عز وجل جعل أمر هؤلاء القوم في مبلغ عذابهم إلى ~~مشيئته، وقال في هذه الآية: إنه لا يبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ~~أن لا ينزلهم جنة ولا نارا. # قال الزجاج: والقول الأول أولى لأن معنى الاستثناء إنما هو من يوم ~~القيامة لأن قوله: { ويوم نحشرهم جميعا } هو يوم القيامة ثم قال { ~~خالدين فيها } منذ يبعثون { إلا ما شاء الله } من مقدار حشرهم من قبورهم ~~ومقدار مدة محاسبتهم. { إن ربك حكيم } يعني في تدبير خلقه وتصريفه إياهم ~~في مشيئته من حال إلى حال وغير ذلك من أفعاله. وقيل حكيم فيما يفعله من ~~ثواب الطائع وعقاب العاصي وفي سائر وجوه المجازاة { عليم } يعني بعواقب ~~أمور خلقه وما هم إليه صائرون كأنه قال إنما حكمت لهؤلاء الكفار بالخلود ~~في النار، ms1140 لعلمي بأنهم يستحقون ذلك. ### || [6.129-130] # قوله عز وجل: { وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا } الكاف في كذلك كاف ~~التشبيه تقتضي شيئا تقدم ذكره فالتقدير كما أنزلت العذاب بالجن والإنس ~~الذين استمتع بعضهم ببعض كذلك نولي بعض الظالمين بعضا أي نسلط بعضهم على ~~بعض فنأخذ من الظالم بالظالم كما جاء في الأثر: # " من أعان ظالما سلطه الله عليه " # وقال قتادة: نجعل بعضهم أولياء بعض فالمؤمن ولي المؤمن حيث كان وأين كان ~~والكافر ولي الكافر حيث كان وأين كان. وفي رواية أخرى عن قتادة قال: يتبع ~~بعضهم بعضا في النار من الموالاة، وقيل: معناه نولي ظلمة الإنس الجن ~~وظلمة الجن ظلمة الإنس يعني نكل بعضهم إلى بعض. وقال ابن عباس في تفسير ~~هذه الآية وأن الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا ولى عليهم خيارهم وإذا ~~أراد بقوم شرا ولى عليهم شرارهم فعلى هذا القول إن الرعية متى كانوا ~~ظالمين سلط الله عز وجل عليهم ظالما مثلهم فمن أراد أن يخلص من ظلم ذلك ~~الظالم فليترك الظلم. وقوله تعالى: { بما كانوا يكسبون } يعني يسلط عليهم ~~من يظلمهم بسبب أعمالهم الخبيثة التي اكتسبوها. قوله تعالى: { يا معشر ~~الجن والإنس } المعشر كل جماعة أمرهم واحد والجمع معاشر { ألم يأتكم رسل ~~منكم } اختلف العلماء في معنى هذه الآية وهل كان من الجن رسل أم لا فذهب ~~أكثر العلماء إلى أنه لم يكن من الجن رسول وإنما كانت الرسل من الإنس ~~وأجابوا عن قوله رسل منكم يعني من أحدكم وهو الإنس فحذف المضاف فهو ~~كقوله: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح دون العذب وإنما جاز ذلك ~~لأن ذكرهما قد جمع في قوله # مرج البحرين # [الرحمن: 19] وهو جائز في كل ما اتفق في أصله فلذلك لما اتفق ذكر الجن ~~مع الإنس جاز مخاطبتهما بما ينصرف إلى أحد الفريقين وهم الإنس، وهذا قول ~~الفراء والزجاج ومذهب جمهور أهل العلم. قال الواحدي: وعليه دل كلام ابن ~~عباس لأنه قال يريد أنبياء من جنسهم ولم يكن من ms1141 جنس الجن أنبياء وذهب قوم ~~إلى أنه أرسل إلى الجن رسلا منهم كما أرسل إلى الإنس رسلا منهم. قال ~~الضحاك: من الجن رسل كما من الإنس رسل وظاهر الآية يدل على ذلك لأنه ~~تعالى قال: { ألم يأتكم رسل منكم } فخاطب الفريقين جميعا وأجيب عن ذلك ~~بأن الله تعالى قال: { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم } وهذا ~~يقتضي كون الرسل بعضا من أبعاض هذا المجموع وإذا كان الرسل من الإنس كان ~~الرسل بعضا من أبعاض هذا المجموع وكان هذا القول أولى من حمل لفظ الآية ~~على ظاهرها فثبت بذلك كون الرسل من الإنس لا من الجن، ويحتمل أيضا أن ~~يقال إن كافة الرسل كانوا من الإنس لكن الله تعالى يلقي الداعية في قلوب ~~قوم من الجن حتى يسمعوا كلام الرسل من الإنس ثم يأتوا قومهم من الجن ~~فيخبروهم بما سمعوا من الرسول ينذرهم به كما قال تعالى: # وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن # [الأحقاف: 29] - إلى - # فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين # [الأحقاف: 29] فكان أولئك النفر من الجن رسل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى قومهم وهذا مذهب مجاهد فإن الرسل من الإنس والنذر من الجن ونحو ~~ذلك قال ابن جريج وأبو عبيدة. وقيل: كانت الرسل يبعثون إلى الجن من الجن، ~~ولكن بواسطة رسل الإنس والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. وقوله تعالى: { ~~يقصون عليكم آياتي } يعني يخبرونكم بما أوحي إليهم من آياتي الدالة على ~~توحيدي وتصديق رسلي { وينذرونكم لقاء يومكم هذا } يعني ويحذرونكم ~~ويخوفونكم لقاء عذابي في يومكم هذا وهو يوم القيامة وذلك أن الله تعالى ~~يقول يوم القيامة يوم لكفار الجن والإنس على سبيل التقريع والتوبيخ ما ~~أخبر في كتابه، وهو قوله تعالى: { يا معشر الجن والإنس } الآية فيجيبون ~~بما أخبر عنهم في قوله تعالى: { قالوا } يعني كفار الجن والإنس { شهدنا ~~على أنفسنا } اعترفوا بأن الرسل قد أتتهم وبلغتهم رسالات ربهم وأنذروهم ~~لقاء يومهم هذا وأنهم كذبوا الرسل ولم يؤمنوا بهم وذلك حين شهدت عليهم ~~جوارحهم ms1142 بالشرك والكفر قال الله تعالى: { وغرتهم الحياة الدنيا } إنما ~~كان ذلك بسبب أنهم غرتهم الحياة الدنيا ومالوا إليها: { وشهدوا على ~~أنفسهم أنهم كانوا كافرين } في الدنيا. فإن قلت كيف أقروا على أنفسهم ~~بالكفر في هذه الآية وجحدوا الشرك والكفر في قوله: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]. قلت: يوم القيامة يوم طويل والأحوال فيه مختلفة فإذا ~~رأوا ما حصل للمؤمنين من الخير والفضل والكرامة أنكروا الشرك لعل ذلك ~~الإنكار ينفعهم، وقالوا والله ربنا ما كنا مشركين فحينئذ يختم على ~~أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالشرك والكفر فذلك قوله تعالى: { وشهدوا ~~على أنفسهم أنهم كانوا كافرين }. فإن قلت لما كرر شهادتهم على أنفسهم، ~~قلت: شهادتهم الأولى اعتراف منهم بما كانوا عليه في الدنيا من الشرك ~~والكفر وتكذيب الرسل وفي قوله: { وشهدوا على أنفسهم } ذم لهم وتخطئة ~~لرأيهم ووصف لقلة نظرهم لأنفسهم وأنهم قوم غرتهم الحياة الدنيا ولذاتها ~~فكانت عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والمقصود من ~~شرح حالهم تحذير السامعين وضجر لهم عن الكفر والمعاصي. ### || [6.131-134] # وقوله عز وجل: و { ذلك } إشارة إلى ما تقدم ذكره من بعثة الرسل إليهم ~~وإنذارهم سوء العاقبة، وقال الزجاج: معناه ذلك الذي قصصنا عليك من أمر ~~الرسل وأمر عذاب من كذبهم { إن لم يكن ربك } يعني لأنه لم يكن ربك { مهلك ~~القرى بظلم } قال الكلبي: معناه لم يكن ليهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم ~~الرسل فتنهاهم فإن رجعوا وإلا أتاهم العذاب، وهذا قول جمهور المفسرين قال ~~الفراء: يجوز أن يكون المعنى لم يكن ليهلكهم بظلم منه { وأهلها غافلون } ~~أي: وهم غافلون فعلى قول الجمهور: يكون الظلم فعلا للكفار وهو شركهم ~~وذنوبهم التي عملوها، وعلى قول الفراء: إنه لو أهلكهم قبل بعثة الرسل ~~لكان ظالما والله عز وجل يتعالى عن الظلم. والقول الأول: أصح، لأنه ~~تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله، ~~غير أنه أخبر أنه لا يعذب قبل بعثة الرسل ولو فعل ذلك لم يكن ms1143 ظلما منه ~~قوله تعالى: { ولكل درجات مما عملوا } يعني ولكل عامل بطاعة الله أو ~~بمعصيته درجات، يعني منازل يبلغها بعمله إن كان خيرا فخير وإن كان شرا ~~فشر. وإنما سميت درجات لتفاضلها في الارتفاع والانحطاط كتفاضل الدرج وهذا ~~إنما يكون في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا فمنهم من هو أعظم ~~ثوابا ومنهم من هو أشد عقابا، وهو قول جمهور المفسرين وقيل: إن قوله ~~تعالى { ولكل درجات مما عملوا } ، مختص بأهل الطاعة لأن لفظ الدرجة لا ~~يليق إلا بهم. وقوله تعالى: { وما ربك بغافل عما يعملون } مختص بأهل ~~الكفر والمعاصي ففيه وعيد وتهديد لهم. والقول الأول أصح، لأن علمه تعالى ~~شامل لكل المعلومات فيدخر فيه المؤمن والكافر والطائع والعاصي وأنه عالم ~~بأعمالهم على التفصيل التام فيجزي كل عامل على قدر عمله وما يليق به من ~~ثواب أو عقاب. قوله عز وجل: { وربك الغني } يعني عن خلقه وذلك أنه تعالى ~~لما بين أن لكل عامل بطاعة أو معصية درجة على قدر عمله بين أن تخصيص ~~المطيعين بالثواب والعاصين بالعقاب ليس لأنه محتاج إلى طاعة المطيع أو ~~منتقص بمعصية العاصي بل هو الغني على الإطلاق وأن جميع الخلق فقراء إليه ~~{ ذو الرحمة } قال ابن عباس: بأولياءه وأهل طاعته، وقال الكلبي: بخلقه ذو ~~التجاوز عنهم فمن رحمته تأخير العذاب عن المذنبين لعلهم يتوبون ويرجعون { ~~إن يشأ يذهبكم } يعني يهلككم. الخطاب لأهل مكة ففيه وعيد وتهديد لهم { ~~ويستخلف } يعني وينشئ ويخلق { من بعدكم } يعني من بعد إهلاككم { ما يشاء ~~} يعني خلقا غيركم أمثل وأطوع منكم { كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين } ~~اختلفت عبارات المفسرين في هذه اللفظة فقال البغوي: يعني آباءهم الماضين ~~قرنا بعد قرن، ونحوه قال الواحدي وصاحب الكشاف: يعني من أولاد قوم آخرين ~~لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه السلام. # وقال الإمام فخر الدين الرازي في قوله تعالى: { ويستخلف من بعدكم } يعني ~~من بعد إذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون إلا على طريق البدل من فائت. وأما ~~قوله ms1144 { ما يشاء } فالمراد منه خلق ثالث أو رابع واختلفوا فيه، فقال ~~بعضهم: خلقا آخر من أمثال الجن والإنس. قال القاضي: وهو الوجه الأقرب ~~لأن القوم يعلمون بالعادة أنه تعالى قادر على إنشاء أمثال هذا الخلق فمتى ~~كمل خلق ثالث ورابع يكون أقوى في دلالة القدرة فكأنه تعالى نبه على أن ~~قدرته ليست مقصورة على جنس دون جنس من الخلق الذين يصلحون لرحمته العظيمة ~~التي هي الثواب فبين بهذا الطريق أنه تعالى لرحمته لهؤلاء الأقوام ~~الحاضرين أبقاهم وأمهلهم ولو شاء لأماتهم وأفناهم وأبدل منهم سواهم ثم ~~بين الله تعالى قوة قدرته على ذلك فقال: { كما أنشأكم من ذرية قوم ~~آخرين } لأن المرء إذا تفكر علم أنه تعالى خلق الإنسان من نطفة ليس فيها ~~من صورته قليل ولا كثير فوجب أن يكون ذلك بمحض القدرة والحكمة وإذا كان ~~كذلك فكما قدر على تصوير هذه الأجسام بهذه الخاصة فكذلك يقدر على تصويرهم ~~خلقا آخر مخالفا لها هذا آخر كلامه. وقال الطبري في قوله { كما أنشأكم ~~من ذرية قوم آخرين } يقول كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا ~~قبلكم ومعنى من في هذا الموضع التعقيب كما يقال في الكلام أعطيتك من ~~دينارك ثوبا يعني مكان الدينار ثوبا لا أن الثوب من الدينار بعض. كذلك ~~الذين خوطبوا بقوله { كما أنشأكم } لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم ~~أنشئوا من أصلاب قوم آخرين ولكن معنى ذلك ما ذكرنا أنهم أنشئوا مكان قوم ~~آخرين قد أهلكوا قبلهم. قوله تعالى: { إن ما توعدون } به من مجيء الساعة ~~والبعث بعد الموت والحشر للحساب يوم القيامة { لآت } يعني أنه كائن قريب ~~{ وما أنتم بمعجزين } يعني بفائتين حيثما كنتم يدرككم الموت. ### || [6.135-137] # { قل } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي قل يا محمد { يا قوم } أي قل ~~لقومك من كفار قريش { اعملوا على مكانتكم } وقرئ مكاناتكم على الجمع ~~والمكانة تكون مصدرا يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن وبمعنى ~~المكان يقال مكان ومكانة كما يقال مقام ومقامة فقوله اعملوا على مكانتكم ms1145 ~~يحتمل أن يكون معناه اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم ~~وإمكانكم ويحتمل أن يكون معناه اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها كما ~~يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله: مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت ~~عليه لا تتغير عنه. وقال ابن عباس معناه اعملوا على ناحيتكم { إني عامل } ~~يعني إني عامل على مكانتي التي أنا عليها وما أمرني به ربي والمعنى ~~اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر والعداوة فإني ثابت على الإسلام ~~والمصابرة. فإن قلت ظاهر الآية يدل على أمر الكفار بالإقامة على ما هم ~~عليه من الكفر وذلك لا يجوز. قلت: معنى هذا الأمر الوعيد والتهديد ~~والمبالغة في الزجر عما هم عليه من الكفر فكأنه قال أقيموا على ما أنتم ~~عليه من الكفر إن رضيتم لأنفسكم بالعذاب الدائم فهو كقوله تعالى: # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40] ففيه تفويض أمر العمل إليهم على سبيل الزجر والتهديد وليس ~~فيه إطلاق لهم في عمل ما أرادوه من الكفر والمعاصي. وقوله تعالى: { فسوف ~~تعلمون } يعني لمن العاقبة المحمودة لنا أو لكم. وقيل معناه فسوف تعلمون ~~عند نزول العذاب بكم أينا كان على الحق في عمله نحن أم أنتم { من تكون له ~~عاقبة الدار } يعني فسوف تعلمون غدا القيامة لمن تكون عاقبة الدار وهي ~~الجنة { إنه لا يفلح الظالمون } قال ابن عباس: معناه أنه لا يسعد من كفر ~~بي وأشرك. ثم في هذه الآية قولان: أحدهما: أنهما محكمة وهذا على قول من ~~يقول إن المراد بقوله اعملوا على مكانتكم الوعيد التهديد. والقول الثاني: ~~أنها منسوخة بآية السيف وهذا على قول من يقول إن المراد بها ترك القتال. ~~قوله تعالى: { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا } الآية لما ~~بين الله عز وجل قبح طريقه الكفار وما كانوا عليه من إنكار البعث وغير ~~ذلك عقبه بذكر أنواع من جهالاتهم وأحكامهم الفاسدة تنبيها على ضعف ~~عقولهم وفساد ما كانوا عليه في الجاهلية فقال تعالى: { وجعلوا لله مما ~~ذرأ } يعني مما خلق ms1146 من الحرث يعني الزرع والثمر والأنعام، يعني ومن ~~الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم نصيبا يعني قسما وجزءا. قال ~~المفسرون: كان المشركون في الجاهلية يجعلون لله من حروثهم وثمارهم ~~وأنعامهم وسائر أموالهم نصيبا وللأصنام نصيبا فما جعلوه من ذلك لله ~~صرفوه إلى الضيفان والمساكين وما جعلوه للأصنام أنفقوه عليها وعلى خدمتها ~~فإن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه، وقالوا: إن الله غني ~~عن هذا وإن سقط شيء من نصيب الأوثان فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان. # وقالوا: إنها محتاجة إليه. وكانوا إذا هلك شيء مما جعلوه لله لم يبالوا ~~به وإذا انتقص شيء مما جعلوه للأوثان جبروه مما جعلوه لله فذلك قوله: { ~~وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا } وفيه اختصار تقديره ~~وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا وللأصنام نصيبا { فقالوا ~~هذا لله بزعمهم } يعني قولهم الذي هو بغير حقيقة لأن معنى زعم حكاية قول ~~يكون مظنة الكذب ولذلك لا يجيء إلا في موضع ذم لقائليه وإنما نسبوا إلى ~~الكذب في قولهم هذا الله بزعمهم وإن كانت الأشياء كلها لله لإضافتهم نصيب ~~الأصنام مع نصيب الله وهو قولهم: { وهذا لشركائنا } يعني الأصنام وإنما ~~سموا الأصنام شركاء لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم ينفقونه عليها: { ~~فما كان لشركائهم } يعني وما جعلوا لها من الحرث والأنعام { فلا يصل إلى ~~الله } يعني فلا يعطونه المساكين ولا ينفقونه على الضيفان { وما كان لله ~~فهو يصل إلى شركائهم } والمعنى أنهم كانوا يقرون ما جعلوه للأصنام مما ~~جعلوه لله ولا يقرون ما جعلوه لله مما جعلوه للأصنام، وقال قتادة: كانوا ~~إذا أصابتهم سنة قحط وشدة استعانوا بما جعلوه لله وأكلوا منه ووفروا مما ~~جعلوه لشركائهم ولم يأكلوا منه شيئا. وقال الحسن والسدي: كانوا إذا هلك ~~ما جعلوا لشركائهم أخذوا بدله مما جعلوه لله ولا يفعلون ذلك فيما جعلوه ~~لشركائهم فلذلك ذمهم الله تعالى فقال: { ساء ما يحكمون } يعني: بئس ما ~~يحكمون ويقضون وذلك أنهم رجحوا جانب الأصنام على جانب الله تعالى ms1147 في ~~الرعاية والحفظ وهذا سفه منهم. وقيل: إن الأشياء كلها لله عز وجل وهو ~~خلقها فلما جعلوا للأصنام جزءا من المال وهي لا تملك ولا تخلق ولا تضر ~~ولا تنفع نسبوا إلى الإساءة في الحكم والمقصود من ذلك بيان ما كانوا عليه ~~في الجاهلية من هذه الأحكام الفاسدة التي لم يرد بها شرع ولا نص ولا ~~يحسنها عقل. قوله عز وجل: { وكذلك } عطف على قوله { وجعلوا لله مما ذرأ ~~من الحرث والأنعام نصيبا } يعني كما فعلوا ذلك جهلا منهم كذلك زين ~~لكثير منهم قتل أولادهم شركاؤهم. والمعنى أن جعلهم لله نصيبا من أموالهم ~~ولشركائهم نصيبا في غاية الجهل بمعرفة الخالق المنعم لأنهم جعلوا ~~الأصنام مثله في استحقاق النصيب وكذلك إقدامهم على قتل أولادهم في نهاية ~~الجهالة أيضا فكأنه قال ومثل ذلك الذي فعلوه في القسم جهلا وخطأ ~~وضلالا كذلك { زين } يعني حسن { لكثير من المشركين قتل أولادهم } يعني ~~به وأد البنات أحياء مخافة الفقر والعيلة { شركاؤهم } يعني شياطينهم ~~أمروهم أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر وسميت الشياطين شركاء لأنهم أطاعوهم ~~فيما أمروهم به من معصية الله وقتل الأولاد فأشركوهم مع الله في وجوب ~~طاعتهم وأضيف الشركاء إلى المشركين لأنهم أطاعوهم واتخذوهم أربابا، وقال ~~الكلبي: شركاؤهم سدنة آلهتهم يعني خدامها وهم الذين كانوا يزينون ويحسنون ~~للكفار قتل الأولاد وكان الرجل في الجاهلية يقوم فيحلف لئن ولد له كذا ~~وكذا غلاما لينحرن آخرهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله فعلى هذا ~~القول، الشركاء هم السدنة وخدام الأصنام سموا شركاء لأنهم أشركوهم في ~~الطاعة { ليردوهم } يعني ليهلكوهم بذلك الفعل الذي أمروهم به. # والإرداء في اللغة: الإهلاك. قال ابن عباس: ليردوهم في النار { وليلبسوا ~~عليهم دينهم } يعني وليخلطوا عليهم دينهم. قال ابن عباس: ليدخلوا عليهم ~~الشك في دينهم وكانوا على دين إسماعيل عليه السلام فرجعوا عنه بتلبيس ~~الشياطين، وإنما فعلوا ذلك ليزيلهم عن الدين الحق الذي كان عليه إسماعيل ~~وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام فوضعوا لهم هذه الأوضاع الفاسدة وزينوها ~~لهم { ولو شاء الله ms1148 ما فعلوه } يعني ولو شاء الله لعصمهم من ذلك الفعل ~~القبيح الذي زين لهم من تحريم الحرث والأنعام وقتل الأولاد أخبر الله عز ~~وجل أن جمع الأشياء بمشيئته وإرادته إذ لو لم يشأ ما فعلوا ذلك { فذرهم ~~} يعني فاتركهم يا محمد { وما يفترون } يعني وما يختلقون من الكذب على ~~الله فإن الله لهم بالمرصاد. ### || [6.138-139] # قوله تعالى: { وقالوا } يعني المشركين { هذه أنعام وحرث حجر } أي حرام ~~وأصله المنع لأنه منع من الانتفاع منه بتحريمه. وقيل: هو من التضييق ~~والحبس لأنهم كانوا يحبسون أشياء من أنعامهم وحروثهم لآلهتهم. قال مجاهد: ~~يعني بالأنعام البحيرة وسائبة والوصيلة والحامي { لا يطعمها إلا من نشاء ~~بزعمهم } يعني يأكلها خدام الأصنام والرجال دون النساء: { وأنعام حرمت ~~ظهورها } يعني الحوامي وهي الأنعام التي حموا ظهورها عن الركوب فكانوا لا ~~يركبونها { وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها } يعني لا يذكرون اسم الله ~~عليها عند الذبح وإنما كانوا يذكرون عليها أسماء الأصنام: وقيل معناه لا ~~يحجون عليها ولا يركبونها لفعل الخير لأنه لما جرت العادة بذكر الله على ~~فعل كل خير ذم هؤلاء على ترك فعل الخير { افتراء عليه } يعني أنهم كانوا ~~يفعلون هذه الأفعال ويزعمون أن الله أمرهم بها وذلك اختلاق وكذب على الله ~~عز وجل: { سيجزيهم بما كانوا يفترون } فيه وعيد وتهديد لهم على افترائهم ~~على الله الكذب. قوله عز وجل: { وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة ~~لذكورنا ومحرم على أزواجنا } يعني نساءنا، قال ابن عباس وقتادة والشعبي: ~~أراد جنة البحائر والنساء جميعا وهو قوله تعالى: { وإن يكن ميتة فهم فيه ~~شركاء } ودخلت الهاء في خالصة للتأكيد والمبالغة، كقولهم رجل علامة ~~ونسابه. وقال الفراء: دخلت الهاء لتأنيث الأنعام لأن ما في بطونها ~~مثلها فأنث بتأنيثها. وقال الكسائي: خالص وخالصة واحد مثل وعظ وموعظة ~~وقيل: إذا كان اللفظ عبارة عن مؤنث جاز تأنيثه على المعنى وتذكيره على ~~اللفظ كما في هذه الآية فإنه أنث خالصة على المعنى وذكر ومحرم على اللفظ ~~{ سيجزيهم وصفهم } يعني سيكافئهم بسبب وصفهم ms1149 على الله الكذب { إنه حكيم ~~عليم } فيه وعيد وتهديد يعني أنه تعالى حكيم فيما يفعله عليم بقدر ~~استحقاقهم. ### || [6.140-141] # قوله تعالى: { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم } قال عكرمة: ~~نزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومضر وكان الرجل يقاضي الرجل على أن ~~يستحيي جارية ويئد أخرى فإذا كانت الجارية التي توأد غدا الرجل أو راح من ~~عندها امرأته وقال لها أنت علي كظهر أمي إن رجعت إليك ولم تئديها فتخد ~~لها في الأرض خدا وترسل إلى نسائها فيجتمعن عندها ثم يتداولنها بينهن ~~حتى إذا أبصرته راجعا دستها في حفرتها ثم سوت عليها التراب. وقال قتادة: ~~هذا من صنيع أهل الجاهلية كان أحدهم يقتل ابنه مخافة السبي والفاقة ويفدو ~~كلبه. أما سبب الخسران المذكور في قوله قد خسر الذين قتلوا أولادهم: أن ~~الولد نعمة عظيمة أنعم الله بها على الوالد فإذا تسبب الرجل في إزالة هذه ~~النعمة عنه وإبطالها فقد استوجب الذم وخسر في الدنيا والآخرة، أما ~~اخسارته في الدنيا فقد سعى في نقص عدده وإزالة ما أنعم الله به عليه. ~~وأما خسارته في الآخرة فقد استحق بذلك العذاب العظيم. وقوله { سفها بغير ~~علم } يعني فعلوا ذلك للسفاهة وهي الخفة والجهالة المذومومة وسبب حصول ~~هذه السفاهة هو قلة العلم بل عدمه لأن الجهل كان هو الغالب عليهم قبل ~~بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا سموا جاهلية وقوله تعالى: { ~~وحرموا ما رزقهم الله } يعني البحائر والسوائب والحامي وبعض الحروث وبعض ~~ما في بطون الأنعام، وهذا أيضا من أعظم الجهالة { افتراء على الله } ~~يعني أنهم فعلوا هذه الأفعال المذمومة وزعموا أن الله أمرهم بذلك وهذا ~~افتراء على الله وكذب وهذا أيضا من أعظم الجهالة لأن الجرأة على الله ~~والكذب عليه من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر ولهذا قال تعالى: { قد ضلوا } ~~يعني في فعلهم عن طريق الحق والرشاد { وما كانوا مهتدين } يعني إلى طريق ~~الحق والصواب في فعلهم خ. عن ابن عباس قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب ~~فاقرأ ms1150 ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام قد خسر الذين قتلوا ~~أولادهم سفها بغير علم إلى قوله { قد ضلوا وما كانوا مهتدين }. قوله عز ~~وجل: { وهو الذي أنشأ جنات معروشات } يعني والله الذي ابتدع وخلق جنات ~~يعني بساتين معروشات { وغير معروشات } يعني مسموكات مرتفعات وغير مرتفعات ~~وأصل العرش في اللغة شيء مسقف يجعل عليه الكرم وجمعه عروش يقال عرشت ~~الكرم أعرشه عرشا وعرشته تعريشا إذا جعلته كهيئة السقف واعترش العنب ~~العريش إذا علاه وركبه. واختلفوا في معنى قوله { معروشات وغير معروشات } ~~فقال ابن عباس: المعروشات ما انبسط على الأرض وانتشر مما يعرش مثل الكرم ~~والقرع والبطيخ ونحو ذلك وغير معروشات ما قام على ساق ونسق كالنخل والزرع ~~وسائر الشجر. # وقال الضحاك: كلاهما في الكرم خاصة لأن منه ما يعرش ومنه ما لم يعرش بل ~~يلقى على وجه الأرض منبسطا، وقيل: المعروشات ما غرسه الناس في البساتين ~~واهتموا به فعرشوه من كرم وغيره وغير معروشات وهو ما أنبته الله في ~~البراري والجبال من كرم أو شجر { والنخل والزرع } يعني وأنشأ النخل ~~والزرع وهو جميع الحبوب التي تقتات وتدخر { مختلفا أكله } يعني به ~~اختلاف الطعوم في الثمار كالحلو والحامض والجيد والرديء ونحو ذلك { ~~والزيتون والرمان متشابها } يعني في المنظر { وغير متشابه } يعني في ~~المطعم كالرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف، وقيل: إن ورق الزيتون يشبه ~~ورق الرمان ولكن ثمرتهما مختلفة في الجنس والطعم { كلوا من ثمره إذا أثمر ~~} لما ذكر ما أنعم الله به على عباده من خلق هذه الجنات المحتوية على ~~أنواع من الثمار ذكر ما هو المقصود الأصلي وهو الانتفاع بها، فقال تعالى: ~~كلوا من ثمره إذا أثمر، وهذا أمر إباحة. وتمسك بهذا بعضهم فقال: الأمر قد ~~يرد إلى غير الوجوب لأن هذه الصيغة مفيدة لدفع الحجر. وقال بعضهم: ~~المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق لأنه تعالى لما أوجب الزكاة في ~~الحبوب والثمار كان يحتمل أن يحرم على المالك أن يأكل منها شيئا قبل ~~إخراج الواجب فيها لمكان شركة الفقراء ms1151 والمساكين معه فأباح الله أن يأكل ~~قبل إخراجه لأن رعاية حق النفس مقدمة على رعاية حق الغير وقيل إنما قال ~~تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر بصيغة الأمر ليعلم أن المقصود من خلق هذه ~~الأشياء التي أنعم الله بها على عباده وهو الأكل { وآتوا حقه يوم حصاده ~~} يعني يوم جذاذه وقطعه. واختلفوا في هذا الحق المأمور بإخراجه، فقال ابن ~~عباس وأنس بن مالك: هو الزكاة المفروضة. وهذا قول طاوس والحسن وجابر بن ~~زيد وسعيد بن المسيب ومحمد بن الحنفية وقتادة. قال قتادة في قوله { وآتوا ~~حقه يوم حصاده } أي من الصدقة المفروضة ذكر لنا أن نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم سن فيما سقت السماء والعين السائحة أو سقاه النيل والندى أو ~~كان بعلا العشر كاملا وإن سقي بنضح أو سانية فنصف العشر وهذا فيما يكال ~~من الثمرة أو الزرع وبلغ خمسة أوسق وذلك ثلمثائة صاع فقد وجب فيها حق ~~الزكاة وفي رواية عن ابن عباس في قوله تعالى: { وآتوا حقه يوم حصاده } ~~قال هو العشر ونصف العشر. فإن قلت على هذا التفسير إشكال وهو أن فرض ~~الزكاة كان بالمدينة وهذه السورة مكية فكيف يمكن حمل قوله وآتوا يوم ~~حصاده على الزكاة المفروضة، قلت: ذكر ابن الجوزي في تفسيره عن ابن عباس ~~وقتادة: إن هذه الآية نزلت بالمدينة فعلى هذا القول تكون الآية محكمة ~~نزلت في حكم الزكاة وإن قلنا إن هذه الآية مكية تكون منسوخة بآية الزكاة، ~~لأنه قد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخت آية الزكاة كل صدقة في القرآن ~~وقيل في قوله تعالى: { وآتوا حقه يوم حصاده } أنه حق سوى الزكاة فرض يوم ~~الحصاد وهو إطعام من حضر وترك ما سقط من الزرع والثمر، وهذا قول علي بن ~~الحسن وعطاء ومجاهد وحماد. # قال إبراهيم: هو الضغث، وقال الربيع: هو لقاط السنبل، وقل مجاهد: كانوا ~~يجيئون بالعذق عند الصرام فيأكل منه من مر. وقال يزيد بن الأصم: كان أهل ~~المدينة إذا صرموا النخل يجيئون بالعذق فيعلقونه في ms1152 جانب المسجد فيجيء ~~المسكين فيضربه بعصاه فما سقط منه أكله فعلى هذا القول هل هذا الأمر أمر ~~وجوب أو استحباب وندب فيه قولان: أحدهما: أنه أمر وجوب فيكون منسوخا ~~بآية الزكاة. وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي # " هل علي غيرها قال إلا أن تطوع ". # والقول الثاني: إنه أمر ندب واستحباب فتكون الآية محكمة، وقال سعيد بن ~~جبير: كان هذا حقا يؤمر بإخراجه في ابتداء الإسلام ثم صار منسوخا ~~بإيجاب العشر، ولقول ابن عباس: نسخت آية الزكاة كل صدقة في القرآن واختار ~~هذا القول الطبري وصححه واختار الواحدي والرازي القول الأول وصححاه. فإن ~~قلت: فعلى القول الأول كيف تؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل وإنما ~~يجب الإخراج بعد التصفية والجفاف، قلت: معناه قدروا أداء إخراج الواجب ~~منه يوم الحصاد فإنه قريب من زمان التنقية والجفاف ولأن النخل يجب إخراج ~~الحق منه يوم حصاده وهو الصرام والزرع محمول عليه إلا أنه لا يمكن إخراج ~~الحق منه إلا بعد التصفية. وقيل معناه وآتوا حقه الذي وجب يوم حصاده بعد ~~التصفية، وقيل: إن فائدة ذكر الحصاد أن الحق لا يجب بنفس الزرع وبلوغه ~~إنما يجب يوم حصاده وحصوله في يد مالكه لا فيما يتلف من الزرع قبل حصوله ~~في يد مالكه. قوله تعالى: { ولا تسرفوا } الإسراف تجاوز الحد فيما يفعله ~~الإنسان وإن كان في الإنفاق أشهر وقيل السراف تجاوز ما حد لك وسرف المال ~~إنفاقه في غير منفعة. ولهذا قال سفيان: ما أنفقت في غير طاعة الله فهو ~~سرف وإن كان قليلا. قال ابن عباس في رواية عنه: عمد ثابت بن قيس بن شماس ~~فصرم خمسمائة نخلة فقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيء فأنزل الله هذه ~~الآية { ولا تسرفوا } قال السدي: معناه لا تعطوا أموالكم وتقعدوا فقراء. ~~قال الزجاج فعلى هذا لو أعطى الإنسان كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئا ~~فقد أسرف لأنه قد صح في الحديث # " ابدأ بمن تعول " # وقال سعيد بن المسيب: معناه لا تمنعوا الصدقة ms1153 فتأويل الآية على هذا ~~القول لا تجاوزوا الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة ~~وهذان القولان يشتركان في أن المراد من الإسراف مجاوزة الحد إلا أن الأول ~~في البذل والإعطاء والثاني في الإمساك والبخل، وقال مقاتل: معناه لا ~~تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام وهذا القول أيضا يرجع إلى مجاوزة الحد ~~لأن من شرك الأصنام في الحرث والأنعام فقد جاوز ما حد له. # وقال الزهري: معناه لا تنفقوا في معصية الله عز وجل. وقال مجاهد: ~~الإسراف ما قصرت به في حق الله تعالى ولو كان أبو قبيس ذهبا فأنفقته في ~~طاعة الله لم تكن مسرفا ولو أنفقت درهما أو مدا في معصية الله كنت ~~مسرفا. وقال ابن زيد: إنما خوطب بهذا السلطان نهي أن يأخذ من رب المال ~~فوق الذي ألزم الله ماله. يقول الله عز وجل للسلاطين: لا تسرفوا أي لا ~~تأخذوا بغير حق فكانت الآية بين السلطان وبين الناس. وقوله تعالى: { إنه ~~لا يحب المسرفين } فيه وعيد وزجر عن الإسراف في كل شيء لأن من لا يحبه ~~الله فهو من أهل النار. ### || [6.142-143] # { ومن الأنعام } يعني وأنشأ من الأنعام { حمولة } وهي كل ما يحمل عليها ~~من الإبل { وفرشا } يعني صغار الإبل التي لا تحمل. قال ابن عباس: ~~الحمولة هي الكبار من الإبل والفرش هي الصغار من الإبل، وقال في رواية ~~أخرى عنه ذكرها الطبري. أما الحمولة: فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل ~~شيء يحمل عليه وأما الفرش فالغنم. وقال الربيع بن أنس: الحمولة: الإبل ~~والبقر والفرش والمعز والضان فالحمولة كل ما يحمل عليها من الأنعام ~~والفرش ما لا يصلح للحمل سمي فرشا لأنه يفرش للذبح ولأنه قريب من الأرض ~~لصغره { كلوا مما رزقكم الله } يعني كلوا مما أحله الله لكم من هذه ~~الأنعام والحرث { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } يعني لا تسلكوا طريقه ~~وآثاره في تحريم الحرث والأنعام كما فعله أهل الجاهلية { إنه } يعني ~~الشيطان { لكم عدو مبين } يعني أنه مبين العداوة لكم ثم بين الحمولة ~~والفرش فقال عز ms1154 وجل: { ثمانية أزواج } يعني وأنشأ من الأنعام ثمانية ~~أزواج يعني ثمانية أصناف والزوج في اللغة الفرد إذا كان معه آخر من جنسه ~~لا ينفك عنه فيطلق لفظ الزوج على الواحد كما يطلق على الاثنين فيقال ~~للذكر زوج وللأنثى زوج { من الضأن اثنين } يعني الذكر والانثى والضأن ~~ذوات الصوف من الغنم والواحد ضائن والأنثى ضائنة والجمع ضوائن { ومن ~~المعز اثنين } يعني الذكر والأنثى والمعز ذوات الشعر من الغنم والواحد ~~ماعز والجمع معزى: { قل آلذكرين حرم أم الأنثيين } استفهام إنكار، أي: قل ~~يا محمد لهؤلاء الجهلة الذكرين من الضأن والمعز حرم عليكم أم الأنثيين ~~منهما، فإن كان حرم الذكرين من الغنم فكل ذكورها حرام وإن كان حرم ~~الأنثيين منهما فكل إناثها حرام { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } يعني ~~أم حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين من الضأن والمعز فإنها لا تشتمل ~~إلا على ذكر أو أنثى { نبئوني } أي أخبروني وفسروا لي ما حرمتم { بعلم إن ~~كنتم صادقين } يعني أن الله حرم ذلك عليكم. ### || [6.144-145] # { من الإبل اثنين ومن البقر اثنين } وهذه أربعة أزواج أخر بقية الثمانية ~~{ قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } وتفسير ~~هذه الآية نحو ما تقدم وفي هاتين الآيتين تقريع وتوبيخ من الله تعالى ~~لأهل الجاهلية بتحريمهم ما لم يحرمه الله وذلك أنهم كانوا يقولون: هذه ~~أنعام وحرث حجر. وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على ~~أزواجنا وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وكانوا يحرمون بعضها ~~على الرجال والنساء وبعضها على النساء دون الرجال كما أخبر الله عنهم في ~~كتابه فلما جاء الإسلام وثبتت الأحكام جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكان خطيبهم # " مالك بن عوف الجشمي فقال: يا محمد بلغنا إنك تحرم أشياء مما كان ~~أباؤنا يفعلونه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد حرمتم أصنافا ~~من النعم على غير أصل وإنما خلق الله هذه الأزواج الثمانية للأكل ~~والانتفاع فمن أين جاء هذا التحريم من قبل الذكر أم من قبل الأنثى؟ ms1155 فسكت ~~مالك بن عوف وتحير ولم يتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " يا مالك ~~ألا تتكلم "؟ فقال: بل أنت تتكلم وأسمع منك " # ، قال المفسرون: فلو قال جاء التحريم من قبل الذكر بسبب الذكورة وجب أن ~~يحرم جميع الذكور ولو قال بسبب الأنوثة وجب أن يحرم جميع الإناث وإن كان ~~باشتمال الرحم عليه فينبغي أن يرحم الكل لأن الرحم لا يشتمل إلا على ذكر ~~أو أثنى. وأما تخصيص التحريم بالولد الخامس أو السابع أو بالبعض دون ~~البعض فمن أين ذلك التحريم؟ فاحتج الله على بطلان دعواهم بهاتين الآيتين ~~وأعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أن كل ما قالوه من ذلك وأضافوه إلى الله ~~فهو كذب على الله وأنه لم يحرم شيئا من ذلك وأنهم اتبعوا في ذلك أهواءهم ~~وخالفوا أمر ربهم. وذكر الإمام فخر الدين في معنى الآية وجهين آخرين ~~ونسبهما إلى نفسه، فقال: إن هذا الكلام ما ورد على سبيل الاستدلال على ~~بطلان قولهم بل هو استفهام على سبيل الإنكار يعني إنكم لا تقرون بنبوة ~~نبي ولا تعترفون بشريعة شارع فكيف تحكمون بأن هذا يحل وهذا يحرم. والوجه ~~الثاني: إنكم حكمتم بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي مخصوصا بالإبل ~~فالله تعالى بين أن النعم عبارة عن هذه الأنواع الأربعة وهي: الضأن ~~والمعز والبقر والإبل فلم لم تحكموا بهذه الأحكام في هذه الأنواع الثلاثة ~~وهي الضأن والمعز والبقر فكيف خصصتم الإبل بهذا الحكم دون هذه الأنواع ~~الثلاثة. قوله تعالى: { أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا } يقول الله ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لهؤلاء الجهلة من المشركين الذين يزعمون ~~أنالله حرم عليهم ما حرموا على أنفسهم من الأنعام والحرث هل شاهدتم الله ~~حرم هذا عليكم ووصاكم به فإنكم لا تقرون بنبوة أحد من الأنبياء فكيف ~~تثبتون هذه الأحكام وتنسبونها إلى الله عز وجل. # ولما احتج الله عليهم بهذه الحجة وبين أنه لا مستند لهم في ذلك قال ~~تعالى: { فمن أظلم ممن أفترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم } يعني ~~فمن ms1156 أشد ظلما وأبعد عن الحق ممن يكذب على الله ويضيف تحريم ما لم يحرمه ~~الله إلى الله ليضل الناس بذلك ويصدهم عن سبيل الله جهلا منه إذ ليس هو ~~على بصيرة وعلم في ذلك الذي ابتدعه ونسبه إلى الله ويقول إن الله أمرنا ~~بهذا، قيل: أراد به عمرو بن لحي لأنه أول من بحر البحائر وسيب السوائب ~~وغير دين إبراهيم عليه السلام ويدخل في هذا الوعيد كل من كان على طريقته ~~أو ابتدع شيئا لم يأمر الله به ولا رسوله ونسب ذلك إلى الله تعالى لأن ~~اللفظ عام فلا وجه للتخصيص فكل من أدخل في دين الله ما ليس فيه فهو داخل ~~في هذا الوعيد { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } يعني أن الله لا يرشده ~~ولا يوفق من كذب على الله وأضاف إليه ما لم يشرعه لعباده. قوله عز وجل: { ~~قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه } اعلم أنه لما بين الله ~~تعالى فساد طريقة أهل الجاهلية وما كانوا عليه من التضليل والتحريم من ~~عند أنفسهم واتباع أهوائهم فيما أحلوه وحرموه من المطعومات أتبعه بالبيان ~~الصحيح في ذلك وبين أن التحريم والتحليل لا يكون إلا بوحي سماوي وشرع ~~نبوي، فقال تعالى: قل أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الجاهلين الذي ~~يحللون ويحرمون من عند أنفسهم لا أجد فيما أوحي إلي، وقيل إنهم قالوا ~~فما المحرم إذا فنزل؟ { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما } يعني شيئا ~~محرما على طاعم يطعمه يعني على آكل يأكله { إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا } يعني سائلا مصبوبا { أو لحم خنزير فإنه رجس } أي نجس { أو ~~فسقا أهل لغير الله به } يعني ما ذبح على غير اسم الله تعالى فبين الله ~~تعالى في هذه الآية أن التحريم والتحليل لا يكون إلا بوحي منه وأن ~~المحرمات محصورة في الأربعة الأشياء المذكورة في هذه الآية وهي: الميتة ~~والدم المسفوح ولحم الخنزير وما ذبح على غير اسم الله، وهذا مبالغة في أن ~~التحريم ms1157 لا يخرج عن هذه الأربعة وذلك أنه ثبت أنه لا طريق إلى معرفة ~~المحرمات إلا بالوحي وثبت أن الله تعالى نص في هذه الآية على هذه الأربعة ~~الأشياء ولهذا اختلف العلماء في حكم هذه الآية فذهب بعضهم إلى ظاهرها ~~وأنه لا يحرم شيء من سائر المطعومات والحيوان إلا ما ذكر في هذه الآية ~~يروى ذلك عن ابن عباس وعائشة وسعيد بن جبير وهو ظاهر مذهب مالك واحتجوا ~~على ذلك بأن هذه الآية محكمة لأنها خبر والخبر لا يدخله النسخ واحتجوا ~~بأن هذه الآية وإن كانت مكية لكن يعضدها آية مدنية وهي قوله تعالى في ~~سورة البقرة: # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله # [البقرة: 173]، وكلمة إنما تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة ~~للآية المكية في الحكم، وذهب جمهور العلماء إلى أن هذا التحريم لا يختص ~~بهذه الأشياء المنصوص عليها في هذه الآية فإن المحرم بنص الكتاب هو ما ~~ذكر في هذه الآية. وقد حرمت السنة أشياء فوجب القول بها: منها تحريم ~~الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير. عن المقدام بن ~~معديكرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول بيننا ~~وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما ~~حرمناه وإنما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله تعالى " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. ولأبي داود قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول ~~عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام ~~فحرموه ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة ~~معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم ~~يقروه فله أن يعفيهم بمثل قراه " # عن ابن عباس قال: كان ms1158 أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا ~~فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه ~~فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو معفو وتلا: { قل لا ~~أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة } الآية ~~أخرجه أبو داود م عن ابن عباس قال # " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من ~~الطير " # م عن أبي هريرة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية ~~" # ق عن جابر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل ~~" # وفي رواية: # " " أكلنا من خيبر الخيل وحمر الوحش " ونهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الحمار الأهلي " # عن جابر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الهر وأكل ثمنه " # وقد استثنى الشارع من الميتة السمك والجراد ومن الدم الكبد والطحال ~~وأباح أكل ذلك وقد تقدم دليله. والأصل في ذلك عند الشافعي أن كل ما لم ~~يرد فيه نص بتحريم أو تحليل فما كان أمر الشرع بقتله كام ورد في الصحيح # " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم وهي الحية والعقرب والفأرة والحدأة ~~والكلب العقور " # وروي عن سعد بن أبي وقاص # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ " # أخرجه البخاري ومسلم، وسماه فويسقا. وعن ابن عباس قال # " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة ~~والهدهد والصرد " # أخرجه أبو داود فهذا كله حرام لا يحل أكله وما سوى ذلك فالمرجع فيه إلى ~~الأغلب من عادة العرب فما يستطيبه الأغلب منهم فهو حلال وما يستخبثه ~~الأغلب منهم ولا يأكلونه فهو حرام لأن الله خاطبهم بقوله: # أحل لكم الطيبات # [المائدة: 4] فما استطابوه فهو حلال فهذا تقرير ما يحل ويحرم من ~~المطعومات. وأما الجواب عن هذه الآية الكريمة فمن وجوه: أحدها: أن يكون ~~المعنى لا ms1159 أجد محرما مما كان أهل الجاهلية يحرمونه من البحائر والسوائب ~~وغيرها إلا ما أوحي إلي في هذه الآية. الوجه الثاني: أن يكون المراد وقت ~~نزول هذه الآية لم يكن محرما غير ما ذكر ونص عليه في هذه الآية ثم حرم ~~بعد نزولها أشياء أخر. الوجه الثالث: يحتمل أن هذا اللفظ العام خصص بدليل ~~آخر، وهو ما ورد في السنة. الوجه الرابع: أن ما ذكر في هذه الآية محرم ~~على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما ورد في السنة من المحرمات ~~والله أعلم. بقي في الآية أحكام في قوله تعالى: { أو دما مسفوحا } وهو ~~ما سال من الحيوان في حال الحياة أو عند الذبح فإن ذلك الدم حرام نجس وما ~~سوى ذلك كالكبد والطحال فإنهما حلال لأنهما دمان جامدان. وقد ورد الحديث ~~بإباحتهما وكذا ما اختلط باللحم من الدم لأنه غير سائل، قال عمران بن ~~جرير: سألت أبا مجلز عما يختلط باللحم من الدم وعن القدر يرى فيها حمرة ~~الدم فقال لا بأس بذلك وإنما نهي عن الدم المسفوح. وقال إبراهيم النخعي: ~~لا بأس بالدم في عرق أو مخ إلا المسفوح، وقال عكرمة: لولا هذه الآية ~~لتتبع المسلمون الدم من العروق ما تتبع اليهود. وقوله تعالى: { فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد } لما بين الله المحرمات في هذه الآية أباح أكلها عند ~~الاضطرار من غير بغي ولا عدوان، وفي قوله: { فإن ربك غفور رحيم } دليل ~~على الرخصة والإباحة عند الاضطرار. ### || [6.146] # قوله تعالى: { وعلى الذين هادوا } يعني اليهود { حرمنا كل ذي ظفر } قال ~~ابن عباس: هو البعير والنعامة ونحو ذلك من الدواب. وقيل كل ما لم يكن ~~مشقوق الأصابع من البهائم والطير مثل البعير والنعامة والإوز والبط. قال ~~القتيبي هو كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب وسمي الحافر ظفرا ~~على الاستعارة { ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما } يعني شحم الجوف ~~وهي الثروب وشحم الكليتين { إلا ما حملت ظهورهما } يعني إلا ما علق ~~بالظهر والجنب ms1160 من داخل بطونهما من الشحم فإنه غير محرم عليهم، وقال السدي ~~وأبو صالح: الألية مما حملت ظهورهما وهذا القول مختص بالغنم لأن البقر ~~ليس لها ألية { أو الحوايا } وهي المباعر، في قول ابن عباس وجمهور ~~المفسرين واحدتها حاوية وحوية، وقيل: الحوايا المباعر والمصارين وهي ~~الدوائر التي تكون في بطن الشاة والمعنى أن الشحم الملتصق بالمباعر ~~والمصارين غير محرم على اليهود { أو ما اختلط بعظم } يعني من شحم الألية ~~لأنه اختلط بالعصعص وكذا الشحم المختلط بالعظام التي تكون في الجنب ~~والرأس والعين فكل هذا حلال على اليهود فحاصل هذا أن الذي حرم عيلهم شحم ~~الثرب وشحم الكلية وما عدا ذلك فهو حلال عليهم ق. عن جابر بن عبد الله ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح بمكة # " " إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " فقيل يا رسول ~~الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السن ويدهن بها الجلود ويستصبح ~~بها الناس؟ فقال: " لا هو حرام " # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: # " قاتل اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه ~~" # قوله: جملوه يعني أذابوه يقال أجملت الشحم وجملته إذا أذبته وجملته أكثر ~~وأفصح. وقوله تعالى: { ذلك جزيناهم } أي ذلك التحريم جزيناهم عقوبة { ~~ببغيهم } يعني بسبب بغيهم وظلمهم وهو قتل الأنبياء وأخذ الربا واستحلالهم ~~أموال الناس بالباطل { وإنا لصادقون } يعني في الإخبار عن بغيهم وفي ~~الإخبار عن تخصيصهم بهذا التحريم. ### || [6.147-148] # { فإن كذبوك } يعني فإن كذبك اليهود يا محمد فيما أخبرناك أنا حرمنا ~~عليهم وأحللنا لهم مما بيناه في هذه الآية المتقدمة { فقل ربكم ذو رحمة ~~واسعة } يعني بتأخير العقوبة عنكم فإن رحمته تسع المسيء والمحسن فلا يعجل ~~بالعقوبة على من كفر به أو عصاه { ولا يرد بأسه } يعني ولا يرد عذابه ~~ونقمته إذا جاء وقتهما { عن القوم المجرمين } لما لزمتهم الحجة وتيقنوا ~~بطلان ما كانوا عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله أخبر الله ~~تعالى عنهم ms1161 بما سيقولونه فقال تعالى: { سيقول الذين أشركوا } يعني مشركي ~~قريش والعرب { لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا } يعني من قبل، قال ~~المفسرون: جعلوا قولهم لو شاء الله ما أشركنا حجة على إقامتهم على الكفر ~~والشرك. وقالوا: إن الله قادر على أن يحول بيننا وبين ما نحن عليه حتى لا ~~نفعله فلولا أنه رضي ما نحن عليه وأراده منا وأمرنا به لحال بيننا وبين ~~ذلك { ولا حرمنا من شيء } يعني ما حرموه من البحائر والسوائب وغير ذلك، ~~فقال الله عز وجل ردا وتكذيبا لهم { كذلك كذب الذين من قبلهم } يعني من ~~كفار الأمم الخالية الذين كانوا قبل قومك كذبوا أنبياءهم وقالوا مثل قول ~~هؤلاء { حتى ذاقوا بأسنا } يعني عذابنا. فصل استدل القدرية والمعتزلة ~~بهذه الآية فقالوا: إن القوم لما قالوا لو شاء الله ما أشركنا كذبهم الله ~~ورد عليهم بقوله { كذلك كذب الذين من قبلهم } وأيضا فإن الله تعالى حكى ~~عن هؤلاء الكفار صريح مذهب الجبرية وهو قولهم لو شاء الله منا أن لا نشرك ~~لم نشرك ولمنعنا عن هذا الكفر وحيث لم يمنعنا عنه ثبت أنه مريد له وإذا ~~أراده منا امتنع تركه منا وأجيب عن هذا بأن الله تعالى حكى عن هؤلاء ~~الكفار أنهم قالوا لو شاء الله ما أشركنا ثم ذكر عقيبة كذلك كذب الذين من ~~قبلهم وهذا التكذيب ليس هو في قولهم لو شاء الله ما أشركنا، بل ذلك القول ~~حق وصدق ولكن الكذب في قولهم إن الله أمرنا به ورضي ما نحن عليه كما أخبر ~~عنهم في سورة الأعراف # وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها # [الأعراف: 28] فرد الله تعالى عليهم بقوله # قل إن الله لا يأمر بالفحشاء # [الأعراف: 28] والدليل أن التكذيب في قولهم إن الله أمرنا بهذا ورضيه ~~منا لا في قولهم لو شاء الله ما أشركنا قوله { كذلك كذب الذين من قبلهم } ~~بالتشديد ولو كان خبرا من الله عن كذبهم في قولهم لو شاء الله ما أشركنا ~~لقال كذلك كذب ms1162 الذين من قبلهم بالتخفيف فكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى ~~التكذيب وقال الحسن بن الفضل: لو قالوا هذه المقالة تعظيما لله وإجلالا ~~له ومعرفة بحقه وبما يقولون لما عابهم بذلك، ولكنهم قالوا هذه المقالة ~~تكذيبا وجدلا من غير معرفة بالله وبما يقولون. # وقيل في معنى الآية: إنهم كانوا يقولون الحق بهذه الكلمة وهو قوله: { لو ~~شاء الله ما أشركنا } إلا أنهم كانوا يعدونه عذرا لأنفسهم ويجعلونه حجة ~~لهم في ترك الإيمان والرد عليهم في ذلك أن أمر الله بمعزل عن مشيئته ~~وإرادته فإن الله تعالى مريد لجميع الكائنات غير آخر بجميع ما يريد، فعلى ~~العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته فإن مشيئته لا تكون عذرا ~~لأحد عليه في فعله فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر ولا يرضى به ولا يأمر ~~به ومع هذا فيبعث الرسل إلى العبد ويأمر بالإيمان، وورود الأمر على خلاف ~~الإرادة غير ممتنع. فالحاصل أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة ~~الله تعالى في شركهم وكفرهم، فأخر الله تعالى أن هذا التمسك فاسد باطل ~~فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله تعالى في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء ~~عليهم السلام والله أعلم. وقوله تعالى: { قل هل عندكم من علم } أي: قل يا ~~محمد لهؤلاء المشركين القائلين لو شاء الله ما أشركنا ولكنه رضي ما نحن ~~عليه من الشرك هل عندكم يعني بدعواكم ما تدعون من علم يعني من حجة وكتاب ~~يوجب اليقين من العلم { فتخرجوه لنا } يعني فتظهروا ذلك العلم لنا ~~وتبينوه كما بينا لكم خطأ قولكم وفعلكم وتناقض ذلك واستحالته في العقول ~~{ إن تتبعون إلا الظن } يعني فيما أنتم عليه من الشرك وتحريم ما لم يحرمه ~~الله عليكم وتحسبون أنكم على حق وإنما هو باطل { وإن أنتم إلا تخرصون } ~~يعني وما أنتم في ذلك كله إلا تكذبون وتقولون على الله الباطل. ### || [6.149-151] # قوله تعالى: { قل فلله الحجة البالغة } يعني: قل يا محمد لهؤلاء ~~المشركين حين عجزوا عن إظهار علم الله أو حجة ms1163 لهم فلله الحجة البالغة ~~يعني التامة على خلقه بإنزال الكتاب وإرسال الرسل. قال الربيع بن أنس: لا ~~حجة لأحد عصى الله أو أشرك به على الله ولكن لله الحجة البالغة على عباده ~~{ فلو شاء لهداكم أجمعين } يعني فلو شاء الله لوفقكم أجمعين للهداية ~~ولكنه لم يشأ ذلك وفيه دليل على أنه تعالى لم يشأ إيمان الكافر ولو شاء ~~لهداه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون { قل هلم شهداءكم الذين يشهدون } يعني ~~هاتوا وادعوا شهداءكم. وهلم كلمة دعوة إلى الشيء يستوي فيه الواحد ~~والاثنان والجمع والذكر والأنثى وفيها لغة أخرى يقال للواحد هلم وللاثنين ~~هلما وللجمع هلموا وللأنثى هلمي واللغة الأولى أفصح { إن الله حرم هذا } ~~وهذا تنبيه من الله باستدعاء الشهود من الكافرين على تحريم ما حرموه على ~~أنفسهم وقالوا إن الله أمرنا به ليظهر أن لا شاهد لهم على ذلك وإنما ~~اختلقوه من عند أنفسهم { فإن شهدوا فلا تشهد معهم } وهذا تنبيه أيضا على ~~كونهم كاذبين في شهادتهم فلا تشهد أنت يا محمد معهم لأنهم في شهادتهم ~~كاذبون { ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا } يعني إن وقع منهم شهادة ~~فإنما هي باتباع الهوى فلا تتبع أنت يا محمد أهواءهم ولكن اتبع ما أوحي ~~إليك من كتابي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه { والذين لا ~~يؤمنون بالآخرة } أي ولا تتبع أهواء الذين لا يؤمنون بالآخرة { وهم بربهم ~~يعدلون } يعني يشركون. قوله عز وجل: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } ~~لما بين الله تعالى فساد مقالة الكفار فيما زعموا أن الله أمرهم بتحريم ~~ما حرموه على أنفسهم فكأنهم سألوا وقالوا: أي شيء حرم الله فأمر الله عز ~~وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم تعالوا تعال من الخاص ~~الذي صار عاما وأصله أن يقوله من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه ثم ~~كثر واتسع فيه حتى عم. وقيل أصله أن تدعو الإنسان إلى مكان مرتفع وهو ~~من العلو وهو ارتفاع المنزلة ms1164 فكأنه دعاه إلى ما فيه رفعة وشرف ثم كثر في ~~الاستعمال، والمعنى: تعالوا وهلموا أيها القوم أتل عليكم يعني أقرأ ما ~~حرم ربكم عليكم يعني الذي حرم ربكم عليكم حقا يقينا لا شك فيه ولا ظنا ~~ولا كذبا كما تزعمون أنتم بل هو وحي أوحاه الله إلي { ألا تشركوا به ~~شيئا }. فإن قلت: ترك الإشراك واجب فما معنى قوله أن لا تشركوا به شيئا ~~لأنه كالتفصيل لما أجمله فيقوله حرم ربكم عليكم وذلك لا يجوز. # قلت الجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أن يكون موضع أن رفع معناه هو أن ~~لا تشركوا له. الوجه الثاني: أن يكون محل النصب، واختلفوا في وجه انتصابه ~~فقيل معناه حرم عليكم أن تشركوا وتكون لا صلة. وقيل: إن حرف لا على أصلها ~~ويكون المعنى: أتل عليكم تحريم الشرك أي لا تشركوا ويكون المعنى أوصيكم ~~أن لا تشركوا لأن قوله وبالوالدين إحسانا محمول على: أوصيكم بالوالدين ~~إحسانا. الوجه الثالث: أن يكون الكلام قد تم عند قوله حرم ربكم، ثم قال: ~~عليكم أن لا تشركوا على الإغراء أو بمعنى فرض عليكم أن لا تشركوا به ~~شيئا ومعنى هذا الإشراك الذي حرمه الله ونهى عنه هو أن يجعل الله شريكه ~~من خلقه أو يطيع مخلوقا في معصية الخالق أو يريد بعبادته رياء وسمعة ~~ومنه قوله: # ولا يشرك بعبادة ربه أحدا # [الكهف: 110] وقوله عز وجل: { وبالوالدين إحسانا } أي: وفرض عليكم ~~ووصاكم بالوالدين إحسانا وإنما ثنى بالوصية بالإحسان إلى الوالدين لأن ~~اعظم النعم على الإنسان نعمة الله لأنه هو الذي أخرجه من العدم إلى ~~الوجود وخلقه وأوجده بعد أن لم يكن شيئا ثم بعد نعمة الله الوالدين ~~لأنهما السبب في وجود الإنسان ولما لهما عليه من حق التربية والشفقة ~~والحفظ من المهالك في حال صغره { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق } يعني من ~~خوف الفقر، والإملاق: الإقتار. والمراد بالقتل، وأد البنات وهن أحياء ~~فكانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية فنهاهم الله تعالى عن ذلك وحرمه عليهم ~~{ نحن نرزقكم وإياهم } يعني ms1165 لا تئدوا بناتكم خوف العيلة والفقر فإني ~~رازقكم وإياهم لأن الله تعالى إذا تكفل برزق الوالد والولد وجب على ~~الوالد القيام بحق الولد وتربيته والاتكال في أمر الرزق على الله عز وجل: ~~{ ولا تقربوا الفواحش } يعني الزنا { ما ظهر منها وما بطن } يعني علانيته ~~وسره وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأسا في ~~السر فحرم الله تعالى الزنا في السر والعلانية وقيل إن الأولى حمل لفظ ~~الفواحش على العموم في جميع الفواحش المحرمات والمنهيات فيدخل فيه الزنا ~~وغيره لأن المعنى الموجب لهذا النهي هو كونه فاحشة فحمل اللفظ على العموم ~~أولى من تخصيصه بنوع من الفواحش، وأيضا فإن السبب إذا كان خاصا لا يمنع ~~من حمل اللفظ على العموم وفي قوله ما ظهر منها وما بطن دقيقة وهي أن ~~الإنسان إذا احترز عن المعاصي في الظاهر ولم يحترز منها في الباطن دل ذلك ~~على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وطاعته فيما أمرها به أو نهى ~~عنه ولكن لأجل الخوف من رؤية الناس ومذمتهم ومن كان كذلك استحق العقاب ~~ومن ترك المعصية ظاهرا وباطنا لأجل خوف الله وتعظيما لأمره استوجب ~~رضوان الله وثوابه { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } حرم ~~الله تعالى قتل النفس إلا بالحق وقتها من جملة الفواحش المتقدم ذكرها في ~~قوله تعالى: { ولا تقربوا الفواحش } وإنما أفرد قتل النفس بالذكر تعظيما ~~لأمر القتل وإنه من أعظم الفواحش والكبائر، وقيل: إنما أفرده بالذكر لأنه ~~تعالى أراد أن يستثني منه ولا يمكن ذلك الاستثناء من جملة الفواحش إلا ~~بالإفراد فلذلك فقال: { لا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق } ~~وهي التي أبيح قتلها من ردة أو قصاص أو زنا بعد إحصان وهو الذي يوجب ~~الرجم. # ق عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا ~~بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق ms1166 للجماعة " # وقوله تعالى: { ذلكم } يعني ما ذكر من الأوامر والنواهي المحرمات { ~~وصاكم به } يعني أمركم به وأوجبه عليكم { لعلكم تعقلون } يعني لكي تفهموا ~~ما في هذه التكاليف من الفوائد والمنافع فتعملوا بها. ### || [6.152] # { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } يعني ولا تقربوا مال ~~اليتيم إلا بما فيه صلاحه وتثميره وتحصيل الربح له. قال مجاهد: هو ~~التجارة فيه وقال الضحاك: هو أن يسعى له فيه. ولا يأخذ من ربحه شيئا هذا ~~إذا كان القيم بالمال غنيا غير محتاج فلو كان الوصي فقيرا فله أن يأكل ~~بالمعروف { حتى يبلغ أشده } يعني احفظوا مال اليتيم إلى أن يبلغ أشده ~~فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه ماله. فأما الأشد فهو استحكام قوة الشباب ~~والسن حتى يتناهى في الشاب إلى حد الرجال. قال الشعبي ومالك: لأشد الحلم ~~حين تكتب له الحسنات وتكتب عليه السيئات. وقال أبو العالية: حتى يعقل ~~وتجتمع قوته. وقال الكلبي: الأشد هو ما بين ثمان عشرة سنة إلى ثلاثين سنة ~~وقيل إلى أربعين وقيل إلى ستين سنة وقال الضحاك: الأشد عشرون سنة، وقال ~~السدي: الأشد ثلاثون سنة وقال مجاهد: الأشد ثلاث وثلاثون سنة وهذه ~~الأقوال التي نقلت عن المفسرين في هذه الآية إنما هي نهاية الأشد لا ~~ابتداؤه. والمراد بالأشد في هذه الآية. هو ابتداء بلوغ الحلم مع إيناس ~~الرشد وهذا هو المختار في تفسير هذه الآية. وقوله تعالى: { وأوفوا الكيل ~~والميزان بالقسط } يعني بالعدل من غير زيادة ولا نقصان { لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها } يعني طاقتها وما يسعها في إيفاء الكيل والميزان وإتمامه. لم ~~يكلف المعطي أن يعطي أكثر مما وجب عليه ولم يكلف صاحب الحق الرضا بأقل من ~~حقه حتى لا تضيق نفسه عنه، بل أمر كل واحد بما يسعه مما لا حرج عليه فيه ~~{ وإذا قلتم فاعدلوا } يعني في الحكم والشهادة { ولو كان ذا قربى } يعني ~~المحكوم عليه وكذا المشهود عليه، وقيل: إن الأمر بالعدل في القول هو أعم ~~من الحكم والشهادة، بل يدخل فيه كل قول حتى ms1167 الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر من غير زيادة فيه ولا نقصان وأداء الأمانة وغير ذلك من جميع ~~الأقوال التي يعتمد فيها العدل والصدق { وبعهد الله أوفوا } يعني ما عهد ~~إلى عباده ووصاهم به وأوجبه عليهم أو ما أوجبه الإنسان على نفسه كنذر ~~ونحوه فيجب الوفاء به { ذلكم } يعني الذي ذكر في هذه الآيات { وصاكم به } ~~يعني بالعمل به { لعلكم تذكرون } يعني لعلكم تتعظون وتتذكرون فتأخذون ما ~~أمرتكم به. ### || [6.153-154] # قوله عز وجل { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه } يعني وأن هذا الذي ~~وصيتكم به وأمرتكم به في هاتين الآيتين هو صراطي يعني طريقي وديني الذي ~~ارتضيته لعبادي مستقيما يعني قويما لا اعوجاج فيه فاتبعوه ويعني ~~فاعملوا به. وقيل: إن الله تعالى لما بين في الآيتين المتقدمتين ما وصى ~~به مفصلا أجمله في هذه الآية إجمالا يقتضي دخول جميع ما تقدم ذكره فيه ~~ويدخل فيه أيضا جميع أحكام الشريعة وكل ما بينه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من دين الإسلام هو المنهج القويم والصراط المستقيم والدين الذي ~~ارتضاه الله لعباده المؤمنين وأمرهم باتباع جملته وتفصيله { ولا تتبعوا ~~السبل } يعني الطرق المختلفة والأهواء المضلة والبدع الرديئة وقيل السبل ~~المختلفة مثل: اليهودية والنصرانية وسائر الملل والأديان المخالفة لدين ~~الإسلام { فتفرق بكم عن سبيله } يعني فتميل بكم هذه الطرق المختلفة ~~المضلة عن دينه وطريقه الذي ارتضاه لعباده، روى البغوي بسنده # " عن ابن مسعود قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال: ~~هذا سبيل الله. ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال: هذه سبل على كل ~~سبيل منها شيطان يدعو إليه وقرأ { وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل } " # الآية { ذلكم وصاكم به } يعني باتباع دينه وصراطه الذي لا اعوجاج فيه { ~~لعلكم تتقون } يعني الطرق المختلفة والسبل المضلة. قال ابن عباس: هذه ~~الآيات محكمات في جميع الكتب لم ينسخهن شيء وهن من محرمات على بني آدم ~~كلهم وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار. ms1168 وعن ابن ~~مسعود قال: من سره أن ينظر إلى الصحيفة التي عليها خاتم محمد صلى الله ~~عليه وسلم فليقرأ هؤلاء الآيات # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151] الآيات - إلى قوله - # لعلكم تتقون # [الأنعام: 153] أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. قوله تعالى: { ثم ~~آتينا موسى الكتاب } يعني التوراة. فإن قلت إتيان موسى الكتاب كان قبل ~~نزول القرآن وحرف ثم للتعقيب فما معنى ذلك؟ قلت دخلت ثم لتأخير الخير لا ~~لتأخير النزول والمعنى # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 153] وهو كذا وكذا إلى قوله تعالى لعلكم تتقون ثم أخبركم أنا ~~آتينا موسى الكتاب وقيل إن المحرمات المذكورة في قوله تعالى: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 153] محرمات على جميع الأمم وجميع الشرائع فتقدير الكلام: ~~ذلك وصاكم به يا بني آدم قديما وحديثا ثم بعد ذلك آتينا موسى الكتاب ~~يعني بعد إيجاب هذه المحرمات وقيل معناه # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 153] ثم قال بعد ذلك يا محمد إنا آتينا موسى الكتاب فحذف ~~لفظة قل لدلالة الكلام عليها. # وقوله تعالى: { تماما على الذي أحسن } اختلف أهل التفسير فيه فقيل ~~معناه تماما على المحسنين من قومه فيكون الذي بمعنى أي تماما على من ~~أحسن من قومه لأنه كان منهم محسن ومسيء وعلى قراءة ابن مسعود تماما على ~~الذين أحسنوا، وقيل: معناه تماما على كل من أحسن أي أتممنا فضيلة موسى ~~على المحسنين وهم الأنبياء والمؤمنون أي أتممنا فضله عليهم بالكتاب، ~~وقيل: الذي أحسن هو موسى فيكون الذي بمعنى ما أي على ما أحسن وتقديره ~~وآتينا موسى الكتاب إتماما للنعمة عليه لإحسانه في الطاعة والعبادة ~~وتبليغ الرسالة وأداء الأمر. وقيل الإحسان بمعنى العلم وتقديره آتينا ~~موسى الكتاب تماما على الذي أحسن موسى من العلم والحكمة زيادة له على ~~ذلك وقيل معناه تماما مني على إحساني إلى موسى { وتفصيلا لكل شيء } ~~يعني: وفيه بيان لكل شيء يحتاج إليه من شرائع الدين وأحكامه { وهدى } ~~يعني: وفيه هدى من الضلالة ms1169 { ورحمة } يعني: إنزاله عليهم رحمة مني عليهم ~~{ لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون } قال ابن عباس: لكي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا ~~بالثواب والعقاب. ### || [6.155-157] # قوله عز وجل: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك } يعني: القرآن لأنه كثير الخير ~~والنفع والبركة ولا يتطرق إليه نسخ { فاتبعوه } يعني: فاعملوا بما فيه من ~~الأوامر والنواهي والأحكام { واتقوا } يعني مخالفته { لعلكم ترحمون } ~~يعني: ليكن الغرض بالتقوى رحمة الله وقيل معناه لكي ترحموا على جزاء ~~التقوى { أن تقولوا } يعني لئلا تقولوا وقيل معناه كراهية أن تقولوا يعني ~~أنزلنا إليكم الكتاب كراهية أن تقولوا { إنما أنزل الكتاب } وقيل: يجوز ~~أن تكون أن متعلقة بما قبلها فيكون المعنى واتقوا أن تقولوا وهذا خطاب ~~لأهل مكة والمعنى واتقوا يا أهل مكة أن تقولوا إنما أنزل الكتاب والكتاب ~~اسم جنس لأن المراد به التوراة والإنجيل { على طائفتين من قبلنا } يعني ~~اليهود والنصارى { وإن كنا } أي: وقد كنا وقيل وإنه كنا { عن دراستهم } ~~يعني قراءتهم { لغافلين } يعني: لا علم لنا بما فيها لأنها ليست بلغتنا. ~~والمراد بهذه الآية إثبات الحجة على أهل مكة وقطع عذرهم بإنزال القرآن ~~على محمد صلى الله عليه وسلم بلغتهم والمعنى: وأنزلنا القرآن بلغتهم لئلا ~~يقولوا يوم القيامة إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا ~~بلسانهم ولغتهم فلم نعرف ما فيهما فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم ~~بلغتهم { أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم } وذلك أن ~~جماعة من الكفار قالوا لو أنزل علينا ما أنزله على اليهود والنصارى لكنا ~~خيرا منهم وأهدى وإنما قالوا ذلك لاعتمادهم على صحة عقولهم وجودة فطنهم ~~وذهنهم قال الله عز وجل: { فقد جاءكم بينة من ربكم } وهو رحمة ونعمة أنعم ~~الله بها عليكم { فمن أظلم } أي لا أحد أظلم أو أكفر { ممن كذب بآيات ~~الله وصدف عنها } يعني وأعرض عنها { سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء ~~العذاب } يعني أسوأ العذاب وأشده { بما كانوا يصدفون } أي ذلك العذاب ~~جزاؤهم بسبب إعراضهم وتكذيبهم بآيات الله. ### || [6.158] # قوله تعالى: { هل ينظرون } يعني: هل ينتظر ms1170 هؤلاء بعد تكذيبهم الرسل ~~وإنكارهم القرآن وصدهم عن آيات الله وهو استفهام معناه النفي وتقديره ~~الآية أنهم لا يؤمنون بك إلا إذا جاءتهم إحدى هذه الأمور الثلاث فإذا ~~جاءتهم إحداها آمنوا وذلك حين لا ينفعهم إيمانهم { إلا أن تأتيهم ~~الملائكة } يعني: لقبض أرواحهم وقيل أن تأتيهم بالعذاب { أو يأتي ربك } ~~يعني: للحكم وفصل القضاء بين الخلق يوم القيامة وقد تقدم الكلام في معنى ~~الآية في سورة البقرة عند قوله # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام # [الأنعام: 210] بما فيه كفاية وإن المجيء والذهاب على الله لمحال فيجب ~~إمرارها بلا تكييف { أو يأتي بعض آيات ربك } قال جمهور المفسرين: هو طلوع ~~الشمس من مغربها، ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل طلوع الشمس ~~من مغربها والدجال ودابة الأرض " # أخرجه مسلم. عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله # " { يوم يأتي بعض آيات ربك } قال: " طلوع الشمس من مغربها " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب م عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال # " من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه " # عن صفوان بن عسال المرادي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " باب من قبل المغرب مسيرة عرضه أو قال يسير الراكب في عرضه أربعين أو ~~سبعين سنة خلقه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض مفتوحا للتوبة لا ~~يغلق حتى تطلع الشمس منه " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. ق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن من ~~عليها " # وفي رواية # " فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها ~~لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا " # م عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال # " اطلع رسول ms1171 الله صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال ما تذكرون ~~قلنا الساعة فقال " إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر: الدخان ~~والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم وثلاث خسوف ~~خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تطرد الناس إلى ~~محشرهم " # م عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " بادروا بالأعمال قبل ست: طلوع الشمس من مغربها والدخان والدجال ~~والدابة وخويصة أحدكم وأمر العامة " # م عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حديثا لم أنسه بعد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ~~ضحى وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا " # وروى الطبري بسنده عن عبد الله بن مسعود في تفسير هذه الآية قال: # " تصبحون والشمس والقمر من ها هنا من قبل المغرب كالبعيرين القرينين " # زاد في رواية عنه # " فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا " # وبسنده عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما # " أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إنها تذهب ~~إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي من ~~حيث جئت فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش ~~فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي فارجعي من حيث جئت فتصبح ~~طالعة من مطلعها لا تنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي فتخر ساجدة في ~~مستقرها تحت العرش فيقال لها اطلعي من مغربك فتصبح طالعة من مغربها " # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أتدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال ذلك يوم لا ينفع ~~نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا " # وبسنده # " عن أبي ذر قال: ms1172 كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على حمار " ~~فنظر إلى الشمس حين غربت فقال إنها تغرب في عين حمئة تنطلق حتى تخر لربها ~~ساجدة تحت العرش حتى يأذن لها فإذا أراد أن يطلعها من مغربها حبسها فتقول ~~يا رب إن مسيري بعيد فيقول لها اطلعي من حيث غربت فذلك حين لا ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل " # وروي بسنده عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية من ~~العشيات فقال لهم # " " عباد الله توبوا إلى الله قبل أن يأتيكم بعذاب فإنكم توشكون أن تروا ~~الشمس من قبل المغرب فإذا فعلت حبست التوبة وطوي العمل " فقال الناس: هل ~~لذلك من آية يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن آية ~~تلك الليلة أن تطول كقدر ثلاث ليال فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون له ~~ثم يقضون صلاتهم والليل مكانه لم ينقص ثم يأتون مضاجعهم فينامون حتى إذا ~~استيقظوا والليل مكانه فإذا رأوا ذلك خافوا أن يكون ذلك بين يدي أمر عظيم ~~فإذا أصبحوا فطال عليهم رأت أعينهم طلوع الشمس فبينما هم ينظرونها إذ ~~طلعت عليهم من قبل المغرب فإذا فعلت ذلك لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن ~~آمنت من قبل " # قال ابن عباس: لا ينفع مشركا إيمانه عند الآيات وينفع أهل الإيمان عند ~~الآيات إن كانوا اكتسبوا خيرا قبل ذلك. وقال ابن الجوزي قيل إن الحكمة ~~في طلوع الشمس من مغربها أن الملحدة المنجمين زعموا أن ذلك لا يكون ~~فيريهم الله قدرته فيطلعها من المغرب كما أطلعها من المشرق فيتحقق عجزهم ~~وقيل بل ذلك بعض الآيات الثلاثة: الدابة ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من ~~مغربها. يروى عن ابن مسعود أنه قال: التوبة معروضة على ابن آدم إن قبلها ~~ما لم تخرج إحدى ثلاث: الدابة وطلوع الشمس من مغربها أو يأجوج ومأجوج. ~~ويروى عن عائشة قالت: إذا خرج أول الآيات طرحت التوبة وحبست الحفظة وشهدت ~~الأجساد على الأعمال. ويروى عن أبي هريرة ms1173 في قوله تعالى أو يأتي بعض ~~الآيات ربك قال هي مجموع الآيات الثلاث: طلوع الشمس من مغربها والدجال ~~ودابة الأرض ورواه مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض " # وأصح الأقوال في ذلك ما تظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة وثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه طلوع الشمس من مغربها وقوله تعالى: { يوم يأتي بعض ~~آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل } يعني لا ينفع من ~~كان مشركا إيمانه ولا تقبل توبة فاسق عند ظهور هذه الآية العظيمة التي ~~تضطرهم إلى الإيمان والتوبة { أو كسبت في إيمانها خيرا } يعني أو عملت ~~قبل ظهور هذه الآية خيرا من عمل صالح وتصديق. قال الضحاك: من أدركه بعض ~~الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه قبل الله منه العمل الصالح بعد نزول ~~الآية كما قبل منه قبل ذلك فأما من آمن من شرك أو تاب من معصية عند ظهور ~~هذه الآية فلا يقبل منه لأنها حالة اضطرار كما لو أرسل الله عذابا على ~~أمة فآمنوا وصدقوا فإنها لا ينفعهم إيمانهم ذلك لمعاينتهم الأهوال ~~والشدائد التي تضطرهم إلى الإيمان والتوبة وقوله { قل انتظروا } يعني ما ~~وعدتم به من مجيء الآية ففيه وعيد وتهديد { إنا منتظرون } يعني ما وعدكم ~~ربكم من العذاب يوم القيامة أو قبله في الدنيا. قال بعض المفسرين: وهذا ~~إنما ينتظره من تأخر في الوجود من المشركين والمكذبين لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم إلى ذلك الوقت والمراد بهذا أن المشركين إنما يمهلون قدر مدة ~~الدنيا فإذا ماتوا أو ظهرت الآيات لم ينفعهم الإيمان وحلت بهم العقوبة ~~اللازمة أبدا. وقيل إن قوله { قل انتظروا إنا منتظرون } المراد به الكف ~~عن قتال الكفار فتكون الآية منسوخة بآية القتال وعلى القول الأول تكون ~~الآية محكمة. ### || [6.159] # قوله عز وجل: { إن الذين فرقوا } وقرئ فارقوا { دينهم وكانوا شيعا ms1174 } ~~عنى أحزابا متفرقة في الضلالة ومعنى فرقوا دينهم أنهم لم يجتمعوا عليه ~~وكانوا مختلفين فيه فمن قرأ وفرقوا دينهم يعني جعلوا دينهم وهو دين ~~إبراهيم الحنيفية السهلة أديانا مختلفة كاليهودية والنصرانية وعبادة ~~الأصنام ونحو ذلك من الأديان المختلفة، ومن قرأ فارقوا دينهم قال: معناه ~~باينوه وتركوه من المفارقة للشيء. وقيل: إن معنى القراءتين يرجع إلى شيء ~~واحد في الحقيقة وهو أن من فرق دينه فأمر ببعض وأنكر بعضا فارق دينه في ~~الحقيقة ثم اختلفوا في المعنى بهذه الآية، فقال الحسن: هم جميع المشركين ~~لأن بعضهم عبدوا الأصنام وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله وبعضهم عبدوا ~~الملائكة وقالوا إنهم بنات الله وبعضهم عبدوا الكواكب فكان هذا تفريق ~~دينهم. وقال مجاهد: هم اليهود. وقال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك: هم ~~اليهود والنصارى لأنهم فرقوا فكانوا فرقا مختلفة. وقال أبو هريرة في هذه ~~الآية هم أهل الضلالة من هذه الأمة وروى ذلك مراوعا قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء وليسوا منك هم أهل ~~البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة " # أسنده الطبري، فعلى هذا يكون المراد من هذه الآية الحث على أن تكون كلمة ~~المسلمين واحدة وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع المضلة. وروي ~~عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: # " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع والأهواء من هذه ~~الأمة " # ذكره البغوي بغير سند # " عن العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ~~يوم ثم أقبل بوجهه علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها ~~القلوب فقال رجل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ ~~فقال: " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليك عبد حبشي فإنه ~~من يعيش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات ~~الأمور فإن كل ms1175 محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " # أخرجه أبو داود والترمذي # " عن معاوية قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " ألا إن ~~من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة وإن هذه الأمة ~~ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة " # وهي الجماعة " زاد في رواية " # " وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه ~~لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله " # أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وستفترق أمتي على ثلاث ~~وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال من ~~كان على ما أنا عليه وأصحابي " # أخرجه الترمذي. قال الخطابي في هذا الحديث دلالة على أن هذه الفرق غير ~~خارجة من الملة والدين إذ جعلهم من أمته. وقوله تتجارى بهم الأهواء كما ~~يتجارى الكلب بصاحبه، التجاري تفاعل من الجري وهو الوقوع في الأهواء ~~الفاسدة والبدع المضلة تشبيها بجري الفرس والكلب. قال ابن مسعود " إن ~~أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر ~~الأمور محدثاتها " ورواه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا. ~~وقوله تعالى: { لست منهم في شيء } يعني: في قتال الكفار فعلى هذا تكون ~~الآية منسوخة بآية القتال وهذا على قول من يقول إن المراد من الآية ~~اليهود والنصارى والكفار، ومن قال: المراد من الآية أهل الأهواء والبدع ~~من هذه الأمة قال: معناه لست منهم في شيء أي أنت منهم بريء وهم منك برآء. ~~تقول العرب إن فعلت كذا فلست منك ولست مني أي كل واحد منا بريء من صاحبه ~~{ إنما أمرهم إلى الله } يعني في الجزاء والمكافأة { ثم ينبئهم بما كانوا ~~يفعلون } يعني إذا وردوا القيامة ### || [6.160-163] # قوله تعالى: { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها } يعني مثلها ms1176 في مقابلتها واختلفوا في هذه الحسنة والسيئة على ~~قولين: أحدهما: أن الحسنة قول لا إله إلا الله والسيئة هي الشرك بالله، ~~وأورد على هذا القول: إن كلمة التوحيد لا مثل لها حتى يجعل جزاء قائلها ~~عشر أمثالها وأجيب عنه بأن جزاء الحسنة قدر معلوم عند الله فهل يجازى على ~~قدر إيمان المؤمن بما يشاء من الجزاء وإنما قال عشر أمثالها للترغيب في ~~الإيمان لا للتحديد وكذلك جزاء السيئة بمثلها من جنسها. والقول الثاني: ~~إن اللفظ عام في كل حسنة يعملها العبد أو سيئة، وهذا أولى. لأن حمل اللفظ ~~على العموم أولى قال بعضهم: التقدير بالعشرة ليس التحديد لأن الله يضاعف ~~لمن يشاء في حسناته إلى سبعمائة ويعطي من يشاء بغير حساب وإعطاء الثواب ~~لعامل الحسنة فضل من الله تعالى هذا مذهب أهل السنة وجزاء السيئة بمثلها ~~عدل منه سبحانه وتعالى وهو قوله تعالى: { وهم لا يظلمون } يعني لا ينقص ~~من ثواب الطائع ولا يزاد على عذاب العاصي ق عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى ~~سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله تعالى " # م عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يقول الله تبارك وتعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد من جاء ~~بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ~~ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ومن ~~لقيني بقراب الأرض خطيئة بعد أن لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة " # ق عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " يقول الله تبارك وتعالى وإذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه ~~حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها وإن ترك من أجلي فاكتبوها له حسنة ~~وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له ms1177 حسنة فإن عملها فاكتبوها ~~له بعشر أمثالها إلى سبعمائة " # لفظ البخاري وفي لفظ مسلم عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " قال الله تبارك وتعالى إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له ~~حسنة ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها وإذا تحدث ~~عبدي بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها ~~له بمثلها " # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال: ~~ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة فإنما ~~تركها من أجلي " # زاد الترمذي: من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها. قوله عز وجل: { قل } ~~يعني: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك { إنني هداني ربي إلى صراط ~~مستقيم } يعني: قل لهم إنني أرشدني ربي إلى الطريق القويم وهو دين ~~الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين { دينا قيما } يعني هداني ~~صراطا مستقيما دينا قيما، وقيل: يحتمل أن يكون محمولا على المعنى ~~تقديره: وعرفني دينا قيما يعني دينا مستقيما لا اعوجاج فيه ولا زيغ، ~~وقيل: قيما ثابتا مقوما لأمور معاشي ومعادي، وقيل: هو من قام وهو أبلغ ~~من القائم { ملة إبراهيم } والملة بالكسر الدين والشريعة. يعني هداني ~~وعرفني دين إبراهيم وشريعته { حنيفا } الأصل في الحنيف الميل وهو ميل عن ~~الضلالة إلى الاستقامة والعرب تسمي كل من اختتن أو حج حنيفا تنبيها على ~~أنه دين إبراهيم عليه السلام { وما كان من المشركين } يعني إبراهيم عليه ~~السلام وفيه رد على كفار قريش لأنهم يزعمون أنهم على دين إبراهيم فأخبر ~~الله تعالى أن إبراهيم لم يكن من المشركين وممن يعبد الأصنام { قل إن ~~صلاتي } أي: قل يا محمد إن صلاتي { ونسكي } قال مجاهد وسعيد بن جبير ~~والضحاك والسدي: أراد بالنسك في هذا الموضع الذبيحة في الحج والعمرة، ~~وقيل: النسك العبادة والناسك العابد. وقيل: المناسك أعمال الحج. وقيل: ~~النسك كل ما يتقرب به إلى الله تعالى من صلاة ms1178 وحج وذبح وعبادة. ونقل ~~الواحدي عن أبي الأعرابي قال: النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة ~~وقيل للمتعبد ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة ~~من الخبث. وفي قوله إن صلاتي ونسكي دليل على أن جميع العبادات يؤديها ~~العبد على الإخلاص لله ويؤكد هذا قوله لله رب العالمين لا شريك له وفيه ~~دليل على أن جميع العبادات لا تؤدى إلا على وجه التمام والكمال لأن ما ~~كان لله لا ينبغي أن يكون إلا كاملا تاما مع إخلاص العبادة له فما كان ~~بهذه الصفة من العبادات كان مقبولا { ومحياي ومماتي } أي حياتي وموتي ~~بخلق الله وقضائه وقدره أي هو يحييني ويميتني وقيل معناه إن محياي بالعمل ~~الصالح ومماتي إذا مت على الإيمان لله، وقيل: معناه إن طاعتي في حياتي ~~لله وجزائي بعد مماتي من الله وحاصل هذا الكلام له أن الله أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يبين أن صلاته ونسكه وسائر عباداته وحياته وموته ~~كلها واقعة بخلق الله وقضائه وقدره وهو المراد بقوله { لله رب العالمين ~~لا شريك له } يعني في العبادة والخلق والقضاء والقدر وسائر أفعاله لا ~~يشاركه فيها أحد من خلقه { وبذلك أمرت } يعني: قل يا محمد وبهذا التوحيد ~~أمرت { وأنا أول المسلمين } قال قتادة: يعني من هذه الأمة وقيل معناه ~~وأنا أول المستسلمين لقضائه وقدره. ### || [6.164-165] # قوله عز وجل: { قل أغير الله أبغي ربا } أي: قل يا محمد لهؤلاء الكفار ~~من قومك أغير الله أطلب سيدا أو إلها { وهو رب كل شيء } يعني وهو سيد ~~كل شيء ومالكه لا يشاركه فيه أحد وذلك أن الكفار قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ارجع إلى ديننا. قال ابن عباس: كان الوليد بن المغيرة يقول ~~اتبعوا سبيلي أحمل عنكم أوزاركم فقال الله عز وجل ردا عليه { ولا تكسب ~~كل نفس إلا عليها } يعني أن إثم الجاني عليه لا على غيره { ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى } يعني لا تؤاخذ نفس آثمة بإثم أخرى ولا تحمل نفس ms1179 حاملة حمل ~~أخرى ولا يؤاخذ أحد بذنب آخر { ثم إلى ربكم مرجعكم } يعني يوم القيامة { ~~فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } يعني في الدنيا من الأديان والملل. قوله ~~تعالى: { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } يعني: والله الذي جعلكم يا أمة ~~محمد خلائف في الأرض فإن الله أهلك من كان قبلكم من الأمم الخالية ~~واستخلفكم فجعلكم خلائف منهم في الأرض تخلفونهم فيها وتعمرونها بعدهم ~~وذلك لأن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وهو آخرهم وأمته آخر ~~الأمم { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } يعني أنه تعالى خالف بين أحوال عباده ~~فجعل بعضهم فوق بعض في الخلق والرزق والشرف والعقل والقوة والفضل فجعل ~~منهم الحسن والقبيح والغني والفقير والشريف والوضيع والعالم والجاهل ~~والقوي والضعيف وهذا التفاوت بين الخلق في الدرجات ليس لأجل العجز أو ~~الجهل أو البخل فإن الله سبحانه وتعالى منزه عن صفات النقص وإنما هو لأجل ~~الابتلاء والامتحان وهو قوله تعالى: { ليبلوكم في ما آتاكم } يعني ~~يعاملكم معاملة المبتلي والمختبر وهو أعلم بأحوال عباده. والمعنى: يبتلي ~~الغني بغناه والفقير بفقره والشريف بشرفه والوضيع بدناءته والعبد والحر ~~وغيرهم من جميع أصناف خلقه ليظهر منكم ما يكون عليه الثواب والعقاب، لأن ~~العبد إما أن يكون مقصرا فيما كلف به وإما أن يكون موفيا ما أمره به ~~فإن كان مقصرا كان نصيبه التخويف والترغيب وهو قوله تعالى: { إن ربك ~~سريع العقاب } يعني لأعدائه بإهلاكهم في الدنيا وإنما وصف العقاب بالسرعة ~~لأن كل ما هو آت فهو قريب إن كان العبد موفيا حقوق الله تعالى فيما أمره ~~به أو نهاه عنه كان نصيبه الترغيب والتشريف والتكريم وهو قوله تعالى: { ~~وإنه لغفور } يعني لذنوب أوليائه وأهل طاعته { رحيم } يعني بجميع خلقه ~~والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1] # بسم الله الرحمان الرحيم قوله عز وجل { المص } قال ابن ~~عباس: معناه أنا الله أفصل وعنه أنا الله أعلم وأفصل وعنه أن المص قسم ~~أقسم الله به وهو اسم من أسماء الله تعالى، وقال قتادة: المص ms1180 اسم من ~~أسماء القرآن، وقال الحسن: هو اسم للسورة، وقال السدي: هو بعض اسمه تعالى ~~المصور، وقال أبو العالية: الألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه لطيف ~~والميم مفتاح اسمه مجيد والصاد مفتاح اسمه صادق وصبور. وقيل: هي حروف ~~مقطعة استأثر الله تعالى بعلمها وهي سره في كتابه العزيز، وقيل: هي حروف ~~اسمه الأعظم وقيل هي حروف تحتوي معاني دل الله بها خلقه على مراده وقد ~~تقدم بسط الكلام على معاني الحروف المقطعة أوائل السور في أول سورة ~~البقرة. ### || [7.2-6] # وقوله تعالى { كتاب أنزل إليك } يعني هذا كتاب أنزله الله إليك يا محمد ~~وهو القرآن { فلا يكن في صدرك حرج منه } يعني: فلا يضيق صدرك بالإبلاغ ~~وتأدية ما أرسلت به إلى الناس { لتنذر به } يعني: أنزلت إليك الكتاب يا ~~محمد لتنذر به من أمرتك بإنذاره { وذكرى للمؤمنين } يعني: ولتذكر وتعظ به ~~المؤمنين وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم، تقديره: كتاب أنزلناه إليك ~~لتنذر به وذكر للمؤمنين فلا يكن في صدرك حرج منه. قال ابن عباس: فلا تكن ~~في شك منه لأن الشك لا يكون إلا من ضيق الصدر وقلة الاتساع لتوجيه ما حصل ~~له. قوله تعالى: { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } أي: قل يا محمد لقومك ~~اتبعوا أيها الناس ما أنزل إليكم من ربكم يعني من القرآن الذي فيه الهدى ~~والنور والبيان. قال الحسن: يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة محمد ~~صلى الله عليه وسلم والله ما نزلت آية إلا ويجب أن تعلم فيما أنزلت وما ~~معناها، وبنحو هذا قال الزجاج: أي اتبعوا القرآن وما أتى به النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإنه مما أنزل لقوله تعالى: # وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا # [الحشر: 7] ومعنى الآية أن الله تعالى لما أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالإنذار في قوله لتنذر به كان معنى الكلام أنذر القوم # اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم # [الأعراف: 3] واتركوا ما أنتم عليه من الكفر والشرك، وقيل: معناه لتنذر ~~به ms1181 وتذكر به المؤمنين فتقول لهم # اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم # [الأعراف:]، وقيل: هو خطاب للكفار أي اتبعوا أيها المشركون ما أنزل ~~إليكم من ربكم واتركوا ما أنتم عليه من الكفر والشرك ويدل عليه قوله ~~تعالى: { ولا تتبعوا من دونه أولياء } يعني ولا تتخذوا الذين يدعونكم إلى ~~الكفر والشرك فتتبعوهم. والمعنى: ولا تتولوا من دونه شياطين الإنس والجن ~~فيأمروكم بعبادة الأصنام واتباع البدع والأهواء الفاسدة { قليلا ما ~~تذكرون } يعني ما تتعظون إلا قليلا. قوله تعالى: { وكم من قرية أهلكناها ~~} لما أمر الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإنذار والإبلاغ، وأمر ~~أمته باتباع ما أنزله إليهم حذرهم نقمته وبأسه إن لم يتبعوا ما أمروا به ~~فذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة والإعراض عن أمره من الوعيد فقال ~~تعالى: { وكم من قرية أهلكناها } ، قيل: فيه حذف تقديره وكم من أهل قرية ~~لأن المقصود بالإهلاك أهل القرية لا القرية، وقيل: ليس فيه حذف لأن إهلاك ~~القرية إهلاك لأهلها { فجاءها بأسنا } يعني عذابنا. فإن قلت مجيء البأس ~~وهو العذاب إنما يكون قبل الإهلاك فكيف قال أهلكناها فجاءها بأسنا؟ قلت: ~~معناه وكم من قرية حكمنا بإهلاكها فجاءها بأسنا. # وقال الفراء: الهلاك والبأس قد يقعان معا كما يقال أعطيتني فأحسنت إلي ~~فلم يكن الإحسان قبل الإعطاء ولا بعده وإنما وقعا معا. وقال غيره: لا ~~فرق بين قولك أعطيتني فأحسنت إلي أو أحسنت إلي فأعطيتني فيكون أحدهما ~~بدلا من الآخر { بياتا } يعني فجاءها عذابنا ليلا قبل أن يصبحوا { أو ~~هم قائلون } من القيلولة وهي نوم نصف النهار أو استراحة نصف النهار وإن ~~لم يكن معها نوم والمعنى فجاءها بأسنا غفلة وهم غير متوقعين له ليلا وهم ~~نائمون أو نهارا وهم قائلون وقت الظهيرة وكل ذلك وقت الغفلة. ومقصود ~~الآية أنه جاءهم العذاب على حين غفلة منهم من غير تقدم أمارة تدلهم على ~~وقت نزول العذاب وفيه وعيد وتخويف للكفار كأنه قيل لهم لا تغتروا بأسباب ~~الأمن والراحة فإن عذاب الله إذا نزل نزل دفعة ms1182 واحدة { فما كان دعواهم } ~~يعني فما كان دعاء أهل القرية التي جاءها بأسنا والدعوى تكون بمعنى ~~الادعاء وبمعنى الدعاء، قال سيبويه: تقول العرب اللهم أشركنا في صالح ~~دعوى المؤمنين ومنه قوله تعالى: # دعواهم فيها سبحانك اللهم # [يونس: 10] { إذ جاءهم بأسنا } يعني عذابنا { إلا أن قالوا إنا كنا ~~ظالمين } يعني أنهم لم يقدروا على رد العذاب عنهم وكان حاصل أمرهم ~~الاعتراف بالجناية وذلك حين لا ينفع الاعتراف { فلنسألن الذين أرسل إليهم ~~} يعني: نسأل الأمم الذين أرسلنا إليهم الرسل ماذا عملتم فيما جاءتكم به ~~الرسل { ولنسألن المرسلين } يعني ولنسألن الرسل الذين أرسلناهم إلى الأمم ~~هل بلغتم رسالاتنا وأديتم إلى الأمم ما أمرتم بتأديته إليهم أم قصرتم في ~~ذلك. قال ابن عباس رضي الله عنهما في معنى هذه الآية: يسأل الله تعالى ~~الناس عما أجابوا به المرسلين ويسأل المرسلين عما بلغوا وعنه أنه قال ~~يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون. وقال السدي: يسأل ~~الأمم ماذا عملوا فما جاءت به الرسل ويسأل الرسل هل بلغوا ما أرسلوا ~~به. فإن قلت: قد أخبر عنهم في الآية الأولى بأنهم اعترفوا على أنفسهم ~~بالظلم في قوله إنا كنا ظالمين فما فائدة هذا السؤال مع اعترافهم على ~~أنفسهم بذلك؟ قلت: لما اعترفوا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك ~~عن سبب هذا الظلم والتقصير والمقصود من هذا التقريع والتوبيخ للكفار. فإن ~~قلت: فما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنهم قد بلغوا رسالات ربهم إلى ~~من أرسلنا إليهم من الأمم؟ قلت: إذا كان يوم القيامة أنكر الكفار تبليغ ~~الرسالة من الرسل فقالوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فكان مسألة الرسل على ~~وجه الاستشهاد بهم على من أرسلوا إليهم من الأمم أنهم قد بلغوا رسالات ~~ربهم إلى من أرسلوا إليه من الأمم فتكون هذه المسألة كالتقريع والتوبيخ ~~للكفار أيضا لأنهم أنكروا تبليغ الرسل فيزداد بذلك خزيهم وهوانهم ~~وعذابهم. ### || [7.7-9] # وقوله تعالى: { فلنقصن عليهم بعلم } يعني: فلنخبرن الرسل ومن أرسلوا ~~إليهم بعلم ويقين بما عملوا في الدنيا ms1183 { وما كنا غائبين } يعني عنهم وعن ~~أفعالهم وعن الرسل فيما بلغوا وعن الأمم فيما أجابوا. فإن قلت كيف الجمع ~~بين قوله تعالى: # فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين # [الأعراف: 6] وبين قوله { فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين } وإذا كان ~~عالما فما فائدة هذا السؤال؟ قلت: فائدة سؤال الأمم والرسل مع علمه ~~سبحانه وتعالى بجميع المعلومات، التقريع، والتوبيخ للكفار لأنهم إذ أقروا ~~على أنفسهم كان أبلغ في المقصود، فأما سؤال الاسترشاد والاستثبات، فهو ~~منفي عن الله عز وجل، لأنه عالم بجميع الأشياء قبل كونها وفي حال كونها ~~وبعد كونها، فهو العالم بالكليات، والجزئيات، وعلمه بظاهر الأشياء كعلمه ~~بباطنها. قوله تعالى: { والوزن يومئذ الحق } يعني والوزن يوم سؤال الأمم ~~والرسل وهو يوم القيامة العدل، وقال مجاهد: المراد بالوزن هنا القضاء، ~~ومعنى الحق العدل. وذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بالوزن وزن الأعمال ~~بالميزان وذلك أن الله عز وجل ينصب ميزانا له لسان وكفتان كل كفة ما بين ~~المشرق والمغرب، قال ابن الجوزي: جاء في الحديث # " أن داود عليه الصلاة والسلام سأل ربه أن يريه الميزان فأراه إياه فقال ~~إلهي من يقدر أن يملأ كفتيه حسنات فقال يا داود إذا رضيت عن عبدي ملأتها ~~بتمرة " # وقال حذيفة: جبريل صاحب الميزان يوم القيامة فيقول له ربه عز وجل زن ~~بينهم ورد من بعضهم على بعض وليس ثم ذهب ولا فضة فيرد على المظلوم من ~~الظلم ما وجد له من حسنة فإن لم يكن له حسنة أخذ من سيئات المظلوم فيرد ~~على سيئات الظالم فيرجع الرجل وعليه مثل الجبل. فإن قلت: أليس الله عز ~~وجل يعلم مقادير أعمال العباد فما الحكمة في وزنها؟ قلت: فيه حكم منها ~~إظهار العدل، وأن الله عز وجل لا يظلم عباده، ومنها امتحان الخلق ~~بالإيمان بذلك في الدنيا وإقامة الحجة عليهم في العقبى ومنها تعريف ~~العباد ما لهم من خير وشر وحسنة وسيئة ومنها إظهار علامة السعادة ~~والشقاوة ونظيره أنه تعالى أثبت أعمال العباد في اللوح المحفوظ ثم في ~~صحائف ms1184 الحفظة الموكلين ببني آدم من غير جواز النسيان عليه سبحانه وتعالى، ~~ثم اختلف العلماء في كيفية الوزن فقال بعضهم: توزن صحائف الأعمال ~~المكتوبة فيها الحسنات والسيئات ويدل على ذلك حديث البطاقة وهو ما روي عن ~~عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله عز وجل سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة ~~فينشر له تسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر ثم يقول له أتنكر من هذا ~~شيئا أظلمتك كتبتي الحافظون فيقول لا يا رب فيقول أفلك عذر فيقول لا يا ~~رب فيقول الله تبارك وتعالى بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم ~~فيخرج الله له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول ~~الله فيقول أحضر وزنك فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقال ~~فإنه لا ظلم عليك اليوم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت ~~السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء " # أخرجه الترمذي وأحمد بن حنبل. وقال ابن عباس: يؤتى بالأعمال الحسنة على ~~صورة حسنة وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان فعلى قول ~~ابن عباس: أن الأعمال تتصور صورا وتوضع تلك الصور في الميزان ويخلق الله ~~في تلك الصور ثقلا وخفة. ونقل البغوي عن بعضهم أنها توزن الأشخاص واستدل ~~لذلك بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله تعالى ~~جناح بعوضة " # أخرجاه في الصحيحين وهذا الحديث ليس فيه دليل على ما ذكر من وزن الأشخاص ~~في الميزان لأن المراد بقوله لا يزن عند الله جناح بعوضة مقداره وحرمته ~~لا وزن جسده ولحمه والصحيح قول من قال إن صحائف الأعمال توزن أو نفس ~~الأعمال تتجسد وتوزن والله أعلم بحقيقة ذلك. وقوله تعالى: { فمن ثقلت ~~موازينه } جمع ميزان، وأورد على هذا أنه ميزان واحد فما ms1185 وجه الجمع وأجيب ~~عنه بأن العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد، وقيل: إنه ينصب لكل عبد ~~ميزان، وقيل: إنما جمعه لأن الميزان يشتمل على الكفتين والشاهدين واللسان ~~ولا يتم الوزن إلا باجتماع ذلك كله وقيل هو جمع موزون يعني من رجحت ~~أعماله بالحسنة الموزونة التي لها وزن وقدر { فأولئك هم المفلحون } يعني: ~~هم الناجون غدا والفائزون بثواب الله وجزائه { ومن خفت موازينه } يعني ~~موازين أعماله وهم الكفار بدليل قوله تعالى: { فأولئك الذين خسروا أنفسهم ~~} يعني غبنوا أنفسهم حظوظها من جزيل ثواب الله وكرامته { بما كانوا ~~بآياتنا يظلمون } يعني سبب ذلك الخسران أنهم كانوا بحجج الله وأدلة ~~توحيده يجحدون ولا يقرون بها. روي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ~~أنه حين حضره الموت قال في وصيته لعمر بن الخطاب: إنما ثقلت موازين من ~~ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم وحق ~~لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت ~~موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم وحق لميزان ~~يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا. ### || [7.10-12] # قوله عز وجل: { ولقد مكناكم في الأرض } يعني ولقد مكناكم أيها الناس في ~~الأرض، والمراد من التمكين التمليك وقيل: معناه جعلنا لكم فيها مكانا ~~وقرارا أو قدرناكم على التصرف فيها { وجعلنا لكم فيها معايش } جمع معيشة ~~يعني به جمع وجوه المنافع التي تحصل بها الأرزاق وتعيشون بها أيام حياتكم ~~وهي على قسمين: أحدهما: ما أنعم الله تعالى به على عباده من الزرع ~~والثمار وأنواع المآكل والمشارب. والثاني: ما يتحصل من المكاسب والأرباح ~~في أنواع التجارات والصنائع وكلا مقسمين في الحقيقة إنما يحصل بفضل الله ~~وإنعامه وإقداره وتمكينه لعباده من ذلك فثبت بذلك أن جميع معايش العالم ~~إنعام من الله تعالى على عباده وكثرة الإنعام توجب الطاعة للمنعم بها ~~والشكر له عليها ثم بين تعالى أنه مع هذا الإفضال على عباده وإنعامه ~~عليهم لا يقومون بشكره كما ينبغي فقال تعالى: { قليلا ما تشكرون ms1186 } يعني: ~~على ما صنعت إليكم وأنعمت به عليكم، وفيه دليل على أنهم قد يشكرون لأن ~~الإنسان قد يذكر نعم الله فيشكره عليها فلا يخلو في بعض الأوقات من الشكر ~~على النعم وحقيقة الشكر، تصور النعمة وإظهارها ويضاده الكفر وهو نسيان ~~النعمة وسترها. قوله تعالى: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } يعني: ولقد ~~خلقناكم أيها الناس المخاطبون بهذا الخطاب وقت نزوله في ظهر أبيكم آدم ثم ~~صورناكم في أرحام النساء صورا مخلوقة. فإن قلت على هذا التفسير يكون ~~قوله { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } يقتضي الأمر بالسجود كان وقع بعد ~~خلق المخاطبين بهذا الخطاب وتصويرهم لأن كلمة ثم للتراخي ومعلوم أن الأمر ~~ليس كذلك بل كان السجود لآدم عليه الصلاة والسلام قبل خلق ذريته؟ قلت: ~~يحتمل أن يكون المعنى ولقد خلقناكم ثم صورناكم أيها المخاطبون ثم ~~أخبرناكم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فتكون كلمة ثم تفيد ترتيب خبر ~~على خبر ولا تفيد ترتيب المخبر به على الخبر. وقيل في معنى الآية: ولقد ~~خلقناكم يعني آدم، ثم صورناكم يعني ذريته، وهذا قول ابن عباس. وقال مجاهد ~~ولقد خلقناكم يعني آدم ثم صورناكم يعني في ظهره وعلى هذين القولين إنما ~~ذكر آدم بلفظ الجمع على التعظيم أو لأنه أبو البشر فكان في خلقه خلق من ~~خرج من صلبه وقيل: إن الخلق والتصوير يرجع إلى آدم عليه الصلاة والسلام ~~وحده. والمعنى: ولقد خلقناكم يعني آدم حكمنا بخلقه ثم صورناكم يعني آدم ~~صورة من طين { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } يعني بعد إكمال خلقه وقد ~~تقدم في سورة البقرة الكلام في معنى هذا السجود وأنه كان على سبيل التحية ~~والتعظيم لآدم لا حقيقة السجود، وقيل: بل كان حقيقة السجود وأن المسجود ~~له هو الله تعالى وإنما كان آدم كالقبلة للساجدين، وقيل: بل كان المسجود ~~له وكان ذلك بأمر الله تعالى وهل كان هذا الأمر بالسجود لجميع الملائكة ~~أو لبعضهم فيه خلاف تقدم ذكره في سورة البقرة. # وقوله تعالى: { فسجدوا } يعني الملائكة { إلا إبليس } يعني: فسجد ~~الملائكة لآدم ms1187 إلا إبليس { لم يكن من الساجدين } يعني له وظاهر الآية يدل ~~على أن إبليس كان من الملائكة لأن الله تعالى استثناه منهم وكان الحسن ~~يقول: إن إبليس لم يكن من الملائكة لأنه خلق من نار والملائكة من نور ~~وإنما استثناه من الملائكة لأنه كان مأمورا بالسجود لآدم مع الملائكة ~~فلما لم يسجد أخبر الله تعالى عنه أنه لم يكن من الساجدين لآدم فلهذا ~~استثناه منهم. قوله تعالى: { قال ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك } يعني: ~~قال الله عز وجل لإبليس أي شيء منعك من السجود لآدم إذ أمرتك به فعلى هذا ~~التأويل تكون كلمة لا في قوله أن لا تسجد صلة زائدة وإنما دخلت للتوكيد ~~والتقدير ما منعك أن تسجد فهو كقوله: # لا أقسم # [القيامة: 1] وقوله # وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون # [الأنبياء: 95] أي يرجعون وقوله # لئلا يعلم أهل الكتاب # [الحديد: 29] أي يعلم أهل الكتاب وهذا قول الكسائي والفراء والزجاج ~~والأكثرين. وقيل: إن كلمة لا هنا على أصلها مفيدة وليست بزائدة لأنه لا ~~يجوز أن يقال إن كلمة من كتاب الله زائدة أو لا معنى لها، وعلى هذا القول ~~حكى الواحدي عن أحمد بن يحيى: أن لا في هذه الآية ليست زائدة ولا توكيدا ~~لأن معنى قوله { ما منعك أن لا تسجد } من قال لك لا تسجد فحمل نظم الكلام ~~على معناه وهذا القول حكاه أبو بكر عن الفراء. وقال الطبري والصواب في ~~ذلك أن يقال إن في الكلام محذوفا تقديره ما منعك من السجود فأحوجك أن لا ~~تسجد فترك ذكر ذلك أحوجك استغناء عنه بمعرفة السامعين به ونقل الإمام فخر ~~الدين الرازي عن القاضي قال: ذكر الله تعالى المنع وأراد الداعي فكأنه ~~قال ما دعاك إلى أن لا تسجد لأن مخالفة الله تعالى عظيمة يتعجب منها ~~ويسأل عن الداعي إليها. فإن قلت: لم سأله عن المانع له من السجود وهو ~~أعلم به؟ قلت: إنما سأله للتوبيخ والتقريع له ولإظهار معاندته وكفره ~~وافتخاره بأصله وحسده لآدم عليه الصلاة ms1188 والسلام ولذلك لم يتب الله عليه { ~~قال } يعني قال إبليس مجيبا لله تعالى عما سأله عنه { أنا خير منه }. ~~فإن قلت قوله أنا خير منه ليس بجواب عما سأله عنه في قوله تعالى: { ما ~~منعك أن لا تسجد } فلم يجب بما منعه من السجود فإنه كان ينبغي له أن يقول ~~منعني كذا وكذا ولكنه قال أنا خير منه. # قلت: استأنف قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم وفيها دليل على موضع ~~الجواب وهو قوله { خلقتني من نار وخلقته من طين } والنار خير من الطين ~~وأنور وإنما قال أنا خير منه لما رأى أنه أشد منه قوة وأفضل منه أصلا ~~وذلك لفضل الجنس الذي خلق منه وهو النار على الطين الذي خلق منه آدم عليه ~~الصلاة والسلام فجهل عدو الله وجه الحق وأخطأ طريق الصواب لأن من المعلوم ~~أن من جوهر النار الخفة والطيش والارتفاع والاضطراب، وهذا الذي حمل ~~الخبيث إبليس مع الشقاء الذي سبق له من الله تعالى في الكتاب السابق على ~~الاستكبار على السجود لآدم عليه الصلاة والسلام والاستخفاف بأمر ربه ~~فأورده ذلك العطب والهلاك ومن المعلوم أن في جوهر الطين الرزانة والأناة ~~والصبر والحلم والحياة والتثبت وهذا كان الداعي لآدم عليه الصلاة والسلام ~~مع السعادة السابقة التي سبقت له من الله تعالى في الكتاب السابق إلى ~~التوبة من خطيئته ومسألته ربه العفو عنه والمغفرة، ولذلك كان الحسن وابن ~~سيرين يقولان: أول من قاس إبليس فأخطأ وقال ابن سيرين أيضا: ما عبدت ~~الشمس والقمر لا بالمقاييس وأصل هذا القياس الذي قاسه إبليس لعنه الله ~~تعالى لما رأى أن النار أفضل من الطين وأقوى فقال أنا خير منه خلقتني من ~~نار وخلقته من طين ولم يدر أن الفضل لمن جعله الله فاضلا وأن الأفضلية ~~والخيرية لا تحصل بسبب فضيلة الأصل والجوهر وأيضا الفضيلة إنما تحصل ~~بسبب الطاعة وقبول الأمر، فالمؤمن الحبشي خير من الكافر القرشي فالله ~~تعالى خص صفيه آدم عليه الصلاة والسلام بأشياء لم يخص بها غيره وهو ms1189 أنه ~~خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأورثه ~~الاجتباء والتوبة والهداية إلى غير ذلك مما خص الله تعالى به آدم عليه ~~الصلاة والسلام للعناية التي سبقت له في القدم وأورث إبليس كبره اللعنة ~~والطرد للشقاوة التي سبقت له في القدم. ### || [7.13-17] # وقوله تعالى: { قال فاهبط منها } يعني قال الله تعالى لإبليس لعنه الله ~~اهبط من الجنة. وقيل: من السماء إلى الأرض. والهبوط الإنزال والانحدار من ~~فوق على سيل القهر والهوان والاستخفاف { فما يكون لك أن تتكبر فيها } ~~يعني فليس لك أن تستكبر في الجنة عن أمري وطاعتي لأنه لا ينبغي أن يسكن ~~في الجنة أو في السماء متكبر مخالف لأمر الله عز وجل فأما غير الجنة ~~والسماء فقد يسكنها المستكبر عن طاعة الله تعالى وهم الكفار الساكنون في ~~الأرض { فاخرج إنك من الصاغرين } يعني: إنك من الأذلاء المهانين والصغار ~~الذل والمهانة. قال الزجاج: استكبر عدو الله إبليس فابتلاه الله تعالى ~~بالصغار والذلة. وقيل: كان له ملك الأرض فأخرجه الله تعالى منها إلى ~~جزائر البحر الأخضر وعرشه عليه فلا يدخل الأرض إلا خائفا كهيئة السارق ~~مثل شيخ عليه أطمار رثة يروع فيها حتى يخرج منها { قال } يعني: قال إبليس ~~عند ذلك { أنظرني } يعني أخرني وأمهلني فلا تمتني { إلى يوم يبعثون } ~~يعني من قبورهم وهي النفخة الآخرة عند قيام الساعة وهذا من جهالة الخبيث ~~إبليس لعنه الله لأنه سأل ربه الإمهال وقد علم أنه لا سبيل لأحد من خلق ~~الله تعالى إلى البقاء في الدنيا ولكنه كره أن يكون ذائقا للموت فطلب ~~البقاء والخلود فلم يجب إلى ما سأل به { قال } الله تعالى { إنك من ~~المنظرين } يعني من المؤخرين الممهلين وقد بين الله تعالى مدة النظرة ~~والمهلة في سورة الحجر فقال تعالى: # فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم # [الحجر: 37-38] وذلك هو النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم. فإن قلت: ~~فما وجه قولك إنك من المنظرين وليس أحد ينظر سواه؟ قلت: معناه إن الذين ms1190 ~~تقوم عليهم الساعة منظرون إلى ذلك الوقت بآجالهم فهو منهم { قال } يعني ~~إبليس { فبما أغويتني } يعني فبأي شيء أضللتني فعلى هذا تكون ما ~~استفهامية وتم الكلام عند قوله أغويتني ثم ابتدأ فقال { لأقعدن لهم صراطك ~~المستقيم } وقيل: هي باء القسم تقديره فبإغوائك إياي وقيل معناه فيما ~~أوقعت في قلبي الغي الذي كان سبب هبوطي إلى الأرض من السماء وأضللتني عن ~~الهدى لأقعدن لهم صراطك المستقيم يعني لأجلسن على طريقك القويم وهو طريق ~~الإسلام. وقيل المراد بالصراط المستقيم الطريق الذي يسلكونه إلى الجنة ~~وذلك بأن أوسوس إليهم وأزين لهم الباطل وما يكسبهم المآثم. وقيل: المراد ~~بالصراط المستقيم هنا طريق مكة يعني يمنعهم من الهجرة. وقيل: المراد به ~~الحج. والقول الأول أولى لأنه يعم الجميع ومعنى لأردن بني آدم عن ~~عبادتك وطاعتك ولأغوينهم ولأضلنهم كما أضللتني. عن سبرة بن أبي الفاكه ~~قال: سمعت رسول الله عليه وسلم يقول: # " إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقة قعد له في طريق الإسلام فقال تسلم ~~وتذر دين آبائك وآباء آبائك فعصاه وأسلم، وقعد له بطريق الهجرة فقال ~~تهاجر وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول فعصاه ~~فهاجر وقعد له بطريق الجهاد فقال تجاهد فهو جهد النفس والمال فتقاتل ~~فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال فعصاه فجاهد قال فمن فعل ذلك كان حقا ~~على الله أن يدخله الجنة وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة أو ~~وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة " # أخرجه النسائي، وقوله تعالى إخبارا عن إبليس { ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم } قال ابن عباس: من بين أيديهم ~~يعني من قبل الآخرة فأشككهم فيها، ومن خلفهم يعني من قبل الدنيا فأرغبهم ~~فيها، وعن أيمانهم يشبه عليهم أمر دينهم، وعن شمائلهم أشهي لهم المعاصي. ~~وإنما جعل الآخرة من بين أيديهم في هذا القول لأنهم منقلبون إليها ~~وصائرون إليها فعلى هذا الاعتبار فالدنيا خلفهم لأنها وراء ظهورهم. وقال ~~ابن عباس في رواية عنه: من ms1191 بين أيديهم يعني من قبل دنياهم يعني أزينها في ~~قلوبهم، ومن خلفهم من قبل الآخرة، فأقول لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا ~~نار، وعن أيمانهم من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم من قبل سيئاتهم وإنما جعل ~~الدنيا من بين أيديهم في هذا القول لأن الإنسان يعسى فيها ويشاهدها فهي ~~حاضرة بين يديه والآخرة غائبة عنه فهي خلفه. وقال الحكم بن عتبة: من بين ~~أيديهم يعني من قبل الدنيا فأزينها لهم ومن خلفهم من قبل الآخرة فأثبطهم ~~عنها وعن أيمانهم يعني من قبل الحق فأصدهم عنه وعن شمائلهم من قبل الباطل ~~فأزينه لهم وقال قتادة: أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ~~ولا نار ومن خلفهم من أمر الدنيا فزينها لهم ودعاهم إليها وعن إيمانهم من ~~قبل حسناتهم فبطأهم عنها وعن شمائلهم زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم ~~إليها. أتاك يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك فلم يستطع أن ~~يحول بينك وبين رحمة الله تعالى. وقال مجاهد يأيتهم من بين أيديهم وعن ~~أيمانهم حيث يبصرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم حيث لا يبصرون. ومعنى هذا من ~~حيث يخطئون ويعلمون أنهم يخطئون ومن حيث لا يبصرون أنهم يخطئون ولا ~~يعلمون أنهم يخطئون، وقيل: من بين أيديهم يعني فيما بقي من أعمارهم فلا ~~يقدمون فيه طاعة ومن خلفهم يعني ما مضى من أعمارهم فلا يتوبون عما أسلفوا ~~فيه من معصية عن أيمانهم يعني من قبل الغنى فلا ينفقون ولا يشركون ومن ~~خلفهم يعني من قبل الفقر فلا يمتنعون فيه من محظور نالوه. # وقال شقيق البلخي: ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع من ~~بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي أما بين يدي فيقول: لا تخف إن ~~الله غفور رحيم فأقرأ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى، ~~وأما من خلفي فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر فأقرأ وما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها، وأما من قبل يميني ms1192 فيأتيني من الثناء فأقرأ ~~والعاقبة للمتقين، وأما من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ وحيل ~~بينهم وبين ما يشتهون. وقيل إن ذكر هذه الجهات الأربع إنما أريد بها ~~التأكيد والمبالغة في إلقاء الوسوسة في قلب ابن آدم وأنه لا يقصر في ذلك، ~~ومعنى الآية على هذا القول: ثم لآتينهم من جميع الوجوه الممكنة لجميع ~~الاعتبارات وقوله { ولا تجد أكثرهم شاكرين } يعني ولا تجد يا رب أكثرهم ~~بني آدم شاكرين على نعمك التي أنعمت بها عليهم. وقال ابن عباس: معناه ولا ~~تجد أكثرهم موحدين. فإن قلت: كيف علم الخبيث إبليس ذلك حتى قال ولا تجد ~~أكثرهم شاكرين؟ قلت: قاله ظنا فأصاب منه قوله تعالى، ولقد صدق عليهم ~~إبليس ظنه وقيل إنه كان عازما على المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين ~~القبائح وعلم ميل بني آدم إلى ذلك فقال هذه المقالة وقيل إنه رآه مكتوبا ~~في اللوح المحفوظ فقال هذه المقالة على سبيل اليقين والقطع والله أعلم ~~بمراده. ### || [7.18-20] # قوله عز وجل: { قال اخرج منها } أي: قال الله تعالى لإبليس حين طرده عن ~~بابه وأبعده عن جنابه وذلك بسبب مخالفته وعصيانه اخرج منها يعني من الجنة ~~فإنه لا ينبغي أن يسكن فيها العصاة { مذؤوما } يعني معيبا والذأم أشد ~~العيب { مدحورا } يعني مطرودا مبعدا. وقال ابن عباس: صغيرا ممقوتا. ~~وقال قتادة: لعينا مقيتا وقال الكلبي: ملوما مقصيا من الجنة ومن كل ~~خير { لمن تبعك منهم } يعني من بني آدم { لأملأن جهنم منكم أجمعين } ~~اللام لام القسم أقسم الله تعالى أن من اتبع إبليس من بني آدم وأطاعه ~~منهم. وقوله تعالى: { ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة } أي وقلنا يا آدم ~~اسكن أنت وزوجك الجنة وذلك بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه وطرده من الجنة ~~{ فكلا من حيث شئتما } يعني فكلا من ثمار الجنة من أي مكان شئتما. فإن ~~قلت: قال في سورة البقرة وكلا بالواو وقال هنا فكلا بالفاء فما الفرق؟ ~~قلت: قال الإمام فخر الدين الرازي إن الواو تفيد الجمع المطلق والفاء ms1193 ~~تفيد الجمع على سبيل التعقيب فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من ~~الواو ولا منافاة بين النوع والجنس ففي سورة البقرة ذكر الجنس وهنا ذكر ~~النوع { ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين } تقدم في سورة البقرة ~~الكلام على تفسير هذه الآية مستوفى. قوله تعالى: { فوسوس لهما الشيطان } ~~يعني فوسوس إليهما والوسوسة حديث يلقيه الشيطان في قلب الإنسان، يقال: ~~وسوس إذا تكلم كلاما خفيفا مكررا وأصله من صوت الحلي ومعنى وسوس لهما ~~فعل الوسوسة وألقاها إليهما. فإن قلت: كيف وسوس إليهما وآدم وحواء في ~~الجنة وإبليس قد أخرج منها؟ قلت: ذكر الإمام فخر الدين الرازي في الجواب ~~عن هذا السؤال عن الحسن أنه قال: كان يوسوس في الأرض إلى السماء إلى ~~الجنة بالقوة القوية التي جعلها الله تعالى له. قوله وقال أبو مسلم ~~الأصبهاني: بل كان آدم وإبليس في الجنة لأن هذه الجنة كانت بعض جنات ~~الأرض والذي يقوله بعض الناس من أن إبليس دخل في جوف الحية فدخلت به ~~الحية إلى الجنة فقصه مشهورة ركيكة، وقال آخرون: إن آدم وحواء ربما قربا ~~من باب الجنة وكان إبليس واقفا من خارج الجنة على بابها فقرب أحدهما من ~~الآخر فحصلت الوسوسة هناك. فإن قلت: إن آدم عليه الصلاة والسلام قد عرف ~~ما بينه وبين إبليس من العداوة فكيف قبل قوله؟ قلت: يحتمل أن يقال إن ~~إبليس لقي آدم مرارا كثيرة ورغبه في أكل هذه الشجرة بطرق كثيرة منها ~~رجاء نيل الخلد ومنها قوله وقاسمهما # إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف: 21] فلأجل هذه المواظبة والمداومة على هذا التمويه أثر كلام ~~إبليس في آدم حتى أكل من الشجرة { ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما ~~} يعني ليظهر لهم ما غطى وستر عوراتهما وقوله ما ووري مأخوذ من المواراة ~~وهي الستر يقال واريته بمعنى سترته والسوأة فرج الرجل والمرأة سمي بذلك ~~لأن ظهوره يسوء الإنسان وفي الآية دليل على أن كشف العورة من المنكرات ~~المحرمات واللام في قوله ليبدي هلما لام العاقبة وذلك لأن ms1194 إبليس لم يقصد ~~بالوسوسة ظهور عوراتهما وإنما كان حملهما على المعصية فقط فكان عاقبة ~~أمرهما أن بدت عوراتهما { وقال } يعني وقال إبليس لآدم وحواء { ما نهاكما ~~ربكما عن هذه الشجرة } يعني عن الأكل من هذه الشجرة { إلا أن تكونا ملكين ~~أو تكونا من الخالدين } يعني إنما نهاكما عن هذه الشجرة لكي لا تكونا ~~ملكين من الملائكة تعلمان الخير والشر أو تكونا من الباقين الذين لا ~~يموتون وإنما أطمع إبليس آدم بهذه الآية لأنه علم أن الملائكة لهم ~~المنزلة والقرب من العرش فاستشرف لذلك آدم وأحب أن يعيش مع الملائكة لطول ~~أعمارهم أو يكون من الخالدين الذين لا يموتون أبدا. # فإن قلت: ظاهر الآية يدل على أن الملك أفضل من الأنبياء لأن آدم عليه ~~الصلاة والسلام طلب أن يكون من الملائكة وهذا يدل على فضلهم عليه. قلت: ~~ليس في ظاهر الآية ما يدل على ذلك لأن آدم عليه الصلاة والسلام لما طلب ~~أن يكون من الملائكة كان ذلك الطلب قبل أن يتشرف بالنبوة وكانت هذه ~~الواقعة قبل نبوة آدم عليه الصلاة والسلام فطلب أن يكون من الملائكة أو ~~من الخالدين وعلى تقديره أن تكون هذه الواقعة في زمان النبوة بعد أن شرف ~~بها آدم إنما طلب أن يكون من الملائكة لطول أعمارهم لا لأنهم أفضل منه ~~حتى يلتحق بهم في الفضل لأنه طلب إما أن يكون من الملائكة لطول أعمارهم ~~أو من الخالدين الذين لا يموتون أبدا. ### || [7.21-22] # وقوله تعالى: { وقاسمهما } أي وأقسم وحلف لهما وهذا من المفاعلة التي ~~تختص بالواحد { إني لكما لمن الناصحين } قال قتادة: حلف لهما بالله ~~تعالى حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله فقال إني خلقت قبلكما وأنا ~~أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما وقال بعض العلماء: من خادعنا بالله خدعنا له ~~{ فدلاهما بغرور } يعني فخدعهما بغرور يقال من زال فلان يدلي فلانا ~~بغرور يعني ما زال يخدعه ويكلمه بزخرف من القول الباطل. قال الأزهري ~~وأصله ان الرجل العطشان يتدلى في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء ~~فوضعت ms1195 التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه والغرور إظهار النصح مع ~~إبطان الغش وهو أن إبليس حطهما من منزلة الطاعة إلى حالة المعصية لأن ~~التدلي لا يكون إلا من علو إلى أسفل. ومعنى الآية أن إبليس لعنه الله ~~تعالى غر آدم باليمين الكاذبة وكان آدم عليه الصلاة والسلام يظن أن أحدا ~~لا يحلف بالله كاذبا وإبليس أول من حلف بالله كاذبا فلما حلف إبليس ظن ~~آدم أنه صادق فاغتر به { فلما ذاقا الشجرة } يعني: طعما من ثمرة الشجرة ~~وفيها دليل على أنهما تناولا اليسير من ذلك قصد إلى معرفة طعمه لأن الذوق ~~يدل على الأكل اليسير { بدت لهما سوءاتهما } يعني: ظهرت لهما عوراتهما ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: قبل أن ازدردا أخذتهما العقوبة والعقوبة أن ~~ظهرت وبدت لهما سوآتهما وتهافت عنهما لبسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ~~ووري عنه من عورة صاحبه وكانا لا يريان ذلك. وقال وهب: كان لباسهما من ~~النور لا يرى هذا عورة هذه ولا هذه عورة هذا فلما أصابا الخطيئة بدت لهما ~~سوآتهما وقال قتادة: كان لباس آدم في الجنة ظفرا كله فلما وقع في الذنب ~~قشط عنه وبدت سوأته { وطفقا } يعني وأقبلا وجعلا { يخصفان عليهما من ورق ~~الجنة } يعني أنهما لما بدت لهما سوآتهما جعلا يرقعان ويلزقان عليهما من ~~ورق الجنة وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب. وقال الزجاج: جعلا ورقة ~~على ورقة ليسترا سوآتهما وفي الآية دليل على أن كشف العورة من ابن آدم ~~قبيح ألا ترى أنهما بادرا إلى ستر العورة لما تقرر في عقلهما من قبيح ~~كشفها. روى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " كان آدم صلى الله عليه وسلم رجلا طويلا كأنه نخلة سحوق كثير شعر ~~الرأس فلما وقع في الخطيئة بدت ل سوأته وكان لا يراها في الجنة فانطلق ~~فارا فعرضت له شجرة من شجرة الجنة فحبسته بشعره فقال لها أرسليني قالت ~~لست بمرسلتك فناداه ربه يا آدم أمني تفر قال لا ms1196 يا رب ولكني استحييتك " # ذكره البغوي بغير سند وأسنده الطبري من طريقين موقوفا ومرفوعا. قوله ~~تعالى: { وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } يعني أن الله ~~تعالى نادى آدم وحواء وخاطبهما فقال: ألم أنهكما عن أكل ثمرة هذه الشجرة ~~{ وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين } يعني أعلمكما أن الشيطان قد بانت ~~عداوته لكما بترك السجود حسدا وبغيا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما ~~أكل آدم من الشجرة قيل له: لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: حواء ~~أمرتني. قال فأني أعقبتها أن لا تحمل إلا كرها ولا تضع إلا كرها قال ~~فرنت حواء عند ذلك رنة فقيل لها الرنة عليك وعلى بناتك وقال محمد بن قيس: ~~ناداه ربه يا آدم لم أكلت منها وقد نهيتك قال أطعمتني حواء فقال لحواء لم ~~أطعمتيه قالت أمرتني الحية فقال للحية لم أمرتها قالت أمرني إبليس قال ~~الله تعالى: أما أنت يا حواء فكما أدميت الشجرة تدمين كل شهر وأما أنت يا ~~حية فأنطع رجليك فتمشين على وجهك وسيشدخ رأسك من لقيك وأما أنت يا إبليس ~~فملعون مطرود مدحور يعني عن الرحمة. وقيل ناداه ربه يا آدم أما خلقتك ~~بيدي أما نفخت فيك من روحي أما أسجدت لك ملائكتي أما أسكنتك جنتي في ~~جواري. ### || [7.23-26] # قوله عز وجل: { قالا ربنا ظلمنا أنفسنا } وهذا خبر من الله عز وجل عن ~~آدم عليه الصلاة والسلام وحواء عليها السلام واعترافهما على أنفسهما ~~بالذنب والندم على ذلك والمعنى: قالا يا ربنا إنا فعلنا بأنفسنا من ~~الإساءة إليها بمخالفة أمرك وطاعة عدونا وعدوك ما لم يكن لنا أن نطيعه ~~فيه من أكل الشجرة التي نهيتنا عن أكلها { وإن لم تغفر لنا } يعني وأنت ~~يا ربنا إن لم تستر علينا ذنبنا { وترحمنا } يعني وتتفضل علينا برحمتك { ~~لنكونن من الخاسرين } يعني من الهالكين. قال قتادة: قال آدم يا رب أرأيت ~~إن تبت إليك واستغفرتك، قال: إذا أدخلك الجنة. وأما إبليس فلم يسأله ~~التوبة وسأله أن ينظره فأعطى كل ms1197 واحد مهما ما سأل وقال الضحاك في قوله { ~~ربنا ظلمنا أنفسنا } قال: هي الكلمات التي تلقاها آدم عليه الصلاة ~~والسلام من ربه عز وجل. فصل وقد استدل من يرى صدور الذنب من الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام بهذه الآية وأجيب عنه بأن درجة الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام في الرفعة والعلو والمعرفة بالله عز وجل مما حملهم على ~~الخوف منه والإشفاق من المؤاخذة بما لم يؤاخذ به غيرهم وأنهم ربما ~~عوتبوا بأمور صدرت منهم على سبيل التأويل والسهو فهم بسبب ذلك خائفون ~~وجلون وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم وسيئات بالنسبة إلى كمال طاعتهم ~~لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاص كمعاصي غيرهم فكان ما صدر منهم، مع ~~طهارتهم ونزاهتهم وعمارة بواطنهم بالوحي السماوي والذكر القدسي وعمارة ~~ظواهرهم بالعمل الصالح والخشية لله عز وجل، ذنوبا وهي حسنات بالنسبة إلى ~~غيرهم كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. يعني أنهم يرونها بالنسبة ~~إلى أحوالهم كالسيئات وهي حسنات لغيرهم. وقد تقدم في سورة البقرة أن أكل ~~آدم من الشجرة هل كان قبل النبوة أو بعدها؟ والخلاف فيه فأغنى عنه ~~الإعادة والله أعلم. قوله تعالى: { قال اهبطوا } قال الإمام فخر الدين ~~الرازي رحمه الله: إن الذي تقدم ذكره هو آدم وحواء وإبليس فقوله اهبطوا ~~يجب أن يتناول هؤلاء الثلاثة. وقال الطبري: قال الله تعالى لآدم وحواء ~~وإبليس والحية اهبطوا يعني من السماء إلى الأرض قال السدي رحمه الله: ~~قوله تعالى: { اهبطوا } يعني إلى الأرض آدم وحواء وإبليس والحية { بعضكم ~~لبعض عدو } يعني أن العداوة ثابتة بين آدم وإبليس والحية وذرية كل واحد ~~من آدم وإبليس { ولكم في الأرض مستقر } يعني موضع قرار تستقرون فيه، وقال ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: { ولكم في الأرض مستقر } ~~يعني القبور { ومتاع إلى حين } يعني ولكم فيها متاع تستمتعون به إلى ~~انقطاع الدنيا أو إلى انقضاء آجالكم ومعنى الآية أن الله عز وجل أخبر آدم ~~وحواء وإبليس والحية أنه إذا أهبطهم إلى الأرض فإن بعضهم لبعض عدو وأن ms1198 ~~لهم في الأرض موضع قرار يستقرون فيه إلى انقضاء آجالهم ثم يستقرون في ~~قبورهم إلى انقطاع الدنيا. # قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: { ومتاع إلى حين } ~~يعني إلى يوم القيامة وإلى انقطاع الدنيا { قال فيها تحيون } يعني: قال ~~الله عز وجل لآدم وذريته وإبليس وأولاده فيها تحيون يعني في الأرض تعيشون ~~أيام حياتكم { وفيها تموتون } يعني: وفي الأرض تكون وفاتكم وموضع قبوركم ~~{ ومنها تخرجون } يعني: ومن الأرض يخرجكم ربكم ويحشركم للحساب يوم ~~القيامة. قوله عز وجل: { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوءاتكم } اعلم أن الله عز وجل لما أمر آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض ~~وجعلها مستقرا لهم أنزل عليهم كل ما يحتاجون إليه من مصالح الدين ~~والدنيا فكان مما أنزل عليهم اللباس الذي يحتاج إليه في الدين والدنيا ~~فأما منفعته في الدين فإنه يستر العورة وسترها شرط في صحة الصلاة وأما ~~منفعته في الدنيا فإنه يمنع الحر والبرد فامتن الله على عباده بأن أنزل ~~عليهم لباسا يواري سوءاتهم فقال تعالى: { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم ~~لباسا يواري سوءاتكم } يعني لباسا تسترون به عوراتكم. فإن قلت ما معنى ~~قوله قد أنزلنا عليكم لباسا. قلت ذكر العلماء فيه وجوها أحدهما: أنه ~~بمعنى خلق أي خلقنا لكم لباسا أو بمعنى رزقناكم لباسا. الوجه الثاني: ~~أن الله تعالى أنزل المطر من السماء وهو سبب نبات اللباس فكأنه أنزله ~~عليهم. الوجه الثالث: أن جميع بركات الأرض تنسب إلى السماء وإلى الإنزال ~~كما قال تعالى: وأنزلنا الحديد { وريشا } الريش للطائر معروف وهو لباسه ~~وزينته كالثياب للإنسان فاستعير للإنسان لأنه لباسه وزينته والمعنى ~~وأنزلنا عليكم لباسين لباسا يواري سوءاتكم ولباسا لزينتكم لأن التزيين ~~غرض صحيح كما قال تعالى # لتركبوها وزينة # [النحل: 8] وقال # ولكم فيها جمال # [النحل: 6] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله جميل يحب الجمال " # واختلفوا في معنى الريش المذكور في الآية فقال ابن عباس رضي الله عنهما ~~وريشا يعني مالا، وهو قول مجاهد والضحاك والسدي ms1199 لأن المال مما يتزين ~~به، ويقال: تريش الرجل إذا تمول. وقال ابن زيد: الريش الجمال وهو يرجع ~~إلى الزينة أيضا، وقيل: إن الرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من ~~الثياب والمتاع مما يلبس أو يفرش والريش أيضا المتاع والأموال عندهم ~~وربما استعملوه في الثياب والكسوة دون سائر المال يقال إنه لحسن الريش أو ~~لحسن الثياب وقيل الريش والرياش يستعمل أيضا في الخصب ورفاهية العيش { ~~ولباس التقوى } اختلف العلماء في معناه فمنهم من حمله على نفس الملبوس ~~وحقيقته، ومنهم من حمله على المجاز أما من حمله على نفس الملبوس فاختلفوا ~~أيضا في معناه، فقال ابن الأنباري: لباس التقوى هو اللباس الأول وإنما ~~أعاده إخبارا أن ستر العورة من التقوى وذلك خير. # وقيل: إنما أعاده لأجل أن يخبر عنه بأنه خير لأن العرب في الجاهلية ~~كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب في الطواف بالبيت فأخبر أن ستر العورة ~~في الطواف هو لباس التقوى وذلك خير. وقال زيد بن علي رحمه الله تعالى: ~~لباس التقوى آلات الحرب التي يتقى بها في الحروب كالدروع والمغفر ونحو ~~ذلك. وقيل لباس التقوى هو الصوف والخشن من الثياب التي يلبسها أهل الزهد ~~والورع. وقيل: هو ستر العورة في الصلاة وأما من حمل لباس التقوى على ~~المجاز فاختلفوا في معناه. فقال قتادة والسدي: لباس التقوى هو الإيمان ~~لأن صاحبه يتقي به من النار، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لباس التقوى ~~هو العمل الصالح، وقال الحسن رضي الله عنه: هو الحياء لأنه يحث على ~~التقوى. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: لباس التقوى هو السمت الحسن، ~~وقال عروة بن الزبير رضي الله عنه: لباس التقوى خشية الله، وقال الكلبي: ~~هو العفاف فعلى هذه الأقوال: إن لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به مما ~~خلق الله له من لباس التجمل وزينة الدنيا وهو قوله تعالى: { ذلك خير } ~~يعني لباس التقوى خير من لباس الجمال والزينة وأنشدوا في المعنى: # إذا أنت لم تلبس ثيابا من التقى عريت وإن وارى ms1200 القميص قميص # وقوله تعالى: { ذلك من آيات الله } يعني أنزل اللباس عليكم يا بني آدم ~~من آيات الله الدالة على معرفته وتوحيده { لعلهم يذكرون } يعني لعلهم ~~يذكرون نعمته عليهم فيشكرونها. ### || [7.27-28] # قوله تعالى: { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ~~} قيل: هذا خطاب للذين كانوا يطوفون بالبيت عراة والمعنى: لا يخدعنكم ~~بغروره ولا يضلنكم فيزين لكم كشف عوراتكم في الطواف وإنما ذكر قصة آدم ~~هنا وشدة عداوة إبليس له ليحذر بذلك أولاد آدم فقال تعالى: { يا بني آدم ~~لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } يعني آدم وحواء عليهما ~~الصلاة والسلام والمعنى أن من قدر على إخراج أبويكم من الجنة بوسوسته ~~وشدة عداوته فبأن يقدر على فتنتكم بطريق الأولى فحذر الله عز وجل بني آدم ~~وأمرهم بالاحتراز عن وسوسة الشيطان وغروره وتزيينه القبائح وتحسينه ~~الأفعال الرديئة في قلوب بني آدم فهذه فتنته التي نهى الله تعالى عباده ~~عنها وحذرهم منها. قوله تعالى: { ينزع عنهما لباسهما } إنما أضاف نزع ~~اللباس إلى الشيطان وإن لم يباشر ذلك لأن نزع لباسهما كان بسبب وسوسة ~~الشيطان وغروره فأسند إليه واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما، فقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: كان لباسهما الظفر فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما ~~وبقيت الأظفار تذكرة وزينة ومنافع، وقال وهب بن منبه رحمه الله تعالى: ~~كان لباس آدم وحواء نورا، وقال مجاهد: كان لباسهما التقى. وفي رواية عنه ~~التقوى وقيل إن لباسهما من ثياب الجنة وهذا القول أقرب لأن إطلاق اللباس ~~ينصرف إليه ولأن النزع لا يكون إلا بعد اللبس { ليريهما سواءتهما } يعني: ~~ليرى آدم عورة حواء وترى حواء عورة آدم وكان قبل ذلك لا يرى بعضهم سوءة ~~بعض { إنه يراكم هو وقبيله } يعني أن إبليس يراكم يا بني آدم هو وقبيله ~~إنما أعاد الكناية في قوله هو ليحسن العطف والقبيل جمع قبيلة وهي الجماعة ~~المجتمعة التي يقابل بعضهم بعضا، وقال الليث: كل جيل من جن أو إنس قبيل ~~ومعنى يراكم هو وقبيله ms1201 أي من هو من نسله، وحكى أبو عبيد عن أبي يزيد ~~القبيل: ثلاثة فصاعدا من قوم شتى والجمع قبل والقبيلة بنو أب واحد. وقال ~~الطبري: قبيله يعني صنفه وجيله الذي هو منهم وهو واحد يجمع على قبل وهم ~~الجن. وقال مجاهد: الجن والشياطين وقال ابن يزيد: قبيله نسله. وقال ابن ~~عباس رضي عنهما: هو ولده وقوله { من حيث لا ترونهم } يعني أنتم يا بني ~~آدم، قال العلماء رحمهم الله: إن الله تعالى خلق في عيون الجن إدراكا ~~يرون بذلك الإدراك الإنس ولم يخلق في عيون الإنس هذا الإدراك فلم يروا ~~الجن. وقالت المعتزلة الوجه في أن الإنس لا يرون الجن رقة أجسام الجن ~~ولطافتها والوجه في رؤية الجن للإنس كثافة أجسام الإنس والوجه في رؤية ~~الجن بعضهم بعضا أن الله تعالى قوى شعاع أبصار الجن وزاد فيها حتى يرى ~~بعضهم بعضا ولو جعل في أبصارنا هذه القوة لرأيناهم ولكن لم يجعلها. # وحكى الواحدي وابن الجوزي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وجعلت صدور بني آدم مساكن لهم ~~إلا من عصمه الله تعالى " # كما قال تعالى: # الذي يوسوس في صدور الناس # [الناس: 5] فهم يرون بني آدم وبنو آدم لا يرونهم، وقال مجاهد: قال إبليس ~~جعل لنا أربعة نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى. وقال ~~مالك بن دينار رحمه الله تعالى: إن عدوا يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا ~~من عصمه الله تعالى { إنا جعلنا الشياطين أولياء } يعني أعوانا وقرباء { ~~للذين لا يؤمنون } قال الزجاج يعني سلطانهم عليهم يزيدون في غيهم. قوله ~~عز وجل: { وإذا فعلوا فاحشة } قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد: هي ~~طوافهم بالبيت عراة الرجال والنساء. وقال عطاء: هي الشرك والفاحشة اسم ~~لكل قبيح فيدخل فيه جميع المعاصي والكبائر فيمكن حملها على الإطلاق وإن ~~كان السبب مخصوصا بما ورد من طوافهم عراة ولما كانت هذه الأفعال التي ~~كان أهل ms1202 الجاهلية يفعلونها ويعتقدون أنها طاعات وهي في نفسها فواحش ذمهم ~~الله تعالى عليها ونهاهم عنها فاحتجوا عن هذه الأفعال بما أخبر الله عنهم ~~وهو قوله تعالى: { قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها } فذكروا ~~لأنفسهم عذرين أحدهما محض التقليد وهو قولهم وجدنا على هذا الفعل آباءنا ~~وهذا التقليد باطل لأنه لا أصل له، والعذر الثاني قولهم والله أمرنا بها ~~وهذا العذر أيضا باطل وقد أجاب الله تعالى عنه بقوله { قل إن الله لا ~~يأمر بالفحشاء } والمعنى أن هذه الأفعال التي كان أهل الجاهلية يفعلونها ~~هي في أنفسها قبيحة منكرة فكيف يأمر الله تعالى بها والله لا يأمر ~~بالفحشاء بل يأمر بما فيه مصالح العباد ثم قال تعالى ردا عليهم { ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون } يعني أنكم سمعتم كلام الله تعالى ابتداء ~~من غير واسطة ولا أخذتموه عن الأنبياء الذين هم وسائط بين الله تعالى ~~وبين عباده في تبليغ أوامره ونواهيه وأحكامه لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء ~~فكيف تقولون على الله ما لا تعلمون. ### || [7.29-30] # قوله تعالى: { قل أمر ربي بالقسط } أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يقولون ~~على الله ما لا يعلمون أمر ربي بالقسط يعني بالعدل، وهذا قول مجاهد ~~والسدي. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بلا إله إلا الله فالأمر بالقسط ~~في هذه الآية يشتمل على معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأفعاله وأنه واحد ~~لا شريك له { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } فإن قلت قل أمر ربي بالقسط ~~خبر وقوله وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد أمر وعطف الأمر على الخبر لا يجوز ~~فما معناه. قلت: فيه إضمار وحذف تقديره قل أمر ربي بالقسط وقال { وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد } فحذف فقال لدلالة الكلام عليه ومعنى الآية قول ~~مجاهد والسدي: وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة، وقال ~~الضحاك: معناه إذا حضرت الصلاة وأنتم عند المسجد فصلوا فيه ولا يقولن ~~أحدكم أصلي في مسجدي أو في مسجد قومي. وقيل معناه اجعلوا سجودكم لله ~~خالصا { وادعوه مخلصين له الدين ms1203 } أي واعبدوه مخلصين العبادة والطاعة ~~والدعاء لله عز وجل لا لغيره { كما بدأكم تعودون } قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: إن الله عز وجل بدأ خلق بني آدم مؤمنا وكافرا كما قال تعالى: # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن: 2] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنا وكافرا وحجة ~~هذا القول قوله في سياق الآية { فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة } ~~فإنه كالتفسير له ويدل على صحة ذلك ما روي عن جابر رضي الله تعالى عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يبعث كل عبد على ما مات عليه " # أخرجه مسلم زاد البغوي في روايته: المؤمن على إيمانه والكافر على كفره. ~~وقال محمد بن كعب: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إلى ما ابتدئ عليه ~~خلقه وإن عمل بأعمال أهل السعادة كما أن إبليس كان يعمل بعمل أهل السعادة ~~ثم صار إلى الشقاوة. ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إليها وإن عمل ~~بأعمال أهل الشقاوة كما أن السحرة كانوا يعملون بعمل أهل الشقاوة ثم ~~صاروا إلى السعادة ويصح هذا القول ما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل ~~النار وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له عمله بعمل ~~أهل الجنة " # أخرجه مسلم وقال الحسن ومجاهد في معنى الآية كما بدأكم فخلقكم في الدنيا ~~ولم تكونوا شيئا فأحياكم ثم يميتكم كذلك تعودون أحياء يوم القيامة ويشهد ~~لمصلحة هذا القول ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام فينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال # " أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله عز وجل حفاة عراة غرلا كما بدأنا ~~أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " # أخرجه البخاري ومسلم وقوله تعالى: { فريقا هدى } يعني هداهم إلى ~~الإيمان به ومعرفته ووفقهم لطاعته وعبادته { وفريقا حق عليهم الضلالة ms1204 } ~~يعني وخذل فريقا حتى وجبت عليهم الضلالة للسابقة التي سبقت لهم في الأزل ~~بأنهم أشقياء وفيه دليل على أن الهدى والضلالة من الله عز وجل، ولما روي ~~عن عبد الله بن عمرو بن العاص روى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور ~~اهتدى ومن أخطأه ضل " # أخرجه الترمذي. وقوله تعالى: { إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ~~} يعني أن الفريق الذي حق عليهم الضلالة اتخذوا الشياطين نصراء وأعوانا ~~أطاعوهم فيما أمروهم به من الكفر والمعاصي والمعنى أن الداعي الذي دعاهم ~~إلى الكفر والمعاصي هو أنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله لأن ~~الشياطين لا يقدرون على إضلال أحد. وقوله { ويحسبون أنهم مهتدون } يعني ~~أنهم مع ضلالتهم يظنون ويحسبون أنهم على هداية وحق وفيه دليل على أن ~~الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند في الكفر سواء. ### || [7.31-33] # قوله عز وجل: { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد } عن ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما قال " كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة فتقول من ~~يعيرني تطوافا تجعله على فرجها وهي تقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله # فنزلت هذه الآية { خذوا زينتكم عند كل مسجد } أخرجه مسلم وروى سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال ~~بالنهار والنساء بالليل " وذكر الحديث زاد في رواية أخرى عنه فأمرهم الله ~~تعالى أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا. وقال مجاهد: كان حي من أهل اليمن كان ~~أحدهم إذا قدم حاجا أو معتمرا يقول لا ينبغي لي أن أطوف في ثوب قد عصيت ~~فيه فيقول من يعيرني مئزرا فإن قدر عليه وإلا طاف عريانا فأنزل الله ~~تعالى فيه ما تسمعون خذوا زينتكم عند كل مسجد. وقال الزهري: إن العرب ~~كانت تطوف بالبيت عراة إلا الحمس وهم قريش وأحلافهم فمن جاء من غير الحمس ms1205 ~~وضع ثيابه وطاف في ثوب أحمسي ويرى أنه لا يحل له أن يلبس ثيابه فإن لم ~~يجد من يعيره من الحمس فإنه يلقي ثيابه ويطوف عريانا وإن طاف في ثياب ~~نفسه ألقاها إذا قضى طوافه وحرمها أي جعلها حراما عليه فلذلك قال الله ~~تعالى: خذوا زينتكم عند كل مسجد، والمراد من الزينة لبس الثياب التي تستر ~~العورة. قال مجاهد: ما يواري عوراتكم ولو عباءة. وقال الكلبي: الزينة ما ~~يواري العورة عند كل مسجد كطواف وصلاة وقوله تعالى: خذوا زينتكم، أمر ~~وظاهره الوجوب وفيه دليل على أن ستر العورة واجب في الصلاة والطواف وفي ~~كل حال. وقوله تعالى: { وكلوا واشربوا } قال الكلبي كانت بنو عامر لا ~~يأكلون في أيام حجهم إلا قوتا ولا يأكلون دسما يعظمون بذلك حجهم فقال ~~المسلمون نحن أحق أن نفعل ذلك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل ~~الله عز وجل وكلوا واشربوا يعني الدسم واللحم { ولا تسرفوا } يعني بتحريم ~~ما لم يحرمه الله من أكل اللحم والدسم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: " ~~كل ما شئت واشرب ما شئت والبس ما شئت ما أخطأ بك خصلتان سرف ومخيلة " ~~وقال علي بن الحسين بن واقد: قد جمع الله الطب كله في نصف آية فقال: { ~~وكلوا واشربوا ولا تسرفوا } وفي الآية دليل على أن جميع المطعومات ~~والمشروبات حلال إلا ما خصه الشرع دليل في التحريم لأن الأصل في جميع ~~الأشياء الإباحة إلا ما حظره الشارع وثبت تحريمه بدليل منفصل { إنه لا ~~يحب المسرفين } يعني أن الله تعالى لا يحب من إسراف المأكول والمشروب ~~والملبوس وفي هذه الآية وعيد وتهديد لمن أسرف في هذه الأشياء لأن محبة ~~الله تعالى عبارة عن رضاه عن العبد وأيضا. # وإيصال الثواب إليه وإلا لم يحبه علم أنه تعالى ليس هو راض عنه فدلت ~~الآية على الوعيد الشديد في الإسراف قوله تعالى: { قل من حرم زينة الله ~~التي أخرج لعباده } يعني قل يا محمد لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يطوفون ~~بالبيت عراة من ms1206 حرم عليكم زينة الله التي خلقها لعباده أن تتزينوا بها ~~وتلبسوها في الطواف وغيره ثم في تفسير الزينة قولان: أحدهما: وهو قول ~~جمهور المفسرين أن المراد من الزينة هنا اللباس الذي يستر العورة. والقول ~~الثاني: ذكر الإمام فخر الدين الرازي أنه يتناول جميع أنواع الزينة فيدخل ~~تحته جميع أنواع الملبوس والحلي، ولولا أن النص ورد بتحريم استعمال الذهب ~~والحرير على الرجال لدخلا في هذا العموم ولكن النص ورد بتحريم استعمال ~~الذهب والحرير على الرجال دون النساء { والطيبات من الرزق } يعني ومن حرم ~~الطيبات من الرزق التي أخرجها الله لعباده وخلقها لهم ثم ذكروا في معنى ~~الطيبات في هذه الآية أقوالا: أحدها أن المراد بالطيبات اللحم والدسم ~~الذي كانوا يحرمونه على أنفسهم أيام الحج يعظمون بذلك حجهم فرد الله ~~تعالى بقوله: { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ~~}. القول الثاني: وهو قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة: أن ~~المراد بذلك ما كان أهل الجاهلية يحرمونه من البحائر والسوائب. قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما إن أهل الجاهلية كانوا يحرمون أشياء أحلها الله ~~تعالى من الرزق وغيرها وهو قول الله تعالى: قل أرأيتم ما أنزل الله لكم ~~من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا وهو هذا وأنزل الله قل من حرم زينة ~~الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. والقول الثالث: إن الآية على ~~العموم فيدخل تحته كل ما يستلذ ويشتهى من سائر المطعومات إلا ما نهى عنه ~~وورد نص بتحريمه { قل هي للذين آمنوا } يعني قل يا محمد إن الطيبات التي ~~أخرج الله من رزقه للذين آمنوا { في الحياة الدنيا } غير خالصة لهم لأنه ~~يشركهم فيها المشركون { خالصة } لهم { يوم القيامة } يعني لا يشركهم فيها ~~أحد لأنه لا حظ للمشركين يوم القيامة في الطيبات من الرزق، وقيل: خالصة ~~لهم يوم القيامة من التكدير والتنغيص والغم لأنه قد يقع لهم في الحياة ~~الدنيا في تناول الطيبات من الرزق كدر وتنغيص فأعلمهم أنها خالصة لهم في ~~الآخرة من ms1207 ذلك كله { كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون } يعني كذلك نبين ~~الحلال مما أحللت والحرام مما حرمت لقوم علموا إني أنا الله وحدي لا شريك ~~لي فأحلوا حلالي وحرموا حرامي. # قوله عز وجل: { قل إنما حرم ربي الفواحش } جمع فاحشة وهي ما قبح وفحش من ~~قول أو فعل، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يتجردون من ~~الثياب ويطوفون بالبيت عراة ويحرمون أكل الطيبات مما أحل الله لهم إن ~~الله لم يحرم ما تحرمونه أنتم بل أحله الله لعباده وطيبه لهم وإنما حرم ~~ربي الفواحش من الأفعال والأقوال { ما ظهر منها وما بطن } يعني علانيته ~~وسره ق. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " لا أحد أغير من الله " # من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح من ~~الله من أجل ذلك مدح نفسه. أصل الغيرة ثوران القلب وهيجان الحفيظة بسبب ~~المشاركة فيما يختص به الإنسان ومنه غيرة أحد الزوجين على الآخر لاختصاص ~~كل واحد منهما بصاحبه ولا يرضى أن يشاركه أحد فيه فلذلك يذب عنه ويمنعه ~~من غيره وأما الغيرة في وصف الله تعالى فهو منعه من ذلك وتحريمه له ويدل ~~على ذلك قوله: ومن غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وقد يحتمل أن ~~تكون غيرته تغيير حال فاعل ذلك بعقاب والله أعلم. وقوله تعالى: { والإثم ~~} يعني وحرم الإثم واختلفوا في الفرق بين الفاحشة والإثم فقيل الفواحش ~~الكبائر لأنه قد تفاحش قبحها وتزايد والإثم عبارة عن الصغائر من الذنوب ~~فعلى هذا يكون معنى الآية: قل إنما حرم ربي الكبائر والصغائر. وقيل ~~الفاحشة اسم لما يجب فيه الحد من الذنوب والإثم اسم لما لا يجب فيه الحد، ~~وهذا القول قريب من الأول واعترض على هذين القولين بأن الإثم في أصل ~~اللغة الذنب فيدخل فيه الكبائر والصغائر، وقيل: إن الفاحشة اسم للكبيرة ~~والإثم اسم لمطلق الذنب سواء كان كبيرا أو صغيرا والفائدة فيه أن ms1208 يقال ~~لما حرم الله الكبيرة بقوله: { قل إنما حرم ربي الفواحش } أردفه بتحريم ~~مطلق الذنب لئلا يتوهم متوهم أن التحريم مقصور على الكبائر فقط وقيل إن ~~الفاحشة وإن كانت بحسب اللغة اسما لكل ما تفاحش من قول أو فعل لكنه قد ~~صار في العرف مخصوصا بالزنا لأنه إذا أطلق لفظ الفاحشة لم يفهم منه إلا ~~ذاك نوجب حمل لفظ الفاحشة على الزنا وأما الإثم فقد قيل إنه اسم من أسماء ~~الخمر وهو قول الحسن وعطاء. قال الجوهري وقد تسمى الخمر إثما واستدل ~~عليه بقول الشاعر: # شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقول # وقال ابن سيده صاحب المحكم: وعندي أن تسمية الخمر بالإثم صحيح لأن شربها ~~إثم وبهذا المعنى يظهر الفرق بين اللفظين وأنكر أبو بكر بن الأنباري ~~تسمية الخمر بالإثم قال لأن العرب ما سمته إثما قط في جاهلية ولا في ~~إسلام ولكن قد يكون الخمر داخلا تحت الإثم لقوله: قل فيهما إثم كبير. # وقوله تعالى: { والبغي } أي وحرم البغي { بغير الحق } والبغي هو الظلم ~~والكبر والاستطالة على الناس ومجاوزة الحد في ذلك كله ومعنى البغي بغير ~~الحق هو أن يطلب ما ليس له بحق فإذا طلب ما له بحق خرج من أن يكون بغيا ~~{ وأن تشركوا } أي وحرم أن تشركوا { بالله ما لم ينزل به سلطانا } هذا ~~فيه تهكم بالمشركين والكفار لأنه لا يجوز أن ينزل حجة وبرهانا بأن يشرك ~~به غيره لأن الإقرار بشيء ليس على ثبوته حجة ولا برهانا ممتنع فلما ~~امتنع حصول الحجة والبينة على صحة القول بالشرك وجب أن يكون باطلا على ~~الإطلاق فإن قلت البغي والإشراك داخلان تحت الفاحشة والإثم لأن الشرك من ~~أعظم الفواحش وأعظم الإثم وكذا البغي أيضا من الفواحش والإثم. قلت: إنما ~~أفردهما بالذكر للتنبيه على عظم قبحهما أنه قال من الفواحش المحرمة البغي ~~والشرك فكأنه بين جملته ثم تفصيله وقوله { وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون } تقدم تفسيره. ### || [7.34-37] # قوله تعالى: { ولكل أمة أجل } الأجل: الوقت المؤقت ms1209 لانقضاء وقت المهلة ~~ثم في هذا الأجل المذكور في الآية قولان: أحدهما أنه أجل العذاب والمعنى ~~أن لكل أمة كذبت رسله وقتا معينا وأجلا مسمى أمهلهم الله إلى ذلك ~~الوقت { فإذا جاء أجلهم } يعنيك إذا حل وقت عذابهم { لا يستأخرون ساعة ~~ولا يستقدمون } يعني فلا يؤخرون ولا يمهلون قدر ساعة ولا أقل من ساعة ~~وإنما ذكرت الساعة لأنها أقل أسماء الوقت في العرف وهذا حين سألوا نزول ~~العذاب فأخبرهم الله تعالى أن لهم وقتا إذا جاء ذلك الوقت هو وقت ~~إهلاكهم واستئصالهم فلا يؤخرون عنه ساعة ولا يستقدمون. والقول الثاني: إن ~~المراد بهذا الأجل هو أجل الحياة والعمر، فإذا انقضى ذلك الأجل وحضر ~~الموت فلا يؤخر ساعة ولا يقدم ساعة وعلى هذا القول يلزم أن يكون لكل واحد ~~أجل لا يقع فيه تقديم ولا تأخير وإنما قال تعالى: لكل أمة تقارب أعمار ~~أهل كل عصر فكأنهم كالواحد في مقدار العمر: وعلى هذا القول أيضا يكون ~~المقتول ميتا بأجله خلافا لمن يقول القاتل قطع عليه أجله. قوله عز وجل: ~~{ يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم } هي إن الشرطية ضمت إليها ما مؤكدة ~~لمعنى الشرط وجزاء هذا الشرط هو الفاء وما بعده من الشرط والجزاء، وهو ~~قوله فمن اتقى وأصلح يعني منكم وإنما قال رسل بلفظ الجمع وإن كان المراد ~~به واحد وهو النبي صلى الله عليه وسلم لأنه خاتم الأنبياء وهو مرسل إلى ~~كافة الخلق فذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم فعلى هذا يكون الخطاب في ~~قوله يا بني آدم لأهل مكة ومن يلحق بهم. وقيل: أراد جميع الرسل وعلى هذا ~~فالخطاب في قوله يا بني آدم عام في كل بني آدم وإنما قال منكم يعني من ~~جنسكم ومثلكم من بني آدم لأن الرسول إذا كان من جنسهم كان أقطع لعذرهم ~~وأثبت للحجة عليهم لأنهم يعرفونه ويعرفون أحواله فإذا أتاهم بما لا يليق ~~بقدرته أو بقدرة أمثاله علم أن ذلك الذي أتى به معجزة له وحجة على من ~~خالفه { يقصون ms1210 عليكم آياتي } يعني يقرؤون عليكم كتابي وأدلة أحكامي ~~وشرائعي التي شرعت لعبادي { فمن اتقى } يعني فمن اتقى الشرك ومخالفة رسلي ~~{ وأصلح } يعني العمل الذي أمرته به رسلي فعمل بطاعتي وتجنب معصيتي وما ~~نهيته عنه { فلا خوف عليهم } يعني حين يخاف غيرهم يوم القيامة من العذاب ~~{ ولا هم يحزنون } يعني على ما فاتهم من دنياهم التي تركوها { والذين ~~كذبوا بآياتنا } يعني ومن جحدوا آياتنا وكذبوا رسلنا { واستكبروا عنها } ~~يعني واستكبروا عن الإيمان بها وما جاءت به رسلنا { أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون } يعني لا يخرجون منها أبدا. # قوله تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } يعني فمن أعظم ظلما ~~ممن يقول على الله ما لم يقله أو يجعل له شريكا من خلقه وهو منزه عن ~~الشريك والولد { أو كذب بآياته } يعني أو كذب بالقرآن الذي أنزله على ~~عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم { أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب } ~~يعني ينالهم حظهم مما قدر لهم وكتب في اللوح المحفوظ واختلفوا في ذلك ~~النصيب على قولين أحدهما: أن المراد به هو العذاب المعين لهم في الكتاب ~~ثم اختلفوا فيه، فقال الحسن والسدي: ما كتب لهم من العذاب وقضي عليهم من ~~سواد الوجوه ورزقه العيون، وقال ابن عباس: في رواية عنه كتب لمن يفتري ~~على الله كذبا أن وجهه أسود، وقال الزجاج: هو المذكور في قوله فأنذرتكم ~~نارا تلظى وفي قوله إذ الأغلال في أعناقهم فهذه الأشياء هي نصيبهم من ~~الكتاب على قدر ذنوبهم في كفرهم. والقول الثاني: إن المراد بالنصيب ~~المذكور في الكتاب هو شيء سوى العذاب ثم اختلفوا فيه فقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما في رواية أخرى عنه وعن مجاهد وسعيد بن جبير وعطية، في قوله: ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب، قالوا: هو السعادة والشقاوة، وقال ابن عباس: ما ~~كتب عليهم من الأعمال، وقال في رواية أخرى عنه: من عمل خيرا جوزي به ومن ~~عمل شرا جوزي به. وقال قتادة: جزاء أعمالهم التي عملوها. وقيل معنى ذلك ~~ينالهم نصيبهم ms1211 مما وعدوا في الكتاب من خير أو شر قاله مجاهد والضحاك، وهو ~~رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا، وقال الربيع بن أنس: ينالهم ما ~~كتب لهم في الكتاب من الرزق، وقال محمد بن كعب القرظي: عمله ورزقه وعمره. ~~وقال ابن زيد: ينالهم نصيبهم من الكتاب من الأعمال والأرزاق والأعمار ~~فإذا فرغ هذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم، وصحح الطبري هذا القول الآخر وقال: ~~لأن الله تعالى أتبع ذلك بقوله حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم فأبان أن ~~الذي ينالهم هو ما قدر لهم في الدنيا فإذا فرغ توفتهم رسل ربهم. قال ~~الإمام فخر الدين رحمه الله تعالى: إنما حصل الاختلاف لأن لفظ النصيب ~~محتمل لكل الوجوه. وقال بعض المحققين: حمله على العمر والرزق أولى لأنه ~~تعالى بين أنهم وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم فإنه ليس بمانع ~~أن ينالهم ما كتب لهم من رزق وعمر تفضلا من الله سبحانه وتعالى لكي ~~يصلحوا ويتوبوا. قوله تعالى: { حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم } يعني حتى ~~إذا جاءت هؤلاء الذين يفترون على الله الكذب رسلنا يعني ملك الموت ~~وأعوانه لقبض أرواحهم عند استكمال أعمارهم وأرزاقهم لأن لفظ الوفاة يفيد ~~هذا المعنى { قالوا } يعني: قال الرسل وهم الملائكة للكفار { أين ما كنتم ~~تدعون من دون الله } وهذا سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت لا سؤال استعلام ~~والمعنى أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله ادعوهم ليدفعوا عنكم ما نزل ~~بكم. # وقيل إن هذا يكون في الآخرة والمعنى حتى إذا جاءتهم رسلنا يعني ملائكة ~~العذاب يتوفونهم يعني يستوفون عددهم عند حشرهم إلى النار قالوا أينما ~~كنتم تدعون يعني شركاء وأولياء تعبدونهم من دون الله فادعوهم ليدفعوا ~~عنكم ما جاءكم من أمر الله { قالوا } يعني الكفار مجيبين للرسل { ضلوا ~~عنا } يعني بطلوا وذهبوا عنا وتركونا عند حاجتنا إليهم فلم ينفعونا { ~~وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } يقول الله تعالى وشهد هؤلاء ~~الكفار عند معاينة العذاب أنهم كانوا جاحدين وحدانية الله واعترفوا على ~~أنفسهم بذلك. ### || [7.38-39] # قوله عز وجل: { قال ms1212 ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس } ~~يقول الله عز وجل يوم القيامة لمن افترى عليه الكذب وجعل له شريكا من ~~خلقه: ادخلوا في أمم يعني في جملة أمم قد خلت يعني قد مضت وسلفت وإنما ~~قال قد خلت ولم يقل قد خلوا لأنه أطلق الضمير على الجماعة يعني في جملة ~~جماعة قد خلت من قبلكم يعني من الجن والإنس { في النار } أي ادخلوا ~~جميعا في النار التي هي مستقركم ومأواكم وإنما عنى بالأمم والجماعات ~~والأحزاب وأهل الملل الكافرة من الجن والإنس { كلما دخلت أمة } يعني كلما ~~دخلت جماعة النار { لعنت أختها } يعني كلما دخلت أمة النار لعنت أختها من ~~أهل ملتها في الدين لا في النسب. قال السدي: دخلت أهل ملة النار لعنوا ~~أصحابهم على ذلك الدين فيلعن المشركون المشركين واليهود اليهود والنصارى ~~النصارى والصابئون الصابئين والمجوس المجوس تلعن الآخرة الأولى { حتى إذا ~~اداركوا } يعني تداركوا وتلاحقوا { فيها جميعا } يعني تلاحقوا واجتمعوا ~~في النار جميعا وأدرك بعضهم بعضا واستقروا في النار { قالت أخراهم ~~لأولاهم } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني قال آخر كل أمة لأولها، ~~وقال السدي: قالت أخراهم الذين كانوا في آخر الزمان لأولاهم الذين شرعوا ~~لهم ذلك الدين، وقال مقاتل: يعني قال أخراهم دخولا النار وهم الأتباع ~~لأولاهم دخولا وهم القادة لأن القادة يدخلون النار أولا { ربنا هؤلاء ~~أضلونا } يعني: تقول الأتباع ربنا هؤلاء القادة والرؤساء أضلونا عن الهدى ~~وزينوا لنا طاعة الشيطان، وقيل: إنما قال المتأخرون ذلك لأنهم كانوا ~~يعتقدون تعظيم المتقدمين من أسلافهم فسلكوا سبيلهم في الضلالة واتبعوا ~~طريقهم فيما كانوا عليه من الكفر والضلالة فلما كان يوم القيامة وتبين ~~لهم فساد ما كانوا عليه قالوا ربنا هؤلاء أضلونا لأنا اتبعنا سبيلهم { ~~فآتهم عذابا ضعفا من النار } أي أضعف عليهم العذاب، قال أبو عبيدة: ~~الضعف هو مثل الشيء مرة واحدة، قال الأزهري والذي قاله أبو عبيدة هو ما ~~يستعمله الناس في مجاز كلامهم وأما كتاب الله فهو عربي مبين فيرد تفسيره ms1213 ~~إلى موضع كلام العرب والضعف في كلامهم ما زاد وليس بمقصور على مثلين ~~وجائز في كلام العرب هذا ضعفه أي مثلاه وثلاثة أمثاله لأن الضعف في الأصل ~~زيادة غير محصورة وأولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله فأقل الضعف محصور ~~وهو المثل وأكثره غير محصور وقال الزجاج في تفسير هذه الآية: فآتهم ~~عذابا ضعفا أي مضاعفا لأن الضعف في كلام العرب على ضربين أحدهما المثل ~~والآخر أن يكون في معنى تضعيف الشيء أي زيادته { قال } يعني قال الله ~~تعالى: { لكل ضعف } يعني لأولاكم ضعف ولأخراكم ضعف وقيل معناه للتابع ضعف ~~وللمتبوع ضعف لأنهم قد دخلوا في الكفر جميعا { ولكن لا تعلمون } يعني ما ~~أعد الله لك فريق من العذاب وقرئ بالياء ومعناه ولكن لا يعلم كل فريق ما ~~أعد الله تعالى من العذاب للفريق الآخر { وقالت أولاهم } يعني في الكفر ~~وهم القادة { لأخراهم } يعني الأتباع { فما كان لكم علينا من فضل } يعني ~~قد ضللتم كما ضللنا وكفرتم كما كفرنا وقيل في معنى الآية وقالت كل أمة ~~سلفت في الدنيا لأخراها الذين جاؤوا من بعدهم فسلكوا سبيل من مضى قبلهم ~~فما كان لكم علينا من فضل وقد علمتم ما حل بنا من عقوبة الله بسبب كفرنا ~~ومعصيتنا إياه وجاءتكم بذلك الرسل والنذر فما رجعتم عن ضلالتكم وكفركم { ~~فذوقوا العذاب } وهذا يحتمل أن يكون من قول القادة للاتباع والأمة الأولى ~~للأخرى التي بعدها ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى يعني يقول الله ~~للجميع فذوقوا العذاب { بما كنتم تكسبون } يعني بسب ما كنتم تكسبون من ~~الكفر والأعمال الخبيثة. ### || [7.40-43] # قوله عز وجل: { إن الذين كذبوا بآياتنا } يعني كذبوا بدلائل التوحيد فلم ~~يصدقوا بها ولم يتبعوا رسلنا { واستكبروا عنها } أي وتكبروا عن الإيمان ~~بها والتصديق لها وأنفوا عن اتباعها والانقياد لها والعمل بمقتضاها ~~تكبرا { لا تفتح لهم أبواب السماء } يعني لا تفتح لأرواحهم إذا خرجت من ~~أجسادهم ولا يصعد لهم إلى الله عز وجل في وقت حياتهم قول ولا عمل لأن ~~أرواحهم وأقوالهم ms1214 وأعمالهم كلها خبيثة وإنما يصعد إلى الله تعالى الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تفتح أبواب ~~السماء لأرواح الكفار وتفتح لأرواح المؤمنين. وفي رواية عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أيضا قال: لا يصعد لهم قول ولا عمل، وقال ابن جريج: لا تفتح ~~أبواب السماء لأعمالهم ولا لأرواحهم. وروى الطبري بسنده عن البراء بن ~~عازب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح الفاجر وأنه يصعد بها ~~إلى السماء قال فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما ~~هذه الروح الخبيثة قال فيقولون فلان بأقبح أسمائه التي كان يدعى به في ~~الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء فيستفتحون له فلا يفتح له ثم قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم ~~الخياط " # وقيل في معنى الآية: لا تنزل عليهم البركة والخير لأن ذلك لا ينزل إلا ~~من السماء فإذا لم تفتح لهم أبواب السماء فلا ينزل عليهم من البركة ~~والخير والرحمة شيء. وقوله تعالى: { ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في ~~سم الخياط } والولوج الدخول والجمل معروف وهو الذكر من الإبل وسم الخياط ~~ثقب الإبرة قال الفراء: الخياط والمخيط ما يخاط به والمراد به الإبرة في ~~هذه الآية وإنما خص الجمل بالذكر من بين سائر الحيوانات لأنه أكبر من ~~سائر الحيوانات جسما عند العرب قال الشاعر: # جسم الجمال وأحلام العصافير # وصف من هجاه بهذا بعظم الجسم مع صغر العقل فجسم الجمل من أعظم الأجسام ~~وثقب الإبرة من أضيق المنافذ فكان ولوج الجمل مع عظم جسمه في ثقب الإبرة ~~الضيق محالا فكذلك دخول الكفار الجنة محال ولما وصف الله دخولهم الجنة ~~على حصول هذا الشرط وكان وقوع الشرط محالا ثبت أن الموقوف على المحال ~~محال فوجب بهذا الاعتبار أن دخول الكفار الجنة مأيوس منه قطعا. وقال بعض ~~أهل المعاني: لما علق الله تعالى دخولهم الجنة بولوج الجمل في ms1215 سم الخياط ~~وهو خرق الإبرة كان ذلك نفيا لدخولهم الجنة على التأبيد وذلك لأن العرب ~~إذا علقت ما يجوز كونه بما لا يجوز كونه استحال كون ذلك الجائز وهذا ~~كقولك: لا آتيك حتى يشيب الغراب ويبيض القار ومنه قول الشاعر: # إذا شاب الغراب أتيت أهلي وصار القار كاللبن الحليب # قوله تعالى: { وكذلك نجزي المجرمين } أي ومثل الذي وصفنا نجزي المجرمين ~~يعني: الكافرين لأنه تقدم من صفتهم أنهم كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها ~~وهذه صفة الكفار فوجب حمل لفظ المجرمين على أنهم الكفار ولما بين الله عز ~~وجل أن الكفار لا يدخلون الجنة أبدا بين أنهم من أهل النار ووصف ما أعد ~~لهم فيها فقال تعالى: { لهم من جهنم مهاد } يعني لهم من نار جهنم فراش ~~وأصل المهاد التمهد الذي يقعد عليه ويضطجع عليه كالفراش والبساط { ومن ~~فوقهم غواش } جمع غاشية وهي الغطاء كاللحاف ونحوه ومعنى الآية أن الناس ~~محيطة بهم من تحتهم ومن فوقهم، قال محمد بن كعب القرظي والضحاك والسدي: ~~المهاد الفراش والغواشي اللحف { وكذلك نجزي الظالمين } يعني وكذلك نكافئ ~~ونجازي المشركين الذين وضعوا العبادة في غير موضعها. قوله عز وجل: { ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها } لما ذكر الله ~~تعالى وعيد الكافرين وما أعد لهم في الآخرة أتبعه بذكر وعد المؤمنين وما ~~أعد لهم في الآخرة فقال والذين آمنوا وعملوا الصالحات يعني والذين والذين ~~صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاءهم به من وحي الله إليه وتنزيله عليه من ~~شرائع دينه وعملوا بما أمرهم به وأطاعوه في ذلك وتجنبوا ما نهاهم عنه لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها يعني لا نكلف نفسا إلا ما يسعها من الأعمال وما ~~يسهل عليها ويدخل في طوقها وقدرتها وما لا حرج فيه عليها ولا ضيق. قال ~~الزجاج: الوسع ما يقدر عليه، وقال مجاهد: معناه إلا ما افترض عليها يعني ~~الذي افترض عليها من وسعها الذي تقدر عليه ولا تعجز عنه وقد غلط من قال ~~إن الوسع بذل المجهود قال أكثر أصحاب ms1216 المعاني إن قوله تعالى لا نكلف ~~نفسا إلا وسعها اعتراض وقع بين المبتدأ والخبر والتقدير والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها وإنما يحسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر لأنه جنس هذا ~~الكلام لأنه تعالى لما ذكر عملهم الصالح ذكر أن ذلك العمل من وسعهم ~~وطاقتهم وغير خارج عن قدرتهم وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم ~~قدرها ومحلها يتوصل إليها بالعمل الصالح السهل من غير تحمل كلفة ولا ~~مشقة صعبة. وقال قوم من أصحاب المعاني هو من تمام الخبر موضعه رفع ~~والعائد محذوف كأنه قال لا نكلف نفسا منهم إلا وسعها فحذف العائد للعلم ~~به. قوله تعالى: { ونزعنا ما في صدورهم من غل } يعني وقلعنا وأخرجنا ما ~~في صدور المؤمنين من غش وحسد وحقد وعداوة كانت بينهم في الدنيا ومعنى ~~الآية أزلنا تلك الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في الدنيا فجعلناهم ~~إخوانا على سرر متقابلين لا يحسد بعضهم بعضا على شيء خص الله به بعضهم ~~دون بعض ومعنى نزع الغل تصفية الطباع وإسقاط الوساوس ودفعها عن أن ترد ~~على القلب روي عن علي رضي الله عنه قال: فينا والله أهل بدر نزلت # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين # [الحجر: 47] وروي عنه أيضا أنه قال إني لأرجوا أن أكون أنا وعثمان ~~وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: { ونزعنا ما في صدورهم من ~~غل } وقيل إن الحسد والغل يزول بدخولهم الجنة خ عن أبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص ~~لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن الله ~~لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه ~~بمنزله في الدنيا " # وقال السدي في هذه الآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا ~~وجدوا عند ms1217 بابها شجرة في أصل ساقها عينان فشربوا من إحداهما فينزع ما في ~~صدورهم من غل فهو الشراب الطهور واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة ~~النعيم فلن يشعثوا ولن يسحنوا بعدها أبدا. وقيل إن درجات أهل الجنة ~~متفاوتة في العلو والكمال فبعض أهل الجنة أعلى من بعض وأخرج الله عز وجل ~~الغل والحسد من صدورهم وأزاله عنهم ونزعه من قلوبهم فلا يحسد صاحب الدرجة ~~النازلة صاحب العالية، وأورد على هذا القول كيف يعقل أن الإنسان يرى ~~الدرجات العالية والنعم العظيمة وهو محبوس عنها لا يصل إليها ولا يميل ~~بطبعه إليها ولا يغتم بسبب حرمانه منها وإن كان في لذة ونعيم وأجيب عن ~~هذا بأن الله تعالى قد وعد بإزالة الحقد والحسد من قلوب أهل الجنة حتى ~~تكمل لهم اللذة والسرور حتى إن أحدهم لا يرى نفسه إلا في كمال وزيادة في ~~النعيم الذي هو فيه فيرضى بما هو فيه ولا يحسد أحدا أبدا وبهذا تم ~~نعيمه ولذته وكمل سروره وبهجته. وقوله تعالى: { تجري من تحتهم الأنهار } ~~لما أخبر الله تعالى بما أنعم به على أهل الجنة من إزالة الغل والحسد ~~والحقد من صدورهم أخبرنا بما أنعم به عليهم من اللذات والخيرات والمسرات ~~{ وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا } يعني أن المؤمنين إذا دخلوا الجنة ~~قالوا الحمد لله الذي وفقنا وأرشدنا للعمل الذي هذا ثوابه وتفضل علينا ~~رحمة منه وإحسانا وصرف عنا عذاب جهنم بفضله وكرمه فله الحمد على ذلك { ~~وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } يعني وما كنا لنرشد لذلك العمل الذي ~~هذا ثوابه لولا أنه أرشدنا الله إليه ووفقنا بفضله ومنه وكرمه وفي الآية ~~دليل على أن المهتدي من هداه الله ومن لم يهده الله فليس بمهتد { لقد ~~جاءت رسل ربنا بالحق } يعني أن أهل النعيم إذا دخلوها ورأوا ما أعد الله ~~لهم فيها من النعيم قالوا لقد جاءت رسل ربنا بالحق يعني أنهم رأوا ما ~~وعدهم به الرسل عيانا { ونودوا أن تلكم الجنة } يعني: ونادى منادي أهل ~~الجنة ms1218 إن هذه الجنة التي كانت الرسل وعدتكم بها في الدنيا واختلفوا في ~~المنادى فقيل هو الله عز وجل وقيل الملائكة ينادون بأمر الله عز وجل وقيل ~~هذا النداء يكون في الجنة م. # عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا ~~وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا ~~وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قوله عز وجل ونودوا أن تلكم ~~الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون " # وقوله تعالى: { أورثتموها بما كنتم تعملون } روى أبو هريرة رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار فأما الكافر فإنه يرث ~~المؤمن منزله من النار والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة " # زاد في رواية فذلك قوله تعالى: { أورثتموها بما كنتم تعملون } قال بعضهم ~~لما سمى الله الكافر ميتا بقوله أموات غير أحياء وسمى المؤمن حيا ~~بقوله: لينذر من كان حيا وفي الشرع أن الأحياء يرثون الأموات فقال ~~أورثتموها يعني أن المؤمن حي وهو يرث الكافر منزله من الجنة لأنه في حكم ~~الميت. وقيل معناه أن أمرهم يؤول إلى الجنة كما أن الميراث يؤول إلى ~~الوارث، وقيل: أورثتموها عن الأعمال الصالحة التي عملتموها لأن الجنة ~~جعلت لهم جزاء وثوابا على الأعمال ويعارض هذا القول ما ورد عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال # " لن يدخل الجنة أحد بعمله وإنما يدخلها برحمة الله " # فإن دخول الجنة برحمة الله وانقسام المنازل والدرجات بالأعمال. وقيل إن ~~العمل الصالح لن يناله المؤمن ولن يبلغه إلا برحمة الله تعالى وتوفيقه ~~وإذا كان العمل الصالح بسبب الرحمة كان دخول الجنة في الحقيقة برحمة الله ~~تعالى وجعلها الله ثوابا وجزاء لهم على تلك الأعمال الصالحة التي عملوها ~~في دار الدنيا والله أعلم. ### || [7.44] # قوله تعالى: { ونادى أصحاب ms1219 الجنة أصحاب النار } يعني ونادى أهل الجنة ~~أهل النار وهذا النداء إنما يكون بعد استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل ~~النار في النار تقول أهل الجنة يا أهل النار { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا ~~حقا } يعني ما وعدنا في الدنيا على ألسنة رسله من الثواب على الإيمان به ~~وبرسله وطاعته حقا { فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا } يعني من العذاب على ~~الكفر { قالوا نعم } يعني قال أهل النار مجيبين لأهل الجنة نعم وجدنا ذلك ~~حقا. فإن قلت: هذا النداء من كل أهل الجنة لكل أهل النار أو من البعض ~~للبعض؟ قلت: ظاهر قوله ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار يفيد العموم والجمع ~~إذا قابل الجمع يوزع الفرد على الفرد فكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان ~~يعرفه من الكفار في دار الدنيا. فإن قلت: إذا كانت الجنة في السماء ~~والنار في الأرض فكيف يمكن أن يبلغ هذا النداء أو كيف يصح أن يقع. قلت: ~~إن الله تعالى قادر على أن يقوي الأصوات والأسماء فيصير البعيد كالقريب. ~~وقوله تعالى: { فأذن مؤذن بينهم } يعني نادى مناد وأعلم لأن أصل الأذان ~~في اللغة الإعلام. والمعنى نادى مناد أسمع الفريقين وهذا المنادي من ~~الملائكة وقيل إنه إسرافيل صاحب الصور ذكره للواحدي { أن لعنة الله على ~~الظالمين } يعني يقول المؤذن إن لعنة الله على الظالمين ثم فسر الظالمين ~~من هم. ### || [7.45-46] # قوله تعالى: { الذين يصدون عن سبيل الله } يعني الذين يمنعون الناس عن ~~الدخول في دين الإسلام { ويبغونها عوجا } يعني ويحاولون أن يغيروا دين ~~الله وطريقته التي شرع لعباده ويبدلونها، وقيل معناه أنهم يصلون لغير ~~الله ويعظمون ما لم يعظمه الله وذلك أنهم طلبوا سبيل الله بالصلاة لغير ~~الله وتعظيم ما لم يعظمه الله فأخطؤوا الطريق وضلوا عن السبيل { وهم ~~بالآخرة كافرون } يعني وهم بكون الآخرة واقعة جاحدون منكرون لها. قوله عز ~~وجل: { وبينهما حجاب } يعني بين الجنة والنار وقيل بين أهل الجنة وأهل ~~النار حجاب وهو المذكور في قوله تعالى: # فضرب بينهم بسور ms1220 له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب # [الحديد: 13] قال مجاهد الأعراف حجاب بين الجنة والنار. وقال السدي ~~وبينها حجاب هو السور وهو الأعراف وقوله: { وعلى الأعراف رجال } الأعراف: ~~جمع عرف وهو كل مرتفع من الأرض ومنه قيل عرف الديك لارتفاعه على ما سواه ~~من الجسد سمي بذلك لأنه بسبب ارتفاعه صار أعرف وأبين مما انخفض، وقال ~~السدي: إنما سمي الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس. وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: الأعراف الشيء المشرف وعنه قال الأعراف سور كعرف الديك وعنه ~~أن الأعراف جبل بين الجنة والنار. يحبس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة ~~والنار واختلف العلماء في صلة الرجال الذين أخبر الله عنهم أنهم على ~~الأعراف وما السبب الذي من أجله صاروا هنالك فروي عن حذيفة أنه سئل عن ~~أصحاب الأعراف فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن ~~الجنة وتخلفت بهم حسناتهم عن النار فوقفوا هنالك على السور حتى يقضي الله ~~تعالى فيهم، قال بعضهم: إنما جعلوا على الأعراف لأنها درجة متوسطة بين ~~الجنة والنار فهم لا من أهل الجنة ولا من أهل النار لكن الله تعالى ~~يدخلهم الجنة بفضله ورحمته لأنه ليس في الآخرة دار إلا الجنة أو النار. ~~وقال ابن مسعود رضي الله عنه يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته ~~أكثر بواحدة دخل الجنة من كانت سيئاته أكثر بواحدة دخل النار وإن الميزان ~~يخف ويثقل بمثال حبة من خردل ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب ~~الأعراف فوقفوا على الأعراف فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا سلام عليكم ~~وإذا نظروا إلى أهل النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين فهنالك ~~يقول الله تعالى: { لم يدخلوها وهم يطمعون } فكان الطمع دخولا قال ابن ~~مسعود رضي الله تعالى عنه: إذا عمل العبد حسنة كتب له بها عشر وإذا عمل ~~سيئة لم تكتب له إلا واحدة ثم قال هلك من غلب آحاده عشراته، وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: الأعراف سور بين الجنة ms1221 والنار وأصحاب الأعراف هم ~~قوم استوت حسناتهم وسيئآتهم فهم بذلك المكان حتى إذا أراد الله تعالى أن ~~يعافيهم انطلق بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة حافتاه قصب الذهب مكلل ~~باللؤلؤ ترابه المسك فألقوا فيه حتى تصلح ألوانهم وتبدو في نحورهم شامة ~~بيضاء يعرفون بها حتى إذا صلحت ألوانهم أتى بهم الرحمن تبارك وتعالى فقال ~~تمنوا ما شئتم فيتمونون حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم لكم الذي تمنيتم ~~ومثله سبعون ضعفا فيدخلون الجنة ذكره ابن جرير في تفسيره. # وقال شرحبيل بن سعد: أصحاب الأعراف قوم خرجوا في الغزو من غير إذن ~~آبائهم. ورواه الطبري بسنده إلى يحيى بن غيل مولى لبني هاشم عن محمد بن ~~عبد الرحمن عن أبيه قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال " هم قوم ~~قتلوا عصاة لآبائهم فمنعهم قتلهم في سبيل الله عن النار ومنعتهم معصية ~~آبائهم أن يدخلو الجنة " # زاد في رواية # " فهم آخر من يدخل الجنة " # وذكر ابن الجوزي: إنهم قوم رضي آباؤهم دون أمهاتهم وأمهاتهم دون آبائهم. ~~ورواه عن إبراهيم وذكر عن أبي صالح مولى التوأمة عن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما: إنهم أولاد الزنا، وقيل: إنهم الذين ماتوا في الفترة وفيه ~~بعد لأن آخر أمر أصحاب الأعراف إلى الجنة وهؤلاء الذين ماتوا في الفترة ~~والله أعلم بحالهم وهو يتولى أمرهم وقيل إنهم أولاد المشركين الذين ماتوا ~~أطفالا وهذا القول يرجع معناه إلى القول الذي قبله لأنه داخل في حكمه ~~فهذه الأقوال تدل على أن أصحاب الأعراف دون أهل الجنة في الدرجات وإن ~~كانوا يدخلون الجنة برحمة الله تعالى. وقال مجاهد: أصحاب الأعراف قوم ~~صالحون فقهاء علماء فعلى هذا القول إنما يكون لبثهم على الأعراف على سبيل ~~النزهة أو ليرى غيرهم شرفهم وفضلهم وقيل إنهم أنبياء حكاه ابن الأنباري ~~وإنما أجلسهم الله على ذلك المكان العالي تمييزا لهم على سائر أهل ~~القيامة وإظهارا لفضلهم وعلو مرتبتهم وليكونوا مشرفين على أهل الجنة ~~والنار ومطلعين على أحوالهم ومقادير ثواب ms1222 أهل الجنة وعقاب أهل النار. ~~وقال أبو مجلز: أصحاب الأعراف ملائكة يعرفون الفريقين بسيماهم يعني ~~يعرفون أهل الجنة وأهل النار، فقيل لأبي مجلز: إن الله تعالى يقول وعلى ~~الأعراف رجال وأنت تقول إنهم ملائكة فقال إن الملائكة ذكور ليسوا بإناث ~~وضعف الطبري قول أبي مجلز قال: لأن لفظ الرجال في لسان العرب لا يطلق ~~إلا على الذكور من بني آدم دون إناثهم ودون سائر الخلق وحاصل هذه الأقوال ~~أن أصحاب الأعراف أفضل من أهل الجنة لأنهم أعلى منهم منزلة وأفضل. وقيل: ~~إنما أجلسهم الله في ذلك المكان العالي ليميزوا بين أهل الجنة وبين أهل ~~النار والله أعلم بمراده وأسراره كتابه. # قوله عز وجل: { يعرفون كلا بسيماهم } يعني: أصحاب الأعراف يعرفون أهل ~~الجنة بسيماهم وذلك ببياض وجوههم ونضرة النعيم عليهم ويعرفون أهل النار ~~بسيماهم وذلك بسواد وجوههم وزرقة عيونهم والسيما العلامة الدالة على ~~الشيء وأصله من السمة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أصحاب الأعراف إذا ~~رأوا أصحاب الجنة عرفوا ببياض الوجوه وإذا رأوا أصحاب النار عرفوهم بسواد ~~الوجوه. فإن قلنا إن أصحاب الأعراف من استوت حسناتهم وسيئاتهم وهم دون ~~أهل الجنة في الدرجة كان وقوفهم على الأعراف ليكونوا درجة متوسطة بين ~~الجنة والنار فإذا رأوا أهل الجنة وعرفوهم ببياض وجوههم نادوهم أن سلام ~~عليكم وهو قوله تعالى { ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم } يعني: نادى ~~أصحاب الأعراف أصحاب الجنة أن سلام عليكم يعني سلمتم من الآفات وحصل لكم ~~الأمن والسلامة وإذا رأوا أهل النار يعرفونهم بسواد وجوههم # قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين # [الأعراف: 47] وإن قلنا: إن أصحاب الأعراف هم الأشراف والأفاضل من أهل ~~الجنة كان جلوسهم على الأعراف ليطلعوا على أهل الجنة وأهل النار ثم ~~لينقلهم الله عز وجل إلى الدرجات العلية في الجنة. وقوله تعالى: { لم ~~يدخلوها وهم يطمعون } يعني في دخول الجنة. قال الحسن: ما جعل الله ذلك ~~الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم. ### || [7.47-49] # قوله تعالى: { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار } يعني وإذا ms1223 صرفت ~~أبصار أصحاب الأعراف تلقاء أصحاب النار يعني وجاههم وحيالهم فنظروا إليهم ~~وإلى سواد وجوههم وما هم فيه من العذاب { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين } يعني الذين ظلموا أنفسهم بالشرك، وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: إن أصحاب الأعراف إذا نظروا لأهل النار وعرفوهم قالوا: ربنا لا ~~تجعلنا مع القوم الظالمين والمعنى أن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل ~~النار وما هم فيه من العذاب تضرعوا إلى الله تعالى وسألوه أن لا يجعلهم ~~منهم. قوله تعالى: { ونادى أصحاب الأعراف رجالا } يعني ونادى أصحاب ~~الأعراف رجالا كانوا عظماء في الدنيا وهم من أهل النار { يعرفونهم ~~بسيماهم } يعني سيما أهل النار { قالوا } يعني أصحاب الأعراف لهؤلاء ~~الذين عرفوهم في النار { ما أغنى عنكم جمعكم } يعني ما كنتم تجمعون من ~~الأموال والعدد في الدنيا { وما كنتم تستكبرون } يعني وما أغنى عنكم ~~تكبركم عن الإيمان شيئا. قال الكلبي: ينادونهم وهم على السور يا وليد بن ~~المغيرة يا أبا جهل بن هشام يا فلان ويا فلان ثم ينظرون إلى الجنة فيرون ~~فيها الفقراء والضعفاء ممن كانوا يستهزئون بهم مثل سلمان وصهيب وخباب ~~وبلال وأشباههم فيقول أصحاب الأعراف لأولئك الكفار { أهؤلاء } لفظ ~~استفهام يعني أهؤلاء الضعفاء { الذين أقسمتم } بالله { لا ينالهم الله ~~برحمة } يعني أنكم حلفتم أنهم لا يدخلون الجنة وقد دخلوا الجنة ثم يقول ~~الله تعالى لأصحاب الأعراف { ادخلوا الجنة } بفضلي ورحمتي { لا خوف عليكم ~~ولا أنتم تحزنون } وقيل إن أصحاب الأعراف إذا قالوا لأصحاب النار ما أخبر ~~الله عنهم قال لهم أهل النار إن أولئك دخلوا الجنة وأنتم لم تدخلوها ~~فيعيرونهم بذلك ويقسمون إنهم لا يدخلون الجنة ولا ينالهم الله برحمة ~~فتقول الملائكة لأهل النار أهؤلاء يعني أصحاب الأعراف الذين أقسمتم لا ~~ينالهم الله برحمة ثم تقول الملائكة لأصحاب الأعراف: ادخلوا الجنة برحمة ~~الله لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. ### || [7.50-53] # { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم ~~الله قالوا } قال ابن عباس رضي الله عنهما ms1224 لما صار أصحاب الأعراف إلى ~~الجنة طمع أهل النار في الفرج فقالوا: يا ربنا إن لنا قرابات من أهل ~~الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم فيأذن لهم فينظرون إلى قرابتهم في ~~الجنة وما هم فيه من النعيم فيعرفونهم وينظر أهل الجنة إلى قرابتهم من ~~أهل النار فلم يعرفوهم لسواد وجوههم فينادون أي أصحاب النار أصحاب الجنة ~~بأسمائهم فينادي الرجل أباه وأخاه فيقول قد احترقت أفض علي من الماء ~~فيقال لهم: أجيبوهم فيقولون إن الله حرمهما على الكافرين. ومعنى الآية أن ~~أهل النار يستغيثون بأهل الجنة إذا استقروا فيها وذلك عند نزول البلاء ~~بأهل النار وما يلقون من شدة العطش والجوع عقوبة لهم من الله على ما سلف ~~منهم في الدنيا من الكفر والمعاصي. يقول أهل النار لأهل الجنة يا أهل ~~الجنة أفيضوا علينا من الماء يعني صبوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله ~~يعني أو أطعمونا مما رزقكم الله ووسعوا علينا من طعام الجنة فيجيبهم أهل ~~الجنة بقولهم { إن الله حرمهما على الكافرين } وهذا الجواب يفيد الحرمان، ~~وقال بعضهم: لما كانت شهواتهم في الدنيا في لذة الأكل والشرب عذبهم الله ~~في الآخرة بشدة الجوع والعطش فسألوا ما كانوا يعتادونه في الدنيا في طلب ~~الأكل والشرب فأجيبوا بأن الله حرمهما على الكافرين يعني طعام الجنة ~~وشرابها ثم وصف الكافرين فقال تعالى: { الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ~~} يعني أنهم تلاعبوا بدينهم الذي شرع لهم ولهوا عنه. وأصل اللهو ما يشغل ~~الإنسان عما يعنيه ويهمه. ويقال لهوت بكذا ولهيت عن كذا أي اشتغلت عنه. ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم المستهزؤون وذلك أنهم كانوا إذا دعوا ~~إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزؤوا به استهزاء بالله عز وجل، وقيل: ~~هو ما زين لهم الشيطان من تحريم البحائر والسوائب والمكاء والتصدية حول ~~البيت وسائر الخصال الذميمة التي كانوا يفعلونها في الجاهلية: وقيل: معنى ~~دينهم عيدهم اتخذوه لهوا ولعبا لا يذكرون الله فيه { وغرتهم الحياة ~~الدنيا } يعني وخدعهم عاجل ما هم فيه من ms1225 خصب العيش ولذته وشغلهم ما هم ~~فيه من ذلك عن الإيمان بالله ورسله وعن الأخذ بنصيبهم من الآخرة حتى ~~أتتهم المنية على ذلك. والغرة غفلة في اليقظة وهو طمع الإنسان في طول ~~العمر وحسن العيش وكثرة المال والجاه ونيل الشهوات فإذا حصل ذلك صار ~~محجوبا عن الدين وطلب الخلاص لأنه غريق في الدنيا بلذاته وما هو فيه من ~~ذلك ولما وصفهم الله تعالى بهذه الصفات الذميمة قال { فاليوم } يوم ~~القيامة { ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا } يعني فاليوم نتركهم في ~~العذاب المهين جياعا عطاشا كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا. # وهذا قول ابن عباس ومجاهد والسدي. قال ابن عباس رضي الله عنهما: نسيهم ~~من الخير ولم ينسهم من الشر. وقيل معناه نعاملهم معاملة من نسي فنتركهم ~~في النار كما تركوا العمل وأعرضوا عن الإيمان إعراض الناسي. سمى الله ~~تعالى جزاء نسيانهم بالنسيان على المجاز لأن الله تعالى لا ينسى شيئا ~~فهو كقوله وجزاء سيئة سيئة مثلها فيكون المراد من هذا النسيان أن الله ~~تعالى لا يجيب دعاءهم ولا يرحم ضعفهم وزلتهم بل يتركهم في النار كما ~~تركوا الإيمان والعمل { وما كانوا بآياتنا يجحدون } يعني ونتركهم في ~~النار كما كانوا بدلائل وحدانيتنا يكذبون. قوله تعالى: { ولقد جئناهم ~~بكتاب } يعني ولقد جئنا هؤلاء الكفار بالقرآن الذي أنزلناه عليك يا محمد ~~{ فصلناه على علم } أي بيناه على علم منا بما نفصله ونبينه { هدى ورحمة ~~لقوم يؤمنون } أي جعلنا القرآن هاديا وذا رحمة لقوم يؤمنون { هل ينظرون ~~} يعني ينتظر هؤلاء الكفار الذين كذبوا بآياتنا وجحدوها ولم يؤمنوا بها { ~~إلا تأويله } يعني هل ينظرون ويتوقعون إلا ما وعدوا به على ألسنة الرسل ~~من العذاب وأن مصيرهم إلى النار والتأويل ما يؤول إليه الشيء { يوم يأتي ~~تأويله } يعني يوم القيامة لأنه يوم الجزاء وما تؤول إليه أمورهم { يقول ~~الذين نسوه من قبل } يعني: يقول الذين تركوا العمل بالقرآن ولم يؤمنوا به ~~يوم القيامة عند معاينة العذاب { قد جاءت رسل ربنا بالحق } أقروا على ~~أنفسهم واعترفوا حين ms1226 لا ينفعهم ذلك الاعتراف والإقرار. والمعنى أن ~~الكفار أقرو بأن الذي جاءت به الرسل من الإيمان والتصديق والحشر والنشر ~~والبعث يوم القيامة والثواب والعقاب حق وصدق وإنما أقروا بهذه الأشياء ~~لأنهم شاهدوها معاينة وذلك حين لا ينفعهم ولما رأوا أنفسهم في العذاب ~~قالوا { فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل } ~~يعني أنه ليس لنا طريق إلى الخلاص مما نحن فيه من العذاب إلا أن يشفع لنا ~~شفيع عند ربنا فيقبل شفاعته فينا فيخلصنا من هذا العذاب أو نرد إلى ~~الدنيا فنعمل غير الذي كنا نعمل فيها فنبدل الكفر بالتوحيد والإيمان ~~والمعاصي بالطاعة والإنابة { قد خسروا أنفسهم } يعني أن الذي طلبوه لا ~~يحصل لهم فتبين خسرانهم وإهلاكهم أنفسهم لأنهم كانوا في الدنيا أول مرة ~~فلم يعملوا بطاعة الله ولو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى ما كانوا عليه من ~~الكفر والعصيان لسابق علم الله تعالى فيهم { وضل عنهم ما كانوا يفترون } ~~يعني وبطل وذهب عنهم ما كانوا يزعمون ويكذبون في الدنيا من أن الأصنام ~~تشفع لهم فلما أفضوا إلى الآخرة ذهب ذلك عنهم وعملوا أنهم كانوا في ~~دعواهم كاذبين. ### || [7.54] # قوله عز وجل: { إن ربكم الله } يعني إن سيدكم ومالككم ومصلح أموركم ~~وموصل الخيرات إليكم والذي يدفع عنكم المكاره وهو الله { الذي خلق ~~السموات والأرض } أصل الخلق في اللغة التقدير ويستعمل في إيداع الشيء من ~~غير أصل سبق ولا ابتداء تقدم. فقوله: خلق السموات والأرض يعني أبدعهما ~~وأنشأ خلقهما على غير مثال سبق وقدر أحوالهما { في ستة أيام } فإن قلت: ~~اليوم عبارة عن مقدار من الزمان وذلك المقدار هو من طلوع الشمس إلى ~~غروبها فكيف قال في ستة أيام ولم يكن شمس ولا سماء قلت معناه في مقدار ~~ستة أيام فهو كقوله # ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # [مريم: 62] يعني على مقادير البكر والعشي في الدنيا لأن الجنة لا ليل ~~فيها ولا نهار. واختلف العلماء في اليوم الذي ابتدأ الله عز وجل بخلق ~~الأشياء فيه فقيل في ms1227 يوم السبت وهو قول محمد بن إسحاق وغيره، ويدل على ~~صحة هذا القول ما روى مسلم في إفراده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال ~~" أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال # " خلق الله تعالى التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد وخلق الشجر ~~يوم الأثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وخلق ~~الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ~~ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل " # وهذا الحديث وإن كان في صحيح مسلم ففيه مقال وقد أنكره بعض العلماء لما ~~فيه من المخالفة للآية الكريمة لأن الله تعالى يقول: خلق السموات والأرض ~~في ستة أيام. وقال في آخر آية أخرى: ولقد خلقنا السموات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام فدل بهذين النصين على أن جميع الخلق تم وعمل في ستة ~~أيام والذي في الحديث أن بعض الخلق وقع في سبعة أيام وذلك مجموع أيام ~~الأسبوع فلهذا السبب أنكره وأنكره من العلماء وقد ذكر الأزهري في كتابه ~~تهذيب اللغة ما يقوي الحديث فقال: وقال ابن الأنباري السبت القطع وسمي ~~يوم السبت لأن الله تعالى ابتدأ الخلق يوم السبت وقطع فيه بعض خلق ~~السموات والأرض وقيل: إن ابتداء الخلق كان يوم الأحد وهو قول عبد الله بن ~~سلام وكعب الأحبار والضحاك ومجاهد واختاره ابن جرير الطبري، قال الطبري: ~~خلق الله السموات والأرض في ستة أيام وذلك يوم الأحد والاثنين والثلاثاء ~~والأربعاء والخميس والجمعة، وروي بسنده عن مجاهد قال: بدأ خلق العرش ~~والماء والهواء وخلقت الأرض من الماء وبدأ الخلق يوم الأحد والاثنين ~~والثلاثاء والأربعاء والخميس وجمع الخلق في يوم الجمعة وتهودت اليهود في ~~يوم السبت ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدون ويعضد هذا القول ما ~~حكاه صاحب المحكم ابن سيده قال: وسمي سابع الأسبوع سبتا لأن ابتداء ~~الخلق كان من يوم الأحد إلى يوم الجمعة ولم يكن في السبت خلق. # قال أصحاب الأخبار والسير ms1228 والتواريخ: إن الله تعالى خلق التربة التي هي ~~الأرض بلا دحو ولا بسط في يوم الأحد والاثنين ثم استوى إلى السماء فسواهن ~~سبع سموات في يومين وهما الثلاثاء والأربعاء ثم دحا الأرض وبسطها وطحاها ~~وأخرج ماءها ومرعاها وخلق دوابها ووحشها وجميع ما فيها في يومين وهما ~~الخميس والجمعة وخلق آدم في يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات ~~الجمعة وقبل خلق الله عز وجل التربة يوم الأحد ثم استوى إلى السماء ~~فخلقها وجميع ما فيها يوم الاثنين والثلاثاء ثم مد الأرض ودحاها يوم ~~الأربعاء والخميس وخلق آدم يوم الجمعة وأسكنه الجنة هو وزوجته حواء ثم ~~أهبطهما إلى الأرض في آخر ساعة من يوم الجمعة. وقيل: أول ما خلق الله ~~القلم ثم اللوح فكتب فيه ما كان وما سيكون وما خلق وما هو خالق إلى يوم ~~القيامة ثم خلق الظلمة والنور ثم خلق العرش ثم خلق السماء من درة بيضاء ~~ثم خلق التربة ثم خلق السموات وما فيها من نجوم وشمس وقمر ثم مد الأرض ~~وبسطها من التربة التي خلقها أولا ثم خلق جميع ما فيها من جبال وشجر ~~ودواب وغير ذلك ثم خلق آدم آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة ~~وفيه أهبط إلى الأرض فتكامل جميع الخلق في ستة أيام كل يوم مقداره ألف ~~سنة وهذا قول جمهور العلماء وقيل في ستة أيام من أيام الدنيا. فإن قلت إن ~~الله عز وجل قادر على أن يخلق جميع الخلق في لحظة واحدة ومنه قوله تعالى: # وما أمرنا إلا واحدة كلمح البصر # [القمر: 50] فما الفائدة في خلق السموات والأرض في ستة أيام وما الحكمة ~~في ذلك؟ قلت: إن الله سبحانه وتعالى، وإن كان قادرا على خلق جميع ~~الأشياء في لحظة واحدة، إلا أنه تعالى جعل لكل شيء حدا محدودا ووقتا ~~معلوما يدخل في الوجود إلا في ذلك الوقت والمقصود من ذلك تعليم عباده ~~التثبت والتأني في الأمور. وقال سعيد بن جبير كان الله عز وجل قادرا على ms1229 ~~خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة فخلقهن في ستة أيام تعليما لخلقه ~~التثبت والتأني في الأمور كما في الحديث # " التأني من الله والعجلة من الشيطان " # وقيل إن الشيء إذا أحدث دفعة واحدة فلعله أن يخطر ببال بعضهم أن ذلك ~~الشيء إنما وقع على سبيل الأتفاق فإذا أحدث شيئا بعد شيء على سبيل ~~المصلحة والحكمة كان ذلك أبلغ في القدرة وأقوى في الدلالة. # وقيل: إن الله تعالى أراد أن يوقع في كل يوم أمرا من أمره حتى تستعظمه ~~الملائكة وغيرهم ممن شاهده. وقيل إن التعجيل في الخلق أبلغ في القدرة ~~وأقوى في الدلالة والتثبت أبلغ في الحكمة فأراد الله تعالى إظهار حكمته ~~في خلق الأشياء بالتثبت كما أظهر قدرته في خلق الأشياء بكن فيكون. وقوله ~~تعالى: { ثم استوى على العرش } العرش في اللغة: السرير، وقيل: هو ما علا ~~فأظل وسمي مجلس السلطان عرشا اعتبارا بعلوه. ويكنى عن العز والسلطان ~~والمملكة بالعرش على الاستعارة والمجاز. يقال فلان فل عرشه بمعنى ذهب عزه ~~وملكه وسلطانه. قال الراغب في كتابه مفردات القرآن: وعرش الله عز وجل مما ~~لا يعلمه البشر إلا بالاسم على الحقيقة وليس هو كما تذهب إليه أوهام ~~العامة فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له تعالى الله عن ذلك وليس كما قال ~~قوم إنه الفلك الأعلى والكرسي فلك الكواكب. وأما استوى بمعنى استقر فقد ~~رواه البيهقي في كتابه الأسماء والصفات برواية كثيرة عن جماعة من السلف ~~وضعفها كلها، وقال: أما الاستواء فالمتقدمون من أصحابنا كانوا لا يفسرونه ~~ولا يتكلمون فيه كنحو مذهبهم في أمثال ذلك، وروى بسنده عن عبد الله بن ~~وهب أنه قال: كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل فقال يا أبا عبد الله الرحمن ~~على العرش استوى كيف استواؤه؟ قال: فأطرق مالك وأخذته الرحضاء ثم رفع ~~رأسه فقال: الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه ولا يقال له كيف وكيف ~~عنه مرفوع وأنت رجل سوء صاحب بدعة أخرجوه فأخرج الرجل. وفي رواية يحيى بن ~~يحيى قال: كنا عند ms1230 مالك بن أنس فجاء رجل فقال يا أبا عبد الله الرحمن على ~~العرش استوى كيف استواؤه؟ فأطرق مالك برأسه حتى علته الرحضاء ثم قال ~~الاستهواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ~~وما أراك إلا مبتدعا فأمر به أن يخرج. روى البيهقي بسنده عن ابن عيينة ~~قال: ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه. ~~قال البيهقي: والآثار عن السلف في مثل هذا كثيرة وعلى هذه الطريقة يدل ~~مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وإليه ذهب أحمد بن حنبل والحسن بن الفضل ~~البجلي ومن المتأخرين أبو سليمان الخطابي. قال البغوي أهل السنة يقولون ~~الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف يجب على الرجل الإيمان به ويكل ~~العلم به إلى الله عز وجل وذكر حديث مالك بن أنس مع الرجل الذي سأله عن ~~الاستواء وقد تقدم. وروى عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان ~~بن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي ~~جاءت في الصفات المتشابهة اقرؤوها كما جاءت بلا كيف. # وقال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله بعد ذكره الدلائل العقلية ~~والسمعية: أنه لا يمكن حمل قوله تعالى ثم استوى على العرش على الجلوس ~~والاستقرار وشغل المكان والحيز وعند هذا حصل للعلماء الراسخين مذهبان ~~الأول القطع بكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة ولا نخوض في تأويل ~~الآية على التفصيل بل نفوض علمها إلى الله تعالى وهو الذي قررنا في تفسير ~~قوله: # وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به # [آل عمران: 7] وهذا المذهب هو الذي نختاره ونقول به ونعتمد عليه والمذهب ~~الثاني: أنا نخوض في تأويله على التفصيل وفيه قولان ملخصان: الأول، ما ~~ذكره القفال فقال العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملك ثم جعل ~~ثل العرش كناية عن نقض الملك يقال ثل عرشه انتقض ملكه وإذا استقام له ~~ملكه واطرد أمره ونفذ حكمه قالوا استوى على عرشه واستوى على ms1231 سرير ملكه ~~هذا ما قاله القفال والذي قاله القفال حق وصواب ثم قال الله تعالى دل على ~~ذاته وصفاته وكيفية تدبيره العالم على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم واستقر ~~في قلوبهم تنبيها على عظمة الله جل جلاله وكمال قدرته وذلك مشروط بنفي ~~التشبيه والمراد منه نفاذ القدرة وجريان المشيئة. قال ويدل على صحة هذا ~~قوله في سورة يونس # ثم استوى على العرش يدبر # [يونس: 3] فقوله يدبر الأمر جرى مجرى التفسير لقوله ثم استوى على العرش ~~وأورد على هذا القول أن الله تعالى لم يكن مستويا على الملك قبل خلق ~~السموات والأرض والله تعالى منزه عن ذلك وأجيب عنه بأن الله تعالى كان ~~قبل خلق السموات والأرض مالكها لكن لا يصح أن يقال شبع زيد إلا بعد أكله ~~الطعام فإذا فسر العرش بالملك صح أن يقال إنه تعالى إنما استوى على ملكه ~~بعد خلق السموات والأرض والقول الثاني: أن يكون استوى بمعنى استولى وهذا ~~مذهب المعتزلة وجماعة من المتكلمين واحتجوا عليه بقوله الشاعر: # قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق # وعلى هذا القول إنما خص العرش بالإخبار عنه بالاستيلاء عليه لأنه أعظم ~~المخلوقات ورد هذا القول بأن العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى وإنما ~~يقال استولى فلان على كذا إذا لم يكن في ملكه ثم ملكه واستولى عليه والله ~~تعالى لم يزل مالكا للأشياء كلها ومستوليا عليها، فأي تخصيص للعرش هنا ~~دون غيره من المخلوقات. ونقل البيهقي عن أبي الحسن الأشعري أن الله تعالى ~~فعل في العرش فعلا سماه استواء كما فعل في غيره فعلا سماه رزقا ونعمة ~~وغيرهما من أفعاله ثم لم يكيف الاستواء إلا أنه جعله من صفات الفعل لقوله ~~تعالى: ثم استوى على العرش. # وثم للتراخي والتراخي إنما يكون في الأفعال وأفعال الله تعالى توجد بلا ~~مباشرة منه إياها ولا حركة وحكى الاستاذ أبو بكر بن فورك عن بعض أصحابنا ~~أنه قال: استوى بمعنى علا من العلو قال ولا يريد بذلك علوا بالمسافة ~~والتحيز والكون ms1232 في المكان متمكنا فيه ولكن يريد معنى نفي التحيز عنه ~~وأنه ليس مما يحويه طبق أو يحيط به قطر ووصف الله تعالى بذلك طريقة ~~الخبر. ولا يتعدى ما ورد به الخبر قال البيهقي رحمه الله تعالى وهو على ~~هذه الطريقة من صفات الذات وكلمة ثم تعلقت بالمستوي عليه لا بالاستواء. ~~قال وقد أشار أبو الحسن الأشعري إلى هذه الطريقة حكاية فقال بعض أصحابنا ~~إنه صفة ذات قال وجوابي هو الأول وهو أن الله تعالى مستو على عرشه وأنه ~~فوق الأشياء بائن منها بمعنى أن لا تحله ولا يحلها ولا يماسها ولا يشبهها ~~وليست البينونة بالعزلة تعالى الله ربنا عن الحلول والمماسة علوا كبيرا ~~وقد قال بعض أصحابنا: إن الاستواء صفة الله تعالى تنفي الاعوجاج عنه. ~~وروي أن ابن الأعرابي جاءه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن ما معنى قوله ~~تعالى الرحمن على العرش استوى؟ قال: إنه مستو على عرشه كما أخبر فقال ~~الرجل: إنما معنى قوله استوى أي استولى. فقال له ابن الأعرابي: ما يدريك ~~أن العرب لا تقول استولى فلان على الشيء حتى يكون له فيه مضاد فأيهما غلب ~~قيل لمن غلب قد استولى عليه والله تعالى لا مضاد له فهو على عرشه كما ~~أخبر لا كما تظنه البشر والله أعلم. وقوله تعالى: { يغشى الليل النهار } ~~يعني أنه تعالى يأتي بالليل على النهار لدلالة الكلام عليه { يطلبه ~~حثيثا } يعني سريعا، وذلك أنه إذا كان يعقب أحدهما الآخر ويخلفه فكأنه ~~يطلبه، حكى الإمام فخر الدين الرازي عن القفال أنه قال: إن الله تعالى ~~لما أخبر عباده باستوائه على العرش أخبر عن استمرار أمور المخلوقات على ~~وفق مشيئته وأراهم ذلك فيما يشاهدونه منها لينضم العيان إلى الخبر وتزول ~~الشبهة من كل الجهات. قال الإمام. واعلم أنه سبحانه وتعالى وصف هذه ~~الحركة بالسرعة الشديدة وذلك لأن تعاقب الليل والنهار إنما يحصل بحركة ~~الفلك الأعظم وتلك الحركة أشد الحركات سرعة فإن الإنسان إذا كان في أشد ~~عدوه بمقدار رفع رجله ووضعها بتحرك الفلك ms1233 الأعظم ثلاث آلاف ميل وهي ألف ~~فرسخ فلهذا قال تعالى يطلبه حثيثا لسرعة حركته { والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره } معنى التسخير التذليل وقال الزجاج وخلق هذه الأشياء جارية ~~في مجاريها بأمره وقال المفسرون: يعني بتسخيرهن تذليلهن لما يراد منها من ~~طلوع وغروب وسير ورجوع إذ ليس هي قادرات بأنفسهن وإنما هن يتصرفن في ~~متصرفاتهن على إرادة المدبر لهن الحكيم في تدبيرهن وتصريفهن على ما أراد ~~منهن والمراد بالأمر في قوله بأمره نفاذ إرادته لأن الغرض من هذه الآية ~~تبيين عظمة قدرته ومنهم من حمل الأمر على الأمر الذي هو الكلام وقال إنه ~~تعالى أمر هذه الأجرام بالسير الدائم والحركة المستمرة إلى انقضاء الدنيا ~~وخراب هذا العالم. # فإن قلت: إن الشمس والقمر من النجوم فلم أفردهما بالذكر ثم عطف عليهما ~~ذكر النجوم؟ قلت: إنما أفردهما بالذكر لبيان شرفهما على سائر الكواكب لما ~~فيهما من الإشراق والنور وسيرهما في المنازل لتعرف الأوقات فهو كقوله: من ~~كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فعطف جبريل وميكال على ذكر ~~الملائكة وإن كانا من الملائكة لبيان شرفهما وفضلهما على غيرهما من ~~الملائكة وقوله تعالى: { ألا له الخلق والأمر } يعني: له الخلق لأنه ~~خلقهم وله أن يأمر فيهم بما أراد وله أن يحكم فيهم بما شاء وعلى هذا ~~المعنى الأمر هنا الذي هو نقيض النهي، واستخرج سفيان بن عيينة من هذا ~~المعنى أن كلام الله عز وجل ليس بمخلوق فقال: إن الله تعالى فرق بين ~~الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر يعني أن من جعل الأمر الذي هو كلامه ~~تعالى من جملة ما خلقه فقد كفر لأن المخلوق لا يقوم بمخلوق مثله. وقيل: ~~معناه أن جميع ما في العالم لله عز وجل والخلق له لأنه خلقهم وجميع ~~الأمور تجري بقضائه وقدره فهو مجريها ومنشئها فلا يبقى بعد هذا لأحد شيء، ~~وقيل: المراد بالأمر هنا الإرادة لأن الغرض من الآية تعظيم القدرة وفي ~~الآية دليل على أنه لا خالق إلا الله عز وجل ففيه رد على ms1234 من يقول إن ~~للشمس والقمر والكواكب تأثيرات في هذا العالم، فأخبر الله أنه هو الخالق ~~المدبر لهذا العالم لا الشمس والقمر والكواكب وله الأمر المطلق وليس لأحد ~~أمر غيره فهو الآمر والناهي الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض ~~لأجد من خلقه عليه { تبارك الله } يعني تمجد وتعظم وارتفع، وقال الزجاج: ~~تبارك تفاعل من البركة ومعنى البركة الكثرة من كل خير وقيل معناه تعالى ~~وتعظم الله { رب العالمين } يعني أنه هو الذي يستحق التعظيم وذلك أن الله ~~تعالىلما افتتح هذه الآية بقوله: # إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض # [الأعراف: 54] وذكر أشياء من عظيم خلقه وأن له الخلق والأمر والنهي ~~والقدرة عليهم ختم الآية بالثناء عليه لأنه هو المستحق للمدح المطلق ~~والثناء والتعظيم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما. معناه جاء بكل بركة. ~~وقيل: تبارك معناه تقدس والتقديس الطهارة. وقيل معناه باسمه يتبرك في كل ~~شيء وقال المحققون: معنى هذه الصفة ثبت ودام كما لم يزل ولا يزال، وأصل ~~البركة الثبوت ويقال تبارك الله ولا يقال متبارك ولا مبارك لأنه لم يرد ~~به التوقيف. ### || [7.55-56] # قوله عز وجل: { ادعوا ربكم } قيل معناه اعبدوا ربكم لأن معنى الدعاء طلب ~~الخير من الله تعالى وهذه الصفة العبادة ولأنه تعالى عطف عليه قوله ~~وادعوه خوفا وطمعا والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه. وقيل: ~~المراد به حقيقة الدعاء هو الصحيح لأن الدعاء هو السؤال والطلب وهو نوع ~~من أنواع العبادة لأن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه ~~الحاجة إلى ذلك المطلوب وهو عاجز عن تحصيله وعرف أن ربه تبارك وتعالى ~~يسمع الدعاء ويعلم حاجته، وهو قادر على إيصالها إلى الداعي فعند ذلك يعرف ~~العبد نفسه بالعجز والنقص ويعرف ربه بالقدرة والكمال وهو المراد من قوله ~~تعالى: { تضرعا } يعني ادعوا ربكم تذللا واستكانة، وهو إظهار الذل في ~~النفس والخشوع. يقال: ضرع فلان لفلان إذا أذل له وخشع. وقال الزجاج: ~~تضرعا يعني تملقا وحقيقته أن ندعوه خاضعين خاشعين متعبدين ms1235 بالدعاء له ~~تعالى { وخفية } يعني سرا في أنفسكم وهو ضد العلانية والأدب في الدعاء ~~أن يكون خفيا لهذه الآية قال الحسن بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ~~ضعفا ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوت إن كان إلا ~~همسا بينهم وبين ربهم وذلك أنه تعالى يقول ادعوا ربكم تضرعا وخفية وأن ~~الله تعالى ذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال تعالى: # إذ نادى ربه نداء خفيا # [مريم: 3] ق وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم ~~تدعون سميعا بصيرا وهو معكم والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ~~" # قال أبو موسى رضي الله عنه وأنا خلفه أقول لا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم في نفسي فقال: # " " يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة " قلت بلى يا ~~رسول الله قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " # قوله صلى الله عليه وسلم # " أربعوا على أنفسكم " # يعني ارفقوا بها وأقصروا عن الصياح في الدعاء. وقوله تعالى: { إنه لا ~~يحب المعتدين } يعني في الدعاء، وقال أبو مجلز: هم الذين يسألون منازل ~~الأنبياء. عن عبد الله بن مغفل أنه سمع ابنه يقول اللهم إني أسألك القصر ~~الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها قال أي بني سل الله الجنة وتعوذ به من ~~النار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء " # أخرجه أبو داود. وقال ابن جريج: الاعتداء رفع الصوت والنداء والصياح في ~~الدعاء. وقيل: الاعتداء مجاوزة الحد في كل شيء فكل من خالف أمر الله ~~ونهيه فقد اعتدى ودخل تحت قوله تعالى: { إنه لا يحب المعتدين } وفرع بعض ~~أرباب الطريقة على قوله تعالى: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } هل الأفضل ~~إظهار العبادات أم ms1236 لا فذهب بعضهم إلى أن إخفاء الطاعات والعبادات أفضل من ~~إظهارها لهذه الآية ولكونها أبعد عن الرياء وذهب بعضهم إلى إن إظهارها ~~أفضل ليقتدي به الغير فيعمل مثل عمله وتوسط الشيخ محمد بن عبد الحكيم ~~الترمذي فقال: إن كان خائفا على نفسه من الرياء، فالأولى إخفاء العبادات ~~صونا لعمله عن البطلان وإن كان قد بلغ في الصفاء وقوة اليقين إلى ~~التمكين بحيث صار مباينا شائبة الرياء كأن الأولى في حقه الإظهار لتحصل ~~فائدة الاقتداء به وذهب بعضهم إلى أن إظهار العبادات المفروضات أفضل من ~~إخفائها فالصلاة المكتوبة في المسجد أفضل من صلاته في بيته وصلاة النفل ~~في البيت أفضل من صلاته في المسجد وكذا إظهار الزكاة أفضل من إخفائها ~~وإخفاء صدقة التطوع أفضل من أظهارها ويقاس على هذا سائر العبادات قوله ~~تعالى: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } يعني ولا تفسدوا أيها الناس ~~في الأرض بالمعاصي والكفر والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله ~~إياها ببعثة الرسل وبيان الشرائع والدعاء إلى طاعة الله تعالى، وهذا معنى ~~قول الحسن والسدي والضحاك والكلبي. قال ابن عطية: لا تعصوا في الأرض ~~فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بسبب معاصيكم فعلى هذا يكون معنى قوله بعد ~~إصلاحها يعني بعد إصلاح الله إياها بالمطر والخصب. وقيل معنى الآية: ولا ~~تفسدوا في الأرض شيئا بعد أن أصلحه الله تعالى فيدخل فيه المنع من إتلاف ~~النفس بالقتل أو إفسادها بقطع بعض الأعضاء وإفساد الأموال بالغصب والسرقة ~~وأخذه من الغير بوجوه الحيل وإفساد الأديان بالكفر واعتقاد البدع ~~والأهواء المضلة وإفساد الأنساب بالإقدام على الزنى وإفساد العقول بسبب ~~شرب المسكر وذلك لأن المصالح المعتبرة في الدنيا هي هذه الخمسة فمنع الله ~~من إدخال الفساد في ماهيتها. وقوله تعالى: { وادعوه خوفا وطمعا } أصل ~~الخوف انزعاج في الباطن لما لا يؤمن من المضار وقيل هو توقع مكروه يحصل ~~فيما بعد والطمع توقع محبوب يحصل له والمعنى وادعوه خوفا منه ومن عقابه ~~وطمعا فيما عنده من جزيل ثوابه. وقال ابن جريج: العدل ms1237 معناه خوف والطمع ~~الفضل. وقيل معناه ادعوه خوفا من الرياء في الذكر والدعاء طمعا في ~~الإجابة. فإن قلت قال في أول الآية ادعوا ربكم تضرعا وخفية وقال هنا ~~وادعوه وهذا هو عطف الشيء على نفسه فما فائدة ذلك؟ قلت: الفائدة فيه أن ~~المراد بقوله تعالى ادعوا ربكم أي ليكن الدعاء مقرونا بالتضرع والإخبات ~~وقوله وادعوه خوفا وطمعا أن فائدة الدعاء أحد هذين الأمرين فكانت الآية ~~الأولى في بيان شرط صحة الدعاء والآية الثانية في بيان فائدة الدعاء وقيل ~~معناه كونوا جامعين في أنفسكم من بين الخوف والرجاء في أعمالكم كلها ولا ~~تطمعوا أنكم وفيتم حق الله في العبادة والدعاء وإن اجتهدتم فيهما { إن ~~رحمت الله } أصل الرحمة رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم وتستعمل تارة في ~~الرقة المجردة عن الإحسان وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة وإذا وصف بها ~~الباري جل وعز فليس يراد بها إلا الإحسان المجرد دون الرقة فرحمة الله عز ~~وجل عبارة عن الإفضال والأنعام على عباده وإيصال الخير إليهم. # وقيل: هي إرادة إيصال الخير والنعمة إلى عباده فعلى القول الأول تكون ~~الرحمة من صفات الأفعال وعلى القول الثاني تكون من صفات الذات { قريب من ~~المحسنين } قال سعيد بن جبير: الرحمة ههنا الثواب فرجع النعت إلى المعنى ~~دون اللفظ. وقيل إن تأنيث الرحمة ليس بحقيقي وما كان كذلك جاز فيه ~~التذكير والتأنيث عند أهل اللغة وكون الرحمة قريبة من المحسنين لأن ~~الإنسان في كل ساعة من الساعات في إدبار عن الدنيا وإقبال على الآخرة ~~وإذا كان كذلك كان الموت أقرب إليه من الحياة وليس بينه وبين رحمة الله ~~التي هي الثواب في الآخرة إلا الموت وهو قريب من الإنسان. ### || [7.57-58] # قوله عز وجل: { وهو الذي يرسل الرياح } هذا عطف على ما قبله. والمعنى أن ~~ربكم الله الذي خلق السموات والأرض وهو الذي يرسل الرياح { بشرا } قرئ ~~نشرا بالنون أراد جمع نشور وهي الريح الطيبة الهبوب التي تهب من كل ~~ناحية، وقيل: هو جمع ناشر يقال أنشر الله الريح ms1238 بمعنى أحياها. وقال ~~الفراء: النشر الريح الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب. وقال ابن الأنباري: ~~النشر المنتشرة الواسعة الهبوب. وقيل: النشر خلاف الطي فيحتمل أنها كانت ~~بانقطاعها كالمطوية فانتشرت بمعنى أرسلت. وقرئ بشرا بالباء جمع بشيرة ~~وهي التي تبشر بالمطر والريح هو الهواء المتحرك يمنة ويسرة والرياح أربعة ~~الصبا وهي الشرقية والدبور وهي الغربية والشمال وهي التي تهب من تحت ~~القطب الشمالي والجنوب وهي القبلية. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن ~~الرياح ثمان: أربع منها عذاب وهي القاصف والعاصف والصرصر والعقيم وأربع ~~منها رحمة وهي الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات { بين يدي رحمته } ~~يعني أمام المطر الذي هو رحمته وإنما سماه رحمة لأنه سبب لحياة الأرض ~~الميتة. قال أبو بكر بن الأنباري رحمه الله تعالى: اليدان تستعملهما ~~العرب في المجاز على معنى التقدمة تقول هذه تكون في الفتن بين يدي الساعة ~~يريدون قبل أن تقوم الساعة تشبيها وتمثيلا بما إذا كانت يد الإنسان ~~تتقدمانه كذلك الرياح تتقدم المطر وتؤذن به. عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: أخذت الناس ريح بطريق مكة وعمر حاج فاشتدت فقال عمر لمن حوله ما ~~بلغكم في الريح فلم يرجعوا إليه شيئا وبلغني الذي سأل عمر عنه من أمر ~~الريح فاستحثثت راحلتي حتى أدركت عمر وكنت في مؤخر الناس فقلت: يا أمير ~~المؤمنين أخبرت أنك سألت عن الريح فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " الريح من روح الله تعالى تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها ~~فلا تسبوها واسألوا الله من خيرها واستعيذوا بالله من شرها " # رواه الشافعي رضي الله عنه بطوله وأخرجه أبو داود في المسند عنه. وقال ~~كعب الأحبار: لو حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر أهل ~~الأرض وقوله تعالى: { حتى إذا أقلت سحابا ثقالا } يقال أقل فلان الشيء ~~إذا حمله واشتقاق الإقلال من القلة فإن من يرفع شيئا يراه قليلا ~~والسحاب جمع سحابة وهو الغيم فيه ماء أو لم يكن فيه ماء سمي سحابا ~~لانسحابه في الهواء. والمعنى: ms1239 حتى إذا حملت هذه الرياح سحابا ثقالا بما ~~فيه من الماء قال السدي: إن الله تبارك وتعالى يرسل الرياح فتأتي بالسحاب ~~من بين الخافقين وهما طرفا السماء والأرض حيث يلقيان فتخرجه من ثم، ثم ~~تنشره فتبسطه في السماء كيف يشاء ثم تفتح له أبواب السماء فيسيل الماء ~~على السحاب ثم يمطر السحاب بعد ذلك. # وقيل إن الله تعالى دبر بحكمته أن الرياح تتحرك تحريكا شديدا فتثير ~~السحاب ثم ينضم بعضه إلى بعض فيتراكم وينعقد ويحمل الماء ثم تسوقه إلى ~~حيث يشاء الله عز وجل وهو قوله تعالى: { سقناه لبلد ميت } يعني إلى بلد ~~فتكون اللام بمعنى إلى. وقيل: معناه لأجل حياة بلد ميت وإنما قال سقنا، ~~لأن لفظ السحاب مذكر وإن كان جمع سحابة فكان ورود الكناية عنه على سبيل ~~التذكير جائزا نظرا إلى اللفظ، قال الأزهري رحمه الله تعالى: قال الليث ~~البلد كل موضع من الأرض عامرا أو غير عامر خال أو مسكون والطائفة منها ~~بلدة والجمع بلاد. زاد غيره والمفازة تسمى بلدة، لكونها مسكن الوحش ~~والجن. قال الأعشى: # وبلدة مثل ظهر الترس موحشة للجن بالليل في حافاتها زجل # ومعنى الآية: إنا سقنا السحاب إلى بلد ميت محتاج لإنزال الماء لم ينزل ~~فيه غيث ولم تنبت فيه خضرة { فأنزلنا به الماء } اختلفوا في الضمير في ~~قوله تعالى به إلى ماذا يعود؟ فقال الزجاج رحمه الله وابن الأنباري جائز ~~أن يكون المعنى فأنزلنا بالبلد الميت الماء وجائز أن يكون المعنى وأنزلنا ~~بالسحاب الماء لأن السحاب آلة لنزول الماء { فأخرجنا به } يعني بذلك ~~الماء لأن إنزال الماء كان سببا لإخراج الثمرات، وقيل: يحتمل أن يكون ~~المعنى فأخرجنا بذلك الماء { من كل الثمرات } يعني وأخرجنا بذلك البلد ~~بعد موته وجد به من أصناف الثمار والزورع { كذلك نخرج الموتى } يعني كما ~~أحيينا البلد الميت كذلك نخرج الموتى أحياء من قبورهم بعد فنائهم ودروس ~~آثارهم واختلفوا في وجه التشبيه، فقيل: إن الله تعالى كما يخلق النبات ~~بواسطة إنزال المطر كذلك يحيي الموتى بواسطة إنزال ms1240 المطر أيضا. قال أبو ~~هريرة وابن عباس رضي الله عنهما: إن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى ~~أمطر الله تعالى عليهم ماء من تحت العرش يدعى ماء الحيوان أربعين سنة ~~فينبتون كما ينبت الزرع من الماء. وفي رواية: أربعين يوما فينبتون في ~~قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح ثم يلقى عليهم ~~النوم فينامون في قبورهم فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية عاشوا ثم ~~يحشرون من قبورهم وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم كما يجد النائم ~~حين يستيقظ من نومه فعند ذلك يقولون: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ~~فيناديهم المنادي: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون: قال مجاهد: إذا أراد ~~الله تعالى أن يخرج الموتى أمطر السماء حتى تنشق الأرض ثم يرسل الأرواح ~~فتعود كل روح إلى جسدها فكذلك يحيي الله الموتى بالمطر كإحيائه الأرض به ~~وقيل إنما وقع التشبيه بأصل الإحياء والمعنى أنه تعالى كما أحيا هذا ~~البلد الميت بعد خرابه وموته فأنبت فيه الزرع والشجر وجعل فيه الثمر كذلك ~~يحيى الموتى ويخرجهم من قبورهم أحياء بعد أن كانوا أمواتا ورمما بالية ~~لأن من قدر على إخراج الثمر الرطب من الخشب اليابس قادر على أن يحييهم ~~ويخرجهم من قبورهم إلى حشرهم ونشرهم { لعلكم تذكرون } الخطاب لمنكري ~~البعث، يقول: إنكم شاهدتم الأشجار وهي مزهرة مورقة مثمرة في أيام الربيع ~~والصيف ثم إنكم شاهدتموها يابسة عارية من تلك الأزهار والأوراق والثمار ~~ثم إن الله تعالى أحياها مرة أخرى فالقادر على إحيائها بعد موتها قادر ~~على إحياء الأجساد بعد موتها. # والمعنى: إنما وصفت ما وصفت من التشبيه والتمثيل لكي تعتبروا وتتذكروا ~~وتعلموا أن من فعل ذلك كان هو الذي يعيد ويحيي. قوله تعالى: { والبلد ~~الطيب } يعني والأرض الطيبة التربة السهلة السمحة { يخرج نباته بإذن ربه ~~} يعني إذا أصابه المطر أخرج نباته بإذن الله عز وجل: { والذي خبث لا ~~يخرج } يعني والبلد الذي خبث أرضه فهي سبخة لا يخرج يعني لا يخرج نباته { ~~إلا نكدا } يعني عسرا بمشقة ms1241 وكلفة قال الشاعر في المعنى يذم إنسانا: # لا تنجز الوعد إن وعدت وإن أعطيت أعطيت تافها نكدا # يعني بالتافه القليل بالنكد العسير ومعناه: إنك إن أعطيت أعطيت القليل ~~بعسر ومشقة. قال المفسرون: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر فشبه ~~المؤمن بالأرض الحرة الطيبة وشبه نزول القرآن على قلب المؤمن بنزول المطر ~~على الأرض الطيبة فإذا نزل المطر عليها أخرجت أنواع الأزهار والثمار ~~وكذلك المؤمن إذا سمع القرآن آمن به وانتفع به وظهرت منه الطاعات ~~والعبادات وأنواع الأخلاق الحميدة وشبه الكافر بالأرض الرديئة الغليظة ~~السبخة التي لا ينتفع بها وإن أصابها المطر فكذلك الكافر إذا سمع القرآن ~~لا ينتفع به ولا يصدقه ولا يزيده إلا عتوا وكفرا وإن عمل الكافر حسنة ~~في الدنيا كانت بمشقة وكلفة ولا ينتفع بها في الآخرة. قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن يقول هو طيب وعمله طيب كما ~~أن البلد الطيب ثمره طيب ثم ضرب مثل الكافر كالبلدة السبخة المالحة التي ~~خرجت منها البركة فالكافر خبيث وعمله خبيث. وقال مجاهد: هذا مثل ضربه ~~الله تعالى لآدم وذريته كلهم منهم خبيث وطيب ويدل على صحة هذا التأويل ما ~~روي عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا ~~فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها ~~أجادب أمسكت الماء فنفع الله تعالى بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا ~~وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبته كلأ فذلك مثل ~~من فقه في دين الله عز وجل ونفعه ما بعثني الله تعالى به فعلم وعلم ومثل ~~من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله تعالى الذي أرسلت به " # أخرجاه في الصحيحين. وقوله تعالى: { كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون } ~~يعني كما ضربنا هذا المثل كذلك نبين الآيات الدالة على التوحيد والإيمان ~~آية ms1242 بعد آية وحجة بعد حجة لقوم يشكرون الله تعالى على إنعامه عليهم ~~بالهداية وحيث جنبهم سبيل الضلالة وإنما خص الشاكرين بالذكر لأنهم هم ~~الذين انتفعوا لسماع القرآن ### || [7.59-62] # قوله عز وجل: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } اعلم أن الله تبارك وتعالى ~~لما ذكر في الآيات المتقدمة دلائل آثار قدرته وغرائب خلقه وصنعته الدالة ~~على توحيده وربوبيته وأقام الدلالة القاطعة على صحة البعث بعد الموت أتبع ~~ذلك بقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما جرى لهم مع أممهم وفي ذلك ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن إعراض قومه فقط في قبول الحق ~~بل قد أعرض عنه سائر الأمم الخالية والقرون الماضية وفيه تنبيه على أن ~~عاقبة أولئك الذين كذبوا الرسل كانت إلى الخسار والهلاك في الدنيا وفي ~~الآخرة إلى العذاب العظيم فمن كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم من قومه كانت ~~عاقبته مثل أولئك الذين خلوا من قبله من الأمم المكذبة وفي ذكر هذه القصص ~~دليل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كان أميا لا يقرأ ولا ~~يكتب ولم يلق أحدا من علماء زمانه فلما أتى بمثل هذه القصص والأخبار عن ~~القرون الماضية والأمم الخالية مما لم ينكره عليه أحد علم بذلك أنه إنما ~~أتى به من عند الله عز وجل وإنه أوحى إليه ذلك فكان دليلا واضحا ~~وبرهانا قاطعا على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: { لقد ~~أرسلنا نوحا إلى قومه } لقد أرسلنا نوحا جواب قسم محذوف تقديره والله ~~لقد أرسلنا نوحا وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس عليه ~~الصلاة والسلام ويعني أرسلنا بعثنا وهو أول نبي بعثه الله تعالى بعد ~~إدريس وكان نوح عليه الصلاة والسلام نجارا. وقيل: معنى الإرسال أن الله ~~تعالى حمله رسالة ليؤديها إلى قومه فعلى هذا التقدير فالرسالة تكون ~~متضمنة للبعث أيضا ويكون البعث كالتابع لا أنه أصل، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: بعثه الله وهو ابن أربعين سنة وقيل وهو ابن خمسين ms1243 سنة وقيل ~~وهو ابن مائتين وخمسين سنة وقيل هو ابن مائة سنة، وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: سمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه واختلفوا في سبب نوحه فقيل: لدعوته ~~على قومه بالهلاك وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنان وقيل: لأنه مر ~~بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح فأوحى الله تعالى إليه أعبتني أم عبت ~~الكلب؟ { فقال } يعني نوحا لقومه { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره } يعني اعبدوا الله تعالى فإنه هو الذي يستحق العبادة لا غيره فإنه ~~ليس لكم إله معبود سواه فإنه هو الذي يستوجب أن يعبد { إني أخاف عليكم ~~عذاب يوم عظيم } يعني إن لم تقبلوا ما آمركم به من عبادة الله تعالى ~~واتباع أمره وطاعته واليوم الذي خافه عليهم وهو إما يوم الطوفان وإهلاكهم ~~فيه أو يوم القيامة وإنما قال أخاف على الشك وإن كان على يقين من حلول ~~العذاب بهم إن لم يؤمنوا به لأنه لم يعلم وقت نزول العذاب بهم أيعاجلهم ~~أم يتأخر عنهم العذاب إلى يوم القيامة { قال الملأ } وهم الجماعة الأشراف ~~{ من قومه إنا لنراك } يعني يا نوح { في ضلال مبين } يعني في خطأ وزوال ~~عن الحق بين { قال } يعني نوحا { يا قوم ليس بي ضلالة } يعني ما بي ما ~~تظنون من الضلال { ولكني رسول من رب العالمين } يعني: هو أرسلني إليكم ~~لأنذركم وأخوفكم إن لم تؤمنوا به وهو قوله { أبلغكم رسالات ربي } يعني ~~بتحذيري إياكم عقوبة على كفركم إن لم تؤمنوا به { وأنصح لكم } يقال نصحته ~~ونصحت له كما يقال شكرته وشكرت له والنصح إرادة الخير لغيره كما يريده ~~لنفسه وقيل النصح تحري قول أو فعل فيه صلاح للغير وقيل حقيقة النصح تعريف ~~وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه والمعنى أنه قال أبلغكم جميع ~~تكاليف الله وشرائعه وأرشدكم إلى الوجه الأصلح والأصوب لكم وأدعوكم إلى ~~ما دعاني إليه وأحب لكم ما أحب لنفسي قال بعضهم والفرق بين إبلاغ الرسالة ~~وبين النصيحة هو أن تبليغ ms1244 الرسالة أن يعرفهم جميع أوامر الله تعالى ~~ونواهيه وجميع أنواع التكاليف التي أوجبها الله تعالى عليهم. # وأما النصيحة فهو أن يرغبهم في قبول تلك الأوامر والنواهي والعبادات ~~ويحذرهم عقابه إن عصوه { وأعلم من الله ما لا تعلمون } يعني أعلم أنكم إن ~~عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان والغرق في الدنيا ويعذبكم في الآخرة عذابا ~~عظيما وقيل أعلم أن مغفرة الله تعالى لمن تاب وعقوبته لمن أصر على الكفر ~~وقيل: لعل الله أطلعه على سر من أسراره فقال وأعلم من الله ما لا تعلمون. ### || [7.63-67] # { أوعجبتم } الألف ألف استفهام والواو للعطف والمعطوف عليه محذوف وهذا ~~الاستفهام استفهام إنكار معناه أكذبتم وعجبتم { أن جاءكم ذكر من ربكم } ~~يعني وحيا من ربكم { على رجل منكم } تعرفونه وتعرفون نسبه وذلك لأن كونه ~~منهم يزيل التعجب، وقيل: المراد بالذكر الكتاب الذي أنزل الله تعالى على ~~نوح عليه الصلاة والسلام سماه ذكرا كما سمي القرآن ذكرا. وقيل: المراد ~~بالذكر المعجزة التي جاء بها نوح عليه السلام فعلى هذا تكون على بمعنى مع ~~أي مع رجل منكم. قال الفراء على هنا بمعنى مع { لينذركم } يعني جاءكم ~~لأجل أن ينذركم { ولتتقوا } أي ولأجل أن تتقوا { ولعلكم ترحمون } لأن ~~المقصود من إرسال الرسل الإنذار والمقصود من الإنذار التقوى عن كل ما لا ~~ينبغي والمقصود بالتقوى الفوز بالرحمة في الدار الآخرة { فكذبوه } يعني ~~فكذبوا نوحا { فأنجيناه } يعني من الطوفان والغرق { والذين معه } يعني ~~من آمن من قومه معه { في الفلك } يعني في السفينة { وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين } قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما عميت ~~قلوبهم عن معرفة الله تعالى، قال الزجاج: عموا عن الحق والإيمان. يقال ~~رجل عم في البصيرة وأعمى في البصر وأنشدوا قول زهير: # وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عم # قال مقاتل: عموا عن نزول العذاب بهم وهو الفرق. قوله تعالى: { وإلى عاد ~~أخاهم هودا } أي وأرسلنا إلى عاد وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن ms1245 نوح ~~وهي عاد الأولى أخاهم هودا يعني أخاهم في النسب لا في الدين وهو هود بن ~~عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وقال ~~ابن إسحاق: هو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح واتفقوا على أن هودا ~~عليه الصلاة والسلام لم يكن أخاهم في الدين ثم اختلفوا في سبب الأخوة من ~~أين حصلت فقيل إنه كان واحدا من القبيلة فيتوجه قوله أخاهم لأنه واحد ~~منهم وقيل إنه لم يكن من القبيلة ثم ذكروا في تفسير هذه الإخوة وجهين: ~~الأول: قال الزجاج: إنه كان من بني آدم ومن جنسهم لا من الملائكة ويكفي ~~هذا القدر في تسمية الأخوة. والمعنى إنا أرسلنا إلى عاد واحدا من جنسهم ~~من البشر ليكون الفهم والأنس بكلامه أتم وأكمل ولم نبعث إليهم من غير ~~جنسهم مثل الملك أو الجن. والثاني: إنه أخاهم يعني صاحبهم والعرب تسمي ~~صاحب القوم أخاهم وكانت منازل عاد بالأحقاف باليمن والأحقاف الرمل الذي ~~عند عمان وحضرموت { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } أي ~~اعبدوا الله وحده ولا تجعلوا معه إلها آخر فإنه ليس لكم إله غيره والفرق ~~بين قوله في قصة نوح وهنا قال إن نوحا كان مواظبا على دعوة قومه غير ~~متوان فيها لأن الفاء تدل على التعقيب. # وأما هود فلم يكن كذلك بل كان دون نوح في المبالغة في الدعاء فأخبر الله ~~تعالى عنه بقوله { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } { أفلا ~~تتقون } يعني أفلا تخافون عقابه بعبادتكم غيره ولما كانت هذه القصة ~~منسوقة على قصة قوم نوح وقد علموا ما حل بهم من الفرق حسن قوله هنا. أفلا ~~تتقون يعني أفلا تخافون ما نزل بهم العذاب ولم يكن قبل واقعة قوم نوح شيء ~~حسن تخويفهم من العذاب فقال هناك إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم { قال ~~الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة } يعني إنا لنراك يا ms1246 هود ~~في حمق وجهالة وضلالة عن الحق. والصواب: أخبر الله تعالى عن قومه نوح ~~أنهم قالوا له إنا لنراك في ضلال مبين وأخبر عن قوم هود أنهم قالوا إنا ~~لنراك في سفاهة والفرق بينهما أن نوحا لما خوف قومه بالطوفان وطفق في ~~عمل السفينة قال له قومه عند ذلك إنا لنراك في ضلال مبين حيث تتعب في ~~إصلاح سفينة في أرض ليس فيها من الماء شيء وأما هود عليه السلام فإنه لما ~~زيف عبادة الأصنام ونسب من عبدها إلى السفه وهو قلة العقل قابلوه بمثله ~~فقالوا إنا لنراك في سفاهة { وإنا لنظنك من الكاذبين } يعني في ادعائك ~~أنك رسول من عند الله { قال } يعني قال هود لهؤلاء الملأ الذين نسبوه إلى ~~السفه { يا قوم ليس بي سفاهة } يعني ليس الأمر كما تدعون أن بي سفاهة { ~~ولكني رسول من رب العالمين } يعني إليكم. ### || [7.68-72] # { أبلغكم رسالات ربي } يعني أؤدي إليكم ما أرسلني به من أوامره ونواهيه ~~وشرائعه وتكاليفه { وأنا لكم ناصح } يعني فيما آمركم به من عبادة الله عز ~~وجل وترك عبادة ما سواه { أمين } يعني على تبليغ الرسالة وأداء النصح ~~والأمين الثقة على ما ائتمن عليه. حكى الله عن نوح عليه الصلاة والسلام، ~~أنه قال وأنصح لكم وحكى عن هود عليه الصلاة والسلام أنه قال: وأنا لكم ~~ناصح فالأول بصيغة الفعل والثاني بصيغة اسم الفاعل والفرق بينهما أن صيغة ~~الفعل تدل على تجدد النصح ساعة بعد ساعة فكان نوح يدعو قومه ليلا ~~ونهارا كما أخبر الله عنه بقوله قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ~~فلما كان ذلك من عادته ذكره بصيغة الفعل فقال: وأنصح لكم وأما هود فلم ~~يكن كذلك بل كان يدعوهم وقتا دون وقت فلهذا قال: وأنا لكم ناصح أمين ~~والمدح للنفس بأعظم صفات المدح غير لائق بالعقلاء وإنما فعل هود ذلك وقال ~~هذا القول لأنه كان يجب عليه إعلام قومه بذلك ومقصوده الرد عليهم في ~~قولهم وأنا لنظنك من الكاذبين فوصف نفسه بالأمانة وأنه أمين في ms1247 تبليغ ما ~~أرسل به من عند الله ففيه تقرير للرسالة والنبوة وفيه دليل على جواز مدح ~~الإنسان نفسه في موضع الضرورة إلى مدحها { أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم ~~على رجل منكم لينذركم } يعني أعجبتم أن أنزل الله وحيه على رجل تعرفونه ~~لينذركم بأس ربكم ويخوفكم عقابه { واذكروا إذ جعلكم خلفاء بعد قوم نوح } ~~يعني واذكروا نعمة الله عليكم إذا أهلك قوم نوح وجعلكم تخلفونهم في الأرض ~~{ وزادكم في الخلق بسطة } يعني طولا وقوة. قال الكلبي والسدي: كانت قامة ~~الطويل منهم مائة ذراع وقامة القصير ستين ذراعا وقيل سبعين ذراعا. عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما ثمانين ذراعا وقال مقاتل: اثني عشر ذراعا وقال ~~وهب: كان رأس أحدهم مثل القبة العظيمة { فاذكروا آلاء الله } يعني نعم ~~الله وفيه إضمار تقديره فاذكروا نعمة الله عليكم واعملوا عملا يليق بذلك ~~الإنعام وهو أن تؤمنوا به وتتركوا ما أنتم عليه من عبادة الأصنام { لعلكم ~~تفلحون } يعني لكي تفوزوا بالفلاح وهو البقاء في الآخر { قالوا } يعني ~~قال قوم هود مجيبين له { أجئتنا } يا هود { لنعبد الله وحده ونذر ما كان ~~يعبد آباؤنا } يعني من الأصنام { فأتنا بما تعدنا } يعني من العذاب { إن ~~كنت من الصادقين } يعني في قولك إنك رسول الله { قال } يعني قال هود ~~مجيبا لهم { قد وقع } يعني نزل ووجب { عليكم من ربكم رجس وغضب } أي عذاب ~~وسخط { أتجادلونني } يعني أتخاصمونني { في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } ~~يعني وضعتم لها أسماء من عند أنفسكم والمراد منه الاستفهام على سبيل ~~الإنكار عليهم لأنهم سموا الأصنام بالآلهة وذلك معدوم فيها { ما نزل الله ~~بها من سلطان } يعني من حجة وبرهان على هذه التسمية وإنما سميتموها أنتم ~~من عند أنفسكم بغير دليل { فانتظروا } يعني العذاب { إني معكم من ~~المنتظرين } يعني نزول العذاب بكم { فأنجيناه } يعني فأنجينا هودا عند ~~نزول العذاب بقومه { والذين معه برحمة منا } يعني وأنجينا أتباعه الذين ~~آمنوا به وصدقوه لأنهم كانوا مستحقين للرحمة { وقطعنا دابر الذين كذبوا ~~بآياتنا } يعني وأهلكنا الذين كذبوا هودا ms1248 من قومه وأراد بالآيات معجزات ~~هود عليه الصلاة والسلام الدالة على صدقه وهذا هلاك استئصال فهلكوا ~~جميعا ولم يبق منهم واحد { وما كانوا مؤمنين } يعني لأنهم لم يكونوا ~~مصدقين بالله ولا برسوله هود عليه الصلاة والسلام: ذكر قصة عاد على ما ~~ذكره محمد بن إسحاق وأصحاب السير والأخبار قالوا جميعا: كانت منازل عاد ~~وجماعتهم حين بعث الله تعالى فيهم هودا عليه الصلاة والسلام الأحقاف ~~والأحقاف الرمل فيما بين عمان وحضرموت من أرض اليمن وكانوا قد فسقوا في ~~الأرض كلها وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي جعلها الله فيهم وكانوا أصحاب ~~أوثان يعبدونها من دون الله عز وجل صنم يقال له صداء، وصنم يقال له صمود ~~وصنم يقال له الهباء فبعث الله عز وجل فيهم هودا عليه الصلاة والسلام وهو ~~من أوسطهم نسبا وأفضلهم موضعا فأمرهم أن يوحدوا الله ولا يجعلوا معه ~~إلها غيره وأن يكفوا عن ظلم الناس ولم يأمرهم بغير ذلك فيما ذكر فأبوا ~~عليه وكذبوه وقالوا من أشد منا قوة واتبعه منهم ناس فآمنوا به وهم يسير ~~يكتمون إيمانهم وكان ممن صدقه وآمن به رجل يقال له مرثد بن سعد بن عفير ~~وكان يكتم إيمانه فلما عتوا على الله وكذبوا نبيهم وأكثروا في الأرض ~~الفساد وتجبروا وبنوا بكل ريع آية واتخذوا المصانع لعلهم يخلدون فلما ~~فعلوا ذلك أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك وكان الناس في ~~ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء وجهد يطلبون الفرج من الله عز وجل وذلك عند ~~بيته الحرام بمكة مؤمنهم ومشركهم وكان يجتمع بمكة ناس كثير مختلفة ~~أديانهم وكل معظم مكة معترف بحرمتها ومكانها من الله عز وجل وكان البيت ~~معروفا مكانه من الحرم وكان سكان مكة يومئذ العماليق وإنما سموا ~~العماليق لأن أباهم كان عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وكان سيد العماليق ~~يومئذ رجلا يقال له معاوية بن بكر وكانت أم معاوية كلهدة بنت الخيبري ~~وهو رجل من عاد وكانت عاد أخوال معاوية سيد العماليق فلما قحطت عاد ms1249 وقل ~~عنهم المطر قالوا: جهزوا منكم وفدا إلى مكة ليستسقوا لكم فإنكم هلكتم ~~فبعثوا قيل بن عنز ونعيم بن هزال من هزيل وعقيل بن صنديد بن عاد الأكبر ~~ومرثد بن سعد بن عفير وكان مسلما يكتم إسلامه وجلهمة بن الخيبري خال ~~معاوية بن بكر سيد العماليق ولقمان بن عاد فانطلق كل رجل من هؤلاء القوم ~~ومعه جماعة من قومه فبلغ عدد وفد عاد سبعين رجلا فلما قدموا مكة نزلوا ~~على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا عن الحرم فأنزلهم وأكرمهم وكانوا ~~أخواله وأصهاره فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان وهما ~~قينتان لمعاوية بن بكر فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم عنده وقد بعثهم ~~قومهم يتغوثون لهم من البلاء الذي أصابهم شق ذلك عليه وقال هلك أخوالي ~~وأصهاري وهؤلاء مقيمون عندي وهم ضيفي نازلون علي والله ما أدري كيف أصنع ~~فإني أستحي أن آمرهم بالخروج لما بعثوا إليه فيظنوا أنه ضيق مني بمكانهم ~~عندي وقد هلك من وراءهم من قومهم جهدا وعطشا قال وشكا ذلك من أمرهم إلى ~~قينتيه الجرادتين فقالتا قل شعرا نغنيهم به ولا يدرون من قاله لعل ذلك ~~أن يحركهم فقال معاوية. # ألا يا قيل ويحك قم فهينم لعل الله يسقينا غماما فيسقي أرض عاد إن ~~عادا قد أمسوا لا يبينون الكلاما من العطش الشديد فليس نرجو به ~~الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهمو بخير فقد أمست نساؤهم ~~أيامى وإن الوحش تأتيهم جهارا ولا تخشى لعادي سهاما وأنتم هاهنا فيما ~~اشتهيتم نهاركمو وليلكمو تماما فقبح وفدكم من وفد قوم ولا لقوا ~~التحية والسلاما # فلما قال معاوية هذا الشعر وغنتهم به الجرادتان وعرف القوم ما غنتا به ~~قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومك ليتغوثوا بكم من هذا البلاء الذي ~~نزل بهم وقد أبطأتم عليه فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم فقال مرثد بن سعد ~~بن عفير: إنكم والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى ~~ربكم سقيتم وأظهر إسلامه عند ذلك وقال في ms1250 ذلك: # عصت عاد رسولهم فأمسوا عطاشا ما تبلهم السماء لهم صنم يقال له صمود ~~يقابله صداء والهباء فبصرنا الرسول سبيل رشد فأبصرنا الهدى وجلا ~~العماء وأن إله هود هو إلهي على الله التوكل والرجاء # زاد في رواية: # لقد حكم الإله وليس جورا وحكم الله إن غلب الهواء على عاد وعاد شر ~~قوم فقد هلكوا وليس لهم بقاء وإني لن أفارق دين هود طول الدهر أو ~~يأتي الفناء # فقال جلهمة بن الخيبري مجيبا لمرثد بن سعد حين فرغ من مقالته وعرف أنه ~~اتبع دين هود وآمن به: # ألا يا سعد إنك من قبيل ذوي كرم وأمك من ثمود فإنا لا نطيعك ما بقينا ~~ولسنا فاعلين لما تريد أتأمرنا لنترك دين وفد ورمل والصداء مع الصمود ~~ونترك دين آباء كرام ذوي رأي ونتبع دين هود # ثم قال جلهمة لمعاوية بن بكر وأبيه بكر احبسا عنا مرثدا فلا يقدمن معنا ~~مكة فإنه قد تبع دين هود وترك ديننا ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد ~~فلما ولوا إلى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية بن بكر حتى أدركهم ~~بمكة قبل أن يدعو الله بشيء مما خرجوا إليه فلما انتهى إليهم قام يدعو ~~الله وبها وفد عاد يدعونه فقال مرثد: اللهم أعطني سؤلي وحدي ولا تدخلني ~~فيما يدعوك به وفد عاد، وقام قيل بن عنز رأس وفد عاد يدعو فقال: اللهم ~~أعط قيلا ما سألك. وقال الوفد معه: واجعل سؤلنا مع سؤله. وكان قد تخلف ~~عن وفد عاد لقمان بن عاد وكان سيد عاد حتى إذا فرغوا من دعواتهم قال ~~لقمان فقال: اللهم إني جئتك وحدي في حاجتي فأعطني سؤلي وسأل طول العمر ~~فعمر عمر سبعة أنسر وقال قيل بن عنز حين دعا يا إلهنا إن كان هود صادقا ~~فاسقنا فإنا قد هلكنا فأنشأ الله تعالى سحائب ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ~~ثم ناداه مناد من السماء يا قيل اختر لقومك ولنفسك من هذه السحاب فقال ~~قيل: قد اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر ms1251 السحاب ماء فناداه مناد اخترت ~~رمادا رمددا لا يبقى من آل عاد أحدا وساق الله تعالى السحابة السوداء ~~التي اختارها قيل بما فيها من النقمة إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد لهم ~~يقال له المغيث لما رأوها استبشروا بها وقالوا هذا عارض ممطرنا يقول الله ~~عز وجل: # بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء # [الأحقاف: 24-25] أي كل شيء مرت به بأمر ربها وكان أول من أبصر ما فيها ~~وعرف أنها ريح مهلكة امرأة من عاد يقال لها مهدد فلما عرفت ما فيها من ~~العذاب صاحت ثم صعقت لما أن أفاقت قالوا لها ماذا رأيت قالت رأيت الريح ~~فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها فسخرها الله عليهم سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما فلم تدع من آل عاد أحدا إلا أهلكه واعتزل هود ومن ~~معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه ومن معه من الريح إلا ما تلين عليه ~~الجلود وتلذ به الأنفس وإنها في وقتها لتمر بالظعن من عاد فتحملها بين ~~السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة وخرج وفد عاد من مكة حتى مروا بمعاوية بن ~~بكر فنزلوا عليه فبينما هم عنده إذ أقبل إليه رجل على ناقة في ليلة مقمرة ~~وذلك مساء ثالثة من مصاب عاد فأخبرهم الخبر فقالوا له: أين فارقت هودا ~~وأصحابه؟: فقال: فارقتهم بساحل البحر وكأنهم شكوا فيما حدثهم به فقالت ~~هذيلة بنت بكر: صدق ورب الكعبة. # وقال السدي بعث الله عز وجل على عاد الريح العقيم فلما دنت منهم نظروا ~~إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والأرض فلما رأوها تبادروا ~~إلى البيوت فدخلوها وأغلقوا الأبواب، فجاءت الريح فقلعت أبوابهم ودخلت ~~عليهم فأهلكتهم فيها ثم أخرجتهم من البيوت فلما أهلكتهم أرسل الله تعالى ~~عليهم طيرا أسود فنقلهم إلى البحر فألقاهم فيه، وقيل: إن الله تعالى أمر ~~الريح فأمالت عليهم الرمال فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام يسمع لهم ~~أنين تحت الرمل ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمل ثم احتملتهم ms1252 فرمت بهم ~~في البحر ولم تخرج ريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ فإنها عتت على الخزنة ~~فغلبتهم فلم يعلموا كم كان مكيالها وفي الحديث # " إنما خرجت على مثل خرق الخاتم " # وقيل: إن مرثد بن سعد ولقمان بن عاد وقيل ابن عنز حين دعوا بمكة قيل لهم ~~أعطيتم مناكم فاختاروا لأنفسكم غير أنه لا سبيل إلى الخلود ولا بد من ~~الموت فقال مرثد: اللهم أعطني برا وصدقا فأعطي ذلك، وقال لقمان: اللهم ~~أعطني عمرا فقيل له اختر فاختار عمر سبعة أنسر فكان يأخذ الفرخ حين يخرج ~~من البيضة وكان يأخذ الذكر لقوته فيربيه حتى يموت فإذا مات أخذ غيره فلم ~~يزل يفعل ذلك حتى أتى على السابع وكان كل نسر يعيش ثمانين سنة وكان ~~السابع من النسور اسمه لبد فلما مات لبد مات لقمان معه. وأما قيل فإنه ~~اختار لنفسه ما يصيب قومه فقيل له إنه الهلاك فقال لا أبالي لا حاجة لي ~~في البقاء بعد قومي فأصابه الذي أصاب عادا فهلك ومن معه من الوفد الذين ~~خرجوا يستسقون لعاد فأتت الريح لما خرجوا من الحرم فأهلكتهم جميعا فلما ~~أهلك الله عادا ارتحل هود ومن معه من المؤمنين من أرضهم بعد هلاك قومه ~~إلى موضع يقال له الشجر من أرض اليمن فنزل هناك ثم أدركه الموت فدفن بأرض ~~حضرموت. يروى عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن قبر هود عليه الصلاة ~~والسلام بحضرموت في كثيب أحمر وقال عبد الرحمن بن شبابة: بين الركن ~~والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبيا وأن قبر هود وصالح وشعيب وإسماعيل ~~عليهم الصلاة والسلام في تلك البقعة ويروى أن كل نبي من الأنبياء كان إذا ~~هلك قومه جاء هو والصالحون من قومه معه إلى مكة يعبدون الله تعالى حتى ~~يموتوا بها. ### || [7.73] # قوله عز وجل: { وإلى ثمود أخاهم صالحا } يعني أرسلنا إلى ثمود وهو ثمود ~~بن عابر بن إرم بن سام ابن نوح وهو أخو جديس بن عابر وكانت مساكن ثمود ~~الحجر بين الحجاز والشام ms1253 إلى وادي القرى وما حوله ومعنى الكلام وإلى بني ~~ثمود أخاهم صالحا لأن ثمود قبيلة. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود ~~لقلة مائها والثمد الماء القليل وقيل سموا ثمود باسم أبيهم الذي ينسبون ~~إليه أخاهم صالحا يعني في النسب لا في الدين وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ~~ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره } يعني قال لهم صالح حين أرسله الله تعالى إليهم يا قوم وحدوا الله ~~تعالى ولا تشركوا به شيئا فما لكم من إله يستحق أن يعبد سواه { قد ~~جاءتكم بينة من ربكم } يعني جاءتكم حجة من ربكم وبرهان على صدق ما أقول ~~وأدعو إليه من عبادة الله تعالى ولا تشركوا به شيئا وعلى تصديق بأني ~~رسول الله إليكم ثم فسر تلك البينة فقال { هذه ناقة الله لكم آية } يعني ~~علامة على صدقي قال العلماء رحمهم الله تعالى: ووجه كون هذه الناقة آية ~~على صدق صالح ومعجزة له خارقة للعادة أنها خرجت من صخرة في الجبل وكونها ~~لا من ذكر ولا من أنثى وكمال خلقها من غير حمل ولا تدريج لأنها خلقت في ~~ساعة وخرجت من الصخرة وقيل لأنه كان لها شرب يوم ولجميع قبيلة ثمود شرب ~~يوم وهذا من المعجزة أيضا لأن ناقة تشرب ما تشربه قبيلة معجزة وكانوا ~~يحلبونها في يوم شربها قدر ما يكفيهم جميعهم ويقوم لهم مقام الماء وهذا ~~أيضا معجزة وقيل إن سائر الوحوش والحيوانات كانت تمتنع من شرب الماء في ~~يوم شرب الناقة وتشرب الحيوانات الماء في غير يوم الناقة وهذا أيضا ~~معجزة وإنما أضافها إلى الله تعالى في قوله هذه ناقة الله على سبيل ~~التفضيل والتشريف كما يقال بيت الله وقيل لأن الله تعالى خلقها بغير ~~واسطة ذكر وأنثى وقيل لأنه لم يملكها أحد إلا الله تعالى وقيل لأنها كانت ~~حجة الله على قوم صالح { فذروها تأكل في أرض الله } يعني فذروا الناقة ~~تأكل العشب من أرض الله ms1254 فإن الأرض لله والناقة أيضا لله وليس لكم في أرض ~~الله شيء لأنه هو الذي أنبت العشب فيها { ولا تمسوها بسوء } يعني ولا ~~تطردوها ولا تقربوها بشيء من أنواع الأذى ولا تعقروها { فيأخذكم عذاب ~~أليم } يعني بسبب عقرها وأذاها. ### || [7.74-77] # { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد } يعني أن الله أهلك عادا وجعلكم ~~تخلفونهم في الأرض وتعمرونها { وبوأكم } يعني وأسكنكم وأنزلكم { في الأرض ~~تتخذون من سهولها قصورا } يعني تبنون القصور من سهولة الأرض لأن القصور ~~إنما تبنى من اللبن والآجر المتخذ من الطين السهل اللين { وتنحتون ~~الجبال بيوتا } يعني وتشقون بيوتا من الجبال وقيل كانوا يسكنون السهول ~~في الصيف والجبال في الشتاء وهذا يدل على أنهم كانوا متمتعين مترهفين { ~~فاذكروا آلاء الله } أي فاذكروا نعمة الله عليكم واشكروه عليها { ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين } قال قتادة: معناه ولا تسيروا في الأرض مفسدين ~~فيها والعثو أشد الفساد وقيل أراد به عقر الناقة وقيل هو على ظاهره فيدخل ~~فيه النهي عن جميع أنواع الفساد { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } ~~يعني قال الأشراف الذين تعظموا عن الإيمان بصالح { للذين استضعفوا } يعني ~~المساكين { لمن آمن منهم } يعني قال الأشراف المتعظمون في أنفسهم ~~لأتباعهم الذين آمنوا بصالح وهم الضعفاء من قومه { أتعلمون أن صالحا ~~مرسل من ربه } يعني أن الله أرسله إلينا وإليكم { قالوا إنا بما أرسل به ~~مؤمنون } يعني قال الضعفاء إنا بما أرسل الله به صالحا من الدين والهدى ~~مصدقون { قال الذين استكبروا } يعني عن أمر الله والإيمان به وبرسوله ~~صالح { إنا بالذي آمنتم به كافرون } أي جاحدون منكرون { فعقروا الناقة } ~~يعني فعقرت ثمود الناقة والعقر قطع عرقوب البعير ثم جعل النحر عقرا لأن ~~ناحر البعير يعقره ثم ينحره { وعتوا عن أمر ربهم } أي تكبروا عن أمر ربهم ~~وعصوه والعتو والغلو في الباطل والتكبر عن الحق والمعنى أنهم عصوا الله ~~وتركوا أمره في الناقة وكذبوا نبيهم صالحا عليه الصلاة والسلام { وقالوا ~~يا صالح ائتنا بما تعدنا } يعني من العذاب { إن كنت من ms1255 المرسلين } يعني: ~~إن كنت كما تزعم أنك رسول الله فإن الله تعالى ينصر رسله على أعدائه ~~وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا مكذبين في كل ما أخبرهم به من العذاب فعجل ~~الله لهم ذلك. ### || [7.78-79] # فقال تعالى: { فأخذتهم الرجفة } قال الفراء والزجاج: الرجفة الزلزلة ~~الشديدة العظيمة، وقال مجاهد والسدي: هي الصيحة فيحتمل أنهم أخذتهم ~~الزلزلة من تحتهم والصيحة من فوقهم حتى هلكوا وهو قوله تعالى { فأصبحوا ~~في دارهم جاثمين } يعني فأصبحوا في أرضهم وبلدهم جاثمين ولذلك وحد الدار ~~كما يقال دار الحرب أي بلد الحرب ودار بني فلان بمعنى موضعهم ومجمعهم ~~وجمع في آية أخرى، فقال في ديارهم لأنه أراد ما لكل واحد منهم من الديار ~~والمساكن وقوله جاثمين يعني باركين على الركب والجثوم للناس والطير ~~بمنزلة البروك للبعير وجثوم الطير هو وقوعه لاطئا بالأرض في حال نومه ~~وسكونه بالليل والمعنى أنهم أصبحوا جاثمين على وجوههم موتى لا يتحركون { ~~فتولى عنهم } يعني فأعرض عنهم صالح وفي وقت هذا التولي قولان: أحدهما: ~~أنه تولى عنهم بعد أن ماتوا وهلكوا ويدل عليه قوله { فأصبحوا في دارهم ~~جاثمين فتولى عنهم } والفاء للتعقيب فدل على أنه جعل هذا التولي بعد ~~جثومهم وهو موتهم. والقول الثاني: أنه تولى عنهم وهم أحياء قبل موتهم ~~وهلاكهم ويدل عليه أنه خاطبهم { وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت ~~لكم ولكن لا تحبون الناصحين } وهذا الخطاب لا يليق إلا بالأحياء فعلى هذا ~~القول يحتمل أن يكون في الآية تقديم وتأخير تقديره فتولى عنهم وقال: يا ~~قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين فأخذتهم ~~الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين وأجاب أصحاب القول الأول عن هذا أنه ~~خاطبهم بعد هلاكهم وموتهم توبيخا وتقريعا كما # " خاطب النبي صلى الله عليه وسلم الكفار من قتلى بدر حين ألقوا في ~~القليب فجعل يناديهم بأسمائهم الحديث في الصحيح وفيه فقال عمر: يا رسول ~~الله كيف تكلم أقواما قد جيفوا فقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن ~~لا يجيبون " # وقيل إنما ms1256 خاطبهم صالح بذلك ليكون عبرة لمن يأتي من بعدهم فينزجر عن مثل ~~تلك الطريقة التي كانوا عليها. ذكر قصة ثمود على ما ذكره محمد بن إسحاق ~~ووهب بن منبه وغيرهما من أصحاب السير والأخبار قالوا جميعا إن عاد لما ~~هلكت وانقضى أمرها عمرت ثمود بعدها واستخلفوا في الأرض فدخلوا فيها ~~وكثروا وعمروا حتى إن أحدهم ليبني المسكن من المدر فينهدم والرجل حي فلما ~~رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا وكانوا في سعة من العيش والرخاء فعثوا ~~وأفسدوا في الأرض وعبدوا غير الله فبعث الله تعالى إليهم صالحا نبيا ~~وكانوا قوما عربا وكان صالح من أوسطهم نسبا وأفضلهم بيتا وحسبا ~~فبعثه الله تعالى إليهم وهو غلام فلم يزل يدعوهم إلى الله تعالى وإلى ~~عبادته حتى شمط وكبر فلم يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون فلما ألح عليهم ~~صالح بالدعاء والتبليغ وأكثر لهم التحذير والتخويف سألوه أن يريهم آية ~~تكون مصداقا على ما يقول فقال صالح أي آية تريدون؟ فقالوا: تخرج معنا ~~إلى عيدنا وكان لهم عيد يخرجون فيه أصنامهم، وذلك في يوم معلوم من السنة ~~وقالوا تدعو إلهك وندعو آلهتنا فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا ~~اتبعتنا فقال لهم صالح نعم فخرجوا بأصنامهم إلى عيدهم وخرج صالح معهم ~~ودعوا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به ثم قال ~~جندع بن عمرو بن حراش وهو يومئذ سيد ثمود: يا صالح أخرج لنا من هذه ~~الصخرة، لصخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاثبة، ناقة مخترجة ~~جوفاء وبراء عشراء والمخترجة ما شاكلت بالبخت من الإبل فإن فعلت آمنا بك ~~وصدقناك فأخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت لتصدقني ولتؤمنن بي قالوا نعم ~~قال فصلى صالح عليه الصلاة والسلام ركعتين ودعا ربه عز وجل فتمخضت الصخرة ~~كما تمخص النتوج بولدها ثم تحركت الهضبة عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما ~~سألوا ووصفوا غير أنه لا يعلم ما بين جنبها إلا الله عز وجل عظما وهم ~~ينظرون إليها ثم نتجت سقبا مثلها في ms1257 العظم فآمن به جندع بن عمرو ورهط ~~معه من قومه وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويصدقوه فمنعهم ذؤاب بن ~~عمرو بن لبيد والحباب وكانا صاحبا أوثانهم ورباب بن ضمير وكان كاهنهم ~~وكانوا من أشراف ثمود فلما خرجت الناقة من الصخرة قال لهم صالح: هذه ناقة ~~لها شرب ولكم شرب يوم معلوم فمكثت الناقة ومعها سقبها في أرض ثمود ترعى ~~الشجر وتشرب الماء وكانت ترد الماء غبا فإذا كان يوم ورودها وضعت رأسها ~~في بئر في الحجر يقال لها بئر الناقة فما ترفع رأسها حتى تشرب كل ما فيها ~~فلا تدع قطرة ثم ترفع رأسها فتتفحج لهم فيحلبون ما شاؤوا منها من لبن ~~فيشربون ويدخرون حتى يملؤوا أوانيهم كلها ثم تصدر الناقة من غير الفج ~~الذي وردت منه ولا تقدر أن تصدر من حيث وردت حتى إذا كان من الغد كان يوم ~~ثمود فيشربوا ما شاء الله من الماء ويدخرون ما شاؤوا ليوم الناقة فيهم ~~على ذلك في سعة ودعة وكانت الناقة تصيف إذا كان الحر بظهر الوادي فتهرب ~~منها مواشيهم الإبل والبقر والغنم فتهبط إلى بطن الوادي فتكون في حره ~~وجدبه وإذا كان الشتاء فتشتو الناقة في بطن الوادي فتهرب المواشي إلى ~~ظهره فتكون في البرد والجدب فأضر ذلك بمواشيهم للأمر الذي يريده الله بهم ~~والبلاء والاختبار، فكبر ذلك عليهم فعتوا عن أمر ربهم وحملهم ذلك على عقر ~~الناقة فأجمعوا على عقرها وكانت امرأتان من ثمود يقال لأحداهما عنيزة بنت ~~غنم بن مخلد وتكنى بأم غنم وكانت عجوزا مسنة وهي امرأة ذؤاب بن عمرو ~~وكانت ذات بنات حسان وذات مال من إبل وبقر وغنم. # والمرأة الأخرى يقال لها صدقة بنت المختار وكانت جميلة غنية ذات مواش ~~كثيرة وكانتا من أشد الناس عداوة لصالح عليه الصلاة والسلام وكانتا تحبان ~~عقر الناقة لما أضرت بمواشيهما فتحيلتا في عقر الناقة فدعت صدقة رجلا من ~~ثمود يقال له الحباب لعقر الناقة وعرضت عليه نفسها إن هو فعل فأبى عليها ~~فدعت ابن عم ms1258 لها يقال لها مصدع بن مهزج بن المحيا وجعلت له نفسها على أن ~~يعقر الناقة وكانت من أحسن الناس وجها وأكثرهم مالا فأجابها إلى ذلك ~~ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا ويزعمون ~~أنه كان ابن زانية ولم يكن لسالف ولكنه ولد على فراشه فقالت عنيزة لقدار ~~أي بناتي شئت أعطيتك على أن تعقر الناقة وكان قدار عزيزا منيعا في قومه ~~ق. # " عن عبد الله بن زمعة رضي الله تعالى عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يخطب وذكر الناقة والذي عقرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~إذا انبعث أشقاها انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة " # قوله انبعث أي قام بسرعة والعارم الخبيث الشرير والعرامة الشدة والقوة ~~والشراسة والمنيع الممتنع ممن أراده. قال أصحاب الأخبار: فانطلق قدار بن ~~سالف ومصدع بن مهزج، فاستنفروا غواة ثمود فاتبعهم سبعة نفر فكانوا تسعة ~~رهط فانطلق قدار ومصدع وأصحابهما فرصدوا الناقة حتى صدرت عن الماء وقد ~~كمن لها قدار في أصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع في أصل صخرة أخرى ~~فمرت على مصدع فرماها بسهم فانتظم في عضلة ساقها فخرجت أم غنم عنيزة ~~وأمرت ابنتها فسفرت عن وجهها وكانت من أحسن الناس وجها ليراها قدار ثم ~~حثته على عقرها وأغرته فشد قدار على الناقة بالسيف فكشف عرقوبها فخرجت ~~ورغت رغاة واحدة فتحذر سقبها من الجبل ثم طعن قدار في لبتها فنحرها فخرج ~~أهل البلد فاقتسموا لحمها فلما رأى سقبها ذلك انطلق هاربا حتى أتى جبلا ~~منيعا يقال له صور وقيل قارة وأتى صالح عليه الصلاة والسلام فقيل له ~~أدرك الناقة فقد عقرت فأقبل نحوها وخرج أهل البلد يتلقونه ويعتذرون إليه ~~ويقولون يا نبي الله إنما عقرها فلان ولا ذنب لنا فقال صالح انظروا هل ~~تدركون فصيلها فإن أدركتموه فعسى أن يرفع عنكم العذاب فخرجوا في طلبه ~~فرأوه على الجبل فذهبوا ليأخذوه فأوحى الله تعالى إلى الجبل أن تطاول ~~فتطاول حتى ms1259 ما تناله الطير وجاء صالح عليه السلام فلما رآه الفصيل بكى ~~حتى سالت دموعه ثم رغا ثلاثا ثم انفجرت الصخرة فدخلها فقال صالح لكل ~~رغوة أجل يوم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب وقال ابن ~~إسحاق تبع السقب أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة وفيهم مصدع بن ~~مهزج وأخوه ذؤاب فرماه مصدع بسهم فأصاب قلبه ثم جذبه فأنزله وألقوا لحمه ~~مع لحم أمه وقال لهم صالح عليه السلام: انتهكتم حرمة الله فأبشروا بعذاب ~~الله ونقمته قالوا وهم يهزؤون به: ومتى ذلك يا صالح وما آية ذلك؟ وكانوا ~~يسمون الأيام في ذلك الوقت الأحد أول والأثنين أهون والثلاثاء دبار ~~والأربعاء جبار والخميس مؤنس والجمعة العروبة والسبت شبار وكانوا عقروا ~~الناقة يوم الأربعاء فقال لهم صالح عليه الصلاة والسلام حين قالوا ذلك: ~~تصبحون غدا يوم مؤنس ووجوهكم مصفرة، ثم تصبحون يوم العروبة ووجوهكم ~~محمرة، ثم تصبحون يوم شبار ووجوهكم مسودة ثم يصبحكم العذاب يوم أول فلما ~~قال لهم صالح ذلك قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلموا فلنقتل صالحا ~~فإن كان صادقا عجلناه قبلنا وإن كان كاذبا كنا قد ألحقناه بناقته فأتوه ~~ليلا ليقتلوه في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة فلما أبطؤوا على ~~أصحابهم أتوا منزل صالح عليه الصلاة والسلام فوجدوهم وقد رضخوا بالحجارة ~~فقالوا لصالح أنت قتلتهم ثم هموا به فقامت عشيرته دونه وقالوا لا تقتلوه ~~أبدا فإنه قد وعدكم العذاب أنه نازل بكم بعد ثلاث فإن كان صادقا لم ~~تزيدوا ربكم إلا غضبا عليكم وإن كان كاذبا فأنتم وراء ما تريدون ~~فانصرفوا عنه تلك الليلة فأصبحوا يوم الخميس ووجوههم مصفرة كأنما طليت ~~بالخلوق صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم فأيقنوا بالعذاب وعرفوا أن صالحا ~~قد صدقهم فيما قال فطلبوه ليقتلوه فهرب منهم ولحق بحي من بطون ثمود يقال ~~لهم بنو غنم فنزل على سيدهم واسمه نفيل ويكنى بأبي هدب وهو مشرك فمنع ~~صالحا فلم يقدروا عليه وكانوا عمدوا إلى أصحاب صالح ليدلوهم عليه فقال ~~رجل من أصحاب صالح يقال له ms1260 مبدع بن هرم: يا نبي الله إنهم يعذبونا لندلهم ~~عليك أفندلهم عليك؟ قال: نعم. # فدلوهم عليه فأتوا أبو هدب فكلموه في أمر صالح فقال هو عندي وليس لكم ~~إليه سبيل فأعرضوا عنه وتركوه وشغلهم ما نزل بهم من العذاب فجعل بعضهم ~~يخبر بعضا بما يرون في وجوههم فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم ~~من الأجل فلما أصبحوا في اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة كأنما خضبت بالدم ~~فصاحوا وضجوا وبكوا وأيقنوا أنه العذاب فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد ~~مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب فلما أصبحوا في اليوم الثالث إذا ~~وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار فصاحوا جميعا ألا قد حضركم العذاب فلما ~~كانت ليلة الأحد خرج صالح عليه الصلاة والسلام ومن أسلم معه من بين ~~أظهرهم إلى الشام فنزل رملة فلسطين فلما أصبحوا في اليوم الرابع تكفنوا ~~وتحنطوا وألقوا بأنفسهم إلى الأرض يقلبون أبصارهم إلى السماء مرة وإلى ~~الأرض مرة لا يدرون من أين يأتيهم العذاب فلما اشتد الضحى من يوم الأحد ~~أتتهم صيحة عظيمة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء له صوت في ~~الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم وهلكوا جميعا إلا جارية مقعدة يقال لها ~~ذريعة بنت سالف وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح عليه الصلاة والسلام ~~فأطلق الله تعالى رجليها بعد ما عاينت العذاب وما أصاب ثمود فخرجت مسرعة ~~حتى أتت وادي القرى فأخبرتهم بما عاينت من العذاب الذي بثمود ثم استقت ~~ماء فسقيت فلما شربت ماتت في الحال. # وذكر السدي في عقر الناقة فقال: أوحى الله عز وجل إلى صالح عليه والسلام ~~إن قومك سيعقرون ناقتك فقال لهم ذلك صالح فقالوا ما كنا لنفعل فقال صالح ~~إنه سيولد في شهركم هذا غلام يعقرها فيكون هلاككم على يديه فقالوا لا ~~يولد لنا في هذا الشهر ولد إلا قتلناه قال فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر ~~أولاد فذبحوهم ثم ولد للعاشر ولد فأبى أن يذبحه لأنه كان لم يولد له قبل ~~ذلك ولد وكان الولد ms1261 الذي ولد له أحمر أزرق فنبت نباتا سريعا فكان إذا ~~مر بالتسعة فرأوه، قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا الغلام ~~فغضب التسعة على صالح لأنه كان سبب قتل أبنائهم فتقاسموا بالله يعني ~~فتحالفوا بالله لنبيتنه وأهله وقالوا نخرج فنرى الناس أنا قد خرجنا إلى ~~سفر فنأتي الغار فنكون فيه حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى مسجده أتيناه ~~فقتلناه ثم نرجع إلى الغار فنكون فيه حتى ننصرف إلى رحلنا فنقول ما شهدنا ~~مهلك أهله وإنا لصادقون فيصدقوننا فيظنون أنا قد خرجنا إلى سفر وكان صالح ~~لا ينام معهم في القرية بل كان يبيت في مسجد له خارج القرية فإذا أصبح ~~أتاهم فيعظهم ويذكرهم فإذا أمسى خرج إلى مسجده فيتعبد فيه قال فانطلق ~~التسعة إلى الغار فدخلوا فسقط عليهم فقتلوا فانطلق رجال ممن كان قد اطلع ~~على أمرهم لينظروا ما فعل أولئك النفر فرأوهم وهم رضخ فرجعوا إلى القرية ~~يصيحون ما رضي صالح بقتل أولادهم حتى قتلهم فاجتمع أهل القرية على عقر ~~الناقة. وقال ابن إسحاق: كان التسعة قد تقاسموا على تبييت صالح بعد عقر ~~الناقة، وقال السدي وغيره: لما ولد للعاشر ولد سماه بقدار فكان يشب ~~سريعا فلما كبر جلس مع أناس يشربون الخمر فأرادوا ماء ليمزجوا به شرابهم ~~وكان ذلك اليوم يوم شرب الناقة فوجدوا الماء قد شربته الناقة فاشتد ذلك ~~عليهم وقالوا ما نصنع نحن بلبن هذه الناقة ولو كنا نأخذ هذا الماء الذي ~~تشربه الناقة فنسقيه لأنعامنا وزروعنا كان خيرا لنا، وقال ابن العاشر: ~~هل لكم أن أعقرها لكم قالوا نعم فعقرها ق عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: # " لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: " لا تدخلوا مساكن ~~الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين ثم قنع رأسه ~~وأسرع السير حتى جاوز الوادي " # وفي رواية لمسلم: # " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين " # ثم ذكر مثله ولهما عنه # " أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1262 على الحجر أرض ثمود ~~فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يهرقوا ما استقوه ويعلفوا الإبل العجيبن وأمرهم أن يستقوا من البئر ~~التي كانت تردها الناقة " # " وللبخاري " # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن ~~لا يشربوا من آبارهم ولا يستقوا منها فقالوا قد عجنا منها واستقينا ~~فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرحوا ذلك العجيبن ويهريقوا ذلك ~~الماء " # وفي بعض الأحاديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تسألوا رسولكم الآيات هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآيات فبعث ~~الله الناقة فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج وتشرب ماءهم يوم ~~ورودها وأراهم مرتقى الفصيل من القارة فعتوا عن أمر ربهم وعقروها فأهلك ~~الله من تحت أديم السماء منهم في مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلا واحدا ~~يقال له أبو رغال وهو أبو ثقيف، كان في حرم الله فمنعه حرم الله تعالى من ~~عذاب الله فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن ودفن معه غصن من ذهب وأراهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أبي رغال فنزل القوم وابتدروه بأسيافهم ~~وحفروا عنه واستخرجوا ذلك الغضن " # وكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف خرج بهم صالح إلى حضرموت ~~فلما دخلوها مات صالح فسمي حضرموت ثم بنوا أربعة آلاف مدينة وسموها ~~حضوراء وقال قوم من أهل العلم: توفي صالح عليه الصلاة والسلام بمكة وهو ~~ابن ثمان وخمسين سنة وأقام في قومه عشرين سنة. ### || [7.80-81] # { ولوطا } يعني وأرسلنا لوطا وقيل: معناه واذكر يا محمد لوطا وهو لوط ~~بن هاران بن تارخ وهو ابن أخي إبراهيم وإبراهيم عمه { إذ قال لقومه } ~~يعني أهل سدوم وإليهم كان قد أرسل وذلك أن لوطا عليه الصلاة والسلام لما ~~هاجر مع عمه إبراهيم عليهم الصلاة والسلام إلى الشام فنزل إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام أرض فلسطين ونزل لوط الأردن أرسله الله تعالى إلى أهل ~~سدوم يدعوهم إلى الله تعالى وينهاهم ms1263 عن فعلهم القبيح وهو قوله تعالى: { ~~أتأتون الفاحشة } يعني أتفعلون الفعلة الخسيسة التي هي غاية في القبح ~~وكانت فاحشتهم إتيان الذكران في أدبارهم { ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين } من الأولى زائدة لتوكيد النفي وإفادة معنى الاستغراق والثانية ~~للتبعيض، والمعنى: ما سبقكم أيها القوم بهذه الفعلة الفاحشة أحد من ~~العالمين قبلكم وفي هذا الكلام توبيخ لهم وتقريع على فعلهم تلك الفاحشة. ~~قال عمرو بن دينار: ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا إلا كان من قوم لوط { ~~أئنكم لتأتون الرجال } يعني في أدبارهم { شهوة من دون النساء } يعني في ~~أدبار الرجال اشهى عندكم من فروج النساء { بل أنتم } يعني أيها القوم { ~~قوم مسرفون } أي مجاوزون الحلال إلى الحرام وإنما ذمهم وعيرهم ووبخهم ~~بهذا الفعل الخبيث لأن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان وركب فيه شهوة ~~النكاح لبقاء النسل وعمران الدنيا وجعل النساء محلا للشهوة وموضع النسل ~~فإذا تركهن الإنسان وعدل عنهن إلى غيرهن من الرجال فكأنما قد أسرف وجاوز ~~واعتدى لانه وضع الشيء في غير محله وموضعه الذي خلق له لأن أدبار الرجال ~~ليست محلا للولادة التي هي مقصودة بتلك الشهوة المركبة في الإنسان وكانت ~~قصة قوم لوط، على ما ذكره محمد بن إسحاق وغيره من أهل الأخبار والسير أنه ~~كانت قرى قوم لوط مخصبة ذات زروع وثمار لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم ~~الناس فآذوهم وضيقوا عليهم فعرض لهم إبليس في صورة شيخ وقال لهم إذا ~~فعلتم بهم كذا وكذا نجوتم منهم فأبوا فلما أحل الناس عليهم قصدوهم ~~فأصابوا غلمانا حسانا صباحا فأخبثوا واستحكم ذلك فيهم. قال الحسن: ~~كانوا لا ينكحون إلا الغرباء، وقيل: استحكم ذلك الفعل فيهم حتى نكح بعضهم ~~بعضا. وقال الكلبي: إن أول من عمل به عمل قوم لوط إبليس وذلك لأن بلادهم ~~أخصبت فقصدها أهل البلدان فتمثل لهم إبليس في صورة شاب أمرد فدعا إلى ~~نفسه فكان أول من نكح في دبره فأمر الله تعالى السماء أن تحصبهم والأرض ~~أن تخسف بهم. ### || [7.82-85] # قوله عز ms1264 وجل: { وما كان جواب قومه } يعني وما كان جواب قوم لوط للوط إذ ~~وبخهم على فعلهم القبيح وركوبهم ما حرم الله تعالى عليهم من العمل الخبيث ~~{ إلا أن قالوا } يعني قال بعضهم لبعض { أخرجوهم من قريتكم } يعني أخرجوا ~~لوطا وأتباعه وأهل دينه من بلدكم { إنهم أناس يتطهرون } يعني أنهم أناس ~~يتنزهون عن فعلكم وعن أدبار الرجال لأنها موضع النجاسة ومن تركها فقد ~~تطهر، وقيل: إن البعد عن المعاصي والآثام يسمى طهارة فمن تباعد عنهما فقد ~~تطهر فلهذا قال إنهم أناس يتطهرون أي من فعل المعاصي والآثام { فأنجيناه ~~وأهله } يعني فأنجينا لوطا ومن آمن به واتبعه على دينه، وقيل: المراد ~~بأهله المتصلون به بسبب النسل أو المراد بأهله ابنتاه { إلا امرأته } ~~يعني زوجته { كانت من الغابرين } يعني كانت من الباقين في العذاب لأنها ~~كانت كافرة، وقيل: معناه كانت من الباقين المعمرين قد أتى عليها دهر طويل ~~ثم هلكت مع من هلك من قوم لوط وإنما قال من الغابرين ولم يقل من الغابرات ~~لأنها هلكت مع الرجال فغلب الرجال فقال من الغابرين { وأمطرنا عليهم ~~مطرا } يعني حجارة من سجيل قد عجنت بالكبريت والنار يقال مطرت السماء ~~وأمطرت. وقال أبو عبيدة: يقال في العذاب أمطرت وفي الرحمة مطرت { فانظر ~~كيف كان عاقبة المجرمين } يعني انظر يا محمد كيف كان عاقبة هؤلاء الذين ~~كذبوا بالله ورسوله وعملوا الفواحش كيف أهلكناهم. قال مجاهد: نزل جبريل ~~عليه السلام فأدخل جناحيه تحت مدائن قوم لوط فاقتلعها ورفعها إلى السماء ~~ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها ثم اتبعوا بالحجارة. وقوله فانظر كيف كان ~~عاقبة المجرمين وإن كان هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لكن المراد ~~به غيره من أمته ليعتبروا بما جرى على أولئك فينزجروا بذلك الاعتبار عن ~~الأفعال القبيحة والفواحش الخبيثة. قوله عز وجل: { وإلى مدين أخاهم ~~شعيبا } يعني: وأرسلنا إلى مدين أكثر المفسرين على أن مدين اسم رجل وهو ~~مدين بن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فعلى هذا يكون المعنى ~~وأرسلنا إلى ولد مدين ومدين اسم ms1265 للقبيلة كما يقال بنو تميم بو عدي وبنو ~~أسد. وقيل: مدين اسم للماء الذي كانوا عليه وقيل هو اسم للمدينة وعلى ~~هذين القولين يكون المعنى: وأرسلنا إلى أهل مدين والصحيح هو الأول لقوله ~~أخاهم شعيبا يعني في النسب لا في الدين وشعيب هو ابن ثويب بن مدين بن ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام قاله عطاء وقال محمد بن إسحاق وهو شعيب بن ~~ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأم ميكيل بنت لوط ~~عليه السلام. وقيل: هو شعيب بن يثرون بن ثويب بن مدين بن إبراهيم عليه ~~السلام وكان شعيب أعمى وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه ~~وكان قومه أهل كفر وبخس في المكيال والميزان { قال } يعني شعيبا { يا ~~قوم اعبدوا لله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم } يعني: قد ~~جاءتكم حجة وبرهان من ربكم بحقية ما أقول وصدق ما أدعي من النبوة ~~والرسالة إليكم لأنه لا بد لكل نبي من معجزة تدل على صدق ما جاء به من ~~عند الله غير أن تلك المعجزة التي كانت لشعيب لم تذكر في القرآن وليست كل ~~آيات الأنبياء مذكورة في القرآن، وقيل: أراد بالبينة مجيء شعيب بالرسالة ~~إليهم وقيل أراد بالبينة الموعظة وهي قوله: { فأوفوا الكيل والميزان } ~~يعني فأتموا الكيل والميزان وأعطوا الناس حقوقهم وهو قوله { ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم } يعني لا تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوهم إياهم فتطففوا ~~الكيل والوزن. # يقال: بخس فلان في الكيل والوزن إذا نقصه وطففه { ولا تفسدوا في الأرض ~~بعد إصلاحها } يعني بعد أن أصلحها الله تعالى ببعثة الرسل وإقامة العدل ~~وكل نبي يبعث إلى قوم فهو صلاحهم { ذلكم } يعني الذي ذكرت لكم وأمرتكم به ~~من الإيمان بالله ووفاء الكيل والميزان وترك الظلم والبخس { خير لكم } ~~يعني مما أنتم عليه من الكفر وظلم الناس { إن كنتم مؤمنين } يعني إن كنتم ~~مصدقين بما أقول. ### || [7.86-89] # { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون } يعني أن شعيبا قال لقومه الكفار ولا ~~تقعدوا على كل ms1266 طريق من الدين والحق تمنعون الناس من الدخول فيه وتهددونهم ~~على ذلك ذلك أنهم كانوا يجلسون على الطرقات ويخوفون من يريد الإيمان ~~بالله وبرسوله شعيب وهو قوله تعالى: { وتصدون عن سبيل الله من آمن به } ~~يعني وتمنعون من يريد الإيمان بالله وتقولون إن شعيبا كذاب وتخوفونه ~~بالقتل. قال ابن عباس: كانوا يجلسون على الطريق فيخبرون من أتى عليهم أن ~~شعيبا الذي تريدونه كذاب فلا يفتنكم عن دينكم { وتبغونها عوجا } يعني: ~~وتريدون اعوجاج الطريق عن الحق وعدولها عن القصد. وقيل معناه تلتمسون لها ~~الزيغ والضلال ولا تستقيمون على طريق الهدى والرشاد { واذكروا إذا كنتم ~~قليلا فكثركم } يعني: أن شعيبا عليه الصلاة والسلام ذكرهم نعمة الله ~~عليهم. قال الزجاج: يحتمل ذلك ثلاثة أوجه كثر عددكم وكثركم بالغنى بعد ~~الفقر وكثركم بالقوة بعد الضعف ووجه ذلك أنهم إذا كانوا فقراء ضعفاء فهم ~~بمنزلة القليل والمعنى إنه كثركم بعد القلة وأعزكم بعد الذلة فاشكروا ~~نعمة الله تعالى عليكم وآمنوا به { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } ~~يعني وانظروا نظر اعتبار ما نزل بمن كان قبلكم من الأمم السالفة والقرون ~~الخالية حين عتوا على ربهم وعصوا رسله من العذاب والهلاك وأقرب الأمم ~~إليكم قوم لوط فانظروا كيف أرسل الله تعالى عليهم حجارة من السماء لما ~~عصوه وكذبوا رسله { وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم ~~يؤمنوا } يعني وإن اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين فرقة آمنت بي وصدقت ~~برسالتي وفرقة كذبت وجحدت رسالتي { فاصبروا } فيه وعيد وتهديد { حتى يحكم ~~الله بيننا } يعني حتى يقضي الله ويفصل بيننا فيعجز المؤمنين المصدقين ~~وينصرهم ويهلك المكذبين الجاحدين ويعذبهم { وهو خير الحاكمين } يعني أنه ~~حاكم عادل منزه عن الجور والميل والحيف في حكمه وإنما قال خير الحاكمين ~~لأنه قد يسمى بعض الأشخاص حاكما على سبيل المجاز والله تعالى هو الحاكم ~~في الحقيقة فلهذا قال وهو خير الحاكمين { قال الملأ الذين استكبروا من ~~قومه } يعني قال الجماعة من أشراف قومه الذين تكبروا عن الإيمان بالله ~~وبرسوله وتعظموا عن اتباع ms1267 شعيب { لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من ~~قريتنا أو لتعودن في ملتنا } عين أن قوم شعيب أجابوه بأن قالوا لا بد من ~~أحد أمرين إما إخراجك ومن تبعك على دينك من بلدنا او لترجعن إلى ديننا ~~وملتنا وما نحن عليه وهذا فيه إشكال وهو أن شعيبا عليه الصلاة والسلام ~~لم يكن قط على ملتهم حتى يرجع إلى ما كان عليه فما معنى قوله أو لتعودن ~~في ملتنا وأجيب عن هذا الإشكال بأن اتباع شعيب كانوا قبل الإيمان به على ~~ملة أولئك الكفار فخاطبوا شعيبا وأتباعه جميعا فدخل هو في الخطاب وإن لم ~~يكن على ملتهم قط. # وقيل: معناه لتصيرن إلى ملتنا فوقع العود على معنى الابتداء كما تقول قد ~~عاد علي من فلان مكروه بمعنى قد لحقني منه ذلك وإن لم يكن قد سبق منه ~~مكروه فهو كما قال الشاعر: # فإن تكن الأيام أحسن مدة إلي فقد عادت لهن ذنوب # أراد فقد صارت لهن ذنوب ولم يرد أن ذنوبا كانت لهن قبل الإحسان. وقوله ~~تعالى: { قال أولو كنا كارهين } أي لا نعود في ملتكم وإن أكرهتمونا ~~وأجبرتمونا على الدخول فيها فلا نقبل ولا ندخل { قد افترينا على الله ~~كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } يعني أن شعيبا أجاب ~~قومه إذ دعوه ومن آمن به إلى العود إلى ملتهم والدخول فيها فقال قد ~~افترينا يعني قد اختلقنا على الله كذبا وتخرصنا عليه من القول باطلا إن ~~نحن رجعنا إلى ملتكم وقد علمنا فساد ما أنتم عليه من الملة والدين وقد ~~أنقذنا الله وخلصنا منها وبصرنا خطأها وهذا أيضا فيه من الإشكال مثل ما ~~في الأول وهو أن شعيبا عليه الصلاة والسلام ما كان في ملتهم قط حتى يقول ~~إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها والجواب عنه مثل ما أجيب عن ~~الإشكال الأول وهو أن نقول إن الله نجى قومه الذين آمنوا به من تلك الملة ~~الباطلة، إلا أن شعيبا نظم نفسه في جملتهم ms1268 وإن كانا بريئا مما كانوا ~~عليه من الكفر فأجرى الكلام على حكم التغليب. وقيل: معنى نجانا الله منها ~~علمنا قبح ملتكم وفسادها فكأنه خلصنا منها وقوله تعالى إخبارا عنه { وما ~~يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } يعني وما يكون لنا أن ~~نرجع إلى ملتكم ونترك الحق الذي نحن عليه إلا أن يشاء الله ربنا يعني إلا ~~أن يكون قد سبق لنا في علم الله أن نعود فيها فحينئذ يمضي قضاء الله ~~وقدره فينا وينفذ سابق مشيئته علينا وقال الواحدي: ومعنى العود هنا ~~الابتداء والذي عليه أهل العلم والسنة في هذه الآية أن شعيبا وأصحابه ~~قالوا ما كنا لنرجع إلى ملتكم بعد أن وقفنا على أنها ضلالة تكسب دخول ~~النار إلا أن يريد الله إهلاكنا فأمورنا راجعة إلى الله غير خارجة عن ~~قبضته يسعد من يشاء بالطاعة ويشقي من يشاء بالمعصية وهذا من شعيب وقومه ~~استسلام لمشيئة الله ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب ~~الأمر ألا ترى إلى قول الخليل عليه الصلاة والسلام # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35] وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول # " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " # قال الزجاج رحمه الله تعالى المعنى وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن ~~يكون قد سبق في علم الله ومشيئته أن نعود فيها وتصديق ذلك قوله { وسع ~~ربنا كل شيء علما } يعني أنه تعالى يعلم ما يكون قبل أن يكون وما سيكون ~~وأنه تعالى كان عالما في الأزل بجميع الأشياء فالسعيد من سعد في علم ~~الله تعالى والشقي من شقي في علم الله تعالى { على الله توكلنا } على ~~الله نعتمد وإليه نستند في أمورنا كلها فإنه الكافي لمن توكل عليه ~~والمعنى: على الله توكلنا لا على غيره فكأنه ترك الأسباب ونظر إلى مسبب ~~الأسباب { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } لما أيس شعيب من إيمان ~~قومه دعا بهذا الدعاء فقال ربنا افتح أي اقض وافصل واحكم بيننا وبين ~~قومنا ms1269 بالحق يعني بالعدل الذي لا جور فيه ولا ظلم ولا حيف { وأنت خير ~~الفاتحين } يعني خير الحاكمين قال الفراء إن أهل عمان يسمون القاضي ~~الفاتح والفتاح وقال غيره من أهل اللغة هي لغة مراد وأنشد لبعضهم في ذلك: # ألا أبلغ بني عصم رسولا فإني عن فتى حكم غني # أراد أنه غني عن حاكمهم وقاضيهم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما كنت ~~أدري ما معنى قوله ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ~~حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول تعال أفاتحك يعني أقاضيك. وهذا قول قتادة ~~والسدي وابن جريج وجمهور المفسرين أن الفاتح هو القاضي والحاكم سمي بذلك ~~لأنه يفتح أغلاق الإشكال بين الخصوم ويفصلها. وقال الزجاج: وجائز أن يكون ~~معناه ربنا أظهر أمرنا حتى ينفتح بيننا وبين قومنا وينكشف والمراد منه أن ~~ينزل عليهم عذابا يدل على كونهم مبطلين وعلى كون شعيب وقومه محقين وعلى ~~هذا الوجه فالفتح يراد به الكشف والتمييز. ### || [7.90-92] # { وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا } يعني وقال جماعة ~~من أشراف قوم شعيب ممن كفر به لآخرين منهم لئن اتبعتم شعيبا على دينه ~~وتركتم دينكم وملتكم وما أنتم عليه { إنكم إذا لخاسرون } يعني إنكم ~~لمغبونون في فعلكم { فأخذتهم الرجفة } يعني الزلزلة الشديدة { فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين } قال ابن عباس وغيره: فتح الله عليهم بابا من جهنم فأرسل ~~عليهم حرا شديدا من جهنم فأخذ بأنفاسهم فلم ينفعهم ظل ولا ماء فدخلوا ~~في الأسراب ليبردوا فيها فوجدوها أشد حرا من الظاهر فخرجوا هربا إلى ~~البرية فبعث الله عليهم سحابة فيها ريح طيبة باردة فأظلتهم وهي الظلة ~~فوجدوا لها بردا ونسيما فنادى بعضهم بعضا حتى إذا اجتمعوا تحت السحابة ~~رجالهم ونساؤهم وصبيانهم ألهبها الله عليهم نارا ورجفت بهم الأرض من ~~تحتهم فاحترقوا كاحتراق الجراد في المقلاة وصاروا رمادا، وروي أن الله ~~تعالى حبس عنهم الريح سبعة أيام ثم سلط عليهم الحر حتى هلكوا بها. وقال ~~قتادة: بعث الله شعيبا إلى أصحاب الأيكة وإلى أهل ms1270 مدين فأما أصحاب ~~الأيكة فأهلكوا بالظلة وأما أهل مدين فأخذتهم الرجفة صاح بهم جبريل عليه ~~السلام صيحة هلكوا جميعا. قال أبو عبد الله البجلي: كان أبو جاد وهوز ~~وحطي وكلمن وسعفص وقرشت ملوك مدين وكان ملكهم في زمن شعيب يوم الظلة اسمه ~~كلمن فلما هلك قالت ابنته شعرا تبكيه وترثيه به: # كلمن هدم ركني هلكه وسط المحله سيد القوم أتاه هلك نار تحت ظله ~~جعلت نارا عليهم دارهم كالمضمحله # وقوله تعالى: { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها } يعني كأن لم ~~يقيموا فيها ولم ينزلوها يوما من الدهر يقال: غنيت بالمكان أي أقمت به. ~~والمغاني: المنازل التي بها أهلها واحدها مغنى قال الشاعر: # ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد # أراد أقاموا فيها وقيل في معنى الآية كأن لم يعيشوا فيها متنعمين ~~مستغنين يقال: غني الرجل إذا انغنى وهو من الغنى الذي هو ضد الفقر { ~~الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } يعني خسروا أنفسهم بهلاكهم. ### || [7.93-97] # { فتولى عنهم } يعني فأعرض عنهم شعيب شاخصا من بين أظهرهم حين أتاهم ~~العذاب { وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم } يعني أنه قال ~~لهم ذلك لما تيقن نزول العذاب بقومه واختلفوا هل كان ذلك القول قبل نزول ~~العذاب أو بعده على قولين سبقا في قصة صالح عليه الصلاة والسلام وقوله { ~~فكيف آسى } يعني أحزن { على قوم كافرين } والأسى أشد الحزن وإنما اشتد ~~حزنه على قومه لأنهم كانوا كثيرين وكان يتوقع منهم الإجابة والإيمان فلما ~~نزل بهم ما نزل من العذاب عزى نفسه فقال كيف أحزن على قوم كافرين لأنهم ~~هم الذين أهلكوا أنفسهم بإصرارهم على الكفر. وقيل في معنى الآية إن ~~شعيبا قال لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير فلم تسمعوا ~~قولي ولم تقبلوا نصحي فكيف أحزن عليكم يعني إنكم لستم مستحقين لأن يحزن ~~عليكم. فعلى القول الأول: إنه حصل لشعيب حزن على قومه. وعلى القول ~~الثاني: لم يحزن عليه والله أعلم. وقوله تعالى: { وما أرسلنا في قرية ms1271 من ~~نبي } فيه إضمار وحذف تقديره فكذبوه { إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ~~} قال ابن مسعود: البأساء الفقر والضراء المرضى وهو معنى قول الزجاج: ~~فإنه قال البأساء كل ما نالهم من الشدة في أموالهم والضراء كل ما نالهم ~~من الأمراض. وقيل: البأساء الشدة وضيق العيش والضراء الضر وسوء الحال { ~~لعلهم يضرعون } يعني إنما فعلنا بهم ذلك لكي يتضرعون ويتوبوا والتضرع ~~الخضوع والانقياد لأمر الله عز وجل والمراد من هذه الآية أن الله عز وجل ~~لما عرف نبيه صلى الله عليه وسلم أحوال الأنبياء مع أممهم المكذبة وقص ~~عليه من أخبارهم وعرفه سنته في الأمم الذين خلقوا من قبله وما صاروا إليه ~~من الهلاك والعذاب عرفه في هذه الآية أنه قد أرسل رسلا إلى أمم أخر ~~فكذبوا رسلهم فأخذهم بالبأساء والضراء كما فعل بمن كذب برسله وفيه تخويف ~~وتحذير لكفار قريش وغيرهم من الكفار لينزجروا عما هم عليه من الكفر ~~والتكذيب ثم بين تعالى أنه لا يجري تدبيره في أهل القرى على نمط واحد ~~وسنة واحدة إنما يدبرهم بما يكون إلى الإيمان أقرب وهو قوله تعالى: { ثم ~~بدلنا مكان السيئة الحسنة } لأن ورود النعمة على البدن والمال بعد الشدة ~~والضيق يستدعي الانقياد للطاعة والاشتغال بالشكر. قال أهل اللغة: السيئة ~~كل ما يسوء صاحبه والحسنة كل ما يستحسنه الطبع والعقل فالسيئة والحسنة ~~هنا الشدة والرخاء. والمعنى أنه تعالى بدل مكان البأساء والضراء النعمة ~~والسعة والخصب والصحة في الأبدان فأخبر الله تعالى في هذه الآية أنه يأخذ ~~أهل المعاصي والكفر تارة بالشدة وتارة بالرخاء على سبيل الاستدراج وهو ~~قوله { حتى عفوا } يعني أنه فعل ذلك بهم حتى كثروا وكثرت أموالهم. # يقال: عفا الشعر إذا كثر وطال. قال مجاهد: حتى كثرت أموالهم وأولادهم { ~~وقالوا } يعني من غرتهم وغفلتهم بعد ما صاروا إلى الرخاء والسعة { قد مس ~~آباءنا الضراء والسراء } يعني أنهم قالوا هكذا عادة الدهر قديما وحديثا ~~لنا ولآبائنا ولم يكن ما مسنا من الشدة والضراء عقوبة لنا من الله تعالى ~~على ما نحن عليه ms1272 فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم من قبل فإنهم لم ~~يتركوا دينهم مما أصابهم من الضراء والسراء قال الله تعالى: { فأخذناهم ~~بغتة } يعني أخذناهم فجأة آمن ما كانوا ليكون ذلك أعظم لحسرتهم { وهم لا ~~يشعرون } يعني بنزول العذاب بهم والمراد بذكر هذه القصة اعتبار من سمعها ~~لينزجر عما هو عليه من الذنوب. قوله عز وجل: { ولو أن أهل القرى آمنوا ~~واتقوا } لما بين الله تعالى في هذه الآية الأولى إن الذين عصوا وتمردوا ~~أخذهم بعذابه بين في هذه الآية أنهم لو آمنوا يعني بالله ورسوله وأطاعوه ~~فيما أمرهم به واتقوا يعني ما نهى الله تعالى عنه وحرمه عليهم { لفتحنا ~~عليهم بركات من السماء والأرض } وبركات السماء المطر وبركات الأرض النبات ~~والثمار وجميع ما فيها من الخيرات والأنعام والأرزاق والأمن والسلامة من ~~الآفات وكل ذلك من فضل الله تعالى وإحسانه على عباده. وأصل البركة ثبوت ~~الخير الإلهي في الشيء وسمي المطر بركة السماء لثبوت البركة فيه وكذا ~~ثبوت البركة في نابت الأرض لأنه نشأ عن بركات السماء وهي المطر. وقال ~~البغوي: أصل البركة المواظبة على الشي. أي تابعنا عليهم بالمطر من السماء ~~والنبات من الأرض ورفعنا عنهم القحط والجدب { ولكن كذبوا } يعني فعلنا ~~بهم ذلك ليؤمنوا فما آمنوا ولكن كذبوا يعني الرسل { فأخذناهم } يعني ~~بأنواع العذاب { بما كانوا يكسبون } يعني أخذناهم بسبب كسبهم الأعمال ~~الخبيثة. قوله تعالى: { أفأمن أهل القرى } هو استفهام بمعنى الإنكار وفيه ~~وعيد وتهديد وزجر، والمراد بالقرى مكة وما حولها، وقيل: هو عام في كل أهل ~~القرى الذين كفروا وكذبوا { أن يأتيهم بأسنا } يعني عذابنا { بياتا } ~~يعني ليلا { وهم نائمون }. ### || [7.98-101] # { أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى } يعني نهارا لأن الضحى صدر ~~النهار { وهم يلعبون } يعني: وهم ساهون لاهون غافلون عما يراد بهم. ~~والمقصود من الآية أن الله خوفهم بنزول العذاب وهم في غاية الغفلة وهو ~~حال النوم بالليل وحال الضحى بالنهار لأنه الوقت الذي يغلب على الإنسان ~~التشاغل فيه بأمور الدنيا، وأمور الدنيا ms1273 كلها لعب ويحتمل أن يكون المراد ~~خوضهم في كفرهم وذلك لعب أيضا لأنه يضر ولا ينفع { أفأمنوا مكر الله } ~~يعني استدراجه إياهم بما أنعم عليهم من الدنيا وقيل: المراد به أن يأتيهم ~~عذابه من حيث لا يشعرون، وعلى هذا الوجه فيكون بمعنى التحذير وسمي هذا ~~العذاب مكرا لنزوله وهم في غفلة عنه لا يشعرون به { فلا يأمن مكر الله ~~إلا القوم الخاسرون } يعني أنه لا يأمن أن يكون ما أعطاهم من النعمة مع ~~كفرهم استدراجا إلا من خسر في أخراه وهلك مع الهالكين { أو لم يهد } أو ~~لم يبين { للذين يرثون الأرض من بعد } هلاك { أهلها } الذين كانوا من ~~قبلهم فورثوها عنهم وخلفوهم { أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم } يعني لو نشاء ~~أخذناهم وعاقبناهم بسبب كفرهم { ونطبع } أي نختم { على قلوبهم فهم لا ~~يسمعون } يعني لا يسمعون موعظة ولا يقبلون الإيمان ونطبع منقطع عما قبله ~~والمعنى ونحن نطبع على قلوبهم ويجوز أن يكون معطوفا على الماضي ولفظه ~~لفظ المستقبل والمعنى لو شئنا طبعنا على قلوبهم { تلك القرى } يعني هذه ~~القرى التي ذكرنا لك يا محمد أمرها وأمر أهلها وهي قرى قوم نوح وعاد ~~وثمود وقوم لوط وشعيب { نقص عليك من أنبائها } يعني نخبرك عنها وعن ~~أخبار أهلها وما كان من أمرهم وأمر رسلهم الذين أرسلوا إليهم لتعلم يا ~~محمد إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا معهم على أعدائنا وأعدائهم من أهل ~~الكفر والعناد وكيف أهلكناهم بكفرهم وبمخالفتهم رسلهم ففيه تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وتحذير لكفار قريش أن يصيبهم مثل ما أصابهم { ولقد ~~جاءتهم } يعني لأهل تلك القرى { رسلهم بالبينات } يعني جاءتهم رسلهم ~~المعجزات الباهرات والبراهين الدالة على صدقهم { فما كانوا ليؤمنوا بما ~~كذبوا من قبل } اختلف أهل التفسير في معنى ذلك فقيل: معناه فما كانوا ~~هؤلاء المشركين الذين أهلكناهم من أهل القرى ليؤمنوا عند إرسالنا إليهم ~~رسلهم بما كذبوا من قبل ذلك وهو يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم ~~عليه السلام فأقروا باللسان وأضمروا التكذيب وهذا معنى قول ms1274 ابن عباس ~~والسدي. قال السدي: آمنوا كرها يوم أخذ الميثاق، وقال مجاهد: فما كانوا ~~لو أحييناهم بعد إهلاكهم ومعاينتهم العذاب ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ~~هلاكهم وقيل معناه فما كانوا يؤمنوا عند مجيء الرسل بما سبق لهم في علم ~~الله أنهم يكذبون به حين أخرجهم من صلب آدم عليه الصلاة والسلام. # قال أبي بن كعب: كان سبق لهم في علمه يوم أقروا له بالميثاق أنهم لا ~~يؤمنون به وقال الربيع بن أنس يحق على العباد أن يأخذوا من العلم ما أبدى ~~لهم ربهم وأن لا يتأولوا علم ما أخفى الله تعالى عنهم فإن علمه نافذ فيما ~~كان وفيما يكون وفي ذلك قال تعالى: { ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما ~~كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين } قال: ~~نفذ علمه فيهم أيهم المطيع من العاصي حيث خلقهم في صلب آدم عليه الصلاة ~~والسلام. قال الطبري: وأولى الأقوال بالصواب قول أبي بن كعب والربيع بن ~~أنس وذلك أن من سبق في علم الله أنه لا يؤمن به فلا يؤمن أبدا وقد كان ~~سبق في علم الله لمن هلك من الأمم الذين قص خبرهم في هذه السورة أنهم لا ~~يؤمنون أبدا فأخبر عنهم أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بما هم مكذبون به في ~~سابق علمه قبل مجيء الرسل عند مجيئهم إليهم { كذلك يطبع الله على قلوب ~~الكافرين } يعني كما طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية وأهلكهم كذلك ~~يطبع الله على قلوب الكافرين الذين كتب الله عليهم أنهم لا يؤمنون من ~~قومك. ### || [7.102-107] # { وما وجدنا لأكثرهم من عهد } يعني وما وجدنا لأكثر الأمم الخالية ~~والقرون الماضية الذين قصصنا خبرهم عليك يا محمد من وفاء بالعهد الذي ~~عهدناه إليهم وأوصيناهم به يوم أخذ الميثاق قال ابن عباس إنما أهلك الله ~~أهل القرى لأنهم لم يكونوا حفظوا ما وصاهم به { وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ~~} أي ما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين خارجين عن طاعتنا وأمرنا قوله عز وجل: { ~~ثم بعثنا من بعدهم } يعني ms1275 ثم بعثنا من بعد الأنبياء الذين تقدم ذكرهم وهم ~~نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام { موسى بآياتنا } يعني ~~بحججنا وأدلتنا الدالة على صدقه مثل اليد والعصا ونحو ذلك من الآيات التي ~~جاء بها موسى عليه الصلاة والسلام { إلى فرعون وملئه } قيل إن كل من ملك ~~مصر كان يسمى فرعون في ذلك الزمان مثل ما كان يسمى ملك الفرس كسرى وملك ~~الروم قيصر وملك الحبشة النجاشي وكان اسم فرعون الذي أرسل إليه موسى عليه ~~الصلاة والسلام الوليد بن مصعب بن الريان وكان ملك القبط والملأ أشراف ~~قومه وإنما خصوا بالذكر لأنه إذا آمن الأشراف آمن الأتباع { فظلموا بها } ~~يعني: فجحدوا بها لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه وكانت هذه الآيات ~~معجزات ظاهرة قاهرة فكفروا بها ووضعوا الكفر موضع الإيمان { فانظر كيف ~~كان عاقبة المفسدين } أي: انظر يا محمد بعين العقل والبصيرة كيف فعلنا ~~بهم وكيف أهلكناهم { وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين } يعني ~~أن موسى عليه الصلاة والسلام لما دخل على فرعون دعاه إلى الله تعالى وإلى ~~الإيمان به وقال له إني رسول أي مرسل إليك وإلى قومك من رب العالمين يعني ~~أن الله الذي خلق السموات والأرض وخلق الخلق وهو سيدهم ومالكهم هو الذي ~~أرسلني إليك { حقيق } أي واجب { على أن لا أقول على الله إلا الحق } يعني ~~إني رسول والرسول لا يقول على الله إلا الحق في وصفه وتنزيهه وتوحيده ~~وأنه لا إله غيره { قد جئتكم ببينة من ربكم } يعني ببرهان على صدقي فيما ~~أدعي من الرسالة والمراد ببينته معجزته وهي العصا واليد البيضاء ثم إن ~~موسى عليه الصلاة والسلام لما فرغ من تبليغ رسالته رتب على ذلك الحكم ~~فقال موسى { فأرسل معي بني إسرائيل } يعني خل عنهم وأطلقهم من أسرك ~~وكان فرعون قد استعبد بني إسرائيل واستعملهم في الأعمال الشاقة مثل ضرب ~~اللبن ونقل التراب ونحو ذلك من الأعمال الشاقة { قال إن كنت جئت بآية ~~فأت بها إن كنت من الصادقين } يعني ms1276 أن فرعون قال لموسى عليه الصلاة ~~والسلام بعد تبليغ الرسالة: إن كنت جئت من عند من أرسلك ببينة تدل على ~~صدقك فأتني بها وأحضرها عندي لتصح دعواك ويثبت صدقك فيما قلت { فألقى ~~عصاه فإذا هي ثعبان مبين } أي بين، والثعبان الذكر من الحيات وصفه هنا ~~بأنه ثعبان والثعبان من الحيات العظيم الضخم ووصفه في آية أخرى بأنه جان ~~والجان الحية الصغيرة والجامع بين هذين الوصفين أنها كانت في عظم الجثة ~~كالثعبان العظيم وفي خفة الحركة كالحية الصغيرة وهي الجان. # قال ابن عباس والسدي: إن موسى لما ألقي العصا صارت حية عظيمة صفراء ~~شعراء فاغرة فاها بين لحييها ثمانون ذراعا وارتفعت من الأرض بقدر ميل ~~وقامت على ذنبها واضعة ليحها الأسفل في الأرض ولحيها الأعلى على سور ~~القصر وتوجهت نحو فرعون لتأخذه فوثب فرعون عن سريره هاربا وأحدث وقيل ~~إنه أحدث في ذلك اليوم أربعمائة مرة، وقيل: إنها أخذت قبة فرعون بين ~~أنيابها وحملت على الناس فانهزموا وصاحوا وقتل بعضهم بعضا فمات منهم في ~~ذلك اليوم خمسة وعشرون ألفا ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى أنشدك بالذي ~~أرسلك أن تأخذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل فعادت في يده عصا ~~كما كانت وفي كون الثعبان مبينا وجوه: الأول: أنه تميز وتبين ذلك عما ~~عملته السحرة من التمويه والتلبيس وبذلك تتميز معجزات الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام على تمويه السحرة وتخليهم. الوجه الثاني: أنهم شاهدوا ~~العصا قد انقلبت حية ولم يشتبه ذلك عليهم فذلك قال ثعبان مبين أي بين. ~~الوجه الثالث: إن ذلك الثعبان لما كان معجزة لموسى عليه الصلاة والسلام ~~كان من أعظم الآيات التي أبانت صدق قول موسى عليه الصلاة والسلام في أنه ~~رسول من رب العالمين. ### || [7.108-112] # وقوله تعالى: { ونزع يده } النزع في اللغة عبارة عن إخراج الشيء عن ~~مكانه والمعنى أنه أخرج يده من جيبه أو من تحت جناحه { فإذا هي بيضاء ~~للناظرين } قال ابن عباس وغيره: أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء ~~يعني من ms1277 غير برص، وقيل: إن موسى عليه الصلاة والسلام أدخل يده تحت جيبه ~~ثم نزعها منه وقيل أخرج يده من تحت إبطه فإذا هي بيضاء لها شعاع غلب نور ~~الشمس وكان موسى عليه الصلاة والسلام آدم اللون ثم ردها إلى جيبه فأخرجها ~~فإذا هي كما كانت ولما كان البياض المفرط عيبا في الجسد وهو البرص قال ~~الله تعالى في آية أخرى # بيضاء من غير سوء # [طه: 22] يعني من غير برص والمعنى فإذا هي بيضاء للنظارة ولا تكون بيضاء ~~للنظارة إلا إذا كان بياضها بياضا عجيبا خارجا عن العادة يتعجب منه. ~~فصل في بيان المعجزة وكونها دليلا على صدق الرسل اعلم ان الله تبارك ~~وتعالى كان قادرا على خلق المعرفة والإيمان في قلوب عباده ابتداء من غير ~~واسطة ولكن أرسل إليهم رسلا تعرفهم معالم دينه وجميع تكليفاته وذلك ~~الرسول واسطة بين الله عز وجل وبين عباده يبلغهم كلامه ويعرفهم أحكامه ~~وجائز أن تكون تلك الواسطة من غير البشر كالملائكة من الأنبياء وجائز أن ~~تكون الواسطة من جنس البشر كالأنبياء مع أممهم ولا مانع لهذا من جهة ~~العقل وإذا جاز هذا في دليل العقل وقد جاءت الرسل عليهم الصلاة والسلام ~~بمعجزات دلت على صدقهم فوجب تصديقهم في جميع ما أتوا به لأن المعجز مع ~~التهدي من النبي قائم مقام قول الله عز وجل صدق عبدي فأطيعوه واتبعوه ~~ولأن معجزة النبي شاهد على صدقه فيما يقوله وسميت المعجزة معجزة لأن ~~الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها وهي على ضربين: فضرب منها هو على نوع قدرة ~~البشر ولكن عجزوا عنه فعجزهم عنه دل على أنه من فعل الله ودل على صدق ~~النبي صلى الله عليه وسلم كتمني الموت في قوله # فتمنوا الموت إن كنتم صادقين # [البقرة: 94] فلما صرفوا عن تمنيه مع قدرتهم عليه علم أنه من عند الله ~~ودل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم الضرب الثاني ما هو خارج عن قدرة ~~البشر كإحياء الموتى وقلب العصا حية وإخراج ناقة من صخرة وكلام الشجر ~~والجماد ms1278 الحيوان ونبع الماء من بين الأصابع وغير ذلك من المعجزات التي ~~عجز البشر عن مثلها فإذا أتى النبي بشيء من تلك المعجزات الخارقة للعادات ~~علم أن ذلك من عند الله وأن الله عز وجل هو الذي أظهر ذلك المعجز على يد ~~نبيه ليكون حجة له على صدقه فيما يخبر به عن الله عز وجل وقد ثبت بدليل ~~العقل والبرهان القاطع أن الله تعالى قادر على خلق الأشياء وإبداعها من ~~غير أصل سبق لها وإخراجها من العدم إلى الوجود وأنه قادر على قلب الأعيان ~~وخوارق العادات والله تعالى أعلم. # قوله عز وجل: { قال الملأ من قوم فرعون إن هذا } يعني موسى { لساحر ~~عليم } يعني أنه ليأخذ بأعين الناس حتى يخيل لهم أن العصا صارت حية ويرى ~~الشيء بخلاف ما هو عليه كما أراهم يده بيضاء وهو آدم اللون، وإنما قالوا ~~ذلك لأن السحر كان هو الغالب في ذلك الزمان فلما أتى بما يعجز عنه غيره ~~قالوا إن هذا لساحر عليم. فإن قلت: قد أخبر الله تعالى في هذه السورة أن ~~هذا الكلام من قوم الملأ لفرعون وقال في سورة الشعراء قال للملأ حوله إن ~~هذا لساحر عليم فكيف الجمع بينهما. قلت: لا يمتنع أن يكون قاله فرعون ~~أولا ثم إنهم قالوه بعده فأخبر الله تعالى عنهم هنا وأخبر عن فرعون في ~~سورة الشعراء، وقيل: يحتمل أن فرعون قال هذا القول، ثم إن الملأ من قومه ~~وهم خاصته سمعوه منه ثم إنهم بلغوه إلى العامة فأخبر الله عز وجل هنا عن ~~الملأ وأخبر هناك عن فرعون. وقوله: { يريد أن يخرجكم من أرضكم } يعني ~~يريد موسى أن يخرجكم أيها القبط من أرض مصر { فماذا تأمرون } يعني: فأي ~~شيء تشيرون أن نفعل به وقيل إن قوله فماذا تأمرون من قول الملأ لأن كلام ~~فرعون تم عند قوله يريد أن يخرجكم من أرضكم فقال الملأ مجيبين لفرعون ~~فماذا تأمرون وإنما خاطبوه بلفظ الجمع وهو واحد على عادة الملوك في ~~التعظيم والتفخيم والمعنى فما ترون أن ms1279 نفعل به والقول الأول أصح لسياق ~~الآية التي بعدها وهو قوله تعالى: { قالوا أرجه وأخاه } يعني أخر ~~أمرهما ولا تعجل فيه فتصير عجلتك عليك لا لك والإرجاء في اللغة هو ~~التأخير لا الحبس ولأن فرعون ما كان يقدر على حبس موسى بعد أن رأى من أمر ~~العصا ما رأى { وأرسل في المدائن } جمع مدينة واشتقاقها من مدن بالمكان ~~أي أقام به يعني مدائن صعيد مصر { حاشرين } يعني رجالا يحشرون إليك ~~السحرة من جميع مدائن الصعيد والمعنى أنهم قالوا لفرعون أرسل إلى هذه ~~المدائن رجالا من أعوانك وهو الشرط يحشرون إليك من فيها من السحرة وكان ~~الرؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد فإن غلبهم موسى صدقناه واتبعناه وإن ~~غلبوه أنه ساحر فذلك قوله { يأتوك } يعني الشرط { بكل ساحر } وقرئ سحار ~~والفرق بين الساحر والسحار أن الساحر هو المبتدئ في صناعة السحر فيتعلم ~~ولا يعلم والسحار هو الماهر الذي يتعلم منه السحر وقيل الساحر من يكون ~~سحره وقتا دون وقت والسحار الذي يدوم سحره ويعمل في كل وقت { عليم } ~~يعني ماهر بصناعة السحر وقال ابن عباس رضي الله عنهما وابن إسحاق والسدي: ~~إن فرعون لما رأى من سلطان الله وقدرته في العصا قال إنا لا نقاتل موسى ~~إلا بمن هو أشد منه سحرا فاتخذ غلمانا من بني إسرائيل وبعث بهم إلى ~~مدينة يقال لها الغوصاء يعلمونهم السحر فعلموهم سحرا كبيرا وواعد فرعون ~~موسى موعدا ثم بعث إلى السحرة فجاؤوا ومعهم معلمهم فقال فرعون للمعلم ~~ماذا صنعت قال قد علمتهم سحرا لا يطيقه سحر أهل الأرض إلا أن يكون أمرا ~~من السماء فإنه لا طاقة لهم به ثم بعث فرعون في مملكته فلم يترك ساحرا ~~إلا أتى به واختلفوا في عدد السحرة الذين جمعهم فرعون فقال مقاتل: كانوا ~~اثنين وسبعين اثنان منهم من القبط وهما رئيسا القوم وسبعون من بني ~~إسرائيل وقال الكلبي: كان الذين يعلمونهم رجلين مجوسيين من أهل نينوى ~~وكانوا سبعين غير رئيسهم وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفا، وقال ~~محمد ms1280 بن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألفا، وقال عكرمة: كانوا سبعين ألفا ~~وقال محمد بن المنكدر: كانوا ثمانين ألفا وقال السدي: كانوا بضعا ~~وثمانين ألفا، ويقال: رئيس القوم شمعون، وقيل: يوحنا. ### || [7.113-117] # قوله تعالى: { وجاء السحرة فرعون } يعني لما اجتمعوا وجاؤوا إلى فرعون { ~~قالوا إن لنا لأجرا } يعني جعلا وعطاء تكرمنا به { إن كنا نحن الغالبين ~~} يعني لموسى قال الإمام فخر الدين الرازي: ولقائل أن يقول كان حق الكلام ~~أن يقول وجاء السحرة فرعون فقالوا بالفاء وجوابه هو على تقدير سائل سأل ~~ما قالوا إذا جاؤوا فأجيب بقوله قالوا أئن لنا لأجرا إن كنا نحن ~~الغالبين يعني لموسى { قال نعم } يعني: قال لهم فرعون لكم الأجر والعطاء ~~{ وإنكم لمن المقربين } يعني ولكم المنزلة الرفيعة عندي مع الأجر والمعنى ~~أن فرعون قال للسحرة إني لا أقتصر معكم على الأجر بل أزيدكم عليه وتلك ~~الزيادة إني أجعلكم من المقربين عندي، قال الكلبي: تكونوا أول من يدخل ~~علي وآخر من يخرج من عندي { قالوا } يعني السحرة { يا موسى إما أن تلقي ~~} يعني عصاك { وإما أن نكون نحن الملقين } يعني عصينا وحبالنا في هذه ~~الآية دقيقة لطيفة وهي أن السحرة راعوا مع موسى عليه الصلاة والسلام حسن ~~الأدب حيث قدموه على أنفسهم في الإلقاء لا جرم أن الله عز وجل عوضهم حيث ~~تأدبوا مع نبيه موسى صلى الله عليه وسلم أن من عليهم بالإيمان والهداية ~~ولما راعوا الأدب أولا وأظهروا ما يدل على رغبتهم في ذلك { قال } يعني ~~قال لهم موسى { ألقوا } يعني أنتم فقدمهم على نفسه في الإلقاء. فإن قلت ~~كيف جاز لموسى أن يأمر بالإلقاء وقد علم انه سحر وفعل السحر غير جائز؟ ~~قلت: ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في أجوبة أحدها أن معناه إن كنتم ~~محقين في فعلكم فألقوا وإلا فلا تلقوا. الجواب الثاني: إنما أمرهم ~~بالإلقاء لتظهر معجزته لأنهم إذا لم يلقوا حبالهم وعصيهم لم تظهر معجزة ~~موسى في عصاه. الجواب الثالث: أن موسى علم أنهم لا بد أن يلقوا تلك ms1281 ~~الحبال والعصي وإنما وقع التخيير في التقديم والتأخير فأذن لهم في ~~التقديم لتظهر معجزته أيضا بغلبهم لأنه لو ألقى أولا لم يكن له غلب ~~وظهور عليهم فلهذا المعنى أمرهم بالإلقاء أولا { فلما ألقوا } يعني ~~حبالهم وعصيهم { سحروا أعين الناس } يعني صرفوا أعين الناس عن إدراك ~~حقيقة ما فعلوا من التمويه والتخييل وهذا هو السحر وهذا هو الفرق بين ~~السحر الذي هو فعل البشر وبين معجزة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي ~~هي فعل الله وذلك لأن السحر قلب الأعين وصرفها عن إدراك ذلك الشيء ~~والمعجزة قلب نفس الشيء عن حقيقته كقلب عصا موسى عليه الصلاة والسلام حية ~~تسعى { واسترهبوهم } يعني أرهبوهم وأفزعوهم بما فعلوه من السحر وهذا قوله ~~تعالى: { وجاؤوا } يعني السحرة { بسحر عظيم } وذلك انهم ألقوا حبالا ~~غلاظا وخشبا طوالا فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب ~~بعضها بعضا، ويقال: إنهم طلوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا داخل تلك العصي ~~زئبقا أيضا وألقوها على الأرض فلما أثر حر الشمس فيها تحركت والتوى ~~بعضها على بعض حتى تخيل للناس أنها حيات. # ويقال: إن الأرض كانت سعتها ميلا في ميل فصارت كلها حيات وأفاعي ففزع ~~الناس من ذلك وأوجس في نفسه خيفة موسى وهذه الخيفة لم تحصل لموسى عليه ~~الصلاة والسلام لأجل سحرهم لأنه عليه الصلاة والسلام كان على يقين وثقة ~~من الله تعالى أنهم لن يغلبوه وهو غالبهم وكان عالما بأن كل ما أتوا به ~~على وجه المعارضة لمعجزته فهو من باب السحر والتخييل وذلك باطل ومع هذا ~~الجزم يمتنع حصول الخوف لموسى من ذلك بل كان خوفه عليه الصلاة والسلام ~~لأجل فزع الناس واضطرابهم مما رأوا من أمر تلك الحيات فخاف موسى عليه ~~الصلاة والسلام أن يتفرقوا قبل ظهور معجزته وحجته فلذلك أوجس في نفسه ~~خيفة موسى. قوله تعالى: { وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك } يعني فألقاها ~~{ فإذا هي تلقف } يعني تبتلع { ما يأفكون } يعني ما يكذب فيه السحرة لأن ~~أصل الإفك قلب الشيء عن غير وجهه ومنه قيل ms1282 للكذاب أفاك لأنه يقلب الكلام ~~عن وجه الصحيح إلى الباطل. قال المفسرون: أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه ~~الصلاة والسلام أن لا تخف وألق عصاك فألقاها فصارت حية عظيمة حتى سدت ~~الأفق. قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالإسكندرية فيقال بلغ ذنب الحية من ~~وراء البحر ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا فإذا هي تلقف يعني تبتلع كل شيء ~~أتوا به من السحر فكانت تبتلع حبالهم وعصيهم واحدا واحدا حتى ابتلعت ~~الكل وقصدت القوم الذين حضروا ذلك المجمع ففزعوا ووقع الزحام بينهم فمات ~~من ذلك الزحام خمسة وعشرون ألفا ثم أخذها موسى عليه السلام فصارت في يده ~~عصا كما كانت أول مرة فلما رأى السحرة ذلك عرفوا أنه من أمر السماء وليس ~~بسحر وعرفوا أن ذلك ليس من قدرة البشر وقوتهم فعند ذلك خروا سجدا ~~وقالوا: آمنا برب العالمين. ### || [7.118-125] # قوله تعالى: { فوقع الحق } يعني فظهر الحق الذي جاء به موسى { وبطل ما ~~كانوا يعملون } يعني من السحر وذلك أن السحرة قالوا لو كان ما صنع موسى ~~سحرا لبقيت حبالنا وعصينا فلما نفدت وتلاشت في عصا موسى علموا أن ذلك من ~~أمر الله وقدرته { فغلبوا هنالك } يعني فعند ذلك غلب فرعون وسحرته وجموعه ~~{ وانقلبوا صاغرين } يعني ورجعوا ذليلين مقهورين { وألقى السحرة ساجدين } ~~يعني أن السحرة لما عاينوا من عظيم قدرة الله تعالى ما ليس في قدرتهم ~~مقابلته وعلموا أنه ليس بسحر خروا لله ساجدين وذلك أن الله عز وجل ألهمهم ~~معرفته والإيمان به { قالوا آمنا برب العالمين } فقال فرعون إياي تعنون ~~فقالوا بل { رب موسى وهارون } قال مقاتل: قال موسى لكبير السحرة تؤمن بي ~~إن غلبتك فقال لآتين بسحر لا يغلبه سحر ولئن غلبتني لأومنن بك، وقيل: إن ~~الحبال والعصي التي كانت مع السحرة كانت حمل ثلاثمائة بعير فلما ابتلعتها ~~عصا موسى كلها قال بعضهم لبعض هذا أمر خارج عن حد السحر وما هو إلا من ~~أمر السماء فآمنوا به وصدقوه. فإن قلت كان يجب أن يأتوا بالإيمان قبل ~~السجود فما ms1283 فائدة تقديم السجود على الإيمان. قلت: لما قذف الله عز وجل في ~~قلوبهم الإيمان والمعرفة خروا سجدا لله تعالى شكرا على هدايتهم إليه ~~وعلى ما ألهمهم الله من الإيمان بالله وتصديق رسوله ثم أظهروا بعد ذلك ~~إيمانهم. وقيل: لما رأوا عظيم قدرة الله تعالى وسلطانه في أمر العصا وأنه ~~ليس يقدر على ذلك أحد من البشر وزالت كل شبهة كانت في قلوبهم بادروا إلى ~~السجود لله تعظيما لشأنه لما رأوا من عظيم قدرته ثم إنهم أظهروا الإيمان ~~باللسان. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لما رأت السحرة ما رأت عرفت ~~أن ذلك من أمر السماء وليس بسحر فخروا سجدا وقالوا آمنا برب العالمين ~~رب موسى وهارون. قوله عز وجل: { قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم } ~~يعني فرعون للسحرة آمنتم بموسى وصدقتموه قبل أن آمركم به وآذن لكم فيه { ~~إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة } يعني إن هذا الصنع الذي صنعتموه أنتم ~~وموسى في مدينة مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع وذلك أن فرعون رأى موسى ~~يحدث كبير السحرة فظن فرعون أن موسى وكبير السحرة قد تواطآ عليه وعلى أهل ~~مصر وهو قوله { لتخرجوا منها أهلها } وتستولوا عليها أنتم { فسوف تعلمون ~~} فيه وعيد وتهديد يعني: فسوف تعلمون ما أفعل بكم ثم فسر ذلك الوعيد فقال ~~{ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } وهو أن تقطع إحدى اليدين وإحدى ~~الرجلين فيخالف بينهما في القطع { ثم لأصلبنكم أجمعين } يعني على شاطئ ~~نيل مصر. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أول من صلب وأول من قطع الأيدي ~~والأرجل فرعون { قالوا } يعني مجيبين لفرعون حين وعدهم بالقتل { إنا إلى ~~ربنا منقلبون } إنا إلى ربنا راجعون وإليه صائرون في الآخرة. ### || [7.126-128] # { وما تنقم منا } وما تكره منا وما تطعن علينا وقال عطاء: معناه وما لنا ~~عندك من ذنب تعذبنا عليه { إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا } ثم فزعوا ~~إلى الله تعالى وسألوه الصبر على تعذيب فرعون إياهم فقالوا { ربنا أفرغ ~~علينا صبرا } أي اصبب ms1284 علينا صبرا كاملا تاما ولهذا أتى بلفظ التنكير ~~يعني صبرا وأي صبر عظيم { وتوفنا مسلمين } يعني واقبضنا على دين الإسلام ~~وهو دين خليلك إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: كانوا في أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء. قال الكلبي: إن ~~فرعون قطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم غير أنه لم يقدر عليهم لقوله تعالى: # فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون # [القصص: 35] قوله تعالى: { وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى } يعني ~~وقال جماعة من أشراف قوم فرعون لفرعون أتدع موسى { وقومه } من بني ~~إسرائيل { ليفسدوا في الأرض } يعني أرض مصر وأراد بالإفساد فيها أنهم ~~يأمرونهم بمخالفة فرعون وهو قوله { ويذرك وآلهتك } يعني وتذره ليذرك ويذر ~~آلهتك فلا يعبدك ولا يعبدها. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان لفرعون ~~بقرة كان يعبدها وكان إذا رأى بقرة حسنة أمرهم بعبادتها ولذلك أخرج لهم ~~السامري عجلا. وقال السدي: كان فرعون قد اتخذ لقومه أصناما وكان يأمرهم ~~بعبادتها وقال لهم أنا ربكم ورب هذه الأصنام وذلك قوله أنا ربكم الأعلى ~~والأولى أن يقال إن فرعون كان دهريا منكر الوجود الصانع فكان يقول مدبر ~~هذا العالم السفلي هي الكواكب فاتخذ أصناما على صورة الكواكب وكان ~~يعبدها ويأمر بعبادتها وكان يقول في نفسه إنه هو المطاع والمخدوم في ~~الأرض فلهذا قال أنا ربكم الأعلى وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه وابن عباس ~~والشعبي والضحاك ويذرك وإلهتك بكسر الألف ومعناه ويذرك وعبادتك فلا يعبدك ~~لأن فرعون كان يعبد ولا يعبد وقيل أراد بالآلهة الشمس والكواكب لأنه كان ~~يعبدها قال الشاعر: # تروحنا من اللعباء قصرا وأعجلنا الإلاهة أن تؤوبا # أراد بالإلاهة الشمس { قال } يعني فرعون مجيبا لقومه حين قالوا له أتذر ~~موسى وقومه { سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم } يعني نتركهن أحياء. وذلك أن ~~قوم فرعون لما أرادوا إغراء فرعون على قتل موسى وقومه أوجس موسى إنزال ~~العذاب بقومه ولم يقدر فرعون أن يفعل بموسى عليه الصلاة والسلام شيئا ~~مما أرادوا به لقوة موسى عليه ms1285 السلام بما معه من المعجزات فعدل إلى قومه ~~فقال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ~~قد ترك القتل في بني إسرائيل بعد ما ولد موسى فلما جاءهم موسى بالرسالة ~~وكان من أمره ما كان قال فرعون: أعيدوا عليهم القتل فأعادوا القتل على ~~بني إسرائيل، والمعنى أن فرعون قال إنما يتقوى موسى بقومه فنحن نسعى في ~~تقليل عدد قومه بالقتل لتقل شوكته، ثم بين فرعون أنه قادر على ذلك ~~بقوله { وإنا فوقهم قاهرون } يعني بالغلبة والقدرة عليهم ولما نزل ببني ~~إسرائيل ما نزل شكوا إلى موسى ما نزل بهم { قال موسى لقومه } يعني لما ~~شكوا إليه { استعينوا بالله واصبروا } يعني استعينوا بالله على فرعون ~~وقومه فيما نزل بكم من البلاء فإن الله هو الكافي لكم واصبروا على ما ~~نالكم من المكاره في أنفسكم وأبنائكم { إن الأرض لله } يعني أرض مصر وإن ~~كانت الأرض كلها لله تعالى { يورثها من يشاء من عباده } وهذا إطماع من ~~موسى عليه الصلاة والسلام لبني إسرائيل أن يهلك فرعون وقومه ويملك بني ~~إسرائيل أرضهم وبلادهم بعد إهلاكهم وهو قوله تعالى: { والعاقبة للمتقين } ~~يعني أن النصر والظفر للمتقين على عدوهم، وقيل أراد الجنة يعني إن عاقبة ~~المتقين الصابرين الجنة. ### || [7.129-131] # { قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا } قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: لما آمنت السحرة تبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل والمعنى ~~أن بني إسرائيل لما سمعوا ما قاله فرعون ووعدهم به من القتل مرة ثانية ~~قالوا لموسى قد أوذينا من قبل أن تأتينا يعني بالرسالة وذلك أن بني ~~إسرائيل كانوا مستضعفين في يد فرعون وقومه وكان يستعملهم في الأعمال ~~الشاقة إلى نصف النهار فلما جاء موسى بالرسالة وجرى ما جرى شدد فرعون في ~~استعمالهم فكان يستعملهم جميع النهار وأعاد القتل عليهم فقالوا أوذينا من ~~قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا يعني بالرسالة وظاهر هذا الكلام يوهم أن ~~بني إسرائيل كرهوا مجيء موسى بالرسالة وذلك كفر. والجواب ms1286 عن هذا الإيهام ~~أن موسى عليه الصلاة والسلام كان قد وعدهم بزوال ما كانوا فيه من الشدة ~~والمشقة فظنوا أن ذلك يكون على الفور فلما رأوا أنه قد زادت الشدة عليهم ~~قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا فمتى يكون ما وعدتنا به ~~من زوال ما نحن فيه { قال } موسى مجيبا لهم { عسى ربكم أن يهلك عدوكم } ~~يعني فرعون وقومه { ويستخلفكم في الأرض } يعني ويجعلكم تخلفونهم في أرضهم ~~بعد هلاكهم { فينظر كيف تعملون } يعني فيرى ربكم كيف تعملون من بعدهم. ~~قال الزجاج: فيرى وقوع ذلك منهم لأن الله تعالى لا يجازيهم بما يعلمه ~~منهم وإنما يجازيهم على ما يقع منهم. قوله عز وجل: { ولقد أخذنا آل فرعون ~~بالسنين } يعني بالقحط والجدب. تقول العرب: مستهم السنة بمعنى أخذهم ~~الجدب في السنة ويقال أسنتوا كما يقال أجدبوا قال الشاعر: # ورجال مكة مسنتون عجاف # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # ومعنى الآية: ولقد أخذنا آل فرعون بالجدب والقحط والجوع سنة بعد سنة { ~~ونقص من الثمرات } يعني وإتلاف الغلات بالآفات. قال قتادة أما السنون ~~فلأهل البوادي وأما نقص الثمرات فلأهل الأمصار { لعلهم يذكرون } يعني ~~لعلهم يتعظون فيرجعوا عما هم فيه من الكفر والمعاصي وذلك لأن الشدة ترقق ~~القلوب وترغب فيما عند الله عز وجل من الخير، ثم بين الله تعالى أنهم عند ~~نزول العذاب وتلك المحن عليهم والشدة لم يزدادوا إلا تمردا وكفرا فقال ~~تعالى: { فإذا جاءتهم الحسنة } يعني الغيث والخصب والسعة والعافية ~~والسلامة من الآفات { قالوا لنا هذه } أي نحن مستحقون لها ونحن أهلها على ~~العادة التي جرت لنا في سعة الأرزاق وصحة الأبدان ولم يروا ذلك من فضل ~~الله عليهم فيشكروه على إنعامه { وإن تصبهم سيئة } يعني القحط والجدب ~~والمرض والبلاء ورأوا ما يكرهون في أنفسهم { يطيروا } يعني يتشاءموا ~~وأصله يتطيروا والتطير التشاؤم في قول جميع المفسرين { بموسى ومن معه } ~~يعني أنهم قالوا ما أصابنا بلاء إلا حين رأيناهم وما ذلك إلا بشؤم ms1287 موسى ~~وقومه. # قال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر: كان ملك فرعون أربعمائة سنة وعاش ~~ستمائة وعشرين وسنة لم يروا مكروها قط ولو كان حصل له في تلك المدة جوع ~~يوم أو حمى ليلة أو وجع ساعة لما ادعى الربوبية قط { ألا إنما طائرهم عند ~~الله } يعني أن نصيبهم من الخصب والجدب والخير والشر كله من الله قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما طائرهم ما قضي لهم وقدر عليهم من عند الله وفي رواية ~~عنه شؤمهم عند الله تعالى ومعناه أنه إنما جاءهم بكفرهم بالله وقيل الشؤم ~~العظيم هو الذي لهم عند الله من عذاب النار { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ~~يعني أن ما أصابهم من الله تعالى وإنما قال تعالى أكثرهم لا يعلمون لأن ~~أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب ولا يضيفونها إلى القضاء والقدر. ### || [7.132-133] # قوله تعالى: { وقالوا } يعني قوم فرعون وهم القبط لموسى عليه السلام { ~~مهما تأتنا به من آية } يعني من عند ربك فهي عندنا سحر وهو قولهم { ~~لتسحرنا بها } يعني لتصرفنا عما نحن عليه من الدين { فما نحن لك بمؤمنين ~~} يعني بمصدقين وكان موسى عليه الصلاة والسلام رجلا حديدا مستجاب ~~الدعوة فدعا عليهم فاستجاب الله عز وجل دعاءه فقال تعالى { فأرسلنا عليهم ~~الطوفان } قال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن ~~إسحاق: دخل كلام بعضهم في بعض قالوا لما آمنت السحرة ورجع فرعون مغلوبا ~~أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر فتابع الله عز وجل ~~عليهم الآيات فأخذهم أولا بالسنين وهو بالقحط ونقص الثمرات وأراهم قبل ~~ذلك من المعجزات اليد والعصا فلم يؤمنوا فدعا عليهم موسى وقال: يا رب إن ~~عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا وإن قومه قد نقضوا العهد رب فخذهم ~~بعقوبة تجعلها عليهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة فبعث الله ~~عليهم الطوفان وهو الماء فأرسل الله عليهم المطر من السماء وبيوت بني ~~إسرائيل وبيوت القبط مختلفة مشتبكة فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في ms1288 ~~الماء إلى تراقيهم ومن جلس منهم غرق ولم يدخل من ذلك الماء في بيوت ~~إسرائيل شيء وركد الماء على أرضهم فلم يقدروا على التحرك ولم يعلموا ~~شيئا ودام ذلك الماء عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت. وقال مجاهد ~~وعطاء: الطوفان الموت. وقال وهب: الطوفان الطاعون بلغة أهل اليمن. وقال ~~أبو قلابة: الطوفان الجدري وهم أول من عذبوا به ثم بقي في الأرض. وقال ~~مقاتل: الطوفان الماء طفا فوق حروثهم. وفي رواية ابن عباس رضي الله عنهما ~~أن الطوفان أمر من الله عز وجل طاف بهم فعند ذلك قالوا يا موسى ادع لنا ~~ربك ليكشف عنا هذا المطر ونحن نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ~~موسىعليه الصلاة والسلام ربه فرفع عنهم الطوفان وأنبت الله لهم تلك السنة ~~شيئا لم ينبته قبل ذلك من الكلأ والزرع والثمر وأخصبت بلادهم فقالوا ما ~~كان هذا الماء إلا نعمة علينا فلم يؤمنوا وأقاموا شهرا في عافية فبعث ~~الله عليهم الجراد فأكل عامة زرعهم وثمارهم وورق الشجر وأكل الأبواب ~~وسقوف البيوت والخشب والثياب والأمتعة وأكل مسامير الحديد التي في ~~الأبواب وغيرها وابتلي الجراد بالجوع فكان لا يشبع وامتلأت دور القبط منه ~~ولم يصب بني إسرائيل من ذلك شيء فعجوا وضجوا وقالوا يا موسى ادع لنا ربك ~~لئن كشفت عنا هذا الرجز لنؤمنن لك وأعطوه عهد الله وميثاقه بذلك فدعاه ~~موسى ربه عز وجل فكشف الله عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من ~~السبت إلى السبت وفي الخبر " مكتوب على صدر كل جرادة جند الله الأعظم " ~~ويقال إن موسى عليه السلام خرج إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق فرجع ~~الجراد من حيث جاء وكان قد بقي من زروعهم وثمارهم بقية فقالوا قد بقي لنا ~~ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا فلم يؤمنوا ولم يفوا بما عاهدوا عليه ~~وعادوا إلى أعمالهم الخبيثة أقاموا شهرا في عافية ثم بعث الله عز وجل ~~عليهم القمل واختلفوا فيه فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي ms1289 الله عنهما ~~أن القمل هو السوس الذي يخرج من الحنطة. # وقال مجاهد وقتادة والسدي والكلبي: القمل الدبي وهو صغار الجراد الذي لا ~~أجنحة له. وقال الحسن: يقرأ بفتح القاف وسكون الميم. قال أصحاب الأخبار ~~أمر الله عز وجل موسى عليه السلام أن يمشي إلى كثيب رملي أعفر بقرية من ~~قرى مصر تسمى عين شمس فمشى إلى ذلك الكثيب فضربه بعصاه فانهال عليهم ~~القمل فتتبع ما بقي من حروثهم وزروعهم وثمارهم فأكلها كلها ولحس الأرض ~~وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيعضه فإذا أكل أحدهم طعاما امتلأ قملا. ~~قال سعيد ابن المسيب: القمل السوس الذي يخرج من الحبوب وكان الرجل منهم ~~يخرج بعشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة فلم يصابوا ببلاء ~~كان أشد عليهم من القمل وأخذت أشعارهم وأبصارهم وحواجبهم وأشفار عيونهم ~~ولزم جلودهم كأنه الجحدري عليهم ومنعهم النوم والقرار فصرخوا بموسى إنا ~~نتوب فادع لنا ربك يكشف عنا هذا البلاء فدعا موسى فرفع الله عنهم القمل ~~بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت فمكثوا بعد ذلك ورجعوا ~~إلى أخبث ما كانوا عليه من الأعمال الخبيثة وقالوا ما كنا قط أحق أن ~~نستيقن أنه ساحر من اليوم يجعل الرمل دوابا فدعا موسى عليهم ما أقاموا ~~شهرا في عافية فأرسل الله عليهم الضفادع فامتلأت منها بيوتهم وأطعمتهم ~~وآنيتهم فلا يكشف أحد إناء ولا طعاما إلا وجد فيه الضفادع وكان الرجل ~~منهم يجلس في الضفادع فتبلغ إلى حلقه فإذا أراد أن يتكلم يثب الضفدع ~~فيدخل في فيه وكانت تثب في قدورهم فتفسد طعامهم عليهم وتطفئ نيرانهم وكان ~~أحدهم إذا اضطجع ركبته الضفادع حتى تكون عليه ركاما فلا يستطيع أن ينقلب ~~إلى شقه الآخر وإذا أراد أن يأكل سبقه الضفدع إلى فيه ولا يعجن أحدهم ~~عجينا إلا امتلأ ضفادع فلقوا من ذلك بلاء شديدا. وروى عكرمة عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال كانت الضفادع برية فلما أرسلها الله عز وجل على ~~آل فرعون وسمعت وأطاعت وجعلت تقذف ms1290 بأنفسها في القدور وهي تغلي على النار ~~وفي التنانير وهي تفور أثابها الله عز وجل بحسن طاعتها برد الماء فلما ~~رأوا ذلك بكوا وشكوا إلى موسى عليه الصلاة والسلام ما يلقونه من الضفادع ~~وقالوا هذه المرة نتوب ولا نعود فأخذ موسى عليه السلام عليهم العهود ~~والمواثيق ثم دعا الله عز وجل فكشف عنهم الضفادع بعد ما أقامت عليهم ~~سبعا من السبت إلى السبت فأقاموا شهرا في عافية ثم نقضوا العهد وعادوا ~~إلى كفرهم فدعا عليهم موسى عليه الصلاة ولسلام فأرسل الله عز وجل الدم ~~فسال النيل عليهم دما عبيطا وصارت مياههم كلها دما وكل ما يستقون من ~~الآبار والأنهار يجدونها دما عبيطا فشكوا ذلك إلى فرعون وقالوا: ليس ~~لنا شراب إلا الدم، فقال: سحركم. # فقالوا: من أين يسحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا دما ~~عبيطا. فكان فرعون يجمع بين القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما ~~يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دما ويفرغان الجرة فيها الماء فيخرج ~~للقبطي دم وللإسرائيلي ماء حتى أن المرأة من آل فرعون تأتي إلى المرأة من ~~بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول لها اسقني من مائك فتصب لها في قربتها ~~فيصير في الإناء ماء حتى كانت تقول اجعليه في فيك ثم مجيه في فمي فتفعل ~~ذلك فيصير دما ثم إن فرعون اعتراه العطش حتى أنه ليضطر إلى مضغ الأشجار ~~الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها دما فمكثوا على ذلك سبعة أيام لا يشربون ~~إلا الدم. وقال زيد بن أسلم: إن الدم الذي سلط الله عز وجل عليهم كان ~~الرعاف فأتوا موسى عليه الصلاة والسلام وشكوا إليه ما يلقوه وقالوا ادع ~~لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنحن نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا موسى ~~عليه الصلاة والسلام ربه فكشف عنهم ذلك فلم يؤمنوا فذلك قوله تعالى: { ~~فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات } يعني ~~يتبع بعضها بعضا وتفصيلها أن كل عذاب كان يقوم عليهم أسبوعا وبين كل ~~عذابين ms1291 مدة شهر { فاستكبروا } يعني عن الإيمان فلم يؤمنوا { وكانوا قوما ~~مجرمين } يعني آل فرعون. ### || [7.134-136] # قوله تعالى: { ولما وقع عليهم الرجز } يعني لما نزل بهم العذاب الذي ~~ذكره في الآية المتقدمة هو الطوفان وما بعده وقال سعيد بن جبير الرجز ~~الطاعون وهو العذاب السادس بعد الآيات الخمس التي تقدمت فنزل بهم الطاعون ~~حتى مات منهم في يوم واحد سبعون ألفا فأمسوا وهم لا يتدافنون ق. عن أبي ~~أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم فإذا ~~سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا ~~فرارا منه " # وقوله تعالى: { قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك } يعني بما ~~أوصاك وقيل بما عهد عندك من إجابة دعوتك { لئن كشفت عنا الرجز } يعني ~~العذاب الذي وقع بنا { لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل } حتى يذهبوا ~~حيث شاؤوا { فلما كشفنا عنهم الرجز } يعني بدعوة موسى عليه الصلاة ~~والسلام { إلى أجل هم بالغوه } يعني إلى الوقت الذي أجل لهم وهو وقت ~~إهلاكهم بالغرق في اليم { إذا هم ينكثون } يعني إذا هم ينقضون العهد الذي ~~التزموه فلم يفوا به. واعلم أن ما ذكره الله تعالى في هذه الآيات هي ~~معجزات في الحقيقة دالة على صدق موسى عليه الصلاة والسلام ووجه ذلك أن ~~العذاب كان مختصا بآل فرعون دون بني إسرائيل فاختصاصه بالقبطي دون ~~الإسرائيلي معجز وكون بني إسرائيل في أمان منه وعافية وقوم فرعون في شدة ~~وعذاب وبلاء مع اتحاد المساكن معجز أيضا. فإن اعترض معترض وقال إن الله ~~تعالى علم من حال آل فرعون أنهم لا يؤمنون بتلك المعجزات فما الفائدة في ~~تواليها عليهم وإظهار الكثير منها. فالجواب على مذهب أهل السنة إن الله ~~تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسأل عما يفعل وأما على قول ~~المعتزلة في رعاية المصلحة فلعله تعالى علم من قوم فرعون أن بعضهم كان ~~يؤمن ms1292 بتوالي تلك المعجزات وظهورها فلهذا السبب والاها عليهم والله أعلم ~~بمراده. قوله عز وجل: { فانتقمنا منهم } يعني كافأناهم عقوبة لهم سوء ~~صنيعهم. وأصل الانتقام في اللغة سلب النعمة بالعذاب { فأغرقناهم في اليم ~~} والمعنى أنه تعالى لما كشف عنهم العذاب مرات فلم يؤمنوا ولم يرجعوا عن ~~كفرهم فلما بلغوا الأجل الذي أجل لهم انتقم منهم بأن أهلكهم بالغرق فذلك ~~قوله فأغرقناهم في اليم يعني البحر واليم الذي لا يدرك قعره وقيل هو لجة ~~جر البحر ومعظم مائه. قال الزهري: اليم معروف لفظة سريانية عربتها العرب ~~ويقع اسم على البحر الملح والبحر العذب ويدل على ذلك قوله تعالى: # فاقذفيه في اليم # [طه: 39] والمراد به نيل مصر وهو عذب { بأنهم كذبوا بآياتنا } يعني ~~أهلكناهم وأغرقناهم بسبب أنهم كذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وصدق ~~نبينا { وكانوا عنها } يعني عن آياتنا { غافلين } يعني معرضين وقيل كانوا ~~على حلول النقمة بهم غافلين. ولما كان الإعراض عن الآيات وعدم الالتفات ~~إليها كالغفلة عنها سموا غافلين تجوزا لأن الغفلة ليست من فعل الإنسان. ### || [7.137-140] # قوله عز وجل: { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون } يعني ومكنا القوم ~~الذين كانوا يقهرون ويغلبون على أنفسهم وهو أن فرعون وقومه كانوا قد ~~تسلطوا على بني إسرائيل فقتلوا أبناءهم واستخدموهم فصيروهم مستضعفين تحت ~~أيديهم { مشارق الأرض ومغاربها } يعني أرض الشام ومصر وأراد بمشارقها ~~ومغاربها جميع جهاتها ونواحيها. وقيل: أراد بمشارق الأرض ومغاربها الأرض ~~المقدسة وهو بيت المقدس وما يليه من الشرق والغرب. وقيل: أراد جميع جهات ~~الأرض وهو اختيار الزجاج قال: لأن داود وسليمان صلوات الله وسلامه عليهما ~~كانا من بني إسرائيل وقد ملكا الأرض. وقوله عز وجل: { التي باركنا فيها } ~~يدل على أنها الأرض المقدسة يعني باركنا فيها بالثمار والأشجار والزروع ~~والخصب والسعة { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل } يعني وتمت كلمة ~~الله وهي وعدهم بالنصر على عدوهم والتمكين في الأرض من بعدهم وقيل كلمة ~~الله هي قوله { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } الآية ~~والحسنى صفة للكلمة وهي تأنيث ms1293 الأحسن وتمامها إنجاز ما وعدهم به من ~~تمكينهم في الأرض وإهلاك عدوهم { بما صبروا } يعني إنما حصل لهم ذلك ~~التمام وهو ما أنعم الله تعالى به عليهم من إنجاز وعده لهم بسبب صبرهم ~~على دينه وأذى فرعون لهم { ودمرنا } يعني وأهلكنا والدمار الهلاك ~~باستئصال { ما كان يصنع فرعون وقومه } في أرض مصر من العمارات والبينان { ~~وما كانوا يعرشون } يعني يسقفون من ذلك البنيان وقال مجاهد: ما كانوا ~~يبنون من البيوت والقصور. وقال الحسن: وما كانوا يعرشون من الثمار ~~والأعناب. قوله عز وجل: { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر } يعني وقطعنا ببني ~~إسرائيل البحر بعد إهلاك فرعون وقومه وإغراقهم فيه يقال جاز الوادي ~~وجاوزه إذا قطعه وخلفه وراء ظهره. وقال الكلبي عبر موسى البحر يوم ~~عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصامه شكرا لله تعالى: { فأتوا على قوم ~~يعكفون على أصنام لهم } يعني فمر بنو إسرائيل بعد مجاوزة البحر على قوم ~~يعكفون أي يقيمون ويواظبون على أصنام لهم يعني تماثيل لهم كانوا يعبدونها ~~من دون الله. قال ابن جريج: كانت تلك الأصنام تماثيل بقر وذلك أول شان ~~العجل. وقال قتادة: كان أولئك القوم من لخم وكانوا نزولا بالرقة يعني ~~بالرقة ساحل البحر وقيل كان أولئك الأقوام من الكنعانيين الذين أمر موسى ~~عليه الصلاة والسلام بقتالهم { قالوا } يعني قال بنو إسرائيل لموسى لما ~~رأوا ذلك التمثال { يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة } يعني كما لهم ~~أصنام يعبدونها ويعظمونها فاجعل لنا أنت إلها نعبده ونعظمه. قال البغوي ~~رحمه الله: ولم يكن ذلك شكا من بني إسرائيل في وحدانية الله تعالى وإنما ~~معناه اجعل لنا شيئا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله تعالى وظنوا أن ذلك ~~لا يضر الديانة وكان ذلك لشدة جهلهم وقال غيره هذا يدل على غاية جهل بني ~~إسرائيل وذلك أنهم توهموا أنه يجوز عبادة غير الله تعالى بعد ما رأوا ~~الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى وكمال قدرته وهي الآيات التي توالت ~~على قوم فرعون حتى أغرقهم الله تعالى في البحر بكفرهم ms1294 وعبادتهم غير الله ~~تعالى فحملهم جهلهم على أن قالوا لنبيهم موسى عليه الصلاة والسلام اجعل ~~لنا إلها كما لهم آلهة فرد عليهم موسى عليه الصلاة والسلام بقوله { قال ~~إنكم قوم تجهلون } يعني تجهلون عظمة الله تعالى وأنه لا يستحق أن يعبد ~~سواه لأنه هو الذي أنجاكم من فرعون وقومه فأغرقهم في البحر وأنجاكم منه. # عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة حنين مر بشجرة ~~للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فقالوا يا رسول ~~الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " سبحان الله هذا كما قال قوم موسى اجعل إلها كما لهم آلهة والذي ~~نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم " # أخرجه الترمذي. وقوله تعالى: { إن هؤلاء متبر ما هم فيه } أي مهلك ~~والتتبير الإهلاك { وباطل ما كانوا يعملون } البطلان عبارة عن عدم الشيء ~~إما بعدم ذاته أو بعدم فائده ونفعه والمراد من بطلان عملهم أنه لا يعود ~~عليهم من ذلك العمل نفع ولا يدفع عنهم ضرا لأنه عمل لغير الله تعالى ~~فكان باطلا لا نفع فيه { قال أغير الله أبغيكم إلها } لما قال بنو ~~إسرائيل لموسى عليه الصلاة والسلام اجعل لنا إلها كما لهم آلهة حكم ~~عليهم بالجهالة وقال مجيبا لهم على سبيل العجب والإنكار عليهم أغير الله ~~أبغيكم إلها يعني أطلب لكم وأبغي لكم إلها { وهو فضلكم على العالمين } ~~والمعنى أن الإله ليس هو شيئا يطلب ويلتمس ويتخير بل الإله هو الذي ~~فضلكم على العالمين لأنه القادر على الإنعام والإفضال فهو هذا الذي يستحق ~~أن يعبد ويطاع لا عبادة غيره ومعنى قوله فضلكم على العالمين يعني على ~~عالمي زمانكم وقيل فضلهم بما خصهم به من الآيات الباهرة التي لم تحصل ~~لغيرهم وإن كان غيرهم أفضل منهم. ### || [7.141-143] # قوله عز وجل: { وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون ~~أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلك بلاء من ms1295 ربكم عظيم } هذه الآية تقدم ~~تفسيرها في سورة البقرة، والفائدة في ذكرها في هذا الموضع أنه تعالى هو ~~الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة فكيف يليق بكم الاشتغال بعبادة غيره ~~حتى تقولوا اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. قوله عز وجل: { وواعدنا موسى ~~ثلاثين ليلة } يعني وواعدنا موسى عليه الصلاة والسلام لمناجاتنا ثلاثين ~~ليلة وهي ذو القعدة { وأتممناها بعشر } يعني عشر ذي الحجة وهذا قول ابن ~~عباس ومجاهد. قال المفسرون إن موسى عليه الصلاة والسلام وعد بني إسرائيل ~~إذا أهلك الله تعالى عدوهم فرعون أن يأيتهم بكتاب من عند الله عز وجل فيه ~~بيان ما يأتون وما يذرون فما أهلك الله تعالى فرعون سأل موسى ربه عز وجل ~~أن ينزل عليه الكتاب الذي وعد به بني إسرائيل فأمره أن يصوم ثلاثين يوما ~~فصامها فلما تمت أنكر خلوف فمه فتسوك بعود خرنوب وقيل بل أكل من ورق ~~الشجر فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمره ~~الله أن يصوم عشر ذي الحجة وقال له أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي ~~من ريح المسك فكانت فتنة بني إسرائيل في تلك العشر التي زادها الله عز ~~وجل لموسى عليه الصلاة والسلام وقيل إن الله تعالى أمر موسى عليه الصلاة ~~والسلام أن يصوم ثلاثين يوما ويعمل فيها ما يتقرب به إلى الله ثم كلمه ~~وأعطاه الألواح في العشر التي زادها فلهذا قال: وتممناها بعشر وهذا ~~التفصيل الذي ذكره هنا هو تفصيل ما أجمله في سورة البقرة وهو قوله تعالى: # وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة # [البقرة: 51] فذكره هناك على الإجمال وذكره هنا على التفصيل. وقوله ~~تعالى: { فتم ميقات ربه أربعين ليلة } يعني فتم الوقت الذي قدره الله ~~لصوم موسى عليه الصلاة والسلام وعبادته أربعين ليلة لأن الميقات هو الوقت ~~الذي قدر أن يعمل فيه عمل من الأعمال ولهذا قيل مواقيت الحج { وقال موسى ~~لأخيه هارون اخلفني في قومي } يعني كن أنت خليفتي فيهم من بعدي حتى أرجع ~~إليك { وأصلح } يعني ms1296 وأصلح أمور بني إسرائيل واحملهم على عبادة الله ~~تعالى. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الرفق بهم والإحسان إليهم { ~~ولا تتبع سبيل المفسدين } يعني ولا تسلك طريق المفسدين في الأرض ولا ~~تطعهم والمقصود من هذا الأمر التأكيد لأن هارون عليه الصلاة والسلام لم ~~يكن ممن يتبع سبيل المفسدين فهو كقوله ولكن ليطمئن قلبي وكقولك للقاعد ~~اقعد بمعنى دم على ما أنت عليه من القعود. # قوله تعالى: { ولما جاء موسى لميقاتنا } يعني للوقت الذي وقتنا له أن ~~يأتي فيه لمناجاتنا وهو قوله { وكلمه ربه } وفي هذه الآية دليل على أن ~~الله عز وجل كلم موسى عليه الصلاة والسلام واختلف الناس في كلام الله ~~تعالى فقال الزمخشري كلمه ربه عز وجل من غير واسطة كما يكلم الملك ~~وتكليمه أن يخلق الكلام منطوقا به في بعض الأجرام كما خلقه مخطوطا في ~~الألواح هذا كلامه وهذا مذهب المعتزلة ولا شك في بطلانه وفساده لأن ~~الشجرة أو ذلك الجرم لا يقول # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري # [طه: 14] فثبت بذلك بطلان ما قالوه وذهبت الحنابلة ومن وافقهم إلى أن ~~كلام الله تعالى حروف وأصوات متقطعة وأنه قد تم وذهب جمهور المتكلمين إلى ~~أن كلام الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات وتلك الصفة قديمة ~~أزلية والقائلون بهذا القول قالوا إن موسى عليه الصلاة والسلام سمع تلك ~~الصفة الأزلية الحقيقية وقالوا كما أنه لا يبعد رؤية ذاته وليس جمسا ولا ~~عرضا كذلك لا يبعد سماع كلامه مع أن كلامه ليس بصوت ولا حرف ومذهب أهل ~~السنة وجمهور العلماء من السلف والخلف إن الله تعالى متكلم بكلام قديم ~~وسكتوا عن الخوض في تأويله وحقيقته. قال أهل التفسير والأخبار: لما جاء ~~موسى عليه الصلاة والسلام لميقات ربه تطهر وطهر ثيابه وصام ثم أتى طور ~~سيناء وفي القصة أن الله تعالى أنزل ظلة تغشت الجبل على أربع فراسخ من كل ~~ناحية وطرد عنه الشيطان وهو أم الأرض ونحى عنه الملكين وكشط له السماء ms1297 ~~فرأى الملائكة قياما في الهواء ورأى العرش بارزا وأدنى ربه حتى سمع ~~صريف الأقلام على الألواح وكلمه الله تبارك وتعالى وناجاه وأسمعه كلامه ~~وكان جبريل عليه السلام معه فلم يسمع ما كلم الله تعالى به موسى فاستحلى ~~كلام ربه عز وجل واشتاق إلى رؤيته { قال رب أرني أنظر إليك } قال الزجاج: ~~فيه اختصار تقديره أرني نفسك أنظر إليك وقال ابن عباس معناه أعطني أنظر ~~إليك إنما سأل موسى عليه الصلاة والسلام الرؤية مع علمه بأن الله تعالى ~~لا يرى في الدنيا لما هاج به من الشوق وفاض عليه من أنواع الجلال حتى ~~استغرق في بحر المحبة فعند ذلك سأل الرؤية وقيل إنما سأل الرؤية ظنا منه ~~بأنه تعالى يرى في الدنيا فتعالى الله عن ذلك { قال لن تراني } يعني ليس ~~لبشر أن يراني في الدنيا ولا يطيق النظر الي في الدنيا من نظر إلي في ~~الدنيا مات فقال موسى عليه الصلاة والسلام: إلهي سمعت كلامك فاشتقت إلى ~~النظر إليك ولأن أنظر إليك ثم أموت أحب إلي من أن أعيش ولا أراك. وقال ~~السدي: لما كلم الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام غاص عدو لله إبليس ~~الخبيث في الأرض حتى خرج من بين قدمي موسى فوسوس إليه أن مكلمك شيطان عند ~~ذلك سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربه الرؤية فقال { ربي أرني أنظر إليك ~~} قال الله تبارك وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام { لن تراني }. # فصل وقد تمسك من نفي الرؤية من أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض ~~المرجئة بظاهر هذه الآية وهو قوله تعالى: { لن تراني } قالوا لن تكون ~~للتأبيد والدوام ولا حجة لهم في ذلك ولا دليل ولا يشهد لهم في ذلك كتاب ~~ولا سنة وما قالوه في أن لن تكون للتأبيد خطأ بين ودعوى على أهل اللغة إذ ~~ليس يشهد لما قالوه نص عن أهل أهل اللغة والعربية ولم يقل به أحد منهم ~~ويدل على صحة ذلك قوله تعالى في صفة اليهود # ولن يتمنوه أبدا # [البقرة: 95] مع أنهم يتمنون الموت ms1298 يوم القيامة يدل عليه قوله تعالى: # ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك # [الزخرف: 77] وقوله # يا ليتها كانت القاضية # [الحاقة: 27] فإن قالوا إن لن معناها تأكيد النفي كلا التي تنفي ~~المستقبل قلنا إن صح هذا التأويل فيكون معنى لن تراني محمولا على الدنيا ~~أي لن تراني في الدنيا جمعا بين دلائل الكتاب والسنة فإنه قد ثبت في ~~الحديث الصحيح أن المؤمنين يرون ربهم عز وجل يوم القيامة في الدار الآخرة ~~وأيضا فإن موسى عليه الصلاة والسلام كان عارفا بالله تعالى وبما يجب ~~ويجوز ويمتنع على الله عز وجل وفي الآية دليل على أنه سأل الرؤية فلو ~~كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها موسى عليه الصلاة والسلام ~~فحيث سألها علمنا أن الرؤية جائزة على الله تعالى وأيضا فإن الله عز وجل ~~علق رؤيته على أمر جائز والمعلق على الجائز جائز فيلزم من ذلك كون الرؤية ~~في نفسها جائزة وإنما قلنا ذلك لأنه تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل ~~وهو قوله تعالى: { ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني } وهو ~~أمر جائز الوجود في نفسه وإذا كان كذلك ثبت أن رؤيته جائزة الوجود لأن ~~استقرار الجبل غير مستحيل عند التجلي إذا جعل الله تعالى له قوة على ذلك ~~والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالا والله أعلم بمراده. قال وهب ومحمد ~~بن إسحاق: لما سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربه عز وجل الرؤية أرسل الله ~~الضباب والرياح والصواعق والرعد والبرق والظلمة حتى أحاطت بالجبل الذي ~~عليه موسى عليه الصلاة والسلام أربع فراسخ من كل جانب وأمر الله تعالى ~~أهل السموات أن يعترضوا على موسى عليه الصلاة والسلام فمرت به ملائكة ~~السماء الدنيا كثيران البقر تنبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة ~~كصوت الرعد الشديد فقال موسى: رب إني كنت عن هذا غنيا ثم أمر الله تعالى ~~ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى واعترضوا عليه فهبطوا عليه مثل ~~الأسود لهم لجب بالتسبيح والتقديس ففزع العبد الضعيف موسى بن عمران مما ms1299 ~~رأى وسمع واقشعرت كل شعرة في رأسه وبدنه ثم قال: لقد ندمت على مسألتي فهل ~~ينجيني مما أنا فيه شيء فقال له خير الملائكة ورئيسهم: يا موسى اصبر لما ~~سألت فقليل من كثير ما رأيت ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا ~~على موسى واعترضوا عليه فهبطوا عليه أمثال النسور لهم قصف ورجف ولجب شديد ~~وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس لهم جلب كجلب الجيش العظيم ألوانهم كلهب ~~النار ففزع موسى واشتد فزعه وأيس من الحياة فقال له خير الملائكة ~~ورئيسهم: مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا صبر لك عليه ثم أمر الله ~~ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه فهبطوا عليه لا ~~يشبههم شيء من الذين مروا قبلهم ألوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثلج ~~الأبيض أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا يقاربهم شيء من أصوات الذين ~~مروا به قبلهم فاصطكت ركبتاه وأرعد قلبه واشتد بكاؤه فقال له خير ~~الملائكة ورئيسهم: يا ابن عمران اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثم ~~أمر الله ملائكة السماء الخامسة اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه فهبطوا ~~عليه لهم سبعة ألوان فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره ولم ير مثلهم ولم ~~يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه خوفا واشتد حزنه وكثر بكاؤه فقال له خير ~~الملائكة ورئيسهم: يا ابن عمران مكانك حتى ترى ما لا تصير عليه ثم أمر ~~الله ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه فهبطوا ~~عليه وفي يد كل واحد منهم مثل النخلة العظيمة الطويلة نار أشد ضوءا من ~~الشمس ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ~~الملائكة كلهم يقولون بشدة أصواتهم سبوح قدوس رب العزة أبدا لا يموت في ~~رأس كل ملك منهم أربعة أوجه فلما رآهم موسى عليه الصلاة والسلام رفع صوته ~~يسبح معهم وهو يبكي ويقول: رب اذكرني ولا تنس عبدك فلا أدري أأنفلت مما ~~أنا فيه أم لا إن خرجت احترقت وإن أقمت مت فقال له كبير الملائكة ~~ورئيسهم: ms1300 قد أوشكت يا ابن عمران أن يشتد خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي ~~سألت ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة فلما بدأ نور ~~العرش انصدع الجبل من عظمة الرب سبحانه وتعالى ورفعت الملائكة أصواتهم ~~جميعا يقولون سبحان الملك القدوس رب العزة أبدا لا يموت فارتج الجبل ~~لشدة أصواتهم واندك واندكت كل شجرة كانت فيه وخر العبد الضعيف موسى صعقا ~~على وجهه ليس معه روحه فأرسل الله تعالى برحمته الروح فتغشته وقلب عليه ~~الحجر الذي كان جلس عليه موسى فصار عيله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى ~~عليه الصلاة والسلام وأقامت الروح عليه مثل اللامة فلما أفاق موسى قام ~~يسبح ويقول آمنت بك وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا ومن نظر إلى ملائكتك ~~انخلع قلبه فما أعظمك وأعظم ملائكتك أنت رب الأرباب وملك الملوك والإله ~~العظيم لا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء رب تبت إليك الحمد لك لا شريك لك ما ~~أعظمك وما أجلك يا رب العالمين فذلك قوله تعالى: { فلما تجلى ربه للجبل ~~جعله دكا } قال ابن عباس: ظهر نور ربه للجبل فصار ترابا واسم الجبل ~~زبير. # وقال الضحاك أظهر الله عز وجل من نور الحجب مثل منخر الثور. وقال عبد ~~الله بن سلام وكعب الأحبار ما تجلى للجبل من الله تعالى إلا مثل سم ~~الخياط حتى صار دكا. وقال السدي ما تجلى إلا قدر الخنصر يدل عليه ما روى ~~ثابت عن أنس رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال هكذا ووضع الإبهام ~~على الفصل الأعلى من الخنصر فساخ " # الجبل ذكره البغوي هكذا بغير سند وأخرجه الترمذي أيضا عن أنس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية { فلما تجلى ربه للجبل ~~جعله دكا } قال حماد هكذا وأمسك بطرف إبهامه على أنملة أصبعه اليمنى ~~فساخ الجبل وخر موسى عليه السلام صعقا " # وقال الترمذي حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة ~~ويروى عن سهل بن سعد ms1301 الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نورا ~~قدر الدرهم فجعل الجبل دكا يعني مستويا بالأرض وقال ابن عباس: جعله ~~ترابا وقال سفيان ساخ الجبل حتى وقع في البحر فهو يذهب فيه وقال عطية ~~العوفي صار رملا هائلا وقال الكلبي جعله دكا يعني كسرا جبالا صغارا ~~وقيل إنه صار لعظمة الله تعالى ستة أجبل فوقع ثلاثة بالمدينة وهي: أحد ~~وورقان ورضوى ووقع ثلاثة بمكة وهي: ثور وثبر وحراء وقوله تعالى: { وخر ~~موسى صعقا } قال ابن عباس والحسن يعني مغشيا عليه. وقال قتادة يعني ~~ميتا والأول أصح لقوله { فلما أفاق } والميت لا إفاقة له إنما يقال أفاق ~~من غشيته قال الكلبي صعق موسى عليه الصلاة والسلام يوم الخميس وهو يوم ~~عرفة وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر. وقال الواقدي: لما خر موسى ~~صعقا قالت ملائكة السموات: ما لابن عمران وسؤال الرؤية وفي بعض الكتب أن ~~ملائكة السموات أتوا موسى وهو في غشيته فجعلوا يركلونه ويقولون يا ابن ~~النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة فلما أفاق يعني من غشيته ورجع عقله ~~إليه وعرف أنه سأل أمرا عظيما لا ينبغي له { قال سبحانك } يعني تنزيها ~~لك من النقائص كلها { تبت إليك } يعني من مسألتي الرؤية بغير إذنك وقيل ~~من سؤال الرؤية في الدنيا وقيل لما كانت الرؤية مخصوصة بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم فمنعها قال سبحانك تبت إليك يعني من سؤال ما ليس لي وقيل لما ~~سأل الرؤية ومنعها قال تبت إليك يعني من هذا السؤال وحسنات الأبرار سيئآت ~~المقربين { وأنا أول المؤمنين } يعني بأنك لا ترى في الدنيا وقيل أنا أول ~~المؤمنين يعني من بني إسرائيل بقي في الآية سؤالات: الأول أن الرؤية عين ~~النظر فكيف قال أرني أنظر إليك وعلى هذا يكون التقدير أرني حتى أراك؟ ~~والجواب عنه: أن معنى قوله أرني اجعلني متمكن من رؤيتك حتى أنظر إليك ~~وأراك. # السؤال الثاني كيف قال لن تراني ولم يقل لن تنظر إلي حتى يكون مطابقا ~~لقوله { أنظر إليك }؟ والجواب: ms1302 أن النظر لما كان مقدمة الرؤية كان ~~المقصود هو الرؤية لا النظر الذي لا رؤية معه. السؤال الثالث: كيف استدرك ~~وكيف اتصل الاستدراك من قوله: { ولكن انظر إلى الجبل } بما قبله؟ والجواب ~~أن المقصود منه تعظيم أمر الرؤية وأن أحدا لا يقوى على رؤيته تعالى إلا ~~من قواه الله تعالى بمعونته وتأييده ألا ترى أنه لما ظهر أصل التجلي ~~للجبل اندك وتقطع فهذا هو المراد من هذا الاستدراك لأنه يدل على تعظيم ~~أمر الرؤية والله أعلم بمراده. ### || [7.144] # قوله عز وجل: { قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } ~~يعني قال الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام يا موسى إني اخترتك ~~واتخذتك صفوة. الاصطفاء الاستخلاص من الصفوة والاجتباء والمعنى إني فضلتك ~~واجتبيتك على الناس وفي هذا تسلية لموسى عليه الصلاة والسلام عن منع ~~الرؤية حين طلبها لأن الله تعالى عدد عليه نعمه التي أنعم بها عليه وأمره ~~أن يشتغل بشكرها كأنه قال له إن كنت منعت من الرؤية التي طلبت فقد أعطيتك ~~من النعم العظيمة كذا وكذا فلا يضيقن صدرك بسبب منع الرؤية وانظر إلى ~~سائر أنواع النعم التي خصصتك بها وبه الاصطفاء على الناس برسالاتي ~~وبكلامي يعني من غير واسطة لأن غيره من الرسل منع كلام الله تعالى إلا ~~بواسطة الملك. فإن قلت كيف قال اصطفيتك على الناس برسالاتي مع أن كثيرا ~~من الأنبياء قد ساواه في الرسالة قلت ذكر العلماء عن هذا السؤال جوابين. ~~أحدهما: ذكره البغوي فقال لما لم تكون الرسالة على العموم في حق الناس ~~كافة استقام قوله { اصطفيتك على الناس } وإن شاركه فيها غيره كما يقول ~~الرجل للرجل خصصتك بمشورتي وإن كان قد شاور غيره إذا لم تكن المشورة على ~~العموم فيكون مستقيما وفي هذا الجواب نظر لأن من جملة من اصطفاه الله ~~برسالته محمدا صلى الله عليه وسلم وهو أفضل من موسى عليه الصلاة والسلام ~~فلا يستقيم هذا الجواب الجواب الثاني ذكره الإمام فخر الدين الرازي فقال: ~~إن الله تعالى بين أنه خصه ms1303 بمجموع أمرين وهما الرسالة مع الكلام بغير ~~واسطة وهذا المجموع ما حصل لغيره فثبت أنه إنما حصل التخصيص هاهنا لأنه ~~سمع ذلك الكلام بغير واسطة وإنما كان الجواب بغير واسطة سببا لمزيد ~~الشرف بناء على العرف الظاهر لأن من سمع كلام الملك العظيم من فيه كان ~~أعلى وأشرف ممن سمعه بواسطة الحجاب والنواب وهذا الجواب فيه نظر أيضا ~~لأن محمدا صلى الله عليه وسلم اصطفاه برسالته وكلمه ليلة المعراج بغير ~~واسطة وفرض عليه وعلى أمته الصلوات وخاطبه بيا محمد يدل عليه قوله # فأوحى إلى عبده ما أوحى # [النجم: 10] ورفعه إلى حيث سمع صريف الأقلام وهذا كله يدل على مزيد ~~الفضل والشرف على موسى عليه الصلاة والسلام وغيره من الأنبياء فلا يستقيم ~~هذا الجواب أيضا والذي يعتمد في هذا الجواب عن هذا السؤال أن الله اصطفى ~~موسى عليه الصلاة والسلام برسالته وبكلامه على الناس الذين كانوا في ~~زمانه وذلك أنه لم يكن في ذلك الوقت أعلى منصبا ولا أشرف ولا أفضل منه ~~وهو صاحب الشريعة الظاهرة وعليه نزلت التوراة فدل ذلك عليه أنه اصطفاه ~~على ناس زمكانه كما اصطفى قومه على عالمي زمانهم وهو قوله تعالى: # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين # [البقرة: 47] قال المفسرون: يعني على عالمي زمانهم. وقوله تعالى: { فخذ ~~ما آتيتك } يعني ما فضلتك وأكرمتك به { وكن من الشاكرين } يعني على ~~إنعامي عليك وفي القصة أن موسى عليه الصلاة والسلام كان بعد ما كلمه ربه ~~لا يستطيع أحد أن ينظر إليه لما غشي وجهه من النور ولم يزل على وجهه برقع ~~حتى مات وقالت له زوجته أنا لم أرك منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فأخذها ~~مثل شعاع الشمس فوضعت يدها على وجهها وخرت ساجدة وقالت ادع الله أن ~~يجعلني زوجتك في الجنة قال ذلك لك إن لم تتزوجي بعدي فإن المرأة لآخر ~~أزواجها. ### || [7.145] # قوله تعالى: { وكتبنا في الألواح } قال ابن عباس: يريد ألواح التوراة ~~والمعنى وكتبنا لموسى في ألواح ms1304 التوراة قال البغوي وفي الحديث كانت من ~~سدر الجنة طول اللوح إثنا عشر ذراعا وجاء في الحديث # " خلق الله تعالى آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده " # وقال الحسن: كانت الألواح من خشب. وقال الكلبي من زبرجدة خضراء. وقال ~~سعيد بن جبير من ياقوته حمراء. وقال ابن جريج من زمرد أمر الله تعالى ~~جبريل عليه السلام حتى جاء بها من جنة عدن وكتبها بالقلم الذي كتب به ~~الذكر واستمد من نهر النور. وقال الربيع بن أنس: كانت الألواح من زبرجد ~~وقال وهب: أمره الله بقطع ألواح من صخرة صماء لينها له فقطعها بيده ثم ~~شقها بأصبعه وسمع موسى عليه الصلاة والسلام صرير الأقلام بالكلمات العشر ~~وكان ذلك في أول يوم من ذي الحجة كان طول الألواح عشرة أذرع على طول موسى ~~وقيل إن موسى خر صعقا يوم عرفه فأعطاه الله تعالى التوراة يوم النحر ~~وهذا أقرب إلى الصحيح عنه أنها لوحان واختاره الفراء قال وإنما جمعت على ~~عدة العرب في إطلاق الجمع على الاثنين وقال وهب كانت عشرة ألواح. وقال ~~مقاتل: كانت تسعة. وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي وقر سبعين ~~بعيرا يقرأ لجزء منها في سنة ولم يقرأها إلا أربعة نفر موسى ويوشع بن ~~نون وعزير وعيسى عليهم الصلاة والسلام والمراد بقوله لم يقرأها يعني لم ~~يحفظها ويقرأها عن ظهر قلبه إلا هؤلاء الأربعة. وقال الحسن: هذه الآية في ~~التوراة بألف آية يعني قوله وكتبنا له في الألواح { من كل شيء } يعني ~~يحتاج إليه من أمر ونهي { موعظة } يعني نهيا عن الجهل وحقيقة الموعظة ~~التذكير والتحذير مما يخاف عاقبته { وتفصيلا لكل شيء } يعني وتبيينا ~~لكل شيء من الأمر والنهي والحلال والحرام والحدود والأحكام مما يحتاج ~~إليه في أمور الدين وروى الطبري بسنده عن وهب بن منبه قال: كتب له يعني ~~في التوراة لا تشرك بي شيئا من أهل السماء ولا من أهل الأرض فإن كل ذلك ~~خلقي ولا تحلف باسمي كاذبا فإن من حلف باسمي كاذبا ms1305 فلا أزكيه ووقر ~~والديك. وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن كعب الأحبار أن موسى عليه الصلاة ~~والسلام نظر في التوراة فقال: إني أجد أمة خير الأمم أخرجت للناس يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر ويقاتلون ~~أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال رب اجعلهم أمتي قال هي أمة محمد ~~يا موسى فقال رب إني لأجد أمة هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون إذا ~~أرادوا أمرا قالوا نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد قال: ~~رب إني أجد في التوراة أمة يأكلون كفارتهم وصدقاتهم وكان الأولون يحرقون ~~صدقاتهم بالنار وهم المستجيبون والمستجاب لهم الشافعون المشفوع لهم ~~فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد قال: يا رب إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على ~~شرف كبر الله وإذا هبط واديا حمد الله الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد ~~حيثما كانوا يتطهرون من الجنابة طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا ~~يجدون الماء غر محجلون من آثار الوضوء فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد قال: ~~يا رب إني أجد أمة إذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتب له حسنة بمثلها ~~وإن عملها كتبت بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمتي قال هي أمة ~~محمد قال: يا رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب الذين اصطفيتهم ~~فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فلا أجد أحدا منهم ~~إلا مرحوما فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد قال: رب إني أجد أمة مصاحفهم ~~في صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة يصفون في صلاتهم صفوف الملائكة ~~أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل لا يدخل النار أحد منهم أبدا إلا من يرى ~~الحساب مثل ما يرى الحجر من وراء من البحر فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد ~~فلما عجب موسى من الخير الذي أعطاه الله عز وجل محمدا صلى الله عليه ~~وسلم وأمته قال يا ليتني من أصحاب محمد فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه ~~بهن # يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي # [الأعراف: ms1306 144] - إلى قوله - { سأريكم دار الفاسقين } # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159] قال فرضي موسى كل الرضا. وقوله تعالى: { فخذها بقوة } ~~يعني وقلنا لموسى عليه الصلاة والسلام إذا كتبنا له في الألواح من كل شيء ~~خذها بجد واجتهاد. وقيل معناه فخذها بقوة قلب وصحة عزيمة ونية صادقة لأن ~~من أخذ شيئا بضعف نية أداه إلى الفتور { وأمر قومك يأخذون بأحسنها } قال ~~ابن عباس: يحلوا حلالها ويحرموا حرامها ويتدبروا أمثالها ويعلموا بمحكمها ~~ويقفوا عند متشابهها وكان موسى عليه الصلاة والسلام أشد عبادة من قومه ~~فأمر بما لم يؤمروا به وقيل ظاهر قوله { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } يدل ~~على أن بين التكليفين فرقا ليكون في هذا الفصل فائدة وهي أن التكليف كان ~~على موسى أشد لأنه تعالى لم يرخص له ما رخص لغيره من قومه. فإن قلت ظاهر ~~قوله تعالى: { يأخذوا بأحسنها } يدل على أن فيها ما ليس بحسن وذلك لم يقل ~~به أحد فما معنى قوله { يأخذوا بأحسنها }؟ قلت إن التكليف كله حسن وبعضه ~~أحسن كالقصاص حسن ولكن العفو أحسن وكالانتصار حسن والصبر أحسن منه فأمروا ~~أن يأخذوا بالشد على أنفسهم ليكون ذلك أعظم من الثواب فهو كقوله # واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم # [الزمر: 55] وكقوله # الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه # [الزمر: 18] وقيل إن الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح والأحسن ~~الأخذ بالأشد والأشق على النفس وقيل معناه بأحسنها بحسنها وكلها حسن. ~~قوله تعالى: { سأريكم دار الفاسقين } قال مجاهد: يعني مصيركم في الآخرة ~~وقال الحسن وعطاء يريد جهنم يحذركم أن تكونوا مثلهم. وقال قتادة: سأدخلكم ~~الشام فأريكم منازل القرون الماضية الذين خالفوا الله تعالى لتعتبروا ~~بها. وقال عطية العوفي يعني دار فرعون وقومه وهي مصر. وقال السدي: يعني ~~منازل الكفار وقال الكلبي هي منازل عاد وثمود والقرون الذين هلكوا فكانوا ~~يمرون عليها إذا سافروا. ### || [7.146] # قوله عز وجل: { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق } قال ~~ابن عباس يريد الذين يتجبرون على عبادي ويحاربون أوليائي سأصرفهم ms1307 عن قبول ~~آياتي والتصديق بها حتى لا يؤمنوا بي عقوبة بحرمان الهداية لعنادهم الحق. ~~وقال سفيان بن عيينة: سأمنعهم فهم القرآن وقيل معناه سأصرفهم عن التفكير ~~في خلق السموات والأرض وما فيهما من الآيات والعبر وقيل حكم الآية لأهل ~~مصر خاصة وأراد بالآيات الآيات التسع التي أعطاها الله تعالى لموسى عليه ~~الصلاة والسلام والأكثرون على أن الآية فيه دليل لمذهب أهل السنة على أن ~~الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويصرف عن آياته ويقبل الحق من يشاء ~~ويوفق بالتفكر في آياته وقبول الحق من يشاء لأنه القادر على ما يشاء # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # [الأنبياء: 23] ومعنى الذين يتكبرون الذين يرون أنهم أفضل الخلق وأن ~~لهم من الحق ما ليس لغيرهم والتكبر على هذه الصفة لا يكون إلا لله عز وجل ~~لأنه هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد سواه فالتكبر في حق الله عز ~~وجل صفة مدح وفي حق المخلوقين صفة ذم لأنه تكبر بما ليس له ولا يستحقه ~~وقيل التكبر إظهار كبر النفس على غيرها فهو صفة ذم في حق جميع العباد ~~وقوله يتكبرون من الكبر لا من التكبر أن يفتعلون التكبر ويرون أنهم أفضل ~~من غيرهم فلذلك قال يتكبرون في الأرض بغير الحق بل بالباطل { وإن يروا كل ~~آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد } يعني طريق الحق والهدى والسداد ~~والصواب { لا يتخذوه سبيلا } يعني لا يختاروه لأنفسهم طريقا يسلكونه ~~إلى الهداية { وإن يروا سبيل الغي } يعني طريق الضلال { يتخذوه سبيلا ~~ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا } يعني ذلك اختاروه لأنفسهم من ترك الرشد واتباع ~~الغي بسبب أنهم كذبوا بآيات الله الدالة على توحيده { وكانوا عنها غافلين ~~} يعني عن التفكر فيها والاتعاظ بها. ### || [7.147-150] # { والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة } يعني ولقاء الدار الآخرة التي ~~فيها الثواب والعقاب { حبطت أعمالهم } يعني بطلت فصارت كأن لم تكن ~~والمعنى أنه قد يكون في الذين يكذبون بآيات الله من يعمل البر والإحسان ~~والخير فبين الله تعالى بهذه الآية ms1308 أن ذلك ليس ينفعهم من كفرهم وتكذيبهم ~~بآيات الله وإنكارهم الدار الآخرة والبعث { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ~~} يعني هل يجزون في العقبى إلا جزاء العمل الذي كانوا يعملونه في الدنيا. ~~قوله تعالى: { واتخذ قوم موسى من بعده } يعني من بعد انطلاق موسى إلى ~~الجبل لمناجاة ربه عز وجل: { من حليهم } يعني التي استعاروها من قوم ~~فرعون وذلك أن بني إسرائيل كان لهم عيد فاستعاروا من القبط الحلي ~~ليتزينوا به في عيدهم فبقي عندهم إلى أن أهلك الله فرعون وقومه فبقي ~~الحلي لبني إسرائيل ملكا لهم فلذلك قال الله تعالى من حليهم فلما أبطأ ~~موسى عليهم جمع السامري ذلك الحلي وكان رجلا مطاعا في بني إسرائيل فذلك ~~قال تعالى: واتخذ قوم موسى. والمتخذ هو واحد فنسب الفعل إلى الكل لأنه ~~كان برضاهم فكأنهم أجمعوا عليه وكان السامري رجلا صائغا فصاغ لهم { ~~عجلا جسدا } يعني من ذلك الحلي وهو الذهب والفضة وألقى في ذلك العجل من ~~تراب أثر فرس جبريل عليه السلام فتحول عجلا جسدا لحما ودما { له خوار ~~} هو صوت البقر وهذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة وجمهور أهل التفسير ~~وقيل كان جسدا لا روح فيه وكان يسمع منه صوت وقيل إن ذلك الصوت كان خفيق ~~الريح وذلك أنه جعله مجوفا ووضع في جوفه أنابيب على وضع مخصوص فإذا هبت ~~الريح دخلت في تلك الأنابيب فيسمع لها صوت كصوت البقر. والقول الأول: أصح ~~لأنه كان يخور وقيل إنه خار مرة واحدة وقيل إنه كان يخور كثيرا وكلما ~~خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رؤوسهم. قال وهب كان يسمع منه الخوار ولا ~~يتحرك. وقال السدي: كان يخور ويمشي { ألم يروا } يعني الذين عبدوا العجل ~~وقيل إن بني إسرائيل كلهم عبدوا العجل إلا هارون عليه الصلاة والسلام ~~بدليل قوله تعالى: { واتخذ قوم موسى من بعده } وهذا يفيد العموم وقيل إن ~~بعضهم عبد العجل وهو الصحيح وأجيب عن قوله واتخذ قوم موسى أنه خرج على ~~الأغلب وكذا قوله { ألم يروا } { أنه ms1309 } يعني العجل الذي عبدوه { لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا } يعني أن هذا العجل لا يمكنه أن يتكلم بصواب ~~ولا يهدي إلى رشد ولا يقدر على ذلك ومن كان كذلك كان جمادا أو حيوانا ~~ناقصا عاجزا وعلى كلا التقديرين لا يصلح لأن يعبد { اتخذوه وكانوا ~~ظالمين } يعني لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة الله تعالى الذي يضر وينفع ~~واشتغلوا بعبادة العجل الذي لا يضر ولا ينفع ولا يتكلم ولا يهديهم إلى ~~رشد وصواب. # قوله عز وجل: { ولما سقط في أيديهم } يعني ولما ندموا على عبادة العجل. ~~تقول العرب لكل نادم على أمر: سقط في يده وذلك لأن من شأن من اشتد ندمه ~~على أمر أن يعض يده ثم يضرب على فخذه فتصير يده ساقطة لأن السقوط عبارة ~~عن النزول من أعلى إلى أسفل { ورأوا أنهم قد ضلوا } يعني وتيقنوا أنهم ~~على الضلالة في عبادتهم العجل { قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا } ~~يعني يتب علينا ويتجاوز عنا { لنكونن من الخاسرين } يعني الذين خسروا ~~أنفسهم بوضعهم العبادة في غير موضعها وهذا كلام من اعتراف بعظيم ما أقدر ~~عليه من الذنب وندم على ما صدره منه ورغب إلى الله تعالى في إقالة عثرته ~~واعترافهم على أنفسهم بالخسران إن لم يغفر لهم ربهم ويرحمهم كلام التائب ~~النادم على ما فرط منه وإنما قالوا ذلك لما رجع موسى عليه الصلاة والسلام ~~إليهم وهو قوله تعالى: { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا } يعني لما ~~رجع موسى عليه الصلاة والسلام من مناجاة ربه إلى قومه بني إسرائيل رجع ~~غضبان أسفا لأن الله تعالى كان قد أخبره أنه قد فتن قومه وأن السامري قد ~~أضلهم فكان موسى في حال رجوعه غضبان أسفا. قال أبو الدرداء: الأسف أشد ~~الغضب. وقال ابن عباس والسدي: الأسف الحزن والأسيف الحزين. قال الواحدي ~~والقولان متقاربان لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب فإذا جاءك ما تكره ~~ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ما تكره ممن هو فوقك حزنت فتسمى إحدى هاتين ~~الحالتين حزنا ms1310 والأخرى غضبا فعلى هذا كان موسى عليه الصلاة والسلام ~~غضبان من قومه لأجل عبادتهم العجل آسفا حزينا لأن الله تعالى فتنهم وأن ~~الله تعالى كان قد أعلمه بذلك فحزن لأجل ذلك { قال } يعني موسى عليه ~~الصلاة والسلام لقومه { بئسما خلفتموني من بعدي } أي بئس الفعل فعلتم بعد ~~فراقي إياكم هذا الخطاب يحتمل أن يكون لعبدة العجل من السامي وأتباعه أو ~~لهارون من بني إسرائيل فعلى الاحتمال الأول في أنه خطاب لعبدة العجل يكون ~~المعنى بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل وتركتم عبادة الله وعلى الاحتمال ~~الثاني وهو أن يكون الخطاب لهارون ومن معه من المؤمنين يكون المعنى بئسما ~~خلفتموني حيث لم تمنعوهم من عبادة غير الله تعالى وقد رأيتم مني الأمر ~~بتوحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له ونفي الشركاء عنه وحمل بني إسرائيل ~~على ذلك ومن حق الخلفاء أن يسروا لسيرة مستخلفهم وقوله { أعجلتم أمر ربكم ~~} معنى العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ولذلك صارت مذمومة والسرعة غير ~~مذمومة لأن معناها عمل الشيء في أول وقته ولقائل أن يقول لو كانت العجلة ~~مذمومة لم يقل موسى عليه الصلاة والسلام # وعجلت إليك رب لترضى # [طه: 84] ومعنى الآية أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له. وقال الحسن: ~~أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدروا أنه لم يأت على ~~رأس الثلاثين فقد مات وقيل معناه أعجلتم سخط ربكم بعبادة العجل. وقال ~~الكلبي: معناه أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم ولما ذكر الله ~~تعالى أن موسى عليه الصلاة والسلام رجع إلى قومه غضبان أسفا ذكر بعده ما ~~أوجبه الغضب فقال تعالى: { وألقى الألواح } يعني التي فيها التوراة وكان ~~حاملا لها فألقاها من شدة الغضب قالت الرواة وأصحاب الأخبار: كانت ~~التوراة سبعة أسباع فلما ألقى موسى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباع ~~وبقي سبع واحد رفع منها ما كان من أخبار الغيب وبقي ما فيه المواعظ ~~والأحكام والحلال والحرام، وروى أن الله تعالى أخبر موسى عليه الصلاة ~~والسلام بفتنة قومه وعرف موسى عليه ms1311 الصلاة والسلام أن ما أخبره الله ~~سبحانه وتعالى به حق وصدق ومع ذلك لم يلق التوراة من يده فلما رجع إلى ~~قومه وعاين ذلك وشاهده ألقى التوراة وهذا كما قيل ليس الخبر كالمعاينة { ~~وأخذ برأس أخيه يجره إليه } قيل إنه أخذ بشعر رأسه ولحيته من شدة غضبه ~~وقال ابن الأنباري لما رجع موسى عليه الصلاة والسلام ووجد قومه مقيمين ~~على المعصية أكبر ذلك واستعظمه فأقبل على أخيه هارون يلومه ومد يده إلى ~~رأسه لشدة موجدته عليه إذا لم يلحق به فيعرفه خبر بني إسرائيل فيرجع ~~ويتلافاهم فأعلمه هارون عليه السلام أنه إنما أقام بين أظهرهم خوفا على ~~نفسه من القتل وهو قوله تعالى { قال } يعني هارون { ابن أم } إذ قال ~~هارون لموسى ابن أم وإن كانا لأب وأم ليرققه ويستعطفه عليه { إن القوم } ~~يعني الذين عبدوا العجل { استضعفوني } أي استذلوني وقهروني { وكادوا ~~يقتلونني } أي وقاربوا أهموا أن يقتلوني { فلا تشمت بي الأعداء } أصل ~~الشماتة الفرح ببلية من تعاديه ويعاديك يقال شمت فلان بفلان إذا سر ~~بمكروه نزل به والمعنى لا تسر الأعداء بما تنال مني من مكروه { ولا ~~تجعلني مع القوم الظالمين } يعني الذين عبدوا العجل. ### || [7.151-153] # { قال رب اغفر لي } يعني أن موسى عليه الصلاة والسلام لما تبين له عذر ~~أخيه هارون قال رب اغفر لي ما صنعت إلى أخي هارون يريد ما أظهر من ~~الموجدة عليه في وقت الغضب { ولأخي } يعني واغفر لأخي هارون إن كان وقع ~~منه تقصير في الإنكار على عبدة العجل { وأدخلنا } يعني جميعا { في رحمتك ~~} يعني في سعة رحمتك { وأنت أرحم الراحمين } وهذا فيه دليل على الترغيب ~~في الدعاء لأن من هو أرحم الراحمين تؤمل منه الرحمة وفيه تقوية لطمع ~~الداعي في نجاح طلبته { إن الذين اتخذوا العجل } يعني إلها عبدوه من دون ~~الله { سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا } يعني سينالهم عقوبة ~~من ربهم وهوان بسبب كفرهم وعبادتهم العجل وذلك في عاجل الحياة الدنيا ثم ~~للمفسرين في هذه الآية قولان: أحدهما: ms1312 أن المراد بالذين اتخذوا العجل ~~تابوا إلى الله تعالى بقتلهم أنفسهم كما أمرهم الله فتاب عليهم فكيف ~~ينالهم الغضب والذلة مع التوبة؟ والجواب: إن ذلك الغضب إنما حصل لهم في ~~الدنيا وهو في نفس القتل فكان ذلك القتل غضبا عليهم والمراد بالذلة هو ~~إسلامهم أنفسهم للقتل واعترافهم على أنفسهم بالضلال والخطأ. فإن قلت ~~السين في قوله سينالهم للاستقبال فكيف تكون للماضي؟ قلت: هذا الكلام إنما ~~هو خبر عما أخبر الله به موسى عليه الصلاة والسلام حين أخبره بافتتان ~~قومه واتخاذهم العجل ثم أخبره الله في ذلك الوقت أنه سينالهم غضب من ربهم ~~وذلة فكان هذا الكلام سابقا لوقوعه وهو التل الذي أمرهم الله به بعد ذلك ~~وقال ابن جريج في هذه الآية إن هذا الغضب والذلة لمن مات منهم على عبادة ~~العجل ولمن فر من القتل وهو الذي قاله ابن جريج وإن كان له وجه لكن لجميع ~~المفسرين على الخلافة. القول الثاني: أن المراد بالذين اتخذوا العجل ~~اليهود الذين كانوا في زمن النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن ~~عباس: هم الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وآباؤهم هم الذين عبدوا ~~العجل وأراد بالغضب عذاب الآخرة وبالذلة في الدنيا الجزية. وقال عطية ~~العوفي: سينال أولاد الذين عبدوا العجل وهم الذين كانوا على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأراد بالغضب والذلة ما أصاب بني النضير وبني ~~قريظة من القتل والجلاء وعلى هذا القول في تقرير الآية وجهان: الأول: أن ~~العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما تفعل لك في المناقب فتقول ~~للأبناء كذا وفعلتم كذا وإما فعل ذلك من مضى من آبائهم فكذلك هاهنا وصف ~~اليهود الذين كانوا على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم اتخذوا ~~العجل وإن كان آباؤهم فعلوا ذلك ثم حكم على اليهود الذين كانوا في زمنه ~~بأنهم سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا. # الوجه الثاني: أن تكون الآية من باب حذف المضاف والمعنى أن الذين اتخذوا ms1313 ~~العجل وباشروا عبادته سينال أولادهم، الخ ثم حذف المضاف لدلالة الكلام ~~عليه. وقوله تعالى: { وكذلك نجزي المفترين } يعني: وكما جزينا هؤلاء ~~الذين اتخذوا العجل إلها نجزي كل من افترى على الله كذبا أو عبد غيره ~~وقال أبو قلابة: هي والله جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة أن يذله الله، ~~وقال سفيان بن عيينة: هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة وقال مالك ابن ~~أنس: ما من مبتدع إلا وهو يجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية قال ~~والمبتدع مفتر في دين الله { والذين عملوا السيئات } يعني عملوا الأعمال ~~السيئة ويدخل في ذلك كل ذنب صغير وكبير حتى الكفر فما دونه { ثم تابوا من ~~بعدها } يعني ثم رجعوا إلى الله من بعد أعمالهم السيئة { وآمنوا } يعني ~~وصدقوا بالله تعالى وأنه يقبل توبة التائب ويغفر الذنوب { إن ربك } يا ~~محمد أو يا أيها الإنسان التائب { من بعدها } يعني من بعد توبتهم { لغفور ~~رحيم } يعني أنه تعالى يغفر الذنوب ويرحم التائبين وفي الآية دليل على أن ~~السيئات بأسرها صغيرها وكبيرها مشتركة في التوبة وأن الله تعالى يغفرها ~~جميعا بفضله ورحمته وتقدير الآية أن من أتى بجميع السيئات ثم تاب إلى ~~الله وأخلص التوبة فإن الله يغفرها له ويقبل توبته وهذا من أعظم البشائر ~~للمذنبين التائبين. ### || [7.154-155] # قوله تعالى: { ولما سكت عن موسى الغضب } يعني: سكن لأن السكوت أصله ~~الإمساك عن الشيء ولما كان السكوت بمعنى السكون استعير في سكون الغضب لأن ~~الغضب لا يتكلم لكنه لما كان بفورته دالا على ما في نفس المغضب كان ~~بمنزلة الناطق فإذا سكنت تلك الفورة كان بمنزلة السكوت عما كان متكلما ~~به وقيل معناه ولما سكت موسى عن الغضب فهو من المقلوب كما تقول أدخلت ~~القلنسوة في رأسي والمعنى أدخلت رأسي في القلنسوة والقول الأول أصح لأنه ~~قول أهل اللغة والتفسير { أخذ الألواح } يعني التي ألقاها قال الإمام فخر ~~الدين: وظاهر هذا يدل على أن الألواح لم تتكسر ولم يرفع من التوراة شيء { ~~وفي نسختها } النسخ ms1314 عبارة عن النقل والتحويل فإذا نسخت كتابا من كتاب ~~حرفا بحرف قد نقلت ما في الأصل إلى الفرع فعلى هذا قيل أراد بها الألواح ~~لأنها نسخت من اللوح المحفوظ، وقيل: أراد بها النسخة المكتتبة من الألواح ~~التي أخذها موسى بعدما تكسرت. وقال ابن عباس وعمرو بن دينار: لما ألقى ~~موسى الألواح فتكسرت صام أربعين يوما فردت عليه في لوحين وفيهما ما في ~~الأولى بعينها فيكون نسخها نقلها وعلى قول من قال إن الألواح لم تتكسر ~~وأخذها موسى بعينها بعد ما ألقاها يكون معنى وفي نسختها المكتوب فيها { ~~هدى ورحمة } قال ابن عباس: يعني هدى من الضلالة ورحمة من العذاب { للذين ~~هم لربهم يرهبون } يعني للخائفين من ربهم. قوله عز وجل: { واختار موسى ~~قومه سبعين رجلا لميقاتنا } الاختيار افتعال من لفظ الخيار يقال اختار ~~الشيء إذا أخذ خيره وخياره. والمعنى اختار موسى من قومه فحذف كلمة من ~~وذلك سائغ في العربية لدلالة الكلام عليه. قال أصحاب الأخبار: إن موسى ~~عليه الصلاة والسلام اختار من كل سبط من قومه ستة نفر فكانوا اثنين ~~وسبعين فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا فقال لمن قعد منكم مثل أجر من خرج ~~فقعد يوشع بن نون وكالب بن يقونا وقيل إنه لم يجد إلا ستين شيخا فأوحى ~~الله إليه أن يختار من الشباب عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخا فأمرهم أن ~~يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم ذهب بهم إلى ميقات ربه واختلف أهل ~~التفسير في ذلك الميقات فقيل إنه الميقات الذي كلمه فيه ربه وسأل فيه ~~الرؤية وذلك أنه لما خرج إلى طور سيناء أخذ معه هؤلاء السبعين فلما دنى ~~موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام حتى أحاط بالجبل كله ودخل موسى ~~فيه وقال لقومه ادنوا فدنوا حتى دخلوا في الغمام ووقعوا سجدا وسمعوا ~~الله تعالى وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل كذا لا تفعل كذا فلما انكشف ~~الغمام أقبلوا على موسى وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم ~~الصاعقة وهي المراد من الرجفة المذكورة ms1315 في هذه الآية. # وقال السدي: إن الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون ~~إليه من عبادة العجل ووعدهم موعدا فاختار موسى من قومه سبعين رجلا ثم ~~ذهب بهم إلى ميقات ربه ليعتذروا فلما أتوا ذلك المكان قالوا # لن نؤمن لك # [البقرة: 55] يا موسى # حتى نرى الله جهرة # [البقرة: 55] فإنك قد كلمته فأرناه فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى ~~يبكي ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت ~~خيارهم رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي. وقال محمد بن إسحاق اختار موسى ~~من بني إسرائيل سبعين رجلا الخير فالخير وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا ~~إليه مما صنعتم واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم صوموا ~~وتطهروا وطهروا ثيابكم ثم خرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه وكان ~~لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم فقال السبعون فيما ذكر لي حين فعلوا ما أمرهم ~~به وخرجوا مع موسى لميقات ربه اطلب لنا نسمع كلام ربنا فقال أفعل فلما ~~دنا موسى من الجبل وقع عليه عموم الغمام حتى غشي الجبل كله ودنا موسى ~~فدخل فيه وقال للقوم ادنوا فكان موسى إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ~~ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونه بالحجاب ودنا ~~القوم حتى دخلوا في الغمام ووقعوا سجودا فسمعوا الله وهو يكلم موسى ~~يأمره وينهاه افعل ولا تفعل فلما فرغ من أمره انكشف عن موسى الغمام فأقبل ~~إليهم فقالوا # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة # [البقرة: 55] وهي مرجفة فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب ~~إليه يقول رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، وقال ابن عباس: كان الله أمر ~~موسى أن يختار من قومه سبعين رجلا فبرز بهم ليدعو ربهم فكان فيما دعوا ~~الله أن قالوا اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا ولا تعطه أحدا بعدنا ~~فكره الله ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم ms1316 من قبل ~~وإياي، وقيل: إنما أخذتهم الرجفة من أجل أنهم ادعوا على موسى أنه قتل ~~هارون. قال علي بن أبي طالب: انطلق موسى وهارون إلى سفح جبل فنام هارون ~~على سرير فتوفاه الله فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له: أنت قتلته ~~حسدتنا على خلقه ولينه، وكان هارون حسن الخلق محببا في بني إسرائيل فقال ~~لهم موسى اختاروا من شئتم فاختاروا سبعين رجلا فلما انتهوا إليه قالوا ~~يا هارون من قتلك قال ما قتلني أحد ولكن الله توفاني فأخذتهم الرجفة فجعل ~~موسى يرجع يمينا وشمالا ويقول { رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي } ~~الآية فأحياهم الله عز وجل وقيل إنما أخذتهم الرجفة لتركهم فراق عبدة ~~العجل لا لأنهم كانوا من عبدته. # قال ابن عباس: إنما تناولتهم الرجفة لأنهم لم يزايلوا القوم حين نصبوا ~~العجل وما كرهوا أن يجامعوهم عليه. قال ابن جريج فلما خرجوا ودعوا الله ~~أماتهم ثم أحياهم: وقال مجاهد: واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ~~الميقات الموعد فلما أخذتهم الرجفة بعد أن خرج موسى بالسبعين من قومه ~~يدعون الله ويسألونه أن يكشف عنهم البلاء فلم يستجب لهم علم موسى أنهم قد ~~أصابوا من المعصية ما أصاب قومهم، وقال محمد بن كعب القرظي: لم يستجب لهم ~~من أجل أنهم لم ينهوهم عن المنكر ولم يأمروهم بالمعروف فأخذتهم الرجفة ~~فماتوا ثم أحياهم الله وقوله تعالى: { فلما أخذتهم الرجفة } أصل الرجفة ~~الاضطراب الشديد الذي يحصل معه التغيير والهلاك ولهذا اختلفوا في تلك ~~الرجفة التي حصلت لهؤلاء هل كان معها موت أم لا فمعظم الروايات التي ~~تقدمت أنهم ماتوا بسبب تلك الرجفة. وقال وهب بن منبه: لم تكن تلك الرجفة ~~موتا ولكن القوم لما رأوا تلك الهيئة أخذتهم الرعدة وقلقوا ورجفوا حتى ~~كادت أن تبين مفاصلهم فلما رأى موسى ذلك رحمهم وخاف عليهم الموت واشتد ~~عليه فقدهم وكانوا له وزراء على الخير سامعين له مطيعين، فعند ذلك دعا ~~موسى وبكى وناشد ربه فكشف الله عنهم تلك الرجفة فاطمأنوا وسمعوا كلام ~~الله ms1317 فذلك قوله تعالى: { فلما أخذتهم الرجفة } { قال } يعني موسى { رب } ~~أي يا رب { لو شئت أهلكتهم من قبل } يعني من قبل عبادتهم العجل { وإياي } ~~وذلك أنه خاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين إذا رجع إليهم وما هم معه ~~ولم يصدقوه بأنهم ماتوا فقال: رب لو شئت أهلكتهم من قبل يعني قبل خروجهم ~~إلى الميقات وإياي معهم فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهموني { ~~أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } قال الفراء: ظن موسى أنهم أهلكوا باتخاذ ~~أصحاب العجل العجل فقال أتهلكنا بما فعل السفهاء منا يعني عبدة العجل ~~وإنما أهلكوا بسبب مسألتهم الرؤية وهي قولهم أرنا الله جهرة، وهذا قول ~~الكلبي وجماعة، وقال جماعة من أهل العلم: لا يجوز أن يظن موسى أن الله ~~تعالى يهلك قوما بذنوب غيرهم ولكن قوله أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ~~استفهام بمعنى الجحد أي لست تفعل ذلك وهذا قول ابن الأنباري، وقال ~~المبرد: هذا استفهام استعطاف أي لا تهلكنا { إن هي إلا فتنتك } قال ~~الواحدي: الكناية في هذ تعود إلى الفتنة كما تقول إن هو إلا زيد والمعنى ~~أن تلك الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك أي اختبارك ~~وابتلاؤك وهذا تأكيد لقوله أتهلكنا بما فعل السفهاء منا لأن معناه لا ~~تهلكنا بفعلهم فإن تلك الفتنة كانت اختبارا منك وابتلاء أضللت بها قوما ~~فافتتنوا وهديت قوما فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك وهو المراد من قوله: { ~~تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء } قال الواحدي: وهذه الآية من الحجج ~~الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر { أنت ولينا } يعني أنت ~~يا ربنا ناصرنا وحافظنا وهذا يفيد الحصر أي لا ولي لنا ولا ناصر ولا ~~حافظ إلا أنت { فاغفر لنا } سأل موسى عليه الصلاة والسلام لنفسه ولقومه ~~الغفران أما لنفسه فلقوله إن هي إلا فتنتك وهذا فيه إقدام على الحضرة ~~المقدسة وأما لقومه فلقولهم أرنا الله جهرة وفي هذا إقدام على الحضرة ~~المقدسة فلهذا السبب سأل موسى عليه الصلاة والسلام الغفران له ms1318 ولقومه { ~~وارحمنا } أي اشملنا برحمتك التي وسعت كل شيء { وأنت خير الغافرين } يعني ~~أن كل من سواك إنما يغفر الذنب طلبا للثناء الجميل أو لدفع ضرر وأما أنت ~~يا رب فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب عوض ولا غرض بل لمحض الفضل والكرم فأنت ~~خير الغافرين. ### || [7.156-157] # قوله تعالى: { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة } يعني قال موسى ~~في دعائه واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة أي واجعلنا ممن كتبت له حسنة وهي ~~ثواب الأعمال الصالحة وفي الآخرة أي واكتب لنا في الآخرة مغفرة لذنوبنا { ~~إنا هدنا إليك } قال ابن عباس معناه إنا تبنا إليك، وهذا قول جميع ~~المفسرين وأصل الهود الرجوع برفق قال بعضهم وبه سميت اليهود وكان اسم مدح ~~قبل نسخ شريعتهم فلما نسخت شريعتهم صار اسم ذم وهو لازم لهم { قال } يعني ~~قال الله عز وجل لموسى عليه الصلاة والسلام { عذابي أصيب به من أشاء } ~~يعني من خلقي وليس لأحد علي اعتراض لأن الكل ملكي وعبيدي ومن تصرف في ~~خالص حقه فليس لأحد عليه اعتراض { ورحمتي وسعت كل شيء } يعني أن رحمته ~~سبحانه وتعالى عمت خلقه كلهم، وقال بعضهم: هذا من العام أريد به الخاص ~~فرحمة الله عمت البر والفاجر في الدنيا وهي للمؤمنين لسعة في الآخرة وقيل ~~هي للمؤمنين خاصة في الدنيا والآخرة ولكن الكافر يرزق ويدفع عنه ببركة ~~المؤمن لسعة رحمة الله له فإذا كان يوم القيامة وجبت للمؤمنين خاصة قال ~~جماعة من المفسرين لما نزلت ورحمتي وسعت كل شيء تطاول إبليس إليها وقال ~~أنا من ذلك الشيء فنزعها الله تعالى من إبليس فقال تعالى: { فسأكتبها ~~للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } أيس إبليس منها، ~~وقالت اليهود نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات ربنا فنزعها الله ~~وأثبتها لهذه الأمة فقال تعالى: { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } ~~الآية وقال نوف البكالي لما اختار موسى من قومه سبعين رجلا قال الله ~~تعالى لموسى اجعل لك الأرض مسجدا وطهورا تصلون حيث أدركتكم الصلاة لا ~~عند ms1319 مرحاض أو حمام أو قبر وأجعل السكينة في قلوبكم وأجعلكم تقرؤون ~~التوراة عن ظهر قلوبكم يقرؤها الرجل والمرأة والحر والعبد والصغير ~~والكبير فقال موسى ذلك لقومه فقالوا لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس ولا ~~نستطيع حمل السكينة في قلوبنا ولا نستطيع أن نقرأ التوراة على ظهر قلوبنا ~~ولا نريد أن نقرأها إلا نظرا قال الله تعالى { فسأكتبها للذين يتقون - ~~إلى قوله - المفلحون } فجعلها الله تعالى لهذه الأمة، فقال موسى: رب ~~اجعلني نبيهم، قال: نبيهم منهم، قال: اجعلني منهم قال إنك لن تدركهم قال ~~موسى: يا رب أتيتك بوفد بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا فأنزل الله ~~تعالى # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159] فرضي موسى، أما التفسير فقوله الذين يتقون يعني الشرك ~~وسائر ما نهوا عنه لأن جميع التكاليف محصورة في نوعين: الأول: التروك وهي ~~الأشياء التي يجب على الإنسان تركها والاحتراز عنها ولا يقربها وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى: { للذين يتقون } والثاني الأفعال المأمور بها وتلك ~~الأعمال بدنية وقلبية أما البدنية فإنها الإشارة بقوله ويؤتون الزكاة ~~وهذه الآية وإن كانت في حق المال لكن يختص بالبدن بإخراجها والأعمال ~~القلبية كالإيمان والمعرفة وإليها الإشارة بقوله تعالى: { والذين هم ~~بآياتنا يؤمنون }. # قوله عز وجل: { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا ~~عندهم في التوراة والإنجيل } ذكر الإمام فخر الدين الرازي في معنى هذه ~~التبعية وجهين: أحدهما: إن المراد بذلك أن يتبعوه باعتقاد نبوته من حيث ~~وجدوا صفته في التوراة إذ لا يجوز أن يتبعوه في شرائعه قبل أن يبعث إلى ~~الخلق وفي قوله والإنجيل أن المراد وسيجدونه مكتوبا في الإنجيل لأن من ~~المحال أن يجده فيه قبل ما أنزل الله الإنجيل. الوجه الثاني: إن المراد ~~من لحق من بني إسرائيل زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فبين تعالى أن ~~هؤلاء اللاحقين لا يكتب لهم رحمة الآخرة إلا إذا اتبعوه، قال: وهذا القول ~~أقرب لأن اتباعه قبل أن يبعث لا يمكن فبين بهذه الآية أن هذه الرحمة لا ms1320 ~~يفوز بها من بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بآيات الله في زمن ~~موسى عليه الصلاة والسلام، ومن كانت هذه صفته في أيام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في شرائعه فعلى هذين الوجهين يكون المراد بقوله الذين يتبعون ~~الرسول من بني إسرائيل خاصة. وجمهور المفسرين على خلاف ذلك فإنهم قالوا: ~~المراد بهم جميع أمته الذين آمنوا به واتبعوه سواء كانوا من بني إسرائيل ~~أو غيرهم وأجمع المفسرون على أن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم ~~وصفه بكونه رسولا لأنه الواسطة بين الله وبين خلقه المبلغ رسالته ~~وأوامره ونواهيه وشرائعه إليهم ثم وصفه بكونه نبيا. وهذا أيضا من أعلى ~~المراتب وأشرفها وذلك يدل على أنه رفيع الدرجات عند الله المخبر عنه ثم ~~وصفه بالأمي. قال ابن عباس: هو نبيكم صلى الله عليه وسلم كان أميا لا ~~يكتب ولا يقرأ ولا يحسب قال الزجاج في معنى الأمي: هو الذي على صفة أمة ~~العرب لأن العرب أكثرهم لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب فالنبي صلى الله عليه ~~وسلم كان كذلك فلهذا وصفه الله تعالى بكونه أميا وصح في الحديث أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال # " نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " # قال أهل التحقيق: وكونه صلى الله عليه وسلم كان أميا من أكبر معجزاته ~~وأعظمها، وبيانه أنه صلى الله عليه وسلم أتى بهذا الكتاب العظيم الذي ~~أعجزت الخلائق فصاحته وبلاغته وكان يقرؤه عليهم بالليل والنهار من غير ~~زيادة فيه ولا نقصان منه ولا تغيير فدل ذلك على معجزته وهو قوله تعالى: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6] وقيل: إنه لو كان يحسن الكتابة ثم إنه أتى بهذا القرآن ~~العظيم لكان متهما فيه لاحتمال أنه كتبه ونقله عن غيره فلما كان أميا ~~وأتى بهذا القرآن العظيم الذي فيه علم الأولين والآخرين والمغيبات دل ذلك ~~على كونه معجزة له صلى الله عليه وسلم. وأيضا فإن الكتابة تعين الإنسان ~~على الاشتغال بالعلوم وتحصيلها ثم إنه أتى بهذه الشريعة الشريفة والآداب ~~الحسنة مع علوم ms1321 كثيرة وحقائق دقيقة من غير مطالعة كتب ولا اشتغال على أحد ~~فدل ذلك على كونه معجزة له صلى الله عليه وسلم وقيل في معنى الأمي: الذي ~~هو منسوب إلى أمه كأنه لم يخرج بعد عما ولدته عليه وقيل سمي أميا لأنه ~~منسوب إلى أم القرى وهي مكة وقوله تعالى: { الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل } يعني يجيدون صفته ونعته ونبوته مكتوبا عندهم يعرفها ~~علماؤهم وأحبارهم ولكنهم كتموا ذلك وبدلوه وغيروه حسدا منهم له وخوفا ~~على زوال رياستهم وقد حصل لهم ما كانوا يخافونه فقد زالت رياستهم ووقعوا ~~في الذل والهوان خ عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ~~فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة فقال: أجل إنه لموصوف في ~~التوراة ببعض صفته في القرآن # يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا # [الأحزاب: 45] وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ~~ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا بدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ~~ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ~~ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا. شرح غريب ألفاظ ~~الحديث الفظ: السيئ الخلق، والغليظ: الجافي القاسي، وقوله سخاب: بالسين ~~والصاد وهو كثير الصياح في الأسواق، والأعوجاج: ضد الاستقامة وأراد ~~بالملة العوجاء: الكفر والقلب الأغلف: الذي لا يصل إليه شيء ينفعه شبهة ~~بالأغلف كأنه في غلاف. وروى البغوي بسنده عن كعب الأحبار قال: إني أجد في ~~التوراة مكتوبا محمد رسول الله لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا ~~يجزي بالسيئة ولكن يعفو ويصفح، أمته الحامدون يحمدون الله في كل منزلة ~~ويكبرونه على كل نجد يأتزرون على أنصافهم ويغضون أطرافهم صفهم في الصلاة ~~وصفهم في القتال سواء مناديهم ينادي في جوف السماء لهم في جوف الليل دوي ~~كدوي النحل مولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام. وقوله تعالى: { ~~يأمرهم بالمعروف } يعني بالإيمان وتوحيد الله { وينهاهم عن المنكر } يعني ~~عن الشرك بالله، وقيل: ms1322 المعروف ما عرف في الشريعة والسنة والمنكر ما لا ~~يعرف في شريعة ولا سنة. وقال عطاء: يأمرهم بالمعروف بخلع الأنداد وبمكارم ~~الأخلاق وصلة الأرحام وينهاهم عن المنكر عن عبادة الأوثان وقطع الأرحام { ~~ويحل لهم الطيبات } يعني بذلك ما كان محرما عليهم في التوراة من الطيبات ~~وهو لحوم الإبل وشحم الغنم والمعز والبقر، وقيل: هو ما كانوا يحرمونه على ~~أنفسهم في الجاهلية من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي، وقيل: هي ~~المستلذات التي تستطيبها الأنفس { ويحرم عليهم الخبائث } قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: يريد الميتة والدم ولحم الخنزير، وقيل: هو كل ما يستخبثه ~~الطبع وتستقذره النفس، فإن الأصل في المضار الحرمة إلا ما له دليل متصل ~~بالحل { ويضع عنهم إصرهم } يعني ثقلهم وأصل الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه ~~أي يحبسه عن الحركة لثقله، والمراد بالإصر هنا العهد والميثاق الذي أخذ ~~على بني إسرائيل أن يعملوا بما في التوراة من الأحكام فكانت تلك الشدائد ~~{ والأغلال التي كانت عليهم } يعني ويضع الأثقال والشدائد التي كانت ~~عليهم في الدين والشريعة وذلك مثل قتل النفس في التوبة وقطع الأعضاء ~~الخاطئة وقرض النجاسة عن البدن والثواب بالمقراض وتعيين القصاص في القاتل ~~وتحريم أخذ الدية وترك العمل في السبت وأن صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس ~~وتتبع العروق في اللحم وغير ذلك من الشدائد التي كانت على بني إسرائيل ~~شبهت بالأغلال مجازا لأن التحريم يمنع من الفعل كما أن الغل يمنع من ~~الفعل، وقيل: شهبت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق. # كما أن اليد لا تمتد مع وجود الغل فكذلك لا تمتد إلى الحرام الذي نهيت ~~عنه وكانت هذه الأثقال في شريعة موسى عليه الصلاة والسلام فلما جاء محمد ~~عليه الصلاة والسلام نسخ ذلك كله ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: ~~بعثت بالحنيفية السهلة السمحة { فالذين آمنوا به } يعني بمحمد عليه ~~الصلاة والسلام { وعزروه } يعني وقروه وعظموه، وأصل التعزير المنع ~~والنصرة وتعزير النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه وإجلاله ودفع الأعداء ~~عنه وهو قوله { ونصروه } يعني على أعدائه ms1323 { واتبعوا النور الذي أنزل معه ~~} يعني القرآن سمي القرآن نورا لأن به يستنير قلب المؤمن فيخرج به من ~~ظلمات الشك والجهالة إلى ضياء اليقين والعلم { أولئك هم المفلحون } يعني ~~هم الناجون الفائزون بالهداية. ### || [7.158-159] # قوله تعالى: { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا } الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أي قل يا محمد للناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا لا إلى بعضكم دون بعض ففي الآية دليل على عموم رسالته إلى كافة ~~الخلق، لأن قوله يا أيها الناس خطاب عام يدخل فيه جميع الناس ثم أمره ~~الله عز وجل بأن يقول إني رسول الله إليكم جميعا، وهذا يقتضي كونه ~~مبعوثا إلى جميع الناس ق عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت ~~إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض ~~طيبة وطهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان ونصرت بالرعب ~~على العدو بين يدي مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة " # وفي رواية # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر ~~وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ~~وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث ~~إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " # وقوله في الرواية الأولى وبعثت إلى كل أحمر وأسود قيل أراد بالأحمر ~~العجم وبالأسود العرب وقيل أراد بالأحمر الإنس وبالأسود الجن فعلى هذا ~~تكون رسالته صلى الله عليه وسلم عامة إلى كافة الخلق من الإنس والجن. م ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " فضلت على الأنبياء بستة أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي ~~الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلخلق كافة وختم بي ~~النبيون " # وقوله تعالى: { الذي له ملك السموات والأرض } لما أمر الله عز وجل رسوله ~~محمدا بأن يقول ms1324 # يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف: 158] أردفه بما يدل على صحة دعواه: يعني أن الذي له ملك ~~السموات والأرض وهو مدبرهما ومالك أمرهما هو الذي أرسلني إليكم وأمرني ~~بأن أقول لكم إني رسول الله إليكم جميعا { لا إله إلا هو يحيي ويميت } ~~وصف الله نفسه بالإلهية وأنه لا شريك له فيها وأنه القادر على إحياء خلقه ~~وإماتتهم ومن كان كذلك فهو القادر على إرسال الرسل إلى خلقه { فآمنوا ~~بالله ورسوله } لما أمر الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يقول ~~للناس إني رسول الله إليكم جميعا أمر الله جميع خلقه بالإيمان به ورسوله ~~وذلك لأن الإيمان بالله هو الأصل والإيمان برسوله فرع عنه فلهذا بدأ ~~بالإيمان بالله ثم ثنى بالإيمان برسوله فقال فآمنوا بالله ورسوله ثم وصفه ~~الله تعالى فقال { النبي الأمي } تقدم معناهما { الذي يؤمن بالله وكلماته ~~} قال قتادة: يعني آياته وهو القرآن، وقال مجاهد والسدي: أراد بكلماته ~~عيسى ابن مريم لأنه خلق بقوله كن فكن، وقيل: هو على العموم يعني يؤمن ~~بجميع كلمات الله تعالى: { واتبعوه } يعني واقتدوا به أيها الناس فيما ~~يأمركم به وينهاكم عنه وقيل: المتابعة على قسمين: متابعة في الأقوال ~~ومتابعة في الأفعال. # أما المتابعة في الأقوال فبأن يتمثل التابع جميع ما أمره به المتبوع على ~~طريق الأمر والنهي والترغيب والترهيب، وأما المتابعة في الأفعال فبأن ~~يقتدي به في جميع أفعاله وآدابه إلا ما خص به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وثبت بالدليل أنه من خصائصه فلا متابعة فيه وقوله تعالى: { لعلكم ~~تهتدون } يعني لكي تهتدوا وترشدوا وتصيبوا الحق والصواب في متابعتكم ~~إياه. قوله عز وجل: { ومن قوم موسى } يعني من بني إسرائيل { أمة } أي ~~جماعة { يهدون بالحق } يعني يهتدون بالحق ويستقيمون عليه ويعملون به ~~ويرشدون إليه { وبه يعدلون } يعني وبالحق يحكمون وبالعدل يأخذون ويعطون ~~ويتصفون. واختلفوا في هؤلاء من هم فقيل هم الذين أسلموا من بني إسرائيل ~~مثل عبد الله بن سلام وأصحابه فإنهم آمنوا بموسى والتوراة وآمنوا بمحمد ms1325 ~~صلى الله عليه وسلم والقرآن واعترض على هذا بأنهم كانوا قليلين ولفظ ~~الأمة يقتضي الكثرة. وأجيب عنه بأنهم لما كانوا مخلصين في الدين جاز ~~إطلاق لفظ الأمة عليهم كما في قوله إن إبراهيم كان أمة وقيل هم قوم بقوا ~~على الدين الحق الذي جاء به موسى عليه الصلاة والسلام قبل التحريف ~~والتبديل ودعوا الناس إليه. وقال السدي وابن جريج وجماعة من المفسرين: إن ~~بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطا تبرأ سبط ~~منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وأن يبعدهم عنهم ففتح ~~الله لهم نفقا في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين فهم هناك ~~حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا. قال ابن جريج قال ابن عباس: ساروا في ~~السرب سنة ونصفا رواه الطبري. وحكى البغوي عن الكلبي والضحاك والربيع ~~قالوا: هم قوم خلف الصين بأقصى الشرق على نهر يسمى نهر الأردن ليس لأحد ~~منهم مال دون صاحبه يمطرون بالليل ويصحون بالنهار ويزرعون ولا يصل إليهم ~~أحد منا وهم على الحق. وذكر لنا أن جبريل ذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~ليلة الإسراء به فكلمهم فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا، ~~قالوا هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به وقالوا يا رسول الله إن موسى ~~أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ مني عليه السلام فرد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على قوم موسى وأقرأهم عشر سور من القرآن نزلت عليه بمكة ~~وأمرهم بالصلاة والزكاة وأمرهم أن يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فأمرهم أن ~~يجمعوا ويتركوا السبت وهذه الحكاية ضعيفة من وجوه: الأول: قولهم إن أحدا ~~منا لا يصل إليهم وإذا كان كذلك فمن ذا الذي أوصل خبرهم إلينا. # الوجه الثاني: قولهم إن جبريل ذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة ~~الإسراء به وهذا لم يرد به نقل صحيح ولا رواه أحد من أئمة الحديث ولا ~~يلتفت إلى قول الإخباريين والقصاص في ذلك. الوجه الثالث: قولهم إنهم ~~بلغوا النبي صلى الله عليه وسلم ms1326 موسى وقد صح في حديث المعراج أنه سلم ~~عليه في السماء السادسة وأيضا قولهم وأقرأهم عشر سور وقد نزل عليه بمكة ~~أكثر من ذلك وكان فرض الزكاة بالمدينة فكيف يأمرهم بها قبل فرضيتها فإذا ~~ثبت بما ذكرناه بطلان هذه الرواية فالمختار في تفسير هذه الآية أنها إما ~~أن تكون نزلت في قوم كانوا متمسكين بدين موسى قبل التبديل والتغيير ثم ~~ماتوا وهم على ذلك وإما أن تكون قد نزلت فيمن أسلم من اليهود على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه والله أعلم ~~بمراده. ### || [7.160-162] # قوله تعالى: { وقطعناهم } يعني وفرقنا بني إسرائيل { اثنتي عشرة أسباطا ~~} يعني من أولاد يعقوب لأن يعقوب هو إسرائيل وأولاده الأسباط وكانوا اثني ~~عشر ولدا { أمما } يعني جماعات وقبائل { وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه ~~قومه } يعني في التيه { أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست } يعني: فانفجرت: ~~وقيل: عرقت وهو الانبجاس { منه } أي من الحجر { اثنتا عشرة عينا } يعني: ~~لكل سبط عين { قد علم كل أناس مشربهم } يعني لا يدخل سبط على سبط في ~~مشربهم { وظللنا عليهم الغمام } يعني في التيه يقيهم حر الشمس { وأنزلنا ~~عليهم المن } هو الترنجبين { والسلوى } جنس من الطير جعل الله ذلك طعاما ~~لهم في التيه { كلوا من طيبات ما رزقناكم } أي وقلنا كلوا { وما ظلمونا ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } في الكلام حذف ترك ذكره للاستغناء عنه ودلالة ~~الكلام عليه تقديره كلوا من طيبات ما رزقناكم فأجمعوا ذلك وسئموه، ~~وقالوا: لن نصبر على طعام واحد وسألوه غيره لأن المكلف إذا أمر بشيء ~~فتركه وعدل عنه إلى غيره يكون عاصيا بفعله ذلك فلهذا قال: وما ظلمونا ~~يعني وما أدخلوا علينا في ملكنا وسلطاننا نقصا بمسألتهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون يعني بمخالفتهم ما أمروا به وقد تقدم بسط الكلام على هذه ~~الآية في سورة البقرة. وقوله تعالى: { وإذ قيل لهم } يعني: واذكر يا محمد ~~لقومك إذ قيل لهم يعني لبني إسرائيل { اسكنوا هذه القرية } يعني بيت ~~المقدس، وقال في سورة البقرة: ms1327 ادخلوا هذه القرية، ولا منافاة بينهما لأن ~~كل ساكن في موضع لا بد له من الدخول إليه { وكلوا منها حيث شئتم } يعني ~~وكلوا من ثمار القرية وزروعها وحبوبها وبقولها حيث شئتم وأين شئتم. وقال ~~في البقرة: فكلوا، بالفاء وهنا بالواو والفرق بينهما أن الدخول حالة ~~مقتضية للأكل عقبه فيحسن دخول الفاء التي هي للتعقيب ولما كانت السكنى ~~حالة استمرار حسن دخول الواو عقب السكنى فيكون الأكل حاصلا متى شاؤوا ~~وإنما قال في سورة البقرة: رغدا، ولم يقله هنا لأن الأكل عقب الدخول ألذ ~~وأكمل فأما الأكل مع السكنى والاستمرار فليس كذلك فحسن دخول لفظة رغدا ~~هناك بخلافه هنا { وقولوا حطة } أي حط عنا ذنوبنا { وادخلوا الباب سجدا ~~} وقال في البقرة عكس هذا اللفظ ولا منافاة في ذلك لأن المقصود من ذلك ~~تعظيم أمر الله وإظهار الخضوع والخشوع له فلم يتفاوت الحال بسبب التقديم ~~والتأخير { نغفر لكم خطيئاتكم } يعني نغفر لكم ذنوبكم ولم نؤاخذكم بها. ~~وإنما قال هنا خطيئاتكم وفي البقرة خطاياكم لأن المقصود غفران ذنوبهم ~~سواء كانت قليلة أو كثيرة إذا أتوا بالدعاء والتضرع { سنزيد المحسنين } ~~وقال في سورة البقرة: وسنزيد، بالواو ومعناه أنه قد وعد المسيئين ~~بالغفران وبالزيادة للمحسنين من الثواب وإسقاط الواو لا يخل بهذا المعنى ~~لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل وماذا بعد الغفران فقيل له: ~~سنزيد المحسنين { فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم } يعني ~~فغير الذين ظلموا أنفسهم بمخالفة أمرنا من بني إسرائيل فقالوا قولا غير ~~الذي قيل لهم وأمروا به وذلك أنهم أمروا أن يقول حطة فقالوا حنطة في ~~شعيرة فكان ذلك تبديلهم وتغييرهم { فأرسلنا عليهم رجزا من السماء } يعني ~~بعثنا عليهم عذابا من السماء أهلكهم، ولا منافاة بين قوله تعالى هنا ~~أرسلنا وبين قوله في سورة البقرة أنزلنا لأنهما لا يكونان إلا من أعلى ~~إلى أسفل، وقيل: بينهما فرق وهو أن الإنزال لا يشعر بالكثرة والإرسال ~~يشعر بذلك فكأنه تعالى بدأ بإنزال العذاب قليلا ثم أرسله عليهم كثيرا { ~~بما كانوا ms1328 يظلمون } يعني أن إرسال العذاب عليهم بسبب ظلمهم ومخالفتهم أمر ~~الله. # وقال في البقرة: بما كانوا يفسقون، والجمع بينهما أنهم لما ظلموا أنفسهم ~~بما غيروا وبدلوا فسقوا بذلك وخرجوا عن طاعة الله تعالى وقد تقدمت هذه ~~القصة أيضا في تفسير سورة البقرة. ### || [7.163-164] # قوله عز وجل: { واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر } الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك عن حال ~~أهل القرية وهذا السؤال سؤال توبيخ وتقريع لا سؤال استفهام، لأنه عليه ~~الصلاة والسلام كان قد علم حال أهل هذه القرية بوحي الله عز وجل إليه ~~وإخباره إياهم بحالهم وإنما المقصود بهذا السؤال تقريع اليهود على ~~إقدامهم على الكفر والمعاصي قديما وأن إصرارهم على الكفر بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وإنكار نبوته ومعجزاته ليس بشيء قد حدث منهم في زمانه بل ~~إصرارهم على الكفر كان حاصلا لأسلافهم في قديم الزمان. وفي الإخبار بهذه ~~القصة معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان أميا لا يقرأ الكتب ~~القديمة ولم يعرف أخبار الأولين، ثم أخبرهم بما جرى لأسلافهم في قديم ~~الزمان وأنهم بسبب مخالفتهم أمر الله عز وجل مسخوا قردة وخنازير واختلفوا ~~في هذه القرية فقال ابن عباس: هي قرية بين مصر والمدينة والمغرب. وقيل ~~بين مدين والطور على شاطئ البحر. وقال الزهري: هي طبرية الشام. وفي رواية ~~عن ابن عباس قال: هي مدين وقال وهب: هي ما بين مدين وعيوني يعني القرية ~~التي كانت على ساحل البحر وقريبة منه { إذ يعدون في السبت } يعني ~~يتجاوزون حد الله فيه، وما أمرهم به من تعظيمه فخالفوا أمر الله وصادوا ~~فيه السمك { إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا } يعني ظاهرة على الماء ~~كثيرة وقال الضحاك تأتيهم متتابعة يتبع بعضها بعضا وقيل كانت تأتيهم يوم ~~السبت مثل الكباش البيض السمان { ويوم لا يسبتون لا تأتيهم } يعني ~~الحيتان { كذلك نبلوهم } يعني مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم ونحن أعلم ~~بحالهم { بما كانوا يفسقون } يعني أن ذلك الابتداء ms1329 والاختبار بسبب فسقهم ~~وخروجهم عن طاعة الله وما أمروا به. قال أهل التفسير: إن اليهود أمروا ~~يوم الجمعة فتركوه واختاروا يوم السبت فابتلوا به وهو أن الله أمرهم ~~بتعظيمه ونهاهم عن العمل فيه وحرم عليهم فيه الصيد، فلما أراد ان يبتليهم ~~كانت الحيتان تظهر لهم في يوم السبت ينظرون إليها في البحر فإذا انقضى ~~السبت ذهبت فلم تر إلى السبت المقبل فلما ابتلوا به وسوس إليهم الشيطان ~~وقال إن الله لم ينهكم عن الاصطياد وإنما نهاكم عن الأكل فاصطادوا وقيل ~~إنه وسوس إليهم أنكم إنما نهيتم عن الأخذ فاتخذوا حياضا على ساحل البحر ~~وسوقوا إليها الحيتان يوم السبت فإذا كان يوم الأحد خذوها ففعلوا ذلك ~~زمانا ثم إنهم تجرؤوا على السبت وقالوا: ما نرى السبت إلا قد حل لنا ~~فاصطادوا فيه وأكلوا وباعوا وصار أهل القرية أحزابا ثلاثة وكانوا نحوا ~~من سبعين ألفا فثلث نهوا عن الاصطياد وثلث سكتوا ولم ينهوا وقالوا ~~للناهين لم تعظمون قوما الله مهلكهم وثلث هم أصحاب الخطيئة الذين خالفوا ~~أمر الله واصطادوا وأكلوا وباعوا فلما لم ينتهوا عما هم فيه من المعصية ~~قال الناهون لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بينهم بجدار للناهين ~~باب يدخلون ويخرجون منه وللعاصين باب، ولعنهم داود عليه الصلاة والسلام ~~وكانوا في زمنه فأصبح الناهون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين أحد فقالوا ~~إن لهم لشأنا لعل الخمر قد غلبتهم فعلوا على الجدار الذي بينهم فإذا هم ~~قد مسخوا قردة ففتحوا عليهم الباب ودخلوا إليهم فصار القردة يعرفون ~~أنسابهم من الناس ولم يعرف الناس أنسابهم من القردة فجعلت القردة تأتي ~~أنسابها من الناس فتشم ثيابها فيقول لهم أهلوهم ألم ننهكم فتقول القردة ~~برأسها نعم فنجا الناهون وهلك سائرهم فذلك قوله تعالى: { وإذ قالت أمة ~~منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة ~~إلى ربكم } واختلفوا في القائلين هذه المقالة فقال بعض المفسرين إن أهل ~~القرية افترقوا ثلاث فرق فرقة اعتدت وأصابت الخطيئة وفرقة نهتهم عن ذلك ms1330 ~~الفعل وفرقة أمسكت عن الصيد وسكتت عن موعظة المعتدين. # وقالوا للناهين: لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا، ~~يعني أنهم لاموهم على موعظة قوم يعلمون أنهم غير متعظين ولا منزجرين ~~فقالت الفرقة الناهية للذين لاموهم. معذرة إلى ربكم يعني أن موعظتنا ~~إياهم معذرة إلى ربكم لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب علينا ~~فموعظتنا لهؤلاء عذر لنا عند الله { ولعلهم يتقون } أي: وجائز عندنا أن ~~ينتفعوا بالموعظة فيتقوا الله ويتركوا ما هم فيه من الصيد وقال بعضهم: إن ~~أهل القرية كانوا فرقتين فرقة نهت وزجرت عن السوء وفرقة عملت بالسوء فعلى ~~هذا يكون الذين قالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم الفرقة المعتدية وذلك ~~أن الفرقة الناهية قالوا للفرقة المعتدية انتهوا قبل أن ينزل بكم عذاب ~~شديد إن لم تنتهوا عما أنتم فيه فقالت لهم الفرقة المعتدية: لم تعظون ~~قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا؟ والمعنى: لم تعظونا وقد ~~علمتم أن الله مهلكنا أو منزل بنا عذابه، والقول الأول أصح لأنهم لو ~~كانوا فرقتين لكان قولهم معذرة إلى ربكم خطابا من الناهية للمعتدية. ### || [7.165-168] # وقوله تعالى: { فلما نسوا ما ذكروا به } أي فلما تركوا ما وعظوا به { ~~أنجينا الذين ينهون عن السوء } وهم الفرقة الناهية { وأخذنا الذين ظلموا ~~} يعني الفرقة المعتدية العاصية { بعذاب بئيس } أي شديد وجميع من البأس ~~وهو الشدة { بما كانوا يفسقون } يعني أخذناهم بالعذاب بسبب فسقهم ~~واعتدائهم وخروجهم عن طاعتنا. روى عكرمة عن ابن عباس قال: أسمع الله يقول ~~أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس فلا أدر ما ~~فعلت الفرقة الساكتة وجعل يبكي قال عكرمة: فقلت جعلني الله فداك، ألا ~~تراهم قد أنكروا وكرهوا ما هم عليه، وقالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم، ~~وإن لم يقل الله أنجيتهم لم يقل أهلكتهم قال فأعجبه قولي ورضي به وأمر لي ~~ببردين فكسانيهما وقال: نجت الساكتة وقال يمان بن رباب: نجت الطائفتان ~~الذين قالوا لم تعظون والذين قالوا معذرة وأهلك الله الذين أخذوا الحيتان ms1331 ~~وهذا قول الحسن، وقال ابن زيد: نجت الناهية وهلكت الفرقتان وهذه الآية ~~أشد آية في ترك النهي عن المنكر وقوله تعالى: { فلما عتوا عن ما نهوا عنه ~~} قول ابن عباس: أبوا أن يرجعوا عن المعصية والعتو عبارة عن الإباء ~~والعصيان والمعنى فلما عتوا عما نهوا يعني عن ترك ما نهوا عنه وتمردوا في ~~العصيان من اعتدائهم في السبت واستحلالهم ما حرم الله عليهم من صيد السمك ~~في يوم السبت وأكله { قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } يعني صاغرين مبعدين ~~من كل خير. قال قتادة: لما عتوا عما نهوا عنه مسخهم الله فصيرهم قردة ~~تتعاوى بعد ما كانوا رجالا ونساء. وقال ابن عباس: جعل الله منهم القردة ~~والخنازير فزعم أن شبان القوم صاروا قردة وأن المشيخة صاروا خنازير، قيل ~~إنهم بقوا ثلاثة أيام ينظر الناس إليهم ثم هلكوا جميعا. قوله تعالى: { ~~وإذ تأذن ربك } الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم ومعنى تأذن أذن ~~والأذان الإعلام يعني أعلم ربك وقيل معناه قال ربك، وقيل: حكم ربك وقيل ~~آلى ربك بمعنى أقسم أجزما ربك { ليبعثن عليهم } اللام في قوله ليبعثن ~~جواب القسم لأن قوله وإذ تأذن ربك جار مجرى القسم لكونه وجواب القسم ~~ليبعثن عليهم واختلفوا في الضمير في عليهم إلى من يرجع فقيل يقتضي أن ~~يكون راجعا إلى قوله فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ~~لكن قد علم أن الذين مسخوا لم يبق منهم أحد فيحتمل أن يكون المراد الذين ~~بقوا منهم فألحق الذل بهم وقيل بأن المراد سائر اليهود من بعدهم لأن ~~الذين بقوا من أهل القرية كانوا صالحين والذي بعثه الله على اليهود هو ~~بختنصر وسخاريب وملوك الروم فساموهم سوء العذاب. # وقيل: المراد بقوله ليبعثن عليهم اليهود الذين كانوا في زمن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والذي بعثه الله عليهم وهو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأمته فألزم من لم يسلم منهم الصغار والذلة والهوان والجزية لازمة ~~لليهود إلى يوم القيامة وأورد على هذا ms1332 بأن في آخر الزمان يكون لهم عزة ~~وذلك عند خروج الدجال لأن اليهود أتباعه وأشياعه وأجيب عنه بأن ذلك العز ~~الذي يحصل لهم في نفسه غاية الذلة لأنهم يدعون إلهية الدجال فيزدادون ~~كفرا على كفرهم فإذا هلك الدجال أهلكهم المسلمون وقتلوهم جميعا فذلك هو ~~الذلة والصغار المشار إليه بقوله تعالى ليبعثن عليهم { إلى يوم القيامة ~~من يسومهم سوء العذاب } وهذا نص في أن العذاب إنما يحصل لهم في الدنيا ~~مستمرا عليهم إلى يوم القيامة ولهذا فسر هذا العذاب بالإهانة والذلة ~~وأخذ الجزية منهم فإذا أفضوا إلى الآخرة كان عذابهم أشد وأعظم وهو قوله ~~تعالى { إن ربك لسريع العقاب } يعني لمن أقام على الكفر ففيه دليل على ~~أنه يجمع لهم مع ذلة الدنيا عذاب الآخرة فيكون العذاب مستمرا عليهم في ~~الدنيا والآخرة، ثم ختم الآية بقوله تعالى: { وإنه لغفور رحيم } يعني لمن ~~آمن منهم ورجع عن الكفر واليهودية ودخل في دين الإسلام. قوله تعالى: { ~~وقطعناهم في الأرض أمما } يعني وفرقنا بني إسرائيل في الأرض جماعات ~~متفرقة فلا تجد بلدا وفيه من اليهود طائفة وجماعة، قال ابن عباس: كل أرض ~~يدخلها قوم من اليهود { منهم الصالحون } يعني من هؤلاء الذين وصفهم الله ~~من بني إسرائيل صالحون وهم من آمن بالله ورسوله وثبت منهم على دينه قبل ~~مبعث عيسى عليه الصلاة والسلام وإنما وصفهم بذلك قبل ارتدادهم عن دينهم ~~وكفرهم بربهم ذكره الطبري ولم يذكر غيره، وروى البغوي وغيره من المفسرين ~~عن ابن عباس ومجاهد: إن المراد بالصالحين الذين أدركوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم من اليهود وآمنوا به والصحيح ما ذكره الطبري يدل عليه قوله بعد ~~فخلف من بعدهم خلف والخلف إنما كان بعد هؤلاء الذين وصفهم بالصلاح من بني ~~إسرائيل. وقوله تعالى: { ومنهم دون ذلك } يعني الذين كفروا من بني ~~إسرائيل وبدلوا وغيروا { وبلوناهم } يعني جميعا الصالح وغيره وهي بلوى ~~اختبار وامتحان { بالحسنات } يعني الخصب والعافية { والسيئات } يعني ~~الجدب والشدة { لعلهم يرجعون } يعني لكي يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا ~~إليه. قال ms1333 أهل المعاني: كل واحدة من الحسنات والسيئات إذا فسرت بالنعم ~~والشدة تدعو إلى طاعة الله تعالى أما النعمة فيزداد عليها شكرا فيرغب في ~~الطاعة وأما الشدة فيخاف سوء عاقبتها فيرهب منها. ### || [7.169] # قوله تعالى: { فخلف من بعدهم } يعني من بعد هؤلاء الذين وصفناهم قوله ~~تعالى: { خلف } يعني خلف سوء يعني حدث من بعدهم وتبدل منهم بدل سوء يقال ~~منه هو خلف صدق بفتح اللام وخلف سوء بسكونها فأكثر ما يقال في المدح ~~بفتح اللام وفي الذم بسكونها وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح قال حسان ~~بن ثابت في المدح: # لنا القدم الأولى إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع # فسكن اللام في قوله وخلفنا وهو يريد المدح وقال لبيد في الذم: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب # ففتح اللام وهو يريد الذم وأصله من الفساد. يقال: خلف اللبن إذا فسد ~~وتغير في السقاء ويقال للرديء من القول: خلف وخلف الشيء تغيره، ومنه خلوف ~~فم الصائم والمعنى جاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم خلف والخلف القرن الذي ~~يجيء بعد قرن كان قبله { ورثوا الكتاب } يعني انتقل إليهم الكتاب عن ~~آبائهم والمراد بالكتاب التوراة { يأخذون عرض هذا الأدنى } العرض بفتح ~~الراء جميع متاع الدنيا كما يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر ~~والفاجر، والعرض بسكون الراء جميع المال سوى الدراهم والدنانير والمعنى ~~أنهم كانوا يأخذون الرشا في الأحكام على تبديل الكلام وتغييره وذلك الذي ~~يأخذونه من حطام الدنيا هو الشيء التافه الخسيس الحقير لأن الدنيا بأسرها ~~فانية حقيرة والراغب فيها أحقر منها فاليهود ورثوا التوراة وعلموا ما ~~فيها وضيعوا العمل بما فيها وتركوه وأخذوا الرشا في الأحكام ويعلمون أنها ~~حرام ثم إنهم مع إقدامهم على هذا الذنب العظيم يصرون عليه { ويقولون ~~سيغفر لنا } يعني ذنوبنا فيتمنون على الله الأماني الباطلة الكاذبة عن ~~شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها ~~وتمنى ms1334 على الله الأماني " # أخرجه الترمذي وقال في قوله عليه الصلاة والسلام دان نفسه يعني حاسبها ~~في الدنيا قبل أن يحاسب يوم القيامة وموضع الاستشهاد من الحديث على ~~الآية، قوله وتمنى على الله الأماني لأن اليهود كانوا يقدمون على الذنوب ~~ويقولون سيغفر لنا وهذا هو التمني بعينه قوله تعالى: { وإن يأتهم عرض ~~مثله يأخذوه } وهذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وإصرارهم على الذنوب، ~~والمعنى أنهم إذا أتاهم شيء من الدنيا أخذوه حلالا كان أو حراما ~~ويتمنون على الله المغفرة وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه. قال السدي: كانت ~~بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم فيقال له ما بالك ~~ترتشي فيقول: سيغفر لي فيطعن عليه الآخرون فإذا مات أو نزع من الحكم وجعل ~~مكانه آخر فمن كان يطعن عليه ارتشى أيضا يقول الله عز وجل وإن يأت ~~الآخرين عرض الدنيا يأخذوه { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب } يعني ألم ~~يؤخذ على هؤلاء المرتشين في أحكامهم العهود والمواثيق في الكتاب وهو ~~التوراة { أن لا يقولوا على الله إلا الحق } يعني إنا أخذنا عليهم ~~الميثاق على أن يقولوا الحق فقالوا الباطل وخالفوا أمر الله وهو قولهم ~~سيغفر لنا والمراد من هذا التوبيخ والتقريع لليهود في ادعائهم على الله ~~الباطل قال ابن عباس: هو ما يوجبون على الله من غفران ذنوبهم التي لا ~~يزالون يعودون فيها ولا يتوبون منها { ودرسوا ما فيه } يعني ما في الكتاب ~~والمعنى أنهم ذاكرون لما أخذ عليهم من العهود والمواثيق في الكتاب لأنهم ~~دارسون له لم يتركوه ولكن درسوه وضيعوا العمل به { والدار الآخرة } يعني ~~وما في الدار الآخرة مما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته العاملين بما ~~أمرهم الله به من كتابه، ولم يغيروا ولم يبدلوا ولم يرتشوا في الأحكام { ~~خير للذين يتقون } يعني يتقون الله ويخافون عقابه { أفلا يعقلون } يعني ~~أفلا يعقل هؤلاء الذين يرضون بعرض الدنيا أن ما في الآخرة خير وأبقى ~~لأنها دار المتقين. ### || [7.170-172] # { والذين يمسكون بالكتاب } يقال مسكت بالشيء وتمسكت به واستمسكت به ms1335 ~~وأمسكت به والمراد بالتمسك بالكتاب العمل بما فيه من إحلال حلاله وتحريم ~~حرامه وإقامة حدوده والتمسك بأحكامه. نزلت هذه الآية في الذين أسلموا من ~~أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه لأنهم تمسكوا بالكتاب الأول ولم ~~يحرفوه ولم يغيروه فأداهم ذلك التمسك إلى الإيمان بالكتاب الثاني وهو ~~القرآن { وأقاموا الصلاة } يعني وداوموا على إقامتها في مواقيتها وإنما ~~أفردها بالذكر وإن كانت الصلاة داخلة في التمسك بالكتاب تنبيها على عظم ~~قدرها وأنها من أعظم العبادات بعد الإيمان بالله وبرسوله { إنا لا نضيع ~~أجر المصلحين } قوله عز وجل: { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة } يعني ~~واذكر يا محمد إذ قلعنا الجبل فرفعناه فوق بني إسرائيل كأنه ظلة يعني ~~جعلناه فوقهم كالظلة والظلة كل ما علا الإنسان كالسقف ونحوه { وظنوا } أي ~~علموا وأيقنوا { أنه واقع بهم } يعني الجبل { خذوا } يعني وقلنا لهم خذوا ~~وإضمار القول كثير في القرآن وكلام العرب { ما آتيناكم } يعني التوراة { ~~بقوة } يعني بجد واجتهاد { واذكروا ما فيه } يعني واعملوا بما فيه من ~~الأحكام { لعلكم تتقون } قال أصحاب الأخبار: إن بني إسرائيل لما أبوا أن ~~يقبلوا أحكام التوراة لما فيها من التكاليف الشاقة أمر الله عز وجل جبريل ~~فرفع جبلا عظيما حتى صار على رؤوسهم كالظلة فلما نظروا إلى الجبل فوق ~~رؤوسهم خروا ساجدين فسجد كل واحد منهم على خده وحاجبه الأيسر وجعل ينظر ~~بعينه اليمنى إلى الجبل خوفا أن يسقط عليه ولذلك لا تسجد اليهود إلا على ~~شق وجوههم الأيسر قوله تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى } الآية عن مسلم بن يسار الجهني ~~أن عمر بن الخطاب سئل عن قوله سبحانه وتعالى: { وإذ أخذ ربك من بني آدم ~~من ظهورهم ذريتهم } الآية قال سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال # " إن الله تبارك وتعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية ~~فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج ms1336 منه ~~ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول ~~الله ففيم العمل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله سبحانه ~~وتعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من ~~أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل ~~النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله النار " # أخرجه مالك في الموطأ وأبو داود والترمذي، وقال حديث حسن ومسلم بن يسار ~~لم يسمع من عمر وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وعمر ~~رجلا. # قلت: ذكر الطبري في بعض طرق هذا الحديث الرجل فقال عن مسلم بن يسار عن ~~يعمر بن ربيعة عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لما خلق الله سبحانه وتعالى آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو ~~خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان وبيصا من نور ~~ثم عرضهم على آدم فقال أي رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم ~~فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال يا رب من هذا قال داود قال رب كم جعلت ~~عمره قال ستين سنة قال يا رب زده من عمري أربعين سنة قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما انقضى عمر آدم إلا أربعين جاءه ملك الموت فقال آدم ~~أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال أو لم تعطها ابنك داود؟ فجحد آدم فجحد ~~ذريته ونسي آدم فأكل من الشجرة فنسيت ذريته وخطئ فخطئت ذريته " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وأما تفسير الآية فقوله سبحانه ~~وتعالى: وإذ أخذ ربك، يعني واذكر يا محمد إذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم يعني من ظهور بني آدم وإنما لم يذكر ظهر آدم وإن كان الله سبحانه ~~وتعالى أخرج جميع الذرية من ظهره لأن الله تعالى أخرج ذرية آدم ms1337 بعضهم من ~~ظهر بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء فلذلك قال سبحانه وتعالى من ~~بني آدم من ظهورهم فاستغنى عن ذكر ظهر آدم عليه السلام لما علم أنهم كلهم ~~بنو آدم وأخرجوا من ظهره فترك ذكر ظهر آدم استغناء. ثم للعلماء في تفسير ~~هذه الآية مذهبان: أحدهما وهو مذهب أهل التفسير والأثر وظاهر ما جاءت به ~~الروايات عن السلف فيما روي عن ابن عباس من طرق كثيرة وروايات مختلفة ~~رواها عنه الطبري بأسانيد، فمنها عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ~~ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا وقال ألست بربكم؟ قالوا بلى ~~شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين " # وعن ابن عباس في هذه الآية قال: مسح ربك ظهر آدم فخرجت كل نسمة هو ~~خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هذا الذي وراء عرفة وأخذ ميثاقهم ألست ~~بربكم قالوا بلى شهدنا وعن ابن عباس أيضا قال: إن أول ما أهبط الله آدم ~~إلى الأرض أهبطه بدهناء أرض الهند فمسح ظهره فأخرج منه كل نسمة هو بارئها ~~إلى يوم القيامة ثم أخذ عليهم الميثاق وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ ~~قالوا بلى شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين " زاد في ~~رواية عنه " فجف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة " وفي رواية عنه قال # " لما خلق الله آدم أخذ ميثاقه أنه ربه وكتب رزقه وأجله ومصائبه واستخرج ~~ذريته كالذر وكتب أرزاقهم وآجالهم ومصائبهم " # وفي رواية عنه قال # " إن الله عز وجل مسح صلب آدم فاستخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم ~~القيامة فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وتكفل لهم ~~بالأرزاق ثم أعادهم في صلبه فلن تقوم الساعة حتى يولد كل من أعطي الميثاق ~~يومئذ فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به نفعه الميثاق الأول ومن أدرك ~~الميثاق ms1338 الآخر فلم يف به لم ينفعه الأول ومن مات صغيرا ولم يدرك الميثاق ~~الآخر مات على الميثاق الاول على الفطرة " # وروى الطبري بسنده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " " أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس " فقال لهم ألست بربكم ~~قالوا بلى؟ قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة " إنا كنا عن هذا ~~غافلين " # وقال ابن عباس: أخرج ذرية آدم من ظهره فكلمهم الله وأنطقهم فقال ألست ~~بربكم قالوا بلى ثم أعادها في صلبه فليس أحد من الخلق إلا وقد تكلم فقال ~~ربي الله وإن القيامة لن تقوم حتى يولد من كان يومئذ أشهد على نفسه، وقال ~~السدي: أخرج الله آدم من الجنة ولم يهبطه من السماء ثم إنه مسح صفحة ظهره ~~اليمنى فأخرج منه كهيئة الذر بيضاء فقال ادخلوا الجنة برحمتي ثم مسح صفحة ~~ظهره اليسرى فأخرج منه كهيئة الذر سوداء فقال ادخلوا النار ولا أبالي ~~فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ منهم الميثاق فقال ألست ~~بربكم قالوا بلى فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجهه التبعية زاد ~~في رواية وذلك حيث يقول " وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها " ~~وقال محمد بن كعب القرظي: أقر له بالإيمان والمعرفة الأرواح قبل خلق ~~أجسادها، وقال مقاتل: مسح صفحة ظهر آدم اليمنى، فأخرج منها ذرية بيضاء ~~كهيئة الذر يتحركون ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منها ذرية سوداء كهيئة ~~الذر يتحركون فقال يا آدم هؤلاء ذريتك ثم قال لهم ألست بربكم قالوا بلى ~~فقال للبيض هؤلاء في الجنة برحمتي وهم أصحاب اليمين وقال للسود هؤلاء في ~~النار ولا أبالي وهم أصحاب الشمال ثم أعادهم جميعا في صلب آدم فأهل ~~القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق جميعا. # وروى أن الله سبحانه وتعالى قال لهم جميعا. اعلموا أنه لا إله لكم غيري ~~وأنا ربكم لا رب لكم غيري فلا تشركوا بي شيئا فإني سأنتقم ممن أشرك بي ~~ولم يؤمن بي وإني ms1339 مرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي ومنزل عليكم ~~كتبا فتكلموا جميعا وقالوا شهدنا أنك ربنا لا رب لنا غيرك فأخذ بذلك ~~مواثيقهم ثم كتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم فنظر إليهم آدم عليه السلام ~~فرأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك فقال رب هلا سويت بينهم ~~فقال إني أحب أن أشكر فلما قررهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض أعاده إلى ~~صلبه فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ منه الميثاق " وقال الزجاج ~~وجائز أن يكون الله سبحانه وتعالى جعل لأمثال الذر عقلا وفهما تعقل به ~~كما قال تبارك وتعالى في النملة # قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم # [النمل: 18] وكما قال # وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير # [الأنبياء: 79] وقال ابن الأنباري مذهب أصحاب الحديث وكبراء أهل العلم ~~في هذه الآية أن الله تعالى أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولادهم وهم ~~صور كالذر وأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعه فاعترفوا بذلك ~~وقبلوه وذلك بعد أن ركب فيهم عقولا عرفوا بها ما عرض عليهم كما جعل ~~للجبال عقولا حتى خوطبوا بقوله # يا جبال أوبي معه # [سبأ: 10] وكم جعل للبعير عقلا حتى سجد للنبي صلى الله عليه وسلم وكذلك ~~الشجرة حتى سمعت لأمره وانقادت ومعنى قوله { ألست بربكم } على هذا ~~التفسير قال الله تعالى للذرية { ألست بربكم } فهو إيجاب للربوبية عليهم ~~قالوا بلى يعني قالت الذرية بلى أنت ربنا فهو جواب منهم له وإقرار منهم ~~له بالربوبية واعتراف على أنفسهم بالعبودية { شهدنا } فيه قولان: أحدهما: ~~أنهم لما أقروا له بالربوبية قال الله عز وجل للملائكة اشهدوا قالوا ~~شهدنا على إقرارهم فعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله سبحانه وتعالى بلى ~~لأن كلام الذرية تم وانقطع وقوله شهدنا كلام مستأنف. والقول الثاني: إن ~~قوله سبحانه وتعالى شهدنا من كلام الذرية والمعنى شهدنا على أنفسنا بهذا ~~الإقرار وعلى هذا لا يحسن الوقف على بلى لتعلقه بما بعده. وقوله سبحانه ~~وتعالى: { أن تقولوا } وقرئ بالتاء على خطاب الذرية ومعناه لئلا تقولوا ~~أيها الذرية { يوم ms1340 القيامة إنا كنا عن هذا } يعني الميثاق { غافلين } ~~وقرئ أن يقولوا بالياء على الغيبة ومعناه لئلا يقولوا أي الذرية إنا كنا ~~عن هذا غافلين، والمذهب الثاني في معنى هذه الآية وهو مذهب أهل الكلام ~~والنظر أنه سبحانه وتعالى أخرج الذرية وأنشأهم بعد أن كانوا نطفا في ~~أصلاب الآباء وهم أولاد بني آدم فأخرج الذرية إلى الدنيا على ترتيبهم في ~~الوجود وأشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من العقول وأراهم عجائب خلقه ~~وغرائب صنعه ودلائل وحدانيته فبهذا الإشهاد صاروا كأنهم قالوا: بلى ~~وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وذلك بما أظهر لهم من دلائل آياته وبراهينه ~~التي تضطرهم إلى أن يعلموا أنه خالقهم وبارئهم وربهم ونافذ الحكم فيهم ~~فلما عرفوا ذلك دعاهم ذلك إلى التصديق بوحدانيته وربوبيته فقالوا بلى ~~شهدنا على أنفسنا أنك أنت ربنا وخالقنا فعلى هذا القول يكون قولهم بلى ~~شهدنا على أنفسنا على المجاز لا على الحقيقة وهذا النوع من المجاز ~~والاستعارة مشهور في كلام العرب فكل من بلغ وعقل فقد أخذ عليه الميثاق ~~بما جعل فيه من السبب الذي يؤخذ به الميثاق وهو العقل والتكليف فيكون ~~معنى الآية وإذ يأخذ ربك من بني ويشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من ~~العقل الذي يكون به الفهم والتكليف الذي به يترتب على صاحبه الثواب ~~والعقاب يوم القيامة. # فإن قلت: فما المختار من هذين المذهبين في تفسير هذه الآية؟ قلت: المذهب ~~الأول هو المختار لأنه مذهب جمهور المفسرين من السلف وورد الحديث بذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. فإن قلت إذا كانت المختار في تفسير هذه الآية ~~هو مذهب السلف في ذلك وأن الله تعالى أخرج الذرية من ظهر آدم لأخذ ~~الميثاق عليهم كما ورد في الحديث أيضا فكيف يحمل تفسير ألفاظ هذه الآية ~~على هذا القول؟ قلت: قد صح الحديث بأن الله مسح ظهر آدم فأخرج ذريته ~~وأخذ عليهم الميثاق ولا منافاة بين الآية والحديث كما تقدم في تفسير ~~ألفاظ الآية من أن الله أخرج ذرية آدم من ظهره ms1341 على سبيل التوالد بعضهم من ~~بعض كما في الخارج وكلهم بأجمعهم من ظهر آدم الذي هو أصلهم فبهذا الطريق ~~أمكن الجمع بين الآية والحديث، إذ ليس في معنى ألفاظ الآية ما يدل على ~~بطلان ذلك ونفيه وقد ورد الحديث بثبوت ذلك وصحته فوجب المصير إليه والأخذ ~~به جمعا بين الآية والحديث وحكى الواحدي عن صاحب النظم أنه قال: ليس بين ~~قوله إن الله مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته وبين الآية اختلاف بحمد الله ~~لأنه تعالى إذ أخرجهم من ظهر آدم فقد أخرجهم من ظهور ذريته لأن ذرية آدم ~~ذرية كذرية بعضهم من بعض قال وتحصل الفائدة بهذا الفصل بأنه تعالى أثبت ~~الحجة على كل منفوس ممن بلغ ومن لم يبلغ بالميثاق الذي أخذه عليهم وزاد ~~على من بلغ منهم بالحجة بالآيات والدلائل التي نصبها بالرسل المنفذة ~~إليهم مبشرين ومنذرين وبالمواعظ وقال غيره: فائدة أخذ الميثاق عليها في ~~القدم أن من مات منهم صغيرا أدخل الجنة بإقراره بالميثاق الأول وهذا على ~~قول من يقول إن أطفال المشركين يدخلون الجنة إذا ماتوا صغارا فأما من لا ~~يحكم لهم بالجنة فإنه يقول من كان من أهل الشقاوة من الذرية السوداء ~~وإنما أقروا بالمعرفة كرها فلم يغن عنهم ذلك شيئا ومن بلغ وعقل لم يغن ~~عنه إقراره بالميثاق الأول شيئا حتى يؤمن ويصدق عند بلوغه وعقله بأن ~~الله ربه وخالقه ويصدق رسله فيما جاؤوا به من عنده وإنما فعل ذلك لئلا ~~يقول الكفار إنا كنا عن هذا الميثاق أو الإيمان بأن الله ربنا غافلين أو ~~لئلا تقول أخلافهم إنما أشرك آباؤنا ونحن نسير على آثارهم ظنا منهم أن ~~الحق ما كانوا عليه. # فإن قلت: إن ذلك الميثاق لا يذكره أحد اليوم فكيف يكون حجة عليهم اليوم ~~أو فكيف يذكرونه يوم القيامة حتى يحتج عليهم به. قلت: لما أخرج الذرية من ~~صلب آدم ركب فيهم العقول وأخذ عليهم الميثاق فلما أعيدوا إلى صلب آدم بطل ~~ما ركب فيهم فتوالدوا ناسين لذلك الميثاق لاقتضاء الحكمة ms1342 الإلهية نسيانهم ~~له ثم ابتدأهم بالخطاب على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام وأصحاب ~~الشرائع فقام ذلك مقام الذكر، إذ الدار دار تكليف وامتحان ولو لم ينسوه ~~لانتفت المحنة والابتلاء، والتكليف، فقامت الحجة عليهم لإمدادهم بالرسل ~~وإعلامهم بجريان أخذ الميثاق عليهم وبذلك قامت الحجة عليهم أيضا يوم ~~القيامة لإخبار الرسل إياهم بذلك الميثاق في الدنيا فمن أنكره كان ~~معاندا ناقضا للعهد ولزمتهم الحجة ولم تسقط الحجة عنهم بنسيانهم وعدم ~~حفظهم بعد إخبار الصادق صاحب الشرع والمعجزات الباهرات. ### || [7.173-175] # وقوله تعالى: { أو تقولوا } يعني الذرية { إنما أشرك آباؤنا من قبل } ~~يعني إنما أخذ الميثاق عليهم لئلا يقول المشركون إنما أشرك آباؤنا من قبل ~~{ وكنا ذرية من بعدهم } يعني وكنا أتباعا لهم فاقتدينا بهم في الشرك { ~~أفتهلكنا } يعني أفتعذبنا { بما فعل المبطلون } قال المفسرون: هذا قطع ~~لعذر الكفار فلا يستطيع أحد من الذرية أن يقول يوم القيامة إنما أشرك ~~آباؤنا من قبلنا ونقضوا العهد والميثاق وكنا نحن الذرية من بعدهم ~~فقلدناهم واقتدينا بهم وكنا في غفلة عن هذا الميثاق فلا ذنب لنا فلا ~~يمكنهم أن يحتجوا بمثل ذلك وقد أخذ عليهم جميعا الميثاق وجاءتهم الرسل ~~وذكروهم به وثبتت الحجة عليهم بذلك يوم القيامة، وأما الذين حملوا معنى ~~الآية على أن المراد منه مجرد نصب الدلائل وهو مذهب أهل النظر قالوا ~~معناه إن الله نصب هذه الدلائل وأظهرها للعقول لئلا يقولوا إنما أشركنا ~~على سبيل التقليد لآبائنا لأن نصب أدلة التوحيد قائم معهم فلا عذر لهم في ~~الإعراض عنه والإقبال على تقليد الآباء في الشرك. وقوله تعالى: { وكذلك ~~نفصل الآيات } يعني ليتدبرها العباد فيرجعون إلى الحق والإيمان ويعرضوا ~~عن الباطل والكفر وهو المراد من قوله { ولعلهم يرجعون } يعني عن الشرك ~~إلى التوحيد وقيل معناه ولعلهم يرجعون إلى الميثاق الأول فيذكرونه ~~ويعملون بموجبه ومقتضاه. قوله عز وجل: { واتل عليهم } يعني واقرأ على ~~قومك يا محمد { نبأ } يعني خبر { الذي آتيناه آياتنا } اختلفوا فيه فقال ~~ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء، وقال مجاهد: بلعام بن باعر، ms1343 وقال ابن ~~مسعود: هو بلعم بن أبر، قال عطية قال ابن عباس: إنه كان من بني إسرائيل ~~وفي رواية أخرى عنه أنه كان من الكنعانيين من بلد الجبارين، وقال مقاتل: ~~هو من مدينة البلقاء وكانت قصته على ما ذكره ابن عباس ومحمد بن إسحاق ~~والسدي وغيرهم من أصحاب الأخبار والسير قالوا: إن موسى عليه الصلاة ~~والسلام لما قصد حرب الجبارين ونزل أرض كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعام ~~إليه وكان عنده اسم الله الأعظم، فقالوا: إن موسى رجل حديد وأن معه ~~جنودا كثيرة وأنه قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل ~~وأنت رجل مجاب الدعوة فاخرج وادع الله أن يردهم عنا. فقال: ويلكم نبي ~~الله ومعه الملائكة والمؤمنون فكيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم ~~وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي؟ فراجعوه وألحوا عليه فقال: حتى ~~أؤامر ربي وكان لا يدعو حتى يؤامر ربه في المنام فأتى في المنام فقيل له ~~لا تدع عليهم فقال لقومه: إني قد آمرت ربي فنهاني أن أدعو عليهم فأهدوا ~~له هدية فقبلها وراجعوه فقال حتى أؤامر ربي فآمر فلم يوح إليه شيء فقال ~~قد آمرت ربي فلم يوح إلي بشيء فقالوا له: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك ~~كما نهاك أول مرة فلم يزالوا يتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن فركب أتانا ~~له متوجها إلى جبل يطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال لذلك الجبل جبل حسان ~~فلما سار على أتانه غير بعيد ربضت فنزل عنها وضربها فقامت وركبها فلم تسر ~~به كثيرا حتى ربضت فضربها حتى قامت فركبها فم تسر به كثيرا حتى ربضت ~~فضربها حتى أزلقها فأذن الله عز وجل لها في الكلام وأنطقها له فكلمته حجة ~~عليه فقالت ويحك يا بلعام أتدري أين تذهب أما ترى الملائكة أمامي يردوني ~~عن وجهي وهذا ويحك أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين فتدعو عليهم فلم ينزع ~~فخلى الله سبيل الأتان فانطلقت به حتى إذا أشرفت به على جبل حسان ومعه ms1344 ~~قومه جعل يدعو فلم يدع بشيء إلا صرف الله به لسانه إلى قومه ولا يدعو ~~لقومه بخير إلا صرف الله به لسانه إلى بني إسرائيل فقال له قومه يا بلعام ~~أتدري ما تصنع إنما تدعو لهم وتدعو علينا فقال هذا ما لا أملكه هذا شي قد ~~غلب الله عليه واندلع لسانه فوقع على صدره فقال لقومه: قد ذهبت مني ~~الدنيا والآخرة ولم يبق لي إلا المكر والحيلة فسأمكر لكم وأحتال، ثم قال: ~~جملوا النساء وزينوهن وأعطوهن السلع ثم أرسلوهن إلى عسكر بني إسرائيل ~~ليبعنها عليهم ومروهن أن لا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها فإنه إن زنى ~~رجل منهم بواحدة منهن كفيتموهم ففعلوا ذلك فلما دخل النساء على العسكر ~~مرت امرأة من الكنعانين اسمها كستى بنت صور على رجل من عظماء بني إسرائيل ~~يقال له زمري بن شلوم وكان رأس سبط شمعون بن يعقوب فقام إلى المرأة وأخذ ~~بيدها حين أعجبه جمالها ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى عليه الصلاة ~~والسلام وقال إني لأظنك أنك تقول هذه حرام عليك فقال أجل هي حرام عليك لا ~~تقربها قال والله إني لا أطيعك في هذا ثم قام ودخل بها إلى قبته فوقع ~~عليها فأرسل الله عز وجل الطاعون على بني إسرائيل في ذلك الوقت. # وكان فنحاص بن العيزار بن هارون وكان صاحب أمر موسى وكان رجلا فظا قد ~~أعطي بسطة من الخلق وقوة في البطش، وكان غائبا حين صنع زمري بن شلوم ما ~~صنع فجاء والطاعون يجوس في بني إسرائيل فأخبر الخبر فأخذ حربته وكانت من ~~حديد كلها ثم دخل عليهما القبة وهما متضاجعان فطعنهما بحربته فانتظمهما ~~ثم خرج بهما وهو رافعهما إلى السماء وقد أخذ الحربة بذراعه واعتمد بمرفقه ~~على خاصرته وأسند الحربة إلى لحيته وكان بكر بن العيزار وجعل يقول اللهم ~~هكذا نفعل بمن عصاك ورفع الطاعون من بني إسرائيل فحسب من مات منهم في ذلك ~~الطاعون فيما بين أن أصاب ذلك الرجل المرأة إلى أن قتله فنحاص ms1345 فوجوده قد ~~هلك سبعون ألفا في ساعة واحدة من النهار فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ~~لولد فنحاص من كل ذبيحة يذبحونها الفشة والذراع واللحى لاعتماده بالحربة ~~على خاصرته وأخذه إياه بذراعه وإسناده إياها إلى لحيته ويعطوهم البكر من ~~كل أموالهم لأنهم كان بكر العيزار وفي بلعام أنزل الله عز وجل { واتل ~~عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا } الآية، وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال ~~لبلعام ادع الله على موسى فقال بلعام إنه من أهل ديني ولا أدعو عليه فنصب ~~له خشبة ليصلبه عليها فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو على موسى فلما ~~عاين عسكرهم وقفت به الأتان فضربها فقالت: لم تضربني وأنا مأمورة وهذه ~~نار أمامي قد منعتني أن أمشي فرجع إلى الملك فأخبره بذلك فقال لتدعون ~~عليه أو لأصلبنك فدعا على موسى بالاسم الأعظم أن لا يدخل المدينة فاستجيب ~~له ووقع موسى ومن معه من بني إسرائيل في التيه بدعاء بلعام عليه فقال ~~موسى يا رب بأي ذنب وقعت في التيه قال بدعاء بلعام قال فكما سمعت دعاءه ~~علي فاسمع دعائي عليه فدعا موسى عليه السلام أن ينزع عنه الاسم الأعظم ~~والإيمان فنزع الله سبحانه وتعالى منه المعرفة وسلخه منها فخرجت من صدره ~~كحمامة بيضاء فذلك قوله سبحانه وتعالى: { آتيناه آياتنا فانسلخ منها }. # فإن قلت هذه القصة ذكرها جماعة من المفسرين وفيها أن موسى عليه السلام ~~دعا على بلعام بأن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان وكيف يجوز لموسى عليه ~~السلام مع علو منصبه في النبوة أن يدعو على إنسان بالكفر بعد الإيمان أو ~~يرضى له بذلك قلت الجواب عنه من وجوه: أحدها: منع صحة هذه القصة لأنها من ~~الإسرائيليات ولا يلتفت إلى ما يسطره أهل الأخباره إذا خالف الأصول. ~~الوجه الثاني: أن سبب وقوع بني إسرائيل في التيه هو عبادتهم العجل أو ~~قولهم لموسى عليه السلام اجعل لنا إلها فكان ذلك هو سبب وقوعهم في التيه ~~لادعاء بلعام عليهم. الوجه الثالث: على تقدير صحة هذه القصة وأن موسى ms1346 ~~عليه السلام دعا على بلعام أن موسى عليه السلام لم يدع عليه إلا بعد أن ~~ثبت عنده أن بلعام كفر وارتد عن الإيمان بدعائه على موسى وإيثاره الحياة ~~الدنيا فدعا عليه مقابلة لدعائه عليه والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة ~~ذلك كله والمقصود من ذلك تنزيه منصب النبوة عما ينقله أصحاب الأخبار في ~~كتبهم من غير نظر فيه ولا بحث عن معناه وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ~~وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم: نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت ~~الثقفي وكانت قصته أنه كان قد قرأ الكتب القديمة وعلم أن الله سبحانه ~~وتعالى مرسل رسولا فرجا أن يكون هو ذلك الرسول فلما أرسل محمد صلى الله ~~عليه وسلم وشرفه الله بالنبوة حسده وكذبه وكان أمية صاحب حكمة وشعر ~~ومواعظ حسنة فقصد بعض الملوك فلما رجع مر على قتلى بدر فسأل عنهم فقيل ~~له: قتلهم محمد فقال: لو كان نبيا ما قتل أقرباءه فلما مات أمية أتت ~~أخته فازعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن وفاة أخيها: بينا هو راقد أتاه اثنان فكشفا سقف البيت ونزلا ~~فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال الذي عند رجليه فقال للذي ~~عند رأسه: أوعى قال وعى قال أزكى قال أبى قالت فسألته عن ذلك فقال: خير ~~أريد بي فصرف عني ثم غشي عليه فلما أفاق من غشيته قال شعرا: # كل عيش وإن تطاول دهرا صائر مرة إلى أن يزولا ليتني كنت قبل ما قد ~~بدا لي في قلال الجبال أرعى الوعولا إن يوم الحساب يوم عظيم شاب فيه ~~الصغير يوما ثقيلا # فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشديني من شعر أخيك فأنشدته بعض ~~قصائده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " آمن شعره وكفر قلبه " # فأنزل الله عز وجل: { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها } ~~الآية وفي رواية عن ابن عباس: أنها نزلت في البسوس وهو رجل ms1347 من بني ~~إسرائيل وكان قد أعطي ثلاث دعوات مستجابات وكانت له امرأة منها أولاد ~~فقالت له اجعل لي منها دعوة فقال لك منها واحدة كما تريدين قالت ادع الله ~~أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل فدعا لها فصارت أجمل النساء فلما ~~علمت أنه ليس في نساء بني إسرائيل مثلها رغبت عنه فغضبت فدعا عليها فصارت ~~كلبة نباحة فذهب فيها دعوتان فجاء بنوها إلى أبيهم وقالوا ليس لنا على ~~هذا الأمر قرار صارت أمنا كلبة نباحة والناس تعيرنا بذلك فادع الله أن ~~يردها إلى حالها الأول فدعا فعادت كما كانت فذهبت فيها الدعوات جميعا ~~والقولان الأولان أشهر. وقال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل ~~الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته كما ~~يعرفون أبناءهم ثم أنكروه، وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه ~~الهدى فلم يقبله وقوله تعالى { آتيناه آياتنا } قال ابن عباس: كان يعلم ~~اسم الله الأكبر وقال ابن زيد كان لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه، وقال ~~السدي: كان يعلم اسم الله الأعظم. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أنه أوتي ~~كتابا وقيل آتاه الله حجة وأدلة وهي الآيات التي أوتيها { فانسلخ منها } ~~يعني فخرج من الآيات التي كان الله آتاه إياها كما تنسلخ الحية من جلدها، ~~وقال ابن عباس: نزع منه العلم { فأتبعه الشيطان } يعني لحقه وأدركه وصيره ~~الشيطان تابعا لنفسه في معصية الله يخالف أمر ربه ويطيع الشيطان وهواه. ~~قوله تعالى: { فكان من الغاوين } يعني من الهالكين الضالين بما خالف ربه ~~وأطاع هواه وشيطانه. ### || [7.176] # قوله تعالى: { ولو شئنا لرفعناه بها } يعني رفعنا درجته ومنزلته بتلك ~~الآيات التي أوتيها. وقال ابن عباس: لرفعناه، وقال ابن عباس: لرفعناه ~~بعمله بها، وقال مجاهد وعطاء: معناه لو شئنا لرفعنا عنه الكفر وعصمناه ~~بالآيات { ولكنه أخلد إلى الأرض } يعنيك ولكنه سكن إلى الدنيا ومال إليها ~~ورضي بها وأصله من الخلود وهو الدوام والمقام والأرض هنا عبارة عن الدنيا ~~لأن الأرض عبارة عن المفاوز ms1348 والقفار وفيها المدن والضياع والمعادن ~~والنبات ومنها يستخرج ما يعاش به في الدنيا فالدنيا كلها هي الأرض { ~~واتبع هواه } يعني أنه أعرض عن التمسك بما أتاه الله من الآيات واتبع ~~الهوى فخسر دنياه وآخرته ووقع في هاوية الردى والهلاك وهذه الآية من أشد ~~الآيات على العلماء الذين يريدون بعلمهم الدنيا وشهوات النفس ويتبعون ~~الهوى وذلك لأن الله عز وجل خص هذا الرجل بآياته وحكمته وعلمه اسمه العظم ~~وجعل دعاءه مستجابا ثم إنه اتبع هواه وركن إلى الدنيا ورضي بها عوضا عن ~~الآخرة نزع منه ما كان أعطيه وانسلخ من الدين فخسر الدنيا والآخرة ومن ~~الذي يسلم من الميل إلى الدنيا واتباع الهوى إلا من عصمه الله بالورع ~~وثبته بالعلم وبصره بعيوب نفسه. عن كعب بن مالك الأنصاري قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال ~~والسرف لدينه " # أخرجه الترمذي ثم ضرب الله عز وجل مثلا لهذا الرجل الذي أتاه آياته ~~فانسلخ منها واتبع هواه فقال تعالى { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث ~~أو تتركه يلهث } يقال لهث الكلب يلهث إذا أدلع لسانه من العطش وشدة الحر ~~وعند الإعياء والتعب وهذا مثل ضربه الله عز وجل لمن أتاه آياته وحكمته ~~فتركها وعدل عنها واتبع هواه وترك آخرته وآثر دنياه بأخس الحيوانات وهو ~~الكلب في أخس أحواله وهو اللهث لأن الكلب في حال لهثه لا يقدر على نفع ~~نفسه ولا ضرها كذلك العالم الذي يتبع هواه لا يقدر على نفع نفسه ولا ضرها ~~في الآخرة لأن التمثيل به على أن يلهث على كل حال إن حملته عليه أو تركته ~~كان لاهثا وذلك عادة منه وطبيعة وهي مواظبته على اللهث دائما فكذلك من ~~أتاه الله العلم والدين وأغناه عن التعرض لحطام الدنيا الخسيسة، ثم إنه ~~مال إليها وطلبها كانت حالته كحال الكلب اللاهث وقيل: إن العالم إذا توصل ~~بعلمه إلى طلب الدنيا فإنه يظهر علومه عند أهلها ويدلع لسانه ms1349 في تقرير ~~تلك العلوم وبيانها وذلك لأجل ما يحصل عنده من حرارة الحرص الشديد وشدة ~~العطش إلى الفوز بمطلوبه من الدنيا فكانت حالته شبيهة بحالة الكلب الذي ~~أدلع لسانه من اللهث في غير حاجة ولا ضرورة. # ومعنى أن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث أي إن شددت عليه وأهجته لهث وإن ~~تركته على حاله لهث لأن اللهث طبيعة أصلية فيه فكذلك حال الحريص على ~~الدنيا إن وعظته فهو حريص لا يقبل الوعظ ولا ينجع فيه وإن تركته ولم تعظه ~~فهو حريص أيضا لأن الحرص على طلب الدنيا صار طبيعة له لازمة كما أن ~~اللهث طبيعة لازمة للكلب { ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } يعني أن ~~المثل الذي ضربناه للذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها مثل القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا فعم هذا المثل جميع من كذب بآيات الله وجحدها فوجه التمثيل بينهم ~~وبين الكلب اللاهث أنهم إذا جاءتهم الرسل ليهدوهم لم يهتدوا وإن تركوا لم ~~يهتدوا أيضا بل هم ضلال في كل حال ثم قال سبحانه وتعالى { فاقصص القصص ~~} وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني فاقصص القصص يا محمد على قومك ~~أي أخبار من كفر بآيات الله { لعلهم يتفكرون } يعني فيتعظون، وقيل: هذا ~~المثل لكفار مكة وذلك أنهم كانوا يتمنون هاديا يهديهم ويدعوهم إلى طاعة ~~الله عز وجل فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الله وإلى ~~طاعته وهم يعرفونه ويعرفون صدقه كذبوه ولم يقبلوا منه. ### || [7.177-178] # قال سبحانه وتعالى: { ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا } يعني بئس ~~مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا { وأنفسهم كانوا يظلمون } يعني ~~بتكذيبهم بآياتنا. قوله عز وجل: { من يهد الله فهو المهتدي } يعني من ~~يرشده الله إلى دينه فهو المهتدي، وقيل: معناه من يتول الله هدايته ~~وإرشاده فهو المهتدي { ومن يضلل } يعني ومن يتول الضلالة { فأولئك هم ~~الخاسرون } يعني في الآخرة وفي الآية دليل على أن الله سبحانه وتعالى هو ~~الهادي المضل. ### || [7.179-180] # قوله سبحانه وتعالى: { ولقد ذرأنا } يعني خلقنا { لجهنم كثيرا ms1350 من الجن ~~والإنس } أخبر الله سبحانه وتعالى أنه خلق كثيرا من الجن والإنس للنار ~~وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة ومن خلقه الله للنار فلا ~~حيلة له في الخلاص منها. واستدل البغوي على صحة هذا التأويل بما رواه عن ~~عائشة قال: # " دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا ~~رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال ~~" أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب ~~آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم " # أخرجه مسلم. قال الشيخ محيي الدين النووي في شرح مسلم: أجمع من يعتد به ~~من علماء المسلمين أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة لأنه ~~ليس مكلفا وتوقف فيهم بعض من لا يعتد به لحديث عائشة هذا. وأجاب العلماء ~~عنه بأنه لعله صلى الله عليه وسلم نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن ~~يكون عندها دليل قاطع كما # " أنكر على سعد بن أبي وقاص لفظة " إني لأراه مؤمنا فقال: أو مسلما " # الحديث، ويحتمل أن صلى الله عليه وسلم قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال ~~المسلمين في الجنة فلما علم ذلك قال به، وأما أطفال المشركين ففيهم ثلاثة ~~مذاهب قال الأكثرون: هم في النار تبعا لآبائهم وتوقف طائفة فيهم والثالث ~~وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون أنهم من أهل الجنة ويستدل له بأشياء ~~منها # " خبر إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم حين رآه النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الجنة وحوله أولاد الناس فقالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ ~~قال: " وأولاد المشركين " # رواه البخاري في صحيحه ومنها قوله سبحانه وتعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] ولا يتوجه على المولود التكليف ولا يلزمه قبول قول ~~الرسول حتى يبلغ وهذا متفق عليه والله أعلم. وفي الآية دليل وحجة واضحة ~~لمذهب أهل السنة في أن الله خالق أعمال العباد جميعها خيرها وشرها ms1351 وأن ~~الله سبحانه وتعالى بين بصريح اللفظ أنه خلق كثيرا من الجن والإنس ~~للنار ولا تزيد على بيان الله عز وجل لأن العاقل لا يختار لنفسه دخول ~~النار فلما عمل بما يوجب دخول النار به علم أنه له من يضطره إلى ذلك ~~العمل الواجب إلى دخول النار وهو الله عز وجل، وقيل: اللام في جهنم ~~للعاقبة أي عاقبتهم جهنم، ثم وصفهم فقال تعالى: { لهم قلوب لا يفقهون بها ~~} يعني: لا يفهمون بها ولا يعقلون بها وأصل الفقه في اللغة الفهم والعلم ~~بالشيء ثم صار علما على اسم العلم في الدين لشرفه على غيره من العلوم ~~يقال: فقه الرجل يفقه فهو فقيه إذا فهم ومعنى الآية لهم قلوب لا يتفكرون ~~بها في آيات الله ولا يتدبرونها ولا يعلمون بها الخير والهدى لإعراضهم عن ~~الحق وتركهم قبوله { ولهم أعين لا يبصرون بها } يعني لا يبصرون بها طريق ~~الحق والهدى ولا ينظرون بها في آيات الله وأدلة توحيده { ولهم آذان لا ~~يسمعون بها } يعني لا يسمعون آيات القرآن ومواعظه فيعتبرون بها، قال أهل ~~المعاني: إن الكفار لهم قلوب يفقهون بها مصالحهم المتعلقة بالدنيا ولهم ~~أعين يبصرون بها المرئيات وآذان يسمعون بها الكلمات وهذا لا يشك فيه. # ولما وصفهم الله عز وجل بأنهم لا يفقهون ولا يبصرون ولا يسمعون مع وجود ~~هذه الحواس الدراكة علم بذلك أن المراد بذلك يرجع إلى مصالح الدين وما ~~فيه نفعهم في الآخرة وحاصل هذا الكلام أنهم مع وجود هذه الحواس لا ~~ينتفعون بها فيما ينفعهم في أمور الدين والعرب تقول مثل ذلك لمن ترك ~~استعمال بعض جوارحه فيما لا يصلح له ومنه قول الشاعر: # وعوراء الكلام صمت عنها وإني إن أشاء بها سميع # فإنه أثبت له صمما مع وجود السمع. قال مجاهد: لهم قلوب لا يفقهون بها ~~شيئا من أمر الآخرة ولهم أعين لا يبصرون بها الهدى ولهم آذان لا يسمعون ~~بها الحق. ثم ضرب لهم مثلا فقال سبحانه وتعالى: { أولئك كالأنعام } يعني ~~أن الذين ذرأهم لجهنم وهم ms1352 الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية كالأنعام وهي ~~البهائم التي لا تفهم ولا تعقل وذلك لأن الإنسان وسائر الحيوانات مشتركون ~~في هذه الحواس الثلاثة التي هي القلب والبصر والسمع. وإنما فضل الإنسان ~~على سائر الحيوانات بالعقل والإدراك والفهم المؤدي إلى معرفة الحق من ~~الباطل والخير والشر فإذا كان الكافر لا يعرف ذلك ولا يدركه فلا فرق بينه ~~وبين الأنعام التي لا تدرك شيئا ثم قال تعالى: { بل هم أضل } يعني: بل ~~إن الكفار أضل من الأنعام لأن الأنعام تعرف ما يضرها وما ينفعها والكافر ~~لا يعرف ذلك فصار أضل من الأنعام ولأن الأنعام لم تعط القوة الفعلية ~~والإنسان قد أعطيها فإذا لم يستعملها فيما ينفعه صار أحسن حالا من ~~الأنعام. وقيل: إن الأنعام مطيعه لله عز وجل والكافر غير مطيع لله عز ~~وجل، فصارت الأنعام أفضل منه ثم قال تعالى: { أولئك هم الغافلون } يعني ~~عن ضرب هذه الأمثال لهم. قوله سبحانه وتعالى: { ولله الأسماء الحسنى } ~~قال مقاتل: إن رجلا دعا الله في صلاته ودعا الرحمن فقال بعض مشركي مكة ~~قال ابن الجوزي: هو أبو جهل إن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يعبدون ربا ~~واحد فما بال هذا يدعو اثنين فأنزل الله هذه الآية { ولله الأسماء الحسنى ~~} والحسنى تأنيث الأحسن، ومعنى الآية أن أسماء الله سبحانه وتعالى ~~المقدسة كلها حسنى وليس المراد أن فيها ما ليس بحسن والمعنى أن الأسماء ~~الحسنى ليس إلا لله لأن هذا اللفظ يفيد الحصر. # وقيل إن الأسماء ألفاظ دالة على معان فهي إنما تحسن بمعانيها ولا معنى ~~للحسن في حق الله تبارك وتعالى إلا ذكره بصفات الكمال ونعوت الجلال وهي ~~محصورة في نوعين: أحدهما: عدم افتقاره إلى غيره. الثاني: افتقار غيره ~~إليه وإنه هو المسمى بالأسماء الحسنى ق. عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " إن لله تسعة وتسعين اسما من حفظها دخل الجنة، والله وتر يحب الوتر " # وفي رواية # " من أحصاها " # وفي رواية أخرى # " لله تسعة وتسعون اسما من حفظها دخل الجنة، والله ms1353 وتر يحب الوتر " # وفي رواية # " من أحصاها " # وفي رواية أخرى # " لله تسعة وتسعون اسما مائة إلا واحدا لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة ~~وهو وتر يحب الوتر " # قال البخاري: أحصاها حفظها. وفي رواية عن الترمذي قال: قال رسول الله # " إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة هو الله الذي لا إله ~~إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ~~المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم ~~القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل ~~اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت ~~الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث ~~الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد ~~المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر ~~المعدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر التواب ~~المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني ~~المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد ~~الصبور " # قال الترمذي: حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح ولا نعرفه إلا من حديث ~~صفوان بن صالح وهو ثقة عند أهل الحديث قال وقد روي هذا الحديث من غير وجه ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا نعلم في كثير من الروايات ~~ذكر الأسماء التي في هذا الحديث. قال ابن الأثير: وفي رواية ذكرها رزين ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله ولله الأسماء الحسنى فادعوه ~~بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون فقال: # " إن لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسما " # الحديث. قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى: اتفق العلماء على ~~أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وتعالى وليس معناه أنه ليس له ~~أسماء غير هذه التسعة والتسعين وإنما المقصود من الحديث أن هذه التسعة ~~والتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة فالمراد الإخبار عن دخول الجنة ~~بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء ms1354 ولهذا جاء في الحديث الآخر # " أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك " # وقد ذكر الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي عن بعضهم أن لله ألف اسم. قال ~~ابن العربي: وهذا قليل. وقوله صلى الله عليه وسلم: # " من أحصاها دخل الجنة " # تقدم فيه قول البخاري أن معناه حفظها وهو قول أكثر المحققين ويعضده ~~الرواية الأخرى من حفظها دخل الجنة. وقيل: المراد من الإحصاء العدد أي ~~عدها في الدعاء بها. وقيل معناه من أطاقها وأحسن المراعاة لها والمحافظة ~~على ما تقتضيه وصدق بمعانيها وعمل بمقتضاها دخل الجنة وقيل معنى أحصاها ~~أحضر بباله عند ذكرها معناه وتفكر في مدلولها معتبرا متدبرا ذاكرا ~~راغبا راهبا معظما لها ولمسماها ومقدسا لذات الله سبحانه وتعالى وأن ~~يخطر بباله عند ذكر كل اسم الوصف الدال عليه، وقوله والله وتر يحب الوتر ~~الوتر الفرد ومعناه في وصف الله تعالى أنه الواحد الذي لا شريك له ولا ~~نظير فيه تفضيل الوتر في الأعمال لأن أكثر الطاعات وتر وفيه دليل على أن ~~أشهر أسمائه سبحانه وتعالى الله لإضافة الأسماء إليه فيقال الرؤوف ~~والكريم واللطيف من أسماء الله ولا يقال من أسماء الله الرؤوف والكريم ~~واللطيف الله وقد قيل إن لفظة الله هو الاسم الأعظم. قال أبو القاسم ~~القشيري: فيه دليل على أن الاسم هو المسمى إذ لو كان غيره لكانت الأسماء ~~لغيره وقد قال # ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها # [الأعراف: 180] وقال الإمام فخر الدين الرازي: دلت الآية على أن الاسم ~~غير المسمى لا تدل على أن أسماء الله كثيرة لأن لفظ الأسماء الجمع وهو ~~يفيد الثلاثة فما فوقها فثبت أن أسماء الله كثيرة ولا شك أن الله واحد ~~فلزم القطع بأن الاسم غير المسمى وأيضا قوله سبحانه وتعالى: ولله ~~الأسماء يقتضي إضافة الأسماء إلى الله وإضافة الشيء إلى نفسه محال. وقال ~~غيره: الاسم عبارة عن اللفظ الدال على الشيء المسمى به فهو غيره. وقال ~~أهل اللغة: إنما جعل الاسم تنويها على المعنى لأن المعنى ms1355 تحت الاسم ~~والتسمية غير الاسم لأن التسمية عبارة عن وضع اللفظ المعين لتعريف ذات ~~الشيء والاسم عبارة عن تلك اللفظة المعينة والفرق ظاهر. قال العلماء: ~~وكما يجب تنزيه الله عن جميع النقائص فكذلك يجب تنزيه أسمائه أيضا وقوله ~~سبحانه وتعالى: { فادعوه بها } يعني ادعوا الله بأسمائه التي سمى بها ~~نفسه أو سماه بها رسوله ففيه دليل على أن أسماء الله تعالى توقيفية لا ~~اصطلاحية ومما يدل على صحة هذا القول ويؤكده أنه يجوز أن يقال يا جواد ~~ولا يجوز أن يقال يا سخي ويجوز أن يقال يا عالم ولا يجوز أن يقال يا عاقل ~~ويجوز أن يقال يا حكيم ولا يجوز أن يقال يا طبيب وللدعاء شرائط منها أن ~~يعرف الداعي معاني الأسماء التي يدعو بها ويستحضر في قلبه عظمة المدعو ~~سبحانه وتعالى ويخلص النية في دعائه مع كثرة التعظيم والتبجيل والتقديس ~~لله ويعزم المسألة مع رجاء الإجابة ويعترف الله سبحانه وتعالى بالربوبية ~~وعلى نفسه بالعبودية فإذا فعل العبد ذلك عظم موضع الدعاء وكان له تأثير ~~عظيم { وذروا الذين يلحدون في أسمائه } معنى الإلحاد في اللغة الميل عن ~~القصد والعدول عن الاستقامة. # وقال ابن السكيت: الملحد العادل عن الحق المدخل في ما ليس منه يقال ألحد ~~في الدين إلحادا إذا عدل عنه ومال إلى غيره. قال المحققون: الإلحاد يقع ~~في أسماء الله تعالى على وجوه: أحدها: إطلاق أسماء الله عز وجل على غيره ~~وذلك أن المشركين سموا أصنامهم بالآلهة واشتقوا لها أسماء من أسماء الله ~~تعالى فسموا اللات والعزى ومناة واشتقاق اللات من الإله والعزى من العزيز ~~ومناة من المنان وهذا معنى قول ابن عباس ومجاهد. الوجه الثاني: وهو قول ~~أهل المعاني أن الإلحاد في أسماء الله هو تسميته بما لم يسم به نفسه ولم ~~يرد فيه نص من كتاب ولا سنة لأن أسماء الله سبحانه وتعالى كلها توقيفية ~~كما تقدم فلا يجوز فيها غير ما ورد في الشرع بل ندعو الله بأسمائه التي ~~وردت في الكتاب والسنة على وجه ms1356 التعظيم. الوجه الثالث: مراعاة حسن الأدب ~~في الدعاء فلا يجوز أن يقال يا ضار يا مانع يا خالق القردة على انفراد ~~بل يقال يا ضار يا نافع يا خالق الخلق. الوجه الرابع: أن لا يسمي الله ~~العبد باسم لا يعرف معناه فإنه ربما سماه باسم لا يليق إطلاقه على جلال ~~الله سبحانه وتعالى ولا يجوز أن يسمى به لما فيه من الغرابة. وقوله ~~سبحانه وتعالى: { سيجزون ما كانوا يعملون } يعني في الآخرة ففيه وعيد ~~وتهديد لمن ألحد في أسماء الله عز وجل. ### || [7.181-183] # قوله عز وجل: { ومما خلقنا أمة } يعني جماعة وعصابة { يهدون بالحق وبه ~~يعدلون } قال ابن عباس: يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم المهاجرون ~~والأنصار والتابعون لهم بإحسان. قال قتادة: بلغنا # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال " هذه لكم وقد ~~أعطى القوم بين أيديكم مثلها ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون " # ق عن معاوية قال وهو يخطب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ~~حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك " # وفي الآية دليل على أنه لا يخلو زمان من قائم بالحق يعمل به ويهدي إليه ~~{ والذين كذبوا بآياتنا } يريد به جميع المكذبين بآيات الله وهم الكفار. ~~وقيل: المراد بهم أهل مكة والأول أولى لأن صيغة العموم تتناول الكل إلا ~~ما دل الدليل على خروجه منه { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } قال الأزهري: ~~سنأخذهم قليلا من حيث لا يحتسبون وذلك أن الله سبحانه وتعالى يفتح عليهم ~~من النعيم ما يغتبطون به ويركنون إليه ثم يأخذهم على غرتهم أغفل ما ~~يكونون وقيل معناه سنقربهم إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ~~ما يراد بهم لأنهم كانوا إذا أتوا بجرم أو أقدموا على ذنب فتح الله عليهم ~~من أبواب الخير والنعمة في الدنيا فيزدادون تماديا في الغي والضلال ~~ويندرجون في الذنوب والمعاصي ms1357 فيأخذهم الله أخذه واحدة أغفل ما يكونون ~~عليه. وقال الضحاك: معناه كلما جددوا معصية جددنا نعمة. وقال الكلبي: ~~نزين أعمالهم ثم نهلكهم بها، وقال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم ثم ~~نسلبهم الشكر. روي أن عمر بن الخطاب لما حمل إليه كنوز كسرى قال: اللهم ~~إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا فإني سمعتك تقول سنستدرجهم من حيث لا ~~يعلمون. قال أهل المعاني: الاستدراج أن يندرج الشيء إلى الشيء في خفية ~~قليلا ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه في المشي ومنه درج الكتاب إذا ~~أطواه شيئا بعد شيء { وأملي لهم } يعني وأمهلهم وأطيل مدة أعمارهم. ~~والإملاء في اللغة الإمهال وإطالة المدة والمعنى إني أطيل مدة أعمارهم ~~ليتمادوا في الكفر والمعاصي ولا أعاجلهم بالعقوبة ولا أفتح لهم باب ~~التوبة { إن كيدي متين } يعني إن أخذي شديد والمتين من كل شيء هو القوي ~~الشديد. وقال ابن عباس: معناه إن مكري شديد. قال المفسرون: نزلت هذه ~~الآية في المستهزئين من قريش وذلك أن الله سبحانه وتعالى أمهلهم ثم قتلهم ~~في ليلة واحدة وفي هذه الآية دليل على مسألة القضاء والقدر وأن الله ~~سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ### || [7.184-187] # قوله سبحانه وتعالى: { أولم يتفكروا ما بصاحبهم } يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم { من جنة } يعني من جنون قال قتادة ذكر لنا # " أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قام على الصفا ليلا فجعل يدعو قريشا ~~فخذا فخذا " يا بني فلان يا بني فلان إني لكم نذير مبين " # وكان يحذرهم بأس الله ووقائعه فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون بات ~~يصوت إلى الصباح فأنزل الله عز وجل: { أولم يتفكروا } والتفكر التأمل ~~وإعمال الخاطر في عاقبة الأمر والمعنى أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم من جنة والجنة. حالة من الجنون وإدخال ~~لفظة من في قوله من جنة يوجب أن لا يكون به نوع من أنواع الجنون وإنما ~~نسبوه إلى الجنون وهو بريء ms1358 منه لأنهم رأوا أنه صلى الله عليه وسلم خالفهم ~~في الأقوال والأفعال لأنه كان معرضا عن الدنيا ولذاتها مقبلا على ~~الآخرة ونعيمها مشتغلا بالدعاء إلى الله عز وجل وإنذارهم بأسه ونقمته ~~ليلا ونهارا من غير ملال ولا ضجر فعند ذلك نسبوه إلى الجنون فبرأه الله ~~سبحانه وتعالى من الجنون فقال تعالى: { إن هو } يعني ما هو { إلا نذير ~~مبين } ثم حثهم على النظر المؤدي إلى العلم بالوحدانية فقال سبحانه ~~وتعالى: { أولم ينظروا } يعني نظر اعتبار واستدلال { في ملكوت السموات ~~والأرض وما خلق الله من شيء } والمقصود التنبيه على أن الدلالة على ~~الوحدانية ووجود الصانع القديم غير مقصورة على ملك السموات والأرض بل كل ~~شيء خلقه الله سبحانه وتعالى وبرأه فيه دليل على وحدانية الله سبحانه ~~وتعالى وآثار قدرته كما قال الشاعر: # وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد # { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } والمعنى ولعل أجلهم يكون قد اقترب ~~فيموتوا على الكفر قبل أن يؤمنوا فيصيروا إلى النار وإذا كان الأمر كذلك ~~وجب على العاقل المبادرة إلى التفكر والاعتبار والنظر المؤدي إلى الفوز ~~بالنعيم المقيم { فبأي حديث بعده } يعني القرآن { يؤمنون } يعني يصدقون. ~~والمعنى فبأي كتاب بعد الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ~~يصدقون وليس بعد محمد نبي ولا بعد كتابه كتاب لأنه خاتم الأنبياء وكتابه ~~خاتم الكتب لانقطاع الوحي بعد محمد صلى الله عليه وسلم ثم ذكر علة ~~إعراضهم عن الإيمان فقال سبحانه وتعالى: { من يضلل الله فلا هادي له } ~~يعني أن إعراض هؤلاء عن الإيمان لإضلال الله إياهم فلو هداهم لآمنوا { ~~ويذرهم في طغيانهم يعمهون } يعني ويتركهم في ضلالتهم وتماديهم في الكفر ~~يترددون متحيرين لا يهتدون سبيلا. قوله عز وجل: { يسألونك عن الساعة ~~أيان مرساها } قال قتادة: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقال ابن عباس: قال جبل بن أبي قبشير وشمول بن زيد، وهما من ms1359 اليهود، ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا ~~كما تقول فإنا نعلم متى الساعة فأنزل الله عز وجل: يسألونك عن الساعة ~~يعني عن خبر القيامة. سميت ساعة لأنها تقوم في ساعة غفلة وبغتة أو لأن ~~حساب الخلائق ينقضي فيها في ساعة واحدة أيان سؤال استفهام عن الوقت الذي ~~تقوم فيه الساعة ومعناه متى مرساها. قال ابن عباس: يعني منتهاها أي متى ~~وقوعها. قالوا والساعة الوقت الذي تموت فيه الخلائق وأصل الإرساء الثبات ~~يقول رسا يرسو إذا ثبت { قل } أي قل لهم يا محمد { إنما علمها عند ربي } ~~أي لا يعلم الوقت الذي تقوم فيه إلا الله استأثر الله بعلمها فلم يطلع ~~عليه أحد ومر حديث الإيمان والإسلام والإحسان وسؤال جبريل للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبرني عن الساعة قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال ~~المحققون: وسبب إخفاء علم الساعة ووقت قيامها عن العباد ليكونوا على خوف ~~وحذر منها لأنهم إذا لم يعلموا متى يكون ذلك الوقت كانوا على وجل وخوف ~~وإشفاق منها فيكون ذلك أدعى لهم إلى الطاعة والتوبة وأزجر لهم عن المعصية ~~{ لا يجليها لوقتها إلا هو } قال مجاهد لا يأتي بها إلا هو، وقال السدي: ~~لا يرسلها لوقتها إلا هو والتجلية إظهار الشيء بعد خفائه، والمعنى: لا ~~يظهرها لوقتها المعين إلا الله ولا يقدر على ذلك غيره { ثقلت في السموات ~~والأرض } يعني ثقل أمرها وخفي علمها على أهل السموات والأرض فكل شيء خفي ~~فهو ثقيل شديد. وقال الحسن: إذا جاءت ثقلت وعظمت على أهل السموات والأرض ~~وإنما ثقلت عليهم لأن فيها فناءهم وموتهم وذلك ثقيل على القلوب { لا ~~تأتيكم إلا بغتة } يعني فجأة على حين غفلة من الخلق ق عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا ~~يطويانه ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه ولتقومن ~~الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه ولتقومن ms1360 الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه ~~فلا يطعمها " # اللقحة بفتح اللام وكسرها: الناقة القريبة العهد بالنتاج. قوله: يليط ~~حوضه ويروى يلوط حوضه يعني يطينه ويصلحه يقال لاط حوضه يليطه أو يلوطه ~~إذا طينه وأصله من اللصوق. الأكلة: بضم الهمزة اللقمة. وقوله سبحانه ~~وتعالى: { يسألونك كأنك حفي عنها } يعني يسألونك قومك عن الساعة كأنك حفي ~~بهم بمعنى بار بهم شفيق عليهم فعلى هذا القول فيه تقديم وتأخير تقديره ~~يسألونك عنها كأنك حفي بهم. # قال ابن عباس: يقول كأن بينك وبينهم مودة وكأنك صديق لهم. قال ابن عباس ~~لما سأل الناس محمدا صلى الله عليه وسلم عن الساعة سألوه سؤال قوم كأنهم ~~يرون أن محمدا صلى الله عليه وسلم حفي بهم فأوحى الله عز وجل إليه إنما ~~علمها عنده استأثر بعلمها فلم يطلع عليها ملكا ولا رسولا وقيل معناه ~~يسألونك عنها كأنك حفي بها أي عالم بها من قولهم أحفيت في المسألة إذا ~~بالغت في السؤال عنها حتى علمتها { قل } يعني يا محمد { إنما علمها عند ~~الله } يعني استأثر الله بعلمها فلا يعلم متى الساعة إلا الله عز وجل. ~~فإن قلت: قوله سبحانه وتعالى يسألونك عن الساعة أيان مرساها وقوله سبحانه ~~وتعالى ثانيا يسألونك كأنك حفي عنها فيه تكرار؟ قلت: ليس فيه تكرار لأن ~~السؤال الأول سؤال عن وقت قيام الساعة والسؤال الثاني سؤال عن أحوالها من ~~ثقلها وشدائدها فلم يلزم التكرار. فإن قلت: عبر عن الجواب في السؤال ~~الأول بقوله تعالى: علمها عند ربي وعن الجواب في السؤال الثاني بقوله ~~تعالى: علمها عند الله فهل من فرق بين الصورتين في الجوابين. قلت: فيه ~~فرق لطيف وهو أنه لما كان السؤال الأول واقعا عن قيام وقت الساعة عبر عن ~~الجواب فيه بقوله تعالى علم وقت قيامها عند ربي. ولما كان السؤال الثاني ~~واقعا عن أحوالها وشدائدها وثقلها عبر عن الجواب فيه بقوله سبحانه ~~وتعالى عند الله لأنه أعظم الأسماء { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } يعني ~~لا يعملون أن علمها عند الله وأنه ms1361 استأثر بعلم ذلك حتى لا يسألوا عنه. ~~وقيل: ولكن أكثر الناس لا يعلمون السبب الذي من أجله أخفى علم وقت قيامها ~~المغيب عن الخلق. ### || [7.188-189] # قوله سبحانه وتعالى: { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا } قال ابن عباس: ~~إن أهل مكة قالوا يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو ~~فتشتري به فتربح فيه عند الغلاء وبالأرض التي يريد أن تجدب فترحل عنها ~~إلى ما قد أخصبت فأنزل الله عز وجل: { قل لا أملك } أي قل يا محمد لا ~~أملك ولا أقدر لنفسي نفعا أي اجتلاب نفع بأن أربح فيما أشتريه ولا ضرا ~~يعني ولا أقدر أن أدفع عن نفسي ضرا نزل بها بأن أرتحل إلى الأرض الخصبة ~~وأترك الجدبة { إلا ما شاء الله } يعني أن أملكه وأقدر عليه { ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير } يعني ولو كنت أعلم وقت الخصب والجدب ~~لاستكثرت من المال { وما مسني السوء } يعني الضر والفقر والجوع. وقال ~~ابن جريج: معناه لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا من الهدى والضلالة ولو كنت ~~أعلم الغيب يريدون وقت الموت لاستكثرت من الخير يعني من العمل الصالح. ~~وقيل إن أهل مكة لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة أنزل ~~الله تعالى الآية الأولى وهذه الآية ومعناه: أنا لا أدعي علم الغيب حتى ~~أخبركم عن وقت قيام الساعة وذلك لما طالبوه بالإخبار عن الغيوب فذكر أن ~~قدرته قاصرة عن علم الغيب. فإن قلت: قد أخبر صلى الله عليه وسلم عن ~~المغيبات وقد جاءت أحاديث في الصحيح بذلك وهو من أعظم معجزاته صلى الله ~~عليه وسلم فكيف الجمع بينه وبين قوله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من ~~الخير؟ قلت: يحتمل أن يكون قاله صلى الله عليه وسلم على سبيل التواضع ~~والأدب والمعنى لا أعلم الغيب إلا أن يطلعني الله عليه ويقدره لي. ويحتمل ~~أن يكون قال ذلك قبل أن يطلعه الله عز وجل على الغيب فلما أطلعه الله عز ~~وجل أخبر به كما قال ms1362 تعالى: # فلا يظهر على غيبة أحدا إلا من ارتضى من رسول # [الجن: 26-27] أو يكون خرج هذا الكلام مخرج الجواب عن سؤالهم ثم بعد ذلك ~~أظهره الله سبحانه وتعالى عن أشياء من المغيبات فأخبر عنها ليكون ذلك ~~معجزة له ودلالة على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم وقوله وما مسنى السوء ~~يعني الجنون وذلك أنهم نسبوه إلى الجنون وقيل معناه ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من تحصيل الخير واحترزت عن الشر حتى أصير بحيث لا يمسني السوء ~~وقيل معناه ولو كنت أعلم الغيب لأعلمتكم بوقت قيام الساعة حتى تؤمنوا وما ~~مسني السوء يعني قولكم لو كنت نبيا لعلمت متى تقوم الساعة { إن أنا إلا ~~نذير } يعني ما أنا إلا رسول أرسلني الله إليكم أنذركم وأخوفكم عقابه إن ~~لم تؤمنوا { وبشير } يعني وأبشر بثوابه { لقوم يؤمنون } يعني يصدقون. # قوله عز وجل: { هو الذي خلقكم من نفس واحدة } يعني آدم عليه السلام { ~~وجعل منها زوجها } يعني وخلق منها زوجها حواء قد تقدم كيفية خلق حواء من ~~ضلع آدم في أول سورة النساء { ليسكن إليها } يعني ليأنس بها ويأوي { فلما ~~تغشاها } يعني واقعها وجامعها كنى به عن الجماع أحسن كناية لأن الغشيان ~~إتيان الرجل المرأة وقد غشيها وتغشاها إذا علاها وتجللها { حملت حملا ~~خفيفا } يعني النطفة والمني لأن أول ما تحمل النطفة وهي خفيفة عليها { ~~فمرت به } يعني أنها استمرت بذلك الحمل فقامت وقعدت وهو خفيف عليها { ~~فلما أثقلت } أي صارت إلى حال الثقل وكبر ذلك الحمل ودنت مدة ولادتها { ~~دعوا الله ربهما } يعني أن آدم وحواء دعوا الله ربهما { لئن آتيتنا ~~صالحا } يعني لئن أعطيتنا بشرا سويا مثلنا { لنكونن من الشاكرين } ~~يعني لك على إنعامك علينا. قال المفسرون: لما هبط آدم وحواء إلى الأرض ~~ألقيت الشهوة في نفس آدم فأصاب حواء فحلمت من ساعتها فلما ثقل الحمل وكبر ~~الولد أتاها إبليس فقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري قال: إني ~~أخاف أن يكون بهيمة أو كلبا أو خنزيرا أترين في ms1363 الأرض إلا بهيمة أو ~~نحوها قالت: إني أخاف بعض ذلك قال وما يدريك من أين خرج أمن دبرك أم فن ~~فيك أو يشق بطنك فيقتلك فخافت حواء من ذلك وذكرته لآدم فلم يزالا في غم ~~من ذلك ثم عاد إليها إبليس فقال لها إني من الله بمنزلة فإن دعوت الله أن ~~يجعله خلقا سويا مثلك ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحارث وكان اسم ~~إبليس في الملائكة الحارث فذكرت ذلك حواء لآدم عليه السلام فقال لعله ~~صاحبنا الذي قد علمت فعاودها إبليس فلم يزل بهما حتى غرهما فلما ودلت ~~سمياه عبد الحارث. وقال ابن عباس: كانت حواء تلد لآدم فيسميه عبد الله ~~وعبيد الله وعبد الرحمن فيصيبهم الموت فأتاهما إبليس فقال: إن سركما أن ~~يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث فولدت فسمياه عبد الحارث فعاش. عن سمرة ~~بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لما حملت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد ~~الحارث فسمته فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم ~~عن قتادة وقال وقد رواه بعضهم ولم يرفعه وقوله وذلك من وحي الشيطان يعني ~~من وسوسته وحديثه كما جاء أنه خدعهما مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض. ~~قال ابن عباس: لما ولد له أول ولد آتاه إبليس فقال إني أنصح لك في شأن ~~ولدك هذا تسميه عبد الحارث وكان اسمه في السماء الحارث فقال آدم: أعوذ ~~بالله من طاعتك إني أطعتك في أكل الشجرة فأخرجتي من الجنة فلن أطيعك فمات ~~ولده ثم ولد له بعد ذلك ولد آخر فقال أطعني وإلا مات كما مات الأول فعصاه ~~فمات ولده، فقال لا أزال أقتلهم حتى تسميه عبد الحارث فلم يزل به حتى ~~سماه عبد الحارث. ### || [7.190] # قوله تعالى: { فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما } قال ابن ~~عباس: أشركاه في طاعته في غير عبادة ولم يشركا بالله ms1364 ولكن أطاعاه. وقال ~~قتادة: أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة. وقال عكرمة ما أشرك آدم ولا ~~حواء وكان لا يعيش لهما ولد فأتاهما الشيطان فقال إن سركما أن يعيش لكما ~~ولد فسمياه عبد الحارث فهو قوله تعالى جعلا له شركاء فيما آتاهما قرئ ~~شركا بكسر الشين مع التنوين ومعناه شركة وقال أبو عبيدة معناه حظا ~~ونصيبا وقرئ شركاء بضم الشين مع المد جمع شريك يعني إبليس عبر عن الواحد ~~بلفظ الجمع يعني جعلا له شريكا إذ سميا ولدهما عبد الحارث. قال العلماء: ~~ولم يكن ذلك شركا في العبادة ولا أن الحارث رب لهما لأن آدم عليه الصلاة ~~والسلام كان نبيا معصوما من الشرك ولكن قصد بتسميتهما الولد بعبد ~~الحارث ان الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامته وسلامة أمه وقد يطلق اسم ~~العبد على من لا يراد به أنه مملوك كما قال الشاعر: # وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا # أخبر عن نفسه أنه عبد الضيف ما أقام عنده مع بقاء الحرية عليه وإنما ~~أراد بالعبودية خدمة الضيف والقيام بواجب حقوقه كما يقوم العبد بواجب ~~حقوق سيده. وقد يطلق اسم الرب بغير الألف واللام على غير الله كقول يوسف ~~عليه الصلاة والسلام لعزيز مصر # إنه ربي أحسن مثواي # [يوسف: 23] أراد به التربية ولم يرد به أنه ربه ومعبوده فكذلك هنا وإنما ~~أخبر عن آدم عليه السلام بقوله سبحانه وتعالى: { جعلا له شركاء فيما ~~آتاهما } لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ولأن منصب النبوة أشرف ~~المناصب وأعلاها فعاتبه الله على ذلك لأنه نظر إلى السبب ولم ينظر إلى ~~المسبب والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. قال العلماء: وعلى هذا فقد تم ~~الكلام عند قوله فيما آتاهما ثم ابتدأ في الخبر عن الكفار بقوله تعالى: { ~~فتعالى الله عما يشركون } نزه نفسه سبحانه وتعالى عن إشراك المشركين من ~~أهل مكة وغيرهم وهذا على العموم، ولو أراد آدم وحواء لقال سبحانه وتعالى ~~فتعالى الله عما يشركان على التثنية لا على الجمع وقال بعض أهل المعاني: ~~ولو أراد ms1365 به ما سبق في معنى الآية فمستقيم أيضا من حيث إنه كان الأولى ~~بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في التسمية فكان الأولى أن ~~يسمياه عبد الله لا عبد الحارث وفي معنى الآية قول آخر وهو أنه راجع إلى ~~جميع المشركين من ذرية آدم وهو قول الحسن وعكرمة ومعناه وجعل أولادهما له ~~شركاء فحذف ذكر الأولاد وأقامهما مقامهم كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء ~~بقوله: # ثم اتخذتم العجل # [البقرة: 51] # وإذ قتلتم نفسا # [البقرة: 72] فعير به الهيود الذين كانوا موجودين في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكان ذلك من فعل آبائهم وقال عكرمة: خاطب كل واحد من الخلق ~~بقوله: # هو الذي خلقكم من نفس واحدة # [الأعراف: 188] من أبيه وجعل منها زوجها أي وجعل من جنسها زوجها آدمية ~~مثله وهذا قول حسن إلا أن القول وورد الحديث بذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقيل هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادا فهودوهم ونصروهم. ~~وقال ابن كيسان: هم الكفار سموا أولادهم بعبد العزى وعبد شمس وعبد الدار ~~ونحو ذلك. ### || [7.191-194] # وقوله سبحانه وتعالى: { أيشركون } قرئ بالتاء على خطاب الكفار، وقرئ ~~بالياء على الغيبة { ما لا يخلق شيئا } يعني إبليس والأصنام { وهم ~~يخلقون } أي وهم مخلوقون. فإن قلت: كيف وحد يخلق ثم جمع فقال وهم يخلقون؟ ~~قلت: إن لفظة " ما " تقع على الواحد والإثنين والجمع فهي من صيغ الواحدان ~~بحسب ظاهر اللفظ ومحتملة للجمع بحسب المعنى فوحد قوله ما لا يخلق رعاية ~~الحكم ظاهر اللفظ وجمع قوله وهم يخلقون رعاية لجانب المعنى. فإن قلت: كيف ~~جمع بالواو وبالنون لمن لا يعقل وهو جمع من يعقل من الناس؟ قلت: لما ~~اعتقد عابدو الأصنام أنها تعقل وتميز ورد هذا الجمع بناء على ما يعقدونه ~~ويتصورنه. وقوله تعالى: { ولا يستطيعون لهم نصرا } يعني أن الأصنام لا ~~تقدر على نصر من أطاعها وعبدها ولا تضر من عصاها والنصر، المعونة على ~~الأعداء. والمعنى أن المعبود الذي تجب عبادته يكون قادرا على إيصال ~~النفع ودفع الضر ms1366 وهذه الأصنام ليست كذلك فكيف يليق بالعاقل أن يعبدها ثم ~~قال تعالى: { ولا أنفسهم ينصرون } يعني ولا يقدرون على أن يدفعوا عن ~~أنفسهم مكروها فإن من أراد كسرها قدر عليه وهي لا تقدر على دفعه عنها. ~~ثم خاطب المؤمنين فقال سبحانه وتعالى: { وإن تدعوهم إلى الهدى } يعني وإن ~~تدعوا أيها المؤمنون المشركين إلى الهدى { لا يتبعوكم } لأن الله سبحانه ~~وتعالى حكم عليهم بالضلالة فلا يقبلون الهداية { سواء عليكم أدعوتموهم } ~~إلى الدين والهداية { أم أنتم صامتون } أي ساكتون عن دعائهم فهم في كلا ~~الحالين لا يؤمنون. وقيل إن الله سبحانه وتعالى لما بين في الآية ~~المقتدمة عجز الأصنام بين في هذه الآية أنه لا علم لها بشيء البتة ~~والمعنى أن هذه الأصنام التي يعبدها المشركون معلوم من حالها أنها لا تضر ~~ولا تنفع ولا تسمع لمن دعاها إلى خير وهدى ثم قوى هذا المعنى بقوله ~~سبحانه وتعالى: { سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون } وذلك أن ~~المشركين كانوا إذا وقعوا في شدة وبلاء تضرعوا لأصنامهم فإذا لم تكن لهم ~~إلى الأصنام حاجة سكتوا وصمتوا فقيل لهم لا فرق بين دعائكم للأصنام أو ~~سكوتكم عنها فإنها عاجزة في كل حال. قوله سبحانه وتعالى: { إن الذين ~~تدعون من دون الله عباد أمثالكم } يعني أن الأصنام التي يعبدها هؤلاء ~~المشركون إنما هي مملوكة لله أمثالهم وقيل إنها مسخرة مذللة مثل ما أنتم ~~مسخرون مذللون قال مقاتل في قوله سبحانه وتعالى: { عباد أمثالكم } أنها ~~الملائكة والخطاب مع قوم كانوا يعبدون الملائكة والقول الأول أصح وفيه ~~سؤال وهو أنه وصفها بأنها عباد مع أنها جماد. والجواب أن المشركين لما ~~ادعوا أن الأصنام تضر وتنفع وجب أن يعتقدوا كونها عاقلة فاهمة فوردت هذه ~~الألفاظ على وفق معتقدهم تبكيتا لهم وتوبيخا ولذلك قال عز وجل: { ~~فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين } في كونها آلهة وجواب آخر وهو أن ~~هذا اللفظ إنما ورد في معرض الاستهزاء بالمشركين والمعنى أن قصارى هذه ~~الأصنام التي تعبدونها أحياء عاقلة على معقتدكم فهم عباد ms1367 الله أمثالكم ~~ولا فضل لهم عليكم فلما عبدتموهم وجعلتموهم آلهة وجعلتم أنفسكم لهم ~~عبيدا ثم وصفهم بالعجز. ### || [7.195-199] # قال تعالى: { ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين ~~يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها } يعني أن قدرة الإنسان المخلوق إنما ~~تكون بهذه الجوارح الأربعة فإنها آلات يستعين بها الإنسان في جميع أموره ~~والأصنام ليس لها من هذه الأعضاء والجوارح شيء فهم مفضلون عليها بهذه ~~الأعضاء لأن الرجل الماشية أفضل من الرجل العاجزة عن المشي وكذلك اليد ~~الباطشة أفضل من اليد العاجزة عن البطش والعين الباصرة أفضل من العين ~~العاجزة عن الإدراك والأذن السامعة أفضل من الأذن العاجزة عن السمع فظهر ~~بهذا البيان أن الإنسان أفضل من هذه الأصنام العاجزة بكثير بل لا فضل لها ~~البتة لأنها حجارة وجماد لا تضر ولا تنفع وإذا كان لا فضل له البتة ولا ~~يضر ولا ينفع فامتنع بهذه الحجة كون الأصنام آلة ثم قال تعالى: { قل ~~ادعوا شركاءكم } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين ادعوا شركاءكم هذه ~~الأصنام التي تعبدونها حتى يتبين عجزها { ثم كيدون } يعني أنتم وشركاؤكم ~~وهذا متصل بما قبله في استكمال الحجة عليهم لأنهم لما قرعوا بعادة من لا ~~يملك ضرا ولا نفعا قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم قل إن معبودي يملك ~~الضر والنفع فلو اجتهدتم في كيدي لم تصلوا إلى ضري لأن الله يدفع عني، ~~وقال الحسن كانوا يخوفونه بآلهتهم فقال الله تعالى قل ادعوا شركاءكم ثم ~~كيدون { فلا تنظرون } أي لا تمهلون واعجلوا في كيدي أنتم وشركاؤكم { إن ~~وليي الله } يعني أن الذي يتولى حفظي وينصرني عليكم هو الله { الذي نزل ~~الكتاب } يعني القرآن، المعنى كما أيدني بإنزال القرآن علي كذلك يتولى ~~حفظي وينصرني { وهو يتولى الصالحين } يعني يتولاهم بنصره وحفظه فلا تضرهم ~~عداوة من عاداهم من المشركين وغيرهم ممن أرادهم بسوء أو كادهم بشر. قال ~~ابن عباس: يريد بالصالحين الذين لا يعدلون بالله شيئا ولا يعصونه وفي ~~هذا مدح للصالحين لأن من ms1368 تولاه الله يحفظه فلا يضره شيء. قوله عز وجل: { ~~والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون } هذه الآية ~~قد تقدم تفسيرها، والفائدة في تكريرها أن الآية الأولى مذكورة على جهة ~~التقريع والتوبيخ وهذه الآية مذكورة على جهة الفرق بين من تجوز له ~~العبادة وهو الله الذي يتولى الصالحين بنصره وحفظه وبين هذه الأصنام وهي ~~ليست كذلك فلا تكون معبودة. وقوله سبحانه وتعالى: { وإن تدعوهم إلى الهدى ~~لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } قال الحسن المراد بهذا ~~المشركون ومعناه وإن تدعوا إليها المؤمنون المشركين إلى الهدى لا يسمعوا ~~دعاءكم لأن آذانهم قد صمت عن سماع الحق وتراهم ينظرون إليك يا محمد وهم ~~لا يبصرون يعني ببصائر قلوبهم وذهب أكثر المفسرين إلى أن هذه الآية أيضا ~~واردة في صفات الأصنام لأنها جماد لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تبصر. # قوله تعالى: { خذ العفو } العفو هنا الفضل وما جاء بلا كلفة والمعنى: ~~اقبل الميسور من أخلاق الناس ولا تستقص عليهم فيستقصوا عليك فتتولد منه ~~العداوة والبغضاء. وقال مجاهد: يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من ~~غير تجسس وذلك مثل قبول الاعتذار منهم وترك البحث عن الأشياء والعفو ~~التساهل في كل شيء خ عن عبد الله بن الزبير قال: ما نزلت خذ العفو وأمر ~~بالعرف إلا في أخلاق الناس وفي رواية قال أمر الله نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أن يأخذ العفو من أقوال الناس وكذا في جامع الأصول وفي الجمع بين ~~الصحيحين للحميدي قال أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من ~~أقوال الناس أو كما قال: وقال ابن عباس يعني خذ ما عفا لك من أموالهم فما ~~أتوك به من شيء فخذه وكان هذا قبل أن تتنزل براءة بفرائض الصدقات ~~وتفصيلها وما انتهت إليه وقال السدي خذ العفو أي الفضل من المال نسختها ~~آية الزكاة، وقال الضحاك: خذ ما عفا من أموالهم وهذا قبل أن تفرض الصدقة ~~المفروضة { وأمر بالعرف } يعني وأمر ms1369 بكل ما أمرك الله به وهو ما عرفته ~~بالوحي من الله عز وجل وكل ما يعرفه الشارع وقال عطاء وأمر بقوله لا إله ~~إلا الله { وأعرض عن الجاهلين } أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله ~~عليه وسلم أن يصفح عن الجاهلين وهذا قبل ان يؤمر بقتال الكفار فلما أمر ~~بقتالهم صار الأمر بالإعراض عنهم منسوخا بآية القتال: قال بعضهم: أول ~~هذه الآية وآخرها منسوخ، ووسطها محكم يريد ينسخ أولها أخذ الفضل من ~~الأموال فنسخ بفرض الزكاة والأمر بالمعروف محكم والإعراض عن الجاهلين ~~منسوخ بآية القتال روي أنه # " لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما هذا؟ ~~قال لا أدري حتى أسأل. ثم رجع فقال: إن ربك يأمرك أن تصل من قطعت وتعطي ~~من حرمك وتعفو عمن ظلمك " # ذكره البغوي بغير سند. وقال جعفر الصادق: أمر الله عز وجل نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من ~~هذه. عن عائشة قالت # " لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا ~~في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح " # أخرجه الترمذي وروى البغوي بسنده عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال " ### || [7.200-201] # قوله عز وجل: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ } قال ابن زيد # " لما نزل قوله سبحانه وتعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم " فكيف بالغضب يا رب " فأنزل الله عز وجل: ~~{ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم } " # ونزغ الشيطان عبارة عن وساوسه ونخسه في القلب. وقيل النزغ الانزعاج ~~وأكثر ما يكون عند الغضب وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر والإفساد. يقال: ~~نزغت بين القوم إذا أفسدت بينهم. وقال الزجاج: النزغ أدنى حركة تكون ومن ~~الشيطان أدنى وسوسة والمعنى وإما يصيبنك يا محمد ويعرض لك من الشيطان ~~وسوسة أو نخسة { فاستعذ بالله } يعني ms1370 فاستجر بالله والجأ إليه في دفعه ~~عنك { إنه سميع } يعني لدعائك { عليم } بحالك وقيل إن الشيطان يجد مجالا ~~في حمل الإنسان على ما لا ينبغي في حالة الغضب والغيظ فأمر الله ~~بالالتجاء إليه والتعوذ به في تلك الحالة فهي تجري مجرى العلاج لذلك ~~المرض. فصل واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية فقالوا لو كان ~~النبي معصوما لم يكن للشيطان عليه سبيل حتى ينزغ في قلبه ويحتاج إلى ~~الاستعاذة والجواب عنه من وجوه، الأول: أن معنى الكلام إن حصل في قلبك ~~نزغ من الشيطان فاستعذ بالله وإنه لم يحصل له ذلك البتة فهو كقوله لئن ~~أشركت وهو برئ من الشرك البتة. والوجه الثاني: على تقدير أنه لو حصل ~~وسوسة من الشيطان لكن الله عز وجل عصم نبيه صلى الله عليه وسلم عن قبولها ~~وثبوتها في قلبه م عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة " ~~قالوا وإياك يا رسول الله قال " وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا ~~يأمرني إلا بخير " # قال الشيخ محيي الدين النووي يروى فأسلم بفتح الميم وضمها فمن رفع قال ~~معناه فأسلم أنا من شره وفتنته ومن فتح قال معناه أن القرين أسلم من ~~الإسلام يعني صار مؤمنا لا يأمرني إلا بخير. قال الخطابي: الصحيح ~~المختار الرفع ورجح القاضي عياض الفتح قال الشيخ وهو المختار لقوله فلا ~~يأمرني إلا بخير. قال القاضي عياض: واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي ~~صلى الله عليه وسلم من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه وفي هذا الحديث ~~إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه أعلمنا أنه معنا ~~لنحترز عنه بحسب الإمكان والله أعلم. الوجه الثالث: يحتمل أن يكون الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره ومعناه وإما ينزغنك أيها ~~الإنسان من الشيطان نزغ فاستعذ بالله فهو كقوله فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله. # قوله سبحانه وتعالى: { إن الذين اتقوا إذا ms1371 مسهم طائف } وقرئ طيف { من ~~الشيطان } وهما لغتان ومعناه الشيء يلم بالإنسان وقيل بينهما فرق فالطائف ~~ما يطوف حول الإنسان والطيف الوسوسة. وقيل الطائف ما طاف به من وسوسة ~~الشيطان والطيف اللمم والمس. قال الأزهري: الطيف في كلام العرب الجنون ~~وقيل للغضب طيف لأن الغضبان يشبه المجنون. وقيل سمي الجنون والغضب ~~والوسوسة طيفا لأنه لمة من الشيطان تشبه لمة الخبال فذكر في الآية ~~الأولى النزغ وهو أخف من الطيف المذكور في هذه الآية لأن حالة الشيطان مع ~~الأنبياء أضعف من حاله مع غيرهم { تذكروا } يعني عرفوا ما حصل لهم من ~~وسوسة الشيطان وكيده قال سعيد بن جبير هو الرجل يغضب الغضب فيذكر الله ~~فيكظم غيظه. وقال مجاهد: هو الرجل يلم بالذنب فيذكر الله فيقوم ويدعه { ~~فإذا هم مبصرون } يعني أنهم يبصرون مواضع الخطأ بالتذكر والتفكر. وقال ~~السدي: إذا زلوا تابوا وقال مقاتل: هو الرجل إذا أصابه نزغ من الشيطان ~~تذكر وعرف أنه معصية فأبصر ونزع عن مخالفة الله عز وجل. ### || [7.202-204] # { وإخوانهم } يعني وإخوان الشياطين من المشركين { يمدونهم } أي يمدهم ~~الشياطين { في الغي } قال الكلبي لكل كافر أخ من الشياطين يمدونهم أي ~~يطيلون لهم في الإغواء حتى يستمروا عليه وقيل يزيدونهم في الضلالة { ثم ~~لا يقصرون } يعني لا يكفون عن الضلالة ولا يتركونها وهذا بخلاف حال ~~المؤمنين المتقين لأن المؤمن إذا أصابه طيف من الشيطان تذكر وعرف ذلك ~~فنزع عنه وتاب واستغفر والكافر مستمر في ضلالته لا يتذكر ولا يرعوي. وقال ~~ابن عباس: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئآت ولا الشياطين يمسكون ~~عنه فعلى هذا القول يحمل قوله لا يقصرون على فعل الإنس والشياطين جميعا. ~~قوله عز وجل: { وإذا لم تأتهم بآية } يعني وإذا لم تأت المشركين يا محمد ~~بآية ومعجزة باهرة { قالوا } يعني قال المشركون { لولا اجتبيتها } يعني ~~افتعلتها وأنشأتها من قبل نفسك واختيارك تقول العرب اجتبت الكلام إذا ~~اختلقته وافتعلته. وقال الكلبي: كان أهل مكة يسألون النبي صلى الله عليه ~~وسلم الآيات تعنتا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا ms1372 لولا اجتبيتها يعني هلا ~~أحدثتها وأنشأتها من عندك { قل } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين ~~سألوا الآيات { إنما أتبع ما يوحي إلي من ربي } يعني القرآن الذي أنزل ~~علي وليس لي أن أقترح الآيات والمعجزات { هذا بصائر من ربكم } يعني هذا ~~القرآن حجج وبرهان وأصل البصائر من الإبصار وهو ظهور الشيء حتى يبصره ~~الإنسان ولما كان القرآن سببا لبصائر العقول في دلائل التوحيد والنبوة ~~والمعاد أطلق عليه اسم البصائر فهو من باب تسمية السبب باسم المسبب { ~~وهدى } يعني وهو هدى { ورحمة } يعني وهو رحمة من الله { لقوم يؤمنون } ~~وهنا لطيفة وهي الفرق بين هذه المراتب الثلاث وذلك أن الناس متفاوتون في ~~درجات العلوم فمنهم من بلغ الغاية في علم التوحيد حتى صار كالمشاهد وهم ~~أصحاب عين اليقين ومنهم من بلغ درجة الاستدلال والنظر وهم أصحاب علم ~~اليقين ومنهم المسلم والمستسلم وهم عامة المؤمنين وهم أصحاب حق اليقين ~~فالقرآن في حق الأولين وهم السابقون بصائر وفي حق القسم الثاني وهم ~~المستدلون هدى وفي حق القسم الثالث وهم عامة المؤمنين رحمة. قوله تعالى: ~~{ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } لما ذكر الله سبحانه وتعالى عظم ~~شأن القرآن بقوله هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون أتبعه بما ~~يجب من تعظيم شأنه عند قراءته فقال سبحانه وتعالى: وإذا قرئ عليكم أيها ~~المؤمنون القرآن فاستمعوا له يعني أصغوا إليه بأسماعكم لتفهموا معانيه ~~وتتدبروا مواعظه وأنصتوا يعني عند قراءته والإنصات السكوت للاستماع. ~~يقال: نصت وأنصت وانتصت بمعنى واحد. واختلف العلماء في الحال التي أمر ~~الله عز وجل بالاستماع لقارئ القرآن والإنصات له إذا قرأ لأن قوله ~~فاستمعوا له وأنصتوا أمر. # وظاهر الأمر للوجوب فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجبين وللعلماء ~~في ذلك أقوال: القول الأول: وهو قول الحسن وأهل الظاهر أن تجري هذه ~~الآيات على العموم ففي أي وقت وأي موضع قرئ القرآن يجب على كل أحد ~~الاستماع له والسكوت. والقول الثاني: إنها نزلت في تحريم الكلام في ~~الصلاة روي عن أبي هريرة ms1373 أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم فأمروا ~~بالسكون والاستماع لقراءة القرآن. وقال عبد الله: كنا يسلم بعضنا على بعض ~~في الصلاة سلام على فلان وسلام على فلان قال فجاء القرآن وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا. القول الثالث: إنها نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف ~~الإمام روي عن أبي هريرة قال نزلت هذه الآية في رفع الأصوات وهم خلف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وعن ابن مسعود: أنه سمع ناسا يقرؤون مع الإمام ~~فلما انصرف قال أما آن لكم أن تفقهوا وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا كما أمركم الله. وقال الكلبي: كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة ~~حين يسمعون ذكر الجنة والنار. القول الرابع: أنها نزلت في السكوت عند ~~الخطبة يوم الجمعة وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء قال مجاهد: الإنصات ~~للإمام يوم الجمعة. وقال عطاء وجب الصمت في اثنتين عند الرجل يقرأ القرآن ~~وعند الإمام وهو يخطب. وهذا القول قد اختاره جماعة وفيه بعد لأن الآية ~~مكية والخطبة إنما وجبت بالمدينة واتفقوا على أنه يجب الإنصات حال الخطبة ~~بدليل السنة وهو ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت " # أخرجاه في الصحيحين واختلف العلماء في القراءة خلف الإمام فذهب جماعة ~~إلى إيجابها سواء جهر الإمام بالقراءة أو أسر. يروى ذلك عن عمر وعثمان ~~وعلي وابن مسعود ومعاذ وهو قول الأوزاعي وإليه ذهب الشافعي وذهب قوم إلى ~~أن يقرأ فيما أسر الإمام فيه القراءة ولا يقرأ فيما جهر الإمام فيه، ~~يروى ذلك عن ابن عمر وهو قول عروة بن الزبير والقاسم بن محمد وبه قال ~~الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق وذهب قوم إلى أنه لا يقرأ سواء ~~أسر الإمام أو جهر. يروى ذلك عن جابر وإليه ذهب أصحاب الرأي حجة من لا ~~يرى القراءة خلف الإمام ظاهر هذه الآية وحجة من قال يقرأ في السرية دون ~~الجهرية قال إن الآية تدل على ms1374 الأمر بالاستماع لقراءة القرآن ودلت السنة ~~على وجوب القراءة خلف الإمام فحملنا مدلول الآية على صلاة الجهرية وحملنا ~~مدلول السنة على صلاة السرية جمعا بين دلائل الكتاب والسنة وحجة من أوجب ~~القراءة خلف الإمام في صلاة السرية والجهرية قال الآية واردة في غير ~~الفاتحة لأن دلائل السنة قد دلت على وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام ولم ~~يفرق بين السرية والجهرية. # قالوا وإذا قرأ الفاتحة خلف الإمام تتبع سكناته ولا ينازعه في القراءة ~~ولا يجهر بالقراءة خلفه ويدل عليه ما روي عن عبادة بن الصامت قال: # " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة فلما ~~انصرف قال " أراكم تقرؤون وراء إمامكم قال " قلنا: يا رسول الله أي ~~والله. قال " لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها " # أخرجه الترمذي بطوله وأخرجاه في الصحيحين أقصر منه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " # م عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج يقولها ثلاثا غير ~~تمام فقيل لأبي هريرة إنا نكون وراء الإمام قال اقرأ بها في نفسك " # وذكر الحديث وقوله سبحانه وتعالى: { لعلكم ترحمون } يعني لكي يرحمكم ~~ربكم باتباعكم ما أمركم به من أوامره ونواهيه. ### || [7.205] # قوله عز وجل: { واذكر ربك في نفسك } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ويدخل فيه غيره من أمته لأنه عام لسائر المكلفين. قال ابن عباس: يعني ~~بالذكر القرآن في الصلاة يريد اقرأ سرا في نفسك والفائدة فيه أن انتفاع ~~الإنسان بالذكر إنما يكمل إذا وقع الذكر بهذه الصفة لأن ذكر النفس أقرب ~~إلى الإخلاص والبعد عن الرياء وقيل المراد بالذكر في النفس أن يستحضر في ~~قلبه عظمة المذكور جل جلاله وإذا كان الذكر باللسان عاريا عن ذكر القلب ~~كان عديم الفائدة لأن فائدة الذكر حضور القلب واستشعاره عظمة المذكور عز ~~وجل { تضرعا } يقال ضرع الرجل يضرع ضراعه ms1375 إذا خضع وذل واستكان لغيره { ~~وخيفة ودون الجهر من القول } يعني وخوفا والمعنى تضرع إلي وخاف عذابي. ~~وقال مجاهد وابن جريج: أمر أن يذكروه في الصدور بالتضرع والاستكانة دون ~~رفع الصوت في الدعاء وهاهنا لطيفة وهي أن قوله سبحانه وتعالى: { واذكر ~~ربك في نفسك } فيه إشعار بقرب العبد من الله عز وجل وهو مقام الرجاء لأن ~~لفظ الرب مشعر بالتربية والرحمة والفضل والإحسان فإذا تذكر العبد إنعام ~~الله عز وجل عليه وإحسانه إليه فعند ذلك يقوى مقام الرجاء ثم أتبعه بقوله ~~تضرعا وخيفة وهذا مقام الخوف فإذا حصل في قلب العبد داعية الخوف والرجاء ~~قوي إيمانه والمستحب أن يكون الخوف أغلب على العبد في حال صحته وقوته ~~فإذا قارب الموت ودنا آخر أجله فيستحب أن يغلب رجاؤه على خوفه. عن أنس بن ~~مالك # " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقال " كيف ~~تجدك؟ " قال أرجو الله يا رسول الله وإني أخاف ذنوبي فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه ~~الله ما يرجو منه وآمنه مما يخاف " # أخرجه الترمذي. وقوله سبحانه وتعالى: { بالغدو } جمع غدوة { والآصال } ~~جمع أصيل وهي ما بين صلاة العصر إلى المغرب والمعنى اذكر ربك بالبكر ~~والعشيات وإنما خص هذين الوقتين بالذكر لأن الإنسان يقوم بالغداة من ~~النوم الذي هو أخو الموت فاستحب له أن يستقبل حالة الانتباه من النوم وهو ~~وقت الحياة من موت النوم بالذكر ليكون أول أعماله ذكر الله عز وجل وأما ~~وقت الآصال وهو آخر النهار فإن الإنسان يريد أن يستقبل النوم الذي هو أخو ~~الموت فيستحب له أن يستقبله بالذكر لأنها حالة تشبه الموت ولعله لا يقوم ~~من تلك النومة فيكون موته على ذكر الله عز وجل وهو المراد من قوله سبحانه ~~وتعالى { ولا تكن من الغافلين } يعني عما يقربك إلى الله عز وجل وقيل إن ~~أعمال العبد تصعد أول النهار وآخره فيصعد عمل الليل عند صلاة ms1376 الفجر ويصعد ~~عمل النهار بعد العصر إلى المغرب فاستحب له الذكر في هذين الوقتين ليكون ~~ابتداء عمله بالذكر واختتامه بالذكر وقيل: لما كانت الصلاة بعد صلاة ~~الصبح وبعد صلاة العصر مكروهة استحب للعبد أن يذكر الله في هذين الوقتين ~~ليكون في جميع أوقاته مشتغلا بما يقربه إلى الله عز وجل من صلاة أو ذكر. ### || [7.206] # قوله عز وجل: { إن الذين عند ربك } يعني الملائكة المقربين لما أمر الله ~~عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالذكر في حالة التضرع والخوف ~~أخبر أن الملائكة الذين عنده مع علو مرتبتهم وشرفهم وعصمتهم { لا ~~يستكبرون عن عبادته } وطاعته لأنهم عبيده خاضعون لعظمته وكبريائه عز وجل: ~~{ ويسبحونه } يعني وينزهونه عن جميع النقائص ويقولون سبحان ربنا { وله ~~يسجدون } لا لغيره. فإن قلت: التسبيح والسجود داخلان في قوله تعالى لا ~~يستكبرون عن عبادته لأنهما من جملة العبادة فكيف أفردهما بالذكر؟ قلت: ~~أخبر الله عز وجل عن حال الملائكة أنهم خاضعون لعظمته لا يستكبرون عن ~~عبادته ثم أخبر عن صفة عبادتهم أنهم يسبحونه وله يسجدون ولما كانت ~~الأعمال تنقسم إلى قسمين أعمال القلوب وأعمال الجوارح وأعمال القلوب هي ~~تنزيه الله عن كل سوء وهو الاعتقاد القلبي عبر عنه بقوله: ويسبحونه. وعبر ~~عن أعمال الجوارح بقوله: وله يسجدون وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن ~~فيستحب للقارئ والمستمع أن يسجد عند قوله: وله يسجدون ليوافق الملائكة ~~المقربين في عباداتهم ق عن عبد الله بن عمر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن فيقرأ سورة فيها سجدة ~~فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته في غير وقت صلاة " # م عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويلتا أمر ~~ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار " # م عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " عليك ms1377 بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلى رفعك الله بها درجة ~~وحط عنك بها خطيئة " # والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1] # قوله سبحانه وتعالى: { يسألونك عن الأنفال } ق عن سعيد بن جبير قال: ~~سألت ابن عباس عن سورة الأنفال. قال: نزلت في بدر واختلف أهل التفسير في ~~سبب نزولها فقال ابن عباس # " لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من صنع كذا وكذا ~~فله كذا وكذا ومن أتى مكان كذا وكذا فله كذا وكذا ومن قتل قتيلا فله كذا ~~" فتسارع الشباب وبقيت الشيوخ تحت الرايات فلما فتح الله عليهم جاؤوا ~~يطلبون ما جعل لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم الأشياخ: لا ~~تذهبوا به دوننا ولا تستأثروا به علينا فإنا كنا رداءا لكم ولو انكشفتم ~~إلينا فتنازعوا. فأنزل الله عز وجل: يسألونك عن الأنفال. الآية قال أهل ~~التفسير: قام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري أخو بني سلمة فقال: يا رسول ~~الله إنك وعدت أن من قتل قتيلا فله كذا وكذا وإنا قد قتلنا سبعين وأسرنا ~~سبعين وقام سعد بن معاذ فقال: والله ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء زهادة ~~في الآخرة ولا جبن عن العدو ولكن كرهنا أن تعرى مصافك فتعطف عليك خيل من ~~المشركين فيصيبونك. فأعرض عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سعد: ~~يا رسول الله إن الناس كثير والغنيمة دون ذلك فإن تعط هؤلاء الذين ذكرت ~~لا يبقى لأصحابك كبير شيء فنزلت هذه الآية: يسألونك عن الأنفال " # وقال محمد بن إسحاق: " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما في العسكر ~~فجمع فاختلف المسلمون فيه فقال من جمعه هو لنا وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نفل كل امرئ ما أصاب وقال الذين كانوا يقاتلون العدو لولا نحن ~~ما أصبتموه وقال الذين يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد كنا نقدر ~~أن نقاتل العدو ولكنا خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1378 غرة العدو ~~فقمنا دونه فما أنتم بأحق منا فنزلت هذه الآية ". روى مكحول عن أبي أمامة ~~الباهلي قال: " سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال فينا معشر أصحاب ~~بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا ~~وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بيننا عن بواء " يقول على سواء وكان فيه تقوى الله وطاعة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وإصلاح ذات البين # " وعن سعد بن أبي وقاص قال: " لما كان يوم بدر جئت بسيف فقلت يا رسول ~~الله إن الله قد شفى صدري من المشركين أو نحو هذا هب لي هذا السيف فقال: ~~" هذا ليس لي ولا لك " فقلت: عسى أن يعطي هذا من لا يبلي بلائي فجاءني ~~الرسول فقال " إنك سألتني وليس لي وأنه قد صار لي وهو لك " فنزلت يسألونك ~~عن الأنفال " # ، الآية أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح وأخرجه مسلم في ~~جملة حديث طويل يتضمن فضائل سعد ولفظ مسلم فيه. قال: # " أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة وإذا فيها سيف فأخذته ~~فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت نفلني هذا السيف فأنا قد ~~علمت حاله فقال " رده من حيث أخذته " فانطلقت به حتى أردت أن ألقيه في ~~القبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت أعطنيه قال فشد على صوته " رده من حيث ~~أخذته " فأنزل الله عز وجل { يسألونك عن الأنفال } " # وقال ابن عباس: كانت المغانم لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ليس ~~لأحد فيها شيء وما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به فمن حبس منه إبرة ~~أو سلكا فهو غلول وأما التفسير فقوله سبحانه وتعالى { يسألونك عن ~~الأنفال } استفتاء يعني يسألك أصحابك يا محمد عن حكم الأنفال وعلمها وهو ~~سؤال استفتاء لا سؤال طلب. وقال الضحاك وعكرمة: هو سؤال طلب وقوله عن ~~الأنفال أي من الأنفال وعن بمعنى من. وقيل: عن صلة أي يسألونك الأنفال ms1379 ~~والأنفال هي الغنائم في قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وأصله الزيادة ~~سميت الغنائم أنفالا لأنها زيادة من الله عز وجل لهذه الأمة على الخصوص ~~وأكثر المفسرين على أنها نزلت في غنائم بدر. وقال عطاء: هي ما شذ عن ~~المشركين إلى المسلمين بغير قتال من عبد أو امرأة أو متاع فهو للنبي صلى ~~الله عليه وسلم يصنع فيه ما يشاء { قل الأنفال لله والرسول } أي: قل لهم ~~يا محمد إن الأنفال حكمها لله ورسوله يقسمانها كيف شاؤوا واختلف العلماء ~~في حكم هذه الآية فقال مجاهد وعكرمة والسدي هذه الآية منسوخة فنسخها الله ~~سبحانه وتعالى بالخمس في قوله # واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول # [الأنفال: 41] الآية. وقيل كانت الغنائم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقسمها كيف شاء ولمن شاء ثم نسخها الله بالخمس. وقال بعضهم: هذه الآية ~~ناسخة من وجه منسوخة من وجه وذلك أن الغنائم كانت حراما على الأمم الذين ~~من قبلنا في شرائع أنبيائهم فأباحها الله لهذه الأمة بهذه الآية وجعلها ~~ناسخة لشرع من قبلنا ثم نسخت بآياته الخمس وقال عبد الرحمن بن زيد إنها ~~محكمة وهي إحدى الروايات عن ابن عباس ومعنى الآية على هذا القول قل ~~الأنفال لله والرسول يضعها حيث أمره الله وقد بين الله مصارفها في قوله: # واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول # [الأنفال: 41] الآية. وصح من حديث # " ابن عمر، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فغنمنا ~~إبلا فأصاب كل واحد منا اثني عشر بعيرا ونفلنا بعيرا بعيرا " # أخرجاه في الصحيحين فعلى هذا تكون الآية محكمة وللإمام أن ينفل من شاء ~~من الجيش ما شاء قبل التخميس { فاتقوا الله } يعني اتقوا الله بطاعته ~~واتقوا مخالفته واتركوا المنازعة والمخاصمة في الغنائم { وأصلحوا ذات ~~بينكم } أي أصلحوا الحال فيما بينكم بترك المنازعة والمخالفة وبتسليم أمر ~~الغنائم إلى الله ورسوله { وأطيعوا الله ورسوله } فيما يأمرانكم به ~~وينهيانكم عنه { إن كنتم مؤمنين } يعني إن كنتم مصدقين ms1380 بوعد الله ووعيده. ### || [8.2-4] # { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } لما أمر الله سبحانه ~~وتعالى بطاعته وطاعة رسوله في الآية المتقدمة ثم قال بعد ذلك إن كنتم ~~مؤمنين لأن الإيمان يستلزم الطاعة، بين في هذه الآية صفات المؤمنين ~~وأحوالهم فقال سبحانه وتعالى { إنما المؤمنون } ولفظة إنما تفيد الحصر ~~والمعنى ليس المؤمنون الذين يخالفون الله ورسوله إنما المؤمنون الصادقون ~~في إيمانهم الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم أي خضعت وخافت ورقت قلوبهم ~~وقيل إذا خوفوا بالله انقادوا خوفا من عقابه. وقال أهل الحقائق: الخوف ~~على قسمين: خوف عقاب وهو خوف العصاة، وخوف الهيبة والعظمة وهو خوف ~~الخواص، لأنهم يعلمون عظمة الله عز وجل فيخافونه أشد خوف، وأما العصاة ~~فيخافون عقابه فالمؤمن إذا ذكر الله وجل قلبه وخافه على قدر مرتبته في ~~ذكر الله. فإن قلت: إنه سبحانه وتعالى قال في هذه الآية وجلت قلوبهم ~~بمعنى خافت وقال في آية أخرى تطمئن قلوبهم بذكر الله فكيف الجمع بينهما؟ ~~قلت لا منافاة بين هاتين الحالتين لأن الوجل هو خوف العقاب والاطمئنان ~~إنما يكون من ثلج اليقين وشرح الصدر بنور المعرفة والتوحيد وهذا مقام ~~الخوف والرجاء وقد جمعا في آية واحدة وهي قوله سبحانه وتعالى: تقشعر منه ~~جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله. والمعنى: ~~تقشعر جلودهم من خوف عقاب الله ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند ذكر الله ~~ورجاء ثوابه وهذا حاصل في قلب المؤمنين ثم قال تعالى: { وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا } يعني وإذا قرأت عليهم آيات القرآن زادتهم تصديقا ~~قاله ابن عباس. والمعنى: أنه كلما جاءهم شيء من عند الله آمنوا به ~~فيزدادون بذلك إيمانا وتصديقا لأن زيادة الإيمان بزيادة التصديق وذلك ~~على وجهين الوجه الأول وهو الذي عليه عامة أهل العلم على ما حكاه الواحدي ~~أن كل من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان إيمانه أزيد لأن عند حصول ~~كثرة الدلائل وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين فتكون معرفته بالله أقوى ~~فيزداد إيمانه. الوجه الثاني: ms1381 هو أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند ~~الله ولما كانت التكاليف متوالية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فكلما تجدد تكليف صدقوا به فيزدادون بذلك الإقرار تصديقا وإيمانا ومن ~~المعلوم أن من صدق إنسانا في شيئين كان أكبر مما يصدقه في شيء واحد ~~فقوله تعالى: { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } معناه أنهم كلما ~~سمعوا آية جديدة أتوا بإقرار جديد وتصديق جديد فكان ذلك زيادة في إيمانهم ~~واختلف أناس في أن الإيمان هل يقبل الزيادة والنقص أم لا؟ فالذين قالوا ~~إن الإيمان عبارة عن التصديق القلبي قالوا لا يقبل الزيادة لإجماع أهل ~~اللغة على أن الإيمان هو التصديق والاعتقاد بالقلب وذلك لا يقبل الزيادة ~~ومن قال إن الإيمان عبارة عن مجموع أمور ثلاثة وهي التصديق بالقلب ~~والإقرار باللسان والعمل بالجوارح والأركان فقد استدل على ذلك بهذه الآية ~~من وجهين أحدهما أن قوله زادتهم إيمانا صريح في أن الإيمان يقبل الزيادة ~~ولو كان عبارة عن التصديق بالقلب فقط لما قبل الزيادة وإذا قيل لزيادة ~~فقد قبل النقص. # الوجه الثاني: أنه ذكر في هذه الآية أوصافا متعددة من أحوال المؤمنين ~~ثم قال سبحانه وتعالى بعد ذلك: أولئك هم المؤمنون حقا. وذلك يدل على أن ~~تلك الأوصاف داخلة في مسمى الإيمان. وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها ~~إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان " # أخرجاه في الصحيحين ففي هذا الحديث دليل على أن الإيمان فيه أعلى وأدنى ~~وإذا كان كذلك كان قابلا للزيادة والنقص. قال عمير بن حبيب، وكانت له ~~صحبة: إن للإيمان زيادة ونقصانا. قيل له: فما زيادته؟ قال: إذا ذكرنا ~~الله وحمدناه فذلك زيادته وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه. وكتب عمر بن ~~عبد العزيز إلى عدي: أن للإيمان فرائض وشرائط وشرائع وحدودا وسننا فمن ~~استكملها فقد استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. وقوله ~~سبحانه وتعالى: { وعلى ms1382 ربهم يتوكلون } معناه يفوضون جميع أمورهم إليه ولا ~~يرجون غيره ولا يخافون سواه. واعلم أن المؤمن إذا كان واثقا بوعد الله ~~ووعيده كان من المتوكلين عليه لا على غيره وهي درجة عالية ومرتبة شريفة ~~لأن الإنسان يصير بحيث لا يبقى له اعتماد في شيء من أموره إلا على الله ~~عز وجل واعلم أن هذه المراتب الثلاث أعني الوجل عند ذكر الله وزيادة ~~الإيمان عند تلاوة القرآن والتوكل على الله من أعمال القلوب ولما ذكر ~~الله سبحانه وتعالى هذه الصفات الثلاث أتبعها بصفتين من أعمال الجوارح ~~فقال سبحانه وتعالى: { الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } يعني ~~يقيمون الصلاة المفروضة بحدودها وأركانها في أوقاتها وينفقون أموالهم ~~فيما أمرهم الله به من الإنفاق فيه ويدخل فيه النفقة في الزكاة والحج ~~والجهاد وغير ذلك من الإنفاق في أنواع البر والقربات ثم قال تعالى: { ~~أولئك } يعني من هذه صفتهم { هم المؤمنون حقا } يعني يقينا لا شك في ~~إيمانهم قال ابن عباس برؤا من الكفر. وقال قتادة: استحقوا الإيمان وأحقه ~~الله لهم وفيه دليل على أنه لا يجوز أن يصف أحد نفسه بكونه مؤمنا حقا ~~لأن الله سبحانه وتعالى إنما وصف بذلك أقواما مخصوصين على أوصاف مخصوصة ~~وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الأوصاف فيه وهذا يتعلق بمسألة أصولية وهي أن ~~العلماء اتفقوا على أنه يجوز للرجل أن يقول أنا مؤمن واختلفوا في أنه هل ~~يجوز له أن يقول أنا مؤمن حقا أم لا؟ فقال أصحاب الإمام أبي حنيفة: ~~الأولى أن يقول أنا مؤمن حقا ولا يجوز أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله ~~واستدلوا على صحة هذا القول بوجهين: الأول: أن المتحرك لا يجوز أن يقول ~~أنا متحرك إن شاء الله وكذا القول في القائم والقاعد، فكذلك هذه المسألة ~~يجب فيها أن يكون المؤمن مؤمنا حقا، ولا يجوز أن يقول أنا مؤمن إن شاء ~~الله. # الوجه الثاني: أنه سبحانه وتعالى قال { أولئك هم المؤمنون حقا } فقد ~~حكم الله لهم بكونهم مؤمنين حقا وفي قوله أنا ms1383 مؤمن إن شاء الله تشكيك ~~فيما قطع الله لهم به وذلك لا يجوز وقال أصحاب الإمام الشافعي رضي الله ~~تعالى عنه الأولى أن يقول الرجل أنا مؤمن إن شاء الله واحتجوا لصحة هذا ~~القول بوجوه: الأول أن الإيمان عندهم عبارة عن الاعتقاد والإقرار والعمل ~~وكون الإنسان آتيا بالأعمال الصالحة المقبولة أمر مشكوك فيه والشك في أحد ~~أجزاء الماهية يوجب الشك في الماهية فيجب أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله ~~وإن كان اعتقاده وإقراره صحيحا وعند أصحاب أبي حنيفة أن الإيمان عبارة ~~عن الاعتقاد فيخرج العمل من مسمى الإيمان فلم يلزم حصول الشك. الوجه ~~الثاني: أن قولنا أنا مؤمن إن شاء الله ليس هو على سبيل الشك ولكن إذا ~~قال الرجل أنا مؤمن فقد مدح نفسه بأعظم المدائح فربما حصل له بذلك عجب ~~فإذا قال: إن شاء الله زال عنه ذلك العجب وحصل له الانكسار. روي أن أبا ~~حنيفة قال لقتادة: لم استثنيت في إيمانك؟ فقال قتادة: اتباعا لإبراهيم ~~عليه السلام في قوله: # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين # [الشعراء: 12] فقال أبو حنيفة هلا اقتديت به في قوله أولم تؤمن؟ قال: ~~بلى فانقطع قتادة قال بعضهم كان لقتادة أن يقول إن إبراهيم قال بعد قوله ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي فطلب. مزيد الطمأنينة. الوجه الثالث: أن الله ~~سبحانه وتعالى ذكر في أول الآية إنما المؤمنون ولفظة إنما تفيد الحصر ~~يعني إنما المؤمنون الذين هم كذا وكذا وذكر بعد ذلك أوصافا خمسة وهي ~~الخوف من الله والإخلاص لله والتوكل على الله والإتيان بالصلاة كما أمر ~~الله سبحانه وتعالى وإيتاء الزكاة كذلك ثم بعد ذلك قال: أولئك هم ~~المؤمنون حقا يعني أن من أتى بجميع هذه الأوصاف كان مؤمنا حقا ولا ~~يمكن لأحد أن يقطع بحصول هذه الصفات له فكان الأولى له أن يقول أنا مؤمن ~~إن شاء الله. وقال ابن أبي نجيح: سأل رجل الحسن فقال أمؤمن أنت؟ فقال ~~الحسن: إن كنت سألتني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ms1384 ~~الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا بها مؤمن وإن كنت سألتني عن ~~قوله إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم الآية فلا أدري أنا ~~منهم أم لا. # وقال علقمة: كنا في سفر فلقينا قوم فقلنا من القوم؟ فقالوا نحن المؤمنون ~~حقا فلم ندر ما نجيهم حتى لقينا عبد الله بن مسعود فأخبرناه بما قالوا ~~قال فما رددتم عليهم قلنا لم نرد عليهم شيئا قال هلا قلتم لهم أمن أهل ~~الجنة أنتم إن المؤمنين هم أهل الجنة؟ وقال سفيان الثوري: من زعم أنه ~~مؤمن حقا عند الله ثم لم يشهد أنه في الجنة فقد آمن بنصف الآية دون ~~النصف الآخر. الوجه الرابع: إن قولنا أنا مؤمن إن شاء الله للتبرك لا ~~للشك فهو كقوله صلى الله عليه وسلم: # " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " # مع العلم القطعي أنه لاحق بأهل القبور. الوجه الخامس: إن المؤمن لا يكون ~~مؤمنا حقا إلا إذا ختم له بالإيمان ومات عليه وهذا لا يحصل إلا عند ~~الموت، فلهذا السبب حسن أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله. فالمراد صرف هذا ~~الاستثناء إلى الخاتمة. وأجاب أصحاب هذا القول، وهم أصحاب الإمام الشافعي ~~رضي الله تعالى عنهم، عن استدلال أصحاب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنهم ~~بقولهم: إن المتحرك لا يجوز أن يقول أنا متحرك إن شاء الله بأن الفرق بين ~~وصف الإنسان بكونه مؤمنا وبين وصفه بكونه متحركا أن الإيمان يتوقف حاله ~~على الخاتمة والحركة فعل يقيني فحصل الفرق بينهما والجواب عن الوجه ~~الثاني وهو قولهم إنه سبحانه وتعالى قال: { أولئك هم المؤمنون حقا } فقد ~~حكم لهم بكونهم مؤمنين حقا أنه تعالى حكم للموصوفين بتلك الصفات ~~المذكورة في الآية بكونهم مؤمنين حقا إذا أتوا بتلك الأوصاف الخمسة ولا ~~يقدر أحد أن يأتي بتلك الأوصاف على الحقيقة ونحن نقول أيضا إن من أتى ~~بتلك الأوصاف على الحقيقة كان مؤمنا حقا ولكن لا يقدر على ذلك أحد ~~والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. وقوله تعالى: { لهم درجات عند ربهم ms1385 } ~~يعني لهم مراتب بعضها أعلى من بعض لأن المؤمنين تتفاوت أحوالهم في الأخذ ~~تلك الأوصاف المذكورة فلهذا تتفاوت مراتبهم في الجنة لأن درجات الجنة على ~~قدر الأعمال. قال عطاء: درجات الجنة يرتقون فيها بأعمالهم، وقال الربيع ~~بن أنس: درجات الجنة سبعون درجة ما بين الدرجتين حضر الفرس المضمر سبعين ~~سنة وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مائة عام " # أخرجه الترمذي وله عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن في الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم " # { ومغفرة } يعني ولهم مغفرة لذنوبهم { ورزق كريم } يعني ما أعد لهم في ~~الجنة وصفه بكونه كريما لأن منافعه حاصلة لهم دائمة عليهم مقرونة ~~بالإكرام والتعظيم. ### || [8.5-7] # قوله سبحانه وتعالى: { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } اختلفوا في الجالب ~~لهذه الكاف ما هو؟ فقال المبرد: تقديره قل الأنفال لله والرسول إن كرهوا ~~كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن كرهوا. وقيل: معناه امض لأمر ربك في ~~الأنفال وإن كرهوا كما مضيت لأمر ربك في الخروج من البيت لطلب العير وهم ~~كارهون. وقيل: معناه فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن ذلك خير لكم كما ~~أن إخراج محمد صلى الله عليه وسلم من بيته بالحق هو خير لكم وإن كرهه ~~فريق منكم. وقيل: هو راجع لقوله سبحانه وتعالى: لهم درجات عند ربهم ~~تقديره وعد الله المؤمنين بالدرجات حق حتى ينجزه الله تعالى كما أخرجك ~~ربك من بيتك بالحق وأنجز الوعد بالنصر والظفر. وقيل: هي متعلقة بما بعدها ~~تقديره كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق منهم كذلك يكرهون ~~القتال ويجادلونك فيه. وقيل: الكاف بمعنى على أي امض على الذي أخرجك ربك ~~من بيتك بالحق فإنه حق. وقيل: الكاف بمعنى القسم تقديره والذي أخرجك ربك ~~من بيتك وجوابه يجادلونك في الحق. وقيل: الكاف بمعنى إذ تقديره واذكر يا ~~محمد إذا أخرجك ربك من بيتك بالحق. ms1386 قيل: المراد بهذا الإخراج إخراجه من ~~مكة إلى المدينة للهجرة. وقال جمهور المفسرين: المراد بهذا الإخراج هو ~~خروجه من المدينة إلى بدر ومعناه كما أمرك ربك بالخروج من بيتك بالمدينة ~~بالحق يعني بالوحي لطلب المشركين { وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } ~~يعني للقتال وإنما كرهوه لقلة عددهم وقلة سلاحهم وكثرة عدوهم وسلاحهم { ~~يجادلونك في الحق } وذلك أن المؤمنين لما أيقنوا بالقتال كرهوا ذلك ~~وقالوا لم تعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم وإنما خرجنا لطلب ~~العير فذلك جدالهم { بعد ما تبين } يعني تبين لهم أنك لا تصنع شيئا إلا ~~بأمر ربك وتبين لهم صدقك في الوعد { كأنما يساقون إلى الموت } يعني لشدة ~~كراهتهم القتال { وهم ينظرون } يعني إلى الموت شبه حالهم في فرط فزعهم ~~بحال من يجر إلى القتل ويساق إلى الموت وهو ينظر إليه ويعلم أنه آتيه. ~~قوله عز وجل: { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين } يعني الفرقتين فرقة أبي ~~سفيان مع العير وفرقة أبي جهل مع النفير { أنها لكم } يعني إحدى الفرقتين ~~لكم. قال ابن عباس وعروة بن الزبير ومحمد ابن إسحاق والسدي: أقبل أبو ~~سفيان بن حرب من الشام في عير قريش في أربعين راكبا من كفار قريش منهم ~~عمرو بن العاص ومخرمة بن نوفل الزهري ومعهم تجارة كبيرة وهي اللطيمة. ~~يريد باللطيمة. الجمال التي تحمل العطر والبز غير الميرة، حتى إذا كانوا ~~قريبا من بدر، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم فندب أصحابه إليهم ~~وأخبرهم بكثرة المال وقلة العدو وقال: هذه هي عير قريش فيها أموالهم ~~فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم ~~وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا فلما سمع ~~أبو سفيان بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه استأجر ضمضم بن عمرو ~~الغفاري فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا يستنفرهم ويخبرهم أن محمدا ~~في أصحابه قد عرض لعيرهم فخرج ضمضم سريعا إلى مكة وكانت عاتكة بنت عبد ~~المطلب قد رأت رؤيا قبل ms1387 قدوم ضمضم مكة بثلاثة أيام أفزعتها فبعثت إليها ~~أخيها العباس بن عبد المطلب. # فقالت: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني وخشيت أن يدخل على ~~قومك منها شر ومصيبة فقال لها وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير ~~له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته ألا فانفروا يا آل غدر إلى مصارعكم ~~في ثلاث فأرى الناس قد اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما ~~هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة فصرخ مثلها بأعلى صوته ألا فانفروا ~~يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ ~~مثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت ~~فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا ودخلها منها فلقة فقال ~~العباس: والله إن هذه الرؤيا فظيعة فاكتميها ولا تذكريها لأحد. ثم خرج ~~العباس فلقي الوليد بن عتبة، وكان صديقا للعباس، فذكر رؤيا عاتكة له ~~واستكتمه إياها فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش ~~بمكة. قال العباس: فعمدت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في نفر من قريش ~~يتحدثون برؤيا عاتكة فغدوت أطوف فلما رأني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا ~~فرغت من طوافك فأقبل إلينا. قال العباس: فلما فرغت من طوافي أقبلت إليهم ~~حتى جلست معهم فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب متى حدثت هذه النبية ~~فيكم قلت: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التي رأت عاتكة قلت وما رأت قال يا بني ~~عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم لقد زعمت عاتكة ~~في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فإن يك ما قالت ~~حقا فسيكون وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابا بأنكم ~~أكذب أهل بيت في العرب قال العباس فوالله ما كان مني إليه من كبير شيء ~~إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون عاتكة رأت شيئا ms1388 ثم تفرقنا فلما أمسيت ~~لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقلن أقررتم لهذا الفاسق ~~الخبيث أن يقع في رجالكم حتى تناول النساء وأنت تسمع ولم يكن عندك غيرة ~~لشيء مما سمعت. # قال: قلت قد والله فعلت ما كان مني إليه من شيء وايم الله لأتعرضن له ~~فإن عاد لأكفيكنه، قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد ~~مغضب أرى أني قد فاتني شيء أحب أن أدركه منه قال فدخلت المسجد فرأيته ~~فوالله إني لأمر نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به وكان أبو جهل ~~رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر إذ خرج نحو بابا المسجد ~~يشتد قال العباس: فقلت في نفسي ماله لعنه الله أكل هذا فرقا مني أن ~~أشاتمه قال فإذا هو قد سمع ما لم أسمع سمع صوت ضمضم بن عمرو وهو يصرخ ~~ببطن الوادي واقفا على بعيره وقد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو ~~يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة هذه أموالكم مع أبي سفيان وقد عرض ~~لها محمد في أصحابه ولا أرى أن تدركوها الغوث الغوث قال فشغلني عنه وشغله ~~عني ما جاء من الأمر قال: فتجهز الناس سراعا ولم يتخلف من أشارف قريش ~~أحد إلا أن أبا لهب قد تخلف وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة فلما ~~اجتمعت قريش للمسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة ابن كنانة ~~من الحرب فقالوا نخشى أن يأتونا من خلفنا فكاد ذلك أن يثنيهم فتبدى لهم ~~إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وكان من أشراف بني بكر فقال أنا جار ~~لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه فخرجت قريش سراعا وخرج ~~رسول الله في أصحابه لليال مضت من شهر رمضان حتى بلغ واديا يقال له ذا ~~قرد فأتاه الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عن عيرهم فسار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى إذا كان بالروحاء أخذ عينا للقوم فأخبره بخبرهم وبعث ms1389 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عينا له من جهينة حليفا للأنصار يدعى أريقط ~~فأتاه بخبر القوم وسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل ~~عليه السلام وقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إنها لكم إما العير، ~~وإما قريش، وكانت العير أحب إليهم فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه في طلب العير وحرب النفير فقام أبو بكر فقال وأحسن وقام عمر فقال ~~وأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن ~~معكم والله ما نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ~~هاهنا قاعدون ولكن نقول اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي ~~بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك ~~من دونه حتى نبلغه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له خيرا ودعا له ~~بخير ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أشيروا علي أيها الناس " # وإنما يريد الأنصار وذلك لأنهم عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة ~~قالوا: يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا فإذا وصلت ~~إلينا فأنت في زمامنا فنمنعك مما منع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ~~ممن دهمه بالمدينة من عدوه وأن ليس عليهم أن يسيروا معه إلى عدو من ~~بلادهم فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ: ~~والله لكأنك تريدنا يا رسول الله. قال: أجل. قال: آمنا بك وصدقناك وشهدنا ~~أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع ~~والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذ ~~البحر فخضته لخضناه معك ما يتخلف منا أحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا ~~وعدوك إنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء ولعل الله عز وجل أن يريك منا ~~ما تقر به ms1390 عينك فسر بنا على بركة الله تعالى، فسر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك فقال: سيروا على بركة الله وأبشروا فإن ~~الله عز وجل قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ~~م. عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب حدثه عن أهل بدر قال: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس يقول ~~هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله تعالى وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله ~~تعالى وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله تعالى قال عمر فوالذي بعثه بالحق ~~ما أخطؤوا الحدود التي حدها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فجعلوا في ~~بئر بعضهم على بعض فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إليهم ~~فقال يا فلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله ~~حقا فإني قد وجدت ما وعدني الله حقا فقال عمر يا رسول الله كيف تكلم ~~أجسادا لا أرواح فيها فقال " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا ~~يستطيعون أن يردوا علي شيئا " # فذلك قوله سبحانه وتعالى وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم يعني ~~طائفة أبي سفيان مع العير وطائفة أبي جهل مع النفير { وتودون } أي ~~وتريدون وتتمنون { أن غير ذات الشوكة تكون لكم } والمعنى: وتتمنون أن ~~العير التي ليس فيها قتال ولا شوكة تكون لكم والشوكة الشدة والقوة ويقال ~~السلاح { ويريد الله أن يحق الحق } أي يظهر الحق ويعليه { بكلماته } يعني ~~بأمره إياكم بالقتال وقيل بعداته التي سبقت لكم من إظهار الدين وإعزازه { ~~ويقطع دابر الكافرين } أي ويستأصلهم حتى لا يبقى منهم أحد. ### || [8.8-9] # { ليحق الحق } يعني ليثبت الإسلام { ويبطل الباطل } يعني وينفي الكفر { ~~ولو كره المجرمون } يعني المشركين وفي الآية سؤالان: الأول: أن قوله ~~ويريد الله أن يحق الحق ثم قال بعده ليحق الحق تكرير فما معناه؟. والجواب ~~أنه ليس فيه تكرير لأن المراد بالأول تثبيت ما وعد ms1391 في هذه الواقعة من ~~النصر والظفر بالأعداء والمراد بالثاني: تقوية القرآن والدين وإظهار منار ~~الشريعة لأن الذي وقع يوم بدر من نصر المؤمنين مع قلتهم وقهر الكافرين مع ~~كثرتهم كان سببا لإعزاز الدين وقوته ولهذا السبب قرنه بقوله ويبطل ~~الباطل يعني الذي هو الشرك. السؤال الثاني: الحق حق لذاته والباطل باطل ~~لذاته فما المراد من تحقيق الحق وإبطال الباطل. والجواب: إن المراد من ~~تحقيق الحق إظهار كون ذلك الحق حقا والمراد من إبطال ذلك الباطل إظهار ~~كون ذلك الباطل باطلا وذلك بإظهار دلائل الحق وتقويته. وقمع رؤساء ~~الباطل وقهرهم. قوله عز وجل: { إذ تستغيثون ربكم } أي واذكر يا محمد أذ ~~تستجيرون بربكم من عدوكم وتطلبون منه الغوث والنصر وفي المستغيثين قولان ~~أحدهما أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه قاله الزهري ~~والقول الثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده وإنما ذكره بلفظ ~~الجمع على سبيل التعظيم له م عن ابن عباس قال حدثني عمر بن الخطاب قال: # " لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ~~ألف وأصحابه ثلثمائة وبضعة عشر رجلا فاستقبل نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم القبلة ثم مد يده فجعل يهتف بربه يقول: " اللهم أنجز لي ما وعدتني ~~اللهم آتني ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد ~~في الأرض " فما زال يهتف بربه مادا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه ~~أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال يا نبي ~~الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله عز وجل إذ ~~تستغيثون ربكم { فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } فأمده ~~الله بالملائكة " # قال سماك: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في ~~أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول ~~أقدم حيزوم إذ نظر إلى المشرك أمامه خر مستلقيا فنظر إليه فإذا قد حطم ms1392 ~~أنفه وشق وجهه كضربة السيف فأحصى ذلك أجمع وجاء فحدث بذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة. فقتلوا يومئذ سبعين ~~وأسروا سبعين وقوله سبحانه وتعالى فاستجاب لكم، يعني فأجاب دعاءكم أني ~~ممدكم أصله بأني ممدكم أي مرسل إليكم مددا ورداء لكم بألف من الملائكة ~~مردفين، يعني: يردف بعضهم بعضا بمعنى يتبع بعضهم بعضا. # روي أنه نزل جبريل عليه السلام في خمسمائة وميكائيل عليه السلام في ~~خمسمائة في صور الرجال على خيل بلق عليهم ثياب بيض وعمائم بيض قد أرخوها ~~بين أكتافهم. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ناشد ربه وقال أبو ~~بكر إن الله سينجز لك ما وعدك خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو ~~في العريش ثم انتبه فقال: يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان ~~فرس يقوده على ثناياه النقع خ. عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال يوم بدر: # " هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب " # يعني آلة الحرب قال ابن عباس: كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض ويوم ~~حنين عمائم خضر ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر من الأيام وكانوا ~~يكونون فيما سواه عددا ومددا. وروي عن أبي أسيد مالك بن ربيعة وكان قد ~~شهد بدرا أنه قال بعد ما ذهب بصره لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصري ~~لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة تقدم الكلام في سورة آل عمران هل ~~قاتلت الملائكة أم لا والصحيح انهم قاتلوا يوم بدر لما تقدم من حديث ابن ~~عباس في الذي ضربه بالسوط فحطم أنفه وشق وجهه وكانوا فيما سوى يوم بدر ~~مددا وعونا قيل إنهم لم يقاتلوا وإنما نزلوا ليكثروا سواد المسلمين ~~ويثبتوهم، ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى ### || [8.10-12] # { وما جعله الله إلا بشرى } يعني وما جعل الله الإرداف بالملائكة إلا ~~بشرى { ولتطمئن به قلوبكم } وهذا يحقق أنهم إنما نزلوا لذلك لا للقتال ~~والصحيح هو الأول ms1393 وأنهم قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا فيما سواه من الأيام. ~~وقوله تعالى: { وما النصر إلا من عند الله } يعني أن الله هو ينصركم أيها ~~المؤمنون فثقوا بنصره ولا تتكلوا على قوتكم وشدة بأسكم وفيه تنبيه على أن ~~الواجب على العبد المسلم أن لا يتوكل إلا على الله في جميع أحواله ولا ~~يثق بغيره فإن الله تعالى بيده النصر والإعانة { إن الله عزيز } يعني أنه ~~تعالى قوي منيع لا يقهره شيء ولا يغلبه غالب بل هو يقهر كل شيء ويغلبه { ~~حكيم } يعني في تدبيره ونصره ينصر من يشاء ويخذل من يشاء من عباده. قوله ~~سبحانه وتعالى: { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } أي: واذكروا إذ يلقى عليكم ~~النعاس وهو النوم الخفيف أمنة منه أي أمنا من الله لكم من عدوكم أن ~~يغلبكم قال عبد الله بن مسعود: النعاس في القتال أمنة من الله وفي الصلاة ~~من الشيطان والفائدة في كون النعاس أمنة في القتال أن الخائف على نفسه لا ~~يأخذه النوم فصار حصول النوم وقت الخوف الشديد دليلا على الأمن وإزالة ~~الخوف. وقيل إنهم لما خافوا على أنفسهم لكثرة عدوهم وعددهم وقلة المسلمين ~~وقلة عددهم وعددهم وعطشوا عطشا شديدا ألقى عليهم النوم حتى حصلت لهم ~~الراحة وزال عنهم الكلال والعطش وتمكنوا من قتال عدوهم وكان ذاك النوم ~~نعمة في حقهم لأنه كان خفيفا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله إليهم ~~وقدروا على دفعه عنهم وقيل في كون هذا النوم كان أمنة من الله أنه وقع ~~عليهم النعاس دفعة واحدة فناموا كلهم مع كثرتهم وحصول النعاس لهذا الجمع ~~العظيم مع وجود الخوف الشديد أمر خارج عن العادة فلهذا السبب قيل إن ذلك ~~النعاس كان في حكم المعجزة لأنه أمر خارق للعادة وقوله سبحانه وتعالى: { ~~وينزل عليكم من السماء ماء } يعني المطر { ليطهركم به } وذلك أن المسلمين ~~نزلوا يوم بدر على كثيب رمل أعفر تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب وكان ~~المشركون قد سبقوهم إلى ماء بدر فنزلواعليه وأصبح المسلمون على غير ماء ~~وبعضهم محدث ms1394 وبعضهم جنب وأصابهم العطش فوسوس لهم الشيطان. وقال: تزعمون ~~أنكم على الحق وفيكم نبي الله وأنتم أولياء الله وقد غلبكم المشركون على ~~الماء وأنتم تصلون محدثين ومجنبين فكيف ترجون أن تظهروا على عدوكم؟ فأنزل ~~الله سبحانه وتعالى مطرا سال منه الوادي فشرب منه المؤمنون واغتسلوا ~~وتوضؤوا وسقوا الركاب وملأوا الأسقية وأطفأ الغبار ولبد الأرض حتى ثبتت ~~عليها الأقدام وزالت عنهم وسوسة الشيطان وطابت أنفسهم وعظمت النعمة من ~~الله عليهم بذلك وكان دليلا على حصول النصر والظفر، فذلك قوله سبحانه ~~وتعالى: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به يعني: من الإحداث والجنابة ~~{ ويذهب عنكم رجز الشيطان } يعني وسوسته التي ألقاها في قلوبكم { وليربط ~~على قلوبكم } يعني بالنصر واليقين والربط في اللغة الشد وكل من صبر على ~~أمر فقد ربط نفسه عليه قال الواحدي ويشبه أن تكون لفظة على صلة والمعنى ~~وليربط قلوبكم بالصبر وما أوقع فيها من اليقين وقيل: إن لفظة على ليست ~~بصلة لأنها تفيد الاستعلاء فيكون المعنى: أن القلوب امتلأت من ذلك الربط ~~حتى كأنه علا عليها وارتفع فوقها { ويثبت به الأقدام } يعني أن ذاك المطر ~~لبد الأرض وقوى الرمل حتى تثبتت عليه الأقدام وحوافر الدواب، وقيل المراد ~~به تثبت الأقدام بالصبر وقوة القلب لأن من يكون ضعيف القلب لا يثبت قدمه ~~بل يفر ويهرب عن اللقاء. # وقوله سبحانه وتعالى: { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم } يعني أن ~~الله سبحانه وتعالى أوحى إلى الملائكة الذين أمد بهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه إني معكم بالنصر والمعونة { فثبتوا الذين آمنوا } أي: ~~قووا قلوبهم واختلفوا في كيفية هذه لتقوية والتثبيت. فقيل: كما أن ~~للشيطان قوة في إلقاء الوسوسة في قلب ابن آدم بالشر، فكذلك للملك قوة في ~~إلقاء الإلهام في قلب ابن آدم بالخير. ويسمى ما يلقي الشيطان: وسوسة، وما ~~يلقي الملك لمة وإلهاما، فهذا هو التثبيت. وقيل: إن ذلك التثبيت هو ~~حضورهم معهم القتال ومعونتهم لهم أي: ثبتوهم بقتالكم معهم المشركين، وقيل ~~معناه بشرورهم بالنصر والظفر فكان الملك ms1395 يمشي في صورة رجل أمام الصف ~~ويقول أبشروا فإن الله ناصركم عليهم { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } ~~يعني الخوف وكان ذلك نعمة من الله على المؤمنين حيث ألقى الرعب والخوف في ~~قلوب الكافرين { فاضربوا فوق الأعناق } قيل هو خطاب مع المؤمنين فيكون ~~منقطعا عما قبله. وقيل: هو خطاب مع الملائكة فيكون متصلا بما قبله.. ~~قال ابن الأنباري: ما كانت الملائكة تعرف تقتل بني آدم فعلمهم الله ذلك ~~بقوله تعالى فاضربوا فوق الأعناق. قال عكرمة: يعني الرؤوس لأنها فوق ~~الأعناق. وقال الضحاك: معناه فاضربوا الأعناق وفوق صلة. وقيل: معناه ~~فاضربوا على الأعناق فتكون فوق بمعنى على { واضربوا منهم كل بنان } يعني ~~كل مفصل. وقال ابن عباس: يعني الأطراف وهي جمع بنانة وهي أطراف أصابع ~~اليدين سميت بذلك لأن بها صلاح الأحوال التي يمكن الإنسان أن يبين ما ~~يريد أن يعمله بيديه وإنما خصت بالذكر من دون سائر الأطراف لأجل أن ~~الإنسان بها يقاتل وبها يمسك السلاح في الحرب. وقيل: إنه سبحانه وتعالى ~~أمرهم بضرب أعلى الجسد وهو الرأس وهو أشرف الأعضاء وبضرب البنان وهو أضعف ~~الأعضاء فيدخل في ذلك كل عضو في الجسد. # وقيل: أمرهم بضرب الرأس وفيه هلاك الإنسان وبضرب البنان وفيه تعطيل حركة ~~الإنسان عن الحرب لأن بالبنان يتمكن من مسك السلاح وحمله والضرب به فإذا ~~قطع بنانه تعطل عن ذلك كله. روي عن أبي داود المازني، وكان شهد بدرا، ~~قال: إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذا وقع رأسه قبل أن يصل إليه ~~سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري. وعن سهل بن حنيف قال: لقد رأيتنا يوم بدر ~~وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه ~~السيف، وروى عكرمة عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ~~الإسلام قد دخل علينا أهل البيت فأسلمت أم الفضل وأسلمت وكان العباس يهاب ~~قومه ويكره خلافهم وكان ms1396 يكتم إسلامه وكان ذا مال كثير متفرق في قومه وكان ~~عدو الله أبو لهب قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة ~~فلما جاء الخبر عن مقتل أصحاب بدر كبته الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوة ~~وعزا، قال أبو رافع وكنت رجلا ضعيفا أعمل القداح وأنحتها في حجرة زمزم ~~فوالله إني لجالس أنحت القداح وعندي أم الفضل جالسة إذ أقبل الفاسق أبو ~~لهب يجر رجليه حتى جلس على طنب الحجرة فكان ظهره إلى ظهري فبينما هو جالس ~~إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب قد قدم فقال أبو ~~لهب: إلي يا ابن أخي فعندك الخبر اليقين فجلس إليه والناس قيام عليه ~~فقال أبو لهب: يا ابن أخي خبرني كيف كانت أحوال الناس؟ قال: لا شيء والله ~~إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاؤوا ~~وايم الله ما لمت الناس لقينا رجالا بيضاء على خيل بلق بين السماء ~~والأرض والله لا يتلقاهم شيء ولا يقوم لهم شيء. قال أبو رافع: فرفعت طرف ~~الحجرة بيدي وقلت تلك والله الملائكة فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة ~~شديدة فساورته فاحتملني فضرب بي الأرض ثم برك على صدري وكنت رجلا ~~ضعيفا، فقامت إليه ام الفضل بعمود من عمد الحجرة فضربته به ضربه ففلقت ~~رأسه شجة منكرة، وقالت: تستضعفه إن غاب عنه سيده فقام موليا ذليلا ~~فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله تعالى بالعدسة فقتلته. وروى ~~مقسم عن ابن عباس قال: # " كان الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة وكان أبو ~~اليسر رجلا مجموعا وكان العباس رجلا جسيما فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأبي اليسر " كيف أسرت العباس؟ " قال: يا رسول الله لقد أعانني ~~عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده هيئته كذا وكذا فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " لقد أعانك عليه ملك كريم " # وكانت وقعة بدر في صبيحة يوم الجمعة السابع عشر ms1397 من رمضان في السنة ~~الثانية من الهجرة النبوية. ### || [8.13-16] # وقوله سبحانه وتعالى: { ذلك } يعني الذي وقع من القتل والأسر يوم بدر { ~~بأنهم شاقوا الله ورسوله } يعني بأنهم خالفوا الله ورسوله. والمشاقة: ~~المخالفة، وأصلها المجانبة، كأنهم صاروا في شق وجانب عن شق المؤمنين ~~وجانبهم وهذا مجاز معناه أنهم شاقوا أولياء الله وهم المؤمنون أو شاقوا ~~دين الله ثم قال سبحانه وتعالى: { ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد ~~العقاب } يعني أن الذي نزل بهم في ذلك اليوم من القتل والأسر شيء قليل ~~فيما أعد الله لهم من العقاب يوم القيامة ثم قال تعالى: { ذلكم } إشارة ~~إلى القتل والأسر الذي نزل بهم { فذوقوه } يعني عاجلا في الدنيا لأن ذلك ~~يسير بالإضافة إلى المؤجل الذي أعده الله لهم في الآخرة من العذاب وهو ~~قوله: { وأن للكافرين عذاب النار } يعني في الآخرة، عن ابن عباس قال: # " لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر قيل له عليك بالعير ليس ~~من دونها شيء قال فناداه العباس من وثاقه لا يصلح لك لأن الله وعدك إحدى ~~الطائفتين وقد أعطاك الله ما وعدك قال: صدقت " # ، أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا إذا ~~لقيتم الذين كفروا زحفا } يعني مجتمعين متزاحفين بعضكم إلى بعض والتزاحف ~~التداني في القتال وأصل الزحف مشي مع جر الرجل كانبعاث الصبي قبل أن يمشي ~~وسمي مشي الطائفتين بعضهم إلى بعض في القتال زحفا لأنها تمشي كل طائفة ~~إلى صاحبتها مشيا رويدا وذلك قبل التداني للقتال، وقال ثعلب: الزحف ~~المشي قليلا قليلا إلى الشيء { فلا تولوهم الأدبار } يعني فلا تولوهم ~~ظهوركم منهزمين منهم فإن المنهزم يولي ظهره ودبره { ومن يولهم يومئذ دبره ~~} يعني ومن ينهزم ويول دبره يوم الحرب والقتال { إلا متحرفا لقتال } ~~يعني إلا منقطعا إلى القتال يرى عدوه من نفسه الانهزام وقصده طلب الكرة ~~على العدو والعود إليه وهذا هو أحد أبواب الحرب وخدعها ومكايدها. وقوله ~~تعالى: { أو متحيزا إلى فئة } يعني أو منضما وصائرا ms1398 إلى جماعة من ~~المؤمنين يريدون العود إلى القتال { فقد باء بغضب من الله } يعني من ~~انهزم من المسلمين وقت الحرب إلا في هاتين الحالتين وهي التحرف للقتال ~~والتحيز إلى فئة من المسلمين فقد رجع بغضب من الله { ومأواه جهنم وبئس ~~المصير } فصل في حكم هذه الآية اختلف العلماء في ذلك، فقال أبو سعيد ~~الخدري: هذا في أهل بدر خاصة لأنه ما كان يجوز لهم الانهزام يوم بدر لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم ولم تكن لهم فئة يتحيزون إليها دون ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولو انحازوا انحازوا إلى المشركين ولأنها أول ~~غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه والمسلمون معه فشدد الله ~~عليهم أمر الانهزام وحرمه عليهم يوم بدر فأما بعد ذلك اليوم فإن المسلمين ~~بعضهم فئة بعض فيكون الفار متحيزا إلى فئة فلا يكون فراره كبيرة وهذا ~~قول الحسن وقتادة والضحاك قال يزيد بن أبي حبيب: أوجب الله النار لمن فر ~~يوم بدر فلما كان يوم أحد قال الله تعالى إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا ولقد عفا الله عنهم ثم كان يوم حنين بعده فقال سبحانه وتعالى: # ثم وليتم مدبرين.... ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء # [التوبة: 25-27] # " وقال عبد الله بن عمر: كنا في جيش بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فحاص الناس حيصة فانهزمنا فقلنا يا رسول الله نحن الفرارون قال: لا بل ~~أنتم الكرارون إنا فئة المسلمين " # قوله فحاص الناس حيصة، يعني جال الناس جولة يطلبون الفرار من العدو. ~~والمحيص: الهرب. وقال محمد بن سيرين: لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى ~~عمر بن الخطاب، فقال: لو انحاز إلي كنت له فئة أنا فئة كل مسلم. وقال ~~بعضهم: حكم الآية عام في حق كل من ظهره منهزما بدليل قوله { يا أيها ~~الذين آمنوا } وهذا خطاب عام فيتناول جميع الصور وإن كانت الآية نزلت في ~~غزاة بدر لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وجاء في الحديث ms1399 # " من الكبائر الفرار من الزحف " # وقال عطاء بن أبي رباح: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: # الآن خفف الله عنكم # [الأنفال: 66] فليس لقوم أن يفروا من مثلهم فنسخت بذلك إلا في هذه ~~العدة وعلى هذا أكثر أهل العلم أن المسلمين إذا كانوا على الشطر من عدوهم ~~لا يجوز لهم أن يفروا منهم ويولوهم ظهورهم وإن كان العدو أكثر من المثلين ~~جاز لهم أن يفروا منهم قال ابن عباس من فر من ثلاثة لم يفر ومن فر من ~~اثنين فقد فر. ### || [8.17] # قوله تعالى: { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم } قال مجاهد: سبب نزول هذه ~~الآية أنهم لما انصرفوا عن قتال أهل بدر كان الرجل يقول: أنا قتلت ~~فلانا، ويقول الآخر: أنا قتلت فلانا فنزلت هذه الآية والمعنى فلم ~~تقتلوهم بقوتكم ولكن الله قتلهم يعني بنصره إياكم وتقويتكم عليهم وقيل: ~~معناه ولكن الله قتلهم بإمداده إياكم بالملائكة. قال الزمخشري: الفاء في ~~قوله فلم تقتلوهم جواب شرط محذوف تقديره وإن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم ~~أنتم ولكن الله قتلهم { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } قال أهل ~~التفسير والمغازى # " لما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، انطلقوا حتى نزلوا ~~بدرا ووردت عليهم روايا قريش وفيهم أسلم غلام أسود لبني الحجاج وأبو ~~يسار غلام لبني العاص بن سعد فأخذوهما وأتوا بهما إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين قريش؟ قالا: هم ~~وراء الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى والكثيب العقنقل. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: كم القوم؟ قالا: كثير. قال: ما عددهم؟ قالا: لا ~~ندري. قال: كم ينحرون كل يوم؟ قالا: يوما عشرة ويوما تسعة. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: القوم ما بين التسعمائة إلى ألف. ثم قال لهما: ~~من فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري ~~بن هشام وحكيم بن حزام والحارث بن عامر وطعمة بن عدي والنضر بن الحارث ~~وأبو جهل بن هشام ms1400 وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها. ~~فلما أقبلت قريش ورآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل، ~~وهو الكثيب الرمل جاء إلى الوادي. فقال: " اللهم هذه قريش قد أقبلت ~~بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني " فأتاه ~~جبريل عليه السلام وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى ~~الجمعان تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من الحصباء عليه تراب ~~فرمى به وجوه القوم وقال: " شاهت الوجوه " # يعني قبحت الوجوه فلم يبق مشرك إلا ودخل في عينه وفمه ومنخريه من ذلك ~~التراب شيء فانهزموا وتبعهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم # " وقال قتادة وابن زيد: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ ~~يوم بدر ثلاثة حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم، وبحصاة في ميسرة القوم ~~وبحصاة بين أظهرهم وقال: " شاهت الوجوه " # فانهزموا فذلك قوله عز وجل: { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } إذ ليس ~~في وسع أحد من البشر أن يرمي كفا من الحصى في وجوه جيش فلا تبقى عين إلا ~~وقد دخل فيها من ذلك شيء فصورة الرمي صدرت من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتأثيرها صدر من الله عز وجل فلهذا المعنى صح النفي والإثبات، وقيل. # في معنى الآية: وما بلغت إذ رميت ولكن الله بلغ رميك، وقيل: ما رميت ~~بالرعب في قلوبهم إذ رميت بحصياتك ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم حتى ~~انهزموا { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } يعني ولينعم على المؤمنين ~~نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة والأجر والثواب فقد أجمع المفسرون على أن ~~البلاء هنا بمعنى النعمة { إن الله سميع } يعني لدعائكم { عليم } يعني ~~بأحوالكم. ### || [8.18-19] # وقوله تعالى: { ذلكم } يعني الذين ذكرت من أمر القتل والرمي والبلاء ~~الحسن من الظفر بهم والنصر عليهم فعلنا ذلك الذي فعلنا { وأن الله } يعني ~~واعملوا أن الله مع ذلك { موهن } أي مضعف { كيد الكافرين ms1401 } يعني مكرهم ~~وكيدهم قوله عز وجل: { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } هذا خطاب مع ~~المشركين الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وذلك أن أبا ~~جهل قال يوم بدر، لما التقى الجمعان: اللهم أينا كان أفخر يعني نفسه ~~ومحمدا صلى الله عليه وسلم قاطعا للرحم فأحنه اليوم. وقيل: إنه قال: ~~اللهم أينا كان خيرا عندك فانصره. وقيل: قال: اللهم انصر أهدى الفئتين ~~وخير الفريقين وأفضل الجمعين اللهم من كان أفخر وأقطع لرحمه فأحنه اليوم ~~فأنزل الله عز وجل إن تستفتحوا ومعنى الآية إن تستحكموا الله على أقطع ~~الفريقين للحرم وأظلم الفئتين فينصر المظلوم على الظالم والمحق على ~~المبطل والمقطوع على القاطع ق. # " عن عبد الرحمن بن عوف قال: إني لواقف في الصف يوم بدر. فنظرت عن يميني ~~وعن شمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما فتمنيت أن أكون ~~بين أضلع منهما فغمزني أحدهما فقال أي عم هل تعرف أبا جهل قلت نعم فما ~~حاجتك إليه يا ابن أخي. قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فوالذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا ~~فتعجبت لذلك قال: وغمزني الآخر فقال لي مثلها فلم أنشب أن نظرت إلى أبي ~~جهل يجول في الناس فقلت: ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه قال ~~فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخبراه فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. ~~فقال: هل مسحتما سيفيكما؟ فقالا: لا فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى السيفين فقال كلاكما قتله وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلبه ~~لهما والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء " # ق. عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " " من ينظر لنا ما صنع أبو جهل " فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا ~~عفراء حتى برد قال فأخذ بلحيته فقال أنت أبو جهل " # وفي ms1402 كتاب البخاري أنت أبو جهل هكذا قاله أنس فقال وهل فوق رجل قتلتموه ~~أو قال قتله قومه وفي رواية فقال أبو جهل فلو غير أكار قتلني " عن عبد ~~الله بن مسعود قال: مررت فإذا أبو جهل صريع قد ضربت رجله فقلت يا عدو ~~الله يا أبا جهل قد أخزى الله الآخر قال: ولا أهابه عند ذلك فقال أعمد من ~~رجل قتله قومه فضربته بسيف غير طائل فلم يغن شيئا حتى سقط سيفه من يده ~~فضربته حتى برد أخرجه أبو داود وأخرجه البخاري مختصرا. # قال: إنه أتى أبا جهل يوم بدر وبه رمق فقال: هل أعمد من رجل قتلتموه. ~~وقال عكرمة: قال المشركون والله ما نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا ~~وبينه بالحق فأنزل الله عز وجل إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح يعني إن ~~تستقضوا فقد جاءكم القضاء. وقال السدي والكلبي: كان المشركون لما خرجوا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم ~~انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين ففيه نزلت: ~~إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح. يعني: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. وهو ~~على ما سألوه فكان النصر لأهدى الفئتين وهم أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر قال: قال معاذ بن ~~عمرو بن الجموح: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر أمر ~~بأبي جهل بن هشام أن يلتمس في القتلى فقال: اللهم لا يعجزك، فلما سمعتها ~~جعلته من شأني فعمدت نحوه فضربته ضربة طيرت قدمه بنصف ساقه قال: وضربني ~~ابنة عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلده وأجهضني القتال عنه فلقد ~~قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي فلما آذتني جعلت عليها قدمي ثم تمطيت ~~بها حتى طرحتها ثم مر بأبي جهل وهو عفير معاذ بن عفراء فضربه حتى أتبته ~~وتركه وبه رمق فمر به عبد الله بن مسعود قال عبد الله وجدته بآخر رمق ~~فعرفته فوضعت رجلي على ms1403 عنقه فقلت هل أخزاك الله يا عدو الله قال وبماذا ~~أخزاني أعمد من رجل قتلتموه أخبرني لمن الدبرة قلت لله ولرسوله. روي عن ~~ابن مسعود أنه قال: قال لي أبو جهل لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى ~~صعبا ثم احتززت رأسه ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا ~~رسول الله هذا رأس عدو الله أبي جهل قال: آلله الذي لا إله غيره فقلت نعم ~~والذي لا إله غيره ثم ألقيته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد ~~الله. وقال أبي بن كعب: هذا خطاب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال الله عز وجل للمسلمين إن تستفتحوا أي تستنصروا فقد جاءكم الفتح أي ~~النصر خ عن خباب بن الأرت قال: # " شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل ~~الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقال قد كان من قبلكم يؤخذ ~~الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه ~~فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه ~~والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يصير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف ~~إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون " # قلت: استدل البغوي بهذا الحديث على ما فسر به أبي بن كعب الآية وفيه ~~نظر، لأن هذه الواقعة المذكورة في الحديث كانت بمكة والآية مدنية، فلا ~~تعلق للحديث بتفسير الآية والله أعلم ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~دعا الله ببدر وسأله إنجاز ما وعده من إحدى الطائفتين وألح في الدعاء ~~والمسألة حتى سقط رداؤه وقال الله سبحانه وتعالى مجيبا له إن تستفتحوا ~~يعني تطلبوا النصر وإنجاز ما وعدكم الله به فقد جاءكم الفتح يعني فقد حصل ~~لكم ما طلبتم فاشكروا الله على ما أنعم به عليكم من إجابة دعائكم وإنجاز ~~ما وعدكم به وهذا القول أولى لأن قوله فقد جاءكم الفتح لا يليق إلا ms1404 ~~بالمؤمنين. هذا إذا فسرنا الفتح بالنصر والظفر على الأعداء. أما إذا ~~فسرناه بالقضاء والحكم لم يمتنع أن يراد به الكفار. أما قوله سبحانه ~~وتعالى: { وإن تنتهوا فهو خير لكم } فهو خطاب للكفار يعني وإن تنتهوا عن ~~قتال محمد صلى الله عليه وسلم وعن تكذيبه فهو خير لكم في الدين والدنيا ~~أما في الدين بأن تؤمنوا به وتكفوا عنه فيجعل لكم بذلك الفوز بالثواب ~~والخلاص من العقاب. وأما في الدنيا فهو الخلاص من القتل والأسر { وإن ~~تعودوا نعد } يعني وإن تعودوا لقتال محمد صلى الله عليه وسلم نعد بتسليطه ~~عليكم ونصره عليكم { ولن تغني عنكم فئتكم } يعني جماعتكم { شيئا } يعني ~~لا تغني عنكم شيئا { ولو كثرت } يعني جماعتكم { وأن الله مع المؤمنين } ~~يعني بالنصر لهم عليكم يا معشر الكفار. ### || [8.20-24] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله } يعني في أمر ~~الجهاد لأن فيه بذل المال والنفس { ولا تولوا عنه } يعني عن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لأن التولي لا يصح إلا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لا في حق الله تعالى والمعنى لا تعرضوا عنه وعن معونته ونصرته في الجهاد ~~{ وأنتم تسمعون } يعني القرآن يتلى عليكم { ولا تكونوا كالذين قالوا } ~~بألسنتهم { سمعنا وهم لا يسمعون } يعني وهم لا يتعظون ولا ينتفعون بما ~~سمعوا من القرآن والمواعظ وهذه صفة المنافقين { إن شر الدواب عند الله } ~~يعني إن شر من دب على وجه الأرض من خلق الله عند الله { الصم } عن سماع ~~الحق { البكم } عن النطق به فلا يقولونه { الذين لا يعقلون } يعني لا ~~يفهمون عن الله أمره ونهيه ولا يقبلونه وإنما سماهم دواب لقلة انتفاعهم ~~بعقولهم. قال ابن عباس: هم نفر من بني عبد الدار بن قصي كانوا يقولون نحن ~~صم بكم عمي عما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فقتلوا جميعا يوم أحد ~~وكانوا أصحاب اللواء ولم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويبط بن ~~حرملة { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } يعني سماع تفهم ms1405 وانتفاع وقبول ~~للحق ومعنى ولو علم الله. قال الإمام فخر الدين: إن كان ما كان حاصلا ~~فيجب أن يعلمه الله فعدم علم الله بوجوده من لوازم عدمه فلا جرم حسن ~~التعبير عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده وتقديره الكلام لو حصل ~~فيهم خير لأسمعهم الله الحجج والمواعظ سماع تعليم وتفهم { ولو أسمعهم } ~~يعني بعد أن علم أنه لا خير فيهم لم ينتفعوا بما يسمعون من المواعظ ~~والدلائل لقوله تعالى: { لتولوا وهم معرضون } يعني لتولوا عن سماع الحق ~~وهم معرضون عنه لعنادهم وجحودهم الحق بعد ظهوره وقيل: إنهم كانوا يقولون ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: أحي لنا قصيا فإنه كان شيخا مباركا حتى ~~يشهد لك بالنبوة فنؤمن لك فقال الله سبحانه وتعالى: ولو أحيا لهم قصيا ~~وسمعوا كلامه لتولوا عنه وهم معرضون. قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول } يعني أجيبوهما بالطاعة والانقياد لأمرهما { إذا ~~دعاكم } يعني الرسول صلى الله عليه وسلم. وإنما وجد الضمير في قوله تعالى ~~إذا دعاكم لأن استجابة الرسول صلى الله عليه وسلم استجابة لله تعالى ~~وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد واستدل أكثر الفقهاء بهذه الآية على ~~أن ظاهر الأمر للوجوب لأن كل من أمره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~بفعل فقد دعاه إليه وهذه الآية تدل على أنه لا بد من الإجابة في كل ما ~~دعا الله ورسوله إليه خ. # " عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم أجبه ثم أتيته فقلت يا رسول الله إني كنت أصلي فقال ~~صلى الله عليه وسلم ألم يقل الله { استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم } ثم ~~ذكر الحديث " # عن أبي هريرة # " " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أبي بن كعب وهو يصلي فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبي فالتفت أبي ولم يجبه وصلى أبي ~~وخفف ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال السلام عليك ms1406 يا ~~رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعك يا أبي أن تجيبني ~~إذ دعوتك فقال: يا رسول الله إني كنت في الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم ~~أفلم تجد فيما أوحى الله إلي: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ~~قال بلى ولا أعود إن شاء الله تعالى " وذكر الحديث " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. قيل هذه الإجابة مختصة بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم فعلى هذا ليس لأحد أن يقطع صلاته لدعاء أحد آخر وقيل لو ~~دعاه أحد لأمر مهم لا يحتمل التأخير فله أن يقطع صلاته. وقوله تعالى: { ~~لما يحييكم } يعني إذا دعاكم إلى ما فيه حياتكم. قال السدي: هو الإيمان، ~~لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان. وقال قتادة: هو القرآن، لأنه حياة القلوب ~~وفيه النجاة والعصمة في الدارين. وقال مجاهد: هو الحق وقال محمد بن ~~إسحاق: هو الجهاد لأن الله أعزه به بعد الذل. وقيل: هو الشهادة لأن ~~الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون: { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ~~} قال ابن عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر ومعاصي الله ويحول بين ~~الكافر وبين الإيمان وطاعة الله. وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك ومجاهد. ~~وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن أو يكفر إلا ~~بإذنه وقد دلت البراهين العقلية على هذا القول لأن أحوال القلوب اعتقادات ~~ودواعي وتلك الاعتقادات والدواعي لا بد أن تتقدمها الإرادة وتلك الإرادة ~~لا بد لها من فاعل مختار وهو الله سبحانه وتعالى فثبت بذلك أن المتصرف في ~~القلب كيف شاء هو الله تعالى م عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم مصرف القلوب ثبت قلوبنا على ~~طاعتك " # عن أنس بن مالك قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول يا مقلب ms1407 القلوب ثبت ~~قلبي على دينك فقلنا يا رسول الله قد أمن بك وبما جئت به فهل تخاف علينا ~~قال: نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء " # أخرجه الترمذي وهذا الحديث من أحاديث الصفات، فيجب على المرء المسلم أن ~~يمره على ما جاء مع الاعتقاد الحازم بتنزيه الله تعالى عن الجارحة ~~والجسم. وقيل في معنى الآية: إن الله عز وجل يحول بين المرء وقلبه حتى لا ~~يدري ما يصنع ولا يعقل شيئا. وقيل: إن القوم لما دعوا إلى القتال ~~والجهاد وكانوا في غاية الضعف والقلة خافت قلوبهم وضاقت صدورهم فقيل لهم: ~~قاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه فيبدل الخوف ~~أمنا والجبن جراءة. وقوله تعالى: { وأنه إليه تحشرون } يعني في الآخرة ~~فيجزي كل عامل بعمله فيثيب المحسن ويعاقب العاصي. ### || [8.25] # قوله سبحانه وتعالى: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } ~~لما أخبر الله عز وجل أنه يحول بين المرء وقلبه حذر من وقوع المرء في ~~الفتن والمعنى واحذروا فتنة إن نزلت بكم لم تقتصر على الظالم خاصة بل ~~تتعدى إليكم جميعا وتصل إلى الصالح والطالح وأراد بالفتنة الابتلاء ~~والاختبار وقيل: تقديره واتقوا فتنة إن لم تتقوها أصابتكم جميعا الظالم ~~وغير الظالم. قال الحسن: نزلت هذه الآية في علي وعمار وطلحة والزبير. قال ~~الزبير: لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما نرى أنا من أهلها فإذا نحن ~~المعنيون بها يعني ما كان منهم في يوم الجمل. وقال السدي ومجاهد والضحاك ~~وقتادة: هذا في قوم مخصوصين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أصابتهم ~~الفتنة يوم الجمل. وقال ابن عباس: أمر الله عز وجل المؤمنين أن لا يقروا ~~المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب فيصيب الظالم وغير الظالم روى ~~البغوي بسنده عن عدي بن عدي الكندي قال حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم ms1408 ~~قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة ~~" # والذي ذكره ابن الأثير في جامع الأصول عن عدي بن عميرة الكندي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها ومن غاب ~~عنها فرضيها كان كمن شهدها " # أخرجه أبو داود عن جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ~~ولم يغيروا إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا " # أخرجه أبو داود. وقال ابن زيد: أراد بالفتنة افتراق الكلمة ومخالفة ~~بعضهم بعضا ق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي ~~والماشي خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه ومن وجد ملجأ أو معاذا ~~فليعذبه " # فإن قلت ظاهر قوله تعالى: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ~~} يشمل الظالم وغير الظالم كما تقدم تفسير فكيف يليق برحمة الله وكرمه أن ~~يوصل الفتنة إلى من يذنب. قلت: إنه تعالى مالك الملك وخالق الخلق وهم ~~عبيده وفي ملكه يتصرف فيهم كيف شاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فيحسن ~~ذلك منه على سبيل المالكية أو لأنه تعالى علم اشتمال ذلك على أنواع ~~المصلحة والله أعلم بمراده. وقوله سبحانه وتعالى: { واعلموا أن الله شديد ~~العقاب } فيه تحذير ووعيد لمن واقع الفتنة التي حذره الله منها. ### || [8.26-27] # وقوله عز وجل: { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض } لما أمر الله ~~سبحانه وتعالى المؤمنين بطاعة الله وطاعة رسوله وحذرهم من الفتنة ذكرهم ~~نعمته عليهم. فقال تعالى: واذكروا يا معشر المؤمنين المهاجرين إذ أنتم ~~قليل يعني في العدد مستضعفون في الأرض يعني في أرض مكة في ابتداء الإسلام ~~{ تخافون أن يتخطفكم الناس } يعني كفار مكة قال عكرمة كفار العرب وقال ~~وهب ابن منبه يعني فارس والروم { فآواكم } يعني ms1409 إلى المدينة { وأيدكم ~~بنصره } يعني وقواكم بالأنصار. وقال الكلبي: وقواكم يوم بدر بالملائكة { ~~ورزقكم من الطيبات } يعني الغنائم أحلها لكم ولم يحلها لأحد قبلكم { ~~لعلكم تشكرون } يعني تشكرون الله على نعمه عليكم قوله سبحانه وتعالى: { ~~يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول } قال الزهري والكلبي: نزلت ~~هذه الآية في أبي لبابة هارون بن عبدالمنذر الأنصاري من بني عوف بن مالك ~~وذلك # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة ~~فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح على ما صالح عليه إخوانهم بني ~~النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام فأبى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد ~~بن معاذ فأبوا وقالوا أرسل إلينا أبا لبابة بن عبدالمنذر وكان مناصحا ~~لهم لأن ماله وولده وعياله كان عندهم فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأتاهم فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى أننزل على حكم سعد بن معاذ فأشار أبو ~~لبابة بيده إلى حلقه يعني إنه الذبح فلا تفعلوا. قال أبو لبابة: والله ما ~~زالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله ثم انطلق على ~~وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشد نفسه على سارية من سواري ~~المسجد. وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله ~~علي فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، قال: أما لو جاءني ~~لاستغفرت له أما إذا فعل ما فعل فإني لا أطلقه حتى يتوب الله عليه فمكث ~~سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه ثم تاب الله ~~عليه فقيل له يا أبا لبابة قد تيب عليك فقال والله لا أحل نفسي حتى يكون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني فجاء فحله بيده ثم قال أبو ~~لبابة إن تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب ms1410 وأن أنخلع من ~~مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يجزيك الثلث أن تصدق به " # فنزل فيه { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول }. وقال السدي: ~~كانوا يسمعون السر من النبي صلى الله عليه وسلم فيفشونه حتى يبلغ ~~المشركين فنزلت هذه الآية وقال جابر بن عبد الله: إن أبا سفيان خرج من ~~مكة فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي إن أبا سفيان في مكان ~~كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه إن أبا سفيان في مضوع ~~كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا قال فكتب رجل من المنافقين إليه إن محمدا ~~يريدكم فخذوا حذركم فأنزل الله عز وجل لا تخونوا الله والرسول { وتخونوا ~~أماناتكم } ومعنى الآية لا تخونوا الله والرسول ولا تخونوا أماناتكم { ~~وأنتم تعلمون } يعني أنها أمانة وقيل: معناه وأنتم تعلمون أن ما فعلتم من ~~الإشارة إلى الخلق خيانة وأصل الخيانة من الخون وهو النقص لأن من خان ~~شيئا فقد نقصه والخيانة ضد الأمانة، وقيل في معنى الآية: لا تخونوا الله ~~والرسول فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد خنتم أماناتكم. وقال ابن عباس: معناه لا ~~تخونوا الله بترك فرائضه ولا تخونوا الرسول بترك سنته ولا تخونوا ~~أماناتكم قال ابن عباس هي ما يخفى عن أعين الناس من فرائض الله تعالى ~~والأعمال التي ائتمن عليها العباد وقال قتادة: اعلموا أن دين الله أمانة ~~فأدوا إلى الله ما ائتمنكم عليه من فرائضه وحدوده ومن كانت عليه أمانة ~~فليؤدها إلى من ائتمنه عليها ومنه الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " # أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن غريب. ### || [8.28-30] # وقوله عز وجل { واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة }. قيل: هذا مما نزل ~~في أبي لبابة وذلك لأن أمواله وأولاده كانت في بني قريظة فلذلك قال ما ~~قال خوفا عليهم. وقيل: إنه عام في جميع الناس وذلك أنه لما كان الإقدام ~~على الخيانة في الأمانة ms1411 هو حب المال والولد نبه الله سبحانه وتعالى ~~بقوله: واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة على أنه يجب على العاقل أن ~~يحذر من المضار المتولدة من حب المال والولد، لأن ذلك يشغل القلب ويصيره ~~محجوبا عن خدمة المولى وهذا من أعظم الفتن وروى البغوي بسنده عن عائشة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم " أتى بصبي فقبله، وقال: أما إنهم مبخلة ~~مجبنة وإنهم لمن ريحان الله " # أخرج الترمذي عن عمر بن عبد العزيز قال زعمت المرأة الصالحة خولة بنت ~~حكيم قال: # " خرج ذات يوم وهو محتضن أحد ابني ابنته وهو يقول إنكم لتبخلون وتجبنون ~~وتجهلون وإنكم لمن ريحان الله " # قال الترمذي: لا نعرف لعمر بن عبد العزيز سماعا عن خولة. قوله، لمن ~~ريحان الله: أي لمن رزق الله والريحان في اللغة الرزق. وقوله تعالى: { ~~وأن الله عنده أجر عظيم } يعني لمن أدى الأمانة ولم يخن وفيه تنبيه على ~~أن سعادة الآخرة وهو ثواب الله أفضل من سعادة الدنيا وهو المال والولد. ~~وقوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله } يعني بطاعته وترك ~~معاصيه { يجعل لكم فرقانا } يعني يجعل لكم نورا وتوفيقا في قلوبكم ~~تفرقون به بين الحق والباطل والفرقان أصله الفرق بين الشيئين لكنه أبلغ ~~من أصله لأنه يستعمل في الفرق بين الحق والباطل والحجة والشبهة. قال ~~مجاهد: يجعل لكم مخرجا في الدنيا والآخرة، وقال مقاتل: مخرجا في الدين ~~من الشبهات وقال عكرمة: نجاة أي يفرق بينكم وبين ما تخافون وقال محمد بن ~~إسحاق: فصلا بين الحق والباطل يظهر الله به حقكم ويطفئ باطل من خالفكم ~~وقيل يفرق بينكم وبين الكفار بأن يظهر دينكم ويعليه ويبطل الكفر ويوهنه { ~~ويكفر عنكم سيئاتكم } يعني ويمح عنكم ما سلف من ذنوبكم { ويغفر لكم } ~~يعني ويستر عليكم بأن لا يفضحكم في الدنيا ولا في الآخرة { والله ذو ~~الفضل العظيم } لأنه هو الذي يفعل ذلك بكم فله الفضل العظيم وعلى غيركم ~~من خلقه ومن كان كذلك فإنه إذا وعد بشيء وفى به قيل إنه يتفضل ms1412 على ~~الطائعين بقبول الطاعات ويتفضل على العاصين بغفران السيئات وقيل: معناه ~~أن بيده الفضل العظيم فلا يطلب من عند غيره. قوله سبحانه وتعالى: { وإذ ~~يمكر بك الذين كفروا } لما ذكر الله المؤمنين نعمه عليهم بقوله تعالى: ~~واذكروا إذ أنتم قليل ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم نعمه عليه فيما جرى ~~عليه بمكة من قومه لأن هذه السورة مدنية وهذه الواقعة كانت بمكة قبل أن ~~يهاجر إلى المدينة والمعنى واذكر يا محمد إذ يمكر بك الذين كفروا وكان ~~هذا المكر على ما ذكره ابن عباس وغيره من أهل التفسير قالوا جميعا إن ~~قريشا فرقوا لما أسلمت الأنصار أن يتفاقم أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ويظهر فاجتمع نفر من كبار قريش في دار الندوة ليتشاورا في أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكان رؤوسهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل ~~وأبو سفيان وطعيمة بن عدي والنضر بن الحرث وأبو البختري بن هشام وزمعة بن ~~الأسود وحكيم بن حزام ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وأمية بن خلف، فاعترضهم ~~إبليس في صورة شيخ، فلما رأوه قالوا له: من أنت؟ قال: أنا شيخ من نجد ~~سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأيا ونصحا. # فقالوا: ادخل. فدخل، فقال أبو البختري: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمدا ~~وتحبسوه في بيت مقيدا وتشدوا وثاقه وتسدوا باب البيت غير كوة تلقون منها ~~طعامه وشرابه وتتربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من ~~الشعراء فصرخ عدو الله إبليس وهو الشيخ النجدي وقال: بئس الرأي رأيتم لئن ~~حبستموه ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فيوشك أن ~~يثبوا عليكم فيقاتلوكم ويأخذوه من أيديكم فقالوا صدق الشيخ النجدي. فقام ~~هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي، فقال: أما أنا فأرى أن تحملوه على بعير ~~وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم واسترحتم ~~منه. فقال إبليس اللعين: ما هذا لكم برأي تعتمدون إلى رجل قد أفسد ms1413 ~~أحلامكم فتخرجونه إلى غيركم فيفسدهم ألم تروا إلى حلاوة منطقه وطلاقة ~~لسانه وأخذ القلوب بما تسمع من حديثه والله لئن فعلتم ذلك يذهب ويستميل ~~قلوب قوم آخرين ثم يسير بهم إليكم فيخرجكم من بلادكم فقالوا: صدق الشيخ ~~النجدي. # " فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره إني أرى أن تأخذوا ~~من كل بطن من قريش شابا نسيبا وسطا فتيا ثم نعطي كل فتى سيفا صارما ~~ثم يضربوه جميعا ضربة رجل واحد فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها ولا ~~أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها وأنهم إذا أرادوا ذلك. ~~قالوا: العقل فتؤدي قريش ديته فقال إبليس اللعين: صدق هذا الفتى هو ~~أجودكم رأيا. والقول ما قال لا أرى غيره فتفرقوا على قول أبي جهل وهم ~~مجتمعون عليه فأتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ~~بذلك وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه وأذن الله عز وجل له ~~عند ذلك بالخروج إلى المدينة " فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن ~~أبي طالب أن يبيت في مضجعه وقال له: اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك منهم ~~أمر تكرهه " ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ قبضه من تراب ~~وأخذ الله عز وجل أبصارهم عنه فخرج وجعل ينثر التراب على رؤوسهم وهو ~~يقرأ: { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا } إلى قوله، فهم لا يبصرون " # ومضى إلى الغار من ثور وهو أبو بكر وخلف عليا بمكة حتى يؤدي عنه ~~الودائع التي قبلها وكانت الودائع توضع عنده لصدقه وأمانته. قالوا: وبات ~~المشركون يحرسون عليا وهو على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسبون ~~أنه النبي صلى الله عليه وسلم فلما أصبحوا، ساروا إليه ليقتلوه فرأوه ~~عليا فقالوا له: أين صاحبك؟ قال: لا أدري. فاقتفوا أثره وأرسلوا في ~~طلبه، فلما بلغوا الغار رأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا لو دخله لم ~~يكن لنسج العنكبوت على بابه أثر فمكث في ms1414 الغار ثلاثا ثم خرج إلى المدينة ~~فذلك قوله سبحانه وتعالى: { وإذ يمكر بك الذين كفروا } وأصل المكر احتيال ~~في خفية { ليثبتوك } أي ليحبسوك ويوثقوك لأن كل من شد شيئا وأوثقه فقد ~~أثبته لأنه لا يقدر على الحركة { أو يقتلوك } يعني كما أشار عليهم أبو ~~جهل { أو يخرجوك } يعني من مكة { ويمكرون } يعني ويحتالون ويدبرون في ~~أمرك { ويمكر الله } يعني ويجازيهم الله جزاء مكرهم فسمى الجزاء مكر، ~~لأنه في مقابلته. وقيل: معناه ويعاملهم الله معاملة مكرهم. والمكر: هو ~~التدبير وهو من الله تعالى التدبير بالحق. والمعنى: أنهم احتالوا في ~~إبطال أمر محمد صلى الله عليه وسلم والله سبحانه وتعالى أظهره وقواه ~~ونصره فضاع فعلهم وتدبيرهم وظهر فعل الله وتدبيره { والله خير الماكرين } ~~فإن قلت كيف قال الله سبحانه وتعالى والله خير الماكرين ولا خير في ~~مكرهم. قلت: يحتمل أن يكون المراد والله أقوى الماكرين فوضع خبر موضع ~~أقوى وفيه تنبيه على أن كل مكر يبطل بفعل الله.وقيل: يحتمل أن يكون ~~المراد أن مكرهم فيه خير بزعمهم فقال سبحانه وتعالى في مقابلته: والله ~~خير الماكرين. وقيل: ليس المراد التفضيل بل إن فعل الله خير مطلقا. ### || [8.31-33] # قوله عز وجل: { وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا ~~مثل هذا } نزلت في النضر بن الحارث بن علقمة من بني عبد الدار وذلك أنه ~~كان يختلف إلى أرض فارس والحيرة ويسمع أخبارهم عن رستم واسفنديار وأحاديث ~~العجم وكان يمر بالعباد من اليهود والنصارى فيراهم يقرؤون التوراة ~~والإنجيل ويركعون ويسجدون ويبكون فلما جاء مكة وجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد أوحي إليه وهو يقرأ ويصلي. فقال النضر بن الحارث: قد سمعنا يعني ~~مثل هذا الذي جاء به محمد لو نشاء لقلنا مثل هذا فذمهم الله بدفعهم الحق ~~الذي لا شبهة فيه بادعائهم الباطل بقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا بعد ~~التحدي وأبان عجزهم عن ذلك ولو قدروا ما تخلفوا عنه وهم أهل الفصاحة ~~وفرسان البلاغة فبان بذلك كذبهم في قولهم لو نشاء ms1415 لقلنا مثل هذا { إن هذا ~~إلا أساطير الأولين } يعني أخبار الماضين. قوله سبحانه وتعالى: { وإذ ~~قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ~~ائتنا بعذاب أليم } نزلت في النضر بن الحرث أيضا. قال ابن عباس: لما قص ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شأن القرون الماضية، قال النضر بن الحرث: ~~لو شئت لقلت مثل هذا فقال له عثمان بن مظعون: اتق الله فإن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم يقول الحق قال وأنا أقول الحق. قال: فإن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم يقول لا إله إلا الله. قال: وأنا أقول لا إله إلا الله. ولكن ~~هذه بنات الله، يعني الأصنام، ثم قال: اللهم إن كان هذا هو الحق يعني ~~القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: يعني إن كان الذي ~~يقول محمد صلى الله عليه وسلم من أمر التوحيد وادعاء النبوة وغير ذلك هو ~~الحق فأمطر علينا حجارة من السماء يعني كما أمطرتها على قوم لوط أو ائتنا ~~بعذاب أليم: يعني مثل ما عذبت به الأمم الماضية، في النضر بن الحرث نزل ~~سأل سائل بعذاب واقع. قال عطاء: لقد نزل في النضر بن الحرث بضع عشرة آية ~~فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر قال سعيد بن جبير: قتل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم بدر ثلاثة من قريش صبرا طعيمة بن عدي وعقبة بن أبي ~~معيط والنضر بن الحرث وروى أنس بن مالك أن الذي قال ذلك أبو جهل ق. عن ~~أنس قال: قال أبو جهل اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء الآية فنزلت وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم الآية فلما ~~أخرجوه نزلت وما لهم أن لا يعذبهم الله وهم يصدونهم عن المسجد الحرام. # قوله عز وجل: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } اختلفوا في معنى هذه ~~الآية فقال محمد بن إسحاق: هذه الآية متصلة بما قبلها وهي حكاية عن ms1416 ~~المشركين وذلك أنهم قالوا إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفر ولا يعذب أمة ~~ونبيها معها فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم يذكره جهالتهم ~~وغرتهم واستفتاحهم على أنفسهم وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك الآية وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم { وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون } ثم قال تعالى ردا عليهم: وما لهم ألا يعذبهم الله وإن كنت ~~بين أظهرهم وإن كانوا يستغفرون وهم يصدون عن المسجد الحرام. وقال آخرون: ~~هذا كلام مستأنف يقول الله عز وجل إخبارا عن نفسه تعالى وتقدس وما كان ~~الله ليعذبهم وأنت فيهم، واختلفوا في معناه فقال الضحاك وجماعة: تأويلها: ~~وما كان الله ليعذبهم وأنت يا محمد مقيم فيهم بين أظهرهم. قالوا: نزلت ~~هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بمكة ثم لما خرج منها ~~بقي بقية من المسلمين يستغفرون، فأنزل الله عز وجل وما كان الله معذبهم ~~وهم يستغفرون ثم لما خرج أولئك المسلمون من بين أظهر الكافرين أذن الله ~~في فتح مكة فهو العذاب الذي وعدهم. وقال ابن عباس: لم يعذب الله قرية حتى ~~يخرج نبيها منها والذين آمنوا معه ويلحق بحيث أمر فقال الله وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم مقيم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون يعني المسلمين ~~فلما خرجوا قال الله لهم ومالهم ألا يعذبهم الله، وقال بعضهم: هذا ~~الاستغفار راجع إلى المشركين وذلك أنهم كانوا يقولون بعد فراغهم من ~~الطواف غفرانك غفرانك. وقال زيد بن رومان: قالت قريش اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فلما أمسوا ندموا على ما قالوا ~~فقالوا غفرانك اللهم فقال الله تعالى وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون. ~~وقال قتادة والسدي: معناه وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون أي لو ~~استغفروا ولكنهم لم يكونوا مستغفرين ولو أقروا بالذنب واستغفروا الله ~~لكانوا مؤمنين. وقيل: هذا دعاء لهم إلى الإسلام والاستغفار بهذه الكلمة، ~~كالرجل يقول لعبده لا أعاقبك. وأنت تطيعني ms1417 أي أطعني حتى لا أعاقبك وقال ~~مجاهد وعكرمة: وهم يستغفرون أي يسلمون. يعني: لو أسلموا لما عذبوا. وقال ~~ابن عباس: وفيهم من سبق له من الله العناية أنه يؤمن ويستغفر مثل أبي ~~سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وحكيم بن ~~حزام وغيرهم. وقال مجاهد: وهم يستغفرون، أي وفي أصلابهم من يستغفر وقيل ~~في معنى الآية: إن الكفار لما بالغوا وقالوا إن كان محمد محقا في قوله ~~فأمطر علينا حجارة من السماء أخبر الله سبحانه وتعالى أن محمدا محق في ~~قوله وأنه مع ذلك لا يمطر على أعدائه ومنكري نبوته حجارة من السماء ما ~~دام بين أظهرهم وذلك تعظيما له صلى الله عليه وسلم وأورد على هذا أنه ~~إذا كانت إقامته مانعة من نزول العذاب بهم فكيف قال في غير هذه الآية ~~قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم فالجواب أن المراد من العذاب الأول هو عذاب ~~الاستئصال والمراد من العذاب الثاني وهو قوله سبحانه وتعالى يعذبهم الله ~~بأيديكم هو عذاب القتل والسبي والأسر وذلك دون عذاب الاستئصال. # قال أهل المعاني: دلت هذه الآية على أن الاستغفار أمان سلامة من العذاب ~~عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله أنزل علي أمانين لأمتي وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما ~~كان الله معذبهم وهم يستغفرون فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم ~~القيامة " # أخرجه الترمذي. ### || [8.34] # وقوله سبحانه وتعالى: { وما لهم ألا يعذبهم الله } يعني أي شيء يمنعهم ~~من أن يعذبهم يعني بعد خروجك من بين أظهرهم، لأنه سبحانه وتعالى بين في ~~الآية الأولى أنه لا يعذبهم وهو مقيم فيهم بين أظهرهم وبين في هذه ~~الآية أنه معذبهم. ثم اختلفوا في هذا العذاب فقيل: هو القتل والأسر يوم ~~بدر. وقيل: أراد به عذاب الآخرة. وقيل: أراد بالعذاب الأول عذاب ~~الاستئصال وأراد بالعذاب الثاني: العذاب بالسيف. وقيل: أراد بالعذاب ~~الأول عذاب الدنيا وبهذا العذاب عذاب الآخرة. وقال الحسن: الآية الأولى ~~وهو قوله ms1418 تعالى وما كان الله ليعذبهم منسوخة بقوله وما لهم ألا يعذبهم ~~الله وفيه بعد لأن الاخبار لا يدخلها النسخ ثم بين ما لأجله يعذبهم فقال ~~تعالى: { وهم يصدون عن المسجد الحرام } يعني وهم يمنعون المؤمنين عن ~~الطواف بالبيت وذلك حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن ~~البيت الحرام عام الحديبية { وما كانوا أولياءه } قال الحسن: كان ~~المشركون يقولون نحن أولياء المسجد الحرام فرد الله عليهم بقوله وما ~~كانوا أولياءه يعني ليسوا أولياء المسجد الحرام { إن أولياؤه إلا المتقون ~~} يعني المؤمنين الذين يتقون الشرك { ولكن أكثرهم } يعني المشركين { لا ~~يعلمون }. ### || [8.35-36] # قوله عز وجل: { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية } لما ذكر ~~الله عز وجل أن الكفار ليسوا بأولياء البيت الحرام ذكر عقبة السبب في ذلك ~~وهو أن صلاتهم عنده كانت مكاء وتصدية. والمكاء في اللغة: الصفير. يقال: ~~مكا الطير يمكو إذا صفر والمكاء: اسم طير أبيض يكون بالحجاز له صفير. ~~وقيل: هو طائر يألف الريف سمي بذلك لكثرة مكائه يعني صفيره. والتصدية: ~~التصفيق وفي أصله واشتقاقه قولان أحدهما: أنه من الصدى وهو الصوت الذي ~~يرجع من الجبل كالمجيب للمتكلم ولا يرجع إلى شيء. الثاني: قال أبو عبيدة ~~أصله تصددة فأبدلت الياء من الدال. قال الأزهري: والمكاء والتصدية، ليسا ~~بصلاة، ولكن الله سبحانه وتعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التي أمروا ~~بها المكاء والتصدية قال حسان بن ثابت: # صلاتهم التصدي والمكاء # قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون. وقال ~~مجاهد: كان نفر من بني عبد الدار يعارضون النبي صلى الله عيله وسلم في ~~الطواف ويستهزؤون به ويدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون. فالمكاء: جعل ~~الأصابع في الشدق، والتصدية: الصفير. وقال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة ~~بن عبد الرحمن عن قوله: إلا مكاء وتصدية، فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيرا. ~~وقال مقاتل: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قام رجلان عن ~~يمينه يصفران ورجلان عن يساره يصفقان ليخلطوا على النبي ms1419 صلى الله عليه ~~وسلم صلاته وهم من بني عبد الدار. فعلى قول ابن عباس كان المكاء والتصدية ~~نوع عبادة لهم، وعلى قول غيره كان نوع أذى للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقول ابن عباس أصح، لأن الله سبحانه وتعالى سمى ذلك صلاة. فإن قلت كيف ~~سماها صلاة وليس ذلك من جنس الصلاة؟ قلت: إنهم كانوا يعتقدون ذلك المكاء ~~والتصدية صلاة فخرج ذلك على حسب معتقدهم وفيه وجه آخر وهو أن من كان ~~المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له فهو كقول العرب من كان السخاء عيبه ~~فلا عيب له وقال سعيد بن جبير: التصدية صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام ~~وعن الدين والصلاة فعلى هذا التصدية من الصد وهو المنع وقوله سبحانه ~~وتعالى: { فذوقوا العذاب } يعني عذاب القتل والأسر في الدنيا. وقيل: يقال ~~لهم في الآخرة فذوقوا العذاب { بما كنتم تكفرون } يعني بسبب كفرهم في ~~الدنيا. قوله سبحانه وتعالى: { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن ~~سبيل الله } لما ذكر الله سبحانه وتعالى عبادة الكفار البدنية وهي المكاء ~~والتصدية، ذكر عقبها عبادتهم المالية التي لا جدوى لها في الآخرة. وقال ~~الكلبي ومقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا أبو جهل ~~بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وأبو ~~البختري بن هشام والنضر بن الحارث وحكيم ابن حزام وأبي بن خلق وزمعة بن ~~الأسود والحارث بن عامر بن نوفل والعباس بن عبد المطلب، وكلهم من قريش، ~~فكان يطعم كل واحد منهم الجيش في كل يوم عشر جزر وأسلم من هؤلاء: العباس ~~بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكيم بن حزام. # وقال الحكم بن عتبة: نزلت في أبي سفيان بن حرب حين أنفق على المشركين ~~يوم أحد أربعين أوقية كل أوقية اثنان وأربعون مثقالا. وقال ابن أبزي: ~~استأجر أبو سفيان يوم أحد ألفين ليقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سوى من استجاش من العرب. وقيل: استأجر يوم أحد ألفين ms1420 من الأحابيش من ~~كنانة فقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: لما أصيب من أصيب ~~من قريش يوم بدر ورجع أبو سفيان بعيره إلى مكة مشى عبد الله بن أبي ربيعة ~~وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش قد أصيب أباؤهم ~~وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك ~~العير من قريش تجارة. فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل ~~خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا. بمن أصيب ~~منافقيهم نزلت إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله أي ~~ليصرفوا الناس عن الإيمان بالله ورسوله وقيل ينفقون أموالهم على أمثالهم ~~من المشركين ليتقووا بهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين { فسينفقونها } يعني أموالهم في ذلك الوجه { ثم تكون عليهم ~~حسرة ثم يغلبون } يعني ما أنفقوا من أموالهم يكون عليهم حسرة وندمة يوم ~~القيامة لأن أموالهم تذهب ويغلبون ولا يظفرون بما يؤملون { والذين كفروا ~~} يعني منهم لأن فيهم من أسلم ولهذا قال والذين كفروا يعني من المنفقين ~~أموالهم { إلى جهنم يحشرون } يعني يساقون إلى النار. ### || [8.37-40] # { ليميز الله الخبيث من الطيب } يعني ليفرق الله بين فريق الكفار وهم ~~الفريق الخبيث وبين فريق المؤمنين وهم الفريق الطيب وهذا معنى قول ابن ~~عباس فإنه قال: يميز أهل السعادة من أهل الشقاوة وقال: ليميز العمل ~~الخبيث من العمل الطيب فيجازي على العمل الخبيث النار وعلى العمل الطيب ~~الجنة وقيل: المراد به إنفاق الكفار في سبيل الشيطان وإنفاق المؤمنين في ~~سبيل الله { ويجعل الخبيث بعضه على بعض } يعني بعضه فوق بعض { فيركمه ~~جميعا } يعني فيجمعه جميعا ويضم بعضه إلى بعض حتى يتراكم { فيجعله في ~~جهنم } يعني الخبيث { أولئك } إشارة إلى المنفقين في سبيل الشيطان أو إلى ~~الخبيث { هم الخاسرون } يعني أنهم خسروا الدنيا والآخرة لأنهم اشتروا ~~بأموالهم عذاب الآخرة. قوله سبحانه وتعالى: { قل } يعني قل يا محمد { ~~للذين كفروا إن ينتهوا } يعني عن ms1421 الشرك { يغفر لهم ما قد سلف } يعني ما ~~قد مضى من كفرهم وذنوبهم قبل الإسلام { وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين } ~~يعني في إهلاك أعدائه ونصر أوليائه. ومعنى الآية: إن هؤلاء الكفار إن ~~انتهوا عن الكفر ودخلوا في دين الإسلام والتزموا شرائعه غفر الله لهم ما ~~قد سلف من كفرهم وشركهم وإن عادوا إلى الكفر وأصروا عليه فقد مضت سنة ~~الأولين بإهلاك أعدائه ونصر أنبيائه وأوليائه وأجمع العلماء على أن ~~الإسلام يجب ما قبله وإذا أسلم الكافر لم يلزمه شيء من قضاء العبادات ~~البدنية والمالية. وهو ساعة إسلامه كيوم ولدته أمه يعني بذلك أنه ليس ~~عليه ذنب. قال يحيى بن معاذ الرازي: التوحيد لم يعجز عن هدم ما قبله من ~~كفر فأرجوا الله أن لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب { وقاتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة } قال ابن عباس: حتى لا يكون بلاء { ويكون الدين كله لله } ~~يعني تكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره، وقال قتادة: حتى ~~يقال لا إله إلا الله عليها قاتل نبي الله صلى الله عليه وسلم وإليها عاد ~~وقال محمد بن إسحاق في قوله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله يعني لا يفتن مؤمن عن دينه ويكون التوحيد لله خالصا ليس فيه شرك ~~ويخلع ما دونه من الأنداد والشركاء { فإن انتهوا } يعني عن الشرك وإفتان ~~المؤمنين وإيذائهم { فإن الله بما يعملون بصير } يعني فإن الله لا يخفى ~~عليه شيء من أعمال العباد ونياتهم حتى يوصل إليهم ثوابهم { وإن تولوا } ~~يعني وإن أعرضوا عن الإيمان وأصروا على الكفر وعادوا إلى قتال المؤمنين ~~وإيذائهم { فاعلموا } يعني أيها المؤمنون { أن الله مولاكم } يعني أن ~~الله وليكم وناصركم عليها وحافظكم { نعم المولى ونعم النصير } يعني أن ~~الله سبحانه وتعالى هو نعم المولى فمن كان في حفظه ونصره وكفايته وكلاءته ~~فهو له نعم المولى ونعم النصير. ### || [8.41] # قوله عز وجل: { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول } الغنم ~~الفوز بالشيء يقال يغنم غنما ms1422 فهو غانم واختلف العلماء هل الغنيمة والفيء ~~اسمان لمسمى واحد أم يختلفان في التسمية فقال عطاء بن السائب: الغنيمة ما ~~ظهر المسلمون عليه من أموال المشركين فأخذوه عنوة وأما الأرض فهي فيء. ~~وقال سفيان الثوري: الغنيمة ما أصاب المسلمون من مال الكفار عنوة بقتال ~~وفيه الخمس وأربعة أخماسه لمن شهد الوقعة. والفيء: ما صولحوا عليه بغير ~~قتال وليس فيه خمس فهو لمن سمى الله. وقيل: الغنيمة ما أخذ من أموال ~~الكفار عنوة عن قهر وغلبة، والفيء: ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ~~كالعشور والجزية وأموال الصلح والمهادنة. وقيل: إن الفيء والغنيمة ~~معناهما واحد وهما اسمان لشيء واحد، والصحيح أنهما يختلفان فالفيء ما أخذ ~~من أموال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب والغنيمة ما أخذ من أموالهم على ~~سبيل القهر والغلبة بإيجاف خيل عليه وركاب فذكر الله سبحانه وتعالى في ~~هذه الآية حكم الغنيمة فقال تعالى: { واعلموا أنما غنمتم من شيء } يعني ~~من أي شيء كان حتى الخيط والمخيط فإن لله خمسه وللرسول. وقد ذكر أكثر ~~المفسرين والفقهاء أن قوله لله افتتاح كلام على سبيل التبرك وإنما أضافه ~~لنفسه تعالى لأنه هو الحاكم فيه فيقسمه كيف شاء وليس المراد منه أن سهما ~~منه لله منفردا لأن الدنيا والآخرة كلها لله وهذا قول الحسن وقتادة ~~وعطاء وإبراهيم النخعي قالوا: سهم الله وسهم رسوله واحد والغنيمة تقسم ~~خمسة أخماس أربعة أخماسها لمن قاتل عليها وأحرزها والخمس الباقي لخمسة ~~أصناف كما ذكر الله عز وجل للرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل. وقال أبو العالية: يقسم خمس الخمس على ستة أسهم سهم لله عز وجل ~~فيصرف إلى الكعبة القول الأول أصح أي إن خمس الغنيمة يقسم على خمسة أسهم ~~سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان له في حياته واليوم هو لمصالح ~~المسلمين وما فيه قوة الإسلام وهذا قول الشافعي وأحمد. وروى الأعمش عن ~~إبراهيم قال: كان أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما يجعلان سهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم في ms1423 الكراع والسلاح. وقال قتادة: هو للخليفة. وقال أبو ~~حنيفة: سهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته مردود في الخمس فيقسم ~~الخمس على الأربعة الأصناف المذكورين في الآية وهم ذوو القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل. وقوله سبحانه وتعالى: { ولذي القربى } يعني أن ~~سهما من خمس الخمس لذوي القربى وهم أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واختلفوا فيهم فقال قوم هم جميع قريش وقال قوم هم الذين لا تحل لهم ~~الصدقة وقال مجاهد وعلي بن الحسين: هم بنو هاشم. # وقال الشافعي رحمه الله تعالى: هم بنو هاشم وبنو المطلب وليس لبني عبد ~~شمس ولا لبني نوفل منه شيء وإن كانوا إخوة ويدل عليه ما روي # " عن جبير بن مطعم قال جئت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقلت يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد ~~" # وفي رواية: # " أعطيت بني المطلب من خمس الخمس وتركتنا " # وفي رواية # " قال جبير: ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس ولا لبني ~~نوفل شيئا " # أخرجه البخاري وفي رواية أبي داود # " أن جبير بن مطعم جاء هو وعثمان بن عفان يكلمان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيما يقسم من الخمس في بني هاشم وبني المطلب فقلت يا رسول الله ~~قسمت لإخواننا بني المطلب ولم تعطنا شيئا وقرابتنا وقرابتهم واحدة فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد " # وفي رواية النسائي قال # " لما كان يوم خيبر رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى في ~~بني هاشم وبني المطلب وترك بني نوفل وبني عبد شمس فانطلقت أنا وعثمان بن ~~عفان حتى أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله هؤلاء بنو ~~هاشم لا ننكر فضلهم للموضع الذي وضعك الله به منهم فما بال إخواننا بني ~~المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة فقال ms1424 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شيء ~~واحد وشبك بين أصابعه " # واختلف أهل العلم في سهم ذوي القربى هل هو ثابت اليوم أم لا فذهب أكثرهم ~~إلى أنه ثابت فيعطي فقراؤهم وأغنياؤهم من خمس الخمس للذكر مثل حظ ~~الأنثيين وهو قول مالك والشافعي وذهب أبو حنيفة وأصحاب الرأي إلى أنه غير ~~ثابت قالوا سهم النبي صلى الله عليه وسلم وسهم ذوي القربى مردود في الخمس ~~فيقسم خمس الغنيمة على ثلاث أصناف اليتامى والمساكين وابن السبيل فيصرف ~~إلى فقراء ذوي القربى مع هذه الأصناف دون أغنيائهم وحجة الجمهور أن ~~الكتاب والسنة يدلان على ثبوت سهم ذوي القربى وكذا الخلفاء بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كانوا يعطون ذوي القربى ولا يفضلون فقيرا على غني، ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله ~~وكذا الخلفاء بعده كانوا يعطونه وألحقه الشافعي بالميراث الذي يستحق باسم ~~القرابة غير أنهم يعطون القريب والبعيد قال ويفضل الذكر على الأنثى فيعطى ~~الذكر سهمين والأنثى سهما. # وقوله سبحانه وتعالى: { واليتامى } جمع يتيم يعني ويعطى من خمس الخمس ~~لليتامى، واليتيم الذي له سهم في الخمس هو الصغير المسلم الذي لا أب له ~~فيعطى مع الحاجة إليه { والمساكين } وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين ~~{ وابن السبيل } وهو المسافر البعيد عن ماله فيعطى من خمس الخمس مع ~~الحاجة فهذا مصرف خمس الغنيمة ويقسم أربعة أخماسها الباقية بين الغانمين ~~الذين شهدوا الواقعة وحازوا الغنيمة فيعطى للفارس ثلاثة أسهم سهم له ~~وسهمان لفرسه، ويعطى الراجل سهما واحدا لما روي عن ابن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قسم في النفل للفرس سهمين وللرجل سهما. وفي ~~رواية نحوه بإسقاط لفظ النفل أخرجه البخاري ومسلم. وفي رواية أبي داود، ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهما له ~~وسهمين لفرسه وهذا قول أكثر أهل العلم وإليه ذهب الثوري والأوزاعي ms1425 ومالك ~~وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان ~~وللراجل سهم ويرضخ للعبيد والنسوان والصبيان إذا حضروا القتال ويقسم ~~العقار الذي استولى عليه المسلمون كالمنقول وعند أبي حنيفة يتخير الإمام ~~في العقار بين أن يقسمه بينهم وبين أن يجعله وقفا على المصالح وظاهر ~~الآية يدل على أنه لا فرق بين العقار والمنقول ومن قتل من المسلمين ~~مشركا في القتال يستحق سلبه من رأس الغنيمة لما روي عن أبي قتادة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " # أخرجه الترمذي وأخرجه البخاري ومسلم في حديث طويل والسلب كل ما يكون على ~~المقتول من ملبوس وسلاح والفرس الذي كان راكبه ويجوز للإمام أن ينفل بعض ~~الجيش من الغنيمة لزيادة عناء وبلاء يكون منهم في الحرب يخصهم به من بين ~~سائر الجيش ثم يجعلهم أسوة الجماعة في سائر الغنيمة ق عن ابن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة ~~سوى عامة الجيش. عن حبيب بن سلمة الفهري، قال: شهدت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نفل الرابع في البدأة والثلث في الرجعة أخرجه أبو داود واختلف ~~العلماء في أن النفل من أين يعطى فقال قوم من خمس الخمس من سهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو قول سعيد بن المسيب وبه قال الشافعي. وهذا معنى ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبادة بن الصامت قال: أخذ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر وبرة من جنب بعير فقال: يا أيها الناس ~~إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم ~~أخرجه النسائي. # وقال قوم: هو من الأربعة الأخماس بعد إقرار الخمس كسهام الغزاة وهو قول ~~أحمد وإسحاق. وذهب قوم إلى أن النفل من رأس الغنيمة قبل التخميس كالسلب ~~للقاتل وأما الفيء، وهو ما أصابه المسلمون من أموال الكفار بغير إيجاف ~~خيل ولا ركاب ms1426 بأن صالحهم على ما يؤدونه، وكذلك الجزية وما أخذ من أموالهم ~~إذا دخلوا دار الإسلام للتجارة أو يموت أحد منهم في دار الإسلام ولا وارث ~~له فهذا كله فيء ومال الفيء كان خالصا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~مدة حياته. وقال عمر: إن الله سبحانه وتعالى خص نبيه صلى الله عليه وسلم ~~في هذا الفيء بشيء لم يخص به أحدا غيره ثم قرأ عمر: وما أفاء الله على ~~رسوله منهم الآية فكانت هذه لرسول الله خالصة وكان ينفق على أهله وعياله ~~نفقة سنتهم من هذا المال ثم ما بقي يجعله مجعل مال الله في الكراع ~~والسلاح واختلف أهل العلم في مصرف الفيء بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال قوم هو للأئمة بعده وللإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فيه ~~قولان أحدهما أنه للمقاتلة الذين أثبتت أسماؤهم في ديوان الجهاد لأنهم هم ~~القائمون مقام النبي صلى الله عليه وسلم في إرهاب العدو. والقول الثاني: ~~إنه لمصالح المسلمين ويبدأ بالمقاتلة فيعطون منه كفايتهم فالأهم من ~~المصالح واختلف أهل العلم في تخميس الفيء فذهب الإمام الشافعي رضي الله ~~تعالى عنه إلى أنه يخمس وخمسه لأهل الخمس من الغنيمة على خمسة أسهم ~~وأربعة أخماسه للمقاتلة وللمصالح وذهب الأكثرون إلى أنه لا يخمس بل يصرفه ~~جميعه مصرفا واحدا ولجميع المسلمين فيه حق. عن مالك بن أنس قال: ذكر ~~عمر يوما الفيء منكم ما أنا أحق بهذا الفيء منكم وما أحد منا أحق به ~~الآخر إلا أنا على منازلنا من كتاب الله وقسمة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقدمه الرجل وبلاؤه والرجل وعياله والرجل وحاجته أخرجه أبو داود ~~وأخرج البغوي بسنده عنه أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: ما على وجه الأرض ~~مسلم إلا له في هذا الفيء حق إلا ما ملكت أيمانكم وقوله سبحانه وتعالى: { ~~إن كنتم آمنتم بالله } يعني واعملوا أيها المؤمنون أن خمس الغنيمة مصروف ~~إلى ما ذكر في هذه الآية من الأصناف فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بأربعة ms1427 ~~أخماس الغنيمة إن كنتم آمنتم بالله وصدقتم بوحدانيته { وما أنزلنا على ~~عبدنا } يعني وآمنتم بالمنزل على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا ~~إضافة تشريف وتعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم والذي أنزله على عبده محمد ~~صلى الله عليه وسلم يسألونك عن الأنفال الآية { يوم الفرقان } يعني يوم ~~بدر. قال ابن عباس: يوم الفرقان يوم بدر فرق الله عز وجل بين الحق ~~والباطل { يوم التقى الجمعان } يعني جميع المؤمنين وجميع الكافرين وهو ~~يوم بدر وهو أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رأس ~~المشركين عتبة بن ربيعة فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة أو لسبع عشرة من ~~رمضان وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلاثمائة وبضعة عشر ~~رجلا والمشركون ما بين الألف والتسعمائة فهزم الله المشركين وقتل منهم ~~زيادة على سبعين وأسر منهم مثل ذلك { والله على كل شيء قدير } يعني على ~~نصركم أيها المؤمنون مع قلتكم وكثرة أعدائكم. ### || [8.42-44] # قوله سبحانه وتعالى: { إذ أنتم } أي اذكروا نعمة الله عليكم يا معشر ~~المسلمين إذ أنتم { بالعدوة الدنيا } يعني بشفيرالوادي الأدنى من المدينة ~~والدنيا هنا تأنيث الأدنى { وهم } يعني المشركين { بالعدوة القصوى } يعني ~~بشفير الوادي الأقصى من المدينة مما يلي مكة والقصوى تأنيث الأقصى { ~~والركب أسفل منكم } يعني أبا سفيان وأصحابه وهم غير قريش التي خرجوا ~~لأجلها وكانوا في موضع أسفل من موضع المؤمنين إلى ساحل البحر على ثلاثة ~~أميال من بدر { ولو تواعدتم } يعني أنتم والمشركون { لاختلفتم في الميعاد ~~} وذلك لأن المسلمين خرجوا ليأخذوا العير وخرج الكفار ليمنعوها من ~~المسلمين فالتقوا على غير ميعاد والمعنى ولو تواعدتم أنتم والكفار على ~~القتال لاختلفتم أنتم وهم لقلتكم وكثرة عدوكم { ولكن } يعني ولكن الله ~~جمعكم على غير ميعاد { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } يعني من نصر ~~أوليائه وإعزاز دينه وإهلاك أعدائه وأعداء دينه { ليهلك من هلك عن بينة } ~~يعني ليموت من مات عن بينة رآها وعبرة عاينها وحجة قامت عليه { ويحيى من ~~حي عن بينة } يعني ويعيش من عاش ms1428 عن بينة رآها وعبرة شاهدها وحجة قامت ~~عليه وقال محمد بن إسحاق: معناه ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه ويؤمن من ~~آمن على مثل ذلك لأن الهلاك هو الكفر والحياة هي الإيمان ونحوه قال قتادة ~~ليضل من ضل على بينه ويهتدي من اهتدى على بينة { وإن الله لسميع عليم } ~~يعني يسمع دعاءكم ويعلم نياتكم ولا تخفى عليه خافية. قوله عز وجل: { إذ ~~يريكهم الله } يعني: واذكر يا محمد نعمة الله عليك إذ يريك المشركين { في ~~منامك } يعني في نومك { قليلا } قال مجاهد: أراهم الله في منامه قليلا ~~فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك وكان ذلك تثبيتا. وقال محمد ~~بن إسحق: فكان ما أراه الله من ذلك نعمة من نعمه عليهم يشجعهم بها على ~~عدوهم، فكف عنهم بها ما تخوف عليهم من ضعفهم لعلمه بما فيهم. وقيل: لما ~~أرى الله النبي صلى الله عليه وسلم كفار قريش في منامه قليلا فأخبر بذلك ~~أصحابه قالوا: رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم حق فصار ذلك سببا لجراءتهم ~~على عدوهم وقوة لقلوبهم. وقال الحسن: إن هذه الإراءة كانت في اليقظة. ~~والمراد من المنام، العين، لأنها موضع النوم { ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ~~} يعني لجبنتم والفشل ضعف مع جبن والمعنى ولو أراكهم كثيرا فذكرت ذلك ~~لأصحابك لفشلوا وجبنوا عنهم { ولتنازعتم في الأمر } يعني اختلفتم في أمر ~~الإقدام عليهم أو الإحجام عنهم وقيل معنى التنازع في الأمر الاختلاف الذي ~~تكون معه مخاصمة ومجادلة ومجاذبة كل واحد إلى واحد إلى ناحية والمعنى: ~~لاضطرب أمركم واختلفت كلمتكم { ولكن الله سلم } يعني: ولكن الله سلمكم من ~~التنازع والمخالفة فيما بينكم. # وقيل: معناه ولكن الله سلمكم من الهزيمة والفشل { إنه عليم بذات الصدور ~~} يعني أنه تعالى يعلم ما يحصل في الصدور من الجراءة والجبن والصبر ~~والجزع. وقال ابن عباس: أنه عليم بما في صدوركم من الحب لله عز وجل: { ~~وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا } يعني أن الله سبحانه وتعالى ~~قلل عدد المشركين في أعين المؤمنين يوم ms1429 بدر لما التقوا في القتال ليتأكد ~~في اليفظة ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في منامه وأخبر به أصحابه قال ~~ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي تراهم سبعين قال: ~~أراهم مائة فأسرنا رجلا منهم فقلنا كم كنتم قال: كنا ألفا. ويقللكم في ~~أعينهم يعني ويقللكم يا معشر المؤمنين في أعين المشركين. قال السدي: قال ~~ناس من المشركين إن العير قد انصرف فارجعوا فقال أبو جهل الآن إذ برز لكم ~~محمد وأصحابه فلا ترجعوا حتى نستأصلهم إنما محمد وأصحابه أكلة جزور يعني ~~لقلتهم في عينيه ثم قال: فلا تقتلوهم واربطوهم في الحبال يقوله من القدرة ~~التي في نفسه والحكمة في تقليل المشركين في أعين المؤمنين تصديق رؤيا ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولتقوى بذلك قلوب المؤمنين وتزداد جراءتهم عليه ~~ولا يجبنوا عند قتالهم والحكمة في تقليل المؤمنين في أعين المشركين لئلا ~~يهربوا وإذا استقلوا عدد المسلمين لم يبالغوا في الاستعداد والتأهب ~~لقتالهم فيكون ذلك سببا لظهور المؤمنين عليهم. فإن قلت: كيف يمكن تقليل ~~الكثير وتكثير القليل؟ قلت: ذلك ممكن في القدرة الإلهية فإن الله سبحانه ~~وتعالى على ما يشاء قدير ويكون ذلك معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمعجزة من خوارق العادات فلا ينكر ذلك { ليقضي الله أمرا كان مفعولا ~~} يعني أمرا كان كائنا من إعلاء كلمة الإسلام ونصر أهله وإذلال كلمة ~~الشرك وخذلان أهله فإن قلت: قد قال في الآية المتقدمة ولكن ليقضي الله ~~أمرا كان مفعولا وقال في هذه الآية ليقضي الله أمرا كان مفعولا فما ~~معنى هذا التكرار؟ قلت: المقصود من ذكره في الآية المتقدمة ليحصل استيلاء ~~المؤمنين على المشركين على وجه القهر والغلبة ليكون ذلك معجزة دالة على ~~صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم والمقصود من ذكره في هذه الآية لأنه ~~تعالى قلل عدد الفريقين في أعين بعضهم بعضا للحكمة التي قضاها فلذلك قال ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا { وإلى الله ترجع الأمور } يعني في الآخرة ~~فيجازى كل عامل على ms1430 قدر عمله فالمحسن بإحسانه والمسيء بإساءته أو يغفر. ### || [8.45-46] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة } يعني جماعة كافرة { ~~فاثبتوا } يعني لقتالهم وهو أن يوطنوا أنفسهم على لقاء العدو وقتاله ولا ~~يحدثوها بالتوالي { واذكروا الله كثيرا } يعني كونوا ذاكرين الله عند ~~لقاء عدوكم ذكرا كثيرا بقلوبكم وألسنتكم أمر الله عباده المؤمنين ~~وأولياءه الصالحين بأن يذكروه في أشد الأحوال وذلك عند لقاء العدو ~~وقتاله، وفيه تنبيه على أن الإنسان لا يجوز أن يخلو قلبه ولسانه عن ذكر ~~الله. وقيل: المراد من هذا الذكر هو الدعاء بالنصر على العدو وذلك لا ~~يحصل إلا بمعونة الله تعالى فأمر الله سبحانه وتعالى عباده أن يسألوه ~~النصر على العدو عند اللقاء ثم قال تعالى: { لعلكم تفلحون } يعني: وكونوا ~~على رجاء الفلاح والنصر والظفرة. فإن قلت: ظاهر الآية يوجب الثبات على كل ~~حال وذلك يوهم أنها ناسخة لآية التحرف والتحيز. قلت المراد من الثبات هو ~~الثبات عند المحاربة والمقاتلة في الجملة وآية التحرف والتحيز لا تقدح في ~~حصول هذا الثبات في المحاربة بل ربما كان الثبات لا يحصل إلا بذلك التحرف ~~والتحيز ثم قال تعالى مؤكدا لذلك { وأطيعوا الله ورسوله } يعني في أمر ~~الجهاد والثبات عند لقاء العدو { ولا تنازعوا فتفشلوا } يعني: ولا ~~تختلفوا فإن التنازع والاختلاف يوجب الفشل والضعف والجبن. وقوله تعالى: { ~~وتذهب ريحكم } يعني قوتكم. وقال مجاهد: نصرتكم. قال: وذهبت ريح أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أحد. وقال السدي: جراءتكم وجدكم ~~وقال مقاتل: حدتكم وقال الأخفش وأبو عبيدة: دولتكم. والريح هنا كناية في ~~نفاذ الأمر وجريانه على المراد. تقول العرب: هبت ريح فلان إذا أقبل أمره ~~على ما يريد وقال قتادة وابن زيد: هي ريح النصر ولم يكن نصر قط إلا بريح ~~يبعثها الله تعالى تضرب وجوه العدو، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ". # وعن النعمان بن مقرن قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا ~~لم يقاتل من أول ms1431 النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل ~~النصر أخرجه أبو داود. وقوله سبحانه وتعالى: { واصبروا } يعني عند لقاء ~~عدوكم ولا تنهزموا عنهم { إن الله مع الصابرين } يعني بالنصر والمعونة ق. ~~عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه ~~التي لقي فيها العدو انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: # " أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وأسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم ~~فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " # ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم " # ق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا ". ### || [8.47-48] # قوله عز وجل: { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا } يعني فخرا ~~وأشرا. وقيل: البطر: الطغيان في النعمة وذلك أن النعم إذا كثرت من الله ~~تعالى على العبد فإن صرفها في المفاخرة على الأقران وكاثر بها أبناء ~~الزمان وأنفقها في غير طاعة الرحمن فذلك هو البطر في النعم وإن صرفها في ~~طاعة الله وابتغاء مرضاته فذلك شكرها، وهذا معنى قول الزجاج البطر ~~الطغيان في النعمة وترك شكرها { ورئاء الناس } الرياء إظهار الجميل ليراه ~~الناس مع إبطال القبيح والفرق بين الرياء والنفاق أن النفاق إظهار ~~الإيمان مع إبطان الكفر والرياء إظهار الطاعة مع إبطان المعصية { ويصدون ~~عن سبيل الله } يعني ويمنعون الناس عن الدخول في دين الله نزلت هذه الآية ~~في كفار قريش حين خرجوا إلى بدر ولهم فخر وبغي فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تجادل وتكذب رسولك اللهم ~~فنصرك الذي وعدتني به ". # قال ابن عباس: إن أبا سفيان لما رأى أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش ~~أنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورحالكم وأموالكم فقد نجاها الله فارجعوا، ~~فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا وكان في بدر موسم من مواسم ~~العرب يجتمع ms1432 لهم بها سوق في كل عام قال فنقيم عليها ثلاثا وننحر الجزور ~~ونطعم الطعام ونسقي الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا ~~يزالون يهابوننا أبدا فامضوا. زاد غيره قال: فلما وافوا بدرا سقوا كؤوس ~~الحمام عوضا عن الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان فنهى الله عباده ~~المؤمنين أن يكونوا مثلهم والمعنى لا يكونن أمركم أيها المؤمنون رياء ~~وسمعة ولا لالتماس ما عند الله ولكن أخلصوا لله عز وجل النية وقاتلوا ~~حسبة في نصر دينكم ومؤازرة نبيكم صلى الله عليه وسلم ولا تعملوا إلا لذلك ~~ولا تطلبوا غيره. وقوله تعالى: { والله بما يعلمون محيط } فيه وعيد ~~وتهديد يعني أنه تعالى عالم بجميع الأشياء لا يخفى عن علمه شيء لأنه محيط ~~بأعمال العباد كلها فيجازي المحسنين ويعاقب المسيئين قوله سبحانه تعالى: ~~{ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } يعني اذكروا أيها المؤمنون نعمة الله ~~عليكم إذ زين الشيطان يريد إبليس للمشركين أعمالهم الخبيثة { وقال لا ~~غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم } قال بعضهم: كان تزيينه وسوسة ~~ألقاها في قلوبهم من غير أن يتحول في صورة غير صورته. وقال جمهور ~~المفسرين: تصور إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وكان تزيينه أن ~~قريشا لما أجمعت على المسير إلى بدر ذكرت الذي بينها وبين بكر بن الحرث ~~من الحروب فكاد ذلك أن يثنيهم فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن ~~جعشم المدلجي، وكان من أشرف بني كنانة، فقال: أنا جار لكم من أن يأتيكم ~~من كنانة شيء تكرهونه فخرجوا سراحا. # وقال ابن عباس: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رأيته في صورة ~~رجل من رجال بني مدلج سراقة بن مالك بن جعشم فقال للمشركين لا غالب لكم ~~اليوم من الناس وإني جار لكم فلما اصطف الناس أخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين فولوا مدبرين. وأقبل ~~جبريل عليه السلام إلى إبليس، لعنه الله فلما رآه وكانت يده في يد ms1433 رجل من ~~المشركين انتزع إبليس يده ثم ولى مدبرا وشيعته، فقال الرجل يا سراقة ~~أتزعم أنك جار لنا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد ~~العقاب وذلك حين رأى الملائكة. وقوله: إني جار لكم، يعني مجير لكم من ~~كنانة { فلما تراءت الفئتان } أي التقى الجمعان رأى إبليس الملائكة قد ~~نزلوا من السماء فعلم عدو الله إبليس أنه لا طاقة له بهم { نكص على عقبيه ~~وقال إني بريء منكم } يعني رجع القهقرى وولى مدبرا هاربا على قفاه، ~~وقال الكلبي: لما التقى الجمعان كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة ~~بن مالك بن جعشم وهو آخذ بيد الحرث بن هشام فنكص عدو الله إبليس على ~~عقبيه فقال له الحرث: أفرارا من غير قتال؟ وجعل يمسكه فدفع في صدره ~~وانطلق فانهزم الناس فلما قدموا مكة قالوا هزم الناس سراقة. فبلغ ذلك ~~سراقة فقال: بلغني أنكم تقولون أني هزمت الناس فوالله ما شعرت بمسيركم ~~حتى بلغتني هزيمتكم. فقالوا: أما أتيتنا في يوم كذا وكذا فحلف لهم، فلما ~~أسلموا علموا أن ذلك كان شيطانا قال الحسن في قوله: { إني أرى ما لا ~~ترون } قال: رأى إبليس جبريل عليه السلام معتجرا ببرد يمشي بين يدي ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده اللجام يقود الفرس ما ركب. وقال قتادة: ~~قال إبليس إني أرى ما لا ترون وصدق وقال: إني أخاف الله وكذب ما به مخافة ~~الله ولكن علم أنه لا قوة له ولا منفعة فأوردهم وأسلمهم وتلك عادة عدو ~~الله إبليس لمن أطاعه إذ التقى الحق والباطل أسلمهم وتبرأ منهم وقيل إنه ~~خاف أن يهلك فيمن هلك وقيل خاف أن يأخذه جبريل فيعرف حاله فلا يطيعوه ~~وقيل معناه { إني أخاف الله } أعلم صدق وعده لأوليائه لأنه كان على ثقة ~~من أمر ربه وقيل لما رأى الملائكة قد نزلت من السماء خاف أن تكون القيامة ~~{ والله شديد العقاب } قيل معناه إني أخاف الله لأنه شديد العقاب فعلى ~~هذا يكون من تمام قول ms1434 إبليس. # وقيل: تم كلامه عند قوله: إني أخاف الله. وقوله تعالى: والله شديد ~~العقاب ابتداء كلام. يقول الله سبحانه وتعالى: والله شديد العقاب لمن ~~خالف الله وكفر به. عن طلحة بن عبيد الله بن كرز أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في ~~يوم عرفة وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب ~~العظام إلا ما رأى يوم بدر فإنه قد رأى جبريل يزع الملائكة " # أخرجه مالك في الموطأ. قوله: ولا أدحر هو بالدال والحاء المهملتين من ~~الدحور، وهو الإبعاد والطرد مع الإهانة. وقوله: يزع الملائكة، أي يكفهم ~~ويحبسهم لئلا يتقدم بعضهم على بعض. والوازع: هو الذي يتقدم ويتأخر في ~~الصف ليصلحه. فإن قلت: كيف يقدر إبليس على أن يتصور بصورة البشر وإذا ~~تشكل بصورة البشر فكيف يسمى شيطانا؟ قلت: إن الله عز وجل أعطاه قوة ~~وأقدره على ذلك كما أعطى الملائكة قوة وأقدرهم على أن يتشكلوا بصورة ~~البشر لكن النفس الباطنة لم تتغير فلم يلزم من تغير الصورة تغير الحقيقة. ### || [8.49-50] # قوله عز وجل: { إذ يقول المنافقون } يعني من أهل المدينة { والذين في ~~قلوبهم مرض } أي شك وارتياب وهم قوم من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يقو ~~الإسلام في قلوبهم ولم يتمكن فلما خرج كفار قريش إلى حرب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خرجوا معهم إلى بدر فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتابوا ~~وارتدوا وقالوا { غر هؤلاء دينهم } يعني أن هؤلاء نفر قليلون يقاتلون ~~أضعافهم فقد غرهم دينهم الإسلام على ذلك وحملهم على قتل أنفسهم رجاء ~~الثواب في الآخرة فقتلوا جميعا يوم بدر. وقال مجاهد: إن فئة من قريش وهم ~~قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة بن زمعة بن ~~الأسود بن المطلب، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج، خرجوا ~~مع قريش من مكة وهم على الارتياب، فحبسهم ارتيابهم فلما رأوا ms1435 قلة أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: غر هؤلاء دينهم ثم قال تعالى: { ~~ومن يتوكل على الله } يعني ومن يسلم أمره إلى الله ويثق بفضله ويعول على ~~إحسانه { فإن الله } حافظه وناصره لأنه { عزيز } لا يغلبه شيء { حكيم } ~~فيما قضى وحكم فيوصل الثواب إلى أوليائه والعقاب إلى أعدائه. قوله عز ~~وجل: { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة } يعني: ولو عاينت يا محمد ~~وشهدت إذ تقبض الملائكة أرواح الذين كفروا عند الموت لرأيت أمرا عظيما ~~ومنظرا فظيعا وعذابا شديدا ينالهم في ذلك الوقت { يضربون وجوههم ~~وأدبارهم } اختلفوا في وقت هذا الضرب، فقيل: هو عند الموت تضرب الملائكة ~~وجوه الكفار وأدبارهم بسياط من نار. وقيل: إن الذين قتلوا يوم بدر من ~~المشركين كانت الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم. وقال ابن عباس: كان ~~المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربت الملائكة وجوههم بالسيوف ~~وإذا ولوا أدبارهم ضربت الملائكة أدبارهم. وقال ابن جريج: يريد، ما أقبل ~~من أجسادهم وأدبر يعني يضربون جميع أجسادهم { وذوقوا عذاب الحريق } يعني ~~وتقول لهم الملائكة عند القتل: ذوقوا عذاب الحريق. قيل: كان مع الملائكة ~~مقامع من حديد محمية بالنار يضربون بها الكفار فتلتهب النار في جراحاتهم. ~~وقال ابن عباس: تقول لهم الملائكة ذلك بعد الموت. وقال الحسن: هذا يوم ~~القيامة تقول لهم الزبانية ذوقوا عذاب الحريق. ### || [8.51-54] # { ذلك } يعني الذي نزل بكم من القتل والضرب والحريق { بما قدمت أيديكم } ~~يعني إنما حصل لكم ذلك بسبب ما كسبت أيديكم من الكفر والمعاصي. فإن قلت: ~~اليد ليست محلا للكفر وإنما محله القلب لأن الكفر اعتقاد والاعتقاد محله ~~القلب وظاهر الآية يقتضي أن فاعل هذا الكفر هي اليد وذلك ممتنع. قلت: ~~اليد هنا عبارة عن القدرة لأن اليد آلة العمل والقدرة هي المؤثرة في ~~العمل فاليد كناية عن القدرة. قوله تعالى: { وأن الله ليس بظلام للعبيد } ~~يعني أنه سبحانه وتعالى لا يعذر أحدا من خلقه إلا بجرم اجترمه لأنه لا ~~يظلم أحدا من خلقه وإنما نفى الظلم عن نفسه مع ms1436 أنه يعذب الكافر على كفره ~~والعاصي على عصيانه لأنه يتصرف في ملكه كيف شاء ومن كان كذلك استحال نسبة ~~الظلم إليه فلا يتوهم متوهم أنه سبحانه وتعالى مع خلقه كفر الكافر ~~وتعذيبه عليه ظالم فلهذا قال الله سبحانه وتعالى وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد لأنهم في ملكه وتحت قدرته فهو يتصرف فيهم كيف يشاء. قوله تعالى: { ~~كدأب آل فرعون } يعني أن عادة هؤلاء الكفار في كفرهم كعادة آل فرعون في ~~كفرهم فجوزي هؤلاء بالقتل والأسر يوم بدر كما جوزي آل فرعون بالإغراق ~~وأصل الدأب في اللغة إدامة العمل يقال فلان يدأب في كذا وكذا يداوم عليه ~~ويتعب نفسه فيه ثم سميت العادة دأبا لأن الإنسان يداوم على عادته ويواظب ~~عليها. قال ابن عباس: معناه أن آل فرعون أيقنوا أن موسى عليه السلام نبي ~~من الله تعالى فكذبوه فكذلك هؤلاء لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~بالصدق كذبوه فأنزل الله بهم عقوبته كما أنزل بآل فرعون { والذين من ~~قبلهم } يعني من قبل آل فرعون { كفروا بآيات الله } يعني أن عادة الأمم ~~السالفة هو كفرهم بآيات الله { فأخذهم الله بذنوبهم } يعني بسبب كفرهم ~~وذنوبهم { إن الله قوي } يعني في أخذه وانتقامه ممن كفر به وكذب رسله { ~~شديد العقاب } يعني لمن كفر به وكذب رسله { ذلك بأن الله لم يك مغيرا ~~نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } يعني: أن الله سبحانه ~~وتعالى أنعم على أهل مكة بأن أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف وبعث إليهم ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فقابلوا هذه النعمة بأن تركوا شكرها وكذبوا ~~رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وغيروا ما بأنفسهم فسلبهم الله سبحانه ~~وتعالى النعمة وأخذهم بالعقاب قال السدي: نعمة الله هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم أنعم به على قريش فكفروا به وكذبوه فنقله الله تعالى إلى ~~الأنصار { وأن الله سميع } يعني لأقوال خلقه لا يخفى عليه شيء من كلامهم ~~{ عليم } يعني بما في صدورهم من خير وشر، فيجازي كل واحد على عمله ms1437 { كدأب ~~آل فرعون } يعني أن هؤلاء الكفار الذين قتلوا يوم بدر غيروا نعمة الله ~~عليهم كصنيع آل فرعون { والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم } يعني: أهلكنا بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالحجارة ~~وبعضهم بالريح وبعضهم بالمسخ فكذلك أهكلنا كفار قريش بالسيف { وأغرقنا آل ~~فرعون وكل كانوا ظالمين } يعني الأولين والآخرين، فإن قلت ما الفائدة في ~~تكرير هذه الآية مرة ثانية؟. # قلت: فيها فوائد منها الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول لأن ~~الآية الأولى فيها ذكر أخذهم، وفي الآية الثانية ذكر إغراقهم، فهذه تفسير ~~للأولى. الفائدة الثانية: أنه ذكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله ~~وفي الآية الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم ففي الآية الأولى إشارة إلى ~~أنهم أنكروا آيات الله وجحدوها، وفي الآية الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا ~~بها مع جحودهم لها وكفرهم بها. الفائدة الثالثة: أن تكرير هذه القصة ~~للتأكيد وفي قوله { كذبوا بآيات ربهم } زيادة دلالة على كفران النعم ~~وجحود الحق وفي ذكر الإغراق بيان للأخذ بالذنوب. ### || [8.55-58] # وقوله تعالى: { إن شر الدواب عند الله } يعني في علمه وحكمه { الذين ~~كفروا فهم لا يؤمنون } والمعنى أن شر الدواب من الإنس الكفار المصرون على ~~الكفر نزلت في يهود بني قريظة رهط كعب بن الأشرف { الذين عاهدت منهم } ~~قيل: من صلة يعني الذين عاهدتهم وقيل: هي للتبعيض لأن المعاهدة مع بعض ~~القوم وهم الرؤساء والأشراف { ثم ينقضون عهدهم في كل مرة } قال المفسرون: ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عاهد يهود بني قريظة أن لا يحاربوه ~~ولا يعاونوا عليه فنقضوا العهد وأعانوا مشركي مكة بالسلاح على قتال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم قالوا نسينا وأخطأنا فعاهدهم الثانية ~~فنقضوا العهد أيضا ومالؤوا الكفار على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الخندق وركب كعب بن الأشرف إلى مكة فوافقهم على مخالفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { وهم لا يتقون } يعني أنهم لا يخافون الله في نقض العهد ~~لأن عادة من يرجع ms1438 إلى دين وعقل وحزم أن يتقي نقض العهد حتى يسكن الناس ~~إلى قوله ويثقون بكلامه فبين الله عز وجل أن من جمع بين الكفر ونقض العهد ~~فهو من شر الدواب { فأما تثقفنهم في الحرب } يعني فأما تجدن هؤلاء الذين ~~نقضوا العهد وتظفرن بهم في الحرب { فشرد بهم من خلفهم } قال ابن عباس: ~~معناه فنكل بهم من ورائهم. وقال سعيد بن جبير: أنذر بهم من خلفهم وأصل ~~التشريد في اللغة التفريق مع اضطراب ومعنى الآية إنك إذا ظفرت بهؤلاء ~~الكفار الذين نقضوا العهد فافعل بهم فعلا من القتل والتنكيل تفرق به جمع ~~كل ناقض للعهد حتى يخافك من وراءهم من أهل مكة واليمن { لعلهم يذكرون } ~~يعني لعل ذلك النكال يمنعهم من نقض العهد { وإما تخافن } يعني وإما تعلمن ~~يا محمد { من قوم } يعني معاهدين { خيانة } يعني نقضا للعهد بما يظهر لك ~~منهم من آثار الغدر كما ظهر من بني قريظة والنضير { فانبذ } أي فاطرح { ~~إليهم } يعني عهدهم ورام به إليهم { على سواء } يعني على طريق ظاهر مستو ~~يعني أعلمهم قبل حربك إياهم إنك قد فسخت العهد بينك وبينهم حتى تكون أنت ~~وهم في العلم ينقض العهد سواء فلا يتوهمون أنك نقضت العهد أولا بنصب ~~الحرب معهم { إن الله لا يحب الخائنين } يعني في نقض العهد عن سليم بن ~~عمر عن رجل من حمير قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد وكان يسير نحو ~~بلادهم ليقرب حتى إذا انقضى العهد غزاهم فجاءه رجل على فرس أو برذون وهو ~~يقول: الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدرا فإذا هو عمرو بن عنبسة فأرسل ~~إليه معاوية فسأله فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ~~ينبذ إليهم على سواء " # ، فرجع معاوية أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي عن سليم بن عامر نفسه بلا ~~زيادة رجل من حمير وعنده الله أكبر مرة واحدة وفيه جاء على دابة أو فرس ~~وأما ms1439 حكم الآية فقال أهل العلم إذا ظهرت آثار نقض الهد ممن هادهم الإمام ~~من المشركين بأمر ظاهر مستفيض استغنى الإمام عن نبذ العهد وإعلامهم ~~بالحرب وإن ظهرت الخيانة بأمارات تلوح وتتضح له من غير أمر مستفيض فحينئذ ~~يجب على الإمام أن ينبذ إليهم العهد ويعلمهم بالحرب وذلك لأن قريظة كانوا ~~قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من ~~المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحصل لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خوف الغدر به وبأصحابه فهاهنا يجب على الإمام أن ينبذ ~~إليهم على سواء ويعلمهم بالحرب وأما إذا ظهر نقض العهد ظهروا مقطوعا به ~~فلا حاجة للإمام إلى نبذ العهد بل يفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأهل مكة لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم في ذمة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلم يرعهم إلا وجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران ~~وذلك على أربع فراسخ من مكة. ### || [8.59-60] # وقوله تعالى: { ولا يحسبن } قرئ بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمعنى ولا تحسبن يا محمد { الذين كفروا سبقوا } يعني فاتوا ~~وانهزموا يوم بدر وقرئ بالياء على الغيبة ومعناه ولا يحسبن الذين كفروا ~~سبقوا يعني خلصوا من القتل والأسر يوم بدر { إنهم لا يعجزون } يعني أنهم ~~بهذا السبق لا يعجزون الله من الانتقام منهم إما في الدنيا بالقتل وإما ~~في الآخرة بعذاب النار وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فيمن فاته من ~~المشركين ولم ينتقم منهم فأعلمهم الله أنهم لا يعجزونه. قوله عز وجل: { ~~وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } الإعداد اتخاذ الشيء لوقت الحاجة إليه ~~وفي المراد بالقوة أقوال أحدها: أنها جميع أنواع الأسلحة والآلات التي ~~تكون لكم قوة في الحرب على قتال عدوكم، الثاني: أنها الحصون والمعاقل ~~الثالث: الرمي وقد جاءت مفسرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه # " عقبة بن عامر قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه ms1440 وسلم وهو على المنبر ~~يقول: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي ثلاثا " # أخرجه مسلم خ # " عن أبي أسيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر حين صففنا ~~لقريش: " إذا أكثبوكم " يعني غشوكم وفي رواية: " أكثروكم " فارموهم ~~واستبقوا نبلكم. وفي رواية " إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل " # م عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " ستفتح عليكم الروم ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه " # م عن فقيم اللخمي قال قلت لعقبة بن عامر تختلف بين هذين الغرضين وأنت ~~شيخ كبير يشق عليك فقال عقبة لولا كلام سمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لم أغانه قال قلت وما ذاك؟ قال سمعته يقول: # " من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى " # عن أبي نجيح السلمي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " من بلغ بسهم فهو له درجة في الجنة " # فبلغت يومئذ عشرة أسهم قال وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر " # أخرجه النسائي والترمذي بمعناه وعنده قال عدل رقبة محررة وأخرجه أبو ~~داود أيضا عن عقبة بن عامر بمعناه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " إن الله عز وجل ليدخلن بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة، صانعه يحتسب في ~~عمله الخير والرامي به والممد به " # وفي رواية # " ومنبله فارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا كل لهو باطل ~~ليس من اللهو محمود إلا ثلاثة تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه ~~بقوسه أي نبله إنهن من الحق ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها ~~نعمة تركها أو كفرها " # أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي مختصر إلى نبله خ. عن سلمة بن الأكوع قال ~~" مر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون بالقوس فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " " ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا ارموا ms1441 وأنا مع بني فلان " ~~فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما لكم لا ~~ترمون؟ " فقالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: " ارموا وأنا معكم كلكم " # القول الرابع: أن المراد بالقوة جميع ما يتقوى به في الحرب على العدو ~~فكل ما هو آلة يستعان بها في الجهاد فهو من جملة القوة المأمور ~~باستعدادها وقوله صلى الله عليه وسلم # " ألا أن القوة الرمي " # لا ينفي كون غير الرمي من القوة فهو كقوله صلى الله عليه وسلم # " الحج عرفة " # وقوله: # " الندم توبة " # فهذا لا ينفي اعتبار غيره بل يدل على أن هذا المذكور من أفضل المقصود ~~وأجله فكذا هاهنا يحمل معنى الآية على الاستعداد للقتال في الحرب وجهاد ~~العدو بجميع ما يمكن من الآلات كالرمي بالنبل والنشاب والسيف والدرع ~~وتعليم الفروسية كل ذلك مأمور به إلا أنه من فروض الكفايات وقوله تعالى: ~~{ ومن رباط الخيل } يعني اقتناءها وربطها للغزو في سبيل الله والربط شد ~~الفرس وغيره بالمكان للحفظ وسمي المكان الذي يخص بإقامة حفظة فيه رباطا ~~والمرابطة إقامة المسلمين بالثغور للحراسة فيها وربط الخيل الجهاد من ~~أعظم من يستعان به. روي أن رجلا قال لابن سيرين: إن فلانا أوصى بثلث ~~ماله للحصون فقال ابن سيرين: يشتري به الخيل ويربطها في سبيل الله. وقال ~~عكرمة: القوة الحصون ومن رباط الخيل يعني الإناث ووجه هذا أن العرب تربط ~~الأناث من الخيل بالأفنية للنسل. وروي أن خالد بن الوليد كان لا يركب في ~~القتال إلا الإناث لقلة صهيلها. وعن ابن محيريز قال: كانت الصحابة ~~يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف وإناث الخيل عند الشنات والغارات. وقيل: ~~ربط الفحول أولى من الإناث لأنها أقوى على الكر والفر والعدو فكانت ~~المحاربة عليها أولى من الإناث وقيل إن لفظ الخيل عام فيتناول الفحول ~~والإناث فأي ذلك ربط بنية الغزاة كان في سبيل الله ق عن عروة بن الجعد ~~البارقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة ms1442 " # ق. عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة " # خ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده فإن شبعه ~~وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة " # يعني حسنات ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " الخيل ثلاثة هي لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر، فأما الذي هي له أجر ~~فرجل ربطها في سبيل الله زاد في رواية لأهل الإسلام فأطال لها في مرج أو ~~روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كان لها حسنات ولو أنها ~~قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت له آثارها وأرواثها حسنات ولو ~~أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك له حسنات فهي لذلك ~~الرجل أجر ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ~~ظهورها فهي لذلك الرجل ستر ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام ~~فهي على ذلك وزر " # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر فقال: ما أنزل علي فيها ~~شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره الطيل الحبل الذي يشد به الفرس وقت الرعي واستنان ~~الجري والشرف الشوط الذي تجري فيه الفرس وقوله تغنيا يعني استغناء بها ~~عن الطلب لما في أيدي الناس أما حق ظهورها فهو أن يحمل عليها منقطعا إلى ~~أهله وأما حق رقابها فقيل: أراد به الإحسان إليها. وقيل: أراد به الحمل ~~عليها فعبر بالرقبة عن الذات وقوله: نواء لأهل الإسلام النواء المعاداة ~~يقال ناوأت الرجل مناوأة إذا عاديته. وقوله تعالى: { ترهبون به عدو الله ~~وعدوكم } يعني: تخوفون بتلك القوة وبذلك الرباط عدو الله وعدوكم يعني ~~الكفار من أهل مكة وغيره. وقال ابن عباس: تحزنون به عدو الله وعدوكم وذلك ~~لأن الكفار إذا علموا أن المسلمين ms1443 متأهبون للجهاد مستعدون له مستكملون ~~لجميع الأسلحة وآلات والحرب وإعداد الخيل مربوط للجهاد خافوهم فلا يقصدون ~~دخول دار الإسلام بل يصير ذلك سببا لدخول الكفار في الإسلام أو بذل ~~الجزية للمسلمين. وقوله تعالى: { وآخرين من دونهم } يعني وترهبون آخرين ~~من دونهم اختلف العلماء فيهم فقال مجاهد: هم بو قريظة، وقال السدي: هم ~~فارس وقال ابن زيد هم المنافقون لقوله تعالى: { لا تعلمونهم } لأنهم معكم ~~يقولون بألسنتهم لا إله إلا الله { الله يعلمهم } يعني أنهم منافقون ~~وأورد على هذا القول أن المنافقين لا يقاتلون لإظهارهم كلمة الإسلام فكيف ~~يخوفون بإعداد القوة ورباط الخيل. وأجيب عن هذا الإيراد أن المنافقين إذا ~~شاهدوا قوة المسلمين وكثرة آلاتهم وأسلحتهم كان ذلك مما يخوفهم ويحزنهم ~~فكان في ذلك إرهابهم وقال الحسن: هم كفار الجن وصحح هذا القول الطبري ~~قال: لأن الله تعالى قال لا تعلمونهم ولا شك بأن المؤمنين كانوا عالمين ~~بعداوة قريظة وفارس لعلمهم بأنهم مشركون ولأنهم حرب للمؤمنين أما الجن ~~فلا يعلمونهم الله يعلمهم يعني يعلم أحوالهم وأماكنهم دونكم ويعضد هذا ~~القول ما روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هم الجن وأن الشيطان لا يخيل أحدا ~~في داره فرس عتيق " # ذكر هذا الحديث ابن الجوزي وغيره من المفسرين بغير إسناد وقال الحسن: ~~صهيل الخيل يرهب الجن. وقوله سبحانه وتعالى: { وما تنفقوا من شيء في سبيل ~~الله } قيل أراد به نفقة الجهاد والغزو وقيل هو أمر عام في كل وجوه الخير ~~والطاعة فيدخل فيه نفقة الجهاد وغيره { يوف إليكم } يعني أجره في الآخرة ~~ويعجل لكم عوضه في الدنيا { وأنتم لا تظلمون } يعني وأنتم لا تنقصون من ~~ثواب أعمالكم شيئا. ### || [8.61-65] # قوله تبارك وتعالى: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } لما أمر الله سبحانه ~~وتعالى عباده المؤمنين بإعداد القوة وما يرهب العدو أمرهم بعد ذلك أن ~~يقبلوا منهم الصلح إن مالوا إليه وسألوه فقال تعالى: { وإن جنحوا للسلم } ~~يعني مالوا إلى السلم يعني المصالحة فاقبلوا منهم الصلح وهو قوله تعالى ~~فاجنح لها أي مل ms1444 إليها يعني إلى المصالحة. روي عن الحسن وقتادة إن هذه ~~الآية منسوخة بآية السيف. وقيل: إنها غير منسوخة لكنها تتضمن الأمر ~~بالصلح إذا كان فيه مصلحة ظاهرة فإن رأى الإمام أن يصالح أعداءه من ~~الكفار وفيه قوة فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة وإن كانت القوة للمشركين ~~جاز أن يهادنهم عشر سنين ولا تجوز الزيادة عليها اقتداء برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فإنه صالح أهل مكة مدة عشر سنين ثم إنهم نقضوا العهد قبل ~~انقضاء المدة. وقوله تعالى: { وتوكل على الله } يعني فوض أمرك إلى الله ~~فيما عقدته معهم ليكون عونا لك في جميع أحوالك { إنه هو السميع } يعني ~~لأقوالهم { العليم } يعني بأحوالهم: قوله عز وجل: { وإن يريدوا أن يخدعوك ~~} يعني يغدروا بك قال مجاهد: يعني بني قريظة والمعنى وإن أرادوا بإظهار ~~الصلح خديعتك لتكف عنهم { فإن حسبك الله } يعني فإن الله كافيك بنصره ~~ومعونته { هو الذي أيدك بنصره } يعني هو الذي قواك وأعانك بنصره يوم بدر ~~وفي سائر أيامك { وبالمؤمنين } يعني وأيدك بالمؤمنين يعني الأنصار. فإن ~~قلت: إذا كان الله قد أيده بنصره فأي حاجة إلى نصر المؤمنين حتى يقول ~~وبالمؤمنين. قلت: التأييد والنصر من الله عز وجل وحده لكنه يكون بأسباب ~~باطنة غير معلومة وبأسباب ظاهرة معلومة فأما الذي يكون بالأسباب الباطنة ~~فهو المراد بقوله { هو الذي أيدك بنصره } لأن أسبابه باطنة بغير وسائط ~~معلومة وأما الذي يكون بالأسباب الظاهرة فهو المراد بقوله { وبالمؤمنين } ~~لأن أسبابه ظاهرة بوسائط وهم المؤمنون والله سبحانه وتعالى هو مسبب ~~الأسباب وهو الذي أقامهم لنصره ثم بين كيف أيده بالمؤمنين فقال تعالى: ~~{ وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن ~~الله ألف بينهم } وذلك أن العرب كانت فيهم الحمية الشديدة والأنفة ~~العظيمة والأنفس القوية والعصبية والانطواء على الضغينة من أدنى شيء حتى ~~لو أن رجلا من قبيلة لطم لطمة واحدة قاتل عنه أهل قبيلته حتى يدركوا ~~ثأرهم لا يكاد يأتلف منهم قلبان فلما بعث رسول الله ms1445 صلى الله عليه وسلم ~~فيهم وآمنوا به واتبعوه انقلبت تلك الحالة فائتلفت قلوبهم واستجمعت ~~كلمتهم وزالت حمية الجاهلية من قلوبهم وأبدلت تلك الضغائن والتحاسد ~~بالمودة والمحبة لله وفي الله واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصارا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأعوانا يقاتلون عنه ويحمونه وهم الأوس والخزرج ~~وكانت بينهم في الجاهلية حروب عظيمة ومعاداة شديدة ثم زالت تلك الحروب ~~وحصلت المحبة والألفة وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل وصار ذلك ~~معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرة باهرة دالة على صدقه ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وكنتم متفرقين ~~فألفكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي " # وفي الآية دليل على أن القلوب بيد الله يصرفها كيف شاء وأرادوا ذلك لأن ~~تلك الألفة والمحبة إنما حصلت بسبب الإيمان واتباع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ثم إنه سبحانه وتعالى ختم هذه الآية بقوله { إنه عزيز حكيم } يعني ~~أنه تعالى قادر قاهر يمكنه التصرف في القلوب فيقلبها من العداوة إلى ~~المحبة ومن النفرة إلى الألفة وكل ذلك على وجه الحكمة والصواب. قوله ~~سبحانه وتعالى: { يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } روى ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في إسلام عمر ابن الخطاب قال ~~سعيد بن جبير " أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون رجلا وست نسوة ~~ثم أسلم عمر فنزلت هذه الآية " فعلى هذا القول تكون الآية مكية كتبت في ~~سورة مدنية بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنها نزلت بالبيداء ~~في غزوة بدر قبل القتال فعلى هذا القول أراد بقوله تعالى: { ومن اتبعك من ~~المؤمنين } يعني إلى غزوة بدر وقيل أراد بقوله ومن اتبعك من المؤمنين ~~الأنصار وتكون الآية نزلت بالمدينة وقيل أراد جميع المهاجرين والأنصار، ~~ومعنى الآية يا أيها النبي حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين وقيل ~~معناه حسبك الله ومتبعوك من المؤمنين. قوله عز وجل: { يا ms1446 أيها النبي حرض ~~المؤمنين على القتال } يعني حثهم على قتال عدوهم. والتحريض في اللغة: ~~الحث على الشيء بكثرة التزين وتسهيل الخطب فيه كأنه في الأصل إزالة الحرض ~~وهو الهلاك { إن يكن منكم عشرون } يعني رجلا { صابرون } يعني عند اللقاء ~~محتسبين أنفسهم { يغلبوا مائتين } يعني من عدوهم وظاهر لفظ الآية خبر ~~ومعناه الأمر فكأنه تعالى قال إن يكن منكم عشرون فليصبروا وليجتهدوا في ~~قتال عدوهم حتى يغلبوا مائتين ويدل على أن المراد بهذا الخبر الأمر قوله # الآن خفف الله عنكم # [الأنفال: 66] لأن النسخ لا يدخل على الإخبار إنما يدخل على الأمر فدل ~~ذلك على أن الله سبحانه وتعالى أوجب أولا على المؤمنين هذا الحكم وإنما ~~حسن هذا التكليف لأن الله وعدهم بالنصر ومن تكفل الله له بالنصر سهل عليه ~~الثبات مع الأعداء { وإن يكن منكم مائة } يعني صابرة { يغلبوا ألفا من ~~الذين كفروا } فحاصله وجوب ثبات الواحد من المؤمنين في مقابلة العشرة من ~~الكفار، ذلك { بأنهم قوم لا يفقهون } يعني: أن المشركين لا يقاتلون لطلب ~~ثواب وخوف عقاب إنما يقاتلون حمية فإذا صدقتموهم في القتال فإنهم لا ~~يثبتون معكم. ### || [8.66-67] # { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة ~~يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله } خ. عن ابن ~~عباس: قال لما نزلت إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين كتب عليهم أن ~~لا يفر واحد من عشرة ولا عشرون من مائتين ثم نزلت الآن خفف الله عنكم ~~الآية فكتب أن لا يفر مائة من مائتين.وفي رواية أخرى عنه قال: لما نزلت ~~إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبون مائتين شق ذلك على المسلمين فنزلت الآن ~~خفف الله عنكم الآية فلما خفف الله عنهم من العدة نقص عنهم عن الصبر بقدر ~~ما خفف عنهم فظاهر هذا أن قوله سبحانه وتعالى الآن خفف الله عنكم ناسخ ~~لما تقدم من الآية الأولى وكان هذا الأمر يوم بدر فرض الله سبحانه وتعالى ~~على الرجل الواحد من المؤمنين قتال ms1447 عشرة من الكافرين فثقل ذلك على ~~المؤمنين فنزلت الآن خفف الله عنكم أيها المؤمنون وعلم أن فيكم ضعفا ~~يعني في قتال الواحد للعشرة فإن تكن منكم مائة صابرة محتسبة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله فرد من العشرة إلى ~~الأثنين فإذا كان المسلمون على قدر النصف من عدوهم لا يجوز لهم أن يفروا ~~فأيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من اثنين فقد فر { والله مع ~~الصابرين } يعني بالنصر والمعونة. قال سفيان: قال ابن شبرمة: وأرى الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر مثل ذلك. قوله تعالى: { ما كان لنبي أن يكون ~~له أسرى } روي عن عبد الله ابن مسعود قال: # " لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ~~تقولن في هؤلاء؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأن ~~بهم لعل الله أن يتوب عليهم وخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار. وقال ~~عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فدعهم نضرب أعناقهم مكن عليا من عقيل ~~فيضرب عنقه ومكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، ومكني من فلان نسيب لعمر ~~فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله ~~انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم نارا فقال له ~~العباس: قطعت رحمك فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم ثم دخل ~~فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ ~~بقول ابن رواحة ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن الله ~~ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من ~~الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: فمن تبعني فإنه مني، ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال: إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ومثلك يا عمر مثل نوح قال: رب ~~لا ms1448 تذر على الأرض من الكافرين ديارا ومثلك يا عبد الله بن رواحة كمثل ~~موسى قال: ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا ~~العذاب الأليم " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اليوم أنتم عالة ~~فلن يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق " قال عبد الله بن مسعود: إلا ~~سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي الحجارة من السماء من ذلك ~~اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سهيل بن بيضاء " # قال ابن عباس قال عمر بن الخطاب: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء فلما كان من الغد جئت فإذا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان فقلت: يا رسول الله ~~أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء ~~تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أبكي على أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه ~~الشجرة " ، لشجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم " # فأنزل الله عز وجل عليه: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض } الآية خرج هذا الحديث الترمذي مختصرا وقال: في الحديث قصة وهي ~~هذه القصة التي ذكرها البغوي. وأخرج مسلم في إفراده من حديث عمر بن ~~الخطاب قال ابن عباس: لما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى فقال أبو بكر: يا رسول ~~الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على ~~الكفار فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما ترى يا ابن الخطاب قال قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي ~~رأى أبو بكر ms1449 ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم فتمكن عليا من عقيل ~~فيضرب عنقه وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه وتمكنني من فلان - نسيب لعمر ~~- فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده فهوى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فلما كان من الغد جئت فإذا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يبكيان فقلت يا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم ~~أجد بكاء تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " " أبكي على أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه ~~الشجرة " ، لشجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم " # فأنزل الله عز وجل: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } ~~إلى قوله { فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا } فأحل الله الغنيمة لهم ذكره ~~الحميدي في مسنده عن عمر بن الخطاب من إفراد مسلم بزيادة فيه. أما تفسير ~~الآية، فقوله تعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى يعني ما كان ينبغي ولا ~~يجب لنبي. وقال أبو عبيدة: معناه لم يكن لنبي ذلك فلا يكون لك يا محمد ~~والمعنى ما كان لنبي أن يحبس كافرا قدر عليه وصار في يده أسيرا للفداء ~~والمن، والأسرى جمع أسير وأسارى جمع الجمع { حتى يثخن في الأرض } الإثخان ~~في كل شيء عبارة عن قوته وشدته. يقال: أثخنه المرض إذ اشتدت قوته عليه ~~والمعنى حتى يبالغ في قتال المشركين ويغلبهم ويقهرهم فإذا حصل ذلك فله أن ~~يقدم على الأسر فيأسر الأسارى { تريدون عرض الدنيا } الخطاب لأصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم يعني تريدون أيها المؤمنون عرض الدنيا بأخذكم الفداء ~~من المشركين وإنما سمى منافع الدنيا عرضا لأنه لا ثبات لها ولا دوام ~~فكأنها تعرض ثم تزول بخلاف منافع الآخرة فإنها دائمة الانقطاع لها، وقوله ~~سبحانه وتعالى: { والله يريد الآخرة } يعني أنه سبحانه وتعالى يريد لكم ~~ثواب الآخرة ms1450 بقهركم المشركين ونصركم الدين لأنها دائمة بلا زوال ولا ~~انقطاع { والله عزيز } لا يقهر ولا يغلب { حكيم } يعني في تدبير مصالح ~~عباده. قال ابن عباس: كان ذلك يوم بدر والمؤمنون يومئذ قليل فلما كثروا ~~واشتد سلطانهم أنزل الله سبحانه وتعالى في الأسارى فأما منا بعد وإما ~~فداء فجعل الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالخيار إن شاؤوا ~~قتلوهم وإن شاؤوا استعبدوهم وإن شاؤوا فادوهم وإن شاؤوا أعتقوهم. قال ~~الإمام فخر الدين: إن هذا الكلام يوهم أن قوله فأما منا بعد وإما فداء ~~يزيل حكم الآية التي نحن في تفسيرها وليس الأمر كذلك لأن كلتا الآيتين ~~متوافقتان وكلتاهما تدلان على أنه لا بد من تقديم الإثخان ثم بعده أخذ ~~الفداء. قال العلماء: كان الفداء لكل أسير أربعين أوقية والأوقية أربعون ~~درهما فيكون مجموع ذلك ألفا وستمائة درهم. وقال قتادة: كان الفداء ~~يومئذ لكل أسير أربعة ألاف درهم. # فصل قد استدل بهذه الآية من يقدح في عصمة الأنبياء. وبيانه من وجوه: ~~الأول: أن قوله ما كان لنبي أن يكون له أسرى صريح في النهي عن أخذ ~~الأسارى وقد وجد ذلك يوم بدر. الوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقومه بقتل المشركين يوم بدر فلما لم يقتلوهم ~~بل أسروهم دل ذلك على صدور الذنب منهم. الوجه الثالث: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حكم بأخذ الفداء وهو محرم وذلك ذنب. الوجه الرابع: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأبا بكر قعدا يبكيان لأجل أخذ الفداء وخوف العذاب ~~وقرب نزوله. والجواب عن الوجه الأول: أن قوله سبحانه وتعالى: ما كان لنبي ~~أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض يدل على أنه كان الأسر مشروعا ولكن ~~بشرط الإثخان في الأرض وقد حصل لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قتلوا ~~يوم بدر سبعين رجلا من عظماء المشركين وصناديدهم وأسروا سبعين وليس من ~~شرط الإثخان في الأرض قتل جميع الناس فدلت الآية على جواز الأسر بعد ~~الإثخان وقد حصل. ms1451 والجوابذ عن الوجه الثاني: أن الأمر بالقتل إنما كان ~~مختصا بالصحابة لإجماع المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر ~~بمباشرة قتال الكفار بنفسه وإذا ثبت أن الأمر بالقتل كان مختصا بالصحابة ~~كان الذنب صادرا منهم لا من النبي صلى الله عليه وسلم. والجواب عن الوجه ~~الثالث: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأخذ الفداء وهو محرم فنقول ~~لا نسلم أن أخذ الفداء كان محرما وأما قوله سبحانه وتعالى تريدون عرض ~~الدنيا والله يريد الآخرة ففيه عتاب لطيف على أخذ الفداء من الأسارى ~~والمبادرة إليه ولا يدل على تحريم الفداء إذ لو كان حراما في علم الله ~~لمنعهم من أخذه مطلقا. والجواب عن الوجه الرابع: وهو أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبا بكر قعدا يبكيان يحتمل أن يكون لأجل أن بعض الصحابة لما ~~خالف الأمر بالقتل واشتغل بالأسر استوجب بذلك الفعل العذاب فبكى النبي ~~صلى الله عليه وسلم خوفا وإشفاقا من نزول العذاب عليهم بسبب ذلك الفعل ~~وهو الأسر وأخذ الفداء والله أعلم. ### || [8.68-69] # قوله عز وجل: { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } قال ~~ابن عباس: كانت الغنائم محرمة على الأنبياء والأمم فكانوا إذا أصابوا ~~مغنما جعلوه للقربان فكانت النار تنزل من السماء فتأكله فلما كان يوم ~~بدر أسرع المؤمنون في أخذ الغنائم والفداء فأنزل الله عز وجل: { لولا ~~كتاب من الله سبق } يعني لولا قضاء من الله سبق في اللوح المحفوظ بأنه ~~يحل لكم الغنائم. ثم لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم وقال الحسن ومجاهد وسعيد ~~بن جبير: لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذب أحدا ممن شهد بدرا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن جريج: لولا كتاب من الله سبق أنه لا ~~يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون وأنه لا يأخذ قوما فعلوا ~~بجهالة لمسكم يعني لأصابكم بسبب ما أخذتم من الفداء قبل أن تؤمروا به ~~عذاب عظيم قال محمد بن إسحاق: لم يكن ms1452 من المؤمنين أحد ممن حضر بدرا إلا ~~وأحب الغنائم إلا عمر بن الخطاب فإنه أشار على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بقتل الأسرى وسعد ابن معاذ فإنه قال: يا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ " # وقوله تعالى: { فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا } يعني قد أحلت لكم ~~الغنائم وأخذ الفداء فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا. روي أنه لما نزلت ~~الآية الأولى كف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أيديهم عما أخذوا من ~~الفداء فنزلت فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا فأحل الله الغنائم بهذه الآية ~~لهذه الأمة وكانت قبل ذلك حراما على جميع الأمم الماضية صح من حديث جابر ~~بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي " # ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ولم تحل الغنائم لأحد قبلنا ثم أحل الله لنا الغنائم وذلك بأن الله ~~رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا ". # وقوله سبحانه وتعالى: { واتقوا الله إن الله غفور رحيم } يعني وخافوا ~~الله أن تعودوا وإن لم تفعلوا شيئا من قبل أنفسكم قبل أن تؤمروا به ~~واعلموا أن الله قد غفر لكم ما أقدمتم عليه من هذا الذنب ورحمكم وقيل في ~~قوله واتقوا الله إشارة إلى المستقبل وقوله إن الله غفور رحيم إشارة إلى ~~الحالة الماضية. ### || [8.70-71] # قوله سبحانه وتعالى: { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم } # " نزلن في العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ~~أحد العشرة الذين ضمنوا أن يطعموا الناس الذين خرجوا من مكة إلى بدر وكان ~~قد خرج ومعه عشرون أوقية من ذهب ليطعم بها إذ جاءت نوبته فكانت نوبته يوم ~~الوقعة ببدر فأراد أن يطعم ذلك اليوم فاقتتلوا فلم يطعم شيئا وبقيت ~~العشرون أوقية معه فلما ms1453 أسر أخذت منه، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يحسب العشرين أوقية من فدائه فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ~~" أما شيء خرجت به لتستعين به علينا فلا أتركه لك ". وكلف فداء ابني أخيه ~~عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث فقال العباس: يا محمد تتركني أتكفف ~~قريشا ما بقيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأين الذهب الذي ~~دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة " وقلت لها إني لا أدري ما يصيبني ~~في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهذا لك ولعبد الله ولعبيد الله وللفضل وقثم ~~يعني بنيه " فقال العباس: وما يدريك يا ابن أخي قال: " أخبرني به ربي " ~~قال العباس: أشهد أنك لصادق وأشهد أن لا إله إلا لله وأنك عبده ورسوله لم ~~يطلع عليه أحد إلا الله وأمر ابني أخيه عقيل ونوفل بن الحارث فأسلما " # فذلك قوله سبحانه وتعالى: يا أيها النبي قل لمن في أيديكم { من الأسرى } ~~يعني الذين أسرتموهم وأخذتم منهم الفداء { إن يعلم الله في قلوبكم خير } ~~يعني إيمانا وتصديقا { يؤتكم خيرا مما أخذ منكم } يعني من الفداء { ~~ويغفر لكم } يعني ما سلف منكم قبل الإيمان { والله غفور } يعني لمن آمن ~~وتاب من كفره ومعاصيه { رحيم } يعني بأهل طاعته قال العباس: فأبدلني الله ~~خيرا ما أخذ مني عشرين عبدا كلهم تاجر يضرب بمال كثير أدناهم يضرب ~~بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع ~~أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربي عز وجل. وقوله تعالى: { وإن ~~يريدوا } يعني الأسارى { خيانتك } يعني أن يكفروا بك { فقد خانوا الله } ~~يعني فقد كفروا بالله { من قبل } وقيل معناه وإن نقضوا العهد ورجعوا إلى ~~الكفر فقد خانوا الله بذلك { فأمكن } يعني فأمكن الله المؤمنين { منهم } ~~ببدر حتى قتلوا منهم وأسروا منهم وهذا نهاية الإمكان وفيه بشارة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بأنه يتمكن من كل أحد يخونه أو ينقض عهده { والله ~~عليم } يعني بما ms1454 في بواطنهم وضمائرهم من إيمان وتصديق أو خيانة ونقض عهد ~~{ حكيم } يعني حكم بأنه يجازي كلا بعمله الخير بالثواب والشر بالعقاب. ### || [8.72-74] # قوله عز وجل: { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله } يعني إن الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا بما جاءهم به ~~وهاجروا يعني وهجروا ديارهم وقومهم في ذات الله عز وجل وابتغاء رضوان ~~الله وهم المهاجرون الأولون وجاهدوا يعني وبذلوا أنفسهم في سبيل الله ~~يعني في طاعة الله وابتغاء رضوانه { والذين آووا ونصروا } يعني آووا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه من المهاجرين وأسكنوهم ~~منازلهم ونصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الأنصار { أولئك } يعني ~~المهاجرين والأنصار { بعضهم أولياء بعض } يعني في العون والنصر دون ~~أقربائهم من الكفار وقال ابن عباس: في الميراث وكانوا يتوارثون بالهجرة ~~وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون دون أقربائهم وذوي أرحامهم وكان من آمن ~~ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر حتى كان فتح مكة وانقطعت الهجرة ~~فتوارثوا بالأرحام حيثما كانوا فصار ذلك منسوخا بقوله تعالى وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. وقوله تعالى: { والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا } يعني آمنوا وأقاموا بمكة { ما لكم من ولايتهم من شيء } يعني من ~~الميراث { حتى يهاجروا } يعني إلى المدينة { وإن استنصروكم في الدين } ~~يعني استنصركم الذين آمنوا ولم يهاجروا { فعليكم النصر } يعني فعليكم ~~نصرهم وإعانتهم { إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق } أي عهد فلا تنصروهم ~~عليهم { والله بما تعملون بصير والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } يعني في ~~النصر والمعونة وذلك أن كفار قريش كانوا معادين لليهود فلما بعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تعاونوا عليه جميعا قال ابن عباس: يعني في ~~الميراث وهو أن يرث الكفار بعضهم من بعض { إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض ~~وفساد كبير } قال ابن عباس: إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم به، وقال ~~ابن جريج إلا تتعاونوا وتتناصروا وقال ابن إسحاق: جعل الله المهاجرين ~~والأنصار أهل ولاية في الدين دون من سواهم وجعل ms1455 الكافرين بعضهم أولياء ~~بعض ثم قال سبحانه وتعالى إلا تفعلوه وهو أن يتولى المؤمن الكافر دون ~~المؤمنين تكن فتنة في الأرض وفساد كبير فالفتنة في الأرض هي قوة الكفار ~~والفساد الكبير هو ضعف المسلمين { والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل ~~الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا } يعني لا شك في إيمانهم ~~ولا ريب لأنهم حققوا إيمانهم بالهجرة والجهاد وبذل النفس والمال في نصر ~~الدين { لهم مغفرة } يعني لذنوبهم { ورزق كريم } يعني في الجنة. فإن قلت ~~ما معنى هذا التكرار؟ قلت ليس فيه تكرار لأنه سبحانه وتعالى ذكر في الآية ~~الأولى حكم ولاية المهاجرين والأنصار بعضهم بعضا ثم ذكر في هذه الآية ما ~~من به عليهم من المغفرة والرزق الكريم وقيل إن إعادة الشيء مرة بعد ~~أخرى تدل على مزيد الاهتمام به فلما ذكرهم أولا ثم أعاد ذكرهم ثانيا دل ~~ذلك على تعظيم شأنهم وعلو درجاتهم وهذا هو الشرف العظيم لأنه تعالى ذكر ~~في هذه الآية من وجوه المدح ثلاث أنواع: أحدها: قوله أولئك هم المؤمنون ~~حقا وهذا يفيد الحصر وقوله سبحانه وتعالى حقا يفيد المبالغة في وصفهم ~~بكونهم محقين في طريق الدين وتحقيق هذا القول أن من فارق أهله وداره التي ~~نشأ فيها وبذل النفس والمال كان مؤمنا حقا. # النوع الثاني: قوله سبحانه وتعالى لهم مغفرة وتنكير لفظ المغفرة يدل على ~~أن لهم مغفرة وأي مغفرة لا ينالها غيرهم والمعنى لهم مغفرة تامة كاملة ~~ساترة لجميع ذنوبهم. النوع الثالث: قوله سبحانه وتعالى ورزق كريم فكل شيء ~~شرف وعظم في بابه قيل له كريم والمعنى أن لهم في الجنة رزقا لا تلحقهم ~~فيه غضاضة ولا تعب. وقيل: إن المهاجرين كانوا على طبقات فمنهم من هاجر ~~أولا إلى المدينة وهم المهاجرون الأولون ومنهم من هاجر إلى أرض الحبشة ~~ثم هاجر إلى المدينة فهم أصحاب الهجرتين ومنهم من هاجر بعد صلح الحديبية ~~وقبل فتح مكة فذكر الله في الآية الأولى أصحاب الهجرة الأولى وذكر في ~~الثانية أصحاب الهجرة الثانية، والله أعلم ms1456 بمراده. ### || [8.75] # وقوله سبحانه وتعالى: { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم } ~~اختلفوا في قوله من بعد فقيل من بعد صلح الحديبية وهي الهجرة الثانية ~~وقيل من نزول هذه الآية وقيل من بعد غزوة بدر والأصح أن المراد به أهل ~~الهجرة الثانية لأنها بعد الهجرة الأولى لأن الهجرة انقطعت بعد فتح مكة ~~لأنها صارت دار إسلام بعد الفتح ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم # " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " # أخرجاه في الصحيحين وقال الحسن الهجرة غير منقطعة. ويجاب عن هذا بأن ~~المراد منه الهجرة المخصوصة من مكة إلى المدينة فأما من كان من المؤمنين ~~في بلد يخاف على إظهار دينه في كثرة الكفار وجب عليه أن يهاجر إلى بلد لا ~~يخاف على إظهار دينه وقوله تعالى: { فأولئك منكم } يعني أنهم منكم وأنتم ~~منهم لكن فيه دليل على أن مرتبة المهاجرين الأولين أشرف وأعظم من مرتبة ~~المهاجرين المتأخرين بالهجرة لأن الله سبحانه وتعالى ألحق المهاجرين ~~المتأخرين بالمهاجرين السابقين وجعلهم منهم وذلك معرض المدح والشرف ولولا ~~أن المهاجرين الأولين أفضل وأشرف لما صح هذا الإلحاق. وقوله تعالى: { ~~وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } قال ابن عباس: كانوا ~~يتوارثون بالهجرة والإخاء حتى نزلت هذه الآية وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض أي في الميراث أي فبين بهذه الآية أن سبب القرابة أقوى وأولى من سبب ~~الهجرة والإخاء ونسخ بهذه الآية ذلك التوارث وقوله في كتاب الله يعني في ~~حكم الله وقيل أراد به في اللوح المحفوظ وقيل أراد به القرآن وهو أن قسمة ~~المواريث مذكورة في سورة النساء من كتاب الله وهو القرآن وتمسك أصحاب ~~الإمام أبي حنيفة بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام. وأجاب عنه الإمام ~~الشافعي رضي الله تعالى عنه بأنه لما قال في كتاب الله كان معناه في حكم ~~الله الذي بينه في سورة النساء فصارت هذه الآية مقيدة بالأحكام التي ~~ذكرها في سورة النساء من قسمة المواريث وإعطاء أهل الفروض فروضهم وما بقي ~~فللعصبات. وقوله ms1457 سبحانه وتعالى: { إن الله بكل شيء عليم } يعني أنه ~~سبحانه وتعالى عالم بكل شيء لا تخفى عليه خافية والله أعلم بمراده وأسرار ~~كتابه. ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1-2] # قوله تعالى: { براءة من الله ورسوله } يعني هذه براءة من الله ورسوله ~~وأصل البراءة في اللغة انقطاع العصمة يقال برئت من فلان أبرأ براءة أي ~~انقطعت بيننا العصمة ولم يبق بيننا علقة وقيل معناها التباعد مما تكره ~~مجاورته قال المفسرون لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك كان ~~المنافقون يرجفون الأراجيف وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر الله عز وجل بنقض عهودهم وذلك قوله ~~سبحانه وتعالى: # وإما تخافن من قوم خيانة # [الأنفال: 58] الآية ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمر به ونبذ ~~إليهم عهودهم قال الزجاج: أي قد برئ الله ورسوله من إعطائهم العهود ~~والوفاء بها إذا نكثوا { إلى الذين عاهدتم من المشركين } الخطاب مع أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي ~~عاهدهم وعاقدهم إلا أنه هو الذي عاقدهم وأصحابه بذلك راضون فكأنهم هم ~~عقدوا وعاهدوا. قوله سبحانه وتعالى: { فسيحوا في الأرض } أي فسيروا في ~~الأرض مقبلين ومدبرين آمنين غير خائفين أحدا من المشركين وأصل السياحة ~~الضرب من الأرض والاتساع فيها والبعد عن مواضع العمارة قال ابن الأنباري: ~~قوله فسيحوا فيه مضمر أي قل لهم فسيحوا وليس هذا من باب الأمر بل المقصود ~~منه الإباحة والإطلاق والإعلام بحصول الأمان وزوال الخوف يعني سيحوا في ~~الأرض وأنتم آمنون من القتل والقتال { أربعة أشهر } يعني مدة أربعة أشهر ~~واختلف العلماء في هذا التأجيل وفي هؤلاء الذين برئ الله ورسوله إليهم من ~~العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مجاهد: ~~هذا التأجيل من الله للمشركين فمن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر رفعه ~~إلى أربعة أشهر ومن كانت مدته أكثر حطه إلى أربعة أشهر ومن كان عهده بغير ~~أجل ms1458 معلوم محدود حده بأربعة أشهر ثم هو بعد ذلك حرب لله ولرسوله يقتل حيث ~~أدرك ويؤسر إلا أن يتوب ويرجع إلى الإيمان وقيل: إن المقصود من هذا ~~التأجيل أن يتفكروا ويحتاطوا لأنفسهم ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة ~~إلا الإسلام أو القتل فيصير هذا داعيا لهم إلى الدخول في الإسلام ولئلا ~~ينسب المسلمون إلى الغدر ونكث العهد وكان ابتداء هذا الأجل يوم الحج ~~الأكبر وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر. فأما من لم يكن له عهد فإنما ~~أجله انسلاخ الأشهر الحرم وذلك خمسون يوما قال الزهري الأشهر الأربعة ~~شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم لأن هذه الآية نزلت في شوال والقول ~~الأول أصوب وعليه الأكثرون. وقال الكلبي: إنما كانت الأربعة أشهر عهدا ~~لمن كان له عهد دون الأربعة أشهر فأتم له الأربعة أشهر. # فأما من كان عهده أكثر من أربعة أشهر فهذا أمر بإتمام عهده بقوله تعالى: # فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم # [التوبة: 4] وقيل كان ابتداؤها في العاشر من ذي القعدة وآخرها العاشر من ~~ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في العاشر من ذي القعدة بسبب النسئ ~~ثم صار في السنة المقبلة في العاشر من ذي الحجة وفيها حج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال # " إن الزمان قد استدار " # الحديث قال الحسن: أمر الله عز وجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال ~~من قاتله من المشركين فقال تعالى: # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم # [البقرة: 190] فكان لا يقاتل إلا من قاتله ثم أمره بقتال المشركين ~~والبراءة منهم وأجلهم أربعة أشهر فلم يكن لأحد منهم أجل أكثر من أربعة ~~أشهر لا من كان له عهد قبل البراءة ولا من لم يكن له عهد وكان الأجل ~~لجميعهم أربعة أشهر وأحل دماء جميعهم من أهل العهود وغيرهم بعد انقضاء ~~الأجل وقال محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما: نزلت في أهل مكة وذلك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عاهد قريشا عام الحديبية على أن يضعوا الحرب ~~عشر سنين ms1459 يأمن فيها الناس ودخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ودخل بنو بكر في عهد قريش ثم عدت بنو بكر على خزاعة فنالت منهم ~~وأعانتهم قريش بالسلاح فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهدهم ~~خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال: # لا هم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه ألأتلدا كنت لنا أبا وكنا ~~ولدا ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرا أبدا وادع عباد ~~الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا في فيلق كالبحر يجري مزبدا ~~أبيض مثل الشمس يسمو صعدا إن سيم خسفا وجهه تربدا إن قريشا أخلفوك ~~الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا وزعموا أن لست تنجىأحدا وهم أذل وأقل ~~عددا هم بيتونا بالحطيم هجدا وقتلونا ركعا وسجدا # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لانصرت إن لم أنصركم " # وتجهز إلى مكة ففتحها سنة ثمان من الهجرة فلما كانت سنة تسع # " أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج فقيل له المشركون يحضرون ~~ويطوفون بالبيت عراة فقال: " لا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك " فبعث أبا ~~بكر في تلك السنة أميرا على الموسم ليقيم للناس الحج وبعث معه أربعين ~~آية من سورة براءة ليقرآها على أهل الموسم ثم بعث بعده عليا على ناقته ~~العضباء ليقرأ على الناس صدر براءة وأمره أن يؤذن بمكة ومنى وعرفة أن قد ~~برئت ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من كل مشرك ولا يطوف بالبيت ~~عريان فرجع أبو بكر فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء ~~فقال: " لا ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي أما ترضى يا ~~أبا بكر أنك كنت معي في الغار وأنك معي على الحوض " # ؟ قال بلى: يا رسول الله فسار أبو بكر أميرا على الحجاج وعلي بن أبي ~~طالب يؤذن ببراءة فلما كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس ~~وحدثهم ms1460 عن مناسكهم فأقام للناس الحج والعرب في تلك السنة على منازلهم ~~التي كانوا عليها في الجاهلية من أمر الحج حتى إذا كان يوم النحر قام علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه فأذن في الناس بالذي أمر به وقرأ عليهم أول ~~سورة براءة وقال يزيد بن تبيع سألنا عليا بأي شيء بعثت في الحجة قال ~~بعثت بأربع لا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه ~~وسلم عهد فهو إلى مدته ومن يكون له عهده فأجله أربعة أشهر ولا يدخل الجنة ~~إلا نفس مؤمنة ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا في حج ثم حج ~~النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع ق. عن أبي هريرة أن أبا بكر ~~بعثه في الحجة التي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة ~~الوداع في رهط يؤذن في الناس يوم النحر أن لا يحج بعد العام مشرك ولا ~~يطوف بالبيت عريان وفي رواية ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن ~~أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة قال أبو هريرة فأذن معنا في أهل منى ~~ببراءة أن لا يحج بالبيت بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وفي رواية ~~ويوم الحج الأكبر يوم النحر والحج الأكبر الحج وإنما قيل الحج الأكبر من ~~أجل قول الناس للعمرة الحج الأصغر قال فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك فلم ~~يحج في العام القابل الذي حج فيه حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم حجة ~~الوداع مشرك وأنزل الله في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين # يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله # [التوبة: 28] الآية. فصل قد يتوهم متوهم أن في بعث علي بن أبي طالب ~~بقراءة أول براءة عزل أبي بكر عن الإمارة وتفضيله على أبي بكر وذلك جهل ~~من هذا المتوهم ويدل على أن أبا بكر لم يزل ms1461 أميرا على الموسم في تلك ~~السنة أول حديث أبي هريرة المتقدم أن أبا بكر بعثه في رهط يؤذنون في ~~الناس الحديث وفي لفظ أبو داود والنسائي قال بعثني أبو بكر فيمن يؤذن في ~~يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان فقوله ~~بعثني أبو بكر فيه دليل على أن أبا بكر كان هو الأمير على الناس وهو الذي ~~أقام للناس حجهم وعلمهم مناسكهم وأجاب العلماء عن بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عليا ليؤذن في الناس ببراة بأن عادة العرب جرت أن لا يتولى ~~تقرير العهد ونقضه إلا سيد القبيلة وكبيرها أو رجل من أقاربه وكان علي بن ~~أبي طالب أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أبي بكر لأنه ابن عمه ومن ~~رهطه فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم ليؤذن عنه ببراءة إزاحة لهذه العلة ~~لئلا يقولوا هذا على خلاف ما نعرفه من عادتنا في عقد العهود ونقضها وقيل ~~لما خص أبا بكر بتوليته على الموسم خص عليا بتبليغ هذه الرسالة تطييبا ~~لقلبه ورعاية لجانبه وقيل إنما بعث عليا في هذه الرسالة حتى يصلي خلف ~~أبي بكر ويكون جاريا مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر أميرا على ~~الحجاج وولاه الموسم وبعث عليا خلفه ليقرأ على الناس براءة فكان أبو بكر ~~الإمام وعلي المؤتم وكان أبو بكر الخطيب وعلي المستمع وكان أبو بكر ~~المتولي أمر الموسم والأمير علىالناس ولم يكن ذلك لعلي فدل ذلك على تقديم ~~أبي بكر على علي وفضله عليه والله أعلم. # وقوله تعالى: { واعلموا أنكم غير معجزي الله } يعني أن هذا الإمهال ليس ~~لعجز عنكم ولكن لمصلحة ولطف بكم ليتوب تائب وقيل: معناه فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر عالمين أنكم لا تعجزون الله بل هو يعجزكم ويأخذكم لأنكم في ~~ملكه وقبضته وتحت قهره وسلطانه وقيل معناه إنما أمهلكم هذه المدة لأنه لا ~~يخاف الفوت ms1462 ولا يعجزه شيء { وأن الله مخزي الكافرين } يعني بالقتل ~~والعذاب في الآخرة. ### || [9.3] # قوله عز وجل: { وأذان من الله ورسوله } الأذان في اللغة الإعلام ومنه ~~الأذان للصلاة لأنه إعلام بدخول وقتها والمعنى وإعلام صادر من الله ~~ورسوله وأصل { إلى الناس يوم الحج الأكبر } اختلفوا في يوم الحج الأكبر ~~فروى عكرمة عن ابن عباس أنه يوم عرفة ويروى ذلك عن ابن عمر وابن الزبير ~~وهو قول عطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب # " وعن علي بن أبي طالب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم ~~الحج الاكبر فقال: يوم النحر " # أخرجه الترمذي وقال ويروى موقوفا عليه وهو أصح وعن عمر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة ~~التي حج فيها فقال: أي يوم هذا، فقالوا يوم النحر فقال: هذا يوم الحج ~~الأكبر " # أخرجه أبو داود ويروى ذلك عن عبد الله بن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة وهو ~~قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير والسدي. وروى ابن جريج عن مجاهد أن يوم ~~الحج الأكبر أيام منى كلها وكان سفيان الثوري يقول الحج الأكبر أيام منى ~~كلها لأن اليوم قد يطلق ويراد به الحين والزمان كقولك يوم صفين ويوم ~~الجمل لأن الحروب دامت في تلك الأيام ويطلق عليها يوم واحد وقال عبد الله ~~بن الحرث بن نوفل: يوم الحج الأكبر الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو قول ابن سيرين لأنه اجتمع فيه حج المسلمين وعيد اليهود وعيد ~~النصارى وعيد المشركين ولم يجتمع مثل ذلك قبله ولا بعده فعظم ذلك اليوم ~~عند المؤمنين والكفارين. قال مجاهد: الحج الأكبر القرآن لأنه قرن بين ~~الحج والعمرة، وقال الزهري والشعبي وعطاء، الحج الأكبر الحج والحج الأصغر ~~العمرة وإنما قيل لها الأصغر لنقصان أعمالها عن الحج وقيل: سمي الحج ~~الأكبر لموافقة حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وكان ذلك ~~اليوم يوم الجمعة فودع الناس فيه وخطبهم وعلمهم مناسكهم وذكر في خطبته أن ms1463 ~~الزمان قد استدار وأبطل النسي وجميع أحكام الجاهلية. وقوله سبحانه ~~وتعالى: { أن الله بريء من المشركين ورسوله } فيه حذف والتقدير وأذان من ~~الله ورسوله بأن الله بريء من المشركين وإنما حذفت الباء لدلالة الكلام ~~عليها وفي رفع رسوله وجوه الأول أنه رفع بالابتداء وخبره مضمر والتقدير ~~أن الله بريء من المشركين ورسوله أيضا بريء الثاني تقديره بريء الله ~~ورسوله من المشركين الثالث إن الله في محل الرفع بالابتداء وبرئ خبره ~~ورسوله عطف على المبتدأ. فإن قلت: لا فرق بين قوله براءة من الله ورسوله ~~إلى الذين عاهدتهم من المشركين وبين قوله إن الله بريء من المشركين ~~ورسوله فما فائدة هذا التكرار قلت المقصود من الآية الأولى البراءة من ~~العهد ومن الآية الثانية البراءة التي هي تفيض الموالاة الجارية مجرى ~~الزجر والوعيد والذي يدل على صحة هذا الفرق أنه قال في أولها براءة من ~~الله ورسوله إلى يعني بريء إليهم وفي الثانية بريء منهم وقوله تعالى: { ~~فإن تبتم } يعني فإن رجعتم عن شرككم وكفركم { فهو خير لكم } يعني من ~~الإقامة على الشرك وهذا ترغيب من الله في التوبة والإقلاع عن الشكر ~~الموجب لدخول النار { وإن توليتم } يعني أعرضتم عن الإيمان والتوبة من ~~الشرك { فاعلموا أنكم غير معجزي الله } فيه وعيد عظيم وإعلام لهم بأن ~~الله سبحانه وتعالى قادر على إنزال العذاب بهم وهو قوله تعالى: { وبشر ~~الذين كفروا بعذاب أليم } يعني في الآخرة ولفظ البشارة هنا إنما ورد على ~~سبيل الاستهزاء. # كما يقال: تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم. ### || [9.4-5] # قوله سبحانه وتعالى: { إلا الذين عاهدتم من المشركين } هذا الاستثناء ~~راجع إلى قوله تعالى براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ~~يعني إلا من عهد الذين عاهدتم من المشركين وهم بنو ضمرة حي من كنانة أمر ~~الله رسوله صلى الله عليه وسلم بإتمام عهدهم إلى مدتهم وكان قد بقي من ~~مدتهم تسعة أشهر وكان السبب فيه أنهم لم ينقضوا العهد وهو قوله تعالى: { ~~ثم لم ينقصوكم شيئا } يعني من عهودهم التي ms1464 عاهدتموهم عليها { ولم ~~يظاهروا } يعني ولم يعاونوا { عليكم أحدا } يعني من عدوكم وقال صاحب ~~الكشاف: وجهه أن يكون مستنثى قوله تعالى فسيحوا في الأرض لأن الكلام خطاب ~~للمسلمين ومعناه براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ~~فقولوا لهم: سيحوا في الأرض إلا الذين عاهدتم منهم ثم لم ينقصوكم { ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } والاستثناء بمعنى الاستدراك كأنه قيل لهم ~~بعد أن أمروا في الناكثين لكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ولا ~~تجروهم مجراهم ولا تجعلوا الوفي كالغادر { إن الله يحب المقتين } يعني أن ~~قضية التقوى تقتضي أن لا يسوى بين القبيلتين يعني الوافي بالعهد والناكث ~~له والغادر فيه. قوله سبحانه وتعالى: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } يعني ~~فإذا انقضت الأشهر الحرم ومضت وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم. ~~وقال مجاهد ومحمد بن إسحاق: هي شهور العهد سميت حرما لحرمة نقض العهد ~~فيها فمن كان له عهد فعهده أربعة أشهر ومن لا عهد له فأجله إلى انقضاء ~~المحرم وذلك خمسون يوما وقيل إنما قال لها حرم لأن الله سبحانه وتعالى ~~حرم فيها على المؤمنين دماء المشركين والتعرض لهم. فإن قلت: على هذا ~~القول هذه المدة وهي الخمسون يوما بعض الأشهر الحرم والله سبحانه وتعالى ~~قال فإذا انسلخ الأشهر الحرم. قلت: لما كان هذا القدر من الأشهر متصلا ~~بما مضى أطلق عليه اسم الجمع والمعنى فإذا مضت المدة المضروبة التي يكون ~~معها انسلاخ الأشهر الحرم { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } يعني في ~~الحل والحرم وهذا أمر إطلاق يعني اقتلوهم في أي وقت وأي مكان وجدتموهم { ~~وخذوهم } يعني وأسروهم { واحصروهم } أي واحبسوهم. قال ابن عباس: يريد أن ~~تحصنوا فاحصروهم وامنعوهم من الخروج. وقيل: امنعوهم من دخول مكة والتصرف ~~في بلاد الإسلام { واقعدوا لهم كل مرصد } يعني على كل طريق والمرصد الوضع ~~الذي يقعد فيه للعدو من رصدت الشيء أرصده إذا ترقبته والمعنى كونوا لهم ~~رصدا حتى تأخذوهم من أي وجه توجهوا. وقيل: معناه اقعدوا لهم بطريق مكة ~~حتى لا يدخلوها { فإن ms1465 تابوا } يعني من الشرك ورجعوا إلى الإيمان { ~~وأقاموا الصلاة } يعني وأتموا أركان الصلاة المفروضة { وآتوا الزكاة } ~~الواجب عليهم طيبة بها أنفسهم { فخلوا سبيلهم } يعني إلى الدخول إلى مكة ~~والتصرف في بلادهم { إن الله غفور } يعني لمن تاب ورجع من الشرك إلى ~~الإيمان ومن المعصية إلى الطاعة { رحيم } يعني بأولياءه وأهل طاعته، وقال ~~الحسن بن الفضل: نسخت هذه الآية كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين ~~والصبر على أذى الأعداء. ### || [9.6-8] # قوله تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } ~~يعني وإن استأمنك يا محمد أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم ~~بعد انسلاخ الأشهر الحرم ليسمع كلام الله الذي أنزل عليك وهو القرآن ~~فأجره حتى يسمع كلام الله ويعرف ماله من الثواب إن آمن وما عليه من ~~العقاب إن أصر على الكفر { ثم أبلغه مأمنه } يعني إن لم يسلم أبلغه إلى ~~الموضع الذي يأمن فيه وهو دار قومه وإن قاتلك بعد ذلك وقدرت عليه فاقتله ~~{ ذلك بأنهم قوم لا يعلمون } أي لا يعلمون دين الله وتوحيده فهم يحتاجون ~~إلى سماع كلام الله عز وجل، قال الحسن: هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة ~~{ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله } هذا على وجه التعجيب ~~ومعناه الجحد أي لا يكون لهم عهد عند الله ولا عند رسوله وهم يغدرون ~~وينقضون العهد ثم استثنى فقال سبحانه وتعالى: { إلا الذين عاهدتم عند ~~المسجد الحرام } قال ابن عباس: هم قريش. وقال قتادة: هم أهل مكة الذين ~~عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وقال السدي محمد بن ~~عباد ومحمد بن إسحاق هم بنو خزيمة وبنو مدلج وبنو الديل قبائل من بني بكر ~~كانوا دخلوا في عهد قريش وعقدهم يوم الحديبة، وقال مجاهد: هم أهل العهد ~~من خزاعة { فما استقاموا لكم } يعني على العهد { فاستقيموا لهم } يعني ما ~~أقاموا على العهد ثم إنهم لم يستقيموا ونقضوا العهد وأعانوا بني بكر على ~~خزاعة فضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1466 بعد الفتح أربعة أشهر ~~يختارون من أمرهم إما أن يسلموا وإما أن يلحقوا بأي بلاد شاؤوا فأسلموا ~~بعد الأربعة الأشهر والصواب من ذلك قول من قال إنهم قبائل من بني بكر وهم ~~خزيمة وبنو مدلج من ضمرة وبنو الديل وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد ~~قريش يوم الحديبية ولم يكن نقض العهد إلا قريش وبنو الديل من بني بكر ~~فأمر بإتمام العهد لمن لم ينقض وهم بنو ضمرة وإنما كان الصواب هذا القول ~~لأن هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد وذلك قبل فتح مكة لأن بعد الفتح ~~كيف يقول لشيء قد مضى فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم وإنما هم الذين قال ~~الله عز وجل فيهم إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا كما ~~نقصكم قريش ولم يظاهروا عليكم أحدا كما ظاهرت قريش بني بكر على خزاعة ~~وهم حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: { إن الله يحب ~~المتقين } يعني أنه سبحانه وتعالى يحب الذين يوفون بالعهد إذا عاهدوا ~~ويتقون نقضه { كيف وإن يظهروا عليكم } قبل هذا مردود على الآية الأولى ~~تقديره كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم { لا يرقبوا فيكم إلا ولا ~~ذمة } قال الأخفش معناه، كيف لا تقتلونهم وهم إن يظهروا عليكم أي يظهروا ~~بكم ويغلبوكم ويعلو عليكم لا يرقبوا أي لا يحفظوا. # وقيل: معناه لا ينتظروا. وقيل: معناه لا يراعوا فيكم إلا. قال ابن ~~عباس: يعني قرابة. وقيل: رحما وهذا معنى قول ابن عباس أيضا. وقال ~~قتادة: الإل الحلف. وقال السدي: هو العهد وكذلك الذمة وإنما كرر للتأكيد ~~أو لاختلاف اللفظين: وقال أبو مجلز ومجاهد: الإل هو الله عز وجل ومنه قول ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما سمع كلام مسيلمة الكذاب إن هذا الكلام ~~لم يخرج من إل يعني من الله وعلى هذا القول يكون معنى الآية لا يرقبون ~~الله فيكم ولا يحفظونه ولا يراعونه { ولا ذمة } يعني ولا يحفظون عهدا { ~~يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم } يعني يطيعونكم بألسنتهم بخلاف ms1467 ما في ~~قلوبهم { وأكثرهم فاسقون } فإن قلت إن الموصوفين بهذه الصفة كفار والكفر ~~أخبث وأقبح من الفسق فكيف وصفهم بالفسق في معرض الذم وما الفائدة في قوله ~~وأكثرهم فاسقون مع أن الكفار كلهم فاسقون. قلت: قد يكون الكافر عدلا في ~~دينه وقد يكون فاسقا خبيث الفسق في دينه فالمراد بوصفهم بكونهم فاسقين ~~أنهم نقضوا العهد وبالغوا في العداوة فوصفهم بكونهم فاسقين مع كفرهم ~~فيكون أبلغ في الذم وإنما قال أكثرهم ولم يقل كلهم فاسقون لأن منهم من ~~وفى بالعهد ولم ينقضه وأكثرهم نقضوا العهد فلهذا قال سبحانه وتعالى ~~وأكثرهم فاسقون. ### || [9.9-11] # وقوله تعالى: { اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا } يعني استبدلوا بآيات ~~القرآن والإيمان بها عرضا قليلا من متاع الدنيا وذلك أنهم نقضوا العهد ~~الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب أكلة أطعمهم ~~إياها أبو سفيان بن حرب فذمهم الله بذلك. قال مجاهد: أطعم أبو سفيان ~~حلفاءه وترك حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم { فصدوا عن سبيله } يعني ~~منعوا الناس عن الدخول في دين الله قال ابن عباس: وذلك أن أهل الطائف ~~أمدوهم بالأموال ليقووهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنهم ~~ساء ما كانوا يعلمون } يعني من الشرك ونقضهم العهد ومنعهم الناس عن ~~الدخول في دين الإسلام { لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة } يعني أن ~~هؤلاء المشركين لا يراعون في مؤمن عهدا ولا ذمة إذا قدروا عليه قتلوه ~~فلا تبقوا أنتم عليهم كما لم يبقوا عليكم إذا ظهروا عليكم { وأولئك هم ~~المعتدون } يعني في نقض العهد. قوله عز وجل: { فإن تابوا } يعني فإن ~~رجعوا عن الشرك إلى الإيمان وعن نقض العهد إلى الوفاء به { وأقاموا ~~الصلاة } يعني المفروضة عليهم بجميع حدودها وأركانها { وآتوا الزكاة } ~~يعني وبذلوا الزكاة المفروضة عليهم طيبة بها أنفسهم { فإخوانكم في الدين ~~} يعني إذا فعلوا ذلك فهم إخوانكم في الدين لهم مالكم وعليهم ما عليكم { ~~ونفصل الآيات لقوم يعلمون } يعني ونبين حجج أدلتنا ونوضح بيان آياتنا لمن ~~يعلم ذلك ms1468 ويفهمه. قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة وقال ابن ~~مسعود: أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له. وقال ابن زيد: ~~افترضت الصلاة والزكاة جميعا لم يفرق بينهما وأبى أن يقبل الصلاة إلا ~~بالزكاة. وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه يعني بذلك ما ذكره أبو ~~بكر في حق منع الزكاة وهو قوله. والله لا أفرق بين شيئين جمع الله بينهما ~~يعني الصلاة والزكاة ق يعني أبي هريرة قال لما توفي النبي صلى الله عليه ~~وسلم واستخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: ~~كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا ~~الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل " # فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق ~~المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها. وفي رواية، عقالا كانوا ~~يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: ~~فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه ~~الحق. عن أنس قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة ~~الله وذمة رسوله ". ### || [9.12-13] # وقوله سبحانه وتعالى: { وإن نكثوا أيمانهم } يعني وإن نقضوا عهودهم { من ~~بعد عهدهم } يعني من بعد ما عاهدوكم عليه أن لا يقاتلوكم ولا يظاهروا ~~عليكم أحدا من أعدائكم { وطعنوا في دينكم } يعني وعابوا دينكم الذي أنتم ~~عليه وقدحوا فيه وثلبوه. وفي هذا دليل على ان الذمي إذا طعن في دين ~~الإسلام وعابه ظاهرا لا يبقى له عهد والمراد بهؤلاء الذين نقضوا العهد ~~كفار قريش وهو قوله تعالى: { فقاتلوا أئمة الكفر } يعني رؤوس المشركين ~~وقادتهم. قال ابن عباس: نزلت في أبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل ms1469 ~~بن عمرو وأبي جهل وابنه عكرمة وسائر رؤساء قريش وهم الذين نقضوا عهدهم ~~وهموا بإخراج الرسول وقيل أراد جميع الكفار وإنما ذكر الأئمة لأنهم ~~الرؤساء والقادة ففي قتالهم قتال الأتباع، وقال مجاهد: هم فارس والروم ~~وقال حذيفة بن اليمان: ما قوتل أهل هذه الآية بعد ولم يأت أهلها ولعل ~~حذيفة أراد بذلك الذين يظهرون مع الدجال من اليهود فإنهم أئمة الكفر في ~~ذلك الزمان والله أعلم بمراده. وقوله سبحانه وتعالى: { إنهم لا أيمان لهم ~~} جمع يمين أي لا عهد لهم وقيل معناه إنهم لا وفاء لهم بالعهود وقرئ لا ~~إيمان لهم بكسر الهمزة ومعناه لا دين لهم ولا تصديق وقيل هو من الأمان أي ~~اقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تؤمنوهم { لعلهم ينتهون } أي لكي ينتهوا عن ~~الطعن في دينكم ويرجعوا عن الكفر إلى الإيمان ثم حض المؤمنين على جهاد ~~الكفار وبين السبب في ذلك فقال تعالى: { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ~~} يعني نقضوا عهودهم وهم الذين نقضوا عهد الصلح بالحديبية وأعانوا بني ~~بكر على خزاعة { وهموا بإخراج الرسول } يعني من مكة حين اجتمعوا في دار ~~الندوة { وهم بدؤوكم } يعني بالقتال { أول مرة } يعني يوم بدر وذلك أنهم ~~قالوا لا ننصرف حتى نستأصل محمدا وأصحابه وقيل أراد به أنهم بدءوا بقتال ~~خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم { أتخشونهم } يعني أتخافوهم ~~أيها المؤمنون فتتركون قتالهم { فالله أحق أن تخشوه } يعني في ترك القتال ~~{ إن كنتم مؤمنين } يعني إن كنتم مصدقين بوعد الله ووعيده. ### || [9.14-17] # قوله سبحانه وتعالى: { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم } يريد بالتعذيب ~~القتل يعني يقتلهم الله بأيديكم. فإن قلت: كيف الجمع بين قوله يعذبهم ~~الله بأيديكم وبين قوله وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم؟ قلت: المراد ~~بقوله وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم عذاب الاستئصال يعني وما كان ~~ليستأصلهم بالعذاب جميعا وأنت فيهم والمراد بقوله: قاتلوهم، يعني الذين ~~نقضوا العهد وبدءوا بالقتال فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~بقتال من قاتلهم أو نقض عهدهم. والفرق بين العذابين، أن ms1470 عذاب الاستئصال ~~يتعدى إلى المذنب وغير المذنب وإلى المخالف والموافق، وعذاب القتل لا ~~يتعدى إلا إلى المذنب المخالف وقوله تعالى: { ويخزهم } يعني ويذلهم ~~بالقهر والأسر وينزل بهم الذل والهوان { وينصركم عليهم } يعني بأن يظفركم ~~بهم { ويشف صدور قوم مؤمنين } يعني ويبرئ داء قلوبهم مما كانوا ينالونه ~~من الأذى منهم ومن المعلوم أن من طال تأذيه من خصمه ثم مكنه الله منه ~~فإنه يفرح بذلك ويعظم سروره ويصير ذلك سببا لقوة اليقين وثبات العزيمة. ~~قال مجاهد والسدي: أراد صدور خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حيث أعانت قريش بني بكر على خزاعة حتى قتلوا منهم ثم شفى الله صدور خزاعة ~~من بني بكر حتى أخذوا ثأرهم منهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه { ~~ويذهب غيظ قلوبهم } يعني ويذهب وجد قلوبهم بما نالوه من بني بكر. روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: # " ارفعوا السيف إلا خزاعة من بني بكر إلى العصر " # ذكره البغوي بغير سند. ثم قال تعالى: { ويتوب الله على من يشاء } هذا ~~كلام مستأنف ليس له تعلق بالأول والمعنى ويهدي الله من يشاء إلى الإسلام ~~فيمن عليه بالتوبة من الشرك والكفر ويهديه إلى الإسلام كما فعل بأبي ~~سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو فهؤلاء كانوا من أئمة ~~الكفر ورؤساء المشركين ثم من الله عليهم بالإسلام يوم فتح مكة فأسلموا ~~{ والله عليم } يعني بسرائر عباده ومن سبقت له العناية الأزلية بالسعادة ~~فيتوب عليه ويهديه إلى الإسلام { حكيم } يعني في جميع أفعاله قوله عز ~~وجل: { أم حسبتم أن تتركوا } هذا من الاستفهام المعترض في وسط الكلام ~~ولذلك أدخلت فيه أم لتفرق بينه وبين الاستفهام المبتدأ والمعنى أظننتم ~~أيها المؤمنون أن تتركوا فلا تؤمروا بالجهاد ولا تمتحنوا ليظهر الصادق من ~~الكاذب { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } أراد بالعلم: المعلوم، لأن ~~وجود الشيء يلزمه معلوم الوجود عند الله لا جرم جعل علم الله بوجوده ~~كناية عن وجوده. قاله الإمام فخر الدين الرازي: ms1471 ونقل الواحدي عن الزجاج ~~أي العلم الذي يجازي عليه لأنه إنما يجازي على ما عملوا { ولم يتخذوا من ~~دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } قال الفراء: الوليجة: البطانة ~~من المشركين يتخذونهم يفشون إليهم أسرارهم. # وقال قتادة: وليجة، يعني خيانة. وقال الضحاك: خديعة. وقال عطاء: أولياء. ~~يعني لا تتخذوا المشركين أولياء من دون الله ورسوله والمؤمنين. وقال أبو ~~عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة والرجل يكون في القوم ~~وليس منهم وليجة من الولوج فوليجة الرجل من يختصه بدخيلة أمره دون الناس. ~~وقال الراغب: الوليجة كل ما يتخذه الإنسان معتمدا عليه وليس من قولهم ~~فلان وليجة في القوم إذا دخل فيهم وليس منهم والمقصود من هذا نهي ~~المؤمنين عن موالاة المشركين وإن يفشوا إليهم أسرارهم { والله خبير بما ~~تعملون } يعني من موالات المشركين وإخلاص العمل لله وحده. قوله سبحانه ~~وتعالى: { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } يعني به المسجد الحرام ~~وقرئ مساجد الله على الجمع والمراد به المسجد الحرام أيضا وإنما ذكر ~~بلفظ الجمع لأنه قبلة المساجد كلها وسبب نزول هذه الآية أن جماعة من ~~رؤساء كفار قريش أسروا يوم بدر ومنهم العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعيرونهم بالشرك وجعل علي بن أبي طالب يوبخ العباس بسبب قتال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم. فقال العباس: ما لكم تذكرون ~~مساوينا وتكتمون محساننا؟ فقيل له: وهل لكم من محاسن؟ قال: نعم. نحن أفضل ~~منكم نحن نعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني يعني ~~الأسير فنزلت هذه الآية: ما كان للمشركين أي ما ينبغي للمشركين أن يعمروا ~~مساجد الله أوجب الله على المسلمين منعهم من ذلك المساجد إنما تعمر ~~لعبادة الله تعالى وحده فمن كان كافرا بالله فليس له أن يعمر مساجد الله ~~واختلفوا في المراد بالعمارة على قولين أحدهما أن المراد بالعمارة ~~العمارة المعروفة من بناء ms1472 المساجد وتشييدها ومرمتها عند خرابها فيمنع منه ~~الكافر حتى لو أوصى ببناء مسجد لم تقبل وصيته والقول الثاني إن المراد ~~بالعمارة دخول المسجد والقعود فيه فيمتنع الكافر من دخول المسجد بغير إذن ~~مسلم حتى لو دخل بغير إذن مسلم عزر وإن دخل بإذن لم يعزر ويدل على جواز ~~دخول الكافر المسجد بالإذن أن النبي صلى الله عليه وسلم شد ثمامة بن أثال ~~إلى سارية من سواري المسجد وهو كافر والأولى تعظيم المساجد ومنعهم من ~~دخولها. وقوله تعالى: { شاهدين على أنفسهم بالكفر } يعني: لا يدخلون ~~المساجد في حال كونهم شاهدين. وقيل: تقديره وهم شاهدون فلما حذفت وهم ~~نصب. وقال ابن عباس: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام وذلك أن ~~كفار قريش كانوا قد نصبوا أصنامهم خارج البيت الحرام عند القواعد وكانوا ~~يطوفون بالبيت عراة كلما طافوا طوفة سجدوا للأصنام فلم يزدادوا بذلك من ~~الله إلا بعدا. # وقال الحسن: إنهم لم يقولوا نحن كفار ولكن كلامهم بالكفر شهادة عليهم ~~بالكفر. وقال السدي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني يسأل من ~~أنت فيقول نصراني واليهودي يقول يهودي والمشرك يقول مشرك. وقال ابن عباس: ~~في رواية عنه شاهدين على رسولهم بالكفر لأنه من أنفسهم { أولئك حبطت ~~أعمالهم } يعني الأعمال التي عملوها في حال الكفر من أعمال البر مثل قرى ~~الضيف وسقي الحاج وفك العاني لأنها لم تكن لله فلم يكن لها تأثير مع ~~الكفر { وفي النار هم خالدون } يعني من مات منهم على كفره. ### || [9.18] # قوله عز وجل: { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر } لما ~~بين الله عز وجل أن الكافر ليس له أن يعمر مساجد الله بين في هذه الآية ~~من هو المستحق لعمارة المساجد وهو من آمن بالله فإن الإيمان بالله شرط ~~فيمن يعمر المسجد لأن المسجد عبارة عن الموضع الذي يعبد الله فيه فمن لم ~~يكن مؤمنا بالله امتنع أن يعمر موضعا يعبد الله فيه واليوم الآخر يعني ~~وآمن باليوم الآخر وأنه حق كائن لأن عمارة المسجد ms1473 لأجل عبادة الله وجزاء ~~أجره إنما يكون في الآخرة فمن أنكر الآخرة لم يعبد الله ولم يعمر له ~~مسجدا. فإن قلت لم لم يذكر الإيمان برسول الله مع أن الإيمان به شرط في ~~صحة الإيمان. قلت: إن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم داخل في ~~الإيمان بالله فإن من آمن بالله واليوم الآخر فقد آمن برسول الله لأن من ~~جهته عرف الإيمان بالله واليوم الآخر لأنه هو الداعي إلى ذلك وقيل إن ~~المشركين كانوا يقولون إن محمدا إنما ادعى النبوة طلبا للرياسة ~~والملك فأخبر الله عز وجل أن محمدا إنما دعا إلى الإيمان بالله واليوم ~~الآخر لا لطلب الرياسة والملك فلذلك قال سبحانه وتعالى إنما يعمر مساجد ~~الله من آمن بالله واليوم الآخر وترك ذكر الإيمان برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقيل: إنه تبارك وتعالى قال بعد الإيمان بالله واليوم الآخر { ~~وأقام الصلاة وآتى الزكاة } وكان ذلك ما جاء به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فمن أقام الصلاة وآتى الزكاة فقد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واعلم أن الاعتبار بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المساجد أن ~~الإنسان إذا عمر المسجد أقام الصلاة وآتى الزكاة لأن عمارة المسجد إنما ~~تلزم لإقامة الصلاة فيه ولا يشتغل بعمارة المسجد إلا إذا كان مؤديا ~~للزكاة لأن الزكاة واجبة وعمارة المسجد نافلة ولا يشتغل الإنسان بالنافلة ~~إلا بعد إكمال الفريضة الواجبة عليه. وقوله تعالى: { ولم يخش إلا الله } ~~يعني ولم يخف في الدين غير الله ولم يترك أمر الله لخشية الناس { فعسى ~~أولئك أن يكونوا من المهتدين } وعسى من الله واجب يعني وأولئك هم ~~المهتدون المتمسكون بطاعة الله التي تؤدي إلى الجنة عن أبي سعيد الخدري ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان فإن الله عز وجل ~~يقول إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر " # الآية أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن ق عن أبي هريرة أن النبي صلى ms1474 الله ~~عليه وسلم قال: # " من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح ~~النزل ما يهيأ للضيف عند نزوله بالقوم " # ق. عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله تعالى بنى الله له بيتا في ~~الجنة " # وفي رواية: # " بنى الله له في الجنة مثله " # وعن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من بنى لله مسجدا صغيرا كان أو كبيرا بنى الله له بيتا في الجنة " # أخرجه الترمذي عن عمرو بن عنبسة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من بنى لله مسجدا ليذكر الله فيه بنى الله له بيتا في الجنة " # ، أخرج النسائي. ### || [9.19] # قوله سبحانه وتعالى: { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام } الآية ~~م عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. ~~قال الآخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجره عمر وقال: لا ترفعوا ~~أصواتكم عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت ~~الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله عز وجل أجعلتم سقاية ~~الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر إلى آخرها. وقيل: ~~قال العباس حين أسروا يوم بدر لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة ~~والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج فأنزل الله هذه الآية ~~وأخبر أن عمارتهم المسجد الحرام وقيامهم على السقاية لا ينفعهم مع الشرك ~~بالله وإن الإيمان والجهاد مع نية خير مما هم عليه. وقال الحسن والشعبي ~~ومحمد بن كعب القرظي: نزلت في علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب ~~وطلحة بن أبي شيبة افتخروا فقال طلحة أنا صاحب البيت بيدي مفاتيحه. وقال ~~العباس: وأنا صاحب السقاية والقيامة عليها وقال ما أدري ما تقولون لقد ~~صليت إلى القبلة ستة ms1475 أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فأنزل الله هذه ~~الآية { أجعلتم سقاية الحاج } والسقاية مصدر كالرعاية والحماية وهي: سقي ~~الحاج وكان العباس ابن عبد المطلب بيده سقاية الحاج وكان يليها في ~~الجاهلية فلما جاء الإسلام وأسلم العباس أقره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على ذلك وعمارة المسجد الحرام يعني بناؤه وتشييده ومرمته { كمن آمن ~~بالله واليوم الآخر } فيه حذف تقديره كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر { ~~وجاهد في سبيل الله } أي وكجهاد من جاهد في سبيل الله. وقيل: السقاية ~~والعمارة بمعنى الساقي والعامر تقديره: أجعلتم ساقي الحاج وعامر المسجد ~~الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله { لا يستوون عند ~~الله } يعني: لا يستوي حال هؤلاء الذين آمنوا بالله وجاهدوا في سبيل الله ~~بحال من سقى الحاج وعمر المسجد الحرام وهو مقيم على شركه وكفره لأن الله ~~سبحانه وتعالى لا يقبل عملا إلا مع الإيمان به { والله لا يهدي القوم ~~الظالمين } خ عن ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية فاستسقى فقال ~~العباس: يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من ~~عندها فقال اسقني فقال: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه قال اسقني ~~فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يستقون ويعملون فيها فقال: اعملوا فإنكم على ~~عمل صالح ثم قال لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذا يعني عاتقه ~~" # م عن بكر بن عبد الله المزني قال: كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة ~~فأتاه أعرابي فقال مالي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون ~~النبيذ أمن حاجة بكم أم من بخل فقال ابن عباس الحمد لله ما بنا من حاجة ~~ولا بخل إنما قدم النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة ~~فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة فقال: # " أحسنتم أو أجملتم كذا فاصنعوا " # فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم النبيذ ms1476 تمر ينقع ~~في الماء غدوة ويشرب عشاء أو ينقع عشاء ويشرب غدوة وهذا حلال فإن غلى ~~وحمض حرم. ### || [9.20-23] # قوله عز وجل: { الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله } يعني أن من كان موصوفا بهذه الصفات يعني ~~الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس كان أعظم درجة عند ~~الله ممن افتخر بالسقاية وعمارة المسجد الحرام وإنما لم يذكر القسم ~~المرجوح لبيان فضل القسم الراجح على الإطلاق على من سواهم والمراد ~~بالدرجة المنزلة والرفعة عند الله في الآخرة { وأولئك } يعني من هذه ~~صفتهم { هم الفائزون } يعني بسعادة الدنيا والآخرة { يبشرهم ربهم } يعني ~~يخبرهم ربهم والشبارة الخبر السار الذي يفرح الإنسان عند سماعه وتستنير ~~بشرة وجهه عند سماعه ذلك الخبر السار ثم ذكر الخبر الذي يبشرهم به فقال ~~تعالى: { برحمة منه ورضوان } وهذا أعظم البشارات لأن الرحمة والرضوان من ~~الله عز وجل على العبد نهاية مقصوده { وجنات لهم فيها نعيم مقيم } يعني ~~أن نعيم الجنة دائم غير منقطع أبدا { خالدين فيها } يعني في الجنان وفي ~~النعيم { أبدا } يعني لا انقطاع له { إن الله عنده أجر عظيم } يعني لمن ~~عمل بطاعته وجاهد في سبيله. قوله سبحانه وتعالى: { يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء } قال مجاهد: هذه الآية متصلة بما ~~قبلها نزلت في قصة العباس وطلحة وامتناعهما من الهجرة وقال ابن عباس: لما ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالهجرة إلى المدينة فمنهم من تعلق ~~به أهله وأولاده يقولون ننشدك الله أن لا تضيعنا فيرق لهم فيقيم عليهم ~~ويدع الهجرة فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في التسعة الذين ~~ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة فنهى الله المؤمنين عن موالاتهم وأنزل يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء يعني بطانة وأصدقاء ~~تفشون إليهم أسراركم وتؤثرون المقام معهم على الهجرة. قال بعضهم: حمل هذه ~~الآية على ترك الهجرة مشكل لأن هذه السورة نزلت بعد الفتح وهي من آخر ~~القرآن نزولا والأقرب أن ms1477 يقال إن الله سبحانه وتعالى لما أمر المؤمنين ~~بالتبري من المشركين قالوا كيف يمكن أن يقاطع الرجل أباه وأخاه وابنه ~~فذكر الله أن مقاطعة الرجل أهله وأقاربه في الدين واجبة فالمؤمن لا يوالي ~~الكافر وإن كان أباه وأخاه وابنه وهو قوله تعالى: { إن استحبوا الكفر على ~~الإيمان } يعني إن اختاروا الكفر وأقاموا عليه وتركوا الإيمان بالله ~~ورسوله { ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون } يعني ومن يختار المقام ~~معهم على الهجرة والجهاد فقد ظلم نفسه بمخالفة أمر الله واختيار الكفار ~~على المؤمنين ولما نزلت هذه الآية قال الذين أسلموا: لم يهاجروا إن نحن ~~هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجارتنا وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا. ### || [9.24-25] # { قل } أي قل يا محمد لهؤلاء الذين قالوا هذه المقالة { إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم } وقرئ على الجمع وعشيراتكم العشيرة ~~هم الأدنون من أهل الإنسان الذين يعاشرونه دون غيرهم { وأموال اقترفتموها ~~} يعني اكتسبتموها { وتجارة تخشون كسادها } يعني بفراقكم لها { ومساكن ~~ترضونها } يعني تستوطنوها راضين بسكناها { أحب إليكم من الله ورسوله } ~~يعني أحب إليكم من الهجرة إلى الله ورسوله { وجهاد في سبيله } فبين الله ~~سبحانه وتعالى أنه يجب تحمل جميع المضار في الدنيا ليبقى الدين سليما ~~وأخبر أنه كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله ~~وطاعة رسوله من المجاهدة في سبيل الله { فتربصوا } أي فانتظروا { حتى ~~يأتي الله بأمره } يعني بقضائه وهذا أمر تهديد وتخويف وقال مجاهد ومقاتل ~~يعني بفتح مكة { والله لا يهدي القوم الفاسقين } يعني الخارجين عن طاعته، ~~وفي هذا دليل على أنه إذا وقع تعارض بين مصالح الدين ومصالح الدنيا وجب ~~على المسلمين ترجيح مصالح الدين على مصالح الدنيا. قوله عز وجل: { لقد ~~نصركم الله } النصر المعونة على الأعداء بإظهار المسلمين عليهم { في ~~مواطن كثيرة } يعني أماكن كثيرة والمراد بها غزوات رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وسراياه وبعوثه وكانت غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~ما ذكره في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم تسع عشرة غزوة زاد ms1478 بريدة في ~~حديثه قاتل في ثمان منهم ويقال إن جميع غزواته وسراياه وبعوثه سبعون ~~وقيل: ثمانون وهو قوله تعالى: { لقد نصركم الله في مواطن كثيرة } { ويوم ~~حنين } يعني: ونصركم الله في يوم حنين أيضا فأعلم الله سبحانه وتعالى ~~أنه هو الذي يتولى نصر المؤمنين في كل موقف وموطن ومن يتولى الله نصره ~~فلا غالب له وحنين اسم واد قريب من الطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا. ~~وقال عروة: هو إلى جانب ذي المجاز وكانت قصة حنين على ما نقله الرواة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وقد بقيت عليه أيام من شهر رمضان ~~فخرج إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في اثني عشر ألفا عشرة آلاف من ~~المهاجرين والأنصار وألفان من الطلقاء وقال عطاء: كانوا ستة عشر ألفا. ~~وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا قط وكان ~~المشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف وكان على هوازن مالك بن عوف النصري ~~وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل فلما التقى الجمعان قال رجل من الأنصار ~~يقال له سلمة بن سلامة بن رقيش لن نغلب اليوم من قلة فساء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كلامه ووكلوا إلى كلمة الرجل. وفي رواية: فلم يرض الله ~~قوله ووكلهم إلى أنفسهم. # وذكر ابن الجوزي عن سعيد بن المسيب، أن القائل لذلك أبو بكر الصديق. ~~وحكى ابن جرير الطبري: أن القائل لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإسناد هذه الكلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بعد لأنه صلى ~~الله عليه وسلم كان في جميع أحواله متوكلا على الله عز وجل لا يلتفت إلى ~~كثرة عدد ولا إلى غيره بل نظره إلى ما يأتي من عند الله عز وجل من النصر ~~والمعونة قالوا: فلما التقى الجمعان اقتتلوا قتالا شديدا فانهزم ~~المشركون وخلوا عن الذراري ثم تنادوا: يا حماة السواد اذكروا الفضائح. ~~فتراجعوا وانكشف المسلمون. وقال قتادة: ذكر لنا أن الطلقاء انجفلوا يومئذ ~~بالناس فلما انجفل القوم هربوا ms1479 ق. عن أبي إسحاق قال: جاء رجل إلى البراء ~~فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة فقال أشهد على نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم ما ولى ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسر إلى هذا الحي من ~~هوازن وهم قوم رماة فرموهم برقش من نبل كأنها رجل من جراد فانكشفوا فأقبل ~~القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث يقود به ~~بغلته فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: # " أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب اللهم نصرك " # زاد أبو خيثمة ثم وصفهم. قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به ~~وإن الشجاع منا للذين يحاذي به يعني النبي صلى الله عليه وسلم. عن أبي ~~إسحاق قال: قال رجل للبراء بن عازب يا أبا عمارة فررتم يوم حنين قال لا ~~والله ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه خرج شبان أصحابه ~~وأخفاؤه حسرا ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح فلقوا قوما رماة لا يكاد ~~يسقط لهم سهم جمع هوازن وبنى نصر فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون فأقبلوا ~~هناك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به فنزل ودعا ~~واستنصر وقال: # " أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب " # ثم صفهم وروى شعبة عن أبي إسحاق قال: قال البراء إن هوازن كانوا قوما ~~رماة ولما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا فأقبل المسلمون على الغنائم ~~فاستقبلونا بالسهام فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفر. قوله: ~~ولكنه انطلق اخفاء من الناس: الإخفاء: جمع خفيف وهم المسرعون من الناس ~~الذين ليس لهم ما يعوقهم. والحسر: جمع حاسر وهو الذي لا درع عليه يقال ~~إذا رمى القوم بأسرهم إلى جهة واحدة: رمينا رشقا. والرجل من الجراد ~~القطعة الكبيرة منه. وقوله: كنا إذا إحمر البأس يعني إذا اشتد الحرب ~~والبأس بالموحدة من تحت الشدة والخوف. # وقال الكلبي: كان حول رسول الله ms1480 صلى الله عليه وسلم ثلثمائة من المسلمين ~~وانهزم سائر الناس وقال غيره لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ ~~غير عمه العباس بن عبد المطلب وابن عمه أبو سفيان بن الحارث وأيمن بن أم ~~أيمن قتل يوم حنين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أيمن أخو ~~أسامة بن زيد لأمه أمهما بركاة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وحاضنته م. عن العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن فاثة الجذامي فلما التقى المسلمون ~~والكفار ولي المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض ~~بغلته قبل الكفار قال العباس وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أي عباس ناد أصحاب السمرة " # فقال العباس، وكان رجلا صيتا: فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة. قال: ~~فوالله لكان عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا لبيك ~~لبيك. قال فاقتتلوا والكفار والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار ~~يا معشر الأنصار قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحرث بن الخزرج. فقالوا: ~~يا بني الحرث بن الخزرج يا بني الحرث بن الخزرج فنظر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هذا حين حمي الوطيس قال ثم # " أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: ~~" انهزموا ورب محمد " # قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال: فوالله ما هو إلا ~~أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا. قوله حمي ms1481 ~~الوطيس، أي اشتد الحرب. قال الخطابي: هذه الكلمة لم تسمع قبل أن يقولها ~~النبي صلى الله عليه وسلم من العرب وهي ما اقتضبه وأنشأه. والوطيس في ~~اللغة: التنور. وقوله: حدهم كليلا يعني لا يقطع شيئا م. عن سلمة بن ~~الأكوع قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا قال: فلما ~~غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن بغلته ثم قبض قبضة من تراب ~~الأرض ثم استقبل به وجوههم. وقال: # " شاهت الوجوه فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك ~~القبضة " # فولوا مدبرين فهزمهم الله بذلك وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غنائمهم بين المسلمين أخرجه مسلم بزيادة فيه قال سعيد بن جبير: أمد الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. وروى أن رجلا ~~من بني نصر يقال له شجرة قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البالق ~~والرجال عليهم ثياب بيض ما كنا نراهم فيكم إلا كهيئة الشامة وما كان ~~قتلنا إلا بأيديهم فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تلك ~~الملائكة. وروي أن رجلا من المشركين قال يوم حنين لما التقينا وأصحاب ~~محمد لم يقفوا لنا حلب شاة أن كشفناهم فبينا نحن نسوقهم حتى انتهينا إلى ~~صاحب البغلة البيضاء فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقانا عنده ~~رجال بيض الوجوه حسان فقالوا لنا شاهت الوجوه ارجعوا. قال: فانهزمنا ~~وركبوا أكتافنا فكانت إياها. واختلفوا هل قاتلت الملائكة يوم حنين على ~~قولين والصحيح إنها لم تقاتل إلا يوم بدر وإنما كانت الملائكة يوم حنين ~~مددا وعونا. وذكر البغوي أن الزهري قال: بلغني # " أن شيبة بن عثمان قال استدبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ~~وأنا أريد قتله بطلحة بن عثمان وعثمان بن طلحة وكانا قد قتلا يوم أحد ~~فأطلع الله رسوله على ما في نفسي فالتفت إلي وضرب في صدري وقال أعيذك ~~بالله يا شيبة فارعدت فرائصي فنظرت إليه وهو أحب إلي من سمعي وبصري ms1482 فقلت ~~أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أطلعك الله على ما في نفسي " # فلما هزم الله المشركين وولوا مدبرين انطلقوا إلى أوطاس وبها عيالهم ~~وأموالهم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأشعريين يقال له ~~أبو عامر وأمره على الجيش فسار إلى أوطاس فاقتتلوا بها وقتل دريد بن ~~الصمة وهزم الله المشركين وسبى المسلمون عيال المشركين وهرب أميرهم مالك ~~بن عوف النصري فأتى الطائف فتحصن بها وأخذ ماله وأهله فيمن أخذ وقتل أبو ~~عامر أمير المسلمين. قال الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب أنهم أصابوا ~~يومئذ ستة آلاف صبي ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى الطائف ~~فحاصرهم بقية ذلك الشهر فلما دخل ذو القعدة وهو شهر حرام انصرف عنهم وأتى ~~الجعرانة فأحرم منها بعمرة وقسم بها غنائم حنين وأوطاس وتألف أناسا منهم ~~أبو سفيان بن حرب والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو والأقرع بن حابس فأعطاهم ~~ق. عن أنس بن مالك # " أن ناسا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال ~~هوازن ما أفاء فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالا من قريش ~~المائة من الإبل فقالوا يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي ~~قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم قال أنس فحدث بذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من قولهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع ~~معهم غيرهم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث ~~بلغني عنكم فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله لم يقولوا ~~شيئا وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا يغفر الله لرسوله الله يعطي ~~قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم أفلا ترضون أن تذهب ~~الناس بالأموال وترجعوا إلى رحالكم برسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله ~~ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ms1483 " قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا. ~~قال: فإنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على ~~الحوض قالوا سنصبر زاد في رواية قال أنس فلم نصبر " # ق عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال لما أفاء الله على رسوله صلى الله ~~عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار ~~شيئا فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال: # " يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وكنتم متفرقين ~~فألفكم الله بي وعالى فأغناكم الله بي كلما قال شيئا قالوا الله ورسوله ~~أمن قال: فما منعكم أن تجيبوا رسول الله كلما قال شيئا قالوا الله ~~ورسوله آمن قال لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا أترضون أن تذهب الناس بالشاة ~~والبعير وتذهبوا بالنبي إلى رحالكم لولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار ولو ~~سلك الناس واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم الأنصار شعار ~~والناس دثار " # م. عن رافع بن خديج قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان ~~بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان مائة من ~~الإبل وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك فقال عباس بن مرداس: # أتجعل نهبي ونهب العب يد بين عيينة والأقرع فما كان حصن ولا حابس ~~يفوقان مرداس في مجمع وما كنت دون امرئ منهما ومن يخفض اليوم لا يرفع # قال: فأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم له مائة خ # " عن المسور ومروان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد ~~هوازن مسلمين فسألوه أن يرد عليهم مالهم وسبيهم فقال لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " إن معي من ترون وأحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى ~~الطائفتين إما المال وإما السبي وقد كنت استأنيت بكم " # وفي رواية: # " وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل ~~من الطائف فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه ms1484 وسلم غير راد عليهم ~~إلا إحدى الطائفتين قالوا إنا نختار سبينا فقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: " أما بعد فإن إخوانكم ~~هؤلاء جاؤوا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن ~~يطيب ذلك لهم فليفعل " فقال الناس قد طيبنا ذلك لهم يا رسول الله. فقال ~~لهم في ذلك: " إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع ~~إلينا عرفاؤكم أمركم " # فرجع الناس فكلمتهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا فهذا الذي بلغنا من سبي هوازن وأنزل الله ~~عز وجل في قصة حنين لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين { إذ ~~أعجبتكم كثرتكم } يعني حين قلتم لن نغلب اليوم من قلة { فلم تغن عنكم } ~~يعني كثرتكم { شيئا } يعني أن الظفر بالعدو ليس بكثرة العدد ولكن إنما ~~يكون بنصر الله ومعونته { وضاقت عليكم الأرض بما رحبت } يعني بسعتها ~~وفضائها { ثم وليتم مدبرين } يعني منهزمين. ### || [9.26-28] # { ثم أنزل الله سكينته } يعني بعد الهزيمة والسكينة والطمأنينة والأمنة، ~~وهي فعلية من السكون وذلك أن الإنسان إذا خاف رجف فؤاده فلا يزال متحركا ~~وإذا أمن سكن فؤاده وثبت فلما كان الأمن موجبا للسكون جعل لفظ السكينة ~~كناية عن الأمن. وقوله تعالى: { على رسوله وعلى المؤمنين } إنما كان ~~إنزال السكينة على المؤمنين لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ساكن القلب ~~ليس عنده اضطراب كما حصل للمؤمنين من الهزيمة واضطراب في هذه الواقعة ثم ~~من الله عليهم بإنزال السكينة عليهم حتى رجعوا إلى قتال عدوهم بعد ~~الهزيمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت لم يفر { وأنزل جنودا لم ~~تروها } يعني الملائكة تثبيت المؤمنين وتشجيعهم وتخذيل المشركين وتجبينهم ~~لا للقتال لأن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر { وعذب الذين كفروا } يعني ~~بالأسر والقتل وسبي العيال والأموال { وذلك جزاء الكافرين } يعني في ~~الدنيا ثم إذا أفضوا إلى الآخرة كان لهم عذاب ms1485 أشد من ذلك العذاب وأعظم { ~~ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء } يعني فيهديه إلى الإسلام كما فعل ~~بمن بقي من هوازن حيث أسلموا وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تائبين فمن عليهم وأطلق سبيهم { والله غفور } إن تاب { رحيم } بعباده. ~~قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس } قيل: أراد ~~بالمشركين عبدة الأصنام دون غيرهم من أصناف الكفار. وقيل: بل أراد جميع ~~أصناف الكفار عبدة الأصنام وغيرهم من اليهود والنصارى. والنجس: الشيء ~~القذر من الناس وغيرهم. وقيل: النجس الشيء الخبيث وأراد بهذه النجاسة ~~نجاسة الحكم لا نجاسة العين. سموا نجسا على الذم لأن الفقهاء اتفقوا على ~~طهارة أبدانهم. وقيل: هم أنجاس العين كالكلب والخنزير. حتى قال الحسن بن ~~صالح: من مس مشركا فليتوضأ. ويروى هذا عن الزيدية من الشيعة والقول ~~الأول أصح وقال قتادة سماهم: نجسا لأنهم يجنبون فلا يغتسلون ويحدثون فلا ~~يتوضؤون { فلا يقربوا المسجد الحرام } المراد: منعهم من دخول الحرم لأنهم ~~إذا دخلوا الحرم فقد قربوا من المسجد الحرام ويؤكد هذا قوله تعالى سبحان ~~الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام أراد به الحرم لأنه أسرى به صلى ~~الله عليه وسلم من بيت أم هانئ. قال العلماء: وجملة بلاد الإسلام في حق ~~الكفار ثلاثة أقسام أحدها: الحرم فلا يجوز لكافر أن يدخله بحال ذميا كان ~~أو مستأمنا لظاهر هذه الآية وبه قال الشافعي وأحمد ومالك فلو جاء رسول ~~من دار الكفر والإمام في الحرم فلا يأذن له في دخول الحرم بل يخرج إليه ~~بنفسه أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم وجوز أبو حنيفة وأهل ~~الكوفة للمعاهدة حول الحرم القسم الثاني من بلاد الإسلام الحجاز وحده ما ~~بين اليمامة واليمن ونجد والمدينة الشريفة قيل نصفها تهامي ونصفها حجازي. # وقيل: كلها حجازي: وقال ابن الكلبي: حد الحجاز ما بين جبل طيء وطريق ~~العراق سمي حجازا لأنه حجز بين تهامة، ونجد. وقيل: لأنه حجز بين نجد ~~والسراة. وقيل: لأنه حجز بين نجد وتهامة ms1486 والشام. قال الحربي: وتبوك من ~~الحجاز فيجوز للكفار دخول أرض الحجاز بالإذن ولكن لا يقيمون فيها أكثر من ~~مقام المسافر وهو ثلاثة أيام م. عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول # " لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلما " # زاد في رواية لغير مسلم وأوصى فقال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب فلم ~~يتفرغ لذلك أبو بكر وأجلاهم عمر في خلافته وأجل لمن يقدم تاجرا ثلاثا. ~~عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يجتمع دينان في جزيرة العرب " # أخرجه مالك في الموطأ مرسلا م. عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش ~~بينهم " # قال سعيد بن عبد العزيز: جزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى ~~تخوم العراق إلى البحر وقال غيره حد جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ~~ريف العراق في الطول ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام ~~عرضا والقسم الثالث سائر بلاد الإسلام فيجوز للكافر أن يقيم فيها بعهد ~~وأمان وذمة ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم. وقوله تعالى: { بعد ~~عامهم هذا } يعني العام الذي حج فيه أبو بكر الصديق بالناس وفيه نادى على ~~براءة وأن لا يحج بعد العام مشرك وهو سنة تسع من الهجرة { وإن خفتم عيلة ~~} يعني فقرا وفاقة وذلك أن أهل مكة كانت معايشهم من التجارات وكان ~~المشركون يجلبون إلى مكة الطعام ويتجرون فلما منعوا من دخول الحرم خاف ~~أهل مكة من الفقر وضيق العيش فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله عز وجل وإن خفتم عيلة { فسوف يغنيكم الله من فضله } قال ~~عكرمة: فأغناهم الله بأن أنزل المطر مدرارا وكثر خيرهم وقال مقاتل: أسلم ~~أهل جدة وصنعاء وجرش من اليمن وجلبوا الميرة الكثيرة إلى مكة فكفاهم الله ~~ما كانوا يخافون وقال الضحاك وقتادة: عوضهم الله ms1487 منها الجزية فأغناهم بها ~~{ إن شاء } قيل: إنما شرط المشيئة في الغنى المطلوب ليكون الإنسان دائم ~~التضرع والابتهال إلى الله تعالى في طلب الخيرات ودفع الآفات وأن يقطع ~~العبد أمله من كل أحد إلا من الله عز وجل فإنه هو القادر على كل شيء وقيل ~~إن المقصود من ذكر هذا الشرط تعليم رعاية الأدب كما في قوله تبارك وتعالى ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين { إن الله عليم } يعني بما ~~يصلحكم { حكيم } يعني أنه تعالى لا يفعل شيئا إلا عن حكمة وصواب فمن ~~حكمته أن منع المشركين من دخول الحرم وأوجب الجزية والذل والصغار على أهل ~~الكتاب. ### || [9.29] # قال تعالى: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } قال ~~مجاهد: نزلت الآية حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الروم فغزا ~~بعد نزولها غزوة تبوك، وقال الكلبي: نزلت في قريظة والنضير من اليهود ~~فصالحهم فكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام وأول ذل أصاب أهل الكتاب ~~بأيدي المسلمين وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين ~~والمعنى قاتلوا إيها المؤمنون القوم الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر. فإن قلت اليهود والنصارى يزعمون أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~فكيف أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر؟ قلت: ~~إيمانهم بالله ليس كإيمان المؤمنين وذلك أن اليهود يعتقدون التجسيم ~~والتشبيه، والنصارى يعتقدون الحلول، ومن اعتقد ذلك فليس بمؤمن بالله. ~~وقيل: من اعتقد أن عزيزا ابن الله وأن المسيح ابن الله فليس بمؤمن بالله ~~بل هو مشرك بالله. وقيل: من كذب رسولا من رسل الله فليس بمؤمن بالله ~~واليهود والنصارى يكذبون أكثر الأنبياء فليسوا بمؤمنين بالله. وأما ~~إيمانهم باليوم الآخر، فليس كإيمان المؤمنين، وذلك أنهم يعتقدون بعثة ~~الأرواح دون الأجساد ويعتقدون أن أهل الجنة لا يأكلون فيها ولا يشربون ~~ولا ينكحون ومن اعتقد ذلك فليس إيمانه كإيمان المؤمنين وإن زعم أنه مؤمن. ~~وقوله تعالى: { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } يعني: ولا يحرمون الخمر ~~والخنزير. وقيل: معناه أنهم ms1488 لا يحرمون ما حرم الله في القرآن ولا ما حرم ~~رسوله في السنة. وقيل: معناه لا يعملون بما في التوراة والإنجيل بل ~~حرفوهما وأتوا بأحكام من قبل أنفسهم { ولا يدينون دين الحق } يعني: ولا ~~يعتقدون صحة الإسلام الذي هو دين الحق. وقيل: الحق هو الله تعالى ومعناه: ~~ولا يدينون دين الله ودينه الإسلام وهو قوله تعالى إن الدين عند الله ~~الإسلام وقيل معناه ولا يدينون دين أهل الحق وهم المسلمون ولا يطيعون ~~الله كطاعتهم { من الذين أوتوا الكتاب } يعني أعطوا الكتاب وهم اليهود ~~والنصارى { حتى يعطوا الجزية } وهي ما يعطى المعاهد من أهل الكتاب على ~~عهده وهي الخراج المضروب على رقابهم سميت جزية للاجتزاء بها في حقن ~~دمائهم { عن يد } يعني عن قهر وغلبة يقال لكل من أعطى شيئا كرها من غير ~~طيب نفس أعطى عن يد وقال ابن عباس: يعطونها بأيديهم ولا يرسلون بها على ~~يد غيرهم وقيل: يعطونها نقدا لا نسيئة. وقيل: يعطونها مع إقرارهم بإنعام ~~المسلمين عليهم بقبولها منهم { وهم صاغرون } من الصغار وهو الذل والإهانة ~~يعني يعطون الجزية وهم أذلاء مقهورون وقال عكرمة: يعطون الجزية وهم ~~قائمون والقابض جالس. وقال ابن عباس: تؤخذ الجزية من أحدهم وتوطأ عنقه ~~وقال الكلبي: إذا أعطي يصفع قفاه وقال هو أن يؤخذ بلحيته ويضرب في ~~لهزمتيه ويقال له أد حق الله يا عدو الله وقال الإمام الشافعي رضي الله ~~تعالى عنه: الصغار هو جريان أحكام المسلمين عليهم. # فصل في بيان أحكام الآية اجتمعت الأمة على جواز أخذ الجزية من أهل ~~الكتاب وهم اليهود والنصارى إذا لم يكونوا عربا واختلفوا في أهل الكتاب ~~العرب وفي غير أهل الكتاب من كفار العجم، فذهب الشافعي إلى أن الجزية على ~~الأديان لا على الأنساب فتؤخذ من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما ولا ~~تؤخذ من عبدة الأوثان بحال واحتج بما روي عن أنس: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أكيد ردومة فأخذوه فأتوا به فحقن دمه وصالحه ~~على الجزية ms1489 أخرجه أبو داود وقال الشافعي: وهو رجل من العرب يقال إنه من ~~غسان وأخذ من أهل ذمة اليمن وعامتهم عرب وذهب مالك والأوزاعي إلى أن ~~الجزية تؤخذ من جميع الكفار إلا المرتد. وقال أبو حنيفة: تؤخذ من أهل ~~الكتاب على العموم وتؤخذ من مشركي العجم ولا تؤخذ من مشركي العرب وقال ~~أبو يوسف: لا تؤخذ من العربي كتابيا كان أو مشركا وتؤخذ من العجمي ~~كتابيا كان أو مشركا وأما المجوس فاتفقت الصحابة على جواز الأخذ منهم ~~ويدل عليه ما روي عن بجالة بن عبيدة ويقال عبدة: لم يكن عمر أخذ الجزية ~~من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أخذها من مجوس هجر. أخرجه البخاري # " عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال ما أدري ~~كيف أصنع في أمرهم فقال عبد الرحمن بن عوف أشهد أني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " # أخرجه مالك في الموطأ عن ابن شهاب قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أخذ الجزية من مجوس البحرين وأن عمر أخذها من مجوس فارس وأن عثمان ~~بن عفان أخذها من البربر أخرجه مالك في الموطأ وفي امتناع عمر من أخذ ~~الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها ~~منهم دليل على أن رأي الصحابة كان على أنها لا تؤخذ من كل مشرك وإنما ~~تؤخذ من أهل الكتاب واختلفوا في أن المجوس هل هم من أهل الكتاب. فروي عن ~~علي بن أبي طالب أنه قال كان لهم كتاب يدرسونه فأصبحوا وقد أسرى على ~~كتابهم فرفع من بين أظهرهم واتفقوا على تحريم ذبائحهم ومناكحتهم بخلاف ~~أهل الكتاب وأما من دخل في دين اليهود والنصارى من غيرهم من المشركين ~~فينظر فإن كانوا قد دخلوا فيه قبل النسخ والتبديل فإنهم يقرون بالجزية ~~وتحل مناكحتهم وذبائحهم وإن كانوا دخلوا فيه بعد النسخ بمجيء محمد صلى ms1490 ~~الله عليه وسلم ونسخ شريعتهم بشريعته فإنهم لا يقرون بالجزية ولا تحل ~~ذبائحهم ومناكحتهم ومن شككنا في أمرهم هل دخلوا فيه بعد النسخ أو قبله ~~يقرون بالجزية تغليبا لحقن الدم ولا تحل ذبائحهم ومناكحتهم تغليبا ~~للتحريم ومنهم نصارى العرب من تنوخ وبهراء وبني تغلب أقرهم عمر على ~~الجزية. # وقال: لا تحل لنا ذبائحهم وأما الصابئة والسامرة فسبيلهم سبيل أهل ~~الكتاب فهم في أهل الكتاب كأهل البدع في المسلمين وأما قدرالجزية فأقلها ~~دينار ولا يجوز أن يقنص عنه ويقبل الدينار من الغني والفقير والمتوسط ~~ويدل عليه ما روي # " عن معاذ ابن جبل: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وجهه إلى ~~اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم أي محتلم دينارا أو عدله من المغافرية ~~ثياب تكون باليمن " # أخرجه أبو داود فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ من كل محتلم وهو ~~البالغ دينارا ولم يفرق بين الغني والفقير والمتوسط وفيه دليل على أنه ~~لا تؤخذ الجزية من الصبيان والنساء وإنما تؤخذ من الأحرار البالغين وذهب ~~قوم إلى أن على كل موسر أربعة دنانير وعلى كل متوسط دينارين وعلى كل فقير ~~دينارا وهو قول أصحاب الرأي ويدل عليه ما روي عن أسلم أن عمر بن الخطاب ~~ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما ومع ~~ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام أخرجه مالك في الموطأ: قال أصحاب ~~الشافعي: أقل الجزية دينار لا يزاد على الدنيار إلا بالتراضي فإذا رضي ~~أهل الذمة بالزيادة ضربنا على المتوسط دينارين وعلى الغني أربعة دنانير ~~قال العلماء: إنما أقر أهل الكتاب على دينهم الباطل بخلاف أهل الشرك حرمة ~~لآبائهم الذين انقرضوا على الدين من شريعة التوراة والإنجيل قبل النسخ ~~والتبديل وأيضا فإن بأيديهم كتبا قديمة فربما تفكروا فيها فيعرفون صدق ~~محمد صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته فأمهلوا لهذا المعنى وليس المقصود من ~~أخذ الجزية من أهل الكتاب إقرارهم على كفرهم بل المقصود من ذلك حقن ~~دمائهم وإمهالهم رجاء أن ms1491 يعرفوا الحق فيرجعوا إليه بأن يؤمنوا ويصدقوا ~~إذا رأوا محاسن الإسلام وقوة دلائله وكثرة الداخلين فيه. ### || [9.30] # قوله عز وجل: { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن ~~الله } الآية لما ذكر الله سبحانه وتعالى في الآية المتقدمة أن اليهود ~~والنصارى لا يؤمنون بالله ولا يدينون دين الحق بينه في هذه الآية فأخبر ~~عنهم أنهم أثبتوا لله ولدا ومن جوز ذلك على الله فقد أشرك به لأنه لا ~~فرق بين من يعبد صنما وبين من يعبد المسيح فقد بان بهذا أنهم لا يؤمنون ~~بالله ولا يدينون دين الحق وقد تقدم سبب أخذ الجزية منهم وإبقائهم على ~~هذا الشرك وهو حرمة الكتب القديمة التي بأيديهم ولعلهم يتفكرون فيها ~~ويعرفون الحق فيرجعون إليه. روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال: ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود سلام بن مشكم والنعمان ~~بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا ~~وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن الله فأنزل الله هذه الآية: وقال عبيد بن ~~عمير إنما قال هذه المقالة رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء وهو ~~الذي قال إن الله فقير ونحن أغنياء فعلى هذين القولين القائل لهذه ~~المقالة جماعة من اليهود أو واحد وإنما نسب ذلك إلى اليهود في وقالت ~~اليهود جريا على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد تقول العرب ~~فلان يركب الخيل وإنما يركب فرسا واحدا منها. وتقول العرب: فلان مجالس ~~الملوك ولعله لم يجالس إلا واحدا منهم وروى عطية العوفي عن ابن عباس أنه ~~قال: إنما قالت اليهود ذلك من أجل أن عزير كان فيهم وكانت التوراة عندهم ~~والتابوت فيهم فأضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فرفع الله سبحانه وتعالى ~~عنهم التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم فدعا الله عزير وابتهل ~~إليه أن يرد إليه التوارة فبينما هو يصلي مبتهلا إلى الله عز وجل نزل ~~نور من السماء فدخل جوفه فعادت إليه فأذن في ms1492 قومه وقال يا قوم قد أتاني ~~الله التوراة وردها إلي فعلقوا به يعلمهم ثم مكثوا ما شاء الله ثم إن ~~التابوت نزل بعد ذهابه منهم فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان يعلمهم عزير ~~على ما في التابوت فوجدوه مثله فقالوا ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن ~~الله. وقال الكلبي: إن بختنصر لما غزا بيت المقدس وظهر على بني إسرائيل ~~وقتل من قرأ التوراة كان عزير إذا ذاك صغيرا فلم يقتله لصغره فلما رجع ~~بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله لهم ~~عزيرا ليجدد لهم التوراة ويكون لهم آية بعدما أماته الله مائة سنة قال ~~فأتى ملك بإناء فيه ماء فشرب منه فمثلت له التوراة في صدره فلما أتاهم ~~قال أنا عزير فكذبوه وقالوا إن كنت كما تزعم فأمل علينا التوراة فكتبها ~~لهم من صدره ثم إن رجلا منهم قال إن أبي حدثني عن جدي أن التوراة جعلت ~~في خابية ودفنت في كرم فانطلقوا معه حتى أخرجوها فعارضوها بما كتب لهم ~~عزير فلم يجدوه غادر حرفا فقالوا إن الله لم يقذف التوراة في قلب عزير ~~إلا أنه ابنه فعند ذلك قالت اليهود: عزير ابن الله فعلى هذين القولين أن ~~هذا القول كان فاشيا في اليهود جميعا ثم إنه انقطع واندرس فأخبر الله ~~تعالى به عنهم وأظهره عليهم ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك فإن خبر الله عز ~~وجل أصدق وأثبت من إنكارهم وأما قول النصارى المسيح ابن الله فكان السبب ~~فيه أنهم كانوا على الدين الحق بعد رفع عيسى عليه السلام إحدى وثمانين ~~سنة يصلون إلى القبلة ويصومون رمضان حتى وقع بينهم وبين اليهود حرب وكان ~~في اليهود رجل شجاع يقال له بولص قتل جماعة من أصحاب عيسى عليه السلام ثم ~~قال بولص لليهود إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا فنحن ~~مغبونون إن دخلنا النار ودخلوا الجنة فإني سأحتال وأضلهم حتى يدخلوا ~~النار معنا ثم إنه عمد إلى فرس كان يقاتل عليه فعرقبه ms1493 وأظهر الندامة ~~والتوبة ووضع التراب على رأسه ثم أتى إلى النصارى فقالوا له من أنت قال: ~~أنا عدوكم بولص فقد نوديت من السماء أنه ليس لك توبة حتى تتنصر وقد تبت ~~وأتيتكم فأدخلوه السكينة ونصروه وأدخلوه بيتا منها لم يخرج منه سنة حتى ~~تعلم الإنجيل ثم خرج وقال قد نوديت أن الله قبل توبتك فصدقوه وأحبوه وعلا ~~شأنه فيهم ثم إنه عمد إلى ثلاثة رجال اسم الواحد منهم نسطور والآخر يعقوب ~~والآخر ملكان فعلم نسطور أن عيسى ومريم والإله ثلاثة وعلم يعقوب أن عيسى ~~ليس بإنسان ولكنه ابن الله وعلم ملكان أن عيسى هو الله لم يزل ولا يزال ~~فلما استمكن ذلك فيهم دعا كل واحد منهم في الخلوة وقال له: أنت خالصتي ~~وادع الناس لما علمتك وأمره أن يذهب إلى ناحية من البلاد ثم قال لهم: إني ~~رأيت عيسى في المنام وقد رضي عني وقال لكل واحد منهم: إني سأذبح نفسي ~~تقربا إلى عيسى ثم ذهب إلى المذبح فذبح نفسه وتفرق أولئك الثلاثة فذهب ~~واحد إلى الروم وواحد إلى بيت المقدس والآخر إلى ناحية أخرى وأظهر كل ~~واحد منهم مقالته ودعا الناس إليها فتبعه على ذلك طوائف من الناس فتفرقوا ~~واختلفوا ووقع القتال فكان ذلك سبب قولهم المسيح ابن الله. # وقال الإمام فخر الدين الرازي، بعد أن حكى هذه الحكاية: والأقرب عندي أن ~~يقال لعله ذكر لفظ الابن في الإنجيل على سبيل التشريف كما ورد لفظ الخليل ~~في حق إبراهيم على سبيل التشريف فبالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوة ~~الحقيقية والجهال قبلوا ذلك منهم وفشا هذا المذهب الفاسد في أتباع عيسى ~~عليه السلام والله أعلم بحقيقة الحال { ذلك قولهم بأفواههم } يعني أنهم ~~يقولون ذلك القول بألسنتهم من غير علم يرجعون إليه قال أهل المعاني: لم ~~يذكر الله قولا مقرونا بالأفواه والألسن إلا كان ذلك القول زورا ~~وكذبا لا حقيقة له { يضاهئون } قال ابن عباس: يشابهون والمضاهاة ~~المشابهة. # وقال مجاهد: يواطؤون وقال الحسن: يوافقون { قول الذين كفروا من قبل } ~~قال قتادة ms1494 والسدي: معناه ضاهت النصارى قول اليهود من قبلهم فقالوا: ~~المسيح ابن الله كما قالت اليهود عزير ابن الله. وقال مجاهد: معناه ~~يضاهئون قول المشركين من قبل لأن المشركين كانوا يقولون: الملائكة بنات ~~الله وقال الحسن: شبه الله كفر اليهود والنصارى بكفر الذين مضوا من الأمم ~~الخالية الكافرة. وقال القتيبي: يريد أن من كان في عصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم من اليهود والنصارى يقولون ما قال أولوهم { قاتلهم الله } قال ~~ابن عباس: لعنهم الله وقال ابن جريج: قتلهم الله وقيل ليس هو على تحقيق ~~المقاتلة ولكنه بمعنى التعجب أي حق أن يقال لهم هذا القول تعجبا من ~~بشاعة قولهم كما يقال لمن فعل فعلا يتعجب منه قاتله الله ما أعجب فعله { ~~أنى يؤفكون } يعني أنى يصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل وإقامة الحجة بأن ~~الله واحد أحد فجعلوا له ولدا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهذا ~~التعجب راجع إلى الخلق لأن الله سبحانه وتعالى لا يتعجب من شيء ولكن هذا ~~الخطاب على عادة العرب في مخاطبتهم فالله سبحانه وتعالى عجب نبيه صلى ~~الله عليه وسلم من تركهم الحق وإصرارهم على الباطل. ### || [9.31] # قوله سبحانه وتعالى: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } ~~يعني اتخذ اليهود والنصارى علماءهم وقراءهم والأحبار العلماء من اليهود ~~والرهبان أصحاب الصوامع من النصارى أربابا من دون الله يعني أنهم ~~أطاعوهم في معصية الله تعالى وذلك أنهم أحلوا لهم أشياء وحرموا عليهم ~~أشياء من قبل أنفسهم فأطاعوهم فيها فاتخذوهم كالأرباب لأنهم عبدوهم ~~واعتقدوا فيهم الإلهية. # " عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ~~ذهب فقال: " يا عدي اطرح عنك هذا الوثن " وسمعته يقرأ في سورة براءة { ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } فقال: أما إنهم لم يكونوا ~~يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم ~~شيئا حرموه " # أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب. قال عبد الله بن المبارك: # وهل بدل الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها ms1495 # { والمسيح ابن مريم } يعني اتخذوه إلها وذلك لما اعتقدوا فيه النبوة ~~والحلول اعتقدوا فيه الإلهية { وما أمروا } يعني وما أمروا في الكتب ~~القديمة المنزلة عليهم على ألسنة أنبيائهم { إلا ليعبدوا إلها واحدا } ~~لأنه سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة لا غيره { لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون } أي تعالى الله وتنزه عن أن يكون له شريك في العبادة ~~والأحكام وأن يكون له شريك في الإلهية يستحق التعظيم والإجلال. ### || [9.32-33] # { يريدون } يعني يريد رؤساء اليهود والنصارى { أن يطفئوا نور الله ~~بأفواههم } يعني يريد هؤلاء إبطال دين الله الذي جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم بتكذيبهم إياه. وقيل المراد: من النور الدلائل الدالة على صحة ~~نبوته صلى الله عليه وسلم وهي أمور أحدها المعجزات الباهرات الخارقة ~~للعادة التي ظهرت على يد النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صدقه ~~وثانيها القرآن العظيم الذي نزل عليه من عند الله فهو معجزة له باقية على ~~الأبد دالة على صدقه وثالثها أن دينه الذي أمر به هو دين الإسلام ليس فيه ~~شيء سوى تعظيم الله والثناء عليه والانقياد لأمره ونهيه واتباع طاعته ~~والأمر بعبادته والتبرئ من كل معبود سواه فهذه أمور نيرة ودلائل واضحة في ~~صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فمن أراد إبطال ذلك بكذب وتزوير فقد ~~خاب سعيه وبطل عمله ثم إن الله سبحانه وتعالى وعد نبيه محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بمزيد النصر وإعلاء الكلمة وإظهار الدين بقوله: { ويأبى الله ~~إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون } يعني ويأبى الله إلا أن يعلي دينه ~~ويظهر كلمته ويتم الحق الذي بعث به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ولو ~~كره ذلك الكافرون. قوله عز وجل: { هو الذي أرسل رسوله } يعني أن الله ~~الذي يأبى إلا أن يتم نوره هو الذي أرسل رسوله يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم { بالهدى } يعني بالقرآن الذي أنزله عليه وجعله هاديا إليه { ودين ~~الحق } يعني دين الإسلام { ليظهره } يعني ليعليه { على الدين كله } يعني ~~على سائر ms1496 الأديان وقال ابن عباس: الهاء في ليظهره عائدة إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم والمعنى ليعلمه شرائع الدين كلها ويظهره عليها حتى لا ~~يخفى عليه شيء منها وقال غيره من المفسرين الهاء راجعة إلى الدين الحق ~~والمعنى ليظهر دين الإسلام على الأديان كلها وهو ألا يعبد الله إلا به ~~وقال أبو هريرة والضحاك ذلك عند نزول عيسى عليه السلام فلا يبقى أهل دين ~~إلا دخلوا في الإسلام ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي هريرة # " في حديث نزول عيسى عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " ~~ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام " # عن المقداد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام ~~إما بعز عزيز أو بذل ذليل إما أن يعزهم فيجعلهم من أهله فيعزوا به وإما ~~أن يذلهم فيدينون له " # أخرجه البغوي بغير سند م # " عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يذهب ~~الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى " فقلت يا رسول الله إني كنت أظن ~~حين أنزل الله تعالى هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله إن ذلك تام قال " إنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث ريحا ~~طيبة تتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيبقى من لا ~~خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم " # قال الشافعي: وقد أظهر الله دين رسوله صلى الله عليه وسلم على الأديان ~~كلها بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق وما خالفه من الأديان باطل وقال ~~وأظهره على الشرك دين أهل الكتاب ودين الأميين فقهر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعا وكرها وقتل أهل الكتاب وسبى ~~حتى دان بعضهم بالإسلام وأعطى بعضهم الجزية صاغرين وجرى عليهم حكمه فهذا ~~هو ظهوره على الدين كله { ولو كره المشركون }. ### || [9.34] # قوله تعالى: { يا أيها الذين ms1497 آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان } قد ~~تقدم معنى الأحبار والرهبان وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى ~~وفي قوله سبحانه وتعالى: { إن كثيرا } دليل على ان الأقل من الأحبار ~~والرهبان لم يأكلوا أموال الناس بالباطل ولعلهم الذين كانوا قبل بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعبر عن أخذ الأموال بالأكل في قوله تعالى: { ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل } لأن المقصود الأعظم من جمع المال الأكل ~~فسمى الشيء باسم ما هو أعظم مقاصد واختلفوا في السبب الذي من أجله أكلوا ~~أموال الناس بالباطل فقيل إنهم كانوا يأخذون الرشا من سفلتهم في تخفيف ~~الشرائع والمسامحة في الأحكام وقيل إنهم كانوا يكتبون بأيديهم كتبا ~~يحرفونها ويبدلونها ويقولون هذه من عند الله ويأخذون بها ثمنا قليلا ~~وهي المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم على تغيير نعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم وصفته في كتبه لأنهم كانوا يخافون لو آمنوا به وصدقوه لذهب ~~عنهم تلك المآكل وقيل إن التوراة كانت مشتملة على آيات دالة على نعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكان الأحبار والرهبان يذكرون في تأويلها ~~وجوها فاسدة باطلة ويحرفون معانيها طلبا للرياسة وأخذ الأموال ومنع ~~الناس عن الإيمان به وذلك قوله تعالى: { ويصدون عن سبيل الله } يعني ~~ويمنعون الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والدخول في دين ~~الإسلام { والذين يكنزون الذهب والفضة } أصل الكنز في اللغة جعل المال ~~بعضه على بعض وحفظه ومال مكنوز مجموع واختلفوا في المراد بهؤلاء الذين ~~ذمهم الله بسبب كنز الذهب والفضة فقيل هم أهل الكتاب. قال معاوية بن أبي ~~سفيان: لأن الله سبحانه وتعالى وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال الناس ~~بالباطل ثم وصفهم بالبخل الشديد وهو جمع المال ومنع إخراج الحقوق الواجبة ~~منه. وقال ابن عباس: نزلت في مانعي الزكاة من المسلمين وذلك أن الله ~~سبحانه وتعالى لما ذكر قبح طريقة الأحبار والرهبان في الحرص على أخذ ~~الأموال بالباطل حذر المسلمين من ذلك وذكر وعيد من جمع المال ومنع حقوق ~~الله منه. وقال أبو ذر: ms1498 نزلت في أهل الكتاب وفي المسلمين. ووجه هذا القول ~~أن الله سبحانه وتعالى وصف أهل الكتاب بالحرص على أخذ أموال الناس ~~بالباطل ثم ذكر بعده وعيد من جمع المال ومنع الحقوق الواجبة فيه سواء كان ~~من أهل الكتاب أو من المسلمين خ عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا ~~بأبي ذر فقلت: ما أنزلك هذا المنزل؟ قال: كنت في الشأم فاختلفت أنا ~~ومعاوية في هذه الآية: { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله } فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. # فقلت: نزلت فينا وفيهم فكان بيني وبينه في ذلك كلام فكتب إلى عثمان ~~يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها فكثر علي الناس حتى ~~كأنهم لم يروني قبل ذلك فذكرت ذلك لعثمان فقال إن شئت تنحيت فكنت قريبا ~~فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمر على عبد حبشي لسمعت وأطعت واختلف ~~العلماء في معنى الكنز فقيل هو كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤد زكاته ~~وروي عن ابن عمر: أنه قال له أعرابي أخبرني عن قول الله عز وجل: { والذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } قال ~~ابن عمر من كنزها فلم يؤد زكاتها ويل له هذا كان قبل أن تنزل الزكاة فلما ~~نزلت جعلها الله طهرا للأموال. أخرجه البخاري. وفي رواية مالك عن عبد ~~الله بن دينار قال: سمعت عبد الله بن عمر وهو يسأل عن الكنز ما هو فقال: ~~هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة ورواه الطبري بسنده عن ابن عمر قال: كل ~~مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا وكل مال لم تؤد زكاته فهو ~~الكنز الذي ذكره الله في القرآن يكوى به صاحبه وإن لم يكن مدفونا. وروي ~~عن علي ابن أبي طالب قال: أربعة آلاف فما فوقها كنز وما دونها نفقة. ~~وقيل: الكنز كل ما فضل من المال عن حاجة صاحبه إليه. وروي الطبري بسنده ~~عن أبي أمامة قال: # " توفي رجل من أهل الصفة فوجد ms1499 في مئزره دينار فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم كية ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم كيتان " # كان هذا في أول الإسلام قبل أن تفرض الزكاة فكان يجب على كل من فضل معه ~~شيء من المال إخراجه لاحتياج غيره إليه فلما فرضت الزكاة نسخ ذلك الحكم. ~~عن ابن عباس قال: " لما نزلت هذه الآية: والذين يكنزون الذهب والفضة، كبر ~~على المسلمين فقال عمر: أنا أفرج عنكم. فانطلق فقال: يا نبي الله إنه كبر ~~على أصحابك هذه الآية. فقال: # " إن الله لم يفرض الزكاة إلا لتطييب ما بقي من أموالكم وإنما فرض ~~المواريث لتكون لمن بعدكم. قال: فكبر عمر ثم قال له: ألا أخبرك بخير ما ~~يكنز المرء؟ المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا ~~غاب عنها حفظته " # أخرجه أبو داود # " عن ثوبان قال " لما نزلت والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فقال بعض ~~أصحابه أنزلت في الذهب والفضة فلو علمنا أي المال خيرا اتخذناه؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة صالحة ~~تعين المؤمن على إيمانه " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن والصحيح من هذه الأقوال القول الأول وهو ما ~~ذكرنا عن ابن عمر أن كل مال أديت زكاته فليس بكنز ولا يحرم على صاحبه ~~اكتنازه وإن كثر وإن كان كل مال لم تؤد زكاته فصاحبه معاقب عليه وإن قل ~~إذا كان مما تجب فيه الزكاة ويستحق على منع الزكاة والوعيد من الله إلا ~~أن يتفضل الله عز وجل عليه بعفوه وغفرانه ويدل على ذلك ما روي عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة ~~صفحت له صفائح من نار فأحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جبينه وجنبه ~~وظهره كلما ردت أعيدت ms1500 له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقتضي بين ~~العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار " قيل يا رسول الله ~~فالإبل قال: " ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم ورودها ~~إلا إذا كان يوم القيامة بطح له بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها ~~فصيلا واحدا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عليه أولاها رد عليه ~~أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله ~~إما إلى الجنة وإما إلى النار " قيل يا رسول الله فالبقر والغنم قال " ~~ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع ~~قرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا غضباء تنطحه ~~بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما ~~إلى النار " # أخرجه مسلم بزيادة فيه قوله كلما ردت أعيدت له هكذا هو في بعض نسخ صحيح ~~مسلم ردت بضم الراء وفي بعضها بردت بالباء وهذا هو الصواب والرواية ~~الأولى هي رواية الجمهور قوله حلبها هو بفتح اللام على المشهور وحكى ~~إسكانها وهو ضعيف قوله بقاع قرقر هو المستوى من الأرض الواسع الأملس ~~والعقصاء هي الشابة الملتوية القرنين وإنما استثناها لأنها لا تؤلم ~~بنطحها وكذا الجلحاء وهي الشاة التي لا قن لها وكذا العضباء وهي الشاة ~~المكسورة القرن خ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعا أقرع له زبيبتان ~~يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول أنا مالك أنا ~~كنزك ثم تلا قوله سبحانه وتعالى { ولا تحسبن الذين يبخلون بما أتاهم الله ~~من فضله هو خيرا لهم } " # الآية الشجاع الحية والأقرع صفة له بطول العمر لأن من طال عمره تمزق ~~شعره وذهب وهي صفة ms1501 أخبث الحيات والزبيبتان هما الزبدتان في الشدقين ~~واللهزمتان عظمان ناتئان في اللحيين تحت الأذنين. وقوله تعالى: { ولا ~~ينفقونها في سبيل الله } يعني ولا يؤدون زكاتها وإنما قال ولا ينفقونها ~~ولم يقل ينفقونهما لأنه رد الكناية إلى المال المكنوز وهي أعيان الذهب ~~والفضة وقيل رد الكناية إلى الفضة لأنها أغلب أموال الناس { فبشرهم بعذاب ~~أليم } يعني الكافرين الذين لا يؤدون زكاة أموالهم ق. # " عن أبي ذر قال: " انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل ~~الكعبة فلما رآني قال: " هم الأخسرون ورب الكعبة " قال فجئت حتى جلست فلم ~~أتقار حتى قمت فقلت يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم؟ قال: " هم ~~الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يده ومن خلفه وعن ~~يمينه وعن شماله وقليل ما هم ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي ~~زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه ~~بأظلافها كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضي بين الناس " # هذا لفظ مسلم وفرقه البخاري في موضعين. ### || [9.35-36] # وقوله تعالى: { يوم يحمى عليها } يعني الكنوز فتدخل النار فيوقد عليها ~~حتى تبيض من شدة الحرارة { في نار جهنم فتكوى بها جباههم } يعني الكنوز ~~جباه كانزيها { وجنوبهم وظهورهم } قال ابن عباس: لا يوضع دينار على دينار ~~ولا درهم على درهم ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل دينار ودرهم في موضع على ~~حدته. قال بعض العلماء: إنما خص هذه الأعضاء، بالكي من بين سائر الأعضاء ~~لأن الغني صاحب المال إذا أتاه السائل فطلب منه شيئا تبدو منه آثار ~~الكراهة والمنع فعند ذلك يقطب وجهه ويكلح وتجتمع أسارير وجهه فيتجعد ~~جبينه ثم إن كرر السائل الطلب نأى بجانبه عنه ومال عن جهته وتركه جانبا ~~ثم إن كرر الطلب وألح في السؤال ولاه ظهره وأعرض عنه واستقبل جهة أخرى ~~وهي النهاية في الرد والغاية في المنع الدال على كراهية الإعطاء والبذل ~~وهذا دأب ما نعى البر والإحسان. وعادة ms1502 البخلاء فلذلك خص هذه الأعضاء ~~الثلاثة بالكي يوم القيامة. وقوله سبحانه وتعالى: { هذا ما كنزتم لأنفسكم ~~} أي يقال لهم ذلك يوم القيامة { فذوقوا ما كنتم تكنزون } أي فذوقوا عذاب ~~ما كنزتم في الدنيا من الأموال ومنعتم حق الله منها ق عن الأحنف بن قيس ~~قال: قدمت المدينة فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل خشن ~~الثياب خشن الجسد خشن الوجه فقام عليهم فقال بشر الكانزين برضف يحمى عليه ~~في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفيه ويوضع على ~~نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل قال فوضع القوم رؤوسهم فما رأيت ~~أحدا منهم رجع إليه شيئا قال فأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية فقلت ما ~~رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم فقال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئا هذا لفظ ~~مسلم وفيه زيادة لم أذكرها. وزاد البخاري قلت: من هذا؟ قالوا: أبا ذر. ~~قال: فقمت إليه فقلت ما شيء سمعتك تقول قبيل فقال ما قلت إلا شيئا سمعته ~~من نبيهم صلى الله عليه وسلم. قوله عز وجل: { إن عدة الشهور عند الله ~~اثنا عشر شهرا } هي: المحرم، وصفر، وربيع الأول، وربيع الآخر، وجمادى ~~الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو ~~الحجة، وهذه شهور السنة القمرية التي هي مبنية على سير القمر في المنازل ~~وهي شهور العرب التي يعتد بها المسلمون في صيامهم ومواقيت حجهم وأعيادهم ~~وسائر أمورهم وأحكامهم وأيام هذه الشهور ثلثمائة وخمسة وخمسون يوما ~~والسنة الشمسية عبارة عن دور الشمس في الفلك دورة تامة وهي ثلثمائة وخمسة ~~وستون يوما وربع يوم فتنقص السنة الهلالية عن السنة الشمسية عشرة أيام ~~فبسبب هذا النقصان تدور السنة الهلالية فيقع الحج والصوم تارة في الشتاء ~~وتارة في الصيف. # قال المفسرون: وسبب نزول هذه الآية من أجل النسيء الذي كانت العرب تفعله ~~في الجاهلية فكان يقع حجهم تارة في وقته وتارة في المحرم وتارة في صفر ~~وتارة في غيره من الشهور ms1503 فأعلم الله عز وجل أن عدة الشهور سنة المسلمين ~~التي يعتدون بها اثنا عشر شهرا على منازل القمر وسيره فيها وهو قوله ~~تبارك وتعالى إن عدة الشهور عند الله يعني في علمه وحكمه اثنا عشر شهرا ~~{ في كتاب الله } يعني في اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه جميع أحوال ~~الخلق وما يأتون وما يذرون. وقيل: أراد بكتاب الله القرآن لأن فيه آيات ~~تدل على الحساب ومنازل القمر وقيل أراد بكتاب الله الحكم الذي أوجبه وأمر ~~عباده بالأخذ به { يوم خلق السموات والأرض } يعني أن هذا الحكم حكم به ~~وقضاه يوم خلق السموات والأرض أن السنة اثنا عشر شهرا { منها } يعني من ~~الشهور { أربعة حرم } وهي رجب فرد وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثلاثة ~~متوالية وإنما سميت حرما لأن العرب في الجاهلية كانت تعظمها وتحرم فيها ~~القتال حتى لو أن أحدهم لقي قاتل أبيه وابنه وأخيه في هذه الأربعة الأشهر ~~لم يهجه ولما جاء الإسلام لم يزدها إلا حرمة وتعظيما ولأن الحسنات ~~والطاعات فيها تتضاعف وكذلك السيئات أيضا أشد من غيرها فلا يجوز انتهاك ~~حرمة الأشهر الحرم { ذلك الدين القيم } يعني ذلك الحساب المستقيم والعدد ~~الصحيح المستوي فالدين هنا بمعنى الحساب ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " الكيس من دان نفسه " # يعني: حاسب نفسه وعمل لما بعد الموت. وقيل: أراد بالدين القيم الحكم ~~الذي لا يغير ولا يبدل. والقيم هنا: بمعنى الدائم الذي لا يزول. فالواجب ~~على المسلمين الأخذ بهذا الحساب والعدد في صومهم وحجهم وأعيادهم ~~وبياعاتهم وأجل ديونهم وغير ذلك من سائر أحكام المسلمين المرتبة على ~~الشهور ق عن أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا ~~عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ~~ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان أي شهر هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت ~~حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليس ذا الحجة قلنا بلى قال أي ms1504 بلد ~~هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس ~~البلد الحرام؟ قلنا: بلى. قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت ~~حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس يوم النحر. قلنا: بلى. قال: ~~فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا ~~في شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فلا ترجعوا بعدي ~~كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه ~~أن يكون أوعى له من بعض من سمعه ثم قال: ألا هل بلغت ألا هل بلغت قلنا ~~نعم قال: اللهم اشهد " # وقوله تعالى: { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } قيل: الكناية في فيهن ترجع إلى ~~جميع الأشهر أي لا تظلموا أنفسكم في جميع أشهر السنة بفعل المعاصي وترك ~~الطاعات لأن المقصود منع الإنسان من الإقدام على المعاصي والفساد مطلقا ~~في جميع الأوقات إلى الممات. وقيل: إن الكناية ترجع إلى الأشهر الحرم وهو ~~قول أكثر المفسرين. وقال قتادة: العمل الصالح أعظم أجرا في الأشهر الحرم ~~والظلم فيهن أعظم منه فيما سواهن وإن كان الظلم على كل عظيما. وقال ابن ~~عباس: لا تظلموا فيهن أنفسكم يريد استحلال الحرام والغارة فيهن وقال محمد ~~بن إسحاق بن يسار: لا تجعلوا حلالها حراما ولا حرامها حلالا كفعل أهل ~~الشرك وهو النسئ. وقيل: إن الأنفس مجبولة بطبعها على الظلم والفساد ~~والامتناع عنه على الإطلاق شاق على النفس لا جرم أن الله خص بعض الأوقات ~~بمزيد التعظيم والاحترام ليمتنع الإنسان في تلك الأوقات من فعل الظلم ~~والقبائح والمنكرات فربما تكرها في باقي الأوقات فتصير هذه الأوقات ~~الشريفة والأشهر المحرمة المعظمة سببا لترك الظلم وفعل المعاصي في غيرها ~~من الأشهر فهذا وجه الحكمة في تخصيص بعض الأشهر دون بعض بمزيد التشريف ~~والتعظيم. وكذلك الأمكنة أيضا. وقوله سبحانه وتعالى: { وقاتلوا المشركين ~~كافة كما يقاتلونكم كافة } يعني قاتلوا المشركين بأجمعكم مجتمعين على ~~قتالهم كما أنهم يقاتلونكم على هذه الصفة والمعنى تعاونوا وتناصروا على ~~قتالهم ms1505 ولا تتخاذلوا ولا تتدابروا ولا تفشلوا ولا تجبنوا عن قتالهم ~~وكونوا عباد الله مجتمعين متوافقين في مقاتلة أعدائكم من المشركين واختلف ~~العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم فقال قوم كان كبيرا حراما ثم ~~نسخ بقوله: { وقاتلوا المشركين كافة } يعني في الأشهر الحرم وفي غيرهن ~~وهذا قول قتادة وعطاء الخراساني والزهري وسفيان الثوري. قالوا: لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين وثقيفا بالطائف وحاصرهم في شوال ~~وبعض ذي القعدة. وقال آخرون: إنه غير منسوخ. قال ابن جريج: حلف بالله ~~عطاء بن أبي رباح ما يحل للناس أن يغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم وما ~~نسخت إلا أن يقاتلوا فيها { واعلموا أن الله مع المتقين } يعني بالنصر ~~والمعونة على أعدائه. ### || [9.37] # { إنما النسئ زيادة في الكفر } النسئ: في اللغة، عبارة عن التأخير في ~~الوقت ومنه النسيئة في البيع ومعنى النسئ المذكور في الآية هو تأخير شهر ~~حرام إلى شهر آخر وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تعتقد حرمة الأشهر ~~الحرم وتعظيمها وكان ذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم ~~وكانت عامة معايش العرب من الصيد والغارة فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ~~ثلاثة أشهر متوالية وربما وقعت حروب في بعض الأشهر الحرم فكانوا يكرهون ~~تأخير حروبهم إلى الأشهر الحلال فنسؤوا يعني أخروا تحريم شهر إلى شهر آخر ~~فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيستحلون المحرم ويحرمون صفر فإذا ~~احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخروه إلى ربيع الأول فكانوا يصنعون هكذا ~~يؤخرون شهرا بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها وكانوا يحجون في ~~كل شهر عامين فحجوا في الحجة عامين ثم حجوا في المحرم عامين ثم حجوا في ~~صفر عامين وكذا باقي شهور السنة فوافقت حجة أبي بكر في السنة التاسعة قبل ~~حجة الوداع المرة الثانية من ذي القعدة ثم حج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في العام المقبل حجة الوداع فوافق حجة شهر ذي الحجة وهو شهر الحج ~~المشروع فوقف بعرفة في ms1506 اليوم التاسع وخطب الناس في اليوم العاشر بمنى ~~وأعلمهم أن أشهر النسئ قد تناسخت باستدارة الزمان وعاد الأمر إلى ما وضع ~~الله عليه حساب الأشهر يوم خلق السموات والأرض وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " # الحديث المتقدم. وأمرهم بالمحافظة على ذلك لئلا يتبدل في مستأنف الأيام ~~واختلفوا في أول من نسأ النسئ. فقال ابن عباس والضحاك وقتادة ومجاهد: أول ~~من نسأ النسئ بنو مالك بن كنانة وكان يليه جنادة بن عوف بن أمية الكناني ~~وقال الكلبي: أول من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة ~~وكان يقوم على الناس في الموسم فإذا هم الناس بالصدر قام فخطف الناس ~~فيقول لا مرد لما قضيت أنا الذي لا أعاب ولا أجاب فيقول له المشركون لبيك ~~ثم يسألونه أن ينسئهم شهرا يغيرون فيه فيقول: إن صفر في هذا العام حرام ~~فإذا قال ذلك، حلوا الأوتار، ونزعوا الأسنة، والأزجة من الرماح، وإن ~~قال: حلال، عقدوا أوتار القسي، وركبوا الأسنة في الرماح، وأغاروا وكان من ~~بعد نعيم بن ثعلبة رجل يقال له جنادة بن عوف: وهو الذي أدرك النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم هو رجل من بني كنانة ~~يقال له القلمس قال شاعرهم: # وفينا ناسئ الشهر القلمس # وكانوا يفلعون ذلك إذا اجتمعت العرب في الموسم وروى جويبر عن الضحاك عن ~~ابن عباس أن أول من سن النسئ عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف والذي صح من ~~حديث أبي هريرة وعائشة أن عمرو ابن لحي أول من سيب السوائب وقال فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار " # فهذا ما ورد في تفسير النسئ الذي ذكره الله في قوله تعالى إنما النسيء ~~زيادة في الكفر يعني زيادة كفر على كفرهم وسبب هذه الزيادة أنهم أمروا ~~بإيقاع كل فعل في وقته من الأشهر الحرم ثم إنهم بسبب إغراضهم الفاسدة ms1507 ~~أخروه إلى وقت آخر بسبب ذلك النسئ فأوقعوه في غير وقته من الأشهر الحرم ~~فكان ذلك الفعل زيادة في كفرهم { يضل به الذين كفروا } وقرئ: يضل بفتح ~~الياء وكسر الضاد ومعناه يضل الله به الذين كفروا أو يضل به الشيطان ~~الذين كفروا بتزيين ذلك لهم وقيل يضل بالنسئ الذين كفروا وقرئ يضل بضم ~~الياء وفتح الضاد ومعناه أن كبارهم أضلوهم وحملوهم عليه وقرئ يضل به ~~الذين كفروا بضم الياء وكسر الضاد ومعناه يضل به الذين كفروا تابعيهم ~~والآخذين بأفعالهم وهذا الوجه أقوى الوجهين في تفسير قراءة من قرأ يضل ~~بضم الياء وكسر الضاد { يحلونه عاما ويحرمونه عاما } يعني يحلون ذلك ~~الإنساء عاما ويحرمونه عاما والمعنى يحلون الشهر المحرم عاما فيجعلونه ~~حلالا ليغيروا فيه ويحرمونه عاما فيجعلونه محرما فلا يغيرون فيه { ~~ليواطئوا } يعني ليوافقوا { عدة ما حرم الله } يعني أنهم ما أحلوا شهرا ~~من المحرم إلا حرموا شهرا مكانه من الحلال ولم يحرموا شهرا من الحلال ~~إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرام لأجل أن يكون عدد الأشهر الحرم أربعة ~~كما حرم الله فيكون ذلك موافقة في العدد لا في الحكم فذلك قوله سبحانه ~~وتعالى: { فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم } قال ابن عباس: زين ~~لهم الشيطان هذا العمل { والله لا يهدي القوم الكافرين } يعني أنه سبحانه ~~وتعالى لا يرشد من هو كافر أثيم لما سبق له في الأزل أنه من أهل النار. ### || [9.38-40] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الأرض } نزلت هذه الآية في الحث على غزوة تبوك وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف أمر بالجهاد لغزو الروم وكان ~~ذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر حين طابت الظلال ولم يكن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك ~~فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ~~ومفاوز ms1508 وعددا كثيرا وجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم فشق عليهم ~~الخروج وتثاقلوا فأنزل الله عز وجل هذه الآية يا أيها الذين آمنوا ما لكم ~~إذا قيل لكم يعني قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم: انفروا في سبيل ~~الله، أي اخرجوا إلى الجهاد. يقال: استنفر الإمام الناس إذا حثهم على ~~الخروج إلى الجهاد ودعاهم إليه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " وإذا استنفرتم فانفروا " # والإثم النفير اثاقلتم أي تثاقلتم وتباطأتم عن الخروج إلى الغزو إلى ~~الأرض يعني لزمتم أرضكم ومساكنكم وإذنما استثقل ذلك الغزو لشدة الزمان ~~وضيق الوقت وشدة الحر وبعد المسافة والحاجة إلى كثرة الاستعداد من العدد ~~والزاد وكان ذلك الوقت وقت إدراك ثمار المدينة وطيب ظلالها وكان العدو ~~كثيرا فاستثقل الناس تلك الغزوة فعاتبهم الله تعالى بقوله: { أرضيتم ~~بالحياة الدنيا من الآخرة } يعني أرضيتم بخفض العيش وزهرة الدنيا ودعتها ~~من نعيم الآخرة { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } يعني أن ~~لذات الدنيا ونعيمها فان زائل ينفد عن قليل ونعيم الآخرة باق على الأبد ~~فلهذا السبب كان متاع الدنيا قليلا بالنسبة إلى نعيم الآخرة وفي الآية ~~دليل على وجوب الجهاد في كل حال وفي كل وقت لأن الله سبحانه وتعالى نص ~~على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر فلو لم يكن الجهاد واجبا لما عاتبهم ~~على ذلك التثاقل ويؤكد هذا الوعيد المذكور الآية الآتية وهي قوله تعالى: ~~{ إلا تنفروا } يعني إن لم تنفروا أيها المؤمنون إلى ما استنفركم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إليه: { يعذبكم عذابا إليما } يعني في الآخرة ~~لأن العذاب الأليم لا يكون إلا في الآخرة. وقيل: إن المراد به احتباس ~~المطر في الدنيا. قال نجدة بن نفيع: سألت ابن عباس عن هذه الآية فقال: ~~استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا من أحياء العرب فتثاقلوا فأمسك ~~الله تعالى عنهم المطر فكان ذلك عذابهم { ويستبدل قوما غيركم } يعني ~~خيرا منكم وأطوع. قال سعيد بن جبير: هم أبناء فارس. # وقيل: هم أهل اليمن ms1509 نبه سبحانه وتعالى على أنه قد تكفل بنصرة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم وإعزاز دينه فإن سارعوا معه إلى الخروج إلى حيث استنفروا ~~حصلت النصرة بهم ووقع أجرهم على الله عز وجل وإن تثاقلوا وتخلفوا عنه ~~حصلت النصرة بغيرهم وحصلت العتبى لهم لئلا يتوهموا أن إعزاز رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ونصرته لا تحصل إلا بهم وهو قوله تعالى: { ولا تضروه ~~شيئا } قيل: الضمير راجع إلى الله تعالى يعني ولا تضروا الله شيئا لأنه ~~غني عن العالمين وإنما تضرون أنفسكم بترككم الجهاد مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل: الضمير راجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: ~~ولا تضروا محمدا صلى الله عليه وسلم شيئا فإن لله ناصره على أعدائه ولا ~~يخذله { والله على كل شيء قدير } يعني أنه تعالى قادر على كل شيء فهو ~~ينصر نبيه ويعز دينه قال الحسن وعكرمة هذا الآية منسوخة بقوله وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة وقال الجمهور هذه الآية محكمة لأنها خطاب لقوم ~~استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفروا كما نقل عن ابن عباس ~~وعلى هذا التقدير فلا نسخ. قوله عز وجل: { إلا تنصروه فقد نصره الله } ~~يعني إلا تنصروا محمدا صلى الله عليه وسلم أيها المؤمنون هذا خطاب لمن ~~تثاقل عن الخروج معه إلى تبوك فأعلم الله عز وجل أنه هو المتكفل بنصر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعزاز دينه وإعلاء كلمته أعانوه أو لم ~~يعينوه وإنه قد نصره عند قلة الأولياء وكثرة الأعداء فكيف به اليوم وهو ~~في كثرة من العدد والعدد { إذ أخرجه الذين كفروا } يعني أنه تعالى نصره ~~في الوقت الذي أخرجه فيه كفار مكة من مكة حين مكروا به وأرادوا قتله { ~~ثاني اثنين } يعني هو واحد اثنين وهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو ~~بكر { إذ هما في الغار } يعني إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ~~في الغار والغار نقب عظيم يكون في الجبل وهذا الغار في ms1510 جبل ثور وهو قريب ~~من مكة { إذ يقول لصاحبه لا تحزن } يعني يقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأبي بكر الصديق لا تحزن وذلك أن أبا بكر خاف من الطلب أن يعلموا ~~بمكانهم فجزع من ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحزن { إن ~~الله معنا } يعني بالنصر والمعونة قال الشعبي: عاتب الله عز وجل أهل ~~الأرض جميعا في هذه الآية غير أبي بكر وقال الحسن بن الفضل: من قال إن ~~أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر لإنكاره نص ~~القرآن وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعا ولا يكون كافرا. # " عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: " أنت ~~صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار " # أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن غريب ق. عن أبي بكر الصديق قال: نظرت إلى ~~أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا فقلت يا رسول الله لو أن ~~أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال: # " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما " # قال الشيخ محيي الدين النووي معناه: ثالثهما بالنصر والمعونة والحفظ ~~والتسديد وهو داخل في قوله سبحانه وتعالى أن الله مع الذين اتقوا والذين ~~هم محسنون وفيه بيان عظيم على توكل النبي صلى الله عليه وسلم حتى في هذا ~~المقام وفيه فضيلة لأبي بكر وهي من أجل مناقبه والفضيلة من أوجه منها ~~اللفظ الدال على أن الله ثالثهما ومنها بذله نفسه ومفارقته أهله وماله ~~ورياسته في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وملازمته النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومعاداة الناس فيها ومنها جعله نفسه وقاية عنه وغير ذلك. # " روي عن عمر بن الخطاب أنه ذكر عنده أبو بكر فقال: وددت أن عملي كله ~~مثل عمله يوما واحدا من أيامه وليلة واحدة من لياليه أما فليلته ليلة ~~سار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار فلما انتهيا إليه قال ~~والله لا تدخله حتى ms1511 أدخله قبلك فإن كان فيه شيء أصابني دونك فدخله فكنسه ~~ووجد في جانبه ثقبا فشق إزاره وسدها به وبقي منهما ثقبان فألقمهما رجليه ~~ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادخل فدخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ووضع رأسه في حجره ونام فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر ولم يتحرك ~~مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت دموعه على وجه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: " مالك يا أبا بكر " فقال: لدغت فداك أبي ~~وأمي فتفل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ما يجده ثم انتقض عليه ~~وكان سبب موته وأما يومه فلما قبض صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، ~~وقالوا: لا نؤدي الزكاة فقال لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه فقلت يا ~~خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم. قال: لي أجبار في الجاهلية خوار ~~في الإسلام أنه قد انقطع الوحي وتم الدين أينقص وأنا حي " # أخرجه في جامع الأصول ولم يرقم عليه علامة لأحد قال البغوي وروي أنه حين ~~انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار جعل يمشي ساعة بين يديه ~~وساعة خلفه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " مالك يا أبا بكر "؟ فقال: أذكر الطلب فأمشي خلفك واذكر الرصد فأمشي ~~بين يديك فلما انتهيا إلى الغار قال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ ~~الغار فدخل فاستبرأه ثم قال انزل يا رسول الله فنزل وقال له: " إن أقتل ~~فأنا رجل واحد من المسلمين وإن قتلت هلكت الأمة " # ذكر سياق حديث الهجرة وهو من أفراد البخاري عن عائشة قالت: لم أعقل أبوي ~~قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشيا فلما ابتلي المسلمون، خرج ~~أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة ~~وهو سيد القارة فقال: اين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي ms1512 ~~فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر ~~لا يخرج ولا يخرج إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف ~~وتعين على نوائب الحق فأنا لك جار فارجع واعبد ربك ببلدك فرجع وارتحل معه ~~ابن الدغنة فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم إن أبا بكر لا ~~يخرج مثله ولا يخرج أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ~~ويقري الضيق ويعين على نوائب الحق فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة وفي ~~رواية فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وأمنوا أبا بكر وقال لابن الدغنة مر ~~أبا بكر فليعبد ربه في داره وليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ~~ولا يستعلن به فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا فقال ذلك ابن الدغنة ~~لأبي بكر فلبث أبو بكر كذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ ~~في غير داره ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلي فيه ~~ويقرأ القرآن فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون ~~إليه وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن فأفزع ذلك ~~أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا إنا ~~كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره فقد جاوز ذلك فابتنى ~~مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه وإنا قد خشينا أن يفتن ~~نساءنا وأبناءنا فانهه فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن ~~أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك ~~ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي ~~بكر، فقال: قد علمت الذي عاهدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ~~ترجع إلى ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له فقال ~~أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله والنبي صلى الله ms1513 عليه ~~وسلم يومئذ بمكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: # " إني رأيت دار هجرتكم سبخة ذات نخل بين لابتين " # وهما الحرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع عامة من كان بأرض الحبشة ~~إلى المدينة وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي " # فقال أبو بكر وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي قال # " نعم " # فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف ~~راحلتين كانتا عنده من ورق السمر هو الخبط أربعة أشهر قال ابن شهاب: قال ~~عروة قالت عائشة: فبينا نحن جلوس يوما في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة ~~قال قائل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا في ساعة لم يكن ~~يأتينا فيها. فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه ~~الساعة إلا أمر قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن، فأذن له ~~فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: # " اخرج من عندك " # فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: فإني قد ~~أذن لي في الخروج قال أبو بكر الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " نعم " # قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت وأمي يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن. قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز ~~وصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت ~~به فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاقين قالت ثم لحق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد ~~الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع ~~قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك ~~حين يختلط الظلام ms1514 ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم ~~فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل حتى ينعق بهما ~~عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث واستأجر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل وهو من بني عبد بن ~~عدي هاديا خريتا والخريت الماهر بالهداية قد غمس حلفا في آل العاص بن ~~وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه ~~غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما صبح ثلاث فارتحلا وانطلق معهما عامر بن ~~فهيرة والدليل الديلي فأخذ بهم طريق السواحل وفي رواية طريق الساحل. # قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة بن ~~مالك بن جعشم أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك بن جعشم يقول: جاءنا ~~رسول كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل ~~واحد منهما لمن قتله أو أسره فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني ~~مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس. فقال: يا سراقة إني قد رأيت ~~آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه قال سراقة فعرفت أنهم هم فقلت ~~له: إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا يبتغون ~~ضالة لهم ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج ~~بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها علي وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت ~~فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي حتى ~~دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت وأهويت بيدي إلى كنانتي ~~فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت ~~فرسي وعصيت الأزلام تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكبر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى ~~بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت ms1515 فلم تكد تخرج يديها فلما ~~استوت قائمة إذ الأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت ~~بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ~~ووقع في نفسي حين ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد ~~الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال ~~أخف عنا ما استطعت فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب ~~في رقعة من أديم ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن شهاب: ~~فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ~~ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشأم فكسا الزبير رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة ~~فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم ~~فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على ظهر أطم من آطامهم لأمر ينظر ~~إليه فبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السارب ~~فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته يا معشر العرب هذا جدكم الذي ~~تنتظرونه قال فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف ~~وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صامتا فطفق من جاء من الأنصار لمن لم ير رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عند ذلك فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1516 في بني عمرو ~~بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند ~~مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من ~~المسلمين وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن ~~زرارة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته هذا إن شاء ~~الله المنزل ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما ~~بالمربد ليتخذه مسجدا فقال لا بل نهبه لك يا رسول الله فأبى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا ~~وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه ويقول: # هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر # ويقول: # " اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة " # ، فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في ~~الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذا ~~البيت أخرجه البخاري بطوله. شرح غريب ألفاظ الحديث قولها: لم أعقل أبوي ~~إلا وهما يدينان الدين، يعني، أنهما كانا ينقادان إلى الطاعة، وبرك ~~الغماد بفتح الباء من برك وكسر الغين المعجمة اسم موضع بينه وبين مكة خمس ~~ليال مما يلي ساحل البحر إلى المدينة من بلاد غفار. وقيل: هو قليب ماء ~~لبني ثعلبة. قوله: تكسب المعدوم فيه قولان: أحدهما: أنه لقوة سعده وحظه ~~من الدنيا لا يتعذر عليه كسب كل شيء حتى المعدوم الذي يتعذر كسبه على ~~غيره. والقول الثاني: إنه يملك الشيء المعدوم المتعذر لمن لا يقدر عليه ~~ففيه وصفة بالإحسان والكرم والكل ما يثقل حمله من حقوق الناس وصلة ~~الأرحام والقيام بأمر العيال وإقراء الضيف ونوائب الحق ما ينوب الإنسان ~~من المغارم وقضاء الحقوق لمن يقصده أنا لك جار أي حام وناصر ومدافع عنك ~~والاستعلان إظهار المخفي. ms1517 # وقوله: فينقذف النساء عليه يعني يزدحمن عليه والذمة العهد والأمان ~~وإخفاؤها نقضها. واللابة: الجبل. والحرة: الأرض التي تعلوها حجارة سود. ~~يقال: افعل الشيء على رسلك بكسر الراء أي على هينتك. والراحلة: البعير ~~القوي على الحمل والسير، والظهيرة: وقت شدة الحر والنطاق: حبل أو نحوه ~~تشد به المرأة وسطها وترفع ثوبها من تحته فتعطف طرفا من أعلاه إلى أسفله ~~لئلا يصل إلى الأرض. وقولها: ثقف لقن. يقال: ثقف الرجل ثقافة إذا صار ~~حاذقا فطنا واللقن السريع الفهم. والإدلاج: بتخفيف الدال سير أول الليل ~~وبتشديدها سير آخره والمنحة الشاة ذات اللبن والرسل بكسر الراء وسكون ~~السين هو اللبن يقال: نعق الراعي بالغنم إذا دعاها لتجتمع إليه. والغلس. ~~ظلام آخر الليل. والخريت: تقدم شرحه في الحديث وهو الماهر بالهداية وأراد ~~به هداية الطريق فهو الدليل. وقد غمس حلفا يقال: غمس فلان حلفا في آل ~~فلان إذا أخذ بنصيب من عهدهم وحلفهم والأسودة الأشخاص. والأكمة: التل ~~المرتفع من الأرض. يقال: قرب الفرس يقرب تقريبا إذا عدا عدوا دون ~~الإسراع والكناية هي الجعبة التي تجعل فيها السهام والأزلام القداح التي ~~كانوا يستقسمون بها عند طلب الحوائج كالفأل والعثان الغبار. يقال: ما ~~رزأت فلانا شيئا أي ما أصبت منه شيئا والمراد أنهم لم يأخذوا منه ~~شيئا وقوله أوفى أي أشرف وأطلع. والأطم: البناء المرتفع كالحصن، وقوله: ~~مبيضين هو بكسر الياء أي: هم ذو ثياب بيض والمربد الموضع يوضع فيه التمر ~~كالبيدر. وقوله: هذا الحمال هو بالحاء المهملة يعني هذا الحمل والمحمول ~~من اللبن أبر عند الله وأطهر وأبقى ذخرا وأدوم منفعة في الآخرة لأحمال ~~خيبر يعني ما يحمل من خيبر من التمر والزبيب والطعام المحمول منها. ~~والمعنى: أن ذلك الحمل الذي نحمله من اللبن لأجل عمارة المسجد أفضل عند ~~الله مما يحمل من خيبر وقد روى هذا الجمال بالجيم من التجمل، والرواية ~~الأولى أشهر وأكثر والله أعلم قال الزهري: لما دخل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأبو بكر الغار أرسل الله سبحانه وتعالى زوجا من ms1518 حمام حتى ~~باضتا في أسفل النقب ونسجت العنكبوت بيتا. وقيل: أتت يمامة على فم الغار ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اللهم أعم أبصارهم " # فجعل الطلب يضربون يمينا وشمالا حول الغار يقولون لو دخلا هذا الغار ~~لتكسر بيض الحمام وتفسخ بيت العنكبوت ووجدت في بعض التفاسير شعرا وقد ~~نسب إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وهو قوله: # قال النبي ولم يجزع يوقرني ونحن في سدف في ظلمة الغار لا تخش شيئا ~~فإن الله ثالثنا وقد تكفل لي منه بإظهار وإنما كيد من تخشى بوادره ~~كيد الشياطين قد كادت لكفار والله مهلكهم بما صنعوا وجاعل المنتهي منهم ~~طم إلى النار # وقوله سبحانه وتعالى: { فأنزل الله سكينته عليه } يعني فأنزل الله ~~الطمأنينة والسكون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس عن ~~أبي بكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم كانت عليه السكينة من قبل ذلك. فصل ~~في الوجوه المستنبطة من هذه الآية الدالة على فضل سيدي أبي بكر الصديق ~~رضي الله تعالى عنه منها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اختفى في الغار ~~من الكفار كان مطلعا على باطن أبي بكر الصديق في سره وإعلانه وأنه من ~~المؤمنين الصادقين الصديقين المخلصين فاختار صحبته في ذلك المكان المخوف ~~لعمله بحاله. ومنها: أن هذه الهجرة كانت بإذن الله فخص الله بصحبة نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أبا بكر دون غيره من أهله وعشيرته وهذا التخصيص يدل ~~على شرف أبي بكر وفضله على غيره. ومنها: أن الله سبحانه وتعالى عاتب أهل ~~الأرض بقوله تعالى إلا تنصروه فقد نصره الله سوى أبي بكر الصديق وهذا ~~دليل على فضله. ومنها: أن سيدنا أبا بكر رضي الله تعالى عنه لم يتخلف عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ولا حضر بل كان ملازما له وهذا ~~دليل على صدق محبته وصحة صحبته له ومنها مؤانسته للنبي صلى الله عليه ~~وسلم في الغار وبذل نفسه له وفي هذا دليل على فضله. ومنها: ms1519 أن الله ~~سبحانه وتعالى جعله ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه ~~وتعالى ثاني اثنين إذ هما في الغار وفي هذا نهاية الفضيلة لأبي بكر رضي ~~الله تعالى عنه. وقد ذكر بعض العلماء أن أبا بكر كان ثاني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أكثر الأحوال ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا ~~الخلق إلى الإيمان بالله فكان أبو بكر أول من آمن ثم دعا أبو بكر إلى ~~الإيمان بالله ورسوله فاستجاب له عثمان وطلحة والزبير فآمنوا على يدي أبي ~~بكر ثم حملهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومنها أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يقف في موقف من غزواته إلا وأبو بكر معه في ذلك الموقف ومنه أنه ~~لما مرض صلى الله عليه وسلم قام مقامه في الإمامة فكان ثانيه ومنها أنه ~~ثانيه في تربته صلى الله عليه وسلم وفي هذا دليل على فضل أبي بكر الصديق ~~ومنها أن الله سبحانه وتعالى نص على صحبة أبي بكر دون غيره بقوله سبحانه ~~وتعالى إذ يقول لصاحبه لا تحزن ومنها أن الله سبحانه وتعالى كان ثالثهما ~~ومن كان الله معه دل على فضله وشرفه على غيره ومنها إنزال السكينة على ~~أبي بكر واختصاصه بها دليل على فضله والله أعلم. # وقوله سبحانه وتعالى: { وأيده بجنود لم تروها } يعني: وأيد النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإنزال الملائكة ليصرفوا وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته. ~~وقيل: ألقى الرعب في قلوب الكفار حتى رجعوا وقال مجاهد والكلبي: أعانه ~~بالملائكة يوم بدر فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه نصره وصرف عنه كيد ~~الأعداء وهو في الغار في حالة القلة والخوف ثم نصره بالملائكة يوم بدر { ~~وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } يعني كلمة الشرك فهي سفلى إلى يوم ~~القيامة { وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم } قال ابن عباس: هي كلمة ~~لا إله إلا الله فهي باقية إلى يوم القيامة عالية. وقيل: إن كلمة الذين ~~كفروا هي ما كانوا قدروها فيما بينهم من ms1520 الكيد للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ليقتلوه وكلمة الله هي ما وعده من النصر والظفر بهم فكان ما وعد الله ~~سبحانه وتعالى حقا وصدقا. ### || [9.41] # قوله سبحانه وتعالى: { انفروا خفافا وثقالا } يعني انفروا على الصفة ~~التي يخفف عليكم الجهاد بها وعلى الصفة التي يثقل عليكم فيها وهذان ~~الوصفان يدخل تحتها أقسام كثيرة فلهذا اختلفت عبارات المفسرين فيها. فقال ~~الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة: يعني شبابا وشيوخا. وقال ابن ~~عباس: نشاطا وغير نشاط. وقال عطية العوفي: ركبانا ومشاة. وقال أبو ~~صالح: خفافا من المال يعني فقراء وثقالا يعني أغنياء. وقال ابن زيد: ~~الخفيف الذي لا ضيعة له والثقيل الذي له الضيعة يكره أن يدع ضيعته. ويروى ~~عن ابن عباس قال: خفافا أهل اليسرة من المال وثقالا أهل العسرة. وقيل: ~~خفافا يعني من السلاح مقلين منه وثقالا يعني مستكثرين منه. وقيلك ~~مشاغيل وغير مشاغيل. وقيل: أصحاء ومرضى. وقيل: عزابا ومتأهلين. وقيل: ~~خفافا من الحاشية والأتباع وثقالا مستكثرين منه. وقيل: خفافا يعني ~~مسرعين في الخروج إلى الغزو ساعة سماع النفير وثقالا يعني بعد التروي ~~فيه والاستعداد له والصحيح أن هذا عام لأن هذه الأحوال كلها داخلة تحت ~~قوله تعالى انفروا خفافا وثقالا يعني على أي حال كنتم فيهما. فإن قلت: ~~فعلى هذا يلزم الجهاد لكل أحد حتى المريض والزمن والفقير وليس الأمر كذلك ~~فما معنى هذا الأمر. قلت: من العلماء من حمله على الوجوب ثم إنه نسخ. ~~قال ابن عباس: نسخت هذه الآية بقوله وما كان المؤمنون لينفروا كافة ~~الآية. وقال السدي: نسخت بقوله: ليس على الضعفاء ولا على المرضى الآية ~~ومنهم من حمل هذا الأمر على الندب. قال مجاهد: إن أبا أيوب الأنصاري شهد ~~بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف عن غزوة ~~غزاها المسلمون بعده فقيل له في ذلك، فقال: سمعت الله عز وجل يقول انفروا ~~خفافا وثقالا ولا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا وقال الزهري: خرج سعيد بن ~~المسيب وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: ms1521 إنك عليل صاحب ضر فقال: استنفر الله ~~الخفيف والثقيل فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد أو حفظت المتاع. وقال ~~صفوان بن عمرو: كنت واليا على حمص فلقيت شيخا قد سقط حاجباه على عينيه ~~من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت يا عم أنت معذور عند الله، فرفع ~~حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا إلا أنه من يحبه ~~يبتليه والصحيح. هو القول الأول أنها منسوخة وأن الجهاد من فروض الكفايات ~~ويدل عليه أن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك وأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خلف في المدينة في تلك الغزوة النساء وبعض الرجال فدل ذلك على أن الجهاد ~~من فروض الكفايات ليس على الأعيان والله أعلم. # وقوله سبحانه وتعالى: { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله } فيه ~~قولان الأول أن الجهاد إنما يجب على من له مال يتقوى به على تحصيل آلاف ~~الجهاد ونفس سليمة قوية صالحة للجهاد فيجب عليه فرض الجهاد والقول الثاني ~~أن من كان له مال وهو مريض أو مقعد أو ضعيف لا يصلح للحرب فعليه الجهاد ~~بماله بأن يعطيه غيره ممن يصلح للجهاد فيغزو بماله فيكون مجاهدا بماله ~~دون نفسه { ذلكم } يعني ذلكم الجهاد { خير لكم } يعني من القعود والتثاقل ~~عنه. وقيل: معناه أن الجهاد خير حاصل لكم ثوابه { إن كنتم تعلمون } يعني ~~أن ثواب الجهاد خير لكم من القعود عنه ثم نزل في المنافقين الذين تخلفوا ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. ### || [9.42-45] # قوله عز وجل: { لو كان عرضا قريبا } فيه إضمار تقديره لو كان ما ~~تدعوهم إليه عرضا يعني غنيمة سهلة قريبة التناول والعرض ما عرض لك من ~~منافع الدنيا ومتاعها. يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر { ~~وسفرا قاصدا } يعني سهلا قريبا { لاتبعوك } يعني لخرجوا معك { ولكن ~~بعدت عليهم الشقة } أي المسافة والشقة السفر البعيد، لأنه يشق على ~~الإنسان سلوكها. ومعنى الآية: لو كان العرض قريبا والغنيمة سهلة والسفر ~~قاصدا لاتبعوك طمعا في تلك المنافع ms1522 التي تحصل لهم ولكن لما كان السفر ~~بعيدا وكانوا يستعظمون غزو الروم لا جرم أنهم تخلفوا لهذا السبب ثم أخبر ~~الله سبحانه وتعالى عنهم أنه إذا رجع النبي عليه السلام من هذا الجهاد ~~يحلفون بالله وهو قوله تعالى: { وسيحلفون بالله } يعني المنافقين الذين ~~تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة { لو استطعنا ~~لخرجنا معكم } يعني إلى هذه الغزوة { يهلكون أنفسهم } يعني بسبب هذه ~~الأيمان الكاذبة والنفاق وفيه دليل على أن الأيمان الكاذبة تهلك صاحبها { ~~والله يعلم إنهم لكاذبون } يعني في أيمانهم وهو قولهم: لو استطعنا لخرجنا ~~معكم لأنهم كانوا مستطيعين الخروج. قوله عز وجل: { عفا الله عنك لم أذنت ~~لهم } قال الطبري: هذا عتاب من الله عز وجل عاتب الله به نبيه محمدا صلى ~~الله عليه وسلم أي في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه من المنافقين حين ~~شخص إلى تبوك لغزو الروم. والمعنى: عفا الله عنك يا محمد ما كان منك في ~~إذنك لهؤلاء المنافقين الذين استأذنوك في ترك الخروج معك إلى تبوك. قال ~~عمرو بن ميمون الأودي: اثنان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يؤمر بشيء فيهما إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من أسارى بدر فعاتبه الله ~~كما تسمعون وقال سفيان بن عيينة: انظروا إلى هذا اللطف بدأه بالعفو قبل ~~أن يعيره بالذنب. فصل استدل بهذه الآية من يرى جواز صدور الذنوب من ~~الأنبياء وبيانه من وجهين: أحدهما، أنه سبحانه وتعالى. قال: عفا الله عنك ~~والعفو يستدعي سابقة الذنب الوجه الثاني أنه سبحانه وتعالى قال لم أذنت ~~لهم وهذا استفهام معناه الإنكار. والجواب عن الأول: إنا لا نسلم أن قوله ~~تعالى عفا الله عنك يوجب صدور الذنب بل نقول إن ذلك يدل على المبالغة في ~~التعظيم والتوقير فهو كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظما له عفا الله ~~عنك ما صنعت في أمري رضي الله عنك ما جوابك عن كلامي وعافاك الله وغفر لك ~~كل هذه الألفاظ في ابتداء الكلام وافتتاحه تدل ms1523 على تعظيم المخاطب به قال ~~علي بن الجهم يخاطب المتوكل. # عفا الله عنك إلا حرمة تعود بفضلك أن أبعدا ألم تر عبدا عدا طوره ~~ومولى عفا ورشيدا هدى أقلني أقالك من لم يزل يقيل ويصرف عنك الردى # والجواب عن الثاني: أنه لا يجوز أن يكون المراد بقوله لم أذنت لهم ~~الإنكار عليه وبيانه: إما أن يكون قد صدر عنه ذنب في هذه الواقعة أولا ~~فإن كان قد صدر عنه ذنب فذكر الذنب بعد العفو لا يليق. فقوله: عفا الله ~~عنك، يدل على حصول العفو وبعد حصول العفو، يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه ~~وإن لم يكن قد صدر عنه ذنب امتنع الإنكار عليه فثبت بهذا أن الإنكار ~~يمتنع في حقه صلى الله عليه وسلم. وقال القاضي عياض في كتابه الشفاء في ~~الجواب عن قوله عفا الله عنك لم أذنت لهم: أنه أمر لم يتقدم للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فيه من الله تعالى نهي فيعد معصية ولا عده تعالى عليه ~~معصية بل لم يعده أهل العلم معاتبة وغلطوا من ذهب إلى ذلك قال نفطويه: ~~وقد حاشاه لله من ذلك بل كان مخيرا في أمرين قالوا: وقد كان له أن يفعل ~~ما يشاء فيما لم ينزل عليه فيه وحي فكيف وقد قال الله سبحانه وتعالى له ~~فأذن لمن شئت منهم فلما أذن لهم أعلمه الله بما لم يطلع عليه من سرهم أنه ~~لو لم يأذن لهم لقعدوا وأنه لا حرج عليه فيما فعل وليس عفا هنا بمعنى غفر ~~بل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق ~~ولم تجب عليهم قط أي يلزمكم ذلك ونحوه للقشيري قال: وإنما يقول العفو لا ~~يكون إلا عن ذنب من لم يعرف كلام العرب قال ومعنى عفا الله عنك أي لم ~~يلزمك ذنب. قال الداودي: إنها تكرمة. وقال مكي: هو استفتاح كلام مثل ~~أصلحك الله وأعزك وحكى السمرقندي أن معناه عفاك الله. وقيل معناه: أدام ~~الله لك العفو لم أذنت ms1524 لهم يعني في التخلف عنك وهذا يحمل على ترك الأولى ~~والأكمل لا سيما وهذه كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا { حتى ~~يتبين لك الذين صدقوا } يعني في اعتذارهم { وتعلم الكاذبين } يعني فيما ~~يعتذرون به. قال ابن عباس: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف ~~المنافقين يومئذ حتى نزلت براءة. قوله سبحانه وتعالى: { لا يستأذنك الذين ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم } أي في أن ~~يجاهدوا وإنما حسن هذا الحذف لظهوره { والله عليم بالمتقين } يعني الذين ~~يتقون لمخالفته ويسارعون إلى طاعته { إنما يستأذنك } يعني في التخلف عن ~~الجهاد معك يا محمد من غير عذر { الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر } ~~وهم المنافقون لقوله { وارتابت قلوبهم } يعني شكت قلوبهم في الإيمان ~~وإنما أضاف الشك والارتياب إلى القلب لانه محل المعرفة والإيمان أيضا ~~فإذا داخله الشك كان ذلك نفاقا { فهم في ريبهم يترددون } يعني أن ~~المنافقين متحيرون لا مع الكفار ولا مع المؤمنين وقد اختلف علماء الناسخ ~~والمنسوخ في هذه الآية. # فقيل: إنها منسوخة بالآية التي في سورة النور وهي قوله سبحانه وتعالى إن ~~الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض ~~شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم وقيل إنها محكمات كلها ووجه الجمع ~~بين هذه الآيات أن المؤمنين كانوا يسارعون إلى طاعة الله وجهاد عدوهم من ~~غير استئذان فإذا عرض لأحدهم عذرا استأذن في التخلف فكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مخيرا في الإذن لهم بقوله تعالى فأذن لمن شئت منهم وأما ~~المنافقون فكانوا يستأذنون في التخلف من غير عذر فعيرهم الله تعالى بهذا ~~الاستئذان لكونه بغير عذر. ### || [9.46-48] # { ولو أرادوا الخروج } يعني إلى الغزو معكم { لأعدوا له عدة } لتهيؤوا ~~له بإعداد آلات السفر وآلات القتال من الكراع والسلاح { ولكن كره الله ~~انبعاثهم } يعني خروجهم إلى الغزو معكم { فثبطهم } يعني منعهم وحبسهم عن ~~الخروج معكم والمعنى أن الله سبحانه وتعالى كره خروج المنافقين مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم فصرفهم عنه وهاهنا ms1525 يتوجه سؤال وهو أن خروج المنافقين ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون فيه مصلحة أو مفسدة فإن كان فيه ~~مصلحة فلم قال: ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم، وإن كان فيه مفسدة. فلم ~~عاتب نبيه صلى الله عليه وسلم في أذنه لهم بالقعود والجواب عن السؤال أن ~~خروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيه مفسدة عظيمة بدليل أنه ~~تعالى أخبر عن تلك المفسدة بقوله تعالى لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا ~~خبالا، بقي فلم عاتب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بقوله لم أذنت لهم ~~فنقول إنه صلى الله عليه وسلم أذن لهم قبل تمام الفحص وإكمال التأمل ~~والتدبر في حالهم فلهذا السبب قال الله تعالى: لم أذنت لهم؟ وقيل إنما ~~عاتبه لأجل أنه أذن لهم قبل أن يوحي إليه في أمرهم بالقعود { وقيل اقعدوا ~~مع القاعدين } معناه أنهم لما استأذنوه في القعود. قيل لهم: اقعدوا مع ~~القاعدين وهم النساء والصبيان والمرضى وأهل الأعذار ثم اختلفوا في القائل ~~من هو فقيل، قال بعضهم لبعض: اقعدوا مع القاعدين. وقيل: القائل هو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإنما قال ذلك لهم على سبيل الغضب لما استأذنوه ~~في القعود فقال لهم اقعدوا مع القاعدين فاغتنموا ذلك وقعدوا وقيل إن ~~القائل ذلك هو الله سبحانه وتعالى بأن ألقى في قلوبهم القعود لما كره ~~انبعاثهم مع المسلمين إلى الجهاد ثم بين سبحانه وتعالى ما في خروجهم من ~~المفاسد فقال تعالى: { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } يعني لو خرج ~~هؤلاء المنافقون معكم إلى الغزو ما زادوكم إلا فسادا وشرا وأصل الخبال ~~اضطراب ومرض يؤثر في العقل كالجنون قال بعض النحاة: هذا من الاستثناء ~~المنقطع والمعنى لو خرجوا فيكم ما زادوكم قوة لكن خبالا والمراد به هنا ~~الإفساد وإيقاع الجبن والفشل بين المؤمنين بتهويل الأمر وشدة السفر وكثرة ~~العدوان وقوتهم { ولأوضعوا خلالكم } يعني ولأسرعوا فيكم وساروا بينكم ~~بإلقاء النميمة والأحاديث الكاذبة فيكم { يبغونكم الفتنة } يعني يطلبون ~~لكم ما تفتتنون ms1526 به وذلك أنهم يقولون للمؤمنين لقد جمع لكم كذا وكذا ولا ~~طاقة لكم بهم وإنكم ستهزمون منهم وسيظهرون عليكم ونحو ذلك من الأحاديث ~~الكاذبة التي تجبن وقيل معناه يطلبون العيب والشر { وفيكم سماعون لهم } ~~قال مجاهد: يعني وفيكم عيون لهم يؤدون إليهم أخباركم وما يسمعون منكم وهم ~~الجواسيس. # وقال قتادة: وفيكم مطيعون لهم يسمعون كلام المنافقين ويطيعونهم وذلك ~~أنهم يلقون إليهم أنواعا من الشبهات الموجبة لضعف القلب فيقبلونها منهم. ~~فإن قلت: كيف يجوز أن يكون في المؤمنين المخلصين من يسمع ويطيع ~~للمنافقين؟ قلت: يحتمل أن يكون بعض المؤمنين لهم أقارب من كبار المنافقين ~~ورؤسائهم فإذا قالوا قولا ربما أثر ذلك القول في قلوب ضعفة المؤمنين في ~~بعض الأحوال { والله عليم بالظالمين } وهذا وعيد وتهديد للمنافقين الذين ~~يلقون الفتن والشبهات بين المؤمنين وقوله سبحانه وتعالى: { لقد ابتغوا ~~الفتنة من قبل } يعني لقد طلبوا صد أصحابك يا محمد عن الدين وردهم إلى ~~الكفر وتخذيل الناس عنكم قيل هذا اليوم كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول ~~يوم أحد حين انصرف بأصحابه عنكم { وقلبوا لك الأمور } يعني وأجالوا فيك ~~وفي أمرك وفي إبطال دينك الرأي وبالغوا في تخذيل الناس عنك وقصدهم تشتيت ~~أمرك { حتى جاء الحق } يعني النصر والظفر { وظهر أمر الله وهم كارهون } ~~يعني ذلك. ### || [9.49-52] # قوله عز وجل: { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } نزلت في الجد بن قيس ~~وكان من المنافقين وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تجهز إلى غزوة ~~تبوك قال للجد بن قيس: يا أبا وهب هل لك في جلاد بني الأصفر يعني الروم ~~تتخذ منهم سراري ووصفاء. فقال الجد: يا رسول الله لقد عرف قومي أني رجل ~~مغرم بحب النساء وإني أخشى إن رأيت بنات بني الأصفر أن لا أصبر عنهن ائذن ~~لي في القعود ولا تفتني بهن وأعينك بمالي قال ابن عباس: # " اعتل الجد بن قيس ولم تكن له علة إلا النفاق فأعرض عنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: " قد ms1527 أذنت لك " # فأنزل الله عز وجل فيه ومنهم يعني ومن المنافقين من يقول ائذن لي يعني ~~في التخلف والقعود في المدينة ولا تفتني يعني ببنات بني الأصفر وهم الروم ~~{ ألا في الفتنة سقطوا } يعني أنهم وقعوا في الفتنة العظيمة وهي النفاق ~~ومخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عنه { وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين } يعني يوم القيامة تحيط بهم وتجمعهم فيها. قوله سبحانه ~~وتعالى: { إن تصبك حسنة تسؤهم } يعني إن تصبك يا محمد حسنة من نصر وغنيمة ~~تحزن المنافقين { وإن تصبك مصيبة } يعني من هزيمة أو شدة { يقولوا } يعني ~~المنافقين { قد أخذنا أمرنا } يعني أخذنا أمرنا بالجد والحزم في القعود ~~عن الغزو { من قبل } يعني من قبل هذه المصيبة { ويتولوا وهم فرحون } يعني ~~مسرورين لما نالك من المعصية وسلامتهم منها { قل لن يصيبنا إلا ما كتب ~~الله لنا } يعني قل يا محمد لهؤلاء الذين يفرحون بما يصيبك من المصائب ~~والمكروه لن يصيبنا إلا ما قدره الله لنا وعلينا وكتبه في اللوح المحفوظ ~~لأن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة من خير وشر فلا يقدر أحد أن ~~يدفع عن نفسه مكروها نزل به أو يجلب لنفسه نفعا أراده لم يقدر له { هو ~~مولانا } يعني أن الله سبحانه وتعالى هو ناصرنا وحافظنا وهو أولى بنا من ~~أنفسنا في الموت والحياة { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } يعني في جميع ~~أمورهم { قل هل تربصون بنا } يعني: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين هل ~~تنتظرون بنا أيها المنافقون { إلا إحدى الحسنيين } يعني إما النصر ~~والغنيمة وإما الشهادة والمغفرة وذلك أن المسلم إذا ذهب إلى الغزو ~~والجهاد في سبيل الله إما أن يغلب عدوه فيفوز بالنصر والغنيمة والأجر ~~العظيم في الآخرة وإما أن يقتل في سبيل الله فتحصل له الشهادة وهي الغاية ~~القصوى ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " تكفل الله وفي رواية تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في ~~سبيلي وإيمان بي ms1528 وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى ~~مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة " # أخرجاه في الصحيحين. وقوله سبحانه وتعالى: { ونحن نتربص بكم } يعني ونحن ~~ننتظر بكم إحدى السوأيين { أن يصيبكم الله بعذاب من عنده } يعني فيهلككم ~~كما أهلك من كان قبلكم من الأمم الخالية { أو بأيدينا } يعني أو يصيبكم ~~بأيدي المؤمنين بأن يظفرنا بكم ويظهرنا عليكم { فتربصوا إنا معكم متربصون ~~} قال الحسن: فتربصوا مواعيد الشيطان إنا متربصون مواعيد الله من إظهار ~~دينه واستئصال من خالفه. ### || [9.53-55] # { قل أنفقوا طوعا أو كرها } نزلت في الجد بن قيس المنافق وذلك أنه ~~استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود عنه وقال أنا أعطيكم مالي ~~فأنزل الله عز وجل ردا عليه قل أي قل يا محمد لهذا المنافق وأمثاله في ~~النفاق أنفقوا طوعا أو كرها يعني أنفقوا طائعين من قبل أنفسكم أو ~~مكرهين بالإنفاق بإلزام الله ورسوله إياكم بالإنفاق { لن يتقبل منكم } ~~لأن هذا الإنفاق إنما وقع لغير الله وهذه الآية وإن كانت خاصة في إنفاق ~~المنافقين فهي عامة في حق كل من أنفق ماله لغير وجه الله بل أنفقه رياء ~~وسمعة فإنه لا يقبل منه ثم علل بسبب منع القبول بقوله { إنكم } أي لأنكم ~~{ كنتم قوما فاسقين } والمراد بالفسق هنا الكفر ويدل عليه قوله سبحانه ~~وتعالى: { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ~~} أي المانع من قبول نفقاتهم هو كفرهم بالله وبرسوله { ولا يأتون الصلاة ~~إلا وهم كسالى } جمع كسلان يعني متثاقلين في الإتيان إلى الصلاة وذلك ~~لأنهم لا يرجون على فعلها ثوابا ولا يخافون على تركها عقابا فلذلك ذمهم ~~مع فعلها { ولا ينفقون إلا وهم كارهون } لأنهم كانوا يعتقدون الإنفاق في ~~سبيل الله مغرما ومنع ذلك الإنفاق مغنما { فلا تعجبك } يا محمد { ~~أموالهم ولا أولادهم } هذا الخطاب وإن كان مختصا بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم إلا أن المراد به جميع المؤمنين والمعنى فلا تعجبوا بأموال ~~المنافقين وأولادهم ms1529 والإعجاب السرور بالشيء مع نوع من الافتخار به مع ~~الاعتقاد أنه ليس لغيره مثله وهذا يدل على استغراق النفس بذلك الشيء ~~ويكون سبب انقطاعه عن الله عز وجل فينبغي للإنسان أن لا يعجب بشيء من ~~أمور الدنيا ولذاتها فإن العبد إذا كان من الله عز وجل في استدراج كثر ~~ماله وولده فيكثر إعجابه بماله وولده فيبطر ويكفر نعم الله عليه ولهذا ~~قال سبحانه وتعالى: { إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا } فإن ~~قلت كيف يكون المال والولد عذابا في الدنيا وفيهما اللذة والسرور في ~~الدنيا. قلت: قال مجاهد وقتادة: في الآية تقديم وتأخير وتقديرها فلا ~~تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها ~~في الآخرة. وقيل: إن سبب كون المال والولد عذابا في الدنيا هو ما يحصل ~~من المتاعب والمشاق في تحصيلهما فإذا حصلا ازداد التعب وتحمل المشاق في ~~حفظهما ويزداد الحزن والغم بسب المصائب الواقعة فيهما، فعلى هذا القول، ~~لا حاجة إلى التقديم والتأخير في نظم الآية وأورد على هذا القول بأن هذا ~~التعذيب حاصل لكل أحد من بني آدم مؤمنهم وكافرهم فما فائدة تخصيص ~~المنافقين بهذا التعذيب في الدنيا وأجيب عن هذا الإيراد بأن المنافقين ~~مخصوصون بزيادة من هذا العذاب وهو أن المؤمن قد علم أنه مخلوق للآخرة ~~وإنه يثاب بالمصائب الحاصلة له في الدنيا فلم يكن المال والولد في حقه ~~عذابا في الدنيا وأما المنافق فإنه لا يعتقد كون الآخرة له وإنه ليس ~~فيها ثواب فبقي ما يحصل له في الدنيا من التعب والشدة والغم والحزن على ~~المال والولد عذابا عليه في الدنيا فثبت بهذا الاعتبار أن المال والولد ~~عذاب على المنافقين في الدنيا دون المؤمنين. # وقيل: إن تعذيبهم بهما في الدنيا أخذ الزكاة منهم والنفقة في سبيل الله ~~غير مثابين على ذلك وربما قتل الولد في الغزو فلا يثاب الوالد المنافق ~~على قتل ولده وذهاب ماله. وقيل: يعذبهم بالتعب في جمعه وحفظه والكره في ~~إنفاقه والحسرة على تخليفه عند من لا ms1530 يحمده ثم يقدم في الآخرة على ملك لا ~~يعذره { وتزهق أنفسهم } يعني وتخرج أنفسهم { وهم كافرون } والمعنى أنهم ~~يموتون على الكفر فتكون عاقبتهم بعد عذاب الدنيا عذاب الآخرة. ### || [9.56-58] # قوله عز وجل: { ويحلفون بالله } يعني المنافقين { إنهم لمنكم } يعني على ~~دينكم وملتكم { وما هم منكم } يعني أنهم كاذبون في أيمانهم { ولكنهم قوم ~~يفرقون } يعني أنهم يخافون أن تظهروا على ما هم عليه من النفاق { لو ~~يجدون ملجأ } يعني حرزا وحصنا ومعقلا يلجؤون إليه وقيل لو وجدوا ~~مهربا لهربوا إليه وقيل لو يجدون قوما يأمنون عندهم على أنفسهم منكم ~~لصاروا إليهم ولفارقوكم { أو مغارات } يعني غيرانا في الجبل جمع مغارة ~~وهو الموضع الذي يغور فيه الإنسان أي يستتر { أو مدخلا } يعني موضع دخول ~~يدخلون فيه وهو السرب في الأرض كنفق اليربوع وقال الحسن: وجها يدخلونه ~~على خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم { لولو إليه } والمعنى أنهم لو ~~وجدوا مكانا بهذه الصفة أو على أحد هذه الوجوه الثلاثة وهي شر الأمكنة ~~وأضيقها لولوا إليه أي لرجعوا إليه وتحرزوا فيه { وهم يجمحون } يعني وهم ~~يسرعون إلى ذلك المكان والمعنى أن المنافقين لشدة بغضهم لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين لو قدروا أن يهربوا منكم إلى أحد هذه الأمكنة ~~لصاروا إليه لشدة بغضهم إياكم. قوله سبحانه وتعالى: { ومنهم من يلمزك في ~~الصدقات } نزلت في ذي الخويصرة التميمي واسمه حرقوص بن زهير وهو أصل ~~الخوارج ق # " عن أبي سعيد الخدري قال: " بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو يقسم فيئا فأتاه ذو الخويصرة رجل من بني تميم فقال يا رسول ~~الله اعدل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ويلك من يعدل إذا لم ~~أعدل " # وفي رواية: # " " قد خبت وخسرت إن لم أعدل " فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي فيه فأضرب ~~عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعه فإن له أصحابا يحقر ~~أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم " # زاد في رواية # " يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون ms1531 من الدين " # وفي رواية # " من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية " # وقال الكلبي: قال رجل من المنافقين، يقال له أبو الجواظ لم تقسم بالسوية ~~فنزلت هذه الآية، وقال قتادة: ذكر لنا # " أن رجلا من أهل البادية حديث عهد بأعرابية أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو يقسم ذهبا وفضة فقال: يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ~~فما عدلت فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم " ويلك فمن ذا يعدل بعدي " # وقال ابن زيد قال المنافقون والله ما يعطيها محمد إلا من أحب ولا يؤثرها ~~إلا من يهواه فأنزل الله سبحانه وتعالى ومنهم من يلمزك في الصدقات يعني ~~ومن المنافقين من يعيبك في قسم الصدقات وفي تفريقها ويطعن عليك في أمرها ~~يقال همزه ولمزه بمعنى واحد أي عابه { فإن أعطوا منها } يعني من الصدقات ~~{ رضوا } يعني رضوا عنك في قسمتها { وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون } ~~يعني وإن لم تعطهم منها عابوا عليك وسخطوا. ### || [9.59-60] # { ولو أنهم رضوا } يعني ولو أن المنافقين الذين عابوا عليك رضوا بما قسم ~~الله لهم وقنعوا { ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله } أي كافينا ~~الله { سيؤتينا الله من فضله ورسوله } يعني إليه { إنا إلى الله راغبون } ~~يعني في أن يوسع علينا من فضله فيغنينا عن الصدقة وعن غيرها من أموال ~~الناس وجواب لو محذوف تقديره لكان خيرا لهم وأعود عليهم. قوله عز وجل: { ~~إنما الصدقات للفقراء والمساكين } الآية اعلم أن المنافقين لما لمزو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعابوه في قسم الصدقات بين الله عز وجل في هذه ~~الآية إن المستحقين للصدقات هؤلاء الأصناف الثمانية ومصرفها إليهم ولا ~~تعلن لرسول الله صلى الله عليه وسلم منها بشيء ولم يأخذ لنفسه منها شيئا ~~فلم يلمزونه ويعيبون عليه فلا مطعن لهم فيه بسبب قسم الصدقات. # " عن زياد بن الحرث الصدائي قال " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فبايعته فأتاه رجل فقال أعطني من الصدقة فقال له رسول الله صلى الله عليه ms1532 ~~وسلم: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو ~~فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك " # أخرجه أبو داود. فصل في بيان حكم هذه الآية وفيه مسائل المسألة الأولى: ~~في بيان وجه الحكمة في إيجاب الزكاة على الأغنياء وصرفها إلى المحتاجين ~~من الناس وذلك من وجوه، الوجه الأول أن المال محبوب بالطبع وسببه أن ~~القدرة صفة من صفات الكمال محبوبة لذاتها والمال سبب لتحصيل تلك القدرة ~~فكان المال محبوبا بالطبع فإذا استغرق القلب في حب المال اشتغل به عن حب ~~الله عز وجل وعن الاشتغال بالطاعات المقربة إلى الله عز وجل فاقتضت ~~الحكمة الإلهية إيجاب الزكاة في ذلك المال الذي هو سبب البعد عن الله ~~فيصير سببا للقرب من الله عز وجل بإخراج الزكاة منه. الوجه الثاني: إن ~~كثرة المال توجب قسوة القلب وحب الدنيا والميل إلى شهواتها ولذاتها فأوجب ~~الله سبحانه وتعالى الزكاة ليقل ذلك المال الذي هو سبب لقساوة القلب. ~~الوجه الثالث سبب وجوب الزكاة امتحان العبد المؤمن لأن التكاليف البدنية ~~غير شاقة على العبد وإخراج المال مشق على النفس فأوجب الله عز وجل الزكاة ~~على العباد ليمتحن بإخراج الزكاة أصحاب الأموال لتميز بذلك المطيع المخرج ~~لها طيبة بها نفسه من العاصي المانع لها. الوجه الرابع أن المال مال الله ~~والأغنياء خزان الله والفقراء عيال الله فأمر الله سبحانه وتعالى خزانه ~~الذين هم أغنياء بدفع طائفة من ماله إلى عياله فيثيب العبد المؤمن المطيع ~~المسارع إلى امتثال المشفق على عياله ويعاقب العبد العاصي المانع لعياله ~~من ماله ق. # عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ وربما قال يعطي ما أمر به فيعطيه ~~كاملا موفرا طيبة به نفسه فيدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدقين " # الوجه الخامس أن الفقراء ربما تعلقت قلوبهم بالأموال التي بأيدي ~~الأغنياء فأوجب الله عز وجل نصيبا للفقراء في ذلك المال تطييبا ~~لقلوبهم. الوجه السادس ms1533 أن المال الفاضل عن حاجة الإنسان الأصلية إذا أمسك ~~بقي معطلا عن المقصود الذي لأجله خلق المال فأمر بدفع الزكاة إلى ~~الفقراء حتى لا يصير ذلك المال معطلا بالكلية. المسألة الثانية: الآية ~~تدل على أنه لا حق لأحد في الصدقات إلا هؤلاء الأصناف الثمانية وذلك مجمع ~~عليه لأن كلمتي إنما تفيدان الحصر وذلك لأنها مركبة من إن وما فكلمة إن ~~للإثبات وكلمة ما للنفي فعند اجتماعهما يفيدان الحكم المذكور وصرفه عما ~~عداه فدل ذلك على أن الصدقات لا تصرف إلا إلى الأصناف الثمانية. المسألة ~~الثالثة: في بيان الأصناف الثمانية فالصنف الأول للفقراء والثاني ~~للمساكين وهم المحتاجون الذين لا يفي خرجهم بدخلهم ثم اختلف العلماء في ~~الفرق بين الفقير والمسكين فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة والزهري: ~~الفقير الذي لا يسأل والمسكين السائل وقال ابن عمر: ليس بفقير من جمع ~~الدرهم إلى الدرهم والتمر إلى التمرة ولكن الفقير من أنقى نفسه وثيابه ~~ولا يقدر على الشيء يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف. وقال قتادة: الفقير ~~المحتاج الزمن والمسكين الصحيح المحتاج وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: ~~الفقير من لا مال له ولا حرفة تقع منه موقعا زمنا كان أو غير زمن ~~والمسكين من له مال أو حرفة ولكن لا تقع منه موقعا لكفايته سائلا كان ~~أو غير سائل فالمكسين عنده أحسن حالا من الفقير. وقال أبو حنيفة، وأصحاب ~~الرأي: الفقير أحسن حالا من المسكين ومن الناس من قال لا فرق بين الفقير ~~والمسكين حجة الشافعي ومن وافقه أن الله سبحانه وتعالى حكم بصرف الصدقات ~~إلى هؤلاء الأصناف الثمانية دفعا لحاجتهم وتحصيلا لمصلحتهم فبدأ بالفقر ~~وإنما يبدأ بالأهم فالأهم فلو لم تكن حاجتهم أشد من حاجة المساكين لما ~~بدأ بهم وأصل الفقير المكسور الفقار قال لبيد: # لما رأى لبد النسور تطايرت رفع القوادم كالفقير الأعزل # قال ابن الأعرابي: الفقير في هذا البيت المكسور الفقار فثبت بهذا أن ~~الفقير إنما سمي فقيرا لزمانته وحاجته الشديدة وتمنعه الزمانة من التقلب ~~في الكسب ولأن النبي صلى ms1534 الله عليه وسلم كان يتعوذ من الفقر وقال # " اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم ~~القيامة " # رواه الترمذي من حديث أنس فلو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير لما ~~تعوذ من الفقر وسأل المسكنة فثبت بهذا أن المسكين أحسن حالا من الفقير ~~ولأن الله سبحانه وتعالى قال أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ~~فأثبت لهم ملكا مع اسم المسكنة لأن السفينة من سفن البحر تساوي دنانير ~~كثيرة ولأن الغنى والفقر ضدان والمسكنة قسم ثالث بينهما فثبت بهذا أن ~~الفقير أسوأ حالا من المسكين وحجة أبي حنيفة ومن وافقه على أن المسكين ~~أسوأ حالا من الفقير قوله أو مسكينا ذا متربة وصف المسكين بكونه ذا ~~متربة وهو الذي لصق جلده بالتراب وهذا يدل على غاية الضر والشدة ولأن ~~الله تعالى جعل الكفارات للمساكين فلو لم يكن المسكين أشد حاجة من غيره ~~لما جعلها له واحتج أيضا بقول الراعي: # أخرجه أبو داود والنسائي وأخرجه الشافعي ولفظه # " أن رجلين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن الصدقة فقال: ~~إن شئتما أعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب " # واختلف العلماء في حد الغنى الذي يمنع من أخذ الصدقة فقال الأكثرون حده ~~أن يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة وهو قول مالك والشافعي. وقال أصحاب ~~الرأي: حده أن يملك مائتي درهم. وقال قوم: من ملك خمسين درهما أو قيمتها ~~لا تحل له الصدقة لما روي عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجه خموش أو ~~خدوش أو كدوح قيل يا رسول الله وما يغنيه قال: خمسون درهما أو قيمتها من ~~الذهب " # أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وهذا قول الثوري وابن المبارك وأحمد ~~وإسحاق. وقالوا: لا يجوز أن يعطى الرجل أكثر من خمسين درهما من الزكاة ~~وقيل: أربعين درهما لما روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " من ms1535 سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف " # أخرجه أبو داود وكانت الأوقية في ذلك الزمان أربعين درهما الصنف الثالث ~~قوله سبحانه وتعالى: { والعاملين عليها } وهم السعاة الذين يتولون جباية ~~الصدقات وقبضها من أهلها ووضعها في جهتها فيعطون من مال الصدقات بقدر ~~أجور أعمالهم سواء كانوا فقراء أو أغنياء وهذا قول ابن عمر وبه. قال ~~الشافعي وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن من الصدقات. وظاهر اللفظ مع ~~مجاهد إلا أن الشافعي يقول: هو وأجرة عمل تقدر بقدر العمل والصحيح أن ~~الهاشمي والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملا على الصدقات لما روي عن أبي ~~رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من بني مخزوم على ~~الصدقة فأراد أبو رافع أن يتبعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تحل لنا الصدقة وأن مولى القوم منهم " # أخرجه الترمذي والنسائي الصنف الرابع قوله تعالى: { والمؤلفة قلوبهم } ~~وهم قسمان: قسم مسلمون وقسم كفار فأما قسم المسلمين فقسمان القسم الأول ~~هم قوم من أشراف العرب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم من ~~الصدقات يتألفهم بذلك كما أعطى عيينة بن حصن والأقرع بن حابس والعباس ابن ~~مرداس السلمي فهؤلاء أسلموا وكانت نيتهم ضعيفة فكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعطيهم لتقوى رغبتهم في الإسلام وقوم أسلموا وكانت نيتهم قوية ~~في الإسلام وهم أشراف قومهم مثل عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم تألفا لقومهم وترغيبا لأمثالهم في ~~الإسلام فيجوز للإمام أن يعطي أمثال هؤلاء من خمس خمس الغنيمة والفيء من ~~سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطيهم من ذلك ومن الصدقات أيضا. # القسم الثاني من مؤلفة المسلمين هم قوم من المسلمين يكونون بإزاء قوم ~~كفار في موضع لا تبلغهم جيوش المسلمين إلا بكلفة كبيرة ومؤنة عظيمة ~~وهؤلاء الذين بإزائهم من المسلمين لا يجاهدونهم لضعف نيتهم أو لضعف حالهم ~~فيجوز للإمام أن يعطيهم من سهم الغزاة من مال الصدقة وقيل من سهم المؤلفة ~~قلوبهم ms1536 ومن هؤلاء قوم بإزاء جماعة من مانعي الزكاة فيأخذون منهم الزكاة ~~ويحملونها إلى الإمام فيعطيهم الإمام من سهم المؤلفة من الصدقات وقيل من ~~سهم سبيل الله. روي أن عدي بن حاتم جاء أبا بكر بثلثمائة من الإبل من ~~صدقات قومه فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيرا وأما مؤلفة الكفار فهم قوم ~~يخشى شرهم أو يرجى إسلامهم فيجوز للإمام أن يعطي من يخاف شره أو يرجو ~~إسلامه فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم من خمس الخمس كما ~~أعطى صفوان بن أمية لما كان يرى من ميله إلى الإسلام أما اليوم فقد أعز ~~الله الإسلام وله الحمد على ذلك وأغناه عن أن يتألف عليه أحد من المشركين ~~فلا يعطى مشرك تألفا بحال وقد قال بهذا كثير من أهل العلم ورأوا أن ~~المؤلفة منقطعة وسهمهم ساقط يروى ذلك عن ابن عمر وعكرمة وهو قول الشعبي ~~وبه قال مالك والثوري وأصحاب الرأي وإسحاق بن راهويه. وقال قوم: سهمهم ~~ثابت لم يسقط. يروى ذلك عن الحسن وهو قول الزهري وأبي جعفر محمد بن علي ~~وأبي ثور وقال أحمد يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك الصنف الخامس قوله ~~سبحانه وتعالى: { وفي الرقاب } قال الزجاج: فيه حذف تقديره وفي فك الرقاب ~~وفي تفسير الرقاب أقوال الأول أن سهم الرقاب موضوع في المكاتبين فيدفع ~~إليهم ليعتقوا به وهذا مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وهو قول أكثر ~~الفقهاء منهم سعيد بن جبير والنخعي والزهري والليث بن سعد ويدل عليه ~~أيضا قوله تعالى وآتوهم من مال الله الذي آتاكم، القول الثاني وهو مذهب ~~مالك وأحمد وإسحاق أن سهم الرقاب موضوع لعتق الرقاب فيشترى به عبيد ~~ويعتقون ويدل عليه ما روي عن ابن عباس أنه قال لا بأس أن يعتق الرجل من ~~الزكاة القول الثالث وهو قول أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يعتق من الزكاة ~~رقبة كاملة لكن يعطي منها في عتق رقبة ويعان بها مكاتب لأن قوله في ~~الرقاب يقتضي التبعيض. القول الرابع وهو قول الزهري ms1537 أن سهم الرقاب نصفان ~~نصف للمكاتبين ونصف يشترى به عبيد ممن صلوا وصاموا وقدم إسلامهم فيعقتوا ~~من الزكاة. قال أصحابنا: الأحوط في سهم الرقاب أن يدفع إلى السيد بإذن ~~المكاتب ويدل عليه أنه سبحانه وتعالى أثبت الصدقات للأصناف الأربعة ~~المتقدمة بلام الملك فقال: إنما الصدقات للفقراء. # وقال: في الصنف الخامس وفي الرقاب فلا بد لهذا الفرق من فائدة وهي أن ~~الأصناف الأربعة المتقدم ذكرها يدفع إليهم نصيبهم من الصدقات فيصرفون ذلك ~~فيما شاؤوا وأما الرقاب فيوضع نصيبهم في تخليص رقابهم من الرق ولا يدفع ~~إليهم ولا يمكنون من التصرف فيه وكذا القول في الغارمين فيصرف نصيبهم في ~~قضاء ديونهم وفي الغزاة يصرف نصيبهم فيما يحتاجون إليه في الغزو وكذا ابن ~~السبيل فيصرف إليه ما يحتاج إليه في سفره إلى بلوغ غرضه الصنف السادس ~~قوله سبحانه وتعالى: { والغارمين } أصل الغرم في اللغة لزوم ما يشق عليه ~~النفس وسمى الدين غرما لكونه شاقا على الإنسان والمراد بالغارمين هنا ~~المديونون وهم قسمان أدانوا لأنفسهم في غير معصية فيعطون من مال الصدقات ~~بقدر ديونهم إذا لم يكن لهم مال يفي بديونهم فإن كان عندهم وفاء فلا ~~يعطون وقسم أدانوا في المعروف وإصلاح ذات البين فيعطون من مال الصدقات ما ~~يقضون به دينهم وإن كانوا أغنياء لما روي عن عطاء بن يسار أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو ~~لغارم أو لرجل أسير إعانة أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين ~~فأهدى المسكين للغني " # أخرجه أبو داود مرسلا لأن عطاء بن يسار لم يدرك النبي صلى الله عليه ~~وسلم ورواه معمر عن زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم متصلا بمعناه أما من كان دينه في معصية فلا ~~يعطى من الصدقات شيئا الصنف السابع قوله تعالى: { وفي سبيل الله } يعني ~~وفي النفقة في سبيل الله وأراد به الغزاة ms1538 فلهم سهم من مال الصدقات فيعطون ~~إذا أرادوا الخروج إلى الغزو ما يستعينون به على أمر الجهاد من النفقة ~~والكسوة والسلاح فيعطون ذلك وإن كانوا أغنياء لما تقدم من حديث عطاء وأبي ~~سعيد الخدري ولا يعطى من سهم الله لمن أراد الحج عند أكثر أهل العلم وقال ~~قوم يجوز أن يصرف سهم سبيل الله إلى الحج يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول ~~الحسن وإليه ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وقال بعضهم: إن اللفظ عام ~~فلا يجوز قصره على الغزاة فقط ولهذا أجاز بعض الفقهاء صرف سهم سبيل الله ~~إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الجسور والحصون وعمارة ~~المساجد وغير ذلك قال لأن قوله وفي سبيل الله عام في الكل فلا يختص بصنف ~~دون غيره والقول الأول هو الصحيح لإجماع الجمهور عليه. الصنف الثامن قوله ~~سبحانه وتعالى: { وابن السبيل } يعني المسافر من بلد إلى بلد والسبيل ~~الطريق سمي المسافر ابن السبيل لملازمته الطريق قال الشاعر: # أنا ابن الحرب ربتني وليدا إلى أن شبت واكتهلت لداتي # فكل مريد سفرا مباحا ولم يكن له ما يقطع به مسافة سفره يعطى من ~~الصدقات ما يكفيه لمؤنة سفره سواء كان له مال في البلد الذي يقصده أو لم ~~يكن له مال، وقال قتادة: ابن السبيل هو الضيف وقال فقهاء العراق: ابن ~~السبيل هو الحاج المنقطع. وقوله تعالى: { فريضة من الله } يعني أن هذه ~~الأحكام التي ذكرها في الآية فريضة واجبة من الله وقيل فرض الله هذه ~~الأشياء فريضة { والله عليم } يعني بمصالح عباده { حكيم } يعني فيما فرض ~~لهم لا يدخل في تدبيره وحكمه نقض ولا خلل. المسألة الرابعة: في أحكام ~~متفرقة تتعلق بالزكاة اتفق العلماء على أن المراد بقوله إنما الصدقات ~~للفقراء هي الزكاة المفروضة بدليل قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة ~~واختلفوا في كيفية قسمتها وفي جواز صرفها كلها إلى بعض الأصناف دون بعض ~~فذهب جماعة من الفقهاء إلى أنه لا يجوز صرفها كلها إلى بعض الأصناف مع ~~وجود ms1539 الباقين وهو قول عكرمة وإليه ذهب الشافعي قال: يجب أن يقسم زكاة ~~ماله على الموجودين من الأصناف الستة الذين سماهم ثمانية أقسام قسمة على ~~السواء لأن سهم المؤلفة ساقط وسهم العامل ساقط إذا قسم زكاته بنفسه ثم ~~حصة كل صنف من الأصناف الستة لا يجوز أن تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم إن ~~وجد منه ثلاثة أو أكثر فلو فاوت بين أولئك الثلاثة جاز فإن لم يجد من بعض ~~الأصناف إلا واحدا دفع حصة ذلك الصنف إليه ما لم يخرج من حد الاستحقاق ~~فإن انتهت حاجته وفضل شيء رده إلى الباقين وذهب جماعة من العلماء إلى أنه ~~لو صرف الكل إلى صنف واحد من هذه الأصناف أو إلى شخص واحد منهم جاز لأن ~~الله سبحانه وتعالى إنما سمى هذه الأصناف الثمانية إعلاما منه أن الصدقة ~~لا تخرج عن هذه الثمانية إلا إيجابا منه لقسمتها بينهم جميعا وهذا قول ~~عمر وابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وعطاء وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب ~~الرأي وأحمد بن حنبل. قال أحمد بن حنبل: يجوز أن يضعها في صنف واحد ~~وتفريقها أولى. وقال إبراهيم النخعي: إن كان المال كثيرا يحتمل الإجزاء ~~قسمه على الأصناف وإن كان قليلا وضعه في صنف واحد. وقال مالك: يتحرى ~~موضع الحاجة منهم ويقدم الأولى فالأولى من أهل الخلة والحاجة فإن رأى ~~الخلة في الفقراء في عام قدمهم وإن رآها في صنف آخر في عام حولها إليهم ~~وكل من دفع إليه شيئا من الصدقة لا يزيد على قدر الاستحقاق فلا يزيد ~~الفقير على قدر غناه وهو ما يحتاج إليه فإن حصل أدنى اسم الغني فلا يعطي ~~بعده شيئا وإن كان محترفا لكنه لا يجد آلة حرفته فيعطي قدر ما يحصل به ~~آلة حرفته فالاعتبار عند الإمام الشافعي رضي الله عنه ما يدفع الحاجة من ~~غير حد. # وقال أحمد بن حنبل: لا يعطي الفقير أكثر من خمسين درهما وقال أبو ~~حنيفة: أكره أن يعطى رجل واحد من الزكاة مائتي درهم فإن ms1540 أعطيته أجزأ فإن ~~أعطى من يظنه فقيرا فبان أنه غني فهل يجزئ فيه قولان ولا يجوز أن يعطي ~~صدقته لمن تلزمه نفقته وبه قال مالك والثوري وأحمد وقال أبو حنيفة ~~والشافعي: لا يعطى والدا وإن علا ولا ولدا وإن سفل ولا زوجة ويعطي من ~~عداهم وتحرم الصدقة على ذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب فلا يدفع ~~إليهم من الزكاة شيء قوله صلى الله عليه وسلم: # " إنا آل بيت لا تحل لنا الصدقة " # وقال أبو حنيفة تحرم على بني هاشم ولا تحرم على بني المطلب دليلنا قوله ~~صلى الله عليه وسلم # " إنا وبنو المطلب شيء واحد لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام " # وتحرم الصدقة على موالي بني هاشم وبني المطلب لقوله صلى الله عليه وسلم # " مولى القوم منهم " # وقال مالك لا تحرم واختلفوا في نقل الصدقة من بلد إلى بلد آخر مع وجود ~~المستحقين في بلد المال فكرهه أكثر أهل العلم لتعلق قلوب فقراء ذلك البلد ~~بذلك المال ولقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ # " وأعلمهم أن الله سبحانه وتعالى افترض عليهم صدقة من أغنيائهم وترد على ~~فقرائهم " # الحديث بطوله في الصحيحين واتفقوا على أنه إذا نقل المال إلى بلد آخر ~~وأداه إلى فقراء ذلك البلد سقط عنه الفرض إلا ما حكى عن عمر بن عبد ~~العزيز فإنه رد صدقة حملت من خراسان إلى الشام فردها إلى مكانها من ~~خراسان والله أعلم. ### || [9.61-62] # قوله سبحانه وتعالى: { ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن } نزلت ~~في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويعيبونه ويقولون ما لا ينبغي فقال بعضهم لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ~~ما تقولون فيقع بنا فقال الجلاس بن سويد وهو من المنافقين بل نقول ما ~~شئنا ثم نأتيه وننكر ما قلنا ونحلف فيصدقنا بما نقول فإنما محمد أذن أي ~~يسمع كل ما يقال له ويقبله وقيل معنى هو أذن أي ذو أذن سامعة، وقال محمد ~~بن إسحاق: نزلت في رجل من المنافقين يقال ms1541 له نبتل بن الحرث وكان أزنم ~~ثائر الشعر أحمر العينين أسقع الخدين مشوه الخلقة وقد قال فيه النبي: # " من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحرث " # وكان ينم حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين. فقيل له: لا ~~تفعل ذلك. فقال: إنما محمد أذن فمن حدثه شيئا صدقه فنقول ما شئنا ثم ~~نأتيه ونحلف له فيصدقنا، فأنزل الله هذه الآية. ومقصود المنافقين بقوله ~~هو أذن أنه ليس بعيد غور بل هو سليم سريع الاغترار بكل ما يسمع فأجاب ~~الله سبحانه وتعالى عنه بقوله: { قل أذن خير لكم } يعني هب أنه أذن لكنه ~~أذن خير لكم كقولك رجل صدق وشاهد عدل والمعنى أنه مستمع خير وصلاح لا ~~مستمع شر وفساد وقرئ أذن خير مرفوعين منونين ومعناه يسمع منكم ويصدقكم ~~خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم ثم وصف الله سبحانه وتعالى نبيه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } ~~يعني أنه يصدق المؤمنين ويقبل قولهم ولا يقبل قول المنافقين وإنما عدي ~~الإيمان بالله بالياء والإيمان للمؤمنين باللام لأن الإيمان بالله هو ~~نقيض الكفر فلا يتعدى إلا بالياء فيقال: آمن بالله والإيمان للمؤمنين ~~معناه تصديق المؤمنين فيما يقولونه فلا يقال إلا باللام ومنه قوله تعالى ~~أنؤمن لك وقوله آمنتم له { ورحمة } أي هو رحمة { للذين آمنوا منكم } ~~وإنما قال منكم لأن المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون فبين الله سبحانه ~~وتعالى كذبهم بقوله إنه رحمة للمؤمنين المخلصين لا للمنافقين وقيل في ~~كونه صلى الله عليه وسلم رحمة لأنه يجري أحكام الناس على الظاهر ولا ينقب ~~عن أحوالهم ولا يهتك أسرارهم { والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم } ~~يعني في الآخرة. قوله عز وجل: { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } قال قتادة ~~والسدي: اجتمع ناس من المنافقين فيهم الجلاس بن سويد ثم وديعة بن ثابت ~~فوقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا إن كان ما يقول محمد حقا ~~فنحن شر من الحمير وكان عندهم غلام من ms1542 الأنصار أسمه عامر بن قيس فحقروه ~~وقالوا هذه المقالة فغضب الغلام من قولهم وقال والله إن ما يقول محمد حق ~~وأنتم شر من الحمير ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره فدعاهم ~~فسألهم فأنكروا وحلفوا أن عامرا كذاب وحلف عامر أنهم كذبة فصدقهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم فجعل عامر يدعو ويقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب. # فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في رهط من المنافقين ~~تخلفوا عن غزوة تبوك فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوه يعتذرون ~~ويحلفون، فأنزل الله هذه الآية. والمعنى: يحلف لكم أيها المؤمنون هؤلاء ~~المنافقون ليرضوكم يعني فيما بلغكم عنهم من أذى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم { والله ورسوله أحق أن يرضوه } اختلفوا في معنى هذا الضمير إلى ماذا ~~يعود فقيل: الضمير عائد على الله تعالى لأن في رضا الله رضا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمعنى والله ورسوله أحق أن يرضوه بالتوبة والإخلاص. ~~وقيل: يجوز أن يكون المراد يرضوهما فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر. وقيل: ~~معناه والله أحق أن يرضوه وكذلك رسوله: { إن كانوا مؤمنين } يعني إن كان ~~هؤلاء المنافقون مصدقين بوعد الله ووعيده في الآخرة. ### || [9.63-64] # قوله سبحانه وتعالى: { ألم يعلموا } قال أهل المعاني ألم تعلم خطاب لمن ~~علم شيئا ثم نسيه أو أنكره فيقال له ألم تعلم أنه كان كذا وكذا ولما طال ~~مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهر المؤمنين والمنافقين وعلمهم ~~من أحكام الدين ما يحتاجون إليه خاطب المنافقين بقوله ألم يعلموا يعني من ~~شرائع الدين التي علمهم رسولنا { أنه من يحادد الله ورسوله } يعني أنه من ~~يخالف الله ورسوله. وأصل المحاداة في اللغة: المخالفة والمجانبة ~~والمعادة. واشتقاقه. من الحد. يقال: حاد فلان فلانا إذا صار في غير حده ~~وخالفه في أمره. وقيل: معنى يحادد الله ورسوله أي يحارب الله ورسوله ~~ويعاند الله ورسوله { فأن له نار جهنم } أي فحق أن له نار جهنم { خالدا ~~فيها } يعني على الدوام { ذلك ms1543 الخزي العظيم } يعني ذلك الخلود في نار ~~جهنم هو الفضيحة العظيمة. قوله عز وجل: { يحذر المنافقون } يعني يخشى ~~المنافقون { أن تنزل عليهم سورة } يعني على المؤمنين { تنبئهم } يعني ~~تخبر المؤمنين { بما في قلوبهم } يعني بما في قلوب المنافقين من الحسد ~~والعداوة للمؤمنين وذلك أن المنافقين كانوا فيما بينهم يذكرون المؤمنين ~~بسوء ويسترونه ويخافون الفضيحة ونزول القرآن في شأنهم. قال قتادة: وهذه ~~السورة كانت تسمى الفاضحة والمبعثرة والمثيرة يعني أنها فضحت المنافقين ~~وبعثرت عن أخبارهم وأثارتها وأسفرت عن مخازيهم ومثالبهم. وقال ابن عباس: ~~أنزل الله ذكر سبعين رجلا من المنافقين بأسمائهم وأسماء آبائهم ثم نسخ ~~ذكر الأسماء رحمة منه على المؤمنين لئلا يعير بعضهم بعضا لأن أولادهم ~~كانوا مؤمنين { قل استهزئوا } أمر تهديد فهو كقوله اعملوا ما شئتم { إن ~~الله مخرج } أي مظهر { ما تحذرون } والمعنى أن الله سبحانه وتعالى يظهر ~~إلى الوجود ما كان المنافقون يسترونه ويخفونه عن المؤمنين. قال ابن ~~كيسان: نزلت هذه الآية في اثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على العقبة لما رجع من غزوة تبوك ليفتكوا به إذا ~~علاها وتنكروا له في ليلة مظلمة فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بما قد أضمروا له وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم وكان ~~معه عمار بن ياسر يقود ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذيفة يسوقها ~~فقال لحذيفة: # " اضرب وجوه رواحلهم فضربها حذيفة حتى نحاهم عن الطريق فلما نزل قال ~~لحذيفة: من عرفت من القوم؟ قال لم أعرف منهم أحدا يا رسول الله فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنهم فلان وفلان حتى عدهم كلهم فقال ~~حذيفة هلا بعثت إليهم من يقتلهم فقال: أكره أن تقول العرب لما ظفر ~~بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيناهم الله بالدبيلة " # م. عن قيس بن عباد قال: قلت لعمار: أرأيت قتالكم أرأيا رأيتموه فإن ~~الرأي يخطئ ويصيب أم عهدا عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقال ما عهد إلينا ms1544 رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى ~~الناس كافة وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن في أمتي " # قال شعبة وأحسبه قال حدثني حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن في أمتي اثني عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج ~~الجمل في سم الخياط ثمانية منهم تكفيهم الدبيلة سراج من النار يظهر في ~~أكتافهم حتى ينجم من صدورهم ". ### || [9.65-67] # قوله سبحانه وتعالى: { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } الآية ~~وسبب نزولها على ما قال زيد ابن أسلم أن رجلا من المنافقين قال لعوف بن ~~مالك في غزوة تبوك: ما لقرائنا أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند ~~اللقاء؟ فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق ولأخبرن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره فوجد ~~القرآن قد سبقه. قال زيد: قال عبد الله بن عمر: فنظرت إليه، يعني إلى ~~المنافق، متعلقة بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة ~~يقول إنما كنا نخوص ونلعب فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون " # ما يزيده قال محمد بن إسحاق الذي قال هذه المقالة فيما بلغني هو وديعة ~~بن ثابت أخو أمية بن زيد بن عمرو بن عوف. وقال قتادة: # " بينا رسول الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وبين يديه ناس من ~~المنافقين فقالوا يرجوا هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها هيهات ~~هيهات فأطلع الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال نبي صلى ~~الله عليه وسلم احبسوا على الركب فأتاهم فقال قلتم كذا وكذا فقالوا يا ~~نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب فأنزل الله فيهم ما تسمعون " # وقال الكلبي ومقاتل: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة ~~نفر من المنافقين اثنان منهم يستهزئان بالقرآن والرسول والثالث يضحك " # قيل كانوا يقولون إن ms1545 محمدا يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم ما أبعده ~~من ذلك. وقيل: كانوا يقولون إن محمدا يزعم أنه أنزل في أصحابنا قرآن ~~إنما هو قوله وكلامه فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك. فقال: ~~احبسوا على الركب فدعاهم. وقال لهم: # " قلتم كذا وكذا " # فقالوا إنما كنا نخوض ونلعب، ومعنى الآية: ولئن سألت يا محمد هؤلاء ~~المنافقين عما كانوا يقولون فيما بينهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب يعني ~~كنا نتحدث ونخوض في الكلام كما يفعله الركب يقطعون الطريق باللعب ~~والحديث، وأصل الخوض: الدخول في مائع كالماء مع الطين كثر استعماله حتى ~~صار يستعمل في كل دخول مع تلويث وأذى { قل } أي قل يا محمد لهؤلاء ~~المنافقين { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون } فيه توبيخ وتقريع ~~للمنافقين وإنكار عليهم والمعنى كيف تقدمون على إيقاع الاستهزاء بالله ~~يعني بفرائض الله وحدوده وأحكامه والمراد بآياته كتابه وبرسوله محمد صلى ~~الله عليه وسلم فيحتمل أن المنافقين لما قالوا كيف يقدر محمد على أخذ ~~حصون الشام. # قال بعض المسلمين: الله يعينه على ذلك فذكر بعض المنافقين كلاما يشعر ~~بالقدح في قدرة الله وإنما ذكروا ذلك على طريق الاستهزاء. قوله عز وجل: { ~~لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } يعني قل لهؤلاء المنافقين لا تعتذروا ~~بالباطل. ومعنى الاعتذار محو أثر الموجدة من قلب المعتذر إليه. وقيل: ~~معنى العذر قطع اللائمة على الجاني. قد كفرتم بعد إيمانكم: يعني ~~الاستهزاء بالله كفر والإقدام عليه يوجب الكفر فلهذا قال سبحانه وتعالى ~~لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم فإن قلت إن المنافقين لم يكونوا مؤمنين ~~فكيف قال قد كفرتم بعد إيمانكم. قلت: معناه أظهرتهم الكفر بعد ما كنتم قد ~~أظهرتم الإيمان وذلك أن المنافقين كانوا يكتمون الكفر ويظهورن الإيمان ~~فلما حصل ذلك الاستهزاء منهم وهو كفر قيل لهم قد كفرتم بعد إيمانكم. ~~وقيل: معناه قد كفرتم عند المؤمنين بعد أن كنتم عندهم مؤمنين. وقوله ~~سبحانه وتعالى: { إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين } ~~ذكر المفسرون أن الطائفتين كانوا ms1546 ثلاثة فالواحد طائفة والاثنان طائفة. ~~والعرب توقع لفظ الجمع على الواحد فلهذا أطلق لفظ الطائفة على الواحد. ~~قال محمد بن إسحاق: الذي عفى عنه رجل واحد وهو مخشى بن حمير الأشجعي يقال ~~إنه هو الذي كان يضحك ولا يخوض. وقيل: إنه كان يمشي مجانبا لهم وينكر ~~بعض ما يسمع فكان ذنبه أخف فلما نزلت الآية تاب من نفاقه ورجع إلى ~~الإسلام وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية تقرأ عني بها تقشعر منها ~~الجلود وتجب منها القلوب اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد ~~أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة ولم يعرف أحد من المسلمين ~~مصرعه قوله سبحانه وتعالى: { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } يعني ~~أنهم على أمر واحد ودين واحد مجتمعون على النفاق والأعمال الخبيثة كما ~~يقول الإنسان لغيره أنا منك وأنت مني أي أمرنا واحد لا مباينة فيه { ~~يأمرون بالمنكر } يعني يأمر بعضهم بعضا بالشرك والمعصية وتكذيب الرسول ~~صلى الله عليه وسلم { وينهون عن المعروف } يعني عن الإيمان والطاعة ~~وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم { ويقبضون أيديهم } يعني عن الإنفاق في ~~سبيل الله تعالى وفي كل خير { نسوا الله فنسيهم } هذا الكلام لا يمكن ~~إجراؤه على ظاهره لأنا لو حملناه على النسيان الحقيقي لم يستحقوا ذما ~~عليه لأن النسيان ليس في وسع البشر دفعه وأيضا فإن النسيان في حق الله ~~محال فلا بد من التأويل وقد ذكروا فيه وجهين الأول معناه أنهم تركوا أمره ~~حتى صاروا بمنزلة الناسين له فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسى من ثوابه ~~ورحمته فخرج على مزاوجة الكلام فهو كقوله تعالى: # وجزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] الوجه الثاني: أن النسيان ضد الذكر فلما تركوا ذكر الله ~~وعبادته ترك الذكر لأن من ترك شيئا لم يذكره وقيل لما تركوا طاعة الله ~~والإيمان به تركهم من توفيقه وهدايته في الدنيا ومن رحمته في العقبى { إن ~~المنافقين هم الفاسقون } يعني هم الخارجون عن الطاعة. ### || [9.68-69] # { وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار } يقال: وعده بالخير ms1547 وعدا، ~~ووعده بالشر وعيدا. فالوعد يكون في الخير والشر { نار جهنم خالدين فيها ~~} فيه حذف تقديره يصلونها خالدين يعني مقيمين فيها { هي حسبهم } يعني هي ~~كافيتهم جزاء على كفرهم ونفاقهم وتركهم الإيمان والطاعة { ولعنهم الله } ~~يعني وأبعدهم من رحمته وطردهم عن بابه { ولهم عذاب مقيم } أي دائم لا ~~ينقطع. فإن قلت قوله خالدين فيها بمعنى ولهم عذاب مقيم وهذا تكرار فما ~~معناه؟ قلت ليس ذلك تكرارا. وبيان الفرق من وجهين الأول أن معناه ولهم ~~نوع آخر من العذاب المقيم سوى الصلي بالنار. ولقائل أن يقول: هذا التأويل ~~مشكل لأنه سبحانه وتعالى قال في النار هي حسبهم وذلك يمنع من ضم شيء آخر ~~إلى عذاب النار. وأجيب عن هذا الإشكال بأن قوله هي حسبهم في الإيلام ولا ~~يمتنع أن لا يحصل نوع آخر من العذاب من غير جنس النار كالزمهرير ونحوه ~~ويكون ذلك زيادة في عذابهم. الوجه الثاني: أن العذاب المقيم هو العذاب ~~المعجل لهم في الدنيا وهو ما يقاسونه من خوف اطلاع المسلمين عليهم وما هم ~~فيه من النفاق وكشف فضائحهم وهذا هو العذاب المقيم. قوله سبحانه وتعالى: ~~{ كالذين من قبلكم } هذا رجوع عن الغيبة إلى خطاب الحضور والكاف في ~~كالذين للتشبيه والمعنى فعلتم كأفعال الذين من قبلكم، شبه فعل المنافقين ~~بفعل الكفار الذين كانوا من قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ~~وقبض الأيدي عن فعل الخير والطاعة وقيل: إنه تعالى شبه المنافقين في عدو ~~لهم عن طاعة الله واتباع أمره لأجل طلب الدنيا بمن قبلهم من الكفار ثم ~~وصفهم الكفار بأنهم كانوا أشد من هؤلاء المنافقين قوة وأكثر أموالا ~~وأولادا فقال تعالى: { كانوا أشد منكم قوة } يعني بطشا ومنعة { وأكثر ~~أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم } يعني فتمتعوا بنصيبهم من الدنيا ~~باتباع الشهوات ورضوا بها عوضا عن الآخرة والخلاق النصيب وهو ما خلق ~~الله للإنسان وقدر له من خير كما يقال قسم له { فاستمتعتم بخلاقكم } وهذا ~~خطاب للحاضرين يعني فتمتعتم أيها المنافقون والكافرون بخلاقكم { كما ~~استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ms1548 } فإن قلت ما الفائدة في ذكر الاستمتاع ~~بالخلاق في حق الأولين مرة ثم ذكره في حق المنافقين ثانيا ثم إعادة ذكره ~~في حق الأولين ثالثا. قلت فائدته أنه يذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا ~~من حظوظ الدنيا وشهواتها ورضاهم بها وتركهم النظر فيما يصلحهم في الدار ~~الآخرة ثم شبه حال المخاطبين من المنافقين والكفار بحال من تقدمهم ثم رجع ~~إلى ذكر حال الأولين ثالثا وهذا كما تريد أن تبكت بعض الظلمة على قبح ~~ظلمة فتقول له أنت مثل فرعون كان يقتل بغير حق ويعذب بغير جرم فأنت تفعل ~~مثل ما كان يفعل فالتكرير هنا للتأكيد وتقبيح فعلهم وفعل من شابههم في ~~فعلهم. # وقوله تعالى: { وخضتم كالذي خاضوا } معطوف على ما قبله ومستند إليه يعني ~~وسلكتم في فعلكم مثل ما سلكوا في اتباع الباطل والكذب على الله وتكذيب ~~رسوله والاستهزاء بالمؤمنين { أولئك حبطت أعمالهم } يعني بطلت أعمالهم { ~~في الدنيا والآخرة } يعني أن أعمالهم لا تنفعهم في الدنيا ولا في الآخرة ~~بل يعاقبون عليها { وأولئك هم الخاسرون } والمعنى أنه كما بطلت أعمال ~~الكفار الماضين وخسروا تبطل أعمالكم أيها المنافقون وتخسرون ق. عن أبي ~~سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا حجر ~~ضب لاتبعتموهم قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن " ### || [9.70-72] # { ألم يأتهم } رجع من الخطاب إلى الغيبة يعني ألم يأت هؤلاء المنافقين ~~والكفار وهو استفهام بمعنى التقرير أي قد أتاهم { نبأ } يعني خبر { الذين ~~من قبلهم } يعني الأمم الماضية الذين خلوا من قبلهم كيف أهلكناهم حين ~~خالفوا أمرنا وعصوا رسلنا ثم ذكرهم فقال تعالى: { قوم نوح } يعني أنهم ~~أهلكوا بالطوفان { وعاد } أهلكوا بالريح العقيم { وثمود } أهلكوا بالرجفة ~~{ وقوم إبراهيم } أهلكوا بسلب النعمة وكان هلاك نمرود ببعوضة { وأصحاب ~~مدين } وهم قوم شعيب أهلكوا بعذاب يوم الظلة { والمؤتفكات } يعني ~~المنقلبات التي جعل الله عاليها سافلها وهي مدائن قوم لوط. وإنما ذكر ~~الله سبحانه وتعالى هذه الطوائف الستة، لأن ms1549 آثارهم باقية وبلادهم بالشام ~~والعراق واليمن وكل ذلك قريب من أرض العرب، فكانوا يمرون عليهم ويعرفون ~~أخبارهم { أتتهم رسلهم بالبينات } يعني بالمعجزات الباهرات والحجج ~~الواضحات الدالة على صدقهم فكذبوهم وخالفوا أمرنا كما فعلتم أيها ~~المنافقون والكفار فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم فتعجل لكم النقمة كما ~~عجلت لهم { فما كان الله ليظلمهم } يعني بتعجيل العقوبة { ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون } يعني أن الذي استحقوه من العقوبة بسبب ظلمهم أنفسهم. ~~قوله عز وجل: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } لما وصف الله ~~المنافقين بالأعمال الخبيثة والأحوال الفاسدة ثم ذكر بعده ما أعد لهم من ~~أنواع الوعيد في الدنيا والآخرة عقبة بذكر أوصاف المؤمنين وأعمالهم ~~الحسنة وما أعد لهم من أنواع الكرامات والخيرات في الدنيا والآخرة فقال ~~تعالى: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } يعني الموالاة في الدين ~~واتفاق الكلمة والعون والنصرة. فإن قلت: إنه سبحانه وتعالى قال في وصف ~~المنافقين: بعضهم من بعض وقال في وصف المؤمنين: بعضهم أولياء بعض فما ~~الفائدة في ذلك. قلت: لما كان نفاق الأتباع وكفرهم إنما حصل بتقليد ~~المتبوعين وهم الرؤساء والأكابر وحصل بمقتضى الطبيعة أيضا قال فيهم ~~بعضهم من بعض ولما كانت الموافقة الحاصلة بين المؤمنين بتسديد الله ~~وتوفيقه وهدايته لا بمقتضى الطبيعة وهوى النفس وصفهم بأن بعضهم أولياء ~~بعض فظهر الفرق بين الفريقين وظهرت الفائدة. وقوله سبحانه وتعالى: { ~~يأمرون بالمعروف } يعني بالإيمان بالله ورسوله واتباع أمره والمعروف كل ~~ما عرف في الشرع من خير وبر وطاعة { وينهون عن المنكر } يعني عن الشرك ~~والمعصية والمنكر كل ما ينكره الشرع وينفر منه الطبع وهذا في مقابلة ما ~~وصف به المنافقون وضده { ويقيمون الصلاة } يعني الصلاة المفروضة ويتممون ~~أركانها وحدودها { ويؤتون الزكاة } يعني الواجبة عليهم وهو في مقابلة ~~ويقبضون أيديهم { ويطيعون الله ورسوله } يعني فيما يأمرهم به وهو في ~~مقابلة نسوا الله فنسيهم { أولئك } يعني المؤمنين والمؤمنات الموصوفين ~~بهذه الصفات { سيرحمهم الله } لما ذكر الله ما وعد به المنافقين من ~~العذاب في نار جهنم ذكر ما وعد به المؤمنين والمؤمنات ms1550 من الرحمة والرضوان ~~وما أعد لهم في الجنان والسين في قوله سيرحمهم الله للمبالغة والتوكيد { ~~إن الله عزيز حكيم } وهذا يوجب المبالغة في الترغيب والترهيب لأن العزيز ~~هو الذي لا يمتنع عليه شيء أراد فهو قادر على إيصال العقوبة لمن أراد ~~والحكيم هو الذي يدبر عباده على ما يقتضيه العدل والإنصاف { وعد الله ~~المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } لما ذكر ~~الله في الآيات المتقدمة وعيد المنافقين وما أعد لهم في نار جهنم من ~~العذاب ذكر سبحانه وتعالى في هذه الآية ما وعد به المؤمنين من الخير ~~والثواب والمراد بالجنات التي تجري من تحتها الأنهار البساتين التي يتحير ~~في حسنها الناظر لأنه سبحانه وتعالى قال ومساكن طيبة في جنات عدن ~~والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه فتكون مساكنهم في جنات عدن ~~ومناظرهم الجنات التي هي البساتين فتكون جنات عدن هي المساكن التي ~~يسكنونها والجنات الأخر هي البساتين التي يتنزهون فيها فهذه فائدة ~~المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه والفرق بينهما { ومساكن طيبة } يعني ~~ومنازل يسكنونها طيبة { في جنات عدن } يعني في بساتين خلد وإقامة يقال ~~عدن بالمكان إذا أقام به. # روى الطبري بسنده عن عمران بن حصين وأبي هريرة قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ومساكن طيبة في جنات ~~عدن قال: قصر من لؤلؤة في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء في كل ~~دار سبعون بيتا من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير ~~سبعون فراشا من كل لون على كل فراش زوجة من الحور العين " # وفي رواية: # " كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من طعام وفي كل بيت ~~سبعون وصيفة ويعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله ~~أجمع " # وروي بسنده عن أبي الدرداء قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عدن داره يعني دار الله التي لم ~~ترها عين ولا تخطر على قلب بشر وهي مسكنه ولا يسكنها ms1551 مع بني آدم غير ~~ثلاثة النبيين والصديقين والشهداء يقول الله عز وجل طوبى لمن دخلك " # هكذا رواه الطبري فإن صحت هذه الرواية فلا بد من تأويلها فقوله عدن داره ~~يعني دار الله وهو من باب حذف المضاف تقديره عدن دار أصفياء الله تعالى ~~التي أعدها لأوليائه وأهل طاعته والمقربين من عباده. عن أبي موسى ~~الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما ~~بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة ~~عدن " # أخرجه البخاري ومسلم. وقال عبد الله بن مسعود: عدن بطنان الجنة يعني ~~وسطها. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن في الجنة قصرا يقال له عدن ~~حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد. ~~وقال عطاء بن السائب: عدن نهر في الجنة خيامه على حافتيه، وقال مقاتل ~~والكلبي: عدن أعلى درجة في الجنة فيها عين التسنيم والجنان حولها محدقة ~~بها وهي مغطاة من حين خلقها الله حتى ينزلها أهلها وهم الأنبياء ~~والصديقون والشهداء والصالحون ومن شاء الله وفيها قصور الدر والياقوت ~~والذهب فتهب ريح طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الأبيض. قال ~~الإمام فخر الدين الرازي: حاصل هذا الكلام أن في جنات عدن قولين: أحدهما: ~~أنه اسم علم لموضع معين في الجنة وهذه الأخبار والآثار تقوي هذا القول ~~قال صاحب الكشاف وعدن علم بدليل قوله # جنات عدن التي وعد الرحمن عباده # [مريم: 61] والقول الثاني إنه صفة للجنة. قال الأزهري: العدن مأخوذ من ~~قولك: عدن بالمكان إذا أقام به. يعدن عدوانا فبهذا الاشتقاق قالوا: ~~الجنات كلها جنات عدن. وقوله سبحانه وتعالى: { ورضوان من الله أكبر } ~~يعني أن رضوان الله الذي ينزله عليهم أكبر من كل ما سلف ذكره من نعيم ~~الجنة { ذلك هو الفوز العظيم } إشارة إلى ما تقدم ذكره من نعيم الجنة ~~والرضوان ق. عن أبي سعيد الخدري أن ms1552 رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا ~~وسعديك والخير كله في يديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى يا ~~ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك ~~فيقولون وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط بعده عليكم ~~أبدا " ### || [9.73-74] # قوله سبحانه وتعالى: { يا أيها النبي جاهد الكفار } يعني بالسيف ~~والمحاربة والقتال { والمنافقين } يعني وجاهد المنافقين واختلفوا في صفة ~~جهاد المنافقين وسبب هذا الاختلاف أن المنافق هو الذي يبطن الكفر ويظهر ~~الإسلام ولما كان الأمر كذلك لم تجز مجاهدته بالسيف والقتال لإظهاره ~~الإسلام فقال ابن عباس: أمر الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان وإذهاب الرفق عنهم ~~وهذا قول الضحاك أيضا وقال ابن: مسعود بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم ~~يستطع فبقلبه فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه. وقال الحسن وقتادة: بإقامة ~~الحدود عليهم يعني إذا تعاطوا أسبابها وهذا القول فيه بعد لأن إقامة ~~الحدود واجبة على من ليس بمنافق فلا يكون لهذا تعلق بالنفاق وإنما قال ~~الحسن وقتادة ذلك لأن غالب من كان يتعاطى أسباب الحدود فتقام عليهم في ~~زمن النبي صلى الله عليه وسلم المنافقون. قال الطبري: وأولى الأقوال قول ~~ابن مسعود لأن الجهاد عبارة عن بذل الجهد وقد دلت الآية على وجوب جهاد ~~المنافقين وليس في الآية ذكر كيفية ذلك الجهاد فلا بد من دليل آخر وقد ~~دلت الدلائل المنفصلة أن الجهاد مع الكفار إنما يكون بالسيف ومع ~~المنافقين بإظهار الحجة عليهم تارة وبترك الرفق بهم تارة وبالانتهار تارة ~~وهذا هو قول ابن مسعود { واغلظ عليهم } يعني شدد عليهم بالجهاد والإرهاب ~~{ ومأواهم جهنم وبئس المصير } بمعنى أن جهنم مسكنهم وبئس المصير مصيرهم ~~إليها. فإن قلت كيف ترك النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين بين أظهر ~~أصحابه مع علمه بهم وبحالهم. قلت: إنما أمر الله ms1553 عز وجل نبيه سيدنا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بقتال من أظهر كلمة الكفر وأقام على إظهارها. ~~فأما من تكلم بالكفر في السر فإذا اطلع عليه أنكره ورجع عنه وقال: إني ~~مسلم فإنه يحكم بإسلامه في الظاهر في حقن دمه وماله وولده وإن كان ~~معتقدا غير ذلك في الباطن لأن الله سبحانه وتعالى أمر بإجراء الأحكام ~~على الظواهر فلذلك أجرى النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين على ظواهرهم ~~ووكل سرائرهم إلى الله سبحانه وتعالى لأنه العالم بأحوالهم وهو يجازيهم ~~في الآخرة بما يستحقون. قوله عز وجل: { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا ~~كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم } اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية ~~فقال عروة بن الزبير: نزلت في الجلاس بن سويد أقبل هو وابن امرأته مصعب ~~من قباء. فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقا لنحن شر من حمرنا هذه ~~التي نحن عليها فقال مصعب: أما والله يا عدو الله لأخبرن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بما قلت وخفت أن ينزل في القرآن أو أن تصيبني قارعة أو أن أخلط ~~بخطيئته فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أقبلت أنا ~~والجلاس من قباء فقال كذا وكذا ولولا مخافة أن أخلط بخطيئته أو تصيبني ~~قارعة ما أخبرتك. # قال فدعا الجلاس، فقال له: يا جلاس أقلت ما قال مصعب؟ فحلف ما قال، ~~فأنزل الله عز وجل: يحلفون بالله ما قالوا: الآية. وروي عن مجاهد ونحوه. ~~وقال ابن عباس: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل حجرة فقال: " إنه ~~سيأتينكم إنسان فينظر إليكم بعين الشيطان فإذا جاء فلا تكلموه " ، فلم ~~يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " علام ~~تشتمني أنت وأصحابك "؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا ~~وما فعلوا حتى تجاوز عنه فأنزل الله عز وجل: يحلفون بالله ما قالوا " # ثم نعتهم جميعا إلى آخر الآية. وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلين اقتتلا ~~أحدهما من جهينة ms1554 والآخر من غفار وكانت جهينة حلفاء الأنصار فظهر الغفاري ~~على الجهني فقال عبد الله بن أبي سلول للأوس: انصروا أخاكم فوالله ما ~~مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل سمن كلبك يأكلك، وقال: لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأرسل إليه فسأله فحلف بالله ما قال فأنزل الله هذه ~~الآية، هذه روايات الطبري. وذكر البغوي عن الكلبي قال: نزلت في الجلاس بن ~~سويد وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم بتبوك فذكر ~~المنافقين وسماهم رجسا وعابهم فقال الجلاس: لئن كان محمد صادقا لنحن شر ~~من الحمير فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه ~~عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس. فقال الجلاس: كذب يا رسول الله علي ~~فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلفا عند المنبر فقام الجلاس ~~عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما قاله ولقد كذب ~~على عامر ثم قام عامر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد قاله وما كذبت ~~عليه ثم رفع عامر يده إلى السماء فقال: اللهم أنزل على نبيك تصديق الصادق ~~منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون آمين فنزل جبريل عليه ~~السلام قبل أن يتفرقا بهذه الآية حتى بلغ فإن يتوبوا يك خيرا لهم فقام ~~الجلاس فقال: يا رسول الله أسمع الله قد عرض علي التوبة صدق عامر بن قيس ~~فيما قاله لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب إليه فقبل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذلك منه فتاب وحسنت توبته فذلك قوله سبحانه وتعالى: { يحلفون ~~بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم } يعني أظهروا ~~كلمة الكفر بعد إسلامهم وتلك الكلمة هي سب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقيل: هي كلمة الجلاس بن سويد لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير ~~وقيل هي كلمة عبد الله بن أبي ms1555 بن سلول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل وستأتي القصة في موضعها في سورة المنافقين إن شاء الله ~~تعالى. # قوله سبحانه وتعالى: { وهموا بما لم ينالوا } قال مجاهد: هم الجلاس ~~بقتل الذي سمع مقالته خشية أن يفشيها عليه وقيل هم عبد الله بن أبي ابن ~~سلول وكان همه قوله لئن رجعنا إلى المدينة فلم ينله وقيل: هم اثنا عشر ~~رجلا من المنافقين بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقفوا على العقبة ~~وقت رجوعه من تبوك ليقتلوه فجاء جبريل عليه السلام فأخبره وأمره أن يرسل ~~إليهم من يضرب وجوه رواحلهم فأرسل حذيفة لذلك. وقال السدي: قال المنافقون ~~إذا رجعنا إلى المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أبي بن سلول تاجا فلم ~~يصلوا إليه { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } يعني وما ~~أنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا إلا أن أغناهم الله ~~ورسوله من فضله والمعنى أن المنافقين علموا بضد الواجب فجعلوا موضع شكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن نقموا عليه وقيل إنهم بطروا النعمة فنقموا ~~أشرا وبطرا وقال ابن قتيبة: معناه ليس ينقمون شيئا ولا يتعرفون إلا ~~الصنع وهذا كقول الشاعر: # ما نقم الناس من أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا # وهذا ليس مما ينقم وإنما أراد أن الناس لا ينقمون عليهم شيئا فهو كقول ~~النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب # أي ليس فيهم عيب. قال الكلبي: كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم ~~المدينة في ضنك من العيش فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا ~~بالغنائم. فعلى هذا القول يكون الكلام عاما. وقال عروة: كان الجلاس قتل ~~له مولى فأمر له النبي صلى الله عليه وسلم بديته فاستغنى. وقال قتادة: ~~كانت لعبد الله ابن أبي دية فأخرجها رسول الله صلى الله عليه وسلم له. ~~وقال عكرمة إن مولى لبني عدي قتل رجلا من الأنصار فقضى له النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms1556 بالدية اثني عشر ألفا وفيه نزلت { وما نقموا إلا أن ~~أغناهم الله ورسوله من فضله } { فإن يتوبوا يك خيرا لهم } يعني: فإن ~~يتوبوا من كفرهم ونفاقهم يك ذلك خيرا لهم في العاجل والآجل { وإن يتولوا ~~} يعني وإن يعرضوا عن الإيمان والتوبة ويصروا على النفاق والكفر { يعذبهم ~~الله عذابا أليما في الدنيا } يعني بالخزي والإذلال { والآخرة } أي ~~ويعذبهم في الآخرة بالنار { وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير } يعني ~~وليس لهم أحد يمنعهم من عذاب الله أو ينصرهم في الدنيا والآخرة. ### || [9.75] # قوله سبحانه وتعالى: { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن } ~~الآية. روى البغوي بسند الثعلبي عن أبي أمامة الباهلي قال: # " " جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه ". ثم أتاه ~~بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " أمالك في رسول الله أسوة حسنة والذي نفسي بيده لو ~~أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت ". ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا ~~رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله ~~مالا لأعطين كل ذي حق حقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم ~~ارزق ثعلبة مالا ". قال: فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه ~~المدينة فتنحى عنها ونزل واديا من أوديتها وهي تنموا كما ينمو الدود ~~فكان يصلي مع رسول الله صل الله عليه وسلم الظهر والعصر ويصلي في غنمه ~~سائر الصلوات ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة فصار لا يشهد إلا الجمعة ~~ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة أيضا حتى صار لا يشهد جمعة ولا جماعة ~~فكان إذا كان يوم جمعة خرج فتلقى الناس يسألهم عن الأخبار فذكره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذات ms1557 يوم فقال: " ما فعل ثعلبة "؟ فقالوا: يا ~~رسول الله اتخذ ثعلبة غنما ما يسعها واد. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة. فأنزل الله سبحانه وتعالى آية الصدقة، ~~فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني سليم ورجلا من جهينة ~~وكتب لهما أسنان الصدقة وكيف يأخذان وقال لهما: " مرا على ثعلبة بن حاطب ~~ورجل من بني سليم فخذا صدقاتهما " ، فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة ~~وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه ~~إلا أخت الجزية انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي فانطلقا وسمع بها السلمي ~~فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها فلما رأياها ~~قالا: ما هذه عليك. قال: خذاها فإن نفسي بذلك طيبة فمرا على الناس وأخذا ~~الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة فقال أروني كتابكما فقرأه ثم قال: ما هذه إلا ~~جزية ما هذه إلا أخت الجزية اذهبا حتى أرى رأيي. قالا: فأقبلا فلما رآهما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يتكلما: يا ويح ثعلبة يا ويح ~~ثعلبة ثم دعا للسلمي بخير فأخبراه بالذي صنع ثعلبة فأنزل الله سبحانه ~~وتعالى فيه: { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن } الآية إلى ~~قوله سبحانه وتعالى: { وبما كانوا يكذبون } وعند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة لقد ~~أنزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك، فجعل ~~يحثو على رأسه التراب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا عملك ~~قد أمرتك فلم تطعني " ، فلما أبى أن يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صدقته رجع إلى منزله وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى أبا بكر ~~فقال: اقبل صدقتي. فقال أبو بكر: لم يقبلها ms1558 منك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأنا لا أقبلها. فقبض أبو بكر ولم يقبلها منه فلما ولي عمر أتاه ~~فقال: اقبل صدقتي فقال: لم يقبلها منك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~أبو بكر فأنا لا أقبلها منك فلم يقبلها. ثم ولي عثمان فأتاه فلم يقبلها ~~منه وهلك في خلافة عثمان " # وأخرجه الطبري أيضا بسنده. قال بعض العلماء: إنما لم يقبل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صدقة ثعلبة، لأن الله سبحانه وتعالى منعه من قبولها ~~منه مجازاة له على إخلافه ما وعد الله عليه وإهانة له على قوله: إنما هي ~~جزية أو أخت الجزية، فلما صدر هذا القول منه ردت صدقته عليه إهانة له ~~وليعتبر غيره فيه فلا يمتنع من بذل الصدقة عن طيب نفس بإخراجها ويرى أنها ~~واجبة عليه وأنه يثاب على إخراجها ويعاقب على منعها. وقال ابن عباس: إن ~~ثعلبة أتى مجلسا من مجالس الأنصار فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت ~~منه كل ذي حق حقه وتصدقت منه ووصلت القرابة فمات ابن عم له فورث منه ~~مالا فلم يف بما عاهد الله عليه فأنزل الله فيه هذه الآية. وقال الحسن ~~ومجاهد: نزلت في ثعلبة ومعتب بن قشير وهما من بني عمرو بن عوف خرجا على ~~ملأ قعود فقالا لئن رزقنا الله من فضله لنصدقن فلما رزقهما الله بخلا به. ~~وقال ابن السائب: إن حاطب بن أبي بلتعة كان له مال بالشام فأبطأ عليه ~~فجهد لذلك جهدا شديدا فحلف بالله لئن آتاني الله من فضله يعني ذلك ~~المال لأصدقن منه ولأصلن فلما آتاه ذلك المال لم يف بما عاهد الله عليه ~~فنزلت هذه الآية وحاصله أن ظاهر الآية يدل على أن بعض المنافقين عاهد ~~الله لئن آتاه من فضله ليصدقن وليفعلن فيه أفعال الخير والبر والصلة فلما ~~آتاه الله من فضله ما سأل لم يف بما عاهد الله عليه ومعنى الآية ومن ~~المنافقين من أعطى الله عهدا لئن رزقنا من فضله بأن يوسع علينا في ms1559 الرزق ~~لنصدقن يعني لنتصدقن ولنخرجن من ذلك المال صدقته { ولنكونن من الصالحين } ~~يعني: ولنعملن في ذلك المال ما يعمله أهل الصلاح بأموالهم من صلة الأرحام ~~والإنفاق في سبيل الله وجميع وجوه البر والخير وإخراج الزكاة وإيصالها ~~إلى أهلها والصالح ضد المفسد والمفسد هو الذي يبخل بما يلزمه في حكم ~~الشرع. # وقيل: إن المراد بقوله لنصدقن، إخراج الزكاة الواجبة، وقوله: ولنكونن من ~~الصالحين إشارة إلى كل ما يفعله أهل الصلاح على الإطلاق من جميع أعمال ~~البر والطاعة. ### || [9.76] # { فلما آتاهم من فضله بخلوا به } يعني فلما رزقهم الله لم يفعلوا من ~~أعمال البر شيئا { وتولوا } يعني عما عاهدوا الله عليه { وهم معرضون } ~~يعني عن العهد. ### || [9.77-79] # { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم } يعني فأعقبهم الله نفاقا بأن صيرهم ~~منافقين يقال أعقبت فلانا ندامة إذا صارت عاقبة أمره إلى ذلك وقيل معناه ~~أنه سبحانه وتعالى عاقبهم بنفاق قلوبهم { إلى يوم يلقونه } يعني أنه ~~سبحانه وتعالى حرمهم التوبة إلى يوم القيامة فيوافونه على النفاق ~~فيجازيهم عليه { بما أخلفوا الله ما وعدوه } يعني الصدقة والإنفاق في ~~سبيله { وبما كانوا يكذبون } يعني في قولهم لنصدقن ولنكونن من الصالحين ~~عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا ائتمن خان " # عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خلة وفي رواية خصلة ~~منهن كان فيه خصلة من نفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد ~~أخلف وإذا خاصم فجر " # قال الشيخ محيي الدين النووي: هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء ~~مشكلا من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك ~~وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا ~~يحكم عليه بكفر ولا هو منافق مخلد في النار فإن أخوة يوسف عليه السلام ~~جمعوا هذه ms1560 الخصال وكذا قد يوجد لبعض السلف ولبعض العلماء بعض هذا أو كله. ~~قال الشيخ: هذا ليس بحمد الله إشكالا ولكن اختلف العلماء في معناه فالذي ~~قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه هذه الخصال خصال ~~نفاق وصاحبها يشبه المنافقين في هذه الخصال ويتخلق بأخلاقهم فإن النفاق ~~هو إظهار ما يبطن خلافه وهذا موجود في صاحب هذه الخصال فيكون نفاقه في حق ~~من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام ~~فيظهره وهو يبطن الكفر ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا أنه منافق ~~نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار وقوله صلى الله عليه وسلم ~~كان منافقا خالصا معناه كان شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال قال ~~بعض العلماء وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه فأما من ندر ذلك منه ~~فليس ذلك حاصلا فيه هذا هو المختار في معنى الحديث. وقال جماعة من ~~العلماء: المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإنهم حدثوا في أيمانهم فكذبوا وائتمنوا على دينهم فخافوا ووعدوا في ~~أمر الدين ونصره فأخلفوا وفجروا في خصوماتهم وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء ~~بن أبي رباح ورجع إليه الحسن البصري بعد أن كان على خلافه، وهو مروي عن ~~ابن عباس وابن عمر وروياه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال القاضي ~~عياض: وإليه مال أكثر أئتمنا. # وحكى الخطابي قولا آخر: إن معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال ~~وحكى أيضا عن بعضهم أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا يواجههم بصريح القول فيقولا فلان منافق وإنما يشير ~~إشارة كقوله صلى الله عليه وسلم: # " ما بال أقوام يفعلون كذا " # والله أعلم. وقال الإمام فخر الدين الرازي: ظاهر هذه الآية يدل على أن ~~نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز ~~عنه فإذا عاهد الله في أمر فليجتهد في الوفاء به. وقوله سبحانه وتعالى: ms1561 { ~~ألم يعلموا } يعني هؤلاء المنافقين { أن الله يعلم سرهم } يعني ما تنطوي ~~عليه صدورهم من النفاق { ونجواهم } يعني ويعلم ما يفاوض به بعضهم بعضا ~~فيما بينهم والنجوى هو الخفي من الكلام يكون بين القوم والمعنى أنهم ~~يعلمون أن الله يعلم جميع أحوالهم لا يخفى عليه شيء منها { وأن الله علام ~~الغيوب } وهذا مبالغا في العلم يعني أن الله عالم بجميع الأشياء فكيف ~~تخفى عليه أحوالهم. قوله عز وجل: { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في ~~الصدقات } الآية ق عن أبي مسعود البدري قال: لما نزلت آية الصدقة كنا ~~نحمل على ظهورنا فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا مراء وجاء رجل فتصدق ~~بصاع فقالوا إن الله لغني عن صاع هذا فنزلت { الذين يلمزون المطوعين من ~~المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم } الآية وقال ابن عباس ~~وغيره من المفسرين: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن ~~عوف بأربعة آلاف درهم وقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف درهم جئتك ~~بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله وأمسكت أربعة آلاف لعيالي فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت " # فبارك الله في مال عبد الرحمن حتى أنه خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ~~ماله لهما مائة وستين ألف درهم وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة ~~وسق من تمر وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال: يا رسول الله بت ~~ليلتي أجر بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما لعيالي ~~وأتيتك بالآخر فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثرة في الصدقات ~~فلمزهم المنافقون. فقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء وإن الله ~~ورسوله لغنيان عن صاع أبي عقيل ولكن أحب أن يذكر نفسه ليعطي من الصدقة ~~فأنزل الله سبحانه وتعالى الذين يلمزون يعيبون المطوعين يعني المتبرعين ~~من المؤمنين يعني عبد الرحمن بن عوف وعاصم بن عدي في الصدقات والتطوع ~~التنفل بما ليس بواجب عليه ms1562 { والذين لا يجدون إلا جهدهم } يعني أبا عقيل ~~الأنصاري والجهد بالضم الطاقة وهي لغة أهل الحجاز وبالفتح لغيرهم وقيل: ~~الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة وقد يكون القليل من المال الذي يأتي ~~به فيتصدق به أكثر موقعا عند الله تعالى من الكثير الذي يأتي به فيتصدق ~~به لأن الغني أخرج ذلك المال الكثير عن قدرة وهذا الفقير أخرج القليل ~~إنما أخرجه عن ضعف وجهد وقد يؤثر المحتاج إلى المال غيره رجاء ما عند ~~الله تعالى كما قال سبحانه وتعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ~~{ فيسخرون منهم } يعني أن المنافقين كانوا يستهزئون بالمؤمنين في إنفاقهم ~~المال في طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وهو قولهم لقد ~~كان الله عن صدقة هؤلاء غنيا وكان يعيرون الفقير الذي يتصدق بالقليل ~~ويقولون: إنه لفقير محتاج إليه فكان يتصدق به وجوابهم إن كل من يرجو ما ~~عند الله من الخير والثواب يبذل الموجود لينال ذلك الثواب الموعود به ~~وقوله سبحانه وتعالى: { سخر الله منهم } يعني أنه سبحانه وتعالى جازاهم ~~على سخريتهم ثم وصف ذلك وهو قوله تعالى: { ولهم عذاب أليم } يعني في ~~الآخرة. ### || [9.80-82] # قوله سبحانه وتعالى: { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين ~~مرة فلن يغفر الله لهم } قال المفسرون: لما نزلت الآيات المتقدمة في ~~المنافقين وبان نفاقهم وظهر للمؤمنين جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعتذرون إليه ويقولون استغفر لنا فنزلت استغفر لهم أو لا تستغفر فلن ~~يغفر الله لهم وإنما خص سبحانه وتعالى السبعين من العدد بالذكر لأن العرب ~~كانت تستكثر السبعين ولهذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صلى على ~~عمه حمزة رضي الله تعالى عنه سبعين تكبيرة ولأن آحاد السبعين سبعة وهو ~~عدد شريف فإن السموات والأرضين سبع والأيام سبع والأقاليم سبع والبحار ~~سبع والنجوم السيارة سبع فلهذا خص الله تبارك وتعالى السبعين بالذكر ~~للمبالغة في اليأس من طمع المغفرة لهم. قال الضحاك ولما نزلت هذه الآية ~~قال رسول ms1563 الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله قد رخص لي فسأزيدن على السبعين لعل الله أن يغفر لهم " # فأنزل الله سبحانه وتعالى سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم فلن ~~يغفر الله لهم ق عن ابن عمر قال: # " لما توفي عبد الله يعني بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول ~~الله صلىالله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه ثم سأله أن ~~يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ ~~بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله نصلي عليه وقد نهاك ~~ربك أن تصلي عليه فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم: " إنما خيرني الله ~~عز وجل فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيد ~~على السبعين " # قال إنه منافق فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز ~~وجل ولا تصلي على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ~~ورسوله وماتوا وهم فاسقون زاد في رواية فترك الصلاة عليهم. وقوله سبحانه ~~وتعالى: { ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله } يعني أن هذا الفعل من الله وهو ~~ترك العفو عنهم وترك المغفرة لهم من أجل أنهم اختاروا الكفر على الإيمان ~~بالله ورسوله { والله لا يهدي القوم الفاسقين } يعني والله لا يوافق ~~للإيمان به وبرسوله من اختار الكفر والخروج عن طاعة الله وطاعة رسوله. ~~قوله عز وجل: { فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله } يعني فرح ~~المتخلفون عن غزوة تبوك والمخلف المتروك بمقعدهم يعني بقعودهم في المدينة ~~خلاف رسول الله يعني بعده وعلى هذا المعنى خلاف بمعنى خلف فهو اسم للجهة ~~المعينة لأن الإنسان إذا توجه إلى قدامه فمن تركه خلفه فقد تركه بعده ~~وقيل معناه مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار إلى تبوك ~~وأقاموا بالمدينة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد أمرهم بالخروج ~~إلى الجهاد فاختاروا القعود مخالفة لرسول الله صلى ms1564 الله عليه وسلم وهو ~~قوله سبحانه وتعالى: { وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~} والمعنى أنهم فرحوا بسبب التخلف وكرهوا الخروج إلى الجهاد وذلك أن ~~الإنسان يميل بطبعه إلى إيثار الراحة والقعود مع الأهل والولد ويكره ~~إتلاف النفس والمال وهو قوله سبحانه وتعالى: { وقالوا لا تنفروا في الحر ~~} وكانت غزوة تبوك في شدة الحر فأجاب الله عن هذا بقوله سبحانه وتعالى: { ~~قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون } يعني: قل يا محمد لهؤلاء الذين ~~اختاروا الراحة والقعود خلافك عن الجهاد في الحر أن نار جهنم التي هي ~~موعد في الآخرة أشد حرا من حر الدنيا لو كانوا يعلمون. # قال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا ~~معه وذلك في الصيف. فقال رجال: يا رسول الله الحر شديد ولا نستطيع الخروج ~~فلا تنفر في الحر فقال الله عز وجل قل نار جهنم أشد حرا لوكانوا يفقهون ~~فأمره الله تعالى بالخروج { فليضحكوا قليلا } يعني فليضحك هؤلاء الذين ~~تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحين قليلا في الدنيا الفانية ~~بمقعدهم خلافه { وليبكوا كثيرا } يعني مكان ضحكهم في الدنيا وهذا وإن ~~ورد بصيغة الأمر إلا أن معناه الإخبار والمعنى: أنهم وإن فرحوا وضحكوا ~~طول أعمارهم في الدنيا فهو قليل بالنسبة إلى بكائهم في الآخرة لأن الدنيا ~~فانية والآخرة باقية والمنقطع الفاني بالنسبة إلى الدائم الباقي قليل { ~~جزاء بما كانوا يكسبون } يعني أن ذلك البكاء في الآخرة جزاء لهم على ~~ضحكهم وأعمالهم الخبيثة في الدنيا خ. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " # وروى البغوي بسنده عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " يا أيها الناس ابكوا فإن لم تستطيعوا أن تبكوا فتباكوا فإن أهل النار ~~يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع ~~فتسيل الدماء فتقرح العيون فلو أن سفنا أجريت ms1565 فيها لجرت " ### || [9.86-90] # قوله عز وجل: { وإذا أنزلت سورة } يحتمل أن يراد بالسورة بعضها لأن ~~إطلاق لفظ الجمع على البعض جائز ويحتمل أن يراد جميع السورة. فعلى هذا ~~المراد بالسورة براءة لأنها مشتملة على الأمر بالإيمان والأمر بالجهاد { ~~أن } أي بأن { آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله }. فإن قلت: كيف يأمرهم ~~بالإيمان مع كونهم مؤمنين فهو من باب تحصيل الحاصل قلت: معناه الأمر ~~بالدوام على الإيمان والجهاد في المستقبل. وقيل: إن الأمر بالإيمان يتوجه ~~على كل أحد في كل ساعة. وقيل: إن هذا الأمر وإن كان ظاهره العموم لكن ~~المراد به الخصوص وهم المنافقون والمعنى أن أخلصوا الإيمان بالله وجاهدوا ~~مع رسوله وإنما قدم الأمر بالإيمان على الأمر بالجهاد لأن الجهاد بغير ~~إيمان لا يفيد أصلا فكأنه قيل للمنافقين: الواجب عليكم أن تؤمنوا بالله ~~أولا وتجاهدوا مع رسوله ثانيا حتى يفيدكم ذلك الجهاد فائدة يرجع عليكم ~~نفعها في الدنيا والآخرة. وقوله سبحانه وتعالى: { استأذنك أولوا الطول ~~منهم } قال ابن عباس: يعني أهل الغنى وهم أهل القدرة والثروة والسعة من ~~المال وقيل: هم رؤساء المنافقين وكبراؤهم وفي تخصيص أولى الطول بالذكر ~~قولان: أحدهما أن الذم لهم ألزم لكونهم قادرين على أهبة السفر والجهاد. ~~والقول الثاني: إنما خص أولي الطول بالذكر لأن العاجز عن السفر والجهاد ~~لا يحتاج إلى الاستئذان { وقالوا } يعني أولي الطول { ذرنا نكن مع ~~القاعدين } يعني في البيوت مع النساء والصبيان وقيل مع المرضى والزمنى { ~~رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } قيل: الخوالف النساء اللواتي يتخلفن في ~~البيوت فلا يخرجن منها، والمعنى رضوا بأن يكونوا في تخلفهم عن الجهاد ~~كالنساء وقيل: خوالف جمع خالفة وهم أدنياء الناس وسفلتهم يقال فلان خالفة ~~قومه إذا كان دونهم { وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون } يعني: وختم على ~~قلوب هؤلاء المنافقين فهم لا يفقهون مراد الله في الأمر بالجهاد. قوله ~~سبحانه وتعالى: { لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم } ~~أي إن تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا فقد جاهد من هو خير منهم يعني الرسول ~~والمؤمنين ms1566 { وأولئك لهم الخيرات } منافع الدارين النصر والغنيمة في ~~الدنيا والجنة والكرامة في الآخرة وقيل الحور لقوله فيهن خيرات حسان وهي ~~جمع خيرة تخفيف خيرة { وأولئك هم المفلحون } أي الفائزون بالمطالب. قوله ~~سبحانه وتعالى: { أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ذلك الفوز العظيم } بيان لما لهم من الخيرات الأخروية. قوله سبحانه ~~وتعالى: { وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم } يعني وجاء المعتذرون من ~~أعراب البوادي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه في التخلف ~~عن الغزو معه. قال الضحاك: هم رهط عامر بن الطفيل جاؤوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم معتذرين إليه دفاعا عن أنفسهم فقالوا يا نبي الله إن ~~نحن غزونا معك تغير أعراب طيئ على حلائلنا وأولادنا ومواشينا فقال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قد أنبأني الله من أخباركم وسيغنى الله عنكم " # وقيل: هم نفر من بني غفار رهط خفاف بن إيماء بن رحضة. وقيل: هم من أسد ~~وغطفان. وقال ابن عباس هم الذين تخلفوا بعذر فأذن لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وجاء المعذرون: أي المقصرون. يعني: أنهم قصروا ولم يبالغوا ~~فيما اعتذروا به والمعذر من يرى أن له عذرا ولا عذر له. وقيل: إن الأصل ~~في هذا اللفظ عند النحاة المعتذرون أدغمت التاء في الذال لقرب مخرجيهما ~~والاعتذار في كلام العرب على قسمين يقال اعتذر إذا كذب في عذره ومنه قوله ~~تعالى يعتذرون إليكم فرد الله عليهم بقوله قل لا تعتذروا فدل ذلك على ~~فساد عذرهم وكذبهم فيه ويقال اعتذر إذا أتى بعذر صحيح ومنه قول لبيد: # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # يعني فقد جاء بعذر صحيح. وقيل: هو من التعذير الذي هو التقصير. يقال: ~~عذر تعذيرا إذا قصروا ولم يبالغ فعلى هذا المعنى، يحتمل أنهم كانوا ~~صادقين في اعتذارهم وأنهم كانوا كاذبين ومن المفسرين من قال: إنهم كانوا ~~صادقين، بدليل أنه تعالى لما ذكرهم قال بعده { وقعد الذين كذبوا الله ~~ورسوله } فلما فصل بينهم وميزهم ms1567 عن الكاذبين دل ذلك على أنهم ليسوا ~~كاذبين ويروى عن أبي عمرو بن العلاء أنه لما قيل له هذا الكلام، قال: إن ~~قوما تكلفوا عذرا بباطل فهم الذين عناهم الله تعالى بقوله وجاء ~~المعذورن وتخلف آخرون لا لعذر ولا لشبهة عذر جرأة على الله تعالى فهم ~~المراد بقوله وقعد الذين كذبوا الله ورسوله وهم منافقو الأعراب الذين ما ~~جاؤوا وما اعتذروا وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله يعني في ادعائهم ~~الإيمان { سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم } يعني في الدنيا بالقتل وفي ~~الآخرة بالنار وإنما قال منهم لأنه سبحانه وتعالى علم أن منهم من سيؤمن ~~ويخلص في إيمانه فاستثناهم الله من المنافقين الذين أصروا على الكفر ~~والنفاق وماتوا عليه. ### || [9.91-93] # قوله عز وجل { ليس على الضعفاء } لما ذكر الله سبحانه وتعالى المنافقين ~~الذين تخلفوا عن الجهاد واعتذروا بأعذار باطلة عقبه بذكر أصحاب الأعذار ~~الحقيقية الصحيحة وعذرهم وأخبر أن فرض الجهاد عنهم ساقط فقال سبحانه ~~وتعالى: ليس على الضعفاء والضعيف هو الصحيح في بدنه العاجز عن الغزو ~~وتحمل مشاق السفر والجهاد مثل الشيوخ والصبيان والنساء ومن خلق في أصل ~~الخلقة ضعيفا نحيفا ويدل على أن هؤلاء الأصناف هم الضعفاء أن الله ~~سبحانه وتعالى عطف عليهم المرضى فقال سبحانه وتعالى: { ولا على المرضى } ~~والمعطوف مغاير للمعطوف عليه فأما المرضى فيدخل فيهم أهل العمى والعرج ~~والزمانة وكل من كان موصوفا بمرض يمنعه من التمكن من الجهاد والسفر ~~للغزو { ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون } يعني الفقراء العاجزين عن ~~أهبة الغزو والجهاد، فلا يجدون الزاد والراحلة والسلاح ومؤنة السفر لأن ~~العاجز عن نفقة الغزو معذور { حرج } أي ليس على هؤلاء الأصناف الثلاثة ~~حرج أي إثم في التخلف عن الغزو. وقال الإمام فخر الدين الرازي: ليس في ~~الآية أنه يحرم عليهم الخروج لأن الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين ~~بمقدار القدرة إما بحفظ متاعهم أو بتكثير سوادهم بشرط أن لا يجعل نفسه ~~كلا ووبالا عليهم فإن ذلك طاعة مقبولة ثم إنه تعالى شرط ms1568 على الضعفاء في ~~جواز التخلف عن الغزو شرطا معينا وقوله سبحانه وتعالى: { إذا نصحوا لله ~~ورسوله } ومعناه: أنهم إذا أقاموا في البلد احترزوا عن إفشاء الأراجيف ~~وإثارة الفتن وسعوا في إيصال الخير إلى أهل المجاهدين الذين خرجوا إلى ~~الغزو وقاموا بمصالح بيوتهم وأخلصوا الإيمان والعمل لله وتابعوا الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فإن جملة هذه الأمور تجري مجرى النصح لله ورسوله { ما ~~على المحسنين من سبيل } أي ليس على من أحسن فنصح لله ولرسوله في تخلفه عن ~~الجهاد بعذر قد أباحه الشارع طريق يتطرق عليه فيعاقب عليه والمعنى أنه سد ~~بإحسانه طريق العقاب عن نفسه ويستنبط من قوله ما على المحسنين من سبيل أن ~~كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله مخلصا من قلبه ~~ليس عليه سبيل في نفسه وماله إلا ما أباحه الشرع بدليل منفصل { والله ~~غفور } يعني لمن تخلف عن الجهاد بعذر ظاهر أباحه الشرع { رحيم } يعني: ~~أنه تعالى رحيم بجميع عباده. قال قتادة: نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو ~~وأصحابه. وقال الضحاك: نزلت في عبد الله بن أم مكتوم وكان ضرير البصر ~~ولما ذكر الله عز وجل هذه الأقسام الثلاثة من المعذورين أتبعه بذكر قسم ~~رابع وهو قوله تعالى: { ولا على الذين إذا ما أتوك } يعني ولا حرج ولا ~~إثم في التخلف عنك على الذين إذا ما أتوك { لتحملهم } يعني يسألونك ~~الحملان ليبلغوا إلى غزو عدوك وعدوهم والجهاد معك يا محمد. # قال ابن إسحاق: نزلت في البكائين وكانوا سبعة. ونقل الطبري عن محمد بن ~~كعب وغيره قالوا: جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يستحملونه فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فأنزل الله هذه الآية وهم سبعة ~~نفر من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير ومن بني واقف جرمي بن عمير ومن بني ~~مازن ابن النجار عبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى ومن بني المعلى سلمان ~~بن صخر ومن بني حارثة عبد الرحمن بن زيد وهو ms1569 الذي تصدق بعرضه فقبل الله ~~منه ذلك ومن بني سلمة عمرو بن عنمة وعبد الله بن عمر المزني. وقال ~~البغوي: هم سبعة نفر سموا البكائين معقل بن يسار، وصخر بن خنساء، وعبد ~~الله بن كعب الأنصاري، وعلية بن زيد الأنصاري، وسالم بن عمير، وثعلبة بن ~~عنمة، وعبد الله بن مغفل المزني، قال: أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: يا رسول الله إن الله عز وجل قد ندبنا إلى الخروج معك فاحملنا. ~~فقال: # " لا أجد ما أحملكم عليه " # وقال مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة وكانوا ثلاثة إخوة. معقل، وسويد، ~~والنعمان بنو مقرن. وقيل: نزلت في العرباض بن سارية، ويحتمل أنها نزلت في ~~كل ما ذكر. قال ابن عباس: سألوه أن يحملهم على الدواب. وقيل: بل سألوه أن ~~يحملهم على الخفاف المرفوعة والنعال المخصوفة فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا أجد ما أحملكم عليه " # ، فولوا وهم يبكون ولذلك سموا البكائين. فذلك قوله سبحانه وتعالى: { قلت ~~لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع } قال صاحب الكشاف: ~~وكقولك تفيض دمعا وهو أبلغ من يفيض دمعها لأن العين جعلت كأن كلها دمع ~~فائض ومن البيان كقولك أفديك من رجل { حزنا ألا يجدوا ما ينفقون } يعني ~~على أنفسهم في الجهاد { إنما السبيل } لما قال الله سبحانه وتعالى: ما ~~على المحسنين من سبيل. قال تعالى في حق من يعتذر ولا عذر له إنما السبيل ~~يعني إنما يتوجه الطريق بالعقوبة { على الذين يستأذنونك } يا محمد في ~~التخلف عنك والجهاد معك { وهم أغنياء } يعني قادرين على الخروج معك { ~~رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } يعني رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في ~~جملة الخوالف وهم النساء والصبيان والقعود معهم { وطبع الله على قلوبهم } ~~يعني ختم عليها { فهم لا يعلمون } ما في الجهاد من الخير في الدنيا ~~والآخرة أما في الدنيا فالفوز بالغنيمة والظفر بالعدو وأما في الآخرة ~~فالثواب والنعيم الدائم الذي لا ينقطع. ### || [9.94-98] # قوله سبحانه وتعالى: { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم } يعني يعتذر ~~هؤلاء ms1570 المنافقون المتخلفون عنك يا محمد إليك وإنما ذكره بلفظ الجمع ~~تعظيما له صلى الله عليه وسلم ويحتمل أنهم اعتذروا إليه وإلى المؤمنين ~~فلهذا قال تعالى يعتذرون إليكم يعني بالأعذار الباطلة الكاذبة إذا رجعتم ~~إليهم يعني من سفركم { قل } أي قل لهم يا محمد { لا تعتذروا } قال ~~البغوي: روي أن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك كانوا بضعة وثمانين ~~فقال الله تعالى قل لا تعتذروا { لن نؤمن لكم } يعني لن نصدقكم فيما ~~اعتذرتم به { قد نبأنا الله من أخباركم } يعني قد أخبرنا الله فيما سلف ~~من أخباركم { وسيرى الله عملكم ورسوله } يعني في المستأنف أتتوبون من ~~نفاقكم أم تقيمون عليه وقيل: يحتمل أنهم وعدوا بأن ينصروا المؤمنين في ~~المستقبل فلهذا قال وسيرى الله عملكم ورسوله هل تفون بما قلتم أم لا { ثم ~~تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم } يعني فيخبركم { بما كنتم تعملون ~~} لأنه هو المطلع على ما في ضمائركم في الخيانة والكذب وإخلاف الوعد. ~~قوله عز وجل: { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم } يعني إذا رجعتم من ~~سفركم إليهم يعني إلى المتخلفين بالمدينة من المنافقين { لتعرضوا عنهم } ~~يعني لتصفحوا عنهم ولا تؤنبوهم ولا توبخوهم بسبب تخلفهم { فأعرضوا عنهم } ~~يعني فدعوهم وما اختاروا لأنفسهم من النفاق. وقيل: يريد ترك الكلام يعني ~~لا تكلموهم ولا تجالسوهم فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال ~~لا تجالسوهم ولا تكلموهم قال أهل المعاني إن هؤلاء المنافقين طلبوا إعراض ~~الصفح فأعطوا إعراض المقت ثم ذكر العلة في سبب الإعراض عنهم فقال تعالى: ~~{ إنهم رجس } يعني أن بواطنهم خبيثة نجسة وأعمالهم قبيحة { ومأواهم } ~~يعني مسكنهم في الآخرة { جهنم جزاء بما كانوا يكسبون } يعني من الأعمال ~~الخبيثة في الدنيا. قال ابن عباس: نزلت في الجد بن قيس ومعتب بن قشير ~~وأصحابهما وكانوا ثمانين رجلا من المنافقين فقال النبي: صلى الله عليه ~~وسلم # " لا تجالسوهم ولا تكلموهم " # وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أبي حلف للنبي صلى الله عليه وسلم الذي ~~لا إله إلا هو أنه ms1571 لا يتخلف عنه بعدها وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يرضى عنه فأنزل الله عز وجل هذه الآية والتي بعدها { يحلفون لكم ~~لترضوا عنهم } يعني: يحلف لكم هؤلاء المنافقون لترضوا عنهم { فإن ترضوا ~~عنهم } يعني فإن رضيتم عنهم أيها المؤمنون بما حلفوا لكم وقبلتم عذرهم { ~~فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } يعني أنه سبحانه وتعالى يعلم ما في ~~قلوبهم من النفاق والشك فلا يرضى عنهم أبدا. وقوله سبحانه وتعالى: { ~~الأعراب أشد كفرا ونفاقا } نزلت في سكان البادية يعني أن أهل البدو أشد ~~كفرا ونفاقا من أهل الحضر. # قال أهل اللغة: يقال رجل عربي إذا كان نسبه في العرب وجمعه العرب. ورجل ~~أعرابي إذا كان بدويا يطلب مساقط الغيب والكلأ. ويجمع الأعرابي على ~~الأعراب والأعاريب فمن استوطن القرى والمدن العربية فهم عرب ومن نزل ~~البادية فهم الأعراب، فالأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح بذلك. والعربي ~~إذا قيل له: يا أعرابي غضب والعرب أفضل من الأعراب، لأن المهاجرين ~~والأنصار وعلماء الدين من العرب. والسبب في كون الأعراب أشد كفرا ~~ونفاقا بعدهم عن مجالسة العلماء وسماع القرآن والسنن والمواعظ وهو قوله ~~سبحانه وتعالى { وأجدر } يعني وأخلق وأحرى { ألا يعلموا } يعني بأن لا ~~يعلموا { حدود ما أنزل الله على رسوله } يعني الفرائض والسنن والأحكام { ~~والله عليم } يعني بما في قلوب عباده { رحيم } فيما فرض من فرائضه ~~وأحكامه { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما } يعني لا يرجو على إنفاقه ~~ثوابا ولا يخاف على إمساكه عقابا إنما ينفق خوفا أو رياء. والمغرم: ~~التزام ما لا يلزم. والمعنى: أن من الأعراب من يعتقد أن الذي ينفقه في ~~سبيل الله غرامة لأنه لا ينفق ذلك إلا خوفا من المسلمين أو مرآة لهم ولم ~~يرد بذلك الإنفاق وجه الله وثوابه { ويتربص } يعني: وينتظر { بكم الدوائر ~~} يعني بالدوائر تقلب الزمان وصروفه التي تأتي مرة بالخير ومرة بالشر. ~~قال يمان ابن رباب: يعني تقلب الزمان فيموت الرسول وتظهر المشركون { ~~عليهم دائرة السوء } يعني: بل يتقلب عليهم ms1572 الزمان ويدور السوء والبلاء ~~والحزن بهم ولا يرون في محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ودينه إلا ما ~~يسوءهم { والله سميع } يعني لأقوالهم { عليم } يعني بما يخفون في ضمائرهم ~~من النفاق والغش وإرادة السوء للمؤمنين نزلت هذه الآية في أعراب أسد ~~وغطفان. ### || [9.99-100] # قال تبارك وتعالى: { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر }. قال ~~مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة. وقال الكلبي: هم أسلم وغفار وجهينة ق. عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أرأيتم إن كان جهينة ومزينة وأسلم وغفار خيرا من بني تميم وبني أسد ~~وبني عبد الله بن غطفان ومن بني عامر بن صعصعة فقال رجل: خابوا وخسروا. ~~قال: نعم هم خير من بني تميم وبني أسد وبني عبد الله بن غطفان ومن بني ~~عامر بن صعصعة " # وفي رواية # " أن الأقرع بن حابس قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنما تابعك سراق ~~الحجيج من أسلم وغفار ومزينة وأحسبه قال وجهينة. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: أرأيت إن كان أسلم وغفار ومزينة وأحسبه قال: وجهينة خيرا من ~~بني تميم وبني عامر وأسد وغطفان قال خبوا وخسروا قال نعم " # ق عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أسلم سالمها الله وغفار غفر الله لها " # زاد مسلم في رواية له: # " أما إني لم أقلها لكن الله قالها " # ق. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار موالي ليس لهم مولى ~~دون الله ورسوله " # وقوله سبحانه وتعالى: { ويتخذ ما ينفق قربات عند الله } جمع قربة أي ~~يطلب بما ينفق القربة إلى الله تعالى: { وصلوات الرسول } يعني ويرغبون في ~~دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " اللهم صل على آل أبي أوفى " # { ألا إنها قربة لهم } يحتمل أن يعود الضمير في إنها إلى صلوات ms1573 الرسول ~~ويحتمل أن يعود إلى الإنفاق وكلاهما قربة لهم عند الله وهذه شهادة من ~~الله تعالى للمؤمن المتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات عند الله ~~وصلوات الرسول له مقبولة عند الله لأن الله سبحانه وتعالى أكد ذلك بحرف ~~التنبيه وهو قوله تعالى ألا وبحرف التحقيق وهو قوله تعالى إنها قربة لهم ~~{ سيدخلهم الله في رحمته } وهذه النعمة هي أقصى مرادهم { إن الله غفور } ~~للمؤمنين المنفقين في سبيله { رحيم } يعني بهم حيث وفقهم لهذه الطاعة. ~~قوله سبحانه وتعالى: { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار } اختلف ~~العلماء في السابقين الأولين فقال سعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين ~~وجماعة: هم الذين صلوا إلى القبلتين. وقال عطاء بن أبي رباح: هم أهل بدر. ~~وقال الشعبي: هم أهل بيعة الرضوان وكانت بيعة الرضوان بالحديبية. # وقال محمد بن كعب القرظي هم جميع الصحابة لأنهم حصل لهم السبق بصحبة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال حميد بن زياد: قلت يوما لمحمد بن كعب ~~القرظي ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينهم ~~وأردت الفتن فقال: إن الله قد غفر لجميعهم محسنهم ومسيئهم وأوجب لهم ~~الجنة في كتابه فقلت له في أي موضع أوجب لهم الجنة فقال سبحان الله ألا ~~تقرأ والسابقون الأولون إلى آخر الآية فأوجب الله الجنة لجميع أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم زاد في رواية في قوله والذين اتبعوهم بإحسان ~~قال شرط في التابعين شريطة وهي أن يتبعوهم في أعمالهم الحسنة دون السيئة. ~~قال حميد: فكأني لم أقرأ هذه الآية قط. واختلف العلماء في أول الناس ~~إسلاما بعد اتفاقهم على أن خديجة أول الخلق إسلاما وأول من صلى مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال بعض العلماء أول من آمن بعد خديجة علي بن ~~أبي طالب وهذا قول جابر بن عبد الله ثم اختلفوا في سنة وقت إسلامه فقيل ~~كان ابن عشر سنين. وقيل: أقل من ذلك. وقيل: أكثر. وقيل: كان بالغا. ~~والصحيح، أنه لم يكن بالغا ms1574 وقت إسلامه. وقال بعضهم: أول من أسلم بعد ~~خديجة أبو بكر الصديق وهذا قول ابن عباس والنخعي والشعبي وقال الزهري ~~وعروة بن الزبير: أول من أسلم بعد خديجة زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يجمع بين هذه الروايات ~~فيقول أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي ~~بن أبي طالب، ومن العبيد زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهم فهؤلاء ~~الأربعة سباق الخلق إلى الإسلام. قال ابن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر أظهر ~~إسلامه ودعا الناس إلى الله ورسوله وكان رجلا محببا سهلا وكان أنسب ~~قريش لقريش وأعلمها بما كان فيها وكان رجلا تاجرا وكان ذا خلق حسن ~~ومعروف وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لعلمه وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى ~~الإسلام من يثق به من قومه فأسلم على يديه عثمان بن عفان والزبير بن ~~العوام وعبد الرحمن بن عوف بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله فجاء بهم إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا على يده وصلوا معه فكان هؤلاء النفر ~~الثمانية أول من سبق الناس إلى الإسلام ثم تتابع الناس بعدهم في الدخول ~~إلى الإسلام وأما السابقون من الأنصار فهم الذين بايعوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليلة العقبة وهي العقبة الأولى وكانوا ستة نفر أسعد بن ~~زرارة وعوف ابن مالك ورافع بن مالك بن العجلان وقطبة بن عامر وجابر بن ~~عبد الله بن رباب ثم أصحاب العقبة الثانية من العام المقبل وكانوا اثني ~~عشر رجلا ثم أصحاب العقبة الثالثة وكانوا سبعين رجلا منهم البراء بن ~~معرور وعبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع ~~وعبد الله بن رواحة فهؤلاء سباق الأنصار ثم بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مصعب بن عمير إلى أهل المدينة يعلمهم القرآن فأسلم على يده خلق كثير ~~من الرجال والنساء والصبيان من أهل المدينة وذلك قبل أن يهاجر رسول الله ~~صلى ms1575 الله عليه وسلم إلى المدينة وقيل: إن المراد بالسابقين الأولين من ~~سبق إلى الهجرة والنصرة والذي يدل عليه أن الله سبحانه وتعالى ذكر كونهم ~~سابقين ولم يبين بماذا سبقوا فبقي اللفظ مجملا فلما قال تعالى من ~~المهاجرين والأنصار ووصفهم بكونهم مهاجرين وأنصارا وجب صرف اللفظ المجمل ~~إليه وهو الهجرة والنصرة والذي يدل عليه أيضا أن الهجرة طاعة عظيمة ~~ومرتبة عالية من حيث إن الهجرة أمر شاق على النفس لمفارقة الوطن والعشيرة ~~وكذلك النصرة فإنها مرتبة عالية ومنقبة شريفة لأنهم نصروا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على أعدائه وآووه وواسوه وآووا أصحابه وواسوهم فلذلك أثنى ~~الله عز وجل عليهم ومدحهم فقال سبحانه وتعالى: { والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار }. # قوله تعالى: { والذين اتبعوهم بإحسان } قيل: هم بقية المهاجرين والأنصار ~~سوى السابقين الأولين فعلى هذا القول، يكون الجميع من الصحابة. وقيل: هم ~~الذين سلكوا سبيل المهاجرين والأنصار في الإيمان والهجرة والنصرة إلى يوم ~~القيامة وقال عطاء هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار فيترحمون عليهم ~~ويدعون لهم ويذكرون محاسنهم ق عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " # قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا ق عن أبي سعيد الخدري ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدا " # وفي رواية # " أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " # أراد بالقرن في الحديث الأول أصحابه. والقرن الأمة من الناس يقارن بعضهم ~~بعضا واختلفوا في مدته من الزمان. فقيل: من عشر سنين إلى عشرين. وقيل: ~~من مائة إلى مائة وعشرين سنة. والمد: المذكور في الحديث الثاني هو ربع ~~صاع. والنصيف: نصفه. والمعنى: لو أن أحدا عمل مهما قدر عليه من أعمال ~~البر والإنفاق في الحاجة. وقوله سبحانه وتعالى: { رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه } يعني رضي الله عن أعمالهم ورضوا عنه بما جازاهم عليها من الثواب ~~وهذا اللفظ عام يدخل فيه كل الصحابة ms1576 { وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم }. ### || [9.101] # قوله سبحانه وتعالى: { وممن حولكم من الأعراب منافقون } ذكر جماعة من ~~المفسرين المتأخرين كالبغوي والواحدي وابن الجوزي أنهم من أعراب مزينة ~~وجهينة وأشجع وغفار وأسلم وكانت منازلهم حول المدينة ويعني ومن هؤلاء ~~الأعراب منافقون وما ذكروه مشكل لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لهؤلاء ~~القبائل ومدحهم فإن صح نقل المفسرين فيحمل قوله سبحانه وتعالى: { وممن ~~حولكم من الأعراب منافقون } على القليل لأن لفظة من للتبعيض ويحمل دعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم لهم على الأكثر والأغلب وبهذا يمكن الجمع بين ~~قول المفسرين ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم. وأما الطبري، فإنه ~~أطلق القول ولم يعين أحدا من القبائل المذكورة بل قال في تفسير هذه ~~الآية: من القوم الذين حول مدينتكم أيها المؤمنون من الأعراب منافقون ومن ~~أهل مدينتكم أيضا أمثالهم أقوام منافقون وقال البغوي: { ومن أهل المدينة ~~} من الأوس والخزرج منافقون { مردوا على النفاق } فيه تقديم وتأخير ~~تقديره وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق ~~يعني مرنوا عليه يقال تمرد فلان على ربه إذا عتا وتجبر ومنه الشيطان ~~المارد وتمرد في معصيته أي مرن وثبت عليها واعتادها ولم يتب منها قال ابن ~~إسحاق: لجوا فيه وأبوا غيره. وقال ابن زيد: أقاموا عليه ولم يتوبوا منه { ~~لا تعلمهم } يعني أنهم بلغوا في النفاق إلى حيث أنك لا تعلمهم يا محمد مع ~~صفاء خاطرك واطلاعك على الأسرار { نحن نعلمهم } يعني لكن نحن نعلمهم لأنه ~~لا تخفى علينا خافية وإن دقت { سنعذبهم مرتين } اختلف المفسرون في العذاب ~~الأول مع اتفاقهم على العذب الثاني هو عذاب القبر بدليل قوله { ثم يردون ~~إلى عذاب عظيم } وهو عذاب النار في الآخرة فثبت بهذا أنه سبحانه وتعالى ~~يعذب المنافقين ثلاث مرات مرة في الدنيا ومرة في القبر ومرة في الآخرة ~~أما المرة الأولى وهي التي اختلفوا فيها فقال الكلبي والسدي # " قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا في ms1577 يوم جمعة فقال اخرج يا فلان ~~فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق فأخرج من المسجد أناسا وفضحهم " # فهذا هو العذاب الأول. والثاني: هو عذاب القبر فإن صح هذا القول فيحتمل ~~أن يكون بعد أن أعلمه الله حالهم وسماهم له لأن الله سبحانه وتعالى قال ~~لا تعلمهم نحن نعلمهم ثم بعد ذلك أعلمه بهم. وقال مجاهد: هذا العذاب ~~الأول هو القتل والسبي وهذا القول ضعيف، لأن أحكام الإسلام في الظاهر ~~كانت جارية على المنافقين فلم يقتلوا ولم يسبوا وعن مجاهد رواية أخرى ~~أنهم عذبوا بالجوع مرتين. وقال قتادة: المرة الأولى هي الدبيلة في الدنيا ~~وقد جاء تفسيرها في الحديث بأنها خراج من نار تظهر في أكتافهم حتى تنجم ~~من صدورهم يعني تخرج من صدورهم. وقال ابن زيد: الأولى هي المصائب في ~~الأموال والأولاد في الدنيا والأخرى عذاب القبر. وقال ابن عباس: الأولى ~~إقامة الحدود عليهم في الدنيا والأخرى عذاب القبر. وقال ابن إسحاق: ~~الأولى هي ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ودخولهم فيه كرها غير حسبة ~~والأخرى عذاب القبر. وقيل: إحداهما ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض ~~أرواحهم، والأخرى عذاب القبر. وقيل: الأولى إحراق مسجدهم مسجد الضرار، ~~والأخرى إحراقهم بنار جهنم وهو قوله سبحانه وتعالى: ثم يردون إلى عذاب ~~جهنم يخلدون فيه. ### || [9.102] # قوله عز وجل: { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } فيه قولان: أحدهما: أنهم قوم ~~من المنافقين تابوا من نفاقهم وأخلصوا وحجة هذا القول أن قوله تعالى ~~وآخرون عطف على قوله وممن حولكم من الأعراب منافقون والعطف موهم ويعضده ~~ما نقله الطبري. عن ابن عباس أنه قال: هم الأعراب. والقول الثاني: وهو ~~قول جمهور المفسرين إنها نزلت في جماعة من المسلمين من أهل المدينة ~~تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ثم ندموا على ذلك. ~~واختلف المفسرون في عددهم فروي عن ابن عباس أنهم كانوا عشرة منهم أبو ~~لبابة وروي أنهم كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة وقال سعيد بن جبير وزيد بن ~~أسلم كانوا ثمانية أحدهم أبو ms1578 لبابة وثقال وقال قتادة والضحاك: كانوا سبعة ~~أحدهم أبو لبابة. وقيل: كانوا ثلاثة: أبو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن ~~ثعلبة، ووديعة بن حزام، وذلك أنهم كانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في غزوة تبوك ثم ندموا بعد ذلك وتابوا وقالوا أنكون في الظلال ~~ومع النساء ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجهاد واللأواء؟ ~~فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره وقرب من المدينة قالوا: ~~والله لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هو الذي يطلقنا ويعذرنا فربطوا أنفسهم في سواري المسجد فلما ~~رجع النبي صلى الله عليه وسلم مر بهم فرآهم فقال: # " من هؤلاء "؟ فقالوا: هؤلاء الذين تخلفوا عنك فعاهدوا الله أن لا ~~يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر ~~بإطلاقهم " ، ورغبوا عني وتخلفوا عن الغزوة مع المسلمين. فأنزل الله عز ~~وجل هذه الآية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فأطلقهم وعذرهم ~~فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك خذها فتصدق ~~بها عنا وطهرنا واستغفر لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ~~أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا " # فأنزل الله: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم الآية. وقال قوم: نزلت هذه الآية ~~في أبي لبابة خاصة واختلفوا في ذنبه الذي تاب منه فقال مجاهد: نزلت في ~~أبي لبابة حين قال لبني قريظة: إن نزلتم على حكمه فهو الذبح وأشار إلى ~~حلقه فندم على ذلك وربط نفسه بسارية. وقال: والله لا أحل نفسي ولا أذوق ~~طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي فمكث سبعة أيام لا يذوق ~~طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه، فإنزل الله هذه الآية فقيل له قد ~~تيب عليك فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هو الذي يحلني ms1579 فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فحله بيده فقال أبو ~~لبابة: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب ~~وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال ~~يجزيك الثلث يا أبا لبابة. # قالوا جميعا فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث أموالهم وترك لهم ~~الثلثين لأن الله سبحانه وتعالى قال: خذ من أموالهم ولم يقل خذ أموالهم. ~~لأن لفظة " من " تقتضي التبعيض. وقال الحسن وقتادة: وهؤلاء سوى الثلاثة ~~الذين تخلفوا وسيأتي خبرهم. أما تفسير الآية: فقوله تعالى: وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم قال أهل المعاني: الاعتراف عبارة عن الإقرار بالشيء ~~ومعناه أنهم أقروا بذنبهم وفيه دقيقة وهي أنهم لم يعتذروا عن تخلفهم ~~بأعذار باطلة كغيرهم من المنافقين ولكن اعترفوا على أنفسهم بذنوبهم ~~وندموا على ما فعلوا. فإن قلت: الاعتراف بالذنب هل يكون توبة أم لا؟ قلت: ~~مجرد الاعتراف بالذنب لا يكون توبة فإذا اقترن الاعتراف بالندم على ~~الماضي من الذنب والعزم على تركه في المستقبل يكون ذلك الاعتراف والندم ~~توبة. وقوله سبحانه وتعالى: { خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا } قيل: أراد ~~بالعمل الصالح إقرارهم بالذنب وتوبتهم منه والعمل السيئ هو تخلفهم عن ~~الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: العمل الصالح هو خروجهم ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سائر الغزوات والسيئ هو تخلفهم عنه ~~في غزوة تبوك. وقيل: إن العمل الصالح يعم جميع أعمال البر والطاعة والسيئ ~~ما كان ضده فعلى هذا تكون الآية في حق جميع المسلمين والحمل على العموم ~~أولى وإن كان السبب مخصوصا بمن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة تبوك. وروى الطبري عن أبي عثمان قال ما في القرآن آية أرجى عندي ~~لهذه الأمة من قوله وآخرون اعترفوا بذنوبهم. فإن قلت قد جعل كل واحد من ~~العمل الصالح والسيئ مخلوطا فما المخلوط به. قلت: إن الخلط عبارة عن ~~الجمع المطلق فأما قولك خلطته فإنما يحسن ms1580 في الموضع الذي يمتزج كل واحد ~~من الخليطين بالآخر ويتغير به عن صفته الأصلية كقولك خلطت الماء باللبن ~~وخلطت الماء واللبن فتنوب الواو عن الباء فيكون معنى الآية على هذا خلطوا ~~عملا صالحا بآخر ذكره غالب المفسرين وأنكره الإمام فخر الدين الرازي. ~~وقال: اللائق بهذا الموضع الجمع المطلق لأن العمل الصالح والعمل السيئ ~~إذا حصلا معا بقي كل واحد منهما على حاله كما هو مذهبنا فإن عندنا القول ~~بالإحباط باطل فالطاعة تبقى موجبة للمدح والثواب والمعصية تبقى موجبة ~~للذم والعقاب فقوله سبحانه وتعالى خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فيه ~~تنبيه على نفي القول بالمحابطة وأنه بقي كل واحد منهما كما كان من غير أن ~~يتأثر أحدهما بالآخر فليس إلا الجمع المطلق. # وقال الواحدي: العرب تقول خالطت الماء باللبن وخلطت الماء واللبن كما ~~تقول جمعت زيدا وعمرا. والواو في الآية أحسن من الباء لأنه أريد معنى ~~الجمع لا حقيقة الخلط. ألا ترى أن العمل الصالح لا يختلط بالسيئ كما ~~يختلط الماء باللبن لكن قد يجمع بينهما وقوله سبحانه وتعالى: { عسى الله ~~أن يتوب عليهم } قال ابن عباس وجمهور المفسرين: عسى من الله واجب والدليل ~~عليه قوله سبحانه وتعالى: فعسى الله أن يأتي بالفتح وقد فعل ذلك. وقال ~~أهل المعاني: لفظة عسى هنا تفيد الطمع والإشفاق لأنه أبعد من الاتكال ~~والإهمال. وقيل: إن الله سبحانه وتعالى لا يجب عليه شيء بل كل ما يفعله ~~على سبيل التفضل والتطول والإحسان فذكر لفظة عسى التي هي للترجي والطمع ~~حتى يكون العبد بين الترجي والإشفاق ولكن هو إلى نيل ما يرجوه منه أقرب ~~لأنه ختم الآية بقوله { إن الله غفور رحيم } وهذا يفيد إنجاز الوعد. ### || [9.103] # قوله سبحانه وتعالى: { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها }. قال ~~ابن عباس: # " لما أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة وصاحبيه انطلق أبو ~~لبابة وصاحبه فأتوا بأموالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~خذ أموالنا وتصدق بها عنا وصل علينا يريدون استغفر لنا وطهرنا. ms1581 فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " لا آخذ شيئا منها حتى أومر به " # ، فأنزل الله عز وجل: خذ من أموالهم صدقة الآية، وهذا قول زيد بن أسلم ~~وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك. ثم اختلف العلماء في المراد بهذه الصدقة ~~فقال بعضهم: هو راجع إلى هؤلاء الذين تابوا وذلك أنهم بذلوا أموالهم صدقة ~~فأوجب الله سبحانه وتعالى أخذها وصار ذلك معتبرا في كمال توبتهم لتكون ~~جارية مجرى الكفارة. وأصحاب هذا القول يقولون ليس المراد بها الصدقة ~~الواجبة. وقال بعضهم: إن الزكاة كانت واجبة عليهم فلما تابوا من تخلفهم ~~عن الغزوة وحسن إسلامهم وبذلوا الزكاة أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى ~~الله عليه وسلم أن يأخذها منهم وقال بعضهم إن الآية كلام مبتدأ والمقصود ~~منها إيجاب أخذها من الأغنياء ودفعها إلى الفقراء وهذا قول أكثر الفقهاء ~~واستدلوا بها على إيجاب أخذ الزكاة. أما حجة أصحاب القول الأول، فإنهم ~~قالوا: إن الآيات لا بد وأن تكون منتظمة متناسبة فلو حملناها على أخذ ~~الزكاة الواجبة، لم يبق لهذه الآية تعلق بما قبلها ولا بما بعدها. ولأن ~~جمهور المفسرين ذكروا في سبب نزولها أنها نزلت في شأن التائبين وأما ~~أصحاب القول الأخير فإنهم قالوا: المناسبة حاصلة أيضا على هذا التقدير ~~وذلك أنهم لما تابوا وأخلصوا وأقروا أن السبب الموجب للتخلف وحب المال ~~أمروا بإخراج الزكاة التي هي طهرة فلما أخرجوها علمت صحة قولهم وصحة ~~توبتهم. ولا يمنع من خصوص السبب عموم الحكم فإن قالوا: إن الزكاة قدر ~~معلوم لا يبلغ ثلث المال وقد أخذ منهم ثلث أموالهم قلنا: لا يمنع هذا صحة ~~ما قلناه لأنهم رضوا ببذل الثلث من أموالهم فلأن يكونوا راضين بإخراج ~~الزكاة أولى. ثم في هذه الآية أحكام: الأول قوله سبحانه وتعالى: خذ من ~~أموالهم صدقة، الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم أي خذ يا محمد من ~~أموالهم صدقة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذها منهم أيام حياته ثم ~~أخذها من بعده الأئمة فيجوز للإمام أو نائبه أن يأخذ ms1582 الزكاة من الأغنياء ~~ويدفعها إلى الفقراء. الحكم الثاني: قوله من أموالهم، ولفظة " من " تقتضي ~~التبعيض وهذا البعض المأخوذ غير معلوم ولا مقدر بنص القرآن فلم يبق إلا ~~الصدقة التي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم قدرها وصفتها في أخذ ~~الزكاة. # الحكم الثالث: ظاهر قوله خذ من أموالهم صدقة يفيد العموم فتجب الزكاة في ~~جميع المال حتى في الديون وفي مال الركاز. الحكم الرابع: ظاهر قوله ~~تطهرهم، أن الزكاة إنما وجبت لكونها طهرة من الآثام وصدور الآثام لا يمكن ~~حصولها إلا من البالغ دون الصبي فوجب أن تجب الزكاة في مال البالغ دون ~~الصبي وهذا قول أبي حنيفة ثم أجاب أصحاب الشافعي: بأنه لا يلزم من انتفاء ~~سبب معين انتفاء الحكم مطلقا وللعلماء في قوله سبحانه وتعالى تطهرهم ~~أقوال: الأول: أن معناه خذ يا محمد من أموالهم صدقة فإنك تطهرهم بأخذها ~~من دنس الآثام. القول الثاني: أن يكون تطهرم متعلقا بالصدقة تقديره خذ ~~من أموالهم صدقة فإنها طهرة لهم وإنما حسن جعل الصدقة مطهرة لما جاء أن ~~الصدقة من أوساخ الناس فإذا أخذ الصدقة فقد اندفعت تلك الأوساخ وكان ذلك ~~الاندفاع جاريا مجرى التطيهر: فعلى هذا القول يكون قوله سبحانه وتعالى ~~وتزكيهم بها متقطعا عن قوله تطهرهم ويكون التقدير: خذ يا محمد من ~~أموالهم صدقة تطهرهم تلك الصدقة وتزكيهم أنت بها. القول الثالث: أن تجعل ~~التاء في قوله تطهرهم وتزكيهم ضمير المخاطب ويكون المعنى تطهرهم أنت يا ~~محمد بأخذها منهم وتزكيهم أنت بواسطة تلك الصدقة. القول الرابع: أن معناه ~~تطهرهم من ذنوبهم وتزكيهم يعني ترفع منازلهم عن منازل المنافقين إلى ~~منازل الأبرار المخلصين وقيل معنى وتزكيهم أي تنمي أموالهم ببركة أخذها ~~منهم. الحكم الخامس: قوله سبحانه وتعالى: { وصل عليهم } يعني ادع لهم ~~واستغفر لهم لأن أصل الصلاة في اللغة الدعاء. قال الإمام الشافعي رضي ~~الله تعالى عنه: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق فيقول: ~~آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت. وقال بعضهم: يجب على الإمام ~~أن ms1583 يدعو للمتصدق. وقال بعضهم: يستحب ذلك. وقيل: يجب في صدقة الفرض ويستحب ~~في صدقة التطوع. وقيل: يجب على الإمام ويستحب للفقير أن يدعو للمعطي. ~~وقال بعضهم: يستحب أن يقول اللهم صل على فلان. ويدل عليه ما روي # " عن عبد الله بن أبي أوفى وكان من أصحاب الشجرة قال: كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقة قال: " اللهم صل عليهم " فأتاه أبي ~~بصدقته فقال " اللهم صل على آل أبي أوفى " " # أخرجاه في الصحيحين. وقوله سبحانه وتعالى: { إن صلاتك } وقرئ: صلواتك ~~على الجمع { سكن لهم } يعني إن دعاءك رحمة لهم. وقال ابن عباس: طمأنينة ~~لهم. وقيل: إن الله قد قبل منهم. وقال أبو عبيدة: تثبيت لقلوبهم. وقيل: ~~إن السكن ما سكنت إليه النفس والمعنى إن صلواتك توجب سكون نفوسهم إليها ~~والمعنى أن الله قد قبل توبتهم أو قبل زكاتهم { والله سميع } يعني ~~لأقوالهم أو لدعائك لهم { عليم } يعني بنياتهم. ### || [9.104-106] # { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } هذه صيغة استفهام إلا ~~أن المقصود منه التقرير فبشر الله عز وجل هؤلاء التائبين بقبول توبتهم ~~وصدقاتهم ومعنى الآية ألم يعلم الذين تابوا أن الله تعالى يقبل التوبة ~~الصادقة والصدقة الخالصة. وقيل: إن المراد بهذه الآية غير التائبين ~~ترغيبا لهم في التوبة وبذل الصدقات وذلك أنه لما نزلت توبة هؤلاء ~~التائبين قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا ~~يكلمون ولا يجالسون فما بالهم اليوم فأنزل الله هذه الآية ترغيبا لهم في ~~التوبة. وقوله سبحانه وتعالى عن عباده قيل: لا فرق بين عن عباده ومن ~~عباده إذ لا فرق بين قولك أخذت هذا العلم عنك أو منك. وقيل: بينهما فرق ~~ولعل عن في هذا الموضع أبلغ لأن فيه تبشيرا بقبول التوبة مع تسهيل ~~سبيلها وقوله سبحانه وتعالى: { ويأخذ الصدقات } يعني يقبلها ويثيب عليها ~~وإنما ذكر لفظ الأخذ ترغيبا في بذل الصفقة وإعطائها الفقراء وقيل معنى ~~أخذ الله الصدقات تضمنه الجزاء عليها. ولما كان هو المجازي عليها والمثيب ms1584 ~~بها، أسند الأخذ إلى نفسه وإن كان الفقير أو السائل هو الآخذ لها وفي هذا ~~تعظيم أمر الصدقات وتشريفها وأن الله تعالى يقبلها من عبده المتصدق ق. عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما تصدق أحدكم بصدقة من كسب حلال طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا ~~اخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من ~~الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله " # لفظ مسلم. وفي البخاري: # " من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب " # وفي رواية: # " ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها ~~كما يربى أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل " # وأخرجه الترمذي ولفظه: # " إن الله سبحانه وتعالى يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما ~~يربي أحدكم فلوه حتى اللقمة لتصير مثل جبل أحد " # وتصديق ذلك في كتاب الله سبحانه وتعالى: ألم يعلموا أن الله هو يقبل ~~التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ويمحق الله الربا ويربى الصدقات. وقوله: ~~من كسب طيب. أي: حلال. وذكر اليمين والكف في الحديث كناية عن قبول الصدقة ~~وأن الله سبحانه وتعالى قد قبلها من المعطي، لأن من عادة الفقير أو ~~السائل، أخذ الصدقة بكفه اليمين، فكأن المتصدق قد وضع صدقته في القبول ~~والإثابة. وقوله: فتربو أي تكبر. يقال: ربا الشيء يربو إذا زاد وكبر. ~~والفلو: بضم الفاء وفتحها لغتان المهر أول ما يولد والفصيل ولد الناقة ~~إلى أن ينفصل عنها. # وقوله سبحانه وتعالى: { وأن الله هو التواب الرحيم } تأكيد لقوله سبحانه ~~وتعالى: { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } وتبشير لهم بأن ~~الله هو التواب الرحيم. قوله عز وجل: { وقل } أي قل يا محمد لهؤلاء ~~التائبين { اعملوا } يعني لله بطاعته وأداء فرائضه { فسيرى الله عملكم } ~~فيه ترغيب عظيم للمطيعين ووعيد عظيم للمذنبين فكأنه قال اجتهدوا في العمل ~~في المستقبل فإن الله تعالى يرى أعمالكم ويجازيكم عليها { ورسوله ~~والمؤمنون } يعني ويرى رسول الله ms1585 صلى الله عليه وسلم والمؤمنون أعمالكم ~~أيضا. أما رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم فباطلاع الله إياه على ~~أعمالكم. وأما رؤية المؤمنين، فبما يقذف الله عز وجل في قلوبهم من محبة ~~الصالحين وبغض المذنبين { وستردون إلى عالم الغيب والشهادة } يعني: ~~وسترجعون يوم القيامة إلى من يعلم سركم وعلانيتكم ولا يخفى عليه شيء من ~~بواطنكم وظواهركم { فينبئكم } أي فيخبركم { بما كنتم تعملون } يعني في ~~الدنيا من خير أو شر فيجازيكم عن أعمالكم. قوله سبحانه وتعالى: { وآخرون ~~مرجون } أي مؤخرون والإرجاء التأخير { لأمر الله } يعني لحكم الله فيهم ~~قال بعضهم إن الله سبحانه وتعالى قسم المتخلفين على ثلاثة أقسام: أولهم: ~~المنافقون وهم الذين مردوا على النفاق واستمروا عليه. والقسم الثاني: ~~التائبون وهم الذين سارعوا إلى التوبة بعد ما اعترفوا بذنوبهم وهم أبو ~~لبابة وأصحابه فقبل الله توبتهم. والقسم الثالث: موقوفون ومؤخرون إلى أن ~~يحكم الله تعالى فيهم وهم المراد بقوله: وآخرون مرجون لأمر الله. والفرق ~~بين القسم الثاني والقسم الثالث، أن القسم الثاني سارعوا إلى التوبة فقبل ~~الله توبتهم، والقسم الثالث توقفوا ولم يسارعوا إلى التوبة فأخر الله ~~أمرهم. نزلت هذه الآية في الثلاثة الذين تخلفوا وهم: كعب بن مالك، وهلال ~~بن أمية، ومرارة بن الربيع، وستأتي قصتهم عند قوله تعالى: وعلى الثلاثة ~~الذين خلفوا وذلك أنهم لم يبالغوا في التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة ~~وأصحابه فوقفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين ليلة ونهى الناس عن ~~كلامهم وكانوا من أهل بدر، فجعل بعض الناس يقول هلكوا وبعضهم يقول: عسى ~~الله أن يتوب عليهم ويغفر لهم وهو قوله سبحانه وتعالى: { إما يعذبهم وإما ~~يتوب عليهم } يعني أن أمرهم إلى الله تعالى إن شاء عذبهم بسبب تخلفهم وإن ~~شاء غفر لهم وعفا عنهم { والله عليم } يعني بما في قلوبهم { حكيم } يعني ~~بما يقضي عليهم. ### || [9.107] # قوله سبحانه وتعالى: { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا } نزلت في ~~جماعة من المنافقين بنوا مسجدا يضارون به مسجد قباء وكانوا اثني عشر ~~رجلا من أهل ms1586 النفاق وديعة بن ثابت وخذام بن خالد ومن داره أخرج هذا ~~المسجد وثعلبة بن حاطب وجارية بن عمرو وابناه مجمع وزيد ومعتب بن قشير ~~وعباد ابن حنيف أخو سهل بن حنيف وأبو حبيبة بن الأزعر ونبتل بن الحرث ~~وبجاد بن عثمان وبحزج بنوا هذا المسجد ضرارا يعني مضارة للمؤمنين وكفرا ~~يعني ليكفروا فيه بالله ورسوله { وتفريقا بين المؤمنين } لأنهم كانوا ~~جميعا يصلون في مسجد قباء فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم فيؤدي ذلك ~~إلى الاختلاف وافتراق الكلمة وكان يصلي بهم فيه مجمع بن جارية وكان شابا ~~يقرأ القرآن ولم يدر ما أرادوا ببنائه، فلما فرغوا من بنائه، أتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد ~~بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا ~~نحب أن تأتينا وتصلي فيه وتدعو لنا بالبركة فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إني على جناح سفر ولو قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم فصلينا فيه " # وقوله سبحانه وتعالى: { وإرصادا لمن حارب الله ورسوله } يعني أنهم بنوا ~~هذا المسجد للضرار والكفر وبنوه إرصادا يعني انتظارا وإعدادا لمن حارب ~~الله ورسوله { من قبل } يعني من قبل بناء هذا المسجد وهو أبو عامر الراهب ~~والد حنظلة غسيل الملائكة وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح ~~وتنصر، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال له أبو عامر ما ~~هذا الدين الذي جئت به؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " جئت بالحنيفية دين إبراهيم ". فقال أبو عامر: فأنا عليها. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: إنك لست عليها. قال أبو عامر: بلى ولكنك أدخلت في ~~الحنيفية ما ليس منها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما فعلت ولكن جئت ~~بها بيضاء نقية. فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طويدا وحيدا ~~غريبا فقال النبي صلى الله عليه وسلم:آمين " # وسماه الناس: أبا عامر الفاسق. فلما كان يوم أحد، قال أبو عامر الفاسق ~~للنبي صلى ms1587 الله عليه وسلم: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم ~~يزل كذلك إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازن، يئس أبو عامر وخرج هاربا إلى ~~الشام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا ما استطعتم من قوة وسلاح وابنوا ~~لي مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم، فأخرج ~~محمدا وأصحابه فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء، فذلك وقوله: سبحانه ~~وتعالى: { وإرصادا } يعني انتظارا لمن حارب الله ورسوله يعني أبا عامر ~~الفاسق ليصلي فيه إذا رجع من الشام من قبل يعني أن أبا عامر الفاسق حارب ~~الله ورسوله من قبل مسجد الضرار { وليحلفن } يعني الذين بنوا المسجد { إن ~~أردنا } يعني ما أردنا ببنائه { إلا الحسنى } يعني إلا الفعلة الحسنى ~~وهي: الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعجز عن الصلاة في مسجد ~~قباء أو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم { والله يشهد إنهم لكاذبون } ~~يعني في قيلهم وحلفهم. # " روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انصرف من تبوك راجعا نزل بذي ~~أوان وهو موضع قريب من المدينة فأتاه المنافقون وسألوه أن يأتي مسجدهم ~~فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فأنزل الله هذه الآية خبر مسجد الضرار وما ~~هموا به فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي ~~وعامر بن السكن ووحشيا فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله ~~فاهدموه وأحرقوه، فخرجوا مسرعين حتى أتوا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك ~~بن الدخشم فقال مالك أنظروني حتى أخرج إليكم بنار، فدخل أهله فأخذ من سعف ~~النخل فأشعله ثم خرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فأحرقوه وهدموه ~~وتفرق عنه أهله وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ ذلك الموضع ~~كناسة تلقى فيها الجيف والنتن والقمامة ". # مات أبو عامر الراهب بالشام غريبا وحيدا. وروي أن بني عمرو بن عوف ~~الذين بنوا مسجد قباء أتوا عمر بن الخطاب في خلافته، فسألوه أن يأذن ~~لمجمع بن جارية أن يؤمهم في مسجدهم. فقال: لا ولا نعمة ms1588 عين أليس هو إمام ~~مسجد الضرار؟ قال مجمع: يا أمير المؤمنين لا تعجل علي فوالله لقد صليت ~~فيه وأنا لا أعلم ما أضمروا عليه ولو علمت ما صليت معهم فيه وكنت غلاما ~~قارئا للقرآن وكانوا شيوخا لا يقرؤون فصليت بهم ولا أحسب إلا أنهم ~~يتقربون إلى الله ولو أعلم ما في أنفسهم فعذره عمر فصدقه وأمره بالصلاة ~~في مسجد قباء. قال عطاء: لما فتح الله على عمر بن الخطاب الأمصار أمر ~~المسلمين أن يبنوا المساجد وأمرهم أن لا يبنوا في موضع واحد مسجدين يضار ~~أحدهما الآخر. ### || [9.108] # { لا تقم فيه أبدا } قال ابن عباس: معناه لا تصل فيه أبدا منع الله ~~عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي في مسجد الضرار { لمسجد أسس على ~~التقوى } اللام فيه لام الابتداء. وقيل: لام القسم تقديره والله مسجد أسس ~~يعني بني أصله ووضع أساسه على التقوى يعني على تقوى الله عز وجل { من أول ~~يوم } يعني من أول يوم بني ووضع أساسه كان ذلك البناء على التقوى { أحق ~~أن تقوم فيه } يعني مصليا واختلفوا في المسجد الذي أسس على التقوى فقال ~~عمر وزيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعني مسجد المدينة ويدل عليه ما روي # " عن أبي سعيد الخدري قال: " دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~بيت بعض نسائه فقلت يا رسول الله أي المسجدين أسس على التقوى؟ قال فأخذ ~~كفا من حصى فضرب به الأرض ثم قال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة " # أخرجه مسلم ق. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي " # ق عن عبد الله بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة " # عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة " # أخرجه النسائي قوله ms1589 رواتب يعني: ثوابت. يقال: رتب بالمكان إذا قام فيه ~~وثبت. وفي رواية عن ابن عباس وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير وقتادة أنه ~~مسجد قباء ويدل عليه سياق الآية وهو قوله سبحانه وتعالى: { فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } ويدل على أنهم أهل قباء ما روي عن ~~أبي هريرة " قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا ~~والله يحب المطهرين قال كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية فيهم " ~~أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث غريب. هكذا ذكره صاحب جامع الأصول من ~~رواية أبي داود والترمذي موقوفا على أبي هريرة ورواه البغوي من طريق أبي ~~داود مرفوعا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " نزلت هذه الآية في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب ~~المطهرين قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية " # ومما يدل على فضل مسجد قباء ما روي عن ابن عمر قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور قباء أو يأتي قباء راكبا وماشيا ~~" # زاد في رواية فيصلي فيه ركعتين وفي رواية # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتي مسجد قباء كل سبت راكبا ~~وماشيا وكان ابن عمر يفعله " # أخرج الرواية الأولى والزيادة البخاري ومسلم وأخرج الرواية الثانية ~~البخاري عن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من خرج حتى يأتي هذا المسجد مسجد قباء فيصلي فيه كان له كعدل عمرة " # أخرجه النسائي عن أسد بن ظهير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الصلاة في مسجد قباء كعمرة " # أخرجه الترمذي. وقوله سبحانه وتعالى: { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } ~~يعني من الأحداث والجنابات وسائر النجاسات وهذا قول أكثر المفسرين. قال ~~عطاء: ولما كانوا يستنجون بالماء ولا ينامون بالليل على الجنابة وروى ~~الطبري بسنده عن عويمر بن ساعدة وكان من أهل بدر، قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء " إني أسمع الله عز وجل ~~قد أحسن عليكم ms1590 الثناء في الطهور فما هذا الطهور " # قالوا: يا رسول الله ما نعمل شيئا إلا أن جيرانا لنا من اليهود ~~رأيناهم يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا. وعن قتادة قال: ذكر ~~لنا # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل قباء " إن الله سبحانه وتعالى ~~قد أحسن عليكم بالثناء في الطهور فما تصنعون؟ قالوا: إنا نغسل عنا أثر ~~الغائط والبول " # وقال الإمام فخر الدين الرازي: المراد من هذه الطهارة الطهارة من الذنوب ~~والمعاصي وهذا القول متعين لوجوه: الأول: أن التطهر من الذنوب هو المؤثر ~~في القرب من الله عز وجل واستحقاق ثوابه ومدحه. الوجه الثاني: أن الله ~~سبحانه وتعالى وصف أصحاب مسجد الضرار بمضارة المسلمين والتفريق بينهم ~~والكفر بالله وكون هؤلاء يعني أهل قباء بالضد من صفاتهم وما ذاك إلا ~~لكونهم مبرئين من الكفر والمعاصي وهي الطهارة الباطنية. الوجه الثالث: أن ~~طهارة الظاهر إنما يحصل لها أثر عند الله إذا حصلت الطهارة الباطنية من ~~الكفر والمعاصي وقيل يحتمل أنه محمول على كلا الأمرين يعني طهارة الباطن ~~من الكفر والنفاق والمعاصي وطهارة الظاهر من الأحداث والنجاسات بالماء { ~~والله يحب المطهرين } فيه مدح لهم وثناء عليهم والرضا عنهم بما اختاروه ~~لأنفسهم من المداومة على محبة الطهارة. ### || [9.109] # قوله سبحانه وتعالى: { أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان } يعني ~~طلب ببنائه المسجد الذي بناه تقوى الله ورضاه. والمعنى: أن الباني لما ~~بنى ذلك البناء كان قصده تقوى الله وطلب رضاه وثوابه { خير أم من أسس ~~بنيانه على شفا جرف هار } الشفا: هو الشفير وشفا كل شيء حرفه ومنه يقال: ~~أشفى على كذا إذا دنا منه وقرب أن يقع فيه. والجرف: المكان الذي أكل ~~الماء تحته فهو إلى السقوط قريب وقال أبو عبيد: الجرف هو الهوة وما يجرفه ~~السيل من الأودية فينحفر بالماء فيبقى واهيا هار أي هائر وهو الساقط فهو ~~من هار يهور فهو هائر وقيل: هو من هاريها إذا تهدم وسقط وهو الذي تداعى ~~بعضه في أثر بعض كما يهار الرمل ms1591 والشيء الرخو { فانهار به } يعني سقط ~~بالباني { في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين } والمعنى أن بناء ~~هذا المسجد الضرار كالبناء على شفير جهنم فيهور بأهله فيها. وهذا مثل ~~ضربه الله تعالى للمسجدين مسجد الضرار ومسجد التقوى مسجد قباء أو مسجد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ومعنى المثل: أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة ~~قوية محكمة وهو الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه خير أم من أسس دينه على ~~أضعف القواعد وأقلها بقاء وثباتا وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل بناء ~~على غير أساس ثابت وهو شفا جرف هار وإذا كان كذلك كان أسرع إلى السقوط في ~~نار جهنم ولأن الباني الأول قصد ببنائه تقوى الله ورضوانه فكان بناؤه ~~أشرف البناء، والباني الثاني قصد ببنائه الكفر والنفاق وإضرار المسلمين ~~فكان بناؤه أخس البناء وكانت عاقبته إلى نار جهنم. قال ابن عباس: صيرهم ~~نفاقهم إلى النار. وقال قتادة: والله ما تناهى بناؤهم حتى وقع في النار ~~ولقد ذكر لنا أنه حفرت بقعة منه فرؤي الدخان يخرج منها. وقال جابر بن عبد ~~الله: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار. ### || [9.110-111] # { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة } يعني شكا ونفاقا { في قلوبهم } ~~والمعنى: أن ذلك البنيان صار سببا لحصول الريبة في قلوبهم، لأن ~~المنافقين فرحوا ببناء مسجدهم، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بتخريبه، ثقل ذلك عليهم وازدادوا غما وحزنا وبغضا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فكان سبب الريبة في قلوبهم. وقيل: إنهم كانوا يحسبون أنهم ~~محسنون في بنائه كما حبب العجل إلى بني إسرائيل فلما أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بتخريبه، بقوا شاكين مرتابين لأي سبب أمر بتخريبه. وقال ~~السدي: لا يزال هدم بنيانهم ريبة أي حرارة وغيظا في قلوبهم { إلا أن ~~تقطع قلوبهم } أي تجعل قلوبهم قطعا وتفرق أجزاء إما بالسيف وإما بالموت. ~~والمعنى: أن هذه الريبة باقية في قلوبهم إلى أن يموتوا عليها { والله ~~عليم } يعني بأحوالهم وأحوال جميع عباده { حكيم } يعني فيما حكم ms1592 به ~~عليهم. قوله عز وجل: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ~~لهم الجنة } الآية قال محمد بن كعب القرظي: # " لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وكانوا ~~سبعين رجلا قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. قال أشترط ~~لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون ~~منه أنفسكم وأموالكم. قالوا إذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة. قالوا: ~~ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل " # فنزلت { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } قال ~~ابن عباس: بالجنة. قال أهل المعاني لا يجوز أن يشتري الله شيئا هو له في ~~الحقيقة لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك والأشياء كلها ملك الله عز ~~وجل، ولهذا قال الحسن: أنفسنا هو خلقها وأموالنا هو رزقنا إياها لكن جرى ~~هذا مجرى التلطف في الدعاء إلى الطاعة والجهاد، وذلك لأن المؤمن إذا قاتل ~~في سبيل الله يقتل أو أنفق ماله في سبيل الله عوضه الله الجنة في ~~الآخرة جزاء لما فعل في الدنيا فجعل ذلك استبدالا واشتراء فهذا معنى ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة والمراد باشتراء ~~الأموال إنفاقها في سبيل الله وفي جميع وجوه البر والطاعة { يقاتلون في ~~سبيل الله } هذا تفسير لتلك المبايعة. وقيل: فيه معنى الأمر أي قاتلوا في ~~سبيل الله { فيقتلون ويقتلون } يعني: فيقتلون أعداء الله ويقتلون في ~~طاعته وسبيله { وعدا عليه حقا } يعني ذلك الوعد بأن لهم الجنة وعدا ~~على الله حقا { في التوراة والإنجيل والقرآن } يعني أن هذا الوعد الذي ~~وعده الله تعالى للمجاهدين في سبيله قد أثبته في التوراة والإنجيل كما ~~أثبته في القرآن وفيه دليل على أن الأمر بالجهاد موجود في جميع الشرائع ~~ومكتوب على جميع أهل الملل { ومن أوفى بعهده من الله } يعني لا أحد أوفى ~~بالعهد من الله { فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به } فاستبشروا أيها ~~المؤمنون بهذا البيع الذي بايعتم الله به { وذلك } يعني هذا البيع { هو ms1593 ~~الفوز العظيم } لأنه رابح في الآخرة. قال عمر بن الخطاب: إن الله بايعك ~~وجعل الصفقتين لك وقال الحسن: اسمعوا إلى بيعة ربيحة بايع الله بها كل ~~مؤمن وعنه قال: إن الله سبحانه وتعالى أعطاك الدنيا فاشتر الجنة ببعضها. ~~وقال قتادة: ثامنهم فأغلى لهم. ### || [9.112-113] # قوله سبحانه وتعالى: { التائبون } قال الفراء: استؤنف لفظ التائبون ~~بالرفع لتمام الآية الأولى وانقطاع الكلام. وقال الزجاج: التائبون رفع ~~بالابتداء وخبره مضمر. والمعنى: التائبون إلى آخره لهم الجنة أيضا وإن ~~لم يجاهدوا غير معاندين ولا قاصدين بترك الجهاد وهذا وجه حسن فكأنه وعد ~~بالجنة جميع المؤمنين. كما قال تعالى: وكلا وعد الله الحسنى ومن جعله ~~تابعا للأول، كان الوعد بالجنة خاصا بالمجاهدين الموصوفين بهذه الصفات، ~~فيكون رفع التائبون على المدح يعني المؤمنين المذكورين في قوله: إن الله ~~اشترى. وأما التفسير: فقوله سبحانه وتعالى التائبون يعني الذين تابوا من ~~الشرك وبرئوا من النفاق. وقيل: التائبون من كل معصية فيدخل فيه التوبة من ~~الكفر والنفاق. وقيل: التائبون من جميع المعاصي، لأن لفظ التائبين لفظ ~~عموم فيتناول الكل. واعلم أن التوبة المقبولة إنما تحصل بأمور أربعة: ~~أولها احتراق القلب عند صدور المعصية، وثانيها الندم على فعلها فيما مضى، ~~وثالثها العزم على تركها في المستقبل، ورابعها أن يكون الحامل له على ~~التوبة طلب رضوان الله وعبوديته فإن كان غرضه بالتوبة تحصيل مدح الناس له ~~ودفع مذمتهم فليس بمخلص في توبته. { العابدون } يعني المطيعين لله الذين ~~يرون عبادة الله واجبة عليهم وقيل هم الذين أتوا بالعبادة على أقصى وجوه ~~التعظيم لله تعالى وهي أن تكون العبادة خالصة لله تعالى: { الحامدون } ~~يعني الذين يحمدون الله تعالى على كل حال في السراء والضراء. روى البغوي ~~بغير سند عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة، الذين يحمدون الله في السراء ~~والضراء " # وقيل: هم الذين يحمدون الله ويقومون بشكره على جميع نعمه دنيا وأخرى { ~~السائحون } قال ابن مسعود وابن عباس: هم الصائمون. قال سفيان بن ms1594 عيينة: ~~إنما سمي الصائم سائحا لتركه اللذات كلها من المطعم والمشرب والنكاح. ~~وقال الأزهري: قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدا لا زاد ~~معه فكان ممسكا على الأكل وكذلك الصائم ممسك عن الأكل. وقيل: أصل ~~السياحة استمرار الذهاب في الأرض كالماء الذي يسيح والصائم مستمر على فعل ~~الطاعة وترك المنهي وقال عطاء: السائحون هم الغزاة المجاهدون في سبيل ~~الله ويدل عليه ما روي عن عثمان بن مظعون قال قلت يا رسول الله ائذن لي ~~في السياحة. فقال: # " إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله " # ذكره البغوي بغير سند. وقال عكرمة: السائحون هم طلبة العلم لأنهم ~~ينتقلون من بلد إلى بلد في طلبه وقيل إن السياحة لها أثر عظيم في تهذيب ~~النفس وتحسين أخلاقها لأن السائح لا بد أن يلقى أنواعا من الضر والبؤس ~~ولا بد له من الصبر عليها ويلقى العلماء والصالحين في سياحته فيستفيد ~~منهم ويعود عليه من بركتهم ويرى العجائب وأثار قدرة الله تعالى فيتفكر في ~~ذلك فيدله على وحدانية الله سبحانه وتعالى وعظيم قدرته { الراكعون ~~الساجدون } يعني المصلين وإنما عبر عن الصلاة بالركوع والسجود، لأنهما ~~معظم أركانها وبهما يتميز المصلي من غير المصلي بخلاف حالة القيام ~~والقعود لأنهما حالة المصلي وغيره { الآمرون بالمعروف } يعني يأمرون ~~الناس بالإيمان بالله وحده { والناهون عن المنكر } يعني عن الشرك بالله. # وقيل: إنهم يأمرون الناس بالحق في أديانهم واتباع الرشد والهدى والعمل ~~الصالح وينهونهم عن كل قول وفعل نهى الله عباده عنه أو نهى عنه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال الحسن: أما أنهم لم يأمروا الناس بالمعروف حتى ~~كانوا من أهله ولم ينهوا عن المنكر حتى انتهوا عنه وأما دخول الواو في ~~والناهون عن المنكر فإن العرب تعطف بالواو على السبعة ومنه قوله سبحانه ~~وتعالى: وثامنهم كلبهم وقوله تعالى في صفة الجنة: وفتحت أبوابها. وقيل: ~~فيه وجه آخر وهو أن الموصوفين بهذه الصفات الست هم الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر، فعلى هذا يكون قوله تعالى التائبون إلى قوله ms1595 ~~الساجدون مبتدأ خبره الآمرون يعني هم الآمرون بالمعروف والناهون عن ~~المنكر { والحافظون لحدود الله } قال ابن عباس: يعني القائمين بطاعة الله ~~وقال الحسن: الحافظون لفرائض الله وهم أهل الوفاء ببيعة الله. وقيل: هم ~~المؤدون فرائض الله المنتهون إلى أمره ونهيه فلا يضيعون شيئا من العمل ~~الذي ألزمهم به ولا يرتكبون منهيا نهاهم عنه { وبشر المؤمنين } يعني بشر ~~يا محمد المصدقين بما وعدهم الله به إذا وفوا الله تعالى بعهده فإنه موف ~~لهم بما وعدهم من إدخال الجنة. وقيل: وبشر من فعل هذه الأفعال التسع وهو ~~قوله تعالى التائبون إلى آخر الآية بأن له الجنة وإن لم يغز. قوله عز ~~وجل: { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي ~~قربى } الآية واختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية فقال قوم: نزلت ~~في شأن أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم والد علي وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أراد أن يستغفر له بعد موته فنهاه الله عن ذلك ويدل على ~~ذلك ما روي عن سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب بن حزن قال # " " لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد ~~عنده أبا جهل وعبد الله ابن أبي أمية بن المغيرة فقال أي عم قل لا إله ~~إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله " فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية ~~بن المغيرة: أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعرضها عليه ويعودان لتلك المقالة حتى قالوا: أبو طالب آخر ما كلمهم ~~أنا على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فأنزل الله تعالى ما كان ~~للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى وأنزل الله ~~في أبي طالب { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } " # أخرجاه في الصحيحين. فإن قلت ms1596 قد استبعد بعض العلماء نزول هذه الآية في ~~شأن أبي طالب وذلك أن وفاته كانت بمكة أول الإسلام ونزول هذه السورة ~~بالمدينة وهي من آخر القرآن نزولا. قلت الذي # " نزل في أبي طالب قوله تعالى إنك لا تهدي من أحببت فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " # كما في الحديث فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يستغفر له في بعض ~~الأوقات إلى أن نزلت هذه الآية فمنع من الاستغفار والله أعلم بمراده ~~وأسرار كتابه م. عن أبي هريرة قال # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه عند الموت: " قل لا إله إلا ~~الله أشهد لك بها يوم القيامة فأبى فأنزل الله إنك لا تهدي من أحببت ولكن ~~الله يهدي من يشاء " # الآية وفي رواية قال: لولا تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع ~~لأقررت بها عينك فأنزل الله الآية ق # " عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر عنده ~~عمه طالب فقال " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار ~~يبلغ كعبيه تغلى منه أم دماغه " # وفي رواية: # " يغلي منه دماغه من حرارة نعليه " # ق # " عن العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قلت ~~يا رسول الله ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك قال: هو في ضحضاح ~~من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار وفي رواية قال قلت يا ~~رسول الله إن عمك أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل ينفعه ذلك قال نعم وجدته ~~في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح " # وقال أبو هريرة وبريدة # " لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة أتى قبر أمه آمنة فوقف حتى حميت ~~الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين " # الآية وروى الطبري بسنده عن بريدة: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى رسم قال ms1597 وأكثر ظني أنه ~~قال قبر أمه فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبرا فقلنا: يا رسول الله ~~إنا رأينا ما صنعت قال إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي ~~واستأذنته في الاستغفار لها فلم يؤذن لي فما رؤي باكيا أكثر من يومئذ ". # وحكى ابن الجوزي عن بريدة قال # " إن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أمه فتوضأ وصلى ركعتين ثم بكى ~~فبكى الناس لبكائه ثم انصرف إليهم فقالوا: ما أبكاك؟ قال: مررت بقبر أمي ~~فصليت ركعتين ثم استأذنت ربي أن أستغفر لها فنهيت فبكيت ثم عدت فصليت ~~ركعتين فاستأذنت ربي أن أستغفر لها فزجرت زجرا فأبكاني ثم دعا براحلته ~~فركبها فما سار إلا هنيهة حتى قامت الناقة لثقل الوحي فنزلت ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى " # الآية ق عن أبي هريرة قال # " زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال ~~استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها ~~فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت " # وقال قتادة قال النبي صلى الله عليه وسلم # " لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه " # فأنزل الله هذه الآية وروى الطبري بسنده عنه قال: ذكر لنا # " أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا نبي الله ~~إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الأرحام ويفك العاني ويوفي بالذمم ~~أفلا نستغفر لهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم بلى والله لأستغفرن لأبي ~~كما استغفر إبراهيم لأبيه فأنزل الله عز وجل ما كان للنبي والذين آمنوا ~~أن يستغفروا للمشركين " # الآية ثم عذر الله إبراهيم فقال تعالى وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ~~إلا عن موعدة وعدها إياه الآية عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رجلا ~~يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت له أتستغفر لأبويك وهما مشركان فقال: ~~استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت: ما كان للنبي والذين ms1598 آمنوا أن يستغفروا للمشركين الآية أخرجه ~~النسائي والترمذي. وقال: حديث حسن وأخرجه الطبري. وقال فيه: فأنزل الله ~~عز وجل وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين ~~له أنه عدو لله تبرأ منه الآية ومعنى الآية ما كان ينبغي للنبي والذين ~~آمنوا أن يستغفروا للمشركين وليس لهم ذلك لأن الله سبحانه وتعالى لا يغفر ~~للمشركين ولا يجوز أن يطلب منه ما لا يفعله ففيه النهي عن الاستغفار ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى لأن النهي عن الاستغفار للمشركين عام ~~فيستوي فيه القريب والبعيد ثم ذكر عز وجل سبب المنع فقال تعالى: { من بعد ~~ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } يعني تبين لهم أنهم ماتوا على الشرك فهم ~~من أصحاب الجحيم وأيضا فقد قال تبارك وتعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~والله تعالى لا يخلف وعده. ### || [9.114] # قوله سبحانه وتعالى: { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدها إياه } فمعناه وما كان طلب إبراهيم لأبيه المغفرة من الله إلا من ~~أجل موعدة وعدها إبراهيم إياه أن يستغفر له رجاء إسلامه قال علي بن أبي ~~طالب رضي الله تعالى عنه: " لما أنزل الله خبرا عن إبراهيم " أنه قال ~~سلام عليك سأستغفر لك ربي سمعت رجلا يستغفر لوالديه وهما مشركان فقلت ~~أتستغفر لأبويك وهما مشركان فقال أولم يستغفر إبراهيم لأبيه فأتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأنزل الله عز وجل: # قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم # [الممتحنه: 4] إلى قوله # إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك # [التحريم: 4] يعني أن إبراهيم ليس بقدوة في هذا الاستغفار لأنه إنما ~~استغفر لأبيه وهو مشرك لمكان الوعد الذي وعده أن يسلم { فلما تبين له أنه ~~عدو لله تبرأ منه } فعلى هذا الهاء في إياه راجعة إلى إبراهيم والوعد كان ~~من أبيه وذلك أن أبا إبراهيم وعد إبراهيم أن يسلم فقال إبراهيم: سأستغفر ~~لك ربي يعني إذا أسلمت. وقيل: إن الهاء راجعة إلى الأب وذلك أن إبراهيم ~~وعد أباه ms1599 أن يستغفر له رجاء إسلامه. ويؤكد هذا قوله: سأستغفر لك ربي ويدل ~~عليه أيضا قراءة الحسن وعدها أباه بالباء الموحدة فلما تبين له أنه عدو ~~لله، تبرأ منه يعني: فلما ظهر لإبراهيم وبان له أن أباه عدو لله يعني ~~بموته على الكفر تبرأ منه عند ذلك وقيل يحتمل أن الله سبحانه وتعالى أوحى ~~إلى إبراهيم أن أباه عدو له فتبرأ منه وقيل لما تبين له في الآخرة أنه ~~عدو لله تبرأ منه ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: يلقى إبراهيم عليه السلام أباه آزر ~~يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني ~~فيقول أبوه فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني ~~يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أبي فيقول الله تبارك وتعالى إني حرمت الجنة ~~على الكافرين ثم يقال يا إبراهيم ما تحت رجليك فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ ~~فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار " # أخرجه البخاري زاد غيره فتبرأ منه والقترة غبرة يعلوها سواد والذيخ بذال ~~معجمة ثم ياء مثناة من تحت ثم خاء معجمة هو ذكر الضباع والأنثى ذيخة. ~~وقوله تبارك وتعالى: { إن إبراهيم لأواه حليم } جاء في الحديث إن الأواه ~~الخاشع المتضرع. وقال ابن مسعود: الأواه الكثير الدعاء وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: هو المؤمن التواب، وقال الحسن وقتادة: الأواه الرحيم بعباد ~~الله وقال مجاهد: الأواه الموقن وقال كعب الأحبار: هو الذي يكثر التأوه ~~وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول أوه من النار قبل أن لا ~~ينفع أوه وقال عقبة بن عامر: الأواه الكثير الذكر لله عز وجل وقال سعيد ~~بن جبير هو المسبح وعنه أنه المعلم للخير. # وقال عطاء: هو الراجع عما يكره الله الخائف من النار. وقال أبو عبيدة: ~~هو المتأوه شفقا وفرقا المتضرع إيقانا ولزوما للطاعة. وقال الزجاج: ~~انتظم في قول أبي عبيدة جميع ما قيل في الأواه وأصله من التأوه ms1600 وهو أن ~~يسمع للصدر صوت تنفس الصعداء والفعل منه أواه هو قول الرجل عند شدة خوفه ~~وحزنه أوه والسبب فيه أن عند الحزن تحمي الروح داخل القلب ويشتد حرها ~~فالإنسان يخرج ذلك النفس المحترق في القلب ليخف بعض ما به من الحزن ~~والشدة وأما الحليم: فمعناه ظاهر وهو الصفوح عمن سبه أو أتاه بمكروه ثم ~~يقابله بالإحسان واللطف كما فعل إبراهيم بأبيه حين قال لئن لم تنته ~~لأرجمنك، فأجابه إبراهيم بقوله سلام عليك سأستغفر لك ربي. وقال ابن عباس: ~~الحليم: السيد، وإنما وصف الله عز وجل إبراهيم عليه السلام بهذين الوصفين ~~وهما شدة الرقة والخوف الوجل والشفقة على عباد الله ليبين سبحانه وتعالى ~~أنه مع هذه الصفات الجميلة الحميدة تبرأ من أبيه لما ظهر له إصراره على ~~الكفر فاقتدوا به أنتم في هذه الحالة أيضا. ### || [9.115] # وقوله سبحانه وتعالى: { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم } يعني: ~~وما كان الله ليقضي عليكم بالضلال بسبب استغفاركم لموتاكم المشركين بعد ~~أن رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله وذلك أنه لما منع المؤمنين ~~من الاستغفار للمشركين وكانوا قد استغفروا لهم قبل المنع خافوا ما صدر ~~منهم فأعلمهم أن ذلك ليس بضائرهم { حتى يبين لهم ما يتقون } يعني ما ~~يأتون وما يذرون وهو أن يقدم إليهم النهي عن ذلك الفعل فأما قبل النهي ~~فلا حرج عليهم في فعله وقيل: إن جماعة من المسلمين كانوا قد ماتوا قبل ~~النهي عن الاستغفار للمشركين فلما منعوا من ذلك وقع في قلوب المؤمنين خوف ~~على من مات على ذلك فأنزل الله عز وجل هذه الآية وبين أنه لا يؤآخذهم ~~بعمل إلا بعد أن يبين لهم ما يجب عليهم أن يتقوه ويتركوه. وقال مجاهد: ~~بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة وبيانه لهم في معصيته ~~وطاعته عامة. وقال مجاهد: بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين ~~خاصة وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة. وقال الضحاك: وما كان الله ليعذب ~~قوما حتى يبين لهم ما يأتون وما يذرون. ms1601 وقال مقاتل والكلبي: هذا في أمر ~~المنسوخ وذلك أن قوما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا قبل ~~تحريم الخمر وصرف القبلة إلى الكعبة ورجعوا إلى قومهم وهم على ذلك ثم ~~حرمت الخمر وصرفت القبلة إلى الكعبة ولا علم لهم بذلك ثم قدموا بعد ذلك ~~إلى المدينة فوجدوا الخمر قد حرمت والقبلة قد صرفت إلى الكعبة فقالوا: يا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كنت على دين ونحن على غيره فنحن على ~~ضلال فأنزل الله عز وجل: { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم } يعني ~~وما كان الله ليبطل عمل قوم وقد عملوا بالمنسوخ حتى بين الناسخ { إن الله ~~بكل شيء عليم } يعني أنه سبحانه وتعالى عليم بما خالط نفوسكم من الخوف ~~عندما نهاكم عن الاستغفار للمشركين ويعلم ما يبين لكم من أوامره ونواهيه. ### || [9.116-117] # { إن الله له ملك السموات والأرض } يعني أنه سبحانه وتعالى هو القادر ~~على ملك السموات والأرض وما فيهما عبيده وملكه يحكم فيهم بما يشاء { يحيي ~~ويميت } يعني أنه تعالى يحيي من يشاء على الإيمان ويميته عليه ويحيي من ~~يشاء على الكفر ويميته عليه لا اعتراض لأحد عليه في حكمه وعبيده { وما ~~لكم من دون الله من ولي ولا نصير } يعني أنه تعالى هو وليكم وناصركم ليس ~~لكم غيره يمنعكم من عدوكم وينصركم عليهم. قوله عز وجل: { لقد تاب الله ~~على النبي والمهاجرين والأنصار } الآية تاب الله بمعنى تجاوز وصفح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار ومعنى توبته على النبي صلى ~~الله عليه وسلم: عدم مؤاخذته بإذنه للمنافقين بالتخلف في غزوة تبوك وهي ~~كقوله سبحانه وتعالى: # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43] فهو من باب ترك الأفضل لا أنه ذنب يوجب عقابا. وقال أصحاب ~~المعاني: هو مفتاح كلام للتبرك كقوله سبحانه وتعالى فأن لله خمسه. ومعنى ~~هذا: أن ذكر النبي بالتوبة عليه تشريف للمهاجرين والأنصار في ضم توبتهم ~~إلى توبة النبي صلى الله عليه وسلم كما ضم اسم الرسول إلى ms1602 اسم الله في ~~قوله فإن لله خمسه وللرسول فهو تشريف له. وأما معنى: توبة الله على ~~المهاجرين والأنصار، فلأجل ما وقع في قلوبهم من الميل إلى القعود عن غزوة ~~تبوك لأنها كانت في وقت شديد وربما وقع في قلوب بعضهم أنا لا نقدر على ~~قتال الروم وكيف لنا بالخلاص منهم فتاب الله عليهم وعفا عنهم ما وقع في ~~قلوبهم من هذه الخواطر والوساوس النفسانية. وقيل: إن الإنسان ليخلو من ~~زلات وتبعات في مدة عمره إما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأفضل. ثم ~~إن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه لما تحملوا مشاق هذا السفر ~~ومتاعبه وصبروا على تلك الشدائد العظيمة التي حصلت لهم في ذلك السفر غفر ~~الله لهم وتاب عليهم لأجل ما تحملوه من الشدائد العظيمة في تلك الغزوة مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ضم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~ذكرهم تنبيها على عظم مراتبهم في الدين وأنهم قد بلغوا إلى الرتبة التي ~~لأجلها ضم ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذكرهم { الذين اتبعوه } في ~~تلك الغزوة من المهاجرين والأنصار وقد ذكر بعض العلماء أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سار إلى تبوك في سبعين ألفا ما بين راكب وماش من المهاجرين ~~والأنصار وغيرهم من سائر القبائل { في ساعة العسرة } يعني في وقت العسرة ~~ولم يرد ساعة بعينها والعسرة الشدة والضيق وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة ~~العسرة والجيش الذي سار فيه يسمى جيش العسرة لأنه كان عليهم عسرة في ~~الظهر والزاد والماء قال الحسن كان العشرة: منهم يخرجون على بعير واحد ~~يعتقبونه بينهم يركب الرجل منهم ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك وكان ~~زادهم التمر المسوس والشعير المتغير وكان النفر منهم يخرجون وما معهم إلى ~~التمرات اليسيرة بينهم فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى ~~يجد طعمها ثم يخرجها من فيه ويعطيها صاحبه ثم يشرب عليها جرعة من الماء ~~ويفعل صاحبه كذلك حتى تأتي على آخرهم ولا يبقى من ms1603 التمرة إلا النواة ~~فمضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم على صدقهم ويقينهم رضي الله عنهم. # وقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في ~~قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستقطع ~~وحتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، ~~وحتى أن الرجل كان يذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستقطع ~~فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله عز وجل قد عودك في الدعاء ~~خيرا فادع الله قال أتحب ذلك قال: نعم فرفع يديه صلى الله عليه وسلم ~~يرجعا حتى أرسل الله سحابة فمطرت فملأوا ما معهم من الأوعية ثم ذهبنا ~~ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر أسنده الطبري عن عمر. قوله تعالى: { من بعد ~~ما كان يزيغ قلوب فريق منهم } يعني من بعد ما قارب أن تميل قلوب بعضهم عن ~~الحق من أجل المشقة والشدة التي نالتهم والزيغ في اللغة الميل. وقيل: ~~هم بعضهم أن يفارق الرسول صلى الله عليه وسلم عند تلك الشدة التي ~~نالتهم لكنهم صبروا واحتسبوا وندموا على ما خطر في قلوبهم فلأجل ذلك قال ~~تعالى: { ثم تاب عليهم } يعني أنه سبحانه وتعالى علم إخلاص نيتهم وصدق ~~توبتهم فرزقهم الإنابة والتوبة. فإن قلت قد ذكر التوبة أولا ثم ذكرها ~~ثانيا فما فائدة التكرار؟ قلت إنه سبحانه وتعالى ذكر التوبة أولا قبل ~~ذكر الذنب تفضلا منه وتطييبا لقلوبهم ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر ~~التوبة مرة أخرى تعظيما لشأنهم وليعلموا أنه سبحانه وتعالى قد قبل ~~توبتهم وعفا عنهم ثم أتبعه بقوله { إنه بهم رؤوف رحيم } تأكيدا لذلك ~~ومعنى الرؤوف في صفة الله تعالى أنه الرفيق بعباده لأنه لم يحملهم ما لا ~~يطيقون من العبادات وبين الرؤوف والرحيم فرق لطيف وإن تقاربا في المعنى. ~~قال الخطابي: قد تكون الرحمة مع الكراهة للمصلحة ولا تكاد الرأفة تكون مع ~~الكراهة. ### || [9.118-120] # قوله سبحانه وتعالى: { وعلى الثلاثة الذين خلفوا ms1604 } هذا معطوف على ما ~~قبله تقديره لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار وعلى الثلاثة ~~الذين خلفوا وفائدة هذا العطف بين قبول توبتهم وهم كعب ابن مالك وهلال بن ~~أمية ومرارة بن الربيع وكلهم من الأنصار وهم المرادون بقوله سبحانه ~~وتعالى وآخرون مرجون لأمر الله وفي معنى خلفوا قولان: أحدهما أنهم خلفوا ~~عن توبة أبي لبابة وأصحابه وذلك أنهم لم يخضعوا كما خضع أبو لبابة ~~وأصحابه فتاب الله على أبي لبابة وأصحابه وأخر أمر هؤلاء الثلاثة مدة ثم ~~تاب عليهم بعد ذلك والقول الثاني أنهم تخلفوا عن غزوة تبوك ولم يخرجوا مع ~~رسول الله فيها وأما حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، فقد روي عن ابن شهاب ~~الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله ~~بن كعب وكان قائد كعب بن بنيه حين عمي قال: وكان أعلم قومه وأوعاهم ~~لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت كعب بن مالك بن عبد الله ~~بن مالك بن كعب يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة تبوك. قال: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها ~~قط إلا في غزوة تبوك غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف ~~عنها إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش ~~حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليلة العقبة حين توائقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها ~~مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وكان من خبري حين تخلفت عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر ~~مني حتى تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حين ~~جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة ~~إلا ms1605 ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا واستقبل عدوا كثيرا فجلا ~~للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد والمسلمون ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك ~~الديوان قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفي له ما لم ~~ينزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك ~~الغزوة حيت طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر فتجهز رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض ~~شيئا فأقول في نفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي ~~حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا ~~والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم ~~يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ~~ليتني فعلت ثم لم يقدر لي ذلك فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا ~~عليه في النفاق أو رجلا مما عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: # " ما فعل كعب بن مالك " # فقال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه فقال له ~~معاذ بن جبل: بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. ~~فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هو كذلك، رأى رجلا مبيضا ~~يزول به السراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كن أبا خيثمة " # فإذ هو أبو خيثمة وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون قال كعب: ~~فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه ms1606 قافلا من تبوك ~~حضرني بثى فطفقت أتذكر الكذب وأقول بم أخرج من سخطه غدا واستعنت على ذلك ~~بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل ~~قادما زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا فأجمعت صدقه ~~فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما وكان إذا قدم من سفره بدأ ~~بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا ~~يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم علانيتهم ~~وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله عز وجل حتى جئت فلما سلمت ~~تبسم تبسم المغضب ثم قال لي # " تعالى " # فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال # " ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك " # قال قلت يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت ~~أني سأخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك ~~اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث ~~صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله، وفي رواية عفو الله عز وجل، ~~والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أوقى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك ~~قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك " # فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ~~ذنبا قبل هذا لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بما اعتذر إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لك قال فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي. قال: ثم قلت لهم هل لقي هذا ~~أحد معي قالوا نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل ~~لك قلت من هما ms1607 قالوا مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي قال ~~فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدوا بدرا ففيهما أسوة قال فمضيت حين ~~ذكروهما لي ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها ~~الثلاثة من بين من تخلف عنه قال: فاجتنبنا الناس أو قال تغيروا لنا حتى ~~تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ~~ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب ~~القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد ~~وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ~~فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ثم أصلي قريبا منه وأسارقة ~~النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا ~~طال علي ذلك من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ~~ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت: يا ~~أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلم أني أحب الله ورسوله قال: فسكت فعدت ~~فناشدته فسكت فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت ~~حتى تسورت الجدار فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل ~~الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل علي كعب بن مالك قال ~~فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان وكنت ~~كاتبا فقرأته فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم ~~يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك قال: فقلت حين قرأتها ~~وهذه أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته حتى إذا مضت أربعون من ~~الخمسين واستلبث الوحي وإذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني ~~فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك قال فقلت ~~أطلقها أم ماذا أفعل قال لا بل اعتزلها ولا تقربها ms1608 قال وأرسل إلى صاحبي ~~مثل ذلك فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا ~~الأمر قال فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خدام فهل تكره أن ~~أخدمه قال # " لا ولكن لا يقربنك " # فقالت إنه والله ما به حركة إلى شيء ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ~~ما كان إلى يومه هذا قال فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه قال فقلت لا ~~استأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ما يقول لي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب قال فلبثت بذلك ~~عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا. قال ثم صليت صلاة ~~الفجر صبح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال ~~التي ذكر الله عز وجل عنا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت ~~سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر قال ~~فخررت ساجدا وعرفت أنه قد جاء فرج قال وآذن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا ~~فذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إلى فرسا وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى ~~على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني ~~نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما واستعرت ثوبين ~~فلبستهما وانطلقت أتأمل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس ~~فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة ويقولون ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت ~~المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله الناس فقال إلي طلحة بن ~~عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلا رجل من ms1609 المهاجرين ~~غيره. قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: # " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " # قال: قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال: # " لا بل من عند الله " # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كان وجهه ~~قطعة قمر قال وكنا نعرف ذلك منه قال فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول ~~الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " # قال فقلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر قال وقلت يا رسول الله إن الله إن ~~أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت قال فوالله ما ~~علمت أن أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله، والله ما تعمدت كذبه منذ ~~قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا وإني لأرجو أن ~~يحفظني الله فيما بقي قال فأنزل الله عز وجل لقد تاب الله على النبي ~~والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة حتى بلغ أنه بهم رؤوف ~~رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت حتى ~~بلغ اتقوا الله وكونوا مع الصادقين قال كعب: والله ما أنعم الله عليهم ~~الأرض بما رحبت حتى بلغ اتقوا الله وكونوا مع الصادقين قال كعب: والله ما ~~أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين ~~كذبوا إن الله عز وجل قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد ~~فقال الله سبحانه وتعالى: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا ~~عنهم فأعرضوا ms1610 عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون ~~لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين قال ~~كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله تعالى فيه فبذلك قال الله عز وجل: ~~وعلى الثلاثة الذين خلفوا وليس الذي ذكر مما خلفنا عن الغزو وإنما هو ~~تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه وفي رواية ~~ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي ولم ينه عن كلام أحد ~~من المتخلفين غيرنا فاجتنب الناس كلامنا فلبثت كذلك حتى طال علي الأمر ~~فما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي علي النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا ~~يكلمني أحد منهم ولا يصلي علي ولا يسلم علي قال: وأنزل الله عز وجل ~~توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثلث الأخير من الليل ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة. # وكانت أم سلمة محسنة في شأني معتنية بأمري فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " يا أم سلمة تيب على كعب بن مالك قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره قال: إذا ~~يحطمكم الناغس فيمنعونكم النوم سائر الليل حتى إذا صلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله ~~علينا " # أخرجه البخاري ومسلم. شرح غريب هذا الحديث.. قوله حين تواثقنا على ~~الإسلام: التواثق تفاعل من الميثاق وهو العهد. والراحلة: الجمل أو الناقة ~~القويان على الحمل والسفر. وقوله: ورى بغيرها يقال: ورى عن الشيء إذا ~~أخفاه وأظهر غيره. والمفازة: البرية القفراء سميت بذلك تفاؤلا بالفوز ~~والنجاة منها قوله فجلا هو بالتخفيف يعني كشف لهم مقصدهم وأظهره لهم ~~والأهبة الجهاز وما ms1611 يحتاج إليه المسافر قوله فأنا إليها صعر هو بالعين ~~المهملة أي أميل والصعر الميل. قوله: وتفارط الغزو أي تباعد ما بيني وبين ~~الجيش من المسافة وطفق مثل جعل والمغموص المعيب المشار إليه بالعيب. ~~يقال: فلان ينظر في عطفيه إذا كان معجبا بنفسه. ويقال: زال به السراب ~~يزول إذا ظهر شخص الإنسان خيالا فيه من بعد. والسراب: هو ما يظهر ~~للإنسان في البرية في وقت الهاجرة كأنه ماء والمبيض بكسر الياء لابس ~~البياض. قوله: كن أبا خيثمة معناه أنت أبو خيثمة وقيل معناه: اللهم اجعله ~~أبا خيثمة أي لتوجد يا هذا الشخص أبا خيثمة حقيقة قوله الذي لمزه ~~المنافقون يعني عابوه واحتقروه والقافل الراجع من سفره إلى وطنه قوله ~~حضرني بثني البث أشد الحزن كأنه لشدته يظهر قوله زاح عني الباطل أي زال ~~وذهب عني وأجمعت صدقه أي عزمت عليه لقد أعطيت جدلا أي فصاحة وقوة في ~~الكلام بحيث أخرج عن عهدة ما أردت بما أشاء من الكلام والمغضب بفتح الضاد ~~هو الغضبان قوله بما زالوا يؤنبونني أي يلومونني أشد اللوم قوله حتى ~~تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي الأرض التي أعرف: معناه تغير علي كل شيء ~~من الأرض وتوحشت علي وصارت كأنها أرض لا أعرفها وقوله فأما صاحباي ~~فاستكانا يعني خضعا وسكنا قوله تسورت حائط أبي قتادة أي علوته وصعدت سوره ~~وهو أعلاه والأنباط الفلاحون والزراعون وهم من العجم والروم والمضيعة ~~مفعلة من الضياع والأطراح، وقوله فتيممت بها التنور فسجرته بها أي فقصدت ~~بالصحيفة التي أرسل بها ملك غسان فأحرقتها في التنور وسلع جبل بالمدينة ~~معروفة وقوله وانطلقت أتأمم يعني أقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~والفوج: الجماعة من الناس. يقال: برق وجهه إذا لمع وظهر عليه أمارات ~~الفرح والسرور قوله أنخلع من مالي أي أخرج منه جميعه وأتصدق به كما يخلع ~~الإنسان قميصه. # قوله ما علمت أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث أحسن مما ~~أبلاني البلاء. والابتلاء: يكون في الخير وفي الشر وإذا أطلق كان ms1612 في الشر ~~غالبا فإذا أريد به الخير قيد به كما قيد هنا بقوله أحسن مما أبلاني أن ~~أنعم على قوله أن لا أكون كذبته، هذا هو في جميع روايات الحديث بزيادة ~~لفظ لا قال بعض العلماء لفظة لا زائدة ومعناه أن أكون كذبته وقوله فأهلك ~~هو بكسر اللام وإرجاؤه أمرنا تأخيره وقوله في الرواية الأخرى يحطمكم ~~الناس أي يطؤكم ويزدحمون عليكم وأصل الوطء الكسر وقوله سائر الليل يعني ~~باقي الليل وقوله وآذن بتوبة الله علينا أي أعلم والأذان الإعلام والله ~~أعلم. قوله عز وجل: { حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } يعني بما ~~اتسعت والرحب سعة المكان والمعنى أنه ضاق عليهم المكان بعد أن كان واسعا ~~{ وضاقت عليهم أنفسهم } يعني من شدة الغم والحزن ومجانبة الناس إياهم ~~وترك كلامهم { وظنوا } يعني وأيقنوا وعلموا { أن لا ملجأ } يعني لا مفزع ~~ولا مفر { من الله إلا إليه } ولا عاصم من عذابه إلا هو { ثم تاب عليهم } ~~فيه إضمار وحذف تقديره وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه فرحمهم ثم تاب ~~عليهم وإنما حسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه وقوله ثم تاب عليهم تأكيد ~~لقبول تبوتهم لأنه قد ذكر توبتهم في قوله تعالى: { وعلى الثلاثة الذين ~~خلفوا } كما تقدم بيانه وأنه عطف على قوله # لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار # [التوبة: 117] أي وتاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار أي وتاب الله ~~على الثلاثة الذين خلفوا. وقوله تعالى: { ليتوبوا } معناه: أن الله ~~سبحانه وتعالى تاب عليهم في الماضي ليكون ذلك داعيا لهم إلى التوبة في ~~المستقبل فيرجعوا ويداوموا عليها وقيل إن أصل التوبة الرجوع ومعناه ثم ~~تاب عليهم ليرجعوا إلى حالتهم الأولى يعني إلى عادتهم في الاختلاط بالناس ~~ومكالمتهم فتسكن نفوسهم بذلك { إن الله هو التواب } يعني على عباده { ~~الرحيم } بهم وفيه دليل على أن قبول التوبة بمحض الرحمة والكرم والفضل ~~والإحسان وأنه لا يجب على الله تعالى شيء. قوله عز وجل: { يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله } يعني في مخالفة الرسول ms1613 صلى الله عليه وسلم { وكونوا ~~مع الصادقين } يعني مع من صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ~~الغزوات ولا تكونوا مع المتخلفين من المنافقين الذين قعدوا في البيوت ~~وتركوا الغزو. وقال سعيد بن جبير: مع الصادقين يعني مع أبي بكر وعمر. قال ~~ابن جريج: مع المهاجرين. وقال ابن عباس: مع الذين صدقت نياتهم واستقامت ~~قلوبهم وأعمالهم وخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك بإخلاص ~~نية. # وقيل: كونوا مع الذين صدقوا في الاعتراف بالذنب وهم يعتذرون بالأعذار ~~الباطلة الكاذبة وهذه الآية تدل على فضيلة الصدق لأن الصدق يهدي إلى ~~الجنة والكذب إلى الفجور كما ورد في الحديث. وقال ابن مسعود: الكذب لا ~~يصلح في جد ولا هزل ولا أن يعد أحدكم صاحبه شيئا ثم لا ينجزه اقرأوا إن ~~شئتم وكونوا مع الصادقين. وروي أن أبا بكر الصديق احتج بهذه الآية على ~~الأنصار في يوم السقيفة وذلك أن الأنصار قالوا: منا أمير ومنكم أمير فقال ~~أبو بكر: يا معشر الأنصار إن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه للفقراء ~~المهاجرين إلى قوله أولئك هم الصادقون من هم قالت الأنصار: أنتم هم فقال ~~أبو بكر: إن الله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين فأمركم أن تكونوا معنا ولم يأمرنا أن نكون معكم نحن الأمراء ~~وأنتم الوزراء وقيل مع بمعنى من والمعنى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا من الصادقين قوله سبحانه وتعالى: { ما كان لأهل المدينة } يعني ~~لساكني المدينة من المهاجرين والأنصار: { ومن حولهم من الأعراب } يعني ~~سكان البوادي من مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار وقيل: هو عام في كل ~~الأعراب لأن اللفظ عام وحمله على العموم أولى { أن يتخلفوا عن رسول الله ~~} يعني إذا غزا وهذا ظاهر خبر ومعناه النهي أي ليس لهم أن يتخلفوا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم { ولا يرغبوا } يعني ولا أن يرغبوا { ~~بأنفسهم عن نفسه } يعني ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يختاره رسول الله ~~صلى الله ms1614 عليه وسلم ويرضاه لنفسه ولا يختاروا لأنفسهم الخفض والدعة ~~ويتركوا مصاحبته والجهاد معه في حال الشدة والمشقة وقال الحسن: لا يرغبوا ~~بأنفسهم أن يصيبهم من الشدائد فيختاروا الخفض والدعة ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في مشقة السفر ومقاساة التعب { ذلك بأنهم لا يصيبهم } في سفرهم ~~وغزواتهم { ظمأ } أي عطش { ولا نصب } أي تعب { ولا مخمصة } يعني مجاعة ~~شديدة { في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار } يعني ولا يضعون ~~قدما على الأرض يكون ذلك القدم سببا لغيظ الكفار وغمهم وحزنهم { ولا ~~ينالون من عدو نيلا } يعني أسرا أو قتلا أو هزيمة أو غنيمة أو نحو ذلك ~~قليلا كان أو كثيرا { إلا كتب لهم به عمل صالح } يعني إلا كتب الله لهم ~~بذلك ثواب عمل صالح قد ارتضاه لهم وقبله منهم { إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين } يعني أن الله سبحانه وتعالى لا يدع محسنا من خلقه قد أحسن في ~~عمله وأطاعه فيما أمره به أو نهاه عنه أن يجازيه على إحسانه وعمله الصالح ~~في الآية دليل على أن من قصد معصية الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته ~~وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله من قصد معصية الله كان قيامه وقعوده ~~ومشيه وحركته وسكونه كلها سيئآت إلا أن يغفرها الله بفضله وكرمه واختلف ~~العلماء في حكم هذه الآية. # فقال قتادة: هذا الحكم خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه ~~لم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر فأما غيره من الأئمة والولاة فيجوز ~~لمن شاء من المؤمنين أن يتخلف عنه إذا لم يكن للمسلمين إليه ضرورة. وقال ~~الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي وابن المبارك وابن جابر وسعيدا يقولون في ~~هذه الآية إنها لأول هذه الأمة وآخرها فعلى هذا تكون هذه الآية محكمة لم ~~تنسخ. وقال ابن زيد: هذا حين كان أهل الإسلام قليلا فلما كثروا نسخها ~~الله عز وجل وأباح التخلف لمن شاء بقوله وما كان المؤمنون لينفروا كافة ~~ونقل الواحدي عن عطية أنه قال: وما كان ms1615 لهم أن يتخلفوا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا دعاهم وأمرهم. وقال: هذا هو الصحيح لأنه لا تتعين ~~الطاعة والإجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا أمر وكذا غيره من ~~الأئمة والولاة قالوا إذا ندبوا أوعينوا لأن لو سوغنا للمندوب أن يتقاعد ~~ولم يختص بذلك بعض دون بعض لأدى ذلك إلى تعطيل الجهاد والله أعلم. ### || [9.121] # وقوله عز وجل: { ولا ينفقون } يعني في سبيل الله { نفقة صغيرة ولا كبيرة ~~} يعني تمرة فما دونها أو أكثر منها حتى علاقة سوط { ولا يقطعون واديا } ~~يعني ولا يجاوزون في مسيرهم واديا مقبلين أو مدبرين فيه { إلا كتب لهم } ~~يعني كتب الله لهم آثارهم وخطاهم ونفقاتهم { ليجزيهم الله } يعني يجازيهم ~~{ أحسن ما كانوا يعملون } قال الواحدي: معناه بأحسن ما كانوا يعملون. ~~وقال الإمام فخر الدين الرازي: فيه وجهان: الأول: أن الأحسن من صفة ~~أفعالهم وفيها الواجب والمندوب والمباح فالله سبحانه وتعالى يجزيهم على ~~الأحسن وهو الواجب والمندوب دون المباح. والثاني: أن الأحسن صفة للجزاء ~~أي يجزيهم جزاء هو أحسن من أعمالهم وأجل وأفضل وهو الثواب وفي الآية دليل ~~على فضل الجهاد وأنه من أحسن أعمال العباد ق عن سهل بن سعد الساعدي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من ~~الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو ~~الغدوة خير من الدنيا وما عليها " # وفي رواية # " وما فيها " # ق عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي وإيمانا بي ~~وتصديقا برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج ~~منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم ~~في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم لونه لون دم وريحه ريح ~~مسك والذي ms1616 نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية ~~تغزو في سبيل الله أبدا ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق ~~عليهم أن يتخلفوا عني والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو فأقتل في سبيل ~~الله ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل " # لفظ مسلم وللبخاري بمعناه ق. عن أبي سعيد الخدري قال: # " أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أي الناس أفضل قال مؤمن ~~يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله قال ثم من قال ثم رجل في شعب من الشعاب ~~يعبد الله " # وفي رواية # " يتقي الله ويدع الناس من شره " # خ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده فإن شبعه ~~وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة " # يعني حسنات خ عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ما أغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار " # م عن أبي مسعود الأنصاري البدري قال: # " جاء رجل بناقة مخطومة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذه في ~~سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لك بها يوم القيامة سبعمائة ~~ناقة كلها مخطومة " # عن خريم بن فاتك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أنفق نفقة في سبيل الله كتب الله له سبعمائة ضعف " # أخرجه الترمذي والنسائي. ### || [9.122] # قوله سبحانه وتعالى: { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } الآية. قال ~~عكرمة: لما نزلت هذه الآية ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا عن رسول الله قال ناس من المنافقين. هلك من تخلف فنزلت هذه الآية ~~ومن كان المؤمنون لينفروا كافة. وقال ابن عباس: أنها ليست في الجهاد ولكن ~~لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين أجدبت بلادهم ~~فكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد ويقبلوا ~~بالإسلام وهم كاذبون فضيقوا على أصحاب رسول الله صلى ms1617 الله عليه وسلم ~~وأجهدوهم فأنزل الله عز وجل الآية يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم ~~ليسوا مؤمنين فردهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عشائرهم وحذر قومهم ~~أن يفعلوا فعلهم إذا رجعوا إليهم فذلك قوله سبحانه وتعالى: { ولينذروا ~~قومهم إذا رجعوا إليهم } وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه قال: " كان ~~ينطلق من كل حي من العرب عصابة فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه ~~عما يريدون من أمر دينهم ويتفقهون في دينهم ويقولون للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ما تأمرنا أن نفعله وأخبرنا عما نقول لعشائرنا إذا انلطقنا إليهم ~~فيأمرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بطاعة الله وطاعة رسوله ويبعثهم إلى ~~قومهم بالصلاة والزكاة فكانوا إذا أتوا قومهم نادوا أن من أسلم فهو منا ~~وينذرونهم حتى أن الرجل ليفارق أباه وأمه وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يخبرهم بما يحتاجون إليه من أمر الدين وأن ينذروا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم ويدعوهم إلى الإسلام وينذرهم ويبشروهم بالجنة وقال مجاهد: إن ناسا ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس ~~معروفا ومن الحطب وما ينتفعون به ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى ~~فقال الناس لهم ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم ~~تحرجا وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال الله عز وجل { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } يبتغون الخير ~~وقعد طائفة { ليتفقهوا في الدين } ليسمعوا ما أنزل الله { ولينذروا قومهم ~~} من الناس { إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } وقال ابن عباس: ما كان ~~المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده ~~فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة يعني عصبة يعني السرايا ولا يسيرون إلا ~~بإذنه فإذا رجعت السرايا وقد نزل في بعضهم قرآن تعلمه القاعدون من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقالوا إن الله قد أنزل على نبيكم من بعدكم ~~قرآنا وقد تعلمناه فمكث ms1618 السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم ~~وتبعث سرايا أخرى فذلك قوله سبحانه وتعالى ليتفقهوا في الدين يقول ~~ليتعلموا ما أنزل الله على نبيهم ويعلموا السرايا إذا رجعت إليهم لعلهم ~~يحذرون نقل هذه الأقوال كلها الطبري وأما تفسير الآية فيمكن أن يقال إنها ~~من بقية أحكام الجهاد ويمكن أن يقال إنها كلام مبتدأ لا تعلق له بالجهاد ~~فعلى الاحتمال الأول فقد قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج ~~للغزو ولم يتخلف عنه إلا منافق أو صاحب عذر فلما بالغ الله في الكشف عن ~~عيوب المنافقين وفضحهم في تخلفهم عن غزوة تبوك قال المؤمنون والله لا ~~نتخلف عن شيء من الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن سرية ~~يبعثها فلما قدم المدينة وبعث السرايا نفر المسلمون جميعا إلى الغزو ~~وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فنزلت هذه الآية فيكون المعنى ~~ما كان ينبغي للمؤمنين ولا يجوز لهم أن ينفروا بكليتهم إلى الجهاد ~~ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بل يجب أن ينقسموا إلى قسمين ~~فطائفة يكونون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة ينفرون إلى الجهاد ~~لأن ذلك الوقت كانت الحاجة داعية إلى انقسام أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى قسمين: قسم للجهاد، وقسم لتعلم العلم والتفقه في الدين، ~~لأن الأحكام والشرائع كانت تتجدد شيئا بعد شيء فالملازمون لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يحفظون ما نزل من الأحكام وما تجدد من الشرائع فإذا ~~قدم الغزاة أخبروهم بذلك فيكون معنى الآية وما كان المؤمنون لينفروا كافة ~~فلولا يعني فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة للجهاد وقعد طائفة ليتفقهوا ~~في الدين ولينذروا قومهم الذين نفروا إلى الجهاد إذا رجعوا إليهم من ~~غزوهم لعلهم يحذرون يعني مخالفة أمر الله وأمر رسوله وهذا معنى قول ~~قتادة. # وقيل: إن التفقه صفة للطائفة النافرة قال الحسن: ليتفقه الذين خرجوا بما ~~يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة وينذروا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم ms1619 ومعنى ذلك أن الفرقة النافرة إذا شاهدوا نصر الله لهم على أعدائهم ~~وأن الله يريد إعلاء دينه وتقوية نبيه صلى الله عليه وسلم وأن الفئة ~~القليلة قد غلبت جمعا كثيرا، فإذا رجعوا من ذلك النفير إلى قومهم من ~~الكفار، أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر والفتح والظفر لهم لعلهم ~~يحذرون فيتركوا الكفر والنفاق وأورد على هذا القول أن هذا النوع لا يعد ~~تفقها في الدين ويمكن أن يجاب عنه بأنهم إذا علموا أن الله هو ناصرهم ~~ومقويهم على عدوهم كان ذلك زيادة في إيمانهم فيكون ذلك فقها في الدين. ~~وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يقال إن هذه الآية كلام مبتدأ لا تعلق له ~~بالجهاد وهو ما ذكرناه عن مجاهد أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم خرجوا إلى البوادي فأصابوا معروفا ودعوا من وجدوا من الناس إلى ~~الهدى فقال الناس لهم: ما نراكم إلا وقد تركتم صاحبكم وجئتمونا فوجدوا في ~~أنفسهم من ذلك حرجا فأقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية والمعنى هلا نفر من كل فرقة ~~طائفة وقعد طائفة ليتفقهوا في الدين ويبلغوا ذلك إلى النافرين لينذروا ~~قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون يعني بأس الله ونقمته إذا خالفوا ~~أمره في الآية دليل على أنه يجب أن يكون المقصود من العلم والتفقه دعوة ~~الخلق إلى الحق وإرشادهم إلى الدين القويم والصراط المستقيم فكل من تفقه ~~وتعلم بهذا القصد كان المنهج القويم والصراط المستقيم ومن عدل عنه وتعلم ~~العلم لطلب الدنيا كان من الأخسرين أعمالا الآية ق. # عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم ويعطى الله ولم ~~يزل أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة وحتى يأتي أمر الله " # ق. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " # عن ms1620 ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد " # أخرجه الترمذي وأصل الفقه في اللغة الفهم يقال فقه الرجل إذا فهم وفقه ~~فقاهة إذا صار فقيها. وقيل: الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو ~~أخص من العلم وفي الاصطلاح الفقه عبارة عن العلم بأحكام الشرائع وأحكام ~~الدين وذلك ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية ففرض العين معرفة أحكام الطهارة ~~وأحكام الصلاة والصوم فعلى كل مكلف معرفة ذلك قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " طلب العلم فريضة على كل مسلم " # ذكره البغوي بغير سند وكذلك كل عبادة وجبت على المكلف بحكم الشرع يجب ~~عليه معرفة علمها مثل علم الزكاة إذا صار له مال يجب في مثله الزكاة وعلم ~~أحكام الحج إذا وجب عليه. وأما فرض الكفاية من الفقه، فهو أن يتعلم حتى ~~يبلغ رتبة الاجتهاد ودرجة الفتيا وإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعا ~~وإذا قام به من كل بلد واحد فتعلم حتى بلغ درجة الفتيا سقط الفرض عن ~~الباقين وعليهم تقليده فيما يقع لهم من الحوادث. عن أبي أمامة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم " # أخرجه الترمذي مع زيادة فيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة " # أخرجه الترمذي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع " # أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة ~~عادلة " # أخرجه أبو داود. الآية المحكمة هي التي لا اشتباه فيها ولا اختلاف في ~~حكمها أو ما ليس بمنسوخ، والسنة القائمة هي المستمرة الدائمة التي العمل ~~بها متصل لا يترك، والفريضة العادلة هي ms1621 التي لا جور فيها ولا حيف في ~~قضائها. قال الفضيل بن عياض: عالم عامل معلم يدعى عظيما في ملكوت ~~السموات. وأخرجه الترمذي موقوفا وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: " ~~طلب العلم أفضل من صلاة النافلة ". ### || [9.123-125] # قوله سبحانه وتعالى: { يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار } أمروا بقتال الأقرب فالأقرب إليهم في الدار والنسب قال ابن ~~عباس: مثل قريظة والنضير وخيبر ونحوها. وقال ابن عمر: هم الروم لأنهم ~~كانوا مكان الشأم والشأم أقرب إلى المدينة من العراق. وقال بعضهم: هم ~~الديلم. وقال ابن زيد: كان الذين يلونهم من الكفار العرب فقاتلوهم حتى ~~فرغوا منهم فأمروا بقتال أهل الكتاب وجهادهم حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية ~~عن يد. ونقل عن بعض العلماء أنه قال: نزلت هذه الآية قبل الأمر بقتال ~~المشركين كافة فلما نزلت: { وقاتلوا المشركين كافة } صارت ناسخة لقوله ~~تعالى: { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } وقال المحققون من العلماء: لا ~~وجه للنسخ، لأنه سبحانه وتعالى لما أمرهم بقتال المشركين كافة أرشدهم إلى ~~الطريق الأصوب الأصلح وهو أن يبدؤوا بقتال الأقرب فالأقرب حتى يصلوا إلى ~~الأبعد فالأبعد وبهذا الطريق يحصل الغرض من قتال المشركين كافة لأن ~~قتالهم في دفعة واحدة لا يتصور، ولهذا السبب قاتل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أولا قومه، ثم انتقل منهم إلى قتال سائر العرب ثم انتقل إلى ~~قتال أهل الكتاب وهم: قريظة، والنضير، وخيبر، وفدك، ثم انتقل إلى غزو ~~الروم في الشأم فكان فتح الشأم في زمن الصحابة ثم إنهم انتقلوا إلى ~~العراق ثم بعد ذلك إلى سائر الأمصار لأنه إذا قاتل الأقرب تقوى بما ينال ~~منهم من الغنائم على الأبعد. قوله سبحانه وتعالى: { وليجدوا فيكم غلظة } ~~يعني شدة وقوة وشجاعة والغلظة ضد الرقة. وقال الحسن: صبرا على جهادهم { ~~واعلموا أن الله مع المتقين } يعني بالعون والنصرة. قوله عز وجل: { وإذا ~~ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا } يعني: وإذا أنزل ~~الله سورة من سور القرآن فمن المنافقين من يقول يعني ms1622 يقول بعضهم لبعض ~~أيكم زادته هذه يعني السورة إيمانا يعني تصديقا ويقينا وإنما يقول ذلك ~~المنافقون استهزاء وقيل: يقول ذلك المنافقون لبعض المؤمنين فقال سبحانه ~~وتعالى: { فأما الذين آمنوا فزادتهم أيمانا } يعني تصديقا ويقينا ~~وقربة من الله، ومعنى الزيادة، ضم شيء إلى آخر من جنسه مما هو في صفته ~~فالمؤمنون إذا أقروا بنزول سورة القرآن عن ثقة واعترفوا أنها من عند الله ~~عز وجل زادهم ذلك القرار والاعتراف إيمانا وقد تقدم بسط الكلام على ~~زيادة الإيمان في أول سورة الأنفال { وهم يستبشرون } يعني أن المؤمنين ~~يفرحون بنزول القرآن شيئا بعد شيء لأنهم كلما نزل ازدادوا إيمانا وذلك ~~يوجب مزيد الثواب في الآخرة كما تحصل الزيادة في الإيمان بسبب نزول ~~القرآن كذلك تحصل الزيادة في الكفر وهو قوله سبحانه { وأما الذين في ~~قلوبهم مرض } أي شك ونفاق سمي الشك في الدين مرضا لأنه فساد في القلب ~~يحتاج إلى علاج كالمرض في البدن إذا حصل يحتاج إلى العلاج { فزادتهم } ~~يعني السورة من القرآن { رجسا إلى رجسهم } يعني كفرا إلى كفرهم وذلك ~~أنهم كلما جحدوا نزول سورة أو استهزؤوا بها ازدادوا كفرا مع كفرهم الأول ~~وسمي الكفر رجسا لأنه أقبح الأشياء وأصل الرجس في اللغة الشيء المستقذر ~~{ وماتوا } يعني هؤلاء المنافقين { وهم كافرون } يعني وهم جاحدون لما ~~أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم. # قال مجاهد: في هذه الآية الإيمان يزيد وينقص وكان عمر يأخذ بيد الرجل ~~والرجلين من أصحابه ويقول تعالوا حتى نزداد إيمانا. وقال علي بن أبي ~~طالب كرم الله وجهه: إن الإيمان يبدو لمعة بيضاء في القلب وكلما ازداد ~~الإيمان عظما ازداد ذلك البياض حتى يبيض القلب كله، وإن النفاق يبدو ~~لمعة سوداء في القلب وكلما ازداد النفاق ازداد السواد حتى يسود القلب ~~كله، وأيم الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض ولو شقتتم عن قلب ~~منافق لوجدتموه أسود. ### || [9.126-128] # قوله سبحانه وتعالى: { أولا يرون } قرئ ترون بالتاء على خطاب المؤمنين ~~وقرئ بالياء على أنه خبر ms1623 عن المنافقين المذكورين في قوله في قلوبهم مرض { ~~أنهم يفتنون } يعني يبتلون { في كل عام مرة أو مرتين } يعني بالأمراض ~~والشدائد. وقيل: بالقحط والجدب. وقيل: بالغزو والجهاد. وقيل: إنهم ~~يفتضحون بإظهار نفاقهم. وقيل: إنهم ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون. وقيل ~~إنهم ينقضون عهدهم في السنة مرة أو مرتين { ثم لا يتوبون } يعني من ~~النفاق ونقض العهد ولا يرجعون إلى الله { ولا هم يذكرون } يعني ولا ~~يتعظون بما يرون من صدق وعد الله بالنصر والظفر للمسلمين { وإذا ما أنزلت ~~سورة } يعني فيها عيب المنافين وتوبيخهم { نظر بعضهم إلى بعض } يريدون ~~بذلك الهرب يقول بعضهم لبعض إشارة { هل يراكم من أحد } يعني هل أحد من ~~المؤمنين يراكم إن قمتم من مجلسكم فإن لم يرهم أحد خرجوا من المسجد وإن ~~علموا أن أحدا يراهم من المؤمنين أقاموا ولبثوا على تلك الحال { ثم ~~انصرفوا } يعني عن الإيمان بتلك السورة النازلة. وقيل: انصرفوا عن ~~مواضعهم التي يسمعون فيها ما يكرهون { صرف الله قلوبهم } يعني عن ~~الإيمان. وقال الزجاج: أضلهم الله مجازاة لهم على فعلهم { بأنهم قوم لا ~~يفقهون } يعني لا يفقهون عن الله دينه ولا شيئا فيه نفعهم. قوله سبحانه ~~وتعالى: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } هذا خطاب للعرب يعني: لقد جاءكم ~~أيها العرب رسول من أنفسكم تعرفون نسبه وحسبه وأنه من ولد إسماعيل بن ~~إبراهيم عليه السلام قال ابن عباس ليس قبيلة من العرب إلا وقد ولدت النبي ~~صلى الله عليه وسلم وله فيهم نسب وقال جعفر بن محمد الصادق: لم يصبه شيء ~~من ولادة الجاهلية. عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح " # هكذا ذكره الطبري وذكر البغوي بإسناد الثعلبي. عن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء ما ولدني إلا نكاح كنكاح أهل ~~الإسلام " # قال قتادة: جعله الله من أنفسكم فلا يحسدونه على ما أعطاه الله من ~~النبوة والكرامة. قال بعض ms1624 العلماء في تفسير قول ابن عباس: ليس قبيلة من ~~العرب إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: من مضرها وربيعتها ~~ويمانها فأما ربيعة ومضر فهم من ولد معد بن عدنان وإليه تنسب قريش وهو ~~منهم وأما نسبه إلى عرب اليمن وهم القحاطنة فإن آمنة لها نسب في الأنصار ~~وإن كانت من قريش والأنصار أصلهم من عرب اليمن من ولد قحطان بن سبأ فعلى ~~هذا القول يكون المقصود من قوله: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم }. # ترغيب العرب في نصره والإيمان به فإنه تم شرفهم بشرفه وعزتهم بعزته ~~وفخرهم بفخره وهو من عشيرتهم يعرفونه بالصدق والأمانة والصيانة والعفاف ~~وطهارة النسب والأخلاق الحميدة. وقرأ ابن عباس والزهري: من أنفسكم بفتح ~~الفاء. ومعناه: أنه من أشرفكم وأفضلكم خ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت منه ~~" # م عن واثلة بن الأسقع قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من ~~قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم " # عن العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قلت يا ~~رسول الله إن قريشا جلسوا يتذاكرون أحسابهم بينهم فقالوا مثلك كمثل نخلة ~~في كدية من الأرض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فريقهم وخير الفريقين ثم تخير ~~القبائل فجعلني من خير قبيلة ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم فأنا ~~خيرهم نفسا وخيرهم بيتا " # أخرجه الترمذي. وقيل إن قوله سبحانه وتعالى: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم ~~} عام فحمله على العموم أولى فيكون المعنى على هذا القول لقد جاءكم أيها ~~الناس رسول من أنفسكم يعني من جنسكم بشر مثلكم إذ لو كان من الملائكة ~~لضعفت قوى البشر عن سماع كلامه والأخذ عنه. قوله سبحانه وتعالى: { عزيز ~~عليه ما عنتم } أي شديد عليه ms1625 عنتكم يعني مكروهكم. وقيل: يشق عليه ضلالكم ~~{ حريص عليكم } حريص على إيمانكم وإيصال الخير إليكم وقال قتادة: حريص ~~على هدايتكم وأن يهديكم الله { بالمؤمنين رؤوف رحيم } يعني أنه صلى الله ~~عليه وسلم رؤوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين ق. عن جبير بن مطعم قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي ~~الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب والعاقب الذي ~~ليس بعده نبي " # وقد سماه الله رؤوفا رحيما. قال الحسن بن الفضل: لم يجمع الله سبحانه ~~وتعالى لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسماه رؤوفا رحيما قال سبحانه وتعالى: # إن الله بالناس لرؤوف رحيم # [البقرة: 143]. ### || [9.129] # قوله سبحانه وتعالى: { فإن تولوا } يعني فإن أعرض هؤلاء الكفار ~~والمنافقون عن الإيمان بالله ورسوله وناصبوك للحرب { فقل حسبي الله } ~~يعني يكفيني الله وينصرني عليكم { لا إله إلا هو عليه توكلت } يعني لا ~~على غيره وبه وثقت { وهو رب العرش العظيم } إنما خص سبحانه وتعالى العرش ~~بالذكر لأنه أعظم المخلوقات فيدخل ما دونه في الذكر فيكون المعنى فهو رب ~~العرش العظيم فما دونه أو يكون خصه بالذكر تشريفا له كما يقال بيت الله، ~~وروي عن أبي بن كعب أنه قال: هاتان الآيتان لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى ~~آخر السورة آخر القرآن نزلا وفي رواية عنه أنه قال: أحدث القرآن عهدا ~~بالله هاتان الآيتان لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر الآيتين والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1] # قوله عز وجل: { الر } قال ابن عباس والضحاك معناه أنا الله أرى وقال ابن ~~عباس في رواية أخرى: عنه الر وحم ون حروف الرحمن مقطعة وبه قال سعيد بن ~~جبير وسالم بن عبد الله وقال قتادة: الر اسم من أسماء القرآن وقيل هي اسم ~~للسورة وقد تقدم الكلام في معنى الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما ~~فيه كفاية { تلك آيات الكتاب } المراد ms1626 في لفظ تلك الإشارة إلى الآيات ~~الموجودة في هذه السورة ويكون التقدير تلك الآيات هي آيات الكتاب وهو ~~القرآن الذي أنزله الله إليك يا محمد وذلك أن الله عز وجل وعده أن ينزل ~~عليه كتابا لا يمحوه الماء ولا تغيره الدهور. وقيل: إن لفظة تلك للإشارة ~~إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن. والمعنى: أن تلك الآيات هي آيات ~~الكتاب الحكيم، وفيه قول آخر أن المراد بآيات الكتاب الكتب التي قبل ~~القرآن حكاه الطبري عن قتادة. وروي عن مجاهد أنها التوراة والإنجيل فعلى ~~هذا القول يكون التقدير أن الآيات المذكورة في هذه السورة هي الآيات ~~المذكورة في التوراة أو الإنجيل والمراد من الآيات القصص المذكورة في هذه ~~السورة وهذا وإن كان له وجه فهو ضعيف لأن التوراة والإنجيل لم يجر لهما ~~ذكر قريب حتى يشار إليهما قيل: إن المراد من الآيات حروف الهجاء التي ~~منها الر سميت آيات لأنها افتتاح السور وسر القرآن { الحكيم } يعني ~~المحكم الحلال والحرام والحدود والأحكام. فعيل: بمعنى مفعول. وقيل: ~~الحكيم بمعنى الحاكم فعيل بمعنى فاعل لأن القرآن حاكم يميز بين الحق ~~والباطل ويفصل الحلال من الحرام. وقيل: حكيم بمعنى المحكوم فيه فيعمل ~~بمعنى مفعول. قال الحسن: حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى. ~~وقيل: إن الحكيم هو الذي يفعل الحكمة والصواب فمن حيث إنه يدل على ~~الأحكام صار كأنه هو الحكيم في نفسه. ### || [10.2-4] # قوله سبحانه وتعالى: { أكان للناس عجبا } قال ابن عباس: سبب نزول هذه ~~الآية أن الله عز وجل لما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت ~~العرب ذلك ومن أنكر منهم قال: الله أعظم من أن يكون له رسول بشر مثل محمد ~~فقال الله سبحانه وتعالى: { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم } ~~وقال سبحانه وتعالى: # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا # [يوسف: 109] الآية والهمزة في أكان همزة استفهام ومعناه الإنكار ~~والتوبيخ والمعنى لا يكون ذلك عجبا { أن أوحينا إلى رجل منهم } والعجب ~~حالة تعتري الإنسان من رؤية شيء ms1627 على خلاف العادة. وقيل: العجب حالة تعتري ~~الإنسان عند الجهل بسبب الشيء ولهذا قال بعض الحكماء: العجب ما لا يعرف ~~سببه والمراد بالناس هنا أهل مكة وبالرجل محمد صلى الله عليه وسلم منهم ~~يعني من أهل مكة من قريش يعرفون نسبه وصدقه وأمانته { أن أنذر الناس } ~~يعني خوفهم بعقاب الله تعالى إن أصروا على الكفر والمخالفة والإنذار ~~إخبار مع تخويف كما أن البشارة إخبار مع سرور وهو قوله سبحانه وتعالى: { ~~وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم } اختلفت عبارات المفسرين وأهل ~~اللغة في معنى قدم صدق. فقال ابن عباس: أجرا حسنا بما قدموا من أعمالم. ~~وقال الضحاك: ثواب صدق. وقال مجاهد: الأعمال الصالحة صلاتهم وصومهم ~~وصدقتهم وتسبيحهم. وقال الحسن:عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه. وفي رواية ~~أخرى عن ابن عباس أنه قال: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول يعني في ~~اللوح المحفوظ. وقال زيد ابن اسلم: هو شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وهو ~~قول قتادة. وقيل: لهم منزلة رفيعة عند ربهم وأضيف القدم إلى الصدق وهو ~~نعته كقوله مسجد الجامع وصلاة الأولى وحب الحصيد والفائدة في هذه الإضافة ~~التنبيه على زيادة الفضل ومدح القدم لأن كل شيء أضيف إلى الصدق فهو ممدوح ~~ومثله في مقعد صدق، وقال أبو عبيدة: كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب ~~قدم. يقال: لفلان قدم في الإسلام وقدم في الخير ولفلان عندي قدم صدق وقدم ~~سوء. قال حسان بن ثابت: # لنا القدم العليا إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع # وقال الليث وأبو الهيثم القدم السابق والمعنى أنه قد سبق لهم عند الله ~~خير قال ذو الرمة: # وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة لهم قدم معروفة ومفاخر # والسبب في إطلاق لفظ القدم على هذه المعاني أن السعي والسبق لا يحصل إلا ~~بالقدم فسمى المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد. ~~وقال ذو الرمة: # لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العادي طمت على البحر # معناه لكم سابقة ms1628 عظيمة لا ينكرها الناس وقال آخر. # صل لذي العرش واتخذ قدما تنجيك يوم العثار والزلل # وقوله سبحانه وتعالى: { قال الكافرون إن هذا لساحر مبين } وقرئ: لساحر ~~مبين وفيه حذف تقديره أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم فلما ~~جاءهم بالوحي وأنذرهم قال الكافرون: إن هذا لساحر، يعنون محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، وإنما نسبوه إلى السحر لما أتاهم بالمعجزات الباهرات التي لا ~~يقدر أحد من البشر أن يحصل مثلها، ومن قرأ السحر فإنهم عنوا به القرآن ~~المنزل عليه وإنما نسبوه إلى السحر لأن فيه الإخبار بالبعث والنشور ~~وكانوا ينكرون ذلك. قوله عز وجل: { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض ~~في ستة أيام ثم استوى على العرش } تقدم تفسير هذا في سورة الأعراف بما ~~فيه كفاية. وقوله سبحانه وتعالى: { يدبر الأمر } قال مجاهد: يقضيه وحده. ~~وقيل: معنى التدبير، تنزيل الأمور في مراتبها وعلى أحكام عواقبها. وقيل: ~~إنه سبحانه وتعالى يقضي ويقدر على حسب مقتضى الحكمة وهو النظر في أدبار ~~الأمور وعواقبها لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي. وقيل: معناه إنه ~~سبحانه وتعالى يدبر أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض فلا يحدث ~~حدث في العالم العلوي ولا في العالم السفلي إلا بإرادته وتدبيره وقضائه ~~وحكمته { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } يعني: لا يشفع عنده شافع يوم ~~القيامة إلا من بعد أن يأذن له في الشفاعة لأنه عالم بمصالح عباده وبموضع ~~الصواب والحكمة في تدبيرهم فلا يجوز لأحد أن يسأله ما ليس له به علم فإذا ~~أذن له في الشفاعة كان له أن يشفع فيمن يأذن له فيه وفيه رد على كفار ~~قريش في قولهم: إن الأصنام تشفع لهم عند الله يوم القيامة فأخبر الله ~~سبحانه وتعالى أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه لأن له التصرف المطلق في ~~جميع العالم { ذلكم الله ربكم } يعني الذي خلق هذه الأشياء ودبرها هو ~~ربكم وسيدكم لا رب لكم سواه { فاعبدوه } أي فاجعلوا عبادتكم له لا لغيره ~~لأنه المستحق للعبادة بما ms1629 أنعم عليكم من النعم العظيمة { أفلا تذكرون } ~~يعني أفلا تتعظون وتعتبرون بهذه الدلائل والآيات التي تدل على وحدانيته ~~سبحانه وتعالى: { إليه مرجعكم جميعا } يعني إلى ربكم الذي خلق جميع ~~المخلوقات مصيركم جميعا أيها الناس يوم القيامة والمرجع بمعنى الرجوع { ~~وعد الله حقا } يعني وعدكم الله ذلك وعدا حقا { إنه يبدأ الخلق ثم ~~يعيده } أي يحييهم ابتداء ثم يميتهم ثم يحييهم وهذا معنى قول مجاهد فإنه ~~قاله يحييه ثم يميته ثم يحييه. وفي هذه الآية دليل على إمكان الحشر ~~والنشر والمعاد وصحة وقوعه ورد على منكري البعث ووقوعه، لأن القادر على ~~خلق هذه الأجسام المؤلفة والأعضاء المركبة على غير مثال سبق، قادر على ~~إعادتها بعد تفرقها بالموت والبلى، فيركب تلك الأجزاء المتفرقة تركيبا ~~ثانيا ويخلق الإنسان الأول مرة أخرى وكما لم يمتنع تعلق هذه النفس ~~بالبدن في المرة الأولى لم يمتنع تعلقها بالبدن مرة أخرى وإذا ثبت القول ~~بصحة المعاد والبعث بعد الموت كان المقصود منها إيصال الثواب للمطيع ~~والعقاب للعاصي وهو قوله سبحانه وتعالى: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات بالقسط } يعني بالعدل لا ينقص من أجورهم شيئا { والذين كفروا ~~لهم شراب من حميم } هو ماء حار قد انتهى حره { وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون }. ### || [10.5-7] # { هو الذي جعل الشمس ضياء } يعني ذات ضياء { والقمر نورا } يعني ذا ~~نور. واختلف العلماء أصحاب الكلام في أن الشعاع الفائض من الشمس هل هو ~~جسم أو عرض، والحق أنه عرض وهو كيفية مخصوصة فالنور اسم لأصل هذه الكيفية ~~والضوء اسم لهذه الكيفية إذا كانت كاملة تامة قوية فلهذا خص الشمس ~~بالضياء لأنها أقوى وأكمل من النور وخص القمر بالنور لأنه أضعف من الضياء ~~ولأنهما لو تساويا لم يعرف الليل من النهار فدل ذلك على أن الضياء المختص ~~بالشمس أكمل وأقوى من النور المختص بالقمر { وقدره منازل } قيل: الضمير ~~في وقدره يرجع إلى الشمس والقمر والمعنى قدر لهما منازل أو قدر لسيرهما ~~منازل لا يجاوزانهما في السير ولا يقصران عنهما وإنما وحد الضمير في ~~وقدره ms1630 للإيجاز أو اكتفى بذكر أحدهما دون الآخر فهو كقوله سبحانه وتعالى: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62] وقيل: الضمير في وقدره يرجع إلى القمر وحده لأن سير القمر ~~في المنازل أسرع وبه يعرف انقضاء الشهور والسنين وذلك لأن الشهور ~~المعتبرة في الشرع مبنية على رؤية الأهلة والسنة المعتبرة في الشرع هي ~~السنة القمرية لا الشمسية. ومنازل القمر ثمان وعشرون منزلة: وهي الشرطين، ~~والبطين، والثرايا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، ~~والطرف والجبهة، والزبرة، والصفرة، والعواء، والسماك، والغفر، والزباني، ~~والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، ~~وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرغ الدلو المقدم، وفرغ الدلو المؤخر، وبطن ~~الحوت، فهذه منازل القمر وهي مقسومة على اثني عشر برجا وهي: الحمل، ~~والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، ~~والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، لكل برج منزلان وثلث منزل وينزل القمر ~~كل ليلة منزلا منهما إلى انقضاء ثمانية وعشرين ليلة ثم يستتر ليلتين إن ~~كان الشهر ثلاثين وإن كان تسعا وعشرين اختفى ليلة واحدة { لتعلموا عدد ~~السنين } يعني قدر هذه المنازل لتعلموا بها عدد السنين ووقت دخولها ~~وانقضائها { والحساب } يعني: ولتعلموا حساب الشهور والأيام والساعات ~~ونقصانها وزيادتها { ما خلق الله ذلك إلا بالحق } يعني للحق وإظهار قدرته ~~ودلائل وحدانيته ولم يخلق ذلك باطلا ولا عبثا { يفصل الآيات لقوم ~~يعلمون } يعني يبين دلائل التوحيد بالبراهين القاطعة لقوم يستدلون بها ~~على قدرة الله ووحدانيته { إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في ~~السموات والأرض لآيات لقوم يتقون } تقدم تفسير هذه الآية في نظائرها { إن ~~الذين لا يرجون لقاءنا } يعني لا يخافون لقاءنا يوم القيامة فهم مكذبون ~~بالثواب والعقاب والرجاء يكون بمعنى الخوف تقول العرب: فلان لا يرجو ~~فلانا بمعنى: لا يخافه، ومنه قوله سبحانه وتعالى ما لكم لا ترجون الله ~~وقارا ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # أي لم يخفه. والرجاء يكون بمعنى الطمع، فيكون المعنى: لا يطمعون في ~~ثوابنا { ورضوا بالحياة الدنيا } يعني: اختاروها وعملوا في طلبها فهم ~~راضون ms1631 بزينة الدنيا وزخرفها { واطمأنوا بها } يعني وسكنوا إليها مطمئنين ~~فيها وهذه الطمأنينة التي حصلت في قلوب الكفار من الميل إلى الدنيا ~~ولذاتها أزالت عن قلوبهم الوجل والخوف فإذا سمعوا الإنذار والتخويف لم ~~يصل ذلك إلى قلوبهم { والذين هم عن آياتنا غافلون } قيل المراد بالآيات ~~أدلة التوحيد. وقال ابن عباس: عن آياتنا يعني عن محمد صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن غافلون: أي معرضون. ### || [10.8-11] # { أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } يعني: من الكفر والتكذيب ~~والأعمال الخبيثة. قوله عز وجل: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ~~ربهم بإيمانهم } يعني يهديهم ربهم إلى الجنان ثوابا لهم بإيمانهم ~~وأعمالهم الصالحة وقال مجاهد: يهديهم على الصراط إلى الجنة: يجعل لهم ~~نورا يمشون به. وقال قتادة: بلغنا أن المؤمن إذا خرج من قبره يصور له ~~عمله في صورة حسنة فيقول له: من أنت فيقول: أنا عملك. فيكون له نورا ~~وقائدا إلى الجنة، والكافر بالضد، فلا يزال به عمله حتى يدخله النار ~~وقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون المعنى أن الله يزيدهم هداية بخصائص ~~ولطائف وبصائر ينور بها قلوبهم ويزيل بها الشكوك عنهم ويجوز أن يكون ~~المعنى ويثبتهم على الهداية وقيل معناه بإيمانهم يهديهم ربهم لدينه أي ~~بتصديقهم هداهم { تجري من تحتهم الأنهار } يعني بين أيديهم ينظرون إليها ~~من أعالي أسرتهم وقصورهم فهو كقوله سبحانه وتعالى: # قد جعل ربك تحتك سريا # [مريم: 24] لم يرد به أنه تحتها وهي قاعدة عليه بل أراد بين يديها. ~~وقيل: تجري بأمرهم { في جنات النعيم } يعني ذلك لهم جنات النعيم { دعواهم ~~فيها } أي قولهم وكلامهم فيها. وقيل: الدعوى بمعنى الدعاء أي دعاؤهم فيها ~~{ سبحانك اللهم } وهي كلمة تنزيه لله تعالى من كل سوء ونقيصة. قال أهل ~~التفسير: هذه الكلمة علامة بين أهل الجنة والخدم في الطعام فإذا أرادوا ~~الطعام قالوا: سبحانك اللهم فيأتونهم في الوقت بما يشتهون على الموائد كل ~~مائدة ميل في ميل على كل مائدة سبعون ألف صحفة في كل صحفة لون من الطعام ~~لا يشبه بعضها بعضا فإذا فرغوا ms1632 من الطعام حمدوا الله على ما أعطاهم فذلك ~~قوله تبارك وتعالى: { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } وقيل: إن ~~المراد بقوله سبحانك اللهم اشتغال أهل الجنة بالتسبيح والتحميد والتقديس ~~لله عز وجل والثناء عليه بما هو أهله وفي هذا الذكر والتحميد سرورهم ~~وابتهاجهم وكمال لذتهم ويدل عليه ما روي عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا ~~يمتخطون قالوا فما بال الطعام قال جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح ~~والتحميد كما يلهمون النفس وفي رواية التسبيح والحمد " # أخرجه مسلم. قوله جشاء أي يخرج ذلك الطعام جشاء وعرقا. وقوله سبحانه ~~وتعالى: { وتحيتهم فيها سلام } يعني يحيي بعضهم بعضا بالسلام. وقيل: ~~تحييهم الملائكة بالسلام وقيل تأتيهم الملائكة من عند ربهم بالسلام { ~~وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } قد ذكرنا أن جماعة من المفسرين ~~حملوا التسبيح والتحميد على أحوال أهل الجنة بسبب المأكول والمشروب وأنهم ~~إذا اشتهوا شيئا قالوا: سبحانك اللهم فيحضر ذلك الشيء وإذا فرغوا منه. # قالوا: الحمد لله رب العالمين فترفع الموائد عند ذلك وقال الزجاج: أعلم ~~الله أهل الجنة يبتدئون بتعظيم الله وتنزيهه ويختمون بشكره والثناء عليه. ~~وقيل: إنهم يفتتحون كلامهم بالتسبيح ويختمونه بالتحميد. وقيل: إنهم ~~يلهمون ذلك كما ذكر في الحديث قوله سبحانه وتعالى: { ولو يعجل الله للناس ~~الشر } يعني ولو يعجل الله للناس إجابة دعائهم في الشر بما لهم فيه مضرة ~~ومكروه في نفس أو مال. قال ابن عباس: هذا في قول الرجل لأهله وولده عند ~~الغضب لعنكم الله لا بارك الله فيكم. وقال قتادة: هو دعاء الرجل على نفسه ~~وماله وأهله وولده بما يكره أن يستجاب له فيه { استعجالهم بالخير } يعني ~~كاستعجالهم بالخير وكما يحبون أن يعجل لهم إجابة دعائهم بالخير { لقضي ~~إليهم أجلهم } يعني لفرغ من هلاكهم وماتوا جميعا والتعجيل تقديم الشيء ~~قبل وقته والاستعجال طلب العجلة. وقال ابن قتيبة: إن الناس عند الغضب ~~والضجر قد يدعون على أنفسهم ms1633 وأهلهم وأولادهم بالموت وتعجيل البلاء كما ~~يدعون بالرزق والرحمة وإعطاء السؤال يقال لو أجابهم الله إذا دعوه بالشر ~~الذي يستعجلون به استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم يعني: لفرغ من ~~هلاكهم ولكن الله عز وجل بفضله وكرمه يستجيب للداعي بالخير ولا يستجيب له ~~في الشر. وقيل: إن هذه الآية نزلت في النضر ابن الحارث حين قال إن كان ~~هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فعلى هذا يكون المعنى ~~ولو يعجل الله للكافرين العذاب كما عجل لهم خير الدنيا من المال والولد ~~لعجل قضاء آجالهم ولهلكوا جميعا ويدل على صحة هذا القول قوله سبحانه ~~وتعالى: { فنذر الذين لا يرجون لقاءنا } يعني فندع الذين لا يخافون ~~عقابنا ولا يؤمنون بالبعث بعد الموت { في طغيانهم } يعني في تمردهم ~~وعتوهم { يعمهون } يعني يترددون ق. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " اللهم إني اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه فإنما أنا بشر أغضب كما يغضب ~~البشر فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له صلاة ~~وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة واجعل ذلك كفارة له يوم القيامة ~~" ### || [10.12-14] # { وإذا مس الإنسان الضر } أي الشدة والجهد والمراد بالإنسان في هذه ~~الآية الكافر { دعانا لجنبه } أي على جنبه مضطجعا { أو قاعدا أو قائما ~~} يريد جميع حالاته لأن الإنسان لا ينفك عن إحدى هذه الحالات الثلاث ~~والمعنى أن المضرور لا يزال داعيا في جميع حالاته إلى أن ينكشف ضره سواء ~~كان مضطجا أو قائما أو قاعدا وهذا القول فيه بعد لأن ذكر الدعاء إلى ~~هذه الأحوال أقرب من ذكر الضر { فلما كشفنا عنه ضره } يعني فلما أزلنا ~~عنه ما نزل به من الضر ودفعنا عنه { مر } يعني على طريقته الأولى قبل مس ~~الضر { كأن لم يدعنا } فيه حذف تقديره كأنه لم يدعنا وإنما أسقط الضمير ~~على سبيل التخفيف { إلى ضر مسه } والمعنى أنه استمر على حالته الأولى قبل ~~أن يمسه الضر ونسي ما كان فيه من الجهد ms1634 والبلاء والضيق والفقر { كذلك زين ~~للمسرفين ما كانوا يعملون } يعني مثل ما زين لهذا الكافر هذا العمل ~~القبيح كذلك زين للمسرفين والمزين هو الله سبحانه وتعالى لأنه مالك الملك ~~والخلق كلهم عبيده يتصرف فيهم كيف يشاء وقيل المزين هو الشيطان وذلك ~~بأقدار الله إياه على ذلك والمسرف هو المجاوز الحد في كل شيء وإنما سمي ~~الكافر مسرفا لأنه أتلف نفسه وضيعها في عبادة الأصنام وأتلف ماله وضيعه ~~في البحائر والسوائب وما كانوا ينفقونه على الأصنام وسدنتها يعني خدامها. ~~وقال ابن جريج: في قوله كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون يعني من ~~الدعاء عند المصيبة وترك الشكر عند الرخاء. وقيل: كما زين لكم أعمالكم ~~كذلك زين للمسرفين الذين كانوا من قبلكم أعمالهم. وبيان مقصود الآية أن ~~الإنسان قليل الصبر عند نزول البلاء قليل الشكر عند حصول النعماء والرخاء ~~فإذا مسه الضر أقبل على الدعاء والتضرع في جميع حالاته مجتهدا في الدعاء ~~طالبا من الله إزالة ما نزل به من المحنة والبلاء فإذا كشف الله ذلك عنه ~~أعرض عن الشكر ورجع إلى ما كان عليه أولا وهذه حالة الغافل الضعيف ~~اليقين فأما المؤمن العاقل فإنه بخلاف ذلك فيكون صابرا عند البلاء شاكر ~~الله عند الرخاء والنعماء كثير التضرع والدعاء في جميع أوقات الراحة ~~والرفاهية وهاهنا مقام أعلى من هذا وهو أن المؤمن إذا ابتلي ببلية أو نزل ~~به مكروه يكون مع صبره على ذلك راضيا بقضاء الله غير معرض بالقلب عنه بل ~~يكونه شاكرا لله عز وجل في جميع أحواله وليعلم العبد المؤمن أن الله ~~تبارك وتعالى مالك الملك على الإطلاق حكيم في جميع أفعاله وله التصرف في ~~خلقه بما يشاء ويعلم أنه إن أبقاه على تلك المحنة فهو عدل وإن أزالها عنه ~~فهو فضل. # قوله سبحانه وتعالى: { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم } يعني أهلكنا الأمم ~~الماضية من قبلكم يخوف بذلك كفار مكة { لما ظلموا } يعني لما أشركوا { ~~وجاءتهم رسلهم بالبينات } يعني فكذبوهم { وما كانوا ليؤمنوا } يعني: هذه ~~الأمم برسلهم ويصدقوهم بما ms1635 جاؤوا به من عند الله { كذلك نجزي القوم ~~المجرمين } يعني: كما أهلكنا الأمم الخالية لما كذبوا رسلهم كذلك نهلككم ~~أيها المشركون بتكذيبكم محمدا صلى الله عليه وسلم { ثم جعلناكم خلائف في ~~الأرض من بعدهم } الخطاب لأهل مكة الذين أرسل فيهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمعنى ثم جعلناكم أيها الناس خلفاء في الأرض من بعد القرون ~~الماضية الذين أهلكناهم { لننظر كيف تعملون } يعني خيرا أو شرا ~~فنعاملكم على حسب أعمالكم والنظر هنا بمعنى العلم يريد لنختبر أعمالكم ~~وهو يعلم ما يكون قبل أن يكون. قال أهل المعاني: معنى النظر، هو طلب ~~العلم وجاز في وصف الله سبحانه وتعالى إظهارا للعدل لأنه سبحانه وتعالى ~~يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم ليجازيهم بحسبه كقوله ~~تبارك وتعالى: # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # [الملك: 2] ذكره الواحدي والرازي م عن سعيد الخدري أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " إن الدنيا حلوة خضرة وأن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا ~~الدنيا واحذروا فتنة النساء " # أخرجه مسلم قوله فاتقوا الدنيا معناه احذروا فتنة الدنيا واحذروا فتنة ~~النساء. ### || [10.15-17] # قوله سبحانه وتعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } يعني وإذا قرئ ~~على هؤلاء المشركين آيات كتابنا الذي أنزلناه إليك يا محمد بينات يعني ~~واضحات تدل على وحدانيتنا وصحة نبوتك { قال الذين لا يرجون لقاءنا } يعني ~~قال هؤلاء المشركون الذين لا يخافون عذابنا ولا يرجون ثوابنا لأنهم لا ~~يؤمنون بالبعث بعد الموت وكل من كان منكرا للبعث فإنه لا يرجوا ثوابا ~~ولا يخاف عقابا { ائت بقرآن غير هذا أو بدله } قال قتادة: قال ذلك مشركو ~~مكة، وقال مقاتل: هم خمسة نفر عبد الله بن أمية المخزومي والوليد بن ~~المغيرة ومكرز بن حفص وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري والعاص بن ~~عامر بن هشام، قال هؤلاء للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت تريد أن نؤمن ~~بك فأت بقرآن غير هذا ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى ومناة وليس فيه ~~عيبها وإن لم ms1636 ينزله الله عليك فقل أنت من عند نفسك أو بدله فاجعل مكان ~~آية عذاب آية رحمة ومكان حرام حلالا ومكان حلال حراما. قال الإمام فخر ~~الدين الرازي: اعلم أن إقدام الكفار على هذا الالتماس يحتمل وجهين: ~~أحدهما: أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء وهو قولهم لو جئتنا ~~بقرآن غير هذا القرآن أو بدلته لآمنا بك وغرضهم السخرية والاستهزاء. ~~الثاني: أن يكونوا قالوا ذلك على سبيل التجربة والامتحان حتى أنه لو فعل ~~ذلك علموا أنه كان كاذبا في قوله: إن هذا القرآن ينزل عليه من عند الله. ~~ومعنى قوله: ائت بقرآن غير هذا أو بدله يحتمل أن يأتي بقرآن آخر مع وجود ~~هذه القرآن والتبديل لا يكون إلا مع وجوده وهو أن يبدل بعض آياته بغيرها ~~كما طلبوه ولما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره الله أن يجيبهم ~~بقوله { قل } أي قل يا محمد لهؤلاء { ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ~~} يعني أن هذا الذي طلبتموه من التبديل ليس إلي وما ينبغي لي أن أغيره ~~من قبل نفسي ولم أومر به { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } يعني فيما آمركم ~~به أو أنهاكم عنه وما أخبركم إلا ما يخبرني الله به وإن الذي أتيتكم به ~~هو من عند الله لا من عندي { إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } أي: ~~قل لهم يا محمد إني أخشى من الله إن خالفت أمره أو غيرت أحكام كتابه أو ~~بدلته فعصيته بذلك أن يعذبني بعذاب عظيم في يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت. ~~قوله سبحانه وتعالى: { قل } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين طلبوا ~~منك تغيير القرآن وتبديله { لو شاء الله ما تلوته عليكم } يعني لو شاء ~~الله لم ينزل علي هذا القرآن ولم يأمرني بقراءته عليكم { ولا أدراكم به } ~~قال ابن عباس: ولا أدراكم الله به ولا أعلمكم به { فقد لبثت فيكم عمرا ~~من قبله } يعني فقد مكثت فيكم قبل أن يوحى إلي هذا القرآن مدة ms1637 أربعين سنة ~~لم آتكم بشيء ووجه هذا الاحتجاج أن كفار مكة كانوا قد شاهدوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه وعلموا أحواله وأنه كان أميا لم يطالع ~~كتابا ولا تعلم من أحد مدة عمره قبل الوحي وذلك أربعون سنة ثم بعد ~~الأربعين جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس العلوم وأخبار ~~الماضين وفيه من الأحكام والآداب ومكارم الأخلاق والفصاحة والبلاغة ما ~~أعجز البلغاء والفصحاء عن معارضته فكل من له عقل سليم وفكر ثاقب يعلم أن ~~هذا لم يحصل إلا بوحي من الله تعالى لا من عند نفسه وهو قوله { أفلا ~~تعقلون } يعني أن هذا القرآن من عند الله أوحاه إلي لا من قبل نفسي ق عن ~~ابن عباس قال: # " أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة فمكث ثلاث ~~عشرة سنة يوحى إليه ثم أمر بالهجرة فهاجر إلى المدينة فمكث بها عشر سنين ~~ثم توفي صلى الله عليه وسلم " # وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة ثلاث عشرة سنة ~~يوحى إليه وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، وفي رواية # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصوت ويرى ~~الضوء سبع سنين ولا يرى شيئا وثمان سنين يوحى إليه وأقام بالمدينة عشرا ~~أو توفي وهو ابن خمس وستين سنة " # أخرجاه في الصحيحين ق عن عائشة قالت: # " توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة " # أخرجاه في الصحيحين م عن أنس قال: # " قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة وأبو بكر ~~وهو ابن ثلاث وستين وعمر وهو ابن ثلاث وستين أخرجه مسلم " # ق. عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال سمعت # " أنس بن مالك يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كان ربعة من ~~القوم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير أزهر اللون ليس بالأبيض الأمهق ولا ~~بالآدم ليس بجعد قطط ولا سبط رجل أنزل عليه الوحي وهو ms1638 ابن أربعين سنة ~~فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه الوحي وبالمدينة عشرا وتوفاه الله على رأس ~~ستين سنة وليس في رأسه ولحيته عشرون شعره بيضاء " # أخرجاه في الصحيحن قال الشيخ محيي الدين النووي: ورد في عمره صلى الله ~~عليه وسلم ثلاث روايات إحداها أنه صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن ستين ~~سنة والثانية خمس وستون سنة والثالثة ثلاث وستون سنة وهو أصحها وأشهرها ~~رواها مسلم من حديث أنس وعائشة وابن عباس واتفق العلماء على أن أصحها ~~ثلاث وستون سنة وتأولوا الباقي عليه فرواية ستين سنة اقتصر فيها على ~~العقود وترك الكسر ورواية الخمس متأولة أيضا بأنها حصل فيها اشتباه. # قوله: يسمع الصوت، يعني صوت الهاتف من الملائكة ويرى الضوء يعني ضوء ~~الملائكة أو نور آيات الله حتى رأى الملك بعينه وشافه بالوحي من الله عز ~~وجل وقوله ليس بالأبيض الأمهق المراد به الشديد البياض كلون الجص وهو ~~كريه المنظر وربما توهم الناظر أنه برص. والمراد: أنه كان أزهر اللون بين ~~البياض والحمرة. قوله عز وجل: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ~~يعني فزعم أن له شريكا وولدا والمعنى: أني لم أفتر على الله كذبا ولم ~~أكذب عليه في قولي إن هذا القرآن من عند الله وأنتم قد افتريتم على الله ~~الكذب فزعمتم أن له شريكا وولدا والله تعالى منزه عن الشريك والولد ~~وقيل: معناه إن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله لما كان أحد في الدنيا ~~أظلم على نفسه مني من حيث إني أفتريته على الله ولما كان هذا القرآن من ~~عند الله أوحاه إلي وجب أن يقال ليس أحد في الدنيا أجهل ولا أظلم على ~~نفسه منكم من حيث إنكم أنكرتم أن يكون هذا القرآن من عند الله فقد كذبتم ~~بآياته وهو قوله تعالى: { أو كذب بآياته } يعني جحد بكون القرآن من عند ~~الله وأنكر دلائل التوحيد { إنه لا يفلح المجرمون } يعني المشركون وهذا ~~وعيد وتأكيد لما سبق. ### || [10.18-21] # { ويعبدون من دون الله ما لا ms1639 يضرهم ولا ينفعهم } يعني: ويعبد هؤلاء ~~المشركون الأصنام التي لا تضرهم إن عصوها وتركوا عبادتها ولا تنفعهم إن ~~عبدوها لأنها حجارة وجماد لا تضر ولا تنفع وإن العبادة أعظم أنواع ~~التعظيم فلا تليق إلا بمن يضر وينفع ويحيي ويميت وهذه الأصنام جماد ~~وحجارة لا تضر ولا تنفع { ويقولون هؤلاء } يعني الأصنام التي يعبدونها { ~~شفعاؤنا عند الله } قال أهل المعاني: توهموا أن عبادتها أشد من تعظيم ~~الله من عبادتهم إياه وقالوا لسنا بأهل أن نعبد الله ولكن نشتغل بعبادة ~~هذه الأصنام فإنها تكون شافعة لنا عند الله ومنه قوله سبحانه وتعالى ~~إخبار عنهم # ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى # [الزمر: 3] وفي هذه الشفاعة قولان: أحدهما: أنهم يزعمون أنها تشفع لهم ~~في الآخرة قاله ابن جريج عن ابن عباس. والثاني: أنها تشفع لهم في الدنيا ~~في إصلاح معايشهم قاله الحسن لأنهم كانوا لا يعتقدون بعثا بعد الموت { ~~قل } أي قل لهم يا محمد { أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في ~~الأرض } يعني: أتخبرون الله أن له شريكا ولا يعلم الله لنفسه شريكا في ~~السموات ولا في الأرض. وهذا على طريق الإلزام. المقصود: نفي علم الله ~~بذلك الشفيع وأنه لا وجود له البتة لأنه لو كان موجودا لعلمه الله وحيث ~~لم يكن معلوما لله وجب أن لا يكون موجودا ومثل هذا مشهور في العرف فإن ~~الإنسان إذا أراد نفي شيء حصل في نفسه يقول: ما علم الله ذلك مني مقصوده ~~أنه ما حصل ذلك الشيء منه قط ولا وقع { سبحانه وتعالى عما يشركون } نزه ~~الله سبحانه وتعالى نفسه عن الشركاء والأضداد والأنداد وتعالى أن يكون له ~~شريك في السموات والأرض ولا يعلمه. قوله سبحانه وتعالى: { وما كان الناس ~~إلا أمة واحدة فاختلفوا } يعني: فتفرقوا إلى مؤمن وكافر يعني كانوا ~~جميعا الدين الحق وهو دين الإسلام ويدل على ذلك أن آدم عليه السلام ~~وذريته كانوا على دين الإسلام إلى أن قتل قابيل هابيل ثم اختلفوا. وقيل: ~~بقوا على ذلك إلى زمن ms1640 نوح عليه السلام ثم اختلفوا فبعث الله نوحا. وقيل: ~~إنهم كانواعلى دين الإسلام وقت خروج نوح ومن معه من السفينة ثم اختلفوا ~~بعد ذلك وقيل كانوا على دين الإسلام من عهد إبراهيم الخليل عليه السلام ~~إلى أن غيره عمرو بن لحي. فعلى هذا القول، يكون المراد من الناس في قوله ~~{ وما كان الناس إلا أمة واحدة } العرب خاصة. وقيل: كان الناس أمة واحدة ~~في الكفر. وهذا القول منقول عن جماعة من المفسرين ويدل عليه قوله سبحانه ~~وتعالى في سورة البقرة: # فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين # [البقرة: 213] وتقديره: أنه لا مطمع في أن يصير الناس على دين واحد ~~فإنهم كانوا أولا على الكفر وإنما أسلم بعضهم ففيه تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل: كان الناس أمة واحدة. وليس في الآية ما يدل على أي دين ~~كانوا من إيمان أو كفر فهو موقوف على دليل من خارج. وقيل: معناه أنهم ~~كانوا في أول الخلق على الفطرة السليمة الصحيحة ثم اختلفوا في الأديان ~~وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " # والمراد بالفطرة في الحديث، فطرة الإسلام. قوله سبحانه وتعالى { ولولا ~~كلمة سبقت من ربك } يعني أنه سبحانه وتعالى جعل لكل أمة أجلا وقضى بذلك ~~في سابق الأزل، وقال الكلبي: هي إمهال هذه الأمة وأنه لا يهلكهم بالعذاب ~~{ لقضي بينهم } يعني بنزول العذاب وتعجيل العقوبة للمكذبين وكان ذلك ~~فصلا بينهم { فيما فيه يختلفون } وقال الحسن: ولولا كلمة سبقت من ربك ~~يعني مضت في حكمة الله أنه لا يقضي عليهم فيما اختلفوا فيه بالثواب ~~والعقاب دون القيامة لقضى بينهم في الدنيا فأدخل المؤمنين الجنة بإيمانهم ~~وأدخل الكافرين النار بكفرهم ولكن سبق من الله الأجل فجعل موعدهم يوم ~~القيامة وقيل سبق من الله أنه لا يؤاخذ أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه. ~~وقيل: الكلمة التي سبقت من الله هي قوله: # " إن رحمتي سبقت غضبي " # ولولا رحمته، لعجل لهم العقوبة في الدنيا ولكن أخرهم برحمته ms1641 إلى يوم ~~القيامة ثم يقضي بينهم فيما كانوا فيه يختلفون يعني في الدنيا { ويقولون ~~} يعني كفار مكة { لولا أنزل عليه آية من ربه } يعني هلا نزل على محمد ما ~~نقترحه عليه من الآيات { فقل } أي: فقل لهم يا محمد { إنما الغيب لله } ~~يعني إن الذي سألتمونيه هو من الغيب وإنما الغيب لله لا يعلم أحد ذلك إلا ~~هو والمعنى لا يعلم أحد متى نزول الآية إلا هو { فانتظروا } يعني نزولها ~~{ إني معكم من المنتظرين } وقيل معناه فانتظروا قضاء الله بيننا بإظهار ~~المحق على المبطل إني معكم من المنتظرين قوله عز وجل: { وإذا أذقنا الناس ~~رحمة } يعني رخاء ونعمة { من بعد ضراء مستهم } يعني من بعد شدة وبلاء ~~وضيق في العيش أصابهم والمراد بالناس هنا: كفار مكة، وذلك أن الله سبحانه ~~وتعالى حبس عنهم المطر سبع سنين حتى هلكوا من الجوع والقحط، ثم إن الله ~~سبحانه وتعالى رحمهم، فأنزل عليهم المطر الكثير حتى أخصبت البلاد وعاش ~~الناس بعد ذلك الضر فلم يتعظوا بذلك بل رجعوا إلى الفساد والكفر والمكر ~~وهو قوله سبحانه وتعالى: { إذا لهم مكر في آياتنا } قال مجاهد: أي تكذيب ~~واستهزاء وقال مقاتل وابن حيان: لا يقولون هذا رزق الله إنما يقولون ~~سقينا بنوء كذا وكذا. # ويدل على صحة هذا القول ما روي # " عن زيد بن خالد الجهني قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف، أقبل على ~~الناس فقال: " هل تدرون ماذا قال ربكم "؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ~~قال " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته ~~فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر ~~بي مؤمن بالكواكب " # أخرجاه في الصحيحين. قوله: على أثر سماء كانت من الليل أي مطر كان قد ~~وقع في الليل وسمي المطر سماء لأنه يقطر من السماء. والأنواء عند العرب: ~~هي منازل القمر إذا طلع نجم سقط نظيره وكانوا ms1642 يعتقدون في الجاهلية أنه لا ~~بد عند ذلك من وجود مطر أو ريح كما يزعم المنجمون أيضا فمن العرب من ~~يجعل ذلك التأثير للطالع لأنه ناء أي ظهر وطلع ومنهم من ينسبه للغارب ~~فنفى النبي عليه السلام صحة ذلك ونهى عنه وكفر معتقده إذا اعتقد أن ~~النجم فاعل ذلك التأثير وأما من يجعله دليلا، فهو جاهل بمعنى الدلالة. ~~وأما من أسند ذلك إلى العادة التي يجوز انخرامها فقد كرهه قوم وحرمه قوم ~~ومنهم من تأول الكفر بكفر نعمة الله والله أعلم وسمى تكذيبهم بآيات الله ~~مكرا لأن المكر عبارة عن صرف الشيء عن وجهه الظاهر بنوع من الحيلة وكان ~~كفار مكة يحتالون في دفع آيات الله بكل ما يقدرون عليه من المفاسد: { قل ~~الله أسرع مكرا } أي: قل لهم يا محمد الله أعجل عقوبة وأشد أخذا وأقدر ~~على الجزاء وإن عذابه في هلاكهم أسرع إليكم مما يأتي منكم في دفع الحق ~~ولما قابلوا نعمة الله بالمكر، قابل مكروهم بمكر أشد منه وهو أمهلهم إلى ~~يوم القيامة { إن رسلنا يكتبون ما تمكرون } يعني الحفظة الكرام الكاتبين ~~يكتبون ويحفظون عليهم الأعمال القبيحة السيئة إلى يوم القيامة حتى ~~يفتضحوا بها ويجزون على مكرهم. ### || [10.22-23] # قوله تعالى: { هو الذي يسيركم في البر والبحر } يعني: هو الله الذي ~~يسيركم يعني يحملكم في البر على ظهور الدواب وفي البحر على الفلك. وقيل: ~~معناه هو الله الهادي لكم في السير في البر والبحر طلبا للمعاش أو هو ~~المهيء لكم أسباب السير في البر والبحر { حتى إذا كنتم في الفلك } يعني: ~~السفن. ولفظة الفلك: تطلق على الواحد والجمع وتقديراهما مختلفان فإن أريد ~~بهما الواحد كان كبناء قفل، وإن أريد بها الجمع كان كبناء أسد والمراد ~~بها هنا الجمع لقوله تعالى: { وجرين بهم } يعني: وجرت السفن بركابها. فإن ~~قلت: ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة؟ قلت: قال صاحب الكشاف: ~~المقصود منه المبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم ~~مزيد الإنكار والتقبيح وقال غيره إن مخاطبة ms1643 الله لعباده على لسان نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بمنزلة الخبر عن الغائب وكل من أقام الغائب مقام ~~المخاطب حسن منه أن يرده إلى الغائب. وقيل: إن الالتفات في الكلام من ~~الغيبة إلى الحضور وبالعكس من فصيح كلام العرب { بريح طيبة } يعني وجرت ~~السفن بريح طيبة ساكنة { وفرحوا بها } يعني وفرح ركبان تلك الفلك بتلك ~~الريح الطيبة، لأن الإنسان إذا ركب السفينة ووجد الريح الطيبة الموافقة ~~للمقصود حصل له النفع التام والمسرة العظيمة بذلك { جاءتها ريح عاصف } ~~قيل: إن الضمير في جاءتها يرجع إلى الريح فيكون المعنى: جاءت الريح ~~الطيبة ريح عاصف فأقلبتها. وقيل: الضمير في جاءتها يرجع إلى الفلك. يعني: ~~جاءت الفلك. ريح عاصف. يقال: ريح عاصف وعاصفة، ومعنى عصفت الريح: اشتدت. ~~وأصل العصف: السرعة وإنما قال: عاصف، لأنه أراد به ذات عصوف أو لأجل أن ~~لفظ الريح قد يذكر { وجاءهم الموج من كل مكان } يعني: وجاء ركبان السفينة ~~الموج وهو ما ارتفع وعلا من غوارب الماء في البحر وقيل: هو شدة حركة ~~الماء واختلاطه { وظنوا أنهم أحيط بهم } يعني: وظنوا أن الهلاك قد أحاط ~~بهم وأحدق. وقيل: المراد من الظن اليقين أي وأيقنوا أنه الهلاك. وقيل: بل ~~المراد منه المقاربة من الهلاك والدنو منه والإشراف عليه { دعوا الله ~~مخلصين له الدين } يعني أنهم أخلصوا في الدعاء لله عز وجل ولم يدعو أحدا ~~سواه من آلهتهم وقيل في معنى هذا الإخلاص العلم الحقيقي لا إخلاص الإيمان ~~لأنهم كانوا يعلمون حقيقة أنه لا ينجيهم من جميع الشدائد والبلايا إلا ~~الله تعالى فكانوا إذا وقعوا في شدة وضر وبلاء أخلصوا لله الدعاء { لئن ~~أنجيتنا } أي قائلين لئن أنجيتنا يا ربنا { من هذه } يعني من هذه الشدائد ~~التي نحن فيها وهي الريح العاصفة والأمواج الشديدة { لنكونن من الشاكرين ~~} يعني من الشاكرين لك على إنعامك علينا بخلاصنا مما نحن فيه من هذه ~~الشدة { فلما أنجاهم } يعني: فلما أنجى الله هؤلاء الذين ظنوا أنهم أحيط ~~بهم من الشدة التي كانوا فيها { إذا هم يبغون ms1644 في الأرض بغير الحق } يعني ~~أنهم أخلفوا الله ما وعدوه وبغوا في الأرض فتجاوزوا فيها إلى غير ما أمر ~~الله به من الكفر والعمل بالمعاصي على ظهرها وأصل البغي مجاوزة الحد. # قال صاحب المفردات: البغي على ضربين، أحدهما محمود وهو مجاوزة العدل إلى ~~الإحسان والفرض إلى التطوع. والثاني مذموم وهو مجاوزة الحق إلى الباطل أو ~~إلى الشبهة. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى قوله بغير الحق والبغي لا ~~يكون بحق قلت بلى قد يكون بحق وهو استيلاء المسلمين على أرض الكفرة وهدم ~~دورهم وإحراق زروعهم وقلع أشجارهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ببني قريظة { يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم } يعني: إن وبال بغيكم ~~راجع عليكم { متاع الحياة الدنيا } قيل هو كلام مبتدأ، والمعنى: أن بغي ~~بعضكم على بعض هو متاع الحياة الدنيا لا يصلح لزاد الآخرة وقيل هو كلام ~~متصل بما قبله والمعنى يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم لا يتهيأ أن ~~يبغي بعضكم على بعض إلا أياما قليلة وهي مدة حياتكم مع قصرها في سرعة ~~انقضائها. والبغي: من منكرات الذنوب العظام. قال بعضهم: لو بغى جبل على ~~جبل لاندك الباغي. وقد نظم بعضهم هذا المعنى شعرا وكان المأمون يتمثل به ~~فقال: # يا صاحب البغي إن البغي مصرعة فارجع فخير مقال المرء أعدله فلو بغى ~~جبل يوما على جبل لاندك منه أعاليه وأسفله # وقوله سبحانه وتعالى: { ثم إلينا مرجعكم } يعني يوم القيامة { فننبئكم } ~~أي فنخبركم { بما كنتم تعملون } يعني في الدنيا من البغي والمعاصي ~~فنجازيكم عليها. ### || [10.24-25] # قوله عز وجل: { إنما مثل الحياة الدنيا } يعني في فنائها وزوالها { كماء ~~أنزلناه من السماء } يعني المطر { فاختلط به } أي بالمطر { نبات الأرض } ~~قال ابن عباس: نبت بالماء من كل لون { مما يأكل الناس } يعني من الحبوب ~~والثمار { والأنعام } يعني ومما يأكل الأنعام من الحشيش ونحوه { حتى إذا ~~أخذت الأرض زخرفها } يعني حسنها ونضارتها وبهجتها وأظهرت ألوان زهرها من ~~أبيض وأحمر وأصفر وغير ذلك من الزهور ms1645 { وازينت } أي وتزينت { وظن أهلها } ~~يعني أهل تلك الأرض { أنهم قادرون عليها } يعني على جذاذها وقطافها ~~وحصادها، رد الكناية إلى الأرض والمراد النبات إذ كان مفهوما. وقيل: رده ~~إلى الثمرة والغلة وقيل: إلى الزينة { أتاها أمرنا } أي قضاؤنا بهلاكها { ~~ليلا أو نهارا } يعني في الليل أو النهار { فجعلناها حصيدا } يعني ~~محصودة مقطوعة { كأن لم تغن بالأمس } يعني: كأن لم تكن تلك الأشجار ~~والنبات والزروع نابتة قائمة على ظهر الأرض وأصله من غنى فلان بالمكان ~~إذا أقام به وهو مثل ضربه الله سبحانه وتعالى للمتشبثين بالدنيا الراغبين ~~في زهرتها وحسنها. وذلك أنه تعالى لما قال: يا أيها الناس إنما بغيكم على ~~أنفسكم متاع الحياة الدنيا، أتبعه بهذا المثل لمن بغى في الأرض وتجبر ~~فيها وركن إلى الدنيا وأعرض عن الآخرة لأن النبات في أول بروزه من الأرض ~~ومبدأ خروجه يكون ضعيفا فإذا نزل عليه المطر واختلط به قوي وحسن واكتسى ~~كمال الرونق والزينة وهو المراد من قوله حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ~~وازينت يعني بالنبات والزخرف عبارة عن كمال حسن الشيء وجعلت الأرض آخذة ~~زخرفها على التشبيه بالعروس إذا لبست الثياب الفاخرة من كل لون حسن من ~~حمرة وخضرة وصفرة وبياض ولا شك أن الأرض متى كانت على هذه الصفة فإنه ~~يفرح بها صاحبها ويعظم رجاؤه في الانتفاع بها وبما فيها ثم إن الله ~~سبحانه وتعالى أرسل على هذه الأرض صاعقة أو بردا أو ريحا فجعلها حصيدا ~~كأن لم تكن من قبل. قال قتادة: إن المتشبث بالدنيا يأتيه أمر الله وعذابه ~~أغفل ما يكون. ووجه التمثيل، أن غاية هذه الحياة الدنيا التي ينتفع بها ~~المرء كناية عن هذا النبات الذي لما عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس ~~منه، ولأن المتمسك بالدنيا إذا نال منها بغيته أتاه الموت بغتة فسلبه ما ~~هو فيه من نعيم الدنيا ولذاتها. وقيل: يحتمل أن يكون ضرب هذا المثل لمن ~~ينكر المعاد والبعث بعد الموت وذلك، لأن الزرع إذا انتهى وتكامل في الحسن ~~إلى الغاية القصوى ms1646 أتته آفة فتلف بالكلية. ثم إن الله سبحانه وتعالى قادر ~~على إعادته كما كان أول مرة فضرب الله سبحانه وتعالى هذا المثل ليدل على ~~أن من قدر على إعادة ذلك النبات بعد التلف كان قادرا على إعادة الأموات ~~أحياء في الآخرة ليجازيهم على أعمالهم فيثيب الطائع ويعاقب العاصي. # { كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون } يعني: كما بينا لكم مثل الحياة ~~الدنيا وعرفنا كم حكمها، كذلك نبين حججنا وأدلتنا لمن تفكر واعتبر ليكون ~~ذلك سببا موجبا لزوال الشك والشبهة من القلوب. قوله سبحانه وتعالى: { ~~والله يدعو إلى دار السلام } لما ذكر الله زهرة الحياة الدنيا وأنها ~~فانية زائلة لا محالة دعا إلى داره والله يدعو إلى دار السلام. قال ~~قتادة: الله هو السلام وداره الجنة فعلى هذا السلام اسم من أسماء الله عز ~~وجل ومعناه أنه سبحانه وتعالى سلم من جميع النقائص والعيوب والفناء ~~والتغيير. وقيل: إنه سبحانه وتعالى يوصف بالسلام لأن الخلق سلموا من ~~ظلمه. وقيل: إنه تعالى يوصف بالسلام بمعنى ذي السلام أي لا يقدر على ~~تخليص العاجزين من المكاره والآفات إلا هو. وقيل: دار السلام اسم للجنة ~~وهو جمع سلامة. والمعنى: أن من دخلها فقد سلم من جميع الآفات، كالموت ~~والمرض والمصائب والحزن والغم والتعب والنكد. وقيل: سميت الجنة دار ~~السلام لأن الله سبحانه وتعالى يسلم على أهلها أو تسلم الملائكة عليهم. ~~قيل: إن من كمال رحمة الله وجوده وكرمه على عباده، أن دعاهم إلى جنته ~~التي هي دار السلام. وفيه دليل على أن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر، لأن العظيم لا يدعو إلا إلى عظيم ولا يصف إلا ~~عظيما، وقد وصف الله سبحانه وتعالى الجنة في آيات كثيرة من كتابه: { ~~ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } يعني: والله يهدي من يشاء من خلقه إلى ~~صراطه المستقيم وهو دين الإسلام عم بالدعوة أولا إظهارا للحجة وخص ~~بالدعوة ثانيا استغناء عن الخلق وإظهارا للقدرة فحصلت المغايرة بين ~~الدعوتين خ. عن جابر قال: ms1647 " جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم وقال بعضهم: العين نائمة والقلب يقظان ~~فقالوا: إن لصاحبكم مثلا فاضربوا له مثلا فقالوا مثله كمثل رجل بنى ~~دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من ~~المأدبة " ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا ~~أولوها يفقهها فإن العين نائمة والقلب يقظان فقال بعضهم الدار الجنة ~~والداعي محمد فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله ومن عصى محمدا فقد عصى الله ~~ومحمد فرق بين الناس وفي رواية: # " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت في المنام كأن ~~جبريل عليه السلام عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه اضرب ~~له مثلا " # وعن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله ضرب مثلا صراطا مستقيما على كتفي الصراط داران لهما أبواب ~~مفتحة على الأبواب ستور وداع يدعو على رأس الصراط وداع يدعو فوقه والله ~~يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والأبواب التي على ~~كتفي الصراط حدود الله فلا يقع أحد في حدود الله حتى يكشف الستر والذي ~~يدعو من فوقه واعظ ربه " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. ### || [10.26-28] # قوله عز وجل: { للذين أحسنوا الحسنى } قال ابن عباس: للذين شهدوا أن لا ~~إله إلا الله الجنة. وقيل: معناه للذين أحسنوا عبادة الله في الدنيا من ~~خلقه وأطاعوه فيما أمرهم ونهاهم عنه الحسنى، قال ابن الأنباري: الحسنى في ~~اللغة، تأنيث الأحسن والعرب توقع هذه اللفظة على الخلة المحبوبة والخلصة ~~المرغوب فيها. وقيل: معناه للذين أحسنوا المثوبة الحسنى { وزيادة } اختلف ~~المفسرون في معنى هذه الحسنى وهذه الزيادة على أقوال: القول الأول: إن ~~الحسنى هي الجنة والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم وهذا قول جماعة ~~من الصحابة منهم أبو بكر الصديق وحذيفة وأبو موسى الأشعري وعبادة بن ~~الصامت وهو قول الحسن وعكرمة والضحاك ومقاتل والسدي ويدل على صحة ms1648 هذا ~~القول المنقول والمعقول فما روي عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى أتريدون شيئا ~~أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار قال ~~فيكشف الحجاب قال فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم تبارك ~~وتعالى " # زاد في رواية # " ثم تلا هذه الآية: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " # أخرجه مسلم. وروى الطبري بسنده عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال: الزيادة النظر إلى وجه ~~الله الكريم. وعن أبي بن كعب أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~قول الله سبحانه وتعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة. قال: الحسنى: الجنة ~~وزيادة: قال النظر إلى وجه الله. وعن أبي موسى الأشعري قال: " إن كان يوم ~~القيامة بعث الله إلى أهل الجنة مناديا ينادي هل أنجزكم الله ما وعدكم ~~به فينظرون إلى ما أعد الله لهم من الكرامات فيقولون نعم فيقول للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة النظر إلى وجه الرحمن تبارك وتعالى وفي رواية رفعها ~~أبو موسى قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يبعث يوم القيامة " # وذكره بمعناه. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: " إذا دخل أهل الجنة ~~الجنة قال الله لهم: هل بقي من حقكم شيء لم تعطوه قال: فيتجلى لهم عز وجل ~~قال فيصغر عندهم كل شيء أعطوه ثم قال للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال ~~الحسنى الجنة والزيادة هي النظر إلى وجه ربهم " فهذه الأخبار والآثار قد ~~دلت على أن المراد بهذه الزيادة هي النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى. ~~وأما المعقول فنقول: إن الحسنى لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف فانصرفت ~~إلى المعهود السابق وهو الجنة في قوله سبحانه وتعالى والله يدعو إلى دار ~~السلام فثبت بهذا أن المراد من لفظة الحسنى هي الجنة وإذا ثبت هذا وجب أن ~~يكون المراد من الزيادة أمرا مغايرا لكل ما في الجنة ms1649 من النعيم وإلا ~~لزم التكرار وإذا كان كذلك وجب حمل هذه الزيادة على رؤية الله تبارك ~~وتعالى ومما يؤكد ذلك قوله سبحانه وتعالى: # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23] فأثبت لأهل الجنة أمرين أحدهما النضارة وهو حسن الوجوه ~~وذلك من نعيم الجنة، والثاني النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى وآيات ~~القرآن يفسر بعضها بعضا فوجب حمل الحسنى على الجنة ونعيمها وحمل الزيادة ~~على رؤية الله تبارك وتعالى. وقالت المعتزلة: لا يجوز حمل هذه الزيادة ~~على الرؤية، لأن الدلائل العقلية دلت على أن رؤية الله سبحانه وتعالى ~~ممتنعة، ولأن الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه ورؤية الله ليست من ~~جنس نعيم الجنة ولأن الأخبار التي تقدمت توجب التشبيه ولأن جماعة من ~~المفسرين حملوا هذه الزيادة على غير الرؤية فانتفى ما قلتم. أجاب أصحابنا ~~عن هذه الاعتراضات بأن الدلائل العقلية قد دلت على إمكان وقوع رؤية الله ~~تعالى في الآخرة وإذا لم يوجد في العقل ما يمنع من رؤية الله تعالى وجاءت ~~الأحاديث الصحيحة بإثبات الرؤية وجب المصير إليها وإجراؤها على ظواهرها ~~من غير تشبيه ولا إحاطة. وأجيب عن قولهم ولأن الزيادة يجب أن تكون من جنس ~~المزيد عليه بأن المزيد عليه إذا كان بمقدار معين كانت الزيادة من جنسه ~~وإذا لم يكن بمقدار معين وجب أن تكون الزيادة مخالفة له فالمذكور في ~~الآية لفظ الحسنى وهي الجن ونعيمها غير مقدر بقدر معين فوجب أن الزيادة ~~تكون شيئا مغايرا لنعيم الجنة وذلك المغاير هو الرؤية. وأجيب عن قولهم ~~ولأن جماعة من المفسرين حملوا الزيادة على غير الرؤية بأنه معارض بقول ~~جماعة من المفسرين: بأن الزيادة هي الرؤية والمثبت مقدم على النافي والله ~~أعلم. القول الثاني: في معنى هذه الزيادة ما روي عن علي بن أبي طالب أنه ~~قال الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب. القول الثالث: إن ~~الحسنى واحدة الحسنات والزيادة التضعيف إلى تمام العشرة إلى سبعمائة. قال ~~ابن عباس: هو مثل قوله سبحانه وتعالى: # ولدينا ms1650 مزيد # [ق: 35] يقول يجزيهم بعملهم ويزيدهم من فضله. قال قتادة: كان الحسن ~~يقول: الزيادة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. القول الرابع: إن ~~الحسنى حسنة مثل حسنة والزيادة مغفرة من الله ورضوان قاله مجاهد. القول ~~الخامس: قول ابن زيد أن الحسنى هي الجنة والزيادة ما أعطاهم في الدنيا لا ~~يحاسبهم به يوم القيامة وقوله سبحانه وتعالى: { ولا يرهق وجوههم } يعني ~~ولا يغشى وجوه أهل الجنة { قتر } أي كآبة ولا كسوف ولا غبار. # وقال ابن عباس: هو سواد الوجوه { ولا ذلة } يعني ولا هوان. قال ابن أبي ~~ليلى: هذا بعد نظرهم إلى ربهم تبارك وتعالى: { أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون } يعني أن هؤلاء الذين وصفت صفتهم هم أصحاب الجنة لا غيرهم وهم ~~فيها مقيمون لا يخرجون منها أبدا. قوله سبحانه وتعالى: { والذين كسبوا ~~السيئات جزاء سيئة بمثلها } اعلم أنه لما شرح الله سبحانه وتعالى أحوال ~~المحسنين وما أعد لهم من الكرامة شرح في الآية حال من أقدم على السيئات ~~والمراد بهم الكفار فقال سبحانه وتعالى: والذين كسبوا السيئات. يعني: ~~والذين عملوا السيئات والمراد بها الكفر والمعاصي جزاء سيئة بمثلها يعني ~~فلهم جزاء السيئة التي عملوها مثلها العقاب. والمقصود من هذا التقييد، ~~التنبيه على الفرق بين الحسنات والسيئات لأن الحسنات يضاعف ثوابها ~~لعاملها من الواحدة إلى العشرة إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة وذلك ~~تفضلا منه وتكرما. وأما السيئات، فإنه يجازي عليها بمثلها عدلا منه ~~سبحانه وتعالى: { وترهقهم ذلة } قال ابن عباس: يغشاهم ذل وشدة. وقيل: ~~يغشاهم ذل وهوان لعقاب الله إياهم { ما لهم من الله من عاصم } يعني ما ~~لهم مانع يمنعهم من عذاب الله إذا نزل بهم { كأنما أغشيت وجوههم قطعا من ~~الليل مظلما } يعني كأنما ألبست وجوههم سوادا من الليل المظلم { أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون } قوله سبحانه وتعالى: { ويوم نحشرهم جميعا ~~} الحشر الجمع من كل جانب وناحية إلى موضع واحد والمعنى ويوم نجمع ~~الخلائق جميعا لموقف الحساب وهو يوم القيامة { ثم نقول للذين أشركوا ~~مكانكم } أي الزموا ms1651 مكانكم واثبتوا فيه حتى تسألوا وفي هذا وعيد وتهديد ~~للعابدين والمعبودين { أنتم وشركاؤكم } يعني أنتم أيها المشركون والأصنام ~~التي كنتم تعبدونها من دون الله { فزيلنا بينهم } يعني: ففرقنا بين ~~العابدين والمعبودين وميزنا بينهم وانقطع ما كان بينهم من التواصل في ~~الدنيا. فإن قلت قوله سبحانه وتعالى فزيلنا بينهم جاء على لفظ الماضي بعد ~~قوله ثم نقول للذين أشركوا وهو منتظر في المستقبل فما وجهه. قلت: السبب ~~فيه، أن الذي حكم الله فيه بأنه سيكون صار كالكائن الآن. قوله: { وقال ~~شركاؤهم } يعني الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله وإنما سماهم ~~شركاءهم، لأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم أو لأنه سبحانه وتعالى لما ~~خاطب العابدين والمعبودين بقوله: مكانكم فقد صاروا شركاء في هذا الخطاب { ~~ما كنتم إيانا تعبدون } تبرأ المعبودون من العابدين. فإن قلت: كيف صدر ~~هذا الكلام من الأصنام وهي جماد لا روح فيها ولا عقل لها؟ قلت: يحتمل أن ~~الله تعالى خلق لها في ذلك اليوم من الحياة والعقل والنطق حتى قدرت على ~~هذا الكلام فإن قلت إذا أحياهم الله في ذلك اليوم فهل يفنيهم أو يبقيهم. ~~قلت: الكل محتمل ولا اعتراض على الله في شيء من أفعاله وأحوال القيامة ~~غير معلومة إلا ما دل عليه الدليل من كتاب أو سنة. فإن قلت: إن الأصنام ~~قد أنكرت أن الكفار كانوا يعبدونها وقد كانوا يعبدونها؟ قلت: قد تقدمت ~~هذه المسألة وجوابها في تفسير سورة الأنعام ونقول هنا قال مجاهد: تكون في ~~يوم القيامة ساعة تكون فيها شدة تنصب لهم الآلهة التي كانوا يعبدونها من ~~دون الله، فتقول الآلهة: والله ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ولا نعلم ~~أنكم تعبدوننا فيقولون والله إياكم كنا نعبد فتقول لهم الآلهة. ### || [10.29-32] # { فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين }. والمعنى ~~قد علم الله وكفى به شهيدا أما ما علمنا أنكم كنتم تعبدوننا وما كنا عن ~~عبادتكم إيانا من دون الله إلا غافلين ما نشعر بذلك أما قوله سبحانه ~~وتعالى: { هنالك ms1652 تبلو كل نفس ما أسلفت } فهو كالتتمة للآية المتقدمة ~~والمعنى في ذلك المقام أو ذلك الموقف أو ذلك الوقت على معنى استعارة ~~إطلاق اسم المكان على الزمان وفي قوله تبلوا قراءات قرئ بتاءين ولها ~~معنيان أحدهما أنه من تلاه إذا تبعه أي تبع كل نفس ما أسلفت لأن العمل هو ~~الذي يهدي النفس إلى الثواب أو العقاب. الثاني: أن يكون من التلاوة ~~والمعنى أن كل نفس تقرأ صحيفة عملها من خير أو شر. وقرئ: تبلو بالتاء ~~المثناة والباء الموحدة ومعناه تخبر وتعلم. والبلو: الاختبار ومعناه: ~~اختبارها ما أسلفت يعني: أنه إن قدم خيرا أو شرا قدم عليه وجوزي به { ~~وردوا إلى الله مولاهم الحق } الرد: عبارة عن صرف الشيء إلى الموضع الذي ~~جاء منه. والمعنى: وردوا إلى ما ظهر لهم من الله الذي هو مالكهم ومتولي ~~أمرهم. فإن قلت: قد قال الله سبحانه وتعالى في آية أخرى # وأن الكافرين لا مولى لهم # [محمد: 11] فما الفرق؟ قلت: المولى في اللغة يطلق على المالك ويطلق على ~~الناصر، فمعنى المولى هنا المالك ومعنى المولى هناك الناصر فحصل الفرق ~~بين الآيتين { وضل عنهم ما كانوا يفترون } يعني وبطل وذهب ما كانوا ~~يكذبون فيه في الدنيا وهو قولهم إن هذه الأصنام تشفع لنا. قوله عز وجل: { ~~قل من يرزقكم من السماء والأرض } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من ~~يرزقكم من السماء يعني المطر والأرض يعني النبات { أم من يملك السمع ~~والأبصار } يعني ومن أعطاكم هذه الحواس التي تسمعون بها وتبصرون بها { ~~ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي } يعني أنه تعالى يخرج ~~الإنسان حيا من النطفة وهي ميتة وكذلك الطير من البيضة وكذلك يخرج ~~النطفة الميتة من الإنسان الحي ويخرج البيضة الميتة من الطائر الحي. ~~وقيل: معناه أنه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، والقول الأول ~~أقرب إلى الحقيقة { ومن يدبر الأمر } يعني أن مدبر أمر السموات ومن فيها ~~ومدبر أمر الأرض وما فيها هو الله تعالى وذلك قوله { فسيقولون الله ms1653 } ~~يعنى أنهم يعترفون أن فاعل هذه الأشياء هو الله وإذا كانوا يقرون بذلك { ~~فقل } أي قل لهم يا محمد { أفلا تتقون } يعني: أفلا تخافون عقابه حيث ~~تعبدون هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تقدر على شيء من هذه الأمور ~~{ فذلكم الله ربكم الحق } يعني: فذلكم الذي يفعل هذه الأشياء ويقدر عليها ~~هو الله ربكم الحق الذي يستحق العبادة لا هذه الأصنام { فماذا بعد الحق ~~إلا الضلال } يعني: إذا ثبت بهذه البراهين الواضحة والدلائل القطعية أن ~~الله هو الحق وجب أن يكون ما سواه ضلالا وباطلا { فأنى تصرفون } يعني: ~~إذا عرفتم هذا الأمر الظاهر الواضح فكيف تستخيرون العدول عن الحق إلى ~~الضلال الباطل. ### || [10.33-35] # { كذلك } أي كما ثبت أنه ليس بعد الحق إلا الضلال { حقت } أي وجبت { ~~كلمة ربك } في الأزل { على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون } قيل: المراد ~~بكلمة الله قضاؤه عليهم في اللوح المحفوظ أنهم لا يؤمنون وقضاؤه لا يرد ~~ولا يدفع { قل هل من شركائكم } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين هل من ~~شركائكم يعني هذه الأصنام التي تزعمون أنها آلهة { من يبدأ الخلق } يعني ~~من يقدر على أن ينشئ الخلق على غير مثال سبق { ثم يعيده } أي ثم يعيده ~~بعد الموت كهيئته أول مرة، وهذا السؤال استفهام إنكار { قل } أي: قل أنت ~~يا محمد { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } يعني أن الله هو القادر على ابتداء ~~الخلق وإعادته { فأنى تؤفكون } يعنى فأنى تصرفون عن قصد السبيل والمراد ~~من هذا التعجب من أحوالهم كيف تركوا هذا الأمر الواضح وعدلوا عنه إلى ~~غيره { قل } أي قل يا محمد { هل من شركائكم من يهدي إلى الحق } يعني هل ~~من هذه الأصنام من يقدر علي أن يرشد إلى الحق فإذا قالوا لا ولا بد لهم ~~من ذل { قل } أي قل لهم أنت يا محمد { الله يهدي للحق } يعني أن الله هو ~~الذي يرشد إلى الحق لا غيره { أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا ~~يهدي إلا أن ms1654 يهدى } يعني أن الله هو الذي يهدي إلى الحق فهو أحق بالاتباع ~~لا هذه الأصنام التي لا تهتدي إلا أن تهدي. فإن قلت: الأصنام جماد لا ~~تتصور هدايتها ولا أن تهدي فكيف قال إلا أن يهدي. قلت: ذكر العلماء عن ~~هذا السؤال وجوها. الأول: أن معنى الهداية في حق الأصنام الانتقال من ~~مكان إلى مكان فيكون المعنى أنها لا تنتقل من مكان إلى مكان آخر إلا أن ~~تحمل وتنقل، فبين سبحانه وتعالى بها عجز الأصنام. الوجه الثاني: أن ذكر ~~الهداية في حق الأصنام على وجه المجاز وذلك أن المشركين لما اتخذوا ~~الأصنام آلهة وأنزلوها منزلة من يسمع ويعقل عبر عنها بما يعبر به عمن ~~يسمع ويعقل ويعلم ووصفها بهذه الصفة وإن كان الأمر ليس كذلك. الوجه ~~الثالث: يحتمل أن يكون المراد من قوله هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم ~~يعيده الأصنام، والمراد من قوله هل من شركائكم من يهدي إلى الحق رؤساء ~~الكفر والضلالة فالله سبحانه وتعالى هدى الخلق إلى الدين بما ظهر من ~~الدلائل الدالة على وحدانيته وأما رؤساء الكفر والضلالة فإنهم لا يقدرون ~~على هداية غيرهم إلا إذا هداهم الله إلى الحق فكان اتباع دين الله ~~والتمسك بهدايته أولى من اتباع غيره. وقوله سبحانه وتعالى: { فما لكم كيف ~~تحكمون } قال الزجاج: فما لكم كلام تام كأنه قيل لهم: أي شيء لكم في ~~عبادة هذه الأصنام. ثم قال: كيف تحكمون؟ يعني: على أي حال تحكمون. وقيل: ~~معناه كيف تقضون لأنفسكم بالجور حين تزعمون أن مع الله شريكا وقيل معناه ~~بئسما حكمتم إذ جعلتم لله شريكا من ليس بيده منفعة ولا مضرة ولا هداية. ### || [10.36-40] # { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا } يعني: وما يتبع أكثر هؤلاء المشركين إلا ~~ما لا علم لهم بحقيقته وصحته بل هم في شك منه وريبة وقيل المراد بالأكثر ~~الكل لأن جميع المشركين يتبعون الظن في دعواهم أن الأصنام تشفع لهم وقيل ~~المراد بالأكثر الرؤساء { إن الظن لا يغني من الحق شيئا } يعني أن الشك ~~لا ms1655 يغني عن اليقين شيئا ولا يقوم مقامه وقيل في الآية إن قولهم إن ~~الأصنام آلهة وإنها تشفع لهم ظن منهم لم يرد به كتاب ولا يعني أنها لا ~~تدفع عنهم من عذاب الله شيئا { إن الله عليم بما يفعلون } يعني من ~~اتباعهم الظن وتكذيبهم الحق اليقين. قوله تعالى: { وما كان هذا القرآن أن ~~يفترى من دون الله } يعني وما كان ينبغي لهذا القرآن أن يختلف ويفتعل لأن ~~معنى الافتراء الاختلاق والمعنى ليس وصف القرآن وصف شيء ممكن أن يفترى به ~~على الله لأن المفترى هو الذي يأتي به البشر وذلك أن كفار مكة زعموا أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم أتى بهذا القرآن من عند نفسه على سبيل ~~الافتعال والاختلاق فأخبر الله عز وجل أن هذا القرآن وحي أنزل الله عليه ~~وأنه مبرأ من الافتراء والكذب وأنه لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى. ثم ~~ذكر سبحانه وتعالى ما يؤكد هذا بقوله { ولكن تصديق الذي بين يديه } يعني ~~ولكن الله أنزل هذا القرآن مصدقا لما قبله من الكتب التي أنزلها على ~~أنبيائه كالتوراة والإنجيل. وتقرير هذا، أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ولم يجتمع بأحد من العلماء، ثم إنه صلى الله ~~عليه وسلم أتى بهذا القرآن العظيم المعجز وفيه أخبار الأولين وقصص ~~الماضين وكل ذلك موافق لما في التوراة والإنجيل والكتب المنزلة قبله ولو ~~لم يكن كذلك لقدحوا فيه لعداوة أهل الكتاب له ولما لم يقدح فيه أحد من ~~أهل الكتاب علم بذلك أن ما فيه من القصص والأخبار مطابقة لما في التوراة ~~والإنجيل مع القطع بأنه ما علم ما فيها فثبت بذلك أنه وحي من الله أنزله ~~عليه وأنه مصدق لما بين يديه وأنه معجزة له صلى الله عليه وسلم. وقيل في ~~معنى قوله: ولكن تصديق الذي بين يديه يعني من أخبار الغيوب الآتية، فإنها ~~جاءت على وفق ما أخبر { وتفصيل الكتاب } يعني وتبيين ما في الكتاب من ~~الحلال والحرام والفرائض والأحكام { لا ms1656 ريب فيه من رب العالمين } يعني أن ~~هذا القرآن لا شك فيه أنه من رب العالمين وأنه ليس مفترى على الله وأنه ~~لا يقدر أحد من البشر على الإتيان بمثله وهو قوله سبحانه وتعالى: { أم ~~يقولون افتراه } يعني أم يقول هؤلاء المشركون افترى محمد هذا القرآن ~~وخلقه من قبل نفسه وهو استفهام إنكار وقيل أم بمعنى الواو أي ويقولون ~~افتراه { قل } أي: قل لهم يا محمد إن كان الأمر كما تقولون { فأتوا بسورة ~~مثله } يعني بسورة شبيهة به في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم فأنتم عرب ~~مثلي في الفصاحة والبلاغة. # فإن قلت: قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة فأتوا بسورة من مثله ~~وقال سبحانه وتعالى هنا فأتوا بسورة مثله فما فائدة ذلك وما الفرق ~~بينهما. قلت لما كان محمدا صلى الله عليه وسلم أميا لم يقرأ ولم يكتب ~~وأتى بهذا القرآن العظيم كان معجزا في نفسه فقيل لهم فأتوا بسورة من ~~مثله يعني: مع إنسان أمي مثل محمد صلى الله عليه وسلم في عدم الكتابة ~~والقراءة. وأما قوله سبحانه وتعالى: فأتوا بسورة مثله أي فأتوا بسورة ~~تساوي سور القرآن في الفصاحة والبلاغة وهو المراد بقوله فأتوا بسورة مثله ~~يعني أن السورة في نفسها معجزة فإن الخلق لو اجتمعوا على ذلك لم يقدروا ~~عليه وهو المراد من قوله: { وادعوا من استطعتم من دون الله } يعني وادعوا ~~للاستعانة على ذلك من استطعتم من خلقه { إن كنتم صادقين } يعني في قولكم ~~إن محمدا افتراه ثم قال تعالى: { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه } يعني ~~القرآن. أي: كذبوا بما لم يعلموه. قال عطاء: يريد أنه ليس خلق يحيط بجميع ~~علوم القرآن. وقيل: معناه بل كذبوا بما في القرآن من ذكر الجنة والنار ~~والحشر والقيامة والثواب والعقاب وغيرها مما لم يحيطوا بعلمه، لأنهم ~~كانوا ينكرون ذلك كله. وقيل: إنهم لما سمعوا ما في القرآن من القصص ~~وأخبار الأمم الخالية ولم يكونوا سمعوها قبل ذلك أنكروها لجهلهم فرد الله ~~سبحانه وتعالى عليهم بقوله بل كذبوا بما ms1657 لم يحيطوا بعلمه لأن القرآن ~~العظيم مشتمل على علوم كثيرة لا يقدر أحد على استيعابها وتحصيلها { ولما ~~يأتهم تأويله } يعني أنهم كذبوا به ولم يأتهم بعد بيان ما يؤول إليه ذلك ~~الوعيد الذي توعدهم الله في القرآن به من العقوبة. والمعنى: أنهم لم ~~يعلموا ما تؤول إليه عاقبة أمرهم. وقيل: معناه أنهم لم يعلموه تنزيلا ~~ولا علموه تأويلا فكذبوا به وذلك لأنهم جهلوا القرآن وعلمه وعلم تأويله ~~{ كذلك كذب الذين من قبلهم } يعني كما كذب هؤلاء بالقرآن كذلك كذب الأمم ~~الماضية أنبياءهم فيما وعدوهم به { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: فانظر يا محمد كيف كان عاقبة من ظلم ~~من الأمم كذلك تكون عاقبة من كذبك من قومك ففيه تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وقيل يحتمل أن يكون الخطاب لكل فرد من الناس. والمعنى: فانظر ~~أيها الإنسان كيف كان عاقبة من ظلم فاحذر أن تفعل مثل فعله. ### || [10.41-45] # { وإن كذبوك } يعني وإن كذبك قومك يا محمد { فقل } أي فقل لهم { لي عملي ~~} يعني الطاعة وجزاء ثوابها { ولكم عملكم } يعني الشرك وجزاء عقابه { ~~أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون } قيل: المراد منه الزجر ~~والرجوع. وقال مقاتل والكلبي: هذه الآية منسوخة بآية السيف. قال الإمام ~~فخر الدين الرازي: وهو بعيد لأن شرط الناسخ أن يكون رافعا الحكم ~~المنسوخ. ومدلول الآية: اختصاص كل واحد بأفعاله وبثمرات أفعاله من الثواب ~~والعقاب وآية القتال ما رفعت شيئا من مدلولات هذه الآية فكان القول ~~بالنسخ باطلا. قوله تعالى: { ومنهم } يعني ومن هؤلاء المشركين { من ~~يستمعون إليك } يعني بأسماعهم الظاهرة ولا ينفعهم ذلك لشدة بغضهم ~~وعداوتهم لك { أفأنت تسمع الصم } يعني كما أنك لا تقدر على إسماع الصم ~~فكذلك لا تقدر على إسماع من أصم الله سمع قلبه { ولو كانوا لا يعقلون } ~~يعني أن الله سبحانه وتعالى صرف قلوبهم عن الانتفاع بما يسمعون ولم ~~يوفقهم لذلك فهم بمنزلة الجهال إذا لم ينتفعوا بما لم يسمعوا وهم أيضا ~~كالصم ms1658 الذين لا يعقلون شيئا ولا يفهمونه لعدم التوفيق { ومنهم من ينظر ~~إليك } يعني بأبصارهم الظاهرة { أفأنت تهدي العمي } يريد عمي القلوب { ~~ولو كانوا لا يبصرون } لأن الله أعمى بصائر قلوبهم فلا يبصرون شيئا من ~~الهدى وفي هذا تسلية من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم يقول الله ~~عز وجل إنك لا تقدر أن تسمع من سلبته السمع ولا تقدر أن تهدي من سلبته ~~البصر ولا تقدر أن توفق للإيمان من حكمت عليه أن لا يؤمن { إن الله لا ~~يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون }. قال العلماء: لما حكم الله ~~عز وجل على أهل الشقوة بالشقاوة لقضائه وقدره السابق فيهم أخبر في هذه ~~الآية أن تقدير الشقاوة عليهم ما كان ظلما منه لأنه يتصرف في ملكه كيف ~~يشاء والخلق كلهم عبيدة وكل من تصرف في ملكه لا يكون ظالما وإنما قال ~~ولكن الناس أنفسهم يظلمون لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب وإن كان قد ~~سبق قضاء الله وقدره فيهم. قوله سبحانه وتعالى: { ويوم يحشرهم } يعني: ~~واذكر يا محمد يوم نجمع هؤلاء المشركين لموقف الحساب. وأصل الحشر: إخراج ~~الجماعة وإزعاجهم من مكانهم { كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار } يعني ~~كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا قدر ساعة من النهار. وقيل: معناه كأنهم لم ~~يلبثوا في قبورهم إلا قدر ساعة من النهار. والوجه الأول أولى، لأن حال ~~المؤمن والكافر سواء في عدم المعرفة بمقدار لبثهم في القبور إلى وقت ~~الحشر، فتعين حمله على أمر يختص بحال الكافر وهو أنهم لما لم ينتفعوا ~~بأعمارهم في الدنيا استقلوها. # والمؤمن لما انتفع بعمره في الدنيا لم يستقله. وسبب استقلال الكفار: مدة ~~مقامهم في الدنيا أنهم لما ضيعوا أعمارهم في طلب الدنيا والحرص على ما ~~فيها ولم يعملوا بطاعة الله فيها كان وجود ذلك كالعدم فلذلك استقلوه. ~~وقيل: إنهم لما شاهدوا أهوال يوم القيامة وطال عليهم ذلك، استقلوا مدة ~~مقامهم في الدنيا، لأن مقامهم في الدنيا في جنب مقامهم في الآخرة قليل ~~جدا ms1659 { يتعارفون بينهم } يعني: يعرف بعضهم بعضا إذا خرجوا من قبورهم كما ~~كانوا يتعارفون في الدنيا ثم تنقطع المعرفة بينهم إذا عاينوا أهوال يوم ~~القيامة، وفي بعض الآثار: أن الإنسان يوم القيامة يعرف من بجنبه ولا يقدر ~~أن يكلمه هيبة وخشية، وقيل: إن أحوال يوم القيامة مختلفة ففي بعضها يعرف ~~بعضها بعضا وفي بعضها ينكر بعضهم بعضا لهول ما يعاينون في ذلك اليوم { ~~قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } يعني أن من باع آخرته الباقية بدنياه ~~الفانية قد خسر لأنه أثر الفاني على الباقي { وما كانوا مهتدين } يعني ~~إلى ما يصلحهم وينجيهم من هذا الخسار. ### || [10.46-50] # { وإما نرينك } يعني يا محمد { بعض الذي نعدهم } يعني ما نعدهم به من ~~العذاب في الدنيا فذاك { أو نتوفينك } قبل أن نريك ذلك الوعد في الدنيا ~~فإنك ستراه في الآخرة وهو قوله سبحانه وتعالى: { فإلينا مرجعهم } يعني في ~~الآخرة وفيه دليل على أن الله يري رسول الله صلى الله عليه وسلم أنواعا ~~من عذاب الكافرين وذلهم وخزيهم في حال حياته في الدنيا وقد أراه ذلك في ~~يوم بدر وغيره من الأيام وسير به ما أعد لهم من العذاب في الآخرة بسبب ~~كفرهم وتكذيبهم { ثم الله شهيد على ما يفعلون } فيه وعيد وتهديد لهم يعني ~~أنه سبحانه وتعالى شاهد على أفعالهم التي فعلوها في الدنيا فيجازيهم ~~عليها يوم القيامة. قوله عز وجل: { ولكل أمة رسول } لما بين الله عز ~~وجل حال محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه بين أن حال الأنبياء مع أممهم ~~كذلك فقال تعالى: وكل أمة، يعني قد خلت وتقدمت قبلكم، رسول يعني: مبعوثا ~~إليهم يدعو إلى الله وإلى طاعته والإيمان به { فإذا جاء رسولهم } في هذا ~~الكلام إضمار تقديره، فإذا جاءهم رسولهم وبلغهم ما أرسل به إليهم فكذبه ~~قوم وصدقه آخرون { قضي بينهم بالقسط } يعني حكم بينهم بالعدل وفي وقت هذا ~~القضاء والحكم بينهم قولان: أحدهما: أنه في الدنيا وذلك أن الله سبحانه ~~وتعالى أرسل إلى كل أمة رسولا لتبليغ الرسالة وإقامة ms1660 الحجة وإزالة العذر ~~فإذا كذبوا رسلهم وخالفوا أمر الله قضى بينهم، وبين رسلهم في الدنيا ~~فيهلك الكافرين وينجي رسلهم والمؤمنين ويكون ذلك عدلا لا ظلما لأن قبل ~~مجيء الرسول لا يكون ثوابا ولا عقابا. القول الثاني: إن وقت القضاء في ~~الآخرة وذلك أن الله إذا جمع الأمم يوم القيامة للحساب والقضاء بينهم ~~والفصل بين المؤمن والكافر والطائع والعاصي جيء بالرسل لتشهد عليهم. ~~والمراد من ذلك، المبالغة في إظهار العدل، وهو قوله تعالى: { وهم لا ~~يظلمون } يعني من جزاء أعمالهم شيئا ولكن يجازي كل أحد على قدر عمله. ~~وقيل: معناه أنهم لا يعذبون بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة ولا ينقص من ~~حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم { ويقولون } يعني هؤلاء الكفار { متى هذا ~~الوعد } يعني الذي تعدنا به يا محمد من نزول العذاب وقيل قيام الساعة، ~~وإنما قالوا ذلك على وجه التكذيب والاستبعاد { إن كنتم صادقين } يعني ~~فيما تعدونا به، وإنما قالوا بلفظ الجمع لأن كل أمة قالت لرسولها كذلك أو ~~يكون المعنى: إن كنتم صادقين أنت وأتباعك يا محمد أوذكروه بلفظ الجمع على ~~سبيل التعظيم { قل } أي: قل لهم يا محمد { لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ~~} يعني لا أملك لنفسي دفع ضر أو جلب نفع ولا أقدر على ذلك { إلا ما شاء ~~الله } يعني أن أقدر عليه أو أملكه. # والمعنى: أن إنزال العذاب على الأعداء وإظهار النصر للأولياء وعلم قيام ~~الساعة لا يقدر عليه إلا الله فتعيين الوقت إلى الله سبحانه وتعالى بحسب ~~مشيئته ثم إذا حضر ذلك الوقت الذي وقته الله لحدوث هذه الأشياء فإنه يحدث ~~لا محالة وهو قوله سبحانه وتعالى: { ولكل أمة أجل } أي مدة مضروبة ووقت ~~معين { إذا جاء أجلهم } يعني إذا انقضت مدة أعمارهم { فلا يستأخرون ساعة ~~ولا يستقدمون } يعني لا يتأخرون عن ذلك الأجل الذي أجل لهم ولا يتقدمونه ~~{ قل } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك { أرأيتم إن أتاكم عذابه ~~بياتا } يعني ليلا يقال بات يفعل كذا إذا فعل بالليل والسبب ms1661 فيه إن ~~الإنسان في الليل لا يكون إلا في البيت غالبا فجعل الله هذه اللفظة ~~كناية عن الليل { أو نهارا } يعني في النهار { ماذا يستعجل منه المجرمون ~~} يعني ما الذي يستعجلون من نزول العذاب وقد وقعوا فيه وحقيقة المعنى ~~أنهم كانوا يستعجلون نزول العذاب كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم بقوله # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ~~بعذاب أليم # [الأنفال: 32] فأجابهم الله سبحانه وتعالى بقوله: { ماذا يستعجل منه ~~المجرمون } يعني أي شيء يعلم المجرمون ما يطلبون ويستعجلون كما يقول ~~الرجل لغيره وقد فعل فعلا قبيحا ماذا جنيت على نفسك. ### || [10.51-56] # { أثم إذا ما وقع } يعني إذا ما نزل العذاب ووقع { آمنتم به } يعني ~~آمنتم بالله وقت نزول العذاب وهو وقت اليأس وقيل معناه صدقتم بالعذاب عند ~~نزوله ودخلت همزة الاستفهام على ثم للتوبيخ والتقريع { آلآن } فيه إضمار ~~تقديره يقال لهم آلآن تؤمنون أي حين وقوع العذاب { وقد كنتم به تستعجلون ~~} يعني تكذيبا واستهزاء { ثم قيل للذين ظلموا } يعني ظلموا أنفسهم بسبب ~~شركهم وكفرهم بالله { ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون } ~~يعني في الدنيا من الأعمال. قوله سبحانه وتعالى: { ويستنبئونك أحق هو } ~~يعني ويستخبرونك يا محمد أحق ما تعدنا به من نزول العذاب وقيام الساعة { ~~قل إي وربي } أي قل لهم يا محمد نعم وربي { إنه لحق } يعني إن الذي أعدكم ~~به حق، لا شك فيه { وما أنتم بمعجزين } يعني بفائتين من العذاب لأن من ~~عجز عن شيء فقد فاته { ولو أن لكل نفس ظلمت } يعني أشركت { ما في الأرض } ~~يعني من شيء { لافتدت به } يعني يوم القيامة. والافتداء: بمعنى البذل لما ~~ينجو به من العذاب إلا أنه لا ينفعه الفداء ولا يقبل منه { وأسروا ~~الندامة } يعني يوم القيامة، وإنما جاء بلفظ الماضي والقيامة من الأمور ~~المستقبلة، لأن أحوال يوم القيامة لما كانت واجبة الوقوع، جعل الله ~~مستقبلها كالماضي والإسرار يكون بمعنى الإخفاء وبمعنى الإظهار فهو من ~~الأضداد، فلهذا ms1662 اختلفوا في قوله: وأسروا الندامة. فقال أبو عبيدة: معناه ~~وأظهروا الندامة لأن ذلك اليوم ليس يوم تصبر وتصنع. وقيل: معناه أخفوا، ~~يعني أخفى الرؤساء الندامة من الضعفاء والأتباع خوفا من ملامتهم إياهم ~~وتعبيرهم لهم { لما رأوا العذاب } يعني: حين عاينوا العذاب وأبصروه { ~~وقضي بينهم بالقسط } يعني وحكم بينهم بالعدل قيل بين المؤمن والكافر ~~وقيل: بين الرؤساء والأتباع. وقيل: بين الكفار لاحتمال أن بعضهم قد ظلم ~~بعضا فيؤخذ للمظلوم من الظالم وهو قوله سبحانه وتعالى: { وهم لا يظلمون ~~} يعني في الحكم لهم وعليهم بأن يخفف من عذاب المظلوم ويشدد في عذاب ~~الظالم { ألا إن لله ما في السموات والأرض } يعني أن كل شيء في السموات ~~والأرض لله ملك له لا يشركه فيه غيره فليس للكافر شيء يفتدي به من عذاب ~~الله يوم القيامة لأن الأشياء كلها لله وهو أيضا ملك لله فكيف يفتدي من ~~هو مملوك لغيره بشيء لا يملكه { ألا إن وعد الله حق } يعني ما وعد الله ~~به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ثواب الطائع وعقاب العاصي حق لا شك ~~فيه { ولكن أكثرهم لا يعلمون } يعني حقيقة ذلك { هو يحيي ويميت } يعني ~~الذي يملك ما في السموات والأرض قادر على الإحياء والإماتة لا يتعذر عليه ~~شيء مما أراد { وإليه ترجعون } يعني بعد الموت للجزاء. ### || [10.57-60] # قوله عز وجل: { يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم } قيل: أراد ~~بالناس قريشا. وقيل: هو على العموم وهو الأصح وهو اختيار الطبري قد ~~جاءتكم موعظة من ربكم يعني القرآن والوعظ زجر مقترن بتخويف. وقال الخليل: ~~هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب. وقيل: الموعظة، ما يدعو إلى الصلاح ~~بطريقة الرغبة والرهبة. والقرآن داع إلى كل خير وصلاح بهذا الطريق { ~~وشفاء لما في الصدور } يعني أن القرآن ذو شفاء لما في القلوب من داء ~~الجهل وذلك لأن داء الجهل أضر للقلب من داء المرض للبدن. وأمراض القلب ~~هي: الأخلاق الذميمة والعقائد الفاسدة والجهالات المهلكة. فالقرآن مزيل ~~لهذه الأمراض كلها، لأن فيه ms1663 الوعظ والزجر والتخويف والترغيب والترهيب ~~والتحذير والتذكير فهو الدواء والشفاء لهذه الأمراض القلبية، وإنما خص ~~الصدر بالذكر، لأنه موضع القلب وغلافه وهو أعز موضع في بدن الإنسان لمكان ~~القلب فيه { وهدى } يعني وهو هدى من الضلالة { ورحمة للمؤمنين } يعني ~~ونعمة على المؤمنين لأنهم هم الذين انتفعوا بالقرآن دون غيرهم { قل بفضل ~~الله وبرحمته } الباء في بفضل الله متعلقة بمضمر استغنى عن ذكره لدلالة ~~ما تقدم عليه وهو قوله قد جاءتكم موعظة من ربكم. والفضل هنا: بمعنى ~~الإفضال ويكون معنى الآية على هذا يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم ~~وشفاء لما في الصدور وهو القرآن بإفضال الله عليكم ورحمته بكم وإرادته ~~الخير لكم ثم قال سبحانه وتعالى: { فبذلك فليفرحوا } أشار بذلك إلى ~~القرآن لأن المراد بالموعظة والشفاء: القرآن فترك اللفظ وأشار إلى المعنى ~~وقيل: فبذلك فليفرحوا إشارة إلى معنى الفضل والرحمة والمعنى فبذلك التطول ~~والإنعام فليفرحوا قال الواحدي الفاء في قوله تعالى: فليفرحوا زائدة كقول ~~الشاعر: # فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي # فالفاء في قوله فاجزعي، زائدة. وقال صاحب الكشاف في معنى الآية بفضل ~~الله وبرحمته فليفرحوا فبذلك. فليفرحوا والتكرير للتأكيد والتقرير إيجاب ~~اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد ~~الفعلين لدلالة المذكور عليه والفاء داخلة لمعنى الشرط فكأنه قيل: إن ~~فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، فإنه لا مفروح به أحق منهما، والفرح: لذة ~~في القلب بإدراك المحبوب والمشتهى. يقال: فرحت بكذا إذا أدركت المأمول ~~ولذلك أكثر ما يستعمل الفرح في اللذات البدنية الدنيوية واستعمل هنا فيما ~~يرغب فيه من الخيرات ومعنى الآية ليفرح المؤمنون بفضل الله ورحمته أي ما ~~آتاهم الله من المواعظ وشفاء الصدور وثلج اليقين بالإيمان وسكون النفس ~~إليه { هو خير مما يجمعون } يعني من متاع الدنيا ولذاتها الفانية هذا ~~مذهب أهل المعاني في هذه الآية. وأما مذهب المفسرين فغير هذا، فإن ابن ~~عباس والحسن وقتادة قالوا: فضل الله الإسلام ورحمته القرآن وقال أبو سعيد ~~الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلنا من ms1664 أهله. # وقال ابن عمر: فضل الله الإسلام ورحمته تزيينه في قلوبنا. وقيل: فضل ~~الله الإسلام ورحمته الجنة. وقيل: فضل الله القرآن ورحمته السنن. فعلى ~~هذا الباء في بفضل الله تتعلق بمحذوف يفسره ما يعده تقديره قل فليفرحوا ~~بفضل الله وبرحمته { قل } أي قل يا محمد لكفار مكة { أرأيتم ما أنزل الله ~~لكم من رزق } يعني من زرع وضرع وغيرهما وعبر عما في الأرض بالإنزال لأن ~~جميع ما في الأرض من خير ورزق فإنما هو من بركات السماء { فجعلتم منه } ~~يعني من ذلك الرزق { حراما وحلالا } يعني ما حرموه على أنفسهم في ~~الجاهلية من الحرث والأنعام، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. قال ~~الضحاك: هو قوله سبحانه وتعالى: # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا # [الأنعام: 136] { قل آلله أذن لكم } يعني: قل لهم يا محمد آلله أذن لكم ~~في هذا التحريم { أم على الله تفترون } يعني بل أنتم كاذبون على الله في ~~ادعائكم أن الله أمرنا بهذا { وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم ~~القيامة } يعني: إذا لقوه يوم القيامة أيحسبون أنه لا يؤاخذهم على ~~أعمالهم فهو استفهام بمعنى التوبيخ والتقريع والوعيد العظيم لمن يفتري ~~على الله الكذب { إن الله لذو فضل على الناس } يعني ببعثة الرسل وإنزال ~~الكتب لبيان الحلال والحرام { ولكن أكثرهم لا يشكرون } يعني: لا يشكرون ~~الله على ذلك الفضل والإحسان. ### || [10.61-63] # قوله سبحانه وتعالى: { وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن } الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وحده والشأن الخطب والحال والأمر الذي يتفق ~~ويصلح ولا يقال إلا فيما يعظم من الأحوال والأمور والجمع الشؤون تقول ~~العرب ما شأن فلان أي ما ماله. والشأن اسم إذا كان بمعنى الخطب والحال ~~ويكون مصدرا إذا كان معناه القصد والذي في هذه الآية يجوز أن يكون ~~المراد به الاسم. قال ابن عباس: معناه، وما تكون يا محمد في شأن يريد من ~~أعمال البر؟ وقال الحسن: في شأن من شؤون الدنيا وحوائجك ويجوز أن يكون ~~المراد منه القصد يعني ms1665 قصد الشيء وما تتلو منه من قرآن. اختلفوا في ~~الضمير في منه إلى ماذا يعود فقيل: يعود إلى الشأن إذا تلاوة القرآن شأن ~~من شؤون رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو أعظم شؤونه، فعلى هذا يكون ~~داخلا تحت قوله تعالى: وما تكون في شأن إلا أنه سبحانه وتعالى خصة ~~بالذكر لشرفه وعلو مرتبته. وقيل: إنه راجع إلى القرآن لأنه قد تقدم ذكره ~~في قوله سبحانه وتعالى قل بفضل الله وبرحمته، فعلى هذا يكون المعنى وما ~~تتلو من القرآن من قرآن يعني من سورة وشيء منه لأن لفظ القرآن يطلق على ~~جميعه وعلى بعضه. وقيل: الضمير في منه راجع إلى الله والمعنى وما تتلو من ~~الله من قرآن نازل عليك. وأما قوله سبحانه وتعالى: { ولا تعملون من عمل } ~~فإنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته داخلون فيه ومرادون به، لأن من ~~المعلوم أنه إذا خوطب رئيس قوم وكبيرهم، كان القوم داخلين في ذلك الخطاب. ~~ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى: ولا تعملون من عمل على صيغة الجمع فدل على ~~أنهم داخلون في الخطابين الأولين وقوله سبحانه وتعالى: { إلا كنا عليكم ~~شهودا } يعني شاهدين لأعمالكم وذلك لأن الله سبحانه وتعالى شاهد على كل ~~شيء وعالم بكل شيء أنه لا محدث ولا خالق ولا موجد إلا الله تعالى فكل ما ~~يدخل في الوجود من أحوال العباد وأعمالهم الظاهرة والباطنة داخل في علمه ~~وهو شاهد عليه { إذ تفيضون فيه } يعني أن الله سبحانه وتعالى شاهد عليكم ~~حين تدخلون وتخوضون في ذلك العمل. والإفاضة: الدخول في العمل على جهة ~~الانتصاب إليه والانبساط فيه. وقال ابن الأنباري: معناه إذ تدفعون فيه ~~وتبسطون في ذكره. وقيل: الإفاضة: الدفع بكثرة. وقال الزجاج: تنشرون فيه. ~~يقال: أفاض القوم في الحديث، إذا انتشروا فيه { وما يعزب عن ربك } يعني: ~~وما يبعد ويغيب عن ربك يا محمد من عمل خلقه شيء لأنه عالم به وشاهد عليه. # وأصل العزوب: البعد. يقال منه كلام عازب إذا كان بعيد المطلب { من مثقال ms1666 ~~ذرة } يعني وزن ذرة والمثقال: الوزن. والذرة: النملة الصغيرة الحمراء ~~وهي خفيفة الوزن جدا { في الأرض ولا في السماء } فإن قلت: لم قدم ذكر ~~الأرض على السماء هنا وقدم ذكر السماء على الأرض في سورة سبأ وما فائدة ~~ذلك؟ قلت: كان حق السماء أن تقدم على الأرض كما في سورة سبأ إلا أنه ~~تعالى لما ذكر في هذه الآية شهادته على أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم، ثم ~~وصل ذلك بقوله وما يعزب عن ربك حسن تقديم الأرض على السماء في هذا الموضع ~~لهذه الفائدة { ولا أصغر من ذلك } يعني من الذرة { ولا أكبر } يعني منها ~~{ إلا في كتاب مبين } يعني في اللوح المحفوظ. قوله سبحانه وتعالى: { ألا ~~إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } اعلم أننا نحتاج أولا في ~~تفسير هذه الآية أن نبين من يستحق اسم الولاية ومن هو الولي فنقول: اختلف ~~العلماء فيمن يستحق هذا الاسم فقال ابن عباس في هذه الآية هم الذين يذكر ~~الله لرؤيتهم وروى الطبري بسنده عن سعيد بن جبير مرسلا قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولياء الله فقال هم الذين إذ ~~رؤوا ذكر الله " # وقال ابن زيد: هم الذين آمنوا وكانوا يتقون ولن يتقبل الإيمان إلا ~~بالتقوى. وقال قوم: هم المتحابون في الله. ويدل على ذلك ما روي عن عمر بن ~~الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا بشهداء يغبطهم الأنبياء ~~والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله قالوا يا رسول الله تخبرنا من هم؟. ~~قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتقاطعونها ~~فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا ~~يحزنون إذا حزن الناس. وقرأ هذه الآية: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون " # أخرجه أبو داود. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة ms1667 أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم ~~في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي " # أخرجه مسلم. عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " قال الله تعالى: المتحابون بجلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون ~~والشهداء " # أخرجه الترمذي. وروى البغوي بسنده # " عن أبي مالك الأشعري. قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ~~إن لله عبيدا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء بقربهم ~~ومقعدهم من الله يوم القيامة ". قال: وفي ناحية القوم أعرابي، فجثا على ~~ركبتيه ورمى بيديه ثم قال: حدثنا يا رسول الله عنهم من هم؟ قال: فرأيت في ~~وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم البشر فقال " هم عباد من عباد الله ومن ~~بلدان شتى وقبائل شتى لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها ولا دنيا يتبادلون ~~بها يتحابون بروح الله يجعل وجوههم نورا ويجعل لهم منابر من لؤلؤ قدام ~~الرحمن، يفزع الناس لو يفزعون ويخاف الناس ولا يخافون " # ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " قال الله تبارك وتعالى إن أوليائي من عبادي الذين يذكرون بذكري وأذكر ~~بذكرهم " # هكذا ذكره البغوي بغير سند، وروى الطبري بسنده عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء قيل من هم يا رسول ~~الله لعلنا نحبهم قال هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب ~~وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن ~~الناس ثم قرأ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " # الغبطة نوع من الحسد إلا أن الحسد مذموم والغبطة محمودة والفرق بين ~~الحسد والغبطة أن الحاسد يتمنى زوال ما على المحسود من النعمة ونحوها ~~والغبطة هي أن يتمنى الغابط مثل تلك النعمة التي هي على المغبوط من غير ~~زوال عنه. وقال أبو بكر الأصم: أولياء الله هم الذين تولى الله هدايتهم ~~وتولوا القيام بحق العبودية لله والدعوة إليه. وأصل الولي ms1668 من الولاء وهو ~~القرب والنصرة فولي الله هو الذي يتقرب إلى الله بكل ما افترض عليه ويكون ~~مشتعلا بالله مستغرق القلب في معرفة نور جلال الله فإن رأى رأى دلائل ~~قدرة الله وإن سمع سمع آيات الله وإن نطق نطق بالثناء على الله وإن تحرك ~~تحرك في طاعة الله وإن اجتهد اجتهد فيما يقربه إلى الله لا يفتر عن ذكر ~~الله ولا يرى بقلبه غير الله، فهذه صفة أولياء الله وإذا كان العبد كذلك ~~كان الله وليه وناصره ومعينه قال الله تعالى: # الله ولي الذين آمنوا # [البقرة: 257] وقال المتكلمون: ولي الله من كان آتيا بالاعتقاد الصحيح ~~المبني على الدليل ويكون آتيا بالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به ~~الشريعة وإليه الإشارة بقوله { الذين آمنوا وكانوا يتقون } وهو أن ~~الإيمان مبني على جميع الاعتقاد والعمل ومقام التقوى هو أن يتقي العبد كل ~~ما نهى الله عنه وقوله سبحانه وتعالى: لا خوف عليهم، يعني في الآخرة إذ ~~خاف غيرهم ولا هم يحزنون يعني على شيء فاتهم من نعيم الدنيا ولذاتها. قال ~~بعض المحققين: زوال الخوف والحزن عنهم إنما يحصل لهم في الآخرة لأن ~~الدنيا لا تخلو من هم وغم وأنكاد وحزن. قال بعض العارفين: إن الولاية ~~عبارة عن القرب من الله ودوام الاشتغال بالله وإذا كان العبد بهذه الحالة ~~فلا يخاف من شيء ولا يحزن على شيء لأن مقام الولاية والمعرفة منعه من أن ~~يخاف أو يحزن. وأما قوله سبحانه وتعالى { الذين آمنوا وكانوا يتقون } فقد ~~تقدم تفسيره وأنه صفة لأولياء الله. ### || [10.64-65] # وقوله سبحانه وتعالى: { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } ~~اختلفوا في هذه البشرى، فروي # " عن عبادة بن الصامت قال " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله ~~تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن ~~أو ترى له " # أخرجه الترمذي. وله # " عن رجل من أهل مصر قال " سألت أبا الدرداء عن هذه الآية لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا قال: ما سألني عنها أحد ms1669 منذ سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عنها وقال ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت هي الرؤيا الصالحة ~~يراها المسلم أو ترى له " # قال الترمذي حديث حسن خ. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات قالوا وما المبشرات قال الرؤيا ~~الصالحة " # ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ورؤيا المؤمن جزء من ستة ~~وأربعين جزءا من النبوة " # لفظ البخاري ومسلم " إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقكم ~~رؤيا أصدقكم حديثا ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة ~~والرؤيا ثلاث: الرؤيا الصالحة بشرى من الله ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا ~~مما يحدث المرء نفسه، قال بعض العلماء: ووجه هذا القول إنا إذا حملنا ~~قوله تبارك وتعالى لهم البشرى على الرؤيا الصالحة الصادقة فظاهر هذا النص ~~يقتضي أن لا تحمل هذه الحالة إلا لهم، وذلك لأن ولي الله هو الذي يكون ~~مستغرق القلب والروح بذكر الله عز وجل ومن كان كذلك فإنه عند النوم لا ~~يبقى في قلبه غير ذكر الله ومعرفته ومن المعلوم أن معرفة الله في القلب ~~لا تفيد إلا الحق والصدق فإذا رأى الولي رؤيا أو رؤيت له كانت تلك الرؤيا ~~بشرى من الله عز وجل لهذا الولي. قال الخطابي: في هذه الأحاديث توكيد ~~لأمر الرؤيا وتحقيق منزلتها وإنما كانت جزءا من أجزاء النبوة في حق ~~الأنبياء دون غيرهم وكان الأنبياء عليهم السلام يوحى إليهم في منامهم كما ~~يوحى إليهم في اليقظة، قال الخطابي: قال بعض العلماء معنى الحديث أن ~~الرؤيا تأتي على موافقة النبوة لا أنها جزء من النبوة وقال الخطابي وغيره ~~في معنى قوله - الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة: أقام النبي ~~صلى الله عليه وسلم في النبوة ثلاثا وعشرين سنة على الصحيح وكان قبل ذلك ~~بستة أشهر يرى في المنام الوحي فهي جزء من ms1670 ستة وأربعين جزءا وقيل إن ~~المنام لعل أن يكون فيه إخبار بغيب وهو أحد مراتب النبوة وهو يسير في ~~جانب النبوة لأنه لا يجوز أن يبعث الله بعد محمد صلى الله عليه وسلم ~~نبيا يشرع الشرائع ويبين الأحكام ولا يخبر بغيب أبدا. # فإذا وقع لأحد في المنام الإخبار بغيب يكون هذا القدر جزءا من النبوة ~~لا أنه نبي، وإذا وقع ذلك لأحد في المنام يكون صدقا والله أعلم. وقيل في ~~تفسير الآية: إن المراد بالبشرى في الحياة الدنيا هي الثناء الحسن وفي ~~الآخرة الجنة ويدل على ذلك ما روي عن أبي ذر قال # " قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ~~ويحمده الناس عليه قال تلك عاجل بشرى المؤمن " # أخرجه مسلم قال الشيخ محيي الدين النووي قال العلماء معنى هذا البشرى ~~المعجلة له بالخير، وهي دليل للبشرى المؤخرة له في الآخرة بقوله بشراكم ~~اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار وهذه البشرى المعجلة دليل على رضا الله ~~عنه ومحبته له وتحبيبه إلى الخلق كما قال ثم يوضع له القبول في الأرض هذا ~~كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم وإلا فالتعرض مذموم قال بعض ~~المحققين: إذا اشتغل العبد بالله عز وجل استنار قلبه وامتلأ نورا فيفيض ~~من ذلك النور الذي في قلبه على وجهه فتظهر عليه آثار الخشوع والخضوع يحبه ~~الناس ويثنون عليه فتلك عاجل بشراه بمحبة الله له ورضوانه عليه وقال ~~الزهري وقتادة في تفسير البشرى: هي نزول الملائكة بالبشارة من الله عند ~~الموت ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى: # تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم ~~توعدون # [فصلت: 30] وقال عطاء عن ابن عباس البشرى في الدنيا عند الموت تأتيهم ~~الملائكة بالبشارة وفي الآخرة بعد خروج نفس المؤمن يعرج بها إلى الله ~~تعالى ويبشر برضوان الله تعالى وقال الحسن هي ما بشر الله به المؤمنين في ~~كتابه من جنته وكريم ثوابه ويدل عليه قوله تعالى: { لا تبديل لكلمات الله ms1671 ~~} يعني لا خلف لوعد الله الذي وعد به أولياءه وأهل طاعته في كتابه وعلى ~~ألسنة رسله ولا تغيير لذلك الوعد { ذلك هو الفوز العظيم } يعني ما وعدهم ~~به في الآخرة { ولا يحزنك قولهم } يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم ولا يحزنك يا محمد قول هؤلاء المشركين لك ولا يغمك تخويفهم إياك { ~~إن العزة لله جميعا } يعني أن القهر والغلبة والقدرة لله جميعا هو ~~المنفرد بها دون غيره وهو ناصرك عليم والمنتقم لك منهم. وقال سعيد بن ~~المسيب: إن العزة لله جميعا فيعز من يشاء وهذا كما قال سبحانه وتعالى في ~~آية أخرى # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8] ولا منافاة بين الآيتين فإن عزة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وعزة المؤمنين بإعزاز الله إياهم فثبت بذلك أن العزة لله جميعا وهو ~~الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء. وقيل إن المشركين كانوا يتعززون بكثرة ~~أموالهم وأولادهم وعبيدهم فأخبر الله سبحانه وتعالى أن جميع ذلك لله وفي ~~ملكه فهو قادر على أن يسلبهم جميع ذلك ويذلهم بعد العز { هو السميع } ~~لأقوالكم ودعائكم { العليم } بجميع أحوالكم لا تخفى عليه خافية. ### || [10.66-70] # قوله سبحانه وتعالى: { ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض } ألا ~~كلمة تنبيه معناه أنه لا ملك لأحد في السموات ولا في الأرض إلا لله عز ~~وجل فهو يملك من في السموات ومن في الأرض. فإن قلت قال سبحانه وتعالى في ~~الآية التي قبل هذه ألا إن لله ما في السموات بلفظة ما وقال سبحانه ~~وتعالى في هذه الآية بلفظة من فمن فائدة ذلك؟ قلت إن لفظة ما تدل على ما ~~لا يعقل ولفظة من تدل على من يعقل فمجموع الآيتين يدل على أن الله عز وجل ~~يملك جميع من في السموات ومن في الأرض من العقلاء وغيرهم وهم عبيده وفي ~~ملكه. وقيل: إن لفظة من لمن يعقل فيكون المراد بمن في السموات الملائكة ~~والعقلاء ومن في الأرض الإنس والجن وهم العقلاء أيضا وإنما خصهم بالذكر ~~لشرفهم وإذا ms1672 كان هؤلاء العقال المميزون في ملكه وتحت قدرته فالجمادات ~~بطريق الأولى أن يكونوا في ملكه إذا ثبت هذا فتكون الأصنام التي يعبدها ~~المشركون أيضا في ملكه وتحت قبضته وقدرته ويكون ذلك قدحا في جعل ~~الأصنام شركاء لله معبودة دونه { وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ~~} لفظة ما استفهاميه معناه وأي شيء يتبع الذي يدعون من دون الله شركاء ~~والمقصود تقبيح فعلهم يعني أنهم ليسوا على شيء لأنهم يعبدونها على أنها ~~شركاء لله تشفع لهم وليس الأمر على ما يظنون وهو قوله سبحانه وتعالى: { ~~إن يتبعون إلا الظن } يعني أن فعلهم ذلك ظن منهم أنها تشفع لهم وأنها ~~تقربهم إلى الله وذلك ظن منهم لا حقيقة له { وإن هم إلا يخرصون } يعني إن ~~هم إلا يكذبون في دعواهم ذلك. قوله عز وجل: { هو الذي جعل لكم الليل ~~لتسكنوا فيه والنهار مبصرا } يعني هو الله ربكم الذي خلق لكم الليل راحة ~~لتسكنوا فيه وليزول التعب والكلال بالسكون فيه، وأصل السكون الثبوت بعد ~~الحركة والنهار مبصرا وجعل النهار مضيئا لتهتدوا فيه لحوائجكم وأسباب ~~معايشكم وأضاف الإبصار إلى النهار وإنما يبصر فيه وليس النهار مما يبصر ~~ولكن لما كان مفهوما من كلام العرب معناه خاطبهم بلغتهم وما يفهمونه قال ~~جرير: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائم # فأضاف النوم إلى الليل ووصفه به وإنما عنى نفسه وأنه لم يكن نائما ولا ~~بعيره وهذا من باب نقل الاسم من المسبب إلى السبب قال قطرب تقول العرب ~~أظلم الليل وأبصر النهار بمعنى صار ذا ظلمة وذا ضياء. قوله تعالى: { إن ~~في ذلك لآيات لقوم يسمعون } يعني يسمعون سمع اعتبار وتدبر فيعلمون بذلك ~~أن الذي خلق هذه الأشياء كلها هو الإله المعبود المنفرد بالوحدانية في ~~الوجود { قالوا } يعني المشركين { اتخذ الله ولدا } يعني به قولهم ~~الملائكة بنات الله { سبحانه } نزه الله سبحانه وتعالى نفسه عن اتخاذ ~~الولد { هو الغني } يعني أنه سبحانه وتعالى هو الغني عن جميع خلقه فكيف ~~يليق ms1673 بجلاله اتخاذ الولد وإنما يتخذ الولد من هو محتاج إليه والله تعالى ~~هو الغني المطلق وجميع الأشياء محتاجة إليه وهو غني عنها { له ما في ~~السموات وما في الأرض } يعني أنه مالك ما في السموات وما في الأرض وكلهم ~~عبيده وفي قبضته وتصرفه وهو محدثهم وخالقهم. # ولما نزه الله سبحانه وتعالى نفسه عن اتخاذ الولد عطف على من قال ذلك ~~بالإنكار والتوبيخ والتقريع فقال سبحانه وتعالى: { إن عندكم من سلطان ~~بهذا } يعني أنه لا حجة عندكم على هذا القول البتة ثم بالغ في الإنكار ~~عليهم بقوله تعالى: { أتقولون على الله ما لا تعلمون } يعني أتقولون على ~~الله قولا لا تعلمون حقيقته وصحته وتضيفون إليه ما لا تجوز إضافته إليه ~~جهلا منكم بما تقولون بغير حجة ولا برهان { قل إن الذين يفترون على الله ~~الكذب } أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يختلقون على الله الكذب فيقولون على ~~الله الباطل ويزعمون أن له ولدا { لا يفلحون } يعني لا يسعدون وإن ~~اغتروا بطول السلامة والبقاء في النعمة. والمعنى أن قائل هذا القول لا ~~ينجح في سعيه ولا يفوز بمطلوبه بل خاب وخسر قال الزجاج هذا وقف قام يعني ~~قوله لا يفلحون ثم ابتدأ فقال تعالى: { متاع في الدنيا } وفيه إضمار ~~تقديره لهم متاع في الدنيا يتمتعون به مدة أعمارهم وانقضاء آجالهم في ~~الدنيا وهي أيام يسيرة بالنسبة إلى طول مقامهم في العذاب وهو قوله سبحانه ~~وتعالى: { ثم إلينا مرجعهم } يعني بعد الموت { ثم نذيقهم العذاب الشديد ~~بما كانوا يكفرون } يعني ذلك العذاب بسبب ما كانوا يجحدون في الدنيا من ~~نعمة الله عليهم ويصفونه بما لا يليق بجلاله. ### || [10.71-73] # قوله سبحانه وتعالى: { واتل عليهم نبأ نوح } لما ذكر الله سبحانه وتعالى ~~في هذه السورة أحوال كفار قريش وما كانوا عليه من الكفر والعناد شرع بعد ~~ذلك في بيان قصص الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم ليكون في ذلك لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أسوة بمن سلف من الأنبياء وتسلية له ليخف عليه ما ms1674 ~~يلقى من أذى قومه وأن الكفار من قومه إذا سمعوا هذه القصص وما جرى لكفار ~~الأمم الماضية من العذاب والهلاك في الدنيا كان ذلك سببا لخوف قلوبهم ~~وداعيا لهم إلى الإيمان. ولما كان قوم نوح أول الأمم هلاكا وأعظمهم ~~كفرا وجحودا ذكر الله قصتهم وأنه أهلكهم بالغرق ليصير ذلك موعظة وعبرة ~~لكفار قريش، فقال سبحانه وتعالى واتل عليهم نبأ نوح يعني واقرأ على قومك ~~يا محمد خبر قوم نوح { إذ قال لقومه يا قوم } وهو بنو قابيل { إن كان كبر ~~} يعني ثقل { عليكم مقامي } يعني فيكم { وتذكيري بآيات الله } يعني: ~~ووعظي إياكم بآيات الله: وقيل: معناه إن كان ثقل وشق عليكم طول مقامي ~~فيكم وذلك أنه عليه الصلاة والسلام أقام فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ~~يدعوهم إلى الله تعالى ويذكرهم بآيات الله وهو قوله وتذكيري بآيات الله ~~يعني ووعظي بآيات الله وحججه وبيناته فعزمتم على قتلي وطردي { فعلى الله ~~توكلت } يعني فهو حسبي وثقتي { فأجمعوا أمركم } يعني فأحكموا أمركم ~~واعزموا عليه، قال الفراء: الإجماع الإعداد والعزيمة على الأمر قال ابن ~~الأنباري: المراد من الأمر هنا وجوه كيدهم وكرهم فالتقدير لا تدعوا من ~~أمركم شيئا إلا أحضرتموه { وشركاءكم } يعني وادعوا شركاءكم يعني آلهتكم ~~فاستعينوا بها لتجمع معكم وتعينكم على مطلوبكم وإنما حثهم على الاستعانة ~~بالأصنام بناء على مذهبهم واعتقادهم أنها تضر وتنقع مع اعتقاده أنها جماد ~~لا تضر ولا تنفع فهو كالتبكيت والتوبيخ لهم { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ~~} يعني لا يكن أمركم عليكم خفيا مبهما ولكن ليكن أمركم ظاهرا منكشفا ~~من قولهم غم الهلال فهو مغموم إذا خفي والتبس على الناس { ثم اقضوا } ثم ~~امضوا { إلي } بما في أنفسكم من مكروه وما توعدوني به من قتل وطرد ~~وافرغوا منه تقول العرب قضى فلان إذا مات ومضى وقيل معناه ثم اقضوا ما ~~أنتم قاضون { ولا تنظرون } أي: ولا تؤخروني ولا تمهلوني بعد إعلامكم إياي ~~ما أنتم عليه وهذا الكلام من نوح عليه السلام على طريق التعجيز لهم أخبر ~~الله ms1675 عز وجل عن نوح عليه السلام أنه كان قد بلغ الغاية في التوكل على ~~الله وأنه كان واثقا بنصره غير خائف من كيدهم علما منه بأنهم وآلهتهم ~~ليس لهم نفع ولا ضر وإن مكرهم لا يصل إليه { فإن توليتم } يعني فإن ~~أعرضتم عن قولي وقبول نصحي { فما سألتكم من أجر } يعني من جعل وعوض على ~~تبليغ الرسالة فإذا لم يأخذ على تبليغ الدعوة إلى الله شيئا كان أقوى ~~تأثيرا في النفس { إن أجري إلا على الله } أي: ما ثوابي وجزائي على ~~تبليغ الرسالة إلا على الله { وأمرت أن أكون من المسلمين } يعني أني أمرت ~~بدين الإسلام وأنا ماض فيه غير تارك له سواء قبلتموه أم لم تقبلوه وقيل ~~معناه وأمرت أن أكون من المستسلمين لأمر الله ولكل مكروه يصل إلي منكم ~~لأجل هذه الدعوة { فكذبوه } يعني فكذبوا نوحا عليه السلام { فنجيناه ومن ~~معه في الفلك } يعني في السفينة { وجعلناهم خلائف } يعني وجعلنا الذين ~~نجيناهم معه في الفلك سكان الأرض بعد الهالكين { وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } أي فانظر يا محمد أو يا أيها ~~الإنسان كيف كان آخر أمر من أنذرتهم الرسل فلم يؤمنوا ولم يقبلوا ذلك. ### || [10.74-80] # { ثم بعثنا من بعده } يعني من بعد نوح { رسلا إلى قومهم } لم يسم هنا ~~من كان بعد نوح من الرسل وقد كان بعد نوح هود وصالح وغيرهما من الرسل { ~~فجاؤوهم بالبينات } يعني بالدلالات الواضحات والمعجزات الباهرات التي تدل ~~على صدقهم { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل } يعني أن أولئك ~~الأقوام والأمم التي جاءتهم الرسل جروا على منهاج قوم نوح في التكذيب ولم ~~يزجرهم ما جاءتهم به الرسل ولم يرجعوا عما هم فيه من الكفر والتكذيب { ~~كذلك نطبع على قلوب المعتدين } يعني مثل إغراقنا قوم نوح بسبب تكذيبهم ~~نوحا كذلك نختم على قلوب من اعتدى وسلك سبيلهم في التكذيب. قوله عز وجل: ~~{ ثم بعثنا من بعدهم } يعني من بعد الرسل { موسى وهارون إلى فرعون وملئه ~~} يعني أشراف قومه ms1676 { بآياتنا فاستكبروا } يعني عن الإيمان بما جاء به ~~موسى وهارون { وكانوا قوما مجرمين } يعني مستكسبين للإثم { فلما جاءهم ~~الحق من عندنا } يعني فلما جاء فرعون وقومه الحق الذي جاء به موسى من عند ~~الله { قالوا إن هذا لسحر مبين } يعني أن هذا الذي جاء به موسى سحر مبين ~~يعرفه كل أحد { قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا } فيه حذف ~~تقديره أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر أسحر هذا فحذف السحر الأول اكتفاء ~~بدلالة الكلام عليه ثم قال أسحر هذا وهو استفهام على سبيل الإنكار يعني ~~أنه ليس بسحر ثم احتج على صحة قوله فقال { ولا يفلح الساحرون } يعني حاصل ~~السحر تمويه وتخييل وصاحب ذلك لا يفلح أبدا { قالوا } يعني قال قوم ~~فرعون لموسى { أجئتنا لتلفتنا } يعني لتصرفنا وتلوينا { عما وجدنا عليه ~~آباءنا } يعني من الدين { وتكون لكما الكبرياء } يعني الملك والسلطان { ~~في الأرض } يعني في أرض مصر والخطاب لموسى وهارون. قال الزجاج: سمي الملك ~~كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا { وما نحن لكما بمؤمنين } يعني ~~بمصدقين { وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم } يعني أن فرعون أراد أن ~~يعارض معجزة موسى بأنواع من التلبيس أن ما أتى به موسى سحر { فلما جاء ~~السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون } إنما أمرهم موسى بإلقاء ما ~~معهم من الحبال والعصي التي فيها سحرهم ليظهر الحق ويبطل الباطل ويتبين ~~أن ما أتوا به فاسد. ### || [10.81-83] # { فلما ألقوا } يعني ما معهم من الحبال والعصي { قال موسى ما جئتم به ~~السحر } يعني الذي جئتم به هو السحر الباطل وهذا على سبيل التوبيخ لهم { ~~إن الله سيبطله } يعني يكمله ويظهر فضيحة صاحبه { إن الله لا يصلح عمل ~~المفسدين } يعني لا يقويه ولا يكمله ولا يحسنه { ويحق الله الحق } يعني ~~ويظهر الله الحق ويقويه ويعليه { بكلماته } يعني وعده الصادق لموسى أنه ~~يظهره وقيل بما سبق من قضائه وقدره لموسى أنه يغلب السحرة { ولو كره ~~المجرمون }. قوله سبحانه وتعالى: { فما آمن لموسى إلا ذرية ms1677 من قومه } لما ~~ذكر الله عز وجل ما أتى به موسى عليه السلام من المعجزات العظيمة الباهرة ~~أخبر الله سبحانه وتعالى أنه مع مشاهدة هذه المعجزات ما آمن لموسى إلا ~~ذرية من قومه وإنما ذكر الله عز وجل هذا تسلية لنبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم لأنه كان كثير الاهتمام بإيمان قومه وكان يغتم بسبب إعراضهم عن ~~الإيمان به واستمرارهم على الكفر والتكذيب فبين الله سبحانه وتعالى أن له ~~أسوة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأن الذي جاء به موسى عليه السلام ~~من المعجزات كان أمرا عظيما ومع ذلك فما آمن معه إلا ذرية. والذرية: ~~اسم يقع على القليل من القوم، قال ابن عباس: الذرية القليل وقيل المراد ~~به التصغير وقلة العدد واختلفوا في هاء الكناية في قومه فقيل إنها راجعة ~~إلى موسى وأراد بها قوم موسى وهم بنو إسرائيل الذين كانوا معه بمصر من ~~أولاده. قال مجاهد: هم أولاد يعقوب الذين أرسل إليهم موسى هلك الآباء ~~وبقي الأبناء وقيل هم قوم نجوا من قتل فرعون لما أمر بقتل أبناء بني ~~إسرائيل كانت المرأة في بني إسرائيل إذا ولدت ابنا وهبته لقبطية خوفا ~~عليه من القتل فنشؤوا بين القبط فلما كان اليوم الذي غلب موسى فيه السحرة ~~آمنوا به، وقال ابن عباس: ذرية من قومه يعني من بني إسرائيل. وقيل: إنها ~~راجعة إلى فرعون يعني إلا ذرية من قوم فرعون. روى عطية عن ابن عباس قال: ~~هم ناس يسير من قوم فرعون آمنوا منهم امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون وخازنه ~~وامرأة خازنه وماشطة ابنته. قال الفراء: سموا ذرية لأن آباءهم كانوا من ~~القبط من آل فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل فكان الرجل يتبع أمه وأخواله ~~في الإيمان وذلك كما يقال لأولاد فارس الذين دخلوا إلى اليمن الأبناء لأن ~~أمهاتهم من غير جنس الآباء { على خوف فرعون وملئهم } الملأ: الأشراف فعلى ~~هذا يكون معنى الآية على خوف من فرعون ومن أشرافهم، وهم ملأ الذرية لأنه ~~كان آباؤهم من القبط وأمهاتهم من بني ms1678 إسرائيل وقيل أراد بالملأ ملأ فرعون ~~وإنما قال سبحانه وتعالى وملئهم بالجمع وفرعون واحد على سبيل التفخيم له ~~{ أن يفتنهم } أي يصرفهم ويصدهم عن الإيمان وإنما قال أن يفتنهم ولم يقل ~~أن يفتنوهم لأن قوم فرعون كانوا على مراده وتابعين لأمره { وإن فرعون ~~لعال في الأرض } يعني أنه لغالب قهار متكبر فيها { وإنه لمن المسرفين } ~~يعني من المجاوزين الحد لأنه كان عبدا فادعى الربوبية وكان كثير القتل ~~والتعذيب لبني إسرائيل. ### || [10.84-88] # { وقال موسى } يعني لقومه { يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا } ~~يعني. فيه فثقوا ولأمره فسلموا فإنه ناصر أوليائه ومهلك أعدائه { إن كنتم ~~مسلمين } يعني إن كنتم مستسلمين لأمره قيل إنما أعيد قوله إن كنتم مسلمين ~~بعد قوله إن كنتم آمنتم بالله لإرادة إن كنتم موصوفين بالإيمان القلبي ~~وبالإسلام الظاهري ودلت الآية على أن التوكل على الله والتفويض لأمره من ~~كمال الإيمان وأن من كان يؤمن بالله فلا يتوكل إلا على الله لا على غيره ~~{ فقالوا } يعني قال قوم موسى مجيبين له { على الله توكلنا } يعني عليه ~~اعتمدنا لا على غيره ثم دعوا ربهم فقالوا { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم ~~الظالمين } يعني لا تظهرهم علينا ولا تهلكنا بذنوبهم فيظنوا أنا لم نكن ~~على الحق فيزدادوا طغيانا وكفرا وقال مجاهد: لا تعذبنا بعذاب من عندك ~~فيقول قوم فرعون لو كانوا على حق لما عذبوا ويظنوا أنهم خير منا فيفتتنوا ~~بذلك وقيل معناه لا تسلطهم علينا فيفتنونا { ونجنا برحمتك من القوم ~~الكافرين } يعني وخلصنا برحمتك من أيدي قوم فرعون الكافرين لأنهم كانوا ~~يستعبدونهم ويستعملونهم في الأعمال الشاقة قوله عز وجل: { وأوحينا إلى ~~موسى وأخيه } هارون { أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا } يعني اتخذا لقومكما ~~بمصر بيوتا للصلاة فيها يقال تبوأ فلان لنفسه بيتا إذا اتخذه مباءة أي ~~وطنا والمعنى اجعلا بمصر لقومكما بيوتا ترجعون إليها للصلاة والعبادة { ~~واجعلوا بيوتكم قبلة } اختلف أهل التفسير في معنى هذه البيوت والقبلة ~~فمنهم من قال أراد بالبيوت المساجد التي يصلى فيها وفسروا القبلة بالجانب ~~الذي ms1679 يستقبل في الصلاة فعلى هذا يكون معنى الكلام واجعلوا بيوتكم مساجد ~~تستقبلونها لأجل الصلاة وقيل معناه اجعلوا بيوتكم إلى القبلة. واختلفوا ~~في هذه القبلة، وظاهر القرآن لا يدل على تعيينها إلا أنه قد نقل عن ابن ~~عباس أنه قال: كانت الكعبة قبلة لموسى وهارون، وهو قول مجاهد أيضا قال ~~ابن عباس: قالت بنو إسرائيل لموسى لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة ~~فأذن الله لهم أن يصلوا في بيوتهم وأن يجعلوا بيوتهم قبل القبلة وقيل ~~كانت القبلة إلى جهة المقدس. وقيل: أراد مطلق البيوت وعلى هذا يكون معنى ~~قوله واجعلوا بيوتكم قبلة أي مقابلة يعني يقابل بعضها بعضا وقيل معناه ~~واجعلوا في بيوتكم قبلة تصلون إليها. فإن قلت: إنه سبحانه وتعالى خص موسى ~~وهرون بالخطاب في أول الآية بقوله سبحانه وتعالى: وأخيه أن تبوآ لقومكما ~~ثم إنه عم بهذا الخطاب فقال تعالى: واجعلوا بيوتكم قبلة فما السبب فيه. ~~قلت: إنه سبحانه وتعالى أمر موسى وهارون بأن يتبوءا لقومهما بيوتا ~~للعبادة وذلك مما يخص به الأنبياء فخصا بالخطاب لذلك. # ثم لما كانت العبادة عامة تجب على الكافة عم بالخطاب الجميع فقال ~~تعالى: واجعلوا بيوتكم قبلة { وأقيموا الصلاة } يعني في بيوتكم وذلك حين ~~خاف موسى ومن آمن معه من بني إسرائيل من فرعون وقومه إذا صلوا في الكنائس ~~والبيع الجامعة أن يؤذهم فأمرهم الله سبحانه وتعالى أن يصلوا في بيوتهم ~~خفية من فرعون وقومه، وقيل: كانت بنو إسرائيل لا يصلون إلا في الكنائس ~~الجامعة وكانت ظاهرة فلما أرسل موسى أمر فرعون بتخريب تلك الكنائس ومنعهم ~~من الصلاة فيها فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفا من ~~فرعون. وقيل: إن الله سبحانه وتعالى لما أرسل موسى وهارون وأظهرهما على ~~فرعون أمرهم باتخاذ المساجد ظاهرة على رغم الأعداء وتكفل لهم بصونهم من ~~شرهم وهو قوله سبحانه وتعالى: { وبشر المؤمنين } يعني بأنه لا يصل إليهم ~~مكروه. قوله سبحانه وتعالى: { وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة ~~وأموالا في الحياة الدنيا } لما أتى ms1680 موسى عليه السلام بالمعجزات ~~الباهرات ورأى أن القوم مصرون على الكفر والعناد والإنكار لما جاء به أخذ ~~في الدعاء عليهم ومن حق من يدعو على الغير ان يذكر أولا سبب إقدامه على ~~الجرائم التي كانت سبب إصراره على ما يوجب الدعاء عليه. ولما كان سبب ~~كفرهم وعنادهم هو حب الدنيا وزينتها لا جرم أن موسى لما أخذ في الدعاء ~~قدم هذه المقالة فقال { ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في ~~الحياة الدنيا } والزينة عبارة عما يتزين به اللباس والدواب والغلمان ~~وأثاث البيت الفاخر والأشياء الجميلة والمال ما زاد على هذه الأشياء من ~~الصامت ونحوه ثم قال تبارك وتعالى: { ربنا ليضلوا عن سبيلك } اختلفوا في ~~هذه اللام فقال الفراء: هي لام كي فعلى هذا يكون المعنى ربنا إنك جعلت ~~هذه الأموال سببا لضلالهم لأنهم بطروا وطغوا في الأرض واستكبروا عن ~~الإيمان. وقال الأحفش: إنما هي لما يؤول إليه الأمر والمعنى إنك أتيت ~~فرعون وملأه زينة في الحياة الدنيا فضلوا فعلى هذا هي لام العاقبة يعني ~~فكان عاقبتهم الضلال، وقال ابن الأنباري: هي لام الدعاء وهي لام مكسورة ~~تحزم المستقبل ويفتتح بها الكلام فيكون المعنى ربنا إنك ابتليتهم بالضلال ~~عن سبيلك { ربنا اطمس على أموالهم } الطمس: إزالة أثر الشيء بالمحو. ~~ومعنى اطمس على أموالهم أزال صورها وهيئاتها. وقال مجاهد: أهلكها وقال ~~أكثر المفسرين: امسخها وغيرها عن هيئتها، قال قتادة: بلغنا أن أموالهم ~~وحروثهم وزروعهم وجواهرهم صارت حجارة، وقال محمد بن كعب القرظي: صارت ~~صورهم حجارة وكان الرجل مع أهله في فراشه فصار حجرين والمرأة قائمة تخبز ~~فصارت حجرا وهذا فيه ضعف لأن موسى عليه السلام دعى على أموالهم ولم يدع ~~على أنفسهم بالمسخ. وقال ابن عباس: بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت ~~حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأنصافا وأثلاثا. # وقيل إن عمر بن عبد العزيز دعا بخريطة فيها شيء من بقايا آل فرعون فأخرج ~~منها البيضة منقوشة والجوزة مشقوقة وهي حجارة. قال السدي: مسخ الله ~~أموالهم حجارة النخل والثمار والدقيق والأطعمة وهذا الطمس ms1681 هو أحد الآيات ~~التسع التي أوتيها موسى عليه السلام { واشدد على قلوبهم } يعني اربط على ~~قلوبهم واطبع عليها وقسها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان ومعنى الشد على ~~القلوب الاستيثاق منها حتى لا يدخلها الإيمان قال الواحدي: وهذا دليل على ~~أن الله سبحانه وتعالى يفعل ذلك لمن يشاء ولولا ذلك لما جسر موسى عليه ~~السلام على هذا السؤال { فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } يعني الغرق ~~قاله ابن عباس وقال ابن عباس في رواية أخرى عنه: قال موسى قبل أن يأتي ~~فرعون ربنا اشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم فاستجاب ~~الله له دعاءه فحال بين فرعون وبين الإيمان حتى أدركه الغرق فلم ينفعه ~~الإيمان. قال بعض العلماء: إنما دعا عليهم موسى بهذا الدعاء لما علم أن ~~سابق قضاء الله وقدره فيهم أنهم لا يؤمنون ذلك أن الله سبحانه وتعالى كتب ~~عليهم في الأزل أنهم لا يؤمنون فوافق دعاء موسى ما قدر وقضى عليهم. ### || [10.89-90] # { قال } الله عز وجل لموسى وهارون { قد أجيبت دعوتكما } إنما نسب الدعاء ~~إليهما وأن الداعي هو موسى وحده لأن هارون عليه السلام كان يؤمن والتأمين ~~دعاء لأنه طلب وسؤال أيضا ومعناه اللهم استجب فصار بذلك شريك موسى في ~~الدعاء فلذلك قال تعالى قد أجيب دعوتكما { فاستقيما } يعني على تبليغ ~~الرسالة وامضيا لأمري إلى أن يأتيهم العذاب { ولا تتبعان سبيل الذين لا ~~يعلمون } يعني ولا تسلكا طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي فإن وعدي لا خلف ~~فيه ووعدي نازل بفرعون وقومه فلا تستعجلا. قيل: كان بين دعاء موسى عليه ~~السلام وبين الإجابة أربعون سنة. قال الإمام فخر الدين الرازي: واعلم أن ~~هذا النهي لا يدل على أن ذلك قد صدر من موسى وهارون كما أن قوله لئن ~~أشركت ليحبطن عملك لا يدل على صدور الشرك منه. قوله عز وجل: { وجاوزنا ~~ببني إسرائيل البحر } أي: وقطعنا ببني إسرائيل البحر وعبرناهم إياه حتى ~~جاوزوه وعبروه { فأتبعهم فرعون وجنوده } يعني لحقهم وأدركهم { بغيا ~~وعدوا } أي ظلما وعدوانا وقيل ms1682 البغي طلب الاستعلاء بغير حق والعدو ~~الظلم وقيل بغيا في القول وعدوا في الفعل. قال أهل التفسير: اجتمع ~~يعقوب وبنوه إلى يوسف وهم اثنان وسبعون وخرجوا مع موسى من مصر وهم ستمائة ~~ألف وذلك أنه لما أجاب الله دعاء موسى وهارون أمرهما بالخروج ببني ~~إسرائيل من مصر في الوقت الذي أمرهما أن يخرجا فيه بهم ويسر لهم أسباب ~~الخروج وكان فرعون غافلا فلما سمع بخروجهم ومفارقتهم مملكته خرج بجنوده ~~في طلبهم فلما أدركهم قالوا لموسى أين المخلص والمخرج البحر أمامنا ~~وفرعون وراءنا وقد كنا نلقى من فرعون البلاء العظيم فأوحى الله سبحانه ~~وتعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود ~~العظيم وكشف الله عن وجه الأرض وأيبس لهم البحر فلحقهم فرعون وكان على ~~حصان أدهم وكان معه في عسكره ثمانمائة ألف حصان على لون حصانه سوى سائر ~~الألوان وكان مقدمهم جبريل وكان على فرس أنثى وديق وميكائيل بسوقهم حتى ~~لا يشد منهم أحد فلما خرج آخر بني إسرائيل من البحر دنا جبريل بفرسه فلما ~~وجد الحصان ريح الأنثى لم يملك فرعون من أمره شيئا فنزل البحر وتبعه ~~جنوده حتى إذا اكتملوا جميعا في البحر وهم أولهم بالخروج التطم البحر ~~عليهم فلما أدرك فرعون الغرق أتى بكلمة الإخلاص ظنا منه أنها تنجيه من ~~الهلاك وهو قوله تعالى: { حتى إذا أدركه الغرق قال } يعني فرعون { آمنت ~~أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين } قال ابن ~~عباس: لم يقبل الله إيمانه عند نزول العذاب به وقد كان في مهل. # قال العلماء: إيمانه غير مقبول وذلك أن الإيمان والتوبة عند معاينة ~~الملائكة والعذاب غير مقبولين ويدل عليه قوله تعالى: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85] وقيل: إنه قال هذه الكلمة ليتوصل بها إلى دفع ما نزل به من ~~البلية الحاضرة، ولم يكن قصده بها الإقرار بوحدانية الله تعالى والاعتراف ~~له بالربوبية لا جرم لم ينفعه ما قال في ذلك الوقت. وقيل: إن ms1683 فرعون كان ~~من الدهرية المنكرين لوجود الصانع الخالق سبحانه وتعالى: فلهذا قال آمنت ~~أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل فلم ينفعه ذلك لحصول الشك في ~~إيمانه ولما رجع فرعون إلى الإيمان والتوبة حين أغلق بابهما بحضورالموت ~~ومعاينة الملائكة قيل له. ### || [10.91-93] # { آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين } يعني آلآن تتوب وقد أضعت التوبة ~~في وقتها وآثرت دنياك الفانية على الآخرة الباقية، والمخاطب لفرعون بهذا ~~هو جبريل عليه السلام وقيل الملائكة. وقيل: إن القائل لذلك هو الله تعالى ~~عرف فرعون قبح صنعه وما كان عليه من الفساد في الأرض ويدل على هذا القول ~~قوله سبحانه وتعالى فاليوم ننجيك ببدنك، والقول الأول أشهر ويعضده ما روي ~~عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لما أغرق الله فرعون قال آمنت أن لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ~~قال جبريل يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة ~~أن تدركه الرحمة " # أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن. وفي رواية أخرى عنه عن عدي بن ثابت وعطاء ~~بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ذكر أحدهما عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه ذكر # " أن جبريل عليه السلام جعل يدس في في فرعون الطين خشية أن يقول لا إله ~~إلا الله فيرحمه الله أو خشية أن يرحمه الله " # أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح. فصل: في الكلام على هذا الحديث لأنه ~~في الظاهر مشكل فيحتاج إلى بيان وإيضاح فنقول قد ورد هذا الحديث على ~~طريقين مختلفين عن ابن عباس، ففي الطريق الأول عن ابن زيد بن جدعان وهو ~~وإن كان قد ضعفه يحيى بن معين وغيره فإنه كان شيخا نبيلا صدوقا ولكنه ~~كان سيئ الحفظ ويغلط وقد احتمل الناس حديثه وإنما يخشى من حديثه إذا لم ~~يتابع عليه أو خالفه فيه الثقات وكلاهما منتف في هذا الحديث لأن في ~~الطريق الآخر شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن ms1684 جبير وهذا الإسناد على شرط ~~البخاري، ورواه أيضا شعبة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير وعطاء بن ~~السائب ثقة قد أخرج له مسلم فهو على شرط مسلم وإن كان عطاء قد تكلم فيه ~~من قبل اختلاطه فإنما يخاف منه ما انفرد به أو خولف فيه وكلاهما منتف فقد ~~علم بهذا أن لهذا الحديث أصلا وأن رواته ثقات ليس فيهم متهم وإن كان ~~فيهم من هو سيئ الحفظ فقد تابعه عليه غيره. فإن قلت ففي الحديث الثاني شك ~~في رفعه إنما هو جزم بأن أحد الرجلين رفعه وشك شعبة في تعيينه هل هو عطاء ~~بن السائب أو عدي بن ثابت وكلاهما ثقة فإذا رفعه أحدهما وشك في تعيينه لم ~~يكن هذا علة في الحديث وقوله من حال البحر أي من طين البحر كما في ~~الرواية الأخرى. # فصل ووجه إشكاله ما اعترض به الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره فقال: ~~هل يصح أن جبريل أخذ يملأ فمه بالطين لئلا يتوب غضبا عليه والجواب ~~الأقرب أنه لا يصح لأن في تلك الحالة، إما أن يقال: التكليف هل كان ~~ثابتا أم لا فإن كان ثابتا لا يجوز لجبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب ~~عليه أن يعينه على التوبة وعلى كل طاعة وإن كان التكليف زائلا عن فرعون ~~في ذلك الوقت فحينئذ لا يبقى لهذا الذي نسب إلى جبريل فائدة وأيضا لو ~~منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر وأيضا ~~فكيف يليق بجلال الله أن يأمر جبريل بأن يمنعه من الإيمان. ولو قيل: إن ~~جبريل فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله فهذا يبطله قول جبريل وما نتنزل ~~إلا بأمر ربك فهذا وجه الإشكال الذي أورده الإمام على هذا الحديث في كلام ~~أكثر من هذا، والجواب عن هذا الاعتراض أن الحديث قد ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلا اعتراض عليه لأحد. وأما قول الإمام: إن التكليف هل ~~كان ثابتا في تلك الحالة أم لا ms1685 فإن كان ثابتا لم يجز لجبريل أن يمنعه ~~من التوبة فإن هذا القول لا يستقيم على أصل المثبتين للقدر القائلين بخلق ~~الأفعال لله وأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وهذا قول أهل السنة ~~المثبتين للقدر، فإنهم يقولون إن الله يحول بين الكافر والإيمان ويدل على ~~ذلك قوله تعالى: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه # [الأنفال: 24] وقوله تعالى: # وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم # [النساء: 155] وقال تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة # [الأنعام: 110] فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه قلب أفئدتهم مثل تركهم ~~الإيمان به أول مرة، وهكذا فعل بفرعون منعه من الإيمان عند الموت جزاء ~~على تركه الإيمان أولا فدس الطين في فم فرعون من جنس الطبع والختم على ~~القلب ومنع الإيمان وصون الكافر عنه وذلك جزاء على كفره السابق وهذا قول ~~طائفة من المثبتين للقدر القائلين بخلق الأفعال لله. ومن المنكرين لخلق ~~الأفعال من اعترف أيضا أن الله سبحانه وتعالى يفعل هذا عقوبة للعبد على ~~كفره السابق فيحسن منه أن يضله ويطبع على قلبه ويمنعه من الإيمان. فأما ~~قصة جبريل عليه السلام مع فرعون فإنها من هذا الباب فإن غاية ما يقال فيه ~~إن الله سبحانه وتعالى منع فرعون من الإيمان وحال بينه وبينه عقوبة له ~~على كفره السابق ورده للإيمان لما جاءه. وأما فعل جبريل من دس الطين في ~~فيه فإنما فعل ذلك بأمر الله لا من تلقاء نفسه. فأما قول الإمام لم يجز ~~لجبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب عليه أن يعينه عليها وعلى كل طاعة هذا ~~إذا كان تكليف جبريل كتكليفنا يجب عليه ما يجب علينا. # وأما إذا كان جبريل إنما يفعل أمره الله به والله سبحانه وتعالى هو الذي ~~منع فرعون من الإيمان وجبريل منفذ لأمر الله فكيف لا يجوز له منع من منعه ~~الله من التوبة وكيف يجب عليه إعانة من لم يعنه الله بل قد حكم عليه ~~وأخبر عنه أنه لا يؤمن حتى يرى ms1686 العذاب الأليم حين لا ينفعه الإيمان. وقد ~~يقال: إن جبريل عليه السلام إما أن يتصرف بأمر الله فلا يفعل إلا ما أمر ~~الله به وإما أن يفعل ما يشاء من تلقاء نفسه لا بأمر الله وعلى هذين ~~التقديرين فلا يجب عليه إعانة فرعون على التوبة ولا يحرم عليه منعه منها ~~لأنه إنما يجب عليه فعل ما أمر به ويحرم عليه فعل ما نهي عنه والله ~~سبحانه وتعالى لم يخبر أنه أمره بإعانة فرعون ولا حرم عليه منعه من ~~التوبة وليست الملائكة مكلفين كتكليفنا. وقوله وإن كان التكليف زائلا عن ~~فرعون في ذلك الوقت فحينئذ لا يبقى هذا الذي نسب إلى جبريل فائدة فجوابه ~~أن يقال إن للناس في تعليل أفعال الله قولين أحدهما أن أفعاله لا تعلل ~~وعلى هذا التقدير فلا يريد هذا السؤال أصلا وقد زال الإشكال. والقول ~~الثاني: إن أفعاله تبارك وتعالى لها غاية بحسب المصالح لأجلها فعلها وكذا ~~أوامره ونواهيه لها غاية محمودة محبوبة لأجلها أمر بها ونهى عنها وعلى ~~هذا التقدير قد يقال لما قال فرعون آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو ~~إسرائيل وقد علم جبريل أنه ممن حقت عليه كلمة العذاب وأن إيمانه لا ينفعه ~~دس الطين في فيه لتحقق معاينته للموت فلا تكون تلك الكلمة نافعة له وأنه ~~وإن كان قالها في وقت لا ينفعه فدس الطين في فيه تحقيقا لهذا المنع ~~والفائدة فيه تعجيل ما قد قضي عليه وسد الباب عند سدا محكما بحيث لا ~~يبقى للرحمة فيه منفذ ولا يبقى من عمره زمن يتسع للإيمان فإن موسى عليه ~~السلام لما دعا ربه بأن فرعون لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم والإيمان ~~عند رؤية العذاب غير نافع أجاب الله دعاءه. فلما قال فرعون تلك الكلمة ~~عند معاينة الغرق استعجل جبريل فدس الطين في فيه لييأس من الحياة ولا ~~تنفعه تلك الكلمة وتحقق إجابة الدعوة التي وعد الله موسى بقوله قد أجيبت ~~دعوتكما فيكون سعي جبريل في تكميل ما سبق في ms1687 حكم الله أنه يفعله فيكون ~~سعي جبريل في مرضاة الله سبحانه وتعالى منفذا لما أمره به وقدره وقضاه ~~على فرعون. وأما قوله: لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر ~~والرضا بالكفر كفر، فجوابه ما تقدم من أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ~~وجبريل إنما يتصرف بأمر الله ولا يفعل إلا ما أمره الله به وإذا كان ~~جبريل قد فعل ما أمره الله به ونفذه فإنما رضي بالأمر لا بالمأمور به فأي ~~كفر يكون هنا وأيضا فإن الرضا بالكفر إنما يكون كفرا في حقنا لأنا ~~مأمورون بإزالته بحسب الإمكان فإذا أقررنا الكافر على كفره ورضينا به كان ~~كفرا في حقنا لمخالفتنا ما أمرنا به. # وأما من ليس مأمورا كأمرنا ولا مكلفا كتكليفنا بل يفعل ما يأمره به ~~ربه فإنه إذا نفذ ما أمره به لم يكن راضيا بالكفر ولا يكون كفرا في حقه ~~وعلى هذا التقدير فإن جبريل لما دس الطين في في فرعون كان ساخطا لكفره ~~غير راض به والله سبحانه وتعالى خالق أفعال العباد خيرها وشرها وهو غير ~~راض بالكفر فغاية أمر جبريل مع فرعون أن يكون منفذا لقضاء الله وقدره في ~~فرعون من الكفر وهو ساخط له غير راض به وقوله كيف يليق بجلال الله أن ~~يأمر جبريل بأن يمنعه من الإيمان فجوابه أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد لا يسأل عما يفعل وأما قوله وإن قيل إن جبريل إنما فعل ذلك من عند ~~نفسه لا بأمر الله فجوابه أنه إنما فعل ذلك بأمر الله منفذا لأمر الله ~~والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. قوله سبحانه وتعالى: { فاليوم ننجيك ~~ببدنك } أي نلقيك على نجوة من الأرض وهي المكان المرتفع. قال أهل ~~التفسير: لما أغرق الله سبحانه وتعالى فرعون وقومه أخبر موسى قومه بهلاك ~~فرعون وقومه فقالت بنو إسرائيل ما مات فرعون وإنما قالوا ذلك لعظمته ~~عندهم وما حصل في قلوبهم من الرعب لأجله فأمر الله عز وجل البحر فألقى ~~فرعون على الساحل ms1688 أحمر قصيرا كأنه ثور فرآه بنو إسرائيل فعرفوه فمن ذلك ~~الوقت لا يقبل الماء ميتا أبدا، ومعنى قوله ببدنك يعني نلقيك وأنت جسد ~~لا روح فيه وقيل هذا الخطاب على سبيل التهكم والاستهزاء كأنه قيل له ~~ننجيك ولكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك. وقيل: أراد بالبدن ~~الدرع وكان لفرعون درع من ذهب مرصع بالجواهر، يعرف به فلما رأوه في درعه ~~ذلك عرفوه { لتكون لمن خلفك آية } يعني عبرة وموعظة، وذلك أنهم ادعوا أن ~~مثل فرعون لا يموت أبدا فأظهره الله لهم حتى يشاهدوه وهو ميت لتزول ~~الشبهة من قلوبهم ويعتبروا به لأنه كان في غاية العظمة فصار إلى نهاية ~~الخسة والذلة ملقى على الأرض لا يهابه أحد { وإن كثيرا من الناس عن ~~آياتنا لغافلون } قوله عز وجل: { ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق } يعني ~~أسكناهم مكان صدق وأنزلناهم منزل صدق بعد خروجهم من البحر وإغراق عدوهم ~~فرعون. # والمعنى: أنزلناهم منزلا محمودا صالحا وإنما وصف المكان بالصدق لأن ~~عادة العرب إذا مدحت شيئا أضافته إلى الصدق تقول العرب: هذا رجل صدق ~~وقدم صدق والسبب فيه أن الشيء إذا كان كاملا صالحا، لا بد أن يصدق الظن ~~فيه وفي المراد بالمكان الذي بوءوا قولان أحدهما أنه مصر فيكون المراد: ~~إن الله أورث بني إسرائيل جميع ما كان تحت أيدي فرعون وقومه من ناطق ~~وصامت وزرع وغيره. والقول الثاني: إنه أرض الشام والقدس والأردن لأنها ~~بلاد الخصب والخير والبركة { ورزقناهم من الطيبات } يعني تلك المنافع ~~والخيرات التي رزقهم الله تعالى: { فما اختلفوا حتى جاءهم العلم } يعني ~~فما اختلف هؤلاء الذين فعلنا بهم هذا الفعل من بني إسرائيل حتى جاءهم ما ~~كانوا به عالمين وذلك أنهم كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~مقرين به مجمعين على نبوته غير مختلفين فيه لما يجدونه مكتوبا عندهم ~~فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم واختلفوا فيه فآمن به بعضهم ~~كعبد الله بن سلام وأصحابه وكفر به بعضهم بغيا وحسدا. فعلى هذا المعنى ms1689 ~~يكون المراد من العلم المعلوم والمعنى فما اختلفوا حتى جاءهم المعلوم ~~الذي كانوا يعلمونه حقا فوضع العلم مكان العلوم وقيل المراد من العلم ~~القرآن النازل على محمد صلى الله عليه وسلم وإنما سماه علما لأنه سبب ~~العلم وتسمية السبب بالمسبب مجاز مشهور وفي كون القرآن سببا لحدوث ~~الاختلاف وجهان: الأول: أن اليهود كانوا يخبرون بمبعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم وصفته ونعته ويفتخرون بذلك على المشركين، فلما بعث كذبوه بغيا ~~وحسدا وإيثارا لبقاء الرياسة لهم فآمن به طائفة قليلة وكفر به غالبهم. ~~والوجه الثاني: أن اليهود كانوا على دين واحد قبل نزول القرآن فلما نزل ~~على محمد صلى الله عليه وسلم آمن به طائفة وكفر به آخرون. وقوله تعالى: { ~~إن ربك } يعني يا محمد { يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ~~} يعني من أمرك وأمر نبوتك في الدنيا فيدخل من آمن بك الجنة ومن كفر بك ~~وجحد نبوتك النار. ### || [10.94-98] # { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك } الشك في موضع اللغة خلاف اليقين ~~والشك اعتدال النقيضين عند الإنسان لوجود أمارتين أو لعدم الأمارة والشك ~~ضرب من الجهل وهو أخص منه فكل شك جهل وليس كل جهل شكا فإذا قيل فلان شك ~~في هذا الأمر فمعناه توقف فيه حتى يتبين له فيه الصواب أو خلافه وظاهر ~~هذا الخطاب في قوله فإن كنت في شك أنه للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى ~~فإن كنت يا محمد في شك مما أنزلنا إليك يعني من حقيقة ما أخبرناك به ~~وأنزلناه يعني القرآن { فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك } يعني علماء ~~أهل الكتاب يخبرونك أنك مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل وأنك نبي ~~يعرفونك بصفتك عندهم وقد توجه هاهنا سؤال واعتراض وهو أن يقال هل شك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما أنزل عليه أو في نبوته حتى يسأل أهل ~~الكتاب عن ذلك وإذا كان شاكا في نبوة نفسه كان غيره أولى بالشك منه. ~~قلت: الجواب عن هذا السؤال والاعتراض ما قاله القاضي عياض في ms1690 كتابه ~~الشفاء فإنه أورد هذا السؤال، ثم قال: احذر ثبت الله قلبك أن يخطر ببالك ~~ما ذكره فيه بعض المفسرين عن ابن عباس أو غيره من إثبات شك النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيما أوحي إليه فإنه من البشر فمثل هذا لا يجوز عليه صلى ~~الله عليه وسلم جملة بل قال ابن عباس: # " لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسأل " # ونحوه عن سعيد بن جبير والحسن البصري. وحكي عن قتادة أنه قال: بلغنا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ما أشك ولا أسأل " # وعامة المفسرين على هذا، ثم كلام القاضي عياض رحمه الله ثم اختلفوا في ~~معنى الآية ومن المخاطب بهذا الخطاب على قولين أحدهما أن الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم في الظاهر والمراد به غيره فهو كقوله لئن أشركت ~~ليحبطن عملك ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرك فثبت أن المراد ~~به غيره ومن أمثلة العرب: إياك أعني واسمعي يا جارة. فعلى هذا يكون معنى ~~الآية قل يا محمد، يا أيها الإنسان الشاك إن كنت في شك مما أنزلنا إليك ~~على لسان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فاسأل الذين يقرؤون الكتاب ~~يخبروك بصحته ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى في آخر هذه السورة قل ~~يا أيها الناس إن كنتم في شك في ديني الآية فبين أن المذكور في هذه الآية ~~على سبيل الرمز وهو المذكور في تلك الآية على سبيل التصريح وأيضا لو كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم شاكا في نبوته لكان غيره أولى بالشك في نبوته ~~وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية معاذ الله من ذلك وقيل إن الله سبحانه ~~وتعالى علم أن النبي لم يشك قط فيكون المراد بهذا التهييج فإنه صلى الله ~~عليه وسلم إذا سمع هذا الكلام يقول # " لا أشك يا رب ولا أسأل أهل الكتاب بل أكتفي بما أنزلته علي من الدلائل ~~الظاهرة " # وقال الزجاج: إن الله خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله فإن ms1691 كنت ~~في شك وهو شامل للخلق فهو كقوله يا أيها النبي إذا طلقتم النساء وهذا وجه ~~حسن لكن فيه بعد وهو أن يقال متى كان الرسول صلى الله عليه وسلم داخلا ~~في هذا الخطاب كان الاعتراض موجودا والسؤال واردا، وقيل: إن لفظة إن في ~~قوله فإن كنت في شك للنفي ومعناه وما أنت في شك مما أنزلنا إليك حتى تسأل ~~فلا تسأل ولئن سألت لازددت يقينا. والقول الثاني: إن هذا الخطاب ليس هو ~~للنبي صلى الله عليه وسلم البتة ووجه هذا القول إن الناس كانوا في زمنه ~~على ثلاث فرق فرقة له مصدقون وبه مؤمنون وفرقة على الضد من ذلك والفرقة ~~الثالثة المتوقفون في أمره الشاكون فيه فخاطبهم الله عز وجل بهذا الخطاب، ~~فقال: تمجد وتعالى: فإن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى ~~على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته ~~وإنما وحد الله الضمير في قوله فإن كنت وهو يريد الجمع لأنه خطاب لجنس ~~الإنسان كما في قوله تعالى: # يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم # [الإنفطار: 6] لم يرد في الآية إنسانا بعينه بل أراد الجمع واختلفوا ~~في المسؤول عنه في قوله تعالى: { فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك } من ~~هم فقال المحققون من أهل التفسير: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد ~~الله بن سلام وأصحابه لأنهم هم الموثوق بأخبارهم. وقيل: المراد كل أهل ~~الكتاب سواء مؤمنهم وكافرهم لأن المقصود من هذا السؤال الإخبار بصحة نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم أو أنه مكتوب عندهم صفته ونعته فإذا أخبروا بذلك ~~فقد حصل المقصود والأول أصح. وقال الضحاك يعني أهل التقوى وأهل الإيمان ~~من أهل الكتاب ممن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم { لقد جاءك الحق من ربك ~~} هذا كلام مبتدأ منقطع عما قبله وفيه معنى القسم تقديره أقسم لقد جاءك ~~الحق اليقين من الخير بأنك رسول الله حقا وأن أهل الكتاب يعلمون صحة ذلك ~~{ فلا تكونن من الممترين ms1692 } يعني من الشاكين في صحة ما أنزلنا إليك { ولا ~~تكونن من الذين كذبوا بآيات الله } يعني بدلائله وبراهينه الواضحة { ~~فتكون من الخاسرين } يعني الذين خسروا أنفسهم. # واعلم أن هذا كله على ما تقدم من أن ظاهره خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمراد به غيره ممن عنده شك وارتياب فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يشك ولم يرتب ولم يكذب بآيات الله فثبت بهذا أن المراد به غيره والله ~~أعلم. قوله سبحانه وتعالى { إن الذين حقت عليهم } يعني وجبت عليهم { كلمة ~~ربك } يعني حكم ربك وهو قوله سبحانه وتعالى: وخلقت هؤلاء للنار ولا أبالي ~~وقال قتادة: سخط ربك وقيل لعنة ربك وقيل هو ما قدره عليهم وقضاه في الأزل ~~{ لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية } فإنهم لا يؤمنون بها { حتى يروا العذاب ~~الأليم } فحينئذ لا ينفعهم شيء قوله سبحانه وتعالى: { فلولا } يعني فهلا ~~{ كانت قرية } وقيل معناه فما كانت قرية وقيل لم تكن قرية لأن في ~~الاستفهام معنى الحجة والمراد هل كانت قرية { آمنت } يعني عند معاينة ~~العذاب { فنفعها إيمانها } يعني في حال اليأس { إلا قوم يونس } هذا ~~استثناء منقطع يعني لكن قوم يونس فإنهم آمنوا فنفعهم إيمانهم في ذلك ~~الوقت وهو قوله { لما آمنوا } يعني لما أخلصوا الإيمان { كشفنا عنهم عذاب ~~الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين } يعني إلى وقت انقضاء آجالهم ~~واختلفوا في قوم يونس هل رأوا العذاب عيانا أم لا فقال بعضهم رأوا دليل ~~العذاب فآمنوا وقال الأكثرون إنهم رأوا العذاب عيانا بدليل قوله كشفنا ~~عنهم عذاب الخزي والكشف لا يكون إلا بعد الوقوع أو إذا قرب وقوعه. ذكر ~~القصة في ذلك على ما ذكره عبد الله بن مسعود وسعيد بن جبير ووهب وغيرهم ~~قالوا: إن قوم يونس كانوا بقرية نينوى من أرض الموصل وكانوا أهل كفر وشرك ~~فأرسل الله سبحانه وتعالى إليهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى الإيمان ~~بالله وترك عبادة الأصنام فدعاهم فأبوا عليه فقيل له أخبرهم أن العذاب ~~مصبحهم إلى ثلاث فأخبرهم ms1693 بذلك فقالوا إنا لم نجرب عليه كذبا قط فانظروا ~~فإن بات فيكم الليلة فليس بشيء وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم فلما ~~كان جوف الليل خرج يونس من بين أظهرهم فلما أصبحوا تغشاهم العذاب فكان ~~فوق رؤوسهم. قال ابن عباس: إن العذاب كان أهبط على قوم يونس حتى لم يكن ~~بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل فلما دعوا كشف الله عنهم ذلك. وقال مقاتل: ~~قدر ميل، وقال سعيد بن جبير: غشي قوم يونس العذاب كما يغشى الثوب القبر، ~~وقال وهب: غامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا فهبط حتى ~~غشي مدينتهم واسودت أسطحتهم فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك فطلبوا نبيهم ~~يونس عليه السلام فلم يجدوه فقذف الله سبحانه وتعالى في قلوبهم فخرجوا ~~إلى الصحراء بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم فلبسوا المسوح وأظهروا ~~الإسلام والتوبة وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والدواب فحن البعض ~~إلى البعض فحن الأولاد إلى الأمهات والأمهات إلى الأولاد وعلت الأصوات ~~وعجوا جميعا إلى الله وتضرعوا إليه وقالوا آمنا بما جاء به يونس وتابوا ~~إلى الله وأخلصوا النية فرحمهم ربهم فاستجاب دعاءهم وكشف عنهم ما نزل بهم ~~من العذاب بعد ما أظلهم وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء وكان يوم الجمعة. # قال ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم فيما بينهم حتى أن كان ~~الرجل ليأتي إلى الحجر وقد وضع أساس بنيانه عليه فيقلعه فيرده. وروى ~~الطبري بسنده عن أبي الجلد خيلان قال: لما غشي قوم يونس العذاب مشوا إلى ~~شيخ من بقية علمائهم فقالوا له إنه قد نزل بنا العذاب فما ترى قال قالوا ~~يا حي حين لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت فقالوها فكشف ~~الله عنهم العذاب ومتعوا إلى حين. وقال الفضيل بن عياض: إنهم قالوا اللهم ~~إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم وأجل فافعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل ~~بنا ما نحن أهله، قال: وخرج يونس وجعل ينتظر العذاب فلم ير شيئا فقيل له ms1694 ~~ارجع إلى قومك قال وكيف أرجع إليهم فيجدوني كذابا وكان من كذب ولا بينة ~~له قال فانصرف عنهم مغاضبا فالتقمه الحوت وستأتي القصة في سورة والصافات ~~إن شاء الله تعالى فإن قلت كيف كشف العذاب عن قوم يونس بعد ما نزل بهم ~~وقبل توبتهم ولم يكشف العذاب عن فرعون حين آمن ولم يقبل توبته. قلت: أجاب ~~العلماء عن هذا بأجوبة: أحدهما: أن ذلك كان خاصا بقوم يونس والله يفعل ~~ما يشاء ويحكم ما يريد. الجواب الثاني: أن فرعون ما آمن إلا بعد ما باشر ~~العذاب وهو وقت اليأس من الحياة وقوم يونس دنا منهم العذاب ولم ينزل بهم ~~ولم يباشرهم فكانوا كالمريض يخاف الموت ويرجو العافية. الجواب الثالث: أن ~~الله عز وجل علم صدق نياتهم في التوبة فقبل توبتهم بخلاف فرعون فإنه ما ~~صدق في إيمانهم ولا أخلص فلم يقبل منه إيمانه والله أعلم. ### || [10.99-101] # قوله سبحانه وتعالى: { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا } يقول ~~الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم لآمن بك وصدقك من في الأرض ~~كلهم جميعا ولكن لم يشأ أن يصدقك ويؤمن بك إلا من سبقت له السعادة في ~~الأزل قال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص أن يؤمن ~~به جميع الناس ويتابعوه على الهدى فأخبره الله عز وجل أنه لا يؤمن به إلا ~~من سبقت له من السعادة في الذكر الأول ولم يضل إلا من سبق له من الله ~~الشقاء في الذكر الأول وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان ~~حريصا على إيمانهم كلهم فأخبره الله أنه لا يؤمن به إلا من سبقت له ~~العناية الأزلية فلا تتعب نفسك على إيمانهم وهو قوله سبحانه وتعالى: { ~~أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } يعني ليس إيمانهم إليك حتى تكرههم ~~عليه أو تحرص عليه إنما إيمان المؤمن وإضلال الكافر بمشيئتنا وقضائنا ~~وقدرنا ليس ذلك لأحد سوانا { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } يعني ms1695 ~~وما كان ينبغي لنفس خلقها الله تعالى أن تؤمن وتصدق إلا بقضاء الله لها ~~بالإيمان فإن هدايتها إلى الله وهو الهادي المضل. وقال ابن عباس: معنى ~~بإذن الله، بأمر الله وقال عطاء: بمشيئة الله قوله تعالى: { ويجعل } قرئ ~~بالنون على سبيل التعظيم أي ونجعل نحن وقرئ بالياء ومعناه ويجعل الله { ~~الرجس } يعني العذاب، وقال ابن عباس: يعني السخط { على الذين لا يعقلون } ~~يعني لا يفهمون عن الله أمره ونهيه. قوله عز وجل: { قل انظروا } أي: قل ~~يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يسألونك الآيات انظروا يعني انظروا ~~بقلوبكم نظر اعتبار وتفكر وتدبر { ماذا في السموات والأرض } يعني: ماذا ~~خلق الله في السموات والأرض من الآيات الدالة على وحدانيته ففي السموات ~~الشمس والقمر وهما دليلان على النهار والليل والنجوم سخرها طالعة وغاربة ~~وإنزال المطر من السماء وفي الأرض الجبال والبحار والمعادن والأنهار ~~والأشجار والنبات كل ذلك آية دالة على وحدانية الله تعالى وأنه خالقها ~~كما قال الشاعر: # وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد # { وما تغني الآيات والنذر } يعني الرسل { عن قوم لا يؤمنون } وهذا في حق ~~أقوام علم الله أنهم لا يؤمنون لما سبق لهم في الأزل من الشقاء. ### || [10.102-106] # { فهل ينتظرون } يعني مشركي مكة { إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } ~~يعني من مضى من قبلهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل قال قتادة يعني ~~وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود. والعرب تسمي العذاب أياما والنعم ~~أياما كقوله تعالى وذكرهم بأيام الله والمعنى فهل ينتظر هؤلاء المشركون ~~من قومك يا محمد إلا يوما يعاينون فيه العذاب مثل ما فعلنا بالأمم ~~السالفة المكذبة أهلكناهم جميعا فإن كانوا ينتظرون ذلك العذاب ف { قل ~~فانتظروا } يعني: قل لهم يا محمد فانتظروا العذاب { إني معكم من ~~المنتظرين } يعني: هلاككم، قال الربيع بن أنس: خوفهم عذابه ونقمته ثم ~~أخبرهم أنه إذا وقع ذلك بهم أنجى الله رسله والذين آمنوا معهم من ذلك ~~العذاب وهو قوله تعالى: { ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا } يعني من ms1696 العذاب ~~والهلاك { كذلك حقا علينا ننجي المؤمنين } يعني كما أنجينا رسلنا، ~~والذين آمنوا معهم من الهلاك كذلك ننجيك يا محمد والذين آمنوا معك وصدقوك ~~من الهلاك والعذاب. قال بعض المتكلمين: المراد بقوله حقا علينا الوجوب ~~لأن تخليص الرسول والمؤمنين من العذاب واجب وأجيب عن هذا بأنه حق واجب من ~~حيث الوعد والحكم لا أنه واجب بسبب الاستحقاق لأنه قد ثبت أن العبد لا ~~يستحق على خالقه شيئا. قوله سبحانه وتعالى: { قل يا أيها الناس } الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أي قل يا محمد لهؤلاء الذين أرسلتك إليهم فشكوا ~~في أمرك ولم يؤمنوا بك { إن كنتم في شك من ديني } يعني الذي أدعوكم إليه ~~وإنما حصل الشك لبعضهم في أمره صلى الله عليه وسلم لما رأى الآيات التي ~~كانت تظهر على يد النبي صلى الله عليه وسلم فحصل له الاضطراب والشك فقال ~~إن كنتم في شك من ديني الذي أدعوكم إليه فلا ينبغي لكم أن تشكوا فيه لأنه ~~دين إبراهيم عليه السلام وأنتم من ذريته وتعرفونه ولا تشكون فيه وإنما ~~ينبغي لكم أن تشكوا في عبادتكم لهذا الأصنام التي لا أصل لها البتة فإن ~~أصررتم على ما أنتم عليه { فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله } يعني هذه ~~الأوثان وإنما وجب تقديم هذا النفي لأن العبادة هي غاية التعظيم للمعبود ~~فلا تليق لأخس الأشياء وهي الحجارة التي لا تنفع لمن عبدها ولا تضر لمن ~~تركها ولكن تليق العبادة لمن بيده النفع والضر وهو قادر على الإماتة ~~والإحياء وهو قوله سبحانه وتعالى: { ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم } ~~والحكمة في وصف الله سبحانه وتعالى في هذا المقام بهذه الصفة أن المراد ~~أن الذي يستحق العبادة أعبده أنا وأنتم هو الذي خلقكم أولا ولم تكونوا ~~شيئا ثم يميتكم ثانيا ثم يحييكم بعد الموت ثالثا، فاكتفى بذكر الوفاة ~~تنبيها على الباقي، وقيل: لما كان الموت أشد الأشياء على النفس ذكر في ~~هذا المقام ليكون أقوى في الزجر والردع وقيل إنهم لما استعجلوا بطلب ~~العذاب ms1697 أجابهم بقوله ولكن أعبد الله الذي هو قادر على إهلاككم ونصري ~~عليكم { وأمرت أن أكون من المؤمنين } يعني وأمرني ربي أن أكون من ~~المصدقين بما جاء من عنده قيل لما ذكر العبادة وهي من أعمال الجوارح ~~أتبعها بذكر الإيمان لأنه من أعمال القلوب { وأن أقم وجهك للدين حنيفا } ~~الواو في قوله وأن أقم واو عطف معناه وأمرت أن أقيم وجهي يعني أقم نفسك ~~على دين الإسلام حنيفا يعني مستقيما عليه غير معوج عنه إلى دين آخر، ~~وقيل معناه أقم عملك على الدين الحنيفي وقيل أراد بقوله وأن أقم وجهك ~~للدين صرف نفسه بكليته إلى طلب الدين الحنيفي غير مائل عنه { ولا تكونن ~~من المشركين } يعني ولا تكونن ممن يشرك في عبادة ربه غيره فيهلك وقيل إن ~~النهي عن عبادة الأوثان قد تقدم في الآية المتقدمة فوجب حمل هذا النهي ~~على معنى زائد وهو أن من عرف الله عز وجل وعرف جميع أسمائه وصفاته وأنه ~~المستحق للعبادة لا غيره فلا ينبغي له أن يلتفت إلى غيره بالكلية وهذا هو ~~الذي تسميه أصحاب القلوب بالشكر الخفي { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ~~} يعني إن عبدته ودعوته { ولا يضرك } يعني إن تركت عبادته { فإن فعلت } ~~يعني ما نهيتك عنه فعبدت غيري أو طلبت النفع ودفع الضر من غيري { فإنك ~~إذا من الظالمين } يعني لنفسك لأنك وضعت العبادة في غير موضعها وهذا ~~الخطاب وإن كان في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم فالمراد به غيره لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يدع من دون الله شيئا البتة فيكون المعنى ولا تدع ~~أيها الإنسان من دون الله ما لا ينفعك، الآية. ### || [10.107-109] # قوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر } يعني وإن يصبك الله بشدة وبلاء { ~~فلا كاشف له } يعني لذلك الضر الذي أنزل بك { إلا هو } لا غيره { وإن ~~يردك بخير } يعني بسعة ورخاء { فلا راد لفضله } يعني فلا دافع لرزقه { ~~يصيب به } يعني: بكل واحد من الضر والخير { من يشاء من عباده } قيل ms1698 إن ~~الله سبحانه وتعالى لما ذكر الأوثان وبين أنها لا تقدر على نفع ولا ضر ~~بين تعالى أنه هو القادر على ذلك كله، وأن جميع الكائنات محتاجة إليه ~~وجميع الممكنات مستندة إليه لأنه هو القادر على كل شيء وأنه ذو الجود ~~والكرم والرحمة ولهذا المعنى ختم الآية بقوله { وهو الغفور الرحيم } وفي ~~الآية لطيفة أخرى وهي أن الله سبحانه وتعالى رجح جانب الخير على جانب ~~الشر وذلك أنه تعالى لما ذكر إمساس الضر بين أنه لا كاشف له إلا هو وذلك ~~يدل على أنه سبحانه وتعالى يزيل جميع المضار ويكشفها لأن الاستثناء من ~~النفي إثبات. ولما ذكر الخير قال فيه فلا راد لفضله يعني أن جميع الخيرات ~~منه فلا يقدر أحد على ردها لأنه هو الذي يفيض جميع الخيرات على عباده ~~وعضده بقوله وهو الغفور يعني الساتر لذنوب عباده الرحيم يعني بهم. قوله ~~سبحانه وتعالى: { قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم } يعني القرآن ~~والإسلام وقيل الحق هو محمد صلى الله عليه وسلم جاء بالحق من الله عز وجل ~~{ فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } لأن نفع ذلك يرجع إليه { ومن ضل فإنما ~~يضل عليها } أي على نفسه لأن وباله راجع إليه فمن حكم الله له بالاهتداء ~~في الأزل انتفع ومن حكم عليه بالضلال ضل ولم ينتفع بشيء أبدا { وما أنا ~~عليكم بوكيل } يعني وما أنا عليكم بحفيظ أحفظ عليكم أعمالكم وقال ابن ~~عباس: هذه الآية منسوخة بآية السيف { واتبع ما يوحى إليك } يعني الأمر ~~الذي يوحيه الله إليك يا محمد { واصبر } يعني على أذى من خالفك من كفار ~~مكة وهم قومك { حتى يحكم الله } يعني ينصرك عليهم بإظهار دينك { وهو خير ~~الحاكمين } يعني أنه سبحانه وتعالى حكم بنصر نبيه وإظهار دينه وبقتل ~~المشركين وأخذ الجزية من أهل الكتاب، وفيه ذلهم وصغارهم والله تعالى أعلم ~~بمراده وأسرار كتابه. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1] # قوله عز وجل: { الر كتاب أحكمت آياته } قال ابن عباس: لم ينسخها كتاب ~~كما نسخت هي الكتب ms1699 والشرائع { ثم فصلت } يعني بينت وقال الحسن: أحكمت ~~آياته بالأمر والنهي وفصلت بالثواب والعقاب وفي رواية عنه بالعكس، قال: ~~أحكمت بالثواب والعقاب وفصلت بالأمر والنهي، وقال قتادة: أحكمها الله من ~~الباطل ثم فصلها بعلمه فبين حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته فيها وقيل: ~~أحكمها الله فليس فيها تناقض ثم فصلها وبينها وقيل معناه نظمت آياته ~~نظما رصينا محكما بحيث لا يقع فيه نقض ولا خلل كالبناء المحكم الذي ~~ليس فيه خلل ثم فصلت آياته سورة سورة وقيل إن آيات هذا الكتاب دالة على ~~التوحيد وصحة النبوة والمعاد وأحوال القيامة وكل ذلك لا يدخله النسخ ثم ~~فصلت بدلائل الأحكام والمواعظ والقصص والإخبار عن المغيبات، وقال مجاهد: ~~فصلت بمعنى فسرت وثم في قوله ثم فصلت ليست هي للتراخي في الوقت ولكن في ~~الحال كما تقول هي محكمة أحسن الإحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل فإن قلت كيف ~~عم الآيات هنا بالأحكام وخص بعضها في قوله منه آيات محكمات. قلت: إن ~~الإحكام الذي عم به هنا غير الذي خص به هناك فمعنى الإحكام العام هنا أنه ~~لا يتطرق إلى آياته التناقض والفساد كأحكام البناء فإن هذا الكتاب نسخ ~~جميع الكتب المتقدمة عليه والمراد بالإحكام الخاص المذكور في قوله منه ~~آيات محكمات أن بعض آياته منسوخة نسخها بآيات منه أيضا لم ينسخها غيره ~~وقيل أحكمت آياته أي معظم آياته محكمة وإن كان قد دخل النسخ على البعض ~~فأجرى الكل على البعض لأن الحكم للغالب وإجراء الكل على البعض مستعمل في ~~كلامهم تقول أكلت طعام زيد وإنما أكلت بعضه. وقوله تعالى: { من لدن حكيم ~~} يعني أحكمت آيات الكتاب من عند حكيم في جميع أفعاله { خبير } يعني ~~بأحوال عباده وما يصلحهم. ### || [11.2-5] # { ألا تعبدوا إلا الله } هذا مفعول له معناه كتاب أحكمت آياته ثم فصلت ~~لئلا تعبدوا إلا الله والمراد بالعبادة التوحيد وخلع الأنداد والأصنام ~~وما كانوا يعبدون والرجوع إلى الله تعالى وإلى عبادته والدخول في دين ~~الإسلام { إنني لكم منه } أي: قل لهم يا محمد إنني لكم من ms1700 عند الله { ~~نذير } ينذركم عقابه إن ثبتم على كفركم ولم ترجعوا عنه { وبشير } يعني ~~وأبشر بالثواب الجزيل لمن آمن بالله ورسوله وأطاع وأخلص العمل لله وحده { ~~وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } اختلفوا في بيان الفرق بين هذين ~~المرتبتين فقيل معناه اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم ثم ارجعوا إليه لأن ~~الاستغفار هو طلب الغفر وهو الستر والتوبة الرجوع عما كان فيه من شرك أو ~~معصية إلى خلاف ذلك فلهذا السبب قدم الاستغفار على التوبة وقيل معناه ~~استغفروا ربكم لسالف ذنوبكم ثم توبوا إليه في المستقبل وقال الفراء: ثم ~~هنا بمعنى الواو لأن الاستغفار والتوبة بمعنى واحد فذكرهما للتأكيد { ~~يمتعكم متاعا حسنا } يعني إنكم إذا فعلتم ما أمرتم به من الاستغفار ~~والتوبة وأخلصتم العبادة لله عز وجل بسط عليكم من الدنيا وأسباب الرزق ما ~~تعيشون به في أمن وسعة وخير، قال بعضهم: المتاع الحسن هو الرضا بالميسور ~~والصبر على المقدور { إلى أجل مسمى } يعني يمتعكم متاعا حسنا إلى حين ~~الموت ووقت انقضاء آجالكم. فإن قلت قد ورد في الحديث # " إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " # وقد يضيق على الرجل في بعض أوقاته حتى لا يجد ما ينفقه على نفسه وعياله ~~فيكف الجمع مبين هذا وبين قوله سبحانه وتعالى يمتعكم متاعا حسنا إلى ~~أجل مسمى. قلت أما قوله صلى الله عليه وسلم # " الدنيا سجن المؤمن " # فهو بالنسبة إلى ما أعد الله له في الآخرة من الثواب الجزيل والنعيم ~~المقيم فإنه في سجن في الدنيا حتى يفضي إلى ذلك المعد له وأما كون الدنيا ~~جنة الكافر فهو النسبة إلى ما أعد الله له في الآخرة من العذاب الأليم ~~الدائم الذي لا ينقطع فهو في الدنيا في جنة حتى يفضي إلى ما أعد الله له ~~في الآخرة وأما ما يضيق على الرجل المؤمن في بعض الأوقات فإنما ذلك لرفع ~~الدرجات وتكفير السيئات وبيان الصبر عند المصيبات فعلى هذا يكون المؤمن ~~في جميع أحواله في عيشة حسنة لأنه راض عن الله في جميع أحواله. وقوله ms1701 ~~سبحانه وتعالى: { ويؤت كل ذي فضل فضله } أي ويعط كل ذي عمل صالح في ~~الدنيا أجره وثوابه في الآخرة، قال أبو العالية: من كثرت طاعاته في ~~الدنيا زادت حسناته ودرجاته في الجنة لأن الدرجات تكون على قدر الأعمال، ~~وقال ابن عباس: من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة ومن زادت سيئاته دخل ~~النار ومن استوت حسناته وسيئاته كان من الأعراف ثم يدخلون الجنة. # وقال ابن مسعود: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة ومن عمل حسنة كتبت له عشر ~~حسنات فإن عوقب بالسيئة التي عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات وإن لم ~~يعاقب بها في الدنيا أخذ من حسناته العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات ثم ~~يقول ابن مسعود: هلك من غلبت آحاده أعشاره وقيل معنى الآية من عمل لله ~~وفقه الله في المستقبل لطاعته { وإن تولوا } يعني وإن أعرضوا عما جئتم به ~~من الهدى { فإني أخاف عليكم } أي: فقل لهم يا محمد إني أخاف عليكم { عذاب ~~يوم كبير } يعني: عذاب النار في الآخرة { إلى الله مرجعكم } يعني في ~~الآخرة فيثيب المحسن على إحسانه ويعاقب المسيء على إساءته { وهو على كل ~~شيء قدير } يعني من إيصال الرزق إليكم في الدنيا وثوابكم وعقابكم في ~~الآخرة قوله سبحانه وتعالى: { ألا إنهم يثنون صدورهم } قال ابن عباس: ~~نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو الكلام حلو المنظر وكان يلقى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بما يجب وينطوي بقلبه على ما يكره فنزلت ألا ~~إنهم يثنون صدورهم يعني يخفون ما في صدورهم من الشحناء والعداوة من ثنيت ~~الثوب إذا طويته. وقال عبد الله بن شداد بن الهاد: نزلت في بعض المنافقين ~~كان إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه ~~وغطى وجهه كي لا يراه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: كانوا ~~يحنون صدورهم كي لا يسمعوا كتاب الله تعالى ولا ذكره وقيل كان الرجل من ~~الكفار يدخل بيته ويرخي ستره ويحني ظهره ويتغشى بثوبه ms1702 ويقول هل يعلم الله ~~ما في قلبي، وقال السدي: يثنون صدورهم أي يعرضون بقلوبهم من قولهم ثنيت ~~عناني { ليستخفوا منه } يعني من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مجاهد ~~من الله عز وجل إن استطاعوا { ألا حين يستغشون ثيابهم } يعني يغطون ~~رؤوسهم بثيابهم { يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور } ومعنى ~~الآية على ما قاله الأزهري: إن الذين أضمروا عداوة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يخفى علينا حالهم في كل حال وقد نقل عن ابن عباس غير هذا ~~التفسير وهو ما أخرجه البخاري في إفراده عن محمد بن عياش بن جعفر ~~المخزومي أنه سمع ابن عباس يقرأ: ألا إنهم يثنون صدورهم، قال: فسألته ~~عنها فقال كل أناس يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا ~~نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزل ذلك فيهم. ### || [11.6-7] # وقوله سبحانه وتعالى: { وما من دابة في الأرض } الدابة اسم لكل حيوان دب ~~على وجه الأرض وأطلق لفظ الدابة على كل ذي أربع من الحيوان على سبيل ~~العرف والمراد منه الإطلاق فيدخل الآدمي وغيره من جميع الحيوانات { إلا ~~على الله رزقها } يعني هو المتكفل برزقها فضلا منه لا على سبيل الوجوب ~~فهو إلى مشيئته إن شاء رزق وإن شاء لم يرزق وقيل إن لفظة على بمعنى أي من ~~الله رزقها وقال مجاهد ما جاءها من رزق فمن الله وربما لم يرزقها فتموت ~~جوعا { ويعلم مستقرها ومستودعها } قال ابن عباس: مستقرها المكان الذي ~~تأوي في ليل أو نهار ومستودعها المكان الذي تدفن فيه بعد الموت، وقال ابن ~~مسعود: مستقرها أرحام الأمهات والمستودع المكان الذي تموت فيه وقيل ~~المستقر الجنة أو النار والمستودع القبر { كل في كتاب مبين } أي كل ذلك ~~مثبت في اللوح المحفوظ قبل خلقها قوله عز وجل: { وهو الذي خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء } يعني قبل خلق السموات والأرض ~~قال كعب خلق الله ياقوتة خضراء ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ثم ~~خلق الريح فجعل ms1703 الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء. قال ضمرة: إن ~~الله سبحانه وتعالى كان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وخلق القلم ~~فكتب به ما خلق وما هو خالق وما هو كائن من خلقه إلى يوم القيامة ثم إن ~~ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئا من خلقه. وقال سعيد ~~بن جبير سئل ابن عباس عن قوله سبحانه وتعالى: { وكان عرشه على الماء } ~~على أي شيء كان الماء قال: على متن الريح، وقال وهب بن منبه: إن العرش ~~كان قبل أن يخلق الله السموات والأرض ثم قبض الله قبضة من صفاء الماء ثم ~~فتح القبضة فارتفع دخان ثم قضاهن سبع سموات في يومين ثم أخذ سبحانه ~~وتعالى طينة من الماء فوضعها مكان البيت ثم دحا الأرض منها ثم خلق ~~الأقوات في يومين والسموات في يومين والأرض في يومين ثم رفع آخر الخلق ~~وفي اليوم السابع. قال بعض العلماء: وفي خلق جميع الأشياء وجعلها على ~~الماء ما يدل على كمال القدرة لأن البناء الضعيف إذا لم يكن له أساس على ~~أرض صلبة لم يثبت فكيف بهذا الخلق العظيم وهو العرش والسموات والأرض على ~~الماء فهذا يدل على كمال قدرة الله تعالى خ # " عن عمران بن حصين قال " دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعقلت ~~ناقتي بالباب فأتى ناس من بني تميم فقال اقبلوا البشرى يا بني تميم ~~فقالوا بشرتنا فاعطنا مرتين فتغير وجهه ثم دخل عليه ناس من بني أهل اليمن ~~فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا قبلنا يا ~~رسول الله ثم قالوا جئنا لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما ~~كان قال كان الله سبحانه وتعالى ولم يكن معه شيء قبله وكان عرشه على ~~الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء ثم أتاني رجل فقال يا ~~عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت فانطلقت أطلبها فإذا السراب يقطع دونها وايم ~~الله لوددت أنها ذهبت ms1704 ولم أقم " # " عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق ~~خلقه؟ قال " كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء وخلق عرشه على الماء ~~" # أخرجه الترمذي، وقال قال أحمد: يريد بالعماء أنه ليس معه شيء قال أبو ~~بكر البيهقي: في كتاب الأسماء والصفات له قوله صلى الله عليه وسلم # " كان الله ولم يكن شيء قبله " # ، يعني لا الماء ولا العرش ولا غيرهما وقوله { وكان عرشه على الماء } ~~يعني وخلق الماء وخلق العرش على الماء ثم كتب في الذكر كل شيء، وقوله في ~~عماء وجدته في كتاب عماء مقيدا بالمد فإن كان في الأصل ممدودا فمعناه ~~سحاب رقيق ويريد بقوله في عماء أي فوق سحاب مدبرا له وعاليا عليه كما ~~قال سبحانه وتعالى # أأمنتم من في السماء # [الملك: 16] يعني من فوق السماء وقال تعالى: # لأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71] يعني على جذوعها وقوله ما فوقه هواء أي ما فوق السحاب هواء ~~وكذلك قوله وما تحته هواء أي ما تحت السحاب هواء وقد قيل إن ذلك العمى ~~مقصور والعمى إذا كان مقصورا فمعناه لا شيء ثابت لأنه مما عمى عن الخلق ~~لكونه غير شيء فكأنه قال في جوابه كان قبل أن يخلق خلقه ولم يكن شيء غيره ~~ثم قال ما فوقه هواء وما تحته هواء أي ليس فوق العمى الذي هو لا شيء ~~موجود هواء ولا تحته هواء لأن ذلك إن كان غير شيء فليس يثبت له هواء بوجه ~~والله أعلم وقال الهروي صاحب الغريبين: قال بعض أهل العلم معناه أين كان ~~عرش ربنا فحذف المضاف اختصارا كقوله واسأل القرية ويدل على ذلك قوله ~~سبحانه وتعالى: { وكان عرشه على الماء } هذا آخر كلام البيهقي، وقال ابن ~~الأثير: العماء في اللغة السحاب الرقيق وقيل: الكثيف وقيل: هو الضباب ولا ~~بد في الحديث من حذف مضاف، تقديره أين كان عرش ربنا فحذف ويدل على هذا ~~المحذوف قوله تعالى: { وكان عرشه على الماء } وحكي عن بعضهم في ms1705 العمى ~~المقصور أنه قال هو كل أمر لا يدركه الفطن، وقال الأزهري: قال أبو عبيد ~~إنما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم وإلا فلا ندري كيف ~~كان ذلك العماء قال الأزهري: فنحن نؤمن به ولا نكيف صفته م عن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ~~وكان عرشه على الماء " # وفي رواية # " فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السموات والأرض وكان ~~عرشه على الماء بخمسين ألف سنة " # قوله فرغ يريد إتمام خلق المقادير لا أنه كان مشغولا ففرغ منه لأن الله ~~سبحانه وتعالى لا يشغله شأن عن شأن فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ~~كن فيكون. قوله سبحانه وتعالى: { ليبلوكم } يعني ليختبركم وهو أعلم بكم ~~منكم { أيكم أحسن عملا } يعني بطاعة الله وأورع عن محارم الله { ولئن ~~قلت } يعني ولئن قلت يا محمد لهؤلاء الكفار من قومك { إنكم مبعوثون من ~~بعد الموت } يعني للحساب والجزاء { ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر ~~مبين } يعنون القرآن. ### || [11.8-12] # { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة } يعني إلى أجل محدود وأصل ~~الأمة في اللغة الجماعة من الناس فكأنه قال سبحانه وتعالى إلى انقراض أمة ~~ومجيء أمة أخرى { ليقولن ما يحبسه } يعني: أي شيء يحبس العذاب وإنما ~~يقولون ذلك استعجالا بالعذاب واستهزاء يعنون أنه ليس بشي قال الله عز ~~وجل: { ألا يوم يأتيهم } يعني العذاب { ليس مصروفا عنهم } أي لا يصرفه ~~عنهم شيء { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } يعني ونزل بهم وبال ~~استهزائهم. قوله سبحانه وتعالى: { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة } يعني: ~~رخاء وسعة في الرزق والعيش وبسطنا عليه من الدنيا { ثم نزعناها منه } ~~يعني سلبناه ذلك كله وأصابته المصائب فاجتاحته وذهبت به { إنه ليؤوس كفور ~~} يعني يظل قانطا من رحمة الله آيسا من كل خير كفور أي جحود لنعمتنا ~~عليه أولا قليل الشكر لربه قال ms1706 بعضهم: يا ابن آدم إذا كانت بك نعمة من ~~الله من أمن وسعة وعافية فاشكرها ولا تجحدها فإن نزعت عنك فينبغي لك أن ~~تصبر ولا تيأس من رحمة الله فإنه العواد على عباده بالخير وهو قوله ~~سبحانه وتعالى: { ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته } يعني ولئن نحن ~~أنعمنا على الإنسان وبسطنا عليه من العيش { ليقولن } يعني الذي أصابه ~~الخير والسعة { ذهب السيئات عني } يعني ذهب الشدائد والعسر والضيق وإنما ~~قال ذلك غرة بالله عز وجل وجرأة عليه لأنه لم يضف الأشياء كلها إلى الله ~~وإنما أضافها إلى العوائد فلهذا ذمه الله تعالى فقال { إنه لفرح فخور } ~~أي إنه أشر بطر والفرح لذة تحصل في القلب بنيل المراد والمشتهى والفخر هو ~~التطاول على الناس بتعديد المناقب وذلك منهي عنه ثم استثنى فقال تبارك ~~وتعالى: { إلا الذين صبروا، وعملوا الصالحات } قال الفراء: هذا استثناء ~~منقطع معناه لكن الذين صبروا وعملوا الصالحات فإنهم ليسوا كذلك فإنهم إن ~~نالتهم شدة صبروا وإن نالتهم نعمة شكروا عليها { أولئك } يعني من هذه ~~صفتهم { لهم مغفرة } يعني لذنوبهم { وأجر كبير } يعني الجنة. قوله عز ~~وجل: { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فلعلك يا محمد تارك بعض ~~ما يوحى إليك ربك أن تبلغه إلى من أمرك أن تبلغ ذلك إليه { وضائق به صدرك ~~} يعني ويضيق صدرك بما يوحى إليك فلا تبلغه إياهم وذلك أن كفار مكة قالوا ~~ائت بقرآن غير هذا ليس فيه سب آلهتنا فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يترك ذكر آلهتهم ظاهرا فأنزل الله عز وجل فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ~~يعني من ذكر آلهتهم هذا ما ذكره المفسرون في معنى هذه الآية وأجمع ~~المسلمون على أنه صلى الله عليه وسلم فيما كان طريقه البلاغ فإنه معصوم ~~فيه من الإخبار عن شيء منه بخلاف ما هو به لا خطأ ولا عمدا ولا سهوا ~~ولا غلطا وأنه صلى ms1707 الله عليه وسلم بلغ جميع ما أنزل الله عليه إلى أمته ~~ولم يكتم منه شيئا وأجمعوا على أنه لا يجوز على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خيانة في الوحي والإنذار ولا يترك بعض ما أوحي إليه لقول أحد لأن ~~تجويز ذلك يؤدي إلى الشك في أداء الشرائع والتكاليف لأن المقصود من إرسال ~~الرسول التبليغ إلى من أرسل إليه فإذا لم يحصل ذلك فقد فاتت فائدة ~~الرسالة والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم من ذلك كله وإذا ثبت هذا وجب أن ~~يكون المراد بقوله تعالى فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك شيئا آخر سوى ما ~~ذكره المفسرون. # وللعلماء في ذلك أجوبة: أحدها: قال ابن الأنباري: قد علم الله سبحانه ~~وتعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يترك شيئا مما يوحى إليه إشفاقا ~~من موجدة أحد وغضبه ولكن الله تعالى أكد على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في متابعة الإبلاغ من الله سبحانه وتعالى كما قال: # يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك # [المائدة: 67] الآية. الثاني: أن هذا من حثه سبحانه وتعالى لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم وتحريضه على أداء ما أنزله إليه والله سبحانه وتعالى من ~~وراء ذلك في عصمته مما يخافه ويخشاه. الثالث: أن الكفار كانوا يستهزئون ~~بالقرآن ويضحكون منه ويتهاونون به وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يضيق صدره لذلك وأن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويستهزئون به فأمره الله ~~سبحانه وتعالى بتبليغ ما أوحي إليه وأن لا يلتفت إلى استهزائهم وأن يتحمل ~~هذا الضرر أهون من كتم شيء من الوحي، والمقصود من هذا الكلام التنبيه على ~~هذه الدقيقة لأن الإنسان إذا علم أن كل واحد من طرفي الفعل والترك مشتمل ~~على ضرر عظيم ثم علم أن الضرر في باب الترك أعظم سهل عليه الإقدام على ~~الفعل، وقيل: إن الله سبحانه وتعالى مع علمه بأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يترك شيئا من الوحي هيجه لأداء الرسالة وطرح المبالاة ~~باستهزائهم وردهم ms1708 إلى قبول قوله بقوله: { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } ~~أي لعلك تترك أن تلقيه إليهم مخافة ردهم واستهزائهم به وضائق به صدرك أي ~~بأن تتلوه عليهم { أن يقولوا } يعني مخافة أن يقولوا { لولا أنزل عليه ~~كنز } يعني يستغني به وينفقه { أو جاء معه ملك } يعني يشهد بصدقه وقائل ~~هذه المقالة هو عبد الله بن أمية المخزومي. والمعنى أنهم قالوا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن كانت صادقا في قولك بأنك رسول الله الذي ~~تصفه بالقدرة على كل شيء وأنت عزيز عنده مع أنك فقير فهلا أنزل عليك ما ~~تستغني به أنت وأصحابك وهل أنزل عليك ملكا يشهد لك بالرسالة فتزول ~~الشبهة في أمرك فأخبر الله عز وجل أنه صلى الله عليه وسلم نذير بقوله عز ~~وجل: { إنما أنت نذير } تنذر بالعقاب لمن خالفك وعصى أمرك وتبشر بالثواب ~~لمن أطاعك وآمن بك وصدقك { والله على كل شيء وكيل } يعني أنه سبحانه ~~وتعالى حافظ يحفظ أقوالهم وأعمالهم فيجازيهم عليها يوم القيامة. ### || [11.13-15] # قوله سبحانه وتعالى: { أم يقولون افتراه } يعني بل يقول كفار مكة اختلقه ~~يعني ما أوحي إليه من القرآن { قل } أي قل لهم يا محمد { فأتوا بعشر سور ~~مثله مفتريات } لما قالوا له افتريت هذا القرآن واختلقته من عند نفسك ~~وليس هو من عند الله تحداهم وأرخى لهم العنان وفاوضهم على مثل دعواهم ~~فقال صلى الله عليه وسلم هبوا أني اختلقته من عند نفسي ولم يوح إلي شيء ~~وأن الأمر كما قلتم وأنتم عرب مثلي من أهل الفصاحة وفرسان البلاغة وأصحاب ~~اللسان فأتوا أنتم بكلام مثل هذا الكلام الذي جئتكم به مختلق من عند ~~أنفسكم فإنكم تقدرون على مثل ما أقدر عليه من الكلام فلهذا قال سبحانه ~~وتعالى: { فأتوا بعشر سور مثله مفتريات } في مقابلة قولهم افتراه. فإن ~~قلت قد تحداهم فأن يأتوا بسورة مثله فلم يقدروا على ذلك وعجزوا عنه فكيف ~~قالوا فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ومن عجز عن سورة واحدة فهو عن العشرة ~~أعجز. قلت: قد ms1709 قال بعضهم إن سورة هود نزلت قبل سورة يونس، وأنه تحداهم ~~أولا بعشر سور فلما عجزوا تحداهم بسورة يونس وأنكر المبرد هذا القول ~~وقال: إن سورة يونس نزلت أولا، قال: ومعنى قوله في سورة يونس فأتوا ~~بسورة مثله يعني مثله في الإخبار عن الغيب والأحكام والوعد والوعيد وفي ~~قوله في سورة هود فأتوا بعشر سور مثله يعني في مجرد الفصاحة والبلاغة من ~~غير خبر عن غيب ولا ذكر حكم ولا وعد ولا وعيد فلما تحداهم بهذا الكلام ~~أمره بأن يقول لهم { وادعوا من استطعتم من دون الله } حتى يعينوكم على ~~ذلك { إن كنتم صادقين } يعني في قولكم إنه مفترى { فإن لم يستجيبوا لكم } ~~اعلم أنه لما اشتملت الآية المتقدمة على أمرين وخاطبين: أحدهما: أمر ~~وخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله سبحانه وتعالى قل فأتوا بعشر ~~سور مثله مفتريات. والثاني: أمر وخطاب للكفار وهو قوله تعالى وادعوا من ~~استطعتم من دون الله ثم أتبعه بقوله تبارك وتعالى فإن لم يستجيبوا لكم ~~احتمل أن يكون المراد أن الكفار لم يستجيبوا في المعارضة لعجزهم عنها ~~واحتمل أن يكون المراد أن من يدعون من دون الله لم يستجيبوا للكفار في ~~المعارضة فلهذا السبب اختلف المفسرون في معنى الآية على قولين أحدهما أنه ~~خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين معه كانوا يتحدون الكفار بالمعارضة ليتبين عجزهم فلما ~~عجزوا عن المعارضة قال الله سبحانه وتعالى لنبيه والمؤمنين فإن لم ~~يستجيبوا لكم فيما دعوتموهم إليه من المعارضة وعجزوا عنه { فاعلموا أنما ~~أنزل بعلم الله } يعني فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه وازدادوا يقينا ~~وثباتا لأنهم كانوا عالمين بأنه منزل من عند الله، وقيل: الخطاب في قوله ~~فإن لم يستجيبوا لكم للنبي صلى الله عليه وسلم وحده وإنما ذكره بلفظ ~~الجمع تعظيما له صلى الله عليه وسلم. # القول الثاني: أن قوله سبحانه وتعالى فإن لم يستجيبوا لكم خطاب مع ~~الكفار وذلك أنه سبحانه وتعالى لما قال في ms1710 الآية المتقدمة وادعوا من ~~استطعتم من دون الله قال الله عز وجل في هذه الآية فإن لم يستجيبوا لكم ~~أيها الكفار ولم يعينوكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأنه ليس مفترى على ~~الله بل هو أنزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم { وأن لا إله إلا هو ~~} يعني الذي أنزل القرآن هو الله الذي لا إله إلا هو لا من تدعون من دونه ~~{ فهل أنتم مسلمون } فيه معنى الأمر أي أسلموا وأخلصوا لله العبادة وإن ~~حملنا معنى الآية على أنه خطاب مع المؤمنين كان معنى قوله فهل أنتم ~~مسلمون الترغيب أي دوموا على ما أنتم عليه من الإسلام. قوله عز وجل: { من ~~كان يريد الحياة الدنيا وزينتها } يعني بعمله الذي يعمله من أعمال البر ~~نزلت في كل من عمل عملا يبتغي به غير الله عز وجل: { نوف إليهم أعمالهم ~~فيها } يعني أجور أعمالهم التي عملوها لطلب الدنيا وذلك أن الله سحبانه ~~وتعالى يوسع عليهم في الرزق ويدفع عنهم المكاره في الدنيا ونحو ذلك { وهم ~~فيها لا يبخسون } يعني أنهم لا ينقصون من أجور أعمالهم التي عملوها لطلب ~~الدنيا بل يعطون أجور أعمالهم كاملة موفرة. ### || [11.16-17] # { أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها } يعني ~~وبطل ما عملوا في الدنيا من أعمال البر { وباطل ما كانوا يعملون } لأنه ~~لغير الله واختلف المفسرون في المعنى بهذه الآية فروى قتادة عن أنس أنها ~~في اليهود والنصارى وعن الحسن مثله، وقال الضحاك: من عمل عملا صالحا في ~~غير تقوى يعني من أهل الشرك أعطي على ذلك اجرا في الدنيا وهو أن يصل ~~رحما أو يعطي سائلا أو يرحم مضطرا أو نحو هذا من أعمال البر فيجعل ~~الله له ثواب عمله في الدنيا يوسع عليه في المعيشة والرزق ويقر عينه فيما ~~خوله ويدفع عنه المكاره في الدنيا وليس له في الآخرة نصيب ويدل على صحة ~~هذا القول سياق الآية وهو قوله أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ~~الآية ms1711 وهذه حالة الكافر في الآخرة وقيل نزلت في المنافقين الذين كانوا ~~يطلبون بغزوهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم لأنهم كانوا لا ~~يرجون ثواب الآخرة وقيل إن حمل الآية على العموم أولى فيندرج الكافر ~~والمنافق الذي هذه صفته والمؤمن الذي يأتي بالطاعات وأعمال البر على وجه ~~الرياء والسمعة قال مجاهد في هذه الآية هم أهل الرياء وهذا القول مشكل ~~لأن قوله سبحانه وتعالى أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار لا يليق ~~بحال المؤمن إلا إذا قلنا إن تلك الأعمال الفاسدة والأفعال الباطلة لما ~~كانت لغير الله استحق فاعلها الوعيد الشديد وهو عذاب النار ويدل على هذا ~~ما روي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " قال الله تبارك وتعالى: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا ~~أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " # أخرجه مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من تعلم علما لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار ~~" # أخرجه الترمذي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من ~~الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة " # يعني ريحها أخرجه أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " تعوذوا بالله من جب الحزن قالوا يا رسول الله وما جب الحزن قال واد في ~~جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم ألف مرة قيل يا رسول الله من يدخله قال ~~القراء المراؤون بأعمالهم " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب قال البغوي وروينا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا يا رسول الله وما الشرك ~~الأصغر قال الرياء " # أخرجه بغير سند والرياء هو أن يظهر الإنسان الأعمال الصالحة ليحمده ~~الناس عليها أو ليعتقدوا فيه الصلاة أو ليقصدوه بالعطاء فهذا العمل هو ~~الذي لغير ms1712 الله نعوذ بالله من الخذلان قال البغوي وقيل هذا في الكفار ~~يعني قوله من كان يريد الحياة وزينتها أما المؤمن فيريد الدنيا والآخرة ~~وإرادته الآخرة غالبة فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة ~~وروينا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في ~~الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم ~~يكن له حسنة يعطى بها خيرا " # أخرجه البغوي بغير سند. قوله سبحانه وتعالى: { أفمن كان على بينة من ربه ~~} لما ذكر الله سبحانه وتعالى: في الآية المتقدمة الذين يريدون بأعمالهم ~~الحياة الدنيا وزينتها ذكر في هذه الآية من كان يريد بعمله وجه الله ~~تعالى والدار الآخرة فقال سبحانه وتعالى افمن كان على بينة من ربه أي كمن ~~يريد الحياة الدنيا وزينتها وليس لهم في الآخرة إلا النار وإنما حذف هذا ~~الجواب لظهوره ودلالة الكلام عليه وقيل معناه أفمن كان على بينة من ربه ~~وهو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كمن هو في ضلالة وكفر والمراد ~~بالبينة الدين الذي أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم وقيل المراد ~~بالبينة اليقين يعني أنه على يقين من ربه أنه على الحق { ويتلوه شاهد منه ~~} يعني ويتبعه من يشهد له بصدقه واختلفوا في الشاهد من هو، فقال ابن عباس ~~وعلقمة وإبراهيم ومجاهد وعكرمة والضحاك وأكثر المفسرين: أنه جبريل عليه ~~السلام يريد أن جبريل يتبع النبي صلى الله عليه وسلم ويؤيده ويسدده ~~ويقويه وقال الحسن وقتادة هو لسان النبي صلى الله عليه وسلم وروي عن محمد ~~بن الحنفية قال قلت لأبي يعني علي بن أبي طالب رضي الله تعالى: عنه أنت ~~التالي؟ قال: وما تعني بالتالي؟ قلت: قوله سبحانه وتعالى ويتلوه شاهد منه ~~قال وددت أني هو ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجه هذا القول ~~إن اللسان لما كان يعرف عما في الجنان ويظهره جعل كالشاهد له لأن ms1713 اللسان ~~هو آلة الفضل والبيان وبه يتلى القرآن وقال مجاهد الشاهد هو ملك يحفظ ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويسدده وقال الحسين بن الفضل: الشاهد هو القرآن ~~لأن إعجازه وبلاغته وحسن نظامه يشهد للنبي صلى الله عليه وسلم بنبوته ~~ولأنه أعظم معجزاته الباقية على طول الدهر، وقال الحسين بن علي وابن زيد: ~~الشاهد منه هو محمد صلى الله عليه وسلم ووجه هذا القول أن من نظر إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعين العقل والبصيرة علم أنه ليس بكذاب ولا ~~ساحر ولا كاهن ولا مجنون، وقال جابر بن عبد الله قال علي بن أبي طالب: ما ~~من رجل من قريش إلا وقد نزلت فيه الآية والآيتان فقال له رجل وأنت أي آية ~~نزلت فيك فقال على ما تقرأ الآية التي في هود ويتلوه شاهد منه فعلى هذا ~~القول يكون الشاهد علي بن أبي طالب وقوله يعني من النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمراد تشريف هذا الشاهد وهو علي لاتصاله بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم وقيل يتلوه شاهد منه يعني الإنجيل وهو اختيار الفراء والمعنى أن ~~الإنجيل يتلو القرآن في التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم والأمر ~~بالإيمان به وإن كان قد نزل قبل القرآن. # وقوله سبحانه وتعالى: { ومن قبله } يعني ومن قبل نزول القرآن وإرسال ~~محمد صلى الله عليه وسلم { كتاب موسى } يعني التوراة { إماما ورحمة } ~~يعني أنه كان إماما لهم يرجعون إليه في أمور الدين والأحكام والشرائع ~~وكونه رحمة لأنه الهادي من الضلال وذلك سبب حصول الرحمة وقوله تعالى: { ~~أولئك يؤمنون به } يعني أن الذين وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم هم ~~المشار إليهم بقوله أولئك يؤمنون به يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل ~~أراد الذين أسلموا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه { ومن يكفر ~~به } يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم { من الأحزاب } يعني من جميع الكفار ~~وأصحاب الأديان المختلفة فتدخل فيه اليهود والنصارى والمجوس وعبدة ~~الأوثان وغيرهم والأحزاب الفرق الذين تحزبوا وتجمعوا ms1714 على مخالفة الأنبياء ~~{ فالنار موعده } يعني في الآخرة روى البغوي بسنده عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا ~~نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار " # قال سعيد بن جبير: ما بلغني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله عز وجل حتى بلغني هذا الحديث لا يسمع ~~بي أحد من هذه الأمة الحديث، قال سعيد: فقلت أين هذا في كتاب الله حتى ~~أتيت على هذه الآية { ومن قبله كتاب موسى } إلى قوله سبحانه وتعالى: { ~~ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده } قال فالأحزاب أهل الملل كلها ثم ~~قال سبحانه وتعالى: { فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك } فيه قولان ~~أحدهما أن معناه فلا تك في شك من صحة هذا الدين ومن كون القرآن نازلا من ~~عند الله فعلى هذا القول يكون متعلقا بما قبله من قوله تعالى: { أم ~~يقولون افتراه } والقول الثاني: إنه راجع إلى قوله { ومن يكفر به من ~~الأحزاب فالنار موعده } يعني فلا تك في شك من أن النار موعد من كفر من ~~الأحزاب والخطاب في قوله { فلا تك في مرية } للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد به غيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك قط ويعضد هذا القول ~~سياق الآية وهو قوله سبحانه وتعالى: { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } يعني ~~لا يصدقون بما أوحينا إليك أو من أن موعد الكفار النار. ### || [11.18-20] # قوله عز وجل: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } يعني أي الناس أشد ~~تعديا ممن اختلق على الله كذبا فكذب عليه وزعم أن له شريكا أو ولدا ~~وفي الآية دليل على أن الكذب على الله من أعظم أنواع الظلم لأن قوله ~~تعالى: { ومن أظلم ممن أفترى على الله كذبا } ورد في معرض المبالغة { ~~أولئك } يعني المفترين على الكذب { يعرضون ms1715 على ربهم } يعني يوم القيامة ~~فيسألهم عن أعمالهم في الدنيا { ويقول الأشهاد } يعني الملائكة الذين ~~يحفظون أعمال بني آدم، قاله مجاهد وقال ابن عباس: هم الأنبياء والرسل وبه ~~قال الضحاك وقال قتادة: الأشهاد الخلق كلهم { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ~~} يعني: في الدنيا وهذه الفضيحة تكون في الآخرة لكل من كذب على الله { ~~ألا لعنة الله على الظالمين } يعني يقول الله ذلك يوم القيامة فيلعنهم ~~ويطردهم من رحمته ق. عن صفوان بن محرز المازني قال: بينما ابن عمر يطوف ~~بالبيت إذ عرض له رجل فقال يا أبا عبد الرحمن أخبرني ما سمعت من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في النجوى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " يدنو المؤمن من ربه عز وجل حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه تعرف ذنب ~~كذا وكذا فيقول أعرف رب أعرف مرتين فيقول سترتها عليه في الدنيا وأنا ~~أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته " # وفي رواية # " ثم تطوى صحيفة حسناته " # وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد وفي رواية " فينادى بهم على رؤوس ~~الأشهاد من الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على ~~الظالمين " قوله سبحانه وتعالى: { الذين يصدون عن سبيل الله } هذه الآية ~~متصلة بما قبلها والمعنى ألا لعنة الله على الظالمين ثم وصفهم فقال الذين ~~يصدون عن سبيل الله يعني يمنعون الناس من الدخول في دين الله الذي هو دين ~~الإسلام { ويبغونها عوجا } يعني ويطلبون إلقاء الشبهات في قلوب الناس ~~وتعويج الدلائل الدالة على صحة دين الإسلام { وهم بالآخرة هم كافرون } ~~يعني وهم مع صدهم عن سبيل الله يجحدون البعث بعد الموت وينكرونه { أولئك ~~} يعني من هذه صفتهم { لم يكونوا معجزين في الأرض } قال ابن عباس يعني ~~سابقين وقيل هاربين وقيل فائتين في الأرض والمعنى أنهم لا يعجزون الله ~~إذا أرادهم بالعذاب والانتقام منهم ولكنهم في قبضته وملكه لا يقدرون على ~~الامتناع منه إذا طلبهم { وما كان لهم من دون الله من أولياء } يعني وما ~~كان لهؤلاء المشركين ms1716 من أنصار يمنعونهم من دون الله إذا أراد بهم سوءا ~~وعذابا { يضاعف لهم العذاب } يعني في الآخرة يزاد عذابهم بسبب صدهم عن ~~سبيل الله وإنكارهم البعث بعد الموت { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا ~~يبصرون } قال قتادة صموا عن سماع الحق فلا يسمعون خيرا فينتفعون به ولا ~~يبصرون خيرا فيأخذون به. وقال ابن عباس أخبر الله سبحانه وتعالى أنه ~~أحال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فإنه قال ~~ما كانوا يستطيعون السمع وهي طاعته وما كانوا يبصرون وأما في الآخرة فإنه ~~قال لا يستطيعون خاشعة أبصارهم. ### || [11.21-26] # { أولئك الذين خسروا أنفسهم } يعني أن هؤلاء الذين هذه صفتهم هم الذين ~~غبنوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله { وضل عنهم ما كانوا يفترون } يعني ~~وبطل كذبهم وإفكهم وفريتهم على الله وادعاؤهم أن الملائكة والأصنام تشفع ~~لهم { لا جرم } يعني حقا وقال الفراء لا محالة { أنهم في الآخرة هم ~~الأخسرون } لأنهم باعوا منازلهم في الجنة واشتروا عوضها منازل في النار ~~وهذا هو الخسران المبين. قوله عز وجل: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وأخبتوا إلى ربهم } لما ذكر الله عز وجل أحوال الكفار في الدنيا وخسرانهم ~~في الآخرة أتبعه بذكر أحوال المؤمنين في الدنيا وربحهم في الآخرة ~~والإخبات في اللغة هو الخشوع والخضوع وطمأنينة القلب ولفظ الإخبات يتعدى ~~بإلى وباللام فإذا قلت أخبت فلان إلى كذا فمعناه اطمأن إليه وإذا قلت ~~أخبت له فمعناه خشع وخضع له فقوله: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~إشارة إلى جميع أعمال الجوارح وقوله وأخبتوا إشارة إلى أعمال القلوب وهي ~~الخضوع والخشوع لله عز وجل يعني أن هذه الأعمال الصالحة لا تنفع في ~~الآخرة إلا بحصول أعمال القلب وهي الخشوع والخضوع فإذا فسرنا الإخبات ~~بالطمأنينة كان معنى الكلام يأتون بالأعمال الصالحة مطمئنين إلى صدق وعد ~~الله بالثواب والجزاء على تلك الأعمال أو يكونون مطمئنين إلى ذكره سبحانه ~~وتعالى وإذا فسرنا الإخبات بالخشوع والخضوع كان معناه أنهم يأتون ~~بالأعمال الصالحة خائفين وجلين أن لا تكون مقبولة ms1717 وهو الخشوع والخضوع { ~~أولئك } يعني الذين هذه صفتهم { أصحاب الجنة هم فيها خالدون } أخبر عن ~~حالهم في الآخرة بأنهم من أهل الجنة التي لا انقطاع لنعيمها ولا زوال. ~~قوله سبحانه وتعالى: { مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع } ~~لما ذكر الله سبحانه وتعالى أحوال الكفار وما كانوا عليه من العمى عن ~~طريق الهدى والحق ومن الصمم عن سماعه وذكر أحوال المؤمنين وما كانوا عليه ~~من البصيرة وسماع الحق والانقياد للطاعة ضرب لهم مثلا فقال تبارك وتعالى ~~مثل الفريقين يعني فريق المؤمنين وفريق الكفارين كالأعمى وهو الذي لا ~~يهتدي لرشده والأصم وهو الذي لا يسمع شيئا البتة، والبصير وهو الذي يبصر ~~الأشياء على ماهيتها، والسميع وهو الذي يسمع الأصوات ويجيب الداعي فمثل ~~المؤمنين كمثل الذي يسمع ويبصر وهو الكامل في نفسه ومثل الكافر كمثل الذي ~~لا يسمع ولا يبصر وهو الناقص في نفسه { هل يستويان مثلا } قال الفراء لم ~~يقل هل يستوون لأن الأعمى والأصم في حيز كأنهما واحد وهما من وصف الكافر ~~والبصير والسميع في حيز كأنهما واحد وهما من وصف المؤمن { أفلا تذكرون } ~~يعني فتتعظون. قوله عز وجل: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير ~~مبين } يعني أن نوحا عليه السلام قال لقومه حين أرسله الله إليهم إني ~~لكم أيها القوم نذير مبين يعني بين النذارة أخوف بالعقاب من خالف أمر ~~الله وعبد غيره وهو قوله سبحانه وتعالى: { أن لا تعبدوا إلا الله إني ~~أخاف عليكم عذاب يوم أليم } يعني مؤلم موجع قال ابن عباس: بعث نوح بعد ~~أربعين سنة ولبث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ستين سنة ~~فكان عمره ألفا وخمسين سنة. # وقال مقاتل: بعث وهو ابن مائة سنة وقيل وهو ابن خمسين سنة وقيل وهو ابن ~~مائتين وخمسين سنة ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ~~مائتين وخمسين سنة فكان عمره ألفا وأربعمائة وخمسين سنة. ### || [11.27-30] # { فقال الملأ الذين كفروا من قومه } يعني الأشراف والرؤساء من قوم نوح { ~~ما نراك } يا نوح ms1718 { إلا بشرا مثلنا } يعني آدميا مثلنا لا فضل لك علينا ~~لأن التفاوت الحاصل بين آحاد البشر يمتنع اشتهاره إلى حيث يصير الواحد ~~منهم واجب الطاعة على جميع العالم وإنما قالوا هذه المقالة وتمسكوا بهذه ~~الشبهة جهلا منهم لأن من حق الرسول أن يباشر الأمة بالدعوة إلى الله ~~تعالى بإقامة الدليل والبرهان على ذلك ويظهر المعجزة الدالة على صدقه ولا ~~يأتي ذلك إلا من آحاد البشر وهو من اختصه الله بكرامته وشرفه بنبوته ~~وأرسله إلى عباده ثم قال سبحانه وتعالى إخبارا عن قوم نوح { وما نراك ~~اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } يعني سفلتنا والرذل الدون من كل شيء قيل هم ~~الحاكة والأساكفة وأصحاب الصنائع الخسيسة وإنما قالوا ذلك جهلا منهم ~~أيضا لأن الرفعة في الذين ومتابعة الرسول لا تكون بالشرف ولا بالمال ~~والمناصب العالية بل للفقراء الخاملين وهم أتباع الرسل ولا يضرهم خسة ~~صنائعهم إذا حسنت سيرتهم في الدين { بادي الرأي } يعني أنهم اتبعوك في ~~أول الرأي من غير تثبت وتفكر في أمرك، ولو تفكروا ما اتبعوك. وقيل: معناه ~~ظاهر الرأي، يعني أنهم اتبعوك من غير أن تفكروا باطنا { وما نرى لكم ~~علينا من فضل } يعني بالمال والشرف والجاه وهذا القول أيضا جهل منهم لأن ~~الفضيلة المعتبرة عند الله بالإيمان والطاعة لا بالشرف والرياسة { بل ~~نظنكم كاذبين } قيل الخطاب لنوح ومن آمن معه من قومه وقيل هو لنوح وحده ~~فعلى هذا يكون الخطاب بلفظ الجمع للواحد على سبيل التعظيم { قال } يعني ~~نوحا { يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي } يعني على بيان ويقين من ~~ربي بالذي أنذرتكم به { وآتاني رحمة من عنده } يعني هديا ومعرفة ونبوة { ~~فعميت عليكم } يعني خفيت وألبست عليكم { أنلزمكموها } الهاء عائدة إلى ~~الرحمة والمعنى أنلزمكم أيها القوم قبول الرحمة يعني أنا لا نقدر أن ~~نلزمكم ذلك من عند أنفسنا { وأنتم لها كارهون } وهذا استفهام معناه ~~الإنكار أي لا أقدر على ذلك والذي أقدر عليه أن أدعوكم إلى الله وليس لي ~~أن أضطركم إلى ذلك قال ms1719 قتادة والله لو استطاع نبي صلى الله عليه وسلم ~~لألزمها قومه ولكنه لم يملك ذلك { ويا قوم لا أسألكم عليه مالا } يعني ~~لا أسألكم ولا أطلب منكم على تبليغ الرسالة جعلا { إن أجري إلا على الله ~~وما أنا بطارد الذين آمنوا } وذلك أنهم طلبوا من نوح أن يطرد الذين آمنوا ~~وهم الأرذلون في زعمهم فقال ما يجوز لي ذلك لأنهم يعتقدون { إنهم ملاقو ~~ربهم } فلا أطردهم { ولكني أراكم قوما تجهلون } يعني عظمة الله ~~ووحدانيته وربوبيته وقيل معناه إنكم تجهلون أن هؤلاء المؤمنين خير منكم { ~~ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم } يعني من يمنعني من عذاب الله إن ~~طردتهم عني لأنهم مؤمنون مخلصون { أفلا تذكرون } يعني فتتعظون. ### || [11.31-36] # { ولا أقول لكم عندي خزائن الله } هذا عطف على قوله لا أسألكم عليه ~~مالا والمعنى لا أسألكم عليه مالا ولا أقول لكم عندي خزائن الله يعني ~~التي لا يفنيها شيء فأدعوكم إلى اتباعي عليها لأعطيكم منها وقال ابن ~~الأنباري الخزائن هنا بمعنى غيوب الله وما هو منطو عن الخلق وإنما وجب أن ~~يكون هذا جوابا من نوح عليه السلام لهم لأنهم قالوا وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا بادي الرأي وادعوا أن المؤمنين إنما اتبعوه في ظاهر ما ~~يرى منهم وهم في الحقيقة غير متبعين له فقال مجيبا لهم ولا أقول لكم ~~عندي خزائن الله التي لا يعلم منها ما ينطوي عليه عباده وما يظهرونه إلا ~~هو وإنما قيل للغيوب خزائن لغموضها عن الناس واستتارها عنهم والقول الأول ~~أولى ليحصل الفرق بين قوله ولا أقول لكم عندي خزائن الله وبين قوله { ولا ~~أعلم الغيب } يعني ولا أدعي علم ما يغيب عني مما يسرونه في نفوسهم فسبيل ~~قبول إيمانهم في الظاهر ولا يعلم ما في ضمائرهم إلا الله { ولا أقول إني ~~ملك } وهذا جواب لقولهم ما نراك إلا بشرا مثلنا أي لا أدعي أني من ~~الملائكة بل أنا بشر مثلكم أدعوكم إلى الله وأبلغكم ما أرسلت به إليكم. ~~فصل استدل بعضهم ms1720 بهذه الآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء قال لأن ~~نوحا عليه السلام قال ولا أقول إني ملك لأن الإنسان إذا قال أنا لا أدعي ~~كذا وكذا لا يحسن إلا إذا كان ذلك الشيء أشرف وافضل من أحوال ذلك القائل ~~فلما قال نوح عليه السلام هذه المقالة وجب أن يكون الملك أفضل منه ~~والجواب أن نوحا عليه السلام إنما قال هذه المقالة في مقابلة قولهم ما ~~نراك إلا بشرا مثلنا لما كان في ظنهم أن الرسل لا يكونون من البشر إنما ~~يكونون من الملائكة فأعلمهم أن هذا ظن باطل وأن الرسل إلى البشر إنما ~~يكونون من البشر فلهذا قال سبحانه وتعالى: { ولا أقول إني ملك } ولم يرد ~~أن درجة الملائكة أفضل من درجة الأنبياء والله أعلم. وقوله سبحانه ~~وتعالى: { ولا أقول للذين تزدري أعينكم } يعني تحتقر وتستصغر أعينكم يعني ~~المؤمنين وذلك لما قالوا إنهم أراذلنا من الرذالة وهي الخسة { لن يؤتيهم ~~الله خيرا } يعني توفيقا وهداية وإيمانا وأجرا { الله أعلم بما في ~~أنفسهم } يعني من الخير والشر { إني إذا لمن الظالمين } يعني إن طردتهم ~~مكذبا لظاهرهم ومبطلا لإيمانهم يعني أني إن فعلت هذا فأكون قد ظلمتهم ~~وأنا لا أفعله فما أنا من الظالمين { قالوا يا نوح قد جادلتنا } يعني ~~خاصمتنا { فأكثرت جدالنا } يعني خصومتنا { فأتنا بما تعدنا } يعني من ~~العذاب { إن كنت من الصادقين } يعني في دعواك أنك رسول الله إلينا { قال ~~إنما يأتيكم به الله إن شاء } يعني قال نوح لقومه حين استعجلوه بإنزال ~~العذاب إن ذلك ليس إلي إنما هو إلى الله ينزله متى شاء وعلى من يشاء إن ~~أراد إنزال العذاب بكم { وما أنتم بمعجزين } يعني وما أنتم بفائتين إن ~~أراد الله نزول العذاب بكم { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم } يعني ~~ولا ينفعكم إنذاري وتحذيري إياكم عقوبته ونزول العذاب { إن كان الله يريد ~~أن يغويكم } يعني يضلكم وقيل يهلككم وهذا معنى وليس بتفسير لأن الإغواء ~~يؤدي إلى الهلاك { هو ربكم } يعني أنه سبحانه وتعالى هو ms1721 يملككم فلا ~~تقدرون على الخروج من سلطانه { وإليه ترجعون } يعني في الآخرة فيجازيكم ~~بأعمالكم { أم يقولون افتراه } أي اختلقه وجاء به من عند نفسه والضمير ~~يعود إلى الوحي الذي جاءهم به { قل إن افتريته } أي اختلقته { فعلي ~~إجرامي } أي إثم إجرامي والإجرام اقتراف السيئة واكتسابها يقال جرم وأجرم ~~بمعنى أنه اكتسب الذنب وافتعله { وأنا بريء مما تجرمون } يعني من الكفر ~~والتكذيب وأكثر المفسرين على أن هذا من محاورة نوح قومه فهي من قصة نوح ~~عليه السلام وقال مقاتل { أم يقولون } يعني المشركين من كفار مكة افتراه ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم اختلق القرآن من عند نفسه فعلى هذا القول ~~تكون هذه الآية معترضة في قصة نوح ثم رجع إلى القصة فقال سبحانه وتعالى: ~~{ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن } قال ابن عباس إن ~~قوم نوح كانوا يضربون نوحا حتى يسقط فيلفونه في لبد ويلقونه في بيت ~~يظنون أنه قد مات فيخرج في اليوم الثاني ويدعوهم إلى الله ويروي أن شيخا ~~منهم جاء متكئا على عصاه ومعه ابنه فقال يا بني لا يغرنك هذا الشيخ ~~المجنون فقال يا أبت أمكني من العصا فأخذه من أبيه وضرب بها نوحا عليه ~~السلام حتى شجه شجة منكرة فأوحى الله إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ~~آمن { فلا تبتئس } يعني فلا تحزن عليهم فإني مهلكهم { بما كانوا يفعلون } ~~يعني بسبب كفرهم وأفعالهم فحينئذ دعا نوح عليه السلام عليهم فقال # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] وحكى محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عمير الليثي أنه بلغه أنهم ~~كانوا يبسطون نوحا فيخنقونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال رب اغفر لقومي ~~فإنهم لا يعلمون حتى تمادوا في المعصية واشتد عليه منهم البلاء وهو ينتظر ~~الجيل بعد الجيل فلا يأتي قرن إلا كان أنحس من الذي قبله ولقد كان يأتي ~~القرن الآخر منهم فيقول قد كان هذا الشيخ مع آبائنا وأجدادنا هكذا ~~مجنونا ms1722 فلا يقبلون منه شيئا فشكا نوح إلى الله عز وجل فقال يا رب # أني دعوت قومي ليلا ونهارا # [نوح: 5] الآيات حتى بلغ رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا فأوحى ~~الله سبحانه وتعالى إليه. ### || [11.37-38] # { واصنع الفلك } يعني السفينة والفلك لفظ يطلق على الواحد والجمع { ~~بأعيننا } قال ابن عباس بمرأى منا وقيل بعلمنا وقيل بحفظنا { ووحينا } ~~يعني بأمرنا { ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } يعني بالطوفان ~~والمعنى ولا تخاطبني في إمهال الكفار فإني قد حكمت بإغراقهم وقيل ولا ~~تخاطبني في ابنك كنعان وامرأتك واعلة فإنهما هالكان مع القوم وقيل إن ~~جبريل أتى نوحا فقال له إن ربك يأمرك أن تصنع الفلك فقال كيف أصنعها ~~ولست نجارا فقال إن ربك يقول اصنع فإنك بأعيننا فأخذ القدوم وجعل ينجر ~~ولا يخطئ فصنعها مثل جؤجؤ الطير وهو قوله سبحانه وتعالى: { ويصنع الفلك } ~~يعني كما أمره الله سبحانه وتعالى قال أهل السير لما أمر الله سبحانه ~~وتعالى نوحا بعمل السفينة أقبل على عملها ولها عن قومه وجعل يقطع الخشب ~~ويضرب الحديد ويهيئ القار وكل ما يحتاج إليه في عمل الفلك وجعل قومه ~~يمرون وهو في عمله فيسخرون منه ويقولون يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوة ~~وأعقم الله أرحام النساء فلا يولد لهم ولد قال البغوي وزعم أهل التوراة ~~أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج وأن يطليه بالقار من داخله ~~وخارجه وأن يجعل طوله ثمانين ذراعا وعرضه خمسين ذراعا وطوله في السماء ~~ثلاثين ذراعا والذراع إلى المنكب وأن يجعله ثلاث طباق سفلى ووسطى وعليا ~~وأن يجعل فيه كوى فصنعه نوح كما أمره الله سبحانه وتعالى وقال ابن عباس ~~اتخذ نوح السفينة في سنتين فكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعا ~~وطولها في السماء ثلاثين ذراعا وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة بطون ~~فجعل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام وفي البطن الأوسط الدواب ~~والأنعام وركب هو ومن معه في البطن الأعلى وجعل معه ما يحتاج إليه من ~~الزاد ms1723 وغيره قال قتادة وكان بابها في عرضها، وروي عن الحسن: أنه كان ~~طولها ألف ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع والقول الأول أشهر وهو أن ~~طولها ثلثمائة ذراع وقال زيد بن أسلم: مكث نوح مائة سنة يغرس الأشجار ~~ويقطعها ومائة سنة يصنع الفلك، وقال كعب الأحبار: عمل نوح عليه السلام ~~السفينة في ثلاثين سنة وروي أنها ثلاثة أطباق الطبقة السفلى للدواب، ~~والوحوش والطبقة الوسطى للإنس والطبقة العليا للطير فلما كثرت رواث ~~الدواب أوحى الله سبحانه وتعالى إلى نوح عليه السلام أن اغمز ذنب الفيل ~~فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة ومسح على الخنزير فوقع منه الفأر فأقبلوا ~~على الروث فأكلوه فلما أفسد الفأر في السفينة فجعل يقرضها ويقرض حبالها ~~أوحى الله سبحانه وتعالى إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره ~~سنور وسنورة وهي القطة والقط فأقبلا على الفأر فأكلاه. # قوله سبحانه وتعالى: { وكلما مر عليه ملأ من قومه } أي جماعة من قومه { ~~سخروا منه } يعني استهزؤوا به وذلك أنهم قالوا إن هذا الذي كان يزعم أنه ~~نبي قد صار نجارا وقيل قالوا يا نوح ماذا تصنع قال أصنع بيتا يمشي على ~~الماء فضحكوا منه { قال } يعني نوحا لقومه { إن تسخروا منا فإنا نسخر ~~منكم كما تسخرون } يعني إن تستجهلونا في صنعنا فإنا نستجهلكم لتعرضكم لما ~~يوجب سخط الله وعذابه، فإن قلت السخرية لا تليق بمنصب النبوة فكيف قال ~~نوح عليه السلام إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون. قلت إنما سمي ~~هذا الفعل سخرية على سبيل الازدوج في مشاكلة الكلام كما في قوله سبحانه ~~وتعالى: # وجزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] والمعنى إنا نرى غب سخريتكم بنا إذا نزل بكم العذاب. ### || [11.39-40] # قوله تعالى: { فسوف تعلمون } يعني فسترون { من يأتيه } يعني أينا يأتيه ~~نحن أو أنتم { عذاب يخزيه } يعني يهينه { ويحل عليه عذاب مقيم } يعني في ~~الآخرة فالمراد بالعذاب الأول عذاب الدنيا وهو الغرق والمراد بالعذاب ~~الثاني عذاب الآخرة وعذاب النار الذي لا انقطاع له. وقوله عز وجل: { حتى ms1724 ~~إذا جاء أمرنا وفار التنور } يعني وغلى والفور الغليان وفارت القدر إذا ~~غلت. والتنور: فارسي معرب لا تعرف له العرب اسما غير هذا فلذلك جاء في ~~القرآن بهذا اللفظ فخوطبوا بما يعرفون وقيل إن لفظ التنور جاء هكذا بكل ~~لفظ عربي وعجمي وقيل إن لفظ التنور أصله أعجمي فتكلمت به العرب فصار ~~عربيا مثل الديباج ونحوه واختلفوا في المراد بهذا التنور، فقال عكرمة ~~والزهري: هو وجه الأرض وذلك أنه قيل لنوح عليه السلام إذا رأيت الماء قد ~~فار على وجه الأرض فاركب السفينة فعلى هذا يكون قد جعل فوران التنور ~~علامة لنوح على هذا الأمر العظيم وقال علي: فار التنور أي طلع الفجر ونور ~~الصبح شبه نور الصبح بخروج النار من التنور، وقال الحسن ومجاهد والشعبي: ~~إن التنور هو الذي يخبز فيه، وهو قول أكثر المفسرين ورواية عن ابن عباس، ~~أيضا وهذا القول أصح لأن اللفظ إذا دار بين الحقيقة والمجاز كان حمله ~~على الحقيقة أولى ولفظ التنور حقيقة في اسم الموضع الذي يخبز فيه فوجب ~~حمل اللفظ عليه. فإن قلت الألف واللام في لفظ التنور للعهد وليس هاهنا ~~معهود سابق عند السامع فوجب حمله على غيره وهو شدة الأمر والمعنى إذا ~~رأيت الماء يشتد نبوعه ويقوى فانج بنفسك ومن معك. قلت: لا يبعد أن يكون ~~ذلك التنور معلوما عند نوح عليه السلام، قال الحسن كان تنورا من حجارة ~~وكانت حواء تخبز فيه ثم صار إلى نوح وقيل له إذا رأيت الماء يفور من ~~التنور فاركب أنت وأصحابك واختلفوا في موضع التنور فقال مجاهد نبع الماء ~~من التنور فعلمت به امرأته فأخبرته وكان ذلك في ناحية الكوفة وكان الشعبي ~~يحلف بالله ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة، قال الشعبي: اتخذ نوح ~~السفينة في جوف مسجد الكوفة وكان التنور على يمين الداخل مما يلي باب ~~كندة وكان فوران التنور علامة لنوح عليه السلام، وقال مقاتل: كان ذلك ~~التنور تنور آدم وكان بالشام بموضع يقال له عين وردة وروي عن ابن ms1725 عباس ~~أنه كان بالهند قال: والفوران الغليان { قلنا احمل فيها } يعني: قلنا ~~لنوح احمل في السفينة { من كل زوجين اثنين } الزوجان كل اثنين لا يستغني ~~أحدهما عن الآخر كالذكر والأنثى يقال لكل واحد منهما زوج والمعنى من كل ~~صنف زوجين ذكرا أو أنثى فحشر الله سبحانه وتعالى إليه الحيوان من الدواب ~~والسباع والطير فجعل نوح يضرب بيديه في كل جنس منها فيقع الذكر في يده ~~اليمنى والأنثى في يده اليسرى فيجعلهما في السفينة { وأهلك } أي واحمل ~~أهلك وولدك وعيالك { إلا من سبق عليه القول } يعني بإهلاك وأراد به ~~امرأته واعلة وولده كنعان { ومن آمن } يعني واحمل معك من آمن بك من قومك ~~{ وما آمن معه إلا قليل } اختلفوا في عدد من حمل نوح معه في السفينة فقال ~~قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب القرظي لم يكن في السفينة إلا ثمانين: نفر ~~نوح وامرأته وثلاثة بنين له وهم سام وحام ويافث ونساؤهم وقال الأعمش: ~~كانوا سبعة نوحا وبنيه وثلاث كنائن له. # وقال محمد بن إسحاق: كانوا عشرة سوى نسائهم وهم نوح وبنوه سام وحام ~~ويافث وستة نفر آمنوا بنوح وأزواجهم جميعا، وقال مقاتل: كانوا اثنين ~~وسبعين نفرا رجلا وامرأة وقال ابن عباس كان في السفينة ثمانون رجلا ~~أحدهم جرهم، قال الطبري: والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله ~~عز وجل: { وما آمن معه إلا قليل } فوصفهم الله سبحانه وتعالى بالقلة ولم ~~يحدد عددا بمقدار فلا ينبغي أن يجاوز في ذلك حد الله سبحانه وتعالى إذ ~~لم يرد ذلك في كتاب ولا خبر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~مقاتل: حمل نوح معه جسد آدم عليه السلام فجعله معترضا بين الرجال ~~والنساء وقصد نوحا جميع الدواب والطيور ليحملها قال ابن عباس: أول ما ~~حمل نوح الدرة وآخر ما حمل الحمار فلما أراد أن يدخل الحمار أدخل صدره ~~فتعلق إبليس بذنبه فلم تنتقل رجلاه وجعل نوح يقول له ويحك ادخل فينهض فلا ~~يستطيع حتى قال له أدخل ms1726 وإن كان الشيطان معك كلمة ذلت على لسانه فلما ~~قالها نوح خلى سبيل الحمار فدخل الحمار ودخل الشيطان معه فقال له نوح ~~ماذا أدخلك علي يا عدو الله قال ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان معك قال ~~اخرج عني يا عدو الله. قال: لا بد من أن تحملني معك فكان فيما يزعمون على ~~ظهر السفينة، هكذا نقله البغوي وقال الإمام فخر الدين الرازي: وأما الذي ~~يروى أن إبليس دخل السفينة فبعيد لأنه من الجن وهو جسم ناري أو هوائي ~~فكيف يفر من الغرق وأيضا فإن كتاب الله لم يدل على ذلك ولم يرد فيه خبر ~~صحيح فالأولى ترك الخوض فيه، قال البغوي: وروي عن بعضهم أن الحية والعقرب ~~أتيا نوحا عليه السلام فقالتا احملنا معك فقال إنكما سبب البلاء فلا ~~أحملكما فقالتا احملنا فنحن نضمن لك أن لا نضر أحدا ذكرك فمن قرأ حين ~~يخاف مضرتهما سلام على نوح في العالمين لم تضراه وقال الحسن لم يحمل نوح ~~معه في السفينة إلا ما يلد ويبيض وأما ما سوى ذلك مما يتولد من الطين من ~~حشرات الأرض كالبق والبعوض فلم يحمل منها شيئا. ### || [11.41-43] # قوله سبحانه وتعالى: { وقال اركبوا فيها } يعني وقال نوح لمن حمل معه ~~اركبوا في السفينة { بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم } يعني ~~بسم الله اجراؤها وإرساؤها قال الضحاك كان نوح إذا أراد أن تجري السفينة ~~قال بسم الله فتجري وكان إذا أراد أن ترسو يعني تقف قال بسم الله فترسو ~~أي تقف وهذا تعليم من الله لعباده أنه من أراد أمرا فلا ينبغي له أن ~~يشرع فيه حتى يذكر اسم الله عليه وقت الشروع حتى يكون ذلك سببا للنجاح ~~والفلاح في سائر الأمور { وهي تجري بهم في موج كالجبال } الموج ما ارتفع ~~من الماء إذا اشتدت عليه الريح، شبهه سبحانه وتعالى بالجبال في عظمه هو ~~ارتفاعه على الماء قال العلماء: بالسير أرسل الله المطر أربعين يوما ~~وليلة وخرج الماء من الأرض فذلك قوله سبحانه وتعالى: ms1727 # ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على ~~أمر قد قدر # يعني: صار إناء نصفين نصفا من السماء ونصفا من الأرض وارتفع الماء على ~~أعلى جبل وأطوله أربعين ذراعا وقيل خمسة عشر ذراعا حتى أغرق كل شيء. ~~وروي أنه لما كثر الماء في الشكك خافت أم الصبي على ولدها من الغرق وكانت ~~تحبه حبا شديدا فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلحقها الماء فارتفعت ~~حتى بلغت ثلثيه فلما لحقها الماء ذهبت حتى استوت على الجبل فلما بلغ ~~الماء إلى رقبتها رفعت الصبي بيديها حتى ذهب بهما الماء فأغرقهما فلو رحم ~~الله منهم أحدا لرحم أم الصبي { ونادى نوح ابنه } يعني كنعان وكان ~~كافرا { وكان في معزل } يعني عن نوح لم يركب معه { يا بني اركب معنا } ~~يعني في السفينة { ولا تكن مع الكافرين } يعني فتهلك معهم { قال } يعني ~~قال كنعان { سآوي } يعني سألتجئ وأصير { إلى جبل يعصمني } يعني يمنعني { ~~من الماء قال } يعني قال له نوح { لا عاصم } يعني لا مانع { اليوم من أمر ~~الله } يعني من عذابه { إلا من رحم } يعني إلا من رحمه الله فينجيه من ~~الغرق { وحال بينهما الموج فكان من المغرقين } يعني كنعان. ### || [11.44-46] # { وقيل } يعني بعد ما تناهى الطوفان وأغرق الله قوم نوح { يا أرض ابلعي ~~ماءك } أي اشربيه { ويا سماء أقلعي } أي أمسكي { وغيض الماء } أي نقص ~~ونضب يقال غاض الماء إذا نقص وذهب { وقضي الأمر } يعني وفرغ من الأمر وهو ~~هلاك قوم نوح { واستوت } يعني واستقرت السفينة { على الجودي } وهو جبل ~~بالجزيرة بقرب الموصل { وقيل بعدا } يعني هلاكا { للقوم الظالمين } قال ~~العلماء: بالسير لما استقرت السفينة بعث نوح الغراب ليأتيه بخبر الأرض ~~فوقع على جيفة فلم يرجع إليه فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون في منقارها ~~ولطخت رجليها بالطين، فعلم نوح أن الماء قد ذهب فدعا على الغراب بالخوف ~~فلذلك لا يألف البيوت وطوق الحمامة بالخضرة التي في عنقها ودعا لها ~~بالأمان فمن ثم تألف البيوت وروي أن نوحا عليه ms1728 السلام ركب السفينة لعشر ~~بقين من رجب وجرت بهم السفينة ستة أشهر ومرت بالبيت الحرام وقد رفعه الله ~~من الغرق وبقي موضعه فطافت السفينة به سبعا وأودع الحجر الأسود جبل أبي ~~قبيس وهبط نوح ومن معه في السفينة يوم عاشوراء فصامه نوح عليه السلام ~~وأمر جميع من معه بصيامه شكرا لله تعالى وبنوا قرية بقرب الجبل فسميت ~~سوق ثمانين فهي أول قرية عمرت على وجه الأرض بعد الطوفان، وقيل: إنه لم ~~ينج أحد من الكفار من الغرق غير عوج بن عنق وكان المال يصل إلى حجزته ~~وسبب نجاته من الهلاك أن نوحا عليه السلام احتاج إلى خشب ساج لأجل ~~السفينة فلم يمكنه نقله فحمله عوج بن عنق من الشام إلى نوح فنجاه الله من ~~الغرق لذلك. فإن قلت: كيف اقتضت الحكمة الإلهية والكرم العظيم إغراق من ~~لم يبلغوا الحلم من الأطفال ولم يدخلوا تحت التكليف بذنوب غيرهم. قلت: ~~ذكر بعض المفسرين أن الله عز وجل أعقم أرحام نسائهم أربعين سنة فلم يولد ~~لهم ولد تلك المدة وهذا الجواب ليس بقوي لأنه يرد عليه إغراق جميع الدواب ~~والهوام والطير وغير ذلك من الحيوان ويرد على ذلك أيضا إهلاك أطفال ~~الأمم الكافرة مع آبائهم غير قوم نوح. والجواب الشافي عن هذا كله أن الله ~~سبحانه وتعالى متصرف في خلقه وهو المالك المطلق يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. قوله عز وجل: { ونادى نوح ربه } أي ~~دعاه وسأله { فقال رب إن ابني من أهلي } يعني وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي ~~{ وإن وعدك الحق } يعني الصدق الذي لا خلف فيه { وأنت أحكم الحاكمين } ~~يعني أنك حكمت لقوم بالنجاة وحكمت على قوم بالهلاك { قال } يعني قال الله ~~تعالى: { يا نوح إنه } يعني هذا الابن الذي سألتني نجاته { ليس من أهلك } ~~اختلف علماء التفسير: هل كان هذا الولد ابن نوح لصلبه أم لا فقال الحسن ~~ومجاهد كان ولد حدث من غير نوح ولم يعلم به فلذلك قال إنه ليس من ms1729 أهلك، ~~وقال محمد بن جعفر الباقر: كان ابن امرأة نوح وكان يعلمه نوح ولذلك قال ~~من أهلي ولم يقل مني. # وقال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأكثر المفسرين: إنه ابن ~~نوح من صلبه، وهذا القول هو الصحيح والقولان الأولان ضعيفان بل باطلان ~~ويدل على صحة هذا نقل الجمهور لما صح عن ابن عباس أنه قال: ما بغت امرأة ~~نبي قط ولأن الله سبحانه وتعالى نص عليه بقوله سبحانه وتعالى: # ونادى نوح ابنه # [هود: 42] ونوح صلى الله عليه وسلم أيضا نص عليه بقوله # يا بني اركب معنا # [هود: 42] وهذا نص في الدلالة وصرف الكلام عن الحقيقة إلى المجاز من غير ~~ضرورة لا يجوز وإنما خالف هذا الظاهر من خالفه لأنه استبعد أن يكون ولد ~~نبي كافرا وهذا خطأ ممن قاله لأن الله سبحانه وتعالى خلق خلقه فريق في ~~الجنة وهم المؤمنون وفريق في السعير وهم الكفار والله سبحانه وتعالى يخرج ~~الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر ولا فرق في ذلك بين الأنبياء وغيرهم ~~فإن الله سبحانه وتعالى أخرج قابيل من صلب آدم عليه السلام وهو نبي وكان ~~قابيل كافرا وأخرج إبراهيم من صلب آزر وهو نبي وكان آزر كافرا فكذلك ~~أخرج كنعان وهو كافر من صلب نوح وهو نبي فهو المتصرف في خلقه كيف يشاء. ~~فإن قلت: فعلى هذا كيف ناداه نوح فقال: اركب معنا وسأل له النجاة مع قوله ~~رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا قلت: قد ذكر بعضهم أن نوحا عليه ~~الصلاة والسلام لم يعلم بكون ابنه كان كافرا فلذلك ناداه وعلى تقدير أنه ~~يعلم كفره إنما حمله على أن ناداه رقة لأبوة ولعله إذا رأى تلك الأهوال ~~أن يسلم فينجيه الله بذلك من الغرق فأجابه الله عز وجل بقوله إنه ليس من ~~أهلك يعني أنه ليس من أهل دينك لأن أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب أو دين ~~أو ما يجري مجراهما. ولما حكمت الشريعة برفع حكم النسب في كثير من ~~الأحكام بين المسلم ms1730 والكافر قال الله سبحانه وتعالى لنوح: إنه ليس من ~~أهلك { إنه عمل غير صالح } قرأ الكسائي ويعقوب: عمل بكسر الميم وفتح ~~اللام غير بفتح الراء على عود الفعل على الابن ومعناه أنه عمل الشرك ~~والكفر والتكذيب وكل هذا غير صالح، وقرأ الباقون من القراء: عمل بفتح ~~الميم ورفع اللام مع التنوين وغير بضم الراء ومعناه إن سؤالك إياي أن ~~أنجيه من الغرق عمل غير صالح لأن طلب نجاة الكفار بعد ما حكم عليه ~~بالهلاك بعيد فلهذا قال سبحانه وتعالى: { إنه عمل غير صالح } ويجوز أن ~~يعود الضمير في إنه على ابن نوح أيضا ويكون التقدير على هذه القراءة إن ~~ابنك ذو عمل أو صاحب عمل غير صالح فحذف المضاف كما قالت الخنساء: فإنما ~~هي إقبال وإدبار. # قال الواحدي، وهذا قول أبي إسحاق يعني الزجاج وأبي بكر بن الأنباري وأبي ~~علي الفارسي قال أبو علي: ويجوز أن يكون ابن نوح عمل عملا غير صالح ~~فجعلت نفسه ذلك العمل لكثرة ذلك منه، كما يقال الشعر زهير والعلم فلان ~~إذا كثر منه فعلى هذا لا حذف { فلا تسألن ما ليس لك به علم } وذلك أن ~~نوحا عليه السلام سأل ربه إنجاء ولده من الغرق وهو من كمال شفقة الوالد ~~على ولده وهو لا يعلم أن ذلك محظور لإصرار ولده على الكفر فنهاه الله ~~سبحانه وتعالى عن مثل هذه المسألة وأعلمه أن ذلك لا يجوز فكان المعنى فلا ~~تسألن ما ليس لك به علم بجواز مسألته { إني أعظك } يعني أنهاك { أن تكون ~~من الجاهلين } يعني لمثل هذا السؤال. ### || [11.47-50] # { قال } يعني: قال نوح { رب إني أعوذ بك } يعني: ألجأ إليك وأعتذر إليك ~~{ أن أسألك ما ليس لي به علم } يعني: إنك أنت علام الغيوب وأنا لا أعلم ~~ما غاب عني فأعتذر إليك من مسألتي ما ليس لي به علم { وإلا تغفر لي } ~~يعني: جهلي وإقدامي على سؤال ما ليس لي به علم { وترحمني } يعني برحمتك ~~التي وسعت كل شيء { أكن من الخاسرين } فصل وقد ms1731 استدل بهذه الآيات من لا ~~يرى عصمة الأنبياء وبيانه أن قوله إنه عمل غير صالح المراد منه السؤال ~~وهو محظور فلهذا نهاه عنه بقوله فلا تسألن ما ليس لك به علم، وقوله ~~سبحانه وتعالى: { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } يدل على أن ذلك السؤال ~~كان جهلا ففيه زجر وتهديد وطلب المغفرة والرحمة له يدل على صدور الذنب ~~منه. والجواب أن الله عز وجل كان قد وعد نوحا عليه السلام بأن ينجيه ~~وأهله فأخذ نوح ظاهر اللفظ واتبع التأويل بمقتضى هذا الظاهر ولم يعلم ما ~~غاب عنه ولم يشك في وعد الله سبحانه وتعالى فأقدم على هذا السؤال لهذا ~~السبب فعاتبه الله عز وجل على سؤاله ما ليس له به علم وبين له أنه ليس من ~~أهله الذي وعده بنجاتهم لكفره وعمله الذي هو غير صالح وأعلمه الله سبحانه ~~وتعالى أنه مغرق مع الذين ظلموا ونهاه عن مخاطبته فيهم فأشفق نوح من ~~إقدامه على سؤال ربه فيما لم يؤذن له فيه فخاف نوح من ذلك الهلاك فلجأ ~~إلى ربه عز وجل وخشع له وعاذ به وسأل المغفرة والرحمة لأن حسنات الأبرار ~~سيئات المقربين وليس في الآيات ما يقتضي صدور ذنب ومعصية من نوح عليه ~~السلام سوى تأويله وإقدامه على سؤال ما لم يؤذن له فيه وهذا ليس بذنب ولا ~~معصية والله أعلم. قوله سبحانه وتعالى: { قيل يا نوح اهبط } أي انزل من ~~السفينة أو من الجبل إلى الأرض { بسلام } أي بأمن وسلامة { منا وبركات ~~عليك } البركة هي ثبوت الخير ونماؤه وزيادته، وقيل: المراد بالبركة هنا ~~أن الله سبحانه وتعالى جعل ذريته هم الباقين إلى يوم القيامة فكل العالم ~~من ذرية أولاده الثلاثة ولم يعقب من كان معه في السفينة غيرهم { وعلى أمم ~~ممن معك } يعني: وعلى ذرية أمم ممن كانوا معك في السفينة، والمعنى وبركات ~~عليك وعلى قرون تجيء من بعدك من ذرية أولادك وهم المؤمنون. قال محمد بن ~~كعب القرظي: دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة { وأمم ms1732 سنمتعهم } هذا ~~ابتداء كلام أي وأمم كافرة يحدثون بعدك سنمتعهم يعني في الدنيا إلى منتهى ~~آجالهم { ثم يمسهم منا عذاب أليم } يعني في الآخرة { تلك من أنباء الغيب ~~} هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني أن هذه القصة التي أخبرناك يا ~~محمد من قصة نوح وخبر قومه من أنباء الغيب يعني من أخبار الغيب { نوحيها ~~إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا } يعني من قبل نزول القرآن ~~عليك. # فإن قلت إن قصة نوح كانت مشهورة معروفة في العالم فكيف قال ما كنت ~~تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا. قلت: يحتمل أن يكون كانوا يعلمونها ~~مجملة فنزل القرآن بتفصيلها وبيانها. وجواب آخر وهو أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان أميا لم يقرأ الكتب المتقدمة ولم يعلمها وكذلك كانت أمته فصح ~~قوله ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل نزول القرآن بها { فاصبر } يا ~~محمد على أذى مشركي قومك كما صبر نوح على أذى قومه { إن العاقبة } يعني ~~النصر والظفر على الأعداء والفوز بالسعادة الأخروية يعني للمؤمنين. قوله ~~عز وجل: { وإلى عاد } يعني وأرسلنا إلى عاد { أخاهم هودا } يعني أخاهم ~~في النسب لا في الدين { قال يا قوم اعبدوا الله } يعني وحدوا الله ولا ~~تشركوا معه شيئا في العبادة { ما لكم من إله غيره } يعني أنه تعالى هو ~~إلهكم لا هذه الأصنام التي تعبدونها فإنها حجارة لا تضر ولا تنفع { إن ~~أنتم إلا مفترون } يعني ما أنتم إلا كاذبون في عبادتكم غيره. ### || [11.51-56] # { يا قوم لا أسألكم عليه } يعني على تبليغ الرسالة { أجرا } يعني جعلا ~~آخذه منكم { إن أجري } يعني ما ثوابي { إلا على الذي فطرني } يعني: خلقني ~~فإنه هو الذي رزقني في الدنيا ويثيبني في الآخرة { أفلا تعقلون } يعني ~~فتتعظون { ويا قوم استغفروا ربكم } أي آمنوا به فالاستغفار هنا بمعنى ~~الإيمان لأنه هو المطلوب أولا { ثم توبوا إليه } يعني من شرككم وعبادتكم ~~غيره ومن سالف ذنوبكم { يرسل السماء عليكم مدرارا } يعني: ينزل المطر ~~عليكم متتابعا ms1733 مرة بعد مرة في أوقات الحاجة إليه وذلك أن بلادهم كانت ~~مخصبة كثيرة الخير والنعم فأمسك الله عنهم المطر مدة ثلاث سنين فأجدبت ~~بلادهم وقحطت بسبب كفرهم فأخبرهم هود عليه السلام أنهم إن آمنوا بالله ~~وصدقوه أرسل الله إليهم المطر فأحيا به بلادهم كما كانت أول مرة { ويزدكم ~~قوة إلى قوتكم } يعني شدة مع شدتكم، وقيل: معناه أنكم إن آمنتم يقوكم ~~بالأموال والأولاد وذلك أنه سبحانه وتعالى أعقم أرحام نسائهم فلم تلد ~~فقال لهم هود عليه السلام إن آمنتم أرسل الله المطر فتزدادون مالا ويعيد ~~أرحام الأمهات إلى ما كانت عليه فيلدن فتزدادون قوة بالأموال والأولاد ~~وقيل: تزدادون قوة في الدين إلى قوة الأبدان { ولا تتولوا مجرمين } يعني ~~ولا تعرضوا عن قبول قولي ونصحي حال كونكم مشركين { قالوا يا هود ما جئتنا ~~ببينة } أي ببرهان وحجة واضحة على صحة ما تقول { وما نحن بتاركي ألهتنا ~~عن قولك } يعني وما نترك عبادة آلهتنا لأجل قولك { وما نحن لك بمؤمنين } ~~يعني بمصدقين { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } يعني إنك يا هود ~~لست تتعاطى ما تتعاطاه من مخالفتنا وسب آلهتنا إلا أن بعض آلهتنا أصابك ~~بخبل وجنون لأنك سببتهم فانتقموا منك بذلك ولا نحمل أمرك إلا على هذا { ~~قال } يعني قال هود مجيبا لهم { إني أشهد الله } يعني على نفسي واشهدوا ~~يعني واشهدوا أنتم أيضا علي: { أني بريء مما تشركون من دونه } يعني هذه ~~الأصنام التي كانوا يعبدونها { فكيدوني جميعا } يعني احتالوا في كيدي ~~وضري أنتم وأصنامكم التي تعتقدون أنها تضر وتنفع فإنها لا تضر ولا تنفع { ~~ثم لا تنظرون } يعني ثم لا تمهلون وهذا فيه معجزة عظيمة لهود عليه السلام ~~وذلك أنه كان وحيدا في قومه فما قال لهم هذه المقالة ولم يهبهم ولم يخف ~~منهم مع ما هم فيه من الكفر والجبروت إلا لثقته بالله عز وجل وتوكله عليه ~~وهو قوله تعالى: { إني توكلت على الله ربي وربكم } يعني أنه فوض أمره إلى ~~الله واعتمد عليه { ما من دابة ms1734 } يعني تدب على الأرض ويدخل في هذا جميع ~~بني آدم والحيوان لأنهم يدبون على الأرض { إلا هو آخذ بناصيتها } يعني ~~أنه تعالى هو مالكها والقادر عليها وهو يقهرها لأن من أخذت بناصيته فقد ~~قهرته، والناصية مقدم الرأس وسمي الشعر الذي عليه ناصية للمجاورة قيل: ~~إنما خص الناصية بالذكر لأن العرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم فإذا ~~وصفوا إنسانا بالذلة مع غيره يقولون ناصية فلان بيد فلان وكانوا إذا ~~أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه جزوا ناصيته ليمنوا عليه ويعتدوا بذلك فخرا ~~عليه فخاطبهم الله سبحانه وتعالى بما يعرفون من كلامهم { إن ربي على صراط ~~مستقيم } يعني إن ربي وإن كان قادرا وأنتم في قبضته كالعبد الذليل فإنه ~~سبحانه وتعالى لا يظلمكم ولا يعمل إلا بالإحسان والإنصاف والعدل فيجازي ~~المحسن بإحسانه والمسيء بعصيانه، وقيل معناه أن دين ربي هو الصراط ~~المستقيم وقيل فيه إضمار تقديره إن ربي يحملكم على صراط مستقيم. ### || [11.57-59] # { فإن تولوا } يعني تتولوا بمعنى تعرضوا عن الإيمان بما أرسلت به إليكم ~~{ فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم } يعني أني لم يقع مني تقصير في تبليغ ~~ما أرسلت به إليكم إنما التقصير منكم في قبول ذلك { ويستخلف ربي قوما ~~غيركم } يعني أنكم إن أعرضتم عن الإيمان وقبول ما أرسلت به إليكم يهلككم ~~الله ويستبدل بكم قوما غيركم أطوع منكم يوحدونه ويعبدونه فيه إشارة إلى ~~عذاب الاستئصال فهو وعيد وتهديد { ولا تضرونه شيئا } يعني بتوليكم إنما ~~تضرون أنفسكم بذلك وقيل لا تنقصونه شيئا إذا أهلككم لأن وجودكم وعدمكم ~~عنده سواء { إن ربي على كل شيء حفيظ } يعني أنه سبحانه وتعالى حافظ لكل ~~شيء فيحفظني من أن تنالوني بسوء. قوله سبحانه وتعالى: { ولما جاء أمرنا } ~~يعني بإهلاكهم وعذابهم { نجينا هودا والذين آمنوا معه } وكانوا أربعة ~~آلاف { برحمة منا } وذلك أن العذاب إذا نزل قد يعم المؤمن والكافر فلما ~~أنجى الله المؤمنين من ذلك العذاب كان برحمته وفضله وكرمه { ونجيناهم من ~~عذاب غليظ } يعني الريح التي أهلكت بها عاد وذلك أن الله سبحانه وتعالى ms1735 ~~أرسل على عاد ريحا شديدة غليظة سبع ليال وثمانية أيام حسوما وهي ~~الأيام النحسات فأهلكتهم جميعا وأنجى الله المؤمنين جميعا فلم تضرهم ~~شيئا، وقيل: المراد بالعذاب الغليظ هو عذاب الآخرة وهذا هو الصحيح ليحصل ~~الفرق بين العذابين والمعنى أنه تعالى كما أنجاهم من عذاب الدنيا كذلك ~~ينجيهم من عذاب الآخرة ووصف عذاب الآخرة بكونه غليظا لأنه أعظم من عذاب ~~الدنيا { وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله } لما فرغ من ذكر قصة عاد ~~خاطب أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال وتلك عاد رده إلى القبيلة وفيه ~~إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه قال سيروا في الأرض فانظروا إليها ~~واعتبروا بها ثم وصف حالهم بقوله تعالى جحدوا بآيات ربهم يعني المعجزات ~~التي أتى بها هود عليه السلام وعصوا رسله يعني هودا وحده إنما أتى به ~~بلفظ الجمع إما للتعظيم أو لأن من كذب برسول فقد كذب كل الرسل { واتبعوا ~~أمر كل جبار عنيد } يعني أن السفلة منهم اتبعوا الرؤساء والمراد من ~~الجبار الرفيع في نفسه المتمرد على الله والعنيد المعاند الذي لا يقبل ~~الحق ولا يتبعه. ### || [11.60-63] # { وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة } يعني أردفوا لعنة تتبعهم وتلحقهم وتنصرف ~~معهم واللعنة الطرد والإبعاد من رحمة الله { ويوم القيامة } يعني وفي يوم ~~القيامة أيضا تتبعهم اللعنة كما تتبعهم في الدنيا، ثم ذكر سبحانه وتعالى ~~السبب الذي استحقوا به هذه اللعنة فقال سبحانه وتعالى: { ألا إن عادا ~~كفروا ربهم } أي كفروا بربهم { ألا بعدا لعاد } يعني هلاكا لهم وقيل ~~بعدا عن الرحمة. فإن قلت: اللعنة معناها الإبعاد والهلاك فما الفائدة في ~~قوله ألا بعدا لعاد لأن الثاني هو الأول بعينه. قلت: الفائدة فيه أن ~~التكرار بعبارتين مختلفتين يدل على نهاية التأكيد وأنهم كانوا مستحقين له ~~{ قوم هود } عطف بيان لعاد. فإن قلت: هذا البيان حاصل مفهوم فما الفائدة ~~في قوله قوم هود؟ قلت: إن عادا كانا قبيلتين عاد الأولى القديمة التي هم ~~قوم هود وعاد الثانية وهم إرم ذات العماد وهم العماليق فأتى بقوله ms1736 قوم ~~هود ليزول الاشتباه وجواب آخر وهو أن المبالغة في التنصيص تدل على تقوية ~~التأكيد. قوله عز وجل: { وإلى ثمود أخاهم صالحا } يعني وأرسلنا إلى ثمود ~~وهم سكان الحجر أخاهم صالحا يعني في النسب لا في الدين { قال يا قوم ~~اعبدوا الله } أي وحدوا الله وخصوه بالعبادة { ما لكم من إله غيره } يعني ~~هو إلهكم المستحق للعبادة لا هذه الأصنام ثم ذكر سبحانه وتعالى الدلائل ~~الدالة على وحدانيته وكمال قدرته فقال تعالى: { هو أنشأكم من الأرض } ~~يعني أنه هو ابتدأ خلقكم من الأرض وذلك أنهم من بني آدم وآدم خلق من ~~الأرض { واستعمركم فيها } يعني وجعلكم عمارها وسكانها، وقال الضحاك: أطال ~~أعماركم فيها حتى كان الواحد منهم يعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف سنة وكذلك ~~كان قوم عاد وقال مجاهد: أعمركم من العمرى أي جعلها لكم ما عشتم { ~~فاستغفروه } يعني: من ذنوبكم { ثم توبوا إليه } يعني من الشرك { إن ربي ~~قريب } يعني من المؤمنين { مجيب } لدعائهم { قالوا يا صالح قد كنت فينا ~~مرجوا قبل هذا } يعني: قبل هذا القول الذي جئت به والمعنى إنا كنا نرجوا ~~أن تكون فينا سيدا لأنه كان من قبيلتهم وكان يعين ضعيفهم ويغني فقيرهم، ~~وقيل: معناه أنا كنا نطمع أن تعود إلى ديننا فلما أظهر دعاءهم إلى الله ~~وعاب الأصنام انقطع رجاؤهم منه { أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } يعني ~~الآلهة { وإننا لفي شك مما تدعونا إليه } يعني من عبادة الله { مريب } ~~يعني إنا مرتابون في قولك من أرابه إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس ~~ووقوعها في التهمة { قال } يعني قال صالح مجيبا لقومه { يا قوم أرأيتم ~~إن كنت على بينة من ربي } يعني على يقين وبرهان { وأتاني منه رحمة } يعني ~~نبوة وحكمة { فمن ينصرني من الله } أي فمن يمنعني من عذاب الله { إن ~~عصيته } يعني إن خالفت أمره { فما تزيدونني غير تخسير } قال ابن عباس ~~معناه غير خسارة في خسارتكم وقال الحسن بن الفضل: لم يكن صالح في خسارة ~~حتى يقول فما تزيدونني غير ms1737 تخسير وإنما المعنى فما تزيدونني بما تقولون ~~إلا نسبتي إلى الخسارة. ### || [11.64-67] # { ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية } وذلك أن قومه طلبوا أن يخرج لهم ناقة ~~من صخرة كانت هناك أشاروا إليها فدعا الله عز وجل فأخرج لهم من تلك ~~الصخرة ناقة عشراء ثم ولدت فصيلا يشبهها وقوله ناقة الله إضافة تشريف ~~كبيت الله وعبد الله فكانت هذه الناقة لهم آية ومعجزة دالة على صدق صالح ~~عليه السلام { فذروها تأكل } يعني من العشب والنبات { في أرض الله } يعني ~~فليس عليكم مؤنتها { ولا تمسوها بسوء } يعني يعقر { فيأخذكم } يعني إن ~~قتلتموها { عذاب قريب } يعني في الدنيا { فعقروها } يعني فخالفوا أمر ~~ربهم فعقروها { فقال } يعني فقال لهم صالح { تمتعوا } يعني عيشوا { في ~~داركم } أي في بلدكم { ثلاثة أيام } يعني ثم تهلكون { ذلك } يعني العذاب ~~الذي أوعدهم به بعد ثلاثة أيام { وعد غير مكذوب } أي هو غير كذب روى أنه ~~قال لهم يأتيكم العذاب بعد ثلاثة أيام فتصبحون في اليوم الأول ووجوهكم ~~مصفرة وفي اليوم الثاني محمرة وفي اليوم الثالث مسودة فكان كما قال ~~وأتاهم العذاب في اليوم الرابع وهو قوله سبحانه وتعالى: { فلما جاء أمرنا ~~} يعني العذاب { نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا } أي بنعمة منا ~~بأن هديناهم إلى الإيمان فآمنوا { ومن خزي يومئذ } يعني ونجيناهم من عذاب ~~يومئذ سمي خزيا لأن فيه خزي الكافرين { إن ربك } الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم يعني إن ربك يا محمد { هو القوي } يعني هو القادر على إنجاء ~~المؤمنين وإهلاك الكافرين { العزيز } يعني القاهر الذي لا يغلبه شيء ثم ~~أخبر عن عذاب قوم صالح فقال سبحانه وتعالى: { وأخذ الذين ظلموا } يعني ~~أنفسهم بالكفر { الصيحة } وذلك أن جبريل عليه السلام صاح بهم صيحة واحدة ~~فهلكوا جميعا وقيل أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء ~~في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم فماتوا جميعا { فأصبحوا في ديارهم ~~جاثمين } يعني صرعى هلكى. ### || [11.68-71] # { كأن لم يغنوا فيها } يعني كأن لم يقيموا في تلك ms1738 الديار ولم يسكنوها ~~مدة من الدهر يقال غنيت بالمكان إذا أتيته أقمت به { ألا إن ثمودا كفروا ~~ربهم ألا بعدا لثمود } وهذه القصص قد تقدمت مستوفاة في تفسير سورة ~~الأعراف. قوله عز وجل: { ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } أراد بالرسل ~~الملائكة واختلفوا في عددهم، فقال ابن عباس وعطاء: كانوا ثلاثة جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل، وقال الضحاك: كانوا تسعة وقال مقاتل كانوا اثني عشر ~~ملكا، وقال محمد بن كعب القرظي: كان جبريل ومعه سبعة أملاك وقال السدي: ~~كانوا أحد عشر ملكا على صور الغلمان الحسان الوجوه وقول ابن عباس: هو ~~الأولى لأن أقل الجمع ثلاثة وقوله رسلنا جمع فيحمل على الأقل وما بعده ~~غير مقطوع به بالبشرى يعني بالبشارة بإسحاق ويعقوب وقيل: بإهلاك قوم لوط ~~{ قالوا سلاما } يعني أن الملائكة سلموا سلاما { قال } يعني لهم ~~إبراهيم { سلام } أي عليكم أو أمركم سلام { فما لبث أن جاء بعجل حنيذ } ~~يعني: مشويا والمحنوذ هو المشوي على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض ~~وهو من فعل أهل البادية وكان سمينا يسيل منه الودك قال قتادة: كان عامة ~~مال إبراهيم عليه السلام البقر، وقيل: مكث إبراهيم عليه السلام خمس عشرة ~~ليلة لم يأته ضيف فاغتم لذلك وكان يحب الضيف ولا يأكل إلا معه فلما جاءت ~~الملائكة رأى أضيافا لم ير مثلهم قط فعجل قراهم وجاءهم بعجل سمين مشوي { ~~فلما رأى أيديهم } يعني أيدي الأضياف { لا تصل إليه } يعني إلى العجل ~~المشوي { نكرهم } يعني أنكرهم وأنكر حالهم وإنما أنكر حالهم لامتناعهم من ~~الطعام { وأوجس منهم خيفة } يعني ووقع في قلبه خوف منهم والوجوس هو رعب ~~القلب وإنما خاف إبراهيم صلى الله عليه وسلم منهم لأنه كان ينزل ناحية من ~~الناس فخاف أن ينزلوا به مكروها لامتناعهم من طعامه ولم يعرف أنهم ~~ملائكة وقيل إن إبراهيم عرف أنهم ملائكة لما قدمه إليهم لمعلمه أن ~~الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولأنه خافهم ولو عرف أنهم ملائكة وإنما ~~خاف أن يكونوا نزلوا بعذاب قومه فخاف من ذلك والأقرب أن إبراهيم ms1739 عليه ~~السلام لم يعرف أنهم ملائكة في أول الأمر ويدل على صحة هذا أنه عليه ~~السلام قدم إليهم الطعام ولو عرف أنهم ملائكة لما خافهم فلما رأت ~~الملائكة خوف إبراهيم عليه السلام { قالوا لا تخف } يا إبراهيم { إنا } ~~ملائكة الله { أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته } يعني سارة زوجة إبراهيم وهي ~~ابنة هاران بن ناحوراء وهي ابنة عم إبراهيم { قائمة } يعني من وراء الستر ~~تسمع كلامهم، وقيل: كانت قائمة في خدمة الرسل وإبراهيم جالس معهم { فضحكت ~~} أصل الضحك انبساط الوجه من سرور يحصل للنفس ولظهور الأسنان عنده سميت ~~مقدمات الأسنان الضواحك ويستعمل في السرور المجرد وفي التعجب المجرد ~~أيضا وللعلماء في تفسير هذا الضحك قولان أحدهما أنه الضحك المعروف وعليه ~~أكثر المفسرين ثم اختلفوا في سبب هذا الضحك فقال السدي لما قرب إبراهيم ~~الطعام إلى أضيافه فلم يأكلوا خاف إبراهيم منهم فقال ألا تأكلون فقالوا ~~إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن قال فإن له ثمنا قالوا وما ثمنه قال تذكرون ~~اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره فنظر جبريل إلى ميكائيل وقال حق ~~لهذا أن يتخذه ربه خليلا فلما رأى إبراهيم وسارة أيديهم لا تصل إليه ~~ضحكت سارة وقال يا عجبا لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا ~~يأكلون طعامنا، وقال قتادة: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، وقال ~~مقاتل والكلبي: ضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة وهو فيما بين خدمه وحشمه ~~وخواصه وقيل: ضحكت من زوال الخوف عنها وعن إبراهيم وذلك أنها خافت لخوفه ~~فحين قالوا لا تخف ضحكت سرورا وقيل ضحكت سرورا بالبشارة، وقال ابن عباس ~~ووهب: ضحكت تعجبا من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها فعلى هذا ~~القول يكون في الآية تقديم وتأخير تقديره فبشرناها بإسحاق فضحكت يعني ~~تعجبا من ذلك وقيل إنها قالت لإبراهيم أضمم إليك ابن أخيك لوطا فإن ~~العذاب نازل بقومه فلما جاءت الرسل وبشرت بعذابهم سرت سارة بذلك وضحكت ~~لموافقة ما ظنت. # القول الثاني: في معنى قوله فضحكت قال ms1740 عكرمة ومجاهد أي حاضت في الوقت ~~وأنكر بعض أهل اللغة ذلك، قال الراغب: وقول من قال حاضت ليس ذلك تفسيرا ~~لقوله فضحكت كما تصوره بعض المفسرين فقال ضحكت بمعنى حاضت وإنما ذكر ذلك ~~تنصيصا لحالها فإن جعل ذلك أمارة لما بشرت به بحيضها في الوقت لتعلم أن ~~حملها ليس بمنكر لأن المرأة ما دامت تحيض فإنها تحمل وقال الفراء: ضحكت ~~بمعنى حاضت لم نسمعه من ثقة، وقال الزجاج: ليس بشيء ضحكت بمعنى حاضت، ~~وقال ابن الأنباري: قد أنكر الفراء وأبو عبيدة أن يكون ضحكت بمعنى حاضت ~~وقد عرفه غيرهم وأنشد: # تضحك الضبع لقتلى هذيل وترى الذئب بها يستهل # قال: أراد أنها تحيض فرحا وقال الليث في هذه الآية فضحكت أي طمثت وحكى ~~الأزهري عن بعضهم في قوله فضحكت أي حاضت قال: ويقال أصله من ضحاك الطلعة ~~إذا انشقت، قال: وقال الأخطل فيه بمعنى الحيض: # تضحك الضبع من دماء سليم إذ رأتها على الحراب تمور # وقال في المحكم: ضحكت المرأة حاضت وبه فسر بعضهم قوله سبحانه وتعالى ~~فضحكت فبشرناها بإسحاق وضحكت الأرنب ضحكا يعني حاضت حيضا قال: # وضحك الأرنب فوق الصفا كمثل دم الخوف يوم اللقا # يعني الحيض فيما زعم بعضهم وأجاب عن هذا من أنكر أن يكون الضحك بمعنى ~~الحيض، قال: كان ابن دريد يقول من شاهد الضبع عند كشرها علم أنها تحيض ~~وإنما أراد الشاعر تكشر لأكل اللحوم وهذا سهو منه لأنه جعل كشرها حيضا، ~~وقيل: معناه أنها تستبشر بالقتلى فتهز بعضها على بعض فجعل هزيزها ضحكا، ~~وقيل: لأنها تسر بهم فجعل سرورها ضحكا. فإن قلت أي القولين أصح في معنى ~~الضحك قلت إن الله عز وجل حكى عنها أنها ضحكت وكلا القولين محتمل في معنى ~~الضحك فالله أعلم أي ذلك كان وقوله سبحانه وتعالى: { فبشرناها بإسحاق ومن ~~وراء إسحاق يعقوب } يعني: ومن بعد إسحاق يعقوب وهو ولد الولد فبشرت سارة ~~بأنها تعيش حتى ترى ولد ولدها فلما بشرت بالولد صكت وجهها أي ضربت وجهها ~~وهو من صنيع النساء ms1741 وعادتهن وإنما فعلت ذلك تعجبا. ### || [11.72-73] # { قالت يا ويلتا } نداء ندبة وأصلها يا ويلتاه وهي كلمة يستعملها ~~الإنسان عند رؤية ما يتعجب منه مثل يا عجباه { أألد وأنا عجوز } وكانت ~~بنت تسعين سنة في قول ابن إسحاق، وقال مجاهد: كانت بنت تسع وتسعين سنة { ~~وهذا بعلي } يعني زوجي والبعل هو المستعلي على غيره ولما كان زوج المرأة ~~مستعليا عليها قائما بأمرها سمي بعلا لذلك { شيخا } وكان سن إبراهيم ~~يومئذ مائة وعشرين سنة في قول محمد بن إسحاق وقال مجاهد مائة سنة وكان ~~بين الولادة والبشارة سنة { إن هذا لشيء عجيب } لم تنكر قدرة الله سبحانه ~~وتعالى وإنما تعجبت من كون الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يولد لهما { ~~قالوا } يعني قالت الملائكة لسارة { أتعجبين من أمر الله } معناه لا ~~تعجبي من ذلك فإن الله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء فإذا أراد شيئا ~~كان سريعا { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت } يعني: بيت إبراهيم ~~عليه السلام وهذا على معنى الدعاء من الملائكة لهم بالخير والبركة فيه ~~دليل على أن أزواج الرجل من أهل بيته { إنه حميد } يعني: هو المحمود الذي ~~يحمد على أفعاله كلها وهو المستحق لأن يحمد في السراء والضراء والشدة ~~والرخاء فهو محمود على كل حال { مجيد } ومعناه المنيع الذي لا يرام، وقال ~~الخطابي: المجيد الواسع الكرم، وأصل المجد في كلامهم: السعة يقال رجل ~~ماجد إذا كان سخيا كريما واسع العطاء وقيل الماجد هو ذو الشرف والكرم. ### || [11.74-77] # قوله سبحانه وتعالى: { فلما ذهب عن إبراهيم الروع } يعني: الفزع والخوف ~~الذي حصل له عند امتناع الملائكة من الأكل { وجاءته البشرى } يعني زال ~~عنه الخوف بسبب البشرى التي جاءته وهي البشارة بالولد { يجادلنا } فيه ~~إضمار تقديره أخذ يجادلنا أو جعل يجادلنا ويخاصمنا وقيل معناه يكلمنا ~~ويسألنا { في قوم لوط } لأن العبد لا يقدر أن يخاصم ربه وقال جمهور ~~المفسرين: معناه يجادل رسلنا في قوم لوط وكانت مجادلة إبراهيم مع ~~الملائكة أن قال لهم أرأيتم لو كان في مدائن قوم لوط خمسون رجلا ms1742 من ~~المؤمنين أتهلكونها قالوا لا قال فأربعون قالوا لا قال فثلاثون قالوا لا ~~قال فما زال كذلك حتى بلغ خمسة قالوا لا قال أرأيتم لو كان فيها رجل واحد ~~مسلم أتهلكونها قالوا لا قال إبراهيم فإن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن ~~فيها لننجينه وأهله إلا أمرأته كانت من الغابرين وقيل إنما طلب إبراهيم ~~تأخير العذاب عنهم لعلهم يؤمنون أو يرجعون عما هم فيه من الكفر والمعاصي، ~~قال ابن جريج: كان في قرى قوم لوط أربعة آلاف مقاتل { إن إبراهيم لحليم ~~أواه منيب } تقدم تفسيره في سورة التوبة فعند ذلك قالت الملائكة ~~لإبراهيم { يا إبراهيم أعرض عن هذا } يعني أعرض عن هذا المقال واترك هذا ~~الجدال { إنه قد جاء أمر ربك } يعني: إن ربك قد حكم بعذابهم فهو نازل بهم ~~وهو قوله سبحانه وتعالى: { وإنهم آتيهم عذاب غير مردود } يعني أن العذاب ~~الذي نزل بهم غير مصروف ولا مدفوع عنهم. وقوله عز وجل: { ولما جاءت رسلنا ~~لوطا } يعني: هؤلاء الملائكة الذين كانوا عند إبراهيم وكانوا على صورة ~~غلمان مرد حسان الوجوه { سيء بهم } يعني أحزن لوط بمجيئهم إليه وساء ظنه ~~بقومه { وضاق بهم ذرعا } قال الأزهري: الذي يوضع موضع الطاقة والأصل فيه ~~أن البعير يذرع بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر ~~من طوقه ضاق ذرعه من ذلك وضعف ومد عنقه فجعل ضيق الذرع عبارة عن ضيق ~~الوسع والطاقة والمعنى وضاق بهم ذرعا إذا لم يجد من المكروه في ذلك ~~الأمر مخلصا، وقال غيره: معناه ضاق بهم قلبا وصدرا ولا يعرف أصله إلا ~~أن يقال إن الذرع كناية عن الوسع، والعرب تقول: ليس هذا في يدي يعنون ليس ~~هذا في وسعي لأن الذراع من اليد ويقال ضاق فلان ذرعا بكذا إذا وقع في ~~مكروه ولا يطيق الخروج منه وذلك أن لوطا عليه السلام لما نظر إلى حسن ~~وجوههم وطيب روائحهم أشفق عليهم من قومه وخاف أن يقصدوهم بمكروه أو فاحشة ~~وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة ms1743 عنهم { وقال } يعني لوطا { هذا يوم عصيب } ~~أي: شديد كأنه قد عصب به الشر والبلاء أي شد به مأخوذ من العصابة التي ~~تشد به الرأس، قال قتادة والسدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية ~~لوط فأتوا لوطا نصف النهار وهو يعمل في أرض له وقيل أنه كان يحتطب وقد ~~قال الله سبحانه وتعالى للملائكة لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع ~~شهادات فاستضافوه فانطلق بهم فلما مشى ساعة قال لهم أما بلغكم أمر هذه ~~القرية قالوا وما أمرهم قال أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملا ~~يقول ذلك أربع مرات فمضوا معه حتى دخلوا منزله وقيل: إنه لما حمل الحطب ~~ومعه الملائكة مر على جماعة من قومه فتغامزوا فيما بينهم فقال لوط إن ~~قومي شر خلق الله تعالى، فقال جبريل: هذه واحدة فمر على جماعة أخرى ~~فتغامزوا فقال مثله ثم مر على جماعة أخرى ففعلوا ذلك وقال لوط مثل ما قال ~~أولا حتى قال ذلك أربع مرات وكلما قال لوط هذا القول قال جبريل للملائكة ~~اشهدوا وقيل إن الملائكة جاءوا إلى بيت لوط فوجدوه في داره فدخلوا عليه ~~ولم يعلم أحد بمجيئهم إلا أهل بيت لوط فخرجت امرأته الخبيثة فأخبرت قومها ~~وقالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط ولا أحسن منهم. ### || [11.78-80] # { وجاءه قومه يهرعون إليه } قال ابن عباس وقتادة يسرعون إليه وقال مجاهد ~~يهرولون، وقال الحسن: الإهراع هو مشي بين مشيين وقال شمر هو بين الهرولة ~~والخبب والجمز { ومن قبل } يعنى من قبل مجيء الرسل إليهم قيل ومن قبل ~~مجيئهم إلى لوط { كانوا يعملون السيئات } يعني الفعلات الخبيثة والفاحشة ~~القبيحة وهي إتيان الرجال في أدبارهم { قال } يعني: قال لوط لقومه حين ~~قصدوا أضيافه وظنوا أنهم غلمان من بني آدم { يا قوم هؤلاء بناتي } يعني ~~أزوجكم إياهن وقى أضيافه ببناته قيل إنه كان في ذلك الوقت وفي تلك ~~الشريعة تزويج المرأة المسلمة بالكافر، وقال الحسن بن الفضل: عرض بناته ~~عليهم بشرط الإسلام، وقال مجاهد ms1744 وسعيد بن جبير: أراد ببناته نساء قومه ~~وأضافهن إلى نفسه لأن كل نبي أبو أمته وهو كالوالد لهم وهذا القول هو ~~الصحيح وأشبه بالصواب إن شاء الله تعالى والدليل عليه أن بنات لوط كانتا ~~إثنتين وليستا بكافيتين للجماعة وليس من المروءة أن يعرض الرجل بناته على ~~أعدائه ليزوجهن إياهم فكيف يليق ذلك بمنصب الأنبياء أن يعرضوا بناتهم على ~~الكفار وقيل إنما قال ذلك لوط على سبيل الدفع لقومه لا على سبيل التحقيق ~~وفي قوله { هن أطهر لكم } سؤال وهو أن يقال أن قوله هن أطهر لكم من باب ~~أفعل التفضيل فيقتضي أن يكون الذي يطلبونه من الرجال طاهرا ومعلوم أنه ~~محرم فاسد نجس لا طهارة فيه البتة فكيف قال هن أطهر لكم والجواب عن هذا ~~السؤال إن هذا جار مجرى قوله ذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ومعلوم أن ~~شجرة الزقوم لا خير فيها وكقوله صلى الله عليه وسلم لما قال يوم أحد اعل ~~هبل قال # " الله أعلى وأجل " # إذ لا مماثلة بين الله عز وجل والصنم وإنما هو كلام خرج مخرج المقابلة ~~ولهذا نظائر كثيرة. وقوله { فاتقوا الله } يعني خافوه وراقبوه واتركوا ما ~~أنتم عليه من الكفر والعصيان { ولا تخزون في ضيفي } يعني ولا تسوءني في ~~أضيافي ولا تفضحوني معهم { أليس منكم رجل رشيد } أي صالح سديد عاقل، وقال ~~عكرمة: رجل يقول لا إله إلا الله، وقال محمد بن إسحاق: رجل يأمر بالمعروف ~~وينهى عن المنكر حتى ينهى عن هذا الفعل القبيح { قالوا لقد علمت ما لنا ~~في بناتك من حق } يعني ليس لنا بهن حاجة ولا لنا فيهن شهوة وقيل معناه ~~ليست بناتك لنا بأزواج ولا مستحقين نكاحهن وقيل معناه مالنا في بناتك من ~~حاجة لأنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ولا نريد ذلك { وإنك لتعلم ما ~~نريد } يعني من إتيان الرجال في أدبارهم فعند ذلك { قال } لوط عليه ~~السلام { لو أن لي بكم قوة } أي لو أني أقدر أن أتقوى عليكم { أو آوي إلى ~~ركن شديد } يعني ms1745 أو أنضم إلى عشيرة يمنعوني منكم، وجواب لو محذوف تقديره ~~لو وجدت قوة لقاتلتكم أو لوجدت عشيرة لانضممت إليهم قال أبو هريرة: ما ~~بعث الله نبيا بعده إلا في منعة من عشيرته ق عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث ~~يوسف ثم أتاني الداعي لأجبته " # قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله: المراد بالركن الشديد هو الله ~~عز وجل فإنه أشد الأركان وأقواها وأمنعها ومعنى الحديث أن لوطا عليه ~~السلام لما خاف على أضيافه ولم تكن له عشيرة تمنعهم من الظالمين ضاق ذرعه ~~واشتد حزنه عليهم فغلب ذلك عليه فقال في تلك الحال لو أن لي بكم قوة في ~~الدفع بنفسي أو آوي إلى عشيرة تمنع لمنعتكم وقصد لوط إظهار العذر عند ~~أضيافه وأنه لو استطاع لدفع المكروه عنهم ومعنى باقي الحديث فيما يتعلق ~~بيوسف عليه السلام يأتي في موضعه من سورة يوسف إن شاء الله تعالى، قال ~~ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار وجعل يناظر ~~قومه ويناشدهم من وراء الباب وقومه يعالجون سور الدار فلما رأت الملائكة ~~ما لقي لوط بسببهم. ### || [11.81-82] # { قالوا يا لوط } ركنك شديد { إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } يعني بمكروه ~~فافتح الباب ودعنا وإياهم ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل عليه السلام ~~ربه عز وجل في عقوبتهم فأذن له فتحول إلى صورته التي يكون فيها ونشر ~~جناحية وعليه وشاح من در منظوم وهو براق الثنايا أجلى الجبين ورأسه حبك ~~مثل المرجان كأنه كالثلج بياضا وقدماه إلى الخضرة فضرب بجناحية وجوههم ~~فطمس أعينهم وأعماهم فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم ~~فانصرفوا وهم يقولون النجاء النجاء في بيت لوط أسحر قوم في الأرض قد ~~سحرونا وجعلوا يقولون يا لوط كما أنت حتى تصبح وسترى ما تلقى منا غدا ~~يوعدونه بذلك { فأسر بأهلك } يعني ببيتك { بقطع من الليل } قال ابن عباس: ~~بطائفة ms1746 من الليل، وقال الضحاك: لبقية من الليل، وقال قتادة: بعد مضي أوله ~~وقيل أنه السحر الأول { ولا يلتفت منكم أحد } يعني ولا يلتفت منكم أحد ~~إلى ورائه ولا ينظر إلى خلفه { إلا امرأتك } فإنها من الملتفتات فتهلك مع ~~من هلك من قومها وهو قوله سبحانه وتعالى: { إنه مصيبها ما أصابهم } فقال ~~لوط: متى يكون هذا العذاب قالوا { إن موعدهم الصبح } قال لوط إنه بعيد ~~أريد أسرع من ذلك فقالوا له { أليس الصبح بقريب } فلما خرج لوط من قريته ~~أخذ أهله معه وأمرهم ألا يلتفت منهم أحد فقبلوا منه إلا امرأته فإنها لما ~~سمعت هذه العذاب وهو نازل بهم التفتت وصاحت وا قوماه فأخذتها حجارة ~~فأهلكتها معهم { فلما جاء أمرنا } يعني أمرنا بالعذاب { جعلنا عاليها ~~سافلها } وذلك أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط وهي خمس ~~مدائن أكبرها سدوم وهي المؤتفكات المذكورة في سورة براءة ويقال كان فيها ~~أربعمائة ألف وقيل أربعة آلاف ألف فرفع جبريل المدائن كلها حتى سمع أهل ~~السماء صياح الديكة ونباح الكلاب لم يكفأ لهم إناء ولم ينتبه لهم نائم ثم ~~قلبها فجعل عاليها سافلها { وأمطرنا عليها } يعني على شذاذها ومن كان ~~خارجا عنها من مسافريها وقيل بعد ما قلبها أمطر عليهم { حجارة من سجيل } ~~قال ابن عباس وسعيد بن جبير: معناه سنك كل فارسي معرب لأن العرب تكلمت ~~بشيء من الفارسي صارت لغة للعرب ولا يضاف إلى الفارسي مثل قوله سندس ~~وإستبرق ونحو ذلك فكل هذه ألفاظ فارسية تكلمت بها العرب واستعملتها في ~~ألفاظهم فصارت عربية، قال قتادة وعكرمة: السجيل الطين دليله قوله في موضع ~~آخر حجارة من طين. وقال مجاهد: أولها حجر وآخرها طين، وقال الحسن: أصل ~~الحجارة طين فشدت، وقال الضحاك: يعني الآجر وقيل: السجيل اسم سماء ~~الدنيا، وقيل: هو جبل في سماء الدنيا { منضود } قال ابن عباس: متتابع ~~يتبع بعضها بعضا مفعول من النضد وهو وضع الشيء بعضه فوق بعض. ### || [11.83-85] # { مسومة عند ربك } صفة للحجارة يعني معلمة قال ابن ms1747 جريج: عليها سيما لا ~~تشاكل حجارة الأرض، وقال قتادة وعكرمة: عليها خطوط حمر على هيئة الجزع ~~وقال الحسن والسدي: كانت مختومة عليها أمثال الخواتيم، وقيل: كان مكتوبا ~~عليها أي على كل حجر اسم صاحبه الذي يرمى به { وما هي } يعني تلك الحجارة ~~{ من الظالمين } يعني مشركي مكة { ببعيد } قال قتادة وعكرمة: يعني ظالمي ~~هذه الآمة والله ما أجار الله منها ظالما بعد وفي بعض الآثار ما من ظالم ~~إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة، وقيل: إن الحجارة اتبعت ~~شذاذ قوم لوط حتى إن واحدا منهم دخل الحرم فوجد الحجر معلقا في السماء ~~أربعين يوما حتى خرج ذلك الرجل من الحرم فسقط عليه الحجر فأهلكه. قوله ~~عز وجل: { وإلى مدين } يعني وأرسلنا إلى مدين { أخاهم شعيبا } مدين اسم ~~لابن إبراهيم الخليل عليه السلام ثم صار إسما للقبيلة من أولاده وقيل هو ~~اسم مدينة بناها مدين بن إبراهيم فعلى هذا يكون التقدير وأرسلنا إلى أهل ~~مدين فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره } يعني وحدوا الله ولا تعبدوا معه غيره كانت عادة الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام يبدؤون بالأهم فالأهم ولما كانت الدعوة إلى توحيد ~~الله وعبادته أهم الأشياء قال شعيب اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ثم ~~بعد الدعوة إلى التوحيد شرع فيما هم فيه ولما كان المعتاد من أهل مدين ~~البخس في الكيل والوزن دعاهم إلى ترك هذه العادة القبيحة وهي تطفيف الكيل ~~والوزن فقال { ولا تنقصوا المكيال والميزان } النقص في الكيل والوزن على ~~وجهين أحدهما: أن يكون الاستنقاص من قبلهم فيكيلون ويزنون للغير ناقصا، ~~والوجه الآخر: هو استيفاء الكيل والوزن لأنفسهم زائدا عن حقهم فيكون ~~نقصا في مال الغير وكلا الوجهين مذموم فلهذا نهاهم شعيب عن ذلك بقوله ~~ولا تنقصوا المكيال والميزان { إني أراكم بخير } قال ابن عباس: كانوا ~~موسرين في نعمة وقال مجاهد: كانوا في خصب وسعة فحذرهم زوال تلك النعمة ~~وغلاء السعر وحصول النقمة إن ms1748 لم يتوبوا ولم يؤمنوا وهو قوله: { وإني أخاف ~~عليكم عذاب يوم محيط } يعني: يحيط بكم فيهلككم جميعا وهو عذاب الاستئصال ~~في الدنيا أو حذرهم عذاب الآخرة ومنه قوله سبحانه وتعالى وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين { ويا قوم أوفوا المكيال والميزان } أي أتموهما ولا تطففوا ~~فيهما { بالقسط } أي بالعدل، وقيل: بتقويم لسان الميزان وتعديل المكيال { ~~ولا تبخسوا الناس } أي: ولا تنقصوا الناس { أشياءهم } يعني أموالهم فإن ~~قلت قد وقع التكرار في هذه القصة من ثلاثة أوجه لأنه قال ولا تنقصوا ~~المكيال والميزان، ثم قال: أوفوا المكيال والميزان وهذا عين الأول ثم قال ~~ولا تبخسوا الناس أشياءهم وهذا عين ما تقدم فما الفائدة في هذا التكرار. # قلت: إن القوم لما كانوا مصرين على ذلك العمل القبيح وهو تطفيف الكيل ~~والوزن ومنع الناس حقوقهم احتيج في المنع إلى المبالغة في التأكيد ~~والتكرير يفيد شدة الاهتمام والعناية بالتأكيد فلهذا كرر ذلك ليقوى الزجر ~~والمنع من ذلك الفعل لأن قوله ولا تنقصوا المكيال والميزان نهى عن ~~التنقيص وقوله أوفوا المكيال والميزان أمر بإيفاء العدل وهذا غير الأول ~~ومغاير له ولقائل أن يقول النهي ضد الأمر فالتكرار لازم على هذا الوجه ~~قلنا الجواب عن هذا قد يجوز أن ينهى عن التنقيص ولا يأمر بإيفاء الكيل ~~والوزن فلهذا جمع بينهما فهو كقولك صل رحمك ولا تقطعها فتريد المبالغة في ~~الأمر والنهي وأما قوله ثانيا ولا تبخسوا الناس أشياءهم فليس بتكرير ~~أيضا لأنه سبحانه وتعالى لما خصص النهي عن التنقيص والأمر بإيفاء الحق ~~في الكيل والوزن عمم الحكم في جميع الأشياء التي يجب إيفاء الحق فيها ~~فيدخل فيه الكيل والوزن وغير ذلك فظهر بهذا البيان فائدة التكرار والله ~~أعلم؟ وقوله سبحانه وتعالى: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } يعني بتنقيص ~~الكيل والوزن ومنع الناس حقوقهم. ### || [11.86-89] # { بقيت الله خير لكم } قال ابن عباس يعني ما أبقى الله لكم من الحلال ~~بعد إيفاء الكيل والوزن خير لكم مما تأخذونه بالتطفيف وقال مجاهد بقية ~~الله يعني طاعة الله خير لكم وقيل بقية ms1749 الله يعني ما أبقاه لكم من الثواب ~~في الآخرة خير لكم مما يحصل لكم في الدنيا من المال الحرام { إن كنتم ~~مؤمنين } يعني مصدقين بما قلت لكم وأمرتكم به ونهيتكم عنه { وما أنا ~~عليكم بحفيظ } يعني أحفظ أعمالكم قال بعضهم إنما قال لهم شعيب ذلك لأنه ~~لم يؤمر بقتالهم { قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا } ~~يعني من الأصنام { أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء } يعني من الزيادة ~~والنقصان، قال ابن عباس: كان شعيب كثير الصلاة فلذلك قالوا هذا وقيل إنهم ~~كانوا يمرون به فيرونه يصلي فيستهزئون به ويقولون هذه المقالة، وقال ~~الأعمش: أقراءتك لأن الصلاة تطلق على القراءة والدعاء وقيل المراد ~~بالصلاة هنا الدين يعني أدينك يأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وأن نفعل في ~~أموالنا ما نشاء وذلك أنهم كانوا ينقصون الدراهم والدنانير فكان شعيب ~~عليه السلام ينهاهم عن ذلك ويخبرهم أنه محرم عليهم وإنما ذكر الصلاة ~~لأنها من أعظم شعائر الدين { إنك لأنت الحليم الرشيد } قال ابن عباس: ~~أرادوا السفيه الغاوي لأن العرب قد تصف الشيء بضده فيقولون للديغ سليم ~~وللفلاة المهلكة مفازة، وقيل: هو على حقيقته وإنما قالوا ذلك على سبيل ~~الاستهزاء والسخرية، وقيل: معناه إنك لأنت الحليم الرشيد في زعمك وقيل هو ~~على بابه من الصحة ومعناه إنك يا شعيب فينا حليم رشيد فلا يحمل بك شق عصا ~~قومك ومخالفتهم في دينهم { قال } يعني قال لهم شعيب { يا قوم أرأيتم إن ~~كنت على بينة من ربي } يعني: على بصيرة وهداية وبيان { ورزقني منه رزقا ~~حسنا } يعني حلالا قيل كان شعيب كثير المال الحلال والنعمة وقيل الرزق ~~الحسن ما أتاه الله من العلم والهداية والنبوة والمعرفة وجواب إن الشرطية ~~محذوف تقديره أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني المال الحلال ~~والهداية والمعرفة والنبوة فهل يسعني مع هذه النعمة أن أخون في وحيه أو ~~أن أخالف أمره أو أتبع الضلال أو أبخس الناس أشياءهم، وهذا الجواب شديد ~~المطابقة لما تقدم ذلك أنهم ms1750 قالوا له إنك لأنت الحليم الرشيد والمعنى ~~فكيف يليق بالحليم الرشيد أن يخالف أمر ربه وله عليه نعم كثيرة وقوله: { ~~وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } قال صاحب الكشاف يقول خالفني ~~فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده ~~ويقال الرجل صادرا عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول خالفني إلى الماء ~~يريد أنه قد ذهب إليه واردا وأنا ذاهب عنه صدارا ومنه قوله { وما أريد ~~أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } أي أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم ~~عنها لأستبد بها دونكم. # قال الإمام فخر الدين الرازي: وتحقيق الكلام فيه أن القوم اعترفوا فيها ~~بأنه حليم رشيد وذلك يدل على كمال العقل وكمال العقل يحمل صاحبه على ~~اختيار الطريق الأصوب الأصلح فكأنه عليه السلام قال لهم لما اعترفتم ~~بكمال عقلي فاعلموا أن الذي اخترته لنفسي هو أصوب الطرق وأصلحها وهو ~~الدعوة إلى توحيد الله وترك البخس والنقصان فأنا مواظب عليها غير تارك ~~لها فاعلموا أن هذه الطريقة خير الطرق وأشرفها لا ما أنتم عليه وقال ~~الزجاج: معناه إني لست أنهاكم عن شيء وأدخل فيه إنما أختار لكم لنفسي ~~وقال ابن الأنباري بين أن الذي يدعوهم إليه من اتباع طاعة الله وترك ~~البخس والتطفيف هو ما يرتضيه لنفسه وهو لا ينطوي إلا عليه فكان هذا محض ~~النصيحة لهم { إن أريد } يعني ما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه { إلا ~~الإصلاح } يعني فيما بيني وبينكم { ما استطعت } يعني ما استطعت إلا ~~الإصلاح وهو الإبلاغ والإنذار فقط ولا أستطيع إجباركم على الطاعة لأن ذلك ~~إلى الله فإنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء { وما توفيقي إلا بالله } ~~التوفيق تسهيل سبيل الخير والطاعة على العبد ولا يقدر على ذلك إلا الله ~~تعالى فلذلك قال تعالى: { وما توفيقي إلا بالله } { عليه توكلت } يعني ~~على الله اعتمدت في جميع أموري { وإليه أنيب } يعني وإليه أرجع فيما ينزل ~~من النوائب وقيل إليه أرجع في معادي روي # " أن رسول ms1751 الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر شعيبا قال " ذلك خطيب ~~الأنبياء " # لحسن مراجعته قومه. وقوله تعالى: { ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي } أي لا ~~يحملنكم خلافي وعداوتي { أن يصيبكم } يعني عذاب العاجلة على كفركم ~~وأفعالكم الخبيثة { مثل ما أصاب قوم نوح } يعني الغرق { أو قوم هود } ~~يعني الريح التي أهلكتهم { أو قوم صالح } يعني ما أصابهم من الصيحة حتى ~~هلكوا جميعا { وما قوم لوط منكم ببعيد } وذلك أنهم كانوا حديثي عهد ~~بهلاكهم وقيل معناه وما ديار قوم لوط منكم ببعيد وذلك أنهم كانوا جيران ~~قوم لوط وبلادهم قريبة من بلادهم. ### || [11.90-93] # { واستغفروا ربكم } يعني من عبادة الأصنام { ثم توبوا إليه } يعني من ~~البخس والنقصان في الكيل والوزن { إن ربي رحيم } يعني بعباده إذا تابوا ~~واستغفروا { ودود } قال ابن عباس: الودود المحب لعباده المؤمنين فهو من ~~قولهم وددت الرجل أوده إذا أحببته، وقيل: يحتمل أن يكون ودود فعول بمعنى ~~مفعول ومعناه أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه لكثرة إفضاله وإحسانه ~~إليهم. وقال الحليمي: هو الواد لأهل طاعته أي الراضي عنهم بأعمالهم ~~والمحسن إليهم لأجلهم والمادح لهم بها، وقال أبو سليمان الخطابي: وقد ~~يكون معناه من تودد إلى خلقه { قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول } ~~يعني ما نفهم ما تدعونا إليه وذلك أن الله سبحانه وتعالى ختم على قلوبهم ~~فصارت لا تعي ولا تفهم ما ينفعها وإن كانوا في الظاهر يسمعون ويفهمون { ~~وإنا لنراك فينا ضعيفا } قال ابن عباس وقتادة: كان أعمى، قال الزجاج: ~~ويقال إن حمير كانوا يسمون المكفوف ضعيفا وقال الحسن وأبو روق ومقاتل: ~~يعني ذليلا، قال أبو روق: إن الله سبحانه وتعالى لم يبعث نبيا أعمى ولا ~~نبيا به زمانة، وقيل: كان ضعيف البصر وقيل المراد بالضعف العجز عن الكسب ~~والتصرف وقيل هو الذي يتعذر عليه المنع عن نفسه ويدل على صحة هذا القول ~~ما بعده وهو قوله { ولولا رهطك } يعني جماعتك وعشيرتك قيل الرهط ما بين ~~الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى السبعة { لرجمناك } يعني لقتلناك بالحجارة ms1752 ~~والرجم أسوأ القتلات وشرها، وقيل: معناه لشتمناك وأغلظنا لك القول { وما ~~أنت علينا بعزيز } يعني بكريم وقيل بممتنع منا والمقصود من هذا الكلام ~~وحاصله أنهم بينوا لشعيب عليه السلام أنه لا حرمة له عندهم ولا في صدورهم ~~وأنهم إنما لم يقتلوه ولم يسمعوه الكلام الغليظ الفاحش لأجل احترامهم ~~رهطه وعشيرته وذلك لأنهم كانوا على دينهم وملتهم ولما قالوا لشعيب عليه ~~السلام هذه المقالة أجابهم بقوله { قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله } ~~يعني أهيب عندكم من الله وأمنع حتى تركتم قتلي لمكان رهطي عندكم فالأولى ~~أن تحفظوني في الله ولأجل الله لا لرهطي لأن الله أعز وأعظم { واتخذتموه ~~وراءكم ظهريا } يعني ونبذتم أمر الله وراء ظهوركم وتركتموه كالشيء ~~الملقى الذي لا يلتفت إليه { إن ربي بما تعملون محيط } يعني أنه سبحانه ~~وتعالى عالم بأحوالكم جميعا لا يخفى عليه منها شيء فيجازيكم بها يوم ~~القيامة { ويا قوم اعملوا على مكانتكم } يعني على تؤدتكم وتمكنكم من ~~أعمالكم وقيل المكانة الحالة والمعنى اعملوا حال كونكم موصوفين بعناية ~~المكنة والقدرة من الشر { إني عامل } يعني ما أقدر عليه من الطاعة والخير ~~وهذا الأمر في قوله اعملوا فيه وعيد وتهديد عظيم ويدل على ذلك قوله ~~سبحانه وتعالى: { سوف تعلمون } أينا الجاني على نفسه المخطئ في فعله. # فإن قلت أي فرق بين إدخال الفاء ونزعها في قوله سوف تعلمون. قلت إدخال ~~الفاء في قوله: فسوف تعلمون، وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل ونزعها في قوله ~~سوف تعلمون وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم ~~قالوا فما يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت فقال سوف تعلمون ~~يعني عاقبة ذلك فوصل تارة بالفاء وتارة بالاستئناف للتفنن في البلادة كما ~~هو عادة بلغاء العرب وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف وهو باب من أبواب ~~علم البيان تتكاثر محاسنه والمعنى سوف تعلمون { من يأتيه عذاب يخزيه } ~~يعني بسبب عمله السيء أو أينا الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه { ومن هو كاذب ~~} يعني فيما يدعيه { وارتقبوا } يعني وانتظروا العاقبة ms1753 ما يؤول إليه أمري ~~وأمركم { إني معكم رقيب } أي منتظر، والرقيب بمعنى المراقب. ### || [11.94-101] # { ولما جاء أمرنا } يعني بعذابهم وإهلاكهم { نجينا شعيبا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا } يعني بفضل منا بأن هديناهم للإيمان ووفقناهم للطاعة { ~~وأخذت الذين ظلموا } يعني ظلموا أنفسهم بالشرك والبخس { الصيحة } وذلك أن ~~جبريل عليه السلام صاح بهم صيحة فخرجت أرواحهم وماتوا جميعا، وقيل: ~~أتتهم صيحة واحدة من السماء فماتوا جميعا { فأصبحوا في ديارهم جاثمين } ~~يعني ميتين وهو إستعارة من قولهم جثم الطير إذا قعد ولطأ بالأرض { كأن لم ~~يغنوا فيها } يعني كأن لم يقيموا بديارهم مدة من الدهر مأخوذ من قولهم ~~غني بالمكان إذا أقام فيه مستغنيا به عن غيره { ألا بعدا } يعني هلاكا ~~{ لمدين كما بعدت ثمود } قال ابن عباس " لم تعذب أمتان قط بعذاب واحد إلى ~~قوم شعيب وقوم صالح فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم وأما قوم شعيب ~~فأخذتهم الصيحة من فوقهم " قوله عز وجل: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } ~~يعي بحججنا والبراهين التي أعطيناه الدالة على صدقه ونبوته { وسلطان مبين ~~} يعني ومعجزة باهرة ظاهرة دالة على صدقه أيضا قال بعض المفسرين ~~المحققين سميت الحجة سلطانا لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة معه كالسلطان ~~يقهر غيره، وقال الزجاج: السلطان هو الحجة وسمي السلطان سلطانا لأنه حجة ~~الله في الأرض { إلى فرعون وملئه } يعني أتباعه وأشراف قومه { فاتبعوا ~~أمر فرعون } يعني ما هو عليه من الكفر وترك الإيمان بما جاءهم به موسى { ~~وما أمر فرعون برشيد } يعني وما طريق فرعون وماهو عليه بسديد ولا حميد ~~العاقبة ولا يدعو إلى خير { يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار } يعني ~~كما تقدم قومه فأدخلهم البحر في الدنيا كذلك يتقدم قومه يوم القيامة ~~فيدخلهم النار ويدخل هو أمامهم، والمعنى كما كان قدوتهم في الضلال والكفر ~~في الدنيا فكذلك هو قدوتهم وإمامهم في النار { وبئس الورد المورود } ~~يعني: وبئس الدخل المدخول فيه وقيل شبه الله تعالى فرعون في تقدمه على ~~قومه إلى النار بمن يتقدم على الوارد إلى ms1754 الماء وشبه أتباعه بالواردين ~~بعده ولما كان ورود الماء محمودا عند الواردين لأنه يكسر العطش قال في ~~حق فرعون وأتباعه فأوردهم النار وبئس الورد المورود لأن الأصل فيه قصد ~~الماء واستعمل في ورود النار على سبيل الفظاعة { وأتبعوا في هذه } يعني ~~في هذه الدنيا { لعنة } يعني طردا وبعدا عن الرحمة { ويوم القيامة } ~~يعني وأتبعوا لعنة أخرى يوم القيامة مع اللعنة التي حصلت لهم في الدنيا { ~~بئس الرفد المرفود } يعني بئس العون المعان وذلك أن اللعنة في الدنيا رفد ~~للعنة في الآخرة وقيل معناه بئس العطاء المعطى وذلك أن ترادف عليهم ~~لعنتان لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة. # وقوله سبحانه وتعالى: { ذلك من أنباء القرى } يعني من أخبار أهل القرى ~~وهم الأمم السالفة والقرون الماضية { نقصه عليك } يعني نخبرك به يا محمد ~~لتخبر قومك أخبارهم لعلهم يعتبرون بهم فيرجعوا عن كفرهم أو ينزل بهم مثل ~~ما نزل بهم من العذاب { منها } يعني من القرى التي أهلكنا أهلها { قائم ~~وحصيد } يعني منها عامر ومنها خراب وقيل منها قائم يعني الحيطان بغير ~~سقوف ومنها ما قد محي أثره بالكلية شبهها الله تعالى بالزرع الذي بعضه ~~قائم على سوقه وبعضهم قد حصد وذهب أثره والحصيد بمعنى المحصود { وما ~~ظلمناهم } يعني بالعذاب والإهلاك { ولكن ظلموا أنفسهم } يعني بالكفر ~~والمعاصي { فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء ~~أمر ربك } يعني بعذابهم أي لم تنفعهم أصنامهم ولم تدفع عنهم العذاب { وما ~~زادوهم غير تتبيب } يعني غير تخسير وقيل غير تدمير. ### || [11.102-106] # { وكذلك أخذ ربك } يعني وهكذا أخذ ربك { إذا أخذ القرى وهي ظالمة } ~~الضمير في وهي عائد على القرى والمراد أهلها { إن أخذه أليم شديد } ق عن ~~أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: وكذلك أخذ ربك ~~إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد " # فالآية الكريمة في الحديث دليل على أن من أقدم على ms1755 ظلم فإنه يجب أن ~~يتدارك ذلك بالتوبة والإنابة ورد الحقوق إلى أهلها إن كان الظلم للغير ~~لئلا يقع في هذا الوعيد العظيم والعذاب الشديد ولا يظن أن هذه الآية ~~حكمها مختص بظالمي الأمم الماضية بل هو عام في كل ظالم ويعضده الحديث ~~والله أعلم. قوله عز وجل: { إن في ذلك لآية } يعني ما ذكر من عذاب الأمم ~~الحالية وإهلاكهم لعبرة وموعظة { لمن خاف عذاب الآخرة } يعني أن إهلاك ~~أولئك عبرة يعتبر بها وموعظة يتعظ بها من كان يخشى الله ويخاف عذابه في ~~الآخرة لأنه إذا نظر ما أحل الله بأولئك الكفار في الدنيا من أليم عذابه ~~وعظيم عقابه وهو كالنموذج مما أعد لهم في الآخرة اعتبر به فيكون زيادة في ~~خوفه وخشيته من الله { ذلك يوم مجموع له الناس } يعني يوم القيامة تجمع ~~فيه الخلائق من الأولين والآخرين للحساب والوقوف بين يدي رب العالمين { ~~وذلك يوم مشهود } يعني يشهده أهل السماء وأهل الأرض { وما نؤخره إلا لأجل ~~معدود } يعني وما نؤخر ذلك اليوم وهو يوم القيامة إلا إلى وقت معلوم ~~محدود وذلك الوقت لا يعلمه أحد إلا الله تعالى: { يوم يأت } يعني ذلك ~~اليوم { لا تكلم نفس إلا بإذنه } قيل: إن جميع الخلائق يسكتون في ذلك ~~اليوم فلا يتكلم أحد فيه إلا بإذن الله تعالى. فإن قلت كيف وجه الجمع بين ~~هذه الآية وبين قوله سبحانه وتعالى: # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها # [النحل: 111] وقوله إخبارا عن محاجة الكفار # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] والأخبار أيضا تدل على الكلام في ذلك اليوم. قلت: يوم ~~القيامة يوم طويل وله أحوال مختلفة وفيه أهوال عظيمة ففي بعض الأحوال لا ~~يقدرون على الكلام لشدة الأهوال وفي بعض الأحوال يؤذن لهم في الكلام ~~فيتكلمون وفي بعضها تخفف عنهم تلك الأهوال فيحاجون ويجادلون وينكرون، ~~وقيل: المراد من قوله لا تكلم نفس إلا بإذنه الشفاعة يعني لا تشفع نفس ~~لنفس شيئا إلا أن يأذن الله لها في الشفاعة { فمنهم } يعني فمن أهل ~~الموقف { شقي ms1756 وسعيد } الشقاوة خلاف السعادة والسعادة هي معاونة الأمور ~~الإلهية للإنسان ومساعدته على فعل الخير والصلاح وتيسيره لها ثم السعادة ~~على ضربين سعادة دنيوية وسعادة أخروية وهي السعادة القصوى لأن نهايتها ~~الجنة وكذلك الشقاوة على ضربين أيضا شقاوة دنيوية وشقاوة أخروية وهي ~~الشقاوة القصوى لأن نهايتها النار فالشقي من سبق له الشقاوة في الأزل ~~والسعيد من سبقت له السعادة في الأزل ق. # " عن علي بن أبي طالب قال: " كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس وجعل ينكت ~~بمخصرته ثم قال: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من ~~النار فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا فقال: اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل أهل السعادة وأما من ~~كان من أهل الشقاوة فسيصير لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ { فأما من أعطى واتقى ~~وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى } " # الآية. بقيع الغرقد هو مقبرة أهل المدينة الشريفة ومدفنهم والمخصرة ~~كالسوط والعصا ونحو ذلك مما يمسكه بيده الإنسان والنكت بالنون والتاء ~~المثناة من فوق ضرب الشيء بتلك المخصرة أبو اليد ونحو ذلك حتى يؤثر فيه ~~واستدل بعض العلماء بهذه الآية وهذا الحديث على أن أهل الموقف قسمان شقي ~~وسعيد لا ثالث لهما وظاهر الآية والحديث يدل على ذلك لكن بقي قسم آخر ~~مسكوت عنه وهو من استوت حسناته وسيئاته وهم أصحاب الأعراف في قول ~~والأطفال والمجانين الذين لا حسنات لهم ولا سيئات فهؤلاء مسكوت عنهم فهم ~~تحت مشيئة الله عز وجل يوم القيامة يحكم فيهم بما يشاء وتخصيص هذين ~~القسمين بالذكر لا يدل على نفي القسم الثالث { فأما الذين شقوا ففي النار ~~لهم فيها } أي في النار من العذاب والهوان { زفير وشهيق } أصل الزفير ~~ترديد النفس في الصدر حتى تنتفخ منه الضلوع والشهيق رد النفس إلى الصدر ~~أو الزفير مده وإخراجه من الصدر وقال ابن عباس: الزفير الصوت الشديد ~~والشهيق الصوت ms1757 الضعيف، وقال الضحاك ومقاتل: الزفير أول صوت الحمار ~~والشهيق آخره إذا رده إلى صدره وقال أبو العالية، الزفير في الحلق ~~والشهيق في الجوف. ### || [11.107-108] # { خالدين فيها } يعني لابثين مقيمين في النار { ما دامت السموات والأرض ~~} قال الضحاك: يعني ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما ولا بد لأهل ~~الجنة وأهل النار من سماء تظلهم وأرض تقلهم فكل ما علاك فأظلك فهو سماء ~~وكل ما استقر عليه قدمك فهو أرض وقال أهل المعاني هذه عبارة عن التأبيد ~~وذلك على عادة العرب فإنهم يقولون لا آتيك ما دامت السموات والأرض وما ~~اختلف الليل والنهار يريدون بذلك التأبيد. وقوله سبحانه وتعالى: { إلا ما ~~شاء ربك } اختلف العلماء في معنى هذين الإستثناءين فقال ابن عباس ~~والضحاك: الإستثناء الأول المذكور في أهل الشقاء يرجع إلى قوم من ~~المؤمنين يدخلهم الله النار بذنوب اقترفوها ثم يخرجهم منها فيكون استثناء ~~من غير الجنس لأن الذين أخرجوا من النار سعداء في الحقيقة استثناهم الله ~~تعالى من الأشقياء ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن جابر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله سبحانه وتعالى يخرج قوما من النار بالشفاعة فيدخلهم الجنة " # وفي رواية # " إن الله يخرج ناسا من النار فيدخلهم الجنة " # أخرجه البخاري ومسلم، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " يخرج من النار قوم بعد ما مسهم منها سفع فيدخلون الجنة فيسميهم أهل ~~الجنة الجهنميين " # وفي رواية # " ليصيبن أقواما سفع من النار بذنوب أصابوها عقوبة لهم ثم يدخلهم الله ~~الجنة بفضله ورحمته فيقال لهم الجهنميون " # خ عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " يخرج قوم من النار بشفاعة محمد فيدخلون الجنة يسمون الجهنميين " # وأما الاستثناء الثاني المذكور في أهل السعادة فيرجع إلى مدة لبث هؤلاء ~~في النار قبل دخولهم الجنة فعلى هذا القول يكون معنى الآية فأما الذين ~~شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ~~إلا ما شاء ربك أن يخرجهم ms1758 منها فيدخلهم الجنة { إن ربك فعال لما يريد ~~وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما ~~شاء ربك } أن يدخله النار أولا ثم يخرجه منها فيدخله الجنة فحاصل هذا ~~القول إن الاستثناءين يرجع كل واحد منهما إلى قوم مخصوصين هم في الحقيقة ~~سعداء أصابوا ذنوبا استوجبوا بها عقوبة يسيرة في النار ثم يخرجون منها ~~فيدخلون الجنة لأن إجماع الأمة على أن من دخل الجنة لا يخرج منها أبدا ~~وقيل إن الاستثناءين يرجعان إلى الفريقين السعداء والأشقياء وهو مدة ~~تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ وهو ما بين الموت إلى البعث ومدة ~~وقوفهم للحساب ثم يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فيكون المعنى ~~خالدين في الجنة والنار إلا هذا المقدار، وقيل: معنى إلا ما شاء ربك سوى ~~ما شاء ربك فيكون المعنى خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ~~ربك من الزيادة على ذلك وهو كقولك لفلان علي ألف إلا ألفين أي سوى ألفين ~~وقيل إلا بمعنى الواو بمعنى وقد شاء ربك خلود هؤلاء في النار وخلود هؤلاء ~~في الجنة فهو كقوله تمجدو تعالى لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا فيها، قال ~~الفراء: هذا استثناء استثناه الله ولا يفعله كقوله والله لأضربنك إلا أن ~~أرى غير ذلك وعزمه أن يضربه فهذه الأقوال في معنى الاستثناء ترجع إلى ~~الفريقين والصحيح هو القول الأول ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى: { إن ربك ~~فعال لما يريد } يعني من إخراج من أراد من النار وإدخالهم الجنة فهذا على ~~الإجمال في حال الفريقين فأما على التفصيل فقوله إلا ما شاء ربك في جانب ~~الأشقياء يرجع إلى الزفير والشهيق وتقريره أن يفيد حصول الزفير والشهيق ~~مع خلود لأنه إذا دخل الاستثناء عليه وجب أن يحصل فيه هذا المجموع ~~والاستثناء في جانب السعداء يكون بمعنى الزيادة يعني إلا ما شاء ربك من ~~الزيادة لهم من النعيم بعد الخلود، وقيل: إن الاستثناء الأول في جانب ~~الأشقياء معناه إلا ما شاء ربك من ms1759 أن يخرجهم من حر النار إلى البرد ~~والزمهرير وفي جانب السعداء معناه إلا ما شاء ربك أن يرفع بعضهم إلى ~~منازل أعلى منازل الجنان ودرجاتها والقول الأول هو المختار ويدل على خلود ~~أهل الجنة في الجنة أن الأمة مجتمعة على من دخل الجنة لا يخرج منها بل هو ~~خالد فيها. # وقوله سبحانه وتعالى في جانب السعداء { عطاء غير مجذوذ } يعني غير مقطوع ~~قال ابن زيد: أخبرنا الله سبحانه وتعالى بالذي يشاء لأهل الجنة فقال ~~تعالى عطاء غير مجذوذ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار وروي عن ابن ~~مسعود أنه قال " ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون ~~فيها أحقابا " وعن أبي هريرة نحوه، وهذا إن صح عن ابن مسعود وأبي هريرة: ~~فمحمول عند أهل السنة على إخلاء أماكن المؤمنين الذين استحقوا النار من ~~النار بعد إخراجهم منها لأنه ثبت بالدليل الصحيح القاطع إخراج جميع ~~الموحدين وخلود الكفار فيها أو يكون محمولا على إخراج الكفار من حر ~~النار إلى برد الزمهرير ليزدادوا عذابا فوق عذابهم والله أعلم. ### || [11.109-111] # قوله سبحانه وتعالى: { فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء } يعني فلا تك في ~~شك يا محمد في هذه الأصنام التي يعبدها هؤلاء الكفار فإنها لا تضر ولا ~~تنفع { ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل } يعني أنه ليس لهم في ~~عبادة هذه الأصنام مستند إلا أنهم رأوا آباءهم يعبدونها فعبدوها مثلهم { ~~وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص } يعني وإنا مع عبادتهم هذه الأصنام ~~نرزقهم الرزق الذي قدرناه لهم من غير نقص فيه ويحتمل أن يكون المراد من ~~توفية نصيبهم يعني من العذاب الذي قدر لهم في الآخرة كاملا موفرا غير ~~ناقص. قوله عز وجل: { ولقد آتينا موسى الكتاب } يعني التوراة { فاختلف ~~فيه } يعني في الكتاب فمنهم مصدق به ومكذب به كما فعل قومك يا محمد ~~بالقرآن ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم { ولولا كلمة سبقت من ربك } ~~يعني بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة لكان الذي يستحقونه ms1760 من تعجيل ~~العقوبة في الدنيا على كفرهم وتكذيبهم وهو قوله تبارك وتعالى: { لقضي ~~بينهم } يعني لعذبوا في الحال وفرغ من عذابهم وإهلاكهم { وإنهم لفي شك ~~منه } يعني من القرآن ونزوله عليك يا محمد { مريب } يعني أنهم قد وقعوا ~~في الريب والتهمة { وإن كلا } يعني من الفريقين المختلفين المصدق ~~والمكذب { لما ليوفينهم ربك أعمالهم } اللام لام القسم تقديره والله ~~ليوفينهم جزاء أعمالهم في القيامة فيجازي المصدق على تصديقه الجنة ويجازي ~~المكذب على تكذيبه النار { إنه بما يعملون خبير } يعني أنه سبحانه وتعالى ~~لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده وإن دقت ففيه وعد للمحسنين المصدقين ~~وفيه وعيد وتهديد للمكذبين الكافرين. ### || [11.112-115] # قوله سبحانه وتعالى: { فاستقم كما أمرت } الخطاب فيه للنبي صلى الله ~~عليه وسلم يعني فاستقم يا محمد على دين ربك والعمل به والدعاء إليه كما ~~أمرك ربك والأمر في فاستقم للتأكيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان على ~~الاستقامة لم يزل عليها كقولك للقائم قم حتى آتيك أي دم على ما أنت عليه ~~من القيام حتى آتيك { ومن تاب معك } يعني ومن آمن معك من أمتك فليستقيموا ~~أيضا على دين الله والعمل بطاعته قال عمر بن الخطاب: الاستقامة أن ~~تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ منه روغان الثعلب م. # " عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام ~~قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك قال " قل آمنت بالله ثم استقم " # { ولا تطغوا } يعني ولا تجاوزوا أمري إلى غيره ولا تعصوني وقيل معناه ~~ولا تغلوا في الدين فتجاوزوا ما أمرتكم به ونهيتكم عنه { إنه بما تعملون ~~بصير } يعني أنه سبحانه وتعالى عالم بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها قال ~~ابن عباس: ما نزلت آية على رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أشد عليه من ~~هذه الآية ولذلك قال شيبتني هود وأخواتها خ عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا ms1761 وأبشروا ~~واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة " # قوله: إن الدين يسر، اليسر ضد العسر وأراد به التسهيل في الدين وترك ~~التشدد فإن هذا الدين مع يسره وسهولته قوي فلن يغالب ولن يقاوى فسددوا أي ~~اقصدوا السداد من الأمور وهو الصواب وقاربوا أي اطلبوا المقاربة وهي ~~القصد الذي لا غلو فيه ولا تقصير والغدوة الرواح بكرة والرواح الرجوع ~~عشيا والمراد منه اعملوا أطراف النهار وقتا وقتا والدلجة سير الليل ~~والمراد منه اعملوا بالنهار واعملوا بالليل أيضا وقوله شيء من الدلجة ~~إشارة إلى تقليله. وقوله تعالى: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } قال ابن ~~عباس: ولا تميلوا والركون هو المحبة والميل بالقلب، وقال أبو العالية: لا ~~ترضوا بأعمالهم، وقال السدي: لا تداهنوا الظلمة، وعن عكرمة لا تطيعوهم، ~~وقيل: معناه ولا تسكنوا إلى الذين ظلموا { فتمسكم النار } يعني فتصيبكم ~~النار بحرها { وما لكم من دون الله من أولياء } يعني أعوانا وأنصارا ~~يمنعونكم من عذابه { ثم لا تنصرون } يعني ثم لا تجدون لكم من ينصركم ~~ويخلصكم من عقاب الله غدا في القيامة ففيه وعيد لمن ركن إلى الظلمة أو ~~رضي بأعمالهم أو أحبهم فكيف حال الظلمة في أنفسهم نعوذ بالله من الظلم. ~~قوله عز وجل: { وأقم الصلاة طرفي النهار } سبب نزول هذه الآية ما رواه ~~الترمذي # " عن أبي اليسر قال " أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت إن في البيت تمرا ~~هو أطيب منه فدخلت معي فأهويت إليها فقبلتها فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له ~~فقال استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر فأتيت عمر فذكرت ذلك له ~~فقال استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر فأتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله ~~بمثل هذا حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظن أنه من أهل ~~النار قال وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا حتى أوحى الله إليه ~~وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إلى قوله ms1762 ذلك ذكرى للذاكرين. ~~قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصحابه ~~يا رسول الله ألهذا خاصة أم للناس عامة قال بل للناس عامة " # قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وقيس بن الربيع ضعفه وكيع وغيره وأبو ~~اليسر هو كعب بن عمرو ق. عن عبد الله بن مسعود # " أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك ~~له فنزلت { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل } الآية فقال الرجل ~~يا رسول الله ألي هذه الآية قال لمن عمل بها من أمتي وفي رواية فقال رجل ~~من القوم يا نبي الله هذه له خاصة قال " بل للناس كافة " # عن معاذ بن جبل قال # " أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله أرأيت رجلا لقي ~~امرأة وليس بينهما معرفة فليس يأتي الرجل إلى امرأته شيئا إلا قد أتى هو ~~إليها إلا أنه لم يجامعها قال فأنزل الله عز وجل { وأقم الصلاة طرفي ~~النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين } ~~فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ ويصلي قال معاذ فقلت يا رسول ~~الله أهي له خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال: " بل للمؤمنين عامة " # أخرجه الترمذي وقال هذا الحديث ليس بمتصل لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم ~~يسمع من معاذ. أما التفسير فقوله سبحانه وتعالى: { وأقم الصلاة طرفي ~~النهار } يعني صلاة الغداة والعشي وقال مجاهد: طرفي النهار يعني صلاة ~~الصبح والظهر والعصر { وزلفا من الليل } يعني صلاة المغرب والعشاء، وقال ~~مقاتل: صلاة الصبح والظهر طرف وصلاة العصر والمغرب طرف وزلفا من الليل ~~يعني صلاة العشاء وقال الحسن طرفي النهار الصبح والعصر وزلفا من الليل ~~المغرب والعشاء وقال ابن عباس طرفي النهار الغداة والعشي يعني صلاة الصبح ~~والمغرب قال الإمام فخر الدين الرازي: كثرت المذاهب في تفسير طرفي النهار ~~والأشهر أن الصلاة التي في طرفي النهار هي الفجر والعصر وذلك لأن أحد ~~طرفي النهار هو طلوع ms1763 الشمس والثاني هو غروبها فالطرف الأول هو صلاة الفجر ~~والطرف الثاني لا يجوز أن يكون صلاة المغرب لأنها داخلة تحت قوله تعالى { ~~وزلفا من الليل } فوجب حمل الطرف الثاني على صلاة العصر { وزلفا من ~~الليل } يعني وأقم الصلاة في زلف من الليل وهي ساعاته واحدتها زلفة وأصل ~~الزلفة المنزلة والمراد بها صلاة المغرب والعشاء { إن الحسنات يذهبن ~~السيئات } يعني إن الصلوات الخمس يذهبن الخطيئات ويكفرنها م عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن زاد في رواية ما لم ~~تغش الكبائر " # وزاد في رواية أخرى # " ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر " # ق عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من ~~درنه شيء قالوا لا قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا " # خ عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم ~~خمس مرات " # قال الحسن وما يبقى من الدرن. قال العلماء: الصغائر من الذنوب تكفرها ~~الأعمال الصالحات مثل الصلاة والصدقة والذكر والاستغفار ونحو ذلك من ~~أعمال البر وأما الكبائر من الذنوب فلا يكفرها إلا التوبة النصوح ولها ~~ثلاث شرائط: الشرط الأول: الإقلاع عن الذنب بالكلية. الثاني: الندم على ~~فعله. الثالث: العزم التام أن لا يعود إليه في المستقبل، فإذا حصلت هذه ~~الشرائط صحت التوبة وكانت مقبولة إن شاء الله تعالى، وقال مجاهد في تفسير ~~الحسنات إنها قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ~~والقول الأول أصح أنها الصلوات الخمس وهو قول ابن مسعود وابن عباس وابن ~~المسيب ومجاهد في إحدى الروايتين عنه والقرظي والضحاك وجمهور المفسرين { ~~ذلك } إشارة إلى ما تقدم ذكره من الاستقامة والتوبة وقيل هو إشارة إلى ~~القرآن { ذكرى للذاكرين } يعني عظة للمؤمنين المطيعين ms1764 { واصبر } الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم يعني واصبر يا محمد على أذى قومك وما تلقاه ~~منهم، وقيل معناه واصبر على الصلاة { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ~~يعني أعمالهم، قال ابن عباس: يعني المصلين. ### || [11.116-119] # قوله سبحانه وتعالى: { فلولا كان من القرون } يعني فهلا كان من القرون ~~التي أهلكناهم { من قبلكم } يعني يا أمة محمد { أولو بقية } يعني أولوا ~~تمييز وطاعة وخير يقال فلان ذو بقية إذا كان فيه خير وقيل معناه أولوا ~~بقية من خير يقال فلان على بقية من الخير إذا كان على خصلة محمودة { ~~ينهون عن الفساد في الأرض } يعني يقومون بالنهي عن الفساد في الأرض ~~والآية للتقريع والتوبيخ يعني لم يكن فيهم من فيه خير ينهى عن الفساد عن ~~الأرض فلذلك أهلكناهم { إلا قليلا } هذا استثناء منقطع معناه لكن قليلا ~~{ ممن أنجينا منهم } يعني من آمن الأمم الماضية وهم أتباع الأنبياء كانوا ~~ينهون عن الفساد في الأرض { واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه } يعني ~~واتبع الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي ما تنعموا فيه والترف التنعم ~~والمعنى أنهم اتبعوا ما تعودوا به من النعم وإيثار اللذات على الآخرة ~~ونعيمها { وكانوا مجرمين } يعني كافرين { وما كان ربك } يعني وما كان ربك ~~يا محمد { ليهلك القرى بظلم } يعني لا يهلكهم بظلم منه { وأهلها مصلحون } ~~يعني: في أعمالهم ولكن يهلكهم بكفرهم وركوبهم السيئات، وقيل: في معنى ~~الآية وما كان ربك ليهلك القرى بمجرد شركهم إذا كانوا مصلحين يعني يعامل ~~بعضهم بعضا بالصلاح والسداد والمراد من الهلاك عذاب الاستئصال في الدنيا ~~أما عذاب الآخرة فهو لازم لهم ولهذا قال بعض الفقهاء إن حقوق الله مبناها ~~على المسامحة والمساهلة وحقوق العباد مبناها على التضييق والتشديد قوله ~~عز وجل: { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } يعني كلهم على دين واحد ~~وشريعة واحدة { ولا يزالون مختلفين } يعني على أديان شتى ما بين يهودي ~~ونصراني ومجوسي ومشرك ومسلم فكل أهل دين من هذه الأديان قد اختلفوا في ~~دينهم أيضا اختلافا كثيرا لا ينضبط ms1765 عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " تفرق اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين والنصارى مثل ذلك ~~وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " # أخرجه أبو داود والترمذي بنحوه عن معاوية قال قام فينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال # ": ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة وإن ~~هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين اثنتان وسبعون في النار وواحدة في ~~الجنة وهي الجماعة " # أخرجه أبو داود قال الخطابي: قوله صلى الله عليه وسلم # " وستفترق أمتي " # فيه دلالة على أن هذه الفرق غير خارجة من الملة والدين إذ جعلهم من أمته ~~وقال غيره المراد بهذه الفرق أهل البدع والأهواء الذين تفرقوا واختلفوا ~~وظهروا بعده كالخوارج والقدرية والمعتزلة والرافضة وغيرهم من أهل البدع ~~والأهواء والمراد بالواحدة هي فرقة السنة والجماعة الذين اتبعوا الرسول ~~صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله. # وقوله سبحانه وتعالى: { إلا من رحم ربك } يعني لكن من رحم ربك فمن عليه ~~بالهداية والتوفيق إلى الحق، وهداه إلى الدين القويم والصراط المستقيم ~~فهم لا يختلفون { ولذلك خلقهم } قال الحسن وعطاء وللاختلاف خلقهم. قال ~~أشهب: سألت مالك بن أنس عن هذه الآية فقال خلقهم ليكون فريق في الجنة ~~وفريق في السعير، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: وللرحمة خلقهم ~~يعني الذين يرحمهم. وقال الفراء: خلق أهل الرحمة للرحمة وخلق أهل ~~الاختلاف للاختلاف، وقيل: خلق الله عز وجل أهل الرحمة للرحمة لئلا ~~يختلفوا وخلق أهل العذاب لأن يختلفوا وخلق الجنة وخلق لها أهلا وخلق ~~النار وخلق لها أهلا فحاصل الآية أن الله خلق أهل الباطل وجعلهم ~~مختلفين، وخلق أهل الحق وجعلهم متفقين فحكم على بعضهم بالاختلاف ومصيرهم ~~إلى النار وحكم على بعضهم بالرحمة وهم أهل الاتفاق ومصيرهم إلى الجنة ~~ويدل على صحة هذا القول سياق الآية وهو قوله تبارك وتعالى: { وتمت كلمة ~~ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } وهذا صريح بأن الله سبحانه ~~وتعالى خلق أقواما للجنة ms1766 وللرحمة فهداهم ووفقهم لأعمال أهل الجنة وخلق ~~أقواما للضلالة والنار فخذلهم ومنعهم من الهداية. ### || [11.120-123] # قوله سبحانه وتعالى: { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ~~} لما ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه السورة الكريمة قصص الأمم الماضية ~~والقرون الحالية وما جرى لهم مع أنبيائهم خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بقوله وكلا نقص عليك يا محمد من أنباء الرسل يعني من أخبار الرسل وما ~~جرى لهم مع قومهم ما نثبت به فؤادك يعني ما نقوي به قلبك لتصبر على أذى ~~قومك وتتأسى بالرسل الذين خلوا من قبلك وذلك لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا سمع هذه القصص وعلم أن حال جميع الأنبياء مع أتباعهم هكذا سهل ~~عليه تحمل الأذى من قومه وأمكنه الصبر عليه { وجاءك } يا محمد { في هذه ~~الحق } اختلفوا في هذا الضمير إلى ماذا يعود فقيل معناه وجاءك في هذه ~~الدنيا الحق وفيه بعد لأنه لم يجر للدنيا ذكر حتى يعود الضمير إليها وقيل ~~في هذه الآية وقيل في هذه السورة وهو الأقرب وهو قول الأكثرين فإن قلت ~~جاءه الحق في سورة القرآن فلم خص هذه السورة بالذكر قلت لا يلزم من تخصيص ~~هذه السورة بالذكر أن لا يكون قد جاءه الحق في غيرها من السور بل القرآن ~~كله حق وصدق وإنما خصها بالذكر تشريفا لها { وموعظة وذكرى للمؤمنين } أي ~~وهذه السورة موعظة يتعظ بها المؤمنون إذا تذكروا أحوال الأمم الماضية وما ~~نزل بهم { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم } فيه وعيد وتهديد ~~يعني اعملوا ما أنتم عاملون فستعلمون عاقبة ذلك العمل فهو كقوله: إعملوا ~~ما شئتم { إنا عاملون } يعني ما أمرنا به ربنا { وانتظروا } يعني ما ~~يعدكم به الشيطان { إنا منتظرون } يعني ما يحل بكم من نقمة الله وعذابه ~~إما في الدنيا وإما في الآخرة { ولله غيب السموات والأرض } يعني يعلم ما ~~غاب عن العباد فيهما يعني أن علمه سبحانه وتعالى نافذ في جميع الأشياء ~~خفيها وجليها وحاضرها ومعدومها لا يخفى عليه ms1767 شيء في الأرض ولا في السماء ~~{ إليه يرجع الأمر كله } يعني إلى الله يرجع أمر الخلق كلهم في الدنيا ~~والآخرة { فاعبده } يعني أن من كان كذلك كان مستحقا للعبادة لا غيره ~~فاعبده ولا تستغل بعبادة غيره { وتوكل عليه } يعني وثق به في جميع أمورك ~~فإنه يكفيك { وما ربك بغافل عما تعملون } قال أهل التفسير هذا خطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ولجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم والمعنى أنه سبحانه ~~وتعالى يحفظ على العباد أعمالهم لا يخفى عليه منها شيء فيجزي المحسن ~~بإحسانه والمسيء بإساءته. قال كعب الأحبار: خاتمة التوراة خاتمة سورة هود ~~والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1-3] # قوله عز وجل: { آلر } تقدم تفسيره في أول سورة يونس عليه الصلاة والسلام ~~{ تلك } إشارة إلى آيات هذه السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه ~~السورة المسماة بالر هذه { آيات الكتاب المبين } وهو القرآن أي البين ~~حلاله وحرامه وحدوده وأحكامه وقال قتادة: مبين بينه الله ببركته وهداه ~~ورشده فهذا من بان أي ظهر، وقال الزجاج: مبين الحق من الباطل والحلال من ~~الحرام فهذا من أبان بمعنى أظهر وقيل إنه يبين فيه قصص الأولين وشرح ~~أحوال المتقدمين { إنا أنزلناه } يعني هذا الكتاب { قرآنا عربيا } أي ~~أنزلناه بلغتكم لكي تعلموا معانيه وتفهموا ما فيه وقيل لما قالت اليهود ~~لمشركي مكة سلوا محمدا صلى الله عليه وسلم عن أمر يعقوب وقصة يوسف وكانت ~~عند اليهود بالعبرانية فأنزل الله هذه السورة وذكر فيها قصة يوسف ~~بالعربية لتفهمها العرب ويعرفوا معانيها والتقدير إنا أنزلنا هذا الكتاب ~~الذي فيه قصة يوسف في حال كونه عربيا فعلى هذا القول يجوز إطلاق اسم ~~القرآن على بعضه لأنه اسم جنس يقع على الكل والبعض واختلف العلماء هل ~~يمكن أن يقال في القرآن شيء بغير العربية، فقال أبو عبيدة: من زعم أن في ~~القرآن لسانا غير العربية فقد قال بغير الحق وأعظم على الله القول واحتج ~~بهذه الآية إنا أنزلناه قرآنا عربيا. وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة: ms1768 ~~أن فيه من غير لسان العربية مثل سجيل والمشكاة واليم واستبرق ونحو ذلك ~~وهذا هو الصحيح المختار لأن هؤلاء أعلم من أبي عبيده بلسان العرب وكلا ~~القولين صواب إن شاء الله تعالى ووجه الجمع بينهما أن هذه الألفاظ لما ~~تكلمت بها العرب ودارت على ألسنتهم صارت عربية فصيحة وإن كانت غير عربية ~~في الأصل لكنهم لما تكلموا بها نسبت إليهم وصارت لهم لغة، فظهر بهذا ~~البيان صحة القولين وأمكن الجمع بينهما { لعلكم تعقلون } يعني تفهمون ~~أيها العرب لأنه نازل بلغتكم قوله تعالى: { نحن نقص عليك أحسن القصص } ~~الأصل في معنى القصص اتباع الخبر بعضه بعضا والقاص هو الذي يأتي بالخبر ~~على وجهه وأصله في اللغة من قص الأثر إذا تتبعه وإنما سميت الحكاية قصة ~~لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئا فشيئا والمعنى نحن نبين لك يا ~~محمد أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية أحسن البيان وقيل المراد منه ~~قصة يوسف عليه الصلاة والسلام خاصة وإنام سماها أحسن القصص لما فيها من ~~العبر والحكم والنكت والفوائد التي تصلح للدين والدنيا وما فيها من سير ~~الملوك والمماليك والعلماء ومكر النساء والصبر على أذى الأعداء وحسن ~~التجاوز عنهم بعد اللقاء وغير ذلك من الفوائد المذكورة في هذه السورة ~~الشريفة. # قال خالد بن معدان: سورة يوسف وسورة مريم يتفكه بهما أهل الجنة في ~~الجنة. قال عطاء: لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها. وقوله ~~تعالى: { بما أوحينا إليك } يعني بإيحائنا إليك يا محمد { هذا القرآن وإن ~~كنت } أي وقد كنت { من قبله } يعني من قبل وحينا إليك { لمن الغافلين } ~~يعني عن هذه القصة وما فيها من العجائب قال سعد بن أبي وقاص: أنزل القرآن ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زمانا فقالوا يا رسول ~~الله لو حدثتنا فأنزل الله عز وجل: # الله نزل أحسن الحديث # [الزمر: 23] فقالوا يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله تعالى: { نحن ~~نقص عليك أحسن القصص } فقالوا يا رسول الله لو ذكرتنا فأنزل الله ms1769 عز وجل: # ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله # [الحديد: 16]. ### || [12.4-5] # { إذ قال يوسف لأبيه } أي اذكر يا محمد لقومك قول يوسف لأبيه يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم صلى الله عليه وعليهم أجمعين خ عن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق ~~بن إبراهيم " # ويوسف اسم عبري ولذلك لا يجري فيه الصرف وقيل هو عربي سئل أبو الحسن ~~الأقطع عن يوسف فقال الأسف أشد الحزن والأسيف العبد واجتمعا في يوسف فسمي ~~به { يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين } ~~معناه قال أهل التفسير: رأى يوسف في منامه كأن أحد عشر كوكبا نزلت من ~~السماء ومعها الشمس والقمر فسجدوا له وكانت هذه الرؤيا ليلة الجمعة وكانت ~~ليلة القدر وكان النجوم في التأويل إخوته وكانوا أحد عشر رجلا يستضاء ~~بهم كما يستضاء بالنجوم والشمس أبوه والقمر أمه في قول قتادة، وقال ~~السدي: القمر خالته لأن أمه راحيل كانت قد ماتت. وقال قتادة وابن جريج: ~~القمر أبوه والشمس أمه لأن الشمس مؤنثة والقمر مذكر وكان يوسف عليه ~~السلام ابن اثنتي عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة سنة وقيل سبع سنين وأراد ~~بالسجود تواضعهم له ودخولهم تحت أمره وقيل أراد به حقيقة السجود لأنه كان ~~في ذلك الزمان التحية فيما بينهم السجود. فإن قلت: إن الكواكب جماد لا ~~تعقل فكيف عبر عنها بكناية من يعقل في قوله رأيتهم ولم يقل رأيتها وقوله: ~~ساجدين ولم يقل ساجدات. قلت: لما أخبرنا عنها بفعل من يعقل وهو السجود ~~كنى عنها بكناية من يعقل فهو كقوله # يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم # [النمل: 18] وقيل إن الفلاسفة والمنجمين يزعمون أن الكواكب أحياء نواطق ~~حساسة فيجوز أن يعبر عنها بكناية من يعقل وهذا القول ليس بشيء والأول أصح ~~فإن قلت قد قال { إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر } ثم أعاد لفظ ~~الرؤيا ثانيا فقال { رأيتهم لي ساجدين } فما ms1770 فائدة هذا التكرار. قلت: ~~معنى الرؤيا الأولى أنه رأى أجرام الكواكب والشمس والقمر ومعنى الرؤيا ~~الثانية أنه أخبر بسجودها له وقال بعضهم. معناه أنه لما قال: { إني ~~رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر } فكأنه قيل له: وكيف رأيت؟ قال: { ~~رأيتهم لي ساجدين } وإنما أفرد الشمس والقمر بالذكر وإن كانا من جملة ~~الكواكب للدلالة على فضلهما وشرفهما على سائر الكواكب قال أهل التفسير: ~~إن يعقوب عليه الصلاة والسلام كان شديد الحب ليوسف عليه الصلاة والسلام ~~فحسده إخوته لهذا السبب وظهر ذلك ليعقوب، فلما رأى يوسف هذه الرؤيا وكان ~~تأويلها أن إخوته وأبويه يخضعون له فلهذا { قال } يعقوب { يا بني لا تقصص ~~رؤياك على إخوتك } يعني لا تخبرهم برؤياك فإنهم يعرفون تأويلها { فيكيدوا ~~لك كيدا } أي: فيحتالوا في إهلاكك فأمره بكتمان رؤياه عن إخوته لأن رؤيا ~~الأنبياء وحي وحق واللام في فيكيدوا لك كيدا تأكيدا للصلة كقولك: نصحتك ~~ونصحت لك وشكرتك وشكرت لك { إن الشيطان للإنسان عدو مبين } يعني أنه بين ~~العداوة، لأن عداوته قديمة فهم إن أقدموا على الكيد كان ذلك مضافا إلى ~~تزيين الشيطان ووسوسته ق عن أبي قتادة قال: كنت أرى الرؤيا تمرضني حتى ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان فإذا رأى أحدكم ما ~~يحب فلا يحدث بها إلا من يحب وإذا رأى أحدكم ما يكره فليتفل عن يساره ~~ثلاثا وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وشرها فإنها لن تضره " # خ. عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من الله فليحمد الله عليها وليحدث ~~بها وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من ~~الشيطان ومن شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لن تضره " # م عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا وليستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم ms1771 ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه " # عن أبي رزين العقيلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " رؤيا المؤمن جزء من أربعين وفي رواية جزء من ستة وأربعين جزء من ~~النبوة وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها سقطت قال وأحسبه ~~قال ولا يحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا " # أخرجه الترمذي، ولأبي داود نحوه قال الشيخ محيي الدين النووي قال ~~المازري مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا أن الله تعالى يخلق في قلب ~~النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وهو سبحانه وتعالى يفعل ما ~~يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها علما ~~على أمور أخر يجعلها في ثاني الحال والجميع خلق الله تعالى ولكن يخلق ~~الرؤيا والاعتقادات التي يجعلها علما على ما سر بغير حضرة الشيطان فإذا ~~خلق ما هو علم على ما يضر يكون بحضرة الشيطان فينسب إلى الشيطان مجازا ~~وإن كان لا فعل له في الحقيقة فهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم # " الرؤيا من الله والحلم من الشيطان " # لا على أن الشيطان يفعل شيئا والرؤيا اسم للمحبوب والحلم اسم للمكروه، ~~وقال غيره: إضافة الرؤيا المحبوبة إلى الله تعالى إضافة تشريف بخلاف ~~الرؤيا المكروهة وإن كانتا جميعا من خلق الله وتدبيره وإرادته ولا فعل ~~للشيطان فيها ولكنه يحضر المكروهة ويرتضيها فيستحب إذا رأى الرجل في ~~منامه ما يحب أن يحدث به من يحب وإذا رأى ما يكره فلا يحدث به وليتعوذ ~~بالله من الشيطان الرجيم ومن شرها وليتفل ثلاثا وليتحول إلى جنبه الآخر ~~فإنها لا تضره فإن الله تعالى جعل هذه الأسباب سببا لسلامته من المكروه ~~كما جعل الصدقة سببا لوقاية المال وغيره من البلاء والله أعلم. ### || [12.6-7] # قوله تعالى: { وكذلك يجتبيك ربك } يعني يقول يعقوب ليوسف عليه الصلاة ~~والسلام أي وكما رفع منزلتك بهذه الرؤيا الشريفة العظيمة كذلك يجتبيك ربك ~~يعني يصطفيك ربك واجتباء الله تعالى العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي تحصل له ~~منه ms1772 أنواع الكرامات بلا سعي من العبد وذلك مختص بالأنبياء أو ببعض من ~~يقاربهم من الصديقين والشهداء والصالحين { ويعلمك من تأويل الأحاديث } ~~يعني به تعبير الرؤيا سمي تأويلا لأنه يؤول أمره إلى ما رأى في منامه، ~~يعني يعلمك تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم وكان يوسف عليه ~~السلام أعلم الناس بتعبير الرؤيا. وقال الزجاج: تأويل أحاديث الأنبياء ~~والأمم السالفة والكتب المنزلة. وقال ابن زيد: يعلمك العلم والحكمة { ~~ويتم نعمته عليك } يعني بالنبوة، قاله ابن عباس لأن منصب النبوة أعلى من ~~جميع المناصب وكل الخلق دون درجة الأنبياء فهذا من إتمام النعمة عليهم، ~~لأن جميع الخلق دونهم في الرتب والمناصب { وعلى آل يعقوب } المراد بآل ~~يعقوب أولاده فإنهم كانوا أنبياء وهو المراد من إتمام النعمة عليهم { كما ~~أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق } بأن جعلهما نبيين وهو المراد من ~~إتمام النعمة عليهما وقيل: المراد من إتمام النعمة على إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم بأن خلصه الله من النار واتخذه خليلا والمراد من إتمام النعمة ~~على الأصح بأن إتمام النعمة عليهما بالنبوة لأنه لا أعظم من منصب النبوة ~~فهو من أعظم النعم على العبد { إن ربك عليم } يعني بمصالح خلقه { حكيم } ~~يعني أنه تعالى لا يفعل شيئا إلا بحكمة، وقيل: إنه تعالى حكم بوضع ~~النبوة في بيت إبراهيم صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~كان بين رؤيا يوسف هذه وبين تحقيقها بمصر واجتماعه بأبويه وإخوته أربعون ~~سنة وهذا قول أكثر المفسرين، وقال الحسن البصري: كان بينهما ثمانون سنة ~~فلما بلغت هذه الرؤيا إخوة يوسف حسدوه وقالوا ما رضي أن يسجد له إخوته ~~حتى يسجد له أبواه. قوله عز وجل: { لقد كان في يوسف وإخوته } يعني في ~~خبره وخبر إخوته وأسماؤهم روبيل وهو أكبرهم وشمعون ولاوى ويهوذا وزبولول ~~ويشجر وأمهم ليا بنت ليان وهي ابنة خال يعقوب وولد يعقوب من سريتين اسم ~~إحداهما زلفة والأخرى بلهة أربعة أولاد وأسماؤهم دان ونفتالي وجاد وآشر، ~~ثم توفيت ليا فتزوج يعقوب ms1773 أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين فهؤلاء ~~بنو ليعقوب وهم الأسباط، وعددهم اثنا عشر نفرا { آيات للسائلين } وذلك ~~أن اليهود لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف وقيل ~~سألوه عن سبب انتقال ولد يعقوب من أرض كنعان إلى أرض مصر ذكر قصة يوسف مع ~~إخوته فوجدوها موافقة لما في التوراة فعجبوا منه فعلى هذا تكون هذه القصة ~~دالة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لم يقرأ الكتب المتقدمة ~~ولم يجالس العلماء والأحبار، ولم يأخذ عن أحد منهم شيئا فدل ذلك على أن ~~ما أتي به وحي سماوي وعلم قدسي أوحاه الله إليه وشرفه به، ومعنى آيات ~~للسائلين أي عبرة للمعتبرين فإن هذه القصة تشتمل على أنواع من العبر ~~والمواعظ والحكم ومنها رؤيا يوسف وما حقق الله فيها ومنها حسد إخوته له ~~وما آل إليه أمرهم من الحسد ومنها صبر يوسف على إخوته وبلواه مثل إلقائه ~~في الجب وبيعه عبدا وسجنه بعد ذلك وما آل إليه أمره من الملك ومنها ما ~~تشتمل عليه من حزن يعقوب وصبره على فقد ولده وما آل إليه أمره من بلوغ ~~المراد وغير ذلك من الآيات التي إذا فكر فيها الإنسان اعتبر واتعظ. ### || [12.8-9] # { إذ قالوا } يعني إخوة يوسف { ليوسف } اللام فيه لام القسم تقديره ~~والله ليوسف { وأخوه } يعني بنيامين وهما من أم واحدة { أحب إلى أبينا ~~منا ونحن عصبة } إنما قالوا هذه المقالة حسدا منهم ليوسف وأخيه لما رأوا ~~من ميل يعقوب إليه وكثرة شفقته عليه والعصبة الجماعة وكانوا عشرة، قال ~~الفراء: العصبة هي العشرة فما زاد وقيل هي ما بين الواحد إلى العشرة وقيل ~~ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقال مجاهد: هي ما بين العشرة إلى خمسة عشر ~~وقيل إلى الأربعين وقيل الأصل فيه أن كل جماعة يتعصب بعضهم ببعض يسمون ~~عصبة والعصبة لا واحد لها من لفظها كالرهط والنفر { إن أبانا لفي ضلال ~~مبين } يعني لفي خطأ بين في إيثاره حب يوسف علينا مع صغره لا ms1774 نفع فيه ~~ونحن عصبة ننفعه ونقوم بمصالحه من أمر دنياه وإصلاح أمر مواشيه وليس ~~المراد من ذكر هذا الضلال الضلال عن الدين إذ لو أرادوا ذلك لكفروا به ~~ولكن أرادوا به الخطأ في أمر الدنيا وما يصلحها يقول نحن أنفع له من يوسف ~~فهو مخطئ في صرف محبته إليه لأنا أكبر منه سنا وأشد قوة وأكثر منفعة ~~وغاب عنهم المقصود الأعظم وهو أن يعقوب عليه الصلاة والسلام ما فضل يوسف ~~وأخاه على سائر الإخوة إلا في المحبة المحضة ومحبة القلب ليس في وسع ~~البشر دفعها ويحتمل أن يعقوب إنما خص يوسف بمزيد المحبة والشفقة لأن أمه ~~ماتت وهو صغير ولأنه رأى فيه من آيات الرشد والنجابة ما لم يره في سائر ~~إخوته فإن قلت الذي فعله إخوة يوسف بيوسف هو محض الحسد والحسد من أمهات ~~الكبائر وكذلك نسبة أبيهم إلى الضلالة هو محض العقوق وهو من الكبائر ~~أيضا وكل ذلك قادح في عصمة الأنبياء فما الجواب عنه. قلت: هذه الأفعال ~~إنما صدرت من إخوة يوسف قبل ثبوت النبوة لهم والمعتبر في عصمة الأنبياء ~~هو وقت حصول النبوة لا قبلها، وقيل: كانوا وقت هذه الأفعال مراهقين غير ~~بالغين ولا تكليف عليهم قبل البلوغ فعلى هذا لم تكن هذه الأفعال قادحة في ~~عصمة الأنبياء. قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف { اقتلوا يوسف أو اطرحوه ~~أرضا يخل لكم وجه أبيكم } لما قوي الحسد وبلغ النهاية قال إخوة يوسف ~~فيما بينهم لا بد من تبعيد يوسف عن أبيه وذلك لا يحصل إلا بأحد طريقين ~~إما القتل مرة واحدة أو التغريب إلى أرض يحصل اليأس من اجتماعه بأبيه بأن ~~تفترسه الأسد والسباع أو يموت في تلك الأرض البعيدة ثم ذكروا العلة في ~~ذلك وهي قوله يخل لكم وجه أبيكم والمعنى أنه قد شغله حب يوسف عنكم فإذا ~~فعلتم ذلك بيوسف أقبل يعقوب بوجهه عليكم وصرف محبته إليكم { وتكونوا من ~~بعده } يعني من بعد قتل يوسف أو إبعاده عن أبيه { قوما صالحين } يعني: ~~تائبين فتوبوا إلى ms1775 الله يعف عنكم فتكونوا قوما صالحين وذلك أنهم لما ~~علموا أن الذي عزموا عليه من الذنوب والكبائر قالوا نتوب إلى الله من هذا ~~الفعل ونكون من الصالحين في المستقبل، وقال مقاتل: معناه يصلح لكم أمركم ~~فيما بينكم وبين أبيكم فإن قلت كيف يليق أن تصدر هذه الأفعال منهم وهم ~~أنبياء. # قلت: الجواب ما تقدم أنهم لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت حتى تكون هذه ~~الأفعال قادحة في عصمة الأنبياء وإنما أقدموا على هذه الأفعال قبل النبوة ~~وقيل إن الذي أشار بقتل يوسف كان أجنبيا شاوروه في ذلك فأشار عليهم ~~بقتله. ### || [12.10-11] # { قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف } يعني قال قائل من إخوة يوسف وهو ~~يهوذا، وقال قتادة: هو روبيل وهو ابن خالته وكان أكبرهم سنا وأحسنهم ~~رأيا فيه فنهاهم عن قتله، وقال: القتل كبيرة عظيمة والأصح أن قائل هذه ~~المقالة هو يهوذا لأنه كان أقربهم إليه سنا { وألقوه في غيابت الجب } ~~يعني ألقوه في أسفل الجب وظلمته والغيابة كل موضع ستر شيئا وغيبه عن ~~النظر والجب البئر الكبيرة غير مطوية سمي بذلك لأنه جب أي قطع ولم يطو ~~وأفاد ذكر القيامة مع ذكر الجب أن المشير أشار بطرحه في موضع من الجب ~~مظلم لا يراه أحد واختلفوا في مكان ذلك الجب، فقال قتادة: هو بئر ببيت ~~المقدس، وقال وهب: هو في أرض الأردن وقال مقاتل هو في أرض الأردن على ~~ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب وإنما عينوا ذلك الجب للعلة التي ذكروها وهي ~~قولهم { يلتقطه بعض السيارة } وذلك أن هذا الجب كان معروفا يرد عليه ~~كثير من المسافرين، والالتقاط أخذ الشيء من الطريق أو من حيث لا يحتسب، ~~ومنه اللقطة بعض السيارة يعني يأخذه بعض المسافرين فيذهب به إلى ناحية ~~أخرى فتستريحون منه { إن كنتم فاعلين } فيه إشارة إلى ترك الفعل فكأنه ~~قال لا تفعلوا شيئا من ذلك وإن عزمتم على هذا الفعل فافعلوا هذا القدر ~~إن كنتم فاعلين ذلك. قال البغوي: كانوا يومئذ بالغين ولم يكونوا أنبياء ~~إلا بعده ms1776 وقيل لم يكونوا بالغين وليس بصحيح بدليل أنهم قالوا وتكونوا من ~~بعده قوما صالحين وقالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ~~والصغير لا ذنب له. قال محمد بن إسحاق: اشتمل فعلهم هذا على جرائم كثيرة ~~من قطيعة الرحم وعقوق الوالدين وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له ~~والغدر بالأمانة وترك العهد والكذب مع أبيهم وعفا الله عن ذلك كله حتى لا ~~ييأس أحد من رحمة الله تعالى وقال بعض أهل العلم عزموا على قتله وعصمهم ~~الله رحمة بهم ولو فعلوا ذلك لهلكوا جميعا وكل ذلك كان قبل أن نبأهم ~~الله فلما أجمعوا على التفريق بين يوسف وبين والده بضرب من الحيل { قالوا ~~} يعني: قال إخوة يوسف ليعقوب { يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف } بدؤوا ~~بالإنكار عليه في ترك إرسال يوسف معهم كأنهم قالوا: أتخافنا إذا أرسلته ~~معنا { وإنا له لناصحون } المراد بالنصح هنا القيام بالمصلحة، وقيل: البر ~~والعطف والمعنى وإنا لعاطفون عليه قائمون بمصلحته وبحفظه، وقال مقاتل: في ~~الكلام تقديم وتأخير وذلك أنهم قالوا لأبيهم أرسله معنا فقال يعقوب إني ~~ليحزنني أن تذهبوا به فحينئذ قالوا: مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له ~~لناصحون ثم قالوا. ### || [12.12-15] # { أرسله معنا غدا } يعني إلى الصحراء { يرتع } الرتع هو الاتساع في ~~الملاذ يقال رتع فلان في ماله إذا أنفقه في شهواته والأصل في الرتع أكل ~~البهائم في الخصب زمن الربيع ويستعار للأنسان إذا أريد به الأكل الكثير { ~~ويلعب } اللعب معروف وقال الراغب: يقال لعب فلان إذا كان فعله غير قاصد ~~به مقصدا صحيحا سئل أبو عمرو بن العلاء كيف قالوا نلعب وهم الأنبياء ~~فقال كم يكونوا يومئذ أنبياء ويحتمل أن يكون المراد باللعب هنا الإقدام ~~على المباحات لأجل إنشراح الصدر ومنه # " قوله صلى الله عليه وسلم لجابر رضي الله عنه " هلا بكرا تلاعبها ~~وتلاعبك " # وأيضا فإن لعبهم كان الاستباق وهو غرض صحيح مباح لما فيه من المحاربة ~~والإقدام على الأقران والحرب بدليل قوله نستبق وإنما سموه لعبا لأنه في ~~صورة ms1777 اللعب وقيل في معنى نرتع ونلعب نتنعم ونأكل ونلهو وننشط { وإنا له ~~لحافظون } يعني نجتهد في حفظه غاية الاجتهاد حتى نرده إليك سالما { قال ~~} يعني قال لهم يعقوب عليه الصلاة والسلام { إني ليحزنني أن تذهبوا به } ~~أي: ذهابكم به والحزن هنا ألم القلب بفراق المحبوب ومعنى الآية أنه لما ~~طلبوا منه أن يرسل معهم يوسف عليه الصلاة والسلام اعتذر يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام بعذرين أحدهما أن ذهابهم به ومفارقته إياهم يحزنه لأنه ~~كان لا يقدر أن يصبر عنه ساعة والثاني قوله { وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم ~~عنه غافلون } يعني إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم وذلك أن يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام كان رأى في المنام أن ذئبا شد على يوسف عليه الصلاة ~~والسلام فكان يعقوب يخاف عليه من ذلك وقيل كانت الذئاب في أرضهم كثيرة { ~~قالوا } يعني قال إخوة يوسف مجيبين ليعقوب { لئن أكله الذئب ونحن عصبة } ~~أي جماعة عشرة رجال { إنا إذا لخاسرون } يعني عجزة ضعفاء وقيل إنهم ~~خافوا أن يدعو عليهم يعقوب بالخسار والبوار وقيل معناه إنا إذا لم نقدر ~~على حفظ أخينا فكيف نقدر على حفظ مواشينا فنحن إذا خاسرون. قوله عز وجل: ~~{ فلما ذهبوا به } فيه إضمار واختصار تقديره فأرسله معهم فلما ذهبوا به { ~~وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب } يعني وعزموا على أن يلقوه في غيابة ~~الجب. ذكر قصة ذهابهم بيوسف عليه الصلاة والسلام قال وهب، وغيره من أهل ~~السير والأخبار: إن إخوة يوسف قالوا له أما تشتاق أن تخرج معنا إلى ~~مواشينا فنصيد ونستبق قال بلى قالوا له أنسأل أباك أن يرسلك معنا، قال ~~يوسف: افعلوا فدخلوا بجماعتهم على يعقوب، فقالوا: يا أبانا إن يوسف قد ~~أحب أن يخرج معنا إلى مواشينا فقال يعقوب: ما تقول يا بني؟ قال: نعم يا ~~أبت إني أرى من إخوتي اللين واللطف فأحب أن تأذن لي، وكان يعقوب يكره ~~مفارقته ويحب مرضاته فأذن له وأرسله معهم فلما خرجوا به من عند يعقوب ~~جعلوا يحملونه على رقابهم ويعقوب ينظر إليهم ms1778 فلما بعدوا عنه وصاروا إلى ~~الصحراء وألقوه على الأرض وأظهروا له ما في أنفسهم من العداوة وأغلظوا له ~~القول وجعلوا يضربونه فجعل كلما جاء إلى واحد منهم واستغاث به ضربه فلما ~~فطن لما عزموا عليه من قتله جعل ينادي يا أبتاه يا يعقوب لو رأيت يوسف ~~وما نزل به من إخوته لأحزنك ذلك وأبكاك يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك ~~وضيعوا وصيتك وجعل يبكي بكاء شديدا فأخذه روبيل وجلد به الأرض ثم جثم ~~على صدره وأراد قتله، فقال له يوسف: مهلا يا أخي لا تقتلني، فقال له: يا ~~ابن راحيل أنت صاحب الأحلام قل لرؤياك تخلصك من أيدينا ولوى عنقه، ~~فاستغاث يوسف بيهوذا وقال له اتق الله في وحل بيني وبين من يريد قتلي ~~فأدركته رحمة الإخوة ورق له فقال يهوذا يا إخوتي ما على هذا عاهدتموني ~~ألا أدلكم على ما هو أهون لكم وأرفق به فقالوا وما هو قال تلقونه في هذا ~~الجب إما أن يموت أو يلتقطه بعض السيارة فانطلقوا به إلى بئر هناك على ~~غير الطريق واسع الأسفل ضيق الرأس فجعلوا يدلونه في البئر فتعلق بشفيرها ~~فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال يا إخوتاه ردوا علي قميصي لأستتر به في ~~الجب فقالوا ادع الشمس والقمر والكواكب تخلصك وتؤنسك فقال إني لم أر ~~شيئا فألقوه فيها ثم قال لهم يا إخوتاه أتدعوني فيها فريدا وحيدا وقيل ~~جعلوه في دلو ثم أرسلوه فيها، فلما بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت وكان ~~في البئر ماء فسقط فيه ثم آوى إلى صخرة كانت في البئر فقام عليها وقيل ~~نزل عليه ملك فحل يديه وأخرج له صخرة من البئر فأجلسه عليها، وقيل إنهم ~~لما ألقوه في الجب جعل يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركته فأجابهم فأرادوا ~~أن يرضخوه بصخرة ليقتلوه فمنعهم يهوذا من ذلك وقيل إن يعقوب لما بعثه مع ~~إخوته أخرج له قميص إبراهيم الذي كساه الله إياه من الجنة حين ألقي في ~~النار فجعله يعقوب في قصبة فضة وجعلها في ms1779 عنق يوسف فألبسه الملك إياه حين ~~ألقي في الجب فأضاء له الجب. # وقال الحسن: لما ألقي يوسف في الجب عذب ماؤه فكان يكفيه عن الطعام ~~والشراب ودخل عليه جبريل فأنس به فلما أمسى نهض جبريل ليذهب فقال له إنك ~~إذا خرجت استوحشت فقال له إذا رهبت شيئا فقل يا صريخ المستصرخين ويا غوث ~~المستغيثين ويا مفرج كرب المكروبين قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى ~~عليك شيء من أمري فلما قالها يوسف حفته الملائكة واستأنس في الجب، وقال ~~محمد بن مسلم الطائفي: لما ألقي يوسف في الجب قال: يا شاهدا غير غائب ~~ويا قريبا غير بعيد ويا غالبا غير مغلوب اجعل لي فرجا مما أنا فيه فما ~~بات فيه واختلفوا في قدر عمر يوسف يوم ألقي في الجب فقال الضحاك ست سنين ~~وقال الحسن: اثنتا عشرة سنة، وقال ابن السائب: سبع عشرة سنة، وقيل: ثمان ~~عشرة سنة، وقيل: مكث في الجب ثلاثة أيام وكان إخوته يرعون حوله وكان ~~يهوذا يأتيه بالطعام فذلك قوله تعالى: { وأوحينا إليهم لتنبئنهم بأمرهم ~~هذا } يعني لتخبرن إخوتك قال أكثر المفسرين: إن الله أوحى إليه وحيا ~~حقيقة فبعث إليه جبريل يؤنسه ويبشره بالخروج ويخبره أنه سينبئهم بما ~~فعلوا ويجازيهم عليه هذا قول طائفة عظيمة من المحققين ثم القائلون بهذا ~~القول اختلفوا هل كان بالغا في ذلك الوقت أو كان صبيا صغيرا فقال ~~بعضهم إنه كان بالغا وكان عمره خمس عشرة سنة وقال آخرون بل كان صغيرا ~~إلا أن الله عز وجل أكمل عقله ورشده وجعله صالحا لقبول الوحي والنبوة ~~كما قال في حق عيسى عليه الصلاة والسلام. # فإن قلت كيف جعله نبيا في ذلك الوقت ولم يكن أحد يبلغه رسالة ربه لأن ~~فائدة النبوة والرسالة تبليغها إلى من أرسل إليه. قلت: لا يمتنع أن الله ~~يشرفه بالوحي ويكرمه بالنبوة والرسالة في ذلك الوقت، وفائدة ذلك تطييب ~~قلبه وإزالة الهم والغم والوحشة عنه ثم بعد ذلك يأمره بتبليغ الرسالة ~~في وقتها وقيل إن المراد من قوله وأوحينا ms1780 إليه وحي إلهام كما في قوله ~~تعالى وأوحى ربك إلى النحل وأوحينا إلى أم موسى والقول الأول أولى وقوله ~~تعالى: { وهم لا يشعرون } يعني بإيحائنا إليك وأنت في البئر بأنك ستخبرهم ~~بصنيعهم هذا، والفائدة في إخفاء ذلك الوحي أنهم إذا عرفوه فربما ازداد ~~حسدهم له. وقيل: إن الله تعالى أوحى إلى يوسف لتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا ~~بعد هذا اليوم وهم لا يشعرون بأنك أنت يوسف والمقصود من ذلك تقوية قلب ~~يوسف عليه الصلاة والسلام وأنه سيخلص مما هو فيه من المحنة ويصير ~~مستوليا عليهم ويصيرون تحت أمره وقهره. ### || [12.16-18] # قوله تعالى: { وجاؤوا أباهم عشاء يبكون } قال المفسرون: لما طرحوا يوسف ~~في الجب رجعوا إلى أبيهم وقت العشاء ليكونوا في الظلمة أجرأ على الاعتذار ~~بالكذب فلما قربوا من منزل يعقوب جعلوا يبكون ويصرخون فسمع أصواتهم ففزع ~~من ذلك وخرج إليهم فلما رآهم قال بالله سألتكم يا بني هل أصابكم شيء في ~~غنمكم قالوا لا قال فما أصابكم وأين يوسف { قالوا يا أبنا إنا ذهبنا ~~نستبق } قال ابن عباس: يعني ننتضل، وقال الزجاج: يسابق بعضنا بعضا في ~~الرمي الأصل في السبق الرمي بالسهم وهو التناضل أيضا وسمي المتراميان ~~بذلك يقال تسابقا واستبقا إذا فعلا ذلك ليتبين أيهما أبعد سهما. وقال ~~السدي: يعني نشتد ونعدو والمعنى نستبق على الأقادم ليتبين أينا أسرع ~~عدوا وأخف حركة، وقال مقاتل: نتصيد والمعنى نستبق إلى الصيد { وتركنا ~~يوسف عند متاعنا } يعني عند ثيابنا { فأكله الذئب } يعني في حال استباقنا ~~وغفلتنا عنه { وما أنت بمؤمن لنا } يعني وما أنت بمصدق لنا { ولو كنا ~~صادقين } يعني في قولنا والمعنى إنا وإن كنا صادقين لكنك لا تصدق لنا ~~قولا لشدة محبتك ليوسف فإنك تتهمنا في قولنا هذا وقيل معناه إنا وإن كنا ~~صادقين فإنك لا تصدقنا لأنه لم تظهر عندك أمارة تدل على صدقنا { وجاؤوا ~~على قميصه } يعني قميص يوسف { بدم كذب } أي مكذوب فيه قال ابن عباس: إنهم ~~ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميص يوسف ثم جاؤوا أباهم وفي ms1781 القصة أنهم ~~لطخوا القميص بالدم ولم يشقوه، فقال يعقوب لهم: كيف أكله الذئب ولم يشق ~~قميصه فاتهمهم بذلك، وقيل إنهم أتوه بذئب وقالوا هذا أكله فقال يعقوب: ~~أيها الذئب أنت أكلت ولدي وثمرة فؤادي؟ فأنطقه الله عز وجل وقال والله ما ~~أكلته ولا رأيت ولدك قط ولا يحل لنا أن نأكل لحوم الأنبياء، فقال يعقوب ~~فكيف وقعت بأرض كنعان فقال جئت لصلة الحم وهي قرابة لي فأخذوني وأتوا بي ~~إليك فأطلقه يعقوب ولما ذكر إخوة يوسف ليعقوب هذا الكلام واحتجوا على ~~صدقهم بالقميص الملطخ بالدم، { قال } يعقوب { بل سولت لكم أنفسكم أمرا } ~~يعني بل زينت لكم أنفسكم أمرا، وأصل التسويل تقدير معنى في النفس مع ~~الطمع في إتمامه، وقال صاحب الكشاف: سولت سهلت من السول وهو الاسترخاء أي ~~سهلت لكم أنفسكم أمرا عظيما ركبتموه من يوسف وهونتموه في أنفسكم ~~وأعينكم فعلى هذا يكون معنى قوله بل رد لقولهم فأكله الذئب كأنه قال ليس ~~الأمر كما تقولون أكله الذئب بل سولت لكم أنفسكم أمرا آخر غير ما تصفون ~~{ فصبر جميل } أي: فشأني صبر جميل، وقيل: معناه فصبري صبر جميل والصبر ~~الجميل الذي لا شكوى فيه ولا جزع. وقيل: من الصبر أن لا تتحدث بمصيبتك ~~ولا تزكين نفسك { والله المستعان على ما تصفون } يعني: من القول الكذب، ~~وقيل: معناه والله المستعان على حمل ما تصفون. ### || [12.19] # قوله عز جل: { وجاءت سيارة } وهم القوم المسافرون سموا سيارة لمسيرهم ~~في الأرض، وكانوا رفقة من مدين يريدون مصر فأخطؤوا الطريق فنزلوا قريبا ~~من الجب الذي كان فيه يوسف وكان في قفرة بعيدة من العمارة ترده الرعاة ~~والمارة وكان ماؤه ملحا فلما ألقي يوسف فيه عذب فلما نزلوا أرسلوا رجلا ~~من أهل مدين يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء فذلك قوله عز ~~وجل: { فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه } قال والوارد هو الذي يتقدم الرفقة ~~إلى الماء فيهيئ الأرشية والدلاء يقال أدليت الدلو إذا أرسلتها في البئر ~~ودلوتها إذا أخرجتها قال فتعلق يوسف عليه الصلاة ms1782 والسلام بالحبال وكان ~~يوسف عليه السلام أحسن ما يكون من الغلمان وذكر البغوي بسند متصل أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أعطي يوسف شطر الحسن " # ويقال إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة وكانت قد أعطيت سدس الحسن قال ~~محمد بن إسحاق: ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن، وحكى الثعلبي عن كعب الأحبار، ~~قال: كان يوسف حسن الوجه جعد الشعر ضخم العينين مستوي الخلق أبيض اللوم ~~غليظ الساعدين والعضدين والساقين خميص البطن صغير السرة وكان إذا تبسم ~~رأيت النور من ضواحكه وإذا تكلم رأيت شعاع النور في ثناياه، ولا يستطيع ~~أحد وصفه وكان حسنه كضوء النهار عند الليل وكان يشبه آدم عليه الصلاة ~~والسلام يوم خلقه الله وصورته قبل أن يصيب الخطيئة. قالوا فلما خرج يوسف ~~ورآه مالك بن ذعر كأحسن ما يكون من الغلمان قال يعني الوارد وهو مالك بن ~~ذعر { يا بشراي } يعني يقول الوارد لأصحابه أبشروا { هذا غلام } وقرئ يا ~~بشرى بغير إضافة ومعناه أن الوارد نادى رجلا من أصحابه اسمه بشرى كما ~~تقول يا زيد ويقال أن جدران البئر بكت على يوسف حين خرج منها { وأسروه ~~بضاعة } قال مجاهد أسره: مالك بن ذعر وأصحابه من التجار الذين كانوا معهم ~~وقالوا إنه بضاعة استبضعناه لبعض أهل المال إلى مصر وإنما قالوا ذلك خيفة ~~أن يطلبوا منهم الشركة فيه، وقيل: إن إخوة يوسف أسروا شأن يوسف يعني أنهم ~~أخفوا أمر يوسف وكونه أخا لهم بل قالوا هو عبد لنا أبق وصدقهم يوسف على ~~ذلك لأنهم توعدوه بالقتل سرا من مالك ابن ذعر وأصحابه والقول الأول أصح ~~لأن مالك بن ذعر هو الذي أسره بضاعة وأصحابه { والله عليم بما يعملون } ~~يعني من إرادة إهلاك يوسف فجعل ذلك سببا لنجاته وتحقيقا لرؤياه أن يصير ~~ملك مصر بعد أن كان عبدا قال أصحاب الأخبار: إن يهوذا كان يأتي يوسف ~~بالطعام فأتاه فلم يجده في الجب فأخبر إخوته بذلك فطلبوه فإذا هم بمالك ~~بن ذعر وأصحابه نزولا قريبا من البئر فأتوهم فإذا ms1783 يوسف عندهم فقالوا ~~لهم هذا عبدنا أبق منا ويقال إنهم هددوا يوسف حتى يكتم حاله ولا يعرفها ~~وقال لهم مثل قولهم ثم إنهم باعوه منهم. ### || [12.20-21] # قوله تعالى: { وشروه } أي باعوه وقد يطلق لفظ الشراء على البيع يقال ~~شريت الشيء بمعنى بعته وإنما وجب حمل هذا الشراء على البيع لأن الضمير في ~~وشروه وفي وكانوا فيه من الزاهدين يرجع إلى شيء واحد وذلك أن إخوته زهدوا ~~فيه فباعوه وقيل إن الضمير في وشروه يعود على مالك بن ذعر وأصحابه فعلى ~~هذا القول يكون لفظ الشراء على بابه { بثمن بخس } قال الحسن والضحاك ~~ومقاتل والسدي: بخس أي حرام لأن ثمن الحر حرام ويسمى الحرام بخسا لأنه ~~مبخوس البركة يعني منقوصها وقال ابن مسعود وابن عباس: بخس أي زيوف ناقصة ~~العيار وقال قتادة: بخس أي ظلم والظلم نقصان الحق يقال ظلمه إذا نقصه حقه ~~وقال عكرمة والشعبي: بخس أي قليل وعلى الأقوال كلها فالبخس في اللغة هو ~~نقص الشيء على سبيل الظلم والبخس والباخس الشيء الطفيف { دراهم معدودة } ~~فيه إشارة إلى قلة تلك الدراهم لأنهم في ذلك الزمان ما كانوا يزنون أقل ~~من أربعين درهما إنما كانوا يأخذون ما دونها عددا فإذا بلغت أربعين ~~درهما وهي أوقية وزنوها واختلفوا في عدد تلك الدراهم فقال ابن مسعود ~~وابن عباس وقتادة: كانت عشرين درهما فاقتمسوها درهمين درهمين فعلى هذا ~~القول لم يأخذ أخوه من أمه وأبيه شيئا منها، وقال مجاهد: كانت اثنين ~~وعشرين درهما فعلى هذا أخذ أخوه منها درهمين لأنهم كانوا أحد عشر أخا ~~وقال عكرمة كانت أربعين درهما { وكانوا فيه من الزاهدين } يعني وكان ~~إخوة يوسف في يوسف من الزاهدين وأصل الزهد قلة الرغبة يقال زهد فلان في ~~كذا إذا لم يكن له فيه رغبة والضمير في قوله وكانوا فيه من الزاهدين إن ~~قلنا إنه يرجع إلى إخوة يوسف كان وجه زهدهم فيه أنهم حسدوه وأرادوا ~~إبعاده عنهم ولم يكن قصدهم تحصيل الثمن وإن قلنا إن قوله وشروه وكانوا ~~فيه من الزاهدين ms1784 يرجع إلى معنى واحد وهو أن الذين شروه كانوا فيه من ~~الزاهدين كان وجه زهدهم فيه إظهار قلة الرغبة فيه ليشتروه بثمن بخس قليل. ~~ويحتمل أن يقال: إن إخوته لما قالوا إنه عبدنا وقد أبق أظهر المشتري قلة ~~الرغبة فيه لهذا السبب قال أصحاب الأخبار ثم إن مالك بن ذعر وأصحابه لما ~~اشتروا يوسف انطلقوا به إلى مصر وتبعهم إخوته يقولون استوثقوا منه لا ~~يأبق منكم فذهبوا به حتى قدموا مصر فعرضه مالك على البيع فاشتراه قطفير ~~قاله ابن عباس، وكان قطفير صاحب أمر الملك وكان على خزائن مصر وكان يسمى ~~العزيز وكان الملك بمصر ونواحيها اسمه الريان بن الوليد بن شروان وكان من ~~العماليق، وقيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن بيوسف واتبعه على دينه ثم ~~مات ويوسف عليه الصلاة والسلام حي. # قال ابن عباس: لما دخلوا مصر لقي قطفير مالك بن ذعر فاشترى يوسف منه ~~بعشرين دينارا وزوج نعل وثوبين أبيضين، وقال وهب بن منبه: قدمت السيارة ~~بيوسف مصر ودخلوا به السوق يعرضونه للبيع فترافع الناس في ثمنه حتى بلغ ~~ثمنه وزنه ذهبا ووزنه فضة ووزنه مسكا وحريرا وكان وزنه أربعمائة رطل ~~وكان عمره يومئذ ثلاث عشرة سنة أو سبع عشرة سنة فابتاعه قطفير بهذا الثمن ~~فذلك قوله تعالى: { وقال الذي اشتراه من مصر } يعني قطفير من أهل مصر { ~~لأمرأته } وكان اسمها راعيل وقيل زليخا { أكرمي مثواه } يعني أكرمي منزله ~~ومقامه عندك والمثوى موضع الإقامة وقيل أكرميه في المطعم والملبس والمقام ~~{ عسى أن ينفعنا } يعني إن أردنا بيعه بعناه بربح أو يكفينا بعض أمورنا ~~ومصالحنا إذا قوي وبلغ { أو نتخذه ولدا } يعني نتبناه وكان حصورا ليس ~~له ولد، قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة العزيز في يوسف حيث قال لامرأته ~~أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وابنة شعيب في موسى حيث قالت ~~لأبيها استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين وأبو بكر في عمر استخلفه ~~بعده { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } يعني كما مننا على ms1785 يوسف بأن ~~أنقذناه من القتل وأخرجناه من الجب كذلك مكناه في الأرض يعني أرض مصر ~~فجعلناه على خزائنها { ولنعلمه من تأويل الأحاديث } أي مكنا له في الأرض ~~لكي نعلمه من تأويل الأحاديث يعني عبارة الرؤيا وتفسيرها { والله غالب ~~على أمره } قيل الكناية في أمره راجعة إلى الله تعالى ومعناه والله غالب ~~على أمره يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا دافع لأمره ولا راد لقضائه ولا ~~يغلبه شيء وقيل هي راجعة إلى يوسف ومعناه أن الله مستول على أمر يوسف ~~بالتدبير والإحاطة لا يكله إلى أحد سواه حتى يبلغ منتهى ما علمه فيه { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } يعني ما هو صانع بيوسف وما يريد منه. ### || [12.22-23] # { ولما بلغ أشده } يعني منتهى شبابه وشدته وقوته، وقال مجاهد: ثلاثة ~~وثلاثون سنة، وقال الضحاك: عشرون سنة وقال السدي: ثلاثون سنة، وقال ~~الكلبي: الأشد ما بين ثمان عشرة إلى ثلاثين سنة وسئل مالك عن الأشد فقال: ~~هو الحلم { آتيناه حكما وعلما } يعني آتينا يوسف بعد بلوغ الأشد نبوة ~~وفقها في الدين وقيل حكما يعني أصابة في القول وعلما بتأويل الرؤيا ~~وقيل الفرق بين الحكيم والعالم أن العالم هو الذي يعلم الأشياء بحقائقها ~~والحكيم هو الذي يعمل بما يوجبه العلم وقيل الحكمة حبس النفس عن هواها ~~وصونها عما لا ينبغي والعلم هو العلم النظري { وكذلك } يعني وكما أنعمنا ~~على يوسف بهذه النعم كلها كذلك { نجزي المحسنين } قال ابن عباس: يعني ~~المؤمنين وعنه أيضا المهتدين، وقال الضحاك: يعني الصابرين على النوائب ~~كما صبر يوسف { وراودته التي هو في بيتها عن نفسه } يعني أن امرأة العزيز ~~طلبت من يوسف الفعل القبيح ودعته إلى نفسها ليواقعها { وغلقت الأبواب } ~~أي أطبقتها وكانت سبعة لأن مثل هذا لفعل لا يكون إلا في ستر وخفية أو ~~أنها أغقلتها لشدة خوفها { وقالت هيت لك } أي هلم وأقبل، قال أبو عبيدة: ~~كان الكسائي يقول هي لغة لأهل حوران رفعت إلى الحجاز معناها تعال، وقال ~~عكرمة أيضا بالحورانية: هلم، وقال مجاهد وغيره: هي ms1786 لغة عربية وهي كلمة ~~حث وإقبال على الشيء وقيل هي بالعبرانية وأصلها هيتالج أي تعال فعربت ~~فقيل هيت لك فمن قال إنها بغير لغة العرب يقول إن العرب وافقت أصحاب هذه ~~اللغة فتكلمت بها على وفق لغات غيرهم كما وافقت لغة العرب الروم في ~~القسطاس ولغة العرب الفرس في التنور ولغة العرب الترك في الغساق ولغة ~~العرب الحبشة في ناشئة الليل وبالجملة فإن العرب إذا تكلمت بكلمة صارت ~~لغة لها وقرئ هئت لك بكسر الهاء مع الهمزة ومعناها تهيأت لك { قال } يعني ~~يوسف { معاذ الله } أي أعوذ بالله وأعتصم به وألجأ إليه فيما دعوتني إليه ~~{ إنه ربي } يعني أن العزيز قطفير سيدي { أحسن مثواي } أي أكرم منزلتي ~~فلا أخونه وقيل إن الهاء في إنه ربي راجعة إلى الله تعالى والمعنى يقول ~~إن الله ربي أحسن مثواي يعني أنه آواني ومن بلاء الجب نجاني { إنه لا ~~يفلح الظالمون } يعني إن فعلت هذا الفعل فأنا ظالم ولا يفلح الظالمون، ~~وقيل: معناه أنه لا يسعد الزناة. ### || [12.24] # قوله عز وجل: { ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه } الآية، ~~هذه الآية الكريمة مما يجب الاعتناء بها والبحث عنها والكلام عليها في ~~مقامين الأول في ذكر أقوال المفسرين في هذه الآية قال المفسرون: الهم هم ~~المقاربة من الفعل من غير دخول فيه، وقيل: الهم مصدر هممت بالشيء إذا ~~أردته وحدثتك نفسك به وقاربته من غير دخول فيه فمعنى قوله ولقد همت به ~~أي أرادته وقصدته فكان همها به عزمها على المعصية والزنا، وقال الزمخشري: ~~هم بالأمر إذا قصده وعزم عليه قال الشاعر وهو عمرو بن ضابئ البرجمي: # هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله # وقوله: ولقد همت به: معناه ولقد همت بمخالطته وهم بها أي وهم ~~بمخالطتها لولا أن رأى برهان ربه جوابه محذوف تقديره لولا أن رأى برهان ~~ربه لخالطها قال البغوي وأما همه بها فروي عن ابن عباس أنه قال حل ~~الهميان وجلس منها مجلس الخائن، وقال ms1787 مجاهد: حل سراويله وجعل يعالج ~~ثيابه، وهذا قول أكثر المفسرين منهم سعيد بن جبير والحسن وقال الضحاك: ~~جرى الشيطان بينهما فضرب بيده إلى جيد يوسف وبيده الأخرى إلى جيد المرأة ~~حتى جمع بينهما، قال أبو عبيده القاسم بن سلام: وقد أنكر قوم هذا القول ~~قال البغوي: والقول ما قاله قدماء هذه الأمة وهم كانوا أعلم بالله أن ~~يقولوا في الأنبياء من غير علم، قال السدي وابن إسحاق: لما أرادت امرأة ~~العزيز مراودة يوسف عن نفسه جعلت تذكر له محاسن نفسه وتشوقه إلى نفسها ~~فقالت: يا يوسف ما أحسن شعرك، قال: هو أول ما ينتثر عن جسدي، قالت: ما ~~أحسن عينيك، قال: هي أول ما يسيل على خدي في قبري، قالت: ما أحسن وجهك، ~~قال: هو للتراب يأكله. وقيل: إنها قالت له إن فراش الحرير مبسوط قم فاقض ~~حاجتي قال: إذن يذهب نصيبي من الجنة. فلم تزل تطمعه وتدعوه إلى اللذة وهو ~~شاب يجد من شبق الشباب ما يجده الرجل وهي امرأة حسناء جميلة حتى لان لها ~~لما يرى من كلفها به فهم بها ثم إن الله تدارك عبده يوسف بالبرهان الذي ~~ذكره وسيأتي الكلام على تفسير البرهان الذي رآه يوسف عليه الصلاة والسلام ~~فهذا ما قاله المفسرون في هذه الآية أما المقام الثاني في تنزيه يوسف ~~عليه الصلاة والسلام عن هذه الرذيلة وبيان عصمته من هذه الخطيئة التي ~~ينسب إليها. قال بعض المحققين: الهم همان فهم ثابت وهو ما كان معه عزم ~~وقصد وعقيدة رضا مثل هم امرأة العزيز فالعبد مأخوذ به وهم عارض وهو ~~الخطرة في القلب وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم مثل هم يوسف فالعبد ~~غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل به ويدل على صحة هذا ما روي عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يقول الله تبارك وتعالى: " إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن ~~عملها فاكتبوها عليه سيئة واحدة وإذا هم بحسنة فلم يعملها ms1788 فاكتبوها له ~~حسنة فإن عملها فاكتبوها له عشرة " # لفظ مسلم وللبخاري بمعناه ق. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه عز وجل قال # " إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها ~~كتبها الله له عنده حسنة كاملة فإن هم بها وعملها كتبها الله له عشر ~~حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ومن هم بسيئة ولم يعملها كتبها ~~الله له عنده حسنة وإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عليه سيئة واحدة " # زاد في رواية أو محاها # " ولن يهلك على الله إلا هالك " # قال القاضي عياض في كتابه الشفاء فعلى مذهب كثير من الفقهاء المحدثين إن ~~هم النفس لا يؤاخذ به وليس سيئة وذكر الحديث المتقدم فلا معصية في هم ~~يوسف إذن وأما على مذهب المحققين من الفقهاء والمتكلمين فإن الهم إذا ~~وطنت عليه النفس كان سيئة وأما مالم توطن عليه النفس من همومها وخواطرها ~~فهو المعفو عنه هذا هو الحق فيكون إن شاء الله هم يوسف من هذا ويكون قوله ~~وما أبرئ نفسي الآية أي ما أبرئها من هذا الهم أو يكون ذلك على طريق ~~التواضع والاعتراف بمخالفة النفس لما زكي قبل وبرئ فكيف وحكى أبو حاتم عن ~~عبيدة أن يوسف عليه الصلاة والسلام لم يهم وأن الكلام فيه تقديم وتأخير ~~أي ولقد همت به ولولا أن أري برهان ربه لهم بها وقال تعالى حاكيا عن ~~المرأة ولقد راودته عن نفسه فاستعصم وقال تعالى: كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء، وقال تعالى: وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله الآية ~~وقيل في قوله وهم بها أي بزجرها ووعظها وقيل هم بها أي همه امتناعه وقيل ~~هم بها أي نظر إليها وقيل هم بضربها ودفعها وقيل هذا كله كان قبل نبوته ~~وقد ذكر بعضهم ما زال النساء يملن إلى يوسف ميل شهوة زليخا حتى نبأه الله ~~فألقى عله هيبة النبوة فشغلت هيبته كل ms1789 من رآه عن حسه هذا آخر كلام القاضي ~~عياض رحمه الله، وأما الإمام فخر الدين فذكر في هذا المقام كلاما طويلا ~~مبسوطا وأنا أذكر بعضه ملخصا، فأقول قال الإمام فخر الدين الرازي: إن ~~يوسف عليه الصلاة والسلام كان بريئا من العمل الباطل والهم المحرم وهذا ~~قول المحققين من المفسرين والمتكلمين وبه نقول وعنه نذب فإن الدلائل قد ~~دلت على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا يلتفت إلى ما نقله بعض ~~المفسرين عن الأئمة المتقدمين فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متى ~~صدرت منهم زلة أو هفوة استعظموها وأتبعوها بإظهار الندامة والتوبة ~~والاستغفار كما ذكر عن آدم عليه السلام في قوله ربنا ظلمنا أنفسنا الآية ~~وقال في حق داود عليه الصلاة والسلام فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب وأما ~~يوسف عليه الصلاة والسلام فلم يحك عنه شيئا من ذلك في هذه الواقعة لأنه ~~لو صدر منه شيء لأتبعه بالتوبة والاستغفار ولو أتى بالتوبة لحكى الله ذلك ~~عنه في كتابه كما ذكر عن غيره من الأنبياء وحيث لم يحك عنه شيئا علمنا ~~براءته مما قيل فيه ولم يصدر عنه شيء كما نقله أصحاب الأخبار ويدل على ~~ذلك أيضا أن كل من كان له تعلق بهذه الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف عليه ~~السلام عما نسب إليه واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة يوسف والمرأة ~~وزوجها والنسوة واللاتي قطعن أيديهن والمولود الذي شهد على القميص شهدوا ~~ببراءته والله تعالى شهد ببراءته من الذنب أيضا. # أما بيان أن يوسف ادعى براءته مما نسب إليه فقوله هي راودتني عن نفسي، ~~وقوله: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه. وأما بيان أن المرأة اعترفت ~~ببراءة يوسف ونزاهته فقولها: أنا راودته عن نفسه فاستعصم، وقولها: الآن ~~حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين. وأما بيان أن زوج ~~المرأة اعترف أيضا ببراءة يوسف فقوله: إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف ~~أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين. وأما شهادة المولود ~~ببراءته فقوله: وشهد شاهد من ms1790 أهلها الآية وأما شهادة الله له بذلك فقوله ~~تعالى كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ومن كان ~~كذلك فليس للشيطان عليه سلطان بدليل قوله لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين وبطل بهذا قول من قال إن الشيطان جرى بينهما حتى أخذ بجيده وجيد ~~المرأة حتى جمع بينهما فإنه قول منكر لا يجوز لأحد أن يقول ذلك. وأما ما ~~روي عن ابن عباس: إنه جلس منها مجلس الخائن فحاش ابن عباس أن يقول مثل ~~هذا عن يوسف عليه الصلاة والسلام ولعل بعض أصحاب القصص وأصحاب الأخبار ~~وضعوه عن ابن عباس، وكذلك ما روي عن مجاهد وغيره أيضا فإنه لا يكاد يصح ~~بسند صحيح وبطل ذلك كله وثبت ما بيناه من براءة يوسف عليه الصلاة والسلام ~~من هذه الرذيلة والله أعلم بمراده وأسرار كتابه وما صدر من أنبيائه عليهم ~~الصلاة والسلام. # فإن قلت: فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله عز وجل لولا أن رأى برهان ربه ~~فائدة. قلت: فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين أحدهما: أنه تعالى أعلم ~~يوسف أنه لو هم بدفعها لقتلته فأعلمه بالبرهان أن الامتناع من ضربتها ~~أولى صونا للنفس عن الهلاك الوجه الثاني: أنه عليه الصلاة والسلام لو ~~اشتغل بدفعها عن نفسه لتعلقت به فكان في ذلك أن يتمزق ثوبه من قدام وكان ~~في علم الله أن الشاهد يشهد بأنه ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو ~~الخائن وإذا تمزق من خلف كانت هي الخائنة فأعلمه الله بالبرهان هذا ~~المعنى فلم يشتغل بدفعها عن نفسه بل ولى هاربا فأثبت بذلك الشاهد حجة له ~~لا عليه وأما تفسير البرهان على ما ذكره المفسرون في قوله تعالى # لولا أن رأى برهان ربه # [يوسف: 24] فقال قتادة وأكثر المفسرين: إن يوسف رأى صورة يعقوب عليه ~~السلام وهو يقول له يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب من الأنبياء. ~~وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك: انفرج له سقف البيت ~~فرأى يعقوب عاضا على أصبعه، وقال سعيد بن ms1791 جبير عن ابن عباس: مثل له ~~يعقوب فضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله وقال السدي نودي يا يوسف ~~أتواقعها إنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق عليه ~~وإن مثلك إن واقعتها كمثله إذا وقع على الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ~~شيئا ومثلك ما لم يتواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يطاق ومثلك إن ~~واقعتها كمثله إذا مات ودخل النمل في قرنه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ~~وقيل إنه رأى معصما بلا عضد عليه مكتوب # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون # [الإنفطار: 10-12] فولى هاربا ثم رجع فعاد المعصم وعليه مكتوب # ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا # [الإسراء: 32] فولى هاربا ثم عاد فرأى ذلك الكف وعليه مكتوب # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281] الآية ثم عاد فقال الله تعالى لجبريل عليه السلام أدرك ~~عبدي يوسف قبل ان يصيب الخطيئة فانحط جبريل عاضا على أصبعه يقول يا يوسف ~~أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله من الأنبياء وقيل إنه مسه بجناحه ~~فخرجت شهوته من أنامله قال محمد بن كعب القرظي رفع يوسف رأسه إلى سقف ~~البيت فرأى كتابا في حائط فيه # ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا # [الإسراء: 32] وفي رواية عن ابن عباس أن رأى مثال ذلك الملك، وعن علي ~~بن الحسين قال: كان في البيت صنم فقامت المرأة إليه وسترته بثوب فقال لها ~~يوسف عليه السلام لم فعلت هذا قالت استحييت منه أن يراني على معصية فقال ~~لها يوسف أتستحيين مما لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه شيئا فأنا أحق أن ~~أستحيي من ربي فهرب فذلك قوله لولا أن رأى برهان ربه أما المحققون فقد ~~فسروا البرهان بوجوه الأول، قال جعفر بن محمد الصادق: البرهان هو النبوة ~~التي جعلها الله تعالى في قلبه حالت بينه وبين ما يسخط الله عز وجل ~~الثاني البرهان حجة الله عز وجل على العبد في تحريم الزنا والعلم بما ms1792 على ~~الزاني من العقاب الثالث إن الله عز وجل طهر نفوس الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام من الأخلاق الذميمة والأفعال الرذيلة وجبلهم على الأخلاق الشريفة ~~الطاهرة المقدسة فتلك الأخلاق الطاهرة الشريفة تحجزهم عن فعل ما لا يليق ~~فعله { كذلك } يعني كما رأيناه البرهان كذلك { لنصرف عنه السوء } يعني ~~الإثم { والفحشاء } يعني الزنا، وقيل: السوء مقدمات الفحشاء وقيل السوء ~~الثناء القبيح فصرف الله عنه ذلك كله وجعله من عباده المخلصين وهو قوله { ~~إنه } يعني يوسف { من عبادنا المخلصين } قرئ بفتح اللام ومعناه أنه من ~~عبادنا الذين اصطفيناهم بالنبوة واخترناهم على غيرهم وقرئ بكسر اللام ~~ومعناه أنه من عبادنا الذين أخلصوا الطاعة لله عز وجل. ### || [12.25-26] # قوله تعالى: { واستبقا الباب } وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام لما ~~رأى البرهان قام هاربا مبادرا إلى الباب وتبعته المرأة لتمسك عليه ~~الباب حتى لا يخرج والمسابقة طلب السبق فسبق يوسف وأدركته المرأة فتعلقت ~~بقميصه من خلفه وجذبته إليها حتى لا يخرج فذلك قوله عز وجل: { وقدت قميصه ~~من دبر } يعني شقته من خلف فغلبها يوسف فخرج وخرجت معه { وألفيا سيدها ~~لدى الباب } يعني فلما خرجا وجدا زوج المرأة قطفير وهو العزيز عند الباب ~~جالسا مع ابن عم المرأة فلما رأته المرأة هابته وخافت التهمة فسبقت يوسف ~~بالقول { قالت } يعني لزوجها { ما جزاء من أراد بأهلك سوءا } يعني ~~الفاحشة ثم خافت عليه أن يقتله وذلك لشدة حبها له فقالت { إلا أن يسجن } ~~أي يحبس في السجن ويمنع التصرف { أو عذاب أليم } يعني الضرب بالسياط ~~وإنما بدأ بذكر السجن دون العذاب لأن الحب لا يشتهي إيلام المحبوب وإنما ~~أرادت أن يسجن عندها يوما أو يومين ولم ترد السجن الطويل وهذه لطيفة ~~فافهمها فلما سمع يوسف مقالتها أراد أن يبرهن عن نفسه { قال } يعني يوسف ~~{ هي راودتني عن نفسي } يعني طلبت مني الفحشاء فأبيت وفررت وذلك أن يوسف ~~عليه الصلاة والسلام ما كان يريد أن يذكر هذا القول ولا يهتك سترها ولكن ~~لما قالت هي ما قالت ولطخت عرضه ms1793 احتاج إلى إزالة هذه التهمة عن نفسه فقال ~~هي راودتني عن نفسي { وشهد شاهد من أهلها } يعني وحكم حاكم من أهل المرأة ~~واختلفوا في ذلك الشاهد، فقال سعيد بن جبير والضحاك: كان صبيا في المهد ~~فأنطقه الله عز وجل وهو رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " تكلم أربعة وهم صغار ابن ماشطة وابنة فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج ~~وعيسى ابن مريم " # ذكره البغوي بغير سند والذي جاء في الصحيحين # " ثلاثة عيسى ابن مريم وصاحب جريج وابن المرأة " # وقصتهم مخرجة في الصحيح قيل كان هذا الصبي شاهد يوسف ابن خال المرأة. ~~وقال الحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد: لم يكن صبيا ولكنه كان رجلا حكيما ~~ذا رأي، وقال السدي: هو ابن عم المرأة فحكم فقال { إن كان قميصه قد من ~~قبل } أي من قدام { فصدقت وهو من الكاذبين }. ### || [12.27-30] # { وإن كان قميصه قد من دبر } أي من خلف { فكذبت وهو من الصادقين } وإنما ~~كان هذا الشاهد من أهل المرأة ليكون أقوى من نفي التهمة عن يوسف عليه ~~الصلاة والسلام ونفي التهمة عنه من وجوه منها أنه كان في الظاهر مملوك ~~هذه المرأة والمملوك لا يبسط يديه إلى سيدته ومنها أنهم شاهدوا يوسف يعدو ~~هاربا منها والطالب لا يهرب ومنها أنهم رأوا المرأة قد تزينت بأكمل ~~الوجوه فكان إلحاق التهمة بها أولى ومنها أنهم عرفوا يوسف في المدة ~~الطويلة فلم يروا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذه الحالة فكان مجموع ~~هذه العلامات دلالة على صدقه مع شهادة الشاهد له بصدقه أيضا { فلما رأى ~~قميصه قد من دبر } يعني فلما رأى قطفير زوج المرأة قميص يوسف عليه الصلاة ~~والسلام قد من خلفه عرف خيانة امرأته وبراءة يوسف عليه الصلاة والسلام { ~~قال } يعني قال لها زوجها قطفير { إنه } يعني هذا الصنيع { من كيدكن } ~~يعني من حيلكن ومكركن { إن كيدكن عظيم } فإن قلت كيف وصف كيد النساء ~~بالعظيم مع قوله تعالى وخلق الإنسان ضعيفا وهلا كان مكر الرجال ms1794 أعظم من ~~مكر النساء. قلت أما كون الإنسان خلق ضعيفا فهو بانسبة إلى خلق ما هو ~~أعظم منه كخلق الملائكة والسموات والأرض والجبال ونحو ذلك وأما عظم كيد ~~النساء ومكرهن في هذا الباب فهو أعظم من كيد جميع البشر لأن لهن من المكر ~~والحيل والكيد في إتمام مرادهن ما لا يقدر عليه الرجال في هذا الباب، ~~وقيل: إن قوله إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم من قول الشاهد وذلك أنه لما ~~ثبت عنده خيانة المرأة وبراءة يوسف عليه الصلاة والسلام قال هذه المقالة ~~{ يوسف } يعني يا يوسف { أعرض عن هذا } يعني اترك هذا الحديث فلا تذكره ~~لأحد حتى لا يفشو ويشيع وينتشر بين الناس وقيل معناه يا يوسف لا تكترث ~~بهذا الأمر ولا تهتم به فقد بان عذرك وبراءتك ثم التفت إلى المرأة فقال ~~لها { واستغفري لذنبك } يعني توبي إلى الله مما رميت يوسف به من الخطيئة ~~وهو بريء منها وقيل إن هذا من قول الشاهد يقول للمرأة سلي زوجك أن يصفح ~~عنك ولا يعاقبك بسبب ذنبك { إنك كنت من الخاطئين } يعني من المذنبين حين ~~خنت زوجك ورميت يوسف بالتهمة وهو بريء وإنما قال من الخاطئين ولم يقل من ~~الخاطئات تغليبا لجنس الرجال على النساء وقيل إنه لم يقصد به الخبر عن ~~النساء بل قصد الخبر عن كل ما يفعل هذا الفعل تقديره إنك كنت من القوم ~~الخاطئين فهو كقوله وكانت من القانتين. قوله عز وجل: { وقال نسوة في ~~المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه } يعني وقال جماعة من النساء ~~وكن خمسا وقيل كن أربعا وذلك لما شاع خبر يوسف والمرأة في مدينة مصر ~~وقيل هي مدينة عين الشمس وتحدثت النساء فيما بينهن بذلك وهن امرأة حاجب ~~الملك وامرأة صاحب دوابه وامرأة خبازه وامرأة ساقيه وامرأة صابح سجنه ~~وقيل نسوة من أشراف مصر امرأة العزيز يعني زليخا تراود فتاها عن نفسه ~~يعني تراود عبدها الكنعاني عن نفسه لأنها تطلب منه الفاحشة وهو يمتنع ~~منها والفتى الشاب الحديث السن { قد ms1795 شغفها حبا } يعني قد علقها حبا ~~والشغاف جلدة محيطة بالقلب يقال لها غلاف القلب والمعنى أن حبه دخل ~~الجلدة حتى أصاب القلب وقيل إن حبه قد أحاط بقلبها كإحاطة الشغاف بالقلب ~~قال الكلبي حجب حبه قلبها حتى لا تعقل شيئا سواه { إنا لنراها في ضلال ~~مبين } يعني في خطأ بين ظاهر حيث تركت ما يجب على أمثالها من العفاف ~~والستر وأحبت فتاها. ### || [12.31] # { فلما سمعت بمكرهن } يعني فلما سمعت زليخا بقولهن وما تحدثن به إنما ~~سمى قولهن ذلك مكرا لأنهن طلبن بذلك رؤية يوسف وكان وصف لهن حسنه وجماله ~~فقصدن أن يرينه وقيل إن امرأة العزيز أفشت إليهن سرها واستكتمتهن فأفشين ~~ذلك عليها فلذلك سماه مكرا { أرسلت إليهن } يعني أنها لما سمعت بأنهن ~~يلمنها على محبتها ليوسف أرادت أن تقيم عذرها عندهن قال وهب اتخذت مائدة ~~يعني صنعت لهن وليمة وضيافة ودعت أربعين امرأة من أشراف مدينتها فيهن ~~هؤلاء اللاتي عيرنها { وأعتدت لهن متكأ } يعني ووضعت لهن نمارق ومساند ~~يتكئن عليها، وقال ابن عباس وابن جبير والحسن وقتادة ومجاهد: متكئا يعني ~~طعاما وإنما سمي الطعام متكئا لأن كل من دعوته ليطعم عندك فقد أعددت له ~~وسائد يجلس ويتكئ عليها فسمي الطعام متكأ على الاستعارة ويقال: اتكأنا ~~عند فلان أي طعمنا عنده المتكأ ما يتكأ عليه عند الطعام والشراب والحديث ~~ولذلك جاء النهي عنه في الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم # " لا آكل متكئا " # وقيل المتكأ الأترج وقيل هو كل شيء يقطع بالسكين أو يحز بها ويقال إن ~~المرأة زينت البيت بألوان الفاكهة والأطعمة ووضعت الوسائد ودعت النسوة ~~اللاتي عيرنها بحب يوسف { وآتت كل واحدة منهن سكينا } يعني وأعطت كل ~~واحدة من النساء سكينا لتأكل بها وكان من عادتهم أن يأكلن اللحم ~~والفواكه بالسكين { وقالت اخرج عليهن } يعني وقالت زليخا ليوسف اخرج على ~~النسوة وكان يخاف من مخالفتها فخرج عليهن يوسف وكانت قد زينته واختبأته ~~في مكان آخر { فلما رأينه } يعني النسوة { أكبرنه } يعني أعظمنه ودهشن ~~عند رؤيته وكان يوسف ms1796 قد أعطي شطر الحسن، وقال عكرمة: كان فضل يوسف على ~~الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم وروى أبو سعيد ~~الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " رأيت ليلة أسري بي إلى السماء يوسف كالقمر ليلة البدر " # ذكره البغوي بغير سند، وقال إسحاق بن أبي فروة: كان يوسف إذا سار في ~~أزقة مصر تلألأ وجهه على الجدران ويقال إنه ورث حسن آدم يوم خلقه الله عز ~~وجل قبل أن يخرج من الجنة وقال أبو العالية هالهن أمره وبهتن إليه وفي ~~رواية عن ابن عباس قال أكبرنه أي حضن ونحوه، عن مجاهد والضحاك قال: حضن ~~من الفرج وأنكر أكثر أهل اللغة هذا القول. قال الزجاج: هذه اللفظة ليست ~~معروفة في اللغة والهاء في أكبرنه تمنع من هذا لأنه لا يجوز أن يقال ~~النساء قد حضنه لأن حضن لا يتعدى إلى مفعول قال الأزهري إن صحت هذه ~~اللفظة فلها مخرج وذلك أن المرأة إذا حاضت أول ما تحيض فقد خرجت من حد ~~الصغار إلى حد الكبار فيقال لها أكبرت أي حاضت على هذا المعنى فإن صحت ~~الرواية عن ابن عباس، سلمنا له وجعلنا الهاء في قوله أكبرنه هاء الوقف لا ~~هاء الكناية، وقيل: إن المرأة إذا خافت أو فزعت فربما أسقطت ولدها وتحيض ~~فإن كان ثم حيض فربما كان من فزعهن وما هالهن من أمر يوسف حين رأينه قال ~~الإمام فخر الدين الرازي: وعندي أنه يحتمل وجها آخر وهو أنهن إنما ~~أكبرنه لأنهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة آثار الخضوع والإخبات ~~وشاهدن فيه مهابة وهيبة ملكية وهي عدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح ~~وعدم الاعتداد بهن وكان ذلك الجمال العظيم مقرونا بتلك الهيبة والهيئة ~~فتعجبن من تلك الحالة فلا جرم أكبرنه وأعظمنه ووقع الرعب والمهابة في ~~قلوبهن قال وحمل الآية على هذا الوجه أولى { وقطعن أيديهن } يعني: وجعلن ~~يقطعن أيديهن بالسكاكين التي معهن وهون يحسبن أنهن يقطعن الأترج ولم يجدن ~~الألم لدهشتهن وشغل ms1797 قلوبهم بيوسف قال مجاهد فما أحسسن إلا بالدم، وقال ~~قتادة: أين أيديهن حتى ألقينها والأصح أنه كان قطعا من غير إبانة، قال ~~وهب: مات جماعة منهن { وقلن } يعني النسوة { حاش لله ما هذا بشرا } أي ~~معاذ الله أن يكون هذا بشرا { إن هذا إلا ملك كريم } يعني على الله ~~والمقصود من هذا إثبات الحسن العظيم المفرط ليوسف لأنه قد ركز في النفوس ~~أن لا شيء أحسن من الملك فلذلك وصفته بكونه ملكا وقيل لما كان الملك ~~مطهرا من بواعث الشهوة وجميع الآفات والحوادث التي تحصل للبشر وصفن يوسف ~~بذلك. ### || [12.32-35] # قوله تعالى: { قالت فذلكن الذي لمتنني فيه } يعني قالت امرأة العزيز ~~للنسوة لما رأين يوسف ودهشن عند رؤيته فذلكن الذي لمتنني في محبته وإنما ~~قالت ذلك لإقامة عذرها عندهن حين قلن إن امرأة العزيز قد شغفها فتاها ~~الكنعاني حبا وإنما قالت فذلكن الذي الخ بعد ما قام من المجلس وذهب وقال ~~صاحب الكشاف قالت فذلكن ولم تقل فهذا وهو حاضر رفعا لمنزلته في الحسن ~~واستحقاق أن يحب ويفتن به ويجوز أن يكون إشارة إلى المعنى بقولهن عشقت ~~عبدها الكنعاني تقول هو ذلك العبد الكنعاني الذي صورتن في أنفسكن ثم ~~لمتنني فيه ثم إن امرأة العزيز صرحت بما فعلت فقالت { ولقد راودته عن ~~نفسه فاستعصم } يعني فامتنع من ذلك الفعل الذي طلبته منه وإنما صرحت بذلك ~~لأنها علمت أنه لا ملامة عليها منهن وأنهن قد أصابهن ما أصابها عند رؤيته ~~ثم إن امرأة العزيز قالت { ولئن لم يفعل ما آمره } يعني وإن لم يطاوعني ~~يما دعوته إليه { ليسجنن } أي ليعاقبن بالسجن والحبس { وليكونا من ~~الصاغرين } يعني: من الأذلاء المهانين فقال النسوة ليوسف أطع مولاتك فيما ~~دعتك إليه فاختار يوسف السجن على المعصية حين توعدته المرأة بذلك { قال ~~رب } أي يا رب { السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } قيل: إن الدعاء كان ~~منها خاصة وإنما أضافه إليهن جميعا خروجا من التصريح إلى العريض، وقيل: ~~إنهن جميعا دعونه إلى أنفسهن، وقيل: إنهن لما ms1798 قلن له أطع مولاتك صحت ~~إفاضة الدعاء إليهن جميعا أو لأنه كان بحضرتهن قال بعضهم أو لم يقل ~~السجن أحب إلي لم يبتل بالسجن والأولى بالعبد أن يسأل الله العافية { ~~وإلا تصرف عني كيدهن } يعني ما أردن مني { أصب إليهن } أي أمل إليهن يقال ~~صبا فلان إلى كذا إذا مال إليه واشتاقه { وأكن من الجاهلين } يعني من ~~المذنبين وقيل معناه أكن ممن يستحق صفة الذم بالجهل، وفيه دليل على أن من ~~ارتكب ذنبا إنما يرتكبه عن جهالة { فاستجاب له ربه } يعني فأجاب الله ~~تعالى دعاء يوسف { فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع } يعني لدعاء يوسف وغيره ~~{ العليم } يعني بحاله وفي الآية دليل على أن يوسف عليه الصلاة والسلام ~~لما أظلته البلية بكيد النساء ومطالبتهن إياه بما لا يليق بحاله لجأ إلى ~~الله وفزع إلى الدعاء رغبة إلى الله ليكشف عنه ما نزل به من ذلك الأمر مع ~~الاعتراف بأنه إن لم يعصمه من المعصية وقع فيها فدل ذلك على أنه لا يقدر ~~أحد عن الانصراف عن المعصية إلا بعصمة الله ولطفه به. قوله عز وجل: { ثم ~~بدا لهم } يعني للعزيز وأصحابه في الرأي وذلك أنهم أرادوا أن يقتصروا من ~~أمر يوسف على الإعراض وكتم الحال وذلك أن المرأة قالت لزوجها إن ذلك ~~العبد العبراني قد فضحني عند الناس يخبرهم بأني قد راودته عن نفسه فإما ~~أن تأذن لي فأخرج وأعتذر إلى الناس وإما أنت تحبسه فرأى حبسه { من بعد ما ~~رأوا الآيات } يعني الدالة على صدق يوسف وبراءته من قد القميص وكلام ~~الطفل وقطع النساء أيديهن وذهاب عقولهن عند رؤيته { ليسجننه } أي ليحبسن ~~يوسف في السجن { حتى حين } يعني إلى مدة يرون رأيهم فيها، وقال عطاء: إلى ~~أن تنقطع مقالة الناس، وقال عكرمة: إلى سبع سنين، وقال الكلبي: خمس سنين ~~فحبسه، قال السدي: جعل الله ذلك الحبس تطهيرا ليوسف من همه بالمرأة. ### || [12.36] # { ودخل معه السجن فتيان } وهما غلامان كانا للوليد بن شروان العمليق ملك ~~مصر الأكبر أحدهما خبازه وصاحب ms1799 طعامه والآخر ساقيه وصاحب شرابه وكان قد ~~غضب عليهما الملك فحبسهما، وكان السبب في ذلك أن جماعة من أشراف مصر ~~أرادوا المكر بالملك واغتياله وقتله فضمنوا لهذين الغلامين مالا على أن ~~يسما الملك في طعامه وشرابه فأجابا إلى ذلك ثم إن الساقي ندم فرجع عن ذلك ~~وقبل الخباز الرشوة وسم الطعام فلما حضر الطعام بين يدي الملك قال الساقي ~~لا تأكل أيها الملك فإن الطعام مسموم وقال الخباز لا تشرب فإن الشراب ~~مسموم فقال للساقي اشرب فشربه فلم يضره وقال للخباز كل من طعامك فأبى ~~فأطعم من ذلك الطعام دابة فهلكت فأمر الملك بحبسهما مع يوسف وكان يوسف ~~لما دخل السجن جعل ينشر علمه ويقول إني أعبر الأحلام فقال أحد الغلامين ~~لصاحبه هلم فلنجرب هذا الغلام العبراني فتراءيا له رؤيا فسألاه من غير أن ~~يكونا قد رأيا شيئا قال ابن مسعود ما رأيا شيئا إنما تحالما ليجربا ~~يوسف وقال بل كانا قد رأيا رؤيا حقيقة فرآهما يوسف وهما مهمومان فسألهما ~~عن شأنهما فذكرا أنهما غلامان للملك وقد حبسهما وقد رأيا رؤيا قد غمتهما ~~فقال يوسف قصا علي ما رأيتما فقصا عليه ما رأياه ذلك قوله تعالى: { قال ~~أحدهما } وهو صاحب شراب الملك { إني أرأني أعصر خمرا } يعني عنبا سمي ~~العنب خمرا باسم ما يؤول إليه يقال فلان يطبخ الآجر أي يطبخ اللبن حتى ~~يصير آجرا، وقيل: الخمر العنب بلغة عمان وذلك أنه قال إني رأيت في ~~المنام كأني في بستان وإذا فيه أصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد عنب فجنيتها ~~وكان كأس الملك في يدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه { وقال الآخر } وهو ~~صاحب طعام الملك { إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه } وذلك ~~أنه قال إني رأيت في المنام كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان ~~الأطعمة وسباع الطير تنهش منها { نبئنا بتأويله } أي أخبرنا بتفسير ما ~~رأينا وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا { إنا نراك من المحسنين } يعني من ~~العالمين بعبارة الرؤيا والإحسان هنا بمعنى العلم، ms1800 وسئل الضحاك ما كان ~~إحسانه فقال: كان إذا مرض إنسان في الحبس عاده وقام عليه وإذا ضاق على ~~أحد وسع عليه وإذا احتاج أحد جمع له شيئا مع هذا يجتهد في العبادة يصوم ~~النهار ويقوم الليل كله للصلاة. وقيل: إنه لما دخل السجن وجد فيه قوما ~~اشتد بلاؤهم وانقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يسليهم ويقول إصبروا وأبشروا ~~فقالوا بارك الله فيك يا فتى ما أحسن وجهك وخلقك وحديثك لقد بورك لنا في ~~جوارك فمن أين أنت قال أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن ~~خليل الله إبراهيم فقال له صاحب السجن يا فتى والله لو استطعت لخليت ~~سبيلك ولكن سأرفق بك وأحسن جوارك واختر أي بيوت السجن شئت وقيل إن ~~الفتيين لما رأيا يوسف قالا إنا قد أحببناك منذ رأيناك فقال لهما يوسف ~~أنشدكما بالله أن لا تحباني فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل علي من حبه ~~بلاء لقد أحبتني عمتي فدخل علي من ذلك بلاء وأحبني أبي فألقيت في الجب ~~وأحبتني امرأة العزيز فحبست فلما قصا عليه رؤياهما كره يوسف أن يعبرها ~~لهما حين سألاه لما علم ما في ذلك من المكروه لأحدهما وأعرض عن سؤالهما ~~وأخذ في غيره من إظهار المعجزة والنبوة والدعاء إلى التوحيد وقيل إنه ~~عليه السلام أراد أن يبين لهما أن درجته في العلم أعلى وأعظم مما اعتقدا ~~فيه وذلك أنهما طلبا منه علم التعبير ولا شك إن هذا العلم مبني على الظن ~~والتخمين فأراد أن يعلمهما أنه يمكنه الإخبار عن المغيبات على سبيل القطع ~~واليقين وذلك مما يعجز الخلق عنه وإذا قدر على الإخبار عن الغيوب كان ~~أقدر على تعبير الرؤيا بطريق الأولى. # وقيل: إنما عدل عن تعبير رؤياهما إلى إظهار المعجزة لأنه علم أن أحدهما ~~سيصلب فأراد أن يدخله في الإسلام ويخلصه من الكفر ودخول النار فأظهر له ~~المعجزة لهذا السبب. ### || [12.37-38] # { قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله } قيل: أراد به في ~~النوم يقول لا يأتيكما ms1801 طعام ترزقانه في نومكما إلا أخبرتكما خبره في ~~اليقظة، وقيل: أراد به اليقظة يقول لا يأتيكما طعام من منازلكما ترزقانه ~~يعني تطعمانه وتأكلانه إلا نبأتكما بتأويله يعني أخبرتكما بقدره ولونه ~~والوقت الذي يصل إليكما فيه { قبل أن يأتيكما } يعني قبل أن يصل إليكما ~~وأي طعام أكلتم وكم أكلتم ومتى أكلتم وهذا مثل معجزة عيسى عليه الصلاة ~~والسلام حيث قال وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم فقالا ليوسف ~~عليه الصلاة والسلام هذا من علم العرافين والكهنة فمن أين لك هذا العلم؟ ~~فقال ما أنا بكاهن ولا عراف وإنما ذلك إشارة إلى المعجزة والعلم الذي ~~أخبرهما به { ذلكما مما علمني ربي } يعني أن هذا الذي أخبرتكما به وحي من ~~الله أوحاه إلي وعلم علمنيه { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله } فإن ~~قلت ظاهر قوله أني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله أنه عليه الصلاة والسلام ~~كان داخلا في هذه الملة ثم تركها وليس الأمر كذلك لأن الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام من حين ولدوا وظهروا إلى الوجود هم على التوحيد فما معنى ~~هذا الترك في قوله تركت. قلت الجواب من وجهين: الأول: أن الترك عبارة عن ~~عدم التعرض للشيء والالتفات إليه بالمرة وليس من شرطه أن يكون قد كان ~~داخلا فيه ثم تركه ورجع عنه. والوجه الثاني: وهو الأقرب أن يوسف عليه ~~الصلاة والسلام لما كان عند العزيز وهو كافر وجميع من عنده كذلك وقد كان ~~بينهم وكان يوسف على التوحيد والإيمان الصحيح صح قوله إني تركت ملة قوم ~~لا يؤمنون بالله { وهم بالآخرة هم كافرون } فترك ملتهم وأعرض عنهم ولم ~~يوافقهم على ما كانوا عليه وتكرير لفظة هم في قوله وهم بالآخرة هم كافرون ~~للتوكيد لشدة إنكارهم للمعاد وقوله { واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب } لما ادعى يوسف عليه السلام النبوة وأظهر المعجزة أظهر أنه من ~~أهل بيت النبوة وأن آباءه كلهم كانوا أنبياء وقيل لما كان إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب مشهورين بالنبوة والرسالة ولهم الدرجة العليا في الدنيا عند الخلق ms1802 ~~والمنزلة الرفيعة في الآخرة أظهر يوسف عليه الصلاة والسلام أنه من ~~أولادهم وأنه من أهل بيت النبوة ليسمعوا قوله ويطيعوا أمره فيما يدعوهم ~~إليه من التوحيد { ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء } معناه أن الله ~~سبحانه وتعالى لما اختارنا لنبوته واصطفانا لرسالته وعصمنا من الشرك فما ~~كان ينبغي لنا أن نشرك به مع جميع هذه الاختصاصات التي اختصنا بها. قال ~~الواحدي: لفظة من في قوله من شيء زائدة مؤكدة كقولك ما جاءني من أحد، ~~وقال صاحب الكشاف: ما كان لنا ما صح لنا معشر الأنبياء أن نشرك بالله من ~~شيء أي شيء كان من ملك أو جني أو إنسي فضلا أن نشرك به صنما لا يسمع ~~ولا يبصر { ذلك من فضل الله } يعني ذلك التوحيد وعدم الإشراك والعلم الذي ~~رزقنا من فضل الله { علينا وعلى الناس } يعني بما نصب لهم من الأدلة ~~الدالة على وحدانيته وبين لهم طريق الهداية إليه فكل ذلك من فضل الله على ~~عباده { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } يعني أن أكثرهم لا يشكرون الله على ~~هذه النعم التي أنعم بها عليهم لأنهم تركوا عبادته وعبدوا غيره ثم دعاهما ~~إلى الإسلام. ### || [12.39-42] # { يا صاحبي السجن } يريد يا صاحبي في السجن فأضافهما إلى السجن كما ~~تقول يا سارق الليلة لأن الليلة مسروق فيها غير مسروقة ويجوز أن يريد يا ~~ساكني السجن كقوله أصحاب النار وأصحاب الجنة { أأرباب متفرقون } يعني ~~أآلهة شتى من ذهب وفضة وصفر وحديد وحشب وحجارة وغير ذلك وصغير وكبير ~~ومتوسط متباينون في الصفة وهي مع ذلك لا تضر ولا تنفع { خير أم الله ~~الواحد القهار } يعني أن هذه الأصنام أعظم صفة في المدح واستحقاق اسم ~~الإلهية والعبادة أم الله الواحد القهار، قال الخطابي: الواحد هو الفرد ~~الذي لم يزل وحده وقيل هو المنقطع عن القرين والمعدوم الشريك والنظير ~~وليس هو كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة لأن ذلك قد يكثر بانضمام بعضها ~~إلى بعض والواحد ليس كذلك فهو الله الواحد الذي لا مثل له ms1803 ولا يشبهه شيء ~~من خلقه القهار، قال الخطابي: القهار هو الذي قهر الجبابرة من خلقه ~~بالعقوبة وقهر الخلق كلهم بالموت، وقال غيره: القهار هو الذي قهر كل شيء ~~وذلله فاستسلم وانقاد وذل له، والمعنى أن هذه الأصنام التي تعبدونها ~~ذليلة مقهورة إذا أراد الإنسان كسرها وإهانتها قدر عليه والله هو الواحد ~~في ملكه القهار لعباده الذي لا يغلبه شيء وهو الغالب لكل شيء سبحانه ~~وتعالى ثم بين عجز الأصنام وأنها لا شيء البتة فقال { ما تعبدون من دونه ~~} يعني من دون الله وإنما قال تعبدون بلفظ الجمع وقد ابتدأ بالتثنية في ~~المخاطبة لأنه أراد جميع من في السجن من المشركين { إلا أسماء سميتموها } ~~يعني سميتموها آلهة وأربابا وهي حجارة جمادات خالية عن المعنى لا حقيقة ~~لها { أنتم وآباؤكم } يعني من قبلكم سموها آلة { ما أنزل الله بها من ~~سلطان } يعني أن تسمية الأصنام آلهة لا حجة لكم بها ولا برهان ولا أمر ~~الله بها وذلك أنهم كانوا يقولون إن الله أمرنا بهذه التسمية فرد الله ~~عليهم بقوله: { ما أنزل الله بها من سلطان أن الحكم إلا لله } يعني أن ~~الحكم والقضاء والأمر والنهي لله تعالى لا شريك له في ذلك { أمر أن لا ~~تعبدوا إلا إياه } لأنه هو المستحق للعبادة لا هذه الأصنام التي سميتموها ~~آلهة { ذلك الدين القيم } يعني عبادة الله هي الدين المستقيم { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } ذلك. ولما فرغ يوسف عليه الصلاة والسلام من الدعاء إلى ~~الله وعبادته رجع إلى تعبير رؤياهما فقال { يا صاحبي السجن أما أحدكما ~~فيسقي ربه خمرا } يعني أن صاحب شراب الملك يرجع إلى منزلته ويسقي الملك ~~خمرا كما كان يسقيه أولا والعناقيد الثلاثة هي ثلاثة أيام يبقى في ~~السجن ثم يدعو به الملك ويرده إلى منزلته التي كان عليها { وأما الآخر ~~فيصلب } يعني صاحب طعام الملك والسلال الثلاث ثلاثة أيام ثم يدعو به ~~الملك فيصلبه { فتأكل الطير من رأسه } قال ابن مسعود رضي الله عنه فلما ~~سمعا قول يوسف عليه الصلاة ms1804 والسلام قالا ما رأينا شيئا إنما كنا نلعب ~~قال يوسف { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } يعني فرغ من الأمر الذي سألتما ~~عنه ووجب حكم الله عليكما بالذي أخبرتكما به رأيتما شيئا أم لم تريا { ~~وقال } يعني يوسف { للذي ظن } يعني علم وتحقق فالظن بمعنى العلم { أنه ~~ناج منهما } يعني ساقي الملك { اذكرني عند ربك } يعني سيدك وهو الملك ~~الأكبر فقل له إن في السجن غلاما محبوسا مظلوما طال حبسه { فأنساه ~~الشيطان ذكر ربه } في هاء الكناية في فأنساه إلى من تعود قولان: أحدهما: ~~أنها ترجع إلى الساقي وهو قول عامة المفسرين والمعنى فأنسى الشيطان ~~الساقي أن يذكر يوسف عند الملك قالوا لأن صرف وسوسة الشيطان إلى ذلك ~~الرجل الساقي حتى أنساه ذكر يوسف أولى من صرفها إلى يوسف. # والقول الثاني: وهو قول أكثر المفسرين أن هاء الكناية ترجع إلى يوسف، ~~والمعنى أن الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه عز وجل حتى ابتغى الفرج من غيره ~~واستعان بمخلوق مثله في دفع الضرر وتلك غفلة عرضت ليوسف عليه السلام فإن ~~الاستعانة بالمخلوق في دفع الضرر جائزة إلا أنه لما كان مقام يوسف أعلى ~~المقامات ورتبته أشرف المراتب وهي منصب النبوة والرسالة لا جرم صار يوسف ~~مؤاخذا بهذا القدر فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. فإن قلت كيف تمكن ~~الشيطان من يوسف حتى أنساه ذكر ربه. قلت بشغل الخاطر وإلقاء الوسوسة فإنه ~~قد صح في الحديث # " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " # فأما النسيان الذي هو عبارة عن ترك الذكر وإزالته عن القلب بالكلية فلا ~~يقدر عليه. وقوله سبحانه وتعالى: { فلبث في السجن بضع سنين }. اختلفوا في ~~قدر البضع فقال مجاهد ما بين الثلاثة إلى السبع وقال قتادة: هو ما بين ~~الثلاث إلى التسع، وقال ابن عباس هو ما دون العشرة وأكثر المفسرين على أن ~~البضع في هذه الآية سبع سنين وكان يوسف قد لبث قبلها في السجن خمس سنين ~~فجملة ذلك اثنتا عشرة سنة وقال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين وترك ms1805 يوسف ~~في السجن سبع سنين. وقال مالك ابن دينار: لما قال يوسف للساقي اذكرني عند ~~ربك قال له يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن حبسك فبكى يوسف وقال يا ~~رب أنسى قلبي ذكرك كثرة البلوى فقلت كلمة قال الحسن قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " رحم الله يوسف لولا كلمته التي قالها ما لبث في السجن ما لبث " # يعني قوله اذكرني عند ربك ثم بكى الحسن وقال نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا ~~إلى الناس ذكره الثعلبي مرسلا وبغير سند وقيل إن جبريل دخل على يوسف في ~~السجن فلما رآه يوسف عرفه فقال له يوسف يا أخا المنذرين مالي أراك بين ~~الخاطئين فقال له جبريل يا طاهر بن الطاهرين يقرأ عليك السلام رب ~~العالمين ويقول لك ما استحييت مني أن أستغثت بالآدميين فوعزتي وجلالي ~~لألبثنك في السجن بضع سنين قال يوسف وهو في ذلك عني راض قال نعم قال إذن ~~لا أبالي وقال كعب قال جبريل ليوسف يقول الله عز وجل لك من خلقك قال الله ~~قال فمن رزقك قال الله قال فمن حببك إلى أبيك قال الله قال فمن نجاك من ~~كرب البئر قال الله قال فمن علمك تأويل الرؤيا قال الله قال فمن صرفك عنك ~~السوء والفحشاء قال الله قال فكيف استغثت بآدمي مثلك قالوا فلما انقضت ~~سبع سنين. قال الكلبي: وهذه السبع سوى الخمس سنين التي كانت قبل ذلك ودنا ~~فرج يوسف وأراد الله عز وجل إخراجه من السجن رأى ملك مصر الأكبر رؤيا ~~عجيبة هالته وذلك أن رأى في منامه سبع بقرات سمان قد خرجن من البحر ثم ~~خرجن عقيبهن سبع بقرات عجاف في غاية الهزال فابتلع العجاف السمان ودخلن ~~في بطونهن ولم ير منهن شيء ولم يتبين على العجاف منها شيء ورأى سبع ~~سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبع سنبلات أخر يابسات قد استحصدت فالتوت ~~اليابسات على الخضر حتى علون عليهن ولم يبق من خضرتها شيء فجمع السحرة ~~والكهنة والمعبرين وقص عليهم رؤياه التي ms1806 رآها. ### || [12.43] # قوله تعالى: { وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع ~~سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي } يعني يا أيها ~~الأشراف أخبروني بتأويل رؤياي { إن كنتم للرؤيا تعبرون } يعني: إن كنتم ~~تحسنون علم العبارة وتفسيرها وعلم التعبير مختص بتفسير الرؤيا وسمي هذا ~~العلم تعبيرا لأن المفسر للرؤيا عابر من ظاهرها إلى باطنها ليستخرج ~~معناها وهذا أخص من التأويل لأن التأويل يقال فيه وفي غيره. ### || [12.44-48] # { قالوا } يعني قال جماعة الملأ وهم السحرة والكهنة والمعبرون مجيبين ~~للملك { أضغاث أحلام } يعني أخلاط مشتبه واحدها ضغث وأصله الحزمة ~~المختلطة من أنواع الحشيش والأحلام جمع حلم وهو الرؤيا التي يراها ~~الإنسان في منامه { وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين } لما جعل الله هذه ~~الرؤيا سببا لخلاص يوسف عليه الصلاة والسلام من السجن وذلك أن الملك لما ~~رآها قلق واضطرب وذلك لأنه قد شاهد الناقص الضعيف قد استولى على القوي ~~الكامل حتى قهره وغلبه فأراد أن يعرف تأويل ذلك فجمع سحرته وكهنته ~~ومعبريه وأخبرهم بما رأى في منامه وسألهم عن تأويلها فأعجز الله بقدرته ~~جماعة الكهنة والمعبرين عن تأويل هذه الرؤيا ومنعهم عن الجواب ليكون ذلك ~~سببا لخلاص يوسف عليه الصلاة والسلام من السجن فذلك قوله تعالى: { وقال ~~الذي نجا منهما } يعني وقال الساقي الذي نجا من السجن والقتل بعد هلاك ~~صاحبه الخباز { وادكر بعد أمة } يعني أنه تذكر قول يوسف اذكرني عند ربك ~~بعد أمة يعني بعد حين وهو سبع سنين وسمي الحين من الزمان أمة لأنه جماعة ~~الأيام والأمة الجماعة { أنا أنبئكم } يعني أخبركم { بتأويله } وقوله أنا ~~أنبئكم بلفظ الجمع إما أنه أراد به الملك مع جماعة السحرة والكهنة ~~والمعبرين أو أراد به الملك وحده وخاطبه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم ~~وذلك أن الفتى الساقي جثا بين يدي الملك وقال إن في السجن رجلا عالما ~~يعبر الرؤيا { فأرسلون } فيه اختصار تقديره فأرسلني أيها الملك فأتى ~~السجن قال ابن عباس ولم يكن السجن في المدينة { يوسف } أي ms1807 يا يوسف { أيها ~~الصديق } إنما سماه صديقا لأنه لم يجرب عليه كذبا قط والصديق الكثير ~~الصدق والذي ل يكذب قط وقيل سماه صديقا لأنه صدق في تعبيره رؤياه التي ~~رآها في السجن { أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات ~~خضر وأخر يابسات } فإن الملك رأى هذه الرؤيا { لعلي أرجع إلى الناس } ~~يعني أرجع بتأويل هذه الرؤيا إلى الملك وجماعته { لعلهم يعلمون } يعني ~~بتأويل هذه الرؤيا وقيل لعلهم يعلمون منزلتك في العلم { قال } يعني يوسف ~~معبرا لتلك الرؤيا أما البقرات السمان والسنبلات الخضر فسبع سنين مخصبة ~~وأما البقرات العجاف والسنبلات اليابسات فسبع سنين مجدبه فذلك قوله ~~تعالى: { تزرعون } وهذا خبر بمعنى الأمر أي ازرعوا { سبع سنين دأبا } ~~يعني عادتكم في الزراعة والدأب العادة وقيل ازرعوا بجد واجتهاد { فما ~~حصدتم فذروه في سنبله } إنما أمرهم بترك ما حصدوه من الحنطة في سنبله ~~لئلا يفسد ويقع في السوس وذلك ابقى له على طول الزمان { إلا قليلا مما ~~تأكلون } يعني ادرسوا قليلا من الحنطة للأكل بقدر الحاجة وأمرهم بحفظ ~~الأكثر لوقت الحاجة أيضا وهو وقت السنين المجدبة وهو قوله { ثم يأتي من ~~بعد ذلك } يعني من بعد السنين المخصبة { سبع شداد } يعني سبع سنين مجدبة ~~ممحلة شديدة على الناس { يأكلن } يعني يفنين { ما قدمتم لهن } يعني يؤكل ~~فيهن كل ما أعددتم وادخرتم لهن من الطعام وإنما أضاف الأكل إلى السنين ~~على طريق التوسع في الكلام { إلا قليلا مما تحصنون } يعني تحرزون ~~وتدخرون للبذر، والإحصان الإحراز وهو إبقاء الشي في الحصن بحيث يحفظ ولا ~~يضيع. ### || [12.49-52] # { ثم يأتي من بعد ذلك } يعني من بعد هذه السنين المجدبة { عام فيه يغاث ~~الناس } أي يمطرون من الغيث الذي هو المطر، وقيل: هو من قولهم استغثت ~~بفلان فأغاثني من الغوث { وفيه يعصرون } يعني يعصرون العنب خمرا ~~والزيتون زيتا والسمسم دهنا أراد به كثرة الخير والنعم على الناس وكثرة ~~الخصب في الزرع والثمار، وقيل يعصرون معناه ينجون من الكرب والشدة ~~والجدب. قوله عز وجل: { وقال الملك ms1808 ائتوني به } وذلك أن الساقي لما رجع ~~إلى الملك وأخبره بفتيا يوسف وما عبر برؤياه استحسنه الملك وعرف أن الذي ~~قاله كائن لا محالة فقال ائتنوني به حتى أبصر هذا الرجل الذي قد عبر ~~رؤياي بهذه العبارة فرجع الساقي إلى يوسف وقال له أجب الملك فذلك قوله ~~تعالى: { فلما جاءه الرسول } فأبى أن يخرج معه حتى تظهر براءته للملك ولا ~~يراه بعين النقص { قال } يعني قال يوسف للرسول { ارجع إلى ربك } يعني إلى ~~سيدك وهو الملك { فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } ولم يصرح ~~بذكر امرأة العزيز أدبا واحتراما لها ق عن أبي هريرة رضي الله تعالى ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي " # أخرجه الترمذي، وزاد فيه # " ثم قرأ فلما جاء الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي ~~قطعن أيديهن " # هذا الحديث فيه بيان فضل يوسف عليه الصلاة والسلام وبيان قوة صبره ~~وثباته والمراد بالداعي رسول الملك الذي جاءه من عنده فلم يخرج معه ~~مبادرا إلى الراحة ومفارقة ما هو فيه من الضيق والسجن الطويل فلبث في ~~السجن وأرسل الملك في كشف أمره الذي سجن بسبه لتظهر براءته عند الملك ~~وغيره فأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على يوسف عليه الصلاة والسلام ~~وبين فضيلته وحسن صبره على المحنة والبلاء وقوله: { إن ربي بكيدهن عليم } ~~يعني أن الله تعالى عالم بصنيعهن وما احتلن في هذه الواقعة من الحيل ~~العظيمة فرجع الرسول من عند يوسف إلى الملك بهذه الرسالة فجمع الملك ~~النسوة وامرأة العزيز معهن و { قال } لهن { ما خطبكن } أي شأنكن وأمركن { ~~إذ راودتن يوسف عن نفسه } إنما خاطب الملك جميع النسوة بهذا الخطاب، ~~والمراد بذلك امرأة العزيز وحدها ليكون أستر لها وقيل إن امرأة العزيز ~~راودته عن نفسه وحدها وسائر النسوة أمرنه بطاعتها فلذلك خاطبهن بهذا ~~الخطاب { قلن } يعني النسوة جميعا مجيبات للملك { حاش لله } يعني معاذ ~~الله { ما علمنا عليه من سوء ms1809 } يعني من خيانة في شيء من الأشياء { قالت ~~امرأة العزيز الآن حصحص الحق } يعني ظهر وتبين وقيل إن النسوة أقبلن على ~~امرأة العزيز فعزرنها وقيل خافت أن يشهد عليها فأقرت فقالت { أنا راودته ~~عن نفسه وإنه لمن الصادقين } يعني في قوله هي راودتني عن نفسي. # واختلفوا في قوله { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } على قولين: أحدهما: ~~أنه من قول المرأة ووجه هذا القول أن هذا كلام متصل بما قبله وهو قول ~~المرأة الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين، ثم قالت: ~~ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب والمعنى ذلك ليعلم يوسف أني لم أخنه في حال ~~غيبته وهو في السجن ولم أكذب عليه بل قلت أنا راودته عن نفسه وإنه لمن ~~الصادقين وإن كنت قد قلت فيه ما قلت في حضرته، ثم بالغت في تأكيد هذا ~~القول فقالت { وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } يعني أني لما أقدمت على ~~هذا الكيد والمكر لا جرم أني افتضحت لأن الله لا يرشد ولا يوفق كيد ~~الخائنين. والقول الثاني: إنه من قول يوسف عليه الصلاة والسلام وهذا قول ~~الأكثرين من المفسرين والعلماء ووجه هذا القول أنه لا يبعد وصل كلام ~~إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة عليه فعلى هذا يكون معنى الآية ~~أنه لما بلغ يوسف قول المرأة أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين قال ~~يوسف ذلك أي الذي فعلت من ردي رسول الملك إليه ليعلم يعني العزيز أني لم ~~أخنه في زوجته بالغيب يعني في حال غيبته، فيكون هذا من كلام يوسف اتصل ~~بقول امرأة العزيز أنا راودته عن نفسه من غير تمييز بين الكلامين لمعرفة ~~السامعين لذلك مع غموض فيه لأنه ذكر كلام إنسان ثم أتبعه بكلام إنسان آخر ~~من غير فصل بين الكلامين ونظير هذا قوله تعالى: # يريد أن يخرجكم من أرضكم # [الأعراف: 110] هذا من قول الملأ، فماذا تأمرون من قول فرعون ومثله ~~قوله تعالى: # وجعلوا أعزة أهلها أذلة # [النمل: 34] هذا من قول بلقيس ms1810 # وكذلك يفعلون # [النمل: 34] من قوله عز وجل تصديقا لها وعلى هذا القول اختلفوا أين كان ~~يوسف حين قال هذه المقالة على قولين أحدهما أنه كان في السجن وذلك أنه ~~لما رجع إليه رسول الملك وهو في السجن وأخبره بجواب امرأة العزيز للملك ~~قال حينئذ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وهذه رواية أبي صالح عن ابن عباس ~~وبه قال ابن جريج. والقول الثاني: إنه قال هذه المقالة عند حضوره عند ~~الملك وهذه رواية عطاء عن ابن عباس فإن قلت فعلى هذا القول كيف خاطبهم ~~بلفظة ذلك وهي إشارة للغائب مع حضوره عندهم. قلت قال ابن الأنباري قال ~~اللغويون هذا وذلك يصلحان في هذا الموضع لقرب الخبر من أصحابه فصار ~~كالمشاهد الذي يشار إليه بهذا وقيل ذلك إشارة إلى ما فعله يقول ذلك الذي ~~فعلته من ردي الرسول ليعلم أني لم أخنه بالغيب أي لم أخن العزيز في حال ~~غيبته ثم ختم هذا الكلام بقوله وأن الله لا يهدي كيد الخائنين يعني أني ~~لو كنت خائنا لما خلصني الله من هذه الورطة التي وقعت فيها لأن الله لا ~~يهدي أي لا يرشد ولا يوفق كيد الخائنين واختلفوا في قوله. ### || [12.53-54] # { وما أبرئ نفسي } من قول من؟ على قولين أيضا: أحدهما: أنه من قول ~~المرأة وهذا التفسير على قول من قال إن قوله ذلك ليعلم أني لم أخنه ~~بالغيب من قول المرأة فعلى هذا يكون المعنى وما أبريء نفسي من مراودتي ~~يوسف عن نفسه وكذبي عليه. والقول الثاني: وهو الأصح وعليه أكثر المفسرين ~~أنه من قول يوسف عليه الصلاة والسلام وذلك أنه لما قال ذلك ليعلم أني لم ~~أخنه بالغيب قال له جبريل ولا حين هممت بها فقال يوسف عند ذلك وما أبرئ ~~نفسي وهذه رواية عن ابن عباس أيضا وهو قول الأكثرين وقال الحسن إن يوسف ~~لما قال ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب خاف أن يكون قد زكى نفسه فقال وما ~~أبرئ نفسي لأن الله تعالى قال فلا تزكوا أنفسكم، ms1811 ففي قوله وما أبرئ نفسي ~~هضم للنفس وانكسار وتواضع لله عز وجل فإن رؤية النفس في مقام العصمة ~~والتزكية ذنب عظيم فراد إزالة ذلك عن نفسه فإن حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين { إن النفس لأمارة بالسوء } والسوء لفظ جامع لكل ما يهم الإنسان ~~من الأمور الدنيوية والأخروية والسيئة الفعلة القبيحة. واختلفوا في النفس ~~الأمارة بالسوء ما هي فالذي عليه أكثر المحققين من المتكلمين وغيرهم أن ~~النفس الإنسانية واحدة ولها صفات: منها الأمارة بالسوء، ومنها اللوامة، ~~ومنها المطمئنة فهذه الثلاث المراتب هي صفات لنفس واحدة فإذا دعت النفس ~~إلى شهواها مالت إليها فهي النفس الأمارة بالسوء فإذا فعلتها أتت النفس ~~اللوامة فلامتها على ذلك الفعل القبيح من ارتكاب الشهوات ويحصل عند ذلك ~~الندامة على ذلك الفعل القبيح وهذا من صفات النفس المطمئنة، وقيل: إن ~~النفس أمارة بالسوء بطبعها فإذا تزكت وصفت من أخلاقها الذميمة صارت ~~مطمئنة. وقوله { إلا ما رحم ربي } قال ابن عباس: معناه إلا من عصم ربي ~~فتكون ما بمعنى من فهو كقوله # ما طاب لكم من النساء # [النساء: 3] يعني من طاب لكم وقيل هذا استثناء منقطع معناه لكن من رحم ~~ربي فعصمه من متابعة النفس الأمارة بالسوء { إن ربي غفور } يعني غفور ~~لذنوب عباده { رحيم } بهم. قوله تعالى: { وقال الملك ائتوني به أستخلصه ~~لنفسي } وذلك أنه لما تبين للملك عذر يوسف وعرف أمانته وعلمه طلب حضوره ~~إليه فقال أئتوني به يعني بيوسف أستخلصه لنفسي أي أجعله خالصا لنفسي ~~والاستخلاص طلب خلوص الشيء من جميع شوائب الاشتراك وإنما طلب الملك أن ~~يستخلص يوسف لنفسه، لأن عادة الملوك أن ينفردوا بالأشياء النفيسة العزيزة ~~ولا يشاركهم فيها أحد من الناس وإنما قال الملك ذلك لما عظم اعتقاده في ~~يوسف لما علم من غزارة علم يوسف وحسن صبره وإحسانه إلى أهل السجن وحسن ~~أدبه وثباته على المحن كلها لهذا حسن اعتقاد الملك فيه وإذا أراد الله ~~تعالى أمرا هيأ أسبابه فألهم الملك ذلك فقال ائتوني به أستخلصه لنفسي { ~~فلما كلمه } فيه اختصار تقديره ms1812 فلما جاء الرسول إلى يوسف فقال له أجب ~~الملك الآن بلا معاودة فأجابه. # روي أن يوسف لما قام ليخرج من السجن دعا لأهله فقال اللهم عطف عليهم ~~قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار فهم أعلم الناس بالأخبار في كل بلد، ~~فلما خرج من السجن كتب على بابه هذا بيت البلواء وقبر الأحياء وشماتة ~~الأعداء وتجربة الأصدقاء ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثيابا حسنة ~~ثم قصد باب الملك. قال وهب: فلما وقف بباب الملك قال: حسبي ربي من دنياي ~~وحسبي ربي من خلقه عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك ثم دخل الدار فلما ~~أبصر الملك قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بك من شره وشر غيره ~~فلما نظر إليه الملك سلم يوسف عليه بالعربية فقال له الملك ما هذا ~~اللسان؟ قال لسان عمي إسماعيل ثم دعا له بالعبرانية فقال له وما هذا ~~اللسان أيضا قال يوسف هذا لسان آبائي قال وهب وكان الملك يتكلم بسبعين ~~لغة فلم يعرف هذين اللسانين وكان الملك كلما كلمه بلسان أجاباه يوسف وزاد ~~عليه بالعربية والعبرانية فلما رأى الملك منه ذلك أعجبه ما رأى مع حداثة ~~سن يوسف عليه السلام وكان له من العمر يومئذ ثلاثون سنة فأجلسه إلى جنبه ~~فذلك قوله تعالى فلما كلمه يعني فلما كلم الملك يوسف لأن مجالس الملوك لا ~~يحسن لأحد أن يبدأ بالكلام فيها وإنما يبدأ فيها بالكلام وقيل معناه فلما ~~كلم يوسف الملك قال الساقي أيها الملك هذا الذي علم تأويل الملك رؤياك مع ~~عجز السحرة والكهنة عنها فأقبل عليه الملك و { قال إنك اليوم لدينا مكين ~~أمين } يقال: اتخذ فلان عند فلان مكانة أي منزلة وهي الحالة التي يتمكن ~~بها صاحبها مما يريد، وقيل: المكانة المنزلة والجاه والمعنى قد عرفت ~~أمانتك ومنزلتك وصدقك وبراءتك مما نسبت إليه وقوله مكين أمين كلمة جامعة ~~لكل ما يحتاج إليه من الفضائل والمناقب في أمر الدين والدنيا. روي أن ~~الملك قال ليوسف عليه الصلاة والسلام أحب أن ms1813 أسمع تأويل رؤياي منك شفاها ~~فقال: نعم أيها الملك رأيت سبع بقرات سمان شهب غر حسان غر عجاف كشف لك ~~عنهن النيل فطلعن من شاطئه تشخب أخلافهن لبنا فبينما أنت تنظر إليهن وقد ~~أعجبك حسنهن إذ نضب النيل فغار ماؤه وبدا يبسه فخرج من حمأته سبع بقرات ~~عجاف شعث غبر ملصقات البطون ليس لهما ضروع ولا أخلاف ولهن أنياب وأضراس ~~وأكف كأكف الكلاب وخراطيم كخراطيم السباع فاختلطن بالسمان فاترسن السمان ~~فافترس السبع فأكلن لحومهن ومزقن جلودهن وحطمن عظامهن ومشمشن مخهن فبينما ~~أنت تنظر وتتعجب كيف غلبنهن وهن مهازيل ثم لم يظهر منهن سمن ولا زيادة ~~بعد أكلهن إذ سبع سنبلات خضر طريات ناعمات ممتلئات حبا وماء وإلى جانبهن ~~سبع أخر سود يابسات في منبت واحد عروقهن في الثرى والماء فبينا أنت تقول ~~في نفسك أي شيء هؤلاء خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات والمنبت واحد وأصولهن ~~في الثرى والماء. # إذ هبت الريح فذرت أوراق اليابسات السود على الخضر المثمرات فاشتعلت ~~فيهن النار فأحرقتهن فصرن سودا فهذا ما رأيت أيها الملك ثم انتبهت ~~مذعورا فقال الملك والله ما أخطأت منها شيئا فما شأن هذه الرؤيا وإن ~~كان عجبا فما هو بأعجب مما سمعت منك وما ترى في تأويل رؤياي أيها ~~الصديق؟ قال يوسف عليه الصلاة والسلام: أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعا ~~كثيرا في هذه السنين المخصبة وتجعل ما يتحصل من ذلك الطعام في الخزائن ~~بقصبه وسنبله فإنه أبقى له فيكون ذلك القصب والسنبل علفا للدواب وتأمر ~~الناس فليرفعوا الخمس من زروعهم أيضا فيكفيك ذلك الطعام الذي جمعته لأهل ~~مصر ومن حولها وتأتيك الخلق من سائر النواحي للميرة ويجتمع عندك من الكنز ~~والأموال ما لا يجتمع لأحد قبلك فقال الملك: ومن لي بهذا ومن يجمعه ~~ويبيعه لي ويكفيني العميل فيه فعند ذلك. ### || [12.55] # { قال } يعني يوسف { اجعلني على خزائن الأرض } يعني على خزائن الطعام ~~والأموال، وأراد بالأرض أرض مصر أي اجعلني على خزائن أرضك التي تحت يدك، ~~وقال الربيع بن أنس اجعلني ms1814 على خزائن خراج مصر ودخلها { إني حفيظ عليم } ~~أي حفيظ الخزائن عليم بوجوه مصالحها وقيل معناه إني حاسب كاتب وقيل حفيظ ~~لما استودعتني عليم بما وليتني وقيل حفيظ للحساب عليم أعلم لغة من ~~يأتيني، وقال الكلبي: حفيظ بتقديره في السنين المخصبة للسنين المجدبة ~~عليم بوقت الجوع حين يقع فقال الملك عند ذلك ومن أحق بذلك منك وولاه ~~ذلك، وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يرحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ~~ساعته ولكنه أخر ذلك سنة " # فإن قلت كيف طلب يوسف عليه الصلاة والسلام الإمارة والولاية مع ما ورد ~~من النهي عنها مع كراهية طلبها لما صح من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال لي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها ~~وإن أتيتها من غير مسألة أعنت عليها " # أخرجاه في الصحيحين. قلت إنما يكره طلب الإمارة إذا لم يتعين عليه طلبها ~~فإذا تعين عليه طلبها وجب ذلك عليه ولا كراهية فيه فأما يوسف عليه الصلاة ~~والسلام فكان عليه طلب الإمارة لأنه مرسل من الله تعالى والرسول أعلم ~~بمصالح الأمة من غيره وإذا كان مكلفا برعاية المصالح ولا يمكنه ذلك إلا ~~بطلب الإمارة وجب عليه طلبها، وقيل إنه علم أنه سيحصل قحط وشدة إما بطريق ~~الوحي من الله أو بغيره وربما أفضى ذلك إلى هلاك معظم الخلق، وكان في طلب ~~الإمارة إيصال الخير والراحة إلى المستحقين وجب عليه طلب الأمارة لهذا ~~السبب. فإن قلت كيف مدح يوسف نفسه بقوله إني حفيظ عليم والله تعالى يقول ~~فلا تزكوا أنفسكم. قلت إنما يكره تزكية النفس إذا قصد به الرجل التطاول ~~والتفاخر والتوسل به إلى غير ما يحل فهذا القدر المذموم في تزكية النفس. ~~أما إذا قصد بتزكية النفس ومدحها إيصال الخير والنفع إلى الغير فلا يكره ~~ذلك ولا يحرم بل يجب عليه ms1815 ذلك مثاله أن يكون بعض الناس عنده علم نافع ولا ~~يعرف به فإنه يجب عليه أن يقول أنا عالم، ولما كان المالك قد علم من يوسف ~~أنه عالم بمصالح الدين ولم يعلم أنه عالم بمصالح الدنيا نبهه يوسف بقوله ~~إني حفيظ عليم على أنه عالم بما يحتاج إليه في مصالح الدنيا أيضا مع ~~كمال علمه بمصالح الدين. ### || [12.56-57] # قوله عز وجل: { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } وكذلك إشارة إلى ما تقدم، ~~يعني وكما أنعمنا على يوسف بأن أنجيناه من الجب وخلصناه من السجن وزيناه ~~في عين الملك حتى قربه وأدنى منزلته كذلك مكنا له في الأرض يعني أرض مصر ~~ومعنى التمكين هو أن لا ينازعه منازع فيما يراه ويختاره وإليه الإشارة ~~بقوله { يتبوأ منها حيث يشاء } لأنه تفسير للتمكين. قال ابن عباس وغيره ~~لما انقضت السنة من يوم سأل يوسف الإمارة دعاه الملك فتوجه وقلده بسيفه ~~وحلاه بخاتمه ووضع له سريرا من ذهب مكللا بالدر والياقوت طوله ثلاثون ~~ذراعا وعرضه عشرة أذرع ووضع له عليه ثلاثون فراشا وستون ماريا وضرب له ~~عليه كلة من إستبرق وأمره أن يخرج فخرج متوجا لونه كالثلج ووجه كالقمر ~~يرى الناظر وجهه فيه من صفاء لونه فانطلق حتى جلس على ذلك السرير ودانت ~~ليوسف الملوك وفوض الملك الأكبر إليه ملكه وعزل قطفير عما كان عليه وجعل ~~يوسف مكانه. قال ابن إسحاق قال ابن زيد وكان لملك مصر خزائن كثيرة فسلمها ~~إلى يوسف وسلم له سلطانه كله وجعل أمره وقضاءه نافذا في مملكته قالوا ثم ~~هلك قطفير عزيز مصر في تلك الليالي فزوج الملك يوسف امرأة العزيز بعد ~~هلاكه فلما دخل يوسف عليها قال لها أليس هذا خيرا مما كنت تريدين قال له ~~أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى في ملك ودنيا ~~وكان صاحبي لا يأتي النساء وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك فغلبتني ~~نفسي وعصمك الله قالوا فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له ولدين ذكرين ~~إفراثيم وميشا وهما ابنا ms1816 يوسف منها واستوثق ليوسف ملك مصر وأقام فيه ~~العدل وأحبه الرجال والنساء فلما اطمأن يوسف في ملكه دبر في جمع الطعام ~~أحسن التدبير وأقام فيه العدل وأحبه الرجال والنساء اطمأن يوسف في ملكه ~~دبر في جمع الطعام أحسن التدبير فبنى الحصون والبيوت الكثيرة وجمع فيها ~~الطعام للسنين المجدبة وأنفق المال بالمعروف حتى خلت السنين المخصبة ~~ودخلت السنين المجدبة بهول وشدة لم ير الناس مثله، وقيل: إنه دبر في طعام ~~الملك وحاشيته كل يوم مرة واحدة نصف النهار فلما دخلت سنين القحط كان أول ~~من أصابه الجوع الملك فجاع نصف النهار فنادى يا يوسف الجوع الجوع فقال ~~يوسف هذا أول أوان القحط فهلك في السنة الأولى من أول سنين القحط كل ما ~~أعدوه في السنين المخصبة فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام من يوسف فباعهم في ~~السنة الأولى بالنقود حتى لم يبق بمصر درهم ولا دينار إلا أخذه منهم ~~وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق بمصر في أيدي الناس ~~منها شيء وباعهم في السنة الثالثة بالدواب والمواشي والأنعام حتى لم تبق ~~دابة ولا ماشية إلا احتوى عليها كلها وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد ~~والجواري حتى لم يبق بأيدي الناس عبد ولا أمة وباعهم في السنة الخامسة ~~بالضياع والعقار حتى أتى عليها كلها وباعهم في السنة السادسة بأولادهم، ~~حتى استرقهم وباعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر حر ولا حرة ~~إلا ملكه فصاروا جميعهم عبيدا ليوسف عليه الصلاة والسلام فقال أهل مصر ~~ما رأينا كاليوم ملكا أجمل ولا أعظم من يوسف فقال يوسف للملك كيف رأيت ~~صنع الله بي فيما خولني فما ترى في هؤلاء قال الملك الرأي رأيك ونحن لك ~~تبع قال فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت ~~عليهم أملاكهم وقيل إن يوسف كان لا يشبع من الطعام في تلك الأيام فقيل له ~~أتجوع وبيدك خزائن الأرض فقال أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع وأمر يوسف ~~طباخي الملك أن يجعلوا غداءه ms1817 نصف النهار وأراد بذلك أن يذوق الملك طعم ~~الجوع فلا ينسى الجائع فمن ثم جعل الملوك غداءهم نصف النهار. # قال مجاهد: ولم يزل يوسف يدعو الملك إلى الإسلام ويتلطف به حتى أسلم ~~الملك وكثير من الناس فذلك قوله سبحانه وتعالى: وكذلك مكنا ليوسف في ~~الأرض يتبوأ منها حيث يشاء { نصيب برحمتنا من نشاء } يعني نختص بنعمتنا ~~وهي النبوة من نشاء يعني من عبادنا { ولا نضيع أجر المحسنين } قال ابن ~~عباس يعني الصابرين { ولأجر الآخرة } يعني ولثواب الآخرة { خير } يعني ~~أفضل من أجر الدنيا { للذين آمنوا وكانوا يتقون } يعني يتقون ما نهى الله ~~عنه وفيه دليل على أن الذي أعد الله عز وجل ليوسف عليه الصلاة والسلام في ~~الآخرة من الأجر والثواب الجزيل أفضل مما أعطاه الله في الدنيا من الملك. ### || [12.58] # قوله تعالى: { وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون } قال ~~العلماء: لما اشتد القحط وعظم البلاء وعم ذلك جميع البلاد حتى وصل إلى ~~بلاد الشام قصد الناس مصر من كل مكان للميرة وكان يوسف لا يعطي أحدا ~~أكثر من حمل بعير وإن كان عظيما تقسيطا ومساواة بين الناس ونزل بآل ~~يعقوب ما نزل بالناس من الشدة فبعث بنيه إلى مصر للميرة وأمسك عنده ~~بنيامين أخا يوسف لأمه وأبيه وأرسل عشرة فذلك قوله تعالى وجاء إخوة يوسف ~~وكانوا عشرة وكان مسكنهم بالعربات من أرض فلسطين والعربات ثغور الشام ~~وكانوا أهل بادية وإبل وشياه فدعاهم يعقوب عليه الصلاة والسلام وقال ~~بلغني أن بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام فتجهزوا له واقصدوه لتشتروا منه ~~ما تحتاجون إليه من الطعام فخرجوا حتى قدموا مصر فدخلوا على يوسف فعرفهم. ~~قال ابن عباس ومجاهد: بأول نظرة نظر إليهم عرفهم، وقال الحسن: لم يعرفهم ~~حتى تعرفوا إليه وهم له منكرون يعني لم يعرفوه. قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: كان بين أن قذفوه في الجب وبين دخولهم عليه مدة أربعين سنة فلذلك ~~أنكروه وقال عطاء: إنما لم يعرفوه لأنه كان على سرير الملك وكان على ms1818 رأسه ~~تاج الملك وقيل لأنه كان قد لبس زي ملوك مصر عليه ثياب حرير وفي عنقه طوق ~~من ذهب وكل واحد من هذه الأسباب مانع من حصول المعرفة فكيف وقد اجتمعت ~~فيه، وقيل إن العرفان إنما يقع في القلب بخلق الله تعالى له فيه وإن الله ~~سبحانه وتعالى لم يخلق ذلك العرفان في تلك الساعة في قلوبهم تحقيقا لما ~~أخبر أنه سينبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون فكان ذلك معجزة ليوسف عليه ~~الصلاة والسلام فلما نظر إليهم يوسف وكلموه بالعبرانية كلمهم بلسانهم ~~فقال لهم أخبروني من أنتم وما أمركم فإني قد أنكرت حالكم قالوا: نحن قوم ~~من أرض الشام رعاة قد أصابنا من الجهد ما أصاب الناس فجئنا نمتار؟ قال ~~يوسف لعلكم جئتم تنظرون عورة بلادي قالوا: لا والله ما نحن بجواسيس إنما ~~نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ كبير صديق يقال له يعقوب نبي من أنبياء ~~الله تعالى قال وكم أنتم؟ قالوا كنا اثني عشر فذهب أخ لنا معنا إلى ~~البرية فهلك فيها وكان أحبنا إلى أبينا قال: فكم أنتم الآن، قالوا: عشرة ~~قال: وأين الآخر قالوا هو عند أبينا لأنه أخو الذي هلك لأمه فأبونا يتسلى ~~به قال فمن يعلم أن الذي تقولون حق قالوا أيها الملك إننا ببلاد غربة لا ~~يعرفنا فيها أحد قال فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين فأنا ~~راض بذلك منكم قالوا إن أبانا يحزن لفراقه وسنراوده عنه قال فدعوا بعضكم ~~عندي رهينة حتى تأتوني به فاقترعوا فيما بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان ~~أحسنهم رأيا في يوسف فخلفوه عنده. ### || [12.59-62] # قوله تعالى: { ولما جهزهم بجهازهم } يقال: جهزت القوم تجهيزا إذا تكلفت ~~لهم جهاز سفرهم وهو ما يحتاجون إليه في وجوههم والجهاز بفتح الجيم هي ~~اللغة الفصيحة الجيدة وعليها الأكثرون من أهل اللغة وكسر الجيم لغة ليست ~~بجيده. قال ابن عباس: حمل لكل واحد منهم بعيرا من الطعام وأكرمهم في ~~النزول وأحسن ضيافتهم وأعطاهم ما يحتاجون إليه في سفرهم { قال ائتوني بأخ ms1819 ~~لكم من أبيكم } يعني الذي خلفتموه عنده وهو بنيامين { ألا ترون أني أوفي ~~الكيل } يعني أني أتمه ولا أبخس منه شيئا وأزيدكم حمل بعير آخر لأجل ~~أخيكم أكرمكم بذلك { وأنا خير المنزلين } يعني خير المضيفين لأنه كان قد ~~أحسن ضيافتهم مدة إقامتهم عنده قال الإمام فخر الدين الرازي: هذا الكلام ~~يضعف قول من يقول من المفسرين إنه اتهمهم ونسبهم إلى أنهم جواسيس ومن ~~يشافههم بهذا الكلام فلا يليق به أن يقول لهم ألا ترون أني أوفي الكيل ~~وأنا خير المنزلين، وأيضا يبعد من يوسف عليه الصلاة والسلام مع كونه ~~صديقا أن يقول لهم أنتم جواسيس وعيون مع أنه يعرف براءتهم من هذه التهمة ~~لأن البهتان لا يليق بالصديق ثم قال يوسف { فإن لم تأتوني به } يعني ~~بأخيكم الذي من أبيكم { فلا كيل لكم عندي } يعني لست أكيل لكم طعاما { ~~ولا تقربون } يعني ولا ترجعوا ولا تقربوا بلادي وهذا هو نهاية التخويف ~~والترهيب لأنهم كانوا محتاجين إلى تحصيل الطعام ولا يمكنهم تحصيله إلا من ~~عنده فإذا منعهم من العود كان قد ضيق عليهم فعند ذلك { قالوا } يعني إخوة ~~يوسف { سنراود عنه أباه } يعني سنجتهد ونحتال حتى ننزعه من عنده { وإنا ~~لفاعلون } يعني ما أمرتنا به. قوله عز وجل: { وقال لفتيانه } يعني: وقال ~~يوسف لفتيانه وهم غلمانه وأتباعه { اجعلوا بضاعتهم في رحالهم } أراد ~~بالبضاعة ثمن الطعام الذي أعطوه ليوسف وكانت دراهم وحكى الضحاك عن ابن ~~عباس أنها كانت النعال والأدم والرحال جمع رحل وهي الأوعية التي يحمل ~~فيها الطعام وغيره { لعلهم يعرفونها } يعني يعرفون بضاعتهم { إذا انقلبوا ~~إلى أهلهم } يعني إذا رجعوا إلى أهلهم { لعلهم يرجعون } إلينا واختلفوا ~~في السبب الذي من أجله رد يوسف عليه الصلاة والسلام عليهم بضاعتهم فقيل ~~إنهم إذا فتحوا متاعهم ووجدوا بضاعتهم قد ردت إليهم علموا أن ذلك من كرم ~~يوسف وسخائه فيبعثهم ذلك على الرجوع إليه سريعا وقيل إنه خاف أن لا يكون ~~عند أبيه شيء آخر من المال لأن الزمان كان زمان قحط وشدة، وقيل: ms1820 إنه رأى ~~أن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته لؤم لشدة حاجتهم إليه وقيل أراد أن ~~يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم فيه لوم ولا عيب، وقيل أراد أن يريهم بره ~~وكرمه وإحسانه إليهم في رد بضاعتهم ليكون ذلك أدعى إلى العود إليه، وقيل: ~~إنما فعل ذلك لأنه علم أن ديانتهم وأمانتهم تحملهم على رد البضاعة إليه ~~إذا وجدوها في رحالهم لأنهم أنبياء وأولاد أنبياء وقيل أراد برد البضاعة ~~إليهم أن يكون ذلك عونا لأبيه ولإخوته على شدة الزمان. ### || [12.63-65] # { فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا } إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا ~~وأكرمنا كرامة عظيمة لو كان رجلا من أولاد يعقوب ما أكرمنا كرامته فقال ~~لهم يعقوب إذا رجعتم إلى ملك مصر فاقرؤوا عليه مني السلام وقولوا له إن ~~أبانا يصلي عليك ويدعو لك بما أوليتنا ثم قال لهم أين شمعون قالوا ارتهنه ~~ملك مصر عنده وأخبروه بالقصة ثم قالوا يا أبانا { منع منا الكيل } وفيه ~~قولان: أحدهما: أنهم لما أخبروا يوسف بأخيهم من أبيهم طلبوا منه الطعام ~~لأبيهم وأخيهم المتخلف عند أبيهم فمنعهم من ذلك حتى يحضر فقولهم منع منا ~~الكيل إشارة إليه وأراد بالكيل الطعام لأنه يكال. والقول الثاني: إنه ~~سيمنع منا الكيل في المستقبل وهو إشارة إلى قول يوسف فإن لم تأتوني به ~~فلا كيل لكم عندي ولا تقربون وقال الحسن يمنع منا الكيل إن لم نحمل معنا ~~أخانا وهو قوله تعالى إخبارا عنهم { فأرسل معنا أخانا } يعني بنيامين { ~~نكتل } قرئ بالياء يعني يكتل لنفسه وقرئ بالنون يعني نكتل نحن جميعا ~~وإياه معنا { وإنا له لحافظون } يعني نرده إليك فلما قالوا ليعقوب هذه ~~المقالة { قال } يعني يعقوب { هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من ~~قبل } يعني كيف آمنكم على ولدي بنيامين وقد فعلتم بأخيه يوسف ما فعلتم ~~وإنكم ذكرتم مثل هذا فكيف يحصل هاهنا ثم قال { فالله خير حافظا } يعني ~~أن حفظ الله خير من حفظكم له ففيه التفويض إلى الله تعالى والاعتماد عليه ms1821 ~~في جميع الأمور { وهو أرحم الراحمين } وظاهر هذا الكلام يدل على أنه ~~أرسله معهم، وإنما أرسله معهم وقد شاهد ما فعلوا بيوسف لأنه لم يشاهد ~~فيما بينهم وبين بنيامين من الحقد والحسد مثل ما كان بينهم وبين يوسف أو ~~أن يعقوب شاهد منهم الخير والصلاح ولما كبروا فأرسله معهم أو أن شدة ~~القحط وضيق الوقت أحوجه إلى ذلك. قوله تعالى: { ولما فتحوا متاعهم } يعني ~~الذي حملوه من مصر فيحتمل أن يكون المراد به الطعام أو أوعية الطعام { ~~وجدوا بضاعتهم ردت إليهم } يعني أنهم وجدوا في متاعهم ثمن الطعام الذي ~~كانوا قد أعطوه ليوسف قد رد عليهم ودس في متاعهم { قالوا يا أبانا ما ~~نبغي } يعني ماذا نبغي وأي شيء نطلب وذلك أنهم كانوا قد ذكروا ليعقوب ~~إحسان ملك مصر إليهم وحثوا يعقوب على إرسال بنيامين معهم فلما فتحوا ~~متاعهم ووجدوا بضاعتهم قد ردت إليهم قالوا أي شيء نطلب من الكلام بعد هذا ~~العيان من الإحسان والإكرام أوفى لنا الكيل ورد علينا الثمن، وأرادوا ~~بهذا الكلام تطييب قلب أبيهم { هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا } يقال ~~مار أهله يميرهم ميرا إذا حمل لهم الطعام وجلبه من بلد آخر إليهم ~~والمعنى إنا نشتري لأهلنا الطعام ونحمله إليهم { ونحفظ أخانا } يعني ~~بنيامين مما تخاف عليه حتى نرده إليك { ونزداد كيل بعير } يعني ونزداد ~~لأجل أخينا على أحمالنا حمل بعير من الطعام { ذلك كيل يسير } يعني إن ذلك ~~الحمل الذي نزداد من الطعام هين على الملك لأنه قد أحسن إلينا وأكرمنا ~~بأكثر من ذلك وقيل معناه أن الذي حملناه معنا كيل يسير قليل لا يكفينا ~~وأهلنا. ### || [12.66-68] # { قال } يعني قال لهم يعقوب { لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله } ~~يعني لن أرسل معكم بنيامين حتى تؤتون عهد الله وميثاقه والموثق العهد ~~المؤكد باليمين، وقيل هو المؤكد بإشهاد الله عليه { لتأتنني به } دخلت ~~اللام هنا لأجل اليمين وتقدريه حتى تحلفوا بالله لتأتنني به { إلا أن ~~يحاط بكم } قال مجاهد:إلا أن تهلكوا جميعا فيكون عذرا ms1822 لكم عندي، لأن ~~العرب تقول أحيط بفلان إن هلك أو قارب هلاكه. وقال قتادة: إلا أن تغلبوا ~~جميع فلا تقدروا على الرجوع { فلما آتوه موثقهم } يعني فلما أعطوه عهدهم ~~وحلفوا له { قال الله على ما نقول وكيل } يعني قال يعقوب الله شاهد على ~~ما نقول كأن الشاهد وكيل بمعنى أنه موكول إليه هذا العهد، وقيل وكيل ~~بمعنى حافظ. قال كعب الأحبار: لما قال يعقوب # فالله خير حافظا # [يوسف: 64] قال الله تعالى: # " وعزتي وجلالي لأردن عليك كليهما بعد ما توكلت علي وفوضت أمرك إلي " # وذلك أنه لما اشتد بهم الأمر وضاق عليهم الوقت وجهدوا أشد الجهد لم يجد ~~يعقوب بدا من إرسال بنيامين معهم فأرسله معهم متوكلا على الله ومفوضا ~~أمره إليه. قوله عز وجل إخبارا عن يعقوب { وقال يا بني لا تدخلوا من باب ~~واحد وادخلوا من أبواب متفرقة } وذلك أنهم لما خرجوا من عند يعقوب قاصدين ~~مصر قال لهم يا بني لا تدخلوا يعني مدينة مصر من باب واحد وادخلوا من ~~أبواب متفرقة وكان لمدينة مصر يومئذ أربعة أبواب، وقال السدي: أراد الطرق ~~لا الأبواب يعني من طرق متفرقة وإنما أمرهم بذلك لأنه خاف عليهم العين ~~لأنهم كانوا قد أعطوا جمالا وقوة وامتداد قامة وكانوا أولاد رجل واحد ~~فأمرهم أن يتفرقوا في دخولهم المدينة لئلا يصابوا بالعين فإن العين حق، ~~وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وجمهور المفسرين ق. عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن العين حق " # زاد البخاري " ونهى عن الوشم " م عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال # " العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغتسلوا ~~" # عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت " كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل ~~منه المعين " أخرجه أبو داود. قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله ~~تعالى: قال المازري: أخذ جماهير العلماء بظاهر هذا الحديث وقال العين حق ~~وأنكره طوائف من المبتدعة والدليل على فساد ms1823 عقولهم ان كل معنى يكون ~~مخالفا في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا إفساد دليل فإنه من مجوزات ~~العقول وإذا أخبر الشرع بوقوعه وجب اعتقاده ولا يجوز تكذيبه وإنكاره وقيل ~~لا بد من فرق بين تكذيبهم بهذا وتكذيبهم بما يخبر به من أمور الآخرة قال ~~وقد زعم بعض الطبائعيين مثبتين للعين تأثيرا أن العين تنبعث من عينيه ~~قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد قالوا ولا يمتنع هذا كما لا يمتنع ~~انبعاث قوة سمية من الأفعى والعقرب تتصل بالملدوغ فيهلك وإن كان غير ~~محسوس لنا فكذا العين، قال المازري: وهذا غير مسلم لأنا بينا في كتب علم ~~الكلام أنه لا فاعل إلا الله تعالى وبينا فساد القول بالطبائع وبينا أن ~~المحدث لا يفعل في غيره شيئا، فإذا تقرر هذا بطل ما قالوه ثم تقول هذا ~~المنبعث من العين إما جوهر وإما عرض فباطل أن يكون عرضا لأنه لا يقبل ~~الانتقال وباطل ان يكون جوهرا لأن الجواهر متجانسة فليس بعضها بأن يكون ~~مفسدا لبعض بأولى من عكسه فبطل ما قالوه وأقرب طريقة قالها من ينتحل ~~الإسلام منهم إن قالوا لا يبعد أن تنبعث جواهر لطيفة غير مرئية من عين ~~العائن لتتصل بالمعين فتتخلل مسام جسمه فيخلق الله عز وجل الهلاك عندها ~~كما يخلق الهلاك عند شرب السموم عادة أجراها الله عز وجل وليست ضرورة ولا ~~طبيعية ألجأ الفعل إليها قال ومذهب أهل السنة أن المعين إنما يفسد ويهلك ~~عند نظر العائن بفعل الله تعالى أجرى الله تعالى العادة بأن يخلق الضرر ~~عند مقابلة هذا الشخص شخصا آخر، وهل ثم جواهر أم لا فهذا من مجوزات ~~العقول لا يقطع فيه بواحد من الأمرين وإنما يقطع بنفي الفعل عنها وإضافته ~~إلى الله تعالى فمن قطع من أطباء الإسلام بانبعاث الجواهر فقد أخطأ في ~~قطعه وإنما هو من الجائزات هذا ما يتعلق بعلم الأصول وأما ما يتعلق بعلم ~~الفقه فإن الشرع قد ورد بالوضوء لهذا الأمر في حديث سهل بن حنيف لما أصيب ms1824 ~~بالعين عند اغتساله رواه مالك في الموطأ. # وأما صفة وضوء العائن فمذكور في كتب شرح الحديث ومعروف عند العلماء ~~فيطلب من هناك فليس هذا موضعه والله أعلم. وقال وهب بن منبه: في قوله { ~~لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة } أنه خاف أن يغتالوا لما ~~ظهر لهم في أرض مصر من التهمة حكاه ابن الجوزي عنه وقيل إن يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام كان قد علم أن ملك مصر هو ولده يوسف عليه الصلاة والسلام ~~إلا أن الله تعالى لم يأذن له في إظهاره ذلك فلما بعث أبناءه إليه قال ~~لهم: لا تدخلوا من بابا واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وكان غرضه أن يصل ~~بنيامين إلى أخيه يوسف في وقت الخلوة قبل إخوته والقول الأول أصح أنه خاف ~~عليهم من العين ثم رجع إلى علمه وفوض أمره إلى الله تعالى بقوله: { وما ~~أغني عنكم من الله من شيء } يعني إن كان الله قد قضى عليكم بقضاء فهو ~~يصيبكم مجتمعين كنتم أو متفرقين فإن المقدور كائن ولا ينفع حذر من قدر { ~~إن الحكم إلا لله } يعني وما الحكم إلا لله وحده لا شريك له فيه وهذا ~~تفويض من يعقوب في أموره كلها إلى الله تعالى: { عليه توكلت } يعني عليه ~~اعتمدت في أموري كلها لا على غيره { وعليه فليتوكل المتوكلون ولما دخلوا ~~من حيث أمرهم أبوهم } يعني من الأبواب المتفرقة وكان لمدينة مصر وقيل ~~مدينة الفرماء أربعة أبواب فدخلوا من أبوابها كلها { ما كان يغني عنهم من ~~الله من شيء } وهذا تصديق من الله سبحانه وتعالى ليعقوب فيما قال وما ~~أغني عنكم من الله من شيء { إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها } هذا استثناء ~~منقطع ليس من الأول في شيء ومعناه لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها وهو أنه ~~أشفق عليهم إشفاق الآباء على الأبناء وذلك أنه خاف عليهم من العين أو خاف ~~عليهم حسد أهل مصر أو خاف أن لا يردوا عليه فأشفق من هذا كله أو بعضه { ~~وأنه } يعني ms1825 يعقوب { لذو علم } يعني صاحب علم { لما علمناه } يعني ~~لتعليمنا إياه ذلك العلم، وقيل: معناه وإنه لذو علم للشيء الذي علمناه ~~والمعنى أنا لما علمناه هذه الأشياء حصل له العلم بتلك الأشياء، وقيل: ~~إنه لذو حفظ لما علمناه وقيل إنه كان يعمل ما يعمل عن علم لا عن جهل، ~~وقيل: إنه لعامل بما علمناه قال سفيان من لا يعمل بما يعلم لا يكون ~~عالما { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } يعني لا يعلمون ما كان يعلم يعقوب ~~لأنهم لم يسلكوا طريق إصابة العلم وقال ابن عباس: لا يعلم المشركون ما ~~ألهم الله أولياءه. ### || [12.69] # قوله تعالى: { ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه } قال المفسرون: لما ~~دخل إخوة يوسف على يوسف قالوا أيها الملك هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك ~~به قد جئناك به فقال لهم أحسنتم وأصبتم وستجدون ذلك عندي ثم أنزلهم وأكرم ~~نزلهم ثم إنه أضافهم وأجلس كل اثنين على مائدة فبقي بنيامين وحيدا فبكى ~~وقال لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه فقال لهم يوسف لقد بقي هذا وحده ~~فقالوا كان له أخ فهلك قال لهم أجلسه معي فأخذه فأجلسه معه على مائدته ~~وجعل يؤاكله فلما كان الليل أمرهم بمثل ذلك وقال كل اثنين منكم ينامان ~~على فراش واحد فبقي بنيامين وحده فقال يوسف هذا ينام عندي على فراشي فنام ~~بنيامين مع يوسف على فراشه فجعل يوسف يضمه إليه ويشم ريحه حتى أصبح فلما ~~أصبح قال لهم إني أرى هذا الرجل وحيدا ليس معه ثان وسأضمه إلي فكيون ~~معي في منزلي ثم إنه أنزلهم وأجرى عليهم الطعام فقال روبيل ما رأينا مثل ~~هذا فذلك قوله آوى إليه أخاه يعني ضمه وأنزله معه في منزله فلما خلا به ~~قال له يوسف ما اسمك قال بنيامين قال وما بنيامين قال ابن المشكل وذلك ~~أنه لما ولدته أمه هلكت قال وما اسم أمك قال راحيل قال فهل لك من ولد قال ~~عشر بنين قال فهل لك من أخ لأمك قال كان ms1826 لي أخ فهلك قال يوسف أتحب أن ~~أكون أخاك بدل أخيك الهالك قال بنيامين ومن يجد أخا مثلك أيها الملك ~~ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف عليه الصلاة والسلام وقام إليه ~~وعانقه و { قال } له { إني أنا أخوك } يعني يوسف { فلا تبتئس } يعني لا ~~تحزن وقال أهل اللغة تبتئس تفتعل من البؤس وهو الضرر والشدة والابتئاس ~~اجتلاب الحزن والبؤس { بما كانوا يعملون } يعني فلا تحزن بشيء فعلوه بنا ~~فيما مضى فإن الله قد أحسن إلينا ونجانا من الهلاك وجمع بيننا، وقيل: إن ~~يوسف صفح عن إخوته وصفا لهم فأراد أن يجعل قلب أخيه بنيامين مثل قبله ~~صافيا عليهم ثم قال يوسف لأخيه بنيامين لا تعلم إخوتك بشيء مما أعلمتك ~~به ثم إنه أوفى لإخوته الكيل وزاد لكل واحد حمل بعير ولبنيامين حمل بعير ~~باسمه ثم أمر بساقية الملك فجعلت في رحل أخيه بنيامين، قال السدي: وهو لا ~~يشعر وقال كعب: لما قال له يوسف إني أنا أخوك قال بنيامين أنا لا أفارقك ~~فقال يوسف قد علمت اغتمام والدي علي فإذا حبستك عندي ازداد غمه ولا ~~يمكنني هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع وأنسبك إلى ما لا يحمد قال لا ~~أبالي فافعل ما بدا لك فإني لا أفارقك قال فإني أدس صاعي في رحلك ثم ~~أنادي عليكم بالسرقة ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك قال فافعل ما شئت. ### || [12.70-74] # { فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه } وهي المشربة التي كان ~~الملك يشرب فيها، قال ابن عباس: كانت من زبرجد، وقال ابن إسحاق كانت من ~~فضة وقيل من ذهب، وقال عكرمة: كانت مشربة من فضة مرصعة بالجواهر جعلها ~~يوسف مكيالا لئلا يكال بغيرها وكان يشرب فيها والسقاية والصواع اسم ~~لإناء واحد وجعلت في وعاء طعام أخيه بنيامين ثم ارتحلوا راجعين إلى ~~بلادهم فأمهلهم يوسف حتى انطلقوا وذهبوا منزلا وقيل حتى خرجوا من ~~العمارة ثم أرسل خلفهم من استوقفهم وحبسهم { ثم أذن مؤذن } يعني نادى ~~مناد وأعلم معلم. والأذان في ms1827 اللغة الإعلام { أيتها العير } وهي القافلة ~~التي في الأحمال، وقال مجاهد: العير الحمير والبغال، وقال أبو الهيثم: كل ~~ما سير عليه من الإبل والحمير والبغال فهي عير وقول من قال إنها الإبل ~~خاصة باطل وقيل العير الإبل التي تحمل عليها الأحمال سميت بذلك لأنها ~~تعير أي تذهب وتجيء وقيل هي قافلة الحمير ثم كثر ذلك في الاستعمال حتى ~~قيل لكل قافلة عير وقوله أيتها العير أراد أصحاب العير { إنكم لسارقون } ~~فقفوا والسرقة أخذ ما ليس له أخذه في خفاء. فإن قلت هل كان هذا النداء ~~بأمر يوسف أم لا فإن كان بأمره فكيف يليق بيوسف مع علو منصبه وشريف رتبته ~~من النبوة والرسالة أن يتهم أقواما وينسبهم إلى السرقة كذبا مع علمه ~~ببراءتهم من ذلك وإن كان ذلك النداء بغير أمره فهلا أظهر براءته عن تلك ~~التهمة التي نسبوا إليها. قلت ذكر العلماء عن هذا السؤال أجوبة: أحدها: ~~أن يوسف لما أظهر لأخيه أنه أخوه قال لست أفارقك قال لا سبيل إلى ذلك إلا ~~بتدبير حيلة أنسبك فيها إلى ما يليق قال رضيت بذلك فعلى هذا التقدير لم ~~يتألم قلبه بسبب هذا الكلام بل قد رضي به فلا يكون ذنبا. الثاني: أن ~~يكون المعنى إنكم لسارقون ليوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا هذا الكلام ~~فهو من المعاريض وفي المعاريض مندوحة عن الكذب. الثالث: يحتمل أن يكون ~~المنادي ربما قال ذلك النداء على سبيل الاستفهام وعلى هذا التقدير لا ~~يكون كذبا. الرابع: ليس في القرآن ما يدل على أنهم قالوا ذلك بأمر يوسف ~~وهو الأقرب إلى ظاهر الحال لأنهم طلبوا السقاية فلم يجدوها ولم يكن هناك ~~أحد غيرهم وغلب على ظنهم أنهم هم الذين أخذوها فقالوا ذلك بناء على غلبة ~~ظنهم { قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون } قال أصحاب الأخبار لما وصل ~~الرسل إلى إخوة يوسف قالوا لهم ألم نكرمكم ونحسن ضيافتكم ونوف إليكم ~~الكيل ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم قالوا بلى وما ذاك قالوا فقدنا سقاية ~~الملك ولا نتهم ms1828 عليها غيركم فذلك قوله تعالى قالوا وأقبلوا عليهم أي ~~عطفوا على المؤذن وأصحابه ماذا أي ما الذي تفقدون والفقدان ضد الوجود { ~~قالوا } يعني المؤذن وأصحابه { نفقد صواع الملك } الصاع الإناء الذي يكال ~~به وجمعه أصوع والصواع لغة فيه وجمعه صيعان { ولمن جاء به } يعني بالصواع ~~{ حمل بعير } يعني من الطعام { وأنا به زعيم } أي كفيل قال الكلبي الزعيم ~~هو الكفيل بلسان أهل اليمن وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في ~~شرعهم وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها في قوله # " الحميل غارم " # والحميل الكفيل. فإن قلت كيف تصح هذه الكفالة مع أن السارق لا يستحق ~~شيئا. قلت لم يكونوا سراقا في الحقيقة فيحمل ذلك على مثل رد الضائع ~~فيكون جعالة أو لعل مثل هذه الكفالة كانت جائزة عندهم في ذلك الزمان ~~فيحمل عليه { قالوا } يعني إخوة يوسف { تالله } التاء بدل من الواو ولا ~~تدخل إلا على اسم الله في اليمين خاصة تقديره والله { لقد علمتم ما جئنا ~~لنفسد في الأرض وما كنا سارقين } قال المفسرون: إن أخوة يوسف حلفوا على ~~أمرين: أحدهما: أنهم ما جاؤوا لأجل الفساد في الأرض والثاني أنهم ما ~~جاؤوا سارقين وإنما قالوا هذه المقالة لأنه كان قد ظهر من أحوالهم ما يدل ~~على صدقهم وهو أنهم كانوا مواظبين على أنواع الخير والطاعة والبر حتى بلغ ~~من أمرهم أنهم شدوا أفواه دوابهم لئلا تؤذي زرع الناس ومن كانت هذه صفته ~~فالفساد في حقه ممتنع. وأما الثاني: وهو أنهم ما كانوا سارقين فلأنهم قد ~~كانوا ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم ولم يستحلوا أخذها ومن كانت ~~هذه صفته فليس بسارق فلأجل ذلك قالوا لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض ~~وما كنا سارقين فلما تبينت براءتهم من هذه التهمة { قالوا } يعني أصحاب ~~يوسف وهو المنادي وأصحابه { فما جزاؤه إن كنتم كاذبين } يعني فما جزاء ~~السارق إن كنتم كاذبين في قولكم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين. ### || [12.75-76] # { قالوا } يعني إخوة يوسف { جزاؤه ms1829 من وجد في رحله } يعني جزاء السارق ~~الذي وجد في رحله أن يسلم برقبته إلى المسروق منه فيسترقه سنة وكان ذلك ~~سنة آل يعقوب في حكم السارق وكان في حكم ملك مصر أن يضرب السارق ويغرم ~~ضعفي قيمة المسروق وكان هذا في شرعهم في ذلك الزمان يجري مجرى القطع في ~~شرعنا فأراد يوسف أن يأخذ بحكم أبيه في السارق فلذلك رد الحكم إليهم، ~~والمعنى أن جزاء السارق أن يستعبد سنة جزاء له على جرمه وسرقته { فهو ~~جزاؤه } يعني هذا الجزاء جزاؤه { كذلك نجزي الظالمين } يعني مثل هذا ~~الجزاء وهو أن يسترق السارق سنة نجزي الظالمين ثم قيل إن هذا الكلام من ~~بقية كلام إخوة يوسف وقيل هو من كلام أصحاب يوسف فعلى هذا إن إخوة يوسف ~~لما قالوا جزاء السارق أن يسترق سنة قال أصحاب يوسف كذلك نجزي الظالمين ~~يعني السارقين. قوله عز وجل: { فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه } قال أهل ~~التفسير إن إخوة يوسف لما أقروا أن جزاء السارق أن يسترق سنة قال أصحاب ~~يوسف لا بد من تفتيش رحالكم فردوهم إلى يوسف فأمر بتفتيشها بين يديه فبدأ ~~بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه لإزالة التهمة فجعل يفتش أوعيتهم واحدا ~~واحدا. قال قتادة: ذكر لنا أنه كان لا يفتح متاعا ولا ينظر وعاء إلا ~~استغفر تأثما مما قذفهم به حتى لا يبق إلا رحل بنيامين قال ما أظن هذا ~~أخذ شيئا قال إخوته والله لا نتركك حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك ~~وأنفسنا فلما فتحوا متاعه وجدوا الصواع فيه فذلك قوله تعالى: { ثم ~~استخرجها من وعاء أخيه } إنما أنث الكناية لأنه ردها إلى السقاية، ~~وقيل: إن الصواع يذكر ويؤنث فلما أخرج الصواع من رحل بنيامين نكس إخوة ~~يوسف رؤوسهم من الحياء وأقبلوا على بنيامين يلومونه ويقولون له ما صنعت ~~بنا فضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل ما زال لنا منكم بلاء حتى أخذت هذا ~~الصواع، فقال بنيامين: بل بنو راحيل ما زال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي ~~فأهلكتموه في ms1830 البرية إن الذي وضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في ~~رحالكم قالوا فأخذ بنيامين رقيقا، وقيل: إن المنادي وأصحابه هم الذين ~~تولوا تفتيش رحالهم وهم الذين استخرجوا الصواع من رحل بنيامين فأخذه ~~برقبته وردوه إلى يوسف { كذلك كدنا ليوسف } يعني ومثل ذلك الكيد كدنا ~~ليوسف وهو إشارة إلى الحكم الذي ذكره إخوه يوسف باسترقاق السارق أي مثل ~~ذلك الحكم الذي ذكره إخوة يوسف حكمنا ليوسف ولفظ الكيد مستعار للحيلة ~~والخديعة وهذا في حق الله عز وجل محال فيجب تأويل هذه اللفظة بما يليق ~~بجلال الله سبحانه وتعالى فنقول الكيد هنا جزاء الكيد يعني كما فعلوا ~~بيوسف بأن حكموا أن جزاء السارق أن يسترق كذلك ألهمنا يوسف حتى دس الصواع ~~في رحل أخيه ليضمه إليه على ما حكم به إخوته، وقال ابن الأعرابي: الكيد ~~التدبير بالباطل وبحق فعلى هذا يكون المعنى كذلك دبرنا ليوسف، وقيل: ~~صنعنا ليوسف، وقال ابن الأنباري: كدنا وقع خبرا من الله عز وجل علي ~~خلاف معناه في أوصاف المخلوقين فإنه إذا أخبر به عن مخلوق كان تحته ~~احتيال وهو في موضع فعل الله معرى من المعاني المذمومة ويخلص بأنه وقع ~~بمن يكيده تدبير ما يريده به من حيث لا يشعر ولا يقدر على دفعه فهو من ~~الله مشيئة بالذي يكون من أجل أن المخلوق إذا كاد المخلوق في ستر عنه ما ~~ينويه ويضمره له من الذي يقع به من الكيد فهو من الله تعالى أستر إذ هو ~~ما ختم به عاقبته والذي وقع بإخوة يوسف من كيد الله هو ما انتهى إليه شأن ~~يوسف من ارتفاع المنزلة وتمام النعمة وحيث جرى الأمر على غير ما قدر من ~~إهلاكه وخلوص أبيهم له بعده وكل ذا جرى بتدبير الله تعالى وخفي لطفه سماه ~~كيدا لأنه أشبه كيد المخلوقين فعلى هذا يكون كيد الله عز وجل ليوسف عليه ~~الصلاة والسلام عائدا إلى جميع ما أعطاه الله وأنعم به عليه على خلاف ~~تدبيره وإخوته من غير أن يشعروا بذلك ms1831 وقوله تعالى: { ما كان ليأخذ أخاه ~~في دين الملك } يعني في حكم الملك وقضائه لانه كان في حكم الملك أن ~~السارق يضرب ويغرم ضعفي قيمة المسروق يعني في حكم الملك وقضائه فلم يتمكن ~~يوسف من حبس أخيه عنده في حكم الملك فالله تعالى ألهم يوسف ما دبره حتى ~~وجد السبيل إلى ذلك { إلا أن يشاء الله } يعني أن ذلك الأمر كان بمشيئة ~~الله وتدبيره لأن ذلك كله كان إلهاما من الله ليوسف وإخوته حتى جرى ~~الأمر على وفق المراد { نرفع درجات من نشاء } يعني بالعلم كما رفعنا درجة ~~يوسف على إخوته وفي هذه الآية دلالة على أن العلم الشريف أشرف المقامات ~~وأعلى الدرجات لأن الله تعالى مدح يوسف ورفع درجته على إخوته بالعلم وبما ~~ألهمه على وجه الهداية والصواب في الأمور كلها { وفوق كل ذي علم عليم } ~~قال ابن عباس: فوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى فوق ~~كل عالم لأنه هو الغني بعلمه عن التعليم وفي الآية دليل على أن إخوة يوسف ~~كانوا علماء وكان يوسف أعلم منهم، قال ابن الأنباري: يجب أن يتهم العالم ~~نفسه ويستشعر التواضع لمواهب ربه تعالى ولا يطمع نفسه في الغلبة لأنه لا ~~يخلو عالم من عالم فوقه. ### || [12.77-78] # قوله تعالى: { قالوا } يعني إخوة يوسف { إن يسرق } يعني بنيامين الصواع ~~{ فقد سرق أخ له من قبل } يعني يوسف ظاهر الآية يقتضي أن إخوة يوسف قالوا ~~للملك إن هذا الأمر ليس بغريب منه فإن أخاه الذي هلك كان سارقا أيضا ~~وكان غرضهم من هذا الكلام أن لسنا على طريقته ولا على سيرته بل هذا ~~وأخوه كان على هذه الطريقة وهذه السيرة لأنهما من أم أخرى غير أمنا. ~~واختلفوا في السرقة التي ينسبوها إلى يوسف عليه الصلاة والسلام فقال سعيد ~~بن جبير وقتادة: وكان لجده أبي أمه صنم وكان يعبده فأخذه يوسف وكسره ~~وألقاه في الطريق لئلا يعبده، وقال مجاهد: إن يوسف جاءه سائل يوما فأخذ ~~بيضة من البيت فناولها له، وقال ms1832 سفيان بن عيينة أخذ دجاجة من الطير الذي ~~كان في بيت يعقوب فأعطاها سائلا، وقال وهب: كان يخبئ الطعام من المائدة ~~للفقراء. وذكر محمد بن إسحاق: إن يوسف كان عند عمته ابنة إسحاق بعد موت ~~أمه راحيل فحضنته عمته وأحبته حبا شديدا فلما ترعرع وكبر وقعت محبة ~~يعقوب عليه فأحبه فقال لأخته يا أختاه سلمي إلي يوسف فوالله ما أقدر على ~~أن يغيب عني ساعة واحدة فقالت لا أعطيكه فقال لها والله ما أنا بتاركه ~~عندك فقالت دعه عندي أياما أنظر إليه لعل ذلك يسليني عنه ففعل ذلك فعمدت ~~إلى منطقة كانت لإسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر وكانت أكبر أولاد إسحاق ~~فكانت عندها فشدت المنطقة على وسط يوسف تحت ثيابه وهو صغير لا يشعر ثم ~~قالت لقد فقدت منطقة إسحاق ففتشوا أهل البيت فوجودها مع يوسف فقالت إنه ~~لسلم لي يعني يوسف فقال يعقوب إن كان قد فعل فهو سلم لك فأمسكته عندها ~~حتى ماتت فلذلك قال إخوة يوسف إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل يعنون هذه ~~السرقة قال الأنباري: وليس في هذه الأفعال كلها ما يوجب السرقة ولكنها ~~تشبه السرقة فعيروه بها عند الغضب { فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم } ~~في هاء الكناية ثلاثة أقوال: أحدها: أن الضمير يرجع إلى الكلمة التي ~~بعدها وهي قوله تعالى { قال } يعني يوسف { أنتم شر مكانا } روى هذا ~~المعنى العوفي عن ابن عباس والثاني أن الضمير يرجع إلى الكلمة التي ~~قالوها في حقه وهي قولهم فقد سرق أخ له من قبل وهذا معنى قول أبي صالح عن ~~ابن عباس، فعلى هذا القول يكون المعنى فأسر يوسف جواب الكلمة التي قالوها ~~في حقه ولم يجبهم عليها والثالث أن الضمير يرجع إلى الحجة فيكون المعنى ~~على هذا القول فأسر يوسف الاحتجاج عليهم في ادعائهم عليه السرقة ولم ~~يبدها لهم قال أنتم شر مكانا يعني منزلة عند الله ممن رميتموه بالسرقة ~~لأنه لم يكن من يوسف سرقة في الحقيقة وخيانتكم حقيقة { والله أعلم بما ms1833 ~~تصفون } يعني بحقيقة ما تقولون. # قوله عز وجل: { قالوا } يعني إخوة يوسف { يا أيها العزيز } يخاطبون بذلك ~~الملك { إن له أبا شيخا كبيرا } قال أصحاب الأخبار والسير إن يوسف ~~عليه الصلاة والسلام لما استخرج الصواع من رحل أخيه بنيامين نقره وأدناه ~~إلى أذنه ثم قال إن صواعي هذا يخبرني أنكم اثنا عشر رجلا لأب واحد وإنكم ~~انطلقتم بأخ لكم من أبيكم فبعتموه قال بنيامين أيها الملك سل صواعك هذا ~~من جعله في رحلي فنقره ثم قال إن صواعي غضبان وهو يقول كيف تسألني عن ~~صاحبي وقد رأيت مع من كنت قالوا فغضب روبيل لذلك وكان بنو يعقوب إذا ~~غضبوا لم يطاقوا وكان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شيء وكان إذا صاح ألقت ~~كل حامل حملها إذا سمعت صوته وكان من هذا إذا مسه أحد من ولد يعقوب يسكن ~~غضبه وكان أقوى الإخوة وأشدهم، وقيل: كانت هذه صفة شمعون بن يعقوب، وقيل: ~~إنه قال لإخوته كم عدد الأسواق بمصر قالوا عشرة قال اكفوني أنتم الأسواق ~~وأنا أكفيكم الملك أو اكفوني أنتم الملك وأنا أكفيكم الأسواق فدخلوا على ~~يوسف فقال روبيل أيها الملك لتردن علينا أخانا أو لأصيحن صيحة لا يبقى ~~بمصر امرأة حامل إلا وضعت ولدها وقامت كل شعرة في جسد روبيل حتى خرجت من ~~ثيابه فقال يوسف لابن له صغير قم إلى جنب هذا فمسه أو خذ بيده فأتى له ~~فلما مسه سكن غضبه فقال لإخوته: من مسني منكم قالوا لم يصبك منا أحد فقال ~~روبيل إن هذا بذر من بذر يعقوب وقيل إنه غضب ثانيا فقام إليه يوسف فوكزه ~~برجله وأخذ بتلابيبه فوقع على الأرض وقال أنتم يا معشر العبرانيين تزعمون ~~أن لا أحد أشد منكم فلما رأوا ما نزل بهم ورأوا أن لا سبيل إلى تخليصه ~~خضفوا وذلوا وقالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا يعني في السن ~~ويحتمل أن يكون كبيرا في القدر لأنه نبي من أولاد الأنبياء { فخذ أحدنا ~~مكانه } يعني بدلا عنه ms1834 لأنه يحبه ويتسلى به عن أخيه الهالك { إنا نراك ~~من المحسنين } يعني في أفعالك كلها وقيل من المحسنين إلينا في توفية ~~الكيل وحسن الضيافة ورد البضاعة إلينا وقيل إن رددت بنيامين إلينا وأخذت ~~أحدنا مكانه كنت من المحسنين. ### || [12.79-80] # { قال معاذ الله } يعني: قال يوسف أعوذ بالله معاذا { أن نأخذ إلا من ~~وجدنا متاعنا عنده } لم يقل سرق تحرزا عن الكذب لأنه يعلم أخاه ليس ~~بسارق { إنا إذا لظالمون } يعني إن أخذنا بريئا بذنب غيره فإن قلت كيف ~~استجاز يوسف أن يعمل مثل هذه الأعمال بأبيه ولم يخبره بمكانه وحبس أخاه ~~أيضا عنده مع علمه بشدة وجد أبيه عليه ففيه ما فيه من العقوق وقطيعة ~~الرحم وقلة الشفقة وكيف يجوز ليوسف مع علو منصبه من النبوة والرسالة أن ~~يزور على إخوته ويروج عليهم مثل هذا مع ما فيه من الإيذاء لهم فكيف يليق ~~به هذا كله قلت قد ذكر العلماء عن هذا السؤال أجوبة كثيرة وأحسنها وأصحها ~~أنه إنما فعل ذلك بأمر الله تعالى له لا عن أمره وإنما أمره الله بذلك ~~ليزيد بلاء يعقوب فيضاعف له الأجر على البلاء ويلحقه بدرجة آبائه الماضين ~~لله تعالى أسرار لا يعلمها أحد من خلقه فهو المتصرف في خلقه بما يشاء وهو ~~الذي أخفى خبر يوسف عن يعقوب في طول هذه المدة مع قرب المسافة لما يريد ~~أن يدبره فيهم والله أعلم بأحوال عباده. قوله عز وجل: { فلما استيأسوا ~~منه } يعني أيسوا من يوسف أن يجيبهم لما سألوه، وقيل: أيسوا من أخيهم أن ~~يرد عليهم، وقال أبو عبيدة: استيأسوا أي استيقنوا أن الأخ لا يرد إليهم { ~~خلصوا نجيا } يعني خلا بعضهم ببعض يتناجون ويتشاورون ليس فيهم غيرهم { ~~قال كبيرهم } يعني في العقل والعلم لا في السن، قال ابن عباس: الكبير ~~يهوذا وكان أعقلهم وقال مجاهد هو شمعون وكانت له الرئاسة على إخوته، وقال ~~قتادة والسدي والضحاك: هو روبيل وكان أكبرهم سنا وأحسنهم رأيا في يوسف ~~لأنه نهاهم عن قتله { ألم تعلموا أن أباكم ms1835 } يعني يعقوب { قد أخذ عليكم ~~موثقا } يعني عهدا { من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف } يعني قصرتم في ~~أمر يوسف حتى ضيعتموه { فلن أبرح الأرض } يعني الأرض التي أنا فيها وهي ~~أرض مصر والمعنى فلن أخرج من أرض مصر ولا أفارقها على هذه الصورة { حتى ~~يأذن لي أبي } يعني في الخروج من أرض مصر فيدعوني إليه { أو يحكم الله لي ~~} برد أخي علي أو بخروجي معكم وترك أخي أو يحكم الله لي بالسيف فأقاتلهم ~~حتى أسترد أخي { وهو خير الحاكمين } لأنه يحكم بالحق والعدل والإنصاف، ~~والمراد من هذا الكلام الالتجاء إلى الله تعالى في إقامة عذره عند والده ~~يعقوب عليه الصلاة والسلام. ### || [12.81-83] # { ارجعوا إلى أبيكم } يعني يقول الأخ الكبير الذي عز على الإقامة بمصر ~~لإخوته الباقين ارجعوا إلى أبيكم يعقوب { فقولوا } له { يا أبانا إن ابنك ~~سرق } إنما قالوا هذه المقالة ونسبوه إلى السرقة لأنهم شاهدوا الصواع وقد ~~أخرج من متاع بنيامين فغلب على ظنهم أنه سرق فلذلك نسبوه إلى السرقة في ~~ظاهر الأمر لا في حقيقة الحال ويدل على أنهم لم يقطعوا عليه بالسرقة ~~قولهم { وما شهدنا إلا بما علمنا } يعني ولم نقل ذلك إلا بعد أن رأينا ~~إخراج الصواع وقد أخرج من متاعه وقيل معناه ما كانت منا شهادة في عمرنا ~~على شيء إلا بما علمناه وهذه ليست بشهادة إنما هو خبر عن صنيع ابنك أنه ~~سرق بزعمهم فيكون المعنى أن ابنك سرق في زعم الملك وأصحابه لا أنا نشهد ~~عليه بالسرقة: وقرأ ابن عباس والضحاك: سرق بضم السين وكسر الراء وتشديدها ~~أي نسب إلى السرقة واتهم بها وهذه القراءة لا تحتاج إلى تأويل ومعناها أن ~~القوم نسبوه إلى السرقة إلا أن هذه القراءة ليست مشهورة فلا تقوم بها حجة ~~والقراءة الصحيحة المشهورة وهي الأولى وقوله وما شهدنا إلا بما علمنا ~~يعني وما قلنا هذا إلا بما علمنا فيما رأينا إخراج الصواع من متاعه، ~~وقيل: معناه ما كانت منا شهادة في عمرنا على شيء إلا بما ms1836 عملناه وليست ~~هذه شهادة وإنما هو خبرعن صنيع ابنك بزعمهم. وقيل: قال لهم يعقوب هب أنه ~~سرق فما يدري هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته إلا بقولكم قالوا ما شهدنا ~~عنده أن السارق يسترق إلا بما علمنا من الحكم وكان الحكم كذلك عند ~~الأنبياء قبله ويعقوب وبنيه. وأورد على هذا القول كيف جاز ليعقوب إخفاء ~~هذا الحكم حتى ينكر على بنيه ذلك. وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون ذلك ~~الحكم كان مخصوصا بما إذا كان المسروق منه مسلما فلهذا أنكر عليهم ~~إعلام الملك بهذا الحكم لظنه أنه كافر { وما كنا للغيب حافظين } قال ~~مجاهد وقتادة: يعني ما كنا نعلم أن ابنك سرق ويصير أمرنا إلى هذا ولو ~~عملنا ذلك ما ذهبنا به معنا وإنما قلنا ونحفظ أخانا مما لنا إلى حفظه منه ~~سبيل، وقال ابن عباس: ما كنا لليله ونهاره ومجيئه وذهابه حافظين وقيل ~~معناه إن حقيقة الحال غير معلومة لنا فإن الغيب لا يعلمه إلا الله فلعل ~~الصواع دس في رحله ونحن لا نعلم بذلك { واسأل القرية التي كنا فيها } ~~يعني واسأل أهل القرية إلا أن حذف المضاف للإيجاز ومثل هذا النوع من ~~المجاز مشهور في كلام العرب والمراد بالقرية مصر، وقال ابن عباس: هي قرية ~~من قرى مصر كان قد جرى فيها حديث السرقة والتفتيش { والعير التي أقبلنا ~~فيها } يعني واسأل القافلة التي كنا فيها وكان صحبهم قوم من كنعان من ~~جيران يعقوب { وإنا لصادقون } يعني فيما قلناه وإنما أمرهم أخوهم الذي ~~أقام بمصر بهذه المقالة مبالغة في إزالة التهمة عن أنفسهم عند أبيهم ~~لأنهم كانوا متهمين عنده بسبب واقعة يوسف { قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ~~} فيه اختصار تقديره فرجعوا إلى أبيهم فأخبروه بما جرى لهم في سفرهم ذلك ~~وبما قال لهم كبيرهم وأمرهم أن يقولوه لأبيهم فعند ذلك قال لهم يعقوب بل ~~سولت يعني بل زينت لكم أنفسكم أمرا وهو حمل أخيكم معكم إلى مصر لطلب نفع ~~عاجل فآل أمركم إلى ما آل، وقيل: معناه بل ms1837 خيلت لكم أنفسكم أنه سرق ما ~~سرق { فصبر جميل } تقدم تفسيره في أول السورة. # وقوله { عسى الله أن يأتيني بهم جميعا } يعني بيوسف وبنيامين والأخ ~~الثالث الذي أقام بمصر وإنما قال يعقوب هذه المقالة لأنه لما طال حزنه ~~واشتد بلاؤه ومحنته علم أن الله سيجعل له فرجا ومخرجا عن قريب فقال ذلك ~~على سبيل حسن الظن بالله عز وجل لأنه إذا اشتد البلاء وعظم كان أسرع إلى ~~الفرج، وقيل: إن يعقوب علم بما يجري عليه وعلى بنيه من أول الأمر وهو ~~رؤيا يوسف وقوله # يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا # [يوسف: 5] فلما تناهى الأمر قال عسى الله أن يأتيني بهم جميعا { إنه هو ~~العليم } يعني بحزني ووجدي عليهم { الحكيم } فيما يدبره ويقضيه. ### || [12.84-86] # قوله تعالى: { وتولى عنهم } يعني وأعرض يعقوب عن بنيه حين بلغوه خبر ~~بنيامين فحينئذ تناهى حزنه واشتد بلاؤه وبلغ جهده وهيج حزنه على يوسف ~~فعند ذلك أعرض عنهم { وقال يا أسفى على يوسف } الأسف أشد الحزن وإنما جدد ~~حزنه على يوسف عند وجود هذه الواقعة لأن الحزن القديم إذا صادفه حزن آخر ~~كان ذلك أوجع للقلب وأعظم لهيجان الحزن الأول كما قال متمم بن نويرة لما ~~رأى قبرا جيدا جدد حزنه على أخيه مالك: # يقول أتبكي كل قبر رأيته لقد ثوى بين اللوى والدكادك فقلت له إن ~~الأسى يبعث الأسى فدعني فهذا كله قبر مالك # فأجاب بأن الحزن يجدد الحزن، وقيل: إن يوسف وبنيامين لما كانا من أم ~~واحدة كان يعقوب يتسلى عن يوسف ببنيامين فلما حصل فراق بنيامين زاد حزنه ~~عليه ووجده وجدد حزنه على يوسف لأن يوسف كان أصل المصيبة، وقد اعترض بعض ~~الجهال على يعقوب عليه السلام في قوله يا أسفا على يوسف فقال هذه شكاية ~~وإظهار جزع فلا يليق بعلو منصبه ذلك وليس الأمر كما قال هذا الجاهل ~~المعترض لأن يعقوب عليه الصلاة والسلام شكا إلى الله لا منه فقوله يا ~~أسفا على يوسف معناه يا رب ارحم أسفي ms1838 على يوسف وقد ذكر ابن الأنباري عن ~~بعض اللغويين أنه قال: نداء يعقوب بالأسف في اللفظ من المجاز يعني به غير ~~المظهر في اللفظ وتلخيصه يا إلهي ارحم أسفي أو أنت رائي أسفي أو هذا أسفي ~~فنادى الأسف في اللفظ والمنادى سواه في المعنى ولا مأثم إذ لم ينطلق ~~اللسان بكلام مؤثم لأنه لم يشك إلا إلى ربه عز وجل فلما كان قوله يا ~~أسفا على يوسف شكوى إلى ربه كان غير ملوم في شكواه وقيل إن يعقوب لما ~~عظمت مصيبته واشتد بلاؤه وقويت محنته قال يا أسفا على يوسف أي أشكوا إلى ~~الله شدة أسفي على يوسف ولم يشكه إلى أحد من الخلق بدليل قوله إنما أشكو ~~بثي وحزني إلى الله { وابيضت عيناه من الحزن } أي عمي من شدة الحزن على ~~يوسف قال مقاتل لم يبصر شيئا ست سنين، وقيل: إنه ضعف بصره من كثرة ~~البكاء وذلك أن الدمع يكثر عند غلبة البكاء فتصير العين كأنها بيضاء من ~~ذلك الماء الخارج من العين { فهو كظيم } أي مكظوم وهو الممتلئ من الحزن ~~الممسك عليه لا يبثه، قال قتادة: وهو الذي يردد حزنه في جوفه ولم يقل إلا ~~خيرا، وقال الحسن: كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقيا ثمانون ~~سنة لم تجف عينا يعقوب وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على الله منه. # وقال ثابت البناني ووهب بن منبه والسدي: إن جبريل عليه الصلاة والسلام ~~دخل على يوسف وهو في السجن فقال له تعرفني أيها الصديق قال يوسف أرى صورة ~~طاهرة قال إني رسول رب العالمين وأنا الروح الأمين فقال يوسف فما أدخلك ~~مدخل المذنبين وأنت أطيب الطيبين ورأس المقربين وأمين رب العالمين قال ~~ألم تعلم يا يوسف أن الله يطهر الأرض بطهر النبيين وأن الأرض التي ~~يدخلونها هي أطهر الأرضين وأن الله قد طهر بك الأرض والسجن وما حوله يا ~~أطهر الطاهرين وابن الصالحين المخلصين قال يوسف كيف لي بإسم الصديقين ~~وتعدني من الصالحين المخلصين الطاهرين وقد ms1839 أدخلت مدخل المذنبين قال له ~~إنه لم يفتتن قلبك ولم تطع سيدتك في معصية ربك فلذلك سماك الله من ~~الصديقين وعدك من المخلصين وألحقك بآبائك الصالحين قال يوسف فهل لك علم ~~من يعقوب أيها الروح الأمين قال نعم قد ذهب بصره وابتلاه الله بالحزن ~~عليك فهو كظيم ووهب له الصبر الجميل قال فما قدر حزنه قال حزن سبعين ~~ثكلاء قال فما له من الأجر يا جبريل قال أجر مائة شهيد قال أفتراني لاقيه ~~قال نعم فطابت نفس يوسف وقال ما أبالي مما لقيت إن رأيته. قوله عز وجل: { ~~قالوا } يعني إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام لأبيهم { تالله تفتأ تذكر ~~يوسف } يعني لا تزال تذكر يوسف ولا تفتر عن حبه يقال ما فتئ يفعل كذا أي ~~ما زال ولا محذوفة في جواب القسم لأن موضعها معلوم فحذفت للتخفيف كقول ~~امرئ القيس: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # أي لا أبرح قاعدا وقوله { حتى تكون حرضا } قال ابن عباس يعني دنفا ~~وقال مجاهد الحرض ما دون الموت يعني قريبا من الموت، وقال ابن إسحاق: ~~يعني فاسدا لا عقل له والحرض الذي فسد جسمه وعقله وقيل ذائبا من الهم ~~وأصل الحرض الفساد في الجسم والعقل من الحزن أو الهم ومعنى الآية حتى ~~تكون دنف الجسم مخبول العقل يعني لا تنتفع بنفسك من شدة الحزن والهم ~~والأسف { أو تكون من الهالكين } يعني من الأموات. فإن قلت كيف حلفوا على ~~شيء لم يعلموا حقيقته قطعا؟. قلت: إنهم بنوا الأمر على الأغلب الظاهر أي ~~نقوله ظنا منا أن الأمر يصير إلى ذلك { قال } يعني يعقوب عندما رأى ~~قولهم له وغلظتهم عليه { إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله } أصل البث إثارة ~~الشيء وتفريقه وبث النفس ما انطوت عليه من الغم والشر، قال ابن قتيبة: ~~البث أشد الحزن وذلك لأن الإنسان إذا ستر الحزن وكتمه كان هما فإذا ذكره ~~لغيره كان بثا فالبث أشد الحزن والحزن الهم فعلى هذا يكون المعنى إنما ~~أشكوا حزني ms1840 العظيم وحزني القليل إلى الله لا إليكم. # قال ابن الجوزي: روى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه من حديث أنس بن مالك ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # " كان ليعقوب أخ مؤاخ فقال له ذات يوم يا يعقوب ما الذي أذهب بصرك وما ~~الذي قوس ظهرك قال أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف وأما الذي قوس ~~ظهري فالحزن على بنيامين فأتاه جبريل فقال يا يعقوب إن الله يقرئك السلام ~~ويقول لك أما تستحي أن تشكو إلى غيري فقال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ~~فقال جبريل الله أعلم بما تشكو " # وقيل: إنه دخل على يعقوب جار له فقال له يا يعقوب مالي أراك قد تهشمت ~~بالضعف وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك فقال هشمني وأفناني ما ~~ابتلاني الله به من هم يوسف أفوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي ~~فقال يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي قال قد غفرتها لك فكان بعد ذلك إذا ~~سئل يقول إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله تعالى وقيل إن الله أوحى إليه ~~وعزتي وجلالي لا أكشف ما بك حتى تدعوني فعند ذلك قال إنما أشكو بثي وحزني ~~إلى الله تعالى ثم قال أي رب أما ترحم الشيخ الكبير أذهبت بصري وقوست ~~ظهري فاردد على ريحانتي أشممها شمة قبل أن أموت ثم اصنع ما شئت فأتاه ~~جبريل فقال يا يعقوب إن الله يقرئك السلام ويقول لك أبشر فوعزتي لو كانا ~~ميتين لنشرتهما لك أتدري لم وجدت عليك لأنكم ذبحتم شاة فقام على بابكم ~~فلان المسكين وهو صائم فلم تطعموه منها شيئا وإن أحب عبادي إلي الأنبياء ~~ثم المساكين اصنع طعاما وادع إليه المساكين فصنع طعاما ثم قال من كان ~~صائما فليفطر الليلة عند آل يعقوب وكان بعد ذلك إذا تغدى أمر مناديا ~~ينادي من أراد أن يتغدى فليأت آل يعقوب وإذا أفطر أمر أن ينادي من أراد ~~أن يفطر فليأت آل يعقوب فكان يتغدى ويتعشى مع المساكين، وقال ms1841 وهب بن منبه ~~أوحى الله تعالى إلى يعقوب أتدري لم عاقبتك وحبست عنك يوسف ثمانين سنة ~~قال يا رب لا قال لأنك شويت عناقا وقترت على جارك وأكلت ولم تطعمه وقيل ~~إن سبب ابتلاء يعقوب أنه ذبح عجلا بين يدي أمه وهي تخور فلم يرحمها. فإن ~~قلت هل في هذه الروايات ما يقدح في عصمة الأنبياء؟ قلت: لا وإنما عوقبت ~~يعقوب بهذا لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين وإنما يطلب من الأنبياء من ~~الأعمال على قدر منصبهم وشريف رتبتهم ويعقوب عليه الصلاة والسلام من أهل ~~بيت النبوة والرسالة ومع ذلك فقد ابتلى الله كل واحد من أنبيائه بمحنة ~~فصبر وفوض أمره إلى الله فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ألقي في النار ~~فصبر ولم يشك إلى أحد وإسماعيل ابتلي بالذبح فصبر وفوض أمره إلى الله ~~وإسحاق ابتلي بالعمى فصبر ولم يشك إلى أحد ويعقوب ابتلي بفقده ولده يوسف ~~وبعده بنيامين ثم عمي بعد ذلك أو ضعف بصره من كثرة البكاء على فقدهما وهو ~~مع ذلك صابر لم يشك إلى أحد شيئا مما نزل به وإنما كانت شكايته إلى الله ~~عز وجل بدليل قوله إنما أشكو بثي وحزني إلى الله فاستوجب بذلك المدح ~~العظيم والثناء الجميل في الدنيا والدرجات العلى في الآخرة مع من سلف من ~~أبويه إبراهيم وإسحاق عليهما الصلاة والسلام. # وأما دمع العين وحزن القلب فلا يستوجب به ذما ولا عقوبة لأن ذلك ليس ~~إلى اختيار الإنسان فلا يدخل تحت التكليف بدليل # " أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى على ولده إبراهيم عند موته وقال " إن ~~العين لتدمع وإن القلب ليحزن وما نقول إلا ما يرضي ربنا " # فهذا القدر لا يقدر الإنسان على دفعه عن نفسه فصار مباحا لا حرج فيه ~~على أحد من الناس وقوله { وأعلم من الله ما لا تعلمون } يعني أنه تعالى ~~من رحمته وإحسانه يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب وفيه إشارة إلى أنه كان ~~يعلم حياة يوسف ويتوقع رجوعه إليه وروى أن ملك الموت زار يعقوب فقال ms1842 له ~~يعقوب أيها الملك الطيب ريحه الحسن صورته الكريم على ربه هل قبضت روح ~~ابني يوسف في الأرواح فقال لا فطابت نفس يعقوب وطمع في رؤيته فلذلك قال ~~وأعلم من الله ما لا تعلمون وقيل معناه وأعلم أن رؤيا يوسف حق وصدق وإني ~~وأنتم سنسجد له وقال السدي لما أخبره بنوه بسيرة ملك مصر وكمال حاله في ~~جميع أقواله وأفعاله أحسست نفس يعقوب وطمع أن يكون هو يوسف فعند ذلك قال ~~يعني يعقوب. ### || [12.87-89] # { يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } التحسس طلب الخبر بالحاسة وهو ~~قريب من التجسس بالجيم وقيل إن التحسس بالحاء يكون في الخير وبالجيم يكون ~~في الشر ومنه الجاسوس وهو الذي يطلب الكشف عن عورات الناس قال ابن عباس ~~التمسوا قال ابن الأنباري يقال تحسست عن فلان ولا يقال من فلان وقال هنا ~~من يوسف وأخيه لأنه أقيم من مقام عن قال ويجوز أن يقال من للتبعيض ويكون ~~المعنى تحسسوا خبرا من أخبار يوسف وأخيه، روي عن عبد الله بن يزيد عن ~~أبي فروة أن يعقوب كتب كتابا إلى يوسف عليهما الصلاة والسلام حين حبس ~~عنده بنيامين: من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم ~~خليل الله إلى ملك مصر أما بعد فإنا أهل بيت وكل بنا البلاء أما جدي ~~إبراهيم فشدت يداه ورجلاه وألقي في النار فجعلها الله بردا وسلاما وأما ~~أبي فشدت يداه ورجلاه ووضع السكين على قفاه ففداه الله وأما أنا فكان لي ~~ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ~~ملطخا بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهبت عيناي ثم كان لي ابن آخر وكان ~~أخاه من أمه وكنت أتسلى به وإنك حبسته وزعمت أنه سرق وأنا أهل بيت لا ~~نسرق ولا نلد سارقا فإن رددته إلي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ~~ولدك فلما قرأ يوسف كتاب أبيه اشتد بكاؤه وعيل صبره وأظهر نفسه لأخوته ~~على ما سنذكره إن شاء الله تعالى فذلك قوله ms1843 تعالى يا بني اذهبوا فتحسسوا ~~من يوسف وأخيه { ولا تيأسوا } أي ولا تقنطوا { من روح الله } يعني من ~~رحمة الله وقيل من فضل الله وقيل من فرج الله { إنه لا ييأس من روح الله ~~إلا القوم الكافرين } يعني أن المؤمن على خير يرجوه من الله فيصبر عند ~~البلاء فينال به خيرا ويحمد عند الرخاء فينال به خيرا والكافر بضد ذلك. ~~قوله تعالى: { فلما دخلوا عليه } فيه حذف واختصار تقديره فخرجوا من عند ~~أبيهم قاصدين مصر فلما دخلوا عليه يعني على يوسف { قالوا يا أيها العزيز ~~} يعنون يا أيها الملك والعزيز القادر الممتنع وكان العزيز لقب ملك مصر ~~يومئذ { مسنا وأهلنا الضر } أي الشدة والفقر والجوع وأرادوا بأهلهم من ~~خلفهم ومن وراءهم من العيال { وجئنا ببضاعة مزجاة } أي ببضاعة رديئة ~~كاسدة لا تنفق في ثمن الطعام إلا بتجوز من البائع. وأصل الإزجاء في ~~اللغة: الدفع قليلا قليلا والتزجية دفع الشيء لينساق كتزجية الريح ~~السحاب ومنه قول الشاعر: # وحاجة غير مزجاة من الحاج # يعني هي قليلة يسيرة يمكن دفعها وسوقها لقلة الاعتناء بها وإنما وصفوا ~~تلك البضاعة بأنها مزجاة إما لنقصانها أو لرداءتها أو لمجموعهما فلذلك ~~اختلفت عبارات المفسرين في معنى هذه البضاعة المزجاة، فقال ابن عباس: ~~كانت دراهم رديئة زيوفا وقيل كانت خلق الغرائر والحبال، وقيل: كانت من ~~متاع الأعراب من الصوف والأقط، وقال الكلبي ومقاتل: كانت حبة الخضراء ~~وقيل كانت سويق المقل وقيل كانت الأدم والنعال، وقال الزجاج: سميت هذه ~~البضاعة القليلة الرديئة مزجاة من قولهم: فلان يزجي العيش أي يدفع الزمان ~~بالقليل من العيش والمعنى جئنا ببضاعة مزجاة لندافع بها الزمان وليست مما ~~يتسع بها، وقيل: إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة لأنها مردودة مدفوعة غير ~~مقبولة ممن يدفعها { فأوف لنا الكيل } يعني أعطنا ما كنت تعطينا من قبل ~~بالثمن الجيد الوافي والمعنى إنا نريد أن تقيم لنا الزائد مقام الناقص ~~والجيد مقام الرديء { وتصدق علينا } يعني وتفضل علينا بما بين الثمين ~~الجيد والرديء ولا تنقصنا، هذا قول أكثر المفسرين ms1844 قال ابن الأنباري: وكان ~~الذي يسألونه من المسامحة يشبه الصدقة وليس به واختلف العلماء هل كانت ~~الصدقة حلالا للأنبياء قبل نبينا أم لا فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة ~~كانت حلالا للأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم واستدل بهذه الآية ~~وأنكر جمهور العلماء ذلك وقالوا إن حال الأنبياء كلهم واحد في تحريم ~~الصدقة عليهم لإنهم ممنوعون من الخضوع للمخلوقين والأخذ منهم، والصدقة ~~أوساخ الناس فلا تحل لهم لأنهم مستغنون بالله عمن سواه. # وأجيب عن قوله وتصدق علينا أنهم طلبوا منه أن يجريهم على عادتهم من ~~المسامحة وإيفاء الكيل ونحو ذلك مما كان يفعل بهم من الكرامة وحسن ~~الضيافة لا نفس الصدقة وكره الحسن ومجاهد ان يقول الرجل في دعائه اللهم ~~تصدق علينا لأن الصدقة لا تكون إلا ممن يبتغي الثواب وروي أن الحسن سمع ~~رجلا يقول اللهم تصدق علي فقال إن الله لا يتصدق إنما يتصدق من يبغي ~~الثواب قل اللهم أعطني وتفضل علي، وقال ابن جريج والضحاك وتصدق علينا ~~يعني برد أخينا علينا { إن الله يجزي المتصدقين } يعني بالثواب الجزيل ~~وقال الضحاك لم يقولوا إن الله يجزيك لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن { قال } ~~يعني قال يوسف لإخوته { هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } وقد اختلفوا في ~~السبب الذي من أجله حمل يوسف وهيجه على هذا القول، فقال ابن إسحاق: ذكر ~~لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام أدركته رقة على إخوته فباح بالذي كان ~~يكتم، وقيل: إنه أخرج لهم نسخة الكتاب الذي كتبوه ببيعه من مالك وفي آخره ~~وكتبه يهوذا فلما قرؤوا الكتاب اعترفوا بصحته وقالوا يا أيها الملك إنه ~~كان لنا عبد فبعناه منه فغاظ ذلك يوسف وقال: إنكم تستحقون العقوبة وأمر ~~بقتلهم فلما ذهبوا بهم ليقتلوهم قال يهوذا كان يعقوب يبكي ويحزن لفقد ~~واحد منا فكيف إذا أتاه الخبر بقتل بنيه كلهم ثم قالوا إن كنت فاعلا ذلك ~~فابعث بأمتعتنا إلى أبينا فإنه بمكان كذا وكذا فذلك حين أدركته الرقة ~~عليهم والرحمة فبكى، وقال هذا القول، وقيل: ms1845 إن يوسف لما قرأ كتاب أبيه لم ~~يتمالك أن بكى وقال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه وهذا استفهام يفيد ~~تعظيم أمر هذه الواقعة ومعناه ما أعظم ما ارتكبتم من أمر يوسف وما أقبح ~~ما أقدمتم عليه من قطيعة الرحم وتفريقه من أبيه وهذا كما يقال للمذنب هل ~~تدري من عصيت وهل تعرف من خالفت ولم يرد بهذا نفس الاستفهام ولكنه أراد ~~تفظيع الأمر وتعظيمه ويجوز أن يكون المعنى هل علمتم عقبى ما فعلتم بيوسف ~~وأخيه من تسليم الله إياهما من المكروه. # واعلم أن هذه الآية تصديق لقوله تعالى: # وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون # [يوسف: 15] فإن قلت الذي فعلوه بيوسف معلوم ظاهر فما الذي فعلوه بأخيه ~~من المكروه حتى يقول لهم هذه المقالة فإنهم لم يسعوا في حبسه ولا أرادوا ~~ذلك. قلت: إنهم لما فرقوا بينه وبين أخيه يوسف نغصوا عليه عيشه وكانوا ~~يؤذونه كلما ذكر يوسف، وقيل: إنهم قالوا له لما اتهم بأخذ الصواع ما ~~رأينا منكم يا بني راحيل خيرا { إذ أنتم جاهلون } هذا يجري مجرى العذر ~~لهم يعني أنكم أقدمتم على هذا الفعل القبيح المنكر حال كونكم جاهلين وهو ~~وقت الصبا وحالة الجهل وقيل جاهلون بما يؤول إليه أمر يوسف. ### || [12.90-92] # قوله عز وجل: { قالوا أئنك لأنت يوسف } قرئ على سبيل الاستفهام وحجة هذه ~~القراءة قال ابن عباس لما قال لهم هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه تبسم ~~فرأوا ثناياه كاللؤلؤ تشبه ثنايا يوسف فشبهوه بيوسف فقالوا استفهاما ~~أئنك لأنت يوسف؟، وقرئ على الخبر وحجته ما قال ابن عباس أيضا في رواية ~~أخرى عنه: إن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج على رأسه وكان له في ~~قرنه علامة تشبه الشامة وكان ليعقوب مثلها ولإسحاق مثلها ولسارة مثلها ~~فعرفوه بها وقالوا أنت يوسف، وقيل: قالوه على سبيل التوهم ولم يعرفوه حتى ~~{ قال أنا يوسف } قال بعض العلماء إنما أظهر الاسم في قوله أنا يوسف ولم ~~يقل أنا هو تعظيما لما نزل به من ظلم ms1846 إخوته له وما عوضه الله من النصر ~~والظفر والملك فكأنه قال أنا يوسف المظلوم الذي ظلمتموني وقصدتم قتلي بأن ~~ألقيتموني في الجب ثم بعتموني بأبخس الأثمان ثم صرت إلى ما ترون فكانت ~~تحت ظهور الاسم هذه المعاني كلها ولهذا قال { وهذا أخي } وهم يعرفونه ~~لأنه قصد به أيضا وهذا أخي المظلوم كما ظلمتموني ثم صرت أنا وهو إلى ما ~~ترون وهو قوله: { قد من الله علينا } بأن جمع بيننا وقيل من علينا ~~بكل عز وخير في الدنيا والآخرة، وقيل: من علينا بالسلامة في ديننا ~~ودنيانا { إنه من يتق ويصبر } يعني يتقي الزنا ويصبر على العزوبة قاله ~~ابن عباس، وقال مجاهد: يتقي المعصية ويصبر على السجن، وقيل: يتقي الله ~~بأداء فرائضه ويصبر عما حرم الله { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } يعني ~~أجر من كان هذا حاله { قالوا } يعني قال إخوة يوسف معتذرين إليه مما صدر ~~منهم في حقه { تالله لقد آثرك الله علينا } أي اختارك وفضلك علينا يقال ~~آثرك الله إيثارا أي اختارك ويستعار الأثر للفضل والإيثار للتفضيل ~~والمعنى لقد فضلك الله علينا بالعلم والعقل وقال الضحاك عن ابن عباس ~~بالملك وقال أبو صالح عنه بالصبر وقيل بالحلم والصفح علينا وقيل بالحسن ~~وسائر الفضائل التي أعطاها الله عز وجل له دون إخوته وقيل فضله عليهم ~~بالنبوة وأورد على هذا القول بأن إخوته كانوا أنبياء أيضا فليس له عليهم ~~فضل في ذلك وأجيب عنه بأن يوسف فضل عليهم بالرسالة مع النبوة فكان أفضل ~~منهم بهذا الاعتبار لأن من جمعت له النوبة والرسالة كان أفضل ممن خص ~~بالنبوة فقط { وإن كنا لخاطئين } يعني وما كنا في صنعنا بك إلا خاطيئن ~~ولهذا اختير لفظ الخاطئ على المخطئ والفرق بينهما أن يقال خطئ خطأ إذا ~~تعمد وأخطأ إذا كان غير متعمد وقيل يجوز أن كون آثر لفظ خاطئين على ~~مخطيئن لموافقة رؤوس الآي لأن خاطيئن أشبه بما قبلها { قال } يعني يوسف { ~~لا تثريب عليكم } يعني لا تعيير ولا توبيخ عليكم ومنه قوله صلى الله ms1847 عليه ~~وسلم # " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يوبخها ولا يثرب " # أي لا يعيرها بالزنا بعد إقامة الحد عليها وفي محل قوله { اليوم } قولان ~~أحدهما أنه يرجع إلى ما قبله فيكون التقدير لا تثريب عليكم اليوم والمعنى ~~أن هذا اليوم هو يوم التثريب والتقريع والتوبيخ وأنا لا أقرعكم اليوم ولا ~~أوبخكم ولا أثرب عليكم، فعلى هذا يحسن الوقف على قوله لا تثريب عليكم ~~اليوم ويبتدئ بقوله { يغفر الله لكم }. والقول الثاني: أن اليوم متعلق ~~بقوله يغفر الله لكم فعلى هذا يحسن الوقف على قوله لا تثريب عليكم ويبتدئ ~~باليوم يغفر الله لكم كأنه لما نفى عنهم التوبيخ والتقريع بقوله لا تثريب ~~عليكم بشرهم بقوله اليوم يغفر الله لكم { وهو أرحم الراحمين } ولما عرفهم ~~يوسف نفسه سألهم عن حال أبيه فقال ما حال أبي بعدي؟ قالوا ذهب بصره من ~~كثرة البكاء عليك فأعطاهم قميصه. ### || [12.93-95] # { اذهبوا بقميصي هذا } قال الضحاك كان هذا القميص من نسج الجنة، وقال ~~مجاهد: أمره جبريل أن يرسل إليه قميصه وكان ذلك القميص قميص إبراهيم وذلك ~~أنه لما جرد من ثيابه وألقي في النار عريانا أتاه جبريل بقميص من حرير ~~الجنة فألبسه إياه فكان ذلك القميص عند إبراهيم، فلما مات ورثه إسحاق ~~فلما مات ورثه يعقوب فلما شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في قصبة من فضة ~~وسد رأسها وجعلها في عنق يوسف كالتعاويذ لما كان يخاف عليه من العين ~~وكانت لا تفارقه فلما ألقي يوسف في البئر عريانا أتاه جبريل وأخرج ذلك ~~القميص وألبسه إياه فلما كان هذا الوقت جاءه جبريل فأمره أن يرسل هذا ~~القميص إلى أبيه لأن فيه ريح الجنة فلا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا عوفي ~~في الوقت فدفع ذلك القميص يوسف إلى إخوته وقال اذهبوا بقميصي هذا { ~~فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا } قال المحققون: إن علم يوسف أن إلقاء ذلك ~~القميص على وجه يعقوب يوجب رد البصر كان بوحي الله إليه ذلك ويمكن أن ~~يقال إن يوسف لما علم ms1848 أن أباه قد عمي من كثرة البكاء عليه وضيق الصدر بعث ~~إليه قميصه ليجد ريحه فيزول بكاؤه وينشرح صدره ويفرح قلبه فعند ذلك يزول ~~الضعف ويقوى البصر فهذا القدر تمكن معرفته من جهة العقل وقوله { وأتوني ~~بأهلكم أجمعين } قال الكلبي: كانوا نحوا من سبعين إنسانا وقال مسروق: ~~كانوا ثلاثة وسبعين ما بين رجل وامرأة { ولما فصلت العير } يعني خرجت من ~~مصر وقيل من عريش مصر متوجهين إلى أرض كنعان { قال أبوهم } يعني: قال ~~يعقوب لولد ولده { إني لأجد ريح يوسف } قيل: إن ريح الصبا استأذنت ربها ~~في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير، وقال مجاهد: أصابت ~~يعقوب ريح يوسف من مسيرة ثلاث أيام، وقال ابن عباس: من مسيرة ثمان ليل ~~وقال الحسن كان بينهما ثمانون فرسخا، وقيل: هبت ريح فاحتملت ريح القميص ~~إلى يعقوب فوجد يعقوب ريح الجنة فعلم أنه ليس في الأرض من ريح الجنة إلا ~~ما كان من ذلك القميص فعلم بذلك أنه من ريح يوسف فلذلك قال: إني لأجد ريح ~~يوسف { لولا أن تفندون } أصل التفنيد من الفند وهو ضعف الرأي وقال ابن ~~الأنباري أفند الرجل إذا خرف وفند إذا جهل ونسب ذلك إليه وقال الأصمعي: ~~إذا كثر كلام الرجل من خرف فهو الفنيد والفند فيكون المعنى لولا أن ~~تفندوني أي تنسبوني إلى الخرف وقيل تسفهوني وقيل: تلوموني وقيل تجلهوني ~~وهو قول ابن عباس:، وقال الضحاك تهرموني فتقولون شيخ كبير قد خرف وذهب ~~عقله { قالوا } يعني أولاد أولاد يعقوب وأهله الذين عنده لأن أولاده ~~لصلبه كانوا غائبين عنه { تالله إنك لفي ضلالك القديم } يعني من ذكر يوسف ~~ولا تنساه لأنه كان عندهم ان يوسف قد مات وهلك ويرون أن يعقوب قد لهج ~~بذكره فلذلك قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم من ذكره والضلال الذهاب عن ~~طريق الصواب. ### || [12.96-98] # { فلما أن جاء البشير } وهو المبشر بخبر يوسف، قال ابن مسعود: جاء ~~البشير بين يدي العير قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما هو يهوذا، قال ms1849 ~~السدي: قال يهوذا أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إلى يعقوب وأخبرته أن ~~يوسف أكله الذئب فأنا أذهب اليوم بالقميص وأخبره أنه حي فأفرحه كما ~~أحزنته. قال ابن عباس: حمله يهوذا وخرج به حافيا حاسرا يعدو ومعه سبعة ~~أرغفة فلم يستوف أكلها حتى أتى أباه وكانت المسافة ثمانين فرسخا { ألقاه ~~على وجهه } يعني فألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب { فارتد بصيرا } ~~يعني فرجع بصيرا بعد ما كان قد عمي وعادت إليه قوته بعد الضعف وسروره ~~بعد الحزن { قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون } يعني من ~~حياة يوسف وأن الله يجمع بيننا، وروي أن يعقوب قال للبشير كيف تركت يوسف ~~قال تركته ملك مصر قال يعقوب ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟ قال على ~~دين الإسلام قال الآن تمت النعمة. قوله تعالى: { قالوا يا أبانا استغفر ~~لنا ذنوبنا } يعني قال أولاد يعقوب حين وصلوا إليه وأخذوا يعتذرون إليه ~~مما صنعوا به وبيوسف استغفر لنا أي اطلب لنا غفر ذنوبنا من الله { إنا ~~كنا خاطئين } يعني في صنيعنا { قال سوف أستغفر لكم ربي } قال أكثر ~~المفسرين: إن يعقوب أخر الدعاء والاستغفار لهم إلى وقت السحر لأنه أشرف ~~الأوقات وهو الوقت الذي يقول الله فيه هل من داع فأستجيب له فلما انتهى ~~يعقوب إلى وقت السحر قام إلى الصلاة متوجها إلى الله تعالى فلما فرغ رفع ~~يديه إلى الله تعالى وقال اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه ~~واغفر لأولادي ما أتوا إلى أخيهم يوسف فأوحى الله إليه أني قد غفرت لك ~~ولهم أجمعين قال عكرمة عن ابن عباس: إنه أخر الاستغفار لهم إلى ليلة ~~الجمعة لأنها أشرف الأوقات قال وهب كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة نيفا ~~وعشرين سنة وقال طاوس أخر الاستغفار إلى وقت السحر من ليلة الجمعة فوافق ~~ذلك ليلة عاشوراء وقال الشعبي سوف أستغفر لكم ربي قال حتى أسأل يوسف فإن ~~كان قد عفا عنكم أستغفر لكم ربي { إنه هو الغفور ms1850 } يعني لذوب عباده { ~~الرحيم } بجميع خلقه قال عطاء الخراساني طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منه ~~إلى الشيوخ ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته لا تثريب عليكم الآية وقول يعقوب ~~سوف أستغفر لكم ربي، قال أصحاب الأخبار إن يوسف عليه الصلاة والسلام بعث ~~مع إخوته إلى أبيه مائتي راحلة وجهازا كثيرا ليأتوه بيعقوب وجميع أهله ~~إلى مصر فلما أتوه تجهز يعقوب للخروج إلى مصر فجمع أهله وهم يومئذ اثنان ~~وسبعون ما بين رجل وامرأة وقال مسروق كانوا ثلاثة وسبعين فلما دنا يعقوب ~~من مصر كلم يوسف الملك الأكبر يعني ملك مصر وعرفه بمجيء أبيه وأهله فخرج ~~يوسف ومعه الملك في أربعة آلاف من الجند وركب أهل مصر معهم يتلقون يعقوب ~~عليه الصلاة والسلام وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على يد ابنه يهوذا فلما ~~نظر إلى الخيل والناس قال يا يهوذا هذا فرعون مصر قال لا بل هذا ابنك ~~يوسف فلما دنا كل واحد من صاحبه أراد يوسف أن يبدأ يعقوب بالسلام فقال له ~~جبريل لا حتى يبدأ يعقوب بالسلام فقال يعقوب السلام عليك يا مذهب ~~الأحزان، وقيل: إنهما نزلا وتعانقا وفعلا كما يفعل الوالد بولده والولد ~~بوالده وبكيا، وقيل: إن يوسف قال لأبيه يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ألم ~~تعلم أن القيامة تجمعنا قال بلى ولكن خشيت أن يسلب دينك فيحال بيني ~~وبينك. ### || [12.99-100] # قوله تعالى: { فلما دخلوا على يوسف آوى إليه } يعني ضم إليه { أبويه } ~~قال أكثر المفسرين: هو أبوه يعقوب وخالته ليا وكانت أمه قد ماتت في نفاس ~~بنيامين وقال الحسن هما أبوه وأمه وكانت حية بعد، وقيل: إن الله أحياها ~~ونشرها من قبرها حتى تسجد ليوسف تحقيقا لرؤياه والأول أصح { وقال ادخلوا ~~مصر } قيل المراد بالدخول الأول في قوله فلما دخلوا على يوسف أرض مصر ~~وذلك حين استقبلهم ثم قال ادخلوا مصر يعني البلد وقيل إنه أراد بالدخول ~~الأول دخولهم مصر وأراد بالدخول الثاني الاستيطان بها أي أدخلوا مصر ~~مستوطنين فيهما { إن شاء الله آمنين } قيل إن ms1851 هذا الاستثناء عائد إلى ~~الأمن لا إلى الدخول والمعنى ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله وقيل إنه عائد ~~إلى الدخول فعلى هذا يكون قد قال ذلك لهم قبل أن يدخلوا مصر، وقيل: إن ~~هذا الاستثناء يرجع إلى الاستغفار فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير ~~تقديره سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله وقيل إن الناس كانوا يخافون من ~~ملوك مصر فلا يدخلها أحد إلا بجوارهم فقال لهم يوسف ادخلوا مصر آمنين على ~~أنفسكم وأهليكم إن شاء الله فعلى هذا يكون قوله إن شاء الله للتبرك فهو ~~كقوله صلى الله عليه وسلم # " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " # مع علمه أنه لاحق بهم { ورفع أبويه على العرش } يعني على السرير الذي ~~كان يجلس عليه يوسف والرفع النقل إلى لعلو { وخروا له سجدا } يعني يعقوب ~~وخالته ليا وإخوته وكانت تحية الناس يومئذ السجود وهو الانحناء والتواضع ~~ولم يرد به حقيقة السجود مع وضع الجبهة على الأرض على سبيل العبادة. فإن ~~قلت كيف استجاز يوسف عليه السلام أن يسجد له أبوه وهو أكبر منه وأعلى ~~منصبا في النبوة والشيخوخة؟ قلت: يحتمل أن الله تعالى أمر بذلك لتحقيق ~~رؤياه، ثم في معنى هذا السجود قولان: أحدهما أنه كان انحناء على سبيل ~~التحية كما تقدم فلا إشكال فيه، والقول الثاني أنه كان حقيقة السجود وهو ~~وضع الجبهة على الأرض وهو مشكل لأن السجود على هذه الصورة لا ينبغي أن ~~يكون إلا لله تعالى، وأجيب عن هذا الإشكال بأن السجود كان في الحقيقة لله ~~تعالى على سبيل الشكر له وإنما كان يوسف كالقبلة كما سجد الملائكة لآدم ~~ويدل على صحة هذا التأويل قوله ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا ~~وظاهر هذا يدل على أنهم لما صعدوا على السرير خروا سجدا لله تعالى ولو ~~كان ليوسف لكان قبل الصعود لأن ذلك أبلغ من التواضع. فإن قلت يدفع صحة ~~هذا التأويل قوله # رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4] وقوله { خروا له سجدا } فإن الضمير يرجع إلى أقرب المذكورات ms1852 ~~وهو يوسف عليه الصلاة والسلام. قلت: يحتمل أن يكون المعنى وخروا لله ~~سجدا لأجل يوسف واجتماعهم به وقيل يحتمل أن الله أمر يعقوب بتلك السجدة ~~لحكمة خفية وهي أن إخوة يوسف ربما احتملتهم الأنفة والتكبر عن السجود ~~ليوسف فلما رأوا أن أباهم قد سجد له سجدوا له أيضا فتكون هذه السجدة على ~~سبيل التحية والتواضع لا على سبيل العبادة وكان ذلك جائزا في ذلك الزمان ~~فلما جاء الإسلام نسخت هذه الفعلة والله أعلم بمراده وأسرار كتابه { وقال ~~} يعني وقال يوسف عند ما رأى ذلك { يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل } يعني ~~هذا تصديق الرؤيا التي رأيت في حال الصغر { قد جعلها ربي حقا } يعني في ~~اليقظة واختلفوا فيما بين رؤياه وتأويلها فقال سلمان الفارسي وعبد الله ~~بن شداد أربعون سنة، وقال أبو صالح عن ابن عباس: اثنتان وعشرون سنة، وقال ~~سعيد بن جبير وعكرمة والسدي: ست وثلاثون سنة، وقال قتادة: خمس وثلاثون ~~سنة، وقال عبد الله بن سودون: سبعون سنة، وقال الفضيل بن عياض: ثمانون ~~سنة، حكى هذه الأقوال كلها ابن الجوزي وزاد غيره عن الحسن: أن يوسف كان ~~عمره حين ألقي في الجب سبع عشرة سنة وأقام في العبودية والسجن والملك مدة ~~ثمانين سنة وأقام مع أبيه وإخوته وأقاربه مدة ثلاث وعشرين سنة وتوفاه ~~الله وهو ابن مائة وعشرين سنة وقوله { وقد أحسن بي } يعني أنعم علي يقال ~~أحسن بي وإلي بمعنى واحد { إذ أخرجني من السجن } إنما ذكر إنعام الله ~~عليه في إخراجه من السجن وإن كان الجب أصعب منه استعمالا للأدب والكرم ~~لئلا يخجل إخوته بعد أن قال لهم لا تثريب عليكم اليوم ولأن نعمة الله ~~عليه في إخراجه من السجن كانت أعظم من إخراجه من الجب وسبب ذلك أن خروجه ~~من الجب كان سببا لحصوله في العبودية والرق وخروجه من السجن كان سببا ~~لوصوله إلى الملك وقيل إن دخوله الجب كان لحسد إخوته ودخوله السجن كان ~~لزوال التهمة عنه وكان ذلك من أعظم نعمه عليه ms1853 { وجاء بكم من البدو } يعني ~~من البادية وأصل البدو هو البسيط من الأرض يبدو الشخص فيه من بعد يعني ~~يظهر والبدو خلاف الحضر والبادية خلاف الحاضرة وكان يعقوب وأولاده أصحاب ~~ماشية فسكنوا البادية { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي } يعني ~~أفسد ما بيننا بسبب الحسد وأصل النزغ دخول في أمر لإفساده واستدل بهذه ~~الآية من يرى بطلان الجبر من المبتدعة قالوا لأن يوسف أضاف الإحسان إلى ~~الله وأضاف النزغ إلى الشيطان ولو كان من فعل الله لوجب أن ينسب إليه كما ~~في الإحسان والنعم، والجواب عن هذا الاستدلال أن إسناد الفعل إلى الشيطان ~~وإضافته إليه على سبيل المجاز وإن كان ظاهر اللفظ يقتضي إضافة الفعل إلى ~~الشيطان لا على الحقيقة لأن الفاعل المطلق المختار هو الله تعالى في ~~الحقيقة # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] فثبت بذلك أن الكل من عند الله وبقضائه وقدره ليس ~~للشيطان فيه مدخل إلا بإلقاء الوسوسة والتحريش لإفساد ذات البين وذلك ~~بإقدار الله إياه على ذلك { إن ربي لطيف لما يشاء } يعني أنه تعالى ذو ~~لطف عالم بدقائق الأمور وخفياتها. قال صاحب المفردات: وقد يعب باللطف عما ~~تدركه الحاسة ويصح أن يكون وصف الله تعالى به على هذا الوجه وأن يكون ~~لمعرفه بدقائق الأمور وأن يكون لرفقه بالعباد في هدايتهم، وقوله: إن ربي ~~لطيف لما يشاء، أي حسن الاستخراج تنبيها على ما أوصل إلى يوسف حين ألقاه ~~إخوته في الجب. وقيل إن اجتماع يوسف بأبيه وإخوته بعد طول الفرقة وحسد ~~إخوته له وإزالة ذلك مع طيب الأنفس وشدة المحبة كان من لطف الله بهم حيث ~~جعل ذلك كله لأن الله تعالى إذا أراد أمرا هيأ أسبابه { إنه هو العليم } ~~يعني بمصالح عباده { الحكيم } في جميع أفعاله. قال أصحاب الأخبار ~~والتواريخ: إن يعقوب عليه الصلاة والسلام أقام عند يوسف بمصر أربعا ~~وعشرين سنة في أهنأ عيش وأنعم بال وأحسن حال فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ~~ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه ms1854 عند قبر أبيه إسحاق في الأرض المقدسة ~~بالشام فلما مات يعقوب عليه السلام بمصر فعل يوسف ما أمره به أبوه فحمل ~~جسده في تابوت من ساج حتى قدم به الشام فوافق ذلك موت العيص أخي يعقوب ~~وكانا قد ولدا في بطن واحد فدفنا في قبر واحد وكان عمرهما مائة وسبعا ~~وأربعين سنة فلما دفن يوسف أباه وعمه رجع إلى مصر. قالوا لما جمع الله ~~شمل يوسف عليه الصلاة والسلام بأبيه وإخوته علم أن نعيم الدنيا زائل سريع ~~الفناء لا يدوم فسأل الله حسن العاقبة والخاتمة الصالحة فقال: ### || [12.101] # { رب } أي يا رب { قد آتيتني من الملك } يعني من ملك مصر ومن هنا ~~للتبعيض لأنه لم يؤت ملك مصر كله بل كان فوقه ملك آخر والملك عبارة عن ~~الاتساع في المقدور لمن له السياسة والتدبير { وعلمتني من تأويل الأحاديث ~~} يعني تعبير الرؤيا { فاطر السموات والأرض } يعني خالقهما ومبدعهما على ~~غير مثال سبق. وأصل الفطر الشق يقال فطر ناب البعير إذا شق وظهر وفطر ~~الله الخلق أوجده وأبدعه { أنت وليي } يعني معيني ومتولي أمري { في ~~الدنيا والآخرة توفني مسلما } أي اقبضني إليك مسلما. واختلفوا هل هو ~~طلب للوفاة في الحال أم لا على قولين: أحدهما: أنه سأل الله الوفاة في ~~الحال، قال قتادة: لم يسأل نبي من الأنبياء الموت إلا يوسف قال أصحاب هذا ~~القول وإنه لم يأت عليه أسبوع حتى توفي. والقول الثاني: أنه سأل الوفاة ~~على الإسلام ولم يتمن الموت في الحال قال الحسن إنه عاش بعد هذه سنين ~~كثيرة فعلى هذا القول يكون معنى الآية توفني إذا توفيتني على الإسلام فهو ~~طلب لأن يجعل الله وفاته على الإسلام وليس في اللفظ ما يدل على أنه طلب ~~الوفاة في الحال، قال بعض العلماء وكلا القولين محتمل لأن اللفظ صالح ~~للأمرين ولا يبعد من الرجل العاقل الكامل أن يتمنى الموت لعلمه أن الدنيا ~~ولذاتها فانية زائلة سريعة الذهاب وأن نعيم الآخرة باق دائم لا نفاذ له ~~ولا زوال ولا يمنع من ms1855 هذا قوله صلى الله عليه وسلم # " لا يتمن أحدكم الموت لضر نزل به " # فإن تمني الموت عند وجود الضر ونزول البلاء مكروه والصبر عليه أولى ~~وقوله: { وألحقني بالصالحين } أراد به بدرجة آبائه وهم إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب عليهم الصلاة والسلام قال علماء التاريخ عاش يوسف مائة وعشرين سنة ~~وفي التوراة مائة وعشر سنين وولد ليوسف من امرأة العزيز ثلاثة أولاد ~~أفراثيم وميشا ورحمة امرأة أيوب وقيل عاش بعد أبيه ستين سنة وقيل أكثر. ~~ولما مات يوسف عليه الصلاة والسلام دفنوه في النيل في صندوق من رخام وقيل ~~من حجارة المرمر وذلك أنه لما مات يوسف تشاحن الناس فيه فطلب كل أهل محلة ~~أن يدفن في محلتهم رجاء بركته حتى هموا أن يقتتلوا ثم رأوا أن يدفنوه في ~~النيل بحيث يجري الماء عليه ويتفرق عنه وتصل بركته إلى جميعهم وقال عكرمة ~~إنه دفن في الجانب الأيمن من النيل فأخصب ذلك الجانب وأجدب الجانب الآخر ~~فنقل إلى الجانب الأيسر فأخصب وأجدب الجانب الأيمن فدفنوه في وسط النيل ~~وقدروه بسلسلة فأخصب الجانبان فبقي إلى أن أخرجه موسى عليه الصلاة ~~والسلام وحمله معه حتى دفنه بقرب آبائه بالشام في الأرض المقدسة. ### || [12.102-106] # قوله عز جل: { ذلك } يعني الذي ذكرت لك يا محمد من قصة يوسف وما جرى له ~~مع إخوته، ثم إنه صار إلى الملك بعد الرق { من أنباء الغيب } يعني أخبار ~~الغيب { نوحيه إليك } يعني الذي أخبرناك به من أخبار يوسف وحي أوحيناه ~~إليك يا محمد وفي هذه الآية دليل قاطع على صحة نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم لأنه كان رجلا أميا لم يقرأ الكتب ولم يلق العلماء ولم يسافر إلى ~~بلد آخر غير بلده الذي أنشأ فيه صلى الله عليه وسلم وأنه نشأ بين أمة ~~أمية مثله، ثم إنه صلى الله عليه وسلم أتى بهذه القصة الطويلة على أحسن ~~ترتيب وأبين معان وأفصح عبارة فلعم بذلك أن الذي أتى به هو وحي إلهي ونور ~~قدسي سماوي فهو معجزة له قائمة إلى آخر ms1856 الدهر. وقوله تعالى: { وما كنت ~~لديهم } يعني وما كنت يا محمد عند أولاد يعقوب { إذا أجمعوا أمرهم } يعني ~~حين عزموا على إلقاء يوسف صلى الله عليه وسلم في الجب { وهم يمكرون } ~~يعني بيوسف { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم والمعنى وما أكثر الناس يا محمد لو حرصت على إيمانهم بمؤمنين ~~وذلك أن اليهود وقريشا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف ~~فلما أخبرهم بها على وفق ما عندهم في التوراة لم يسلموا فحزن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لذلك فقيل له إنهم لا يؤمنون ولو حرصت على إيمانهم ~~ففيه تسلية له { وما تسألهم عليه من أجر } يعني على تبليغ الرسالة ~~والدعاء إلى الله من أجر يعني أجرا وجعلا على ذلك { إن هو } أي ما هو ~~يعني القرآن { إلا ذكر } يعني عظة وتذكيرا { للعالمين وكأين من آية } ~~يعني وكم من آية دالة على التوحيد { في السموات والأرض يمرون عليها } ~~يعني لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها { وهم عنها معرضون } أي لا يلتفتون ~~إليها والمعنى ليس إعراضهم عن هذه الآيات الظاهرة الدالة على وحدانية ~~الله تعالى بأعجب من إعراضهم عنك يا محمد { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا ~~وهم مشركون } يعني أن من إيمانهم أنهم إذا سئلوا من خلق السموات والأرض ~~قالوا الله وإذا قيل لهم من ينزل المطر قالوا الله وهم مع ذلك يعبدون ~~الأصنام. وفي رواية عن ابن عباس: إنهم يقرون أن الله خالقهم فذلك إيمانهم ~~وهم يعبدون غيره فذلك شركهم، وفي رواية أخرى عنه أيضا أنها نزلت في ~~تلبية مشركي العرب وذلك أنهم كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لبيك لا شريك ~~لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، وقال عطاء هذا في الدعاء وذلك أن ~~الكفار نسوا ربهم في الرخاء فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء. ### || [12.107-109] # { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله } يعني عقوبة مجللة تعمهم وقال ~~مجاهد عذاب غشاهم، وقال قتادة: وقيعة وقال الضحاك يعني الصواعق ms1857 والقوارع ~~{ أو تأتيهم الساعة بغتة } يعني فجأة { وهم لا يشعرون } يعني بقيامها قال ~~ابن عباس: تهيج الصيحة بالناس وهم في أسواقهم { قل } أي: قل يا محمد ~~لهؤلاء المشركين { هذه سبيلي } يعني طريقي التي { أدعو } إليها وهي توحيد ~~الله عز وجل ودين الإسلام وسمي الدين سبيلا لأنه الطريق المؤدي إلى الله ~~عز وجل وإلى الثواب والجنة { إلى الله } يعني إلى توحيد الله والإيمان به ~~{ على بصيرة } يعني على يقين ومعرفة والبصيرة هي المعرفة التي يميز بها ~~بين الحق والباطل { أنا ومن اتبعني } يعني من آمن بي وصدق بما جئت به ~~أيضا يدعو إلى الله، وهذا قول الكلبي وابن زيد قال: حق على من اتبعه ~~وآمن به أن يدعو إلى ما دعا إليه ويذكر بالقرآن وقيل تم الكلام عند قوله ~~أدعو إلى الله ثم استأنف على بصيرة أنا ومن اتبعني بعدي أنا على بصيرة ~~ومن اتبعني أيضا على بصيرة قال ابن عباس إن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه كانوا على أحسن طريقة وأفضل هداية وهم معدن العلم وكنز الإيمان ~~وجند الرحمن. وقال ابن مسعود: ومن كان مستنا فليستن بمن قد مات أولئك ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة وأبرها قلوبا ~~وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطريقهم فهؤلاء كانوا على الصراط ~~المستقيم. وقوله { سبحان الله } أي وقل سبحان الله يعني تنزيها له عما ~~لا يليق بجلاله من جميع العيوب والنقائص والشركاء الأضداد والأنداد { وما ~~أنا من المشركين } يعني وقل يا محمد وما أنا من المشركين الذين أشركوا ~~بالله غيره. قوله عز وجل: { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا } يعني وما ~~أرسلنا قبلك يا محمد إلا رجالا مثلك ولم يكونوا ملائكة { نوحي إليهم } ~~هذا جواب لأهل مكة حيث قالوا هلا بعث الله ملكا والمعنى كيف تعجبوا من ~~إرسالنا إياك يا محمد وسائرالرسل الذين كانوا من قبلك بشر مثلك حالهم ~~كحالك { ومن أهل القرى } يعني من أهل ms1858 الأمصار والمدن لا من أهل البوادي ~~لأن أهل الأمصار أفضل وأعلم وأكمل عقلا من أهل البوادي، قال الحسن: لم ~~يبعث نبي من بدو ولا من الجن ولا من النساء، وقيل: إنما لم يبعث الله ~~نبيا من البادية لغلظهم وجفائهم { أفلم يسيروا في الأرض } يعني هؤلاء ~~المشركين المكذبين { فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } يعني كانت ~~عاقبتهم الهلاك لما كذبوا رسلنا فليعتبر هؤلاء بهم وما حل بهم من عذابنا ~~{ ولدار الآخرة خير للذين اتقوا } يعني فعلنا هذا بأوليائنا وأهل طاعتنا ~~إذ أنجيناهم عند نزول العذاب بالأمم المكذبة وما في الدار الآخرة خير لهم ~~يعني الجنة لأنها خير من الدنيا وإنما أضاف الدار إلى الآخرة وإن كانت في ~~الآخرة لأن العرب تضيف الشيء إلى نفسه كقولهم حق اليقين والحق هو اليقين ~~نفسه { أفلا تعقلون } يعني يتفكرون ويعتبرون بهم فيؤمنون. ### || [12.110-111] # قوله عز وجل: { حتى إذا استيأس الرسل } قال صاحب الكشاف: حتى متعلقة ~~بمحذوف دل عليه الكلام كأنه قيل وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم فتراخى نصرهم حتى إذا استيأس الرسل عن النصر، وقال الواحدي: حتى ~~هنا حرف من حروف الابتداء يستأنف بعدها والمعنى حتى إذا استيأس الرسل من ~~إيمان قومهم { وظنوا أنهم قد كذبوا } قرأ أهل الكوفة وهم عاصم وحمزة ~~والكسائي كذبوا بالتخفيف ووجه هذه القراءة على ما قاله الواحدي أن معناه ~~ظن الأمم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله إياهم وإهلاك ~~أعدائهم وهذا معنى قول ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد، وقال ~~أهل المعاني كذبوا من قولهم كذبتك الحديث أي لم أصدقك ومنه قوله تعالى ~~وقعد الذين كذبوا الله ورسوله قال أبو علي والضمير في قوله وظنوا على هذه ~~القراءة للمرسل إليهم والتقدير وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما ~~أخبروهم به من نصر الله إياهم إهلاك أعدائهم وهذا معنى قول ابن عباس إنهم ~~لم يؤمنوا حتى نزل بهم العذاب وإنما ظنوا ذلك لما شاهدوا من إمهال الله ~~إياهم ولا يمتنع ms1859 حمل الضمير في ظنوا على المرسل إليهم وإن لم يتقدم لهم ~~ذكر لأن ذكر الرسل يدل على ذكر المرسل إليهم وإن شئت قلت إن ذكرهم جرى في ~~قوله أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم أي ~~مكذبي الرسل والظن هنا على معنى التوهم والحسبان وهذا معنى ما روي عن ابن ~~عباس أنه قال: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم الإجابة وظن قومهم أن الرسل ~~قد كذبوا فيما وعدوا من نصرهم وإهلاك من كذبهم وقيل معناه وتيقن الرسل ~~أنهم قد كذبوا في وعد قومهم إياهم الإيمان أي وعدوا أن يؤمنوا ثم لم ~~يؤمنوا وقال صاحب الكشاف وظنوا أنهم قد كذبوا أي كذبتهم أنفسهم حتى ~~حدثتهم بأنهم لا ينصرون أو رجاؤهم كقولهم رجاء صادق ورجاء كاذب والمعنى ~~أن مدة التكذيب والعداوة وانتظار النصر من الله تعالى وتأميله قد تطاولت ~~عليهم وتمادت حتى استشعروا القنوط وتوهموا أن لا نصر لهم في الدنيا ~~فجاءهم نصرنا فجأة من غير احتساب، وعن ابن عباس: وظنوا حين ضعفوا وغلبوا ~~أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله به من النصر قال وكانوا بشرا وتلا قوله ~~وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله. قال صاحب ~~الكشاف: فإن صح هذا عن ابن عباس فقد أراد بالظن ما يخطر بالبال ويهجس في ~~القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه الطبيعة البشرية وأما الظن ~~الذي هو ترجيح أحد الجانبين على الآخر فغير جائز على رجل من المسلمين فما ~~بال رسل الله الذين هم أعرف الناس بربهم وأنه متعال عن خلف الميعاد وحكى ~~الواحدي عن ابن الأنباري أنه قال هذا غير معول عليه من جهتين إحداهما أن ~~التفسير ليس عن ابن عباس لكنه من متأول تأول عليه والأخرى أن قوله جاءهم ~~نصرنا دال على أن أهل الكفر ظنوا ما لا يجوز مثله واستضعفوا رسل الله ~~ونصر الله للرسل ولو كان الظن للرسل كان ذلك منهم خطأ عظيما ولا يستحقون ~~ظفرا ولا نصرا وتبرئة الأنبياء وتطهيرهم ms1860 واجب علينا إذا وجدنا إلى ذلك ~~سبيلا وقرأ الباقون وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وظنوا أنهم ~~قد كذبو بالتشديد ووجه ظاهر وهو أن معناه حتى إذا استيأس الرسل من إيمان ~~قومهم وظنوا يعني وأيقنوا يعني الرسل أن الأمم قد كذبوهم تكذيبا لا يرجى ~~بعده إيمانهم فالظن بمعنى اليقين وهذا معنى قول قتادة وقال بعضهم معناه ~~حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم أن يصدقوهم وظنوا أن من قد آمن ~~بهم من قومهم قد فارقوهم وارتدوا عن دينهم لشدة المحنة والبلاء واستبطؤوا ~~النصر أتاهم النصر وعلى هذا القول الظن بمعنى الحسبان والتكذيب مظنون من ~~جهة من آمن بهم يعني وظنوا بالرسل ظن حسبان أن ربهم قد كذبهم في وعد ~~الظفر والنصر لإبطائه وتأخره عنهم ولطول البلاء بهم لا أنهم كذبوهم في ~~كونهم رسلا وقيل إن هذا التكذيب لم يحصل من أتباعهم المؤمنين لأنه لو ~~حصل لكان نوع كفر ولكن الرسل ظنت بهم ذلك لبطء النصر وعلى هذا القول الظن ~~بمعنى اليقين والتكذيب المتيقن هو من جهة الكفار وعلى القولين جميعا ~~فالكناية في وظنوا للرسل خ عن عروة بن الزبير: أنه سأل عائشة عن قوله ~~تعالى حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا أو كذبوا، قالت: بل ~~كذبهم قومهم فقلت والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم وما هو بالظن فقالت ~~يا عروة أجل لقد استيقنوا بذلك فقلت لعلها قد كذبوا فقالت: معاذ الله لم ~~تكن الرسل تظن ذلك من ربهم قلت فما هذه الآية قالت هم أتباع الرسل الذين ~~آمنوا بربهم وصدقوهم فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتى إذا ~~استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنوا أن أتباعهم كذبوهم جاءهم نصر الله ~~عند ذلك. # وفي رواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال: قال ابن عباس حتى ~~إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا خفيفة قال ذهب لها هنالك وتلا حتى ~~يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ms1861 قال ~~فلقيت عروة بن الزبير وذكرت ذلك له فقال قالت عائشة معاذ الله والله ما ~~وعد الله ورسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يموت ولكن لم يزل ~~البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون معهم من قومهم من يكذبوهم فكانت تقرؤها ~~وظنوا أنهم قد كذبوا مثقلة. # وقوله تعالى: { جاءهم نصرنا } يعني جاء نصر الله النبيين { فنجي من نشاء ~~} من عبادنا يعني عند نزول العذاب بالكافرين فننجي المؤمنين المطيعين { ~~ولا يرد بأسنا } يعني عذابنا { عن القوم المجرمين } يعني المشركين قوله ~~تعالى: { لقد كان في قصصهم } يعني في خبر يوسف وإخوته { عبرة } أي موعظة ~~{ لأولي الألباب } يعني يتعظ بها أولو الألباب والعقول الصحيحة ومعناه ~~الاعتبار والعبرة الحالة التي يتوصل بها الإنسان من معرفة المشاهد إلى ما ~~ليس بمشاهد والمراد من التأمل والتفكر ووجه الاعتبار بهذه القصة أن الذي ~~قدر على إخراج يوسف من الجب بعد إلقائه فيه وإخراجه من السجن وتمليكه مصر ~~بعد العبودية وجمع شمله بأبيه وإخوته بعد المدة الطويلة واليأس من ~~الاجتماع لقادر على إعزاز محمد صلى الله عليه وسلم وإعلاء كلمته وإظهار ~~دينه وأن الإخبار بهذه القصة العجيبة جار مجرى الإخبار عن الغيوب فكانت ~~معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن الله تعالى قال في أول هذه ~~السورة نحن نقص عليك أحسن القصص وقال في آخرها لقد كان في قصصهم عبرة ~~لأولي الألباب فدل على هذه القصة من أحسن القصص وإن فيها عبرة لمن ~~اعتبرها { ما كان حديثا يفترى } يعني ما كان هذا القرآن حديثا يفتري ~~ويختلق لأن الذي جاء به من عند الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم لا يصح ~~منه أن يفتريه أو يختلقه لأنه لم يقرأ الكتب ولم يخلط العلماء ثم إنه جاء ~~بهذا القرآن المعجز فدل ذلك على صدقه وأنه ليس بمفتر { ولكن تصديق الذي ~~بين يديه } يعني ولكن كان تصديق الذي بين يديه من الكتب الإلهية المنزلة ~~من السماء من التوراة والإنجيل وفيه إشارة إلى أن هذه القصة وردت ms1862 على وجه ~~الموافق لما في التوراة من ذكر قصة يوسف { وتفصيل كل شيء } يعني أن هذا ~~القرآن المنزل عليك يا محمد تفصيل كل شيء تحتاج إليه من الحلال والحرام ~~والحدود والأحكام والقصص والمواعظ والأمثال وغير ذلك مما يحتاج إليه ~~العباد في أمر دينهم ودنياهم { وهدى } يعني إلى كل خير { ورحمة } يعني ~~أنزلناه رحمة { لقوم يؤمنون } لأنهم هم الذين ينتفعون به والله أعلم ~~بمراده وأسرار كتابه. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1-2] # قوله عز و جل { آلمر } قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه أنا الله ~~أعلم وأرى. وروى عطاء عنه أنه قال: إن معناه أنا الله الملك الرحمن { تلك ~~آيات الكتاب } الإشارة بتلك الى آيات السورة المسماة بالمر، والمراد ~~بالكتاب السورة أي آيات السورة الكاملة العجيبة في بابها ثم قال تعالى: { ~~والذي أنزل إليك من ربك الحق } يعني من القرآن كله هو الحق الذي لا مزيد ~~عليه، وقيل المراد بالإشارة في قوله: تلك الأخبار والقصص أي الأخبار ~~والقصص التي قصصتها عليك يا محمد هي آيات التوراة والإنجيل والكتب ~~الإلهية القديمة المنزلة، والذي أنزل إليك يعني وهذا القرآن الذي أنزل ~~إليك يا محمد من ربك الحق أي هو الحق فاعتصم به وقال ابن عباس وقتادة: ~~أراد بآيات الكتاب القرآن، والمعنى: هذه آيات الكتاب الذي هو القرآن ثم ~~قال: والذي أنزل إليك من ربك الحق يعني: وهذا القرآن الذي أنزل إليك من ~~ربك هو الحق لا شك فيه ولا تناقض { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } يعني ~~مشركي مكة نزلت هذه الآية في الرد عليهم حين قالوا إن محمدا يقوله من ~~تلقاء نفسه، ثم ذكر من دلائل ربوبيته وعجائب قدرته ما يدل على وحدانيته ~~فقال تعالى: { الله الذي رفع السماوات بغير عمد } جمع عمود وهي الأساطين ~~والدعائم التي تكون تحت السقف وفي قوله: { ترونها } قولان أحدهما أن ~~الرؤية ترجع إلى السماء يعني: وأنتم ترون السماوات مرفوعة بغير عمد من ~~تحتها يعني ليس من دونهما دعامة تدعمها ولا من فوقها علاقة تمسكها، ~~والمراد نفي العمد بالكلية. ms1863 قال إياس بن معاوية: السماء مقبية على الأرض ~~مثل القبة، وهذا قول الحسن وقتادة و جمهور المفسرين، وإحدى الروايتين عن ~~ابن عباس. و القول الثاني: إن الرؤية ترجع الى العمد، والمعنى أن لها ~~عمدا ولكن لا ترونها أنتم، ومن قال بهذا القول يقول: إن عمدها على جبل ~~قاف، وهو جبل من زمرد محيط بالدنيا، والسماء عليه مثل القبة، وهذا قول ~~مجاهد وعكرمة والرواية الأخرى عن ابن عباس، والقول الأول أصح، وقوله ~~تعالى { ثم استوى على العرش } تقدم تفسيره والكلام عليه في سورة الأعراف ~~بما فيه كفاية { وسخر الشمس والقمر } يعني ذللهما لمنافع خلقه فهما ~~مقهوران، يجريان على ما يريد { كل يجري لأجل مسمى } يعني إلى وقت ~~معلوم، وهو وقت فناء الدنيا وزوالها. و قال ابن عباس: أراد بالأجل المسمى ~~درجاتهما ومنازلهما يعني أنهما يجريان في منازلهما ودرجاتهما الى غاية ~~ينتهيان إليها ولا يجاوزانها، وتحقيقه أن الله تعالى جعل لكل واحد من ~~الشمس والقمر سيرا خاصا إلى جهة بمقدار خاص من السرعة والبطء في ~~الحركة، { يدبر الأمر } يعني أنه تعالى يدبر أمر العالم العلوي و السفلي، ~~ويصرفه ويقضيه بمشيئته، وحكمته، على أكمل الأحوال لا يشغله شأن عن شأن، ~~وقيل: يدبر الأمر بالإيجاد والإعدام والإحياء و الإماتة، ففيه دليل على ~~كمال القدرة والرحمة، لأن جميع العالم محتاجون إلى تدبيره ورحمته، داخلون ~~تحت قهره وقضائه وقدرته { يفصل الآيات } يعني أنه تعالى يبين الآيات ~~الدالة على وحدانيته وكمال قدرته، وقيل: إن الدلائل الدالة على وجود ~~الصانع قسمان: الأول: الموجودات المشاهدة، وهي خلق السماوات والأرض وما ~~فيهما من العجائب وأحوال الشمس والقمر وسائر النجوم وهذا قد تقدم ذكره. # والقسم الثاني: الموجودات الحادثة في العالم، وهي الموت بعد الحياة ~~والفقر بعد الغنى والضعف بعد القوة إلى غير ذلك من أحوال هذا العالم، وكل ~~ذلك مما يدل على وجود الصانع و كمال قدرته { لعلكم بلقاء ربكم توقنون } ~~يعني أنه تعالى يبين الآيات الدالة على وحدانيته وكمال قدرته لكي توقنوا، ~~وتصدقوا بلقائه والمصير إليه بعد الموت لأن من ms1864 قدر على إيجاد الإنسان بعد ~~عدمه قادر على إيجاده وإحيائه بعد موته، واليقين صفة من صفات العلم، وهو ~~فوق المعرفة والدراية وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم وزوال الشك، يقال منه ~~استيقن وأيقن بمعنى علم. ### || [13.3-7] # قوله تعالى: { وهو الذي مد الأرض } لما ذكر الدلالة على وحدانيته و كمال ~~قدرته وهي رفع السماوات بغير عمد، وذكر أحوال الشمس والقمر أردفها بذكر ~~الدلائل الأرضية، فقال: وهو الذي مد الأرض أي بسطها على وجه الماء، وقيل: ~~كانت الأرض مجتمعة فمدها من تحت البيت الحرام، وهذا القول إنما يصح إذا ~~قيل إن الأرض منسطحة كالأكف، وعند أصحاب الهيئة: الأرض كرة، ويمكن أن ~~يقال: إن الكرة إذا كانت كبيرة عظيمة فكل قطعة منها تشاهد ممدودة كالسطح ~~الكبير العظيم، فحصل الجمع ومع ذلك فالله تعالى قد أخبر أنه مد الأرض، ~~وأنه دحاها وبسطها وكل ذلك يدل على التسطيح والله تعالى أصدق قيلا وأبين ~~دليلا من أصحاب الهيئة { وجعل فيها }. يعني في الأرض { رواسي } يعني ~~جبالا ثابتة، يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت وأرساه غير أثبته قال ابن ~~عباس: كان أبو قبيس أول جبل وضع على الأرض { وأنهارا } ، يعني وجعل في ~~الأرض أنهارا جارية لمنافع الخلق { ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ~~} يعني صنفين اثنين أحمر وأصفر وحلوا وحامضا { يغشي الليل النهار } ، ~~يعني يلبس النهار ظلمة الليل ويلبس الليل ضوء النهار { إن في ذلك } يعني ~~الذي تقدم ذكره من عجائب صنعته وغرائب قدرته الدالة على وحدانيته { لآيات ~~} أي دلالات { لقوم يتفكرون } يعني فيستدلون بالصنعة على الصانع، وبالسبب ~~على المسبب، والفكر هو تصرف القلب في طلب الأشياء، وقال صاحب المفردات: ~~الفكر قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر جريان تلك القوة بحسب نظر ~~العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له ~~صورة في القلب ولهذا روي " تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله " إذ ~~كان الله منزلها أن يوصف بصورة. و قال بعض الأدباء: الفكر مقلوب عن الفرك ~~لأنه يستعمل في ms1865 طلب المعاني، وهو فرك الأمور وبحثها طلبا للوصول الى ~~حقيقتها. قوله عز وجل { وفي الأرض قطع متجاورات } يعني متقاربات بعضها من ~~بعض، وهي مختلفة في الطبائع فهذه طيبة تنبت وهذه سبخة لا تنبت، وهذه ~~قليلة الريع وهذه كثيرة الريع { وجنات } يعني بساتين والجنة كل بستان ذي ~~شجر من نخيل وأعناب وغير ذلك، سمي جنة لأنه يستر بأشجاره الأرض وإليه ~~الإشارة بقوله { من أعناب وزرع ونخيل صنوان } جمع صنو وهي النخلات يجتمعن ~~من أصل واحد، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس # " عم الرجل صنو أبيه " # يعني أنهما من أصل واحد { وغير صنوان } هي النخلة المنفردة بأصلها ~~فالصنوان المجتمع، وغير الصنوان المتفرق { يسقى بماء واحد } يعني أشجار ~~الجنات وزروعها، والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نام، وقيل: في حده جوهر ~~سيال به قوام الأرواح { ونفضل بعضها على بعض في الأكل } يعني في الطعم ما ~~بين الحلو والحامض والعفص وغير ذلك من الطعام. # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم # " في قوله تعالى: { ونفضل بعضها على بعض في الأكل } قال: الدقل ~~والنرسيان والحلو والحامض " # أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. قال مجاهد: هذا كمثل بني آدم ~~صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد، وقال الحسن: هذا مثل ضربه الله لقلوب بني ~~آدم كانت الأرض طينة واحدة في يد الرحمن فسطحها فصارت قطعا متجاورات، ~~وأنزل على وجهها ماء السماء فتخرج هذه زهرتها وثمرتها وشجرها، وتخرج هذه ~~نباتها وتخرج هذه سبخها وملحها وخبيثها وكل يسقى بماء واحد فلو كان الماء ~~قليلا. قيل: إنما هذا من قبل الماء كذلك الناس خلقوا من آدم فينزل عليهم ~~من السماء تذكرة فترق قلوب قوم فتخشع وتخضع وتقسو قلوب قوم فتلهو، ولا ~~تسمع. وقال الحسن: والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزياده أو ~~نقصان قال الله تعالى { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا ~~يزيد الظالمين إلا خسارا } وقوله تعالى { إن في ذلك } يعني الذي ذكر { ~~لآيات لقوم يعقلون ms1866 } يعني فيتدبرون ويتفكرون في الآيات الدالة على ~~وحدانيته. قوله تعالى { وإن تعجب فعجب قولهم } العجب تبعيد النفس رؤية ~~المستبعد في العادة، وقيل: العجب حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب ولهذا ~~قال بعض الحكماء: العجب ما لا يعرف سببه ولهذا قيل: العجب في حق الله ~~محال لأنه تعالى علام الغيوب لا تخفى عليه خافية، والخطاب في الآية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ومعناه وإنك يا محمد إن تعجب من تكذيبهم إياك ~~بعد أن كنت عندهم تعرف بالصادق الأمين فعجب أمرهم، وقيل: معناه وإن تعجب ~~من اتخاذ المشركين ما لا يضرهم ولا ينفعهم آلهة يعبدونها مع إقرارهم بأن ~~الله تعالى خالق السماوات والأرض، وهو يضر وينفع وقد رأوا من قدرة الله ~~وما ضرب لهم به الأمثال ما رأوا فعجب قولهم. وقيل وإنك إن تعجب من ~~إنكارهم النشأة الآخرة والبعث بعد الموت مع إقرارهم بأن ابتداء الخلق من ~~الله فعجب قولهم وذلك أن المشركين كانوا ينكرون البعث بعد الموت مع ~~إقرارهم بأن ابتداء الخلق من الله وقد تقرر في النفوس أن الإعادة أهون من ~~الابتداء فهذا موضع التعجب وهو قولهم { أئذا كنا ترابا } يعني بعد الموت ~~{ أئنا لفي خلق جديد } يعني نعاد خلقا جديدا بعد الموت كما كنا قبله ثم ~~إن الله تعالى قال في حقهم { أولئك الذين كفروا بربهم } وفيه دليل على أن ~~كل من أنكر البعث بعد الموت فهو كافر بالله تعالى، لأن من أنكر البعث بعد ~~الموت فقد أنكر القدرة وأن الله على كل شيء قدير، ومن أنكر ذلك فهو كافر ~~{ وأولئك الأغلال في أعناقهم } يعني يوم القيامة، والأغلال جمع غل وهو ~~طوق من حديد يجعل في العنق. # وقيل أراد بالأغلال ذلهم وانقيادهم يوم القيامة كما يقاد الأسير ذليلا ~~بالغل { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } يعني أنهم مقيمون فيها ولا ~~يخرجون منها ولا يموتون. { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } الاستعجال ~~طلب تعجيل الأمر قبل مجيء وقته، والمراد بالسيئة هنا هي العقوبة وبالحسنة ~~العافية، وذلك أن مشركي مكة كانوا يطلبون العقوبة ms1867 بدلا من العافية ~~استهزاء منهم، وهو قولهم # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ~~بعذاب أليم # [الأنفال: 32] { وقد خلت من قبلهم المثلات } يعني وقد مضت في الأمم ~~المكذبة العقوبات بسبب تكذيبهم رسلهم، والمثلة بفتح الميم وضم الثاء ~~المثلثة نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثلا ليرتدع غيره به، وذلك كالنكال ~~وجمعه مثلات بفتح الميم وضمها مع ضم الثاء فيهما لغتان { وإن ربك لذو ~~مغفرة للناس على ظلمهم } قال ابن عباس: معناه إنه لذو تجاوز عن المشركين ~~إذا آمنوا { وإن ربك لشديد العقاب } يعني للمصرين على الشرك الذي ماتوا ~~عليه. وقال مجاهد: إنه لذو تجاوز عن شركهم في تأخير العذاب عنهم، وإنه ~~لشديد العقاب إذا عاقب. قوله تعالى { ويقول الذين كفروا } يعني من أهل ~~مكة { لولا } أي هلا { أنزل عليه } يعني على محمد صلى الله عليه وسلم { ~~آية من ربه } يعني مثل عصى موسى وناقة صالح ذلك لأنهم لم يقنعوا بما رأوا ~~من الآيات التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم { إنما أنت منذر } أي ~~ليس عليك يا محمد غير الإنذار والتخويف، وليس لك من الآيات شيء { ولكل ~~قوم هاد } قال ابن عباس: الهادي هو الله، وهذا قول سعيد ابن جبير وعكرمة ~~ومجاهد والضحاك والنخعي، والمعنى إنما عليك الإنذار يا محمد والهادي هو ~~الله يهدي من يشاء. وقال عكرمة في رواية عنه وأبو الضحى: الهادي هو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المعنى: إنما أنت منذر وأنت هاد، وقال الحسن ~~وقتادة وابن زيد: يعني ولكل قوم نبي يهديهم وقال أبو العالية: الهادي هو ~~العمل الصالح. وقال أبو صالح: الهادي هو القائد إلى الخير لا إلى الشر. ### || [13.8-11] # قوله عز وجل: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى } لما سألوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الآيات أخبرهم الله عز وجل عن عظيم قدرته، وكمال علمه ~~وأنه عالم بما تحمل كل أنثى يعني من ذكر أو أنثى سوي الخلق أو ناقص ~~الخلق واحدا أو اثنين أو ms1868 كثر { وما تغيض } يعني وما تنقص { الأرحام وما ~~تزداد } قال أهل التفسير: غيض الأرحام الحيض على الحمل فإذا حاضت الحامل ~~كان ذلك نقصانا في الولد لأن دم الحيض هو غذاء الولد في الرحم، فإذا خرج ~~الدم نقص الغذاء فينقص الولد، واذا لم تحض يزداد الولد ويتم فالنقصان ~~نقصان خلقة الولد بخروج الدم، والزيادة تمام خلقه باستمساك الدم، وقيل: ~~إذا حاضت المرأة في وقت حملها ينقص الغذاء وتزداد مدة الحمل حتى تستكمل ~~تسعة أشهر طاهرة فإن رأت خمسة أيام دما، وضعت لتسعة أشهر وخمسة أيام ~~فالنقصان في الغذاء زيادة في مدة الحمل. وقيل: النقصان السقط والزيادة ~~تمام الخلق. وقال الحسن: غيضها نقصانها من تسعة اشهر والزيادة زيادتها ~~على تسعة اشهر فأقل مدة الحمل ستة أشهر وقد يولد لهذه المدة ويعيش. ~~واختلفوا في أكثره فقال قوم: أكثر مدة الحمل سنتان، وهو قول عائشة، وبه ~~قال أبو حنيفة وقيل: إن الضحاك ولد لسنتين. وقال جماعة: أكثرها أربع سنين ~~وإليه ذهب الشافعي. وقال حماد بن أبي سلمة: إنما سمي هرم بن حيان هرما ~~لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين، وعند مالك أن أكثر مدة الحمل خمس سنين { ~~وكل شيء عنده بمقدار } يعني بتقدير واحد لا يجاوزه، ولا ينقص منه. وقيل: ~~إنه تعالى يعلم كمية كل شيء وكيفيته على أكمل الوجوه. وقيل: معناه إنه ~~تعالى خصص كل حادثة من الحوادث بوقت معين وحالة معينة وذلك بمشيئته ~~الأزلية وإرادته وتقديره الذي لا يقدر عليه غيره { عالم الغيب والشهادة } ~~يعني أنه تعالى يعلم ما غاب عن خلقه، وما يشاهدونه. وقيل: الغيب هو ~~المعدوم والشاهد هو الموجود. وقيل: الغيب ما غاب عن الحس والشاهد ما حضر ~~في الحس { الكبير } أي العظيم الذي يصغر كل كبير بالإضافة إلى عظمته ~~وكبريائه فهو يعود إلى معنى كبر قدرته، وأنه تعالى المستحق لصفات الكمال ~~{ المتعال } يعني المنزه عن صفات النقص المتعالي عن الخلق، وفيه دليل على ~~أنه تعالى موصوف بالعلم الكامل والقدرة التامة وتنزيهه عن جميع النقائص. ~~قوله تعالى { سواء منكم ms1869 من أسر القول ومن جهر به } أي مستو منكم من ~~أخفى القول وكتمه ومن أظهره وأعلنه، والمعنى أنه قد استوى في علم الله ~~تعالى المسر بالقول والجاهر به { ومن هو مستخف بالليل } أي مستتر بظلمته ~~{ وسارب بالنهار } أي ذاهب بالنهار في سربه ظاهر. # والسرب بفتح السين وسكون الراء الطريق. وقال القتيبي: السارب المتصرف في ~~حوائجه. قال ابن عباس في هذه الآية: هو صاحب ريبة مستخف بالليل، وإذا خرج ~~بالنهار أرى الناس أنه بريء من الإثم. وقيل: مستخف بالليل ظاهر من قولهم ~~خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا كتمته وسارب بالنهار أي متوار دخل ~~في السرب مستخفيا، ومعنى الآية: سواء ما أضمرت به القلوب أو نطقت به ~~الألسن، وسواء من أقدم على القبائح مستترا في ظلمات الليل أو أتى بها ~~ظاهرا في النهار فإن علمه تعالى محيط بالكل { له معقبات } يعني: لله ~~ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار، فإذا صعدت ملائكة الليل عقبتها ملائكة ~~النهار والتعقيب العود بعد البدء وإنما ذكر معقبات بلفظ التأنيث، وإن كان ~~الملائكة ذكورا لأن واحدها معقب، وجمعها معقبة ثم جمع المعقبة معقبات. ~~كما قيل أبناوات سعد ورجالات بكر ق عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يتعقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر، ~~وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم، وهو أعلم بهم، كيف تركتم ~~عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون. وقيل: إن مع كل ~~واحد من بني آدم ملكين ملك عن يمينه، وهو صاحب الحسنات وملك عن شمال وهو ~~كاتب السيئات وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل العبد حسنة ~~كتبها له بعشر أمثالها، وإذا عمل سيئة قال صاحب الشمال لصاحب اليمين ~~أكتبها عليه فيقول: انظره لعله يتوب أو يستغفر فيستأذنه ثلاث مرات، فإن ~~هو تاب منها وإلا قال: اكتبها عليه سيئة واحدة وملك موكل بناصية العبد ~~فإذا تواضع العبد لله عز وجل رفعه بها، وإن تجبر على الله عز وجل وضعه ~~بها ms1870 وملك موكل بعينيه يحفظهما من الأذى وملك موكل بفيه لا يدعه يدخل فيه ~~شيء من الهوام يؤذيه فهؤلاء خمسة أملاك موكلون بالعبد في ليله وخمسة ~~غيرهم في نهاره، فانظر إلى عظمة الله تعالى وقدرته وكمال شفقته عليك أيها ~~العبد المسكين " # وهو قوله تعالى { من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } يعني: ~~يحفظون العبد من بين يديه ومن وراء ظهره، ومعنى من أمر الله بأمر الله ~~وإذنه ما لم يجىء القدر فإذا جاء خلوا عنه. وقيل: معناه إنهم يحفظونه، ~~بما أمر الله به من الحفظ له. قال مجاهد: ما من عبد إلا وملك موكل به ~~يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام فما من شيء يأتيه يؤذيه إلا ~~قال له الملك وراءك، إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه. وقال كعب الأحبار: ~~لولا أن الله تعالى وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم ~~وعوراتكم لتخطفتكم الجن. # وقال ابن جريج: معنى يحفظونه أي يحفظون عليه الحسنات والسيئات، وهذا على ~~قول من يقول: إن الآية في الملكين القاعدين عن اليمين وعن الشمال يكتبان ~~الحسنات والسيئات، وقال عكرمة: الآية في الأمراء وحرسهم يحفظونهم من بين ~~أيديهم، ومن خلفهم والضمير في قوله له راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال ابن عباس في معنى هذه الآية: لمحمد صلى الله عليه وسلم حراس من ~~الرحمن من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من شر الجن وطوارق الليل والنهار. ~~وقال عبد الرحمن بن زيد: نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل وأربد بن ~~ربيعة، وهما من بني عامر بن زيد وكانت قصتهما على ما رواه الكلبي عن أبي ~~صالح عن ابن عباس. قال: # " " أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة وهما من بني عامر بن زيد على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في نفر من أصحابه فدخل ~~المسجد فاستشرف الناس لجمال عامر، وكان من أجمل الناس وكان أعور فقال: يا ~~رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك، ms1871 فقال: دعه فإن يرد الله به ~~خيرا يهده فأقبل حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا ~~محمد ما لي إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين. قال: ~~تجعل الأمر لي بعدك؟ قال ليس ذلك لي إنما ذلك إلى الله تعالى يجعله حيث ~~يشاء. قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر؟ قال: لا قال: فما تجعل لي؟ ~~قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها. قال: أوليس ذلك لي اليوم قم معي ~~أكلمك فقال معه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عامر قد أوصى إلى ~~أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف، فجعل عامر ~~يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه ودار أربد من خلف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليضربه، فاخترط شبرا من سيفه ثم حبسه الله تعالى ~~عليه فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء إليه فالتفت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فرأى أربد وما صنع بسيفه، فقال: اللهم اكفنيهما بما شئت فأرسل ~~الله على أربد صاعقة في يوم صحو قائظ فأحرقته فولى عامر هاربا وقال: يا ~~محمد دعوت ربك فقتل أربد، والله لأملأنها عليك خيلا جردا وشبابا ~~مردا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يمنعني الله من ذلك " # وابنا قيلة يريد الأوس والخزرج، فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ~~ضم إليه سلاحه، فخرج له خراج في أصل أذنه أخذه منه مثل النار فاشتد عليه ~~فقال غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية، ثم ركب فرسه وجعل يركض في ~~الصحراء، ويقول: ادن يا ملك الموت وجعل يقول الشعر، ويقول لئن أبصرت ~~محمدا وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذتهما برمحي فأرسل الله إليه ملكا ~~فلطمه، فأرداه في التراب ثم عاد فركب جواده حتى مات على ظهره، وأجاب الله ~~عز وجل دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في عامر بن الطفيل فمات ~~بالطعن، وأربد بن ربيعة مات بالصاعقة وأنزل الله عز وجل في شأن هذه القصة ms1872 ~~سواء منكم من أسر القول، ومن جهر به إلى قوله له معقبات من بين يديه، ومن ~~خلفه يعني لرسول الله صلى الله عليه وسلم معقبات يحفظونه من بين يديه، ~~ومن خلفه من أمر الله أي بأمر الله وقيل: إن تلك المعقبات من أمر الله، ~~وفيه تقديم وتأخير تقديره له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن ~~خلفه، وقوله { إن الله لا يغير ما بقوم } خطاب لهذين عامر بن الطفيل ~~وأربد بن ربيعة، يعني لا يغير ما بقوم من العافية والنعمة التي أنعم بها ~~عليهم { حتى يغيروا ما بأنفسهم } يعني: من الحالة الجميلة فيعصون ربهم، ~~ويجحدون نعمه عليهم فعند ذلك تحل نقمته بهم، وهو قوله تعالى { وإذا أراد ~~الله بقوم سوءا } يعني هلاكا وعذابا { فلا مرد له } يعني لا يقدر أحد ~~أن يرد ما أنزل الله بهم من قضائه وقدره { وما لهم من دونه من وال } يعني ~~وليس لهم من دون الله من وال يلي أمرهم ونصرهم ويمنع العذاب عنهم. ### || [13.12-13] # قوله عز وجل: { هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا } لما خوف الله عز وجل ~~عباده بقوله: وإذا أراد الله بقوم سوءا ذكر في هذه الآية من عظيم قدرته ~~ما يشبه النعم من وجه يشبه العذاب من وجه، فقال تعالى: هو الذي يعني هو ~~الذي يريكم البرق والبرق معروف، وهو لمعان يظهر من خلال السحاب وفي كونه ~~خوفا وطمعا وجوه: الأول إن عند لمعان البرق يخاف من الصواعق، ويطمع في ~~نزول المطر. الثاني: أنه يخاف من البرق من يتضرر بالمطر كالمسافر ومن في ~~جرينه يعني بيدره التمر والزبيب والقمح ونحو ذلك، ويطمع فيه من له في ~~نزول المطر نفع كالزارع ونحوه. الثالث: أن المطر يخاف منه إذا كان في غير ~~مكانه وزمانه، ويطمع فيه إذا كان في مكانه وزمانه فإن من البلاد ما إذا ~~أمطرت قحطت وإذا لم تمطر أخصبت { وينشىء السحاب الثقال } يعني المطر. ~~يقال: انشأ الله السحابة فنشأت أي أبداها فبدت والسحاب جمع سحابة، ~~والسحاب غربال الماء، ms1873 قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقيل: السحاب ~~الغيم فيه ماء أو لم يكن فيه ماء. ولهذا قيل: سحاب جهام وهو الخالي من ~~الماء وأصل السحب الجر وسمي السحاب سحابا إما لجر الريح له أو لجره ~~الماء أو لانجراره في سيره { ويسبح الرعد بحمده } أكثر المفسرين على أن ~~الرعد اسم للملك الذي يسوق السحاب، والصوت المسموع منه تسبيحه. وأورد على ~~هذا القول ما عطف عليه. وهو قوله { والملائكة من خيفته } وإذا كان ~~المعطوف مغايرا للمعطوف عليه وجب أن يكون غيره. وأجيب عنه أنه لا يبعد ~~أن يكون الرعد اسما لملك من الملائكة وإنما أفرده بالذكر تشريفا له على ~~غيره من الملائكة، فهو كقوله: وملائكته وجبريل وميكال. قال ابن عباس: # " أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله وسلم فقالوا أخبرنا عن الرعد ما هو ~~قال: " ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوقه بها حيث ~~يشاء الله " قالوا فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: " زجره السحاب حتى ~~تنتهي حيث أمرت " قالوا صدقت " # أخرجه الترمذي مع زيادة فيه. المخاريق: جمع مخراق، وهو في الأصل ثوب يلف ~~ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا، وأراد به هنا آلة تزجر بها الملائكة ~~السحاب. وقد جاء تفسيره في حديث آخر وهو صوت من نور تزجر الملائكة به ~~السحاب، قال ابن عباس: من سمع صوت الرعد فقال: سبحان من يسبح الرعد ~~بحمده، والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير. فإن أصابه صاعقة فعلي ~~ديته، وكان عبد الله بن الزبير إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان من ~~يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته وكان يقول إن الوعيد لأهل الأرض ~~شديد. # وفي بعض الأخبار أن الله تعالى يقول: # " لو أن عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس ~~بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد " # وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: الرعد ملك موكل بالسحاب ~~يصرفه إلى حيث يؤمر، وإن بحور الماء في نقرة إبهامه، وإنه يسبح الله فإذا ~~سبح لا يبقى ملك ms1874 في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل المطر، ~~وقيل: إن الرعد اسم لصوت الملك الموكل بالسحاب، ومع ذلك فإن صوت الرعد ~~يسبح الله عز وجل لأن التسبيح والتقديس عبارة عن تنزيه لله عز وجل عن ~~جميع النقائص، ووجود هذا الصوت المسموع من الرعد وحدوثه دليل على وجود ~~موجود خالق قادر متعال عن جميع النقائص، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة ~~تسبيحا ومنه قوله: وإن من شيء إلا يسبح بحمده وقيل المراد من تسبيح ~~الرعد أن من سمعه سبح الله فلهذا المعنى أضيف التسبح إليه، وقوله ~~والملائكة من خيفته يعني ويسبح الملائكة من خيفة الله عز وجل وهيبته ~~وخشيته، وقيل: المراد بهذه الملائكة أعوان السحاب جعل الله عز وجل مع ~~الملك الموكل بالسحاب أعوانا من الملائكة، وهم خائفون خاضعون طائعون. ~~وقيل: المراد بهم جميع الملائكة وحمله على العموم أولى { ويرسل الصواعق } ~~جمع صاعقة، وهي العذاب النازل من البرق فيحترق من تصيبه وقيل: هي الصوت ~~الشديد النازل من الجو ثم يكون فيه نار أو عذاب أو موت وهي في ذاتها شيء ~~واحد، وهذه الأشياء الثلاثة تنشأ منها { فيصيب بها } يعني بالصواعق { من ~~يشاء } يعني فيهلك بها كما أصاب أربد بن ربيعة. قال محمد الباقر: الصاعقة ~~تصيب المسلم وغير المسلم ولا تصيب الذاكر { وهم يجادلون في الله } يعني ~~يخاصمون في الله. وقيل: المجادلة المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، ~~وأصله من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله نزلت في شأن أربد بن ربيعة حين قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: مم ربك أمن درأم من ياقوت أم من ذهب فنزلت ~~صاعقة من السماء فأحرقته. وسئل الحسن عن قوله: ويرسل الصواعق الآية فقال: ~~كان رجل من طواغيت العرب بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم نفرا من ~~أصحابه يدعونه إلى الله، وإلى رسوله فقال لهم: أخبروني عن رب محمد هذا ~~الذي تدعونني إليه، هل هو من ذهب أو فضة أو حديد أو نحاس؟ فاستعظم القوم ~~كلامه فانصرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا ms1875 رسول الله ما ~~رأينا رجلا أكفر قلبا ولا أعتى على الله منه. فقال: ارجعوا إليه فرجعوا ~~فلم يزدهم على مقالته الأولى شيئا بل قال: أأجيب محمدا إلى رب لا أراه ~~ولا أعرفه فانصرفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول ~~الله ما زادنا على مقالته شيئا بل أخبث. # فقال: ارجعوا إليه فرجعوا إليه فبينما هم عنده يدعونه وينازعونه، وهو لا ~~يزيدهم على مقالته شيئا إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق رؤوسهم، فرعدت وبرقت ~~ورمت بصاعقة فأحرقت الكافر، وهم جلوس عنده فرجعوا ليخبروا النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلما رجعوا استقبلهم نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا لهم: احترق صاحبكم قالوا: من أين علمتم ذلك؟ قالوا قد أوحى الله ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويرسل الصواعق فيصب بها من يشاء وهم ~~يجادلون في الله. واختلفوا في هذه الواو، فقيل: واو الحال فيكون المعنى ~~فيصيب بها من يشاء في حال جداله في الله وذلك أن أربد لما جادل في الله، ~~أهلكه الله بالصاعقة، وقيل: إنها واو الاستئناف فيكون المعنى أنه تعالى ~~لما تمم ذكر الدلائل قال: بعد ذلك وهم يجادلون في الله { وهو شديد المحال ~~} أي شديد الأخذ بالعقوبة، من قولهم يمحل به محلا إذا أراد به سوءا، ~~وقيل: هو من قولهم يمحل به إذا سعى به إلى السلطان وعرضه للهلاك وتمحل ~~إذا تكلف استعمال الحيلة، واجتهد فيه فيكون المعنى أنه سبحانه وتعالى ~~شديد المحال بأعدائه حتى يهلكهم بطريق لا يعرفونه ولا يتوقعونه. وقيل: ~~المحل من المحول وهو الحيلة، والميم زائدة في اختلفت عبارات المفسرين في ~~معنى قوله شديد المحال فقال الحسن: معناه شديد النقمة. وقال مجاهد ~~وقتادة: شديد القوة. وقال ابن عباس: شديد الحول. وقيل شديد العقوبة وقيل ~~معناه شديد الجدال. وذلك أنه لما أخبر عنهم أنهم يجادلون في الله أخبر ~~أنه أشد جدالا منهم. ### || [13.14-17] # قوله تعالى: { له دعوة الحق } يعني لله دعوة الصدق، قال على دعوة الحق ~~التوحيد، وقال ابن عباس: شهادة أن ms1876 لا إله إلا الله. قال صاحب الكشاف دعوة ~~الحق فيها وجهان أحدهما أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما ~~تضاف الكلمة إليه في قولك كلمة الحق. للدلالة على أن الدعوة ملابسة للحق ~~مختصة به، وأنها بمعزل من الباطل والمعنى أن الله تعالى يدعى فيستجيب ~~الدعوة ويعطي الداعي سؤله إن كان مصلحة له فكانت دعوة ملابسة للحق لكونه ~~حقيقا بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا ~~نفع فيه ولا جدوى فيرد دعاءه. الثاني أن تضاف إلى الحق الذي هو الله على ~~معنى دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب، وعن الحسن: الله هو الحق وكل ~~دعاء إليه دعوة الحق. فإن قلت: ما وجه اتصال هذين الوصفين بما قبلهما. ~~قلت: أما على قصة أربد فظاهر لأن إصابته بالصاعقة كانت بدعوة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإنه دعا عليه وعلى صاحبه عامر بن الطفيل فأجيب فيهما ~~فكانت الدعوة دعوة حق، وأما على قوله وهم يجادلون في الله فوعيد للكفار ~~على مجادلتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجابة دعائه إن دعا عليهم. ~~وقيل في معنى الآية: الدعاء بالإخلاص، والدعاء الخالص لا يكون إلا لله ~~تعالى { والذين يدعون من ودنه } يعني والذين يدعونهم آلهة من دون الله، ~~وهي الأصنام التي يعبدونها { لا يستجيبون لهم بشيء } يعني لا يجيبونهم ~~بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضرر إن دعوهم { إلا كباسط كفيه إلى الماء ~~ليبلغ فاه وما هو ببالغه } يعني إلا استجابة كاستجابة الماء لمن بسط كفيه ~~إليه، يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه، ولا بعطشه ~~ولا يقدر أن يجيب دعاءه أو يبلغ فاه، وكذلك ما يدعونه جماد لا يحس ~~بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم، ولا يقدر على نفعهم. وقيل: شبههم في قلة ~~جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فيبسطهما ~~ناشرا أصابعه فلم تلق كفاه منه شيئا، ولم يبلغ طلبته من شربه وقيل إن ~~القابض على الماء ناشرا أصابعه ms1877 لا يكون في يده منه شيء، ولا يبلغ إلى ~~فيه منه شيء كذلك الذي يدعو الأصنام لأنها لا تضر ولا تنفع ولا يفيده ~~منها شيء. وقيل شبه: بالرجل العطشان الذي يرى الماء من بعيد بعينيه، فهو ~~يشير بكفيه إلى الماء ويدعوه بلسانه فلا يأتيه أبدا هذا معنى قول مجاهد، ~~وعن عطاء كالعطشان الجالس على شفير البئر وهو يمد يديه إلى البئر فلا هو ~~يبلغ إلى قعر البئر ليخرج الماء، ولا الماء يرتفع إليه فلا ينفعه بسطه ~~الكف إلى الماء ودعاؤه له، ولا هو يبلغ فاه كذلك الذي يدعون الأصنام لا ~~ينفعهم ذلك. # وقال ابن عباس: كالعطشان إذا بسط كفيه في الماء لا ينفعه ذلك ما لم يغرف ~~بهما من الماء ولا يبلغ الماء فاه ما دام باسط كفيه، وهذا مثل ضربه الله ~~تعالى للكفار ودعائهم الأصنام حين لا ينفعهم البتة ثم ختم هذه بقوله { ~~وما دعاء الكافرين } يعني أصنامهم { إلا في ضلال } يعني يضل عنهم إذا ~~احتاجوا إليه، قال ابن عباس في هذه الآية أصواتهم محجوبة عن الله تعالى. ~~قوله عز وجل { ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها } في معنى ~~هذا السجود قولان: أحدهما أن المراد منه السجود على الحقيقة وهو وضع ~~الجبهة على الأرض، ثم على هذا القول ففي معنى الآية وجهان أحدهما أن ~~اللفظ وإن كان عاما إلا أن المراد منه الخصوص، فقوله: ولله يسجد من في ~~السموات يعني الملائكة ومن في الأرض من الإنس يعني المؤمنين طوعا ~~وكرها، يعني من المؤمنين من يسجد لله طوعا وهم المؤمنون المخلصون لله ~~العبادة، وكرها يعني المنافقين الداخلين في المؤمنين وليسوا منهم فإن ~~سجودهم لله على كره منهم، لأنهم لا يرجون على سجودهم ثوابا ولا يخافون ~~على تركه عقابا بل سجودهم وعبادتهم خوف من المؤمنين. الوجه الثاني: هو ~~حمل اللفظ على العموم، وعلى هذا ففي اللفظ إشكال، وهو أن جميع الملائكة ~~والمؤمنين من الجن والإنس يسجدون لله طوعا، ومنهم من يسجد كرها كما ~~تقدم وأما الكفار من الجن والإنس، ms1878 فلا يسجدون لله البتة فهذا وجه ~~الإشكال. والجواب عنه أن المعنى أنه يجب على كل من في السموات ومن في ~~الأرض أن يسجد لله، فعبر بالوجوب عن الوقوع والحصول. وجواب آخر وهو أن ~~يكون المراد من هذا السجود هو الاعتراف بالعظمة والعبودية، وكل من في ~~السموات من ملك ومن في الأرض من إنس وجن، فإنهم يقرون لله بالعبودية ~~والتعظيم ويدل عليه قوله تعالى # ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله # [الزمر: 38] والقول الثاني: في معنى هذا السجود هو الانقياد والخضوع ~~وترك الامتناع فكل من في السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى، وهذا ~~الاعتبار لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل فهم خاضعون منقادون له. وقوله ~~تعالى { وظلالهم بالغدو والآصال } الغدوة والغداة أول النهار، وقيل: إلى ~~نصف النهار والغدو بالضم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس والآصال جمع أصل، ~~وهو العشية والآصال العشايا جمع عشية وهي ما بين صلاة العصر إلى غروب ~~الشمس. قال المفسرون: إن ظل كل شخص يسجد لله ظل المؤمن والكافر. وقال ~~مجاهد: ظل المؤمن يسجد لله طوعا وهو طائع وظل الكافر يسجد لله كرها، ~~وهو كاره. # وقال الزجاج: جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله وظله يسجد لله. ~~قال ابن الأنباري: ولا يبعد أن يخلق الله تعالى للظلال عقولا وأفهاما ~~تسجد بها وتخشع كما جعل للجبال أفهاما حتى سبحت لله مع داود، وقيل: ~~المراد بسجود الظلال ميلانها من جانب إلى جانب آخر، وطولها وقصرها بسبب ~~ارتفاع الشمس ونزولها، وإنما خص الغدو والآصال بالذكر لأن الظلال تعظم، ~~وتكثر في هذين الوقتين، وقيل: لأنهما طرفا النهار فيدخل وسطه فيما ~~بينهما. فصل وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة، فيسن للقارىء والمستمع ~~أن يسجد عند قراءته واستماعه لهذه السجدة والله أعلم. قوله تعالى { قل من ~~رب السموات والأرض } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذي يعبدون غير الله ~~من رب السموات والأرض، يعني من مالك السموات والأرض، ومن مدبرهما ~~وخالقهما فسيقولون: الله لأنهم مقرون بأن الله خالق السموات وما فيها، ms1879 ~~والأرض، وما فيها فإن أجابوك بذلك فقل: أنت يا محمد الله رب السموات ~~والأرض. وقيل: لما قال هذه المقالة للمشركين عطفوا عليه وقالوا أجب أنت ~~فأمره الله أن يجيبهم بقوله { قل الله } أي قل يا محمد { الله } وقيل: ~~إنما جاء السؤال والجواب من جهة واحدة لأن المشركين لا ينكرون أن الله ~~خالق كل شيء، فلما لم ينكروا ذلك وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ~~الله فكأنهم قالوا ذلك أيضا ثم ألزمهم الحجة على عبادتهم الأصنام بقوله ~~{ قل } أي قل يا محمد للمشركين { أفاتخذتم من دونه } يعني من دون الله { ~~أولياء } يعني الأصنام والولي الناصر، والمعنى توليتم غير رب السموات ~~والأرض واتخذتموهم أنصارا يعني الأصنام { لا يملكون } يعني وهم لا ~~يملكون { لأنفسهم نفعا ولا ضرا } فكيف لغيرهم. ثم ضرب الله مثلا ~~للمشركين الذين يعبدون الأصنام وللمؤمنين الذين يعبدون الله. فقال تعالى ~~{ قل هل يستوي الأعمى والبصير } قال ابن عباس: يعني المشرك والمؤمن { أم ~~هل تستوي الظلمات والنور } يعني الشرك والإيمان والمعنى كما لا يستوي ~~الأعمى والبصير كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن وكما لا تستوي الظلمات ~~والنور كذلك لا يستوي الكفر والإيمان، وإنما شبه الكافر بالأعمى لأن ~~الأعمى لا يهتدي سبيلا، وكذلك الكافر لا يهتدي سبيلا { أم جعلوا لله ~~شركاء } هذا استفهام إنكار يعني جعلوا لله شركاء { خلقوا كخلقه } يعني ~~خلقوا سموات وأرضين وشمسا وقمرا وجبالا وبحارا وجنا وإنسا { فتشابه ~~الخلق عليهم } من هذا الوجه، والمعنى هل رأوا غير الله خلق شيئا فاشتبه ~~عليهم خلق الله بخلق غيره، وقيل: إنه تعالى وبخهم بقوله أم جعلوا لله ~~شركاء خلقوا خلقا مثل خلقه فتشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم، وهذا ~~استفهام إنكاري أي ليس الأمر كذلك حتى يشتبه عليهم الأمر، بل إذا تفكروا ~~بعقولهم وجدوا الله تعالى هو المنفرد بخلق سائر الأشياء والشركاء مخلوقون ~~له أيضا لا يخلقون شيئا حتى يشتبه خلق الله بخلق الشركاء، وإذا كان ~~الأمر كذلك فقد لزمتهم الحجة، وهو قوله تعالى { قل الله خالق كل شيء } أي ~~قل يا ms1880 محمد لهؤلاء المشركين الله خالق كل شيء مما يصح أن يكون مخلوقا، ~~وقوله الله خالق كل شيء من العموم الذي يراد به الخصوص لأن الله تعالى ~~خلق كل شيء وهو غير مخلوق { وهو الواحد } يعني والله تعالى هو الواحد ~~المنفرد بخلق الأشياء كلها { القهار } لعباده حتى يدخلهم تحت قضائه وقدره ~~وإرادته. # وقوله عز وجل: { أنزل من السماء ماء } لما شبه الله عز وجل الكافر ~~بالأعمى والمؤمن بالبصير وشبه الكفر بالظلمات والإيمان بالنور ضرب لذلك ~~مثلا فقال تعالى: أنزل من السماء ماء يعني المطر { فسالت أودية بقدرها } ~~أودية جمع واد وهو المفرج بين الجبلين يسيل فيها الماء وقوله: فسالت ~~أودية فيه اتساع، وحذف تقديره فسال في الوادي فهو كما يقال جري النهر ~~والمراد جرى الماء في النهر فحذف في لدلالة الكلام عليه بقدرها. قال ~~مجاهد بمثلها وقال ابن جريج: الصغير بقدره والكبير بقدره، وقيل: بمقدار ~~مائها وإنما نكر أودية لأن المطر إذا نزل لا يعم جميع الأرض، ولا يسيل في ~~كل الأودية بل ينزل في أرض دون أرض ويسيل في واد دون واد. فلهذا السبب ~~جاء هذا بالتنكير. وقال ابن عباس: أنزل من السماء ماء يعني قرآنا وهذا ~~مثل ضربه الله تعالى فسالت أودية بقدرها يريد بالأودية القلوب شبه نزول ~~القرآن الجامع للهدى والنور، والبيان بنزول المطر لأن المطر إذا نزل عم ~~نفعه وكذلك نزول القرآن وشبه القلوب بالأودية، لأن الأودية يستكن فيها ~~الماء وكذلك القلوب يستكن فيها الإيمان والعرفان ببركة نزول القرآن فيها، ~~وهذا خاص بالمؤمنين لأنهم الذين انتفعوا بنزول القرآن ق عن أبي موسى ~~الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت ~~منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب ~~أمسكت الماء نفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة ~~منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه ms1881 في ~~دين الله ونفعه ما بعثني الله به فتعلم، وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ~~ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " # قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله، وغيره في معنى هذا الحديث وشرحه ~~أما الكلأ فباغمز يقع على الرطب واليابس من الحشيش، وأما قوله وكان منها ~~أجادب فالجيم والدال المهملة والباء الموحدة كذا في الصحيحين، وهي الأرض ~~التي لا تنبت الكلأ جمع جدب على غير قياس وقياسه أجدب، والجدب ضد الخصب. # وقال الخطابي: هي التي تمسك الماء ولم يسرع فيه النضوب وفي رواية الهروي ~~أخاذات بالخاء المعجمة والذال المعجمة جمع آخاذة وهي الغدير الذي يمسك ~~الماء، وقوله: ورعوا كذا هو في صحيح مسلم من الرعي، ووقع في صحيح البخاري ~~وزرعوا بزيادة زاي من الزرع والقيعان بكسر القاف جمع قاع وهو المستوي من ~~الأرض، وقوله: فذلك مثل من فقه في دين الله يروى بضم القاف وهو المشهور ~~وروي بكسرها ومعناه فهم الأحكام وأما معنى الحديث ومقصوده فهو أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ضرب مثلا لما جاء به من الهدى، والعلم بالأرض التي ~~أصابها المطر. قال العلماء: والأرض ثلاثة أنواع وكذلك الناس لأنهم منها ~~خلقوا، فالنوع الأول من أنواع الأرض الطيبة التي تنتفع بالمطر فتنبت به ~~العشب فينتفع الناس به والدواب بالشرب والرعي وغير ذلك وكذلك النوع الأول ~~من الناس من يبلغه الهدى من غير ذلك من العلم فيحيا به قلبه ويحفظه ويعمل ~~به ويعلمه غيره فينتفع به وينفع غيره. قال مسروق: صحبت أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فوجدتهم كالأخاذات لأن قلوبهم كانت واعية فصارت أوعية ~~للعلوم بما رزقت من صفاء الفهوم. النوع الثاني من أنواع الأرض: أرض لا ~~تقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة لغيرها، وهي إمساك الماء لغيرها ~~لينتفع به الناس والدواب وكذا النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة، لكن ~~ليس لهم أفهام ثاقبة فيبقى ما عندهم من العلم حتى يجيء المحتاج إليه ~~المتعطش لما عندهم من العلم فيأخذه منهم فينتفع به ms1882 هو وغيره، النوع ~~الثالث: من أنواع الأرض أرض سبخة لا تنبت مرعى ولا تمسك ماء كذلك النوع ~~الثالث من الناس ليس لهم قلوبه حافظة، ولا أفهام ثاقبة فإذا بلغهم شيء من ~~العلم لا ينتفعون به في أنفسهم ولا ينفعون غيرهم والله وأعلم. وقوله ~~تعالى { فاحتمل السيل زبدا } الزبد ما يعلو على وجه الماء عند الزيادة، ~~كالحبب وكذلك ما يعلو على القدر عند غليانها والمعنى فاحتمل السيل الذي ~~حدث من ذلك الماء زبدا { رابيا } يعني عاليا مرتفعا فوق الماء طافيا ~~عليه، وهاهنا تم المثل ثم ابتدأ بمثل آخر فقال تعالى { ومما يوقدون عليه ~~في النار } الايقاد جعل الحطب في النار لتتقد تلك النار تحت الشيء ليذوب ~~{ ابتغاء حلية } يعني لطلب زينة، والضمير في قوله عليه يعود على الذهب ~~والفضة، وإن لم يكونا مذكورين لأن الحلية لا تطلب إلا منهما { أو متاع } ~~يعني أو لطلب متاع آخر مما ينتفع به كالحديد والنحاس والرصاص ونحوه مما ~~يذاب وتتخذ منه الأواني وغيرها مما ينتفع له، والمتاع كل ما ويتمتع به. ~~ويقال لكل ما ينتفع به في البيت كالطبق والقدر ونحو ذلك من الأواني: متاع ~~{ زبد مثله } يعني أن ذلك الذي يوقد عليه في النار إذا أذيب، فله أيضا ~~زبد مثل زبد الماء فالصافي من الماء ومن هذه الجواهر هو الذي ينتفع به ~~وهو مثل الحق. # والزبد من الماء ومن هذه الجواهر هو الذي لا ينتفع به، وهو مثل الباطل ~~وهو قوله تعالى { كذلك يضرب الله الحق والباطل } فالحق هو الجوهر الصافي ~~الثابت، والباطل هو الزبد الطافي الذي لا ينتفع به وهو قوله { فأما الزبد ~~فيذهب جفاء } يعني ضائعا باطلا والجفاء ما رمى به الوادي من الزبد إلى ~~جوانبه. وقيل: الجفاء المتفرق يقال جفأت الريح الغيم إذا فرقته والمعنى ~~أن الباطل وإن علا في وقت فإنه يضمحل ويذهب { وأما ما ينفع الناس } يعني ~~الماء الصافي والجوهر الجيد من هذه الأجسام التي تذاب { فيمكث في الأرض } ~~يعني يثبت ويبقى ولا يذهب { كذلك يضرب الله الأمثال } قال ms1883 أهل التفسير ~~والمعاني: هذا مثل ضربه الله للحق والباطل. فالباطل وإن علا على الحق في ~~بعض الأوقات والأحوال، فإن الله يمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله ~~كالزبد الذي يعلو على الماء فيذهب الزبد ويبقى الماء الصافي الذي ينتفع ~~به، وكذلك الصفو من هذه الجواهر يبقى ويذهب العلو الذي هو الكدر، وهو ما ~~ينفيه الكير مما يذاب من جواهر الأرض كذلك الحق والباطل. فالباطل وإن علا ~~في وقت فإنه يذهب هو وأهله، والحق يظهر هو وأهله. وقيل: هذا مثل للمؤمن ~~واعتقاده وانتفاعه بالإيمان كمثل الماء الصافي الذي ينتفع به الناس ومثل ~~الكافر وخبث اعتقاده كالزبد الذي لا ينتفع به ألبتة. وقيل: هذا مثل ضربه ~~الله للنور الذي يحصل في قلوب العباد على ما قسم لها في الأزل لأن الوادي ~~إذا سال كنس كل شيء فيه من النجاسات والمستقذرات، كذلك إذا سال وادي قلب ~~العبد بالنور الذي قسم له على قدر إيمانه ومعرفته كنس كل ظلمة وغفلة فيه، ~~فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض يعني يذهب ~~البواطل وهي الأخلاق المذمومة، وتبقى الحقائق وهي الأخلاق الحميدة كذلك ~~يضرب الله الأمثال. ### || [13.18-21] # وقوله تعالى: { للذين استجابوا لربهم الحسنى } قيل: اللام في للذين ~~متعلقة بيضرب والمعنى كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذي استجابوا ~~لربهم يعني أجابوه إلى ما دعاهم إليه من توحيده والإيمان به وبرسوله ~~وللكافرين الذين لم يستجيبوا، فعلى هذا يكون قوله كذلك يضرب الله الأمثال ~~ثم للفريقين من المؤمنين والكافرين وقيل تم الكلام عند قوله كذلك يضرب ~~الله الأمثال ثم استأنف بقوله للذين استجابوا لربهم الحسنى. قال ابن عباس ~~وجمهور المفسرين: يعني الجنة. وقيل: الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن ~~وهي المنفعة الخالصة الخالية عن شوائب المضرة والانقطاع { والذين لم ~~يستجيبوا له } يعني الكبار الذين استمروا على كفرهم وشركهم وما كانوا ~~عليه { لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به } يعني لبذلوا ~~ذلك كله فداء لأنفسهم من عذاب النار يوم القيامة { أولئك } يعني الذين لم ms1884 ~~يستجيبوا لربهم { لهم سوء الحساب } قال إبراهيم النخعي: سوء الحساب أن ~~يحاسب الرجل بذنبه كله ولا يغفر له منه شيء { ومأواهم } يعني في الآخرة { ~~جهنم وبئس المهاد } يعني وبئس ما مهد لهم في الآخرة، وقيل: المهاد الفراش ~~يعني وبئس الفراش يفرش لهم في جهنم. قوله تعالى { أفمن يعلم أنما أنزل ~~إليك من ربك الحق } يعني فيؤمن به ويعمل بما فيه { كمن هو أعمى } يعني ~~أعمى البصيرة، لا أعمى البصر وهو الكافر فلا يؤمن بالقرآن ولا يعمل بما ~~فيه قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في حمزة بن عبد المطلب عم النبي ~~صلى الله عليه سلم وأبي جهل بن هشام. وقيل: نزلت في عمار بن ياسر وأبي ~~جهل فالأول هو حمزة أو عمار والثاني هو أبو جهل وحمل الآية على العموم ~~أولى، وإن كان السبب مخصوصا، والمعنى: لا يستوي من يبصر الحق ويتبعه ومن ~~لا يبصر الحق ولا يتبعه وإنما شبه الكافر والجاهل بالأعمى لأن الأعمى لا ~~يهتدي لرشد، وربما وقع في مهلكة وكذلك الكافر والجاهل لا يهتديان للرشد ~~وهما واقعان في المهلكة { إنما يتذكر أولو الألباب } يعني إنما يتعظ ذوو ~~العقول السليمة الصحيحة، وهم الذين ينتفعون بالمواعظ والأذكار. قوله عز ~~وجل { الذين يوفون بعهد الله } يعني الذي عاهدهم عليه وهو القيام بما ~~أمرهم به، وفرضه عليهم وأصل العهد حفظ الشيء، ومراعاته حالا بعد حال ~~وقيل أراد بالعهد ما أخذه على أولاد آدم حين أخرجهم من صلبه، وأخذ عليهم ~~العهد والميثاق { ولا ينقضون الميثاق } بل يوفون به فهو توكيد لقوله ~~الذين يوفون بعهد الله { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } قال ابن ~~عباس: يريد الإيمان بجميع الكتب والرسل يعني يصل بينهم بالإيمان ولا يفرق ~~بين أحد منهم والأكثرون على أن المراد به صلة الرحم عن عبد الرحمن بن ~~عوف. # قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " قال الله تبارك وتعالى: أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها ~~اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها ms1885 قطعته أو قال بتتته " # أخرجه أبو داود والترمذي ق. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله " # خ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه " # صلة الرحم مبرة الأهل والأقارب والإحسان إليهم وضده القطع، قوله: وأن ~~ينسأ له في أثره الأثر هنا الأجل سمي الأجل أثرا لأنه تابع للحياة ~~وسابقها. ومعنى ينسأ: يؤخر والمراد به تأخير الأجل. وهو على وجهين: ~~أحدهما أن يبارك الله في عمره فكأنما قد زاد فيه. والثاني أن يزيده في ~~عمره زيادة حقيقية والله يفعل ما يشاء ق عن جبير بن مطعم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # " لا يدخل الجنة قاطع " # في رواية سفيان يعني " قاطع رحم " خ عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " ليس الواصل بالمكافىء الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها " # عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل ~~ومثراة في المال ومنسأة في الأثر " # أخرجه الترمذي. وقوله تعالى: { ويخشون ربهم } يعني أنهم مع وفائهم بعهد ~~الله وميثاقه والقيام بما أمر الله به من صلة الرحم يخشون ربهم، والخشية ~~خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه { ويخافون سوء ~~الحساب } تقدم معناه. ### || [13.22-28] # { والذين صبروا } يعني على طاعة الله وقال ابن عباس: على أمر الله. وقال ~~عطاء: على المصائب والنوائب. وقيل: صبروا عن الشهوات وعن المعاصي وقيل: ~~حمله على العموم أولى فيدخل فيه الصبر على جميع النوائب والمأمورات من ~~سائر العبادات والطاعات، وجميع أعمال البر وترك جميع المنهيات فيدخل فيه ~~ترك جميع المعاصي من الحسد والحقد والغيبة، وغير ذلك من المنهيات، ms1886 ويدخل ~~فيه الصبر عن المباحات مثل جميع الشهوات والصبر على ما نزل به من الأمراض ~~والمصائب، وأصل الصبر حبس النفس عما يقتضيه العقل أو الشرع أو عما ~~يقتضيان حبسها عنه فالصبر لفظ عام يدخل تحته جميع ما ذكر، وإنما قيد ~~الصبر بقوله { ابتغاء وجه ربهم } لأن الصبر ينقسم إلى نوعين: الأول الصبر ~~المذموم وهو أن الإنسان قد يصبر ليقال ما أكمل صبره وأشد قوته على ما ~~تحمل من النوازل وقد يصبر لئلا يعاب على الجزع، وقد يصبر لئلا تشمت به ~~الأعداء، وكل هذه الأمور وإن كان ظاهرها الصبر فليس ذلك داخلا تحت قوله: ~~{ ابتغاء وجه ربهم } لأنه لغير الله تعالى. النوع الثاني: الصبر المحمود ~~وهو أن يكون الإنسان صابرا لله تعالى راضيا بما نزل به من الله طالبا ~~في ذلك الصبر ثواب الله محتسبا أجره على الله فهذا هو الصبر الداخل تحت ~~قوله ابتغاء وجه ربهم يعني صبروا على ما نزل بهم تعظيما لله وطلب رضوانه ~~{ وأقاموا الصلاة } يعني الصلاة المفروضة. وقيل: حمله على العموم أولى ~~فيدخل صلاة الفرض والنقل والمراد بإقامتها إتمام أركانها وهيئآتها { ~~وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية } قال الحسن: المراد به الزكاة ~~المفروضة فإن لم يتهم بترك أداء الزكاة فالأولى أن يؤديها سرا، وإن كان ~~متهما بترك أداء الزكاة فالأولى أن يؤديها علانية. قيل: إن المراد بالسر ~~ما يخرج من الزكاة بنفسه والمراد بالعلانية ما يؤديه إلى الإمام. وقيل: ~~المراد بالسر صدقة التطوع والمراد بالعلانية الزكاة الواجبة وحمله على ~~العموم أولى { ويدرؤون بالحسنة السيئة } قال ابن عباس: يدفعون بالعمل ~~الصالح العمل السيء، وهو معنى قوله: # إن الحسنات يذهبن السيئات # [هود: 114] ويدل على صحة هذا التأويل ما جاء في الحديث أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها السر بالسر والعلانية ~~بالعلانية " # وروى البغوي بسنده عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل عليه درع ضيقة قد ~~خنقته ms1887 ثم عمل حسنة فانفكت حلقة ثم عمل أخرى فانفكت أخرى حتى خرج إلى ~~الأرض " # وقال ابن كيسان: يدفعون الذنب بالتوبة وقيل: لايكافئون الشر بالشر ولكن ~~يدفعون الشر بالخير وقال القتيبي معناه إذا سفه عليهم حلموا والسفه ~~السيئة والحلم الحسنة، وقال قتادة: ردوا عليهم ردا معروفا. # وقال الحسن: إذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا وإذا قطعوا وصلوا. قال عبد ~~الله بن المبارك: هذه ثمان خلال مشيرة إلى أبواب الجنة الثمانية قلت إنما ~~هي تسع خلال فيحتمل أنه عد خلتين بواحدة ولما ذكر الله عز وجل هذه الخلال ~~من أعمال البر، ذكر بعدها ما أعد للعاملين بها من الثواب فقال تعالى { ~~أولئك } يعني من أتى بهذه الأعمال { لهم عقبى الدار } يعني الجنة والمعنى ~~إن عاقبتهم دار الثواب { جنات عدن } بدل من عقبى الدار يعني بساتين ~~إقامة يقال عدن بالمكان إذا أقام به { يدخلونها } يعني الدار التي تقدم ~~وصفها { ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم } يعني ومن صدق من آبائهم ~~بما صدقوا به، وإن لم يعمل بأعمالهم قاله ابن عباس. وقال الزجاج: إن ~~الإنسان لا ينتفع بغير أعماله الصالحة فعلى قول ابن عباس: معنى صلح صدق ~~وآمن ووحد، وعلى قول الزجاج معناه أصلح في عمله قال الواحدي والصحيح: ما ~~قاله ابن عباس لأن الله تعالى جعل ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله ~~حيث بشره بدخوله الجنة مع هؤلاء، فدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع ~~العامل الآتي بالأعمال الصالحة، ولو كان دخولهم الجنة بأعمالهم الصالحة، ~~لم يكن في ذلك كرامة للمطيع ولا فائدة في الوعد به إذ كل من كان صالحا ~~في عمله، فهو يدخل الجنة. قال الإمام فخر الدين الرازي: قوله تعالى ~~وأزواجهم ليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة وزوجة، ولعل الأولى من مات ~~عنها أو ماتت عنه وروي أنه لما كبرت سودة أراد النبي صلى الله عليه وسلم ~~طلاقها فسألته أن لا يفعل، ووهبت يومها لعائشة فأمسكها رجاء أن تحشر في ~~جملة أزواجه فهو كالدليل على ما ذكرناه. وقوله ms1888 تعالى { والملائكة يدخلون ~~عليهم من كل باب } يعني من أبواب الجنة. وقيل من أبواب القصور، قال ابن ~~عباس: يريد به التحية من الله والتحف والهدايا { سلام عليكم } يعني ~~يقولون: سلام عليكم فأضمر القول هاهنا لدلالة الكلام عليه { بما صبرتم } ~~يعني يقولون لهم: سلمكم الله من الآفات التي كنتم تخافونها في الدنيا ~~وأدخلكم بما صبرتم في دار الدنيا على الطاعات، وترك المحرمات الجنة وقيل: ~~إن السلام قول والصبر فعل ولا يكون القول ثوابا للفعل، فعلى هذا يكون ~~قوله: سلام عليكم دعاء من الملائكة لهم يعني سلمكم الله بما صبرتم. قال ~~مقاتل: إن الملائكة يدخلون عليهم في مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث ~~مرات معهم الهدايا والتحف من الله تعالى. يقولون: سلام عليكم بما صبرتم، ~~وروى البغوي بسنده عن أبي أمامة موقوفا عليه قال: " إن المؤمن ليكون ~~متكئا على أريكته إذا دخل الجنة وعنده سماطان من خدم وعند طرف السماطين ~~باب مبوب فيقبل الملك من ملائكة الله يستأذن فيقوم أدنى الخدم إلى الباب ~~فإذا بالملك يستأذن فيقول: للذي يليه ملك يستأذن ويقول الآخر: كذلك حتى ~~يبلغ المؤمن فيقول ائذنوا له فيقول أقربهم إلى المؤمن ائذنوا له ويقول ~~الذي يليه ائذنوا له وكذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له، ~~فيدخل فيسلم ثم ينصرف " { فنعم عقبى الدار } يعني فنعم العقبى عقبى ~~الدار. # وقيل: معناه فنعم عقبى الدار ما أنتم فيه { والذين ينقضون عهد الله من ~~بعد ميثاقه } لما ذكر الله أحوال السعداء وما أعد لهم من الكرامات ~~والخيرات ذكر بعده أحوال الأشقياء، وما لهم من العقوبات فقال تعالى { ~~والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } ونقض العهد ضد الوفاء به، وهذا ~~من صفة الكفار لأنهم هم الذين نقضوا عهد الله يعني خالفوا أمره، ومعنى من ~~بعد ميثاقه من بعد ما أوثقوه على أنفسهم بالاعتراف والقبول { ويقطعون ما ~~أمر الله به أن يوصل } يعني ما بينهم وبين المؤمنين من الرحم والقرابة { ~~ويفسدون في الأرض } يعني بالكفر والمعاصي { أولئك } يعني من هذه صفته ms1889 { ~~لهم اللعنة } يعني الطرد عن رحمة الله يوم القيامة { ولهم سوء الدار } ~~يعني النار لأن منقلب الناس في العرف إلى دورهم، ومنازلهم، فالمؤمنون لهم ~~عقبى الدار وهي الجنة، والكفار لهم سوء الدار وهي النار. قوله تعالى { ~~الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } يعني يوسع على من يشاء من عباده فيغنيه ~~من فضله، ويضيق على من يشاء من عباده فيفقره ويقتر عليه، وهذا أمر اقتضته ~~حكمة الله { وفرحوا بالحياة الدنيا } يعني مشركي مكة لما بسط الله عليهم ~~الرزق أشروا وبطروا والفرح لذة تحصل في القلب بنيل المشتهى. وفيه دليل ~~على أن الفرح بالدنيا والركون إليها حرام { وما الحياة الدنيا في الآخرة ~~} يعني بالنسبة إلى الآخرة { إلا متاع } أي قليل ذاهب. قال الكلبي: ~~المتاع مثل السكرجة والقصعة والقدر ينتفع بها في الدنيا ثم تذهب كذلك ~~الحياة لأنها ذاهبة لا بقاء لها { ويقول الذين كفروا } يعني من أهل مكة { ~~لولا أنزل عليه آية من ربه } يعني هلا أنزل على محمد آية ومعجزة مثل ~~معجزة موسى وعيسى { قل } أي قل لهم يا محمد: { إن الله يضل من يشاء } فلا ~~ينفعه نزول الآيات وكثرة المعجزات إن لم يهده الله عز وجل وهو قوله { ~~ويهدي إليه من أناب } يعني ويرشد إلى دينه والإيمان به من أناب بقلبه ~~ورجع إليه بكليته { الذين آمنوا } بدل من قوله من أناب { وتطمئن قلوبهم } ~~يعني وتسكن قلوبهم { بذكر الله } قال مقاتل: بالقرآن لأنه طمأنينة لقلوب ~~المؤمنين والطمأنينة والسكون إنما تكون بقوة اليقين، والاضطراب إنما يكون ~~بالشك { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } يعني بذكره تسكن قلوب المؤمنين ~~ويستقر اليقين فيها. # وقال ابن عباس: هذا في الحلف وذلك أن المسلم إذا حلف بالله على شيء سكنت ~~قلوب المؤمنين إليه. فإن قلت أليس قد قال الله تبارك وتعالى في أول سورة ~~الأنفال # إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم # [الأنفال: 2] والوجل استشعار الخوف، وحصول الاضطراب وهو ضد الطمأنينة ~~فكيف وصفهم بالوجل والطمأنينة وهل يمكن الجمع بينهما في حال واحد. قلت: ~~إنما يكون الوجل ms1890 عند ذكر الوعيد والعقاب والطمأنينة، إنما تكون عند الوعد ~~والثواب فالقلوب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه وعقابه وتطمئن إذا ~~ذكرت فضل الله ورحمته وكرمه وإحسانه. ### || [13.29-31] # { الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم } اختلف العلماء في تفسير طوبى ~~فقال ابن عباس: فرح لهم وقرة أعين. وقال عكرمة: نعمى لهم. وقال قتادة: ~~حسن لهم وفي رواية أخرى، عنه إن هذه الكلمة عربية يقول الرجل للرجل: طوبى ~~لك أي أصبت خيرا. وقال إبراهيم النخعي خير لهم وكرامة. وقال الزجاج: ~~طوبى من الطيب وقيل تأويلها الحال المستطابة لهم وهو كل ما استطابه هؤلاء ~~في الجنة من بقاء بلا فناء وعز بلا ذل وغنى بلا فقر وصحة بلا سقم. قال ~~الأزهري: تقول طوبى لك وطوباك لحن لا تقوله العرب وهو قول أكثر النحويين. ~~وقال سعيد بن جبير: طوبى اسم الجنة بالحبشية وروي عن أبي أمامة وأبي ~~هريرة وأبي الدرداء أن طوبى اسم شجرة في الجنة تظلل الجنان كلها. وقال ~~عبيد بن عمير: هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفي كل دار وغرفة في الجنة منها غصن لم يخلق الله لونا ولا زهرة إلا ~~وفيها منه إلا السواد ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها منها ينبع ~~من أصلها عينان: الكافور والسلسبيل. وقال مقاتل: كل ورقة منها تظل أمة ~~عليها ملك يسبح الله بأنواع التسبيح وروي عن أبي سعيد الخدري: # " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طوبى فقال: " هي شجرة ~~في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها " " # وعن معاوية بن قرة عن أبيه يرفعه. قال: " طوبى شجرة غرسها الله بيده ~~ونفخ فيها من روحه تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة ~~" هكذا ذكر البغوي هذين الحديثين بغير سند، وروي بسنده موقوفا عن أبي ~~هريرة قال: " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة اقرؤوا إن ~~شئتم وظل ممدود " فبلغ ذلك كعب الأحبار فقال: ms1891 صدق والذي أنزل التوراة على ~~موسى والقرآن على محمد لو أن رجلا ركب فرسا أو حقة أو جذعة، ثم دار ~~بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما إن الله غرسها بيده، ونفخ فيها ~~من روحه وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة، وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج ~~من أصل تلك الشجرة. فقال البغوي وبهذا الإسناد عن عبد الله بن المبارك عن ~~الأشعث عن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: " إن في الجنة شجرة ~~يقال لها طوبى يقول الله لها تفتقي لعبدي عما يشاء فتفتق له عن فرس مسرجة ~~بلجامها وهيئتها كما يشاء وتفتق له عن الراحلة برحلها وزمامها وهيئتها ~~كما يشاء وعن الثياب " ق عن سهل بن سعد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها " # ق وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام ~~ما يقطعها " # ق وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة " # زاد البخاري في روايته " واقرؤوا إن شئتم وظل ممدود ". وقوله تعالى { ~~وحسن مآب } يعني ولهم حسن منقلب ومرجع ينقلبون ويرجعون إليه في الآخرة ~~وهي الجنة. قوله عز وجل: { كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم } ~~يعني كما أرسلناك يا محمد إلى هذه الأمة كذلك أرسلنا أنبياء قبلك إلى أمم ~~قد خلت ومضت { لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك } يعني لتقرأ على أمتك الذي ~~أوحينا إليك من القرآن وشرائع الدين { وهم يكفرون بالرحمن } قال قتادة ~~ومقاتل وابن جريج:هذه الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية وذلك أن سهيل بن ~~عمرو لما جاء للصلح واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: # " اكتب ms1892 بسم الله الرحمن الرحيم " # فقالوا لا نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب اكتب كما ~~نكتب باسمك اللهم فهذا معنى قوله وهم يكفرون بالرحمن يعني أنهم ينكرونه ~~ويجحدونه والمعروف أن الآية مكية. وسبب نزولها أن أبا جهل سمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو في الحجر يدعو ويقول في دعائه: " يا الله يا رحمن " ~~فرجع أبو جهل إلى المشركين وقال: إن محمدا يدعو إلهين يدعو الله ويدعو ~~إلها آخر يسمى الرحمن ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة فنزلت هذه الآية ~~ونزل قوله تعالى # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى # [الإسراء: 110] وروى الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في كفار قريش حين ~~قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم # " اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن " # فقال الله تعالى { قل } أي قل يا محمد إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته { ~~هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت } يعني عليه اعتمدت في أموري كلها { ~~وإليه متاب } يعني وإليه توبتي ورجوعي. قوله تعالى { ولو أن قرآنا سيرت ~~به الجبال } الآية نزلت في نفر من مشركي قريش منهم أبو جهل بن هشام وعبد ~~الله بن أبي أمية، جلسوا خلف الكعبة وأرسلوا خلف النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأتاهم وقيل: إنه مر بهم وهم جلوس فدعاهم إلى الله عز وجل فقال له ~~عبد الله بن أبي أمية إن سرك أن نتبعك فسير جبال مكة بالقرآن فادفعها عنا ~~حتى تتفتح فإنها أرض ضيقة لمزارعنا واجعل لنا فيها أنهارا وعيونا لنغرس ~~الأشجار، ونزرع ونتخذ البساتين فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود، حيث ~~سخر له الجبال تسير معه أو سخر لنا الريح لنركبها إلى الشام لميرتنا ~~وحوائجنا ونرجع في يومنا كما سخرت لسليمان كما زعمت فلست بأهون على ربك ~~من سليمان أو أحي لنا جدك قصيا أو من شئت من موتانا لنسأله عن أمرك أحق ~~أو باطل فإن عيسى كان يحيي الموتى ولست بأهون على الله من عيسى فأنزل ~~الله هذه ms1893 الآية { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال } فأذهبت عن وجه الأرض { ~~أو قطعت به الأرض } يعني شققت فجعلت أنهارا وعيونا { أو كلم به ~~الموتى } فأحياها واختلفوا في جواب لو فقال قوم جواب لو محذوف، وإنما حذف ~~اكتفاء بمعرفة السامع مراده وتقديره ولو أن قرآنا فعل به كذا وكذا لكان ~~هذا القرآن فهو كقول الشاعر: # فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك ~~مدفعا # أراد: لو شيء أتانا رسوله سواك لرددناه، وهذا معنى قول قتادة فإنه قال ~~معناه لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم وقال آخرون: جواب لو ~~تقدم تقدير الكلام وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو ~~قطعت به الأرض أو كلم به الموتى لكفروا بالرحمن، ولم يؤمنوا به لما سبق ~~في علمنا فيهم كما قال: # ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ~~ما كانوا ليؤمنوا # [الأنعام: 111] ثم قال تعالى { بل لله الأمر جميعا } يعني في هذه ~~الأشياء وفي غيرها إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل { أفلم ييأس الذين آمنوا } ~~قال أكثر المفسرين: معناه أفلم يعلم؟ قال الكلبي: هذه لغة النخع وقيل هي ~~لغة هوازن واختلف أهل اللغة في هذه اللفظة فقال الليث وأبو عبيد ألم ييأس ~~ألم يعلم واستدلوا لهذه اللغة بقول الشاعر: # أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ألم تيأسوا أني ابن ~~فارس زهدم # يعني ألم تعلموا. واستدلوا عليه أيضا بقول شاعر آخر: # ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة ~~نائيا # يعني ألم يعلم الأقوام. قال قطرب: يئس بمعنى علم لغة للعرب. قالوا: ووجه ~~هذه اللغة أنه إنما وقع اليأس في مكان العلم لأن علمك بالشيء ويقينك به ~~ييئسك من غيره. وقيل: لم يرد أن اليأس في موضع كلام العرب للعلم وإنما ~~قصد أن يأس الذين آمنوا من ذلك يقتضي أن يحصل العلم بانتفائه فإذن معنى ~~يأسهم يقتضي حصول العلم. وقال الكسائي ما وجدت العرب تقول يئست بمعنى ~~علمت قال وهذا الحرف ms1894 في القرآن من اليأس المعروف لا من العلم وذلك أن ~~المشركين لما طالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآيات اشرأب ~~المسلمون لذلك وأرادوا أن يظهر لهم آية ليجتمعوا على الإيمان، فقال الله ~~تعالى: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء ويعلموا علما يقينا { أن ~~لو يشاء الله لهدى الناس جميعا } يعني من غير ظهور آية. # وقال الزجاج: القول عندي أن معناه أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء ~~لأن الله لو يشاء لهدى الناس جميعا. وحاصله أن في معنى الآية قولين: ~~أحدهما أن يئس بمعنى علم. والقول الثاني: أنه من اليأس المعروف وتقدير ~~القولين ما تقدم وتمسك أهل السنة يقوله أن لو يشاء الله لهدى الناس ~~جميعا على أن الله لم يشأ هداية جميع الخلائق { ولا يزال الذين كفروا ~~كانوا تصيبهم بما صنعوا } يعني من الكفر والأعمال الخبيثة { قارعة } أي ~~نازلة وداهية تقرعهم بأنواع البلايا أحيانا مرة بالجدب، ومرة بالسلب ~~ومرة بالقتل والأسر. وقال ابن عباس: أراد بالقارعة السرايا التي كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يبعثها إليهم { أو تحل } يعني السرايا أو البلية ~~{ قريبا من دارهم } وقيل معناه أو تحل أنت يا محمد قريبا من دارهم { ~~حتى يأتي وعد الله } يعني النصر والفتح وظهور رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ودينه وقيل أراد بوعد الله يوم القيامة لأن الله يجمعهم فيه ~~فيجازيهم بأعمالهم { إن الله لا يخلف الميعاد } والغرض منه تشجيع قلب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وإزالة الحزن عنه لعلمه بأن الله لا يخلف ~~الميعاد. ### || [13.32-36] # قوله عز وجل: { ولقد استهزىء برسل من قبلك } وذلك أن كفار مكة إنما ~~سألوا هذه الأشياء على سبيل الاستهزاء فأنزل الله هذه الآية تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمعنى أنهم إنما طلبوا منك هذه الآيات على سبيل ~~الاستهزاء، وكذلك قد استهزىء برسل من قبلك { فأمليت للذين كفروا } يعني ~~فأمهلتهم وأطلت لهم المدة { ثم أخذتهم } يعني بالعذاب بعد الإمهال ~~فعذبتهم في الدنيا بالقحط والقتل والأسر وفي الآخرة بالنار { فكيف ms1895 كان ~~عقاب } يعني فكيف كان عقابي لهم { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } ~~يعني أفمن هو حافظها ورازقها وعالم بها وبما عملت من خير وشر ويجازيها ~~بما كسبت فيثيبها إن أحسنت ويعاقبها إن أساءت وجوابه محذوف، وتقديره كمن ~~ليس بقائم بل هو عاجز عن نفسه ومن كان عاجزا عن نفسه فهو عن غيره أعجز ~~وهي الأصنام التي لا تضر ولا تنفع { وجعلوا لله شركاء } يعني وهو المستحق ~~للعبادة لا هذه الأصنام التي جعلوها لله شركاء { قل سموهم } يعني له. ~~وقيل: صفوهم بما يستحقون ثم انظروا هل هي أهل لأن تعبد { أم تنبئونه } ~~يعني أم تخبرون الله { بما لا يعلم في الأرض } يعني أنه لا يعلم أن لنفسه ~~شريكا من خلقه وكيف يكون المخلوق شريكا للخالق وهو العالم بما في ~~السموات والأرض ولو كان لعلمه والمراد من ذلك نفي العلم بأن يكون له شريك ~~{ أم بظاهر من القول } يعني أنهم يتعلقون بظاهر من القول مسموع وهو في ~~الحقيقة باطل لا أصل له وقيل: معناه بل بظن من القول لا يعلمون حقيقته { ~~بل زين للذين كفروا مكرهم } قال ابن عباس: زين لهم الشيطان الكفر وإنما ~~فسر المكر بالكفر لأن مكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم كفر منهم ~~والمزين في الحقيقة هو الله تعالى لأنه هو الفاعل المختار على الإطلاق لا ~~يقدر أحد أن يتصرف في الوجود إلا بإذنه فتزيين الشيطان إلقاء الوسوسة ~~فقط، ولا يقدر على إضلال أحد وهدايته إلا الله تعالى ويدل على هذا سياق ~~الآية وهو قوله: ومن يضلل الله فما له من هاد، وقوله { وصدوا عن السبيل } ~~قرىء بضم الصاد ومعناه صرفوا عن سبيل الدين والرشد والهداية ومنعوا من ~~ذلك والصاد المانع لهم هو الله تعالى، وقرىء وصدوا بفتح الصاد ومعناه ~~أنهم صدوا عن سبيل الله غيرهم أي عن الإيمان { ومن يضلل الله فما له من ~~هاد } الوقف عليه بسكون الدال وحذف الياء في قراءة أكثر القراء { لهم ~~عذاب في الحياة الدنيا } يعني بالقتل والأسر ونحو ms1896 ذلك مما فيه غيظهم { ~~ولعذاب الآخرة أشق } يعني أشد وأغلظ لأن المشقة غلظ الأمر على النفس ~~وشدته مما يكاد يصدع القلب من شدته فهو من الشق الذي هو الصدع { وما لهم ~~من الله } يعني من عذاب الله { من واق } يعني من مانع يمنعهم من عذابه ~~قوله تعالى { مثل الجنة التي وعد المتقون } أي صفة الجنة التي وعد ~~المتقون { تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم } لا ينقطع أبدا { وظلها } ~~يعني أنه دائم لا ينقطع أبدا وليس في الجنة شمس ولا قمر ولا ظلمة بل ظل ~~ممدود لا ينقطع، ولا يزول وفي الآية رد على جهم وأصحابه فإنهم يقولون: إن ~~نعيم الجنة يفنى وينقطع وفي الآية دليل على أن حركات أهل الجنة لا تنتهي ~~إلى سكون دائم. # كما يقول أبو الهذيل واستدل القاضي عبد الجبار المعتزلي بهذه الآية على ~~أن الجنة لم تخلق بعد. قال: ووجه الدليل أنها لو كانت مخلوقة لوجب أن ~~تفنى وينقطع أكلها لقوله تعالى # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88] فوجب أن لا تكون الجنة مخلوقة لقوله: أكلها دائم يعني لا ~~ينقطع قال ولا ينكر أن تكون في السموات جنات كثيرة تتمتع بها الملائكة، ~~ومن يعد حيا من الأنبياء والشهداء وغيرهم على ما روي إلا أن الذي نذهب ~~إليه أن جنة الخلد لم تخلق بعد. والجواب عن هذا أن حاصل دليلهم مركب من ~~آيتين: إحداهما: قوله تعالى: كل شيء هالك إلا وجهه، والأخرى قوله: أكلها ~~دائم وظلها، فإذا أدخلنا التخصيص على هذين العمومين سقط دليلهم فنخص هذين ~~الدليلين بالدلائل الدالة على أن الجنة مخلوقة. منها قوله تعالى: # وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين # [آل عمران: 133] وقوله تعالى { تلك عقبى الذين اتقوا } يعني أن عاقبة ~~أهل التقوى هي الجنة { وعقبى الكافرين النار } يعني في الآخرة. قوله عز ~~وجل { والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك } في المراد بالكتاب ~~هنا قولان: أحدهما أنه القرآن والذين أتوه المسلمون وهم أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمراد أنهم يفرحون بما يتجدد ms1897 من الأحكام والتوحيد ~~والنبوة والحشر بعد الموت بتجدد نزول القرآن { ومن الأحزاب } يعني ~~الجماعات الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفار ~~واليهود والنصارى { من ينكر بعضه } وهذا قول الحسن وقتادة. فإن قلت: إن ~~الأحزاب من المشركين وغيرهم من أهل الكتاب ينكرون القرآن كله فكيف قال ~~ومن الأحزاب من ينكر بعضه. قلت: إن الأحزاب لا ينكرون القرآن بجملته لأنه ~~قد ورد فيه آيات دالات على توحيد الله وإثبات قدرته وعلمه وحكمته، وهم ~~لا ينكرون ذلك أبدا والقول الثاني أن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل ~~والمراد بأهله الذين أسلموا من اليهود والنصارى مثل عبد الله بن سلام ~~وأصحابه ومن أسلم من النصارى، وهم ثمانون رجلا أربعون من نجران وثلاثون ~~من الحبشة وعشرة ممن سواهم فرحوا بالقرآن لكونهم آمنوا به وصدقوه، ومن ~~الأحزاب يعني بقية أهل الكتاب من اليهود والنصارى وسائر المشركين من ينكر ~~بعضه. # وقيل: كان ذكر الرحمن قليلا في القرآن في الابتداء فلما أسلم عبد الله ~~بن سلام ومن معه من أهل الكتاب من اليهود والنصارى ساءهم قلة ذكر الرحمن ~~في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة، فلما كرر الله تعالى ذكر لفظة الرحمن ~~في القرآن فرحوا بذلك فأنزل الله تعالى والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما ~~أنزل إليك ومن الأحزاب يعني مشركي مكة من ينكر بعضه وذلك لما كتب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصلح يوم الحديبية كتب فيه بسم الله ~~الرحمن الرحيم فقالوا ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة ~~الكذاب فأنزل الله # وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي # [الرعد: 30] وإنما قال ومن الأحزاب من ينكر بعضه لأنهم كانوا لا ينكرون ~~الله وينكرون الرحمن { قل } أي قل يا محمد { إنما أمرت أن أعبد الله } ~~يعني وحده { ولا أشرك به } شيئا { إليه أدعو } إي إلى الله وإلى الإيمان ~~به أدعوا الناس { وإليه مآب } يعني مرجعي يوم القيامة. ### || [13.37-39] # { وكذلك أنزلناه حكما عربيا } أي كما أنزلنا الكتب على الأنبياء ~~بلغاتهم، أنزلنا إليك يا محمد هذا الكتاب ms1898 وهو القرآن عربيا بلسانك ولسان ~~قومك. وإنما سمي القرآن حكما لأن فيه جميع التكاليف والأحكام والحلال ~~والحرام والنقض والإبرام، فلما كان القرآن سببا للحكم جعل نفس الحكم على ~~سبيل المبالغة، وقيل إن الله لما حكم على جميع الخلق بقبول القرآن والعمل ~~بمقتضاه سماه حكما لذلك المعنى { ولئن اتبعت أهواءهم } قال جمهور ~~المفسرين: إن المشركين دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملة آبائهم ~~فتوعده الله على اتباع أهوائهم في ذلك. وقال ابن السائب: المراد به ~~متابعة آبائهم في الصلاة لبيت المقدس { بعد ما جاءك من العلم } يعني بأنك ~~على الحق، وأن قبلتك الكعبة هي الحق. وقيل: ظاهر الخطاب فيه للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد به غيره وقيل: هو حث للنبي صلى الله عليه وسلم ~~على تبليغ الرسالة والقيام بما أمر به ويتضمن ذلك تحذير غيره من المكلفين ~~لأن من هو أرفع منزلة وأعظم قدرا وأعلى مرتبة إذا حذر كان غيره ممن هو ~~دونه بطريق الأولى { ما لك من الله من ولي ولا واق } يعني من ناصر ولا ~~حافظ قوله تعالى { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك } روي أن اليهود، وقيل ~~المشركين، قالوا: إن هذا الرجل يعنون النبي صلى الله عليه وسلم، ليس له ~~همة إلا في النساء فعابوا عليه ذلك وقالوا لو كان كما يزعم أنه رسول الله ~~لكان مشتغلا بالزهد وترك الدنيا فأجاب الله عز وجل عن هذه الشبهة، وعما ~~عابوه به بقوله عز وجل { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك } يا محمد { وجعلنا ~~لهم أزواجا وذرية } فإنه قد كان لسليمان عليه الصلاة والسلام ثلثمائة ~~امرأة حرة وسبعمائة امرأة سرية فلم يقدح ذلك في نبوته وكان لأبيه داود ~~عليه الصلاة والسلام مائة امرأة فلم يقدح ذلك أيضا في نبوته فكيف يعيبون ~~عليك ذلك، ويجعلونه قادحا في نبوتك والمعنى: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ~~يأكلون ويشربون وينكحون، وما جعلناهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ~~ينكحون { وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله } هذا جواب لعبد الله ~~بن ms1899 أبي أمية، وغيره من المشركين الذي سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، الآيات واقترحوا عليه أن يريهم المعجزات، وتقدير هذا الجواب أن ~~المعجزة الواحدة كافية في إثبات النبوة وقد أتاهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمعجزات كثيرة يعجز عن مثلها البشر، فما لهم أن يقترحوا عليه ~~شيئا، وإتيان الرسول بمعجزات ليس إليه بل هو مفوض إلى مشيئة الله عز وجل ~~فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها { لكل أجل كتاب } وذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم فلما استبطئوا ذلك، ~~وقد كانوا يستعجلون نزوله أخبر الله عز وجل أن لكل قضاء قضاه كتابا قد ~~كتبه فيه ووقتا يقع فيه لا يتقدم ولا يتأخر. # والمعنى: أن لكل أجل أجله الله كتابا قد أثبته فيه، وقيل: في الآية ~~تقديم وتأخير تقديره لكل كتاب أجل ومدة والمعنى أن الكتب المنزلة لكل ~~كتاب منها وقت ينزل فيه { يمحو الله ما يشاء ويثبت } وذلك أنهم لما ~~اعترضوا على رسول الله فقالوا: إن محمدا يأمر أصحابه بأمر اليوم ثم ~~يأمرهم بخلافه غدا، وما سبب ذلك إلا أنه يقوله من تلقاء نفسه، أجاب الله ~~عن هذا الاعتراض بقوله { يمحو الله ما يشاء ويثبت }. قال سعيد بن جبير ~~وقتادة: يمحو الله ما شاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله ويثبت ما ~~يشاء من ذلك فلا ينسخه ولا يبدله، وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ~~ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة، ويدل على صحة هذا التأويل ما ~~روي عن حذيفة بن أسيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكا فصورهما وخلق سمعها ~~وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما ~~يشاء فيكتب الملك، ثم يقول يا رب أجله فيقول: ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم ~~يقول: الملك يا رب رزقه فيقول: ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك ~~الصحيفة، فلا يزيد على أمر ms1900 ولا ينقص " # أخرجه مسلم ق عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال حدثنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: وهو الصادق المصدوق # " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه نطفة أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ~~ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله ~~وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح، فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل ~~بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ~~فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما ~~يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة ~~فيدخلها " # فإن قلت: هذا الحديث والذي قبله صريح بأن الآجال والأرزاق مقدرة، وكذا ~~السعادة والشقاوة لا تتغير عما قدره الله وعلمه في الأزل فيستحيل زيادتها ~~ونقصانها، وكذلك يستحيل أن ينقلب السعيد شقيا أو الشقي سعيدا، وقد صح في ~~فضل صلة الرحم أن صلة الرحم تزيد في العمر فكيف الجمع بين هذه الأحاديث، ~~وبين قوله تعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت؟. # قلت: قد تكرر بالدلائل القطعية أن الله عالم الآجال والأرزاق وغيرها. ~~وحقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه فإذا علم الله أن زيدا يموت ~~في وقت معين استحال أن يموت قبله أو بعده وهو قوله تعالى # فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون # [الأعراف: 34] فدل ذلك على أن الآجال لا تزيد ولا تنقص. وأجاب العلماء ~~عما ورد في الحديث في فضل صلة الرحم من أنها تزيد في العمر بأجوبة الصحيح ~~منها: أن هذه الزيادة تكون بالبركة في عمره بالتوفيق للطاعات، وعمارة ~~أوقاته بما ينفعه في الآخرة، وصيانتها عن الضياع وغير ذلك. والجواب ~~الثاني: منه أنها بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ أن عمر ~~زيد مثلا ستون سنة، إلا أن يصل رحمه فإن وصلها زيد له أربعون سنة، وقد ~~علم الله في الأزل ما سيقع من ذلك، وهو معنى قوله تعالى: يمحو ms1901 الله ما ~~يشاء ويثبت أي بالنسبة لما يظهر للمخلوقين من تصوير الزيادة. وأما انقلاب ~~الشقي سعيدا أو السعيد شقيا فيتصور في الظاهر أيضا لأن الكافر قد يسلم ~~فينقلب من الشقاوة إلى السعادة، وكذا العاصي ونحوه وقد يتوب فينقلب من ~~الشقاوة إلى السعادة وقد يرتد المسلم، والعياذ بالله تعالى، فيموت على ~~ردته فينقلب من السعادة إلى الشقاوة، والأصل في هذا الاعتبار بالخاتمة ~~عند الموت وما يختم الله به له وهو المراد من علم الله الأزلي الذي لا ~~يتغير ولا يتبدل. والله أعلم. وأصل المحو: إذهاب أثر الكتابة وضده ~~الإثبات فمن العلماء من حمل الآية على ظاهرها فجعلها عامة في كل شيء ~~يقتضيه ظاهر اللفظ، فيزيد الله ما يشاء في الرزق والأجل. وكذا القول في ~~السعادة والشقاوة والإيمان بالله والكفر. ونقل نحو هذا عن عمر وابن مسعود ~~فإنهما قالا: يمحو السعادة والشقاوة ويمحو الرزق والأجل ويثبت ما يشاء. ~~وروي عن عمر أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني من ~~أهل السعادة والمغفرة فأثبتني فيها وإن كنت كتبتني من أهل الشقاوة فامحني ~~منها وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم ~~الكتاب وروي مثله عن ابن مسعود وقد ورد في بعض الآثار " أن الرجل يكون قد ~~بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيمد إلى ثلاثين سنة " هكذا ذكر البغوي ~~بغير سند. وروي بسنده عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~سلم # " ينزل الله تبارك وتعالى في ثلاث ساعات بقين من الليل فينظر في الساعة ~~الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت " # ومن العلماء من حمل معنى الآية على الخصوص في بعض الأشياء دون بعض فقال: ~~المراد بالمحو والإثبات نسخ الحكم المتقدم وإثبات حكم آخر عوضا عن الحكم ~~المتقدم، وقيل: إن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم فيمحو الله ~~ما يشاء من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب، ولا عقاب مثل قول القائل أكلت، ms1902 ~~شربت، دخلت، خرجت، ونحو ذلك من الكلام، وهو صادق فيه ويثبت ما فيه ثواب ~~وعقاب. # وهذا قول الضحاك. وقال الكلبي: يكتب القول كله حتى إذا كان يوم الخميس ~~طرح منه شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب. وقال ابن عباس: هو الرجل يعمل بطاعة ~~الله ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلاله فهو الذي يمحو والذي يثبت هو ~~الرجل يعمل بطاعة الله ثم يموت، وهو في طاعته فهو الذي يثبت، وقال الحسن: ~~يمحو الله ما يشاء يعني من جاء أجله فيذهبه ويثبت من لم يجىء أجله وقال ~~سعيد بن جبير يمحو الله ما يشاء من ذنوب عباده فيغفرها ويثبت ما يشاء ~~منها فلا يغفرها. وقال عكرمة: يمحو الله ما يشاء من الذنوب بالتوبة ويثبت ~~بدل الذنوب حسنات. وقال السدي: يمحو الله ما يشاء يعني القمر ويثبت ~~الشمس. وقال الربيع: هذا في الأرواح يقبضها الله عند النوم فمن أراد موته ~~محاه وأمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه، وقيل: إن الله يثبت ~~في أول كل سنة حكمها فإذا مضت السنة محاه وأثبت حكما آخر للسنة ~~المستقبلة وقيل: يمحو الله الدنيا ويثبت الآخرة. وقيل: هو في المحن ~~والمصائب فهي مثبتة في الكتاب ثم يمحوها بالدعاء والصدقة. وقيل: إن الله ~~يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء لا اعتراض لأحد عليه يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد. فان قلت مذهب أهل السنة أن المقادير سابقة وقد جف القلم بما هو ~~كائن إلى يوم القيامة، فكيف يستقيم مع هذا المحو والإثبات. قلت: المحو ~~والإثبات مما جف به القلم وسبق به القدر فلا يمحو شيئا ولا يثبت شيئا ~~إلا ما سبق به علمه في الأزل وعليه يترتب القضاء والقدر. مسألة: استدلت ~~الرافضة على مذهبهم في البداء بهذه الآية: قالوا: إن البداء جائز على ~~الله وهو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له خلاف ما اعتقده وتمسكوا بقوله { يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت } والجواب عن هذه المسألة أن هذا مذهب باطل ظاهر ~~الفساد لأن علم الله قديم أزلي، ms1903 وهو من لوازم ذاته المخصوصة، وما كان ~~كذلك كان دخول التغيير والتبديل فيه محالا كذا ذكره الإمام فخر الدين ~~الرازي في تفسير هذه الآية. وقوله تعالى { وعنده أم الكتاب } يعني أصل ~~الكتاب، وهو اللوح المحفوظ الذي لا يغير ولا يبدل، وسمي اللوح المحفوظ أم ~~الكتاب لأن جميع الأشياء مثبتة فيه ومنه تنسخ الكتب المنزلة، وقيل: إن ~~العلوم كلها تنسب إليه وتتولد منه، قال ابن عباس: هما كتابان كتاب يمحو ~~الله منه ما يشاء ويثبت ما يشاء وأم الكتاب الذي لا يغير شيء منها وروى ~~عطية عن ابن عباس قال: إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام من درة ~~بيضاء له دفتان من ياقوتة، لله فيه كل يوم ثلثمائة وستون لحظة يمحو الله ~~ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، وسأل ابن عباس كعبا عن أم الكتاب فقال: ~~علم الله ما هو خالق وما خلقه وما هم عاملون. ### || [13.40-43] # { وإن ما نرينك } يعني يا محمد { بعض الذي نعدهم } يعني من العذاب { أو ~~نتوفينك } يعني قبل أن نريك ذلك { فإنما عليك البلاغ } يعني ليس عليك إلا ~~تبليغ الرسالة إليهم والبلاغ اسم أقيم مقام التبليغ { وعلينا الحساب } ~~يعني وعلينا أن نحاسبهم يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم. قوله عز وجل: { ~~أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } يعني أو لم ير كفار مكة ~~الذين سألوا محمدا صلى الله عليه وسلم الآيات أنا نأتي الأرض يعني أرض ~~الشرك ننقصها من أطرافها. قال أكثر المفسرين: المراد منه فتح دار الشرك ~~فإن ما زاد في دار الإسلام فقد نقص في دار الشرك والمعنى أو لم يروا أنا ~~نأتي الأرض فنفتحها لمحمد صلى الله عليه وسلم أرضا بعد أرض حوالى ~~أراضيهم أفلا يعتبرون، فيتعظون وهذا قول ابن عباس وقتادة وجماعة من ~~المفسرين: وذلك أن المسلمين إذا استولوا على بلاد الكفار قهرا وتخريبا ~~كان ذلك نقصانا في ديارهم، وزيادة في ديار المسلمين، وقوتهم وكان ذلك من ~~أقوى الدلائل على أن الله تعالى ينصر عبده ويعز جنده ويظهر دينه، وينجز ms1904 ~~له ما وعده. وقيل: هو خراب الأرض والمعنى أو لم يروا أنا نأتي الأرض ~~فنخربها ونهلك أهلها أفلا يخافون أن نفعل بهم مثل ذلك، وقال مجاهد: هو ~~خراب الأرض وقبض أهلها. وعن عكرمة والشعبي نحوه وهذا القول قريب من الأول ~~وقال عطاء وجماعة من المفسرين نقصانها موت العلماء وذهب الفقهاء ق عن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس " # ، وفي رواية # " من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ ~~الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " # قال الحسن قال عبد الله بن مسعود: موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها ~~شيء ما اختلف الليل والنهار، وقال عبد الله أيضا: عليكم بالعلم قبل أن ~~يقبض وقبضه ذهاب أهله، وقال سليمان: لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى ~~يتعلم الآخر فإذا هلك الأول ولم يتعلم الآخر هلك الناس. وقيل لسعيد بن ~~جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال: هلاك العلماء. فعلى هذا القول فالمراد ~~بالأطراف العلماء، والأشراف من الناس: حكى الجوهري عن ثعلب قال: الأطراف ~~الأشراف. واستدل الواحدي لهذه اللغة بقول الفرزدق: # واسأل بنا وبكم إذا وردت مني أطراف كل قبيلة من يتبع # قال: يريد أشراف كل قبيلة. قال الواحدي: والتفسير على القول الأول أولى ~~لأن هذا وإن صح فلا يليق بهذا الموضع. قال الإمام فخر الدين الرازي: ~~ويمكن أن يقال أيضا إن هذ الوجه لا يليق بهذا الموضع وتقديره أن يقال: ~~أو لم يروا أن كل ما يحدث في الدنيا من الاختلاف خراب بعد عمارة وموت بعد ~~حياة وذل بعد عز ونقص بعد كمال وإذا كانت هذه التغييرات مشاهدة محسوسة ~~فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله الأمر على هؤلاء الكفرة، فيجعلهم ذليلين ~~بعدما كانوا عزيزين ومقهورين بعد أن كانوا قاهرين، وعلى هذا الوجه أيضا ~~يجوز إيصال الكلام بما قبله. # وقوله تعالى { والله يحكم لا معقب لحكمه } يعني ms1905 لا راد لحكمه ولا ناقض ~~لقضائه، والمعقب هو الذي يعقب غيره بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق: ~~معقب، لأنه يعقب غريمه بالاقتضاء والطلب. والمعنى: والله يحكم نافذا ~~حكمه خاليا من المدافع والمعارض والمنازع لا يتعقب حكمه أحد غيره ~~بتغيير، ولا نقض { وهو سريع الحساب } قال ابن عباس: يريد سريع الانتقام ~~ممن حاسبه للمجازاة بالخير والشر فمجازاة الكفار بالانتقام منهم، ومجازاة ~~المؤمنين بإيصال الثواب إليهم، وقد تقدم بسط الكلام في معنى سريع الحساب ~~قبل هذا { وقد مكر الذين من قبلهم } يعني من قبل مشركي مكة من الأمم ~~الماضية، الذين مكروا بأنبيائهم والمكر إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث ~~لا يشعر مثل ما مكر نمرود بإبراهيم وفرعون بموسى واليهود بعيسى، { فلله ~~المكر جميعا } يعني عند الله جزاء مكرهم. وقال الواحدي: يعني جميع مكر ~~الماكرين له ومنه أي هو من خلقه وإرادته فالمكر جميعا مخلوق له بيده ~~الخير والشر وإليه النفع والضر. والمعنى أن المكر لا يضر إلا بإذنه ~~وإرادته، وفي هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وأمان له من مكرهم كأنه ~~قيل: قد فعل من كان قبلهم من الكفار مثل فعلهم وصنعوا مثل صنيعهم، فلم ~~يضروا إلا من أراد الله ضره، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا يكون الخوف ~~إلا من الله لا من أحد من المخلوقين { يعلم ما تكسب كل نفس } يعني أن ~~جميع اكتساب العباد وتأثيراتها معلومة لله هو خالقها أو خلاف المعلوم ~~ممتنع الوقوع وإذا كان كذلك فكل ما علم وقوعه فهو واجب الوقوع وكل ما علم ~~عدمه كان ممتنع الوقوع وإذا كان كذلك فلا قدرة للعبد على الفعل والترك، ~~فكان الكل من الله ولا يحصل ضررا إلا بإذنه وإرادته، وفيه وعيد للكفار ~~الماكرين { وسيعلم الكافر } على التوحيد وقرىء وسيعلم الكفار على الجمع. ~~قال ابن عباس: يعني أبا جهل. وقيل: أراد المستهزئين وهم خمسة نفر من كفار ~~مكة { لمن عقبى الدار } والمعنى أنهم وإن كانوا جهالا بالعواقب فسيعلمون ~~أن العاقبة الحميدة للمؤمنين، ولهم العاقبة المذمومة في الآخرة ms1906 حين ~~يدخلون النار، ويدخل المؤمنون الجنة قوله تعالى { ويقول الذين كفروا لست ~~مرسلا } لما أنكر الكفار كون محمد رسولا من عند الله أمره الله بقوله { ~~قل } أي قل: يا محمد لهؤلاء الكفار الذين أنكروا نبوتك { كفى بالله ~~شهيدا بيني وبينكم } المراد بشهادة الله على نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ما أظهر على يديه من المعجزات الباهرات والآيات القاهرات الدالة على ~~صدقه، وكونه نبيا مرسلا من عند الله { ومن عنده علم الكتاب } يعني ومن ~~عنده علم الكتاب أيضا يشهد على نبوتك يا محمد وصحتها. # واختلفوا في الذي عنده علم الكتاب من هو فروى العوفي عن ابن عباس أنهم ~~علماء اليهود والنصارى، والمعنى أن كل من كان عالما من اليهود بالتوراة ~~ومن النصارى بالإنجيل علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم مرسل من الله لما ~~يجد من الدلائل الدالة على نبوته فيهما شهد بذلك من شهد به وأنكره من ~~أنكره منهم، وقيل: إنهم مؤمنو أهل الكتاب يشهدون أيضا على نبوته. قال ~~قتادة: هو عبد الله بن سلام، وأنكر الشعبي هذا وقال: هذه السورة مكية ~~وعبد الله بن سلام بالمدينة المنورة وقال يونس لسعيد بن جبير ومن عنده ~~علم الكتاب أهو عبد الله بن سلام؟ فقال: كيف يكون عبد الله بن سلام وهذه ~~السورة مكية؟ وقال الحسن ومجاهد ومن عنده علم الكتاب هو الله تعالى. وعلى ~~هذا القول يكون المعنى: كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما ~~في اللوح المحفوظ إلا هو شهيدا بيني وبينكم. قال الزجاج: الأشبه أن الله ~~لا يشهد على صحة حكمه لغيره. وهذا قول مشكل لأن عطف الصفة على الموصوف ~~وإن كان جائزا إلا أنه خلاف الأصل. فلا يقال شهد بهذا زيد والفقيه. بل ~~يقال: شهد بهذا زيد الفقيه لكن يشهد لصحة هذا القول قراءة من قرأ ومن ~~عنده علم الكتاب بكسر الميم والدال، وهي قراءة ابن عباس وغيره على البناء ~~للمفعول والمعنى ومن عند الله علم الكتاب ودليل هذه القراءة قوله # وعلمناه من دلنا علما ms1907 # [الكهف: 65] وقيل: معناه إن من علم أن القرآن الذي جئتكم به معجز ظاهر ~~وبرهان باهر لما فيه من الفصاحة والبلاغة والإخبار عن الغيوب، وعن الأمم ~~الماضية فمن علم بهذه الصفة كان شهيدا بيني وبينكم والله أعلم بمراده ~~وأسرار كتابه. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1-2] # قوله عز وجل: القرآن { كتاب أنزلناه إليك } يعني هذا كتاب أنزلناه إليك ~~يا محمد والكتاب هو القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم { لتخرج ~~الناس من الظلمات الى النور } يعني بهذا القرآن والمراد من الظلمات الكفر ~~والضلالة والجهل، والمراد بالنور: الإيمان. قال الإمام فخر الدين الرازي ~~رحمه الله: وفيه دليل على أن طرق الكفر والبدع كثيرة وطريق الحق ليس إلا ~~واحدا لأنه تعالى قال: لتخرج الناس من الظلمات إلى النور فعبر عن الجهل ~~والكفر والضلال بالظلمات وهي صيغة جمع وعبر عن الإيمان والهدى بالنور وهو ~~لفظ مفرد وذلك يدل على أن طرق الكفر والجهل كثيرة، وأما طريق العلم ~~والإيمان فليس إلا واحد { بإذن ربهم } يعني بأمر ربهم وقيل: يعلم ربهم { ~~إلى صراط العزيز الحميد } يعني إلى دين الإسلام وهو دينه الذي أمر به ~~عباده، والعزيز هو الغالب الذي لا يغلب والحميد المحمود على كل حال ~~المستحق لجميع المحامد { الله } قرىء بالرفع على الاستئناف وخبره ما بعده ~~وقرىء بالجر نعتا للعزيز الحميد فقال أبو عمرو قراءة الخفض على التقديم ~~والتأخير تقديره إلى صراط الله العزيز الحميد { الذي له ما في السموات ~~وما في الأرض } يعني ملكا وما فيهما عبيده { وويل للكافرين } يعني الذين ~~تركوا عبادة من يستحق العبادة الذي له ما في السموات وما في الأرض، ~~وعبدوا من لا يملك شيئا البتة بل هو مملوك لله لأنه من جملة خلق الله، ~~ومن جملة ما في السموات وما في الأرض { من عذاب شديد } يعني معد لهم في ~~الآخرة ثم وصفهم. ### || [14.3-14] # فقال تعالى: { الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة } يعني يختارون ~~الحياة الدنيا ويؤثرونها على الآخرة { ويصدون عن سبيل الله } أي ويمنعون ~~الناس عن قبول دين الله { ويبغونها ms1908 عوجا } يعني ويطلبون لها زيغا ~~وميلا، فحذف الجار وأوصل الفعل. وقيل: معناه يطلبون سبيل الله حائدين عن ~~القصد وقيل الهاء في ويبغونها راجعة إلى الدنيا ومعناه يطلبون الدنيا على ~~طريق الميل عن الحق والميل إلى الحرام { أولئك } يعني من هذه صفته { في ~~ضلال بعيد } يعني عن الحق وقيل يجوز أن يراد في ضلال بعيد ذي بعد أو فيه ~~بعد لأن الضال يبعد عن الطريق. قوله تعالى { وما أرسلنا من رسول إلا ~~بلسان قومه } يعني بلغة قومه ليفهموا عنه ما يدعوهم إليه وهو قوله تعالى ~~{ ليبين لهم } يعني ما يأتون وما يذرون. فإن قلت: لم يبعث الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى العرب وحدهم وإنما بعث إلى الناس جميعا بدليل قوله تعالى # قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف: 158] بل هو مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس، وهم على ألسنة ~~مختلفة ولغات شتى وقوله بلسان قومه وليس قومه سوى العرب يقتضي بظاهره أنه ~~مبعوث إلى العرب خاصة فكيف يمكن الجمع؟ قلت: بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من العرب وبلسانهم والناس تبع للعرب فكان مبعوثا إلى جميع الخلق، ~~لأنهم تبع للعرب ثم إنه يبعث الرسل إلى الأطراف، فيترجمون لهم بألسنتهم ~~ويدعونهم إلى الله تعالى بلغاتهم. وقيل: يحتمل أنه أراد بقومه أهل بلدة، ~~وفيهم العرب وغير العرب فيدخل معهم من غير جنسهم في عموم الدعوى وقيل: إن ~~الرسول إذا أرسل بلسان قومه وكانت دعوته خاصة وكان كتابه بلسان قومه كان ~~أقرب لفهمهم عنه وقيام الحجة عليهم في ذلك، فإذا فهموه ونقل عنهم انتشر ~~عنهم علمه وقامت التراجم ببيانه وتفهيمه لمن يحتاج إلى ذلك ممن هو من غير ~~أهله، وإذا كان الكتاب بلغة واحدة مع اختلاف الأمم وتباين اللغات كان ذلك ~~أبلغ في اجتهاد المجتهدين في تعليم معانيه، وتفهيم فوائده وغوامضه ~~وأسراره وعلومه وجميع حدوده وأحكامه وقوله { فيضل الله من يشاء ويهدي من ~~يشاء } يعني أن الرسول ليس عليه إلا التبليغ والتبيين والله هو الهادي ~~المضل يفعل ما يشاء { وهو ms1909 العزيز } يعني الذي يغلب و لا يغلب { الحكيم } ~~في جميع أفعاله. قوله عز وجل { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } المراد ~~بالآيات المعجزات التي جاء بها موسى عليه الصلاة والسلام، مثل العصا ~~واليد وفلق البحر وغير ذلك من المعجزات العظيمة الباهرة { أن أخرج قومك ~~من الظلمات إلى النور } أي أن أخرج قومك بالدعوة من ظلمات الكفر الى نور ~~الإيمان { وذكرهم بأيام الله } قال ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد وقتادة: ~~يعني بنعم الله. # وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة. يقال: فلان عالم بأيام العرب ~~أي بوقائعهم بما أراد بما كان في أيام الله من النعمة والنقمة، فأخبر ~~بذكر الأيام عن ذلك لأن ذلك كان معلوما عندهم وعلى هذا يكون المعنى عظهم ~~بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد. والترغيب والوعد أن يذكرهم بما أنعم ~~الله عليهم به من النعمة، وعلى من قبلهم ممن آمن بالرسل فيما مضى من ~~الأيام، والترهيب والوعيد أن يذكرهم بأس الله، وشدة انتقامه ممن خالف ~~أمره وكذب رسله، وقيل: بأيام الله في حق موسى أن يذكر قومه بأيام المحنة ~~والشدة والبلاء حين كانوا تحت أيدي القبط يسومونهم سوء العذاب فخلصهم ~~الله من ذلك، وجعلهم ملوكا بعد أن كانوا مملوكين { إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور } الصبار: الكثير الصبر، والشكور: الكثير الشكر، وإنما خص ~~الشكور والصبور بالاعتبار بالآيات وإن كان فيها عبرة للكافة لأنهم هم ~~المنتفعون بها دون غيرهم فلهذا خصهم بالآيات، فكأنها ليست لغيرهم فهو ~~كقوله # هدى للمتقين # [البقرة: 2] ولأن الانتفاع بالآيات لا يمكن حصوله إلا لمن يكون صابرا ~~شاكرا أما من لم يكن كذلك فلا ينتفع بها البتة { وإذ قال موسى لقومه ~~اذكروا نعمة الله عليكم } لما أمر الله عز وجل موسى عليه الصلاة والسلام ~~أن يذكر قومه بأيام الله امتثل ذلك الأمر، وذكرهم بأيام الله فال { ~~اذكروا نعمة الله عليكم } { إذ أنجاكم من آل فرعون } أي اذكروا إنعام ~~الله عليكم في ذلك الوقت الذي أنجاكم فيه من آل فرعون { يسومونكم سوء ~~العذاب ويذبحون أبناءكم }. فإن قلت قال ms1910 في سورة البقرة: يذبحون بغير واو ~~وقال هنا ويذبحون بزيادة واو فما الفرق؟ قلت: إنما حذفت الواو في سورة ~~البقرة لأن قوله يذبحون تفسير لقوله يسومونكم سوء العذاب، وفي التفسير لا ~~يحسن ذكر الواو كما تقول جاءني القوم زيد وعمرو إذا أردت تفسير القوم ~~وأما دخول الواو هنا في هذه السورة فلأن آل فرعون كانوا يعذبونهم بأنواع ~~من العذاب غير التذبيح وبالتذبيح أيضا فقوله: ويذبحون نوع آخر من العذاب ~~لأنه تفسير العذاب { ويستحيون نساءكم } يعني يتركونهن أحياء { وفي ذلك ~~بلاء من ربكم عظيم }. فإن قلت كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم؟ قلت: ~~تمكينهم وإمهالهم حتى فعلوا ما فعلوا بلاء من الله ووجه آخر وهو أذن لكم ~~إشارة إلى الانجاء، وهو بلاء عظيم لأن البلاء يكون ابتلاء بالنعمة ~~والمحنة جميعا ومنه قوله: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35] وهذا الوجه أولى لأنه موافق لأول الآية وهو قوله اذكروا ~~نعمة الله عليكم. فإن قلت: هب أن تذبيح الأبناء فيه بلاء فكيف يكون ~~استحياء النساء فيه بلاء. قلت: كانوا يستحيونهن ويتركونهن تحت أيديهم ~~كالإماء فكان ذلك بلاء { وإذ تأذن ربكم } هذا من جملة ما قال موسى لقومه ~~كأنه قيل اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم، ومعنى تأذن: ~~آذن، أي أعلم ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل كأنه قيل وأذن ~~ربكم إيذانا بليغا تنتفي عنده الشكوك وتنزاح الشبه والمعنى وإذ تأذن ~~ربكم فقال: { ولئن شكرتم } يعني يا بني اسرائيل ما خولتكم من نعمة ~~الإنجاء وغيرها من النعم بالإيمان الخالص والعمل الصالح { لأزيدنكم } ~~يعني نعمة إلى نعمة، ولأضاعفن لكم ما أتيتكم قيل شكر الموجود صيد ~~المفقود. # وقيل: لئن شكرتم بالطاعة لأزيدنكم في الثواب وأصل الشكر تصور النعمة، ~~وإظهارها وحقيقته الاعتراف بنعمة المنم مع تعظيمه، وتوطين النفس على هذه ~~الطريقة وهاهنا دقيقة وهي أن العبد إذا اشتغل بمطالعة أقسام نعم الله عز ~~وجل عليه، وأنواع فضله وكرمه وإحسانه إليه اشتغل بشكر تلك النعمة وذلك ~~يوجب المزيد وبذلك تتأكد محبة ms1911 العبد لله عز وجل وهو مقام شريف ومقام أعلى ~~منه وهو أن يشغله حب المنعم عن الالتفات إلى النعم، وهذا مقام الصديقين ~~نسأل الله القيام بواجب شكر النعمة حتى يزيدنا من فضله وكرمه وإحسانه ~~وإنعامه. وقوله { ولئن كفرتم } المراد بالكفر هاهنا كفران النعمة، وهو ~~جحودها لأنه مذكور في مقابلة الشكر { إن عذابي لشديد } يعني لمن كفر ~~نعمتي ولا يشكرها { وقال موسى إن تكفروا } يعني يا بني إسرائيل { أنتم ~~ومن في الأرض جميعا } يعني والناس كلهم جميعا فإنما ضرر ذلك يعود على ~~أنفسكم بحرمانها الخير كله { فإن الله لغني } يعني عن جميع خلقه { حميد } ~~أي محمود في جميع أفعاله لأنه متفضل وعادل { ألم يأتكم نبأ } يعني خبر { ~~الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود } قال بعض المفسرين: يحتمل أن يكون ~~هذا خطابا من موسى لقومه، والمقصود منه أنه عليه الصلاة والسلام يذكرهم ~~بأمر القرون الماضية والأمم الخالية والمقصود منه حصول العبرة بأحوال من ~~تقدم وهلاكهم { والذين من بعدهم } يعني من بعد هؤلاء الأمم الثلاثة { لا ~~يعلمهم إلا الله } يعني لا يعلم كنه مقاديرهم وعددهم إلا الله لأن علمه ~~محيط بكل شيء # ألا يعلم من خلق # [الملك: 14] وقيل: المراد بقوله والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ~~أقوام وأمم ما بلغنا خبرهم أصلا ومنه قوله: # وقرونا بين ذلك كثيرا # [الفرقان: 38] وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول: كذب النسابون. ~~يعني أنهم يدعون علم النسب إلى آدم، وقد نفى الله علم ذلك عن العباد. وعن ~~عبد الله بن عباس أنه قال: بين إبراهيم وعدنان ثلاثون قرنا لا يعلمهم ~~إلا الله وكان مالك بن أنس يكره أن ينسب الإنسان نفسه أبا أبا إلى آدم، ~~لأنه لا يعلم أولئك إلا الله. وقوله تعالى { جاءتهم رسلهم بالبينات } ~~يعني بالدلالات الواضحات والمعجزات الباهرات { فردوا أيديهم في أفواههم ~~}. # وفي معنى الأيدي والأفواه قولان: أحدهما أن المراد بهما هاتان الجارحتان ~~المعلومتان ثم في معنى ذلك وجوه. قال ابن مسعود: عضوا أيديهم غيظا. وقال ~~ابن عباس: لما سمعوا كتاب ms1912 الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم. وقال ~~مجاهد وقتادة: كذبوا الرسل وردوا ما جاؤوا به. يقال: رددت قول فلان في ~~فيه أي كذبته. وقال الكلبي: يعني أن الأمم ردوا أيديهم إلى أفواه أنفسهم، ~~يعني أنهم وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة منهم إلى الرسل أن اسكتوا. ~~وقال مقاتل: ردوا أيديهم على أفواه الرسل يسكتونهم بذلك وقيل: إن الأمم ~~لما سمعوا كلام الرسل عجبوا منه. وضحكوا على سبيل السخرية فعند ذلك ردوا ~~أيديهم في أفواههم كما يفعل الذي غلبه الضحك. القول الثاني: أن المراد ~~بالأيدي والأفواه غير الجارحتين فقيل المراد بالأيدي النعم ومعناه ردوا ~~ما لو قبلوه لكان نعمة عليهم يقال لفلان عندي يد أي نعمة، والمراد ~~بالأفواه وتكذيبهم الرسل والمعنى كذبوهم بأفواههم وردوا قولهم وقيل إنهم ~~كفوا عن قبول ما أمروا بقبوله من الحق ولم يؤمنوا به يقال فلان رد يده ~~إلى فيه إذا أمسك عن الجواب فلم يجب وهذا القول فيه بعد لأنهم قد أجابوا ~~بالتكذيب وهو أن الأمم ردوا على رسلهم { وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به ~~} يعني إنا كفرنا بما زعمتم أن الله أرسلكم به لأنهم لم يقروا بأنهم ~~أرسلوا إليهم لأنهم لو أقروا بأن الرسل أرسلوا إليهم لكانوا مؤمنين { ~~وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب } يعني يوجب الريبة أو يوقع في الريبة ~~والتهمة، والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر الذي يشك فيه. فإن ~~قلت: إنهم قالوا أولا إنا كفرنا بما أرسلتم به فكيف يقولون ثانيا وإنا ~~لفي شك والشك دون الكفر أو داخل فيه. قلت: إنهم لما صرحوا بكفرهم بالرسل ~~فكأنهم حصل لهم شبهة توجب لهم الشك فقالوا: إن لم تدع الجزم في كفرنا فلا ~~أقل من أن نكون شاكين مرتابين في ذلك { قالت رسلهم } يعني مجيبين لأممهم ~~{ أفي الله شك } يعني وهل تشكون في الله وهو استفهام إنكار ونفي لما ~~اعتقدوه { فاطر السموات والأرض } يعني وهل تشكون في كونه خالق السموات ~~والأرض وخالق جميع ما فيهما { يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } يعني ليغفر ms1913 ~~لكم ذنوبكم إذا آمنتم وصدقتم وحرف من صلة وقيل: إنها أصل ليست بصلة، وعلى ~~هذا إنه يغفر لهم ما بينهم وبينه من الكفر والمعاصي دون مظالم العباد { ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى } يعني إلى حين انقضاء آجالكم فلا يعاجلكم بالعذاب ~~{ قالوا } يعني الأمم مجيبين للرسل { إن أنتم } يعني ما أنتم { إلا بشر ~~مثلنا } يعني في الصورة الظاهرة لستم ملائكة { تريدون أن تصدونا عما كان ~~يعبد آباؤنا } يعني ما تريدون بقولكم: هذا إلا صدنا عن آلهتنا التي كان ~~آباؤنا يعبدونها { فأتونا بسلطان مبين } حجة بينة واضحة على صحة دعواكم { ~~قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم } يعني أن الكفار لما قالوا لرسلهم: ~~إن أنتم إلا بشر مثلنا قالت لهم رسلهم مجيبين لهم: هب أن الأمر كما قلتم ~~ووصفتم فنحن بشر مثلكم لا ننكر ذلك { ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ~~} يعني بالنبوة والرسالة فيصطفي من يشاء من عباده لهذا المنصب العظيم ~~الشريف { وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله } يعني وليس لنا من ~~ما خصنا الله به من النبوة وشرفنا به من الرسالة أن نأتيكم بآية، وبرهان ~~ومعجزة تدل على صدقنا إلا بإذن الله لنا في ذلك { وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } يعني في دفع شرور أعدائهم عنهم { وما لنا أن لا نتوكل على ~~الله } يعني أن الأنبياء قالوا أيضا قد عرفنا أنه لا يصيبنا شيء إلا ~~بقضاء الله وقدره فنحن نثق به ونتوكل عليه في دفع شروركم عنا { وقد هدانا ~~سبلنا } يعني وقد عرفنا طريق النجاة، وبين لنا الرشد { ولنصبرن } اللام ~~لام القسم تقديره والله لنصبرن { على ما آذيتمونا } يعني به من قول أو ~~فعل { وعلى الله فليتوكل المتوكلون }. # فإن قلت: كيف كرر الأمر بالتوكل؟ وهل من فرق بين التوكلين؟ قلت: نعم ~~التوكل الأول فيه إشارة إلى استحداث التوكل والتوكل الثاني فيه إشارة إلى ~~السعي في التثبيت على ما استحدثوا من توكلهم وإبقائه وإدامته فحصل الفرق ~~بين التوكلين. قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا ms1914 ~~أو لتعودن في ملتنا } يعني ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم أيها الرسل من ~~بلادنا وأرضنا وإما عودكم في ملتنا. فإن قلت: هذا يوهم بظاهره أنهم كانوا ~~على ملتهم في أول الأمر حتى يعود فيها قلت: معاذ الله ولكن العود هنا ~~بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب، وفيه وجه آخر، وهو أن الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام قبل الرسالة لم يظهروا خلاف أممهم، فلما أرسلوا ~~إليهم أظهروا مخالفتهم ودعوا إلى الله فقالوا لهم: لتعودن في ملتنا ظنا ~~منهم أنهم كانوا على ملتهم ثم خالفوهم وإجماع الأمة على أن الرسل من أول ~~الأمر إنما نشؤوا على التوحيد لا يعرفون غيره { فأوحى إليهم ربهم } يعني ~~أن الله تعالى أوحى إلى رسله وأنبيائه بعد هذه المخاطبات والمحاورات { ~~لنهلكن الظالمين } يعني أن عاقبة أمرهم إلى الهلاك فلا تخافوهم { ~~ولنسكننكم الأرض من بعدهم } يعني من بعد هلاكهم { ذلك } يعني ذلك الإسكان ~~{ لمن خاف مقامي } يعني خاف مقامه بين يدي يوم القيامة فأضاف قيام العبد ~~إلى نفسه، لأن العرب قد تضيف أفعالها إلى أنفسها كقولهم: ندمت على ضربي ~~إياك وندمت على ضربك مثله { وخاف وعيد } أي وخاف عذابي. ### || [14.15-22] # قوله عز وجل: { واستفتحوا } يعني واستنصروا. قال ابن عباس: يعني الأمم ~~وذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا وقال مجاهد ~~وقتادة: واستفتح الرسل على أممهم وذلك أنهم لما أيسوا من إيمان قومهم ~~استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب { وخاب } يعني وخسر وقيل: هلك { ~~كل جبار عنيد } والجبار في صفة الإنسان يقال لمن تجبر بنفسه بادعاء منزلة ~~عالية لا يستحقها وهو صفة ذم في حق الإنسان، وقيل: الجبار الذي لايرى ~~فوقه أحدا وقيل: الجبار المتعظم في نفسه المتكبر على أقرانه والعنيد ~~المعاند للحق ومجانبه قال مجاهد. وقال ابن عباس: هو المعرض عن الحق. وقال ~~مقاتل: هو المتكبر. وقال قتادة: هو الذي يأبى أن يقول لا إله إلا الله. ~~وقيل: العنيد هون المعجب بما عنده. وقيل العنيد الذي يعاند ويخالف { من ~~ورائه جهنم } يعني هي أمامه وهو ms1915 صائر إليها قال أبو عبيدة: هو من الأضداد ~~يعني أنه يقال: وراء بمعنى خلف وبمعنى أمام وقال الأخفش: هو كما يقال: ~~هذا الأمر من ورائك يعني أنه سيأتيك { ويسقى } يعني في جهنم { من ماء ~~صديد } وهو ما سال من الجلد واللحم من القيح جعل ذلك شراب أهل النار. ~~وقال محمد بن كعب القرظي: هو ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر وهو ~~قوله { يتجرعه } أي يتحساه ويشربه لا بمرة واحدة بل جرعة بعد جرعة ~~لمرارته وحرارته وكراهته ونتنه { ولا يكاد يسيغه } أي لا يقدر على ~~ابتلاعه. يقال: ساغ الشراب في الحلق إذا سهل انحداره فيه. قال بعض ~~المفسرين: إن يكاد صلة والمعنى يتجرعه ولا يسيغه وقال صاحب الكشاف: دخلت ~~يكاد للمبالغة يعني ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون الإساغة وقال بعضهم ولا ~~يكاد يسيغه بعد إبطاء لأن العرب تقول ما كدت أقوم أي قمت بعد إبطاء فعلى ~~هذا كاد أصلها وليست بصلة، وقال ابن عباس: معناه لا يجيزه. وقيل: معناه ~~يكاد لا يسيغه ويسيغه فيغلي في جوفه. عن أبي إمامة رضي الله تعالى عنه ~~قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { ويسقى من ماء صديد ~~يتجرعه } قال: " يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة ~~رأسه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره قال وسقوا ماء حميما فقطع ~~أمعاءهم وقال وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب ~~وساءت مرتفقا " " # أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب. قوله: وقعت فروة رأسه أي جلدة رأسه ~~وإنما شبهها بالفروة للشعر الذي عليها. وقوله تعالى { ويأتيه الموت من كل ~~مكان وما هو بميت } يعني أن الكافر يجد ألم الموت وشدته من كل مكان من ~~أعضائه. # وقال إبراهيم التيمي: حتى من تحت كل شعرة من جسده وقيل يأتيه الموت من ~~قدامه ومن خلفه، ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وما هو بميت ~~فيستريح. وقال ابن جريج: تعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت ms1916 ولا ~~ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة { ومن ورائه } يعني أمامه { عذاب ~~غليظ } أي شديد قيل: هو الخلود في النار. قوله تعالى { مثل الذين كفروا ~~بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف } هذا كلام مستأنف منقطع ~~عما قبله وهو مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه تقديره فيما نقص، أو فيما ~~يتلى عليكم مثل الذين كفروا والمثل مستعار للقصة التي فيها غرابة، وقوله: ~~أعمالهم كرماد جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم فقال ~~أعمالهم كرماد. وقال المفسرون والفراء: مثل أعمال الذين كفروا بربهم فحذف ~~المضاف اعتمادا على ما ذكره بعد المضاف إليه. وقيل: يحتمل أن يكون ~~المعنى صفة الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد كقولك في صفة زيد عرضه مصون ~~وماله مبذول والرماد معروف وهو ما يسقط من الحطب والفحم بعد إحراقه ~~بالنار، اشتدت به الريح يعني فنسفته وطيرته ولم تبق منه شيئا في يوم ~~عاصف، وصف اليوم بالعصوف والعصوف من صفة الريح، لأن الريح تكون فيه ~~كقولك: يوم بارد وحار وليلة ماطرة لأن الحر والبرد والمطر توجد فيهما ~~وقيل: معناه في يوم عاصف الريح فحذف الريح لأنه قد تقدم ذكرها وهذا مثل ~~ضربه الله تعالى لأعمال الكفار التي لم ينتفوا بها، ووجه المشابهة بين ~~هذا المثل وبين هذه الأعمال هو أن الريح العاصف تطير الرماد وتذهب به ~~وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى منها شيء وكذلك أعمال الكفار تبطل، وتذهب بسبب ~~كفرهم وشركهم حتى لا يبقى منها شيء ثم اختلفوا في هذه الأعمال ما هي ~~فقيل: هي ما عملوه من أعمال الخير في حال الكفر كالصدقة وصلة الأرحام وفك ~~الأسير وإقراء الضيف وبر الوالدين، ونحو ذلك من أعمال البر والصلاح فهذه ~~الأعمال، وإن كانت أعمال بر لكنها لا تنفع صاحبها يوم القيامة بسبب كفره ~~لأن كفره أحبطها وأبطلها كلها وقيل: المراد بالأعمال عبادتهم الأصنام ~~التي ظنوا أنها تنفعهم فبطلت وحبطت ولم تنفعهم البتة، ووجه خسرانهم أنهم ~~أتعبوا أبدانهم في الدهر الطويل لكي ينتفعوا بها فصارت وبالا عليهم. ~~وقيل: ms1917 أراد بالأعمال الأعمال التي عملوها في الدنيا وأشركوا فيها غير ~~الله فإنها لا تنفعهم لأنها صارت كالرماد الذي ذرته الريح وصار هباء لا ~~ينتفع به وهو قوله تعالى: { لا يقدرون مما كسبوا } يعني في الدنيا { عمل ~~شيء } يعني من تلك الأعمال والمعنى أنهم لايجدون ثواب أعمالهم في الآخرة ~~{ ذلك هو الضلال البعيد } يعني ذلك: الخسران الكبير لأن أعمالهم ضلت ~~وهلكت، فلا يرجى عودها والبعيد هنا الذي لا يرجى عوده { ألم تر أن الله ~~خلق السموات والأرض بالحق } يعني لم يخلقهما باطلا ولا عبثا وإنما ~~خلقها لأمر عظيم وغرض صحيح { إن يشأ يذهبكم } يعني أيها الناس { ويأت ~~بخلق جديد } يعني: سواكم أطوع لله منكم. # والمعنى: أن الذي قدر على خلق السموات والأرض، قادر على إفناء قوم ~~وإماتتهم وإيجاد خلق آخر سواهم لأن القادر لا يصعب عليه شيء. وقيل هذا ~~خطاب لكفار مكة يريد يمتكم يا معشر الكفار، ويخلق قوما غيركم خيرا منكم ~~وأطوع { وما ذلك على الله بعزيز } يعني بممتنع لأن الأشياء كلها سهلة على ~~الله، وإن جلت وعظمت. قوله عز وجل { وبرزوا لله جميعا } يعني خرجوا من ~~قبورهم إلى الله ليحاسبهم ويجازيهم على قدر أعمالهم والبراز الفضاء، وبرز ~~حصل في البراز وذلك أن يظهر بذاته كلها والمعنى، وخرجوا من قبورهم وظهروا ~~إلى الفضاء وأورد بلفظ الماضي وإن كان معناه الاستقبال لأن كل ما أخبر ~~الله عنه، فهو حق وصدق. وكائن لامحالة فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود { ~~فقال الضعفاء } يعني الأتباع { للذين استكبروا } وهم القادة والرؤساء { ~~إنا كنا لكم تبعا } يعني في الدين والاعتقاد { فهل أنتم } يعني في هذا ~~اليوم { مغنون عنا } يعني دافعون عنا { من عذاب الله من شيء } من هنا ~~للتبعيض والمعنى هل تقدرون على أن تدفعوا عنا بعض عذاب الله الذي حل بنا ~~{ قالوا } يعني الرؤساء والقادة، والمتبوعين للتابعين { لو هدانا الله ~~لهديناكم } يعني لو أرشدنا الله لأرشدناكم ودعوناكم إلى الهدى ولكن لما ~~أضلنا دعوناكم إلى الضلالة { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا } يعني مستويان ~~علينا الجزع ms1918 والصبر. والجزع، أبلغ من الحزن لأنه يصرف الإنسان عما هو ~~بصدده، ويقطعه عنه { ما لنا من محيص } يعني من مهرب، ولا مناجاة مما نحن ~~فيه من العذاب. قال مقاتل: يقولون في النار تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة ~~عام فلا ينفعهم الجزع فيقولون: تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة عام فلا ~~ينفعهم الصبر فعند ذلك يقولون سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من ~~محيص. وقال محمد بن كعب القرظي: بلغني أن أهل النار يستغيثون بالخزنة كما ~~قال الله وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من ~~العذاب فردت الخزنة عليهم وقالوا ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى ~~فردت الخزنة وقالوا ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال فلما يئسوا مما ~~عند الخزنة، نادوا يا مالك ليقض علينا ربك سألوا الموت فلا يجيبهم ثمانين ~~سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما واليوم كألف سنة مما تعدون ثم يجيبهم ~~بقوله: إنكم ماكثون فلما يئسوا مما عنده قال بعضهم لبعض: تعالوا فلنصبر ~~كما صبر أهل الطاعة لعل ذلك ينفعنا فصبروا وطال صبرهم فلم ينفعهم وجزعوا، ~~فلم ينفعهم عند ذلك قالوا: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص. # قوله تعالى { وقال الشيطان } يعني إبليس { لما قضي الأمر } يعني لما فرغ ~~منه وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. يأخذ أهل النار في لوم ~~إبليس وتقريعه، وتوبيخه، فيقوم فيها خطيبا قال مقاتل: يوضع له منبر في ~~النار فيجتمع عليه أهل النار يلومونه فيقول لهم: ما أخبر الله عنه بقوله ~~{ إن الله وعدكم وعد الحق } فيه إضمار تقديره فصدق في وعده { ووعدتكم ~~فأخلفتكم } يعني الوعد. وقيل يقول: لهم إني قلت لكم لا بعث ولا جنة ولا ~~نار { وما كان لي عليكم من سلطان } يعني من ولاية وقهر، وقيل: لم آتيكم ~~بحجة فيما وعدتكم به { إلا أن دعوتكم } هذا استثناء منقطع معناه لكن ~~دعوتكم { فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم } يعني ما كان مني إلا ~~الدعاء وإلقاء الوسوسة، وقد سمعتم دلائل الله وجاءتكم الرسل فكان ms1919 من ~~الواجب عليكم أن لا تلتفوا إلي ولا تسمعوا قولي فلما رجحتم قولي على ~~الدلائل الظاهرة كان اللوم بكم أولى بأجابتي، ومتابعتي من غير حجة ولا ~~دليل { ما أنا بمصرخكم } يعني بمغيثكم ولا منقذكم { وما أنتم بمصرخي } ~~يعني بمغيثي ولا منقذي مما أنا فيه { إني كفرت بما أشركتمون من قبل } ~~يعني كفرت بجعلكم إياي شريكا له في عبادته وتبرأت من ذلك والمعنى أن ~~إبليس جحد ما يعتقده الكفار فيه، من كونه شريكا لله وتبرأ من ذلك { إن ~~الظالمين لهم عذاب أليم } روى البغوي بسنده عن عقبة بن عامر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حديث الشفاعة، وذكر الحديث إلى قوله # " فيأتوني فيأذن الله في أن أقوم فيثور من مجلسي أطيب ريح شمها أحد حتى ~~آتي ربي فيشفعني، ويجعل لي نورا من رأسي إلى ظهر قدمي. ثم يقول الكفار: ~~قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا فيقولون ما هو غير إبليس هو ~~الذي أضلنا فيأتونه، فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع ~~لنا فإنك أنت أضللتنا فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد ثم تعظم ~~جهنم، ويقول عند ذلك: إن الله وعدكم وعد الحق الآية ". ### || [14.23-27] # قوله تعالى: { وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } لما شرح الله عز وجل حال الكفار الأشقياء بما تقدم من الآيات ~~الكثيرة، شرح أحوال المؤمنين السعداء، وما أعد لهم في الآخرة من الثواب ~~العظيم الجزيل، وذلك أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ~~والمنفعة الخالصة إليها الإشارة دائمة بقوله: وأدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار، وكونها دائمة أشير إليه بقوله { ~~خالدين فيها } والتعظيم حصل من وجهين أحدهما قوله: { بإذن ربهم } لأن تلك ~~المنافع إنما كانت تفضلا من الله بإنعامه الثاني قوله { تحيتهم فيها ~~سلام } فيحتمل أن بعضهم يحيي بعضا بهذا الكلمة أو الملائكة تحييهم بها ~~أو الرب سبحانه وتعالى يحييهم، ويحتمل أن يكون المراد أنهم لما دخلوا ~~الجنة سلموا من جميع ms1920 الآفات لأن السلام مشتق من السلامة. قوله عز وجل { ~~ألم تر كيف ضرب الله مثلا } لما شرح الله عز وجل أحوال الأشقياء وأحوال ~~السعداء، ضرب مثلا فيه حكم هذين القسمين فقال تعالى: ألم تر أي بعين ~~قلبك فتعلم علم يقين بإعلامي إياك فعلى هذا يحتمل أن يكون الخطاب فيه ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل معه غيره فيه ويحتمل أن يكون الخطاب فيه ~~لكل فرد من الناس، فيكون المعنى ألم تر أيها الإنسان كيف ضرب الله مثلا ~~يعني بين شبها، والمثل عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر، ~~بينهما مشابهة ليتبين أحدهما من الآخر ويتصور. وقيل: هو قول سائر لتشبيه ~~شيء بشيء آخر { كلمة طيبة } هي قول لا إله إلا الله في قول ابن عباس ~~وجمهور المفسرين: { كشجرة طيبة } يعني كشجرة طيبة الثمرة وقال ابن عباس: ~~هي النخلة. وبه قال ابن مسعود وأنس ومجاهد وعكرمة والضحاك ق عن ابن عمر ~~رضي الله عنهما قال: # " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أخبروني عن شجرة شبه ~~الرجل أو قال كالرجل المسلم لا يتحات ورقها تؤتي أكلها كل حين " قال ابن ~~عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن ~~أتكلم فلما لم يقولوا شيئا قال رسول الله صلى الله عليه سلم " هي النخلة ~~" قال: فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنها ~~النخلة فقال ما منعك أن تتكلم؟ فقلت لم أركم تتكلمون فكرهت أن أتكلم أو ~~أقول شيئا فقال عمر لأن تكون قلته أحب إلي من كذا وكذا " # وفي رواية: # " إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟ ~~فوقع الناس في شجر البوادي قال عبد الله ابن عمر ووقع في نفسي أنها ~~النخلة فاستحييت أن أتكلم ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله قال " هي ~~النخلة " # وفي رواية عن ابن عباس، أنها شجرة في الجنة وفي رواية أخرى عنه أنها ms1921 ~~المؤمن. قوله { أصلها ثابت } يعني في الأرض { وفرعها } يعني أعلاها { في ~~السماء } يعني ذاهبة في السماء { تؤتي أكلها } يعني ثمرها { كل حين بإذن ~~ربها } يعني بأمر ربها والحين في اللغة الوقت يطلق على القليل والكثير ~~واختلفوا في مقداره هذا وقال مجاهد وعكرمة: الحين هنا سنة كاملة لأن ~~النخلة تثمر في كل سنة مرة واحدة. وقال سعيد بن جبير وقتادة والحسن: ستة ~~أشهر يعني من وقت طلعها إلى حين صرامها، وروي ذلك عن ابن عباس أيضا. ~~وقال علي بن أبي طالب: ثمانية أشهر يعني أن مدة حملها باطنا وظاهرا ~~ثمانية أشهر. وقيل: أربعة أشهر من حين ظهور حملها إلى إدراكها. وقال سعيد ~~بن المسيب: شهران يعني من وقت أن يؤكل منها إلى صرامها. وقال الربيع بن ~~أنس: كل حين يعني غدوة وعشية، لأن ثمر النخل يؤكل أبدا ليلا ونهارا ~~وصيفا وشتاء، فيؤكل منها الجمار والطلع والبلح والبسر والمنصف والرطب، ~~وبعد ذلك يؤكل التمر اليابس إلى حين الطري الرطب فأكلها دائم في كل وقت. ~~وقال العلماء: ووجه الحكمة في تمثيل هذه الكلمة التي هي كلمة الإخلاص ~~وأصل الإيمان بالنخلة حاصل من أوجه: أحدها: أن كلمة الإخلاص شديدة الثبوت ~~في قلب المؤمن كثبوت أصل النخلة في الأرض. الوجه الثاني: أن هذه الكلمة ~~ترفع عمل المؤمن إلى السماء. كما قال تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه # [فاطر: 10] وكذلك فرع النخلة الذي هو عال في السماء. الوجه الثالث: أن ~~ثمر النخلة يأتي في كل حين ووقت وكذلك ما يكسبه المؤمن من الأعمال ~~الصالحة في كل وقت وحين ببركة هذه الكلمة، فالمؤمن كلما قال: لا إله إلا ~~الله صعدت إلى السماء وجاءته بركتها وثوابها وخيرها ومنفعتها. الوجه ~~الرابع: أن النخلة شبيهة بالإنسان في غالب الأمر لأنها خلقت من فضلة طينة ~~آدم وأنها إذا قطع رأسها تموت كالآدمي بخلاف سائر الشجر فإنه إذا قطع ~~نبت، وأنها لا تحمل حتى تلقح بطلع الذكر. الوجه الخامس: في وجه الحكمة في ~~تمثيل الإيمان بالشجر على الإطلاق لأن الشجرة ms1922 لا تسمى شجرة إلا بثلاثة ~~أشياء: عرق راسخ، وأصل ثابت، وفرع قائم، وكذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة ~~أشياء: تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان، وقوله سبحانه وتعالى: ~~{ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } يعني أن في ضرب الأمثال ~~زيادة في الأفهام وتصويرا للمعاني وتذكيرا ومواعظ لمن تذكر واتعظ. قوله ~~تعالى { ومثل كلمة خبيثة } وهو الشرك { كشجرة خبيثة } يعني الحنظل قاله ~~أنس بن مالك ومجاهد: وفي رواية عن ابن عباس إنها الكشوت وعنه أيضا أنها ~~الثوم وعنه أيضا أنها الكافر لأنه لا يقبل عمله فليس له أصل ثابت ولا ~~يصعد إلى السماء { اجتثت } يعني استؤصلت وقطعت { من فوق الأرض ما لها من ~~قرار } يعني ما لهذه الشجرة من ثبات في الأرض، لأنها ليس لها أصل ثابت في ~~الأرض ولا فرع صاعد إلى السماء كذلك الكافر لا خير فيه ولا يصعد له. # قول طيب ولا عمل صالح ولا لاعتقاده أصل ثابت، فهذا وجه تمثيل الكافر ~~بهذه الشجرة الخبيثة. عن أنس قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع ~~عليه رطب فقال: # " مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل ~~حين بإذن ربها قال: هي النخلة ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق ~~الأرض ما لها من قرار قال هي الحنظلة " # أخرجه الترمذي. مرفوعا وموقوفا، وقال الموقوف أصح. قوله سبحانه ~~وتعالى: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } والقول الثابت: هي ~~الكلمة الطيبة وهي شهادة أن لا إله إلا الله، في قول جمهور المفسرين. ~~ولما وصف الكلمة الخبيثة في الآية المتقدمة بكلمة الشرك قال: في هذه ~~الآية ويضل الله الظالمين يعني بالكلمة الخبيثة وهي كلمة الشرك في قول ~~جميع المفسرين وقوله: { في الحياة الدينا } يعني في القبر عند السؤال { ~~وفي الآخرة } يعني يوم القيامة عند البعث والحساب وهذا القول واضح ويدل ~~عليه ما روي عن البراء بن عازب. قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إن المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا ms1923 إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله فذلك قوله: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة قال: نزلت في عذاب القبر زاد في رواية يقال له من ربك فيقول ~~ربي الله ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم " # أخرجه البخاري ومسلم ق. عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: # " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وأنه ليسمع قرع نعالهم إذا ~~انصرفوا أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ ~~فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك ~~من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~فيراهما جميعا " قال قتادة: ذكر لنا أنه يفسح له في قبره ثم رجع إلى ~~حديث أنس وأما المنافق وفي رواية وأما الكافر فيقول: لا أدري كنت أقول ما ~~يقول الناس فيه. فيقال: لا دريت ولا تليت ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة ~~بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين " # لفظ البخاري ولمسلم بمعناه زاد في رواية # " أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا، ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون " # وأخرجه أبو داود عن أنس قال: وهذا لفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن المؤمن إذا وضع قبره أتاه ملك فيقول: ماكنت تعبد؟ فإن هداه الله، ~~قال: كنت أعبد الله فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول هو عبد ~~الله ورسوله فلا يسأل عن شيء بعدها فينطلق به إلى بيت كان له في النار، ~~فيقال له: هذا كان مقعدك ولكن عصمك الله فأبدلك به بيتا في الجنة فيراه، ~~فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي. فيقال له: اسكن. وإن الكافر والمنافق ~~إذا وضع في قبره، أتاه ملك فينهضه فيقول ما كنت تعبد؟ فيقول: لا أدري. ~~فيقال له: لا دريت ولا تليت فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول كنت ~~أقول ما يقول الناس فيه ms1924 فيضربه بمطراق من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة ~~يسمعها الخلق غير الثقلين " # وأخرجه النسائي. أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إذا قبر الميت أو قال إذا قبر أحدكم آتاه ملكان أسودان أزرقان يقال ~~لأحدهما المنكر وللآخر النكير فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول: ~~كنت أقول هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا ثم يفسح له في قبره سبعون ~~ذراعا، ثم ينور له فيه ثم يقال له: ثم فيقول أرجع إلى أهلي فأخبرهم ~~فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه ~~الله تعالى من مضجعه، ذلك وإن كان منافقا فيقول سمعت الناس يقولون قولا ~~فقلت مثلهم لا أدري فيقولان: قد كنا نعلم أنك كنت تقول ذلك. فيقال للأرض: ~~التئمي عليه فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه ~~الله من مضجعه ذلك " # أخرجه الترمذي. # " عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~جنازة رجل من الأنصار فانتهت إلى القبر، ولما يلحد بعد فجلس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رؤؤسنا الطير وبيده عود ينكت ~~به في الأرض، فرفع رأسه صلى الله عليه وسلم فقال: تعوذوا بالله من عذاب ~~القبر مرتين أو ثلاثا زاد في رواية قال: إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ~~ولو مدبرين حين يقال له: يا هذا من ربك وما دينك ومن نبيك وفي رواية ~~يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله فيقولان له ~~وما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ~~فيقول هو رسول الله فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به ~~وصدقت، زاد في رواية فذلك قوله: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة ثم لقناه قال فينادي مناد من السماء أن صدق ~~عبدي ms1925 فافرشوا له من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيأتيه من ريحها ~~وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره وإن كان الكافر فذكر موته قال: فتعاد ~~روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول: هاه هاه ~~لا أدري. فيقولا ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان ما هذا الرجل ~~الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن قد كذب ~~عبدي فافرشوا له من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابا في النار، ~~فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه في رواية ~~ثم يقبض له أعمى أبكم أصم معه مرزبة من حديد، لو ضرب بها جبلا لصار ~~ترابا فيضربه بها ضربة، يسمعها من بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير ~~ترابا ثم تعاد فيه الروح " # أخرجه أبو داود. عن عثمان بن عفان قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه ~~وقال: " استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل " " # أخرجه أبو داود. عن عبد الرحمن بن ثمامة المهري قال: حضرنا عمرو بن ~~العاص وهو في سياق الموت فبكى بكاء طويلا، وحول وجهه إلى الجدر وجعل ~~ابنه يقول: ما يبكيك يا أبتاه أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بكذا وكذا فأقبل بوجهه وقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله، وذكر الحديث بطوله وفيه # " فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة، ولا نار فإذا دفنتموني فسنوا علي ~~التراب سنا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس ~~بكم وأنظر ما أراجع به رسل ربي " # أخرجه مسلم بزيادة طويلة فيه قيل المراد من التثبيت بالقول الثابت هو أن ~~الله تعالى إنما يثبتهم في القبر بسبب كثرة مواظبتهم على شهادة الحق في ~~الحياة الدنيا وحبهم لها، فمن كانت مواظبته على شهادة الإخلاص أكثر كان ~~رسوخها في قلبه أعظم فينبغي للعبد المسلم أن يكثر ms1926 من قول لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله في جميع حالاته، من قيامه وقعوده ونومه ويقظته وجميع ~~حركاته وسكناته، فلعل الله عز وجل أن يرزقه ببركة مواظبته على شهادة ~~الإخلاص التثبيت في القبر، ويسهل عليه جواب الملكين بما فيه خلاصه من ~~عذاب الآخرة، نسأل الله التثبيت في القبر، وحسن الجواب وتسهيله بفضله ~~ومنه وكرمه وإحسانه، إنه على كل شيء قدير وقوله تعالى: { ويضل الله ~~الظالمين } يعني أن الله تعالى لا يهدي المشركين إلى الجواب الصواب في ~~القبر { ويفعل الله ما يشاء } يعني من التوفيق، والخذلان والهداية ~~والإضلال والتثبيت، وتركة لا اعتراض عليه في جميع أفعاله لا يسئل عما ~~يفعل وهم يسألون. ### || [14.28-31] # قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا } خ عن ابن عباس ~~في قوله: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا؟ قال: هم كفار مكة وفي ~~رواية هم والله كفار قريش. قال عمر: هم قريش ونعمة الله هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم { وأحلوا قومهم دار البوار } قال البوار: يوم بدر وعن علي رضي ~~الله عنه قال هم كفار قريش فجروا يوم بدر، وقال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه: الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو أمية أما بنو المغيرة فقد ~~كفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فقد متعوا إلى حين فقوله بدلوا نعمة ~~الله كفرا معناه أن الله تعالى لما أنعم على قريش بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم فأرسله إليهم وأنزل عليه كتابه ليخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور ~~الإيمان اختاروا الكفر على الإيمان، وغيروا نعمة الله عليهم. وقيل: يجوز ~~أن يكون بدلوا شكر نعمة الله عليهم كفرا لأنهم لما وجب عليهم الشكر بسبب ~~هذه النعمة أتوا بالكفر فكأنهم غيروا الشكر، وبدلوه بالكفر وأحلوا قومهم، ~~يعني ومن تبعهم على دينهم وكفرهم دار البوار يعني دار الهلاك ثم فسرها ~~بقوله { جهنم يصلونها وبئس القرار } يعني المستقر { وجعلوا لله أندادا } ~~يعني أمثالا وأشباها من الأصنام، وليس لله تعالى ند ولا شبيه، ولا مثيل ~~تعالى ms1927 الله عن الند والتشبيه والمثيل علوا كبيرا { ليضلوا عن سبيله } ~~يعني ليضلوا الناس عن طريق الهدى ودين الحق { قل تمتعوا } أي قل: يا محمد ~~لهؤلاء الكفار تمتعوا في الدنيا أياما قلائل { فإن مصيركم إلى النار } ~~يعني في الآخرة. قوله تعالى { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة } ~~يعني يقيموا الصلاة الواجبة، وإقامتها إتمام أركانها { وينفقوا مما ~~رزقناهم } قيل أراد بهذا الإنفاق إخراج الزكاة الواجبة، وقيل: أراد به ~~جميع الإنفاق في جميع وجوه الخير والبر وحمله على العموم أولى ليدخل فيه ~~إخراج الزكاة، والإنفاق في جميع وجوه البر { سرا وعلانية } يعني ينفقون ~~أموالهم في حال السر وحال العلانية، وقيل: أراد بالسر صدقة التطوع ~~وبالعلانية إخراج الزكاة الواجبة { من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه } قال ~~أبو عبيدة: البيع هنا الفداء يعني لا فداء في ذلك اليوم { ولا خلال } ~~يعني ولا خلة، وهي المودة والصداقة التي تكون مخاللة بين اثنين. وقال ~~مقاتل: إنما هو يوم لا بيع فيه ولاشراء مخاللة ولا قرابة، إنما هي ~~الأعمال إما أن يثاب بها أو يعاقب عليها. فإن قلت كيف نفى الخلة في هذه ~~الآية، وفي الآية التي في سورة البقرة وأثبتها في قوله # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين # [الزخرف: 67] قلت: الآية الدالة على نفي الخلة محمولة على نفي الخلة ~~الحاصلة، بسبب ميل الطبيعة، ورعونة النفس، والآية الدالة على حصول الخلة ~~وثباتها محمولة على الخلة الحاصلة بسبب محبة الله ألا تراه أثبتها ~~للمتقين فقط، ونفاها عن غيرهم. وقيل: إن ليوم القيامة أحوالا مختلفة، ~~ففي بعضها يشتغل كل خليله عن خليله وفي بعضها يتعاطف الأخلاء بعضهم على ~~بعض. إذا كانت تلك المخالة لله في محبته. ### || [14.32-37] # قوله عز وجل: { الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج ~~من الثمرات رزقا لكم } اعلم أنه تقدم تفسير هذه الآية في مواضع كثيرة، ~~ونذكر هاهنا بعض فوائد هذه الآية الدالة على وجود الصانع المختار القادر ~~الذي لا يعجزه شيء أراده، فقوله تعالى: الله خلق السموات والارض، إنما ms1928 ~~بدأ بذكر خلق السموات والأرض، لأنها أعظم المخلوقات الشاهدة الدالة على ~~وجود الصانع الخالق القادر المختار وأنزل من السماء ماء يعني من السحاب ~~سمي السحاب سماء لارتفاعه مشتق من السمو، وهو الارتفاع وقيل إن المطر ~~ينزل من السماء إلى السحاب ومن السحاب الى الأرض فأخرج به أي بذلك الماء ~~من الثمرات رزقا لكم، والثمر اسم يقع على ما يحصل من الشجر. وقد يقع على ~~الزرع أيضا بدليل قوله: كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ~~وقوله: من الثمرات بيان للرزق أي أخرج به رزقا هو الثمرات { وسخر لكم ~~الفلك لتجري في البحر بأمره } لما ذكر الله سبحانه وتعالى إنعامه بإنزال ~~المطر، وأخراج الثمر لأجل الرزق والانتفاع به ذكر نعمته على عباده بتسخير ~~السفن الجارية على الماء، لأجل الانتفاع بها في جلب ذلك الرزق الذي هو ~~الثمرات، وغيرها من بلد إلى بلد آخر. فهي من تمام نعمة الله على عباده { ~~وسخر لكم الأنهار } يعني ذللها لكم تجرونها حيث شئتم، ولما كان ماء البحر ~~لا ينتفع به في سقي الزروع والثمرات ولا في الشراب أيضا ذكر نعمته على ~~عباده في تسخير الأنهار، وتفجير العيون لأجل هذه الحاجة، فهو من أعظم نعم ~~الله على عباده { وسخر لكم الشمس والقمر دائبين } الدأب العادة المستمرة ~~دائما على حالة واحدة ودأب في السير داوم عليه، والمعنى أن الله سخر ~~الشمس والقمر، يجريان دائما فيما يعود إلى مصالح العباد لا يفتران إلى ~~آخر الدهر، وهو انقضاء عمر الدنيا وذهابها. قال ابن عباس: دؤبها في طاعة ~~الله عز وجل. وقال بعضهم: معناه يدأبان في طاعة الله أي في مسيرهما ~~وتأثيرهما في إزالة الظلمة وإصلاح النبات والحيوان لأن الشمس سلطان ~~النهار وبها تعرف فصول السنة والقمر سلطان الليل، وبه يعرف انقضاء الشهور ~~وكل ذلك بتسخير الله عز وجل، وإنعامه على عباده وتسخيره لهم { وسخر لكم ~~الليل والنهار } يعني يتعاقبان في الضياء والظلمة والنقصان، والزيادة ~~وذلك من إنعام الله على عباده وتسخيره لهم { وآتاكم من كل ما سألتموه ms1929 } ~~لما ذكر الله سبحانه وتعالى النعم العظام التي أنعم الله بها على عباده ~~وسخرها لهم بين بعد ذلك، أنه تعالى لم يقتصر على تلك النعم بل أعطى عباده ~~من المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها العد والحصر. # والمعنى: وآتاكم من كل ما سألتموه شيئا فحذف شيئا اكتفاء بدلالة ~~الكلام على التبعيض، وقيل: هو على التكثير يعني وآتاكم من كل شيء ~~سألتموه، وما لم تسألوه لأن نعمه علينا أكثر من أن تحصى { وإن تعدوا نعمت ~~الله لا تحصوها } يعني أن نعم الله كثيرة على عباده، فلا يقدر أحد على ~~حصرها ولا عدها لكثرتها { إن الإنسان } قال ابن عباس: يريد أبا جهل، وقال ~~الزجاج: هو اسم جنس ولكن يقصد به الكافر { لظلوم كفار } يعني ظلوم لنفسه ~~كفار بنعمة ربه، وقيل: الظلوم الشاكر لغير من أنعم عليه فيضع الشكر في ~~غير موضعه كفار جحود لنعم الله عليه. وقيل: يظلم النعمة بإغفال شكرها ~~كفار شديد الكفران لها، وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع بالنعمة يجمع ~~ويمنع. قوله سبحانه وتعالى { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا } ~~يعني ذا آمن يؤمن فيه وأراد بالبلد مكة. فإن قلت: أي فرق بين قوله اجعل ~~هذا بلدا آمنا وبين قوله اجعل هذا البلد آمنا؟ قلت: الفرق بينهما أنه ~~سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها فيها ولا يخافون ~~وسأل في الثاني أن يخرج هذا البلد من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من ~~الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا { واجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام } يعني أبعدني وبني أن نعبد الأصنام. فإن قلت قد توجه على هذه ~~الآية إشكالات وهي من وجوه: الأول أن إبراهيم دعا ربه أن يجعل مكة آمنة ~~ثم إن جماعة من الجبابرة وغيرهم، قد أغاروا عليها وأخافوا أهلها. الوجه ~~الثاني: أن الأنبياء عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام معصومون عن ~~عبادة الأصنام، وإذا كان كذلك فما الفائدة في قوله اجنبني عن عبادتها. ~~الوجه الثالث: أن إبراهيم ms1930 عليه السلام سأل ربه أيضا أن يجنب بنيه عن ~~عبادة الأصنام، وقد وجد كثير من بنيه عبد الأصنام مثل كفار قريش، وغيرهم ~~ممن ينسب إلى إبراهيم عليه السلام. قلت: الجواب عن الوجوه المذكورة من ~~وجوه: فالجواب على الوجه الأول: من وجهين أحدهما أن إبراهيم عليه السلام ~~لما فرغ من بناء الكعبة دعا بهذا الدعاء، والمراد منه جعل مكة آمنة من ~~الخراب، وهذا موجود بحمد الله ولم يقدر أحد على خراب مكة، وأورد على هذا ~~ما ورد في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة " # أخرجاه في الصحيحين. وأجيب عنه بأن قوله: اجعل هذا البلد آمنا يعني إلى ~~قرب القيامة وخراب الدنيا وقيل: هو عام مخصوص بقصة ذو السويقتين فلا ~~تعارض بين النصين. الوجه الثاني: أن يكون المراد اجعل هذا البلد آمنين، ~~وهذا الوجه عليه أكثر العلماء من المفسرين وغيرهم وعلى هذا فقد اختص أهل ~~مكة بزيادة الأمن في بلدهم كما أخبر الله سبحانه وتعالى بقوله: ويتخطف ~~الناس من حولهم، وأهل مكة آمنون من ذلك حتى إن من التجأ إلى مكة أمن على ~~نفسه وما له من ذلك، وحتى إن الوحوش إذا كانت خارجة من الحرم استوحشت ~~فإذا دخلت الحرم أمنت واستأنست لعلمها أنها لا يهيجها أحد في الحرم وهذا ~~القدر من الأمن حاصل بحمد الله بمكة وحرمها وأما الجواب عن الوجه الثاني: ~~فمن وجوه أيضا: الوجه الأول: أن دعاء إبراهيم عليه السلام لنفسه لزيادة ~~العصمة التثبيت، فهو كقوله واجعلنا مسلمين لك. # الوجه الثاني: أن إبراهيم عليه السلام، وإن كان يعلم أن الله سبحانه ~~وتعالى يعصمه من عبادة الأصنام إلا أنه دعا بهذا الدعاء، هضما للنفس ~~وإظهارا للعجز والحاجة والفاقة إلى فضل الله تعالى ورحمته، وأن أحدا لا ~~يقدر على نفع نفسه بشيء لم ينفعه الله به فلهذا السبب دعا لنفسه بهذا ~~الدعاء وأما دعاؤه لبنيه، وهو الوجه الثالث من الإشكالات فالجواب عنه من ~~وجوه: الأول أن إبراهيم دعا لبنيه ms1931 من صلبه، ولم يعبد أحد منهم صنما قط. ~~الوجه الثاني: أنه أراد أولاده وأولاد أولاده الموجودين حالة الدعاء ولا ~~شك أن إبراهيم عليه السلام قد أجيب فيهم. الوجه الثالث قال الواحدي: دعا ~~لمن أذن الله أن يدعو له فكأنه قال: وبني الذين أذنت لي في الدعاء لهم ~~لأن دعاء الأنبياء مستجاب وقد كان من بنيه من عبد الصنم فعلى هذا الوجه ~~يكون هذا الدعاء من العام المخصوص. الوجه الرابع: أن هذا مختص بالمؤمنين ~~من أولاده والدليل عليه أنه قال في آخر الآية: فمن تبعني فإنه مني، وذلك ~~يفيد أن من لم يتبعه على دينه فليس منه، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ~~وقوله تعالى { رب إنهن } يعني الأصنام { أضللن كثيرا من الناس } وهذا ~~مجاز لأن الأصنام جمادات، وحجارة لا تعقل شيئا حتى تضل من عبدها إلا أنه ~~لما حصل الإضلال بعبادتها أضيف إليها كما تقول: فتنتهم الدنيا وغرتهم ~~وإنما فتنوا بها واغتروا بسببها { فمن تبعني فإنه مني } يعني فمن تبعني ~~على ديني واعتقادي، فإنه مني يعني المتدينين بديني المتمسكين بحبلي كما ~~قال الشاعر: # إذا حاولت في أسد فجورا فإني لست منك ولست مني # أراد ولست من المتمسكين بحبلي، وقيل: معناه أنه مني حكمه حكمي جار مجراي ~~في القرب والاختصاص { ومن عصاني } يعني في غير الدين { فإنك غفور رحيم } ~~قال السدي: ومن عصاني ثم تاب فإنك غفور رحيم. وقال مقاتل: ومن عصاني فيما ~~دون الشرك فإنك غفور رحيم. وشرح أبو بكر بن الأنباري هذا فقال: ومن عصاني ~~فخالفني في بعض الشرائع وعقائد التوحيد فإنك غفور رحيم إن شئت أن تغفر له ~~غفرت إذا كان مسلما وذكر وجهين آخرين أحدهما أن هذا كان قبل أن يعلمه ~~الله أنه لا يغفر الشرك كما استغفر لأبويه، وهو يقول أن ذلك غير محظور ~~فلما عرف أنهما غير مغفور لهما تبرأ منهما والوجه الآخر ومن عصاني ~~بإقامته على الكفر فإنك غفور رحيم يعني أنك قادر على أن تغفر له وترحمه ~~بأن تنقله من الكفر إلى الإيمان، والإسلام ms1932 وتهديه إلى الصواب. # قوله عز وجل إخبارا عن إبراهيم { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي ~~زرع عند بيتك المحرم } خ # " عن ابن عباس قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت ~~منطقا لتعفي أثرها على سارة ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، وهي ~~ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة ~~يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هناك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء ~~فيه ماء، ثم قفل إبراهيم منطقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم إلى ~~أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء فقالت له ذلك ~~مرارا وجعل لا يلتفت إليها فقالت آلله أمرك بهذا؟ قال نعم قالت إذن لا ~~يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم فدعا بهذه الدعوات فرفع يديه فقال: رب إني ~~أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع حتى بلغ يشكرون وجعلت أم إسماعيل ترضع ~~إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت، وعطش ابنها ~~وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت ~~الصفاء أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليها ثم استقبلت الوادي تنظر هل ~~ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت منه حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ~~ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها ~~فنظرت هل ترى أحدا فلم ترى أحدا ففعلت ذلك سبع مرات قال ابن عباس قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم " فلذلك سعى الناس بينهما فلما أشرفت على ~~المروة سمعت صوتا فقالت: صه تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت صوتا أيضا ~~فقالت: قد أسمعت أن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث ~~بقعبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تخوضه، وتقول: بيدها هكذا وجعلت ~~تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف " " # وفي رواية قدر ما تغرف قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه سلم: # " " يرحم ms1933 الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال: لو لم تغرف من الماء ~~لكانت زمزم عينا معينا " قال: فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا ~~تخافي الضيعة فإن هاهنا بيتا لله تعالى، يبنيه هذا الغلام وأبوه وأن الله ~~لا يضيع أهله وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ ~~عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من ~~جرهم مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا. ~~فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي، وما فيه ماء ~~فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم فأقبلوا، وأم ~~إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك قالت نعم ولكن لا حق ~~لكم في الماء قالوا: قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه سلم: " فألقى ~~ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس فنزلوا وأرسلوا أهليهم، فنزلوا معهم حتى ~~إذا كانوا بها أهل أبيات منهم وشب الغلام، وتعلم العربية منهم وآنسهم ~~وأعجبهم حين شب فلما أدرك زوجوه بامرأة منهم وماتت أم إسماعيل، فجاء ~~إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته " # أخرجه البخاري بأطول من هذا، وقد تقدم الحديث بطوله في تفسير سورة ~~البقرة، وأما تفسير الآية فقوله ربنا إني أسكنت من ذريتي من للتبعيض أي ~~بعض ذريتي وهو إسماعيل عليه السلام بواد غير ذي زرع يعني ليس فيه زرع، ~~لأنه واد بين جبلين جبل أبي قبيس وجبل أجياد وهو واد بمكة عند بيتك ~~المحرم سماه محرما لأنه يحترم عنده ما لا يحترم عند غيره، وقيل: لأن ~~الله حرمه على الجبابرة فلم ينالوه بسوء وحرم التعرض له والتهاون به، ~~وبحرمته وجعل ما حوله محرما لمكانه، وشرفه وقيل: لأنه حرم على الطوفان ~~بمعنى امتنع منه وقيل: سمي محرما لأن الزائرين له يحرمون على أنفسهم ~~أشياء كانت مباحة لهم من قبل وسمي عتيقا أيضا لأنه أعتق من الجبابرة أو ~~من الطوفان. فإن قلت: كيف قال عند بيتك المحرم ولم يكن هناك ms1934 بيت حينئذ، ~~وإنما بناه إبراهيم بعد ذلك. قلت: يحتمل أن الله عز وجل أوحى إليه وأعلمه ~~أن هناك بيتا قد كان في سالف الزمان، وأنه سيعمر فلذلك قال عند بيتك ~~المحرم، وقيل: يحتمل أن يكون المعنى عند بيتك الذي كان ثم رفع عند ~~الطوفان وقيل: يحتمل أن يكون المعنى عند بيتك الذي جرى في سابق علمك أنه ~~سيحدث في هذا المكان { ربنا ليقيموا الصلاة } اللام في ليقيموا متعلقة ~~بأسكنت يعني أسكنت قوما من ذريتي، وهم إسماعيل وأولاده بهذا الوادي الذي ~~لا زرع فيه ليقيموا أي لأجل أن يقيموا أو لكي يقيموا الصلاة { فاجعل ~~أفئدة من الناس } قال البغوي جمع الموفد { تهوي إليهم } تحن وتشتاق ~~إليهم. قال السدي رحمه الله: أمل قلوبهم إلى هذا الموضع وقال ابن الجوزي ~~أفئدة من الناس أي قلوب جماعة من الناس فلهذا جعله جمع فؤاد قال ابن ~~الأنباري: وإنما عبر عن القلوب بالأفئدة لقرب القلب من الفؤاد فجعل القلب ~~والفؤاد جارحتين. # وقال الجوهري: الفؤاد القلب والجمع أفئدة فجعلهما جارحة واحدة ولفظة من ~~في قوله من الناس للتبعيض، قال مجاهد: لو قال أفئدة الناس لزاحمتكم فارس ~~والروم والترك والهند. وقال سعيد بن جبير: لحجت اليهود والنصارى والمجوس ~~ولكنه قال أفئدة من الناس فهم المسلمون تهوي إليهم قال الأصمعي: يقال هوى ~~يهوي هويا إذا سقط من علو إلى أسفل وقال الفراء تهوي إليهم تريدهم كما ~~تقول: رأيت فلانا يهوي نحوك معناه يريدك وقال أيضا تهوي تسرع إليهم، ~~وقال ابن الأنباري: معناه تنحط إليهم وتنحدر وتنزل هذا قول أهل اللغة في ~~هذا الحرف وأما أقوال المفسرين فقال ابن عباس: يريد تحن إليهم لزيارة ~~بيتك وقال قتادة تسرع إليهم. وفي هذا بيان أن حنين الناس إليهم، إنما هو ~~لطلب حج البيت لا لأعيانهم، وفيه دعاء للمؤمنين بأن يرزقهم حج البيت ~~ودعاء لسكان مكة من ذريته بأنهم ينتفعون بمن يأتي إليهم من الناس لزيارة ~~البيت فقد جمع إبراهيم عليه السلام في هذا الدعاء من أمر الدين، والدنيا ~~ما ظهر بيانه وعمت ms1935 بركاته { وارزقهم من الثمرات } يعني كما رزقت سكان ~~القرى ذوات الماء والزرع فيكو المراد عمارة قرى بقرب مكة لتحصل تلك ~~الثمار، وقيل يحتمل أن يكون المراد جلب الثمرات إلى مكة بطريق النقل ~~والتجارة فهو كقوله تعالى يجبى إليه ثمرات كل شيء. وقوله تعالى { لعلهم ~~يشكرون } يعني لعلهم يشكرون هذه النعم التي أنعمت بها عليهم، وقيل: معناه ~~لعلهم يوحدونك ويعظمونك وفيه دليل على أن تحصيل منافع الدنيا، إنما هو ~~ليستعان بها على أداء العبادات وإقامة الطاعات. ### || [14.38-43] # { ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن } يعني إنك تعلم السر كما تعلم العلن ~~عما لا تفاوت فيه والمعنى أنك تعلم أحوالنا، وما يصلحنا وما يفسدنا وأنت ~~أرحم بنا منا فلا حاجة بنا إلى الدعاء، والطلب إنما ندعوك إظهارا ~~للعبودية لك، وتخشعا لعظمتك وتذللا لعزتك وافتقارا إلى ما عندك وقيل: ~~معناه تعلم ما نخفي من الوجد بفرقة إسماعيل وأمه حيث أسكنتهما بواد غير ~~ذي زرع وما نعلن يعني من البكاء وقيل: ما نخفي يعني من الحزن المتمكن في ~~القلب، وما نعلن يعني ما جرى بينه وبين هاجر عند الوداع حين قالت ~~لإبراهيم عليه السلام إلى من تكلنا قال: إلى الله قالت إذا لا يضيعنا { ~~وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء } فقيل: هذا من تتمة ~~قول إبراهيم يعني وما يخفى على الله الذي هو عالم الغيب من شيء في كل ~~مكان وقال الأكثرون: إنه من قول الله تعالى تصديقا لإبراهيم فيما قال: ~~فهو كقوله وكذلك يفعلون { الحمد لله رب الذي وهب لي على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق } قال ابن عباس: ولد إسماعيل لإبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة ~~وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة وقال سعيد بن جبير: بشر ~~إبراهيم بإسحاق وهو ابن مائة وسبع عشرة سنة، ومعنى قوله: على الكبر مع ~~الكبر لأن هبة الولد في هذا السن من أعظم المنن لأنه سن اليأس من الولد ~~لهذا شكر الله على هذه المنة. فقال: الحمد لله الذي وهب ms1936 لي على الكبر ~~إسماعيل وإسحاق. فإن قلت: كيف جمع بين إسماعيل وإسحاق في الدعاء في وقت ~~واحد وإنما بشر باسحاق بعد إسماعيل بزمان طويل؟ قلت: يحتمل أن إبراهيم ~~عليه السلام إنما أتى بهذا الدعاء عندما بشر باسحاق وذلك أنه لما عظمت ~~المنة على قلبه بهبة ولدين عظيمين عند كبره قال عند ذلك الحمد لله الذي ~~وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ولا يرد على هذا ما ورد في الحديث أنه ~~دعا بما تقدم عند مفارقة إسماعيل وأمه لأن الذي صح في الحديث أنه دعا ~~بقوله ربنا إني أسكنت ذريتي إلى قوله لعلهم يشكرون إذا ثبت هذا فيكون ~~قوله الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق في وقت آخر والله ~~أعلم بحقيقة الحال { إن ربي لسميع الدعاء } كان إبراهيم عليه السلام قد ~~دعا ربه وسأله الولد بقوله # رب هب لي من الصالحين # [الصافات: 100] فلما استجاب الله دعاءه ووهبه ما سأل شكر الله على ما ~~أكرمه به ومن إجابة دعائه فعند ذلك قال الحمد لله الذي وهب لي على الكبر ~~إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء وهو من قولك سمع الملك كلام فلان إذا ~~اعتد به وقبله { رب اجعلني مقيم الصلاة } يعني ممن يقيم الصلاة ~~بأركانها ويحافظ عليها في أوقاتها { ومن ذريتي } أي واجعل من ذريتي من ~~يقيم الصلاة وإنما أدخل لفظة من التي هي للتبعيض في قوله ومن ذريتي لأنه ~~أعلم بإعلام الله إياه أنه قد يوجد من ذريته جمع من الكفار لا يقيمون ~~الصلاة فلهذا قال ومن ذريتي وأراد بهم المؤمنين من ذريته { ربنا وتقبل ~~دعاء } سأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يتقبل دعاءه فاستجاب الله ~~لإبراهيم وقيل دعاءه بفضله ومنه كرمه { ربنا اغفر لي } فان قلت طلب ~~المغفرة من الله إنما يكون لسابق ذنب قد سلف حتى يطلب المغفرة من ذلك ~~الذنب وقد ثبت عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الذنوب فما وجه طلب ~~المغفرة له؟ قلت: المقصود منه الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى وقطع ~~الطمع من ms1937 كل شيء إلا من فضله وكرمه والاعتراف بالعبودية لله تعالى ~~والاتكال على رحمته { ولوالدي }. # فإن قلت: كيف استغفر إبراهيم لأبويه وكانا كافرين؟ قلت: أراد أنهما إن ~~أسلما وتابا وقيل إنما قال ذلك أن يتبين له أنهما من أصحاب الجحيم وقيل ~~إن أمه أسلمت فدعا لها وقيل أراد بوالديه آدم وحواء { وللمؤمنين } يعني ~~واغفر للمؤمنين كلهم { يوم يقوم الحساب } يعني يوم يبدو ويظهر الحساب ~~وقيل أراد يوم الناس للحساب فاكتفى بذلك أي بذكر الحساب لكونه مفهوما ~~عند السامع وهذا دعاء للمؤمنين بالمغفرة والله سبحانه وتعالى لا يرد دعاء ~~خليله إبراهيم عليه السلام ففيه بشارة عظيمة لجميع المؤمنين بالمغفرة. ~~قوله سبحانه وتعالى { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } الغفلة ~~معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور وقيل حقيقة الغفلة سهو ~~يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ وهذا في حق الله محال فلا بد من ~~تأويل الآية فالمقصود منها أنه سبحانه وتعالى ينتقم من الظالم للمظلوم ~~ففيه وعيد وتهديد للظالم وإعلام له بأن لا يعامله معاملة الغافل عنه بل ~~ينتقم ولا يتركه مغفلا قال سفيان بن عيينة: فيه تسلية للمظلوم وتهديد ~~للظالم. فإن قلت: تعالى الله عن السهو والغفلة فكيف يحسبه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غافلا وهو أعلم الناس به أنه لم غافلا حتى قيل له ولا ~~تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون. قلت: إذا كان المخاطب به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ففيه وجهان: أحدهما التثبيت على ما كان عليه من أنه ~~لا يحسب الله غافلا فهو كقوله # ولا تكونن من المشركين # [يونس: 105] # ولا تدع مع الله إلها آخر # [القصص: 88] وكقوله سبحانه وتعالى # يا أيها الذين آمنوا آمنوا # [النساء: 136] أي اثبتوا على ما أنتم عليه من الإيمان. الوجه الثاني أن ~~المراد بالنهي عن حسابه غافلا الإعلام بأنه سبحانه وتعالى عالم بما يفعل ~~الظالمون ولا يخفى عليه شيء وأنه ينتقم منهم فهو على سبيل الوعيد ~~والتهديد لهم والمعنى: ولا تحسبنه معاملهم معاملة الغافل عنهم ولكن ~~يعاملهم معاملة الرقيب ms1938 الحفيظ عليهم المحاسب لهم على الصغير والكبير وإن ~~كان المخاطب غير النبي صلى الله عليه وسلم فلا إشكال فيه ولا سؤال لأن ~~أكثر الناس غير عارفين بصفات الله فمن جوز أن يحسبه غافلا فلجهله بصفاته ~~{ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار } يقال: شخص بصر الرجل إذا بقيت ~~عيناه مفتوحتين لا يطرفهما، وشخوص البصر يدل على الحيرة والدهشة من هول ~~ما ترى في ذلك اليوم { مهطعين } قال قتادة مسرعين وهذا قول أبي عبيدة ~~فعلى هذا المعنى أن الغالب من حال من بقي بصره شاخصا من شدة الخوف أن ~~يبقى واقفا باهتا فبين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن أحوال أهل ~~الوقف يوم القيامة بخلاف الحال المعتادة فأخبر سبحانه وتعالى أنهم مع ~~شخوص الأبصار يكونون مهطعين يعني مسرعين نحو الدعي وقيل المهطع الخاضع ~~الذليل الساكت { مقنعي رؤوسهم } الاقناع رفع الرأس إلى فوق فأهل الموقف ~~من صفتهم أنهم رافعو رؤوسهم إلى السماء وهذا بخلاف المعتاد لأن من يتوقع ~~البلاء فإنه يطرق ببصره إلى الأرض قال الحسن وجوه الناس يوم القيامة إلى ~~السماء لا ينظر أحد إلى أحد وهو قوله تعالى { لا يرتد إليهم طرفهم } أي ~~لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة الخوف فهي شاخصة لا ترتد إليهم قد شغلهم ما ~~بين أيديهم { وأفئدتهم هواء } أي خالية. # قال قتادة خرجت قلوبهم من صدورهم فصارت في حناجرهم فلا تخرج من أفواههم ~~ولا تعود إلى أماكنها ومعنى الآية أن أفئدتهم خالية فارغة لا تعي شيئا ~~ولا تعقل من شدة الخوف. وقال سعيد بن جبير: وأفئدتهم هواء مترددة تهوي في ~~أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه ومعنى الآية أن القلوب يومئذ زائلة عن ~~أماكنها والأبصار شاخصة والرؤوس مرفوعة إلى السماء من هول ذلك اليوم ~~وشدته. ### || [14.44] # { وأنذر الناس } يعني وخوف الناس يا محمد بيوم القيامة وهو قوله سبحانه ~~وتعالى { يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا } يعني ظلموا أنفسهم ~~بالشرك والمعاصي { ربنا أخرنا إلى أجل قريب } يعني أمهلنا مدة يسيرة قال ~~بعضهم: طلبوا الرجوع إلى الدنيا حتى ms1939 يؤمنوا فينفعهم ذلك وهو قوله تعالى { ~~نجب دعوتك ونتبع الرسل } فأجيبوا بقوله { أولم تكونوا أقسمتم من قبل } ~~يعني في دار الدنيا { مالكم من زوال } يعني ما لكم عنها انتقال ولا بعث ~~ولا نشور. ### || [14.45-48] # { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } يعني بالكفر والمعاصي ممن كان ~~قبلكم من كفار الأمم الخالية كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم { وتبين لكم كيف ~~فعلنا بهم } يعني وقد عرفتم كيف كان عقوبتنا إياهم { وضربنا لكم الأمثال ~~} يعني الأمثال التي ضربها الله عز وجل في القرآن ليتدبروها، ويعتبروا ~~بها فيجب على كل من شاهد أحوال الماضين من الأمم الخالية، والقرون ~~الماضية وعلم ما جرى لهم وكيف أهلكوا أن يعتبر بهم ويعمل في خلاص نفسه من ~~العقاب والهلاك. قوله سبحانه وتعالى { وقد مكروا مكرهم } اختلفوا في ~~الضمير إلى من يعود في قوله، وقد مكروا فقيل يعود إلى الذين سكنوا في ~~مساكن الذين ظلموا أنفسهم، وهذا القول صحيح لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب ~~مذكور وقيل: إن المراد بقوله وقد مكروا كفار قريش الذين مكروا برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومكرهم ما ذكره الله تعالى بقوله تعالى { وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا } الآية والمعنى وأنذر الناس يا محمد، يوم يأتيهم العذاب ~~يعني بسبب مكرهم بك. وقوله تعالى { وعند الله مكرهم } يعني جزاء مكرهم ~~وقيل إن مكرهم مثبت عند الله ليجازيهم به يوم القيامة { وإن كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال } يعني وإن كان مكرهم لأضعف من أن تزول منه الجبال ~~وقيل: معناه إن مكرهم لا يزيل أمر محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو ثابت ~~كثبوت الجبال وقد حكي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الآية ~~قولا آخر: وهو أنها نزلت في نمرود الجبار الذي حاج إبراهيم في ربه فقال ~~نمرو: إن كان ما يقول إبراهيم حقا فلا أنتهى حتى أصعد إلى السماء فأعلم ~~ما فيها فعمد إلى أربعة أفراخ من النسور فرباهن حتى كبرت وشبت، واتخذ ~~تابوتا من خشب وجعل له بابا من أعلى ms1940 وبابا من أسفل ثم جوع النسور ونصب ~~خشبات أربعا في أطراف التابوت وجعل على رؤوس تلك الخشبات لحما أحمر ~~وقعد هو في التابوت، وأقعد معه رجلا آخر، وأمر بالنسور فربطت في أطراف ~~التابوت من أسفل فجعلت النسور كلما رأت اللحم رغبت فيه، وطارت إليه فطارت ~~النسور يوما أجمع حتى بعدت في الهواء فقال نمرود لصاحبه: افتح الباب ~~الأعلى وانظر إلى السماء هل قربنا منها ففتح ونظر فقال له إن السماء ~~كهيئتها فقال له: افتح الباب الأسفل فانظر إلى الأرض كيف تراها ففعل ~~فقال: أرى الأرض مثل اللجة والجبال مثل الدخان. قال: فطارت النسور يوما ~~آخر وارتفعت حتى حالت الريح بينها وبين الطيران فقال نمرود لصاحبه: افتح ~~الباب الأعلى ففعل فإذا السماء كهيئتها، وفتح الباب الأسفل فإذا الأرض ~~سوداء مظلمة فنودي أيها الطاغي أين تريد؟ قال عكرمة: وكان معه في التابوت ~~غلام قد حمل القوس والنشاب وأخذ معه الترس، ورمى بسهم فعاد إليهم السهم ~~ملطخا بدم سمكة قذفت بنفسها من بحر في الهواء وقيل إن طائرا أصابه ~~السهم فلما رجع إليهم السهم ملطخا بالدم قال كفيت إله السماء ثم أمر ~~نمرود صاحبه أن يصوب الخشبات إلى أسفل وينكس اللحم ففعل فهبطت النسور ~~بالتابوت فسمعت الجبال خفيق التابوت والنسور ففزعت، وظنت أنه قد حدث حدث ~~من السماء إن الساعة قد قامت فكادت تزول عن أماكنها، فذلك قوله تعالى وإن ~~كان مكرهم لتزول منه الجبال واستبعد العلماء هذه الحكاية وقال: إن الخطر ~~فيه عظيم ولا يكاد عاقل أن يقدم على مثل هذا الأمر العظيم وليس فيه خير ~~صحيح يعتمد عليه، ولا مناسبة لهذه الحكاية بتأويل الآية البتة { فلا ~~تحسبن الله مخلف وعده رسله } يعني فلا تحسبن الله يا محمد مخلف ما وعد به ~~رسله من النصر وإعلاء الكلمة، وإظهار الدين فإنه ناصر رسله وأوليائه ~~ومهلك أعدائه، وفيه تقديم وتأخير تقديره ولا تحسبن الله مخلف رسله وعده { ~~إن الله عزيز } أي غالب { ذو انتقام } يعني من أعدائه قوله عز وجل { يوم ~~تبدل الأرض غير ms1941 الأرض والسموات } ذكر المفسرون في معنى هذا التبديل قولين ~~أحدهما أنه تبدل صفة الأرض والسماء لا ذاتهما فأما تبديل الأرض فبتغيير ~~صفتها وهيئتها مع بقاء ذاتها وهو أن تدك جبالها وتسوى وهادها وأوديتها، ~~وتذهب أشجارها وجميع ما عليها من عمارة وغيرها لا يبقى على وجهها شيء إلا ~~ذهب، وتمد مد الأديم وأما تبديل السماء فهو أن تنتثر كواكبها وتطمس ~~شمسها، وقمرها ويكوران كونها تارة كالدهان، وتارة كالمهل وبهذا القول قال ~~جماعة من العلماء: ويدل على صحة هذا القول ما روي عن سهل بن سعيد قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقى ليس بها علم ~~لأحد " # أخرجاه في الصحيحين العفراء بالعين المهملة، وهي البيضاء إلى الحمرة ~~ولهذا شبهها بقرصة النقى، وهو الخبر الجيد البياض الفائق المائل إلى حمرة ~~كأن النار ميلت بياض وجهها إلى الحمرة وقوله: ليس به علم لأحد يعني ليس ~~فيها علامة لأحد بتبديل هيئتها، وزوال جبالها وجميع بنائها فلا يبقى فيها ~~أثر يستدل به والقول الثاني: هو تبديل ذوات الأرض والسماء وهذا قول جماعة ~~من العلماء، ثم اختلفوا في معنى هذا التبديل فقال ابن مسعود في معنى هذه ~~الآية قال: تبدل الأرض بأرض كالفضة بيضاء نقية لم يسفك بها دم، ولم يعمل ~~عليها خطيئة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: الأرض من فضة ~~والسماء من ذهب. وقال أبي بن كعب في معنى التبديل: بأن تصير الأرض ~~نيرانا والسماء جنانا وقال أبو هريرة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب ~~القرظي تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه عن أبي سعيد ~~الخدري قال. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ ~~أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة " # أخرجاه في الصحيحين بزيادة فيه. قال الشيخ محيي الدين النووي في شرح هذا ~~الحديث: أما النزل فبضم النون والزاي ويجوز إسكان الزاي وهو ما يعد للضيف ms1942 ~~عند نزوله وأما الخبزة فبضم الخاء. وقال أهل اللغة: هي الظلمة التي توضع ~~في الملة يتكفؤها بالهمزة بيده أي يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتسوى ~~لأنها ليست منبسطة كالرقاقة وقد حققنا الكلام في اليد في حق الله سبحانه ~~وتعالى وتأويلها مع القطع باستحالة الجارحة عليه ليس كمثله شيء، ومعنى ~~الحديث أن الله سبحانه وتعالى، يجعل الأرض كالظلمة أي الرغيف العظيم ~~وتكون طعاما نزلا لأهل الجنة والله على كل شيء قدير. فإن قلت: إذا فسرت ~~التبديل بما ذكرت فكيف يمكن الجمع بينه وبين قوله تعالى # يومئذ تحدث أخبارها # [الزلزلة: 4] وهو أن تحدث أخبارها وهو أن تحدث بكل ما عمل عليها، قلت: ~~وجه الجمع بين الآيتين أن الأرض تبدل أولا صفتها مع بقاء ذاتها كما تقدم ~~فيومئذ تحدث أخبارها ثم بعد ذلك تبدل تبديلا ثانيا، وهو أن تبدل ذاتها ~~بغيرها كما تقدم أيضا ويدل على صحة هذا التأويل ما روي # " عن عائشة قالت سألت رسول الله صلى الله عليه سلم عن قوله تعالى { يوم ~~تبدل الأرض غير الأرض والسموات } فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله ~~فقال: " على الصراط " " # أخرجه مسلم وروى ثوبان بأن # " حبرا من اليهود سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أين يكون الناس يوم ~~تبدل الأرض غير الأرض قال: " هم في الظلمة دون الجسر " " # ذكره البغوي بغير سند، ففي هذين الحديثين دليل على أن تبديل الأرض ثاني ~~مرة يكون بعد الحساب والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. وقوله تعالى { ~~وبرزوا } يعني وخرجوا من قبورهم { لله } يعني لحكم الله، والوقوف بين ~~يديه للحساب { الواحد القهار } صفتان لله تعالى فالواحد الذي لا ثاني له ~~ولا شريك معه المنزه عن الشبه والضد والند والقهار الذي يقهر عباده على ~~ما يريد، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ### || [14.49-52] # قوله تعالى: { وترى المجرمين يومئذ مقرنين } يعني مشدودين بعضهم إلى بعض ~~يقال: قرنت الشيء بالشيء إذا شددته معه في رباط واحد { في الأصفاد } يعني ~~في القيود والأغلال. قال ابن عباس: يقرن كل كافر ms1943 مع شيطانه في سلسلة. قال ~~أبو زيد: تقرن أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد وهي القيود. وقال ابن ~~قتيبة: يقرن بعضهم إلى بعض { سرابيلهم } يعني قمصهم واحدها سربال وقيل ~~السربال كل ما لبس { من قطران } القطران دهن يتحلب من شجر الأبهل والعرعر ~~والتوت كالزفت تدهن به الإبل إذا جربت، وهو الهناء يقال هنأت البعير ~~أهنؤه بالهناء وهو القطران قال الزجاج: وإنما جعل لهم القطران سرابيل ~~لأنه يبالغ في اشتعال النار في الجلود ولو أراد الله المبالغة في إحراقهم ~~بغير ذلك لقدر ولكنه حذرهم مما يعرفون وقرأ عكرمة، ويعقوب من قطران على ~~كلمتين منونتين فالقطر النحاس المذاب والآن الذي انتهى حره { وتغشى ~~وجوههم النار } يعني تعلوها وتجللها { ليجزي الله كل نفس بما كسبت } يعني ~~من خير أو شر { إن الله سريع الحساب } يعني إذا حاسب عباده يوم القيامة { ~~هذا بلاغ للناس } يعني هذا القرآن فيه تبليغ وموعظة للناس { ولينذروا } ~~يعني وليخوفوا بالقرآن ومواعظه وزواجره { وليعلموا أنما هو إله واحد } ~~يعني وليستدلوا بهذه الآيات على وحدانية الله تعالى { وليذكر أولو ~~الألباب } يعني وليتعظ بهذا القرآن وما فيه من المواعظ، أولو العقول ~~والأفهام الصحيحة، فإنه موعظة لمن اتعظ والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1-3] # قوله سبحانه وتعالى: { الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين } تلك إشارة إلى ~~ما تضمنته السورة من الآيات والمراد بالكتاب وبالقرآن المبين: الكتاب ~~الذي وعد به الله محمدا صلى الله عليه وسلم، وتنكير القرآن للتفخيم، ~~والتعظيم والمعنى تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتابا، وفي كونه ~~قرآنا وأي قرآن كأنه قيل: الكتاب الجامع للكمال والغرابة في البيان ~~وقيل: أراد بالكتاب التوراة والإنجيل، لأن عطف القرآن على الكتاب ~~والمعطوف غير المعطوف عليه وهذا القول ليس بالقوي، لأنه لم يجر للتوراة ~~والإنجيل ذكر حتى يشار إليهما. وقيل: المراد بالكتاب القرآن وإنما جمعهما ~~بوصفين وإن كان الموصوف واحدا لما في ذلك من الفائدة وهي التفخيم ~~والتعظيم، والمبين الذي يبين الحلال من الحرام، والحق من الباطل { ربما } ~~قرىء بالتخفيف والتشديد وهما لغتان ms1944 ورب للتقليل وكم للتكثير، وإنما زيدت ~~ما مع رب ليليها الفعل تقول رب رجل جاءني وربما جاءني زيد وإن شئت جعلت ~~ما بمنزلة شيء كأنك قلت رب شيء فتكون المعنى رب شيء { يود الذين كفروا } ~~وقيل: ما في ربما بمعنى حين أي رب حين يود يعني يتمنى الذين كفروا لأن ~~التمني هو: تشهي حصول ما يوده، واختلف المفسرون في الوقت الذي يتمنى الذي ~~كفروا { لو كانو مسلمين } على قولين أحدهما: أن ذلك يكون عند معاينة ~~العذاب وقت الموت فحيئنذ يعلم الكافر أنه كان على الضلال، فيتمنى لو كان ~~مسلما، وذلك حين لا ينفعه ذلك التمني. قال الضحاك: هو عند حالة المعاينة ~~والقول الثاني: إن هذا التمني يكون في الآخرة، وذلك حين يعاينون أهوال ~~يوم القيامة وشدائده وما يصيرون عليه من العذاب فحينئذ يتمنى الذين كفروا ~~لو كانوا مسلمين. وقال الزجاج: أن الكافر كلما رأى حالا من أحوال العذاب ~~ورأى حالا من أحوال المسلم ود لو كان مسلما وقيل إذا رأى الكافر أن ~~الله تعالى يرحم المسلمين، ويشفع بعضهم في بعض حين يقول: من كان من ~~المسلمين فليدخل الجنة فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين والقول ~~المشهور أن ذلك التمني حين يخرج الله المؤمنين من النار عن أبي موسى ~~الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة قال ~~الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين؟ قالوا: فما أغنى عنكم ~~إسلامكم وأنتم معنا في النار. قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فيغفرها ~~الله لهم بفضل رحمته فيأمر الله بكل من كان من أهل القبلة في النار، ~~فيخرجون منها فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " # ذكره البغوي بغير سند، وكذا ذكره ابن الجوزي وقال: وإليه ذهب ابن عباس ~~في رواية عنه عن أنس بن مالك ومجاهد وعطاء وأبو العالية وإبراهيم يعني ~~النخعي. # فإن قلت: رب إنما وضعت للتقليل، وتمني الذين كفروا لو كانوا مسلمين يكثر ~~يوم ms1945 القيامة فكيف قال: ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. قلت: قال ~~صاحب الكشاف هو وارد على مذهب العرب في قولهم لعلك ستندم على فعلك، وربما ~~ندم الإنسان على فعله، ولا يشكون في تندمه ولا يقصدون تقليله، ولكنهم ~~أرادوا لو كان الندم مشكوكا فيه أو كان قليلا لحق عليك أن لا تفعل هذا ~~الفعل لأن العقلاء يتحرزون من التعرض للغم المظنون كما يتحرزون من ~~المتيقن ومن القليل منه كما يتحرزون من الكثير وقال غيره إن هذا القليل ~~أبلغ في التهديد ومعناه يكفيك قليل الندم في كونه زاجرا لك عن هذا ~~الفعل. فيكف بكثيره؟ وقيل: إن شغلهم بالعذاب لا يقرعهم للندامة إنما يخطر ~~ذلك ببالهم. فإن قلت: رب لا تدخل إلا على الماضي فكيف قال: ربما يود وهو ~~في المستقبل قلت لأن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع ~~به في تحققه كأنه قال: ربما ود. قوله سبحانه وتعالى { ذرهم يأكلوا ~~ويتمتعوا } يعني دع يا محمد هؤلاء الكفار يأكلوا في دنياهم ويتمتعوا ~~بلذاتها { ويلههم الأمل } يعني ويشغلهم طول الأمل عن الإيمان والأخذ ~~بطاعة الله تعالى { فسوف يعلمون } يعني إذا وردوا القيامة، وذاقوا وبال ~~ما صنعوا وهذا فيه تهديد ووعيد لمن أخذ بحظه من الدنيا، ولذاتها ولم يأخذ ~~بحظه من طاعة الله عز وجل، وقال بعض أهل العلم: ذرهم تهديد وفسوف يعلمون ~~تهديد آخر فمتى يهنأ العيش بين تهديدين وهذه الآية منسوخة بآية القتال، ~~وفي الآية دليل على أن إيثار التلذذ، والتنعم في الدنيا يؤدي إلى طول ~~الأمل وليس ذلك من أخلاق المؤمنين. قال علي بن أبي طالب: إنما أخشى عليكم ~~اثنتين طول الأمل واتباع الهوى فإن طول الأمل، ينسي الآخرة، واتباع الهوى ~~يصد عن الحق. ### || [15.4-17] # { وما أهلكنا من قرية } يعني من أهل قرية وأراد إهلاك الاستئصال { إلا ~~ولها كتاب معلوم } أي أجل مضروب، ووقت معين لا يتقدم العذاب عليه، ولا ~~يتأخر عنه ولا يأتيهم إلا في الوقت الذي حدد لهم في اللوح المحفوظ { ما ~~تسبق من أمة أجلها } من ms1946 زائدة في قوله: من أمة كقولك ما جاءني من أحد. ~~وقيل: هي على أصلها لأنها تفيد التبعيض إلى هذا الحكم فيكون ذلك في إفادة ~~عموم النفي آكد، ومعنى الآية أن الأجل المضروب لهم وهو وقت الموت، أو ~~نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر وهو قوله سبحانه وتعالى: { وما يستأخرون ~~} وإنما أدخل الهاء في أجلها لإرادة الأمة، وإخراجها من قوله وما ~~يستأخرون لإرادة الرجال. قوله عز وجل { وقالوا } يعني مشركي مكة { يا ~~أيها الذي نزل عليه الذكر } يعني القرآن وأرادوا به محمدا صلى الله عليه ~~وسلم { إنك لمجنون } إنما نسبوه إلى الجنون لأنه صلى الله عليه وسلم، كان ~~يظهر عند نزول الوحي عليه ما يشبه الغشي فظنوا أن ذلك جنون فلهذا السبب ~~نسبوه إلى الجنون، وقيل: إن الرجل إذا سمع كلاما مستغربا من غيره فربما ~~نسبه إلى الجنون، ولما كانوا يستبعدون كونه رسولا من عند الله، وأتى ~~بهذا القرآن العظيم أنكروه ونسبوه إلى الجنون، وإنما قالوا: يا أيها الذي ~~نزل عليه الذكر على طريق الاستهزاء وقيل: معناه يا أيها الذي نزل عليه ~~الذكر في زعمه، واعتقاده واعتقاد أصحابه وأتباعه إنك لمجنون في ادعائك ~~الرسالة { لو ما } قال الزجاج والفراء: لو ما ولولا لغتان ومعناهما هلا ~~يعني هلا { تأتينا بالملائكة } يعني يشهدون لك بأنك رسول من عند الله ~~حقا { إن كنت من الصادقين } يعني في قولك وادعائك الرسالة { ما ننزل ~~الملائكة إلا بالحق } يعني بالعذاب أو وقت الموت، وهو قوله تعالى { وما ~~كانوا إذا منظرين } يعني لو نزلت الملائكة إليهم لم يمهلوا ولم يؤخروا ~~ساعة واحدة وذلك أن كفار مكة كانوا يطلبون من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إنزال الملائكة عيانا فأجابهم الله عز وجل بهذا، والمعنى لو نزلوا ~~عيانا لزال عن الكفار الإمهال وعذبوا في الحال إن لم يؤمنوا ويصدقوا { ~~إنا نحن نزلنا الذكر } يعني القرآن أنزلناه عليك يا محمد، وإنما قال ~~سبحانه وتعالى: إنا نحن نزلنا الذكر جوابا لقولهم: يا أيها الذي نزل ~~عليه الذكر فأخبر الله عز وجل ms1947 هو الذي نزل الذكر على محمد صلى الله عليه ~~وسلم { وإنا له لحافظون } الضمير في له يرجع إلى الذكر يعني، وإنا للذكر ~~الذي أنزلناه على محمد لحافظون يعني من الزيادة فيه، والنقص منه والتغيير ~~والتبديل والتحريف، فالقرآن العظيم محفوط من هذه الأشياء كلها لايقدر أحد ~~من جميع الخلق من الجن والإنس أن يزيد فيه، أو ينقص منه حرفا واحدا أو ~~كلمة واحدة، وهذا مختص بالقرآن العظيم بخلاف سائر الكتب المنزلة فإنه قد ~~دخل على بعضها التحريف، والتبديل والزيادة والنقصان ولما تولى الله عز ~~وجل حفظ هذا الكتاب بقي مصونا على الأبد محروسا من الزيادة والنقصان، ~~وقال ابن السائب ومقاتل: الكناية في له راجعة إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم يعني وإنا لمحمد لحافظون ممن أراده بسوء فهو كقوله تعالى # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67] ووجه هذا القول أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر الإنزال، ~~والمنزل دل ذلك على المنزل عليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم فحسن صرف ~~الكناية إليه لكونه أمرا معلوما إلا أن القول الأول أصح، وأشهر وهو قول ~~الأكثرين لأنه أشبه بظاهر التنزيل ورد الكناية إلى أقرب مذكور أولى، وهو ~~الذكر وإذا قلنا: إن الكناية عائدة إلى القرآن، وهو الأصح فاختلفوا في ~~كيفية حفظ الله عز وجل للقرآن فقال بعضهم: حفظه بأن جعله معجزا باقيا ~~مباينا لكلام البشر فعجز الخلق عن الزيادة فيه، والنقصان منه لأنهم لو ~~أرادوا الزيادة فيه والنقصان منه لتغيير نظمه، وظهر ذلك لكل عالم عاقل ~~وعلموا ضرورة أن ذلك ليس بقرآن، وقال آخرون: إن الله حفظه وصانه من ~~المعارضة فلم يقدر أحد من الخلق أن يعارضه. وقال آخرون: بل أعجز الله ~~الخلق عن إبطاله وإفساده بوجه من الوجوه فقيض الله له العلماء الراسخين ~~يحفظونه، ويذبون عنه إلى آخر الدهر لأن دواعي جماعة من الملاحدة واليهود ~~متوفرة على إبطاله وإفساده فلم يقدروا على ذلك بحمد الله تعالى قوله ~~سبحانه وتعالى: { ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين } لما تجرأ كفار ~~مكة على رسول الله ms1948 صلى الله عليه وسلم وخاطبوه بالسفاهة وهو قولهم: إنك ~~لمجنون وأساؤوا الأدب عليه أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا صلى الله ~~عليه وسلم أن عادة الكفار في قديم الزمان مع أنبيائهم، كذلك فلك يا محمد ~~أسوة في الصبر على أذى قومك بجميع الأنبياء ففيه تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وفي الآية محذوف تقديره ولقد أرسلنا رسلا من قبلك يا محمد، ~~فحذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه، وقوله تعالى في شيع الأولين: الشيعة ~~هم القوم المجتمعة المتفقة كلمتهم وقال الفراء: الشيعة هم الأتباع وشيعة ~~الرجل أتباعه. وقيل: الشيعة من يتقوى بهم الإنسان. وقوله من شيع الأولين ~~من باب إضافة الصفة إلى الموصوف { وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به ~~يستهزئون كذلك نسلكه في قلوب المجرمين } السلوك النفاذ في الطريق، ~~والدخول فيه والسلك إدخال الشيء في الشيء كإدخال الخيط في المخيط، ومعنى ~~الآية كما سلكنا الكفر والتكذيب والاستهزاء في قلوب شيع الأولين، كذلك ~~نسلكه أي ندخله في قلوب المجرمين يعني مشركي مكة، وفيه رد على القدرية ~~والمعتزلة وهي أبين آية في ثبوت القدر لمن أذعن للحق، ولم يعاند قال ~~الواحدي قال أصحابنا: أضاف الله سبحانه وتعالى إلى نفسه إدخال الكفر في ~~قلوب الكفار، وحسن ذلك منه فمن آمن بالقرآن فليستحسنه، وقال الإمام ~~فخرالدين الرازي: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يخلق الباطل، ~~والضلال في قلوب الكفار فقالوا قوله: كذلك نسلكه أي كذلك نسلك الباطل، ~~والضلال في قلوب المجرمين وقالت المعتزلة لم يجر للضلال، والكفر ذكر فيما ~~قيل هذا اللفظ فلا يمكن أن يكون الضمير عائد إليه، وأجيب عنه بأنه سبحانه ~~وتعالى قال: ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون فالضمير في قوله ~~كذلك نسلكه عائد إليه، والاستهزاء بالأنبياء كفر وضلال فثبت صحة قولنا: ~~إن المراد من قوله كذلك نسلكه في قلوب المجرمين، أنه الكفر والضلال. # قوله تعالى { لايؤمنون به } بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل بالقرآن { ~~وقد خلت سنة الأولين } فيه وعيد وتهديد لكفار مكة، يخوفهم أن ينزل بهم ms1949 ~~مثل ما نزل بالأمم الماضية المكذبة للرسل، والمعنى وقد مضت سنة الله ~~بإهلاك من كذب الرسل من الأمم الماضية فاحذروا يا أهل مكة أن يصيبكم مثل ~~ما أصابهم من العذاب { ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون ~~} يعني ولو فتحنا على هؤلاء الذين قالوا: لو ما تأتينا بالملائكة بابا ~~من السماء فظلوا. يقال: ظل فلان يفعل كذا إذا فعله بالنهار، كما يقل بات ~~يفعل كذا إذا فعله بالليل فيه يعني في ذلك الباب يعرجون يعني يصعدون، ~~والمعارج المصاعد وفي المشار إليه بقوله: فظلوا به يعرجون قولان: أحدهما ~~أنهم الملائكة وهو قول ابن عباس والضحاك، والمعنى: لو كشف عن أبصار هؤلاء ~~الكفار فرأوا بابا من السماء مفتوحا والملائكة تصعد فيه لما آمنوا. ~~والقول الثاني: أنهم المشركون وهو قول الحسن وقتادة والمعنى: فظل ~~المشركون يصعدون في ذلك الباب فينظرون في ملكوت السموات، وما فيها من ~~الملائكة لما آمنوا لعنادهم وكفرهم، ولقالوا إنا سحرنا وهو قوله تعالى { ~~لقالوا إنما سكرت أبصارنا } قال ابن عباس: سدت أبصارنا مأخوذ من سكر ~~النهر إذا حبس، ومنع من الجري وقيل: هو من سكر الشراب والمعنى أن أبصارهم ~~حارت، ووقع بها من فساد النظر مثل ما يقع للرجل السكران من تغيير العقل، ~~وفساد النظر وقيل سكرت يعني غشيت أبصارنا وسكنت عن النظر، وأصله من ~~السكور يقال سكرت عينه إذا تحيرت، وسكنت عن النظر { بل نحن قوم مسحورون } ~~يعني سحرنا محمد، وعمل فينا سحره. وحاصل الآية أن الكفار لما طلبوا من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ينزل عليهم الملائكة فيروهم عيانا ~~ويشهدوا بصدقه أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لو حصل لهم هذا وشاهدوه ~~عيانا لما آمنوا ولقالوا سحرنا لما سبق لهم في الأزل من الشقاوة. # قوله سبحانه وتعالى { ولقد جعلنا من السماء بروجا } يعني البروج التي ~~تنزلها الشمس في مسيرها واحدها برج، وهي بروج الفلك الاثنا عشر برجا هي: ~~الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس ~~والجدي والدلو والحوت. وهذه البروج مقسومة على ms1950 ثمانية وعشرين منزلا لكل ~~برج منزلان وثلث منزل، وقد تقدم ذكر منازل القمر في تفسير سورة يونس، ~~وهذه البروج مقسومة على ثلثمائة وستين درجة لكل برج منها ثلاثون درجة ~~تقطعها الشمس في كل سنة مرة، وبها تتم دورة الفلك ويقطعها القمر في ~~ثمانية وعشرين يوما، قال ابن عباس في هذه الآية يريد بروج الشمس والقمر، ~~يعني منازلهما وقال ابن عطية: هي قصور في السماء عليها الحرس. وقال الحسن ~~ومجاهد وقتادة: هي النجوم العظام. قال أبو إسحاق يريدون نجوم هذه البروج، ~~وهي نجوم على ما صورت به. وسميت وأصل هذا كله من الظهور { وزيناها } يعني ~~السماء بالشمس والقمر والنجوم { للناظرين } يعني المعتبرين المستدلين بها ~~على وحيد خالقها، وصانعها وهو الله الذي أوجد كل شيء وخلقه وصوره { ~~وحفظناها } يعني السماء { من كل شيطان رجيم } أي مرجوم فعيل بمعنى مفعول، ~~وقيل: ملعون مطرود من رحمة الله. قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون ~~عن السموات وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها إلى الكهنة فيلقونها إليهم، ~~فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سموات فلما ولد محمد صلى الله ~~عليه وسلم، منعوا من السموات أجمع فما منهم من أحد يريد أن يسترق السمع ~~إلا رمي بشهاب فلما منعوا من تلك المقاعد ذكروا لإبليس فقال: لقد حدث في ~~الأرض حدث فبعثهم ينظرون فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو ~~القرآن فقالوا: هذا والله حدث. ### || [15.18-22] # { إلا من استرق السمع } هذا استثناء منقطع، معناه لكن من استرق السمع { ~~فأتبعه } أي لحقه { شهاب مبين } والشهاب شعلة من نار ساطع سمي الكوكب ~~شهابا لأجل ما فيه من البريق شبه بشهاب النار، قال ابن عباس في قوله إلا ~~من استرق السمع: يريد الخطفة اليسيرة، وذلك أن الشياطين يركب بعضهم بعضا ~~إلى السماء يسترقون السمع من الملائكة فيرمون بالكواكب، فلا تخطىء أبدا ~~فمنهم من تقتله، ومنهم من تحرق وجهه أو جنبه أو يده، أو حيث يشاء الله ~~ومنهم من تخبله فيصير غولا يضل الناس في البوادي خ عن أبي هريرة ms1951 أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ~~كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا: ~~الذي قال الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع ~~هكذا بعضهم فوق بعض، ووصف سفيان بكفه فحذفها، وبدد أصابعه فيسمع الكلمة ~~فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان ~~الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب، قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل ~~أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة، فيقال له: أليس قال لنا كذا وكذا فيصدق ~~بتلك الكلمة التي سمعت من السماء " # اختلف العلماء هل كانت الشياطين ترمى بالنجوم قبل مبعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أم لا على قولين: أحدهما أنها لم تكن ترمى بالنجوم، قبل ~~مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما ظهر ذلك في بدء أمره فكان ذلك ~~أساسا لنبوته صلى الله عليه وسلم ويدل على صحة هذا القول ما روي عن ابن ~~عباس قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين ~~إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين، وبين خبر السماء وأرسلت عليهم ~~الشهب. أخرجاه في الصحيحين. فظاهر هذا الحديث يدل على أن هذا الرمي ~~بالشهب لم يكن قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم فلما بعث حدث هذا الرمي. ~~ويعضده ما روي أن يعقوب بن المغيرة بن الأخنس بن شريق قال: أول من فزع ~~للرمي بالنجوم هذا الحي من ثقيف، وأنهم جاؤوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو ~~بن أمية أحد بني علاج وكان أهدى العرب فقالوا له: ألم تر ما حدث في ~~السماء من القذف بالنجوم؟ فقال: بلى. ولكن انظروا فإن كانت معالم النجوم ~~التي يهتدى بها في البر والبحر ويعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما ~~يصلح الناس من معايشهم هي التي يرمى بها فهو والله طي الدنيا وهلاك الخلق ~~الذين فيها وإن كانت نجوما غيرها وهي ثابتة على ms1952 حالها فهذا الأمر أراده ~~الله من الخلق قال الزجاج: ويدل على أنها كانت بعد مولد النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن شعراء العرب الذين ذكروا البرق، والأشياء المسرعة لم يوجد ~~في شعرهم ذكر الكواكب المنقضة فما حدثت بعد مولده صلى الله عليه وسلم، ~~استعملت الشعراء ذكرها قال ذو الرمة: # كأنه كوكب في أثر عفرية مسوم في سواد الليل منقضب # والقول الثاني: إن ذلك كان موجودا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولكن لما بعث شدد وغلظ عليهم. قال معمر: قلت للزهري أكان يرمى بالنجوم في ~~الجاهلية؟ قال: نعم. قلت: أفرأيت قوله وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ~~فقال: غلظت وشدد أمرها حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم ويدل على صحة هذا ~~القول ما روي # " عن ابن عباس قال أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رمى ~~بنجم واستنار فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما كنتم تقولون ~~في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا، قالوا كنا نقول ولد الليلة رجل عظيم أو ~~مات رجل عظيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنها لا يرمى بها لموت ~~أحد، ولا لحياته ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمرا سبح حملة العرش ثم ~~سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح إلى أهل هذه السماء، ثم ~~قال: الذين يلون حملة العرش لحملة العرش، ماذا قال ربكم فيخبرونهم بما ~~قال، فيستخبر بعض أهل السماء بعضا حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، ~~فتخطف الجن السمع فيقذفونه إلى أوليائهم، ويرمون فما جاؤوا به على وجهه ~~فهو حق ولكنهم يقذفون فيه ويزيدون " " # أخرجه مسلم وقال ابن قتيبة: أن الرجم كان قبل مبعثه، ولكن لم يكن في شدة ~~الحراسة مثل بعد مبعثه، قال وعلى هذا وجدنا الشعر القديم قال بشر بن أبي ~~حازم وهو جاهلي: # فالعير يرهقها الغبار وجحشها ينقض خلفهما انقضاض ~~الكوكب # وقال أوس بن حجر ms1953 وهو جاهلي: # فانقض كالدر يتبعه نقع يثور تخاله طنبا # والجمع بين هذين القولين: أن الرمي بالنجوم كان موجودا قبل مبعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فلما بعث شدد ذلك وزيد في حفظ السماء وحراستها صونا ~~لأخبار الغيوب والله أعلم. قوله سبحانه وتعالى: { والأرض مددناها } يعني ~~بسطناها على وجه الماء كما يقال: إنها دحيت من تحت الكعبة ثم بسطت هذا ~~قول أهل التفسير، وزعم أرباب الهيئة أنها كرة عظيمة بعضها في الماء، ~~وبعضها خارج عن الماء، وهو الجزء المغمور منها واعتذروا عن قوله تعالى: ~~والأرض مددناها بأن الكرة إذا كانت عظيمة كان كل جزء منها، كالسطح العظيم ~~فثبت بهذا الأمر أن الأرض ممدودة مبسوطة وأنها كرة، ورد هذا أصحاب ~~التفسير بأن الله أخبر في كتابه بأنها ممدودة، وأنها مبسوطة ولو كانت كرة ~~لأخبر بذلك والله أعلم بمراده، وكيف مد الأرض { وألقينا فيها رواسي } ~~يعني جبالا ثوابت وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما خلق الأرض على الماء ~~مادت ورجفت فأثبتها بالجبال { وأنبتنا فيها } أي في الأرض، لأن أنواع ~~النبات المنتفع به تكون في الأرض، وقيل: الضمير يرجع إلى الجبال لأنها ~~أقرب مذكور لقوله تعالى { من كل شيء موزون } وإنما يوزن ما تولد في ~~الجبال من المعادن، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: موزون أي معلوم، وقال ~~مجاهد وعكرمة أي مقدور فعلى هذا يكون المعنى معلوم القدر عند الله تعالى ~~لأن الله سبحانه وتعالى يعلم القدر الذي يحتاج إليه الناس في معايشهم ~~وأرزاقهم فيكون إطلاق الوزن عليه مجازا، لأن الناس لا يعرفون مقادير ~~الأشياء إلا بالوزن، وقال الحسن وعكرمة وابن زيد: أنه عنى به الشيء ~~الموزون كالذهب والفضة والرصاص والحديد والكحل ونحو ذلك مما يستخرج من ~~المعادن، لأن هذه الأشياء كلها توزن وقيل: معنى موزون متناسب في الحسن ~~والهيئة والشكل، تقول العرب فلان موزون الحركات إذا كانت حركاته متناسبة ~~حسنة، وكلام موزون إذا كانت متناسبا حسنا بعيدا من الخطأ والسخف وقيل ~~إن جميع ما ينبت في الأرض والجبال نوعان: أحدهما ما يستخرج من ms1954 المعادن ~~وجميع ذلك موزون. # والثاني النبات وبعضه موزون أيضا: وبعضه مكيل وهو يرجع إلى الوزن لأن ~~الصاع والمد مقدران بالوزن { وجعلنا لكم فيها معايش } جمع معيشة. وهو ما ~~يعيش به الإنسان مدة حياته في الدنيا من المطاعم والمشارب والملابس ونحو ~~ذلك { ومن لستم له برازقين } يعني الدواب والوحش والطير أنتم منتفعون ~~بها، ولستم لها برازقين لأن رزق جميع الخلق على الله ومنه قوله تعالى: # وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود: 6] وتكون في قوله تعالى: ومن لستم بمعنى ما لأن من لمن يعقل وما ~~لمن لا يعقل، وقيل: يجوز إطلاق لفظة من على من لا يعقل كقوله تعالى: # فمنهم من يمشي على بطنه # [النور: 45] وقيل أراد بهم العبيد والخدم فتكون من على أصلها، ويدخل ~~معهم ما لا يعقل من الدواب والوحش { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه } ~~الخزائن جمع خزانة هي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء للحفظ يقال: خزن ~~الشيء إذا أحرزه. فقيل أراد مفاتيح الخزائن وقيل: أراد بالخزائن المطر ~~لأنه سبب الأرزاق والمعايش لبني آدم والدواب والوحش والطير ومعنى عندنا ~~أنه في حكمه وتصرفه وأمره وتدبيره قوله تعالى: { وما ننزله إلا بقدر ~~معلوم } يعني بقدر الكفاية. وقيل: إن لكل أرض حدا ومقدار من المطر. ~~يقال: لا تنزل من السماء قطرة مطر إلا ومعها ملك يسوقها إلى حيث يشاء ~~الله تعالى. # وقيل: إن المطر ينزل من السماء كل عام بقدر واحد لا يزيد ولا ينقص ولكن ~~الله يمطر قوما، ويحرم آخرين وقيل: إذا أراد الله بقوم خيرا أنزل عليهم ~~المطر والرحمة وإذا أراد بقوم شرا صرف المطر عنهم إلى حيث لا ينتفع به، ~~كالبراري والقفار والرمال والبحار ونحو ذلك. وحكى جعفر بن محمد الصادق عن ~~أبيه عن جده أنه قال في العرش تمثال جميع ما خلق الله في البر والبحر. ~~وهو تأويل قوله وإن من شيء إلا عندنا خزائنه { وأرسلنا الرياح لواقح } ~~قال ابن عباس يعني للشجر، وهو قول الحسن وقتادة وأصل هذا من قولهم: لقحت ms1955 ~~الناقة وألقحها الفحل إذا ألقى إليها الماء، فحملته فكذلك الرياح كالفحل ~~للسحاب وقال ابن مسعود في تفسير هذه الآية يرسل الله الرياح لتلقح السحاب ~~فتحمل الماء فتمجه في السحاب ثم تمر به فتدر كما تدر اللقحة، وقال عبيد ~~بن عمير: يرسل الله الريح المبشرة فتقم الأرض قما، ثم يرسل المثيرة ~~فتثير السحاب، ثم يرسل المؤلفة فتؤلف السحاب بعضه إلى بعض فتجعله ركاما، ~~ثم يرسل اللواقح فتلقح الشجر والأظهر في هذه الآية إلقاحها السحاب لقوله ~~بعده فأنزلنا من السماء ماء قال أبو بكر بن عياش: لا تقطر قطرة من السماء ~~إلا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيها فالصبا تهيج السحاب، والشمال تجمعه ~~والجنوب تدره والدبور تفرقه. وقال أبو عبيد: لواقح هنا بمعنى ملاقح جمع ~~ملقحة حذفت الميم وردت إلى الأصل. وقال الزجاج: يجوز أن يقال لها لواقح ~~وإن ألقحت غيرها، لأن معناها النسبة كما يقال: درهم وازن أي ذو وزن ~~واعترض الواحدي على هذا. فقال هذا ليس بمغن لأنه كان يجب أن يصح اللاقح ~~بمعنى ذات لقح حتى يوافق قول المفسرين، وأجاب الرازي عنه بأن قال: هذا ~~ليس بشيء. لأن اللاقح هو المنسوب إلى اللقحة، ومن أفاد غير اللقحة فله ~~نسبة إلى اللقحة وقال صاحب المفردات لواقح أي ذات لقاح وقيل إن الريح في ~~نفسها لاقح لأنها حاملة للسحاب والدليل عليه قوله تعالى # حتى إذا أقلت سحابا # [الأعراف: 57] ثقالا، أي حملت فعلى هذا تكون الريح لاقحة بمعنى حاملة ~~تحمل السحاب. وقال الزجاج: ويجوز أن يقال للريح لقحت إذا أتت بالخير كما ~~قيل لها عقيم إذا لم تأت بخير وورد في بعض الأخبار أن الملقح الرياح ~~الجنوب، وفي بعض الآثار ما هبت رياح الجنوب إلا واتبعت عينا غدقة ق عن ~~عائشة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عصفت الريح قال: " اللهم إني ~~أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما ~~فيها ما أرسلت به " " # وروى البغوي بسنده إلى الشافعي إلى ابن عباس قال: ms1956 # " ما هبت ريح قط إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، وقال: " ~~اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ~~ريحا " " # قال ابن عباس في كتاب الله عز وجل # إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا # [القمر: 19] # إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم # [الذاريات: 41] وقال: { وأرسلنا الرياح لواقح } وقال # يرسل الرياح مبشرات # [الروم: 46] وقوله سبحانه وتعالى { فأنزلنا من السماء ماء } يعني المطر ~~{ فأسقيناكموه } يعني جعلنا لكم المطر سقيا يقال أسقى فلان فلانا إذا ~~جعل له سقيا، وسقاه إذا أعطاه ما يشرب، وتقول العرب: سقيت الرجل ماء، ~~ولبنا إذا كان لسقيه فإذا جعلوا له ماء لشرب أرضه أو ماشيته يقال: ~~أسقيناه { وما أنتم له } يعني للمطر { بخازنين } يعني: إن المطر في ~~خزائننا لا في خزائنكم. وقيل: وما أنتم له بمانعين. ### || [15.23-30] # { وإنا لنحن نحيي ونميت } يعني بيدنا إحياء الخلق وإماتتهم لا يقدر على ~~ذلك أحد إلا الله سبحانه وتعالى، لأن قوله تعالى: وإنا لنحن يفيد الحصر ~~يعني لا يقدر على ذلك سوانا { ونحن الوارثون } وذلك بأن نميت جميع الخلق، ~~فلا يبقى أحد سوانا فيزول ملك كل مالك ويبقى جميع ملك المالكين لنا ~~والوارث هو الباقي بعد ذهاب غيره والله سبحانه وتعالى هو الباقي بعد ذهاب ~~غيره والله سبحانه وتعالى هو الباقي بعد فناء خلقه الذين أمتعهم بما ~~آتاهم في الحياة الدنيا لأن وجود الخلق. وما آتاهم كان ابتداؤه منه تعالى ~~فإذا فني جميع الخلائق رجع الذي كانوا يملكونه في الدنيا على المجاز إلى ~~مالكه على الحقيقة، وهو الله تعالى. وقيل مصير الخلق إليه. قوله عز وجل { ~~ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين } عن ابن عباس قال: ~~كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس فكان ~~بعض الناس يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها. ويتأخر بعضهم حتى ~~يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت أبطيه فأنزل الله عز وجل ولقد ~~علمنا المستقدمين منكم، ولقد علمنا المستأخرين أخرجه النسائي وأخرجه ~~الترمذي ms1957 وقال فيه وقد روي عن ابن الجوزي نحوه. ولم يذكر فيه عن ابن عباس ~~وهذا أشبه أن يكون أصح قال البغوي وذلك أن النساء كن يخرجن إلى الجماعة ~~فيقفن خلف الرجال فربما كان من الرجال من في قلبه ريبة فيتأخر إلى آخر صف ~~الرجال، ومن النساء من في قلبها ريبه فتتقدم إلى أول صف النساء لتقرب من ~~الرجال فنزلت هذه الآية فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه سلم: # " خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها. وشرها ~~أولها " # أخرجه مسلم عن أبي هريرة. وقال ابن عباس: أراد بالمستقدمين من خلق الله ~~وبالمستأخرين من لم يخلق الله تعالى بعد. وقال مجاهد: المستقدمون القرون ~~الأولى والمستأخرون أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن: المستقدمون ~~يعني في الطاعة والخير والمستأخرون يعني فيهما. وقال الأوزاعي: أراد ~~بالمستقدمين المصلين في أول الوقت وبالمستأخرين المؤخرين لها إلى آخره. ~~وقال مقاتل: أراد بالمستقدمين وبالمستأخرين في صف القتال. وقال ابن ~~عيينة: أراد من يسلم أولا ومن يسلم آخرا. وقال ابن عباس في رواية أخرى ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حرض على الصف الأول فازدحموا عليه، وقال ~~قوم كانت بيوتهم قاصة عن المسجد: لنبيعن دورنا ونشتري دورا قريبة من ~~المسجد حتى ندرك الصف المقدم. فنزلت هذه الآية، ومعناها إنما تجزون على ~~النيات فاطمأنوا وسكنوا فيكون معنى الآية على القول الأول المستقدم ~~للتقوى والمستأخر للنظر، وعلى القول الأخير المستقدم لطلب الفضيلة ~~والمستأخر للعذر، ومعنى الآية أن علمه سبحانه وتعالى محيط بجميع خلقه ~~مقدمهم ومتأخرهم طائعهم وعاصيهم، لا يخفى عليه شيء من أحوال خلقه { وإن ~~ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم } يعني على ما علم منهم، وقيل: إن الله ~~سبحانه وتعالى يميت الكل ثم يحشرهم الأولين والآخرين على ما ماتوا عليه م ~~عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يبعث كل عبد على ما مات عليه " # قوله سبحانه وتعالى { ولقد خلقنا الإنسان } يعني آدم عليه السلام في قول ~~جميع المفسرين سمي إنسانا ms1958 لظهوره وإدراك البصر إياه، وقيل من النسيان ~~لأنه عهد إليه فنسي من { صلصال } يعني من اليابس، إذا نقرته سمعت له ~~صلصلة يعني صوتا، وقال ابن عباس: هو الطين الحر الطيب الذي إذا نضب عنه ~~الماء تشقق فإذا حرك تقعقع. وقال مجاهد: هو الطين المنتن. واختاره ~~الكسائي وقال: هو من صل اللحم إذا أنتن { من حمأ } يعني من الطين الأسود ~~{ مسنون } أي متغير قال مجاهد وقتادة: هو المنتن المتغير. وقال أبو ~~عبيدة: هو المصبوب. تقول العرب: سننت الماء إذا أصببنه قال ابن عباس: هو ~~التراب المبتل المنتن جعل صلصالا كالفخار، والجمع بين هذه الأقاويل على ~~ما ذكره بعضهم أن الله سبحانه وتعالى لما أراد خلق آدم عليه السلام، قبض ~~قبضة من تراب الأرض فبلها بالماء حتى اسودت وأنتن ريحها، وتغيرت وإليه ~~الإشارة: بقوله: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب # [آل عمران: 59] ثم إن ذلك التراب بله بالماء وخمره حتى اسودت، وأنتن ~~ريحه وتغير وإليه الإشارة بقوله: من حمأ مسنون ثم ذلك الطين الأسود ~~المتغير صوره صورة إنسان أجوف، فلما جف ويبس كانت تدخل فيه الريح فتسمع ~~له صلصلة يعني صوتا، وإليه الإشارة بقوله من صلصال كالفخار وهو الطين ~~اليابس، إذا تفخر في الشمس ثم نفخ فيه الريح فكان بشرا سويا قوله ~~تعالى { والجان خلقناه من قبل } يعني من قبل آدم عليه السلام. قال ابن ~~عباس: الجان أبو الجن كما أن آدم أبو البشر. وقال قتادة: هو إبليس. وقيل: ~~الجان أبو الجن وإبليس أبو الشياطين، وفي الجن مسلمون وكافرون يأكلون ~~ويشربون ويحيون ويموتون كبني آدم. وأما الشياطين فليس فيهم مسلمون ولا ~~يموتون إلا إذا مات إبليس. وقال وهب: إن من الجن من يولد له ويأكلون ~~ويشربون بمنزلة الآدميين، ومن الجن من هو بمنزلة الريح لا يتوالدون، ولا ~~يأكلون ولا يشربون وهم الشياطين والأصح أن الشياطين نوع من الجن ~~لاشتراكهم في الاستتار سموا جنا لتواريهم واستتارهم عن الأعين من قولهم: ~~جن الليل إذا ستر والشيطان هو العاتي المتمرد الكافر، ms1959 والجن منهم المؤمن ~~ومنهم الكافر { من نار السموم } يعني من ريح حارة تدخل مسام الإنسان من ~~لطفها، وقوة حرارتها فتقتله. # ويقال للريح الحارة التي تكون بالنهار: السموم. وللريح الحارة التي تكون ~~بالليل: الحرور، وقال أبو صالح: السموم نار لا دخان لها والصواعق تكون ~~منها، وهي نار بين السماء والحجاب، فإذا حدث أمر خرقت الحجاب فهوت إلى ما ~~أمرت به فالهدة التي تسمعون من خرق ذلك الحجاب وهذا على قول أصحاب الهيئة ~~أن الكرة الرابعة تسمى كرة النار، وقيل: من نار السموم يعني من نار جهنم. ~~وقال ابن مسعود: هذه السموم جزء من سبعين جزء من السموم التي خلق منها ~~الجان، وتلا هذه الآية. وقال ابن عباس: كان ابليس من حي من الملائكة ~~يسمون الجان خلقوا من نار السموم، وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من ~~مارج من نار، وخلقت الملائكة من النور. قوله عز وجل { وإذ قال ربك ~~للملائكة } أي واذكر يا محمد: إذ قال ربك للملائكة { إني خالق بشرا } ~~سمي الآدمي بشرا، لأنه جسم كثيف ظاهر البشرة ظاهر الجلد { من صلصال من ~~حمأ مسنون } تقدم تفسيره { فإذا سويته } يعني عدلت صورته، وأتممت خلقه { ~~ونفخت له من روحي } النفخ عبارة عن إجراء الريح في تجاويف جسم آخر، ومنه ~~نفخ الروح في النشأة الأولى، وهو المراد من قوله: ونفخت فيه من روحي ~~وأضاف الله عز وجل روح آدم إلى نفسه على سبيل التشريف والتكريم لها كما ~~يقال بيت الله وناقة الله وعبد الله وسيأتي الكلام على الروح في تفسير ~~سورة الإسراء عند قوله: # ويسألونك عن الروح # [الإسراء: 85] إن شاء الله تعالى { فقعوا له ساجدين } الخطاب للملائكة، ~~الذين قال الله لهم: إني خالق بشرا أمرهم بالسجود لآدم بقوله فقعوا له ~~ساجدين. وكان هذا السجود تحية لا سجود عبادة { فسجد الملائكة كلهم } يعني ~~الذين أمروا بالسجود لآدم { أجمعون } قال سيبويه: هذا توكيد بعد توكيد، ~~وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال فسجد الملائكة لاحتمل أن يكون سجد ~~بعضهم فلما قال كلهم لزم ms1960 إزالة ذلك الاحتمال فظهر بهذا أنهم سجدوا بأسرهم ~~ثم عند هذا بقي احتمال آخر، وهو أنهم سجدوا في أوقات متفرقة، أو في دعة ~~واحدة فلما قال: أجمعون ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة، ولما حكى الزجاج ~~هذا القول عن المبرد قال: قول الخليل وسيبويه أجود لأن أجمعين معرفة فلا ~~تكون حالا. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله سبحانه وتعالى أمر ~~جماعة من الملائكة، بالسجود لآدم فلم يفعلوا فأرسل الله عليهم نارا ~~فأحرقتهم. ثم قال لجماعة أخرى: اسجدوا لآدم فسجدوا. ### || [15.31-41] # { إلا إبليس أبى أن يكون من الساجدين } يعني مع الملائكة الذين أمروا ~~بالسجود لآدم فسجدوا { قال } يعني قال الله { يا أبليس مالك ألا تكون مع ~~الساجدين قال } يعني إبليس { لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ ~~مسنون } أراد إبليس أنه أفضل من آدم لأن آدم طيني الأصل وإبليس ناري ~~الأصل. والنار أفضل من الطين فيكون إبليس في قياسه أفضل من آدم، ولم يدر ~~الخبيث أن الفضل فيما فضله الله تعالى { قال فاخرج منها } يعني من الجنة ~~وقيل من السماء { فإنك رجيم } أي طريد { وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين } ~~قيل: إن أهل السموات يلعنون إبليس كما يلعنه أهل الأرض، فهو ملعون في ~~السموات والأرض فإن قلت: إن حرف إلى لانتهاء الغاية فهل ينقطع اللعن عنه ~~يوم الدين الذي هو يوم القيامة؟ قلت: لا بل يزداد عذابا إلى اللعنة التي ~~عليه كأنه قال تعالى، وإن عليك اللعنة فقط إلى يوم الدين. ثم تزداد معها ~~بعد ذلك عذابا دائما مستمرا لا انقطاع له { قال رب فأنظرني } يعني ~~أخرني { إلى يوم يبعثون } يعني يوم القيامة وأراد بهذا السؤال أنه لا ~~يموت أبدا لأنه أذا أمهل إلى يوم القيامة، ويوم القيامة لا يموت فيه أحد ~~لزم من ذلك أنه لا يموت أبدا، فلهذا السبب سأل الإنظار إلى يوم يبعثون، ~~فأجابه الله سبحانه وتعالى بقوله: { قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت ~~المعلوم } يعني الوقت الذي يموت فيه جميع الخلائق ms1961 وهو النفخة الأولى ~~فيقال: إن مدة موت إبليس أربعون سنة، وهو ما بين النفختين، ولم تكن إجابة ~~الله تعالى إياه في الإمهال إكراما له بل كان ذلك الإمهال زيادة له في ~~بلائه وشقائه وعذابه. وإنما سمي يوم القيامة بيوم الوقت المعلوم، لأن ذلك ~~اليوم لا يعلمه أحد إلا الله تعالى فهو معلوم عنده وقيل: إن جميع الخلائق ~~يموتون فيه فهو معلوم بهذا الاعتبار وقيل لما سأل إبليس الإنظار إلى يوم ~~يبعثون أجابه الله بقوله: فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم يعني ~~اليوم الذي عينت وسألت الإنظار إليه { قال رب بما أغويتني } الباء للقسم ~~في قوله بما وما ومصدرية، وجواب القسم { لأزينن } والمعنى فبإغوائك إياي ~~لأزينن لهم في الأرض، وقيل هي باء السبب. يعني بسبب كوني غاويا لأزينن { ~~لهم في الأرض } يعني لأزينن لهم حب الدنيا ومعاصيك { ولأغوينهم أجمعين } ~~يعني بإلقاء الوسوسة في قلوبهم، وذلك أن إبليس لما علم أنه يموت على ~~الكفر غير مغفور لهم حرص على إضلال الخلق بالكفر، وإغوائهم ثم استثنى ~~فقال { إلا عبادك منهم المخلصين } يعني المؤمنين الذين أخلصوا لك التوحيد ~~والطاعة والعبادة، ومن فتح اللام من المخلصين يكون المعنى إلا من أخلصته ~~واصطفيته لتوحيدك وعبادتك. # وإنما استثنى إبليس المخلصين لأنه علم أن كيده ووسوسته لا تعمل فيهم، ~~ولا يقبلون منه وحقيقة الإخلاص فعل الشيء خالصا لله عن شائبة الغير فكل ~~من أتى بعمل من أعمال الطاعات فلا يخلو، إما أن مراده بتلك الطاعات وجه ~~الله فقط، أو غير الله أو مجموع الأمرين. أما ما كان لله تعالى فهو ~~الخالص المقبول، وأما ما كان لغير الله فهو الباطل المردود، وأما من كان ~~مراده مجموع الأمرين فإن ترجح جانب الله تعالى كان من المخلصين الناجحين ~~وإن ترجح الجانب الآخر كان من الهالكين لأن المثل يقابله المثل فيبقى ~~القدر الزائد، وإلى أي الجانبين رجح أخذ به { قال } يعني قال الله تبارك ~~وتعالى { هذا صراط علي مستقيم } قال الحسن معناه هاذا صراط إلى مستقيم. ~~وقال مجاهد: الحق يرجع إلى ms1962 الله وعليه طريقه لا يعرج إلى شيء. وقال ~~الأخفش: معناه على الدلالة على الصراط المستقيم. وقال الكسائي: هذا على ~~طريق التهديد والوعيد كما يقول الرجل لمن يخاصمه: طريقك علي أي لا تنفلت ~~مني. وقيل: معناه علي استقامته بالبيان والبرهان والتوفيق والهداية. ~~وقيل: هذا عائد إلى الإخلاص والمعنى أن الإخلاص طريق علي وإلي يؤدي إلى ~~كرامتي ورضواني. ### || [15.42-45] # { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } أي قوة وقدرة وذلك أن إبليس لما قال: ~~لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين، أوهم ~~بهذا الكلام أن له سلطانا على غير المخلصين فبين الله سبحانه وتعالى، ~~أنه ليس له سلطان على أحد من عبيده سواء كان من المخلصين، أو لم يكن من ~~المخلصين. قال أهل المعاني: ليس لك عليهم سلطان على قلوبهم، وسئل سفيان ~~بن عيينة عن هذه الآية فقال: معناه ليس لك عليهم سلطان أن تلقيهم في ذنب ~~يضيق عنه عفوي، وهؤلاء خاصته أي الذين هداهم، واجتباهم من عباده { إلا من ~~اتبعك من الغاوين } يعني إلا من اتبع إبليس من الغاوين، فإن له عليهم ~~سلطانا بسبب كونهم منقادين له فيما يأمرهم به { وإن جهنم لموعدهم أجمعين ~~} يعني موعد إبليس وأتباعه وأشياعه { لها } يعني لجهنم { سبعة أبواب } ~~يعني سبع طبقات. قال علي بن أبي طالب: تدرون كيف أبواب جهنم هكذا ووضع ~~إحدى يديه على الأخرى أي سبعة أبواب بعضها فوق بعض. قال ابن جريج: النار ~~سبع دركات أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ~~ثم الهاوية { لكل باب منهم جزء مقسوم } يعني لكل دركة قوم يسكنونها ~~والجزء بعض الشيء وجزأته جعلته أجزاء، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى ~~يجزىء أتباع إبليس سبعة أجزاء فيدخل كل قسم منهم في النار دركة من النار ~~والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة فلذلك اختلفت مراتبهم في النار، قال ~~الضحاك: في الدركة الأولى أهل التوحيد الذين أدخلوا النار يعذبون فيها ~~بقدر ذنوبهم ثم يخرجون منها، وفي الثانية النصارى، وفي الثالثة اليهود، ~~وفي الرابعة ms1963 الصابئون، وفي الخامسة المجوس، وفي السادسة أهل الشرك، وفي ~~السابعة المنافقون فذلك، قوله سبحانه وتعالى # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # [النساء: 145] عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل السيف على أمتي أو قال على أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم " # أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب قوله سبحانه وتعالى { إن المتقين في ~~جنات وعيون } المراد بالمتقين الذين اتقوا الشرك في قول جمهور المفسرين ~~وقيل: هم الذين اتقوا الشرك والمعاصي والجنات والبساتين والعيون والأنهار ~~الجارية في الجنات، وقيل: يحتمل أن تكون هذه العيون غير الأنهار الكبار ~~التي في الجنة، وعلى هذا فهل يختص كل واحد من أهل الجنة بعيون أو تجري ~~هذه العيون من بعضهم إلى بعض؟ وكلا الأمرين محتمل فيحتمل أن كل واحد من ~~أهل الجنة يختص بعيون تجري في جناته وقصوره ودوره فينتفع بها هو ومن يختص ~~به من حوره وولدانه، ويحتمل أنها تجري من جنات بعضهم إلى جنات بعض لأنهم ~~قد طهروا من الحسد والحقد. ### || [15.46-60] # { ادخلوها } أي يقال لهم: ادخلوها والقائل هو الله تعالى أو بعض ملائكته ~~{ بسلام آمنين } يعني ادخلوا الجنة مع السلامة والأمن من الموت ومن جميع ~~الآفات { ونزعنا ما في صدورهم من غل } الغل الحقد الكامن في القلب. ويطلق ~~على الشحناء والعداوة والبغضاء والحقد والحسد، وكل هذه الخصال المذمومة ~~داخلة في الغل لأنها كامنة في القلب يروى أن المؤمنين يحبسون على باب ~~الجنة فيقتص بعضهم من بعض ثم يؤمر بهم إلى الجنة، وقد نقيت قلوبهم من ~~الغل والغش والحقد والحسد { إخوانا } يعني في المحبة والمودة والمخالطة، ~~وليس المراد منه إخوة النسب { على سرر } جمع سرير. قال بعض أهل المعاني: ~~السرير مجلس رفيع عدل مهيأ للسرور وهو مأخوذ منه لأنه مجلس سرور. وقال ~~ابن عباس: على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت والسرير مثل ~~صنعاء إلى الجابية { متقابلين } يعني يقابل بعضهم بعضا لا ينظر أحد منهم ~~في قفا صاحبه، وفي بعض الأخبار أن ms1964 المؤمن في الجنة إذا أراد أن يلقى أخاه ~~المؤمن سار سرير كل واحد منهما إلى صاحبه فيلتقيان ويتحدثان { لايمسهم ~~فيها } يعني في الجنة { نصب } أي تعب ولا إعياء { وما هم منها } يعني من ~~الجنة { بمخرجين } هذا نص من الله في كتابه على خلود أهل الجنة في الجنة، ~~والمراد منه خلود بلا زوال وبقاء بلا فناء، وكمال بلا نقصان وفوز بلا ~~حرمان. قوله سبحانه وتعالى { نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم } قال ابن ~~عباس: يعني لمن تاب منهم وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على ~~أصحابه وهم يضحكون فقال: # " أتضحكون وبين أيديكم النار فنزل جبريل بهذه الآية وقال: يقول لك ربك ~~يا محمد مم تقنط عبادي " # ذكره البغوي بغير سند { وأن عذابي هو العذاب الأليم } قال قتادة بلغنا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع عن حرام ولو يعلم العبد قدر ~~عذابه لبخع نفسه " # يعني لقتل نفسه خ عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إن الله سبحانه وتعالى خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده ~~تسعا وتسعين رحمة، وأدخل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل ~~الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند ~~الله من العذاب لم يأمن من النار " # وفي الآية لطائف منها أنه سبحانه وتعالى أضاف العباد إلى نفسه بقوله ~~نبىء عبادي وهذا تشريف وتعظيم لهم، ألا ترى أنه لما أراد أن يشرف محمدا ~~صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج لم يزد على قوله # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا # [الإسراء: 1] فكل من اعترف على نفسه بالعبودية لله تعالى فهو داخل في ~~هذا التشريف العظيم، ومنها أنه سبحانه وتعالى لما ذكر الرحمة والمغفرة ~~بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة أولها قوله: أني وثانيها أنا وثالثها إدخال ~~الألف واللام في الغفور الرحيم، وهذا يدل على تغليب جانب الرحمة ~~والمغفرة. ولما ذكر العذاب لم يقل إني ms1965 أنا المعذب، وما وصف نفسه بذلك. بل ~~قال: وأن عذابي هو العذاب الأليم على سبيل الإخبار، ومنها أنه سبحانه ~~وتعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ عباده هذا المعنى فكأنه ~~أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة. قوله سبحانه وتعالى: { ~~ونبئهم عن ضيف إبراهيم } هذا معطوف على ما قبله أي وأخبر يا محمد عبادي ~~عن ضيف إبراهيم. وأصل الضيف الميل يقال ضفت إلى كذا إذا ملت إليه والضيف ~~من مال إليك نزولا بك وصارت الضيافة متعارفة في القرى وأصل الضيف مصدر، ~~ولذلك استوى فيه الواحد والجمع في عامة كلامهم، وقد يجمع فيقال أضياف ~~وضيوف وضيفان وضيف إبراهيم هم الملائكة الذين أرسلهم الله سبحانه وتعالى، ~~ليبشروا إبراهيم بالولد ويهلكوا قوم لوط { إذ دخلوا عليه } يعني إذ دخل ~~الأضياف على إبراهيم عليه السلام { فقالوا سلاما } أي نسلم سلاما { قال ~~} يعني إبراهيم { إنا منكم وجلون } أي خائفون وإنما خاف إبراهيم منهم ~~لأنهم لم يأكلوا طعامه { قالوا لا توجل } يعني لا تخف { إنا نبشرك بغلام ~~عليم } يعني أنهم بشروه بولد ذكر غلام في صغره عليم في كبره، وقيل عليم ~~بالأحكام والشرائع والمراد به إسحاق عليه السلام فلما بشروه بالولد عجب ~~إبراهيم من كبره وكبر امرأته { قال أبشرتموني } يعني بالولد { على أن ~~مسني الكبر } يعني على حالة الكبر، قاله على طريق التعجب { فبم تبشرون } ~~يعني فبأي شيء تبشرون، وهو استفهام بمعنى التعجب كأنه عجب من حصول الولد ~~على الكبر { قالوا بشرناك بالحق } يعني بالصدق الذي قضاه الله بأن يخرج ~~منك ولدا ذكرا، تكثر ذريته وهو إسحاق { فلا تكن من القانطين } يعني فلا ~~تكن من الآيسين من الخير. والقنوط: هو الإياس من الخير { قال } يعني ~~إبراهيم { ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون } يعني من ييأس من رحمة ربه ~~إلا المكذبون، وفيه دليل على أن إبراهيم عليه السلام لم يكن من القانطين، ~~ولكنه استبعد حصول الولد على الكبر فظنت الملائكة أن به قنوطا فنفى ذلك ~~عن نفسه، وأخبر أن القانط من رحمة الله ms1966 تعالى من الضالين لأن القنوط من ~~رحمة الله كبيرة، كالأمن من مكر الله ولا يحصل إلا عند من يجهل كون الله ~~تعالى قادرا على ما يريد، ومن يجهل كونه سبحانه وتعالى عالما بجميع ~~المعلومات فكل هذه الأمور سبب للضلالة { قال } يعني إبراهيم { فما خطبكم ~~} يعني فما شأنكم وما الأمر الذي جئتم فيه { أيها المرسلون } والمعنى ما ~~الأمر الذي جئتم به سوى ما بشرتموني به من الولد { قالوا } يعني الملائكة ~~{ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين } يعني لهلاك قوم مجرمين { إلا آل لوط } ~~يعني أشياعه وأتباعه من أهل دينه { إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته } يعني ~~امرأة { لوط قدرنا } يعني قضينا وإنما أسند الملائكة القدر إلى أنفسهم ~~وإن كان ذلك لله عز وجل، لاختصاصهم بالله وقربهم منه كما تقول خاصة الملك ~~نحن أمرنا، ونحن فعلنا وإن كان قد فعلوه بأمر الملك { إنها لمن الغابرين ~~} يعني لمن الباقين في العذاب والاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات ~~نفي فاستثناء امرأة لوط من الناجين يلحقها بالهالكين. ### || [15.61-70] # { فلما جاء آل لوط المرسلون } وذلك أن الملائكة عليهم السلام لما بشروا ~~إبراهيم بالولد، وعرفوه بما أرسلوا به ساروا إلى لوط وقومه فلما دخلوا ~~على لوط { قال إنكم قوم منكرون } وإنما قال هذه المقالة لوط لأنهم دخلوا ~~عليه وهم في زي شبان مردان حسان الوجوه، فخاف أن يهجم عليهم قومه فلهذا ~~السبب قال هذه المقالة. وقيل: إن النكرة ضد المعرفة فقوله: إنكم قوم ~~منكرون يعني لا أعرفكم ولا أعرف من أي الأقوام أنتم، ولا لأي غرض دخلتم ~~فعند ذلك { قالوا } يعني الملائكة { بل جئناك بما كانوا فيه يمترون } ~~يعني جئناك بالعذاب الذي كانوا يشكون فيه { وأتيناك بالحق } يعني باليقين ~~الذي لا شك فيه { وإنا لصادقون } يعني فيما أخبرناك به من إهلاكهم { ~~فأسر بأهلك } بقطع من الليل يعني آخر الليل، والقطع القطعة من الشيء ~~وبعضه { واتبع أدبارهم } يعني واتبع آثار أهلك وسر خلفهم { ولا يلتفت ~~منكم أحد } يعني حتى لا يرى ما نزل بقومه من العذاب فيرتاع بذلك، وقيل: ~~المراد ms1967 الإسراع في السير وترك الالتفات إلى ورائه، والاهتمام بما خلفه ~~كما تقول امض لشأنك ولا تعرج على شيء وقيل جعل ترك الالتفات علامة لمن ~~ينجو من آل لوط ولئلا يتخلف أحد منهم فيناله العذاب { وامضوا حيث تؤمرون ~~} قال ابن عباس: يعني إلى الشام وقيل: الأردن، وقيل إلى حيث يأمركم جبريل ~~وذلك أن جبريل أمرهم أن يسيروا إلى قرية معينة ما عمل أهلها عمل قوم لوط ~~{ وقضينا إليه ذلك الأمر } يعني وأوحينا إلى لوط ذلك الأمر الذي حكمنا به ~~على قومه، وفرغنا منه ثم إنه سبحانه وتعالى فسر ذلك الأمر الذي قضاه ~~بقوله { أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين } يعني أن هؤلاء القوم يستأصلون عن ~~آخرهم بالعذاب وقت الصبح وإنما أبهم الأمر الذي قضاه عليهم أولا، وفسر ~~ثانيا تفخيما له وتعظيما لشأنه { وجاء أهل المدينة } يعني مدينة سدوم ~~وهي مدينة قوم لوط { يستبشرون } يعني يبشر بعضهم بعضا بأضياف لوط ~~والاستبشار: إظهار الفرح والسرور، وذلك أن الملائكة لما نزلوا على لوط ~~ظهر أمرهم في المدينة وقيل إن امرأته أخبرتهم بذلك، وكانوا شبانا مردا ~~في غاية الحسن ونهاية الجمال فجاء قوم لوط إلى داره طمعا منهم في ركوب ~~الفاحشة { قال } يعني قال لوط لقومه { إن هؤلاء ضيفي } وحق على الرجل ~~إكرام ضيفه { فلا تفضحون } يعني فيهم يقال فضحه يفضحه إذا أظهر من أمره ~~ما يلزمه العار بسببه { واتقوا الله } يعني خافوا الله في أمرهم { ولا ~~تخزون } يعني ولا تخجلون { قالوا } يعني: قوم لوط الذين جاؤوا إليه { ~~أولم ننهك عن العالمين } يعني أولم ننهك عن أن تضيف أحدا من العالمين. ~~وقيل: معناه أو لم ننهك أن تدخل الغرباء إلى بيتك، فإنا نريد أن نركب ~~منهم الفاحشة: وقيل: معناه ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من العالمين ~~إذا قصدناه بالفاحشة. ### || [15.71-80] # { قال } يعني لوط لقومه الذين قصدوا أضيافه { هؤلاء بناتي } أزوجكم ~~إياهن إن أسلمتم فأتوا الحلال ودعوا الحرام وقيل: أراد بالبنات نساء قومه ~~لأن النبي كالوالد لأمته { إن كنتم فاعلين } يعني ما آمركم به { لعمرك ms1968 } ~~الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس: معناه وحياتك يا محمد ~~وقال ما خلق الله نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم وما أقسم ~~بحياة أحد إلا بحياته والعمر واحد وهو اسم لمدة عمارة بدن الإنسان ~~بالحياة والروح وبقائه مدة حياته. قال النحويون: ارتفع لعمرك بالابتداء ~~والخبر محذوف والمعنى لعمرك قسمي فحذف الخبر لأن في الكلام دلالة عليه. { ~~إنهم لفي سكرتهم } يعني في حيرتهم وضلالتهم وقيل غفلتهم { يعمهون } يعني ~~يترددون متحيرين وقال قتادة: يلعبون { فأخذتهم الصيحة مشرقين } يعني حين ~~أضاءت الشمس فكان ابتداء العذاب الذي نزل بهم وقت الصبح وتمامه وانتهاؤه ~~حين أشرقت الشمس { فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل } ~~تقدم تفسيره في سورة هود { إن في ذلك } يعني الذي نزل بهم من العذاب { ~~لآيات للمتوسمين } قال ابن عباس: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال ~~مقاتل: للمتفكرين. وقال مجاهد: للمتفرسين ويعضد هذا التأويل ما روي عن ~~أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. الفراسة بالكسر اسم من قولك تفرست في ~~فلان الخير. وهي على نوعين: أحدهما ما دل عليه ظاهر الحديث، وهو ما يوقعه ~~الله في قلوب أوليائه فيعلمون بذلك أحوال الناس بنوع من الكرامات، وإصابة ~~الحدس والنظر والظن والتثبيت، والنوع الثاني ما يحصل بدلائل التجارب ~~والخلق والأخلاق تعرف بذلك أحوال الناس أيضا وللناس في علم الفراسة ~~تصانيف قديمة وحديثة. قال الزجاج: حقيقة المتوسمين في اللغة المتثبتين في ~~نظرهم حتى يعرفوا سمة الشيء وصفته وعلامته فالمتوسم الناظر في سمة ~~الدلائل، تقول توسمت في فلان كذا أي عرفت وسم ذلك وسمته { وإنها } يعني ~~قرى قوم لوط { لبسبيل مقيم } يعني بطريق واضح. قال مجاهد: بطريق معلم ليس ~~بخفي ولا زائل والمعنى: أن آثار ما أنزل الله بهذه القرى من عذابه وغضبه ~~لبسبيل مقيم ثابت لم يدثر ولم يخف، والذين يمرون عليها من الحجاز ms1969 إلى ~~الشام يشاهدون ذلك ويرون أثره { إن في ذلك } يعني الذي ذكر من عذاب قوم ~~لوط، وما أنزل بهم { لآية للمؤمنين } يعني المصدقين لما أنزله على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم { وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين } يعني كان أصحاب ~~الأيكة وهي الغيضة، واللام في قوله لظالمين للتأكيد وهم قوم شعيب عليه ~~السلام كانوا أصحاب غياض، وشجر ملتف وكان عامة شجرهم المقل وكانوا قوما ~~كافرين فبعث الله عز وجل إليهم شعيبا رسولا فكذبوه فأهلكهم الله فهو ~~قوله تعالى { فانتقمنا منهم } يعني بالعذاب وذلك أن الله سبحانه وتعالى ~~سلط عليهم الحر سبعة أيام حتى أخذ بأنفاسهم وقربوا من الهلاك فبعث الله ~~سبحانه وتعالى كالظلة فالتجؤوا إليها، واجتمعوا تحتها يلتمسون الروح فبعث ~~الله عليهم نارا فأحرقتهم جميعا { وإنهما } يعني مدينة قوم لوط ومدينة ~~أصحاب الأيكة { لبإمام مبين } يعني طريق واضح مستبين لمن مر بهما، وقيل: ~~الضمير راجع إلى الأيكة ومدين لأن شعيبا كان مبعوثا إليهما وإنما سمي ~~الطريق إماما لأنه يؤم ويتبع، ولأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى ~~الموضع الذي يريده. # قوله عز وجل { وقد كذب أصحاب الحجر المرسلين } قال المفسرون: الحجر اسم ~~واد كان يسكنه ثمود وهو معروف بين المدينة النبوية والشام وآثاره موجودة ~~باقية يمر عليها ركب الشام إلى الحجاز، وأهل الحجاز إلى الشام وأراد ~~بالمرسلين صالحا وحده، وإنما ذكره بلفظ الجمع للتعظيم أو لأنهم كذبوه، ~~وكذبوا من قبله من الرسل. ### || [15.81-88] # { وآتيناهم آياتنا } يعني الناقة وولدها والآيات التي كانت في الناقة ~~خروجها من الصخرة وعظم جثتها وقرب ولادها وغزارة لبنها، وإنما أضاف ~~الآيات إليهم وإن كانت لصالح، لأنه مرسل إليهم بهذه الآيات { فكانوا عنها ~~} يعني عن الآيات { معرضين } يعني تاركين لها غير ملتفتين إليها { وكانوا ~~ينحتون من الجبال بيوتا آمنين } خوفا من الخراب أو أن يقع عليهم الجبل ~~أو السقف { فأخذتهم الصيحة } يعني العذاب { مصبحين } يعني وقت الصبح { ~~فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } يعني من الشرك والأعمال الخبيثة ق عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما مر ms1970 رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر ~~قال: # " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن ~~تكونوا باكين ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاوز الوادي " # قوله سبحانه وتعالى { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق } ~~يعني لإظهار الحق والعذاب، وهو أن يثاب المؤمن المصدق ويعاقب الجاحد ~~الكافر الكاذب { وإن الساعة لآتية } يعني: وإن القيامة لتأتي ليجازى ~~المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته { فاصفح الصفح الجميل } الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم أي فأعرض عنهم يا محمد واعف عنهم عفوا حسنا. واحتمل ما ~~تلقى من أذى قومك وهذا الصفح والإعراض منسوخ بآية القتال، وقيل فيه بعد ~~لأن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يظهر الخلق ~~الحسن وأن يعاملهم بالعفو والصفح الخالي من الجزع والخوف { إن ربك هو ~~الخلاق العليم } يعني أنه سبحانه وتعالى خلق خلقه، وعلم ما هم فاعلوه وما ~~يصلحهم. قوله عز وجل { ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم } ~~قال ابن الجوزي: سبب نزولها أن سبع قوافل وافت من بصرى وأذرعات ليهود ~~قريظة والنضير في يوم واحد، فيها أنواع من البز والطيب والجواهر، فقال ~~المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله ~~فأنزل الله هذه الآية. وقال: قد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه السبع ~~القوافل ويدل على صحة هذا قوله { لا تمدن عينيك } الآية قال الحسن بن ~~الفضل قلت وهذا القول ضعيف أو لا يصح لأن هذه السورة مكية، بإجماع أهل ~~التفسير وليس فيها من المدني شيء. ويهود قريظة والنضير، كانوا بالمدينة ~~وكيف يصح أن يقال إن سبع قوافل جاءت في يوم واحد، فيها أموال عظيمة حتى ~~تمناها المسلمون فأنزل الله هذه الآية، وأخبرهم أن هذه السبع آيات هي خير ~~من هذه السبع القوافل والله أعلم، وفي المراد بالسبع المثاني أقوال أحدها ~~أنها فاتحة الكتاب، وهذا قول عمر وعلي وابن مسعود وفي رواية عنه وابن ~~عباس، وفي رواية الأكثرين عنه وأبي هريرة والحسن، وسعيد بن ms1971 جبير وفي ~~رواية عنه ومجاهد وعطاء وقتادة في آخرين. # يدل على صحة هذا التأويل ماروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب، والسبع المثاني " # أخرجه أبو داود والترمذي ق عن أبي سعيد ابن المعلى قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته ~~" # أخرجه البخاري. وفيه زيادة أما السبب في تسمية فاتحة الكتاب بالسبع ~~المثاني، فلأنها سبع آيات بإجماع أهل العلم واختلفوا في سبب تسميتها ~~بالمثاني. فقال ابن عباس والحسن وقتادة: لأنها تثنى في الصلاة تقرأ في كل ~~ركعة. وقيل: لأنها مقسومة بين العبد وبين الله نصفين: فنصفها الأول ثناء ~~على الله. ونصفها الثاني: دعاء ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " يقول الله تبارك وتعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين " # الحديث مذكور في فضل الفاتحة. وقيل سميت مثاني لأن كلماتها مثناة مثل ~~قوله: # الرحمن الرحيم إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين # [الفاتحة] فكل هذه ألفاظ مثناة. وقال الحسن بن الفضل: لأنها نزلت مرتين ~~مرة بمكة ومرة بالمدينة ومعها سبعون ألف ملك. وقال مجاهد: لأن الله ~~سبحانه وتعالى استثناها وادخرها لهذه الأمة فلم يعطها لغيرهم. وقال أبو ~~زيد البلخي: لأنها تثني أهل الشرك عن الشر من قول العرب ثنيت عناني. وقال ~~ابن الزجاج: سميت فاتحة الكتاب مثاني لاشتمالها على الثناء على الله ~~تعالى وهو حمد الله وتوحيده، وملكه وإذا ثبت كون الفاتحة هي السبع ~~المثاني دل ذلك على فضلها وشرفها وأنها من أفضل سور القرآن، لأن إفرادها ~~بالذكر في قوله تعالى { ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم } ~~مع أنها جزء من أجزاء القرآن وإحدى سوره لا بد. وأن يكون لاختصاصها ~~بالشرف، والفضيلة. القول الثاني في تفسير قوله سبعا من المثاني أنها ~~السبع الطوال، وهذا قول ابن عمر وابن مسعود في ms1972 رواية عنه وابن عباس وفي ~~رواية عنه وسعيد بن جبير وفي رواية عنه السبع الطوال هي سورة البقرة وآل ~~عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف. واختلفوا في السابعة فقيل ~~الأنفال مع براءة لأنهما كالسورة الواحدة، ولهذا لم يكتبوا بينهما سطر ~~بسم الله الرحمن الرحيم. وقيل السابعة هي سورة يونس ويدل على صحة هذا ~~القول ما روي عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله سبحانه وتعالى أعطاني السبع الطوال مكان التوراة وأعطاني ~~المئتين مكان الإنجيل وأعطاني مكان الزبور المثاني، وفضلني ربي بالمفصل " # أخرجه البغوي بإسناد الثعلبي قال ابن عباس: إنما سميت السبع الطوال ~~مثاني لأن الفرائض والحدود، والأمثال والخبر والعبر ثنيت فيها، وأورد على ~~هذا القول أن هذه السور الطوال غالبها مدنيات فكيف يمكن تفسير هذه الآية ~~بها، وهي مكية وأجيب عن هذا الإيراد بأن الله سبحانه وتعالى، حكم في سابق ~~علمه بإنزال هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم وإذا كان الأمر ~~كذلك صح أن تفسر هذه الآية بهذه السورة، القول الثالث: أن السبع المثاني ~~هي السور التي هي دون الطوال، وفوق المفصل وهي المئين، وحجة هذا القول ~~الحديث المتقدم وأعطاني مكان الزبور المثاني، والقول الرابع: أن السبع ~~المثاني هي القرآن كله وهذا قول طاوس وحجة هذا القول أن الله سبحانه ~~وتعالى قال # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني # [الزمر: 23] وسمي القرآن كله مثاني لأن الأخبار والقصص والأمثال ثنيت ~~فيه فإن قلت: كيف يصح عطف القرآن في قوله { والقرآن العظيم } على قوله { ~~سبعا من المثاني } وهل هو إلا عطف الشيء على نفسه؟ قلت: إذا عني بالسبع ~~المثاني فاتحة الكتاب أو السبع الطوال فما وراءهن ينطلق عليه القرآن لأن ~~القرآن اسم يقع على البعض كما يقع على الكل ألا ترى إلى قوله بما أوحينا ~~إليك هذا القرآن يعني سورة يوسف عليه السلام. وإذا عنى بالسبع المثاني ~~القرآن كله كان المعنى ولقد آتيناك سبعا من المثاني، وهي القرآن العظيم ~~وإنما سمي القرآن عظيما، لأنه كلام الله ms1973 ووحيه أنزله على خير خلقه محمد ~~صلى الله عليه وسلم. قوله { لا تمدن عينيك } الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أي لا تمدن عينيك يا محمد { إلى ما متعنا به أزواجا } يعني أصنافا ~~{ منهم } يعني من الكفار متمنيا لها نهى الله عز وجل رسوله صلى الله ~~عليه وسلم عن الرغبة في الدنيا، ومزاحمة أهله عليها والمعنى أنك قد أوتيت ~~القرآن العظيم الذي فيه غنى عن كل شيء، فلا تشغل قلبك وسرك بالالتفات إلى ~~الدنيا والرغبة فيها. روي أن سفيان بن عيينة تأول قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " # يعني من لم يستغن بالقرآن فتأول هذه الآية. قيل: إنما يكون مادا عينيه ~~إلى الشيء، إذا أدام النظر إليه مستحسنا له فيحصل من ذلك تمني ذلك الشيء ~~المستحسن، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينظر إلى شيء من متاع ~~الدنيا ولا يلتفت إليه ولا يستحسنه { ولا تحزن عليهم } يعني ولا تغتم على ~~ما فاتك من مشاركتهم في الدنيا وقيل ولا تحزن على إيمانهم إذا لم يؤمنوا ~~ففيه النهي عن الالتفات إلى أموال الكفار، والالتفات إليهم أيضا وروى ~~البغوي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لاتغبطن فاجرا بنعمته فإنك لا تدري ما هو لاق بعد موته إن له عند ~~الله قاتلا لا يموت قيل: وما هو؟ قال: النار " # ق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال، والخلق فلينظر إلى من هو ~~أسفل منه " # لفظ البخاري ولمسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " انظروا إلى من هو أسفل منكم و لاتنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن ~~لا تزدروا نعمة الله عليكم " # قال عوف بن عبد الله بن عتبة: كنت أصحب الأغنياء فما كان أحد أكثر هما ~~مني كنت أرى دابة خيرا من دابتي وثوبا خيرا من ثوبي، فلما سمعت هذه ~~الحديث صحبت الفقراء ms1974 فاسترحت. وقوله سبحانه وتعالى { واخفض جناحك } يعني ~~لين جانبك { للمؤمنين } وارفق بهم لما نهاه الله سبحانه وتعالى عن ~~الالتفات إلى الأغنياء من الكفار، أمره بالتواضع واللين والرفق بفقراء ~~المسلمين وغيرهم من المؤمنين. ### || [15.89-95] # { وقل } أي وقل لهم يا محمد { إني أنا النذير المبين } لما أمر الله ~~تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالزهد في الدنيا، والتواضع للمؤمنين ~~أمره بتبليغ ما أرسل به إليهم، والنذارة تبليغ مع تخويف والمعنى: إني أنا ~~النذير بالعقاب لمن عصاني المبين النذارة { كما أنزلنا المقتسمين } يعني ~~أنذركم عذابا كعذاب أنزلناه بالمقتسمين، قال ابن عباس: أراد بالمقتسمين ~~اليهود والنصارى. وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة: سموا بذلك لأنهم آمنوا ~~ببعض القرآن وكفروا ببعضه، فما وافق كتبهم آمنوا به وما خالف كتبهم كفروا ~~به، وقال عكرمة: إنهم اقتسموا سور القرآن فقال واحد منهم هذه السورة لي ~~وقال: آخر هذه السورة لي، وإنما فعلوا ذلك استهزاء به، وقال مجاهد: إنهم ~~اقتسموا كتبهم فآمنوا ببعضها وكفروا ببعضها، وكفر آخرون منهم بما آمن به ~~غيرهم. وقال قتادة وابن السائب: أراد بالمقتسمين كفار قريش سموا بذلك لأن ~~أقوالهم تقسمت في القرآن. فقال بعضهم: إنه سحر وزعم بعضهم إنه كهانة وزعم ~~بعضهم إنه أساطير الأولين وقال ابن السائب: سموا بالمقتسمين لأنهم ~~اقتسموا عقاب مكة وطرقها، وذلك أن الوليد بن المغيرة بعث رهطا من أهل ~~مكة. قيل ستة عشر. وقيل: أربعين. فقال لهم: انطلقوا فتفرقوا على عقاب مكة ~~وطرقها حيث يمر بكم أهل الموسم، فإذا سألوكم عن محمد فليقل بعضكم إنه ~~كاهن وليقل بعضكم إنه شاعر، وليقل بعضكم إنه ساحر فإذا جاؤوا إلي صدقتكم ~~فذهبوا وقعدوا على عقاب مكة وطرقها يقولون لمن مر بهم من حجاج العرب: لا ~~تغتروا بهذا الخارج الذي يدعي النبوة منا فإنه مجنون كاهن، وشاعر. وقعد ~~الوليد بن المغيرة على باب المسجد الحرام فإذا جاؤوا وسألوه عما قال: ~~أولئك المقتسمون. قال: صدقوا. وقوله سبحانه وتعالى: { الذين جعلوا القرآن ~~عضين } خ عن ابن عباس في قوله تعالى الذين جعلوا القرآن عضين. قال: ms1975 هم ~~اليهود والنصارى جزؤوه أجزاء آمنوا ببعض وكفروا ببعض، قيل: هو جمع عضة من ~~قولهم عضيت الشيء إذا فرقته، وجعلته أجزاء وذلك لأنهم جعلوا القرآن أجزاء ~~مفرقة. فقال بعضهم: هو سحر. وقال بعضهم: هو كهانة. وقال بعضهم: هو أساطير ~~الأولين. وقيل: هو جمع عضة. وهوالكذب والبهتان وقيل: المراد به العضة وهو ~~السحر يعني أنهم جعلوا القرآن عضين { عما كانوا يعملون } يعني عما كانوا ~~يقولونه في القرآن. وقيل: عما كانوا يعملون من الكفر والمعاصي. وقيل: ~~يرجع الضمير في لنسألنهم إلى جميع الخلق المؤمن والكافر لأن اللفظ عام ~~فحمله على العموم أولى قال جماعة من أهل العلم عن لا إله إلا الله عن أنس ~~عن النبي صلى الله عليه سلم # " في قوله: لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون قال: " عن قول لا إله إلا ~~الله " # أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب وقال أبو العالية: يسأل العباد عن خلتين ~~عما كانوا يعبدون، وماذا أجابوا المرسلين. فإن قلت: كيف الجمع بين قوله ~~لنسألنهم أجمعين وبين قوله # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان # [الرحمن: 39] قلت: قال ابن عباس: لا يسألهم هل عملتم لأنه أعلم به ~~منهم، ولكن يقول لم عملتم كذا واعتمده قطرب فقال: السؤال ضربان سؤال ~~استعلام وسؤال توبيخ فقال تعالى # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان # [الرحمن: 39] يعني سؤال استعلام وقوله { لنسألنهم أجمعين } سؤال توبيخ ~~وتقريع وجواب آخر، وهو يروى عن ابن عباس أيضا أنه قال في الآيتين: إن ~~يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف فيسألون في بعض المواقف ولا يسألون في ~~بعضها نظيره قوله سبحانه وتعالى # هذا يوم لا ينطقون # [المرسلات: 35] وقال تعالى في آية أخرى # ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون # [الزمر: 31] قوله سبحانه وتعالى { فاصدع بما تؤمر } قال ابن عباس: أظهر. ~~ويروى عنه أمضه. وقال الضحاك: أعلم وأصل الصدع الشق والفرق أي أفرق ~~بالقرآن بين الحق الباطل أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ~~بإظهار الدعوة وتبليغ الرسالة إلى من أرسل اليهم قال عبد الله ms1976 بن عبيدة. ~~ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيا حتى نزلت هذه الآية، فخرج هو ~~وأصحابه { وأعرض عن المشركين } أي اكفف عنهم ولا تلتفت إلى لومهم على ~~إظهار دينك، وتبليغ رسالة ربك وقيل أعرض عن الاهتمام باستهزائهم، وهو ~~قوله سبحانه وتعالى { إنا كفيناك المستهزئين } أكثر المفسرين على أن هذا ~~الإعراض منسوخ بآية القتال. وقال بعضهم: ما للنسخ وجه لأن معنى الإعراض ~~ترك المبالاة بهم، والالتفات إليهم، فلا يكون منسوخا، وقوله تعالى إنا ~~كفيناك المستهزئين يقول الله تعالى عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~فاصدع بما أمرتك به ولا تخف أحدا غيري فإني أنا كافيك، وحافظك ممن عاداك ~~فإنا كفيناك المستهزئين وكانوا خمسة نفر من رؤساء كفار قريش، كانوا ~~يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالقرآن وهم: الوليد بن المغيرة ~~المخزومي وكان رأسهم، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن المطلب بن ~~الحارث بن أسد بن عبدالعزى بن زمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد دعا عليه فقال: اللهم أعم بصره وأثكله بولده. والأسود بن عبد يغوث بن ~~وهب بن عبد مناف بن زهرة، والحارث بن قيس ابن الطلاطلة كذا ذكره البغوي. ~~وقال ابن الجوزي: الحارث بن قيس ابن عيطلة وقال الزهري: عيطلة أمه وقيس ~~أبوه فهو منسوب إلى أبيه وأمه قال المفسرون: أتى جبريل عليه السلام إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمستهزئون يطوفون بالبيت فقام جبريل، ~~وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه فمر به الوليد بن المغيرة ~~فقال جبريل: يا محمد كيف تجد هذا قال بئس عبد الله فقال: قد كفيته وأومأ ~~إلى ساق الوليد فمر الوليد برجل من خزاعة نبال بريش نبلا له، وعليه برد ~~يماني وهو يجر إزاره فتعلقت شظية من النبل بإزار الوليد، فمنعه الكبر أن ~~يطأطىء رأسه فينزعها وجعلت تضربه في ساقه، فخدشته فمرض فمات، ومر بهما ~~العاص بن وائل السهمي فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ فقال: بئس عبد ~~الله، فأشار جبريل إلى أخمص قدمه ms1977 وقال: قد كفيته. # فخرج العاص على راحلة يتنزه، ومعه ابناه فنزل شعبا من تلك الشعاب فوطىء ~~شبرقة فدخل منها شوكة في أخمص رجله، فقال: لدغت لدغت فطلبوا فلم يجدوا ~~شيئا وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه. ومر بهما ~~الأسود بن المطلب فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ فقال: عبد سوء فأشار ~~جبريل بيده إلى عينيه. وقال: قد كفيته فعمي. قال ابن عباس: رماه جبريل ~~بورقة خضراء فألهب بصره ووجعت عينه فجعل يضرب برأسه الجدار، حتى هلك وفي ~~رواية الكلبي قال: أتاه جبريل وهو قاعد في أصل شجرة ومعه غلام له وفي ~~رواية فجعل ينطح رأسه في الشجرة ويضرب وجهه بالشوك فاستغاث بغلامه، فقال ~~له غلامه: ما أرى أحدا يصنع بك شيئا غيرك فمات، وهو يقول قتلني محمد ~~ومر بهما الأسود ابن عبد يغوث فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ فقال: ~~بئس عبد الله على أنه خالي. فقال جبريل: قد كفيته وأشار إلى بطنه فاستسقى ~~بطنه فمات. وفي رواية الكلبي أنه خرج من أهله. فأصابه سموم فاسود وجهه ~~حتى صار حبشيا، فأتى أهله لم يعرفوه وأغلقوا دونه الباب فمات، وهو يقول: ~~قتلني رب محمد. ومر بهما الحارث بن قيس فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ ~~فقال: عبد سوء فأومأ جبريل إلى رأسه. وقال قد كفيته فامتخط قيحا فقتله. ~~قال ابن عباس: إنه أكل حوتا مالحا فأصابه العطش فلم يزل يشرب الماء حتى ~~أنقد بطنه فمات. فذلك قوله تعالى { إنا كفيناك المستهزئين } يعني بك ~~وبالقرآن. ### || [15.96-99] # { الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون } يعني إذا نزل بهم ~~العذاب ففيه وعيد وتهديد. قوله سبحانه وتعالى { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك ~~بما يقولون } يعني بسبب ما يقولون، وهو ما كانوا يسمعونه من الاستهزاء ~~به، والقول الفاحش والجبلة البشرية تأبى ذلك فيحصل عند سماع ذلك ضيق ~~الصدر، فعند ذلك أمره بالتسبيح والعبادة وهو قوله { فسبح بحمد ربك } قال ~~ابن عباس: فصل بأمر ربك { وكن من الساجدين } يعني من ms1978 المتواضعين لله، ~~وقال الضحاك فسبح بحمد ربك قل سبحان الله وبحمده وكن من الساجدين يعني من ~~المصلين روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا حزبه أمر فزع إلى ~~الصلاة، قال بعض العارفين من المحققين: أن السبب في زوال الحزن عن القلب، ~~إذا أتى العبد بهذه العبادات أنه يتنور باطنه ويشرق قلبه، وينفسح وينشرح ~~صدره فعند ذلك يعرف قدر الدنيا وحقارتها فلا يلتفت إليها، ولا يتأسف على ~~فواتها فيزول الهم والغم والحزن عن قلبه. وقال بعض العلماء: إذا نزل ~~بالعبد مكروه ففزع إلى الصلاة فكأنه يقول: يارب إنما يجب علي عبادتك ~~سواء أعطيتني ما أحب أو كفيتني ما أكره، فأنا عبدك وبين يديك فافعل بي ~~ماتشاء. قوله تعالى { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } يعني الموت الموقن به ~~الذي لا يشك فيه أحد، والمعنى واعبد ربك في جميع أوقاتك، ومدة حياتك حتى ~~يأتيك الموت وأنت في عبادة ربك، وهذا مثل قوله تعالى في سورة مريم # وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا # [مريم: 31] روى البغوي بسنده عن جبير بن نفير قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه سلم # " ما أوحى الله إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحى إلي ~~أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " # وعن عمر قال: # " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب ~~كبش قد تنطق به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انظروا إلى هذا ~~الذي نور الله قلبه لقد رأيته بين أبويه يغذيانه بأطيب الطعام والشراب ~~ولقد رأيت عليه حلة شراها، أو قال: شريت له بمائتي درهم فدعاه حب الله، ~~وحب رسوله إلى ما ترون " " # ذكره بغير سند والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1-2] # قوله سبحانه وتعالى: { أتى أمر الله } يعني جاء ودنا وقرب أمر الله تقول ~~العرب: أتاك الأمر وهو متوقع المجيء، بعدما أتى، ومعنى الآية أتى أمر ~~الله وعدا { فلا تستعجلوه } يعني وقوعا بالمراد به مجيء ms1979 القيامة. قال ~~ابن عباس: لما نزل قوله سبحانه وتعالى # اقتربت الساعة وانشق القمر # [القمر: 1] قال الكفار: بعضهم لبعض إن هذا الرجل يزعم أن القيامة قد ~~قربت فامسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما رأوا أنه ~~لا ينزل شيء قالوا: ما نرى شيئا فنزل قوله تعالى # اقترب للناس حسابهم # [الأنبياء: 1] فأشفقوا فلما امتدت الأيام، قالوا: يا محمد ما نرى شيئا ~~مما تخوفنا به فنزل { أتى أمر الله } فوثب النبي صلى الله عليه وسلم ورفع ~~الناس رؤوسهم، وظنوا أنها قد أتت حقيقة فنزل { فلا تستعجلوه } فاطمأنوا، ~~والاستعجال طلب مجيء الشيء قبل وقته ولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " بعثت أنا والساعة كهاتين ويشير بأصبعيه يمدهما " # أخرجاه في الصحيحين من حديث سهل بن سعد ق عن أنس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه سلم: # " بعثت أنا والساعة كهاتين كفضل إحداهما على الأخرى، وضم السبابة إلى ~~الوسطى " # وفي رواية # " بعثت في نفس الساعة فسبقتها كفضل هذه على الأخرى " # قال ابن عباس: كان مبعث النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة ولما ~~مر جبريل بأهل السموات مبعوثا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: الله ~~أكبر قامت الساعة قال قوم: المراد بالأمر هنا عقوبة المكذبين وهو العذاب ~~بالقتل بالسيف وذلك أن النضر بن الحرث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فاستعجل العذاب ~~فنزلت هذه الآية، وقلت النضر يوم بدر صبرا { سبحانه وتعالى عما يشركون } ~~يعني تنزه الله وتعاظم بالأوصاف الحميدة عما يصفه به المشركون. قوله ~~سبحانه وتعالى: { ينزل الملائكة والروح } يعني بالوحي { من أمره } وإنما ~~سمي الأمر روحا لأنه تحيا القلوب من موت الجهالات وقال عطاء: بالنبوة. ~~وقال قتادة: بالرحمة. وقيل: الروح هو جبريل والباء بمعنى مع يعني ينزل مع ~~الروح وهو جبريل { على من يشاء من عباده } يعني على من يصطفيه من عباده ~~للنبوة، والرسالة وتبليغ الوحي إلى الخلق { أن أنذروا ms1980 } يعني بأن اعلموا ~~{ أنه لا إله إلا أنا فاتقون } أي فخافون. وقيل: معناه مروا بقول لا إله ~~إلا الله منذرين يعني مخوفين بالقرآن. ### || [16.3-12] # { خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون } تقدم تفسيره { خلق ~~الإنسان من نطفة فاذا هو خصيم مبين } يعني أنه جدل بالباطل بين الخصومة ~~نزلت في أبي بن خلف الجمحي، وكان ينكر البعث فجاء بعظم رميم إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: تزعم أن الله يحيي هذا بعدما رم فنزلت فيه هذه ~~الآية، ونزل فيه أيضا قوله تعالى # قال من يحيي العظام وهي رميم # [يس: 78] والصحيح أن الآية عامة في كل ما يقع من الخصومة في الدنيا ويوم ~~القيامة، وحملها على العموم أولى، وفيها بيان القدرة وأن الله خلق ~~الإنسان من نطفة قذرة فصار جبارا كثيرا لخصومة، وفيه كشف قبيح ما فعله ~~الكفار من جحدهم نعم الله تعالى مع ظهورها عليهم. قوله عز وجل { والأنعام ~~خلقها } لما ذكر الله سبحانه وتعالى أنه خلق السموات والأرض، ثم أتبعه ~~بذكر خلق الإنسان، ذكر بعده ما ينتفع به في سائر ضروراته. ولما كان أعظم ~~ضرورات الإنسان إلى الأكل واللباس اللذين يقوم بهما بدن الإنسان بدأ بذكر ~~الحيوان المنتفع به في ذلك، وهو الأنعام. فقال تعالى { والأنعام خلقها } ~~وهي الإبل والبقر والغنم. قال الواحدي: تم الكلام عند قوله والأنعام ~~خلقها. ثم ابتدأ فقال تعالى { لكم فيها دفء } قال: ويجوز أيضا أن يكون ~~تمام الكلام عند قوله لكم ثم ابتدأ فقال تعالى: فيها دفء. قال صاحب النظم ~~أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله خلقها ثم يبتدأ بقوله لكم فيها دفء، ~~والدليل عليه أنه عطف عليه قوله، ولكم فيها جمال والتقدير لكم فيها دفء ~~ولكم فيها جمال. ولما كانت منافع هذه الأنعام منها ضرورية، ومنها غير ~~ضرورية، بدأ الله سبحانه وتعالى بذكر المنافع الضرورية، فقال تعالى: لكم ~~فيها دفء وهو ما يستدفأ به من اللباس والأكسية ونحوها، المتخذة من ~~الأصواف والأوبار والأشعار الحاصلة من النعم { ومنافع } يعني النسل والدر ~~والركوب والحمل ms1981 عليها وسائر ما ينتفع به من الأنعام { ومنها تأكلون } ~~يعني من لحومها. فإن قلت: قوله تعالى { ومنها تأكلون } يفيد الحصر لأن ~~تقديم الظرف مؤذن بالاختصاص، وقد يؤكل من غيرها. قلت: الأكل من هذه ~~الأنعام هو الذي يعتمده الناس في معايشهم وأما الأكل من غيرها كالدجاج ~~والبط والإوز وصيد البر والبحر، فغير معتد به في الأغلب: وأكله يجري مجرى ~~التفكه به فخرج ومنها تأكلون مخرج الأغلب في الأكل من هذه الأنعام. فإن ~~قلت: منفعة الأكل مقدمة على منفعة اللباس فلم أخر منفعة الأكل وقدم منفعة ~~اللباس؟ قلت: منفعة اللباس أكثر وأعظم من منفعة الأكل فلهذا قدم على ~~الأكل. وقوله سبحانه وتعالى { ولكم فيها } أي في الأنعام { جمال } أي ~~زينة { حين تريحون وحين تسرحون } الإراحة رد الإبل بالعشي إلى مراحلها ~~حيث تأوي إليه بالليل. # وقال: سرح القوم إبلهم تسريحا إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى. قال أهل ~~اللغة: وأكثر ما تكون هذه الراحة أيام الربيع إذا سقط الغيث، ونبت العشب ~~والكلأ وخرجت العرب للنجعة، وأحسن ما تكون النعم في ذلك الوقت فمن الله ~~سبحانه وتعالى بالتجميل بها فيه كما من الانتفاع بها لأنه من أغراض أصحاب ~~المواشي بل هو من معظمها لأن الرعاة إذا سرحوا النعم بالغداة إلى المرعى، ~~وروحوها بالعشي إلى الأفنية والبيوت يسمع للإبل رغاء وللشاء ثغاء يجاوب ~~بعضها بعضا، فعند ذلك يفرح أربابها بها وتتجمل بها الأفنية والبيوت، ~~ويعظم وقعها عند الناس. فإن قلت: لم قدمت الإراحة على التسريح؟ قلت: لأن ~~الجمال في الإراحة وهو رجوعها إلى البيوت أكثر منها وقت التسريح لأن ~~النعم تقبل من المرعى ملأى البطون حافلة الضروع، فيفرح أهلها بها بخلاف ~~تسريحها إلى المرعى فإنها تخرج جائعة البطون ضامرة الضروع من اللبن، ثم ~~تأخذ في التفرق والانتشار للرعي في البرية فثبت بهذا البيان أن التجمل في ~~الإراحة، أكثر منه في التسريح فوجب تقديمه. وقوله سبحانه وتعالى { وتحمل ~~أثقالكم } الأثقال جمع ثقل وهو متاع السفر وما يحتاج إليه من آلات السفر ~~{ إلى بلد } يعني غير بلدكم قال ms1982 ابن عباس: يريد من مكة إلى اليمن، وإلى ~~الشام وإنما قال ابن عباس: هذا القول لأنه خطاب لأهل مكة واكثر تجارتهم ~~وأسفارهم إلى الشام واليمن وحمله على العموم أولى لأنه خطاب عام فدخول ~~الكافة فيه أولى من تخصيصه ببعض المخاطبين { لم تكونوا بالغيه } يعني ~~بالغي ذلك البلد الذي تقصدونه { إلا بشق الأنفس } يعني بالمشقة والجهد ~~والعناء والتعب والشق نصف الشيء، والمعنى على هذا لم تكونوا بالغيه إلا ~~بنقصان قوة، النفس وذهاب نصفها { إن ربكم لرؤوف رحيم } يعني بخلقه حيث ~~خلق لهم هذه المنافع. قوله سبحانه وتعالى: { والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها } هذه الآية عطف على ما قبلها، والمعنى وخلق هذه الحيوانات لأجل ~~أن تركبوها، والخيل اسم جنس لا واحد له من لفظه كالإبل والرهط والنساء { ~~وزينة } يعني وجعلها زينة مع المنافع التي فيها. فصل احتج بهذه الآية من ~~يرى تحريم لحوم الخيل، وهو قول ابن عباس وتلا هذه الآية وقال: هذه للركوب ~~وإليه ذهب الحكم ومالك وأبو حنيفة رحمهم الله، واستدلوا أيضا بأن منفعة ~~الأكل أعظم من منفعة الركوب فلما لم يذكره الله تعالى، علمنا تحريم أكله ~~فلو كان أكل لحوم الخيل جائزا لكان هذا المعنى أولى بالذكر، لأن الله ~~سبحانه وتعالى خص الأنعام بالأكل حيث قال ومنها تأكلون وخص هذه بالركوب. ~~فقال: لتركبوها فعلمنا أنها مخلوقة للركوب لا للأكل وذهب مجموعة من أهل ~~العلم إلى إباحة لحوم الخيل، وهو قول الحسن وشريح وعطاء وسعيد بن جبير: ~~وإليه ذهب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وأحمد وإسحاق واحتجوا على ~~إباحة لحوم الخيل لما روي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنها قالت: " ~~نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا ونحن بالمدينة فأكلناه ~~" أخرجه البخاري ومسلم ق. # عن جابر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الخيل وحمر ~~الوحش ونهى النبي عن الحمار الأهلي " هذه رواية البخاري ومسلم، وفي رواية ~~أبي داود قال: " ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير وكنا قد أصابتنا ~~مخمصة فنهانا رسول الله ms1983 صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا ~~عن الخيل " وأجاب من أباح لحوم الخيل عن هذه الآية بأن ذكر الركوب ~~والزينة، لا يدل على أن منفعتها مختصة بذلك، وإنما خص هاتان المنفعتان ~~بالذكر لأنهما معظم المقصود، قالوا: ولهذا سكت عن حمل الأثقال على الخيل ~~مع قوله في الأنعام وتحمل أثقالكم، ولم يلزم من هذا التحريم حمل الأثقال ~~على الخيل، وقال البغوي: ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم، بل ~~المراد منها تعريف الله عباده نعمه، وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، ~~والدليل الصحيح المعتمد عليه في إباحة لحوم الخيل أن السنة مبينة للكتاب ~~ولما كان نص الآية يقتضي أن الخيل والبغال والحمير مخلوقة للركوب ~~والزينة، وكان الأكل مسكوتا عنه دار الأمر فيه على الإباحة والتحريم ~~فوردت بإباحة لحوم الخيل وتحريم لحوم البغال والحمير، فأخذنا بها جمعا ~~بين النصين والله أعلم وقوله تعالى { ويخلق ما لا تعلمون } لما ذكر الله ~~سبحانه وتعالى الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في جميع حالاته، ~~وضرورياته على سبيل التفضيل، ذكر بعدها ما لا ينتفع به الإنسان الغالب ~~على سبيل الإجمال لأن مخلوقات الله عز وجل في البر والبحر والسموات أكثر ~~من أن تحصى أو يحيط بها عقل أحد أو فهمه، فلهذا ذكرها على الإجمال، وقال ~~بعضهم: ويخلق ما لا تعلمون يعني مما أعد الله لأهل الجنة في الجنة، ولأهل ~~النار في النار مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر وقال ~~قتادة في قوله: ويخلق ما لا تعلمون يعني السوس في النبات والدود في ~~الفواكة. قوله سبحانه وتعالى { وعلى الله قصد السبيل } القصد استقامة ~~الطريق، يقال: طريق قصد وقاصد إذا أداك إلى مطلوبك وفي الآية حذف تقديره ~~وعلى الله بيان قصد السبيل، وهو بيان طريق الهدى من الضلالة وقيل: معناه ~~وعلى الله بيان طريق الحق بالآيات والبراهين { ومنها جائر } يعني ومن ~~السبل سبيل جائر عن الاستقامة بل هو معوج فالقصد من السبيل هو دين ~~الإسلام والجائر منها دين اليهودية والنصرانية وسائر ms1984 ملل الكفر، وقال ~~جابر بن عبد الله: قصد السبيل بيان الشرائع والفرائض، وقال عبد الله بن ~~المبارك وسهل بن عبد الله: قصد السبيل السنة ومنها جائر الأهواء والبدع { ~~ولو شاء لهداكم أجمعين } فيه دليل على أن الله تعالى ما شاء هداية ~~الكفار، وما أراد منهم الإيمان لأن كلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء ~~غيره، فقوله ولو شاء هدايتكم لهداكم أجمعين وذلك يفيد أنه تعالى ما شاء ~~هدايتهم فلا جرم ما هداهم. # قوله عز وجل { وهو الذي أنزل من السماء ماء } لما ذكر الله سبحانه ~~وتعالى نعمته على عباده بخلق الحيوانات لأجل الانتفاع والزينة: عقبه بذكر ~~إنزال المطر من السماء، وهو من أعظم النعم على العباد فقال: هو الذي أنزل ~~من السماء. يعني، والله الذي خلق جميع الأشياء هو الذي أنزل من السماء ~~ماء يعني المطر { لكم منه } يعني من ذلك الماء { شراب } يعني تشربونه { ~~ومنه } يعني ومن ذلك الماء { شجر } الشجر في اللغة ما له ساق من نبات ~~الأرض، ونقل الواحدي عن أهل اللغة أنهم قالوا: الشجر أصناف ما جل وعظم ~~وهو الذي يبقى على الشتاء وما دق وهو صنفان أحدهما تبقى له أدوحة في ~~الشتاء وينبت في الربيع ومنها ما لا يبقى له ساق في الشتاء كالبقول وقال ~~أبو إسحاق: كل ما ينبت على وجه الأرض فهو شجر وأنشد: # نطعمها اللحم إذا عز الشجر # أراد أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض، وقال ابن قتيبة: في هذه ~~الآية يعني الكلأ ومعنى الآية أنه ينبت بالماء الذي أنزل من السماء ما ~~ترعى الراعية من ورق الشجر لأن الإبل ترعى كل الشجر { فيه } يعني في ~~الشجر { تسيمون } يعني ترعون مواشيكم. يقال: أسمت السائمة إذا خليتها ~~ترعى وسامت هي إذا رعت حيث شاءت { ينبت لكم } أي ينبت الله لكم وقرىء ~~ينبت على التعظيم لكم { به } أي بذلك الماء { الزرع والزيتون والنخيل ~~والأعناب ومن كل الثمرات } لما ذكر الله في الحيوان تفصيلا وإجمالا ذكر ~~الثمار تفصيلا وإجمالا فبدأ بذكر الزرع وهو الحب الذي ms1985 يقتات به كالحنطة ~~والشعير وما أشبههما لأن به قوام بدن الإنسان، وثنى بذكر الزيتون لما فيه ~~من الأدم والدهن والبركة، وثلث بذكر النخيل لأن ثمرتها غذاء وفاكهة، وختم ~~بذكر الأعناب لأنها شبه النخلة في المنفعة من التفكة، والتعذية، ثم ذكر ~~سائر الثمرات إجمالا لينبه بذلك على عظيم قدرته، وجزيل نعمته على عباده ~~ثم قال تعالى { إن في ذلك } يعني الذي ذكر من أنواع الثمار { لآية } يعني ~~علامة دالة على قدرتنا ووحدانيتنا { لقوم يتفكرون } يعني فيما ذكر من ~~دلائل قدرته ووحدانيته { وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم } ~~تقدم تفسيره في سورة الأعراف { مسخرات } يعني مذللات مقهورات تحت قهره ~~وإرادتهن وفيه رد على الفلاسفة والمنجمين لأنهم يعتقدون أن هذه النجوم هي ~~الفعالة المتصرفة في العالم السفلي فأخبر الله تعالى أن هذه النجوم ~~مسخرات في نفسها مذللات { بأمره } يعني بأمر ربها مقهورات تحت قهره ~~يصرفها كيف يشاء، ويختار وأنها ليس لها تصرف في نفسها فضلا عن غيرها، ~~ولما ذكر الله سبحانه وتعالى أنه خلق هذه النجوم وجعلها مسخرات لمنافع ~~عباده ختم هذه الآية بقوله { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } يعني أن كل ~~من كان له عقل صحيح سليم علم أن الله سبحانه وتعالى، هو الفعال المختار ~~وأن جميع الخلق تحت قدرته، وقهره وتسخيره لما أراده منهم. ### || [16.13-23] # { وما ذرأ لكم في الأرض } يعني وما خلق لكم في الأرض، وسخر لأجلكم من ~~الدواب والأنعام والأشجار والثمار { مختلفا ألوانه } يعني في الخلقة ~~والهيئة والكيفية واختلاف ألوان المخلوقات مع كثرتها، حتى لا يشبه بعضها ~~بعضا من كل الوجوه، فيه دليل قاطع على كمال قدرة الله ولذلك ختم هذه ~~الآية بقوله تعالى { وهو الذي سخر لكم البحر } لما ذكر الله سبحانه ~~وتعالى الدلائل الدالة على قدرته، ووحدانيته من خلق السموات والأرض، وخلق ~~الإنسان من نطفة وخلق سائر الحيوان والنبات وتسخير الشمس والقمر والنجوم ~~وغير ذلك من آثار قدرته، وعجائب صنعته وذكر إنعامه في ذلك على عباده، ذكر ~~بعد ذلك إنعامه على عباده بتسخير البحر لهم ms1986 نعمة من الله عليهم، ومعنى ~~تسخير الله البحر لعباده جعله بحيث يتمكن الناس من الانتفاع به. فقال ~~تعالى: وهو الذي سخر البحر { لتأكلوا منه لحما طريا } فبدأ بذكر الأكل ~~لأنه أعظم المقصود، لأن به قوام البدن وفي ذكر الطري مزيد فائدة دالة على ~~كمال قدرة الله تعالى، وذلك أن السمك لون كان كله مالحا لما عرف به من ~~قدرة الله تعالى، ما يعرف بالطري لأنه لما لما خرج من البحر الملح ~~الزعاق، الحيوان الطري الذي لحمه في غاية العذوبة علم أنه إنما حدث بقدرة ~~الله، وخلقه لا بحسب الطبع وعلم بذلك أن الله قادر على إخراج الضد من ~~الضد. المنفعة الثانية قوله تعالى { وتستخرجوا منه حلية تلبسونها } يعني ~~اللؤلؤ والمرجان، كما قال تعالى: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان والمراد ~~بلبسهم لبس نسائهم لأن زينة النساء بالحلي، وإنما هو لأجل الرجال فكان ~~ذلك زينة لهم. المنفعة الثالثة قوله تعالى { وترى الفلك } يعني السفن { ~~مواخر فيه } يعني جواري فيه قال قتادة: مقبلة ومدبرة وذلك أنك ترى ~~سفينتين أحداهما تقبل والأخرى تدبر تجريان بريح واحدة وأصل المخر في ~~اللغة الشق يقال: مخرت السفينة مخرا إذا شقت الماء بجؤجؤها. وقال مجاهد: ~~تمخر الرياح السفن يعني أنها إذا جرت يسمع لها صوت قال أبو عبيدة: يعني ~~من صوائح والمخر صوت هبوب الريح عند شدتها وقال الحسن: مواخر يعني مواقر ~~أي مملوءة متاعا { ولتبتغوا من فضله } يعني الأرباح بالتجارة في البحر { ~~ولعلكم تشكرون } يعني إنعام الله عليكم إذا رأيتم نعم الله فيما سخر لكم ~~{ وألقى في الأرض رواسي } يعني جبالا ثقالا { أن تميد بكم } يعني لئلا ~~تميل وتضطرب بكم، والميد هو اضطراب الشيء العظيم كالأرض، وقال وهب: لما ~~خلق الله سبحانه وتعالى الأرض جعلت تمور وتتحرك فقالت الملائكة: إن هذه ~~غير مقرة أحدا على ظهرها فأصبحوا، وقد أرسيت بالجبال فلم تدر الملائكة ~~مم خلقت الجبال { وأنهارا } يعني وجعل فيها أنهارا لأن في ألقى معنى ~~الجعل، فقوله سبحانه وتعالى: وأنهارا معطوف على وألقى، ولما ذكر الله ~~الجبال ذكر ms1987 بعدها الأنهار لأن معظم عيون الأنهار، وأصولها تكون من الجبال ~~{ وسبلا } يعني وجعل فيها طرقا مختلفة تسلكونها في أسفاركم، والتردد في ~~حوائجكم من بلد إلى بلد ومن مكان إلى مكان { لعلكم تهتدون } يعني بتلك ~~السبل إلى ما تريدون فلا تضلون { وعلامات } يعني وجعل فيها علامات تهتدون ~~بها في أسفاركم قال بعضهم: تم الكلام عند قوله: وعلامات ثم ابتدأ { ~~وبالنجم هم يهتدون } قال محمد بن كعب والكلبي: أراد بالعلامات الجبال ~~والنجوم، فالجبال علامات النهار، والنجوم علامات الليل. # وقال مجاهد: أراد بالكل النجوم فمنها ما يكون علامات ومنها ما يهتدي به. ~~وقال السدي: أراد بالنجم الثريا وبنات نعش والفرقدين والجدي، فهذه يهتدى ~~بها إلى الطريق والقبلة. وقال قتادة: إنما خلق الله النجوم لثلاثة أشياء ~~لتكون زينة السماء ومعالم الطريق ورجوما للشياطين فمن قال غير هذا فقد ~~تكلف ما لا علم له به. قوله سبحانه وتعالى { أفمن يخلق كمن لا يخلق } لما ~~ذكر الله عز وجل من عجائب قدرته وغرائب صنعته، وبديع خلقه ما ذكر على ~~الوجه الأحسن والترتيب الأكمل، وكانت هذه الأشياء المخلوقة المذكورة في ~~الآيات المتقدمة كلها دالة على كمال قدرة الله تعالى، ووحدانيته وأنه ~~تعالى هو المنفرد بخلقها جميعا قال على سبيل الإنكار على من ترك عبادته ~~واشتغل بعبادة هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تقدر على شيء { ~~أفمن يخلق } يعني هذه الأشياء الموجودة المرئية بالعيان، وهو الله تعالى ~~الخالق لها { كمن لا يخلق } يعني هذه الأصنام العاجزة التي لا تخلق شيئا ~~ألبتة، لأنها جمادات لا تقدر على شيء، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل ~~بعبادتها ويترك عبادة من يستحق العبادة وهو الله خالق هذه الأشياء كلها، ~~ولهذا المعنى ختم هذه الآية بقوله { أفلا تذكرون } يعني أن هذا القدر ~~ظاهر غير خاف على أحد فلا يحتاج فيه إلى دقيق الفكر والنظر بل مجرد ~~التذكر فيه، كفاية لمن فهم وعقل واعتبر بما ذكره. بقي في الآية سؤلان: ~~الأول: قوله: كمن لا يخلق المراد به الأصنام وهي جمادات لا تعقل فكيف ms1988 ~~يعبر عنها بلفظة من وهي لمن يعقل، والجواب عنه أن الكفار لما سموا هذه ~~الأصنام آلة وعبدوها أجريت مجرى من يعقل في زعمهم ألا ترى إلى قوله: بعد ~~هذا والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا فخاطبهم على قدر زعمهم، ~~وعقولهم. السؤال الثاني: قوله: أفمن يخلق كمن لا يخلق المقصود منه إلزام ~~الحجة على من عبد الأصنام حيث جعل غير الخالق مثل الخالق، فكيف قال على ~~سبيل الاستفهام أفمن يخلق كمن لا يخلق والجواب عنه أنه ليس المراد منه ~~الاستفهام بل المراد منه أن من خلق الأشياء العظيمة وأعطى هذه النعم ~~الجزيلة، كيف يسوى بينه وبين هذه الجمادات الخسيسة في التسمية والعبادة، ~~وكيف يليق بالعاقل أن يترك عبادة من يستحق العبادة لأنه خالق هذه الأشياء ~~الظاهرة كلها، ويشتغل بعبادة جمادات لا يخلق شيئا البتة والله أعلم. # وقوله تعالى { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } يعني أن نعم الله على ~~العبد فيما خلق الله فيه من صحة البدن وعافية الجسم، وإعطاء النظر الصحيح ~~والعقل السليم، والسمع الذي يفهم به الأشياء وبطش اليدين وسعي الرجلين ~~إلى غير ذلك مما أنعم به عليه في نفسه، وفيما أنعم به عليه مما خلق له من ~~جميع ما يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا لا تحصى حتى لو رام أحد معرفة ~~أدنى نعمة من هذه النعم لعجز عن معرفتها وحصرها فكيف بنعمة العظام التي ~~لا يمكن الوصول إلى حصرها لجميع الخلق فذلك قوله تعالى { وإن تعدوا نعمة ~~الله لا تحصوها } يعني ولو اجتهدتم في ذلك وأتبعتم نفوسكم لا تقدرون عليه ~~{ إن الله لغفور } يعين لتقصيركم في القيام بشكر نعمته كما يجب عليكم { ~~رحيم } يعني بكم حيث وسع عليكم النعم، ولم يقطعها عنكم بسبب التقصير، ~~والمعاصي { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } يعني أن الكفار مع كفرهم ~~كانوا يسرون أشياء. وهو ما كانوا يمكرون بالنبي صلى الله عليه وسلم، وما ~~يعلنون يعني، وما يظهرون من إيذائه فأخبرهم الله عز وجل أنه عالم بكل ~~أحوالهم سرها وعلانيتها ms1989 لا تخفى عليه خافية وإن دقت وخفيت، وقيل: إن الله ~~سبحانه تعالى لما ذكر الأصنام وذكر عجزها في الآية المتقدمة ذكر في هذه ~~الآية أن الإله الذي يستحق العبادة، يجب أن يكون عالما بكل المعلومات ~~سرها وعلانيتها، وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تستحق العبادة ثم وصف الله ~~هذه الأصنام بصفات فقال تعالى { والذين تدعون من دون الله } يعني الأصنام ~~التي تدعونها آلهة من دون الله { لا يخلقون شيئا وهم يخلقون } فإن قلت: ~~قوله سبحانه وتعالى في الآية المتقدمة أفمن يخلق كمن لا يخلق، يدل على أن ~~هذه الأصنام لا تخلق شيئا فقوله سبحانه وتعالى: لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون هذا هو نفس المعنى المذكور في تلك الآية فما فائدة التكرار؟ قلت: ~~فائدته أن المعنى المذكور في الآية المتقدمة أنهم لا يخلقون شيئا فقط ~~والمذكور في هذه الآية أنهم لا يخلقون شيئا وإنهم مخلوقون كغيرهم، فكان ~~هذا زيادة في المعنى وهو فائدة التكرار { أموات } أي جمادات ميتة لا حياة ~~فيها { غير أحياء } كغيرها، والمعنى لو كانت هذه الأصنام آلهة كما تزعمون ~~لكانت أحياء غير جائز عليها الموت لأن الإله الذي يستحق أن يعبد هو الحي ~~الذي لا يموت وهذه أموات غير أحياء، فلا تستحق العبادة فمن عبدها فقد وضع ~~العبادة في غير موضعها. # وقوله { وما يشعرون } يعني هذه الأصنام { أيان يبعثون } يعني متى يبعثون ~~وفيه دليل على أن الأصنام تجعل فيها الحياة، وتبعث يوم القيامة حتى تتبرأ ~~من عابديها. وقيل: معناها ما يدري الكفار الذين عبدوا الأصنام متى ~~يبعثون. قوله سبحانه وتعالى { إلهكم إله واحد } يعني أن الذي يستحق ~~العبادة هو إله واحد، وهذه أصنام متعددة فكيف تستحق العبادة { فالذين لا ~~يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة } يعني جاحدة لهذا المعنى { وهم مستكبرون } ~~يعني عن اتباع الحق لأن الحق إذا تبين كان تركه تكبرا { لا جرم } يعني ~~حقا { أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين } يعني ~~عن اتباع الحق م عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم ms1990 قال # " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " # فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا وفعله حسنا قال: " إن الله ~~جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق، وغمط الناس " قوله بطر الحق هو أن يجعل ~~ما جعله الله حقا من توحيده، وعبادته باطلا وهذا على قول من جعل أصل ~~البطر من الباطل، ومن جعله من الحيرة فمعناه يتحير عند سماء الحق فلا ~~يقبله، ولا يجعله حقا، وقيل:البطر التكبر يعني أنه يتكبر عند سماع الحق ~~فلا يقبله، وقوله: وغمط الناس يقال: غمطت حق فلان إذا احتقرته ولم تره ~~شيئا وكذا معنى غمصته أي انتقصت به وازدريته. ### || [16.24-32] # قوله عز وجل: { وإذا قيل لهم } يعني لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم ~~كفار مكة الذين اقتسموا عقابها، وطرقها إذا سألهم الحاج الذين يقدمون ~~عليهم { ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين } يعني أحاديثهم وأباطيلهم ~~{ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة } اللام في ليحملوا لام العاقبة ~~وذلك أنهم وصفوا القرآن بكونه أساطير الأولين، كانت عاقبتهم بذلك أن ~~يحملوا أوزارهم يعني ذنوب أنفسهم وإنما قال سبحانه وتعالى: كاملة لأن ~~البلايا التي أصابتهم في الدنيا وأعمال البر التي عملوها في الدنيا، لا ~~تكفر عنهم شيئا يوم القيام بل يعاقبون بكل أوزارهم قال الإمام فخر ~~الدين: وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين، ~~إذ لو كان هذا المعنى حاصلا في حق الكل، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار ~~بهذا التكميل فائدة. وقوله سبحانه وتعالى { ومن أوزار الذين يضلونهم بغير ~~علم } يعني ويحصل للرؤساء الذين أضلوا غيرهم وصدوهم عن الإيمان، مثل أجور ~~الاتباع والسبب فيه ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من ~~أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ~~ينقص ذلك من آثامهم شيئا " # أخرجه مسلم ومعنى الآية، والحديث أن الرئيس ms1991 أو الكبير إذا سن سنه حسنة ~~أو سنة قبيحة، فتبعه عليها جماعة، فعملوا بها فإن الله سبحانه وتعالى ~~يعظم ثوابه أو عقابه حتى يكون ذلك الثواب أو العقاب مساويا لكل ما ~~يستحقه كل واحد من الأتباع، الذين عملوا بسنته الحسنة أو القبيحة، وليس ~~المراد أن الله تعالى: يوصل جميع الثواب أو العقاب الذي يستحقه الأتباع ~~إلى الرؤساء، لأن ذلك ليس بعدل ويدل عليه قوله تعالى: ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى، وقوله تعالى: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]. قال الواحدي: ولفظة من في قوله ومن أوزار الذين يضلونهم، ~~بغير علم ليست للتبعيض لأنها لو كانت للتبعيض لنقص عن الأتباع بعض ~~الأوزار، وذلك غير جائز لقوله عليه الصلاة والسلام # " لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا " # ، ولكنها للجنس أي لحملوا من جنس أوزار الأتباع وقوله: بغير علم يعني أن ~~الرؤساء إنما يقدمون على إضلال غيرهم، بغير علم، بما يستحقونه من العقاب، ~~على ذلك الإضلال بل يقدمون على ذلك جهلا منهم بما يستحقونه من العذاب ~~الشديد. { ألا ساء ما يزرون } يعني ألا بئس ما يحملون ففيه وعيد وتهديد. ~~قوله سبحانه وتعالى { قد مكر الذين من قبلهم } يعني من قبل كفار قريش وهو ~~نمروذ بن كنعان الجبار، وكان أكبر ملوك الأرض في زمن إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم وكان من مكره أنه بنى صرحا ببابل ليصعد إلى السماء، ويقاتل ~~أهلها في زعمه. # قال ابن عباس: وكان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع. وقال كعب ~~ومقاتل: كان طوله فرسخين فهبت ريح فقصفته وألقت رأسه في البحر وخر عليهم ~~الباقي فأهلكهم وهم تحته ولما سقط تبلبلت ألسنة الناس من الفزع فتكلموا ~~يومئذ بثلاثة وسبعين لسانا، فلذلك سميت بابل وكان لسان الناس قبل ذلك ~~السريانية قلت هكذا ذكره البغوي وفي هذا نظر لأن صالحا عليه السلام كان ~~قبلهم وكان يتكلم بالعربية، وكان أهل اليمن عربا منهم جرهم الذي نشأ ~~إسماعيل بينهم، وتعلم منهم العربية كانت قبائل العرب قديمة قبل إبراهيم ~~عليه السلام مثل طسم وجديس ms1992 وكل هؤلاء عرب تكلموا في قدم الزمان بالعربية، ~~ويدل على صحة هذا قوله: ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى والله أعلم. ~~وقيل: حمل قوله قد مكر الذين من قبلهم على العموم أولى فتكون الآية عامة ~~في جميع الماكرين المبطلين الذي يحاولون إلحاق الضرر والمكر بالغير، ~~وقوله سبحانه وتعالى { فأتى الله بنيانهم من القواعد } يعني قصد تخريب ~~بنيانهم من أصوله، وذلك بأن أتاهم بريح قصفت بنيانهم من أعلى، وأتاهم ~~بزلازل قلعت بنيانهم من قواعده وأساسه، هذا إذا حملنا تفسير الأية على ~~القول الأول، وهو ظاهر اللفظ وإن حملنا تفسير الآية على القول الثاني: ~~وهو حملها على العموم كان المعنى أنهم لما رتبوا منصوبات ليمكروا بها على ~~أنبياء الله وأهل الحق من عباده أهلكهم الله تعالى، وجعل هلاكهم مثل هلاك ~~بنوا بنيانا وثيقا شديدا ودعموه بالأساطين فانهدم ذلك البنيان، وسقط ~~عليهم فأهلكهم فهو مثل ضربه الله سبحانه وتعالى لمن مكر بآخر فأهلكه الله ~~بمكره، ومنه المثل السائر على ألسنة الناس: من حفر بئرا لأخيه أوقعه ~~الله فيه. وقوله تعالى { فخر عليهم السقف من فوقهم } يعني سقط عليهم ~~السقف فأهلكهم وقوله: من فوقهم للتأكيد لأن السقف لا يخر إلا من فوقهم. ~~وقيل: يحتمل أنهم لم يكونوا تحت السقف عند سقوطه، فلما قال من فوقهم على ~~أنهم كانوا تحته، وأنه لما خر عليهم أهلكوا وماتوا تحته تحت السقف عند ~~سقوطه، فلما قال من فوقهم على أنهم كانوا تحته، وأنه لما خر عليهم أهلكوا ~~وماتوا تحته { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } يعني في مأمنهم، وذلك ~~أنهم لما اعتمدوا على قوة بنيانهم، وشدته كان ذلك البنيان سبب هلاكهم { ~~ثم يوم القيامة يخزيهم } يعني يهينهم بالعذاب، وفيه إشارة بأن العذاب ~~يحصل لهم في الدنيا والآخرة لأن الخزي هو العذاب مع الهوان { ويقول } ~~يعني ويقول: الله لهم يوم القيامة { أين شركائي } يعني في زعمكم ~~واعتقادكم { الذين كنتم تشاقون فيهم } يعني كنتم تعادون وتخالفون ~~المؤمنين وتخاصمونهم في شأنهم لأن المشاقة عبارة عن كون كل واحد من ~~الخصمين في شق ms1993 غير شق صاحبه، والمعنى: ما لهم لا يحضرون معكم ليدفعوا ~~عنكم ما نزل بكم من العذاب والهوان { قال الذين أوتوا العلم } يعني ~~المؤمنين وقيل الملائكة { إن الخزي } يعني الهوان { اليوم } يعني في هذا ~~اليوم وهو يوم القيامة { والسوء } يعني العذاب { على الكافرين } وإنما ~~يقول المؤمنون: هذا يوم القيامة لأن الكفار كانوا يستهزئون بالمؤمنين في ~~الدنيا، وينكرون عليهم أحوالهم فإذا كان يوم القيامة ظهر أهل الحق، ~~وأكرموا بأنواع الكرامات وأهين أهل الباطل وعذبوا بأنواع العذاب فعند ~~ذلك يقول المؤمنون: إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين وفائدة هذا القول ~~إظهار الشماتة بهم فيكون أعظم في الهوان والخزي قوله تعالى { الذين ~~تتوفاهم الملائكة } تقبض أرواحهم الملائكة، وهم ملك الموت وأعوانه { ~~ظالمي أنفسهم } يعني بالكفر { فألقوا السلم } يعني أنهم استسلموا ~~وانقادوا لأمر الله الذي نزل بهم وقالوا { ما كنا نعمل من سوء } يعني ~~شركا وإنما قالوا: ذلك من شدة الخوف { بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ~~} يعني فلا فائدة لكم في إنكاركم. # قال عكرمة: عنى بذلك ما حصل من الكفار يوم بدر { فادخلوا } أي فيقال لهم ~~ادخلوا { أبواب جهنم خالدين فيها } يعني مقيمين فيها لا يخروجون منها. ~~وإنما قال ذلك لهم ليكون أعظم في الغم والحزن، وفيه دليل على أن الكفار ~~بعضهم أشد عذابا من بعض { فلبئس مثوى المتكبرين } يعني عن الإيمان قوله ~~عز وجل { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا } وذلك أن أحياء ~~العرب كانوا يبعثون إلى مكة أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإذا جاء الوافد سأل الذين كانوا يقعدون على طرقات مكة من ~~الكفار فيقولون: هو ساحر كاهن شاعر كذاب مجنون وإذا لم تلقه خير لك. ~~فيقول الوافد: أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي من دون أن أدخل مكة فألقاه ~~فيدخل مكة، فيرى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسألهم عنه ~~فيخبرونه بصدقه، وأمانته وأنه نبي مبعوث من الله عز وجل، فذلك قوله ~~سبحانه وتعالى: وقيل الذين اتقوا يعني اتقوا الشرك، وقول ms1994 الزور والكذب ~~ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: خيرا يعني أنزل خيرا فان قلت لم رفع الأول وهو ~~قوله: أساطير الأولين ونصب الثاني، وهو قوله قالوا خيرا قلت ليحصل الفرق ~~بين الجوابين جواب المنكر الجاحد، وجواب المقر المؤمن وذلك أنهم لما ~~سألوا الكفار عن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم عدلوا بالجواب عن ~~السؤال فقالوا: هو أساطير الأولين وليس هو من الإنزال في شيء لأنهم لم ~~يعتقدوا كونه منزلا ولما سألوا المؤمنين على المنزل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا ~~معقولا للإنزال فقالوا: خيرا أي أنزل خيرا، وتم الكلام عند قوله خيرا ~~فهو، وقف تام ثم ابتدأ بقوله تعالى { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } ~~يعني الذين أتوا بالأعمال الصالحة الحسنة ثوابها حسنة مضاعفة من الواحد ~~إلى العشرة إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وقال الضحاك: هي النصر ~~والفتح. # وقال مجاهد: هي الرزق الحسن. فعلى هذا يكون معنى الآية للذين أحسنوا ~~ثواب إحسانهم في هذه الدنيا حسنة، وهي النصر والفتح والرزق الحسن، وغير ~~ذلك مما أنعم الله به على عباده في الدنيا، ويدل على صحة هذا التأويل ~~قوله تعالى { ولدار الآخرة خير } يعني ما لهم في الآخرة مما أعد الله لهم ~~في الجنة خير مما يحصل لهم في الدنيا { ولنعم دار المتقين } يعني الجنة ~~وقال الحسن: هي الدنيا لأن أهل التقوى يتزودون منها إلى الآخرة والقول ~~الأول أولى هو قول جمهور المفسرين لأن الله فسر هذه الدار بقوله { جنات ~~عدن } يعني بساتين إقامة من قولهم: عدن بالمكان، أي أقام به { يدخلونها ~~} يعني تلك الجنات لا يرحلون عنها ولا يخرجون منها { تجري من تحتها ~~الأنهار } يعني تجري الأنهار في هذه الجنات من تحت دور أهلها وقصورهم ~~ومساكنهم { لهم فيها } يعني في الجنات { ما يشاؤون } يعني ما تشتهي ~~الأنفس وتلذ الأعين مع زيادات غير ذلك، وهذه الحالة لا تحصل لأحد إلا في ~~الجنة لأن قوله فيها ما يشاؤون لا يفيد الحصر، وذلك يدل على أن الإنسان ms1995 ~~لا يجد كل ما يريد في الدنيا { كذلك يجزي الله المتقين } أي هكذا يكون ~~جزاء المتقين، ثم عاد إلى وصف المتقين فقال تعالى { الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين } يعني مؤمنين طاهرين من الشرك. قال مجاهد: زاكية أقوالهم ~~وأفعالهم وقيل: إن قوله طيبين كلمة جامعة لكل معنى حسن فيدخل فيه أنهم، ~~أتوا بكل ما أمروا به من فعل الخيرات والطاعات واجتنبوا كل ما نهوا عنه ~~من المكروهات، والمحرمات مع الأخلاق الحسنة والخصال الحميدة، والمباعدة ~~من الأخلاق المذمومة والخصال المكروهة القبيحة وقيل معناه إن أوقاتهم ~~تكون طيبة سهلة لأنهم يبشرون عند قبض أرواحهم بالرضوان والجنة والكرامة، ~~فيحصل لهم عند ذلك الفرح والسرور والابتهاج، فيسهل عليهم قبض أرواحهم ~~ويطيب لهم الموت على هذه الحالة { يقولون } يعني الملائكة لهم { سلام ~~عليكم } يعني تسلم عليهم الملائكة أو تبلغهم السلام من الله { ادخلوا ~~الجنة بما كنتم تعملون } يعني في الدنيا من الأعمال الصالحة. فإن قلت: ~~كيف الجمع بين قوله تعالى ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون وبين قوله: صلى ~~الله عليه وسلم # " لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال: ولا ~~أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته " # أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة؟ قلت: قال الشيخ محيي الدين ~~النووي رحمه الله في شرح مسلم. # اعلم أن مذهب أهل السنة أنه لا يثبت بالعقل ثواب ولا عقاب ولا غيرها إلا ~~بالشرع ومذهب أهل السنة أيضا أن الله سبحانه وتعالى لا يجب عليه شيء بل ~~العالم كله ملكه والدنيا والآخرة في سلطانه يفعل فيهما ما يشاء فلو عذب ~~المطيعين والصالحين أجمعين، وأدخلهم النار كان ذلك عدلا منه، وإذا ~~أكرمهم ورحمهم وأدخلهم الجنة فهو فضل منه ولو نعم الكافرون، وأدخلهم ~~الجنة كان ذلك له ومنه فضلا، ولكنه سبحانه وتعالى أخبر وخبره صادق أنه ~~لا يفعل هذا بل يغفر للمؤمنين، ويدخلهم الجنة برحمته ويعذب الكافرين ~~ويدخلهم النار عدلا منه. وأما المعتزلة فيثبتون الأحكام بالعقل، ويوجبون ~~ثواب الأعمال ويوجبون الأصلح في خبط طويل لهم، تعالى الله ms1996 عن اختراعاتهم ~~الباطلة المنابذة لنصوص الشرع. وفي ظاهر الحديث دلالة لأهل الحق أنه لا ~~يستحق أحد الثواب والجنة بطاعته. وأما قوله سبحانه وتعالى: # ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون # [النحل: 32] # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون # [الزخرف: 72] ونحوها من الآيات التي تدل على أن الأعمال الصالحة يدخل ~~بها الجنة، فلا تعارض بينها، وبين هذا الحديث بل معنى الآيات: أن دخول ~~الجنة بسبب الأعمال والتوفيق للإخلاص فيها وقبولها برحمة الله تعالى ~~وفضله فيصح أنه لم يدخل الجنة بمجرد العمل وهو مراد الحديث ويصح أنه دخل ~~بالأعمال أي بسببها وهي من الرحمة، والفضل والمنة والله أعلم بمراده. ### || [16.33-38] # قوله تعالى: { هل ينظرون } يعني هؤلاء الذين أشركوا بالله وجحدوا نبوتك ~~يا محمد { إلا أن تأتيهم الملائكة } يعني لقبض أرواحهم { أو يأتي أمر ربك ~~} يعني بالعذاب في الدنيا وهو عذاب الاستئصال. وقيل: المراد به يوم ~~القيامة { كذلك فعل الذين من قبلهم } يعني من الكفر والتكذيب { وما ظلمهم ~~الله } يعني بتعذيبه إياهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } يعني باكتسابهم ~~المعاصي، والكفر والأعمال القبيحة الخبيثة، { فأصابهم سيئات ما عملوا } ~~يعني فأصابهم عقوبات ما اكتسبوا من الأعمال الخبيثة { وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزئون } والمعنى ونزل بهم جزاء استهزائهم { وقال الذين أشركوا لو ~~شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا } يعني أن مشركي مكة ~~قالوا هذا على طريق الاستهزاء. والحاصل أنهم تمسكوا بهذا القول في إنكار ~~النبوة، فقالوا: لو شاء الله منا الإيمان لحصل جئت أو لم تجىء ولو شاء ~~الله منا الكفر لحصل جئت أو لم تجىء. وإذا كان كذلك فالكل من الله، فلا ~~فائدة في بعثة رسل إلى الأمم والجواب عن هذا أنهم لما قالوا: إن الكل من ~~الله فكانت بعثة الرسل عبثا كان هذا اعتراضا على الله تعالى، وهو جار ~~مجرى طلب العلة في أحكام الله، وفي أفعاله وهو باطل لأن الله سبحانه ~~وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فلا اعتراض لأحد عليه في أحكامه ~~وأفعاله، ولا يجوز لأحد أن ms1997 يقول لو فعلت هذا، ولم لم تفعل هذا كان في حكم ~~الله وسنته في عباده إرسال الرسل إليهم ليأمروهم بعبادة الله تعالى، ~~وينهوهم عن عبادة غيره وأن الهداية والإضلال إليه فمن هداه فهو المهتدي، ~~ومن أضله فهو الضال وهذه سنة الله في عباده أنه يأمر الكل بالإيمان به ~~وينهاهم عن الكفر. ثم إنه سبحانه وتعالى يهدي من يشاء إلى الإيمان ويضل ~~من يشاء فلا اعتراض لأحد عليه. ولما كانت سنة الله قديمة ببعثة الرسل إلى ~~الأمم الكافرة المكذبة كان قول هؤلاء لو شاء الله ما عبدنا من دونه من ~~شيء نحن ولا آباؤنا جهلا منهم، لأنهم اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من ~~جواز بعثة الرسل وهذا الاعتقاد باطل فلا جرم استحقوا عليه الذم والوعيد. ~~وأما قوله تعالى { ولا حرمنا من دونه من شيء } يعني الوصيلة والسائبة ~~والحام. والمعنى: فلولا أن الله رضيها لنا لغير ذلك ولهدانا إلى غيره { ~~كذلك فعل الذين من قبلهم } يعني أن من تقدم هؤلاء من كفار مكة ومن الأمم ~~الماضية كانوا على هذه الطريقة، وهذا الفعل الخبيث فإنكار بعثة الرسل كان ~~قديما في الأمم الخالية { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } يعني ليس ~~إليهم هداية أحد إنما عليهم تبليغ ما أرسلوا به إلى من أرسلوا إليه { فهل ~~على الرسل إلا البلاغ المبين } يعني ليس إليهم هداية أحد إنما عليهم ~~تبليغ ما أرسلوا به إلى من أرسلوا إليه { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا } ~~يعني كما بعثنا فيكم محمدا صلى الله عليه وسلم { أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت } يعني أن الرسل كانوا يأمرونهم بأن يعبدوا الله وأن ~~يجتنبوا عبادة الطاغوت، وهو اسم كل معبود من دون الله { فمنهم } يعني فمن ~~الأمم الذين جاءتهم الرسل { من هدى الله } يعني هداه الله إلى الإيمان به ~~وتصديق رسله { ومنهم من حقت عليه الضلالة } يعني، ومن الأمم من وجبت عليه ~~الضلالة بالقضاء السابق في الأزل حتى مات على الكفر والضلال، وفي هذه ~~الآية أبين دليل على أن الهادي، والمضل هو ms1998 الله تعالى لأنه المتصرف في ~~عباده فيهدي من يشاء ويضل من يشاء لا اعتراض لأحد عليه بما حكم به في ~~سابق علمه { فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } يعني ~~فسيروا في الأرض معتبرين متفكرين لتعرفوا مآل من كذب الرسل، وهو خراب ~~منازلهم بالعذاب والهلاك، ولتعرفوا أن العذاب نازل بكم إن أصررتم على ~~الكفر والتكذيب كما نزل بهم. # قوله سبحانه وتعالى { إن تحرص على هداهم } الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم يعني إن تحرص يا محمد على هدى هؤلاء، وإيمانهم وتجتهد كل الاجتهاد { ~~فإن الله لا يهدي من يضل } قرىء بفتح الياء وكسر الدال يعني لا يهدي الله ~~من أضله، وقيل: معناه لا يهتدي من أضله الله وقرىء بضم الياء، وفتح الدال ~~ومعناه من أضله الله فلا هادي له { وما لهم من ناصرين } أي مانعين ~~يمنعونهم من العذاب { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } قال ابن الجوزي: سبب ~~نزولها أن رجلا من المسلمين كان له على رجل من المشركين دين فأتاه ~~يتقاضاه فكان فيما تكلم به المسلم: والذي أرجوه بعد الموت. فقال المشرك: ~~إنك لتزعم أنك تبعث بعد الموت، وأقسم بالله لا يبعث الله من يموت فنزلت ~~هذه الآية قاله أبو العالية. وتقرير الشبهة التي حصلت للمشركين في إنكار ~~البعث بعد الموت أن الإنسان ليس هو، إلا هذه البنية المخصوصة، فإذا مات ~~وتفرقت أجزاؤه وبلي امتنع عوده بعينه لأن الشيء إذا عدم فقد فني، ولم يبق ~~له ذات ولا حقيقة بعد فنائه وعدمه، فهذا هو أصل شبهتهم ومعتقدهم في إنكار ~~البعث بعد الموت، فذلك قوله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم { لا يبعث ~~الله من يموت } فرد الله عليهم ذلك، وكذبهم في قولهم فقال تعالى { بلى } ~~يعني بلى يبعثهم بعد الموت لأن لفظة بلى إثبات لما بعد النفي. والجواب عن ~~شبهتهم أن الله سبحانه وتعالى، خلق الإنسان وأوجده من العدم ولم يك شيئا ~~فالذي أوجده بقدرته ثم أعدمه قادر على إيجاده بعد إعدامه لأن النشأة ~~الثانية أهون من الأولى { وعدا عليه حقا ms1999 } يعني أن الذي وعد به من ~~البعث بعد الموت وعد حق لا خلف فيه { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } يعني ~~لايفهمون كيف يكون ذلك العود والله سبحانه وتعالى، قادر على كل شيء. ### || [16.39-50] # { ليبين لهم الذي يختلفون فيه } يعني من أمر البعث ويظهر لهم الحق الذي ~~لا خلق فيه { وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين } يعني في قولهم لا ~~بعث بعد الموت { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } يعني ~~أن الله سبحانه وتعالى قادر إذا أراد أن يحيي الموتى، ويبعثهم للحساب ~~والجزاء فلا تعب عليه في إحيائهم وبعثهم إنما يقول لشيء أراده كن فيكون ~~على ما أراد لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء أراده خ عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تبارك وتعالى يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني ~~ويكذبني، وما ينبغي له أن يكذبني أما شتمه إياي فيقول إن لي ولدا، وأما ~~تكذيبه إياي فقوله ليس يعيدني كما بدأني " # وفي رواية # " كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني، ولم يكن له ذلك أما تكذيبه إياي ~~فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون من إعادته وأما شتمه ~~إياي فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم ~~يكن له كفوا أحد " # وقوله تعالى { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا } يعني أوذوا ~~وعذبوا نزلت في بلال وصهيب وخباب وعابس وجبير وأبي جندل بن سهيل، أخذهم ~~المشركون بمكة فجعلوا يعذبونهم ليرجعوا عن الإسلام إلى الكفر وهم ~~المستضعفون. فأما بلال فكان أصحابه يخرجونه إلى بطحاء مكة في شدة الحر ~~ويشدونه، ويجعلون على صدره الحجارة وهو يقول أحد أحد فاشتراه منهم أبو ~~بكر الصديق وأعتقه واشترى معه ستة نفر آخرين، وأما صهيب فقال لهم إني رجل ~~كبير إن كنت معكم فلن أنفعكم وإن كنت عليكم فلا أضركم فاشترى نفسه بماله ~~فباعوه منه فمر به أبو بكر الصديق. فقال: يا صهيب ربح البيع. ms2000 وأما باقيهم ~~فأعطوهم بعض ما يريدون، فخلوا عنهم. وقالت قتادة: هم أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم حتى لحق طائفة بالحبشة ~~ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، فهاجروا إليها وجعل ~~لهم أنصارا من المؤمنين فآووهم ونصروهم وواسوهم، وهذه الآية تدل على فضل ~~المهاجرين وفضل الهجرة وفيه دليل على أن الهجرة إذا لم تكن لله خالصة لم ~~يكن لها موقع، وكانت بمنزلة الانتقال من بلد إلى آخر ومنه حديث # " الأعمال بالنيات " # وفيه # " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت ~~هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " # الحديث أخرجاه في الصحيحين من رواية عمر بن الخطاب وقوله تعالى { ~~لنبوأنهم في الدنيا حسنة } يعني لنبوأنهم تبوئة حسنة وهو أنه تعالى ~~أنزلهم المدينة، وجعلها لهم دار هجرة والمعنى لنبوأنهم في الدنيا دارا ~~حسنة أو بلدة حسنة، وهي المدينة روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ~~كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء يقول له: خذ هذا بارك الله لك فيه ~~هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ادخر لك في الآخرة أفضل، ثم يقول هذه ~~الآية. # وقيل: معناه ليحسنن إليهم في الدنيا بأن يفتح لهم مكة، ويمكنهم من أهلها ~~الذين ظلموهم وأخرجوهم منها ثم ينصرهم على العرب قاطبة، وعلى أهل المشرق ~~والمغرب وقيل المراد بالحسنة في الدنيا التوفيق والهداية في الدين { ~~ولأجر الآخرة أكبر } يعني أعظم وأفضل وأشرف مما أعطاهم في الدنيا { لو ~~كانوا يعلمون } قيل: الضمير يرجع إلى الكفار لأن المؤمنين يعلمون ما لهم ~~في الآخرة، والمعنى لو كان هؤلاء الكفار يعلمون أن أجر الآخرة أكبر مما ~~هم فيه من نعيم الدنيا لرغبوا فيه، وقيل: إنه راجع إلى المهاجرين والمعنى ~~لو كانوا يعلمون ما أعد الله لهم في الآخرة، لزادوا في الجد والاجتهاد ~~والصبر على ما أصابهم من أذى الماكرين { الذين صبروا } يعني في الله على ~~ما نالهم، وبذل الأنفس ms2001 والأموال في سبيل الله { وعلى ربهم يتوكلون } يعني ~~في أمورهم كلها قال بعضهم ذكر الله الصبر والتوكيل في هذه الآية، وهما ~~مبدأ السلوك إلى الله تعالى ومنتهاه أما الصبر فهو قهر النفس وحبسها على ~~أعمال البر وسائر الطاعات، واحتمال الأذى من الخلق والصبر عن الشهوات ~~المباحات والمحرمات والصبر على المصائب، وأما التوكل فالانقطاع عن الخلق ~~بالكلية والتوجه إلى الحق تعالى بالكلية فالأول هو مبدأ السلوك إلى الله ~~تعالى، والثاني هو آخر الطريق ومنتهاه { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم } نزلت هذه الآية جوابا لمشركي مكة حيث أنكروا نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وقالوا الله أعظم وأجل أن يكون رسوله بشرا فهلا بعث ~~ملكا إلينا فأجابهم الله عز وجل بقوله: وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا ~~رجالا يعني مثلك نوحي إليهم والمعنى أن عادة الله عز وجل جارية من أول ~~مبدأ الخلق أنه لم يبعث إلا رسولا من البشر فهذه عادة مستمرة، وسنة ~~جارية قديمة { فاسألوا أهل الذكر } يعني أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، ~~وإنما أمرهم الله بسؤال أهل الكتاب لأن كفار مكة كانوا يعتقدون أن أهل ~~الكتاب أهل علم، وقد أرسل الله إليهم رسلا منهم مثل موسى وعيسى وغيرهم ~~من الرسل، وكانوا بشرا مثلهم فإذا سألوهم فلا بد، وأن يخبروهم بأن الرسل ~~الذين أرسلوا إليهم كانوا بشرا، فإذا أخبروهم بذلك زالت الشبهة عن ~~قلوبهم { إن كنتم لا تعلمون } الخطاب لأهل مكة يعني إن كنتم يا هؤلاء لا ~~تعلمون ذلك { بالبينات والزبر } اختلفوا في المعنى الجالب لهذه الباء ~~فقيل المعنى، وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا يوحى ~~إليهم أرسلناهم بالبينات والزبر، وقيل الذكر بمعنى العلم في قوله فاسألوا ~~أهل الذكر يعني أهل العلم والمعنى فاسئلوا أهل الذكر الذي هو العلم ~~بالبينات والزبر إن كنتم لا تعلمون أنتم ذلك. # والبينات والزبر اسم جامع لكل ما يتكامل به أمر الرسالة، لأن مدار أمر ~~الرسول على المعجزات الدالة على صدقه، وهي بالبينات وعلى بيان الشرائع ~~والتكاليف، وهي المراد ms2002 بالزبر يعني الكتب المنزلة على الرسل من الله عز ~~وجل { وأنزلنا إليك الذكر } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني: ~~وأنزلنا عليك يا محمد الذكر الذي هو القرآن وإنما سماه ذكرا لأن فيه ~~مواعظ، وتنبيها للغافلين { لتبين للناس ما نزل إليهم } يعني ما أجمل ~~إليك من أحكام القرآن وبيان الكتاب يطلب منه السنة والمبين لذلك المجمل ~~هو الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا قال بعضهم: متى وقع تعارض بين القرآن ~~والحديث وجب تقديم الحديث لأن القرآن مجمل، والحديث مبين بدلالة هذه ~~الآية والمبين مقدم على المجمل وقال بعضهم القرآن منه محكم، ومنه متشابه ~~فالمحكم يجب أن يكون مبينا والمتشابه هو المجمل ويطلب بيانه من السنة ~~فقوله تعالى: لتبين للناس ما نزل إليهم محمول على ما أجمل فيه دون المحكم ~~البين المفسر { ولعلهم يتفكرون } يعني فيما أنزل إليهم فيعلموا به { ~~أفأمن الذين مكروا السيئات } فيه حذف تقديره المنكرات السيئات وهم كفار ~~قريش مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه، وبالغوا في أذيتهم ~~والمكر عبارة عن السعي بالفساد على سبيل الإخفاء، وقيل: المراد بهذا ~~المكر اشتغالهم بعبادة غير الله فيكون مكرهم على أنفسهم والصحيح أن ~~المراد بهذا المكر السعي في أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. ~~وقيل: المراد بالذين مكروا السيئات نمروذ، ومن هو مثله والصحيح أن المراد ~~بهم كفار مكة { أن يخسف الله بهم الأرض } يعني كما خسف بقرون من قبلهم { ~~أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون } يعني أن العذاب يأتيهم بغتة فيهلكهم ~~فجأة كما أهلك قوم لوط وغيرهم { أو يأخذهم في تقلبهم } بمعنى في تصرفهم ~~في الأسفار فإنه سبحانه وتعالى، على إهلاكهم في السفر كما هو قادر على ~~إهلاكهم في الحضر، وقال ابن عباس يأخذهم في اختلافهم. وقال ابن جريج: ~~إقبالهم وإدبارهم يعني أنه تعالى قادر على أن يأخذهم في ليلهم ونهارهم، ~~وفي جميع أحوالهم { فما هم بمعجزين } يعني بسابقين الله أو يفوتونه بل هو ~~قادر عليهم { أو يأخذهم على تخوف } قال ابن عباس ومجاهد: يعني ms2003 على تنقص. ~~قال ابن قتيبة: التخوف التنقص ومثله التخون. يقال تخوفه الدهر وتخونه إذا ~~انتقصه وأخذ ماله وحشمه، ويقال: هذه لغة هذيل فعلى هذا القول يكون المراد ~~به أن ينقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يهلك جميعهم وقيل هو ~~على أصله من الخوف فيحتمل أنه سبحانه وتعالى لا يأخذهم بالعذاب أولا، بل ~~يخوفهم ثم يعذبهم بعد ذلك وقال الضحاك والكلبي: هو من الخوف يعني يهلك ~~طائفة فيتخوف الآخرون أن يصيبهم مثل ما أصابهم، فيحتمل أنه سبحانه وتعالى ~~خوفهم بخسف يحصل في الأرض أو بعذاب ينزل من السماء، أو بآفات تحدث دفعة ~~أو بآفات تحدث قليلا قليلا إلى أن يأتي الهلاك على أخرهم ثم إنه سبحانه ~~وتعالى، ختم الآية بقوله { فإن ربكم لرؤوف رحيم } يعني أنه سبحانه ~~وتعالى، لا يعجل العقوبة والعذاب. # قوله سبحانه وتعالى { أولم يروا } قرىء بالتاء على خطاب الحاضرين ~~وبالياء على الغيبة { إلى ما خلق الله من شيء } يعني من جسم قائم له ظل، ~~وهذه الرؤية لما كانت بمعنى النظر وصلت بإلى لأن المراد منها الاعتبار، ~~والاعتبار لا يكون إلا بنفس الرؤية، التي يكون معها نظر إلى الشيء ليتأمل ~~أحواله، ويتفكر فيه فيعتبر به { يتفيئوا ظلاله } يعني تميل وتدور من جانب ~~إلى جانب فهي من أول النهار على حال ثم تقلص ثم تعود في آخر النهار إلى ~~حالة أخرى ويقال للظل بالعشي فيء، لأنه من فاء يفيء إذا رجع من المغرب ~~إلى المشرق، والفيء الرجوع قال الأزهري تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف ~~النهار فالتفيؤ لايكون إلا بالعشي وما انصرفت عنه الشمس، والظل يكون ~~الغداة، وهو ما لم تنله الشمس وقوله ظلاله جمع ظل وإنما أضاف الظلال، وهو ~~جمع مفرد وهو قوله: من شيء لأنه يراد به الكثرة ومعناه الإضافة إلى ذوي ~~الظلال { عن اليمين والشمائل } قال العلماء: إذا طلعت الشمس من المشرق ~~وأنت متوجه إلى القبلة كان ظلك عن يمينك فإذا ارتفعت الشمس واستوت في وسط ~~السماء كان ظلك خلفك فإذا مالت الشمس إلى الغروب كان ms2004 ظلك عن يسارك. وقال ~~الضحاك أما اليمين فأول النهار وأما الشمال فآخر النهار وإنما وحد اليمين ~~وإن كان المراد به الجمع للإيجاز والاختصار في اللفظ وقيل اليمين راجع ~~إلى لفظ الشيء وهو واحد والشمائل راجع إلى المعنى لأن لفظ الشيء يراد به ~~الجمع { سجدا لله } في معنى هذا السجود قولان: أحدهما أن المراد به ~~الاستسلام والانقياد والخضوع. يقال سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب، ~~وسجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل والمعنى أن جميع الأشياء التي لها ~~ظلال فهي منقادة لله تعالى مستسلمة لأمره غير ممتنعة عليه، فيما سخرها له ~~من التفيؤ وغيره وقال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله، والقول ~~الثاني في معنى هذا السجود أن الظلال واقعة على الأرض، ملتصقة بها ~~كالساجد على الأرض فلما كانت الظلال يشبه شكلها الساجدين أطلق الله عليها ~~هذا اللفظ وقيل ظل كل شيء ساجد لله سواء كان ذلك الشيء يسجد لله أو لا ~~ويقال إن ظل الكافر ساجد لله وهو غير ساجد لله، { وهم داخرون } أي صاغرون ~~أذلاء والداخر الصاغر الذي يفعل ما تأمره به شاء أم أبى وذلك أن جميع ~~الأشياء منقادة لأمر الله تعالى. # فإن قلت الظلال ليست من العقلاء فكيف عبر عنا بلفظ من يعقل وجمعها ~~بالواو والنون. قلت: لما وصفها الله سبحانه وتعالى بالطاعة والانقياد ~~لأمره، وذلك صفة من يعقل عبر عنها بلفظ من يعقل، وجاز جمعها بالواو ~~والنون، وهو جمع العقلاء قوله عز وجل { ولله يسجد ما في السموات وما في ~~الأرض من دابة } قال العلماء: السجود على نوعين سجود طاعة، وعبادة كسجود ~~المسلم لله عز وجل، وسجود انقياد وخضوع كسجود الظلال فقوله: ولله يسجد ما ~~في السموات، وما في الأرض من دابة يحتمل النوعين لأن سجود كل شيء بحسبه ~~فسجود المسلمين، والملائكة لله سجود عبادة وطاعة وسجود غيرهم سجود انقياد ~~وخضوع وأتى بلفظ ما في قوله ما في السموات وما في الأرض للتغليب لأن ما ~~لا يعقل أكثر ممن يعقل في العدد، والحكم للأغلب كتغليب ms2005 المذكر على ~~المؤنث، ولأنه لو أتى بمن التي هي للعقلاء لم يكن فيها دلالة على التغليب ~~بل كانت متناولة للعقلاء خاصة فأتى بلفظة ما ليشمل الكل، ولفظة الدابة ~~مشتقة من الدبيب وهو عبارة عن الحركة الجسمانية، فالدابة اسم يقع على كل ~~حيوان جسماني يتحرك ويدب فيدخل فيه الإنسان، لأنه مما يدب على الأرض ~~ولهذا أفرد الملائكة في قوله { والملائكة } لأنهم أولو أجنحة يطيرون بها ~~أو أفردهم بالذكر، وإن كانوا من جملة من في السموات لشرفهم. وقيل: أراد ~~ولله يسجد ما في السموات من الملائكة، وما في الأرض من دابة فسجود ~~الملائكة والمسلمين للطاعة، وسجود غيرهم تذليلها وتسخيرها لما خلقت له ~~وسجود ما لا يعقل، وسجود الجمادات يدل على قدرة الصانع سبحانه وتعالى، ~~فيدعو الغافلين إلى السجود لله عند التأميل والتدبر { وهم لا يستكبرون } ~~يعني الملائكة { يخافون ربهم من فوقهم } وكقوله # وهو القاهر فوق عباده # [الأنعام: 18] وقد تقدم تفسيره { ويفعلون ما يؤمرون } عن أبي ذر قال ~~رسول الله عليه وسلم: # " إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما ~~فيها موضع أربع أصابع إلا، وملك واضع جبهته ساجدا والله لو تعلمون ما ~~أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ~~ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى " # قال أبو ذر: لوددت أني كنت شجرة تعضد أخرجه الترمذي وقال عن أبي ذر ~~موقوفا. فصل وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن، فيسن للقارىء والمستمع ~~أن يسجد عند قراءتها وسماعها. ### || [16.51-60] # { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين } لما أخبر الله عز وجل في الآية ~~المتقدمة أن كل ما في السموات والأرض خاضعون لله، منقادون لأمره عابدون ~~له، وأنهم في ملكه وتحت قدرته، وقبضته نهى في هذه الآية عن الشرك، وعن ~~اتخاذ إلهين اثنين فقال { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين } قال الزجاج: ~~ذكر الاثنين توكيدا لقوله إلهين وقال: صاحب النظم: فيه تقديم وتأخير ~~تقديره، لا تتخذوا اثنين إلهين يعني أن الاثنين لا يكون كل واحد ms2006 منهما ~~إلها، ولكن اتخذوا إلها واحدا، وهو قوله تبارك وتعالى { إنما هو إله ~~واحد } لأن الإلهين لا يكونان إلا متساويين في الوجود والقدم وصفات ~~الكمال والقدرة والإرادة، فصارت الاثنينية منافية للإلهية، وذلك قوله ~~تعالى إنما هو إله واحد يعني لايجوز أن يكون في الوجود إلهان اثنان إنما ~~هو إله واحد { فإياي فارهبون } يعني فخافون والرهب مخافة مع حزن واضطراب ~~وإنما نقل الكلام من الغيبة إلى الحضور، وهو من طريق الالتفات لأنه أبلغ ~~في الترهيب من قوله، فإياه فارهبوا فهو من بديع الكلام وبليغه وقوله ~~فإياي يفيد الحصر، وهو أن لا يرهب الخلق إلا منه ولا يرغبون إلا إليه ~~وإلى كرمه وفضله وإحسانه { وله ما في السموات والأرض } لما ثبت بالدليل ~~الصحيح والبرهان الواضح أن إله العالم لا شريك له في الإلهية، وجب أن ~~يكون جميع المخلوقات عبيدا له وفي ملكه وتصرفه، وتحت قدرته فذلك قوله ~~تعالى وله ما في السموات والأرض يعني، عبيدا وملكا { وله الدين واصبا ~~} يعني وله العبادة والطاعة وإخلاص العمل دائما ثابتا والواصب: الدائم. ~~قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك لسبب في حال ~~الحياة أو بالموت، إلا الحق سبحانه وتعالى فإن طاعته واجبه أبدا، ولأنه ~~المنعم على عباده المالك لهم فكانت طاعته واجبة دائما أبدا { أفغير ~~الله تتقون } يعني أنكم عرفتم أن الله واحد لا شريك له في ملكه، وعرفتم ~~أن كل ما سواه محتاج إليه فبعد هذه المعرفة كيف تخافون غيره، وتتقون سواه ~~فهو استفهام بمعنى التعجب وقيل هو استفهام على طريق الإنكار. قوله عز وجل ~~{ وما بكم من نعمة فمن الله } يعني من نعمة الإسلام، وصحة الأبدان وسعة ~~الأرزاق، وكل ما أعطاكم من مال أو ولد فكل ذلك من الله تعالى، إنما هو ~~المتفضل بها على عباده فيجب عليكم شكره على جميع إنعامه. ولما بين في ~~الآية المتقدمة أنه يجب على جميع العباد أن لا يخافوا إلا الله تعالى بين ~~في هذه الآية أن جميع النعم منه لا يشكر ms2007 عليها إلا إياه، لأنه هو المتفضل ~~بها على عباده فيجب عليهم شكره عليها { ثم إذا مسكم الضر } أي الشدة ~~والأمراض والأسقام { فإليه تجأرون } يعني إليه تستغيثون، وتصيحون وتضجون ~~بالدعاء ليكشف عنكم ما نزل بكم من الضرر والشدة وأصل الجؤار هو رفع الصوت ~~الشديد، ومنه جؤار البقر. # والمعنى أن النعم لما كانت كلها ابتداء منه فإن حصل شدة، وضر في بعض ~~الأوقات فلا يلجأ إلا إليه ولا يدعي إلا إياه ليكشفها، فإنه هو القادر ~~على كشفها وهو قوله تعالى { ثم إذا كشف الضر عنكم } يعني ثم إذا أزال ~~الشدة، والبلاء عنكم { إذا فريق منكم } يعني طائفة وجماعة منكم { بربهم ~~يشركون } يعني أنهم يضيفون كشف الضر إلى العوائد، والأسباب ولا يضيفونه ~~إلى الله عز وجل فهذا من جملة شركهم الذي كانوا عليه، وإنما قسمهم فريقين ~~لأن فريق المؤمنين لا يرون كشف الضر إلا من الله تعالى { ليكفروا بما ~~آتيناهم } قيل: إن هذه اللام لام كي ويكون المعنى على هذا أنهم إنما ~~أشركوا بالله ليجحدوا نعمه عليهم في كشف الضر عنهم وقيل: إنها لام ~~العاقبة والمعنى عاقبة أمرهم، هو كفرهم بما آتيناهم من النعماء وكشفنا ~~عنهم الضر والبلاء { فتمتعوا } لفظة أمر والمراد منه التهديد والوعيد. ~~يعني: فعيشوا في اللذة التي أنتم فيها إلى المدة التي ضربها الله لكم { ~~فسوف تعلمون } يعني عاقبة أمركم إلى ماذا تصير، وهو نزول العذاب بكم. ~~قوله سبحانه وتعالى { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا } قيل الضمير في ~~قوله: لما لا يعلمون عائد إلى المشركين يعني أن المشركين لا يعلمون. وقيل ~~إنه عائد إلى الأصنام يعني أن الأصنام لا تعلم شيئا ألبتة لأنها جماد ~~والجماد لا علم له، ومنهم من رجح القول الأول لأن نفي العلم عن الحي ~~حقيقة، وعن الجماد مجاز فكان عود الضمير إلى المشركين أولى، لأنه قال لما ~~لا يعلمون فجمعهم بالواو والنون، وهو جمع لمن يعقل ومنهم من رجع القول ~~الثاني. قال: لأنا إذا قلنا أنه عائد إلى المشركين احتجنا إلى إضمار ~~فيكون المعنى: ويجعلون يعني ms2008 المشركين لما لا يعلمون أنه إله ولا إله حتى ~~نصيبا وإذا قلنا إنه عائد إلى الأصنام لم نحتج إلى هذا الاضمار لأنها لا ~~علم لها، ولا فيهم وقوله { مما رزقناهم } يعني أن المشركين جعلوا للأصنام ~~نصيبا من حروثهم وأنعامهم وأموالهم التي رزقهم الله، وقد تقدم تفسيره في ~~سورة الأنعام { تالله } أقسم بنفسه على نفسه أنه يسألهم يوم القيامة، وهو ~~قوله تعالى { لتسألن عما كنتم تفترون } يعني عما كنتم تكذبون في الدنيا ~~في قولكم، إن هذه الأصنام آلهة وإن لها نصيبا من أموالكم، وهذا التفات ~~من الغيبة إلى الحضور، وهو من بديع الكلام وبليغه { ويجعلون لله البنات } ~~هم خزاعة وكنانة قالوا: الملائكة بنات الله وإنما أطلقوا لفظ البنات على ~~الملائكة لاستتارهم عن العيون كالنساء، أو لدخول لفظ التأنيث في تسميتهم ~~{ سبحانه } نزه الله نفسه عن الولد والبنات { ولهم ما يشتهون } يعني: ~~ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون يعني البنين { وإذا بشر أحدهم بالأنثى } ~~البشارة عبارة عن الخبر السار الذي يظهر على بشرة الوجه أثر الفرح به، ~~ولما كان ذلك الفرح والسرور يوجبان تغير بشرة الوجه كان كذلك الحزن، ~~والغم يظهر أثره على الوجه وهو الكمودة التي تعلو الوجه، عند حصول الحزن ~~والغم فثبت بهذا أن البشارة لفظ مشترك بين الخبر السار والخبر المحزن، ~~فصح قوله: وإذا بشر أحدهم بالأنثى { ظل وجهه مسودا } يعني متغيرا من ~~الغم والحزن والغيظ والكراهة التي حصلت له عند هذه البشارة، والمعنى أن ~~هؤلاء المشركين لا يرضى بالبنت الأنثى أن تنسب إليه فكيف يرضى أن ينسبها ~~إلى الله تعالى ففيه تبكيت لهم وتوبيخ. # وقوله سبحانه وتعالى { وهو كظيم } يعني أنه ظل ممتلئا غما وحزنا { ~~يتوارى من القوم من سوء ما بشر به } يعني أنه يختفي من ذلك القول الذي ~~بشر به، وذلك أن العرب كانوا في الجاهلية إذا قربت ولادة زوجة أحدهم، ~~توارى من القوم إلى أن يعلم ما ولد له فإن كان ولدا ابتهج بذلك وظهر وإن ~~كانت أنثى حزن ولم يظهر أياما حتى يفكر ما يصنع بها ms2009 وهو قوله تعالى { ~~أيمسكه على هون } يعني على هوان، وإنما ذكر الضمير في أيمسكه لأنه عائد ~~إلى ما بشر به في قوله، وإذا بشر أحدهم { أم يدسه في التراب } يعني أم ~~يخفي الذي بشر به في التراب والدس إخفاء الشيء في الشيء قال أهل التفسير: ~~إن مضر وخزاعة وتميما كانوا يدفنون البنات أحياء، والسبب في ذلك إما خوف ~~الفقر وكثر العيال ولزوم النفقة أو الحمية فيخافون عليهن من الأسر ونحوه، ~~أو طمع غير الأكفاء فيهن فكان الرجل من العرب في الجاهلية، إذا ولدت له ~~بنت أراد أن يستحييها تركها حتى إذا كبرت ألبسها جبة من صوف أو شعر، ~~وجعلها ترعى الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد أن يقتلها تركها حتى إذا ~~صارت سداسية، قال لأمها: زينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها ويكون قد حفر ~~لها حفرة في الصحراء فإذا بلغ بها تلك الحفرة قال لها: انظري إلى هذه ~~البئر فإذا نظرت إليها دفعها من خلفها في تلك البئر، ثم يهيل التراب على ~~رأسها وكان صعصعة عم الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه بإبل إلى والد ~~البنت حتى يحييها بذلك فقال الفرزدق يفتخر بذلك: # وعمي الذي منع الوائدات فأحيا الوئيد فلم يوأد # عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الوائدة والموؤدة في النار " # أخرجه أبو داود. وقوله تعالى { ألا ساء ما يحكمون } يعني بئس ما يصنعون ~~ويقضون حيث يجعلون لله خلقهم البنات، وهم يستنكفون منهن ويجعلون لأنفسهم ~~البنين نظيره قوله سبحانه وتعالى # ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21-22] وقيل: معناه ألا ساء ما يحكمون في وأد البنات { للذين لا ~~يؤمنون بالآخرة مثل السوء } يعني صفة السوء من احتياجاتهم إلى الولد ~~الذكر وكراهتهم الإناث وقتلهن خوف الفقر { ولله المثل الأعلى } أي الصفة ~~العليا المقدسة، وهي أن له التوحيد وأنه المنزه عن الولد وأنه لا إله إلا ~~هو وأن له جميع صفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والبقاء السرمدي، ~~وغير ذلك من الصفات التي ms2010 وصف الله بها نفسه. وقال ابن عباس: مثل السوء ~~النار والمثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله { وهو العزيز } أي الممتنع ~~في كبريائه وجلاله { الحكيم } يعني في جميع أفعاله. ### || [16.61-67] # قوله: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } يعني بسبب ظلمهم فيعاجلهم ~~بالعقوبة على ظلمهم وكفرهم وعصيانهم. فإن قلت الناس اسم جنس يشمل الكل ~~وقد قال تعالى في آية أخرى # فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات # [فاطر: 32]، فقسمهم في تلك الآية ثلاثة أقسام فجعل الظالمين قسما ~~واحدا من ثلاثة. قلت: قوله ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم عام مخصوص بتلك ~~الآية الأخرى، لأن في جنس الناس الأنبياء والصالحين ومن لا يطلق عليه اسم ~~الظلم، وقيل: أراد بالناس الكفار فقط بدليل قوله # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] وقوله { وما ترك عليها } يعني على الأرض كناية عن غير مذكور ~~لأن الدابة لا تدب إلا على الأض { من دابة } يعني أن الله سبحانه وتعالى، ~~لو يؤاخذ الناس بظلمهم لأهلك جميع الدواب التي على وجه الأرض. قال قتادة: ~~وقد فعل الله ذلك في زمن نوح عليه السلام وروي أن أبا هريرة سمع رجلا ~~يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال: بئس ما قلت إن الحبارى تموت ~~هزالا بظلم الظالم. وقال ابن مسعود: إن الجعل تعذب في جحرها بذنب ابن ~~آدم وقيل أراد بالدابة الكافر بدليل قوله: # إن شر الدواب عند الله الذين كفروا # [الأنفال: 55] وقيل في معنى الآية ولو يؤاخذ الله الآباء الظالمين بسبب ~~ظلمهم لانقطع النسل، ولم توجد الأبناء فلم يبق في الأرض أحد { ولكن ~~يؤخرهم } يعني يمهلهم بفضله، وكرمه وحلمه { إلى أجل مسمى } يعني إلى ~~انتهاء آجالهم وانقضاء أعمارهم { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون } يعني لا يؤخرون ساعة من الأجل الذي جعله الله لهم ولا ينقصون ~~عنه. وقيل: أراد بالأجل المسمى يوم القيامة، والمعنى ولكن يؤخرهم إلى يوم ~~القيامة فيعذبهم فلا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون { ويجعلون لله ما ~~يكرهون } يعني لأنفسهم وهي البنات { وتصف ألسنتهم الكذب أن ms2011 لهم الحسنى } ~~يعني ويقولون: إن لهم البنين وذلك أنهم قالوا: لله البنات ولنا البنون، ~~وهذا القول كذب منهم وافتراء على الله. وقيل: أراد بالحسنى الجنة، ~~والمعنى أنهم مع كفرهم، وقولهم الكذب يزعمون أنهم على الحق وأن لهم الجنة ~~وذلك أنهم قالوا: إن كان محمد صادقا في البعث بعد الموت، فإن لنا الجنة ~~لأنا على الحق فأكذبهم الله فقول { لا جرم أن لهم النار } يعني في ~~الآخرة لا الجنة { وأنهم مفرطون } قرىء بكسر الراء مع التخفيف، يعني ~~مسرفون وقرىء بكسر الراء مع التشديد يعني مضيعون لأمر الله وقراءة ~~الجمهور بفتح الراء مع تخفيفها أي منسيون في النار قاله ابن عباس وقال ~~سعيد بن جبير ومقاتل: متروكون. وقال قتادة: معجلون إلى النار. وقال ~~الفراء: مقدمون إلى النار والفرط ما تقدم إلى الماء قبل القوم. # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " أنا فرطكم على الحوض " # أي متقدمكم { تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك } يعني كما أرسلناك إلى ~~هذه الأمة لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك، فكان شأنهم مع رسلهم التكذيب ففيه ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم { فزين لهم الشيطان أعمالهم } يعني ~~أعمالهم الخبيثة من الكفر والتكذيب، والمزين في الحقيقة هو الله تعالى ~~هذا مذهب أهل السنة، وإنما جعل الشيطان آلة بإلقاء الوسوسة في قلوبهم، ~~وليس له قدرة أن يضل أحدا أو يهدي أحدا، وإنما له الوسوسة فقط فمن أراد ~~شقاوته سلطه عليه حتى يقبل وسوسته { فهو وليهم } أي ناصرهم { اليوم } ومن ~~كان الشيطان وليه وناصره فهو مخذول مغلوب مقهور، وإنما سماه وليا لهم ~~لطاعتهم إياه { ولهم عذاب أليم } يعني في الآخرة { وما أنزلنا عليك ~~الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه } يعني في أمر الدين والأحكام ~~فتبين لهم الهدى من الضلال، والحق من الباطل والحلال من الحرام { وهدى ~~ورحمة } يعني وما أنزلنا عليك الكتاب إلا بيانا وهدى ورحمة { لقوم ~~يؤمنون } لأنهم هم المنتفعون به قوله سبحانه وتعالى { والله أنزل من ~~السماء ماء } يعني المطر { فأحيا به } يعني بالماء { الأرض } يعني ~~بالنبات ms2012 والزروع { بعد موتها } يعني يبسها وجدوبتها { إن في ذلك لآية } ~~يعني دلالة واضحة على كمال قدرتنا { لقوم يسمعون } يعني سماع إنصاف وتدبر ~~وتفكر، لأن سماع القلوب هو النافع لا سماع الآذان فمن سمع آيات الله، أي ~~القرآن بقلبه وتدبرها وتفكر فيها انتفع، ومن لم يسمع بقلبه لم ينتفع ~~بالآيات { وإن لكم في الأنعام لعبرة } يعني إذا تفكرتم فيها عرفتم كمال ~~قدرتنا على ذلك { نسقيكم مما في بطونه } الضمير عائد إلى الأنعام، وكان ~~حقه أن يقال مما في بطونها، واختلف النحوين في الجواب، فقيل: إن لفظ ~~الأنعام مفرد وضع لإفادة الجمع فهو بحسب اللفظ مفرد فيكون ضميره ضمير ~~الواحد، وهو مذكر وبحسب المعنى جميع فيكون ضميره ضمير الجمع، وهو مؤنث ~~فلهذا المعنى. قال هنا مما في بطونه وقال في سورة المؤمنين: مما في ~~بطونها. وهذا قول أبي عبيدة والأخفش وقال الكسائي: إنه رده إلى ما ذكر ~~يعني مما في بطون ما ذكرنا، وقال غيره الكناية مردودة إلى البعض وفيه ~~إضمار كأنه قال: نسقيكم مما في بطونه اللبن فأضمر اللبن إذ ليس لكلها لبن ~~{ من بين فرث } وهو ما في الكرش من الثفل، فإذا خرج منها لا يسمى فرثا { ~~ودم لبنا خالصا } يعني من الدم والفرث ليس عليه لون الدم ولا رائحة ~~الفرث. قال ابن عباس: إذا أكلت الدابة العلف، واستقر في كرشها، وطبخته ~~كان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما فالكبد مسلطة عليه تقسمه ~~بتقدير الله سبحانه وتعالى فيجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى ~~الثفل كما هو { سائغا للشاربين } يعني هنيئا سهلا يجري في الحلق ~~بسهولة. # قيل: إنه لم يغص أحد باللبن قط. هذا قول المفسرين في معنى هذه الآية. ~~وحكى الإمام فخر الدين الرازي قول الحكماء في ذلك فقال: ولقائل أن يقول ~~الدم واللبن لا يتولدان في الكرش ألبتة، والدليل عليه الحس فإن هذه ~~الحيوانات تذبح ذبحا متواليا، وما رأى أحد في كرشها دما ولا لبنا بل ~~الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء، وصل ذلك العلف إلى معدته ms2013 إن كان ~~إنسانا وإلى كرشه إن كان من الأنعام، وغيرها فإذا طبخ وحصل الهضم الأول ~~فيه فما كان منه صافيا انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفا نزل إلى ~~الأمعاء، ثم ذلك الذي حصل في الكبد ينطبخ فيها ويصير دما وهو الهضم ~~الثاني، ويكون ذلك مخلوطا بالصفراء والسوداء وزيادة المائية فأما ~~الصفراء فتذهب إلى المرارة وأما السوداء فتذهب إلى الطحال، وأما المائية ~~فتذهب إلى الكلية ومنها إلى المثانة، وأما الدم فيذهب في الأوردة وهي ~~العروق النابتة في الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث. وبين الكبد وبين الضرع ~~عروق كثيرة فينصب الدم من تلك العروق إلى الضرع والضرع لحم غددي رخو ~~أبيض، فيقلب الله عز وجل ذلك الدم عند انصبابه إلى ذلك اللحم الغددي ~~الرخو الأبيض، فيصير الدم لبنا فهذا صورة تكون اللبن في الضرع فاللبن ~~إنما يتولد من بعض أجزاء الدم، والدم إنما يتولد من بعض الأجزاء اللطيفة ~~من الأشياء المأكولة الحاصلة في الكرش فاللبن توليد أولا من الفرث ثم من ~~الدم ثانيا ثم صفاه الله سبحانه وتعالى بقدرته فجعله لبنا خالصا من ~~بين فرث، ودم عند تولد اللبن في الضرع يخلق الله عز وجل بلطيف حكمته في ~~حلمة الثدي ثقبا صغيرا ومسام ضيقة فيجعلها كالمصفاة للبن فكل ما كان ~~لطيفا من اللبن خرج بالمص أو الحلب وما كان كثيفا احتبس في البدن، وهو ~~المراد بقوله خالصا هنيئا مريئا. قوله عز وجل { ومن ثمرات النخيل ~~والأعناب } يعني ولكم أيضا عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل ~~والأعناب ما تتخذون منه { سكرا ورزقا حسنا } قال ابن مسعود وابن عمر ~~والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وإبراهيم وابن أبي ليلى والزجاج وابن قتيبة: ~~السكر الخمر سميت بالمصدر من قولهم سكر سكرا، وسكرا والرزق الحسن سائر ~~ما يتخذ من ثمرات النخيل، والأعناب مثل الدبس والتمر والزبيب والخل وغير ~~ذلك. فإن قلت: الخمر محرمة فكيف ذكرها الله عز وجل في معرض الإنعام ~~والامتنان؟ قلت: قال العلماء في الجواب عن هذا: إن هذه السورة مكية، ~~وتحريم الخمر إنما ms2014 نزل في سورة المائدة وهي مدنية فكان نزول هذه الآية في ~~الوقت الذي كانت الخمر فيه غير محرمة، وقيل: إن الله عز وجل نبه في هذه ~~الآية على تحريم الخمر أيضا، لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر ~~فوجب أن يقال الرجوع عن كونه حسنا يدل على التحريم، وروى العوفي عن ابن ~~عباس أن السكر هو الخل بلغة الحبشة وقال بعضهم: السكر هو النبيذ وهو نقيع ~~التمر والزبيب إذا اشتد، والمطبوخ من العصير وهو قول الضحاك والنخعي ومن ~~يبيح شرب النبيذ ومن يحرمه يقول المراد من الآية الإخبار لا الإحلال، ~~وأولى الأقاويل أن قوله تتخذون منه سكرا منسوخ. # سئل ابن عباس عن هذه الآية فقال السكر: ما حرم من ثمراتها والرزق الحسن ~~ما حل قلت: القول بالنسخ فيه نظر لأن قوله، ومن ثمرات النخيل والأعناب ~~تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ، ومن زعم ~~أنها منسوخة رأى أن هذه الآية نزلت بمكة في وقت إباحة الخمر ثم إن الله ~~تبارك وتعالى حرمها بالمدينة فحكم على هذه الآية بأنها منسوخة وقال أبو ~~عبيدة في معنى الآية: السكر الطعم يقال هذا سكر لك أي طعم لك وقال غيره: ~~السكر ما سد الجوع من قولهم سكرت النهر أي سددته والتمر والزبيب مما يسد ~~الجوع، وهذا شرح قول أبي عبيدة أن السكر الطعم { إن في ذلك } يعني الذي ~~ذكر من إنعامه على عباده { لآية } يعني دلالة وحجة واضحة { لقوم يعقلون } ~~يعني أن من كان عاقلا استدل بهذه الآية على كمال قدرة الله تعالى ~~ووحدانيته وعلم بالضرورة أن لهذه الأشياء خالقا، ومدبرا قادرا على ما ~~يريد. ### || [16.68-71] # قوله سبحانه وتعالى: { وأوحى ربك إلى النحل } لما ذكر الله سبحانه ~~وتعالى دلائل قدرته، وعجائب صنعته الدالة على وحدانيته من إخراج اللبن من ~~بين فرث، ودم وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل، والأعناب ذكر ~~في هذه الآية إخراج العسل الذي جعله شفاء للناس من دابة ضعيفة، وهي ~~النحلة فقال سبحانه وتعالى وأوحى ربك ms2015 إلى النحل الخطاب فيه للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد به كل فرد من الناس ممن له عقل، وتفكر يستدل به ~~على كمال قدرة الله ووحدانيته وأنه الخالق لجميع الأشياء المدبر لها ~~بلطيف حكمته، وقدرته وأصل الوحي الإشارة السريعة وذلك يكون بالكلام على ~~سبيل الرمز، والتعريض وقد يكون بصوت مجرد ويقال للكلمة الإلهية التي ~~يلقيها الله إلى أنبيائه وحي وإلى أوليائه إلهام وتسخير الطير لما خلق له ~~ومنه قوله تعالى { وأوحى ربك إلى النحل } يعني أنه سخرها لما خلقها له، ~~وألهمها رشدها وقدر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي يعجز عنها ~~العقلاء من البشر، وذلك أن النحل تبني بيوتا على شكل مسدس من أضلاع ~~متساوية لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها ولو كانت البيوت مدورة أو ~~مثلثة أو مربعة، أو غير ذلك من الأشكال لكان فيما بينها خلل ولما حصل ~~المقصود فألهمها الله سبحانه وتعالى، أن تبنيها على هذا الشكل المسدس ~~الذي لا يحصل فيه خلل وفرجة خالية ضائعة وألهمها الله تعالى أيضا أن ~~تجعل عليها أميرا كبيرا نافذ الحكم فيها وهي تطيعه، وتمتثل أمره ويكون ~~هذا الأمير أكبرها جثة وأعظمها خلقة ويسمى يعسوب النحل يعني ملكها كذا ~~حكاه الجوهري وألهمها الله سبحانه وتعالى أيضا أنها تخرج من بيوتها، ~~فتدور وترعى ثم ترجع إلى بيوتها، ولا تضل عنها. ولما امتار هذا الحيوان ~~الضعيف بهذه الخواص العجيبة، الدالة على مزيد الذكاء والفطنة دل ذلك على ~~الإلهام الإلهي فكان ذلك شبيها بالوحي، فلذلك قال تبارك وتعالى: وأوحى ~~ربك إلى النحل، والنحل زنبور العسل ويسمى الدبر أيضا، قال الزجاج: يجوز ~~أن يقال سمي هذا الحيوان نحلا لأن الله سبحانه وتعالى، نحل الناس العسل ~~الذي يخرج من بطونها بمعنى أعطاهم. وقال غيره: النحل يذكر ويؤنث وهي ~~مؤنثة في لغة الحجاز، وكذا أنثها الله تعالى فقال { ثم كلي من كل الثمرات ~~} يعني من بعض الثمرات لأنه لا تأكل من جميع الثمار فلفظه كل هاهنا ليست ~~للعموم { فاسلكي سبل ربك } يعني الطرق التي ألهمك الله ms2016 أن تسلكيها، ~~وتدخلي فيها لأجل طلب الثمرات { ذللا } قيل إنها نعت للسبل يعني أنها ~~مذللة لكل الطرق مسهلة لك مسالكها. قال مجاهد: لا يتوعر عليها مكان ~~تسلكه. وقيل: الذلل نعت للنحل يعني أنها مذللة مسخرة لأربابها مطيعة ~~منقادة لهم حتى أنهم ينقلونها من مكانها إلى مكان آخر حيث شاؤوا! وأرادوا ~~لا تستعصي عليهم { يخرج من بطونها شراب } يعني العسل { مختلف ألوانه } ~~يعني ما بين أبيض وأحمر وأصفر وغير ذلك من ألوان العسل. # وذلك على قدر ما تأكل من الثمار والأزهار، ويستحيل في بطونها عسلا ~~بقدرة الله تعالى ثم يخرج من أفواهها يسيل كاللعاب، وزعم الإمام فخر ~~الدين الرازي أنه رأى في بعض كتب الطب، أن العسل طل من السماء ينزل ~~كالترتجبين فيقع على الأزهار وأوراق الشجر فتجمعه النحل فتأكل بعضه، ~~وتدخر بعضه في بيوتها لأنفسها لتتغذى به فإذا اجتمع في بيوتها من تلك ~~الأجزاء الطلية شيء كثير، فذلك هو العسل وقال هذا القول أقرب إلى العقل ~~لأن طبيعة الترنجبين تقرب من طبيعة العسل، وأيضا فإنا نشاهد أن النحل ~~تتغذى بالعسل وأجاب عن قوله تعالى: يخرج من بطونها بأن كل تجويف في داخل ~~البدن يسمى بطنا، فقوله: يخرج من بطونها يعني من أفواهها، وقول أهل ~~الظاهر أولى وأصح لأنا نشاهد أنه يوجد في طعم العسل طعم تلك الأزهار التي ~~تأكلها النحل، وكذلك يوجد لونها وطعمها فيه أيضا ويعضد هذا قول بعض ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم له: أكلت مغافير؟ قال: لا. قالت: فما هذه ~~الريح التي أجد منك؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل. قالت: جرست نحلة العرفط. ~~العرفط شجر الطلح، وله صمغ يقال لهم المغافير كريه الرائحة فمعنى جرست ~~نحلة العرفط أكلت ورعت من العرفط الذي له الرائحة الكريهة، فثبت بهذا ~~الدليل صحة أهل الظاهر من المفسرين، وأنه يوجد طعم العسل، ولونه وريحه ~~طعم ما يأكله النحل ولونه وريحه لا ما قاله الأطباء من أنه طل لأنه لو ~~كان طلا لكان على لون واحد وطبيعة واحدة. وقله: إنه طبيعة العسل ms2017 تقرب ~~من طبيعة الترنجبين فيه نظر، لأن مزاج الترنجبين معتدل إلى الحرارة، وهو ~~ألطف من السكر ومزاج العسل حار يابس في الدرجة الثانية فبينهما فرق كبير. ~~وقوله: كل تجويف في داخل البدن يسمى بطنا فيه نظر، لأن لفظ البطن إذا ~~أطلق لم يرد إلا العضو المعروف مثل بطن الإنسان، وغيره والله أعلم. وقوله ~~تعالى { فيه } يعني في الشراب الذي يخرج من بطون النحل { شفاء للناس } ~~وهذا قول ابن عباس وابن مسعود إذ الضمير في قوله فيه شفاء للناس، يرجع ~~إلى العسل، وقد اختلفوا في هذا الشفاء هل هو على العموم لكل مرض، أو على ~~الخصوص لمرض دون مرض، على قولين: أحدهما أن العسل فيه شفاء من كل داء وكل ~~مرض، قال ابن مسعود: " العسل شفاء من كل داء والقرآن شفاء لما في الصدور ~~" وفي رواية أخرى عنه " عليك بالشفائين القرآن والعسل " وروى نافع أن ابن ~~عمر ما كانت تخرج به قرحة، ولا شيء إلا لطخ الموضع بالعسل ويقرأ { يخرج ~~من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس } ق عن أبي سعيد الخدري قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق بطنه فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم اسقه عسلا فسقاه ثم جاء فقال: إني سقيته ~~عسلا فلم يزده إلا استطلاقا فقال له: ثلاث مرات ثم جاء الرابعة: فقال: ~~اسقه عسلا، فقال: لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صدق الله وكذب بطن أخيك فسقاه فبرأ " # وقد اعترض بعض الملحدين، ومن في قلبه مرض على هذا الحديث. فقال: إن ~~الأطباء مجمعون على أن العسل مسهل فكيف يوصف لمن به الإسهال فنقول في ~~الرد على هذا المعترض الملحد الجاهل بعلم الطب أن الإسهال يحصل من أنواع ~~كثيرة منها التخم، والهيضات، وقد أجمع الأطباء في مثل هذا على أن علاجه ~~بأن تترك الطبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى معين على الإسهال أعينت ما دامت ~~القوة باقية فأما حبسها فمضر عندهم، واستعجال مرض ms2018 فيحتمل أن يكون إسهال ~~الشخص المذكور في الحديث أصابه من امتلاء أو هيضة، فدواؤه بترك إسهاله ~~على ما هو عليه أو تقويته فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم العسل ~~فزاده إسهالا فزاده عسلا إلى أن فنيت المادة فوقف الإسهال و يكون الخلط ~~الذي كان به يوافقه شرب العسل، فثبت بما ذكرناه أن أمره صلى الله عليه ~~وسلم لهذا الرجل بشرب العسل جار على صناعة الطب، وأن المعترض عليه جاهل ~~لها ولسنا نقصد الاستظهار لتصديق الحديث بقول الأطباء: بل لو كذبوه ~~لكذبناهم وكفرناهم بذلك وإنما ذكرنا هذا الجواب الجاري على صناعة الطب، ~~دفعا لهذا المعترض بأنه لا يحسن صناعة الطب التي اعترض بها والله أعلم ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: # " صدق الله وكذب بطن أخيك " # يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم، علم بالوحي الإلهي أن العسل، الذي أمره ~~بشربه سيظهر نفعه بعد ذلك فلما لم يظهر نفعه في الحال عندهم قال: صدق ~~الله يعني فيما وعد به من أن فيه شفاء وكذب بطن أخيك يعني باستعجالك ~~للشفاء في أول مرة والله أعلم بمراده، وأسرار رسوله صلى لله عليه سلم فإن ~~قالوا: كيف يكون شفاء للناس، وهو يضر بأصحاب الصفراء ويهيج الحرارة ويضر ~~بالشباب المحرورين ويعطش، قلنا: في الجواب عن هذا الاعتراض أيضا: إن ~~قوله فيه شفاء للناس مع أنه يضر بأصحاب الصفراء، ويهيج الحرارة أنه خرج ~~مخرج الأغلب، وأنه في الأغلب فيه شفاء، ولم يقل: إنه شفاء لكل الناس لكل ~~داء ولكنه في الجملة دواء وإن نفعه أكثر من مضرته، وقل معجون من المعاجين ~~إلا وتمامه به. # والأشربة المتخذة من العسل نافعة لأصحاب البلغم والشيوخ المبرودين، ~~ومنافعه كثيرة جدا، والقول الثاني: أنه شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه ~~وهذا قول السدي وقال مجاهد: في قوله فيه شفاء للناس يعني القرآن لأنه ~~شفاء من أمراض الشرك، والجهالة والضلالة وهو هدى ورحمة للناس، والقول ~~الأول أصح لأن الضمير يجب أن يعود إلى أقرب المذكورات، وأقربها قوله ~~تعالى يخرج من بطونها شراب وهو العسل ms2019 فهو أولى أن يرجع الضمير إليه لأنه ~~أقرب مذكور. وقوله سبحانه وتعالى { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } يعني ~~فيعتبرون ويستدلون بما ذكرنا على وحدانيتنا وقدرتنا. قوله عز وجل { والله ~~خلقكم } يعني أوجدكم من العدم وأخرجكم إلى الوجود ولم تكونوا شيئا { ثم ~~يتوفاكم } يعني عند انقضاء آجالكم إما صبيانا وإما شبانا وإما كهولا { ~~ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } يعني أراده وأضعفه وهو الهرم قال بعض ~~العلماء: عمر الإنسان له أربع مراتب أولها من النشوء والنماء، وهو من أول ~~العمر إلى بلوغ ثلاث وثلاثين سنة، وهو غاية سن الشاب وبلوغ الأشد ثم ~~المرتبة الثانية: سن الوقوف، وهو من ثلاث وثلاثين سنة إلى أربعين سنة، ~~وهو غاية القوة وكمال العقل ثم المرتبة الثالثة: سن الكهولة، وهو من ~~الأربعين إلى الستين، وهذه المرتبة يشرع الإنسان في النقص لكنه يكون ~~نقصا خفيا لا يظهر ثم المرتبة الرابعة: سن الشيخوخة والانحطاط من ~~الستين إلى آخر العمر، وفيها يتبين النقص، ويكون الهرم والخوف. وقال علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه: أرذل العمر خمس وسبعون سنة. وقيل ثمانون سنة ~~وقال قتادة تسعون سنة ق عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " اللهم أني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم والبخل وأعوذ بك من ~~عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات " # وفي رواية أخرى عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهذه ~~الدعوات: # " اللهم إني أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة ~~المحيا والممات " # وقوله تعالى: { لكيلا يعلم بعد علم شيئا } يعني الإنسان يرجع إلى حالة ~~الطفولية بنسيان ما كان علم بسبب الكبر، وقال ابن عباس: لكي يصير كالصبي ~~لا عقل له. وقال ابن قتيبة: معناه حتى لا يعلم بعد علمه بالأمور شيئا ~~لشدة هرمه. وقال الزجاج: المعنى وإن منكم من يكبر حتى يذهب عقله خرفا ~~فيصير بعد أن كان عالما جاهلا، ليريكم الله من قدرته أنه كما قدر على ~~إماتته وإحيائه، أنه قادر ms2020 على نقله من العلم إلى الجهل هكذا، وجدته ~~منقولا عنه ولو قال: ليريكم من قدرته أنه كما قدر على نقله من العلم إلى ~~الجهل، أنه قادر على إحيائه بعد إماتته ليكون ذلك دليلا على صحة هذا ~~البعث، بعد الموت لكان أجود. # قال ابن عباس: ليس هذا في المسلمين لأن المسلم لا يزداد في طول العمر ~~والبقاء إلا كرامة عند الله وعقلا ومعرفة. وقال عكرمة: من قرأ القرآن لم ~~يرد إلى أرذل العمر حتى لا يعلم بعد علم شيئا. وقال في قوله: إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات، هم الذين قرؤوا القرآن وقال ابن عباس في قوله ~~تعالى: ثم رددناه أسفل سافلين يريد الكافرين ثم استثنى المؤمنين فقال ~~تعالى إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وقوله تعالى { إن الله عليم } ~~يعني بما صنع بأوليائه وأعدائه { قدير } يعني على ما يريد قوله تعالى { ~~والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } يعني أن الله سبحانه وتعالى بسط على ~~واحد وضيق وقتر على واحد وكثر لواحد وقلل على آخر، وكما فضل بعضكم على ~~بعض في الرزق، كذلك فضل بعضكم على بعض في الخلق والخلق والعقل والصحة ~~والسقم والحسن، والقبح والعلم والجهل وغير ذلك. فهم متفاوتون ومتباينون ~~في ذلك كله، وهذا مما اقتضته الحكمة الإلهية والقدرة الربانية { فما ~~الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم } يعني من العبيد حتى ~~يستووا فيه هم وعبيدهم يقول الله سبحانه وتعالى هم لا يرضون أن يكونوا هم ~~ومماليكهم فيما رزقتهم سواء وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني يلزم ~~بهذه الحجة المشركين حيث جعلوا الأصنام شركاء لله قال قتادة: هذا مثل ~~ضربه الله عز وجل. يقول: هل منكم أحد يرضى أن يشركه مملوكه في جميع ماله ~~فكيف تعدلون بالله خلقه وعباده، وقيل: في معنى الآية أن الموالي ~~والمماليك الله رازقهم جميعا { فهم فيه } يعني في رزقه { سواء } فلا ~~تحسبن أن الموالي يردون رزقهم على مماليكهم من عند أنفسهم، بل ذلك رزق ~~الله أجراه على أيدي الموالي للمماليك، والمقصود منه بيان ms2021 أن الرازق هو ~~الله سبحانه وتعالى لجميع خلقه وأن الموالي والمماليك في الرزق سواء وأن ~~المالك لا يرزق المملوك، بل الرازق للمماليك والمالك هو الله سبحانه ~~وتعالى. وقوله { أفبنعمة الله يجحدون } فيه إنكار على المشركين حيث جحدوا ~~نعمته وعبدوا غيره. ### || [16.72-73] # قوله عز وجل: { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } يعني النساء فخلق من ~~آدم حواء زوجته وقيل: جعل لكم من جنسكم أزواجا لأنه خطاب عام يعم الكل ~~فتخصيصه بآدم وحواء خلاف الليل { وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } ~~الحفدة جمع حافد وهو المسرع في الخدمة المسارع إلى الطاعة ومنه قوله في ~~الدعاء " وإليك نسعى ونحفد " أي نسرع إلى طاعتك، فهذا أصله في اللغة ثم ~~اختلفت أقوال المفسرين فيهم فقال ابن مسعود والنخعي: الحفدة أختان الرجل ~~على بناته وعن ابن مسعود أيضا، أنه أصهاره فهو بمعنى الأول فعلى هذا ~~القول، يكون معنى الآية وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات، فزوجوهم فيجعل ~~لكم بسببهم الأختان والأصهار. وقال الحسن وعكرمة والضحاك: هم الخدم. وقال ~~مجاهد: هم الأعوان وكل من أعانك قد حفدك وقال عطاء: هم ولد الرجل الذين ~~يعينونه ويخدمونه وقيل: هم أهل المهنة الذين يمتهنون ويخدمون من الأولاد ~~وقال مقاتل والكلبي: البنين هم الصغار والحفدة كبار الأولاد الذي يعينون ~~الرجل على عمله، وقال ابن عباس: هم ولد الولد. وفي رواية آخرى عنه أنهم ~~بنو امرأة الرجل الذين ليسوا منه وكل هذه الأقوال متقاربة لأن اللفظ ~~يحتمل الكل بحسب المعنى المشترك، وبالجملة فإن الحفدة هم غير البنين، لأن ~~الله سبحانه وتعالى قال: بنين وحفدة فجعل بينهما مغايرة { ورزقكم من ~~الطيبات } يعني النعم التي أنعم عليكم من أنواع الثمار والحبوب والحيوان، ~~والأشربة المستطابة الحلال من ذلك كله { أفبالباطل يؤمنون } يعني ~~بالأصنام وقيل: بالشيطان يؤمنون وقيل: معناه يصدقون أن لي شريكا وصاحبة ~~وولدا وهذا استفهام إنكار أي ليس لهم ذلك { وبنعمة الله هم يكفرون } ~~يعني أنهم يضيفون ما أنعم الله به عليهم إلى غيره، وقيل معناه إنهم ~~يجحدون ما أحل الله لهم { ويبعدون من ms2022 دون الله ما لا يملك لهم رزقا من ~~السموات والأرض } يعني الأصنام التي لا تقدر على إنزال المطر الذي في ~~السموات خزائنه، ولا يقدرون على إخراج النبات الذي في الأرض معدنه { ~~شيئا } يعني لا يملك من الرزق شيئا قليلا ولا كثيرا، وقيل معناه ~~يعبدون ما لا يرزق شيئا { ولا يستطيعون } يعني ولا يقدرون على شيء يذكر ~~عجز الأصنام عن إيصال نفع أو دفع ضر. ### || [16.74-77] # { فلا تضربوا لله الأمثال } يعني لا تشبهوا الله بخلقه فإنه لا مثل له ~~ولا شبيه ولا شريك من خلقه، لأن الخلق كلهم عبيده، وفي ملكه فكيف يشبه ~~الخالق بالمخلوق، أو الرازق بالمرزوق، أو القادر بالعاجز { إن الله يعلم ~~} يعني ما أنتم عليه من ضرب الأمثال له { وأنتم لا تعلمون } خطأ ما ~~تضربون له من الأمثال. قوله تعالى { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا ~~يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا } لما نهاهم الله سبحانه وتعالى ~~عن ضرب الأمثال، لقلة علمهم ضرب هو سبحانه وتعالى لنفسه مثلا، فقال ~~تعالى: مثلكم في إشراككم بالله الأوثان، كمثل من سوى بين عبد مملوك عاجز ~~عن التصرف وبين حر كريم مالك قادر، قد رزقه الله مالا فهو يتصرف فيه، ~~وينفق منه كيف يشاء، فصريح العقل يشهد بأنه لا تجوز التسوية بينهما في ~~التعظيم والإجلال، فلما لم تجز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة ~~والصورة البشرية، فكيف يجوز للعقل أن يسوي بين الله عز وجل الخالق القادر ~~على الرزق والإفضال وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر على شيء ألبتة؟ ~~وقيل: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر المراد بالعبد المملوك الذي لا ~~يقدر على شيء هو الكافر، لأنه لما كان محروما من عبادة الله وطاعته صار ~~كالعبد الذليل الفقير العاجز الذي لا يقدر على شيء، وقيل: إن الكافر لما ~~رزقه الله مالا فلم يقدم فيه خيرا صار كالعبد الذي لا يملك شيئا، ~~والمراد بقوله ومن رزقناه منا رزقا حسنا، المؤمن لأنه لما اشتغل بطاعة ~~الله وعبوديته والإنفاق في وجوه البر ms2023 والخير صار كالحر المالك الذي ينفق ~~سرا وجهرا في طاعة الله، وابتغاء مرضاته وهو قوله سبحانه وتعالى { فهو ~~ينفق منه سرا وجهرا } فأثابه الله الجنة على ذلك. فإن قلت: لم قال ~~عبدا مملوكا لا يقدر على شيء، وكل عبد هو مملوك وهو غير قادر على ~~التصرف؟ قلت: إنما ذكر المملوك ليتميز من الحر لأن اسم العبد يقع عليهما ~~جميعا لأنهما من عباد الله، وقوله: لا يقدر على شيء احترز به عن المملوك ~~المكاتب والمأذون له في التصرف، لأنهما يقدران على التصرف واحتج الفقهاء ~~بهذه الآية على أن العبد لا يملك شيئا { هل يستوون } ولم يقل هل يستويان ~~يعني هل يستوي الأحرار والعبيد، والمعنى كما لا يستوي هذا الفقير البخيل، ~~والغني السخي كذلك لا يستوي الكافر العاصي، والمؤمن الطائع، وقال عطاء في ~~قوله: عبدا مملوكا هو أبو جهل بن هشام ومن رزقناه منا رزقا حسنا، هو ~~أبو بكر الصديق ثم قال تعالى { الحمد لله } حمد الله نفسه لأنه المستحق ~~لجميع المحامد لأنه المنعم المتفضل على عباده، وهو الخالق الرازق لا هذه ~~الأصنام التي عبدها هؤلاء، فإنها لا تستحق الحمد لأنها جماد عاجز، لا يد ~~لها على أحد ولا معروف، فتحمد عليه إنما الحمد الكامل لله لا لغيره فيعجب ~~على جميع العباد، حمد الله لأنه أهل الحمد والثناء الحسن { بل أكثرهم } ~~يعني الكفار { لا يعلمون } يعني أن الحمد لله لا لهذه الأصنام { وضرب ~~الله مثلا رجلين أحدهما أبكم } هو الذي ولد أخرس فكل أبكم أخرس وليس كل ~~أخرس أبكم، والأبكم الذي لا يفهم ولا يفهم { لا يقدر على شيء } هو إشارة ~~إلى العجز التام والنقصان الكامل، { وهو كل على مولاه } أي ثقيل على من ~~يلي أمره ويعوله وقيل أصله من الغلظ وهو نقيض الحدة، يقال كل السكين إذا ~~غلظت شفرته وكل اللسان إذا غلظ فلم يقدر على النطق، وكل فلان عن الأمر ~~إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه، فقوله وهو كل على مولاه أي غليظ ثقيل على ~~مولاه { أينما يوجهه } أي حيثما ms2024 يرسله ويصرفه في طلب حاجة أو كفاية مهم { ~~لا يأت بخير } يعني لا يأت بجنح لأنه أخرس عاجز لا يحسن ولا يفهم { هل ~~يستوي } يعني من هذه صفته { هو } يعني صاحب هذه الصفات المذمومة { ومن ~~يأمر بالعدل } يعني ومن هو سليم الحواس نفاع ذو كفايات ذو رشد وديانة ~~يأمر الناس بالعدل والخير { وهو } في نفسه { على صراط مستقيم } يعني على ~~سيرة صالحة ودين قويم، فيجب أن يكون الآمر بالعدل، عالما قادرا ~~مستقيما في نفسه حتى يتمكن من الأمر بالعدل، وهذا مثل ثان ضربه الله ~~لنفسه، ولما يفيض على عباده من إنعامه ويشملهم به من آثار رحمته وألطافه ~~وللأصنام التي هي أموات جماد، لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تنطق ولا ~~تعقل، وهي كل على عابديها، لأنها تحتاج إلى كلفة الحمل والنقل والخدمة. # وقيل: كلا المثلين للمؤمن والكافر، والمؤمن: هو الذي يأمر بالعدل وهو ~~على صراط مستقيم. والكافر: هو الأبكم الثقيل الذي لا يأمر بخير فعلى هذا ~~القول تكون الآية على العموم في كل مؤمن وكافر. وقيل: هي على الخصوص ~~فالذي يأمر بالعدل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على صراط مستقيم. ~~والذي يأمر بالظلم وهو أبكم أبو جهل. وقيل: الذي يأمر بالعدل عثمان بن ~~عفان، وكان له مولى يأمره بالإسلام وذلك المولى يأمر عثمان بالإمساك عن ~~الإنفاق في سبيل الله تعالى، فهو الذي لا يأت بخير. وقيل: المراد بالأبكم ~~الذي لا يأت بخير أبي بن خلف، وبالذي يأمر العدل حمزة وعثمان بن عفان، ~~وعثمان بن مظعون { ولله غيب السموات والأرض } أخبر الله عز وجل في الآية ~~عن كمال علمه، وأنه عالم بجميع الغيوب، فلا تخفى عليه خافية ولا يخفى ~~عليه شيء منها، وقيل الغيث هنا هو علم قيام الساعة وهو قوله { وما أمر ~~الساعة } يعني في قيامها، والساعة هي الوقت الذي يقوم الناس فيه لموقف ~~الحساب { إلا كلمح البصر } يعني في السرعة، ولمح البصر هو انطباق جفن ~~العين وفتحه وهو طرف العين أيضا { أو هو أقرب } يعني ms2025 أن لمح البصر يحتاج ~~إلى زمان وحركة، والله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون في ~~أسرع من لمح البصر وهو قوله { إن الله على كل شيء قدير } فيه دليل على ~~كمال قدرة الله تعالى وأنه سبحانه وتعالى مهما أراد شيئا كان أسرع ما ~~يكون. # قال الزجاج: ليس المراد أن الساعة تأتي في أقرب من لمح البصر، ولكنه ~~سبحانه وتعالى وصف سرعة القدرة على الإتيان بها متى شاء، لا يعجزه شيء. ### || [16.78-80] # قوله عز وجل: { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } تم ~~الكلام هنا لأن الإنسان خلق في أول الفطرة، ومبدئها خاليا عن العلم ~~والمعرفة لا يهتدي سبيلا ثم ابتدأ فقال تعالى { وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة } يعني أن الله سبحانه وتعالى إنما أعطاكم هذه الحواس لتنتقلوا ~~بها من الجهل إلى العلم، فجعل لكم السمع لتسمعوا به نصوص الكتاب، والسنة ~~وهي الدلائل السمعية لتستدلوا بها على ما يصلحكم في أمر دينكم، وجعل لكم ~~الأبصار لتبصروا بها عجائب مصنوعاته، وغرائب مخلوقاته، فتستدلوا بها على ~~وحدانيته. وجعل لكم الأفئدة لتعقلوا بها، وتفهموا معاني الأشياء التي ~~جعلها دلائل وحدانيته، وقال ابن عباس: في هذه الآية يريد لتسمعوا مواعظ ~~الله وتبصروا ما أنعم الله به عليكم من إخراجكم من بطون أمهاتكم، إلى أن ~~صرتم رجالا وتعقلوا عظمة الله، وقيل في معنى الآية: والله خلقكم في بطون ~~أمهاتكم وسواكم وصوركم، ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة، وجعل لكم الحواس ~~آلات: لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به، من شكر ~~المنعم وعبادته، والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم به في الآخرة. فإن ~~قلت: ظاهر الآية يدل على أن جعل الحواس الثلاث بعد الإخراج من البطون، ~~وإنما خلقت هذه الحواس للإنسان من جملة خلقه، وهو في بطن أمه. قلت: ذكر ~~العلماء أن تقديم الإخراج، وتأخير ذكر هذه الحواس لا يدل على أن خلقها ~~كان بعد الإخراج لأن الواو لا توجب الترتيب ولأن العرب تقدم وتؤخر في بعض ~~كلامها. وأقول لما كان ms2026 الانتفاع بهذه الحواس بعد الخروج من البطن، فكأنما ~~خلقت في ذلك الوقت الذي ينتفع بها فيه وإن كانت قد خلقت قبل ذلك. وقوله ~~تعالى { لعلكم تشكرون } يعني إنما أنعم عليكم بهذه الحواس لتستعملوها في ~~شكر من أنعم بها عليكم { ألم يروا إلى الطير مسخرات } يعني مذللات { في ~~جو السماء } الجو الفضاء الواسع بين السماء والأرض وهو الهواء. قال كعب ~~الأحبار: إن الطير ترتفع في الجو اثني عشر ميلا ولا ترتفع فوق ذلك { ما ~~يمسكهن إلا الله } يعني في حال قبض أجنحتها، وبسطها واصطفاقها في الهواء، ~~وفي هذا حث على الاستدلال بها على أن لها مسخرا سخرها، ومذللا ذللها، ~~وممسكا أمسكها في حال طيرانها ووقوفها في الهواء، وهو الله تعالى { إن ~~في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } إنما خص المؤمنين بالذكر، لأنهم هم الذين ~~يعتبرون بالآيات ويتفكرون فيها وينتفعون بها دون غيرهم. قوله سبحانه ~~وتعالى { والله جعل لكم من بيوتكم } يعني التي هي من الحجر والمدر { ~~سكنا } يعني مسكنا تسكنونه، والسكن ما سكنت إليه وفيه من ألف أو بيت { ~~وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا } يعني الخيام والقباب والأخبية، ~~والفساطيط المتخذة من الأدم والأنطاع. # واعلم أن المساكن على قسمين: أحدهما: ما لم يمكن نقله من مكان إلى مكان ~~آخر، وهي البيوت المتخذة من الحجارة والخشب ونحوهما، والقسم الثاني: ما ~~يمكن نقله من مكان إلى آخر وهي الخيام والفساطيط المتخذة من جلود ~~الأنعام، وإليها الإشارة بقوله تعالى { تستخفونها } يعني يخف عليكم حملها ~~{ يوم ظعنكم } يعني في يوم سيركم ورحيلكم في أسفاركم وظعن البادية هو ~~لطلب ماء أو مرعى، نحو ذلك { ويوم إقامتكم } يعني وتخف عليكم أيضا في ~~إقامتكم وحضركم، والمعنى: لا تثقل عليكم في الحالتين { ومن أصوافها ~~وأوبارها وأشعارها } الكناية عائدة إلى الأنعام، يعني ومن أصواف الضأن، ~~وأوبار الإبل وأشعار المعز { أثاثا } يعني تتخذون أثاثا. الأثاث. متاع ~~البيت الكبير، وأصله من أث إذا كثر وتكاثف، وقيل للمال أثاث إذا كثر. قال ~~ابن عباس: أثاثا يعني مالا: وقال مجاهد: متاعا. وقال القتيبي: الأثاث ~~المال ms2027 أجمع من الإبل والغنم والعبيد والمتاع. وقال غيره الأثاث هو متاع ~~البيت من الفرش والأكسية ونحو ذلك { ومتاعا } يعني وبلاغا وهو ما ~~يتمتعون به { إلى حين } يعني إلى حين يبلى ذلك الأثاث، وقيل: إلى حين ~~الموت. فإن قلت: أي فرق بين الأثاث والمتاع حتى ذكره بواو العطف، والعطف ~~يوجب المغايرة فهل من فرق؟. قلت: الأثاث ما كثر من آلات البيت وحوائجه ~~وغير ذلك فيدخل فيه جميع أصناف المال، والمتاع ما ينتفع به في البيت خاصة ~~فظهر الفرق بين اللفظتين، والله أعلم. ### || [16.81-88] # { والله جعل لكم مما خلق ظلالا } يعني جعل لكم ما تستظلون به من شدة ~~الحر والبرد، وهي ظلال الأبنية والجدران والأشجار { وجعل لكم من الجبال ~~أكنانا } جمع كن وهو ما يستكن فيه من شدة الحر والبرد، كالأسراب ~~والغيران ونحوها وذلك لأن الإنسان إما أن يكون غنيا أو فقيرا، فإذا ~~سافر احتاج في سفره ما يقيه من شدة الحر والبرد فأما الغني فيستصحب معه ~~الخيام في سفره، ليستكن فيها وإليه الإشاره بقوله { وجعل لكم من جلود ~~الأنعام بيوتا } وأما الفقير فيستكن في ظلال الأشجار والحيطان والكهوف ~~ونحوها، وإليه الإشارة بقوله والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من ~~الجبال أكنانا ولأن بلاد العرب شديدة الحر، وحاجتهم إلى الضلال وما يدفع ~~شدته وقوته أكثر فلهذا السبب ذكر الله هذه المعاني في معرض الامتنان ~~عليهم بها، لأن النعمة عليهم فيها ظاهرة { وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر } ~~يعني وجعل لكم قمصا وثيابا من القطن والكتان والصوف وغير ذلك، تمنعكم ~~من شدة الحر قال أهل المعاني والبرد فاكتفى بذكر أحدهما لدلالة الكلام ~~عليه { وسرابيل تقيكم بأسكم } يعني الدروع والجواشن وسائر ما يلبس في ~~الحرب من السلاح، والبأس الحرب يعني تقيكم في بأسكم السلاح أن يصيبكم. ~~قال عطاء الخراساني: إنما نزل القرآن على قدر معرفتهم فقال تعالى وجعل ~~لكم من الجبال أكنانا، وما جعله لهم من السهول أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا ~~أصحاب جبال كما قال ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها وما جعل لهم من ms2028 القطن ~~والكتاب أكثر، ولكن كانوا أصحاب صوف ووبر وشعر، وكما قال تعالى { وينزل ~~من السماء من جبال فيها من برد } وما أنزل من الثلج أكثر، ولكنهم كانوا ~~لا يعرفون الثلج وقال تقيكم الحر وما جعل لهم مما يقي من البرد أكثر ~~ولكنهم كانوا أصحاب حر. وقوله سبحانه وتعالى { كذلك } يعني كما أنعم ~~عليكم بهذه النعم { يتم نعمته عليكم } يعني نعم الدنيا والدين { لعلكم ~~تسلمون } يعني لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الوحدانية والربوبية والعبادة ~~والطاعة وتعلمون، أنه لا يقدر على هذه الإنعامات إلا الله تعالى { فإن ~~تولوا } يعني فإن أعرضوا عن الإيمان بك وتصديقك يا محمد وآثروا ما هم فيه ~~من الكفر واللذات الدنيوية، فإنما وبال ذلك عليهم لا عليك { فإنما عليك ~~البلاغ المبين } يعني ليس عليك في ذلك عتب، ولا سمة تقصير إنما عليك ~~البلاغ، وقد فعلت ذلك ثم ذمهم الله تعالى بقوله { يعرفون نعمة الله ثم ~~ينكرونها } قال السدي: نعمة الله يعني محمدا صلى الله عليه وسلم أنكروه ~~وكذبوه. وقيل: نعمة الله هي الإسلام لأنه من أعظم النعم التي أنعم الله ~~بها على عباده، ثم إن كفار مكة أنكروه وجحدوه، وقال مجاهد وقتادة: نعمة ~~الله ما عدد عليهم في هذه السورة من النعم يقرون بأنها من الله، ثم إذا ~~قيل لهم: صدقوا وامتثلوا أمر الله فيها ينكرونها ويقولون ورثناها عن ~~آبائنا. # وقال الكلبي: إنه لما ذكر هذه النعم قالوا: هذه نعم كلها من الله تعالى ~~لكنهم بشفاعة آلهتنا وقيل هو قول الرجل لولا فلان لكان كذا ولولا فلان ~~لما كان كذا وقيل إنهم يعترفون بأن الله أنعم بهذه النعم، ولكنهم لا ~~يستعملونها في طلب رضوانه ولا يشكرونه عليها { وأكثرهم الكافرون } إنما ~~قال الله سبحانه وتعالى أكثرهم الكافرون مع أنهم كانوا كلهم كافرين، لأنه ~~كان فيهم من لم يبلغ بعد حد التكليف فعبر بالأكثر عن البالغين، وقيل: ~~أراد بالأكثر الكافرين الحاضرين المعاندين، وقد كان فيهم من ليس بمعاند ~~وإن كان كافرا وقيل إنه عبر بالأكثر عن الكل لأنه قد ms2029 يذكر الأكثر، ويراد ~~به الجمع قوله سبحانه وتعالى { ويوم نبعث من كل أمة شهيدا } لما ذكر ~~الله سبحانه وتعالى نعمه على الكافرين وإنكارهم لها، وذكر أن أكثرهم ~~كافرون، أتبعه بذكر الوعيد لهم في الآخرة فقال تعالى: { ويوم نبعث من كل ~~أمة شهيدا } يعني رسولا وذلك اليوم، هو يوم القيامة والمراد بالشهداء: ~~الأنبياء يشهدون على أممهم بإنكار نعم الله عليهم وبالكفر { ثم لا يؤذن ~~للذين كفروا } يعني في الاعتذار وقيل لا يؤذن لهم في الكلام أصلا. وقيل ~~لا يؤذن لهم بالرجوع إلى دار الدنيا فيعتذروا ويتوبوا وقيل: لا يؤذن لهم ~~في معارضة الشهود بل يشهدون عليهم ويقرونهم على ذلك { ولا هم يستعتبون } ~~الاستعتاب: طلب العتاب، والمعتبة: هي الغلظة والموجدة التي يجدها الإنسان ~~في نفسه على غيره، والرجل إنما يطلب العتاب من خصمه ليزيل ما في نفسه ~~عليه من الموجدة والغضب، ويرجع إلى الرضا عنه وإذ لم يطلب العتاب منه دل ~~ذلك على أنه ثابت على غضبه عليه، ومعنى الآية: أنهم لا يكلفون أن يرضوا ~~ربهم في ذلك اليوم، لأن الآخرة ليست دار غضبه عليه، ومعنى الآية أنهم لا ~~يكلفون أن يرضوا ربهم في ذلك اليوم لأن الآخرة ليست دار تكليف ولا يرجعون ~~إلى الدنيا فيتوبوا ويرجعوا يرضوا ربهم فالاستعتاب: التعرض لطلب الرضا، ~~وهذا باب مسند على الكفار في الآخرة { وإذا رأى الذين ظلموا } يعني ظلموا ~~أنفسهم بالكفر والمعاصي { العذاب } يعني عذاب جهنم { فلا يخفف عنهم } ~~يعني العذاب { ولا هم ينظرون } يعني لا يؤخرون ولايمهلون { وإذا رأى ~~الذين أشركوا } يعني يوم القيامة { شركاءهم } يعني أصنامهم التي كانوا ~~يعبدونها في الدنيا { قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك } ~~يعني أربابا وكنا نعبدهم ونتخذهم آلهة { فألقوا } يعني الأصنام { إليهم ~~} يعني إلى عابديها { القول إنكم لكاذبون } يعني أن الأصنام قالت للكفار: ~~إنكم لكاذبون يعني في تسميتنا آلهة وما دعوناكم إلى عبادتنا. # فإن قلت: الأصنام جماد لا تتكلم فكيف يصح منها الكلام؟. قلت: لا يبعد أن ~~الله سبحانه وتعالى لما بعثها، وأعادها في الآخرة، ms2030 خلق فيها الحياة ~~والنطق والعقل حتى قالت ذلك. والمقصود من إعادتها وبعثها، أن تكذب الكفار ~~ويراها الكفار وهي في غاية الذلة والحقارة، فيزدادون بذلك غما وحسرة { ~~وألقوا } يعني المشركين { إلى الله يؤمئذ السلم } يعني أنهم استسلموا له، ~~وانقادوا لحكمه فيهم ولم تغن عنهم آلهتهم شيئا { وضل عنهم } يعني وزال ~~عن المشركين { ما كانوا يفترون } يعني ما كانوا يكذبون في الدنيا في ~~قولهم، إن الأصنام تشفع لهم { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } يعني ~~ضموا مع كفرهم أنهم منعوا الناس عن الدخول في الإيمان بالله ورسوله { ~~زدناهم عذابا فوق العذاب } يعني زدناهم هذه الزيادة بسبب صدهم عن سبيل ~~الله مع ما يستحقونه من العذاب على كفرهم الأصلي، واختلفوا في هذه ~~الزيادة ما هي فقال عبد الله بن مسعود: عقارب لها أنياب، كأمثال النخل ~~الطوال. وقال سعيد بن جبير: حيات كالبخت وعقارب أمثال البغال، تلسع ~~إحداهن اللسعة، فيجد صاحبها ألمها أربعين خريفا. وقال ابن عباس ومقاتل: ~~يعني خمسة أنهار من صفر مذاب كالنار تسيل يعذبون بها ثلاثة على مقدار ~~الليل واثنان على مقدار النهار، وقيل: إنهم يخرجون من حر النار إلى برد ~~الزمهرير فيبادرون من شدة الزمهرير إلى النار مستغيثين بها وقيل: يضاعف ~~لهم العذاب ضعفا بسبب كفرهم وضعفا بسبب صدهم الناس عن سبيل الله { بما ~~كانوا يفسدون } يعني أن الزيادة إنما حصلت لهم بسبب صدهم عن سبيل الله، ~~وبسبب ما كانوا يفسدون مع ما يستحقونه من العذاب على الكفر. ### || [16.89-97] # { ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم } قال ابن عباس: يريد الأنبياء. قال ~~المفسرون: كل نبي شاهد على أمته وهو أعدل شاهد عليها { من أنفسهم } يعني ~~منهم لأن كل نبي إنما بعث من قومه الذين بعث إليهم ليشهدوا عليهم وبما ~~فعلوا من كفر وإيمان وطاعة وعصيان { وجئنا بك } يا محمد { شهيدا على ~~هؤلاء } يعني على قومك وأمتك وتم الكلام هنا ثم قال تبارك وتعالى { ~~ونزلنا عليك الكتاب } يعني القرآن { تبيانا لكل شيء } اسم من البيان قال ~~مجاهد: يعني لما أمر به ms2031 وما نهى عنه. وقال أهل المعاني: تبيانا لكل شيء ~~يعني من أمور الدين إما بالنص عليه أو بالإحالة على ما يوجب العلم به من ~~بيان النبي صلى الله عليه سلم لأن النبي صلى الله عليه سلم بين ما في ~~القرآن من الأحكام والحدود والحلال والحرام، وجميع المأمورات والمنهيات ~~وإجماع الأمة فهو أيضا أصل ومفتاح لعلوم الدين { وهدى } يعني من الضلالة ~~{ ورحمة } يعني لمن آمن به وصدقه { وبشرى للمسلمين } يعني وفيه بشرى ~~للمسلمين من الله عز وجل. وقوله سبحانه وتعالى { إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان } قال ابن عباس: العدل شهادة أن لا إله إلا الله والإحسان أداء ~~الفرائض. وفي رواية عنه قال: العدل خلع الأنداد، والإحسان أن تعبد الله ~~كأنك تراه وأن تحب للناس ما تحب لنفسك إن كان مؤمنا تحب أن يزداد ~~إيمانا، وإن كان كافرا تحب أن يكون أخاك في الإسلام. وقال في رواية ~~أخرى عنه: العدل التوحيد والإحسان الإخلاص، وأصل العدل في اللغة المساواة ~~في كل شيء من غير زيادة في شيء ولا غلو ولا نقصان فيه، ولا تقصير فالعدل ~~هو المساواة في المكافأة إن خيرا فخير، وإن شرا فشر والإحسان أن تقابل ~~الخير بأكثر منه والشر بأن تعفوا عنه: وقيل: العدل الإنصاف ولا إنصاف ~~أعظم من الاعتراف للمنعم بإنعامه، والإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، ~~وقيل يأمر بالعدل في الأفعال والإحسان في الأقوال فلا يفعل إلا ما هو ~~عدل، ولا يقول إلا ماهو حسن { وإيتاء ذي القربى } يعني ويأمر بصلة الرحم ~~وهم القرابة الأدنون والأبعدون منك فيستحب أن تصلهم من فضل ما رزقك الله ~~فإن لم يكن لك فضل فدعاء حسن وتودد { وينهى عن الفحشاء } قال ابن عباس: ~~يعني الزنا. وقال غيره الفحشاء، وما قبح من القول والفعل فيدخل فيه الزنا ~~وغيره من جميع الأقوال والأفعال المذمومة { والمنكر } قال ابن عباس: يعني ~~الشرك والكفر. وقال غيره: المنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة { والبغي } ~~يعني الكبر والظلم. وقيل: البغي هو التطاول على الغير على سبيل ms2032 الظلم ~~والعدوان. # قال بعضهم: إن أعجل المعاصي البغي ولو أن جبلين بغى أحدهما على الآخر ~~لدك الباغي. وقال ابن عيينة في هذه الآية: العدل استواء السر والعلانية، ~~والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته والفحشاء والمنكر البغي، أن ~~تكون علانتيه أحسن من سريريته، وقال بعضهم: إن الله سبحانه وتعالى ذكر من ~~المأمورات ثلاثة أشياء، ومن المنهيات ثلاثة أشياء، فذكر: العدل وهو ~~الإنصاف، والمساواة في الأقوال والأفعال وذكر في مقابلته الفحشاء، وهي ما ~~قبح من الأقوال والأفعال وذكر الإحسان، وهو أن تعفو عمن ظلمك وتحسن إلى ~~من أساء إليك وذكر في مقابلته المنكر، وهو أن تنكر إحسان من أحسن إليك، ~~وذكر إيتاء ذي القربى والمراد به صلة القرابة والتودد إليهم، والشفقة ~~عليهم وذكر في مقابلته البغي، وهو أن يتكبر عليهم أو بظلمهم حقوقهم ثم ~~قال تعالى { يعظكم لعلكم تذكرون } يعني إنما أمركم بما أمركم به ونهاكم ~~عما نهاكم عنه، لكي تتعظوا وتتذكروا فتعملوا، بما فيه رضا الله تعالى. ~~قال ابن مسعود: إن أجمع آية في القرآن لخير وشر هذه الآية. وقال أهل ~~المعاني: لما قال الله تعالى في الآية الأولى، ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شيء بين في هذه الآية المأمور به والمنهي عنه على سبيل ~~الإجمال، فما من شيء يحتاج إليه الناس في أمر دينهم، مما يجب أن يؤتى أو ~~يترك إلا وقد اشتملت عليه هذه الآية وروى عكرمة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قرأ على الوليد بن المغيرة أن الله يأمر بالعدل إلى آخر الآية، ~~فقال له: " يا ابن أخي أعد علي " فأعادها عليه فقال له الوليد: والله إن ~~له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وما هو بقول ~~البشر. قوله عز وجل { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } لما ذكر الله سبحانه ~~وتعالى في الآية المتقدمة المأمورات والمنهيات على سبيل الإجمال، ذكر هذه ~~الآية بعض ذلك الإجمال على التفصيل فبدأ بالأمر بالوفاء بالعهد، لأنه آكد ~~الحقوق فقال تعالى { وأفوا بعهد الله إذا عاهدتم } نزلت ms2033 في الذين بايعوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فأمرهم بالوفاء بهذه البيعة، ~~وقيل: المراد منه كل ما يلتزمه الإنسان باختياره، ويدخل فيه الوعد أيضا ~~لأن الوعد من العهد، وقيل: العهد هاهنا اليمين. قال القتيبي: العهد يمين ~~وكفارته كفارة يمين فعلى هذا يجب الوفاء إذا كان فيه صلاح أما إذا لم يكن ~~فيه صلاح، فلا يجب الوفاء به لقوله صلى الله عليه وسلم: # " من حلف يمينا ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن ~~يمينه " # فيكون قوله وأفوا بعهد الله من العام الذي خصصته السنة. وقال مجاهد ~~وقتادة: نزلت في حلف أهل الجاهلية، ويشهد لهذا التأويل قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " كل حلف كان في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدة " # { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } يعني تشديدها فتحنثوا فيها وفيه ~~دليل على أن المراد بالعهد غير اليمين لأنه أعم منها { وقد جعلتم الله ~~عليكم كفيلا } يعني شهيدا بالوفاء بالعهد { إن الله يعلم ما تفعلون } ~~يعني من وفاء العهد ونقضه ثم ضرب الله سبحانه وتعالى مثلا لنقض العهد ~~فقال تعالى { ولا تكونوا } يعني في نقض العهد { كالتي نقضت غزلها من بعد ~~قوة } يعني من بعد إبرامه وإحكامه. قال الكلبي ومقاتل: هذه امرأة من قريش ~~يقال لها ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد مناة بن تميم وكانت خرقاء ~~حمقاء بها وسوسة، وكانت قد اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل الإصبع ~~وفلكه عظيمة على قدرها، وكانت تغزل الغزل من الصوف، أو الشعر أو الوبر ~~وتأمر جواريها بالغزل فكن يغزلن من الغداة إلى نصف النهار، فإذا انتصف ~~النهار أمرتهن بنقض جميع ما غزلن، فكان هذا دأبها. والمعنى: أن هذه ~~المرأة، لم تكف عن العمل ولا حين عملت كفت عن النقض فكذلك من نقض العهد ~~لا تركه ولا حين عاهد وفى به { أنكاثا } جمع نكث وهو ما ينقض من الغزل ~~أو الحبل بعد القتل { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } يعني دغلا وخيانة ~~وخديعة والدخل ما يدخل في ms2034 الشيء على سبيل الفساد، وقيل: الدخل والدغل أن ~~يظهر الرجال الوفاء بالعهد ويبطن نقضه { أن تكون } يعني لأن تكون { أمة ~~هي أربى من أمة } يعني أكثر وأعلى من أمة. قال مجاهد: وذلك أنهم كانوا ~~يحالفون الحلفاء فإذا وجدوا قوما أكثر من أولئك وأعز نقضوا حلف هؤلاء، ~~وحالفوا الأكثر. والمعنى: أنكم طلبتم العز بنقض العهد لأن كانت أمة أي ~~جماعة أكثر من جماعة فنهاهم الله عن ذلك، وأمرهم بالوفاء بالعهد لمن ~~عاهدوا وحالفوا، { إنما يبلوكم الله به } يعني يختبركم بما أمركم به من ~~الوفاء بالعهد وهو أعلم بكم { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه ~~تختلفون } يعني في الدنيا فيثيب الطائع المحق، ويعاقب المسيء الخالف قوله ~~سبحانه وتعالى { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } يعني على ملة واحدة ~~ودين واحد، وهو دين الإسلام { ولكن يضل من يشاء } يعني بخذلانه إياه ~~عدلا منه { ويهدي من يشاء } بتوفيقه إياه فضلا منه وذلك مما اقتضته ~~الحكمة الإلهية لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، وهو قوله تعالى { ولتسألن ~~عما كنتم تعملون } يعني في الدنيا فيجازى المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء ~~بإساءته أو يغفر له. قوله عز وجل { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم } ~~يعني خديعة وفسادا بينكم فتغروا بها الناس فيسكنوا إلى أيمانكم، ويأمنوا ~~إليكم ثم تنقضونها. وإنما كرر هذا المعنى تأكيدا عليهم وإظهارا لعظم ~~أمر نقض العهد. # قال المفسرون: وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الإسلام نهاهم عن نقض عهده، لأن الوعيد الذي بعده وهو قوله سبحانه ~~وتعالى: فنزل قدم بعد ثبوتها لا يليق بنقض عهد غيره، إنما يليق بنقض عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإيمان به وبشريعته وقوله { فتزل قدم ~~بعد ثبوتها } مثل يذكر لكل من وقع في بلاء ومحنة بعد عافية ونعمة أو سقط ~~في ورطة بعد سلامة. تقول العرب لكل واقع في بلاء بعد عافية: زلت قدمه، ~~والمعنى: فتزل أقدامكم عن محجة الإسلام، بعد ثبوتها عليها { وتذوقوا ~~السوء } يعني العذاب { بما صددتم عن سبيل ms2035 الله } يعني بسبب صدكم غيركم عن ~~دين الله وذلك لأن من نقض العهد، فقد علم غيره نقض العهد فيكون هو أقدمه ~~على ذلك { ولكم عذاب عظيم } يعني بنقضكم العهد { ولا تشتروا بعهد الله ~~ثمنا قليلا } يعني ولا تنقضوا عهودكم وتطلبوا بنقضها عوضا من الدنيا ~~قليلا، ولكن أوفوا بها { إنما عند الله } يعني فإن ما عند الله من ~~الثواب لكم على الوفاء بالعهد { هو خير لكم } يعني من عاجل الدنيا { إن ~~كنتم تعلمون } يعني فضل ما بين العوضين ثم بين ذلك فقال تبارك وتعالى { ~~ما عندكم ينفد } يعني من متاع الدنيا، ولذاتها يفنى ويذهب { وما عند الله ~~باق } يعني من ثواب الآخرة ونعيم الجنة { ولنجزين الذين صبروا } يعني على ~~الوفاء بالعهد على السراء والضراء { أجرهم } يعني ثواب صبرهم { بأحسن ما ~~كانوا يعملون } عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ~~ما يفنى " # وقوله سبحانه وتعالى { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } فإن ~~قلت: من عمل صالحا يفيد العموم فما فائدة الذكر والأنثى؟ قلت: هو مبهم ~~صالح على الإطلاق للنوعين إلا أنه إذا ذكر وأطلق، كان الظاهر تناوله ~~للذكر دون الأنثى فقيل من ذكر أو أنثى على التبيين، ليعلم الوعد للنوعين ~~جميعا وجواب آخر وهو أن الآية واردة بالوعد بالثواب والمبالغة في تقرير ~~الوعد، من أعظم دلائل الكرم والرحمة إثباتا للتأكد وإزالة لوهم ~~التخصيص وقوله: وهو مؤمن، جعل الإيمان شرطا في كون العمل الصالح موجبا ~~للثواب { فلنحيينه حياة طيبة } قال سعيد بن جبير وعطاء: هي الرزق الحلال، ~~وقال مقاتل: هي العيش في الطاعة، وقيل: هي حلاوة الطاعة. وقال الحسن هي ~~القناعة وقيل رزق يوم بيوم، واعلم أن عيش المؤمن في الدنيا، وإن كان ~~فقيرا أطيب من عيش الكافر وإن كان غنيا لأن المؤمن لما علم أن رزقه من ~~عند الله، وذلك بتقديره وتدبيره وعرف أن الله محسن كريم متفضل لا يفعل ms2036 ~~إلا الصواب، فكان المؤمن راضيا عن الله وراضيا بما قدره الله له ورزقه ~~إياه، وعرف أنه له مصلحة في ذلك القدر الذي رزقه إياه فاستراحت نفسه من ~~الكد والحرص فطاب عيشه بذلك وأما الكافر أو الجاهل بهذه الأصول الحريص ~~على طلب الرزق فيكون أبدا في حزن وتعب وعناء وحرص وكد ولا ينال من الرزق ~~إلا ما قدر له فظهر بهذا أن عيش المؤمن القنوع أطيب من غيره. # وقال السدي: الحياة الطيبة إنما تحصل في القبر لأن المؤمن يستريح بالموت ~~من نكد الدنيا وتعبها. وقال مجاهد وقتادة: في قوله فلنحيينه حياة طيبة هي ~~الجنة. وروى العوفي عن الحسن، قال: لا تطيب لأحد الحياة إلا في الجنة ~~لأنها حياة بلا موت، وغنى بلا فقر وصحة بلا سقم وملك بلا هلك وسعادة بلا ~~شقاوة، فثبت بهذا أن الحياة الطيبة لا تكون إلا في الجنة، ولقوله في سياق ~~الآية { ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } لأن ذلك الجزاء إنما ~~يكون في الجنة. ### || [16.98-102] # قوله عز وجل: { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } ~~الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه غيره من أمته، لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما كان غير محتاج إلى الاستعاذة، وقد أمر بها فغيره ~~أولى بذلك، ولما كان الشيطان ساعيا في إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم ~~وكانت الاستعاذة بالله مانعة من ذلك، فلهذا السبب أمر الله رسوله صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين بالاستعاذة عند القراءة، حتى تكون مصونة من ~~وسواس الشيطان عن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي صلاة، قال عمر: ولا أدري أي صلاة هي. قال: الله أكبر كبيرا ثلاثا ~~والحمد لله كثيرا ثلاثا وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثا وأعوذ بالله ~~من الشيطان الرجيم من نفخته ونفثته وهمزته. قال: نفخته الكبر ونفثته ~~السحر وهمزته المونة أخرجه أبو داود. المونة الجنون والفاء في قوله ~~فاستعذ بالله للتعقيب. فظاهر لفظ الآية يدل على أن الاستعاذة بعد ~~القراءة، وإليه ذهب جماعة ms2037 من الصحابة والتابعين وهو قول أبي هريرة وإليه ~~ذهب مالك وجماعة وداود الظاهري. قالوا: لأن قارىء القرآن يستحق ثوابا ~~عظيما وربما حصلت الوساوس في قلب القارىء هل حصل له ذلك الثواب أم لا؟ ~~فإذا استعاذ بعد القراءة اندفعت تلك الوساوس وبقي الثواب مخلصا فأما ~~مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة وفقهاء ~~الأمصار، فقد اتفقوا على أن الاستعاذة مقدمة على القراءة، قالوا: ومعنى ~~الآية إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله ومثله قوله سبحانه وتعالى # إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم # [المائدة: 6] الخ ومثله من الكلام إذا أردت أن تأكل فقل: بسم الله وإذا ~~أردت أن تسافر فتأهب، وأيضا فإن الوسوسة إنما تحصل في أثناء القراءة ~~فتقديم الاستعاذة على القراءة، لتذهب الوسوسة عنه أولى من تأخيرها عن وقت ~~الحاجة إليها، ومذهب عطاء أنه تجب الاستعاذة عند قراءة القرآن سواء كانت ~~في الصلاة أو في غيرها، واتفق سائر الفقهاء على أن الاستعاذة عند قراءة ~~القرآن سواء كانت في الصلاة أو في غيرها، واتفق سائر الفقهاء على أن ~~الاستعاذة سنة في الصلاة وغيرها، وقد تقدمت هذه المسألة والخلاف فيها في ~~أول سورة الفاتحة، والاستعاذة: الاعتصام بالله والالتجاء إليه من شر ~~الشيطان ووسوسته. والمراد من الشيطان إبليس. وقيل: هو اسم جنس يطلق على ~~المردة من الشياطين، لأن لهم قدرة على إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم ~~بإقدار الله إياهم على ذلك { إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون } لما أمر الله رسوله صلى الله عليه سلم بالاستعاذة من الشيطان ~~فكأن ذلك أوهم أن له سلطان يعني ليس له قدرة، ولا ولاية على الذين آمنوا، ~~وعلى ربهم يتوكلون، قال سفيان ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا ~~يغفر ويظهر من هذا أن الاستعاذة، إنما تفيد إذا حضر بقلب الإنسان كونه ~~ضعيفا، وأنه لا يمكنه التحفظ من وسوسة الشيطان إلا بعصمة الله ولهذا قال ~~المحققون: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة ms2038 الله ~~إلا بتوفيق الله ثم قال تعالى { إنما سلطانه على الذين يتولونه } يعني ~~يطيعونه ويدخلون في ولايته، يقال: توليته إذا أطعته وتوليت عنه إذا أعرضت ~~عنه { والذين هم به مشركون } يعني بالله، وقيل: الضمير في به راجع إلى ~~الشيطان، والمعنى هم من أهله مشركون بالله وقوله سبحانه وتعالى { وإذا ~~بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل } وذلك أن المشركين من أهل مكة ~~قالوا: إن محمدا يسخر بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا، ماهو ~~إلا مفتر يتقوله من تلقاء نفسه فأنزل الله هذه الآية. # والمعنى: وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكما آخر والله أعلم بما ~~ينزل اعتراض دخل في الكلام، والمعنى والله أعلم بما ينزل من الناسخ وبما ~~هو أصلح لخلقه، وبما يغير ويبدل من أحكامه أي هو أعلم بجميع ذلك مما هو ~~من مصالح عباده، وهذا نوع من توبيخ وتقريع للكفار على قولهم للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو قوله تعالى { قالوا إنما أنت مفتر } أي تختلقه من ~~عندك، والمعنى: إذا كان الله تعالى أعلم بما ينزل فما بالهم ينسبون ~~محمدا إلى الافتراء والكذب لأجل التبديل والنسخ؟ وإنما فائدة ذلك ترجع ~~إلى مصالح العباد، كما يقال: إن الطبيب يأمر المريض بشرب دواء ثم بعد ذلك ~~ينهاه عنه ويأمر بغيره لما يرى فيه من المصلحة { بل أكثرهم لا يعلمون } ~~يعني لا يعلمون فائدة الناسخ وتبديل النسوخ { قل } أي قل لهم يا محمد { ~~نزله } يعني القرآن { روح القدس } يعني جبريل صلى الله عليه وسلم أضيف ~~إلى القدس وهو الطهر كما يقال حاتم الجود وطلحة الخير، والمعنى الروح ~~المقدس المطهر { من ربك } يعني أن جبريل نزل بالقرآن من ربك يا محمد { ~~بالحق ليثبت الذين آمنوا } يعني ليثبت بالقرآن قلوب المؤمنين فيزدادوا ~~إيمانا ويقينا { وهدى وبشرى } يعني وهو هدى وبشرى { للمسلمين }. ### || [16.103-105] # قوله عزو جل: { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر } وذلك أن كفار ~~مكة قالوا: إنما يتعلم هذه القصص وهذه الأخبار من إنسان آخر وهو آدمي ~~مثله، وليس هو ms2039 من عند الله كما يزعم فأجابهم الله بقوله ولقد نعلم أنهم ~~يقولون: إنما يعلمه بشر واختلفوا في ذلك البشر من هو فقال ابن عباس: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قينا بمكة اسمه بلعام وكان نصرانيا ~~أعجمي اللسان فكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ~~ويخرج من عنده، فكانوا يقولون إنما يعلمه بلعام. وقال عكرمة: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقرىء غلاما لبني المغيرة يقال له يعيش فكان ~~يقرأ الكتب؟ فقالت قريش: إنما يعلمه يعيش، وقال محمد بن إسحاق: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني كثيرا ما يجلس عند المروة إلى غلام ~~رومي نصراني عبد لبعض بني الحضرمي يقال له: جبر وكان يقرأ الكتب. وقال ~~عبيد الله بن مسلمة: كان لنا عبدان من أهل عين التمر يقال لأحدهما: يسار ~~ويكنى أبا فكيهة، ويقال للآخر: جبر وكانا يصنعان السيوف بمكة، وكانا ~~يقرآن التوراة والإنجيل بمكة فربما مر بهما النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهما يقرآن فيقف ويستمع قال الضحاك: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا آذاه الكفار يقعد إليهما فيتروح بكلامهما، فقال المشركون إنما يتعلم ~~محمد منهما. وقال الفراء: قال المشركون إنما يتعلم محمد من عائش المملوك ~~كان لحويطب بن عبد العزى كان نصرانيا، وقد أسلم وحسن إسلامه وكان ~~أعجميا، وقيل: هو عداس غلام عتبة بن ربيعة، والحاصل أن الكفار اتهموا ~~رسول الله صلى الله عليه سلم وقالوا إنما يتعلم هذه الكلمات من غيره ثم ~~إنه يضيفها لنفسه، ويزعم أنه وحي من الله عز وجل وهو كاذب في ذلك فأجاب ~~الله عنه، وأنزل هذه الآية تكذيبا لهم فيما رموا به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الكذب فقال تعالى { لسان الذي يلحدون إليه } يعني يميلون، ~~ويشيرون إليه { أعجمي } يعني هو أعجمي والأعجمي هو الذي لا يفصح في ~~كلامه، وإن كان يسكن البادية ومنه سمي زياد الأعجم لأنه كان في لسانه ~~عجمة مع أنه كان من العرب، والعجمي ms2040 منسوب إلى العجم، وإن كان فصيحا ~~بالعربية والأعرابي الذي يسكن البادية، والعربي الذي يسكن الأمصار من ~~بلاد العرب وهو منسوب إلى العرب { وهذا لسان عربي مبين } يعني بين ~~الفصاحة والبلاغة ووجه الجواب، هو أن الذي يشيرون إليه رجل أعجمي في ~~لسانه عجمة تمنعه من الإتيان بفصيح الكلام ومحمد صلى الله عليه وسلم ~~جاءكم بهذا القرآن الفصيح الذي عجزتم أنتم عنه، وأنتم أهل الفصاحة ~~والبلاغة، فكيف يقدر من هو أعجمي على مثله وأين فصاحة هذا القرآن من عجمة ~~هذا الذي يشيرون إليه، فثبت بهذا البرهان، أن جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم وحي أوحاه الله إليه وليس هو من تعليم الذي يشيرون إليه أسلم وحسن ~~إسلامه { إن الذين لا يؤمنون بآيات الله } يعني لا يصدقون أنه من عند ~~الله { لا يهديهم الله } يعني لا يرشدهم ولا يوفقهم للإيمان { إنما يفتري ~~الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } يعني إنما يقدم على فرية الكذب من لا ~~يؤمن بآيات الله فهو رد لقول كفار قريش إنما أنت مفتر { وأولئك هم ~~الكاذبون } يعني في قولهم، إنما يعلمه بشر لا محمد صلى الله عليه وسلم. # فإن قلت: قد قال تبارك وتعالى إنما يفترى الكذب فما معنى قوله تعالى ~~وأولئك هم الكاذبون والثاني هو الأول؟ قلت: قوله سبحانه وتعالى إنما ~~يفترى الكذب أخبار عن حال قولهم، وقوله: وأولئك الكاذبون نعت لازم لهم ~~كقول الرجل لغيره كذبت وأنت كاذب، أي كذبت في هذا القول ومن عادتك الكذب، ~~وفي الآية دليل على أن الكذب من أفحش الذنوب الكبار لأنه الكذاب المفتري، ~~هو الذي لا يؤمن بآيات الله. روى البغوي بإسناد الثعلبي # " عن عبد الله بن جراد قال: " قلت يا رسول الله، المؤمن يزني؟ قال: قد ~~يكون ذلك. قلت: المؤمن يسرق؟ قال: قد يكون ذلك. قلت: المؤمن يكذب قال: لا ~~قال الله تعالى إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله " ". ### || [16.106-117] # قوله تعالى: { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان } نزلت في عمار ms2041 بن ياسر وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسر وأمه ~~سمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم ليرجعوا عن الإسلام فأما ~~سمية أم عمار فإنها ربطت بين بعيرين ووجىء قلبها بحربة، فقتلت، وقتل ~~زوجها ياسر فهما أول قتيلين قتلا في الإسلام وأما عمار فإنه أعطاهم بعض ~~ما أرادوا بلسانه مكرها. قال قتادة أخذ بنو المغيرة عمار وغطوه في بئر ~~ميمون وقالوا له: اكفر بمحمد فبايعهم على ذلك وقلبه كاره، وأخبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن عمارا كفر. فقال # " كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ~~ودمه فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ما وراءك قال: شر يا رسول الله نلت منك وذكرت. فقال: ~~كيف وجدت قلبك قال: مطمئنا بالإيمان فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح ~~عينيه. وقال: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت " # فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد: نزلت في أناس من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم ~~بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن هاجروا إلينا فإنا لا نراكم منا ~~حتى تهاجروا، فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم عن ~~دينهم فكفروا كارهين، وهذا القول ضعيف لأن الآية مكية وكان هذا في أول ~~الإسلام قبل أن يؤمروا بالهجرة، وقال مقاتل: نزلت في جبر مولى عامر ابن ~~الحضرمي أكرهه سيده على الكفر، فكفر مكرها وقلبه مطمئن بالإيمان ثم أسلم ~~عامر بن الحضرمي مولى جبر، وحسن إسلامه وهاجر إلى المدينة والأولى أن ~~يقال إن الآية عامة في كل من أكره على الكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان، وإن ~~كان السبب خاصا. فإن قلت: المكره على الكفر ليس بكافر فلا يصح استثناؤه ~~من الكافر، فما معنى هذا الاستثناء لهذه المشابهة والمشاكلة والله أعلم. ~~فصل في حكم الآية قال العلماء: يجب أن يكون الإكراه الذي يجوز له أن ~~يتلفظ معه بكلمة الكفر أن يعذب بعذاب لا طاقة له به، مثل التخويف بالقتل ~~والضرب الشديد والإيلامات ms2042 القوية، مثل التحريق بالنار ونحوه. قال ~~العلماء: أول من أظهر الإسلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة: أبو ~~بكر وخباب وصهيب وبلال وعمار وأبوه ياسر وأمه سمية فأما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فمنعه الله من أذى المشركين بعمه أبي طالب وأما أبو بكر، ~~فمنعه قومه وعشيرته وأخذ الآخرون، وألبسوا أدراع الحديد وأجلسوا في حر ~~الشمس بمكة، فأما بلال فكانوا يعذبونه وهو يقول أحد أحد حتى اشتراه أبو ~~بكر وأعتقه وقتل ياسر وسمية كما تقدم. # وقال خباب: لقد أوقدوا لي نارا ما أطفأها إلا ودك ظهري. وأجمعوا على أن ~~من أكره على الكفر لا يجوز له أن يتلفظ بكلمة تصريحا بل يأتي بالمعاريض، ~~وبما يوهم أنه كفر، فلو أكره على التصريح يباح له ذلك بشرط طمأنينة القلب ~~على الإيمان غير معتقد، ما يقوله من كلمة الكفر ولو صبر حتى قتل كان أفضل ~~لأن ياسرا وسمية قتلا ولم يتلفظا بكملة الكفر، ولأن بلالا صبر على ~~العذاب ولم يلم على ذلك. قال العلماء: من الأفعال ما يتصور الإكراه عليها ~~كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، والميتة ونحوها فمن أكره بالسيف أو القتل ~~على أن يشرب الخمر أو يأكل الميتة أو لحم الخنزير أو نحوها، جاز له ذلك ~~لقوله تعالى { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } وقيل: لا يجوز له ذلك ولو ~~صبر كان أفضل، ومن الأفعال ما لا يتصور الإكراه عليه كالزنا لأن الإكراه ~~يوجب الخوف الشديد، وذلك يمنع انتشار الآلة فلا يتصور فيه الإكراه واختلف ~~العلماء في طلاق المكره، فقال الشافعي رضي الله تعالى عنه وأكثر العلماء: ~~لا يقع طلاق المكره. وقال أبو حنيفة: يقع. حجة الشافعي ومن وافقه قوله ~~سبحانه وتعالى: { لا إكراه في الدين } ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته، ~~لأن ذاته موجودة فوجب حمله على نفي آثاره والمعنى أنه لا أثر له ولا عبرة ~~به، وقوله تعالى { وقلبه مطمئن بالإيمان } فيه دليل على أن محل الإيمان ~~هو القلب { ولكن من شرح بالكفر صدرا } يعني فتحه ووسعه ms2043 لقبول الكفر ~~واختاره ورضي به { فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } يعني في الآخرة { ~~ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة } يعني يكون ذلك الإقدام ~~على الارتداد إلى الكفر، لأجل أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة { ~~وأن الله لا يهدي القوم الكافرين } يعني لا يرشدهم إلى الإيمان ولا ~~يوفقهم للعمل به { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم } ~~تقدم تفسيره { وأولئك هم الغافلون } يعني عما يراد بهم من العذاب في ~~الآخرة وهو قوله سبحانه وتعالى { لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون } ~~يعني أن الإنسان إنما يعمل في الدنيا، ليربح في الآخرة فإذا دخل النار ~~بان خسرانه وظهر غبنه لأنه ضيع رأس ماله، وهو الإيمان ومن ضيع رأس ماله ~~فهو خاسر. قوله عز وجل { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا } يعني ~~عذبوا ومنعوا من الدخول في الإسلام فتنهم المشركون { ثم جاهدوا وصبروا } ~~على الإيمان والهجرة والجهاد { إن ربك من بعدها } يعني من بعد الفتنة ~~التي فتنوها { لغفور رحيم } نزلت هذه الآية في عياش بن ربيعة وكان أخا ~~أبي جهل من الرضاعة، وقيل كان أخاه لأمه وفي أبي جندل بن سهيل بن عمرو ~~والوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام وعبد الله ابن أسد الثقفي ~~فتنهم المشركون، وعذبوهم فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم ثم إنهم ~~بعد ذلك هاجروا وجاهدوا. # وقال الحسن وعكرمة: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي سرح كان قد أسلم، ~~وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فاستنزله الشيطان، فارتد ولحق بدار ~~الحرب فلما كان يوم فتح مكة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله فاستجاره ~~عثمان، وكان أخاه لأمه فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن ~~إسلامه وهذا القول إنما يصح إذا قلنا: إن هذه الآية مدنية نزلت بالمدينة ~~فتكون من الآيات المدنيات في السور المكيات، والله أعلم بحقيقة ذلك قوله ~~سبحانه وتعالى { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } يعني تخاصم وتحتج عن ~~نفسها أي ms2044 بما أسلفت من خير وشر، واشتغلت بالمجادلة لا تتفرغ إلى غيرها. ~~فإن قلت: النفس هي نفس واحدة، وليس لها نفس أخرى فما معنى قوله كل نفس ~~تجادل عن نفسها؟ قلت: إن النفس قد يراد بها بدن الإنسان، وقد يراد بها ~~مجموع ذاته وحقيقته فالنفس الأولى هي مجموع ذات الإنسان وحقيقته والنفس ~~الثانية، هي بدنه فهي عينها وذاتها أيضا، والمعنى: يوم يأتي كل إنسان ~~يجادل عن ذاته، ولا يهمه غيره ومعنى هذه المجادلة الاعتذار بما لا يقبل ~~منه كقولهم والله ربنا ما كنا مشركين، ونحو ذلك من الاعتذارات { وتوفى كل ~~نفس ما عملت } يعني جزاء ما عملت في الدنيا من خير أو شر { وهم لا يظلمون ~~} يعني لا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئا، بل يوفون ذلك كاملا من غير ~~زيادة ولا نقصان. روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لكعب الأحبار: ~~خوفنا فقال يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لو وافيت القيامة بمثل عمل ~~سبعين نبيا، لأتت عليك ساعات وأنت لا يهمك إلا نفسك وإن جهنم لتزفر زفرة ~~ما يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه حتى إبراهيم خليل ~~الرحمن يقول: يا رب لا أسألك إلا نفسي، وإن تصديق ذلك فيما أنزل الله ~~تعالى يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها. وروىعكرمة عن ابن عباس في هذه ~~الآية قال: ما تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة حتى تخاصم الروح ~~الجسد، فتقول الروح: يا رب لم تكن لي أيد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها ~~ولا عين أبصر بها، ويقول الجسد: يا رب خلقتني كالخشبة، ليست لي يد أبطش ~~بها، ولا رجل أمشي بها ولا عين أبصر بها فجاء هذا الروح كشعاع النور فيه ~~نطق لساني، وبه أبصرت عيناي وبه مشت رجلاي فضرب الله لهما مثلا أعمى ~~ومقعد دخلا حائطا، يعني بستانا فيه ثمار فالأعمى لا يبصر الثمار ~~والمقعد لا يناله فحمل الأعمى المقعد فأصابا من الثمر فعليهما العذاب. # قوله عز وجل { وضرب الله مثلا قرية } المثل ms2045 عبارة عن قول في شيء يشبه ~~قولا من شيء آخر بينهما مشابهة، ليبين أحدهما الآخر ويصوره، وقيل: هو ~~عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أي معنى كان وهو أعم الألفاظ ~~الموضوعة للمشابهة، قال الإمام فخر الدين الرازي: المثل قد يضرب بشيء ~~موصوف بصفة معينة سواء، كان ذلك الشيء موجودا أو لم يكن وقد يضرب بشيء ~~موجود معين، فهذه القرية التي ضرب الله بها هذا المثل يحتمل أن تكون ~~شيئا مفروضا، ويحتمل أن تكون قرية معينة، وعلى التقدير الثاني فتلك ~~القرية يحتمل أن تكون مكة أو غيرها والأكثر من المفسرين على أنها مكة، ~~والأقرب أنها غير مكة لأنها ضربت مثلا لمكة ومثل مكة يكون غير مكة، وقال ~~الزمخشري في كتابه الكشاف: وضرب الله مثلا قرية أي جعل القرية التي هذه ~~حالها، مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا ~~فأنزل الله بهم نقمته، فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة، وأن تكون ~~في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها، فضرب الله مثلا لمكة إنذارا من ~~مثل عاقبتها وقال الواحدي: ضرب المثل ببيان المشبه والمشبه به، وهاهنا ~~ذكر المشبه به ولم يذكر المشبه لوضوحه عند المخاطبين، والآية عند عامة ~~المفسرين نازلة في أهل مكة وما امتحنوا به من الخوف والجوع بعد الأمن، ~~والنعمة بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم فتقدير الآية ضرب الله مثلا ~~لقريتكم أي بين الله لها شبها ثم قال: قرية فيجوز أن تكون القرية بدلا ~~من مثلا لأنها هي الممثل بها، ويجوز أن يكون المعنى ضرب الله مثلا، مثل ~~قرية فحذف المضاف هذا قول الزجاج والمفسرون كلهم قالوا: أراد بالقرية مكة ~~يعنون أنه أراد مكة في تمثيلها بقرية صفتها ما ذكر. وقال ابن الجوزي: في ~~هذه القرية قولان: أحدهما أنها مكة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والجمهور ~~وهو الصحيح، والثاني أنها قرية أوسع الله على أهلها حتى كانوا يستنجون ~~بالخبز فبعث الله عليهم الجوع، قاله الحسن. وأقول: هذه الآية نزلت ~~بالمدينة في قول مقاتل ms2046 وبعض المفسرين، وهو الصحيح لأن الله سبحانه وتعالى ~~وصف هذه القرية بصفات ستة كانت هذه الصفات موجودة في أهل مكة، فضربها ~~الله مثلا لأهل المدينة يحذرهم أن يصنعوا مثل صنيعهم، فيصيبهم ما أصابهم ~~من الجوع والخوف، ويشهد لصحة ما قلت إن الخوف المذكور في هذه الآية في ~~قوله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف هو البعوث والسرايا التي كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يبعثها في قول جميع المفسرين لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يؤمر بالقتال، وهو بمكة وإنما أمر بالقتال لما هاجر إلى ~~المدينة، فكان يبعث البعوث والسرايا إلى حول مكة يخوفهم بذلك، وهو ~~بالمدينة والله أعلم بمراده، وأما تفسير قوله تعالى: وضرب الله مثلا ~~قرية يعني مكة { كانت آمنة } يعني ذات أمن لا يهاج أهلها ولا يغار عليهم ~~{ مطمئنة } يعنى قارة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها للانتجاع كما ~~كان يحتاج إليه سائر العرب { يأتيها رزقها رغدا } يعني واسعا { من كل ~~مكان } يعني يحمل إليها الرزق والميرة من البر والبحر. # نظيره قوله سبحانه وتعالى تجبى إليه ثمرات كل شيء وذلك بدعوة إبراهيم ~~صلى الله عليه وسلم وهو قوله # وارزق أهله من الثمرات # [البقرة: 126] { فكفرت } يعني هذه القرية والمراد أهلها { بأنعم الله } ~~جمع نعمة والمراد بها سائر النعم التي أنعم الله بها على أهل مكة فلما ~~قابلوا نعم الله التي أنعم بها عليهم بالجحود والكفر، لا جرم أن الله ~~تعالى انتقم منهم فقال تعالى { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } وذلك أن ~~الله سبحانه وتعالى ابتلاهم بالجوع سبع سنين، فقطع عنهم المطر وقطعت عنهم ~~العرب الميرة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جهدوا فأكلوا العظام ~~المحرقة والجيف الكلاب والميتة والعهن، وهو الوبر يعالج بالدم ويخلط به ~~حتى يؤكل، حتى كان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع ثم إن ~~رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وقالوا: ما هذا ~~هبك عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان، فأذن رسول الله صلى الله ms2047 عليه ~~وسلم في حمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون. والخوف يعني خوف بعوث النبي ~~صلى الله عليه وسلم وسراياه التي كان يبعثها للإغارة فكانت تطيف بهم ~~وتغير على من حولهم من العرب فكان أهل مكة يخافونهم. فإن قلت: الإذاقة ~~واللباس استعارتان فما وجه صحتهما، والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس ~~المستعار فما وجه صحة إيقاعها عليه، وهو أن اللباس لايذاق بل يلبس، فيقال ~~كساهم الله لباس الجوع أو يقال فأذاقهم الله طعم الجوع قلت: قال صاحب ~~الكشاف: أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا ~~والشدائد، وما يمس الناس منها فيقولون ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه ~~العذاب شبه ما يدرك من أثر الضرر، والألم بما يدرك من طعم المر البشع ~~وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ما غشي الإنسان، والتبليس به ~~من بعض الحوادث وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف، فلأنه لما وقع ~~عبارة عما يغشى منهما ويلابس فكأنه قيل فأذاقهم ما غشيهم من الجوع ~~والخوف، ثم ذكر بعده من علم المعاني والبيان ما يشهد لصحة ما قال. وقال ~~الإمام فخر الدين الرازي: جوابه من وجوه، الأول، أن الأحوال التي حصلت ~~لهم عند الجوع نوعان: أحدهما أن المذوق هو الطعام فلما فقدوا الطعام ~~صاروا كأنهم يذوقون الجوع. # والثاني، أن ذلك الجوع كان شديدا كاملا فصار كأنه أحاط بهم من كل ~~الجهات فأشبه اللباس، والحاصل أنه حصل لهم في ذلك الجوع حالة تشبه ~~المذوق، وحالة تشبه الملبوس فاعتبر الله كلا الاعتبارين فقال فأذاقهما ~~الله لباس الجوع والخوف، الوجه الثاني: أن التقدير أن الله عرفها أثر ~~لباس الجوع والخوف إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة، وأصل ~~الذوق بالفم ثم قد يستعار فوضع موضع التعرف، وهو الاختبار تقول ناظر ~~فلانا وذاق ما عنده: # ومن يذق الدنيا فإني طعمتها وسيق إلينا عذبها ~~وعذابها # ولباس الجوع والخوف ما ظهر عليهم من الضمور، وشحوب اللون ونهكة البدن ~~وتغيير الحال وكسوف البال، كما تقول: تعرفت سوء أثر الجوع والخوف على ~~فلان، ms2048 كذلك يجوز أن تقول: ذقت لباس الجوع والخوف على فلان. الوجه الثالث: ~~أن يحمل لفظ الذوق واللبس على المماسة، فصار التقدير فأذاقها الله مساس ~~الجوع والخوف ثم قال تعالى { بما كانوا يصنعون } ولم يقل بما صنعت لأنه ~~أراد أهل القرية، والمعنى: فعلنا بهم ما فعلنا بسبب ما كانوا يصعنون وهذا ~~مثل أهل مكة لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عز وجل ~~عليهم بالنعمة العظيمة وهي إرسال محمد صلى الله عليه وسلم وهو منهم ~~فكفروا به وكذبوه وبالغوا في إيذائه، وأرادوا قتله فأخرجه الله من بينهم ~~وأمره بالهجرة إلى المدينة وسلط على أهل مكة البلاء والشدائد والجوع ~~والخوف كل ذلك بسبب تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخروجه من بين ~~أظهرهم. قوله سبحانه وتعالى { ولقد جاءهم } يعني أهل مكة { رسول منهم } ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم يعرفون نسبه، ويعرفونه قبل النبوة وبعدها ~~{ فكذبوه فأخذهم العذاب } يعني الجوع والخوف وقيل القتل يوم بدر، والقول ~~الأول أولى لما تقدم في الآية { وهم ظالمون } يعني كافرون { فكلوا مما ~~رزقكم الله } في المخاطبين بهذا قولان: أحدهما، أنهم المسلمون، وهو قول ~~جمهور المفسرين، والثاني، أنهم هم المشركون من أهل مكة. قال الكلبي: لما ~~اشتد الجوع بأهل مكة كلم رؤساؤهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~إنك إنما عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟ فأذن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يحملوا الطعام إليهم حكاه الواحدي وغيره والقول الأول هو ~~الصحيح. قال ابن عباس فكلوا يا معشر المؤمنين مما رزقكم الله يريد ~~الغنائم { حلالا طيبا } يعني أن الله سبحانه وتعالى أحل الغنائم لهذه ~~الأمة وطيبها لهم ولم تحل لأحد قبلهم { واشكروا نعمة الله } يعني التي ~~أنعم بها عليكم { إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور ~~رحيم } تقدم تفسير هذه الآية وأحكامها في سورة البقرة فلم نعده هنا، ~~وقوله تعالى { ولا تقولوا لما ms2049 تصف ألسنتكم الكذب } يعني ولا تقولوا لأجل ~~وصفكم الكذب { هذا حلال وهذا حرام } يعني أنكم تحلون وتحرمون لأجل الكذب ~~لا لغيره فليس لتحليلكم وتحريمكم معنى وسبب إلا الكذب فقط، فلا تفعلوا ~~ذلك. # قال مجاهد: يعني البحيرة والسائبة. وقال ابن عباس: يعني قولهم ما في ~~بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا، ومحرم على أزواجنا وذلك أن العرب في ~~الجاهلية كانوا يحلون أشياء ويحرمون أشياء من عند أنفسهم، وينسبون ذلك ~~إلى الله تعالى وهو قوله تعالى { لتفتروا على الله الكذب } يعني لا ~~تقولوا إن الله أمرنا بذلك فتكذبوا على الله لأن وصفهم الكذب هو افتراء ~~على الله ثم توعد المفترين للكذب فقال سبحانه وتعالى { إن الذين يفترون ~~على الله الكذب لا يفلحون } يعني: لا ينجون من العذاب، وقيل: لا يفوزون ~~بخير لأن الفلاح هو الفوز بالخير والنجاح ثم بين أن ما هم فيه من نعيم ~~الدنيا يزول عنهم عن قريب فقال تعالى { متاع قليل } يعني متاعهم في ~~الدنيا قليل فإنه لا بقاء له { ولهم عذاب إليم } يعني في الآخرة. ### || [16.118-123] # { وعلى الذين هادوا } يعني اليهود { حرمنا ما قصصنا عليك من قبل } يعني ~~ما سبق ذكره وبيانه في سورة الأنعام وهو قوله تعالى # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر # [الأنعام: 146] الآية { وما ظلمناهم } يعني بتحريم ذلك عليهم { ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون } يعني إنما حرمنا عليهم ما حرمنا بسبب بغيهم وظلمهم ~~أنفسهم ونظيره قوله تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم. وقوله تعالى { ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة } المقصود من هذه ~~الآية بيان فضل الله وكرمه وسعة مغفرته ورحمته، لأن السوء لفظ جامع لكل ~~فعل قبيح فيدخل تحته الكفر وسائر المعاصي وكل ما لا ينبغي وكل من عمل ~~السوء فإنما يفعله بجهالة، لأن العاقل لا يرضى بفعل القبيح فمن صدر عنه ~~فعل قبيح من كفر أو معصية، فإنما يصدر عنه بسبب جهله إما لجهله بقدر ما ~~يترتب عليه من العقاب أو لجهله بقدر من يعصيه، فثبت بهذا أن فعل ms2050 السوء ~~إنما يفعل بجهالة ثم إن الله تعالى وعد من عمل سوءا بجهالة ثم تاب، ~~وأصلح العمل في المستقبل أن يتوب عليه ويرحمه وهو قوله تعالى ثم تابوا من ~~بعد ذلك، يعني من بعد عمل ذلك السوء { وأصلحوا } يعني أصلحوا العمل في ~~المستقبل، وقيل معنى الإصلاح الاستقامة على التوبة { إن ربك من بعدها } ~~يعني من بعد عمل السوء بالجهالة والتوبة منه { لغفور } يعني لمن تاب وآمن ~~{ رحيم } يعني بجميع المؤمنين والتائبين. قوله سبحانه وتعالى { إن ~~إبراهيم كان أمة } حكى ابن الجوزي عن ابن الأنباري أنه قال: هذا مثل قول ~~العرب: فلان رحمة وفلان علامة ونسابة يقصدون بهذا التأنيث قصد التناهي في ~~المعنى الذي يصفونه به. والعرب توقع الأسماء المبهمة على الجماعة وعلى ~~الواحد كقوله تبارك وتعالى # فنادته الملائكة # [آل عمران: 39] وإنما ناداه جبريل وحده، وإنما سمي إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم أمة لأنه اجتمع فيه من صفات الكمال وصفات الخير الأخلاق ~~الحميدة ما اجتمع في أمة. ومنه قول الشاعر: # ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد # ثم للمفسرين في معنى اللفظة أقوال أحدها: قول ابن مسعود: الأمة معلم ~~الخير يعني أنه كان معلما للخير يأتم به أهل الدنيا. والثاني قال ~~مجاهد: إنه كان مؤمنا وحده والناس كلهم كفار فلهذا المعنى كان أمة واحدة ~~ومنه # " قوله صلى الله عليه وسلم في زيد بن عمرو بن نفيل " يبعثه الله أمة ~~واحدة " " # وإنما قال فيه المقالة لأنه كان فارق الجاهلية وما كانوا عليه من عبادة ~~الأصنام. والثالث قال قتادة: ليس من أهل دين إلا وهم يتلونه ويرضونه، ~~وقيل: الأمة فعلة بمعنى مفعولة، وهو الذي يؤتم به وكان إبراهيم عليه ~~السلام إماما يقتدى به دليله قوله سبحانه وتعالى # إني جاعلك للناس إماما # [البقرة: 124] وقيل إنه عليه السلام هو السبب الذي لأجله جعلت أمته ومن ~~تبعه ممتازين عمن سواهم بالتوحيد لله والدين الحق وهو من باب إطلاق ~~المسبب على السبب، وقيل: إنما سمي إبراهيم عليه السلام أمة لأنه قام مقام ~~أمة في عبادة ms2051 الله { قانتا لله } يعني مطيعا لله وقيل هو القائم بأوامر ~~الله { حنيفا } مسلما يعني مقيما على دين الإسلام لا يميل عنه ولا ~~يزول. وهو أول من اختتن وضحى، وأقام مناسك الحج { ولم يك من المشركين } ~~يعني أنه عليه السلام كان من الموحدين المخلصين من صغره إلى كبره { ~~شاكرا لأنعمه } يعني أنه كان شاكرا لله على أنعمه التي أنعم بها عليه { ~~اجتباه } أي اختاره لنبوته واصطفاه لخلته { وهداه إلى صراط مستقيم } يعني ~~هداه إلى دين الإسلام لأنه الصراط المستقيم والدين القويم { وآتيناه في ~~الدنيا حسنة } يعني الرسالة والخلة. وقيل: هي لسان الصدق والثناء الحسن ~~والقبول العام في جميع الأمم فإن الله حببه إلى جميع خلقه فكل أهل ~~الأديان يتلونه المسلمون واليهود والنصارى، ومشركو العرب وغيرهم، وقيل: ~~هو قول المصلي في التشهد: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم. وقيل إنه آتاه أولادا أبرارا على الكبر { ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين } يعني في أعلى مقامات الصالحين في الجنة. ~~وقيل: معناه وإنه في الآخرة لمن الصالحين يعني الأنبياء في الجنة فتكون ~~من بمعنى مع ولما وصف الله عز وجل إبراهيم عليه السلام بهذه الصفات ~~الشريفة العالية، أمر الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا صلى الله عليه سلم ~~باتباعه فقال تعالى { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم } يعني دينه ~~وما كان عليه من الشريعة والتوحيد. قال أهل الأصول: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم مأمورا بشريعة إبراهيم إلا ما نسخ منها وما لم ينسخ صار شرعا ~~له، وقال أبو جعفر الطبري أمره باتباعه في التبري من الأوثان والتدين ~~بدين الإسلام وهو قوله { حنيفا } مسلما { وما كان من المشركين } تقدم ~~تفسيره. ### || [16.124-128] # وقوله تعالى: { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } يعني إنما فرض ~~تعظيم السبت على الذين اختلفوا فيه وهم اليهود. روى الكلبي عن أبي صالح ~~عن ابن عباس قال: أمرهم موسى بتعظيم يوم الجمعة فقال: تفرغوا لله في كل ~~سبعة أيام يوما فاعبدوه في يوم الجمعة ms2052 ولا تعملوا فيه شيئا من صنعتكم ~~وستة أيام لصنعتكم، فأبوا عليه وقالوا لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله ~~فيه من الخلق، وهو يوم السبت فجعل ذلك اليوم عليهم وشدد عليهم فيه ثم ~~جاءهم عيسى عليه السلام أيضا بيوم الجمعة. فقالت النصارى لا نريد أن ~~يكون عيدهم بعد عيدنا يعنون اليهود فاتخذوا الأحد فأعطى الله عز وجل ~~الجمعة لهذه الأمة فقبلوها، فبورك لهم فيها ق عن أبي هريرة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ~~فاختلفوا فيه، وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا ~~فيه فهدانا الله له فهم لنا فيه تبع فغدا لليهود، وبعد غد للنصارى " # وفي رواية لمسلم # " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أو من يدخل الجنة " # وفي رواية أخرى له قال # " أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود السبت وللنصارى يوم ~~الأحد فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، ~~وكذلك هم لنا تبع يوم القيامة نحن الآخرون في الدنيا، والأولون يوم ~~القيامة المقضي لهم قبل الخلائق " # قال الشيخ محيي الدين النووي في شرح مسلم: قال العلماء في معنى الحديث: ~~نحن الآخرون في الزمان والوجود السابقون في الفضل ودخول الجنة فتدخل هذه ~~الأمة الجنة قبل سائر الأمم. وقوله بيد أنهم يعني غير أنهم أو إلا أنهم. ~~وقوله فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له قال: ~~القاضي عياض الظاهر أنهم فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة بغير تعيين ووكل إلى ~~اجتهادهم لإقامة شرائعهم فيه، فاختلف أحبارهم في تعيينه ولم يهدهم الله ~~له وفرضه على هذه الأمة مبينا، ولم يكلهم إلى اجتهادهم ففازوا بفضيلته ~~قال: يعني القاضي عياضا وقد جاء أن موسى عليه السلام أمرهم بيوم ~~الجمعة، وأعلمهم بفضله فناظروه أن السبت أفضل. فقيل له دعهم. قال القاضي: ~~ولو كان منصوصا عليه لم يصح اختلافهم فيه بل كان يقول: خالفوه فيه. قال ~~الشيخ محيي الدين النووي: ويمكن أن ms2053 يكونوا أمروا به صريحا ونص على عينه ~~فاختلفوا فيه هل يلزم تعيينه أم لهم إبداله فأبدلوه، وغلطوا في إبداله. ~~قال الإمام فخرالدين الرازي في قوله تعالى { على الذين اختلفوا فيه } ~~يعني على نبيهم موسى، حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت فاختلافهم في ~~السبت كان اختلافا على نبيهم في ذلك اليوم، أي لأجله وليس معنى قوله ~~اختلفوا فيه أن اليهود اختلفوا، فمنهم من قال بالسبت، ومنهم من لم يقل ~~به، لأن اليهود اتفقوا على ذلك. # وزاد الواحدي على هذا فقال: وهذا مما أشكل على كثير من المفسرين حتى قال ~~بعضهم: معنى الاختلاف في السبت أن بعضهم قال: هو أعظم الأيام حرمة لأن ~~الله فرغ من خلق الأشياء، وقال الآخرون بل الأحد أفضل لأن الله سبحانه ~~وتعالى، ابتدأ فيه بخلق الأشياء، وهذا غلط لأن اليهود لم يكونوا فريقين ~~في السبت، وإنما اختار الأحد النصارى بعدهم بزمان طويل. فان قلت إن ~~اليهود إنما اختاروا السبت، لأن أهل الملل اتفقوا على أن الله خلق الخلق ~~في ستة أيام وبدأ الخلق والتكوين في يوم الأحد، وتم الخلق يوم الجمعة ~~وكان يوم السبت يوم فراغ فقالت اليهود نحن نوافق ربنا في ترك العمل في ~~هذا اليوم، فاختاروا السبت لهذا المعنى وقالت النصارى: إنما بدأ بخلق ~~الأشياء في يوم الأحد فنحن نجعل هذا اليوم عيدا لنا، وهذان الوجهان ~~معقولان فما وجه فضل يوم الجمعة حتى جعله أهل الإسلام عيدا؟ قلت: يوم ~~الجمعة أفضل الأيام لأن كمال الخلق وتمامه كان فيه وحصول التمام والكمال ~~يوجب الفرح والسرور فجعل يوم الجمعة عيدا بهذا الوجه وهو أولى. ووجه آخر ~~وهو أن الله عز وجل خلق فيه أشرف خلقه، وهو آدم عليه السلام وهو أبو ~~البشر وفيه تاب عليه فكان يوم الجمعة أشرف الأيام لهذا السبب، ولأن الله ~~سبحانه وتعالى اختار يوم الجمعة لهذه الأمة وادخره لهم ولم يختاروا ~~لأنفسهم شيئا، وكان ما اختاره الله لهم أفضل مما اختاره غيرهم لأنفسهم، ~~وقال بعض العلماء: بعث الله موسى بتعظيم يوم السبت ثم نسخ ms2054 بيوم الأحد في ~~شريعة عيسى عليه السلام ثم نسخ يوم السبت، ويوم الأحد بيوم الجمعة في ~~شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فكان أفضل الأيام يوم الجمعة كما أن محمد ~~صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء. وفي معنى الآية قول آخر قال قتادة: ~~الذي اختلفوا فيه اليهود استحله بعضهم، وحرمه بعضهم فعلى هذا القول يكون ~~معنى قوله إنما جعل السبت أي وبال السبت ولعنته على الذين اختلفوا فيه، ~~وهم اليهود فأحله بعضهم فاصطادوا فيه فلعنوا ومسخوا قردة وخنازير في زمن ~~داود عليه السلام، وقد تقدمت القصة في تفسير سورة الأعراف وبعضهم ثبت على ~~تحريمه، فلم يصطد فيه شيئا وهم الناهون والقول الأول أقرب إلى الصحة. ~~وقوله تعالى { وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } ~~يعني في أمر السبت فيحكم الله بينهم يوم القيامة فيجازي المحققين بالثواب ~~والمبطلين بالعقاب. # قوله عز وجل { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } يعني ادع ~~إلى دين ربك يا محمد، وهو دين الإسلام بالحكمة يعني بالمقالة المحكمة ~~الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة والموعظة الحسنة، يعني ~~وادعهم إلى الله بالترغيب والترهيب وهو أنه لا يخفى عليهم أنك تناصحهم ~~وتقصد ما ينفعهم { وجادلهم بالتي هي أحسن } يعني بالطريقة التي هي أحسن ~~طرق المجادلة في الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف. وقيل: إن الناس ~~اختلفوا وجعلوا ثلاثة أقسام: القسم الأول هم العلماء والكاملون أصحاب ~~العقول الصحيحة والبصائر الثاقبة الذين يطلبون معرفة الأشياء على ~~حقائقها، فهؤلاء المشار إليهم بقوله { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة } يعني ~~ادعهم بالدلائل القطعية اليقينية حتى يعلموا الأشياء بحقائقها حتى ~~ينتفعوا وينفعوا الناس وهم خواص العلماء من الصحابة وغيرهم. القسم ~~الثاني: هم أصحاب الفطرة السليمة، والخلقة الأصيلة وهم غالب الناس الذين ~~لم يبلغوا حد الكمال، ولم ينزلوا إلى حضيض النقصان فهم أوساط الأقسام، ~~وهم المشار إليهم بقوله: والموعظة الحسنة أي ادع هؤلاء بالموعظة الحسنة. ~~القسم الثالث: هم أصحاب جدال وخصام ومعاندة، وهؤلاء المشار إليهم بقوله: ~~وجادلهم بالتي هي أحسن ms2055 حتى ينقادوا إلى الحق ويرجعوا إليه. وقيل: المراد ~~بالحكمة القرآن يعني ادعهم بالقرآن الذي هو حكمة وموعظة حسنة، وقيل: ~~المراد بالحكمة النبوة أي ادعهم بالنبوة والرسالة والمراد بالموعظة ~~الحسنة الرفق واللين في الدعوة، وجادلهم بالتي هي أحسن أي أعرض عن أذاهم ~~ولا تقصر في تبليغ الرسالة، والدعاء إلى الحق فعلى هذا القول قال بعض ~~علماء التفسير: هذا منسوخ بآية السيف { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ~~وهو أعلم بالمهتدين } يعني إنما عليك يا محمد تبليغ ما أرسلت به إليهم ~~ودعاؤهم بهذه الطرق الثلاثة وهو أعلم بالفريقين الضال والمهتدي فيجازي كل ~~عامل بعمله قوله سبحانه وتعالى { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } ~~نزلت هذه الآية بالمدينة في سبب شهداء أحد وذلك أن المسليمن لما رأوا ما ~~فعل المشركون بقتلى المسلمين يوم أحد من تبقير البطون، والمثلة السيئة ~~حتى لم يبق أحد من قتلى المسلمين إلا مثل به غير حنظلة بن أبي عامر ~~الراهب، وذلك أن أباه أبا عامر الراهب كان مع أبي سفيان فتركوا حنظلة ~~لذلك فقال المسلمون حين رأوا ذلك: لئن أظهرنا الله عليهم، لنربين على ~~صنيعهم ولنمثلن بهم مثلة لم يفعلها أحد من العرب بأحد. # " ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمه حمزة بن عبد المطلب وقد ~~جدعوا أنفه وآذانه وقطعوا مذاكيره، وبقروا بطنه وأخذت هند بن عتبة قطعة ~~من كبده فمضغتها ثم استرطبتها لتأكلها فلم تنزل في بطنها حتى رمت بها ~~فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " أما إنها لو أكلتها لم تدخل ~~النار أبدا حمزة أكرم على الله من أن يدخل شيئا من جسده النار " فلما ~~نظر رسول الله إلى عمه حمزة نظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع ~~لقلبه منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رحمة الله عليك فإنك ما ~~علمنا ما كنت إلا فعالا للخيرات، وصولا للرحم ولو كان حزن من بعدك ~~عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواج شتى أما والله ms2056 لئن أظفرني الله بهم ~~لأمثلن بسبعين منهم مكانك " فأنزل الله عز وجل { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ~~ما عوقبتم به } الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل نصبر ~~وأمسك عما أراد وكفر عن يمينه " # " عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون ~~رجلا ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا بهم فقال الأنصار: لئن أصبنا ~~منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم. قال: فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله ~~عز وجل { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين } فقال رجل: لا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " كفوا عن القوم إلا أربعة " " # أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن غريب وأما تفسير الآية فقوله تعالى { وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } سمي الفعل الأول باسم الثاني ~~للمزاوجة في الكلام، والمعنى إن صنع بكم سوء من قتل أو مثلة ونحوها، ~~فقابلوه بمثله ولا تزيدوا عليه فهو كقوله # وجزاء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] أمر الله برعاية العدل والإنصاف في هذه الآية في باب ~~استيفاء الحقوق. يعني: إن رغبتم في استيفاء القصاص فاقتصوا بالمثل، ولا ~~تزيدوا عليه فإن استيفاء الزيادة ظلم والظلم ممنوع منه في عدل الله وشرعه ~~ورحمته، وفي الآية دليل على أن الأولى ترك استيفاء القصاص وذلك بطريق ~~الإشارة والرمز والتعريض، بأن الترك أولى فإن كان لا بد من استيفاء ~~القصاص فيكون من غير زيادة عليه بل يجب مراعاة المماثلة ثم انتقل من طريق ~~الإشارة إلى طريق التصريح فقال تعالى { ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } ~~يعني ولئن عفوتم، وتركتم استيفاء القصاص وصبرتم كان ذلك العفو، والصبر ~~خيرا من استيفاء القصاص وفيه أجر للصابرين والعافين. فصل اختلفت العلماء ~~هل هذه الآية منسوخة أم لا، على قولين: أحدهما أنها نزلت قبل براءة فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يقاتل من قاتله ولا يبدأ بالقتال ثم نسخ ذلك ~~وأمر بالجهاد وهذا قول ابن عباس والضحاك، فعلى هذا يكون معنى ms2057 قوله ولئن ~~صبرتم عن القتال، فلما أعز الله الإسلام وكثر أهله أمر الله رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بالجهاد، ونسخ هذا بقوله: اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~الآية، القول الثاني: أنها أحكمت، وأنها نزلت فيمن ظلم ظلامة فلا يحل له ~~أن ينال من ظالمه أكثر مما نال منها الظالم وهذا قول مجاهد والشعبي ~~والنخعي وابن سيرين والثوري. # قال بعضهم: الأصح أنها محكمة لأن الآية واردة في تعليم حسن الأدب في ~~كيفية استيفاء الحقوق وفي القصاص وترك التعدي وهو طلب الزيادة، وهذه ~~الأشياء لا تكون منسوخة فلا تعلق لها بالنسخ والله أعلم. قوله عز وجل { ~~واصبر وما صبرك إلا بالله } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ~~الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر، وأعلمه أن صبره ~~بتوفيقه ومعونته { ولا تحزن عليهم } يعني على الكافرين، وإعراضهم عنك ~~وقيل: معنى الآية ولا تحزن على قتلى أحد وما فعل بهم فإنهم أفضوا إلى ~~رحمة الله ورضوانه { ولا تك في ضيق مما يمكرون } يعني: ولا يضيقن صدرك يا ~~محمد بسبب مكرهم، فإن الله كافيك وناصرك عليهم. قرىء في ضيق بفتح الضاد ~~وكسرها، فقيل لغتان. وقال أبو عمر: والضيق بالفتح الغم وبالكسر الشدة، ~~وقال أبو عبيدة الضيق بالكسر في قلة المعاش وفي المسكين وإما ما كان في ~~القلب والصدر فإنه بالفتح، وقال القتيبي: الضيق تخفيف ضيق مثل هين وهين ~~ولين ولين فعلى هذا يكون صفة كأنه قال سبحانه وتعالى: ولا تك في أمر ضيق ~~من مكرهم. قال الإمام فخر الدين الرازي: وهذا الكلام من المقلوب، لأن ~~الضيق صفة والصفة تكون حاصلة في الموصوف، ولا يكون الموصوف حاصلا في ~~الصفة فكان المعنى لا يكن الضيق حاصلا فيك إلا أن الفائدة في قوله: ولا ~~تك في ضيق، هي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالإنسان من كل ~~جانب، كالقميص المحيط به فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ بهذا المعنى { ~~إن الله مع الذين اتقوا } أي اتقوا المثلة والزيادة في القصاص وسائر ~~المناهي { والذين ms2058 هم محسنون } يعني بالعفو عن الجاني، وهذه المعية بالعون ~~والفضل والرحمة يعني إن أردت أيها الإنسان أن أكون معك بالعون والفضل ~~والرحمة، فكن من المتقين المحسنين، وفي هذا إشارة إلى التعظيم لأمر الله، ~~والشفقة على خلق الله. قال بعض المشايخ: كمال الطريق صدق مع الحق، وخلق ~~مع الخلق وكمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل أن يعمل به، وقيل ~~لهرم ابن حيان عند الموت: أوص. فقال: إنما الوصية في المال ولا مال لي، ~~ولكني أوصيك بخواتيم سورة النحل. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # قوله عز وجل { سبحان الذين أسرى بعبده ليلا } روى ابن الجوزي # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن تفسير سبحان الله فقال: " ~~تنزيه الله عن كل شيء " # هكذا ذكره بغير سند وقال النحويون: سبحان اسم علم على التسبيح يقال سبحت ~~الله تسبيحا فالتسبيح هو المصدر وسبحان الله علم للتسبيح وتفسير سبحان ~~الله، تنزيه الله عن كل سوء ونقيصة وأصله في اللغة التباعد فمعنى سبحان ~~الله بعده ونزاهته عن كل ما لا يبغي { الذي أسرى } يقال سري به وأسري به ~~لغتان { بعبده } أجمع المفسرون والعلماء والمتكلمون، أن المراد به محمد ~~صلى الله عليه وسلم لم يختلف أحد من الأمة في ذلك، وقوله بعبده إضافة ~~تشريف وتعظيم وتبجيل وتفخيم وتكريم ومنه قول بعضهم. # لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي # قيل: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الدرجات العالية والرتب ~~الرفيعة ليلة المعراج، أوحى الله عز وجل إليه يا محمد بم شرفتك؟ قال: رب ~~حيث نسبتني إلى نفسك بالعبودية. فأنزل الله سبحانه وتعالى: سبحان الذي ~~أسرى بعبده ليلا. فإن قلت: الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر ~~الليل. قلت: أراد بقوله ليلا بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء وأنه أسري ~~به في بعض ليلة من مكة إلى الشام مسيرة شهر أو أكثر، فدل تنكير الليل على ~~البعضية { من المسجد الحرام } قيل كان الإسراء من نفس مسجد مكة وفي ms2059 حديث ~~مالك بن صعصعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر " # وذكر حديث المعراج، وسيأتي بكماله فيما بعد وقيل عرج به من دار أم هانىء ~~بنت أبي طالب وهي بنت عمه أخت علي رضي الله تعالى عنه، فعلى هذا أراد ~~بالمسجد الحرام الحرم { إلى المسجد الأقصى } يعني إلى بيت المقدس سمي ~~أقصى لبعده عن المسجد الحرام أو لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد { الذي ~~باركنا حوله } يعني الأنهار والأشجار والثمار، وقيل سماه مباركا لأنه ~~مقر الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي وقبلة الأنبياء قبل نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم وإليه تحشر الخلق يوم القيامة. فإن قلت: ظاهر الآية يدل ~~على أن الإسراء كان إلى بيت المقدس والأحاديث الصحيحة تدل على أنه عرج به ~~إلى السماء فكيف الجمع بين الدليلين، وما فائدة ذكر المسجد الأقصى فقط؟ ~~قلت: قد كان الإسراء على ظهر البراق إلى المسجد الإقصى، ومنه كان عروجه ~~إلى السماء على المعراج وفائدة ذكر المسجد الأقصى فقط أنه صلى الله عليه ~~وسلم لو أخبر بصعوده إلى السماء أولا لاشتد إنكارهم لذلك فلما أخبر أنه ~~أسرى به إلى بيت المقدس، وبان لهم صدقه فيما أخبر به من العلامات التي ~~فيه وصدقوه عليها أخبر بعد ذلك بعروجه إلى السماء، فجعل الإسراء إلى ~~المسجد الأقصى كالتوطئة لمعراجه إلى السماء. # وقوله تعالى: { لنريه من آياتنا } يعني من عجائب قدرتنا فقد رأى محمد ~~صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة الأنبياء وصلى بهم ورأى الآيات العظام. ~~فإن قلت لفظة من قوله من آياتنا تقتضي التبعيض وقال في حق إبراهيم عليه ~~السلام وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض، وظاهر هذا يدل على فضيلة ~~إبراهيم عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم ولا قائل به فما وجهه. ~~قلت: ملكوت السموات والأرض من بعض آيات الله أيضا ولآيات الله أفضل من ~~ذلك وأكثر والذي أراه محمدا صلى الله عليه وسلم من آياته وعجائبه تلك ~~الليلة كان أفضل من ملكوت السموات ms2060 والأرض، فظهر بهذا البيان فضل محمد صلى ~~الله عليه وسلم على إبراهيم صلى الله عليه وسلم { إنه هو السميع } ~~لأقواله ودعائه { البصير } لأفعاله الحافظة له في ظلمة الليل وقت إسرائه ~~وقيل إنه هو السميع لما قالته له قريش حين أخبرهم بمسراه إلى بيت المقدس ~~{ البصير } بما ردوا عليه من التكذيب. وقيل: إنه هو السميع لأقوال جميع ~~خلقه البصير بأفعالهم فيجازي كل عامل بعمله. وحمله على العموم أولى. فصل ~~في ذكر حديث المعراج وما يتعلق به من الأحكام، وما قال العلماء فيه ق ~~حدثنا قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم حدثهم عن ليلة أسري به قال: # " بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعا، ومنهم من قال بين ~~النائم واليقظان إذ أتاني آت فقد قال وسمعته يقول: فشق ما بين هذه إلى ~~هذه فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به قال من ثغرة نحره إلى شعرته ~~سمعته يقول من قصته إلى شعرته، فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة ~~إيمانا، فغسل قلبي ثم حشى ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار ~~أبيض فقال له الجارود: أهو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم يضع خطوه ~~عند أقصى طرفه فحملت عليه، فانطلق بي جبريل عليه السلام حتى أتى المساء ~~الدنيا فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل: وقد ~~أرسل إليه قال: نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا ~~فيها آدم فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: ~~مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الثانية ~~فاستفتح. قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال: محمد قيل: وقد أرسل إليه ~~قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا بيحيى وعيسى ~~وهما ابنا خالة قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فردا ثم قالا: ~~مرحبا بالأخ الصالح، ms2061 والنبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثالثة ~~فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل: ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه ~~قال: نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: ~~هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي ~~الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل ~~قيل: ومن معك؟ قال: محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم ~~المجيء جاء ففتح فلما خلصت، فإذا إدريس قال: هذا إدريس فسلم عليه فسلمت ~~عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى ~~السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل ~~وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا ~~هارون قال: هذا هارون فسلم عليه فسلمت فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح ~~والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح قيل من هذا قال ~~جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قال مرحبا فنعم ~~المجيء فلما خلصت فإذا موسى قال: هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم ~~قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له: ما ~~يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما ~~يدخلها من أمتي ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا ~~قال جبريل قيل: ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا ~~به فنعم المجيء جاء لما خلصت فإذا إبراهيم قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم ~~عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ~~ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان ~~الفيلة قال: هذه سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ~~ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل ms2062 قال: أما الباطنان فنهران في الجنة وأما ~~الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع لي البيت المعمور ثم أتيت بإناء من خمر ~~وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال: هي الفطرة أنت عليها وأمتك ~~ثم فرضت على الصلوات خمسين صلاة كل يوم فرجعت، فمررت على موسى فقال بم ~~أمرت قلت: أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة ~~كل يوم وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ~~فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى ~~موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت ~~فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل ~~يوم، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى ~~موسى، قال: بم أمرت؟ قلت: بخمس صلوات كل يوم قال: إن أمتك لا تستطيع خمس ~~صلوات كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ~~فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال سألت: ربي حتى استحييت ولكن أرضى ~~وأسلم قال: فلما جاوزت نادى منادي أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي " # زاد في رواية أخرى # " وأجزي بالحسنة عشرا " # وفي رواية أخرى # " بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان وفيه ثم غسل البطن بماء زمزم ~~ثم ملىء إيمانا وحكمة، وفيه فرفع إلى البيت المعمور فسألت جبريل فقال ~~هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا ~~مرة أخرى " # ق # " عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل، ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم ~~ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانا، فأفرغها في صدري ثم أطبقه ثم ~~أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل لخازن ~~السماء الدنيا: افتح قال من هذا قال هذا جبريل قيل هل ms2063 معك أحد قال: نعم ~~معي محمد صلى الله عليه وسلم قال: فأرسل إليه قال نعم فافتح ففتح قال: ~~فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة قال ~~فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى فقال مرحبا بالنبي ~~الصالح والابن الصالح، قال: قلت يا جبريل من هذا قال هذا آدم، وهذه ~~الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل اليمين أهل الجنة، والأسودة ~~التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله ~~بكى، قال: ثم عرج بي جبريل حتى أتى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح. ~~فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا ففتح. قال أنس بن مالك: ~~فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وعيسى وموسى وإبراهيم، ولم يثبت كيف ~~منازلهم غير أنه ذكر أنه قد وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء ~~السادسة، قال: لما مر جبريل ورسول الله بإدريس قال مرحبا بالنبي الصالح ~~والأخ الصالح، قال: ثم مر فقلت من هذا قال هذا إدريس قال: ثم مررت بموسى ~~فقال مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح قال: فقلت من هذا قال: هذا موسى. ~~قال ثم مررت بعيسى فقال مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح قلت من هذا ~~قال: عيسى ابن مريم قال ثم مررت بإبراهيم فقال مرحبا بالنبي الصالح ~~والابن الصالح قال فقلت من هذا قال هذا إبراهيم. قال ابن شهاب: وأخبرني ~~ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام. قال ~~ابن حزم وأنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ففرض الله على ~~أمتي خمسين صلاة قال: فرجعت بذلك حتى مررت بموسى فقال موسى: ما فرض ربك ~~على أمتك؟ قلت: فرض عليهم خمسين صلاة. قال لي موسى: فراجع ربك فإن أمتك ~~لا تطيق ذلك قال فراجعت ربي فوضع شطرها. قال فرجعت إلى موسى فأخبرته قال: ms2064 ~~راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك قال: فراجعت ربي فقال: هي خمس وهن خمسون ~~لا يبدل القول لدي قال فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك فقلت قد استحييت من ~~ربي قال: ثم انطلق بي جبريل حتى أتى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ~~ماهي؟ قال: ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك " # ق عن شريك بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول # " ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ~~ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام. فقال أولهم: أيهم ~~هو؟ فقال أوسطهم هو خيرهم فقل آخرهم خذوا خيرهم فكانت تلك الليلة، فلم ~~يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه وكذلك ~~الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند ~~بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من ~~صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب ~~فيه نور من ذهب محشوا إيمانا، وحكمة فحشا به صدره ولغاد يده يعني عروق ~~حلقه ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها ~~فناداه أهل السماء من هذا فقال جبريل قالوا: ومن معك قال معي محمد قالوا: ~~وقد بعث إليه قال نعم قالوا: مرحبا به وأهلا يستبشر به أهل السماء لا ~~يعلم أهل السماء ما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم فوجد في السماء ~~الدنيا آدم عليه السلام فقال له جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه ورد عليه ~~السلام وقال: مرحبا وأهلا يا بني نعم الابن أنت فإذا هو في السماء ~~الدنيا، بنهرين يطردان فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذان النيل ~~والفرات عنصر هما ثم مضى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من ~~لؤلؤ وزبرجد فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر قال ما هذا يا جبريل ms2065 قال: هذا ~~الكوثر الذي خبأ لك ربك ثم عرج إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ~~ما قالت له الأولى من هذا؟ قال جبريل قالوا: ومن معك قال محمد قالوا: وقد ~~بعث إليه قال: نعم قالوا: مرحبا به وأهلا ثم عرج به إلى السماء ~~الثالثة. وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية. ثم عرج به إلى الرابعة ~~فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء الخامسة. فقالوا له مثل ذلك. ثم ~~عرج به إلى السماء السادسة. فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء ~~السابعة. فقالوا له مثل ذلك. كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فوعيت منهم ~~إدريس في الثانية وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة ولم أحفظ اسمه ~~وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله فقال موسى: رب لم ~~أظن أن يرفع علي أحد، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء ~~سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى فكان منه قاب قوسين أو أدنى ~~فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى ~~بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربك قال عهد إلي ~~خمسين صلاة كل يوم وليلة قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ~~ربك وعنهم فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ~~ذلك فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت فعلا به إلى الجبار تعالى، فقال: وهو ~~مكانه يا رب خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا فوضع عنه عشر صلوات ثم رجع ~~إلى موسى فاحتبسه فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت خمس صلوات، ثم ~~احتبسه موسى عند الخمس فقال: يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل قومي ~~على أدنى من هذا، فضعفوا فتركوه فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا ~~وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك كل ذلك يلتفت النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام ليشير عليه، فلا ms2066 يكره ذلك جبريل فرفعه ~~عند الخامسة فقال: يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم ~~وأبدانهم، فخفف عنا. فقال الجبار: يا محمد. قال: لبيك وسعديك قال: إنه لا ~~يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب قال: فكل حسنة بعشر أمثالها ~~فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ قال: ~~خفف عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها. قال موسى: قد والله راودت بني ~~إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: يا موسى قد والله استحييت من ربي مما اختلفت ~~إليه. قال: فاهبط بسم الله فاستيقظ وهو في المسجد الحرام " # هذا لفظ حديث البخاري وأدرج مسلم حديث شريك بن أنس الموقوف عليه في حديث ~~ثابت البناني المسند، فذكر من أول حديث شريك طرفا ثم قال: وساق الحديث ~~نحو حديث ثابت قال مسلم، وقدم وأخر وزاد ونقص وليس في حديث ثابت من هذه ~~الألفاظ إلا ما نورده على نصه، أخرجه مسلم وحده وهو حدثنا حماد بن سلمة ~~عن ثابت البناني عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قال أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره ~~عن منتهى طرفه. قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال فربطته بالحلقة التي ~~يربط بها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء ~~من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل عليه السلام اخترت الفطرة ~~قال ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال جبريل قيل ~~ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا ~~بآدم فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل، ~~فقيل: من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه، قال: ~~قد بعث إليه ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم ويحيى ms2067 بن ~~زكريا فرحبا بي ودعوا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاسستفتح ~~جبريل فقيل من أنت قال جبريل، قيل ومن معك قال محمد، قيل: وقد بعث إليه، ~~قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بيوسف عليه السلام فإذا هو قد أعطى ~~شطر الحسن، قال: فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة. ~~فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد قيل وقد ~~بعث إليه قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب ودعا لي بخير، ~~قال الله تعالى ورفعناه مكانا عليا ثم عرج بنا إلى الخامسة. فاستفتح ~~جبريل فقيل: من هذا قال: جبريل قيل: ومن معك قال محمد قيل: وقد بعث إليه ~~قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بهارون فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا ~~إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل، فقيل من هذا قال جبريل قيل: ومن معك ~~قال محمد قيل وقد بعث إليه قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بموسى ~~فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل: ~~من هذا قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال محمد قيل: وقد بعث إليه قال: قد بعث ~~إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام مسندا ظهره إلى البيت ~~المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ثم ذهب بي ~~إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كأذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلائل فلما ~~غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من ~~حسنها، فأوحى إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت ~~إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك قلت خمسين صلاة قال: ارجع إلى ربك ~~فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم ~~قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف على أمتي فحط عني خمسا فرجعت إلى ~~موسى ms2068 فقلت: قد حط عني خمسا قال: إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك ~~فاسأله التخفيف قال: فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى حتى ~~قال يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة، ~~ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا ومن هم ~~بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت واحدة قال فنزلت حتى ~~انتهيت إلى موسى فأخبرته قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: فقلت قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه " # هذه رواية مسلم وأخرجه الترمذي مختصرا وفيه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بالبراق ليلة أسرى به ملجما ~~مسرجا، فاستصعب عليه فقال له جبريل أبمحمد تفعل هكذا ما ركبك أحد أكرم ~~على الله منه فارفض عرقا " # وأخرجه النسائي مختصرا، والمعنى واحد وفي آخره قال: فرجعت إلى ربي ~~فسألته التخفيف فقال إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك ~~خمسين صلاة فخمس بخمسين فقم بها أنت وأمتك فعرفت أن أمر الله جرى بقول ~~حتم فلم أرجع. فصل قال البغوي: قال بعض أهل الحديث ما وجدنا للبخاري ~~ومسلم في كتابيهما شيئا لا يحتمل مخرجا إلا حديث شريك بن أبي نمر عن ~~أنس، وأحال الأمر فيه على شريك وذلك أنه ذكر فيه إن ذلك كان قبل الوحي، ~~واتفق أهل العلم على أن المعراج كان بعد الوحي بنحو من اثنتي عشرة سنة ~~وفيه أن الجبار تبارك وتعالى دنا فتدلى وذكرت عائشة أن الذي تدلى هو ~~جبريل عليه السلام. قال البغوي: وهذا الاعتراض عندي لا يصح لأن هذا كان ~~رؤيا في النوم أراه الله ذلك قبل أن يوحى إليه بدليل آخر الحديث، فاستيقظ ~~وهو في المسجد الحرام ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي، وقبل الهجرة بسنة ~~تحقيقا لرؤياه التي رآها من قبل كما أنه رأى فتح مكة في المنام عام ~~الحديبية سنة ست من الهجرة ثم ms2069 كان تحقيقها سنة ثمان، ونزل قوله سبحانه ~~وتعالى: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق. # وقال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى في كتابه شرح مسلم: قد ~~جاء في رواية شريك في هذا الحديث أوهام أنكرها عليه العلماء وقد نبه مسلم ~~على ذلك بقوله قدم وأخر وزاد ونقص منه قوله وذلك قبل أن يوحى إليه وهو ~~غلط لم يوافق عليه فإنه الإسراء أقل ما قيل فيه أنه كان بعد مبعثه صلى ~~الله عليه وسلم بخمسة عشر شهرا. وقال الحربي: كانت ليلة الإسراء ليلة ~~سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، وقال الزهري: كان ذلك بعد ~~مبعثه صلى الله عليه وسلم بخمس سنين. وقال ابن إسحاق: أسري به صلى الله ~~عليه وسلم وقد فشا الإسلام بمكة والقبائل. قال الشيخ محيي الدين: وأشبه ~~الأقوال قول الزهري وابن إسحاق وأما قوله في رواية شريك وهو نائم وفي ~~الرواية الأخرى بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان، فقد يحتج به من ~~يجعلها رؤيا نوم، ولا حجة فيه إذ قد يكون ذلك حالة أو وصول الملك إليه، ~~وليس في الحديث ما يدل على كونه نائما في القصة كلها هذا كلام القاضي ~~عياض، وهذا الذي قاله في رواية شريك وأن أهل العلم قد أنكروها قد قاله ~~غيره، وقد ذكر البخاري في رواية شريك هذه عن أنس في كتاب التوحيد من ~~صحيحه، وأتى بالحديث مطولا. قال الحافظ من رواية شريك بن أبي نمر عن أنس ~~قد زاد فيه زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة وقد روى حديث ~~الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين، والأئمة المشهورين كابن شهاب وثابت ~~البناني وقتادة يعني عن أنس فلم يأت أحد منهم بما أتى شريك، وشريك ليس ~~بالحافظ عند أهل الحديث قال: والأحاديث التي تقدمت قبل هذا هي المعمول ~~عليها. فصل في شرح بعض ألفاظ حديث المعراج وما يتعلق به، كانت ليلة ~~الإسراء قبل الهجرة بسنة يقال كانت في رجب ويقال في رمضان وقد تقدم زيادة ~~على هذا القدر في ms2070 الفصل الذي قبل هذا واختلف الناس في الإسراء برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقيل: إنما كان ذلك في المنام والحق الذي عليه أكثر ~~الناس، ومعظم السلف وعامة الخلف من المتأخرين والفقهاء والمحدثين ~~والمتكلمين أنه أسري بروحه وجسده صلى الله عليه وسلم ويدل عليه قوله ~~سبحانه وتعالى: { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا } ولفظ العبد عبارة عن ~~مجموع الروح والجسد، والأحاديث الصحيحة التي تقدمت تدل على صحة هذا القول ~~لمن طالعها، وبحث عنها وحكى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن حذيفة أنه ~~قال: كل ذلك كان رؤيا وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإنما أسري بروحه. # وحكي هذا القول عن عائشة أيضا وعن معاوية ونحوه والصحيح ما عليه جمهور ~~العلماء من السلف والخلق والله أعلم قوله صلى الله عليه سلم أتيت بالبراق ~~هو اسم للدابة التي ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به ~~واشتقاقه من البرق لسرعته، أو لشدة صفائه وبياضه ولمعانه وتلألؤه ونوره ~~والحلقة بإسكان اللام، ويجوز فتحها والمراد بربط البراق بالحلقة الأخذ ~~بالاحتياط في الأمور وتعاطي الأسباب، وإن ذلك لا يقدح في التوكل إذا كان ~~الاعتماد على الله تعالى وقوله جاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ~~فاخترت اللبن فيه اختصار والتقدير، قال لي اختر فاخترت اللبن وهو قول ~~جبريل اخترت الفطرة يعني فطرة الإسلام، وجعل اللبن علامة للفطرة الصحيحة ~~السليمة لكونه سهلا طيبا سائغا للشاربين وأنه سليم العاقبة، بخلاف ~~الخمر فإنها أم الخبائث وجالبة لأنواع الشر. قوله: ثم عرج بي حتى أتى ~~السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل: من أنت قال: جبريل فيه بيان الأدب لمن ~~استأذن وأن يقول: أنا فلان ولا يقول: أنا فإنه مكروه وفيه أن للسماء ~~أبوابا وبوابين وأن عليها حرسا وقول بواب السماء وقد أرسل إليه، وفي ~~الرواية الأخرى وقد بعث إليه معناه للإسراء وصعوده السماء وليس مراده ~~الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة، فإن ذلك لا يخفى عليه إلى هذه المدة ~~هذا هو الصحيح في معناه، ms2071 وقيل غيره وقوله فإذا أنا بآدم وذكر جماعة من ~~الأنبياء فيه استحباب لقاء أهل الفضل والصلاح بالبشر والترحيب والكلام ~~اللين الحسن، وإن كان الزائر أفضل من المزور وفيه جواز مدح الإنسان في ~~وجهه إذا أمن عليه من الإعجاب وغيره من أسباب الفتنة وقوله فإذا بإبراهيم ~~مسندا ظهره إلى البيت المعمور فيه دليل على جواز الاستناد إلى القبلة، ~~وتحويل ظهره إليها. وقوله ثم ذهب بي إلى السدرة هكذا، وقع في هذه الرواية ~~السدرة الألف واللام وفي باقي الروايات إلى سدرة المنتهى قال ابن عباس ~~وغيره من المفسرين: سميت بذلك لأن علم الملائكة ينتهي إليها. ولم يجاوزها ~~أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن مسعود: سميت بذلك لكونها ~~ينتهي إليها ما يهبط من فوقها، وما يصعد من تحتها من أمر الله عز وجل ~~وقوله وإذا ثمرها كالقلال، هو بكسر القاف جمع قلة بضمها، وهي الجرة ~~الكبيرة التي تسع قربتين أو أكثر قوله فرجعت إلى ربي. قال الشيخ محيي ~~الدين النووي: معناه رجعت إلى الموضع الذي ناجيته فيه أولا فناجيته فيه ~~ثانيا وقوله: فلم أزل أرجع بين موسى وبين ربي معناه وبين موضع مناجاة ~~ربي عز وجل. # قلت: وأما الكلام على معنى الرؤية وما يتعلق بها فإنه سيأتي إن شاء الله ~~تعالى في تفسير سورة النجم، عند قوله تعالى ثم دنا فتدلى. قوله ففرض الله ~~سبحانه وتعالى على أمتي خمسين صلاة إلى قوله فوضع شطرها وفي الرواية ~~الأخرى فوضع عني عشرا وفي الأخرى خمسا ليس بين هذه الرواية منافاة، لأن ~~المراد بالشطر الجزء وهو الخمس، وليس المراد منه التصنيف، وأما رواية ~~العشر فهي رواية شريك ورواية الخمس رواية ثابت البناني وقتادة، وهما أثبت ~~من شريك فالمراد حط عني خمسا إلى آخره ثم قال: خمس وهن خمسون يعني خمسين ~~في الأجر والثواب لأن الحسنة بعشر أمثالها، واحتج العلماء بهذا الحديث ~~على جواز نسخ الشيء قبل فعله وفي أول الحديث أنه شق صدره صلى الله عليه ~~وسلم ليلة المعراج، وقد شق أيضا ms2072 في صغره وهو عند حليمة التي كانت ترضعه، ~~فالمراد بالشق الثاني زيادة التطهير لمن يراد به من الكرامة ليلة ~~المعراج. وقوله: أتيت بطست من ذهب، قد يتوهم متوهم أنه يجوز استعمال إناء ~~الذهب لنا وليس الأمر كذلك لأن هذا الفعل من فعل الملائكة، وهو مباح لهم ~~استعمال الذهب أو يكون هذا قد كان قبل تحريمه وقوله ممتلىء إيمانا وحكمة ~~فأفرغها في صدري. فإن قلت الحكمة والإيمان معان والإفراغ صفة الإجسام، ~~فما معنى ذلك؟ قلت: يحتمل أنه جعل في الطست شيء يحصل به كمال الإيمان ~~والحكمة وزيادتهما، فسمي إيمانا وحكمة لكونه سببا لهما وهذا من أحسن ~~المجاز. وقوله في صفة آدم عليه السلام: فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن ~~يساره أسودة هو جمع سواد، وقد فسره في الحديث بأنه نسم بنيه يعني أرواح ~~بنيه وقد اعترض على هذا، بأن أرواح المؤمنين في السماء وأرواح الكفار تحت ~~الأرض السفلى فكيف تكون في السماء والجواب عنه أنه يحتمل أن أرواح ~~الكفار، تعرض على آدم عليه السلام، وهو في السماء فوافق وقت عرضها على ~~آدم مرور النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر بما رأى. وقوله: فإذا نظر عن ~~يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى فيه شفقة الوالد على أولاده وسروره ~~وفرحه بحسن حال المؤمن منهم، وحزنه على سوء حال الكفار منهم. وقوله في ~~إدريس مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح قد اتفق المؤرخون على إن إدريس، ~~هو أخنوخ وهو جد نوح عليهما السلام فيكون جد النبي صلى الله عليه وسلم ~~كما أن إبراهيم جده، فكان ينبغي أن يقول بالنبي الصالح والابن الصالح كما ~~قال آدم وإبراهيم عليهما السلام: فالجواب عن هذا أنه قيل: إن إدريس ~~المذكور هنا هو إلياس، وهو من ذرية إبراهيم فليس هو جد نوح هذا جواب ~~القاضي عياض. # قال الشيخ محيي الدين: ليس في الحديث ما يمنع كون إدريس أبا لنبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم وإن قوله: الأخ الصالح يحتمل أن يكون قاله ~~تلطفا وتأدبا، وهو أخ وإن كان أبا ms2073 لأن الأنبياء إخوة، والمؤمنون إخوة ~~والله أعلم. فصل في ذكر الآيات التي ظهرت بعد المعراج الدالة على صدقه ~~صلى الله عليه وسلم وسياق أحاديث تتعلق بالإسراء قال البغوي روي أنه لما ~~رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به وكان بذي طوى قال: يا ~~جبريل إن قومي لا يصدقون. قال: يصدقك أبو بكر وهو الصديق. قال ابن عباس ~~وعائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لما كانت ليلة أسري بي إلى السماء أصبحت بمكة فضقت بأمري وعرفت أن ~~الناس يكذبوني فروي أنه صلى الله عليه وسلم قعد معتزلا حزينا، فمر به ~~أبو جهل فجلس إليه فقال كالمستهزىء هل استفدت من شيء؟ قال: نعم أسري بي ~~الليلة قال إلى إين؟ قال إلى بيت المقدس قال أبو جهل: ثم أصبحت بين ~~أظهرنا؟ قال: نعم فلم يرد أبو جهل أن ينكر ذلك مخافة أن يجحده الحديث، ~~ولكن قال: أتحدث قومك بما حدثتني به. قال: نعم. قال أبو جهل: يا معشر بني ~~كعب بن لؤي هلموا، فانقضت المجالس وجاؤوا حتى جلسوا إليهما. قال: حدث ~~قومك بما حدثتني قال: نعم أسري بي الله قالوا إلى أين؟ قال: إلى بيت ~~المقدس قالوا ثم أصبحت بين أظهرنا؟ قال: نعم قال. فبقي الناس بين مصفق ~~وبين واضع يده على رأسه متعجبا وارتد أناس ممن كان قد آمن به وصدقه، ~~وسعى رجل من المشركين إلى أبي بكر فقال له هل لك في صاحبك يزعم أنه أسري ~~به الليلة إلى بيت المقدس قال: أو قد قال ذلك قال نعم قال لئن كان قال ~~ذلك لقد صدق قالوا: أو تصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس وجاء في ليلة قبل أن ~~يصبح؟ قال: نعم إني أصدقه بما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة ~~أو روحة فلذلك سمي أبو بكر الصديق. قال: وكان في القوم من أتى المسجد ~~الأقصى. قالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد قال: نعم قال فذهبت أنعت ~~حتى التبس علي قال فجيء ms2074 بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل ~~فنعت المسجد وأنا أنظر إليه، فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب فيه ~~ثم قالوا يا محمد أخبرنا عن عيرنا فهي أهم إلينا هل لقيت منها شيئا؟ ~~قال: نعم مررت بعير بني فلان وهي بالروحاء وقد أضلوا بعيرا وهم في طلبه، ~~وفي رحالهم قدح من ماء فعطش فأخذته فشربته، ثم وضعته كما كان فسلوا هل ~~وجدوا الماء في القدح حين رجعوا قالوا: هذه آية قال ومررت بعير بني فلان ~~وفلان راكبان قعودا لهما بذي طوى فنفر بعيرهما مني فرمى بفلان فانكسرت ~~يده فسلوهما عن ذلك قالوا وهذه آية أخرى قالوا: فأخبرنا عن عيرنا قال ~~مررت بها بالتنعيم قالوا فما عدتها وأحمالها وهيئتها؟ فقال: كنت في شغل ~~عن ذلك ثم مثلت له بعدتها وأحمالها وهيئتها ومن فيها وكانوا بالحزورة ~~قال: نعم هيئتها كذا وكذا وفيها فلان وفلان يقدمها جمل أورق عليه غرارتان ~~مخيطتان تطلع عليكم عند طلوع الشمس " # قالوا: وهذه آية. ثم خرجوا يشتدون نحو الثنية وهم يقولون والله لقد قص ~~محمد شيئا وبينه حتى أتوا كداء فجلسوا عليه فجعلوا ينظرون متى تطلع ~~الشمس فيكذبونه إذ قال قائل منهم: هذه الشمس قد طلعت. وقال آخر: وهذه ~~العير قد طلعت يقدمها بعير أورق فيه فلان وفلان كما قال: فلم يؤمنوا ~~وقالوا: هذا سحر مبين م عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت ~~المقدس لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثلها قط. قال: فرفعه الله لي أنظر ~~إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء ~~فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعدا كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى ~~ابن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي، وإذا ~~إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم يعني به نفسه صلى الله عليه سلم ~~فحانت ms2075 الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال لي قائل: يا محمد يا محمد ~~هذا مالك صاحب النار، فسلم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام " # ق عن جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لما كذبتني قريش قمت إلى الحجر فجلى الله إلي بيت المقدس فطفقت أخبرهم ~~عن آياته وأنا أنظر إليه زاد البخاري في رواية: لما كذبني قريش حين أسري ~~بي إلى المقدس " # وذكر الحديث م عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أتيت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر، فإذا هو قائم يصلي في ~~قبره " # عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لما انتهينا إلى بيت المقدس قال جبريل كذا بأصبعه فخرق به الحجر وشد ~~به البراق " # أخرجه الترمذي. فإن قلت: كيف رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى ~~يصلي في قبره وكيف صلى بالأنبياء في بيت المقدس ثم وجدهم على مراتبهم في ~~السموات، وسلموا عليه وترحبوا به وكيف تصح الصلاة من الأنبياء بعد الموت، ~~وهم في الدار الآخرة؟ قلت أما صلاته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في بيت ~~المقدس يحتمل أن الله سبحانه وتعالى، جمعهم له ليصلي بهم ويعرفوا فضله ~~وتقدمه عليهم ثم إن الله سبحانه وتعالى، أراه إياهم في السموات على ~~مراتبهم ليعرف هو مراتبهم وأما مروره بموسى، وهو قائم يصلي في قبره عند ~~الكثيب الأحمر، فيحتمل أنه كان بعد رجوعه من المعراج، وأما صلاة الأنبياء ~~وهم في الدار الآخرة فهم في حكم الشهداء بل أفضل منهم، وقد قال الله ~~سبحانه وتعالى: { ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء } ~~فالأنبياء أحياء بعد الموت، وأما حكم صلاتهم فيحتمل أنها الذكر والدعاء ~~وذلك من أعمال الآخرة فإن الله تعالى قال # دعواهم فيها سبحانك اللهم # [يونس: 10] وورد في الحديث أنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، ~~ويحتمل أن الله سبحانه وتعالى خصهم بخصائص في الآخرة كما خصهم في الدنيا ~~بخصائص لم يخص بها غيرهم. منها أنه صلى الله ms2076 عليه وسلم أخبر أنه رآهم ~~يلبون، ويحجون، فكذلك الصلاة والله أعلم بالحقائق. ### || [17.2-7] # { وآتينآ موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من ~~حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا وقضينآ إلى ~~بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض ~~مرتين ولتعلن علوا كبيرا } { وآتينا موسى الكتاب } ~~يعني التوراة { هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا } يعني وقلنا لهم: لا تتخذوا ~~{ من دوني وكيلا } يعني ربا كفيلا { ذرية } يعني يا ذرية { من حملنا ~~مع نوح إنه كان عبدا شكورا } يعني أن نوحا كان كثير الشكر، وذلك أنه ~~كان إذا أكل طعاما أو شرب شرابا ولبس ثوبا قال: الحمد لله فسماه الله ~~عبدا شكورا لذلك. وقوله عز وجل { وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب }: ~~يعني أعلمناهم وأخبرناهم فيما آتيناهم من الكتاب أنهم سيفسدون وهو قوله ~~تعالى { لتفسدن في الأرض مرتين } وقال ابن عباس: وقصينا عليهم في الكتاب ~~فإلى بمعنى على، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ واللام في لتفسدن لام ~~القسم تقديره والله لتفسدن في الأرض يعني بالمعاصي والمراد بالأرض أرض ~~الشام، وبيت المقدس { ولتعلن } يعني ولتستكبرن ولتظلمن الناس { علوا ~~كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما } يعني أولى المرتين قيل: إفسادهم في المرة ~~الأولى هو ما خالفوا من أحكام التوراة، وركبوا من المحارم وقيل: إفسادهم ~~في المرة الأولى قتلهم شعياء في الشجرة وارتكابهم المعاصي { بعثنا عليكم ~~عبادا لنا } يعني جالوت وجنوده، هو الذي قتله داود وقيل: هو سنحاريب وهو ~~من أهل نينوى وقيل هو بختنصر البابلي وهو الأصح { أولي بأس شديد } يعني ~~ذوي بطش وقوة في الحرب { فجاسوا خلال الديار } يعني طافوا بين الديار ~~وسطها يطلبونكم ليقتلونكم { وكان وعدا مفعولا } يعني قضاء كائنا ~~لازما لا خلف فيه { ثم رددنا لكم الكرة عليهم } يعني رددنا لكم الدولة ~~والغلبة على الذين بعثوا عليكم، وحين تبتم من ذنوبكم ورجعتم عن الفساد { ~~وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } يعني أكثر عددا { إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } يعني لها ثوابا وجزاء إحسانها { وإن أسأتم فلها ~~} يعني فعليها إساءتها { فإذا ms2077 جاء وعد الآخرة } يعني المرة الآخرة من ~~إفسادكم وهو قصدكم قتل عيسى فخلصه الله منهم، ورفعه إليه، وقتلوا زكريا ~~ويحيى عليهما السلام، فسلط عليهم الفرس والروم فسبوهم وقتلوهم وهو قوله ~~تعالى { ليسوءوا وجوهكم } يعني ليحزنوكم وقرىء بالنون أي ليسوء الله ~~وجوهكم { وليدخلوا المسجد } يعني بيت المقدس ونواحيه { كما دخلوه أول مرة ~~} يعني وقت إفسادهم الأول { وليتبروا ما علوا تتبيرا } يعني وليهلكوا ما ~~غلبوا عليه من بلاد بني إسرائيل إهلاكا. ذكر القصة في هذه الآية قال ~~محمد بن إسحاق: كانت بنو إسرائيل فيهم الأحداث والذنوب وكان الله في ذلك ~~متجاوزا عنهم ومحسنا إليهم وكان أول ما نزل بسبب ذنوبهم أن ملكا منهم ~~كان يدعى صديقة وكان الله إذا ملك عليهم الملك بعث معه نبيا ليسدده ~~ويرشده، ولا ينزل عليهم كتابا إنما يؤمرون اتباع التوراة والأحكام التي ~~فيها، فلما ملك صديقة بعث الله معه شعياء وذلك قبل مبعث زكريا ويحيى. # وشعياء هو الذي بشر بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم فقال: أبشري أورشليم ~~الآن يأتيك راكب الحمار ومن بعده صاحب البعير. فملك ذلك الملك يعني صديقة ~~بني إسرائيل وبيت المقدس زمانا، فلما انقضى ملكه عظمت الأحداث فيهم وكان ~~معه شعياء فبعث الله سنحاريب ملك بابل ومعه ستمائة ألف راية، فلم يزل ~~سائرا حتى نزل حول بيت المقدس، والملك مريض من قرحة كانت في ساقه، فجاء ~~شعياء النبي إليه، وقال: يا ملك بني إسرائيل إن سنحاريب ملك بابل، قد نزل ~~بك هو وجنوده؟ بستمائة ألف راية، وقد هابهم الناس وفرقوا منهم فكبر ذلك ~~على الملك وقال: يا نبي الله هل أتاك من الله وحي فيما حدث فتخبرنا به ~~وكيف يفعل الله بنا وبسنحاريب وجنوده فقال شعياء: لم يأتني وحي في ذلك ~~فبينما هم على ذلك أوحى الله إلى شعياء النبي، أن أئت ملك بني إسرائيل ~~فمره أن يوصي وصيته، ويستخلف على ملكه من يشاء من أهل بيته فأتى شعياء ~~ملك بني إسرائيل وقال: إن ربك قد أوحى إلي أن آمرك أن توصي وصيتك ms2078 وتستخلف ~~من شئت على ملكك من أهل بيتك فإنك ميت، فلما قال ذلك شعياء لصديقة الملك ~~أقبل على القبلة فصلى ودعا فقال وهو يبكي ويتضرع إلى الله تعالى بقلب ~~مخلص: اللهم رب الأرباب وإله الآلهة يا قدوس يا متقدس يا رحمن يا رحيم يا ~~رؤوف، يا من لا تأخذه سنة ولا نوم اذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني ~~إسرائيل، وذلك كله كان منك وأنت أعلم به مني سري وعلانيتي لك. فاستجاب ~~الله له وكان عبدا صالحا فأوحى الله إلى شعياء أن يخبر صديقة أن ربه قد ~~استجاب له ورحمه، وأخر أجله خمس عشرة سنة وأنجاه من عدوه سنحاريب فأتاه ~~شعياء فأخبره، فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع وانقطع عنه الحزن وخر ~~ساجدا لله وقال: إلهي وإله آبائي لك سجدت وسبحت وكبرت وعظمت أن الذي ~~تعطي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء على ~~الغيب والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتستجيب ~~دعوة المضطرين أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي، فلما رفع رأسه أوحى الله ~~إلى شعياء أن قل للملك صديقة فيأمر عبدا من عبيده، فيأتيه بماء التين ~~فيجعله على قرحته فيشفى فيصبح وقد برأ ففعل ذلك فشفي فقال الملك لشيعاء: ~~سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدونا هذا. # قال الله لشعياء: قل له إني قد كفيتك عدوك وأنجيتك منهم، وأنهم سيصبحون ~~موتى كلهم إلا سنحاريب، وخمسة نفر من كتابه أحدهم بختنصر. فلما أصبحوا ~~جاء صارخ يصرخ على باب المدينة يا ملك بني إسرائيل إن الله كفاك عدوك، ~~فاخرج فإن سنحاريب ومن معه هلكوا فخرج الملك، والتمس سنحاريب فلم يوجد في ~~الموتى فبعث الملك في طلبه فأدركه الطلب في مفازة ومعه خمسة نفر من ~~كتابه، أحدهم بختنصر فجعلوهم في الجوامع ثم أتوا بهم الملك فلما رآهم خر ~~ساجدا لله تعالى، من حين طلعت الشمس إلى العصر ثم قال لسنحاريب: كيف ~~رأيت فعل ربنا بكم ألم يقتلكم بحوله وقوته ms2079 ونحن وأنتم غافلون؟ فقال ~~سنحاريب: قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التي يرحمكم بها قبل أن ~~أخرج من بلادي فلم أطع مرشدا ولم يلقني في الشقوة إلا قلة عقلي ولو سمعت ~~أو عقلت ما غزوتكم فقال الملك صديقة: الحمد لله رب العالمين الذي كفاناكم ~~بما شاء، وإن ربنا لم يمتعك ومن معك لكرامتك عليه، ولكنه إنما أبقاك ومن ~~معك لتزدادوا شقوة في الدنيا وعذابا في الآخرة ولتخبروا من وراءكم بما ~~رأيتم من فعل ربنا بكم، فتنذروا من بعدكم ولولا ذلك لقتلك ومن معك ولدمك ~~ودم من معك أهون على الله من دم قراد لو قتلت. ثم إن ملك بني إسرائيل أمر ~~أمير حرسه أن يقذف في رقابهم الجوامع، ففعل وطاف بهم سبعين يوما حول بيت ~~المقدس وإيلياء، وكان يرزقهم في كل يوم خبزين من شعير لكل رجل منهم فقال ~~سنحاريب للملك صديقة: القتل خير مما نحن فيه وما تفعل بنا فأمر بهم إلى ~~السجن فأوحى الله إلى شعياء النبي أن قل لملك بني إسرائيل يرسل سنحاريب ~~ومن معه لينذروا من وراءهم وليكرمهم وليحملهم حتى يبلغوا بلادهم. فبلغ ~~ذلك شعياء للملك ففعل وخرج سنحاريب ومن معه، حتى قدموا بابل فلما قدم جمع ~~الناس فأخبرهم كيف فعل الله تعالى بجنوده فقال له كهانه وسحرته: يا ملك ~~بابل قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ووحي الله إلى نبيهم، فلم ~~تطعنا وهي أمة لا يستطيعها أحد مع ربهم وكان أمر سنحاريب تخويفا لبني ~~إسرائيل، ثم كفاهم الله تعالى ذلك تذكره وعبرة ثم إن سنحاريب لبث بعد ذلك ~~سبع سنين، ثم مات، واستخلف على ملكه بختنصر ابن عمه فعمل بعمله وقضى ~~بقضائه فلبث سبع عشر سنة ثم قبض الله ملك بني إسرائيل صديقة فمرج أمر بني ~~إسرائيل وتنافسوا الملك حتى قتل بعضهم بعضا، وشعياء نبيهم معهم لا ~~يقبلون منه فلما فعلوا ذلك، قال الله لشعياء: قم في قومك حتى أوحي على ~~لسانك. فلما قام أطلق الله لسانه بالوحي فقال: يا سماء استمعي ms2080 ويا أرض ~~أنصتي، فإن الله يريد أن يقص شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمته ~~واصطفاهم لنفسه وخصهم بكرامته، وفضلهم على عباده وهم كالغنم الضائعة التي ~~لا راعي لها، فآوى شاردتها وجمع ضالتها وجبر كسيرها وداوى مريضها، وأسمن ~~مهزولها وحفظ سمينها، فلما فعل ذلك بطرت فتناطحت كباشها فقتل بعضها ~~بعضا، حتى لم يبق منها عظم صحيح يجبر إليه آخر، فويل لهذه الأمة الخاطئة ~~الذين لايدرون أنى جاءهم الحين. # إن البعير مما يذكر وطنه فينتابه وأن الحمار مما يذكر الأرى الذي يشبع ~~عليه فيراجعه وأن الثور مما يذكر المرج الذي سمن فيه فينتابه وإن هؤلاء ~~القوم لا يذكرون من حيث جاءهم الخير، وهم أولو الألباب والعقول ليسوا ~~ببقر ولا حمير وإني ضارب لهم مثلا فليسمعوه، قل كيف ترون في أرض كانت ~~خرابا زمانا لا عمران فيها، وكان لها رب حكيم قوي فأقبل عليها ~~بالعمارة، وكره أن تخرب أرضه وهو قوي أو يقال: ضيع وهو حكيم فأحاط عليها ~~جدارا وشيد فيها قصرا وأنبط فيها نهرا وصف فيه غراسا من الزيتون ~~والرمان والنخيل والأعناب وألوان الثمار كلها، وولى ذلك واستحفظه قيما ~~ذا رأي وهمة حفيظا قويا فلما أطلعت جاء طلعها خروبا. فقالوا: بئست ~~الأرض هذه فنرى أن يهدم جدارها وقصرها ويدفن نهرها، ويقبض قيمها ويحرق ~~غراسها حتى تصير كما كانت أول مرة خرابا مواتا، لا عمران فيها قال الله ~~تعالى: قل لهم الجدار ديني والقصر شريعتي وإن النهر كتابي وأن القيم ~~نبيي وأن الغراس هم، وأن الخروب الذي أطلع الغراس أعمالهم الخبيثة وإني ~~قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم، وأنه مثل ضربته لهم يتقربون إلي بذبح ~~البقر والغنم، وليس ينالني اللحم و لا آكله ويدعون أن يتقربوا إلي ~~بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها، وأيديهم مخضوبة منها وثيابهم ~~متزملات بدمائها يشيدون لي البيوت مساجد، ويطهرون أجوافها وينجسون قلوبهم ~~وأجسادهم، ويدنسونها ويزوقون لي المساجد ويزينونها، ويخربون عقولهم ~~وأخلاقهم ويفسدونها فأي حاجة لي إلى تشييد البيوت ولست أسكنها، وأي حاجة ~~إلى تزويق المساجد ولست أدخلها ms2081 إنما أمرت برفعها لأذكر وأسبح فيها. ~~يقولون: صمنا فلم يرفع صيامنا وصلينا فلم تنور صلاتنا، وتصدقنا فلم تزك ~~صدقتنا، ودعونا بمثل حنين الحمام وبكينا بمثل عواء الذئاب في كل ذلك لا ~~يستجاب لنا، قال الله: فاسألهم ما الذي يمنعني أن أستجيب لهم ألست أسمع ~~السامعين، وأبصر الناظرين وأقرب المجيبين وأرحم الراحمين فكيف أرفع ~~صيامهم وهم يلبسونه بقول الزور، ويتقوون عليه بطعمة الحرام أم كيف أنور ~~صلاتهم وقلوبهم صاغية إلى من يحاربني ويحادني وينتهك محارمي، أم كيف تزكو ~~عندي صدقاتهم وهم يتصدقون بأموال غيرهم إنما آجر عليها أهلها المغصوبين ~~أم كيف أستجيب لهم دعاءهم وإنما هو قولهم بألسنتهم، والفعل من ذلك بعيد ~~وإنما أستجيب للداعي اللين، وإنما أستمع قول المستضعف المستكين، وإن من ~~علامة رضاي رضى المساكين يقولون لما سمعوا كلامي وبلغتهم رسالتي: إنها ~~أقاويل منقولة، وأحاديث متواترة وتآليف مما تؤلف السحرة والكهنة، وزعموا ~~أنهم لو شاؤوا أن يأتوا بحديث مثله فعلوا، ولو شاؤوا أن يطلعوا على علم ~~الغيب بما توحي إليهم الشياطين اطلعوا، وإني قد قضيت يوم خلقت السموات ~~والأرض قضاء أثبته وحتمته على نفسي وجعلت دونه أجلا مؤجلا لا بد أنه ~~واقع فإن صدقوا فيما ينتحلون من علم الغيب، فليخبروك متى أنفذه أو في أي ~~زمان يكون وإن كانوا يقدرون على أن يأتوا بما يشاؤون فليأتوا بمثل هذه ~~القدرة التي بها أمضيت فإني مظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وإن ~~كانوا يقدرون على أن يؤلفوا ما يشاؤون فيؤلفوا مثل هذه الحكمة التي أدبر ~~بها ذلك القضاء، إن كانوا صادقين وإني قد قضيت يوم خلقت السماء والأرض، ~~أن أجعل النبوة في الأجراء، وأن أجعل الملك في الرعاء والعز في الأذلاء ~~والقوة في الضعفاء والغنى في الفقراء، والعلم في الجهلة والحكمة في ~~الأميين فسلهم متى هذا ومن القائم بهذا، ومن أعوان هذا الأمر وأنصاره إن ~~كانوا يعلمون وإني باعث لذلك نبيا أميا ليس أعمى من عميان، ولا ضالا ~~من ضالين وليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا مترين ms2082 بالفحش، ولا ~~قوال للخنا أسدده بكل جميل وأهب له كل خلق كريم أجعل السكينة لباسه، ~~والبر شعاره والتقوى ضميره والحكمة معقولة والصدق والوفاء طبيعته والعفو ~~والمعروف خلقه، والعدل سيرته والحق شريعته والهدى إمامه والإسلام ملته ~~وأحمد اسمه أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة وأرفع به بعد ~~الخمالة وأشهر به بعد النكرة، وأكثر به القلة وأغني به بعد العيلة، وأجمع ~~به بعد الفرقة وأؤلف به بين قلوب مختلفة وأهواء متشتتة وأمم متفرقة، ~~وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ~~توحيدا لي وإيمانا بي وإخلاصا لي يصلون قياما وقعودا، وركعا ~~وسجودا، ويقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ~~ابتغاء مرضاتي ألهمهم التكبير، والتوحيد والتسبيح والتحميد والتهليل ~~والمدحة والتمجيد لي في مسيرهم ومجالسهم، ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم ~~يكبرون ويهللون ويقدسون على رؤوس الأشراف يطهرون لي، الوجوه والأطراف ~~ويعقدون لي الثياب على الأنصاف قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم ~~رهبان بالليل ليوث بالنهار. # ذلك فضلي أوتيه من أشاء أنا ذو الفضل العظيم. فلما فرغ شعياء من مقالته ~~عدوا عليه ليقلتوه فهرب منهم فلقيته شجرة، فانفلقت له فدخل فيها فأدركه ~~الشيطان، فأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إياها فوضعوا المنشار في وسطها ~~فنشروها حتى قطعوها، وقطعوه في وسطها واستخلف الله على بني إسرائيل بعد ~~ذلك رجلا منهم يقال: ناشة بن أموص وبعث لهم أرمياء بن حلقيا نبيا، وكان ~~من سبط هرون بن عمران، وذكر ابن إسحاق أنه الخضر واسمه أرمياء الخضر لأنه ~~جلس على فروة بيضاء، فقام عنه وهي تهتز خضراء فبعث الله أرمياء إلى ذلك ~~الملك ليسدده ويرشده، ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وركبوا المعاصي ~~واستحلوا المحارم فأوحى الله إلى أرمياء، أن ائت قومك من بني إسرائيل ~~فاقصص عليهم ما آمرك به وذكرهم نعمي وعرفهم بأحداثهم. # فقال أرمياء: يا رب إني ضعيف إن لم تقوني عاجز إن لم تبلغني مخذول إن لم ~~تنصرني قال الله تعالى: أو لم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي وأن ~~القلوب والألسنة ms2083 بيدي، أقلبها كيف شئت إني معك، ولن يصل إليك شيء معي ~~فقام أرمياء فيهم، ولم يدر ما يقول فألهمه الله عز وجل في الوقت خطبة ~~بليغة بين لهم فيها ثواب الطاعة، وعقاب المعصية وقال في آخرها: عن الله ~~عز وجل حلفت بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم، ولأسلطن عليهم ~~جبارا قاسيا ألبسه الهيبة، وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد ~~الليل المظلم، ثم أوحى الله إلى أرمياء أني مهلك بني إسرائيل بيافث ويافث ~~من أهل بابل فسلط عليهم بختنصر فخرج من ستمائة ألف راية ودخل بيت المقدس ~~بجنوده ووطىء الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس وأمر ~~جنده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا، يقذفه في بيت المقدس ففعلوا ذلك ~~حتى ملؤوه. ثم أمرهم أن يجمعوا من بلدان بيت المقدس كلهم، فاجتمع عنده كل ~~صغير وكبير من بني إسرائيل فاختار منهم سبعين ألف صبي، فلما خرجت غنائم ~~جنده وأراد أن يقسمها فيهم، قالت له الملوك الذين كانوا معه: أيها الملك ~~لك غنائمنا كلها واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذي اخترتهم من بني إسرائيل، ~~فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمان، وفرق ~~من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق ثلثا أقرهم بالشام وثلثا سباهم وثلثا ~~قتلهم وذهب بإناث بيت المقدس، وبالصبيان السبعين ألفا حتى أقدمهم بابل ~~فكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزل الله عز وجل ببني إسرائيل بظلمهم فذلك ~~قوله سبحانه وتعالى: { فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا ~~عليكم عبادا لنآ أولي بأس شديد فجاسوا خلال ~~الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم ~~الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين ~~وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم ~~لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جآء وعد الآخرة ~~ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه ~~أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا }. { فإذا جاء ~~وعد أولاهما بعثنا عبادا لنا أولي بأس شديد } يعني بختنصر وأصحابه، ثم ~~إن يختنصر أقام في سلطانه ما شاء ثم رأى رؤيا عجيبة إذا رأى شيئا أصابه ms2084 ~~فأنساه الذي رأى فدعا دانيال وحنانيا وعزاريا ومشائيل وكانا من ذراري ~~الأنبياء، وسألهم عنها فقالوا: أخبرنا بها نخبرك بتأويلها فقال: ما ~~أذكرها ولئن لم تخبرني بها وبتأويلها لأنزعن أكتافكم فخرجوا من عنده، ~~فدعوا الله وتضرعوا إليه فأعلمهم الله بالذي سألهم عنه فجاؤوه فقالوا: ~~رأيت تمثالا قدماه وساقاه من فخار وركبتاه وفخذاه من نحاس وبطنه من فضة ~~وصدره من ذهب، ورأسه وعنقه من حديد قال: صدقتم قالوا: فبينما أنت تنظر ~~إليه وقد أعجبك أرسل الله صخرة من السماء فدقته فهي التي أنستكها قال: ~~صدقتم فما تأويلها قالوا: تأويلها أنك رأيت الملوك بعضهم كان ألين ملكا، ~~وبعضهم، كان أحسن ملكا وبعضهم كان أشد ملكا، والفخار أضعفه ثم فوقه ~~النحاس أشد منه ثم فوق النحاس الفضة أحسن من ذلك وأفضل والذهب أحسن من ~~الفضة، وأفضل ثم الحديد ملكك فهو أشد وأعز مما قبله، والصخرة التي رأيت ~~أرسل الله من السماء فدقته فنبي يبعثه الله من السماء فيدق ذلك أجمع ~~ويصير الأمر إليه، ثم إن أهل بابل قالوا لبختنصر: أرأيت هؤلاء الغلمان من ~~بني إسرائيل الذين سألناك أن تعطيناهم ففعلت فإنا قد أنكرنا نساءنا منذ ~~كانوا معنا، لقد رأينا نساءنا انصرفت وجوههن عنا إليهم فأخرجهم من بين ~~أظهرنا أو اقتلهم فقال شأنك بهم فمن أحب منكم أن يقتل من كان في يده، ~~فليفعل فلما قربوهم للقتل بكوا وتضرعوا إلى الله عز وجل، وقالوا: يا ربنا ~~أصابنا البلاء بذنوب غيرنا فوعدهم الله أن يحييهم فقتلوا إلا من كان منهم ~~مع بختنصر منهم دانيال وحنانيا وعزاريا وميشائيل، ثم لما أراد الله هلاك ~~بختنصر انبعث فقال لمن في يده من بني إسرائيل: أرأيتم هذا البيت الذي ~~خربت والناس الذي قتلت منكم، وما هذا البيت؟ قالوا هو بيت الله وهؤلاء ~~أهله كانوا من ذراري الأنبياء فظلموا وتعدوا فسلطت عليهم بذنوبهم وكان ~~ربهم رب السموات والأرض ورب الخلائق كلهم يكرمهم ويعزهم، فلما فعلوا ~~أهلكهم وسلط عليهم غيرهم فاستكبر وتجبر، وظن أنه بجبروته فعل ذلك ببني ~~إسرائيل، قال فأخبروني كيف ms2085 لي أن أطلع إلى السماء العليا، فأقتل من فيها ~~وأتخذها لي ملكا فإني قد فرغت من أهل الأرض، قالوا: ما يقدر عليها أحد ~~من الخلائق قال: لتفعلن أو لأقتلنكم عن آخركم فبكوا وتضرعوا إلى الله ~~تعالى فبعث الله عز وجل عليه بقدرته بعوضة، فدخلت منخره حتى عضت أم دماغه ~~فما كان يقر ولا يسكن، حتى يوجأ له رأسه على أم دماغه فلما مات شقوا رأسه ~~فوجدوا البعوضة عاضة على أم دماغه، ليري العباد قدرته ونجى الله من بقي ~~من بني إسرائيل في يده، وردهم إلى الشام فبنوا فيه وكثروا حتى كانوا على ~~أحسن ما كانوا عليه، ويزعمون أن الله سبحانه وتعالى أحيا أولئك الذين ~~قتلوا فلحقوا بهم ثم إنهم لما دخلوا الشام دخلوها، وليس معهم من الله ~~عهد. # كانت التوراة قد احترقت وكان عزير من السبايا الذين كانوا ببابل، فلما ~~رجع إلى الشام جعل يبكي ليله ونهاره، وخرج عن الناس فبينما هو كذلك إذ ~~جاءه رجل فقال له: يا عزير ما يبكيك؟ قال: أبكي على كتاب الله وعهده الذي ~~كان بين أظهرنا الذي لا يصلح ديننا وآخرتنا غيره. قال: أفتحب أن يرد إليك ~~قال: نعم قال: ارجع فصم وتطهر وطهر ثيابك ثم موعدك هذا المكان غدا فرجع ~~عزير فصام وتطهر وطهر ثيابه ثم عمد إلى المكان الذي وعده، فجلس فيه فأتاه ~~ذلك الرجل بإناء فيه ماء وكان ملكا بعثه الله إليه فسقاه من ذلك الإناء، ~~فمثلت التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل فوضع لهم التوراة، فأحبوه ~~حبا لم يحبوا حبه شيئا قط، ثم قبضه الله تعالى وجعلت بنو إسرائيل بعد ~~ذلك يحدثون الأحداث، ويعود الله عليهم، ويبعث فيهم الرسل فريقا يكذبون ~~وفريقا يقتلون حتى كان آخر من بعث إليهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى ~~عليهم السلام، وكانوا من بيت آل داود فزكريا مات، وقيل قتل وقصدوا عيسى ~~ليقتلوه فرفعه الله من بين أظهرهم وقتلوا يحيى، فلما فعلوا ذلك بعث الله ~~عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوش، فسار ms2086 إليهم بأهل بابل حتى دخل ~~عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمر رأسا من رؤساء جنوده يقال له بيورزاذان ~~صاحب القتل فقال له: إني قد كنت حلفت بإلهي لئن أنا ظفرت على أهل بيت ~~المقدس لأقتلنهم حتى يسيل الدم في وسط عسكري، إلا أن لا أجد أحدا أقتله ~~فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، ثم إن بيورزاذان دخل بيت المقدس فقام ~~في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم، فوجد فيها دما يغلي فسألهم ~~عنه فقال: يا بني إسرائيل ما شأن هذا الدم يغلي؟ أخبروني خبره. فقالوا: ~~هذا دم قربان لنا قربناه فلم يقبل منا فلذلك يغلي ولقد قربنا القربان من ~~ثمانمائة سنة، فتقبل منا إلا هذا فقال: ما صدقتموني فقالوا لو كان كأول ~~زمانننا لتقبل منا، ولكن قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي فلذلك لم ~~يقبل منا فذبح بيورزاذان منهم على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحا، من ~~رؤوسهم فلم يهدأ الدم فأمر سبعمائة غلام من غلمانهم، فذبحهم على الدم فلم ~~يهدأ فأمر بسبعة آلاف من شيبهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يهدأ، فلما ~~رأى بيورزاذان أن الدم لا يهدأ قال لهم: يا بني إسرائيل ويلكم أصدقوني ~~وأصبروا على أمر ربكم فقد طالما ملكتم في الأرض تفعلون ما شئتم قبل أن لا ~~أترك منكم نافخ نار من ذكر ولا أنثى إلا قتلته، فلما رأوا الجهد وشدة ~~القتل صدقوه الخبر فقالوا: إن هذا دم نبي كان ينهانا عن أمور كثيرة من ~~سخط الله تعالى فلو كنا أطعناه كنا أرشدنا. # وكان يخبرنا عن أمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه فقال لهم بيورزاذان ما ~~كان اسمه قالوا: يحيى بن زكريا قال: الآن صدقتموني لمثل هذا ينتقم ربكم ~~منكم فلما علم بيورزاذان أنهم صدقوه خر ساجدا وقال لمن حوله: أغلقوا ~~أبواب المدينة، وأخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوش، وخلا في بني إسرائيل ~~ثم قال: يا يحيى بن زكريا قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك، ومن قتل ~~منهم فاهدأ بإذن ربك قبل ms2087 أن لا أبقي من قومك أحدا إلا قتلته فهدأ الدم ~~بإذن الله تعالى، ورفع بيورزاذان عنهم القتل وقال: آمنت بما آمنت به بنو ~~إسرائيل، وأيقنت أنه لا رب غيره. وقال لبني إسرائيل: إن خردوش أمرني أن ~~أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإني لا أستطيع أن أعصيه قالوا له ~~افعل ما أمرت به، فأمرهم فحفروا خندقا، وأمرهم بأموالهم من الخيل ~~والبغال الحمير والإبل والبقر والغنم فذبحها حتى سال الدم في العسكر، ~~وأمر بالقتلى الذي قتلوا قبل ذلك فطرحوه على ما قتل من المواشي، فلم يظن ~~خردوش إلا أن ما في الخندق من دماء بني إسرائيل فلما بلغ الدم عسكره، ~~أرسل إلى بيورزاذان أن ارفع عنهم القتل ثم انصرف إلى بابل وقد أفنى بني ~~إسرائيل أو كاد يفنيهم ونهى الوقعة الأخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل ~~في قوله لتفسدن في الأرض مرتين فكانت الوقعة الأولى بختنصر وجنوده، ~~والأخرى خردوش وجنوده وكانت أعظم الوقعتين، فلم تقم لهم بعد ذلك راية ~~وانتقل الملك بالشام ونواحيها إلى الروم اليونايين، إلا أن بقايا بني ~~إسرائيل كثروا وكانت لهم الرياسة ببيت المقدس ونواحيها على غير وجه ~~الملك، وكانوا في نعمة إلى أن بدلوا وأحدثوا الأحداث فسلط الله عليهم ~~ططوس المقدس ابن أسبيانيوس الرمي، فخرب بلادهم وطردهم عنها، ونزع الله ~~عنهم الملك والرياسة وضربت عليهم الذلة والمسكنة، فما لبثوا في أمة إلا ~~وعليهم الصغار والجزية وبقي بيت المقدس خرابا إلى خلافة عمر بن الخطاب ~~فعمره المسلمون بأمره، وقيل في سبب قتل يحيى عليه السلام: أن ملك بني ~~إسرائيل كان يكرمه ويدني مجلسه، وأن الملك هوى بنت امرأته، وقال ابن عباس ~~ابنة أخيه فسأل يحيى تزويجها فنهاه عن نكاحها، فبلغ ذلك أمها فحقدت على ~~يحيى وعمدت حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثيابا رقاقا حمرا ~~وطيبتها وألبستها الحلي، وأرسلتها إلى الملك وأمرتها أن تسقيه فإن هو ~~راودها عن نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته فإذا أعطاها ما سألت سألت ~~رأس يحيى بن زكريا، وأن يؤتى به ms2088 في طست ففعلت فلما راودها قالت: لا أفعل ~~حتى تعطيني ما أسألك قال فما تسأليني قالت: رأس يحيى بن زكريا في هذا ~~الطست فقال ويحك سليني غير هذا. قالت: ما أريد غير هذا فلما أبت عليه، ~~بعث فأتي برأسه حتى وضع بين يديه والرأس يتكلم يقول: لا يحل لك فلما أصبح ~~إذا دمه يغلي، فأمر بتراب فألقي عليه فرقى الدم يغلي فلا زال يغلي، ويلقى ~~عليه التراب، وهو يغلي حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يرقى ويغلي وسلط ~~الله عليهم ملك بابل فخرب بيت المقدس، وقتل سبعين ألفا حتى سكن دمه. ### || [17.8-19] # { عسى ربكم أن يرحمكم } يعني يا بني إسرائيل بعد انتقامه منكم فيرد ~~الدولة إليكم { وإن عدتم } أي إلى المعصية { عدنا } أي إلى العقوبة. قال ~~قتادة فعادوا فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم: فهم يعطون الجزية عن ~~يد وهم صاغرون { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } أي سجنا ومحبسا من ~~الحصر الذي هو مجلس الحبس، و قيل: فراشا من الحصير الذي يبسط ويفترش. ~~قوله تعالى { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } أي إلى الطريقة التي هي ~~أصوب وقيل: إلى الكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إله إلا الله { ~~ويبشر } يعني القرآن { المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا ~~كبيرا } يعني الجنة { وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا ~~أليما } يعني النار في الآخرة { ويدع الإنسان } أي على نفسه وولده وماله ~~{ بالشر } يعني قوله عند الغضب: اللهم أهلكه اللهم العنه ونحو ذلك { ~~دعاءه بالخير } أي كدعائه ربه أن يهب له النعمة والعافية ولو استجاب الله ~~دعاءه على نفسه لهلك، ولكن الله لا يستجيب بفضله وكرمه { وكان الإنسان ~~عجولا } أي بالدعاء على ما يكره أن يستجاب له فيه، وقال ابن عباس: ضجرا ~~لا صبر له على سراء ولا ضراء. قوله تعالى { وجعلنا الليل والنهار آيتين ~~} أي علامتين دالتين على وحدانيتنا وقدرتنا وفي معنى الآية قولان: ~~أحدهما: أن يكون المراد من الآيتين نفس الليل والنهار، وهو أنه جعلهما ms2089 ~~دليلين للخلق على مصالح الدنيا والدين، أما في الدين فلأن كل واحد منهما ~~مضاد للآخر مغاير مع كونهما متعاقبين على الدوام ففيه أقوى دليل على أن ~~لهما مدبرا يدبرهما، ويقدرهما بالمقادير المخصوصة وأما في الدنيا، فلأن ~~مصالح العباد لا تتم إلا بهما ففي الليل يحصل السكون، والراحة وفي النهار ~~يحصل التصرف في المعاش والكسب. والقول الثاني: أن يكون المراد وجعلنا ~~نيرى الليل والنهار آيتين يريد الشمس والقمر { فمحونا آية الليل } أي ~~جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسا مظلما لا يستبان فيه شيء { وجعلنا آية ~~النهار مبصرة } أي تبصر فيه الأشياء رؤية بينة. قال ابن عباس: جعل الله ~~نور الشمس سبعين جزءا ونور القمر كذلك فمحا من نور القمر تسعة وستين ~~جزءا، فجعلها مع نور الشمس وحكي أن الله أمر جبريل فأمر جناحه على وجه ~~القمر ثلاث مرات، فطمس عليه الضوء وبقي فيه النور وسأل ابن الكواء عليا ~~عن السواد الذي في القمر، فقال هو أثر المحو { لتبتغوا فضلا من ربكم } ~~أي لتتوصلوا ببياض النهار إلى استبانة أعمالكم، والتصرف في معايشكم { ~~ولتعلموا } أي باختلاف الليل والنهار { عدد السنين والحساب } أي ما ~~يحتاجون إليه ولولا ذلك، لما علم أحد حساب الأوقات ولتعطلت الأمور، ولو ~~ترك الله الشمس والقمر، كما خلقهما لم يعرف الليل من النهار ولم يدر ~~الصائم متى يفطر، ولم يعرف وقت الحج ولا وقت حلول الديون المؤجلة. # واعلم أن الحساب يبنى على أربع مراتب: الساعات والأيام والشهور والسنين، ~~فالعدد للسنين والحساب لما دونها من الشهور والأيام والساعات، وليس بعد ~~هذه المراتب الأربعة إلا التكرار { وكل شيء فصلناه تفصيلا } يعني وكل ~~شيء تفتقرون إليه من أمر دينكم ودنياكم قد بيناه بيانا شافيا واضحا ~~غير ملتبس قيل: إنه سبحانه وتعالى لما ذكر أحوال آيتي الليل والنهار وهما ~~من وجه دليلان قاطعان على التوحيد ومن وجه آخر نعمتان من الله تعالى على ~~أهل الدنيا، وكل ذلك تفضل منه فلا جرم قال، وكل شيء فصلناه تفصيلا قوله ~~عز وجل { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ms2090 } قال ابن عباس: عمله وما قدر ~~عليه فهو ملازمه أينما كان. وقيل: خيره وشره معه لا يفارقه حتى يحاسب به. ~~وقيل: ما من مولود إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد، وقيل: أراد ~~بالطائر ما قضى عليه أنه عامله وما هو صائر إليهم من سعادة أو شقاوة، ~~وقيل: هو من قولك طار له سهم إذا خرج يعني ألزمناه ما طار له من عمله ~~لزوم القلادة أو الغل، لا ينفك عنه والعنق في قوله في عنقه كناية عن ~~اللزم كما يقال: جعلت هذا في عنقك أي قلدتك هذا العمل، وألزمتك الاحتفاظ ~~به وإنما خص العنق من بين سائر الأعضاء لأنه موضع القلائد والأطواق والغل ~~مما يزين أو يشين فإن كان عمله خيرا كان له كالقلادة أو الحلي في العنق ~~وهو ما يزينه، وإن كان عمله شرا كان له كالغل في عنقه وهو ما يشينه و ~~يخرج له بقول تبارك وتعالى { ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ~~} قيل: بسطت للإنسان صحيفتان وووكل به ملكان يحفظان عليه حسناته وسيئاته. ~~فإذا مات طويت الصحيفتان، وجعلتا معه في عنقه فلا ينشران إلا يوم القيامة ~~{ اقرأ كتابك } أي يقال له: اقرأ كتابك قيل يقرأ يوم القيامة من لم يكن ~~قارئا { كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } أي محاسبا قال الحسن: لقد عدل ~~عليك من جعلك حسيب نفسك، وقيل: يقول الكافر إنك لست بظلام للعبيد فاجعلني ~~أحاسب نفسي. فيقال له اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. قوله ~~سبحانه وتعالى { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها } ~~يعني أن ثواب العمل الصالح مختص بفاعله، وعقاب الذنب مختص بفاعله أيضا، ~~ولا يتعدى منه إلى غيره وهو قوله تعالى { ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي لا ~~تحمل حاملة ثقل أخرى من الآثام، ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد بل كل أحد مختص ~~بذنبه { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } لإقامة الحجة وقطعا للعذر ~~وفيه دليل على أن ما وجب إنما وجب بالسمع لا بالعقل. # قوله ms2091 سبحانه وتعالى { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها } في معنى ~~الآية قولان: أحدهما: أن المراد منه الأمر بالفعل، ثم إن لفظ الآية يدل ~~على أنه تعالى بماذا أمرهم فقال أكثر المفسرين: معناه أنه تعالى أمرهم ~~بالأعمال الصالحة، وهي الإيمان والطاعة وفعل الخير والقوم خالفوا ذلك ~~الأمر وفسقوا. والقول الثاني: أمرنا مترفيها أي كثرنا فساقها. يقال أمر ~~القوم إذا كثروا وأمرهم الله إذا كثرهم، ومنه الحديث # " خير المال مهرة مأمورة " # أي كثيرة النتاج والنسل فعلى هذه قوله تعالى أمرنا ليس من الأمر بالفعل. ~~والمترف هو الذي أبطرته النعمة وسعة العيش { ففسقوا فيها } أي خرجوا عما ~~أمرهم الله به من الطاعة { فحق عليها القول } أي وجب عليها العقاب { ~~فدمرناها تدميرا } أي أهلكناها إهلاك استئصال والدمار الهلاك والخراب ق، ~~عن أم المؤمنين زينب بنت جحش أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها ~~فزعا يقول: # " لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ~~ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها. قالت زينب: قلت يا ~~رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم إذا كثر الخبث " # قوله: ويل للعرب. ويل كلمة تقال: لمن وقع في هلكة، أو أشرف أن يقع فيها ~~وقوله إذا كثر الخبث أي الشر. قوله تعالى { وكم أهلكنا من القرون } أي ~~المكذبة { من بعد نوح } وهم عاد وثمود وغيرهم من الأمم الخالية يخوف الله ~~بذلك كفار قريش. قال عبد الله بن أبي أوفى: القرن عشرون ومائة سنة فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول قرن ويزيد بن معاوية في آخره. وقيل: ~~القرن مائة سنة وروي # " عن محمد بن القاسم بن عبد الله بن بشر المازني أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وضع يده على رأسه وقال: " سيعيش هذا الغلام قرنا " قال محمد ابن ~~القاسم: ما زلنا نعد له حتى تمت له مائة سنة ثم مات " # وقيل: القرن ثمانون سنة. وقيل: أربعون { وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا ~~بصيرا } يعني أنه عالم بجميع ms2092 المعلومات راء لجميع المرئيات لا يخفى عليه ~~شيء من أحوال الخلق. قوله عز وجل { من كان يريد العاجلة } أي الدار ~~العاجلة يعني الدنيا { عجلنا له فيها ما نشاء } أي من البسط أو التقتير { ~~لمن نريد } أن نفعل به ذلك أو إهلاكه، وقيل في معنى الآية. عجلنا له فيها ~~ما نشاء لمن نريد أي القدر الذي نشاء نعجله له في الدنيا، الذي يشاء هو ~~ولمن نريد أن نعجل له شيئا، قدرناه له هذا ذم لمن أراد بعمله ظاهر ~~الدنيا ومنفعتها وبيان أن من أرادها لا يدرك منها إلا ما قدر له، { ثم ~~جعلنا له } أي في الآخرة { جهنم يصلاها } أي يدخلها { مذموما مدحورا } ~~أي مطرودا مباعدا. # قوله سبحانه وتعالى { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها } أي عمل لها ~~عملها { وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا } أي مقبولا قيل: في الآية ~~ثلاث شرائط في كون السعي مشكورا إرادة الآخرة بعمله بأن يعقد بها همه ~~ويتجافى عن دار الغرور، والسعي فيما كلف من الفعل والترك، والإيمان ~~الصحيح الثابت، وعن بعض السلف الصالح. من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله، ~~إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب. ### || [17.20-25] # قوله عز وجل: { كلا نمد هؤلاء وهؤلاء } أي نمد كلا الفريقين من يريد ~~الدنيا، ومن يريد الآخرة { من عطاء ربك } يعني يرزقها جميعا ثم يختلف ~~الحال بهما في المآل { وما كان عطاء ربك محظورا } أي ممنوعا عن عباده ~~والمراد بالعطاء العطاء في الدنيا إذ لا حظ للكافر في الآخرة { انظر } يا ~~محمد { كيف فضلنا بعضهم على بعض } أي في الرزق والعمل يعني طالب العاجلة ~~وطالب الآخرة { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } يعني أن تفاضل الخلق ~~في درجات منافع الدنيا محسوس فتفاضلهم في درجات منافع الآخرة أكبر وأعظم ~~فإن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا، كنسبة ~~الآخرة إلى الدنيا فإذا كان الإنسان تشتد رغبته في طلب الدنيا فلأن تقوى ~~وتشتد رغبته في طلب الآخرة أولى، لأنها دار المقامة. قوله تعالى { لا ~~تجعل مع ms2093 الله إلها آخر } الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد ~~غيره وقيل معناه لا تجعل أيها الإنسان مع الله إلها آخر وهذا أولى { ~~فتقعد مذموما } أي من غير حمد { مخذولا } أي بغير ناصر. قوله سبحانه ~~وتعالى: { وقضى ربك } أي وأمر ربك. قاله ابن عباس: وقيل معناه وأوجب ربك. ~~وقيل: معناه الحكم والجزم. وقيل: ووصى ربك. وحكي عن الضحاك أنه قرأها ~~ووصى ربك وقال: إنهم ألصقوا الواو بالصاد فصار قافا وهي قراءة علي وابن ~~مسعود. قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير هذا القول بعيد ~~جدا لأنه يفتح باب أن التحريف والتغيير قد تطرق إلى القرآن ولو جوزنا ~~ذلك لارتفع الأمان على القرآن، وذلك يخرجه عن كونه حجة، ولا شك أنه طعن ~~عظيم في الدين { ألا تعبدوا إلا إياه } فيه وجوب عبادة الله، والمنع من ~~عبادة غيره وهذا هو الحق لأن العبادة عبارة عن الفعل المشتمل على نهاية ~~التعظيم، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن له الإنعام والإفضال على عباده ~~ولا منعم إلا الله، فكان هو المستحق للعبادة لا غيره { وبالوالدين ~~إحسانا } أي وأمر بالوالدين إحسانا أي برا بهما وعطفا عليهما ~~وإحسانا إليهما { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } معناه أنهما ~~يبلغان إلى حالة الضعف، والعجز فيصيران عندك في آخر العمر كما كنت عندهما ~~في أول العمر واعلم أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر هذه الجملة، كلف ~~الإنسان في حق الوالدين خمسة أشياء: الأول قوله تعالى { فلا تقل لهما أف ~~} وهي كلمة تضجر وكراهية، وقيل: إن أصل هذه الكلمة أنه إذا سقط عليك ~~تراب أو رماد، ونفخت فيه تزيله تقول: أف ثم إنهم توسعوا بذكر هذه الكلمة ~~إلى كل مكروه يصل إليهم. والثاني: قوله { ولا تنهرهما } أي تزجرهما عما ~~يتعاطيانه مما لا يعجبك يقال: نهره وانتهره بمعنى. # فإن قلت: المنع من التأفيف أبلغ من المنع من الانتهار فما وجه الجمع ~~قلت: المراد من قوله ولا تقل لهما أف المنع من إظهار الضجر بالقليل ~~والكثير، والمراد من قوله ولا ms2094 تنهرهما، المنع من إظهار المخالفة في القول ~~على سبيل الرد عليها. الثالث: قوله { وقل لهما قولا كريما } أي حسنا ~~جميلا لينا كما يقتضيه حسن الأدب معهما، وقيل: هو يا أماه يا أبتاه ~~وقيل: لا يكنيهما وقيل: هو أن يقول لهم كقول العبد الذليل المذنب للسيد ~~الفظ الغليظ. الرابع: قوله عز وجل { واخفض لهما جناح الذل } أي ألن لهما ~~جناحك واخفضه لهما حتى لا تمتنع عن شيء أحباه { من الرحمة } أي من الشفقة ~~عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إليك، كما كنت في حال الصغر مفتقرا ~~إليهما. الخامس: قوله سبحانه وتعالى { وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } ~~أي وادع الله لهما أن يرحمهما برحمته الباقية، وأراد به إذا كانا مسلمين ~~فأما إذا كانا كافرين فإن الدعاء منسوخ في حقهما بقوله سبحانه وتعالى # ما كان للنبي والذين أمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى # [التوبة: 114] وقيل: يجوز الدعاء لهما بأن يهديهما الله إلى الإسلام ~~فإذا هداهما فقد رحمهما. وقيل في معنى هذه الآية: إن الله سبحانه وتعالى ~~بالغ في الوصية بهما حيث افتتحها بالأمر بتوحيده وعبادته، ثم شفعه ~~بالإحسان إليهما ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة ~~تسوؤهما وأن يذل، ويخضع لهما ثم ختمها بالأمر بالدعاء لهما والترحم ~~عليهما. فصل في ذكر الأحاديث التي وردت في بر الوالدين، ق عن أبي هريرة ~~قال: # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق ~~الناس بحسن صحبتي؟ قال: أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك فأدناك " # م عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " رغم أنفه، رغم أنفه قيل من يا رسول الله؟ قال من أدرك والديه عند ~~الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة " # م عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه " # ق عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه ms2095 وسلم فاستأذنه في الجهاد: فقال: ~~أحي والداك قال: نعم قال ففيهما فجاهد " # وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " رضا الرب من رضا الوالدين وسخط الرب في سخط الوالدين " # أخرجه الترمذي مرفوعا وموقوفا قال: هو أصح عن أبي الدرداء قال # " فإن شئت فضيع ذلك الباب أو احفظه " # أخرجه الترمذي. وقال حديث صحيح م # " عن عبد الله بن مسعود قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ~~الأعمال أحب إلى الله تعالى قال الصلاة لوقتها قلت، ثم أي قال بر ~~الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل الله تعالى " # قوله سبحانه وتعالى { ربكم أعلم بما في أنفسكم } أي من بر الوالدين، ~~واعتقاد ما يجب لهما من التوقير، عدم عقوقهما { إن تكونوا صالحين } أي ~~أبرارا مطيعين قاصدين الصلاح والبر بعد تقصير كان منكم في القيام بما ~~لزمكم من حق الوالدين، أو غيرهما أو قبل فرط منكم في حال الغضب، وعن حرج ~~الصدر وما لا يخلو منه البشر مما يؤدي إلى أذاهما ثم أنبتم إلى الله، ~~واستغفرتم مما فرط منكم { فإنه كان للأوابين } للتوابين { غفورا } قال ~~سعيد بن جبير في هذه الآية: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه لا يريد ~~بذلك إلا الخير فإنه لا يؤاخذ بهما. وقال سعيد بن المسيب: الأواب الذي ~~يذنب ثم يتوب وعنه أنه الرجاع إلى الخير. وقال ابن عباس: الأواب الرجاع ~~إلى الله فيما يحزنه، وينوبه وعنه أنهم المسبحون. وقيل: هم المصلون وقيل ~~هم الذين يصلون صلاة الضحى يدل عليه ما روي عن زيد بن أرقم. قال: خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل قباء وهم يصلون الضحى فقال # " صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال " # أخرجه مسلم. قوله: إذا رمضت الفصال يريد ارتفاع الضحى وأن تحمى الرمضاء ~~وهو الرمل بحر الشمس فتبرك الفصال من الحر وشدة إحراقه أخفافها. والفصال ~~جمع فصيل وهي أولاد الإبل الصغار وقيل: الأواب الذي يصلي بين المغرب ~~والعشاء يدل عليه ما روي عن ابن عباس: إن الملائكة لتحف ms2096 بالذين يصلون بين ~~المغرب والعشاء وهي صلاة الأوابين. ### || [17.26-38] # قوله سبحانه وتعالى: { وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل } قيل: ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أمره الله سبحانه وتعالى أن يؤتي أقاربه ~~حقوقهم وقيل: إنه خطاب للكل وهو أنه سبحانه وتعالى، وصى بعد بر الوالدين ~~بالقرابة أن يؤتوا حقهم من صلة الرحم والمودة، والزيارة وحسن المعاشرة ~~والمؤالفة على السراء والضراء والمعاضدة ونحو ذلك وقيل إن كانوا محاويج، ~~وهو موسر لزمه الإنفاق عليهم وهو مذهب أبي حنيفة. وقال الشافعي رضي الله ~~عنه: لا تلزم النفقة إلا لوالد على ولده أو ولد على والديه فحسب وقيل: ~~أراد بالقرابة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدم الكلام على ~~المسكين وابن السبيل { ولا تبذر تبذيرا } أي لاتنفق مالك في المعصية. ~~وقيل: لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرا ولو أنفق درهما ~~أو مدا في باطل كان مبذرا. وسئل ابن مسعود عن التبذير فقال: إنفاق ~~المال في غير حقه. وقيل: هو إنفاق المال في العمارة على وجه السرف وقيل: ~~إن بعضهم أنفق نفقة في خير فأكثر فقال له صاحبه لا خير في السرف فقال لا ~~سرف في الخير { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } يعني أولياءهم ~~وأصدقاءهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف، وقيل: أمثالهم في ~~الشر وهذا غاية المذمة لأنه أشر من الشياطين، والعرب تقول لكل من هو ~~ملازم سنة قوم: هو أخوهم { وكان الشيطان لربه كفورا } أي جحودا للنعمة ~~فما ينبغي أن يطاع لأنه يدعو إلى مثل عمله. قوله عز وجل { وإما تعرضن ~~عنهم } نزلت في مهجع وبلال وصهيب وسالم وخباب كانوا يسألون النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الأحايين ما يحتاجون إليه، ولا يجد فيعرض عنهم حياء ~~منهم ويمسك عن القول فنزلت هذه الآية. والمعنى: وإن تعرض عن هؤلاء الذي ~~أمرت أن تؤتيهم { ابتغاء رحمة من ربك ترجوها } أي انتظار رزق من الله ~~ترجوه أن يأتيك { فقل لهم قولا ميسورا } أي لينا جميلا أي عدهم وعدا ~~طيبا، ms2097 تطيب به قلوبهم. وقيل: هو أن يقول رزقنا الله وإياكم من فضله. ~~قوله سبحانه وتعالى { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } قال جابر: أتى صبي ~~فقال يا رسول الله إن أمي تستكسيك درعا ولم يكن لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلا قميصه فقال للصبي: من ساعة إلى ساعة يظهر كذا فعد إلينا ~~وقتا آخر فعاد إلى أمه فقالت: قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك، ~~فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانا ~~فأذن بلال بالصلاة، وانتظره فلم يخرج فشغل قلوب أصحابه فدخل عليه بعضهم ~~فرآه عريانا فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية، ولا تجعل يدك مغلولة ~~إلى عنقك أي لا تمسك يدك عن النفقة في الحق والخير كالمغلولة يده لا يقدر ~~على مدها { ولا تبسطها } أي بالعطاء { كل البسط } أي فتعطي جميع ما عندك. # وقيل: هذا تمثيل لمنع الشحيح، وإعطاء المسرف أمر بالاقتصاد الذي هو بين ~~الإسراف والتقتير { فتقعد ملوما } أي عند الله لأن المسرف غير مرضي ~~عنده، وقيل ملوما عند نفسك وأصحابك أيضا يلومونك على تضييع المال ~~بالكلية وقيل: يلومك سائلوك على الإمساك إذا لم تعطهم { محسورا } أي ~~منقطعا لا شيء عندك تنفقه وقيل: محسورا أي نادما على ما فرط منك. ثم ~~سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يرهقه من الإضافة بأن ذلك ليس ~~لهوان بك عليه ولا لبخل منه عليك فقال تعالى { إن ربك يبسط } أي يوسع { ~~الرزق لمن يشاء ويقدر } أي يقتر ويضيق، وذلك لمصلحة العباد { إنه كان ~~بعباده خبيرا بصيرا } يعني أنه سبحانه وتعالى عالم بأحوال جميع عباده، ~~وما يصلحهم فالتفاوت في أرزاق العباد ليس لأجل البخل بل لأجل رعاية مصالح ~~العباد. قوله عز وجل { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } أي فاقة وفقر { ~~نحن نرزقهم وإياكم } وذلك أن أهل الجاهلية، كانوا يئدون بناتهم خشية ~~الفاقة أو يخافون عليهم من النهب والغارات، أو أن ينكحوهن لغير أكفاء ~~لشدة الحاجة وذلك عار شديد عندهم فنهاهم الله عن ms2098 قتلهن وقال نحن نرزقهم ~~وإياكم، يعني أن الأرزاق بيد الله فكما أنه فتح أبواب الرزق على الرجال ~~فكذلك يفتحه على النساء { إن قتلهم كان خطئا كبيرا } أي إثما كبيرا { ~~ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة } أي قبيحة زائدة على حد القبح { وساء ~~سبيلا } أي بئس طريقا طريقه، وهو أن تغصب امرأة غيرك أو أخته أو بنته ~~من غير سبب والسبب ممكن وهو الصهر الذي شرعه الله تعالى قيل: إن الزنا ~~يشتمل على أنواع من المفاسد منه المعصية وإيجاب الحد على نفسه ومنها ~~اختلاط الأنساب فلا يعرف الرجل ولد من هو ولا يقوم أحد بتربيته وذلك يوجب ~~ضياع الأولاد، وانقطاع النسل وذلك يوجب خراب العالم. قوله عز وجل { ولا ~~تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } الأصل في القتل هو الحرمة ~~المغلظة، وحل القتل إنما ثبت بسبب عارض، فلما كان كذلك نهى الله عن القتل ~~على حكم الأصل ثم استثنى الحالة التي يحصل فيها حل القتل، وهي الأسباب ~~العرضية فقال إلا بالحق أي إلا بإحدى ثلاث كما روي عن ابن مسعود أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا ~~بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ~~" # أخرجاه في الصحيحين { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سطانا } أي قوة ~~وولاية على القاتل بالقتل وقيل: سطانه هو أنه يتخير فإن شاء استقاد منه ~~وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا { فلا يسرف في القتل } أي الولي قال ابن ~~عباس: لا يقتل غير القاتل وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا قتل منهم قتيل ~~لا يرضون بقتل قاتله حتى يقتل أشرف منه. وقيل معناه إذا كان القتيل ~~واحدا فلا يقتل به جماعة بل بواحد وكان أهل الجاهلية إذا كان المقتول ~~شريفا فلا يرضون بقتل القاتل وحده حتى يقتلوا معه جماعة من أقربائه، ~~وقيل معناه أن لا يمثل بالقاتل { إنه كان منصورا } قيل الضمير راجع ~~للمقتول ظلما يعني ms2099 أنه منصور في الدنيا بإيجاب القود على قاتله وفي ~~الآخرة بتكفير خطاياه وإيجاب النار لقاتله، وقيل: الضمير راجع إلى ولي ~~المقتول معناه: إنه كان منصورا على القاتل باستيفاء القصاص منه أو الدية ~~وقيل في قوله: فلا يسرف في القتل أراد به القاتل المعتدي بالقتل بغير ~~الحق فإنه إن فعل ذلك فولي القتيل منصور عليه باستيفاء القصاص منه. قوله ~~سبحانه وتعالى { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } أي الطريقة ~~التي هي أحسن، وهي تنميته وحفظه عليه { حتى يبلغ أشده } وهو بلوغ النكاح ~~والمراد ببلوغ الأشد كمال عقله ورشده بحيث يمكنه القيام بمصالح ماله، ~~وإلا لم ينفك عنه الحجر { وأوفوا بالعهد } أي الإتيان بما أمر الله ~~والانتهاء عما نهي عنه وقيل: أراد بالعهد ما يلتزمه الإنسان على نفسه { ~~إن العهد كان مسؤولا } أي عنه وقيل مطلوبا وقيل: العهد يسأل فيقال فيم ~~نقضت كالموؤدة تسأل فيم قتلت. قوله عز وجل { وأفوا الكيل إذا كلتم } ~~المراد منه إتمام الكيل { وزنوا بالقسطاس المستقيم } قيل هو ميزان صغيرا ~~كان أو كبيرا، من ميزان الدراهم إلى ما هو أكبر منه وقيل: هو القبان قيل ~~هو رومي وقيل: سرياني والأصح أنه عربي مأخوذ من القسط وهو العدل أي وزنوا ~~بالعدل المستقيم، واعلم أن التفاوت الحاصل بسبب نقصان الكيل والوزن قليل ~~والوعيد الحاصل عليه شديد عظيم، فوجب على العاقل الاحتراز عنه وإنما ~~الوعيد فيه لأن جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء، ~~فالشارع بالغ في المنع من التطفيف والنقصان، سعيا في إبقاء الأموال على ~~أربابها { ذلك خير وأحسن تأويلا } أي أحسن عاقبة من آل إذا رجع، وهو ما ~~يؤول إليه أمره. قوله سبحانه وتعالى { ولا تقف } أي ولا تتبع { ما ليس ~~لك به علم } أي لا تقل رأيت ولم تر وسمعت ولم تسمع وعلمت ولم تعلم. وقيل: ~~معناه لا ترم أحدا بما ليس لك به علم وقيل لا يتبعه بالحدس والظن وقيل: ~~هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور، ويتتبعها ويتعرفها والمراد أنه لا ~~يتكلم في أحد ms2100 بالظن { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ~~} معناه يسأل المرء عن سمعه وبصره وفؤاده، وقيل يسأل السمع البصر ~~والفؤاد، عما فعله المرء فعلى هذا ترجع الإشارة في أولئك إلى الأعضاء، ~~وعلى القول الأول ترجع إلى أربابها. # " عن شكل بن حميد قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله ~~علمني تعويذا أتعوذ به قال: فأخذ بيدي ثم قال: " قل أعوذ بك من شر سمعي ~~وشر بصري وشر فؤادي وشر لساني وشر قلبي وشر منيي قال فحفظتها " " # أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي. وقال حديث حسن غريب. قوله: وشر منيي ~~يعني ماءه وذكره. قوله عز وجل { ولا تمش في الأرض مرحا } أي بطرا ~~وكبرا وخيلاء { إنك لن تخرق الأرض } أي لن تقطها بكبرك حتى تبلغ آخرها { ~~ولن تبلغ الجبال طولا } أي لا تقدر أن تطاول الجبال، وتساويها بكبرك ~~والمعنى أن الإنسان لا ينال بكبره وبطره شيئا كمن يريد خرق الأرض ~~ومطاولة الجبال، لا يحصل على شيء. وقيل: إن الذي يمشي مختالا يمشي مرة ~~على عقبيه، ومرة على صدور قدميه فقيل له: إنك لن تنقب الأرض إن مشيت على ~~عقبيك ولن تبلغ الجبال طولا إن مشيت على صدور قدميك. عن علي قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صبب. ~~أخرجه الترمذي في الشمائل. قوله تكفؤا: التكفؤ التمايل في المشي إلى ~~قدام، وقوله كأنما ينحط من صبب هو قريب من التكفؤ أي كأنه ينحدر من موضع ~~عال، عن أبي هريرة قال: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدا أسرع من مشيه من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كأنما الأرض تطوى له إنا لنجهد أنفسنا. وإنه لغير ~~مكترث. أخرجه الترمذي. قوله: لغير مكترث أي شاق والاكتراث الأمر الذي يشق ~~على الإنسان { كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها } أي ما ذكر من الأمور ~~التي نهى الله عنها فيما تقدم. ms2101 فإن قلت: كيف قيل: سيئة مع قوله مكروها؟ ~~قلت: قيل فيه تقديم وتأخير تقديره كل ذلك كان مكروها سيئة عند ربك ~~وقوله: مكروها على التكرير لا على الصفة أي كل ذلك كان سيئة وكان ~~مكروها وقيل إنه يرجع إلى المعنى دون اللفظ، لأن السيئة الذنب وهو مذكر. ### || [17.39-46] # قوله سبحانه وتعالى: { ذلك } إشارة إلى ما تقدم من الأوامر والنواهي في ~~هذه الآيات { مما أوحى إليك ربك من الحكمة } أي إن الأحكام المذكورة في ~~هذه الآيات شرائع واجبة الرعاية في جميع الأديان والملل لا تقبل النسخ ~~والإبطال فكانت محكمة وحكمة بهذا الاعتبار. وقيل: إن حاصل هذه الآيات ~~يرجع إلى الأمر بالتوحيد وأنواع البر والطاعات والإعراض عن الدنيا ~~والإقبال على الآخرة وذلك من الحكمة. قيل: إن هذه الآيات كانت في ألواح ~~موسى عليه السلام أولها: ولا تجعل مع الله إلها آخر. قال الله سبحانه ~~وتعالى وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة، واعلم أن الله سبحانه ~~وتعالى: افتتح هذه الآيات بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك وختمها به، ~~والمقصود منه التنبيه على أن كل قول وعمل يجب أن يكرر في التوحيد لأنه ~~رأس كل حكمة، وملاكها ومن عدمه لم ينفعه شيء ثم إنه سبحانه وتعالى ذكر في ~~الآية الأولى أن الشرك يجب أن يكون صاحبه مذموما مخذولا وقال في هذه ~~الآية { ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا } ~~والفرق بين المذموم والملوم أما كونه مذموما فمعناه، أن يذكر له أن ~~الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر فهذا معنى كونه مذموما ثم يقال له: لم ~~فعلت هذا الفعل القبيح وما الذي حملك عليه، وهذا هو اللوم والفرق بين ~~المخذول والمدحور أن المخذول هو الضعيف الذي لا ناصر له، والمدحور هو ~~المبعد المطرود عن كل خير. قوله سبحانه وتعالى { أفأصفاكم ربكم } يعني ~~أفخصكم واختاركم فجعل لكم الصفوة ولنفسه ما ليس بصفوة { بالبنين } يعني ~~اختصكم بأفضل الأولاد وهم البنون { واتخذ من الملائكة إناثا } لأنهم ~~كانوا يقولون: الملائكة بنات الله مع علمهم ms2102 بأن الله سبحانه وتعالى هو ~~الموصوف بالكمال الذي لا نهاية له وهذا يدل على نهاية جعل القائلين بهذا ~~القول { إنكم لتقولون قولا عظيما } يخاطب مشركي مكة يعني بإضافتهم إليه ~~الأولاد وهي خاصة بالأجسام، ثم إنهم يفضلون عليه أنفسهم حيث يجعلون له ما ~~يكرهون لأنفسهم يعني البنات. قوله سبحانه وتعالى { ولقد صرفنا في هذا ~~القرآن } يعني العبر والحكم والأمثال والأحكام والحجج والإعلام والتشديد ~~في صرفنا للتكثير والتكرير { ليذكروا } أي ليتعظوا ويعتبروا { وما يزيدهم ~~} أي تصريفنا وتذكيرنا { إلا نفورا } أي تباعدا عن الحق { قل } أي قل ~~يا محمد لهؤلاء المشركين { لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا } أي ~~لطلبوا يعني هؤلاء الآلهة { إلى ذي العرش سبيلا } أي بالمبالغة والقهر ~~ليزيلوا ملكه كفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض. وقيل: معناه لتقربوا إليه. ~~وقيل: معناه لتعرفوا إليه فضله فابتغوا ما يقربهم إليه والأول أصح، ثم ~~نزه نفسه فقال عز وجل { سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا } معنى ~~وصفه بذلك المبالغة في البراءة والبعد عما يصفونه. # قوله عز وجل { تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن } يعني الملائكة ~~والإنس والجن { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } قال ابن عباس: وإن من شيء حي ~~إلا يسبح. وقيل: جميع الحيوانات والنباتات. قيل: إن الشجرة تسبح ~~والأسطوانة لا تسبح. وقيل: إن التراب يسبح ما لم يبتل، فإذا ابتل ترك ~~التسبيح، وإن الخرزة تسبح ما لم ترفع من موضعها، فإذا رفعت تركت التسبيح. ~~وإن الورقة تسبح ما دامت على الشجرة، فإذا سقطت تركت التسبيح، وإن الماء ~~يسبح ما دام جاريا فإذا ركد ترك التسبيح وإن الثوب يسبح ما دام جديدا ~~فإذا اتسخ ترك التسبيح وإن الوحش والطير لتسبح إذا صاحت، فإذا سكتت تركت ~~التسبيح وإن من شيء جماد أو حي إلا يسبح بحمده حتى صرير الباب ونقيض ~~السقف وقيل: كل الأشياء تسبح الله حيوانا كان أو جمادا وتسبيحها: سبحان ~~الله وبحمده، ويدل على ذلك ما روي # " عن ابن مسعود قال: كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا كنا مع ms2103 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء فقال: " اطلبوا فضلة من ~~ماء فجاؤوا بإناء فيه قليل، فأدخل يده صلى الله عليه وسلم في الإناء ثم ~~قال: حي على الطهور المبارك، والبركة من الله ". فقد رأيت الماء ينبع من ~~بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو ~~يؤكل " # أخرجه البخاري م عن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن بمكة حجرا كان يسلم علي ليالي بعثت وإني لأعرفه الآن " # خ عن ابن عمر قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول ~~إليه فحن الجذع فأتاه فمسح بيده عليه " # وفي رواية # " فنزل فاحتضنه وساره بشيء " # ففي هذه الأحاديث دليل على أن الجماد يتكلم وأنه يسبح، وقال بعض أهل ~~المعاني: تسبيح السموات والأرض، والجمادات والحيوانات سوى العقلاء بلسان ~~الحال، بحيث تدل على الصانع وقدرته ولطيف حكمته فكأنها تنطق بذلك، ويصير ~~لها بمنزلة التسبيح والقول الأول أصح كما دلت عليه الأحاديث، وأنه منقول ~~عن السلف. واعلم أن لله تعالى علما في الجمادات لا يقف عليه غيره فينبغي ~~أن نكل علمه إليه. وقوله تعالى { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } أي لا تعلمون ~~ولا تفهمون تسبيحهم، ما عدا من يسبح بلغتكم ولسانكم { إنه كان حليما ~~غفورا } أي حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وجهلكم بالتسبيح. قوله ~~عز وجل { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا } أي يحجب قلوبهم عن فهمه والانتفاع به، وقيل: معناه ~~مستورا عن أعين الناس فلا يرونه كما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: # " لما نزلت تبت يدا أبي لهب جاءت امرأة أبي لهب معها حجر والنبي صلى لله ~~عليه وسلم مع أبي بكر فلم تره فقالت لأبي بكر: أين صاحبك لقد بلغني أنه ~~هجاني فقال لها أبو بكر والله ما ينطق بالشعر، ولا يقوله فرجعت وهي تقول ~~قد كنت جئت بهذا الحجر لأرضخ رأسه فقال أبو ms2104 بكر: ما رأتك يا رسول الله. ~~قال: " لا لم يزل ملك بيني وبينها " " # { وجعلنا على قلوبهم أكنة } أي أغطية { أن يفقهوه } أي لئلا يفهموه { ~~وفي آذانهم وقرا } أي ثقلا لئلا يسمعوه { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ~~} يعني إذا قلت لا إله إلا الله وأنت تتلو القرآن { ولوا على أدبارهم ~~نفورا } جمع نافر. ### || [17.47-57] # { نحن أعلم بما يستمعون به } أي من الهزء بك وبالقرآن وقيل: معناه نحن ~~أعلم بالوجه الذي يستمعون به وهو التكذيب { إذ يستمعون إليك } أي وأنت ~~تقرآ القرآن { وإذ هم نجوى } أي بما يتناجون به في أمرك، وقيل: معناه ذوو ~~نجوى بعضهم يقول: هو مجنون وبعضهم يقول هو كاهن وبعضهم يقول ساحر أو شاعر ~~{ إذ يقول الظالمون } يعني الوليد بن المغيرة وأصحابه { إن تتبعون إلا ~~رجلا مسحورا } أي مطبوبا وقيل مخدوعا وقيل: معناه أنه سحر فجن. وقيل: ~~هو من السحر وهو الرئة، ومعناه أنه بشر مثلكم يأكل ويشرب قال الشاعر: # أرانا موضعين لأمر غيب ونسخر بالطعام وبالشراب # أي يغذى بهما { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } أي الأشباه فقالوا: ساحر ~~شاعر كاهن مجنون { فضلوا } أي في جميع ذلك وحاروا { فلا يستطيعون سبيلا ~~} أي إلى طريق الحق { وقالوا أئذا كنا عظاما } أي بعد الموت { ورفاتا } ~~أي ترابا وقيل: الرفات هي الأجزاء المتفتتة من كل شيء تكسر { أئنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا } فيه أنهم استبعدوا الإعادة بعد الموت والبلى. ~~فقال سبحانه وتعالى ردا عليهم { قل } أي قل يا محمد { كونوا حجارة } أي ~~في الشدة { أو حديدا } أي في القوة وليس هذا بأمر إلزام بل هو أمر ~~تعجيزي أي استشعروا في قلوبكم، أنكم حجارة أو حديد في القوة { أو خلقا ~~مما يكبر في صدوركم } قيل: يعني السماء والأرض والجبال لأنها أعظم ~~المخلوقات. وقيل: يعني به الموت لأنه لا شيء في نفس ابن آدم أكبر من ~~الموت، ومعناه لو كنتم الموت بعينه لأميتنكم ولأبعثنكم { فسيقولون من ~~يعيدنا } أي من يبعثنا بعد الموت { قل الذي فطركم } أي خلقكم { أول مرة } ~~فمن قدر على الإنشاء ms2105 قدر على الإعادة { فسينغضون إليك رؤوسهم } أي ~~يحركونها إذا قلت لهم ذلك مستهزئين بما تقول { ويقولون متى هو } يعني ~~البعث والقيامة { قل عسى أن يكون قريبا } أي هو قريب { يوم يدعوكم } أي ~~من قبوركم إلى موقف القيامة { فتستجيبون بحمده } قال ابن عباس: بأمره ~~وقيل بطاعته وقيل مقرين بأنه خالقهم وباعثهم ويحمدونه حين لا ينفعهم ~~الحمد، وقيل: هذا خطاب مع المؤمنين فإنهم يبعثون حامدين { وتظنون إن ~~لبثتم } أي في الدنيا وقيل في القبور { إلا قليلا } وذلك لأن الإنسان لو ~~مكث في الدنيا وفي القبر ألوفا من السنين، عد ذلك قليلا بنسبة مدة ~~القيامة والخلود في الآخرة، وقيل: إنهم يستحقرون مدة الدنيا في جنب ~~القيامة. قوله سبحانه وتعالى { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } وذلك أن ~~المشركين كانوا يؤذون المسلمين، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأنزل الله عز وجل. وقل لعبادي يقولوا يعني للكفار التي هي أحسن، أي ~~لا يكافئوهم على سفههم بل يقولون لهم يهديكم الله وكان هذا قبل الإذن في ~~القتال والجهاد. # وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب وذلك أنه شتمه بعض الكفار، فأمره الله ~~بالعفو. وقيل: أمر الله المؤمنين أن يقولوا ويفعلوا الخلة التي هي أحسن ~~وقيل الأحسن كلمة الإخلاص لا إله إلا الله { إن الشيطان ينزغ بينهم } أي ~~يفسد ويلقي العداوة بينهم { إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا } أي ~~ظاهر العداوة. قوله عز وجل: ربكم أعلم بكم { إن شاء يرحمكم } أي يوفقكم ~~للإيمان فتؤمنوا { أو إن يشأ يعذبكم } أي يميتكم على الشرك فتعذبوا، وقيل ~~معناه إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أهل مكة، وإن يشأ يعذبكم أي يسلطهم عليكم ~~{ وما أرسلناك عليهم وكيلا } أي حفيظا وكفيلا قيل: نسختها آية القتال ~~{ وربك أعلم بمن في السموات والأرض } يعني أن علمه غير مقصور عليكم بل ~~علمه متعلق بجميع الموجودات والمعدومات ومتعلق بجميع ذات الأرضين ~~والسموات، ويعلم حال كل أحد ويعلم ما يليق به من المصالح والمفاسد وقيل: ~~معناه أنه عالم بأحوالهم واختلاف صورهم وأخلاقهم ومللهم وأديانهم { ولقد ms2106 ~~فضلنا بعض النبيين على بعض } وذلك أنه اتخذ إبراهيم خليلا وكلم موسى ~~تكليما، وقال لعيسى: كن فكان وآتى سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ~~وآتى داود زبورا وذلك قوله تعالى { وآتينا داود زبورا } وهو كتاب أنزله ~~الله على داود يشتمل على مائة وخمسون سورة، كلها دعاء وثناء على الله ~~تعالى وتحميد وتمجيد ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود ولا ~~أحكام. فإن قلت: لم خص داود في هذه الآية بالذكر دون غيره من الأنبياء؟ ~~قلت: فيه وجوه: أحدها أن الله ذكر أنه فضل بعض النبيين على بعض ثم قال ~~تعالى: وآتينا داود زبورا وذلك أن داود أعطي من النبوة الملك، فلم يذكره ~~بالملك وذكر ما آتاه من الكتاب تنبيها على أن الفضل المذكور في هذه ~~الآية المراد به العلم لا الملك والمال. الوجه الثاني: أن الله سبحانه ~~وتعالى كتب له في الزبور أن محمدا خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم ~~فلهذا خصه بالذكر. الوجه الثالث: أن اليهود زعمت أن لا نبي بعد موسى، ولا ~~كتاب بعد التوراة فكذبهم الله بقوله: وآتينا داود زبورا ومعنى الآية ~~أنكم لن تنكروا تفضيل النبيين، فكيف تنكرون تفضيل النبي صلى الله عليه ~~سلم وإعطاءه القرآن وأن الله آتى موسى التوراة، وداود الزبور وعيسى ~~الأنجيل فلم يبعد أن يفضل محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق { ~~ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } وهذا خطاب مع من يقر بتفضيل الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام. قوله عز وجل { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه } وذلك أن ~~الكفار أصابهم قحط شديد حتى أكلوا الكلاب والجيف، فاستغاثوا بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم ليدعو لهم فقال الله عز وجل: قل ادعوا الذين زعمتم أنهم ~~آلهة من دونه { فلا يملكون كشف الضر عنكم } أي الجوع والقحط { ولا ~~تحويلا } أي إلى غيركم أو تحويل الحال من العسر إلى اليسر، ومقصود الآية ~~الرد على المشركين، حيث قالوا ليس لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله فنحن ~~المقربين إليه، وهم الملائكة. # ثم إنهم ms2107 اتخذوا لذلك الملك الذي عبدوه تمثالا وصورة وقد اشتغلوا ~~بعبادته فاحتج على بطلان قولهم بهذه الآية وبين عجز آلهتهم ثم قال تعالى ~~{ أولئك الذين يدعون } أي الذين يدعون المشركون آلهة { يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة } أي القربة والدرجة العليا. قال ابن عباس: هم عيسى وأمه وعزير ~~والملائكة والشمس والقمر والنجوم. وقال عبد الله بن مسعود: نزلت هذه ~~الآية في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن فأسلم أولئك الجن، ولم ~~يعلم الإنس بذلك فتمسكوا بعبادتهم فعيرهم الله وأنزل هذه الآية. قوله ~~تعالى { أيهم أقرب } معناه، ينظرون أيهم أقرب إلى الله فيتوسلون به، ~~وقيل: أيهم أقرب يبتغي الوسيلة إلى الله، ويتقرب إليه بالعمل الصالح ~~وازدياد الخير والطاعة { ويرجون رحمته } أي جنته { ويخافون عذابه } وقيل: ~~معناه يرجون ويخافون كغيرهم من عباد الله فكيف يزعمون أنهم آلهة { إن ~~عذاب ربك كان محذورا } أي حقيقا بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب، ونبي ~~مرسل فضلا عن غيرهم من الخلائق. ### || [17.58-64] # قوله سحانه وتعالى: { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة } أي ~~بالموت والخراب { أو معذبوها عذابا شديدا } أي بالقتل وأنواع العذاب ~~إذا كفروا وعصوا، وقيل: الإهلاك في حق المؤمنين الإماتة وفي حق الكفار ~~العذاب قال عبد الله بن مسعود: إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله في ~~هلاكها { كان ذلك في الكتاب } أي في اللوح المحفوظ { مسطورا } أي ~~مكتوبا مثبتا. عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فقال: ما أكتب: قال: القدر ~~وما هو كائن إلى يوم القيامة إلى الأبد " # أخرجه الترمذي. قوله سبحانه وتعالى { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن ~~كذب بها الأولون } قال ابن عباس # " سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا ~~وفضة وأن ينحي الجبال عنهم ليزرعوا فأوحى الله إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن شئت أن أستأني بهم فعلت وإن شئت أن ms2108 أوتيهم ما سألوا فعلت، ~~فإن لم يؤمنوا أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا بل تستأني بهم " # فأنزل الله عز وجل { وما منعنا أن نرسل الآيات } أي التي سألها الكفار ~~قومك { إلا أن كذب بها الأولون } أي فأهلكناهم فإن لم يؤمن قومك بعد ~~إرسال الآيات أهلكناهم، لأن من سنتنا في الأمم إذا سألوا الآيات ثم لم ~~يؤمنوا بعد إتيانها أن نهلكهم ولا نمهلهم وقد حكمنا بإمهال هذه الأمة إلى ~~يوم القيامة، ثم ذكر من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها ~~لما أرسلت فأهلكوا فقال تعالى { وآتينا ثمود الناقة مبصرة } أي بينة، ~~وذلك لأن آثار إهلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم ~~وواردهم { فظلموا بها } أي جحدوا أنها من عند الله. وقيل: فظلموا أنفسهم ~~بتكذيبها فعاجلناهم بالعقوبة { وما نرسل بالآيات } المقترحة { إلا ~~تخويفا } أي وما نرسل بالآيات إلا تخويفا من العذاب، فإن لم يخافوا وقع ~~عليهم. وقيل: معناه وما نرسل بالآيات يعني العبر والدلالات، إلا تخويفا ~~أي إنذارا بعذاب الآخرة إن لم يؤمنوا فإن الله سبحانه وتعالى يخوف الناس ~~بما شاء من آياته لعلهم يرجعون. قوله عز وجل { وإذ قلنا لك } أي واذكر يا ~~محمد إذ قلنا لك { إن ربك أحاط بالناس } أي إن قدرته محيطة بهم فهم في ~~قبضته وقدرته لا يقدرون على الخروج من مشيئته وإذا كان الأمر كذلك فهم لا ~~يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره وهو حافظك ومانعك منهم، فلا ~~تهبهم وامض لما أمرك من التبليغ للرسالة، فهو ينصرك ويقويك على ذلك { وما ~~جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } الأكثرون من المفسرين على أن ~~المراد ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من العجائب ~~والآيات. # قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه سلم ليلة ~~المعراج وهي ليلة أسري به إلى بيت المقدس أخرجه البخاري. وهو قول سعيد بن ~~جبير والحسن ومسروق وقتادة ومجاهد وعكرمة وابن جريج وغيرهم. ms2109 والعرب تقول: ~~رأيت بعيني رؤية ورؤيا فلما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس ~~أنكر بعضهم ذلك وكذبوا فكانت فتنة للناس، وازداد المخلصون إيمانا. وقال ~~قوم: أسري بروحه دون جسده وهو ضعيف. وقال قوم كان له معراجان: معراج رؤية ~~عين في اليقظة ومعراج رؤيا منام. وقيل: أراد بهذه الرؤيا ما رأى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، أنه دخل مكة هو وأصحابه فعجل ~~المسير إلى مكة قبل الأجل، فصده المشركون فرجع إلى المدينة فكان رجوعه في ~~ذلك العام بعدما أخبر أنه يدخلها فتنة لبعضهم، ثم دخل مكة في العام ~~المقبل وأنزل الله عز وجل لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، وقيل: إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن ولد الحكم بن أمية يتداولون ~~منبره كما يتداول الصبيان الكرة فساءه ذلك. فإن اعترض معترض على هذا ~~التفسير وقال السورة مكية وهاتان الواقعتان كانتا بالمدينة أجيب بأنه لا ~~إشكال فيه فإنه لا يبعد أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ذلك بمكة، ثم ~~كان ذلك حقيقة بالمدينة { والشجرة الملعونة في القرآن } يعني شجرة الزقوم ~~التي وصفها الله تعالى في سورة الصافات والعرب تقول لكل طعام كريه: طعام ~~ملعون والفتنة فيها أن أبا جهل قال: إن ابن أبي كبشة يعني النبي صلى الله ~~علي وسلم توعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم أنه تنبت فيها شجرة وتعلمون ~~أن النار تحرق الشجر. وقيل: إن عبد الله بن الزبعري قال: إن محمدا ~~يخوفنا بالزقوم ولا نعرف الزقوم إلا الزبد والتمر، فقال أبو جهل: يا ~~جارية تعالي فزقمينا فأتت بزبد وتمر فقال يا قوم فإن هذا ما يخوفكم به ~~محمد، فأنزل الله سبحانه وتعالى حين عجبوا أن يكون في النار شجر { إنا ~~جعلناها فتنة للظالمين } الآيات. فإن قلت: أين لعنت شجرة الزقوم في ~~القرآن، قلت: لعنت حيث لعن الكفار الذين يأكلونها لأن الشجرة لا ذنب لها ~~حتى تلعن، وإنما وصفت بلعن أصحابها على المجاز. وقيل وصفها الله تعالى ~~باللعن لأن اللعن ms2110 الإبعاد من الرحمة، وهي في أصل جهنم في أبعد مكان من ~~الرحمة، وقال ابن عباس: في رواية عنه إن الشجرة الملعونة هي الكشوث الذي ~~يلتوي على الشجر والشوك فيجففه { ونخوفهم فما يزيدهم } أي التخويف { إلا ~~طغيانا كبيرا } أي تمردا وعتوا عظيما قوله سبحانه وتعالى { وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا } أي من ~~طين وذلك أن آدم خلق من تراب الأرض من عذبها وملحها، فمن خلق من العذب ~~فهو سعيد ومن خلق من الملح فهو شقي { قال } يعني إبليس { أرأيتك } الكاف ~~للمخاطب والمعنى أخبرني { هذا الذي كرمت علي } أي فضلته { لئن أخرتن } أي ~~أمهلتني { إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته } أي لأستأصلنهم بالإضلال. # وقيل: معناه لأقودنهم كيف شئت. وقيل: لأستولين عليهم بالإغواء { إلا ~~قليلا } يعني المعصومين الذي استثناهم الله تعالى في قوله { إن عبادي ~~ليس لك عليهم سلطان } { قال } الله تعالى { اذهب } أي امض لشأنك وليس هو ~~من الذهاب الذي هو ضد المجيء { فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم } أي جزاؤك ~~وجزاء أتباعك { جزاء موفورا } أي مكملا. قوله سبحانه وتعالى { واستفزز ~~} أي استخفف واستزل واستعجل وأزعج { من استعطت منهم } أي من ذرية آدم { ~~بصوتك } قال ابن عباس: معناه بدعائك إلى معصية الله وكل داع إلى معصية ~~الله فهو من جند إبليس. وقيل: أراد بصوتك الغناء والمزامير واللهو واللعب ~~{ واجلب عليهم بخيلك ورجلك } أي أجمع عليهم مكايدك وحبائلك، واحثثهم على ~~الإغواء. وقيل: معناه استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم. يقال: إن له ~~خيلا ورجلا من الجن والإنس فكل من قاتل أو مشى في معصية الله، فهو من ~~جند إبليس. وقيل: المراد منه ضرب المثل كما تقول للرجل المجد في الأمر ~~جئتنا بخيلك ورجلك { وشاركهم في الأموال والأولاد } أما المشاركة في ~~الأموال فكل مال أصيب من حرام أو أنفق في حرام، وقيل هو الربا، وقيل: هو ~~ما كانوا يذبحونه لآلهتهم ويحرمونه كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام. ~~وأما المشاركة في الأولاد فروي عن ابن عباس أنها الموؤدة، وقيل: أولاد ~~الزنا. ms2111 وعن ابن عباس أيضا هي تسميتهم أولادهم بعبد العزى، وعبد الحارث ~~وعبد شمس ونحوه، وقيل: هو أن يرغبوا أولادهم في الأديان الباطلة الكاذبة، ~~كاليهودية والنصرانية والمجوسية ونحوها. وقيل إن الشيطان يقعد على ذكر ~~الرجل وقت الجماع فإذا لم يقل بسم الله أصاب معه امرأته وأنزل في فرجها ~~كما ينزل الرجل. وروي في بعض الأخبار أن فيكم مغربين قال: ما المغربون ~~قال: الذين شارك فيهم الجن. وعن ابن عباس أنه سأله رجل فقال: إن امرأتي ~~استيقظت وفي فرجها شعلة نار قال: ذلك من وطء الجن { وعدهم } أي منهم ~~الجميل في طاعتك، وقيل: قل لهم لا جنة ولا نار ولا بعث، وذلك أن الشيطان ~~إذا دعا المعصية فلا بد أن يقرر أولا أنه لا مضرة في فعلها ألبتة، وذلك ~~لا يمكن إلا إذا قال له لا معاد ولا جنة ولا نار ولا حياة بعد هذه ~~الحياة، فيقرر عند المدعو أنه لا مضرة في هذه المعاصي وإذا فرغ من هذا ~~النوع قرر عنده أن هذا الفعل يفيد أنواعا من اللذة والسرور ولا حياة ~~للإنسان في الدنيا إلا به، فهذا طريق الدعوة إلى المعصية ثم ينفره عن فعل ~~الطاعات وأنه يقرر عنده أن لا جنة ولا نار ولا عقاب فلا فائدة فيها. # وقيل معنى عدهم أي شفاعة الأصنام عند الله وإيثار العاجل على الأجل. فإن ~~قلت: كيف ذكر الله هذه الأشياء بصيغة الأمر، والله سبحانه وتعالى يقول: ~~إن الله لا يأمر بالفحشاء؟ قلت: هذا على طريق التهديد كقوله تعالى: ~~اعلموا ما شئتم. وكقول القائل اجتهد جهدك فسترى ما ينزل بك. وقوله سبحانه ~~وتعالى { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } أي يزين الباطل بما يظن أنه حق ~~واعلم أن الله سبحانه وتعالى لما قال: وعدهم، أردفه بما هو زاجر عن قبول ~~وعده بقوله: ما يعدهم الشيطان إلا غرورا والسبب فيه أنه إنما يدعو إلى ~~قضاء الشهوة وطلب الرياسة ونحو ذلك، ولا يدعو إلى معرفة الله تعالى، ولا ~~إلى عبادته وتلك الأشياء التي يدعو إليها خيالية لا ms2112 حقيقة لها ولا تحصل ~~إلا بعد متاعب ومشاق عظيمة، وإذا حصلت كانت سريعة الذهاب والانقضاء ~~وينغصها الموت والهرم وغير ذلك، وإذا كانت هذه الأشياء بهذه الصفة كانت ~~الرغبة فيها غرورا. ### || [17.65-69] # { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } يعني بعبادة الأنبياء وأهل الفضل ~~الصلاح لأنه لا يقدر على إغوائهم { وكفى بربك وكيلا } أي حافظا. ~~والمعنى: أنه سبحانه وتعالى لما أمكن إبليس أن يأتي بما يقدر عليه من ~~الوسوسة كان ذلك سببا لحصول الخوف في قلب الإنسان، قال تعالى { وكفى ~~بربك وكيلا } أي فالله سبحانه وتعالى أقدر منه وأرحم بعباده فهو يدفع ~~عنهم كيد الشيطان ووساوسه، ويعصمهم من إغوائه وإضلاله. وفي بعض الآثار أن ~~إبليس لما خرج إلى الأرض قال: يا رب أخرجتني من الجنة لأجل آدم فسلطني ~~عليه وعلى ذريته قال: أنت مسلط. قال: لا أستطيعه إلا بك فزدني. قال: ~~استفزز من استطعت منهم الآية. فقال آدم: يا رب سلطت إبليس علي وعلى ذريتي ~~وإني لا أستطيعه إلا بك قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه قال رب ~~زدني قال الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها قال رب زدني قال: التوبة ~~معروضة ما دام الروح في الجسد قال رب زدني فقال يا عبادي الذي أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله الآية. وفي الخبر قال إبليس: يا رب بعثت ~~أنبياء وأنزلت كتبا فما قراءتي؟ قال: الشعر. قال: فما كتابي؟ قال: ~~الوشم، قال: ومن رسلي؟ قال الكهنة. قال: أي شيء مطعمي؟ قال ما لم يذكر ~~عليه اسمي قال فما شرابي قال كل مسكر قال: وأين مسكني؟ قال الحمامات ~~قال وأين مجلسي؟ قال في الأسواق قال: وما حبائلي قال: النساء قال: وما ~~أذاني؟ قال المزمار. قوله { ربكم الذين يزجي } أي يسوق ويجري { لكم الفلك ~~} أي السفن { في البحر لتبتغوا من فضله } أي لتطلبوا من رزقه بالأرباح في ~~التجارة وغيرها { إنه كان بكم رحيما } أي حيث يسر لكم هذه المنافع، ~~والمصالح وسهلها عليكم { وإذا مسكم الضر في البحر } أي الشدة وخوف ms2113 الغرق ~~في البحر { ضل من تدعون } أي ذهب من أوهامكم وخواطركم كل من تدعون في ~~حوادثكم من الأصنام وغيرها { إلا إياه } أي أجاب دعاءكم لا تذكرون سواه ~~ولا يخطر ببالكم غيره لأنه القادر على إعانتكم ونجاتكم { فلما نجاكم } أي ~~أجاب دعاءكم وأنجاكم من هول البحر وشدته وأخرجكم { إلى البر أعرضتم } أي ~~عن الإيمان والإخلاص والطاعة، وكفرتم النعمة وهو قوله تعالى { وكان ~~الإنسان كفورا } أي جحودا { أفأمنتم } أي بعد إنجائكم { أن يخسف بكم ~~جانب البر } أي تغوره. والمعنى: أن الجهات كلها له، وفي قدرته برا كان ~~أو بحرا بل إن كان الغرق في البحر ففي جانب البر ما هو مثله وهو الخسف ~~لأنه يغيب تحت الثرى كما أن الغرق يغيب تحت الماء { أو يرسل عليكم حاصبا ~~} أي نمطر عليكم حجارة من السماء، كما أمطرناها على قوم لوط { ثم لا ~~تجدوا لكم وكيلا } أي مانعا وناصرا { أم أمنتم أن يعيدكم فيه } أي في ~~البحر { تارة } أي مرة { أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح } قال ابن ~~عباس: أي عاصفا وهي الريح الشديدة. # وقيل: الريح التي تقصف كل شيء من شجر وغيره { فيغرقكم بما كفرتم } أي ~~بكفرانكم النعمة وإعراضكم حين أنجيناكم { ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا } التبيع المطالب. والمعنى: أنا نفعل ما نفعل بكم ثم لا تجدون لكم ~~أحدا يطالبنا بما فعلنا انتصارا لكم ودركا للثأر من جهتنا. وقيل: ~~معناه من يتبعنا بالإنكار علينا. ### || [17.70-71] # قوله تعالى: { ولقد كرمنا بني آدم } قال ابن عباس: هو أنهم يأكلون ~~بالأيدي وغير الآدمي يأكل بفيه من الأرض وقال أيضا بالعقل وقيل بالنطق ~~والتمييز والخط والفهم، وقيل باعتدال القامة وامتدادها وقيل بحسن الصورة ~~وقيل: الرجل باللحى والنساء بالذوائب. وقيل: بتسليطهم على جميع ما في ~~الأرض وتسخيره لهم وقيل: بحسن تدبيرهم أمر المعاش والمعاد. وقيل بأن منهم ~~خير أمة أخرجت للناس { وحملناهم في البر } أي على الإبل والخيل والحمير { ~~والبحر } أي وحملناهم في البحر على السفن، وهذا من مؤكدات التكريم لأن ~~الله تعالى سخر لهم هذه الأشياء ms2114 لينتفعوا بها، ويستعينوا بها على مصالحهم ~~{ وزرقناهم من الطيبات } يعني لذيذ المطاعم والمشارب وقيل الزبد والتمر ~~والحلواء، وجعل رزق غيرهم مما لا يخفى، وقيل: إن جميع الأغذية إما نباتية ~~وإما حيوانية ولا يتغذى الإنسان إلا بأطيب القسمين بعد الطبخ الكامل ~~والنضج التام ولا يحصل هذا لغير الإنسان { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا ~~تفضيلا } واعلم أن الله تعالى قال في أول الآية: ولقد كرمنا بني آدم وفي ~~آخرها وفضلناهم، ولا بد من الفرق بين التكريم والتفضيل والإلزام التكرار ~~والأقرب أن يقال: إن الله تعالى كرم الإنسان على سائر الحيوان بأمور ~~خلقية ذاتية طبيعية، مثل العقل والنطق والخط وحسن الصورة، ثم إنه سبحانه ~~وتعالى عرفه بواسطة ذلك العقل والفهم اكتساب العقائد الصحيحة والأخلاق ~~الفاضلة، فالأول هو التكريم والثاني هو التفضيل. ثم قال سبحانه وتعالى: ~~على كثير ممن خلقنا تفضيلا. ظاهر الآية يدل على أنه فضل بني آدم على ~~كثير ممن خلق لا على الكل فقال: قوم فضلوا على جميع الخلق إلا على ~~الملائكة وهذا مذهب المعتزلة. وقال الكلبي: فضلوا على الخلائق كلهم إلا ~~على طائفة من الملائكة مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزائيل وأشباههم. ~~وقيل: فضلوا على جميع الخلائق وعلى الملائكة كلهم. فإن قلت: كيف تصنع ~~بكثير؟ قلت: يوضع الأكثر موضع الكل كقوله تعالى # يلقون السمع وأكثرهم كاذبون # [الشعراء: 223] أراد كلهم وفي الحديث عن جابر يرفعه قال: # " لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون ~~وينكحون فاجعل لهم الدنيا، ولنا الآخرة فقال: لا أجعل من خلقته بيدي ~~ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان " # وقيل بالتفضيل وهو الأولى والراجح أن خواص بني آدم وهم الأنبياء أفضل من ~~خواص الملائكة، وعوام الملائكة أفضل من عوام البشر من بني آدم، وهذا ~~التفضيل إنما هو بين الملائكة والمؤمنين من بني آدم لأن الكفار لا حرمة ~~لهم قال الله سبحانه وتعالى # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية # [البينة: 7] وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: المؤمن أكرم ms2115 على ~~الله تعالى من الملائكة الذين عنده. # وقوله عز وجل { يوم ندعو كل أناس بإمامهم } أي بنبيهم وقيل بكتابهم الذي ~~أنزل عليهم، وقيل بكتاب أعمالهم وعن ابن عباس: إمام زمانهم الذي دعاهم في ~~الدنيا إما إلى هدى وإما إلى ضلالة وذلك أن كل قوم يجتمعون إلى رئيسهم في ~~الخير والشر. وقيل: بمعبودهم وقيل بإمامهم جمع أم يعني بأمهاتهم والحكمة ~~فيه رعاية حق عيسى عليه السلام وإظهار شرف الحسن والحسين رضي الله تعالى ~~عنهما، وأن لا يفتضح أولاد الزنا { فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون ~~كتابهم } فإن قلت: لم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم، مع أن أصحاب الشمال ~~يقرؤونه أيضا. قلت: الفرق أن أصحاب الشمال إذا طالعوا كتابهم، وجدوه ~~مشتملا على مشكلات عظيمة فيستولي عليهم الخجل والدهشة فلا يقدرون على ~~إقامة حروفه فتكون قراءتهم كلا قراءة، وأصحاب اليمين إذا طالعوا كتابهم ~~وجدوه مشتملا على الحسنات والطاعات فيقرؤونه أحسن قراءة وأبينها { ولا ~~يظلمون فتيلا } أي ولا ينقصون من ثواب أعمالهم أدنى شيء. ### || [17.72-76] # { ومن كان في هذه أعمى } المراد عمى القلب والبصيرة لا عمى البصر. ~~والمعنى: ومن كان في هذه الدنيا أعمى، أي عن هذه النعم التي قد عدها في ~~هذه الآيات { فهو في الآخرة } أي التي لم تعاين ولم تر { أعمى وأضل ~~سبيلا } قاله ابن عباس: وقيل معناه ومن كان في هذه الدنيا أعمى القلب عن ~~رؤية قدرة الله وآياته ورؤية الحق فهو في الآخرة أعمى أي أشد عمى وأضل ~~سبيلا، أي أخطأ طريقا. وقيل: معناه ومن كان في الدنيا كافرا ضالا، ~~فهو في الآخرة أعمى لأنه في الدنيا تقبل توبته، وفي الآخرة لا تقبل ~~تبوته، قوله سبحانه وتعالى { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك } ~~قيل في سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلم الحجر الأسود، ~~فمنعته قريش وقالوا: لا ندعك حتى تلم بآلهتنا وتمسها فحدث نفسه ما علي أن ~~أفعل ذلك، والله يعلم إني لها كاره بعد أن يدعوني أستلم الحجر. وقيل ~~طلبوا منه أن يذكر ms2116 آلهتهم حتى يسلموا، ويتبعوه فحدث نفسه فأنزل الله هذه ~~الآية. وقال ابن عباس: قد وفد ثقيف على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال. قال: وما هن؟ قالوا: لا نحبي في الصلاة ~~أي لا ننحني و لا نكسر أصنامنا بأيدينا وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن ~~نعبدها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود، وأما أن لا تكسروا أصنامكم ~~بأيديكم، فذلك لكم وأما الطاغية يعني اللات والعزى فإني غير ممتعكم بها " # قالوا: يا رسول الله إنا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرها ~~فإن خشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل الله أمرني بذلك فسكت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فطمع القوم في سكوته أن يعطيهم ذلك فأنزل الله ~~تعالى وإن كادوا أي هموا ليفتنونك أي ليصرفونك عن الذي أوحينا ~~إليك { لتفتري } أي لتختلق وتبتعث { علينا غيره } ما لم تقله { وإذا } ~~أي لو فعلت ما دعوك إليه { لاتخذوك خليلا } أي والوك ووافوك وصافوك { ~~ولولا أن ثبتناك } أي على الحق بعصمتنا إياك { لقد كدت تركن } أي تميل { ~~إليهم شيئا قليلا } أي قربت من الفعل. فإن قلت كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم معصوما فكيف يجوز أن يقرب مما طلبوه. قلت: كان ذلك خاطر قلب ولم ~~يكن عزما وقد عفا الله تعالى عن حديث النفس وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول بعد ذلك # " اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين " # والجواب الصحيح هو أن الله سبحانه وتعالى قال ولولا أن ثبتناك وقد ثبته ~~الله فلم يركن إليهم { إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات } أي لو فعلت ~~لأذقناك عذاب الحياة وضعف عذاب الممات يعني ضعفنا لك العذاب في الدنيا ~~والآخرة { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } أي ناصرا يمنعك من عذابنا. قوله ~~سبحانه وتعالى { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها } قيل: هذه ~~الآية مدنية وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ms2117 قدم المدينة كره ~~اليهود مقامه بالمدينة، وذلك حسدا فأتوه فقالوا: يا أبا القاسم لقد علمت ~~ما هذه بأرض الأنبياء، وإن أرض الأنبياء الشام، وهي الأرض المقدسة وكان ~~بها إبراهيم والأنبياء عليهم السلام، فإن كنت نبيا مثلهم فأت الشام، ~~وإنما يمنعك من الخروج إليها مخافة الروم، وإن الله سيمنعك من الروم إن ~~كنت رسوله فعسكر النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أميال من المدينة ~~وفي رواية إلى ذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه، فيخرج فأنزل الله هذه ~~الآية فالأرض هنا أرض المدينة، وقيل الأرض أرض مكة والآية مكية والمعنى: ~~هم المشركون أن يخرجوه منها فكفهم الله عنه حتى أمره بالخروج للهجرة ~~فخرج بنفسه وهذا أليق بالآية لأن ما قبلها خبر عن أهل مكة والسورة مكية. ~~وقيل: هم المشركون كلهم وأرادوا أن يستفزوه من أرض العرب باجتماعهم ~~وتظاهرهم عليه فمنع الله رسوله ولم ينالوا منه ما أملوه والاستفزاز ~~الازعاج { وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا } أي لا يبقون بعد إخراجك ~~إلا زمانا قليلا حتى يهلكوا. ### || [17.77-79] # قوله سبحانه وتعالى: { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا } يعني أن كل قوم ~~أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم فسنة الله أن يهلكهم وأن لا يعذبهم مادام ~~نبيهم بينهم فإذا خرج من بين أظهرهم عذبهم { ولا تجد لسنتنا تحويلا } أي ~~تبديلا. قوله سبحانه وتعالى { أقم الصلاة لدلوك الشمس } وروي عن ابن ~~معسود أنه قال الدلوك الغروب وهو قول النخعي ومقاتل والضحاك والسدي. قال ~~ابن عباس وابن عمر وجابر: هو زوال الشمس. وهو قول عطاء وقتادة ومجاهد ~~والحسن وأكثر التابعين. ومعنى اللفظ: يجمعهما، لأن أصل الدلوك الميل ~~والشمس: تميل إذا زالت وإذا غربت والحمل على الزوال أولى القولين: لكثرة ~~القائلين به وإذا حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها ~~فدلوك الشمس يتناول صلاة الظهر والعصر { إلى غسق الليل } أي ظهور ظلمته ~~وقال ابن عباس: بدو الليل وهذا بتناول المغرب والعشاء { وقرآن الفجر } ~~يعني صلاة الفجر سمى الصلاة قرآنا لأنها لا تجوز إلا بالقرآن { إن قرآن ms2118 ~~الفجر كان مشهودا } أي يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار خ. عن أبي ~~هريرة قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " تفضل صلاة الجمع صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءا وتجتمع ملائكة ~~الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر " # ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم إن قرآن الفجر كان مشهودا. قال ~~الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: هذا دليل قاطع قوي على أن التغليس ~~أفضل من التنوير لأن الإنسان، إذا شرع فيها من أول الصبح ففي ذلك الوقت ~~الظلمة باقية فتكون ملائكة الليل حاضرين، ثم إذا امتدت الصلاة بسبب ترتيل ~~القرآن وتكثيرها زالت الظلمة وظهر الضوء، وحضرت ملائكة النهار أما إذا ~~ابتدأ بهذه الصلاة في وقت الإسفار فهناك لم يبق أحد من ملائكة الليل، فلا ~~يحصل المعنى المذكور في الآية فثبت أن قوله تعالى { إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا } دليل على أن الصلاة في أول وقتها أفضل. قوله سبحانه وتعالى { ~~ومن الليل فتهجد به } أي قم بعد نومك، والتهجد لا يكون إلا بعد القيام من ~~النوم. والمراد من الآية قيام الليل للصلاة، وكانت صلاة الليل فريضة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الأمة في الابتداء لقوله تعالى # يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه # [المزمل: 1-3] ثم نزل التخفيف فصار الوجوب منسوخا في حق الأمة بالصلوات ~~الخمس، وبقي قيام الليل على الاستحباب بدليل قوله تعالى # فاقرؤوا ما تيسر منه # [المزمل: 20] وبقي الوجوب ثابتا في حق النبي صلى الله عليه وسلم بدليل ~~قوله تعالى { نافلة لك } أي زيادة لك يريد فريضة زائدة على سائر الفرائض ~~التي فرضها الله عليك روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # أخرجه أبو داود النسائي. " عن عائشة قالت: # " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن ليلة " # أخرجه الترمذي ق # " عن الأسود قال: " سألت عائشة كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من الليل قالت كان ينام أوله ويقوم آخره فيصلي ثم يرجع إلى فراشه، ~~فإذا أذن ms2119 المؤذن وثب، فإن كانت به حاجة اغتسل وإلا توضأ وخرج " # عن أنس قال: " ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الليل مصليا إلا رأيناه ولا نشاء أن نراه نائما إلا رأيناه " أخرجه ~~النسائي. زاد في رواية غيره قال: " وكان يصوم من الشهر حتى نقول لا يفطر ~~منه شيئا ويفطر حتى نقول لا يصوم منه شيئا " وقوله عز وجل: { عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا } أجمع المفسرون على أن عسى من الله واجب وذلك ~~لأن لفظه عيسى تفيد الإطماع ومن أطمع إنسانا في شيء ثم أحرمه كان ذلك ~~عارا عليه والله أكرم من أن يطمع أحدا ثم لا يعطيه ما أطمعه فيه. ~~والمقام المحمود هو مقام الشفاعة لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون ق عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبات دعوتي شفاعة لأمتي، فهي نائلة ~~منكم إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا " # م عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فمن صلى علي صلاة ~~صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة ~~لا تبتغى إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة ~~حلت عليه الشفاعة " # م عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ~~آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له ~~شفاعتي يوم القيامة " # ع عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك وفي رواية فيلهمون لذلك ~~فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا، فيريحنا من مكاننا فيأتون آدم فيقولون أنت ~~آدم أبو البشر خلقك الله بيده، وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء ~~كل ms2120 شيء اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا فيقول: لست هناكم ~~فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه ~~الله إلى أهل الأرض فيأتون نوحا فيقول لست هناكم فيذكر خطيئته التي أصاب ~~فيستحي ربه منها ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا فيأتون ~~إبراهيم، فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ~~ائتوا موسى الذي كلمه الله، وأعطاه التوراة قال فيأتون موسى فيقول لست ~~هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله ~~وكلمته فيأتون عيسى روح الله وكلمته فيقول: لست هناكم ولكن ائتوا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم عبدا قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيأتوني فأستأذن على ربي تعالى فيؤذن لي ~~فإذا أنا رأيته، وقعت ساجدا فيدعني ما شاء فيقول: يا محمد ارفع رأسك قل ~~تسمع سل تعطه اشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي ثم أشفع ~~فيحد لي حدا فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة ثم أعود فأقع ساجدا ~~فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع يا محمد رأسك قل تسمع، سل ~~تعطه اشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي ثم أشفع فيحد لي ~~حدا فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة قال فلا أدري في الثالثة أو في ~~الرابعة فأقول يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن أي من وجب عليه ~~الخلود " # وفي رواية البخاري ثم تلا هذه الآية عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا، ~~قال وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم صلى الله عليه وسلم زاد في ~~رواية # " فقال النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، ~~وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا ~~الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار ms2121 من قال لا إله ~~إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة " # قال يزيد بن زريع في حديث شعبة ذرة وفي رواية من إيمان مكان خير، وفي ~~حديث معبد بن هلال العنزي عن أنس في حديث الشفاعة، وذكر نحوه وفيه فأقول ~~يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ~~حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فانطلق فافعل قال فلما خرجنا من ~~عند أنس، مررنا بالحسن فسلمنا عليه فحدثناه بالحديث إلى هذا الموضع فقال: ~~هيا، فقلنا: لم يزدنا على هذا فقال لقد حدثني، وهو يومئذ جميع منذ عشرين ~~سنة كما حدثكم، ثم قال: ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر ~~له ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع ~~فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال: ليس ذلك لك أو قال ~~ليس ذاك إليك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي، لأخرجن منها من قال ~~لا إله إلا الله. # قوله: وهو يومئذ جميع أي مجتمع الذهن والرأي. عن أبي سعيد قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد، ولا فخر وما ~~من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض، ~~ولا فخر قال فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم فيقولون أنت أبونا اشفع ~~لنا إلى ربك فيقول: إني أذنبت ذنبا عظيما فأهبطت به إلى الأرض ولكن ~~ائتوا نوحا فيأتون نوحا فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا ~~ولكن اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات ثم ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دينه ~~الله ولكن ائتوا موسى فيأتون موسى فيقول قد قتلت نفسا ولكن ائتوا عيسى ~~فيأتون عيسى فيقول: إني عبدت من دون الله ولكن ائتوا محمدا فيأتوني ~~فأنطلق ms2122 بهم " # قال: ابن جدعان: قال أنس فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه سلم ~~قال فآخذ بحلقة باب فأقعقعها، فيقال من هذا؟ فيقال: محمد فيفتحون لي ~~ويقولون مرحبا فأخرج ساجدا فيلهمني الله من الثناء والحمد فيقال لي ~~ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفع وقل يسمع لقولك وهو المقام المحمود الذي ~~قال الله سبحانه وتعالى: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا. قال سفيان: ~~ليس عن أنس غير هذه الكلمة فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها فيقال: من هذا ~~فيقال محمد فيفتحون لي ويرحبون فيقولون: مرحبا فأخر ساجدا فيلهمني الله ~~من الثناء والحمد " أخرجه الترمذي. قوله: ماحل المماحلة: المخاصمة ~~المجادلة. والمعنى: أنه عليه الصلاة والسلام خاصم وجادل عن دين الله بتلك ~~الألفاظ التي صدرت منه. قوله: فأقعقعها أي أحركها حركة شديدة والقعقعة ~~حكاية أصوات الترس وغيره مما له صوت. عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشرهم ~~إذا أيسوا ولواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر " # أخرجه الترمذي زاد في رواية غير الترمذي: وأنا مستشفعهم إذا حبسوا ~~الكرامة، والمفاتيح يومئذ بيدي يطوف علي خدم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ ~~منثور " م عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع وأول ~~مشفع " # زاد الترمذي، قال: # " أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين ~~العرش فليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري " # عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قال: إن الشمس تدنو يوم القيامة ~~حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك، استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم ~~بمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فيشفع ليقضي بين الخلائق فيمشي حتى يأخذ ~~بحلقة الباب، فيؤمئذ يبعثه الله مقاما محمودا يحمده فيه أهل الجمع كلهم ~~م عن يزيد بن صهيب قال: كنت ms2123 قد شغفني رأي من رأي الخوارج فخرجنا في عصابة ~~ذوي عدد نريد أن نحج ثم نخرج على الناس قال: فمررنا على المدينة فإذا ~~جابر بن عبد الله جالس إلى سارية يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وإذا هو قد ذكر الجهنميين فقلت يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~هذا الذي تحدثونه والله يقول إنك من تدخل النار فقد أخزيته وكلما أرادوا ~~أن يخرجوا منها أعيدوا فيها، فما هذا الذي تقولون قال: أتقرأ القرآن؟ ~~قلت: نعم. قال: فاقرأ ما قبله إنه في الكفار ثم قال فهل سمعت بمقام محمد ~~الذي يبعثه الله فيه قلت: نعم قال فإن مقام محمد صلى الله عليه وسلم ~~المحمود الذي يخرج الله به من يخرج من النار قال ثم نعت وضع الصراط ومر ~~الناس عليه، قال وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك. قال غيره أنه قد زعم أن ~~قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها. قال: يعني فيخرجون كأنهم ~~عيدان السماسم قال فيدخلون نهرا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه، فيخرجون ~~منه كأنهم القراطيس فرجعنا فقلنا ويحكم أترون هذا الشيخ يكذب على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فرجعنا فلا والله ما خرج غير رجل واحد أو كما ~~قال، والأحاديث في الشفاعة كثيرة وأول من أنكرها عمرو ابن عبيد وهو مبتدع ~~باتفاق أهل السنة. وروى أبو وائل عن ابن مسعود أنه قال: إن الله اتخذ ~~إبراهيم خليلا وإن صاحبكم خليل الله وأكرم الخلق عليه. ثم قرأ عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا قال يقعده على العرش. وعن مجاهد مثله وعن عبد ~~الله بن سلام قال يقعد على الكرسي. ### || [17.80-81] # قوله عز وجل: { وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق } المراد منهما ~~الإدخال والإخراج قال ابن عباس: معناه أدخلني مدخل صدق المدينة وأخرجني ~~مخرج صدق من مكة نزلت حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة. ~~وقيل: معناه أخرجني من مكة آمنا من المشركين، وأدخلني مكة ظاهرا عليها ~~بالفتح، وقيل: ms2124 أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة مدخل صدق، ~~وأخرجني من الدنيا، وقد قمت بما وجب علي من حق النبوة مخرج صدق وقيل: ~~معناه أدخلني في طاعتك مدخل صدق وأخرجني من المناهي مخرج صدق وقيل: معناه ~~أدخلني حيثما أدخلتني بالصدق، وأخرجني بالصدق ولا تجعلني ممن يخرج بوجه ~~ويدخل بوجه فإن ذا الوجهين لا يكون آمنا عند الله { واجعل لي من لدنك ~~سلطانا نصيرا } أي حجة بينة وقيل: ملكا قويا تنصرني به على من عاداني ~~وعزا ظاهرا أقيم به دينك فوعده الله لينزعن ملك فارس والروم وغيرهما ~~ويجعله له، وأجاب دعاءه فقال له والله يعصمك من الناس، وقال يظهره على ~~الدين كله وقال: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ~~في الأرض الآية. قوله تعالى { وقل جاء الحق } يعني الإسلام والقرآن { ~~وزهق الباطل } أي الشرك والشيطان { إن الباطل كان زهوقا } أي مضمحلا ~~غير ثابت، وذلك أن الباطل وإن كان له دولة وصولة في وقت من الأوقات فهو ~~سريع الذهاب والزوال ق. عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي صلى الله ~~عليه وسلم مكة يوم الفتح وكان حول البيت ثلثمائة وستون صنما فجعل يطعنها ~~بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا جاء ~~الحق، وما يبدىء الباطل وما يعيد. ### || [17.82-84] # قوله تعالى: { وننزل من القرآن ما هو شفاء } من في قوله تعالى من القرآن ~~لبيان الجنس والمعنى: ننزل من هذا الجنس الذي هو القرآن ما هو شفاء أي ~~بيان من الضلالة الجهالة، يتبين به المختلف فيه ويتضح به المشكل، ويستشفى ~~به من الشبهة ويهتدى به من الحيرة وهو شفاء القلوب بزوال الجهل عنها. ~~وقيل: هو شفاء للأمراض الباطنة والظاهرة، وذلك لأنها تنقسم إلى نوعين ~~أحدهما الاعتقادات الباطلة، والثاني الأخلاق المذمومة أما الاعتقادات ~~الباطلة فأشدها فسادا والاعتقادات الفاسدة في الذات والصفات والنبوات ~~والقضاء والقدر والبعث بعد الموت، فالقرآن كتاب مشتمل على دلائل المذهب ~~الحق في هذه الأشياء وإبطال المذاهب الفاسدة، لا جرم، كان القرآن شفاء ~~لما ms2125 في القلوب من هذا النوع. وأما النوع الثاني: وهو الأخلاق المذمومة ~~فالقرآن مشتمل على التنفير منها، والإرشاد إلى الأخلاق المحمودة والأعمال ~~الفاضلة، فثبت أن القرآن شفاء من جميع الأمراض الباطنة وأما كونه شفاء من ~~الأمراض الجسمانية، فلأن التبرك بقراءته يدفع كثيرا من الأمراض. يدل ~~عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في فاتحة الكتاب، # " وما يدريك أنها رقية " # { ورحمة للمؤمنين } لما كان القرآن شفاء للأمراض الباطنة والظاهرة، فهو ~~جدير بأن يكون رحمة للمؤمنين { ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } لأن ~~الظالم لا ينتفع به، والمؤمن ينتفع به فكان رحمة للمؤمنين وخسارا ~~للظالمين، وقيل: لأن كل آية تنزل يتجدد لهم تكذيب بها فيزداد خسارهم قال ~~قتادة: لم يجالس القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان قضاه الله الذي ~~قضى شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا. قوله سبحانه ~~وتعالى: { وإذا أنعمنا على الإنسان } أي بالصحة والسعة { أعرض } أي عن ~~ذكرنا ودعائنا { ونأى بجانبه } أي تباعد منا بنفسه وترك التقرب إلينا ~~بالدعاء وقيل: معناه تكبر وتعظيم { وإذ مسه الشر } أي الشدة والضر { كان ~~} أي يائسا قنوطا، وقيل: معناه إنه يتضرع ويدعو عند الضر والشدة، فإذا ~~تأخرت الإجابة يئس فلا ينبغي للمؤمن أن يدع الدعاء ولو تأخرت الإجابة. ~~قوله عز وجل { قل كل } أي كل أحد { يعمل على شاكلته } قال ابن عباس: على ~~ناحيته. وقيل: الشاكلة الطريقة أي على طريقته التي جبل عليها، وفيه وجه ~~آخر وهو أن كل إنسان يعمل على حسب جوهر نفسه، فإن كانت نفسه شريفة طاهرة، ~~صدرت عنه أفعال جميلة وأخلاق زكية طاهرة وإن كانت نفسه كدرة خبيثة صدرت ~~عنه أفعال خبيثة فاسدة رديئة { فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا } أي أوضح ~~طريقا وأحسن مذهبا واتباعا للحق. ### || [17.85-88] # قوله سبحانه وتعالى: { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي } ق عن ~~عبد الله بن مسعود قال: بينما أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~يتوكأ على عسيب معه فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم ms2126 لبعض: سلوه عن الروح. ~~وقال بعضهم: لا تسألوه يسمعكم ما تكرهون فقاموا إليه، وفي رواية، فقام ~~إليه رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت وفي رواية، فقالوا ~~حدثنا عن الروح، فقام ساعة ينتظر الوحي، وعرفت أنه يوحى إليه فتأخرت حتى ~~صعد الوحي قال: ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر بي وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا. فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه. وفي رواية ~~وما أتوا من العلم إلا قليلا. قال الأعمش هكذا في قراءتنا. العسيب: جريد ~~النخل وسعفه. وقال ابن عباس: إن قريشا اجتمعوا وقالوا إن محمدا نشأ ~~فينا بالأمانة والصدق وما اتهمناه بكذب قط، وقد ادعى ما ادعى فابعثوا ~~نفرا إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنه فإنهم أهل كتاب، فبعثوا جماعة ~~إليهم فقالت اليهود سلوه عن ثلاثة أشياء فإن أجاب عن كلها، أو لم يجب عن ~~شيء منها فليس بنبي وإن أجاب عن اثنتين ولم يجب عن واحد فهو نبي فسألوه ~~عن فتية فقدوا في الزمن الأول ما كان شأنهم، فإنه كان لهم حديث عجيب، وعن ~~رجل بلغ مشرق الأرض ومغربها ما خبره وعن الروح قال فسألوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: أخبركم بما سألتم غدا، ولم يقل إن شاء الله فلبث الوحي. ~~قال مجاهد: اثني عشر يوما وقيل: خمسة عشر يوما وقيل أربعين يوما وأهل ~~مكة يقولون: قد وعدنا محمدا غدا وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء، حتى حزن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكث الوحي وشق عليه ما يقوله أهل مكة ثم ~~نزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله # [الكهف: 23-24] ونزل في الفتية # أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا # [الكهف: 9] نزل فيم بلغ المشرق والمغرب، قوله # ويسألونك عن ذي القرنين # [الكهف: 83] ونزل في الروح { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي } ~~واختلفوا في الذي وقع السؤال عنه، فروي عن ابن عباس أنه جبريل وعن ms2127 علي ~~أنه ملك له سبعون ألف وجه في كل وجه سبعون ألف لسان لكل لسان سبعون ألف ~~لغة يسبح الله تعالى بكلها. وقال مجاهد: خلق على صورة بني آدم، لهم أيد ~~وأرجل ورؤوس ليسوا بملائكة ولا ناس يأكلون الطعام. وقال سعيد بن جبير لم ~~يخلق الله خلقا أعظم من الروح غير العرش لو شاء أن يبتلع السموات والأرض ~~ومن فيها بلقمة واحدة لفعل ذلك صورة خلقه على صورة الملائكة، وصورة وجهه ~~على صورة وجه الآدميين، يقوم يوم القيامة على يمين العرش، وهو أقرب الخلق ~~إلى الله تعالى اليوم عند الحجب السبعين وأقرب الخلق إلى الله يوم ~~القيامة وهو ممن يشفع لأهل التوحيد، ولولا أن بينه وبين الملائكة سترا ~~من نور لاحترق أهل السموات من نوره. # وقيل: الروح هو القرآن لأن الله سماه روحا ولأن به حياة القلوب. وقيل: ~~هو الروح المركب في الخلق الذي به يحيى الإنسان وهو أصح الأقوال. وتكلم ~~قوم في ما هية الروح فقال بعضهم: هو الدم ألا ترى أن الإنسان إذا مات لا ~~يفوت منه شيء إلا الدم. وقال قوم: هو نفس الحيوان بدليل أنه يموت باحتباس ~~النفس. وقال قوم: هو عرض. وقال قوم: هو جسم لطيف يحيا به الإنسان. وقيل: ~~الروح معنى اجتمع فيه النور الطيب والعلم والعلو والبقاء، ألا ترى أنه ~~إذا كان موجودا يكون الإنسان موصوفا بجميع هذه الصفات إذا خرج منه ذهب ~~الكل. وأقاويل الحكماء والصوفية في ما هية الروح كثيرة، وليس هذا موضع ~~استقصائها وأولى الأقاويل أن يوكل علمه إلى الله عز وجل هو قول أهل السنة ~~قال عبد الله بن بريدة: إن الله لم يطلع على الروح ملكا مقربا ولا ~~نبيا مرسلا بدليل قوله: قل الروح من أمر ربي أي من علم ربي الذي استؤثر ~~به { وما أوتيتم من العلم } من علم ربي { إلا قليلا } أي في جنب علم ~~الله عز وجل الخطاب عام. وقيل: هو خطاب لليهود فإنهم كانوا يقولون: ~~أوتينا التوراة وفيها العلم الكثير، فقيل لهم: إن علم ms2128 التوراة قليل في ~~جنب علم الله. وقيل إن القلة والكثرة تدوران مع الإضافة فوصف الشيء ~~بالقلة مضافا إلى ما فوقه، وبالكثرة مضافا إلى ما تحته وقيل: إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم علم معنى الروح ولكن لم يخبر به لأن ترك الإخبار به ~~كان علما لنبوته. والقول الأصح هو أن الله عز وجل استأثر بعلم الروح. ~~قوله عز وجل { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك } ومعناه أنا كما ~~منعنا علم الروح عنك وعن غيرك، إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من الصدور ~~والمصاحف، فلم نترك له أثرا وبقيت كما كنت ما تدري ما الكتاب { ثم لا ~~تجد لك به علينا وكيلا } معناه لا تجد بعد الذهاب به من يتوكل علينا ~~باسترداده عليك، وإعادته محفوظا مستورا { إلا رحمة من ربك } معناه إلا ~~أن يرحمك ربك فيرده عليك وقيل هو على الاستثناء المنقطع. معناه لكن رحمة ~~من ربك تركته غير مذهوب به، وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن ~~محفوظا، فإن قلت كيف يذهب بالقرآن وهو كلام الله عز وجل؟ قلت: المراد ~~منه محو ما في المصاحف وإذهاب ما في الصدور وقال عبد الله بن مسعود: " ~~اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع " قيل: هذه ~~المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الناس قال: يسرى عليه ليلا فيرفع ما في ~~صدورهم فيصبحون لا يحفظون شيئا، ولا يجدون مما في المصاحف شيئا ثم ~~يفيضون في الشعر وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال " لا تقوم الساعة حتى ~~يرفع القرآن من حيث نزل. # له دوي حول العرش كدوي النحل، فيقول الرب: ما لك؟ فيقول: يارب أتلى ولا ~~يعمل بي " { إن فضله كان عليك كبيرا } أي بسبب بقاء العلم والقرآن عليك ~~وجعلك سيد ولد آدم، وختم النبيين بك وإعطائك المقام المحمود. قوله سبحانه ~~وتعالى { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله } أي لا يقدرون على ذلك { ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } أي ~~عونا. نزلت حين ms2129 قال المشركون: لو نشاء لقلنا مثل هذا فكذبهم الله عز ~~وجل، فالقرآن معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب، وهو كلام في ~~أعلى طبقات البلاغة لا يشبه كلام الخلق لأنه كلام الخالق وهو غير مخلوق ~~ولو كان مخلوقا لأتوا بمثله. ### || [17.89-93] # قوله عز وجل: { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل } أي رددنا ~~وكررنا من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه. وقيل: معناه من كل وجه من ~~العبر والأحكام والوعد والوعيد والقصص وغيره { فأبى أكثر الناس إلا ~~كفورا } أي جحودا. قوله سبحانه وتعالى { وقالوا لن نؤمن لك } أي لن ~~نصدقك { حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } لما تبين إعجاز القرآن وانضمت ~~إليه معجزات أخر وبينات، ولزمتهم الحجة وغلبوا أخذوا يتغالون باقتراح ~~الآيات، فقالوا: لن نؤمن لك. روى عكرمة عن ابن عباس # " أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وأبا ~~البختري بن هشام والأسود بن عبد المطلب، وزمعة بن الأسود والوليد بن ~~المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن ~~وائل، ونبيها ومنبها ابني الحجاج اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر ~~الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلي محمدا فكلموه وخاصموه حتى تعذروا ~~فيه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فجاءهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سريعا وهو يظن أنه بدا لهم في أمره بدء، وكان حريصا ~~يحب رشدهم حتى جلس إليهم فقالوا: " يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر فيك ~~وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك. لقد ~~شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، ~~ما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك فإن كنت جئت بهذا الحديث ~~تطلب به مالا جعلنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تريد ~~الشرف سودناك علينا وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي ~~بك رئي تراه قد غلب عليك ms2130 لا تستطيع رده بذلنا لك أموالنا في طلب الطب حتى ~~نبرئك منه ونعذر فيك وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به لطلب ~~أموالكم، ولا للشرف عليكم ولا للملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا ~~وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ~~ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن ترده ~~علي أصبر لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم فقالوا: يا محمد إن كنت غير ~~قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد أضيق بلادا ولا أشد عيشا ~~منا، فسل لنا ربك الذي بعثك فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، ~~ويبسط لنا بلادنا ويفجر لنا فيها الأنهار كأنهار الشام والعراق وليبعث ~~لنا من مضى من آبائنا، وليكن منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخا صدوقا ~~فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل فإن صدقوك صدقناك. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه سلم: ما بهذا بعثت فقد بلغتكم ما أرسلت به، فإن تقبلوه فهو ~~حظكم وإن تردوه أصبر لأمر الله تعالى. قالوا: فإن لم تفعل هذا فسل لنا ~~ربك أن يبعث ملكا يصدقك، وسله أن يجعل لك جنات وقصورا وكنوزا من ذهب ~~وفضة يعينك بها على ما تريد، فإنك بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه ~~فقال: ما بعثت بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا. قالوا: فأسقط السماء ~~كما زعمت إن ربك إن شاء فعل. فقال: ذلك إلى الله إن شاء فعل ذلك بكم " # وقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا فلما ~~قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام معه عبدالله بن أبي ~~أمية، هو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب فقال يا محمد عرض عليك قومك ما ~~عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا يعرفون بها منزلتك من ~~الله فلم تفعل ثم سألوك أن تجعل ما تخوفهم به ms2131 من العذاب، فلم تفعل فوالله ~~ما أؤمن لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء مرقى ترقى فيه، وأنا أنظر حتى ~~تأتيها فتأتي بنسخة منشورة معك ونفر من الملائكة يشهدون لك بما تقول، ~~وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أن لا أصدقك. فانصرف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى أهله حزينا من مباعدتهم فأنزل الله تعالى: { وقالوا لن ~~نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض } يعني أرض مكة { ينبوعا } أي عيونا أو ~~{ أو تكون لك جنة من نخيل وعنب } أي بستان فيه نخيل وعنب { فتفجر الأنهار ~~خلالها تفجيرا } أي تشقيقا { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } أي ~~قطعا { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } قال ابن عباس: كفيلا أي ~~يكفلون بما تقول. وقيل هو جمع القبيلة أي بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة، ~~يشهدون لك بصحة ما تقول. وقيل: معناه تراهم مقابلة عيانا { أو يكون لك ~~بيت من زخرف } أي من ذهب وأصله الزينة { أو ترقى } أي تصعد { في السماء ~~ولن نؤمن لرقيك } أي لأجل رقيك { حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه } أمرنا ~~فيه باتباعك وهذا قول عبد الله بن أبي أمية { قل } أي قل يا محمد { سبحان ~~ربي } أمره بتنزيهه وتمجيده وفيه معنى التعجب { هل كنت إلا بشرا رسولا ~~} أي كسائر الرسل لأممهم وكان الرسل لا يؤتون قومهم إلا بما يظهره الله ~~عليهم من الآيات، فليس أمر الآيات إليهم إنما هو إلى الله تعالى، ولو ~~أراد أن ينزل ما طلبوا لفعل ولكن لا ينزل الآيات على ما اقترحه البشر وما ~~أنا إلا بشر، وليس ما سألتم في طرق البشر واعلم أن الله سبحانه وتعالى قد ~~أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من الآيات والمعجزات ما يغني عن هذا كله، ~~مثل القرآن وانشقاق القمر ونبع الماء من بين أصابعه وما أشبهها من ~~الآيات، وليست بدون ما اقترحوه بل هي أعظم مما اقترحوه والقوم عامتهم ~~كانوا متعنتين ولم يكن قصدهم طلب الدليل ليؤمنوا فرد الله تعالى عليهم ~~سؤالهم. ### || [17.94-97] # قوله عز وجل: { وما منع الناس ms2132 أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى } أي الوحي. ~~والمعنى: وما منعهم الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا ~~شبهة تلجلجت في صدورهم هي إنكارهم أن يرسل الله البشر وهو قوله تعالى { ~~إلا أن قالوا } أي جهلا منهم { أبعث الله بشرا رسولا } وذلك أن الكفار ~~كانوا يقولون لن نؤمن لك لأنك بشر وهلا بعث الله إلينا ملكا فأجابهم ~~الله بقوله: { قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين } أي مستوطنين ~~مقيمين فيها { لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } أي من جنسهم لأن ~~الجنس إلى الجنس أميل { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } أي على أني ~~رسوله إليكم وإني قد بلغت ما أرسلت به إليكم، وأنكم كذبتم وعاندتم { إنه ~~كان بعباده } يعني المنذرين والمنذرين { خبيرا بصيرا } أي عالما ~~بأحوالهم، فهو مجازيهم وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيد الكفار ~~{ ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه } أي ~~يهدونهم وفيه أيضا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو أن الذين حكم ~~لهم بالإيمان والهداية وجب أن يصيروا مؤمنين ومن سبق لهم حكم الله ~~بالضلال والجهل استحال أن ينقلبوا عن ذلك { ونحشرهم يوم القيامة على ~~وجوههم } ق عن أنس # " أن رجلا قال: يا رسول الله قال الله الذين يحشرون على وجوههم إلى ~~جهنم أيحشر الكافر على وجهه قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم أليس الذي ~~أمشاه على الرجلين في الدنيا، قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ ~~قال قتادة حين بلغه بلى وعزة ربنا " # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف صنفا مشاة، وصنفا ركبانا، ~~وصنفا على وجوههم. قيل يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم قال: إن الذي ~~أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم أما إنهم يتقون ~~بوجوههم كل حدب وشوك " # أخرجه الترمذي الحدب كل ما ارتفع من الأرض { عميا وبكما وصما } أي لا ~~يبصرون ولا ينطقون ولا يسمعون. فإن ms2133 قلت: كيف وصفهم بأنهم عمي وبكم وصم ~~وقد قال الله تعالى # ورأى المجرمون النار # [الكهف: 53] وقال # دعوا هنالك ثبورا # [الفرقان: 13] وقال # سمعوا لها تغيظا وزفيرا # [الفرقان: 12] فأثبت لهم الرؤية والكلام والسمع. قلت فيه أوجه: أحدهما ~~قال ابن عباس معناه عميا لا يبصرون ما يسرهم بكما لا ينطقون بحجة صما ~~لا يسمعون ما يسرهم. الوجه الثاني: قيل معناه يحشرون على ما وصفهم الله ~~وتعالى: ثم تعاد إليهم هذه الأشياء. الوجه الثالث: قيل معناه هذا حين ~~يقال لهم اخسئوا فيها، ولا تكلمون فيصيرون بأجمعهم عميا وبكما وصما لا ~~يرون ولا ينطقون ولا يسمعون { مأواهم جهنم كلما خبت } اي سكن لهيبها. ~~وقيل: ضعفت وهدأت من غير أن يوجد نقصان في إيلام الكفار، لأن الله سبحانه ~~وتعالى قال: لا يفتر عنهم وقيل معناه أرادت أن تخبو { زدناهم سعيرا } أي ~~وقودا وقيل معناه خبت أي نضجت جلودهم واحترقت أعيدوا إلى ما كانوا عليه، ~~وزيد في سعير النار لتحرقهم. ### || [17.98-101] # { ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا } لما ذكر الوعيد المتقدم قال: ذلك ~~جزاؤهم بما كفروا يعني ذلك العذاب جزاؤهم بسبب كفرهم بآياتنا { وقالوا ~~أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا } أجابهم الله ورد ~~عليهم بقوله { أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض } أي في عظمها ~~وشدتها { قادر على أن يخلق مثلهم } أي في صغرهم وضعفهم { وجعل لهم أجلا ~~} أي وقتا لعذابهم { لا ريب فيه } أي لا شك فيه أنه يأتيهم قبل الموت، ~~وقيل يوم القيامة { فأبى الظالمون إلا كفورا } أي جحودا وعنادا { قل ~~لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي } أي خزائن نعمه ورزقه وقيل: إن خزائن ~~الله غير متناهية. والمعنى: لو أنكم ملكتم من النعم خزائن لا نهاية لها { ~~إذا لأمسكتم } أي لبخلتم وحبستم { خشية الإنفاق } والفقر والنفاد وهذا ~~مبالغة عظيمة في وصفهم بهذا الشيء { وكان الإنسان قتورا } أي ممسكا ~~بخيلا. فإن قلت: قد يوجد في جنس الإنسان من هو جواد كريم، فكيف وصفه ~~بالبخل؟ قلت: الأصل في الإنسان البخل، لأن خلق محتاجا والمحتاج لا ms2134 بد ~~وأن يحب ما يدفع به عنه ضرر الحاجة، ويمسكه لنفسه إلا أنه قد يجود لأسباب ~~خارجة مثل أن يحب المدحة أو رجاء ثواب، فثبت بها أن الأصل في الإنسان ~~البخل. قوله تعالى { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } أي دلالات واضحات. ~~قال ابن عباس: هي العصا واليد البيضاء والعقدة التي كانت بلسانه، فحلها ~~وفلق البحر والطوفان والجواد والقمل والضفادع والدم وقيل عرض فلق البحر، ~~واليد والسنون نقص من الثمرات وقيل: الطمس والبحر بدل السنين والنقص. قيل ~~كان الرجل منهم مع أهله في الفراش وقد صارا حجرين والمرأة قائمة تخبز، ~~وقد صارت حجرا وقد روي أن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب القرظي عن ~~الآيات فذكر منها الطمس فقال عمر: هذا يجب أن يكون الفقيه ثم قال يا غلام ~~اخرج ذلك الجراب فأخرجه. فإذا فيه بيض مكسر نصفين، وجوز مكسر نصفين وثوم ~~وحمص وعدس كلها حجارة. وقيل: التسع آيات هي آيات الكتاب وهي الأحكام يدل ~~عليه ما روي عن صفوان بن غسان أن يهوديا قال لصاحبه: تعال حتى نسأل هذا ~~النبي فقال الآخر: لا تقل نبي. فإنه لو سمع صارت له أربع أعين، فأتياه ~~فسألاه عن هذه الآية. ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فقال: # " لا تشركوا بالله شيئا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~تزنوا ولا تأكلوا الربا، ولا تسحروا ولا تمشوا بالبريء إلى سلطان ليقتله ~~ولا تسرفوا ولا تقذفوا المحصنات ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة اليهود ~~أن لا تعدوا في السبت فقبلا يده وقالا: نشهد إنك نبي قال: فما يمنعكم أن ~~تتبعوني " # قالا إن داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إنا اتبعناك ~~أن تقتلنا اليهود { فاسأل } يا محمد { بني إسرائيل } يجوز الخطاب معه ~~والمراد غيره ويجوز أن يكون خاطبه وأمره بالسؤال ليتبين كذبهم مع قومهم { ~~إذا جاءهم } يعني جاء موسى إلى فرعون بالرسالة من عند الله عز وجل { فقال ~~له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا } قال ms2135 ابن عباس: مخدوعا وقيل: ~~مطبوبا اي سحروك وقيل معناه ساحرا معطى علم السحر، فهذه العجائب التي ~~تفعلها من سحرك. ### || [17.102-104] # { قال } موسى { لقد علمت } خطابا لفرعون. قال ابن عباس: علمه فرعون ~~ولكنه عانده { ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض } يعني الآيات التسع ~~{ بصائر } أي بينات يبصر بها { وإني لأظنك يا فرعون مثبورا } قال ابن ~~عباس: ملعونا. وقيل: هالكا. وقيل: مصروفا عن الخير { فأراد أن يستفزهم ~~من الأرض } معناه أراد فرعون أن يخرج موسى وبني إسرائيل من أرض مصر { ~~فأغرقناه ومن معه جميعا } أي أغرقنا فرعون وجنوده ونجينا موسى وقومه { ~~وقلنا من بعده } أي من بعد هلاك فرعون { لنبي إسرائيل اسكنوا الأرض } ~~يعني أرض مصر والشام { فإذا جاء وعد الآخرة } يعني القيامة { جئنا بكم ~~لفيفا } أي جميعا إلى موقف القيامة، واللفيف: الجمع الكثير إذا كانوا ~~مختلفين من كل نوع فيهم المؤمن والكافر والبر والفاجر وقيل: أراد بوعد ~~الآخرة نزول عيسى من السماء. ### || [17.105-109] # قوله سبحانه وتعالى: { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } يعني أنا ما أردنا ~~بإنزال القرآن إلا تقريره للحق فلما أردنا هذا المعنى فكذلك وقع وحصل. ~~وقيل: معناه وما أنزلنا القرآن إلا بالحق المقتضي لإنزاله وما نزل إلا ~~ملتبسا بالحق لاشتماله على الهداية إلى كل خير { وما أرسلناك إلا مبشرا ~~} يعني بالجنة للمطيعين { ونذيرا } أي مخوفا بالنار للعاصين. قوله عز ~~وجل { وقرآنا فرقناه } أي فصلناه وبيناه وقيل فرقنا به بين الحق الباطل، ~~وقيل: معناه أنزلنا نجوما لم ينزل مرة واحدة بدليل قوله تعالى { لتقرأه ~~على الناس على مكث } أي على تؤدة وترسل في ثلاث وعشرين سنة { ونزلناه ~~تنزيلا } أي على حسب الحوادث { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا } فيه وعيد ~~وتهديد { إن الذين أوتوا العلم من قبله } قيل: هم مؤمنو أهل الكتاب الذين ~~كانوا يطلبون الدين قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أسلموا بعد ~~مبعثه مثل زيد بن عمرو بن نفيل وسلمان الفارسي وأبي ذر وغيرهم { إذا يتلى ~~عليهم } يعني القرآن { يخرون للأذقان } قال ابن عباس: أراد ms2136 بها الوجوه { ~~سجدا } أي يقعون على الوجوه سجدا { ويقولون سبحان ربنا } أي تعظيما ~~لربنا لإنجازه ما وعد في الكتب المنزلة، من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ~~{ إن كان وعد ربنا لمفعولا } أي كائنا واقعا { ويخرون للأذقان يبكون ~~ويزيدهم خشوعا } أي خضوعا لربهم وقيل يزيدهم القرآن لين قلب، ورطوبة ~~عين فالبكاء مستحب عند قراءة القرآن. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا ~~اجتمع على عبدي غبار في سبيل الله ودخان جنهم " # أخرجه الترمذي والنسائي. وزاد النسائي " في منخري مسلم أبدا " الولوج ~~الدخول والمنخر الأنف عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله يقول # " عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل ~~الله " # أخرجه الترمذي. ### || [17.110-111] # قوله عز وجل: { قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن } قال ابن عباس: سجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فجعل يقول في سجوده: يا الله يا رحمن ~~فقال أبو جهل: إن محمدا ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين فأنزل الله هذه ~~الآية ومعناه أنهما اسمان لله تعالى فسموه بهذا الاسم أو بهذا الاسم { ~~أيا ما تدعوا } ما صلة ومعناه أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم، أو من ~~جميع أسمائه { فله الأسماء الحسنى } يعني إذا حسنت أسماؤه كلها فهذان ~~الاسمان منها ومعنى كونها حسنى أنها مشتملة على معاني التقديس، والتعظيم ~~والتمجيد { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } ق عن ابن عباس في قوله: ولا ~~تجهر بصلاتك ولا تخافت بها قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف ~~بمكة وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا ~~القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه ~~سلم: ولا تجهر بصلاتك أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ولا ~~تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم وابتغ بين ذلك سبيلا زاد في رواية وابتغ ~~بين ذلك سبيلا ms2137 أسمعهم، ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن وقيل نزلت الآية ~~في الدعاء وهو قول عائشة والنخعي ومجاهد ومكحول. ق عن عائشة " ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها " قالت: نزل ذلك في الدعاء. وقيل: كان أعراب من بني ~~تميم إذا سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: اللهم ارزقنا مالا ~~وولدا يجهرون بذلك فأنزل الله عز وجل " ولا تجهر بصلاتك أي لا ترفع صوتك ~~بقراءتك ودعائك ولا تخافت بها " المخافتة خفض الصوت، والسكوت { وابتغ } ~~أي اطلب { بين ذلك سبيلا } أي طريقا وسطا بين الجهر والإخفاء. عن أبي ~~قتادة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: " مررت بك وأنت تقرأ ~~القرآن وأنت تخفض من صوتك فقال إني أسمعت من ناجيت فقال ارفع قليلا وقال ~~لعمر مررت بك، وأنت تقرأ وأنت ترفع من صوتك فقال إني أوقظ الوسنان وأطرد ~~الشيطان فقال: أخفض قليلا " " # أخرجه الترمذي { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا } أمر الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بأن يحمده على وحدانيته. وقيل: معناه الحمد لله الذي ~~عرفني أنه لم يتخذ ولدا وقيل إن كل من له ولد فهو يمسك جميع النعم لولده ~~وإذا لم يكن له ولد أفاض نعمه على عبيده. وقيل: إن الولد يقوم مقام والده ~~بعد انقضائه والله عز وجل يتعالى عن جميع النقائص فهو المستحق لجميع ~~المحامد { ولم يكن له شريك في الملك } والسبب في اعتبار هذه الصفة أنه لو ~~كان له شريك، لم يكن مستحقا للحمد والشكر وكذا قوله { ولم يكن له ولي من ~~الذل } ومعناه أنه لم يذل فيحتاج إلى ناصر يتعزز به { وكبره تكبيرا } أي ~~وعظمه عن أن يكون له ولد أو شريك أو ولي. # وقيل: إذا كان منزها عن الولد والشريك والولي كان مستوجبا لجميع أنواع ~~المحامد. عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أول ما يدعى إلى الجنة يوم القيامة، الذين يحمدون الله في السراء ~~والضراء " # عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى ms2138 الله عليه وسلم # " الحمد لله رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده " # عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أفضل الدعاء الحمد لله وأفضل الذكر لا إله إلا الله " # أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن غريب عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " أحب الكلام إلى الله لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد ~~لله لا يضرك بأيهن بدأت " # أخرجه مسلم. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1] # قوله عز وجل: { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب } أثنى الله سبحانه ~~وتعالى على نفسه بإنعامه على خلقه وعلم عباده كيف يثنون عليه، ويحمدونه ~~على أجزل نعمائه عليهم وهي الإسلام وما أنزل على عبده محمد صلى الله عليه ~~وسلم من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم وفوزهم خص رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالذكر لأن إنزال القرآن كان نعمة عليه على الخصوص وعلى سائر الناس ~~على العموم { ولم يجعل له عوجا } أي لم يجعل له شيئا من العوج قط ~~والعوج في المعاني، كالعوج في الأعيان والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن ~~معانيه وقيل معناه لم يجعله مخلوقا روي عن ابن عباس في قوله تعالى: # قرآنا عربيا غير ذي عوج # [الزمر: 28] قال غير مخلوق. ### || [18.2-10] # { قيما } أي مستقيما وقال ابن عباس: عدلا، وقيل قيما على الكتب ~~كلها مصدقا لها وناسخا لشرائعها { لينذر بأسا شديدا } معناه لينذر ~~الذين كفروا بأسا شديدا وهو قوله سبحانه وتعالى بعذاب بئيس { من لدنه } ~~أي من عنده { ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا } ~~يعني الجنة { ماكثين فيه } أي مقيمين فيه { أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ ~~الله ولدا ما لهم به من علم } أي بالولد وباتخاذه يعني أن قولهم لم يصدر ~~عن علم بل عن جهل مفرط. فإن قلت اتخاذ الله ولدا في نفسه محال فكيف قيل ~~ما لهم به من علم. قلت انتفاء العلم يكون للجهل بالطريق الموصل إليه وقد ~~يكون ms2139 في نفسه محالا لا يستقيم تعلق العلم به { ولا لآبائهم } أي ولا ~~لأسلافهم من قبل { كبرت } أي عظمت { كلمة تخرج من أفواههم } أي هذا الذي ~~يقولونه لا تحكم به عقولهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية الفساد والبطلان ~~فكأنه يجري على لسانهم على سبيل التقليد { إن يقولون إلا كذبا } أي ما ~~يقولون إلا كذبا قيل حقيقة الكذب أنه الخبر الذي لا يطابق المخبر قولهم ~~عنه وزاد بعضهم مع علم قائله أنه غير مطابق وهذا القيل باطل لأن الله ~~سبحانه وتعالى وصف قولهم بإثبات الولد بكونه كذبا مع أن الكثير منهم ~~يقولون ذلك ولا يعلمون كونه باطلا فعلمنا أن كل خبر لا تطابق الخبر عنه ~~فهو كذب والكذب خلاف الصدق، وقيل: هو الانصراف عن الحق إلى الباطل ورجل ~~كذاب وكذوب إذا كان كثير الكذب. قوله عز وجل { فلعلك باخع نفسك } أي قاتل ~~نفسك { على آثارهم } أي من بعدهم { إن لم يؤمنوا بهذا الحديث } يعني ~~القرآن { أسفا } أي حزنا وقيل غيظا { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ~~} أي مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن ~~منها، وقيل يعني النبات والشجر والأنهار، وقيل أراد به الرجال خاصة فهم ~~زينة الأرض، وقيل أراد به العلماء والصلحاء وقيل جميع ما في الأرض هو ~~زينة لها. فإن قلت أي زينة في الحيات والعقارب والشياطين. قلت زينتها ~~كونها تدل على وحدانية الله تعالى وكمال قدرته، وقيل إن جميع ما في الأرض ~~ثلاثة معدن ونبات وحيوان وأشرف أنواع الحيوان الإنسان، قيل الأولى أن لا ~~يدخل في هذه الزينة المكلف، بدليل قوله تعالى: { لنبلوهم } فمن يبلو يجب ~~أن لا يدخل في ذلك ومعنى لنبلوهم نختبرهم { أيهم أحسن عملا } أي أصلح ~~عملا وقيل أيهم أترك للدنيا وأزهد فيها. { وإنا لجاعلون ما عليها } أي ~~من الزينة، { صعيدا جرزا } يعني مثل أرض لا نبات فيه شيء، قوله سبحانه ~~وتعالى { أم حسبت } أي أظننت يا محمد { أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من ~~آياتنا عجبا } أي هم عجب من ms2140 آياتنا وقيل معناه أنهم ليسوا بأعجب آياتنا، ~~فإن خلقنا من السموات والأرض وما فيهم من العجائب أعجب منهم والكهف الغر ~~الواسع في الجبل، الرقيم هو لوح كتب فيه أسماء أصحاب الكهف وقصتهم ثم وضع ~~على باب الكهف وكان اللوح من رصاص وقيل من حجارة، وعن ابن عباس أن الرقيم ~~اسم الوادي الذي فيه أصحاب الكهف وقال كعب الأحبار: هو اسم للقرية التي ~~خرج منها أصحاب الكهف وقيل اسم للجبل الذي فيه أصحاب الكهف ثم ذكر الله ~~عز وجل قصة أصحاب الكهف فقال عز وجل من قائل { إذ أوى الفتية إلى الكهف } ~~أي صاروا إليه، وجعلوه مأواهم، والفتية جمع فتى وهو الطري من الشباب { ~~فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة } أي رحمة من خزائن رحمتك وجلائل فضلك ~~وإحسانك وهب لنا الهداية والنصر والأمن من الأعداء { وهيىء لنا } أي أصلح ~~لنا { من أمرنا رشدا } أي حتى نكون بسببه راشدين مهديين وقيل معناه ~~واجعل أمرنا رشدا كله. # ذكر قصة الكهف وسبب خروجهم إليه: قال محمد بن إسحاق ومحمد بن يسار مرج ~~أمر أهل الإنجيل، وعظمت فيهم الخطايا وطغت الملوك حتى عبدوا الأصنام ~~وذبحوا للطواغيت، وفيهم بقايا على دين المسيح متمسكون بعبادة الله ~~وتوحيده وكان ممن فعل ذلك من ملوكهم ملك من الروم يقال له دقيانوس عبد ~~الأصنام وذبح للطواغيت وقتل من خالفه وكان ينزل قرى الروم فلا يترك في ~~قرية نزلها أحد إلا فتنه عن دينه حتى يعبد الأصنام أو يقتله. فلما نزل ~~مدينة أصحاب الكهف واسمها أفسوس استخفى منه أهل الإيمان وهربوا في كل وجه ~~فاتخذ شرطا من الكفار وأمرهم أن يتبعوهم بين القتل وبين عبادة الأصنام، ~~فمنهم من يرغب في الحياة ومنهم من يأبى أن يعبد غير الله فيقتل، فلما رأى ~~ذلك أهل الشدة في الإيمان جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل فيقتلون ~~ويقطعون ويجعل ما قطع من أجسادهم على أسوار المدينة وأبوابها فلما عظمت ~~الفتنة وكثرت ورأى ذلك الفتية حزنوا حزنا شديدا فقاموا واشتغلوا ~~بالصلاة والصيام والصدقة والتسبيح والدعاء، وكانوا من ms2141 أشراف الروم وهم ~~ثمانية نفر وبكوا وتضرعوا إلى الله عز وجل وجعلوا يقولون: # ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا # [الكهف: 14] اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة وارفع عنهم البلاء حتى ~~يعلنوا عبادتك فبينما هم على ذلك وقد دخلوا مصلاهم أدركهم الشرط فوجدوهم ~~سجودا يبكون ويتضرعون إلى الله عز وجل فقال لهم الشرط ما خلفكم عن أمر ~~الملك، ثم انطلقوا إلى الملك فأخبروه خبر الفتية فبعث إليهم فأتى بهم ~~تفيض أعينهم من الدمع معفرة، وجوههم بالتراب فقال لهم ما منعكم أن تشهدوا ~~الذبح لآلهتنا التي تعبد في الأرض وتجعلوا أنفسكم أسوة أهل مدينتكم ~~اختاروا إما أن تذبحوا لآلهتنا وإما أن أقتلكم، فقال مكسلينا وهو أكبرهم: ~~إن لنا إلها ملء السموات والأرض عظمته لن ندعوا من دونه إلها أبدا له ~~الحمد والتكبير من أنفسنا خالصا أبدا، إياه نعبد وإياه نسأل النجاة ~~والخير فأما الطواغيت فلن نعبدها أبدا اصنع بنا ما بدا لك. # وقال أصحابه مثل ذلك فلما سمع الملك كلامهم أمر بنزع ثيابهم وحلية كانت ~~عليهم من الذهب والفضة وقال سأفرغ لكم وأنجز لكم ما أوعدتكم من العقوبة ~~وما يمنعني أن أعجل ذلك لكم إلا أني أراكم شبانا حديثة أسنانكم فلا أحب ~~أن أهلككم حتى أجعل لكم أجلا تذكرون فيه فترجعون إلى عقولكم. ثم أمر بهم ~~فأخرجوا من عنده، وانطلق دقيانوس إلى مدينة أخرى قريبة منه لبعض أموره ~~فلما رأى الفتية خروجه بادروا وخافوا إذا قدم أن يذكرهم، فأتمروا بينهم ~~واتفقوا على أن يأخذ كل واحد منهم نفقة من بيت أبيه فيتصدقوا منها ~~ويتزودوا بما بقي ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يقال له ~~ينجلوس، فيمكثوا فيه ويعبدوا الله حتى إذا جاء دقيانوس أتوه فيصنع بهم ما ~~يشاء فلما اتفقوا على ذلك عمد كل فتى منهم إلى بيت أبيه فأخذ نفقة فتصدق ~~منها وانطلقوا بما بقي معهم، وأتبعهم كلب كان لهم حتى أتوا ذلك الكهف ~~فمكثوا فيه. وقال كعب الأحبار: مروا بكلب ms2142 فتبعهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك ~~مرارا فقال لهم الكلب: ما تريدون مني لا تخشوا مني أنا أحب أحباب الله ~~عز وجل فناموا حتى أحرسكم. وقال ابن عباس: هربوا من دقيانوس وكانوا سبعة ~~فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم وتبعهم الكلب فخرجوا من البلد إلى ~~الكهف. قال ابن عباس: فلبثوا فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام ~~والتسبيح والتحميد ابتغاء لوجه الله عز وجل وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم ~~اسمه تمليخا فكان يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سرا وكان أجملهم وأجلدهم ~~وكان إذا دخل المدينة لبس ثيابا رثة كثياب المسلمين ثم يأخذ ورقة فينطلق ~~إلى المدينة فيشتري لهم طعاما وشرابا، ويتجسس لهم الخبر هل ذكر هو ~~وأصحابه بشيء ثم يرجع إلى أصحابه فلبثوا بذلك ما شاء الله أن يلبثوا. ثم ~~قدم دقيانوس المدينة وأمر عظماء أهلها أن يذبحوا للطواغيت ففزع من ذلك ~~أهل الإيمان وكان تمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه طعامهم، فرجع إلى أصحابه ~~وهو يبكي ومعه طعام قليل فأخبرهم أن الجبار قد دخل المدينة وأنهم قد ~~ذكروا والتمسوا مع عظماء المدينة ففزعوا ووقعوا سجدا يدعون الله ~~ويتضرعون إليه ويتعوذون من الفتنة فقال لهم تمليخا: يا إخوتاه ارفعوا ~~رؤوسكم واطعموا وتوكلوا على ربكم فرفعوا رؤوسهم وأعينهم تفيض من الدمع ~~وذلك عند غروب الشمس، ثم جلسوا يتحدثون ويذكر بعضهم بعضا فبينما هم على ~~ذلك إذ ضرب الله عز وجل على آذانهم في الكهف، وكلبهم باسط ذراعيه بباب ~~الكهف فأصابه ما أصابهم وهم مؤمنون موقنون ونفقتهم عند رؤوسهم فلما كان ~~من الغد تفقدهم دقيانوس والتمسهم فلم يجدهم فقال لبعض عظماء المدينة لقد ~~ساءني شأن هؤلاء الفتية الذين ذهبوا لقد ظنوا أن بي غضبا عليهم لجهلهم ~~ما جهلوا من أمري ما كنت لأجهل عليهم إن هم تابوا وعبدوا آلهتي فقال ~~عظماء المدينة ما أنت بحقيق أن ترحم قوما فجرة مردة عصاة، قد كنت أجلت ~~لهم أجلا ولو شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل ولكنهم لم يتوبوا، فلما قالوا ~~ذلك غضب غضبا شديدا ثم أرسل إلى ms2143 آبائهم فأتى بهم فقال: أخبروني عن ~~أبنائكم المردة الذين عصوني، فقالوا: أما نحن لم نعصك فلم تقتلنا بقوم ~~مردة إنهم ذهبوا بأموالنا وأهلكوها في أسواق المدينة، ثم انطلقوا إلى جبل ~~يدعى ينجلوس فلما قالوا له ذلك خلى سبيلهم، وجعل ما يدري ما يصنع بالفتية ~~فألقى الله سبحانه وتعالى في نفسه أن يأمر بسد باب الكهف عليهم وأراد ~~الله عز وجل أن يكرمهم بذلك ويجعلهم آية لأمة تستخلف من بعدهم، وأن يبين ~~لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. # فأمر دقيانوس بالكهف فسد عليهم وقال دعوهم كما هم في كهفهم يموتون جوعا ~~وعطشا ويكون كهفهم الذي اختاروه قبرا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ~~ما يصنع بهم وقد توفى الله عز وجل أرواحهم وفاة نوم وكلبهم باسط ذراعيه ~~بباب الكهف قد غشيه ما غشيهم يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال. ثم إن ~~رجلين مؤمنين من بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما، اسم أحدهما بيدروس ~~واسم الآخر روناس اهتما أن يكتبا شأن هؤلاء الفتية، وأسمائهم وأنسابهم ~~وأخبارهم في لوحين من رصاص ويجعلاهما في تابوت من نحاس ويجعلا التابوت في ~~البنيان، وقالا: لعل الله أن يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم ~~القيامة فيعلم من فتح عليهم خبرهم حين يقرأ الكتاب ففعلا ذلك وبنيا عليه ~~وبقي دقيانوس ما بقي ثم مات هو وقومه، وقرون بعده كثيرة وخلفت الملوك بعد ~~الملوك وقال عبيد بن عمير: كان أصحاب الكهف فتيانا مطوقين مسورين ذوي ~~ذوائب فخرجوا في عيد لهم عظيم في زي وموكب وأخرجوا معهم آلهتهم التي ~~كانوا يعبدونها وكان معهم كلب صيد لهم، وكان أحدهم وزير الملك فقذف الله ~~سبحانه وتعالى الإيمان في قلوبهم فآمنوا وأخفى كل واحد إيمانه وقال في ~~نفسه أخرج من بين أظهر هؤلاء القوم لئلا يصيبني عقاب بجرمهم، فخرج شاب ~~منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة فجلس فيه ثم خرج آخر فرآه جالسا وحده فرجا ~~أن يكون على مثل أمره وجلس إليه من غير أن يظهره ms2144 على أمره ثم خرج آخر ~~فخرجوا جميعا فاجتمعوا فقال بعضهم لبعض ما جمعكم وكل واحد يكتم إيمانه ~~من صاحبه مخافة على نفسه، ثم قالوا ليخرج كل فتيين فيخلوا ويفشي كل واحد ~~سره إلى صاحبه ففعلوا ذلك فإذا هم جميعا على الإيمان وإذا الكهف في جبل ~~عظيم قريب منهم فقال بعضهم لبعض فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته. # فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيد فناموا ثلاثمائة سنين وازداد تسعا، وفقدهم ~~قومهم وطلبوهم فعمى الله عليه آثارهم وكهفهم فكتبوا أسماءهم وأنسابهم في ~~لوح فلان وفلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر كذا من سنة كذا في ~~مملكة فلان ابن فلان الملك ووضعوا اللوح في خزانة الملك وقالوا ليكون ~~لهؤلاء شأن وما ذلك الملك، وجاء قرن بعد قرن. قال محمد بن إسحاق: ثم ملك ~~أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له بيدروس فلما ملك بقي ملكه ثماني وستين ~~سنة، فتحزب الناس في ملكه فكانوا أحزابا منهم من يؤمن بالله ويعلم أن ~~الساعة حق، ومنهم من يكذب بها فكبر ذلك على الملك الصالح وتضرع إلى الله ~~وحزن حزنا شديدا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق ~~ويقولون لا حياة إلا حياة الدنيا وإنما تبعث الأرواح دون الأجساد. وجعل ~~بيدروس الملك يرسل إلى من يظن فيهم خيرا وأنهم أئمة في الخلق فلم يقبلوا ~~منه وجعلوا يكذبون بالساعة حتى كادوا يخرجون الناس عن الحق وملة ~~الحواريين، فلما رأى ذلك الملك الصالح دخل بيته وأغلق بابه عليه، ولبس ~~مسحا وجعل تحته رمادا فجلس عليه فدأب ليله ونهاره يتضرع إلى الله تعالى ~~ويبكي ويقول رب قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث لهم آية تبين لهم بطلان ما هم ~~عليهم. ثم إن الله سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة عباده ~~أراد أن يظهر على الفتية أصحاب الكهف ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية وحجة ~~عليهم ليعلموا أن الساعة آتية فيها، ويستجيب لعبده الصالح بيدروس ويتم ~~نعمته عليه وأن يجمع من كان تبدد من المؤمنين، فألقى الله سبحانه ms2145 وتعالى ~~في نفس رجل من أهل ذلك البلد الذي فيه ذلك الكهف وكان اسمه أولياس أن ~~يهدم ذلك البنيان الذي على فم الكهف ويبني به حظيرة لغنمه، فاستأجر ~~غلامين فجعلا ينزعان تلك الحجارة ويبنيان بها تلك الحظيرة حتى نزعا ما ~~كان على باب الكهف، وفتحا باب الكهف وحجبهم الله تعالى عن الناس بالرعب ~~فلما فتح باب الكهف أذن الله سبحانه وتعالى ذو القدرة والسلطان محيي ~~الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهراني الكهف، فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم ~~طيبة أنفسهم فسلم بعضهم على بعض كأنما اسيتقظوا من ساعتهم التي كانوا ~~يستيقظون منها إذا أصبحوا من ليلتهم. # ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كما كانوا يفعلون لا يرى في وجوههم ولا ~~ألوانهم شيء ينكرونه وأنهم كهيئتهم حين رقدوا وهم يرون أن دقيانوس في ~~طلبهم فلما قضوا صلاتهم قالوا لتمليخا صاحب نفقتهم: أنبئنا بما قال ~~الناس في شأننا عشية أمس عند هذا الجبار، وهم يظنون أنهم قد رقدوا كبعض ~~ما كانوا يرقدون وقد خيل إليهم أنهم كانوا ينامون حتى تساءلوا بينهم فقال ~~بعضهم لبعض كم لبثتم نياما قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم، قالوا ربكم ~~أعلم بما لبثتم وكل ذلك في أنفسهم يسير فقال لهم تمليخا: قد التمستم في ~~المدينة وهو يريد أن يؤتى بكم اليوم فتذبحوا للطواغيت أو يقتلكم، فما شاء ~~الله بعد ذلك فعل فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه اعلموا أنكم ملاقو الله ~~فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو الله، ثم قالوا لتمليخا انطلق إلى ~~المدينة فتسمع ما يقال لنا بها وما الذي يذكر فينا عند دقيانوس وتلطف ولا ~~تشعرن بك أحدا، وابتع لنا طعاما فأتنا به وزدنا على الطعام الذي جئتنا ~~به فقد أصبحنا جياعا، ففعل تمليخا كما كان يفعل ووضع ثيابه وأخذ الثياب ~~التي كان يتنكر فيها وأخذ ورقا من نفقتهم التي كانت معهم التي ضربت ~~بطابع دقيانوس وكانت كخفاف الربع، فانطلق تمليخا خارجا فلما مر بباب ~~الكهف رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف فعجب منه ثم مر ولم يبال ms2146 بها حتى ~~أتى باب المدينة مستخفيا يصد عن الطريق تخوفا أن يراه أحد من أهلها ~~فيعرفه، ولا يشعر أن دقيانوس وأهله هلكوا قبل ذلك بثلاثمائة سنة. فلما ~~أتى تمليخا باب المدينة رفع بصره فرأى فوق ظهر الباب علامة كانت لأهل ~~الإيمان. إذ كان أمر الإيمان ظاهرا فيهما فلما رآها عجب وجعل ينظر إليها ~~يمينا وشمالا ثم ترك ذلك الباب ومضى إلى باب آخر فرأى مثل ذلك فخيل ~~إليه أن المدينة ليست بالتي كان يعرف ورأى أشخاصا كثيرة محدثين لم يكن ~~رآهم من قبل ذلك، فجعل يمشي ويتعجب ويخيل إليه أنه حيران ثم رجع إلى ~~الباب الذي أتى منه فجعل يتعجب بينه وبين نفسه ويقول يا ليت شعري ما هذا ~~أما عشية أمس كان المسلمون يخفون هذه العلامة في هذه المدينة ويستخفون ~~بها واليوم ظاهرة لعلي نائم حالم ثم يرى أنه ليس بنائم فأخذ كساءه فجعله ~~على رأسه ثم دخل المدينة فجعل يمشي في أسواقها فسمع ناسا يحلفون باسم ~~عيسى ابن مريم، فزاده ذلك تعجبا ورأى أنه حيران فقام مسندا ظهره إلى ~~جدار من جدران المدينة وهو يقول في نفسه والله ما أدري ما هذا أما عشية ~~أمس فليس كان على الأرض من يذكر عيسى ابن مريم إلا قتل وأما اليوم فأسمع ~~كل إنسان يذكر عيسى ابن مريم لا يخاف، ثم قال في نفسه: لعل هذه ليست ~~بالمدينة التي أعرف والله ما أعلم مدينة بقرب مدينتنا فقام كالحيران ثم ~~لقي فتى فقال له ما اسم هذه المدينة يا فتى فقل له أفسوس، فقال في نفسه ~~لعل بي مسا أو أمرا أذهب عقلي والله يحق لي أن أسرع الخروج قبل أن ~~يصيبني فيها شر فأهلك. # فمضى إلى الذين يبتاعون الطعام فأخرج لهم الورق التي كانت معه وأعطاها ~~رجلا منهم وقال له بعني بهذه الورق طعاما، فأخذها الرجل ونظر إلى ضرب ~~الورق ونقشها فعجب منها فناولها رجلا آخر من أصحابه فنظر ثم جعلوا ~~يتطارحونها بينهم من رجل إلى رجل ويتعجبون منها ويتشاورون بينهم، ms2147 ويقول ~~بعضهم لبعض: إن هذا أصاب كنزا خبيئا في الأرض منذ زمن طويل فلما رآهم ~~تمليخا يتحدثون فيه فرق فرقا شديدا وخاف وجعل يرعد ويظن أنهم قد فطنوا ~~به وعرفوه وأنهم إنما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقيانوس، وجعل أناس ~~يأتونه وتعرفونه فلا يعرفونه فقال لهم وهو شديد الخوف منهم: أفضلوا علي ~~قد أخذتم ورقي فأمسكوها وأما طعامك فلا حاجة لي به، فقالوا له يا فتى من ~~أنت وما شأنك والله لقد وجدت كنزا من كنوز الأولين وأنت تريد أن تخفيه ~~منا انطلق معنا وأرناه وشاركنا فيه نخفف عليك ما وجدت، وإنك إن لم تفعل ~~نحملك إلى السلطان فنسلمك إليه فيقتلك فلما سمع قولهم قال والله قد وقعت ~~في كل شيء كنت أحذر منه، فقالوا له يا فتى إنك والله لا تستطيع أن تكتم ~~ما وجدت وجعل تمليخا ما يدري ما يقول لهم وخاف حتى لم يجر على لسانه ~~إليهم شيء، فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه فطرحوه في عنقه وجعلوا ~~يسحبونه في سكك المدينة حتى سمع به من فيها، وقيل قد أخذ رجل معه كنز ~~فاجتمع عليه أهل المدينة وجعلوا ينظرون إليه ويقولون والله ما هذا الفتى ~~من أهل هذه المدينة وما رأيناه فيها قط وما نعرفه، وجعل تمليخا لا يدري ~~ما يقول لهم، وكان متيقنا أن أباه وإخوته بالمدينة وأنه من عظماء أهلها ~~وأنهم سيأتونه إذا سمعوا به فبينما هو قائم كالحيران ينتظر متى يأتيه بعض ~~أهله فيخلصه من أيديهم إذا اختطفوه وانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ~~ومدبريها، اللذين يدبران أمرها وهما رجلان صالحان اسم أحدهما أريوس واسم ~~الآخر طنطيوس، فلما انطلقوا به إليهما ظن تمليخا أنه إنما ينطلق به إلى ~~دقيانوس الجبار فجعل يلتفت يمينا وشمالا، وهو يبكي والناس يسخرون منه ~~كما يسخرون من المجنون ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إله السماء ~~وإله الأرض أفرغ علي اليوم صبرا وأولج معي روحا منك تؤيدني به عند هذا ~~الجبار، وجعل يقول في نفسه فرقوا بيني وبين ms2148 إخوتي يا ليتهم يعلمون ما ~~لقيت ويا ليتهم يأتونني فنقوم جميعا بين يدي هذا الجبار فإنا قد كنا ~~تواثقنا على الإيمان بالله وأن لا نشرك به أحدا أبدا ولا نفترق في حياة ~~ولا موت فلما انتهى إلى الرجلين الصالحين أريوس وطنطيوس ورأى أنه لم يذهب ~~إلى دقيانوس، أفاق وذهب عنه البكاء وأخذ أريوس وطنطيوس الورقة ونظرا ~~إليها وعجبا منها وقال أين الكنز الذي وجدت يا فتى فقال تمليخا: ما وجدت ~~كنزا ولكن هذا ورق آبائي ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن والله ما أدري ~~ما شأني وما أقول لكم فقال له أحدهما: ممن أنت فقال تمليخا أما أنا فكنت ~~أرى أني من أهل هذه المدينة فقيل له: ومن أبوك ومن يعرفك بها فأخبرهم ~~بأسم أبيه، فلم يوجد من يعرفه ولا أباه فقال له أنت كذاب لا تنبئنا بالحق ~~فلم يدر تمليخا ما يقول غير أنه نكث بصره إلى الأرض فقال بعض من حوله هذا ~~رجل مجنون، وقال بعضهم ليس بمجنون ولكنه يحمق نفسه عمدا لكي ينفلت منكم، ~~فقال له أحدهما ونظر إليه نظرا شديدا أتظن إنا نرسلك ونصدقك بأن هذا ~~مال أبيك ونقش هذه المدينة وضربها ولهذه الورقة أكثر من ثلاث مائة سنة ~~وأنت غلام شاب أتظن أنك تأفكنا وتسخر بنا ونحن شيوخ شمط وحولك سراة هذه ~~المدينة وولاة أمرها وخزائن هذه المدينة بأيدينا وليس عندنا من هذا الضرب ~~درهم ولا دينار، وإنني لأظنني سآمر بك فتعذب عذابا شديدا ثم أوثقك حتى ~~تعترف بهذا الكنز الذي وجدته. # فقال لهم تمليخا: أخبروني عما أسألكم عنه فإن أنتم فعلتم صدقتكم عما ~~عندي، فقالوا له سل لا نكتمك شيئا قال: فما فعل الملك دقيانوس فقال: ما ~~نعرف على وجه الأرض من اسمه دقيانوس ولم يكن إلا ملك هلك في الزمان الأول ~~وله دهر طويل وهلك بعده قرون كثيرة، فقال تمليخا: إني إذا لحيران وما ~~يصدقني أحد من الناس فيما أقول لقد كنا فتية على دين الواحد وأن الملك ~~أكرهنا على عبادة الأصنام والذبح للطواغيت ms2149 فهربنا منه عشية أمس، فأتينا ~~إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس فنمنا فيه فلما انتهينا خرجت لأشتري ~~لأصحابي طعاما وأتجسس الأخبار فإذا أنا معكم كما ترون فانطلقوا معي إلى ~~الكهف أريكم أصحابي، فلما سمع أريوس قول تمليخا قال يا قوم لعل هذه آية ~~من آيات الله جعلها الله عز وجل لكم على يد هذا الفتى فانطلقوا بنا معه ~~حتى يرينا أصحابه. فانطلق أريوس وطنطيوس ومعهما جميع أهل المدينة كبيرهم ~~وصغيرهم نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم فلما رأى الفتية أصحاب الكهف ~~تمليخا قد احتبس عنهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي فيه ظنوا ~~أنه أخذ وذهب به إلى ملكهم دقيانوس فبينما هم يظنون ذلك ويتخوفونه إذ ~~سمعوا الأصوات وجلبة الخيل مصعدة فظنوا أنهم رسل الجبار دقيانوس بعث بهم ~~إليهم ليؤتى بهم فقاموا إلى الصلاة وسلم بعضهم على بعض وأوصى بعضهم بعضا ~~وقالوا انطلقوا بنا نأت أخانا تمليخا فإنه الآن بين يدي الجبار وهو ~~ينتظرنا حتى نأتيه. # فبينما هم يقولون ذلك وهم جلوس على هذه الحالة إذ هم بأريوس وأصحابه ~~وقوفا على باب الكهف فسبقهم تمليخا ودخل وهو يبكي فلما رأوه يبكي بكوا ~~معه ثم سألوه عن خبره فقص عليه الخبر كله، فعرفوا أنهم كانوا نياما بأمر ~~الله ذلك الزمن الطويل وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس وتصديقا للبعث ~~وليعلموا أن الساعة لا ريب فيها. ثم دخل على أثر تمليخا أريوس فرأى ~~تابوتا من نحاس مختوما بخاتم فضة فوقف على الباب ودعا جماعة من عظماء ~~أهل المدينة وأمر بفتح التابوت بحضرتهم فوجدوا فيه لوحين من رصاص مكتوبا ~~فيهما مكسلمينا ومخشلمينا وتمليخا ومرطونس وكشطونس وبيرونس وديموس وبطيوس ~~وقالوس والكلب اسمه قطمير. كانوا فتية هربوا من ملكهم دقيانوس مخافة أن ~~يفتنهم عن دينهم فدخلوا هذا الكهف فلما أخبر بمكانهم أمر الكهف فسد عليهم ~~بالحجارة وإنا كتبنا شأنهم وخبرهم ليعلمه من بعدهم إن عثر بهم فلما قرأوه ~~عجبوا وحمدوا الله سبحانه وتعالى الذي أراهم آية تدلهم على البعث ثم ~~رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثم ms2150 دخلوا على الفتية الكهف فوجدوهم ~~جلوسا مشرقة وجوههم لم تبل ثيابهم فخر أريوس وأصحابه سجدا لله وحمدوا ~~الله سبحانه وتعالى الذي أراهم آية من آياته ثم كلم بعضهم بعضا وأخبرهم ~~الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقيانوس ثم أريوس وأصحابه بعثوا بريدا إلى ~~ملكهم الصالح بيدروس أن عجل لعلك تنظر إلى آية من آيات الله جعلها الله ~~على ملكك للناس آية لتكون لهم نورا وضياء وتصديقا للبعث، وذلك أن فتية ~~بعثهم الله وقد كان توفاهم منذ ثلاث مائة سنة وأكثر، فلما أتى الملك ~~الخبر رجع عقله إليه وذهب همه وقال: أحمدك اللهم رب السموات والأرض ~~وأعبدك وأسبح لك تطولت علي ورحمتني ولم تطفىء النور الذي جعلته لآبائي ~~وللعبد الصالح بيدروس الملك ثم أخبر بذلك أهل مدينته فركب وركبوا معه حتى ~~أتوا مدينة أفسوس، فتلقاهم أهلها وساروا معه نحو الكهف فلما صعد الجبل ~~ورأى الفتية بيدروس فرح بهم وخر ساجدا على وجهه وقام بيدروس الملك ~~قدامهم ثم اعتنقهم وبكى وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبحون الله ~~ويحمدونه. ثم قال الفتية لبيدروس الملك نستودعك الله والسلام عليك ورحمة ~~الله وبركاته حفظك الله وحفظ ملكك ونعيذك بالله من شر الإنس والجن. ~~فبينما الملك قائم إذا هم رجعوا إلى مضاجعهم فناموا وتوفى الله أنفسهم، ~~فقام الملك إليهم وجعل ثيابهم عليهم وأمر أن يجعل كل رجل منهم في تابوت ~~من ذهب فلما أمسى ونام أتوه في منامه فقالوا له إنا لم نخلق من ذهب ولا ~~فضة ولكنا خلقنا من تراب وإلى التراب نصير فاتركنا كما كنا في الكهف على ~~التراب حتى يبعثنا الله تعالى منه، فأمر الملك عند ذلك بتابوت من ساج ~~فجعلوا فيه وحجبهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب، ولم يقدر أحد أن يدخل ~~عليهم وأمر الملك أن يتخذوا على باب الكهف مسجدا يصلى فيه وجعل لهم ~~عيدا عظيما وأمر أن يؤتى كل سنة. # وقيل إن تمليخا حمل إلى الملك الصالح فقال له الملك من أنت قال أنا رجل ~~من أهل هذه ms2151 المدينة، وذكر أنه خرج أمس أو منذ أيام وذكر منزله وأقواما ~~لم يعرفهم أحد وكان الملك قد سمع أن فتية قد فقدوا في الزمان الأول وإن ~~أسماءهم مكتوبة على لوح في خزانته فدعا اللوح ونظر في أسمائهم فإذا اسمه ~~مكتوب وذكر أسماء الآخرين فقال تمليخا: هم أصحابي فلما سمع الملك ركب ومن ~~معه من القوم فلما أتوا باب الكهف قال تمليخا: دعوني حتى أدخل على أصحابي ~~فأبشرهم فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم فدخل تمليخا فبشرهم فقبض الله روحه ~~وأرواحهم وأعمى على الملك وأصحابه أثرهم فلم يهتدوا إليهم فذلك قوله عز ~~وجل { إذ أوى الفتية إلى الكهف } أي صاروا إلى الكهف واسمه خيرم { فقالوا ~~ربنا آتنا من لدنك رحمة } أي هداية في الدين { وهيىء لنا } أي يسر لنا { ~~من أمرنا رشدا } أي ما نلتمس منه رضاك وما فيه رشدنا، وقال ابن عباس: أي ~~مخرجا من الغار في سلامة. ### || [18.11-17] # قوله سبحانه وتعالى: { فضربنا على أذانهم } أي ألقينا عليهم النوم، وقيل ~~منعنا نفوذ الأصوات إلى مسامعهم فإن النائم إذا سمع الصوت ينتبه { في ~~الكهف سنين عددا } أي أنمناهم سنين كثيرة فإن العدد يدل على الكثرة { ثم ~~بعثناهم } أي من نومهم { لنعلم } أي علم مشاهدة وذلك أن الله عز وجل لم ~~يزل عالما، وإنما أراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر لهم ليزدادوا ~~إيمانا واعتبارا { أي الحزبين } أي الطائفتين { أحصى لما لبثوا أمدا } ~~أي أحفظ لما مكثوا في كهفهم نياما وذلك أن أهل المدينة تنازعوا في مدة ~~لبثهم في الكهف. قوله تعالى { نحن نقص عليك نبأهم بالحق } أي نقرأ عليك ~~خبر أصحاب الكهف بالحق أي بالصدق { إنهم فتية } أي شبان { آمنوا بربهم ~~وزدناهم هدى } أي إيمانا وبصيرة { وربطنا على قلوبهم } أي شددنا على ~~قلوبهم بالصبر والتثبيت وقويناهم بنور الإيمان حتى صبروا على هجران دار ~~قومهم، ومفارقة ما كانوا عليه من خفض العيش وفروا بدينهم إلى الكهف { إذ ~~قاموا } يعني بين يدي دقيانوس الجبار حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام { ~~فقالوا } أي الفتية ms2152 { ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها } ~~إنما قالوا ذلك لأن قومهم كانوا يعبدون الأصنام { لقد قلنا إذا شططا } ~~قال ابن عباس: يعني جورا وقيل كذبا يعني إن دعونا غير الله { هؤلاء ~~قومنا } يعني أهل بلدهم { اتخذوا من دونه } أي من دون الله { آلهة } يعني ~~أصناما يعبدونها { لولا } أي هلا { يأتون عليهم } أي على عبادة الأصنام ~~{ بسلطان بين } أي بحجة واضحة وفيه تبكيت لأن الإتيان بحجة على عبادة ~~الأصنام محال { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } أي وزعم أنه له ~~شريكا أو ولدا ثم قال بعضهم لبعض { وإذ اعتزلتموهم } يعني قومكم { وما ~~يعبدون إلا الله } وذلك أنهم كانوا يعبدون الله، ويعبدون معه الأصنام ~~والمعنى وإذا اعتزلتموهم وجميع ما يعبدون إلا الله فإنكم لم تعتزلوا ~~عبادته { فأووا إلى الكهف } أي الجؤوا إليه { ينشر لكم } أي يبسط لكم { ~~ربكم من رحمته ويهيىء } أي يسهل { لكم من أمركم مرفقا } أي ما يعود إليه ~~يسركم ورفقكم. قوله سبحانه وتعالى { وترى الشمس إذا طلعت تزاور } أي تميل ~~وتعدل { عن كهفهم ذات اليمين } أي جانب اليمين { وإذا غربت تقرضهم } أي ~~تتركهم وتعدل عنهم { ذات الشمال وهم في فجوة منه } أي متسع من الكهف { ~~ذلك من آيات الله } أي من عجائب صنعه ودلالات قدرته وذلك أن ما كان في ~~ذلك السمت تصيبهم الشمس ولا تصيبهم اختصاصا لهم بالكرامة، وقيل إن باب ~~الكهف شمالي مستقبل لبنات نعش فهم في مقنأة أبدا لا تقع الشمس عليهم عند ~~الطلوع ولا عند الغروب ولا عند الاستواء فتؤذيهم بحرها، ولكن اختار الله ~~لهم مضجعا في متسع ينالهم فيه برد الريح ونسيمها ويدفع عنهم كرب الغار ~~وغمه، وعلى هذا القول يكون معنى قوله ذلك من آيات الله أي إن شأنهم ~~وحديثهم من آيات الله { من يهد الله فهو المهتد } يعني مثل أصحاب الكهف ~~وفيه ثناء عليهم { ومن يضلل } أي ومن يضلله الله ولم يرشده { فلن تجد له ~~وليا } أي معينا { مرشدا } أي يرشده. ### || [18.18-20] # قوله سبحانه وتعالى: { وتحسبهم } خطاب لكل ms2153 أحد { أيقاظا } أي منتبهين ~~لأن أعينهم مفتحة { وهم رقود } أي نيام { ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ~~} قال ابن عباس: كانوا يقلبون في السنة مرة من جانب إلى جانب لئلا تأكل ~~الأرض لحومهم، قيل كانوا يقلبون في عاشوراء وقيل كانوا لهم في السنة ~~تقلبتان { وكلبهم باسط ذراعيه } قال ابن عباس: كان كلبا أغر وعنه أنه ~~كان فوق القلطي ودون الكرزي. والقلطي كلب صيني وقيل كان أصفر وقيل كان ~~شديد الصفرة يضرب إلى حمرة، وقال ابن عباس: كان اسمه قطمير وقيل ريان ~~وقيل صهبان قيل ليس في الجنة دواب سوى كلب أصحاب الكهف وحمار بلعام { ~~بالوصيد } أي فناء الكهف، وقيل عتبة الباب وكان الكلب قد بسط ذراعيه وجعل ~~وجهه عليهم، قيل كان ينقلب مع أصحابه فإذا انقلبوا ذات اليمين كسر الكلب ~~أذنه اليمنى ورقد عليها، وإذا انقلبوا ذات الشمال كسر أذنه اليسرى ورقد ~~عليها { لو اطلعت عليهم } يا محمد { لوليت منهم فرارا } وذلك لما ألبسهم ~~الله من الهيبة حتى لا يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب أجله فيوقظهم الله ~~من رقدتهم { ولملئت منهم رعبا } أي خوفا من وحشة المكان. وقيل لأن ~~أعينهم مفتحة كالمتيقظ الذي يريد أن يتكلم وهم نيام وقيل لكثرة شعورهم، ~~وطول أظافرهم ولتقلبهم من غير حس ولا إشعار وقيل إن الله سبحانه وتعالى ~~منعهم بالرعب لئلا يراهم أحد. قال ابن عباس: غزونا مع معاوية نحو الروم ~~فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف فقال معاوية: لو كشف الله عن هؤلاء ~~لنظرنا إليهم، فقال ابن عباس: قد منع ذلك من هو خير منك فقيل له لو اطلعت ~~عليهم لوليت منهم فرارا. فبعث معاوية ناسا فقال اذهبوا فانظروا، فلما ~~دخلوا الكهف بعث الله ريحا فأحرقهم. قوله سبحانه وتعالى { وكذلك بعثناهم ~~} يعني كما أنمناهم في الكهف وحفظنا أجسامهم من البلى على طول الزمان ~~بعثناهم من النومة التي تشبه الموت { ليتساءلوا بينهم } أي ليسأل بعضهم ~~بعضا { قال قائل منهم } وهو رئيسهم وكبيرهم مكسلمينا { كم لبثتم } أي في ~~نومكم وذلك، أنهم استنكروا طول نومهم وقيل ms2154 إنهم راعهم ما فاتهم من الصلاة ~~فقالوا ذلك { قالوا لبثنا يوما } ثم نظروا فوجدوا الشمس قد بقي منها ~~بقية فقالوا { أو بعض يوم } فلما نظروا إلى طول شعورهم وأظافرهم علموا ~~أنهم لبثوا أكثر من يوم { قالوا ربكم أعلم بما لبثتم } وقيل إن مكسلمينا ~~لما سمع الاختلاف بينهم قال دعوا الاختلاف ربكم أعلم بما لبثتم { فابعثوا ~~أحدكم } يعني تمليخا { بورقكم } هي الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة { ~~هذه إلى المدينة } قيل هي ترسوس وكان اسمها في الزمن الأول قبل الإسلام ~~أفسوس { فلينظر أيها أزكى طعاما } أي أحل طعاما وقيل أمروه أن يطلب ~~ذبيحة مؤمن، ولا تكون من ذبح من يذبح لغير الله وكان فيهم مؤمنون يخفون ~~إيمانهم، وقيل أطيب طعاما وأجود وقيل أكثر طعاما وأرخصه { فليأتكم برزق ~~منه } أي قوت وطعام تأكلونه { وليتلطف } أي وليترفق في الطريق وفي ~~المدينة وليكن في ستر وكتمان { ولا يشعرن } أي ولا يعلمن { بكم أحدا } ~~أي من الناس { إنهم إن يظهروا عليكم } أي يعلموا بمكانكم { يرجموكم } قيل ~~معناه يشتموكم ويؤذوكم بالقول وقيل يقتلوكم، وكان من عادتهم القتل ~~بالحجارة وهو أخبث القتل وقيل يعذبوكم { أو يعيدوكم في ملتهم } أي الكفر ~~{ ولن تفلحوا إذا أبدا } أي إن عدتم إليه. ### || [18.21-25] # قوله عز وجل: { وكذلك أعثرنا عليهم } أي أطلعنا الناس عليهم { ليعلموا ~~أن وعد الله حق } يعني قوم بيدروس الذين أنكروا البعث { وأن الساعة لا ~~ريب فيها } أي لا شك فيها أنها آتية { إذ يتنازعون بينهم أمرهم }. قال ~~ابن عباس: في البنيان فقال المسلمون نبني عليهم مسجدا يصلي فيه الناس ~~لأنهم على ديننا وقال المشركون نبني بنيانا لأنهم على ملتنا وقيل كان ~~يتنازعهم في البعث فقال المسلمون تبعث الأجساد والأرواح وقال قوم تبعث ~~الأرواح فأراهم الله آية وأن البعث للأرواح والأجساد وقيل تنازعوا في مدة ~~لبثهم وقيل في عددهم { فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال ~~الذين غلبوا على أمرهم } يعني بيدروس وأصحابه { لنتخذن عليهم مسجدا } ~~قوله تعالى { سيقولون ثلاثة رابعهم } روي أن السيد والعاقب وأصحابهما من ~~نصارى ms2155 نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف ~~عندهم فقال السيد وكان يعقوبيا كانوا ثلاثة رابعهم { كلبهم ويقولون } أي ~~وقال العاقب وكان نسطوريا { خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون } ~~وقال المسلمون { سبعة وثامنهم كلبهم } فحقق الله قول المسلمين وإنما ~~عرفوا ذلك بأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم على لسان جبريل صلى الله ~~عليه سلم بعدما حكى قول النصارى أولا، ثم أتبعه بقوله سبحانه وتعالى ~~رجما بالغيب أي ظنا وحدسا من غير يقين ولم يقل ذلك في السبعة وتخصيص ~~الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فوجب أن يكون المخصوص ~~بالظن هو قول النصارى وأن يكون قول المسلمين مخالفا لقول النصارى في ~~كونه رجما بالغيب وظنا، ثم أتبعه بقوله سبحانه وتعالى { قل ربي أعلم ~~بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل } هذا هو الحق لأن العلم بتفاصيل العوالم ~~والكائنات فيه في الماضي والمستقبل لا يكون إلا لله تعالى أو من أخبره ~~الله سبحانه وتعالى بذلك. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنا من أولئك ~~القليل كانوا سبعة وهم مكسلمينا وتمليخا ومرطونس وبينونس وسارينوس ~~ودنوانس وكشفيططنونس وهو الراعي واسم كلبهم قطمير { فلا تمار فيهم }. أي ~~لا تجادل ولا تقل في عددهم وشأنهم { إلا مراء ظاهرا } أي إلا بظاهر ما ~~قصصنا عليك فقف عنده ولا تزد عليه { ولا تستفت فيهم } أي في أصحاب الكهف ~~{ منهم } أي من أهل الكتاب { أحدا } أي لا ترجع إلى قول أحد منهم بعد أن ~~أخبرناك قصتهم. قوله سبحانه وتعالى { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا ~~إلا أن يشاء الله } يعني إذا عزمت على فعل شيء غدا فقل إن شاء الله ولا ~~تقله بغير استثناء وذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه سلم عن ~~الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فقال أخبركم غدا ولم يقل إن شاء ~~الله فلبث الوحي أياما ثم نزلت هذه الآية وقد تقدمت القصة في سورة بني ~~إسرائيل { واذكر ربك إذا نسيت } قال ابن عباس: ms2156 معناه إذا نسيت الاستثناء ~~ثم ذكرت فاستثن وجوز ابن عباس الاستثناء المنقطع، وإن كان بعد سنة وجوزه ~~الحسن ما دام في المجلس وجوزه بعضهم إذا قرب الزمان، فإن بعد لم يصح ولم ~~يجوزه جماعة حتى يكون الكلام متصلا بالاستنثاء وقيل في معنى الآية واذكر ~~ربك إذا غضبت قال وهب مكتوب في التوراة والإنجيل ابن آدم " اذكرني حين ~~تغضب أذكرك حين أغضب " ، وقيل الآية في الصلاة يدل عليه ما روي عن أنس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من نسي صلاة فليصلها إذ ذكرها " # قال تعالى { أقم الصلاة لذكري } متفق عليه زاد مسلم أو نام عنها ~~فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها { وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ~~} أي يثبتني على طريق هو أقرب إليه وأرشد، وقيل إن الله سبحانه وتعالى ~~أمره أن يذكره إذا نسي شيئا ويسأله أن يذكره أو يهديه لما هو خير له من ~~أن يذكر ما نسي وقيل إن القوم لما سألوه عن قصة أصحاب الكهف على وجه ~~العناد أمره الله سبحانه وتعالى أن يخبرهم أن الله سبحانه وتعالى سيؤتيه ~~من الحجج على صحة نبوته ما هو أدل لهم من قصة أصحاب الكهف وقد فعل حيث ~~آتاه من علم غيب المرسلين وقصصهم مما هو أوضح وأقرب إلى الرشد من خبر ~~أصحاب الكهف. وقيل هذا شيء أمره الله أن يقوله إن شاء الله إذا ذكر ~~الاستثناء بعد النسيان وإذا نسي الإنسان قوله إن شاء الله فتوبته من ذلك ~~أن يقول مع قوله إن شاء الله عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا. قوله ~~عز وجل { ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا } قيل هذا خبر ~~عن قول أهل الكتاب ولو كان خبرا من الله عن قدر لبثهم لم يكن لقوله قل ~~الله أعلم بما لبثوا وجه ولكن الله رد قولهم. ### || [18.26-29] # قوله: { قل الله أعلم بما لبثوا } والأصح أنه إخبار من الله تعالى عن ~~قدر لبثهم في الكهف ويكون معنى قوله قل ms2157 الله أعلم بما لبثوا، يعني إن ~~نازعوك في مدة لبثهم في الكهف فقل أنت الله أعلم بما لبثوا أي هو أعلم ~~منكم وقد أخبر بمدة لبثهم وقيل إن أهل الكتاب قالوا إن المدة من حين ~~دخلوا الكهف إلى يومنا هذا وهو اجتماعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~ثلاثمائة وتسع سنين فرد الله عليهم بذلك وقال قل الله أعلم بما لبثوا ~~يعني بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلمه إلا الله. فإن قلت لم قال ~~سنين ولم يقل سنة، قلت قيل لما نزل قوله سبحانه وتعالى # ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة # [الكهف: 25] فقالوا أياما أو شهورا أو سنين فنزلت سنين على وفق قولهم ~~وقيل هو تفسير لما أجمل في قوله فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ~~وازدادوا تسعا وقيل قالت نصارى نجران أما ثلاثمائة فقد عرفنا وأما التسع ~~فلا علم لنا بها. فنزلت قل الله أعلم بما لبثوا. وقيل إن عند أهل الكتاب ~~لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية والله سبحانه وتعالى ذكر ثلاثمائة سنة وتسع ~~سنين قمرية والتفاوت بين القمرية والشمسية في كل مائة سنة ثلاث سنين ~~فتكون الثلاثمائة الشمسية ثلاث مائة وتسع سنين قمرية { له غيب السموات ~~والأرض } يعني أنه سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء من أحوال أهلها فإنه ~~العالم وحده به فكيف يخفى عليه حال أصحاب الكهف { أبصر به وأسمع } معناه ~~ما أبصر الله بكل موجود وأسمعه بكل مسموع لا يغيب عن سمعه وبصره شيء يدرك ~~البواطن كما يدرك الظواهر والقريب والبعيد والمحجوب وغيره لا تخفى عليه ~~خافية { ما لهم } أي ما لأهل السموات والأرض { من دونه } أي من دون الله ~~{ من ولي } أي ناصر { ولا يشرك في حكمه أحدا } قيل معناه لا يشرك الله ~~في علم غيبه أحدا وقيل في قضائه. قوله تعالى { واتل } أي واقرأ يا محمد ~~{ ما أوحي إليك من كتاب ربك } يعني القرآن واتبع ما فيه واعمل به { لا ~~مبدل لكلماته } أي لا مغير للقرآن ولا يقدر أحد على التطرق إليه بتغيير ~~أو ms2158 تبديل. فإن قلت موجب هذا أن لا يتطرق النسخ إليه. قلت النسخ في ~~الحقيقة ليس بتبدليل لأن المنسوخ ثابت في وقته إلى وقت طريان الناسخ ~~فالناسخ كالمغاير فكيف يكون تبديلا. وقيل معناه لا مغير لما أوعد الله ~~بكلماته أهل معاصيه { ولن تجد من دونه } أي من دون الله إن لم تتبع ~~القرآن { ملتحدا } أي ملجأ وحرزا تعدل إليه. قوله عز وجل { وأصبر نفسك ~~} الآية نزلت في عيينة بن حصن الفزاري أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبل ~~أن يسلم وعنده جماعة من الفقراء ومنهم سلمان وعليه صوف قد عرق فيها وبيده ~~خوص يشقه وينسجه فقال عيينة للنبي صلى الله عليه وسلم: أما يؤذيك ريح ~~هؤلاء ونحن سادات مضر وأشرافها إن أسلمنا أسلم الناس وما يمنعنا من ~~اتباعك إلا هؤلاء فنحهم حتى نتبعك أو اجعل لنا مجلسا فأنزل الله عز وجل ~~واصبر نفسك أي احبس يا محمد نفسك { مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } ~~يعني طرفي النهار { يريدون وجهه } أي يريدون وجه الله لا يريدون عرض ~~الدنيا، وقيل نزلت في أصحاب الصفة وكانوا سبعمائة رجل فقراء في مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يرجعون إلى تجارة ولا زرع ولا ضرع يصلون صلاة ~~وينتظرون أخرى فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم # " الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم " # { ولا تعد } أي لا تصرف ولا تجاوز { عيناك عنهم } إلى غيرهم { تريد زينة ~~الحياة الدنيا } أي تطلب مجالسه الأغنياء والأشراف وصحبة أهل الدنيا { ~~ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } أي جعلنا قلبه غافلا عن ذكرنا يعني ~~عيينة بن حصن وقيل أمية بن خلف { واتبع هواه } أي في طلب الشهوات { وكان ~~أمره فرطا } ضياعا ضيع أمره وعطل أيامه، وقيل ندما وقيل سرفا وباطلا ~~وقيل مخالفا للحق { وقل الحق من ربكم } أي قل يا محمد لهؤلاء الذين ~~أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا من ربكم الحق وإليه التوفيق والخذلان وبيده الهدى ~~والضلال ليس إلى من ذلك ms2159 شيء { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } هذا على ~~طريق التهديد والوعيد كقوله # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40] وقيل معنى الآية وقل الحق من ربكم أي لست بطارد المؤمنين ~~لهواكم فإن شئتم فآمنوا وإن شئتم فاكفروا، فإن كفرتم فقد أعد لكم ربكم ~~نارا وإن آمنتم فلكم ما وصف الله لأهل طاعته، وعن ابن عباس في معنى ~~الآية: من شاء الله له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر كفر { إنا أعتدنا } ~~أي هيأنا من العتاد وهو العدة { للظالمين } أي الكافرين { نارا أحاط بهم ~~سرادقها } السرادق الحجزة التي تطيف بالفساطيط عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " سرادق النار أربعة جدر كثف كل جدار أربعون سنة " # أخرجه الترمذي قال ابن عباس: هو حائط نار وقيل هو عنق يخرج من النار ~~فيحيط بالكفار كالحظيرة وقيل هو دخان يحيط بالكفار { وإن يستغيثوا } أي ~~من شدة العطش { ثغاثوا بماء كالمهل } قال ابن عباس: هو ماء غليظ مثل دردي ~~الزيت، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه # " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله سبحانه وتعالى بماء كالمهل ~~قال: " كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه منه " " # أخرجه الترمذي. وقال رشدين أحد رواة الحديث قد تكلم بفيه من قبل حفظة ~~الفروة جلدة الوجه وقيل المهل الدم والقيح وقيل هو الرصاص والصفر المذاب ~~{ يشوي الوجوه } أي ينضج الوجوه من حره { بئس الشراب } أي ذلك الذي ~~يغاثون به { وساءت } أي النار { مرتفقا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~منزلا وقيل مجتمعا وأصل المرتفق المتكأ وإنما جاء كذلك لمشاكلة قوله ~~وحسنت مرتفقا وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا متكأ. ### || [18.30-33] # قوله عز وجل: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن ~~عملا } أي لا نترك أعمالهم الصالحة وقيل إن قوله إنا لا نضيع أجر من ~~أحسن عملا كلام معترض وتقديره إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات { أولئك ~~لهم جنات عدن } أي دار إقامة سميت عدنا لخلود المؤمنين فيها { تجري من ~~تحتهم ms2160 الأنهار } وذلك لأن أفضل المساكن ما كان يجري فيه الماء { يحلون ~~فيها من أساور من ذهب } قيل يحلى كل إنسان منهم ثلاثة أساور سوار من ذهب ~~لهذه الآية وسوار من فضة لقوله تعالى # وحلوا أساور من فضة # [الإنسان: 21] وسوار من لؤلؤ لقوله # ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير # [الحج: 23] { ويلبسون ثيابا خضرا من سندس } هو الديباج الرقيق { ~~وإستبرق } هو الديباج الصفيق الغليظ وقيل السندس المنسوج بالذهب { متكئين ~~} خص الاتكاء لأنه هيئة المتنعمين والملوك { فيها } أي في الجنة { على ~~الأرائك } جمع أريكة وهي السرر في الحجال ولما وصف الله سبحانه وتعالى ~~هذه الأشياء قال { نعم الثواب } أي نعم الجزاء { وحسنت } أي الجنات { ~~مرتفقا } أي مقرا ومجلسا، والمراد بقوله وحسنت مرتفقا مقابلة ما تقدم ~~ذكره من قوله سبحانه وتعالى وساءت مرتفقا. قوله عز وجل { واضرب لهم ~~مثلا رجلين } قيل نزلت في أخوين من أهل مكة من بين مخزوم وهما أبو سلمة ~~عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل وكان مؤمنا وأخوه الأسود بن عبد ~~الأسود وكان كافرا وقيل هذا مثل لعيينة بن حصن وأصحابه وسلمان وأصحابه ~~وشبههما برجلين من بني إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه قطروس وهما ~~اللذان وصفهما الله سبحانه وتعالى في سورة الصافات وكانت قصتهما على ما ~~ذكره عطاء الخراساني قال: كان رجلان شريكان لهما ثمانية آلاف دينار، وقيل ~~كانا أخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها فاشترى أحدهما ~~أرضا بألف دينار فقال صاحبه اللهم إن فلانا قد اشترى أرضا بألف وإني ~~قد اشتريت منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم إن صاحبه بنى ~~دارا بألف دينار فقال اللهم إن فلانا بنى دارا بألف دينار وإني اشتريت ~~منك دارا في الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم تزوج صاحبه امرأة فأنفق ~~عليها ألف دينار فقال اللهم إني أخطب إليك امرأة من نساء الجنة بألف ~~دينار فتصدق بها، ثم اشترى خدما ومتاعا بألف دينار فقال اللهم إني ~~اشتريت منك خدما ومتاعا بألف دينار في الجنة فتصدق بها، ثم أصابته حاجة ms2161 ~~شديدة فقال لو أتيت صاحبي لعل ينالني منه معروف فجلس على طريقه حتى مر به ~~في خدمه وحشمه فقام إليه فنظر إليه صاحبه فعرفه فقال فلان، قال نعم قال ~~ما شأنك قال أصابتني حاجة بعدك فأتيتك لتعينني بخير قال فما فعلت بمالك ~~وقد قاسمتك مالا وأخذت شطره، فنص عليه قصته فقال وإنك لمن المصدقين بهذا ~~اذهب فلا أعطيك شيئا فطرده، فقضي لهما فتوفيا فنزل فيهما قوله # فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين # [الصافات: 50-51] وروي أنه لما أتاه أخذ بيده وجعل يطوف به ويريه أمواله ~~فنزل فيهما { واضرب لهم مثلا رجلين } { جعلنا لأحدهما جنتين } أي ~~وجعلنا بساتين { من أعناب وحففناهما } أي أطفناهما من جوانبهما { بنخل ~~وجعلنا بينهما زرعا } أي بين النخل والأعناب الزرع وقيل بينهما أي بين ~~الجنتين، يعني لم يكن بين الجنتين خراب بغير زرع { كلتا الجنتين آتت } أي ~~أعطت كل واحدة من الجنتين { أكلها } أي ثمرها تماما { ولم تظلم منه ~~شيئا } أي ولم تنقص منه شيئا { وفجرنا خلالهما } شققنا وسطهما { نهرا ~~}. ### || [18.34-44] # { وكان له } أي لصاحب البستان { ثمر } قرىء بالفتح جمع ثمرة وقرىء بالضم ~~وهو الأموال الكثيرة المثمرة من كل صنف من الذهب والفضة وغيرهما { فقال } ~~يعني صاحب البستان { لصاحبه } يعني المؤمن { وهو يحاوره } أي يخاطبه { ~~أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا } أي عشيرة ورهطا وقيل خدما وحشما { ~~ودخل جنته } يعني الكافر أخذا بيد أخيه المؤمن يطوف به فيها ويريه إياها ~~{ وهو ظالم لنفسه } أي بكفره فتوهم أنها لا تفنى أبدا وأنكر البعث فقال ~~{ وما أظن الساعة قائمة } أي كائنة { ولئن رددت إلى ربي } فإن قلت كيف ~~قال ولئن رددت إلى ربي وهو منكر للبعث قلت معناه ولئن رددت إلى ربي على ~~ما نزعم من أن الساعة آتية { لأجدن خيرا منها منقلبا } أي يعطيني هناك ~~خيرا منها لأنه لم يعطني الجنة في الدنيا إلا ليعطيني في الآخرة أفضل ~~منها { قال له صاحبه } يعني المؤمن { وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من ~~تراب } أي ms2162 خلق أصلك من تراب لأن خلق أصله سبب في خلقه فكان خلقا له { ثم ~~من نطفة ثم سواك رجلا } أي عداك بشرا سويا وكملك إنسانا ذكرا بالغ ~~مبلغ الرجال { لكنا هو الله ربي } مجازه لكن أنا هو الله ربي { ولا أشرك ~~بربي أحدا ولولا } أي هلا { إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله } والمعنى هلا ~~قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها ما شاء الله اعترافا بأنها ~~وكل خير فيها إنما حصل بمشيئة الله تعالى وفضله وأن أمرها بيده وأنه إن ~~شاء تركها عامرة وإن شاء تركها خرابا { لا قوة إلا بالله } أي وقلت لا ~~قوة إلا بالله إقرارا بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها بمعونة ~~الله وتأييده ولا أقدر على حفظ مالي ودفع شيء عنه إلا بالله. روي عن عروة ~~بن الزبير أنه كان إذا رأى من ماله شيئا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه ~~قال ما شاء الله لا قوة إلا بالله الحائط البستان { إن ترن أنا أقل منك ~~مالا وولدا } أي لأجل ذلك تكبرت علي وتعظمت { فعسى ربي } أي فلعل ربي { ~~أن يؤتين } أي يعطيني { خيرا من جنتك } يعني في الآخرة { ويرسل عليها } ~~أي على جنتك { حسبانا } قال ابن عباس: نارا، وقيل مرامي { من السماء } ~~وهي الصواعق فتهلكها { فتصبح صعيدا زلقا } أي أرضا جرداء ملساء لا ~~نبات فيها وقيل تزلق فيها الأقدام وقيل رملا هائلا { أو يصبح ماؤها ~~غورا } غائرا ذاهبا لا تناله الأيدي ولا الدلاء { فلن تستطيع له طلبا ~~} يعني إن طلبته لم تجده { وأحيط بثمره } يعني أحاط العذاب بثمر جنته ~~وذلك أن الله تعالى أرسل عليها من السماء نارا فأهلكها وغار ماؤها { ~~فأصبح } يعني صاحبها الكافر { يقلب كفيه } يصفق بكف على كف ويقلب كفيه ~~ظهرا لبطن تأسفا وتلهفا { على ما أنفق فيها } المعنى فأصبح يندم على ~~ما أنفق في عمارتها { وهي خاوية على عروشها } أي ساقطة سقوفها وقيل إن ~~كرومها المعرشة سقطت عروشها في الأرض { ويقول يا ليتني لم أشرك بربي ms2163 ~~أحدا } يعني أنه تذكر موعظة أخيه المؤمن فعلم أنه أتى من جهة شركه ~~وطغيانه فتمنى لو لم يكن مشركا { ولم تكن له فئة } أي جماعة { ينصرونه ~~من دون الله } أي يمنعونه من عذاب الله { وما كان منتصرا } أي ممتنعا ~~لا يقدر على الانتصار لنفسه وقيل معناه لا يقدر على رد ما ذهب منه. # وقوله سبحانه وتعالى { هنالك الولاية } قرىء بكسر الواو يعني السلطان في ~~القيامة { لله الحق } وقرىء بفتحها من الموالاة والنصرة، يعني أنهم ~~يتولونه يومئذ ويتبرؤون مما كانوا يعبدون من دونه في الدنيا { هو خير ~~ثوابا } أي أفضل جزاء لأهل طاعته لو كان غيره يثيب { وخير عقبا } يعني ~~عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره فهو خير إثابة وعاقبة. ### || [18.45-48] # قوله عز وجل: { واضرب لهم } أي اضرب يا محمد لقومك { مثل الحياة الدنيا ~~كماء أنزلناه من السماء } يعني المطر { فاختلط به نبات الأرض } أي خرج ~~منه كل لون وزهرة { فأصبح } أي عن قريب { هشيما } قال ابن عباس: يابسا ~~{ تذروه الرياح } قال ابن عباس: تذريه تفرقه وتنسفه { وكان الله على كل ~~شيء مقتدرا } أي قادرا. قوله سبحانه وتعالى { المال والبنون } يعني ~~التي يفتخر بها عيينة وأصحابه الأغنياء { زينة الحياة الدنيا } يعني ليست ~~من زاد الآخرة، قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: المال والبنون ~~حرث الدنيا والأعمال الصالحة حرث الآخرة وقد يجمعهما لأقوام { والباقيات ~~الصالحات } قال ابن عباس: هي قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر م عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " لأن أقول سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلى ~~مما طلعت الشمس " # عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله علي وسلم ~~أنه قال # " استكثروا من قول الباقيات الصالحات. قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: ~~التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله " # عن أبي هريرة رضي الله عنه ms2164 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قلت: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ ~~قال: المساجد. قلت: وما الرتع؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان ~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " # أخرجه الترمذي. وقال حديث غريب عن سعيد بن المسيب أن الباقيات الصالحات ~~هي قول العبد الله أكبر وسبحان الله ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله أخرجه مالك في الموطأ موقوفا عليه وعن ابن عباس أن الباقيات ~~الصالحات الصلوات الخمس وعنه أنها الأعمال الصالحة { خير عند ربك ثوابا ~~} أي جزاء { وخير أملا } أي ما يؤمله الإنسان. قوله سبحانه وتعالى { ~~ويوم نسير الجبال } أي نذهب بها وذلك أن تجعل هباء منثورا كما يسير ~~السحاب { وترى الأرض بارزة } أي ظاهرة ليس عليها شجر ولا جبل ولا بناء ~~وقيل هو بروز ما في بطنها من الموتى وغيرهم فيصير باطن الأرض ظاهرها { ~~وحشرناهم } يعني جميعا إلى موقف الحساب { فلم نغادر منهم أحدا } أي لم ~~نترك منهم أحدا { وعرضوا على ربك صفا } أي صفا صفا وفوجا فوجا ~~لأنهم صف واحد وقيل قياما كل أمة وزمرة صف ثم يقال لهم { لقد جئتمونا ~~كما خلقناكم أول مرة } يعني أحياء وقيل حفاة عراة غرلا { بل زعمتم أن لن ~~نجعل لكم موعدا } يعني القيامة يقول ذلك لمنكر البعث ق عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: # " أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق ~~نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ألا إن أول الخلائق يكسى يوم القيامة ~~إبراهيم عليه السلام ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ~~فأقول يا رب أصحابي، فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال ~~العبد الصالح وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم إلى قوله العزيز الحكيم قال: ~~فيقال لي إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. زاد في ms2165 رواية ~~فأقول سحقا سحقا " # قوله غرلا أي قلفا والغرلة القلفة التي تقع من جلد الذكر وهو موضع ~~الختان، وقوله سحقا أي بعدا، قال بعض العلماء: إن المراد بهؤلاء أصحاب ~~الردة الذين ارتدوا من العرب ومنعوا الزكاة بعد ق عن عائشة قالت: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يحشر الناس حفاة عراة غرلا. قالت عائشة: فقلت الرجال والنساء جميعا ~~ينظر بعضهم إلى بعض قال: الأمر أشد من أن يهمهم ذلك " # زاد النسائي في رواية # لكل امرىء يومئذ شأن يغنيه # [عبس: 37]. ### || [18.49-51] # قوله عز وجل: { ووضع الكتاب } يعني صحائف أعمال العباد توضع في أيدي ~~الناس في أيمانهم وشمائلهم، وقيل توضع بين يدي الله تعالى { فترى ~~المجرمين مشفقين } أي خائفين { مما فيه } يعني من الأعمال السيئة { ~~ويقولون } يعني إذا رأوها { يا وليتنا } أي يا هلاكنا وكل من وقع في هلكة ~~دعا بالويل { مال هذا الكتاب لا يغادر } أي لا يترك { صغيرة ولا كبيرة } ~~أي من ذنوبنا الصغيرة { إلا أحصاها } أي عدها وكتبها وأثبتها فيه وحفظها، ~~قال ابن عباس: الصغيرة التبسم والكبيرة القهقهة. وقال سعيد بن جبير: ~~الصغيرة اللمم واللمس والقبلة والكبيرة الزنا عن سهل بن سعد قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب مثل قوم نزلوا في بطن ~~واد فجاء هذا بعود وجاء هذا بعود فانضجوا خبزهم وإن محقرات الذنوب ~~لموبقات " # الحقير الشيء الصغير التافه وقوله لموبقات أي مهلكات. { ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا } أي مكتوبا أي مثبتا في كتابهم { ولا يظلم ربك أحدا } أي لا ~~ينقص ثواب أحد عمل خيرا ولا يؤاخذ أحدا بجرم لم يعمله عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه سلم: # " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير وأما ~~العرضة الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله " # أخرجه الترمذي. وقال لا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي ~~هريرة وقد رواه بعضهم عن ms2166 الحسن عن أبي موسى. قوله سبحانه وتعالى { وإذ ~~قلنا } أي واذكر يا محمد إذ قلنا { للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس كان من الجن } قال ابن عباس: كان من حي من الملائكة يقال لهم الجن، ~~خلقوا من نار السموم وقال الحسن: كان من الجن ولم يكن من الملائكة فهو ~~أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجن ~~بدليل قوله سبحانه تعالى وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا، وذلك أن قريشا ~~قالت الملائكة بنات الله، فهذا يدل على أن الملك يسمى جنا ويعضده اللغة ~~لأن الجن مأخوذ من الاجتنان، وهو الستر فعلى هذا تدخل الملائكة فيه فكل ~~الملائكة جن لاستتارهم وليس كل جن ملائكة، ووجه كونه من الملائكة أن الله ~~سبحانه وتعالى استثناه من الملائكة والاستثناء يفيد إخراج ما لولاه لدخل ~~ويصح دخوله وذلك يوجب كونه من الملائكة ووجه من قال إنه كان من الجن ولم ~~يكن من الملائكة قوله كان من الجن والجن جنس مخالف للملائكة قوله ~~أفتتخذونه وذريته فأثبت له ذرية والملائكة لا ذرية لهم، وأجيب عن ~~الاستثناء أنه استثناء منقطع وهو مشهور في كلام العرب قال الله سبحانه ~~وتعالى # وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني # [الزخرف: 26-27] وقال تعالى # لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما # [مريم: 62] قيل إنه كان من الملائكة فلما خالف الأمر مسخ وغير وطرد ~~ولعن. وقوله تعالى { ففسق عن أمر ربه } أي خرج عن طاعة ربه { أفتتخذونه } ~~يعني يا بني آدم أفتتخذون إبليس { وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو } ~~يعني أعداء روي مجاهد عن الشعبي قال: إني لقاعد يوما إذ أقبل رجل فقال ~~أخبرني هل لإبليس زوجة قلت إن ذلك العرس ما شهدته ثم ذكرت قول الله عز ~~وجل { أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني } فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من ~~زوجة فقلت نعم، قيل يتوالدون كما يتوالد ابن آدم. وقيل إنه يدخل ذنبه في ~~دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من ms2167 الشياطين. قال مجاهد: من ذرية ~~إبليس لا قيس وولهان وهو صاحب الطهارة والصلاة والهفاف ومره وبه يكنى، ~~وزلنبور وهو صاحب الأسواق يزين اللغو والحلف الكاذب ومدح السلع وبتر وهو ~~صاحب المصائب يزين خمش الوجوه ولطم الخدود وشق الجيوب، والأعور وهو صاحب ~~الزنا ينفخ في إحليل ا لرجل وعجيزة المرأة، ومطموس وهو صاحب الأخبار ~~الكاذبة يلقيها في أفواه الناس لا يجدون لها أصلا، وداسم وهو الذي إذا ~~دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر الله بصره من المتاع ما لم يرفع أو ~~يحسن موضعه وإذا أكل ولم يسم أكل معه، قال الأعمش: ربما دخلت البيت ولم ~~أذكر أسم الله ولم أسلم فرأيت مطهرة فقلت ارفعوا هذه وخاصمتهم ثم أذكر ~~فأقول داسم داسم أعوذ بالله منه، روى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء " # أخرجه الترمذي. م # " عن عثمان بن أبي العاص قال: قلت يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني ~~وبين صلاتي وبين قراءتي يلبسها علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~ذلك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ~~ثلاثا " " # قال ففعلت ذلك فأذهبه الله عني م عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم ~~فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا ثم يجيء أحدهم ~~فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت ~~" # قال الأعمش أراه قال فليتزمه. وقوله { بئس للظالمين بدلا } يعني بئس ما ~~استبدلوا طاعة إبليس وذريته بعبادة ربهم وطاعته. قوله سبحانه وتعالى { ما ~~أشهدتهم } أي ما أحضرتهم يعني إبليس وذريته وقيل الكفار وقيل الملائكة { ~~خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم } والمعنى ما أشهدتهم خلقها فأستعين ~~بهم على خلقها وأشاورهم فيها { وما كنت متخذ المضلين } يعني الشياطين ~~الذين يضلون الناس { عضدا } يعني أنصارا وأعوانا. ms2168 ### || [18.52-60] # قوله عز وجل: { ويوم يقول نادوا } يعني يقول الله تعالى يوم القيامة ~~نادوا { شركائي } يعني الأصنام { الذين زعمتم } يعني أنهم شركائي { ~~فدعوهم } أي فاستغاثوا بهم { فلم يستجيبوا لهم } أي فلم يجيبوهم ولم ~~ينصروهم { وجعلنا بينهم } يعني بين الأصنام وعبدتها وقيل بين أهل الهدى ~~وبين أهل الضلال { موبقا } يعني مهلكا قال ابن عباس: هو واد في النار ~~وقيل نهر تسيل منه نار وعلى حافتيه حيات مثل البغال الدهم وقيل كل حاجز ~~بين شيئين فهو موبق وأصله الهلاك { ورأى المجرمون } أي المشركون { النار ~~فظنوا } أي أيقنوا { أنهم مواقعوها } أي داخلوها وواقعون فيها { ولم ~~يجدوا عنها مصرفا } أي معدلا لأنها أحاطت بهم من كل جانب وقيل لأن ~~الملائكة تسوقهم إليها. قوله سبحانه وتعالى { ولقد صرفنا } أي بينا { في ~~هذا القرآن للناس من كل مثل } أي ليتذكروا ويتعظوا { وكان الإنسان أكثر ~~شيء جدلا } أي خصومة في الباطل قال ابن عباس: أراد النضر بن الحارث ~~وجداله في القرآن وقيل أراد به أبي بن خلف وقيل أراد به جميع الكفار وقيل ~~الآية على العموم وهو الأصح ق # " عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~طرقه وفاطمة ليلا فقال: " ألا تصليان ". فقلت يا رسول الله أنفسنا بيد ~~الله تعالى فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين قلت ذلك ولم يرجع إلى شيئا ثم سمعته يقول وهو مول يضرب فخذه ~~بيده { وكان الإنسان أكثر شيء جدلا } " # قوله عز وجل { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى } يعني القرآن ~~وأحكام الإسلام والبيان من الله تعالى وقيل إنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم { ويستغفروا ربهم } والمعنى أنه لا مانع من الإيمان ولا من ~~الاستغفار والتوبة والتخلية حاصلة والأعذار زائلة فلم لم يقدموا على ~~الإيمان والاستغفار { إلا أن تأتيهم سنة الأولين } يعني سنتنا بإهلاك ~~الأولين إن لم يؤمنوا وهو عذاب الاستئصال { أو يأتيهم العذاب قبلا } قال ~~ابن عباس: أي عيانا من المقابلة وقيل فجأة. ms2169 قوله سبحانه وتعالى { وما ~~نرسل المرسلين إلا مبشرين } أي بالثواب على الطاعة { ومنذرين } بالعقاب ~~لمن عصى { ويجادل الذين كفروا بالباطل } هو قولهم # أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94] وقولهم للرسل # ما أنتم إلا بشر مثلنا # [يس: 15] وشبه ذلك { ليدحضوا } أي ليبطلوا { به الحق } ويزيلوه { ~~واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا } فيه إضمار يعني اتخذوا ما أنذروا به ~~وهو القرآن استهزاء. قوله عز وجل { ومن أظلم ممن ذكر } أي وعظ { بآيات ~~ربه فأعرض عنها } أي تولى عنها وتركها ولم يؤمن بها { ونسي ما قدمت يداه ~~} أي ما عمل من المعاصي من قبل { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة } أي أغطية { ~~أن يفقهوه } يريد لئلا يفهموه { وفي آذانهم وقرا } أي ثقلا وصما { وإن ~~تدعهم } يا محمد { إلى الهدى } أي الدين { فلن يهتدوا إذا أبدا } وهذا ~~في أقوام علم الله منهم أنهم لا يؤمنون { وربك الغفور } أي البليغ ~~المغفرة { ذو الرحمة } أي الموصوف بالرحمة { لو يؤآخذهم } أي يعاقب ~~الكفار { بما كسبوا } من الذنوب { لعجل لهم العذاب } أي في الدنيا { بل ~~لهم موعد } يعني البعث والحساب { لن يجدوا من دونه موئلا } أي ملجأ { ~~وتلك القرى } قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم { أهلكناهم لما ~~ظلموا } أي كفروا { وجعلنا لمهلكهم موعدا } أي أجلا لإهلاكهم. # قوله سبحانه وتعالى { وإذ قال موسى لفتاه } الآيات أكثر العلماء على أن ~~موسى المذكور في هذه الآية هو موسى بن عمران من سبط لاوي بن يعقوب صاحب ~~المعجزات الظاهرة وصاحب التوراة. وعن كعب الأحبار أنه موسى بن ميشا من ~~أولاد يوسف بن يعقوب وكان قد تنبأ قبل موسى بن عمران. والقول الأول أصبح ~~بدليل أن الله سبحانه وتعالى في كتابه لم يذكر العزيز موسى إلا أراد به ~~صاحب التوراة فإطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه ولو أراد شخصا آخر ~~لوجب تعريفه بصفة توجب الامتياز بينهما وتزيل الشبهة فلما لم يميزه بصفة ~~علمنا أنه موسى بن عمران صاحب التوراة وأما فتاه فالأصح أنه يوشع ابن نون ~~بن أفرام ثم ابن يوسف وهو صاحب موسى ms2170 وولي عهده بعد وفاته، وقيل إنه أخو ~~يوشع وقيل فتاه يعني عبده بدليل قوله صلى الله عليه وسلم # " لا يقل أحدكم عبده وأمتي وليقل فتاي وفتاتي " # ق عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس أن نوفا البكالي يزعم أن موسى ~~صاحب الخضر ليس هو موسى بن إسرائيل فقال ابن عباس: كذب عدو الله حدثنا ~~أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن موسى عليه ~~السلام قام خطيبا في بني إسرائيل فسأل أي الناس أعلم فقال أنا، فعتب ~~الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه إن لي ~~عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به قال: فخذ ~~معك حوتا فاجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم فأخذ حوتا فجعله في ~~مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا ~~رأسيهما فناما، فاضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ ~~سبيله في البحر سربا وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل ~~الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت وانطلقا بقية يومهما ~~وليلتهما حتى إذا كانا من الغد قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من ~~سفرنا هذا نصبا قال ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله ~~به. # فقال له فتاه { أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه ~~إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا } قال فكان للحوت سربا ~~ولموسى ولفتاه عجبا فقال موسى { ذلك ما كنا نبغ فارتدا على أثارهما ~~قصصا } قال رجعا فقصا آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجى بثوب ~~أبيض فسلم عليه موسى فقال الخضر وأنى بأرضك السلام فقال أنا موسى قال ~~موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم أتيتك لتعلمني ما علمت رشدا، قال: إنك لن ~~تستطيع معي صبرا، يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه وأنت ~~على علم من ms2171 علم الله لا أعلمه فقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا ~~أعصي لك أمرا فقال له الخضر: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك ~~منه ذكرا. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهم سفينة فكلموهم أن ~~يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، فلما ركبا السفينة لم يفجأ موسى ~~إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم ~~حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها " لقد جئت شيئا ~~إمرا قال: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا: قال لا تؤاخذني بما نسيت ~~ولا ترهقني من أمري عسرا " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كانت الأولى من موسى نسيانا قال وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة ~~فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ~~ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان ~~على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه ~~فاقتلعه بيده فقتله فقال له موسى: " أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت ~~شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا " قال وهذه أشد من ~~الأولى قال " إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا. ~~فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا ~~فيها جدارا يريد أن ينقض " أي مائلا فقال الخضر بيده هكذا فأقامه فقال ~~موسى قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا " لو شئت لاتخذت عليه أجرا ~~قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطيع عليه صبرا قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله موسى، لوددت أنه صبر يقص علينا من ~~أخبارهما " # قال سعيد بن جبير فكان ابن عباس يقرأ: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة ~~صالحة غصبا، وكان يقرأ وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين. # وفي رواية عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى ms2172 الله عليه وسلم # " قام موسى عليه السلام ذكر الناس يوما حتى إذا ما فاضت العيون ورقت ~~القلوب ولى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك؟؟ ~~قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله تعالى. فقال بلى قال ~~أي رب وأين هو قال بمجمع البحرين قال خذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح ~~" # وفي رواية تزود حوتا مالحا فإنه حيث يفقد الحوت زاد في رواية وفي أصل ~~الصخرة عين يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حي فأصاب الحوت من ~~ماء تلك العين فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر ورجعنا إلى التفسير. ~~قوله سبحانه وتعالى { لا أبرح } أي لا أزال أسير { حتى أبلغ مجمع البحرين ~~} قيل أراد بحر فارس والروم مايلي المشرق وقيل طنجة وقيل إفريقية { أو ~~أمضي حقبا } يعني أو أسير دهرا طويلا. والحقب ثمانون سنة فحمل خبزا ~~وسمكة مالحة في المكتل وهو الزنبيل الذي يسع خمسة عشر صاعا ومضيا حتى ~~انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين وعندها عين تسمى عين الحياة لا ~~تصيب شيئا إلا حيي فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطربت في المكتل ~~وهاجت ودخلت في البحر. ### || [18.61-62] # { فلما بلغا } يعني موسى وفتاه { مجمع بينهما } أي بين البحرين { نسيا } ~~أي تركا { حوتهما }. وإنما كان الحوت مع يوشع بن نون، وهو الذي نسيه ~~وإنما أضاف النسيان إليهما تزواده لسفرهما وقيل المراد من قوله نسيا ~~حوتهما أي نسيا كيفيه الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول ~~للمطلوب. { فاتخذ } أي الحوت { سبيله في البحر سربا } أي مسلكا. وروى ~~أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه سلم أنه قال # " أنجاب الماء عن مسلك الحوت فصار كوة لم يلتئم فدخل موسى الكوة على أثر ~~الحوت فإذا هو بالخضر " # قال ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى صخرة، وقد ~~روينا أنهما لما انتهيا إلى الصخرة وضعا رؤوسهما فناما واضطرب الحوت فخرج ~~فسقط في البحر فاتخذ سبيله ms2173 في البحر سربا فأمسك الله عن الحوت جرية ~~الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى نسي صاحبه أن يخبره فانطلقا ~~حتى إذا كان من الضد وهو قوله سبحانه وتعالى { فلما جاوزوا } يعني ذلك ~~الموضع وهو مجمع البحرين { قال } يعني موسى { لفتاه آتنا غداءنا } أي ~~طعامنا { لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا } أي تعبا وشدة وذلك أنه ألقي ~~على موسى الجوع بعد ما جاوز الصخرة ليتذكر الحوت ويرجع في طلبه. ### || [18.63-71] # { قال } يعني يوشع { أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة } وهي صخرة كانت بالموضع ~~الموعود { فإني نسيت الحوت } أي تركته وفقدته، وذلك أن يوشع حين رأى من ~~الحوت ذلك قام ليدرك موسى فيخبره فنسي أن يخبره، فمكثا يومهما حتى صليا ~~الظهر من الغد ثم قال { وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره } أي وما ~~أنساني أن أذكر لك أمر الحوت إلا الشيطان، قيل المراد من النسيان شغل قلب ~~الإنسان بوساوس الشيطان التي هي فعله دون النسيان الذي يضاد الفكر لأن ~~ذلك لا يصح إلا من قبل الله تعالى { واتخذ سبيله في البحر عجبا } قيل ~~هذا من قول يوشع بن نون يعني وقع الحوت في البحر فاتخذ سبيله فيه مسلكا. ~~وروي في الخبر كان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا وقيل أي شيء أعجب من ~~حوت يؤكل منه دهرا ثم صار حيا بعد ما أكل بعضه. قوله عز وجل { قال } ~~يعني موسى { ذلك ما كنا نبغ } نطلب { فارتدا على أثارهما قصصا } أي رجعا ~~يقصان الذي جاءا منه ويتبعانه { فوجدوا عبدا من عبادنا } قيل كان ملكا ~~من الملائكة والصحيح الذي ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء في ~~التواريخ أنه الخضر واسمه بليا بن ملكان وكنيته أبو العباس، قيل كان من ~~بني إسرائيل وقيل كان من أبناء الملوك الذين تزهدوا وتركوا الدنيا والخضر ~~لقب له، سمي به لأنه جلس على فروة بيضاء فاخضرت. خ عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إنما سمي خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء ms2174 فإذا هي تهتز تحته خضراء " # ، الفروة قطعة نبات مجتمعة يابسة وقيل سمي خضرا لأنه كان إذا صلى اخضر ~~ما حوله. وروينا أن موسى رأى الخضر مسجى بثوب فسلم عليه، فقال الخضر: ~~وأنى بأرضك السلام قال أنا موسى أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا. ومعنى ~~مسجى أي مغطى بثوب وقوله وأنى بأرضك السلام معناه من أين بأرضك التي أنت ~~فيها الآن السلام. وروي أنه لقيه على طنفسة خضراء على جانب البحر فذلك ~~قوله سبحانه وتعالى { فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة } أي نعمة { من ~~عندنا وعلمناه من لدنا علما } أي علم الباطن إلهاما ولم يكن الخضر ~~نبيا عند أكثر أهل العلم. فإن قلت ظاهر الآيات يدل على أن الخضر كان ~~أعلى شأنا من موسى وكان موسى يظهر التواضع له والتأدب معه. قلت لا يخلو ~~إما أن يكون الخضر من بني إسرائيل أو من غيرهم فإن كان من بني إسرائيل ~~فهو من أمة موسى، ولا جائز أن يكون أحد الأمة أفضل من نبيها أو أعلى ~~شأنا منه، وإن كان من غير بني إسرائيل فقد قال الله تعالى لبني إسرائيل # وإني فضلتكم على العالمين # [البقرة: 47] أي على عالمي زمانكم { قال له موسى هل أتبعك } معناه جئت ~~لأصحبك وأتبعك { على أن تعلمن مما علمت رشدا } أي صوابا وقيل علما ~~ترشدني به. وفي بعض الأخبار قال الخضر لموسى: كفى بالتوراة علما وبني ~~إسرائيل شغلا، فقال له موسى: إن الله أمرني بهذا فحينئذ { قال } الخضر ~~لموسى { إنك لن تستطيع معي صبرا } وإنما قال ذلك لأنه علم أنه يرى ~~أمورا منكرة ولا يجوز للأنبياء الصبر مع المنكرات ثم بين عذره في ترك ~~الصبر فقال { وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } أي علما { قال } موسى ~~{ ستجدني إن شاء الله صابرا } إنما استثنى لأنه لم يثق من نفسه بالصبر { ~~ولا أعصي لك أمرا } أي أخالفك فيما تأمرني به قال { فإن اتبعتني } أي ~~فإن صحبتني ولم يقل اتبعني ولكن جعل الاختيار إليه شرط عليه ثم شرطا ~~فقال { فلا تسألني ms2175 عن شيء } أي مما أعلمه مما تنكره ولا تعترض عليه { حتى ~~أحدث لك منه ذكرا } معناه حتى أبتدأ بذكره فأبين لك شأنه. قوله سبحانه ~~وتعالى { فانطلقا } أي يمشيان على الساحل يطلبان سفينة يركبانها، فوجدا ~~سفينة فركباها فقال أهل السفينة هؤلاء لصوص، وأمروهما بالخروج فقال صالح ~~السفينة ما هم بلصوص ولكن أرى وجوه الأنبياء. وروينا عن أبي بن كعب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # " مرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، أي ~~بغير عوض ولا عطاء، فلما لججوا في البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من ~~ألواح السفينة فذلك " # قوله تعالى { حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال } يعني موسى له { ~~أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا } أي أتيت شيئا عظيما منكرا. ~~روي أن الخضر لما خرق السفينة لم يدخلها الماء وروي أن موسى لما رآى ذلك ~~أخذ ثوبه فحشا به الخرق. ### || [18.72-77] # { قال } العالم وهو الخضر { ألم أقل أنك لن تستطيع معي صبرا قال } يعني ~~موسى { لا تؤاخذني بما نسيت }. قال ابن عباس: لم ينس ولكنه من معاريض ~~الكلام فكأنه نسي شيئا آخر. وقيل معناه بما تركت من عهدك والنسيان الترك ~~وقال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم # " كانت الأولى من موسى نسيانا والثانية شرطا والثالثة عمدا " # { ولا ترهقني } أي لا تغشني { من أمري عسرا } والمعنى لا تعسر علي ~~متابعتك وسيرها بالأغضاء وترك المناقشة وقيل لا تكلفني مشقة ولا تضيق علي ~~أمري. { فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله } في القصة أنهما خرجا من ~~البحر يمشيان فمرا بغلمان، يلعبون فأخذ الخضر غلاما ظريفا وضيء الوجه ~~كان وجهه يتوقد حسنا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، وروينا أنه أخذ برأسه ~~فاقتلعه. وروى عبد الرزاق هذا الخبر وفيه أشار بأصابعه الثلاث الإبهام ~~والسبابة والوسطى وقلع رأسه. وروي أنه رضخ رأسه بحجر وقيل ضرب رأسه ~~بالجدار فقتله. قال ابن عباس: كان غلاما لم يبلغ الحنث ولم يكن نبي الله ~~موسى يقول أقتلت نفسا زاكية، إلا وهو صبي ms2176 لم يبلغ الحنث، وقيل: كان ~~رجلا وقيل كان اسمه حيسور وقيل كان فتى يقطع الطريق ويأخذ المتاع ويلجأ ~~إلى أبويه. وقيل كان غلاما يعمل بالفساد ويتأذى منه أبواه. ق عن أبي بن ~~كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا ~~وكفرا " # لفظ مسلم { قال } يعني موسى { أقتلت نفسا زكية } أي لم تذنب قط وقرىء ~~زكية وهي التي أذنبت ثم تابت { بغير نفس } أي لم تقتل نفسا حتى يجب ~~عليها القتل { لقد جئت شيئا نكرا } أي منكرا عظيما، وقيل النكر أعظم ~~من الأمر لأنه حقيقة الهلاك، وفي خرق السفينة خوف الهلاك، وقيل الأمر ~~أعظم لأن فيه تغريق جمع كثير، وقيل معناه لقد جئت شيئا أنكر من الأول ~~لأن ذاك كان خرقا يمكن تداركه بالسد وهذا لا سبيل إلى تداركه { قال } ~~يعني الخضر { ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا } قيل زاد في هذه الآية ~~قوله لك لأنه نقض العهد مرتين، وقيل إن هذه اللفظة توكيد للتوبيخ فعند ~~هذا { قال } موسى { إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني } قيل إن يوشع كان ~~يقول لموسى يا نبي الله اذكر العهد الذي أنت عليه، قال موسى إن سألتك عن ~~شيء بعد هذه المرة فلا تصاحبني، أي فارقني لا تصاحبني { قد بلغت من لدني ~~عذرا } قال ابن عباس: أي قد أعذرت فيما بيني وبينك، وقيل معناه اتضح لك ~~العذر في مفارقتي والمعنى أنه مدحه بهذه الطريقة من حيث أنه احتمله مرتين ~~أولا وثانيا مع قرب المدة ق عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " رحمة الله علينا وعلى موسى وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه ~~لولا أنه عجل لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة فقال إن سألتك عن ~~شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فلو صبر لرأى العجب " # قوله ذمامة هو بذال معجمة أي حياء وإشفاق من الذم واللوم، يقال ms2177 ذممته ~~ذمامة لمته ملامة ويشهد له قول الخضر هذا فراق بيني وبينك. قوله سبحانه ~~وتعالى { فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية } قال ابن عباس: يعني أنطاكية ~~وقيل الأيلة وهي أبعد الأرض من السماء وقيل هي بلدة بالأندلس { استطعما ~~أهلها فأبوا أن يضيفوهما } قال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أتيا أهل قرية لئاما فطافا في المجلس فاستطعما أهلها فأبوا أن ~~يضيفوهما " # وروي أنهما طافا في القرية فاستطعماهم فلم يطعموهما واستضافاهم فلم ~~يضيفوهما. وعن أبي هريرة قال: أطعمتهما امرأة من أهل بربر بعد أن طلبا من ~~الرجال فلم يطعموهما فدعا لنسائهم ولعن رجالهم. وعن قتادة قال: شر القرى ~~التي لا تضيف الضيف { فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض أي يسقط وهذا من ~~مجاز الكلام لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه قرب ودنا من السقوط كما ~~تقول داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها، فاستعير لها النظر كما ~~أستعير للجدار الإرادة. { فأقامه } أي سواه، وفي حديث أبي بن كعب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # " فقال الخضر بيده هكذا فأقامه " # وقال ابن عباس: هدمه وقعد يبنيه. { قال } يعني موسى { لو شئت لاتخذت ~~عليه أجرا } يعني على إصلاح الجدار جعلا والمعنى أنك قد علمت أنا جياع، ~~وأن أهل القرية لم يطعمونا فلو اتخذت على عملك أجرا. ### || [18.78-82] # { قال } يعني الخضر { هذا فراق بيني وبينك } يعني هذا وقت فراق بيني ~~وبينك وقيل إن هذا الإنكار على ترك أخذ الأجر هو المفرق بيننا { سأنبئك } ~~أي سوف أخبرك { بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا } وقيل إن موسى أخذ بثوب ~~الخضر وقال أخبرني بمعنى ما عملت قبل أن تفارقني فقال الخضر { أما ~~السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر } قيل كانت لعشرة إخوة خمسة زمنى ~~وخمسة يعملون في البحر، أي يؤجرونها ويكتسبون بها، وفي دليل على أن ~~المسكين وإن كان يملك شيئا لا يزول عنه اسم المسكنة إذا لم يقم ما يملكه ~~بكفايته، وإن حال الفقير في الضر والحاجة أشد من حال المسكين، ms2178 لأن الله ~~تعالى سماهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون تلك السفينة { فأردت أن أعيبها ~~} أي أجعلها ذات عيب { وكان وراءهم ملك } أي أمامهم وقيل خلفهم وكان ~~رجوعهم في طريقهم عليه والأول أصح. { يأخذ كل سفينة غصبا } أي كل سفينة ~~صالحة فخرقتها وعبتها حتى لا يأخذها الملك الغاصب وكان اسمه الجلندي ~~والأزدي وكان كافرا وقيل اسمه هدد بن بدد، روي أن الخضر اعتذر إلى القوم ~~وذكر لهم شأن الملك الغاصب ولم يكونوا يعلمون بخبره وقال أردت إذا هي تمر ~~به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها وانتفعوا بها. قوله عز وجل { ~~وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا } أي خفنا والخشية خوف يشوبه ~~تعظيم، وأكثر ما يكون عن علم بما يخشى منه، وقيل معناه فعلمنا { أن ~~يرهقهما } أي يغشيهما وقيل يكلفهما { طغيانا وكفرا } قيل معناه فخشينا ~~أن يحملهما حبه على أن يتبعاه على دينه { فأردنا أن يبدلهما ربهما } ~~الإبدال رفع الشيء ووضع أخر مكانه { خيرا منه زكاة } أي صلاحا وتقوى، ~~وقيل هو في مقابلة قوله تعالى # أقتلت نفسا زكية # [الكهف: 74] فقال الخضر أردنا أن يرزقهما الله خيرا منه زكاة { وأقرب ~~رحما } أي ويكون المبدل منه أقرب عطفا ورحمة لأبويه، بأن يبرهما ويشفق ~~عليهما قيل أبدلهما جارية فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له نبيا فهدى ~~الله على يديه أمة من الأمم وقيل ولدت سبعين نبيا، وقيل أبدلهما بغلام ~~مسلم وقيل إن الغلام الذي قتل فرح به أبواه حين ولد وحزن عليه حين قتل ~~ولو بقي لكان فيه هلاكهما، فليرض العبد بقضاء الله تعالى فإن قضاء الله ~~سبحانه وتعالى للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب. قوله سبحانه ~~وتعالى { وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة } قيل كان اسمهما ~~أصرم وصريم { وكان تحته كنز لهما } روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " كان الكنز ذهبا وفضة " # أخرجه الترمذي. وقيل كان الكنز صحفا فيهم علم. # وقال ابن عباس: كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه عجبا لمن أيقن بالموت كيف ~~يفرح ms2179 عجبا لمن أيقن بالقدر كيف يغضب، عجبا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب ~~عجبا لمن أيقن بالحساب كيف يغفل عجبا لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها ~~بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله وفي الجانب الآخر ~~مكتوب أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير والشر، فطوبى ~~لمن خلقته للخير وأجريته على يديه والويل لمن خلقته للشر وأجريته على ~~يديه. وقيل الكنز إذا أطلق يراد به المال ومع التقييد يراد به غيره، يقال ~~عند فلان كنز علم وكان هذا اللوح جامعا لهما { وكان أبوهما صالحا } قيل ~~إن إسمه كاشح وكان من الأتقياء، وقال ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، وقيل ~~كان بينهما وبين الأب الصالح سبع آباء، قال محمد بن المنكدر: إن الله ~~سبحانه وتعالى يحفظ بصلاح العبد ولده وولد ولده وعشيرته وأهل دويرات ~~حوله، فلا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم وقال سعيد بن المسيب: إني ~~لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي. { فأراد ربك أن يبلغا أشدهما } أي ~~يدركا ويعقلا قوتهما وهو البلوغ وقيل ثمان عشرة سنة. فإن قلت كيف قال في ~~الأولى فأردت وفي الثانية فأردنا وفي الثالثة فأراد ربك وما وجه كل واحدة ~~في هذه الألفاظ. قلت إنه لما ذكر العيب أضافة إلى نفسه على سبيل الأدب مع ~~الله تعالى، فقال فأردت أن أعيبها ولما قتل عبر عن نفسه بلفظ الجمع ~~تنبيها على أنه من العلماء العظماء في علم الباطن وعلوم الحكمة، وأنه لم ~~يقدم على مثل هذا القتل إلا بحكمة عالية، ولما ذكر عليه المصالح في مال ~~اليتيمين لأجل صلاح أبيهما أضافه إلى الله سبحانه وتعالى لأن حفظ الأبناء ~~وصلاح أحوالهم لرعاية حق الآباء ليس إلا لله سبحانه وتعالى، فلأجل ذلك ~~أضافه إلى الله تعالى { ويستخرجا كنزهما } يعني إذا بلغا وعقلا وقويا { ~~رحمة من ربك } أي نعمة من ربك { وما فعلته عن أمري } أي باختياري ورأيي ~~بل فعلته بأمر والله وإلهامه إياي لأن تنقيص أموال الناس وإراقة دمائهم ~~وتغيير أصولهم، ms2180 لايكون إلا بالنص وأمر الله تعالى. واستدل بعضهم بقوله ~~سبحانه وتعالى وما فعلته عن أمري على أنه الخضر كان نبيا لأن هذا يدل ~~على الوحي وذلك للأنبياء، والصحيح أنه ولي الله وليس بنبي، وأجيب عن قوله ~~سبحانه وتعالى وما فعلته عن أمري إنه إلهام من الله سبحانه وتعالى له ~~بذلك، وهذه درجة الأولياء. وقيل معناه إنما فعلت هذه الأفعال لغرض أن ~~تظهر رحمة الله لأنهما بأسرها ترجع إلى معنى واحد وهو تحمل الضرر الأدنى ~~لدفع الضرر الأعلى. { ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا } أي لم تطق أن ~~تصبر عليه. # روي أن موسى عليه السلام لما أراد أن يفارق الخضر قال: أوصني قال: لا ~~تطلب العلم لتحدث به واطلب العلم لتعمل به. واختلف العلماء في أن الخضر ~~حي أم ميت فقيل إنه حي وهو قول الأكثرين من العلماء وهو متفق عليه عند ~~مشايخ الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة والحكايات في رؤيته والاجتماع به، ~~ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصر، قال الشيخ أبو ~~عمرو بن الصلاح في فتاواه: هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة. ~~هذا آخر كلامه، وقيل إن الخضر وإلياس حيان يلتقيان كل سنة بالموسم وكان ~~السبب في حياة الخضر فيما حكي أنه شرب من عين الحياة وذلك أن ذو القرنين ~~دخل الظلمة لطلب عن الحياة، وكان الخضر على مقدمته فوقع الخضر على العين ~~فاغتسل وشرب منها وصلى شكرا لله تعالى وأخطأ ذو القرنين الطريق، فرجع ~~وذهب أخرون إلى أنه ميت لقوله سبحانه وتعالى وما جعلنا لبشر من قبلك ~~الخلد وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما صلى العشاء ليلة # " أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ~~ظهر الأرض أحد ولو كان الخضر حيا لكان لا يعيش بعده ". ### || [18.83-91] # وقوله عز وجل { ويسألونك عن ذي القرنين } قيل اسمه مرزبان بن مرزبة ~~اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح وقيل اسمه الاسكندر بن فيلفوس كذا ~~صح الرومي، وكان ولد ms2181 عجوز ليس لها ولد غيره ونقل الإمام فخر الدين في ~~تفسيره عن أبي الريحان السروري المنجم في كتابه المسمى بالآثار الباقية ~~عن القرون الخالية أنه من حمير واسمه أبو كرب سمي ابن عير بن أبي أفريقيس ~~الحميري وهو الذي افتخر به أحد شعراء حمير حيث يقول # قد كان ذو القرنين جدي مسلما ملكا علا في الأرض غير مفند ~~بلغ المشارق والمغارب يبتغي أسباب ملك من كريم مرشد فرآى مآب الشمس عند ~~غروبها في عين ذي خلب وثأطه حرمد # قوله فرأى مآب الشمس، أي ذهاب الشمس وقوله في عين ذي خلب أي حمأة، ~~والثأطة الحمأة أيضا والجمع ثأط والحرمد الطين الأسود. وقيل سمي ذا ~~القرنين لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها، وقيل لأنه ملك فارس والروم ~~وقيل لأنه دخل النور والظلمة، وقيل لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني ~~الشمس وقيل لأنه كان له ذؤابتان حسنتان، وقيل كان له قرنان تورايهما ~~العمامة، وروي عن علي أنه أمر قومه بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيمن ~~فمات فأحياه الله ثم بعثه فأمرهم بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيسر فمات ~~فأحياه الله. واختلفوا في نبوته فقيل كان نبيا ويدل عليه قوله سبحانه ~~وتعالى قلنا يا ذا القرنين وخطاب الله لا يكون إلا مع الأنبياء وقيل لم ~~يكن نبيا. قال أبو الطفيل: سئل علي عن ذي القرنين أكان نبيا فقال: لم ~~يكن نبيا ولا ملكا ولكن كان عبدا أحب الله فأحبه الله وناصح الله، ~~فناصحه الله. وروي أن عمر سمع رجلا يقول لآخر يا ذا القرنين فقال تسميتم ~~بأسماء الأنبياء، فلم ترضوا حتى تسميتم بأسماء الملائكة والأصح الذي عليه ~~الأكثرون أنه كان ملكا صالحا عادلا وأنه بلغ أقصى المغرب والمشرق ~~والشمال والجنوب وهذا هو القدر المعمور من الأرض وذلك أنه لما مات أبوه ~~جمع ملك الروم بعد أن دان له طوائف ثم مضى إلى ملوك العرب وقهرهم، ومضى ~~حتى انتهى إلى البحر الأخضر، ثم رجع إلى مصر وبنى الإسكندرية، وسماها ~~باسمه ثم دخل الشام وقصد ms2182 بيت المقدس وقرب فيه القربان، ثم انعطف إلى ~~أرمينية وبوب الأبواب وبنى السد ودانت له ملوك العراق والنبط والبربر. ~~واستولى على ممالك الفرس ثم مضى إلى الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ثم ~~رجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها وحمل إلى حيث هو مدفون وقيل إن ~~عمره كان ألفا وثلاثين سنة ومثل هذا الملك البسيط الذي هو على خلاف ~~العادات وجب أن يبقى ذكره مخلدا على وجه الأرض فذلك قوله سبحانه وتعالى ~~{ ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا } أي خبرا يتضمن ~~حاله. # قوله سبحانه وتعالى { إنا مكنا له في الأرض } أي وطأنا له والتمكين ~~تمهيد الأسباب، قال علي سخر الله له السحاب فحمل عليه ومد له في الأسباب، ~~وبسط له النور فكان الليل والنهار عليه سواء وسهل عليه السير في الأرض ~~وذلل له طريقها. { وآتيناه من كل شيء } ما يحتاج إليه الخلق وكل ما ~~يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء { سببا } أي علما ~~يتسبب به إلى كل ما يريده ويسير به في أقطار الأرض وقيل بلاغا إلى حيث ~~أراد، وقيل قربنا له أقطار الأرض { فأتبع سببا } أي سلك طريقا { حتى ~~إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة } أي ذات حماة وهي الطينة ~~السوداء، وقرىء حامية أي حارة، وسأل معاوية كعبا: كيف تجد في التوراة ~~تغرب الشمس وأين تغرب؟ قال: نجد في التوراة أنها تغرب في ماء وطين. وقيل ~~يجوز أن يكون معنى في عين حمئة أي عندها عين حمئة، أو في رأي العين، وذلك ~~أنه بلغ موضعا من المغرب لم يبق بعده شيء من العمران فوجد الشمس كأنها ~~تغرب في وهدة مظلمة. كما أن راكب البحر يرى أن الشمس كأنها تغيب في البحر ~~{ ووجد عندها قوما } أي عند العين أمة، قال ابن جريج: مدينة لها أثنا ~~عشر ألف باب يقال إنها الجاسوس واسمها بالسريانية حريحسا سكنها قوم من ~~نسل ثمود الذين آمنوا بصالح لولا ضجيج أهلها، لسمع الناس وجبة الشمس حين ~~تجب أي ms2183 تغيب { قلنا يا ذا القرنين } يستدل بهذا من يزعم أنه كان نبيا ~~فإن الله خاطبه ومن قال إنه لم يكن نبيا قال المراد منه الإلهام وقيل ~~يحتمل أن يكون الخطاب على لسان غيره { إما أن تعذب } يعني تقتل من لم ~~يدخل في الإسلام. { وإما أن تتخذ فيهم حسنا } يعني تعفو وتصفح وقيل ~~تأسرهم فتعلمهم الهدى، خيره الله سبحانه وتعالى بين الأمرين { قال أما من ~~ظلم } أي كفر { فسوف نعذبه } أي نقتله { ثم يرد إلى ربه } أي في الآخرة { ~~فيعذبه عذابا نكرا } أي منكرا يعني بالنار لأنها أنكر من القتل { وأما ~~من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى } أي جزاء أعماله الصالحة { وسنقول ~~له من أمرنا يسرا } أي نلين له القول ونعامله باليسر من أمرنا { ثم أتبع ~~سببا } أي سلك طريقا ومنازل { حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على ~~قوم لم نجعل لهم من دونها سترا } قيل إنهم كانوا في مكان ليس بينهم وبين ~~الشمس ستر من جبل ولا شجر ولا يستقر عليهم بناء، فإذا طلعت الشمس دخلوا ~~في أسراب لهم تحت الأرض، فإذا زالت الشمس عنهم خرجوا إلى معايشهم ~~وحروثهم. # وقيل إنهم كانوا إذا طلعت الشمس نزلوا في الماء فإذا ارتفعت عنهم خرجوا ~~فرعوا كالبهائم، وقيل هم قوم عراة يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى ~~وقيل إنهم قوم من نسل مؤمني قوم هود واسم مدينتهم جابلق واسمها ~~بالسريانية مرقيسيا وهم مجاورون يأجوج ومأجوج. قوله سبحانه وتعالى { كذلك ~~} أي كما بلغ مغرب الشمس كذلك بلغ مطلعها، وقيل معناه أنه حكم في القوم ~~الذين هم عند مطلع الشمس كما حكم في القوم الذين هم عند مغربها وهو ~~الأصح. { وقد أحطنا بما لديه خبرا } أي علما بما عنده ومن معه من الجند ~~والعدة وآلات الحرب، وقيل معناه وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من ~~الصلاحية بذلك الملك والاستقلال به والقيام بأمره. ### || [18.92-94] # قوله عز وجل: { ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين } هما هنا جبلان ~~في ناحية الشمال في منقطع أرض ms2184 الترك حكي أن الواثق بعث بعض من يثق به من ~~أتباعه إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب من الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه ~~فوصفوا أنه بناء من لبن حديد مشدود بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل { وجد ~~من دونهما قوما } أي أمام السدين قيل هم الترك { لا يكادون يفقهون قولا ~~} قال ابن عباس: لا يفهمون كلام أحد ولا يفهم الناس كلامهم { قالوا يا ذا ~~القرنين } فإن قلت كيف أثبت لهم القول وهم لا يفهمون. قلت تكلم عنهم ~~مترجم ممن هو مجاورهم ويفهم كلامهم، وقيل معناه لا يكادون يفقهون قولا ~~إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها كما يفهم الخرس { إن يأجوج ومأجوج } ~~أصلهما من أجيج النار وهو ضوؤها وشررها شبهوا به لكثرتهم وشدتهم، وهم من ~~أولاد يافت بن نوح والترك منهم قيل إن طائفة منهم خرجت تغير فضرب ذو ~~القرنين السد فبقوا خارجه فسموا الترك لأنهم تركوا خارجين. قال أهل ~~التواريخ: أولاد نوح ثلاثة سام وحام ويافث فسام أبو العرب والعجم والروم ~~وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة ويافث أبو الترك والخزر والصقالبة ويأجوج ~~ومأجوج قال ابن عباس " هم عشرة أجزاء وولد آدم كلهم جزء " وروى حذيفة ~~مرفوعا " أن يأجوج ومأجوج أمة، وكل أمة أربعة آلاف أمة لا يموت الرجل ~~منهم حتى ينظر ألف ذكر من صلبه قد حمل السلاح، وهم من ولد آدم يسيرون إلى ~~خراب الدنيا، وقال هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز شجر بالشام طوله ~~عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع ~~وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم أذنه ويلتحف ~~بالأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ومن مات منهم أكلوه، ~~مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية. وعن ~~علي: منهم من طوله شبر، ومنهم من هو مفرط في الطول. وقال كعب: هم نادرة ~~في ولد آدم وذلك أن آدم احتلم ذات يوم، وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله ~~من ذلك الماء يأجوج ومأجوج فهم ms2185 متصلون بنا من جهة الأب دون الأم، وذكر ~~وهب بن منبه أن ذا القرنين كان رجلا من الروم ابن عجوز. فلما بلغ كان ~~عبدا صالحا قال الله سبحانه وتعالى إني باعثك إلى أمم مختلفة ألسنتهم ~~منهم أمتان بينهما طول الأرض إحداهما عند مغرب الشمس. يقال له ناسك، ~~والأخرى عند مطلعها يقال لها منسك وأمتان بينهما عرض الأرض إحداهما في ~~القطر الأيمن يقال لها هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها ~~تأويل، وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج. # فقال ذو القرنين بأي قوة أكابدهم وبأي جمع أكاثرهم وبأي لسان أناطقهم؟ ~~فقال الله تعالى إني سأقويك وأبسط لسانك وأشد عضدك فلا يهولنك شيء، ~~وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخر لك النور والظلمة وأجعلهما من جنودك، ~~فالنور يهديك من أمامك والظلمة تحوطك من ورائك. فانطلق حتى أتى مغرب ~~الشمس، فوجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلا الله تعالى فكاثرهم بالظلمة حتى ~~جمعهم في مكان واحد، فدعاهم إلى الله تعالى وعبادته فمنهم من آمن به ~~ومنهم من صد عنه، فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت ~~أجوافهم وبيوتهم فدخلوا في دعوته، فجند من أهل المغرب جندا عظيما ~~وانطلق يقودهم والظلمة تسوقهم، حتى أتى هاويل ففعل فيهم كفعله في ناسك ثم ~~مضى حتى منسك ففعل فيهم كفعله في الأمتين، وجند منهم جندا عظيما ثم أخذ ~~ناحية اليسرى فأتى تاويل ففعل بهم كفعله فيما قبلها ثم عمد إلى الأمم ~~التي في وسط الأرض. فلما كان فيما يلي منقطع الترك مما يلي المشرق قالت ~~له أمة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقا أشباه ~~البهائم يفترسون الدواب والوحوش والسباع ويأكلون الحيات والعقارب وكل ذي ~~روح خلق في الأرض، وليس يزداد خلق كزيادتهم فلا شك أنهم يتملكون الأرض ~~ويظهرون عليها ويفسدون فيها فهل نجعل لك خرجا، على أن تجعل بيننا وبينهم ~~سدا؟ قال: " ما مكني فيه ربي خير " وقال أعدو إلى الصخور والحديد ~~والنحاس حتى أعلم علمهم. فانطلق حتى ms2186 توسط بلادهم، فوجدهم على مقدار واحد ~~يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا، لهم مخالب وأضراس ~~كالسباع، ولهم هدب شعر يواري أجسادهم، ويتقون به من الحر والبرد، ولكل ~~واحد منهم أذنان عظيمتان يفترش إحداهما ويلتحف بالأخرى، يصيف في واحدة ~~ويشتي في واحدة يتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا فلما عاين ذو القرنين ~~ذلك انصرف إلى مابين الصدفين فقاس ما بينهما وحفر له الأساس حتى بلغ ~~الماء فذلك قوله تعالى { قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في ~~الأرض } قيل فسادهم أنهم كانوا يخرجون أيام الربيع إلى أرضهم فلا يدعون ~~فيها شيئا أخضر إلا أكلوه ولا يابسا إلا حملوه وأدخلوه أرضهم، فلقوا ~~منهم أذى شديدا وقيل فسادهم أنهم كانوا يأكلون الناس، وقيل معناه أنهم ~~سيفسدون عن خروجهم { فهل نجعل لك خرجا } أي جعلا وأجرا من الأموال { ~~على أن تجعل بيننا وبينهم سدا } أي حاجزا فلا يصلون إلينا. ### || [18.95-98] # { قال } لهم ذو القرنين { ما مكني فيه ربي خير } أي ما قواني به ربي خير ~~من جعلكم { فأعينوني } يعني لا أريد منكم المال بل أعينوني بأبدانكم ~~وقوتكم { أجعل بينكم وبينهم ردما } أي سدا قالوا وما تلك القوة؟ قال ~~فعلة وصناع يحسنون البناء والآله. قالوا وما تلك الآلة؟ قال: { آتوني } ~~أي أعطوني وقيل جيئوني { زبر الحديد } أي قطع الحديد فأتوه بها، وبالحطب ~~فجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب { حتى إذا ساوى بين الصدفين } ~~أي بين طرفي الجبلين { قال انفخوا } يعني في النار { حتى إذا جعله نارا ~~} أي صار نارا { قال آتوني أفرغ عليه } أي أصيب عليه { قطرا } أي ~~نحاسا مذابا فجعلت النار تأكل الحطب وجعل النحاس يسيل مكانه حتى لزم ~~الحديد النحاس قيل إن السد كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء، وقيل ~~إن عرضه خمسون ذراعا وارتفاعه مائة ذراع وطوله فرسخ، واعلم أن هذا السد ~~معجزة عظيمة ظاهرة لأن الزبرة الكبيرة إذا نفخ عليها حتى صارت كالنار لم ~~يقدر أحد على القرب منها، والنفخ عليها لا يمكن إلا بالقرب منها. فكأنه ms2187 ~~تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين حتى تمكنوا ~~من العمل فيه { فما استطاعوا أن يظهروه } أي يعلو عليه لعلوه وملاسته { ~~وما استطاعوا له نقبا } أي من أسفله لشدته وصلابته { قال } يعني ذو ~~القرنين { هذا } أي السد { رحمة من ربي } أي نعمة من ربي { فإذا جاء وعد ~~ربي } قيل يعني القيامة وقت خروجهم { جعله دكاء } أي أرضا ملساء وقيل ~~مدكوكا مستويا مع الأرض { وكان وعد ربي حقا }. ق عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد بيده تسعين " # قوله وعقد بيده تسعين هو من موضوعات الحساب، وهو أن تجعل رأس أصبعك ~~السبابة في وسط الإبهام من باطنها شبه الحلقة، لكن لا يتبين لها إلا خلل ~~يسير وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " في السد يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال بعضهم ارجعوا ~~فستحفرونه غدا قال فيعيده الله كأشد ما كان حتى إذا بلغوا مدتهم وأراد ~~الله تعالى أن يبعثهم على الناس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا، ~~إن شاء الله تعالى، واستثنى قال فيرجعون فيجدونه على هيئته حين تركوه ~~فيخرقونه فيخرجون على الناس فيستقون المياه وتفر منهم الناس " # وفي رواية # " تتحصن الناس في حصونهم منهم فيرمون بسهام إلى السماء فترجع مخضبة ~~بالدماء فيقولون قهرنا من في الأرض وعلونا من في السماء فيزدادون قسوة ~~وعتوا، فيبعث الله عليهم نغفا في رقابهم فيهلكون، فوالذي نفس محمد بيده ~~إن دواب الأرض لتسمن وتشكر من لحومهم شكرا " # أخرج الترمذي. وقوله قسوة وعتوا أي غلظة وفظاظة وتكبرا، والنغف دود ~~يكون في أنوف الإبل والغنم وقوله وتشكر يقال شكرت الشاة تشكر شكرا، إذا ~~امتلأ ضرعها لبنا، والمعنى أنها تمتلي أجسامها لحما وتسمن. خ عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج ". ### || [18.99-105] # قوله عز وجل: { وتركنا بعضهم يومئذ يموج في ms2188 بعض } قيل هذا عند فتح ~~السد، يقول تركنا يأجوج ومأجوج يموج أي يدخل بعضهم في بعض كموج الماء، ~~ويختلط بعضهم في بعض لكثرتهم، وقيل هذا عند قيام الساعة يدخل الخلق بعضهم ~~في بعض لكثرتهم ويختلط إنسهم بجنهم حيارى { ونفخ في الصور } فيه دليل على ~~أن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة { فجمعناهم جمعا } أي في ~~صعيد واحد { وعرضنا } أي أبرزنا { جهنم يومئذ للكافرين عرضا } ليشاهدوها ~~عيانا { الذين كانت أعينهم في غطاء } أي غشاء وستر { عن ذكري } أي عن ~~الإيمان والقرآن والهدى والبيان وقيل عن رؤية الدلائل وتبصرها { وكانوا ~~لا يستطيعون سمعا } أي سمع قبول الإيمان والقرآن لغلبة الشقاء عليهم، ~~وقيل معناه لا يستطيعون أن يسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لشدة ~~عداوتهم له. قوله تعالى { أفحسب } أي أفظن { الذين كفروا أن يتخذوا عبادي ~~من دوني أولياء } يعني أربابا يريد عيسى والملائكة، بل هم لهم أعداء ~~يتبرؤون منهم. وقال ابن عباس: يعني الشياطين أطاعوهم من دون الله، ~~والمعنى أفظن الذين كفروا أن يتخذوا غيري أولياء وإني لا أغضب لنفسي فلا ~~أعاقبهم وقيل معناه أفظنوا أنه ينفعهم أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء { ~~إنا أعتدنا } أي هيأنا { جهنم للكافرين نزلا } أي منزلا. قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: هي مثواهم وقيل معدة لهم عندنا كالنزل للضيف. قوله تعالى ~~{ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا } يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عمل ~~يرجون به فضلا ونوالا فنالوا هلاكا وبوارا، قال ابن عباس: هم اليهود ~~والنصارى، وقيل هم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع وقال علي بن ~~أبي طالب: هم أهل حوراء يعني الخوارج { الذين ضل سعيهم } أي بطل عملهم ~~واجتهادهم { في الحياة الدنيا وهم يحسبون } أي يظنون { أنهم يحسنون صنعا ~~} أي عملا ثم وصفهم فقال تعالى { أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه } ~~يعني أنهم جحدوا دلائل توحيده وقدرته، وكفروا بالبعث والثواب والعقاب، ~~وذلك لأنهم كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالقرآن فصاروا كافرين بهذه ~~الأشياء { فحبطت أعمالهم } أي بطلت { فلا نقيم لهم ms2189 يوم القيامة وزنا }. ~~قيل لا تقيم لهم ميزانا، لأن الميزان إنما توضع لأهل الحسنات والسيئات ~~من الموحدين ليتميزوا مقدار الطاعات ومقدار السيئات. قال أبو سعيد الخدري ~~" يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم من العظم كجبال تهامة فإذا ~~وزنوها لم تزن شيئا فذلك قوله تعالى { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } ~~وقيل معناه نزدري بهم فليس لهم عندنا شيئا ذلك قوله تعالى { فلا نقيم ~~لهم يوم القيامة وزنا } وقيل معناه نزدري بهم فليس لهم عندنا حظ ولا قدر ~~ولا وزن ق عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح ~~بعوضة وقال اقرؤوا إن شئتم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ". ### || [18.106-110] # { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من حبوط أعمالهم وخسة قدرهم، ثم ابتدأ فقال ~~تعالى { جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا } يعني سخرية ~~واستهزاء. قوله تعالى { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات ~~الفردوس نزلا }. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه ~~عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة " # قال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، فيها الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها ~~وأرفعها. وقيل: الفردوس هو البستان الذي فيه الأعناب. وقيل: هي الجنة ~~الملتفة بالأشجار التي تنبت ضروبا من النبات. وقيل: الفردوس البستان ~~بالرومية. وقيل: بلسان الحبش منقولا إلى العربية نزولا هو ما يهيأ ~~للنازل على معنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس ونعيمها نزلا. وقيل في معنى ~~كانت لهم أي في علم الله تعالى قبل أن يخلقوا { خالدين فيها لا يبغون } ~~أي لا يطلبون { عنها حولا } أي تحولا إلى غيرها، قال ابن عباس: لا ~~يريدون أن يتحولوا عنها، كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار ~~أخرى. قوله تعالى { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي } قال ms2190 ابن عباس: ~~قالت اليهود يا محمد تزعم أننا قد أوتينا الحكمة وفي كتابك # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة: 269] ثم تقول وما أوتيتم من العلم إلا قليلا، فأنزل الله ~~تعالى وقيل لما نزل # وما أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85] قالت اليهود أوتينا علم التوراة وفيها علم كل شيء. فأنزل ~~الله تعالى { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي } ما يستمده الكتاب ~~ويكتب به، وأصله من الزيادة قال مجاهد: لو كان البحر مدادا للقلم والقلم ~~يكتب قيل والخلائق يكتبون { لنفد البحر } أي لنفد ماؤه { قبل أن تنفد ~~كلمات ربي } أي علمه وحكمه { ولو جئنا بمثله مدادا } والمعنى ولو كان ~~الخلائق يكتبون والبحر يمدهم لفني ماء البحر ولم تفن كلمات ربي، ولو جئنا ~~بمثل ماء البحر في كثرته مددا وزيادة. قوله تعالى { قل إنما أنا بشر ~~مثلكم } قال ابن عباس: علم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم التواضع ~~لئلا يزهى على خلقه، فأمره أن يقرأ فيقول آنا آدمي مثلكم إلا أني خصصت ~~بالوحي وأكرمني الله به وهو قوله تعالى { يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } ~~لا شريك له في ملكه { فمن كان يرجو لقاء ربه } أي يخاف المصير إليه وقيل ~~يؤمل رؤية ربه { فليعمل عملا صالحا } أي من حصل له رجاء لقاء الله ~~تعالى والمصير إليه فليستعمل نفسه في العمل الصالح { ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا } أي لا يرائي بعمله ولما كان العمل الصالح قد يراد به وجه الله ~~سبحانه وتعالى وقد يراد به الرياء والسمعة اعتبر فيه قيدان، أحدهما: يراد ~~به سبحانه وتعالى والثاني: أن يكون مبرأ من جهات الشرك جميعها ق عن جندب ~~بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به " # قوله من سمع سمع الله به أي من عمل عملا مراآة للناس يشتهر بذلك شهرة ~~الله يوم القيامة، وقيل سمع الله به أي أسمعه المكروه م عن أبي هريرة قال ~~سمعت ms2191 رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن الله تبارك وتعالى يقول " أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا ~~أشرك فيه غيري تركته وشركه ولغير مسلم فأنا منه بريء هو والذي عمله " " # عن سعيد بن أبي فضالة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " إذا جمع الناس ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان يشرك في عمل عمله ~~لله أحدا فليطلب ثوابه منه فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك " # أخرجه الترمذي. وقال حديث غريب وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر؟ قالوا وما الشرك الأصغر قال الرياء ~~" # م عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال " # وفي رواية من آخرها والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-10] # { كهيعص } قال ابن عباس رضي الله عنهما هو اسم من أسماء الله تعالى، ~~وقيل اسم القرآن، وقيل للسورة وقيل هو قسم أقسم الله تعالى به. عن ابن ~~عباس قال الكاف من كريم وكبير، والهاء من هاد، والياء من رحيم، والعين من ~~عليم، والصاد من صادق، وقيل معناه كاف لخلقه هاد لعباده يده فوق أيديهم ~~عالم ببريته صادق في وعده. { ذكر } أي هذا الذي نتلو عليك ذكر { رحمة ربك ~~عبده زكريا } قيل معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته { إذ نادى } اي دعا { ~~ربه } في المحراب { نداء خفيا } أي دعاء سرا من قيامه في جوف الليل، ~~وقيل راعى سنة الله في إخفاء دعائه لأن الجهر والإسرار عند الله تعالى ~~سيان، ولكن الإخفاء أولى، وقيل خفت صوته لضعفه سقوط الأضراس { واشتعل ~~الرأس } أي ابيض الشعر { شيبا } أي شمطا { ولم أكن بدعائك رب شقيا } ~~أي عودتني الإجابة فما مضى ولم تخيبني، وقيل معناه لما دعوتني إلى ~~الإيمان آمنت ولم أشق بترك الإيمان { وإني خفت الموالي من ورائي } أي من ~~بعد موتي والموالي هم بنو العم وقيل العصبة وقيل ms2192 الكلالة وقيل جميع ~~الورثة { وكانت امرأتي عاقرا } أي لا تلد { فهب لي من لدنك وليا } أي ~~أعطني من عندك ولدا مرضيا { يرثني ويرث من آل يعقوب } أي وليا ذا ~~رشاد، وقيل أراد به يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة والعلم، وقيل أراد ~~به الحبورة، لأن زكريا كان رأس الأحبار، والأولى أن يحمل على ميراث غير ~~المال لأن الأنبياء لم يرثوا المال وإنما يورثون العلم، ويبعد عن زكريا ~~وهو نبي من الأنبياء أن يشفق على ماله أن يرثه بنو عمه، وإنما خاف أن ~~يضيع بنو عمه دين الله ويغيروا أحكامه، وذلك لما أن شاهد من بني إسرائيل ~~تبديل الدين وقتل الأنبياء. فسأل ربه ولدا صالحا يأمنه على أمته ويرث ~~نبوته وعلمه لئلا يضيع وهذا قول ابن عباس { واجعله رب رضيا } أي برا ~~تقيا مرضيا. قوله تعالى { يا زكريا } المعنى استجاب الله له دعائه فقال ~~يا زكريا { إنا نبشرك بغلام } أي بولد ذكر { اسمه يحيى لم نجعل له من قبل ~~سميا } أي لم يسم أحد قبله يحيى وقيل معناه لم نجعل له شبها مثلا، ~~وذلك لأنه لم يعص الله ولم يهم بمعصية قط وقال ابن عباس: لم تلد العواقر ~~مثله ولدا، قيل لم يرد الله تعالى بذلك اجتماع الفضائل كلها ليحيى، ~~وإنما أراد بعضها لأن الخليل والكليم كانا قبله وهما أفضل منه { قال رب ~~أنى يكون لي } أي من أين يكون لي { غلام وكانت امرأتي عاقرا } أي ~~وامرأتي عاقر { وقد بلغت من الكبر عتيا } أي يأسا يريد بذلك نحول الجسم ~~ودقة العظام ونحول الجلد { قال كذلك قال ربك هو علي هين } أي يسير { وقد ~~خلقتك من قبل } أي من قبل يحيى { ولم تك شيئا وقال رب اجعل لي آية } أي ~~دلالة على حمل امرأتي { قال آيتك } أي علامتك { أن لا تكلم الناس ثلاث ~~ليال سويا } أي صحيحا سليما من غير بأس ولا خرس، وقيل ثلاث ليال ~~متتابعات والأول أصح قيل إنه لم يقدر فيها أن يتكلم مع الناس فإذا أراد ~~ذكر ms2193 الله انطلق لسانه. ### || [19.11-22] # قوله عز وجل: { فخرج على قومه من المحراب } أي من الموضع الذي كان يصلي ~~فيه وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه حتى يفتح لهم الباب فيدخلون ~~ويصلون، إذ خرج إليهم زكريا متغيرا لونه فأنكروا ذلك عليه، وقالوا له ما ~~لك { فأوحى } أي فأوما وأشار { إليهم } وقيل كتب لهم في الأرض { أن سبحوا ~~} أي صلوا لله { بكرة وعشيا } المعنى أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشيا ~~فيأمرهم بالصلاة، فلما كان وقت حمل امرأته ومنع من الكلام خرج إليهم ~~فأمرهم بالصلاة إشارة. قوله عز وجل { يا يحيى } فيه إضمار ومعناه وهبنا ~~له يحيى وقلنا له يا يحيى { خذ الكتاب } أي التوراة { بقوة } أي بجد ~~واجتهاد { وآتيناه الحكم } قال ابن عباس: يعني النبوة { صبيا } وهو ابن ~~ثلاث سنين وذلك أن الله تعالى حكم عقله وأوحى إليه، فإن قلت كيف يصح حصول ~~العقل والفطنة والنبوة حال الصبا. قلت لأن أصل النبوة مبني على خرق ~~العادات، إذا ثبت هذا فلا تمنع صيرورة الصبي نبيا، وقيل أراد بالحكم فهم ~~الكتاب فقرأ التوراة وهو صغير وعن بعض السلف قال من قرأ القرآن قبل أن ~~يبلغ فهو من أوتي الحكم صبيا { وحنانا من لدنا } أي رحمة من عندنا قال ~~الحطيئة يخاطب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: # تحنن علي هداك المليك فإن لكل مقام مقالا # أي ترحم علي { وزكاة } قال ابن عباس: يعني بالزكاة الطاعة والإخلاص، ~~وقيل هي العمل الصالح، ومعنى الآية وآتيناه رحمة من عندنا وتحننا على ~~العباد ليدعوهم إلى طاعة ربهم وعملا صالحا في إخلاصه { وكان تقيا } أي ~~مسلما مخلصا مطيعا، وكان من تقواه إنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها قط { ~~وبرا بوالديه } أي بارا لطيفا بهما محسنا إليهما لأنه لا عبادة بعد ~~تعظيم الله تعالى أعظم من بر الوالدين يدل عليه قوله تعالى { وقضى ربك أن ~~لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } الآية { ولم يكن جبارا } ~~الجبار المتكبر وقيل الذي يقتل ويضرب على الغضب، وقيل الجبار الذي لا يرى ms2194 ~~لأحد على نفسه حقا وهو التعظيم بنفسه يرى أن لا يلزمه قضاء لأحد { عصيا ~~} قيل هو أبلغ من المعاصي والمراد وصف يحيى بالتواضع ولين الجانب وهو من ~~صفات المؤمنين { وسلام عليه يوم ولد ويوم يوم يموت ويوم يبعث حيا } ~~معناه وأمان له من الله يوم ولد من أن يناله الشيطان كما ينال سائر بني ~~آدم وأمان له يوم يموت من عذاب القبر ويوم يبعث حيا من عذاب يوم ~~القيامة، وقيل أوحش ما يكون الخلق في ثلاث مواطن يوم يولد لأنه يرى نفسه ~~خارجا من مكان قد كان فيه، ويوم يموت لأنه يرى قوما ما شاهدهم قط، ويوم ~~يبعث لأنه يرى مشهدا عظيما فأكرم الله تعالى يحيى في هذه المواطن كلها ~~فخصه بالسلامة فيها. # قوله عز وجل { واذكر في الكتاب } أي في القرآن { مريم إذ انتبذت } أي ~~تنحت واعتزلت { من أهلها } أي من قومها { مكانا شرقيا } أي مكانا في ~~الدار ما يلي المشرق، وكان ذلك اليوم شاتيا شديد البرد فجلست في مشرقه ~~تفلي رأسها وقيل إن مريم كانت قد طهرت من الحيض فذهبت تغتسل، قيل ولهذا ~~المعنى اتخذت النصارى المشرق قبلة { فاتخذت } أي فضربت { من دونهم حجابا ~~} قال ابن عباس أي سترا وقيل جلست وراء جدار، وقيل إن مريم كانت تكون في ~~المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها، حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، ~~فبينما هي تغتسل من الحيض قد تجردت، إذ عرض لها جبريل في صورة شاب أمرد ~~وضيء الوجه سوي الخلق فذلك. قوله تعالى { فأرسلنا إليها روحنا } يعني ~~جبريل { فتمثل لها بشرا سويا } أي سوي الخلق لم ينقص من الصورة الآدمية ~~شيئا، وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو ~~بدا لها في صورة الملائكة لنفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه، وقيل ~~المراد من الروح روح عيسى جاءت في صورة بشر فحملت به والقول الأول أصح، ~~فلما رأت مريم جبريل عليه السلام يقصد نحوها بادرته من بعيد { قالت إني ~~أعوذ بالرحمن منك إن ms2195 كنت تقيا } أي مؤمنا مطيعا لله تعالى، دل تعوذها ~~من تلك الصورة الحسنة على عفتها وروعها. فإن قلت إنما يستعاذ من الفاجر ~~فكيف قالت إن كنت تقيا. قلت هذا كقول القائل إن كنت مؤمنا فلا تظلمني ~~أي ينبغي أن يكون إيمانك مانعا من الظلم، كذلك ها هنا معناه ينبغي أن ~~تكون تقواك مانعة لك من الفجور { قال } لها جبريل عليه السلام { إنما أنا ~~رسول ربك لأهب } أسند الفعل إليه وإن كانت الهبة من الله تعالى لأنه أرسل ~~به { لك غلاما زكيا } قال ابن عباس ولدا صالحا طاهرا من الذنوب { ~~قالت } مريم { أنى يكون لي } أي من أين يكون لي { غلام ولم يمسسني بشر } ~~أي ولم يقربني زوج { ولم أك بغيا } أي فاجرة تريد أن الولد إنما يكون من ~~نكاح أو سفاح ولم يكن ها هنا واحد منهما { قال } جبريل { كذلك قال ربك } ~~أي هكذا قال ربك { هو علي هين } أي خلق ولدك بلا أب { ولنجعله آية للناس ~~} أي علامة لهم ودلالة على قدرتنا { ورحمة منا } أي ونعمة لمن تبعه على ~~دينه إلى بعثه محمد صلى الله عليه وسلم { وكان أمرا مقضيا } أي محكوما ~~مفروغا من لا يرد ولا يبدل. قوله عز وجل { فحملته } قيل إن جبريل رفع ~~درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبست الدرع، وقيل مد جيب درعها بأصبعه ثم ~~نفخ في الجيب، وقيل نفخ في كمها وقيل في ذيلها، وقيل في فيها، وقيل نفخ ~~من بعيد فوصل النفخ إليها فحملت بعيسى عليه السلام في الحال { فانتبذت به ~~} أي فلما حملته تنحت بالحمل وانفردت { مكانا قصيا } أي بعيدا من ~~أهلها. # قال ابن عباس: أقصى الوادي، وهو بيت لحم فرارا من أهلها وقومها أن ~~يعيروها بولادتها من غير زوج. قال ابن عباس: كان الحمل والولادة في ساعة ~~واحدة وقيل حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من ~~يومها، وقيل كانت مدته تسعة أشهر كحمل سائر الحوامل من النساء، وقيل كانت ~~مدة حملها ثمانية أشهر، وذلك ms2196 آية أخرى له لأنه لا يعيش من ولد لثمانية ~~أشهر وولد عيسى لهذه المدة وعاش، وقيل ولد لستة أشهر وهي بنت عشر سنين ~~وقيل ثلاث عشرة سنة وقيل ستة عشر سنة وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل ~~بعيسى، وقال وهب: إن مريم لما حملت بعيسى كان معها ابن عم لها يقال له ~~يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي يمنة جبل صهيون، وكانا ~~يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم من أهل زمانها أحد أشد عبادة واجتهادا منها ~~وأول من علم بحمل مريم يوسف، فبقي متحيرا في أمرها كلما أراد أن يتهمها ~~ذكر عبادتها وصلاحها وأنها لم تغب عنه، وإذا أراد أن يبرئها رأى ما ظهر ~~منها من الحمل فأول ما تكلم به أن قال إنه وقع في نفسي من أمرك شيء وقد ~~حرصت على كتمانه فغلبني ذلك فرأيت أن أتكلم به أشفي صدري، فقالت: قل ~~قولا جميلا، قال أخبريني يا مريم هل ينبت زرع بغير بذر وهل ينبت شجر ~~بغير غيث وهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت نعم ألم تعلم أن الله أنبت الزرع ~~يوم خلقه من غير بذر ألم تر أن الله أنبت الشجر بالقدرة من غير غيث أو ~~تقول إن الله تعالى لا يقدر على أن ينبت الشجر حتى استعان بالماء ولولا ~~ذلك لم يقدر على إنباتها قال يوسف: لا أقول هذا ولكن أقول إن الله تعالى ~~يقدر على كل شيء يقول له كن فيكون، قالت له مريم: ألم تعلم أن الله خلق ~~آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى. فعند ذلك زال ما عنده من التهمة وكان ~~ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل. فلما دنت ~~ولادتها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك فذلك قوله تعالى { فانتبذت ~~به مكانا قصيا }. ### || [19.23-28] # قوله عز وجل: { فأجاءها المخاض } أي ألجأها وجاء بها والمخاض وجع ~~الولادة { إلى جذع النخلة } وكانت نخلة يبست في الصحراء في شدة البرد ولم ~~يكن لها سعف، وقيل التجأت إليها ms2197 تستند إليها وتستمسك بها من شدة الطلق، ~~ووجع الولادة { قالت يا ليتني مت قبل هذا } تمنت الموت استحياء من الناس ~~وخوفا من الفضيحة { وكنت نسيا منسيا } يعني شيئا حقيرا متروكا لم ~~يذكر، ولم يعرف لحقارته وقيل جيفة ملقاة، وقيل معناه أنها تمنت أنها لم ~~تخلق { فناداها من تحتها } قيل إن مريم كانت على أكمة وجبريل وراء الأكمة ~~تحتها، وقيل ناداها من سفح الجبل وقيل هو عيسى وذلك أنه لما خرج من بطن ~~أمه ناداها { أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا } أي نهرا. قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: ضرب جبريل عليه السلام، وقيل عيسى عليه السلام ~~برجله في الأرض فظهرت عين ماء عذبة، وجرت وقيل كان هناك نهر يابس فجرى ~~فيه الماء بقدرة الله سبحانه وتعالى وجنت النخلة اليابسة، فأورقت وأثمرت ~~وأرطبت وقيل معنى تحتك تحت أمرك إن أمرته أن يجري جرى، وإن أمرته ~~بالإمساك أمسك وقيل معنى سريا أي عيسى وكان عبدا سريا رفيعا { وهزي ~~إليك } أي حركي إليك { بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا } قيل الجنى ~~الذي بلغ الغاية جاء أوان اجتنائه. قال الربيع بن خيثم: ما للنفساء خير ~~من الرطب ولا للمريض خير من العسل { فكلي واشربي } أي مريم كلي من الرطب ~~واشربي من النهر { وقري عينا } أي طيبي نفسا، وقيل قري عينا بولدك ~~عيسى، يقال أقر الله عينك أي صادف فؤادك ما يرضيك فتقر عينيك عن النظر ~~إلى غيره { فإما ترين من البشر أحدا } معناه يسألك عن ولدك { فقولي إني ~~نذرت للرحمن صوما } أي صمتا، قيل كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد ~~صام عن الكلام كما يصوم عن الطعام فلا يتكلم حتى يمسي، وقيل إن الله ~~أمرها أن تقول هذا إشارة وقيل أمرها أن تقول هذا القول نطقا ثم تمسك عن ~~الكلام بعده وإنما منعت من الكلام لأمرين أحدهما: أن يكون عيسى عليه ~~السلام هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها في إزالة التهمة عنها وفيه ~~دلالة على أن تفويض الكلام إلى الأفضل ms2198 أولى. والثاني: كراهة مجادلة ~~السفهاء وفيه السكوت عن السفيه واجب { فلن أكلم اليوم إنسيا } يقال إنها ~~كانت تكلم الملائكة ولا تكلم الإنس. قوله تعالى { فأتت به قومها تحمله } ~~قيل إنها لما ولدت عيسى عليه السلام حملته في الحال إلى قومها وقيل إن ~~يوسف النجار احتمل مريم وابنها عيسى إلى غار فمكث فيه أربعين يوما حتى ~~طهرت من نفاسها، ثم حملته إلى قومها فكلمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه ~~أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا ~~وحزنوا وكانوا أهل بيت صالحين { قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا } أي ~~عظيما منكرا وقيل معناه جئت بأمر عجيب وبديع { يا أخت هارون } أي شبيهة ~~هارون قيل كان رجلا صالحا في بني إسرائيل شبهت به في عفتها وصلاحها ~~وليس المراد الأخوة في النسب، قيل إنه تبع جنازته يوم مات أربعون ألف من ~~بني إسرائيل كلهم يسمى هارون سوى سائر الناس م عن المغيرة بن شعبة قال: ~~لما قدمت خراسان سألوني فقالوا: إنكم تقرؤون يا أخت هارون وموسى قبل عيسى ~~بكذا وكذا فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك ~~فقال: # " إنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم ". # وقيل كان هارون أخا مريم لأبيها، وقيل كان من أمثل رجل في بني إسرائيل ~~وقيل إنما عنوا هارون أخا موسى لأنها كانت من نسله كما يقال للتميمي يا ~~أخا تميم، وقيل كان هارون في بني إسرائيل فاسقا أعظم الفسق فشبهوها به { ~~ما كان أبوك } يعني عمران { امرأ سوء } قال ابن عباس: زانيا { وما كانت ~~أمك } يعني حنة { بغيا } أي زانية فمن أين لك هذا الولد. ### || [19.29-37] # { فأشارت إليه } أي أشارت مريم إلى عيسى أن كلمهم، قال ابن مسعود: لما ~~لم يكن لها حجة أشارت إليه ليكون كلامه حجة لها، وقيل لما أشارت إليه غضب ~~القوم وقالوا مع ما فعلت أتسخرين بنا { قالوا كيف نكلم من كان في المهد ~~صبيا } قيل أراد بالمهد الحجر وهو حجرها، وقيل هو ms2199 المهد بعينه قيل لما ~~سمع عيسى كلامهم ترك الرضاع وأقبل عليهم، وقيل لما أشارت إليه ترك الرضاع ~~واتكأ على يساره وأقبل عليهم وجعل يشير بيمينه { قال إني عبد الله } قال ~~وهب: أتاها زكرياء عند مناظرتها اليهود، فقال لعيسى: انطق بحجتك إن كنت ~~أمرت بها، فقال عند ذلك عيسى وهو ابن أربعين يوما، وقيل: بل يوم ولد إني ~~عبد الله أقر على نفسه بالعبودية لله تعالى أول ما تكلم لئلا يتخذ إلها. ~~فإن قلت إن الذي اشتدت إليه الحاجة في ذلك الوقت نفي التهمة عن أمه وأن ~~عيسى لم ينص على ذلك، وإنما نص على إثبات عبوديته لله تعالى. قلت كأنه ~~جعل إزالة التهمة عن الله تعالى أولى من إزالة التهمة عن أمه، فلهذا أول ~~ما تكلم باعترافه على نفسه بالعبودية لتحصل إزالة التهمة عن الأم، لأن ~~الله تعالى لم يختص بهذه المرتبة العظيمة من ولد في زنا، والتكلم بإزالة ~~التهمة عن أمه لا يفيد إزالة التهمة عن الله سبحانه وتعالى فكان الاشتغال ~~بذلك أو { آتاني الكتاب وجعلني نبيا } قيل معناه سيجعلني نبيا ويؤتيني ~~الكتاب وهو الإنجيل وهذا إخبار عما كتب له في اللوح المحفوظ وهو كما قيل ~~للنبي صلى الله عليه وسلم متى كنت نبيا قال: # " كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد " # وقال الأكثرون إنه أوتي الإنجيل، وهو صغير وكان يعقل عقل الرجال الكمل ~~وعن الحسن أنه ألهم التوراة وهو في بطن أمه { وجعلني مباركا أينما كنت } ~~معناه أني نفاع أينما توجهت، وقيل معلما للخير أدعو إلى الله وإلى ~~توحيده وعبادته وقيل مباركا على من يتبعني { وأوصاني بالصلاة والزكاة } ~~أي أمرني بهما وكلفني فعلهما. فإن قلت كيف يؤمر بالصلاة والزكاة، في حال ~~طفوليته وقد قال صلى الله عليه وسلم # " رفع القلم عن ثلاث الصبي حتى يبلغ " # الحديث... قلت إن قوله وأوصاني بالصلاة والزكاة لا يدل على أنه تعالى ~~أوصاه بأدائهما في الحال بل المراد أوصاه بأدائهما في الوقت المعين لهما ~~وهو البلوغ، وقيل إن الله تعالى صيره حين انفصل عن ms2200 أمه بالغا عاقلا ~~وهذا القول أظهر في سياق قوله { ما دمت حيا } فإنه يفيد أن هذا التكليف ~~متوجه إليه في زمان جميع حياته حين كان في الأرض وحين رفع إلى السماء ~~وحين ينزل الأرض بعد رفعه { وبرا بوالدتي } أي جعلني برا بوالدتي { ولم ~~يجعلني جبارا شقيا } أي عاصيا لربي متكبرا على الحق بل، وأنا خاضع ~~متواضع وروي أنه قال: قلبي لين وأنا صغير في نفسي، وقال بعض العلماء لا ~~تجد العاق إلا جبارا شقيا وتلا هذه الآية، وقيل الشقي الذي يذنب ولا ~~يتوب. # { والسلام علي يوم ولدت } أي السلامة عند الولادة من طعن الشيطان { ويوم ~~أموت } أي عند الموت من الشرك { ويوم أبعث حيا } أي من أهوال يوم ~~القيامة فلما كلمهم عيسى بذلك علموا براءة مريم ثم سكت عيسى فلم يتكلم ~~حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الأطفال { ذلك عيسى ابن مريم } أي ذلك ~~الذي قال إني عبد الله هو عيسى بن مريم { قول الحق } أي هذا الكلام هو ~~القول الحق أضاف القول إلى الحق، وقيل هو نعت لعيسى يعني بذلك عيسى بن ~~مريم كلمة الله الحق والحق هو الله { الذي فيه يمترون } أي يشكون ~~ويختلفون فقائل يقول هو ابن الله وقائل يقول ثالث ثلاثة تعالى الله عما ~~يقولون علوا كبيرا ثم نزه نفسه عن اتخاذ الولد ونفاه عنه فقال تعالى { ~~ما كان لله أن يتخذ ولد } أي ما كان من صفاته اتخاذ الولد لا ينبغي له ~~ذلك { سبحانه إذا قضى أمرا } أي إذا أراد أن يحدث أمرا { فإنما يقول له ~~كن فيكون } أي لا يتعذر عليه اتخاذه على الوجه الذي أراده { وإن الله ربي ~~وربكم فاعبدوه } هذا إخبار عن عيسى أنه قال ذلك يعني لأن الله ربي وربكم ~~لا رب للمخلوقات سواه { هذا صراط مستقيم } أي هذا الذي أخبرتكم به أن ~~الله أمرني به هو الصراط المستقيم الذي يؤدي إلى الجنة { فاختلف الأحزاب ~~من بينهم } يعني النصارى سموا أحزابا لأنهم تحزبوا ثلاث فرق في أمر عيسى ~~النسطورية والملكانية واليعقوبية ms2201 { فويل للذين كفروا من مشهد يوم عيظم } ~~يعني يوم القيامة حين. ### || [19.38-46] # { أسمع بهم وأبصر } أي ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة حين لا ينفعهم ~~السمع والبصر أخبر أنهم يسمعون ويبصرون في الآخرة ما لم يسمعوا ويبصروا ~~في الدنيا، وقيل معناه التهديد بما يسمعون ويبصرون مما يسوءهم ويصدع ~~قلوبهم { يوم يأتوننا } أي يوم القيامة { لكن الظالمون اليوم في ضلال ~~مبين } قيل أراد باليوم الدنيا، يعني أنهم في الدنيا في خطأ بين وفي ~~الآخرة يعرفون الحق، وقيل: معناه لكن الظالمون في الآخرة في ضلال عن طريق ~~الجنة بخلاف المؤمنين. قوله تعالى { وأنذرهم يوم الحسرة } يعني خوف يا ~~محمد كفار مكة يوم الحسرة، سمي بذلك لأن المسيء يتحسر هلا أحسن العمل ~~والمحسن هلا زاد في الإحسان، يدل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ما من أحد يموت إلا ندم قالوا ما ندمه يا رسول الله قال: إن كان ~~محسنا ندم أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع " # أخرجه الترمذي. قوله أن لا يكون نزع النزع عن الشيء: الكف عنه، وقال ~~أكثر المفسرين يعني بيوم الحسرة حين يذبح الموت.ق عن أبي سعيد الخدري قال ~~قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد يا أهل الجنة فيشرفون وينظرون ~~فيقول هل تعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، ثم ينادي مناد ~~آخر يا أهل النار فيشرفون وينظرون، فيقول هل تعرفون هذا فيقولون نعم هذا ~~الموت وكلهم قد رآه فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول يا أهل الجنة خلود ~~بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت " # ثم قرأ. { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون } ~~وأشار بيده إلى الدنيا وزاد الترمذي فيه " فلو أن أحدا مات فرحا لمات ~~أهل الجنة ولو أن أحدا مات حزنا لمات أهل النار " قوله كهيئة كبش أملح ~~والأملح: المختلط بالبياض والسواد، قوله فيشرفون يقال ms2202 إلى الشيء إذا تطلع ~~ينظر إليه ومالت نحوه نفسه. قوله فيذبح بين الجنة والنار أعلم أن الموت ~~عرض ليس بجسم في صورة كبش أو غيره فعلى هذا يتأول الحديث، على أن الله ~~تعالى يخلق هذا الجسم وهو حيوان فيذبح فيموت فلا يبقى يرجى له حياة ولا ~~وجود، وكذلك حال أهل الجنة والنار بعد الاستقرار فيهما لا زوال لهما ولا ~~انتقال ق عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى ~~يجعل بين الجنة والنار فيذبح ثم ينادي مناد يا أهل الجنة لا موت ويا أهل ~~النار لا موت فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا ~~إلى حزنهم " # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يدخل الجنة أحد إلا رأى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا ولا ~~يدخل النار أحد إلا رأى مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة " # أخرجه البخاري. وقوله تعالى { إذا قضي الأمر } أي فرغ من الحساب وأدخل ~~أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وذبح الموت { وهم في غفلة } أي عما ~~يراد بهم في الآخرة { وهم لا يؤمنون } أي لا يصدقون { إنا نحن نرث الأرض ~~ومن عليها } أي نميت سكان الأرض جميعا ويبقى الله سبحانه وتعالى وحده ~~فيرثهم { وإلينا يرجعون } فنجزيهم بأعمالهم. قوله عز وجل ويبقى { واذكر ~~في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا } أي كثير الصدق وهو مبالغة في ~~كونه صديقا، وقيل الصديق الكثير التصديق قيل من صدق الله في وحدانيته ~~وصدق أنبياءه ورسله وصدق بالبعث بعد الموت وقام بالأوامر فعمل بها فهو ~~صديق، ولما قربت رتبة الصديق من رتبة النبي انتقل من ذكر كونه صديقا إلى ~~ذكر كونه نبيا، والنبي العالي في الرتبة بإرسال الله إياه وأي رتبة أعلى ~~من رتبة من جعله الله تعالى واسطة بينه وبين عباده { إذ قال لأبيه } يعني ~~آزر وهو يعبد الأصنام { يا ms2203 أبت لم تعبد ما لا يسمع } يعني صوتا { ولا ~~يبصر } لا ينظر شيئا { ولا يغني عنك } أي يكفيك { شيئا } وصف الأصنام ~~بثلاثة أشياء كل واحد منها قادح في الإلهية، وذلك أن العبادة هي غاية ~~التعظيم للمعبود فلا يستحقها إلا من له ولاية الإنعام وله أوصاف الكمال ~~وهو الله تعالى فلا يستحق العبادة إلا هو { يا أبت إني قد جاءني من العلم ~~} يعني بالله والمعرفة { ما لم يأتك فاتبعني } أي على ديني { أهدك صراطا ~~سويا } أي مستقيما { يا أبت لا تعبد الشيطان } أي لاتطعه فيما يزين لك ~~من الكفر والشرك. { إن الشيطان كان للرحمن عصيا } أي عاصيا { يا أبت ~~إني أخاف } أي أعلم، وقيل هو على ظاهره لأنه يمكن أن يؤمن فيكون من أهل ~~الجنة، أو يصر على الكفر فيكون من أهل النار فحمل الخوف على ظاهره أولى. ~~واعلم أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام رتب هذا الكلام في غاية الحسن ~~مقرونا بالتلطف والرفق، فإن قوله في مقدمة كلامه يا أبت دليل على شدة ~~الحب والرغبة في صرفه عن العقاب وإرشاده إلى الصواب، لأنه نبه أولا على ~~ما يدل على المنع من عبادة الأصنام ثم أمره باتباعه في الإيمان، ثم نبه ~~على أن طاعة الشيطان غير جائزة في العقول ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر ~~عن الإقدام على ما لا ينبغي بقوله إني أخاف { أن يمسك } أي يصيبك { ~~عذاب من الرحمن } أي إن أقمت على الكفر { فتكون للشيطان وليا } أي ~~قرينا في النار، وقيل صديقا له في النار، وإنما فعل إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام هذا مع أبيه لأمور أحدها: لشدة تعلق قلبه بصلاحية أبيه ~~وأداء حق الأبوة والرفق به، وثانيها: أن النبي الهادي إلى الحق لا بد أن ~~يكون رفيقا لطيفا حتى يقبل منه كلامه، وثالثها: النصح لكل أحد فالأب ~~أولى { قال } يعني أباه مجيبا له { أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم } أي ~~أتاركها أنت وتارك عبادتها { لئن لم تتنه } أي ترجع وتسكت عن عيبك آلهتنا ~~وشتمك إياها { لأرجمنك } قال ابن عباس: معناه ms2204 لأضربنك، وقيل لأقتلنك ~~بالحجارة، وقيل لأشتمنك، وقيل لأبعدنك عني بالقول القبيح والقول الأول هو ~~الصحيح { واهجرني } أي اجتنبني قال ابن عباس: اعتزلني سالما لا يصيبنك ~~مني معرة { مليئا } أي دهرا طويلا. ### || [19.47-57] # { قال } يعني إبراهيم { سلام عليك } أي سلمت مني لا أصيبك بمكروه وذلك ~~لأنه لم يؤمن بقتاله على كفره، وقيل هذا سلام هجران ومفارقة، وقيل هو ~~سلام بر ولطف وهو جواب الحليم للسفيه { سأستغفر لك ربي } ، قيل إنه لما ~~أعياه أمره وعده أن يراجع الله فيه فيسأله أن يرزقه التوحيد ويغفر له، ~~وقيل معناه سأسأل لك ربي توبة تنال بها المغفرة { إنه كان بي حفيا } أي ~~برا لطيفا والمراد أنه يستجيب لي إذا دعوته لأنه عودني الإجابة لدعائي ~~{ وأعتزلكم وما تدعون من دون الله } أي أفارقكم وأفارق ما تعبدون من دون ~~الله وذلك أنه فارقهم وهاجر إلى الأرض المقدسة { وأدعو ربي } أي أعبد ربي ~~الذي خلقني وأنعم علي { عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا } أي أرجو أن لا ~~أشقى بدعاء ربي وعبادته كما تشقون أنتم بعبادة الأصنام، ففيه التواضع له ~~مع التعريض بشقاوتهم. قوله عز وجل { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله ~~} أي ذهب مهاجرا { وهبنا له } أي بعد الهجرة { إسحاق ويعقوب } أي آنسنا ~~وحشته من فراقهم بأولاد أكرم على الله من أبيه { وكلا جعلنا نبيا } أي ~~أنعمنا عليهما بالنبوة { ووهبنا لهم من رحمتنا } أي مع ما وهبنا لهم من ~~النبوة وهبنا لهم المال والولد وذلك أنه بسط لهم في الدنيا من سعة الرزق ~~وكثرة الأولاد { وجعلنا لهم لسان صدق عليا } يعني ثناء حسنا رفيعا في ~~أهل كل دين حتى دعا لهم أهل الأديان كلهم فهم يتولونهم ويثنون عليهم. ~~قوله عز وجل { واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا } قرىء بكسر اللام أي ~~أخلص العبادة، والطاعة لله تعالى ولم يراء وقرىء بالفتح أي مختارا ~~اختاره الله تعالى ثم استخلصه واصطفاه { وكان رسولا نبيا } فهذان وصفان ~~مختلفان فكل رسول نبي ولا عكس { وناديناه من جانب الطور الأيمن } أي ms2205 من ~~ناحية يمين موسى، والطور جبل معروف بين مصر ومدين ويقال إن اسمه الزبير، ~~وذلك حين أقبل من مدين ورأى النار فنودي يا موسى إنى أنا رب العالمين { ~~وقربناه } قال ابن عباس: قربه وكلمه ومعنى التقريب إسماعه كلامه وقيل ~~رفعه على الحجب حتى سمع صرير الأقلام، وقيل معناه رفع قدره ومنزلته أي ~~وشرفناه بالمناجاة وهو قوله تعالى { نجيا } أي مناجيا { ووهبنا له من ~~رحمتنا أخاه هارون نبيا } وذلك أن موسى دعا ربه فقال واجعل لي وزيرا من ~~أهلي هارون أخي فأجاب الله دعوته، وأرسل إلى هارون ولذلك سماه هبة له ~~وكان هارون أكبر من موسى. قوله عز وجل { واذكر في الكتاب إسماعيل } هو ~~إسماعيل بن إبراهيم وهو جد النبي صلى الله عليه وسلم { إنه كان صادق ~~الوعد } قيل إنه لم يعد شيئا إلا وفى به وقيل إنه وعد رجلا أن يقوم ~~مكانه حتى يرجع الرجل فوقف إسماعيل مكانه ثلاثة أيام للميعاد، حتى رجع ~~إليه الرجل وقيل إنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به، فوصفه الله بهذا ~~الخلق الحسن الشريف، سئل الشعبي عن الرجل يعد ميعادا إلى أي وقت ينتظر ~~فقال إن وعده نهارا فكل النهار وإن وعده ليلا فكل الليل، وسئل بعضهم عن ~~مثل ذلك فقال إن وعده في وقت صلاة ينتظر إلى وقت صلاة أخرى { وكان رسولا ~~} إلى جرهم، وهم قبيلة من عرب اليمن نزلوا على هاجر أم أسماعيل بوادي مكة ~~حين خلفهم إبراهيم، وجرهم هو جرهم بن قحطان بن عابر بن شالخ وقحطان أبو ~~قبائل اليمن { نبيا } أي مخبرا عن الله تعالى { وكان يأمر أهله } أي ~~قومه وجميع أمته { بالصلاة والزكاة } قال ابن عباس: يريد الصلاة المفروضة ~~عليهم وهي الحنيفية التي افترضت علينا، وقيل كان يبدأ بأهله في الأمر ~~بالصلاة والعبادة ليجعلهم قدوة لمن سواهم { وكان عند ربه مرضيا } أي ~~قائما لله بطاعته وقيل رضيه لنبوته ورسالته وهذا نهاية في المدح لأن ~~المرضي عند الله هو الفائز في كل طاعة بأعلى الدرجات. # قوله عز وجل { واذكر في ms2206 الكتاب إدريس } هو جد أبي نوح واسمه أخنوخ، سمي ~~إدريس لكثرة دراسة الكتب وكان خياطا وهو أول من خط بالقلم، وأول من خاط ~~الثياب وليس المخيط وكانوا من قبل يلبسون الجلود وهو أول من اتخذ السلاح ~~وقاتل الكفار، وأول من نظر في علم الحساب. { إنه كان صديقا نبيا } وذلك ~~أن الله تعالى شرفه بالنبوة وأنزل عليه ثلاثين صحيفة { ورفعناه مكانا ~~عليا } قيل هي الرفعة بعلو المرتبة في الدنيا، وقيل إنه رفع إلى السماء. ~~وهو الأصح يدل عليه ما روى أنس بن مالك بن صعصعة " عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه رأى إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج " متفق عليه ~~وكان سبب رفع إدريس إلى السماء الرابعة على ما قاله كعب الأحبار وغيره: ~~أنه سار يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال: يا رب إني مشيت يوما فكيف ~~بمن يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد اللهم خفف عنه من ثقلها وحرها، ~~فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يعرف فقال يا رب خلقتني ~~لحر الشمس فما الذي قضيت فيه؟ قال إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها ~~وحرها، فأجبته قال يا رب فاجمع بيني وبينه واجعل بيني وبينه خلة فأذن له ~~حتى أتى إدريس، فكان إدريس يسأله ما سأله أن قال إني أخبرت أنك أكرم ~~الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي لعلي ازداد ~~شكرا وعبادة فقال الملك # ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها # [المنافقون: 11] وأنا مكلمه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس، ثم ~~أتى ملك الموت فقال له إليك حاجة صديق لي من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر ~~أجله، فقال ملك الموت ليس لي ذلك ولكن إن أحببت أعلمته أجله فيقدم لنفسه ~~قال نعم فنظر في ديوانه فقال: إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا. ~~قال وكيف ذلك فقال لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس. قال إني أتيتك ~~وتركته هناك قال انطلق فلا أراك تجده إلا ms2207 وقد مات فوالله ما بقي من عمر ~~إدريس شيء فرجع الملك فوجده ميتا وقال وهب: كان يرفع لإدريس فاستأذن ربه ~~في زيارته فأذن له فأتاه في صورة بني آدم وكان إدريس يصوم الدهر، فلما ~~كان وقت إفطاره دعاه إلى الطعام فأبى أن يأكل معه ففعل ذلك ثلاث ليال، ~~فأنكره إدريس وقال له في الليلة الثالثة: إني أريد أن أعلم من أنت قال: ~~أنا ملك الموت، استأذنت ربي أن أصحبك فقال لي إليك حاجة قال وما هي قال ~~تقبض روحي. فأوحى الله إليه أن أقبض روحه وردها الله إليه بعد ساعة فقال ~~له ملك الموت ما الفائدة في سؤالك قبض الروح؟ قال لأذوق كرب الموت وغمه ~~فأكون أشد استعدادا له. ثم قال له إدريس لي إليك حاجة أخرى. قال وما هي ~~قال ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنة والنار فأذن الله له فرفعه ~~فلما قرب من النار قال لي إليك حاجة قال وما هي قال أريد أن أسأل مالكا ~~أن يرفع أبوابها فأراها. ففعل قال فكما أريتني النار فأرني الجنة. فذهب ~~به إلى الجنة فاستفتح ففتحت أبوابها فأدخله الجنة ثم قال له ملك الموت ~~اخرج لتعود إلى مقرك فتعلق بشجرة، وقال ما أخرج منها فبعث الله إليه ~~ملكا حكما بينهما قال له الملك ما لك لا تخرج؟ قال لأن الله تعالى قال # كل نفس ذائقة الموت # [الأنبياء: 35] وقد ذقته ثم قال # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71] فأنا وردتها وقال # وما هم منها بمخرجين # [الحجر: 48] فلست أخرج فأوحى الله تعالى إلى ملك الموت بإذني دخل الجنة ~~وبأمري لا يخرج فهو حي هناك فذلك قوله تعالى { ورفعناه مكانا عليا } ~~واختلفوا في أنه حي في السماء أم ميت. فقال قوم هو ميت واستدل بالأول. ~~وقال قوم هو حي واستدل بهذا. وقالوا أربعة من الأنبياء احياء اثنان في ~~الأرض وهما الخضر وإلياس. واثنان في السماء وهما إدريس وعيسى. ### || [19.58-62] # قوله عز وجل: { أولئك الذي أنعم الله عليهم من النبيين } أولئك إشارة ~~إلى المذكورين في ms2208 هذه السورة أنعم الله عليهم بالنبوة وغيرها ما تقدم ~~وصفه { من ذرية آدم } يعني إدريس ونوحا { وممن حملنا مع نوح } أي ومن ~~ذرية من حملنا مع نوح في السفينة يريد إبراهيم لأنه ولد سام بن نوح { ومن ~~ذرية إبراهيم } يعني إسحاق وإسماعيل ويعقوب { وإسرائيل } أي ومن ذرية ~~إسرائيل وهو يعقوب وهم موسى ويحيى وهارون وزكريا وعيسى صلوات الله وسلامه ~~عليهم فرتب الله تعالى أحوال الأنبياء الذين ذكرهم على هذا الترتيب منها ~~بذلك على أنهم كما شرفوا بالنسب ثم قال تعالى { ومن هدينا واجتبينا } أي ~~هؤلاء من أرشدنا واصطفينا وقيل من هدينا إلى الإسلام واجتبينا على الأنام ~~{ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا } جمع ساجد { وبكيا } جمع باك، ~~أخبر الله تعالى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا إذا سمعوا آيات ~~الله سجدوا وبكوا خضوعا وخشوعا وخوفا حذرا. والمراد من الآيات ما ~~خصهم به من الكتب المنزلة عليهم، وقيل المراد من الآيات ذكر الجنة والنار ~~والوعد والوعيد ففيه استحباب البكاء خشوع القلب عند سماع القرآن. فصل ~~وسجدة سورة مريم من عزائم سجود القرآن، فيسن للقارىء والمستمع أن يسجد ~~عند تلاوة هذه السجدة، وقيل يستحب لمن قرأ آية سجدة فسجد أن يدعو بما ~~يناسب تلك السجدة، فإن قرأ سجدة سبحان قال اللهم اجعلني من الباكين إليك ~~والخاشعين لك. وإن قرأ سجدة مريم قال اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم ~~الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك. وإن سجد سجدة ألم السجدة قال اللهم ~~اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين ~~عن أمرك. قوله تعالى { فخلف من بعدهم } أي من بعد النبيين المذكورين { ~~خلف } أي قوم سواء أراد بهم اليهود ومن لحق بهم وتابعهم وقيل هم في هذه ~~الأمة { أضاعوا الصلاة } أي تركوا الصلاة المفروضة. وقيل أخروها عن وقتها ~~وهو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر ولا العصر حتى تأتي المغرب { ~~واتبعوا الشهوات } أي آثروا شهوات أنفسهم على طاعة الله وقيل اتبعوا ~~المعاصي وشرب الخمور، وقيل هؤلاء قوم ms2209 يظهرون في آخر الزمان بنزو بعضهم ~~على بضع في الأسواق والأزقة { فسوف يلقون غيا } قال ابن عباس: الغي واد ~~في جهنم، وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره أعد للزاني المصر عليه، ولشارب ~~الخمر المدمن له ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه ولأهل العقوق، ولشاهد ~~الزور وقيل هو واد في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه يسيل قيحا ودما، وقيل: ~~واد في جهنم أبعدها قعرا وأشدها حرا فيه بئر تسمى الهيم كلما خبت جهنم ~~فتح الله تلك البئر فتستعر بها جهنم وقيل معنى غيا خسرانا وقيل هلاكا ~~وعذابا، وليس معنى يلقون يرون فقط بل معناه الاجتماع والملابسة مع ~~الرؤية. # قوله تعالى { إلا من تاب وآمن وعمل صالحا } يعني إلا من تاب من التقصير ~~في الصلوات والمعاصي وآمن من الكفر وعمل صالحا بطاعة الله تعالى { ~~فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا } أي لا ينقصون شيئا ثم وصف الجنة ~~فقال تعالى { جنات عدن } أي بساتين إقامة وصفها بالدوام بخلاف جنات ~~الدنيا فإنها لا تدوم { التي وعد الرحمن عباده بالغيب } أي إنهم لا ~~يرونها فهي غائبة عنهم وهم غائبون عنها { إنه كان وعده مأتيا } أي آتيا ~~وقيل معنى وعده موعود وهو الجنة مأتيا أي يأتيه أولياء الله وأهل طاعته ~~{ لا يسمعون فيها لغوا } أي باطلا وفحشا وهو فضول الكلام { إلا سلاما ~~} يعني بل يسمعون فيها سلاما والسلام اسم جامع للخير لأنه يتضمن معنى ~~السلامة، وذلك أن أهل الجنة لا يسمعون فيها ما يؤلمهم، وإنما يسمعون ~~تسليمهم، وقيل هو تسليم بعضهم على بعض وتسليم الملائكة عليهم، وقيل هو ~~تسليم الله عليهم { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } قال أهل التفسير: ~~يؤتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار كعادتهم في الدنيا وقيل إنهم ~~يعرفون وقت النهار برفع الحجب، ووقت الليل بإرخاء الحجب، وقيل المراد منه ~~رفاهية العيش وسعة الرزق من غير تضييق ولا تقتير، وقيل: كانت العرب لا ~~تعرف أفضل من الرزق الذي يؤتى به البكرة والعشي، فوصف الله تعالى الجنة ~~بذلك. ### || [19.63-71] # وقوله تعالى: { تلك الجنة التي نورث ms2210 من عبادنا } أي نعطي وننزل وقيل ~~يورث عباده المؤمنين المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا { من كان ~~تقيا } أي المتقين من عباده عز وجل { وما نتنزل إلا بأمر ربك } خ عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر ما تزورنا فنزلت وما نتنزل إلا بأمر ~~ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا " # الآية قال فكان هذا جواب جبريل لمحمد صلى الله عليه وسلم " وقيل احتبس ~~جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله اليهود عن أمر الروح وأصحاب ~~الكهف، ثم نزل بعد أيام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك، فقال له جبريل وإني كنت أشوق إليك ~~ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا احبست احتبست " # فأنزل الله تعالى وما نتنزل إلا بأمر ربك وأنزل الله تعالى # والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى # [الضحى: 1-3] وقوله { له ما بين أيدنا وما خلفنا } أي له علم ما بين ~~أيدينا وما خلفنا، وقيل أكد ذلك بقوله ما بين أيدينا وما خلفنا أي هو ~~المدبر لنا في كل الأوقات الماضي والمستقبل، وقيل معناه له ما بين أيدينا ~~من أمر الآخرة والثواب والعقاب وما خلفنا أي ما مضى من الدنيا { وما بين ~~ذلك } أي من هذا الوقت إلى أن تقوم الساعة، وقيل ما بين ذلك أي ما بين ~~النفختين وهو مقدار أربعين سنة، وقيل ما بين أيدينا ما بقي من الدنيا وما ~~خلفنا ما بقي منها وما بين ذلك مدة حياتنا { وما كان ربك نسيا } أي ~~ناسيا أي ما نسيك ربك وما تركك { رب السموات والأرض وما بينهما } أي من ~~يكون كذلك لا يجوز عليه النسيان لأنه لا بد أن يدبر أحوالها كلها، وفيه ~~دليل على أن فعل العبد خلق الله لأنه حاصل بين السموات والأرض فكان لله ~~تعالى { فاعبده واصطبر لعبادته } أي اصبر على أمره ونهيه { هل تعلم ms2211 له ~~سميا } قال ابن عباس: مثلا وقيل هل تعلم أحدا يسمى الله غير الله. ~~قوله تعالى { ويقول الإنسان } أي جنس الإنسان والمراد به الكفار الذين ~~أنكروا البعث، وقيل هو أبي بن خلف الجمحي وكان منكرا للبعث { أئذا ما مت ~~لسوف أخرج حيا } قاله استهزاء وتكذيبا للبعث قال الله تعالى { أولا ~~يذكر الإنسان } أي يتذكر ويتفكر يعني منكر البعث { أنا خلقناه من قبل ولم ~~يك شيئا } والمعنى أولا يتفكر هذا الجاحد في بدء خلقه فيستدل به على ~~الإعادة. # قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا ~~الاختصار ما قدروا عليه، إذ لا شك أن الإعادة ثانيا أهون من الإيجاد ~~أولا ثم أقسم بنفسه فقال تعالى { فو ربك } وفيه تشريف للنبي صلى الله ~~عليه وسلم { لنحشرنهم } أي لنجمعنهم في المعاد يعني المشركين المنكرين ~~للبعث { والشياطين } أي مع الشياطين، وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطان في ~~سلسلة { ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا } قال ابن عباس: جماعات وقيل جاثين ~~على الركب لضيق المكان، وقيل إن البارك على ركبتيه صورته كصورة الذليل. ~~فإن قلت هذا المعنى حاصل للكل بدليل قوله تعالى # وترى كل أمة جاثية # [الجاثية: 28]. # قلت وصفوا بالجثو على العادة المعهودة في مواقف المقالات والمناقلات، ~~وذلك لما فيه من القلق مما يدهمهم من شدة الأمور التي لا يطيقون معها ~~القيام على أرجلهم فيجثون على ركبهم جثوا { ثم لننزعن } أي لنخرجن { من ~~كل شيعة } أي من كل أمة وأهل دين من الكفار { أيهم أشد على الرحمن عتيا ~~} قال ابن عباس: يعني جرأة وقيل فجورا وتمردا، وقيل قائدهم رئيسهم في ~~الشرك، والمعنى أنه يقدم في إدخال النار الأعتى ممن هو أكبر جرما وأشد ~~كفرا. وفي بعض الأخبار أنهم يحضرون جميعا حول جهنم مسلسلين مغلولين، ثم ~~يقدم الأكفر فالأكفر فمن كان أشد منهم تمردا في كفره خص بعذاب أعظم وأشد ~~لأن عذاب الضال المضل واجب أن يكون فوق عذاب الضال التابع لغيره في ~~الضلال. وفائدة هذا التمييز التخصيص بشدة العذاب ms2212 لا التخصيص بأصل العذاب ~~فلذلك قال في جميعهم { ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا } ولا يقال ~~أولى إلا مع اشتراك القوم في العذاب وقيل معنى الآية أنهم أحق بدخول ~~النار. قوله عز وجل { وإن منكم إلا واردها } أي وما منكم إلا واردها وقيل ~~القسم فيه مضمر أي والله ما منكم من أحد إلا واردها والورود هو موافاة ~~المكان، واختلفوا في معنى الورود ها هنا وفيما تنصرف إليه الكناية في ~~قوله واردها فقال ابن عباس الأكثرون: معنى الورود هنا الدخول، والكناية ~~راجعة إلى النار، فيدخلها البر والفاجر ثم ينجي الله الذين اتقوا منها، ~~يدل عليه ما روي أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس في الورود فقال ابن ~~عباس: هو الدخول فقال نافع: ليس الورود الدخول فقرأ ابن عباس # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98] أدخلها هؤلاء أم لا ثم قال يا نافع والله أنا وأنت ~~سنردها وأنا أرجو أن يخرجني الله منها وما أرى الله أن يخرجك منها ~~بتكذيبك فمن قال بدخول المؤمنين النار يقول من غير خوف ولا ضرر ولا عذاب ~~ألبتة بل مع الغبطة والسرور لأن الله تعالى أخبر عنهم لا يحزنهم الفزع ~~الأكبر. # فإن قلت كيف يدفع عن المؤمنين حر النار وعذابها، قلت يحتمل أن الله ~~تعالى يخمد النار فتعبرها المؤمنون، ويحتمل أن الله تعالى يجعل الأجزاء ~~الملاصقة لأبدان الكفار من النار محرقة والأجزاء الملاصقة لأبدان ~~المؤمنين تكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت في حق إبراهيم عليه ~~السلام، وكما أن الملائكة الموكلين بها لا يجدون ألمها فإن قلت إذا لم ~~يكن على المؤمنين عذاب فما فائدة دخولهم النار. قلت فيه وجوه، أحدها: أن ~~ذلك مما يزيدهم سرورا إذا علموا الخلاص منه، وثانيها: أن فيه مزيد غم ~~على أهل النار، حيث يرون المؤمنين يتخلصون منها وهم باقون فيها، وثالثها: ~~أنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب الذي على الكفار صار ذلك سببا لمزيد ~~التذاذهم بنعيم الجنة. وقال قوم ليس المراد من ms2213 الورود الدخول، وقالوا لا ~~يدخل النار مؤمن أبدا لقوله تعالى # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها # [الأنبياء: 101-102] فعلى هذا يكون المراد من الورود الحضور والرؤية، ~~لا الدخول كما قال تعالى # ولما ورد ماء مدين # [القصص: 23] أراد به الحضور، وقال عكرمة الآية في الكفار فإنهم يدخلونها ~~ولا يخرجون منها وروي عن ابن مسعود أنه قال وإن منكم إلا واردها، يعني ~~القيامة والكناية راجعة إليها والقول الأول أصح وعليه أهل السنة فإنهم ~~جميعا يدخلون النار ثم يخرج الله منها أهل الإيمان بدليل قوله تعالى # ثم ننجي الذين اتقوا # [مريم: 72] أي الشرك وهم المؤمنون والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه، يدل ~~ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يموت لأحد من المؤمنين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم ~~" # وفي رواية # " فيلج النار إلا تحلة القسم " # أخرجاه في الصحيحين، أراد بالقسم قوله تعالى { وإن منكم إلا واردها } م ~~عن أم مبشر الأنصارية أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند ~~حفصة # " لا يدخل النار إن شاء الله تعالى من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا ~~تحتها قالت بلى يا رسول الله فانتهزها فقالت حفصة وإن منكم إلا واردها ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد قال الله تعالى { ثم ننجي الذين اتقوا ~~ونذر الظالمين فيها جثيا } ". # وقال خالد بن معدان يقول أهل الجنة ألم يعدنا ربنا أن نرد النار، فيقال ~~بلى ولكنكم مررتم بها وهي خامدة وفي الحديث # " تقول النار للمؤمنين جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي " # وروي عن مجاهد في قوله تعالى { وإن منكم إلا واردها } قال من حم ~~المسلمين فقد وردها " وفي الخبر # " الحمى كير من جهنم وهي حظ المؤمن من النار " # ق عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء " # قوله جهنم وهجها وحرها. وقوله تعالى { كان على ربك حتما مقضيا } أي ~~كان ورود جهنم ms2214 قضاء لازما قضاء الله تعالى عليكم وأوجبه. ### || [19.72] # { ثم ننجي الذين اتقوا } أي الشرك { ونذر الظالمين فيها جثيا } أي ~~جميعا، وقيل جاثين على الركب قالت المعتزلة في الآية دليل على صحة ~~مذهبهم، وفي أن صاحب الكبيرة والفاسق يخلد في النار بدليل أن الله بين أن ~~الكل يردونها ثم بين صفة من ينجو منها، وهم المتقون والفاسق لا يكون ~~متقيا فبقي في النار أبدا. وأجيب عنه بأن المتقي هو الذي يتقي الشرك ~~بقول لا إله إلا الله ويشهد لصحة ذلك أن من آمن بالله ورسوله، صح أن يقول ~~إنه متق من الشرك ومن صدق عليه أنه متق من الشرك صح أنه متق لأن المتقي ~~جزء من المتقي من الشرك ومن صدق عليه المركب صدق عليه المفرد، فثبت أن ~~صاحب الكبيرة متق وإذا ثبت ذلك وجب أن يخرج من النار بعموم قوله تعالى { ~~ثم ننجي الذين اتقوا } فصارت الآية التي توهموها دليلا لهم من أقوى ~~الدلائل على فساد قولهم، وهذا من حيث البحث وأما من حيث النص فقد وردت ~~أحاديث تدل على إخراج المؤمن الموحد من النار خ عن أنس بن مالك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ~~ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج ~~من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير " # وفي رواية # " من إيمان " # ق عن أبي هريرة رضي الله عنه # " أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: " هل ~~تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا لا. يا رسول الله. قال ~~هل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا لا يا رسول الله. قال فإنكم ~~ترونه كذلك يحشر الناس يوم القيامة، فيقول الله من كان يعبد شيئا ~~فليتبعه فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر ومنهم من يتبع ~~الطواغيت، وتبقى ms2215 هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله فيقول أنا ربكم ~~فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا. فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله ~~فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا، فيدعوهم فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم ~~فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل وكلام ~~الرسل يومئذ اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم ~~شوك السعدان؟ قالوا نعم. قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر ~~عظمها إلا الله تعالى تخطف الناس بأعمالهم فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من ~~ينجدل ثم ينجون حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله ~~الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله فيخرجوهم ويعرفونهم بآثار السجود ~~وحرم الله على النار أن تأكل أعضاء السجود، فيخرجون من النار وقد ~~امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ~~ثم يفرغ من القضاء بين العباد ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل ~~النار دخولا الجنة مقبل بوجهه قبل النار فيقول يا رب اصرف وجهي عن النار ~~فقد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها، فيقول هل عسيت إن فعل ذلك بك أن تسأل ~~غير ذلك فيقول لا وعزتك فيعطي الله ما شاء من عهد وميثاق. فيصرف الله ~~وجهه عن النار، فإذا أقبل به على الجنة رأى نكهتها وبهجتها سكت ما شاء ~~الله تعالى أن يسكت، ثم يقول يا رب قدمني عند باب الجنة فيقول الله أليس ~~قد أعطيت المواثيق والعهود أن لا تسأل غير الذي كنت سألت فيقول يا رب لا ~~أكون أشقى خلقك فيقول فما عسيت أن أعطيت ذلك أن لا تسأل غيره فيقول وعزتك ~~لا أسأل غير ذلك فيعطى ربه ما شاء من عهد وميثاق فيقدمه إلى باب الجنة ~~فإذا بلغ بابها رأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور، فيسكت ما شاء ~~الله أن يسكت، فيقول يا رب أدخلني الجنة. فيقول الله تبارك وتعالى ويحك ~~يا ابن آدم ما أغدرك أليس قد أعطيت ms2216 العهد والميثاق أن لا تسأل غير الذي ~~أعطيت؟ فيقول يا رب لا تجعلني أشقى خلقك فيضحك الله عز وجل منه ثم يؤذن ~~له في دخول الجنة فيقول له تمنى فيتمنى. حتى إذا انقطعت أمنيته قال الله ~~تمن كذا وكذا أقبل يذكره ربه حتى إذا انتهت به الأماني قال الله لك ذلك ~~ومثله معه ". قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة " وعشرة أمثاله " قال أبو ~~هريرة لم أحفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قوله لك ذلك ومثله ~~معه " # قال أبو سعيد رضي الله عنه: سمعته يقول # " لك ذلك وعشرة أمثاله " # وفي رواية للبخاري قال # " فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفونها فيقول أنا ربكم، فيقولون ~~نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا أتانا عرفناه. فيأتيهم ~~الله من الصورة التي يعرفونها فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ~~" # قلت أما ما يتعلق بمعاني الحديث والكلام على الرؤية فسيأتي في تفسير ~~سورة ن والقيامة ونتكلم ها هنا على شرح غريب ألفاظه، قوله مثل شوك ~~السعدان هو نبت ذو شوك معقف وهو من أجود مراعي الإبل. وقوله فمنهم من ~~يوبق بعمله يقال أوبقته الذنوب أي أهلكته. # والمنجدل المرمى المصورع وقيل هو المقطع. والمعنى أنه تقطعه كلاليب ~~الصراط حتى يقع في النار. قوله وقد امتحشوا أي احترقوا، وقيل هو أن تذهب ~~النار الجلد وتبدي العظم. قوله كما تنبت الحبة في حميل السيل، الحبة بكسر ~~الحاء وهي البذورات جميعا وحميل السيل هو الزبد وما يلقيه الماء على ~~شاطئه، قوله قشبني ريحها أي آذاني والقشب السم فكأنه قال قد سمني ريحها. ~~قوله وأحرقني ذكاؤها أي اشتعالها ولهبها قوله رأى زهرتها الزهرة الحسن ~~والنضارة والبهجة.ق عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولا للجنة ~~رجل يخرج من النار حبوا، فيقول الله له اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل ~~إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى. فيقول الله تعالى له ms2217 ~~اذهب فادخل فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو أن لك مثل عشرة أمثال ~~الدنيا، فيقول أتسخر بي وأنت الملك فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ضحك حتى بدت نواجذه " # فكان يقال ذلك أدنى أهل الجنة منزلة قوله حتى بدت نواجذه أي أضراسه ~~وأنيابه، وقيل هي آخر الأسنان. عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا حمما ثم تدركهم الرحمة، ~~قال فيخرجون فيطرحون على أبواب الجنة، قال فيرش عليهم أهل الجنة من الماء ~~فينبتون كما تنبت الحبة في حمالة السيل " # أخرجه الترمذي الحمم الفحم والحمالة كل ما جاء به السيل، فدلت الآية ~~الأولى على أن الكل دخلوا النار ودلت الآية الثانية والأحاديث أن الله ~~تعالى أخرج منها المتقين وجميع الموحدين وترك فيها الظالمين وهم ~~المشركون. ### || [19.73-77] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } أي دلائل واضحات { قال ~~الذين كفروا } يعني النضر بن الحارث ومن دونه من كفار قريش { للذين آمنوا ~~} يعني فقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت فيهم قشافة وفي ~~عيشهم خشونة وفي ثيابهم رثاثة، وكان المشركون يرجلون شعورهم ويدهنون ~~رؤوسهم ويلبسون أفخر ثيابهم { أي الفريقين خير مقاما } أي منزلا ~~ومسكنا وهو موضع الإقامة { وأحسن نديا } أي مجلسا فأجابهم الله تعالى ~~بقوله { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا } أي متاعا وأموالا ~~وقيل أحسن ثيابا ولباسا { ورئيا } أي منظرا من الرؤية { قل من كان في ~~ضلالة فليمدد له الرحمن مدا } هذا أمر بمعنى الخبر معناه يدعه في طغيانه ~~ويمهله في كفره { حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب } أي الأسر والقتل ~~في الدنيا { وإما الساعة } يعني القيامة فيدخلون النار { فسيعلمون } أي ~~عند ذلك { من هو شر مكانا } أي منزلا { وأضعف جندا } أي أقل ناصرا ~~والمعنى فسيعلمون أهم خير وهم في النار أم المؤمنون وهم في الجنة وهذا رد ~~عليهم في قولهم أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا، قوله تعالى { ويزيد ~~الله الذين اهتدوا ms2218 هدى } أي إيمانا وإيقانا على يقينهم { والباقيات ~~الصالحات } أي الأذكار والأعمال الصالحة التي تبقى لصاحبها { خير عند ربك ~~ثوابا وخير مردا } أي عاقبة ومرجعا. قوله تعالى { أفرأيت الذي كفر ~~بآياتنا } الآية، ق عن خباب بن الأرت قال كنت رجلا قينا في الجاهلية، ~~وكان لي على العاص بن وائل السهمي دين فأتيته أتقاضاه، وفي رواية فعملت ~~للعاص بن وائل السهمي سيفا فجئته أتقاضاه، فقال لا أعطيك حتى تكفر ~~بمحمد. فقلت لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث. قال وإني لميت ثم مبعوث. ~~قلت بلى دعني حتى أموت وأبعث فسأوتي مالا وولدا فأقضيك. فنزلت { أفرأيت ~~الذي كفر بآياتنا }. ### || [19.78-91] # { أم اتخذ عند الرحمن عهدا } يعني قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ~~وقيل يعني عمل عملا صالحا قدمه، وقيل عهد إليه أنه يدخله الجنة { كلا } ~~رد عليه يعني لم يفعل ذلك { سنكتب } سنحفظ عليه ما يقول فنجازيه به في ~~الآخرة، وقيل يأمر الملائكة حتى يكتبوا { ما يقول ونمد له من العذاب مدا ~~} أي نزيده عذابا فوق العذاب، وقيل نطيل مدة عذابه { ونرثه ما يقول } ~~معناه أي ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال ملكه، وقيل يزول ~~عنه ما عنده من مال وولد فيعود الإرث إلى من خلفه وإذا سلب ذلك بقي فردا ~~فذلك قوله { ويأتينا } يعني يوم القيامة { فردا } بلا مال ولا ولد فلا ~~يصح أن يبعث في الآخرة بمال وولد. قوله تعالى { واتخذوا من دون الله آلهة ~~} يعني مشركي قريش اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها { ليكونوا لهم عزا } أي ~~منعة يعني يكونوا شفعاء يمنعوهم من العذاب { كلا } أي ليس الأمر كما ~~زعموا { سيكفرون بعبادتهم } يعني تجحد الأصنام والآلهة التي كانوا ~~يعبدونها عبادة المشركين ويتبرؤون منهم { ويكونون عليهم ضدا } أي ~~أعوانا عليهم يكذبونهم ويلعنونهم وقيل أعداء لهم و كانوا أولياءهم في ~~الدنيا. قوله عز وجل { ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين } أي ~~سلطانهم عليهم { تؤزهم أزا } أي تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية ~~والمعنى تحثهم وتحرضهم على المعاصي تحريضا شديدا ms2219 وفي الآية دليل على أن ~~الله تعالى مدبر لجميع الكائنات { فلا يتعجل عليهم } أي لا تعجل بطلب ~~عقوبتهم { إنا نعد لهم عدا } يعني الليالي والأيام والشهور والأعوام، ~~وقيل الأنفاس التي يتنفسونها في الدنيا إلى الأجل الذي أجل لعذابهم. قوله ~~تعالى { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا } أي اذكر لهم يا محمد اليوم ~~الذي يجتمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته إلى جنته وفدا أي جماعات. ~~قال ابن عباس: ركبانا قال أبو هريرة: على الإبل. وقال علي بن أبي طالب ~~رضي الله تعالى عنه: ما يحشرون والله على أرجلهم ولكن على نوق رحالها من ~~الذهب ونجائب سروجها يواقيت إن هموا بها سارت وإن هموا بها طارت. { ونسوق ~~المجرمين } أي الكافرين { إلى جهنم وردا } أي مشاة عطاشا قد تقطعت ~~أعناقهم من العطش، والورد جماعة يردون الماء ولا يرد أحد إلا بعد العطش ~~وقيل يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء ق ~~عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق راغبين وراهبين واثنان على ~~بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير وتحشر معهم النار ~~تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمضي ~~معهم حيث أمسوا " # قول تقيل معهم حيث قالوا من القيلولة وعنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف صنفا مشاة وصنفا ركبانا وصنفا ~~على وجوههم. قيل يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم قال إن الذي أمشاهم ~~على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم أما أنهم يتقون بوجوههم كل ~~حدب وشوك " # أخرجه الترمذي. قوله عز وجل { لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن ~~عهدا } يعني لا إله إلا الله وقيل لا يشفع الشافعون إلا للمؤمنين، وقيل ~~لا يشفع إلا لمن قال لا إله إلا الله، أي لا يشفع إلا للمؤمنين { وقالوا ~~اتخذ الرحمن ولدا } يعني ms2220 اليهود والنصارى، ومن زعم أن الملائكة بنات ~~الله من العرب { لقد جئتم شيئا إدا } قال ابن عباس منكرا، وقيل معناه ~~لقد قلتم قولا عظيما { تكاد السموات يتفطرن منه } من الانفطار وهو الشق ~~{ وتنشق الأرض } أي تخسف بهم { وتخر الجبال هدا } أي تسقط وتنطبق عليهم ~~{ أن دعوا } أي من أجل أن جعلوا { للرحمن ولدا } فإن قلت ما معنى انفطار ~~السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال ومن أين تؤثر هذه الكلمة في هذه ~~الجمادات. قلت فيه وجهان أحدهما: أن الله تعالى يقول كدت أن أفعل هذا ~~بالسموات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضبا مني على من تفوه بها ~~لولا حلمي وإني لا أعجل بالعقوبة. الثاني: أن يكون استعظاما للكلمة ~~وتهويلا من فظاعتها وتصويرا لأثرها في الدين وهدمها لأركانه وقواعده. ~~قال ابن عباس فزعت السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين ~~وكادت أن تزول وغضبت الملائكة واستعرت جهنم حين قالوا اتخذ الله ولدا ثم ~~نزه الله نفسه عن اتخاذ الولد ونفاه عنه. ### || [19.92-98] # فقال تعالى { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } أي ما يليق به اتخاذ ~~الولد ولا يوصف به لأن الولد لا بد أن يكون شبيها بالوالد، ولا شبيه لله ~~تعالى ولأن اتخاذ الولد إنما يكون لأغراض لا تصح في الله تعالى من سرور ~~به واستعانة وذكر جميل بعده وكل ذلك لا يليق بالله تعالى { إن كل من في ~~السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا } أي آتيه يوم القيامة عبدا ذليلا ~~خاضعا، والمعنى أن الخلائق كلهم عبيده { لقد أحصاهم وعدهم عدا } أي عد ~~أنفاسهم وأيامهم وآثارهم فلا يخفى عليه شيء من أمورهم وكلهم تحت تدبيره ~~وقهره وقدرته { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } أي وحيدا ليس معه من ~~أحوال الدنيا شيء. قول عز وجل { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل ~~لهم الرحمن ودا } أي محبة قيل يحبهم الله تعالى ويحببهم إلى عباده ~~المؤمنين ق عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال # " إذا أحب الله سبحانه وتعالى ms2221 عبدا دعا جبريل عليه السلام إن الله ~~تعالى يحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله ~~يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض " # وفي رواية لمسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله سبحانه وتعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا ~~فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه ~~فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض الله عبدا دعا ~~جبريل عليه السلام فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه فيبغضه جبريل ثم ينادي ~~في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض ~~" # قال هرم بن حيان: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا أقبل الله ~~بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم. وقال: كعب مكتوب في التوراة لا ~~محبة لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله عز وجل ينزلها على أهل ~~السماء ثم على أهل الأرض وتصديق ذلك في القرآن { سيجعل لهم الرحمن ودا ~~}. قوله تعالى { فإنما يسرناه } أي سهلنا القرآن { بلسانك } يا محمد { ~~لتبشر به المتقين } يعني المؤمنين { وتنذر به } أي القرآن { قوما لدا } ~~أي شدادا في الخصومة. وقيل صما عن الحق، وقيل الألد الظالم الذي لا ~~يستقيم ولا يقبل الحق ويدعي الباطل { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } ختم الله ~~تعالى هذه السورة بموعظة بليغة لأنهم إذا علموا وأيقنوا أنه لا بد من ~~زوال الدنيا بالموت خافوا ذلك وخافوا سوء العاقبة في الآية فكانوا إلى ~~الحذر من المعاصي أقرب. ثم أكد ذلك فقال تعالى { هل تحس منهم } أي هل ~~ترى، تجد منهم أي من القرون { من أحد أو تسمع لهم ركزا } أي صوتا خفيا ~~قال الحسن: بادوا جميعا لم يبق منهم عين ولا أثر، والله أعلم بمراده ~~وأسرار كتابه. ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-6] # قوله عز وجل { طه } قيل هو قسم أقسم الله بطوله وهدايته، وقيل هو من ~~أسماء الله فالطاء ms2222 افتتاح اسمه طاهر والهاء افتتاح اسمه هاد. وقيل معناه ~~يا رجل والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك يا إنسان، وقيل هو ~~بالسريانية، وقيل بالقبطية، فعلى هذا يكون قد وافقت لغة العرب هذه اللغات ~~في هذه الكلمة، وقيل هو يا إنسان بلغة عك وعك قبيلة من قبائل العرب، وقيل ~~معناه طا الأرض بقدميك يريد به في التهجد وذلك لما نزل الوحي على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بمكة اجتهد في العبادة حتى يراوح بين قدميه في ~~الصلاة لطول قيامه، وكان يصلي الليل كله فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~وأمره أن يخفف على نفسه فقال تعالى { طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى }. ~~وقيل لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا ما أنزل عليك القرآن يا ~~محمد إلا لشقائك فنزلت { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } أي لتتعنى وتتعب ~~{ إلا تذكرة لمن يخشى } أي لكن أنزلناه عظة لمن يخشى وإنما خص من يخشى ~~بالتذكرة لأنهم هم المنتفعون بها { تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى ~~} أي من الله الذي خلق الأرض والسموات العلية الرفيعة التي لا يقدر على ~~خلقها في عظمتها وعلوها إلا الله تعالى { الرحمن على العرش استوى } تقدم ~~الكلام عليه في سورة الأعراف مستوفى { له ما في السموات وما في الأرض وما ~~بينهما } يعني الهواء { وما تحت الثرى } أي إنه مالك لجميع ما في الأربعة ~~الأقسام، والثرى هو التراب الندي وقيل معناه ما وراء الثرى من شيء. وقال ~~ابن عباس: إن الأرضين على ظهور النون والنون على بحر ورأسه وذنبه يلتقيان ~~تحت العرش، والبحر على صخرة خضراء خضرة السماء منها وهي الصخرة التي ~~ذكرها الله تعالى في قصة لقمان، والصخرة على قرن ثور والثور على الثرى ~~ولا يعلم ما تحت ذلك الثرى إلا الله تعالى، وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل ~~الله البحار بحرا واحدا سالت في جوف ذلك الثور فإذا وقعت في جوفه يبست. ### || [20.7-14] # قوله تعالى: { وإن تجهر بالقول } أي تعلن به { فإنه يعلم السر وأخفى } ~~قال ابن ms2223 عباس: السر ما تسر في نفسك وأخفى من السر ما يلقيه الله في قلبك ~~من بعد ولا تعلم أنك ستحدث به نفسك لأنك لا تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ~~ما تسر غدا والله يعلم ما أسررت به اليوم وما تسر به غدا، وعنه أن السر ~~ما أسر به ابن آدم في نفسه وأخفى ما هو فاعله قبل أن يعلمه، وقيل السر ما ~~أسره الرجل إلى غيره وأخفى من ذلك ما أسره في نفسه، وقيل السر هو العمل ~~الذي يسر من الناس وأخفى هو الوسوسة، وقيل السر أن يعلم الله تعالى أسرار ~~العباد وأخفى هو سره من عباده فلا يعلم أحد سره، وقيل: مقصود الآية زجر ~~المكلف عن القبائح ظاهرة كانت أو باطنة والترغيب في الطاعات ظاهرة كانت ~~أو باطنة، فعلى هذا الوجه ينبغي أن يحمل السر والإخفاء على ما فيه ثواب ~~أو عقاب، فالسر هو الذي يسره المرء في نفسه من الأمور التي عزم عليها ~~والإخفاء هو الذي يبلغ حد العزيمة ثم وحد نفسه فقال تعالى { الله لا إله ~~إلا هو له الأسماء الحسنى } تأنيث الأحسن والذي فضلت به أسماؤه في الحسن ~~دون سائر الأسماء، دلالتها على معنى التقديس والتحميد والتعظيم ~~والربوبية، والأفعال التي هي النهاية في الحسن. قوله عز وجل { وهل أتاك ~~حديث موسى } أي وقد أتاك لما قدم ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قفاه ~~بقصة موسى عليه الصلاة والسلام ليتأسى به في تحمل أعباء النبوة وتكاليف ~~الرسالة والصبر على مقاساة الشدائد، حتى ينال عند الله الفوز والمقام ~~المحمود { إذ رأى نارا } وذلك أن موسى استأذن شعيبا في الرجوع من مدين ~~إلى مصر ليزور والدته وأخاه فأذن له، فخرج بأهله وماله وكانت أيام الشتاء ~~فأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته حامل في شهرها لايدري ~~أليلا تضع أم نهارا، فسار في البرية غير عارف بطرقها فألجأه المسير إلى ~~جانب الطور الغربي الأيمن، وذلك في ليلة مظلمة مثلجة شاتية شديدة البرد ~~لما أراد الله من كرامته ms2224 فأخذ امرأته الطلق فأخذ زنده فجعل يقدح فلا يورى ~~فأبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور { فقال لأهله امكثوا } ~~أي أقيموا { إني أنست نارا } أي أبصرت نارا { لعلي أتيكم منها بقبس } ~~أي شعلة من نار في طرف عود { أو أجد على النار هدى } أي أجد عند النار من ~~يدلني على الطريق { فلما أتاها } أي أتى النار ورأى شجرة خضراء من أعلاها ~~إلى أسفلها أطافت بها نارا بيضاء تتقد كأضوء ما يكون، فلا ضوء النار ~~يغير خضرة الشجرة ولا خضرة الشجرة تغير ضوء النار، قيل كانت الشجرة ثمرة ~~خضراء وقيل كانت من العوسج، وقيل كانت من العليق وقيل كانت شجرة من ~~العناب، روي ذلك عن ابن عباس وقال أهل التفسير لم يكن الذي رآه موسى ~~نارا بل كان نورا ذكر بلفظ النار لأن موسى عليه الصلاة والسلام حسبه ~~نارا. # قال ابن عباس: هو من نور الرب سبحانه وتعالى، وقيل هي النار بعينها وهي ~~إحدى حجب الرب تبارك وتعالى، يدل عليه ما روي عن أبي موسى الأشعري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " حجابه النار لو كشفها لأهلكت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " # أخرجه مسلم قيل إن موسى أخذ شيئا من الحشيش اليابس وقصد الشجرة فكان ~~كلما دنا نأت عنه، وإذا نأى دنت منه، فوقف متحيرا وسمع تسبيح الملائكة ~~وألقيت عليه السكينة فعند ذلك { نودي يا موسى إني أنا ربك } قال وهب: ~~نودي من الشجرة فقيل يا موسى فأجاب سريعا وما يدري من دعاه فقال إني ~~أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت؟ فقال أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك ~~وأقرب إليك منك فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لله تعالى فأيقن به، وقيل إنه ~~سمعه بكل أجزائه حتى إن كل جارحة منه كانت أذنا وقوله { فاخلع نعليك } ~~كان السبب فيه ما روي عن ابن مسعود مرفوعا في قوله فاخلع نعليك قال ~~كانتا من جلد حمار ميت. ويروى غير مدبوغ وإنما أمر بخلعها صيانة للوادي ~~المقدس، ms2225 وقيل أمر بخلعهما ليباشر بقدميه تراب الأرض المقدسة لتناله ~~بركتها فإنها قدست مرتين فخلعها موسى فألقاهما من وراء الوادي { إنك ~~بالواد المقدس } أي المطهر { طوى } اسم للوادي الذي حصل فيه وقيل طوى واد ~~مستدير عميق مثل المطوي في استدارته { وأنا اخترتك } اصطفيتك برسالاتي ~~وبكلامي { فاستمع لما يوحى } فيه نهاية الهيبة والجلال له فكأنه قال له ~~لقد جاءك أمر عظيم فتأهب له { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } ~~ولا تعبد غيري { وأقم الصلاة لذكري } أي لتذكرني فيها وقيل لذكري خاصة لا ~~تشوبه بذكر غيري، وقيل لإخلاص ذكري وطلب وجهي ولا ترائي فيها ولا تقصد ~~بها غرضا آخر، وقيل معناه إذا تركت صلاة ثم ذكرتها فأقمها، ق عن أنس رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك " # وتلا قتادة { وأقم الصلاة لذكري } وفي رواية: # " إذا رقد أحدكم في الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله عز ~~وجل يقول { وأقم الصلاة لذكري } ". ### || [20.15-23] # { إن الساعة آتية أكاد أخفيها } قال أكثر المفسرين: معناه أكاد أخفيها ~~من نفسي فكيف يعلمها مخلوق وكيف أظهرها لكم، ذكر ذلك على عادة العرب إذا ~~بالغوا في الكتمان للشيء يقولون كتمت سرك في نفسي أي أخفيته غاية ~~الإخفاء، والله تعالى لا يخفى عليه شيء. والمعنى في إخفائها التهويل ~~والتخويف لأنهم إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها كل وقت ~~وكذلك المعنى في إخفاء وقت الموت على الإنسان لأنه إذا عرف وقت موته ~~وانقضاء أجله اشتغل بالمعاصي إلى أن يقرب من ذلك الوقت فيتوب ويصلح العمل ~~فيتخلص من عقاب المعاصي بتعريف وقت الموت، وأنه إذا لم يعرف وقت موته لا ~~يزال على قدم الخوف والوجل فيترك المعاصي أو يتوب منها في كل وقت مخافة ~~معاجلة الأجل. قوله تعالى { لتجزى كل نفس بما تسعى } أي بما تعمل من خير ~~وشر { فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها } أي فلا يصرفك عن ms2226 الإيمان بالساعة ~~ومجيئها من لا يؤمن بها { واتبع هواه } أي مراده وخالف أمر الله { فتردى ~~} أي فتهلك. قوله عز وجل { وما تلك بيمينك يا موسى } سؤال تقرير والحكمة ~~فيه تنبيه على أنها عصا حتى إذا قلبها حية علم أنها معجزة عظيمة { قال هي ~~عصاي } قيل كان لها شعبتان وفي أسفلها سنان ولها محجن واسمها نبعة { ~~أتوكأ عليها } أي أعتمد عليها إذا مشيت وإذا عييت وعند الوثبة { وأهش بها ~~على غنمي } أي أضرب بها الشجرة اليابسة ليسقط ورقها فترعاه الغنم { ولي ~~فيها مآرب أخرى } أي حاجة ومنافع أخرى، وأراد بالمآرب ما كان يستعمل فيه ~~العصا في السفر فكان يحمل بها الزاد ويشد بها الحبل ويستقي بها الماء من ~~البئر ويقتل بها الحيات ويحارب بها السباع ويستظل بها إذا قعد وروي عن ~~ابن عباس أن موسى كان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه وتحدثه، وكان ~~يضرب بها الأرض فيخرج له ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ~~ذهب الماء وكان إذا اشتهى ثمرة ركزها فتصير غصن تلك الشجرة وتورق وتثمر، ~~وإذا أراد الاستقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها ~~كدلو حتى يستقي وكانت تضيء بالليل كالسراج وإذا ظهر له عدو كانت تحارب ~~وتناضل عنه { قال } الله تعالى { ألقها يا موسى } أي انبذها واطرحها. قال ~~وهب: ظن موسى أنه يقول ارفضها { فألقاها } أي فطرحها على وجه الرفض ثم ~~حانت منه نظرة { فإذا هي حية } صفراء من أعظم ما يكون من الحيات { تسعى } ~~أي تمشي بسرعة على بطنها وقال في موضع آخر كأنها جان، وهي الحية الصغيرة ~~الجسم الخفيفة وقال في موضع آخر ثعبان وهو أكبر ما يكون من الحيات ووجه ~~الجمع أن الحية اسم جامع للكبير والصغير والذكر والأنثى فالجان عبارة عن ~~ابتداء حالها فإنها كانت حية على قدر العصا، ثم كانت تتورم وتنتفخ حتى ~~صارت ثعبانا وهو انتهاء حالها، وقيل إنها كانت في عظم الثعبان وسرعة ~~الجان، قال محمد بن إسحاق: نظر موسى فإذا العصا حية من أعظم ms2227 ما يكون من ~~الحيات، وصارت شعبتاها شدقين لها، والمحجن عنقا وعرفا يهتز كالنيازك، ~~وعيناها تتقدان كالنار تمر بالصخرة العظيمة مثل الخفة من الإبل، فتلقمها ~~وتقصف الشجرة العظيمة بأنيابها ويسمع لأنيابها صريفا عظيما، فلما عاين ~~ذلك موسى ولى مدبرا وهرب، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه ثم نودي موسى ~~أقبل وارجع حيث كنت، فرجع وهو شديد الخوف { قال خذها } يعني بيمينك { ولا ~~تخف } قيل كان خوفه لما عرف ما لقي آدم من الحية، وقيل لما قال له ربه لا ~~تخف بلغ من طمأنينة نفسه وذهاب الخوف عنه أن أدخل يده في فمها وأخذ ~~بلحييها { سنعيدها سيرتها الأولى } أي إلى هيئتها فنردها عصا كما كانت، ~~وقيل كان على موسى مدرعة صوف قد خللها بعود فلما قال الله تعالى خذها لف ~~طرف المدرعة على يده فأمره الله تعالى أن يكشف يده فكشفها. # وذكر بعضهم أنه لما لف كم المدرعة على يده قال له ملك أرأيت لو أمر الله ~~بما تحاذره أكانت المدرعة تغني عنك شيئا؟؟ قال: لا ولكني ضعيف من ضعف ~~خلقت. قال فكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت ويده ~~في شعبتيها في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ. قال المفسرون: أراد الله ~~تعالى أن يري موسى ما أعطاه من الآية التي لا يقدر عليها مخلوق ولئلا ~~يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون قوله تعالى { واضمم يدك إلى جناحك } يعني ~~إلى إبطك وقيل تحت عضدك { تخرج بيضاء } يعني نيرة مشرقة { من غير سوء } ~~يعني من غير عيب والسوء ها هنا بمعنى البرص قال ابن عباس: كان ليده نور ~~ساطع يضيء بالليل والنهار كضوء الشمس والقمر { آية أخرى } أي دلالة أخر ~~على صدقك سوى العصا { لنريك من آياتنا الكبرى } قال ابن عباس: كانت يد ~~موسى أكبر آياته. ### || [20.24-40] # قوله عز وجل: { اذهب إلى فرعون إنه طغى } يعني جاوز الحد في العصيان ~~والتمرد وإنما خص فرعون بالذكر مع أن موسى كان مبعوثا إلى الكل لأنه ~~ادعى الإلهية وتكبر ms2228 متبوعا فكان ذكره الأولى قال وهب: قال الله تعالى ~~لموسى اسمع كلامي واحفظ وصيتي وانطلق برسالتي وإنك بعيني وسمعي وإن معك ~~يدي وبصري وإني ألبسك حلة من سلطاني تستكمل بها القوة في أمري بعثتك ~~بعزتي لولا الحجة التي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار ولكن هان ~~علي وسقط من عيني فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي { وقولا له ~~قولا لينا } لا يغتر بلباس الدنيا فإن ناصيته بيدي ولا يتنفس إلا بعلمي ~~قال فسكت موسى فجاء ملك وقال له أجب ربك { قال }. يعني موسى { رب اشرح لي ~~صدري } يعني وسعه للحق، قال ابن عباس: يريد حتى لا أخاف غيرك، وذلك أن ~~موسى كان يخاف فرعون خوفا شديدا لشدة شوكته وكثرة جنوده، فكان يضيق بما ~~كلف من مقاومة فرعون وحده، فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه للحق حتى يعلم ~~أن أحدا لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله تعالى، وإذ علم ذلك لم يخف من ~~فرعون وشدة شوكته وكثرة جنوده { ويسر لي أمري } أي سهل علي ما أمرتني به ~~من تبليغ الرسالة إلى فرعون { واحلل عقدة من لساني } وذلك أن موسى كان في ~~حجرة فرعون ذات يوم في صغره فلطم فرعون لطمة وأخذ بلحيته، فقال فرعون ~~لامرأته آسية إن هذا عدوي وأراد أن يقتله، فقالت له آسية إنه صبي لا ~~يعقل، وقيل إن أم موسى لما فطمته ردته إلى فرعون فنشأ في حجره وحجر ~~امراته يربيانه واتخذاه ولدا، فبينما هو يلعب بين يدي فرعون وبيده قضيب ~~إذ رفعه فضرب به رأس فرعون فغضب فرعون وتطير منه حتى هم بقتله، فقالت ~~آسية: أيها الملك إنه صبي لا يعقل جربه إن شئت، فجاءت بطشتين في أحدهما ~~جمر وفي الآخر جوهر فوضعها بين يدي موسى، فأراد أن يأخذ الجوهر فأخذ ~~جبريل يد موسى فوضعها على الجمر فأخذ جمرة فوضعها في فيه فاحترق لسانه ~~وصارت فيه عقدة { يفقهوا قولي } يعني احلل العقدة كي يفهموا قولي { واجعل ~~لي وزيرا من أهلي } يعني معينا وظهيرا، ms2229 والوزير من يوازرك ويحتمل عنك ~~بعض ثقل عملك ثم بين من هو فقال { هارون أخي } وكان هارون أكبر من موسى ~~وأفصح لسانا وأجمل وأوسم وكان أبيض اللون وكان موسى آدم أقنى جعدا { ~~اشدد به أزري } يعني قو به ظهري { وأشركه في أمري } يعني في أمر النبوة ~~وتبليغ الرسالة { كي نسبحك كثيرا } يعني نصلي كثيرا { ونذكرك كثيرا } ~~يعني نحمدك ونثني عليك بما أوليتنا من جميل نعمك { إنك كنت بنا بصيرا } ~~يعني خبيرا عليما { قال } الله تعالى { قد أوتيت سؤلك يا موسى } أي ~~أعطيت جميع ما سألته { ولقد مننا عليك مرة أخرى } يعني قيل هذه المرة بين ~~تلك المنة بقوله تعالى { إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى } يعني ما يلهم ثم ~~فسر ذلك الإلهام وعدد نعمه عليه فقال { أن اقذفيه في التابوت } يعني ~~ألهمناها أن اجعليه في التابوت { فاقذفيه في اليم } يعني نهر النيل { ~~فليلقه اليم بالساحل } يعني شاطىء البحر { يأخذه عدو لي وعدو له } يعني ~~فرعون. # فأخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا ووضعت فيه موسى وقيرت رأسه وشقوقه ثم ~~ألقته في النيل. وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون. فبينما فرعون جالس ~~على البركة مع امرأته آسية، إذ هو بتابوت يجيء به الماء فأمر الغلمان ~~والجواري بإخراجه، فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا بصبي من أصبح الناس وجها، ~~فلما رآه فرعون أحبه بحيث لم يتمالك نفسه وعقله فذلك قوله تعالى { وألقيت ~~عليك محبة مني } قال ابن عباس: أحبه وحببه إلى خلقه، قيل ما رآه أحد إلا ~~أحبه لملاحة كانت في عيني موسى { ولتصنع على عيني } لتربى ويحسن إليك ~~وأنا مراعيك مراقبك كما يراعي الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به ونظر إليه ~~{ إذ تمشي أختك } واسمها مريم متعرفة خبره { فتقول هل أدلكم على من يكفله ~~} أي على امرأة ترضعه وتضمه إليها، وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة فلما ~~قالت لهم أخته ذلك قالوا نعم. فجاءت بالأم فقبل ثديها فذلك قوله تعالى { ~~فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها } أي بلقائك ورؤيتك { ولا تحزن } أي ms2230 وليذهب ~~عنها الحزن { وقتلت نفسا }. قال ابن عباس: كان قتل قبطيا كافرا قيل ~~كان عمره إذ ذاك اثنتي عشر سنة { فنجيناك من الغم } أي من غم القتل وكربه ~~{ وفتناك فتونا } قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا وقيل ابتليناك ~~ابتلاء، قال ابن عباس: الفتون وقوعه في محنة بعد محنة وخلصه الله تعالى، ~~منها أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال، ثم ~~إلقاؤه في البحر في التابوت، ثم منعه من الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم أخذه ~~بلحية فرعون حتى هم قتله، ثم ناوله الجمرة بدل الجوهرة، ثم قتله القبطي ~~وخروجه إلى مدين خائفا { فلبثت } أي مكثت { سنين في أهل مدين } هي بلدة ~~شعيب على ثمان مراحل من مصر، هرب إليها موسى قال وهب: لبث موسى عند شعيب. ~~ثمانيا وعشرين سنة عشر سنين منها يرعى الغنم مهر زوجته صفوراء ابنة شعيب ~~وثمان عشرة سنة أقام عنده بعد ذلك حتى ولد له وخرج من مصر ابن اثنتي عشرة ~~سنة هاربا { ثم جئت على قدر يا موسى } أي جئت على القدر الذي قدرت أن ~~تجيء فيه. قيل على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى إلى الأنبياء فيه. ### || [20.41-48] # { واصطنعتك لنفسي } اخترتك واصطفيتك لوحيي ورسالتي لتتصرف على إرادتي ~~ومحبتي. وذلك أن قيامه بأداء الرسالة تصرف على إرادة الله ومحبته. وقيل ~~معناه اخترتك لأمري وجعلتك القائم بحجتي والمخاطب بيني وبين خلقي كأني ~~الذي أقمت عليهم الحجة وخاطبتهم { اذهب أنت وأخوك بآياتي } أي بدلائلي. ~~قال ابن عباس: يعني الآيات التسع الذي بعث بها موسى عليه السلام { ولا ~~تنيا } أي لا تضعفا وقيل لا تفترا ولا تقصرا { في ذكري } أي لا تقصرا في ~~ذكري بالإحسان إليكما والإنعام عليكما ومن ذكر النعمة شكرها { اذهبا إلى ~~فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا } أي دارياه وارفقا به. قال ابن ~~عباس: لا تعنفا في قولكما، وقيل كنياه فقولا له يا أبا العباس وقيل يا ~~أبا الوليد وقيل أراد بالقول اللين قوله # هل لك إلى أن تزكى ms2231 # [النازعات: 18] وقيل الآية إنما أمرهما باللطافة لما له من حق تربية ~~موسى، وقيل عداه على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع منه إلا ~~بالموت وتبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته، وإذا مات ~~دخل الجنة فلما أتاه موسى ووعده بذلك أعجبه وكان لا يقطع أمرا دون هامان ~~وكان غائبا فلما قدم أخبره بالذي دعاه إليه موسى وقال أردت أن أقبل منه ~~فقال له هامان كنت أرى أن لك عقلا ورأيا، أنت رب تريد أن تكون مربوبا، ~~وأنت تعبد تريد أن تعبد، فقال فرعون صواب ما قلت فغلبه على رأيه. وكان ~~هارون بمصر فأمر الله موسى أن يأتي هارون وأوحى الله إلى هارون وهو بمصر ~~أن يتلقى موسى فتلقاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه. وقوله تعالى { ~~لعله يتذكر أو يخشى } أي يتعظ ويخاف ويسلم فإن قلت كيف قال لعله يتذكر ~~وقد سبق في علمه أنه لا يتذكر ولا يسلم. قلت معناه اذهبا على رجاء منكما ~~وطمع وقضاء الله وراء أمركما، وقيل هو إلزام الحجة وقطع المعذرة كقوله ~~تعالى # ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك # [طه: 134 ]، وقيل هو ينصرف إلى غير فرعون مجازه لعله يتذكر متذكرا ~~ويخشى خاش إذا رأى بري وإلطافي بمن خلقته وأنعمت عليه ثم ادعى الربوبية، ~~وقيل لعل من الله واجب ولقد تذكر فرعون وخشي حين لم تنفعه الذكرى والخشية ~~وذلك حين ألجمه الغرق وقرأ رجل عند يحيى بن معاذ الرازي { فقولا له قولا ~~لينا } الآية فبكى يحيى وقال إلهي هذا رفقك بمن يقول أنا الإله فكيف ~~رفقك بمن يقول أنت الإله { قالا } يعني موسى وهارون { ربنا إننا نخاف أن ~~يفرط علينا }. قال ابن عباس: يعجل علينا بالقتل والعقوبة { أو أن يطغى } ~~أي يجاوز الحد في الإساءة إلينا { قال } الله تعالى { لا تخافا إنني ~~معكما أسمع وأرى } قال ابن عباس: أسمع دعاءكما فأجيبه وأرى ما يراد بكما ~~فأمنع لست بغافل عنكما فلا تهتما { فأتياه فقولا ms2232 إنا رسولا ربك } أي ~~أرسلنا إليك ربك { فأرسل معنا بني إسرائيل } أي خل عنهم وأطلقهم من ~~أعمالك { ولا تعذبهم } أي لا تتعبهم في العمل، وكان فرعون يستعملهم في ~~الأعمال الشاقة كالبناء وقطع الصخور مع قتل الولدان وغير ذلك { قد جئناك ~~بآية من ربك } قال فرعون وما هي فأخرج موسى يده لها شعاع كشعاع الشمس، ~~وقيل معناه قد جئناك بمعجزة وبرهان يدل على صدقنا على ما ادعيناه من ~~الرسالة { والسلام على من اتبع الهدى } ليس المراد منه سلام التحية بل ~~إنما معناه سلم من العذاب من أسلم { إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من ~~كذب وتولى } أي إنما يعذب الله من كذب بما جئنا به وأعرض عنه. ### || [20.49-61] # { قال } يعني فرعون { فمن ربكما يا موسى } أي فمن إلهكما الذي أرسلكما { ~~قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } أي كل شيء يحتاجون إليه ~~ويرتفقون به، وقيل أعطى كل شيء صلاحه وهداه، وقيل أعطى كل شيء صورته فخلق ~~اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للنظر والأذن للسمع ثم ~~هداه إلى منافعه من المطعم والمشرب والمنكح، وقيل يعني جعل زوجة الرجل ~~المرأة والبعير الناقة والفرس الرمكة وهي الحجرة والحمار الأتان ثم هدى ~~ألهمه كيف يأتي الذكر الأنثى { قال } يعني فرعون { فما بال القرون الأولى ~~} أي فما حال القرون الماضية والأمم الخالية مثل قوم نوح وعاد وثمود ~~فإنها كانت تعبد الأوثان وتنكر البعث، وإنما قال فرعون ذلك لموسى حين ~~خوفهم مصارع الأمم الخالية فحينئذ قال فرعون فما بال القرون الأولى { ~~قال } يعني موسى { علمها عند ربي } أي أعمالهم محفوظة عند الله يجازي ~~بها، وقيل إنما رد على موسى علم ذلك إلى الله تعالى لأنه لم يعلم ذلك لأن ~~التوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون وقومه { في كتاب } يعني اللوح المحفوظ ~~{ لا يضل ربي } أي لا يخطىء وقيل لا يغيب عنه شيء { ولا ينسى } أي فيتذكر ~~وقيل لا ينسى ما كان من أعمالهم حتى يجازيهم بها { الذي جعل لكم الأرض ~~مهدا } أي ms2233 فراشا وقيل مهدها لكم { وسلك لكم فيها سبلا } أي أدخل في ~~الأرض لأجلكم طرقا وسهلها لكم لتسلكوها { وأنزل من السماء ماء } يعني ~~المطر ثم الأخبار عن موسى ثم قال الله تعالى { فأخرجنا به } أي بذلك ~~الماء { أزواجا } أي أصنافا { من نبات شتى } أي مختلف الألوان والطعوم ~~والمنافع فمنها ما هو للناس ومنها ما هو للدواب { كلوا وارعوا أنعامكم } ~~أي أخرجنا أصناف النبات للانتفاع بالأكل والرعي { إن في ذلك } أي الذي ~~ذكر { لآيات لأولي النهى } أي لذوي العقول، قيل هم الذين ينتهون عما حرم ~~الله عليهم { منها خلقناكم } أي من الأرض خلقنا آدم، وقيل إن الملك ينطلق ~~فيأخذ من التراب الذي يدفن فيه فيذره في النطفة فيخلق من التراب ومن ~~النطفة { وفيها نعيدكم } أي عند الموت والدفن { ومنها نخرجكم تارة أخرى } ~~أي يوم القيامة للبعث والحساب. قوله تعالى { ولقد أريناه } يعني فرعون { ~~آياتنا كلها } يعني الآيات التسع التي أعطاها الله موسى { فكذب وأبى } ~~يعني فرعون وزعم أنها سحر وأبى أن يسلم { قال } يعني فرعون { أجئتنا ~~لتخرجنا من أرضنا } يعني مصر { بسحرك يا موسى } يريد أن تغلب على ديارنا ~~فيكون لك الملك وتخرجنا منها { فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك ~~موعدا } أي اضرب أجلا وميقاتا { لا نخلفه } لا نجاوزه { نحن ولا أنت ~~مكانا سوى } أي مكانا عدلا وقال ابن عباس: نصفا تستوي مسافة ~~الفريقين إليه وقيل معناه سوى هذا المكان { قال } يعني موسى { موعدكم يوم ~~الزينة } قيل كان يوم عيد لهم يتزينون فيه ويجتمعون في كل سنة وقيل هو ~~يوم النيروز وقال ابن عباس يوم عاشوراء { وأن يحشر الناس ضحى } أي وقت ~~الضحوة نهارا جهارا ليكون أبعد من الريبة { فتولى فرعون فجمع } يعني ~~فرعون { كيده } يعني مكره وسحره وحيله { ثم أتى } يوم المعاد { قال لهم ~~موسى } يعني للسحرة الذين جمعهم فرعون وكانوا اثنين وسبعين ساحرا مع كل ~~ساحر حبل وعصا وقيل كانوا أربعمائة وقيل كانوا اثني عشر ألفا { ويلكم لا ~~تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب } أي فيهلكنكم ويستأصلكم { وقد خاب ~~من ms2234 افترى } أي خسر من ادعى مع الله إلها آخر وقيل معناه خسر من كذب على ~~الله تعالى. ### || [20.62-64] # قوله تعالى: { فتنازعوا أمرهم بينهم } أي تناظروا وتشاوروا، يعني السحرة ~~في أمر موسى سرا من فرعون وقالوا إن غلبنا موسى اتبعناه، معناه لما قال ~~لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا. قال بعضهم لبعض ما هذا بقول ~~ساحر { وأسروا النجوى } أي المناجاة { قالوا } قال بعضهم لبعض سرا { إن ~~هذان لساحران } يعني موسى وهارون { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } يعني من ~~مصر { بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى } قال ابن عباس: يعني بسراة قومكم ~~وأشرافكم وقيل معناه يصرفان وجوه الناس عنكم، وقيل أراد أهل طريقتكم ~~المثلى وهم بنو إسرائيل يعني يريد أن يذهبا بهم لأنفسهما، وقيل معناه ~~يذهبا بسنتكم وبدينكم الذي أنتم عليه { فأجمعوا كيدكم } أي لا تدعو شيئا ~~من كيدكم إلا جئتم به، وقيل معناه اعزموا كلكم على كيده مجتمعين له ولا ~~تختلفوا فيختل أمركم { ثم ائتوا صفا } أي جمعا مصطفين ليكون أشد ~~لهيبتكم وقيل معناه ثم ائتوا المكان الموعود به { وقد أفلح اليوم من ~~استعلى } أي فاز من غلب. ### || [20.65-75] # { قالوا } يعني السحرة { يا موسى إما أن تلقي } أي عصاك { وإما أن نكون ~~أول من ألقى } أي عصينا { قال } يعني موسى { بل ألقوا } يعني أنتم أولا ~~{ فإذا حبالهم } فيه إضمار أي فألقوا فإذا حبالهم { وعصيهم يخيل إليه من ~~سحرهم أنها تسعى } قيل إنهم لما ألقوا الحبال والعصي أخذوا أعين الناس، ~~فرأى موسى كأن الأرض امتلأت حيات وكانت قد أخذت ميلا في ميل من كل جانب ~~ورآها كأنها تسعى { فأوجس } أي أضمر وقيل وجد { في نفسه خيفة موسى } قيل ~~هو طبع البشرية وذلك أنه ظن أنها تقصده، وقيل خاف على القوم أن يلتبس ~~عليهم الأمر فيشكوا في أمره فلا يتبعوه { قلنا لا تخف } أي قال الله ~~تعالى لموسى لا تخف { إنك أنت الأعلى } أي الغالب عليهم ولك الغلبة عليهم ~~والظفر { وألق ما في يمينك } أي عصاك والمعنى لا يخيفنك كثرة حبالهم ~~وعصيهم فإن ms2235 في يمينك شيئا أعظم منها كلها { تلقف } أي تلقم وتبتلع { ما ~~صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر } أي حيلة ساحر { ولا يفلح الساحر حيث أتى } ~~أي من الأرض. وقال ابن عباس لا يسعد حيث كان { فألقي السحرة سجدا قالوا ~~آمنا برب هارون وموسى } قال صاحب الكشاف سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ~~ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر ~~والسجود فما أعظم الفرق بين الإلقائين. وقيل إنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى ~~رأوا الجنة والنار وقيل إنهم لما سجدوا أراهم الله تعالى في سجودهم ~~منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة { قال } يعني فرعون { آمنتم له قبل ~~أن آذن لكم إنه لكبيركم } أي لرئيسكم وعظيمكم يعني أنه أسحركم وأعلاكم في ~~صناعة السحر ومعلمكم { الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~} يعني أقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى { ولأصلبنكم في جذوع النخل } يعني ~~على جذوع النخل { ولتعلمن أينا أشد عذابا } يعني على إيمانكم به أنا أو ~~رب موسى على ترك الإيمان به { وأبقى } يعني أدوم { قالوا } يعني السحرة { ~~لن نؤثرك } يعني لن نختارك { على ما جاءنا من البينات } يعني الدلالات ~~الواضحات، قيل هي اليد البيضاء والعصا وقيل كان استدلالهم أنهم قالوا لو ~~كان هذا سحر فأين حبالنا وعصينا. وقيل إنهم لما سجدوا رأوا الجنة والنار ~~ورأوا منازلهم في الجنة فعند ذلك قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ~~{ والذي فطرنا } قيل هو قسم، وقيل معناه لن نؤثرك على الله الذي فطرنا { ~~فاقض ما أنت قاض } يعني فاصنع ما أنت صانع { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ~~} يعني إنما أمرك وسلطانك في الدنيا سيزول عن قريب { إنا آمنا بربنا ~~ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر } فإن قلت كيف قالوا هذا ~~وقد جاؤوا مختارين غير مكرهين. # قلت كان فرعون أكرههم في الابتداء على تعلمهم السحر لكي لا يذهب أصله. ~~وقيل كانت السحرة اثنين وسبعون اثنان من القبط وسبعون من بني إسرائيل، ~~وكان فرعون أكره الذين هم من بني إسرائيل على ms2236 تعلم السحر. وقيل قال ~~السحرة لفرعون أرنا موسى إذا هو نام فأراهم موسى نائما وعصاه تحرسه ~~فقالوا لفرعون هذا ليس بساحر إن الساحر إذا نام بطل سحره. فأبى عليهم ~~فأكرههم على أن يعملوا فذلك قولهم وما أكرهتنا عليه من السحر { والله خير ~~وأبقى } يعني خير منك ثوابا وأبقى عقابا وقيل خير منك إن أطيع وأبقى ~~عذابا إن عصي وهذا جواب لقوله { ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى } { إنه ~~من يأت ربه مجرما } قيل هذا ابتداء كلام من الله تعالى وقيل هو من تمام ~~قول السحرة معناه من مات على الشرك { فإن له جهنم لا يموت فيها } فيستريح ~~{ ولا يحيى } حياة ينتفع بها { من يأته مؤمنا } يعني من مات على الإيمان ~~{ قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى } يعني الرفيعة العلية. ### || [20.76-86] # فسر الدرجات بقوله { جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك ~~جزاء من تزكى } يعني تطهر من الذنوب، وقيل أعطى زكاة نفسه وقال لا إله ~~إلا الله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق ~~السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما " # أخرجه الترمذي. قوله وأنعما يقال أحسن فلان إلى فلان وأنعم يعني أفضل ~~وزاد في الإحسان، والمعنى أنهما منهم وزادوا تناهيا إلى غايته. قوله ~~تعالى { ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي } يعني أسر بهم ليلا من أرض ~~مصر { فاضرب لهم طريقا } يعني اجعل لهم طريقا { في البحر } بالضرب ~~بالعصا { يبسا } يعني يابسا ليس فيه ماء ولا طين وذلك أن الله تعالى ~~أيبس لهم الطريق في البحر { لا تخاف دركا ولا تخشى } يعني لا تخاف أن ~~يدركك فرعون من ورائك ولا تخشى أن يغرقك البحر أمامك { فأتبعهم } يعني ~~فلحقهم { فرعون بجنوده فغشيهم } يعني أصابهم { من اليم ما غشيهم } وهو ~~الغرق وقيل علاهم وسترهم من اليم ما لم يعلم كنهه إلا الله تعالى فغرق ~~فرعون وجنوده ونجا موسى وقومه ms2237 { وأضل فرعون قومه وما هدى } يعني وما ~~أرشدهم وهو تكذيب لفرعون في قوله # وما أهديكم إلا سبيل الرشاد # [غافر: 29].قوله عز وجل { يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم ~~وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى } ذكرهم الله ~~النعمة في نجاتهم وهلاك عدوهم وفيما وعد موسى من المناجاة بجانب الطور ~~وكتب التوراة في الألواح. وإنما قال وواعدناكم لأنها اتصلت بهم حيث كانت ~~لنبيهم، ورجعت منافعها إليهم وبها قوام دينهم وشريعتهم وفيها أفاض الله ~~عليهم من سائر نعمه وأرزاقه { كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه } ~~قال ابن عباس لا تظلموا، وقيل لا تكفروا النعمة فتكونوا طاغين، وقيل لا ~~تتقووا بنعمتي على المعاصي، وقيل لا تدخروا { فيجعل عليكم غضبي } يعني ~~يجب عليكم غضبي { ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى } يعني هلك وسقط في النار { ~~وإني لغفار لمن تاب } قال ابن عباس تاب عن الشرك { وآمن } يعني وحد الله ~~وصدق رسوله { وعمل صالحا } يعني أدى الفرائض { ثم اهتدى } قال ابن عباس ~~علم أن ذلك توفيق من الله تعالى، وقيل لزم الإسلام حتى مات عليه، وقيل ~~علم أن لذلك ثوابا، وقيل أقام على السنة. قوله عز وجل { وما أعجبك } ~~يعني وما حملك على العجلة { عن قومك يا موسى } وذلك أن موسى اختار من ~~قومه سبعين رجلا يذهبوا معه إلى الطور ليأخذوا التوراة. فسار بهم ثم عدل ~~موسى من بينهم شوقا إلى ربه، وخلف السبعين وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل ~~فقال الله له وما أعجلك عن قومك يا موسى؟ فأجاب ربه ف { قال هم أولاء ~~على أثري } أي هم بالقرب مني يأتون على أثري من بعدي. # فإن قلت لم يطابق السؤال الجواب فإنه سأله عن سبب العجلة فعدل عن ~~الجواب، فقال هم أولاء بأنه لم يوجد منه إلا تقدم سيره ثم أعقبه بجواب ~~السؤال فقال { وعجلت إليك رب لترضى } أي لتزداد رضا { قال فإنا قد فتنا ~~قومك } أي فإنا ابتلينا الذين خلفتهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ~~فافتتنوا بالعجل غير اثني عشر ms2238 ألفا { من بعدك } أي من بعد انطلاقك إلى ~~الجبل { وأضلهم السامري } أي دعاهم وصرفهم إلى الضلال وهو عبادة العجل، ~~وإنما أضاف الضلال إلى السامري لأنهم ضلوا بسببه وقيل إن جميع المنشآت ~~تضاف إلى منشئها في الظاهر، وإن كان الموجد لها في الأصل هو الله تعالى ~~فذلك قوله هنا وأضلهم السامري، قيل كان السامري من عظماء بني إسرائيل من ~~قبيلة يقال لها السامرة، وقيل كان من القبط وكان جارا لموسى وآمن به، ~~وقيل كان علجا من علوج كرمان رفع إلى مصر وكان من قوم يعبدون البقر { ~~فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا } أي حزينا جزعا { قال يا قوم ألم ~~يعدكم ربكم وعدا حسنا } أي صدقا يعطيكم التوراة { أفطال عليكم العهد } ~~أي مدة مفارقتي إياكم { أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم } أي أردتم أن ~~تفعلوا فعلا يجب عليكم الغضب من ربكم بسببه { فأخلفتم موعدي } يعني ما ~~وعدوه من الإقامة على دينه إلى أن يرجع. ### || [20.87-96] # { قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا } أي بملك أمرنا، وقيل باختيارنا وذلك ~~أن المرء إذا وقع في الفتنة لم يملك نفسه { ولكنا حملنا أوزارا من زينة ~~القوم } أي حملنا مع أنفسنا ما كان قد استعرناه من قوم فرعون، والأوزار ~~الأثقال سميت أوزارا لكثرتها وثقلها وقيل الأوزار الآثام، أي حملنا ~~آثاما وذلك أن بني إسرائيل استعاروا حليا من القبط ولم يردوها وبقيت ~~معهم إلى حين خروجهم من مصر وقيل إن الله لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم ~~فأخذها بنو إسرائيل فكانت غنيمة ولم تكن الغنائم تحل لهم { فقذفناها } أي ~~ألقيناها قيل إن السامري قال لهم احفروا حفيرة وألقوها فيها حتى يرجع ~~موسى فيرى رأيه فيها. وقيل إن هارون أمرهم بذلك ففعلوا { فكذلك ألقى ~~السامري } أي ما كان معه من الحلي فيها، قال ابن عباس: أوقد هارون نارا ~~وقال اقذفوا ما معكم فيها، وقيل إن هارون مر على السامري وهو يصوغ العجل ~~فقال له ما هذا قال أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي. فقال هارون اللهم اعطه ms2239 ~~ما سألك على ما في نفسه. فألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس ~~جبريل في فم العجل وقال كن عجلا يخور فكان كذلك. بدعوة من هارون فذلك ~~قوله تعالى { فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار } اختلفوا هل كان الجسد حيا ~~أم لا على قولين أحدهما لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد ضال بل ~~السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيه منافذ ومخاريق بحيث إذا دخل ~~فيها الريح صوت كصوت العجل. الثاني: أنه صار حيا وخار كما يخور العجل { ~~فقالوا هذا إلهكم وإله موسى } يعني قال ذلك السامري ومن تابعه من افتتن ~~به. وقيل عكفوا عليه وأحبوه حبا لم يحبوا شيئا قط مثله { فنسي } قيل هو ~~إخبار عن قول السامري أي إن موسى نسي إلهه وتركه ها هنا وذهب يطلبه. وقيل ~~معناه أن موسى إنما طلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر فأخطأ الطريق ~~وضل. وقيل هو من كلام الله تعالى وكأنه أخبر عن السامري أنه نسي ~~الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لا يحل في شيء. ولا يحل فيه شيء ثم ~~بين سبحانه وتعالى المعنى الذي يجب الاستدلال به فقال { أفلا يرون ألا ~~يرجع إليهم قولا } أي إن العجل لا يرد لهم جوابا إذ دعوه ولا يكلمهم { ~~ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا } هذا توبيخ لهم إذ عبدوا ما لا يملك ضر من ~~ترك عبادته ولا ينفع من عبده وكان العجل فتنة من الله تعالى ابتلى به بني ~~إسرائيل. قوله عز وجل { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي من قبل رجوع موسى ~~{ يا قوم إنما فتنتم به } أي ابتليتم بالعجل { وإن ربكم الرحمن فاتبعوني ~~} على ديني في عبادة الله { وأطيعوا أمري } يعني في ترك عبادة العجل. # اعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم ~~أولا عن الباطل بقوله { إنما فتنتم به } ثم دعا إلى معرفة الله تعالى ~~بقوله { إن ربكم الرحمن } ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله ms2240 { فاتبعوني } ~~ثم دعاهم إلى الشرائع بقوله { وأطيعوا أمري } فهذا هو الترتيب الجيد لأنه ~~لا بد من إماطة الأذى عن الطريق وهي إزالة الشبهات ثم معرفة الله فإنها ~~هي الأصل ثم النبوة ثم الشريعة. وإنما قال وإن ربكم الرحمن فخص هذا ~~الموضع بهذا الاسم لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه ~~هو التواب الرحيم فقابلوا هذا القول بالإصرار والجحود { قالوا لن نبرح } ~~يعني لن نزال { عليه } يعني على عبادة العجل { عاكفين } يعني مقيمين { ~~حتى يرجع إلينا موسى } كأنهم قالوا لن نقبل حجتك ولا نقبل إلا قول موسى ~~فاعتزلهم هارون ومعه اثنا عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل. فلما رجع ~~موسى سمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل فقال للسبعين الذين معه ~~هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله و { ~~قال } له { يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } أي أشركوا { ألا تتبعن } ~~أي تتبع أمري ووصيتي وهلا قاتلتهم وقد علمت أني ولو كنت فيهم لقاتلتهم ~~على كفرهم، وقيل معناه ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون ~~مفارقتك إياهم زجرا لهم عما أتوه { أفعصيت أمري } يعني خالفت أمري { قال ~~يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } يعني بشعر رأسي وكان قد أخذ ~~بذؤابتيه { إني خشيت أن تقول } يعني لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل ~~بعضهم بعضا فتقول { فرقت بين بني إسرائيل } يعني خشيت إن فارقتهم ~~واتبعتك أن يصيروا أحزابا فيتقاتلون، فتقول فرقت بني إسرائيل { ولم ترقب ~~قولي } يعني لم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي أصلح وأرفق بهم ثم ~~أقبل موسى على السامري { قال فما خطبك } يعني فما أمرك وشأنك وما الذي ~~حملك على ما صنعت { يا سامري قال } يعني السامري { بصرت بما لم يبصروا به ~~فقبضت قبضة من أثر الرسول } يعني من تراب حافر فرس جبريل { فنبذتها } ~~يعني فقذفتها في فم العجل فخار. فإن قلت كيف عرف السامري جبريل ورآه من ~~بين سائر النار. قلت ذكروا فيه وجهين. أحدهما: ms2241 أن أمه ولدته في السنة ~~التي كان يقتل فيها البنون فوضعته في كهف حذرا عليه من القتل فبعث الله ~~إليه جبريل ليربيه لما قضى الله على يديه من الفتنة. الوجه الثاني: أنه ~~لما نزل جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الطور رآه السامري من بين سائر ~~الناس، فلما رآه قال إن لهذا لشأنا فقبض القبضة من أصل تربة أثر موطئه، ~~فلما سأله موسى قال قبضت قبضة من أثر الرسول إليك يوم جاء للميعاد. وقيل ~~رآه يوم فلق البحر فأخذ القبضة وجعلها في عمامته لما يريد الله أن يظهره ~~من الفتنة على يديه وهو قوله { وكذلك سولت } يعني زينت { لي نفسي } وقيل ~~إنه من السؤال والمعنى أنه لم يدعني إلى فعلة غيري واتبعت فيه هواي. ### || [20.97-108] # { قال } يعني موسى للسامري { فاذهب فإن لك في الحياة } يعني ما دمت حيا ~~{ أن تقول لا مساس } يعني لا تخالط أحدا ولا يخالطك أحد فعوقب في الدنيا ~~بعقوبة لا شيء أوحش منها ولا أعظم وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا ~~يخالطوه ولا يقربوه وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته. وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: لا مساس لك ولولدك. فصار السامري يهيم في ~~البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحدا وقيل كان إذا مس أحدا. أو مسه أحد ~~حما جميعا فتحامى الناس وتحاموه وكان لا مساس حتى أن بقاياهم اليوم ~~يقولون ذلك { وإن لك } يا سامري { موعدا } يعني بعذابك في الآخرة { لن ~~تخلفه } قرىء بكسر اللام ومعناه لن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه بل توافيه ~~يوم القيامة، وقرىء بالفتح أي لن تكذبه ولم يخلفكه الله بل يكافئك على ~~فعلك { وانظر لننسفنه } أي لنذرينه { في اليم } يعني في البحر { نسفا } ~~روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم وحرقه في النار ثم ذراه في ~~البحر وقيل معناه لنحرقنه أي لنبردنه فعلى هذا التأويل لم ينقلب لحما ~~ودما فإن ذلك لا يمكن أن يبرد بالمبرد ويمكن أن يقال صار لحما ودما ثم ~~بردت ms2242 عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها في البحر فلما فرغ موسى من ~~أمر العجل وإبطال ما ذهب إليه السامري رجع إلى بيان الدين الحق فقال ~~مخاطبا لبني إسرائيل { إنما إلهكم الله } يعني المستحق للعبادة والتعظيم ~~هو الله { الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما } يعني وسع علمه كل شيء ~~وقيل يعلم من يعبده. قوله عز وجل: { كذلك نقص عليك من أنباء } يعني من ~~أخبار { ما قد سبق } يعني الأمم الخالية وقيل ما سبق من الأمور { وقد ~~آتيناك من لدنا ذكرا } وهو القرآن { من أعرض عنه } يعني عن القرآن ولم ~~يؤمن به ولم يعمل بما فيه { فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } يعني حملا ~~ثقيلا من الإثم { خالدين فيه } يعني مقيمين في عذاب الوزر { وساء لهم ~~يوم القيامة حملا } يعني بئس ما حملوا أنفسهم من الإثم { يوم ينفخ في ~~الصور } قيل هو قرن ينفخ فيه يدعي به الناس للمحشر والمراد بهذه النفخة ~~النفخة الثانية لأنه أتبعه بقوله { ونحشر المجرمين يومئذ زرقا } يعني ~~نحشر المجرمين زرق العيون سود الوجوه وقيل عميا وقيل عطشا { يتخافتون } ~~يعني يتشاورون { بينهم } ويتكلمون خفية { إن لبثتم } يعني مكثتم في ~~الدنيا { إلا عشرا } يعني عشر ليال وقيل في القبور وقيل بين النفختين ~~وهو مقدار أربعين سنة وذلك أن العذاب رفع عنهم بين النفختين فاستقصروا ~~مدة لبثهم لهول ما عاينوا فقال الله تعالى { نحن أعلم بما يقولون } يعني ~~يتشاورون فيما بينهم { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي أوفاهم وأعدلهم قولا { ~~إن لبثتم إلا يوما } قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم ~~القيامة وقيل نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم قوله عز وجل { ويسألونك عن ~~الجبال فقل ينسفها ربي نسفا }. # قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف ~~تكون الجبال يوم القيامة فأنزل الله تعالى هذه الآية والنسف هو القلع أي ~~يقلعها من أصولها ويجعلها هباء منثورا { فيذرها } أي يدع أماكن الجبال ~~من الأرض { قاعا صفصفا } أي أرضا ms2243 ملساء مستوية لا نبات فيها { لا ترى ~~فيها جوعا ولا أمتا } يعني لا انخفاضا ولا ارتفاعا يعني لا ترى ~~واديا ولا رابية { يومئذ يتبعون الداعي } أي صوت الداعي ويقف على صخرة ~~بيت المقدس ويقول أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم ~~المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن { لا عوج له } أي لا عوج لهم عن دعائه ولا ~~يزيعون عنه يمينا ولا شمالا بل يتبعونه سراعا { وخشعت الأصوات للرحمن ~~} يعني سكنت وذلت وخضعت وضعفت والمراد به أصحاب الأصوات وقيل خضعت ~~الأصوات من شدة الفزع { فلا تسمع إلا همسا } وهو الصوت الخفي قال ابن ~~عباس: هو تحريك الشفاه من غير نطق وقيل أراد بالهمس صوت وطء الأقدام إلى ~~المحشر كصوت أخفاف الإبل. ### || [20.109-119] # { يومئذ لا تنفع الشفاعة } لأحد من الناس { إلا من أذن له الرحمن } يعني ~~إلا من أذن له أن يشفع { ورضي له قولا } قال ابن عباس: يعني قال لا إله ~~إلا الله، وفيه دليل على أنه لا يشفع غير المؤمن، وقيل إن درجة الشافع ~~درجة عظيمة فهي لا تحصل إلا لمن يأذن الله له فيها وكان عند الله مرضيا ~~{ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } قيل الكناية راجعة إلى الذين يتبعون ~~الداعي، أي يعلم الله ما قدموا من الأعمال وما خلفوا من الدنيا وقيل ~~الضمير يرجع إلى من أذن له الرحمن وهو الشافع، والمعنى لا تنفع الشفاعة ~~إلا لمن أذن له الرحمن أن يشفع ثم قال يعلم ما بين أيديهم أي أيدي ~~الشافعين وما خلفهم { ولا يحيطون به علما } قيل الكناية ترجع إلى ما أي ~~هو يعلم ما بين راجعة إلى الله تعالى أي ولا يحيطون بالله علما { وعنت ~~الوجوه } يعني ذلت وخضعت في ذلك اليوم ويصير الملك والقهر لله تعالى دون ~~غيره وذكر الوجوه وأراد بها المكلفين لأن عنت من صفات المكلفين لا من ~~صفات الوجوه وإنما خص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يتبين وفيها يظهر ~~وقوله تعالى { للحي القيوم } تقدم تفسيره { وقد خاب من حمل ظلما }. قال ~~ابن عباس خسر ms2244 من أشرك بالله { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ~~ظلما ولا هضما } قال ابن عباس معناه لا يخاف أن يزاد على سيئاته ولا ~~ينقص من حسناته، وقيل لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل عنه حسنة عملها ~~قوله تعالى { وكذلك أنزلناه } أي كما بينا في هذه السورة أو هذه الآية ~~المتضمنة للوحيد أنزلنا القرآن كله كذلك وقوله { قرآنا عربيا } أي ~~بلسان العرب ليفهموا ويقفوا على إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر { ~~وصرفنا فيه من الوعيد } أي كررنا وفصلنا القول فيه بذكر الوعيد ويدخل تحت ~~الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد بهما يتعلق فتكريره وتصريفه ~~يقتضي بيان الأحكام فلذلك قال تعالى { لعلهم يتقون } أي يجتنبون الشرك ~~والمحارم وترك الواجبات { أو يحدث لهم ذكرا } أي إنما أنزلنا القرآن ~~ليصبروا متقين مجتنبين ما لا ينبغي ويحدث لهم القرآن ذكرا يرغبهم في ~~الطاعات وفعل ما ينبغي، وقيل معناه يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبرون ~~ويتعظون بذكر عقاب الله الأمم قوله تعالى { فتعالى الله الملك الحق } أي ~~جل الله وعظم عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون والجاحدون وقيل فيه ~~تنبيه على ما يلزم خلقه من تعظيمه وتمجيده، وقيل إنما وصف نفسه بالملك ~~الحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره ~~وأولى به منه { ولا تعجل بالقرآن } أراد النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادره فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل مما ~~يريده من التلاوة ومخافة الانفلات أو النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك ~~فقال تعالى { ولا تعجل بالقرآن } أي ولا تعجل بقراءته { من قبل أن يقضى ~~إليك وحيه } أي من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ وقيل معناه لا تقرئه ~~أصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معناه { وقل رب زدني علما } فيه ~~التواضع والشكر لله والمعنى زدني علما إلى ما علمت فإن لك في كل شيء ~~علما وحكمة، قيل ما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في ms2245 ~~شيء إلا في العلم. # وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول اللهم زدني علما وإيمانا ~~ويقينا قوله عز وجل { ولقد عهدنا إلى آدم } يعني أمرناه وأوحينا إليه ~~أن لا يأكل من الشجرة { من قبل } أي من هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا ~~الإيمان بي وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى { لعلهم يتقون } { ~~فنسي } أي فترك ما عهدنا إليه من الاحتراز عن أكل هذه الشجرة وأكل منها، ~~وقيل أراد النسيان الذي هو ضد الذكر { ولم نجد له عزما } أي صبرا عما ~~نهي عنه وحفظا لما أمر به، وقيل معناه لم نجد له رأيا معزوما حيث أطاع ~~عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له، وقيل معناه لم نجد له عزما على ~~المقام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب قوله عز وجل { وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس إبى } أن يسجد { فقلنا يا آدم إن ~~هذا } أي إبليس { عدو لك ولزوجتك } أي حواء وسبب العداوة ما رأى من آثار ~~نعمة الله على آدم فحسده فصار عدوا له { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } ~~أسند الخروج إليه، وإن كان الله تعالى هو المخرج لأنه لما كان بوسوسته ~~وفعل آدم ما يترتب عليه الخروج صح ذلك. ومعنى تشقى تتعب وتنصب ويكون عيشك ~~من كد يمينك بعرق جبينك، وهو الحرث والزرع والحصد والطحن والخبز قيل أهبط ~~إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فكان ذلك شقاءه. ~~فإن قلت لم أسند الشقاء إلى آدم دون حواء. قلت فيه وجهان أحدهما: أن في ~~ضمن شقاء الرجل شقاء أهله، كما أن في سعادته سعادتهم لأنه القيم عليهم. ~~الثاني: إنه أريد بالشقاء التعب في طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة ~~لأن الرجل هو الساعي على زوجته { إن لك أن لا تجوع فيها } يعني الجنة { ~~ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها } أي تعطش { ولا تضحى } أي تبرز للشمس فيؤذيك ~~حرها لأنه ليس في الجنة شمس وأهلها في ظل ممدود والمعنى أن الشبع ms2246 والري ~~والكسوة والسكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان. فذكر الله تعالى ~~حصول هذه الأشياء في الجنة وإنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب ~~كاسب كما يحتاج إلى أهل الدنيا. ### || [20.120-129] # { فوسوس إليه الشيطان } أي أنهى إليه الوسوسة فأسر إليه ثم بين تلك ~~الوسوسة ما هي فقال { قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد } أي على الشجرة ~~التي إن أكلت منها بقيت مخلدا { وملك لا يبلى } أي لا يبيد ولا يفنى ~~رغبة في دوام الراحة فكان الشيء الذي رغب الله فيه آدم رغبة إبليس فيه، ~~إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراز عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على ~~الإقدام عليها وآدم مع كمال علمه بأن الله تعالى هو خالقه وربه ومولاه ~~وناصره، وإبليس هو عدوه أعرض عن قول الله تعالى ولم يرد المخالفة ومن ~~تأمل هذا السر عرف أنه لا دفع لقضاء الله ولا مانع منه. وقوله تعالى { ~~فأكلا منها } يعني أكل آدم وحواء من الشجرة { فبدت لهما سوءاتهما } أي ~~عريا من الثياب التي كانت عليهما حتى بدت فروجهما وظهرت عوراتهما { وطفقا ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي يلزقان بسوءاتهما من ورق التين { وعصى ~~آدم ربه } أي بأكل الشجرة { فغوى } أي فعل ما لم يكن له فعله وقيل أخطأ ~~طريق الحق وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عنه فخاب ولم ينل مراده وصار من ~~العز إلى الذل ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى ~~آدم ولايجوز أن يقال آدم عاص، لأنه إنما يقال لمن اعتاد فعل المعصية ~~كالرجل يخيط ثوبه يقال خاط ثوبه ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك مرارا ~~ويعتاده. ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~سلم # " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة فقال له ~~آدم أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أفتلومني على ~~أمر قدره الله تعالى علي ms2247 قبل أن يخلقني بأربعين عاما فحج آدم موسى ". # وفي رواية لمسلم # " قال آدم بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين سنة ~~قال فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى. قال له نعم قال فهل تلومني على أن ~~عملت عملا كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى ". # الكلام على معنى الحديث وشرحه قوله احتج آدم وموسى: المجادلة والمخاصمة ~~يقال حاججت فلانا فحججته أي جادلته فغلبته. قال أبو سليمان الخطابي: قد ~~يحسب كثير من الناس أن معنى القدر والقضاء من الله تعالى على معنى ~~الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن قوله فحج آدم وموسى ~~من هذا الوجه وليس كذلك. # وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد ~~وإكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها. والقدر اسم لما صدر ~~مقدرا عن فعل القادر والقضاء في هذا معناه الخلق وإذا كان الأمر كذلك ~~فقد بقي عليهم من وراء علم الله فهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم الأمور ~~وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقدم إرادة واختبار. فالحجة إنما تلزمهم ~~بها واللائمة تلحقهم عليها وجماع القول في هذا أنهما أمران لا ينفك ~~أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء. فمن رام ~~الفصل بينهما فقد رام هذا البناء ونقضه وإنما موضع الحجة لآدم على موسى ~~أن الله تعالى كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها، فكيف ~~يمكنه أن يرد علم الله فيه وأن يبطله بعد ذلك. وإنما كان تناوله الشجرة ~~سببا لنزوله إلى الأرض التي خلق لها وإنما أدلى آدم بالحجة على هذا ~~المعنى ودفع لائمة موسى عن نفسه ولذلك قال أتلومني على أمر الله علي من ~~قبل أن يخلقني. فصل: في بيان عصمة الأنبياء وما قيل في ذلك قال الإمام ~~فخر الدين الرازي: اختلف الناس في عصمة الأنبياء وضبط القول فيها يرجع ~~إلى أقسام أربعة، أحدهما: ms2248 ما يقع في باب الاعتقاد وهو اعتقاد الكفر ~~والضلال فإن ذلك غير جائز عليهم. والثاني: ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت ~~الأمة على كونهم معصومين عن الكذب مواظبين على التبليغ والتحريض. وإلا ~~لارتفع الوثوق بالأداء واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمدا ولا ~~سهوا ومن الناس من جوز ذلك سهوا قالوا لأن الاحتراز عنه غير ممكن. ~~الثالث: ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيها على سبيل ~~العمد وأجازه لبعضهم على سبيل السهو. الرابع: ما يقع في أفعالهم فقد ~~اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. أحدها: قول من جوز عليهم الكبائر. ~~الثاني: قول من منع من الكبائر وجوز الصغائر على جهة العمد وهو قول أكثر ~~المعتزلة. الثالث: لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة ألبتة بل على جهة ~~التأويل وهو قول الجبائي. الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة ~~السهو والخطأ. الخامس: أنه لا يقع منهم لا كبيرة ولا صغيرة لا على سبيل ~~العمد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل، وهو قول الشيعة. واختلفت ~~الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ذهب إلى أنهم ~~معصومون من حين وقت الولادة وهو قول الشيعة. الثاني: قول من ذهب إلى ~~عصمتهم من وقت بلوغهم وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث قول من ذهب إلى أن ~~ذلك لا يجوز منهم بعد النبوة وهو قول أكثر أصحابنا وأبي الهزيل وأبي علي ~~من المعتزلة. # قال الإمام والمختار عندنا لم يصدر عنهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة من حين ~~جاءتهم النبوة. ويدل عليه وجوه أحدها: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة ~~من أحد الأمة وذلك غير جائز لأن درجة الأنبياء غاية في الرفعة والشرف. ~~الثاني: لو صدر منه وجب أن لا يكون مقبول الشهادة فكان أقل حالا من عدول ~~الأمة وذلك غير جائز أيضا لأن معنى النبوة والرسالة هو أنه يشهد على ~~الله أنه شرع هذا الحكم، وأيضا فإنه يوم القيامة شاهد على الكل. الثالث: ~~لو صدر ms2249 من النبي ذنب وجب الاقتداء به فيه وذلك محال. الرابع: ثبت ببديهة ~~العقل أنه لا شيء أقبح بمن رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفته ~~في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه لا تفعل كذا فيقدم عليه ويفعله ترجيحا ~~لغرضه. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو ~~لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون # [البقرة: 44] وقال # وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه # [هود: 88]. الخامس: قال الله تعالى # إنهم كانوا يسارعون في الخيرات # [الأنبياء: 90] ولفظه للعموم فيتناول الكل ويدل على فعل ما ينبغي فعله ~~وترك ما ينبغي تركه، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل خير وتاركين لكل ~~منهي وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. السادس: قال الله تعالى: # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير # [الحج: 75]وقال تعالى: # إن الله اصطفى آدم وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين # [آل عمران: 33] وقال تعالى في حق موسى: # إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي # [الأعراف: 144] وقال تعالى: # واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم ~~بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار # [ص: 45-46] وغير ذلك من الآيات التي تدل على كونهم موصوفين بالاصطفاء ~~والخيرة، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم، وذكر غير ذلك من الوجوه. قال وأما ~~المخالف فقد تمسك بآيات منها قصة آدم هذه. والجواب عنها أن نقول إن ~~كلامهم إنما يتم أن لو بينوا بالدلالة أن ذلك كان حال النبوة وذلك ممنوع ~~ولم لا يجوز أن يقال إن آدم حال ما صدرت عنه هذه الأشياء ما كان نبيا ~~وإن هذه الواقعة كانت قبل النبوة وإن الله تعالى قبل توبته وشرفه بالنبوة ~~والرسالة. وقال القاضي عياض وأما قصة آدم { وعصى آدم ربه فغوى } أي جهل ~~وقيل أخطأ فقد أخبر الله تعالى بعذره في قوله: # ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما # [طه: 115] أي نسي عداوة إبليس له وما عهد ms2250 الله إليه. وقيل لم يقصد ~~المخالفة استحلالا لها ولكنه اغتر بحلف إبليس له إني لكما لمن الناصحين ~~وتوهم أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، وقيل نسي ولم ينو المخالفة فلذلك ~~قال ولم نجد له عزما أي قصدا للمخالفة، وقيل بل أكل من الشجرة متأولا ~~وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها لأنه تأول نهي الله عن شجرة ~~مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من ~~المخالفة وقيل تأويل أن الله تعالى لم ينه نهي تحريم. # فإن قلت إذا نفيت عنهم الذنوب والمعاصي فما معنى قوله: { وعصى آدم ربه ~~فغوى } وما تكرر في القرآن والحديث من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم ~~واستغفارهم وإشفاقهم وبكائهم على ما سلف منهم وهل يتوب ويستغفر من لا شيء ~~عليه. قلت إن درجة الأنبياء من الرفعة والعلو والمعرفة بالله وسنته في ~~عباده وعظم سلطانه وقوة بطشه، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله ~~والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم، وإنهم في تصرفهم بأمور لم ~~ينهوا عنها ولم يؤمروا، وآتوها على وجه التأويل أو السهو وتزيدوا من أمور ~~الدنيا المباحة أوخذوا عليها وعوتبوا بسببها أو حذروا من المؤاخذة بها ~~فهم خائفون وجلون، وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم ومعاص بالنسبة إلى ~~كمال طاعتهم، لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاصيهم كان هذا أدنى أفعالهم ~~وأسوأ ما يجري من أحوالهم كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي ~~يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات وسنذكر في كل موضع ما يليق به ~~وما قيل فيه إن شاء الله تعالى. قوله عز وجل: { ثم اجتباه ربه } أي ~~اختاره واصطفاه { فتاب عليه } أي عاد بالعفو والمغفرة { وهدى } أي هداه ~~لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار { قال اهبطا منه جميعا } قيل الخطاب ~~لآدم ومعه ذريته ولإبلس ومعه ذريته فصح قوله اهبطا لاشتمال كل واحد من ~~الجنسين على الكثرة، وقيل الخطاب لآدم وحواء لأنهما أصل البشر فجعلا ~~كأنهما البشر فخوطبا بلفظ الجمع { بعضكم لبعض عدو } وقيل في ms2251 تقوية هذا ~~الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس، ويحتمل أن يكون بعض ~~الفريقين لبعض عدوا { فأما يأتينكم مني هدى } أي كتاب ورسول { فمن اتبع ~~هداي } أي الكتاب والرسول { فلا يضل ولا يشقى } قال ابن عباس: من قرأ ~~القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب ~~وذلك لأن الله تعالى يقول فمن اتبع هداي فلا يضل أي في الدنيا ولا يشقى ~~أي في الآخرة { ومن أعرض عن ذكري } يعني القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه { ~~فإن له معيشة ضنكا } روي عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم ~~أنهم قالوا هو عذاب القبر. قال ابو سعيد يضغط في القبر حتى تخلتف أضلاعه. ~~وفي بعض المسانيد مرفوعا يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال ~~يعذب حتى يبعث وقيل الزقوم والضريع والغسلين في النار، وقيل الحرام ~~والكسب الخبيث. # وقال ابن عباس الشقاء وعنه قال كل ما أعطي العبد قل أم كثر فلم يتق فلا ~~خير فيه وهو الضنك في المعيشة. وإن قوما أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة ~~من الدنيا مكثرين منها فكانت معيشتهم وذلك أنهم يرون أن الله ليس بمخلف ~~لهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله تعالى. وقيل يسلب القناعة ~~حتى لا يشبع { ونحشره يوم القيامة أعمى } قال ابن عباس أعمى البصر وقيل ~~أعمى عن الحجة { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } يعني بصيرا ~~العين أو بصير بالحجة { قال كذلك } يعني كما { أتتك آياتنا فنسيتها } ~~يعني فطردتها وأعرضت عنها { وكذلك اليوم تنسى } يعني تترك في النار وقيل ~~نسوا من الخير والرحمة ولم ينسوا من العذاب { وكذلك نجزي من أسرف } يعني ~~كما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك نجزي من أسرف أي أشرك { ولم يؤمن بآيات ~~ربه ولعذاب الآخرة أشد } يعني مما يعذبهم الله به في الدنيا والقبر { ~~وأبقى } يعني وأدوم قوله تعالى: { أفلم يهد لهم } يعني أفلم يبين القرآن ~~لكفار مكة { كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم ms2252 } يعني في ~~ديارهم ومنازلهم إذ سافروا وذلك أن قريشا كانوا يسافرون إلى الشام فيرون ~~ديار المهلكين من أصحاب الحجر وهم ثمود وقريات قوم لوط { إن في ذلك لآيات ~~لأولي النهى } أي لذوي العقول { ولولا كلمة سبقت من ربك } أي ولولا حكم ~~سبق بتأخير العذاب عنهم { لكان لزاما وأجل مسمى } تقديره ولولا كلمة ~~سبقت من ربك وأجل مسمى وهو القيامة لكان العذاب لازما لهم في الدنيا كما ~~لزم القرون الماضية الكافرة. ### || [20.130-135] # { فاصبر على ما يقولون } نسختها آية السيف { وسبح بحمد ربك } أي صل بأمر ~~ربك { قبل طلوع الشمس } يعني صلاة الفجر { وقبل غروبها } أي صلاة العصر { ~~ومن آناء الليل } أي ومن ساعاته { فسبح } يعني فصل المغرب والعشاء قال ~~ابن عباس يريد أول الليل { وأطراف النار } يعني صلاة الظهر سمي وقت الظهر ~~أطراف النهار لأن وقته عند الزوال وهو طرف النصف الأول انتهاء وطرف النصف ~~الآخر ابتداء { لعلك ترضى } أي ترضى ثوابه في المعادن وقيل معناه لعلك ~~ترضى بالشفاعة، وقرىء ترضى بضم التاء أي تعطى ثوابه، وقيل يرضاك ربك ق عن ~~جرير بن عبد الله قال: # " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال ~~إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن ~~استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " # قوله لا تضامون بتخفيف الميم من الضيم، وهو الظلم والمعنى أنكم ترونه ~~جميعا لا يظلم بعضكم بعضا في رؤيته وروي بتشديد الميم من الانضمام ~~والازدحام، أي لا يزدحم ولا ينضم بعضكم إلى بعض في رؤيته والكاف في قوله ~~كما ترون هذا القمر كاف التشبيه للرؤية لا للمرئي وهي فعل الرائي، ومعناه ~~ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك كرؤيتكم هذا القمر ليلة البدر ولا ~~ترتابون فيه ولا تشكون قوله عز وجل: { ولا تمدن عينيك } # " قال أبو رافع نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فبعثني إلى يهودي ~~فقال قل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2253 يقول: " بعني كذا وكذا من ~~الدقيق أو سلفني إلى هلال رجب فأتيته فقلت له ذلك فقال والله لا أبيعه ~~ولا أسلفه إلا برهن فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال ~~والله لئن باعني أو أسلفني لقضيته إني لأمين في السماء وأمين في الأرض ~~أذهب بدرعي الحديد إليه " " # فنزلت هذه الآية: { ولا تمدن عينيك } أي لا تنظر نظرا تكاد تردده ~~استحسانا للمنظور إليه وإعجابا به وتمنيا له { إلى ما متعنا به } أي ~~أعطينا { أزواجا } أي أصنافا { منهم زهرة الحياة الدنيا } أي زينتها ~~وبهجتها { لنفتنهم فيه } أي لنجعل ذلك فتنة بأن تزيد النعمة فيزيدوا ~~كفرا وطغيانا { ورزق ربك } أي في المعاد في الجنة { خير وأبقى } أي ~~أدوم وقال أبي بن كعب من لم يعتز بالله تقطعت نفسه حسرات، ومن أتبع بصره ~~ما في أيدي الناس يطل حزنه ومن ظن أن نعمة الله عليه في مطعمه ومشربه ~~وملبسه فقد قل عمله وحضر عذابه. ف قوله تعالى: { وأمر أهلك } أي قومك ~~وقيل من كان على دينك { بالصلاة } يعني بالمحافظة عليها { واصطبر عليها } ~~يعني اصبر على الصلاة فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وقيل اصبر عليها فإن ~~الوعظ بلسان الفعل أبلغ منه بلسان القول { لا نسألك رزقا } أي لا نكلفك ~~أن ترزق أحدا من خلقنا ولا أن ترزق نفسك بل نكلفك عملا { نحن نرزقك } ~~أي بل نحن نرزقك ونرزق أهلك { والعاقبة للتقوى } أي الخصلة المحمودة لأهل ~~التقوى قال ابن عباس الذين صدقوك واتبعوك وآمنوا بك وفي بعض المسانيد أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم بالصلاة وتلا هذه ~~الآية قوله تعالى { وقالوا } يعني المشركين { لولا يأتينا بآية من ربه } ~~أي الآية المقترحة فإنه كان قد أتاهم بآيات كثيرة { أولم تأتهم بينة ما ~~في الصحف الأولى } أي بيان ما فيها وهو القرآن لأنه أقوى دلالة وأوضح آية ~~وقيل معنى ما في الصحف ما في التوراة والإنجيل وغيرهما من أخبار الأمم ~~أنهم اقترحوا الآيات فلما أتتهم لم يؤمنوا فعجلنا لهم العذاب ms2254 والهلاك فما ~~يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم كحال أولئك وقيل بينة ما في الصحف ~~الأولى هي البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وبعثته { ولو أنا ~~أهلكناهم بعذاب من قبله } أي من قبل إرسال الرسل وإنزال القرآن { لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسلا } أي لقالوا يوم القيامة أولا أرسلت إلينا ~~رسولا يدعونا { فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } بالعذاب والهوان ~~والافتضاح { قل كل متربص } أي منتظر دوائر الزمان وذلك أن المشركين قالوا ~~نتربص بمحمد ريب المنون وحوادث الدهر فإذا مات تخصلنا قال الله تعالى: { ~~فتربصوا } أي فانتظروا { فستعلمون } أي إذا جاء أمر الله وقامت القيامة { ~~ومن أصحاب الصراط السوي } يعني المستقيم { ومن اهتدى } يعني من الضلالة ~~نحن أم أنتم والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1-10] # قوله عز وجل: { اقترب للناس حسابهم } أي وقت محاسبة الله إياهم على ~~أعمالهم يوم القيامة. نزل في منكري البعث وإنما ذكر الله هذا الاقتراب ~~لما فيه من المصلحة للمكلفين، فيكونون أقرب إلى التأهب له، والمراد ~~بالناس المحاسبون وهم المكلفون دون غيرهم، وقيل هم المشركون وهذا من باب ~~إطلاق اسم الجنس على بعضه { وهم في غفلة معرضون } أي عن التأهب له وقيل ~~معناه أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم مع اقتضاء ~~عقولهم أنه لا بد من جزاء المحسن والمسيء ثم إذا نبهوا من سنة الغفلة بما ~~يتلى من الآيات والنذر أعرضوا عنه { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } ~~يعني ما يحدث الله من تنزيل شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم به وقيل معناه ~~إن الله يحدث الأمر بعد الأمر فينزل الآية بعد الآية والسورة بعد السورة ~~في وقت الحاجة لبيان الأحكام وغيرها من الأمور والوقائع وقيل الذكر ~~المحدث ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وبينه من السنن والمواعظ سوى ما ~~في القرآن وأضافه إليه لأن الله تعالى قال وما ينطق عن الهوى إن هو إلا ~~وحي يوحى { إلا استمعوه وهم يلعبون } أي لاعبين لا يعتبرون ولا ms2255 يتعظون { ~~لاهية قلوبهم } أي ساهية معرضة غافلة عن ذكر الله { وأسروا النجوى الذين ~~ظلموا } أي بالغوا في إخفاء التناجى وهم الذين أشركوا ثم بين سرهم الذي ~~تناجوا به، فقال تعالى مخبرا عنهم { هل هذا إلا بشر مثلكم } يعني أنهم ~~أنكروا إرسال البشر وطلبوا إرسال الملائكة والأولى إرسال البشر إلى البشر ~~لأن الإنسان إلى القبول من أشكاله أقرب { أفتأتون السحر } يعني أتحضرون ~~السحر وتقبلونه { وأنتم تبصرون } يعني تعلمون أنه سحر { قال } لهم محمد { ~~ربي يعلم القول في السماء والأرض } يعني لا يخفى عليه شيء { وهو السميع } ~~لأقوالهم { العليم } بأفعالهم. قوله عز وجل: { بل قالوا أضغاث أحلام } ~~يعني أباطيل وأهاويل رآها في النوم { بل افتراه } يعني اختلقه { بل هو ~~شاعر } وذلك أن المشركين اقتسموا القول في النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفيما يقوله، فقال بعضهم أضغاث أحلام وقال بعضهم بل هو فرية وقال بعضهم ~~هو شاعر وما جاءكم به شعر { فليأتنا } يعني النبي صلى الله عليه وسلم { ~~بآية } يعني بحجة إن كان صادقا { كما أرسل الأولون } أي من الرسل ~~بالآيات قال الله تعالى مجيبا لهم { ما آمنت قبلهم } أي قبل مشركي مكة { ~~من قرية } أي من أهل قرية أتتهم الآيات { أهلكناها } يعني بالتكذيب { ~~أفهم يؤمنون } يعني إن جاءتهم آية والمعنى أن أولئك لم يؤمنوا بالآيات ~~لما جاءتهم أفيؤمن هؤلاء. قوله تعالى: { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم } هذا جواب لقولهم هل هذا إلا بشر مثلكم، والمعنى إنا لم نرسل ~~الملائكة إلى الأولين إنما أرسلنا رجالا يوحى إليهم مثلك { فأسألوا أهل ~~الذكر } يعني أهل التوراة والإنجيل يريد علماء أهل الكتاب، فإنهم لا ~~ينكرون أن الرسل كانوا بشرا وإن أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~أمر الله المشركين بسؤال أهل الكتاب لأن المشركين أقرب إلى تصديقهم من ~~تصديق من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وقيل أراد بالذكر القرآن يعني ~~فاسئلوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن { إن كنتم لا تعلمون } قوله عز ~~وجل: { وما جعلناهم } أي الرسل { جسدا لا يأكلون الطعام } هذا ms2256 رد لقولهم ~~ما لهذا الرسول يأكل الطعام، والمعنى لم نجعلهم ملائكة بل جعلناهم بشرا ~~يأكلون الطعام { وما كانوا خالدين } يعني في الدنيا بل يموتون كغيرهم { ~~ثم صدقناهم الوعد } يعني الذي وعدناهم بإهلاك أعدائهم { فأنجيناهم ومن ~~نشاء } يعني من المؤمنين الذين صدقوهم { وأهلكنا المسرفين } يعني ~~المشركين لأن المشرك مسرف على نفسه. # قوله عز وجل: { لقد أنزلنا إليكم } يعني يا معشر قريش { كتابا فيه ~~ذكركم } يعني شرفكم وفخركم وهو شرف لمن آمن به، وقيل معناه فيه حديثكم، ~~وقيل فيه ذكر ما تحتاجون إليه من أمر دينكم وقيل فيه تذكرة لكم لتحذروا ~~فيكون الذكر بمعنى الوعد والوعيد { أفلا تعقلون } فيه بعث على التدبر لأن ~~الخوف من لوازم العقل. ### || [21.11-23] # قوله تعالى: { وكم قصمنا } يعني أهلكنا { من قرية كانت ظالمة } يعني ~~كافرة والمراد أهل القرية { وأنشأنا بعدها } أي أحدثنا بعد هلاك أهلها { ~~قوما آخرين فلما أحسوا بأسنا } أي عذابنا بحاسة البصر { إذا هم منها ~~يركضون } يعني يسرعون هاربين من قريتهم لما رأوا مقدمة العذاب { لا ~~تركضوا } يعني قيل لهم لا تهربوا { وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } يعني ~~تنعمتم فيه من العيش { ومساكنكم لعلكم تسألون } قال ابن عباس عن قتل ~~نبيكم، قيل نزلت هذه الآية في أهل حضرموت قرية باليمن، وكان أهلها عربا ~~فبعث الله إليهم نبيا يدعوهم إلى الله فكذبوه وقتلوه، فسلط الله عليهم ~~بختنصر فقتلهم وسباهم، فلما استمر فيهم القتل هربوا فقالت الملائكة لهم ~~استهزاء لا تركضوا، أي لا تهربوا وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم لعلكم ~~تسألون شيئا من دنياكم فتعطون من شئتم وتمنعون من شئتم، فإنكم أهل ثروة ~~ونعمة فأتبعهم بختنصر وأخذتهم السيوف، ونادى مناد من جو السماء يا لثارات ~~الأنبياء فلما رأوا ذلك، أقروا بالذنوب حين لم ينفعهم { قالوا يا ويلنا ~~إنا كنا ظالمين } يعني لأنفسنا حين كذبنا الرسل وذلك أنهم اعترفوا بالذنب ~~حين عاينوا العذاب، وقالوا ذلك على سبيل الندامة ولم ينفعهم الندم { فما ~~زالت تلك دعواهم } يعني تلك الكلمة وهي قولهم يا ويلنا { حتى جعلناهم ~~حصيدا } يعني بالسيوف كما يحصد ms2257 الزرع { خامدين } يعني ميتين. قوله عز ~~وجل: { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين } معناه ما سوينا هذا ~~السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من العجائب للعب واللهو، ~~سويناهما لفوائد منها التفكر في خلقهما وما فيهما من العجائب والمنافع ~~التي لا تعد ولا تحصى { لو أردنا أن نتخذ لهوا } قال ابن عباس: اللهو ~~المرأة وعنه أنه الولد { لاتخذناه من لدنا } يعني من عندنا من الحور ~~العين لا من عندكم من أهل الأرض، وقيل معناه لو كان ذلك جائزا في حقنا ~~لم نتخذه بحيث يظهر لكم بل نستر، ذلك حتى لا تتطلعوا عليه، وذلك أن ~~النصارى لما قالوا، في المسيح وأمه ما قالوا رد الله عليهم بقوله ~~لاتخذناه من لدنا لأنكم لا تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا ~~عند غيره { إن كنا فاعلين } يعني ما كنا فاعلين، وقيل ما كنا ممن يفعل ~~ذلك لأنه لا يليق بالربوبية { بل } يعني دع ذلك الذي قالوه فإنه كذب ~~وباطل { نقذف } يعني نرمي ونسلط { بالحق } يعني بالإيمان { على الباطل } ~~يعني على الكفر، وقيل الحق قول الله أنه لا ولد له والباطل قولهم اتخذ ~~الله ولدا { فيدمغه } فيهلكه { فإذا هو زاهق } يعني ذاهب والمعنى أنا ~~نبطل كذبهم بما نبين من الحق حتى يذهب ويضمحل، ثم أوعدهم على كذبهم فقال ~~تعالى { ولكم الويل } يا معشر الكفار { مما تصفون } الله بما لا يليق من ~~الصحابة والولد { وله من في السموات والأرض } يعني عبيدا وملكا وهو ~~الخالق لهم والمنعم عليهم بأصناف النعم { ومن عنده } يعني الملائكة وإنما ~~خص الملائكة وإن كانوا داخلين في جملة من في السموات لكرامتهم ومزيد ~~الاعتناء بهم { لا يستكبرون عن عبادته } يعني لا يتكبرون ولا يتعظمون ~~عنها { ولا يستحسرون } يعني لا يعيون ولا يتعبون، وقيل لا ينقطعون عن ~~العبادة ثم وصفهم الله تعالى { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } يعني لا ~~يضعفون ولا يسأمون، وذلك أن تسبيحهم متصل دائم لا يفتر في جميع أوقاتهم ~~لا تتخلله فترة بفراغ أو شغل أخر قال كعب ms2258 الأحبار التسبيح لهم كالنفس ~~لبني آدم { آم اتخذوا آلهة من الأرض } يعني الأصنام من الحجارة والخشب ~~وغيرهم من المعادن وهي من الأرض { هم ينشرون } يعني يحيون الأموات إذ لا ~~يستحق الإلهية إلا من يقدر على الإحياء والإيجاد من العدم والإنعام بأبلغ ~~وجوه النعم، وهو الله عز وجل { لو كان فيهما } يعني في السماء والأرض { ~~آلهة إلا الله } يعني غير الله { لفسدتا } يعني لخربتا وهلك من فيهما ~~الوجود والتمانع من الآلهة لأن كل أمر صدر عن الاثنين فأكثر لم يجر على ~~النظام وقال الإمام فخر الدين الرازي قال المتكلمون القول بوجود إلهين ~~يفضي إلى المحال، فوجب أن يكون القول بوجود إلهين محالا، وإنما قلنا إنه ~~يفضي إلى المحال لأنا لو فرضنا وجود إلهين، فلا بد وأن يكون كل واحد ~~منهما قادرا على كل المقدورات، ولو كان كذلك لكان كل واحد منهما قادرا ~~على تحريك زيد وتسكينه. # لو فرضنا أن أحدهما أراد تحريكه وأراد تسكينه، فإما أن يقع المرادان وهو ~~محال لاستحالة الجمع بين الضدين أو لا يقع واحد منهما وهو محال لأن ~~المانع من وجود مراد كل واحد منهما مراد الآخر فلا يمتنع مراد هذا إلا ~~عند وجود مراد ذلك وبالعكس فلو امتنعن معا وذلك محال أو يقع مراد ~~أحدهما: دون الثاني وذلك أيضا محال لوجهين أحدهما أنه لو كان كل واحد ~~منهما قادرا على ما لا نهاية له امتنع كون أحدهما أقدر من الآخر، بل لا ~~بد وأن يستويا في القدرة وإذا استويا في القدرة استحال أن يصير مراد ~~أحدهما أولى بالوقوع من مراد الثاني وإلا لزم ترجيح الممكن من غير مرجح. ~~وثانيهما: أنه إذا وقع مراد أحدهما دون الآخر فالذي وقع مراده يكون ~~قادرا والذي لم يقع مراده يكون عاجزا والعجز نقص، وهو على الإله محال. ~~ولو فرضنا إلهين، لكان كل واحد منهما قادرا على جميع المقدورات فيفضي ~~إلى وقوع مقدور من قادرين مستقلين من وجه واحد، وهو محال لأن إسناد الفعل ~~إلى الفاعل إنما كان لإمكانه، فإذا كان ms2259 كل واحد منهما مستقلا بالإيجاد ~~فالفعل لكونه من هذا يكون واجب الوقوع فيستحيل إسناده إلى هذا لكونه ~~حاصلا منهما جميعا، فيلزم استغناؤه عنهما معا واحتياجه إليهما معا، ~~وذلك محال وهذه حجة تامة في مسألة التوحيد فنقول القول بوجود إلهين يفضي ~~إلى امتناع وقوع المقدور بواحد منهما، وإذا كان كذلك وجب أن لا يقع ألبتة ~~وحينئذ يلزم وقوع الفساد قطعا، أو نقول لو قدرنا إلهين فإما أن يتفقا أو ~~يختلفا، فإن اتفقا على الشيء الواحد فذلك الواحد مقدور لهما ومراد لهما ~~فيلزم وقوعه بهما، وهو محال وإن اختلفا فإما أن يقع المرادان أو لا يقع ~~واحد منهما أو يقع أحدهما دون الثاني والكل محال فثبت أن الفساد لازم على ~~كل التقديرات. # واعلم أنك إذا وقفت على حقيقة هذه الدلالة عرفت أن جميع ما في العالم ~~العلوي والسفلي من المحدثات والمخلوقات فهو دليل على وحدانية الله تعالى. ~~وأما الدلائل السمعية على الوحدانية فكثيرة في القرآن، واعلم أن كل من ~~طعن في دلالة التمانع ففسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض ~~آلهة يقول بإلهيتها عبدة الأصنام، لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر ~~على تدبير العالم فلزم إفساد العالم قالوا وهذا أولى لأنه تعالى حكى عنهم ~~في قوله: { أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون } ثم ذكر الدلالة على فساد ~~هذا فوجب أن يختص الدليل به وأما قوله { فسبحان الله رب العرش عما يصفون ~~} ففيه تنزيه الله سبحانه وتعالى عما يصفه به المشركون من الشريك والولد ~~{ لا يسأل عما يفعل } يعني لا يسأل عما يفعله ويقضيه في خلقه { وهم ~~يسألون } يعني والناس عن أعمالهم، والمعنى أنه لا يسأل عما يحكم في عباده ~~من إعزاز وإذلال وهدى وإضلال وإسعاد وإشقاء لأنه الرب مالك الأعيان ~~والخلق يسألون سؤال توبيخ. يقال لهم يوم القيامة لم فعلتم كذا لأنهم عبيد ~~يجب عليهم امتثال أمر مولاهم. والله تعالى ليس فوقه أحد يقول له لشيء ~~فعله لم فعلته. ### || [21.24-33] # قوله عز وجل: { أم اتخذوا من دونه آلهة ms2260 } لما أبطل الله تعالى أن تكون ~~آلهة سواه، بقوله لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا أنكر عليهم اتخاذهم ~~الآلهة فقال أم اتخذوا من دونه آلهة وهو استفهام إنكار وتوبيخ { قل هاتوا ~~برهانكم } أي حجتكم على ذلك ثم قال مستأنفا { هذا } يعني القرآن { ذكر ~~من معي } يعني فيه خبر من معي على ديني ومن يتبعني إلى يوم القيامة بما ~~لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية { وذكر } يعني خبر { من ~~قبلي } أي من الأمم السالفة وما فعل بهم في الدنيا وما يفعل بهم في ~~الآخرة. وقال ابن عباس ذكر من معي القرآن وذكر من قبلي التوراة والإنجيل، ~~والمعنى راجعوا القرآن والتوراة والإنجيل وسائر الكتب، هل تجدون فيها أن ~~الله اتخذ ولدا أو كان معه آلهة { بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ~~} قوله عز وجل: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله ~~إلا أنا فاعبدون } أي فوحدوني، وقيل لما توجهت الحجة عليهم، ذمهم على ~~جهلهم بمواضع الحق، فقال بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون، أي عن ~~التأمل والتفكر وما يجب عليهم من الإيمان بأنه لا إله إلا هو. قوله ~~تعالى: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } نزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة ~~بنات الله { سبحانه } نزه نفسه عما قالوا. { بل عباد } أي هم عباد يعني ~~الملائكة { مكرمون } أي أكرمهم الله واصطفاهم { لا يسبقونه } أي لا ~~يتقدمونه { بالقول } أي يتكلمون إلا بما يأمرهم به { وهم بأمره يعملون } ~~المعنى أنهم لا يخالفونه قولا ولا عملا { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~} أي ما عملوا وما هم عاملون وقيل ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم { ~~ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } قال ابن عباس إلا لمن قال لا إله إلا الله ~~وقيل إلا لمن رضى الله تعالى عنه { وهم من خشيته مشفقون } أي خائفون ~~وجلون لا يأمنون مكره { ومن يقل منهم إني إله من دونه } قيل عنى به إبليس ~~حيث دعا إلى عبادة نفسه فإن أحدا من ms2261 الملائكة لم يقل إني إله من دون ~~الله { فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين } أي الواضعين الإلهية ~~والعبادة في غير موضعها. قوله عز وجل { أولم ير الذين كفروا } أي ألم ~~يعلم الذين كفروا { أن السموات والأرض كانتا رتقا } قال ابن عباس كانتا ~~شيئا واحدا ملتزقتين { ففتقناهما } أي فصلنا بينهما بالهواء. قال كعب: ~~خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحا بوسطهما ففتحهما ~~بها، وقيل كانت السموات مرتتقة طبقة واحدة، ففتقها وجعلها سبع سموات ~~وكذلك الأرض، وقيل كانت السماء رتقا لا تمطر، والأرض رتقا لا تنبت، ~~ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات { وجعلنا من الماء كل شيء حي } أي ~~وأحيينا بالماء الذي ينزل من السماء كل شيء، من الحيوان ويدخل فيه النبات ~~والشجر، وذلك لأنه سبب لحياة كل شيء، وقال المفسرون: معناه أن كل شيء حي ~~فهو مخلوق من الماء وقيل يعني النطفة. # فإن قلت قد خلق الله بعض ما هو حي من غير الماء كآدم وعيسى والملائكة ~~والجان. قلت خرج هذا الأمر مخرج الأغلب والأكثر يعني أن أكثر ما على وجه ~~الأرض مخلوق من الماء أو بقاؤه بالماء { أفلا يؤمنون } أي أفلا يصدقون { ~~وجعلنا في الأرض رواسي } أي جبالا ثوابت { أن تميد بهم } أي لئلا تميد ~~بهم، قيل إن الأرض بسطت على الماء فكانت تتحرك كما تتحرك السفينة في ~~الماء فأرساها الله فأثبتها بالجبال { وجعلنا فيها } أي في الرواسي { ~~فجاجا } أي طرقا ومسالك والفج الطريق الواسع بين جبلين { سبلا } وهو ~~تفسير الفجاج { لعلهم يهتدون } أي إلى مقاصدهم { وجعلنا السماء سقفا ~~محفوظا } أي من أن يسقط ويقع وقيل محفوظا من الشياطين بالشهب { وهم } ~~يعني الكفار { عن آياتها معرضون } أي عما خلق الله فيها من الشمس والقمر ~~والنجوم، وكيفية حركاتها في أفلاكها ومطالعها ومغاربها، والترتيب العجيب ~~الدال على الحكمة البالغة القدرة القاهرة، لا يتفكرون ولا يعتبرون بها { ~~وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس كل في فلك يسبحون } أي يجرون ويسيرون ~~بسرعة كالسابح في الماء. وإنما قال يسبحون ولم يقل تسبح، على ms2262 ما يقال لما ~~لا يعقل لأنه ذكر عنها فعل العقلاء، وهو السباحة والجري. والفلك مدار ~~النجوم الذي يضمها وهو في كلام العرب كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك وقيل ~~الفلك طاحونة كهيئة فلك المغزل، يريد أن الذي تجري فيه النجوم مستدير ~~كاستدارة الرحى، وقيل الفلك السماء الذي فيه ذلك الكوكب فكل كوكب يجري في ~~السماء الذي قدر فيه وقيل الفلك استدارة السماء، وقيل الفلك موج مكفوف ~~دون السماء تجري فيه الشمس والقمر والنجوم وقال أصحاب الهيئة الأفلاك ~~أجرام صلبة لا ثقيلة ولا خفيفة غير قابلة للخرق والالتئام والنمو ~~والذبول، والحق أنه لا سبيل إلى معرفة صفة السموات إلا بأخبار الصادق ~~فسبحان الخالق المدبر لخلقه بالحكمة والقدرة الباهرة غير المتناهية. ### || [21.34-43] # قوله عز وجل: { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } يعني الدوام والبقاء ~~في الدنيا { أفإن مت فهم الخالدون } نزلت هذه الآية حين قالوا نتربص ~~بمحمد ريب المنون نشمت بموته، فنفى الله الشماتة عنه بهذا والمعنى أن ~~الله تعالى قضى أن لا يخلد في الدنيا بشرا لا أنت ولا هم فإن مت أنت ~~أفيبقى هؤلاء وفي معناه قول القائل: # فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا # { كل نفس ذائقة الموت } هذا العموم مخصوص بقوله تعالى: تعلم ما في نفسي ~~ولا أعلم ما في نفسك فإن الله تعالى حي لا يموت ولا يجوز عليه الموت. ~~والذوق هاهنا عبارة عن مقدمات الموت وآلامه العظيمة قبل حلوله { ونبلوكم ~~} أي نختبركم { بالشر والخير } أي بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى ~~والفقر، وقيل مما تحبون وما تكرهون { فتنة } أي ابتلاء لننظر كيف شكركم ~~فيما تحبون وصبركم فيما تكرهون { وإلينا ترجعون } أي للحساب والجزاء. ~~قوله عز وجل { وإذا رآك الذين كفروا إن } أي ما { يتخذونك إلا هزوا } ~~أي سخريا قيل نزلت في أبي جهل مر به النبي صلى الله عليه وسلم فضحك وقال ~~هذا نبي بني عبد مناف { أهذا الذي يذكر آلهتكم } أي يقول بعضهم لبعض أهذا ~~الذي يعيب ألهتكم والذكر يطلق على المدح والذم مع القرينة { وهم ms2263 بذكر ~~الرحمن هم كافرون } وذلك أنهم كانوا يقولون لا نعرف الرحمن إلا رحمن ~~اليمامة وهو مسيلمة الكذاب قوله تعالى { خلق الإنسان من عجل } قيل معناه ~~أن بنيته وخلقته من العجلة وعليها طبع، وقيل لما دخل الروح في رأس آدم ~~وعينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن ~~تبلغ الروح إلى رجليه عجلا إلى ثمار الجنة، فوقع فقيل خلق الإنسان من ~~عجل وأورث بنيه العجلة وقيل معناه خلق الإنسان من تعجيل في خلق الله ~~إياه، لأن خلقه كان بعد كل شيء في آخر النهار يوم الجمعة، فأسرع في خلقه ~~قبل مغيب الشمس فلما أحيا الروح رأسه قال يا رب استعجل بخلقي قبل غروب ~~الشمس، وقيل خلق بسرعة وتعجيل على غير قياس خلق بنيه لأنهم خلقوا من نطفة ~~ثم من علقة ثم من مضغة أطوارا أطوارا طورا بعد طور وقيل خلق الإنسان ~~من عجل أي من طين قال الشاعر: # والنخل ينبت بين الماء والعجل # أي بين الماء والطين. وقيل أراد بالإنسان النوع الإنساني يدل عليه قوله ~~{ سأريكم آياتي فلا تستعجلون } وذلك أن المشركين كانوا يستعجلون العذاب، ~~وقيل نزلت في النضر بن الحرث، ومعنى سأريكم آياتي أي مواعيدي فلا تطلبوا ~~العذاب قبل وقته فأراهم يوم بدر، وقيل كانوا يستعجلون القيامة فلذلك قال ~~تعالى { ويقولون } يعني المشركين { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } وهذا ~~هو الاستعجال المذموم المذكور على سبيل الاستهزاء فبين تعالى أنهم إنما ~~يقولون ذلك لجهلهم وغفلتهم، بين ما لهؤلاء المستهزئين فقال تعالى: { لو ~~يعلم الذين كفروا حين لا يكفون } يعني لا يدفعون { عن وجوههم النار ولا ~~عن ظهورهم } قيل السياط { ولا هم ينصرون } أي لا يمنعون من العذاب ~~والمعنى لو علموا لما أقاموا على كفرهم ولما استعجلوا بالعذاب ولما قالوا ~~متى هذا الوعد إن كنتم صادقين { بل تأتيهم } يعني الساعة { بغتة } أي ~~فجأة { فتبهتهم } أي تحيرهم { فلا يستطيعون ردها } أي صرفها ودفعها عنهم ~~{ ولا هم ينظرون } أي لا يمهلون للتوبة والمعذرة { وقد استهزىء برسل من ms2264 ~~قبلك } أي يا محمد كما استهزأ بك قومك { فحاق } أي نزل وأحاط { بالذين ~~سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون } أي عقوبة استهزائهم وفيه تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أي فكذلك يحيق بهؤلاء وبال استهزائهم. # قوله تعالى { قل من يكلؤكم } أي يحفظكم { بالليل } إذ نمتم { والنهار } ~~إذا انصرفتم في معايشكم { من الرحمن } قال ابن عباس معناه من يمنعكم من ~~عذاب الرحمن { بل هم عن ذكر ربهم } أي عن القرآن ومواعظه { معرضون } أي ~~لا يتأملون في شيء منها { أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا } معناه ألهم آلهة ~~من دوننا تمنعهم ثم وصف آلهتهم بالضعف فقال { لا يستطيعون نصر أنفسهم } ~~أي لايقدرون على نصر أنفسهم فكيف ينصرون من عبدهم { ولا هم منا يصحبون } ~~قال ابن عباس يمنعون وقيل يجارون وقيل ينصرون وقيل معناه لا يصبحون من ~~الله بخير. ### || [21.44-57] # { بل متعنا هؤلاء } يعني الكفار { وآباءهم } أي في الدنيا بأن أنعمنا ~~عليهم وأمهلناهم { حتى طال عليهم العمر } أي امتد بهم الزمان فاغتروا { ~~أفلا يرون } يعني هؤلاء المشركين { أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } ~~يعني ننقص من أطراف المشركين، ونزيد من أطراف المؤمنين يريد بذلك ظهور ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفتحه ديار الشرك أرضا فأرضا وقرية فقرية، ~~والمعنى أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله المستعجلون بالعذاب آثار قدرتنا ~~في إتيان الأرض من جوانبها بأخذ الواحد، بعد الواحد وفتح البلاد والقرى ~~مما حول مكة وإدخالها في ملك محمد صلى الله عليه وسلم، وموت رؤوس ~~المشركين المتنعمين بالدنيا. أما كان لهم عبرة في ذلك فيؤمنوا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم ويعلموا أنهم لا يقدرون على الامتناع منا ومن إرادتنا ~~فيهم ثم قال { أفهم الغالبون } استفهام بمعنى التقريع معناه بل نحن ~~الغالبون وهم المغلوبون { قل } يا محمد { إنما أنذركم بالوحي } أي أخوفكم ~~بالقرآن { ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون } أي يخوفون { ولئن مستهم ~~} أي أصابتهم { نفحة من عذاب ربك } قال ابن عباس طرف وقيل شيء قليل { ~~ليقولن يا ويلنا إن كنا ظالمين } دعوا على أنفسهم بالويل ms2265 بعد ما أقروا ~~على أنفسهم بالظلم والشرك. وقوله عز وجل { ونضع الموازين القسط } أي ~~ذوات العدل ومعنى وصفها بذلك لأن الميزان قد يكون مستقيما وقد يكون ~~بخلافه فبين أن تلك الموازين تجري على حد العدل ومعنى وضعها إحضارها { ~~ليوم القيامة } أي لأهل يوم القيامة قيل المراد بالميزان العدل والقسط ~~بينهم في الأعمال، فمن أحاطت حسناته بسيئاته فاز ونجا وبالعكس ذل وخسر، ~~والصحيح الذي عليه أئمة السلف أن الله سبحانه وتعالى يضع الموازين ~~الحقيقية ويزن بها أعمال العباد، وقال الحسن هو ميزان له كفتان ولسان ~~وأكثر الأقوال أنه ميزان واحد وإنما جمع لاعتبار تعدد الأعمال الموزونة ~~به. وروي أن داود عليه الصلاة والسلام سأل ربه عز وجل أن يريه الميزان ~~فأراه كل كفته ما بين المشرق والمغرب فلما رآه غشي عليه، ثم فاق فقال ~~إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ قال يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ~~ملأتها بتمرة. فعلى هذا ففي كيفية وزن الأعمال مع أنها أعراض طريقان: ~~أحدهما: أن توضع صحائف الأعمال فتوضع صحائف الحسنات في كفة، وصحائف ~~السيئات في كفة. والثاني: أن يجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي ~~كفة السيئات جواهر سود مظلمة. فإن قلت كيف تصنع بقوله ونضع الموازين ~~القسط مع قوله فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا. قلت هذه في حق الكفار ~~لأنهم ليس لهم أعمال توزن مع الكفر. وقوله تعالى { فلا تظلم نفس شيئا } ~~يعني لا تبخس مما لها وما عليها من خير وشر شيئا { وإن كان مثقال حبة من ~~خردل أتينا بها } معناه أنه لا ينقص من إحسان محسن، ولا يزاد في إساءة ~~مسيء، وأراد بالحبة الجزء اليسير من الخردل، ومعنى أتينا بها يعني ~~أحضرناها لنجازي بها. # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له ~~تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يقول أتنكر من هذا شيئا، أظلمك ms2266 ~~كتبتي الحافظون، فيقول لا يارب، فيقول أفلك عذر، فيقول لا يا رب. فيقول ~~الله تعالى بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة ~~فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول أحضر ~~وزنك فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقال إنك لا تظلم فتوضع ~~السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل ~~مع اسم الله شيء " # أخرجه الترمذي. السجل الكتاب الكبير، وأصله من التسجيل لأنه يجمع ~~أحكاما والبطاقة ورقة صغيرة تجعل في طي الثوب يكتب فيها ثمنه، والطيش ~~الخفة، قلت في الحديث دليل على أن صحائف الأعمال هي التي توزن لا أن ~~الأعمال تتجسد جواهر فتوزن والله أعلم. قوله تعالى { وكفى بنا حاسبين } ~~قال ابن عباس معناه كفى بنا عالمين حافظين لأن من حسب شيئا فقد علمه ~~وحفظه، والغرض منه التحذير فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن ~~يشتبه عليه شيء وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون ~~بأشد الخوف منه ويروى عن الشبلي أنه رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله ~~بك فقال: # حاسبونا فدققوا ثم منوا فأعتقوا هكذا سيمة الملو ~~ك بالمماليك يرفقوا # قوله عز وجل { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان } يعني الكتاب المفرق ~~بين الحق والباطل وهو التوراة، وقيل الفرقان النصر على الأعداء فعلى هذا ~~يكون { وضياء } يعني التوراة ومن قال الفرقان هو التوراة جعل الواو زائدة ~~في وضياء والمعنى آتينا موسى التوراة ضياء { وذكرا للمتقين } يعني ~~يتذكرون بمواعظها ويعملون بما فيها { الذين يخشون ربهم بالغيب } أي ~~يخافونه ولم يروه، وقيل يخافونه في الخلوات إذا غابوا عن أعين الناس { ~~وهم من الساعة مشفقون } أي خائفون { وهذا ذكر مبارك أنزلناه } أي كما ~~آتينا موسى التوراة، فكذلك أنزلنا القرآن ذكرا مباركا، أي هو ذكر لمن ~~آمن به مبارك يتبرك به ويطلب منه الخير { أفأنتم } يا أهل مكة { له ~~منكرون } أي جاحدون. قوله تعالى { ولقد ms2267 آتينا إبراهيم رشده } أي صلاحه ~~وهداه { من قبل } أي من قبل موسى وهرون، وقيل من قبل البلوغ وهو حين خرج ~~من السرب وهو صغير { وكنا به عالمين } أي إنه من أهل الهداية والنبوة { ~~إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل } يعني الصور والأصنام { التي أنتم ~~لها عاكفون } أي مقيمون على عبادتها { قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين } ~~أي فاقتدينا بهم { قال } يعني إبراهيم { لقد كنتم أنتم وآباءكم في ضلال ~~مبين } أي في خطأ بين بعبادتكم إياها { قالوا أجئتنا بالحق } أي بالصدق { ~~أم أنت من اللاعبين } يعنون أجاد أنت فيما تقول أم أنت لاعب { قال بل ~~ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن } أي خلقهن { وأنا على ذلكم من ~~الشاهدين } أي على أنه الإله الذي يستحق العبادة، وقيل شاهد على أنه خالق ~~السموات والأرض { وتالله لأكيدن أصنامكم } أي لأمكرن بها { بعد أن تولوا ~~مدبرين } أي منطلقين إلى عيدكم، قيل إنما قال إبراهيم هذا القول سرا في ~~نفسه، ولم يسمع ذلك إلا رجل واحد من قومه فأفشاه عليه، وهو القائل إنا ~~سمعنا فتى يذكرهم، وقيل كان لهم في كل سنة مجمع وعيد فكانوا إذا رجعوا من ~~عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم رجعوا إلى منازلهم فلما كان ذلك ~~العيد قال أبو إبراهيم يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا ~~فخرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى الأرض وقال إني ~~سقيم أشتكي رجلي فتركوه ومضوا، فنادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس تالله ~~لأكيدن أصنامكم فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة وهن في بهو ~~عظيم، ومستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه صنم أصغر منه والأصنام جنبها ~~إلى جنب بعض كل صنم الذي يليه أصغر منه وهكذا إلى باب البهو، وإذا هم قد ~~جعلوا طعاما بين يدي الآلهة وقالوا إذا رجعنا وقد بركت الآلهة عليه ~~أكلنا منه، فلما نظر إبراهيم إليهم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال لهم ~~على طريق الاستهزاء # ألا تأكلون # [الصافات: 91] فلما لم ms2268 يجيبوه # ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين # [الصافات: 92-93] وجعل يكسرهن بفأس في يده حتى إذا لم يبق إلا الصنم ~~العظيم، علق الفأس في عنقه، وقيل في يده ثم خرج. ### || [21.58-68] # قوله تعالى: { فجعلهم جذاذا } أي كسرا وقطعا { إلا كبيرا لهم } أي ~~تركه ولم يكسره ووضع الفأس في عنقه، ثم خرج وقيل ربطه على يده وكانت ~~اثنين وسبعين صنما بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من حديد وبعضها من ~~نحاس ورصاص وحجر وخشب وكان الصنم الكبير من الذهب مكللا بالجواهر في ~~عينيه ياقوتتان تتقدان وقوله { لعلهم إليه يرجعون } قيل معناه يرجعون إلى ~~إبراهيم وإلى دينه وما يدعوهم إليه إذا علموا ضعف الآلهة وعجزها وقيل ~~معناه لعلهم يرجعون إلى الصنم فيسألونه ما لهؤلاء تكسروا وأنت صحيح ~~والفأس في عنقك، فلما رجع القوم من عيدهم إلى بيت آلهتهم ورأوا أصنام ~~مكسرة { قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين } أي في تكسيرها ~~واجترائه عليها { قالوا سمعنا فتى يذكرهم } أي يسبهم ويعيبهم { يقال له ~~إبراهيم } أي هو الذي نظن أنه صنع هذا فبلغ ذلك نمرود الجبار وأشراف قومه ~~{ قالوا فأتوا به على أعين الناس } أي جيئوا به ظاهرا بمرأى الناس وإنما ~~قاله نمرود { لعلهم يشهدون } أي عليه بأنه الذي فعل ذلك كرهوا أن يأخذوه ~~بغير بينة وقيل معناه لعلهم يحضرون عذابه وما يصنع به فلما أتوا به { ~~قالوا } له { أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال } يعني إبراهيم { بل ~~فعله كبيرهم هذا } غضب أن تعبدون معه هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرهن ~~وأراد إبراهيم بذلك إقامة الحجة عليهم فذلك قوله { فاسألوهم إن كانوا ~~ينطقون } أي حتى يخبروا بمن فعل ذلك بهم، وقيل: معناه إن قدروا على النطق ~~قدروا على الفعل فأراهم عجزهم عن النطق وفي ضمنه أنا فعلت ذلك ق عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتين منهن في ذات الله قوله إني سقيم ~~وقوله: فعله كبيرهم هذا، وقوله ms2269 لسارة: هذه أختي " # لفظ الترمذي قيل في قوله إني سقيم أي: سأسقم وقيل: سقيم القلب مغتم ~~بضلالتكم. وأما قوله بل فعله كبيرهم هذا فإنه علق خبره بشرط نطقه كأنه ~~قال: إن كان ينطق فهو على طريق التبكيت لقومه وقوله لسارة: هذه أختي، أي ~~في الدين والإيمان قال الله تعالى: # إنما المؤمنون إخوة # [الحجرات: 10] فكل هذه الألفاظ صدق في نفسها ليس فيها كذب. فإن قلت: قد ~~سماها النبي صلى الله عليه وسلم كذبات بقوله: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث ~~كذبات وقال في حديث الشفاعة ويذكر كذباته. قلت: معناه أنه لم يتكلم بكلام ~~صورته صورة الكذب، وإن كان حقا في الباطن إلا هذه الكلمات ولما كان ~~مفهوم ظاهرها خلاف باطنها أشفق إبراهيم عليه الصلاة والسلام منها ~~بمؤاخذته بها قال البغوي: وهذه التأويلات لنفي الكذب عن إبراهيم والأولى ~~هو الأول للحديث، ويجوز أن يكون الله أذن له في ذلك لقصد الصلاح وتوبيخهم ~~والاحتجاج عليهم، كما أذن ليوسف حين أمر مناديه فقال: أيتها العير إنكم ~~لسارقون ولم يكونوا سرقوا قال الإمام فخر الدين الرازي: وهذا القول مرغوب ~~عنه، والدليل القاطع عليه أنه لو جاز أن يكذب لمصلحة ويأذن الله فيه ~~فلنجوز هذا الاحتمال في كل ما أخبر الأنبياء عنه، وذلك يبطل الوثوق ~~بالشرائع ويطرق التهمة إلى كلها، الحديث محمول على المعاريض، فإنه فيها ~~مندوحة عن الكذب. # وقوله: { فرجعوا إلى أنفسهم } يعني تفكروا بقلوبهم ورجعوا إلى عقولهم { ~~فقالوا } ما نراه إلا كما قال { إنكم أنتم الظالمون } يعني بعبادتكم ما ~~لا يتكلم وقيل معناه أنتم الظالمون لهذا الرجل في سؤالكم إياه، وهذه ~~آلهتكم حاضرة فاسألوها { ثم نكسوا على رؤوسهم } قال أهل التفسير أجرى ~~الله الحق على ألسنتهم في القول الأول وهو إقرارهم على أنفسهم بالظلم ثم ~~أدركتهم الشقاوة فرجعوا إلى حالهم الأولى وهو قوله: ثم نكسوا على رؤوسهم ~~أي ردوا إلى الكفر وقالوا { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } يعني فكيف ~~نسألهم، فلما اتجهت الحجة لإبراهيم عليهم { قال } لهم { أفتعبدون من دون ~~الله ما لا ينفعكم شيئا ms2270 } يعني إن عبدتموه { ولا يضركم } يعني إن تركتم ~~عبادته { أف لكم } يعني تبا لكم { ولما تعبدون من دون الله } والمعنى ~~أنه حقرهم وحقر معبودهم { أفلا تعقلون } يعني أليس لكم عقل تعقلون به أن ~~هذه الأصنام لا تستحق العبادة؟ فلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب { ~~قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم } يعني أنكم لا تنصرونها إلا بتحريق إبراهيم ~~لأنه يعيبها ويطعن فيها { إن كنتم فاعلين } يعني ناصرين آلهتكم. قال ابن ~~عمر: الذي قال هذا رجل من الأكراد قيل اسمه هيزن فخسف الله به الأرض فهو ~~يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقيل: قاله نمرود بن كنعان بن سنحاريب بن ~~نمرود بن كوش بن حام بن نوح. ذكر القصة في ذلك فلما اجتمع نمرود وقومه ~~لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا بنيانا كالحظيرة بقرية يقال لها كوثى ~~ثم جمعوا له صلاب الحطب وأصناف الخشب مدة شهر حتى كان الرجل يمرض فيقول: ~~لئن عوفيت لأجمعن حطبا لإبراهيم وكانت المرأة تنذر في بعض ما تطلب لئن ~~أصابته لتحتطبن في نار إبراهيم، وكانت المرأة تغزل وتشتري الحطب بغزلها ~~احتسابا في دينها، وكان الرجل يوصي بشراء الحطب من ماله لإبراهيم، فلما ~~جمعوا ما أرادوا أشعلوا في كل ناحية من الحطب نارا فاشتعلت النار واشتدت ~~حتى إن الطير ليمر بها فتحرق من شدة وهجها وحرها، فأوقدوا عليها سبعة ~~أيام، فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم لم يعلموا كيف يلقونه، فقيل إن إبليس ~~جاء وعلمهم عمل المنجنيق فعملوه ثم عمدوا إلى إبراهيم فقيدوه ورفعوه على ~~رأس البنيان ووضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا، فصاحت السماء والأرض ومن ~~فيها من الملائكة وجميع الخلق إلا الثقلين صيحة واحدة: أي ربنا إبراهيم ~~خليلك يلقى في النار وليس في أرضك أحد يعبدك غيره، فأذن لنا في نصرته ~~فقال الله تعالى: إنه خليلي ليس لي خليل غيره وأنا إلهه ليس له إله غيري ~~فإن استغاث بأحد منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع ~~غيري، فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه، فلما ms2271 أرادوا إلقاءه في ~~النار أتاه خازن المياه وقال: إن أردت أخمدت النار، وأتاه خازن الهواء ~~وقال: إن شئت طيرت النار في الهواء فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم حسبي ~~الله ونعم الوكيل. # وروي عن أبي بن كعب أن إبراهيم قال حين أوثقوه في النار: لا إله إلا أنت ~~سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، ثم رموا به في المنجنيق إلى ~~النار، فاستقبله جبريل فقال: يا إبراهيم ألك حاجة قال: أما إليك فلا قال ~~جبريل فاسأل ربك فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي خ عن ابن عباس ~~في قوله تعالى: # وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل # [آل عمران: 173] قال: قالها إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ألقي في ~~النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين # قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم # [آل عمران: 173] قال كعب الأحبار: جعل كل شيء يطفىء عنه النار إلا الوزغ ~~فإنه كان ينفخ في النار ق عن أم شريك # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أمر بقتل الأوزاغ زاد البخاري ~~وقال كان ينفخ على إبراهيم " ### || [21.69-71] # قال عز وجل: { قلنا } يعني { يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم } ~~قال ابن عباس: لو لم يقل سلاما لمات إبراهيم من بردها، وفي بعض الآثار ~~أنه لم يبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت فلم ينتفع في ذلك اليوم بنار في ~~العالم، ولو لم يقل على إبراهيم بقيت ذات برد أبدا، وقيل: أخذت الملائكة ~~بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس. قال ~~كعب: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه قالوا: وكان إبراهيم في ذلك ~~الموضع سبعة أيام، قاله المنهال بن عمرو وقال إبراهيم: ما كنت أياما قط ~~أنعم مني من الإيام التي كنت في النار. وقيل: وبعث الله تعالى ملك الظل ~~في صورة إبراهيم فقعد إلى جنب إبراهيم يؤنسه. قالوا: وبعث الله عز وجل ~~جبريل بقميص من حرير الجنة وطنفسة فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة وقعد ~~معه يحدثه، وقال ms2272 جبريل: يا إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا ~~تضر أحبائي. ثم نظر نمرود وأشرف على إبراهيم من صرح له فرأه جالسا في ~~روضة والملك قاعد إلى جنبه وما حوله نار تحرق الحطب، فناداه يا إبراهيم ~~كبير إلهك الذي بلغت قدرته أن حال بينك وبين النار يا إبراهيم هل تستطيع ~~أن تخرج منها قال نعم. قال: هل تخشى إن قمت أن تضرك قال لا. قال: فقم ~~فاخرج منها فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها فلما وصل إليه قال له ~~إبراهيم من الرجل الذي رأيته معك مثلك في صورتك قاعدا إلى جنبك؟ قال: ~~ذلك ملك الظل أرسله إلى ربي ليؤنسني فيها فقال نمرود يا إبراهيم إني مقرب ~~إلى إلهك قربانا لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك حين أبيت إلا ~~عبادته وتوحيده وإني ذابح له أربعة آلاف بقرة. قال إبراهيم: لا يقبل الله ~~منك ما دمت على دينك حتى تفارقه وترجع إلى ديني فقال: لا أستطيع ترك ملكي ~~ولكن سوف أذبحها، فذبحها نمرود، وكف عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~ومنعه الله عز وجل منه قوله عز وجل { وأرادوا به كيدا } يعني أرادوا أن ~~يكيدوه { فجعلناهم الأخسرين } قيل: معناه أنهم خسروا السعي والنفقة ولم ~~يحصل لهم مرادهم. وقيل: إن الله تعالى أرسل على نمرود وقومه البعوض فأكلت ~~لحومهم وشربت دماءهم ودخلت في دماغه بعوضة فأهلكته. قوله تعالى: { ~~ونجيناه ولوطا } يعني من نمرود وقومه { إلى الأرض التي باركنا فيها ~~للعالمين } يعني إلى أرض الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار ~~والثمار والأنهار. وقال أبي بن كعب: بارك الله فيها وسماها مباركة لأنه ~~ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس. # وقيل: لأن أكثر الأنبياء منها ق عن أبي قتادة أن عمر بن الخطاب رضي الله ~~تعالى عنه قال لكعب: ألا تتحول إلى المدينة فيها مهاجر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقبره فقال كعب: إني وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير ~~المؤمنين أن ms2273 الشام كنز الله من أرضه وبها كنز من عباده عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم " # أخرجه أبو داود، أراد بالهجرة الثانية الهجرة إلى الشام يرغب في المقام ~~بها عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " طوبى لأهل الشام فقلت وما ذاك يا رسول الله قال لأن الملائكة باسطة ~~أجنحتها عليها " # أخرجه الترمذي # " عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: " قلت يا رسول الله أين تأمرني؟ ~~قال ها هنا ونحا بيده نحو الشام " " # أخرجه الترمذي. قال محمد بن إسحاق: استجاب لإبراهيم رجال من قومه حين ~~رأوا ما صنع الله تعالى به من جعل النار عليه بردا وسلاما على خوف من ~~نمرود وملئهم وآمنت به سارة بنت هاران الأكبر عم إبراهيم، وتبعه لوط وكان ~~ابن أخيه وهو لوط بن هاران وهو أخو إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث اسمه ~~ناخور فثلاثتهم أولاد تارخ وهو آزر، فخرج إبراهيم من كوثى من أرض العراق ~~مهاجرا إلى ربه معه لوط وسارة فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على ~~عبادة ربه حتى نزل حران فمكث بها ما شاء الله، ثم خرج مهاجرا حتى قدم ~~مصر، ثم خرج ورجع إلى الشام فنزل السبع من أرض فلسطين، ونزل لوط ~~بالمؤتفكة وهي على مسيرة يوم وليلة من السبع فبعثه الله نبيا إلى أهلها ~~وما قرب منها فذلك قوله تعالى { ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا ~~فيها للعالمين }. ### || [21.72-79] # قوله تعالى: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة } يعني عطية من عطاء الله. ~~قال ابن عباس: النافلة هو يعقوب لأن الله تعالى أعطى إبراهيم إسحاق ~~بدعائه حيث قال: رب هب لي من الصالحين وزاده يعقوب نافلة وهو ولد الولد { ~~وكلا جعلنا صالحين } يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب { وجعلناهم أئمة } يعني ~~قدوة يهتدى بهم في الخير { يهدون بأمرنا } يعني يدعون الناس إلى ديننا ~~بأمرنا { وأوحينا إليهم فعل الخيرات } يعني ms2274 العمل بالشرائع { وإقام ~~الصلاة } يعني المحافظة عليها { وإيتاء الزكاة } يعني الواجبة وخصهما لأن ~~الصلاة أفضل العبادات البدنية وشرعت لذكر الله والزكاة أفضل العبادات ~~المالية ومجموعها التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله { وكانوا لنا ~~عابدين } يعني موحدين قوله عز وجل { ولوطا أتيناه حكما } أي الفصل بين ~~الخصوم بالحق وقيل أراد الحكمة والنبوة { وعلما ونجيناه من القرية التي ~~كانت تعمل الخبائث } يعني قرية سدوم وأراد أهلها وأراد بالخبائث إتيان ~~الذكور في أدبارهم، وكانوا يتضارطون في مجالسهم مع أشياء أخرى كانوا ~~يعلمونها من المنكرات { إنهم كانوا قوم سوء فاسقين وأدخلناه في رحمتنا } ~~قيل: أراد بالرحمة النبوة وقيل أراد بها الثواب { إنه من الصالحين } أي ~~الأنبياء. قوله تعالى: { ونوحا إذ نادى من قبل } أي من قبل إبراهيم ولوط ~~{ فاستجبنا له } أي أجبنا دعاءه { فنجيناه وأهله من الكرب العظيم } قال ~~ابن عباس من الغرق وتكذيب قومه له، وقيل: إنه كان أطول الأنبياء عمرا ~~وأشدهم بلاء. والكرب أشد الغم { ونصرناه } أي منعناه { من القوم الذين ~~كذبوا بآياتنا } من أن يصلوا إليه بسوء وقيل من بمعنى على { إنهم كانوا ~~قوم سوء فأغرقناهم أجمعين }. قوله عز وجل { وداود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث } قال ابن عباس وأكثر المفسرين: كان الحرث كرما قد تدلت عناقيده ~~وقيل كان زرعا وهو أشبه بالعرف { إذ نفشت فيه غنم القوم } أي رعته ليلا ~~فأفسدته وكان بلا راع { وكنا لحكمهم شاهدين } أي كان ذلك بعلمنا ومرأى ~~منا لا يخفى علينا علمه. وفيه دليل لمن يقول بأن أقل الجمع اثنان لقوله ~~وكنا لحكمهم والمراد به داود وسليمان قال ابن عباس وغيره. إن رجلين دخلا ~~على داوود أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الزرع إن غنم هذا ~~دخلت زرعي ليلا فوقعت فيه فأفسدته فلم تبق منه شيئا فأعطاه رقاب الغنم ~~بالزرع، فخرجا فمرا على سليمان فقال: كيف قضى بينكما فأخبراه فقال ~~سليمان: لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا وروي أنه قال غير هذا أرفق ~~بالفريقين، فأخبر بذلك داود فدعاه وقال: كيف تقضي ويروى ms2275 أنه قال له بحق ~~النبوة والأبوة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين؟ قال أدفع الغنم ~~إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ومنافعها، ويزرع صاحب الغنم ~~لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث كهيئته يوم أكل دفع إلى صاحبه وأخذ ~~صاحب الغنم غنمه فقال داود: القضاء ما قضيت وحكم بذلك، فقيل: كان لسليمان ~~يوم حكم بذلك من العمر إحدى عشر سنة. # وحكم الإسلام في هذه المسألة أن ما أفسدته الماشية المرسلة من مال الغير ~~بالنهار فلا ضمان على ربها وما أفسدته بالليل ضمنه ربها لأن في عرف الناس ~~أن أصحاب الزرع يحفظونه بالنهار والمواشي تسرح بالنهار وترد بالليل إلى ~~المراح. ويدل على هذه المسألة ماروى حرام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء ~~بن عازب دخلت حائطا لرجل من الأنصار فأفسدت فيه فقضى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها ~~بالليل وزاد في رواية: وإن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل، ~~أخرجه أبو داود مرسلا. وذهب أصحاب الرأي أن المالك إذا لم يكن مع ماشيته ~~فلا ضمان عليه فيما أتلفت ليلا كان أو نهارا، فذلك قوله تعالى: { ~~ففهمناها سليمان } أي علمناه وألهمناه حكم القضية { وكلا } أي داود ~~وسليمان { آتينا حكما وعلما } أي بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام قال ~~الحسن لولا هذه الآية لرأيت الحكام قد هلكوا ولكن الله حمد هذا بصوابه ~~وأثنى على هذا باجتهاده. واختلف العلماء في أن حكم داود كان باجتهاده أم ~~بنص، وكذلك حكم سليمان فقال بعضهم: حكما بالاجتهاد. قال: ويجوز الاجتهاد ~~للأنبياء ليدركوا ثواب المجتهدين والعلماء لهم الاجتهاد في الحوادث إذا ~~لم يجدوا فيها نص كتاب أو سنة وإذا أخطؤوا فلا إثم عليهم ق عن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: # " إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر ~~" # وقال قوم إن داود وسليمان حكما بالوحي فكان حكم سليمان ناسخا لحكم داود ~~ومن ms2276 قال بهذا يقول لا يجوز للأنبياء الحكم بالاجتهاد لأنهم مستغنون عنه ~~بالوحي، واحتج من ذهب إلى أن كل مجتهد مصيب بظاهر هذه الآية وبالحديث حيث ~~وعد الثواب للمجتهد على الخطأ، وهو قول أصحاب الرأي وذهب جماعة إلى أنه ~~ليس كل مجتهد مصيبا بل إذا اختلف اجتهاد المجتهدين في حادثة كان الحق مع ~~واحد لا بعينه، ولو كان كل واحد مصيبا لم يكن للتقسيم معنى، وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إذا اجتهد فأخطأ فله أجر " # لم يرد به أنه يؤجر على الخطأ بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق لأن ~~اجتهاده عبادة والإثم في الخطأ عنه موضوع إذا لم يأل جهدا، ووجه ~~الاجتهاد في هذا الحكم أن داود قوم قدر الضرر في الحرث فكان مساويا ~~لقيمة الغنم، وكان عنده أن الواجب في ذلك الضرر في الحرث قيمة المثل، فلا ~~جرم سلم الغنم إلى المجني عليه. # وأما سليمان فإن اجتهاده أدى إلى أنه يجب مقابلة الأصول بالأصول ~~والزوائد بالزوائد، فأما مقابلة الأصول بالزوائد فغير جائزة، ولعل منافع ~~الغنم في تلك السنة كانت موازية لمنافع الحرث فحكم به. ومن أحكام داود ~~وسليمان عليهما السلام ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " كانت امرأتان معها ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت ~~لصاحبتها إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك فتحاكمتا إلى داود ~~فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين ~~أشقه بينهما فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى " # أخرجاه في الصحيحين قوله تعالى { وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير } ~~أي يسبحن مع داود إذا سبح قال ابن عباس كان يفهم تسبيح الحجر والشجر، ~~قيل: كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح وكذلك الطير وقيل معنى يسبحن يصلين معه ~~إذا صلى وقيل كان داود إذا فتر يسمعه الله تسبيح الجبال والطير لنشط في ~~التسبيح ويشتاق إليه { وكنا فاعلين } يعني ما ذكر من التفهيم وإيتاء ~~الحكم والتسخير. ### || [21.80-81] ms2277 # { وعلمناه صنعة لبوس لكم } أي صنعة الدروع التي تلبس في الحرب قيل أول ~~من صنع الدروع وسردها واتخذها حلقا داود وكانت من قبل صفائح قالوا إن ~~الله ألان الحديد لداود بأن يعمل منه بغير نار كأنه طين والدرع يجمع بين ~~الخفة والحصانة وهو قوله تعالى: { لتحصنكم } أي تمنعكم { من بأسكم } أي ~~حرب عدوكم وقيل من وقع السلاح فيكم وقيل ليحصنكم الله به { فهل أنتم ~~شاكرون } أي يقول ذلك لداود وأهل بيته. قوله عز وجل { ولسليمان الريح } ~~أي وسخرنا لسليمان الريح وهو جسم متحرك لطيف ممتنع بلطفه من القبض عليه ~~يظهر للحسن بحركته ويخفى عن البصر بلطفه { عاصفة } أي شديدة الهبوب. فإن ~~قلت: قد وصفها الله بالرخاء وهي الريح اللينة قلت: كانت الريح تحت أمره ~~إن أراد أن تشتد اشتدت وإن أراد أن تلين لانت { تجري بأمره إلى الأرض ~~التي باركنا فيها } يعني الشام وذلك لأنها كانت تجري بسليمان وأصحابه حيث ~~يشاء سليمان ثم يعود إلى منزله بالشام { وكنا بكل شيء عالمين } أي بصحة ~~التدبير فيه وعلمنا أن ما يعطى سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه إلى ~~الخضوع لربه. قال وهب: كان سليمان عليه السلام إذا خرج إلى مجلسه حلقت ~~عليه الطير وقام له الإنس والجن حتى يجلس على سريره، وكان امرأ غزاء، ~~قلما كان يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حى ~~يذله، وكان فيما يزعمون إذا أراد الغزو أمر بعسكره فضرب له بخشب، ثم نصب ~~له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما ~~يريد أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته، حتى إذا استقلت ~~به أمر الرخاء فمرت به شهرا في روحته وشهرا في غدوته إلى حيث أراد. ~~وكانت تمر بعسكره الريح الرخاء وبالمزرعة فما تحركها ولا تثير ترابا ولا ~~تؤذي طائرا. قال وهب: ذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوب فيه كتبه بعض ~~صحابة سليمان إما من الإنس أو من الجن نحن نزلناه وما بنيناه ms2278 ومبنيا ~~وجدناه غدونا من إصطخر فقلناه ونحن رائحون منه إن شاء الله فنازلون ~~بالشام وقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا ~~في إبريسم وكان يوضع له منبر من ذهب وسط البساط فيقعد عليه وحوله ثلاثة ~~آلاف كرسي من ذهب وفضة، تقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على ~~كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظلله الطير ~~بأجنحتها حتى لا تقع عليه شمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من ~~الصباح إلى الرواح وقال الحسن: لما شغلت نبي الله سليمان الخيل حتى ~~فاتته، صلاة العصر غضب لله فعقر الخيل فأبدله الله مكانها خيرا منها ~~وأسرع الريح تجري بأمره كيف شاء فكان يغدو من إيلياء فيقيل بإصطخر ثم ~~يروح منها فيكون رواحه ببابل. # وروي أن سليمان سار من أرض العراق فقال بمدينة بلخ متخللا بلاد الترك، ~~ثم جاوزهم إلى أرض الصين يعدو على مسيرة شهر ويروح على مثل ذلك ثم عطف ~~يمنة عن مطلع الشمس على ساحر البحر حتى أتى أرض السند وجاوزها وخرج منها ~~إلى مكران وكرمان، ثم جاوزهما حتى أتى أرض فارس فنزلها أياما، وغدا منها ~~فقال بكسكر، ثم راح إلى الشام. وكان مستقره بمدنية تدمر وكان أمر ~~الشياطين قبل شخوصه إلى العراق فبنوها له بالصفاح والعمد والرخام الأصفر ~~والأبيض، وفي ذلك يقول النابغة: # إلا سليمان إذ قال المليك له قم في البرية فاحددها عن الفند وجيش الجن ~~إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد ### || [21.82-83] # قوله عز وجل { ومن الشياطين } أي وسخرنا له من الشياطين { من يغوصون له ~~} أي يدخلون تحت الماء فيخرجون له من قعر البحر الجواهر { ويعملون عملا ~~دون ذلك } أي دون الغوص وهو اختراع الصنائع العجيبة كما قال # يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل # [سبأ: 13] الآية، ويتجاوزون في ذلك إلى أعمال المدن والقصور والصناعات ~~كاتخاذ النورة والقوارير والصابون وغير ذلك { وكنا لهم حافظين } يعني حتى ~~لا يخرجوا عن أمره، وقيل: حفظناهم من أن يفسدوا ما عملوا وذلك أنهم كانوا ~~إذا ms2279 عملوا عملا في النهار وفرغ قبل الليل أفسدوه وخربوه. قيل: إن سليمان ~~كان إذا بعث شيطانا مع إنسان ليعمل له عملا قال له إذا فرغ من عمله قبل ~~الليل اشغله بعمل آخر لئلا يفسد ما عمل ويخربه. قوله تعالى: { وأيوب إذ ~~نادى ربه } يعني دعا ربه. ذكر قصة أيوب عليه السلام قال وهب بن منبه: كان ~~أيوب رجلا من الروم وهو أيوب بن أموص بن تارخ بن روم ابن عيص بن إسحاق ~~بن إبراهيم، وكانت أمه من ولد لوط بن هاران، وكان الله تعالى قد اصطفاه ~~ونبأه وبسط له الدنيا، وكانت له البثنية من أرض البلقاء من أعمال خوازم ~~مع أرض الشام كلها سهلها وجبلها وكان له فيها من أصناف المال كله من ~~الإبل والبقر والغنم والخيل والحمير مالا يكون لرجل أفضل منه في العدد ~~والكثرة، كان له خمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ~~ومال ويحمل له آلة كل فدان أتان لكل أتان من الولد اثنان أو ثلاثة أو ربع ~~أو خمس وفوق ذلك، وكان الله تعالى قد أعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء ~~وكان برا تقيا رحيما بالمساكين يطعمهم ويكفل الأيتام والأرامل ويكرم ~~الضيف ويبلغ ابن السبيل وكان شاكرا لأنعم الله، مؤديا لحق الله قد ~~امتنع عن عدو الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الغرة ~~والغفلة والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من أمر الدنيا، وكان معه ثلاثة ~~نفر قد آمنوا به وصدقوه: رجل من أهل اليمن يقال له النغر وقيل نغير، ~~ورجلان من أهل بلده يقال لأحدهما تلدد والآخر صافر كان لهؤلاء مال، وكان ~~إبليس لا يحجب عن شيء من السموات، وكان يقف فيهن حيثما أراد حتى رفع الله ~~عيسى فحجب عن أربع. فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حجب عن السموات ~~كلها إلا من استرق السمع، فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب، ~~وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه، فأدرك إبليس الحسد والبغي، فصعد سريعا ~~حتى وقف ms2280 من السماء حيث كان يقف وقال: إلهي نظرت في أمر عبدك أيوب فوجدته ~~عبدا أنعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك، ولو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال ~~عما هو عليه من شكرك وعبادتك ولخرج عن طاعتك، قال الله تعالى: انطلق فقد ~~سلطتك على ماله. # فانقص عدو الله إبليس حتى وقع على الأرض فجمع عفاريت الجن ومردة ~~الشياطين وقال لهم: ماذا عندكم من القوة فقد سلطت على مال أيوب هي ~~المصيبة الفادحة والفتنة التي لا تصبر عليها الرجال. فقال عفريت من ~~الشياطين: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من نار فأحرق كل شيء ~~آتي عليه قال إبليس: اذهب فأت الإبل ورعاتها، فأتى الإبل حين وضعت ~~رؤوساها ورعت فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار فأحرق ~~الإبل ورعاتها حتى أتى على آخرها، ثم جاء عدو الله إبليس في صورة قيم ممن ~~كانوا عليها على قعود إلى أيوب فوجده قائما يصلي فقال يا أيوب أقبلت نار ~~حتى غشيت إبلك وأحرقتها ومن فيها غيري، فقال أيوب بعد أن فرغ من الصلاة: ~~الحمد لله هو أعطانيها وهو أخذها، وإنها مال الله أعارنيها وهو أولى بها، ~~إذا شاء نزعها. قال فتركت الناس مبهوتين يتعجبون منها، منهم من يقول: ما ~~كان أيوب يعبد شيئا وما كان إلا في غرور، ومنهم من يقول: لو كان إله ~~أيوب يقدر أن يمنع شيئا لمنع وليه، ومنهم من يقول: بل هو الذي فعل ما ~~فعل ليشمت به عدوه ويفجع صديقه، فقال أيوب: الحمد لله حين أعطاني وحين ~~نزع مني، عريانا خرجت من بطن أمي وعريانا أعود إلى التراب وعريانا ~~أحشر إلى الله عز وجل، ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارك وتجزع حين قبض ~~عاريته، الله أولى بك وبما أعطاك، ولو علم الله فيك أيها العبد خيرا ~~لنقل روحك مع تلك الأرواح وصرت شهيدا ولكنه علم منك شرا فأخرك. فرجع ~~إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلا فقال: ما عندكم من القوة فإني لم أكلم ~~قلبه. قال عفريت من ms2281 الجن عندي من القوة ما إذا شئت صحت صيحة لا يسمعها ذو ~~روح إلا خرجت روحه. قال إبليس: فأت الغنم ورعاتها فانطلق حتى توسطها ثم ~~صاح صيحة فتجثمت أمواتا من عند آخرها مات رعاتها، فجاء إبليس متمثلا ~~بقهرمان الرعاء إلى أيوب فوجده يصلي فقال له مثل القول الأول، فرد عليه ~~مثل الرد الأول، فرجع إبليس إلى أصحابه فقال: ماذا عندكم من القوة فإني ~~لم أكلم قلب أيوب، فقال عفريت: عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحا ~~عاصفة تنسف كل شيء تأتي عليه. قال: فأت الفدادين في الحرث والزرع فانطلق ~~يؤمهم وذلك حين شرع الفدادون في الحرث والزرع فلم يشعروا حتى هبت ريح ~~عاصفة فنسفت كل شيء من ذلك، حتى كأنه لم يكن ثم جاء إبليس متمثلا ~~بقهرمانهم إلى أيوب وهو قائم يصلي، فقال له مثل قوله الأول فرد عليه أيوب ~~مثل رده الأول، وجعل إبليس يصف ماله مالا مالا حتى مر على آخره كلما ~~انتهى إلى هلاك مال من أمواله حمد الله وأحسن الثناء عليه، ورضي عنه ~~بالقضاء، ووطن نفسه بالصبر والبلاء حتى لم يبق له مال. # فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله ولم ينجح منه بشيء صعد سريعا حتى وقف ~~في الموقف الذي يقف فيه وقال: إلهي إن أيوب يرى أنك ما متعته بولده فأنت ~~معطيه المال فهل أنت مسلطي على ولده فإنها المصيبة التي لا تقوم لها قلوب ~~الرجال قال الله عز وجل: انطلق فقد سلطتك على ولده. فانقض عدو الله حتى ~~أتى بني أيوب وهم في قصرهم فلم يزل يزلزل بهم القصر حتى تداعى من قواعده، ~~وجعل جدره يضرب بعضها بعضا برميهم بالخشب والحجارة، فلما مثل بهم كل ~~مثلة رفع القصر وقلبه عليهم، وصاروا منكسين وانطلق إلى أيوب متمثلا ~~بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ الوجه يسيل دمه فأخبره ~~وقال: لو رأيت بنيك كيف عذبوا وكيف انقلبوا منكوسين على رؤوسهم تسيل ~~دماؤهم وأدمغتهم، ولو رأيت كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم لتقطع قلبك ~~عليهم، ms2282 فلم يزل يقول هذا ونحوه حتى رق قلب أيوب وبكى وقبض قبضة من التراب ~~فوضعها على رأسه وقال: يا ليت أمي لم تلدني. فاغتنم إبليس ذلك فصعد ~~سريعا بالذي كان من جزع أيوب مسرورا به، ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر ~~واستغفر، فصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته فسبقت توبته إلى الله وهو أعلم، ~~فوقف إبليس خاسئا ذليلا وقال: إلهي إنما هون على أيوب المال والولد أنه ~~يرى أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد فهل أنت مسلطي على ~~جسده فقال الله عز وجل: انطلق فقد سلطتك على جسده لكن ليس لك سلطان على ~~لسانه وقلبه وعقله، وكان الله أعلم به، ولم يسلطه عليه إلا رحمة ليعظم له ~~الثواب ويجعله عبرة للصابرين وذكرى للعابدين في كل بلاء نزل بهم ليتأسوا ~~به في الصبر ورجاء الثواب. فانقض عدو الله إبليس سريعا إليه فوجد أيوب ~~ساجدا فعجل قبل أن يرفع رأسه، فأتاه من قبل وجهه فنفخ في منخريه نفخة ~~اشتعل منها جسده فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم، ووقعت فيه ~~حكة فحك بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها ثم ~~حكها بالفخار والحجارة الخشنة. فلم يزل يحك حتى قرح لحمه وتقطع وتغير ~~وأنتن فأخرجه أهل القرية فجعلوه على كناسة لهم وجعلوا له عريشة، ورفضه ~~خلق الله كلهم غير امرأته وهي رحمة بنت أفرائيم بن يوسف بن يعقوب، فكانت ~~تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه، فلما رأى الثلاثة من أصحابه ما ابتلاه الله ~~به اتهموه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه، فلما طال به البلاء انطلق إليه ~~أصحابه فبكتوه ولا موه وقالوا: تب إلى الله من الذنب الذي عوقبت به. # قال: وحضر معهم فتى حديث السن قد آمن به وصدقه فقال لهم الفتى: إنك ~~تكلمتم أيها الكهول وأنتم أحق بالكلام مني لأسنانكم ولكن تركتم من القول ~~ما هو أحسن من الذي قلتم، ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم، ومن الأمر أجمل ~~من الذي أتيتم، وقد كان ms2283 لأيوب عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم، ~~فهل تدرون أيها الكهول حق من انتقصتم، وحرمة من انتهكتم، ومن الرجل الذي ~~عبتم واتهمتم ألم تعلموا أن أيوب نبي الله وصفوته وخيرته من أهل الأرض ~~إلى يومكم هذا ثم لم تعلموا ولم يطلعكم الله على أنه سخط شيئا من أمره ~~منذ أتاه الله ما أتاه إلى يومكم هذا ولا على أنه نزع منه شيئا من ~~الكرامة التي أكرمه الله بها ولا أن أيوب قال على الله غير الحق في طول ~~ما صحبتموه إلى يومكم هذا. فإن كان البلاء هو الذي أزرى به عندكم، ووضعه ~~في أنفسكم فقد علمتم أن الله تعالى يبتلي المؤمنين والصديقين والشهداء ~~والصالحين، وليس بلاؤه لأولئك دليلا على سخطه عليهم، ولا لهوائهم عليه، ~~ولكنها كرامة وخيرة لهم ولو كان أيوب ليس من الله بهذه إلا أنه أخ ~~أحببتموه على وجه الصحبة لكان لا يجعل بالحليم أن يعذل أخاه عند البلاء ~~ولا يعيره بالمصيبة ولا يعيبه بما لا يعلم وهو مكروب حزين، ولكنه يرحمه ~~ويبكي ويستغفر له ويحزن لحزنه ويدله على مراشد أمره، وليس بحكيم ولا رشيد ~~من جهل هذا فالله الله أيها الكهول، وقد كان بي عظمة الله وجلاله وذكر ~~الموت ما يقطع ألسنتكم ويكسر قلوبكم ألم تعلموا أن لله عبادا أسكنتهم ~~الخشية من غير عي ولا بكم وإنهم لهم الفصحاء البلغاء النبلاء الألباء ~~العالمون بالله، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم واقشعرت ~~جلودهم وانكسرت قلوبهم وطاشت عقولهم إعظاما لأمر الله وإجلالا، فإذا ~~اشتاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكية يعدون أنفسهم من ~~الظالمين والخاطئين وإنهم لأبرار برآء ومع المقصرين المفرطين وإنهم ~~لأكياس أقوياء. قال أيوب عليه السلام: إن الله يزرع الحكمة بالرحمة في ~~قلب الصغير والكبير، فإذا نبتت في القلب يظهرها الله على اللسان وليست ~~تكون الحكمة من قبل السن ولا طول التجربة، وإذا جعل الله العبد حكيما في ~~الصبا لم تسقط منزلته عند الحكماء، وهم يرون من الله سبحانه وتعالى عليه ~~نور الكرامة، ms2284 ثم أقبل أيوب على الثلاثة وقال: أتيتموني غضابا رهبتم قبل ~~أن تسترهبوا، وبكيتم قبل أن تضربوا كيف بي لو قلت تصدقوا عني بأموالكم ~~لعل الله أن يخلصني، أو قربوا عني قربانا لعل الله أن يقبله ويرضى عني ~~وإنكم قد أعجبتكم أنفسكم، وظننتم أنكم قد عوفيتم بإحسانكم، ولو نظرتم ~~فيما بينكم وبين ربكم ثم صدقتم لوجدتم لكم عيوبا سترها الله تعالى ~~بالعافية التي ألبسكم. # وقد كنتم فيما خلا توقرونني وأنا مسموع كلامي معروف حقي منتصف من خصمي، ~~فأصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام معكم، فأنتم كنتم أشد علي من ~~مصيبتي. ثم أعرض عنهم أيوب، وأقبل على ربه مستغيثا به متضرعا إليه ~~فقال: يا رب لأي شيء خلقتني؟ ليتني إذ كرهتني لم تخلقني، يا ليتني عرفت ~~الذنب الذي أذنبت والعمل الذي عملت فصرفت وجهك الكريم عني لو كنت أمتني ~~فألحقتني بآبائي، فالموت كان أجمل بي. ألم أكن للغريب دارا وللمسكين ~~قرارا ولليتيم وليا وللأرملة قيما إلهي أنا عبد ذليل إن أحسنت ~~فالمن لك، وإن أسأت فبيدك عقوبتي، جعلتني للبلاء غرضا، وللفتنة ~~نصيبا، وقد وقع علي من البلاء ما لو سلطته على جبل لضعف عن حمله فكيف ~~يحمله ضعفي. وإن قضاءك هو الذي أذلني، وإن سلطانك هو الذي أسقمني وأنحل ~~جسمي، ولو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بملء ~~في فأدلي بعذري وأتكلم ببراءتي وأخاصم عن نفسي لرجوت أن يعافيني عند ~~ذلك مما بي، ولكنه ألقاني وتعالى عني فهو يراني ولا أراه ويسمعني ولا ~~أسمعه. فلما قال ذلك أيوب وأصحابه عنده أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه ~~عذاب، ثم نودي يا أيوب إن الله يقول ها أنا قد دنوت منك ولم أزل منك ~~قريبا قم فأدل بعذرك وتكلم ببراءتك وخاصم عن نفسك واشدد أزرك وقم مقام ~~جبار يخاصم جبارا إن استطعت، فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار مثلي. ~~لقد منتك نفسك يا أيوب أمرا، ما يبلغ لمثله مثلك. أين أنت مني يوم خلقت ~~الأرض فوضعتها على ms2285 أساسها؟ هل كنت معي تمد بأطرافها؟ هل علمت أي مقدار ~~قدرتها، أم على أي شيء وضعت أكنافها. أبطاعتك حمل الماء الأرض، أم بحكمتك ~~كانت الأرض للماء غطاء؟ أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفا في الهواء لا ~~تعلق بسبب من فوقها ولا يقلها دعم من تحتها؟ هل يبلغ من حكمتك أن تجري ~~نورها أو تسير نجومها أو يختلف بأمرك ليلها ونهارها؟ أين كنت مني يوم ~~أنبعت الأنهار وسكبت البحار؟ أبسلطانك حبست أمواج البحار على حدودها أم ~~بقدرتك فتحت الأرحام حين بلغت ملتها؟ أين كنت مني يوم صببت الماء على ~~التراب ونصبت شوامخ الجبال؟ هل تدري على أي شيء أرسيتها أم بأي مثقال ~~وزنتها؟ أم هل لك من ذراع تطيق حملها؟ أم هل تدري من أين الماء الذي ~~أنزلت من السماء؟ أم هل تدري من أي شيء أنشأت السحاب؟ أم هل تدري أين ~~خزانة الثلج؟ أم أين جبال البرد؟ أم أين خزانة الليل بالنهار وخزانة ~~النهار بالليل؟ وأين خزانة الريح؟ وبأي لغة تتكلم الأشجار ومن جعل العقول ~~في أجواف الرجال؟ وشق الأسماع والأبصار؟ ومن ذلت الملائكة لملكه وقهر ~~الجبارين بجبروته وقسم الأرزاق بحكمته؟ في كلام كثير يدل على آثار قدرته ~~ذكرها لأيوب فقال أيوب: صغر شأني وكل لساني وعقلي ورأيي وضعفت قوتي عن ~~هذا الأمر الذي يعرض علي إلهي. # قد علمت أن كل الذي قد ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك وأعظم من ذلك وأعجب ~~لو شئت عملت ولا يعجزك شيء ولا تخفى عليك خافية إلهي أوثقني البلاء ~~فتكلمت ولم أملك نفسي فكان البلاء الذي أنطقني. ليت الأرض انشقت بي فذهبت ~~فيها ولم أتكلم بشيء يسخطك. ربي وليتني مت بغمي في أشد بلائي قبل ذلك. ~~إنما تكلمت حين تكلمت بعذري، وسكت حين سكت لترحمني كلمة زلت مني فلن ~~أعود، وقد وضعت يدي على فمي وعضضت على لساني وألصقت بالتراب خدي، أعوذ بك ~~اليوم منك وأستجير بك من جهد البلاء، فأجرني وأستغيث بك من عقابك فأغثني، ~~وأستعينك عن أمري فأعني، وأتوكل عليك فاكفني، ms2286 وأعتصم بك فاعصمني وأستغفرك ~~فاغفر لي فلن أعود لشيء تكرهه مني. قال الله تعالى: يا أيوب نفذ فيك علمي ~~وسبقت رحمتي غضبي، فقد غفرت لك، ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم لتكون ~~لمن خلفك آية وتكون عبرة لأهل البلاء وعزا للصابرين، فاركض برجلك هذا ~~مغتسل بارد وشراب، فمنه تناول وقرب عن أصحابك قربانا استغفر لهم، فإنهم ~~قد عصوني فيك. روي عن أنس يرفعه أن أيوب لبث ببلائه ثماني عشرة سنة، وقال ~~وهب: ثلاث سنين لم يزد يوما، وقال كعب: سبع سنين، وقال الحسن: مكث أيوب ~~مطروحا على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا يختلف فيه الدود لا ~~يقربه أحد غير رحمة صبرت معه بصدق، وكانت تأتيه بالطعام، وتحمد الله معه ~~إذا حمد، وأيوب مع ذلك لا يفتر عن ذكر الله تعالى والصبر على بلائه، فصرخ ~~إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض، فلما اجتمعوا إليه قالوا: ما ~~أحزنك؟ قال: أعياني هذا العبد الذي لم أدع له مالا ولا ولدا ولم يزدد ~~إلا صبرا، ثم سلطت على جسده فتركته قرحة ملقاة على كناسة لا تقربه إلا ~~امرأته، فاستعنت بكم لتعينوني عليه، فقالوا له: فأين مكرك الذي أهلكت به ~~من مضى؟ قال: بطل ذلك كله في أيوب فأشيروا علي قالوا: من أين أتيت آدم ~~حين أخرجته من الجنة؟ قال: من قبل امرأته. قالوا فشأنك بأيوب من قبل ~~امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيها وليس يقربه أحد غيرها. # قال: أصبتم فانطلق إبليس حتى أتى رحمة امرأة أيوب وهي تصدق فتمثل لها في ~~صورة رجل وقال لها: أين بعلك يا أمة الله؟ قالت هو ذاك يحك قروحه ويتردد ~~الديدان في جسده. فلما سمعها طمع أن تكون كلمة جزع، فوسوس إليها وذكرها ~~ما كانت فيه من النعم والمال، وذكرها جمال أيوب وشبابه وما هو فيه من ~~الضر، وأن ذلك لا ينقطع عنه أبدا، فصرخت فعلم أنها قد جزعت فأتاها بسخلة ~~وقال: ليذبح لي هذه أيوب ويبرأ افجاءت تصرخ يا أيوب حتى متى يعذبك ربك ms2287 ~~أين المال أين الولد أين الصديق أين لونك الحسن أين جسمك الحسن؟ اذبح هذه ~~السخلة واسترح. قال أيوب: أتاك عدو الله فنفخ فيك؟ ويلك أرأيت ما تبكين ~~عليه من المال والولد والصحة من أعطانيه؟ قالت الله قال كم متعنا به قالت ~~ثمانين سنة. قال فمنذ كم ابتلانا قالت منذ سبع سنين وأشهر قال ويلك ما ~~أنصفت ربك ألا صبرت في البلاء ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة، ~~والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة أمرتيني أن أذبح لغير الله. ~~طعامك وشرابك الذي تأتيني به علي حرام أن أذوق منه شيئا اغربي عني فلا ~~أراك، فطردها، فذهبت. فلما نظر أيوب وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خر ~~ساجدا لله وقارب { أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين } فقيل له ارفع ~~رأسك فقد استجبت لك اركض برجلك، فركض برجله فنبعت عين ماء، فاغتسل منها ~~فلم يبق عليه من درنه ودائه شيء ظاهر إلا سقط، وعاد شبابه وجماله أحسن ما ~~كان، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلا ~~خرج، فقام صحيحا وكسي حلة فجعل يلتفت فلا يرى شيئا مما كان عليه وما ~~كان له. من أهل ومال إلا وقد ضعفه الله له وذكر لنا أن الماء الذي اغتسل ~~منه تطاير على صدره جراد من ذهب فجعل يضمه بيده فأوحى الله إليه يا أيوب ~~ألم أغنك؟ قال بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها؟ قال: فخرج حتى جلس على ~~مكان مشرف. ثم إن امرأته قالت: أرأيت إن كان طردني إلى من أكله؟ أدعه ~~يموت جوعا؟ ويضيع فتأكله السباع؟ لأرجعن إليه. فرجعت إليه فلا الكناسة ~~رأت، ولا تلك الحالة التي كانت تعرف، وإذا الأمور قد تغيرت فجعلت تطوف ~~حيث كانت الكناسة وتبكي وذلك بعيني أيوب، وهابت صاحب الحلة أن تأتيه ~~فتسأله عن أيوب، فدعاها وقال: ما تريدين يا أمة الله فبكت وقالت: أردت ~~ذلك المبتلى الذي كان منبوذا على الكناسة لا أدري أضاع أم ما فعل به؟ ms2288 ~~فقال أيوب: ما كان منك فبكت وقالت بعلي. # فقال هل تعرفينه إذا رأيتيه؟ قالت وهل يخفى على أحد رآه ثم جعلت تنظر ~~إليه وهي تهابه ثم قالت: أما إنه أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحا. قال: ~~فإني أنا أيوب الذي أمرتني أن أذبح لإبليس، وإني أطعت الله وعصيت الشيطان ~~ودعوت الله فرد علي ما ترين. وقال وهب: لبث أيوب في البلاء ثلاث سنين، ~~فلما غلب أيوب إبليس ولم يستطع منه شيئا اعترض امرأته في هيئة ليست ~~كهيئة بني آدم في العظم والجسم والجمال على مركب ليس من مراكب الناس له ~~عظم وبهاء. فقال لها: أنت صاحبة أيوب هذا الرجل المبتلى قالت نعم. قال: ~~هل تعرفيني؟ قالت لا. قال: أنا إله الأرض وأن الذي صنعت بصاحبك ما صنعت ~~لأنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليك ~~وعليه كل ما كان لكما من مال وولد فإنه عندي ثم أراها إياه ببطن الوادي ~~الذي لقيها فيه. وفي بعض الكتب أن إبليس قال لها اسجدي لي سجدة واحدة حتى ~~أرد عليك المال والولد وأعافي زوجك. فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما قال لها ~~وما رأها. قال: لقد أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم إن عافاه الله ~~ليضربها مائة جلدة وقال عند ذلك: مسني الضر من طمع إبليس في سجود حرمتي ~~له ودعائه إياها وإياي إلى الكفر. ثم إن الله تعالى رحم رحمة امرأة أيوب ~~بصبرها معه على البلاء وخفف عليها، وأراد أن يبر يمين أيوب، فأمره أن ~~يأخذ ضغثا يشتمل على مائة عود صغير فيضربها به ضربة واحدة. وقيل: لم يدع ~~الله بالكشف عنه حتى ظهرت له ثلاثة أشياء: أحدها: ما قيل في حقه: لو كان ~~لك عند الله منزلة ما أصابك هذا، والثاني: أن امرأته طلبت طعاما فلم تجد ~~ما تطعمه فباعت ذوائبها فأتته بطعام، والثالث: قول إبليس: إني أدوايه على ~~أن يقول أنت شفيتني. وقيل مسني الضر أي من شماتة الأعداء حتى روي أنه قيل ms2289 ~~له بعد ما عوفي ما كان أشد عليك في بلائك؟ قال: شماتة الأعداء. فإن قلت ~~كيف سماه الله صابرا وقد أظهر الشكوى والجزع بقوله مسني الضر وقوله مسني ~~الشيطان بنصب وعذاب؟ قلت: ليس هذا شكاية وإنما هو دعاء بدليل. ### || [21.84] # قوله تعالى: { فاستجبنا له } والشكوى إنما تكون إلى الخلق لا إلى الخالق ~~بدليل قول يعقوب إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وقال سفيان بن عيينة: من ~~أظهر الشكوى إلى الناس وهو راض بقضاء الله تعالى لا يكون ذلك جزعا كما # " روي أن جبريل عليه السلام دخل على النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه ~~فقال كيف تجدك؟ قال: أجدني مغموما وأجدني مكروبا " # و # " قال لعائشة حين قالت: وارأساه بل أنا وارأساه " # قوله تعالى { فاستجبنا له } أي أجبنا دعاءه { فكشفنا ما به من ضر } وذلك ~~أنه قال له # اركض برجلك # [ص: 42] فركض برجله فنبعت عين ماء فأمره أن يغتسل منها ففعل فذهب كل داء ~~كان بظاهره ثم مشى أربعين خطوة فأمره أن يضرب برجله الأرض مرة أخرى ففعل، ~~فنبع عين ماء بارد، فأمره أن يشرب منها، فشرب، فذهب كل داء كان بباطنه ~~فصار كأصح ما كان { وآتيناه أهله ومثلهم معهم } قال ابن مسعود وابن عباس ~~وأكثر المفسرين: رد الله إليه أهله وأولاده بأعيانهم وأحياهم الله وأعطاه ~~مثلهم معهم، وهو ظاهر القرآن، وعن ابن عباس رواية أخرى أن الله رد إلى ~~المرأة شبابها فولدت له ستة وعشرين ذكرا. وقيل كان له سبع بني وسبع ~~بنات. وعن أنس يرفعه أن كان له أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله ~~سحابتين فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب، وأفرغت الأخرى على أندر ~~الشعير الورق حتى فاضا. وروى أن الله تعالى بعث إليه ملكا وقال له: إن ~~ربك يقرئك السلام بصبرك فاخرج إلى أندرك، فخرج إليه فأرسل الله عليه ~~جرادا من ذهب فذهبت واحدة فأتبعها وردها إلى أندره فقال له الملك ما ~~يكفيك ما أندرك؟ فقال هذه بركة من بركات ربي ولا أشبع من بركاته خ عن ms2290 أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثي في ثوبه ~~فناداه ربه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب ولكني لا غنى ~~لي عن بركتك " # وقيل: أتى الله أيوب مثل أهله الذي هلكوا. قال عكرمة: قيل لأيوب إن أهلك ~~في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا، وإن شئت كانوا لك في الآخرة ~~وآتيناك مثلهم في الدنيا فقال: بل يكونون لي في الآخرة وأوتى مثلهم في ~~الدنيا. فعلى هذا يكون معنى الآية { وآتيناه أهله } في الآخرة ومثلهم ~~معهم في الدنيا وأراد بالأهل الأولاد { رحمة من عندنا } أي نعمة { وذكرى ~~للعابدين } يعني عظة وعبرة لهم. ### || [21.85-87] # قوله عز وجل: { وإسماعيل } هو ابن إبراهيم صلى الله عليه وسلم { وإدريس ~~} هو أخنوخ { وذا الكفل كل من الصابرين } لما ذكر الله أمر أيوب وصبره ~~على البلاء أتبعه بذكر هؤلاء الأنبياء لأنهم صبروا على المحن والشدائد ~~والعبادة أيضا. أما إسماعيل صلى الله عليه وسلم فإنه على الانقياد إلى ~~الذبح. وأما إدريس فقد تقدمت قصته. وأما ذو الكفل فاختلفوا فيه فقيل ~~نبيا من بني إسرائيل وكان ملكا أوحى الله إليه إني أريد قبض روحك فاعرض ~~ملكك على بني إسرائيل فمن تكفل أنه يصلي الليل ولا يفتر ويصوم النهار ولا ~~يفطر ويقضي بين الناس ولا يغضب فادفع ملكك إليه ففعل ذلك، فقام شاب فقال: ~~أنا أتكفل لك بهذا، فتكفل ووفى فشكر الله له ونبأه فسمي ذا الكفل. وقيل: ~~لما كبر اليسع قال إني أستخلف رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي أنظر ~~كيف يعمل قال: فجمع الناس وقال: من يتقبل من ثلاثا أستخلفه يصوم النهار ~~ويقوم الليل ويقضي ولا يغضب فقام رجل تزدريه العين فقال: أنا، فاستخلفه ~~فأتاه إبليس في صورة شيخ ضعيف حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام من ~~الليل والنهار إلا تلك النومة: فدق الباب فقال: من هذا، فقال: شيخ كبير ~~مظلوم، فقام ففتح الباب فقال ms2291 إني بيني وبين قومي خصومة وإنهم ظلموني ~~وفعلوا وفعلوا، وجعل يطول عليه حتى ذهبت القائلة فقال: إذا رحت فائتني ~~حتى آخذك حقك، فانطلق وراح فكان في مجلسه ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام ~~يبتغيه فلم يجده، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلم يره، ~~فلما رجع إلى القائلة وقال وأخذ مضجعه دق الباب فقال: من هذا فقال: الشيخ ~~المظلوم ففتح وقال له: ألم أقل إذا قعدت فائتني؟ قال: إنهم أخبث قوم إذا ~~عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك إذا قمت جحدوني قال: فانطلق فإذا ~~جلست فائتني وفاتته القائلة، فلما جلس جعل ينظر فلا يراه وشق عليه النعاس ~~فلما كان اليوم الثالث قال لبعض أهله لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى ~~أنام فإنه قد شق علي النعاس فلما كانت تلك الساعة نام فجاء فلم يأذن له ~~الرجل فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها، فإذا هو في البيت ~~فدق الباب من داخل فاستيقظ فقال يا فلان ألم آمرك قال أما من قبلي فلم ~~تؤت فانظر من أين أتيت فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا ~~الرجل معه في البيت فقال: أتنام والخصوم ببابك، فنظر إليه فعرفه فقال: ~~أعدو الله؟ قال نعم أعييتني وفعلت ما فعلت لأغضبك فعصمك الله فسمي ذا ~~الكفل لأنه تكفل بأمر فوفى به، واختلف في نبوته فقيل كان نبيا، وهو ~~إلياس وقيل هو زكريا، وقيل إنه كان عبدا صالحا ولم يكن نبيا { ~~وأدخلناهم في رحمتنا } يعني ما أنعم به عليهم من النبوة وصبرهم إليه في ~~الجنة من الثواب { إنهم من الصالحين }. # قوله عز وجل: { وذا النون } أي واذكر صاحب الحوت أضيف إلى الحوت ~~لابتلاعه إياه وهو يونس بن متى { إذ ذهب مغاضبا } قال ابن عباس في رواية ~~عنه: كان يونس وقومه يسكنون فلسطين فغزاهم ملك فسبى منها تسعة أسباط ~~ونصفا وبقي منهم سبطان ونصف، فأوحى الله إلى شعياء النبي أن سر إلى ~~حزقيل الملك وقل له يوجه نبيا قويا ms2292 فإني ألقي في قلوب أولئك حتى يرسلوا ~~معه بني إسرائيل فقال له الملك: فمن ترى، وكان في مملكته خمسة من ~~الأنبياء. قال: يونس إنه قوي أمين فدعا الملك يونس: وأمره أن يخرج فقال ~~يونس هل الله أمرك بإخراجي؟ قال لا. قال فهل سماني الله لك؟ قال لا. قال ~~ها هنا غيري أنبياء أقوياء، فألحوا عليه فخرج مغاضبا للنبي وللملك وقومه ~~وأتى بحر الروم فركب وقيل ذهب عن قومه مغاضبا لربه لما كشف عنه العذاب ~~بعد ما أوعدهم وكره أن يكون بين أظهر قوم جربوا عليه الخلف فيما أوعدهم، ~~واستحيا منهم ولم يعلم السبب الذي رفع العذاب عنهم به فكان غضبه أنفقة من ~~ظهور خلف وعده وأنه يسمى كذابا لا كراهية لحكم الله. وفي بعض الأخبار ~~أنه كان من عادة قومه أنهم يقتلون من جربوا عليه الكذب فخشي أن يقتلوه ما ~~لم يأتهم العذاب للمعياد فذهب مغاضبا. قال ابن عباس: أتى جبريل يونس ~~فقال انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم فقال: ألتمس دابة قال: الأمر أعجل من ~~ذلك فغضب وانطلق إلى السفينة. وقال وهب: إن يونس كان عبدا صالحا كان في ~~خلقه ضيق فلما حمل أثقل النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل، ~~فقذفها من يده وخرج هاربا منها فلذلك أخرجه الله من أولي العزم من الرسل ~~وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل # [الأحقاف: 35] وقال # ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم: 48] وقوله { فظن أن لن نقدر عليه } أي لن نقضي عليه العقوبة. ~~قاله ابن عباس في رواية عنه وقيل معناه فظن أن لن نضيق عليه الحبس وقيل ~~معناه فظن أنه يعجر ربه فلا يقدر عليه، قيل لما انطلق يونس مغاضبا لربه ~~واستزله الشيطان حتى ظن أن لن يقدر عليه وكان له سلف وعبادة أبى الله أن ~~يدعه للشيطان فقذفه في بطن الحوت فمكث فيه أربعين ما بين يوم وليلة. وقيل ~~سبعة أيام وقيل ثلاثة. وقيل: إنه الحوت ذهب به حتى بلغ تخوم الأرض ~~السابعة ms2293 فتاب إلى ربه وراجع نفسه في بطن الحوت { فنادى في الظلمات } أي ~~ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت { أن لا إله إلا إنت سبحانك إني ~~كنت من الظالمين } أي حيث عصيتك وما صنعت من شيء فلم أعبد غيرك فأخرجه ~~الله من بطن الحوت برحمته وروى أبو هريرة مرفوعا قال أوحى الله تعال إلى ~~الحوت أن خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر له عظما فأخذه ثم أهوى به إلى ~~مسكنه في البحر فلما انتهى به أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما ~~هذا فأوحى الله إليه هذا تسبيح دواب البحر قال فسبح هو في بطن الحوت ~~فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة وفي ~~رواية صوتا معروفا من مكان مجهول فقال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في ~~بطن الحوت فقالوا العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة ~~عمل صالح قال نعم فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في الساحل فذلك. ### || [21.88-92] # قوله تعالى: { فاستجبنا له ونجيناه من الغم } أي تلك الظلمات { وكذلك ~~ننجي المؤمنين } أي من الكروب إذا دعونا واستغاثوا بنا. فإن قلت قد تمسك ~~بمواضع من هذه القصة من أجاز وقوع الذنب من الأنبياء منها قوله # إذ ذهب مغاضبا # [الأنبياء: 87] ومنها # فظن أن لن نقدر عليه # [الأنبياء: 87] ومنها قوله # إني كنت من الظالمين # [الأنبياء: 87] قلت أما الجواب الكلي فقد اختلفوا في هذه الواقعة هل ~~كانت من قبل الرسالة أم لا؟ فقال ابن عباس: كانت رسالته بعد أن أخرجه ~~الله من بطن الحوت بدليل قوله تعالى في الصافات بعد ذكر خروجه # وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147] فثبت بهذا أن هذه الواقعة كانت قبل النبوة وقد أجاز ~~بعضهم عليه الصغائر قبل النبوة ومنعها بعد النبوة وهو الصحيح. وأما ~~الجواب التفصيلي لقوله إذ ذهب مغاضبا فحمله على أنه لقومه أو للملك أولى ~~بحال الأنبياء وأما قوله # فظن أن لن نقدر عليه # [الأنبياء: 87] فقد تقدم معناه أي لن نضيق ms2294 عليه وذلك أن يونس ظن أنه ~~مخير إن شاء أقام وإن شاء خرج. وإن الله تعالى لا يضيق عليه في اختياره ~~وقيل هو من القدر لا من القدرة وأما قوله # إني كنت من الظالمين # [الأنبياء: 87] فالظلم وضع الشيء في غير موضعه وهذا اعتراف عند بعضهم ~~بذنبه فإما أن يكون لخروجه عن قومه بغير إذن ربه أو لضعفه عما حمله، أو ~~لدعائه بالعذاب على قومه وفي هذه الأشياء ترك الأفضل مع قدرته على تحصيله ~~فكان ذلك ظلما. وقيل كانت رسالته قبل هذه الواقعة بدليل قوله # وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون # [الصافات: 139] فعلى هذا يكون الجواب عن هذه الواقعة ما تقدم من التفصيل ~~والله أعلم. قوله عز وجل { وزكريا إذ نادى ربه } أي دعا ربه فقال { رب لا ~~تذرني فردا } أي وحيدا لا ولد لي يساعدني وارزقني وارثا { وأنت خير ~~الوارثين } هو ثناء على الله بأنه الباقي بعد فناء الخلق وأنه الوارث لهم ~~وهذا على سبيل التمثيل والمجاز فهو كقوله وأنت خير الرازقين { فاستجبنا ~~له ووهبنا له يحيى } أي ولدا { وأصلحنا له زوجة } أي جعلناها ولودا بعد ~~ما كانت عقيما وقيل كانت سيئة الخلق فأصلحها الله تعالى له بأن رزقها ~~حسن الخلق { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } يعني الأنبياء المذكورين في ~~هذه السورة. وقيل زكريا وأهل بيته، والمسارعة في الخيرات من أكبر ما يمدح ~~به المرء لأنها تدل على حرص عظيم في طاعة الله عز وجل { ويدعوننا رغبا ~~ورهبا } يعني إنهم ضموا إلى فعل الطاعات أمرين: أحدهما: الفزغ إلى الله ~~لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة من عقابه. والثاني: الخشوع وهو قوله تعالى ~~{ وكانوا لنا خاشعين } الخشوع هو الخوف اللازم للقلب فيكون الخاشع هو ~~الحذر الذي لا ينبسط في الأمور خوفا من الوقوع في الإثم. # قوله تعالى { والتي أحصنت فرجها } أي إحصانا كليا من الحلال والحرام ~~جميعا كما قالت # لم يمسسني بشر ولم أك بغيا # [مريم: 20] وهي مريم بنت عمران { فنفخنا فيها من روحنا } أمرنا جبريل ~~حتى نفخ في ms2295 جيب درعها فخلقنا بذلك النفخ المسيح في بطنها، وأضاف الروح ~~إليه تشريفا لعيسى كبيت الله وناقة الله { وجعلناها وابنها آية } أي ~~دلالة { للعالمين } على كمال قدرتنا وعلى خلق ولد من غير أب، فان قلت هما ~~آيتان فكيف قال آية؟. قلت معنى الكلام وجعلنا شأنهما وأمرهما آية واحدة ~~أي ولادتها إياها من غير أب آية. قوله تعالى { إن هذه أمتكم } أي ملتكم ~~ودينكم { أمة واحدة } أي دينا واحدا وهو الإسلام فأبطل ما سوى الإسلام ~~من الأديان والأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد، وجعلت الشريعة أمة ~~لاجتماع أهلها على مقصد واحد { وأنا ربكم فاعبدون } أي لا دين سوى ديني ~~ولا رب لكم غيري فاعبدوني أي وحدوني. ### || [21.93-100] # { وتقطعوا أمرهم بينهم } أي اختلفوا في الدين فصاروا فرقا وأحزابا حتى ~~لعن بعضهم بعضا وتبرأ بعضهم من بعض { كل إلينا راجعون } فنجزيهم ~~بأعمالهم { فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه } أي لا يجحد ~~ولا يبطل سعيه بل يشكر ويثاب عليه { وإنا له كاتبون } أي لعلمه وحافظون ~~له. وقيل: الشكر من الله المجازاة، والكفران ترك المجازاة. قوله عز وجل { ~~وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون } قال ابن عباس: ومعناه وحرام ~~على أهل قرية أهلكانهم أن يرجعوا بعد الهلاك، وقيل: معناه وحرام على أهل ~~قرية حكمنا بهلاكهم أن نقبل أعمالهم لأنهم لا يتوبون. قوله عز وجل { حتى ~~إذا فتحت يأجوج ومأجوج } يريد فتح السد وذلك أن الله يفتحه أخبر عن يأجوج ~~ومأجوج وهما قبيلتان، يقال إنهما تسعة أعشار بني آدم { وهم من كل حدب ~~ينسلون } أي يسرعون النزول من كل الآكام والتلال. وفي هذه الكناية وجهان: ~~أحدهما أن المراد بهم يأجوج ومأجوج وهو الأصح بدليل ما روي عن النواس بن ~~سمعان قال # " ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ~~ظننا أنه من طائفة النخل فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا فقال: ما شأنكم؟ ~~قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال الغداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في ms2296 ~~طائفة النخل فقال: غير الدجال أخوفني عليكم إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه ~~دونكم وإن يخرج ولست فيكم فكل امرىء حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم ~~إنه شاب قطط عينه طافئة كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه منكم ~~فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث ~~يمينا وعاث شمالا يا عباد الله فاثبتوا قلنا يا رسول الله وما لبثه في ~~الأرض؟ قال أربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه ~~كأيامكم قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ ~~قال لا أقدروا له قدره قلنا يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال ~~كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له ~~فيأمر لهم السماء فتمطر والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ~~ذرا وأصبغه ضروعا وأمده خواصر ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه " # قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأديهم شيء من أموالهم " ويمر ~~بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ثم يدعو ~~رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه ~~فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم عليه ~~السلام فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه ~~على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا ~~يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي إلى حيث ينتهي طرفه فيطلبه ~~حتى يدركه بباب لد فيقتله. # ثم يأتي عيسى عليه السلام إلى قوم قد عصمهم الله منه فيمسح على وجوههم ~~ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى عليه ~~السلام إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد أن يقاتلهم فحرز عبادي إلى ~~الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على ~~بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقول لقد كان بهذة مرة ماء ~~ويحضر نبي ms2297 الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة ~~دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله ~~فيهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسي كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله عيسى ~~وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم ~~فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرا كأعناق البخت ~~فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه مدر ولا ~~وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة. ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك ودري ~~بركتك فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل ~~حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي ~~القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس فبينما هم كذلك ~~إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ~~ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة " أخرجه ~~مسلم. شرح غريب ألفاظ الحديث قوله حتى طنناه في طائفة النخل أي ناحية ~~النخل وجانبه والطائفة القطعة من الشيء، وقوله فخفض فيه ورفع خفض صوته ~~ورفعه من شدة ما تكلم به في أمره. وقيل إنه خفض من أمره تهوينا له ورفع ~~من شدة فتنته والتخويف من أمره. قوله إنه شاب قطط أي جعد الشعر وقوله ~~طافئة أي خارجة عن حدها قوله إنه خارج خلة أي إنه يخرج قصدا وطريقا بين ~~جهتين والتخلل الدخول في الشيء. قوله فعاث أي أفسد. قوله اقدروا له قدرة ~~أي قدروا قدر يوم من أيامكم المعهودة وصلوا فيه بقدر أوقاته، وقوله فتروح ~~عليهم سارحتهم أي مواشيهم، وقوله فيصبحون ممحلين أي مقحطين قد أجدبت ~~أرضهم وغلت أسعارهم. قوله كيعاسيب النحل جمع يعسوب وهو فحل النحل ~~ورئيسها. قوله فيقطعه جزلتين رمية الغرض أي قطعتين والغرض الهدف الذي ~~يرمى بالنشاب. قوله بين مهرودتين رويت بالدال المهملة وبالمعجمة أي شقتين ~~وقيل حلتين وقيل الهرد الصبغ الأصفر بالورس والزعفران. # قوله لا ms2298 يدان لأحد بقتالهم أي لا قدرة ولا قوة لأحد بقتالهم والنغف دود ~~يكون في أنوف الإبل والغنم فرسى جمع فريس وهو القتيل. قوله زهمهم أي ~~ريحهم النتنة. قوله كالزلفة أي كالمرآة وجمعها زلف ويروى بالقاف وأراد به ~~استوائها ونظافتها. قوله تأكل العصابة أي الجماعة قيل يبلغون أربعين وقحف ~~الرمانة في الحديث قشرها. والرسل بكسر الراء اللبن واللقحة الناقة ذات ~~اللبن، والفئام الجماعة من الناس، والفخذ دون القبيلة، وقوله يتهارجون أي ~~يختلفون والتهاريج الاختلاف، وأصله القتل. الوجه في تفسير قوله تعالى { ~~وهم من كل حدب ينسلون } قيل جميع الخلائق يخرجون من قبورهم إلى موقف ~~الحساب م عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم ~~علينا ونحن نتذاكر فقال: # " ما تذكرون قالوا؟ نذكر الساعة قال إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر ~~آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغاربها ونزول عيسى ابن ~~مريم ويأجوج ومأجوج وثلاث خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة ~~العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم " # قوله عز وجل { واقترب الوعد الحق } أي القيامة قال حذيفة لو أن رجلا ~~اقتنى فلوا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة. الفلو ~~المهر { فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا } قيل معنى الآية أن القيامة ~~إذا قامت شخص أبصار الذين كفروا من شدة الأهوال ولا تكاد تطوف هول ذلك ~~اليوم ويقولون { يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا } يعني في الدنيا حيث ~~كذبنا به وقلنا إنه غير كائن { بل كنا ظالمين } أي في وضعنا العبادة في ~~غير موضعها. قوله عز وجل { إنكم } الخطاب للمشركين { وما تعبدون من دون ~~الله } يعني الأصنام { حصب جهنم } أي حطبها ووقودها وقيل يرمي بهم في ~~النار كما يرمي بالحصباء وأصل الحصب الرمي { أنتم لها واردون } أي فيها ~~داخلون { لو كان هؤلاء } يعني الأصنام { آلهة } أي على الحقيقة { ما ~~وردوها } أي ما دخل الأصنام النار وعبدوها { وكل فيها خالدون } يعني ~~العابدين والمعبودين { لهم فيها زفير ms2299 } قيل الزفير هو أن يملأ الرجل صدره ~~غما ثم يتنفس وقيل هو شدة ما ينالهم من العذاب { وهم فيها لا يسمعون } ~~قال ابن مسعود في هذه الآية: إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في ~~توابيت من نار ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخر ثم تلك التوابيت في ~~توابيت أخر عليها مسامير من نار فلا يسمعون شيئا ولا يرى أحد منهم أن في ~~النار أحدا يعذب غيره. ### || [21.101-107] # قوله تعالى { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } قال العلماء: إن هنا بمعنى ~~إلا أي إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى يعني السعادة والعدة الجميلة ~~بالجنة { أولئك عنها } أي عن النار { مبعدون } قيل: الآية عامة من كل من ~~سبقت لهم من الله السعادة، وقال أكثر المفسرين عنى بذلك كل من عبد من دون ~~الله وهو الله طائع ولعبادة من يعبده كاره وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستون ~~صنما فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~أفحمه ثم تلا عليه # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] الآيات الثلاث ثم قال فأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمي ~~فأخبره الوليد بن المغيرة بما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~ابن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته فدعوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال له الزبعرى أنت قلت إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم؟ قال ~~نعم قال أليست اليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد المسيح وبني مليح تعبد ~~الملائكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل هم يعبدون الشياطين فأنزل ~~الله تعالى { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } يعني عزيرا والمسيح ~~والملائكة أولئك عنها مبعدون وأنزل في ابن الزبعرى # ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون # [الزخرف: 58] وزعم جماعة أن المراد من الآية الأصنام لأن الله تعالى قال ~~إنكم وما تعبدون من دون الله، ولو أراد ms2300 به الملائكة والناس لقال إنكم ومن ~~تعبدون لأن من لمن يعقل وما لمن لا يعقل { لا يسمعون حسيسها } يعني صوتها ~~وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم في الجنة { وهم فيما اشتهت أنفسهم } أي ~~من النعيم والكرامة { خالدون } أي مقيمون. قوله تعالى: { لا يحزنهم الفزع ~~الأكبر } قال ابن عباس: يعني النفخة الأخيرة، وقيل هو حين يذبح الموت ~~وينادى يا أهل النار خلود بلا موت وقيل هو حين يطبق على جهنم وذلك بعد أن ~~يخرج الله منها من يريد أن يخرجه { وتتلقاهم الملائكة } أي تستقبلهم ~~الملائكة على أبواب الجنة يهنئونهم ويقولون { هذا يومكم الذي كنتم توعدون ~~} أي في الدنيا. قوله عز وجل { يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب } قال ~~ابن عباس: السجل الصحيفة والمعنى كطي الصحيفة على مكتوبها والطي هو الدرج ~~الذي هو ضد النشر. وقيل: السجل اسم ملك يكتب أعمال العباد إذا رفعت إليه ~~والمعنى نطوي السماء كما يطوي السجل والطومار الذي يكتب فيه والتقدير لا ~~يحزنهم الفزع الأكبر في اليوم { كما بدأنا أول خلق نعيده } أي كما ~~بدأناهم في بطون أمهاتهم عراة غرلا كذلك نعيدهم يوم القيامة ق عن ابن ~~عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: # " أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق ~~نعيده " # قوله غرلا أي قلفا. وقوله تعالى { وعدا علينا إنا كنا فاعلين } يعني ~~الإعادة والبعث بعد الموت. قوله تعالى { ولقد كتبنا في الزبور من بعد ~~الذكر } قيل: الزبور جميع الكتب المنزلة على الأنبياء والذكر هو أم ~~الكتاب الذي عنده ومن ذلك الكتاب تنسخ جميع الكتب ومعنى من بعد الذكر أي ~~بعد ما كتب في اللوح المحفوظ. وقال ابن عباس: الزبور التوراة والذكر ~~الكتب المنزلة من بعد التوراة. وقيل الزبور: كتاب داود والذكر هو القرآن ~~وبعد هنا بمعنى قبل { أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } يعني أرض الجنة ~~يرثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى أن الله تعالى كتب في اللوح ~~المحفوظ في كتب الأنبياء: أن الجنة ms2301 يرثها من كان صالحا من عباده عاملا ~~بطاعته. وقال ابن عباس: أراد أن أراضي الكفار يفتحها المسلمون وهذا حكم ~~من الله تعالى بإظهار الدين وإعزاز المسلمين، وقيل أراد الأرض المقدسة ~~يرثها الصالحون بعد من كان فيها { إن في هذا } أي في القرآن { لبلاغا } ~~أي وصولا إلى البغية يعني من اتبع القرآن وعمل بما فيه وصل إلى ما يرجو ~~من الثواب، وقيل البلاغ الكفاية أي فيه كفاية لما فيه من الأخبار والوعد ~~والوعيد والمواعظ البالغة فهو زاد العباد إلى الجنة وهو قوله تعالى { ~~لقوم عابدين } يعني مؤمنين لا يعبدون أحدا من دون الله تعالى وقيل هم ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان والحج. وقال ~~ابن عباس: عالمين وقيل: هم العالمون العاملون. قوله عز وجل { وما أرسلناك ~~إلا رحمة للعالمين } قيل: كان الناس أهل كفر وجاهلية وضلال وأهل الكتابين ~~كانوا في حيرة من أمر دينهم لطول وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في ~~كتبهم فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم حين لم يكن لطالب الحق سبيل ~~إلى الفوز والثواب فدعاهم إلى الحق، وبين لهم سبيل الصواب وشرع لهم ~~الأحكام وبين الحلال من الحرام قال الله تعالى { وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين } قيل يعني المؤمنين خاصة فهو رحمة لهم. وقال ابن عباس: هو عام ~~في حق من آمن ومن لم يؤمن، فمن آمن فهو رحمة له في الدنيا والآخرة ومن لم ~~يؤمن فهو رحمة له في الدنيا بتأخير العذاب عنه ورفع المسخ والخسف ~~والاستئصال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنما أنا رحمة مهداة ". ### || [21.108-112] # { قل إنما يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون } يعني منقادون ~~لما يوحى إلي من إخلاص الإلهية والتوحيد لله والمراد بهذا الاستفهام ~~الأمر أي أسلموا { فإن تولوا } أي أعرضوا ولم يسلموا { فقل آذنتكم } ~~أعلمتكم بالحرب وأن لا صلح بيننا { على سواء } أي إنذارا بينا نستوي في ~~علمه لا أستبد أنا به دونكم لتتأهبوا لما يراد بكم والمعنى آذنتكم على ~~وجه نستوي ms2302 نحن وأنتم في العلم به وقيل معناه لتستووا في الإيمان به ~~وأعلمتكم بما هو الواجب عليكم من التوحيد وغيره { وإن أدري } أي وما أعلم ~~{ أقريب أم بعيد ما توعدون } يعني يوم القيامة لا يعلمه إلا الله { إنه ~~يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون } أي لا يغيب عن علمه شيء منكم في ~~علانيتكم وسركم { وإن أدري لعله فتنة لكم } أي لعل تأخير العذاب عنكم ~~اختبار لكم ليرى كيف صنيعكم وهو أعلم بكم { ومتاع إلى حين } أي تتمتعون ~~إلى انقضاء آجالكم { قال رب احكم } أي افصل بيني وبين من كذبني { بالحق } ~~أي بالعذاب كأنه استعجل العذاب لقومه فعذبوا يوم بدر. وقيل: معناه افصل ~~بيني وبينهم بما يظهر الحق من الجميع وهو أن تنصرني عليهم والله يحكم ~~بالحق طلب ولم يطلب ومعنى الطلب ظهور الرغبة من الطالب { وربنا الرحمن ~~المستعان على ما تصفون } أي من الشرك والكفر والكذب والأباطيل، كأنه ~~سبحانه وتعالى قال قل داعيا إلى رب احكم بالحق، وقل متوعدا للكفار ~~وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-2] # قوله عز وجل { يا أيها الناس اتقوا ربكم } يعني احذروا عقابه واعملوا ~~بطاعته { إن زلزلة الساعة شيء عظيم } الزلزلة شدة الحركة على الحال ~~الهائلة ووصفها بالعظم ولا شيء أعظم مما عظمه الله تعالى. قيل: هي من ~~أشراط الساعة قبل قيامها. وقال ابن عباس: زلزلة الساعة قيامها فتكون معها ~~{ يوم ترونها } أي الساعة وقيل الزلزلة { تذهل } قال ابن عباس تشغل وقيل ~~تنسي { كل مرضعة عما أرضعت } أي كل امرأة معها ولد ترضعه { وتضع كل ذات ~~حمل حملها } أي تسقط من هول ذلك اليوم كل حامل حملها قال الحسن: تذهل ~~المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام. فعلى هذا ~~القول تكون الزلزلة في الدنيا لأن بعد البعث لا يكون حبل ومن قال تكون ~~الزلزلة في القيامة قال هذا على وجه تعظيم الأمر وتهويله على حقيقته كما ~~تقول أصابنا أمر يشيب فيه الوليد ms2303 تريد به شدته { وترى الناس سكارى } على ~~التشبيه { وما هم بسكارى } على التحقيق ولكن ما رهقهم من خوف عذاب الله ~~هو الذي أذهب عقولهم وأزال تمييزهم وقيل سكارى من الخوف وما هم بسكارى من ~~الشراب { ولكن عذاب شديد } ق عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " يقول الله سبحانه وتعالى يوم القيامة يا آدم فيقول لبيك وسعديك ". # زاد في رواية # " والخير في يديك فينادى بصوت إن الله تعالى يأمرك أن تخرج من ذريتك بعث ~~النار قال رب وما بعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون فحينئذ ~~تضع الحوامل، ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله ~~شديد فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم " # زاد في رواية قالوا يا رسول الله أينا ذلك الرجل فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد ثم أنتم في الناس ~~كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور ~~الأسود وفي رواية كالرقمة في ذراع الحمار وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل ~~الجنة. فكبرنا ثم قال: ثلث أهل الجنة فكبرنا ثم قال شطر أهل الجنة ~~فكبرنا " # لفظ البخاري. وفي حديث عمران بن حصين وغيره أن هاتين الآيتين نزلتا في ~~غزوة بني المصطلق ليلا فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثوا المطى ~~حتى كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهم فلم ير أكثر ~~باكيا من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا ~~الخيام ولم يطبخوا والناس من بين باك وجالس متفكر. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أي يوم ذلك قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ذلك يوم يقول الله لآدم قم ~~فابعث من ذريتك بعث النار " # وذكر نحو حديث أبي سعيد وزاد فيه ثم قال # " يدخل من أمتي سبعون ألفا الجنة بغير حساب فقال عمر: سبعون ألفا؟ ~~قال: نعم قال ومع كل واحد سبعون ألفا ". ### || [22.3-5] # قوله ms2304 عز وجل: { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم } نزلت في النضر ~~بن الحارث كان كثير الجدل وكان يقول للملائكة بنات الله والقرآن أساطير ~~الأولين وكان ينكر البعث وإحياء من صار ترابا { ويتبع } يعني في جداله ~~في الله بغير علم { كل شيطان مريد } يعني المتمرد والمستمر في الشر وفيه ~~جهان أحدهما: أنهم شياطين الإنس وهم رؤساء الكفر الذين يدعون من دونهم ~~إلى الكفر والثاني أنه إبليس وجنوده { كتب عليه } يعني قضى على الشيطان { ~~أنه من تولاه } يعني اتبعه { فإنه } يعني الشيطان { يضله } يعني يضل من ~~تولاه عن طريق الجنة { ويهديه إلى عذاب السعير } وفي الآية زجر عن اتباعه ~~والمعنى كتب عليه أنه من يقبل منه فهو في ضلال ثم ألزم الحجة منكري البعث ~~فقال { يا آيها الناس إن كنتم في ريب } يعني شك { من البعث } يعني بعد ~~الموت { فإنا خلقناكم من تراب } يعني أباكم آدم الذي هو أصل النسل { ثم ~~من نطفة } يعني ذريته من المني وأصلها الماء القليل { ثم من علقة } يعني ~~من دم جامد غليظ وذلك أن النطفة تصير دما غليظا { ثم من مضغة } وهو ~~لحمة قليلة قدر ما يمضغ { مخلقة وغير مخلقة }. قال ابن عباس: أي تامة ~~الخلق وغير تامة الخلق وقيل مصورة وغير مصورة وهو السقط. وقيل: المخلقة ~~الولد الذي تأتي به المرأة لوقته وغير المخلقة السقط فكأنه سبحانه وتعالى ~~قسم المضغة إلى قسمين أحدهما تام الصورة والحواس والتخطيط، والقسم الثاني ~~هو الناقص عن هذه الأحوال كلها. وروي عن علقمة عن ابن مسعود موقوفا عليه ~~قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه وقال: أي رب مخلقة أو ~~غير مخلقة فإن قال غير مخلقة قذفها في الرحم دما ولم تكن نسمة وإن قال ~~مخلقة قال الملك: إي رب أذكر أم أثنى شقي أم سعيد ما الأجل ما العمل ما ~~الرزق بأي أرض يموت؟ فيقال له: اذهب إلى أم الكتاب فإنك تجد فيها كل ذلك ~~فيذهب فيجدها في أم الكتاب فينسخها فلا يزال معه ms2305 حتى يأتي على آخر صفته ~~والذي أخرجاه في الصحيحين عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو الصادق المصدوق # " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ~~ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكا يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو ~~سعيد ثم ينفخ فيه الروح فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل عمل أهل ~~الجنة ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل ~~النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها ~~إلا ذراع فيسبق عليه بعمل أهل الجنة فيدخلها " # وقوله تعالى { لنبين لكم } أي كمال قدرتنا وحكمتنا في تصريف خلقكم ~~ولتستدلوا بقدرته في ابتداء الخلق على قدرته على الإعادة وقيل: لنبين لكم ~~ما تأتون وما تذرون وما تحتاجون إليه في العبادة وقيل لنبين لكم أن تغير ~~المضغة إلى الخلقة هو اختيار الفاعل المختار فإن القادر على هذه الأشياء ~~كيف يكون عاجزا عن الإعادة { ونقر في الأرحام ما نشاء } أي لا تسقطه ولا ~~تمجه { إلى أجل مسمى } أي وقت خروجه من الرحم تام الخلق { ثم نخرجكم } ~~أي وقت الولادة من بطون أمهاتكم { طفلا } أي صغارا وإنما وحد الطفل ~~لأن الغرض الدلالة على الجنس { ثم لتبلغوا أشدكم } أي كمال القوة والعقل ~~والتمييز { ومنكم من يتوفى } أي قبل بلوغ الكبر { ومنكم من يرد إلى أرذل ~~العمر } أي الهرم والخوف { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } أي يبلغ من ~~السن ما يتغير به عقله فلا يعقل شيئا فصير كما كان في أول طفوليته ضعيف ~~البنية سخيف العقل قليل الفهم ثم ذكر دليلا آخر على البعث فقال تعالى { ~~وترى الأرض هامدة } أي يابسة لا نبات فيها { فإذا أنزلنا عليها الماء } ~~يعني المطر { اهتزت } أي تحركت بالنبات { وربت } أي ارتفعت وذلك أن ~~الأرض ترتفع بالنبات { وأنبتت } هو مجاز لأن الله تعالى هو المنبت وأضيف ~~إلى الأرض توسعا { من كل زوج بهيج } أي من كل صنف ms2306 حسن نضير والبهيج هو ~~المبهج وهو الشيء المشرق الجميل ثم إن الله تعالى لما ذكر هذين ~~الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب. ### || [22.6-13] # فقال تعالى: { ذلك } أي ذكرنا ذلك لتعلموا { بأن الله هو الحق } وإن هذه ~~الأشياء دالة على وجود الصانع { وأنه يحيي الموتى } أي إنه إذا لم ~~يستبعد منه إيجاد هذه الأشياء فكيف يستبعد منه إعادة الأموات { وأنه على ~~كل شيء قدير } أي من كان كذلك كان قادرا على جميع الممكنات { وأن الساعة ~~آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور } أي ما ذكر من الدلائل ~~لتعلموا أن الساعة كائنة لا شك فيها وأنها حق وأن البعث بعد الموت حق ~~قوله تعالى { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم } يعني النضر بن الحرث ~~{ ولا هدى } أي ليس معه من الله بيان ولا رشاد { ولا كتاب منير } أي ولا ~~كتاب من الله له نور { ثاني عطفه } أي لاوي جنبه وعنقه متبخترا لتكبره ~~معرضا عما يدعى إليه من الحق تكبرا { ليضل عن سبيل الله } أي عن دين ~~الله { له في الدنيا خزي } أي عذاب وهوان وهو أنه قتل يوم بدر صبرا هو ~~وعقبة بن أبي معيط { ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ذلك } أي يقال له ~~ذلك { بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد } أي فيعذبهم بغير ذنب ~~والله تعالى على أي وجه أراد يتصرف في عبده فحكمه عدل وهو غير ظالم. قوله ~~عز وجل { ومن الناس من يعبد الله على حرف } الآية نزلت في قوم من ~~الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا قدم ~~المدينة فصح بها جسمه ونتجت بها فرسه مهرا وولدت امرأته غلاما وكثر ~~ماله، قال هذا دين حسن وقد أصبت فيه خيرا واطمأن له وإن صابه مرض وولدت ~~امرأته جارية ولم تلد فرسه وقل ماله قال ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين ~~إلا شرا فينقلب عن دينه وذلك هو الفتنة فأنزل الله تعالى { ومن الناس ~~من يعبد الله على حرف ms2307 } أي على شك وأصله من حرف الشيء وهو طرفه نحو حرف ~~الجبل والحائط الذي غير مستقر فقيل للشاك في الدين أنه يعبد الله على حرف ~~لأنه لم يدخل فيه على الثبات والتمكن. وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب ~~في دينهم على سكينة وطمأنينة ولو عبدوا الله بالشكر على السراء والصبر ~~على الضراء لم يكونوا على حرف وقيل هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قبل ~~{ فإن أصابه خير } أي صحة في جسمه وسعة في معيشته { اطمأن به } أي رضي به ~~وسكن إليه { وإن أصابته فتنة } أي بلاء في جسمه وضيق في معيشته { انقلب ~~على وجهه } أي ارتد ورجع على عقبه إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر { ~~خسر الدنيا والآخرة } أي خسر في الدنيا العز والكرامة ولا يبقى دمه وماله ~~مصونا. # وقيل خسر في الدنيا ما كان يؤمل والآخرة بذهاب الدين والخلود في النار { ~~ذلك هو الخسران المبين } أي الظاهر { يدعو من دون الله ما لا يضره } إن ~~عصاه ولم يعبده { وما لا ينفعه } أي إن أطاعه وعبده { ذلك هو الضلال ~~البعيد } أي عن الحق والرشد { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه } فإن قلت قد ~~قال الله تعالى الآية الأولى { يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ~~} وقال في هذه الآية { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه } وهذا تناقض فكيف ~~الجمع بينهما. قلت إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم وذلك أن الله تعالى قال ~~في الآية الأولى: ما لا يضره أي لا يضره ترك عبادته وقوله لمن ضره أي ضر ~~عبادته وقيل: إنها لا تضر ولا تنفع بأنفسها ولكن عبادتها سبب الضرر وذلك ~~يكفي في إضافة الضرر إليها وقيل: إن الله تعالى سفه الكافر حيث عبد ~~جمادا لا يضر ولا ينفع وهو يعتقد بجهله وضلاله أنه ينتفع به حين يستشفع ~~وقيل الآية في الرؤساء وهم الذين كانوا يفزعون إليهم لأنه يصح منهم أن ~~يضروا وينفعوا وحجة هذا القول أن الله تعالى بين في الآية الأولى أن ~~الأوثان لا ms2308 تضر ولا تنفع وهذه الآية تقتضي كون المذكور فيها ضارا ~~نافعا، فلو كان المذكور في هذه الأوثان لزم التناقض فثبت أنهم الرؤساء ~~بدليل قوله { لبئس المولى ولبئس العشير } أي الناصر والمصاحب المعاشر. ### || [22.14-18] # قوله عز وجل: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري ~~من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد } أي بأوليائه وأهل طاعته من ~~الكرامة وبأهل معصيته من الهوان قوله تعالى { من كان يظن أن لن ينصره ~~الله } يعني نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم { في الدنيا } أي بإعلاء ~~كلمته وإظهار دينه { والآخرة } أي وفي الآخرة بإعلاء درجته والانتقام ممن ~~كذبه { فليمدد بسبب } أي بحبل { إلى السماء } أي سقف البيت على قول ~~الأكثرين والمعنى ليشدد حبلا من سقف بيته فليختنق به حتى يموت { ثم ~~ليقطع } أي الحبل بعد الاختناق وقيل ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقا ~~{ فلينظر هل يذهبن كيده } أي صنيعه وحيلته { ما يغيظ } أي فليختنق غيظا. ~~وليس هذا على سبيل الحتم لأنه لا يمكنه القطع والنظر بعد الاختناق ولكنه ~~كما يقال للحاسد مت غيظا وقيل المراد بالسماء السماء المعروفة والمعنى ~~من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ويكيد في أمره ليقطعه عنه فليقطعه من ~~أصله فإن أصله في السماء فليطلب سببا يصل به إلى السماء، ثم ليقطع عن ~~النبي صلى الله علي وسلم الوحي الذي يأتيه فينظر هل يتهيأ له الوصول إلى ~~السماء بحيلة وهل يقدر على إذهاب غيظه بهذا الفعل فإذا كان ذلك ممتنعا ~~كان غيظه عديم الفائدة. وفي الآية زجر للكافر عن الغيظ فيما لا فائدة ~~فيه. روي أن الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان دعاهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى الإسلام وكان بينهم وبين اليهود محالفة فقالوا: لا يمكننا ~~أن نسلم لأننا نخاف أن لا ينصر محمد ولا يظهر أمره فتنقطع المحالفة ~~بيننا وبين اليهود فلا يميرونا ولا يؤوونا وقيل النصر معناه الرزق. ومعنى ~~الآية من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فليبلغ غاية الجزع ms2309 ~~وهو الاختناق فإن ذلك لا يجعله مرزوقا تقول العرب من ينصرني نصره الله ~~أي من يعطني أعطاه الله { وكذلك أنزلناه } يعني القرآن { آيات بينات وأن ~~الله يهدي من يريد إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ~~والمجوس والذين أشركوا } يعني عبدة الأوثان وقيل الأديان ستة واحد لله ~~وهو الإسلام وخمسة للشيطان وهو ما عدا الإسلام { إن الله يفصل بينهم } أي ~~يحكم بينهم { يوم القيامة } وقيل يفصل بينهم في الأحوال والأماكن جميعا ~~فلا يجازيهم جزاء واحدا بغير تفاوت ولا يجمعهم في موطن واحد { إن الله ~~على كل شيء شهيد } أي إنه علم بما يستحقه كل واحد منهم فلا يجزي في ذلك ~~الفصل ظلم ولا حيف وقد تقدم بسط الكلام على معنى هذه الآية في تفسير ~~سورة البقرة. # قوله عز وجل { ألم تر } أي لم تعلم وقيل ألم تر بقلبك { إن الله ~~يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والشجر ~~والدواب } قيل سجود هذه الأشياء تحول ظلالهما وقيل ما في السماء نجم ولا ~~شمس ولا قمر إلا يقع ساجدا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات ~~اليمين حتى يرجع إلى مطلعه وقيل معنى سجودها الطاعة فإنه ما من جماد إلا ~~وهو مطيع لله تعالى خاشع ومسبح له كما وصفهم بالخشية والتسبيح: وهذا مذهب ~~أهل السنة وهو أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي خلقها ~~الله تعالى فيها من غير امتناع ألبتة أشبهت بمطاوعتها أفعال المكلف وهو ~~السجود الذي كل خضوع دونه. فإن قلت هذا التأويل يبطله قوله { وكثير من ~~الناس } فإن السجود بالمعنى الذي ذكر عام في الناس كلهم فإسناده إلى كثير ~~من الناس يكون تخصيصا من غير فائدة. قلت المعنى الذي ذكرته وإن كان ~~عاما في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد وتكبر وترك السجود في الظاهر فهذا ~~وإن كان ساجدا بذاته لكنه متمرد بظاهره وأما المؤمن فإنه ساجد بذاته ~~وبظاهره أيضا فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر وقيل معنى الآية { ~~ولله ms2310 يسجد من في السموات ومن في الأرض } ويسجد له كثير من الناس فيكون ~~السجود الأول: بمعنى الانقياد والثاني بمعنى الطاعة والعبادة. فإن قلت ~~قوله من في السموات ومن في الأرض لفظ عموم فيدخل فيه الناس فلم قال وكثير ~~من الناس. قلت لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون طوعا دون ~~بعض وهم الذين قال فيهم { وكثير حق عليه العذاب } وهم الكفار أي حق عليهم ~~العذاب بكفرهم وتركهم السجود ومع كفرهم وامتناعهم عن السجود تسجد ظلالهم ~~لله عز وجل { ومن يهن الله فما له من مكرم } أي من يذله الله فلا يكرمه ~~أحد { إن الله يفعل ما يشاء } أي يكرم الله بالسعادة من يشاء ويهين ~~بالشقاوة من يشاء وقيل هو الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة ~~بالثواب والعقاب. فصل هذه السجدة من عزائم سجود القرآن فيسن للقارىء ~~والمستمع أن يسجد عند تلاوتها أو سماع تلاوتها. ### || [22.19-24] # قوله عز وجل: { هذان خصمان اختصموا في ربهم } أي جادلوا في دينه وأمره ~~واختلفوا في هذين الخصمين فروي عن قيس بن عبادة قال: سمعت أبا ذر يقسم ~~قسما أن هذه الآية { هذان خصمان اختصموا في ربهم } نزلت في الذين برزوا ~~يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد من ~~عتبة أخرجاه في الصحيحين خ عن علي بن أبي طالب قال: أنا أول من يجثو ~~للخصومة بين يدي الرحمن يوم القيامة. قال قيس بن عبادة فيهم نزلت { هذان ~~خصمان اختصموا في ربهم } قال هم الذين تبارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة ~~بن الحارث وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة. قال محمد ~~بن إسحاق: خرج يوم بدر عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه ~~الوليد بن عتبة، ودعوا إلى المبارزة فخرج إليهم فئة من الأنصار ثلاثة عوف ~~ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء وعبد الله بن رواحة فقالوا رهط من ~~الأنصار فقالوا حين انتسبوا أكفاء كرام ثم نادى مناديهم يا محمد اخرج ~~إلينا أكفاءنا ms2311 من قومنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قم يا عبيدة بن الحارث ويا حمزة بن عبد المطلب ويا علي بن أبي طالب " # فلما دنوا منهم قالوا: من أنتم فذكروا أنفسهم قالوا نعم أكفاء كرام ~~فبارز عبيدة وكان أسن القوم عتبة وبارز حمزة شيبة وبارز علي الوليد ابن ~~عتبة فأما حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة وعلي الوليد واختلف عبيدة وعتبة ~~بينهما ضربتان كلاهما أثبت صاحبه فكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة ~~فذففا واحتملا عبيدة إلى أصحابه وقد قطعت رجله ومخها يسيل. فلما أتوا به ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألست شهيدا يا رسول الله قال: ~~بلى فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حيا لعلم أنا أحق بما قال منه حيث ~~يقول: # ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل # وقال ابن عباس: نزلت الآية في المسلمين وأهل الكتاب قال أهل الكتاب نحن ~~أولى بالله وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم وقال المسلمون نحن أحق ~~بالله آمنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونبيكم وبما أنزل الله من ~~كتاب وأنتم تعرفون نبينا وكتابنا وكفرتم حسدا فهذه خصومتهم في ربهم وقيل ~~هم المؤمنون والكافرون من أي ملة كانوا فالمؤمنون خصم والكفار خصم وقيل ~~الخصمان الجنة والنار ق عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم # " تحاجت الجنة والنار فقال النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت ~~الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم " # زاد في رواية # " وغزاتهم فقال الله عز وجل للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي ~~وقال للنار إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ~~ملؤها فأما النار فلا تمتلىء حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله فتقول قط قط ~~فهنالك تمتلىء ويزوي بعضها إلى بعض ولا يظلم ربك من خلقه أحدا. وأما ~~الجنة فإن الله تعالى ينشىء لها خلقا " # وللبخاري # " اختصمت الجنة والنار " # وهذا القول ضعيف والأقوال الأولى أولى بالصحة لأن حمل الكلام على ظاهره ~~أولى ms2312 وقوله هذان كالإشارة إلى سبب تقدم ذكره وهو أهل الأديان الستة ~~وأيضا فإنه ذكر صنفين أهل طاعته وأهل معصيته وذكر مآل الخصمين فقال ~~تعالى: { فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار } قال سعيد بن جبير: ثياب من ~~نحاس مذاب وليس من الآنية شيء إذا حمي أشد حرا منه وسمي باسم الثياب. ~~لأنها تحيط بهم كإحاطة الثياب وقيل يلبس أهل النار مقطعات من نار { يصب ~~من فوق رؤوسهم الحميم } أي الماء الحار الذي انتهت حرارته { يصهر به } أي ~~يذاب بالحميم الذي يصب من فوق رؤوسهم { ما في بطونهم } من الشحوم ~~والأحشاء { والجلود } عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ حتى يخلص إلى جوف أحدهم، فيسلت ما ~~في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان " # أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب صحيح { ولهم مقامع من حديد } يعني ~~سياط من حديد وهي الجزر من الحديد. وفي الخبر # " لو وقع مقمع من حديد في الأرض ثم اجتمع عليه الثقلان ما أقلوه من ~~الأرض " # { كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم } يعني كلما حاولوا الخروج من النار ~~لما يلحقهم من الغم والكرب الذي يأخذ بأنفاسهم { أعيدوا فيها } يعني ردوا ~~إليها بالمقامع. قيل إن جهنم لتجيش بهم فتلقيهم إلى أعلاها فيريدون ~~الخروج منها فتضربهم الزبانية بمقامع الحديد فيهوون فيها سبعين خريفا { ~~وذوقوا عذاب الحريق } يعني تقول لهم الملائكة ذلك والحريق بمعنى المحرق ~~فهذا وصف حال أحد الخصمين وهم الكفار وقال تعالى في وصف الخصم الآخر وهم ~~المؤمنون { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير } وهو ~~الإبريسم الذي حرم لبسه على الرجال في الدنيا. عن معاوية هو جد بهز بن ~~حكيم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق ~~الأنهار بعد " # أخرجه الترمذي وقال: حديث صحيح ms2313 ق عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما ~~بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة ~~عدن " # عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن عليهم التيجان أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب ق عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " # قوله تعالى { وهدوا } من الهداية يعني أرشدوا { إلى الطيب من القول } ~~قال ابن عباس: هو شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل هو لا إله إلا الله ~~والله أكبر والحمد لله وسبحان الله وقيل إلى القرآن وقيل هو قول أهل ~~الجنة # والحمد لله الذي صدقنا وعده # [الزمر: 74] { وهدوا إلى صراط الحميد } يعني إلى دين الله وهو الإسلام ~~والحميد هو الله المحمود في أفعاله. ### || [22.25-28] # قوله عز وجل: { إن الذين كفروا } يعني بما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم { ويصدون عن سبيل الله } أي بالمنع من الهجرة والجهاد والإسلام { ~~والمسجد الحرام } يعني ويصدون عن المسجد الحرام { الذي جعلناه للناس } أي ~~قبلة لصلاتهم ومنسكا متعبدا { سواء العاكف } أي المقيم { فيه } قال ~~بعضهم ويدخل فيه الغريب إذا جاور وأقام به ولزم التعبد فيه { والباد } أي ~~الطارىء المنتاب إليه من غيره واختلفوا في معنى الآية فقيل سواء العاكف ~~فيه والبادي في تعظيم حرامته وقضاء النسك به. وإليه ذهب مجاهد والحسن ~~وجماعة قالوا: والمراد منه نفس المسجد الحرام ومعنى التسوية في تعظيم ~~الكعبة وفي فضل الصلاة فيه والطواف به. وعن جبير بن مطعم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء ~~من ليل أو نهار " # أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي. وقيل: المراد منه جميع الحرم ومعنى ~~التسوية أن المقيم والبادي سواء في النزول به ms2314 ليس أحدهما أحق بالمنزل من ~~الآخر غير أنه لا يزعج أحد أحدا إذا كان قد سبق إلى منزلة وقول ابن عباس ~~وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد قالوا: هما سواء في البيوت والمنازل قال ~~عبد الرحمن بن سابط: كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة ~~بأحق منهم وكان عمر بن الخطاب ينهى الناس أن يغلقوا أبوابهم في الموسم ~~فعلى هذا القول لا يجوز بيع دور مكة وإجارتها قالوا: إن أرض مكة لا تملك ~~لأنها لو ملكت لم يستو العاكف فيها والبادي فلما استويا ثبت أن سبيلها ~~سبيل المساجد وإليه ذهب أبو حنيفة. قالوا: والمراد بالمسجد الحرام جميع ~~الحرم وعلى القول الأول الأقرب إلى الصواب أنه يجوز بيع دور مكة وإجارتها ~~وهو قول طاوس وعمرو بن دينار. وإليه ذهب الشافعي احتج الشافعي في ذلك ~~قوله تعالى: # الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق # [الحج: 40]، أضاف الديار إلى مالكيها وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم فتح مكة: # " من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن " # فنسب الديار إليهم نسبة ملك واشترى عمر بن الخطاب دار السجن بأربعة آلاف ~~درهم فدلت هذه النصوص على جواز بيعها وقوله تعالى { ومن يرد فيه } أي في ~~المسجد الحرام { بإلحاد بظلم } أي يميل إلى الظلم قيل الإلحاد فيه هو ~~الشرك وعبادة غير الله. وقيل: هو كل شيء كان منهيا عنه من قول أو فعل ~~حتى شتم الخادم. وقيل هو دخول الحرم بغير إحرام أو ارتكاب شيء من محظورات ~~الحرم من قتل صيد وقطع شجر. # وقال ابن عباس: هو أن تقتل فيه من لا يقتلك أو تظلم فيه من لا يظلمك. ~~وقال مجاهد: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات وقيل: احتكار الطعام ~~بمكة بدليل ما روى يعلى بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه " # أخرجه أبو داود وقال عبد الله بن مسعود في قوله ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ~~{ نذقه ms2315 من عذاب أليم } قال لو أن رجلا هم بخطيئة لم تكتب عليه ما لم ~~يعملها ولو أن رجلا هم بقتل رجل بمكة وهو بعدن أبين أو ببلد آخر أذاقه ~~الله من عذاب أليم. قال السدي: إلا أن يتوب. وروي عن عبد الله بن عمرو ~~أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم فإذا أراد أن يعاتب ~~أهله عاتبهم في الحل فسئل عن ذلك فقال كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن ~~يقول الرجل كلا والله وبلى والله. قوله تعالى { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان ~~البيت } قال ابن عباس: جعلنا وقيل وطأنا وقيل بينا وإنما ذكر مكان البيت ~~لأن الكعبة رفعت إلى السماء زمن الطوفان فلما أمر الله تعالى إبراهيم ~~عليه السلام ببناء البيت لم يدر أي جهة يبني فبعث الله تعالى ريحا ~~خجوجا فكنست له ما حول البيت عن الأساس وقيل بعث الله سحابة بقدر البيت ~~فقامت بحيال البيت وفيها رأس يتكلم يا إبراهيم ابن على قدري فبنى عليه { ~~أن لا تشرك بي شيئا } أي عهدنا إلى إبراهيم وقلنا له: لا تشرك بي شيئا ~~{ وطهر بيتي } أي من الشرك والأوثان والأقذار { للطائفين } أي الذين ~~يطوفون بالبيت { والقائمين } أي المقيمين فيه { والركع السجود } أي ~~المصلين. قوله عز وجل { وأذن } أي أعلم وناد، والأذان في اللغة الإعلام ~~{ في الناس } قال ابن عباس: أراد بالناس أهل القبلة { بالحج } فقال ~~إبراهيم عليه السلام وما يبلغ صوتي فقال الله عليك الأذان وعلينا الإبلاغ ~~فقام إبراهيم على المقام حتى صار كأطول الجبال وأدخل أصبعيه في أذنيه ~~وأقبل بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا وقال يا أيها الناس ألا إن ~~ربكم قد بنى بيتا وكتب عليكم الحج إلى البيت فأجيبوا ربكم فأجابه كل من ~~يحج من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات: لبيك اللهم لبيك. قال ابن عباس: ~~فأول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجا وروي أن إبراهيم صعد أبا ~~قبيس ونادى. وزعم الحسن أن المأمور بالتأذين هو محمد صلى الله عليه وسلم ~~أمر أن يفعل ذلك ms2316 في حجة الوداع م عن أبي هريرة قال: # " خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس قد فرض ~~الله عليكم الحج فحجوا " # { يأتوك رجالا } أي مشاة على أرجلهم جمع راجل { وعلى كل ضامر } أي ~~ركبانا على الإبل المهزولة من كثرة السير وبدأ المشاة تشريفا لهم { ~~يأتين } أي جماعة الإبل { من كل فج عميق } أي من كل طريق بعيد فمن أتى ~~مكة حاجا فكأنه قد أتى إبراهيم لأنه مجيب نداءه. # قوله تعالى { ليشهدوا منافع لهم } قيل العفو المغفرة وقيل: التجارة وقال ~~ابن عباس: الأسواق وقيل ما يرضى به الله من أمر الدنيا والآخرة { ويذكروا ~~اسم الله في أيام معلومات } يعني عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين قيل ~~لها معلومات للحرص عليها من أجل وقت الحج في آخرها. وعن ابن عباس أنها ~~أيام عرفة والنحر وأيام التشريق وقيل: إنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده { ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } يعني الهدايا والضحايا من النعم وهي ~~الإبل والبقر والغنم وفيه دليل على أن الأيام المعلومات يوم النحر وأيام ~~التشريق لأنه التسمية على بهيمة الأنعام عند نحرها ونحر الهدايا يكون في ~~هذه الأيام { فكلوا منها } أمر إباحة ليس بواجب وذلك أن أهل الجاهلية ~~كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئا فأمر الله بمخالفتهم. واتفق ~~العلماء على أن الهدى إذا كان تطوعا يجوز للمهدي أن يأكل منه وكذلك ~~أضحية التطوع لما روى عن جابر بن عبد الله في قصة تطوعا يجوز للمهدي أن ~~يأكل منه وكذلك أضحية التطوع لما روى عن جابر بن عبد الله في قصة حجة ~~الوداع قال " وقدم علي ببدن من اليمن وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مائة بدنة فنحر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين بدنة ~~ونحر علي ما غبر وأشركه في بدنه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر ~~وطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها " أخرجه مسلم قوله ما غبر أي ما بقي ~~قوله ببضعه أي بقطعة. ms2317 واختلف العلماء في الهدي الواجب بالشرع مثل دم ~~التمتع والقرآن والدم الواجب بإفساد الحج وفوته وجزاء الصيد هل يجوز ~~للمهدي أن يأكل منه شيئا قال الشافعي: لا يأكل منه شيئا وكذلك ما أوجبه ~~على نفسه بالنذر وقال ابن عمر: لا يأكل من جزاء الصيد والنذر ويأكل مما ~~سوى ذلك وبه قال أحمد وإسحاق. وقال مالك يأكل من هدي التمتع ومن كل هدي ~~وجب عليه إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والمنذور وعند إصحاب الرأي أنه ~~يأكل من دم التمتع والقرآن ولا يأكل من واجب سواهما. وقوله تعالى { ~~وأطعموا البائس الفقير } يعني الزمن الذي لا شيء له. ### || [22.29-30] # وقوله تعالى: { ثم ليقضوا تفثهم } أي ليزيلوا أدرانهم وأوساخهم والمراد ~~منه الخروج عن الإحرام بالحلق وقص الشارب ونتف الإبط وقلم الأظفار ~~والاستحداد ولبس الثياب والحاج أشعث أغبر إذا لم يزل هذه الأوساخ. وقال ~~ابن عمر وابن عباس: قضاء التفث مناسك الحج كلها { وليفوا نذورهم } أراد ~~نذر الحج والهدي وما ينذر الإنسان من شيء يكون في الحج أي ليتموها ~~بقضائها. وقيل المراد منه الوفاء بما نذر وهو على ظاهره وقيل: أراد به ~~الخروج عما وجب عليه نذره أو لم ينذره { وليطوفوا بالبيت العتيق } أراد ~~به طواف الواجب وهو طواف الإفاضة ووقته يوم النحر بعد الرمي والحلق. ~~والطواف ثلاثة طواف القدوم وهو أن من قدم مكة يطوف بالبيت سبعا يرمل ~~ثلاثا من الحجر الأسود إلى أن ينتهي إليه ويمشي أربعا وهذا الطواف سنة ~~لا شيء على من تركه ق عن عائشة: # " إن أول شيء بدأ به حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ثم طاف ~~ثم لم تكن عمرة ثم حج أبو بكر وعمر مثله " # ق عن ابن عمر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف الطواف الأول خب ثلاثا ~~ومشى أربعا " # زاد في رواية # " ثم يصلي ركعتين يعني بعد الطواف بالبيت ثم يطوف بين الصفا والمروة " # ولفظ أبي داود # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف ms2318 في الحج أو العمرة أو ما ~~يقدم يسعى ثلاثة أشواط ويمشي أربعا ثم يصلي سجدتين " # والطواف الثاني هو طواف الإفاضة وذلك يوم النحر بعد الرمي والحلق ق عن ~~عائشة قالت: # " حاضت صفية ليلة النفر فقالت: ما أراني إلا حابستكم قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم عقرى حلقى أطافت يوم النحر قيل نعم قال فانفري " # قوله عقرى وحلقى معناه عقرها الله أي أصابها بالعقر وبوجع في حلقها وقيل ~~معناه مشئومة مؤذية ولم يرد به الدعاء عليها وإنما هو شيء يجري على ~~ألسنة العرب كقولهم: لا أم لك وتربت يمينك وفيه دليل على أن من لم يطف ~~يوم النحر طواف الإفاضة لا يجوز له أن ينفر. الثالث طواف الوداع لا رخصة ~~لمن أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر في أن يفارقها حتى يطوف سبعا فمن ~~تركه فعليه دم إلا المرأة الحائض فإنه يجوز لها تركه للحديث المتقدم ولما ~~روى ابن عباس قال " أمر الناس أن يكون الطواف آخر عهدهم بالبيت إلا أنه ~~رخص للمرأة الحائض " متفق عليه. الرمل سنة تختص بطواف القدوم ولا رمل في ~~طواف الإفاضة والوداع وقوله { بالبيت العتيق } قال ابن عباس وغيره سمي ~~عتيقا لأن الله أعتقه من أيدي الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه فلم يظهر ~~عليه جبار قط، وقيل لأنه أول بيت وضع للناس وقيل لأن الله أعتقه من الغرق ~~فإنه رفع أيام الطوفان وقيل لأنه لم يملك. # قوله عز وجل { ذلك } أي الأمر ذلك يعني ما ذكر من أعمال الحج { ومن ~~يعظم حرمات الله } أي ما نهى الله عنه من معاصيه وتعظيمها ترك ملابستها ~~وقيل: حرمات الله ما لا يحل انتهاكه وقيل الحرمة ما وجب القيام به وحرم ~~التفريط فيه وقيل: الحرمات هنا مناسك الحج وتعظيمها إقامتها وإتمامها ~~وقيل الحرمات هنا البيت الحرام والبلد الحرام والمسجد الحرام والشهر ~~الحرام ومعنى التعظيم العلم بأنه يجب القيام بمراعاتها وحفظ حرمتها { فهو ~~خير له عند ربه } أي ثواب تعظيم الحرمات خير له عند الله في الآخرة { ~~وأحلت لكم الأنعام } أي ms2319 أن تأكلوها بعد الذبح وهي الإبل والبقر والغنم { ~~إلا ما يتلى عليكم } أي تحريمه وهو قوله في سورة المائدة # حرمت عليكم الميتة والدم # [المائدة: 3] الآية { فاجتنبوا الرجس والأوثان } أي اتركوا عبادتها ~~فإنها سبب الرجس وهو العذاب وقيل سمى الأوثان رجسا لأن عبادتها أعظم من ~~التلوث بالنجاسات { واجتنبوا قول الزور } يعني الكذب والبهتان. وقال ابن ~~عباس: هي شهادة الزور وروي عن أيمن بن خريم قال: " إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قام خطيبا فقال أيها الناس عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ثم ~~قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا ~~قول الزور " أخرجه الترمذي وقال قد اختلفوا في روايته ولا نعرف لأيمن ~~سماعا من النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجه أبو داود عن خريم بن فاتك ~~بنحوه وقيل: هو قول المشركين في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك ~~تملكه وما ملك. ### || [22.31-34] # قوله تعالى: { حنفاء لله } يعني مخلصين له { غير مشركين به } فدل ذلك ~~على أن المكلف ينوي بما يؤتيه من العبادة الإخلاص لله بها لا غيره وقيل ~~كانوا في الشرك يحجون ويحرمون البنات والأمهات والأخوات وكانوا حنفاء ~~فنزلت { حنفاء لله غير مشركين به } أي حجوا لله مسلمين موحدين ومن أشرك ~~لا يكون حنيفا { ومن يشرك بالله فكأنما خر } أي سقط { من السماء } إلى ~~الأرض { فتخطفه الطير } يعني تسلبه وتذهب به { أو تهوي به الريح } يعني ~~تميل وتذهب به { في مكان سحيق } يعني بعيد. ومعنى الآية أن من أشرك ~~بالله بعيد من الحق والإيمان كبعد من سقط من السماء فذهبت به الطير أو ~~هوت به الريح فلا يصل إليه بحال وقيل شبه حال المشرك بحال الهاوي من ~~السماء لأنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع حيث تسقط الريح فهو هالك لا ~~محالة. إما باستلاب الطير لحمه أو بسقوطه في المكان السحيق. وقيل معنى ~~الآية من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس وراءه إهلاك بأن صور حاله ~~بصورة حال من خر من السماء فاختطفته ms2320 الطير ففرقت أجزاءه في حواصلها أو ~~عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة. وقيل شبه الإيمان ~~بالسماء في علوه والذي ترك الإيمان بالساقط من السماء والأهواء التي توزع ~~أفكاره بالطير المختطفة والشياطين التي تطرحه في وادي الضلالة بالريح ~~التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة. قوله عز وجل { ذلك } ~~يعني الذي ذكر من اجتناب الرجس وقول الزور { ومن يعظم شعائر الله فإنها ~~من تقوى القلوب } يعني تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب قال ابن عباس: ~~شعائر الله البدن والهدي وأصلها من الإشعار، وهو العلامة التي يعرف بها ~~أنها هدى وتعظيمها استسمانها واستحسانها وقيل شعائر الله أعلام دينه ~~وتعظيمها من تقوى القلوب { لكم فيها } أي في البدن { منافع } قيل هي درها ~~ونسلها وصوفها ووبرها وركوب ظهرها { إلى أجل مسمى } أي إلى أن يسميها ~~ويوجبها هديا فإذا فعل ذلك لم يكن له شيء من منافعها. وهو قول مجاهد ~~وقتادة والضحاك ورواية عن ابن عباس وقيل معناه لكم في الهدايا منافع بعد ~~إيجابها وتسميتها هدايا بأن تركبوها وتشربوا من ألبانها عند الحاجة إلى ~~أجل مسمى يعني إلى أن تنحروها وهو قول عطاء. واختلف العلماء في ركوب ~~الهدي فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: يجوز ركوبها والحمل عليها من غير ~~ضرر بها لما روي عن أبي هريرة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنه فقال: " اركبها ~~فقال يا رسول الله إنها بدنة فقال: اركبها ويلك في الثانية أو الثالثة ~~" # أخرجاه في الصحيحين. وكذلك يجوز له أن يشرب من لبنها بعد ما يفضل عن ري ~~ولدها. وقال أصحاب الرأي: لا يركبها إلا أن يضطر إليه وقيل أراد ~~بالشعائر المناسك ومشاهدة مكة لكم فيها منافع يعني بالتجارة والأسواق { ~~إلى أجل مسمى } يعني إلى الخروج من مكة وقيل { لكم فيها منافع } يعني ~~بالأجر والثواب في قضاء المناسك إلى انقضاء أيام الحج { ثم محلها إلى ~~البيت العتيق } يعني منحرها عند البيت العتيق يريد به جميع أرض الحرم. ~~وروي عن جابر ms2321 في حديث حجة الوداع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " نحرت ها هنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم " # ومن قال الشعائر المناسك قال معنى ثم محلها يعني محل الناس من إحرامهم ~~إلى البيت العتيق يطوفون به طواف الزيارة. قوله تعالى { ولكل أمة } يعني ~~جماعة مؤمنة سلفت قبلكم { جعلنا منسكا } قرىء بكسر السين يعني مذبحا ~~وهو موضع القربان منسكا بفتح السين وهو إراقة الدم وذبح القرابين { ~~ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } يعني عند ذبحها ونحرها ~~سماها بهيمة لأنها لا تتكلم وقيد بالأنعام لأن ما سواها لا يجوز ذبحه في ~~القرابين وإن جاز أكله. قوله عز وجل { فإلهكم إله واحد } يعني سموا على ~~الذبح اسم الله وحده فإن إلهكم إله واحد { فله أسلموا } يعني أخلصوا ~~وانقادوا وأطيعوا { وبشر المخبتين } قال ابن عباس: المتواضعين وقيل ~~المطمئنين إلى الله وقيل الخاشعين الرقيقة قلوبهم وقيل هم الذي لا يظلمون ~~وإذا ظلموا لا ينتصرون ثم وصفهم. ### || [22.35-40] # فقال تعالى: { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } يعني خافت من عقاب الله ~~فيظهر عليها الخشوع والتواضع لله تعالى { والصابرين على ما أصابهم } يعني ~~من البلاء والمرض والمصائب ونحو ذلك مما كان من الله تعالى وما كان من ~~الله تعالى وما كان من غير الله فله أن يصبر عليه وله أن ينتصر لنفسه { ~~والمقيمي الصلاة } يعني في أوقاتها محافظة عليها { ومما رزقناهم ينفقون } ~~يعني يتصدقون. قوله تعالى { والبدن } جميع بدنه سميت بدنة لعظمها ~~وضخامتها، يريد الإبل الصحاح الأجسام والبقر ولا تسمى الغنم بدنة لصغرها ~~{ جعلناها لكم من شعائر الله } يعني من أعلام دينه قيل لأنه تشعر وهو أن ~~تطعن بحديدة في سنامها فيعلم بذلك أنها هدي { لكم فيها خير } يعني نفع في ~~الدنيا وثواب في العقبى { فاذكروا اسم الله عليها } يعني عند نحرها { ~~صواف } يعني قياما على ثلاث قوائم قد صفت رجليها ويدها اليمنى والأخرى ~~معقولة فنحرها كذلك ق عن زياد بن جبير قال: " رأيت ابن عمر أتى على رجل ~~قد أناخ ms2322 بدنة ينحرها قال ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه ~~وسلم " { فإذا وجبت جنوبها } يعني سقطت بعد النحر ووقع جنبها على الأرض { ~~فكلوا منها } أمر إباحة { وأطعموا القانع والمعتر } قيل القانع الجالس في ~~بيته المتعفف يقنع بما يعطى ولا يسأل. والمعتر هو الذي يسأل وعن ابن عباس ~~القانع هو الذي لا يسأل ولا يتعرض. وقيل: القانع هو الذي يسأل والمعتر هو ~~الذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسأل وقيل القانع المسكين والمعتر الذي ليس ~~بمسكين ولا تكون له ذبيحة يجيء إلى القوم فيتعرض لهم لأجل لحمهم { كذلك } ~~يعني مثل ما وصفنا من نحرها قياما { سخرناها لكم } يعني لتتمكنوا من ~~نحرها { لعلكم تشكرون } يعني إنعام الله عليكم { لن ينال الله لحومها ولا ~~دماؤها } وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن لطخوا الكعبة ~~بدمائها يزعمون أن ذلك قربة إلى الله تعالى فأنزل الله { لن ينال الله ~~لحومها ولا دماؤها } يعني لن ترفع إلى الله لحومها ولا دماؤها { ولكن ~~يناله التقوى منكم } يعني ولكن ترفع إليه الأعمال الصالحة والإخلاص وهو ~~ما أريد به وجه الله { كذلك سخرها لكم } يعني البدن { لتكبروا الله على ~~ما هداكم } وأرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه وهو أن يقول الله: أكبر على ~~ما هدانا والحمد لله على ما أولانا { وبشر المحسنين } قال ابن عباس ~~الموحدين. قوله تعالى { إن الله يدافع عن الذين آمنوا } أي يدفع غائلة ~~المشركين عن المؤمنين ويمنعهم منهم وينصرهم عليهم { إن الله لا يحب كل ~~خوان كفور } أي خوان في أمانة الله كفور لنعمته. # قال ابن عباس: خانوا الله فجعلوا منه شريكا وكفروا نعمه. وقيل من تقرب ~~إلى الأصنام بذبيحته وسمى غير الله عليها فهو خوان كفور. قوله عز وجل { ~~أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } أي أذن الله لهم بالجهاد ليقاتلوا ~~المشركين قال المفسرون # " كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ~~يزالون يجيئون من بين مضروب ومشجوج ويشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيقول لهم: " اصبروا ms2323 فإني لم أومر بقتال " " # حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية وهي أول آية أذن الله ~~فيها بالقتال. وقيل نزلت هذه الآية في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة ~~إلى المدينة فاعترضهم مشركو مكة فأذن الله لهم في قتال الكفار الذي ~~يمنعون من الهجرة بأنهم ظلموا أي بسبب ما ظلموا واعتدوا عليهم بالإيذاء { ~~وإن الله على نصرهم لقدير } فيه وعد من الله بنصر المؤمنين ثم وصفهم. ~~فقال تعالى { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله } ~~يعني أنهم أخرجوا بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار ~~والتعظيم والتمكين لا موجب الإخراج { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } ~~أي بالجهاد وإقامة الحدود { لهدمت صوامع } هي معابد الرهبان المتخذة في ~~الصحراء { وبيع } هي معابد النصارى في البلد وقيل الصوامع للصابئين ~~والبيع للنصارى { وصلوات } هي كنائس اليهود ويسمونها بالعبرانية صلوتا { ~~ومساجد } يعني مساجد المسلمين { يذكر فيها اسم الله كثيرا } يعني في ~~المساجد. ومعنى الآية ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم في شريعة كل ~~نبي مكان صلواتهم فهدم في زمن موسى الكنائس وفي زمن عيسى البيع والصوامع ~~وفي زمن محمد صلى الله عليه وسلم المساجد { ولينصرن الله من ينصره } أي ~~ينصر دينه ونبيه { إن الله لقوي } أي على نصر من ينصر دينه { عزيز } أي ~~لا يضام ولا يمنع مما يريده. ### || [22.41-47] # قوله عز وجل: { الذين إن مكناهم في الأرض } أي نصرناهم على عدوهم ~~تمكنوا من البلاد { أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر } هذا وصف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: هم جميع هذه الأمة ~~وقيل هم المهاجرون وهو الأصح لأن قوله { الذين إن مكناهم } صفة لمن تقدم ~~ذكرهم وهو قوله # الذين أخرجوا من ديارهم # [الحج: 40] وهم المهاجرون { ولله عاقبة الأمور } أي آخر أمور الخلق ~~مصيرها إليه وذلك أنه يبطل فيها كل ملك سوى ملكه فتصير إليه بلا منازع. ~~قوله تعالى { وإن يكذبوك } فيه تسلية وتعزية للنبي صلى الله عليه وسلم ms2324 ~~والمعنى وإن كذبك قومك { فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم ~~وقوم لوط وأصحاب مدين وكذب موسى } فإن قلت لم قال وكذب ولم يقل وقوم ~~موسى؟. قلت فيه وجهان أحدهما: أن موسى لم يكذبه قومه وهم بنو إسرائيل ~~وإنما كذبه غير قومه وهو القبط الثاني: كأنه قيل بعد ما ذكرت تكذيب كل ~~قوم رسولهم قال وكذب موسى أيضا مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك ~~بغيره { فأمليت للكافرين } أي أمهلتهم وأخرت العقوبة عنهم { ثم أخذتهم } ~~أي عاقبتهم { فكيف كان نكير } أي إنكاري عليهم ما فعلوا من التكذيب ~~بالعذاب والهلاك يخوف به من خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبه. ~~قوله عز وجل { فكأين من قرية أهلكتها } وقرىء أهلكناها على التعظيم { ~~وهي ظالمة } أي وأهلها ظالمون { فهي خاوية } أي ساقطة { على عروشها } أي ~~على سقوفها { وبئر معطلة } أي وكم من بئر معطلة أي متروكة مخلاة عن أهلها ~~{ وقصر مشيد } أي رفيع عال وقيل مجصص وقيل إن البئر المعطلة والقصر ~~المشيد باليمن. أما القصر فعلى قمة جبل والبئر في سفحه ولكل واحد منهما ~~قوم كانوا في نعمة فكفروا فأهلكهم الله وبقي البئر والقصر خاليين. وقيل ~~إن هذه البئر كانت بحضرموت في بلدة يقال لها: حاضوراء وذلك أن أربعة آلاف ~~نفر ممن آمن بصالح عليه السلام لما نجوا من العذاب أتوا إلى حضرموت ومعهم ~~صالح فلما حضروه مات صالح فسمي المكان حضرموت. لذلك ولما مات صالح بنو ~~حاضوراء وقعدوا على هذه البئر وأمروا عليهم رجلا منهم فأقاموا دهرا ~~وتناسلوا حتى كثروا وعبدوا الأصنام وكفروا فأرسل الله تعالى إليهم نبيا؟ ~~يقال له حنظلة بن صفوان. وكان حمالا فيهم فقتلوه في السوق فأهلكهم الله ~~وعطلت بئرهم وخرب قصرهم. قوله تعالى { أفلم يسيروا في الأرض } يعني كفار ~~مكة فينظروا إلى مصارع المكذبين من الأمم الخالية { فتكون لهم قلوب ~~يعقلون بها } أي يعلمون بها { أو آذان يسمعون بها } يعني ما يذكر لهم من ~~أخبار القرون الماضية فيعتبرون بها { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ms2325 ~~القلوب التي في الصدور } المعنى أن عمى القلب هو الضار في أمر الدين لا ~~عمى البصر لأن البصر الظاهر بلغة ومتعة وبصر القلوب النافع { ويستعجلونك ~~بالعذاب } نزلت في النضر بن الحارث { ولن يخلف الله وعده } أي إنه أنجز ~~ذلك يوم بدر { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } قال ابن عباس: ~~يعني يوما من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض. # وقيل يوما من أيام الآخرة يدل عليه ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون ~~الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك مقداره خمسمائة سنة " # أخرجه أبو داود بزيادة فيه وأخرج الترمذي نحوه ومعنى الآية أنهم ~~يستعجلون بالعذاب وإن يوما من إيام عذابهم في الآخرة كألف سنة. وقيل إن ~~يوما من أيام العذاب في الثقل والاستطالة كألف سنة فكيف يستعجلونه وقيل ~~معناه أن يوما عنده وألف سنة في الإمهال سواء لأنه قادر متى شاء أخذهم ~~لا يفوته شيء بالتأخير فيستوي في قدرته وقوع ما يستعجلونه من العذاب ~~وتأخيره وهذا معنى قول ابن عباس. ### || [22.48-53] # { وكأين من قرية أمليت لها } يعني أمهلتها { وهي ظالمة } يعني مع ~~استمرار أهلها على الظلم { ثم أخذتها } يعني أنزلت بهم العذاب { وإلي ~~المصير } يعني مصيرهم إلي في الآخرة ففيه وعيد وتهديد. قوله عز وجل { ~~قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين } أمر رسول الله أن يديم لهم ~~التخويف والإنذار وأن يقول لهم إنما بعثت لكم منذرا { فالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم } لما أمر الله الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بأن يقول # إنما أنا لكم نذير مبين # [الحج: 49] أردف ذلك بأن أمره بوعد من آمن ووعيد من عصى فقال { فالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة } يعن ستر لصغائر ذنوبهم وقيل للكبائر ~~أيضا مع التوبة ورزق كريم يعني لا ينقطع أبدا وقيل هو الجنة { والذين ~~سعوا في آياتنا } يعني عملوا في إبطال آياتنا { معاجزين ms2326 } يعني مثبطين ~~الناس عن الإيمان وقرىء معاجزين يعني معاندين مشاقين وقيل معناه ظانين ~~ومقدرين أنهم يعجزوننا ويفوتوننا فلا نقدر عليهم بزعمهم أن لا بعث ولا ~~نشور ولا جنة ولا نار { أولئك أصحاب الجحيم } وقوله تعالى { وما أرسلنا ~~من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته } قال ابن ~~عباس وغيره من المفسرين: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولي قومه ~~عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به من الله تعالى تمنى في ~~نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه لحرصه على إيمانهم فكان ~~يوما في مجلس لقريش فأنزل الله عز وجل سورة والنجم فقرأها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى بلغ # أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى # [النجم: 19-20] ألقى الشيطان على لسانه ما كان يحدث به نفسه ويتمناه تلك ~~الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى. فلما سمعت قريش ذلك فرحوا به ومضى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته فقرأ السورة كلها وسجد في آخرها ~~وسجد المسلمون بسجوده وسجد جميع من في المسجد من المشركين فلم يبق في ~~المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد غير الوليد بن المغيرة وأبي أحيحة سعيد بن ~~العاص فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتهما وسجدا عليها ~~لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود وتفرقت قريش وقد سرهم ما ~~سمعوا من ذكر آلهتهم ويقولون قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر وقالوا: قد ~~عرفنا أن الله يحيي ويميت ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فإن جعل ~~لها محمد نصيبا فنحن معه فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ~~جبريل فقال: يا محمد ماذا صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله ~~تعالى فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا وخاف من الله ~~تعالى خوفا كبيرا فأنزل الله تعالى هذه الآية يعزيه وكان به رحيما ~~وسمع بذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب النبي ms2327 صلى الله عليه وسلم وبلغهم ~~سجود قريش وقيل قد أسلمت قريش وأهل مكة فرجع أكثرهم إلى عشائرهم وقالوا: ~~هم أحب إلينا حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن الذي كانوا يحدثوا به من ~~إسلام أهل مكة كان باطلا فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفيا. # فلما نزلت هذه الآية قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا ~~عند الله فغير ذلك وكان الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد وقعا في فم كل مشرك فازدادوا شرا إلى ما كانوا ~~عليه وشدة على من أسلم وقوله { وما أرسلنا من قبلك من رسول } الرسول هو ~~الذي يأتيه جبريل بالوحي عيانا { ولا نبي } النبي هو الذي تكون نبوته ~~إلهاما، أو مناما فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا إلا إذا تمنى يعني ~~أحب شيئا واشتهاه وحدث به نفسه مما لم يؤمر به { ألقى الشيطان في أمنيته ~~} يعني في مراده وقال ابن عباس: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه ووجد ~~إليه سبيلا. والمعنى ما من نبي { إلا إذا تمنى } أن يؤمن قومه ولم يتمن ~~ذلك نبي إلا ألقى الشيطان عليه ما يرضى قومه فينسخ الله ما يلقى الشيطان. ~~وقال أكثر المفسرين معنى تمنى قرأ وتلا كتاب الله ألقى الشيطان في أمنيته ~~يعني في تلاوته قال حسان في عثمان حين قتل: # تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر # فإن قلت: قد قامت الدلائل على صدقه وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ ~~أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منه بخلاف ما هو به لا قصدا ولا عمدا ~~ولا سهوا ولا غلطا قال الله تعالى: # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3] وقال تعالى: # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد # [فصلت: 42] فكيف يجوز الغلط على النبي صلى الله عليه وسلم في التلاوة ~~وهو معصوم منه؟. قلت ذكر العلماء عن هذا الإشكال أجوبة: أحدها: توهين أصل ~~هذه القصة وذلك أنه لم ms2328 يروها أحد من أهل الصحة ولا أسندها ثقة بسند صحيح ~~أو سليم متصل وإنما رواها المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب الملفقون ~~من الصحف كل صحيح وسقيم والذي يدل على ضعيف هذه القصة اضطراب رواتها ~~وانقطاع سندها واختلاف ألفاظها فقائل يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان في الصلاة وآخر يقول قرأها وهو في نادي قومه وأخر يقول قرأها وقد ~~أصابته سنة وآخر يقول بل حدث نفسه بها فجرى ذلك على لسانه وآخر يقول إن ~~الشيطان قالها على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما عرضها على جبريل قال ما هكذا أقرأتك إلى غير ذلك من ~~اختلاف ألفاظها والذي جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قرآ والنجم فسجد فيها وسجد من كان معه غير أن شيخا ~~من قريش أخذ كفا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته قال عبد الله فلقد ~~رأيته بعد قتل كافرا ". # أخرجه البخاري ومسلم وصح من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس ". رواه ~~البخاري فهذا الذي جاء في الصحيح لم يذكر فيه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذكر تلك الألفاظ ولا قرأها والذي ذكره المفسرون عن ابن عباس في هذه ~~القصة. فقد رواه عنه الكلبي وهو ضعيف جدا فهذا توهين هذه القصة. الجواب ~~الثاني: وهو من حيث المعنى هو أن الحجة قد قامت بالدليل الصحيح وإجماع ~~الأمة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة ~~وهو تمنيه أن ينزل عليه مدح إله غير الله أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه ~~القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه حتى نبهه جبريل عن ذلك فهذا كله ممتنع في ~~حقه صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين # [الحاقة: 44-46]. الآية الجواب الثالث: في تسليم ms2329 وقوع هذه القصة وسبب ~~سجود الكفار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ يرتل القرآن ~~ترتيلا ويفصل الآي تفصيلا كما صح عنه في قراءته فيحتمل أن الشيطان ترصد ~~لتلك السكنات فدس فيها ما اختلقه من تلك الكلمات محاكيا لصوت النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فسمعه من دنا منه من الكفار فظنوها من قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم فسجدوا معه لسجوده فأما المسلمون فلم يقدح ذلك عندهم ~~لتحققهم من حال النبي صلى الله عليه وسلم ذم الأوثان وإنهم كانوا يحفظون ~~السورة كما أولها الله عز وجل الجواب الرابع: في تحقيق تفسير الآية وقد ~~تقدم أن التمني يكون حديث النفس وبمعنى التلاوة فعلى الأول: يكون معنى ~~قوله { إلا إذا تمنى } أي خطر بباله وتمنى بقلبه بعض الأمور ولا يبعد أنه ~~إذا قوي التمني اشتغل الخاطر فحصل السهو في الأفعال الظاهرة وعلى الثاني: ~~وهو تفسير التمني بالتلاوة فيكون معنى قوله { إلا إذا تمنى } أي تلا وهو ~~ما يقع للنبي صلى الله عليه وسلم من السهو في إسقاط آية أو آيات أو كلمة ~~أو نحو ذلك ولكنه لا يقر على هذا السهو بل ينبه عليه ويذكر به للوقت ~~والحين كما صح في الحديث # " لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها في سورة كذا " # وحاصل هذا أن الغرض من هذه الآية أن الأنبياء والرسل وإن عصمهم الله عن ~~الخطأ في العلم فلم يعصمهم من جواز السهو عليهم بل حالهم في ذلك كحال ~~سائر البشر والله تعالى أعلم. قوله عز وجل { فينسخ الله ما يلقي ~~الشيطان } أي يبطله ويذهبه { ثم يحكم الله آياته } أي يثبتها { والله ~~عليم حكيم } قوله عز وجل { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة } أي محنة وبلية ~~والله تعالى يمتحن عباده بما يشاء { للذين في قلوبهم مرض } أي شك ونفاق { ~~والقاسية قلوبهم } أي الجافية قلوبهم عن قبول الحق وهم المشركون { وإن ~~الظالمين لفي شقاق بعيد } أي في خلاف شديد. ### || [22.54-58] # { وليعلم الذي أوتوا العلم } أي التوحيد والقرآن والتصديق بنسخ الله ما ms2330 ~~يشاء { أنه الحق من ربك } أي الذي أحكم الله من آيات القرآن هو الحق من ~~ربك { فيؤمنوا به } أي يعتقدوا أنه من الله عز وجل { فتخبت له قلوبهم } ~~أي تسكن إليه { وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم } أي إلى طريق ~~قويم وهو الإسلام. قوله عز وجل { ولا يزال الذين كفروا في مرية منه } ~~أي في شك من القرآن وقيل من الدين الذي هو صراط مستقيم { حتى تأتيهم ~~الساعة بغتة } أي فجأة وقيل أراد بالساعة الموت { أو يأتيهم عذاب عقيم } ~~أي عذاب يوم لا ليلة له وهو يوم القيامة وقيل هو يوم بدر سمي عقيما لأنه ~~لم يكن في ذلك اليوم للكفار خير كالريح العقيم لا تأتي بخير وقيل لأنه لا ~~مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه { الملك يومئذ } يعني يوم ~~القيامة { لله } وحده من غير منازع ولا مشارك فيه { يحكم } أي يفصل { ~~بينهم } ثم بين ذلك الحكم فقال تعالى { فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في ~~جنات النعيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين }. قوله ~~تعالى { والذين هاجروا في سبيل الله } أي فارقوا أوطانهم وعشائرهم في ~~طاعة الله وطلب رضاه { ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا } أي ~~لا ينقطع أبدا وهو رزق الجنة لأنه فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين { ~~وإن الله لهو خير الرازقين } فإن قلت الرازق في الحقيقة هو الله عز وجل ~~لا رازق للخلق غيره فكيف قال وإن الله لهو خير الرازقين. قلت قد يسمى غير ~~الله رازقا على المجاز كقوله رزق السلطان الجند أي أعطاهم أرزاقهم وإن ~~الرزاق في الحقيقة هو الله تعالى وقيل لأنه الله تعالى يعطي الرزق ما لا ~~يقدر عليه غيره. ### || [22.59-71] # { ليدخلنهم مدخلا يرضونه } يعني الجنة يكرمون به ولا ينالهم فيه مكروه ~~{ وإن الله لعليم } بنياتهم { حليم } بالعفو عنهم. قوله عز وجل { ذلك } ~~أي الأمر ذلك الذي قصصنا عليك { ومن عاقب بمثل ما عوقب به } يعني جازى ~~الظالم بمثل ظلمه وقيل يعني قاتل المشركين كما قاتلوه ms2331 { ثم بغى عليه } ~~يعني ظلم بإخراجه من منزله يعني ما أتاه المشركون من البغي على المسلمين ~~حتى أحوجوهم إلى مفارقة أوطانهم نزلت في قوم من المشركين أتوا قوما من ~~المسلمين لليلتين بقيتا في المحرم فكره المسلمون قتالهم وسألوهم أن يكفوا ~~عن القتال من أجل الشهر الحرام فأبى المشركون وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم ~~وثبت المسلمون فنصرهم الله عليهم فذلك قوله تعالى { لينصرنه الله إن الله ~~لعفو } يعني عن مساوي المؤمنين { غفور } يعني لذنوبهم { ذلك } النصر { ~~بأن الله } القادر على ما يشاء فمن قدرته أنه { يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل } في معنى هذا الإيلاج قولان، أحدهما: أنه يجعل ~~ظلمة الليل ما كان ضياء النهار وذلك بغيبوبة الشمس ويجعل ضياء النهار ~~مكان ظلمة الليل بطلوع الشمس. القول الثاني: هو ما يزيد في أحدهما وينقص ~~من الآخر من الساعات وذلك لايقدر عليه إلا الله تعالى { وأن الله سميع ~~بصير ذلك بأن الله هو الحق } أي ذو الحق في قوله وفعله، ودينه حق وعبادته ~~حق { وأن ما يدعون } يعني المشركين { من دونه هو الباطل } يعني الأصنام ~~التي ليس عندها ضر ولا نفع { وأن الله هو العلي } أي العالي على كل شيء { ~~الكبير } أي العظيم في قدرته وسلطانه. قوله عز وجل { ألم تر أن الله ~~أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة } يعني بالنبات { إن الله لطيف } ~~يعني باستخراج النبات من الأرض رزقا للعباد والحيوان { خبير } يعني بما ~~في قلوب العباد إذا تأخر المطر عنهم { له ما في السموات وما في الأرض } ~~يعني عبيدا وملكا { وإن الله لهو الغني الحميد } يعني الغني عن عباده ~~الحميد في أفعاله { ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض } يعني الدواب ~~التي تركب في البر { والفلك } أي وسخر لكم السفن { تجري في البحر بأمره } ~~يعني سخر لها الماء والرياح ولولا ذلك ما جرت { ويمسك السماء أن تقع } أي ~~لكيلا تسقط { على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم } يعني أنه ~~أنعم بهذه النعم الجامعة بمنافع ms2332 الدنيا والدين وقد بلغ الغاية في الإنعام ~~والإحسان فهو إذن رؤوف رحيم بكم { وهو الذي أحياكم } أي أنشأكم ولم ~~تكونوا شيئا { ثم يميتكم } أي عند انقضاء آجالكم { ثم يحييكم } أي يوم ~~البعث للثواب والعقاب { إن الإنسان لكفور } أي لجحود لنعم الله عز ~~وجل. # قوله تعالى { لكل أمة جعلنا منسكا } قال ابن عباس شريعة { هم ناسكوه } ~~هم عاملون بها وعنه أنه قال عيدا وقيل موضع قربان يذبحون فيه وقيل موضع ~~عبادة { فلا ينازعنك في الأمر } أي في أمر الذبائح نزلت في بديل بن ورقاء ~~وبشر بن سفيان ويزيد بن خنيس قالوا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما ~~لكم تأكلون مما تقتلون بأيديكم ولا تأكلون مما قتله الله؟ وقيل معناه لا ~~تنازعهم أنت. قوله تعالى { وادع إلى ربك } أي إلى الإيمان به وإلى دينه { ~~إنك لعلى هدى مستقيم } أي على دين واضح قويم { وإن جادلوك } يعني خاصموك ~~في أمر الذبح وغيره { فقل الله أعلم بما تعملون } أي من التكذيب { الله ~~يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون } يعني فتعلمون حينئذ ~~الحق من الباطل وقيل حكم يوم القيامة يتردد بين جنة وثواب لمن قبل وبين ~~نار وعقاب لمن رد وأبى. قوله عز وجل { ألم تعلم } الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ويدخل فيه الأمة { أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ~~ذلك في كتاب } يعني في اللوح المحفوظ { إن ذلك } يعني علمه بجميعه { على ~~الله يسير } أي هين وقيل: إن كتب الحوادث مع أنها من الغيب على الله يسير ~~{ ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا } يعني حجة ظاهرة من دليل ~~سمعي { وما ليس لهم به علم } يعني أنهم فعلوا ما فعلوه عن جهل لا عن علم ~~ولا دليل عقلي { وما للظالمين } يعني المشركين { من نصير } يعني مانع ~~يمنعهم من العذاب. ### || [22.72-77] # { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } يعني القرآن وصفه بذلك لأنه فيه بيان ~~الأحكام والفصل بين الحلال والحرام { تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر } ~~يعني الإنكار والكراهية ms2333 يتبين ذلك في وجوههم { يكادون يسطون } يعني يقعون ~~ويبسطون إليكم أيديهم بالسوء وقيل يبطشوه { بالذين يتلون عليهم آياتنا } ~~أي بمحمد وأصحابه من شدة الغيظ { قل } يعني قل لهم يا محمد { أفأنبئكم ~~بشر من ذلكم } يعني بشر لكم وأكره إليكم من هذا القرآن الذي تستمعون { ~~النار } يعني هي النار { وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير } قوله ~~تعالى { يا أيها الناس ضرب مثل } فإن قلت الذي جاء به ليس بمثل فكيف سماه ~~مثلا. قلت لما كان المثل في الأكثر نكتة عجيبة غريبة جاز أن يسمى كل ~~كلام كان كذلك مثلا. وقال في الكشاف قد سميت الصفة والقصة الرائقة ~~المتلقاة بالاستحسان والاستغراب مثلا تشبيها لها ببعض الأمثال المسيرة ~~لكونها مسيرة عندهم مستحسنة مستغربة { فاستمعوا له } يعني تدبروه حق ~~تدبره فإن الاستماع بلا تدبر وتعقل لا ينفع والمعنى جعل لي شبيه وشبه به ~~الأوثان أي جعل المشركون الأصنام شركائي يعبدونها ثم بين حالها وصفتها ~~فقال تعالى { إن الذين تدعون من دون الله } يعني الأصنام { لن يخلقوا ~~ذبابا } يعني واحدا في صغره وضعفه وقلته لأنها لا تقدر على ذلك { ولو ~~اجتمعوا له } يعني لخلقه، والمعنى أن هذه الأصنام لو اجتمعت لم يقدروا ~~على خلق ذبابة على ضعفها وصغرها فكيف يليق بالعاقل جعلها معبودا له { ~~وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه } قال ابن عباس: كانوا يطلون ~~الأصنام بالزعفران فإذا جف جاء الذباب فاستلبه منه. وقيل: كانوا يضعون ~~الطعام بين أيدي الأصنام فيقع الذباب عليه ويأكل منه { ضعف الطالب ~~والمطلوب } قال ابن عباس الطالب الذباب يطلب ما يسلب من الطيب الذي على ~~الصنم والمطلوب هو الصنم وقيل الطالب الصنم والمطلوب الذباب أي لو طلب ~~الصنم أن يخلق الذباب لعجز عنه وقيل الطالب عابد الصنم والمطلوب هو الصنم ~~{ ما قدروا الله حق قدره } يعني ما عظموه حق عظمته وما عرفوه حق معرفته ~~ولا وصفوه حق صفته حيث أشركوا به ما لا يمتنع من الذباب ولا ينتصف منه { ~~إن الله لقوي عزيز } يعني غالب لا يقهر. قوله عز ms2334 وجل { الله يصطفي من ~~الملائكة } يعني يختار من الملائكة { رسلا } جبريل وميكائيل وإسرافيل ~~وعزرائيل وغيرهم { ومن الناس } يعني يختار الله من الناس رسلا مثل ~~إبراهيم وعيسى ومحمد وغيرهم من الأنبياء والرسل صلى الله عليهم أجمعين. ~~نزلت حين قال المشركون أأنزل عليه الذكر من بيننا فأخبر الله تعالى أن ~~الاختيار إليه يختار من يشاء من عباده لرسالته { إن الله سميع } يعني ~~بأقوالهم { بصير } يعني لأفعالهم لا تخفى عليه خافية. # قوله تعالى { يعلم ما بين أيديهم } قال ابن عباس: ما قدموا { وما خلفهم ~~} يعني ما خلفوا وقيل يعلم ما عملوا ما هم عاملون وقيل يعلم ما بين أيدي ~~ملائكته ورسله قبل أن يخلقهم ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم { وإلى الله ~~ترجع الأمور } يعني في الآخرة. قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اركعوا ~~واسجدوا } يعني صلوا لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود { واعبدوا ~~ربكم } يعني وحدوه وقيل أخلصوا له العبادة { وافعلوا الخير } قال ابن ~~عباس: صلة الأرحام ومكارم الأخلاق وقيل فعل الخير ينقسم إلى خدمة المعبود ~~الذي هو عبارة عن التعظيم لأمر الله تعالى وإلى الإحسان الذي هو عبارة عن ~~الشفقة على خلق الله ويدخل فيه البر والمعروف والصدقة وحسن القول غير ذلك ~~من أعمال البر { لعلكم تفلحون } يعني لكي تسعدوا وتفوزوا بالجنة. فصل: في ~~حكم سجود التلاوة هنا لم يختلف العلماء في السجدة الأولى من هذه السورة ~~واختلفوا في السجدة الثانية فروي عن عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وابن ~~عباس وأبي الدرداء وأبي موسى أنهم قالوا في الحج سجدتان وبه قال ابن ~~المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، يدل عليه ما روي عن عقبة بن عامر قال: ~~قلت يا رسول الله في الحج سجدتان قال: # " نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما " # أخرجه الترمذي وأبو داود. وعن عمر بن الخطاب أنه قرأ سورة الحج فسجد ~~فيها سجدتين وقال: إن هذه السورة فضلت بسجدتين. أخرجه مالك في الموطأ ~~وذهب قوم إلى أن في الحج سجدة واحدة وهي الأولى وليس هذه بسجدة وهو قول ms2335 ~~الحسن وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وسفيان الثوري وأبي حنيفة ومالك ~~بدليل أنه قرن السجود بالركوع فدل ذلك أنها سجدة صلاة لا سجدة تلاوة ~~واختلف العلماء في عدة سجود التلاوة. فذهب الشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم ~~إلى أنها أربع عشرة سجدة لكن الشافعي قال في الحج سجدتان وأسقط سجدة ص. ~~وقال أبو حنيفة في الحج سجدة وأثبت سجدة ص وبه قال أحمد في إحدى ~~الروايتين عنه فعنده أن السجدات خمس عشرة سجدة. وذهب قوم إلى أن المفصل ~~ليس فيه سجود يروى ذلك عن أبي بن كعب وابن عباس وبه قال مالك فعلى هذا ~~يكون سجود القرآن إحدى عشرة سجدة يدل عليه ما روي عن أبي الدرداء أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " في القرآن إحدى عشرة سجدة " # أخرجه أبو داود وقال إسناده واه. ودليل من قال في القرآن خمس عشرة سجدة ~~ما روي عن عمرو بن العاص قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~القرآن خمس عشرة سجدة منها ثلاث في المفصل وفي سورة الحج سجدتان. أخرجه ~~أبو داود وصح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقرأ وإذا السماء انشقت " # أخرجه مسلم وسجود التلاوة سنة للقارىء والمستمع. وبه قال الشافعي وقال ~~أبو حنيفة هو واجب. ### || [22.78] # قوله عز وجل: { وجاهدوا في الله حق جهاده } أي جاهدوا في سبيل الله ~~أعداء الله ومعنى حق جهاده هو استفراغ الطاقة فيه قال ابن عباس: وعنه قال ~~لا تخافوا في الله لومة لائم فهو حق الجهاد كما تجاهدون في سبيل الله لا ~~تخافون لومة لائم وقيل معناه اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته قيل ~~نسخها قوله تعالى: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] وقال أكثر المفسرين حق الجهاد أن يكون بنية صادقة خالصة ~~لله ولتكون كلمة الله هي العليا بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: # " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " # أخرجاه في الصحيحين ms2336 من حديث أبي موسى الأشعري وقيل مجاهدة النفس والهوى ~~هو حق الجهاد وهو الجهاد الأكبر روي # " أن النبي صلى الله عليه سلم لما رجع من غزوة تبوك قال: " رجعنا من ~~الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " " # ذكره البغوي بغير سند قيل أراد بالأصغر جهاد الكفار وبالأكبر جهاد النفس ~~{ هو اجتباكم } يعني اختاركم لدينه والاشتغال بخدمته وعبادته وطاعته فأي ~~رتبة أعلى من هذا وأي سعادة فوق هذا { وما جعل عليكم في الدين من حرج } ~~أي ضيق وشدة وهو أن المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله له منه ~~مخرجا بعضها بالتوبة وبعضها برد المظالم والقصاص وبعضها بأنواع ~~الكفارات من الأمراض والمصائب وغير ذلك فليس في دين الإسلام ما لا يجد ~~العبد فيه سبيلا إلى الخلاص من الذنوب ومن العقاب لمن وفق. وقيل: معناه ~~رفع الضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر ووقت الحج إذا ~~التبس عليكم وسع ذلك عليكم حتى تتيقنوا. وقيل: معناه الرخص عند الضرورات ~~كقصر الصلاة والفطر في السفر والتيمم عند عدم الماء وأكل الميتة عند ~~الضرورة والصلاة قاعدا والفطر مع العجز بعذر المرض ونحو ذلك من الرخص ~~التي رخص الله لعباده، قيل أعطى الله هذه الأمة خصلتين لم يعطهما أحدا ~~غيرهم جعلهم شهداء على الناس وما جعل عليهم في الدين من حرج. وقال ابن ~~عباس: الحرج ما كان على بني إسرائيل من الآصار التي كانت عليهم وضعها ~~الله عن هذه الأمة { ملة أبيكم إبراهيم } لأنها داخلة في ملة محمد صلى ~~الله عليه وسلم. فإن قلت لم يكن إبراهيم أبا للأمة كلها فكيف سماه أبا ~~في قوله { ملة إبيكم إبراهيم }. قلت إن كان الخطاب للعرب فهو أبو العرب ~~قاطبة وإن كان الخطاب للمسلمين فهو أبو المسلمين. والمعنى وجوب احترامه ~~وحفظ حقه يجب كما يجب احترام الأب فهو كقوله # وأزواجه أمهاتهم # [الأحزاب: 6] وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إنما أنا لكم كالوالد " # وفي قوله { هو سماكم المسلمين من قبل } قولان أحدهما: أن الكناية ترجع ~~إلى ms2337 الله تعالى يعني أن الله سماكم المسلمين في الكتب القديمة من قبل ~~نزول القرآن القول الثاني: أن الكناية راجعة إلى إبراهيم يعني أن ~~إبراهيم سماكم المسلمين في أيامه من قبل هذا الوقت وهو قوله # ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك # [البقرة: 128] فاستجاب الله دعاءه فينا { وفي هذا } أي وفي القرآن سماكم ~~المسلمين { ليكون الرسول شهيدا عليكم } يوم القيامة أن قد بلغكم { ~~وتكونوا شهداء على الناس } أي تشهدون يوم القيامة على الأمم أن رسلهم قد ~~بلغتهم { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله } يعني ثقوا به ~~وتوكلوا عليه وقيل تمسكوا بدين الله. وقال ابن عباس: سلوا ربكم أن يعصمكم ~~من كل ما يكره وقيل معناه ادعوا ربكم أن يثبتكم على دينه. وقيل: الاعتصام ~~هو التمسك بالكتاب والسنة { هو مولاكم } يعني وليكم وناصركم وحافظكم { ~~فنعم المولى ونعم النصير } أي الناصر لكم والله تعالى أعلم. ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-2] # عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه ~~دوي كدوي النحل فأنزل الله عليه يوما فمكث ساعة ثم سري عنه فقرأ قد أفلح ~~المؤمنون إلى عشر آيات من أولها. وقال: من أقام هذه العشر آيات دخل الجنة ~~ثم استقبل القبلة ورفع يديه وقال اللهم زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا ~~وأعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولا تؤثر علينا اللهم أرضنا وأرض عنا " # أخرجه الترمذي. قوله عز وجل { قد أفلح المؤمنون } قال ابن عباس قد سعد ~~المصدقون بالتوحيد وبقوا في الجنة وقيل الفلاح البقاء والنجاة { الذين هم ~~في صلاتهم خاشعون } قال ابن عباس: مخبتون أذلاء خاضعون. وقيل خائفون ~~وقيل: متواضعون وقيل الخشوع من أفعال القلب كالخوف والرهبة وقيل هو من ~~أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات وغض البصر. وقيل لا بد من الجمع بين ~~أفعال القلب والجوارح وهو الأولى فالخاشع في صلاته لا بد وأن يحصل له ~~الخشوع في جميع الجوارح، فأما ما يتعلق بالقلب من الأفعال فنهاية الخضوع ~~والتذلل للمعبود ms2338 ولا يلتفت الخاطر إلى شيء سوى ذلك التعظيم. وأما ما ~~يتعلق بالجوارح فهو أن يكون ساكنا مطرقا ناظرا إلى موضع سجوده. وقيل ~~الخشوع هو أن لا يعرف من على يمينه ولا من على شماله ق عن عائشة قالت: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال هو ~~اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد " # الاختلاس هو الاختطاف عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت ~~انصرف عنه " # وفي رواية # " أعرض عنه " # أخرجه أبو داود والنسائي. وقيل الخشوع هو أن لايرفع بصره إلى السماء خ ~~عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم فاشتد قوله في ذلك ~~حتى قال: لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم " # وقال أبو هريرة كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم ~~إلى السماء في الصلاة فلما نزل { الذين هم في صلاتهم خاشعون } رمقوا ~~بأبصارهم إلى موضع السجود. وقيل الخشوع هو أن لا يعبث بشيء من جسده في ~~الصلاة لما روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: ~~لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه " # ذكره البغوي بغير سند. عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه " # أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. وقيل الخشوع في الصلاة هو جمع الهمة ~~والإعراض عما سوى الله والتدبر فيما يجري على لسانه من القراءة والذكر. ### || [23.3-10] # { والذين هم عن اللغو معرضون } قال ابن عباس عن الشرك وقيل عن المعاصي ~~وقيل هو كل باطل ولهو ما لا يجمل من القول والفعل وقيل هو معارضة الكفار ~~الشتم والسب { والذين هم للزكاة فاعلون } أي الزكاة الواجبة مؤدون فعبر ~~عن التأدية بالفعل لأنها فعل وقيل الزكاة ها هنا العمل الصالح والأول ~~أولى { والذين ms2339 هم لفروجهم حافظون } الفرج اسم لسوأة الرجل والمرأة وحفظه ~~التعفف عن الحرام { إلا على أزواجهم } على بمعنى من { أو ما ملكت ~~أيمانهم } يعني الإماء والجواري والآية في الرجال خاصة لأن المرأة لا ~~يجوز لها أن تستمتع بفرج مملوكها { فإنهم غير ملومين } يعني بعدم حفظ ~~فرجه من امرأته وأمته فإنه لا يلام على ذلك وإنما لا يلام فيما إذا كان ~~على وجه أذن فيه الشرع دون الإتيان في غير المأتي وفي حال الحيض والنفاس ~~فإنه محظور فلا يجوز ومن فعله فإنه ملوم { فمن ابتغى وراء ذلك } أي التمس ~~وطلب سوى الأزواج والولائد وهن الجواري المملوكة { فأولئك هم العادون } ~~أي الظالمون المجاوزون الحد من الحلال إلى الحرام. وفيه دليل على أن ~~الاستمناء باليد حرام وهو قول أكثر العلماء. سئل عطاء عنه فقال: مكروه ~~سمعت أن قوما يحشرون وأيديهم حبالى فأظن أنهم هؤلاء وقال سعيد بن جبير ~~عذب الله أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم. قوله عز وجل { والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون } أي حافظون يحفظون ما ائتمنوا عليه والعقود التي ~~عاقدوا الناس عليها يقومون بالوفاء بها. والأمانات تختلف فمنها ما يكون ~~بين العبد وبين الله تعالى كالصلاة والصوم وغسل الجنابة وسائر العبادات ~~التي أوجبها الله تعالى على العباد فيجب الوفاء بجميعها. ومنها ما يكون ~~بين العباد كالودائع والصنائع والأسرار وغير ذلك فيجب الوفاء به أيضا { ~~والذين هم على صلواتهم يحافظون } أي يداومون ويراعون أوقاتها وإتمام ~~أركانها وركوعها وسجودها وسائر شروطها. فإن قلت كيف كرر ذكر الصلاة أولا ~~وآخرا. قلت هما ذكران مختلفان فليس تكرارا وصفهم أولا بالخشوع في ~~الصلاة وآخرا بالمحافظة عليها. قوله عز وجل { أولئك } يعني أهل هذه ~~الصفة { هم الوارثون } يعني يرثون منازل أهل النار من الجنة. عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فمن مات ~~ودخل النار ورث أهل الجنة منزله " # وذلك قوله تعالى: { أولئك هم الوارثون } ذكره البغوي بغير سند وقيل معنى ~~الوراثة ms2340 هو أن يؤول أمرهم إلى الجنة وينالوها كما يئول أمر الميراث إلى ~~الوارث. ### || [23.11-18] # { الذين يرثون الفردوس } هو أعلى الجنة. عن عبادة بن الصامت أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض ~~والفردوس أعلاها درجة ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة ومن فوقها يكون ~~العرش فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس " # أخرجه الترمذي { هم فيها خالدون } أي لا يخرجون منها ولايموتون. قوله ~~عز وجل { ولقد خلقنا الإنسان } يعني ولد آدم الإنسان اسم جنس { من ~~سلالة من طين } قال ابن عباس السلالة صفوة الماء وقيل هي المني لأن ~~النطفة تسل من الظهر من طين يعني طين آدم لأن السلالة تولدت من طين خلق ~~منه آدم وقيل: المراد من الإنسان هو آدم، وقوله من سلالة أي سل من كل ~~تربة { ثم جعلناه نطفة } يعني الذي هو الإنسان جعلناه نطفة { في قرار ~~مكين } أي حريز وهو الرحم وسمي مكينا لاستقرار النطفة فيه إلى وقت ~~الولادة { ثم خلقنا النطفة علقة } أي صيرنا النطفة قطعة دم جامد { فخلقنا ~~العلقة مضغة } أي جعلنا الدم الجامد قطعة لحم صغيرة { فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما } وذلك لأن اللحم يستر العظم فجعله كالكسوة ~~له. قيل إن بين كل خلق وخلق أربعين يوما { ثم أنشأناه خلقا آخر } أي ~~مباينا للخلق الأول قال ابن عباس: هو نفخ الروح فيه وقيل جعله حيوانا ~~بعد ما كان جمادا وناطقا بعدما كان أبكم وسميعا وكان أصم وبصيرا وكان ~~أكمه وأودع باطنه وظاهره عجائب صنعه وغرائب فطره وعن ابن عباس قال: إن ~~ذلك تصريف أحواله بعد الولادة من الاستهلال إلى الرضاع إلى القعود ~~والقيام إلى المشي إلى الفطام إلى أن يأكل ويشرب إلى أن يبلغ الحلم ~~ويتقلب في البلاد إلى ما بعدها { فتبارك الله } أي استحق التعظيم والثناء ~~بأنه لم يزل ولا يزال { أحسن الخالقين } أي المصورين والمقدرين. فإن قلت ~~كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى # الله خالق كل شيء ms2341 # [الزمر: 62] وقوله # هل من خالق غير الله؟ # [فاطر: 3]. قلت الخلق له معان: منها الإيجاد والإبداع ولا موجد ولا مبدع ~~إلا الله تعالى. ومنها التقدير كما قال الشاعر: # ولأنت تفري ماخلقت وبع ض القوم يخلق ثم لا يفري # معناه أنت تقدر الأمور وتقطعها وغيرك لا يفعل ذلك فعلى هذا يكون معنى ~~الآية الله أحسن المقدرين. وجواب آخر وهو أن عيسى عليه الصلاة والسلام ~~خلق طيرا وسمى نفسه خالقا بقوله # أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير # [آل عمران: 49] فقال { تبارك الله أحسن الخالقين } { ثم إنكم بعد ذلك } ~~أي بعد ما ذكر من تمام الخلق { لميتون } أي عند انقضاء آجالكم { ثم إنكم ~~يوم القيامة تبعثون } أي للحساب والجزاء. # قوله عز وجل { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق } يعني سبع سموات طرائق لأن ~~بعضها فوق بعض وقيل لأنها طرائق الملائكة في الصعود والهبوط { وما كنا عن ~~الخلق غافلين } يعني بل كنا لهم حافظين من أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم. ~~وقيل معناه بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس والقمر والكواكب. وقيل ما ~~تركناهم سدى بغير أمر ونهي وقيل معناه إنما خلقنا السماء فوقهم لتنزل ~~عليهم الأرزاق والبركات منها. وقيل معناه و ما كنا عن الخلق غافلين أي عن ~~أعمالهم وأقوالهم وضمائرهم لا تخفى علينا خافية { وأنزلنا من السماء ماء ~~بقدر } أي يعلمه الله من حاجتهم إليه وقيل بقدر ما يكفيهم لمعايشهم في ~~الزرع والغرس والشرب وأنواع المنفعة { فأسكناه في الأرض } يعني ما يبقى ~~في الغدران والمستنقعات مما ينتفع به الناس في الصيف عند انقطاع المطر. ~~وقيل أسكناه في الأرض ثم أخرجناه منها ينابيع كالعيون والآبار فكل ماء في ~~الأرض من السماء { وإنا على ذهاب به لقادرون } وصح من حديث أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة " # أخرجه مسلم. وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله عز وجل أنزل من الجنة خمسة أنهار سيحون وجيحون ودجلة ~~والفرات ms2342 والنيل، أنزلها الله عز وجل من عين واحدة من عيون الجنة من ~~أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل استودعها الجبال وأجراها في الأرض ~~وجعل فيها منافع للناس فذلك قوله { وأنزلنا من السماء ماء بدر فأسكناه في ~~الأرض } فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله عز وجل جبريل فرفع ~~من الأرض القرآن والعلم كله والحجر الأسود من ركن البيت ومقام إبراهيم ~~وتابوت موسى بما فيه وهذه الأنهار الخمسة فيرفع كل ذلك إلى السماء فذلك ~~قوله تعالى { وإنا على ذهاب به لقادرون } فإذا رفعت هذه الأشياء كلها من ~~الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا " # وروى هذا الحديث البغوي في تفسيره. وقال روى هذا الحديث الإمام الحسن بن ~~سفيان بن عثمان بن سعيد بالإجازة عن سعيد بن سابق الإسكندارني عن مسلمة ~~بن علي عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس. ثم ذكر ما أنبت بالماء. ### || [23.19-29] # فقال تعالى: { فأنشأنا لكم به } أي بالماء { جنات } أي بساتين { من نخيل ~~وأعناب } إنما أفردهما بالذكر لكثرة منافعهما فإنهما يقومان مقام الطعام ~~والإدام والفواكة رطبا ويابسا { لكم فيها } أي في الجنات { فواكة كثيرة ~~ومنها تأكلون } أي شتاء وصيفا { وشجرة } أي وأنشأنا لكم شجرة وهي ~~الزيتون { تخرج من طور سيناء } أي من جبل مبارك وقيل من جبل حسن قيل هو ~~بالنبطية وقيل بالحبشة وقيل السريانية ومعناه الجبل الملتف بالأشجار. ~~وقيل كل جبل فيه أشجار مثمرة يسمى سيناء وسينين وقيل هو من السناء وهو ~~الارتفاع وهو الجبل الذي منه نودي موسى بين مصر وإيلة وقيل هو جبل فلسطين ~~وقيل سيناء اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها لوجودها عنده. وقيل هو اسم ~~المكان الذي فيه هذا الجبل { تنبت بالدهن } أي تنبت وفيها الدهن وقيل ~~تنبت بثمر الدهن وهو الزيت { وصبغ للآكلين } الصبغ الأدام الذي يكون مع ~~الخبز ويصبغ به جعل الله في هذه الشجرة المباركة أدما وهو الزيتون ~~ودهنا وهو الزيت وخص جبل الطور بالزيتون لأنه منه نشأ وقيل إن أول شجرة ~~نبتت بعد الطوفان الزيتون ms2343 وقيل إنها تبقى في الأرض نحو ثلاثة آلاف سنة. ~~قوله عز وجل { وإن لكم في الأنعام لعبرة } أي أية تعتبرون بها { نسقيكم ~~مما في بطونها } أي ألبانها ووجه الاعتبار فيه أن اللبن يخلص إلى الضرع ~~من بين فرث ودم بإذن الله تعالى ليس فيه منهما شيء فيستحيل إلى الطهارة ~~وإلى طعم يوافق الشهوة والطبع ويصير غذاء، وتقدم بسط الكلام بما فيه ~~كفاية في سورة النحل { ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون } يعني كما ~~تنتفعون بها وهي حية فكذلك تنتفعون بها بعد الذبح للأكل { وعليها } أي ~~وعلى الإبل { وعلى الفلك تحملون } أي على الإبل في البر وعلى السفن في ~~البحر. قوله تعالى { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره } أي ما لكم معبودا سواه { أفلا تتقون } أي أفلا ~~تخافون عاقبة إذا عبدتم غيره { فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا ~~إلا بشر مثلكم } أي آدمي مثلكم مشارك لكم في جميع الأمور { يريد أن يتفضل ~~عليكم } أي إنه يحب الشرف والرياسة متبوعا وأنتم له تبع { ولو شاء الله ~~لأنزل ملائكة } يعني بإبلاغ الوحي { ما سمعنا بهذا } يعني الذي يدعونا ~~إليه نوح { في آياتنا الأولين إن هو إلا رجل به جنة } يعني جنون { ~~فتربصوا به حتى حين } يعني إلى الموت فتستريحوا منه { قال رب انصرني بما ~~كذبون } يعني أعني بإهلاكهم بتكذيبهم إياي { فأوحينا إليه أن اصنع الفلك ~~بأعيننا } يعني بمرأى منا قاله ابن عباس. # وقيل بعلمنا وحفظنا لئلا يتعرض له أحد ولا يفسد عليه عمله { ووحينا } ~~قيل: إن جبريل علمه عمل السفينة ووصف له كيفية اتخاذها { فإذا جاء أمرنا ~~} يعني عذابنا { وفار التنور } قيل هو التنور الذي يخبز فيه وكان من ~~حجارة، وقيل التنور هو وجه الأرض والمعنى أنك إذا رأيت الماء يفور من ~~التنور { فاسلك فيها } يعني فأدخل في السفينة { من كل زوجين اثنين } يعني ~~من كل حيوان ذكر وأنثى { وأهلك } يعني وسائر من آمن بك { إلا من سبق عليه ~~القول } يعني وجب ms2344 عليه العذاب { منهم } يعني الكفار وقيل أراد بأهله أهل ~~بيته خاصة والذي سبق عليه القول منهم هو ابنه كنعان { ولا تخاطبني في ~~الذين ظلموا إنهم مغرقون } قوله عز وجل { فإذا استويت } يعني اعتدلت { ~~أنت ومن معك على الفلك } يعني في السفينة { فقل الحمد لله الذين نجانا من ~~القوم الظالمين } يعني الكافرين { وقل رب أنزلني منزلا مباركا } قيل ~~موضع النزول وهو السفينة عند الركوب. وقيل هو وجه الأرض بعد الخروج من ~~السفينة وأراد بالبركة النجاة من الغرق وكثرة النسل بعد الإنجاء { وأنت ~~خير المنزلين } معناه أنه قد يكون الإنزال من غير الله كما يكون من الله ~~فحسن أن يقول وأنت خير المنزلين لأنه يحفظ من أنزله ويكلؤه في سائر ~~أحواله ويدفع عنه المكره بخلاف منزل الضيف فإنه لا يقدر على ذلك. ### || [23.30-44] # { إن في ذلك } يعني الذي ذكر من أمر نوح والسفينة وإهلاك أعداء الله { ~~لآيات } يعني دلالات على قدرتنا { وإن كنا } يعني وما كنا { لمبتلين } ~~يعني إلا مختبرين إياهم بإرسال نوح ووعظه وتذكيره لننظر ما هم عاملون قبل ~~نزول العذاب بهم. قوله تعالى { ثم أنشأنا من بعدهم } يعني من بعد إهلاكهم ~~{ قرنا آخرين } يعني عادا { فأرسلنا فيه رسولا منهم } يعني هودا قاله ~~أكثر المفسرين وقيل القرن ثمود والرسول صالح والأول أصح { إن اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } يعني هذه الطريقة التي أنتم عليها مخافة ~~العذاب { وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة } يعني ~~بالمصير إليها { وأترفناهم } يعني نعمناهم ووسعنا عليهم { في الحياة ~~الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون ويشرب مما تشربون } يعني من ~~مشاربكم { ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون } يعني لمغبونون { ~~أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون } يعني من قبوركم ~~أحياء { هيهات هيهات } قال ابن عباس أي بعيد بعيد { لما توعدون } استبعد ~~القوم بعثهم بعد الموت إغفالا منهم للتفكر في بدء أمرهم وقدرة الله على ~~إيجادهم وأرادوا بهذا الاستبعاد أنه لا يكون أبدا { إن هي إلا ms2345 حياتنا ~~الدنيا نموت ونحيا } قيل معناه نحيا ونموت لأنهم كانوا ينكرون البعث وقيل ~~يموت الآباء ويحيا الأبناء وقيل معناه يموت قوم ويحيا قوم { وما نحن ~~بمبعوثين } يعني بعد الموت { إن هو } يعنون رسولهم { إلا رجل افترى على ~~الله كذبا وما نحن له بمؤمنين } يعني بمصدقين بالبعث بعد الموت { قال رب ~~انصرني بما كذبون قال عما قليل ليصبحن } يعني ليصيرن { نادمين } على ~~كفرهم وتكذيبهم { فأخذتهم الصيحة بالحق } يعني صيحة العذاب وقيل صاح بهم ~~جبريل فتصدعت قلوبهم وقيل أراد بالصيحة الهلاك { فجعلناهم غثاء } هو ما ~~يحمله السيل من حشيش وعيدان الشجر، والمعنى صيرناهم هلكى فيبسوا يبس ~~الغثاء من بنات الأرض { فبعدا } يعني ألزمنا بعدا من الرحمة { للقوم ~~الظالمين }. قوله عز وجل { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين } يعني ~~أقواما آخرين { ما تسبق من أمة أجلها } يعني وقت هلاكها { وما يستأخرون ~~} يعني عن وقت هلاكهم { ثم أرسلنا رسلنا تترى } يعني مترادفين يتبع بعضهم ~~بعضا غير متواصلين لأن بين كل رسولين زمنا طويلا { كلما جاء أمة ~~رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا } يعني بالهلاك فأهلكنا بعضهم في أثر ~~بعض { وجعلناهم أحاديث } يعني سمرا وقصصا يتحدث من بعدهم بأمرهم وشأنهم ~~{ فبعدا لقوم لا يؤمنون }. ### || [23.45-60] # قوله تعالى: { ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين } يعني ~~بحجة بينة كالعصا واليد وغيرهما { إلى فرعون وملئه فاستكبروا } يعني ~~تعظموا عن الإيمان { وكانوا قوما عالين } يعني متكبرين قاهرين غيرهم ~~بالظلم { قالوا } يعني فرعون وقومه { أنؤمن لبشرين مثلنا } يعنون موسى ~~وهارون { وقومهما لنا عابدون } يعني مطيعون متذللون { فكذبوهما فكانوا من ~~المهلكين } يعني بالغرق { ولقد آتينا موسى الكتاب } يعني التوراة { لعلهم ~~يهتدون } يعني لكي يهتدي به قومه. قوله عز وجل { وجعلنا ابن مريم وأمه ~~آية } يعني دلالة على قدرتنا لأنه خلقه من غير ذكر وأنطقه في المهد. فإن ~~قلت لم قال آية ولم يقل آيتين. قلت معناه جعلنا شأنهما آية لأن عيسى ولد ~~من غير ذكر وكذلك مريم ولدته من غير ذكر فاشتركا في هذه الآية فكانت آية ~~واحدة { وآويناهما إلى ms2346 ربوة } يعني مكان مرتفع قيل هي دمشق وقيل هي ~~الرملة وقيل أرض فلسطين وقال ابن عباس هي بيت المقدس. قال كعب بيت المقدس ~~أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقيل هي مصر وسبب الإيواء أنها ~~فرت بابنها إليها. وقوله { ذات قرار } يعني منبسطة واسعة يستقر عليها ~~ساكنوها { معين } هو الماء الجاري الذي تراه العيون. قوله تعالى { يا ~~أيها الرسل كلوا من الطيبات } قيل أراد بالرسل محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وحده وقيل أراد به عيسى عليه السلام وقيل أراد جميع الرسل وأراد بالطيبات ~~الحلال { واعملوا صالحا } أي استقيموا على ما يوجبه الشرع { إني بما ~~تعملون عليم } فيه تحذير من مخالفة ما أمرهم به وإذا كان الرسل مع علو ~~شأنهم كذلك فلأن يكون تحذيرا لغيرهم أولى لما روي عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر ~~به المرسلين فقال { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات } وقال { يا أيها ~~الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث ~~أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه ~~حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك " # أخرجه مسلم. قوله عز وجل { وإن هذه أمتكم } أي ملتكم وشريعتكم التي ~~أنتم عليها { أمة واحدة } أي ملة واحدة وهي الإسلام { وأنا ربكم فاتقون } ~~أي فاحذرون وقيل معناه أمرتكم بما أمرت به المرسلين قبلكم فأمركم واحد ~~وأنا ربكم فاتقون { فتقطعوا } أي تفرقوا فصاروا فرقا يهودا ونصارى ~~ومجوسا وغير ذلك من الأديان المختلفة { أمرهم } أي دينهم { بينهم وزيرا ~~} أي فرقا وقطعا مختلفة وقيل معنى زبرا أي كتبا، والمعنى تمسك كل قوم ~~بكتاب فآمنوا به وكفروا بما سواه من الكتب { كل حزب بما لديهم فرحون } أي ~~مسرورون معجبون بما عندهم من الدين { فذرهم } الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم { في غمرتهم } قال ابن عباس في كفرهم وضلالتهم وقيل في عمايتهم ~~وغفلتهم { حتى حين } أي ms2347 إلى أن يموتوا { أيحبسون أنما نمدهم به من مال ~~وبنين } أي ما نعطيهم ونجعله لهم مددا من المال والبنين في الدنيا { ~~نسارع لهم في الخيرات } أي نعجل لهم ذلك في الخيرات ونقدمه ثوابا ~~لأعمالهم لمرضاتنا عنهم { بل لا يشعرون } أي إن ذلك استدراج لهم ثم ذكر ~~المسارعين في الخيرات فقال تعالى { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون } أي ~~خائفون، والمعنى أن المؤمنين بما هم عليه من خشية الله خائفون من عقابه. # قال الحسن البصري المؤمن جمع إحسانا وخشية والمنافق جمع إساءة وأمنا { ~~والذين هم بآيات ربهم يؤمنون } يعني يصدقون { والذين هم بربهم لا يشركون ~~والذين يؤتون ما آتوا } أي يعطون ما أعطوا من الزكامة والصدقات. وقيل ~~معناه يعملون ما عملوا من أعمال البر { وقلوبهم وجلة } أي خائفة أن ذلك ~~لا ينجيهم من عذاب الله وأن أعمالهم لا تقبل منهم { أنهم إلى ربهم ~~راجعون } أي إنهم يوقنون أنهم إلى الله صائرون. قال الحسن عملوا والله ~~بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم. # " عن عائشة قالت: " قلت يا رسول الله والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ~~هم الذين يشربون الخمر ويسرقون قال لا يا بنت الصديق ولكن هم الذين ~~يصومون ويتصدقون ويخافون أن لا يقبل منهم أولئك يسارعون في الخيرات " # أخرجه الترمذي. ### || [23.61-71] # وقوله: { أولئك يسارعون في الخيرات } أي يبادرون إلى الأعمال الصالحة { ~~وهم لها سابقون } أي إليها وقال ابن عباس سبقت لهم من الله السعادة وقيل ~~سبقوا الأمم إلى الخيرات. قوله عز وجل { ولا نكلف نفسا إلا وسعها } أي ~~طاقتها من الأعمال، فمن لم يستطع القيام فليصل قاعدا ومن لم يستطع الصوم ~~فليفطر { ولدينا كتاب } هو اللوح المحفوظ { ينطق بالحق } أي يبين الصدق ~~والمعنى قد أثبتنا عمل كل عامل في اللوح المحفوظ فهو ينطق به ويبينه وقيل ~~هو كتاب أعمال العباد التي تكتبها الحفظة { وهم لا يظلمون } أي لا ينقص ~~من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم ثم ذكر الكفار فقال تعالى { بل قلوبهم ~~في غمرة } أي غفلة وجهالة { من هذا ms2348 } يعني القرآن { ولهم أعمال } أي ~~للكفار أعمال خبيثة من المعاصي والخطايا محكومة عليهم { من دون ذلك } ~~يعني من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله في قوله # إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون # [المؤمنون: 57] { هم } يعني الكفار { لها } أي لتلك الأعمال الخبيثة { ~~عاملون } أي لا بد لهم من أن يعملوها فيدخلوا بها النار لما سبق لهم في ~~الأزل من الشقاوة { حتى إذا أخذنا مترفيهم } أي رؤساءهم وأغنياءهم { ~~بالعذاب } قال ابن عباس: هو السيف يوم بدر وقيل هو الجوع حين دعا عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف فابتلاهم الله ~~بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجيف " # { إذا هم يجأرون } أي يصيحون ويستغيثون ويجزعون { لا تجأروا اليوم } ~~يعني لا تجزعوا ولا تضجوا اليوم { إنكم منا لا تنصرون } يعني لا تمنعون ~~منا ولا ينفعكم تضرعكم { قد كانت آياتي تتلى عليكم } يعني القرآن { فكنتم ~~على أعقابكم تنكصون } يعني ترجعون القهقرى وتتأخرون عن الإيمان { ~~مستكبرين } قال ابن عباس: أي بالبيت الحرام كناية عن غير مذكور أي ~~مستعظمين بالبيت وذلك أنهم كانوا يقولون نحن أهل حرم الله وجيران بيته ~~فلا يظهر علينا أحد ولا نخاف أحدا فيأمنون فيه وسائر الناس في الخوف. ~~وقيل مستكبرين به أي بالقرآن فلم يؤمنوا به والقول الأول أظهر { سامرا } ~~يعني أنهم يسمرون بالليل حول البيت وكان عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته ~~سحرا أو شعرا ونحو ذلك من القول فيه وفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~قوله { تهجرون } من الإهجار وهو الإفحاش في القول وقيل معنى تهجرون ~~تعرضون عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الإيمان به وبالقرآن وقيل هو من ~~الهجر وهو القول القبيح أي تهذبون وتقولون ما لا تعلمون { أفلم يدبروا ~~القول } يعني أفلم يتدبروا ما جاءهم من القرآن فيعتبرون بما فيه من ~~الدلالات الواضحة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم { أم جاءهم مالم يأت ~~آباءهم الأولين } يعني فأنكروا يريد إنا قد بعثنا من قبلهم رسلا إلى ~~قومهم فكذلك ms2349 بعثنا محمدا صلى الله عليه وسلم { أم لم يعرفوا رسولهم فهم ~~له منكرون } قال ابن عباس: أليس قد عرفوا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~صغيرا وكبيرا وعرفوا نسبه وصدقه وأمانته ووفاءه بالعهود وهذا على سبيل ~~التوبيخ لهم على الإعراض عنه بعد ما عرفوه بالصدق والأمانة { أم يقولون ~~به جنة } أي جنون وليس هو كذلك { بل جاءهم بالحق } بالصدق والقول الذي لا ~~تخفى صحته وحسنه على عاقل { وأكثرهم للحق كارهون }. # قوله عز وجل { ولو اتبع الحق أهواءهم } قيل الحق هو الله تعالى ~~والمعنى ولو اتبع الله مرادهم فيما يفعل. وقيل: لو سمى لنفسه شريكا ~~وولدا كما يقولون وقيل: الحق هو القرآن أي لو نزل القرآن بما يحبون وما ~~يعتقدون { لفسدت السموات والأرض ومن فيهن } أي لفسد العالم { بل أتيناهم ~~بذكرهم } قال ابن عباس بما فيه شرفهم وفخرهم وهو القرآن { فهم عن ذكرهم } ~~أي شرفهم { معرضون }. ### || [23.72-88] # { أم تسألهم } أي على ما جئتهم به { خرجا } أي أجرا وجعلا { فخراج ~~ربك خير } أي ما يعطيك الله من رزقه وثوابه خير { وهو خير الرازقين } ~~تقدم تفسيره { وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم } أي إلى دين الإسلام { وإن ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط } أي عن دين الحق { لناكبون } أي ~~لعادلون عنه ومائلون { ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر } أي قحط وجدوبة ~~{ للجوا } أي لتمادوا { في طغيانهم يعمهون } أي لم ينزعوا عنه { ولقد ~~أخذناهم بالعذاب } وذلك أن النبي دعا على قريش أن يجعل الله عليهم سنين ~~كسني يوسف فأصابهم القحط. فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين فقال بلى فقال: ~~إنهم قد أكلوا القد والعظام وشكا إليه الضر فادع الله أن يكشف عنا هذا ~~القحط فدعا فكشف عنهم فأنزل الله هذه الآية { فما استكانوا لربهم } ما ~~خضعوا وما ذلوا لربهم { وما يتضرعون } أي لم يتضرعوا إلى ربهم بل مضوا ~~على تمردهم { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد } قال ابن عباس ~~يعني ms2350 القتل يوم بدر وقيل الموت وقيل هو قيام الساعة { إذا هم فيه مبلسون ~~} أي آيسون من كل خير. قوله عز وجل { وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة } أي لتسمعوا بها وتبصروا وتعقلوا { قليلا ما تشكرون } أي لم ~~تشكروا هذه النعم { وهو الذي ذرأكم في الأرض } أي خلقكم { وإليه تحشرون } ~~أي تبعثون { وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار } أي تدبير ~~الليل والنهار في الزيادة والنقصان وقيل جعلهما مختلفين يتعاقبان ~~ويختلفان في السواد والبياض { أفلا تعقلون } أي ما ترون من صنعه فتعتبروا ~~{ بل قالوا مثل ما قال الأولون } أي كذبوا كما كذب الأولون، وقيل معناه ~~أنكروا البعث مثل ما أنكر الأولون مع وضوح الأدلة { قالوا أئذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون } أي لمحشورون قالوا ذلك على طريق الإنكار ~~والتعجب { لقد وعدنا نحن } أي هذا الوعد { وآباؤنا هذا من قبل } أي وعد ~~آباؤنا قوم ذكروا أنهم رسل الله فلم نر له حقيقة { إن هذا إلا أساطير ~~الأولين } أي أكاذيب الأولين. قوله تعالى { قل } أي يا محمد لأهل مكة { ~~لمن الأرض ومن فيها } من الخلق { إن كنتم تعلمون } أي خالقها ومالكها { ~~سيقولون لله } أي لا بد لهم من ذلك لأنهم يقرون أنها مخلوقة لله { قل } ~~أي قل لهم يا محمد إذا أقروا بذلك { أفلا تذكرون } أي فتعلموا أن من قدر ~~على خلق الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على إحيائهم بعد الموت { قل رب ~~السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون } أي عبادة ~~غيره وقيل معناه أفلا تحذرون عقابه { قل من بيده ملكوت كل شيء } أي ملك ~~كل شيء { وهو يجير } أي يؤمن من يشاء { ولا يجار عليه } أي لا يؤمن من ~~أخافه الله وقيل يمنع هو من يشاء من السوء ولا يمتنع منه من أراده بسوء { ~~إن كنتم تعلمون } أي فأجيبوا. ### || [23.89-101] # { سيقولون لله قل فأنى تسحرون } أي فأنى تخدعون وتصرفون عن توحيده ~~وطاعته وكيف يخيل لكم الحق باطلا { بل أتيناهم بالحق } أي بالصدق { ~~وإنهم لكاذبون } أي ms2351 فيما يدعون من الشريك والولد { ما اتخذ الله من ولد ~~وما كان معه من إله } أي من شريك { إذا لذهب كل إله بما خلق } أي لانفرد ~~كل واحد من الآلهة بخلقه الذي خلقه ولم يرض أن يضاف خلقه وإنعامه إلى ~~غيره ومنع كل إله الآخر عن الاستيلاء على ما خلقه هو { ولعلا بعضهم على ~~بعض } أي طلب بعضه مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا فيما بينهم وإذا كان كذلك ~~فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شيء ويقدر على كل شيء ثم نزه نفسه ~~تعالى فقال { سبحان الله عما يصفون } أي من إثبات الولد والشريك { عالم ~~الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون } أي تعظم من أن يوصف بما لا يليق به. ~~قوله عز وجل { قل رب } أي يا رب { إما تريني ما يوعدون } أي ما وعدتهم ~~من العذاب { رب } أي يا رب { فلا تجعلني في القوم الظالمين } أي تهلكني ~~بهلاكهم { وإنا على أن نريك ما نعدهم } أي من العذاب { لقادرون ادفع ~~بالتي هي أحسن } يعني بالخلة التي هي أحسن وهي الصفح والإعراض والصبر { ~~السيئة } يعني أذاهم أمر بالصبر على أذى المشركين والكف عن المقاتلة ثم ~~نسخها الله بآية السيف { نحن أعلم بما يصفون } أي يكذبون ويقولون من ~~الشرك. قوله عز وجل { وقل رب أعوذ بك } أي أمتنع وأعتصم بك { من همزات ~~الشياطين } قال ابن عباس نزغاتهم وقيل وساوسهم وقيل نفخهم ونفثهم وقيل ~~دفعهم بالإغواء إلى المعاصي { وأعوذ بك رب أن يحضرون } أي من شيء من ~~أموري وإنما ذكر الحضور لأن الشيطان إذا حضره يوسوس له عن جبير بن مطعم ~~أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة قال عمر ولا أدري أي صلاة ~~هي قال: # " الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا ثلاثا وسبحان الله بكرة وأصيلا ~~ثلاثا أعوذ بالله من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه. قال نفثه الشعر ونفخه ~~الكبر وهمزه الموتة " # أخرجه أبو داود وقد جاء تفسير هذه الألفاظ في متن الحديث وتزيده إيضاحا ~~قوله نفثه الشعر أي لأن الشعر ms2352 تخرج من القلب فيلفظ به اللسان وينفثه كما ~~ينفث الريق. قوله ونفخه الكبر وذلك أن المتكبر ينتفخ ويتعاظم ويجمع نفسه ~~فيحتاج إلى أن ينفخ. وقوله وهمزه الموتة الموتة الجنون لأنه المجنون ~~ينخسه الشيطان ثم أخبر الله عز وجل أن هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث ~~يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت فقال تعالى { حتى إذا جاء ~~أحدهم الموت قال رب ارجعون } قيل المراد به الله وهو على عادة العرب ~~فإنهم يخاطبون الواحد بلفظ الجمع على وجه التعظيم. # وقيل هذا خطاب مع الملائكة الذي يقبضون روحه فعلى هذا يكون معناه أنه ~~استغاث بالله أولا ثم رجع إلى مسألة الملائكة الرجوع إلى الدنيا. وقيل ~~ذكر الرب للقسم فكأنه قال عند المعاينة بحق الله ارجعون { لعلي أعمل ~~صالحا فيما تركت } أي ضيعت وقيل تركت أي منعت وقيل خلفت من التركة أو ~~المعنى أقول لا إله إلا الله وأعمل بطاعته فيدخل فيه الأعمال البدنية ~~والمالية قال قتادة ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع الدنيا ~~ويقضي الشهوات ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله فرحم الله أمرأ عمل ~~فيما تمناه الكافر إذ رأى العذاب { كلا } كلمة ردع وزجر أي لا يرجع إليها ~~{ إنها } يعني مسألته الرجعة { كلمة هو قائلها } أي لا ينالها { ومن ~~ورائهم برزخ } أي من أمامهم ومن بين أيديهم حاجز { إلى يوم يبعثون } ~~معناه أن بينهم وبين الرجعة حجابا ومانعا عن الرجوع وهو الموت وليس ~~المعنى أنهم يرجعون يوم البعث وإنما هو إقناط كلي لما علم أنه لا رجعة ~~يوم البعث إلا إلى الآخرة. قوله تعالى { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب ~~بينهم } قال ابن عباس إنها النفخة الأولى في الصور فصعق من في السموات ~~ومن في الأرض فلا أنساب بينهم { يومئذ ولا يتساءلون } ثم نفخ فيه أخرى ~~فإذا هم قيام ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون وعن ابن مسعود أنها ~~النفخة الثانية. قال: " يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة فينصب على ~~رؤوس الأولين والآخرين ثم ينادي مناد هذا فلان ms2353 ابن فلان فمن كان له قبله ~~حق فليأت إلى حقه فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو ~~زوجته أو أخيه فيأخذ منه ثم قرأ ابن مسعود { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتساءلون } وفي رواية عن ابن عباس أنها النفخة الثانية فلا أنساب بينهم ~~يعني لا يتفاخرون بالأنساب يومئذ كما كانوا يتفاخرون في الدنيا ولا ~~يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا من أنت ومن أي قبيلة ~~أنت ولم يرد أن الأنساب تنقطع. فإن قلت قد قال ها هنا ولا يتساءلون وقال ~~في موضع آخر وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. قلت قال ابن عباس إن للقيامة ~~أحوالا ومواطن ففي موطن يشتد عليهم الخوف فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل ~~فلا يتساءلون وفي موطن يفيقون إفاقة فيتساءلون. ### || [23.102-114] # قوله عز وجل: { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه ~~فأولئك الذين خسروا } أي غبنوا { أنفسهم في جهنم خالدون تلفح } أي تسفح ~~وقيل تحرق { وجوههم النار وهم فيها كالحون } أي عابسون وقد بدت أسنانهم ~~وتقلصت شفاههم كالرأس المشوي على النار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " وهم فيها كالحون قال تشويه النار فتنقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط ~~رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته " # أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب. قوله تعالى { ألم تكن آياتي ~~تتلى عليكم } يعني قوارع القرآن وزواجره تخوفون بها { فكنتم بها تكذبون ~~قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا } أي التي كتبت علينا فلم نهتد { وكنا ~~قوما ضالين } أي عن الهدى { ربنا أخرجنا منها } أي من النار { فإن عدنا ~~} أي لما تكره { فإنا ظالمون قال اخسؤوا فيها } أي ابعدوا فيها كما يقال ~~للكلب إذا طرد أخسأ { ولا تكلمون } أي في رفع العذاب فإني لا أرفعه عنكم ~~فعند ذلك أيس المساكين من الفرج. قال الحسن: هو آخر كلام يتكلم به أهل ~~النار ثم لا يتكلمون بعد ذلك ما هو إلا الزفير والشهيق وعواء كعواء ~~الكلاب لا يفهمون ولا ms2354 يفهمون. وروي عن عبد الله بن عمرو " إن أهل جهنم ~~يدعون مالكا خازن جهنم أربعين عاما يا مالك ليقض علينا ربك فلا يجيبهم ~~ثم يقول إنكم ماكثون ثم ينادون ربهم ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ~~ظالمون فيدعهم مثل عمر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم اخسؤوا فيها ولا تكلمون ~~فما ينبس القوم بعد ذلك بكلمة إن كان إلا الزفير والشهيق ". ذكره البغوي ~~بغير سند وأخرجه الترمذي بمعناه عن أبي الدرداء قوله فما ينبس القوم بعد ~~ذلك بكلمة أي سكتوا ولم يتكلموا بكلمة وقيل إذا قال لهم اخسؤوا فيها ولا ~~تكلمون انقطع رجاؤهم وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض وأطبقت عليهم جهنم { ~~إنه كان فريق من عبادي } يعني المؤمنين { يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا ~~وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا } أي تسخرون منهم وتستهزئون ~~بهم { حتى أنسوكم ذكري } اشتغالكم بالاستهزاء بهم ذكري { وكنتم منهم ~~تضحكون } نزل في كفار قريش كانوا يستهزئون بالفقراء من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مثل بلال وعمار وصهيب وخباب ثم قال الله { إني جزيتهم ~~اليوم بما صبروا } أي على أذاكم واستهزائكم في الدنيا { أنهم هم الفائزون ~~} أي جزيتهم بصبرهم الفوز بالجنة { قال } يعني أن الله قال للكفار يوم ~~البعث { كم لبثتم في الأرض } أي في الدنيا وفي القبور { عدد سنين قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم } معناه أنهم نسوا مدة لبثهم في الدنيا لعظم ما ~~هم بصدده من العذاب { فاسأل العادين } يعني الملائكة الذين يحفظون أعمال ~~بني آدم ويحصونها عليهم { قال إن لبثتم } أي ما لبثتم في الدينا { إلا ~~قليلا } سماه قليلا لأن المرء وإن طال لبثه في الدنيا. فإنه يكون قليلا ~~في جنب ما يلبث في الآخرة { لو أنكم كنتم تعلمون } يعني قدر لبثكم في ~~الدنيا. ### || [23.115-118] # قوله عز جل: { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } أي لعبا وباطلا لا ~~لحكمة وقيل العبث معناه لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ~~ولا عقاب وإنما خلقتم للعبادة وإقامة أوامر الله عز وجل { وأنكم إلينا ~~لا ترجعون ms2355 } أي في دار الآخرة للجزاء. روى البغوي بسنده # " عن الحسن: " أن رجلا مصابا مر به على ابن مسعود فرقاه في أذنه ~~أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون حتى ختم السورة فبرأ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بماذا رقيت في أذنه فأخبره فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا قرأها على ~~الجبل لزال " " # ثم نزه الله تعالى عما يصفه به المشركون فقال عز وجل { فتعالى الله ~~الملك الحق } أي هو التام الملك الجامع لأصناف المملوكات { لا إله إلا هو ~~رب العرش الكريم } أي الحسن وقيل الرفيع المرتفع وإنما خص العرش بالذكر ~~لأنه أعظم المخلوقات { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به } يعني ~~لا حجة ولا بينة له به إذ لا يمكن إقامة برهان ولا دليل على إلهية غير ~~الله ولا حجة في دعوى الشرك { فإنما حسابه } أي جزاؤه { عند ربه } أي هو ~~مجازيه بعلمه { إنه لا يفلح الكافرون } يعني لا يسعد من جحد وكذب { وقل ~~رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين }. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1] # قوله عز وجل { سورة أنزلناها وفرضناها } أي أوجبنا ما فيها من الأحكام ~~وألزمناكم العمل بها وقيل معناه قدرنا ما فيها من الحدود وقيل أوجبناها ~~عليكم وعلى من بعدكم، إلى قيام الساعة { وأنزلنا فيها آيات بينات } أي ~~واضحات { لعلكم تذكرون } يعني تتعظون. ### || [24.2-3] # قوله تعالى: { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } الزنا ~~هو من الكبائر وموجب للحد وهو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا. ~~والشروط المعتبرة في وجوب الحد العقل والبلوغ ويشترط الإحصان في الرجم ~~ويجب على العبد والأمة نصف الحد ولا رجم عليهما لأنه لا يتنصف وقوله ~~فاجلدوا أي فاضربوا يقال جلده إذا ضرب جلده ولا يضرب بحيث يبلغ اللحم كل ~~واحد منهما أي الزانية والزاني مائة جلدة. وقد وردت السنة بجلد مائة ~~وتغريب عام وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة التغريب إلى رأي الإمام وقال ~~مالك يجلد ms2356 الرجل مائة جلدة ويغرب وتجلد المرأة ولا تغرب وإن كان الزاني ~~محصنا فعليه الرجم { ولا تأخذكم بهما رأفة } أي رحمة ورقة فتعطلوا ~~الحدود ولا تقيموها. وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي ~~الشعبي وقيل معنى الرأفة أن تحفظوا الضرب بل أوجعوهما ضربا وهو قول سعيد ~~بن المسيب والحسن. قال الزهري يجتهد في حد الزنا والفرية أي القذف ويخفف ~~في حد الشرب وقيل يجتهد في حد الزنا ويخفف دون ذلك في حد الفرية دون ذلك ~~في حد الشرب { في دين الله } أي في حكم الله. وروي أن عبد الله بن عمر ~~جلد جارية له زنت فقال للجلاد اضرب ظهرها ورجليها فقال له ابنه ولا ~~تأخذكم بهما رأفة في دين الله فقال يا بني إن الله لم يأمرني بقتلها وقد ~~ضربت فأوجعت { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } معناه أن المؤمن لا ~~تأخذه الرأفة إذا جاء أمر الله وقيل هو من باب التهييج، والتهاب التغضب ~~لله تعالى ولدينه ومعناه إن كنتم تؤمنون فلا تتركوا إقامة الحدود { ~~وليشهد } يعني وليحضر { عذابهما } أي حدهما إذا أقيم عليهما { طائفة } ~~يعني نفر { من المؤمنين } قيل أقله رجل واحد فصاعدا وقيل رجلان وقيل ~~ثلاثة وقيل أربعة بعدد شهود الزنا. قوله عز وجل { الزاني لا ينكح إلا ~~زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على ~~المؤمنين } اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها فقال قوم قدم المهاجرون ~~المدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ولا عشائر وفي المدنية نساء بغايا هن ~~أخصب أهل المدينة فرغب ناس من فقراء المسلمين في نكاحهن لينفقن عليهم ~~فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فنزلت هذه الآية فحرم على ~~المؤمنين أن يتزوجوا تلك البغايا لأنهن كن مشركات. وهذا قول مجاهد وعطاء ~~وقتادة والزهري والشعبي ورواية عن ابن عباس. وقال عكرمة نزلت في نساء كن ~~بمكة والمدينة لهن رايات يعرفن بها منهن أم مهزول جارية السائب بن أبي ~~السائب المخزومي. # وكان في الجاهلية ينكح الزانية ويتخذها ms2357 مأكله فأراد ناس من المسلمين ~~نكاحهن على تلك الصفة فاستأذن رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح ~~أم مهزول واشترطت له أن تنفق عليه فأنزل الله عز وجل هذه الآية وروى ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: # " كان رجل يقال له مرثد بن مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى من مكة حتى ~~يأتي بهم المدينة وكانت بمكة بغي يقال لها عناق وكانت صديقة له في ~~الجاهلية فلما أتى مكة دعته عناق إلى نفسها. فقال مرثد إن الله حرم الزنا ~~قالت فانكحني فقال حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أنكح عناقا؟ فأمسك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد شيئا فنزلت الزاني لا ينكح إلا زانية ~~أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك فدعاني فقرأها علي وقال لا ~~تنكحها " # أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود بألفاظ متقاربة المعنى فعلى قول هؤلاء ~~كان التحريم خاصا في حق أولئك دون سائر الناس. وقال قوم المراد من ~~النكاح هو الجماع ومعنى الآية الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة ~~والزانية لا تزني إلا بزان أو مشرك. وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك ~~ورواية عن ابن عباس قال يزيد بن هارون إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك وإن ~~جامعها وهو محرم فهو زان. وكان ابن مسعود يحرم نكاح الزانية ويقول إذا ~~تزوج الزاني الزانية فهما زانيان وقال سعيد بن المسيب وجماعة إن حكم ~~الآية منسوخ وكان نكاح الزانية حراما بهذه الآية ثم نسخت بقوله تعالى { ~~وأنكحوا الأيامى منكم } فدخلت الزانية في هذا العموم واحتج من جوز نكاح ~~الزانية بما روي عن جابر: # " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن امرأتي ~~لا تمنع يد لامس فقال طلقها قال إني أحبها وهي جميلة قال استمتع بها " # وفي رواية غيره فأمسكها إذا وروى هذا الحديث أبو داود والنسائي عن ابن ~~عباس قال النسائي رفعه ms2358 أحد الرواة إلى ابن عباس ولم يرفعه بعضهم قال وهذا ~~الحديث ليس بثابت. وروي أن عمر بن الخطاب ضرب رجلا وامرأة في زنا وحرص ~~على أن يجمع بينهما فأبى الغلام وقيل في معنى الآية إن الفاجر الخبيث لا ~~يرغب في نكاح الصالحة من النساء وإنما يرغب في نكاح فاجرة خبيثة مثله أو ~~مشركة والفاسقة الخبيثة لا ترغب في نكاح الصلحاء من الرجال وإنما ترغب في ~~نكاح فاسق خبيث مثلها أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين أي صرف الرغبة ~~بالكلية إلى نكاح الزواني وترك الرغبة في الصالحات العفائف محرم على ~~المؤمنين ولا يلزم من حرمة هذا حرمة التزوج بالزانية. ### || [24.4-7] # قوله: { والذين يرمون } أي يقذفون بالزنا { المحصنات } يعني المسلمات ~~الحرائر العفائف { ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } أي يشهدون على الزنا { ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة } بيان حكم الآية أن من قذف محصنا أو محصنة بالزنا ~~فقال له: يا زاني أو يا زانية أو زنيت فيجب عليه جلد ثمانين إن كان ~~القاذف حرا وإن كان عبدا يجلد أربعين وإن كان المقذوف غير محصن فعلى ~~القاذف التعزير. وشرائط الإحصان خمسة الإسلام والعقل والبلوغ والحرية ~~والعفة من الزنا حتى لو زنا في عمره مرة واحدة ثم تاب وحسنت توبته بعد ~~ذلك ثم قذفه قاذف فلا حد عليه فإن أقر المقذوف على نفسه بالزنا أو أقام ~~القاذف أربعة يشهدون عليه بالزنا سقط الحد عن القاذف لأن الحد إنما وجب ~~عليه لأجل الفرية. وقد ثبت صدقه وأما الكنايات مثل أن يقول يا فاسق أو يا ~~فاجر أو يا خبيث أو يا مؤاجر أو قال امرأتي لا ترد يد لامس فهذا ونحوه لا ~~يكون قذفا إلا أن يريد ذلك. وأما التعريض مثل أن يقول أما أنا فما زنيت ~~أو ليست امرأتي زانية فليس بقذف عند الشافعي وأبي حنيفة. وقال مالك يجب ~~فيه الحد وقال أحمد هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا. قوله تعالى { ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون } فيه دليل على أن القذف من ms2359 ~~الكبائر لأن اسم الفاسق لا يقع إلا على صاحب كبيرة { إلا الذين تابوا من ~~بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } اختلف العلماء في قبول شهادة ~~القاذف بعد التوبة وفي حكم هذا الاستثناء فذهب قوم إلى أن القاذف ترد ~~شهادته بنفس القذف وإذا تاب وندم على ما قال وحسنت حالته بعد التوبة قبلت ~~شهادته سواء تاب بعد إقامة الحد عليه أو قبله لقوله تعالى { إلا الذين ~~تابوا } وقالوا هذا الاستثناء يرجع إلى رد الشهادة وإلى الفسق وإذا تاب ~~تقبل شهادته ويزول عنه اسم الفسق. يروى ذلك عن عمر وابن عباس وهو قول ~~سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار ~~والشعبي وعكرمة وعمر بن عبد العزيز والزهري وبه قال مالك والشافعي. وذهب ~~قوم إلى أن شهادة المحدود في القذف لا تقبل أبدا وإن تاب وقالوا ~~الاستثناء يرجع إلى قوله { وأولئك هم الفاسقون } وهو قول النخعي وشريح ~~وأصحاب الرأي قالوا بنفس القذف لا ترد شهادته ما لم يحد قال الشافعي هو ~~قبل أن يحد شر منه حين يحد لأن الحدود كفارات فكيف تردونها في أحسن حاليه ~~وتقبلونها في شر حاليه. وذهب الشافعي إلى أن حد القذف يسقط بالتوبة. ~~وقال: الاستثناء يرجع إلى الكل وعامة العلماء على أنه لا يسقط الحد ~~بالتوبة إلا أن يعفو عنه المقذوف فيسقط كالقصاص يسقط بالعفو ولا يسقط ~~بالتوبة. # فإن قلت إذا قبلت شهادته بعد التوبة فما معنى قوله أبدا ما دام مصرا ~~على القذف لأنه أبد كل إنسان مدته على ما يليق به كما يقال شهادة الكافر ~~لا تقبل أبدا يراد بذلك ما دام على كفره فإذا أسلم قبلت شهادته. قوله ~~عز وجل { والذين يرمون } أي يقذفون { أزواجهم ولم يكن لهم شهداء } أي ~~يشهدون على صحة ما قالوا { إلا أنفسهم } أي غير أنفسهم { فشهادة أحدهم ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين } سبب نزول هذه الآية ما روي عن سهل ~~بن الساعدي # " أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي فقال لعاصم: أرأيت ms2360 لو أن رجلا ~~وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل سل لي عن ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فكره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال يا ~~عاصم ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عاصم لعويمر لم ~~تأتني بخير قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألت عنها ~~فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها فجاء عويمر ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته ~~رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنا فاذهب فأت بها قال سهل: فتلاعنا وأنا ~~مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغا من تلاعنهما قال ~~عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مالك قال ابن شهاب فكانت تلك سنة ~~المتلاعنين " " # أخرجاه في الصحيحين زاد في رواية ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " انظروا إن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين خدلج الساقين فلا ~~أحسب عويمرا إلا وقد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أحسب ~~عويمرا إلا قد كذب عليها " # فجاءت به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصديق ~~عويمر فكان بعد ينسب إلى أمه قوله أسحم أي أسود الأدعج الشديد سواج العين ~~مع سعتها وقوله خدلج الساقين أي ممتلىء الساقين غليظهما وقوله، كأنه وحرة ~~بفتح الحاء دويبة كالعظاءة تلصق بالأرض وأراد بها في الحديث المبالغة في ~~قصره خ عن ابن عباس # " أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه ms2361 وسلم بشريك بن ~~سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: البينة أو حد في ظهرك فقال يا ~~رسول الله إذا رأى أحد على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة فجعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول: البينة والحد في ظهرك فقال هلال بن أمية: والذي ~~بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد فنزل جبريل ~~عليه السلام وأنزل عليه { والذين يرمون أزواجهم } فقرأ حتى بلغ إن كان من ~~الصادقين فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما. فجاء فقام هلال ~~بن أمية فشهدوا النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله يعلم إن أحدكما كاذب ~~فهل منكما تائب ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفها وقال: إنها ~~موجبة قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت لا أفضح ~~قومي سائر اليوم فمضت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انظروها فإن جاءت ~~به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء فجاءت به ~~كذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ~~ولها شأن " # وفي رواية غير البخاري عن ابن عباس قال " لما نزلت والذين يرمون ~~المحصنات " الآية # " قال سعد بن عبادة لو أتيت لكاع وقد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه حتى ~~آتى بأربعة شهداء فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ حاجته ويذهب ~~وإن قلت ما رأيت إن في ظهري لثمانين جلدة. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم قالوا لا تلمه فإنه رجل ~~غيور ما تزوج امرأة قط إلا بكرا ولا طلق امرأة له واجترأ رجل منا أن ~~يتزوجها. فقال سعد يا رسول الله بأبي أنت وأمي والله إني لا أعرف أنها من ~~الله وأنها حق ولكن عجبت من ذلك لما أخبر الله فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: فإن الله يأبى إلا ذلك فقال صدق الله ورسوله قال فلم يلبثوا إلا ~~يسيرا حتى جاء ms2362 ابن عم له يقال له هلال بن أمية من حديقة له فرأى رجلا مع ~~امرأته يزني بها فأمسك حتى أصبح فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله إني جئت إلى أهلي عشاء ~~فوجدت مع امرأتي رجلا رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه فقال يا رسول الله إني جئت إلى أهلي عشاء ~~فوجدت مع امرأتي رجلا رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما أتاه به وثقل عليه حتى عرف ذلك في وجهه فقال هلال: والله يا ~~رسول الله إني لأرى الكراهة في وجهك مما أتيتك به والله يعلم إني لصادق. ~~وما قلت إلا حقا وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجا فهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بضربه قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد ~~بجلد هلال وتبطل شهادته فبينما هم كذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا ~~أن الوحي قد نزل حتى فرغ فأنزل الله والذين يرمون أزواجهم إلى آخر الآيات ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبشر يا هلال فإن الله تعالى قد جعل ~~لك فرجا. فقال: كنت أرجو ذلك من الله فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أرسلوا إليها فجاءت فلما اجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قيل فكذبت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يعلم أن أحدكما ~~كاذب فهل منكما تائب فقال يا رسول الله قد صدقت وما قلت إلا حقا فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عنوا بينهما فقيل لهلال فشهد أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين فقال له عند الخامسة: يا هلال اتق الله ~~فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس ~~وإن هذه الخامسة هي الموجبة التي توجب ms2363 عليك العذاب فقال هلال والله لا ~~يعذبني الله عليها كما لم يحدني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد ~~{ والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين } ثم قال للمرأة اشهدي ~~فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فقال لها عند الخامسة ووقفها ~~اتقي الله إن الخامسة موجبة وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس فتلكأت ساعة ~~وهمت بالاعتراف ثم قالت: والله لا أفضح قومي فشهدت الخامسة أن غضب الله ~~عليها إن كان من الصادقين ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما. ~~وقضى أن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها وإن جاءت به كذا وكذا ~~فهو للذي قيل فيه فجاءت به غلاما كأنه جمل أورق على الشبه المكروه، وكان ~~أميرا بمصر لا يدرى من أبوه " # الأورق هو الأبيض وروى ابن عباس # " أن عويمرا لما لاعن زوجته خولة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~نودي الصلاة جامعة فصلى العصر ثم قال لعويمر:قم فقام فقال: أشهد بالله ~~إن خولة لزانية وإني لمن الصادقين ثم قال في الثانية أشهد بالله إني رأيت ~~شريكا على بطنها وإني لمن الصادقين. ثم قال في الثالثة أشهد بالله إنها ~~لحبلى من غيري وإني لمن الصادقين. ثم قال في الرابعة أشهد بالله إني ما ~~قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين ثم قال في الخامسة لعنة الله ~~على عويمر يعني نفسه إن كان من الكاذبين فيما قال ثم أمره بالقعود فقعد. ~~ثم قال لخولة قومي فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن عويمرا ~~لمن الكاذبين ثم قالت في الثانية: أشهد بالله إنه ما رأى شريكا على بطني ~~وإنه لمن الكاذبين. ثم قالت في الثالثة أشهد بالله إنى حبلى منه وإنه لمن ~~الكاذبين ثم قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإنه ~~لمن الكاذبين ثم قالت في الخامسة: غضب الله على خولة ms2364 تعني نفسها إن كان ~~من الصادقين ففرق رسول الله صلى لله عليه سلم بينهما وقال لولا هذه ~~الأيمان لكان لي في أمرهما رأي ثم قال: تحينوا الولادة فإن جاءت به أصيهب ~~أثيبج يضرب إلى السواد فهو لشريك بن سحماء وإن جاءت به أورق جعدا ~~جماليا خدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به " # قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق بشريك. بيان حكم الآية إن الرجل إذا قذف ~~امرأته فموجبه موجب قذف الأجنبية وجوب الحد عليه إن كانت محصنة أو ~~التعزير إن كانت غير محصنة غير أن المخرج منهما مختلف، فإذا قذف أجنبيا ~~أو أجنبية يقام عليه الحد إلا أن يأتي بأربعة يشهدون بالزنا أو يقر ~~المقذوف بالزنا فيسقط عنه الحد. وفي الزوجة إذا وجد أحد هذين أو لاعن سقط ~~عنه الحد فاللعان في قذف الزوجة بمنزلة البينة لأنه الرجل إذا رأى مع ~~امرأته رجلا بما لا يمكنه إقامة البينة ولا يمكنه الصبر على العار، فجعل ~~الله اللعان حجة له على صدقه فقال تعالى: { فشهادة أحدهم أربع شهادات ~~بالله إنه لمن الصادقين } وإذا أقام الزوج بينة على زناها أو اعترفت هي ~~بالزنا سقط عنه الحد واللعان إلا أن يكون هناك ولد يريد نفيه فله أن ~~يلاعن لنفيه وإذا أراد الإمام أن يلاعن بينهما بدأ بالرجل فيقيمه ويلقنه ~~كلمات اللعان فيقول: قل أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي ~~فلانة من الزنا وإن كان قد رماها برجل بعينه سماه في اللعان ويقول كما ~~يلقنه الإمام. وإن كان ولد أو حمل يريد نفيه يقول وإن هذا الولد أو هذا ~~الحمل لمن الزنا ما هو مني. ويقول في الخامسة علي لعنة الله إن كنت من ~~الكاذبين فيما رميت به فلانة وإذا أتى بكلمة من كلمات اللعان من غير ~~تلقين الإمام لا تحسب فإذا فرغ الرجل من اللعان وقعت الفرقة بينه وبين ~~الزوجة وحرمت عليه على التأبيد وانتفى عنه النسب وسقط عنه الحد ووجب على ~~المرأة حد الزنا، فهذه خمسة أحكام تتعلق بلعان الزوج. ms2365 ### || [24.8-9] # قوله عز وجل: { ويدرأ } أي يدفع { عنها العذاب } أي الحد { أن تشهد ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان ~~من الصادقين } حكم الآية أن الزوج إذا لاعن وجب على المرأة حد الزنا فإن ~~أرادت إسقاطه عن نفسها فإنها تلاعن فتقوم وتشهد بعد تلقين الحاكم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به وتقول في الخامسة علي غضب ~~الله إن كان زوجي من الصادقين فيما رماني به ولا يتعلق بلعانها إلا هذا ~~الحكم الواحد وهو إسقاط الحد عنها. ولو أقام الزوج بينة لم يسقط الحد ~~عنها باللعان. وعند أصحاب الرأي لا حد على من قذف زوجته بل موجبه اللعان ~~فإن لم يلاعن حبس حتى يلاعن فإذا لاعن الزوج وامتنعت المرأة من اللعان ~~حبست حتى تلاعن. وعند الآخرين اللعان حجة صدقه والقاذف إذا قعد عن إقامة ~~البينة على صدقه لا يحبس بل يحد كقاذف الأجنبي إذا قعد عن إقامة البينة. ~~وعن أبي حنيفة موجب اللعان وقوع الفرقة ونفي النسب وهما لا يحصلان إلا ~~بلعان الزوجين جميعا وقضاء القاضي وفرقة اللعان فرقة فسخ عند الأكثرين ~~وبه قال الشافعي وتلك الفرقة متأبدة حتى لو أكذب الزوج نفسه يقبل ذلك ~~فيما عليه لا فيما له فيلزمه الحد ويلحقه الولد لكن لا يرتفع تأبيد ~~التحريم. وعند أبي حنيفة فرقة اللعان فرقة طلاق فإذا أكذب نفسه جاز له أن ~~ينكحها وإذا أتى ببعض كلمات اللعان لا يتعلق به الحكم وعند أبي حنيفة إذا ~~أتى بأكثر كلمات اللعان قام مقام الكل وكل من صح يمينه صح لعانه حرا كان ~~أو عبدا مسلما كان أو ذميا. وهو قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار ~~والحسن وبه قال ربيعة ومالك والثوري والشافعي وأكثر أهل العلم. وقال ~~الزهري والأوزاعي وأصحاب الرأي لا يجري اللعان إلا بين مسلمين حرين غير ~~محدودين فإن كان أحد الزوجين رقيقا أو ذميا أو محدودا في قذف فلا لعان ~~بينهما وظاهر القرآن حجة لمن قال: يجري اللعان بينهما لأن ms2366 الله تعالى قال ~~والذين يرمون أزواجهم ولم يفصل بين الحر والعبد والمحدود وغيره ولا يصح ~~اللعان إلا عند الحاكم أو نائبه ويغلظ اللعان بأربعة أشياء بتعدد الألفاظ ~~وبالمكان والزمان وأن يكون بمحضر جماعة من الناس، أما تعدد الألفاظ فيجب ~~ولا يجوز الإخلال بشيء منها، وأما المكان فهو أن يلاعن في أشرف الأماكن ~~فإن كان بمكة فبين الركن والمقام وإن كان بالمدينة فعند منبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم وفي سائر البلاد في الجامع عند المنبر، وأما الزمان فهو ~~أن يكون بعد العصر، وأما الجمع فأقله أربعة والتغليظ بالجمع مستحب فلو ~~لاعن الحاكم بينهما وحده جاز وفي التغليظ بالزمان والمكان قولان. ### || [24.10-11] # قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } أي لعاجلكم بالعقوبة ولكنه ~~ستر عليكم ودفع عنكم الحد باللعان { وأن الله تواب } أي يعود على من يرجع ~~عن المعاصي بالرحمة { حكيم } أي فيما فرضه من الحدود. قوله عز وجل { إن ~~الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم } الآيات سبب نزولها ما روي عن ابن شهاب ~~قال حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبد الله بن ~~عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~قال لها أهل الإفك ما قالوا. وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان ~~أوعى لحديثها من بعض وأثبت له اقتصاصا وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث ~~الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضا قالوا: قالت عائشة رضي الله ~~عنها: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه ~~فأيها خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: عائشة أقرع ~~بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد ما أنزل الحجاب فكنت أحمل في هودج وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة ~~بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت ms2367 الجيش، فلما قضيت من ~~شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت ~~فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه قالت: وأقبل الرهط الذي كانوا يرحلون بي ~~فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه وكان ~~النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من ~~الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه وكنت جارية حديثة ~~السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم ~~وليس بها داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدونني ~~فيرجعون إلي. فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن ~~المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي ~~فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل أن يضرب ~~الحجاب علي فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي والله ما ~~كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه وهوى حتى أناخ راحلته فوطىء ~~على يديها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا ~~معرسين ". # وفي رواية # " موغرين في نحر الظهيرة قالت فهلك من هلك في شأني وكان الذي تولى كبره ~~عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا ~~والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في ~~وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين ~~أشتكي إنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم ثم ينصرف فذلك الذي يريبني منه ~~ولا أشعر بالشر حتى نقهت فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا ~~وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من ~~بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها ~~عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف ~~وأمها بنت صخر ms2368 بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد ~~بن المطلب حين فرغنا من شأننا نمشي فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس ~~مسطح فقلت لها بئس ما قلت: أتسبين رجلا قد شهد بدرا؟ فقالت: يا هنتاه ~~أولم تسمعي ما قال؟ قلت: ما قال فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا ~~إلى مرضي فلما رجعت إلى بيتي فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~قال: كيف تيكم قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قال وأنا حينئذ أريد أن أتيقن ~~الخبر من قبلهما فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم فأتيت أبوي ~~قالت فقلت لأمي يا أمتاه ماذا يتحدث الناس به فقالت: يا بنية هوني على ~~نفسك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا ~~كثرن عليها قالت: فقلت سبحان الله وقد تحدث الناس بهذا قالت فبكيت تلك ~~الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي قالت: ~~ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين ~~استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله قالت: فأما أسامة فأشار عليه بما ~~يعلم براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه ومن الود فقال أسامة هم أهلك يا ~~رسول الله ولا نعلم والله إلا خيرا وأما علي بن أبي طالب فقال يا رسول ~~الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك قالت: فدعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك ~~من عائشة؟ قالت له بريرة: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمرا قط ~~أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فيأتي ~~الداجن فيأكله قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر ~~من عبد الله بن أبي ابن سلول فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ~~المنبر: من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه ms2369 في أهلي " # وفي رواية # " في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما ~~علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي قالت: فقام سعد بن ~~معاذ أحد بني عبد الأشهل فقال: أنا أعذرتك منه يا رسول الله إن كان من ~~الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج. أمرتنا ففعلنا فيه أمرك ~~فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه وكان ~~رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا ~~تقتله ولا تقدر على ذلك فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد يعني ابن معاذ ~~فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن ~~المنافقين فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا ~~أكتحل بنوم ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح ~~عندي أبواي وقد بكيت ليلتين ويوما حتى أظن أن البكاء فالق كبدي قالت ~~فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت ~~لها فجلست تبكي معي فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسلم ثم جلس ولم يجلس عندي من يوم قيل لي ما قيل قبلها وقد مكث شهرا لا ~~يوحى إليه في شأني بشيء قالت فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة ~~فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد ~~إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة وقلت لأبي أجب عني رسول الله ~~صلى ms2370 الله عليه وسلم فيما قال: قال والله ما أدري ما أقول لرسول الله فقلت ~~لأمي أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال قالت: والله ما ~~أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أنا جارية حديثة السن ~~لا أقرأ كثيرا من القرآن إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما تحدث به ~~الناس حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم ~~أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم إني منه ~~بريئة لتصدقني فوالله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال { فصبر ~~جميل والله المستعان على ما تصفون } ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وأنا ~~والله حينئذ أعلم أني بريئة وإن الله مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت ~~أظن أن ينزل الله في شأني وحيا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن ~~يتكلم والله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل الله على نبيه ~~صلى الله عليه وسلم فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه ~~مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه قال ~~فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها ~~أن قال لي: يا عائشة احمدي الله " # وفي رواية # " أبشري يا عائشة أما الله فقد برأك فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو ~~الذي أنزل براءتي قالت: فأنزل الله عز وجل { إن الذين جاؤوا بالإفك ~~عصبة منكم } العشر الآيات فأنزل الله عز وجل هذه الآيات في براءتي قالت ~~فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره والله ms2371 لا ~~أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة فأنزل الله { ولا يأتل أولو ~~الفضل منكم والسعة إلى قوله غفور رحيم } فقال أبو بكر بلى والله إني ~~لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه وقال والله لا ~~أنزعها منه أبدا قالت عائشة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب ~~بنت جحش عن أمري فقال يا زينب ما علمت أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله ~~أحمي سمعي وبصري والله ما علمت عليها إلا خيرا قالت عائشة وهي التي كانت ~~تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع وطفقت ~~أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك " # قال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط زاد في رواية قالت ~~عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول سبحان الله فو الذي نفسي ~~بيده ما كشفت من كنف أنثى قط قالت: ثم قتل بعد في سبيل الله شهيدا ". ~~هذا حديث متفق على صحته أخرجاه في الصحيحين زاد البخاري في رواية عن ~~عروة: عن عائشة " والذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي ابن سلول وقال ~~عروة أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده فيقرره ويشيعه ويستوشيه قال عروة ~~لم يسم لي من أهل الإفك إلا حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ~~في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة كما قال الله تعالى. # قال عروة كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول إنه الذي قال: # فإن أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء # أخرجاه من حديث مسروق قال: دخلت على عائشة وعندها حسان ينشدها شعرا ~~ببيت من أبياته فقال: # حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # فقالت عائشة: لكنك لست كذلك قال مسروق فقلت لها: تأذنين له أن يدخل عليك ~~وقد قال الله { والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } قالت وأي عذاب أشد ~~من العمى. وقالت: ms2372 إنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. حل غريب ألفاظ هذا الحديث قوله: وكلهم حدثني طائفة أي قطعة من ~~حديثها، قوله كان أوعى أي أحفظ له، قولها آذن أي أعلم بالرحيل، قولها ~~فإذا عقد لي من جزع أظفار وهو نوع من الخرز وهو الحجر اليماني المعروف، ~~قولها لم يهبلن أي يكثر لحمهن فيثقلن، قولها إنما يأكلن العلقة من الطعام ~~هو بضم العين أي البلغة من الطعام وهو قدر ما يمسك الرمق، قولها وليس بها ~~منهم داع ولا مجيب أي ليس بها أحد لا من يدعو ولا من يرد جوابا، قولها ~~فتيممت أي قصدت قولها قد عرس من وراء الجيش فأدلج، التعريس نزول المسافر ~~في آخر الليل للراحة والإدلاج بالتشديد سير آخر الليل وبالتخفيف سير ~~الليل كله، قولها باسترجاعه هو قوله # إنا لله وإنا إليه راجعون # [البقرة: 156] قولها فخمرت أي غطيت وجهي بجلبابي أي إزاري، قولها موغرين ~~في نحر الظهيرة الوغرة شدة الحر وكذا نحر الظهيرة أي أولها، قولها والناس ~~يفيضون أي يخوضون ويتحدثون، قولها وهو يريبني يقال رابني الشيء يريبني أي ~~شككت فيه، قولها ولا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف أي الرفق ~~بها واللطف في الأفعال الرفق وفي الأقوال لين الكلام، قولها حتى نقهت أي ~~أفقت من المرض والمناصع المواضع الخالية تقضي فيها الحاجة من غائط وبول ~~وأصله المكان الواسع الخالي والمرط كساء من صوف أوخز، قولها تعس مسطح أي ~~عثر وهو من الدعاء على الإنسان أي سقط لوجهه، قولها يا هنتاه أي بلهاء ~~كأنها تنسبها إلى البله وقلة المعرفة، قولها لا يرقأ لي دمع أي لا ينقطع ~~وقول بريرة إن رأيت بمعنى النفي أي ما رأيت منها أمرا أغمصه بالصاد ~~المهملة أي أعيب والداجن الشاة التي تألف البيت وتقيم به: قوله صلى الله ~~عليه وسلم: من يعذرني أي من يقوم بعذري إن أنا كافأته على سوء صنيعه إن ~~عاتبت أو عاقبت فلا تلوموني على ذلك قولها وكانت أم حسان بنت عمه ms2373 من فخذه ~~أي من قبيلته قولها ولكن احتملته الحمية أي حمله الغضب والأنفة والتعصب ~~على الجهل للقرابة، قوله فتثاور الحيان أي ثاروا ونهضوا للقتال ~~والمخاصمة، قولها فلم يزل يخفضهم أي يهون عليهم ويسكن، قوله صلى الله ~~عليه وسلم إن كنت ألممت قيل هو من اللمم وهو صغائر الذنوب وقيل معناه ~~مقارفة الذنب من غير فعل، قولها قلص دمعي أي انقطع جريانه، قولها ما رام ~~أي ما برح من مكانه والبرحاء الشدة والكرب والجمانة وجمعها جمان فسري عنه ~~أي كشف عنه وقول زينب أحمي سمعي وبصري أي أمنعهما أن أخبر بما لم أسمع ~~ولم أبصر، قولها وهي التي كانت تساميني من السمو وهو العلو والغلبة فعصها ~~الله أي منعها من الوقوع في الشر بالورع وقول الرجل ما كشفت من كنف أي من ~~ستر أنثى قوله ويستوشيه أي يستخرجه بالبحث عنه والاستقصاء فيه وقول حسان ~~في عائشة حصان بفتح الحاء يقال امرأة حصان أي متعففة رزان أي ثابتة ما ~~تزن أي ترمي ولا تتهم بريبة أي بأمر يريب الناس حيية وتصبح غرثى أي جائعة ~~والغرث الجوع من لحوم الغوافل جمع غافلة، والمعنى أنها لا تغتاب أحدا ~~مما هو غافل عن مثل هذا الفعل وقول عائشة في حسان إنه كان ينافح أي يناضل ~~ويخاصم عن الله ورسوله: وأما التفسير فقوله عز وجل { إن الذين جاؤوا ~~بالإفك } أي بالكذب والإفك أسوأ الكذب لكونه مصروفا عن الحق وذلك أن ~~عائشة كانت تستحق الثناء والمدح بما كانت عليه من الحصانة والشرف والعقل ~~والعلم والديانة فمن رماها بالسوء فقد قلب الحق بالباطل وجاء بالإفك، ~~عصبة أي جماعة منكم أي عبد الله بن أبي ابن سلول ومسطح بن أثاثة وحسان بن ~~ثابت وحمنة بنت جحش زوجة طلحة ابن عبيدالله. # فإن قلت عبدالله بن أبي ابن سلول كان رأس المنافقين فكيف قال منكم. قلت ~~كان ينسب إلى الإيمان في الظاهر وقيل قوله منكم خرج مخرج الأغلب فإن ~~حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة كانوا من المؤمنين المخلصين { ~~لاتحسبوه ms2374 شرا لكم } يعني الإفك الخطاب لعائشة وصفوان وقيل لعائشة ~~ولأبويها وللنبي صلى الله عليه وسلم ولصفوان { بل هو خير لكم } يعني أن ~~الله آجركم على ذلك وأظهر براءتكم وشهد بكذب العصبة وأوجب لهم الذم وهذا ~~غاية الشرف والفضل لكم { لكل امرىء منهم } أي من العصبة الكاذبة { ما ~~اكتسب من الإثم } أي جزاء ما اجترح من الذنب على قدر ما خاض فيه { والذي ~~تولى كبره } يعني تحمل معظمه وبدأ بالخوض فيه وأقام بإشاعته وهو عبدالله ~~بن أبي ابن سلول { منهم } من العصبة { له عذاب عظيم } يعني عذاب النار في ~~الآخرة روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالذين رموا عائشة فجلدوا جميعا ~~ثمانين ثمانين ". ### || [24.12-21] # قوله عز وجل: { لولا إذ سمعتموه } يعني الحديث الكذب وهو قول أهل ~~الإفك { ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم } بأخوانهم وأهل دينهم { خيرا } ~~والمعنى كان الواجب على المؤمنين إذ سمعوا قول أهل الإفك أن يكذبوه ~~ويحسنوا الظن ولا يسرعوا في التهمة وقول الزور فيمن عرفوا عفته وطهارته ~~وفيه معاتبة للمؤمنين { وقالوا هذا إفك مبين } يعني كذب بين لا حقيقة له ~~{ لولا } يعني هلا { جاؤوا عليه } يعني على ما زعموا { بأربعة شهداء } ~~يعني يشهدون بذلك { فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله } يعني في ~~حكم الله { هم الكاذبون } وهذا من باب الزواجر. فإن قلت كيف يصيرون عند ~~الله كاذبين إذا لم يأتوا بالشهداء ومن كذب فهو عند الله كاذب سواء أتى ~~بالشهداء أو لم يأت. قلت قيل هذا في حق الذين رموا عائشة خاصة ومعناه ~~فأولئك هم الكاذبون في غيبي. وعلمي وقيل معناه فأولئك عند الله في حكم ~~الكاذبين فإن الكاذب يجب زجره عن الكذب والقاذف إذا لم يأت بالشهود يجب ~~زجره. قوله تعالى { لولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم ~~فيما أفضتم فيه عذاب عظيم } معناه لولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في ~~الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة وأن أترحم عليكم في ~~الآخرة بالعفو والمغفرة لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم به من ms2375 حديث الإفك ~~والخطاب للقذفة وهذا الفضل هو تأخير العذاب وقبول التوبة ممن تاب { إذ ~~تلقونه بألسنتكم } أي يرويه بعضكم عن بعض وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل ~~فيقول بلغني كذا وكذا فيتلقونه تلقيا يلقيه بعضهم إلى بعض { وتقولون ~~بأفواهكم ما ليس لكم به علم } أي من غير أن تعلموا أنه حق { وتحسبونه ~~هينا } أي وتظنون أنه سهل لا إثم فيه { وهو عند الله عظيم } أي في الزور ~~{ ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك } قيل هو ~~للتعجب وقيل هو للتنزيه { هذا بهتان عظيم } أي كذب عظيم يبهت ويحير منه ~~عظمه. روي أن أم أيوب الأنصاري قالت لأبي أيوب الأنصاري: ما بلغك ما يقول ~~الناس في عائشة فقال: سبحانك هذا بهتان عظيم فنزلت الآية على وفق قوله { ~~يعظكم الله } قال ابن عباس يحرم الله عليكم وقيل ينهاكم الله { أن تعودوا ~~لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات } أي في الأمر والنهي ~~{ والله عليم } أي بأمر عائشة وصفوان { حكيم } أي حكم ببراءتهما. قوله ~~عز وجل { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة } أي يظهر الزنا ويذيع { في ~~الذين آمنوا } قيل الآية مخصوصة بمن قذف عائشة والمراد بالذين آمنوا جميع ~~المؤمنين { لهم عذاب أليم في الدنيا } يعني الحد والذم على فعله { ~~والآخرة } أي وفي الآخرة لهم النار { والله يعلم } أي كذبهم وبراءة عائشة ~~وما خاضوا فيه من سخط الله { وأنتم لا تعلمون } وقيل معناه يعلم ما في ~~قلب من يحب أن تشيع الفاحشة فيجازيه على ذلك وأنتم لا تعلمون ذلك { ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته } يعني لولا إنعامه عليكم لعاجلكم بالعقوبة قال ~~ابن عباس يريد مسطحا وحسان بن ثابت وحمنة { وأن الله رؤوف رحيم }. # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان } يعني ~~آثاره ومسالكه { ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر } ~~يعني بالقبائح من الأقوال والأفعال وكل ما يكره الله عز وجل والآية ~~عامة في حق كل أحد لأن كل مكلف ممنوع من ذلك ms2376 { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا } يعني ما طهر ولا صلح والآية عند بعض ~~المفسرين على العموم قالوا أخبر الله تعالى أنه لولا فضله ورحمته بالعصمة ~~ما صلح منكم أحد وقيل الخطاب للذين خاضوا في الإفك ومعناه ما طهر من هذا ~~الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل. وهذا قول ابن عباس قال معناه ما قبل ~~توبة أحد منكم أبدا { ولكن الله يزكي } يعني يظهر { من يشاء } من الذنب ~~بالرحمة والمغفرة { والله سميع } يعني لأقوالكم { عليم } يعني بما في ~~قولكم. ### || [24.22-26] # قوله: { ولا يأتل } يعني ولا يحلف من الألية وهي القسم { أولوا الفضل ~~منكم والسعة } يعني الغنى يعني أبا بكر الصديق { أن يؤتوا أولي القربى ~~والمساكين والمهاجرين في سبيل الله } يعني مسطحا وكان مسكينا مهاجرا ~~بدريا ابن خالة أبي بكر الصديق حلف أبو بكر أن لا ينفق عليه فأنزل الله ~~هذه الآية { وليعفوا وليصفحوا } يعني عن خوض مسطح في أمر عائشة { ألا ~~تحبون } يخاطب أبا بكر { أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم } فلما قرأها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بكر قال بل أنا أحب أن يغفر الله ~~لي ورجع إلى مسطح بنفقته التي كان ينفق عليه وقال والله لا أنزعها عنه ~~أبدا. وفي الآية أدلة على فضل أبي بكر الصديق لأن الفضل المذكور في ~~الآية ذكره تعالى في معرض المدح وذكره بلفظ الجمع في قوله أولوا الفضل ~~وقوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم وهذا يدل على علو شأنه ومرتبته منها ~~أنه احتمل الأذى من ذوي القربى ورجع عليه بما كان ينفقه عليه وهذا من أشد ~~الجهاد لأنه جهاد النفس. ومنها أنه تعالى قال في حق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # فاعف عنهم واصفح # [المائدة: 12] وقال في حق أبي بكر: { وليعفوا وليصفحوا } فدل أن أبا بكر ~~كان ثاني اثنين لرسول الله صلى الله عليه سلم في جميع الأخلاق. وفي الآية ~~دليل على أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ms2377 منها فليأت الذي هو خير ~~ويكفر عن يمينه ومنه الحديث الصحيح # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن ~~يمينه " # قوله تعالى: { إن الذين يرمون المحصنات } يعني العفائف { الغافلات } ~~يعني عن الفواحش والغافلة، عن الفاحشة هي التي لا يقع في قلبها فعل ~~الفاحشة وكذلك كانت عائشة رضي الله عنها { المؤمنات } وصفها بالمؤمنات ~~لعلو شأنها { لعنوا } يعني عذبوا { في الدنيا } بالحد { والآخرة } يعني ~~وفي الآخرة بالنار { ولهم عذاب عظيم } وهذا في حق عبدالله بن أبي ابن ~~سلول المنافق، وروي عن حصيف قال قلت لسعيد بن جبير من قذف مؤمنة يلعنه ~~الله في الدنيا والآخرة قال ذاك لعائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~خاصة دون سائر المؤمنات ليس في ذلك توبة ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل ~~الله له توبة ثم قرأ { والذين يرمون المحصنات } إلى قوله تابوا فجعل ~~لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة وقيل بل لهم توبة أيضا للآية { يوم ~~تشهد عليهم ألسنتهم } هذا قبل أن يختم على أفواههم { وأيديهم وأرجلهم } ~~يروي أنه يختم على الأفواه فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا وهو ~~قوله { بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } يعني جزاءهم ~~الواجب وقيل حسابهم العدل { ويعلمون أن الله هو الحق المبين } يعني ~~الموجود الظاهر الذي بقدرته وجود كل شيء وقيل معناه يبين لهم حقيقة ما ~~كان يعدهم في الدنيا وقال ابن عباس وذلك أن عبدالله بن أبي ابن سلول كان ~~يشك في الدين فيعلم يوم القيامة أن الله هو الحق المبين. # قوله عز وجل { الخبيثات للخبيثين } قال أكثر المفسرين معنى الخبيثات ~~الكلمات والقول للخبيثين من الناس ومثله { والخبيثون } أي من الناس { ~~للخبيثات } من القول { والطيبات } أي من القول ومعنى الآية أن الخبيث من ~~القول لا يليق إلا بالخبيث من الناس. والطيب من القول لا يليق إلا بالطيب ~~من الناس وعائشة لا يليق بها. الخبيث من القول لأنها طيبة فيضاف إليها ~~طيب القول من الثناء والمدح وما يليق بها وقيل ms2378 معناه لا يتكلم بالخبيث ~~إلا الخبيث من الرجال والنساء وهذا ذم للذين قذفوا عائشة ولا يتكلم ~~بالطيب من القول إلا الطيب من الرجال والنساء. وهذا مدح للذين يرونها ~~بالطاهر والمدح لها وقيل معنى الآية الخبيثات من النساء للخبيثين من ~~الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء أمثال عبدالله بن أبي ~~المنافق والشاكين في الدين والطيبات من النساء { للطيبين والطيبون ~~للطيبات } يريد عائشة طيبها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم { أولئك ~~مبرؤون } يعني عائشة وصفوان ذكرهما الله بلفظ الجمع منزهون { مما يقولون ~~} يعني أصحاب الإفك { لهم مغفرة } أي عفو لذنوبهم { ورزق كريم } يعني ~~الجنة روي أن عائشة كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم تعطها امرأة غيرها ~~منها أن جبريل عليه السلام أتى بصورتها في سرفة حرير وقال هذه: زوجتك. ~~وروي أنه أتى بصورتها في راحته. ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يتزوج بكرا غيرها وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرها وفي يومها ~~ودفن في بيتها وكان ينزل عليه الوحي وهي معه في اللحاف ونزلت براءتها من ~~السماء وأنها ابنة الصديق وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلقت ~~طيبة ووعدت مغفرة ورزقا كريما. وكان مسروق إذا حدث عن عائشة يقول ~~حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبرأة ~~من السماء. ### || [24.27-30] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا } أي تستأذنوا وكان ابن عباس يقرأ حتى تستأذنوا ويقول تستأنسوا ~~خطأ من الكاتب وفي هذه الرواية نظر لأن القرآن ثبت بالتواتر والاستئناس ~~في اللغة الاستئذان. وقيل الاستئناس طلب الإنس وهو أن ينظر هل في البيت ~~إنسان فيؤذنه إني داخل وقيل هو من آنست أي أبصرت وقيل هو أن يتكلم ~~بتسبيحة أو يتنحنح حتى يعرف أهل البيت { وتسلموا على أهلها } بيان حكم ~~الآية أنه لا يدخل بيت الغير إلا بعد الاستئذان والسلام. واختلفوا في ~~أيهما يقدم فقيل يقدم الاستئذان فيقول أدخل سلام عليكم كما في الآية من ~~تقديم الاستئذان قبل ms2379 السلام. وقال الأكثرون يقدم السلام فيقول سلام عليكم ~~أأدخل وتقدير الآية حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا وكذا هو في مصحف ابن ~~مسعود وروي # " عن كند بن حنبل قال: " دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم: ولم أسلم ~~ولم أستأذن فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ارجع فقل السلام عليكم ~~أأدخل " " # أخرجه أبو داود والترمذي وعن ربعي بن حراش قال # " جاء رجل من بني عامر فاستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ~~البيت فقال ألج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخادمه اخرج إلى هذا ~~فعلمه الاستئذان فقل له قل السلام عليكم أأدخل فسمع الرجل ذلك من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال السلام عليكم أأدخل فأذن له رسول الله صلى ~~الله عليه سلم " # أخرجه أبو داود ق عن أبي سعيد وأبي ابن كعب عن أبي موسى قال أبو سعيد: ~~" كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال: ~~استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت قال ما منعك قلت استأذنت ~~ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع " # قال والله لتقيمن عليه بينة أمنكم أحد سمعه من النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال أبي بن كعب فوالله لا يقوم معك إلا أصغر القوم فكنت أصغر القوم ~~فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك. قال الحسن ~~الأول إعلام والثاني مؤآمرة والثالث استئذان بالرجوع عن عبدالله بن بسر ~~قال # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من ~~تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول السلام عليكم السلام ~~عليكم " # وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور أخرجه أبو داود وعن أبي هريرة ~~قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن " # أخرجه أبو داود وقيل إذا ms2380 وقع بصره على إنسان قدم السلام وإلا قدم ~~الاستئذان ثم يسلم. وقال أبو موسى الأشعري وحذيفة يستأذن على ذوات ~~المحارم يدل عليه ما روي عن عطاء بن يسار # " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أستأذن على أمي؟ قال ~~نعم فقال الرجل إني معها في البيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~استأذن عليها فقال الرجل إني خادمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~استأذن عليها أتحب أن تراها عريانة قال لا قال فاستأذن عليها " # أخرجه مالك في المؤطأ مرسلا وقوله تعالى { ذلكم خير لكم } أي فعل ~~الاستئذان خير لكم وأولى بكم من التهجم بغير إذن { لعلكم تذكرون } أي هذه ~~الآداب فتعملوا بها. قوله عز وجل { فإن لم تجدوا فيها } أي البيوت { ~~أحدا } أي يأذن لكم في دخولها { فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم } أي في ~~الدخول { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا } يعني إذا كان في البيت قوم وكرهوا ~~دخول الداخل عليهم فقالوا ارجع فليرجع ولا يقف على الباب ملازما { هو ~~أزكى لكم } أي الرجوع هو أطهر وأصلح لكم فإن للناس أحوالا وحاجات ~~يكرهون الدخول عليهم في تلك الأحوال وإذا حضر إلى الباب فلم يستأذن وقعد ~~على الباب منتظرا جاز. كان ابن عباس يأتي دور الأنصار لطلب الحديث فيقعد ~~على الباب ولا يستأذن حتى يخرج إليه الرجل فإذا خرج ورآه قال يا ابن عم ~~رسول الله لو أخبرتني بمكانك فيقول هكذا أمرنا أن نطلب العلم. وإذا وقف ~~على الباب فلا ينظر من شقه إذا كان الباب مردودا ق " عن سهل بن سعد قال # " اطلع رجل من جحر في باب النبي صلى الله عليه وسلم ومع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مدرى يرجل وفي رواية يحك به رأسه فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لو علمت أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الإذن من أجل ~~البصر " # ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من اطلع في بيت قوم بغير ms2381 إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه " # وفي رواية النسائي قال # " لو أن أمرأ أطلع عليك بغير إذن فحذفته ففقأت عينه ما كان عليك حرج " # وقال مرة أخرى جناح { والله بما تعملون عليم } يعني من الدخول بالإذن ~~ولما نزلت آية الاستئذان قالوا كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام ~~على ظهر الطريق ليس فيها ساكن فأنزل الله تعالى { ليس عليكم جناح } يعني ~~إثم { أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة } يعني بغير استئذان { فيها متاع لكم ~~} يعني منفعة لكم قيل إن هذه البيوت في الخانات والمنازل المبنية للسابلة ~~ليأووا إليها ويؤوا أمتعتهم فيها فيجوز دخولها بغير استئذان ولمنفعة ~~النزول بها واتقاء الحر والبرد وإيواء الأمتعة بها. # وقيل بيوت التجار وحوانيتهم في الأسواق يدخلها للبيع والشراء وهو ~~منفعتها فليس فيها استئذان. وقيل هي جميع البيوت التي لا ساكن فيها لأن ~~الاستئذان إنما جعل لئلا يطلع على عورة فإن لم يخف ذلك جاز له الدخول ~~بغير استئذان { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } قوله تعالى { قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } يعني عما لا يحل النظر إليه قيل معناه يغضوا ~~أبصارهم. وقيل من هنا للتبعيض لأنه لا يجب الغض عما يحل إليه النظر وإنما ~~أمروا أن يغضوا عما لا يحل النظر إليه م # " عن جرير قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة قال: " ~~اصرف بصرك " " # عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: # " يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية " # أخرجه أبو داود والترمذي م عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لاينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي ~~الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد " # وقوله تعالى { ويحفظوا فروجهم } يعني عما لا يحل. قال أبو العالية كل ما ~~في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلا في هذا الموضع فإن أراد به ~~الاستتار حتى ms2382 لا يقع بصر الغير عليه. فإن قلت كيف أدخل من على غض البصر ~~دون حفظ الفرج. قلت فيه دلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم ~~لا بأس بالنظر إلى شعورهن وثديهن وأعضادهن وأقدامهن وكذلك الجواري ~~المستعرضات في البيع والأجنبية يجوز النظر إلى وجهها وكفيها للحاجة إلى ~~ذلك وأما أمر الفروج فمضيق وكفاك أن أبيح النظر إلا ما استثنى منه وحظر ~~الجماع إلا ما استثنى منه. فإن قلت كيف قدم غض البصر على حفظ الفرج. قلت ~~لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور والبلوى فيه أشد ولا يكاد أحد يقدر ~~على الاحتراس منه { ذلك أزكى لهم } يعني غض البصر وحفظ الفرج { إن الله ~~خبير بما يصنعون } يعني أنه خبير بأحوالهم وأفعالهم وكيف يجيلون أبصارهم ~~وكيف يصنعون بسائر حواسهم وجوارحهم. ### || [24.31] # قوله عز وجل: { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن } يعني ~~عما لا يحل لهن. روي عن أم سلمى قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعنده ميمونة بنت الحارث إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعد ~~ما أمرنا بالحجاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " احتجبا منه فقلنا: يا رسول الله أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه " # أخرجه الترمذي وأبو داود. قوله تعالى { ولا يبدين } يعني لا يظهرن { ~~زينتهن } يعني لغير المحرم وأراد بالزينة الخفية مثل الخلخال والخضاب في ~~الرجل والسوار في المعصم والقرط في الأذن والقلائد في العنق فلا يجوز ~~للمرأة إظهارها ولا يجوز للأجنبي النظر إليها والمراد من الزينة النظر ~~إلى مواضعها من البدن { إلا ما ظهر منها } يعني من الزينة قال سعيد بن ~~جبير والضحاك والأوزاعي الوجه والكفان. وقال ابن مسعود هي الثياب. وقال ~~ابن عباس هي الكحل والخاتم والخضاب في الكف فما كان من الزينة الظاهرة ~~يجوز للرجل الأجنبي النظر إليه للضرورة مثل تحمل الشهادة ونحوه من ~~الضرورات إذا لم يخف فتنة وشهوة فإن خاف شيئا من ذلك غض ms2383 البصر وإنما رخص ~~في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في ~~الصلاة وسائر بدنها عورة { وليضربن بخمرهن } يعني ليلقين بمقانعهن { على ~~جيوبهن } يعني موضع الجيب وهو النحر والصدر يعني ليسترن بذلك شعورهن ~~وأعناقهن وأقراطهن وصدورهن خ عن عائشة قالت: " يرحم الله نساء المهاجرات ~~الأول لما أنزل الله " وليضربن بخمرهن على جيوبهن شققن مروطهن فاختمرن ~~بها " المرط كساء من صوف أو خز أو كتان وقيل هو الإزار وقيل هو الدرع { ~~ولا يبدين زينتهن } يعني الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة ولا ~~للأجانب وهي ما عدا الوجه والكفين { إلا لبعولتهن } قال ابن عباس لا يضعن ~~الجلباب والخمار إلا لأزواجهن أو آبائهن { أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو ~~أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن } فيجوز لهؤلاء ~~أن ينظروا إلى الزينة الباطنية ولا ينظرون إلى مابين السرة والركبة. ~~ويجوز للزوج أن ينظر إلى جميع بدن زوجته غير أنه يكره له النظر إلى فرجها ~~{ أو نسائهن } يعني المؤمنات من أهل دينهن أراد به أن يجوز للمرأة أن ~~تنظر إلى بدن المرأة ما بين السرة والركبة ولا يجوز للمرأة المؤمنة أن ~~تتجرد من ثيابها عند الذمية أو الكافرة لأن الله تعالى قال أو نسائهن ~~والذمية أو الكافرة ليست من نسائنا ولأنها أجنبية في الدين فكانت أبعد من ~~الرجل الأجنبي كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يمنع نساء ~~أهل الكتاب أن يدخلن الحمام مع المسلمات. # وقيل يجوز كما يجوز أن تنكشف للمرأة المسلمة لأنها من جملة النساء { أو ~~ما ملكت أيمانهن } قيل هو عبد المرأة فيجوز له الدخول عليها إذا كان ~~عفيفا وأن ينظر إلى مولاته إلا ما بين السرة والركبة كالمحارم. وهو ظاهر ~~القرآن يروى ذلك عن عائشة وأم سلمة: وروى أنس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " أتى إلى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم ~~يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم ms2384 يبلغ رأسها فلما رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما تلقى قال: إنه ليس عليكم بأس إنما هو أبوك وغلامك " # وقيل: هو كالأجنبي معها وهو قول سعيد بن المسيب. قال والمراد من الآية ~~الإماء دون العبيد { أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال } قرىء غير ~~بنصب الراء قال هو بمعنى الاستثناء ومعناه يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا ~~الإربة منهم فإنهن لا يبدين زينتهن لمن كان منهم ذا إربة وقرىء غير بالجر ~~على نعت التابعين والإربة والأرب الحاجة والمراد بالتابعين غير أولي ~~الأربة هم الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم لا همة لهم إلا ذلك ~~ولا حاجة لهم في النساء وقال ابن عباس هو الأحمق العنين وقيل هو الذي لا ~~يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن وقيل هو المجبوب والخصي وقيل هو الشيخ ~~الهرم الذي ذهبت شهوته وقيل هو المخنث م عن عائشة رضي الله عنها: قالت # " كان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث وكانوا يعدونه من ~~غير أولي الإربة فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وهو عند بعض ~~نسائه وهو ينعت امرأة قال: إذا أقبلت بأربع وإذا أدبرت بثمان فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: ألا أرى هذا يعرف ما ها هنا لا يدخل عليكن هذا ~~فاحجبوه " # زاد أبو داود في رواية # " وأخرجوه إلى البيداء يدخل كل جمعة فيستطعم " # قوله أقبلت بأربع أي أن لها في بطنها أربع عكن فهي تقبل إذا أقبلت بها ~~وأراد بالثمان أطراف العكن الأربع من الجانبين وذلك صفة لها بالسنون { أو ~~الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } أي لم يكشفوا عن عورات النساء ~~للجماع فيطلعوا عليها وقيل: لم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر وقيل لم ~~يطيقوا أمر النساء وقيل لم يبلغوا حد الشهوة وقيل الطفولية اسم للصبي ما ~~لم يحتلم { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } قيل كانت ~~المرأة إذا مشت ضربت برجلها ليسمع صوت خلخالها أو يتبين خلخالها فنهين عن ~~ذلك وقيل إن الرجل ms2385 تغلب عليه شهوة النساء إذا سمع صوت الخلخال ويصير ذلك ~~داعية له زائدة في مشاهدتهن وقد علل ذلك بقوله تعالى: { ليعلم ما يخفين ~~من زينتهن } فنبه به على أن الذي لأجله نهى عنه أن يعلم به ما عليهن من ~~الحلي غيره { وتوبوا إلى الله جميعا } أي من التقصير الواقع في أمره ~~ونهيه وراجعوا طاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه من الآداب المذكورة في هذه ~~السورة قيل إن أوامر الله ونواهيه في كل باب لا يقدر العبد الضعيف على ~~مراعاتها وإن ضبط نفسه واجتهد فلا ينفك عن تقصير يقع منه فلذلك وصى ~~المؤمنين بالتوبة والاستغفار ووعد بالفلاح إذا تابوا واستغفروا فذلك قوله ~~تعالى { أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } م عن الأغر أغر مزينة قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " توبوا إلى ربكم فوالله إني لأتوب إلى ربي تبارك وتعالى مائة مرة في ~~اليوم " # عن ابن عمر قال إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس ~~يقول: # " رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة " # أخرجه عبد الرحمن بن حميد الكشي ق عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ~~صلى الله عله وسلم: # " الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة " # م عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه ". ### || [24.32] # قوله عز وجل: { وأنكحوا الأيامى منكم } جمع الأيم يطلق على الذكر ~~والأنثى وهو من لا زوج له من رجالكم ونسائكم { والصالحين من عبادكم } أي ~~من عبيدكم { وإمائكم } بيان حكم الآية أمر ندب واستحباب لإجماع السلف ~~عليه فيستحب لمن تاقت نفسه إلى النكاح ووجد أهبته أن يتزوج وإن لم يجد ~~أهبته يكسر شهوته بالصوم ق عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن ~~للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم ms2386 فإنه له وجاء " # الباءة النكاح ويكنى به عن الجماع أيضا والوجاء بكسر الواو رض الأنثيين ~~وهو نوع من الخصاء شبه الصوم في قطعه شهوة النكاح بالوجاء الذي يقطع ~~النسل عن معقل بن يسار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " # أخرجه أبو داود والنسائي م عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة " # أما من لا تتوق نفسه إلى النكاح وهو قادر عليه فالتخلي للعبادة أفضل له ~~من النكاح عند الشافعي وعند أصحاب الرأي النكاح أفضل. قال الشافعي: قد ~~ذكر الله عبدا أكرمه فقال وسيدا حصورا وهو الذي لا يأتي النساء وذكر ~~القواعد من النساء ولم يندبهن إلى النكاح وفي الآية دليل على أن تزويج ~~الأيامى إلى الأولياء لأن الله خاطبهم به كما أن تزويج العبيد والإماء ~~إلى السادات. وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم روي ذلك عن ~~عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وعائشة. وبه ~~قال سعيد بن المسيب والحسن وشريح وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز ~~وإليه ذهب الثوري والأوزاعي وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ~~وجوز أصحاب الرأي للمرأة تزويج نفسها وقال مالك إن كانت المرأة دنيئة ~~يجوز لها تزويج نفسها وإن كانت شريفة فلا والدليل على أن الولي شرط في ~~النكاح ما روي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا نكاح إلا بولي " # أخرجه أبو داود والترمذي ولهما عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاثا فإن أصابها فلها ~~المهر بما استحل من فرجها فإن تشاحوا فالسلطان ولي من لا ولي له " # وقوله تعالى { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } قيل الغنى هنا ~~القناعة وقيل: هو اجتماع الرزقين رزق الزوج والزوجة وقال عمر بن الخطاب. ~~عجبت لمن يبتغي ms2387 الغنى بغير النكاح والله تعالى يقول إن يكونوا فقراء ~~يغنهم الله من فضله وقال بعضهم إن الله وعد الغنى بالنكاح وبالتفرق فقال ~~تعالى { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } وقال # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته # [النساء: 130] { والله واسع } يعني أنه ذو الإفضال والجود { عليم } أي ~~بما يصلح خلقه من الرزق. ### || [24.33] # قوله تعالى: { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا } يعني ليطلب العفة عن ~~الزنا والحرام الذين لا يجدون ما ينكحون به من الصدق والنفقة { حتى ~~يغنيهم الله من فضله } يعني يوسع عليهم من رزقه { والذين يبتغون الكتاب } ~~يعني يطلبون المكاتبة { مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم } سبب نزول هذه الآية ~~أن غلاما لحويطب بن عبد العزى سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارا ~~فأداها وقتل يوم حنين في الحرب، بيان حكم الآية وكيفية المكاتبة وذلك أن ~~يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على كذا من المال ويسمى مالا معلوما تؤدي ~~ذلك في نجمين أو في نجوم معلومة في كل نجم كذا فإذا أديت ذلك فأنت حر ~~ويقبل العبد ذلك، فإذا أدى العبد ذلك المال عتق ويصير العبد أحق بمكاسبه ~~بعد الكتابة وإذا عتق بأداء المال فما فضل في يده من المال فهو له ويتبعه ~~أولاده الذي حصلوا في الكتابة في العتق وإذا عجز عن أداء المال كان ~~لمولاه أن يفسخ كتابته ويرده إلى الرق وما في يده من المال فهو لسيده لما ~~روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه # " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " # أخرجه أبو داود وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى { فكاتبوهم } أمر ~~إيجاب يجب على السيد أن يكاتب عبده الذي علم فيه خيرا إذا سأل العبد ذلك ~~على قيمته أو على أكثر من قيمته وإن سأل على أقل من قيمته لا يجب وهو قول ~~عطاء وعمرو بن دينار لما روي أن سيرين أبا ms2388 محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك ~~أن يكاتبه وكان كثير المال فانطلق سيرين إلى عمر فشكاه فدعاه عمر فقال ~~له: كاتبه فأبى فضربه بالدرة وتلا فكاتبوهم { إن علمتم فيهم خيرا } ~~فكاتبه وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه أمر ندب واستحباب ولا تجوز الكتابة ~~على أقل من نجمين عند الشافعي لأنه عقد جوز إرفاقا بالعبد ومن تتمة ~~الإرفاق أن يكون ذلك المال عليه إلى أجل حتى يؤديه على مهل فيحصل ~~المقصود. وجوز أبو حنيفة الكتابة إلى نجم وحالة واحدة واختلفوا في معنى ~~قوله { إن علمتم فيهم خيرا } فقال ابن عمر قوة على الكسب وهو قول مالك ~~والثوري وقيل مالا، روي أن عبدا لسلمان الفارسي قال له: كاتبني قال ألك ~~مال قال لا قال تريد أن تطعمني من أوساخ الناس ولم يكاتبه قيل لو أراد به ~~المال لقال إن علمتم لهم خيرا وقيل صدقا وأمانة. وقال الشافعي: أظهر ~~معاني الخير في العبد الاكتساب مع الأمانة فأحب أن لا يمنع من المكاتبة ~~إذا كان هكذا وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاث حق على الله عونهم المكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد ~~العفاف والمجاهد في سبيل الله " # أخرجه الترمذي والنسائي وقيل معنى الخير أن يكون العبد عاقلا بالغا ~~فأما الصبي والمجنون فلا تصح كتابتهما لأن الابتغاء منهما لا يصح وجوز ~~أبو حنيفة كتابة الصبي المراهق وقوله تعالى { وآتوهم من مال الله الذي ~~آتاكم } قيل هو خطاب للموالي فيجب على السيد أن يحط عن مكاتبه من مال ~~الكتابة شيئا وهو قول عثمان وعلي والزبير وجماعة. وبه قال الشافعي ثم ~~اختلفوا في قدر ما يحط فقيل يحط الربع وهو قول علي ورواه بعضهم مرفوعا. ~~وقال ابن عباس: يحط الثالث وقال الآخرون: ليس له حد بل عليه أن يحط عنه ~~ما شاء وبه قال الشافعي قال نافع: كاتب عبدالله بن عمر غلاما له على ~~خمسة وثلاثين ألف درهم فوضع من آخر كتابته خمسة آلاف درهم أخرجه مالك في ~~الموطأ. ms2389 وقال سعيد بن جبير: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبة لم يضع عنه ~~شيئا من أول نجومه مخافة أن يعجز فيرجع إليه صدقته ويضع عنه من آخر ~~كتابته ما أحب وقال بعضهم هو أمر استحباب والوجوب أظهر وقيل أراد بقوله { ~~وآتوهم من مال الله } أي سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضات ~~وهو قوله وفي الرقاب أراد به المكاتب وهو قول الحسن وزيد بن أسلم. وقيل: ~~هو حث لجميع الناس على مؤنتهم واختلف العلماء فيما إذا مات المكاتب قبل ~~أداء النجوم فذهب كثير منهم إلى أنه يموت رقيقا وترتفع الكتابة سواء ترك ~~مالا أو لم يترك وهو قول عمر وابن عمر وزيد بن ثابت وبه قال عمر بن ~~عبدالعزيز والزهري وقتادة وإليه ذهب الشافعي وأحمد، وقال قوم: إن ترك ~~وفاء ما بقي عليه من مال الكتابة كان حرا وإن فضل له مال كان لأولاده ~~الأحرار. وهو قول عطاء وطاوس والنخعي والحسن وبه قال مالك والثوري وأصحاب ~~الرأي ولو كاتب عبده كتابة فاسدة يعتق بأداء المال لأن عتقه معلق بالأداء ~~وقد وجد وتتبعه أولاده وأكسابه كما في الكتابة الصحيحة لأن الكتابة ~~الصحيحة لا يملك المولى فسخها ما لم يعجز المكاتب عن أداء النجوم. وقوله ~~تعالى: { ولا تكرهوا فتياتكم } أي إماءكم { على البغاء } أي الزنا { إن ~~أردن تحصنا } الآية م عن جابر قال كان عبد الله بن أبي ابن سلول يقول ~~لجاريته اذهبي فابغينا شيئا قال فأنزل الله { ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغاء إن أردن تحصنا } وفي رواية أخرى أن جارية لعبدالله بن أبي يقال ~~لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة كان يكرههما على الزنا فشكتا ذلك إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله { ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغاء } إلى قوله { غفور رحيم } وقال المفسرون: نزلت في عبدالله بن أبي ~~ابن سلول المنافق كانت له جاريتان يقال لهما مسيكة ومعاذة وكان يكرههما ~~على الزنا لضريبة يأخذها منهما، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية يؤجرون ~~إماءهم فلما جاء الإسلام قالت معاذة ms2390 لمسيكة: إن هذا الأمر الذي نحن فيه ~~لا يخلو من وجهين فإن يك خيرا فقد استكثرنا منه، وإن يك شرا فقد آن لنا ~~أن ندعه فأنزل الله هذه الآية وروي أن إحدى الجاريتين جاءت ببرد، وجاءت ~~الآخرى بدينار فقال لهما ارجعا فازنيا فقالتا: والله لا نفعل قد جاء ~~الإسلام، وحرم الزنا فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكتا إليه ~~فأنزل الله هذه الآية واختلف العلماء في معنى قوله إن أردن تحصنا على ~~أقوال أحدها: أن الكلام ورد على سبب وهو الذي ذكر في سبب نزول الآية، ~~فخرج النهي على صفة السبب وإن لم يكن شرطا فيه الثاني: إنما شرط إرادة ~~التحصن لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن، فأما إذا لم ترد ~~المرأة التحصن فإنها تبغي بالطبع طوعها الثالث: أن إن بمعنى أي إذا أردن ~~وليس معناه الشرط لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا إن لم يردن تحصنا، ~~كقوله # وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين # [آل عمران: 139] أي إذا كنتم. القول الرابع: أن في هذه الآية تقديما ~~وتأخيرا تقديره وأنكحوا الأيامى منكم إن أردتم تحصنا، ولا تكرهوا ~~فتياتكم على البغاء { لتبتغوا } أي لتطلبوا { عرض الحياة الدنيا } أي من ~~أموال الدنيا يريد كسبهن، وبيع أولادهن { ومن يكرههن } يعني على الزنا { ~~فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } يعني للمكروهات والوزر على المكره، ~~وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال لهن والله لهن والله. ### || [24.34-35] # قوله تعالى: { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } أي من الحلال والحرام { ~~ومثلا من الذين خلوا من قبلكم } أي شبها من حالكم بحالهم أيها ~~المكذبون، وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحق من كان قبلهم من المكذبين { ~~وموعظة للمتقين } أي المؤمنين الذين يتقون الشرك والكبائر. قوله عز وجل ~~{ الله نور السموات والأرض } قال ابن عباس: معناه الله هادي السموات ~~والأرض فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهدايته من حيرة الضلالة ينجون وقيل ~~معناه الله منور السموات والأرض، نور السماء بالملائكة ونور الأرض ~~بالأنبياء وقيل: معناه مزين السموات والأرض ms2391 زين السماء بالشمس والقمر ~~والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين، ويقال: زين الأرض ~~بالنبات والأشجار، وقيل: معناه إن الأنوار كلها منه وقد يذكر هذا اللفظ ~~على طريق المدح كما قال الشاعر: # إذا سار عبدالله عن مرو ليلة فقد سار عنها نورها وجمالها # { مثل نوره } أي مثل نور الله عز وجل في قلب المؤمن، وهو النور الذي ~~يهتدي به وقال ابن عباس مثل نوره الذي أعطى المؤمن، وقيل الكناية عائدة ~~إلى المؤمن أي مثل نور قلب المؤمن وقيل أراد بالنور القرآن وقيل هو محمد ~~صلى الله عليه وسلم وقيل هو الطاعة سمي طاعة الله نورا، وأضاف هذه ~~الأنوار إلى نفسه تشريفا وتفصيلا { كمشكاة } هي الكوة التي لا منفذ لها ~~قيل: هي بلغة الحبشة { فيها مصباح } أي سراج وأصله من الضوء { المصباح في ~~زجاجة } يعني القنديل وإنما ذأر الزجاجة لأن النور، وضوء النار فيها أبين ~~من كل شيء وضوءه يزيد في الزجاج ثم وصف الزجاجة، فقال تعالى { الزجاجة ~~كأنها كوكب دري } من درأ الكوكب إذا اندفع منقضا، فيتضاعف نوره في تلك ~~الحال، وفي ذلك الوقت وقيل هو من درأ النجم إذا طلع، وارتفع وقيل دري أي ~~شديد الإنارة نسب إلى الدر، في صفائه وحسنه وإن كان الكوكب أضوأ من الدر ~~لكنه يفضل الكوكب بصفائه كما يفضل الدر على سائر اللؤلؤ وقيل الكوكب ~~الدري أحد الكواكب الخمسة السيارة، التي هي زحل والمريخ والمشتري والزهرة ~~وعطارد، قيل: شبهه بالكواكب ولم يشبهه بالشمس والقمر، لأنهما يلحقهما ~~الكسوف بخلاف الكواكب { يوقد } أي اتقد المصباح { من شجرة مباركة زيتونة ~~} أي من زيت شجرة مباركة كثيرة البركة، وفيها منافع كثيرة لأن الزيت يسرج ~~به ويدهن به وهو إدام وهو أصفى الأدهان وأضوأها، وقيل: إنها أول شجرة ~~نبتت بعد الطوفان وقيل: أراد به زيتون الشام لأنها هي الأرض المباركة، ~~وهي شجرة لا يسقط ورقها، عن أسيد بن ثابت أو أبي أسيد الأنصاري قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه شجرة مباركة " # أخرجه الترمذي. ms2392 وقوله { لا شرقية ولا غربية } أي ليست شرقية وحدها فلا ~~تصيبها الشمس إذا غربت ولا غربية وحدها فلا تكون الشمس بالغداة، إذا طلعت ~~بل مصاحبة للشمس طول النهار تصيبها الشمس عند طلوعها، وعند غروبها فتكون ~~شرقية غربية تأخذ حظها من الأمرين فيكون زيتها أضوأ، وهذا معنى قول ابن ~~عباس وقيل معناه أنها ليست في مقنأة لا تصيبها الشمس، ولا في مضحاة لا ~~يصيبها الظل فهي لا تضرها شمس ولا ظل وقيل معناه أنها معتدلة ليست في شرق ~~يضرها الحر، ولا في غرب يضرها البرد وقيل معناه هي شامية لأن الشام وسط ~~الأرض، لا شرقي ولا غربي وقيل ليست هذه الشجرة من أشجار الدنيا لأنها لو ~~كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره { ~~يكاد زيتها يضيء } أي من صفائه { ولو لم تمسسه نار } أي قبل أن تمسه ~~النار { نور على نور } أي نور المصباح على نور الزجاجة. فصل في بيان ~~التمثيل المذكور في الآية اختلف أهل العلم في معنى هذا التمثيل، فقيل: ~~المراد به الهدى ومعناه أن هداية الله تعالى قد بلغت في الظهور والجلاء ~~إلى أقصى الغايات، وصار ذلك بمنزلة المشكاة التي فيها زجاجة صافية وفي ~~تلك الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء، والرقة والبياض فإذا ~~كان كذلك كان كاملا في صفائه، وصلح أن يجعل مثلا لهداية الله تعالى ~~وقيل وقع هذا التمثيل لنور محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس لكعب ~~الأحبار: أخبرني عن قوله تعالى { مثل نوره كمشكاة } قال كعب: هذا مثل ~~ضربه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم فالمشكاة صدره والزجاجة قلبه ~~والمصباح فيه النبوة توقد من شجرة مباركة هي شجرة النبوة يكاد نور محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأمره يتبين للناس ولو لم يتكلم به أنه نبي كما يكاد ~~ذلك الزيت يضيء، ولو لم تمسسه نار وروي عن ابن عمر في هذه الآية قال ~~المشكاة: جوف محمد صلى الله عليه وسلم والزجاجة قلبه والمصباح النور الذي ~~جعله ms2393 الله فيه لا شرقية ولا غربية، لا يهودي ولا نصراني توقد من شجرة ~~مباركة إبراهيم نور على نور قلب إبراهيم ونور قلب محمد صلى الله عليه ~~وسلم: وقال محمد بن كعب القرظي: المشكاة إبراهيم، والزجاجة إسماعيل ~~والمصباح محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين سمى الله محمدا ~~مصباحا، كما سماه سراجا منيرا والشجرة المباركة إبراهيم عليه السلام ~~لأن أكثر الأنبياء من صلبه لا شرقية ولا غربية، يعني إبراهيم لم يكن ~~يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما لأن اليهود تصلي إلى ~~الغرب، والنصارى تصلي إلى الشرق يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار تكاد ~~محاسن محمد صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن يوحى إليه نور على نور ~~نبي من نسل نبي نور محمد على نور إبراهيم، وقيل وقع هذا التمثيل لنور قلب ~~المؤمن قال أبي بن كعب، هذا مثل المؤمن فالمشكاة نفسه، والزجاجة قلبه ~~والمصباح ما جعله الله فيه من الإيمان والقرآن توقد من شجرة مباركة هي ~~شجرة الإخلاص لله وجده فمثله مثل شجرة التف بها الشجر فهي خضراء ناعمة ~~نضرة، لا تصيبها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت فكذلك المؤمن، قد احترس أن ~~يصيبه شيء من الفتن فهو بين أربع خلال إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن حكم ~~عدل وإن قال صدق يكاد زيتها يضيء أي يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن ~~يتبين له لموافقته إياه، نور على نور قال أبي: فهو يتقلب في خمسة أنوار ~~قوله نور، وعمله نور ومدخله نور، ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم ~~القيامة وقال ابن عباس: هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد ~~الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ~~ضوئه كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه ~~العلم ازداد هدى على هدى ونور على نور، وقال الكلبي: نور على نور يعني ~~إيمان المؤمن وعمله. # وقيل نور الإيمان ونور القرآن وقيل هذا مثل القرآن فالمصباح ms2394 هو القرآن ~~فكما يستضاء بالمصباح فكذلك يهتدى بالقرآن والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة ~~فمه ولسانه والشجرة المباركة شجرة المعرفة في قلبه، يكاد زيتها يضيء أي ~~نور المعرفة يشرق في قلب المؤمن، ولو لم يمسسه النار وقيل تكاد حجة ~~القرآن تتضح، وإن لم يقرأ نور على نور يعني القرآن نور من الله لخلقه مع ~~ما أقام لهم من الدلائل والإعلام قبل نزول القرآن فازدادوا بذلك نورا ~~على نور. قوله تعالى { يهدي الله لنوره من يشاء } قال ابن عباس: لدين ~~الإسلام وهو نور البصيرة { ويضرب الله الأمثال للناس } أي يبين الله ~~الأشياء للناس تقريبا إلى الأفهام، وتسهيلا لسبيل الإدراك { والله بكل ~~شيء عليم }. ### || [24.36] # قوله عز وجل: { في بيوت } أي ذلك المصباح يوقد في بيوت والمراد ~~بالبيوت جميع المساجد بيوت الله في الأرض تضيء لأهل السماء كما تضيء ~~النجوم لأهل الأرض وقيل: المراد بالبيوت أربعة مساجد لم يبنها إلا نبي ~~الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل، فجعلاها قبلة، وبيت المقدس بناه داود ~~وسليمان ومسجد المدينة بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء أسس ~~على التقوى وبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا { أذن الله أن ترفع ~~} أي تبنى وقيل: تعظم فلا يذكر فيها الخنى من القول وتطهر عن الأنجاس ~~والأقذار { ويذكر فيها اسمه } قال ابن عباس يتلى فيها كتابه { ويسبح له ~~فيها } أي يصلي له فيها { بالغدو والآصال } بالغداة والعشي قال أهل ~~التفسير: أراد به الصلاة المفروضة فالتي تؤدى بالغداة صلاة الفجر والتي ~~تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين، لأن اسم الأصيل يقع على هذا ~~الوقت كله وقيل: أراد به الصبح والعصر. عن أبي موسى الأشعري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " من صلى صلاة البردين دخل الجنة أراد بالبردين صلاة الصبح، وصلاة العصر ~~" # وقال ابن عباس: التسبيح بالغدو صلاة الضحى والآصال صلاة العصر عن أبي ~~أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم # " من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة كان أجره كأجر الحاج المحرم، ~~ومن خرج إلى ms2395 المسجد إلى تسبيح الضحى لا يعنيه إلا ذاك كان أجره كأجر ~~المعتمر وصلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين " # أخرجه أبو داود. ### || [24.37-40] # { رجال } قيل خص الرجال بالذكر في هذه المساجد، لأن النساء ليس عليهن ~~حضور المساجد لجمعة ولا جماعة { لا تلهيهم } أي لا تشغلهم { تجارة } وقيل ~~خص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل الإنسان به عن الصلوات والطاعات، ~~وأراد بالتجارة الشراء وإن كان اسم التجارة يقع على البيع والشراء ~~جميعا، لأنه ذكر البيع بعده وقيل التجارة لأهل الجلب والبيع ما باعه ~~الرجل على يده { ولا بيع } أي ولا يشغلهم بيع { عن ذكر الله } أي حضور ~~المساجد لإقامة الصلوات { وإقام الصلاة } يعني إقامة الصلاة في وقتها لأن ~~من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة، وروي عن ابن عمر أنه ~~كان في السوق فأقيمت الصلاة فقام الناس وأغلقوا حوانيتهم، ودخلوا المساجد ~~فقال ابن عمر فيهم نزلت هذه الآية { رجال لا تلهيهم تجارة، ولا بيع عن ~~ذكر الله وإقام الصلاة } { وإيتاء الزكاة } يعني المفروضة قال ابن عباس ~~إذا حضر، وقت أداء الزكاة لا يحبسونها { يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار } يعني أن هؤلاء الرجال، وإن بالغوا في ذكر الله والطاعات فإنهم ~~مع ذلك وجلون خائفون لعلمهم بأنهم ما عبدوا الله حق عبادته. قيل: إن ~~القلوب تضطرب من الهول والفزع وتشخص الأبصار. وقيل: تتقلب القلوب عما ~~كانت عليه في الدنيا من الشك إلى اليقين وترفع عن الأبصار الأغطية. وقيل: ~~تتقلب القلوب بين الخوف والرجاء فتخشى الهلاك وتطمع في النجاة، وتتقلب ~~الأبصار من هول ذلك اليوم، من أي ناحية يؤخذ بهم أمن ذات اليمين، أم من ~~ذات الشمال ومن أي يؤتون كتبهم أمن اليمين أم من قبل الشمال؟ وقيل: يتقلب ~~القلب في الجوف، فيرفع إلى الحنجرة فلا ينزل ولا يخرج ويتقلب البصر فيشخص ~~من هول الأمر وشدته { ليجزيهم الله أحسن ما عملوا } يعني أنهم اشتغلوا ~~بذكر الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ~~والمراد بالأحسن ms2396 الحسنات كلها وهي الطاعات فرضها ونفلها، وذكر الأحسن ~~تنبيها على أنه لا يجازيهم على مساوىء أعمالهم، بل يغفرها لهم وقيل: إنه ~~سبحانه وتعالى يجزيهم جزاء أحسن من أعالمهم، على الواحد من عشرة إلى ~~سبعمائة ضعف { ويزيدهم من فضله } يعني أنه سبحانه وتعالى يجزيهم بأحسن ~~أعمالهم ولا يقتصر على ذلك بل يزيدهم من فضله { والله يرزق من يشاء بغير ~~حساب } فيه تنبيه على كمال قدرته وكمال جوده وسعة إحسانه وفضله. قوله ~~تعالى: { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة } لما ضرب مثلا لحال المؤمن ~~وأنه في الدنيا والآخرة في نور، وأنه فائز بالنعيم المقيم، أتبعه بضرب ~~مثل لأعمال الكفار وشبهه بالسراب وهو شبه ماء يرى نصف النهار عند شدة ~~الحر في البراري يظنه من رآه ماء، فإذا قرب منه لم ير شيئا. # والقيعة القاع وهو المنبسط من الأرض وفيه يكون السراب { يحسبه } أي ~~يتوهمه { الظمآن } أي العطشان { ماء حتى إذا جاء } أي جاء ما قدر أنه ماء ~~وقيل: جاء إلى موضع السراب { لم يجده شيئا } أي لم يجده على ما قدره ~~وظنه ووجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر من أعمال البر، يعتقد أنه له ~~ثوابا عند الله وليس كذلك فإذا وافى عرصات القيامة لم يجد الثواب الذي ~~كان يظنه، بل وجد العقاب العظيم والعذاب الأليم فعظمت حسرته، وتناهى غمه ~~فشبه حاله بحال الظمآن الذي اشتدت حاجته إلى الماء، فإذا شاهد السراب في ~~البر تعلق قلبه به فإذا جاءه لم يجده شيئا فكذلك حال الكافر يحسب أن ~~عمله، نافعه فإذا احتاج إلى عمله لم يجده أغنى عنه شيئا ولا نفعه { ووجد ~~الله عنده } أي وجد الله بالمرصاد وقيل: قدم على الله { فوفاه حسابه } أي ~~جزاء عمله { والله سريع الحساب } معناه أنه عالم بجميع المعلومات فلا ~~تشغله محاسبة واحد عن واحد. ثم ضرب للكفار مثلا آخر فقال تعالى { أو ~~كظلمات } أعلم الله سبحانه وتعالى أن أعمال الكفار إن كانت حسنة، فهي ~~كسراب بقيعة وإن كانت قبيحة فهي كظلمات، وقيل: معناه إن مثل أعمالهم في ms2397 ~~فسادها، وجهالتهم فيها كظلمات { في بحر لجي } أي عميق كثير الماء ولجة ~~البحر معظمه { يغشاه } أي يعلوه { موج من فوقه موج } أي متراكم { من فوقه ~~سحاب ظلمات بعضها فوق بعض } معناه أن البحر اللجي يكون قعره مظلما جدا ~~بسبب غموره الماء، فإذا ترادفت الأمواج ازدادت الظلمة فإذا كان فوق ~~الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى { إذا أخرج يده لم يكد يراها } ~~أي لم يقرب أن يراها لشدة الظلمة وقيل: معناه لم يرها إلا بعد الجهد ~~وقيل: لما كانت اليد من أقرب شيء يراه الإنسان قال: لم يكد يراها، ووجه ~~التشبيه أن الله ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات: ظلمة البحر وظلمة الأمواج ~~وظلمة السحاب، وكذلك الكافر له ثلاث ظلمات ظلمة الاعتقاد وظلمة القول ~~وظلمة العمل وقيل: شبه بالبحر اللجي قلبه، وبالموج ما يتغشى قلبه من ~~الجهل والشك والحيرة، وبالسحاب الختم والطبع على قلبه. قال أبي بن كعب: ~~الكافر يتقلب في خمس من الظلم كلامه ظلمة وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة ومخرجه ~~ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة في النار { ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما له من نور } قال ابن عباس من لم يجعل الله له دينا وإيمانا، ~~فلا دين له وقيل من لم يهده الله فلا هادي له قيل نزلت هذه الآية في عتبة ~~بن ربيعة بن أمية، كان يلتمس الدين في الجاهلية ولبس المسوح فلما جاء ~~الإسلام كفر وعاند، والأصح أن الآية عامة في حق جميع الكفار. ### || [24.41-45] # قوله عز وجل: { ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير ~~صافات } أي باسطات أجنحتهن في الهواء قيل خص الطير بالذكر من جملة ~~الحيوان لأنها تكون بين السماء والأرض، فتكون خارجة عن حكم من في السموات ~~والأرض { كل قد علم صلاته وتسبيحه } قيل: الصلاة لبني آدم والتسبيح لسائر ~~الخلق وقيل إن ضرب أجنحة الطير صلاته وتسبيحه، وقيل: معناه إن كل مصل ~~ومسبح علم الله صلاته وتسبيحه وقيل معناه كل مصل ومسبح منهم قد علم صلاة ~~نفسه وتسبيحه { والله ms2398 عليم بما يفعلون ولله ملك السموات والأرض } أي إن ~~جميع الموجودات ملكه وفي تصرفه وعنه نشأت ومنه بدأت فهو واجد الوجود وقيل ~~معناه أن خزائن المطر والرزق بيده ولا يملكها أحد سواه { وإلى الله ~~المصير } أي وإلى الله مرجع العباد بعد الموت. قوله تعالى { ألم تر أن ~~الله يزجي } أي يسوق { سحابا } بأمره إلى حيث يشاء من أرضه وبلاده { ثم ~~يؤلف بينه } أي يجمع بين قطع السحاب المتفرقة بعضها إلى بعض { ثم يجعله ~~ركاما } أي متراكما بعضه فوق بعض { فترى الودق } أي المطر { يخرج من ~~خلاله } أي من وسطه وهو مخارج القطر { وينزل من السماء من جبال فيها من ~~برد } قيل معناه وينزل من جبال من السماء وتلك الجبال من برد. قال ابن ~~عباس: أخبر الله أن في السماء جبالا من برد وقيل معناه وينزل من السماء ~~مقدار جبال في الكثرة من برد. فإن قلت: ما الفرق بين من الأولى والثانية ~~والثالثة. قلت: من الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء ~~للتبعيض لأن ما ينزله الله بعض تلك الجبال التي في السماء، والثالثة ~~للتجنيس لأن تلك الجبال من جنس البرد { فيصيب به } أي البرد { من يشاء } ~~فيهلكه وأمواله { ويصرفه عمن يشاء } أي فلا يضره { يكاد سنا برقه } أي ~~ضوء برق السحاب { يذهب بالأبصار } أي من شدة ضوئه وبريقه { يقلب الله ~~الليل والنهار } أي يصرفهما في اختلافهما وتعاقبهما فيأتي بالليل ويذهب ~~بالنهار ويأتي بالنهار ويذهب بالليل ق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى # " يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمن أقلب الليل والنهار ~~" # معنى هذا الحديث: أن العرب كانوا يقولون عند النوازل والشدائد أصابنا ~~الدهر ويذمونه في أشعارهم فقيل لهم: لا تسبوا الدهر فإن فاعل ذلك هو الله ~~عز وجل والدهر مصرف تقع فيه التأثيرات كما تقع بكم، وقوله تعالى { إن في ~~ذلك } أي الذي ذكر من هذه الأشياء { لعبرة لأولي الأبصار } أي دلالة لأهل ~~العقول والبصائر على قدرة الله ms2399 وتوحيده. # قوله عز وجل { والله خلق كل دابة من ماء } أي من نطفة وأراد به كل حيوان ~~يشاهد في الدنيا ولا يدخل فيه الملائكة والجن، لأنا لا نشاهدهم وقيل: إن ~~أصل جميع الخلق من الماء وذلك أن الله خلق ماء فجعل بعضه ريحا ونورا ~~فخلق منه الملائكة وجعل بعضه نارا فخلق منه الجن، وجعل بعضه طينا فخلق ~~منه آدم { فمنهم من يمشي على بطنه } أي كالحيات والحيتان والديدان ونحو ~~ذلك { ومنهم من يمشي على رجلين } يعني مثل بني آدم والطير { ومنهم من ~~يمشي على أربع } يعني كالبهائم والسباع. فإن قلت كيف قال: خلق كل دابة من ~~ماء مع أن كثيرا من الحيوانات يتولد من غير نطفة. قلت ذلك المخلق من غير ~~نطفة، لا بد أن يتكون من شيء، وذلك الشيء أصله من الماء فكان من الماء. ~~فإن قلت: فمنهم من يمشي ضمير العقلاء، فلم يستعمل في غير العقلاء. قلت ~~ذكر الله تعالى ما لا يعقل مع من يعقل لأن جعل الشريف أصلا، والخسيس ~~تبعا أولى. فإن قلت: لم قدم ما يمشي على بطنه على غيره من المخلوقات. ~~قلت قدم الأعجب، والأعرف في القدرة وهو الماشي بغير آلة المشي، وهي ~~الأرجل والقوائم ثم ذكر ما يمشي على رجلين ثم ما يمشي على أربع. فإن قلت: ~~لم اقتصر على ذكر الأربع وفي الحيوانات ما يمشي على أكثر من أربع، ~~كالعناكب والعقارب والرتيلا وما له أربع وأربعون رجلا ونحو ذلك. قلت هذا ~~القسم كالنادر فكان ملحقا بالأغلب وقيل: إن هذه الحيوانات اعتمادها على ~~أربع في المشي والباقي تبع لها { يخلق الله ما يشاء } أي مما لا يعقل ولا ~~يعلم { إن الله على كل شيء قدير } أي هو القادر على الكل العالم بالكل ~~المطلع على الكل، يخلق ما يشاء كما يشاء لا يمنعه مانع ولا دافع. ### || [24.46-55] # { لقد أنزلنا آيات مبينات } يعني القرآن هو المبين للهدى والأحكام ~~والحلال والحرام { والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } يعني إلى دين ~~الإسلام الذي هو دين الله ms2400 وطريقه إلى رضاه وجنته. قوله تعالى { ويقولون } ~~يعني المنافقين { آمنا بالله وبالرسول وأطعنا } أي يقولونه: بألسنتهم من ~~غير اعتقاد { ثم يتولى فريق منهم } أي يعرض على طاعة الله ورسوله { من ~~بعد ذلك } أي من بعد قولهم آمنا، ويدعو إلى غير حكم الله قال الله تعالى ~~{ وما أولئك بالمؤمنين } نزلت هذه الآية في بشر المنافق، كان بينه وبين ~~يهودي خصومة في أرض، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقال المنافق بل نتحاكم إلى كعب بن الأشرف فإن محمدا يحيف فأنزل الله ~~هذه الآية { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم } أي الرسول يحكم ~~بحكم الله بينهم { إذا فريق منهم معرضون } يعني عن الحكم وقيل عن الإجابة ~~{ وإن لم يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين } أي مطيعين منقادين لحكمه أي ~~إذا كان الحكم لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه لثقتهم أنه، كما يحكم عليهم ~~بالحق يحكم لهم أيضا { في قلوبهم مرض } أي كفر ونفاق { أم ارتابوا } أي ~~شكوا وهذا استفهام ذم وتوبيخ والمعنى هم كذلك { أم يخافون أن يحيف الله ~~عليهم ورسوله } أي بظلم { بل أولئك هم الظالمون } أي لأنفسهم بإعراضهم عن ~~الحق. قوله عز وجل { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله } أي إلى ~~كتاب الله { ورسوله ليحكم بينهم } هذا تعليم أدب الشرع على أي من هذه ~~صفته { هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله } قال ابن عباس فيما ساءه وسره { ~~ويخش الله } أي على ما عمل من الذنوب { ويتقه } أي فيما بعد { فأولئك هم ~~الفائزون } يعني الناجون. قوله تعالى { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } قيل: ~~جهد اليمين أن يحلف بالله ولا يزيد على ذلك شيئا { لئن أمرتهم ليخرجن } ~~وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أينما كنت ~~نكن معك لئن خرجت خرجنا، ولئن أقمت أقمنا، ولئن أمرتنا بالجهاد جاهدنا ~~وقيل لما نزل بيان كراهتهم لحكم الله ورسوله قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا، وأموالنا ونسائنا لخرجنا، فكيف لا ms2401 ~~نرضى بحكمك فقال الله تعالى { قل } لهم { لا تقسموا } يعني لا تحلفوا، ~~وتم الكلام ثم ابتدأ فقال { طاعة معروفة } يعني هذه طاعة القول باللسان ~~دون الاعتقاد بالقلب، هي معروفة يعني أمر عرف منكم أنكم تكذبون، وتقولون ~~ما لا تفعلون وقيل: معناه طاعة معروفة بنية خالصة أفضل وأمثل من يمين ~~باللسان لا يوافقها الفعل { إن الله خبير بما تعلمون } يعني من طاعتكم ~~بالقول ومخالفتكم بالفعل { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } يعني بقلوبكم ~~وصدق نياتكم { فإن تولوا } يعني أعرضوا عن طاعة الله ورسوله { فإنما عليه ~~} أي على الرسول { ما حمل } أي ما كلف وأمر به من تبليغ الرسالة { وعليكم ~~ما حملتم } أي ما كلفتم من الإجابة والطاعة { وإن تطيعوه تهتدوا } أي ~~تصيبوا الحق والرشد في طاعته { وما على الرسل إلا البلاغ المبين } أي ~~التبليغ الواضح البين. # قوله عز وجل { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ~~في الأرض } قيل مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد الوحي عشر سنين ~~مع أصحابه، وأمروا بالصبر على أذى الكفار فكانوا يصبحون ويمسون خائفين ثم ~~أمروا بالهجرة إلى المدينة وأمروا بالقتال وهم على خوفهم لا يفارق أحد ~~منهم: سلاحه فقال رجل منهم أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح ~~فأنزل الله هذه الآية، ومعنى ليستخلفنهم والله ليورثنهم أرض الكفار من ~~العرب والعجم، فجعلهم ملوكها وساستها وسكانها { كما استخلف الذين من ~~قبلهم } أي كما استخلف داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء، وكما استخلف ~~بني إسرائيل وأهلك الجبابرة بمصر والشام وأورثهم أرضهم وديارهم { وليمكنن ~~لهم دينهم الذي ارتضى } أي اختاره { لهم } قال ابن عباس يوسع لهم في ~~البلاد حتى يملكوها ويظهر دينهم على سائر الأديان { وليبدلنهم من بعد ~~خوفهم أمنا يعبدونني } آمنين { لا يشركون بي شيئا } فأنجز الله وعده ~~وأظهر دينه ونصر أولياءه وأبدلهم بعد الخوف أمنا وبسطا في الأرض خ عن # " عدي بن حاتم قال: بينا أنا عندي النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه ~~رجل فشكا إليه الفاقة ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع ms2402 السبيل فقال: " يا عدي ~~هل رأيت الحيرة قلت: لم أرها ولقد أنبئت عنها قال فإن طالت بك حياة ~~فلترين الظعينة ترحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله ~~قلت فيما بيني وبين نفسي، فإين دعار طيىء الذين قد سعروا البلاد، ولئن ~~طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى قلت كسرى بن هرمز قال كسرى بن هرمز ولئن ~~طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه ~~وليلقين الله أحدكم يوم القيامة، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم فليقولن ~~ألم أبعث إليك رسولا، فيبلغك فيقول بلى يا رب، ألم أعطك مالا وأفضل ~~عليك فيقول بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن شماله فلا يرى ~~إلا جهنم " " # قال عدي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة " # قال عدي: فرأيت الظعينة ترحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلى ~~الله وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما ~~قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: يخرج الرجل ملء كفه ذهبا إلخ. # وفي الآية دليل على صحة خلافة أبي بكر الصديق والخلفاء الراشدين بعده، ~~لأن في أيامهم كانت الفتوحات العظيمة وفتحت كنوز كسرى وغيره من الملوك، ~~وحصل الأمن والتمكين وظهور الدين عن سفينة قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول # " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا " # ثم قال: أمسك خلافة أبي بكر سنتين وخلافة عمر عشر سنين، وخلافة عثمان ~~اثنتي عشر سنة وعلي ستا قال علي: قلت لحماد القائل لسعيد أمسك سفينة قال ~~نعم " أخرجه أبو داود والترمذي بنحو هذا اللفظ. قلت: كذا ورد هذا الحديث ~~بهذا التفصيل، وفيه إجمال وتفصيله أن خلافة أبي بكر كانت سنتين وثلاثة ~~أشهر، وخلافة عمر كانت عشر سنين وستة أشهر وخلافة عثمان اثنتي عشر سنة ~~كما ذكر في الحديث، وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر ms2403 ولهذا جاء في بعض ~~روايات الحديث على كذا، ولم يبين تعيين مدته فعلى هذا التفصيل تكون مدة ~~خلافة الأئمة الأربعة تسعة وعشرين سنة وستة أشهر، وكملت ثلاثين سنة ~~بخلافة الحسن كانت ستة أشهر ثم نزل عنها والله أعلم، وقوله تعالى { ومن ~~كفر بعد ذلك } أراد به كفران النعمة ولم يرد الكفران بالله { فأولئك هم ~~الفاسقون } أي العاصون قال أهل التفسير: أو من كفر بهذه النعمة و جحد ~~حقها الذين قتلوا عثمان، فلما قتلوه غير الله الله مابهم وأدخل عليهم ~~الخوف حتى صاروا يقتلون بعد أن كانوا إخوانا. عن ابن أخي عبدالله بن ~~سلام قال: " لما أريد قتل عثمان جاء عبدالله بن سلام فقال عثمان: ما جاء ~~بك قال: جئت في نصرك قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني فإنك خارجا خير لي ~~منك داخلا، فخرج عبدالله إلى الناس فقال: أيها الناس إن لله سيفا ~~مغمودا وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فالله الله في هذا الرجل أن تقتلوه فوالله إن قتلتموه ~~لتطردن جيرانكم الملائكة، وليسلن الله سيفه المغمود عنكم فلا يغمد إلى ~~يوم القيامة قالوا: اقتلوا اليهودي واقتلوا عثمان " أخرجه الترمذي زاد في ~~رواية غير الترمذي " فما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا، ولا خليفة ~~إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفا ". ### || [24.56-58] # قوله تعالى: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ~~} أي افعلوا هذه الأشياء على رجاء الرحمة { لا تحسبن الذي كفروا معجزين } ~~أي فائتين عنا { في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير } قوله تعالى { يا ~~أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } قال ابن عباس وجه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم غلاما من الأنصار يقال له: مدلج بن عمرو إلى ~~عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ~~عند ذلك فأنزل الله هذه الآية وقيل: نزلت في أسماء بنت مرثد كان لها غلام ~~كبير فدخل عليها في وقت كرهته فأتت رسول الله ms2404 صلى الله عليه وسلم فقالت ~~إنا خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فأنزل الله تعالى { يا ~~أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } واللام لام الأمر وفيه ~~قولان أحدهما: أنه على الندب والاستحباب والثاني: أنه على الوجوب وهو ~~الأولى الذين ملكت أيمانكم يعني العبيد والإماء { والذين لم يبلغوا الحلم ~~منكم } يعني الأحرار وليس المراد منهم الذين لم يظهروا على عورات النساء، ~~بل المراد الذين عرفوا أمر النساء ولكنهم لم يبلغوا الحلم وهو سن التمييز ~~والعقل وغيرهما، واتفق العلماء على أن الاحتلام بلوغ واختلفوا فيما إذا ~~بلغ خمس عشرة سنة، ولم يحتلم فقال أبو حنيفة لا يكون بالغا حتى يبلغ ~~ثمان عشرة سنة ويستكملها والجارية سبع عشرة سنة وقال الشافعي وأبو يوسف ~~ومحمد وأحمد في الغلام والجارية بخمسة عشرة سنة يصير مكلفا، وتجري عليه ~~الأحكام وإن لم يحتلم { ثلاث مرات } أي ليستأذنوا في ثلاثة أوقات { من ~~قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة } أي وقت المقيل { ومن بعد ~~صلاة العشاء } وإنما خص هذه الثلاثة الأوقات، لأنها ساعات الخلوات ووضع ~~الثياب، فربما يبدو من الإنسان ما لا يجوز أن يراه أحد من العبيد ~~والصبيان، فأمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات وغير العبيد والصبيان يستأذن ~~في جميع الأوقات { ثلاث عورات لكم } سميت هذه الأوقات عورات لأن الإنسان ~~يضع فيها ثيابه فتبدوا عورته { ليس عليكم ولا عليهم } يعني العبيد والخدم ~~والصبيان { جناح } أي حرج في الدخول عليكم بغير استئذان { بعدهن } أي بعد ~~هذه الأوقات الثلاثة طوافون عليكم { أي العبيد والخدم يترددون ويدخلون ~~ويخرجون في أشغالكم بغير أذن { بعضكم على بعض } أي يطوف بعضكم على بعض { ~~كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم } اختلف العلماء في حكم هذه ~~الآية فقيل: إنها منسوخة حكي ذلك عن سعيد بن المسيب، روى عكرمة أن نفرا ~~من أهل العراق قالوا يا ابن العباس كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا بها، ~~ولا يعمل بها أحد قول الله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمانكم ms2405 } الآية فقال ابن عباس: إن الله حليم رحيم بالمؤمنين ~~يحب الستر وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجاب فربما دخل الخدم أو ~~الولد أو يتيم الرجل والرجل على أهله فأمرهم الله بالاستئذان في تلك ~~العورات، فجاءهم الله بالستور والخير " فلم أرد أحدا يعمل بذلك بعد. # أخرجه أبو داود في رواية عنه نحوه وزاد فرأيي أن ذلك أغنى عن الاستئذان ~~في تلك العورات، وذهب قوم إلى أنها غير منسوخة روى سفيان عن موسى بن أبي ~~عائشة قال: " سألت الشعبي عن هذه الآية ليستأذنكم الذي ملكت أيمانكم ~~أمنسوخة هي؟ قال: لا والله قلت إن الناس لا يعملون بها قال الله تعالى ~~المستعان وقال سعيد بن جبير في هذه الآية أن ناسا يقولون: نسخت والله ما ~~نسخت ولكنها مما تهاون به الناس قيل ثلاث آيات ترك الناس العمل بهن هذه ~~الآية وقوله # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # [الحجرات: 13] والناس يقولون أعظمكم بيتا # وإذا حضر القسمة أولو القربى # [النساء: 8] الآية. ### || [24.59-61] # وقوله عز وجل: { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم } أي الاحتلام يريد ~~الأحرار الذين بلغوا { فليستأذنوا } أي يستأذنوا في جميع الأوقات في ~~الدخول عليكم { كما استأذن الذين من قبلكم } أي الأحرار الكبار { كذلك ~~يبين الله لكم آياته } أي دلالته وقيل أحكامه { والله عليم } أي بأمور ~~خلقه { حكيم } بما دبر وشرع قال سعيد بن المسيب: يستأذن الرجل على أمه ~~فإنما أنزلت هذه الآية في ذلك، وسئل حذيفة أيستأذن الرجل على والدته قال ~~نعم إن لم تفعل رأيت منها ما تكره قوله { والقواعد من النساء } يعني ~~اللاتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر فلا يلدن ولا يحضن { اللاتي لا ~~يرجون نكاحا } أي لا يردن الأزواج لكبرهن، وقيل: هن العجائز اللواتي إذا ~~رآهن الرجال استقذروهن فأما من كانت فيها بقية جمال وهي محل الشهوة فلا ~~تدخل في حكم هذه الآية { فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن } أي عند الرجال ~~والمعنى بعض يثابهن وهو الجلباب والرداء الذي فوق الثياب، والقناع الذي ~~فوق الخمار فأما الخمار فلا يجوز وضعه ms2406 { غير متبرجات بزينة } أي من غير ~~أن يردن وضع الجلباب والرداء إظهار زينتهن. والتبرج هو أن تظهر المرأة من ~~محاسنها ما يجب عليها أن تستره { وأن يستعففن } أي فلا يلقين الجلباب ولا ~~الرداء { خير لهن والله سميع عليم } قوله عز وجل { ليس على الأعمى حرج } ~~اختلف العلماء في هذه الآية فقال ابن عباس: لما أنزل الله { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } تحرج المسلمون عن مؤاكلة ~~المرضى، الزمنى والعمى والعرج وقالوا الطعام أفضل الأموال وقد نهانا الله ~~عز وجل عن أكل الأموال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب ~~والأعرج لا يتمكن من الجلوس، ولا يستطيع المزاحمة على الطعام والمريض ~~يضعف عن التناول فلا يستوفي من الطعام حقه فأنزل الله هذه الآية فعلى هذا ~~التأويل يكون على بمعنى في أي ليس في الأعمى، والمعنى ليس عليكم في ~~مؤاكلة الأعمى والمريض والأعرج حرج وقيل كان العميان والعرجان والمرضى ~~يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء لأن الناس يقذرونهم ويكرهون مؤاكلتهم، وكان ~~الأعمى يقول ربما آكل أكثر من ذلك ويقول الأعرج والأعمى ربما أجلس مكان ~~اثنين فنزلت هذه الآية، وقيل: نزلت ترخيصا لهؤلاء في الأكل من بيوت من ~~سماهم الله في باقي الآية، وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل في طلب ~~الطعام فإذا لم يكن عنده شيء، ذهب بهم إلى بيت أبيه أو بيت أمه أو بعض من ~~سمى الله تعالى فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك ويقولون ذهب بنا إلى غير ~~بيته فأنزل الله هذه الآية وقيل: كان المسلمون إذا غزوا دفعوا مفاتيح ~~بيوتهم إلى الزمنى ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، ~~فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون لا ندخلها وأصحابها غيب فأنزل الله هذه ~~الآية رخصة لهم وقيل نزلت رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد فعلى هذا تم ~~الكلام عند قوله { ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج } وقوله تعالى ~~{ ولا على أنفسكم } كلام مستأنف قيل لما نزلت # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل # [البقرة: 188] قالوا: ms2407 لا يحل لأحد منا أن يأكل من أحد فأنزل الله تعالى ~~{ ولا على أنفسكم } { أن تأكلوا من بيوتكم } أي لا حرج عليكم أن تأكلوا ~~من بيوتكم، قيل أراد من أموال عيالكم وبيوت أزواجكم لأن بيت المرأة كبيت ~~الزوج، وقيل بيوت أولادكم ونسب بيوت الأولاد إلى الآباء لما جاء في ~~الحديث # " أنت ومالك لأبيك " # { أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو ~~بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ~~ملكتم مفاتحه } قال ابن عباس: عني بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته ~~وماشيته لا بأس عليه أن يأكل من ثمرة ضيعته، ويشرب من لبن ماشيته ولا ~~يحمل ولا يدخر، وقيل يعني بيوت عبيدكم ومماليككم، وذلك أن السيد يملك ~~منزل عبده، والمفاتح الخزائن ويجوز أن يكون المفتاح الذي يفتح به، وإذا ~~ملك الرجل المفتاح فهو خازن، فلا بأس أن يأكل الشيء اليسير، وقيل: ما ~~ملكتم مفتاحه أي ماخزنتموه عندكم ما ملكتموه { أو صديقكم } الصديق هو ~~الذي صدقك في المودة قال ابن عباس نزلت في الحارث بن عمرو خرج غازيا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف مالك بن زيد على أهله، فلما رجع وجده ~~مجهودا فسأله عن حاله فقال: تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، والمعنى أنه ليس عليكم جناح أن تأكلوا من منازل هؤلاء ~~إذا دخلتموها وإن لم يحضروا من غير أن تتزودوا وتحملوا { ليس عليكم جناح ~~أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا } نزلت في بني ليث بن عمرو، وهم حي من كنانة ~~كان الرجل منهم لا يأكل وحده حتى يجد ضيفا يأكل معه فربما قعد الرجل ~~والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح، ربما كانت معه الإبل الحفل فلا ~~يشرب من ألبانها حتى يأتي من يشاربه، فإذا أمسى ولم يجد أحدا أكل وقال ~~ابن عباس: كان الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى ~~طعامه فيقول: والله إني لأجنح أي أتحرج أن ms2408 آكل معك، وأنا غني وأنت فقير ~~فنزلت هذه الآية وقيل: نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا أنزل ~~بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاؤوا جميعا، أي مجتمعين ~~أو أشتاتا أي متفرقين { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } أي ليسلم ~~بعضكم على بعض هذا في دخول الرجل بيت نفسه يسلم على أهله، ومن في بيته ~~قال قتادة: إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك فهم أحق من سلمت عليه، وإذا دخلت ~~بيتا ليس في أحد فقل السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين السلام على ~~أهل البيت ورحمة الله وبركاته، حدثنا أن الملائكة ترد عليه وقال ابن عباس ~~إذا لم يكن في البيت أحد، فيلقل السلام علينا من ربنا السلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين السلام على أهل البيت ورحمة الله وبركاته وعن ابن ~~عباس في قوله تعالى: { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } قال: إذا ~~دخلت المسجد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين { تحية من عند ~~الله مباركة طيبة } قال ابن عباس حسنة جميلة وقيل ذكر البركة والطيب ها ~~هنا لما فيه من الثواب والأجر { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون ~~} أي عن الله أمره ونهيه وآدابه. ### || [24.62-63] # قوله عز وجل: { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا ~~معه } أي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم { على أمر جامع } أي يجمعهم من ~~حرب أو صلاة حضرت، أو جمعة أو عيد أو جماعة أو تشاور في أمر نزل { لم ~~يذهبوا } أي لم يتفرقوا عنه ولم ينصرفوا عما اجتمعوا له { حتى يستأذنوه } ~~قال المفسرون # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة، وأراد ~~الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، بحيث يراه فيعرف أنه إنما قام ليستأذن فيأذن لمن شاء ~~منهم " # قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده قال أهل العلم وكذلك كل ~~أمر اجتمع ms2409 عليه المسلمون مع الإمام يخالفونه، ولا يرجعون عنه إلا بإذن ~~وإذا استأذن الإمام إن شاء أذن له وإن شاء لم يأذن وهذا إذا لم يكن حدث ~~سبب يمنعه من المقام فإن حدث سبب يمنعه من المقام، بأن يكون في المسجد ~~فتحيض امرأة منهم أو يجنب رجل أو يعرض له مرض فلا يحتاج إلى الاستئذان { ~~إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض ~~شأنهم } أي أمرهم { فأذن لمن شئت منهم } أي في الانصراف والمعنى إن شئت ~~فأذن وإن شئت فلا تأذن { واستغفر لهم الله } أي إن رأيت لهم عذرا في ~~الخروج عن الجماعة { إن الله غفور رحيم } قوله عز وجل { لا تجعلوا دعاء ~~الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يقول ~~احذروا دعاء الرسول إذا اسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره وقيل ~~معناه لا تدعوه باسمه، كما يدعو بعضكم بعضا يا محمد يا عبدالله، ولكن ~~فخموه وعظموه وشرفوه وقولوا يا نبي الله يا رسول الله في لين وتواضع { ~~قد يعلم الله الذين يتسللون } أي يخرجون { منكم لواذا } أي يستتر بعضهم ~~ببعض ويروغ في خفية فيذهب قيل كانوا في حفر الخندق فكان المنافقون ~~ينصرفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مختفين وقال ابن عباس لواذا أي ~~يلوذ بعضهم ببعض، وذلك أن المنافقين كان يثقل عليهم المقام في المسجد يوم ~~الجمعة واستماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا يلوذون ببعض ~~أصحابه، فيخرجون من المسجد في استتار وقوله قد يعلم فيه التهديد ~~بالمجازاة { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } أي يعرضون عن أمره وينصرفون ~~عنه بغير إذن { أن تصيبهم فتنة } أي لئلا تصيبهم فتنة أي بلاء في الدنيا ~~{ أو يصيبهم عذاب أليم } أي وجيع في الآخرة، ثم عظم الله نفسه. ### || [24.64] # فقال تعالى: { ألا إن لله ما في السموات والأرض } أي ملكا وعبيدا { قد ~~يعلم ما أنتم عليه } أي من الإيمان والنفاق { ويوم يرجعون إليه } يعني ~~يوم القيامة { فينبئهم بما عملوا } أي من الخير والشر ms2410 { والله بكل شيء ~~عليم } عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " لاتنزلوا النساء الغرف، ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن الغزل وسورة ~~النور " # أخرجه أبو عبدالله بن السبع في صحيحه والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-2] # قوله عز وجل { تبارك } تفاعل من البركة قيل: معناه جاء لكل بركة وخير ~~وقيل معناه تعظيم { الذي نزل الفرقان } أي القرآن سماه فرقانا لأنه فرق ~~بين الحق والباطل، والحلال والحرام وقيل لأنه نزل مفرقا في أوقات كثيرة ~~ولهذا قال نزل بالتشديد لتكثير التفريق { على عبده } يعني محمدا صلى ~~الله عليه وسلم { ليكن للعالمين } أي للإنس والجن { نذيرا } قيل هو ~~القرآن وقيل النذير هو محمد صلى الله عليه وسلم { الذي له ملك السموات ~~والأرض } أي هو المتصرف فيهما كيف يشاء { ولم يتخذ ولدا } أي هو الفرد ~~في وحدانيته، وفيه رد على النصارى { ولم يكن له شريك في الملك } يعني هو ~~المنفرد بالإلهية، وفيه رد على الثنوية وعباد الأصنام { وخلق كل شيء } ~~مما تطلق عليه صفة المخلوق { فقدره تقديرا } أي سواه وهيأه لما يصلح له ~~لا خلل فيه ولا تفاوت، وقيل: قدر كل شيء تقديرا من الأجل والرزق فجرت ~~المقادير على ما خلق. ### || [25.3-8] # قوله تعالى: { واتخذوا } يعني عبدة الأوثان { من دونه آلهة } يعني ~~الأصنام { لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ~~} يعني دفع ضر ولا جر نفع { ولا يملكون موتا } أي إماتة { ولا حياة } أي ~~إحياء { ولا نشورا } أي بعثا بعد الموت { وقال الذين كفروا } يعني ~~النصر بن الحارث وأصحابه { إن هذا } أي ما هذا القرآن { إلا إفك } أي كذب ~~{ افتراه } أي اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم { وأعانه عليه قوم آخرين } ~~قيل: هم اليهود وقيل عبيد بن الخضر الحبشي الكاهن، وقيل جبر ويسار وعداس ~~بن عبيد كانوا بمكة من أهل الكتاب، فزعم المشركون أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم يأخذ منهم قال الله تعالى { فقد جاؤوا } يعني قائلي هذه ~~المقالة { ظلما وزورا } أي ms2411 بظلم وزور، وهو تسميتهم كلام الله بالإفك ~~والافتراء { وقالوا أساطير الأولين اكتتبها } يعني النضر بن الحارث كان ~~يقول: إن هذا القرآن ليس من الله وإنما هو مما سطره الأولون مثل حديث ~~رستم واسفنديار ومعنى اكتتبها انتسخها محمد صلى الله عليه وسلم من جبر ~~ويسار وعداس وطلب أن تكتب له لأنه كان لا يكتب { فهي تملى عليه } أي تقرأ ~~عليه ليحفظها لأنه لا يكتب { بكرة وأصيلا } يعني غدوة وعشية قال الله ~~تعالى ردا عليهم { قل } يا محمد { أنزله } يعني القرآن { الذي يعلم السر ~~} أي الغيب { في السموات والأرض إنه كان غفورا رحيما } أي لولا ذلك ~~لعاجلهم بعذابه { وقالوا مال هذا الرسول } يعنون محمدا صلى الله عليه ~~وسلم { يأكل الطعام } أي كما نأكل نحن { ويمشي في الأسواق } أي يلتمس ~~المعاش كما نمشي نحن وإذا كان كذلك فمن أين له الفضل علينا، ولا يجوز أن ~~يمتاز عنا بالنبوة وكانوا يقولون له لست بملك لأنك بشر مثلنا، والملك لا ~~يأكل ولا يملك لأن الملك لا يتسوق وأنت تتسوق وتبتذل وما قالوه فاسد لأن ~~أكله الطعام لكونه آدميا، ولم يدع أنه ملك ومشيه في الأسواق لتواضعه ~~وكان ذلك صفته في التوراة ولم يكن سخابا في الأسواق وليس شيء من ذلك ~~ينافي النبوة ولأنه لم يدع أنه ملك من الملوك { لولا أنزل إليه ملك } أي ~~يصدقه ويشهد له { فيكون معه نذيرا } أي داعيا { أو يلقى إليه كنز } أي ~~ينزل عليه كنز من السماء ينفقه فلا يحتاج إلى التصرف في طلب المعاش { أو ~~تكون له جنة } يعني بستان { يأكل منها } أي هو فلا أقل من ذلك إن لم يكن ~~له كنز { وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } يعني مخدوعا وقيل ~~مصروفا عن الحق. ### || [25.9-17] # { انظر } يا محمد { كيف ضربوا لك الأمثال } أي الأشباه التي لا فائدة ~~لها فقالوا مسحور محتاج { فضلوا } أي عن الحق { فلا يستطيعون سبيلا } ~~إلى الهدى ومخرجا عن الضلالة. قوله تعالى { تبارك الذي إن شاء جعل لك ~~خيرا من ذلك } أي من الذي ms2412 قالوا: وأفضل من البستان الذي ذكروا وقال ابن ~~عباس يعني خيرا من المشي في الأسواق والتماس المعاش ثم بين ذلك الخير ~~فقال { جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا } أي بيوتا مشيدة عن ~~أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا قلت لا يا رب ولكن أشبع يوما ~~وأجوع يوما أو قال ثلاثا أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك وإذا ~~شبعت حمدتك وشكرتك " # عن عائشة قالت: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو شئت لسارت معي جبال مكة ذهبا ~~جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام ~~ويقول: إن شئت نبيا عبدا وإن شئت نبيا ملكا فنظرت إلى جبريل فأشار ~~إلي أن ضع نفسك، فقلت: نبيا عبدا قالت فكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئا يقول: أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما ~~يجلس العبد " # ذكر هذين الحديثين البغوي بسنده. قوله تعالى: { بل كذبوا بالساعة } أي ~~القيامة { وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } أي نارا مسعرة { إذا رأتهم ~~من مكان بعيد } قيل: من مسيرة عام وقيل من مسيرة مائة عام. فإن قلت: كيف ~~تتصور الرؤية من النار وهو قوله إذا رأتهم. قلت يجوز أن يخلق الله لها ~~حياة وعقلا ورؤية وقيل: معناه رأتهم زبانيتها { سمعوا لها تغيظا } أي ~~غليانا كالغضبان إذا غلى صدره من الغضب { وزفيرا } أي صوتا فإن قلت ~~كيف يسمع التغليظ. قلت: رأوا وعلموا لها تغيظا وسمعوا لها زفيرا كما ~~قال الشاعر: # ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا # أي وحاملا رمحا، وقيل: سمعوا لها صوت التغيظ من التلهب والتوقد، وقال ~~عبيد بن عمير: تزفر جهنم يوم القيامة زفرة فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي ~~مرسل إلا خر لوجهه { وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا } قال ابن عباس تضيق ~~عليه كما يضيق الزج في الرمح { مقرنين } أي مصفدين قد قرنت أيديهم إلى ~~أعناقهم في الأغلال، وقيل: ms2413 مقرنين مع الشياطين في السلاسل { دعوا هنالك ~~ثبورا } قال ابن عباس: ويلا وقيل هلاكا وفي الحديث # " إن أول من يكسى حلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها من ~~خلفه وذريته من خلفه وهو يقول يا ثبوراه وهم ينادون يا ثبورهم حتى يقفوا ~~على النار فينادي يا ثبوراه وهم ينادون يا ثبورهم فيقال لهم { لا تدعوا ~~اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا } " # هكذا ذكره البغوي بغير سند، وقيل معناه هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة ~~واحدة فادعوا أدعية كثيرة. قوله عز وجل { قل أذلك خير } أي الذي ذكرت منه ~~صفة النار وأهلها { أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ~~ومصيرا } أي ثوابا ومرجعا لهم قال تعالى { لهم فيها ما يشاؤون } أي أن ~~جميع المرادات لا تحصل إلا في الجنة، لا في غيرها. فإن قلت: قد يشتهي ~~الإنسان شيئا، وهو لا يحصل في الجنة كأن يشتهي الولد ونحوه وليس هو في ~~الجنة قلت إن الله يزيل ذلك الخاطر عن أهل الجنة، بل كان واحد من أهل ~~الجنة مشتغل بما هو فيه من اللذات الشاغلة عن الالتفات إلى غيره { خالدين ~~} أي في نعيم الجنة ومن تمام النعيم أن يكون دائما، إذ لو انقطع لكان ~~مشوبا بضرب من الغم وأنشد في المعنى: # أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا # { كان على ربك وعدا مسؤولا } أي مطلوبا، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ~~في الدنيا حين قالوا # ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة # [البقرة: 201] وقالوا # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك # [آل عمران: 194] يقول كان إعطاء الله المؤمنين جنة وعدا، وعدهم على ~~طاعتهم إياه في الدنيا ومسألتهم إياه ذلك الوعد وقيل الطلبة من الملائكة ~~للمؤمنين وذلك قولهم # ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم # [غافر: 8]. قوله تعالى { ويوم نحشر وما يعبدون من دون الله } يعني من ~~الملائكة والإنس والجن مثل عيسى والعزير، وقيل يعني الأصنام ثم يخاطبهم { ~~فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل } أي أخطؤوا الطريق. ### || [25.18-23] ms2414 # { قالوا } يعني المعبودين { سبحانك } نزهوا الله سبحانه وتعالى من أن ~~يكون معه آلهة { ما ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء } يعني ما كان ~~ينبغي لنا أن نوالي أعداءك، بل أنت ولينا من دونهم وقيل معناه، ما كان ~~لنا أن نأمرهم بعبادتنا ونحن نعبدك ونحن عبيدك { ولكن متعتهم وآباءهم } ~~أي بطول العمر والصحة والنعمة في الدنيا { حتى نسوا الذكر } معناه تركوا ~~المواعظ والإيمان بالقرآن وقيل تركوا ذكرك وغفلوا عنه { وكانوا قوما ~~بورا } معناه هلكى أي غلب عليهم الشقاء والخذلان { فقد كذبوكم } هذا ~~خطاب مع المشركين أي كذبكم المعبودون { بما تقولون } يعني أنهم آلهة { ~~فما يستطيعون } أي الآلهة { صرفا } أي صرف العذاب عن أنفسهم { ولا نصرا ~~} يعني ولا نصر أنفسهم وقيل لا ينصرونكم أيها العابدون بدفع العذاب عنكم ~~{ ومن يظلم منكم } يعني يشرك { نذقه عذابا كبيرا }. قوله عز وجل { وما ~~أرسلنا قبلك } أي يا محمد { من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون ~~في الأسواق } قال ابن عباس: لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقالوا # ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق # [الفرقان: 7] أنزل الله تعالى على هذه الآية والمعنى أن هذه عادة مستمرة ~~من الله تعالى على رسله فلا وجه لهذا الطعن # ما المسيح ابن مريم إلا رسول # [المائدة: 75] # وما كنت بدعا من الرسل # [الأحقاف: 9] وهم كانوا بشرا مثلي، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق { ~~وجعلنا بعضكم لبعض فتنة } أي بلية قال ابن عباس أي جعلنا بعضكم بلاء بعض، ~~لتصبروا على ما تسمعون منهم وترون من خلافهم وتتبعوا أنتم الهدى، قيل: ~~نزلت في ابتلاء الشريف بالوضيع وذلك أن الشريف إذا أراد أن يسلم رأى ~~الوضيع، قد أسلم قبله فأنف وقال: أسلم بعده فيكون له السابقة والفضل علي ~~فيقيم على كفره ويمتنع من الإسلام فذلك افتتان بعضهم ببعض وقيل: نزلت في ~~أبي جهل والوليد بن عقبة والعاص بن وائل السهمي والنضر بن الحارث وذلك ~~أنهم رأوا أبا ذر وابن مسعود وعمار بن ياسر وبلالا، وصهيبا وعامر بن ~~فهيرة ms2415 وذويهم، قد أسلموا قبلهم فقالوا: نسلم فنكون مثل هؤلاء وقيل: نزلت ~~في ابتلاء فقراء المسلمين بالمستهزئين من قريش كانوا يقولون: انظروا إلى ~~هؤلاء الذين تبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم من موالينا وأراذلنا فقال ~~الله تعالى لهؤلاء المؤمنين { أتصبرون } أي على هذه الحالة من الفقر ~~والشدة والأذى وقيل إن الغني فتنة الفقير يقول ما لي لم أكل مثله والصحيح ~~فتنة المريض والشريف فتنة الوضيع { وكان ربك بصيرا } أي بمن صبر وبمن ~~جزع ق عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه بالمال والجسم فلينظر إلى من هو دونه ~~في المال والجسم " # لفظ البخاري ولمسلم # " انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن ~~لا تزدروا نعمة الله عليكم ". # قوله تعالى { وقال الذين لا يرجون لقاءنا } أي يخافون البعث والرجاء، ~~بمعنى الخوف لغة تهامة { لولا أنزل علينا الملائكة } فتخبرنا أن محمدا ~~صادق { أو نرى ربنا } فيخبرنا بذلك { لقد استكبروا } أي تعظموا { في ~~أنفسهم } بهذه المقالة { وعتوا عتوا كبيرا } أي طغوا وقيل عتوا في ~~القول وهو أشد الكفر والفحش وعتوهم، طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به. قوله ~~تعالى { يوم يرون الملائكة } أي عند الموت وقيل يوم القيامة { لا بشرى ~~يومئذ للمجرمين } وذلك أن الملائكة يبشرون المؤمنين، يوم القيامة ~~ويقولون للكفار: لا بشرى لكم وقيل: لا بشارة لهم بالجنة كما بشر المؤمن { ~~ويقولون حجرا محجورا } قال ابن عباس تقول الملائكة حراما محرما أن ~~يدخل الجنة، إلا من قال لا إله الله محمد رسول الله، وقيل: إذا خرج ~~الكفار من قبورهم تقول لهم الملائكة حراما محرما عليكم أن تكون لكم ~~البشرى وقيل هذا قول: الكفار للملائكة وذلك أن العرب كانت إذا نزلت بهم ~~شدة ورأوا ما يكرهون قالوا حجرا محجورا فهم يقولون ذلك إذا عاينوا ~~الملائكة. قوله عز وجل { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل } يعني من أعمال ~~البر التي عملوها في حال الكفر { فجعلناه هباء منثورا } أي ms2416 باطلا لا ~~ثواب له لأنهم لم يعملوه لله عز وجل ومنه الحديث الصحيح # " كل عمل ليس عليه أمرنا، فهو رد " # والهباء هو ما يرى في الكوة كالغبار، إذا وقعت الشمس فيها فلا يمس ~~بالأيدي، ولا يرى في الظل والمنثور المفرق قال ابن عباس هو ما تسقيه ~~الرياح، وتذريه من التراب كحطام الشجر وقيل هو ما يسطع من حوافر الدواب ~~عند السير من الغبار. ### || [25.24-29] # قوله تعالى: { أصحاب الجنة يومئذ } أي يوم القيامة { خير مستقرا } أي ~~من هؤلاء المشركين المستكبرين { وأحسن مقيلا } أي موضع القائلة، وذلك أن ~~أهل الجنة لا يمر بهم يوم القيامة إلا قدر من أول النهار إلى وقت القائلة ~~حتى يسكنوا مساكنهم في الجنة قال ابن مسعود لا ينتصف النهار يوم القيامة ~~حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار والقيلولة الاستراحة ~~نصف النهار وإن لم يكن مع ذلك نوم لأن الله تعالى قال { وأحسن مقيلا } ~~والجنة لا نوم فيها قال ابن عباس الحساب في ذلك اليوم في أوله، ويروى أن ~~يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون، كما بين العصر إلى غروب الشمس. ~~قوله تعالى { يوم تشقق السماء بالغمام } أي عن تشقق الغمام وهو غمام أبيض ~~مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم { ونزل الملائكة تنزيلا ~~} قال ابن عباس تشقق السماء الدنيا فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض ~~من الإنس والجن ثم تتشقق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ممن في ~~السماء الدنيا ومن الجن والإنس ثم كذلك حتى تتشق السماء السابعة وأهل كل ~~سماء يزيدون على أهل السماء التي تليها ثم تنزل الكروبيون ثم حملة العرش ~~{ الملك يومئذ الحق للرحمن } أي الملك الذي هو الملك حقا ملك الرحمن ~~يوم القيامة، قال ابن عباس: يريد أن يوم القيامة لا ملك يقضي غيره { وكان ~~يوما على الكافرين عسيرا } أي شديد وفيه دليل على أنه لا يكون على ~~المؤمنين عسيرا وجاء في الحديث # " أنه يهون يوم القيامة على المؤمن حتى يكون عليه أخف من ms2417 صلاة مكتوبة ~~صلاها في الدنيا ". # قوله تعالى { ويوم يعض الظالم على يديه } أراد بالظالم عقبة بن أبي ~~معيط، وذلك أنه كان لا يقدم من سفر، إلا صنع طعاما ودعا إليه أشراف قومه ~~وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم " فقدم ذات يوم من سفر، فصنع ~~طعاما ودعا الناس إليه ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرب ~~الطعام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد ~~أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله. فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه. وكان ~~عقبة صديقا لأبي بن خلف، فلما أخبر أبي بن خلف، قال له: يا عقبة صبأت، ~~قال لا والله ما صبأت ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد ~~له، فاستحييت أن يخرج من بيتي، ولم يطعم فشهدت له فطعم، فقال: ما أنا ~~بالذي أرضى عنك أبدا إلا أن تأتيه فتبزق في وجهه، ففعل ذلك عقبة فقال ~~عليه الصلاة والسلام، لا أراك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف، فقتل ~~عقبة يوم بدر صبرا وأما أبي بن خلف فقتله النبي صلى الله عليه وسلم ~~بيده يوم أحد " ، وقيل لما بزق عقبة في وجه النبي صلى الله عليه وسلم ~~عاد بزاقه في وجهه، فاحترق خداه فكان أثر ذلك في وجهه، حتى قتل وقيل كان ~~عقبة بن أبي معيط خليل أمية بن خلف، فأسلم عقبة فقال له أمية: وجهي من ~~وجهك حرام إن تابعت محمدا فكفر وارتد، فأنزل الله فيه { ويوم يعض الظالم ~~} يعني عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، على يديه، أي ~~ندما وأسفا على ما فرط في جنب الله، وأوبق نفسه بالمعصية والكفر لطاعة ~~خليله الذي صده عن سبيل ربه، قال عطاء: يأكل يديه حتى مرفقيه ثم ينبتان، ~~ثم يأكلهما هكذا كلما نبتت يده أكلها على ما فعل، تحسرا ms2418 وندامة { يقول ~~يا ليتني اتخذت } أي في الدنيا { مع الرسول سبيلا } أي ليتني اتبعت ~~محمدا صلى الله عليه وسلم واتخذت معه طريقا إلى الهداية { يا ويلتى } ~~دعا على نفسه بالويل { ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } قيل يعني أبي بن ~~خلف { لقد أضلني عن الذكر } أي عن الإيمان والقرآن { بعد إذ جاءني } يعني ~~الذكر مع الرسول صلى الله عليه وسلم { وكان الشيطان } وهو كل متمرد عات ~~صد عن سبيل الله من الجن والإنس { للإنسان خذولا } أي كثير الخذلان ~~يتركه ويتبرأ منه عند نزول البلاء والعذاب به وحكم الآية عام في كل ~~خليلين، ومتحابين اجتمعا على معصية الله ق عن أبي موسى الأشعري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك ~~إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبا ونافخ ~~الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة " # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " # أخرجه أبو داود والترمذي. ولهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال الرسول ~~صلى الله عليه وسلم # " لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي ". ### || [25.30-40] # قوله عز وجل: { وقال الرسول } يعني ويقول الرسول في ذلك اليوم { يا رب ~~إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا } أي متروكا وأعرضوا عنه، ولم يؤمنوا ~~به ولم يعملوا بما فيه وقيل جعلوه بمنزلة الهجر وهو السيىء من القول ~~فزعموا أنه سحر وشعر، والمعنى أن محمدا صلى الله عليه وسلم، يشكو قومه ~~إلى الله عز وجل يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا، فعزاه الله ~~تعالى فقال { وكذلك جعلنا } أي وكما جعلت لك أعداء من مشركي مكة، وهم ~~قومك كذلك جعلنا { لكل نبي عدوا من المجرمين } أي المشركين و المعنى لا ~~يكبرن عليك ذلك فإن الأنبياء قبلك قد لقوا هذا من قومهم، فصبروا فاصبر ~~أنت كما صبروا فإني ناصرك، وهاديك وهو ms2419 قوله تعالى { وكفى بربك هاديا ~~ونصيرا } قوله تعالى { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة ~~واحدة } أي كما أنزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على ~~داود صلوات الله عليهم أجمعين قال الله { كذلك } فعلنا ذلك { لنثبت به ~~فؤادك } أي أنزلناه مفرقا لنقوي به قلبك، فتعيه وتحفظه فإن الكتب ~~المتقدمة نزلت على أنبياء، يكتبون ويقرؤون وأنزلنا القرآن على نبي أمي لا ~~يكتب ولا يقرأ ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل ~~عن أمور تحدث في أوقات مختلفة ففرقناه ليكون أوعى لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأيسر على العامل به { ورتلناه ترتيلا }. قال ابن عباس: ~~وبيناه بيانا والترتيل التبيين في ترسل وتثبت وقيل فرقناه تفريقا آية ~~بعد آية { ولا يأتونك } يعني يا محمد هؤلاء المشركون { بمثل } يعني ~~يضربونه لك في إبطال أمرك { إلا جئناك بالحق } أي بما ترد به ما جاؤوا به ~~من ما يوردون المثل، وتبطله فسمي ما يوردون من الشبه مثلا، وسمي ما يدفع ~~به الشبه حقا { وأحسن تفسيرا } يعني أحسن بيانا وتفصيلا ثم ذكر ما ~~لهؤلاء المشركين فقال تعالى { الذين } يعني هم الذين { يحشرون } أي ~~يساقون ويجرون { على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا } يعني منزلا ~~ومصيرا { وأضل سبيلا } أي أخطأ طريقا. قوله تعالى { ولقد آتينا موسى ~~الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا } أي معينا وظهيرا { فقلنا اذهبا ~~إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا } يعني القبط { فدمرناهم } فيه إضمار أي ~~فكذبوهما فدمرناهم { تدميرا } يعني أهلكناهم إهلاكا { وقوم نوح لما ~~كذبوا الرسل } يعني رسولهم ومن كذب رسولا واحدا فقد كذب جميع الرسل ~~فلذلك ذكره بلفظ الجمع { أغرقناهم وجعلناهم للناس أية } أي عبرة لمن ~~بعدهم { وأعتدنا للظالمين } في الآخرة { عذابا أليما } يعني سيرى ما حل ~~بهم من عاجل العذاب في الدنيا { وعادا وثمود } أي أهكلنا عادا وثمود { ~~وأصحاب الرس } قال وهب بن منبه كان أهل بئر الرس نزولا عليها، وكانوا ~~أصحاب مواش يعبدون الأصنام فبعث الله إليهم شعيبا يدعوهم إلى الإسلام ~~فتمادوا في طغيانهم ms2420 وآذوا شعيبا فبينما هم حول البئر في منازلهم، انهارت ~~البئر وخسف بهم وبديارهم ورباعهم وقيل: الرس بئر بفلج اليمامة قتلوا ~~نبيهم فأهلكهم الله. # وقال سعيد بن جبير: كان لهم نبي يقال له حنظلة بن صفوان فقتلوه فأهلكهم ~~الله وقيل الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار هم الذين ذكرهم الله ~~في سورة " يس " وقيل هم أصحاب الأخدود والرس الأخدود { وقرونا بين ذلك ~~كثيرا } أي وأهلكنا قرونا كثيرا بين عاد وثمود وأصحاب الرس { وكلا ~~ضربنا له الأمثال } أي الأشباه في إقامة الحجة عليهم فلم نهلكهم إلا بعد ~~الإنذار { وكلا تبرنا تتبيرا } أي أهلكناهم إهلاكا قوله تعالى { ولقد ~~أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء } يعني الحجارة وهي قريات قوم لوط، ~~وهي خمس قرى أهلك الله منها أربعا ونجت واحدة. وهي أصغرها وكان أهلها لا ~~يعملون العمل الخبيث { أفلم يكونوا يرونها } يعني إذا مروا بها في ~~أسفارهم فيعتبروا ويتعظوا لأن مدائن قوم لوط كانت على طريقهم في ممرهم ~~إلى الشام { بل كانوا لا يرجون نشورا } يعني لا يخافون بعثا. ### || [25.41-48] # قوله تعالى: { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا } نزلت في أبي جهل كان ~~إذا مر مع أصحابه قال مستهزئا { أهذا الذي بعث الله رسولا إن كان ~~ليضلنا } يعني قد قارب أن يضلنا { عن } عبادة { آلهتنا لولا أن صبرنا ~~عليها } يعني على عبادتها والمعنى لو لم نصبر عليها لصرفنا عنها { وسوف ~~يعلمون حين يرون العذاب } أي في الآخرة عيانا { من أضل سبيلا } أي أخطأ ~~طريقا { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } وذلك أن الرجل من المشركين كان يعبد ~~حجرا، فإذا رأى حجرا أحسن منه رماه وأخذ الأحسن منه وعبده وقال ابن ~~عباس: أرأيت من ترك عبادة الله خالقه? ثم هوى حجرا فعبده ما حاله عندي ~~وقيل الهوى إله يعبد { أفأنت تكون عليه وكيلا } أي حافظا تحفظه من ~~اتباع الهوى وعبادة ما يهواه من دون الله والمعنى لست كذلك وقال الكلبي ~~نسختها آية القتال { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون } أي ما تقول سماع طالب ~~الإفهام { أو ms2421 يعقلون } يعني ما يعاينون من الحجج والأعلام وهذه المذمة ~~أعظم من التي تقدمت، لأنهم لشدة عنادهم لا يسمعون القول وإذا سمعوه لا ~~يتفكرون فيه، فكأنهم لا سمع لهم ولا عقل ألبتة فعند ذلك شبههم بالأنعام ~~فقال تعالى { إن هم } أي ما هم إلا كالأنعام أي في عدم انتفاعهم بالكلام ~~وعدم إقدامهم على التدبر والتفكير ثم قال تعالى { بل هم أضل سبيلا } لأن ~~البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها وتنقاد لأربابها الذين يتعاهدونها، ~~وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم ~~لأن الأنعام تسجد وتسبح والكفار لا يفعلون ذلك. قوله تعالى { ألم تر إلى ~~ربك كيف مد الظل } هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس جعله ممدودا، ~~لأنه ظل لا شمس معه { ولو شاء لجعله ساكنا } يعني دائما ثابتا لا يزول ~~ولا تذهبه الشمس { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } معنى دلالتها عليه أنه ~~لو لم تكن الشمس لما عرف الظل، ولولا النور لما عرفت الظلمة، والأشياء ~~تعرف بضدها { ثم قبضناه } يعني الظل { إلينا قبضا يسيرا } يعني بالشمس ~~التي تأتي عليه والمعنى أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس فإذا طلعت ~~الشمس قبض الله الظل جزأ فجرأ قبضا خفيفا { وهو الذي جعل لكم الليل ~~لباسا } يعني سترا تسترون به والمعنى أن الظلمة الليل تغشى كل شيء ~~كاللباس، الذي يشتمل على لابسه { والنوم سباتا } يعني راحة لأبدانكم ~~وقطعا لأعمالكم { وجعل النهار نشورا } يعني يقظة وزمانا تنتشرون فيه ~~لابتغاء رزقكم وطلب الاشتغال { وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~} يعني المطر { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } الطهور هو الطاهر في نفسه ~~المطهر لغيره فهو اسم لما يتطهر به بدليل ما روي # " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ~~ميتته " " # أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. وأراد به المطهر والماء المطر لأنه ~~يطهر الإنسان من الحدث والنجاسة فثبت أن التطهير مختص بالماء وذهب أصحاب ~~الرأي إلى أن الطهور وهو الطاهر حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات ms2422 ~~الطاهرة مثل الخل والريق ونحوها، ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز إزالة ~~الحدث بها وذهب بعضهم إلى أن الطهور ما تكرر منه التطهير، وهو قول مالك ~~حتى جوز الوضوء بالماء إذا توضىء به مرة، وإن وقع في الماء شيء غير طعمه ~~أو لونه أو ريحه هل تزول طهوريته نظر إن كان الواقع شيئا لا يمكن صون ~~الماء عنه? كالطين والتراب وأوراق الأشجار فتجوز الطهارة به كما لو تغير ~~بطول المكث في قراره، وكذلك لو وقع فيه ما لا يختلط كالدهن يصب فيه ~~فيتروح الماء برائحته تجوز الطهارة به لأن تغيره للمجاورة لا للمخالطة ~~وإن كان شيئا يمكن صون الماء عنه، ومخالطته كالخل والزعفران ونحوهما تزل ~~طهوريته فلا يجوز الوضوء به وإن لم يتغير أحد أوصافه نظر إن كان الواقع ~~شيئا طاهرا لا يزيل طهوريته يجوز الوضوء به سواء كان الماء قليلا أو ~~كثيرا، وإن كان الواقع شيئا نجسا نظر فيه فإن كان الماء، أقل من قلتين ~~نجس الماء وإن كان قدر قلتين فأكثر فهو طاهر يجوز الوضوء به والقلتان ~~خمسمائة رطل بالبغدادي يدل عليه ما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه سئل عن الماء يكون في الفلاة، ترده السباع والذئاب فقال: # " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " # أخرجه أبو داود والترمذي. وهذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق وجماعة من أهل ~~الحديث، أن الماء إذا بلغ هذا الحد لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم ~~يتغير أحد أوصافه، وذهب جماعة إلى أن الماء القليل لا ينجس بوقوع النجاسة ~~فيه ما لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، وهذا قول الحسن وعطاء والنخعي ~~والزهري واحتجوا بما روي عن أبي سعيد الخدري قال: # " قيل يا رسول الله إنه يستقى لك من بئر بضاعة ويلقى فيها لحوم الكلام ~~وخرق الحيض وعذر النساء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الماء ~~طهور لا ينجسه شيء " # وفي رواية قال # " قلت يا رسول الله أيتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر تطرح ms2423 فيها خرق الحيض ~~ولحوم الكلام والنتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ~~ينجسه شيء " ### || [25.49-57] # وقوله تعالى: { لنحيي به } أي بالمطر { بلدة ميتا } قيل: أراد به موضع ~~البلدة { ونسقيه مما خلقنا } أي نسقي من ذلك الماء { أنعاما وأناسي ~~كثيرا } أي بشرا كثيرا والأناسي جمع إنسي وقيل جمع إنسان قوله عز وجل ~~{ ولقد صرفناه بينهم } يعني المطر مرة ببلدة ومرة ببلدة أخرى وقال ابن ~~عباس ما عام بأمطر من عام ولكن الله يصرفه في الأرض وقرأ هذه الآية? وهذا ~~كما روي مرفوعا " ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا والسماء تمطر فيها ~~يصرفه الله حيث يشاء " وروي عن ابن مسعود يرفعه، قال: ليس من سنة بأمطر ~~من سنة أخرى ولكن الله عز وجل قسم هذه الأرزاق فجعلها في هذه السماء ~~الدنيا في هذا القطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم، ووزن معلوم وإذا عمل ~~قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم وإذا عصوا جميعا صرف الله ذلك ~~المطر إلى الفيافي والبحار، وقيل: المراد من تصريف المطر تصريفه وابلا ~~وطشا ورذاذا ونحوها وقيل التصريف راجع إلى الريح { ليذكروا } أي ~~ليتذكروا ويتفكروا في قدرة الله تعالى { فأبى أكثر الناس إلى كفورا } أي ~~جحودا في كفرهم هو أنهم إذا مطروا قالوا أمطرنا بنوء كذا ق عن زيد بن ~~خالد الجهني أنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ~~بالحديبية في أثر سماء من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال # " هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال أصبح عن عبادي ~~مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر ~~بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بن مؤمن بالكواكب ". # قوله تعالى: { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا } أي رسولا ينذرهم ~~ولكن بعثناك إلى القرى كلها وحملناك ثقل النذارة لتستوجب بصبرك ما أعددنا ~~لك من الكرامة والدرجة الرفيعة { فلا تطع الكافرين } فيما يدعونك إليه ms2424 من ~~موافقتهم ومداهنتهم { وجاهدهم به } أي بالقرآن { جهادا كبيرا } أي ~~شديدا. قوله تعالى: { وهو الذي مرج البحرين } أي خلطهما وأفاض أحدهما ~~على الآخر وقيل أرسلهما في مجاريهما { هذا عذب فرات } أي شديد العذوبة ~~يميل إلى الحلاوة { وهذا ملح أجاج } أي شديد الملوحة وقيل مر { وجعل ~~بينهما برزخا } أي حاجزا بقدرته فلا يختلط العذب بالملح ولا الملح ~~بالعذب { وحجرا محجورا } أي سترا ممنوعا فلا يبغي أحدهما على الآخر ~~ولا يفسد الملح العذب. قوله تعالى: { وهو الذي خلق من الماء } أي من ~~النطقة { بشرا فجعله نسبا وصهرا } أي جعله ذا نسب وصهر وقيل النسب ما ~~لا يحل نكاحه والصهر ما يحل نكاحه والنسب ما يوجب الحرمة والصهر ما لا ~~يوجبها وقيل النسب من القرابة والصهر الخلطة التي تشبه القرابة وهو النسب ~~المحرم للنكاح وقد حرم الله بالنسب سبعا وبالسبب سبعا ويجمعها قوله # حرمت عليكم أمهاتكم # [النساء: 23] الآية وقد تقدم تفسير ذلك وبيانه في تفسير النساء { وكان ~~ربك قديرا } على ما أراد حيث خلق من النطفة الواحدة نوعين من البشر ~~الذكر والأنثى { ويعبدون من دون الله } يعني هؤلاء المشركين { ما لا ~~ينفعهم } أي إن عبدوه { ولا يضرهم } أي إن تركوه { وكان الكافر على ربه ~~ظهيرا } أي معينا أعان الشيطان على ربه بالمعاصي لأن عبادتهم الأصنام ~~معاونة للشيطان وقيل معنى ظهيرا هينا ذليلا من قولك ظهرت بفلان إذا ~~جعلته وراء ظهرك ولم تلتفت إليه وقيل أراد بالكافر أبا جهل والأصح أنه ~~عام في كل كافر. وقوله تعالى: { وما أرسلناك إلا مبشرا } أي بالثواب على ~~الإيمان والطاعة { ونذيرا } منذرا بالعقاب على الكفر والمعصية { قل } ~~يا محمد { ما أسألكم عليه } أي على تبليغ الوحي { من أجر } فتقولون إنما ~~يطلب محمد أموالنا بما يدعوننا إليه فلا نتبعه { إلا من شاء أن يتخذ إلى ~~ربه سبيلا } معناه لكن من شاء أن يتخذ بإنفاق ماله سبيلا إلى ربه فعلى ~~هذا يكون المعنى لا أسألكم لنفسي أجرا، ولكن أمنع من إنفاق المال إلا في ~~طلب مرضاة الله، واتخاذ السبيل إلى ms2425 جنته. ### || [25.58-64] # قوله عز وجل: { وتوكل على الحي الذي لا يموت } معناه أنه سبحانه وتعالى ~~لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن لا يطلب منهم أجرا ألبتة أمره أن ~~يتوكل عليه في جميع أموره، وإنما قال على الحي الذي لا يموت لأن من توكل ~~على حي يموت انقطع توكله عليه بموته، وأما الله سبحانه وتعالى فإنه حي لا ~~يموت فلا ينقطع توكل من توكل عليه، ولا يضيع ألبتة { وسبح بحمده } أي صل ~~له شكرا على نعمه وقيل: معناه قل سبحان الله والحمد لله { وكفى به بذنوب ~~عباده خبيرا } يعني أنه تعالى علام بجميع ذنوب عباده فيجازيهم بها. ~~وقيل: معناه أنه لا يحتاج معه إلى غيره لأنه خبير عالم قادر على مكافأتهم ~~وفيه وعيد شديد كأنه إذا قدمتم على مخالفة أمره كفاكم علمه في مجازاتكم ~~بما تستحقون من العقوبة. قوله تعالى الذي { خلق السموات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا } أي ~~فاسأل الخبير بذلك، يعني بما ذكر من خلق السموات والأرض والاستواء على ~~العرش. وقيل: أيها الإنسان لا ترجع في طلب العلم، بهذا إلى غيري وقيل ~~معناه فاسأل عنه خبيرا وهو الله تعالى وقيل: هو جبريل عليه السلام { ~~وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن } أي ما نعرف الرحمن إلا ~~رحمان اليمامة يعنون مسليمة الكذاب كانوا يسمونه رحمان اليمامة { أنسجد ~~لما تأمرنا } أنت يا محمد { وزادهم } يعني قول القائل اسجدوا للرحمن { ~~نفورا } يعني عن الإيمان والسجود. فصل وهذه السجدة من عزائم السجدات ~~فيسن للقارىء، والمستمع أن يسجدا عند سماعها وقراءتها. قوله تعالى { ~~تبارك الذي جعل في السماء بروجا } قيل: البروج هي النجوم الكبار سميت ~~بروجا لظهورها، وقيل: البروج قصور فيها الحرس. وقال ابن عباس: هي البروج ~~الاثنا عشر التي هي منازل الكواكب السبعة السيارة، وهي الحمل والثور ~~والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي ~~والدلو والحوت سميت بالبروج، التي هي القصور العالية لأنها للكواكب ~~كالمنازل لسكانها { وجعل فيها سراجا } يعني ms2426 الشمس { وقمرا منيرا وهو ~~الذي جعل الليل والنهار خلفة } قال ابن عباس معناه خلفا، وعوضا يقوم ~~أحدهما مقام صاحبه فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر. قال شقيق: جاء ~~رجل إلى عمر بن الخطاب. قال فاتتني الصلاة الليلة قال أدرك ما فاتك من ~~ليلتك في نهارك، فإن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر. ~~وقيل جعل كل واحد منهما مخالفا لصاحبه فجعل هذا أسود وهذا أبيض وقيل ~~يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب هذا جاء هذا فهما يتعقبان في الضياء، والظلمة ~~والزيادة والنقصان { لمن أراد أن يذكر } أي يتذكر ويتعظ { أو أراد شكورا ~~} يعني شكر نعمة ربه عليه فيهما. # قوله عز وجل { وعباد الرحمن } قيل هذه الإضافة للتخصيص، والتفضيل وإلا ~~فالخلق كلهم عباد الله { الذين يمشون على الأرض هونا } يعني بالسكينة ~~والوقار متواضعين غير أشرين، ولا مرحين ولا متكبرين بل علماء حكماء، ~~أصحاب وقار وعفة { وإذا خاطبهم الجاهلون } يعني السفهاء بما يكرهونه { ~~قالوا سلاما } يعني سدادا من القول يسلمون فيه لا يسفهون وإن سفه عليهم ~~حلموا ولم يجهلوا وليس المراد منه السلام المعروف وقيل هذا قبل أن يؤمروا ~~بالقتال ثم نسختها آية القتال ويروى عن الحسن البصري أنه كان إذا قرأ هذه ~~الآية قال: هذا وصف نهارهم ثم إذا قرأ { والذين يبيتون لربهم سجدا ~~وقياما } قال هذا وصف ليلهم، والمعنى يبيتون لربهم في الليل بالصلاة ~~سجدا على وجوههم وقياما على أقدامهم. قال ابن عباس، من صلى بعد العشاء ~~الأخيرة ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجدا وقائما م عن عثمان بن عفان ~~رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف الليل ومن صلى الفجر في جماعة ~~كان كقيام ليلة ". ### || [25.65-70] # قوله عز وجل: { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان ~~غراما } أي ملحا دائما لازما غير مفارق من عذب من الكفار. قال محمد ~~بن كعب القرظي: سأل الله الكفار ثمن نعمته فلم يؤدوه فأغرمهم ms2427 فبقوا في ~~النار، وقال كل غريم مفارق غريمه إلا جهنم. وقيل: الغرام الشر اللازم ~~والهلاك الدائم { إنها } يعني جهنم { ساءت } بئست { مستقرا ومقاما } أي ~~موضع قرار وإقامة { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا } قيل ~~الإسراف النفقة في معصية الله، وإن قلت والإقتار منع حقوق الله تعالى وهو ~~قول ابن عباس. وقيل: الإسراف مجاوزة الحد في الإنفاق، حتى يدخل في حد ~~التبذير والإقتار التقصير عما لا بد منه وهو أن لا يجيع عياله ولا يعريهم ~~ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف { وكان بين ذلك قواما } أي قصدا ~~وسطا بين الإسراف والإقتار وحسنة بين السيئتين قيل: هذه الآية في صفة ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون الطعام للتنعم واللذة لا ~~يلبسون ثوبا للجمال، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ~~ويقويهم على عبادة ربهم ومن الثياب ما يسترون به العورة، ويقيهم من الحر ~~والبرد. قال عمر بن الخطاب كفى سرفا أن لا يشتهي شيئا إلا اشتراه فأكله ~~{ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } ق عن ابن عباس " أن أناسا من أهل ~~الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا فأتوا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعونا إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا ~~كفارة فنزل { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } ونزل # قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله # [الزمر: 53] ق عن عبدالله بن مسعود قال: قال رجل # " يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله: قال: تدعوا لله ندا وهو خلقك، ~~قال: ثم أي قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قال: ثم أي قال أن تزاني ~~حليلة جارك، فأنزل الله تعالى تصديقه، والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ~~ولا يقتلون النفس التي حرم إلا بالحق ولا يزنون " # { ومن يفعل ذلك يلق أثاما } أي ومن يفعل شيئا من ذلك يلق أثاما قال ms2428 ~~ابن عباس إنما يريد جزاء الإثم، وقيل عقوبة وقيل: الأثام واد في جهنم ~~ويروى في الحديث # " أن الغي والأثام بئران في جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار " # { يضاعف له العذاب يوم القيامة } وسبب تضعيف العذاب، أن المشرك إذا ~~ارتكب المعاصي مع الشرك يضاعف له العذاب على شركه ومعصيته { ويخلد فيه ~~مهانا } أي ذليلا. # قوله تعالى: { إلا من تاب } أي عن ذنبه { وآمن } يعني بربه { وعمل عملا ~~صالحا } أي فيما بينه وبين ربه روي عن ابن عباس رضي الله عنه عنهما قال: ~~قرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنين والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر الآية ثم نزلت إلا من تاب فما رأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فرح بشيء قط مثل ما فرح بها وفرحه بإنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر ~~لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ". وقوله تعالى { فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما } قال ابن عباس: يبدلهم الله ~~بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام فيبدلهم بالشرك ~~إيمانا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانا وقيل يبدل ~~الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات يوم القيامة م عن أبي ذر قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا منها ~~رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال أعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه ~~كبارها فتعرض عليه صغارها فيقال له: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت ~~يوم كذا وكذا كذا وكذا فيقول نعم لا يستطيع أن ينكر، وهو شفق من كبار ~~ذنوبه أن تعرض عليه فيقال له إن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول يا رب قد ~~عملت أشياء لا أراها ها هنا فقال فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ضحك حتى بدت نواجذه وقيل إن الله تعالى يمحو بالندم جميع السيئات ثم ثبت ~~مكان كل سيئة حسنة ". ### || [25.71-77] # { ومن تاب وعمل صالحا } قيل هذا في التوبة ms2429 من غير ما سبق ذكره في الآية ~~الأولى من القتل والزنا ومعناه، ومن تاب من الشرك وعمل صالحا يعني أدى ~~الفرائض ممن لم يقتل ولم يزن { فإنه يتوب إلى الله } أي يعود إليه بعد ~~الموت { متابا } أي حسنا يفضل على غيره ممن قتل وزنى فالآية الأولى وهي ~~قوله: ومن تاب رجوع عن الشرك والثانية رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة. ~~وقيل: هذه الآية أيضا في التوبة عن جميع السيئات ومعناه من أراد التوبة، ~~وعزم عليها فليتب إلى الله فقوله يتوب إلى الله خبر بمعنى الأمر أي تب ~~إلى الله وقيل معناه فليعلم أن توبته ومصيره إلى الله تعالى. قوله تعالى ~~{ والذين لا يشهدون الزور } يعني الشرك وقيل هي شهادة الزور ق عن أبي بكر ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا: بلى يا رسول الله قال: الإشراك بالله ~~وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال ألا وقول الزور وشهادة الزور فما ~~زال يكررها حتى قلنا ليته سكت " # وكان عمر بن الخطاب يجلد شاهد الزور أربعين جلدة، ويسخم وجهه ويطوف به ~~في الأسواق وقيل: لا يشهدون الزور يعني أعياد المشركين وقيل: الكذب وقيل: ~~النوح وقيل لا يساعد أهل الباطل على باطلهم وقيل الزور اللهو واللعب ~~والغناء. قال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء ~~الزرع. وأصل الزور حقيقة تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته فهو تمويه الباطل ~~بما يوهم أنه حق { وإذا مرو باللغو } هو كل ما يجب أن يلغى ويترك { مروا ~~كراما } يعني إذا سمعوا من الكافر الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا فعلى هذا ~~التفسير، تكون الآية منسوخة بآية القتال. وقيل: اللغو المعاصي كلها، ~~والمعنى إذا مروا بمجالس اللهو والباطل مروا كراما أي مسرعين معرضين، ~~وهو أن ينزه المرء نفسه ويكرمها عن هذه المجالس السيئة { والذين إذا ~~ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا } قيل: معناه أنه ليس فيه ~~نفي الخرور إنما هو إثبات له ونفي الصمم والعمى والمعنى إذا ذكروا بها ~~أكبوا على ms2430 استماعها بأذان واعية وأقبلوا على المذكر بها بعيون مبصرة ~~راعية. وقيل: معناه لم يخروا أي لم يسقطوا ولم يقعوا عليها صما ~~وعميانا، كأنهم بآذانهم صمم وبأعينهم عمى بل يسمعون ما يذكرون به، ~~فيفهمونه ويرون الحق فيه فيتبعونه. قوله عز وجل { والذين يقولون ربنا هب ~~لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } يعني أبرارا فيقرون أعيننا بذلك ~~قيل: ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته، وأولاده مطيعين لله عز ~~وجل فيطمع أن يحلوا معه في الجنة فيتم سروره، وتقر عينه بذلك وقيل: إن ~~العرب تذكر قرة العين عند السرور والفرح وسخنة العين عند الغم والحزن. # ويقال: دمع العين عند السرور والفرح بارد وعند الحزن حار وقيل معنى قرة ~~العين أن صادف قلبه من يرضاه، فتقر عينه به عن النظر إلى غيره { واجعلنا ~~للمتقين إماما } يعني يقتدون في الخير بنا. وقيل: معناه تقتدي بالمتقين ~~وتقتدي بنا المتقون وقال ابن عباس: اجعلنا أئمة هدى وقيل: معناه أنهم ~~سألوا الله أن يبلغهم في الطاعات المبلغ الذي يشار إليهم فيه ويقتدي بهم. ~~قال بعضهم: فيه دليل على أن الرياسة في الدين مطلوبة مرغوب فيها وقيل هذا ~~من المقلوب معناه، واجعل المتقين لنا إماما واجعلنا مقتدين مؤتمين بهم { ~~أولئك يجزون } أي يثابون { الغرفة } الدرجة العالية الرفيعة في الجنة ~~وقيل: يريد غرف الدر والزبرجد واللؤلؤ والياقوت في الجنة { بما صبروا } ~~يعني على طاعة الله تعالى وأوامره وعلى أذى المشركين وقيل: بما صبروا عن ~~الشهوات { ويلقون فيها تحية } أي ملكا وقيل بقاء دائما { وسلاما } أي ~~يسلم بعضهم على بعض أو يرسل الرب عز وجل إليهم السلام وقيل سلاما أي ~~سلامة من الآفات. قوله تعالى { خالدين فيها حسن مستقرا ومقاما } أي ~~موضع قرار وإقامة. قوله تعالى { قل ما يعبأ بكم ربي } أي ما يصنع ما يفعل ~~بكم فوجودكم وعدمكم سواء، وقيل: معناه أي وزن مقدار لكم عنده { لولا ~~دعاؤكم } إياه. قيل معناه لولا عبادتكم إياه وقيل: لولا إيمانكم وقيل ~~لولا دعاؤه إياكم إلى الإيمان فإذا آمنتم ظهر لكم ms2431 عنده قدر. وقيل: معناه ~~ما يعبأ أي ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة. وقيل معناه ما ~~خلقتكم ولي إليكم حاجة إلا أن تسألوني، فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم { ~~فقد كذبتم } أيها الكافرون يخاطب أهل مكة يعني أن الله دعاكم إلى توحيده ~~وعبادته على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذبتم الرسول ولم تجيبوه ~~إلى الإيمان { فسوف يكون لزاما } هذا تهديد لهم أي يكون تكذيبهم لزاما ~~قال ابن عباس: موتا وقيل هلاكا وقيل: قتالا والمعنى يكون التكذيب ~~لازما لمن كذب فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله. وقيل: معناه عذابا ~~دائما وهلاكا لازما لمن كذب مفنيا يلحق بعضكم بعضا وقيل: هو يوم بدر ~~قتل منهم سبعون وأسر سبعون وهو قول عبدالله بن مسعود وأبي بن كعب، يعني ~~أنهم قتلوا يوم بدر واتصل بهم عذاب الآخرة لازما لهم ق عن عبدالله بن ~~مسعود قال " خمس قد مضين الدخان واللزام والروم والبطشة والقمر وفي رواية ~~الدخان والقمر والروم واللزام والبطشة " والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-2] # قوله عز وجل { طسم } قال ابن عباس: عجزت العلماء عن علم تفسيرها وفي ~~رواية أخرى عنه أنه قسم، وهو من أسماء الله تعالى و قيل اسم من أسماء ~~القرآن، وقيل اسم السورة وقيل أقسم بطوله وسنائه وملكه { تلك آيات } أي ~~هذه الآيات آيات { الكتاب المبين } قيل لما كان القرآن فيه دلائل ~~التوحيد، والإعجاز الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ودلائل ~~الأحكام أجمع ثبت بذلك أن آيات القرآن كافية مبينة لجميع الأحكام. ### || [26.3-8] # { لعلك باخع نفسك } أي قاتل نفسك { ألا يكونوا مؤمنين } أي إن لم يؤمنوا ~~وذلك حين كذبه أهل مكة فشق عليه ذلك وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله ~~عز وجل هذه الآية { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها ~~خاضعين } أي لو شاء الله لأنزل عليهم آية يذلون منها فلا يلوي أحد منهم ~~عنقه إلى معصية الله سبحانه وتعالى. وقيل: معناه لو شاء الله لأراهم ~~أمرا من أمره ms2432 لا يعمل أحد منهم بعده معصية. فإن قلت: كيف صح مجيء خاضعين ~~خبرا عن الأعناق. قلت أصل الكلام فظلوا لها خاضعين فأقحمت ا لأعناق ~~لبيان الخضوع وترك الكلام على أصله أو لما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء ~~قيل خاضعين. وقيل: أعناق الناس رؤساؤهم ومقدموهم أي فظلت كبراؤهم لها ~~خاضعين وقيل أراد بالأعناق الجماعات، يقال جاء عنق من الناس أي جماعة. ~~قوله تعالى { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن } أي وعظ وتذكير { محدث } أي ~~محدث إنزاله فهو محدث التنزيل وكلما نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث ~~من الأول { إلا كانوا عنه معرضين } أي عن الإيمان به { فقد كذبوا ~~فسيأتيهم } أي فسوف يأتيهم { أنباء } أي أخبار وعواقب { ما كانوا به ~~يستهزئون أولم يروا إلى الأرض } يعني المشركين { كم أنبتنا فيها } أي بعد ~~أن لم يكن فيها نبات { من كل زوج كريم } أي جنس ونوع وصنف حسن من النبات ~~مما يأكل الناس والأنعام، قال الشعبي: الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة ~~فهو كريم ومن دخل النار فهو لئيم { إن في ذلك } أي الذي ذكر { لآية } تدل ~~على أنه واحد أي دلالة على كمال قدرتنا وتوحيدنا كما قيل: # وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد # و { وما كان أكثرهم مؤمنين } أي سبق علمي فيهم أن أكثرهم لا يؤمنون ولا ~~يصدقون. ### || [26.9-22] # { وإن ربك لهو العزيز } أي المنتقم من أعدائه { الرحيم } ذو الرحمة ~~لأوليائه. قوله تعالى { وإذ نادى } أي واذكر يا محمد إذ نادى { ربك موسى ~~} أي حين رأى الشجرة والنار { أن ائت القوم الظالمين } يعني الذين ظلموا ~~أنفسهم بالكفر والمعاصي وظلموا بني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب ~~{ قوم فرعون } يعني القبط { ألا يتقون } أي يصرفون عن أنفسهم عقوبة الله ~~بطاعته والإيمان به { قال } يعني موسى { رب } أي يا رب { إني أخاف أن ~~يكذبون ويضيق صدري } أي بتكذيبهم إياي { ولا ينطلق لساني } أي للعقدة ~~التي كانت على لسانه { فأرسل إلى هارون } ليوازرني ويعينني على تبليغ ~~الرسالة { ولهم علي ذنب } أي ms2433 دعوى ذنب وهو قتله القبطي { فأخاف أن ~~يقتلون } أي به { قال } الله تعالى { كلا } أي لن يقتلوك { فاذهبا ~~بآياتنا إنا معكم مستمعون } أي سامعون ما تقولون وما يقال لكم. فإن قلت: ~~كيف ذكرهم بلفظ الجمع في قوله معكم وهما اثنان. قلت: أجراهما مجرى ~~الجماعة، وهو جائز في لغة العرب { فائتيا فرعون فقولا إنا رسول رب ~~العالمين } فإن قلت هلا ثنى الرسول كما في قوله: فائتياه فقولا إنا رسولا ~~ربك. قلت: الرسول قد يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة فجعله ثم بمعنى ~~المرسل فلم يكن بد من تثنيته، وجعله هنا بمعنى الرسالة فجازت التسوية ~~فيه، إذا وصف به الواحد والتثنية والجمع والمعنى أنا ذو رسالة كما قال ~~كثير: # لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بشيء ولا أرسلتهم برسول # أي برسالة وقيل إنهما لاتفاقهما في الرسالة، والشريعة والإخوة فصارا ~~كأنهما رسول واحد وقيل كل واحد منا رسول رب العالمين { أن أرسل معنا بني ~~إسرائيل } أي خلهم وأطلقهم معنا إلى أرض فلسطين ولا تستعبدهم وكان فرعون ~~قد استعبدهم أربعمائة سنة وكانوا في ذلك الوقت ستمائة ألف وثلاثين ألفا، ~~فانطلق موسى برسالة ربه إلى مصر وهارون بها فأخبره بذلك، وفي القصة أن ~~موسى رجع إلى مصر وعليه جبة صوف وفي يده عصاه والمكتل معلق في رأس العصا، ~~وفيه زاده فدخل دار نفسه وأخبر هارون أن الله قد أرسلني إلى فرعون وأرسل ~~إليك ندعو فرعون إلى الله تعالى فخرجت أمهما فصاحت وقالت: إن فرعون يطلبك ~~ليقتلك فإذا ذهبت إليه قتلك فلم يمتنع لقولها وذهبا إلى باب فرعون وذلك ~~بالليل فدقا الباب ففزع البوابون وقالوا: من بالباب فقال أنا موسى رسول ~~رب العالمين فذهب البوابون إلى فرعون وقالوا إن مجنونا بالباب يزعم أنه ~~رسول رب العالمين فترك حتى أصبح ثم دعاهما وقيل إنهما انطلقا جميعا إلى ~~فرعون فلم يؤذن لهما سنة في الدخول، ثم دخل البواب فقال لفرعون ها هنا ~~إنسان يزعم أنه رسول رب العالمين فقال فرعون: ائذن له لعلنا نضحك منه ~~فدخلا على فرعون وأديا ms2434 رسالة الله تعالى فعرف فرعون موسى لأنه نشأ في ~~بيته ف { قال } له { ألم نربك فينا وليدا } يعني صبيا { ولبثت فينا من ~~عمرك سنين } أي ثلاثين سنة { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني قتلت القبطي { ~~وأنت من الكافرين } قال أكثر المفسرين من الجاحدين لنعمتي وحق تربيتي ~~يقول ربيناك فينا فكافأتنا أن قتلت منا نفسا، وكفرت نعمتنا وهي رواية عن ~~ابن عباس قال إن فرعون لم يكن يعلم الكافر بالربوبية ولأن الكفر غير جائز ~~على الأنبياء لا قبل النبوة، ولا بعدها وقيل معناه وأنت من الكافرين ~~بفرعون وإلهيته { قال } يعني موسى { فعلتها إذا وأنا من الضالين } أي من ~~الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله لأن فعل الوكزة على وجه التأديب لا على ~~وجه القتل وقيل من الضالين عن طريق الصواب وقيل من المخطئين { ففررت منكم ~~} أي إلى مدين { لما خفتكم فوهب لي ربي حكما } يعني النبوة وقيل العلم ~~والفهم { وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } ~~أي اتخذتهم عبيدا قيل: عدها موسى نعمة منه عليه حيث رباه لم يقتله كما ~~قتل ولدان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد بني اسرائيل فيكون معنى ~~الآية وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني اسرائيل وتركتني فلم تستعبدني، ~~وقيل هو على طريق الإنكار ومعنى الآية أو تلك نعمة على طريق الاستفهام، ~~فحذف الألف كما قال عمر بن عبدالله بن ربيعة: # لم أنس يوم الرحيل وقفتها وطرفها من دموعها غرق وقولها والركاب واقفة ~~تتركني هكذا وتنطلق # أي أتتركني، والمعنى أتمن علي أن ربيتني وتنسى جنايتك على بني إسرائيل ~~بالاستعباد والمعاملات القبيحة أو يريد كيف تمن علي بالتربية، وقد ~~استعبدت قومي ومن أهين قومه فقد ذل فاستعبادك بني إسرائيل قد أحبط حسناتك ~~إلي، ولو لم تستعبدهم ولم تقتل أولادهم لم أرفع إليك حتى تربيني وتكلفني، ~~ولكان لي من أهلي من يربيني ولم يلقوني في اليم. ### || [26.23-41] # { قال فرعون وما رب العالمين } يقول أي شيء رب العالمين الذي تزعم أنك ~~رسوله أي يستوصفه إلهه الذي ms2435 أرسله إليه، وهو سؤال عن جنس الشيء، والله ~~تعالى منزه عن الجنسية والماهية فلهذا عدل موسى عن جوابه، وأجابه بذكر ~~أفعاله وآثار قدرته التي تعجز الخلائق عن الإتيان بمثلها { قال رب ~~السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين } أنه خالقهما فاعرفوا أنه ~~لايمكن تعريفه إلا بما ذكرته لكم، فإن أيقنتم بذلك لزمكم أن تقطعوا أنه ~~لا جواب لكم عن هذا السؤال إلا ما ذكرته من الجواب، وقال أهل المعاني أي ~~كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينونها، فأيقنوا أن إله الخلق هو الله ~~تعالى الذي خلقها وأوجدها فلما قال ذلك موسى تحير فرعون في جواب موسى { ~~قال لمن حوله } أي من أشراف قومه قال ابن عباس: كانوا خمسمائة رجل عليهم ~~الأسورة { ألا تستمعون } وإنما قال فرعون: ذلك على سبيل التعجب من جواب ~~موسى، يعني أني إنما أطلب منها الماهية وخصوصية الحقيقة وهو يجيبني ~~بأفعاله وآثاره وقيل: إنهم كانوا يعتقدون إن آلهتهم ملوكهم ثم زادهم موسى ~~في البيان { قال ربكم ورب آبائكم الأولين } يعني أن موسى ذكر ما هو أقرب ~~فقال ربكم يعني أنه خالقكم وخالق آبائكم الأولين { قال } يعني فرعون { إن ~~رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } يعني المقصود من السؤال طلب الماهية، ~~وهو يجيب بالآثار الخارجة وهذا لا يفيد ألبتة فهذا الذي يدعي الرسالة ~~مجنون لا يفهم السؤال فضلا عن أن يجيب عنه، ويتكلم بكلام لا نقبله ولا ~~نعرف صحته، وكان عندهم أن من لا يعتقد ما يعتقدون ليس بعاقل فزاد في ~~البيان { قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } فعدل إلى ~~طريق ثالث أوضح من الثاني، ومعنى إن كنتم تعقلون قد عرفتم أنه لا جواب عن ~~سؤالك إلا ما ذكرت { قال } فرعون حين لزمته الحجة، وانقطع عنه الجواب ~~تكبرا عن الحق { لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } قيل كان ~~سجن فرعون أشد من القتل، لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان يهوي فيه ~~إلى الأرض وحده فردا لا يسمع ولا يبصر فيه { قال } له موسى حين توعده ms2436 ~~بالسجن { أولو جئتك بشيء مبين } أي بآية بينة والمعنى أتفعل ذلك، ولو ~~جئتك بحجة بينة وإنما قال ذلك موسى لأن من أخلاق الناس السكون إلى ~~الإنصاف والإجابة إلى الحق بالبيان { قال } يعني فرعون { فأت به } أي إنا ~~لن نسجنك حينئذ { إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } ~~قيل إنها لما صارت حية ارتفعت في السماء، قدر ميل ثم انحطت مقبلة إلى ~~فرعون فقال: بالذي أرسلك ألا أخذتها فأخذها موسى، فعادت عصا كما كانت ~~فقال وهل غيرها قال نعم وأراه يده ثم أدخلها في جيبه ثم أخرجها، فإذا هي ~~بيضاء من غير برص لها شعاع كشعاع الشمس وهو قوله { ونزع يده فإذا هي ~~بيضاء للناظرين } فعند ذلك { قال } فرعون { للملأ حوله إن هذا } يعني ~~موسى { لساحر عليم } وكان زمان السحر فلهذا روج فرعون هذا القول على قومه ~~ثم قال { يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره } قال هذا القول على سبيل ~~التنفير لئلا يقبلوا قول موسى { فماذا تأمرون } يعني ما رأيكم فيه وما ~~الذي أعمله فعند ذلك { قاله أرجه وأخاه } أي أخره وأخاه { وابعث في ~~المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم } قيل إن فرعون أراد قتل موسى فقالوا ~~لا تفعل فإنك إن قتلته دخلت الناس شبهة في أمره ولكن أخره، واجمع له سحرة ~~ليقاوموه ولا تثبت له عليك حجة. # قوله تعالى { فجمع السحرة لميقات يوم معلوم } يعني يوم الزينة قال ابن ~~عباس وافق ذلك يوم السبت في أول يوم من السنة، وهو يوم النيروز { وقيل ~~للناس هل أنتم مجتمعون } أي لتنظروا ما يفعل الفريقان، ولمن تكون الغلبة ~~{ لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين } لموسى قيل أراد بالسحرة موسى ~~وهارون وقالوا: ذلك على طريقة الاستهزاء { فلما جاء السحرة قالوا لفرعون ~~أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين } طلبوا من فرعون الجزاء، وهو بذل ~~المال والجاه فبذل لهم ذلك كله. ### || [26.42-61] # وقوله: { قال نعم وإنكم لمن المقربين قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون ~~فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون ms2437 } أي بعظمة فرعون { إنا لنحن ~~الغالبون فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون } أي ما يقلبونه عن ~~وجهه وحقيقته بسحرهم قيل: إن عصا موسى صارت حية وابتلعت كل ما رموه من ~~حبالهم وعصيهم ثم أخذها موسى فإذا هي كما كانت أول مرة { فألقي السحرة ~~ساجدين } قيل إنهم لما رأوا ما جاوز حد السحر علموا أنه ليس بسحر، ثم لم ~~يتمالكوا أن خروا ساجدين ثم إنهم { قالوا آمنا برب العالمين رب موسى ~~وهارون } وإنما قالوا رب موسى وهارون، لأن فرعون كان يدعي الربوبية ~~فأرادوا عزله { قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم ~~السحر فلسوف تعلمون } فيه وعيد مطلق وتهديد شديد ثم بين ذلك الوعيد فقال ~~{ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين قالوا لا ضير إنا إلى ~~ربنا منقلبون } أي لا ضرر علينا فيما ينالنا في الدنيا، لأنا نتقلب ونصير ~~إلى ربنا في الآخرة مؤمنين مؤملين غفرانه وهو قولهم { إنا نطمع أن يغفر ~~لنا ربنا خطايانا } أي الكفر والسحر { أن } أي لأن { كنا أو المؤمنين } ~~أي من أهل زماننا وقيل أول المؤمنين أي من الجماعة الذين حضروا ذلك ~~الجمع. قوله تعالى { وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون } أي ~~يتبعكم فرعون وقومه ليحولوا بينكم وبين الخروج، قيل: أوحى الله إلى موسى ~~أن اجمع بني إسرائيل، كل أهل أربعة أبيات في بيت ثم اذبحوا أولاد الضأن ~~فاضربوا بدمائها على أبوابكم فإني سآمر الملائكة فتقتل أبكار آل فرعون من ~~أنفسهم وآمرهم أن لا يدخلوا بيتا على بابه دم، ثم اخبزوا فطيرا فإنه ~~أسرع لكم ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر، فيأتيك أمري ففعل ذلك موسى، ~~ثم إن قوم موسى قالوا لقوم فرعون إن لنا في هذه الليلة عيدا فاستعاروا ~~منهم حليهم، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جهة البحر فلما سمع ~~فرعون ذلك، قال: هذا عمل موسى وقومه قتلوا أبكارنا في أنفسنا وأخذوا ~~أموالنا { فأرسل فرعون في المدائن حاشرين } يعني الشرط يحشرون الجيش قيل: ~~كانت ms2438 المدائن ألف مدينة واثني عشر ألف قرية، فأرسل فرعون في أثر موسى ~~وقومه ألف ألف وخمسمائة ألف، وخرج فرعون في الكرسي العظيم في مائتي ألف ~~ملك مسورين مع كل ملك ألف فلذلك قال { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } قال أهل ~~التفسير كانت الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف مقاتل، لم يعدوا دون ~~العشرين وفوق الستين سنة وقال ابن مسعود كانت ستمائة ألف وسبعين ألفا، ~~ولا يحصى عدد أصحاب فرعون. # { وإنهم لنا لغائظون } الغيظ الغضب يعني أنهم أغضبونا بمخالفتهم فينا ~~وقتلهم أبكارنا وذهابهم بأموالنا التي استعاروها، وخروجهم من أرضنا بغير ~~إذن منا { وإنا لجميع حاذرون } أي خائفون من شرهم وقرىء حذرون، أي ذوو ~~قوة وأداة شاكو السلاح وقيل الحاذر الذي يحذرك الآن بالتحقيق من المتلبس ~~بحمل السلاح، والحذر الذي لا تلقاه إلا خائفا { فأخرجناهم من جنات وعيون ~~} قيل: كانت البساتين ممتدة في حافتي النيل فيها عيون وأنهار جارية { ~~وكنوز } يعني الأموال الظاهرة من الذهب والفضة، وسماها كنوزا لأنه لم ~~يؤد حق الله منها وكل مال لم يعط، ولم يؤد حق الله منه فهو كنز وإن كان ~~ظاهرا قيل كان لفرعون ثمانمائة ألف غلام كل غلام على فرس عتيق، في عنق ~~كل فرس طوق من ذهب قال الله تعالى { ومقام كريم } أي مجلس حسن قيل: أراد ~~مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت لهم وقيل إنه كان إذا قعد على سريره ~~وضع بين يديه ثلاثمائة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف من قومه والأمراء ~~وعليهم أقبية الديباج مخوصة بالذهب والمعنى أنا أخرجناهم من بساتينهم ~~التي فيها العيون وأموالهم ومجالسهم الحسنة { كذلك } أي كما وصفنا { ~~وأورثناها بني إسرائيل } وذلك أن الله عز وجل رد بني إسرائيل إلى مصر بعد ~~هلاك فرعون، وقومه فأعطاهم جميع ما كان لفرعون، وقومه من الأموال ~~والأماكن الحسنة { فأتبعوهم مشرقين } أي لحق فرعون وقومه موسى، وأصحابه ~~وقت شروق الشمس وهو إضاءتها { فلما تراءى الجمعان } يعني تقابلا بحيث يرى ~~كل فريق صاحبه { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } أي سيدركنا فرعون وقومه ~~ولا طاقة ms2439 لنا بهم. ### || [26.62-81] # { قال } أي موسى لثقته وعد الله تعالى إياه { كلا } أي لن يدركونا { إن ~~معي ربي سيهدين } يعني يدلني على طريق النجاة { فأوحينا إلى موسى أن اضرب ~~بعصاك البحر فانفلق } أي فضربه فانشق { فكان كل فرق } أي قطعة من الماء { ~~كالطود } أي الجبل { العظيم } قيل لما انتهى موسى ومن معه إلى البحر هاجت ~~الرياح فصار البحر يرمي بموج كالجبال، قال يوشع: يا كليم الله أين أمرت ~~فقد غشينا فرعون من خلفنا، والبحر أمامنا قال موسى، ها هنا فخاض يوشع ~~الماء لا يواري حافر دابته، وقال: الذي يكتم إيمانه يا كليم الله أين ~~أمرت قال: ها هنا فكبح فرسه فصكه بلجامه حتى طار الزبد من شدقه، ثم أقحمه ~~البحر فارتسب في الماء وذهب القوم يصنعون مثل ذلك فلم يقدروا فجعل موسى ~~لا يدري كيف يصنع فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق، ~~فإذا الرجل واقف على فرسه لم يبتل سرجه ولا لبده { وأزلفنا ثم الآخرين } ~~يعني قربنا فرعون وجنوده إلى البحر وقدمناهم إلى الهلاك وقيل إن جبريل ~~كان بين بني إسرائيل، وبين قوم فرعون يقول لبني إسرائيل ليلحق آخركم ~~أولكم، ويقول للقبط رويدا ليلحق آخركم أولكم، فكان بنو إسرائيل يقولون ~~ما رأينا أحسن سياقة من هذا الرجل، وكان قوم فرعون يقولون ما رأينا أحسن ~~دعة من هذا الرجل { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين } ~~يعني أنه تعالى جعل البحر يبسا حتى خرج موسى وقومه، منه وأغرق فرعون ~~وقومه، وذلك أنهم لما تكاملوا في البحر انطبق عليهم فأغرقهم { إن في ذلك ~~لآية } يعني ما حدث في البحر من انفلاقه آية من الآيات العظام الدالة على ~~قدرته ومعجزة لموسى عليه السلام { وما كان أكثرهم مؤمنين } يعني أهل مصر ~~قيل: لم يؤمن منهم إلا آسية امرأة فرعون، وحزقيل مؤمن آل فرعون، ومريم ~~ابنة مامويا التي دلت على قبر يوسف حين أخرجه موسى من البحر { وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم } قوله تعالى { واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه ms2440 ~~وقومه ما تعبدون } يعني أي شيء تعبدون وإنما قال إبراهيم ذلك مع علمه ~~بأنهم عبدة لأصنام، ليريهم أن ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء ~~{ قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين } يعني نقيم على عبادتها وإنما ~~قالوا: نظل لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل { قال هل يسمعونكم } ~~يعني يسمعون دعاءكم { إذ تدعون أو ينفعونكم } يعني بالرزق { أو يضرون } ~~يعني إن تركتم عبادتهم وإذا كان كذلك، فكيف يستحقون العبادة؟ فلما لزمتهم ~~الحجة القاطعة { قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } المعنى أنها لا ~~تسمع قولا ولا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا ولكن اقتدينا بآبائنا في ذلك، ~~وفي الآية دليل على إبطال التقليد في الدين وذمه ومدح الأخذ بالاستدلال { ~~قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون } أي الأولون { فإنهم ~~عدو لي } أي أعداء لي وإنما وحده على إرادة الجنس. # فإن قلت: كيف وصف الأصنام بالعداوة؟ وهي جمادات لا تعقل. قلت: معناه ~~فإنهم عدو لي يوم القيامة لو عبدتهم في الدنيا وقيل: إن الكفار لما ~~عبدوها ونزلوها منزلة الأحياء العقلاء أطلق إبراهيم لفظ العداوة عليها ~~وقيل: هو من المقلوب أراد فإني عدو لهم لأن من عاديته فقد عاداك { إلا رب ~~العالمين } أي ولكن رب العالمين، فإنه ربي ووليي وقيل إنهم كانوا يعبدون ~~الأصنام مع الله تعالى فقال إبراهيم كل ما تعبدون أعداء لي إلا رب ~~العالمين ثم وصف معبوده الذي يستحق العبادة فقال { الذي خلقني فهو يهدين ~~} إلى طريق النجاة { والذي هو يطعمني ويسقين } أي يرزقني ويغذيني بالطعام ~~والشراب { وإذا مرضت } أصابني مرض أضاف المرض إلى نفسه استعمالا للأدب ~~وإن كان المرض والشفاء من الله { فهو يشفين } أي يبرئني ويعافيني من ~~المرض { والذي يميتني ثم يحيين } أي يميتني في الدنيا ثم يحييني في ~~الآخرة. ### || [26.82-102] # { والذي أطمع } أي أرجو { أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } أي يوم الجزاء ~~والحساب قيل: خطيئته كذباته الثلاث وتقدم الكلام عليها م قال # " عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله ابن جدعان كان في ms2441 ~~الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين أكان ذلك نافعا له؟ " لا ينفعه إنه لم ~~يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " " # وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه، أنه لا يصلح للإلهية إلا من يفعل ~~هذه الأفعال { رب هب لي حكما } قال ابن عباس: معرفة حدود الله وأحكامه ~~وقيل: العلم والفهم { وألحقني بالصالحين } أي بمن سلف قبلي من الأنبياء ~~في المنزلة والدرجة العالية { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } أي ثناء ~~حسنا وذكرا جميلا وقبولا عاما في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطاه الله ~~ذلك وجعل كل الأديان يتولونه، ويثنون عليه { واجعلني من ورثة جنة النعيم ~~} أي ممن تعطيه جنة النعيم لأنها السعادة الكبرى { واغفر لأبي إنه كان من ~~الضالين } قيل دعا لأبيه على رجاء أن يسلم فيغفر له فلما تبين له أنه عدو ~~لله تبرأ منه { ولا تخزني } ولا تفضحني { يوم يبعثون } وهو يوم القيامة { ~~يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من آتى الله بقلب سليم } أي خالص من الشرك ~~والشك فأما الذنوب فلا يسلم منها أحد قال سعيد بن المسيب القلب السليم هو ~~الصحيح وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض وقيل: القلب السليم ~~هو الخالي من البدعة المطمئن إلى السنة { وأزلفت الجنة } أي قربت { ~~للمتقين وبرزت الجحيم } أي أظهرت { للغاوين } أي للكافرين { وقيل لهم } ~~يعني يوم القيامة { أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم } أي ~~يمنعونكم من عذاب الله { أو ينتصرون } لأنفسهم { فكبكبوا } قال ابن عباس ~~جمعوا وقيل قذفوا وطرحوا بعضهم على بعض وقيل: ألقوا على رؤوسهم { فيها } ~~أي في جهنم { هم والغاوون } يعني الآلهة والعابدين وقيل: الجن والكافرين ~~{ وجنود إبليس أجمعون } يعني أتابعه ومن أطاعه من الإنس والجن وقيل ذريته ~~{ قالوا وهم فيها يختصمون } يعني العابدين والمعبودين { تالله إن كنا لفي ~~ضلال مبين إذ نسويكم } أي نعدلكم { برب العالمين } فنعبدكم { وما أضلنا } ~~يعني دعانا إلى الضلال { إلا المجرمون } يعني من دعاهم إلى عبادة الأصنام ~~من الجن والإنس، وقيل: الأولون الذي اقتدينا بهم وقيل ms2442 يعني إبليس وابن ~~آدم من دعاهم إلى عبادة الأصنام من الجن والإنس، وقيل: الأولون الذي ~~اقتدينا بهم وقيل يعني إبليس وابن آدم الأول وهو قابيل، وهو أو من سن ~~القتل وأنواع المعاصي { فما لنا من شافعين } يعني من يشفع لنا يعني كما ~~أن للمؤمنين شافعين من الملائكة والأنبياء { ولا صديق حميم } أي قريب ~~يشفع لنا، يقول ذلك الكفار حين يشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، ~~والصديق هو الصادق في المودة مع موافقة الدين عن جابر بن عبدالله قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم يقول: # " إن الرجل يقول في الجنة ما فعل بصديقي فلان وصديقه في الجحيم، فيقول ~~الله عز وجل أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من بقي فما لنا من شافعين ~~ولا صديق حميم " # رواه البغوي بإسناد الثعلبي. وقال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين ~~فإن لهم شفاعة يوم القيامة { فلو أن لنا كرة } أي رجعة إلى الدنيا { ~~فنكون من المؤمنين } أي أنهم تمنوا الرجعة حين لا رجعة لهم. ### || [26.103-129] # { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } أي مع هذه الدلائل والآيات { ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي المنتقم الذي لا يغالب وهو في وصف عزته ~~رحيم. قوله عز وجل { كذب قوم نوح المرسلين } أي كذبت جماعة قوم نوح، قيل: ~~القوم مؤنثة وتصغيرها قويمة. فإن قلت: كيف قال المرسلين وإنما هو رسول ~~واحد وكذلك باقي القصص. قلت: لأن دين الرسل واحد وإن الآخر منهم جاء بما ~~جاء به الأول فمن كذب واحد من الأنبياء فقد كذب جميعهم { إذ قال لهم ~~أخوهم نوح } أي أخوهم في النسب لا في الدين { ألا تتقون } أي ألا تخافون ~~فتتركوا الكفر والمعاصي { إني لكم رسول أمين } أي على الوحي، وكان ~~معروفا عندهم بالأمانة { فاتقوا الله } أي بطاعته وعبادته { وأطيعون } ~~أي فيما أمرتكم به من الإيمان والتوحيد { وما أسألكم عليه من أجر } أي من ~~جعل وجزاء { إن أجري } أي ثوابي { إلا على رب العالمين فاتقوا الله ~~وأطيعون } قيل: كرره ليؤكده عليهم ويقرره في نفوسهم وقيل ms2443 ليس فيه تكرار ~~معنى الأول ألا تتقون الله في مخالفتي وأنا رسول الله ومعنى الثاني ألا ~~تتقون الله في مخالفتي وإني لست آخذ منكم أجرا { قالوا أنؤمن لك واتبعك ~~الأرذلون } أي السفلة قال ابن عباس: يعني القافة وقيل هم الحاكة ~~والأساكفة { قال } يعني نوحا { وما علمي بما كانوا يعملون } أي وما أعلم ~~أعمالهم وصنائعهم، وليس علي من دناءة مكاسبهم وأحوالهم شيء إنما كلفت أن ~~أدعوهم إلى الله تعالى، وما لي إلا ظواهر أمرهم وقال الزجاج الصناعات لا ~~تضر في الديانات وقيل: معناه إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويوفقهم ~~ويخذلهم { إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون } أي لو تعلمون ذلك ما ~~عيرتموهم بصنائعهم { وما أنا بطارد المؤمنين } أي عني وقد آمنوا { إن أنا ~~إلا نذير مبين } معناه أخوف من كذبني فمن آمن فهو القريب مني ومن لم يؤمن ~~فهو البعيد عني { قالوا لئن لم تنته يا نوح } أي عما تقول { لتكونن من ~~المرجومين } أي من المقتولين بالحجارة وهو أسوأ القتل وقيل من المشتومين ~~{ قال رب إن قومي كذبون فافتح } أي احكم { بيني وبينهم فتحا } أي حكما ~~{ ونجني ومن معي من المؤمنين فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون } أي ~~الموقر المملوء من الناس والطير والحيوان { ثم أغرقنا بعد الباقين } أي ~~بعد إنجاء نوح ومن معه { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم } قوله تعالى { كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم ~~هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين } أي أمين على الرسالة فكيف تتهمونني ~~اليوم { فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين أتبنون بكل ريع } قال ابن عباس: أي بكل شرف وفي رواية عنه بكل ~~طريق، وقيل: هو الفج بين الجبلين وقيل: المكان المرتفع { آية } أي علامة ~~وهي العلم { تعبثون } يعني بمن مر بالطريق والمعنى، أنهم كانوا: يبنون ~~بالمواضع المرتفعة ليشرفوا على المارة والسابلة فيسخروا منهم ويعبثوا ~~بهم، وقيل إنهم بنوا بروج الحمام فأنكر عليهم هو ms2444 باتخاذها، ومعنى تعبثون ~~تلعبون بالحمام { وتتخذون مصانع } قال ابن عباس أبنية وقيل قصورا مشيدة ~~وحصونا مانعة، وقيل مآخذ الماء يعني الحياض { لعلكم تخلدون } أي كأنكم ~~تبقون فيها خالدين لا تموتون. ### || [26.130-155] # { وإذا بطشتم } أي وإذا أخذتم وسطوتم { بطشتم جبارين } أي قتلا بالسيف ~~وضربا بالسوط والجبار الذي يضرب ويقتل على الغضب، وهو مذموم في وصف ~~البشر { فاتقوا الله وأطيعون } فيه زيادة زجر عن حب الدنيا والشرف ~~والتفاخر { واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون } أي أعطاكم من الخير ما تعلمون ~~ثم ذكر ما أعطاهم فقال { أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون } فيه التنبيه ~~على نعمة الله تعالى عليهم { إني أخاف عليكم } قال ابن عباس إن عصيتموني ~~{ عذاب يوم عظيم } فكان جوابهم أن { قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من ~~الواعظين } أي أنهم أظهروا قلة اكتراثهم بكلامه، واستخفافهم بما أورده من ~~المواعظ والوعظ كلام يلين القلب يذكر الوعد والوعيد { إن هذا إلا خلق ~~الأولين } قرىء بفتح الخاء أي اختلاق الأولين وكذبهم وقرىء خلق بضم ~~الخاء، واللام أي عادة الأولين من قبلنا أنهم يعيشون ما عاشوا ثم يموتون ~~ولا بعث ولا حساب وقولهم { وما نحن بمعذبين } أين أنهم أظهروا بذلك تقوية ~~نفوسهم فيما تمسكوا به من إنكارهم المعاد { فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } قوله تعالى { ~~كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون إني لكم رسول أمين ~~فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه أجر إن أجري إلا على رب العالمين ~~أتتركون فيما ها هنا آمنين } أي في الدنيا من العذاب { في جنات وعيون ~~وزروع ونخل طلعها } أي ثمرها الذي يطلع منها { هضيم } قال ابن عباس: لطيف ~~وعنه يانع نضيج وقيل: هو اللين الرخو. وقيل: متهشم يتفتت إذا مس. وقيل: ~~الهضيم هو الذي دخل بعضه في بعض من النضج أو النعومة وقيل هو المدرك { ~~وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين } وقرىء فرهين قيل: الفاره الحاذق ~~بنحتها والفره قال ابن عباس: الأشر والبطر وقيل: معناه متجبرين ms2445 فرحين ~~معجبين بصنعكم { فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين } قال ابن ~~عباس: أي المشركين وقيل يعني التسعة الذين عقروا الناقة { الذين يفسدون ~~في الأرض } أي بالمعاصي { ولا يصلحون } أي لا يطعيون الله فيما أمرهم { ~~قالوا إنما أنت من المسحرين } أي المسحورين المخدوعين وقال ابن عباس: من ~~المخلوقين المعللين بالطعام والشراب { ما أنت إلا بشر مثلنا } والمعنى ~~أنت بشر مثلنا ولست بملك { فأت بآية } يعني على صحة ما تقول { إن كنت من ~~الصادقين } يعني أنك رسول إلينا { قال هذه ناقة لها شرب } أي حظ من الماء ~~{ ولكم شرب يوم معلوم }. ### || [26.156-188] # { ولا تمسوها بسوء } أي بعقر { فيأخذكم عذاب يوم عظيم فعقروها فأصبحوا ~~نادمين } أي على عقرها لما رأوا العذاب { فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية ~~وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } قوله عز وجل { كذبت ~~قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين ~~فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ~~أتأتون الذكران من العالمين } يعني نكاح الرجال من بني آدم { وتذرون ما ~~خلق لكم ربكم من أزواجكم } يعني أتتركون العضو المباح من النساء وتميلون ~~إلى أدبار الرجال { بل أنتم قوم عادون } أي معتدون مجاوزون الحلال إلى ~~الحرام { قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين } أي من قريتنا { ~~قال إني لعملكم من القالين } أي من التاركين المبغضين { رب نجني وأهلي ~~مما يعملون } أي من العمل الخبيث قال الله تعالى { فنجيناه وأهله أجمعين ~~إلا عجوزا } أي امرأته { في الغابرين } أي بقيت في المهلكين { ثم دمرنا ~~الآخرين } أي أهلكناهم { وأمطرنا عليهم مطرا } يعني الكبريت والنار { ~~فساء مطر المنذرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم } قوله عز وجل { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } أي الغيضة ~~الملتفة من الشجر وقيل هو اسم البلد { إذ قال لهم شعيب } لم يقل لهم ~~أخوهم لأنه لم يكن منهم وإنما كان من مدين وأرسل إليهم ms2446 { ألا تتقون إني ~~لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا ~~على رب العالمين } إنما كانت دعوة هؤلاء الأنبياء فيما حكي عنهم على صيغة ~~واحدة لاتفاقهم على تقوى الله وطاعته، والإخلاص في العبادة والامتناع من ~~أخذ الأجر على تبليغ الرسالة، { أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين } أي ~~الناقصين لحقوق الناس في الكيل والوزن { وزنوا بالقسطاس } أي بالميزان ~~العدل { المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ~~واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين } يعني الخليقة والأمم المتقدمة { ~~قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين ~~فاسقط علينا كسفا } يعني قطعا { من السماء إن كنت من الصادقين قال ربي ~~أعلم بما تعملون } يعني من نقصان الكيل والوزن وهو مجازيكم بأعمالكم، ~~وليس العذاب إلي وما علي إلا الدعوة والتبليغ. ### || [26.189-214] # { فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم } وذلك أنهم ~~أصابهم حر شديد فكانوا يدخلون الأسراب، فيجدونها أحر من ذلك فيخرجون ~~فأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا { إن ~~في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } وقد تقدم ~~الكلام على هذه القصص في سورة الأعراف وهود فأغنى عن الإعادة هنا والله ~~أعلم بمراده. قوله عز وجل { وإنه } يعني القرآن { لتنزيل رب العالمين } ~~يعني أن فيه من أخبار الأمم الماضية ما يدل على أنه من رب العالمين { نزل ~~به الروح الأمين } يعني جبريل عليه السلام سماه زوجا لأنه خلق من الروح ~~وسماه أمينا، لأنه مؤتمن على وحيه لأنبيائه { على قلب } يعني على قلبك ~~حتى تعيه وتفهمه ولا تنساه وإنما خص القلب لأنه هو المخاطب في الحقيقة، ~~وأنه موضع التمييز والعقل والاختيار وسائر الأعضاء مسخرة له ويدل عليه ~~قوله صلى الله عليه وسلم # " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد ~~كله ألا وهي القلب " # أخرجاه في الصحيحين. ومن المعقول أن موضع الفرح والسرور، والغم والحزن ~~هو ms2447 القلب، فإذا فرح القلب أو حزن تغير حال سائر الأعضاء فكأن القلب ~~كالرئيس لها، ومنه أن موضع العقل هو القلب على الصحيح من القولين فإذا ~~ثبت ذلك كان القلب هو الأمير المطلق، وهو المكلف والتكليف مشروط بالعقل ~~والفهم. قوله تعالى { لتكون من المنذرين } أي المخوفين { بلسان عربي مبين ~~} قال ابن عباس بلسان قريش ليفهموا ما فيه { وإنه } يعني القرآن وقيل ذكر ~~محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته { لفي زبر الأولين } أي كتب الأولين ~~{ أولم يكن لهم آية } يعني أولم يكن لهؤلاء المتكبرين علامة ودلالة على ~~صدق محمد صلى الله عليه وسلم { أن يعلمه } يعني يعلم محمدا صلى الله ~~عليه وسلم { علماء بني إسرائيل }. قال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود ~~وهم بالمدينة يسألونهم عن محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا إن هذا لزمانه ~~وإنا نجد في التوراة نعته وصفته فكان ذلك آية على صدقه صلى الله عليه ~~وسلم قيل كانوا خمسة عبدالله بن سلام وابن يامين وثعلبة وأسد وأسيد. قوله ~~تعالى { ولو نزلناه } يعني القرآن { على بعض الأعجمين } جمع أعجمي وهو ~~الذي لا يفصح ولا يحسن العربية، وإن كان عربيا في النسب ومعنى الآية، ~~وأنزلنا القرآن على رجل ليس بعربي اللسان { فقرأه عليهم } يعني القرآن { ~~ما كانوا به مؤمنين } أي لقالوا لا نفقه قولك وقيل معناه لما آمنوا به ~~أنفة من اتباع من ليس من العرب { كذلك سلكناه } قال ابن عباس: يعني ~~أدخلنا الشرك والتكذيب { في قلوب المجرمين لا يؤمنون به } آي القرآن { ~~حتى يروا العذاب الأليم فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون فيقولوا هل نحن ~~منظرون } أي لنؤمن ونصدق وتمنوا الرجعة ولا رجعة لهم { أفبعذابنا ~~يستعجلون } قيل لما وعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب قالوا إلى ~~متى توعدنا بالعذاب ومتى هذا العذاب، فأنزل الله أفبعذابنا يستعجلون { ~~أفرأيت إن متعناهم سنين } أي كفار مكة في الدنيا ولم نهلكهم { ثم جاءهم ~~ما كانوا يوعدون } يعني العذاب { ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون } أي في ~~تلك السنين الكثيرة والمعنى أنهم ms2448 وإن طال تمتعهم بنعيم الدنيا، فإذا ~~أتاهم العذاب لم يغن عنهم طول التمتع شيئا ويكونوا كأنهم لم يكونوا في ~~نعيم قط { وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون } أي رسل ينذرونهم { ذكرى } ~~أي تذكرة { وما كنا ظالمين } أي في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم { وما ~~تنزلت به الشياطين } يعني أن المشركين كانوا يقولون: إن الشياطين يلقون ~~القرآن على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ذلك { وما ينبغي لهم } أن ينزلوا ~~بالقرآن { وما يستطيعون } أي ذلك، ثم إنه تعالى ذكر سبب ذلك فقال { إنهم ~~عن السمع لمعزولون } أي محجوبون بالرمي بالشهب فلا يصلون إلى استراق ~~السمع { فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين } الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد به غيره لأنه معصوم من ذلك. # قال ابن عباس: يحذر بهم غيره يقول أنت أكرم الخلق علي، ولو اتخذت إلها ~~غيري لعذبتك. قوله تعالى { وأنذر عشيرتك الأقربين } روى محمد بن إسحاق ~~بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: # " لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا علي إن ~~الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعا وعرفت أني متى ~~أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره فصمت عليها حتى جاءني جبريل فقال: ~~يا محمد أن لا تفعل ما تؤمر يعذبك ربك فاصنع لنا طعاما واجعل لنا عليه ~~رجل شاة واملأ لنا عسا من لبن ثم اجمع لي بني عبدالمطلب حتى أبلغهم ما ~~أمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له وكانوا يومئذ نحو أربعين ~~رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو ~~لهب فلما اجتمعوا دعاني بالطعام الذي صنعت فجئت به، فتناول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جذبة من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ~~ثم قال: خذوا باسم الله فأكل القوم حتى ما لهم بشيء من حاجة وأيم الله أن ~~كان الرجل الواحد ليأكل، مثل ما قدمت لجميعهم ثم قال اسق ms2449 القوم فجئتهم ~~بذلك العس فشربوا حتى رووا جميعا، وأيم الله أن كان الرجل الواحد ليشرب ~~مثله فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب ~~فقال: سحركم صاحبكم فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: الغد يا علي فإن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرق ~~القوم قبل أن أكلمهم، فاعدد لنا من الطعام مثل ما صنعت ثم اجمعهم ففعلت ~~ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته، ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا وشربوا ~~ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه سلم فقال: يا بني عبدالمطلب إني قد ~~جئتكم بخبري الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله عز وجل أن أدعوكم إليه فأيكم ~~يوازرني على أمري هذا، ويكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم فأحجم القوم عنها ~~جميعا، وأنا أحدثهم سنا فقلت أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه فأخذ ~~برقبتي، ثم قال هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا فقام ~~القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيعه " # ق عن ابن عباس رضي الله عنهما: # " لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين صعد النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الصفا فجعل ينادي: " يا بني فهر يا بني عدي لبطون من قريش، حتى اجتمعوا ~~فجعل الذي لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش ~~فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم ~~مصدقي قالوا ما جربنا عليك كذبا قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ~~". # فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا فنزلت # تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب # [المسد: 1-2] وفي رواية قد تب وفي رواية للبخاري، # " لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } ورهطك منهم المخلصين خرج سول الله ~~صلى الله عليه وسلم، حتى صعد الصفا فهتف يا صباحاه " # ، فقالوا من هذا واجتمعوا إليه وذكر نحوه ق عن أبي هريرة قال قام رسول ~~الله صلى الله ms2450 عليه وسلم حين أنزل الله تعالى { وأنذر عشيرتك الأقربين } ~~وقال يا معشر قريش أو كلمة نحوها # " اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب لا أغني ~~عنكم من الله شيئا يا عباس بن عبدالمطلب لا أغني عنك من الله شيئا، ويا ~~صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا ويا فاطمة بنت رسول الله ~~سليني ماشئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا " # م عن قبيصة بن مخارق وزهير بن عمرو قالا لما نزلت { وأنذر عشيرتك ~~الأقربين } انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رضمة جبل فعلا أعلاها ~~حجرا ثم نادى # " يا بني عبد مناف إني نذير لكم إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو ~~فانطلق يريد أهله فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتف يا صباحاه " # ومعنى الآية أن الإنسان إذا بدأ بنفسه أولا وبالأقرب فالأقرب من أهله ~~ثانيا لم يكن لأحد عليه طعن ألبتة وكان قوله أنفع وكلامه أنجع. ### || [26.215-227] # { واخفض } اي ألن { جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } فإن قلت ما معنى ~~التبعيض في قوله { من المؤمنين } وقلت: معناه لمن اتبعك من المؤمنين ~~المصدقين بقلوبهم وألسنتهم دون المؤمنين بألستنهم وهم المنافقون { فإن ~~عصوك } يعني فيما تأمرهم به { فقل إني بريء مما تعملون } يعني من الكفر ~~والمخالفة { وتوكل على العزيز الرحيم } التوكل عبارة عن تفويض الرجل أمره ~~إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره وهو الله تعالى العزيز الذي يقهر ~~أعداءك، بعزته الرحيم الذي ينصرك عليهم برحمته { الذي يراك حين تقوم } ~~إلى صلاتك وقيل يراك أينما كنت وقيل يراك حين تقوم لدعائك { وتقلبك في ~~الساجدين } قال ابن عباس: ويرى تقلبك في صلاتك في حال قيامك وركوعك ~~وسجودك وقعودك وقيل مع المصلين في الجماعة يقول يراك إذا صليت وحدك ومع ~~الجماعة، وقيل: معناه يرى تقلب بصرك في المصلين فإنه كان صلى الله عليه ~~وسلم يبصر من خلفه كما يبصر من قدامه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " هل ترون ms2451 قبلتي ها هنا فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم إني ~~لأراكم من وراء ظهري " # وقيل: معناه يرى تصرفك وذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين. قيل: تصرفك في ~~أحوالك كما كانت الأنبياء من قبلك وقال ابن عباس أراد وتقلبك في أصلاب ~~الأنبياء من نبي إلى نبي حتى أخرجك في هذه الأمة { إنه هو السميع } يعني ~~لقولك ودعائك { العليم } يعني بنيتك وعملك قل يا محمد { هل أنبئكم } يعني ~~أخبركم { على من تنزل الشياطين } هذا جواب لقولهم ينزل عليه شيطان ثم بين ~~على من تنزل الشياطين فقال تعالى { تنزل على كل أفاك } يعني كذاب { أثيم ~~} يعني فاجر وهم الكهنة وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع، ثم يلقون ~~ذلك إلى أوليائهم من الإنس وهو قوله تعالى { يلقون السمع } يعني ما ~~يسمعون من الملائكة فيلقونه إلى الكهنة { وأكثرهم كاذبون } لأنهم يخلطون ~~به كذبا كثيرا { والشعراء يتبعهم الغاوون } قال أهل التفسير أراد شعراء ~~الكفار والذي كانوا يهدون النبي صلى الله عليه وسلم منهم عبدالله بن ~~الزبعرى السهمي، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي ومسافع بن عبد مناف وأبو ~~عمرو بن عبدالله الجمحي وأمية بن أبي الصلت الثقفي تكلموا بالكذب، ~~والباطل وقالوا نحن نقول مثل ما يقول محمد وقالوا الشعر، واجتمع إليهم ~~غواة قومهم يسمعون أشعارهم حين يهجون محمدا صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ~~وكانوا يروون عنهم قولهم فلذلك قوله { يتبعهم الغاوون } فهم الرواة الذين ~~يروون هجاء المسلمين، وقيل الغاوون هم الشياطين وقيل هم السفهاء الضالون ~~وفي رواية أن الرجلين أحدهما من الأنصار تهاجيا على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومع كل واحد غواة من قومه، وهم السفهاء فنزلت هذه الآية { ~~ألم تر أنهم في كل واد } من أودية الكلام { يهيمون } يعني حائرين وعن ~~طريق الحق حائدين، والهائم الذاهب على وجهه لا مقصد له وقال ابن عباس في ~~كل لغو يخوضون، وقيل يمدحون بالباطل ويهجون بالباطل وقيل إنهم يمدحون ~~الشيء ثم يذمونه لا يطلبون الحق والصدق، فالوادي مثل لفنون الكلام والغوص ~~في المعاني والقوافي { وأنهم يقولون ms2452 ما لا يفعلون } أي أنهم يكذبون في ~~شعرهم وقيل إنهم يمدحون الجود والكرم ويحثون عليه وهم لا يفعلونه ويذمون ~~البخل ويصرون عليه ويهجون الناس بأدنى شيء صدر منهم ق عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلىء شعرا " # ثم استثنى شعراء المسلمين الذي كانوا يجتنبون شعر الكفار، ويهجون ~~وينافحون عن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه منهم حسان بن ثابت وعبدالله ~~بن رواحة وكعب بن مالك فقال تعالى { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~روي أن كعب بن مالك قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله أنزل في الشعر ~~ما أنزل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح ~~النبل " # عن أنس بن مالك رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في ~~عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول: # خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على ~~تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن ~~خليله # فقال عمر يا ابن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم ~~الله تقول الشعر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " خل عنه يا عمر فلهي أسرع فيهم من نضح النبل " # أخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: وقد روي في غير هذا الحديث أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وكعب بن مالك بين ~~يديه، وهذا أصح عند بعض أهل الحديث لأن عبدالله بن رواحة قتل يوم مؤتة، ~~وكانت عمرة القضاء بعد ذلك قلت الصحيح، هو الأول لأن عمرة القضاء كانت ~~سنة سبع ويوم مؤتة سنة ثمان والله أعلم ق عن البراء أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال يوم قريظة لحسان: # " أهج المشركين فإن جبريل معك " # خ عن عائشة قالت # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبرا في ms2453 المسجد يقوم ~~عليه قائما يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وينافح ويقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر ~~عن رسول الله " # م عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " اهجوا قريشا فإنه أشد عليها من رشق النبل فأرسل إلى ابن رواحة فقال ~~أهجهم فهجاهم فلم يرضى فأرسل إلى كعب بن مالك ثم أرسل إلى حسان بن ثابت ~~فلما دخل عليه حسان: قال: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب ~~بذنبه ثم أدلع لسانه فجعل يحركه فقال: والذي بعث بالحق لأفرينهم بلساني ~~فري الأديم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تعجل فإن أبا بكر أعلم ~~قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبا حتى يلخص لك نسبي فأتاه حسان ثم رجع ~~فقال: يا رسول الله قد لخص لي نسبك والذي بعثك بالحق نبيا لأسلنك منهم ~~كما تسل الشعرة من العجين " # قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: # " إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله " # قالت وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " هجاهم حسان فشفى واشتفى " # فقال حسان: # هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء هجوت محمدا ~~برا تقيا رسول الله شيمته الوفاء فإن أبي ~~ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء ثكلت بنيتي إن لمم تروها ~~تثير النقع موعدها كداء يبارين الأعنة مصعدات على ~~أكنافها الأسل الظماء تظل جيادها متمطرات تلطمهن ~~بالخمر النساء فإن أعرضتم عنا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف ~~الغطاء وإلا فاصبروا لضراب يوم يعز الله فيه من يشاء ~~وقال الله قد أرسلت عبدا يقول الحق ليس به خفاء وقال ~~الله قد سيرت جندا هم الأنصار عرضتها اللقاء لنا في ~~كل يوم من معد سباب أو قتال أو هجاء فمن يهجو رسول ~~الله منكم ويمدحه وينصره سواء وجبريل رسول الله فينا ~~وروح القدس ليس له كفاء # فصل في مدح الشعر خ عن أبي ms2454 بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن من الشعر لحكمة " # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فجعل يتكلم بكلام فقال # " إن من البيان سحرا وإن من الشعر حكما " # أخرجه أبو داود # " عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: " ردفت وراء النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوما فقال هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء، قلت نعم قال: هيه: ~~فأنشدته بيتا فقال: هيه ثم أنشدته بيتا قال: هيه حتى أنشدته مائة بيت " ~~" # زاد في رواية # " لقد كاد يسلم في شعره " # عن جابر بن سمره قال: " جالست النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة ~~مرة فكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية، وهو ~~ساكت وربما تبسم معهم " أخرجه الترمذي. # وقال حديث حسن صحيح. وقالت عائشة: الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ ~~منه الحسن ودع منه القبيح. وقال الشعبي: كان أبو بكر يقول الشعر وكان عمر ~~يقول الشعر وكان علي أشعر منهما وروي عن ابن عباس أنه كان ينشد الشعر ~~ويستنشده في المسجد، فيروى أنه دعا عمر بن ربيعة المخزومي، فاستنشده ~~القصيدة التي قالها فقال: # آمن آل نعم أنت غاد فمبكر غداة غد أم رائح فمهجر # فأنشده القصيدة إلى آخرها، وهي قريب من تسعين بيتا ثم إن ابن عباس أعاد ~~القصيدة جميعها، وكان حفظها بمرة واحدة. قوله تعالى { وذكروا الله كثيرا ~~} أي لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله { وانتصروا من بعد ما ظلموا } أي ~~انتصروا من المشركين لأنهم بدؤوا بالهجاء، ثم أوعد شعراء المشركين فقال ~~تعالى { وسيعلم الذين ظلموا } أي أشركوا وهجوا رسول لله صلى الله عليه ~~وسلم وهو الطاهر المطهر من الهجاء { أي منقلب ينقلبون } أي أي مرجع ~~يرجعون إليه بعد الموت قال ابن عباس: إلى جهنم وبئس المصير والله أعلم ~~بمراده وأسرار كتابه. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-3] # قوله عز وجل { طس تلك آيات القرآن } أي هذه آيات القرآن { وكتاب مبين } ~~أي وآيات ms2455 كتاب مبين { هدى وبشرى للمؤمنين } أي هو هدى من الضلالة، وبشرى ~~لهم بالجنة { الذين يقيمون الصلاة } أي الخمس بشرائطها { ويؤتون الزكاة } ~~أي إذا وجبت عليهم طيبة بها أنفسهم { وهم بالآخرة هم يوقنون } يعني أن ~~هؤلاء الذين يعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة. ### || [27.4-10] # { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم } أي القبيحة حتى رأوها ~~حسنة وقيل: إن التزين هو أن يخلق الله العلم في القلب بما فيه المنافع ~~واللذات ولا يخلق العلم بما فيه المضار والآفات { فهم يعمهون } أي ~~يترددون فيها متحيرين { أولئك الذين لهم سوء العذاب } أي أشده وهو القتل ~~والأسر { وهم في الآخرة هم الأخسرون } أي أنهم خسروا أنفسهم وأهليهم ~~وساورا إلى النار. قوله تعالى { وإنك لتلقى القرآن } أي تؤتاه وتلقنه ~~وحيا { من لدن حكيم عليم } أي حكيم عليم بما أنزل إليك. فإن قلت: ما ~~الفرق بين الحكمة والعلم. قلت: الحكمة هي العلم بالأمور العلمية فقط ~~والعلم أعم منه لأنه العلم قد يكون علما، وقد يكون نظرا والعلوم ~~النظرية أشرف { إذ قال } أي واذكر يا محمد إذ قال { موسى لأهله } أي في ~~مسيره بأهله من مدين إلى مصر { إني آنست } أي أبصرت { نارا سآتيكم منها ~~بخبر } أي امكثوا مكانكم سآتيكم بخبر عن الطريق، وقد كان ضل عن الطريق { ~~أو آتيكم بشهاب قبس } الشهاب شعلة النار والقبس النار المقبوسة منها، ~~وقيل: القبس هو العود الذي في أحد طرفيه نار { لعلكم تصطلون } يعني ~~تستدفئون من البرد كان في شدة الشتاء { فلما جاءها نودي أن بورك من في ~~النار } يعني بورك على من في النار وقيل: البركة راجعة إلى موسى ~~والملائكة والمعنى من في طلب النار وهو موسى { ومن حولها } وهم الملائكة ~~الذين حول النار وهذه تحية من الله عز وجل لموسى بالبركة، وقيل: المراد ~~من النار النور وذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا ومن في النار هم ~~الملائكة وذلك أن النور الذي رآه موسى كان فيه ملائكة لهم زجل بالتسبيح ~~والتقديس، ومن حولها موسى، لأنه كان بالقرب منها وقيل ms2456 البركة راجعة إلى ~~النار، وقال ابن عباس: معناه بوركت النار والمعنى بورك من في النار ومن ~~حولها وهم الملائكة وموسى وروي عن ابن عباس في قوله بورك من في النار قدس ~~من في النار وهو الله تعالى عنى به نفسه على معنى أنه نادى موسى وأسمعه ~~من جهتها كما روي أنه مكتوب في التوراة جاء الله من سيناء، وأشرف من ~~ساعين واستعلى من جبال فاران ومعنى مجيئه من سيناء بعثه موسى منه، ومن ~~ساعين بعثة المسيح ومن جبال فاران بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وفاران ~~اسم مكة، وقيل كانت النار بعينها وهي إحدى حجب الله عز وجل كما صح في ~~الحديث # " حجابة النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " # ثم نزه الله سبحانه وتعالى نفسه، وهو المنزه من كل سوء وعيب فقال تعالى ~~{ وسبحان الله رب العالمين } ثم تعرف إلى موسى بصفاته فقال: الله يا موسى ~~{ إنه أنا الله العزيز الحكيم } قيل معناه أن موسى قال: من المنادي قال: ~~إنه أنا الله وهذا تمهيد لما أراد الله أن يظهره على يده من المعجزات، ~~والمعنى أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام كقلب العصا حية وهو ~~قوله { وألق عصاك } تقديره فألقاها فصارت حية { فلما رآها تهتز } أي ~~تتحرك { كأنها جان } وهي الحية الصغيرة التي يكثر اضطرابها { ولى مدبرا ~~} يعني هرب من الخوف { ولم يعقب } يعني لم يرجع، ولم يلتفت قال الله ~~تعالى { يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون } يريد إذا أمنتهم لا ~~يخافون أما الخوف الذي هو شرط الإيمان، فلا يفارقهم قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " أنا أخشاكم لله ". ### || [27.11-16] # { إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم } قيل: هو ما يصدر من ~~الأنبياء من ترك الأفضل والصغيرة وقيل يحتمل أن يكون المراد منه التعريض ~~بما وجد من موسى من قتل القبطي وهو من التعريضات اللطيفة وسماه ظلما ~~لقول موسى # إني ظلمت نفسي # [النمل: 44] ثم إنه خاف ms2457 من ذلك فتاب قال: # رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له # [القصص: 16] قال ابن جريح: قال الله تعالى لموسى إنما أخفتك لقتلك ~~النفس، ومعنى الآية لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم فإن ~~أصابه أخافه حتى يتوب، فعلى هذا التأويل يكون صحيحا وتناهى الخبر عن ~~الرسل عند قوله إلا من ظلم ثم ابتدأ الخبر عن حالة من ظلم من الناس كافة ~~وفي الآية متروك استغنى عن ذكره لدلالة الكلام عليه تقديره: فمن ظلم ثم ~~بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم وقيل ليس هذا الاستثناء من المرسلين، ~~لأنه لا يجوز عليهم الظلم بل هو استثناء من المتروك ومعناه: لا يخاف لدي ~~المرسلون إنما الخوف عليهم من الظالمين وهذا الاستثناء المنقطع معناه لكن ~~من ظلم من سائر الناس فإنه يخاف فإن تاب وبدل حسنا بعد سوء فإني غفور ~~رحيم أي أغفر له وأزيل خوفه وقيل: إلا هنا بمعنى ولا معناه ولا يخاف لدي ~~المرسلون ولا من ظلم، ثم بدل حسنا بعد سوء يعني تاب من ظلمه فإني غفور ~~رحيم ثم إن الله تعالى أراه آية أخرى فقال تعالى { وأدخل يدك في جيبك ~~تخرج بيضاء } قيل كانت عليه مدرعة صوف لا كم لها، ولا أزرار فأدخل يده ~~في جيبها وأخرجها فإذا هي تبرق مثل شعاع الشمس أو البرق { من غير سوء } ~~يعني من غير برص { في تسع آيات } يعني آية مع تسع آيات أنت مرسل بهن فعلى ~~هذا تكون الآيات إحدى عشرة العصا واليد البيضاء والفلق والطوفان والجراد ~~والقمل والضفادع والدم والطمس والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم، ~~وقيل: في بمعنى من أي من تسع آيات فتكون اليد البيضاء من التسع { إلى ~~فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين } يعني خارجين عن الطاعة { فلما ~~جاءتهم آياتنا مبصرة } يعني بينة واضحة يبصرونها { قالوا هذا } يعني الذي ~~نراه { سحر مبين } يعني ظاهر { وجحدوا بها } يعني أنكروا الآيات، ولم ~~يقروا أنها من عند الله { واستيقنتها أنفسهم } يعني علموا أنها من عند ~~الله والمعنى أنهم ms2458 جحدوا بها بألسنتهم واستيقنوها بقلوبهم وضمائرهم { ~~ظلما وعلوا } أي شركا وتكبرا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى { فانظر ~~كيف كان عاقبة المفسدين } يعني الغرق. قوله تعالى { ولقد آتينا داود ~~وسليمان علما } يعني علم القضاء والسياسة وعلم داود تسبيح الطير، ~~والجبال وعلم سليمان منطق الطير والدواب { وقالا الحمد لله الذي فضلنا } ~~يعني بالنبوة والكتاب والملك وتسخير الجن والإنس { على كثير من عباده ~~المؤمنين } أراد بالكثير الذين فضلا عليهم من لم يؤت علما أو لم يؤت مثل ~~علمهما، وفيه أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير وقيل إنهما لم يفضلا ~~أنفسهما على الكل، وذلك يدل على حسن التواضع. # قوله تعالى { وورث سليمان داود } يعني نبوته وعلمه، وملكه دون سائر ~~أولاده وكان لداود تسعة عشر ابنا وأعطي سليمان ما أعطي داود وزيد له ~~تسخير الريح، والجن والشياطين قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من داود ~~وأقضى منه وكان داود أشد تعبدا من سليمان وكان سليمان شاكرا لنعم الله ~~تعالى { وقال } يعني سليمان { يا أيها الناس علمنا منطق الطير } سمى صوت ~~الطير منطقا لحصول الفهم منه، وروي عن كعب الأحبار قال: صاح ورشان عند ~~سليمان، فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: لا قال إنه يقول لدوا للموت ~~وابنوا للخراب وصاحت فاختة فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا لا قال إنها تقول ~~ليت الخلق لم يخلقوا وصاح طاووس فقال أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: إنه ~~يقول كما تدين تدان وصاح هدهد فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: لا قال: ~~إنه يقول من لا يرحم لا يرحم وصاح صرد فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: ~~لا قال إنه يقول استغفروا ربكم يا مذنبين وصاحت طيطوى فقال أتدرون ما ~~تقول؟ قالوا: لا قال: فإنها تقول كل حي ميت وكل جديد بال وصاح خطاف فقال: ~~أتدرون ما يقول قالوا: لا قال إنه يقول قدموا خيرا تجدوه وهدرت حمامة ~~قال: أتدرون ما تقول قالوا:لا قال: إنها تقول سبحان ربي الأعلى ملء سمائه ~~وأرضه وصاح قمري قال أتدرون ما ms2459 يقول؟ قالوا: لا قال إنه يقول سبحان ربي ~~الدائم قال والغراب يدعو على العشار والحدأة تقول كل شيء هالك إلا وجهه، ~~والقطاة تقول من سكت سلم والببغاء تقول: ويل لمن كانت الدنيا همه. ~~والضفدع يقول سبحان ربي القدوس والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده والضفدعة ~~تقول: سبحان المذكور بكل لسان. وعن مكحول قال صاح دراج عند سليمان فقال: ~~أتدرون ما يقول قالوا: لا قال إنه يقول الرحمن على العرش استوى وقال فرقد ~~مر سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه، ويميل ذنبه فقال: لأصحابه أتدرون ~~ما يقول هذا البلبل؟ قالوا الله ونبيه أعلم قال إنه يقول أكلت نصف تمرة ~~فعلى الدنيا العفاء وروي أن جماعة من اليهود قالوا لابن عباس: إنا سائلوك ~~عن سبعة أشياء إن أخبرتنا آمنا وصدقنا قال: سلوا تفقها لا تعنتا قالوا ~~أخبرنا ما تقول القنبرة في صفيرها والديك في صعيقه، والضفدع في نقيقه ~~والحمار في نهيقه، والفرس في صهيله وماذا يقول الزرزور والدراج قال نعم ~~أما القنبر فإنه يقول: اللهم العن مبغض محمد وآل محمد والديك يقول اذكروا ~~الله يا غافلين وأما الضفدع، فإنه يقول سبحان الله المعبود في البحار ~~وأما الحمار فإنه يقول اللهم العن العشار وأما الفرس، فإنه يقول إذا ~~التقى الجمعان سبوح قدوس رب الملائكة والروح وأما الزرزور، فإنه يقول ~~اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم يا رزاق وأما الدراج فإنه يقول الرحمن على ~~العرش استوى، فأسلم هؤلاء اليهود وحسن إسلامهم وروي عن جعفر الصادق عن ~~أبيه عن جده الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، قال: إذا صاح ~~النسر قال: يا ابن آدم عشت ما شئت آخره الموت، وإذا صاح العقاب قال البعد ~~من الناس أنس، وإذا صاح القنبر قال إلهي العن مبغضي محمد وآل محمد وإذا ~~صاح الخطاف قال الحمد لله رب العالمين ويمد العالمين كما يمد القارىء. # وقوله تعالى { وأوتينا من كل شيء } أي مما أوتي الأنبياء، والملوك قال ~~ابن عباس: من أمر الدنيا والآخرة وقيل النبوة والملك وتسخير ms2460 الرياح والجن ~~والشياطين { إن هذا لهو الفضل المبين } يعني الزيادة الظاهرة على ما أعطي ~~غيرنا وروي أن سليمان أعطي مشارق الأرض ومغاربها فملك ذلك أربعين سنة ~~فملك جميع الدنيا من الجن والإنس والشياطين والطير، والدواب والسباع ~~وأعطي مع هذا منطق الطير ومنطق كل شيء وفي زمنه صنعت الصنائع العجيبة. ### || [27.17-20] # { وحشر } أي جمع { لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير } من الأماكن في ~~مسير له { فهم يوزعون } أي يحبسون حتى يرد أولهم على آخرهم، قيل: كان على ~~جنوده وزعة من النقباء ترد أولها على آخرها لئلا يتقدموا في المسير قال ~~محمد بن كعب القرظي كان معسكر سليمان مائة فرسخ خمسة وعشرون منها للإنس ~~وخمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير والفرسخ اثنا ~~عشر ألف خطوة فالبريد ثمانية وأربعون ألف خطوة لأنه أربع فراسخ فجملة ذلك ~~خمسة وعشرون بريدا وقيل نسجت الجن له بساطا من ذهب وحرير، فرسخا في ~~فرسخ وكان يوضع كرسيه في وسطه، فيقعد وحوله كراسي الذهب والفضة فيقعد ~~الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة، والناس حوله والجن ~~والشياطين حول الناس والوحوش حولهم وتظله الطيور بأجنحتها، حتى لا تقع ~~عليه الشمس وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة ~~يعني حرة وسبعمائة سرية فيأمر الريح العاصف فترفعه ثم يأمر الرخاء فتسير ~~به وأوحى الله إليه، وهو يسير بين السماء والأرض أني قد زدت في ملكك أنه ~~لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت الريح وأخبرتك به. قوله عز وجل { ~~حتى إذا أتوا على وادي النمل } أي أشرفوا على وادي النمل روي عن كعب ~~الأحبار قال: كان سليمان إذا ركب حمل أهله وخدمه وحشمه، وقد اتخذ مطابخ ~~ومخابز فيها تنانير الحديد والقدور العظام تسع كل قدر على عشرة من الإبل ~~فيطبخ الطباخون ويخبز الخبازون وهو بين السماء والأرض واتخذ ميادين ~~للدواب فتجري بين يديه والريح تهوي به فسار من اصطخر يريد اليمن فسلك على ~~مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال سليمان: هذه ms2461 دار هجرة نبي يكون في ~~آخر الزمان طوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتبعه ولما وصل مكة رأى حول ~~البيت، أصناما تعبد فجاوزه سليمان فلما جاوزه بكى البيت فأوحى الله إليه ~~ما يبكيك قال يا رب أبكاني هذا نبي من أنبيائك ومعه قوم من أوليائك مروا ~~علي، ولم يهبطوا ولم يصلوا عندي والأصنام تعبد حولي من دونك فأوحى الله ~~إليه لا تبك، فإني سوف أملؤك وجوها سجدا وأنزل فيك قرآنا جديدا، ~~وأبعث منك نبيا في آخر الزمان أحب أنبيائي إلي، وأجعل فيك عمارا من ~~خلقي يعبدونني، وأفرض عليهم فريضة يزفون إليك زفيف النسر إلى وكرها ~~ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضها، وأطهرك من ~~الأوثان والأصنام والشيطان ثم مضى سليمان حتى مر بوادي السدير واد من ~~الطائف فأتى على وادي النمل كذا قال كعب الأحبار. وقيل: إنه بالشأم هو ~~واد يسكنه الجن وذلك النمل مراكبهم. # وقيل: إن ذلك النمل الذباب. وقيل كالبخاتي والمشهور أنه النمل الصغير { ~~قالت نملة } قيل: كانت عرجاء وكانت ذات جناحين وقيل اسمها طاخية وقيل ~~جرمى { يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم } ولم يقل ادخلن لأنه جعل لهم ~~عقولا كالآدميين فخوطبوا خطاب الآدميين وهذا ليس بمستعبد أن يخلق الله ~~فيها عقلا ونطقا فإنه قادر على ذلك { لا يحطمنكم } أي لا يكسرنكم { ~~سليمان وجنوده وهم لا يشعرون } قال أهل التفسير. علمت النملة أن سليمان ~~نبي ليس فيه جبروتية ولا ظلم، ومعنى الآية أنكم لو لم تدخلوا وطؤوكم، ولم ~~يشعروا فسمع سليمان قولها من ثلاثة أميال وكان لا يتكلم أحد بشيء إلا ~~حملته الريح حتى تلقيه إلى مسامع سليمان، فلما بلغ وادي النمل حبس جنوده ~~حتى دخلوا بيوتهم. فإن قلت: كيف يتصور الحطم من سليمان وجنوده وهو فوق ~~البساط على متن الريح، قلت كأنهم أرادوا النزول عند منقطع الوادي، فلذلك ~~قالت نملة: لا يحطمنكم سليمان وجنوده لأنهم ما دامت الريح تحملهم لا يخاف ~~حطمهم { فتبسم ضاحكا من قولها } قيل أكثر ضحك الأنبياء تبسم وقيل معنى ~~ضاحكا متبسما، وقيل: ms2462 كان أوله التبسم وآخره الضحك ق عن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: " ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعا قط ضاحكا حتى ~~أرى منه لهواته إنما كان يتبسم " عن عبدالله بن الحارث بن جزء قال " ما ~~رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم " أخرجه ~~الترمذي. فإن قلت: ما كان سبب ضحك سليمان. قلت شيئان: أحدهما ما دل من ~~قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده وشفقتهم، وذلك قولها وهم لا يشعرون ~~يعني أنهم لو شعروا ما يفعلون. الثاني سروره بما آتاه الله مما لم يؤت ~~أحدا من إدراك سمعه، ما قالته النملة وقيل: إن الإنسان إذا رأى أو سمع ~~ما لا عهد له به تعجب وضحك، ثم إن سليمان حمد ربه على ما أنعم به عليه { ~~وقال رب أوزعني } أي ألهمني { أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ~~وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } أي أدخلني في ~~جملتهم، وأثبت اسمي مع أسمائهم واحشرني في زمرتهم. قال ابن عباس: يريد مع ~~إبراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن بعدهم من النبيين وقيل: أدخلني الجنة ~~مع عبادك الصالحين. قوله عز وجل { وتفقد الطير } أي طلبها وبحث عنها ~~والمعنى أنه طلب ما فقد من الطير { فقال ما لي لا أرى الهدهد } وكان سبب ~~تفقده الهدهد وسؤاله عنه إخلاله بالنوبة، وذلك أن سليمان كان إذا نزل ~~منزلا تظله وجنده الطير من الشمس، فأصابته الشمس من موضع الهدهد فنظر ~~فرآه خاليا. وروي عن ابن عباس أنه كان دليله على الماء وكان يعرف موضع ~~الماء ويرى الماء تحت الأرض كما يرى في الزجاجة، ويعرف قربه من بعده ~~فينقر الأرض فتجيء الشياطين فيحفرونه ويستخرجون الماء منه قال سعيد بن ~~جبير: لما ذكر ابن عباس هذا، قال نافع بن الأزرق بأوصاف انظر ما تقول إن ~~الصبي منا يضع الفخ ويحثو عليه التراب، فيجيء بالهدهد، وهو لا يبصر الفخ ~~حتى يقع في عنقه، فقال له ابن عباس ويحك إذا جاء القدر حال دون ms2463 البصر وفي ~~رواية إذا نزل القضاء والقدر ذهب اللب، وعمي البصر فنزل سليمان منزلا ~~واحتاج إلى الماء، فطلبوه فلم يجدوه فتفقد الهدهد ليدله على الماء فقال ~~ما لي لا أرى الهدهد على تقدير أنه مع جنوده، وهو لا يراه ثم إنه أدركه ~~الشك فقال { أم كان من الغائبين } أي أكان وقيل بل كان من أهل الغائبين، ~~ثم أوعده على غيبته. ### || [27.21-22] # قال: { لأعذبنه عذابا شديدا } قيل هو أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في ~~الشمس ممعطا لا يمتنع من النمل ولا من غيره وقيل لأودعنه القفص ولأحبسنه ~~مع ضده، وقيل لأفرقن بينه وبين إلفه { أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان ~~مبين } أي بحجة بينة على غيبته وكان سبب غيبة الهدهد على ما ذكر العلماء ~~أن سليمان لما فرغ من بناء بيت المقدس، عزم على الخروج إلى أرض الحرم ~~فتجهز للمسير واستصحب جنوده من الجن والإنس، والطير والوحش فحملتهم الريح ~~فلما وافى الحرم أقام ما شاء الله أن يقيم، وكان في كل يوم ينحر حول ~~مقامه خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة وقال لمن يحضر ~~من أشراف قومه إن هذا المكان يخرج منه نبي عربي صفته كذا و كذا، يعطى ~~النصرة على جميع من ناوأه وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في ~~الحق سواء لا تأخذه من الله لومة لائم قالوا فبأي دين يدين يا نبي الله؟ ~~قال: بدين الحنيفية فطوبى لمن أردكه وآمن به قالوا كم بيننا وبين خروجه ~~يا نبي الله قال مقدار ألف سنة فليبلغ الشاهد الغائب، فإنه سيد الأنبياء ~~وخاتم الرسل قال فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم خرج من مكة صباحا، وسار نحو ~~اليمن فوافى صنعاء زوالا أي وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر فرأى أرضا ~~حسناء تزهو خضرتها فأحب النزول بها ليصلي ويتغذى فلما نزل قال الهدهد: ~~اشتغل سليمان بالنزول فارتفع نحو السماء لينظر إلى الدنيا، وعرضها فبينما ~~هو ينظر يمينا وشمالا رأى بستانا لبلقيس فنزل إليه فإذا هو بهدهد آخر ~~وكان اسم ms2464 هدهد سليمان يعفور واسم هدهد اليمن يعفير، فقال يعفير ليعفور: ~~من أين أقبلت وأين تريد قال أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود قال ~~ومن سليمان بن داود؟ قال: ملك الإنس والجن والشياطين، والطير والوحش ~~والرياح فمن أين أنت يا يعفير قال أنا من هذه البلاد قال: ومن ملكها؟ ~~قال: امرأة يقال لها بلقيس وإن لصاحبك ملكا عظيما، ولكن ليس ملك بلقيس ~~دونه، فإنها تملك اليمن وتحت يدها أربعمائة ملك كل ملك على كورة مع كل ~~ملك أربعة آلاف مقاتل، ولها ثلاثمائة وزير يديرون ملكها ولها اثنا عشر ~~ألف قائد مع كل قائد اثنا عشر ألف مقاتل، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ~~ملكها قال أخاف أن يفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء قال ~~الهدهد اليماني إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. قال فانطلق معه ~~ونظر إلى بلقيس وملكها، وأما سليمان فإنه نزل على غير ماء فسأل عن الماء ~~الإنس والجن فلم يعلموا فتفقد الهدهد فلم يره فدعا بعريف الطير، وهو ~~النسر فسأله عن الهدهد فقال أصلح الله الملك ما أدري أين هو، وما أرسلته ~~إلى مكان فغضب سليمان وقال لأعذبنه الآية ثم دعا العقاب وهو أشد الطير، ~~فقال له علي بالهدهد هذه الساعة فرفع العقاب في الهواء حتى رأى الدنيا ~~كالقصعة بين يدي أحدكم، ثم التفت يمينا وشمالا فرأى الهدهد مقبلا من ~~نحو اليمن فانقض العقاب بريده، فعلم الهدهد أن العقاب يقصده بسوء فقال له ~~بحق الله الذي قواك وأقدرك علي إلا ما رحمتني، ولم تتعرض لي بسوء فتركه ~~العقاب وقال ويحك ثكلتك أمك إن نبي الله قد حلف أن يعذبك، أو أن يذبحك ثم ~~طارا متوجهين نحو سليمان فلما انتهيا إلى العسكر تلقاه النسر والطير، ~~فقالوا: ويلك إين غبت في يومك هذا فلقد توعدك نبي الله وأخبروه بما قال ~~سليمان. # فقال الهدهد: أو ما استثنى نبي الله قالوا بلى ولكنه قال أو ليأتيني ~~بسلطان مبين. قال نجوت إذا فانطلق به العقاب: ms2465 حتى أتيا سليمان وكان ~~قاعدا على كرسيه فقال العقاب قد أتيتك به يا نبي الله فلما قرب منه ~~الهدهد رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان، ~~فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه. وقال له: أين كنت لأعذبنك عذابا ~~شديدا فقال يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله فلما سمع سليمان ذلك ~~ارتعد وعفا عنه، ثم قال ما الذي أبطأك عني فقال الهدهد ما أخبر الله عنه ~~بقوله تعالى { فمكث غير بعيد } معناه أي غير طويل { فقال أحطت بما لم تحط ~~به } أي عملت ما لم تعلم وبلغت ما لم تبلغ أنت ولا جنودك ألهم الله ~~الهدهد هذا الكلام فكافح سليمان تنبيها على أن أدنى خلق الله قد أحاط ~~علما بما لم يحط به ليكون لطفا له في ترك الإعجاب. والإحاطة بالشيء ~~علما أن يعلمه من جميع جهاته حتى لا يخفى عليه من معلوم { وجئتك من سبأ ~~} قيل: هو اسم للبلد وهي مأرب والأصح أنه اسم رجل وهو سبأ بن يشجب بن ~~يعرب بن قحطان، وقد جاء في الحديث # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن سبأ فقال: " رجل له عشرة من ~~البنين تيامن منهم ستة وتشاءم أربعة " " # { بنبأ } أي بخبر { يقين } فقال سليمان وما ذاك. ### || [27.23-28] # قال: { إني } أي الهدهد { وجدت امرأة تملكهم } هي بلقيس بنت شراحيل من ~~نسل يعرب بن قحطان، وكان أبوها ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ملكا ~~هو آخرهم، وكان يملك أرض اليمن كلها وكان يقول لملوك الأطراف ليس أحد ~~منكم كفؤا لي وأبى أن يتزوج منهم فخطب إلى الجن فزوجوه منهم امرأة يقال ~~لها ريحانة بنت السكن. قيل في سبب وصوله إلى الجن حتى خطب منهم، أنه كان ~~كثير الصيد فربما اصطاد الجن، وهم على صورة الضباء فيخلي عنهم فظهر له ~~ملك الجن وشكره على ذلك واتخذه صديقا، فخطب ابنته فزوجه إياها وقيل إنه ~~خرج متصيدا فرأى حيتين يقتتلان بيضاء وسوداء، وقد ظهرت السوداء على ~~البيضاء، فقتل السوداء ms2466 وحمل البيضاء وصب عليها الماء فأفاقت، وأطلقها ~~فلما رجع إلى داره وجلس وحده منفردا، فإذا معه شاب جميل فخاف منه، قال: ~~لا تخاف أنا الحية البيضاء التي أحييتني والأسود الذي قتلته هو عبد لنا ~~تمرد علينا، وقتل عدة منا وعرض عليه المال فقال: المال لا حاجة لي به. ~~ولكن إن كان لك بنت فزوجنيها فزوجه ابنته، فولدت له بلقيس وجاء في الحديث ~~" إن أحد أبوي بلقيس كان جنيا: فلما مات أبو بلقيس طمعت في الملك وطلبت ~~قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وأبى آخرون، وملكوا عليهم رجلا آخر يقال: ~~إنه ابن أخي الملك وكان خبيثا سيء السيرة في أهل مملكته، حتى كان يمد ~~يده إلى حريم رعيته، ويفجر بهن فأراد قومه خلعه فلم يقدروا عليه فلما رأت ~~بلقيس ذلك، أدركتها الغيرة فأرسلت إليه فعرضت نفسها عليه فأجابها الملك ~~وقال: ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلا اليأس منك فقالت لا أرغب عنك لأنك ~~كفوء كريم فاجمع رجال أهلي واخطبني منهم، وخطبها فقالوا لا نراها تفعل ~~فقال: بلى إنها قد رغبت في فذكروا ذلك لها فقالت: نعم فزوجوها منه فلما ~~زفت إليه خرجت في ملأ كثير من خدمها وحشمها، فلما دخلت به سقته الخمر حتى ~~سكر ثم قتلته وحزت رأسه وانصرفت إلى منزلها من الليل، فلما أصبحت أرسلت ~~إلى وزرائه وأحضرتهم وقرعتهم وقالت أما كان فيكم من يأنف لكريمته أو ~~كرائم عشيرته، ثم أرتهم إياه قتيلا وقالت اختاروا رجلا تملكونه عليكم ~~فقالوا لا نرضى غيرك فملكوها وعلموا أن ذلك النكاح كان مكرا وخديعة منها ~~خ عن أبي بكرة قال لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ~~ملكوا عليهم بنت كسرى قال # " لن يفلح قوم ملكوا عليهم امرأة " # قوله تعالى { وأوتيت من كل شيء } يعني ما تحتاج إليه الملوك من المال ~~والعدة { ولها عرش عظيم } أي سرير ضخم عال. # فإن قلت: كيف استعظم الهدهد عرشها على ما رأى من عظمة ملك سليمان. قلت: ~~يحتمل أنه استعظم ذلك بالنسبة إليها، ms2467 ويحتمل أنه لم يكن لسليمان مع عظم ~~ملكه مثله وكان عرش بلقيس من الذهب مكللا بالدر، والياقوت الأحمر ~~والزبرجد الأخضر، وقوائمه من الياقوت والزمرد، وعليه سبعة أبيات على كل ~~بيت باب مغلق قال ابن عباس: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعا في ثلاثين ~~ذراعا وطوله في السماء ثلاثون ذراعا. وقيل كان طوله ثمانين في ثمانين ~~وعلوه ثمانون وقيل: كان طوله ثمانين وعرضه أربعين وارتفاعه ثلاثون ~~ذراعا. قوله عز وجل إخبارا عن الهدهد { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من ~~دون الله } وذلك أنهم كانوا يعبدون الشمس، وهم مجوس { وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم } المزين هو الله لأنه الفعل لما يريد، وإنما ذكر الشيطان لأنه ~~سبب الإغواء { فصدهم عن السبيل } أي عن طريق الحق الذي هو دين الإسلام { ~~فهم لا يهتدون } أي إلى الصواب { ألا يسجدوا } قرىء بالتخفيف ومعناه ألا ~~يا أيها الناس اسجدوا وهو أمر من الله مستأنف، وقرىء بالتشديد ومعناه ~~وزين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا { لله الذي يخرج الخبء } يعني ~~الخفي المخبأ { في السموات والأرض } قيل خبء السموات المطر وخبء الأرض ~~النبات { ويعلم ما تخفون وما تعلنون } والمقصود من هذا الكلام الرد على ~~من يعبد الشمس وغيرها، من دون الله لأنه لا يستحق العبادة إلا من هو قادر ~~على من في السموات والأرض، عالم بجميع المعلومات { الله لا إله إلا هو رب ~~العرش العظيم } أي هو المستحق للعبادة والسجود لا غيره. فصل وهذه السجدة ~~من عزائم السجود، يستحب للقارىء والمستمع أن يسجد عند قراءتها. فإن قلت: ~~قد وقف عرش بلقيس بالعظم وعشر الله بالعظم، فما الفرق بينهما. قلت وصف ~~عرش بلقيس بالعظم بالنسبة إليها وإلى أمثالها من ملوك الدنيا وأما عرش ~~الله تعالى فهو بالنسبة إلى جميع المخلوقات من السموات والأرض، فحصل ~~الفرق بينهما فلما فرغ الهدهد من كلامه { قال } سليمان { سننظر أصدقت } ~~أي فيما أخبرت { أم كنت من الكاذبين } ثم إن الهدهد دلهم على الماء ~~فاحتفروا الركايا وروى الناس والدواب، ثم إن سليمان كتب كتابا: من ~~عبدالله سليمان بن داود إلى ms2468 بلقيس ملكة سبأ " بسم الله الرحمن الرحيم ~~السلام على من اتبع الهدى، أما بعد أن لا تعلوا علي وأتوني مسلمين قيل لم ~~يزد على ما نص الله في كتابه، وكذلك الأنبياء كانوا يكتبون جملا، لا ~~يطيلون ولا يكثرون فلما كتب سليمان الكتاب طبعه بالمسك وختمه بخاتمه، ~~وقال للهدهد { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم } إنما قال: إليهم بلفظ الجمع ~~لأنه جعله جوابا لقول الهدهد وجدتها وقومها يسجدون للشمس فقال: فألقه ~~إلى الذين هذا دينهم { ثم تول عنهم } أي تنح عنهم فقف قريبا منهم { ~~فانظر ماذا يرجعون } أي يردون من الجواب وقيل: تقدير الآية فألقه إليهم ~~فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنه، أي انصرف إلي فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به ~~بلقيس وكانت بأرض مأرب من اليمن على ثلاث مراحل من صنعاء، فوجدها نائمة ~~مستلقية على قفاها وقد غلقت الأبواب، ووضعت المفاتيح تحت رأسها وكذلك ~~كانت تفعل إذا رقدت فآتى الهدهد وألقى الكتاب على نحرها وقيل: حمل الهدهد ~~الكتاب بمنقاره حتى وقف على المرأة وحولها القادة والوزراء والجنود، ~~فرفرف ساعة والناس ينظرون فرفعت بلقيس رأسها فألقى الكتاب على حجرها وقال ~~وهب بن منبه: كانت لها كوة مستقبلة الشمس تقع فيها حين تطلع فإذا نظرت ~~إليها سجدت لها فجاء الهدهد، وسد الكوة بجناحيه فارتفعت الشمس، ولم تعلم ~~فلما استبطأت الشمس قامت تنظر، فرمى بالصحيفة إليها فأخذت بلقيس الكتاب، ~~وكانت قارئة فلما رأت الخاتم ارتعدت، وخضعت لأن ملك سليمان كان في خاتمه ~~وعرفت أن الذي أرسل الكتاب أعظم ملكا منها فقرأت الكتاب وتأخر الهدهد ~~غير بعيد وجاءت هي حتى قعدت على سرير ملكها، وجمعت الملأ من قومها وهم ~~الأشراف وقال ابن عباس كان مع بلقيس مائة قيل مع كل قيل مائة ألف والقيل ~~ملك دون الملك الأعظم وقيل كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، ~~كل رجل منهم على عشرة آلاف فلما جاؤوا وأخذوا مجالسهم. ### || [27.29-35] # { قالت } لهم بلقيس { يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم } قيل سمته ~~كريما لأنه كان مختوما، روى ابن ms2469 عباس عن النبي صلى الله عليه سلم قال # " كرامة الكتاب ختمه " # وقال ابن عباس: كريم أي شريف لشرف صاحبه، ثم بينت ممن الكتاب فقالت { ~~إنه من سليمان } قرأت المكتوب فيه فقالت { وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } ~~فإن قلت لم قدم إنه من سليمان على بسم الله. قلت: ليس هو كذلك بل ابتدأ ~~سليمان ببسم الله الرحمن الرحيم وإنما ذكرت بلقيس، أن هذا الكتاب من ~~سليمان ثم ذكرت ما في الكتاب فقالت: وإنه بسم الله الرحمن الرحيم { ألا ~~تعلوا علي } قال ابن عباس: لا تتكبروا علي. والمعنى لا تمتنعوا من ~~الإجابة فإن ترك الإجابة، من العلو والتكبر { وأتوني مسلمين } أي طائعين ~~مؤمنين وقيل من الاستسلام وهو الانقياد { قالت يا أيها الملأ أفتوني في ~~أمري } أي أشيروا علي فيما عرض علي { ما كنت قاطعة أمرا } أي قاضية ~~وفاصلة { حتى تشهدون } أي تحضرون { قالوا } يعني الملأ مجيبين لها { نحن ~~أولو قوة } أي في الجسم على القتال { وأولو بأس شديد } أي عند الحرب وقيل ~~أرادوا بالقوة كثرة العدد والبأس والشجاعة وهذا تعريض منهم بالقتال أي إن ~~أمرتهم بذلك قالوا { والأمر إليك } أيتها الملكة أي في القتال وتركه { ~~فانظري ماذا تأمرين } أي تجدين مطيعين لأمرك { قالت } بلقيس مجيبة لهم عن ~~التعريض للقتال وما يؤول إليه أمره { إن الملوك إذا دخلوا قرية } أي عنوة ~~{ أفسدوها } أي خربوها { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } أي أهانوا أشرافها ~~وكبراءها كي يستقيم لهم الأمر تحذرهم بذلك مسير سليمان إليهم ودخوله ~~بلادهم ثم تناهى الخبر عنها هنا، وصدق الله قولها فقال تعالى { وكذلك ~~يفعلون } أي كما قالت هي يفعلون وقيل هو من قولها وهو للتأكيد لما قالت ~~ثم قالت { وإني مرسلة إليهم بهدية } يعني إلى سليمان وقومه أصانعه بها ~~على ملكي، وأختبره بها أملك هو أم نبي فإن كان ملكا قبل الهدية ورجع، ~~وإن كان نبيا لم يقبل الهدية، ولم يرضه منا إلا أن نتبعه في دينه وهو ~~قولها { فناظرة بم يرجع المرسلون } وذلك أن بلقيس كانت امرأة لبيبة عاقلة ~~قد ساست ms2470 الأمور، وجربتها فأهدت وصفاء ووصائف. قال ابن عباس: مائة وصيف ~~ومائة وصيفة قال وهب وغيره عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية، ~~فألبست الجواري لبس الغلمان الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لبس ~~الجواري وجعلت في أيديهم أساور الذهب، وفي أعناقهم أطواق الذهب وفي ~~آذانهم أقرطة، وشنوفا مرصعات بأنواع الجواهر وحملت الجواري على خمسمائة ~~رمكة، والغلمان على خمسمائة برذون على كل فرس سرج من الذهب مرصع ~~بالجواهر، وأغشية الديباج وبعثت إليه لبنات من الذهب ولبنات من الفضة ~~وتاجا مكللا بالدر والياقوت، وأرسلت بالمسك والعنبر والعود اليلنجوج ~~وعمدت إلى حق جعلت فيه درة بقيمة ثمينة غير مثقوبة، وخرزة جزع معوجة ~~الثقب ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له: المنذر بن عمرو وضمت إليه ~~رجالا من قومها أصحاب عقل ورأي وكتبت مع المنذر كتابا تذكر فيه الهدية، ~~وقالت: إن كنت نبيا ميز بن الوصفاء والوصائف، وأخبرنا بما في الحق قبل ~~أن تفتحه واثقب الدرة ثقبا مستويا وأدخل في الخرزة خيطا من غير علاج ~~إنس ولا جن، وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام ~~تأنيث وتخنيث يشبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه غلظة ~~يشبه كلام الرجال، ثم قالت للرسول انظر إذا دخلت، فإن نظر إليك نظرا فيه ~~غضب فاعلم أنه ملك فلا يهولنك أمره ومنظره فأنا أعز منه وإن رأيت الرجل ~~بشاشا لطيفا فافهم أنه نبي فتفهم قوله ورد الجواب فانطلق الرسول ~~بالهدايا، وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان، فأخبره فأمر سليمان الجن أن ~~يضربوا لبنا من الذهب والفضة، ففعلوا وأمرهم بعمل ميدان مقدار تسعة ~~فراسخ وأن يفرشوا لبن الذهب والفضة، وأن يخلوا مقدار تلك اللبنات التي ~~معهم وأن يعملوا حائطا شرفه من الذهب والفضة، ففعلوا ثم قال أي دواب ~~البر والبحر أحسن فقالوا يا نبي الله ما رأينا أحسن من دابة من دواب ~~البحر يقال لها كذا وكذا مختلفة ألوانها لها أجنحة وأعراف ونواص، قال: ~~علي بها الساعة فأتوا بها قال شدوها بين يمين الميدان وشماله ثم قال للجن ~~علي ms2471 بأولادكم، فاجتمع منهم خلاق كثير فأقامهم على يمين الميدان، وعلى ~~شماله وأمر الإنس والجن والشياطين، والوحوش والطير والسباع فاصطفوا فراسخ ~~عن يمينه وشماله، فلما دنا القوم إلى الميدان ونظروا إلى ملك سليمان رأوا ~~أول الأمر الدواب، التي لا يرى مثلها تروث في لبنات الذهب والفضة، فلما ~~رأوا ذلك تقاصرت أنفسهم وخبؤوا ما معهم من الهدايا وقيل إن سليمان فرش ~~الميدان بلبنات الذهب والفضة، وترك على طريقهم موضعا على قدر ما معهم من ~~اللبن في ذلك الموضع فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا خافوا أن يتهموا ~~بذلك، فوضعوا ما معهم من اللبن في ذلك الموضع فلما رأوا الشياطين هالهم ~~ما رأوا وفزعوا فقالت لهم الشياطين جوزوا لا بأس عليكم، فكانوا يمرون على ~~كراديس الإنس والجن والوحش والطير حتى وقفوا بين يدي سليمان، فأقبل عليهم ~~بوجه طلق وتلقاهم تلقيا حسنا، وسألهم عن حالهم فأخبره رئيس القوم بما ~~جاؤوا فيه وأعطوه كتاب الملكة فنظر فيه، وقال أين الحق؟ فأتى به فحركه ~~فجاءه جبريل فأخبره بما فيه، فقال لهم: أن فيه درة ثمينة غير مثقوبة ~~وخرزة معوجة الثقب قال الرسول: صدقت فاثقب الدرة وأدخل الخيط في الجزعة ~~فقال سليمان: من لي بثقبها وسأل الإنس والجن، فلم يكن عندهم علم ثم سأل ~~الشياطين فقالوا: نرسل إلى الأرضة فلما جاءت الأرضة أخذت شعرة في فيها ~~ودخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال سليمان ما حاجتك قالت: تصير ~~رزقي في الشجر. # فقال: لك ذلك ثم قال من لي بهذه الخرزة فقالت دودة بيضاء أنا لها يا نبي ~~الله فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر. ~~فقال لها سليمان: ما حاجتك فقالت يكون رزقي في الفواكه قال: لك ذلك ثم ~~ميز بين الغلمان والجواري، بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فجعلت ~~الجارية تأخذ الماء بيدها، تضرب بها الآخرى وتغسل وجهها والغلام يأخذ ~~الماء بيديه ويغسل به وجهه، وكانت الجارية تصب الماء على باطن ساعدها ~~والغلام على ظاهره فميز بين الغلمان والجواري، ثم ms2472 رد سليمان الهدية كما ~~أخبر الله تعالى. ### || [27.36-39] # فقال تعالى: { فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله } أي ما ~~أعطاني من الدين والنبوة والحكمة والملك { خير } أي أفضل { مما آتاكم بل ~~أنتم بهديتكم تفرحون } معناه أنتم أهل مفاخرة ومكاثرة بالدنيا تفرحون ~~بإهداء بعضكم إلى بعض، وأما أنا فلا أفرح بالدنيا وليست الدنيا من حاجتي ~~لأن الله قد أعطاني منها ما لم يعط أحدا ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة، ~~ثم قال للمنذر بن عمرو أمير الوفد { ارجع إليهم } أي بالهدية { فلنأتينهم ~~بجنود لا قبل } أي لا طاقة { لهم بها ولنخرجنهم منها } أي من أرض سبأ { ~~أذلة وهم صاغرون } أي إن لم يأتوني مسلمين قال وهب وغيره من أهل الكتاب: ~~لما رجعت رسل بلقيس إليها أي من عند سليمان، وبلغوها ما قال سليمان قالت ~~والله لقد عرفت ما هذا بملك وما لنا به من طاقة. فبعثت إلى سليمان إني ~~قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك، وما الذي تدعو إليه من دينك، ثم ~~أمرت بعرشها فجعلته في آخر سبعة أبيات بعضها داخل بعض ثم أغلقت عليه سبعة ~~أبواب، ووكلت به حراسا يحفظونه ثم قالت لمن خلفت على ملكها احتفظ بما ~~قبلك وسرير ملكي لا يخلص إليه أحد، ثم أمرت مناديا ينادي في أهل مملكتها ~~تؤذنهم بالرحيل، وشخصت إلى سليمان في أثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن كل ~~قيل تحت يده ألوف كثيرة، قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا ~~يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه. فخرج يوما فجلس على سريره فرأى ~~رهجا قريبا منه قال ما هذا؟ قالوا: بلقيس قد نزلت منا بهذا المكان وكان ~~على مسيرة فرسخ من سليمان فأقبل سليمان على جنوده { قال يا أيها الملأ ~~أيكم يأتيني بعرضها قبل أن يأتوني مسلمين } قال ابن عباس يعني طائعين ~~وقيل مؤمنين. قيل: غرض سليمان في إحضار عرشها ليريها قدرة الله تعالى ~~وإظهار معجزة دالة على نبوته، وقيل أراد أن ينكره ويغيره قبل مجيئها ~~ليختبر ms2473 بذلك عقلها وقيل: إن سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليه مالها ~~فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه لأنه أعجبه وصفه، لما وصفه ~~له الهدهد وقيل أراد أن يعرف قدر ملكها لأن السرير على قدر المملكة { قال ~~عفريت من الجن } وهو المارد القوي، وقال ابن عباس العفريت الداهية قال ~~وهب: اسمه كوذي. وقيل: ذكوان. وقيل: هو صخر المارد وكان مثل الجبل يضع ~~قدمه عند منتهى طرفه { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } أي مجلس قضائك ~~قال ابن عباس: وكان له في الغداة مجلس يقضي فيه إلى متسع النهار وقيل ~~نصفه { وإني عليه } أي على حمله { لقوي أمين } أي على ما فيه من الجواهر ~~وغيرها قال سليمان: أريد أسرع من ذلك. ### || [27.40-44] # { قال الذي عنده علم من الكتاب } قيل هو جبريل. وقيل: هو ملك أيد الله ~~به سليمان وقيل هو آصف بن برخيا وكان صديقا يعلم اسم الله الأعظم الذي ~~إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى وقيل هو سليمان نفسه لأنه أعلم بني ~~إسرائيل بالكتاب وكان الله قد آتاه علما وفهما، فعلى هذه يكون المخاطب ~~العفريت الذي كلمه فأراد سليمان إظهار معجزة، فتحداهم أولا ثم بين ~~للعفريت أنه يتأتى له من سرعة الإتيان بالعرش ما لا يتأتى للعفريب قيل: ~~كان الدعاء الذي دعا به: يا ذا الجلال والإكرام وقيل: يا حي يا قيوم. ~~وروي ذلك عن عائشة وروي عن الزهري قال دعاء الذي عنده علم من الكتاب: يا ~~إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت، ائتني بعرشها، وقال ابن ~~عباس: إن آصف قال لسليمان حين صلى مد عينيك حتى ينتهي طرفك فمد سليمان ~~عينيه ونظر نحو اليمين ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير يجرون ~~به تحت الأرض، حتى نبع من بين يدي سليمان وقيل: خر سليمان ساجدا ودعا ~~باسم الله الأعظم فغاب العرش تحت الأرض حتى ظهر كرسي سليمان فقال: ما قال ~~{ أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ms2474 } قال سليمان: هات قال أنت النبي ~~ابن النبي وليس أحد عند الله أوجه منك فإن دعوت الله كان عندك: قال صدقت ~~ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت { فلما رآه } يعني رأى سليمان العرش { ~~مستقرا عنده } أي محولا إليه من مأرب إلى الشام في قدر ارتداد الطرف { ~~قال هذا من فضل ربي ليبلوني } يعني لتمكن من حصول المراد { أأشكر } أي ~~نعمته علي { أم أكفر } فلا أشكرها { ومن شكر فإنما يشكر لنفسه } أي يعود ~~نفع شكره إليه وهو أن يستوجب به تمام النعمة، ودوامها لأن الشكر قيد ~~النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة { ومن كفر فإن ربي غني } أي عن ~~شكره لا يضره ذلك الكفران { كريم } يعني بالإفضال عليه لا يقطع نعمة عنه ~~بسبب إعراضه عن الشكر وكفران النعمة { قال نكروا لها عرشها } يعني غيروا ~~سريرها إلى حال تنكره إذا رأته قيل: هو أن يزاد فيه أو ينقص منه وقيل: ~~إنما يجعل أسفله أعلاه ويجعل مكان الجواهر الأحمر أخضر ومكان الأخضر أحمر ~~{ ننظر أتهتدي } إلى معرفة عرشها { أم تكون من الذين لا يهتدون } إلى ~~معرفته، وإنما حمل سليمان على ذلك ما قال وهب ومحمد بن كعب، وغيرهما أن ~~الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، لأن أمها كانت ~~جنية وإذا ولدت ولدا لا ينفكون من تسخير سليمان وذريته من بعده فأساءوا ~~الثناء عليها ليزهدوه فيها، وقالوا: إن في عقلها شيئا وإن رجلها كحافر ~~الحمار، وإنها شعراء الساقين فأراد سليمان، أن يختبر عقلها بتنكير عرشها ~~وينظر إلى قدميها ببناء الصرح { فلما جاءت قيل } لها { أهكذا عرشك قالت ~~كأنه هو } قيل: إنها عرفته ولكن شبهت عليهم كما شبهوا عليها، وقيل: إنها ~~كانت حكيمة لم تقل نعم خوفا من الكذب ولا قالت: لا خوفا من التكذيب ~~أيضا فقالت: كأنه هو فعرف سليمان كمال عقلها بحيث لم تقر ولم تنكر اشتبه ~~عليها أمر العرش، لأنها تركته في بيت عليه سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح ~~معها قيل فإنه عرشك فما أغنى عنك إغلاق الأبواب ثم قالت { وأوتينا ms2475 العلم ~~من قبلها } يعني من قبل الآية في العرش { وكنا مسلمين } يعني منقادين ~~مطيعين خاضعين لأمر سليمان وقيل: قوله تعالى وأوتينا العلم أي بالله ~~وبصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة من أمر الهدهد والرسل من قبلها أي من ~~قبل الآية في العرش، وكنا مسلمين أو معناه وأوتينا العلم بالله، وبقدرته ~~على ما يشاء من قبل هذه المرأة وكنا مسلمين ويكون الغرض من هذا شكر نعمة ~~الله عليه أن خصه بمزيد العلم، والتقدم في الإسلام وقيل معناه وأوتينا ~~العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها طائعة وكنا مسلمين لله. # قوله تعالى { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } يعني منعتها عبادة الشمس ~~عن التوحيد وعبادة الله وقيل معناه صدها سليمان عما كانت تعبد من دون ~~الله وحال بينها وبينه { إنها كانت من قوم كافرين } أخبر الله أنها كانت ~~من قوم يعبدون الشمس، فنشأت بينهم ولم تعرف إلا عبادة الشمس { قيل لها ~~ادخلي الصرح } وذلك أن سليمان لما اختبر عقلها بتنكير العرش وأراد أن ~~ينظر إلى قدميها وساقيها من غير أن يسألها كشفهما لما أخبرته الجن أن ~~رجليها كحافر حمار، وهي شعراء الساقين أمر الشياطين، فعملوا لها قصرا من ~~الزجاج الأبيض كالماء وقيل: الصرح صحن الدار وأجرى تحته الماء، وألقى فيه ~~السمك والضفادع وغيرهما من دواب البحر ثم وضع سريره في صدر المجلس وجلس ~~عليه وقيل إنما عمل الصرح ليختبر به فهمها كما فعلت في الوصفاء والوصائف. ~~فلما جلس على السرير دعا بلقيس، ولما جاءت قيل لها ادخلي الصرح { فلما ~~رأته حسبته لجة } أي ماء عظيما { وكشفت عن ساقيها } لتخوض الماء إلى ~~سليمان، فإذا هي أحسن النساء ساقا وقدما إلا أنها كانت شعراء الساقين ~~فلما نظر سليمان ذلك صرف بصره عنها { قال إنه صرح ممرد } أي مملس { من ~~قوارير } زجاج وليس بماء فحينئذ سترت ساقيها وعجبت من ذلك وعلمت أن ملك ~~سليمان من الله تعالى واستدلت بذلك على التوحيد والنبوة { قالت ربي إني ~~ظلمت نفسي } بعبادة غيرك { وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ms2476 } أي أخلصت ~~له التوحيد والعبادة، وقيل: إنها لما بلغت الصرح وظنته لجة قالت: في ~~نفسها إن سليمان يريد أن يغرقني وكان القتل أهون من هذا لما تبين لها ~~خلاف ذلك قالت: رب إني ظلمت نفسي بذلك الظن. # واختلفوا في أمر بلقيس بعد إسلامها، فقيل انتهى أمرها إلى قولها أسلمت ~~لله رب العالمين ولا عمل لأحد وراء ذلك، لأنه لم يذكر في الكتاب ولا في ~~خبر صحيح وقال بعضهم: تزوجها سليمان وكره ما رأى من كثرة شعر ساقيها، ~~فسأل الإنس عما يذهب ذلك فقالوا الموسى. فقالت المرأة إني لم يمسني حديد ~~قط فكره سليمان الموسى وقال: إنها تقطع ساقيها فسأل الجن فقالوا لا ندري ~~فسأل الشياطين. فقالوا: نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا ~~النورة، والحمام فكانت النورة والحمامات من يومئذ. فلما تزوجها سليمان ~~أحبها حبا شديدا، وأقرها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ~~ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا، وهي سلحين وبيسنون وغمدان ~~ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة، ويقيم عندها ثلاثة أيام يبكر من ~~الشام إلى اليمن ومن إلى الشام وولدت له ولدا ذكرا. وقال وهب: زعموا أن ~~بلقيس لما أسلمت قال لها سليمان اختاري رجلا من قومك حتى أزوجك إياه، ~~فقالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي من قومي الملك ~~والسلطان، قال: نعم إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك ولا ينبغي لك أن ~~تحرمي ما أحل الله قالت: فإن كان ولا بد فزوجني ذا تبع ملك همدان فزوجها ~~إياه وذهب بها إلى اليمن، وملك زوجها ذا تبع على اليمن، ودعا زوبعة ملك ~~الجن وقال له اعمل لذي تبع ما استعملك فيه فلم يزل يعمل له ما أراد إلى ~~أن مات سليمان وحال الحول، وعلم الجن موت سليمان، فأقبل رجل منهم حتى بلغ ~~جوف اليمن وقال بأعلى صوته: يا معشر الجن إن الملك سليمان قد مات فارفعوا ~~أيديكم فرفعوا أيديهم وتفرقوا وانقضى ملك سليمان وملك ذي تبع وملك بلقيس، ms2477 ~~وبقي الملك لله الواحد القهار قيل إن سليمان ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة ~~ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. ### || [27.45-49] # قوله عز وجل: { ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله } أي ~~وحدوه لا تشركوا به شيئا { فإذا هم فريقان } أي مؤمن وكافر { يختصمون } ~~أي في الدين كل فريق يقول الحق معنا { قال } يعني صالحا للفريق المكذب { ~~يا قوم لم تستعجلون بالسيئة } أي بالبلاء والعقوبة { قبل الحسنة } أي ~~العافية الرحمة { لولا } أي هلا { تستغفرون الله } أي بالتوبة إليه من ~~الكفر { لعلكم ترحمون } أي لا تعذبون في الدنيا { قالوا اطيرنا } أي ~~تشاءمنا { بك وبمن معك } قيل: إنما قالوا ذلك لتفرق كلمتهم وقيل: الإمساك ~~القطر عنهم قالوا إما أصابنا هذا الضر والشدة من شؤمك وشؤم أصحابك { قال ~~طائركم عند الله } أي ما يصيبكم من الخير والشر بأمر الله مكتوب عليكم، ~~سمي طائرا لأنه لا شيء أسرع من نزول القضاء المحتوم وقال ابن عباس الشؤم ~~الذي أتاكم من عند الله بكفركم وقيل طائركم أي عملكم، عند الله، سمي ~~طائرا لسرعة صعوده إلى السماء { بل أنتم قوم تفتنون } قال ابن عباس ~~تختبرون بالخير والشر وقيل معناه تعذبون. قوله تعالى { وكان في المدينة } ~~يعني مدينة ثمود وهي الحجر { تسعة رهط } يعني من أبناء أشرافهم { يفسدون ~~في الأرض } أي بالمعاصي { ولا يصلحون } أي لا يطعيون وهم غواة قوم صالح ~~الذي اتفقوا على عقر الناقة ورأسهم قدار بن سالف { قالوا تقاسموا بالله } ~~يعني يقول بعضهم لبعض احلفوا بالله أيها القوم { لنبيتنه } أي لنقتلنه ~~ليلا { وأهله } يعني قومه الذين آمنوا معه { ثم لنقولن لوليه } أي لولي ~~دمه { ما شهدنا } يعني ما حضرنا { مهلك أهله } أي ما ندري من قتله ولا ~~هلاك أهله { وإنا لصادقون } يعني قولنا ما شهدنا ذلك. ### || [27.50-63] # { ومكروا مكرا } أي غدروا غدرا حين قصدوا تبيت صالح وأهله { ومكرنا ~~مكرا } يعني جازيناهم على مكرهم بتعجيل العذاب { وهم لا يشعرون فانظر ~~كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم } يعني أهلكناهم أي التسعة قال ابن ~~عباس: أرسل ms2478 الله الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه فأتت التسعة ~~دار صالح شاهرين سلاحهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة وهم يرون الحجارة ولا ~~يرون الملائكة فقتلتهم وأهلك الله جميع القوم بالصيحة { وقومهم أجمعين، ~~فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا } أي بظلمهم وكفرهم { إن في ذلك لآية } أي ~~لعبرة { لقوم يعلمون } أي قدرتنا { وأنجينا الذين آمنوا، وكانوا يتقون } ~~يقال إن الناجين كانوا أربعة آلاف. قوله تعالى { ولوطا إذ قال لقومه: ~~أتأتون الفاحشة } أي الفعلة القبيحة { وأنتم تبصرون } أي تعلمون أنها ~~فاحشة هو من بصر القلب وقيل: معناه يبصر بعضكم بعضا وكانوا لا يستترون ~~عتوا منهم { أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون ~~} فإن قلت إذا فسر تبصرون بالعلم وقد قال: بعده " قوم تجهلون " فيكون ~~العلم جهلا. قلت: معناه تفعلون فعل الجاهلين وتعلمون أنه فاحشة. وقيل: ~~تجهلون العاقبة وقيل أراد بالجهل السفاهة التي كانوا عليها { فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } ~~يعني من أدبار الرجال { فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين } ~~أي قضينا عليها بأن جعلناها من الباقين في العذاب { وأمطرنا عليهم مطرا ~~} أي الحجارة { فساء } أي فبئس { مطر المنذرين } قوله عز وجل { قل الحمد ~~لله وسلام على عباده الذين اصطفى } هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يحمد الله على هلاك كفار الأمم الخالية، وقيل: يحمده على جميع ~~نعمه وسلام على عباده الذين اصطفى يعني الأنبياء والمرسلين وقال ابن ~~عباس: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: هم كل المؤمنين من ~~السابقين واللاحقين { الله خير أما يشركون } فيه تبكيت للمشركين وإلزام ~~الحجة عليهم بعد هلاك الكفار. والمعنى آلله خير لمن عبده أم الأصنام لمن ~~عبدها فإن الله خير لمن عبده وآمن به لإغنائه عنه من الهلاك والأصنام، لم ~~تغن شيئا عن عابديها عند نزول العذاب، ولهذا السبب ذكر أنواعا تدل على ~~وحدانيته وكمال قدرته. فالنوع الأول قوله تعالى: { أمن خلق السموات ~~والأرض } ذكر أعظم الأشياء المشاهدة الدالة ms2479 على عظيم قدرته. والمعنى ~~الأصنام خير أم الذي خلق السموات والأرض ثم ذكر نعمه فقال { وأنزل لكم من ~~السماء ماء } يعني المطر { فأنبتنا به حدائق } أي بساتين جمع حديقة، وهو ~~البستان المحيط عليه فإن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة { ذات بهجة } أي ~~ذات منظر حسن والبهجة الحسن يبتهج به من يراه { ما كان لكم أن تنبتوا ~~شجرها } يعني ما ينبغي لكم، لأنكم لا تقدرون على ذلك لأن الإنسان قد ~~يقول: أنا المنبت للشجرة بأن أغرسها وأسقيها الماء فأزال هذه الشبهة ~~بقوله { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } لأن إنبات الحدائق المختلفة ~~الأصناف، والطعوم والروائح المختلفة والزروع تسقى بماء واحد، لا يقدر ~~عليه إلا الله تعالى ولا يتأتى لأحد وإن تأتى ذلك لغيره محال { أإله مع ~~الله } يعني هل معه معبود أعانه على صنعه { بل } يعني ليس معه إله ولا ~~شريك { هم قوم } يعني كفار مكة { يعدلون } يشركون وقيل يعدلون عن هذا ~~الحق الظاهر إلى الباطل. # النوع الثاني قوله عز وجل { أمن جعل الأرض قرارا } أي دحاها وسواها ~~للاستقرار عليها، وقيل لا تميد بأهلها { وجعل خلالها أنهارا } أي وسطها ~~بأنهار تطرد بالمياه { وجعل لها رواسي } أي جبالا ثوابت { وجعل بين ~~البحرين } يعني العذاب والملح { حاجزا } أي مانعا لا يختلط أحدهما ~~بالآخر { أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون } أي توحيد ربهم وقدرته ~~وسلطانه. النوع الثالث قوله تعالى { أمن يجيب المضطر } أي المكروب ~~المجهود، وقيل: المضرور بالحاجة المحوجة من مرض أو نازلة من نوازل الدهر ~~يعني إذا نزلت بأحد بادر إلى الالتجاء والتضرع إلى الله تعالى وقيل: هو ~~المذنب إذا استغفر { إذا دعاه } يعني فيكشف ضره { ويكشف السوء } أي الضر ~~لأنه لا يقدر على تغيير حال من فقر إلى غنى، ومن مرض إلى صحة ومن ضيق إلى ~~سعة إلا القادر، الذي لا يعجز والقاهر الذي لا يغلب ولا ينازع { ويجعلكم ~~خلفاء الأرض } أي سكانها، وذلك أنه ورثهم سكانها والتصرف فيها قرنا بعد ~~قرن وقيل يجعل أولادكم خلفاء لكم وقيل: جعلكم خلفاء ms2480 الجن في الأرض { أإله ~~مع الله قليلا ما تذكرون } أي تتعظون. النوع الرابع قوله عز وجل { أمن ~~يهديكم في ظلمات البر والبحر } أي يهديكم بالنجوم والعلامات إذا جن عليكم ~~الليل مسافرين في البر والبحر { ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } ~~أي قدام المطر { أإله مع الله تعالى عما يشركون } ### || [27.64-78] # النوع الخامس قوله تعالى: { أمن يبدأ الخلق } أي نطفا في الأرحام { ثم ~~يعيده } بعد الموت { ومن يرزقكم من السماء والأرض } أي من السماء بالمطر ~~ومن الأرض بالنبات { أإله مع الله قل هاتوا برهانكم } أي حجتكم على قولكم ~~إن مع الله إلها آخر { إن كنتم صادقين } قوله تعالى { قل لا يعلم من في ~~السموات والأرض الغيب إلا الله } نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة. والمعنى أن الله هو الذي يعلم الغيب ~~وحده ويعلم متى تقوم الساعة { ما يشعرون أيان يبعثون } يعني أن من في ~~السموات وهم الملائكة ومن في الأرض وهم بنو آدم لا يعلمون متى يبعثون ~~والله تعالى تفرد بعلم ذلك { بل ادارك علمهم } أي بلغ ولحق علمهم { في ~~الآخرة } هو ما جهلوه في الدنيا وسقط عنهم علمه. وقيل بل علموا في الآخرة ~~حين عاينوها ما شكوا فيه وعلموا عنه في الدنيا وهو قوله تعالى { بل هم في ~~شك منها } أي هم اليوم في شك من الساعة { بل هم منها عمون } جمع عم وهو ~~أعمى القلب وقيل معنى الآية أن الله أخبر عنهم إذا بعثوا يوم القيامة ~~يستوي علمهم في الآخرة، وما وعدوا فيها من الثواب والعقاب وإن كانت ~~علومهم مختلفة في الدنيا. قوله تعالى { وقال الذين كفروا } أي مشركو مكة ~~{ أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون } أي من قبورنا أحياء { لقد ~~وعدنا هذا } أي هذا البعث { نحن وآباؤنا من قبل } أي من قبل محمد صلى ~~الله عليه سلم وليس ذلك بشيء { إن هذا } أي ما هذا { إلا أساطير الأولين ~~} أي أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها { قيل سيروا في الأرض فانظروا كيف ms2481 ~~كان عاقبة المجرمين ولا تحزن عليهم } أي بتكذيبهم إياك وإعراضهم عنك. { ~~ولا تكن في ضيق مما يمكرون } نزلت في المستهزئين الذي اقتسموا عقاب مكة { ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل عسى أن يكون ردف } أي دنا وقرب ~~{ لكم } وقيل معناه ردفكم { بعض الذي تستعجلون } أي من العذاب فحل بهم ~~ذلك يوم بدر. قوله عز وجل { وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم } أي تخفي { وما ~~يعلنون } أي من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم { وما من غائبة } أي ~~من جملة غائبة من مكتوم سر وخفي أمر وشيء غائب { في السماء والأرض إلا في ~~كتاب مبين } يعني في اللوح المحفوظ { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل ~~} أي يبين لهم { أكثر الذين هم فيه يختلفون } أي من أمر الدين، وذلك أن ~~أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم فصاروا أحزابا يطعن بعضهم على بعض فنزل ~~القرآن ببيان ما اختلفوا فيه { وإنه } يعني القرآن { لهدى ورحمة للمؤمنين ~~إن ربك يقضي بينهم } أي يفصل بينهم ويحكم بين المختلفين في الدين يوم ~~القيامة { بحكمة } أي الحق { هو العزيز } الممتنع الذي لا يرد له أمر { ~~العليم } أي بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء منها. ### || [27.79-82] # { فتوكل على الله } أي فثق به { إنك على الحق المبين } أي البين { إنك ~~لا تسمع الموتى } يعني موتى القلوب وهم الكفار { ولا تسمع الصم الدعاء، ~~فإذا ولوا مدبرين } أي معرضين. فإن قلت ما معنى مدبرين والأصم لا يسمع ~~صوتا سواء أقبل أو أدبر؟. قلت: هو تأكيد ومبالغة وقيل: إن الأصم إذا كان ~~حاضرا قد يسمع برفع الصوت، أو يفهم بالإشارة فإذا ولى لم يسمع ولم يفهم. ~~ومعنى الآية إنه لفرط إعراضهم عما يدعون إليه كالميت الذي لا سبيل إلى ~~سماعه، وكالأصم الذي لا يسمع ولا يفهم { وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ~~} معناه ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى وأعمى قلبه عن الإيمان { إن ~~تسمع إلا من يؤمن بآياتنا } إلا من يصدق بالقرآن أنه من الله { فهم ~~مسلمون } أي ms2482 مخلصون. قوله تعالى: { وإذا وقع القول عليهم } يعني إذا وجب ~~عليهم العذاب وقيل: إذا غضب الله عليهم وقيل إذا وجبت الحجة عليهم، وذلك ~~أنهم لم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر وقيل إذا لم يرج صلاحهم ~~وذلك في آخر الزمان قبل قيام الساعة { أخرجنا لهم دابة الأرض }. م عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " بادروا بالأعمال قبل ست: طلوع الشمس من مغربها والدخان والدجال ~~والدابة وخويصة أحدكم وأمر العامة " # م عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ~~ضحى، وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا " # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم # " تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان وعصا موسى فتجلو وجه المؤمن وتخطم أنف ~~الكافر بالخاتم: حتى إن أهل الحق ليجتمعون فيقول هذا يا مؤمن ويقول هذا ~~يا كافر " # أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن، وروى البغوي بإسناده عن الثعلبي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر فتخرج خروجا بأقصى اليمن فيفشو ~~ذكرها بالبادية لا يدخل ذكرها القرية، يعني مكة ثم تمكث زمنا طويلا، ثم ~~تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة فيفشو ذكرها بالبادية، ويدخل ذكرها القرية ~~يعني مكة ثم بينا الناس يوما في أعظم المساجد على الله حرمة، وأكرمها ~~على الله يعني المسجد الحرام لم يرعهم، إلا وهي في ناحية المسجد تدنو ~~وتدنو، كذا قال عمر وما بين الركب الأسود إلى باب بني مخزوم، عن يمين ~~الخارج في وسط من ذلك فارفض الناس عنها وتثبت لها عصابة عرفوا أنهم لم ~~يعجزوا الله، فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب فمرت بهم فجلت وجوههم حتى ~~تركتها كأنها الكواكب الدرية، ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب ولا يعجزها ~~هارب حتى أن الرجل، ليقوم فيعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول يا ~~فلان الآن تصلي فيقبل عليها ms2483 بوجهه فتسمه في وجهه، فيتجاور الناس في ~~ديارهم ويصطحبون في أسفارهم ويشتركون في الأموال يعرف الكافر من المؤمن ~~فيقال للمؤمن يا مؤمن وللكافر يا كافر " # وبإسناد الثعلبي # " عن حذيفة بن اليمان ذكر رسول الله صلى لله عليه وسلم الدابة قلت: يا ~~رسول الله من أين تخرج قال " من أعظم المساجد حرمة على الله فبينما عيسى ~~يطوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض، وينشق الصفا مما يلي المسعى ~~وتخرج الدابة من الصفا أول ما يخرج منها رأسها ملمعة ذات وبر وريش لن ~~يدركها الطالب، ولن يفوتها هارب تسم الناس مؤمنا وكافرا فأما المؤمن ~~فتترك وجهه كأنه كوكب دري وتكتب بين عينيه مؤمن وأما الكافر فتنكت بين ~~عينيه نكتة سوداء وتكتب بين عينيه كافر " " # وروي عن ابن عباس أنه قرع الصفا بعصاه وهو محرم وقال: إن الدابة لتسمع ~~قرع عصاي هذه وعن ابن عمر قال تخرج الدابة ليلة جمع الناس يسيرون إلى ~~منى، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " بئس الشعب شعب أجياد مرتين أو ثلاثا قيل: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: ~~تخرج منه الدابة تصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين " # وروي عن ابن الزبير أنه وصف الدابة فقال: رأسها رأس ثور وعينها عين ~~خنزير، وأذنها أذن فيل وقرنها قرن إيل وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر ~~وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين ~~اثنا عشر ذراعا. وعن عبدالله بن عمرو قال: تخرج الدابة من شعب أجياد ~~فتمس رأسها السحاب ورجلاها في الأرض وروي عن علي قال: ليست بدابة لها ذنب ~~ولكن لها لحية وقال وهب: وجهها وجه رجل وسائر خلقها كخلق الطير فتخبر من ~~رآها أن أهل مكة، كانوا بمحمد والقرآن لا يوقنون { تكلمهم } أي بكلام ~~فصيح قيل تقول هذا مؤمن وهذا كافر. وقيل: تقول ما أخبر الله تعالى { إن ~~الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } تخبر الناس عن أهل مكة أنهم لم يؤمنوا ~~بالقرآن والبعث. وقرىء تكلمهم بتخفيف اللام من ms2484 الكلم، وهو الجرح وقال ابن ~~الجوزي: سئل ابن عباس عن هذه الآية تكلمهم وتكلمهم فقال: كل ذلك تفعل ~~تكلم المؤمن وتكلم الكافر. ### || [27.83-87] # قوله تعالى: { ويوم نحشر من كل أمة فوجا } أي نحشر من كل قرن جماعة { ~~ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون } أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعون ثم ~~يساقوا إلى النار { حتى إذا جاؤوا } يعني يوم القيامة { قال } الله تعالى ~~لهم { أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما } أي ولم تعرفوها حق معرفتها { ~~أم ماذا كنتم تعملون } أي حين لم تتفكروا فيها وقيل: معنى الآية أكذبتم ~~بآياتي غير عالمين بها ولم تتفكروا في صحتها بل كنتم بها جاهلين { ووقع ~~القول } أي وجب العذاب { عليهم بما ظلموا } أي بما أشركوا { فهم لا ~~ينطقون } أي بحجة قيل إن أفواههم مختومة { ألم يروا أنا جعلنا } أي أنا ~~خلقنا { الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا } أي مضيئا يبصر فيه. وفي ~~الآية دليل على البعث بعد الموت لأن القادر على قلب الضياء ظلمة، والظلمة ~~ضياء قادر على الإعادة بعد الموت { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } أي ~~يصدقون فيعتبرون. قوله تعالى { ويوم ينفخ في الصور } هو قرن ينفخ فيه ~~إسرافيل قال الحسن: الصور هو القرن ومعنى كلامه إن الأرواح تجتمع في ~~القرن ثم ينفخ فيه فتذهب في الأجساد فتحيا بها الأجساد { ففزع } أي فصعق ~~{ من في السموات ومن في الأرض } أي ماتوا. والمعنى أنه يلقى عليهم الفزع ~~إلى أن يموتوا. وقيل ينفخ إسرافيل في الصور ثلاث نفخات، نفخة الفزع ونفخة ~~الصعق ونفخة القيام لرب العالمين { إلا من شاء الله } روى أبو هريرة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى { إلا من شاء الله } ~~قال " هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش " " # وقال ابن عباس: هم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم لا يصل إليهم الفزع. ~~وقيل: يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل فلا يبقى بعد النفخة إلا ~~هؤلاء الأربعة ويروى أن الله تعالى يقول لملك الموت خذ نفس إسرافيل فيأخذ ~~نفسه ثم يقول: من بقي ms2485 يا ملك الموت فيقول: سبحانك ربي تباركت وتعاليت يا ~~ذا الجلال والإكرام، وجهك الباقي الدائم بقي جبريل وميكائيل، وملك الموت ~~فيقول: خذ نفس ميكائيل. فيأخذ نفس ميكائيل فيقع، كالطود العظيم فيقول من ~~بقي من خلقي: فيقول: سبحانك ربي تباركت وتعاليت بقي جبريل، وملك الموت ~~فيقول مت يا ملك الموت فيموت فيقول يا جبريل من بقي فيقول: تباركت ~~وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام بقي وجهك الدائم الباقي وجبريل، الميت ~~الفاني فيقول الله: يا جبريل لا بد من موتك فيقع ساجدا يخفق بجناحيه. ~~فيروى أن فضل خلقه على ميكائيل كفضل الطود العظيم على ظرب من الظراب. ~~ويروى أنه يبقى مع هؤلاء الأربعة حملة العرش ثم روح ملك الموت، فإذا لم ~~يبق أحد إلا الله تبارك وتعالى طوى السماء كطي السجل للكتاب ثم يقول الله # " أنا الجبار لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيقول الله تعالى: لله ~~الواحد القهار " # ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم ~~ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من رفع رأسه فإذا موسى أخذ بقائمة من قوائم ~~العرش فلا أدري أكان ممن استثنى الله عز وجل أم رفع رأسه قبلي، ومن قال ~~أنا خير من يونس بن متى فقد كذب " # وقيل الذين استثنى الله هم رضوان والحور ومالك والزبانية. وقوله تعالى { ~~وكل } أي وكل الذين أحيوا بعد الموت { أتوه } أي جاؤوه { داخرين } أي ~~صاغرين. ### || [27.88-93] # قوله تعالى { وترى الجبال تحسبها جامدة } أي قائمة واقفة { وهي تمر مر ~~السحاب } أي تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض فتستوي بها وذلك أن كل ~~شيء عظيم وكل جسم كبير وكل جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمه وبعد ما ~~بين أطرافه فهو في حساب الناظر واقف وهو سائر كذلك سير الجبال يوم ~~القيامة لا يرى لعظمها كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه { صنع الله الذي ~~أتقن كل شيء } يعني أنه تعالى، لما ms2486 قدم هذه الأشياء كلها التي لا يقدر ~~عليها غيره جعل ذلك الصنع من الأشياء التي أتقنها وأحكمها وأتى بها على ~~وجه الحكمة والصواب { إنه خبير بما تفعلون }. قوله تعالى { من جاء ~~بالحسنة } أي بكلمة الإخلاص، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وقيل الإخلاص ~~في العمل، وقيل الحسنة كل طاعة عملها لله عز وجل { فله خير منها } قال ~~ابن عباس فيها يصل إلى الخير بمعنى أن له من تلك الحسنة خير يوم القيامة ~~وهو الثواب والأمن من العذاب أما من يكون له شيء خير من الإيمان فلا، ~~لأنه لا شيء خير من لا إله إلا الله، وقيل: هو جزاء الأعمال والطاعات ~~الثواب والجنة وجزاء الإيمان والإخلاص رضوان الله والنظر إليه لقوله # ورضوان من الله # [التوبة: 72] وقيل: معنى خير منها الأضعاف أعطاه الله بالواحدة عشر ~~أضعافها، لأن الحسنة استحقاق العبد والتضعيف تفضيل الرب تبارك وتعالى { ~~وهم من فزع يومئذ آمنون } فإن قلت كيف نفى الفزع هنا وقد قال قبله ففزع ~~من في السموات ومن في الأرض. قلت: إن الفزع الأول هو ما لا يخلو عنه أحد ~~عند الإحساس بشدة تقع وهول يفجأ من رعب وهيبة وإن كان المحسن يأمن وصول ~~ذلك الضرر إليه فأما الفزع الثاني فهو الخوف من العذاب فهم آمنون منه. ~~وأما ما يلحق الإنسان من الرعب عند مشاهدة الأهوال فلا ينفك منه أحد { ~~ومن جاء بالسيئة } يعني بالشرك { فكبت وجوههم في النار } عبر بالوجه عن ~~جميع البدن كأنه قال كبوا وطرحوا جميعهم في النار { هل تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون } أي تقول لهم خزنة جهنم { هل تجزون إلا ما كنتم تعملون } في ~~الدنيا من الشرك. وقوله تعالى { إنما أمرت } يعني يقول الله تعالى لرسوله ~~قل إنما أمرت { أن أعبد رب هذه البلدة } يعني أمرت أن أخص بعبادتي ~~وتوحيدي الله الذي هو رب هذه البلدة يعني مكة، وإنما خصها من بين سائر ~~البلاد بالذكر لأنها مضافة إليه وأحب البلاد وأكرمها عليه، وأشار إليها ~~إشارة تعظيم لأنها موطن نبيه ومهبط ms2487 وحيه { الذي حرمها } أي جعلها الله ~~حرما آمنا لا يسفك فيها دم ولا يظلم فيها أحد ولا يصاد صيدها ولا يختلى ~~خلاله ولا يدخلها إلا محرم، وإنما ذكر أنه هو الذي حرمها لأن العرب كانوا ~~معترفين بفضلية مكة، وأن تحريمها من الله لا من الأصنام { وله كل شيء } ~~أي خلقا وملكا { وأمرت أن أكون من المسلمين } لله المطيعين له { وأن ~~أتلوا القرآن } أي أمرت أن أتلو القرآن ولقد قام صلى الله عليه وسلم بكل ~~ما أمر به أتم قيام على ما أمر به { فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } أي ~~نفع اهتدائه يرجع إليه { ومن ضل } أي عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى { فقل ~~إنما أنا من المنذرين } أي من المخوفين، وما علي إلا البلاغ نسختها آية ~~القتال { وقل الحمد لله } أي على جميع نعمه، وقيل: على ما وفقني من ~~القيام بأداء الرسالة والإنذار { سيريكم الآية } الباهرة ودلائله القاهرة ~~قيل: هو يوم بدر وهو ما أراهم من القتل والسبي وضرب الملائكة وجوههم ~~وأدبارهم وقيل: آياته في السموات والأرض وفي أنفسكم { فتعرفونها } أي ~~فتعرفون الآيات والدلالات { وما ربك بغافل عما تعملون } فيه وعيد بالجزاء ~~على أعمالهم والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-2] # قوله عز وجل { طسم تلك } إشار إلى آيات السورة { آيات الكتاب المبين } ~~قيل هو اللوح المحفوظ وقيل هو الكتاب الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه ~~وسلم ووصفه بأنه مبين لأنه بين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام. ### || [28.3-7] # { نتلو عليك من نبأ } أي خبر { موسى وفرعون بالحق } أي بصدق { لقوم ~~يؤمنون } أي يصدقون بالقرآن { إن فرعون علا } أي تجبر وتكبر { في الأرض } ~~أي أرض مصر { وجعل أهلها شيعا } أي فرقا في أنواع الخدمة والتسخير { ~~يستضعف طائفة منهم } يعني بني إسرائيل { يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم } ~~سمى هذا استضعافا لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم { إنه كان من ~~المفسدين } أي بالقتل والتجبر في الأرض { ونريد أن نمن } أي ننعم { على ~~الذين استضعفوا في الأرض } يعني بني إسرائيل { وجعلهم أئمة } أي ms2488 قادة في ~~الخير يقتدى بهم وقيل ولادة ملوكا { وجعلهم الوارثين } يعين أملاك ~~فرعون، وقومه بأن نجعلهم في مساكنهم { ونمكن لهم في الأرض } أي نوطن لهم ~~أرض مصر والشام، ونجعلها لهم سكنا { ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما ~~كانوا يحذرون } أي يخافون وذلك أنهم أخبروا أن هلاكهم على يد رجل من بني ~~إسرائيل وكانوا على حذر منه فأراهم الله ما كانوا يحذرون. قوله تعالى { ~~وأوحينا إلى أم موسى } هو وحي إلهام، وذلك بأن قذف في قلبها واسمها ~~يوحانذ من نسل لاوي بن يعقوب { أن أرضعيه } قيل أرضعته ثمانية أشهر وقيل ~~أربعة وقيل ثلاثة وكانت ترضعه، وهو لا يبكي ولا يتحرك في حجرها { فإذا ~~خفت عليه } أي الذبح { فألقيه في اليم } أي في البحر وأراد نيل مصر { ولا ~~تخافي } أي عليه من الغرق وقيل الضيعة { ولا تحزني } أي على فراقه { إنا ~~رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } قال ابن عباس إن بني إسرئيل لما كثروا ~~بمصر استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي ولم يأمروا بالمعروف، ولم ~~ينهوا عن المنكر فسلط الله عليهم القبط فاستضعفوهم إلى أن أنجاهم الله ~~على يد نبيه موسى عليه الصلاة والسلام. ذكر القصة في ذلك قال ابن عباس: ~~إن أم موسى لما تقاربت ولادتها، كانت قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون ~~بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى فلما ضربها الطلق أرسلت إليها، وقالت ~~لها: قد نزل بي ما نزل فلينفعني حبك إياي اليوم، فعالجت قبالها فلما وقع ~~موسى بالأرض هالها نور عيني موسى فارتعش كل مفصل فيها، ودخل حب موسى ~~قلبها ثم قالت لها يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني إلا مرادي قتل ولدك، ~~ولكن وجدت لولدك حبا ما وجدت حب شيء مثل حبه فاحفظي ابنك فإني أراه ~~عدونا فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاؤوا إلى بابها ~~ليدخلوا إلى أم موسى، فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب فلفته بخرقة ~~وألقته في التنور وهو مسجور، وطاش عقلها فلم تعقل ما تصنع قال فدخلوا ~~فإذا التنور مسجور ms2489 ورأوا أم موسى ولم يتغير لها لون، ولم يظهر لها لبن ~~فقالوا ما أدخل القابلة قالت هي مصافية لي فدخلت علي زائرة، فخرجوا من ~~عندها فرجع إليها عقلها فقالت لأخته فأين الصبي؟ فقالت: لا أدري فسمعت ~~بكاء الصبي في التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه بردا ~~وسلاما فاحتملته، قال: ثم إن أم موسى لما رأت إلحاح فرعون في طلب ~~الولدان خافت على ابنها، فقذف الله في قلبها أن تتخذ تابوتا له ثم تقذف ~~التابوت في النيل فانطلقت إلى رجل نجار من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتا ~~صغيرا فقال النجار ما تصنعين بهذا التابوت؟ فقالت: ابن لي أخبئه في ~~التابوت، وكرهت الكذب قال ولم تقل أخشى عليه كيد فرعون، فلما اشترت ~~التابوت وحملته، وانطلقت به انطلق النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمر أم ~~موسى فلما هم بالكلام أمسك الله لسانه، فلم يطلق الكلام وجعل يشير بيديه ~~فلم تدر الأمناء ما يقول، فلما أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه فضربوه ~~وأخرجوه فلما انتهى النجار إلى موضعه رد الله عليه لسانه فتكلم فانطلق ~~أيضا يريد الأمناء فأتاهم ليخبرهم فأخذ الله لسانه وبصره فلم يطق ~~الكلام، ولم يبصر شيئا فضربوه وأخرجوه، وبقي حيران فجعل لله عليه إن رد ~~عليه لسانه وبصره أن لا يدل عليه وأن يكون معه فيحفظه، حيثما كان فعرف ~~الله صدقه فرد عليه لسانه وبصره فخر لله ساجدا فقال يا رب: دلني على هذا ~~العبد الصالح فدله عليه فآمن به وصدقه وقال وهب لما حملت أم موسى بموسى، ~~كتمت أمرها عن جميع الناس فلم يطلع على حملها أحد من خلق الله تعالى وذلك ~~شيء ستره الله تعالى لما أراد أن يمن به على بني إسرائيل فلما كانت السنة ~~التي ولد فيها، بعث فرعون القوابل وتقدم الأمين ففتش النساء تفتيشا لم ~~يفتش قبل ذلك مثله، وحملت بموسى ولم يتغير لونها ولم ينب بطنها فكانت ~~القوابل لا تتعرض لها فلما كانت الليلة التي ولد فيها ولدته ولا رقيب ~~عليها ولا قابلة ولم يطلع ms2490 عليها أحد إلا أخته مريم وأوحى الله إليها { أن ~~أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم } فكتمته ثلاثة أشهر فلما خافت عليه ~~عملت تابوتا، مطبقا، ثم ألقته في اليم وهو البحر ليلا. # قال ابن عباس وغيره: كان لفرعون يومئذ بنت ولم يكن له ولد غيرها وكانت ~~من أكرم الناس عليه وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إليه وكان لها برص ~~شديد كان فرعون قد جمع الأطباء والسحرة فنظروا في أمرها فقالوا: أيها ~~الملك لا تبرأ إلا من قبل البحر يوجد فيه شبه الإنسان فيؤخذ من ريقه ~~فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك وذلك في يوم كذا في ساعة كذا حين تشرق الشمس ~~فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه ~~امرأته آسية بنت مزاحم وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطىء ~~البحر مع جاوريها تلاعبهن وتنضح المساء على وجوههن إذ أقبل النيل ~~بالتابوت تضربه الأمواج فقال فرعون: إن هذا الشيء في البحر قد تعلق ~~بالشجر أئتوني به فابتدروه بالسفن من كل ناحية حتى وضعوه بين يديه ~~فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه. # فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها فعالجته ففتحت الباب ~~فإذا هي بصبي صغير في التابوت وإذا نور بين عينيه وقد جعل الله رزقه في ~~إبهامه يمص منه لبنا فألقى الله محبته في قلب آسية وأحبه فرعون وعطف ~~عليه. وأقبلت بنت فرعون فلما أخرجوا الصبي من التابوت عمدت إلى ما يسيل ~~من أشداقه من ريقه فلطخت به برصها فبرأت ثم قبلته وضمته إلى صدرها فقالت: ~~الغواة من قوم فرعون أيها الملك إنا نظن أن ذلك المولود الذي تحذر منه من ~~بني إسرائيل هو هذا رمي به في البحر فزعا منك فهم فرعون بقتله فقالت ~~آسية: قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أي فنصيب منه خيرا أو ~~نتخذه ولدا وكانت لا تلد فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها. وقال ms2491 فرعون: ~~أما أنا فلا حاجة لي فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو قال يومئذ قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها الله " # فقيل لآسية سميه فقالت سميته موسى لأنا وجدناه في الماء والشجر لأن موسى ~~هو الماء وهو الشجر. ### || [28.8-12] # قوله تعالى: { فالتقطه آل فرعون } الالتقاط هو وجود الشيء من غير طلب { ~~ليكون لهم عدوا وحزنا } أي عاقبة أمرهم إلى ذلك لأنهم لم يلتقطوه ليكون ~~لهم عدوا وحزنا { إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين } أي آثمين ~~وقيل: هو من الخطأ ومعناه أنهم لم يشعروا أنه الذي يذهب بملكهم { وقالت ~~امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ولا ~~يشعرون } قال وهب لما نظر إليه فرعون قال عبراني من الأعداء فغاظه ذلك ~~وقال كيف أخطأ هذا الغلام الذبح وكانت آسية امرأة فرعون من خيار النساء ~~ومن بنات الأنبياء. وكانت أما للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم فقالت ~~لفرعون وهي قاعدة إلى جنبه هذا الوليد أكبر من ابن سنة وأنت أمرت أن تذبح ~~ولدان هذه السنة فدعه يكون عندي. وقيل: إنها قالت إنه أتانا من أرض أخرى ~~وليس هو من بني إسرائيل فاستحياه فرعون وألقى الله محبته عليه قال ابن ~~عباس لو أن عدو الله قال في موسى كما قالت آسية عسى أن ينفعنا لنفعه الله ~~ولكنه أبى للشقاء الذي كتبه الله عليه قوله تعالى { وأصبح فؤاد أم موسى ~~فارغا } أي خاليا من كل شيء إلا من ذكر موسى وهمه وقيل معناه ناسيا ~~للوحي الذي أوحى الله عز وجل إليه حين أمرها أن تلقيه في اليم ولا تخاف ~~ولا تحزن والعهد الذي عهد إليها أن يرده إليها ويجعله من المرسلين، ~~فجاءها الشيطان وقال كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجره وثوابه ~~وتوليت أنت قتله وألقيته في البحر وأغرقته. ولما أتاها الخبر بأن فرعون ~~أصابه في النيل قالت إنه قد وقع في يد عدوه الذي فررت منه فأنساه عظم ~~البلاء ما كان ms2492 من عهد الله إليها { إن كادت لتبدي به } أي لتصرح بأنه ~~ابنها من شدة وجلها. قال ابن عباس كادت تقول وا ابناه وقيل لما رأت ~~التابوت ترفعه موجة وتحطه أخرى خشيت عليه الغرق فكادت تصيح من شدة شفقتها ~~عليه. وقيل كادت تظهر أنه ابنها حين سمعت الناس يقولون موسى ابن فرعون ~~فشق عليها ذلك وكادت تقول هو ابني وقيل كادت تبدي بالوحي الذي أوحى إليها ~~{ لولا أن ربطنا على قلبها } أي بالعصمة والصبر والتثبت { لتكون من ~~المؤمنين } أي من المصدقين بوعد الله إياها { وقالت لأخته } أي لمريم أخت ~~موسى { قصيه } أي اتبعي أثره حتى تعطي خبره { فبصرت به عن جنب } أي عن ~~بعد قيل كانت تمشي جانبا وتنظره اختلاسا ترى أنها لا تنظره { وهم لا ~~يشعرون } أنها أخته وأنها ترقبه { وحرمنا عليه المراضع } المراد به المنع ~~قيل مكث موسى ثمان ليال لا يقبل ثديا قال ابن عباس إن امرأة فرعون كان ~~همها من الدنيا أن تجد من ترضعه كلما أتوا بمرضعة لم يأخذ ثديها وهم في ~~طلب من يرضعه لهم { من قبل } أي قبل مجيء أم موسى وذلك لما رأته أخت موسى ~~التي أرسلتها أمه في طلب ذلك { فقالت } يعني أخت موسى { هل أدلكم على أهل ~~بيت يكفلونه لكم } أي يضمونه ويرضعونه وهي امرأة قتل ولدها فأحب ما تدعى ~~إليه أن تجد صغيرا ترضعه { وهم له ناصحون } أي لا يمنعونه ما ينفعه من ~~تربيته وغذائه والنصح إخلاص العمل من شوائب الفساد. # قيل لما قالت: وهم له ناصحون قالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على ~~أهله قالت ما أعرفه ولكن قلت وهم للملك ناصحون وقيل: إنها قالت إنما قلت ~~ذلك رغبة في سرور الملك واتصالنا به. وقيل قالوا من هم قالت أمي قالوا ~~ولأمك ولد قالت نعم هارون وكان هارون ولد في السنة التي لا يقتل فيها ~~قالوا صدقت فأتينا بها فانطلقت إليها وأخبرتها بحال ابنها وجاءت بها ~~إليهم فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها وجعل يمصه حتى امتلأ ms2493 جنباه ريا ~~قيل كانوا يعطونها كل يوم دينارا. ### || [28.13-18] # قوله تعالى: { فرددناه إلى أمه كي تقر عينها } أي برد موسى إليها { ولا ~~تحزن } أي لئلا تحزن { ولتعلم أن وعد الله حق } أي برده إليها { ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } أن الله وعدها أن يرده إليها { ولما بلغ أشده } قيل ~~الأشد ما بين ثمانية عشر إلى ثلاثين سنة وقيل الأشد ثلاث وثلاثون سنة { ~~واستوى } أي بلغ أربعين سنة قاله ابن عباس: وقيل انتهى شبابه وتكامل { ~~آتيناه حكما وعلما } أي عقلا وفهما في الدين فعلم وحكم موسى قبل أن ~~يبعث نبيا { وكذلك نجزي المحسنين } قوله تعالى { ودخل المدينة } يعني ~~موسى والمدينة قيل هي منف من أعمال مصر وقيل هي قرية يقال لها حابين على ~~رأس فرسخين من مصر وقيل هي مدينة شمس { على حين غفلة من أهلها } قيل هي ~~نصف النهار واشتغال الناس بالقيلولة وقيل دخلها ما بين المغرب والعشاء ~~وقيل سبب دخول المدينة في ذلك الوقت أن موسى كان يسمى ابن فرعون وكان ~~يركب في مراكب فرعون ويلبس لباسه فركب فرعون يوما وكان موسى غائبا فلما ~~جاء قيل له إن فرعون قد ركب فركب موسى في أثره فأدركه المقيل بأرض منف ~~فدخلها وليس في أطرافها أحد. وقيل كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعون ~~منه ويقتدون به فلما عرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه ~~فخالفهم في دينه حتى أنكروا ذلك منه وخافوه وخافهم فكان لا يدخل قرية إلا ~~خائفا مستخفيا على حين غفلة من أهلها. وقيل لما ضرب موسى فرعون بالعصا ~~في صغره فأراد فرعون قتله قالت امرأته هو صغير فتركه وأمر بإخراجه من ~~مدينته فأخرج منه فلم يدخل عليهم حتى كبر وبلغ أشده فدخل على حين غفلة من ~~أهلها يعني عن ذكر موسى ونسيانهم خبره ولبعد عهدهم به. وعن علي أنه كان ~~يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم { فوجد فيها رجلين يقتتلان } أي ~~يتخاصمان ويتنازعان { هذا من شيعته } أي من بني إسرائيل { وهذا من عدوه } ~~يعني ms2494 من القبط وقيل هذا مؤمن وهذا كافر وقيل الذي كان من الشيعة هو ~~السامري والذي من عدوه هو طباخ فرعون واسمه فاتون وكان القبطي يريد أن ~~يأخذ الإسرائيلي يحمله الحطب. وقال ابن عباس: لما بلغ موسى أشده لم يكن ~~أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل ~~الامتناع وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى لأنهم كانوا يعلمون أنه ~~منهم فوجد موسى رجلين يقتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط { ~~فاستغاثه الذي من شيعته } يعني الإسرائيلي { على الذي من عدوه } يعني ~~الفرعوني والاستغاثة طلب الغوث والمعنى أنه سأله أن يخلصه منه وأن ينصره ~~عليه فغضب موسى واشتد غضبه لأنه أخذه وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل ~~وحفظه لهم ولا يعلم الناس إلا أنه من قبل الرضاعة فقال موسى للفرعوني: ~~خل سبيله فقال: إنما أخذته ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك فنازعه فقال ~~الفرعوني لقد هممت أن أحمله عليك وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة ~~في القوة { فوكزه موسى } يعني ضربه بجميع كفه وقيل الوكز الضرب في الصدر ~~وقيل الوكز الدفع بأطراف الأصابع { فقضى عليه } يعني قتله وفرغ من أمره ~~فندم موسى عليه ولم يكن قصد القتل فدفنه في الرمل { قال هذا من عمل ~~الشيطان إنه عدو مضل مبين } يعني بين الضلالة وقيل في قوله هذا إشارة إلى ~~عمل المقتول لا إلى عمل نفسه، والمعنى أن عمل هذا المقتول من عمل الشيطان ~~والمراد منه بيان كونه مخالفا لله سبحانه وتعالى مستحقا للقتل وقيل هذا ~~إشارة إلى المقتول يعني أنه من جند الشيطان وحزبه { قال رب إني ظلمت نفسي ~~} يعني بقتل القبطي من غير أمر وقيل هو على سبيل الاتضاع لله تعالى ~~والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإن لم يكن هناك ذنب. # وقوله { فاغفر لي } يعني ترك هذا المندوب وقيل يحتمل أن يكون المراد " ~~رب إن ظلمت نفسي " حيث فعل هذا فإن فرعون إذا عرف ذلك قتلني به فقال أي ~~فاستره علي ولا ms2495 توصل خبره إلى فرعون { فغفر له } أي فستره عن الوصول إلى ~~فرعون { إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما } أي بالمغفرة والستر الذي { ~~أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين } معناه فأنا لا أكون معاونا لأحد ~~من المجرمين قال ابن عباس الكافرين وفيه دليل على أن الإسرائيلي الذي ~~أعانه موسى كان كافرا. قال ابن عباس لم يستثن فابتلي في اليوم الثاني أي ~~لم يقل فلم أكن إن شاء الله ظهيرا للمجرمين { فأصبح في المدينة } أي ~~التي قتل فيها القبطي { خائفا يترقب } أي ينتظر سوءا والترقب انتظار ~~المكروه وقيل ينتظر متى يؤخذ به { فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه } أي ~~يستغيث به من بعد. قال ابن عباس: أتي فرعون فقيل له إن بني إسرائيل قتلوا ~~منا رجلا فخذ لنا بحقنا فقال اطلبوا قاتله ومن يشهد عليه فبينما هم ~~يطوفون لا يجدون بينة إذ مر موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل ~~فرعونيا فاستغاثه على الفرعوني وكان موسى قد ندم على ما كان منه بالأمس ~~من قتل القبطي { قال له موسى } للإسرائيلي { إنك لغوي مبين } أي ظاهر ~~الغواية قاتلت رجلا بالأمس فقتلته بسببك وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني ~~عليه. ### || [28.19-24] # { فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما } وذلك أن موسى أخذته الغيرة ~~والرقة للإسرائيلي فمد يده ليبطش بالقبطي فظن الإسرائيلي أنه يريد أن ~~يبطش به لما رأى من غضب موسى وسمع قوله إنك لغوي مبين { قال يا موسى ~~أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس } معناه أنه لم يكن علم أحد من ~~قوم فرعون أن موسى هو الذي قتل القبطي حتى أفشى عليه الإسرائيلي ذلك ~~فسمعه القبطي فأتى فرعون فأخبره بذلك { إن تريد إلا أن تكون جبارا في ~~الأرض } أي بالقتل ظلما وقيل الجبار هو الذي يقتل ويضرب ولا ينظر في ~~العواقب وقيل هو الذي يتعاظم ولا يتواضع لأمر الله تعالى { وما تريد أن ~~تكون من المصلحين } ولما فشا أن موسى قتل القبطي أمر فرعون بقتله فخرجوا ~~في طلبه وسمع بذلك رجل من ms2496 شيعة موسى يقال إنه مؤمن آل فرعون واسمه حزقيل ~~وقيل شمعون وقيل سمعان وهو قوله تعالى { وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى } ~~أي يسرع في مشيه وأخذ طريقا قريبا حتى سبق إلى موسى وأخبره وأنذره بما ~~سمع { قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك } يعني يتشاورون فيك { ليقتلوك } ~~وقيل يأمر بعضهم بعضا بقتلك { فاخرج } يعني من المدينة { إني لك من ~~الناصحين } يعني في الأمر بالخروج { فخرج منها } يعني موسى { خائفا } ~~على نفسه من آل فرعون { يترقب } يعني ينتظر الطلب هل يلحقه فيأخذه ثم لجأ ~~إلى الله تعالى لعلمه أنه لا ملجأ إلا إليه { قال رب نجني من القوم ~~الظالمين } يعني الكافرين. وقوله تعالى { ولما توجه تلقاء مدين } يعني ~~قصد نحوها ماضيا قيل إنه وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة لأن أهل مدين ~~من ولد إبراهيم وموسى من ولد إبراهيم ومدين هو مدين بن إبراهيم سميت ~~البلد باسمه وبين مدين ومصر مسيرة ثمانية أيام، قيل خرج موسى خائفا بلا ~~ظهر ولا زاد ولا أحد ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر ونبات الأرض حتى رأى ~~خضرته في بطنه وما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه قال ابن عباس وهو أول ~~ابتلاء من الله لموسى { قال } يعني موسى { عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ~~} يعني قصد الطريق إلى مدين وذلك أنه لم يكن يعرف الطريق إليها قيل لما ~~دعا موسى جاءه ملك بيده عنزة فانطلق به إلى مدين. قوله عز وجل { ولما ورد ~~ماء مدين } هو بئر كانوا يسقون منها مواشيهم { وجد عليه } يعني على الماء ~~{ أمة } يعني جماعة { من الناس يسقون } يعني مواشيهم { ووجد من دونهم } ~~يعني سوى الجماعة وقيل بعيدا من الجماعة { امرأتين تذودان } أي تحبسان ~~وتمنعان أغنامهما عن أن تند وتذهب والقول الأول لما بعده وهو قوله { قال ~~} يعني موسى للمرأتين { ما خطبكما } أي ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع ~~الناس { قالتا لا نسقي } يعني أغنامنا { حتى يصدر الرعاء } أي حتى يرجع ~~الرعاء من الماء والمعنى أنا ms2497 امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال فإذا ~~صدروا سقينا نحن مواشينا من فضل ما بقي منهم من الحوض { وأبونا شيخ كبير ~~} أي لا يقدر أن يسقي مواشيه فلذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم، قيل أبوهما ~~هو شعيب عليه الصلاة السلام. # وقيل هو بيرون ابن أخي شعيب وكان شعيب قد مات بعدما كف بصره وقيل هو رجل ~~ممن آمن بشعيب فلما سمع موسى كلامهما رق لهما ورحمهما فاقتلع صخرة من على ~~رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس. وقيل زاحم ~~القوم ونحاهم كلهم عن البئر وسقى لهما الغنم وقيل لما فرغ الرعاء من ~~السقي غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشرة نفر فجاء موسى فرفع الحجر ~~ونزع دلوا واحدا فيه بالبركة وسقى الغنم فرويت فذلك قوله { فسقى لهما ~~ثم تولى إلى الظل } يعني عدل إلي رأس الشجرة فجلس في ظلها من شدة الحر ~~وهو جائع { فقال رب لما أنزلت إلي من خير فقير } معناه أنه طلب الطعام ~~لجوعه واحتياجه إليه. قال ابن عباس: إن موسى سأل الله فلقة خبز يقيم بها ~~صلبه وعن ابن عباس قال: لقد قال موسى: " رب إني لما أنزلت إلي من خير ~~فقير " وهو أكرم خلقه عليه ولقد افتقر إلى شق تمرة وقيل ما سأل إلا الخبز ~~فلما رجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما ما ~~أعجلكما؟ قالتا وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا أغنامنا فقال لإحداهما ~~اذهبي فادعيه إلي. ### || [28.25-28] # قال الله تعالى: { فجاءته إحداهما تمشي على استحياء } قيل هي الكبرى ~~واسمها صفوراء وقيل صفراء وقيل بل هي الصغرى واسمها ليا وقيل صفيراء وقال ~~عمر بن الخطاب ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة ولكن جاءت مستترة قد ~~وضعت كم درعها على وجهها استحياء وقيل استحيت منه لأنها دعته لتكافئه ~~وقيل لأنها رسول أبيها { قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } قيل ~~لما سمع موسى ذلك كره أن يذهب معها ولكن كان جائعا فلم يجد ms2498 بدا من ~~الذهاب فمشت المرأة ومشى موسى خلفها فكانت الريح تضرب ثوبها فتصف ردفها ~~فكره موسى أن يرى ذلك منها فقال امشي خلفي ودليني على الطريق إذا أخطأت ~~ففعلت ذلك فلما دخل موسى على شعيب إذ هو بالعشاء مهيئا فقال: اجلس يا ~~فتى فتعش فقال موسى أعوذ بالله فقال شعيب ولم ذاك ألست بجائع؟ قال بلى ~~ولكني أخاف أن يكون هذا عوضا من الدنيا فقال له شعيب: لا والله يا فتى ~~لكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام فجلس وأكل فذلك قوله عز ~~وجل { فلما جاءه } أي موسى { وقص عليه القصص } أي أخبره بأمره أجمع من ~~خبر ولادته وقتله القبطي وقصد فرعون قتله { قال لا تخف نجوت من القوم ~~الظالمين } يعني من فرعون وقومه وإنما قال ذلك لأنه لم يكن لفرعون سلطان ~~على مدين { قالت إحداهما يا أبت استأجره } أي اتخذه أجيرا ليرعى أغنامنا ~~{ إن خير من استأجرت القوي الأمين } يعني إن خير من استعملت من قوي على ~~العمل وأدى الأمانة فقال لها أبوها ما أعلمك بقوته وأمانته؟ قالت أما ~~قوته فإنه رفع الحجر من على رأس البئر ولا يرفعه إلا عشرة. وقيل أربعون ~~رجلا وأما أمانته فإنه قال لي امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك { قال } ~~شعيب عند ذلك { إني أريد أن أنكحك } أي أزوجك { إحدى ابنتي هاتين } قيل ~~زوجه الكبرى وقال الأكثرون إنه زوجه الصغرى منهما واسمها صفوراء وهي التي ~~ذهبت في طلب موسى { على أن تأجرني ثمان حجج } أي تكون لي أجيرا ثمان ~~سنين { فإن أتممت عشرا فمن عندك } أي فإن أتممت العشر سنين فذلك تفضل ~~منك وتبرع ليس بواجب عليك { وما أريد أن أشق عليك } أي ألزمك تمام العشر ~~إلا أن تتبرع { ستجدني إن شاء الله من الصالحين } أي في حسن الصحبة ~~والوفاء بما قلت وقيل يريد بالصلاح حسن المعاملة ولين الجانب وإنما قال ~~إن شاء الله للاتكال على توفيقه ومعونته { قال } يعني موسى { ذلك بيني ~~وبينك } يعني ما شرطت علي فلك وما شرطت ms2499 من تزوج إحداهما فلي والأمر بيننا ~~على ذلك { أيما الأجلين قضيت } أي أي الأجلين أتممت وفرغت منه الثمانية ~~أو العشرة { فلا عدوان علي } أي لا ظلم علي بأن أطالب بأكثر منه { والله ~~على ما نقول وكيل } قال ابن عباس شهيد بيني وبينك خ عن سعيد بن جبير قال: ~~سألني يهودي من أهل الحيرة أي الأجلين قضى موسى؟ قلت لا أدري حتى أقدم ~~على خير العرب فاسأله فقدمت فسألت ابن عباس: فقال قضي أكثرهما وأطيبهما ~~لأن رسول الله إذا قال فعل وروي عن أبي ذر مرفوعا: " إذا سئلت أي ~~الأجلين قضى موسى فقل خيرهما وأبرهما وإذا سئلت أي المرأتين تزوج فقل ~~الصغرى منهما وهي التي جاءت فقالت يا أبت استأجره فتزوج صغراهما وقضى ~~أوفاهما ". # وقال وهب أنكحه الكبرى وروى شداد بن أوس مرفوعا بكى شعيب النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى عمي فرد الله عليه بصره ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه ~~بصره ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره فقال الله له: ما هذا البكاء ~~أشوقا إلى الجنة أم خوفا من النار فقال: لا يا رب ولكن شوقا إلى لقائك ~~فأوحى الله إليه إن يكن ذلك فهنيئا لك لقائي يا شعيب لذلك أخدمتك كليمي ~~موسى ولما تعاقدا هذا العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصاه ~~يدفع بها السباع عن غنمه قيل كانت من آس الجنة حملها آدم معه فتوارثها ~~الأنبياء وكان لا يأخذها غير نبي إلا أكلته فصارت من آدم إلى نوح ثم إلى ~~إبراهيم حتى وصلت إلى شعيب فأعطاها موسى. ثم إن موسى لما قضى الأجل سلم ~~شعيب إليه ابنته فقال لها موسى اطلبي من أبيك أن يجعل لنا بعض الغنم ~~فطلبت من أبيها ذلك فقال لكما كل ما ولدت هذا العام على غير شيتها وقيل ~~إن شعيبا أراد أن يجازي موسى على حسن رعيه إكراما وصلة لا بنته فقال ~~له: إني قد وهبت لك ولد أغنامي كل أبلق وبلقاء في هذه السنة فأوحى الله ms2500 ~~تعالى إلى موسى في النوم أن اضرب بعصاك الماء، ثم اسق الأغنام منه ففعل ~~ذلك فما أخطأت واحدة إلا وضعت حملها مابين أبلق وبلقاء فعلم شعيب أن هذا ~~رزق ساقه الله إلى موسى وامرأته فوفى له بشرطه وأعطاه الأغنام. ### || [28.29-35] # قوله عز وجل: { فلما قضى موسى الأجل } أي أتمه وفرغ منه { وسار بأهله } ~~قيل مكث موسى بعد الأجل عند شعيب عشر سنين أخرى ثم استأذنه في العود إلى ~~مصر فأذن له فسار بأهله أي بزوجته قاصدا إلى مصر { آنس } أي أبصر { من ~~جانب الطور نارا } وذلك أنه كان في البرية في ليلة مظلمة شديدة البرد ~~وأخذ امرأته الطلق { قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها ~~بخبر } أي عن الطريق لأنه كان قد أخطأ الطريق { أو جذوة من النار } أي ~~قطعة وشعلة من النار وقيل: الجذوة العود الذي اشتعل بعضه { لعلكم تصطلون ~~} أي تستدفئون { فلما أتاها نودي من شاطىء الواد الأيمن } يعني من جانب ~~الوادي الذي عن يمين موسى { في البقعة المباركة } جعلها الله مباركة لأن ~~الله تعالى كلم موسى هناك وبعثه نبيا وقيل يريد البقعة المقدسة { من ~~الشجرة } يعني من ناحية الشجرة قال ابن مسعود: كانت سمرة خضراء تبرق وقيل ~~كانت غوسجة وقيل كانت من العليق وعن ابن عباس إنها العناب { أن يا موسى ~~إني أنا الله رب العالمين } قيل إن موسى لما رأى النار في الشجرة الخضراء ~~علم أنه لا يقدرعلى الجمع بين النار وخضرة الشجرة إلا الله تعالى فعلم ~~بذلك أن المتكلم هو الله تعالى. وقيل: إن الله تعالى خلق في نفس موسى ~~علما ضروريا بأن المتكلم هو الله وأن ذلك الكلام كلام الله تعالى. ~~وقيل: إنه قيل لموسى كيف عرفت أنه نداء الله قال إني سمعته بجميع أجزائي ~~فلما وجد حس السمع من جميع الأجزاء علم بذلك أنه لا يقدر عليه أحد إلا ~~الله تعالى { وأن ألق عصاك } يعني فألقاها { فلما رآها تهتز } يعني تتحرك ~~{ كأنها جان } هي الحية الصغيرة والمعنى أنها في سرعة حركتها ms2501 كالحية ~~السريعة الحركة { ولى مدبرا } يعني هاربا منها { ولم يعقب } يعني ولم ~~يرجع قال وهب إنها لم تدع شجرة، ولا صخرة إلا بلعتها حتى إن موسى سمع ~~صرير أسنانها وقعقعة الشجر والصخر في جوفها فحينئذ ولى مدبرا ولم يعقب ~~فنودي عند ذلك { يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين }. قوله عز وجل { ~~اسلك يدك } يعني أدخل يدك { في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء } يعني برص ~~والمعنى أنه أدخل يده فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس { واضمم إليك جناحك من ~~الرهب } يعني من الخوف والمعنى إذا هالك أمر يدك وما تراه من شعاعها ~~فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى وقال ابن عباس: أمر الله موسى أن ~~يضم يده إلى صدره فيذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية وما من ~~خائف بعد موسى إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه. # وقيل المراد من ضم الجناح السكون أي سكن روعك واخفض عليك جناحك لأن من ~~شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه. وقيل الرهب الكم بلغة حمير ومعناه ~~اضمم إليك يدك وأخرجها من كمك لأنه تناول العصا ويده في كمه { فذانك } ~~يعني العصا واليد البيضاء { برهانان } يعني آيتان { من ربك إلى فرعون ~~وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين } يعني خارجين عن الحق { قال رب إني قتلت ~~منهم نفسا } يعني القبطي { فأخاف أن يقتلون } يعني به { وأخي هارون هو ~~أفصح مني لسانا } يعني بيانا وإنما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه ~~من وضع الجمرة في فيه { فأرسله معي ردءا } يعني عونا { يصدقني } يعني ~~فرعون وقيل تصديق هارون هو أن يلخص الدلائل ويجيب عن الشبهات ويجادل ~~الكفار فهذا هو التصديق المفيد { إني أخاف أن يكذبون } يعني فرعون وقومه ~~{ قال سنشد عضدك بأخيك } يعني سنقويك به وكان هارون بمصر { ونجعل لكما ~~سلطانا } يعني حجة وبرهانا { فلا يصلون إليكما } أي بقتل ولا سوء { ~~بآياتنا } قيل معناه نعطيكما من المعجزات فلا يصلون إليكما { أنتما ومن ~~اتبعكما الغالبون } يعني لكما ولأتباعكما الغلبة على فرعون ms2502 وقومه. ### || [28.36-45] # { فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات } يعني واضحات { قالوا ما هذا إلا سحر ~~مفترى } يعني مختلق { وما سمعنا بهذا } يعني بالذي تدعونا إليه { في ~~آبائنا الأولين وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده } يعني أنه ~~يعلم المحق من المبطل { ومن تكون له عاقبة الدار } يعني العقبى المحمودة ~~في الدار الآخرة { إنه لا يفلح الظالمون } يعني الكافرون { وقال فرعون يا ~~أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري } فيه إنكار لما جاء به موسى من ~~توحيد الله وعبادته { فأوقد لي يا هامان على الطين } يعني اطبخ لي الآجر ~~قيل إنه أول من اتخذ آجرا وبنى به { فاجعل لي صرحا } أي قصرا عاليا ~~وقيل منارة. قال أهل السير لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح جمع ~~هامان العمال والفعلة حتى اجتمع عنده خمسون ألف بناء سوى الأتباع ~~والأجراء وطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير، وأمر بالبناء فبنوه ~~ورفعوه وشيدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق وأراد ~~الله أن يفتنهم فيه فلما فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه، وأمر بنشابة فرمى ~~بها نحو السماء فردت إليه وهي ملطخة دما فقال: قد قتلت إله موسى وكان ~~فرعون يصعده راكبا على البراذين فبعث الله جبريل عند غروب الشمس فضربه ~~بجناحه فقطعه ثلاث قطع فوقعت قطعة منهم على عسكره فقتلت منهم ألف رجل ~~ووقعت قطعه منه في البحر وقطعة في المغرب فلم يبق أحد عمل شيئا فيه إلا ~~هلك فذلك قوله { لعلي أطلع إلى إله موسى } يعني أنظر إليه وأقف على حاله ~~{ وإني لأظنه } يعني موسى { من الكاذبين } يعني في زعمه أن للأرض والخلق ~~إلها غيري وأنه أرسله { واستكبر هو وجنوده في الأرض } يعني تعظموا عن ~~الإيمان ولم ينقادوا للحق بالباطل والظلم { بغير الحق وظنوا أنهم إلينا ~~لا يرجعون } يعني للحساب والجزاء { فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم } ~~يعني فألقيناهم في البحر وهو القلزم { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } ~~يعني حين صاروا إلى الهلاك { وجعلناهم أئمة } يعني قادة ورؤساء { يدعون ~~إلى ms2503 النار } أي الكفر والمعاصي التي يستحقون بها النار لأن من أطاعهم ضل ~~ودخل النار { ويوم القيامة لا ينصرون } يعني لا يمنعون من العذاب { ~~وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة } يعني خزيا وبعدا وعذابا { ويوم ~~القيامة هم من المقبوحين } يعني المبعدين وقيل المهلكين. وقال ابن عباس ~~من المشوهين بسواد الوجوه وزرقة العيون. وقوله عز وجل { ولقد آتينا موسى ~~الكتاب } يعني التوراة { من بعد ما أهلكنا القرون الأولى } يعني قوم نوح ~~وعاد وثمود وغيرهم ممن كانوا قبل موسى { بصائر للناس } ليبصروا ذلك ~~فيهتدوا به { وهدى } يعني من الضلالة لمن عمل به { ورحمة } يعني لمن آمن ~~به { لعلهم يتذكرون } يعني بما فيه من المواعظ { وما كنت } الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أي وما كنت يا محمد { بجانب الغربي } يعني بجانب ~~الجبل الغربي قال ابن عباس يريد حيث ناجى موسى ربه { إذ قضينا إلى موسى ~~الأمر } يعني عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون { وما كنت ~~من الشاهدين } يعني الحاضرين ذلك المقام الذي أوحينا إلى موسى فيه فتذكره ~~من ذات نفسك { ولكنا أنشأنا قرونا } يعني خلقنا بعد موسى أمما { فتطاول ~~عليهم العمر } يعني طالت عليهم المدة فنسوا عهد الله وتركوا أمره وذلك أن ~~الله عهد إلى موسى وقومه عهودا في محمد والإيمان به فلما طال عليهم ~~العمر وخلفت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها { وما ~~كنت ثاويا } أي مقيما { في أهل مدين } أي كمقام موسى وشعيب فيهم { ~~تتلوا عليهم آياتنا } يعني تذكرهم بالوعد والوعيد وقيل معناه لم تشهد أهل ~~مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم { ولكنا كنا مرسلين } أي أرسلناك رسولا ~~وأنزلنا إليك كتابا فيه هذه الأخبار لتتلوها عليه ولولا ذلك لما علمتها ~~أنت ولم تخبرهم بها. ### || [28.46-53] # { وما كنت بجانب الطور } أي بناحية الجبل الذي كلم الله موسى عليه { إذ ~~نادينا } أي موسى خذ الكتاب بقوة وقال وهب قال موسى: يا رب أرني محمدا ~~وأمته قال إنك لن تصل إلى ذلك ولكن إن شئت ناديت أمته وأسمعتك صوتهم قال ms2504 ~~بلى يا رب قال الله تعالى: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم. وقال ~~ابن عباس قال الله تعالى: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب الآباء والأرحام ~~أي أرحام الأمهات لبيك اللهم لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك ~~لك. قال الله تعالى: يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي وعفوي سبق عقابي قد ~~أعطيتكم قبل أن تسألوني وقد أجبتكم قبل أن تدعوني وقد غفرت لكم قبل أن ~~تستغفروني ومن جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~عبدي ورسولي دخل الجنة وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر { ولكن رحمة من ~~ربك } أي رحمناك رحمة بإرسالك والوحي إليك وإطلاعك على الأخبار الغائبة ~~عنك { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } يعني أهل مكة { لعلهم ~~يتذكرون } اعلم أن الله تعالى لما بين قصة موسى عليه الصلاة والسلام ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم فجمع بين هذه الأحوال الثلاثة العظيمة التي ~~اتفقت لموسى فالمراد بقوله: " إذ قضينا إلى موسى الأمر " هو إنزال ~~التوراة عليه حتى تكامل دينه واستقر شرعه والمراد بقوله # وما كنت ثاويا في أهل مدين # [القصص: 45] أول أمر موسى والمراد بقوله إذ نادينا ليلة المناجاة فهذه ~~أعظم أحوال موسى ولما بينها لرسوله ولم يكن في هذه الأحوال حاضرا بين ~~الله أنه بعثه وعرفه هذه الأحوال الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم ~~ومعجزته كأنه قال في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة دلالة ~~ظاهرة على نبوتك. قوله تعالى: { ولولا أن تصيبهم مصيبة } أي عقوبة ونقمة ~~{ بما قدمت أيديهم } يعني من الكفر والمعاصي { فيقولوا ربنا لولا } أي ~~هلا { أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين } ومعنى الآية ~~لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة على كفرهم وقيل ~~معناه لما بعثناك إليهم رسولا ولكنا بعثناك إليهم لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل { فلما جاءهم الحق من عندنا } يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم { قالوا } يعني كفار مكة { لولا } أي هلا ms2505 { أوتي } محمد { مثل ~~ما أوتي موسى } يعني من الآيات كالعصا واليد البيضاء. وقيل: أوتي كتابا ~~جملة واحدة كما أوتي موسى التوراة قال الله تعالى { أولم يكفروا بما أوتي ~~موسى من قبل } قيل إن اليهود أرسلوا إلى قريش أن يسألوا محمدا مثل ما ~~أوتي موسى فقال الله تعالى: { أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل } يعني ~~اليهود الذين استخرجوا هذا السؤال { قالوا سحران تظاهرا } يعني التوراة ~~والقرآن يقوي كل واحد منهما الآخر وقيل ساحران يعني محمدا وموسى. # وقيل إن مشركي مكة بعثوا إلى رؤوس اليهود بالمدينة يسألونهم عن محمد صلى ~~الله عليه وسلم فأخبروهم أن نعته في كتابهم التوراة فرجعوا فأخبروهم بقول ~~اليهود فقالوا ساحران تظاهرا { وقالوا إنا بكل كافرون } يعني بالتوراة ~~والقرآن وقيل بمحمد وموسى { قل } يا محمد { فأتوا بكتاب من عند الله هو ~~أهدى منهما } يعني من التوراة والقرآن { أتبعه } يعني الكتاب الذي تأتون ~~به من عند الله وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله { إن كنتم صادقين ~~فإن لم يستجيبوا لك } أي فإن لم يأتوا بما طلبت { فاعلم أنما يتبعون ~~أهواءهم } يعني أن ما ركبوه من الكفر لا حجة لهم فيه وإنما آثروا أتباعهم ~~ما هم عليه من الهوى { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين } قوله عز وجل { ولقد وصلنا لهم القول } قال ابن ~~عباس: بينا وقيل أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضا، وقيل بينا لكفار ~~مكة بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية كيف عذبوا بتكذيبهم، وقيل ~~وصلنا لهم خبر الدنيا بخبر الآخرة حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا { ~~لعلهم يتذكرون } أي يتعظون { الذين آتيناهم الكتاب من قبلة } أي من قبل ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقيل من قبل القرآن { هم به يؤمنون } نزلت في ~~مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه وقيل بل هم أهل الإنجيل الذين ~~قدموا من الحبشة وآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وهم أربعون رجلا ~~قدموا مع جعفر بن أبي طالب فلما ms2506 رأوا ما بالمسلمين من الحاجة والخاصة ~~قالوا: يا رسول الله إن لنا أموالا فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا ~~فواسينا بها المسلمين فأذن لهم فانصرفوا فأتوا فواسوا بها المسلمين. ~~فنزلت هذه الآيات إلى قوله # ومما رزقناهم ينفقون # [القصص: 54] وقال ابن عباس: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب وأربعون من ~~نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الشام ثم وصفهم الله تعالى ~~فقال { وإذا يتلى عليهم } يعني القرآن { قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا ~~} وذلك أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كان مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل { إنا كنا من قبله مسلمين } أي من قبل القرآن مخلصين لله ~~التوحيد ومؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم إنه نبي حق. ### || [28.54-61] # { أولئك يؤتون أجرهم مرتين } يعني بإيمانهم بالكتاب الأول والكتاب الآخر ~~{ بما صبروا } أي على دينهم وعلى أذى المشركين ق عن أبي موسى الأشعري رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاثة لهم أجران رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه ورجل كانت عنده أمة ~~يطؤها فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها ثم تزوجها ~~فله أجران " # { ويدرؤون بالحسنة السيئة } قال ابن عباس: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا ~~الله وقيل يدفعون ما سمعوا من أذى المشركين وشتمهم بالصفح والعفو { ومما ~~رزقناهم ينفقون } أي في الطاعة { وإذ سمعوا اللغو } أي القول القبيح { ~~أعرضوا عنه } وذلك أن المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل مكة ويقولون تبا ~~لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردون عليهم { وقالوا لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم } أي لنا ديننا ولكم دينكم { سلام عليكم } ليس المراد منه التحية ~~ولكن سلام المتاركة والمعنى سلمتم منا لا نعارضكم بالشتم { لا نبتغي ~~الجاهلين } يعني لا نحب دينكم الذي أنتم عليه. وقيل: لا نريد أن نكون من ~~أهل الجهل والسفه وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال ثم نسخ ذلك بالقتال. ~~قوله تعالى { إنك لا تهدي من أحببت ms2507 } أي هدايته وقيل أحببته لقرابته { ~~ولكن الله يهدي من يشاء } وذلك أن الله تعالى يقذف في القلب نور الهداية ~~فينشرح الصدر للإيمان { وهو أعلم بالمهتدين } أي بمن قدر له الهدى م عن ~~أبي هريرة قال " إنك لا تهدي من أحببت، نزلت في رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حيث راود عمه أبا طالب على الإسلام وذلك # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب عند الموت: " ياعم قل لا ~~إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة قال لولا أن تعيرني قريش يقولون ~~إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك " " # ثم أنشد: # ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا ~~الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا # ولكن على ملة الأشياخ عبد المطلب وعبد مناف ثم مات فأنزل الله هذه الآية ~~{ وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا } يعني نزلت في الحارث بن ~~عثمان بن نوفل بن عبد مناف وذلك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا ~~لنعلم أن الذي تقول حق ولكن إن اتبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من ~~أرض مكة قال الله تعالى { أو لم نمكن لهم حرما آمنا } وذلك أن العرب ~~كانت في الجاهلية يغير بعضهم على بعض ويقتل بعضهم بعضا وأهل مكة آمنون ~~حيث كانوا لحرمة الحرم. # ومن المعروف أنه كان تأمن فيه الظباء من الذئاب والحمام من الحدأة { ~~يجبى إليه } يعني يجلب ويجمع إليه ويحمل إلى الحرم من الشام ومصر والعراق ~~واليمن { ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون } يعني أن ~~أكثر أهل مكة لا يعلمون ذلك. قوله عز وجل { وكم أهلكنا من قرية } يعني من ~~أهل قرية { بطرت معيشتها } أي أشرت وطغت وقيل عاشوا في البطر فأكلوا رزق ~~الله وعبدوا الأصنام { فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا } قال ~~ابن عباس: لم يسكنها إلا المسافرون سكونا قليلا وقيل لم يعمروا منها ~~إلا أقلها وأكثرها خراب { وكنا نحن الوارثين } يعني لم ms2508 يخلفهم فيها أحد ~~بعد هلاكهم وصار أمرها إلى الله تعالى لأنه الباقي بعد فناء الخلق { وما ~~كان ربك مهلك القرى } يعني الكافرة أهلها { حتى يبعث في أمها رسولا } ~~ينذرهم وخص الأم ببعثة الرسول لأنه يبعث إلى الأشراف وهم سكان المدن وقيل ~~حتى يبعث في أم القرى وهي مكة رسولا يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ~~لأنه خاتم الأنبياء { يتلو عليهم آياتنا } أي أنه يؤدي إليهم ويبلغهم ~~وقيل يخبرهم أن العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا { وما كنا مهلكي القرى إلا ~~وأهلها ظالمون } أي مشركون. قوله عز وجل { وما أوتيتم من شيء فمتاع ~~الحياة الدنيا وزينتها } أي تتمتعون بها أيام حياتكم ثم هي إلى فناء ~~وانقضاء { وما عند الله خير وأبقى } لأن منافع الآخرة خالصة عن الشوائب ~~وهي دائما غير منقطعة ومنافع الدنيا كالذرة بالقياس إلى البحر العظيم { ~~أفلا تعقلون } أي أن الباقي خير من الفاني وقيل من لم يرجح الآخرة على ~~الدنيا فليس بعاقل. ولهذا قال الشافعي: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس ~~صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله لأن أعقل الناس من أعطي القليل ~~وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلون بطاعة الله تعالى { أفمن وعدناه وعدا ~~حسنا } يعني الجنة { فهو لاقيه } أي مصيبه وصائر إليه { كمن متعناه متاع ~~الحياة الدنيا } أي وتزول عنه عن قريب { ثم هو يوم القيامة من المحضرين } ~~أي في النار، قيل هذا في المؤمن والكافر وقيل نزلت في النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبي جهل، وقيل في علي وحمزة وأبي جهل وقيل في عمار بن ياسر ~~والوليد بن المغيرة. ### || [28.62-75] # قوله عز وجل: { ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون } أي ~~في الدنيا أنهم من شركائي { قال الذين حق عليهم القول } أي وجب عليهم ~~العذاب وهم رؤوس الضلالة { ربنا هؤلاء الذين أغوينا } أي دعوناهم إلى ~~الغي وهم الأتباع { أغويناهم كما غوينا } أي أضللناهم كما ضللنا { تبرأنا ~~إليك ما كانوا إيانا يعبدون } معناه تبرأ بعضهم من بعض وصاروا أعداء { ~~وقيل } يعني للكفار { ادعوا شركاءكم ms2509 } أي الأصنام لتخلصكم من العذاب { ~~فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } أي لم يجيبوهم { ورأوا العذاب لو أنهم كانوا ~~يهتدون } معناه لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما رأوا العذاب في الآخرة ~~{ ويوم يناديهم } أي يسأل الكفار { فيقول ماذا أجبتم المرسلين } أي ما ~~كان جوابكم لمن أرسل إليكم من النبيين { فعميت عليهم } أي خفيت واشتبهت ~~عليهم { الأنباء } يعني الأخبار والأعذار والحجج { يومئذ } فلم يكن لهم ~~عذر ولا حجة { فهم لا يتساءلون } أي لا يجيبون ولا يحتجون وقيل يسكتون ~~فلا يسأل بعضهم بعضا { فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من ~~المفلحين } أي من السعداء الناجين وعسى من الله واجب. قوله تعالى { وربك ~~يخلق ما يشاء ويختار } نزلت هذه الآية جوابا للمشركين حين قالوا # لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم # [الزخرف: 31] يعني الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي أخبر الله ~~تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم لأنه المالك المطلق وله أن يخص ما ~~يشاء بما يشاء لا اعتراض ألبتة { ما كان لهم الخيرة } أي ليس لهم ~~الاختيار، أو ليس لهم أن يختاروا على الله. وقيل معناه ويختار الله ما ~~كان هو الأصلح والخير لهم فيه، ثم نزه الله تعالى نفسه فقال { سبحان الله ~~وتعالى عما يشركون وربك يعلم ما تكن } أي تخفي { صدورهم وما يعلنون } أي ~~يظهرون { وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة } أي يحمده ~~أولياؤه في الدنيا ويحمدونه في الآخرة في الجنة { وله الحكم } أي فصل ~~القضاء بين الخلق وقال ابن عباس يحكم لأهل طاعته بالمغفرة ولأهل المعصية ~~بالشقاوة { وإليه ترجعون } قوله عز وجل { قل } أي قل يا محمد لأهل مكة { ~~أرأيتم } يعني أخبروني { إن جعل الله عليكم الليل سرمدا } أي دائما { ~~إلى يوم القيامة } لا نهار فيه { من إله غير الله يأتيكم بضياء } أي ~~بنهار تطلبون فيه المعيشة { أفلا تسمعون } أي سماع فهم وقبول { قل أرأيتم ~~إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة } أي لا ليل فيه ms2510 { من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون } أي ما أنتم عليه من ~~الخطأ قيل إن من نعمة الله تعالى على الخالق أن جعل الليل والنهار ~~يتعاقبان لأن المرء في حال الدنيا وفي حال التكليف مدفوع إلى التعب ليحصل ~~ما يحتاج إليه ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار ولأجله يحصل الاجتماع ~~فتمكن المعاملات ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالراحة والسكون بالليل فلا بد ~~منهما فأما من الجنة فلا تعب ولا نصب فلا حاجة بهم إلى الليل ولذلك يدوم ~~لهم الضياء أبدا فبين الله تعالى أنه القادر على ذلك ليس غيره فقال { ~~ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار } أي يتعاقبان بالظلمة والضياء { ~~لتسكنوا فيه } أي في الليل { ولتبتغوا من فضله } أي بالنهار { ولعلكم ~~تشكرون } أي نعم الله فيهما { ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم ~~تزعمون } كرر ذلك النداء للمشركين لزيادة التقريع والتوبيخ { ونزعنا } ~~يعني أخرجنا وقيل ميزنا { من كل أمة شهيدا } يعني رسولهم يشهد عليهم ~~بأنه بلغهم رسالة ربهم ونصح لهم { فقلنا } يعني للأمم المكذبة لرسلهم { ~~هاتوا برهانكم } أي حجتكم بأن معي شريكا { فعلموا أن الحق لله } أي ~~التوحيد لله { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي يختلقون في الدنيا من الكذب ~~على الله. ### || [28.76-79] # قوله عز وجل: { إن قارون كان من قوم موسى } قيل كان ابن عم موسى لأنه ~~قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب وموسى بن عمران بن قاهث. وقيل ~~كان عم موسى ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ منه للتوراة ولكنه نافق كما ~~نافق السامري { فبغى عليهم } قيل كان عاملا لفرعون على بني إسرائيل ~~فظلمهم وبغى عليهم وقيل بغى عليهم بكثرة ماله وقيل زاد في طول ثيابه ~~شبرا ق عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثيابه خيلاء " # أخرجاه في الصحيحين وقيل بغى عليهم بالكبر والعلو { وآتيناه من الكنوز ~~ما إن مفاتحه } جمع مفتح وهو الذي يفتح به الباب ms2511 وقيل مفاتحه يعني خزائنه ~~{ لتنوء بالعصبة أولي القوة } معناه لثقلهم وتميل بهم إذا حملوها ~~لتثقلها. قيل العصبة ما بين العشرة إلى الخمسة عشر وقال ابن عباس: ما بين ~~الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى الأربعين. وقيل إلى السبعين قال ابن عباس: ~~كان يحمل مفاتيحه أربعون رجلا أقوى ما يكون من الرجال وقيل كان قارون ~~أينما ذهب تحمل معه مفاتيح كنوزه وكانت من حديد فلما كثرت وثقلت عليه ~~جعلها من خشب فثقلت فجعلها من جلود البقر كل مفتاح على قدر الأصبع وكانت ~~تحمل معه إذا ركب على أربعين بغلا { إذ قال له قومه لا تفرح } يعني لا ~~تبطر ولا تأشر ولا تمرح { إن الله لا يحب الفرحين } يعني الأشرين البطرين ~~الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم قيل إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي ~~بها واطمأن إليها فأما من يعلم أنه سيفارق الدنيا عن قريب لم يفرح ولقد ~~أحسن من قال: # أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا # { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة } يعني اطلب فيما أعطاك الله من ~~الأموال الجنة وهو أن تقوم بشكر الله فيما أنعم عليك وتنفقه في رضا الله ~~{ ولا تنس نصيبك من الدنيا } أي لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة حتى ~~تنجو من العذاب لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل فيها للآخرة ~~بالصدقة وصلة الرحم وقيل لا تنسى صحتك وقوتك وشبابك وغناك أن تطلب بها ~~الآخرة. عن عمرو بن ميمون الأزدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لرجل وهو يعظه: # " اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك ~~وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك " # هذا حديث مرسل وعمرو بن ميمون لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم { وأحسن ~~كما أحسن الله إليك } أي أحسن بطاعة الله كما أحسن إليك بنعمته وقيل ~~أحسن إلى الناس { ولا تبغ } أي ولا تطلب { الفساد في الأرض } وكل من عصى ~~الله فقد طلب الفساد في الأرض { إن الله ms2512 لا يحب المفسدين قال } يعني ~~قارون { إنما أوتيته على علم عندي } أي على فضل وخير علمه الله عندي ~~فرآني أهلا لذلك ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره. # وقيل هو علم الكيمياء وكان موسى يعلمه فعلم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم ~~وعلم كالب بن يوقنا ثلثه وعلم قارون ثلثه فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما ~~إلى علمه، فكان يصنع من الرصاص فضة ومن النحاس ذهبا وكان ذلك سبب كثرة ~~أمواله وقيل كان علمه حسن التصرف في التجارات والزراعات وأنواع المكاسب ~~قال الله عز وجل { ألم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد ~~منه قوة وأكثر جمعا } أي للأموال { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } قيل ~~معناه أن الله تعالى إذا أراد عقاب المجرمين فلا حاجة به إلى سؤالهم لأنه ~~عالم بحالهم وقيل لا يسألون سؤال استعلام وإنما يسألون سؤال توبيخ وتقريع ~~وقيل لا تسأل الملائكة عنهم لأنهم يعرفونهم بسيماهم. قوله عز وجل { فخرج ~~على قومه في زينته } قيل: خرج هو وقومه وهم سبعون ألفا عليهم الثياب ~~الحمر والصفر والمعصفرات وقيل خرج على براذين بيض عليها سرج الأرجوان. ~~وقيل: خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب وعليه الأرجوان ومعه أربعة ~~آلاف فارس وعليهم وعلى دوابهم الأرجوان ومعه ثلاثمائة جارية بيضاء عليهن ~~الحلي والثياب الحمر وهن على البغال الشهب { قال الذين يريدون الحياة ~~الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم } أي من المال. ### || [28.80-82] # { وقال الذين أوتوا العلم } أي بما وعد الله في الآخرة وقال ابن عباس: ~~يعني الأحبار من بني إسرائيل للذين تمنوا مثل ما أوتي قارون { ويلكم ثواب ~~الله } أي ما عند الله من الثواب والخير { خير لمن آمن } أي صدق بتوحيد ~~الله { وعمل صالحا } أي ذلك خير مما أوتي قارون في الدنيا { ولا يلقاها ~~إلا الصابرون } أي لا يؤتى الأعمال الصالحة إلا الصابرون وقيل لا يؤتى ~~هذه الكلمة وهي قوله { ويلكم ثواب الله خير } { إلا الصابرون } أي على ~~طاعة ms2513 الله وعن زينة الدنيا. قوله تعالى { فخسفنا به وبداره الأرض }. ذكر ~~قصة قارون: قال أهل العلم بالأخبار والسير: كان قارون أعلم بني إسرائيل ~~بعد موسى وهارون وأقرأهم للتوراة وأجملهم وأغناهم. وكان حسن الصوت فبغى ~~وطغى وكان أول طغيانه وعصيانه أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن يأمر قومه ~~أن يعلقوا في أرديتهم خيوطا أربعة في كل طرف خيطا أخضر كلون السماء ~~يذكرونني به إذا نظروا إلى السماء ويعلمون أني منزل منها كلامي. فقال ~~موسى: يا رب أفلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضرا فإن بني إسرائيل ~~تستصغر هذه الخيوط فقال له ربه يا موسى إن الصغير من أمري ليس بصغير فإذا ~~لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير فدعاهم موسى فقال ~~إن الله يأمركم أن تعلقوا في أرديتكم خيوطا كلون السماء لكي تذكروا ربكم ~~إذا رأيتموها ففعل بنو إسرائيل ما أمرهم به موسى واستكبر قارون فلم يطعه ~~وقال: إنما يفعل هذا الأرباب بعبيدهم لكي يتميزوا عن غيرهم فكان هذا بدء ~~عصيانه وبغيه فلما قطع موسى ببني إسرائيل البحر جعلت الحبورة لهارون، وهي ~~رئاسة المذبح فكان بنو إسرائيل يأتون بقربانهم إلى هارون فيضعها على ~~المذبح فتنزل نار من السماء فتأكله فوجد قارون من ذلك في نفسه فأتى إلى ~~موسى فقال له يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء من ذلك، ~~وأنا أقرأ التوراة لا صبر لي على هذا فقال أما أنا ما جعلتها لهارون بل ~~الله جعلها له فقال له قارون: والله لا أصدقك حتى تريني بيانه فجمع موسى ~~رؤساء بني إسرائيل فقال هاتوا عصيكم فحزمها وألقاها في قبته التي يتعبد ~~فيها وجعلوا يحرسون عصيهم حتى أصبحوا فأصبحت عصا هارون قد اهتز لها ورق ~~أخضر و كانت من شجر اللوز فقال موسى يا قارون ترى هذا فقال له قارون ~~والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر واعتزل قارون موسى بأتباعه وجعل ~~موسى يداريه للقرابة التي بينهما وهو يؤذيه كل وقت ولا يزيد إلا عتوا ~~وتجبرا ms2514 ومعاداة لموسى حتى بنى دارا وجعل لها بابا من الذهب. # وضرب على جدرانها صفائح الذهب وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون ويروحون ~~فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضاحكونه. قال ابن عباس: فلما نزلت الزكاة على ~~موسى أتاه قارون فصالحه على كل ألف دينار عنها دينار وعلى كل ألف درهم ~~عنها درهم وكل ألف شاة عنها شاة وكذلك سائر الأشياء ثم رجع إلى بيته ~~فحسبه فوجده شيئا كثيرا فلم تسمح نفسه بذلك فجمع بني إسرائيل وقال لهم ~~إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه وهو يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا: أنت ~~كبيرنا فمرنا بما شئت قال آمركم أن تجيئوا فلانة البغي وتجعلوا عليكم لها ~~جعلا على أن تقذف موسى بنفسها فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ~~فرفضوه فدعوها فجعل لها قارون ألف دينار وألف درهم. وقيل طستا من ذهب ~~وقيل قال لها قارون أنزلك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غدا ~~إذا حضر بنو إسرائيل فلما كان من الغد جمع قارون بني إسرائيل ثم أتى موسى ~~فقال: إن بني إسرائيل ينتظرون خروجك لتأمرهم وتنهاهم فخرج إليهم موسى وهم ~~في مرج من الأرض فقام فيهم فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده ومن ~~افترى جلدناه ثمانين ومن زنى وليست له امرأة جلدناه مائة جلدة ومن زنى ~~وله امرأة رجمناه إلى أن يموت فقال قارون وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا ~~قال فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة البغي قال: ادعوها فلما جاءت ~~قال لها موسى: بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة إلا صدقت ~~فتداركها الله بالتوفيق فقالت في نفسها أحدث توبة أفضل من أن أوذي رسول ~~الله فقالت لا والله ولكن قارون جعل لي جعلا على أن أقذفك بنفسي فخر ~~موسى ساجدا يبكي. ويقول: اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي فأوحى الله إليه ~~أني أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت فقال موسى: يا بني إسرائيل إن ~~الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه ms2515 فليثبت مكانه ومن ~~كان معي فليعتزل فاعتزلوا فلم يبق مع قارون إلا رجلان ثم قال موسى يا أرض ~~خذيهم فأخذتهم بأقدامهم. وقيل كان على سريره وفرشه فأخذته الأرض حتى غيبت ~~سريره ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب ثم قال يا أرض خذيهم ~~فأخذتهم إلى الأوساط ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وأصحابه في ~~ذلك يتضرعون إلى موسى ويناشده قارون الله والرحم، حتى قيل إنه ناشده ~~أربعين مرة. وقيل سبعين مرة وموسى في ذلك لا يلتفت إليه لشدة غضبه ثم قال ~~يا أرض خذيهم فأطبقت عليهم الأرض فأوحى الله إلى موسى ما أغلظ قلبك ~~يستغيث بك قارون سبعين مرة فلم تغثه أما وعزتي وجلالي لو استغاث بي مرة ~~لأغثته وفي بعض الآثار لا أجعل الأرض بعدك طوعا لأحد. # قال قتادة خسف به الأرض فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل لا يبلغ ~~قرارها إلى يوم القيامة وأصبح بنو إسرائيل يقولون فيما بينهم إنما دعا ~~موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه وأمواله فدعا الله موسى حتى خسف ~~بداره وكنوزه وأمواله الأرض فذلك قوله تعالى { فما كان له من فئة } يعني ~~جماعة { ينصرونه من دون الله } يعني يمنعونه من الله { وما كان من ~~المنتصرين } من الممتنعين مما نزل به من الخسف { وأصبح الذين تمنوا مكانه ~~بالأمس } يعني صار أولئك الذين تمنوا ما رزقه الله من الأموال والزينة ~~يندمون على ذلك التمني { يقولون ويكأن الله } ألم تعلم وقيل ألم تر. وقيل ~~هي كلمة تقرير معناها أما ترى صنع الله وإحسانه وقيل ويك، بمعنى ويلك ~~اعلم أن الله. وروي أن وي مفصوله من كأن والمعنى أن القوم ندموا فقالوا ~~متندمين على ما سلف منهم وي وكأن معناها أظن وأقدر أن الله { يبسط الرزق ~~لمن يشاء من عباده ويقدر } قال ابن عباس أي يوسع لمن يشاء ويضيق على من ~~يشاء { لولا أن من الله علينا } أي بالإيمان { لخسف بنا ويكأنه لا يفلح ~~الكافرون }. ### || [28.83-88] # قوله عز وجل: { تلك الدار الآخرة نجعلها ms2516 للذين لايريدون علوا في الأرض ~~} أي استكبارا عن الإيمان وقيل علوا واستطالة على الناس وتهاونا بهم ~~وقيل يطلبون الشرف والعز عند ذي سلطان وعن علي أنها نزلت في أهل التواضع ~~من الولاة وأهل المقدرة { ولا فسادا } قيل الذين يدعون إلى غير عبادة ~~الله تعالى وقيل أخذ أموال الناس بغير حق وقيل العمل بالمعاصي { والعاقبة ~~للمتقين } أي العاقبة المحمودة لمن اتقى عقاب الله بأداء أوامره واجتناب ~~نواهيه وقيل عاقبة المتقين الجنة { من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء ~~بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون } تقدم ~~تفسيره. قوله تعالى { إن الذي فرض عليك القرآن } أي أنزل عليك القرآن ~~وقيل معناه أوجب عليك العمل بالقرآن { لرادك إلى معاد } قال ابن عباس إلى ~~مكة. أخرجه البخاري عنه قال القتيبي: معاد الرجل بلده لأنه ينصرف فيعود ~~إلى بلده وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من الغار مهاجرا ~~إلى المدينة سار على غير الطريق مخافة الطلب فلما أمن رجع في الطريق ونزل ~~الجحفة بين مكة والمدينة وعرف الطريق إلى مكة فاشتاق إليها فأتاه جبريل ~~عليه السلام وقال له: أتشتاق إلى بلدك؟ قال نعم قال: فإن الله تعالى يقول ~~الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد وهذه الآية نزلت بالجحفة ليست بمكية ~~ولا مدنية. وقال ابن عباس أيضا لرادك إلى الموت وقيل إلى القيامة، وقيل ~~إلى الجنة { قل ربي أعلم من جاء بالهدى } هذا جواب لكفار مكة لما قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إنك لفي ضلال مبين فقال الله تعالى لهم { ربي ~~أعلم من جاء بالهدى } يعني نفسه { ومن هو في ضلال مبين } يعني المشركين ~~ومعناه هو أعلم بالفريقين. قوله عز وجل { وما كنت ترجو أن يلقى إليك ~~الكتاب } أي يوحى إليك القرآن { إلا رحمة من ربك } فأعطاك القرآن { فلا ~~تكونن ظهيرا } أي معينا { للكافرين } على دينهم ذلك حين دعوه إلى دين ~~آبائه فذكره نعمه عليه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه { ولا يصدنك عن ~~آيات الله ms2517 } يعني القرآن { بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك } إلى معرفته ~~وتوحيده { ولا تكونن من المشركين } قال ابن عباس: الخطاب في الظاهر ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أهل دينه أي ولا تظاهر الكفار ولا ~~توافقهم { ولا تدع مع الله إلها آخر } معناه أنه واجب على الكل إلا أنه ~~خاطبه به مخصوصا لأجل التعظيم. فإن قلت النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~معصوما من أن يدعو مع الله إلها آخر فما فائدة هذا النهي. قلت الخطاب ~~معه والمراد به غيره وقيل معناه لا تتخذ غيره وكيلا على أمورك كلها ولا ~~تعتمد على غيره { لا إله إلا هو كل شيء هالك } أي فان { إلا وجهه } أي ~~إلا هو والوجه يعبر به عن الذات وقيل معناه إلا ما أريد به وجهه لأن عمل ~~كل شيء أريد به غير الله فهو هالك { له الحكم } أي فصل القضاء بين الخلق ~~{ وإليه ترجعون } أي تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم والله أعلم ~~بمراده. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-8] # قوله عز وجل { الم أحسب الناس } أي أظن الناس { أن يتركوا } أي بغير ~~اختبار وابتلاء { أن } أي بأن { يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } أي لا ~~يبتلون في أموالهم وأنفسهم كلا لنختبرنهم لنبين المخلص من المنافق ~~والصادق من الكاذب. قيل: نزلت هذه الآية في أناس كانوا بمكة قد أقروا ~~بالإسلام فكتب إليهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقبل منكم ~~الإقرار بالإسلام حتى تهاجروا فخرجوا عامدين إلى المدينة فأتبعهم ~~المشركون فقاتلهم الكفار، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فنزل الله هاتين ~~الآيتين. وقال ابن عباس: أراد بالناس الذين آمنوا بمكة سلمة بن هشام ~~وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وعمار بن ياسر وغيرهم. وقيل في ~~عمار كان يعذب في الله تعالى وقيل في مهجع بن عبد الله مولى عمر وكان أول ~~من قتل من المسلمين يوم بدر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة ms2518 " # فجزع أبواه وامرأته فأنزل الله هذه الآية ثم عزاهم فقال تعالى { ولقد ~~فتنا الذين من قبلهم } يعني الأنبياء فمنهم من نشر بالمنشار ومنهم من قتل ~~وابتلي بنو إسرائيل بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب { فليعلمن الله الذين ~~صدقوا } أي في قولهم { وليعلمن الكاذبين } والله تعالى عالم بهم قبل ~~الاختبار ومعنى الآية فليظهرن الله الصادقين من الكاذبين حتى يوجد ~~معلومه. وقيل إن آثار أفعال الحق صفة يظهر فيها كل ما يقع وما هو واقع. ~~قوله تعالى { أم حسب الذين يعملون السيئات } يعني الشرك { أن يسبقونا } ~~أي يعجزونا فلا نقدر على الانتقام منهم { ساء ما يحكمون من كان يرجو لقاء ~~الله } قال ابن عباس من كان يخشى البعث والحساب وقيل من كان يطمع في ثواب ~~الله { فإن أجل الله لآت } يعني ما وعد الله من الثواب والعقاب. وقيل يوم ~~القيامة لكائن والمعنى أن من يخشى الله ويؤمله فليستعد له وليعمل لذلك ~~اليوم { وهو السميع العليم } أي يعلم ما يعمل العباد من الطاعة والمعصية ~~فيثيبهم أو يعاقبهم أو يعفو. قوله تعالى { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه } ~~أي له ثوابه وهذا بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق فإن الكريم إذا وعد وفى ~~والجهاد هو الصبر على الأعداء والشدة وقد يكون في الحرب وقد يكون على ~~مخالفة النفس { إن الله لغني عن العالمين } أي عن أعمالهم وعبادتهم وفيه ~~بشارة وتخويف أما البشارة فلأنه إذا كان غنيا عن الأشياء فلو أعطي جميع ~~ما خلقه لعبد من عبيده لا شيء عليه لاستغنائه عنه. وهذا يوجب الرجاء ~~التام وأما التخويف فلأن الله إذا كان غنيا عن العالمين فلو أهلكهم ~~بعذابه فلا شيء عليه لاستغنائه عنهم { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لنكفرن عنهم سيئاتهم } أي لنطلبنها حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل والتكفير ~~إذهاب السيئة بالحسنة { ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون } أي بأحسن ~~أعمالهم وهو الطاعة وقيل يعطيهم أكثر مما عملوا. # قوله عز وجل { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } معناه برا بهما وعطفا ~~عليهم والمعنى ووصينا الإنسان بوالديه أن يفعل بهما ما يحسن ms2519 نزلت هذه ~~الآية والتي في سورة لقمان والأحقاف في سعد بن أبي وقاص. وقال ابن إسحاق: ~~سعد بن مالك الزهري وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس لما أسلم ~~وكان من السابقين الأولين وكان بارا بأبيه. قالت له أمه: ما هذا الذي ~~أحدثت والله ما آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت فتعير ~~بذلك أبد الدهر ويقال يا قاتل أمه ثم إنها مكثت يوما وليلة لم تأكل ولم ~~تشرب ولم تستظل فأصبحت وقد جهدت ثم مكثت كذلك يوما آخر وليلة فجاءها ~~فقال: يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني فكلي ~~إن شئت وإن شئت فلا تأكلي فلما أيست منه أكلت وشربت فأنزل الله هذه الآية ~~وأمره بالبر والإحسان إليهما وأن لا يطيعهما في الشرك فذلك قوله تعالى { ~~وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما } وفي الحديث # " لا طاعة لمخلوق في معصية الله " # ثم أوعد بالمصير إليه فقال { إلي مرجعكم فأنبئكم } أي فأخبركم { بما ~~كنتم تعملون } أي بصالح أعمالكم وسيئاتها أي فأجازيكم عليها. ### || [29.9-18] # { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين } أي في زمرة ~~الصالحين وهم الأنبياء والأولياء وقيل في مدخل الصالحين وهو الجنة. قوله ~~تعالى { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي } يعني أصابه بلاء من ~~الناس افتتن { في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } أي جعل أذى الناس ~~وعذابهم كعذاب الله في الآخرة والمعنى أنه جزع من أذى الناس ولم يصبر ~~عليه فأطاع الناس كما يطيع الله من يخاف عذابه وهو المنافق إذا أوذي في ~~الله رجع عن الدين وكفر { ولئن جاء نصر من ربك } أي فتح ودولة للمؤمنين { ~~ليقولن } أي هؤلاء المنافقون للمؤمنين { إنا كنا معكم } أي على عدوكم ~~وكنا مسلمين وإنما أكرهنا حتى قلنا ما قلنا فأكذبهم الله تعالى فقال { ~~أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين } أي من الإيمان والنفاق { ~~وليعلمن الله الذين آمنوا } أي صدقوا فثبتوا على ms2520 الإيمان والإسلام عند ~~البلاء. { وليعلمن المنافقين } أي بترك الإسلام عند البلاء قيل نزلت هذه ~~الآية في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم فإذا أصابهم بلاء من الناس أو مصيبة ~~في أنفسهم افتتنوا. وقال ابن عباس: نزلت في الذين أخرجهم المشركون معهم ~~إلى بدر وهم الذين نزلت فيهم # الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم # [النحل: 28] وقيل هذه الآيات العشر من أول السورة إلى ها هنا مدنية ~~وباقي السورة مكية { وقال الذين كفروا } يعني من أهل مكة قيل قاله أبو ~~سفيان { للذين آمنوا } أي من قريش { اتبعوا سبيلنا } يعني ديننا وملة ~~آبائنا ونحن الكفلاء بكل تبعة من الله تصيبكم فذلك قوله { ولنحمل خطاياكم ~~} أي أوزاركم والمعنى إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم فأكذبهم الله عز ~~وجل بقوله { وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون } في قولهم ~~نحمل خطاياكم { وليحملن أثقالهم } أي أوزار أعمالهم التي عملوها بأنفسهم ~~{ وأثقالا مع أثقالهم } أي أوزار من أضلوا وصدوا عن سبيل الله مع أوزار ~~أنفسهم. فإن قلت قد قال أولا وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء وقال ها ~~هنا وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم فكيف الجمع بينهما. قلت: معناه ~~إنهم لا يرفعون عنهم خطيئة بل كل واحد يحمل خطيئة نفسه ورؤساء الضلال ~~يحملون أوزارهم ويحملون أوزارا بسبب إضلال غيرهم فهو كقوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء " # رواه مسلم { وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون } أي سؤال توبيخ ~~وتقريع لأنه تعالى عالم بأعمالهم وافترائهم. قوله تعالى { ولقد أرسلنا ~~نوحا إلى قومه فلبث } أي فأقام { فيهم } يدعوهم إلى عبادة الله وتوحيده ~~{ ألف سنة إلا خمسين عاما } فإن قلت فما فائدة هذا الاستثناء وهلا قال ~~تسعمائة وخمسين سنة قلت فيه فائدتان إحداهما: أن الاستثناء يدل على ~~التحقيق وتركه يظن به التقريب فهو كقول القائل عاش فلان مائة سنة فقد ~~يتوهم السائل أنه يقول مائة سنة تقريبا لا ms2521 تحقيقا فإن قال مائة سنة إلا ~~شهرا أو إلا سنة زال ذلك التوهم وفهم منه التحقيق. # الفائدة الثانية: هي لبيان أن نوحا صبر على أذى قومه صبرا كثيرا ~~وأعلى مراتب العدد ألف سنة. وكان المراد التكثير فلذلك أتى بعقد الألف ~~لأنه أعظم وأفخم هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم حيث أعلم أن ~~الأنبياء قد ابتلوا قبله وأن نوحا لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ~~يدعوهم فصبر في الدعاء ولم يؤمن من قومه إلا قليل فأنت أولى بالصبر لقلة ~~مدة لبثك وكثرة من آمن بك. قال ابن عباس: بعث نوح لأربعين سنة وبقي في ~~قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر ~~الناس فكان عمره ألفا وخمسين عاما. وقيل في عمره غير ذلك. قوله تعالى { ~~فأخذهم الطوفان } أي فأغرقهم { وهم ظالمون } قال ابن عباس مشركون { ~~فأنجيناهم وأصحاب السفينة } يعني من الغرق { وجعلناهم } يعني السفينة { ~~آية } أي عبرة { للعالمين } قيل إنها بقيت على الجودي مدة مديدة وقيل ~~جعلنا عقوبتهم بالغرق عبرة. قوله تعالى { وإبراهيم } أي وأرسلنا إبراهيم ~~{ إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه } أي أطيعوا الله وخافوه { ذلكم خير ~~لكم إن كنتم تعلمون } أي ما هو خير لكم مما هو شر لكم ولكنكم لا تعلمون { ~~إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا } أي تقولون كذبا وقيل ~~تصنعون أصناما بأيديكم وتسمونها آلهة { إن الذين تعبدون من دون الله لا ~~يملكون لكم رزقا } أي لا يقدرون أن يرزقوكم { فابتغوا } أي فاطلبوا { ~~عند الله الرزق } فإنه القادر على ذلك { واعبدوه } أي وحدوه { واشكروا له ~~} لأنه المنعم عليكم بالرزق { إليه ترجعون } أي في الآخرة { وإن تكذبوا ~~فقد كذب أمم من قبلكم } أي مثل قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم فأهلكهم الله { ~~وما على الرسول إلا البلاغ المبين }. ### || [29.19-29] # قوله تعالى: { أولم يروا } قيل هذه الآيات إلى قوله فما كان جواب قومه ~~يحتمل أن تكون من تمام قول إبراهيم لقومه وقيل إنها وقعت معترضة في قصة ~~إبراهيم وهي ms2522 في تذكير أهل مكة وتحذيرهم ومعنى أو لم يروا أو لم يعلموا { ~~كيف يبدىء الله الخلق } أي يخلقهم نطفة ثم علقة ثم مضغة { ثم يعيده } أي ~~في الآخرة عند البعث { إن ذلك على الله يسير } أي الخلق الأول والخلق ~~الثاني { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق } أي انظروا إلى ~~ديارهم وآثارهم كيف بدأ خلقهم { ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } أي ثم إن ~~الله الذي خلقهم ينشئهم نشأة ثانية بعد الموت والمعنى فكما لم يتعذر عليه ~~إحداثهم مبدئا كذلك لا يتعذر عليه إنشاؤهم معيدا بعد الموت ثانيا { إن ~~الله على كل شيء قدير } أي من البداءة والإعادة { يعذب من يشاء } عدلا ~~منه { ويرحم من يشاء } تفضلا { وإليه تقلبون } أي تردون { وما أنتم ~~بمعجزين في الأرض ولا في السماء } قيل معناه ولا من في السماء بمعجزين ~~والمعنى أنه لا يعجزه أهل الأرض في الأرض ولا أهل السماء في السماء وقيل ~~معنى قوله ولا في السماء لو كنتم فيها { وما لكم من دون الله من ولي } أي ~~يمنعكم مني { ولا نصير } أي ينصركم من عذابي { والذين كفروا بآيات الله } ~~يعني القرآن { ولقائه } أي البعث { أولئك يئسوا من رحمتي } يعني الجنة { ~~وأولئك لهم عذاب أليم } فهذا آخر الآيات في تذكير أهل مكة ثم عاد إلى قصة ~~إبراهيم عليه السلام فقال تعالى { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه ~~أو احرقوه } قال ذلك بعضهم لبعض وقيل قال الرؤساء للأتباع { اقتلوه أو ~~حرقوه } { فأنجاه الله من النار } أي بأن جعلها بردا وسلاما قيل إن في ~~ذلك اليوم لم ينتفع أحد بنار { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } يصدقون { ~~وقال } يعني إبراهيم لقومه { إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم ~~في الحياة الدنيا } أي ثم تنقطع ولا تنفع في الآخرة وقيل معناه إنكم ~~تتوادون على عبادتها وتتواصلون عليها في الدنيا { ثم يوم القيامة يكفر ~~بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا } تتبرأ الأوثان من عابديها وتتبرأ القادة ~~من الأتباع ويلعن الأتباع القادة { ومأواكم النار } يعني ms2523 العابدين ~~والمعبودين جميعا { وما لكم من ناصرين } أي مانعين من عذابه { فآمن له ~~لوط } أي صدقه برسالته لما رأى معجزاته وهو أول من صدق إبراهيم وأما في ~~أصل التوحيد فإنه كان مؤمنا لأن الأنبياء لا يتصور فيهم الكفر { وقال } ~~يعني إبراهيم { إني مهاجر إلى ربي } إلى حيث أمرني ربي فهاجر من كوثى وهي ~~من سواد الكوفة إلى حران ثم هاجر إلى الشام ومعه لوط وامرأته سارة وهو ~~أول من هاجر إلى الله تعالى وترك بلده وسار إلى حيث أمره الله بالمهاجرة ~~إليه. # قيل هاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة { إنه هو العزيز } أي الذي لا يغلب ~~والذي يمنعني من أعدائي { الحكيم } الذي لا يأمرني إلا بما يصلحني. قوله ~~تعالى { ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب } يقال ~~إن الله تعالى لم يبعث نبيا بعد إبراهيم إلا من نسله { وآتيناه أجره في ~~الدنيا } هو الثناء الحسن فكل أهل الأديان يتولونه ويحبونه ويحبون الصلاة ~~عليه والذرية الطيبة والنبوة من نسله هذا له في الدنيا { وإنه في الآخرة ~~لمن الصالحين } أي في زمرة الصالحين قال ابن عباس مثل آدم ونوح. قوله عز ~~وجل { ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة } أي الفعلة القبيحة { ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين } أي لم يفعلها أحد من قبلكم ثم فسر ~~الفاحشة فقال { أئنكم لتأتون الرجال } يعني أنكم تقضون الشهوة من الرجال ~~{ وتقطعون السبيل } وذلك أنهم كانوا يأتون الفاحشة بمن مر بهم من ~~المسافرين فترك الناس الممر بهم لأجل ذلك وقيل معناه تقطعون سبيل النسل ~~بإيثار الرجال على النساء { وتأتون في ناديكم المنكر } أي مجالسكم ~~والنادي مجلس القوم ومتحدثهم عن أم هانىء بنت أبي طالب # " عن النبي صلى الله عليه سلم في قوله وتأتون في ناديكم المنكر قال " ~~كانوا يحذفون أهل الأرض ويسخرون منهم " " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب الحذف هو رمي الحصى بين الأصابع قيل ~~إنهم كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصى فإذا مر ~~بهم عابر سبيل ms2524 حذفوه فأيهم أصابه قال: أنا أولى به وقيل: إنه كان يأخذ ما ~~معه وينكحه ويغرمه ثلاثة دراهم وقيل إنهم كانوا يجامعون بعضهم بعضا في ~~مجالسهم وقيل إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم وعن عبدالله بن سلام كان ~~يبزق بعضهم على بعض. وقيل كان أخلاق قوم لوط مضغ العلك وتطريف الأصابع ~~بالحناء وحل الإزار والصفير والحذف والرمي بالجلاهق واللوطية { فما كان ~~جواب قومه } أي لما أنكر عليهم لوط ما يأتونه من القبائح { إلا أن قالوا ~~} أي استهزاء { ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } أي إن العذاب نازل ~~بنا فعند ذلك ### || [29.30-40] # { قال رب انصرني على القوم المفسدين } أي بتحقيق قولي إن العذاب نازل ~~بهم. قوله عز وجل { ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } أي من الله بإسحاق ~~ويعقوب { قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية } أي قوم لوط والقرية سدوم { إن ~~أهلها كانوا ظالمين قال } يعني إبراهيم إشفاقا على لوط وليعلم حاله { إن ~~فيها لوطا قالوا } أي قالت الملائكة { نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله ~~إلا امرأته كانت من الغابرين } أي من الباقين في العذاب { ولما أن جاءت ~~رسلنا لوطا سيء بهم } أي ظنهم من الإنس فخاف عليهم ومعناه أنه جاءه ما ~~ساءه { وضاق بهم ذرعا } أي عجز عن تدبير أمرهم فحزن لذلك { وقالوا لا ~~تخف } أي من قومك { ولا تحزن } علينا { إنا منجوك وأهلك } أي إنا مهلكوهم ~~ومنجوك وأهلك { إلا امرأتك كانت من الغابرين إنا منزلون على أهل هذه ~~القرية رجزا } أي عذابا { من السماء } قيل هو الخسف والحصب بالحجارة { ~~بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها } أي من قريات لوط { آية بينة } أي ~~عبرة ظاهرة { لقوم يعقلون } يعني أفلا يتدبرون الآيات تدبر ذوي العقول ~~قال ابن عباس الآية البينة آثار منازلهم الخربة وقيل هي الحجارة التي ~~أهلكوا بها أبقاها الله حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقيل هي ظهور الماء ~~الأسود على وجه الأرض. قوله تعالى { وإلى مدين } أي وأرسلنا إلى مدين ~~ومدين اسم رجل وقيل اسم المدينة فعلى القول الأول يكون المعنى ms2525 وأرسلنا ~~إلى ذرية مدين وأولاده وعلى القول الثاني وأرسلنا إلى أهل مدين { أخاهم ~~شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخرة } أي افعلوا فعل من ~~يرجو اليوم الآخر وقيل معناه اخشوا اليوم الآخر وخافوه { ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين فكذبوه فأخذتهم الرجفة } أي الزلزلة وذلك أن جبريل صاح ~~فرجفت الأرض رجفة { فأصبحوا في دارهم جاثمين } أي باركين على الركب ميتين ~~{ وعادا وثمود } أي وأهلكنا عادا وثمود { وقد تبين لكم } يا أهل مكة { ~~من مساكنهم } أي منازلهم بالحجر واليمن { وزين لهم الشيطان أعمالهم } أي ~~عبادتهم لغير الله { فصدهم عن السبيل } أي عن سبيل الحق { وكانوا ~~مستبصرين } أي عقلاء ذوي بصائر. وقيل كانوا معجبين في دينهم وضلالتهم ~~يحسبون أنهم على هدى وهم على باطل وضلالة والمعنى أنهم كانوا عند أنفسهم ~~مستبصرين { وقارون وفرعون وهامان } أي أهلكنا هؤلاء { ولقد جاءهم موسى ~~بالبينات } أي بالدلالات الواضحات { فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين ~~} أي فائتين من عذابنا { فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ~~} وهم قوم لوط رموا بالحصباء وهي الحصى الصغار { ومنهم من أخذته الصيحة } ~~يعني ثمود { ومنهم من خسفنا به الأرض } يعني قارون وأصحابه { ومنهم من ~~أغرقنا } يعني قوم نوح وفرعون وقومه { وما كان الله ليظلمهم } أي بالهلاك ~~{ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } أي بالإشراك. ### || [29.41-45] # قوله تعالى: { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء } يعني الأصنام ~~يرجون نصرها ونفعها { كمثل العنكبوت اتخذت بيتا } لنفسها تأوي إليه وإن ~~بيتها في غاية الضعف والوهن لا يدفع عنها حرا ولا بردا فكذلك الأوثان ~~لا تملك لعابدها نفعا ولا ضرا. وقيل معنى هذا المثل أن المشرك الذي ~~يعبد الأصنام بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله مثل العنكبوت تتخذ بيتا ~~من نسجها بالإضافة إلى رجل بنى بيتا بآجر وجص أو نحته من صخر فكما أن ~~أوهن البيوت إذا استقريتها بيتا بيتا بيت العنكبوت فكذلك أضعف الأديان ~~إذا استقريتها دينا دينا عبادة الأوثان لأنها لا تضر ولا تنفع { وإن ~~أوهن البيوت لبيت العنكبوت } أشار إلى ضعفه فإن ms2526 الريح إذا هبت عليه أو ~~لمسه لامس فلا يبقى له عين ولا أثر فقد صح أن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ~~وقد تبين أن دينهم أوهن الأديان { لو كانوا يعلمون } أي أن هذا مثلهم وأن ~~أمر دينهم بلغ هذه الغاية من الوهن { إن الله يعلم ما يدعون من دونه من ~~شيء } هذا توكيد للمثل وزيادة عليه يعني إن الذي يدعون من دونه ليس بشيء ~~{ وهو العزيز الحكيم } معناه كيف يجوز للعاقل أن يترك عبادة الله العزيز ~~الحكيم القادر على كل شيء ويشتغل بعبادة من ليس بشيء أصلا { وتلك ~~الأمثال } أي الأشباه يعني أمثال القرآن التي شبه بها أحوال الكفار من ~~هذه الأمة بأحوال كفار الأمم السابقة { نضربها } أي نبينها { للناس } أي ~~لكفار مكة { وما يعقلها إلا العالمون } يعني ما يعقل الأمثال إلا العلماء ~~الذين يعقلون عن الله عز وجل. روى البغوي بإسناد الثعلبي عن جابر بن عبد ~~الله أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية. { وتلك الأمثال نضربها ~~للناس وما يعقلها إلا العالمون } قال: # " العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه " # { خلق الله السموات والأرض بالحق } أي للحق وإظهار الحق { إن في ذلك ~~لآية } أي دلالة { للمؤمنين } على قدرته وتوحيده. وقوله تعالى { اتل ما ~~أوحي إليك من الكتاب } يعني القرآن { وأقم الصلاة } فإن قلت: لم أمر ~~بهذين الشيئين تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة فقط؟ قلت لأن العبادة المختصة ~~بالعبد ثلاثة: قلبية وهي الاعتقاد الحق ولسانية وهي الذكر الحسن وبدنية ~~وهي العمل الصالح، لكن الاعتقاد لا يتكرر فإن اعتقد شيئا لا يمكنه أن ~~يعتقده مرة أخرى بل ذلك يدوم مستمرا فبقي الذكر والعبادة البدنية وهما ~~ممكنا التكرار فلذلك أمر بهما { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء } أي ما قبح ~~من الأعمال { والمنكر } أي ما لا يعرف في الشرع. قال ابن مسعود وابن عباس ~~في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ولم ~~تنهه عن المنكر لم تزده صلاته من الله إلا بعدا. # وقال الحسن وقتادة: من ms2527 لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال ~~عليه وقيل من داوم على الصلاة جره ذلك إلى ترك المعاصي والسيئات كما روي ~~عن أنس قال: # " كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~لم يدع من الفواحش شيئا إلا ركبه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال إن صلاته ستنهاه يوما فلم يلبث أن تاب وحسنت حاله " # وقيل: معنى الآية أنه ما دام في صلاته فإنها تنهاه عن الفحشاء والمنكر ~~ومنه قوله: # " إن في الصلاة لشغلا " # وقيل أراد بالصلاة القرآن وفيه ضعف لتقدم ذكر القرآن وعلى هذا يكون ~~معناه أن القرآن ينهاه عن الفحشاء والمنكر كما روي عن جابر قال: قال رجل ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن رجلا يقرأ القرآن الليل كله فإذا أصبح سرق قال ستنهاه قراءته " # وفي رواية # " أنه قيل يا رسول الله إن فلانا يصلي بالنهار ويسرق بالليل فقال إن ~~صلاته لتردعه " # وعلى كل حال فإن المراعي للصلاة لا بد وأن يكون أبعد عن الفحشاء والمنكر ~~ممن لا يراعيها { ولذكر الله أكبر } أي أنه أفضل الطاعات. عن أبي الدرداء ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير ~~لكم من إعطاء الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ~~ويضربوا أعناقكم قالوا بلى يا رسول الله قال ذكر الله " # أخرجه الترمذي وله عن أبي سعيد الخدري قال: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العباد أفضل درجة عند الله ~~يوم القيامة؟ قال الذاكرون الله كثيرا قالوا يا رسول الله والغازي في ~~سبيل الله؟ فقال لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب في سبيل ~~الله دما لكان الذاكرون الله كثيرا أفضل منه درجة " # م عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله ~~كثيرا والذاكرات " # يروي المفردون بتشديد الراء وتخفيفها ms2528 والتشديد أتم يقال فرد الرجل ~~بتشديد الراء إذا تفقه واعتزل الناس وحده مراعيا للأمر والنهي وقيل هم ~~المتخلفون عن الناس بذكر الله لا يخلطون به غيره خ عن أبي هريرة وأبي ~~سعيد الخدري أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت ~~عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده " # وروي # " أن أعرابيا قال يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال أن تفارق الدنيا ~~ولسانك رطب بذكر الله " # وقال ابن عباس: معنى ولذكر الله أكبر ذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه ~~ويروى ذلك مرفوعا عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه سلم وقال ابن عطاء ~~ولذكر الله أكبر أي لن تبقى معه معصية { والله يعلم ما تصنعون } يعني لا ~~يخفى عليه شيء من أمركم. ### || [29.46-53] # قوله عز وجل: { ولا تجادلوا أهل الكتاب } أي ولا تخاصموهم { إلا بالتي ~~هي أحسن } أي القرآن والدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه وأراد ~~بهم من قبل الجزية منهم { إلا الذين ظلموا منهم } يعني أبوا أن يعطوا ~~الجزية ونصبوا الحرب فافجؤوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ومعنى ~~الآية إلا الذين ظلموكم لأن جميعهم ظالم بالكفر وقيل هم أهل الحرب ومن لا ~~عهد له. وقيل الآية منسوخة بآية السيف { وقولوا } أي للذين قبلوا الجزية ~~إذا حدثوكم بشيء مما في كتبكم { آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ~~وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون } خ عن أبي هريرة قال كان أهل الكتاب ~~يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربيه لأهل الإسلام فقال النبي ~~صلى الله عليه سلم: # " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا " # الآية. قوله عز وجل { وكذلك } أي كما أنزلنا إليهم الكتاب { أنزلنا إليك ~~الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به } يعني مؤمني أهل الكتاب ~~كعبدالله بن سلام وأصحابه { ومن هؤلاء } يعني أهل مكة { من يؤمن به وما ~~يجحد بآياتنا إلا الكافرون } وذلك أن اليهود عرفوا أن رسول الله صلى ms2529 الله ~~عليه وسلم نبي والقرآن حق فجحدوا والجحود إنما يكون بعد المعرفة { وما ~~كنت تتلو } يا محمد { من قبله من كتاب } معناه من كتب أي من قبل ما ~~أنزلنا إليك الكتاب { ولا تخطه بيمينك } يعني ولا تكتبه والمعنى لم تكن ~~تقرأ ولم تكتب قبل الوحي { إذا لارتاب المبطلون } معناه لو كنت تكتب أو ~~تقرأ قبل الوحي إليك لارتاب المشركون من أهل مكة، وقالوا إنه يقرأه من ~~كتب الأولين أو ينسخه منها وقيل المبطلون هم اليهود ومعناه أنهم إذا ~~لشكوا فيه واتهموك وقالوا إن الذي نجد نعته في التوراة لا يقرأ ولا يكتب ~~وليس هذا على ذلك النعت { بل هو آيات بينات } يعني القرآن { في صدور ~~الذين أوتوا العلم } يعني المؤمنين الذين حملوا القرآن وقال ابن عباس ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ~~من أهل الكتاب لأنهم يجدون نعته وصفته في كتبهم { وما يجحد بآياتنا إلا ~~الظالمون } يعني اليهود { وقالوا } يعني كفار مكة { لولا أنزل عليه آية ~~من ربه } أي كما أنزل على الأنبياء من قبل وقيل: أراد بالآيات معجزات ~~الأنبياء مثل ناقة صالح ومائدة عيسى ونحو ذلك { قل إنما الآيات عند الله ~~} أي هو القادر على إنزالها إن شاء أنزلها { وإنما أنا نذير مبين } إي ~~إنما كلفت الإنذار وليس إنزال الآيات بيدي { أولم يكفهم أنا أنزلنا } هذا ~~جواب لقولهم لولا أنزل عليه آية من ربه قال أولم يكفهم أنا أنزلنا { عليك ~~الكتاب يتلى عليهم } معناه أن القرآن معجزة أتم من معجزة من تقدم من ~~الأنبياء لأن معجزة القرآن تدوم على ممر الدهور والزمان ثابتة لا تضمحل ~~كما تزول كل آية بعد كونها { إن في ذلك } يعني القرآن { لرحمة وذكرى لقوم ~~يؤمنون } أي تذكيرا وعظة لمن آمن به وعمل صالحا { قل كفى بالله بيني ~~وبينكم شهيدا } قال ابن عباس معناه يشهد لي أني رسوله والقرآن كتابه ~~ويشهد عليكم بالتكذيب، وشهادة الله إثبات المعجزة له بإنزال الكتاب عليه ~~{ يعلم ما في السموات والأرض } أي ms2530 هو المطلع على أمري وأمركم ويعلم حقي ~~وباطلكم لا تخفى عليه خافية { والذين آمنوا بالباطل } قال ابن عباس: بغير ~~الله وقيل بعبادة الشيطان وقيل بما سوى الله لأن ما سوى الله باطل { ~~وكفروا بالله }. # فإن قلت من آمن بالباطل فقد كفر بالله فهل لهذا العطف فائدة غير ~~التأكيد. قلت نعم فائدته أن ذكر الثاني لبيان قبح الأول فهو كقول القائل ~~أتقول الباطل وتترك الحق لبيان أن الباطل قبيح { أولئك هم الخاسرون } أي ~~المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان. قوله عز وجل { ~~ويستعجلونك بالعذاب } نزلت في النضر بن الحارث حيث قال # فأمطر علينا حجارة من السماء # [الأنفال: 32] { ولولا أجل مسمى } قال ابن عباس ما وعدتك أني لا أعذب ~~قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة وقيل مدة أعمارهم لأنهم ~~إذا ماتوا صاروا إلى العذاب وقيل يوم بدر { لجاءهم العذاب وليأتينهم } ~~يعني العذاب، وقيل الأجل { بغتة وهم لا يشعرون } بإتيانه. ### || [29.54-60] # { يستعجلونك بالعذاب } أعاده تأكيدا { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } أي ~~جامعة لهم لا يبقى منهم أحد إلا دخلها { يوم يغشاهم العذاب } أي يصيبهم { ~~من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون } أي جزاء ما كنتم ~~تعملون. قوله تعالى { يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون ~~} قيل نزلت في ضعفاء مسلمي أهل مكة يقول الله تعالى إن كنتم في ضيق بمكة ~~من إظهار الإيمان فاخرجوا منها إلى أرض المدينة فإنها واسعة آمنة، وقيل ~~نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة وقالوا نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق ~~المعيشة فأنزل الله تعالى هذه الأية ولم يعذرهم بترك الخروج وقيل المعنى ~~فهاجروا فيها أي فجاهدوا فيها. وقال سعيد بن جبير: إذا عملوا في الأرض ~~بالمعاصي فاهربوا منها فإن أرضي واسعة وقيل إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا ~~فإن أرضي واسعة وكذلك يجب على كل من كان في بلد يعمل فيه بالمعاصي ولا ~~يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى بلد تتهيأ له فيها العبادة وقيل معنى إن ~~أرضي واسعة يعني رزقي لكم واسع ms2531 فاخرجوا { كل نفس ذائفة الموت } يعني كل ~~أحد ميت خوفهم بالموت لتهون الهجرة عليهم فلا يقيموا بدار الشرك خوفا من ~~الموت { ثم إلينا ترجعون } فنجزيكم بأعمالكم. قوله تعالى { والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا } أي علالي جمع غرفة وهي العلية ~~{ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين } أي لله بطاعته { ~~الذين صبروا } على الشدائد ولم يتركوا دينهم لشدة لحقتهم وقيل صبروا على ~~الهجرة ومفارقة الأوطان وعلى أذى المشركين وعلى المحن والمصائب وعلى ~~الطاعات وعن المعاصي { وعلى ربهم يتوكلون } أي يعتمدون على الله في جميع ~~أمورهم. قوله عز وجل { وكأين من دابة لا تحمل رزقها } وذلك # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين الذين كانوا بمكة وقد آذاهم ~~المشركون " هاجروا إلى المدينة " فقالوا كيف نخرج إلى المدينة وليس لنا ~~بها دار ولا مال فمن يطعمنا بها ويسقينا فأنزل الله: وكأين من دابة لا ~~تحمل رزقها " # أي لا ترفع رزقها معها لضعفها ولا تدخر شيئا لغد مثل البهائم والطير { ~~الله يرزقها وإياكم } حيث كنتم { وهو السميع } أي لأقوالكم { العليم } ~~بما في قلوبكم عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا ~~وتروح بطانا " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ومعناه أنها تذهب أول النهار جياعا ضامرة ~~البطون وتروح آخر النهار إلى أوكارها شباعا ممتلئة البطون ولا تدخر ~~شيئا قال سفيان بن عيينة ليس شيء من خلق الله يخبأ إلا الإنسان والفأرة ~~والنملة. # عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أيها الناس ليس من شيء يقاربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد ~~أمرتكم به وليس شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم ~~عنه ألا وإن الروح الأمين نفث في روعي " # الروح: بضم الراء وبالعين المهملة هو القلب والعقل وبفتح الراء هو الخوف ~~قال الله تعالى # فلما ذهب عن إبراهيم الروع # [هود: 74] أي الخوف # " أنه ms2532 ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ~~ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله عز وجل فإنه لا يدرك ما ~~عند الله إلا بطاعته ". ### || [29.61-69] # قوله عز وجل: { ولئن سألتهم } يعني كفار مكة { من خلق السموات والأرض ~~وسخر الشمس والقمر } ذكر أمرين أحدهما: إشارة إلى اتحاد الذات والثاني ~~إشارة إلى اتحاد الصفات وهي الحركة في الشمس والقمر { ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون } قيل معناه أنهم يعتقدون هذا فكيف يصرفون عن عبادة الله مع ~~إقرارهم أنه خلق السموات والأرض { الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده } ~~لما ذكر الخلق ذكر الرزق لأن كمال الخلق ببقائه وبقاء الخلق بالرزق والله ~~تعالى هو المتفضل بالرزق على الخلق فله الفضل والإحسان والطول والامتنان ~~{ ويقدر له } أي يضيق عليه إذا شاء { إن الله بكل شيء عليم } أي يعلم ~~مقادير الحاجات ومقادير الأرزاق { ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء ~~فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله } ذكر سبب الرزق وموجد السبب ~~موجد المسبب فالرزق من الله تعالى { قل الحمد لله } أي على أن الفاعل ~~لهذه الأشياء هو الله تعالى: وقيل قل الحمد لله على إقرارهم ولزوم الحجة ~~عليهم بأنه خالق لهم { بل أكثرهم لا يعقلون } أي أنهم ينكرون التوحيد مع ~~إقرارهم بأنه خالق هذه الأشياء. قوله تعالى { وما هذه الحياة الدنيا إلا ~~لهو ولعب } اللهو هو الاستمتاع بلذة الدنيا وقيل هو الاشتغال بما لا ~~يعنيه وما لا يهمه واللعب هو العبث وفي هذا تصغير للدنيا وازدراء بها ~~ومعنى الآية أن سرعة زوال الدنيا عن أهلها وتقلبهم فيها وموتهم عنها كما ~~يلعب الصبيان ساعة ثم ينصرفون { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } أي ~~الحياة الدائمة الخالدة التي لا موت فيها { لو كانوا يعلمون } فناء ~~الدنيا وبقاء الآخرة لما آثروا الفاني على الباقي. قوله عز وجل { فإذا ~~ركبوا في الفلك } معناه هم على ما وصفوا به من الشرك والعناد فإذا ركبوا ~~في الفلك وخافوا الغرق { دعوا الله مخلصين له الدين } أي تركوا ms2533 الأصنام ~~ولجأوا إلى الله تعالى بالدعاء { فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } أي ~~عادوا إلى ما كانوا عليه من الشرك والعناد. وقيل: كان أهل الجاهلية إذا ~~ركبوا البحر حملوا الأصنام فإذا اشتد الريح ألقوها في البحر وقالوا يا رب ~~يا رب { ليكفروا بما آتيناهم } أي ليجحدوا نعمة الله في إجابته إياهم ~~ومعناه التهديد والوعيد { وليتمتعوا } معناه لا فائدة لهم في الإشراك إلا ~~التمتع بما يستمتعون به في العاجلة ولا نصيب لهم في الآخرة { فسوف يعلمون ~~} يعني عاقبة أمرهم ففيه تهديد ووعيد: قوله عز وجل { أو لم يروا أنا ~~جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم } يعني العرب يسبي بعضهم بعضا ~~وأهل مكة آمنون { أفبالباطل } يعني الشيطان والأصنام { يؤمنون وبنعمة ~~الله يكفرون } أي بمحمد صلى الله عليه وسلم والإسلام يكفرون { ومن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا } أي فزعم أن له شريكا فإنه منزه عن الشركاء { ~~أو كذب بالحق } أي بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { لما جاءه أليس في ~~جهنم مثوى للكافرين } معناه أما لهذا الكافر المكذب مأوى في جهنم. # قوله عز وجل { والذين جاهدوا فينا } معناه جاهدوا المشركين لنصر ديننا { ~~لنهدينهم سبلنا } لنثيبنهم ما قاتلوا عليه. وقيل لنزيدنهم هدى وقيل ~~لنوفينهم لإصابة الطرق المستقيمة وهي التي توصل إلى رضا الله تعالى. قال ~~سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور فإن الله ~~تعالى يقول: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } وقيل المجاهدة الصبر ~~على الطاعات ومخالفة الهوى وقال الفضيل بن عياض والذين جاهدوا في طلب ~~العلم لنهدينهم سبل العلم والعمل به وقال سهل بن عبدالله والذين جاهدوا ~~فينا بإقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة. وقال ابن عباس: والذين جاهدوا في ~~طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا { وإن الله لمع المحسنين } أي بالنصرة ~~والمعونة في دنياهم والمغفرة في عقباهم في الآخرة وثوابهم الجنة والله ~~أعلم. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-3] # قوله عز وجل { الم غلبت الروم في أدنى الأرض } سبب نزول هذه الآية على ~~ما ذكره المفسرون أنه كان بين فارس ms2534 والروم قتال وكان المشركون يودون أن ~~تغلب فارس الروم لأن فارسا كانوا مجوسا أميين والمسلمون يودون غلبة ~~الروم على فارس لكونهم أهل كتاب فبعث كسرى جيشا إلى الروم واستعمل عليهم ~~رجلا يقال له شهرمان وبعث قيصر رجالا وجيشا وأمر عليهم رجلا يدعى ~~بخين فالتقيا بأذرعات وبصرى وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم فغلبت ~~فارس الروم فبلغ ذلك المسلمين بمكة فشق عليهم وفرح به كفار مكة، وقالوا ~~للمسلمين: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أميون وفارس أميون وقد ~~ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم فإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن ~~عليكم فأنزل الله هذه الآيات فخرج أبو بكر الصديق إلى كفار مكة فقال: ~~فرحتم بظهور إخوانكم فلا تفرحوا فوالله ليظهرن الروم على الفرس. أخبرنا ~~بذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقام إليه أبي بن خلف الجمحي فقال ~~كذبت: فقال أنت أكذب يا عدو الله فقال: اجعل بيننا أجلا أناحبك عليه ~~والمناحبة بالحاء المهملة القمار والمراهنة أراهنك على عشر قلائص مني ~~وعشر قلائص منك فإذا ظهرت فارس على الروم غرمت وإذا ظهرت الروم على فارس ~~غرمت ففعلوا وجعلوا الأجل ثلاث سنين فجاء أبو بكر إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأخبره بذلك قبل تحريم القمار. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر ~~ومادده في الأجل فخرج أبو بكر فلقي أبيا فقال لعلك ندمت فقال لا فتعال ~~أزايدك في الخطر وأماددك في الأجل فاجعلها مائة قلوص ومائة قلوص إلى تسع ~~سنين فقال قد فعلت فلما خشي أبي بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه ~~ولزمه وقال: إني أخالف أن تخرج من مكة فأقم لي ضمانا كفيلا فكفله ابنه ~~عبدالله بن أبي بكر فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحد أتاه عبدالله ~~بن أبي بكر فلزمه وقال والله لا أدعك حتى تعطيني كفيلا فأعطاه كفيلا ثم ~~خرج إلى أحد قال: ثم رجع أبي بن ms2535 خلف إلى مكة ومات بها من جراحته التي ~~جرحه النبي صلى الله عليه وسلم حين بارزه وظهرت الروم على فارس يوم ~~الحديبية وذلك على رأس سبع سنين ومن مناحبتهم وقيل كان يوم بدر وربطت ~~الروم خيولهم بالمدائن وبنوا بالعراق مدينة وسموها رومية فقمر أبو بكر ~~أبيا وأخذ مال الخطر من ورثته وجاء به للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك ~~قبل أن يحرم القمار فقال النبي صلى الله عليه وسلم تصدق به " # كان سبب غلبة الروم فارسا على ما قال عكرمة وغيره: أن شهرمان لما غلب ~~الروم لم يزل يطؤهم ويخرب مدائنهم حتى بلغ الخليج فبينا أخوه فرحان جالس ~~ذات يوم قال لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى فبلغت كلمته كسرى ~~فكتب إلى شهرمان إذا أتاك كتابي فابعث إلي برأس أخيك فرحان فكتب إليه ~~أيها الملك إنك لم تجد مثل فرحان إن له لنكاية وصولة في العدو، فلا تفعل ~~فكتب إليه إن في رجال فارس خلفا عنه فعجل إلي برأسه فراجعه فغضب كسرى ~~ولم يجبه وبعث بريدا إلى أهل فارس إني قد عزلت عنكم شهرمان واستعملت ~~عليكم فرحان ثم بعث مع البريد صحيفة صغيرة وأمره فيها بقتل شهرمان. وقال ~~إذا ولي فرحان الملك وانقاد له أخوه فأعطه الصحيفة، فلما وصل البريد إلى ~~شهرمان عرض عليه كتاب كسرى فلما قرأه قال: سمعا وطاعة ونزل عن سرير ~~الملك وأجلس عليه أخاه فرحان فدفع البريد الصحيفة إلى فرحان فلما قرأها: ~~استدعى بأخيه شهرمان وقدمه ليضرب عنقه فقال له لا تعجل حتى أكتب وصيتي ~~قال نعم فدعا بسفط ففتحه وأعطاه ثلاث صحائف منه وقال كل هذا راجعت فيك ~~كسرى وأنت تريد قتلي بكتاب واحد فرد فرحان الملك إلى أخيه شهرمان فكتب ~~إلى قيصر ملك الروم أما بعد إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد ولا تبلغها ~~الصحف فالقني في خمسين روميا حتى ألقاك في خمسين فارسيا فأقبل قيصر في ~~خمسمائة ألف رومي وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق مخافة أن يريد أن ms2536 ~~يمكر به حتى أتاه عيونه فأخبروا أنه ليس معه إلا خمسون فارسيا، فلما ~~التقيا ضرب لهما فيها ديباج فدخلاها ومع كل واحد سكين ودعوا بترجمان ~~يترجم بينهما فقال شهرمان: إن الذي خرب بلادك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا ~~وإن كسرى حسدنا وأراد أن يقتل أخي فأبيت عليه ثم أمر أخي بقتلي فأبى ~~عليه، وقد خلعناه جميعا ونحن نقاتله معك فقال: قد أصبتما وأشار أحدهما ~~إلى صاحبه أن السر بين اثنين فإذا جاوزهما فشا. فقتلا الترجمان معا ~~بسكينيهما فأديلت الروم على فارس عند ذلك وغلبوهم وقتلوهم ومات كسرى. ~~وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ففرح ومن كان ~~معه من المسلمين بذلك فذلك قوله عز وجل { الم غلبت الروم في أدنى الأرض } ~~يعني أقرب أرض الشام إلى فارس وقيل هي أذرعات وقيل الأردن وقيل الجزيرة { ~~وهم من بعد غلبهم } أي فارس لهم { سيغلبون } أي الروم لفارس. ### || [30.4-7] # { في بضع سنين } البضع ما بين الثلاث إلى السبع وقيل إلى التسع وقيل ما ~~دون العشر { لله الأمر من قبل ومن بعد } أي من قبل دولة الروم على فارس ~~ومن بعدها فمن غلب فهو بأمر الله تعالى وقضائه وقدره { ويومئذ يفرح ~~المؤمنون بنصر الله } أي الروم على فارس وقيل فرح النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنون بظهورهم على المشركين يوم بدر وفرحوا بظهور أهل الكتاب ~~على أهل الشرك { بنصر من يشاء } أي بيده النصر ينصر من يشاء { وهو العزيز ~~} الغالب { الرحيم } أي بالمؤمنين قوله تعالى { وعد الله } أي وعد الله ~~وعدا بظهور الروم على فارس { لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } أي أن الله لا يخلف وعده ثم قال تعالى { يعلمون ظاهرا من ~~الحياة الدنيا } يعني معاشهم كيف يكسبون ويتجرون ومتى يغرسون ويزرعون ~~ويحصدون وقال الحسن إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه لا يخطىء ~~وهو لا يحسن يصلي. وقيل: لا يعلمون الدنيا بحقيقتها إنما يعلمون ظاهرها ~~وهو ملاذها وملاعبها ولا يعلمون باطنها وهو مضارها ومتاعبها. وقيل ms2537 يعلمون ~~وجودها الظاهر ولا يعلمون فناءها { وهم عن الآخرة هم غافلون } أي ساهون ~~عنها لا يتفكرون فيها ولا يعلمون بها. ### || [30.8-18] # قوله عز وجل: { أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق } يعني لإقامة الحق { وأجل مسمى } أي لوقت معلوم إذا ~~انتهت إليه فنيت وهو يوم القيامة { وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم ~~لكافرون أولم يسيروا في الأرض } أي يسافروا فيها { فينظرو كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم } أي ينظروا إلى مصارع الأمم قبلهم فيعتبروا { كانوا أشد ~~منهم قوة وأثاروا الأرض } أي حرثوها وقلبوها للزراعة { وعمروها } يعني ~~الأمم الخالية { أكثر مما عمروها } يعني أهل مكة { وجاءتهم رسلهم ~~بالبينات } أي فلم يؤمنوا فأهلكهم الله { فما كان الله ليظلمهم } أي بنقص ~~حقوقهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } أي ببخس حقوقهم { ثم كان عاقبة ~~الذين أساءوا } أي أساءوا العمل فاستحقوا { السوأى } يعني الخلة التي ~~تسوءهم وهي النار وقيل السوء اسم لجهنم، ومعنى الآية أن عاقبة الذين ~~عملوا السوء النار { أن كذبوا } أي لأنهم كذبوا وقيل معنى الآية ثم كان ~~عاقبة المسيئين أن حملتهم تلك السيئات على أن كذبوا { بآيات الله وكانوا ~~بها يستهزئون } قوله تعالى { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } أي خلقهم ابتداء ~~ثم يعيدهم بعد الموت أحياء { ثم إليه يرجعون } أي فيجزيهم بأعمالهم { ~~ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون } قيل: معناه أنهم ييأسون من كل خير ~~وقيل: ينقطع كلامهم وحججهم وقيل يفتضحون { ولم يكن لهم من شركائهم } يعني ~~أصنامهم التي عبدوها { شفعاء } أي يشفون لهم { وكانوا بشركائهم كافرين } ~~أي جاحدين متبرئين يتبرؤون منها وتتبرأ منهم { ويوم تقوم الساعة يومئذ ~~يتفرقون } أي يتميز أهل الجنة من أهل النار. وقيل يتفرقون بعد الحساب أهل ~~الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار فلا يجتمعون أبدا فهو قوله تعالى ~~{ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة } أي في جنة وقيل الروضة ~~البستان الذي هو في غاية النضارة { يحبرون } قال ابن عباس يكرمون وقيل ~~يتنعمون ويسرون والحبرة السرور. وقيل في معنى يحبرون: ms2538 هو السماع في ~~الجنة. قال الأوزاعي: ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل فإذا ~~أخذ في السماع قطع على أهل سبع سموات صلاتهم وتسبيحهم وقال: إذا أخذ ~~السماع فلا يبقى في الجنة شجرة إلا وردته، وسأل أبا هريرة رجل: هل لأهل ~~الجنة من سماع؟ فقال: نعم شجرة أصلها من ذهب وأغصانها من فضة وثمارها ~~اللؤلؤ والزبرجد والياقوت يبعث الله ريحا فيجاوب بعضها بعضا فما يسمع ~~أحد أحسن منه { وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة } أي البعث ~~يوم القيامة { فأولئك في العذاب محضرون } قوله تعالى { فسبحان الله } أي ~~فسبحوا الله ومعناه صلوا لله { حين تمسون } أي تدخلون في المساء وهي صلاة ~~المغرب والعشاء { وحين تصبحون } أي تدخلون في الصباح وهي صلاة الصبح { ~~وله الحمد في السموات والأرض } قال ابن عباس يحمده أهل السموات والأرض ~~ويصلون له { وعشيا } أي وصلوا لله عشيا يعني صلاة العصر { وحين ~~تظهرون } أي تدخلون في الظهيرة وهي صلاة الظهر. # قال نافع ابن الأزرق لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: ~~نعم وقرأ هاتين الآيتين وقال: جمعتا الصلوات الخمس ومواقيتها. واعلم أنه ~~خص هذه الأوقات بالتسبيح لأن أفضل الأعمال أدومها والإنسان لا يقدر أن ~~يصرف جميع أوقاته إلى التسبيح لأنه محتاج إلى ما يعيشه من مأكول ومشروب ~~وغير ذلك فخفف الله عنه العبادة في غالب الأوقات وأمره بها في أول النهار ~~وفي أول الليل وآخره فإذا صلى العبد ركعتي الفجر فكأنما سبح قدر ساعتين ~~وكذلك باقي الركعات وهي سبع عشرة ركعة مع ركعتي الفجر فإذا صلى الإنسان ~~الصلوات الخمس في أوقاتها فكأنما سبح الله سبع عشرة ساعة من الليل ~~والنهار بقي عليه سبع ساعات في جميع الليل والنهار وهي مقدار النوم ~~والنائم مرفوع عنه القلم فيكون قد صرف جميع أوقاته في التسبيح والعبادة. ~~فصل في فضل التسبيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من قال سبحان الله وبحمده في كل يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل ms2539 ~~زبد البحر " # وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم ~~القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زيد عليه " # أخرجهما الترمذي وقال فيهما حسن صحيح ق عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن ~~سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " # وهذا الحديث أخرجه في صحيح البخاري م # " عن جويرية بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها: " ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات غداة من عندها وهي في مسجدها فرجع ~~بعدما تعالى النهار فقال مازلت في مجلسك هذا مذ خرجت بعد؟ قالت نعم فقال: ~~لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرار لو وزنت بكلماتك لوزنتهن سبحان الله ~~وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته " " # م عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه سلم فقال # " أيعجز أحدكم أن يكتسب كل يوم ألف حسنة فسأله سائل من جلسائه قال كيف ~~يكتسب ألف حسنة؟ قال: يسبح الله مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة ويحط عنه ~~ألف خطيئة " # وفي رواية غير مسلم # " يحط عنه أربعين ألفا ". ### || [30.19-27] # قوله تعالى: { يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي } أي يخرج النطفة ~~من الحيوان ويخرج الحيوان من النطفة. وقيل: يخرج الدجاجة من البيضة ~~والبيضة من الدجاجة. وقيل يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن ~~{ ويحيي الأرض بعد موتها } أي بالمطر وإخراج النبات منها { وكذلك تخرجون ~~} أي مثل إخراج النبات من الأرض تخرجون من القبور للبعث والحساب { ومن ~~آياته خلقكم من تراب } أي خلق أصلكم وهو آدم من تراب { ثم إذا أنتم بشر ~~تنتشرون } أي تنبسطون في الأرض { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~} أي جنسكم من بني آدم وقيل خلق حواء من ضلع آدم { لتسكنوا إليها } أي ms2540 ~~لتميلوا للأزواج وتألفوهن { وجعل بينكم مودة ورحمة } أي جعل بين الزوجين ~~المودة والرحمة فهما يتوادان ويتراحمان من غير سابقة معرفة ولا قرابة ولا ~~سبب يوجب التعاطف وما شيء أحب إلى أحدهما من الآخر من غير تراحم بينهما ~~إلا الزوجان { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } أي في عظمة الله وقدرته { ~~ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم } أي اختلاف اللغات ~~العربية والعجمية وغيرهما وقيل أراد أجناس النطق وأشكاله خالف بينهما حتى ~~لا تكاد تسمع منطقين حتى لو تكلم جماعة من وراء حائط يعرف كل منهم بنطقه ~~ونغمته لا يشبه صوت أحد صوت الآخر { وألوانكم } أي أسود وأبيض وأشقر ~~وأسمر وغير ذلك من اختلاف الألوان وأنتم بنو رجل واحد ومن أصل واحد وهو ~~آدم عليه السلام. الحكمة في اختلاف الأشكال والأصوات للتعارف أي ليعرف كل ~~واحد بشكله وحليته وصوته وصورته فلو اتفقت الأصوات والصور وتشاكلت وكانت ~~ضربا واحدا لوقع التجاهل والالتباس ولتعطلت مصالح كثيرة وليعرف صاحب ~~الخلق من غيره والعدو من الصديق والقريب من البعيد فسبحان من خلق الخلق ~~على ما أراد وكيف أراد. وفي ذلك دليل على سعة القدرة وكمال العظمة { إن ~~في ذلك لآيات للعالمين } أي لعموم العلم فيهما { ومن آياته منامكم بالليل ~~والنهار وابتغاؤكم من فضله } أي منامكم الليل للراحة وابتغاءكم من فضله ~~وهو طلب أسباب المعيشة بالنهار { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } أي سماع ~~تدبر واعتبار { ومن آياته يريكم البرق خوفا } أي للمسافر ليستعد للمطر { ~~وطمعا } أي للمقيم ليستعد المحتاج إليه من أجل الزرع وتسوية طرق المصانع ~~{ وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لأيات لقوم ~~يعقلون } أي قدرة الله وأنه القادر عليه { ومن آياته أن تقوم السماء ~~والأرض بأمره } قال ابن عباس وابن مسعود قامتا على غير عمد وقيل يدوم ~~قيامهما بأمره { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض } قال ابن عباس من القبور { ~~إذا أنتم تخرجون } أي منها وقيل معنى الآية ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض ~~إذا أنتم تخرجون ms2541 من الأرض { وله من في السموات والأرض كل له قانتون } ~~مطيعون قال ابن عباس كل له مطيعون في الحياة والبقاء والموت والبعث وإن ~~عصوا في العبادة { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده } أي يخلقهم أولا ثم ~~يعيدهم بعد الموت للبعث { وهو أهون عليه } أي هو هين عليه وما من شيء ~~عليه بعزيز وقيل معناه وهو أيسر عليه فإن الذي يقع في عقول الناس أن ~~الإعادة تكون أهون من الإنشاء وقيل: هو أهون على الخلق وذلك لأنهم يقومون ~~بصيحة واحدة فيكون أهون عليهم من أن يكونوا نطفا ثم علقا ثم مضغا إلى ~~أن يصيروا رجالا ونساء. # وهو رواية عن ابن عباس { وله المثل الأعلى } أي الصفة العليا قال ابن ~~عباس: ليس كمثله شيء وقيل هو الذي لا إله إلا هو { في السموات والأرض وهو ~~العزيز } أي في ملكه { الحكيم } في خلقه. ### || [30.28-33] # قوله عز وجل: { ضرب لكم مثلا } أي بين لكم شبها بحالكم ذلك المثل { من ~~أنفسكم } ثم بين المثل فقال تعالى { هل لكم من ما ملكت أيمانكم } أي ~~عبيدكم وإمائكم { من شركاء فيما رزقناكم } أي من المال { فأنتم فيه سواء ~~} يعني هل يشارككم عبيدكم في أموالكم التي أعطيناكم { تخافونهم كخيفتكم ~~أنفسكم } أي تخافون أن يشاركوكم في أموالكم ويقاسموكم كما يخاف الحر من ~~شريكه الحر في المال يكون بينهما أن ينفرد فيه بأمره دون شريكه ويخاف ~~الرجل شريكه في الميراث وهو يحب أن ينفرد به. قال ابن عباس: تخافونهم أن ~~يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا فإذا لم تخافوا هذا من مماليككم ولا ترضوه ~~لأنفسكم فكيف ترضون أن تكون آلهتكم التي تعبدونها شركائي وهم عبيدي { ~~كذلك نفصل الآيات } أي الدلالات والبراهين والأمثال { لقوم يعقلون } أي ~~ينظرون في هذه الدلائل والأمثال بعقولهم { بل اتبع الذين ظلموا } يعني ~~أشركوا بالله { أهواءهم } أي في الشرك { بغير علم } جهلا بما يجب عليهم ~~{ فمن يهدي من أضل الله } أي عن طريق الهدى { وما لهم من ناصرين } أي ~~مانعين يمنعونهم عن عذاب الله. قوله تعالى { فأقم وجهك للدين ms2542 } يعني أخلص ~~دينك لله وقيل سدد عملك والوجه ما يتوجه إلى الله تعالى به الإنسان ودينه ~~وعمله مما يتوجه إليه ليسدده قوله تعالى { حنيفا } أي مائلا إليه ~~مستقيما عليه { فطرة الله } أي دين الله والمعنى الزموا فطرة { الله ~~التي فطر الناس عليها } قال ابن عباس خلق الناس عليها والمراد بالفطرة ~~الدين وهو الإسلام ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما من مولود إلا يولد على الفطرة ثم قال اقرؤوا { فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم } " # زاد البخاري # " فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ~~هل تحسون فيها من جدعاء " # ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا فطرة الله الآية ولهما في رواية # " قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيرا قال الله أعلم بما كانوا ~~عاملين " # قوله: " ما من مولود يولد إلا على الفطرة " يعني على العهد الذي أخذ ~~الله عليهم بقوله # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172] فكل مولود في العالم على ذلك الإقرار وهي الحنيفية التي ~~وضعت الخلقة عليها وإن عبد غير الله قال الله تعالى # ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله # [الزمر: 38] ولكن لا اعتبار بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا وإنما ~~يعتبر الإيمان الشرعي المأمور به المكتسب بالإرادة والفعل ألا ترى إلى ~~قوله: " فأبواه يهودانه أو ينصرانه " فهو مع وجود الإيمان الفطري فإنه ~~محكوم له بحكم أبويه الكافرين وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~في حديث آخر # " يقول الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم ~~" # وحكي عن عبدالله بن المبارك أنه قال: معنى الحديث أن كل مولود يولد على ~~فطرته أي خلقته التي خلقه الله عليها في علم الله تعالى من السعادة ~~والشقاوة فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليه وعامل في الدنيا ~~بالعمل المشاكل لها فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديين أو ~~نصرانيين فيحملانه على اعتقاد دينهما. ms2543 وقيل معناه أن كل مولود في مبدأ ~~الخلقة على الفطرة أي على الجبلة السليمة والطبع المتهيىء لقبول الدين، ~~فلو ترك عليها لاستمرت على لزومها لأن هذا الدين موجود حسنه في العقول ~~السليمة وإنما يعدل عنه من عدل إلى غيره لأنه من آفات التقليد ونحوه فمن ~~سلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره. ثم تمثل لأولاد اليهود والنصارى ~~واتباعهم لآبائهم والميل إلى أديانهم فيزلون بذلك عن الفطرة السليمة ~~والحجة المستقيمة بقوله " كما تنتج بهيمة جمعاء ". أي كما تلد البهيمة ~~بهيمة مستوية لم يذهب من بدنها شيء وقوله " هل تحسون فيها من جدعاء يعني ~~هل تشعرون أو تعلمون فيها من جدعاء وهي المقطوعة الأذن والأنف. قوله عز ~~وجل { لا تبديل لخلق الله } أي لا تبدلوا دين الله وقيل معنى الآية ~~الزموا فطرة الله ولا تبدلوا التوحيد بالشرك. وقيل معنى لا تبديل لخلق ~~الله هو جبل عليه الإنسان من السعادة والشقاوة فلا يصير السعيد شقيا ولا ~~الشقي سعيدا. وقيل الآية في تحريم إخصاء البهائم { ذلك الدين القيم } أي ~~المستقيم { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } قوله عز وجل { منيبين إليه } أي ~~فأقم وجهك أنت وأمتك منيبين إليه لأن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~يدخل فيه الأمة والمعنى راجعين إلى الله تعالى بالتوبة مقبلين إليه ~~بالطاعة { واتقوه } أي ومع ذلك خافوه { وأقيموا الصلاة } أي داوموا على ~~أدائها في أوقاتها { ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا } أي صاروا فرقا مختلفة وهم اليهود والنصارى وقيل هم أهل البدع من ~~هذه الأمة { كل حزب بما لديهم فرحون } أي راضون بما عندهم. وقوله تعالى { ~~وإذا مس الناس ضر } أي قحط وشدة { دعوا ربهم منيبين إليه } أي مقبلين ~~إليه بالدعاء { ثم إذا أذاقهم منه رحمة } أي خصبا ونعمة { إذا فريق منهم ~~بربهم يشركون }. ### || [30.34-42] # { ليكفروا بما آتيناهم } ليجحدوا نعمة الله عليهم { فتمعتوا } فيه تهديد ~~ووعيد خاطب به الكفار { فسوف تعلمون } أي حالكم هذه في الآخرة { أم ~~أنزلنا عليهم سلطانا } قال ابن عباس حجة وعذرا وقيل ms2544 كتابا { فهو يتكلم ~~} أي ينطق { بما كانوا به يشركون } أي بشركهم ويأمرهم به { وإذا أذقنا ~~الناس رحمة } أي الخصب وكثرة المطر { فرحوا بها } أي فرحوا وبطروا { وإن ~~تصبهم سيئة } أي جدب وقلة مطر وقيل خوف وبلاء { بما قدمت أيديهم } من ~~السيئات إذا { هم يقنطون } أي ييأسون من رحمة الله وهذا خلاف وصف المؤمن ~~فإنه يشكر ربه عند النعمة ويرجوه عند الشدة { أولم يروا أن الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } تقدم تفسيره. قوله ~~عز وجل { فآت ذا القربى حقه } أي من البر والصلة { والمسكين } أي حقه وهو ~~التصدق عليه { وابن السبيل } أي المسافر وقيل الضيف { ذلك خير للذين ~~يريدون وجه الله } أي يطلبون ثواب الله بما كانوا يعملون { وأولئك هم ~~المفلحون } قوله عز وجل { وما آتيتم } أي أعطيتم { من ربا ليربوا في ~~أموال الناس } أي في اجتلاب أموال الناس واجتذابها قيل في معنى الآية هو ~~الرجل يعطي غيره العطية ليثيبه أكثر منها فهو جائز حلال ولكن لا يثاب ~~عليها في القيامة وهذا قوله { فلا يربو عند الله } وكان هذا حراما على ~~النبي خاصة لقوله تعالى # ولا تمنن تستكثر # [المدثر: 6] أي لا تعط وتطلب أكثر مما أعطيت وقيل هو الرجل يعطي صديقه ~~أو قريبه ليكثر ماله لا يريد به وجه الله. وقيل: هو الرجل يلتزق بالرجل ~~فيخدمه ويسافر معه فيجعل ربح ماله لا لتماس عونه لا لوجه الله تعالى فلا ~~يربو عند الله لأنه لم يرد بعمله وجه الله { وما آتيتم من زكاة } أي ~~أعطيتم من صدقة { تريدون وجه الله } أي بتلك الصدقة { فأولئك هم المضعفون ~~} أي يضاعف لهم الثواب فيعطون بالحسنة عشر أمثالها فالمضعف ذو الأضعاف من ~~الحسنات. قوله تعالى { الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل ~~من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون } تقدم ~~تفسيره. قوله تعالى { ظهر الفساد في البر والبحر } أي بسبب الشرك ~~والمعاصي ظهر قحط المطر وقلة النبات في البراري والبوادي والمفاوز ms2545 ~~والقفار والبحر. قيل المدائن والقرى التي هي على المياه الجارية والعرب ~~تسمي المصر بحرا تقول: أجدب البر وانقطعت مادة البحر وقيل البر ظهر ~~الأرض الأمصار وغيرها والبحر هو المعروف وقلة المطر كما تؤثر في البر ~~تؤثر في البحر بخلو أجواف الأصداف من اللؤلؤ وذلك لأن الصدف إذا جاء ~~المطر ترتفع على وجه الماء وتفتح أفواهها فما وقع فيه من المطر صار ~~لؤلؤا { بما كسبت أيدي الناس } أي بسبب شؤم ذنوبهم وقال ابن عباس الفساد ~~في البر قتل أحد ابني آدم أخاه وفي البحر غصب الملك الجائر السفينة. # قيل كانت الأرض خضرة مونقة لا يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد عليها ثمرة ~~وكان البحر عذبا وكان لا يقصد البقر الغنم فلما قتل قابيل هابيل اقشعرت ~~الأرض وشاكت الأشجار وصار ماء البحر ملحا زعافا وقصد الحيوان بعضها ~~بعضا. وقيل: إن الأرض امتلأت ظلما وضلالة قبل مبعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلما بعث رجع راجعون من الناس وقيل أراد بالناس كفار مكة { ليذيقهم ~~بعض الذي عملوا } يعني عقوبة الذي عملوا من الذنوب { لعلهم يرجعون } يعني ~~عن الكفر وأعمالهم الخبيثة { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبل } أي لتروا منازلهم ومساكنهم خاوية { كان أكثرهم مشركين } ~~يعني فأهلكوا بكفرهم. ### || [30.43-54] # قوله عز وجل: { فأقم و جهك للدين القيم } يعني لدين الإسلام { من قبل أن ~~يأتي يوم لا مرد له من الله } يعني يوم القيامة لا يقدر أحد على رده من ~~الخلق { يومئذ يصدعون } يعني يتفرقون ثم ذكر الفريقين فقال تعالى { من ~~كفر فعليه كفره } يعني وبال كفره { ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون } أي ~~يوطئون المضاجع ويسوونها في القبور { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~من فضله } قال ابن عباس: ليثيبهم الله ثوابا أكثر من أعمالهم { إنه لا ~~يحب الكافرين } فيه تهديد ووعيد لهم. قوله تعالى { ومن آياته أن يرسل ~~الرياح مبشرات } أي تبشر بالمطر { وليذيقكم من رحمته } أي بالمطر وهو ~~الخصب { ولتجري الفلك } أي بهذه الرياح { بأمره ولتبتغوا من فضله } معناه ms2546 ~~لتطلبوا رزقه بالتجارة في البحر { ولعلكم تشكرون } أي هذه النعم. قوله ~~تعالى { ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات } أي ~~بالدلالات الواضحات على صدقهم { فانتقمنا من الذين أجرموا } يعني أنا ~~عذبنا الذين كذبوهم { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } أي مع أنجائهم من ~~العذاب ففيه تبشير للنبي صلى الله عليه وسلم بالظفر في العاقبة والنصر ~~على الأعداء عن أبي الدرداء قال: سمعت النبي صلى الله عليه سلم يقول: # " ما من مسلم يرد عن عرض أخيه إلا من كان حقا على الله أن يرد عنه نار ~~جهنم يوم لقيامة ثم تلا هذه الآية: وكان حقا علينا نصر المؤمنين " # أخرجه الترمذي ولفظه: # " من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة " # وقال حديث حسن. قوله عز وجل { والله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا } ~~يعني تنشره { فيبسطه في السماء كيف يشاء } يعني مسيرة يوم أو يومين أو ~~أكثر على ما يشاء { ويجعله كسفا } أي قطعا متفرقة { فترى الودق } أي ~~المطر { يخرج من خلاله } أي من وسطه { فإذا أصاب به } يعني الودق { من ~~يشاء من عباده إذا هم يستبشرون } يعني يفرحون بالمطر { وإن كانوا } أي ~~وقد كانوا { من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين } يعني آيسين { فانظر ~~إلى آثار رحمة الله } يعني المطر والمعنى انظر حسن تأثيره في الأرض وهو ~~قوله تعالى { كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى } يعني إن ~~الذين أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الموتى { وهو على كل شيء قدير ~~ولئن أرسلنا ريحا فرآه مصفرا } أي الزرع بعد الخضرة { لظلموا من بعده } ~~أي من بعد اصفرار الزرع { يكفرون } أي يجحدون ما سلف من النعمة والمعنى ~~أنهم يفرحون عند الخصب ولو أرسلت عذابا على زرعهم لجحدوا سالف نعمتي { ~~فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولو مدبرين وما أنت بهادي ~~العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون } تقدم تفسيره. # قوله تعالى { الله الذي خلقكم من ضعف } أي ms2547 بدأكم وأنشأكم على ضعف وقيل ~~من ماء ذي ضعف وقيل هو إشارة إلى أحوال الإنسان كان جنينا ثم طفلا ~~مولودا ومفطوما فهذه أحوال الضعف { ثم جعل من بعد ضعف قوة } يعني من ~~بعض ضعف الصغر شبابا وهو وقت القوة { ثم جعل من بعد قوة ضعفا } يعني ~~هرما { وشيبة } وهو تمام النقصان { يخلق ما يشاء } أي من الضعف والقوة ~~والشباب والشيبة وليس ذلك من أفعال الطبيعة بل بمشيئة الله وقدرته { وهو ~~العليم } بتدبير خلقه { القدير } على ما يشاء. ### || [30.55-60] # قوله تعالى: { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون } أي يحلف المشركون { ما ~~لبثوا } أي في الدنيا { غير الساعة } معناه أنهم استقلوا أجل الدنيا لما ~~عاينوا الآخرة وقيل معناه ما لبثوا في قبورهم غير ساعة { كذلك كانوا ~~يؤفكون } يعني يصرفون عن الحق في الدنيا وذلك أنهم كذبوا في قولهم ما ~~لبثوا غير ساعة كما كذبوا في الدنيا أن لا يبعثوا. والمعنى أن الله أراد ~~أن يفضحهم فحلفوا على شيء تبين لأهل الجمع أنهم كاذبون فيه وكان ذلك ~~بقضاء الله وقدره ثم ذكر إنكار المؤمن عليهم كذبتهم فقال تعالى { وقال ~~الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله يوم البعث } أي فيما ~~كتب الله لكم في سابق عمله من اللبث في القبور وقيل معنى الآية وقال ~~الذين أوتوا العلم في كتاب الله والإيمان يعني الذين يقيمون كتاب الله ~~قالوا للمنكرين قد لبثتم إلى يوم البعث أي في قبوركم { فهذا يوم البعث } ~~أي الذي كنتم تنكرونه في الدنيا { ولكنكم كنتم لا تعلمون } أي وقوعه في ~~الدنيا فلا ينفعكم العلم به الآن بدليل قوله تعالى { فيومئذ لا ينفع ~~الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون } أي لا تطلب منهم العتبى والرجوع ~~في الآخرة وقيل لا تطلب منهم التوبة التي تزيل الجريمة لأنها لا تقبل ~~منهم. قوله تعالى { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل } فيه ~~إشارة إلى إزالة الأعذار والإتيان بما فوق الكفاية من الإنذار { ولئن ~~جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون ms2548 } يعني ما أنتم إلا ~~على باطل وذلك على سبيل العناد. فإن قلت ما معنى توحيد الخطاب في قوله: ~~ولئن جئتهم والجمع في قوله: إن أنتم إلا مبطلون. قلت فيه لطيفة وهي أن ~~الله تعالى قال ولئن جئتهم بكل آية جاءت بها الرسل ويمكن أن يقال معناه ~~أنكم كلكم أيها الرسل مبطلون { كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون ~~} أي توحيد الله { فاصبر إن وعد الله حق } أي في نصرك وإظهارك على عدوك { ~~ولا يستخفنك } يعني لا يحملنك على الجهل وقيل لا يستخفن رأيك { الذين لا ~~يوقنون } يعني بالبعث والحساب، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده. ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-6] # قوله عز وجل { الم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين } يعني ~~الذين يعملون الحسنات، ثم ذكرهم فقال { الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ~~}. قوله تعالى { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } الآية قيل: نزلت في ~~النضر بن الحارث بن كلدة وكان يتجر فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم ~~ويحدث بها قريشا ويقول إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم ~~بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة فيستمعون حديثه ويتركون استماع ~~القرآن. فأنزل الله هذه الآية وقيل هو شراء القينات والمغنين، ومعنى ~~الآية ومن الناس من يشتري ذات لهو أو ذا لهو الحديث وروى البغوي بإسناد ~~الثعلبي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن وأثمانهن حرام " # وفي مثل ذلك نزلت هذه الآية { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن ~~سبيل الله } وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله له شيطانين ~~أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه ~~بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت أخرجه الترمذي وهذا لفظه عن أبي أسامة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن ~~وثمنهن حرام ms2549 " # وفي مثل هذا نزلت { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } الآية وعن أبي ~~هريرة " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب وكسب المزمار " ~~وقال مكحول من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيما عليه حتى ~~يموت لم أصل عليه إن الله تعالى يقول: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } ~~الآية وعن أبي مسعود وابن عباس والحسن وعكرمة وسعيد بن جبير قالوا لهو ~~الحديث هو الغناء والآية نزلت فيه ومعنى تشتري يستبدل ويختار الغناء ~~والمزامير والمعازف على القرآن. وقال أبو الصهباء: سألت ابن مسعود عن هذه ~~الآية فقال هو الغناء والله الذي لا إله إلا هو يرددها ثلاث مرات وقال ~~إبراهيم النخعي الغناء ينبت النفاق وقيل: هو كل لهو ولعب وقيل: هو الشرك ~~{ ليضل عن سبيل الله } يعني عن دين الإسلام وسماع القرآن { بغير علم } ~~يعني يفعله عن جهل وحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث ~~الحق { ويتخذها هزوا } أي يتخذ آيات الله مزحا { أولئك } يعني الذين ~~هذه صفتهم { لهم عذاب مهين }. ### || [31.7-15] # { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا } أي لا يعبأ بها ولا يرفع رأسا ~~{ كأن لم يسمعها } أي يشبه حاله في ذلك حال من لم يسمعها وهو سامع { كأن ~~في أذنيه وقرا } أي ثقلا ولا وقر فيهما { فبشره بعذاب أليم إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها وعد الله حقا } يعني ~~وعدهم الله ذلك وعدا حقا وهو لا يخلف الميعاد { وهو العزيز الحكيم } ~~قوله تعالى { خلق السموات بغير عمد } قيل إن السماء خلقت مبسوطة كصفحة ~~مستوية وهو قول المفسرين وهي في الفضاء والفضاء لا نهاية له وكون السماء ~~في بعضه دون بعض ليس ذلك إلا بقدرة قادر مختار وإليه الإشارة بقوله بغير ~~عمد { ترونها } أي ليس لها شيء يمنعها الزوال من موضعها وهي ثابتة لا ~~تزول وليس ذلك إلا بقدرة الله تعالى. وفي قوله ترونها وجهان: أحدهما أنه ~~راجع إلى السموات أي ليست هي بعمد وأنتم ترونها كذلك بغير عمد. ms2550 الوجه ~~الثاني أنه راجع إلى العمد ومعناه بغير عمد مرئية { وألقى في الأرض رواسي ~~أن تميد بكم } أي لئلا تتحرك بكم { وبث فيها } أي في الأرض { من كل دابة ~~} أي يسكنون فيها { وأنزلنا من السماء ماء } يعني المطر وهو من إنعام ~~الله على عباده وفضله { فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } أي من كل صنف حسن ~~{ هذا } يعني الذي ذكرت مما تعاينون { خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من ~~دونه } أي آلهتكم التي تعبدونها { بل الظالمون في ضلال مبين } قوله عز ~~وجل { ولقد آتينا لقمان الحكمة } قيل هو لقمان بن باعوراء بن ناحور بن ~~تارخ وهو آزر. وقيل كان ابن أخت أيوب. وقيل كان ابن خالته. وقيل إنه عاش ~~ألف سنة حتى أدرك داود وقيل إنه كان قاضيا في بني إسرائيل. واتفقت ~~العلماء على أنه كان حكيما ولم يكن نبيا إلا عكرمة فإنه قال: كان نبيا ~~وقيل خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة. وروي أنه كان نائما نصف ~~الليل فنودي يا لقمان هل لك أن نجعلك خليفة في الأرض فتحكم بين الناس ~~فأجاب الصوت فقال إن خيرني ربي قبلت العافية ولم أقبل البلاء وإن عزم علي ~~فسمعا وطاعة وإني أعلم أن الله إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني فقالت ~~الملائكة بصوت لا يراهم لم يا لقمان؟ قال إن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها ~~يغشاها الظلم من كل مكان إن عدل فبالحرى أن ينجو وإن أخطأ الطريق أخطأ ~~طريق الجنة ومن يكن في الدنيا ذليلا خير من أن يكون شريفا، ومن يختر ~~الدنيا على الآخرة تفتنه الدنيا ولم يصب الآخرة فعجبت الملائكة من حسن ~~منطقه فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه وهو يتكلم بها ثم نودي داود بعده، ~~فقبلها ولم يشترط ما اشترط لقمان فهوى في الخطيئة غير مرة كل ذلك يعفو ~~الله عنه وكان لقمان يوازر داود لحكمته وقيل كان لقمان عبدا حبشيا ~~نجارا وقيل كان خياطا وقيل كان راعي غنم فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم ~~بالحكمة فقال ألست فلانا الراعي ms2551 قال: بلى قال فبم بلغت ما بلغت؟ قال ~~بصدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني، وقيل كان عبدا أسود عظيم ~~الشفتين مشقق القدمين وقيل: خير السودان بلال بن رباح ومهجع مولى عمر ~~ولقمان والنجاشي رابعهم أوتي الحكمة والعقل والفهم وقيل العلم والعمل به ~~ولا يسمى الرجل حكيما حتى يجمعها وقيل الحكمة المعرفة والإصابة في ~~الأمور وقيل: الحكمة شيء يجعله الله في القلب ينوره كما ينور البصر فيدرك ~~المبصر. # وقوله { أن أشكر الله } وذلك لأن المراد من العلم العمل به والشكر عليه ~~{ ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه } أي عليه يعود نفع ذلك وكذلك كفرانه { ومن ~~كفر } عليه يعود وبال كفره { فإن الله غني } أي غير محتاج إلى شكر ~~الشاكرين { حميد } أي هو حقيق بأن يحمد وإن لم يحمده أحد. وقوله تعالى { ~~وإذ قال لقمان لابنه } قيل اسمه أنعم وقيل أشكم { وهو يعظه } وذلك لأن ~~أعلى مراتب الإنسان أن يكون كاملا في نفسه مكملا لغيره فقوله { ولقد ~~آتينا لقمان الحكمة أن أشكر لله } إشارة إلى الكمال وقوله وإذ قال لقمان ~~لابنه وهو يعظه إشارة إلى التكميل لغيره وبدأ بالأقرب إليه وهو ابنه وبدأ ~~في وعظه بالأهم وهو المنع من الشرك وهو قوله { يا بني لا تشرك بالله إن ~~الشرك لظلم عظيم } لأن التسوية بين من يستحق العبادة وبين من لا يستحقها ~~ظلم عظيم لأنه وضع العبادة في موضعها. قوله عز وجل { ووصينا الإنسان ~~بوالديه حملته أمه وهنا على وهن } قال ابن عباس شدة بعد شدة وقيل إن ~~المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف والتعب والمشقة وذلك لأن الحمل ضعف ~~والطلق ضعف والوضع ضعف والرضاعة ضعف { وفصاله في عامين } أي فطامه في ~~سنتين { أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير } لما جعل الله بفضله للوالدين ~~صورة التربية الظاهرة وهو الموجد والمربي في الحقيقة جعل الشكر بينهما ~~فقال اشكر لي ولوالديك ثم فرق فقال إلي المصير يعني أن نعمتهما مختصة ~~بالدنيا ونعمتي عليك في الدنيا والآخرة وقيل لما أمر بشكره وشكر الوالدين ~~قال الجزاء ms2552 على وقت المصير إلي، قال سفيان بن عيينة في هذه الآية من صلى ~~الصلوات الخمس فقد شكر الله ومن دعا للوالدين في أدبار الصلوات الخمس فقد ~~شكر الوالدين { وإن جاهداك على أن تشرك بين ما ليس لك به علم فلا تطعهما ~~} قال النخعي: يعني أن طاعتهما واجبة فإن أفضى ذلك إلى الإشراك بي فلا ~~تطعهما في ذلك لأن لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق { وصاحبهما في الدنيا ~~معروفا } أي بالمعروف وهو البر والصلة والعشرة الجميلة { واتبع سبيل من ~~أناب إلي } أي اتبع دين من أقبل إلى طاعتي وهو النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه وقيل من أناب إلي يعني أبا بكر الصديق قال ابن عباس: وذلك أنه ~~حين أسلم أتاه عثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف ~~وقالوا له قد صدقت هذا الرجل وآمنت به قالت نعم إنه صادق فآمنوا به ثم ~~حملهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أسلموا فهؤلاء لهم سابقة الإسلام ~~أسلما بإرشاد أبي بكر { ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون }. ### || [31.16-20] # { يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل } وذلك أن ابن لقمان قال لأبيه ~~يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ قال يا بني ~~إنها أي الخطيئة إن تك مثقال حبة من خردل أي في الصغر { فتكن } أي من ~~صغرها { في صخرة } قال ابن عباس: صخرة تحت الأرضين السبع وهي التي يكتب ~~فيها أعمال الفجار وخضرة السماء منها وقيل خلق الله الأرض على حوت وهو ~~النون والحوت في الماء والماء على ظهر صفاة والصفاة على ظهر ملك وقيل على ~~ظهر ثور وهو على صخرة وهي التي ذكر لقمان ليست في الأرض ولا في السماء ~~فلذلك قال { أو في السموات أو في الأرض } والصخرة على متن الريح والريح ~~على القدرة { يأت بها الله } معناه الله عالم بها قادر على استخراجها وهو ~~قوله { إن الله لطيف } أي باستخراجها { خبير } أي بمكانها ومعنى الآية ~~الإحاطة بالأشياء ms2553 صغيرها وكبيرها قيل إن هذه الكلمة آخر كلمة قالها لقمان ~~فانشقت مرارته من هيبتها وعظمتها فمات { يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف ~~وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك } من الأذى { إن ذلك من عزم الأمور } ~~يعني إقامة الصلاة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى من ~~الأمور الواجبة التي أمر الله بها { ولا تصعر } وقرىء تصاعر { خدك للناس ~~} قال ابن عباس لا تتكبر فتحقر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك وقيل هو ~~الرجل يكون بينك وبينه محبة فيلقاك فتعرض عنه وقيل هو الذي إذا سلم عليه ~~ولوى عنقه تكبرا وقيل معناه لا تحتقر الفقراء فليكن الفقير والغني عندك ~~سواء { ولا تمش في الأرض مرحا } أي خيلاء { إن الله لا يحب كل مختال } ~~في مشيه { فخور } أي على الناس { واقصد في مشيك } أي ليكن في مشيتك قصد ~~بين الإسراع والتأني أما بالإسراع فهو من الخيلاء وأما التأني فهو أن يرى ~~في نفسه الضعف تزهدا وكلا الطرفين مذموم بل ليكن مشيك بين السكينة ~~والوقار { واغضض } أي اخفض وقيل وانقص { من صوتك إن أنكر } أي أقبح { ~~الأصوات لصوت الحمير } لأن أوله زفير وآخره شهيق وهما صوت أهل النار وعن ~~الثوري في هذه الآية قال صياح كل شيء تسبيح إلا الحمار وقيل معنى الآية ~~هو العطسة القبيحة المنكرة قال وهب: تكلم لقمان باثني عشر ألف باب من ~~الحكمة أدخلها الناس في كلامهم وقضاياهم ومن حكمته قيل: إنه كان عبدا ~~حبشيا فدفع إليه مولاه شاة وقال له: اذبحها وائتني بأطيب مضغتين منها ~~فأتاه باللسان والقلب ثم دفع إليه أخرى وقال له اذبحها وائتني بأخبث ~~مضغتين منها فأتاه باللسان والقلب فسأله مولاه فقال ليس شيء أطيب منهما ~~إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا وقال لقمان ليس مال كصحة ولا نعيم كطيب ~~نفس. # وقيل للقمان أي الناس شر قال الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا. قوله ~~عز وجل { ألم ترو أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ } أي ~~أتم ms2554 وأكمل { عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } قال ابن عباس النعمة الظاهرة ~~الإسلام والقرآن والباطنة ما ستر عليكم من الذنوب ولم يعجل عليكم بالنقمة ~~وقيل الظاهرة تسوية الأعضاء وحسن الصورة والباطنة الاعتقاد بالقلب وقيل ~~الظاهرة الرزق والباطنة حسن الخلق وقيل الظاهرة تخفيف الشرائع والباطنة ~~الشفاعة وقيل الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء والباطنة الإمداد ~~بالملائكة وقيل الظاهرة اتباع الرسول والباطنة محبته { ومن الناس من ~~يجادل في الله بغير علم } نزلت في النضر بن الحارث وأبي بن خلف وأمية بن ~~خلف وأشباههم كانوا يجادلون النبي صلى الله عليه سلم في الله وفي صفاته ~~بغير علم { ولا هدى ولا كتاب منير }. ### || [31.21-32] # { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه أباءنا ~~} قال الله تعالى { أولو كان الشيطان يدعوهم } معناه أفيتبعونهم وإن كان ~~الشيطان يدعوهم { إلى عذاب السعير } قوله عز وجل { ومن يسلم وجهه إلى ~~الله } أي يخلص لله دينه ويفوض إليه أمره { وهو محسن } أي في عمله { فقد ~~استمسك بالعروة الوثقى } أي اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا يخلف عهده ولا ~~يخاف انقطاعه ويرتقي بسببه إلى أعلى المراتب والغايات { وإلى الله عاقبة ~~الأمور } أي مصير جميع الأشياء إليه { ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا ~~مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور } أي لا يخفى عليه ~~سرهم وعلانيتهم. قوله تعالى { نمتعهم قليلا } أي نمهلهم ليتمتعوا بنعيم ~~الدنيا إلى انقضاء آجالهم { ثم نضطرهم } أي نلجئهم ونردهم { إلى عذاب ~~غليظ } إلى النار في الآخرة { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن ~~الله قل الحمد الله بل أكثرهم لا يعلمون لله ما في السموات والأرض إن ~~الله هو الغني الحميد } تقدم تفسيره. قوله تعالى { ولو أن ما في الأرض من ~~شجرة أقلام } قال المفسرون لما نزلت بمكة # ويسألونك عن الروح # [الإسراء: 85] الآية و # " هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار اليهود ~~وقالوا " يا محمد بلغنا أنك تقول { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } ~~أتعنينا أم قومك فقال عليه ms2555 الصلاة والسلام كلا قد عنيت قالوا ألست تتلو ~~فيما جاءك أنا أوتينا التوراة فيها علم كل شيء فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هي في علم الله قليل وقد أتاكم الله بما إن علمتم به انتفعتم ~~به قالوا كيف تزعم هذا وأنت تقول { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ~~} فكيف يجتمع علم قليل مع خير كثير " # فأنزل الله هذه الآية فعلى هذا تكون هذه الآية مدنية وقيل إن اليهود ~~أمروا وفد قريش أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولوا له ذلك ~~وهو بمكة وقيل إن المشركين قالوا إن القرآن وما يأتي به محمد يوشك أن ~~ينفد فينقطع فأنزل الله تعالى { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام } أي ~~بريت أقلاما وقيل بعدد كل شجرة قلم { والبحر يمده } أي يزيده وينصب إليه ~~{ من بعده سبعة أبحر } أي مدادا والخلائق يكتبون به كلام الله { ما نفدت ~~كلمات الله } لأنها لا نهاية لها { إن الله عزيز حكيم }. قوله تعالى { ما ~~خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } أي إلا كخلق نفس واحدة وبعثها لا يتعذر ~~عليه شيء { إن الله سميع } أي لأقوالكم { بصير } بأعمالكم { ألم تر أن ~~الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل ~~يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير ذلك بأن الله هو الحق } يعني ~~ذلك الذي هو قادر على هذه الأشياء التي ذكرت هو الحق المستحق للعبادة { ~~وأن ما يدعون من دونه الباطل } يعني لا يستحق العبادة { وأن الله هو ~~العلي } يعني في صفاته له الصفات العليا والأسماء الحسنى { الكبير } في ~~ذاته أنه أكبر من كل كبير. # قوله تعالى { ألم تر أن الفلك } يعني السفن والمراكب { تجري في البحر ~~بنعمة الله } يعني ذلك من نعمة الله عليكم { فيريكم من آياته } يعني من ~~عجائب صنائعه { إن في ذلك لآيات لكل صبار } يعين على ما أمر الله { شكور ~~} لإنعامه { وإذا غشيهم موج كالضلل } يعني كالجبال وقيل كالسحاب شبه بها ~~الموج ms2556 في كثرتها وارتفاعها { دعوا الله مخلصين له الدين } معناه أن ~~الإنسان إذا وقع في شدة ابتهل إلى الله بالدعاء وترك كل من عداه ونسي ~~جميع ما سواه فإذا نجا من تلك الشدة فمنهم من يبقى على تلك الحالة وهو ~~المقتصد وهو قوله تعالى { فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد } يعني عدل ~~موف في البر بما عاهد عليه الله في البحر من التوحيد والثبوت على ~~الإيمان وقيل نزلت في عكرمة بن أبي جهل وذلك أنه هرب عام الفتح إلى البحر ~~فجاءهم ريح عاصف فقال عكرمة: لئن أنجانا الله من هذا لأرجعن إلى محمد صلى ~~الله عليه سلم ولأضعن يده في يدي فسكت الريح ورجع عكرمة إلى مكة وأسلم ~~وحسن إسلامه ومنهم من لم يوف بما عاهد وهو المراد بقوله { وما يجحد ~~بآياتنا إلا كل ختار } يعني غدار { كفور } يعني جحود لأنعمنا عليه. ### || [31.33-34] # قوله تعالى: { يا أيها الناس اتقوا ربكم } يعني خافوا ربكم { وأخشوا } ~~يعني وخافوا { يوما لا يجزي } يعني لا يقضي ولا يغني { والد عن ولده ولا ~~مولود هو جاز عن والده شيئا } قيل معنى الآية أن الله ذكر شخصين في غاية ~~الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد فنبه بالأعلى على الأدنى وبالأدنى على ~~الأعلى فالوالد يجزي عن ولده لكمال شفقته عليه والولد يجزي عن والده لما ~~له من حق التربية وغيرها فإذا كان يوم القيامة فكل إنسان يقول نفسي ولا ~~يهتم بقريب ولا بعيد كما قال ابن عباس كل امرىء تهمه نفسه { إن وعد الله ~~حق } قيل إنه تحقيق اليوم معناه اخشوا يوما هذا شأنه وهو كائن بوعد الله ~~به ووعده حق وقيل الآية تحقيق بعدم الجزاء يعني لا يجزي والد عن ولده في ~~ذلك اليوم والقول الأول أحسن وأظهر { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } يعني ~~لأنها فانية { ولا يغرنكم بالله الغرور } يعني الشيطان: قال سعيد بن جبير ~~يعمل بالمعاصي ويتمنى المغفرة. قوله تعالى { إن الله عنده علم الساعة ~~الآية نزلت في الحارث بن عمرو بن حارثة بن حفصة من أهل ms2557 البادية أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فسأله عن الساعة ووقتها وقال إن أرضنا أجدبت فقل لي ~~متى ينزل الغيث وتركت امرأتي حبلى فمتى تلد ولقد علمت أين ولدت فبأي أرض ~~أموت فأنزل الله هذه الآية ق عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " مفاتيح الغيب خمس إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في ~~الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله ~~عليم خبير " # ومعنى الآية إن الله عنده علم الساعة فلا يدري أحد من الناس متى تقوم ~~الساعة في أي سنة أو أي شهر أو أي يوم ليلا أو نهارا { وينزل الغيث } ~~فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث ليلا أو نهارا إلا الله { ويعلم ما في ~~الأرحام } أذكر أم أنثى أحمر أم أسود تام الخلقة أم ناقص { وما تدري نفس ~~ماذا تكسب غدا } من خير أو شر { وما تدري نفس بأي أرض تموت } يعني ليس ~~أحد من الناس يعلم أين مضجعه من الأرض في بر أو بحر في سهل أو جبل { إن ~~الله عليم } يعني بهذه الأشياء وبغيرها { خبير } أي ببواطن الأشياء كلها ~~ليس علمه محيطا بالظاهر فقط بل علمه محيط بالظاهر والباطن قال ابن عباس: ~~هذه الخمسة لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مصطفى فمن ادعى أنه يعلم شيئا من ~~هذه الأمور فإنه كفر بالقرآن لأنه خالفه والله تعالى أعلم بمراده وأسرار ~~كتابه. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-5] # قوله عز وجل { الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه } يعني لا شك في أنه { من رب ~~العالمين أم يقولون } يعني بل يقولون يعني المشركين { افتراه } يعني ~~اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه { بل هو الحق } يعني ~~القرآن { من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } يعني العرب ~~كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما وذلك في الفترة التي كانت بين ms2558 عيسى ومحمد صلى ~~الله عليه سلم. فإن قلت إذا لم يأتهم رسول لم تقم عليهم حجة. قلت: أما ~~قيام الحجة بالشرائع التي لا يدرك علمها إلا من جهة الرسل فلا وأما قيام ~~الحجة بمعرفة الله وتوحيده فنعم لأن معهم أدلة العقل الموصلة إلى ذلك في ~~كل زمان { لعلهم يهتدون } يعني تنذرهم راجيا اهتداءهم { الله الذي خلق ~~السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من ~~دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون } تقدم تفسيره. قوله تعالى { يدبر ~~الأمر } يعني يحكم الأمر وينزل القضاء والقدر وقيل ينزل الوحي مع جبريل ~~عليه السلام { من السماء إلى الأرض ثم يعرج } يعني يصعد { إليه } جبريل ~~بالأمر { في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } يعني مسافة ما بين ~~السماء والأرض خمسمائة سنة فيكون مقدار نزوله إلى الأرض ثم صعوده إلى ~~السماء في مقدار ألف سنة لو ساره أحد من بني آدم وجبريل ينزل ويصعد في ~~مقدار يوم من أيام الدنيا وأقل من ذلك وكذلك الملائكة كلهم أجمعون وقيل ~~معنى الآية أنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض مدة أيام الدنيا ثم يعرج ~~إليه أي يرجع الأمر والتدبير إليه بعد فناء الدينا وانقطاع أمر الآمر ~~وحكم الحاكم في يوم كان مقداره ألف سنة وهو يوم القيامة. فإن قلت قال في ~~موضع آخر: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ~~فكيف الجمع بينهما. قلت أراد بقوله خمسين ألف سنة مدة المسافة بين الأرض ~~وسدرة المنتهى التي هي مقام جبريل عليه السلام يقول يسير جبريل والملائكة ~~الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. ~~وقيل كلها في القيامة فيكون على بعضهم مثل ألف سنة وعلى بعضهم خمسين ألف ~~سنة وهذا في حال الكفار وأما على المؤمنين فدون ذلك كما جاء في الحديث: # " إنه يكون على المؤمن كقدر صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا " # قال إبراهيم التيمي: لا يكون على المؤمنين إلا كما ms2559 يكون ما بين الظهر ~~والعصر وقيل يحتمل أن يكون هذا إخبارا عن شدته وهوله ومشقته وقال ابن ~~أبي مليكة: دخلت أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان على ابن عباس فسأله ~~ابن فيروز عن هذه الآية وعن مقدار خمسين ألف سنة. فقال ابن عباس: رضي ~~الله عنهما أيام سماها الله تعالى لا أدري ما هي وأكره أن أقول في كتاب ~~الله ما لا أعلم. ### || [32.6-14] # { ذلك عالم الغيب والشهادة } يعني الذي صنع ما ذكر من خلق السموات ~~والأرض هو عالم الغيب والشهادة أي ما غاب عن خلقه لا تخفى عليه خافية ~~والشهادة بمعنى ما حضر وظهر { العزيز } أي الممتنع المنتقم من أعدائه { ~~الرحيم } بأوليائه وأهل طاعته. قوله تعالى { الذي أحسن كل شيء خلقه } قال ~~ابن عباس أتقنه وأحكمه وقيل علم كيف يخلق كل شيء وقيل خلق كل حيوان على ~~صورة لم يخلق البعض على صورة البعض فكل حيوان كامل في صورته حسن في شكله ~~وكل عضو من أعضائه مقدر على ما يصلح به معاشه وقيل معناه ألهم خلقه ما ~~يحتاجون إليه وعلمهم إياه. وقيل معناه أحسن إلى كل خلقه { وبدأ خلق ~~الإنسان من طين } يعني آدم { ثم جعله نسله } يعني ذريته { من سلالة } أي ~~من نطفة تنسل من الإنسان { من ماء مهين } أي ضعيف { ثم سواه } أي سوى ~~خلقه { ونفخ فيه من روحه } أضاف إليه الروح إضافة تشريف كبيت الله وناقة ~~الله ثم ذكر ما يترتب على نفخ الروح في الجسد فقال { وجعل لكم } أي خلق ~~بعد أن كنتم نطفا مواتا { السمع والأبصار والأفئدة } قيل قدم السمع لأن ~~الإنسان يسمع أولا كلاما فينظر إلى قائله ليعرفه ثم يتفكر بقلبه في ذلك ~~الكلام ليفهم معناه ووحد السمع لأن الإنسان يسمع الكلام من أي جهة كان { ~~قليلا ما تشكرون } يعني أنكم لا تشكرون رب هذه النعمة فتوحدوه إلا ~~قليلا. قوله تعالى { وقالوا } يعني منكري البعث { أئذا ضللنا } هلكنا { ~~في الأرض } والمعنى صرنا ترابا { أئنا لفي خلق جديد } استفهام إنكاري ~~قال الله تعالى: ms2560 { بل هم بلقاء ربهم كافرون } بالبعث بعد الموت { قل ~~يتوفاكم } أي يقبض أرواحكم حتى لا يبقى أحد ممن كتب عليه الموت { ملك ~~الموت } وهو عزرائيل عليه السلام { الذي وكل بكم } أي أنه لا يغفل عنكم ~~وإذا جاء أجل أحدكم لا يؤخر ساعة ولا شغل له إلا ذلك. روي أن ملك الموت ~~جعلت له الدنيا مثل راحة اليد يأخذ منها صاحبها ما أحب من غير مشقة، فهو ~~يقبض أرواح الخلائق من مشارق الأرض ومغاربها وله أعوان من الملائكة ~~ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. وقال ابن عباس إن خطوة ملك الموت ما بين ~~المشرق والمغرب، وقال مجاهد: جعلت له الأرض مثل الطست يتناول منها حيث ~~يشاء، وقيل إن ملك الموت على معراج بين السماء والأرض فتنزع أعوانه روح ~~الإنسان، فإذا بلغ ثغره نحره قبضه ملك الموت. عن معاذ بن جبل قال: إن ~~لملك الموت حربة تبلغ ما بين المشرق والمغرب، وهو يتصفح وجوه الناس فما ~~من أهل بيت إلا وملك الموت يتصفحهم في كل يوم مرتين، فإذا رأى إنسانا قد ~~انقضى أجله ضرب رأسه بتلك الحربة وقال له الآن تنزل بك سكرات الموت. # وقوله { ثم إلى ربكم ترجعون } أي تصيرون إلى ربكم أحياء فيجزيكم ~~بأعمالكم. قوله عز وجل { ولو ترى إذ المجرمون } أي المشركون { ناكسوا ~~رؤوسهم عند ربهم } أي يطأطئونها حياء من ربهم وندما على ما فعلوا عند ~~ربهم يقولون { ربنا أبصرنا } أي ما كنا به مكذبين { وسمعنا } يعني منك ~~تصديق ما أتتنا به رسلك وقيل أبصرنا معاصينا وسمعنا ما قيل فيها { ~~فارجعنا } أي فارددنا إلى الدنيا { نعمل صالحا إنا موقنون } أي في الحال ~~آمنا ولكن لا ينفع ذلك الإيمان { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } أي ~~رشدها وتوفيقها للإيمان { ولكن حق القول مني } أي وجب القول مني { لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين } أي من كفار الجن والإنس { فذوقوا } يعني ~~فإذا دخلوا النار قالت لهم الخزنة ذوقوا { بما نسيتم لقاء يومكم } أي ~~تركتم الإيمان في الدنيا { هذا إنا نسيناكم } يعني تركناكم بالكلية ms2561 غير ~~ملتفت إليكم كما يفعل بالناس قطعا لرجائكم { وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم ~~تعملون } أي من الكفر والتكذيب. ### || [32.15-16] # قوله تعالى: { إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها } أي وعظوا بها { ~~خروا سجدا } يعني سقطوا على وجوههم ساجدين { وسبحوا بحمد ربهم } يعني ~~صلوا بأمر ربهم وقيل قالوا سبحان الله وبحمده { وهم لا يستكبرون } يعني ~~عن الإيمان به والسجود له ق عن ابن عمر قال " كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ السورة التي فيها السجدة فيسجد ويسجدون حتى ما يجد أحدنا ~~مكانا لوضع جبهته في غير وقت الصلاة ". م عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول يا ويلنا أمر ~~ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار " # وهذه من عزائم سجود القرآن فتسن للقارىء وللمستمع. قوله تعالى { تتجافى ~~جنوبهم } يعني ترتفع وتنبو { عن المضاجع } جمع مضجع وهو الموضع الذي ~~يضطجع عليه يعني الفرش، وهم المتهجدون بالليل الذي يقيمون الصلاة، وقال ~~أنس نزلت فينا معاشر الأنصار كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى ~~نصلي العشاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن أنس في قوله { تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع } نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة أخرجه ~~الترمذي وقال الحديث حسن غريب صحيح. وفي رواية أبي داود عنه قال كانوا ~~يتنفلون ما بين المغرب والعشاء أي يصلون، وهو قول أبي حازم ومحمد بن ~~المنكدر وقيل هي صلاة الأوابين. روي عن ابن عباس قال: إن الملائكة لتحف ~~بالذين يصلون بين المغرب والعشاء وهي صلاة الأوابين وقال عطاء: هم الذين ~~لا ينامون حتى يصلوا العشاء الأخيرة والفجر في جماعة بدليل قوله صلى الله ~~عليه وسلم # " من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة ~~فكأنما صلى الليل كله " # أخرجه مسلم من حديث عثمان بن عفان.ق عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms2562 قال # " لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا " # وأشهر الأقاويل أن المراد منه صلاة الليل وهو قول الحسن ومجاهد ومالك ~~والأوزاعي وجماعة. فصل: في فضل قيام الليل والحث عليه # " عن معاذ بن جبل قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ~~فأصبحت يوما قريبا منه وهو يسير، فقلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني ~~الجنة ويباعدني عن النار. قال " سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره ~~الله تعالى عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ~~وتصوم رمضان وتحج البيت، ثم قال ألا أدلك على أبواب الخير الصوم جنة ~~والصدقة تطفىء الخطيئة وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم قرأ { تتجافى جنوبهم ~~عن المضاجع } حتى بلغ { جزاء بما كانوا يعملون } ، ثم قال ألا أخبرك برأس ~~الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت بلى يا رسول الله. قال رأس الأمر الإسلام ~~وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد، ثم قال ألا أخبرك بملاك ذلك كله قلت ~~بلى يا رسول الله قال فأخذ بلسانه وقال اكفف عليك هذا. فقلت يا رسول الله ~~وإنا لمؤاخذون بما نتكلم فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في ~~النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم " # أخرجه الترمذي عن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى ربكم وتكفير ~~السيئات ومنهاة عن الآثام ومطردة الداء عن الجسد " # أخرجه الترمذي. عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " عجب ربنا من رجلين رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين جنبيه وأهله إلى ~~صلاته فيقول الله عز وجل لملائكته انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه ~~من بين جنبيه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، ورجل غزا ~~في سبيل الله وانهزم مع أصحابه فعلم ما عليه في الانهزام وما له في ~~الرجوع فرجع حتى أهريق دمه. فيقول الله تعالى لملائكته انظروا إلى عبدي ms2563 ~~رجع رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه " # أخرجه الترمذي بمعناه م عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة ~~صلاة الليل " # ق # " عن عائشة قالت " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى ~~تورمت قدماه فقلت لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر قال أفلا أكون عبدا شكورا " " # عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن في الجنة غرفا يرى باطنها من ظاهرها وظاهرها من باطنها أعدها الله ~~لمن ألان الكلام وأطعم الطعام وتابع الصيام وصلى بالليل والناس نيام " # أخرجه الترمذي.خ عن الهيثم بن أبي سنان أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه ~~في قصة يذكر النبي صلى الله عليه وسلم يقول # " إن أخا لكم لا يقول الرفث " # يعني بذلك ابن رواحة قال: # وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من ~~الفجر ساطع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به ~~موقنات ما إذا قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ~~إذا استثقلت بالكافرين المضاجع # أخرجه البخاري وليس للهيثم بن سنان. عن أبي هريرة في الصحيحين غير هذا ~~الحديث. وقوله { يدعون ربهم خوفا وطمعا } قال ابن عباس خوفا من النار ~~وطمعا في الجنة { ومما رزقناهم ينفقون } قيل أراد به الصدقة المفروضة ~~وقيل بل هو عام في الواجب والتطوع. ### || [32.17-26] # قوله عز وجل: { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } أي مما تقربه ~~أعينهم فلا يلتفتون إلى غيره قال ابن عباس هذا مما لا تفسير له وقيل ~~أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم { جزاء بما كانوا يعملون } أي من ~~الطاعات في دار الدنيا ق عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " يقول الله تبارك وتعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر واقرؤوا ms2564 إن شئتم: فلا تعلم نفس ما أخفي لم من ~~قرة أعين " # قوله تعالى { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } نزلت في علي ~~بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط، كان بينهما تنازع وكلام في ~~شيء، فقال الوليد لعلي اسكت فإنك صبي وأنا شيخ وإني أبسط منك لسانا، ~~وأحد منك سنانا وأشجع منك جنابا وأملأ منك حشوا في الكتيبة، فقال له ~~علي اسكت فإنك فاسق، فأنزل الله هذه الآية وقوله لا يستوون أراد جنس ~~المؤمنين وجنس الفاسقين ولم يرد مؤمنا واحدا ولا فاسقا واحدا { أما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى } أي التي يأوي إليها ~~المؤمنون { نزلا } هو ما يهيأ للضيف عند نزوله { بما كانوا يعملون } ~~يعني من الطاعات في دار الدنيا { وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما ~~أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم ~~به تكذبون }. قوله تعالى: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر } أي سوى العذاب الأكبر، قال ابن عباس العذاب الأدنى مصائب الدنيا ~~وأسقامها، وعنه أنه الحدود وقيل هو الجوع بمكة حتى أكلوا الجيف والعظام ~~والكلاب سبع سنين، وقال ابن مسعود هو القتل بالسيف يوم بدر والأكبر هو ~~عذاب جهنم { لعلهم يرجعون } أي إلى الإيمان يعني من بقي منهم بعد القحط ~~وبعد بدر { ومن أظلم } أي لا أحد أظلم { ممن ذكر بآيات ربه } أي بدلائل ~~وحدانيته وإنعامه عليه { ثم أعرض عنها } أي ترك الإيمان بها { إنا من ~~المجرمين } يعني المشركين { منتقمون } معناه أنهم لما لم يرجعوا بالعذاب ~~الأدنى فإنا منهم منتقمون بالعذاب الأكبر. قوله تعالى { ولقد آتينا موسى ~~الكتاب } أي التوراة { فلا تكن في مرية } أي في شك { من لقائه } أي من ~~لقاء موسى ليلة المعراج، قاله ابن عباس ق عن ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة ~~ورأيت عيسى رجلا مربوعا مربوع الخلق إلى الحمرة وإلى البياض سبط الشعر، ~~ورأيت ms2565 مالكا خازن النار، والدجال في آيات أراهن الله أياه فلا تكن في ~~مرية من لقائه " # م عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أتيت على موسى ليلة المعراج ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم ~~يصلي في قبره " # فإن قلت قد صح في حديث المعراج أنه رآه في السماء السادسة عند مراجعته ~~في الصلوات فكيف الجمع بين هذين الحديثين. قلت يحتمل أن تكون رؤيته في ~~قبره عند الكثيب الأحمر كان قبل صعوده إلى السماء وذلك في طريقه إلى بيت ~~المقدس، ثم لما صعد على السماء السادسة وجده هناك قد سبقه لما يريد الله ~~عز وجل وهو على كل شيء قدير. فإن قلت كيف تصح منه الصلاة في قبره وهو ميت ~~وقد سقط عنه التكليف وهو في دار الآخرة وليست دار عمل. وكذلك رأى النبي ~~صلى الله عليه وسلم جماعة من الأنبياء وهم يحجون فما الجواب عن هذا؟ قلت ~~يجاب عنه بأجوبة أحدها: أن الأنبياء كالشهداء بل هم أفضل منهم والشهداء ~~أحياء عند ربهم يرزقون، فلا يبعد أن يحجوا أو يصلوا كما صح في الحديث وأن ~~يتقربوا إلى الله بما استطاعوا وإن كانوا قد ماتوا لأنهم بمنزلة الأحياء ~~في هذه الدار التي هي دار العمل، إلى أن تفنى ثم يرحلون إلى دار الجزاء ~~التي هي الجنة. الجواب الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم رأى حالهم الذي ~~كانوا عليه في حياتهم ومثلوا له كيف كانوا وكيف كان حجهم وصلاتهم. الجواب ~~الثالث: أن التكليف وإن ارتفع عنهم في الآخرة لكن الذكر والشكر والدعاء ~~لا يرتفع، قال الله تعالى # دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام # [يونس: 10] وقال صلى الله عليه وسلم # " يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس " # فالعبد يعبد ربه في الجنة أكثر مما كان يعبده في الدنيا وكيف لا يكون ~~ذلك وقد صار حاله مثل حال الملائكة والذين قال الله في حقهم # يسبحون الليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء: 20]، غاية ما في الباب أن العبادة ليست عليهم بتكليف بل هي ms2566 ~~على مقتضى الطبع والله أعلم، وقيل في قوله { فلا تكن في مرية من لقائه } ~~أي تلقى موسى كتاب الله بالرضا والقبول { وجعلناه } أي الكتاب { هدى لبني ~~إسرائيل وجعلنا منهم } أي من بني إسرائيل { أئمة } أي قادة للخير يقتدى ~~بهم وهم الأنبياء الذين كانوا في بني إسرائيل وقيل هم أتباع الأنبياء { ~~يهدون بأمرنا } يعني يدعون الناس إلى طاعتنا { لما صبروا } يعني على ~~دينهم وعلى البلاء من عدوهم بمصر { وكانوا بآياتنا يوقنون } يعني أنها من ~~الله تعالى { إن ربك هو يفصل } أي يقضي ويحكم { بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون } قيل هم الأنبياء وأممهم وقيل هم المؤمنون والمشركون ~~قوله تعالى { أو لم يهد لهم } أي نبين لهم { كم أهلكنا } يعني كثرة من ~~أهلكنا { من قبلهم من القرون } يعني الأمم الخالية { يمشون في مساكنهم } ~~يعني أهل مكة يسيرون في بلادهم ومنازلهم إذا سافروا { إن في ذلك لآيات ~~أفلا يسمعون } يعني آيات الله ومواعظه فيتعظون بها. ### || [32.27-30] # قوله عز وجل: { أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز } أي الأرض ~~اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها قال ابن عباس هي أرض باليمن وقيل هي ~~أبين { فنخرج به } أي بذلك الماء { زرعا تأكل منه أنعامهم } يعني العشب ~~والتبن { وأنفسهم } أي من الحبوب والأقوات { أفلا يبصرون } يعني ~~فيعتبروا. قوله تعالى { ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين } قيل أراد ~~بيوم الفتح يوم القيامة الذي فيه الحكم والقضاء بين العباد، وذلك أن ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للكفار إن لنا يوما ننعم فيه ~~ونستريح ويحكم فيه بيننا وبينكم. فقال الكفار استهزاء متى هذا الفتح أي ~~القضاء والحكم، وقيل هو فتح مكة وقيل يوم بدر، وذلك أن أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم كانوا يقولون للكفار إن الله ناصرنا ومظهرنا عليكم ~~فيقولون متى هذا الفتح { قل يوم الفتح } يعني يوم القيامة { لا ينفع ~~الذين كفروا إيمانهم } يعني لا يقبل منهم الإيمان ومن حمل يوم الفتح على ~~فتح مكة أو القتل يوم بدر، قال معناهم لا ms2567 ينفع الذين كفروا إيمانهم إذا ~~جاءهم العذاب وقتلوا { ولا هم ينظرون } يعني يمهلون ليتوبوا ويعتذروا { ~~فأعرض عنهم } قال ابن عباس نسختها آية السيف { وانتظر } يعني موعدي لك ~~بالنصر عليهم { إنهم منتظرون } أي بك حوادث الزمان وقيل معناه انتظر ~~عذابنا إياهم فهم منتظرون ذلك. ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة الم تنزيل ~~الكتاب وهل أتى على الإنسان " # عن جابر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان لا ينام حتى يقرأ الم تنزيل الكتاب ~~وتبارك الذي بيده الملك " " # أخرجه الترمذي. وقال طاوس تفضلان عن كل سورة في القرآن بسبعين حسنة ~~أخرجه الترمذي. والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1-4] # قوله عز وجل { يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين } ~~نزلت في أبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور وعمرو بن سفيان ~~السلمي، وذلك أنهم قدموا المدينة فنزلوا على عبدالله بن أبي ابن سلول رأس ~~المنافقين بعد قتال أحد، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على ~~أن يكلموه فقام معهم عبدالله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق فقالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وعنده عمر بن الخطاب ارفض ذكر آلهتنا اللات ~~والعزى ومناة، وقل إن لها شفاعة لمن عبدها وندعك وربك، فشق ذلك على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال عمر يا رسول الله ائذن لي في قتلهم، فقال # " إني أعطيتهم الأمان " # فقال عمر اخرجوا في لعنة الله وغضبه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر ~~أن يخرجهم من المدينة. فأنزل الله تعالى { يا أيها النبي اتق الله } أي ~~دم على التقوى وقيل معناه اتق الله و لاتنقض العهد بينك وبينهم وقيل ~~الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته ولا { تطع الكافرين ~~} يعني من أهل مكة يعني أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعور والمنافقين يعني من ~~أهل المدينة عبدالله بن أبي وعبدالله بن سعد ms2568 وطعمة { إن الله كان عليما ~~} أي بخلقه قبل أن يخلقهم { حكيما } أي فيما دبره لهم { واتبع ما يوحى ~~إليك من ربك } يعني من وفاء العهد وترك طاعة الكافرين والمنافقين { إن ~~الله كان بما يعملون خبيرا وتوكل على الله } أي ثق بالله وكل أمرك إليه ~~{ وكفى بالله وكيلا } يعني حافظا لك وقيل كفيلا برزقك. قوله تعالى { ~~ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } نزلت في أبي معمر جميل بن معمر ~~الفهري، وكان رجلا لبيبا حافظا لما يسمع فقالت قريش ما حفظ أبو معمر ~~هذه الأشياء إلا وله قلبان وكان يقول إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما ~~أفضل من عقل محمد، فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم أبو معمر فيهم ~~فلقيه أبو سفيان وإحدى نعليه في يده والأخرى في رجله، فقال له يا أبا ~~معمر ما حال الناس. فقال انهزموا فقال له فما بال إحدى نعليك في يدك ~~والأخرى في رجلك. فقال أبو معمر ما شعرت إلا أنهما في رجلي. فعلموا يومئذ ~~أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده. وعن أبي ظبيان قال: قلنا لابن ~~عباس أرأيت قول الله { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } ما عنى بذلك؟ ~~قال " قام نبي الله صلى الله عليه وسلم يوما يصلي فخطر خطرة. # فقال المنافقون الذين يصلون معه ألا ترون أن له قلبين قلبا معكم وقلبا ~~معهم فأنزل الله { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } " أخرجه الترمذي. ~~وقال حديث حسن قوله خطر خطرة يريد الوسوسة التي تحصل للإنسان في صلاة. ~~قيل في معنى الآية أنه لما قال الله تعالى { يا أيها النبي اتق الله } ~~فكان ذلك أمرا بالتقوى. فكأنه قال ومن حقها أن لا يكون في قلبك تقوى غير ~~الله، فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي الله بأحدهما وبالآخر غيره، وقيل ~~إن هذا مثل ضربه الله تعالى للمظاهر من امرأته وللمتبني ولد غيره، فكما ~~لا يكون لرجل قلبان لأنه لا يخلو إما أن يفعل ms2569 بأحدهما ما يفعل بالآخر من ~~أفعال القلوب، فالآخر فضله عليه محتاج إليه، وإما أن يفعل بهذا ما لا ~~يفعل بذاك، فذلك يؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريدا كارها عالما ~~جاهلا موقنا شاكا في حالة واحدة، وهما حالتان متنافيتان فكذلك لا تكون ~~امرأة المظاهر أمه حتى يكون له أمان ولا يكون ولد واحد ابن رجلين. قوله ~~تعالى { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم } وصورة الظهار أن ~~يقول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي، يقول الله وما جعل نساءكم التي ~~تقولون لهن هذا في التحريم كأمهاتكم، ولكنه منكم منكر وزور وفيه كفارة، ~~وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في سورة المجادلة. قوله تعالى { وما جعل ~~أدعياءكم } يعني الذين تتبنونهم { أبناءكم } وفيه نسخ التبني، وذلك أن ~~الرجل كان في الجاهلية يتبنى الرجل فيجعله كالابن المولود يدعوه إليه ~~الناس ويرث ميراثه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعتق زيد بن حارثة بن ~~شراحيل الكلبي وتبناه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبدالمطلب، فلما ~~تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش وكانت تحت زيد بن حارثة، ~~قال المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك فأنزل الله ~~هذه الآية ونسخ بها التبني { ذلكم قولكم بأفواهكم } أي لا حقيقة له يعني ~~قولهم زيد بن محمد وادعاء النسب لا حقيقة له { والله يقول الحق } يعني ~~قوله الحق { وهو يهدي السبيل } يعني يرشد إلى سبيل الحق. ### || [33.5-6] # { ادعوهم لآبائهم } يعني الذين ولدوهم فقولوا زيد بن حارثة { هو أقسط ~~عند الله } يعني أعدل عند الله ق عن ابن عمر قال: إن زيد بن حارثة مولى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل { ~~ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله } الآية { فإن لم تعلموا آباءهم ~~فإخوانكم في الدين } يعني فهم إخوانكم { ومواليكم } أي كانوا محررين ~~وليسوا ببنيكم أي فسموهم بأسماء إخوانكم في الدين، وقيل معنى مواليكم ~~أولياؤكم في الدين { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } أي ms2570 قبل النهي ~~فنسبتموه إلى غير أبيه { ولكن ما تعمدت قلوبكم } أي من دعائهم إلى غير ~~آبائهم بعد النهي وقيل فيما أخطأتم به أن تدعوه إلى غير أبيه وهو يظن أنه ~~كذلك { وكان الله غفورا رحيما }. ق عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام " # قوله عز وجل { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } يعني من بعضهم ببعض في ~~نفوذ حكمه عليهم ووجوب طاعته وقال ابن عباس إذا دعاهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي صلى الله عليه وسلم ~~أولى بهم من طاعة أنفسهم، وهذا صحيح لأن أنفسهم تدعوهم إلى ما فيه ~~هلاكهم، ورسول الله صلى الله عليه سلم يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم، وقيل هو ~~أولى بهم في الحمل على الجهاد وبذل النفس دونه، وقيل كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يخرج إلى الجهاد فيقول قوم نذهب فنستأذن من آبائنا وأمهاتنا، ~~فنزلت الآية. ق عن أبي هريرة قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، واقرؤوا إن ~~شئتم { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } فأيما مؤمن ترك مالا فلترثه ~~عصبته من كانوا ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه " # عصبة الميت من يرثه سوى من له فرض مقدر وقوله أو ضياعا أي عيالا وأصله ~~مصدر ضاع يضيع ضياعا، وإن كسرت الضاد كان جمع ضائع. قوله تعالى { ~~وأزواجه أمهاتهم } يعني أمهات المؤمنين في تعظيم الحرمة وتحريم نكاحهن ~~على التأبيد لا في النظر إليهن والخلوة بهن، فإنه حرام في حقهن كما في حق ~~الأجانب ولا يقال لبناتهن هن أخوات المؤمنين ولا لإخوانهن وأخواتهن هن ~~أخوال المؤمنين وخالاتهم. قال الشافعي تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر وهي ~~أخت عائشة أم المؤمنين ولم يقل هي خالة المؤمنين، وقيل إن أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم كن أمهات المؤمنين ms2571 والمؤمنات الرجال والنساء وقيل كن ~~أمهات الرجال دون النساء، بدليل ما روي عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة يا ~~أمه. # فقالت لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم. فبان بذلك أن معنى الأمومة إنما ~~هو تحريم نكاحهن { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض } يعني في الميراث قيل ~~كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وقيل آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين الناس فكان يؤاخي بين الرجلين فإذا مات أحدهما ورثه الآخر دون عصبته، ~~حتى نزلت { وأولي الأرحام بعضهم أولى ببعض } وقيل في معنى الآية لا توارث ~~بين المسلم والكافر ولا بين المهاجر وغير المهاجر { في كتاب الله } أي في ~~حكم الله { من المؤمنين } الذين آخى رسول الله صلى الله عليه سلم بينهم { ~~والمهاجرين } يعني أن ذوي القرابات أولى بعضهم ببعض فنسخت هذه الآية ~~الموارثة بالمؤاخاة والهجرة وصارت الموارثة بينهم بالقرابة { إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليائكم معروفا } يعني الوصية للذين يتولونه من المعاقدين، ~~وذلك أن الله تعالى لما نسخ التوارث بالخلف والإخاء والهجرة، أباح أن ~~يوصي لمن يتولاه بما أحب من ثلث ماله، وقيل أراد بالمعروف النصر وحفظ ~~الحرمة بحق الإيمان والهجرة، وقيل معناه إلا أن توصوا إلى قرابتكم بشيء ~~وإن كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة { كان ذلك } أي الذي ذكر من أن ~~أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض { في الكتاب } أي في اللوح المحفوظ وقيل في ~~التوراة { مسطورا } أي مكتوبا مثبتا. ### || [33.7-9] # قوله تعالى: { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } أي على الوفاء بما حملوا ~~وأن يصدق بعضهم بعضا ويبشر بعضهم ببعض، وقيل على أن يعبدوا الله ويدعوا ~~الناس إلى عبادته وينصحوا لقومهم { ومنك } يعني يا محمد { ومن نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم } خص هؤلاء الخمسة بالذكر من بين النبيين ~~لأنهم أصحاب الكتب والشرائع وأولوا العزم من الرسل، وقدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الذكر تشريفا له وتفضيلا. ولما روى البغوي بإسناد الثعلبي ~~عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه سلم قال # " كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث ms2572 " # قال قتادة وذلك قول الله { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } ~~فبدأ به صلى الله عليه وسلم { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } أي عهدا ~~شديدا على الوفاء بما حملوا من تبليغ الرسالة { ليسأل الصادقين عن صدقهم ~~} يعني أخذ ميثاقهم لكي يسأل الصادقين يعني النبيين عن تبليغهم الرسالة ~~والحكمة في سؤالهم مع علمه سبحانه وتعالى صادقون تبكيت من أرسلوا إليهم ~~وقيل ليسأل الصادقين عن صدقهم عن عملهم لله عز وجل وقيل ليسأل الصادقين ~~بأفواههم عن صدقهم في قلوبهم { وأعد للكافرين عذابا أليما } قوله تعالى ~~{ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم } وذلك حين حوصر المسلمون ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أيام الخندق { إذ جاءتكم جنود } ~~يعني الأحزاب وهم قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير { فأرسلنا عليهم ريحا ~~} يعني الصبا قال عكرمة قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب انطلقي ننصر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت الشمال إن الحرة لا تسري بالليل. ~~فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا ق عن ابن عباس رضي الله عنهما عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " # وقيل الصبا ريح فيها روح ما هبت على محزون إلا ذهب حزنه، قوله تعالى { ~~وجنودا لم تروها } يعني الملائكة، ولم تقاتل ملائكة يومئذ فبعث الله عز ~~وجل تلك الليلة ريحا باردة فقلعت الأوتاد وقطعت أطناب الفساطيط وأطفأت ~~النيران وأكفأت القدور وماجت الخيل بعضها في بعض وكثر تكبير الملائكة في ~~جوانب عسكرهم، حتى كان سيد كل حي يقول يا بني فلان النجاء النجاء هلموا ~~إلي فإذا اجتمعوا عنده قال النجاء النجاء فانهزموا من غير قتال لما بعث ~~الله عليهم من الرعب { وكان الله بما تعملون بصيرا }. ذكر غزوة الخندق ~~وهي الأحزاب قال: البخاري قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع من ~~الهجرة. وروى محمد بن إسحاق عن مشايخه قال: دخل حديث بعضهم في بعض أن ~~نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن الربيع ~~بن أبي ms2573 الحقيق وهو ابن قيس وأبو عمار الوائلي في نفر من بني النضير ونفر ~~من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه سلم ~~خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش يا معشر ~~اليهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، ~~فديننا خير أم دينه؟ قالوا دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه فهم ~~الذين قال الله تعالى فيهم # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت # [النساء: 51] إلى قوله # وكفى بجهنم سعيرا # [النساء: 55]. قال فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم ~~إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه سلم. فاجتمعوا على ذلك ثم خرج أولئك ~~النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان وقيسا وغيلان فاجتمعوا على ذلك ~~وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وإن قريشا قد بايعوهم على ذلك ~~فأجابوهم وخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدهم ~~عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة ~~المري في بني مرة، ومسعر بن رخيلة بن نويرة بن طريف فيمن تابعه من قومه ~~من أشجع. فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما اجتمعوا له من ~~الأمر ضرب الخندق على المدينة، كان الذي أشار على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالخندق سلمان الفارسي وكان أو مشهد شهده سلمان مع رسول الله ~~صلى الله عليه سلم وهو يومئذ حر. فقال يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا ~~حوصرنا ضربنا خندقا علينا، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمون حتى أحكموه. وروي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الخندق عام الأحزاب ثم قطع لكل ~~عشرة أربعين ذراعا فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان ~~رجلا قويا فقال المهاجرون سلمان منا وقال الأنصار سلمان منا فقال ms2574 النبي ~~صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت ". # قال عمرو بن عوف كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من ~~الأنصار في أربعين ذراعا فحفرنا، حتى إذا كنا تحت أخرج الله من بطن ~~الخندق صخرة مروة حتى كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا يا سلمان ارق إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بخبر هذه الصخرة، فإما أن يعدل عنها ~~فإن المعدل قريب وإما أن يأمرنا فيها أمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه، قال # " فرقي سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة ~~تركية، فقال يا رسول الله خرجت لنا صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق فكسرت ~~حديدنا وشقت علينا حتى ما يجيبنا منها شيء قليل ولا كثير فمرنا فيها ~~بأمرك فإنا لا نحب أن نجاوز خطك، فهبط رسول الله صلى الله عليه سلم مع ~~سلمان إلى الخندق واستند على شق الخندق وأخذ عليه الصلاة والسلام المعول ~~من سلمان وضربها به ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها يعني ~~المدينة، حتى كأنه مصباح في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون معه، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الثانية فبرق منها برق حتى أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في ~~جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر ~~المسلمون معه ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه سلم فكسرها وبرق منها برق ~~أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون معه وأخذ بيد سلمان ورقي ~~فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط فالتفت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم وقال: أرأيتم ما يقول سلمان ~~قالوا نعم يا رسول الله قال: ضربت ضربتي الأولى فبرق البرق الذي رأيتم ~~فأضاء لي منها قصور الحيرة ms2575 ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل ~~أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت الثانية فبرق الذي رأيتم أضاء لي منها قصور ~~قيصر من أرض الروم، كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة ~~عليها، ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاء لي منها قصور صنعاء ~~كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا " # فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحصر ~~فقال المنافقون ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه ينظر من ~~يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق ~~من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا قال: فنزل القرآن: # وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا ~~غرورا # [الأحزاب: 12]. وأنزل الله: # قل اللهم مالك الملك # [آل عمران: 26] الآية ق عن أنس قال " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة ولم يكن لهم ~~عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال # " اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة " # فقالوا مجيبين له: # نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما حيينا أبدا # عن البراء بن عازب قال " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينقل التراب وهو ~~يقول: # والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ~~فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن ~~لاقينا والمشركون قد بغوا علينا إذا أرادوا ~~فتنة أبينا # ويرفع بها صوته. " وفي رواية قد وارى التراب بياض إبطيه " رجعنا إلى ~~حديث ابن إسحاق قال " لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق ~~أقبلت قريش حتى نزلت بمجمتع الأسيال من دومة من الجرف والغابة في عشرة ~~آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن ~~تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نعمى إلى جانب أحد، وخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من ~~المسلمين، فضرب هنالك ms2576 عسكره والخندق بينه وبين القوم وأمر بالذراري ~~والنساء فرفعوا إلى الآطام وخرج عدو الله حيي بن أخطب من بني النضير حتى ~~أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وكان قد واعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على قومه وعاهده على ذلك، فلما سمع صوت ابن أخطب أغلق ~~دونه حصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حيي يا كعب افتح لنا ~~فقال: ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤوم إني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما ~~بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقا فقال: ويحك افتح أكلمك قال: ما ~~أنا بفاعل. قال: والله إن أغلقت دوني إلا خوفا أن آكل معك فأحفظ الرجل ~~ففتح له فقال ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وبحر طام جئتك بقريش على قادتها ~~وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من دومة وبغطفان على قادتها وسادتها ~~حتى أنزلتهم بذنب نعمى إلى جانب أحد قد عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا ~~حتى يستأصلوا محمدا ومن معه. فقال: له كعب جئتني والله بذل الدهر وبجام ~~قد يهرق ماؤه ويرعد ويبرق ليس فيه شيء دعني ومحمدا وما أنا عليه فإني لم ~~أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيي بن أخطب بكعب يفتله في الذروة ~~والغارب حتى سمح له على أن أعطاه من الله عهدا وميثاقا لئن رجعت قريش ~~ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب بن ~~أسد العهد وبرىء مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين ~~بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أحد بني عبد الأشهل، وهو ~~يومئذ سيد الأوس وسعد بن عبادة أحد بني ساعدة وهو يومئذ سيد الخزرج، ~~ومعهما عبدالله بن رواحة أخو الحارث بن الخزرج وخوات بن جبير أخو بني ~~عمرو بن عوف. فقال: # " انطلقوا حتى تنظروا ما بلغنا عن هؤلاء القوم أحق أم لا ms2577 فإن كان حقا ~~فالحنوا لي لحنا أعرفه، ولا تفتوا أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء ~~فيما بيننا وبينهم فاجهروا للناس " # ، فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ونالوا من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقالوا: لا عقد بيننا وبينه ولا عهد فشاتمهم سعد بن ~~عبادة وشاتموه وكان رجلا عنده حدة، فقال له سعد بن معاذ: دع عنك ~~مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا وقالوا: عضل والقارة لغدر، عضل ~~والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحاب الرجيع خبيب بن عدي ~~وأصحابه. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين " # ، وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم ~~حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن ~~قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ~~وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. ~~وقال: أوس بن قيظي أحد بني حارثة يا رسول الله إن بيوتنا لعورة من العدو، ~~وذلك على الملأ من رجال قومه، فأذن لنا فلنرجع إلى ديارنا فإنها خارجة من ~~المدينة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام المشركون عليها ~~بعضا وعشرين ليلة قريبا من شهر ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالنبل ~~والحصى، فلما اشتد البلاء على الناس بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار ~~المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، فجرى بينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة فذكر ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما ~~فيه. فقالا: يا رسول الله أشيء أمرك الله به لا بد لنا من العمل ms2578 به أم ~~أمر تحبه فتصنعه أم شيء تصنعه لنا. قال # " بل شيء أصنعه لكم والله ما أصنع ذلك إلا أني قد رأيت العرب قد رمتكم ~~عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم " # فقال: له سعد بن معاذ يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك ~~بالله وعبادة الأصنام لا نعبد الله ولا نعرفه ولا يطمعون أن يأكلوا منا ~~تمرة واحدة إلا قرى أو بيعا فحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك نعطيهم ~~أموالنا ما لنا بهذا من حاجة والله ما نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله ~~بيننا وبينهم. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت وذاك فتناول سعد الصحيفة فمحا ما ~~فيها من الكتابة ثم قال ليجهدوا علينا فأقام رسول الله صلى الله عليه سلم ~~والمسلمون وعدوهم محاصروهم ولم يكن بينهم قتال، إلا أن فوارس من قريش ~~عمرو بن عبد ود أخو بني عامر بن لؤي وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب ~~المخزوميان ونوفل بن عبدالله بن ضرار بن الخطاب ومرداس أخو بني محارب بن ~~فهر قد تلبسوا للقتال وخرجوا على خيلهم، فمروا على بني كنانة فقالوا ~~تهيؤوا للحرب يا بني كنانة فستعلمون اليوم من الفرسان، ثم أقبلوا نحو ~~الخندق حتى وقفوا عليه فلما رأوه قالوا والله هذه مكيدة ما كانت العرب ~~تكيدها، ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا وضربوا خيولهم فاقتحمت منه ~~فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من ~~المسلمين حتى أخذوا عليه الثغرة التي اقتحموا منها وأقبلت الفرسان تعنق ~~نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد ~~أحدا، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه فلما وقف هو وخيله، ~~قال علي يا عمرو إنك كنت تعاهد الله لا يدعوك رجل من قريش إلى خلتين إلا ~~أخذت منه إحداهما. قال: أجل قال له علي: فإني أدعوك إلى الله ورسوله وإلى ~~الإسلام قال لا حاجة لي ms2579 بذلك. قال: إني أدعوك إلى النزال قال: ولم يا ابن ~~أخي فوالله ما أحب أن أقتلك. فقال علي: لكني والله أحب أن أقتلك فحمي ~~عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه ثم أقبل علي علي فتناولا ~~وتجاولا فقتله علي وخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة، وقتل ~~مع عمرو رجلان منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبدالدار أصابه سهم ~~فمات بمكة ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي وكان اقتحم الخندق ~~فتورط فيه فرموه بالحجارة. فقال: يا معشر العرب قتله أحسن من هذه فنزل ~~إليه علي فقتله فغلب المسلمون على جسده فسألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يبيعهم جسده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا حاجة لنا في جسدهم وثمنه فشأنكم به " # فخلى بينهم وبينه قالت عائشة أم المؤمنين: كنا يوم الخندق في حصن بني ~~حارثة وكان من أحرز حصون المدينة و كانت أم سعد بن معاذ معنا في الحصن، ~~وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب فمر سعد بن معاذ وعليه درع مقلصة قد خرجت ~~منها ذراعه كلها وفي يده حربة وهو يقول: # لا بأس بالموت إذا حان الأجل # فقالت: له أمه الحق يا بني فقد والله أجزت. # قالت عائشة: يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت اسبغ مما هي وخفت ~~عليه حيث أصاب السهم منه. قالت: فرمي سعد يومئذ بسهم فقطع منه الأكحل ~~رماه خباب بن قيس بن العرقة أحد بني عامر بن لؤي فلما أصابه قال خذها ~~وأنا ابن العرقة. قال سعد: عرق الله وجهك في النار، ثم قال سعد: اللهم إن ~~كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فابقني لها فإنه لا قوم أحب لي أن أجاهدهم ~~من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم ~~فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، وكانوا حلفاءه ~~ومواليه في الجاهلية. قال محمد بن إسحاق: فيما بلغه أن صفية بنت عبد ~~المطلب كانت ms2580 في فارع حصن حسان بن ثابت قالت وكان حسان معنا مع النساء ~~والصبيان، قالت صفية: فمر بنا رجل من اليهود فجعل يطوف بالحصن وقد حاربت ~~بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون ~~في نحر عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إذا أتانا آت، قالت: ~~فقلت يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وإني والله ما آمنه أن ~~يدل على عورتنا من وراءنا من اليهود وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله. فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، ~~والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قلت فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئا ~~اعتجرت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، ~~فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن. فقلت يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم ~~يمنعني من سلبه إلا أنه رجل، قال: ما لي بسلبه حاجة يا بنت عبد المطلب ~~قالوا: وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله من ~~الخوف والشدة لتظاهر عدوهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم، ثم إن نعيم ~~بن مسعود بن عامر بن غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فأمرني بما شئت. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة " # فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان نديما لهم في الجاهلية. ~~فقال لهم: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بين و بينكم، قالوا ~~صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم إن قريشا وغطفان جاءوا لحرب محمد وقد ~~ظاهرتموهم عليه وإن قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم البلد بلدكم به أموالكم ~~وأولادكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره وإن قريشا ~~وغطفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم بغيره إن رأوا نهزة وغنيمة أصابوها، وإن ms2581 ~~كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين هذا الرجل والرجل ببلدكم لا ~~طاقة لكم به، إن خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من ~~أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى تناجزوه، ~~قالوا لقد أشرت برأي ونصح ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب ~~ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمدا فقد بلغني أمر ~~رأيت حقا علي أن أبلغكم نصحا لكم فاكتموا علي. # قالوا نفعل. قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم وبين ~~محمد وقد أرسلوا إليه أن قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك عنا أن نأخذ من ~~قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فنضرب أعناقهم ثم نكون معك على ~~من بقي منهم. فأرسل إليهم أن نعم. فإن بعث إليكم يهود يلتمسون رهنا من ~~رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: ~~يا معشر غطفان أنتم أهلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهمونني. ~~قالوا: صدقت قال فاكتموا علي. قالوا نفعل فقال لهم مثل ما قال لقريش ~~وحذرهم مثلما حذرهم. فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس وكان ممن صنع ~~الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني ~~قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان. فقالوا لهم إنا لسنا بدار ~~مقام قد هلك الخف والحافر فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما ~~بيننا وبينه فأرسلوا إليهم أن اليوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا. ~~وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابهم ما لم يخف عليكم ولسنا مع ذلك ~~بالذين نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكون بأيدينا ثقة لنا حتى ~~نناجز محمدا فإننا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تسيروا ~~إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك من محمد، فلما ~~رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة قالت قريش ms2582 وغطفان تعلمن والله إن ~~الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحق فأرسلوا إلى بني قريظة إنا والله لا ~~ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا ~~فقاتلوا. فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا إن الذي ذكر لكم ~~نعيم بن مسعود لحق ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن وجدوا فرصة انتهزوها ~~وإن كان غير ذلك شمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم، ~~فأرسلوا إلى قريش وغطفان إن والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا فأبوا ~~عليهم. وخذل الله عز وجل بينهم وبعث عليهم الريح في ليل شاتية شديدة ~~البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما اختلف من أمرهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما ~~فعل قوم ليلا. # وروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي وروى غيره عن ~~إبراهيم التيمي عن أبيه قالا قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان يا ~~أبا عبد الله رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه قال نعم يا ~~ابن أخي. قال: كيف كنتم تصنعون قال والله لقد كنا نجهد. قال الفتى والله ~~لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا ولخدمناه ~~وفعلنا معه وفعلنا فقال حذيفة: يا ابن أخي لقد رأيتني ليلة الأحزاب مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال # " من يذهب إلى هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم أدخله الله الجنة " # فما قام منا رجل ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هونا من الليل ثم ~~التفت إلينا فقال مثله فسكت القوم وما قام منا رجل ثم صلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هونا من الليل ثم التفت إلينا فقال: # " هل من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم على أن يكون رفيقي في الجنة " # فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد فلما لم يقم أحد دعاني ~~رسول الله صلى الله عليه ms2583 وسلم فقال يا حذيفة ولم يكن لي بد من القيام حين ~~دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: لبيك يا رسول الله، وقمت حتى ~~أتيته فأخذني بيدي ومسح رأسي ووجهي ثم قال # " ائت هؤلاء القوم حتى تأتيني بخبرهم ولا تحدثن شيئا حتى ترجع إلي. ثم ~~قال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن ~~تحته " # فأخذت سهمي وشددت على أسلابي انطلقت أمشي نحوهم كأنما أمشي في حمام ~~فذهبت فدخلت في القوم وقد أرسل الله عليهم ريحا وجنودا وجنود الله تفعل ~~بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء قال وأبو سفيان قاعد ~~يصطلي فأخذت سهما فوضعته في كبد قوسي فأردت أن أرميه ولو رميته لأصبته ~~فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحدثن حدثا حتى ترجع، فرددت ~~سهمي في كنانتي، فلما رأى أبو سفيان ما تفعل الريح وجنود الله بهم لا تقر ~~لهم قدرا ولا نارا ولا بناء قام فقال يا معشر قريش ليأخذ كل منكم بيد ~~جليسه فلينظر من هو؟ فأخذت بيد جليسي فقلت: من أنت؟؟ فقال سبحان الله أما ~~تعرفني أنا فلان بن فلان من هوازن فقال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم ~~والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة ~~وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من هذه الريح ما ترون فارتحلوا فإني مرتحل: ~~ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب على ثلاث فما أطلق ~~عقاله إلا وهو قائم. # وسمعت غطفان بما فعلت قريش فاستمروا راجعين إلى بلادهم. قال: فرجعت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أمشي في حمام فأتيته وهو قائم يصلي ~~فلما سلم أخبرته فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل، فلما أخبرته وفرغت ~~قررت وذهب عني الدفء فأدفأني النبي صلى الله عليه وسلم فأنامني عند رجليه ~~وألقى علي طرف ثوبه وألصق صدري ببطن قدميه، فلم أزل نائما حتى أصبحت ~~فلما أصبحت، قال: قم ms2584 يا نومان. ### || [33.10] # قوله عز وجل: { إذ جاؤوكم من فوقكم } أي من فوق الوادي من قبل المشرق ~~وهم أسد وغطفان وعليهم مالك بن عوف النصري وعيينة بن حصن الفزاري في ألف ~~من غطفان ومعهم طليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد وحيي بن أخطب في يهود ~~قريظة { ومن أسفل منكم } يعني من بطن الوادي من قبل المغرب وهم قريش ~~وكنانة عليهم أبو سفيان بن حرب من قريش ومن تبعه، وأبو الأعور عمرو بن ~~سفيان السلمي من قبل الخندق وكان الذي جر غزوة الخندق فيما قيل إجلاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير من ديارهم { وإذا زاغت الأبصار ~~} أي مالت وشخصت من الرعب وقيل مالت عن كل شيء فلم تنظر إلى عدوها { ~~وبلغت القلوب الحناجر } أي زالت عن أماكنها حتى بلغت الحلوق من الفزع ~~والحنجرة جوف الحلقوم، وهذا على التمثيل عبر به عن شدة الخوف، وقيل معناه ~~أنهم جبنوا وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته وإذا انتفخت رئته ~~رفعت القلب إلى الحنجرة فلهذا يقال: للجبان انتفخ سحره { وتظنون بالله ~~الظنونا } أي اختلفت الظنون بالله فظن المنافقون استئصال محمد وأصحابه ~~وظن المؤمنون النصر والظفر لهم. ### || [33.11-18] # { هنالك ابتلي المؤمنون } أي عند ذلك اختبر المؤمنون بالحصر والقتال ~~ليتبين المخلصون من المنافقين { وزلزلوا زلزالا شديدا } أي حركوا حركة ~~شديدة { وإذ يقول المنافقون } يعني معتب بن قشير وقيل عبد الله بن أبي ~~وأصحابه { والذين في قلوبهم مرض } أي شك وضعف اعتقاد { ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا } هو قول أهل النفاق يعدنا محمد فتح قصور الشام وفارس ~~وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله هذا هو الغرور. قوله تعالى { وإذ قالت ~~طائفة منهم } أي من المنافقين وهم أوس بن قيظي وأصحابه { يا أهل يثرب } ~~يعني يا أهل المدينة وقيل يثرب اسم الأرض ومدينة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في ناحية منها سميت يثرب باسم رجل من العماليق كان قد نزلها في قديم ~~الزمان. وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم ms2585 نهى أن تسمى ~~المدينة يثرب وقال هي طيبة كأنه كره هذه اللفظة لما فيها من التثريب وهو ~~التقريع والتوبيخ { لا مقام لكم } أي لا مكان لكم تنزلون وتقيمون فيه { ~~فارجعوا } أي إلى منازلكم وقيل عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وقيل عن ~~القتال { ويستأذن فريق منهم النبي } يعني بني حارثة وبني سلمة { يقولون ~~إن بيوتنا عورة } أي خالية ضائعة وهي مما يلي العدو ونخشى عليها السراق ~~فكذبهم الله تعالى بقوله { وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا } أي أنهم ~~لا يخافون ذلك إنما يريدون الفرار من القتال { ولو دخلت عليهم من أقطارها ~~} يعني لو دخل هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم وهم الأحزاب من نواحي ~~المدينة وجوانبها { ثم سئلوا الفتنة } أي الشرك { لأتوها } أي لجاؤوها ~~وفعلوها ورجعوا عن الإسلام { وما تلبثوا بها } أي ما احتبسوا عن الفتنة { ~~إلا يسيرا } أي لأسرعوا الإجابة إلى الشرك طيبة به نفوسهم، وقيل معناه ~~وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى يهلكوا. قوله عز وجل ~~{ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل } أي من قبل غزوة الخندق { لا يولون ~~الأدبار } أي لا ينهزمون، قيل هم بنو حارثة هموا يوم أحد أن يفشلوا مع ~~بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها، وقيل ~~هم أناس غابوا عن وقعة بدر فلما رأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة ~~والفضيلة قالوا لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن فساق الله إليهم ذلك { ~~وكان عهد الله مسؤولا } أي عنده في الآخرة { قل لن ينفعكم الفرار إن ~~فررتم من الموت أو القتل } أي الذي كتب عليكم لأن من حضر أجله مات أو قتل ~~لا بد من ذلك { وإذا لا تمتعون } أي بعد الفرار { إلا قليلا } أي مدة ~~آجالكم وهي قليل { قل من ذا الذي يعصمكم } أي يمنعكم { من الله إن أراد ~~بكم سوءا } أي هزيمة { أو أراد بكم رحمة } أي نصرا { ولا يجدون لهم من ~~دون الله وليا ولا نصيرا } أي ناصرا يمنعهم { قد يعلم ms2586 الله المعوقين ~~منكم } أي المثبطين الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { والقائلين ~~لإخوانهم هلم إلينا } أي ارجعوا إلينا ودعوا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك، قيل هم أناس من المنافقين ~~كانوا يثبطون أنصار النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون لهم ما محمد ~~وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحما لالتهمهم أي ابتلعهم أبو سفيان ~~وأصحابه دعوا الرجل فإنه هالك. # وقيل نزلت في المنافقين وذلك أن اليهود أرسلت إليهم ما الذي يحملكم على ~~قتل أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه، فإنهم إن قدروا عليكم في هذه المرة لم ~~يستبقوا منكم أحدا وإنا نشفق عليكم فأنتم إخواننا وجيراننا هلموا إلينا ~~فأقبل عبد الله بن إبي ابن سلول وأصحابه على المؤمنين يعوقونهم ~~ويخوفونهم بأبي سفيان ومن معه، وقالوا لئن قدر اليوم عليكم لم يستبق منك ~~أحدا أما ترجعون عن محمد ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا ها هنا ~~انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود، فلم يزدد المؤمنين بقول المنافقين ~~إلا إيمانا واحتسابا وقوله تعالى { ولا يأتون البأس } يعني الحرب { إلا ~~قليلا } أي رياء و سمعة من غير احتساب ولو كان ذلك القليل لله لكان ~~كثيرا. ### || [33.19-23] # { أشحة عليكم } أي بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة وصفهم الله ~~بالبخل والجبن { فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم } أي في ~~رؤوسهم من الخوف والجبن { كالذي يغشى عليه من الموت } أي كدوران عين الذي ~~قرب من الموت وغشيه أسبابه فإنه يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرف { فإذا ~~ذهب الخوف } أي زال { سلقوكم } أي آذوكم. ورموكم في حالة الأمن { بألسنة ~~حداد } أي ذربة تفعل كفعل الحديد قال ابن عباس معناه عضوكم وتناولوكم ~~بالنقص والغيبة، وقيل بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة يقولون أعطونا ~~فإنا شهدنا معكم القتال فلستم بأحق بالغنيمة منا فهم عند الغنيمة أشجع ~~قوم وعند الحرب أجبن قوم { أشحة على الخير } أي يشاحون المؤمنين عند ~~الغنيمة فعلى هذا المعنى يكون المراد بالخير المال ms2587 { أولئك لم يؤمنوا } ~~أي لم يؤمنوا حقيقة الإيمان وإن أظهروا الإيمان لفظا { فأحبط الله ~~أعمالهم } أي التي كانوا يأتون بها مع المسلمين قيل هي الجهاد وغيره { ~~وكان ذلك على الله يسيرا } أي إحباط أعمالهم مع أن كل شيء على الله ~~يسير. قوله تعالى { يحسبون } يعني هؤلاء المنافقين { الأحزاب } يعني ~~قريشا وغطفان واليهود { لم يذهبوا } أي لم ينصرفوا عن قتالهم جبنا ~~وفرقا وقد انصرفوا عنهم { وإن يأت الأحزاب } أي يرجعوا إليهم للقتال بعد ~~الذهاب { يودوا لو أنهم بادون في الأعراب } أي يتمنون لو أنهم كانوا في ~~بادية مع الأعراب من الجبن والخوف { يسألون عن أنبائكم } أي عن أخباركم ~~وما آل إليه أمركم { ولو كانوا فيكم } يعني هؤلاء المنافقين { ما قاتلوا ~~إلا قليلا } يعني يقاتلون قليلا يقيمون به عذرهم فيقولون قد قاتلنا ~~معكم وقيل هو الرمي بالحجارة وقيل رياء من غير احتساب. قوله عز وجل { لقد ~~كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } أي قدوة صالحة أي اقتدوا به اقتداء ~~حسنا وهو أن تنصروا دين الله وتؤازروا رسوله ولا تتخلفوا عنه وتصبروا ~~على ما يصيبكم كما فعل هو إذ قد كسرت رباعيته وجرح وجهه وقتل عمه وأوذي ~~بضروب الأذى فصبر وواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضا واستنوا ~~بسنته { لمن كان يرجوا الله } يعني أن الأسوة برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لمن كان يرجو الله قال ابن عباس يرجو ثواب الله { واليوم الآخر } ~~يعني ويخشى يوم البعث الذي فيه الجزاء { وذكر الله كثيرا } أي في جميع ~~المواطن على السراء والضراء ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال ~~تعالى { ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله } أي ~~قالوا ذلك تسليما لأمر الله وتصديقا بوعده { وصدق الله ورسوله } أي ~~فيما وعدا وهو مقابلة قول المنافقين # ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا # [الأحزاب: 12] وقولهم " وصدق الله ورسوله " ليس إشارة إلى ما وقع فإنهم ~~كانوا يعرفون صدق الله ورسوله قبل الوقوع، وإنما هو إشارة إلى البشارة في ~~جميع ما وعد ms2588 فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس، وقيل إنهم وعدوا أن ~~تلحقهم شدة وبلاء فلما رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا هذه ما ~~وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله { وما زادهم إلا إيمانا } أي ~~تصديقا لله { وتسليما } أي لأمره. قوله تعالى { من المؤمنين رجال صدقوا ~~ما عاهدوا الله عليه } أي قاموا بما جاهدوا الله عليه ووفوا به { فمنهم ~~من قضى نحبه } أي فرغ من نذره ووفى بعهده وصبر على الجهاد حتى استشهد، ~~وقيل قضى نحبه يعني أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه، وقيل قضى ~~نحبه أي بذل جهده في الوفاء بالعهد وقيل قضى نحبه استشهد يوم بدر وأحد { ~~ومنهم من ينتظر } يعني من بقي بعد هؤلاء من المؤمنين ينتظرون أحد الأمرين ~~إما الشهادة أو النصر على الأعداء { وما بدلوا } يعني عهدهم { تبديلا } ~~ق عن أنس قال غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال يا رسول الله غبت عن ~~أول قتال قاتلت المشركين لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما ~~أصنع فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون قال اللهم إني اعتذر إليك مما صنع ~~هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين، ثم تقدم ~~فاستقبله سعد بن معاذ، فقال يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ~~ريحا من دون أحد فقال سعد فما استطعت يا رسول الله ما صنع قال أنس ~~فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ووجدناه ~~قد قتل وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه قال أنس كنا ~~نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: من المؤمنين رجال صدقوا ما ~~عدهوا الله عليه إلى آخر الآية. ق عن خباب بن الأرت قال " هاجرنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نلتمس وجه الله. فوقع أجرنا على الله فمنا من ~~مات ولم يأكل من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد وترك نمرة ~~وكنا إذا غطينا ms2589 بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا رجليه بدت رأسه، فأمرنا ~~رسول الله صلى الله عليه سلم أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه من الأذخر ~~ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها " النمرة كساء ملون من صوف، وقوله ~~ومنا من أينعت أي أدركت ونضجت له ثمرته، وهذه استعارة لما فتح الله لهم ~~من الدنيا، وقوله يهدبها أي يجتنيها ويقطعها. عن أبي موسى بن طلحة قال ~~دخلت على معاوية فقال ألا أبشرك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " " طلحة ممن قضى نحبه " " # أخرجه الترمذي. وقال هذا حديث غريب خ عن قيس ابن أبي حازم قال " رأيت يد ~~طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ". ### || [33.24-26] # قوله عز وجل: { ليجزي الله الصادقين بصدقهم } أي جزاء صدقهم وصدقهم هو ~~الوفاء بالعهد { ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم } أي فيهديهم إلى ~~الإيمان ويشرح لهم صدورهم { إن الله كان غفورا رحيما ورد الله الذين ~~كفروا } يعني قريش وغطفان { بغيظهم } أي لم يشف صدروهم بنيل ما أرادوا { ~~لم ينالوا خيرا } أي ظفرا { وكفى الله المؤمنون القتال } أي الملائكة ~~والريح { وكان الله قويا } أي في ملكه { عزيزا } أي في انتقامه. قوله ~~تعالى { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب } أي عاونوا الأحزاب من قريش ~~وغطفان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين وهم بنو قريظة { ~~من صياصيهم } أي من حصونهم ومعاقلهم واحدها صيصية { وقذف في قلوبهم الرعب ~~} أي الخوف { فريقا تقتلون } يعني الرجال يقال كانوا ستمائة { وتأسرون ~~فريقا } يعني النساء والذراري يقال كانوا سبعمائة قيل وخمسين. ### || [33.27-29] # { وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها } يعني بعد قيل هي ~~خيبر ويقال إنها مكة وقيل فارس والروم وقيل هي كل أرض تفتح على المسلمين ~~إلى يوم القيامة { وكان الله على كل شيء قديرا }. قيل كانت في آخر ذي ~~القعدة سنة خمس. وعلى قول البخاري المتقدم في غزوة الخندق عن موسى بن ~~عقبة أنها كانت في سنة أربع. قال العلماء بالسير إن رسول ms2590 الله صلى الله ~~عليه وسلم لما أصبح في الليلة التي انصرف الأحزاب راجعين إلى بلادهم ~~انصرف صلى الله عليه وسلم والمؤمنون عن الخندق إلى المدينة ووضعوا ~~السلاح، فلما كان الظهر أتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم متعمما بعمامة من إستبرق على بغلة بيضاء عليها رحالة وعليها من ~~قطيفة من ديباج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش وهي ~~تغسل رأسه وقد غسلت شقه فقال جبريل يا رسول الله قد وضعت السلاح؟ قال: ~~نعم قال: جبريل عفا الله عنك ما وضعت الملائكة السلاح منذ أربعين ليلة ~~وما رجعت الآن إلا من طلب القوم. وروى أنه كان الغبار على وجه جبريل ~~وفرسه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجهه ووجه فرسه فقال ~~إن الله تعالى يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عامد إلى بني قريظة ~~فانهز إليهم فإني قد قطعت أوتارهم وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال ~~وبلبال، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا فأذن أن من كان سامعا ~~مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، وقدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم علي بن أبي طالب برايته إليهم وابتدرهم الناس، وسار علي حتى إذا دنا ~~من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع حتى ~~لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق فقال: يا رسول الله لا عليك أن ~~لا تدنو من هؤلاء الأخابث. قال: أظنك سمعت لي منهم أذى قال: نعم يا رسول ~~الله قال: لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا فلما دنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من حصونهم قال " يا أخوان القردة قد أخزاكم الله وأنزل ~~بكم نقمته ". قالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولا ومر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة فقال " هل مر ~~بكم أحد؟ " فقالوا: يا رسول الله مر بنا دحية بن خليفة على بغلة بيضاء ~~عليها ms2591 رحاله وعليها قطيفة ديباج. فقال صلى الله عليه وسلم " ذاك جبريل ~~عليه السلام بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم ~~فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة نزل على بئر من آبارها ~~في ناحية أموالهم وتلاحق به الناس فأتاه رحال بعد صلاة العشاء الأخيرة ~~ولم يصلوا العصر لقول النبي صلى الله عليه وسلم # " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة " # فصلوا العصر بها بعد العشاء الأخيرة فما عابهم الله بذلك ولا عنفهم به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العلماء: حاصرهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم ~~الرعب كان حيي بن أخطب دخل على بني قريظة حصنهم حين رجعت عنهم قريش ~~وغطفان ووفى لكعب بن أسد بما كان عاهده، فلما أيقنوا أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد يا معشر يهود ~~إنكم قد نزل من الأمر ما ترون وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها ~~شئتم. قالوا: وما هن؟ قال نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم ~~أنه نبي مرسل وأنه الذي تجدونه في كتابكم فتؤمنون على دياركم وأموالكم ~~وأبنائكم ونسائكم. فقالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به ~~غيره. قال: فإذا أبيتم هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد ~~وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف ولا نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم ~~الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا شيئا نخشى عليه ~~وإن نظهر فلعمري لنتخذن النساء والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين فما ~~في العيش بعدهم خير. قال: فإن أبيتم هذه الليلة ليلة السبت وإنه عسى أن ~~يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فانزلوا فلعلنا أن نصيب من محمد وأصحابه غرة. ~~قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من قبلنا إلا ما قد علمت ~~فأصابهم من المسخ ما لم يخف عليك. قال: ما بات ms2592 رجل منكم منذ ولدته أمه ~~حازما ليلة من الدهر ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه سلم أن ~~ابعث لنا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بن عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الأوس ~~نستشيره في أمرنا. فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم. فلما رأوه ~~قام إليه الرجال والنساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم. فقالوا: يا أبا ~~لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد قال نعم وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح، ~~قال أبو لبابة فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله ثم ~~انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت النبي صلى الله عليه سلم حتى ربط في ~~المسجد إلى عمود من عمده وقال والله لا أبرح مكاني حتى يتوب الله علي مما ~~صنعت وعاهد الله لا يطأ أرض بني قريظة أبدا ولا يراني الله في بلد قد ~~خنت الله ورسوله فيه أبدا. # فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وأبطأ عليه قال أما لو قد ~~جاءني لاستغفرت له فأما إذا فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب ~~الله عليه، ثم إن الله أنزل توبة أبي لبابة على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو في بيت أم سلمة قالت أم سلمة فسمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يضحك فقلت: مم ضحكت يا رسول الله أضحك الله سنك؟ قال: تيب على أبي ~~لبابة. فقلت: ألا أبشره بذلك يا رسول الله قال بلى إن شئت قال فقامت على ~~باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب. فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد ~~تاب الله عليك. قال: فثار الناس إليه ليطلقوه فقال لا والله حتى يكون ~~رسول الله هو الذي يطلقني بيده فلما مر عليه خارجا إلى الصبح أطلقه. ~~قال: ثم إن ثعلبة بن سعيد وأسيد بن سعيد وأسيد بن عبيد وهم نفر من بني ~~هذيل ليسوا من قريظة ولا النضير نسبهم من فوق ذلك هم بنو عم القوم ms2593 أسلموا ~~تلك الليلة التي نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وخرج في تلك الليلة عمرو بن السعدي القرظي فمر بحرس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعليهم محمد بن مسلمة الأنصاري تلك الليلة، فلما رآه قال: ~~من هذا قال: عمرو بن السعدي كان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في ~~غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لا أغدر بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم أبدا فقال محمد بن مسلمة اللهم لا تحرمني من عثرات الكرام، فخلى ~~سبيله فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~المدينة تلك الليلة ثم ذهب فلا يدري أين ذهب من أرض الله فذكر لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شأنه فقال ذاك رجل نجاه الله بوفائه وبعض الناس يزعم ~~أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بني قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأصبحت برمته ملقاة ولا يدري أين ذهب. فقال: فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فتواثب الأوس وقالوا يا رسول الله إنهم موالينا ~~دون الخزرج وقد فعلت في موالي الخزرج بالأمس ما قد علمت. وقد كان رسول ~~الله صلى الله عليه سلم قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع وكانوا حلفاء ~~الخزرج فنزلوا على حكمه. # فسأله إياهم عبد الله بن أبي سلول فوهبهم له. فلما كلمه الأوس قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم ~~قالوا بلى. قال: فذلك إلى سعد بن معاذ وكان سعد جعله رسول الله صلى الله ~~عليه سلم في مسجده في خيمة امرأة من المسلمين يقال لها رفيدة وكانت تداوي ~~الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق اجعلوه في ms2594 ~~خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب، فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه سلم في ~~بني قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له وسادة من أدم وكان ~~رجلا جسيما ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ~~يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم فلما أكثروا عليه. قال: قد آن لسعد أن تأخذه في ~~الله لومة لائم فرجع بعض من كان معه من قومه إلا دار بني الأشهل فنعى لهم ~~رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته التي سمع منه، ~~فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قوموا إلى سيدكم ~~فأنزلوه فقاموا إليه وقالوا: يا أبا عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد ولاك مواليك فتحكم فيهم. فقال سعد عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن ~~الحكم فيهم ما حكمت. قالوا: نعم قال وعلى من ها هنا في الناحية التي فيها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إجلالا له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم. قال سعد: فاني أحكم ~~فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لسعد " لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ثم ~~استنزلوا فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار بنت الحارث من نساء ~~بني النجار ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة التي هي ~~سوقها اليوم فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم فضربت أعناقهم في تلك الخنادق ~~يخرج بهم أرسالا وفيهم عدو الله ورسوله حيي بن أخطب وكعب بن أسد رأس ~~القوم وهم ستمائة أو سبعمائة والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمانمائة إلى ~~التسعمائة وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أرسالا يا كعب ms2595 ما ترى ما يصنع بنا قال أفي كل موطن لا تعقلون ~~ألا ترون الداعي لا ينزع وأن من يذهب به منكم لا يرجع هو والله القتل فلم ~~يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم النبي صلى الله عليه وسلم وأتى بحيي بن أخطب ~~عدو الله وعليه حلة تفاحية قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة ~~أنملة أنملة لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل فلما نظر إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل ~~الله يخذل ثم أقبل على الناس فقال يا أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله ~~كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل ثم جلس فضرب عنقه وروي عن عائشة ~~قالت لم يقتل من نساء بني قريظة إلا امرأة واحدة قالت والله إنها لعندي ~~تتحدث معي وتضحك ظهرا وبطنا ورسول الله صلى الله عليه سلم يقتل رجالهم ~~بالسيف إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة قالت أنا والله قلت ويلك مالك قالت ~~أقتل قلت ولم قالت حدثا أحدثته قالت فانطلق بها فضرب عنقها وكانت عائشة ~~تقول ما أنسى عجبا منها طيب نفس وكثرة ضحك وقد عرفت أنها تقتل قال ~~الواقدي وكان اسم المرأة بنانة امرأة الحكم القرظي وكانت قتلت خلاد بن ~~سويد قال وكان علي والزبير يضربان أعناق بني قريظة ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جالس هناك. # وروى محمد بن إسحاق عن الزهري أن الزبير بن باطا القرظي ويكنى أبا عبد ~~الرحمن كان من على ثابت بن قيس بن شماس في الجلية يوم بعاث أخذه فجز ~~ناصيته ثم خلى سبيله فجاءه يوم قريظة وهو شيخ كبير فقال يا أبا عبد ~~الرحمن هل تعرفني قال وهل يجهل مثلي مثلك قال إني أريد أن أجزيك بيدك ~~عندي قال إن الكريم يجزي الكريم قال ثم أتى ثابت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه سلم فقال يا رسول الله قد كان الزبير عندي يد وله علي منة وقد ~~أحببت أن أجزيه بها ms2596 فهب لي دمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هو ~~لك " فأتاه فقال له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك قال ~~شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة فأتى ثابت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أهله وأولاده فقال " هم لك " فأتاه ~~فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني امرأتك وولدك فهم لك فقال ~~أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك فأتى ثابت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال ما له يا رسول الله قال هو لك فأتاه فقال إن رسول ~~الله صلى لله عليه وسلم قد أعطاني مالك فهو لك فقال أي ثابت ما فعل الذي ~~كان وجهه مرآة صينية يتراءى فيه عذارى الحي كعب بن أسد قال قتل قال فما ~~فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا كررنا عزال بن شموال قال قتل قال فما ~~فعل المجلسان يعني بني كعب وبني قريظة بني عمرو بن قريظة قال قتلوا قال ~~فإني أسألك بيد عندك يا ثابت إلا ما ألحقتني بالقوم فوالله ما في العيش ~~بعد هؤلاء من خير فما أنا بصابر حتى ألقى الأحبة فقدمه ثابت فضربت عنقه ~~فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله حتى يلقى الأحبة قال يلقاهم والله في نار ~~جهنم خالدا أبدا قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل ~~من أنبت منهم ثم قسم أموال بني قريظة ونساءهم على المسلمين وأغنم في ذلك ~~اليوم سهمين للخيل وسهما للرجال فكان للفارس ثلاثة أسهم سهمان للفرس ~~ولفارسه سهم وللراجل من ليس له فرس سهم وكانت الخيل ستة وثلاثين فرسا ~~وكان أول يوم وقع فيه السهمان ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد ~~بن زيد الأنصاري أخا بني الأشهل بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد ~~فابتاع لهه بهم خيلا وسلاحا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى ~~لنفسه من نسائهم ريحانة بنت ms2597 عمرو بن خنانة إحدى نساء بني عمرو بن قريظة ~~فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي عنها وفي في ملكه وقد ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يتزوجها ويضرب عليها ~~الحجاب. # فقالت: يا رسول الله بل تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك فتركها وقد ~~كانت حين سباها كرهت الإسلام وأبت إلا اليهودية فعزلها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ووجد في نفسه بذلك من أمرها. فبينما هو بين أصحابه إذ سمع ~~وقع نعلين خلفه فقال إن هذا لثعلبة بن شعبة يبشرني بإسلام ريحانة فجاءه ~~فقال: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسره ذلك فلما قضي شأن بني قريظة ~~انفجر جرح سعد بن معاذ وذلك أنه دعا بعد أن حكم في بني قريظة ما حكم فقال ~~اللهم إنك علمت أنه لم يكن قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم كذبوا رسولك ~~اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش على رسولك شيئا فأبقني له وإن كنت قد ~~قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك فانفجر كلمه فرجعه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى خيمته التي ضربت عليه في المسجد. قالت: عائشة فحضره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فو الذي نفس محمد بيده إني ~~لأعرف بكاء عمر وبكاء أبي بكر وإني لفي حجرتي. قالت: وكانوا كما قال الله ~~تعالى # رحماء بينهم # [الفتح: 29] خ # " عن سلمان بن صرد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين ~~أجلى الأحزاب " الآن نغزوهم ولا يغزوننا نحن نسير إليهم " " # ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه سلم كان يقول # " لا إله إلا الله وحده لا شريك له أعز جنده ونصر عبده وهزم الأحزاب ~~وحده فلا شيء بعده ". # قوله تعالى { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~وزينتها فتعالين أمتعكن } أي متعة الطلاق { وأسرحكن سراحا جميلا } أي ~~من غير ضرر { وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله ms2598 أعد ~~للمحسنات منكن أجرا عظيما } سبب نزول هذه الآية أن نساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم سألنه من عرض الدنيا شيئا وطلبن منه زيادة في النفقة وآذينه ~~بغيرة بعضهن على بعض فهجرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلى أن لا ~~يقربهن شهرا، ولم يخرج إلى أصحابه فقالوا ما شأنه وكانوا يقولون طلق ~~الله رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه. فقال عمر: لأعلمن لكم شأنه قال ~~فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أطلقتهن قال: ~~" لا " قلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون يقولون طلق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن. قال: " نعم ~~إن شئت " فقمت على باب المسجد وناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نساءه ونزلت هذه الآية { ولو رده إلى الرسول وإلى أولي ~~الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } فكنت أنا استنبطت هذا الأمر. ~~وأنزل الله آية التخيير وكان تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع نسوة ~~خمسة من قريش وهو: عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي ~~سفيان وأم سلمة بنت أبي أمية وسودة بنت زمعة، وأربع من غير قرشيات وهن ~~زينب بن جحش الأسدية وميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيي بن أخطب ~~الخيبرية وجويرية بنت الحارث المصطلقية، فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعائشة، وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها ~~فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وتابعتها على ذلك فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك ~~وقصره عليهن فقالت تعالى # لا يحل لك النساء من بعد # [الأحزاب: 52] م عن جابر بن عبد الله قال: # " دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس ~~جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر ~~فاستأذن فأذن له فوجد رسول الله صلى ms2599 الله عليه سلم جالسا وحوله نساؤه ~~واجما ساكتا. فقال: لأقولن شيئا أضحك به النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقلت: يا رسول الله لقد رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت ~~عنقها فضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال هن حولي كما ترى يسألنني ~~النفقة فقام أبو بكر إلى عائشة فوجأ عنقها وقام عمر إلى حفصة فوجأ عنقها ~~كلاهما يقول: تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده قلن والله ~~لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ليس عنده ثم اعتزلهن ~~شهرا أو تسعا وعشرين حتى نزلت هذه الآية { يا أيها النبي قلت لأزواجك ~~إن كنتن } حتى بلغ: { للمحسنات منكن أجرا عظيما } قال: فبدأ بعائشة ~~فقال: يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب أن لا تعجلي فيه حتى ~~تستشيري أبويك قالت: وما هو يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا عليها ~~الآية قالت أفيك يا رسول الله أستشير أبوي بل أختار الله ورسوله والدار ~~الآخرة وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت: قال: لا تسألني ~~امرأة منهن إلى أخبرتها إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني ~~معلما مبشرا " # قوله واجما أي مهتما، والواجم الذي أسكته الهم وعلته الكآبة وقيل ~~الوجوم الحزن. قولهم فوجأت عنقها أي دققته وقوله لم يبعني معنتا العنت ~~المشقة والصعوبة م عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم أن لا ~~يدخل على أزواجه شهرا قال الزهري فأخبرني عروة # " " عن عائشة قالت: لما مضت تسع وعشرون ليلة أعدهن دخل علي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بدأ بي فقلت: يا رسول الله، أقسمت أن لا تدخل علينا ~~شهرا وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهن قال: إن الشهر تسع وعشرين ". # فصل في حكم الآية اختلف العلماء في هذا الخيار هل كان ذلك تفويض الطلاق ~~إليهن، حتى يقع بنفس الاختيار أم لا فذهب الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم، ~~إلى أنه لم يكن تفويض الطلاق وإنما خيرهن ms2600 على أنهن إذ اخترن الدنيا ~~فارقهن لقوله تعالى { فتعالين أمتعكن وأسرحكن } بدليل أنه لم يكن جوابهن ~~على الفور، # " وأنه قال لعائشة: " لا تعجلي حتى تستشيري أبويك " " # وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على الفور، وذهب قوم إلى أنه كان تفويض ~~الطلاق ولو اخترن أنفسهن كان طلاقا. التفريع على حكم الآية اختلف أهل ~~العلم في حكم التخيير، فقال عمر وابن مسعود، وابن عباس: إذا خير الرجل ~~امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء وإن اختارت نفسها يقع طلقة واحدة، وهو ~~قول عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وسفيان والشافعي وأصحاب الرأي إلا ~~أن عند أصحاب الرأي يقع طلقة بائنة إذا اختارت نفسها وعند الآخرين رجعية ~~وقال زيد بن ثابت: إذا اختارت الزوج يقع طلقة واحدة وإذا اختارت نفسها ~~فثلاث وهو قول الحسن به قال مالك. وروي عن علي أنها إذا اختارت زوجها يقع ~~طلقة واحدة، وإذا اختارت نفسها فطلقة بائنة وأكثر العلماء على أنها إذا ~~اختارت زوجها لا شيء ق عن مسروق قال: ما أبالي خيرت امرأتي واحدة أو مائة ~~أو الفا بعد أن تختارني، ولقد سألت عائشة رضي الله عنها، فقالت خيرنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كان طلاقا وفي رواية فاخترناه فلم يعد ~~ذلك شيئا. ### || [33.30-32] # قوله تعالى: { يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة } أي بمعصية ~~ظاهرة قيل: هو كقوله # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] أي لأن منهن من أتت بفاحشة، فإن الله تعالى صان أزواج ~~الأنبياء عن الفاحشة وقال ابن عباس المراد بالفاحشة النشوز وسوء الخلق { ~~يضاعف لها العذاب ضعفين } أي مثلين وسبب تضعيف العقوبة، لهن لشرفهن ~~كتضعيف عقوبة الحرة على الأمة وذلك لأن نسبة النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى غيره من الرجال كنسبة الحرة إلى الأمة { وكان ذلك على الله يسيرا } ~~أي عذابها { ومن يقنت منكن لله ورسوله } أي تطع الله ورسوله { وتعمل ~~صالحا نؤتها أجرها مرتين } أي مثلي أجر غيرها قيل: الحسنة بعشرين حسنة ~~وتضعيف ثوابهن لرفع منزلتهن وفيه إشارة إلى أنهن ms2601 أشرف نساء العالمين { ~~وأعتدنا لها رزقا كريما } أي الجنة. قوله تعالى { يا نساء النبي لستن ~~كأحد من النساء } قال ابن عباس: يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من ~~النساء الصالحات، أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم لدي { إن اتقيتن } أي الله ~~فأطعتنه فإن الأكرم عند الله هو الأتقى { فلا تخضعن بالقول } أي لا تلن ~~بالقول للرجال ولا ترققن الكلام { فيطمع الذي في قلبه مرض } أي فجور ~~وشهوة وقيل نفاق والمعنى لا تقلن قولا يجد المنافق والفاجر به سبيلا ~~إلى الطمع فيكن والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقال إذا خاطبت الأجانب ~~لقطع الأطماع فيهن { وقلن قولا معروفا } أي يوجبه الدين والإسلام عند ~~الحاجة إليه، ببيان من غير خضوع وقيل القول المعروف ذكر الله تعالى. ### || [33.33-35] # قوله عز وجل: { وقرن في بيوتكن } أي الزمن بيوتكن وقيل هو أمر من الوقار ~~أي كن أهل وقار وسكون { ولا تبرجن تبرج } قيل: هو التكسر والتغنج ~~والتبختر وقيل: هو إظهار الزينة وإبراز المحاسن للرجال { الجاهلية الأولى ~~} قيل الجاهلية الأولى هو ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وقيل: هو ~~زمن داود وسليمان عليهما السلام كانت المرأة تلبس قميصا من الدر غير ~~مخيط الجانبين، فيرى خلفها منه وقيل كان في زمن نمرود الجبار كانت ~~المرأة، تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه وتمشي به وسط الطريق ليس عليها شيء ~~غيره وتعرض نفسها على الرجال وقال ابن عباس: الجاهلية الأولى ما بين نوح ~~وإدريس، وكانت ألف سنة وقيل: إن بطنين من ولد آدم عليه السلام كان أحدهما ~~يسكن السهل والآخر يسكن الجبل وكانت رجال الجبل صباحا وفي النساء دمامة ~~وكان نساء السهل صباحا وفي الرجال دمامة وإن إبليس أتى رجلا من أهل ~~السهل وأجره نفسه وكان يخدمه واتخذ شيئا مثل الذي يرمز به الرعاة فجاء ~~بصوت لم يسمع الناس مثمله فبلغ ذلك من حولهم فأتوهم يستعمون إليه، ~~واتخذوا عيدا يجتمعون إليه في السنة فتتبرج النساء للرجال وتتزين الرجال ~~لهن، وأن رجلا من أهل الجبل، هجم عليهم في عيدهم ذلك ms2602 فرأى النساء ~~وصباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوا إليهم فنزلوا معهم وظهرت ~~الفاحشة فيهن فذلك قوله تعالى { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } وقيل ~~الجاهلية الأولى ما قبل الإسلام والجاهلية الأخرى، قوم يفعلون مثل فعلهم ~~آخر الزمان وقيل قد تذكر الأولى وإن لم تكن لها أخرى { وأقمن الصلاة } أي ~~الواجبة { وآتين الزكاة } أي المفروضة { وأطعن الله ورسوله } أي فيما أمر ~~وفيما نهى { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس } أي الإثم الذي نهى الله ~~النساء عنه. وقال ابن عباس: يعني عمل الشيطان وما ليس الله فيه رضا، ~~وقيل: الرجس الشك وقيل السوء { أهل البيت ويطهركم تطهيرا } هم نساء ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأنهن في بيته وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس وتلا قوله تعالى { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة } ~~وهو قول عكرمة ومقاتل وذهب أبو سعيد الخدري وجماعة من التابعين منهم ~~مجاهد وقتادة وغيرهم إلى أنهم علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، ~~يدل عليه ما روي عن عائشة أم المؤمنين قالت " خرج النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذات غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجلس فأتت فاطمة فأدخلها فيه ~~ثم جاء علي فأدخله فيه ثم جاء الحسن فأدخله فيه، ثم جاء الحسين فأدخله ~~فيه ثم قال: { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا } أخرجه مسلم. # المرط الكساء والمرحل بالحاء المنقوش عليه صور الرجال، وبالجيم المنقوش ~~عليه صور الرجال، # " عن أم سلمة قالت: " إن هذه الآية نزلت في بيتها، { إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس ويطهركم تطهيرا } قالت وأنا جالسة عند الباب فقلت يا ~~رسول الله ألست من أهل البيت فقال: إنك إلى خير أنت من أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم قالت: وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ~~وفاطمة وحسن وحسين فجللهم بكساء وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنه ~~الرجس وطهرهم تطهيرا " " # أخرجه الترمذي. وقال حديث صحيح غريب عن أنس بن مالك # " أن رسول الله صلى ms2603 الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر، إذا ~~خرج إلى صلاة الفجر يقول الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيرا " # أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن غريب وقال زيد بن أرقم أهل البيت من حرم ~~الصدقة بعده آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس. قوله تعالى { واذكرن ما ~~يتلى في بيوتكن من آيات الله } يعني القرآن { والحكمة } قيل هي السنة ~~السنة وقيل هي أحكام القرآن ومواعظه { إن الله كان لطيفا } يعني ~~بأوليائه وأهل طاعته { خبيرا } أي بجميع خلقه. قوله عز وجل { إن ~~المسلمين والمسلمات } الآية وذلك أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن ~~يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن، ولم يذكر النساء بخير فما فينا ~~خير تذكر به إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة فأنزل الله هذه الآية. عن أم ~~عمارة الأنصارية قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت مالي أرى كل ~~شيء إلى الرجال وما أرى النساء يذكرن بشيء فنزلت { إن المسلمين والمسلمات ~~} أخرجه الترمذي. وقال حديث غريب وقيل إن إم سلمة بنت أبي أمية وأنيسة ~~بنت كعب الأنصارية قالتا للنبي صلى الله عليه وسلم ما بال ربنا يذكر ~~الرجال، ولا يذكر النساء في شيء في كتابه ونخشى أن لا يكون فيهن خير ~~فنزلت هذه الآية وروي # " أن أسماء بنت عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فدخلت ~~على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقالت هل نزل فينا شيء من القرآن قلن ~~لا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: إن النساء لفي ~~خيبة وخسار قال " ومم ذلك " قالت لأنهن لم يذكرن بخير كما ذكر الرجال ~~فأنزل الله إن المسلمين والمسلمات " # فذكر لهن عشر مراتب مع الرجال، فمدحهن بها معهم الأولى والإسلام وهو ~~الانقياد لأمر الله تعالى وهو قوله: إن المسلمين والمسلمات، الثانية ~~الإيمان بما يراد به أمر الله تعالى وهو تصحيح الاعتقاد وموافقة الظاهر ~~للباطن، وهو قوله ms2604 { والمؤمنين والمؤمنات } الثالثة الطاعة وهو قوله { ~~والقانتين والقانتات } الرابعة الصدق في الأقوال والأفعال وهو قوله { ~~والصادقين والصادقات } الخامسة الصبر على ما أمر الله وفيما ساء وسر وهو ~~قوله { والصابرين والصابرات } السادسة الخشوع في الصلاة وهو أن لا يلتفت ~~وقيل: هو التواضع وهو قوله { والخاشعين والخاشعات } السابعة الصدقة مما ~~رزق الله وهو قوله { والمتصدقين والمتصدقات } الثامنة المحافظة على الصوم ~~وهو قوله { والصائمين والصائمات } التاسعة العفة وهو قوله { والحافظين ~~فروجهم } يعني عما لا يحل { والحافظات } العاشرة كثرة الذكر وهو قوله { ~~والذاكرين الله كثيرا والذاكرات } وقيل لا يكون العبد منهم حتى يذكر ~~الله قائما وقاعدا ومضطجعا، وروي عن النبي صلى الله عليه سلم أنه قال # " سبق المفردون قالوا: يا رسول الله وما المفردون قال الذاكرون الله ~~كثيرا والذاكرات " # وقال عطاء بن أبي رباح من فوض أمره إلى الله، فهو داخل في قوله إن ~~المسلمين والمسلمات ومن أقر بأن الله ربه ومحمدا رسوله، ولم يخالف قلبه ~~لسانه فهو داخل في قوله والمؤمنين والمؤمنات ومن أطاع الله في الفرض ~~والرسول في السنة، فهو داخل في قوله والقانتين والقانتات، ومن صان قوله ~~عن الكذب، فهو داخل في قوله والصادقين والصادقات، ومن صبر على الطاعة وعن ~~المعصية وعلى الرزية، فهو داخل في قوله الصابرين والصابرات، ومن صلى، فلم ~~يعرف من عن يمينه وعن شماله، فهو داخل في قوله والخاشعين والخاشعات ومن ~~تصدق في كل أسبوع بدرهم، فهو داخل في قوله والمتصدقين والمتصدقات ومن صام ~~في كل شهر أيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر فهو داخل ~~في قوله والصائمين والصائمات، ومن حفظ فرجه عما لا يحل فهو داخل في قوله ~~والحافظين فروجهم والحافظات ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في ~~قوله والذاكرين الله كثيرا والذاكرات { أعد الله لهم مغفرة } أي بمحو ~~ذنوبهم { وأجرا عظيما } يعني الجنة. ### || [33.36-37] # قوله تعالى: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن ~~يكون لهم الخيرة من أمرهم } نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش الأسدية ~~وأخيها ms2605 عبد الله بن جحش، وأمهما أمية بن عبد المطلب عمة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب زينب لمولاه زيد بن ~~حارثة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى زيدا في الجاهلية بعكاظ ~~وأعتقه، وتبناه، فلما خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب رضيت وظنت ~~أنه يخطبها لنفسه فلما علمت أنه يخطبها لزيد بن حارثة أبت وقالت: أنا ~~ابنة عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي، وكانت بيضاء جميلة وفيها حدة ~~وكذلك كره أخوها ذلك فأنزل الله { وما كان لمؤمن } يعني عبد الله بن جحش ~~{ ولا مؤمنة } يعني أخته زينب { إذا قضى الله ورسوله أمرا } يعني نكاح ~~زيد لزينب { أن تكون لهم الخيرة من أمرهم } أي الاختيار على ما قضى، ~~والمعنى أن يريد غير ما أراد الله أو يمتنع مما أمر الله ورسوله به { ومن ~~يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا } أي أخطأ خطأ ظاهرا فلما سمعت ~~بذلك زينب وأخوها رضيا وسلما وجعلت أمرها بيد رسول الله صلى الله عليه ~~سلم، فأنكحها زيدا ودخل بها وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما ~~عشرة دنانير وستين درهما وخمارا، ودرعا وملحفة وخمسين مدا من طعام ~~وثلاثين صاعا من تمر. قوله عز وجل { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ~~وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك } الآية نزلت في زينب، وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما زوجها من زيد مكثت عنده حينا، ثم إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أتى زيدا ذات يوم لحاجة فأبصر زينب في درع وخمار وكانت ~~بيضاء جميلة، ذات خلق من أتم نساء قريش وقعت في نفسه وأعجبه حسنها فقال " ~~سبحان الله مقلب القلوب " وانصرف فلما جاء زيد ذكرت له ذلك ففطن زيد ~~وألقى في نفسه كراهيتها في الوقت وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي فقال له مالك أرابك منها شيء قال: لا ~~والله يا رسول الله ما رأيت ms2606 منها إلا خيرا ولكنها تتعظم علي بشرفها ~~وتؤذيني بلسانها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أمسك عليك زوجك واتق ~~الله في أمرها ثم إن زيدا طلقها فذلك قوله عز وجل { وإذ تقول للذي أنعم ~~الله عليه } أي بالإسلام { وأنعمت عليه } أي بالإعتاق وهو زيد بن حارثة ~~مولاه { أمسك عليك زوجك } يعني زينب بن جحش { واتق الله } أي فيها ولا ~~تفارقها { وتخفي في نفسك } أي تسر وتضمر في نفسك { ما الله مبديه } أي ~~مظهره قيل كان في قلبه لو فارقها تزوجها قال ابن عباس: حبها وقيل ود أنه ~~طلقها { وتخشى الناس } قال ابن عباس تستحييهم وقيل تخاف لائمتهم أن ~~يقولوا أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها { والله أحق أن تخشاه } قال عمر ~~وابن مسعود وعائشة: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد ~~من هذه الآية، وعن عائشة قالت: لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شيئا من الوحي لكتم هذه الآية: { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت ~~عليه } أخرجه الترمذي. # وقال حديث حسن غريب. فصل فإن قلت: ما ذكروه في تفسير هذه الآية، وسبب ~~نزولها من وقوع محبتها في قلب النبي صلى الله عليه وسلم عندما رآها ~~وإرادته طلاق زيد لها فيه أعظم الحرج، وما لا يليق بمنصبه صلى الله عليه ~~وسلم من مد عينيه لما نهى عنه من زهرة الحياة الدنيا. قلت: هذا إقدام ~~عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النبي صلى الله عليه وسلم وبفضله وكيف يقال ~~رآها فأعجبته وهي بنت عمته ولم يزل يراها منذ ولدت ولا كان النساء يحتجبن ~~منه صلى الله عليه وسلم وهو زوجها لزيد، فلا يشك في تنزيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن أن يأمر زيدا بإمساكها، وهو يحب تطليقه إياها ذكر عن جماعة ~~من المفسرين. وأصح ما في هذا الباب ما روي عن سفيان بن عيينة عن علي بن ~~زيد بن جدعان قال: سألني زين العابدين بن علي بن الحسين قال ما يقول ~~الحسن ms2607 في قوله تعالى { وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله ~~أحق أن تخشاه } قلت: يقول لما جاء زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا رسول الله إني إريد أن أطلق زينب أعجبه ذلك، وقال أمسك عليك زوجك ~~واتق الله فقال علي بن الحسين ليس كذلك فإن الله عز وجل قد أعلمه أنها ~~ستكون من أزواجه وأن زيدا سيطلقها فلما جاء زيد قال: إني أريد أن أطلقها ~~قال له: أمسك عليك زوجك فعاتبه الله تعالى وقال لم قلت أمسك عليك زوجك ~~وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء ~~وهو مطابق للتلاوة لأن الله تعالى أعلم أنه يبيدي ويظهر ما أخفاه ولم ~~يظهر غير تزويجها منه فقال تعالى { زوجناكها } فلو كان الذي أضمره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك لأنه لا ~~يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه، ولا يظهره فدل على أنه إنما عوتب على ~~إخفاء ما أعلمه الله أنها ستكون زوجته وإنما أخفى ذلك استحياء أن يخبر ~~زيدا أن التي تحتك وفي نكاحك ستكون زوجتي وهذا قول حسن مرضي، وكم من شيء ~~يتحفظ منه الإنسان ويستحي من اطلاع الناس عليه وهو في نفسه مباح متسع، ~~وحلال مطلق لا مقال فيه ولا عيب عند الله وربما كان الدخول في ذلك المباح ~~سلما إلى حصول واجبات يعظم أثرها في الدين هو إنما جعل الله طلاق زيد ~~لها، وتزويج النبي صلى الله عليه وسلم إياها لإزالة حرمة التبني وإبطال ~~سنته كما قال الله تعالى # ما كان محمد أبا أحد من رجالكم # [الأحزاب: 40] وقال { لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم } ~~فإن قلت فما الفائدة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيدا بإمساكها. ~~قتل: هو أن الله تعالى أعلم نبيه أنها زوجته فنهاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، عن طلاقها وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به فلما طلقها زيد خشي قول ~~الناس يتزوج امرأة ms2608 ابنه فأمره الله تعالى بزواجها ليباح مثل ذلك لأمته، ~~وقيل: كان في أمره بإمساكها قمعا للشهوة وردا للنفس عن هواها وهذا إذا ~~جوزنا القول المتقدم الذي ذكره المفسرون وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها ~~لو طلقها زيد، ومثل ذلك لا يقدح في حال الأنبياء، مع أن العبد غير ملوم ~~على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء، وأنه رآها فجأة فاستحسنها ومثل ~~هذه لا نكرة فيه لما طبع عليه البشر من استحسان الحسن، ونظرة الفجأة معفو ~~عنها ما لم يقصد مأثما لأن الود وميل النفس من طبع البشر والله أعلم. ~~وقوله { أمسك عليك زوجك واتق الله } أمر بالمعروف، وهو حسن لا إثم فيه ~~وقوله { والله أحق أن تخشاه } لم يرد به أنه لم يكن يخشى الله فيما سبق ~~فإنه عليه الصلاة والسلام، قد قال أنا أخشاكم لله وأتقاكم له ولكنه لما ~~ذكر الخشية من الناس، ذكر أن الله أحق بالخشية في عموم الأحوال في جميع ~~الأشياء. قوله عز وجل { فلما قضى زيد منها وطرا } أي حاجته منها، ولم ~~يبق له فيها أرب وتقاصرت همته عنها وطابت عنها نفسه وطلقها، وانقضت عدتها ~~وذكر قضاء الوطر ليعلم أن زوجته المتبني تحل بعد الدخول بها { زوجناكها } ~~قال أنس: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: ~~زوجكن آباؤكن وزوجني الله من فوق سبع سموات، وقال الشعبي: " كانت زينب ~~تقول للنبي صلى الله عليه وسلم إني لأدل عليك بثلاث ما من امرأة من نسائك ~~تدل بهن جدي وجدك واحد وإني أنكحنيك الله في السماء وإن السفير جبريل ~~عليه السلام " م عن أنس قال لما انقضت عدة زينب، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، لزيد: اذهب فاذكرها على قال فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر ~~عجينها قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها لأن ~~رسول الله ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت يا زينب أرسل رسول ~~الله يذكرك قالت ما أنا بصانعة شيئا حتى ms2609 أؤامر ربي فقامت إلى مسجدها ~~ونزل القرآن وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عليها بغير إذن ~~قال: فلقد رأيتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا الخبز واللحم ~~حتى امتد النهار فخرج الناس، وبقي أناس يتحدثون في البيت بعد الطعام فخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن ~~ويقلن يا رسول الله كيف وجدت أهلك قال: فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد ~~خرجوا أم غيري قال فانطلق حتى دخل البيت، وذهبت لأدخل معه فألقى الستر ~~بيني وبينهم ونزل الحجاب ق عن أنس قال ما أولم النبي صلى الله عليه وسلم ~~على شيء من نسائه، ما أولم على زينب أولم بشاة وفي رواية أكثر وأفضل، ما ~~أولم على زينب قال ثابت: بم أولم قال أطعمهم خبزا ولحما حتى تركوه. # قوله عز وجل { لكيلا يكون على المؤمنين حرج } أي إثم { في أزواج ~~أدعيائهم } جمع الدعي وهو المتبني { إذا قضوا منهن وطرا } يقول: يقول ~~زوجناك زينب وهي امرأة زيد الذي كنت تبنيته، ليعلم أن زوجة المتبنى حلال ~~للمتبني وإن كان قد دخل بها المتبني بخلاف امرأة ابن الصلب فإنها لا تحل ~~للأب { وكان أمر الله مفعولا } أي قضاء الله ماضيا وحكمه نافذا وقد ~~قضى في زينب أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه سلم. ### || [33.38-44] # قوله تعالى: { ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له } أي فيما أحل ~~الله له من النكاح، وغيره { سنة الله في الذين خلوا من قبل } معناه سن ~~الله سنة في الأنبياء، وهو أن لا حرج عليهم في الإقدام على ما أباح لهم ~~ووسع عليهم في باب النكاح، وغيره فإنه كان لهم الحرائر والسراري فقد كان ~~لداود عليه السلام مائة امرأة، ولسليمان ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية ~~فكذلك سن لمحمد صلى الله عليه وسلم التوسعة عليه كما سن لهم ووسع عليهم { ~~وكان أمر الله قدرا مقدورا } يعني قضاء مقضيا أن لا حرج على أحد فيما ~~أحل له ثم ms2610 أثنى الله على الأنبياء بقوله { الذين يبلغون رسالات الله } ~~يعني فرائض الله وسننه وأوامره ونواهيه إلى من أرسلوا إليهم { ويخشونه } ~~يعني يخافونه { ولا يخشون أحدا إلا الله } يعني لا يخافون قالت: الناس ~~ولائمتهم فيما أحل لهم وفرض عليهم { وكفى بالله حسيبا } أي حافظا ~~لأعمال خلقه ومحاسبهم. قوله عز وجل { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم } ~~وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب قال: الناس إن ~~محمدا تزوج امرأة ابنه فأنزل الله { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم } ~~يعني زيد بن حارثة والمعنى أنه لم يكن أبا رجل منكم على الحقيقة، حتى ~~يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح. فإن قلت: ~~قد كان له أبناء القاسم والطيب والطاهر وإبراهيم وقال الحسن::إن ابني هذا ~~سيد. قلت: قد أخرجوا من حكم النفي بقوله من رجالكم وهؤلاء لم يبلغوا مبلغ ~~الرجال وقيل: أراد بالرجال الذي لم يلدهم { ولكن رسول الله } أي إن كل ~~رسول هو أبو أمته فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له ووجوب الشفقة ~~والنصيحة لهم عليه { وخاتم النبيين } ختم الله به النبوة فلا نبوة بعده ~~أي ولا معه قال ابن عباس: يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابنا ~~ويكون بعده نبيا وعنه قال: إن الله لما حكم أن لا نبي بعده، لم يعطه ~~ولدا ذكرا يصير رجلا { وكان الله بكل شيء عليما } أي دخل في علمه أنه ~~لا نبي بعده. فإن قلت: قد صح أن عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان ~~بعده وهو نبي قلت إن عيسى عليه السلام ممن نبيء قبله وحين ينزل في آخر ~~الزمان ينزل عاملا بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ومصليا إلى قبلته ~~كأنه بعض أمته ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله ~~إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس ms2611 يطوفون ويتعجبون له، ~~ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين " # وعن جابر نحوه وفيه جئت فختمت الأنبياء ق عن جبير بن مطعم قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله الكفر ~~بي وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي ~~" # وقد سماه الله رؤوفا رحيما م عن أبي موسى قال: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يسمي، لنا نفسه أسماء فقال # " أنا محمد وأنا أحمد وأنا المقفي وأنا الماحي ونبي التوبة ونبي الرحمة ~~" # المقفي هو المولى الذاهب، يعني آخر الأنبياء المتبع لهم فإذا قفي فلا ~~نبي بعده. قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا } ~~قال ابن عباس: لم يفرض الله عز وجل على عباده فريضة إلا جعل لها حدا ~~معلوما ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإنه لم يجعل له حدا ~~ينتهي إليه ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، وأمرهم به في ~~الأحوال كلها فقال تعالى # فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم # [النساء: 103] وقال تعالى { اذكروا الله ذكرا كثيرا } يعني بالليل ~~والنهار في البر والبحر وفي الصحة والسقم وفي السر والعلانية، وقيل الذكر ~~الكثير أن لا ينساه أبدا { وسبحوه } معناه إذا ذكرتموه ينبغي لكم أن ~~يكون ذكركم إياه على وجه التعظيم والتنزيه عن كل سوء { بكرة وأصيلا } ~~فيه إشارة إلى المداومة لأن ذكر الطرفين يفهم منه الوسط أيضا وقيل: ~~معناه صلوا له بكرة صلاة الصبح وأصيلا يعني صلاة العصر وقيل صلاة الظهر ~~والعصر والمغرب والعشاء، وقيل: معنى سبحوه قولوا سبحان الله والحمد لله ~~ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله زاد في نسخه ~~العلي العظيم فعبر بالتسبيح عن أخواته والمراد بقوله: كثيرا هذه الكلمات ~~يقولها الطاهر والجنب والحائض والمحدث { هو الذي يصلي عليكم وملائكته } ~~الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار للمؤمنين وقيل الصلاة من ~~الله على ms2612 العبد هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده والثناء عليه قال أنس: ~~لما نزلت # إن الله وملائكته يصلون على النبي # [الأحزاب: 56] قال أبو بكر: ما خصك الله يا رسول الله بشرف إلا وقد ~~أشركنا فيه فأنزل الله هذه الآية { ليخرجكم من الظلمات إلى النور } يعني ~~أنه برحمته وهدايته، ودعاء الملائكة لكم أخرجكم من ظلمة الكفر إلى نور ~~الإيمان { وكان بالمؤمنين رحيما } فيه بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى ~~أن قوله يصلي عليكم غير مختص بالسامعين، وقت الوحي بل هو عام لجميع ~~المسلمين { تحيتهم } يعني تحية المؤمنين { يوم يلقونه } أي يرون الله يوم ~~القيامة { سلام } أي يسلم الرب تعالى عليهم ويسلمهم من جميع الآفات وروي ~~عن البراء بن عازب قال { تحيتهم يوم يلقونه سلام } يعني يلقون ملك الموت، ~~لا يقبض روح مؤمن إلا يسلم عليه عن ابن مسعود قال إذا جاء ملك الموت لقبض ~~روح المؤمن قال رب يقرئك السلام وقيل: تسلم عليهم الملائكة حين يخرجون من ~~قبورهم تبشرهم { وأعد لهم أجرا كريما } يعني الجنة. ### || [33.45-50] # قوله عز وجل: { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا } أي للرسل بالتبليغ ~~وقيل شاهدا على الخلق كلهم يوم القيامة { ومبشرا } أي لمن آمن بالجنة { ~~ونذيرا } أي لمن كذب بالنار { وداعيا إلى الله } أي إلى توحيده وطاعته ~~{ بإذنه } أي بأمره { وسراجا منيرا } سماه سراجا منيرا لأنه جلا منه ~~ظلمات الشرك واهتدى به الضالون كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير، وقيل ~~معناه أمد الله بنور نبوته نور البصائر كما يمد بنور السراج نور الأبصار ~~ووصفه بالإنارة لأن من السراج ما لا يضيء. فإن قلت لم سماه سراجا، ولم ~~يسمه شمسا والشمس أشد إضاءة من السرج وأنور. قلت: نور الشمس لا يمكن أن ~~يؤخذ منه شيء بخلاف نور السراج فإنه يؤخذ منه أنوار كثيرة { وبشر ~~المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا } أي ما تفضل به عليهم زيادة على ~~الثواب وقيل: الفضل هو الثواب وقيل هو تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم { ~~ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم } قال ms2613 ابن عباس: اصبر على أذاهم ~~لا تجازهم عليه وهذا منسوخ بآية القتال { وتوكل على الله وكفى بالله ~~وكيلا } أي حافظا. قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } أي تجامعوهن، ففي الآية دليل ~~على أن الطلاق قبل النكاح غير واقع لأن الله تعالى رتب الطلاق على النكاح ~~حتى لو قال لامرأة أجنبية إذا نكحتك فأنت طالق، أو قال: كل امرأة أنكحها ~~فهي طالق فنكح لا يقع الطلاق، وهذا قول علي وابن عباس وجابر ومعاذ وعائشة ~~وبه قال سعيد بن المسيب وعروة وشريح وسعيد بن جبير والقاسم وطاوس، الحسن ~~وعكرمة وعطاء وسليمان بن يسار، ومجاهد والشعبي وقتادة وأكثر أهل العلم، ~~وبه قال الشافعي وروي عن ابن مسعود أنه يقع الطلاق، وهو قول إبراهيم ~~النخعي وأصحاب الرأي وقال ربيعة ومالك والأوزاعي: إن عين امرأة وقع وإن ~~عمم فلا يقع وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: كذبوا على ابن مسعود، وإن ~~كان قالها فزلة من عالم الرجل يقول إن تزوجت فلانة فهي طالق والله يقول { ~~إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن } ولم يقل إذا طلقتموهن ثم نكحتموهن، روى ~~عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا طلاق فيما لا تملك ولا عتق فيما لا تملك ولا بيع فيما لا تملك " # أخرجه أبو داود والترمذي بمعناه خ عن ابن عباس قال: جعل الله الطلاق بعد ~~النكاح أخرجه الترمذي في ترجمة باب بغير إسناد عن جابر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " لا طلاق قبل النكاح " # { فما لكم عليهم من عدة تعتدونها } أي تحصونها بالأقراء والأشهر، أجمع ~~العلماء أنه إذا كان الطلاق قبل المسيس والخلوة، فلا عدة وذهب أحمد إلى ~~أن الخلوة توجب العدة والصداق { فمتعوهن } أي أعطوهن ما يستمتعن به قال ~~ابن عباس: هذا إذا لم يكن سمى لها صداقا فلها المتعة وإن كان قد فرض لها ~~صداقا فلها نصف الصداق، ولا متعة لها وقال قتادة ms2614 هذه الآية منسوخة بقوله # فنصف ما فرضتم # [البقرة: 237] وقيل: هذا أمر ندب فالمتعة مستحبة لها مع نصف المهر وقيل: ~~إنها تستحق المتعة بكل حال لظاهر الآية { وسرحوهن سراحا جميلا } أي ~~خلوا سبيلهن بالمعروف من غير إضرار بهن. قوله عز وجل { يا أيها النبي إنا ~~أحللنا لك أزاوجك اللاتي آتيت أجورهن } أي مهورهن { وما ملكت يمينك مما ~~أفاء الله عليك } أي من السبي فتملكها مثل صفية وجويرية، وقد كانت مارية ~~مما ملكت يمينه فولدت له إبراهيم { وبنات عمك وبنات عماتك } يعني نساء ~~قريش { وبنات خالك وبنات خالاتك } يعني نساء بني زهرة { اللاتي هاجرن معك ~~} إلى المدينة فمن لم تهاجر، منهن لم يجز له نكاحها عن أم هانىء بنت أبي ~~طالب قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني ثم ~~أنزل الله { إنا أحللنا لك أزواجك } الآية قالت: فلم أكن أحل له لأني لم ~~أهاجر كنت من الطلقاء أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن ثم نسخ شرط الهجرة في ~~التحليل { وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ~~خالصة لك من دون المؤمنين } أي أحللنا لك امرأة مؤمنة، وهبت نفسها لك ~~بغير صداق فأما غير المؤمنة، فلا تحل له إذا وهبت نفسها منه وهل تحل ~~الكتابية بالمهر، فذهب جماعة إلى أنها لا تحل له لقوله { وامرأة مؤمنة } ~~فدل ذلك على أنه لا يحل له نكاح غير المسلمة، وكان من خصائصه صلى الله ~~عليه وسلم أن النكاح ينعقد في حقه بمعنى الهبة من غير ولي ولا شهود ولا ~~مهر لقوله { خالصة لك من دون المؤمنين } والزيادة على أربع ووجوب تخيير ~~النساء واختلفوا في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة فذهب أكثرهم ~~إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج، وهو قول سعيد بن المسيب ~~والزهري ومجاهد وعطاء وبه قال ربيعة ومالك والشافعي: وقال إبراهيم النخعي ~~وأهل الكوفة، ينعقد بلفظ التمليك والهبة، ومن قال بالقول الأول اختلفوا ~~في نكاح النبي صلى الله عليه وسلم فذهب قوم إلى ms2615 أنه كان ينعقد في حقه صلى ~~الله عليه وسلم بلفظ الهبة، لقوله تعالى { خالصة لك من دون المؤمنين } ~~وذهب آخرون إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج، كما في حق ~~سائر الأمة لقوله تعالى { إن أراد النبي أن يستنكحها } وكان اختصاصه في ~~ترك المهر لا في لفظ النكاح واختلفوا في التي وهبت نفسها للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وهل كانت عنده امرأة منهم فقال ابن عباس ومجاهد: لم يكن عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها منه ولم يكن عنده امرأة إلا ~~بعقد النكاح، أو بملك يمين وقوله { إن وهبت نفسها } على سبيل الفرض ~~والتقدير، وقال آخرون: بل كانت عنده موهوبة، واختلفوا فيها فقال الشعبي ~~هي زينب بنت خزيمة الأنصارية الهلالية أم المساكين، وقال قتادة هي ميمونة ~~بنت الحارث وقال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل هي أم شريك بن جابر: من ~~بني أسد وقال عروة بن الزبير: هي خولة بنت حكيم من بني سليم. # وقوله تعالى { قد علمنا ما فرضنا عليهم } أي أوجبنا على المؤمنين { في ~~أزواجهم } أي من الأحكام وهو أن لايتزوجوا أكثر من أربع ولا يتزوجوا إلا ~~بولي وشهود ومهر { وما ملكت أيمانهم } أي ما أوجبنا من الأحكام في ملك ~~اليمين { لكيلا يكون عليك حرج } وهذا يرجع إلى أول الآية معناه أحللنا لك ~~أزواجك وما ملكت يمينك والموهوبة لكي لا يكون عليك ضيق { وكان الله ~~غفورا } أي للواقع في الحرج { رحيما } أي بالتوسعة على عباده. ### || [33.51-52] # قوله تعالى { ترجي } يعني تؤخر { من تشاء منهن وتؤوي إليك } أي تضم عليك ~~{ من تشاء } قيل هذا للقسم بينهن وذلك أن التسوية بينهن في القسم كانت ~~واجبة عليه صلى الله عليه وسلم، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه الوجوب وصار ~~الاختيار إليه فيهن، وقيل نزلت هذه الآية حين غار بعض أمهات المؤمنين على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وطلب بعضهن زيادة النفقة فهجرهن شهرا حتى نزلت ~~آية التخيير فأمره الله تعالى أن يخيرهن فمن اختارت الدنيا فارقها، ويمسك ms2616 ~~من اختارت الله ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين، لا ينحكهن أبدا وعلى ~~أنه يؤوي إليه من يشاء منهن ويرجي من يشاء فيرضين به قسم لهن أو لم يقسم ~~أو قسم لبعضهن، دون بعض، أو فضل بعضهن في النفقة والكسوة فيكون الأمر في ~~ذلك إليه يفعل كيف يشاء وكان ذلك من خصائصه فرضين بذلك واخترنه على هذا ~~الشرط. واختلفوا في أنه هل أخرج أحدا منهن من القسم فقال بعضهم: لم يخرج ~~أحدا بل كان صلى الله عليه وسلم مع ما جعل الله له من ذلك يسوي بينهن في ~~القسم، إلا سودة فإنها رضيت بترك حقها من القسم، وجعلت يومها لعائشة ~~وقيل: أخرج بعضهن. روي عن أبي رزين، قال: لما نزل التخيير أشفقن أن يطلقن ~~فقلن يا نبي الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، ودعنا على حالنا فأرجى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهن، وآوى إليه بعضهن فكان ممن آوى عليه ~~عائشة وحفصة وأم سلمة وزينت، وكان يقسم بينهن سواء وأرجى منهن خمسا أم ~~حبيبة وميمونة وسودة وجويرة وصفية، فكان يقسم لهن ما يشاء وقال ابن عباس ~~تطلق من تشاء منهن، وتمسك من تشاء وقال الحسن: تترك نكاح من شئت وتنكح من ~~شئت من النساء قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن ~~لغيره خطبتها حتى يتركها رسول الله صلى الله وعليه وسلم وقيل تقبل من ~~تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن فتؤويها إليك وتترك من تشاء فلا ~~تقبلها قعن عروة قال: كانت خولة بنت حكيم من اللاتي، وهبن أنفسهن للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل ~~فلما نزلت ترجي من تشاء منهن قلت يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في ~~هواك { ومن ابتغيت ممن عزلت } أي طلبت أن تؤدي إليك امرأة ممن عزلتهن عن ~~القسمة { فلا جناح عليك } أي لا إثم عليك فأباح الله له ما ترك القسم، ~~لهن، حتى إنه ليؤخر من يشاء منهن ms2617 من نوبتها ويطأ من يشاء منهم في غير ~~نوبتها ويرد إلى فراشه من عزل منهن، تفضيلا له على سائر الرجال { ذلك ~~أدنى أن تقرأ أعينهن ولا يحزن } أي ذلك التخيير الذي خبرتك في صحبتهن ~~أقرب إلى رضاهن وأطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن إذا علمن أن ذلك من الله ~~تعالى { ويرضين بما آتيتهن } أي أعطيتهن { كلهن } من تقريب وإرجاء وعزل ~~وإيواء { والله يعلم ما في قلوبكم } أي من أمر النساء إلى بعضهن { وكان ~~الله عليما } أي مما في ضمائركم { حليما } أي عنكم. # قوله تعالى { لا يحل لك النساء من بعد } أي من بعد هؤلاء التسع اللاتي ~~اخترنك وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خيرهن فاخترن الله ورسوله ~~شكر الله لهن ذلك وحرم عليه النساء سواهن، ونهاه عن تطليقهن وعن ~~الاستبدال بهن، قاله ابن عباس: واختلفوا هل أبيح له النساء بعد ذلك فروي ~~عن عائشة أنها قالت # " ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء " # أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن صحيح، وللنسائي عنها # " حتى أحل له أن يتزوج من النساء ما يشاء " # وقال أنس # " مات رسول الله صلى الله عليه وسلم على التحريم " # وقيل لأبي بن كعب لو مات نساء النبي صلى الله عليه وسلم أكان يحل له أن ~~يتزوج قال: وما يمنعه من ذلك قيل له قوله تعالى { لا يحل لك النساء من ~~بعد } قال: إنما أحل له ضربا من النساء فقال تعالى # يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك # [الأحزاب: 50] الآية ثم قال { لا تحل لك النساء من بعد } وقيل معنى ~~الآية لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات بعد المسلمات { ولا أن تبدل ~~بهن من أزواج } أي بالمسلمات غيرهن من الكتابيات، لأنه لا تكون أم ~~المؤمنين يهودية ولا نصرانية إلا ما ملكت يمينك أي من الكتابيات فتسري ~~بهن وقيل في قوله { ولا تبدل بهن أزواج } كانت العرب في الجاهلية ~~يتبادلون بأزواجهم، يقول الرجل للرجل انزل لي عن امرأتك وأنزل عن امرأتي ~~فأنزل الله تعالى { ولا ms2618 أن تبدل بهن من أزواج } أي تبادل بهن من أزواج أي ~~تبادل بأزواجك غيرك بأن تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته فحرم ذلك { إلا ما ملكت ~~يمينك } أي لا بأس أن تبادل بجاريتك ما شئت، فأما الحرائر فلا { ولو ~~أعجبك حسنهن } يعني ليس لك أن تطلق أحد من نسائك، وتنكح بدلها أخرى، ولو ~~أعجبك جمالها، قال ابن عباس: يعني أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن ~~أبي طالب لما استشهد جعفر أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطبها ~~فنهي عن ذلك { إلا ما ملكت يمينك } قال ابن عباس: ملك بعد هؤلاء مارية { ~~وكان الله على كل شيء رقيبا } أي حافظا وفي الآية دليل على جواز النظر ~~إلى من يريد نكاحها من النساء، ويدل عليه ما روى عن جابر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا خطب أحدكم المرأة فان استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها ~~فليفعل " # أخرجه أبو داود. م عن أبي هريرة " أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من ~~الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم # " انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا " # قال الحميدي: يعني هو الصغر عن المغيرة بن شعبة قال: # " خطبت امرأة فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم هل نظرت إليها قلت: لا ~~قال فانظر إليها فانه أحرى أن يؤدم بينكما " # أخرجه الترمذي: وقال حديث حسن. ### || [33.53] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن ~~لكم } الآية قال أكثر المفسرين نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب بنت جحش ~~حين بنى لها رسول الله صلى الله عليه سلم ق عن أنس بن مالك: أنه كان ابن ~~عشر سنين مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، قال فكانت أم هانىء ~~تواظبني على خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخدمته عشر سنين وتوفي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشرين سنة، وكنت أعلم الناس بشأن ~~الحجاب حين أنزل، وكان أول ما نزل في ms2619 مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بزينب بنت جحش حين أصبح النبي صلى الله عليه وسلم بها عروسا فدعا القوم ~~فأصابوا من الطعام ثم خرجوا، وبقي رهط عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأطالوا المكث فقام النبي صلى الله عليه وسلم فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا ~~فمشى النبي صلى الله عليه وسلم ومشيت معه حتى جاء عتبة حجرة عائشة ثم ظن ~~أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس ولم ~~يقوموا فرجع النبي صلى الله عليه وسلم ورجعت، حتى إذا بلغ عتبة حجرة ~~عائشة، وظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي ~~صلى الله عليه وسلم بيني وبينه بالستر وأنزل الحجاب زاد في رواية قال دخل ~~يعني النبي صلى الله عليه وسلم البيت وأرخى الستر، وإني لفي الحجرة وهو ~~يقول { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم } إلى ~~قوله { والله لا يستحيي من الحق } ق عن عائشة " أن أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم كن يخرجن بالليل، إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح، وكان ~~عمر رضي الله عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم، احجب نساءك فلم يكن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة فنادها عمر ألا ~~قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب فأنزل الله الحجاب " المناصع ~~المواضع الخالية، لقضاء الحاجة من البول أو الغائط والصعيد وجه الأرض ~~والأفيح الواسع ق، عن أنس وابن عمر أن عمر قال " وافقت ربي في ثلاث قلت ~~يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزل # واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى # [البقرة: 125] وقلت: يا رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر فلو ~~أمرتهن أن يحتجبن فنزلت الآية الحجاب واجتمع نساء النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الغيرة فقلت عسى ربه إن طلقكن أن يبدله ms2620 أزواجا خيرا منكن فنزلت ~~كذلك. # وقال ابن عباس: إنها نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الطعام قبل أن يدرك ثم يأكلون، ~~ولا يخرجون وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأذى بهم، فنزلت الآية { ~~يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم } يعني إلا أن ~~تدعوا { إلى طعام } فيؤذن لكم فتأكلون { غير ناظرين إناه } يعني منتظرين ~~نضجه ووقت إدراكه { ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم } أي أكلتم الطعام ~~{ فانتشروا } أي فاخرجوا من منزله وتفرقوا { ولا مستأنسين لحديث } أي لا ~~تطيلوا الجلوس ليستأنس بعضكم بحديث بعض، وكانوا يجلسون بعد الطعام ~~يتحدثون فنهوا عن ذلك { إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم } أي ~~فيستحيي من إخراجكم { والله لا يستحيي من الحق } أي لا يترك تأديبكم ~~وبيان الحق حياء ولما كان الحياء مما يمنع الحيي من بعض الأفعال، وقيل: ~~لا يستحيي من الحق بمعنى لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحيي منكم وهذا أدب ~~أدب الله به الثقلاء، وقيل: بحسبك من الثقلاء أن الله لم يحتملهم { وإذا ~~سألتموهن متاعا } أي وإذا سألتم نساء النبي صلى الله عليه وسلم حاجة { ~~فاسألوهن من وراء حجاب } أي من وراء ستر فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ~~ينظر إلى امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم متنقبة كانت أو غير ~~متنقبة { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } أي من الريب { وما كان لكم أن ~~تؤذوا رسول الله } أي ليس لكم أذاه في شيء من الأشياء { ولا أن تنكحوا ~~أزواجه من بعده أبدا } نزلت في رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~سلم، قال إذا: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأنكحن عائشة. قيل هو ~~طلحة بن عبيد الله فأخبر الله أن ذلك محرم، وقال { إن ذلكم كان عند الله ~~عظيما } أي ذنبا عظيما وهذا من إعلام تعظيم الله لرسوله الله صلى الله ~~عليه وسلم، وإيجاب حرمته حيا وميتا وإعلامه ms2621 بذلك مما طيب نفسه وسر قلبه ~~واستفرغ شكره فإن من الناس من تفرط غيرته على حرمه حتى يتمنى لها الموت ~~قبله لئلا تنكح بعده. ### || [33.54-56] # { إن تبدوا شيئا } أي من أمر نكاحهن على ألسنتكم { أو تخفوه } أي في ~~صدوركم { فإن الله كان بكل شيء عليما } أي يعلم سركم وعلانيتكم، نزلت ~~فيمن أضمر نكاح عائشة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: قال رجل من ~~الصحابة ما بالنا نمنع من الدخول على بنات أعمامنا، فنزلت هذه الآية، ~~ولما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله، ونحن ~~أيضا يا رسول الله نكلمهن من وراء حجاب فأنزل الله عز وجل { لا جناح ~~عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء ~~أخواتهن } أي لا إثم عليهن في ترك الحجاب عن هؤلاء الأصناف من الأقارب { ~~ولا نسائهن } قيل أراد به النساء المسلمات، حتى لا يجوز للكتابيات الدخول ~~على أزواج رسول الله صلى الله عليه سلم وقيل هو عام في المسلمات ~~والكتابيات وإنما قال ولا نسائهن لأنهن من أجناسهن { ولا ما ملكت أيمانهن ~~} اختلفوا في أن عبد المرأة هل يكون محرما لها أم لا فقال قوم بل يكون ~~محرما لقوله تعالى ولا ما ملكت أيمانهن، وقال قوم العبد كالأجانب ~~والمراد من الآية الإماء دون العبيد { واتقين الله } أي أن يراكن أحد غير ~~هؤلاء { إن الله كان على كل شيء } أي من أعمال العباد { شهيدا } قوله عز ~~وجل { إن الله وملائكته يصلون على النبي } قال ابن عباس: أراد أن الله ~~يرحم النبي، والملائكة يدعون له وعنه أيضا يصلون يتبركون وقيل الصلاة من ~~الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار فصلاته ثناؤه عليه عند ملائكته وصلاة ~~الملائكة الدعاء { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه } أي ادعوا له بالرحمة ~~{ وسلموا تسليما } أي حيوه بتحية الإسلام. فصل في صفة الصلاة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وفضلها اتفق العلماء على وجوب الصلاة على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم اختلفوا فقيل تجب في العمر مرة ms2622 وهو الأكثر وقيل: تجب ~~في كل صلاة في التشهد الأخير وهو مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد ~~وقيل: تجب كلما ذكر واختاره الطحاوي من الحنفية والحليمي من الشافعية ~~والواجب اللهم صل على محمد وما زاد سنة ق عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ~~لقيني كعب بن عجرة فقال ألا أهدي لك هدية إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خرج علينا فقلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ ~~قال: # " قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد " # ق عن أبي حميد الساعدي قال: قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك قال # " قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم ~~وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد ~~" # م عن أبي مسعود البدري قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في ~~مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول ~~الله فكيف نصلي عليك، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه ~~لم يسأله ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على ~~محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد ~~والسلام كما قد علمتم " # م عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا " # عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا، وحطت عنه عشر خطيئات ~~ورفعت له عشر درجات " # أخرجه الترمذي وله # " عن أبي طلحة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم والبشر ms2623 في ~~وجهه فقلت إنا لنرى البشر في وجهك قال: أتاني الملك فقال يا محمد إن ربك ~~يقول أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشرا، ولا يسلم عليك ~~أحد إلا سلمت عليه عشرا " " # وله عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن لله ملائكة سياحين في الأرض، يبلغوني عن أمتي السلام " # عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. وله عن علي بن أبي طالب قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " البخيل الذي ذكرت عنده فلم يصل علي " # أخرجه الترمذي: وقال حديث حسن غريب صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل اللهم ~~صلي على محمد النبي الأمي، وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما ~~صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد " # أخرجه أبو داود. ### || [33.57-67] # قوله عز وجل: { إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا ~~والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا } قال ابن عباس هم اليهود والنصارى ~~والمشركون فأما اليهود فقالوا: عزير ابن الله ويد الله مغلولة وقالوا إن ~~الله فقير ونحن أغنياء وأما النصارى فقالوا المسيح ابن الله وثالث ثلاثة ~~وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه خ عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يقول الله عز وجل كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ~~ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون ~~علي من إعادته وأما شتمه إياي، فقوله اتخذ ولدا وأنا الأحد الصمد لم ~~يلد، ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " # ق عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " قال الله عز وجل يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي أقلب الليل ~~والنهار ms2624 " # معنى هذا الحديث: أنه كان من عادة العرب في الجاهلية أن يذموا الدهر ~~ويسبوه عند النوازل، لاعتقادهم أن الذي يصيبهم من أفعال الدهر فقال الله ~~تعالى أنا الدهر أي أنا الذي أحل بهم النوازل، وأنا فاعل لذلك الذي ~~تنسبونه إلى الدهر في زعمكم، وقيل معنى يؤذون الله يلحدون في أسمائه ~~وصفاته وقيل: هم أصحاب التصاوير ق عن أبي هريرة قال سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم. يقول # " قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة وليخلقوا ~~حبة أو شعيرة " # وقيل: يؤذون الله أي يؤذون أولياء الله، كما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " قال الله تعالى من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب " # وقال تعالى: # " من أهان وليا فقد بارزني بالمحاربة " # ومعنى الأذى هو مخالفة أمر الله تعالى وارتكاب المعاصي، ذكر ذلك على ما ~~يتعارفه الناس بينهم لأن الله تعالى منزه عن أن يلحقه أذى من أحد، وأما ~~إيذاء الرسول فقال ابن عباس هو أنه شج وجهه وكسرت رباعيته وقيل ساحر شاعر ~~معلم مجنون { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا } أي من ~~غير أن عملوا ما أوجب أذاهم وقيل يقعون فيهم ويرمونهم بغير جرم { فقد ~~احتملوا بهتانا وإثما مبينا } قيل إنها نزلت في علي بن أبي طالب كانوا ~~يؤذونه، ويشتمونه وقيل نزلت في شأن عائشة وقيل نزلت في الزناة الذين ~~يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء، إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن ~~فيتبعون المرأة فإن سكتت تبعوها، وإن زجرتهم انتهوا عنها ولم يكونوا ~~يطلبون إلا الإماء ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة لأن زي الكل كان ~~واحدا تخرج الحرة والأمة في درع وخمار فشكوا ذلك إلى أزواجهن، فذكروا ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت { والذين يؤذون المؤمنين ~~والمؤمنات } الآية، ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء، فقال تعالى، { يا ~~أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين }. # أي يرخين ويغطين { عليهن من جلابيبهن } جمع جلباب وهو الملاءة التي تشمل ~~بها المرأة فوق ms2625 الدرع والخمار، وقيل هو الملحفة وكل ما يستتر به من كساء، ~~وغيره. قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن ~~بالجلابيب إلا عينا واحدة ليعلم أنهن حرائر وهو قوله تعالى { ذلك أدنى أن ~~يعرفن فلا يؤذين } أي لا يتعرض لهن { وكان الله غفورا رحيما } أي لما ~~سلف منهن قال أنس: مرت بعمر بن الخطاب جارية متنقبة فعلاها بالدرة، وقال ~~يالكاع اتتشبهين بالحرائر ألق القناع. لكاع كلمة تقال لمن يستحقر به مثل ~~العبد والأمة والخامل والقليل العقل مثل قولك يا خسيس. قوله تعالى { لئن ~~لم ينته المنافقون } أي عن نفاقهم { والذين في قلوبهم مرض } أي فجور وهم ~~الزناة { والمرجفون في المدينة } أي بالكذب وذلك أن ناسا منهم كانوا إذا ~~خرجت سرايا رسول الله صلى لله عليه وسلم يوقعون في الناس أنهم قد قتلوا ~~وهزموا ويقولون: قد أتاكم العدو ونحو هذا من الأراجيف، وقيل: كانوا يحبون ~~أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا وتفشوا الأخبار { لنغرينك بهم } يعني ~~لنحرشنك بهم ولنسلطنك عليهم { ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا } أي لا ~~يساكنونك في المدينة إلا قليلا أي حتى يخرجوا منها وقيل لنسلطنك عليهم ~~حتى تقتلهم وتخلي منهم المدينة { ملعونين } أي مطرودين { أينما ثقفوا } ~~أي وجدوا وأدركوا { أخذوا وقتلوا تقتيلا } أي الحكم فيهم هذا على الأمر ~~به { سنة الله } أي كسنة الله { في الذين خلوا من قبل } أي في المنافقين ~~والذين فعلوا مثل ما فعل هؤلاء أن يقتلوا حيثما ثقفوا { ولن تجد لسنة ~~الله تبديلا } قوله عز وجل { يسألك الناس عن الساعة } قيل إن المشركين ~~كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن وقت قيام الساعة ~~استعجالا على سبيل الهزء وكان اليهود يسألونه عن الساعة امتحانا، لأن ~~الله تعالى عمى عليهم علم وقتها في التوراة فأمر الله تعالى نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن يجيبهم بقوله { قل إنما علمها عند الله } يعني إن الله ~~تعالى قد استأثر به ولم يطلع عليه نبيا ولا ملكا { وما يدريك } أي أي ~~شيء يعلمك أمر الساعة ms2626 ومتى يكون قيامها { لعل الساعة تكون قريبا } أي ~~إنها قريبة الوقوع وفيه تهديد للمستعجلين، وإسكات للممتحنين { إن الله ~~لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا ~~نصيرا يوم تقلب وجوههم في النار } أي تتقلب ظهر البطن حين يسحبون عليها ~~{ يقولون يا ليتنا أطعنا الرسولا } أي في الدنيا { وقالوا ربنا إنا أطعنا ~~سادتنا وكبراءنا } يعني رؤوس الكفر الذين لقنوهم الكفر، وزينوه لهم { ~~فأضلونا السبيلا } يعني سبيل الهدى. ### || [33.68-72] # { ربنا آتهم } يعنون السادة والكبراء { ضعفين من العذاب } يعني ضعفي ~~عذاب غيرهم { والعنهم لعنا كبيرا } قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا ~~لا تكونوا كالذين أذوا موسى فبرأه الله مما قالوا } يعني فطهره الله مما ~~قالوا فيه { وكان عند الله وجيها } يعني كريما ذا جاه وقد قال ابن عباس ~~كان حظيا عند الله لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه، وقيل كان مستجاب ~~الدعوة وقيل كان محببا مقبولا واختلفوا فيما أوذي به موسى، فروى أبو ~~هريرة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض وكان موسى عليه ~~السلام يغتسل، وحده فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر ~~قال فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه قال فجمع موسى، ~~بأثره يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى ~~فقالوا: والله ما بموسى من بأس فقام الحجر حتى نظر إليه قال فأخذ ثوبه ~~فطفق بالحجر ضربا " # قال أبو هريرة والله إن بالحجر ندبا ستة أو سبعة من ضرب موسى الحجر ~~أخرجه البخاري ومسلم وللبخاري، قال قال رسول الله صلى الله عليه سلم # " إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى شيء من جسده استحياء منه، ~~فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا ما يستتر هذا التستر إلا من عيب ~~بجلده، إما برص وإما أدرة وإما آفة وأن الله أراد أن يبرئه مما قالوا ~~لموسى فخلا يوما وحده، فوضع ثيابه على الحجر ثم ms2627 اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ~~ثيابه ليأخذها وأن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى العصا وطلب الحجر وجعل ~~يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، ورأوه عريانا ~~أحسن ما خلق الله، وبرأة مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه ولبسه وطفق ~~بالحجر ضربا بعصاه فوالله إن بالحجر لندبا من أثر الضرب ثلاثا أو ~~أربعا أو خمسا " # فذلك قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ~~فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها } الأدرة عظم الخصية لنفخة ~~فيها، وقوله فجمح أي أسرع وقوله ثوبي حجر أي دع ثوبي يا حجر قوله وطفق أي ~~جعل يضرب الحجر، وقوله ندبا هو بفتح النون والدال وهو الأصح وأصله أثر ~~الجرح، إذا لم يرتفع عن الجلد فشبه به الضرب، بالحجر، المحدثون يقولون ~~ندبا بسكون الدال وقيل في معنى الآية أن أذاهم إياه، أنه لما مات هارون ~~في التيه ادعوا على موسى أنه قتله فأمر الله تعالى الملائكة حتى مروا به ~~على بني إسرائيل فعرفوا أنه لم يقتله فبرأه الله مما قالوا: وقيل إن ~~قارون استأجر بغيا لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ فعصمها الله، وبرأ ~~موسى من ذلك وأهلك قارون ق # " عن عبد الله بن مسعود قال " لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ناسا في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى ~~عيينة بن حصن مثل ذلك وأعطى ناسا من أشراف العرب وآثرهم في القسمة فقال ~~رجل والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله فقلت والله ~~لأخبرن رسول لله صلى الله عليه وسلم قال فأتيته فأخبرته بما قال: فتغير ~~وجهه حتى كان كالصرف ثم قال فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ثم قال: ~~يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر " " # الصرف بكسر الصاد صبغ أحمر يصبغ به الأديم. قوله تعالى { يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا }. قال ابن عباس صوابا ms2628 وقيل: ~~عدلا وقيل صدقا وقيل قول هو لا إله إلا الله { يصلح لكم أعمالكم } قال ~~ابن عباس: يتقبل حسناتكم { ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز ~~فوزا عظيما } أي ظفر بالخير العظيم. قوله عز وجل { إنا عرضنا الأمانة ~~على السموات والأرض والجبال } الآية قال ابن عباس: أراد بالأمانة الطاعة ~~والفرائض التي فرضها الله على عباده عرضها على السموات والأرض والجبال ~~على أنهم إذا أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم وقال ابن مسعود: الأمانة ~~أداء الصلوات وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وصدق الحديث، وقضاء ~~الدين والعدل في المكيال والميزان وأشد من هذا كله الودائع وقيل: جميع ما ~~أمروا به ونهوا عنه وقيل هي الصوم وغسل الجنابة وما يخفى من الشرائع، ~~وقال عبد الله بن عمرو بن العاص أول ما خلق الله من الإنسان الفرج وقال: ~~هذه الأمانة استودعكها فالفرج أمانة والأذن أمانة والعين أمانة واليد ~~أمانة والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له، وفي رواية عن ابن عباس ~~هي أمانات الناس والوفاء بالعهود فحق على كل مؤمن أن لا يغش مؤمنا، ولا ~~معادا في شيء لا في قليل ولا كثير فعرض الله تعالى هذه الأمانة على ~~أعيان السموات ولأرض والجبال وهذا قول جماعة من التابعين وأكثر السلف ~~فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها قلن وما فيها قال: إن أحسنتن ~~جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن قلن يا رب نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا ~~عقابا وقلن ذلك خوفا وخشية وتعظيما لدين الله تعالى: أن لا يقوموا بها ~~لا معصية ولا مخالفة لأمره، وكان العرض عليهم تخييرا لا إلزاما، ولو ~~ألزمهن لم يمتنعن من حملها والجمادات كلها خاضعة لله عز وجل، مطيعة لأمره ~~ساجدة له قال بعض أهل العلم ركب الله تعالى فيهن العقل والفهم حين عرض ~~عليهم الأمانة، حتى عقلن الخطاب وأجبن بما أجبن وقيل المراد من العرض على ~~السموات والأرض، هو العرض على أهلها من الملائكة دون أعيانها، والقول ~~الأول أصح وهو قول العلماء { فأبين أن يحملنها ms2629 وأشفقن منها } أي خفن من ~~الأمانة أن لا يؤدينها فيلحقهن العقاب { وحملها الإنسان } يعني آدم قال ~~الله عز وجل لآدم إني عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم ~~تطقها، فهل أنت آخذها بما فيها قال يا رب، وما فيها قال: إن أحسنت جوزيت ~~وإن أسأت عوقبت فتحملها آدم فقال: بين أذني وعاتقي قال الله أما إذا ~~تحملت فسأعينك وأجعل لبصرك حجابا فإذا خشيت أن لا تنظر إلى ما لا يحل ~~فارخ عليه حجابه واجعل للسانك لحيين وغلاقا فإذا خشيت فأغلقه، واجعل ~~لفرجك لباسا فلا تكشفه على ما حرمت عليك قال مجاهد فما كان بين أن ~~تحملها، وبين أن أخرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر والعصر وقيل إن ما ~~كلف الإنسان حمله بلغ من عظمه، وثقل محمله أنه عرض على أعظم ما خلق الله ~~تعالى من الإجرام، وأقواه وأشده أن يحتمله ويستقبل به فأبى حمله وأشفق ~~منه وحمله الإنسان على ضعفه وضعف قوته { إنه كان ظلوما جهولا }. # قال ابن عباس: إنه كان ظلوما لنفسه جهولا بأمر ربه وما تحمل من ~~الأمانة وقيل ظلوما حين عصى ربه جهولا أي لا يدري ما العقاب في ترك ~~الأمانة وقيل ظلوما جهولا حيث حمل الأمانة، ثم لم يف بها وضمنها ولم يف ~~بضمانها وقيل في تفسير الآية أقوال أخر، وهو أن الله تعالى ائتمن السموات ~~والأرض والجبال على كل شيء، وائتمن آدم وأولاده على شيء فالأمانة في حق ~~الأجرام العظام هي الخضوع والطاعة لما خلقهن له، وقوله فأبين أن يحملنها ~~أي أدين الأمانة ولم يخن فيها وأما الأمانة في حق بني آدم، فهي ما ذكر من ~~الطاعة والقيام بالفرائض وقوله وحملها الإنسان أي خان فيها، وعلى هذا ~~القول حكي عن الحسن أنه قال الإنسان هو الكافر والمنافق حملا الأمانة ~~وخانا فيها، والقول الأول هو قول السلف وهو الأولى. فصل في الأمانة ق عن ~~حذيفة بن اليمان قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت ~~أحدهما وأنا انتظر الآخر حدثنا # " إن ms2630 الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن ~~وعلموا من السنة " # ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: # " ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت ثم ~~ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل كجمر ~~دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا، وليس فيه شيء ثم أخذ حصاة فدحرجها ~~على رجله، فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: إن ~~في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال: للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله ~~وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ولقد أتى على زمان وما أبالي ~~أيكم بايعت لئن كان مسلما ليردنه على دينه، ولئن كان نصرانيا أو ~~يهوديا ليردنه على ساعيه وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا ~~وفلانا " # قوله: نزلت الأمانة في جذر قلوب الرجال جذر الشيء أصله والوكت الأثر ~~اليسير، كالنقطة في الشيء من غير لونه، والمجل غلظ الجلد من أثر العمل ~~وقيل إنما هو النفطات في الجلد، وقد فسره الحديث والمنتبر المنتفخ وليس ~~فيه شيء خ عن أبي هريرة قال # " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم فجاء أعرابي ~~فقال متى الساعة فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث فقال بعض القوم ~~سمع ما قال فكره ما قال وقال بعضهم لم يسمع حتى إذا قضى حديثه قال: " أين ~~السائل عن الساعة قال: ها أنا يا رسول الله قال إذا ضيعت الأمانة فانتظر ~~الساعة قال: كيف إضاعتها يا رسول الله قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله ~~فانتظر الساعة " " # وعنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم # " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " # أخرجه أبو داود والترمذي. وقال حديث حسن غريب. ### || [33.73] # قوله تعالى: { ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } ~~أي بما خانوا الأمانة ونقضوا العهد { ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ~~} أي يهديهم ويرحمهم بما أدوا من الأمانة. وقيل: عرضنا الأمانة ليظهر ~~نفاق المنافق ms2631 وشرك المشرك فيعذبهما الله، ويظهر إيمان المؤمن فيتوب عليه ~~أي يعود عليه بالرحمة والمغفرة إن حصل منه تقصير في بعض الطاعات { وكان ~~الله غفورا رحيما } والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-4] # قوله عز وجل: { الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض } معناه ~~أن كل نعمة من الله، فهو الحقيق بأن يحمد ويثنى عليه من أجلها، ولما قال: ~~الحمد لله وصف ملكه فقال: الذي له ما في السموات وما في الأرض أي ملكا ~~وخلقا { وله الحمد في الآخرة } أي كما هو له في الدنيا لأن النعم في ~~الدارين كلها منه، فكما أنه المحمود على نعم الدنيا فهو المحمود على نعم ~~الآخرة وقيل: الحمد في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما ورد " يلهمون التسبيح ~~والحمد كما يلهمون النفس " { وهو الحكيم } أي الذي أحكم أمور الدارين { ~~الخبير } أي بكل ما كان وما يكون { يعلم ما يلج في الأرض } أي من المطر ~~والكنوز والأموات { وما يخرج منها } أي من النبات والشجر والعيون ~~والمعادن والأموات إذا بعثوا { وما ينزل من السماء } أي من المطر والثلج ~~والبرد، وأنواع البركات والملائكة { وما يعرج فيها } أي في السماء من ~~الملائكة وأعمال العباد { وهو الرحيم الغفور } أي للمفرطين في أداء ما ~~وجب عليهم من شكر نعمه قوله تعالى { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة } ~~معناه أنهم أنكروا البعث وقيل: استبطؤوا ما وعدوه من قيام الساعة على ~~سبيل اللهو والسخرية { قل بلى وربي لتأتينكم } يعني الساعة { عالم الغيب ~~} أي لا يفوت علمه شيء من الخفيات وإذا كان كذلك اندرج في علمه، وقت قيام ~~الساعة وأنها أتية { لا يعزب عنه } أي لا يغيب عنه { مثقال ذرة } يعني ~~وزن ذرة { في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك } أي من الذرة { ولا ~~أكبر إلا من كتاب مبين } يعني في اللوح المحفوظ { ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة } أي لذنوبهم { ورزق كريم } يعني الجنة. ### || [34.5-12] # { والذين سعوا في آياتنا } يعني في إبطال أدلتنا معجزين ms2632 يعني يحسبون ~~أنهم يفوتوننا { أولئك لهم عذاب من رجز أليم } قيل الرجز سوء العذاب { ~~ويرى الذين أوتوا العلم } يعني مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام ~~وأصحابه، وقيل هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم { الذي أنزل إليك من ~~ربك } يعني القرآن { وهو الحق } يعني أنه من عند الله { ويهدي } أي ~~القرآن { إلى صراط العزيز الحميد } أي إلى دين الإسلام { وقال الذين ~~كفروا } أي المنكرين للبعث المتعجبين منه { هل ندلكم } أي قال بعضهم لبعض ~~هل ندلكم { على رجل ينبئكم } يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم معناه ~~يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب وهي أنكم { إذا مزقتم كل ممزق } أي قطعتم كل ~~تقطيع وفرقتم كل تفريق، وصرتم ترابا { إنكم لفي خلق جديد } أي يقول إنكم ~~تبعثون وتنشئون خلقا جديدا بعد أن تكونوا رفاتا وترابا { أفترى على ~~الله كذبا } أي أهو مفتر على الله كذبا فيما ينسب إليه من ذلك؟ { أم به ~~جنة } أي جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه قال الله تعالى: ردا عليهم ~~ليس بمحمد صلى الله عليه وسلم من الافتراء والجنون شيء وهو مبرأ منهما { ~~بل الذين لا يؤمنون بالآخرة } يعني منكري البعث { في العذاب والضلال ~~البعيد } أي عن الحق في الدنيا { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم ~~من السماء والأرض } أي فيعلموا أنهم حيث كانوا في أرضي وتحت سمائي، فإن ~~أرضي وسمائي محيطة بهم لا يخرجون من أقطارها وأنا قادر عليهم { إن نشأ ~~نخسف بهم الأرض } أي كما خسفنا بقارون { أو نسقط عليهم كسفا من السماء } ~~أي كما فعلنا بأصحاب الأيكة { إن في ذلك } أي فيما ترون في السماء والأرض ~~{ لآية } أي تدل على قدرتنا على البعث بعد الموت { لكل عبد منيب } أي ~~تائب راجع إلى الله تعالى بقلبه. قوله عز وجل { ولقد آتينا داود منا ~~فضلا } يعني النبوة والكتاب. وقيل الملك وقيل هو جميع ما أوتي من حسن ~~الصوت، وغير ذلك مما خص به { يا جبال أوبي معه } أي وقلنا يا جبال سبحي ~~معه إذا سبح وقيل: ms2633 رجعي معه إذا رجع ونوحي معه إذا ناح { والطير } أي ~~وأمرنا الطير أن تسبح معه فكان داود إذا نادى بالتسبيح أو بالناحية ~~أجابته الجبال بصداها، وعكفت الطير عليه من فوقه وقيل كان داود إذا لحقه ~~ملل أو فتور أسمعه الله تعالى تسبيح الجبال فينشط له { وألنا له الحديد } ~~يعني كان الحديد في يده كالشمع أو كالعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ~~ولا ضرب مطرقة قيل سبب ذلك أن داود عليه السلام لما ملك بني إسرائيل كان ~~من عادته أن يخرج إلى الناس متنكرا فإذا رأى إنسانا لا يعرفه تقدم إليه، ~~وسأله عن داود فيقول له ما تقول في داود وإليكم هذا أي رجل هو فيثنون ~~عليه ويقولون خيرا فقيض الله له ملكا في صورة آدمي، فلما رآه داود تقدم ~~إليه على عادته فسأله فقال الملك: نعم الرجل هو لولا خصلة فيه فراع داود ~~عليه الصلاة والسلام، ذلك، وقال ما هي يا عبد الله قال: إنه يأكل ويطعم ~~عياله من بيت المال قال فتنبه لذلك وسأل الله تعالى أن يسبب له سببا ~~يستغني به عن بيت المال فيتقوت منه ويطعم عياله فألان الله له الحديد ~~وعلمه صنعة الدروع وأنه أول من اتخذها، وكانت قبل ذلك صفائح وقيل إنه كان ~~يبيع كل درع بأربعة آلاف فيأكل منها، ويطعم عياله ويتصدق منها على ~~الفقراء والمساكين وقد صح في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " كان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده " # { أن اعمل سابغات } أي دروعا كوامل واسعات طوالا تسحب في الأرض قيل: ~~كان يعمل كل يوم درعا { وقدر في السرد } أي ضيق في نسخ الدرع وقيل قدر ~~المسامير في حلق الدرع ولا تجعل المسامير دقاقا فتفلت ولا تثبت، ولا ~~غلاظا فتكسر الحلق وقيل قدر في السرد أي اجعله على القصد وقدر الحاجة { ~~واعملوا صالحا } يريد داود وآله { إني بما تعملون بصير }. قوله تعالى { ~~ولسليمان الريح } أي وسخرنا لسليمان الريح { غدوها شهر ورواحها شهر } ~~معناه ms2634 أن مسير غدو تلك الريح المسخرة له مسيرة شهر ومسير رواحها مسيرة ~~شهر فكانت تسير به في يوم واحد مسيرة شهرين، قيل كان يغدو من دمشق فيقيل ~~باصطخر وبينهما مسيرة شهر، ثم يروح من اصطخر فيبيت بكابل وبينهما مسيرة ~~شهر للراكب المسرع وقيل إنه كان يتغذى بالري ويتعشى بسمرقندى { وأسلنا له ~~عين القطر } أي أذبنا له عين النحاس قال أهل التفسير: أجريب له عين ~~النحاس ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، وكان بأرض اليمن وقيل أذاب الله ~~لسليمان النحاس كما ألان لداود الحديد { ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ~~ربه } أي بأمر ربه قال ابن عباس سخر الله الجن لسليمان عليه الصلاة ~~والسلام، وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به { ومن يزغ } أي يعدل { منهم } من ~~الجن { عن أمرنا } أي الذي أمرنا به من طاعة سليمان { نذقه من عذاب ~~السعير } قيل هذا في الآخرة وقيل: في الدنيا وذلك أن الله تعالى وكل بهم ~~ملكا بيده سوط من نار فمن زاغ منهم عن طاعة سليمان ضربه بذلك السوط ضربة ~~أحرقته. ### || [34.13-14] # { يعملون له ما يشاء من محاريب } أي مساجد وقيل: هي الأبنية المرتفعة ~~والقصور والمجالس الشريفة المصونة عن الابتذال، وكان مما عملوا له بيت ~~المقدس وذلك أن داود عليه الصلاة والسلام ابتدأه ورفعه قامة رجل، فأوحى ~~الله إليه لم أقض ذلك على يدك ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمه سليمان أقضي ~~إتمامه على يديه فلما توفي داود عليه السلام واستخلف سليمان عليه الصلاة ~~والسلام أحب إتمام بيت المقدس فجمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال، ~~وخص كل طائفة بعمل فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والبلور من ~~معادنهما وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفائح وجعلها اثني عشر ربضا ~~وأنزل على كل ربض منها سبطا من الأسباط، فلما فرغ من بناء المدينة ابتدأ ~~في بناء المسجد فوجه الشياطين فرقا منهم من يستخرج الذهب والفضة من ~~معادنهما، ومنهم من يستخرج الجواهر واليواقيت والدر الصافي من أماكنها، ~~ومنهم من يأتيه بالمسك والعنبر والطيب من أماكنها فأتى من ذلك ms2635 بشيء كثير ~~لا يحصيه إلا الله تعالى ثم أحضر الصناع وأمرهم بنحت تلك الأحجار ~~وتصييرها ألواحا وإصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت واللآلىء فبنى المسجد ~~بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين البلور الصافي وسقفه ~~بأنواع الجواهر الثمينة، وفصص سقوفه وحيطانه باللآلىء واليواقيت وسائر ~~الجواهر وبسط أرضه بألواح الفيروزج فلم يكن على وجه تلك الأرض يومئذ بيت ~~أبهى ولا أنور من ذلك المسجد فكان يضيء في الظلمة، كالقمر ليلة البدر ~~فلما فرغ منه جمع إليه أحبار بني إسرائيل، وأعلمهم أنه بناه لله تعالى ~~وأن كل شيء فيه خالص له واتخذ ذلك اليوم عيدا. روى عبد الله بن عمرو بن ~~العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله عز وجل، حكما يوافق ~~حكمه فأوتيه وسأل الله تعالى ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل ~~الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة ~~فيه إلا أخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه " # أخرجه النسائي ولغير النسائي، " سأل ربه ثلاثا فأعطاه اثنتين، وأنا ~~أرجو أن يكون أعطاه الثالثة " وذكر نحوه قوله لا ينهزه أي لا ينهضه إلا ~~الصلاة قالوا: فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان عليه الصلاة ~~والسلام حتى غزاه بختنصر فخرب المدينة، وهدم المسجد وأخذ ما فيه من الذهب ~~والفضة وسائر أنواع الجواهر، وحمله إلى دار ملكه بالعراق وبنى الشياطين ~~لسليمان باليمن قصورا وحصونا عجيبة من الصخر. وقوله عز وجل { وتماثيل } ~~أي ويعملون له تماثيل أي صورا من نحاس ورخام وزجاج قيل كانوا يصورون ~~السباع والطيور وغيرها، وقيل كانوا يصورون صور الملائكة والأنبياء ~~والصالحين في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة قيل: يحتمل أن اتخاذ ~~الصور كان مباحا في شريعتهم وهذا مما يجوز أن يختلف فيه الشرائع، لأنه ~~ليس من الأمور القبيحة في العقل كالقتل والظلم والكذب ونحوها مما يقبح في ~~كل الشرائع قيل: عملوا له أسدين تحت كرسيه ونسرين فوقه فإذا ms2636 أراد أن يصعد ~~بسط له الأسدان ذراعيهما، وإذا جلس أظله النسران بأجنحتهما وقيل: عملوا ~~له الطواويس والعقبان والنسور على درجات سريره وفوق كرسيه لكي يهابه من ~~أراد الدنو منه { وجفان } أي قصاع { كالجواب } أي كالحياض التي يجبى فيها ~~الماء أي يجتمع قيل كان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل يأكلون منها { ~~وقدور راسيات } أي ثابتات على أثافيها لا تحرك، ولا تنزل عن أماكنها ~~لعظمهن وكان يصعد إليها بالسلالم وكان باليمن { اعملوا آل داود شكرا } ~~أي وقلنا يا آل داود واعملوا بطاعة الله تعالى شكرا على نعمه قيل: ~~المراد من آل داود نفسه وقيل داود وسليمان وأهل بيته قال ثابت البناني ~~كان داود نبي الله عليه الصلاة والسلام قد جزأ ساعات الليل والنهار على ~~أهله فلم تكن تأتي ساعة من ليل أو نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي ~~{ وقليل من عبادي الشكور } أي قليل العامل بطاعتي شكرا لنعمتي. # قوله تعالى { فلما قضينا عليه الموت } أي على سليمان قال: العلماء: كان ~~سليمان يتجرد للعبادة في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين، ~~وأقل من ذلك وأكثر فيدخل فيه ومعه طعامه وشرابهم فدخله المرة التي مات ~~فيها وكان سبب ذلك أنه كان لا يصبح يوما إلا وقد نبتت في محرابه ببيت ~~المقدس شجرة فيسألها: ما اسمك؟ فتقول: كذا وكذا فيقول لأي شيء خلقت؟ ~~فتقول: لكذا وكذا فيأمر بها فتقطع. فإن كانت لغرس أمره بها فغرست وإن ~~كانت لدواء كتب ذلك حتى نبتت الخروبة فقال: لها ما أنت قالت أنا الخروبة ~~قال ولأي شيء نبت قالت لخراب مسجدك، قال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا ~~حي أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، ثم نزعها وغرسها في حائط ~~له ثم قال: اللهم عم على الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون ~~الغيب، وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب شيئا، ويعلمون ما في ~~غد ثم دخل المحراب وقام يصلي على عادته متكئا على عصاه فمات قائما، ~~وكان للمحراب كوى ms2637 من بين يديه، ومن خلقه فكان الجن يعملون تلك الأعمال ~~الشاقة التي كانوا يعملون في حياة سليمان، وينظرون إليه ويحسبون أنه حي ~~ولا ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس لطول صلاته، وانقطاعه قبل ذلك ~~فمكثوا يدأبون بعد موته حولا كاملا حتى أكلت الأرضة عصا سليمان، فخر ~~ميتا فعلموا بموته قال ابن عباس: فشكرت الجن الأرضة فهم يأتونها بالماء ~~والطين في جوف الخشب فذلك قوله تعالى { ما دلهم على موته إلا دابة الأرض ~~} يعني الأرضة { تأكل منسأته } قال البخاري يعني عصاه { فلما خر تبينت ~~الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين } معناه علمت ~~الجن وأيقنت أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في التعب والشقاء مسخرين ~~لسليمان، وهو ميت ويظنونه حيا أراد الله تعالى بذلك أن يعلم الجن أنه لا ~~يعلمون الغيب لأنهم كانوا يظنون ذلك لجهلهم وقيل في معنى الآية أنه ظهر ~~أمر الجن وانكشف للانس أنهم لا يعلمون الغيب لأنهم كانوا قد شبهوا على ~~الإنس ذلك ذكر أهل التاريخ أن سليمان ملك، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وبقي ~~في الملك مدة أربعين سنة وشرع في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ~~ملكه، وتوفي وهو ابن ثلاث وخمسين. ### || [34.15-16] # وقوله عز وجل: { لقد كان لسبأ في مسكنهم آية } عن فروة بن مسيك المرادي ~~قال: # " لما أنزل في سبأ ما أنزل قال رجل يا رسول الله: وما سبأ أرض أو امرأة ~~قال: ليس بأرض ولا امرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة ~~وتشاءم منهم أربعة فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما ~~الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار، فقال رجل: يا ~~رسول الله وما أنمار؟ قال الذين منهم خثعم وبجيلة " # أخرجه الترمذي مع زيادة. وقال حديث حسن غريب وسبأ هو ابن يشجب بن يعرب ~~بن قحطان في مسكنهم أي بمأرب من أرض اليمن، آية أي دلالة على وحدانيتنا ~~وقدرتنا ثم فسر الآية فقال تعالى { جنتان } أي بستانان { عن يمين وشمال ms2638 } ~~يعني عن يمين الوادي وشماله وقيل عن يمين من أتاهما وشماله وقيل كان لهم ~~واد قد أحاطت بهم الجنتان { كلوا } أي قيل لهم كلوا { من رزق ربكم } أي ~~من ثمار الجنتين قيل كانت المرأة تحمل مكتلها على رأسها وتمر بالجنتين ~~فيمتلىء المكتل من أنواع الفواكه من غير أن تمس بيدها شيئا { واشكروا له ~~} أي على ما رزقكم من النعمة واعملوا بطاعته { بلدة طيبة } أي أرض مأرب، ~~وهي سبأ بلدة طيبة فسيحة، ليست بسبخة وقيل: لم يكن يرى في بلدتهم بعوضة ~~ولا ذباب ولا برغوث ولا حية، ولا عقرب وكان الرجل يمر ببلدتهم، وفي ثيابه ~~القمل فيموت القمل من طيب الهواء { ورب غفور } قال وهب أي وربكم إن شكرتم ~~على ما رزقكم رب غفور لمن شكره. قوله عز وجل: { فأعرضوا } قال وهب: أرسل ~~الله إليهم ثلاثة عشر نبيا فدعوهم إلى الله تعالى وذكروهم بنعمه عليهم ~~وأنذروهم عقابه فكذبوهم وقالوا ما نعرف الله علينا نعمة فقولوا لربكم ~~فليحبس هذه النعمة عنا إن استطاع فذلك إعراضهم { فأرسلنا عليهم سيل العرم ~~} العرم الذي لا يطاق قيل: كان ماء أحمر أرسله الله تعالى عليهم من حيث ~~شاء وقيل: العرم السكر الذي يحبس الماء وقيل: العرم الوادي. قال ابن ~~عباس: ووهب وغيرهما، كان لهم سد بنته بلقيس وذلك أنهم كانوا يقتتلون على ~~ماء واديهم، فأمرت بواديهم فسد بالصخر والقار بين الجبلين وجعلت لهم ~~ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض وبنت دونه بركة ضخمة وجعلت فيها اثني عشر ~~مخرجا على عدة أنهار هم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء، وإذا اسغنوا ~~عنه سدوها فإذا جاءهم المطر اجتمع إليهم ماء أودية اليمن فاحتبس السيل من ~~وراء السد فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه إلى البركة، فكانوا يسقون ~~من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث الأسفل فلا ينفذ الماء حتى ~~يثوب الماء من السنة المقبلة، فكانت تقسمه بينهم على ذلك فبقيوا بعدها ~~مدة، فلما طغوا وكفروا سلط الله عليهم جرذا يسمى الخلد فنقب السد من ~~أسفله فغرق الماء جناتهم ms2639 وأخرب أرضهم وقال وهب رأوا فيما يزعمون ويجدون ~~في علمهم أن الذي يخرب سدهم فأرة فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا ~~عندها هرة فلما جاء زمان ما أراد الله تعالى بهم من التغريق أقبلت فيما ~~يذكرون فأرة حمراء كبيرة إلى هرة من تلك الهرار فساورتها، حتى استأخرت ~~عنها الهرة فدخلت في الفرجة التي كانت عندها فتغلغلت في السد، وحفرت حتى ~~أوهنت المسيل وهم لا يعلمون بذلك فلما جاء السيل وجد خللا فدخل منه حتى ~~اقتلع السد، وفاض الماء حتى علا أموالهم فغرقها ودفن بيوتهم الرمل فغرقوا ~~ومزقوا كل ممزق، حتى صاروا مثلا عند العرب يقولون ذهبوا أيدي سبا، ~~وتفرقوا أيادي سبا فذلك قوله تعالى فأرسلنا عليهم سيل العرم { وبدلناهم ~~بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط } قيل هو شجر الأراك وثمره البربر وقيل: كل ~~نبت أخذ طعما من المرارة حتى لا يمكن أكله، فهو خمط وقيل هو ثمر شجر ~~يقال له فسوة الضبع على صور الخشخاش يتفرك ولا ينتفع به { وأثل } قيل هو ~~الطرفاء وقيل شجر يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه { وشيء من سدر قليل } هو ~~شجر معروف ينتفع بورقة في الغسل وثمره النبق ولم يكن السدر الذي بدلوه ~~مما ينتفع به بل كان سدرا بريا لا يصلح لشيء قيل: كان شجر القوم من خير ~~الشجر فصيره الله من شر الشجر بأعمالهم. ### || [34.17-22] # قوله تعالى: { ذلك جزيناهم بما كفروا } أي ذلك فعلنا بهم جزاء كفرهم { ~~وهل نجازي إلا الكفور } أي هل يكافأ بعمله إلا الكفور لله في نعمه، قيل ~~المؤمن يجزي ولا يجزى يجازى بحسناته، ولا يكافأ بسيئاته { وجعلنا بينهم ~~وبين القرى التي باركنا فيها } أي بالماء والشجر، وهي قرى الشام { قرى ~~ظاهرة } أي متواصلة تظهر الثانية من الأولى لقربها منها قيل: كان متجرهم ~~من اليمن إلى الشام فكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى وكانوا لا يحتاجون ~~إلى حمل زاد من سبأ إلى الشام، وقيل: كانت قراهم أربعة آلاف وسبعمائة ~~قرية متصلة من سبأ إلى الشام { وقدرنا فيها السير } أي قدرنا ms2640 سيرهم بين ~~هذه القرى فكان سيرهم في الغدو والرواح على قدر نصف يوم، فإذا ساروا نصف ~~يوم وصلوا إلى القرية ذات مياه وأشجار، فكان مابين اليمن والشام كذلك { ~~سيروا } أي وقلنا لهم سيروا { فيها ليالي وأياما } أي في أي وقت شئتم { ~~آمنين } أي لا تخافون عدوا ولا جوعا ولا عطشا فبطروا النعمة، وسئموا ~~الراحة وطغوا ولم يصبروا على العافية فقالوا: لو كانت جناتنا أبعد مما هي ~~كان أجدر أن نشتهيها وطلبوا الكد والتعب في الأسفار { فقالوا ربنا باعد ~~بين أسفارنا } وقرىء باعد بين أسفارنا أي اجعل بيننا وبين الشام مفاوز ~~وفلوات لنركب فيها الرواحل، ونتزود الأزواد فلما تمنوا ذلك عجل الله لهم ~~الإجابة { وظلموا أنفسهم } أي بالبطر والطغيان { فجعلناهم أحاديث } أي ~~عبرة لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم وشأنهم { ومزقناهم كل ممزق } أي فرقناهم ~~في كل وجه من البلاد كل التفريق قيل: لما غرقت قراهم تفرقوا في البلاد ~~فأما غسان فلحقوا بالشام ومر الأزد إلى عمان وخزاعة إلى تهامة ومر الأوس ~~والخزرج إلى يثرب، وكان الذين قدم منهم المدينة عمرو بن عامر، وهو جد ~~الأوس والخزرج ولحق آل خزيمة بالعراق { إن في ذلك لآيات } أي لعبرا ~~ودلالات { لكل صبار } أي عن المعاصي { شكور } أي لله على نعمه قيل، من ~~المؤمن صابر على البلاء شاكر للنعماء وقيل: المؤمن إذا أعطى شكر وإذا ~~ابتلي صبر. قوله عز وجل { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } قيل على أهل سبأ ~~وقيل على الناس كلهم { فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما يعني المؤمنين كلهم لأنهم لم يتبعوه في أصل الدين، وقيل ~~هو خاص بالمؤمنين الذين يطيعون الله ولا يعصونه قال ابن قتيبة: إن إبليس ~~لما سأل النظرة فأنظره الله قال لأغوينهم ولأضلنهم ولم يكن مستيقنا وقت ~~هذه المقالة أن ما قاله فيهم يتم وإنما قاله ظنا فلما اتبعوه وأطاعوه ~~صدق عليهم ما ظنه فيهم وقال الحسن إنه لم يسل عليهم سيفا، ولا ضربهم ~~بسوط إنما وعدهم ومناهم فاغتروا { وما كان له عليهم من ms2641 سلطان } يعني ما ~~كان تسليطنا إياه عليهم { إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك } ~~يعني لنرى ونميز المؤمن من الكافر وأراد علم الوقوع، والظهور إذا كان ~~معلوما عنده لأنه عالم الغيب { وربك على كل شيء حفيظ } يعني رقيب وقيل ~~حفيظ بمعنى حافظ. # قوله تعالى { قل } يعني قل يا محمد لكفار مكة { ادعوا الذين زعمتم } ~~يعني أنهم آلهة { من دون الله } والمعنى ادعوهم ليكشفوا عنكم الضر الذي ~~نزل بكم في سني الجوع، ثم وصف عجز الآلهة فقال تعالى { لا يملكون مثقال ~~ذرة في السموات ولا في الأرض } يعني من خير وشر ونفع وضر { وما لهم } ~~يعني للآلهة { فيهما } يعني في السموات، الأرض { من شرك } يعني من شركة { ~~وما له } يعني لله { منهم } يعني من الآلهة { من ظهير } عون. ### || [34.23-31] # { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } يعني أذن الله له في الشفاعة ~~قاله تكذيبا للكفار حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله وقيل: يجوز أن ~~يكون المعنى إلا لمن أذن الله في أن يشفع له { حتى إذا فزع عن قلوبهم } ~~معناه كشف الفزع وأخرج عن قلوبهم قيل هم الملائكة وسبب ذلك من غشية ~~تصيبهم عند سماع كلام الله تعالى خ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها " # فإذا فزع عن قلوبهم { قالوا ماذا قال ربكم قالوا } الذي قال { الحق وهو ~~العلي الكبير } وللترمذي # " إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعا لقوله ~~كأنه سلسة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ما ذا قال ربكم قالوا ~~الحق وهو العلي الكبير " # قال الترمذي حديث حسن صحيح قوله: خضعا جمع خاضع وهو المنقاد المطمئن ~~والصفوان الحجر الأملس عن ابن مسعود رضي الله عنه قال # " إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صلصلة كجر السلسلة على الصفاة، ~~فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل فإذا جاء فزع عن قلوبهم ~~فيقولون يا جبريل ماذا ms2642 قال ربك؟ فيقول الحق فيقولون الحق " # أخرجه أبو داود. الصلصلة صوت الأجراس الصلبة بعضها على بعض، وقيل: إنما ~~يفزعون حذرا من قيام الساعة، قيل كانت الفترة بين عيسى ومحمد عليهما ~~الصلاة والسلام خمسمائة سنة أو ستمائة، لم تسمع الملائكة فيها صوت وحي ~~فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كلم جبريل بالرسالة إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم فلما سمعت الملائكة ظنوا أنها الساعة، لأن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، عند أهل السموات من أشراط الساعة، فصعقوا مما سمعوا ~~خوفا من قيام الساعة فلما انحدر جبريل جعل يمر بأهل كل سماء، فيكشف عنهم ~~فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم: قالوا الحق يعني الوحي ~~وهو العلي الكبير وقيل: الموصوفون بذلك هم المشركون وقيل إذا كشف الفزع ~~عن قلوبهم عند نزول الموت قالت الملائكة لهم ماذا قال ربكم في الدنيا ~~لإقامة الحجة عليهم؟ قالوا: الحق فأقروا به حين لم ينفعهم الإقرار وهو ~~العلي الكبير أي ذو العلو والكبرياء. قوله عز وجل { قل من يرزقكم من ~~السموات والأرض } يعني المطر والنبات { قل الله } يعني إن لم يقولوا إن ~~رزاقنا هو الله فقل: أنت إن رازقكم هو الله { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو ~~في ضلال مبين } معناه ما نحن وأنتم على أمر واحد بل أحد الفريقين مهتد ~~والآخر ضال، وهذا ليس على طريق الشك بل جهة الإلزام والإنصاف في الحجاج، ~~كما يقول القائل أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق وصاحبه كاذب فالنبي صلى ~~الله عليه وسلم ومن اتبعه على الهدى ومن خالفه في ضلال فكذبهم من غير أن ~~يصرح بالتكذيب ومنه بيت حسان: # أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء # وقيل أو بمعنى الآية إنا لعلى هدى وإنكم لفي ضلال مبين { قل لا تسألون ~~عما أجرمنا } أي تؤاخذون به { ولا نسأل عما تعملون } أي من الكفر ~~والتكذيب وقيل أراد بالإجرام الصغائر والزلات التي لا يخلو منها مؤمن ~~وبالعمل الكفر والمعاصي العظام { قل يجمع بيننا ربنا } أي يوم القيامة { ~~ثم يفتح ms2643 } يعني يقضي ويحكم { بيننا بالحق } يعني بالعدل { وهو الفتاح } ~~يعني القاضي { العليم } يعني بما يقضي { قل أروني } أعلموني { الذين ~~ألحقتم به } يعني بالله { شركاء } يعني الأصنام التي أشركوها معه في ~~العبادة هل يخلقون أو يرزقون وأراد بذلك أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق ~~الشركاء بالله { كلا } كلمة ردع لهم عن مذهبهم والمعنى أرتدعوا فإنهم لا ~~يخلقون ولا يرزقون { بل هو الله العزيز } أي الغالب على أمره { الحكيم } ~~أي تدبير خلقه فأنى يكون له شريك في ملكه. قوله عز وجل { وما أرسلناك إلا ~~كافة للناس } يعني للناس كلهم عامة أحمرهم وأسودهم عربيهم وعجميهم وقيل ~~الرسالة عامة لهم لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد ق عن جابر ~~بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، ~~وجعلت لي الأرض مسجدا وطهور، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ~~وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى ~~قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " # في الحديث بيان الفضائل التي خص الله بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~دون سائر الأنبياء، وأن هذه الخمسة لم تكن لأحد ممن كان قبله من ~~الأنبياء، وفيه اختصاصه بالرسالة العامة لكافة الخلق الإنس والجن وكان ~~النبي قبله يبعث إلى قومه أو إلى أهل بلده فعمت رسالة نبينا صلى الله ~~عليه سلم، جميع الخلق وهذه درجة خص بها دون سائر الأنبياء عليه وعليهم ~~أفضل الصلاة والسلام، وقيل في المعنى كافة أي كافأتكفهم عما هم عليه من ~~الكفر فتكون الهاء للمبالغة { بشيرا } أي لمن آمن بالجنة { ونذيرا } أي ~~لمن كفر بالنار { ولكن أكثر الناس لا يعلمون ويقولون متى هذا الوعد إن ~~كنتم صادقين } يعني يوم القيامة { قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون ساعة ولا ~~تستقدمون } معناه لا تتقدمون على يوم القيامة وقيل: عن يوم الموت ولا ~~تتأخرون عنه بأن يزاد في آجالهم أو ينقص منها { وقال الذين كفروا ms2644 لن نؤمن ~~بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه } يعني التوراة والإنجيل { ولو ترى } أي ~~يا محمد { إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول } ~~معناه ولو ترى في الآخرة موقفهم وهم يتجاذبون أطراف المحاورة ويتراجعونها ~~بينهم لرأيت العجب { يقول الذين استضعفوا } وهم الأتباع { للذين استكبروا ~~} وهو القادة والأشراف { لولا أنتم لكنا مؤمنين } يعني أنتم منعتمونا عن ~~الإيمان بالله ورسوله. ### || [34.32-39] # { قال الذين استكبروا } أي أجاب المتبوعون في الكفر { للذين استضعفوا ~~أنحن صددناكم } أي منعناكم { عن الهدى } أي عن الإيمان { بعد إذ جاءكم بل ~~كنتم مجرمين } أي بترك الإيمان { وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل ~~مكر الليل والنهار } أي مكركم بنا في الليل والنهار وقيل مكر الليل ~~والنهار هو طول السلام في الدنيا وطول الأمل فيها { إذ تأمروننا أن نكفر ~~بالله ونجعل له أندادا } أي هو قول القادة للأتباع إن ديننا الحق وإن ~~محمد كذاب ساحر وهذا تنبيه للكفار أن تصير طاعة بعضهم لبعض في الدنيا سبب ~~عداوتهم في الآخرة { وأسروا الندامة } أي أظهروها وقيل: أخفوها وهو من ~~الأضداد { لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا } أي في ~~النار الأتباع والمتبوعين جميعا { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } أي من ~~الكفر والمعاصي في الدنيا. قوله عز وجل { وما أرسلنا في قرية من نذير إلا ~~قال مترفوها } أي رؤساؤها وأغنياؤها { إنا بما أرسلتم به كافرون وقالوا } ~~يعني المترفين والأغنياء للفقراء الذين آمنوا { نحن أكثر أموالا ~~وأولادا } يعني لو لم يكن الله راضيا بما نحن عليه من الدين والعمل ~~الصالح لم يخولنا أموالا ولا أولادا { وما نحن بمعذبين } أي إن الله قد ~~أحسن إلينا في الدنيا بالمال والولد فلا يعذبنا في الآخرة { قل إن ربي ~~يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } يعني أنه تعالى يبسط الرزق ابتلاء وامتحانا ~~ولا يدل البسط على رضا الله تعالى ولا التضييق على سخطه { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } أي إنها كذلك { وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى } أي بالتي تقربكم عندنا تقريبا ms2645 { إلا } أي لكن { من آمن ~~وعمل صالحا } قال ابن عباس يريد إيمانه وعلمه يقربه مني { فأولئك لهم ~~جزاء الضعف بما عملوا } أي يضعف الله لهم حسناتهم فيجزي بالحسنة الواحدة ~~عشر إلى سبعمائة { وهم في الغرفات آمنون والذين يسعون في آياتنا } أي ~~يعملون في إبطال حججنا { معاجزين } أي معاندين يحسبون أنهم يعجزوننا ~~ويفوتنا { أولئك في العذاب محضرون }. قوله تعالى عز وجل { قل إن ربي يبسط ~~الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه } أي يعطي ~~خلفه إذا كان في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه ويعوضه لا معوض سواه إما ~~عاجلا بالمال أو بالقناعة التي هي كنز لا ينفد، وإما بالثواب في الاخرة ~~الذي كل خلف دونه، وقيل ما تصدقتم من صدقة وأنفقتم من خير فهو يخلفه على ~~المنفق. قال مجاهد: من كان عنده من هذا المال ما يقيمه فليقتصد، فإن ~~الرزق مقسوم ولعل ما قسم له قليل، وهو ينفق نفقة الموسع عليه فينفق جميع ~~ما في يده ثم يبقى طول عمره في فقره، ولا يتأولن وما أنفقتم من شيء فهو ~~يخلفه فإن هذا في الآخرة ومعنى الآية ما كان من خلف فهو منه ق عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " قال الله تبارك وتعالى: أنفق ينفق عليك " # ولمسلم # " يا ابن آدم أنفق أنفق عليك " # ق عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان يقول أحدهما اللهم أعط ~~منفقا خلفا، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا " # م عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد ~~لله إلا رفعه الله " # { وهو خير الرازقين } أي خير من يعطي ويرزق لأن ما رزق غيره من سلطان ~~يرزق جنده أو سيد يرزق مملوكه أو رجل يرزق عياله فهو من رزق الله أجراه ~~الله على أيدي هؤلاء وهو الرزاق الحقيقي ms2646 الذي لا رازق سواه. ### || [34.40-49] # قوله تعالى: { ويوم نحشرهم جميعا } يعني هؤلاء الكفار { ثم نقول ~~للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } أي في الدنيا وهذا استفهام تقريع ~~وتقرير للكفار فتتبرأ الملائكة منهم من ذلك وهو قوله تعالى { قالوا ~~سبحانك } أي تنزيها لك { أنت ولينا من دونهم } أي نحن نتولاك ولا نتولاهم ~~فبينوا بإثبات موالاة الله ومعاداة الكفار براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم ~~{ بل كانوا يعبدون الجن } يعني الشياطين. فإن قلت قد عبدوا الملائكة فكيف ~~وجه قوله بل كانوا يعبدون الجن. قلت أراد أن الشياطين زينوا لهم عبادة ~~الملائكة فأطاعوهم في ذلك فكانت طاعتهم للشياطين عبادة لهم وقيل صوروا ~~لهم صورا وقالوا لهم هذه صور الملائكة فاعبدوها فعبدوها وقيل كانوا ~~يدخلون في أجواف الأصنام فيعبدون بعبادتها { أكثرهم بهم مؤمنون } يعني ~~مصدقون للشياطين قال الله تعالى { فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا } أي ~~شفاعة { ولا ضرا } أي بالعذاب يريد أنهم عاجزون ولا نفع عندهم ولا ضر { ~~ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون وإذا تتلى ~~عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل } يعنون محمدا صلى الله عليه ~~وسلم { يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى } ~~يعنون القرآن { وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين وما ~~آتيناهم } يعني هؤلاء المشركين { من كتب يدرسونها } أي يقرؤونها { وما ~~أرسلنا إليهم قبلك من نذير } أي لم يأت العرب قبلك نبي ولا أنزل إليهم ~~كتاب { وكذب الذين من قبلهم } أي من الأمم السالفة رسلنا { وما بلغوا } ~~يعني هؤلاء المشركين { معشار } أي عشر { ما آتيناهم } أي أعطينا الأمم ~~الخالية من القوة والنعمة وطول الأعمار { فكذبوا رسلي فكيف كان نكير } أي ~~إنكاري عليهم يحذر بذلك كفار هذه الأمة عذاب الأمم الماضية. قوله عز وجل ~~{ قل إنما أعظكم } أي آمركم وأوصيكم { بواحدة } أي بخصلة واحدة ثم بين ~~تلك الخصلة فقال تعالى { أن تقوموا لله } أي لأجل الله { مثنى } أي اثنين ~~{ وفرادى } أي واحدا واحدا { ثم تتفكروا } أي ms2647 تجتعوا جميعا فتنظروا ~~وتتحاوروا وتتفكروا في حال محمد صلى الله عليه وسلم فتعلموا أن { ما ~~بصاحبكم من جنة } ومعنى الآية إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق ~~وتخلصتم وهي أن تقوموا لله وليس المراد به القيام على القدمين ولكن هو ~~الانتصاب في الأمر والنهوض فيه بالهمة فتقوموا لوجه الله خالصا ثم ~~تتفكروا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به أمان الاثنان ~~فيتفكران، ويعرض كل منهما محصول فكره على صاحبه لينظرا فيه نظر متصادقين ~~متناصفين لا يميل بهما اتباع الهوى وأما الفرد فيفكر في نفسه أيضا بعدل ~~ونصفة هل رأينا في هذا الرجل جنونا قط أو جربنا عليه كذبا قط وقد علمتم ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم ما به من جنة بل قد علمتم أنه من أرجح قريش ~~عقلا وأوزنهم حلما وأحدهم ذهنا وأرصنهم رأيا وأصدقهم قولا وأزكاهم ~~نفسا، وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال ويمدحونه به وإذا علمتم ذلك كفاكم ~~أن تطالبوه بآية وإذا جاء بها تبين أنه نبي نذير مبين صادق فيما جاء به ~~وقيل: تم الكلام عند قوله: تتفكروا أي في السموات والأرض فتعلموا أنه ~~خالقها واحد لا شريك له ثم ابتدأ فقال ما بصاحبكم من جنة { إن هو إلا ~~نذير لكم بين يدي عذاب شديد قل ما سألتكم } أي على تبليغ الرسالة { من ~~أجر } أي جعل { فهل لكم } أي لم أسألكم شيئا { إن أجري } أي ثوابي { إلا ~~على الله وهو على كل شيء شهيد قل إن ربي يقذف بالحق } أي يأتي بالوحي من ~~السماء فيقذفه إلى الأنبياء { علام الغيوب } أي خفيات الأمور { قل جاء ~~الحق } أي القرآن والإسلام { وما يبدىء الباطل وما يعيد } أي ذهب الباطل ~~وزهق فلم تبق منه بقية تبدىء شيئا أو تعيده وقيل الباطل هو إبليس ~~والمعنى لا يخلق إبليس أحدا ابتداء ولا يبعثه إذا مات وقيل الباطل ~~الأصنام. ### || [34.50-54] # { قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي } وذلك أن كفار مكة كانوا يقولون له ~~إنك قد ضللت حين تركت دين آبائك ms2648 فقال الله تعالى قل إن ضللت فيما تزعمون ~~أنتم فإنما أضل على نفسي أي إثم ضلالتى على نفسي { وإن اهتديت فبما يوحي ~~إلي ربي } أي في القرآن والحكمة { إنه سميع قريب } قوله عز وجل { ولو ~~ترى } أي يا محمد { إذ فزعوا } أي عند البعث أي حين يخرجون من قبورهم ~~وقيل عند الموت { فلا فوت } أي لا يفوتوننا ولا نجاة لهم { وأخذوا من ~~مكان قريب } قيل من تحت أقدامهم، وقيل أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها ~~حيثما كانوا فإنهم من الله قريب لا يفوتونه، ولا يعجزونه وقيل: من مكان ~~قريب يعني عذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر وقيل: هو خسف بالبيداء ومعنى ~~الآية ولو ترى إذ فزعوا لرأيت أمرا تعتبر به { وقالوا آمنا به } أي حين ~~عاينوا العذاب قيل هو عند اليأس وقيل هو عند البعث { وأنى لهم التناوش } ~~أي التناول والمعنى كيف لهم تناول ما بعد عنهم وهو الإيمان والتوبة وقد ~~كان قريبا منهم في الدنيا فضيعوه وقال ابن عباس يسألون الرد إلى الدنيا ~~فيقال وأنى لهم الرد إلى الدنيا { من مكان بعيد } أي من الآخرة إلى ~~الدنيا { وقد كفروا به من قبل } أي القرآن وقيل بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~من قبل أن يعاينوا العذاب وأهوال القيامة { ويقذفون بالغيب من مكان بعيد ~~} قيل هو الظن لأن علمه غاب عنهم والمكان البعيد بعدهم عن علم ما يقولون، ~~والمعنى يرمون محمدا صلى الله عليه وسلم بما لا يعلمون من حيث لا يعلمون ~~وهو قولهم إنه شاعر ساحر كاهن لا علم له بذلك وقيل يرجمون بالظن يقولون ~~لا بعث ولا جنة ولا نار { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } أي الإيمان ~~والتوبة والرجوع إلى الدنيا ونعيمها وزهرتها { كما فعل بأشياعهم } أي ~~بنظرائهم ومن كان على مثل حالهم من الكفار { من قبل } أي لم تقبل منهم ~~التوبة في وقت اليأس { إنهم كانوا في شك } أي من البعث ونزول العذاب بهم ~~{ مريب } أي موقع الريبة والتهمة، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1-2] ms2649 # قوله عز وجل { الحمد لله فاطر السموات والأرض } أي خالقهما ومبدعهما على ~~غير مثال سبق { جاعل الملائكة رسلا } أي إلى الأنبياء { أولي أجنحة } أي ~~ذوي أجنحة { مثنى وثلاث ورباع } أي بعضهم له جناحان وبعضهم له ثلاثة ~~أجنحة وبعضهم له أربعة { يزيد في الخلق ما يشاء } أي يزيد في خلق الأجنحة ~~ما يشاء. قال عبد الله بن مسعود في قوله # لقد رأى من آيات ربه الكبرى # [النجم: 18] قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح، وقيل في قوله { ~~يزيد في الخلق ما يشاء } هو حسن الصوت وقيل حسن الخلق وتمامه وقيل هو ~~الملاحة في العينين وقيل هو العقل والتمييز { إن الله على كل شيء قدير } ~~أي مما يريد أن يخلقه. قوله تعالى { ما يفتح الله للناس من رحمة } قيل ~~المطر وقيل من خير ورزق { فلا ممسك لها } أي لا يستطيع أحد حبسها { وما ~~يمسك فلا مرسل له من بعده } أي لا يقدر أحد على فتح ما أمسك { وهو العزيز ~~} يعني فيما أمسك { الحكيم } أي فيما أرسل م عن المغيرة بن شعبة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة # " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد " # والجد الغنى والبخت أي لا ينفع المبخوت والغني حظه وغناه لأنهما منك ~~إنما ينفعه الإخلاص والعمل بطاعتك. ### || [35.3-10] # قوله عز وجل: { يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم } قيل الخطاب لأهل ~~مكة ونعمة الله عليهم إسكانهم الحرم ومنع الغارات عنهم { هل من خالق غير ~~الله } أي لا خالق إلا الله وهو استفهام تقرير وتوبيخ { يرزقكم من السماء ~~} أي المطر { والأرض } أي النبات { لا إله إلا هو فأنى تؤفكون } أي من ~~أين يقع لكم الإفك والتكذيب بتوحيد الله وإنكار البعث وأنتم مقرون بأن ~~الله خالقكم ورازقكم { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك } يعزي نبيه صلى ms2650 ~~الله عليه وسلم { وإلى الله ترجع الأمور } أي فجزي المكذب من الكفار ~~بتكذيبه. قوله تعالى { يا أيها الناس إن وعد الله حق } أي وعد القيامة { ~~فلا تغرنكم الحياة الدنيا } أي لا تخد عنكم بلذاتها وما فيها عن عمل ~~الآخرة وطلب ما عند الله { ولا يغرنكم بالله الغرور } أي لا يقل لكم ~~اعملوا ما شئتم فإن الله يغفر كل ذنب وخطيئة ثم بين الغرور من هو فقال ~~تعالى { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } أي عادوه بطاعة الله ولا ~~تطيعوه فيما يأمركم به من الكفر والمعاصي { إنما يدعو حزبه } أي أشياعه ~~وأولياءه { ليكونوا من أصحاب السعير } ثم بين حال موافقيه ومخالفته فقال ~~تعالى { الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ~~مغفرة وأجر كبير }. قوله عز وجل { أفمن زين له سوء عمله } قال ابن عباس ~~نزلت في أبي جهل ومشركي مكة وقيل نزلت في أصحاب الأهواء والبدع ومنه ~~الخوارج الذي يستحلون دماء المسلمين وأموالهم وليس أصحاب الكبائر من ~~الذنوب منهم لأنهم لا يستحلونها ويعتقدون تحريمها مع ارتكابهم إياها ~~ومعنى زين له شبه له وموه عليه قبيح عمله { فرآه حسنا } وفي الآية حذف ~~مجازه أفمن زين له سوء عمله فرأي الباطل حقا كمن هداه الله فرأى الحق ~~حقا والباطل باطلا { فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء } وقيل مجاز ~~الآية أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } ~~فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء والحسرة شدة الحزن على ما فات ~~والمعنى لا تغتم بكفرهم وهلاكهم إن لم تؤمنوا { إن الله عليم بما يصنعون ~~} فيه وعيد العقاب على سوء صنيعهم { والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ~~} أي تزعجه من مكانه وقيل تجمعه وتجيء به { فسقناه } أي فنسوقه { إلى بلد ~~ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور } أي مثل إحياء الموات نشور ~~الأموات روى ابن الجوزي في تفسيره # " عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى وما ~~آية ذلك ms2651 في خلقه فقال " هل مررت بواد أهلك محلا ثم مررت به يهتز خضرا ~~قلت نعم قال كذلك يحيي الله الموتى وتلك آيتة في خلقه " # قوله تعالى { من كان يريد العزة فلله العزة جميعا } قيل معناه من كان ~~يريد أن يعلم لمن العزة فلله العزة جميعا وقيل معناه من كان يريد العزة ~~فليتعزز بطاعة الله هو دعاء إلى طاعة من له العزة أي فليطلب العزة من عند ~~الله بطاعته، وذلك أن الكفار عبدوا الأصنام وطلبوا بها التعزز، فبين الله ~~أن لا عزة إلا لله ولرسوله ولأوليائه المؤمنين { إليه } يعني إلى الله { ~~يصعد الكلم الطيب } قيل هو لا إله إلا الله وقيل هو سبحان الله والحمد ~~لله ولا إله إلا الله والله أكبر روى البغوي باسناده عن ابن مسعود قال " ~~إذا حدثتكم حديثا أنبأتكم بمصداقه من كتاب الله عز وجل ما من عبد مسلم ~~يقول خمس كلمات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ~~وتبارك الله، إلا أخذهن ملك تحت جناحه ثم يصعد بهن فلا يمر بهن على جمع ~~من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بها وجه رب العالمين، ومصداقه ~~من كتاب الله قوله: إليه يصعد الكلم الطيب " هذا حديث موقوف على ابن ~~مسعود وفي إسناد الحجاج بن نصير ضعيف، وقيل الكلم الطيب ذكر الله تعالى ~~وقيل معنى إليه يصعد أي يقبل الكلم الطيب { والعمل الصالح يرفعه } قال ~~ابن عباس أي يرفع العمل الصالح الكلم الطيب، وقيل الكلم الطيب ذكر الله ~~والعمل الصالح أداء الفرائض فمن ذكر الله، ولم يؤد فرائضه رد كلامه على ~~عمله وليس الإيمان بالتمني وليس بالتحلي ولكن ما وقر في القلوب وصدقته ~~الأعمال فمن قال حسنا وعمل غير صالح رد الله عليه قوله ومن قال حسنا ~~وعمل صالحا يرفعه العمل ذلك بأن الله يقول إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه وجاء في الحديث # " لا يقبل الله قولا إلا بعمل ولا عملا إلا بنية " # وقيل الهاء في يرفعه راجعة إلى العمل الصالح أي الكلم ms2652 الطيب يرفع العمل ~~الصالح فلا يقبل عملا إلا أن يكون صادرا عن توحيد وقيل معناه العمل ~~الصالح يرفعه الله وقيل العمل الصالح هو الخالص، وذلك أن الإخلاص سبب ~~قبول الخيرات من الأقوال والأفعال { والذين يمكرون السيئات } أي يعملون ~~السيئات أي الشرك وقيل يعني الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في دار الندوة وقيل هم أصحاب الرياء { لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور ~~} أي يبطل ويهلك في الآخرة. ### || [35.11-19] # قوله عز وجل: { والله خلقكم من تراب } يعني آدم { ثم من نطفة } يعني ~~ذريته { ثم جعلكم أزواجا } يعني أصنافا ذكرانا واناثا وقيل زوج بعضكم ~~بعضا { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر } يعني لا ~~يطول عمر أحد { ولا ينقص من عمره } يعني عمر آخر، وقيل ينصرف إلى الأول ~~قال سعيد بن جبير، مكتوب في أم الكتاب عمر فلان كذا وكذا سنة، ثم يكتب ~~أسفل من ذلك ذهب يوم ذهب يومان، ذهب ثلاثة أيام حتى ينقطع عمره، وقيل ~~معناه لا يطول عمر إنسان ولا يقصر إلا في كتاب قال كعب الأحبار حين حضرت ~~عمر الوفاة والله لو دعا عمر به أن يؤخر أجله لأخر، فقيل له إن الله ~~تعالى يقول # فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون # [الأعراف: 34] قال: هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد ذلك ~~وقرأ هذه الآية { إلا في كتاب } يعني اللوح المحفوظ { إن ذلك على الله ~~يسير } أي كتابة الآجال والأعمال على الله هين. قوله تعالى { وما يستوي ~~البحران } يعني العذب والمالح ثم وصفهما فقال { هذا عذب فرات } أي طيب ~~يكسر العطش { سائغ شرابه } أي سهل في الحلق هنيء مريء { وهذا ملح أجاج } ~~أي شديد الملوحة يحرق الحلق بملوحته وقيل هو المر { ومن كل } يعني من ~~البحرين { تأكلون لحما طريا } يعني السمك { وتستخرجون } يعني من الملح ~~دون العذب { حلية تلبسونها } يعني اللؤلؤ والمرجان وقيل نسب اللؤلؤ ~~إليهما لأنه يكون في البحر المالح عيون عذبة فتمتزج بالملح فيكون ms2653 اللؤلؤ ~~منهما { وترى الفلك فيه مواخر } يعني جواري مقبلة ومدبرة بريح واحدة { ~~لتبتغوا من فضله } يعني بالتجارة { ولعلكم تشكرون } يعني تشكرون الله على ~~نعمه { يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل ~~يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه } يعني ~~الأصنام { ما يملكون من قطمير } هو لفافة النواة وهي القشرة الرقيقة التي ~~تكون على النواة { إن تدعوهم } يعني الأصنام { لا يسمعوا دعاءكم } يعني ~~أنهم جماد { ولو سمعوا } أي على سبيل الفرض والتمثيل { ما استجابوا لكم } ~~أي ما أجابوكم وقيل ما نفعوكم { يوم القيامة يكفرون بشرككم } أي يتبرؤون ~~منكم ومن عبادتكم إياها { ولا ينبئك مثل خبير } يعني نفسه أي لا ينبئك ~~أحد مثلي لأني عالم بالأشياء قوله تعالى { يا أيها الناس أنتم الفقراء ~~إلى الله } يعني إلى فضله وإحسانه والفقير المحتاج إلى من سواه والخلق ~~كلهم محتاجون إلى الله فهم الفقراء { والله هو الغني } عن خلقه لا يحتاج ~~إليهم { الحميد } يعني المحمود في إحسانه إليهم المستحق بإنعامه عليهم أن ~~يحمدوه { إن يشأ يذهبكم } لاتخاذكم أندادا وكفركم بآياته { ويأت بخلق ~~جديد } يعني يخلق بعدكم من يعبده ولا يشرك به شيئا { وما ذلك على الله ~~بعزيز } أي يمتنع { ولا تز وازرة وزر أخرى } يعني أن كل نفس يوم القيامة ~~لا تحمل إلا وزرها الي اقترفته لا تؤاخذ بذنب غيرها فان قلت كيف الجمع ~~بين هذه الآية وبين قوله وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم. # قلت هذه الآية في الضالين وتلك في المضلين أنهم يحملون أثقال من أضلوه ~~من الناس مع أثقال أنفسهم وذلك كله من كسبهم { وإن تدع مثقلة إلى حملها } ~~معناه وإن تدع نفس مثقلة بذنوبها إلى حمل ذنوب غيرها { ولا يحمل منه شيء ~~ولو كان ذا قربى } يعني ولو كان المدعو ذا قرابة كالأب والأم والابن ~~والأخ قال ابن عباس يعلق الأب والأم بالابن فيقول يا بني احمل عني بعض ~~ذنوبي فيقول لا أستطيع حسبي ما علي { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب ms2654 ~~} يعني يخافون ربهم { بالغيب } يعني لم يروه والمعنى وإنما ينفع إنذارك ~~الذين يخشون ربهم بالغيب { وأقاموا الصلاة ومن تزكى } يعني أصلح وعمل ~~خيرا { فإنما يتزكى لنفسه } يعني لها ثوابه { وإلى الله المصير وما ~~يستوي الأعمى والبصير } يعني الجاهل والعالم وقيل الأعمى عن الهدى وهو ~~الشرك والبصير بالهدى وهو المؤمن. ### || [35.20-32] # { ولا الظلمات ولا النور } يعني الكفر والإيمان { ولا الظل ولا الحرور } ~~يعني الجنة والنار وقال ابن عباس: الحرور الريح الحارة بالليل والسموم ~~بالنهار { وما يستوي الأحياء ولا الأموات } يعني المؤمنين والكفار وقيل ~~العلماء والجهال { إن الله يسمع من يشاء } يعني حتى يتعظ ويجيب { وما أنت ~~بمسمع من في القبور } يعني الكفار شبههم بالأموات في القبور لأنهم لا ~~يجيبون إذا دعوا { إن أنت إلا نذير } أي ما أنت إلا منذر تخوفهم النار { ~~إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } يعني بشيرا بالثواب لمن آمن ونذيرا ~~بالعقاب لمن كفر { وإن من أمة } أي من جماعة كثيرة فيما مضى { إلا خلا } ~~أي سلف { فيها نذير } أي نبي منذر. فان قلت كم من أمة في الفترة بين عيسى ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يخل فيها نذير. قلت: إذا كانت آثار النذارة ~~باقية لم تخل من نذير إلا أن تندرس، وحين اندرست آثار رسالة عيسى عليه ~~السلام بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم وآثار نذارته باقية إلى يوم ~~القيامة لأنه لا نبي بعده { وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم ~~رسلهم بالبينات } أي بالمعجزات الدالة على نبوتهم { وبالزبر } أي الصحف { ~~وبالكتاب المنير } أي الواضح قيل أراد بالكتاب التوراة والإنجيل والزبور ~~وقيل ذكر الكتاب بعد الزبر تأكيدا { ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير ~~ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء } يعني المطر { فأخرجنا به ثمرات ~~مختلفا ألوانها } يعني أجناسها من الرمان والتفاح والتين والعنب والرطب ~~ونحوها وقيل يعني ألوانها في الحمرة والصفرة والخضرة وغير ذلك مما لا ~~يحصر ولا يعد { ومن الجبال جدد بيض وحمر } يعني الخطط والطرق في الجبال { ~~مختلف ألوانها } يعني ms2655 منها ما هو أبيض ومنها ما هو أحمر ومنها ما هو أصفر ~~{ وغرابيب سود } يعني شديدة السواد كما يقال أسود غربيب تشبيها بلون ~~الغراب { ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه } يعني خلق مختلف ~~ألوانه { كذلك } يعني كاختلاف الثمرات والجبال وتم الكلام ها هنا، ثم ~~ابتدأ فقال تعالى { إنما يخشى الله من عباده العلماء } قال ابن عباس يريد ~~إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني وقيل: عظموه وقدروا ~~قدره وخشوه حق خشيته ومن ازداد به علما ازداد به خشية ق عن عائشة قالت ~~صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فخطب فحمد الله ثم قال # " ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم ~~له خشية " # قولها فرخص فيه أي لم يشدد فيه قولها فتنزه عن أقوام أي تباعد عنه وكرهه ~~قوم ق عن أنس قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها ~~قط فقال # " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " # فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجوههم لهم خنين الخنين ~~بالخاء المعجمة، هو البكاء مع غنة وانتشاق الصوت من الأنف وقال مسروق كفى ~~بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا وقال رجل للشعبي أفتني أيها ~~العالم فقال الشعبي إنما العالم من خشي الله عز وجل وقال مقاتل أشد الناس ~~خشية لله أعلمهم به، وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم { إن ~~الله عزيز } أي من ملكه { غفور } يعني لذنوب عباده وهو تعليل لوجوب ~~الخشية لأنه المثيب المعاقب وإذا كان كذلك فهو أحق أن يخشى ويتقى. قوله ~~عز وجل { إن الذين يتلون كتاب الله } أي يداومون على قراءته ويعلمون ما ~~فيه ويعملون به { وأقاموا الصلاة } أي ويقيمون الصلاة في أوقاتها { ~~وأنفقوا مما رزقناهم } يعني في سبيل الله { سرا وعلانية يرجون تجارة لن ~~تبور } يعني لن تفسد ولن تهلك والمراد من التجارة ما ms2656 وعد الله من الثواب ~~{ ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } قال ابن عباس سوى الثواب يعني مما لم ~~تر عين ولم تسمع أذن { إنه غفور شكور } قال ابن عباس: يغفر العظيم من ~~ذنوبهم ويشكر اليسير من أعمالهم { والذي أوحينا إليك من الكتاب } يعني ~~القرآن { هو الحق مصدقا لما بين يديه } يعني من الكتب { إن الله بعباده ~~لخبير بصير }. قوله تعالى { ثم أورثنا الكتاب } يعني أوحينا إليك الكتاب ~~وهو القرآن ثم أورثناه يعني حكمنا بتوريثه وقيل أورثناه بمعنى نورثه { ~~الذين اصطفينا من عبادنا } قال ابن عباس يريد أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، لأن الله اصطفاهم على سائر الأمم واختصهم بكرامته بأن جعلهم أتباع ~~سيد الرسل وخصهم بحمل أفضل الكتب ثم قسمهم ورتبهم فقال تعالى { فمنهم ~~ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } روي عن أسامة بن زيد قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كلهم من هذه الأمة " # ذكره البغوي بغير سند وعن أبي سعيد الخدري # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية " { ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد، ومنهم سابق ~~بالخيرات بإذن الله } قال هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة " " # أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن غريب. وعن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه ~~الآية على المنبر { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } فقال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له " # قال أبو قلابة أحد رواته فحدثت به يحيى بن معين فجعل يتعجب منه أخرجه ~~البغوي بسنده وروي بسنده عن ثابت # " أن رجلا دخل المسجد فقال اللهم ارحم غربتي وآنس وحشتي وسق إلي جليسا ~~صالحا فقال أبو الدرداء لئن كنت صادقا لأنا أسعد بك منك سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } قال أما ~~السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب وأما المقتصد فيحاسب حسابا ms2657 ~~يسيرا وأما ظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم ثم يدخل الجنة ثم ~~قرأ هذه الآية { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور } " # وقال عقبة بن صهبان: سألت عائشة عن قول الله عز وجل { ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا } الآية. فقالت: يا بني كلهم في الجنة أما ~~السابق فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالجنة وأما المقتصد فمن تبع أثره من أصحابه حتى لحق ~~به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم، فجعلت نفسها معنا " وقال ابن عباس ~~السابق المؤمن المخلص والمقتصد المرائي والظالم الكافر، نعمة الله غير ~~الجاحد لها لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة فقال # جنات عدن يدخلونها # [الرعد: 23] وقيل الظالم هم أصحاب المشأمة والمقتصد أصحاب الميمنة، ~~والسابق هم السابقون المقربون من الناس كلهم وقيل: السابق من رجحت حسناته ~~على سيئاته، والمقتصد من استوت سيئاته وحسناته والظالم من رجحت سيئاته ~~على حسناته وقيل الظالم من كان ظاهرة خيرا من باطنه والمقتصد الذي استوى ~~ظاهره وباطنه والسابق الذي باطنه خير من ظاهره وقيل الظالم التالي للقرآن ~~ولم يعمل به والمقتصد التالي له العامل به والسابق القارىء له العالم به ~~العامل بما فيه وقيل الظالم أصحاب الكبائر والمقتصد أصحاب الصغائر ~~والسابق الذي لم يرتكب صغيرة ولا كبيرة وقيل الظالم الجاهل، والمقتصد ~~المتعلم والسابق العالم. فإن قلت لم قدم الظالم ثم المقتصد ثم السابق. ~~قلت: قال جعفر الصادق بدأ بالظالمين إخبارا بأنه لا يتقرب إليه إلا ~~بكرمه، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفاء ثم ثنى بالمقتصدين، لأنهم بين ~~الخوف والرجاء ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره، وكلهم في الجنة وقيل ~~رتبهم الترتيب على مقامات الناس، لأن أحوال العباد ثلاثة معصية وغفلة ثم ~~توبة، ثم قربة فإذا عصى الرجل دخل في حيز الظالمين، فإذا تاب دخل جملة ~~المقتصدين فاذا صحت توبته وكثرت عبادته ومجاهدته دخل في عداد السابقين ~~وقيل قدم الظالم لكثرة الظلم وغلبته ثم المقتصد ms2658 قليل بالإضافة إلى ~~الظالمين، والسابق أقل من القليل فلهذا أخرهم ومعنى سابق بالخيرات أي ~~بالأعمال الصالحة إلى الجنة، أو إلى رحمة الله { بإذن الله } أي بأمر ~~الله وإرادته { ذلك هو الفضل الكبير } يعني إيراثهم الكتاب واصطفاءهم ثم ~~أخبر بثوابهم ### || [35.33-35] # فقال تعالى: { جنات عدن يدخلونها } يعني الأصناف الثلاثة { يحلون فيها ~~من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير } تقدم تفسيره { وقالوا الحمد ~~لله الذي أذهب عنا الحزن } قال ابن عباس حزن النار وقيل حزن الموت وقيل ~~حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات وأنهم لا يدرون ما يصنع بهم وقيل ~~حزن زوال النعم وتقليب القلوب وخوف العاقبة وقيل حزن أهوال يوم القيامة ~~وهموم الحصر والمعيشة في الدنيا وقيل ذهب عن أهل الجنة كل حزن كان لمعاش ~~أو معاد. روى البغوي بسنده عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في نشورهم وكأني بأهل ~~لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا ~~الحزن " # { إن ربنا لغفور شكور } يعني غفر العظيم من الذنوب وشكر القليل من ~~الأعمال { الذي أحلنا } يعني أنزلنا { دار المقامة } أي الإقامة { من ~~فضله } أي لا بأعمالنا { لا يمسنا فيها نصب } أي لا يصيبنا فيها عناء ولا ~~مشقة { ولا يمسنا فيها لغوب } أي إعياء من التعب. ### || [35.36-43] # قوله تعالى: { والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا } أي ~~فيستريحوا مما هم فيه { ولا يخفف عنهم من عذابها } أي من عذاب النار { ~~كذلك نجزي كل كفور وهم يصطرخون } أي يستغيثون ويصيحون { فيها } يقولون { ~~ربنا أخرجنا } أي من النار { نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل } أي في ~~الدنيا من الشرك والسيئات فيقول الله تعالى توبيخا لهم { أو لم نعمركم ~~ما يتذكر فيه من تذكر } قيل: هو البلوغ وقيل ثمان عشرة سنة وقيل أربعون ~~سنة وقال ابن عباس ستون سنة ويروى ذلك عن علي وهو العمر الذي أعذر الله ~~تعالى لابن آدم ms2659 خ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أعذر الله إلى كل امرىء آخر أجله حتى بلغ ستين سنة " # عنه بإسناد الثعلبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين " # { وجاءكم النذير } يعني محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن قاله ابن عباس: ~~وقيل هو الشيب والمعنى أو لم نعمركم حتى شبتم. ويقال الشيب: نذير الموت ~~وفي الأثر # " ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها استعدي فقد قرب الموت " # { فذقوا } أي يقال لهم ذوقوا العذاب { فما للظالمين من نصير } أي لهم من ~~مانع يمنعهم من عذابه { إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات ~~الصدور } يعني إنه إذا علم ذلك هو أخفى ما يكون، فقد علم غيب كل شيء في ~~العالم. قوله تعالى { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } أي يخلف بعضكم ~~بعضا وقيل جعلكم أمة خلفت من قبلها من الأمم ورأت ما ينبغي أن يعتبر بهن ~~وقيل جعلكم خلفاء في أرضه وملككم منافعها مقاليد التصرف فيها لتشكروه ~~بالتوحيد والطاعة { فمن كفر } أي جحد هذه النعمة وغطمها { فعليه كفره } ~~أي وبال كفره { ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا } يعني غضبا ~~وقيل المقت أشد البغض { ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا } يعني في ~~الآخرة { قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله } يعني الأصنام ~~جعلتموها شركاء بزعمكم { أروني ماذا خلقوا من الأرض } يعني أي جزء ~~استبدوا بخلقه من الأرض { أم لهم شرك في السموات } أي خلق في السموات ~~والأرض { أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه } أي على حجة وبرهان من ذلك ~~{ بل إن يعد الظالمون بعضهم } يعني الرؤساء { بعضا إلا غرورا } يعني ~~قولهم هؤلاء الأصنام شفعاؤنا عند الله. قوله عز وجل { إن الله يمسك ~~السموات والأرض أن تزولا } يعني لكي لا تزولا فيمنعهما من الزوال والوقوع ~~وكانتا جديرتين بأن تزولا وتهدهد العظم كلمة الشرك { ولئن زالتا إن ~~أمسكهما من أحد من بعده } يعني ليس يمسكهما أحد سواه { إنه كان ms2660 حليما ~~غفورا } يعني غير معاجل بالعقوبة حيث أمسكهما وكانتا قد همتا بعقوبة ~~الكفار لولا حلمه وغفرانه { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } يعني كفار مكة ~~وذلك لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا لعن الله اليهود ~~والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم وأقسموا بالله لو جاءنا نذير لنكونن أهدى ~~دينا منهم وذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعث محمد كذبوه ~~فأنزل الله هذه الآية { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } { لئن جاءهم نذير } ~~يعني رسول { ليكونن أهدى من إحدى الأمم } يعني اليهود والنصارى { فلما ~~جاءهم نذير } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { ما زادهم } مجيئه { إلا ~~نفورا } يعني تباعدا عن الهدى { استكبارا في الأرض } يعني عتوا ~~وتكبرا عن الإيمان به { ومكر السيىء } يعني عمل القبيح وهو اجتماعهم على ~~الشرك وقيل هو مكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم { ولا يحيق المكر ~~السيىء إلا بأهله } يعني لا يحل ولا يحيط إلا بأهله فقتلوا يوم بدر قال ~~ابن عباس عاقبة الشرك لا تحل إلا بمن أشرك { فهل ينظرون } أي ينظرون { ~~إلا سنة الأولين } يعني أن ينزل العذاب بهم كما نزل بمن مضى من الكفار { ~~فلن تجد لسنة الله تبديلا } أي تغييرا { ولن تجد لسنة الله تحويلا } ~~أي تحويل العذاب عنهم إلى غيرهم. ### || [35.44-45] # { أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين قبلهم } معناه ~~أنهم يعتبرون بمن مضى وبآثارهم وعلامات هلاكهم { وكانوا أشد منهم قوة وما ~~كان الله ليعجزه } أي ليفوت عنه { من شيء في السموات ولا في الأرض إنه ~~كان عليما قديرا ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا } أي من الجرائم { ما ~~ترك على ظهرها } أي ظهر الأرض { من دابة } أي من نسمة تدب عليها يريد بني ~~آدم وغيرهم كما أهلك من كان في زمن نوح بالطوفان إلا من كان في السفينة { ~~ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } يعني يوم القيامة { فإذا جاء أجلهم فإن الله ~~كان بعباده بصيرا } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يريد أهل طاعته ~~وأهل معصيته وقيل بصيرا ms2661 بمن يستحق العقوبة وبمن يستحق الكرامة والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-6] # قول عز وجل: { يس } قال ابن عباس: هو قسم، وعنه أن معناه يا إنسان بلغة ~~طيىء يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وقيل يا سيد البشر وقيل هو اسم ~~للقرآن { والقرآن الحكيم } أي ذي الحكمة لأنه دليل ناطق بالحكمة وهو قسم ~~وجوابه { إنك لمن المرسلين } أي أقسم بالقرآن أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم لمن المرسلين وهو رد على الكفار حيث قالوا لست مرسلا { على صراط ~~مستقيم } معناه وإنك على صراط مستقيم، وقيل معناه إنك لمن المرسلين الذين ~~هم على طريقة مستقيمة { تنزيل العزيز الرحيم } يعني القرآن تنزيل العزيز ~~في ملكه الرحيم بخلقه { لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم } يعني لم تنذر ~~آباؤهم لأن قريشا لم يأتهم نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم وقيل معناه ~~لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم من العذاب { فهم غافلون } أي عما يراد بهم من ~~الإيمان والرشد. ### || [36.7-11] # { لقد حق القول } أي وجب العذاب. { على أكثرهم فهم لا يؤمنون } فيه ~~إشارة إلى إرادة الله تعالى السابقة فيهم فهم لا يؤمنون لما سبق لهم من ~~القدر بذلك. قوله عز وجل: { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا } نزلت في أبي ~~جهل وصاحبيه المخزوميين وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا صلى الله ~~عليه وسلم يصلي ليرضخن رأسه بالحجارة فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه به ~~فلما رفعه انثنت يده إلى عنقه ولزق الحجر بيده، فلما رجع إلى أصحابه ~~وأخبرهم بما رأى سقط الحجر فقال له رجل من بني مخزوم أنا أقتله بهذا ~~الحجر فأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر فأعمى الله تعالى بصره فجعل يسمع ~~صوته ولا يراه فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقالوا له ما صنعت ~~فقال: ما رأيته ولقد سمعت صوته وحال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه ~~لو دنوت منه لأكلني. فأنزل الله تعالى { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا } ~~قيل هذا على وجه التمثيل، ولم يكن هناك ms2662 غل، أراد منعناهم عن الإيمان ~~بموانع فجعل الأغلال مثلا لذلك وقيل حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله ~~بموانع كالأغلال وقيل إنها موانع حسية منعت كما يمنع الغل وقيل إنها وصف ~~في الحقيقة وهي ما سينزله الله عز وجل بهم في النار { فهي } يعني الأيدي ~~{ إلى الأذقان } جمع ذقن وهو أسفل اللحيين لأن الغل بجمع اليد إلى العنق ~~{ فهم مقمحون } يعني رافعو رؤوسهم مع غض البصر وقيل أراد أن الأغلال رفعت ~~رؤوسهم فهم مرفعو الرؤوس برفع الأغلال لها { وجعلنا من بين أيديهم سدا ~~ومن خلفهم سدا } معناه منعناهم عن الإيمان بموانع فهم لا يستطيعون ~~الخروج من الكفر إلى الإيمان كالمضروب أمامه وخلفه بالأسداد وقيل حجبناهم ~~بالظلمة عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى: { ~~فأغشيناهم } يعني فأعميناهم { فهم لا يبصرون } يعني سبيل الهدى { وسواء ~~عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } يعني من يرد الله إضلاله لم ~~ينفعه الإنذار { إنما تنذر من اتبع الذكر } يعني إنما ينفع إنذارك من ~~اتبع القرآن فعمل بما فيه { وخشي الرحمن بالغيب } أي خافه في السر والعلن ~~{ فبشره بمغفرة } يعني لذنوبه { وأجر كريم } يعني الجنة. ### || [36.12-13] # قوله تعالى: { إنا نحن نحيي الموتى } يعني للبعث { ونكتب ما قدموا } أي ~~من الأعمال من خير وشر { وآثارهم } أي ونكتب ما سنوا من سنة حسنة أو سيئة ~~م عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من ~~غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ~~ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء " # وقيل نكتب خطاهم إلى المسجد عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال # " كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد ~~فنزلت هذه الآية { إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم } فقال ~~رسول الله صلى الله ms2663 عليه وسلم إن آثاركم تكتب فلم ينتقلوا " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب خ عن أنس رضي الله عنه قال: # " أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد فكره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن تعرى المدينة فقال: " يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم؟ " ~~فأقاموا " # قوله تعرى يعني تخلى فتترك عراء وهو الفضاء من الأرض الخالي الذي لا ~~يستره شيء م. عن جابر قال # " خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: " بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب ~~المسجد " فقالوا نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك فقال: " بني سلمة دياركم ~~تكتب آثاركم " " # فقالوا ما يسرنا إذا تحولنا. قوله بني سلمة أي يا بني سلمة وقوله: ~~دياركم أي الزموا دياركم ق. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة ~~حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام ". # قوله تعالى: { وكل شيء أحصيناه } أي حفظناه وعددناه وأثبتناه { في إمام ~~مبين } يعني اللوح المحفوظ. قوله عز وجل: { واضرب لهم مثلا } يعني صف ~~لهم شبها مثل حالهم من قصة { أصحاب القرية } يعني أنطاكية { إذ جاءها ~~المرسلون } يعني رسل عيسى عليه الصلاة والسلام. ذكر القصة في ذلك قال ~~العلماء بأخبار الأنبياء بعث عيسى عليه السلام رسولين من الحواريين إلى ~~أهل إنطاكية فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب ~~النجار صاحب ياسين فسلما عليه فقال الشيخ لهما من أنتما فقالا رسولا عيسى ~~عليه الصلاة والسلام ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فقال ~~الشيخ لهما أمعكما آية قالا نعم نشفي المريض ونبرىء الأكمه والأبرص بإذن ~~الله قال الشيخ إن لي ابنا مريضا منذ سنين قالا: فانطلق بنا نطلع على ~~حاله فأتى بهما إلى منزله فمسحا ابنه فقام في الوقت بإذن الله تعالى ~~صحيحا ففشا الخبر في المدينة ms2664 وشفى الله تعالى على أيديهما كثيرا من ~~المرضى وكان لهم ملك يعبد الأصنام اسمه انطيخس وكان من ملوك الروم فانتهى ~~خبرهما إليه فدعا بهما، وقال: من أنتما قالا: رسولا عيسى عليه الصلاة ~~والسلام، قال: وفيم جئتما قالا ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى ~~عبادة من يسمع ويبصر فقال ولنا إله دون آلهتنا قالا نعم الذي أوجدك ~~وآلهتك قال لهما: قوما حتى أنظر في أمركما فتبعهما الناس فأخذوهما ~~وضربوهما وقال وهب بعث عيسى عليه السلام هذين الرجلين إلى أنطاكية ~~فأتياها فلم يصلا إلى ملكها وطالت مدة مقامهما فخرج الملك ذات يوم فكبرا ~~وذكرا الله تعالى فغضب الملك وأمر بهما فحبسا وجلد كل واحد منهما مائتي ~~جلدة فلما كذبا وضربا بعث عيسى عليه الصلاة والسلام رأس الحواريين شمعون ~~الصفا على أثرهما ليبصرهما فدخل شمعون البلد متنكرا فجعل يعاشر حاشية ~~الملك حتى أنسوا به فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه وأنس به وأكرمه ورضي ~~عشرته فقال للملك ذات يوم: بلغني أنك حبست رجلين وضربتهما حين دعواك إلى ~~غير دينك فهل كلمتهما وسمعت قولهما، فقال: حال الغضب بيني وبين ذلك. # قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نطلع على ما عندهما فدعاهما الملك فقال ~~لهما شمعون: من أرسلكما إلى هاهنا؟ قال: الله الذي خلق كل شيء وليس له ~~شريك فقال لهما شمعون: فصفاه وأوجزا قالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد فقال شمعون: وما آيتكما؟ قال: ما تتمناه فأمر الملك حتى جاؤوا بغلام ~~مطموس العينين وموضع عينيه كالجبهة فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع ~~البصر، فأخذ بندقتين من طين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما ~~فتعجب الملك فقال شمعون للملك إن أنت سألت إلهك حتى يصنع لك مثل هذا كان ~~لك الشرف ولإلهك فقال له الملك ليس لي عنك سر مكتوم فإن إلهنا الذي نعبده ~~لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع وكان شمعون يدخل مع الملك على الصنم ~~ويصلي ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم فقال الملك للرسولين ms2665 إن قدر إلهكما ~~الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما قالا إلهنا قادر على كل شيء ~~فقال الملك إن هاهنا ميتا قد مات منذ سبعة أيام ابن دهقان وأنا أخرته ~~فلم أدفنه حتى يرجع أبوه وكان غائبا فجاؤوا بالميت وقد تغير وأروح ~~فجعلا يدعوان ربهما علانية وشمعون يدعو ربه سرا فقام الميت وقال: إني ~~ميت منذ سبعة أيام ووجدت مشركا فأدخلت في سبعة أودية من النار وأنا ~~أحذركم ما أنتم عليه فآمنوا بالله ثم قال فتحت أبواب السماء فنظرت شابا ~~حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة قال الملك ومن الثلاثة قال شمعون وهذان ~~وأشار بيده إلى صاحبيه فعجب الملك من ذلك فلما علم شمعون أن قوله قد أثر ~~في الملك أخبره بالحال ودعاه فآمن الملك وآمن معه قوم وكفر آخرون وقيل بل ~~كفر الملك وأجمع على قتل الرسل هو وقومه فبلغ ذلك حبيبا وهو على باب ~~المدينة فجاء يسعى إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين. ### || [36.14-20] # قوله تعالى: { إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما } قال وهب اسمهما يوحنا ~~وبولس وقال كعب صادق وصدوق { فعززنا بثالث } يعني قوينا برسول ثالث وهو ~~شمعون وقيل شلوم وإنما أضاف الله تعالى الإرسال إليه لأن عيسى عليه ~~الصلاة والسلام إنما بعثهم بإذن الله عز وجل { فقالوا } يعني لم يرسل ~~رسولا { إن أنتم إلا تكذبون } يعني فيما تزعمون { قالوا ربنا يعلم إنا ~~إليكم لمرسلون } يعني وإن كذبتمونا { وما علينا إلا البلاغ المبين } أي ~~بالآيات الدالة على صدقنا { قالوا إنا تطيرنا بكم } أي تشاءمنا منكم وذلك ~~لأن المطر حبس عنهم فقالوا أصابنا ذلك بشؤمكم { لئن لم تنتهوا } أي ~~تسكتوا عنا { لنرجمنكم } يعني لنقتلنكم وقيل بالحجارة { وليمسنكم منا ~~عذاب أليم قالوا طائركم معكم } يعني شؤمكم معكم بكفركم وتكذيبكم يعني ~~أصابكم الشؤم من قبلكم وقال ابن عباس حظكم من الخير والشر { أئن ذكرتم } ~~معناه اطيرتم لأن ذكرتم ووعظتم { بل أنتم قوم مسرفون } أي في ضلالكم ~~وشرككم متمادون في غيكم. قوله عز وجل: { وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى } ~~هو حبيب ms2666 النجار وقيل كان قصارا وقال وهب كان يعمل الحرير وكان سقيما قد ~~أسرع فيه الجذام وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المسجد وكان مؤمنا ذا ~~صدقة يجمع كسبه فإذا أمسى قسمه نصفين نصف لعياله ويتصدق بنصفه فلما بلغه ~~أن قومه كذبوا الرسل وقصدوا قتلهم جاءهم { قال يا قوم اتبعوا المرسلين } ~~وقيل كان في غار يعبد ربه فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقال لهم ~~أتسألون على هذا أجرا قالوا لا فأقبل على قومه وقال يا قوم اتبعوا ~~المرسلين. ### || [36.21-27] # { اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون } أي لا تخسرون معهم شيئا من ~~دنياكم وتربحون صحة دينكم فيحصل لكم خير الدنيا والآخرة فلما قال ذلك ~~قالوا له أو أنت مخالف لديننا ومتابع دين هؤلاء الرسل ومؤمن بإلههم فقال ~~{ ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون } قيل أضاف الفطرة إلى نفسه ~~والرجوع إليهم لأن الفطرة أثر النعمة وكانت عليه أظهر والرجوع فيه معنى ~~الزجر فكان بهم أليق وقيل معناه وأي شيء بي إذا لم أعبد خالقي وإليه ~~تردون عند البعث فيجزيكم بأعمالكم { أأتخذ من دونه آلهة } أي لا أتخذ من ~~دونه آلهة { إن يردن الرحمن بضر } أي بسوء ومكروه { لا تغن عني } أي لا ~~تدفع عني { شفاعتهم شيئا } أي لا شفاعة لها فتغني عني { ولا ينقذون } أي ~~من ذلك المكروه وقيل من العذاب { إني إذا لفي ضلال مبين } أي خطأ ظاهر { ~~إني آمنت بربكم فاسمعون } أي فاشهدوا لي بذلك قيل هو خطاب للرسل وقيل هو ~~خطاب لقومه فلما قال ذلك وثب القوم عليه وثبة رجل واحد فقتلوه. قال ابن ~~مسعود ووطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره وقيل كانوا يرمونه بالحجارة ~~وهو يقول اللهم اهد قومي حتى أهلكوه وقبره بأنطاكية فلما لقي الله تعالى: ~~{ قيل } له { ادخل الجنة } فلما أفضى إلى الجنة ورأى نعيمها { قال يا ليت ~~قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين } تمنى أن يعلم قومه أن ~~الله تعالى غفر له وأكرمه ليرغبوا في دين الرسل ms2667 فلما قتل غضب الله عز وجل ~~له فعجل لهم العقوبة فأمر جبريل عليه الصلاة والسلام فصاح بهم صيحة ~~واحدة فماتوا عن آخرهم. ### || [36.28-32] # قوله تعالى: { وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء } يعني ~~الملائكة { وما كنا منزلين } أي ما كنا لنفعل هذا بل الأمر في إهلاكهم ~~كان أيسر مما تظنون ثم بين عقوبتهم فقال تعالى: { إن كانت إلا صيحة ~~واحدة } قال المفسرون أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة وصاح بهم صيحة واحدة ~~{ فإذا هم خامدون } أي ميتون { يا حسرة على العباد } يعني يا لها حسرة ~~وندامة وكآبة على العباد والحسرة أن يركب الإنسان من شدة الندم ما لا ~~نهاية له حتى يبقى قلبه حسيرا قيل تحسروا على أنفسهم لما عاينوا من ~~العذاب حيث لم يؤمنوا بالرسل الثلاثة فتمنوا الإيمان حيث لم ينفعهم وقيل ~~تتحسر عليهم الملائكة حيث لم يؤمنوا بالرسل وقيل يقول الله تعالى يا حسرة ~~على العباد يوم القيامة حيث لم يؤمنوا بالرسل ثم بين سبب تلك الحسرة فقال ~~تعالى: { ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون } قوله تعالى: { ألم ~~يروا } أي ألم يخبروا خطاب لأهل مكة { كم أهلكنا قبلهم من القرون } أي من ~~الأمم الخالية من أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم في الوجود { أنهم إليهم ~~لا يرجعون } أي لا يعودون إلى الدنيا أفلا يعتبرون بهم { وإن كل لما جميع ~~لدينا محضرون } يعني أن جميع الأمم يحضرون يوم القيامة. ### || [36.33-42] # { وآية لهم } يعني تدلهم على كمال قدرتنا على إحياء الموتى { الأرض ~~الميتة أحييناها } أي بالمطر { وأخرجنا منها } أي من الأرض { حبا } يعني ~~الحنطة والشعير وما أشبههما { فمنه يأكلون } أي من الحب { وجعلنا فيها } ~~يعني في الأرض { جنات } يعني بساتين { من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من ~~العيون ليأكلوا من ثمره } يعني من الثمر الحاصل بالماء { وما عملته ~~أيديهم } يعني من الزرع والغرس الذي تعبوا فيه وقرئ عملت بغير هاء وقيل ~~ما للنفي والمعنى ولم تعمله أيديهم وليس من صنيعهم بل وجدوها معمولة وقيل ~~أراد العيون والأنهار ms2668 التي لم تعملها يد خلق مثل النيل والفرات ودجلة { ~~أفلا يشكرون } يعني نعمة الله تعالى { سبحان الذي خلق الأزواج كلها } ~~يعني الأصناف كلها { مما تنبت الأرض } أي من الأشجار والثمار والحبوب { ~~ومن أنفسهم } يعني الذكر والأنثى { ومما لا يعلمون } يعني مما خلق الله ~~تعالى من الأشياء في البر والبحر من الدواب. قوله عز وجل: { وآية لهم } ~~يعني تدلهم على قدرتنا { الليل نسلخ } أي ننزع ونكشط { منه النهار فإذا ~~هم مظلمون } يعني فإذا هم في الظلمة وذلك أن الأصل هي الظلمة والنهار ~~داخل عليها فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل فتظهر الظلمة { والشمس ~~تجري لمستقر لها } يعني إلى مستقر لها قيل إلى انتهاء سيرها عند انقضاء ~~الدنيا وقيام الساعة وقيل تسير في منازلها حتى تنتهي إلى مستقرها الذي لا ~~تجاوزه ثم ترجع إلى أول منازلها وهو أنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد ~~مغاربها ثم ترجع فذلك مستقرها وقيل مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في ~~الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء. وقرأ ابن مسعود والشمس تجري لا مستقر لها ~~أي لا قرار ولا وقوف فهي جارية أبدا إلى يوم القيامة وقد صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما رواه # " أبو ذر قال " سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله والشمس تجري ~~لمستقر لها قال مستقرها تحت العرش " " # وفي رواية # " قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس " أتدري أين ~~تذهب الشمس " قال الله ورسوله أعلم قال " إنها تذهب حتى تسجد تحت العرش ~~فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها ~~فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها " " # فذلك قوله تعالى: { والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم } ~~أخرجاه في الصحيحين قال الشيخ محيي الدين النووي اختلف المفسرون فيه فقال ~~جماعة بظاهر الحديث. قال الواحدي فعلى هذا القول إذا غربت الشمس كل يوم ~~استقرت تحت العرش إلى أن تطلع وقيل تجري إلى وقت لها وأصل لا تتعداه وعلى ~~هذا مستقرها ms2669 انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وأما سجود الشمس فهو تمييز ~~وإدراك يخلقه الله تعالى فيها والله أعلم { ذلك } يعني الذي ذكر من جري ~~الشمس على ذلك التقدير والحساب الذي يكل النظر عن استخراجه وتتحير ~~الأفهام عن استنباطه { تقدير العزيز } يعني الغالب بقدرته على كل شيء ~~مقدور { العليم } يعني المحيط علما بكل شيء. # قوله تعالى: { والقمر قدرناه منازل } يعني قدرنا له منازل وهي ثمانية ~~وعشرون منزلا ينزل كل ليل في منزل منها لا يتعداه يسير فيها من ليلة ~~المستهل إلى الثامنة والعشرين ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص فإذا كان ~~في آخر منازله رق وتقوس فذلك قوله تعالى: { حتى عاد كالعرجون القديم } ~~وهو العود الذي عليه شماريخ العذق إلى منبته من النخلة والقديم الذي أتى ~~عليه الحول فإذا قدم عتق ويبس وتقوس واصفر فشبه القمر به عند انتهائه إلى ~~آخر منازله { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر } يعني لا يدخل النهار ~~على الليل قبل انقضائه ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه وهو قوله ~~تعالى: { ولا الليل سابق النهار } يعني هما يتعاقبان بحساب معلوم لا يجيء ~~أحدهما قبل وقته. وقيل لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر فلا تطلع الشمس ~~بالليل ولا يطلع القمر بالنهار وله ضوء فإذا اجتمعا وأدرك أحدهما صاحبه ~~قامت القيامة. وقيل معناه أن الشمس لا تجتمع مع القمر في فلك واحد ولا ~~يتصل ليل بليل لا يكون بينهما نهار فاصل { وكل في فلك يسبحون } أي الشمس ~~والقمر في فلك يسيرون. قوله عز وجل: { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم } يعني ~~أولادهم { في الفلك المشحون } يعني المملوء { وخلقنا لهم من مثله } يعني ~~مثل الفلك { ما يركبون } يعني من الإبل وهي سفائن البر. وقيل أراد بالفلك ~~المشحون سفينة نوح عليه الصلاة والسلام ومعنى الآية أن الله عز وجل حمل ~~آباءهم الأقدمين في أصلاب الذين كانوا في السفينة فكانوا ذرية لهم ومنه ~~قول العباس: # بل نطفة تركب السفين وقد ألجم نسرا وأهله الغرق # وإنما ذكر ذريتهم دونهم لأنه أبلغ في ms2670 الامتنان عليهم وأبلغ في التعجب من ~~قدرته فعلى هذا القول يكون قوله من مثله أي من مثل ذلك الفلك ما يركبون ~~أي من السفن والزوارق في الأنهار الكبار والصغار. ### || [36.43-49] # { وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم } يعني لا مغيث لهم { ولا هم ينقذون } ~~يعني ينجون من الغرق قال ابن عباس ولا أحد ينقذهم من عذابي { إلا رحمة ~~منا ومتاعا إلى حين } يعني إلا أن يرحمهم الله ويمتعهم إلى انقضاء ~~آجالهم { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم } قال ابن عباس { ~~ما بين أيديكم } يعني الآخرة فاعملوا لها { وما خلفكم } يعني الدنيا ~~فاحذروها ولا تغتروا بها. وقيل { ما بين أيديكم } يعني وقائع الله تعالى ~~بمن كان من قبلكم من الأمم { وما خلفكم } يعني الآخرة { لعلكم ترحمون } ~~أي لتكونوا على رجاء الرحمة وجواب إذا محذوف تقديره وإذا قيل لهم اتقوا ~~أعرضوا ويدل على الحذف قوله تعالى: { وما تأتيهم من آية من آيات ربهم } ~~أي دلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم { إلا كانوا عنها معرضين } ~~قوله عز وجل: { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم } أي مما أعطاكم { الله } ~~نزلت في كفار قريش وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار مكة أنفقوا على المساكين ~~مما زعمتم أنه لله تعالى من أموالكم وهو ما جعلوه لله من حروثهم وأنعامهم ~~{ قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم } أي أنرزق { من لو يشاء الله أطعمه ~~} أي رزقه قيل كان العاص بن وائل السهمي إذا سأله المسكين قال له اذهب ~~إلى ربك فهو أولى مني بك ويقول قد منعه أفأطعمه أنا ومعنى الآية أنهم ~~قالوا لو أراد الله أن يرزقهم لرزقهم فنحن نوافق مشيئة الله فيهم فلا ~~نطعم من لم يطعمه وهذا مما يتمسك به البخلاء يقولون لا نعطي من حرمه الله ~~وهذا الذي يزعمون باطل لأن الله تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء ~~فمنع الدنيا من الفقير لا بخلا وأعطى الدنيا الغني لا استحقاقا وأمر ~~الغني بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ليبلو الغني بالفقير ms2671 فيما فرض له ~~من مال الغني ولا اعتراض لأخذ في مشيئة الله وحكمته في خلقه والمؤمن ~~يوافق أمر الله تعالى وقيل قالوا هذا على سبيل الاستهزاء { إن أنتم إلا ~~في ضلال مبين } قيل هو من قول الكفار للمؤمنين ومعناه ما أنتم إلا في خطأ ~~بين باتباعكم محمدا وترك ما نحن عليه وقيل هو من قول الله تعالى ~~للكفار لما ردوا من جواب المؤمنين { ويقولون متى هذا الوعد } يعني يوم ~~القيامة والبعث { إن كنتم صادقين } قال الله تعالى: { ما ينظرون } أي ~~ينتظرون { إلا صيحة واحدة } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يريد ~~النفخة الأولى { تأخذهم وهم يخصمون } أي في أمر الدنيا من البيع والشراء ~~ويتكلمون في الأسواق والمجالس وفي متصرفاتهم فتأتيهم الساعة أغفل ما ~~كانوا عنها، وقد صح في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبا بينهما فلا يتبايعانه ولا ~~يطويانه ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه ~~ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته ~~إلى فيه فلا يطعمها " # أخرجه البخاري وهو طرف من حديث. ولمسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن ~~العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا فأول من يسمعه رجل ~~يلوط حوض إبله فيصعق ويصعق الناس " # اللقحة بفتح اللام وكسرها الناقة القريبة العهد من النتاج وقوله وهو ~~يليط حوضه يعني يطينه ويصلحه وكذلك يلوط حوض إبله وأصله من اللوط. وقوله ~~أصغى ليتا الليت صفحة العنق وأصغى يعني أمال عنقه يسمع. ### || [36.50-55] # قوله تعالى: { فلا يستطيعون توصية } أي لا يقدرون على الإيصاء بل أعجلوا ~~عن الوصية فماتوا { ولا إلى أهلهم يرجعون } يعني لا يقدرون على الرجوع ~~إلى أهلهم لأن الساعة لا تمهلهم بشيء { ونفخ في الصور } هذه النفخة ~~الثانية وهي نفخة البعث وبين النفختين أربعون سنة ق عن أبي هريرة ms2672 رضي ~~الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما بين النفختين أربعون قالوا يا أبا هريرة أربعين يوما قال أبيت ~~قالوا أربعين شهرا قال أبيت قالوا أربعين سنة قال أبيت ثم ينزل من ~~السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا ~~عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة " # { فإذا هم من الأجداث } أي القبور { إلى ربهم ينسلون } أي يخرجون منها ~~أحياء { قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا } قال ابن عباس إنما يقولون ~~هذا لأن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا ~~بعد الثانية وعاينوا أهوال القيامة دعوا بالويل. وقيل إذا عاين الكفار ~~جهنم وأنواع عذابها صار عذاب القبر في جنبها كالنوم فقالوا يا ويلنا من ~~بعثنا من مرقدنا { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } أقروا حين لا ~~ينفعهم الإقرار. وقيل قالت لهم الملائكة ذلك وقيل يقول الكفار من بعثنا ~~من مرقدنا فيقول المؤمنون هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون { إن كانت إلا ~~صيحة واحدة } يعني النفخة الأخيرة { فإذا هم جميع لدينا محضرون } أي ~~للحساب { فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون } قوله ~~تعالى: { إن أصحاب الجنة اليوم في شغل } قال ابن عباس في افتضاض الأبكار ~~وقيل في زيارة بعضهم بعضا وقيل في ضيافة الله تعالى وقيل في السماع وقيل ~~شغلوا بما في الجنة من النعيم عما فيه أهل النار من العذاب الأليم { ~~فاكهون } قال ابن عباس فرحون وقيل ناعمون وقيل معجبون بما هم فيه. ### || [36.56-60] # { هم وأزواجهم في ظلال } يعني أكنان القصور { على الأرائك } يعني السرر ~~في الحجال { متكئون } يعني ذوو اتكاء تحت تلك الظلال { لهم فيها فاكهة } ~~أي في الجنة { ولهم ما يدعون } يعني ما يتمنون ويشتهون والمعنى أن كل ما ~~يدعون أي أهل الجنة يأتيهم { سلام قولا من رب رحيم } يعني يسلم الله عز ~~وجل عليهم روى البغوي بإسناد الثعلبي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول ms2673 ~~الله صلى الله عليه وسلم # " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب عز ~~وجل قد أشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة فذلك قوله عز ~~وجل { سلام قولا من رب رحيم } ينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى ~~شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته ~~عليهم في ديارهم " # وقيل تسلم الملائكة عليهم من ربهم وقيل تدخل الملائكة على أهل الجنة من ~~كل باب يقولون سلام عليكم من ربكم الرحيم وقيل يعطيهم السلامة يقول ~~اسلموا السلام الأبدية { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } يعني اعتزلوا ~~وانفردوا وتميزوا اليوم من المؤمنين الصالحين وكونوا على حدة وقيل إن لكل ~~كافر في النار بيتا فيدخل ذلك البيت ويردم بابه فيكون فيه أبد الآبدين ~~لا يرى ولا يرى فعلى هذا القول يمتاز بعضهم عن بعض. قوله عز وجل: { ألم ~~أعهد إليكم يا بني آدم } أي ألم آمركم وأوصيكم يا بني آدم { أن لا تعبدوا ~~الشيطان } يعني لا تطيعوه فيما يوسوس ويزين لكم من معصية الله { إنه لكم ~~عدو مبين } أي ظاهر العداوة. ### || [36.61-65] # { وأن اعبدوني } أي أطيعوني ووحدوني { هذا صراط مستقيم } أي لا صراط ~~أقوم منه قوله تعالى: { ولقد أضل منكم جبلا كثيرا } أي خلقا كثيرا { ~~أفلم تكونوا تعقلون } يعني ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس ~~ويقال لهم لما دنوا من النار { هذه جهنم التي كنتم توعدون } يعني بها في ~~الدنيا { اصلوها } يعني ادخلوها { اليوم بما كنتم تكفرون } قوله تعالى: { ~~اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } ~~معنى الآية أن الكفار ينكرون ويجحدون كفرهم وتكذيبهم الرسل، ويقولون ~~والله ربنا ما كنا مشركين فيختم الله على أفواههم وتنطق جوارحهم ليعلموا ~~أن أعضاءهم التي كانت عونا لهم على المعاصي صارت شاهدة عليهم وذلك أن ~~إقرار الجوارح أبلغ من إقرار اللسان. فإن قلت ما الحكمة في تسمية نطق ~~اليد كلاما ونطق الرجل شهادة؟ قلت إن اليد مباشرة والرجل حاضرة ms2674 وقول ~~الحاضر على غيره شهادة بما رأى وقول الفاعل إقرار على نفسه بما فعل م عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال # " سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله هل نرى ~~ربنا يوم القيامة قال: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة ~~قالوا لا يا رسول الله قال فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في ~~سحابة قالوا لا قال فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما ~~تضارون في رؤية أحدهما قال فيلقى العبد ربه فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك ~~وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب فيقول ~~أفظننت أنك ملاقي فيقول لا فيقول اليوم أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثاني ~~فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس ~~وتربع فيقول بلى يا رب فيقول أفظننت أنك ملاقي فيقول لا فيقول اليوم ~~أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا رب آمنت بك ~~وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقول هاهنا إذا ~~قال ثم يقول له الآن نبعث شاهدنا عليك فيتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد ~~علي فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه ~~وعظامه بعمله وذلك الذي يسخط الله عليه " # قوله أي فل يعني يا فلان قوله وأسودك أي أجعلك سيدا قوله وأذرك ترأس أي ~~تتقدم على القوم بأن تصير رئيسهم وتربع أي تأخذ المرباع وهو ما يأخذه ~~رئيس الجيش لنفسه من الغنائم وهو ربعها وروى ترتع بتاءين أي تتنعم وتنبسط ~~من الرتع قوله وذلك ليعذر من نفسه أي ليقيم الحجة عليها بشهادة أعضائه ~~عليه م # " عن أنس بن مالك قال " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال ~~هل تدرون مم أضحك قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ربه فيقول ~~يا رب ألم تجرني من الظلم قال يقول بلى ms2675 قال فيقول فإني لا أجيز على نفسي ~~إلا شاهدا مني قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين ~~شهودا قال فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي قال فتنطق بأعماله ثم يخلى ~~بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل " " # قوله لا أجيز أي لا أقبل شاهدا على قوله بعدا لكن وسحقا أي هلاكا ~~قوله فعنكن كنت أناضل أي أجادل وأخاصم. ### || [36.66-69] # { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم } أي أذهبنا أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو ~~لها جفن ولا شق والمعنى ولو نشاء لأعمينا أعينهم الظاهرة كما أعمينا ~~قلوبهم { فاستبقوا الصراط } أي فبادروا إلى الطريق { فأنى يبصرون } أي ~~كيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم والمعنى ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى ~~وتركناهم عميا يترددون فكيف يبصرون الطريق حينئذ وقال ابن عباس يعني لو ~~نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم فأعميناهم عن غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة ~~إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى يبصرون ولم نفعل ذلك بهم { ولو نشاء ~~لمسخناهم على مكانتهم } يعني ولو نشاء لجعلناهم قردة وخنازير في منازلهم ~~وقيل لجعلناهم حجارة لا أرواح فيها { فما استطاعوا مضيا } أي لا يقدرون ~~أن يبرحوا { ولا يرجعون } أي إلى ما كانوا عليه وقيل لا يقدرون على ~~الذهاب ولا الرجوع { ومن نعمره ننكسه في الخلق } أي نرده إلى أرذل العمر ~~شبه الصبي في أول الخلق وقيل نضعف جوارحه بعد قوتها وننقصها بعد زيادتها ~~وذلك أن الله تعالى خلق الإنسان في ضعف من جسده وخلو من عقل وعلم في حال ~~صغره ثم جعله يتزايد وينتقل من حال إلى حال إلى أن بلغ أشده واستكمل قوته ~~وعقله وعلم ما له وما عليه فإذا انتهى إلى الغاية واستكمل النهاية رجع ~~ينقص حتى يرد إلى ضعفه الأول فذلك نكسه في الخلق { أفلا يعقلون } أي ~~فيعتبرون ويعلمون أن الذي قدر على تصريف أحوال الإنسان قادر على البعث ~~بعد الموت قوله عز وجل: { وما علمناه الشعر وما ينبغي له } قيل إن كفار ~~قريش قالوا إن محمدا شاعر وما يقوله شعر فأنزل الله تعالى ms2676 تكذيبا لهم ~~وما علمناه الشعر وما ينبغي له أي ما يسهل له ذلك وما يصلح منه بحيث لو ~~أراد نظم شعر لم يتأت له ذلك كما جعلناه أميا لا يكتب ولا يحسب لتكون ~~الحجة أثبت والشبهة أدحض قال العلماء ما كان يتزن له بيت شعر وإن تمثل ~~ببيت شعر جرى على لسانه منكسرا كما روي عن الحسن أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يتمثل بهذا البيت: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا فقال أبو ~~بكر رضي الله تعالى عنه يا نبي الله إنما قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام ~~للمرء ناهيا: أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم وما علمناه الشعر ~~وما ينبغي له " هذا حديث مرسل وروي # " عن عائشة رضي الله تعالى عنها وقد قيل لها " هل كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر قالت كان يتمثل بشعر ابن رواحة ويقول: ~~ويأتيك بالأخبار من لم تزود ". # أخرجه الترمذي وفي رواية لغيره " أن عائشة رضي الله تعالى عنها سئلت هل ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر قالت كان الشعر أبغض ~~الحديث إليه ولم يتمثل إلا بيت أخي بني قيس طرفة: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم يزود # فجعل يقول ويأتيك من لم تزود بالأخبار فقال أبو بكر رضي الله عنه ليس ~~هكذا يا رسول الله فقال: # " إني لست بشاعر ولا ينبغي لي ". # فإن قلت قد صح من حديث جندب بن عبد الله قال " بينما نحن مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذ أصابه حجر فدمت أصبعه فقال: # هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت # أخرجاه في الصحيحين ولهما من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # اللهم إن العيش عيش الآخره فأكرم الأنصار والمهاجره # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب # قلت ما هذا إلا من كلامه الذي يرمي به من ms2677 غير صنعة فيه ولا تكلف له إلا ~~أن اتفق كذلك من غير قصد إليه وإن جاء موزونا كما يتفق في كثير من ~~إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم كلام موزون يدخل في وزن ~~البحور ومع ذلك فإن الخليل لم يعد المشطور من الرجز شعرا ولما نفى أن ~~يكون القرآن من جنس الشعر قال تعالى: { إن هو إلا ذكر } يعني ما هو إلا ~~ذكر من الله تعالى يعظ به الإنس والجن ليس بشعر لأنه ليس على أساليب ~~الشعر ولا يدخل في بحوره { وقرآن مبين } أي إنه كتاب سماوي يقرأ في ~~المحاريب ويتلى في المتعبدات وينال بتلاوته الثواب والدرجات وفيه بيان ~~الحدود والأحكام وبيان الحلال والحرام فكم بينه وبين الشعر الذي هو من ~~همزات الشياطين وأقاويل الشعراء الكاذبين. ### || [36.70-78] # { لتنذر } أي يا محمد وقرىء بالياء أي القرآن { من كان حيا } يعني ~~مؤمنا حي القلب لأن الكافر كالميت الذي لا يتدبر ولا يتفكر { ويحق القول ~~} أي وتجب حجة العذاب { على الكافرين } قوله عز وجل: { أولم يروا أنا ~~خلقنا لهم مما عملت أيدينا } أي تولينا خلقه بإبداعنا له من غير إعانة ~~أحد في إنشائه كقول القائل عملت هذا بيدي إذا تفرد به ولم يشاركه فيه أحد ~~وقيل عملناه بقوتنا وقدرتنا وإنما قال ذلك لبدائع الفطرة التي لا يقدر ~~عليها إلا هو { أنعاما } إنما خص الأنعام بالذكر وإن كانت الأشياء كلها ~~من خلق الله تعالى وإيجاده لأن النعم أكثر أموال العرب والنفع بها أعم { ~~فهم لها مالكون } أي خلقناها لأجلهم فملكناهم إياها يتصرفون فيها تصرف ~~الملاك. وقيل معناه فهم لها ضابطون قاهرون ومنه قول بعضهم: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا # أي لا أضبط رأس البعير والمعنى لم تخلق الأنعام وحشية نافرة من بني آدم ~~لا يقدرون على ضبطها بل خلقناها مذللة مسخرة لهم وهو قوله تعالى: { ~~وذللناها لهم فمنها ركوبهم } أي الإبل { ومنها يأكلون } أي الغنم { ولهم ~~فيها منافع } أي من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها ونسلها { ومشارب } ~~أي من ألبانها ms2678 { أفلا يشكرون } أي رب هذه النعم { واتخذوا من دون الله ~~آلهة } يعني الأصنام { لعلهم ينصرون } أي لتمنعهم من عذاب الله ولا يكون ~~ذلك قط { لا يستطيعون نصرهم } قال ابن عباس لا تقدر الأصنام على نصرهم ~~ومنعهم من العذاب { وهم لهم جند محضرون } أي الكفار جند الأصنام يغضبون ~~لها ويحضرونها في الدنيا وهي لا تسوق إليهم خيرا ولا تستطيع لهم نصرا ~~وقيل هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله ومعه أتباعه الذين عبدوه ~~في الدنيا كأنهم جند محضرون في النار { فلا يحزنك قولهم } يعني قول كفار ~~مكة في تكذيبك يا محمد { إنا نعلم ما يسرون } أي في ضمائرهم من التكذيب { ~~وما يعلنون } أي من عبادة الأصنام وقيل ما يعلنون بألسنتهم من الأذى. ~~قوله تعالى: { أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة } أي من نطفة قذرة ~~خسيسة { فإذا هو خصيم مبين } أي جدل بالباطل بين الخصومة والمعنى العجب ~~من جهل هذا المخاصم مع مهانة أصله كيف يتصدى لمخاصمة الجبار ويبرز ~~لمجادلته في إنكاره البعث وكيف لا يتفكر في بدء خلقه وأنه من نطفة قذرة ~~ويدع الخصومة نزلت في # " أبي بن خلف الجمحي خاصم النبي صلى الله عليه وسلم في إنكار البعث ~~وأتاه بعظم قد رم وبلي ففتته بيده وقال أترى يحيي الله هذا بعد ما رم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم " نعم ويبعثك ويدخلك النار " # فأنزل الله تعالى هذه الآيات { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه } أي بدأ أمره ~~{ قال من يحيي العظام وهي رميم } أي بالية والمعنى وضرب لنا مثلا في ~~إنكار البعث بالعظم البالي حين فتته بيده وتعجب ممن يقول إن الله تعالى ~~يحييه ونسي أول خلقه وأنه مخلوق من نطفة. ### || [36.79-83] # { قل يحييها الذي أنشأها أول مرة } أي خلقها أول مرة وابتدأ خلقها { وهو ~~بكل خلق } أي من الابتداء والإعادة { عليم } أي يعلم كيف يخلق لا يتعاظمه ~~شيء من خلق المبدأ أو المعاد { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا } قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما هما ms2679 شجرتان يقال لإحداهما المرخ بالراء والخاء ~~المعجمة والأخرى العفار بالعين المهملة فمن أراد النار قطع منهما غصنين ~~مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ على العفار ~~فتخرج منهما النار بإذن الله تعالى تقول العرب في كل شجر نار واستمجد ~~المرخ والعفار أي استكثر منها وذلك أن هاتين الشجرتين من أكثر الشجر ~~نارا وقال الحكماء في كل شجر نار إلا العناب { فإذا أنتم منه توقدون } ~~أي تقدحون فتوقدون النار من ذلك الشجر ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان ~~فقال تعالى: { أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ~~بلى } أي هو القادر على ذلك { وهو الخلاق } يعني يخلق خلقا بعد خلق { ~~العليم } أي بجميع ما خلق { إنما أمره إذا أراد شيئا } أي إحداث شيء ~~وتكوينه { أن يقول له كن } أن يكونه من غير توقف { فيكون } أي فيحدث ~~ويوجد لا محالة { فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء } أي هو مالك كل شيء ~~والمتصرف فيه { وإليه ترجعون } أي تردون بعد الموت والله أعلم. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-6] # قوله عز وجل: { والصافات صفا } قال ابن عباس هم الملائكة يصفون كصفوف ~~الخلق في الدنيا للصلاة م عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم قلنا وكيف تصف الملائكة عند ربهم ~~قال يتمون الصفوف المتقدمة ويتراصون في الصف " # لفظ أبي داود وقيل هم الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة حتى يأمرها ~~الله تعالى بما يريد وقيل أراد بالصافات الطير تصف أجنحتها في الهواء { ~~فالزاجرات زجرا } يعني الملائكة تزجر السحاب وتسوقه وقيل هي زواجر ~~القرآن تنهى وتزجر عن القبيح { فالتاليات ذكرا } يعني الملائكة يتلون ~~ذكر الله تعالى وقيل هم قراء القرآن وهذا كله قسم أقسم الله عز وجل ~~بهذه الأشياء وقيل فيه إضمار تقديره ورب الصافات والزاجرات والتاليات ~~وجواب القسم قوله تعالى: { إن إلهكم لواحد } وذلك أن كفار مكة قالوا أجعل ~~الآلهة إلها واحدا فأقسم الله تعالى بهذه الأشياء للتنبيه ms2680 على شرف ~~ذواتها وكمال مراتبها والرد على عبدة الأصنام في قولهم ثم وصف نفسه فقال ~~تعالى: { رب السموات والأرض وما بينهما } يعني أنه المالك القادر العالم ~~المنزه عن الشريك. وقوله { ورب المشارق } قيل أراد والمغارب فاكتفى ~~بأحدهما قال السدي المشارق ثلاثمائة وستون مشرقا وكذلك المغارب فإن ~~الشمس تطلع كل يوم في مشرق وتغرب في مغرب. فإن قلت قد قال في موضع آخر رب ~~المشرق ورب المغربين وقال رب المشرق والمغرب فكيف وجه الجمع بين هذه ~~الآيات. قلت أراد بالمشرق والمغرب الجهة التي تطلع فيها الشمس وتغرب ~~وأراد بالمشرقين مشرق الصيف ومشرق الشتاء، وبالمغربين مغرب الصيف ومغرب ~~الشتاء وبالمشارق والمغارب ما تقدم من قول السدي وقيل كل موضع شرقت عليه ~~الشمس فهو مشرق وكل موضع غربت عليه فهو مغرب وقيل أراد مشارق الكواكب. ~~قوله تعالى: { إنا زينا السماء الدنيا } يعني التي تلي الأرض وهي أدنى ~~السموات إلى الأرض { بزينة الكواكب } قال ابن عباس بضوء الكواكب لأن ~~الضوء والنور من أحسن الصفات وأكملها ولو لم تحصل هذه الكواكب في السماء ~~لكانت شديدة الظلمة عند غروب الشمس وقيل زينتها أشكالها المتناسبة ~~والمختلفة في الشكل كشكل الجوزاء وبنات نعش وغيرها. وقيل إن الإنسان إذا ~~نظر في الليلة المظلمة إلى السماء ورأى هذه الكواكب الزواهر مشرقة ~~متلألئة على سطح أزرق نظر غاية الزينة. ### || [37.7-11] # { وحفظا من كل شيطان مارد } أي وحفظنا السماء من كل شيطان متمرد عات ~~يرمون بالشهب { لا يسمعون إلى الملأ الأعلى } يعني إلى الملائكة والكتبة ~~لأنهم سكان السماء وذلك أن شياطين يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا ~~كلام الملائكة فيخبرون به أولياءهم الإنس ويوهمون بذلك أنهم يعلمون الغيب ~~فمنعهم الله من ذلك بهذه الشهب وهو قوله تعالى: { ويقذفون } أي يرمون بها ~~{ من كل جانب } أي آفاق السماء { دحورا } أي يبعدونهم عن مجالس الملائكة ~~{ ولهم عذاب واصب } أي دائم { إلا من خطف الخطفة } أي اختلس الكلمة من ~~كلام الملائكة { فأتبعه } أي لحقه { شهاب ثاقب } أي كوكب مضيء قوي لا ~~يخطئه بل يقتله ويحرقه ms2681 أو يخبله. وقيل سمي النجم الذي ترمى به الشياطين ~~ثاقبا لأنه يثقبهم. فإن قلت كيف يمكن أن تذهب الشياطين إلى حيث يعلمون ~~أن الشهب تحرقهم ولا يصلون إلى مقصودهم ثم يعودون إلى مثل ذلك. قلت إنما ~~يعودون إلى استراق السمع مع علمهم أنهم لا يصلون إليه طمعا في السلامة ~~ورجاء نيل المقصود كراكب البحر يغلب على ظنه حصول السلامة. وقوله عز وجل: ~~{ فاستفتهم } يعني سل أهل مكة { أهم أشد خلقا أم من خلقنا } يعني من ~~السموات والأرض والجبال وهو استفهام تقرير أي هذه الأشياء أشد خلقا وقيل ~~{ أم من خلقنا } يعني من الأمم الخالية والمعنى أن هؤلاء ليسوا بأحكم ~~خلقا من غيرهم من الأمم وقد أهلكناهم بذنوبهم فما الذي يؤمن هؤلاء من ~~العذاب. ثم ذكر مم خلقوا فقال الله تعال: { إنا خلقناهم من طين لازب } ~~يعني آدم من طين جيد حر لاصق لزج يعلق باليد وقيل من طين نتن. ### || [37.12-19] # { بل عجبت } قرىء بالضم على إسناد التعجب إلى الله تعالى وليس هو ~~كالتعجب من الآدميين لأن العجب من الناس محمول على إنكار الشيء وتعظيمه ~~والعجب من الله تعالى محمول على تعظيم تلك الحالة فإن كانت قبيحة فيترتب ~~عليها العقاب وإن كانت حسنة فيترتب عليها الثواب وقيل قد يكون بمعنى ~~الإنكار والذم وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا كما جاء في الحديث # " عجب ربكم من شاب ليست له صبوة " # وفي حديث آخر # " عجب ربكم من إلكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم " # ، وقوله من إلكم الإل أشد القنوط وقيل هو رفع الصوت بالبكاء. وسئل ~~الجنيد رحمه الله تعالى عن هذه الآية فقال إن الله لا يعجب من شيء ولكن ~~وافق رسوله ولما عجب رسوله قال: # وإن تعجب فعجب قولهم # [الرعد: 5] أي هو كما تقوله وقرئ بفتح التاء على أنه خطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم أي عجبت من تكذيبهم إياك وهم يسخرون من تعجبك وقيل عجب ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن حين أنزل وضلال بني آدم وذلك ~~أن النبي صلى ms2682 الله عليه وسلم كان يظن أن كل من يسمع القرآن يؤمن به فلما ~~سمع المشركون القرآن وسخروا منه ولم يؤمنوا به عجب من ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال الله تعالى { بل عجبت ويسخرون وإذا ذكروا لا يذكرون } أي ~~وإذا وعظوا لا يتعظون { وإذا رأوا آية } قال ابن عباس يعني انشقاق القمر ~~{ يستسخرون } أي يستهزئون. وقيل يستدعي بعضهم بعضا إلى أن يسخر { وقالوا ~~إن هذا إلا سحر مبين } أي بين { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون أو آباؤنا الأولون قل نعم وأنتم داخرون } أي صاغرون { فإنما هي ~~زجرة واحدة } أي صيحة واحدة وهي نفخة البعث { فإذا هم ينظرون } يعني ~~أحياء. ### || [37.20-26] # { وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين } يعني يوم الحساب والجزاء { هذا يوم ~~الفصل } أي القضاء وقيل بين المحسن والمسيء { الذي كنتم به تكذبون } أي ~~في الدنيا { احشروا } أي اجمعوا { الذين ظلموا } أي أشركوا وقيل هو عام ~~في كل ظالم { وأزواجهم } أي أشباههم وأمثالهم فكل طائفة مع مثلها فأهل ~~الخمر مع أهل الخمر وأهل الزنا مع أهل الزنا وقيل أزواجهم أي قرناءهم من ~~الشياطين يقرن كل كافر مع شيطانه في سلسلة وقيل أزواجهم المشركات { وما ~~كانوا يعبدون من دون الله } أي في الدنيا يعني الأصنام والطواغيت وقيل ~~إبليس وجنوده { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } قال ابن عباس أي دلوهم إلى ~~طريق النار { وقفوهم } أي احبسوهم { إنهم مسؤولون } لما سيقوا إلى النار ~~حبسوا عند الصراط للسؤال قال ابن عباس عن جميع أقوالهم وأفعالهم ويروى ~~عنه عن لا إله إلا الله وروى عن أبي برزة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه ~~وعن علمه ماذا عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما ~~أبلاه " # وفي رواية. # " عن شبابه فيما أبلاه " # أخرجه الترمذي وله عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قال ما من داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفا ms2683 يوم القيامة لازما به لا ~~يفارقه وإن دعا رجل رجلا " # ثم قرأ { وقفوهم إنهم مسؤولون ما لكم لا تناصرون } أي تقول لهم خزنة ~~جهنم توبيخا لهم ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا وهذا جواب لأبي جهل حيث قال ~~يوم بدر نحن جميع منتصر قال الله تعالى: { بل هم اليوم مستسلمون } قال ~~ابن عباس خاضعون. وقيل منقادون والمعنى هم اليوم أذلاء منقادون لا حيلة ~~لهم. ### || [37.27-37] # { وأقبل بعضهم على بعض } يعني الرؤساء والأتباع { يتساءلون } يعني ~~يتخاصمون { قالوا } يعني الرؤساء للأتباع { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ~~} يعني من قبل الدين فتضلوننا وتروننا أن الدين ما تضلوننا به. وقيل كان ~~الرؤساء يحلفون لهم أن الدين الذي يدعونهم إليه هو الحق والمعنى أنكم ~~حلفتم لنا فوثقنا بأيمانكم وقيل عن اليمين أي عن العزة والقدرة والقول ~~الأول أصح { قالوا } يعني الرؤساء للأتباع { بل لم تكونوا مؤمنين } يعني ~~لم تكونوا على حق حتى نضلكم عنه بل كنتم على الكفر { وما كان لنا عليكم ~~من سلطان } يعني من قوة وقدرة فنقهركم على متابعتنا { بل كنتم قوما ~~طاغين } يعني ضالين { فحق علينا } يعني وجب علينا جميعا { قول ربنا } ~~يعني كلمة العذاب وهي قوله # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود: 119] { إنا لذائقون } يعني أن الضال والمضل جميعا في النار { ~~فأغويناكم } فأضللناكم عن الهدى ودعوناكم إلى ما كنا عليه { إنا كنا ~~غاوين } أي ضالين قال الله تعالى: { فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون } ~~يعني الرؤساء والأتباع { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } قال ابن عباس الذين ~~جعلوا لله شركاء ثم بين تعالى أنهم إنما وقعوا في ذلك العذاب باستكبارهم ~~عن التوحيد فقال تعالى: { إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون } أي يتكبرون عن كلمة التوحيد ويمتنعون منها { ويقولون أئنا ~~لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون } يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم قال الله ~~تعالى ردا عليهم { بل جاء بالحق وصدق المرسلين } يعني أنه أتى بما أتى ~~به المرسلون قبله من الدين والتوحد ونفي الشرك. ### || [37.38-49] # { إنكم لذائقوا العذاب الأليم وما تجزون ms2684 إلا ما كنتم تعملون } أي في ~~الدنيا من الشرك والتكذيب { إلا } أي لكن وهو استثناء منقطع { عباد الله ~~المخلصين } أي الموحدين { أولئك لهم رزق معلوم } يعني بكرة وعشيا وقيل ~~حين يشتهونه يؤتون به وقيل إنه معلوم الصفة من طيب طعم ولذة ورائحة وحسن ~~منظر ثم وصف ذلك الرزق فقال تعالى: { فواكه } جمع فاكهة وهي الثمار كلها ~~رطبها ويابسها وكل طعام يؤكل للتلذذ لا للقوت. وقيل إن أرزاق أهل الجنة ~~كلها فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات لأن أجسادهم خلقت للأبد ~~فكل ما يأكلونه على سبيل التلذذ ثم إن ذلك حاصل مع الإكرام والتعظيم كما ~~قال تعالى: { وهم مكرمون } أي بثواب الله تعالى ثم وصف مساكنهم فقال ~~تعالى: { في جنات النعيم على سرر متقابلين } يعني لا يرى بعضهم قفا بعض ~~ثم وصف شرابهم فقال تعالى: { يطاف عليهم بكأس من معين } كل إناء فيه شراب ~~يسمى كأسا وإذا لم يكن فيه شراب فهو إناء وقد تسمى الخمر نفسها كأسا ~~قال الشاعر: # وكأسا شربت على لذة # ومعنى معين أي من خمر جارية في الأنهار ظاهرة تراها العيون { بيضاء } ~~يعني أن خمر الجنة أشد بياضا من اللبن { لذة } أي لذيذة { للشاربين لا ~~فيها غول } أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها وقيل لا إثم فيها ولا وجع البطن ~~ولا صداع وقيل الغول فساد يلحق في خفاء وخمر الدنيا يحصل منها أنواع من ~~الفساد ومنها السكر وذهاب العقل ووجع البطن وصداع الرأس والبول والقيء ~~والخمار والعربدة وغير ذلك ولا يوجد شيء من ذلك في خمر الجنة { ولا هم ~~عنها ينزفون } أي لا تغلبهم على عقولهم ولا يسكرون وقيل معناه لا ينفد ~~شرابهم ثم وصف أزواجهم فقال تعالى: { وعندهم قاصرات الطرف } أي حابسات ~~الأعين غاضات العيون قصرن أعينهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم { عين ~~} أي حسان الأعين عظامها { كأنهن بيض مكنون } أي مصون مستور شبههن ببيض ~~النعام لأنها تكنها بالريش من الريح والغبار فيكون لونها أبيض في صفرة ~~ويقال هذا من أحسن ألوان النساء وهو ms2685 أن تكون المرأة بيضاء مشوبة بصفرة ~~والعرب تشبه المرأة ببيض النعامة وتسميهن ببيضات الخدور. ### || [37.50-62] # قوله عز وجل: { فأقبل بعضهم على بعض } يعني أهل الجنة في الجنة { ~~يتساءلون } أي يسأل بعضهم بعضا عن حاله في الدنيا { قال قائل منهم } أي ~~من أهل الجنة { إني كان لي قرين } أي في الدنيا ينكر البعث قيل كان قرينه ~~شيطانا وقيل كان من الإنس قيل كانا أخوين وقيل كانا شريكين أحدهما كافر ~~اسمه قطروس والآخر مؤمن اسمه يهوذا وهما اللذان قص الله عز وجل خبرهما في ~~سورة الكهف في قوله: # واضرب لهم مثلا رجلين # [الكهف: 32] يقول أئنك لمن المصدقين } أي بالبعث { أئذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أئنا لمدينون } أي مجزيون ومحاسبون وهذا استفهام إنكاري { ~~قال } الله تعالى لأهل الجنة { هل أنتم مطلعون } أي إلى النار وقيل يقول ~~المؤمن لإخوانه من أهل الجنة هل أنتم مطلعون أي لننظر كيف منزلة أخي في ~~النار فيقول أهل الجنة أنت أعرف به منا { فاطلع } أي المؤمن قال ابن عباس ~~إن في الجنة كوى ينظر منها أهلها إلى النار { فرآه في سواء الجحيم } أي ~~فرأى قرينه في وسط النار سمي وسط الشيء سواء لاستواء الجوانب منه { قال ~~تالله إن كدت لتردين } أي والله لقد كدت أن تهلكني وقيل تغويني ومن أغوى ~~إنسانا فقد أرداه وأهلكه { ولولا نعمة ربي } أي رحمة ربي وإنعامه علي ~~بالإسلام { لكنت من المحضرين } أي معك في النار { أفما نحن بميتين إلا ~~موتتنا الأولى } أي في الدنيا { وما نحن بمعذبين } قيل يقول هذا أهل ~~الجنة للملائكة حين يذبح الموت فتقول الملائكة لهم لا فيقولون { إن هذا ~~لهو الفوز العظيم } وإنما يقولونه على جهة التحدث بنعمة الله عليهم في ~~أنهم لا يموتون ولا يعذبون ليفرحوا بدوام النعيم لا على طريق الاستفهام ~~لأنهم قد علموا أنهم ليسوا بميتين ولا معذبين ولكن أعادوا الكلام ~~ليزدادوا سرورا بتكراره وقيل يقوله المؤمن لقرينه على جهة التوبيخ بما ~~كان ينكره قال الله تعالى: { لمثل هذا } أي المنزل والنعيم الذي ذكره في ~~قوله: ms2686 { أولئك لهم رزق معلوم } { فليعمل العاملون } هذا ترغيب في ثواب ~~الله تعالى وما عنده بطاعته. قوله تعالى: { أذلك } أي الذي ذكره لأهل ~~الجنة من النعيم { خير نزلا أي رزقا { أم شجرة الزقوم } التي هي نزل ~~أهل النار والزقوم شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يكره أهل النار على ~~تناولها فهم يتزقمونه على أشد كراهة وقيل هي شجرة تكون بأرض تهامة من ~~أخبث الشجر. ### || [37.63-74] # { إنا جعلناها فتنة للظالمين } أي للكافرين وذلك أنهم قالوا كيف تكون في ~~النار شجرة والنار تحرق الشجر وقال ابن الزبعرى لصناديد قريش إن محمدا ~~يخوفنا بالزقوم والزقوم بلسان بربر الزبد والتمر وقيل هو بلغة أهل اليمن ~~فأدخلهم أبو جهل بيته وقال يا جارية زقمينا فأتتهم بالزبد والتمر فقال ~~أبو جهل تزقموا فهذا ما يوعدكم به محمد فقال الله تعالى: { إنها شجرة ~~تخرج في أصل الجحيم } أي في قعر النار وأغصانها ترتفع إلى دركاتها { ~~طلعها } أي ثمرها سمي طلعا لطلوعه { كأنه رؤوس الشياطين } قال ابن عباس ~~هم الشياطين بأعيانهم شبهها لقبحهم عند الناس. فإن قلت قد شبهها بشيء لم ~~يشاهد فكيف وجه التشبيه. قلت إنه قد استقر في النفوس قبح الشياطين وإن لم ~~يشاهدوا فكأنه قيل إن أقبح الأشياء في الوهم والخيال رؤوس الشياطين فهذه ~~الشجرة تشبهها في قبح المنظر والعرب إذا رأت منظرا قبيحا قالت كأنه رأس ~~شيطان قال امرؤ القيس: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال # شبه سنان الرمح بأنياب الغول ولم يرها وقيل إن بين مكة واليمن شجرة ~~قبيحة منتنة تسمى رؤوس الشياطين فشبهها بها وقيل أراد بالشياطين الحيات ~~والعرب تسمي الحية القبيحة المنظر شيطانا { فإنهم لآكلون منها } أي من ~~ثمرها { فمالئون منها البطون } وذلك أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلئ ~~بطونهم { ثم إن لهم عليها لشوبا } أي خلطا ومزاجا { من حميم } أي من ~~ماء شديد الحرارة يقال إنهم إذا أكلوا الزقوم وشربوا عليه الحميم شاب ~~الحميم الزقوم في بطونهم فصار شوبا لهم { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } ~~وذلك أنهم يردون إلى الجحيم بعد ms2687 شراب الحميم { إنهم ألفوا } أي وجدوا { ~~آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون } أي يسرعون وقيل يعملون مثل عملهم { ~~ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين } أي من الأمم الخالية { ولقد أرسلنا فيهم ~~منذرين } أي وأرسلنا فيهم رسلا منذرين { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } ~~أي الكافرين وكانت عاقبتهم العذاب { إلا عباد الله المخلصين } أي ~~الموحدين نجوا من العذاب والمعنى انظر كيف أهلكنا المنذرين إلا عباد الله ~~المخلصين. ### || [37.75-91] # قوله عز وجل: { ولقد نادانا نوح } أي دعا ربه على قومه وقيل دعا ربه أن ~~ينجيه من الغرق { فلنعم المجيبون } نحن أي دعانا فأجبناه وأهلكنا قومه { ~~ونجيناه وأهله من الكرب العظيم } أي من الغم الذي لحق قومه وهو الغرق { ~~وجعلنا ذريته هم الباقين } يعني أن الناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام ~~قال ابن عباس لما خرج نوح من السفينة مات من كان معه من الرجال والنساء ~~إلا ولده ونساءهم عن سمرة بن جندب # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل { وجعلنا ذريته هم ~~الباقين } قال " هم سام وحام ويافث " " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وفي رواية أخرى سام أبو العرب وحام ~~أبو الحبش ويافث أبو الروم وقيل سام أبو العرب وفارس والروم وحام أبو ~~السودان ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك { وتركنا عليه ~~في الآخرين } أي أبقينا له حسنا وذكرا جميلا فيمن بعده من الأنبياء ~~والأمم إلى يوم القيامة { سلام على نوح في العالمين } أي سلام عليه منا ~~في العالمين وقيل تركنا عليه في الآخرين أن يصلي عليه إلى يوم القيامة { ~~إنا كذلك نجزي المحسنين } أي جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في العالمين ~~{ إنه من عبادنا المؤمنين ثم أغرقنا الآخرين } يعني الكفار. قوله عز وجل: ~~{ وإن من شيعته } أي من شيعة نوح { لإبراهيم } يعني أنه على دينه وملته ~~ومنهاجه وسنته { إذ جاء ربه بقلب سليم } أي مخلص من الشرك والشك وقيل من ~~الغل والغش والحقد والحسد يحب للناس ما يحب لنفسه { إذ قال لأبيه وقومه ~~ماذا تعبدون ms2688 } استفهام توبيخ { أئفكا آلهة دون الله تريدون } أي أتأفكون ~~إفكا وهو أسوأ الكذب وتعبدون آلهة سوى الله تعالى: { فما ظنكم برب ~~العالمين } يعني إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره أنه يصنع بكم { فنظر نظرة في ~~النجوم فقال إني سقيم } قال ابن عباس كان قومه يتعاطون علم النجوم ~~فعاملهم من حيث كانوا يتعاطون ويتعاملون به لئلا ينكروا عليه وذلك أنه ~~أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وكان لهم ~~من الغد عيد ومجمع فكانوا يدخلون على أصنامهم ويقربون لهم القرابين ~~ويضعون بين أيديهم الطعام قبل خروجهم إلى عيدهم وزعموا التبرك عليه فإذا ~~انصرفوا من عيدهم أكلوه فقالوا لإبراهيم ألا تخرج معنا إلى عيدنا فنظر في ~~النجوم فقال إني سقيم قال ابن عباس أي مطعون وكانوا يفرون من المطعون ~~فرارا عظيما وقيل مريض وقيل معناه متساقم وهو من معاريض الكلام وقد ~~تقدم الجواب عنه في سورة الأنبياء وقيل إنه خرج معهم إلى عيدهم فلما كان ~~ببعض الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم أشتكي رجلي { فتولوا عنه مدبرين } ~~أي إلى عيدهم فدخل إبراهيم عليه الصلاة والسلام على الأصنام فكسرها وهو ~~قوله تعالى: { فراغ } أي مال { إلى آلهتهم } ميلة في خفية { فقال } أي ~~للأصنام استهزاء بها { ألا تأكلون } يعني الطعام الذي بين أيديكم. ### || [37.92-99] # { ما لكم لا تنطقون فراغ } أي مال { عليهم ضربا باليمين } أي ضربهم ~~بيده اليمنى لأنها أقوى من الشمال في العمل. وقيل بالقوة والقدرة عليهم ~~وقيل أراد باليمين القسم وهو قوله تعالى { وتالله لأكيدن أصنامكم } { ~~فأقبلوا إليه } يعني إلى إبراهيم { يزفون } أي يسرعون وذلك أنهم أخبروا ~~بصنع إبراهيم بآلهتهم فأسرعوا إليه ليأخذوه { قال } لهم إبراهيم على وجه ~~الحجاج { أتعبدون ما تنحتون } أي بأيديكم من الأصنام { والله خلقكم وما ~~تعملون } أي وعملكم. وقيل وخلق الذي تعملونه بأيديكم من الأصنام وفي ~~الآية دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى { قالوا ابنوا له ~~بنيانا فألقوه في الجحيم } قيل إنهم بنوا له حائطا من الحجر طوله في ~~السماء ثلاثون ذراعا وعرضه ms2689 عشرون ذراعا وملؤوه من الحطب وأوقدوا عليه ~~النار وطرحوه فيها وهو قوله تعالى: { فأرادوا به كيدا } أي شرا وهو أن ~~يحرقوه { فجعلناهم الأسفلين } يعني المقهورين حيث سلم الله إبراهيم ورد ~~كيدهم { وقال } يعني إبراهيم { إني ذاهب إلى ربي } أي مهاجر إلى ربي ~~وأهجر دار الكفر قاله بعد خروجه من النار { سيهدين } أي إلى حيث أمرني ~~بالمصير إليه وهو أرض الشام فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد فقال: ~~{ رب هب لي من الصالحين }. ### || [37.100-103] # { رب هب لي من الصالحين } يعني هب لي ولدا صالحا { فبشرناه بغلام حليم ~~} قيل غلام في صغره حليم في كبره وفيه بشارة أنه ابن وأنه يعيش وينتهي في ~~السن حتى يوصف بالحلم. قوله تعالى: { فلما بلغ معه السعي } قال ابن عباس ~~يعني المشي معه إلى الجبل وعنه أنه لما شب حتى بلغ سعيه سعى مع إبراهيم ~~والمعنى بلغ أن يتصرف معه ويعينه في عمله وقيل السعي العمل لله تعالى وهو ~~العبادة قيل كان ابن ثلاث عشرة سنة وقيل سبع سنين { قال يا بني إني أرى ~~في المنام أني أذبحك } قيل إنه لم ير في منامه أنه ذبحه وإنما أمر بذبحه. ~~وقيل بل رأى أنه يعالج ذبحه ولم ير إراقة دمه ورؤيا الأنبياء حق إذا رأوا ~~شيئا فعلوه واختلف العلماء من المسلمين في هذا الغلام الذي أمر إبراهيم ~~بذبحه على قولين مع اتفاق أهل الكتابين على أنه إسحاق قال قوم هو إسحاق ~~وإليه ذهب من الصحابة عمر وعلي وابن مسعود والعباس ومن التابعين ومن ~~بعدهم كعب الأحبار وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق وعكرمة وعطاء ومقاتل ~~والزهري والسدي واختلفت الروايات عن ابن عباس فروى عنه أنه إسحاق وروي ~~أنه إسماعيل ومن ذهب إلى أنه إسحاق قال كانت هذه القصة بالشأم وروي عن ~~سعيد بن جبير قال رأى إبراهيم ذبح إسحاق في المنام وهو بالشأم فسار به ~~مسيرة شهر في غداة واحدة حتى أتى به المنحر من منى فلما أمره الله بذبح ~~الكبش ذبحه وسار به مسيرة شهر في ms2690 روحة واحدة طويت له الأودية والجبال ~~والقول الثاني أنه إسماعيل وإليه ذهب عبد الله بن سلام والحسن وسعيد بن ~~المسيب والشعبي ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي ~~ورواية عطاء بن أبي رباح ويوسف بن ماهك عن ابن عباس قال المفدي إسماعيل ~~وكلا القولين يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتج من ذهب إلى أن ~~الذبيح إسحاق بقوله تعالى: { فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي } ~~أمر بذبح من بشر به وليس في القرآن أنه بشر بولد سوى إسحاق كما قال تعالى ~~في سورة هود: # فبشرناه بإسحاق # [هود: 71] وقوله # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين # [الصافات: 112] بعد قصة الذبح يدل على أنه تعالى إنما بشره بالنبوة لما ~~تحمل من الشدائد في قصة الذبح فثبت بما ذكرناه أن أول الآية وآخرها يدل ~~على أن إسحاق هو الذبيح وبما ذكر أيضا في كتاب يعقوب إلى ولده يوسف لما ~~كان بمصر من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن ابراهيم خليل ~~الله. واحتج من ذهب إلى أن الذبيح هو إسماعيل بأن الله تعالى ذكر البشارة ~~بإسحاق بعد الفراغ من قصة الذبيح فقال تعالى: # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين # [الصافات: 112] فدل على أن المذبوح غيره وأيضا فإن الله تعالى قال في ~~سورة هود # فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب # [هود: 71] فكيف يأمره بذبح إسحاق وقد وعده بنافلة وهو يعقوب بعده ووصف ~~إسماعيل بالصبر دون إسحاق في قوله # وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين # [الأنبياء: 85] وهو صبره على الذبح ووصفه بصدق الوعد بقوله: # إنه كان صادق الوعد # [مريم: 54] لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى له بذلك وقال ~~القرطبي سأل عمر بن عبد العزيز رجلا من علماء اليهود وكان أسلم وحسن ~~إسلامه أي ابني إبراهيم أمره الله تعالى بذبحه فقال إسماعيل ثم قال يا ~~أمير المؤمنين إن اليهود لتعلم ذلك ولكن يحسدونكم يا معشر العرب على أن ~~يكون أباكم هو الذي أمر الله تعالى بذبحه ويدعون أنه إسحاق ms2691 أبوهم ومن ~~الدليل أيضا أن قرني الكبش كانا معلقين على الكعبة في أيدي بني إسماعيل ~~إلى أن احترق البيت في زمن ابن الزبير. قال الشعبي رأيت قرني الكبش ~~منوطين بالكعبة. وقال ابن عباس:والذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام وإن ~~رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة وقد وحش يعني يبس وقال الأصمعي ~~سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح إسحاق كان أو إسماعيل؟ فقال يا أصمعي ~~أين ذهب عقلك متى كان إسحاق بمكة إنما كان إسماعيل وهو الذي بنى البيت مع ~~أبيه والله تعالى أعلم. ذكر الإشارة إلى قصة الذبح قال العلماء بالسير ~~وأخبار الماضين لما دعا إبراهيم ربه فقال: رب هب لي من الصالحين وبشر به ~~قال هو إذا لله ذبيح فلما ولد وبلغ معه السعي قيل له أوف بنذرك. هذا هو ~~السبب في أمر الله تعالى إياه بالذبح فقال لإسحاق انطلق نقرب لله قربانا ~~فأخذ سكينا وحبلا وانطلق معه حتى ذهب بين الجبال فقال الغلام يا أبت ~~أين قربانك فقال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ~~يا أبت افعل ما تؤمر. وقال محمد بن إسحاق كان إبراهيم عليه السلام إذا ~~زار هاجر وإسماعيل حمل على البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة ويروح من ~~مكة فيبيت عند أهله بالشام حتى إذا بلغ إسماعيل معه السعي وأخذ بنفسه ~~ورجاه لما كان يؤمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته أمر في المنام بذبحه ~~وذلك أنه رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له إن الله يأمرك بذبح ابنك ~~هذا فلما أصبح تروى في نفسه أي فكر من الصباح إلى الرواح أمن الله هذا ~~الحلم أم من الشيطان؟ فمن ثم سمي ذلك اليوم يوم التروية فلما أمسى رأى في ~~المنام ثانيا فلما أصبح عرف أن ذلك من الله تعالى فسمي ذلك اليوم يوم ~~عرفة. # وقيل رأى ذلك ثلاث ليال متتابعات فلما عزم على نحره سمي ذلك اليوم يوم ~~النحر فلما تيقن ذلك أخبر به ابنه فقال ms2692 يا بني إني أرى في المنام أني ~~أذبحك { فانظر ماذا ترى } أي في الرأي على وجه المشاورة. فإن قلت: لم ~~شاوره في أمر قد علم أنه حتم من الله تعالى وما الحكمة في ذلك. قلت لم ~~يشاوره ليرجع إلى رأيه وإنما شاوره ليعلم ما عنده فيما نزل به من بلاء ~~الله تعالى وليعلم صبره على أمر الله وعزيمته على طاعته ويثبت قدمه ~~ويصبره إن جزع ويراجع نفسه ويوطنها ويلقى البلاء وهو كالمستأنس به ويكتسب ~~المثوبة بالانقياد لأمر الله تعالى قبل نزوله. فإن قلت لم كان ذلك في ~~المنام دون اليقظة وما الحكمة في ذلك؟ قلت إن هذا الأمر كان في نهاية ~~المشقة على الذابح والمذبوح. فورد في المنام كالتوطئة له ثم تأكد حال ~~النوم بأحوال اليقظة فإذا تظاهرت الحالتان كان أقوى في الدلالة ورؤيا ~~الأنبياء وحي وحق { قال يا أبت افعل ما تؤمر } يعني قال الغلام لأبيه ~~افعل ما أمرت به قال ابن إسحاق وغيره لما أمر إبراهيم بذلك قال لابنه يا ~~بني خذ الحبل والمدية وانطلق إلى هذا الشعب نحتطب فلما خلا إبراهيم بابنه ~~في الشعب أخبره بما أمر الله به فقال افعل ما تؤمر { ستجدني إن شاء الله ~~من الصابرين } إنما علق ذلك بمشيئة الله تعالى على سبيل التبرك وأنه لا ~~حول عن معصية الله تعالى إلا بعصمة الله تعالى ولا قوة على طاعة الله إلا ~~بتوفيق الله { فلما أسلما } يعني انقادا وخضعا لأمر الله وذلك أن إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام أسلم ابنه وأسلم الابن نفسه { وتله للجبين } يعني ~~صرعه على الأرض قال ابن عباس أضجعه على جبينه على الأرض فلما فعل ذلك قال ~~له ابنه يا أبت أشدد رباطي كيلا أضطرب واكفف عن ثيابك حتى لا ينتضح ~~عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن واستحد شفرتك وأسرع مر ~~السكين على حلقي ليكون أهون علي فإن الموت شديد، وإذا أتيت أمي فاقرأ ~~عليها السلام مني وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن ms2693 يكون ~~أسلى لها عني فقال إبراهيم عليه السلام: نعم العون أنت يا بني على أمر ~~الله ففعل إبراهيم ما أمره به ابنه ثم أقبل عليه يقبله وهو يبكي وقد ربطه ~~والابن يبكي ثم إنه وضع السكين على حلقه فلم تحك شيئا. ثم إنه حدها ~~مرتين أو ثلاثا بالحجر كل ذلك لا يستطيع أن يقطع شيئا. قيل ضرب الله ~~تعالى صفيحة من نحاس على حلقه والأول أبلغ في القدرة وهو منع الحديد عن ~~اللحم قالوا فقال الابن عند ذلك: يا أبت كبني لوجهي فإنك إذا نظرت وجهي ~~رحمتني وأدركتك رقة تحول بينك وبين أمر الله تعالى وأنا لا أنظر إلى ~~الشفرة فأجزع منها ففعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذلك ثم وضع السكين ~~على قفاه فانقلبت ونودي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. # وروي عن كعب الأحبار وابن إسحاق عن رجاله قالوا لما رأى إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام ذبح ابنه قال الشيطان لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا ~~أفتن منهم أحدا أبدا فتمثل الشيطان في صورة رجل وأتى أم الغلام فقال ~~لها هل تدرين أين ذهب إبراهيم بابنك قالت ذهب به ليحتطب من هذا الشعب قال ~~والله ما ذهب به إلا ليذبحه قالت كلا هو أرحم به وأشد حبا له من ذلك قال ~~إنه يزعم أن الله أمره بذلك قالت إن كان ربه أمره بذلك فقد أحسن أن يطيع ~~ربه. فخرج الشيطان من عندها حتى أدرك الابن وهو يمشي على أثر أبيه فقال ~~له يا غلام هل تدري أن يذهب بك أبوك قال نحتطب لأهلنا من هذا الشعب قال ~~لا والله ما يريد إلا أن يذبحك قال ولم قال إن ربه أمره بذلك قال فليفعل ~~ما أمره به ربه فسمعا وطاعة فلما امتنع الغلام أقبل على إبراهيم فقال له ~~أين تريد أيها الشيخ قال هذا الشعب لحاجة لي فيه قال والله إني لأرى ~~الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ابنك هذا فعرفه إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام فقال إليك عني يا ms2694 عدو الله فوالله لأمضين لأمر ربي فرجع إبليس ~~بغيظه لم يصب من إبراهيم وآله شيئا مما أراد وامتنعوا منه بعون الله ~~تعالى وروى عن ابن عباس أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يذبح ~~ابنه عرض له الشيطان بهذا المشعر فسابقه فسبقه إبراهيم ثم ذهب إلى جمرة ~~العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم عرض له عند الجمرة ~~الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم أدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع ~~حصيات حتى ذهب ثم مضى إبراهيم لأمر الله عز وجل وهو قوله تعالى: { فلما ~~أسلما وتله للجبين }. ### || [37.104-106] # { وناديناه } أي فنودي من الجبل { أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا } أي ~~حصل المقصود من تلك الرؤيا حيث ظهر منه كمال الطاعة والانقياد لأمر الله ~~تعالى وكذلك الولد. فإن قلت كيف قيل قد صدقت الرؤيا وكان قد رأى الذبح ~~ولم يذبح وإنما كان تصديقها لو حصل منه الذبح. قلت جعله مصدقا لأنه بذل ~~وسعه ومجهوده وأتى بما أمكنه وفعل ما يفعله الذابح فقد حصل المطلوب وهو ~~إسلامهما لأمر الله تعالى وانقيادهما لذلك فلذلك قال له قد صدقت الرؤيا { ~~إنا كذلك نجزي المحسنين } يعني جزاه الله بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ~~ولده والمعنى إنا كما عفونا عن ذبح ولده كذلك نجزي المحسنين في طاعتنا { ~~إن هذا لهو البلاء المبين } أي الاختبار الظاهر حيث اختبره بذبح ولده. ### || [37.107-116] # { وفديناه بذبح عظيم } قيل نظر إبراهيم فإذا هو بجبريل ومعه كبش أملح ~~أقرن فقال هذا فداء ابنك فاذبحه دونه فكبر إبراهيم وكبر جبريل وكبر الكبش ~~فأخذه إبراهيم وأتى به المنحر من منى فذبحه قال أكثر المفسرين كان هذا ~~الذبح كبشا رعى في الجنة أربعين خريفا وقال ابن عباس الكبش الذي ذبحه ~~إبراهيم هو الذي قربه ابن آدم قيل حق له أن يكون عظيما وقد تقبل مرتين ~~وقيل سمي عظيما لأنه من عند الله تعالى. وقيل لعظمه في الثواب وقيل ~~لعظمه وسمنه وقال الحسن ما فدى إسماعيل إلا بتيس من الأروى ms2695 أهبط عليه من ~~ثبير { وتركنا عليه في الآخرين } أي تركنا له ثناء حسنا فيمن بعده { ~~سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين } قوله ~~تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين } أي بوجود إسحاق وهذا على ~~قول من يقول إن الذبيح هو إسماعيل ومعناه أنه بشر بإسحاق بعد هذه القصة ~~جزاء لطاعته وصبره ومن جعل الذبيح هو إسحاق قال معنى الآية وبشرناه ~~بنبوة إسحاق. وكذا روى عن ابن عباس قال بشر به مرتين حين ولد وحين نبىء { ~~وباركنا عليه } يعني على إبراهيم في أولاده { وعلى إسحاق } أي يكون أكثر ~~الأنبياء من نسله { ومن ذريتهما محسن } أي مؤمن { وظالم لنفسه } أي كافر ~~{ مبين } أي ظاهر الكفر وفيه تنبيه على أنه لا يلزم من كثرة فضائل الأب ~~فضيلة الابن. قوله عز وجل: { ولقد مننا على موسى وهارون } أي أنعمنا ~~عليهما بالنبوة والرسالة { ونجيناهما وقومهما } يعني بني إسرائيل { من ~~الكرب العظيم } يعني الذي كانوا فيه من استبعاد فرعون إياهم وقيل هو ~~إنجاؤهم من الغرق { ونصرناهم } يعني موسى وهارون وقومهما { فكانوا هم ~~الغالبين } أي على القبط. ### || [37.117-123] # { وآتيناهما الكتاب } يعني التوراة { المستبين } المستنير { وهديناهما ~~الصراط المستقيم } أي دللناهما على طريق الجنة { وتركنا عليهما في ~~الآخرين } أي الثناء الحسن { سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي ~~المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين } قوله عز وجل: { وإن الياس لمن ~~المرسلين } روي عن ابن مسعود أنه قال إلياس هو إدريس وكذلك هو في مصحفه ~~وقال أكثر المفسرين هو نبي من أنبياء بني إسرائيل قال ابن عباس هو ابن عم ~~اليسع وقال محمد بن إسحاق هو الياس بن بشر بن فنحاص بن العيزار بن هارون ~~بن عمران. ذكر الإشارة إلى القصة قال محمد بن إسحاق وعلماء السير ~~والأخبار لما قبض الله عز وجل حزقيل النبي عليه الصلاة والسلام عظمت ~~الأحداث في بني إسرائيل وظهر فيهم الفساد والشرك ونصبوا الأصنام وعبدوها ~~من دون الله عز وجل، فبعث الله عز وجل إليهم إلياس نبيا وكان الأنبياء ~~يبعثون من بعد موسى ms2696 عليه الصلاة والسلام في بني إسرائيل بتجديد ما نسوا ~~من أحكام التوراة وكان يوشع لما فتح الشام قسمها على بني إسرائيل وإن ~~سبطا منهم حصل في قسمته بعلبك ونواحيها وهم الذين بعث إليهم إلياس ~~وعليهم يومئذ ملك اسمه آجب وكان قد أضل قومه وجبرهم على عبادة الأصنام ~~وكان له صنم من ذهب طوله عشرون ذراعا وله أربعة وجوه اسمه بعل وكانوا قد ~~فتنوا به وعظموه وجعلوا له أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياء فكان الشيطان ~~يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها عنه ويبلغونها ~~الناس وهم أهل بعلبك وكان إلياس يدعوهم إلى عبادة الله عز وجل وهم لا ~~يسمعون له ولا يؤمنون به إلا ما كان من أمر الملك فإنه آمن به وصدقه فكان ~~إلياس يقوم بأمره ويسدده ويرشده وكان للملك امرأة جبارة وكان يستخلفها ~~على ملكه إذا غاب فغصبت من رجل مؤمن جنينة كان يتعيش منها فأخذتها وقتلته ~~فبعث الله سبحانه وتعالى إلياس إلى الملك وزوجته وأمره أن يخبرهما أن ~~الله عز وجل قد غضب لوليه حين قتل ظلما وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا ~~عن صنيعهما ويرد الجنينة على ورثة المقتول أهلكهما في جوف الجنينة ثم ~~يدعهما جيفتين ملقاتين فيها ولا يتمتعان فيها إلا قليلا فجاء إلياس ~~فأخبر الملك بما أوحى الله إليه في أمره وأمر امرأته والجنينة فلما سمع ~~الملك ذلك غضب واشتد غضبه عليه وقال يا إلياس والله ما أرى ما تدعونا ~~إليه إلا باطلا وهم بتعذيب إلياس وقتله فلما أحس إلياس بالشر رفضه ~~وخرج عنه هاربا ورجع الملك إلى عبادة بعل ولحق إلياس بشواهق الجبال فكان ~~يأوي إلى الشعاب والكهوف فبقي سبع سنين على ذلك خائفا مستخفيا يأكل من ~~نبات الأرض وثمار الشجر وهم في طلبه وقد وضعوا عليه العيون والله يستره ~~منهم: فلما طال الأمر على إلياس وسكنى الكهوف في الجبال وطال عصيان قومه ~~ضاق بذلك ذرعا فأوحى الله تعالى إليه بعد سبع سنين وهو خائف مجهود يا ~~إلياس ما هذا الحزن والجزع ms2697 الذي أنت فيه ألست أميني على وحيي وحجتي في ~~أرضي وصفوتي من خلقي سلني أعطك فإني ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم قال ~~يا رب تميتني وتلحقني بآبائي فإني قد مللت بني إسرائيل وملوني فأوحى الله ~~تعالى إليه يا إلياس ما هذا باليوم الذي أعرى منك الأرض وأهلها وإنما ~~صلاحها وقوامها بك وبأشباهك وإن كنتم قليلا ولكن سلني أعطك فقال إلياس ~~إن لم تمتني فأعطني ثأري من بني إسرائيل قال الله عز وجل وأي شيء تريد أن ~~أعطيك قال تملكني خزائن السماء سبع سنين فلا تسير عليهم سحابة إلا بدعوتي ~~ولا تمطر عليهم قطرة إلا بشفاعتي فإنه لا يذلهم إلا ذلك قال الله عز وجل ~~يا إلياس أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين قال فست سنين قال أنا ~~أرحم بخلقي من ذلك قال فخمس سنين قال أنا أرحم بخلقي ولكن أعطيك ثأرك ~~ثلاث سنين أجعل خزائن المطر بيدك قال إلياس فبأي شيء أعيش يا رب قال أسخر ~~لك جيشا من الطير ينقل لك طعامك وشرابك من الريف والأرض التي لم تقحط ~~قال إلياس قد رضيت فأمسك الله عز وجل عنهم المطر حتى هلكت الماشية ~~والهوام والشجر وجهد الناس جهدا شديدا وإلياس على حاله مستخفيا من ~~قومه يوضع له لرزق حيث كان وقد عرف قومه ذلك. # قال ابن عباس أصاب بني إسرائيل ثلاث سنين القحط فمر إلياس بعجوز فقال ~~لها أعندك طعام قالت نعم شيء من دقيق وزيت قليل قال فدعا به ودعا فيه ~~بالبركة ومسه حتى ملأ جرابها دقيقا وملأ خوابيها زيتا فلما رأوا ذلك ~~عندها قالوا من أين لك هذا قالت مر بي رجل من حاله كذا وكذا فوصفته بصفته ~~فعرفوه وقالوا ذلك إلياس فطلبوه فوجدوه فهرب منهم ثم إنه آوى إلى بيت ~~امرأة من بني إسرائيل ولها ابن يقال له اليسع بن أخطوب بن ضر فآوته وأخفت ~~أمره فدعا لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس وآمن به ~~وصدقه ولزمه وذهب معه حيثما ذهب. ms2698 وكان إلياس قد كبر وأسن واليسع غلام شاب ~~ثم إن الله تعالى أوحى إلى إلياس إنك قد أهلكت كثيرا من الخلق ممن لم ~~يعص من البهائم والدواب والطير والهوام بحبس المطر فيزعمون أن إلياس قال: ~~يا رب دعني أكن أنا الذي أدعو لهم بالفرج مما هم فيه من البلاء لعلهم ~~يرجعون عما هم فيه ينزعون عن عبادة غيرك فقيل له نعم. # فجاء إلياس إلى بني إسرائيل فقال: إنكم قد هلكتم جوعا وجهدا وهلكت ~~البهائم والدواب والطير والهوام والشجر بخطاياكم وإنكم على باطل فإن كنتم ~~تحبون أن تعلموا ذلك فاخرجوا بأصنامكم فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون ~~وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله تعالى ففرج عنكم ~~ما أنتم فيه من البلاء فقالوا أنصفت فخرجوا بأوثانهم ودعوها فلم تفرج ~~عنهم ما كانوا فيه من البلاء فقالوا يا إلياس إنا قد أهلكنا فادع الله ~~لنا فدعا إلياس ومعه اليسع بالفرج فخرجت سحابة مثل الترس على ظهر البحر ~~وهم ينظرون فأقبلت نحوهم وطبقت الآفاق ثم أرسل الله عز وجل عليهم المطر ~~وأغاثهم وحييت بلادهم فلما كشف الله تعالى عنهم الضر نقضوا العهد ولم ~~ينزعوا عن كفرهم وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه فلما رأى ذلك إلياس دعا ~~ربه عز وجل أن يريحه منهم، فقيل له فيما يزعمون انظر يوم كذا وكذا فاخرج ~~إلى موضع كذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه فخرج إلياس ومعه اليسع حتى ~~إذا كان بالموضع الذي أمر به أقبل فرس من نار وقيل لونه كالنار حتى وقف ~~بين أيدي إلياس فوثب عليه فانطلق به الفرس فناداه اليسع يا إلياس ما ~~تأمرني فقذف إليه إلياس بكسائه من الجو الأعلى فكان ذلك علامة استخلافه ~~إياه على بني إسرائيل وكان ذلك آخر العهد به ورفع الله تعالى إلياس من ~~بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فصار إنسيا ملكيا ~~أرضيا سماويا وسلط الله عز وجل على آجب الملك وقومه عدوا لهم فقصدهم ~~من حيث لم ms2699 يشعروا به حتى رهقهم فقتل آجب وامرأته أزبيل في الجنينة التي ~~اغتصبتها امرأة الملك من ذلك المؤمن فلم تزل جثتاهما ملقاتين في تلك ~~الجنينة حتى بليت لحومهما ورمت عظامهما ونبأ الله سبحانه وتعالى اليسع ~~وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل وأوحى إليه وأيده فآمنت به بنو إسرائيل ~~وكانوا يعظمونه وحكم الله تعالى فيهم قائم إلى أن فارقهم اليسع روى السدي ~~عن يحيى بن عبد العزيز عن أبي راود قال إلياس والخضر يصومان رمضان ببيت ~~المقدس ويوفيان الموسم في كل عام وقيل إن إلياس موكل بالفيافي والخضر ~~موكل بالبحار فذلك قوله تعالى: { وإن إلياس لمن المرسلين }. ### || [37.124-128] # { إذ قال لقومه ألا تتقون أتدعون بعلا } يعني أتعبدون بعلا وهو صنم ~~كان لهم يعبدونه ولذلك سميت مدينتهم بعلبك قيل البعل الرب بلغة أهل اليمن ~~{ وتذرون } أي وتتركون عبادة { أحسن الخالقين } فلا تعبدونه { الله ربكم ~~ورب آبائكم الأولين فكذبوه فإنهم لمحضرون } أي في النار { إلا عباد الله ~~المخلصين } أي من قومه الذين آمنوا به فإنهم نجوا من العذاب. ### || [37.129-143] # { وتركنا عليه في الآخرين سلام على إل ياسين } قرىء آل ياسين بالقطع قيل ~~أراد آل محمد صلى الله عليه وسلم وقيل آل القرآن لأن ياسين من أسماء ~~القرآن وفيه بعد وقرىء الياسين بالوصل ومعناه إلياس وأتباعه من المؤمنين ~~{ إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين } قوله تعالى: { وإن ~~لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين } أي ~~الباقين في العذاب { ثم دمرنا } أي أهلكنا { الآخرين وإنكم } أي أهل مكة ~~{ لتمرون عليهم } أي على آثارهم ومنازلهم { مصبحين } أي في وقت الصباح { ~~وبالليل } أي وبالليل في أسفاركم { أفلا تعقلون } أي فتعتبرون بهم. قوله ~~عز وجل: { وإن يونس لمن المرسلين } أي من جملة رسل الله تعالى { إذ أبق } ~~أي هرب { إلى الفلك المشحون } أي المملوء قال ابن عباس ووهب كان يونس وعد ~~قومه العذاب فتأخر عنهم فخرج كالمستور منهم فقصد البحر فركب السفينة ~~فاحتبست السفينة فقال الملاحون هاهنا عبد آبق من سيده فاقترعوا فوقعت على ms2700 ~~يونس فاقترعوا ثلاثا وهي تقع على يونس فقال أنا الآبق وزج نفسه في ~~الماء. وقيل إنه لما وصل إلى البحر كانت معه امرأته وابنان له فجاء مركب ~~فأراد أن يركب معهم فقدم امرأته ليركب بعدها فحال الموج بينه وبين المركب ~~وذهب المركب وجاءت موجة أخرى فأخذت ابنه الأكبر وجاء ذئب فأخذ الابن ~~الأصغر فبقي فريدا فجاء مركب فركبه وقعد ناحية من القوم فلما مرت ~~السفينة في البحر ركدت فقال الملاحون إن فيكم عاصيا وإلا لم يحصل وقوف ~~السفينة فيما نراه من غير ريح ولا سبب ظاهر فاقترعوا فمن خرج سهمه نغرقه ~~فلأن يغرق واحد خير من غرق الكل فاقترعوا فخرج سهم يونس فذلك قوله تعالى: ~~{ فساهم } أي فقارع { فكان من المدحضين } يعني من المقرعين المغلوبين في ~~سورة يونس والأنبياء { فالتقمه الحوت } أي ابتلعه { وهو مليم } أي آت بما ~~يلام عليه { فلولا أنه كان من المسبحين } أي من الذاكرين الله عز وجل ~~قبل ذلك وكان كثير الذكر وقال ابن عباس من المصلحين وقيل من العابدين. ~~قال الحسن ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا فشكر ~~الله تعالى له طاعته القديمة قال بعضهم اذكروا الله في الرخاء يذكركم في ~~الشدة فإن يونس كان عبدا صالحا ذاكرا لله تعالى فلما وقع في الشدة في ~~بطن الحوت شكر الله تعالى له ذلك فقال { فلولا أنه كان من المسبحين }. ### || [37.144-147] # { للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } وقيل لولا أنه كان يسبح في بطن الحوت ~~بقوله { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } للبث في بطنه إلى ~~يوم يبعثون أي لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. قوله عز وجل: { ~~فنبذناه } أي طرحناه إنما أضاف النبذ إلى نفسه وإن كان الحوت هو النابذ ~~لأن أفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى: { بالعراء } أي بالأرض الخالية ~~عن الشجر والنبات. وقيل بالساحل { وهو سقيم } أي عليل كالفرخ الممعط وقيل ~~كان قد بلي لحمه ورق عظمه ولم تبق له قوة قيل إنه لبث ms2701 في بطن الحوت ثلاثة ~~أيام وقيل سبعة وقيل عشرين يوما وقيل أربعين وقيل التقمه ضحى ولفظه عشية ~~{ وأنبتنا عليه شجرة من يقطين } يعني القرع قيل إن كان نبت يمتد وينبسط ~~على وجه الأض كالقرع والقثاء والبطيخ ونحوه فهو يقطين قيل أنبتها الله ~~تعالى له ولم تكن قبل ذلك وكانت معروشة ليحصل له الظل وفي شجر القرع ~~فائدة وهي أن الذباب لا يجتمع عندها فكان يونس يستظل بتلك الشجرة ولو ~~كانت منبسطة على الأرض لم يكن أن يستظل بها قيل وكانت وعلة تختلف إليه ~~فيشرب من لبنها بكرة وعشية حتى اشتد لحمه ونبت شعره وقوي فنام نومة ثم ~~استيقظ وقد يبست الشجرة وأصابه حر الشمس فحزن حزنا شديدا وجعل يبكي ~~فأرسل الله تعالى إليه جبريل وقال أتحزن على شجرة ولا تحزن على مائة ألف ~~من أمتك قد أسلموا وتابوا { وأرسلناه إلى مائة ألف } قيل أرسله إلى أهل ~~نينوى من أرض الموصل قبل أن يصيبه ما أصابه والمعنى وكنا أرسلناه إلى ~~مائة ألف فلما خرج من بطن الحوت أمر أن يرجع إليهم ثانيا وقيل كان ~~إرساله إليهم بعد خروجه من بطن الحوت وقيل يجوز أن يكون إرساله إلى قوم ~~آخرين غير القوم الأولين { أو يزيدون } قال ابن عباس معناه ويزيدون وقيل ~~معناه بل يزيدون وقيل أو على أصلها والمعنى أو يزيدون في تقدير الرائي ~~إذا رآهم قال هؤلاء مائة ألف أو يزيدون على ذلك فالشك على تقدير ~~المخلوقين والأصح هو قول ابن عباس الأول. وأما الزيادة فقال ابن عباس ~~كانوا عشرين ألفا ويعضده ما روي # " عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن قوله تعالى { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } قال يزيدون عشرين ~~ألفا " " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن وقيل يزيدون بضعا وثلاثين ألفا وقيل ~~سبعين ألفا. ### || [37.148-160] # { فآمنوا } يعني الذين أرسل إليهم يونس بعد معاينة العذاب { فمتعناهم ~~إلى حين } أي إلى انقضاء آجالهم. قوله عز وجل: { فاستفتهم } أي فسل يا ~~محمد أهل ms2702 مكة وهو سؤال توبيخ { ألربك البنات ولهم البنون } وذلك أن جهينة ~~وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أن الملائكة بنات الله. والمعنى جعلوا لله ~~البنات ولهم البنين وذلك باطل لأن العرب كانوا يستنكفون من البنات والشيء ~~الذي يستنكف منه المخلوق كيف ينسب للخالق { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم ~~شاهدون } أي حاضرون خلقنا إياهم { ألا إنهم من إفكهم } أي من كذبهم { ~~ليقولون ولد الله } أي في زعمهم { وإنهم لكاذبون } أي فيما زعموا { أصطفى ~~البنات } أي في زعمكم { على البنين } وهو استفهام توبيخ وتقريع { ما لكم ~~كيف تحكمون } أي بالبنات لله ولكم بالبنين { أفلا تذكرون } أي أفلا ~~تتعظون { أم لكم سلطان مبين } أي برهان بين على أن لله ولدا { فأتوا ~~بكتابكم } يعني الذي لكم فيه حجة { إن كنتم صادقين } أي في قولكم { ~~وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } قيل أراد بالجنة الملائكة سموا جنة ~~لاجتنانهم عن الأبصار. قال ابن عباس هم حي من الملائكة يقال لهم الجن ~~ومنهم إبليس قالوا هم بنات الله فقال لهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~فمن أمهاتهم قالوا سروات الجن. وقيل معنى النسب أنهم أشركوا في عبادة ~~الله تعالى. وقيل هو قول الزنادقة الخير من الله والشر من الشيطان { ولقد ~~علمت الجنة إنهم } يعني قائلي هذا القول { لمحضرون } أي في النار { سبحان ~~الله عما يصفون } نزه الله تعالى نفسه عما يقولون { إلا عباد الله ~~المخلصين } هذا استثناء من المحضرين والمعنى أنهم لا يحضرون. ### || [37.161-171] # { فإنكم } يعني يا أهل مكة { وما تعبدون } أي من الأصنام { ما أنتم عليه ~~} أي على ما تعبدون { بفاتنين } أي بمضلين أحدا { إلا من هو صال الجحيم ~~} أي إلا من سبق له في علم الله تعالى الشقاوة وأنه سيدخل النار. قوله ~~تعالى إخبارا عن حال الملائكة { وما منا إلا له مقام معلوم } يعني أن ~~جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم وما منا معشر الملائكة ملك إلا له ~~مقام معلوم يعبد ربه فيه. وقال ابن عباس ما في السموات موضع شبر إلا ~~وعليه ملك ms2703 يصلي أو يسبح. وروى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أطت السماء وحق لها أن تئط والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربع أصابع ~~إلا وملك واضع جبهته لله ساجدا " # أخرجه الترمذي. وهو طرف من حديث قيل الأطيط أصوات الأقتاب وقيل أصوات ~~الإبل وحنينها ومعنى الحديث ما في السماء من الملائكة قد أثقلها حتى أطت ~~وهذا مثل مؤذن بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثم أطيط وقيل معنى إلا له مقام ~~معلوم أي في القرب والمشاهدة وقيل يعبد الله على مقامات مختلفة كالخوف ~~والرجاء والمحبة والرضا { وإنا لنحن الصافون } يعني الملائكة صفوا ~~أقدامهم في عبادة الله تعالى كصفوف الناس في الصلاة في الأرض { وإنا لنحن ~~المسبحون } أي المصلون لله تعالى وقيل المنزهون لله تعالى عن كل سوء يخبر ~~جبريل النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يعبدون الله بالصلاة والتسبيح وأنهم ~~ليسوا بمعبودين كما زعمت الكفار قوله عز وجل: { وإن كانوا ليقولون } يعني ~~كفار مكة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم { لو أن عندنا ذكرا من ~~الأولين } يعني كتابا مثل كتاب الأولين { لكنا عباد الله المخلصين } أي ~~لأخلصنا العبادة لله { فكفروا به } أي فلما أتاهم الكتاب كفروا به { فسوف ~~يعلمون } فيه تهديد لهم قوله عز وجل: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين } يعني تقدم وعدنا لعبادنا المرسلين بنصرهم. ### || [37.172-182] # { إنهم لهم المنصورون } أي بالحجة البالغة { وإن جندنا } أي حزبنا ~~المؤمنين { لهم الغالبون } أي لهم النصرة في العاقبة { فتول } أي أعرض { ~~عنهم حتى حين } قال ابن عباس يعني الموت وقيل إلى يوم بدر وقيل حتى آمرك ~~بالقتال وهذه الآية منسوخة بآية القتال وقيل إلى أن يأتيهم العذاب { ~~وأبصرهم } أي إذا نزل بهم العذاب { فسوف يبصرون } أي ذلك فعند ذلك قالوا ~~متى هذا العذاب قال الله عز وجل: { أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل } يعني ~~العذاب { بساحتهم } أي بحضرتهم وقيل بفنائهم { فساء صباح المنذرين } أي ~~فبئس صباح الكافرين الذين أنذروا العذاب ق عن أنس رضي الله عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه ms2704 وسلم غزا خيبر فلما دخل القرية قال الله ~~أكبر خربت خيبر إنا إذا أنزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين قالها ثلاث ~~مرات " # ثم كرر ذكر ما تقدم تأكيدا لوعيد العذاب فقال تعالى: { وتولى عنهم حتى ~~حين } وقيل المراد من الآية الأولى ذكر أحوالهم في الدنيا وهذه ذكر ~~أحوالهم في الآخرة فعلى هذا القول يزول التكرار { وأبصر } أي العذاب إذا ~~نزل بهم { فسوف يبصرون } ثم نزه نفسه فقال تعالى: { سبحان ربك رب العزة } ~~أي الغلبة والقدرة وفيه إشارة إلى كمال القدرة وأنه القادر على جميع ~~الحوادث { عما يصفون } أي عن اتخاذ الشركاء والأولاد { وسلام على ~~المرسلين } أي الذين بلغوا عن الله عز وجل التوحيد والشرائع لأن أعلى ~~مراتب البشر أن يكون كاملا في نفسه مكملا لغيره وهم الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام فلا جرم يجب على كل أحد الاقتداء بهم والاهتداء بهداهم { ~~والحمد لله رب العالمين } أي على هلاك الأعداء ونصرة الأنبياء وقيل الغرض ~~من ذلك تعليم المؤمنين أن يقولوه ولا يخلوا به ولا يغفلوا عنه لما روي عن ~~علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال " من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من ~~الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه سبحان ربك رب العزة ~~عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين " والله أعلم ~~بمراده وأسرار كتابه. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-3] # قوله عز وجل: { ص } قيل هو قسم وقيل اسم للسورة وقيل مفتاح اسمه الصمد ~~وصادق الوعد والصبور وقيل معناه صدق الله وعن ابن عباس صدق محمد صلى الله ~~عليه وسلم { والقرآن ذي الذكر } قال ابن عباس أي ذي البيان وقيل ذي الشرف ~~وهو قسم قيل وجوابه قد تقدم وهو قوله تعالى: { ص } أقسم الله سبحانه ~~وتعالى بالقرآن إن محمدا صلى الله عليه وسلم لصادق وقيل جواب القسم ~~محذوف تقديره والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما تقول الكفار دل على هذا ~~المحذوف قوله تعالى: { بل الذين كفروا } وقيل بل الذين كفروا موضع القسم ~~وقيل فيه تقديم وتأخير ms2705 تقديره بل الذين كفروا { في عزة وشقاق } والقرآن ~~ذي الذكر وقيل جوابه # إن كل إلا كذب الرسل # [ص: 14] وقيل جوابه # إن هذا لرزقنا # [ص: 54] وقيل # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص: 64] وهذا ضعيف لأنه تخلل بين القسم وهذا الجواب أقاصيص وأخبار كثيرة ~~وقيل بل لتدارك كلام ونفي آخر ومجاز الآية أن الله تعالى أقسم بص والقرآن ~~ذي الذكر بل الذين كفروا من أهل مكة في عزة أي حمية وجاهلية وتكبر عن ~~الحق وشقاق أي خلاف وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم { كم أهلكنا من ~~قبلهم من قرن } يعني من الأمم الخالية { فنادوا } أي استغاثوا عند نزول ~~العذاب وحلول النقمة { ولات حين مناص } أي ليس الحين حين فرار وتأخر قال ~~ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب قال بعضهم لبعض مناص ~~أي اهربوا وخذوا حذركم فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا مناص فأنزل الله ~~عز وجل: { ولات حين مناص } أي ليس الحين حين هذا القول. ### || [38.4-8] # { وعجبوا } يعني كفار مكة { أن جاءهم منذر منهم } يعني رسولا من أنفسهم ~~ينذرهم { وقال الكافرون هذا ساحر كذاب } قوله عز وجل: { أجعل الآلهة ~~إلها واحدا } وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم فشق ذلك على ~~قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم ~~الصناديد والأشراف وكانوا خمسة وعشرين رجلا أكبرهم سنا الوليد بن ~~المغيرة امشوا إلى أبي طالب فأتوا إلى أبي طالب وقالوا له أنت شيخنا ~~وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنما أتيناك لتقضي بيننا وبين ~~ابن أخيك فأرسل إليه أبو طالب فدعا به فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~إليه قال له يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على ~~قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " وماذا يسألونني " # قالوا ارفض آلهتنا وندعك وإلهك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أتعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم " # فقال أبو جهل لله أبوك ms2706 لنعطينكها وعشرة أمثالها فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " قولوا لا إله إلا الله " # فنفروا من ذلك وقالوا أجعل الآلهة إلها واحدا كيف يسمع الخلق إله واحد ~~{ إن هذا لشيء عجاب } أي عجب { وانطلق الملأ منهم } أي من مجلسهم الذي ~~كانوا فيه عند أبي طالب { أن امشوا } أي يقول بعضهم لبعض امشوا { واصبروا ~~على آلهتكم } أي اثبتوا على عبادة آلهتكم { إن هذا لشيء يراد } أي لأمر ~~يراد بنا وذلك أن عمر رضي الله عنه لما أسلم وحصل للمسلمين قوة بمكانه ~~قالوا إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لشيء ~~يراد بنا وقيل يراد بأهل الأرض وقيل يراد بمحمد صلى الله عليه وسلم أن ~~يملك علينا { ما سمعنا بهذا } أي بالذي يقوله محمد من التوحيد { في الملة ~~الآخرة } قال ابن عباس يعنون النصرانية لأنها آخر الملل وإنهم لا يوحدون ~~الله بل يقولون ثالث ثلاثة وقيل يعنون ملة قريش وهي دينهم الذي هم عليه { ~~إن هذا إلا اختلاق } أي كذب وافتعال { أأنزل عليه الذكر } أي القرآن { من ~~بيننا } أي يقول أهل مكة ليس هو بأكبرنا ولا أشرفنا قال الله تعالى: { بل ~~هم في شك من ذكري } أي وحيي وما أنزلت { بل لما يذوقوا عذاب } أي لو ~~ذاقوه لما قالوا هذا القول. ### || [38.9-12] # { أم عندهم خزائن رحمة ربك } يعني مفاتيح النبوة يعطونها من شاؤوا { ~~العزيز } أي في ملكه { الوهاب } الذي وهب النبوة لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم { أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما } أي ليس لهم ذلك { ~~فليرتقوا في الأسباب } يعني إن ادعوا شيئا من ذلك فليصعدوا في الأسباب ~~التي توصهلم إلى السماء ليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون. وقيل أراد ~~بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء وهذا أمر توبيخ وتعجيز { ~~جند ما هنالك } أي هؤلاء الذين يقولون هذا القول جند ما هنالك { مهزوم } ~~أي مغلوب { من الأحزاب } يعني أن قريشا من جملة الأجناد الذين تجمعوا ~~وتحزبوا على الأنبياء بالتكذيب فقهروا وأهلكوا أخبر الله ms2707 سبحانه وتعالى ~~نبيه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه سيهزم جند المشركين فجاء تأويلها ~~يوم بدر وهناك إشارة إلى مصارعهم ببدر ثم قال عز وجل معزيا لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذي الأوتاد } قال ابن ~~عباس: ذو البناء المحكم. وقيل ذو الملك الشديد الثابت والعرب تقول هو في ~~عز ثابت الأوتاد يريدون بذلك أنه دائم شديد وقال الأسود بن يعفر: # ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في طل ملك ثابت الأوتاد # وقيل ذو قوة وأصل هذا أن بيوتهم تثبت بالأوتاد، وقيل ذو القوة والبطش. ~~وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما والجنود والجموع الكثيرة يعني أنهم ~~يقرون أمره ويشدون ملكه كما يقوي الوتد الشيء وسميت الأجناد أوتادا ~~لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها في أسفارهم وقيل الأوتاد ~~جمع الوتد وكانت له أوتاد يعذب الناس عليها فكان إذا غضب على أحد مده ~~مستلقيا بين أربعة أوتاد يشد كل طرف منه إلى وتد فيتركه حتى يموت. وقيل ~~يرسل عليه العقارب والحيات. وقيل كانت له أوتاد وأحبال وملاعب يلعب عليها ~~بين يديه. ### || [38.13-17] # { وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب } أي الذين تحزبوا على ~~الأنبياء فأعلم الله تعالى أن مشركي قريش حزب من أولئك الأحزاب { إن كل ~~إلا كذب الرسل فحق عقاب } أي إن أولئك الطوائف والأمم الخالية لما كذبوا ~~أنبياءهم وجب عليهم العذاب فكيف حال هؤلاء الضعفاء المساكين إذا نزل بهم ~~العذاب وفي الآية زجر وتخويف للسامعين { وما ينظر } أي ينتظر { هؤلاء } ~~أي كفار مكة { إلا صيحة واحدة ما لها من فواق } أي رجوع والمعنى أن تلك ~~الصيحة التي هي ميعاد عذابهم إذا جاءت لم ترد ولم تصرف { وقالوا ربنا عجل ~~لنا قطنا } أي حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول وقيل نصيبنا من العذاب ~~قاله النضر بن الحارث استعجالا منه بالعذاب وقال ابن عباس يعني كتابنا ~~والقط الصحيفة التي حصرت كل شيء قيل لما نزلت في الحاقة { فأما من أوتي ~~كتابه بيمينه وأما من أوتي ms2708 كتابه بشماله } قالوا استهزاء عجل لنا كتابنا ~~في الدنيا { قبل يوم الحساب } وقيل قطنا أي حسابنا يقال لكتاب الحساب قط ~~وقيل القط كتاب الجوائز، قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم { ~~اصبر على ما يقولون } أي على ما يقول الكفار من التكذيب { واذكر عبدنا ~~داود ذا الأيد } قال ابن عباس ذا القوة في العبادة ق عن عبدالله بن عمرو ~~بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن أحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما ~~وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام ~~سدسه " # وقيل معناه ذا القوة في الملك { إنه أواب } أي رجاع إلى الله عز وجل ~~بالتوبة عن كل ما يكره وقال ابن عباس مطيع لله عز وجل وقيل مسبح بلغة ~~الحبشة. ### || [38.18-20] # { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن } أي بتسبيحه إذا سبح { بالعشي والإشراق } ~~أي غدوة وعشية والإشراق هو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوءها وفسره ابن عباس ~~بصلاة الضحى وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس في قوله { بالعشي ~~والإشراق } قال كنت أمر بهذه الآية لا أدري ما هي حتى حدثتني # " أم هانىء بنت أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها ~~فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى الضحى فقال " يا أم هانىء إن هذه صلاة الإشراق " ~~" # قلت والذي أخرجاه في الصحيحين من حديث أم هانىء في صلاة الضحى # " قالت أم هانىء: " ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح ~~فوجدته يغتسل وفاطمة بنته تستره بثوب فسلمت عليه فقال من هذه قلت أم ~~هانىء بنت أبي طالب فقال مرحبا يا أم هانىء فلما فرغ من غسله قام وصلى ~~ثمان ركعات ملتحفا بثوب قالت أم هانىء وذلك ضحى " " # ولهما # " عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال " ما حدثنا أحد أنه رأى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يصلي الضحى غير أم هانىء فإنها قالت إن النبي صلى الله عليه ms2709 ~~وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثمان ركعات فلم أر صلاة قط أخف ~~منها غير أنه يتم الركوع والسجود ". # قوله تعالى: { والطير } أي وسخرنا له الطير { محشورة } أي مجموعة إليه ~~تسبح معه { كل له أواب } أي رجاع إلى طاعته مطيع له بالتسبيح معه { ~~وشددنا ملكه } أي قويناه بالحرس والجنود قال ابن عباس كان أشد ملوك الأرض ~~سلطانا كان يحرس محرابا كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل. وروي عن ابن عباس ~~أن رجلا من بني إسرائيل ادعى على رجل من عظمائهم عند داود عليه الصلاة ~~والسلام فقال هذا غصبني بقرة فسأله داود فجحده فسأل الآخر البينة فلم يكن ~~له بينة فقال لهما داود قوما حتى أنظر في أمركما فأوحى الله إلى داود في ~~منامه أن اقتل المدعى عليه فقال هذه رؤيا ولست أعجل عليه حتى أتثبت فأوحي ~~إليه مرة أخرى فلم يفعل فأوحي إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة ~~فأرسل إليه داود فقال إن الله عز وجل أوحى إلي أن أقتلك فقال تقتلني ~~بغير بينة فقال داود نعم والله لأنفذن أمر الله فيك فلما عرف الرجل أنه ~~قاتله قال لا تعجل حتى أخبرك إني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت ~~اغتلت والد هذا فقتلته فبذلك أوخذت فأمر به داود فقتل فاشتدت هيبة بني ~~إسرائيل عند ذلك لداود واشتد به ملكه فذلك قوله تعالى { وشددنا ملكه ~~وآتيناه الحكمة } يعني النبوة والإصابة في الأمور { وفصل الخطاب } قال ~~ابن عباس يعني بيان الكلام وقال ابن مسعود علم الحكم والتبصر بالقضاء ~~وقال علي بن أبي طالب هو أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر لأن ~~كلام الخصوم ينقطع وينفصل به. وقال أبي بن كعب فصل الخطاب الشهود ~~والأيمان وقيل إن فصل الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد الله تعالى والثناء ~~عليه أما بعد إذا أراد الشروع في كلام آخر وأول من قاله داود عليه الصلاة ~~والسلام. ### || [38.21-22] # قوله عز وجل: { وهل أتاك } أي وقد أتاك يا محمد { نبأ الخصم } أي ms2710 خبر ~~الخصم فاستمع له نقصصه عليك. وقيل ظاهره الاستفهام ومعناه الدلالة على ~~أنه من الأخبار العجيبة والتشويق إلى استماع كلام الخصماء والخصم يقع على ~~الواحد والجمع { إذ تسوروا المحراب } أي صعدوا وعلوا المحراب أي بالبيت ~~الذي كان يدخل فيه داود يشتغل بالطاعة والعبادة والمعنى أنهم أتوا ~~المحراب من سوره وهو أعلاه وفي الآية قصة امتحان داود عليه الصلاة ~~والسلام. واختلف العلماء بأخبار الأنبياء في سبب ذلك وسأذكر ما قاله ~~المفسرون ثم أتبعه بفصل فيه ذكر نزاهة داود عليه الصلاة والسلام عما لا ~~يليق بمنصبه صلى الله عليه وسلم لأن منصب النبوة أشرف المناصب وأعلاها ~~فلا ينسب إليها إلا ما يليق بها وأما ما قال المفسرون إن داود عليه ~~الصلاة والسلام تمنى يوما من الأيام منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~وذلك أنه كان قد قسم الدهر ثلاثة أيام يوم يقضي فيه بين الناس ويوم يخلو ~~فيه لعبادة ربه عز وجل ويوم لنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب ~~فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فقال يا رب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي ~~الذين كانوا قبلي فأوحى الله تعالى إليه أنهم ابتلوا ببلايا لم تبتل بها ~~فصبروا عليها ابتلي إبراهيم عليه الصلاة والسلام بنمرود وذبح ابنه وابتلي ~~إسحاق بالذبح وبذهاب بصره وابتلي يعقوب بالحزن على يوسف. فقال داود عليه ~~الصلاة والسلام رب لو ابتليتني بمثل ما ابتليتهم صبرت أيضا فأوحى الله ~~عز وجل إنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا فاحترس. فلما كان اليوم الذي ~~وعده الله به دخل داود محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور فبينما ~~هو كذلك إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب فيها من كل ~~لون حسن وجناحاها من الدر والزبرجد فوقعت بين رجليه فأعجبه حسنها فمد يده ~~ليأخذها ويريها بني إسرائيل لينظروا إلى قدرة الله تعالى فلما قصد أخذها ~~طارت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت ~~فتبعها فطارت حتى وقعت في كوة فذهب ليأخذها ms2711 فطارت من الكوة فنظر داود أين ~~تقع فيبعث من يصيدها له فأبصر امرأة في بستان على شاطىء بركة تغتسل وقيل ~~رآها تغتسل على سطح لها فرآها من أجمل النساء خلقا فعجب داود من حسنها ~~وحانت منها التفاتة فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطى بدنها فزاده ذلك إعجابا ~~بها فسأل عنها فقيل هي تشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا وزوجها في ~~غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود فكتب داود إلى ابن أخته أن ~~أبعث أوريا إلى موضع كذا وقدمه قبل التابوت وكان من قدم على التابوت لا ~~يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله على يديه أو يستشهد فبعثه ففتح له ~~فكتب إلى داود بذلك فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا أشد منه بأسا ~~فبعثه ففتح له فكتب إلى داود بذلك فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا ~~أشد منه بأسا فبعثه فقتل في المرة الثالثة فلما انقضت عدة المرأة تزوجها ~~داود فهي أم سليمان عليه الصلاة والسلام. # وقيل إن داود أحب أن يقتل أوريا فيتزوج امرأته فهذا كان ذنبه. وقال ابن ~~مسعود: كان ذنب داود أنه التمس من الرجل أن ينزل له عن امرأته. وقيل كان ~~مباحا لهم غير أن الله عز وجل لم يرض لداود ذلك لأنه رغبة في الدنيا ~~وازدياد من النساء وقد أغناه الله تعالى عنها بما أعطاه من غيرها. وقيل ~~في سبب امتحان داود أنه كان جزأ الدهر أجزاء يوما لنسائه ويوما للعبادة ~~ويوما للحكم بين بني إسرائيل ويوما يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه ~~فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب ~~فيه ذنبا فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك وقيل إنهم ذكروا فتنة النساء ~~فأضمر داود في نفسه أنه إن ابتلى اعتصم فلما كان يوم عبادته أغلق عليه ~~الأبواب وأمر أن لا يدخل عليه أحد وأكب على قراءة التوراة فبينما هو ~~يقرأ إذ دخلت حمامة وذكر نحو ما تقدم فلما دخل بالمرأة ms2712 لم يلبث إلا ~~يسيرا حتى بعث الله عز وجل الملكين إليه. وقيل إن داود عليه السلام ما ~~زال يجتهد في العبادة حتى برز له حافظاه من الملائكة فكانوا يصلون معه ~~فلما استأنس منهم قال أخبروني بأس شيء أنتم موكلون قالوا نكتب صالح ~~أعمالك ونوافقك ونصرف عنك السوء فقال في نفسه: ليت شعري كيف أكون لو ~~خلوني ونفسي وتمنى ذلك ليعلم كيف يكون فأوحى الله تعالى إلى الملكين أن ~~يعتزلاه ليعلم أنه لا غنى له عن الله تعالى فلما فقدهم جد واجتهد في ~~العبادة إلى أن ظن أنه قد غلب نفسه فأراد الله تعالى أن يعرفه ضعفه فأرسل ~~طائرا من طيور الجنة وذكر نحو ما تقدم. وقيل إن داود قال لبني إسرائيل ~~لأعدلن بينكم ولم يستثن فابتلى وقيل إنه أعجبه عمله فابتلى فبعث الله ~~إليه ملكين في صورة رجلين وذلك في بوم عبادته فطلبا أن يدخلا عليه ~~فمنعهما الحرس فتسورا عليه المحراب فما شعر إلا وهما بين يديه جالسان وهو ~~يصلي يقال كانا جبريل وميكائيل فذلك قوله عز وجل: { وهل أتاك نبأ الخصم ~~إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم } أي خاف منهما حين هجما ~~عليه في محرابه بغير إذنه فقال لهما من أدخلكما علي { قالوا لا تخف ~~خصمان } أي نحن خصمان { بغى بعضنا على بعض } أي تعدى وخرج عن الحد جئناك ~~لتقضي بيننا. فإن قلت إذ جعلتهما ملكين فكيف يتصور البغي منهما والملائكة ~~لا يبغي بعضهم على بعض؟. قلت هذا من معاريض الكلام لا على تحقيق البغي من ~~أحدهما والمعنى رأيت خصمين بغى أحدهما على الآخر { فاحكم بيننا بالحق ولا ~~تشطط } أي لا تجر في حكمك { واهدنا إلى سواء الصراط } أي أرشدنا إلى طريق ~~الحق والصواب فقال لهما داود تكلما فقال أحدهما. ### || [38.23] # { إن هذا أخي } على ديني وطريقتي لا من جهة النسب { له تسع وتسعون نعجة ~~} يعني امرأة { ولي نعجة واحدة } أي امرأة واحدة والعرب تكني بالنعجة عن ~~المرأة وهذا على سبيل التعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم ms2713 يكن هناك نعاج ~~ولا بغي { فقال أكفلنيها } قال ابن عباس أي أعطنيها وقيل معناه انزل عنها ~~وضمها إلي واجعلني كافلها والمعنى طلقها لأتزوجها { وعزني في الخطاب } ~~يعني غلبني وقهرني في القول لأنه أفصح مني في الكلام وإن حارب كان أبطش ~~مني لقوة ملكه والمعنى أن الغلبة كانت له علي لضعفي في يده وإن كان الحق ~~وهذا كله تمثيل لأمر داود مع أوريا زوج المرأة التي تزوجها داود حيث كان ~~لداود تسع وتسعون امرأة ولأوريا امرأة واحدة فضمها داود إلى نسائه. ### || [38.24-25] # { قال } داود { لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } أي بضمها إلى نعاجه. ~~فإن قلت كيف قال داود لقد ظلمك ولم يكن سمع قول الآخر قلت معناه إن كان ~~الأمر كما تقول فقد ظلمك وقيل إنما قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما يقول { ~~وإن كثيرا من الخلطاء } أي الشركاء { ليبغي بعضهم على بعض } أي يظلم ~~بعضهم بعضا { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فإنهم لا يظلمون أحدا ~~{ وقليل ما هم } أي هم قليل وما صلة. والمعنى أن الصالحين الذين لا ~~يظلمون قليل فلما قضى داود بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه وضحك وصعد إلى ~~السماء فعلم داود أن الله تعالى ابتلاه فذلك قوله تعالى: { وظن داود } أي ~~أيقن وعلم { أنما فتناه } أي ابتليناه وامتحناه وقال ابن عباس: إن داود ~~لما دخل عليه الملكان فقضى على نفسه تحولا في صورتهما وعرجا وهما يقولان ~~قضى الرجل على نفسه فعلم داود أنه إنما عنى به. وروى البغوي بإسناد ~~الثعلبي عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن ~~داود النبي صلى الله عليه وسلم حين نظر إلى المرأة فهم ففظع على بني ~~إسرائيل أوصى صاحب البعث فقال إذا حضر العدو فقرب فلانا بين يدي التابوت ~~وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به ومن قدم بين يدي التابوت لم يرجع ~~حتى يقتل أو يهزم عنه الجيش فقتل زوج المرأة ونزل الملكان يقصان عليه ~~قصته ففطن داود فسجد فمكث أربعين ليلة ساجدا ms2714 حتى نبت الزرع من دموعه على ~~رأسه وأكلت الأرض من جبهته وهو يقول في سجوده: رب زل داود زلة أبعد ما ~~بين المشرق والمغرب رب إن لم ترحم ضعف داود ولم تغفر ذنبه جعلت ذنبه ~~حديثا في الخلق من بعده. فجاء جبريل من بعد أربعين ليلة فقال يا داود إن ~~الله تعالى قد غفر لك الهم الذي هممت به فقال داود: إن الرب قادر على أن ~~يغفر لي الهم الذي هممت به وقد عرفت أن الله عدل لا يميل فكيف بفلان إذا ~~جاء يوم القيامة فقال رب دمي الذي عند داود فقال جبريل ما سألت ربك عن ~~ذلك وإن شئت لأفعلن قال نعم فعرج جبريل وسجد داود ما شاء الله تعالى ثم ~~نزل جبريل عليه الصلاة والسلام فقال سألت الله يا داود عن الذي أرسلتني ~~فيه فقال قل لداود إن الله تعالى يجمعكما يوم القيامة فيقول له هب لي دمك ~~الذي عند داود فيقول: هو لك يا رب فيقول الله تعالى فإن لك في الجنة ما ~~شئت وما اشتهيت عوضا عن دمك فهذه أقاويل السلف من أهل التفسير في قصة ~~امتحان داود. # فصل في تنزيه داود عليه الصلاة والسلام عما لا يليق به وما ينسب إليه ~~اعلم أن من خصه الله تعالى بنبوته وأكرمه برسالته وشرفه على كثير من خلقه ~~وائتمنه على وحيه وجعله واسطة بينه وبين خلقه لا يليق أن ينسب إليه ما لو ~~نسب إلى آحاد الناس لاستنكف أن يحدث به عنه فكيف يجوز أن ينسب إلى بعض ~~أعلام الأنبياء والصفوة الأمناء ذلك. روى سعيد بن المسيب والحارث الأعور ~~عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال من حدثكم بحديث داود على ما ~~يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة وهو حد الفرية على الأنبياء. وقال ~~القاضي عياض: لا يجوز أن يلتفت إلى ما سطره الأخباريون من أهل الكتاب ~~الذين بدلوا وغيروا ونقله بعض المفسرين ولم ينص الله تعالى على شيء من ~~ذلك ولا ورد في حديث ms2715 صحيح والذي نص عليه الله في قصة داود وظن داود أن ما ~~فتناه وليس في قصة داود وأوريا خبر ثابت ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم وهذا ~~هو الذي ينبغي أن يعول عليه من أمر داود. قال الإمام فخر الدين حاصل ~~القصة يرجع إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته ~~وكلاهما منكر عظيم فلا يليق بعاقل أن يظن بداود عليه الصلاة والسلام. هذا ~~وقال غيره إن الله تعالى أثنى على داود قبل هذه القصة وبعدها وذلك يدل ~~على استحالة ما نقوله من القصة فكيف يتوهم عاقل أن يقع بين مدحين ذم ولو ~~جرى ذلك من بعض الناس في كلامه لاستهجنه العقلاء وقالوا أنت في مدح شخص ~~كيف تجري ذمه أثناء مدحك والله تعالى منزه عن مثل هذا في كلامه القديم. ~~فإن قلت في الآية ما يدل على صدور الذنب منه وهو قوله تعالى وظن داود ~~إنما فتناه وقوله فاستغفر ربه وقوله وأناب وقوله فغفرنا له ذلك. قلت ليس ~~في هذه الألفاظ شيء مما يدل على ذلك وذلك لأن مقام النبوة أشرف المقامات ~~وأعلاها فيطالبون بأكمل الأخلاق والأوصاف وأسناها فإذا نزلوا من ذلك إلى ~~طبع البشرية عاتبهم الله تعالى على ذلك وغفره لهم كما قيل " حسنات ~~الأبرار سيئآت المقربين ". فإن قلت فعلى هذا القول والاحتمال فما معنى ~~الامتحان في الآية؟ قلت ذهب المحققون من علماء التفسير وغيرهم في هذه ~~القصة إلى أن داود عليه الصلاة والسلام ما زاد على أن قال للرجل. انزل لي ~~عن امرأتك واكفلنيها فعاتبه الله تعالى على ذلك ونبهه عليه وأنكر عليه ~~شغله بالدنيا وقيل إن داود تمنى أن تكون امراة أو رياله فاتفق أن أوريا ~~هلك في الحرب فلما بلغ داود قتله لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده ~~ثم تزوج امرأته فعاتبه الله تعالى على ذلك لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت ~~فهي عظيمة عند الله تعالى. # وقيل إن أوريا كان قد خطب تلك المراة ووطن نفسه عليها فلما ms2716 غاب في ~~غزاته خطبها داود فزوجت نفسها منه لجلالته فاغتم لذلك أوريا فعاتبه ~~الله تعالى على ذلك حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها وعنده تسعة وتسعون ~~امرأة ويدل على صحة هذا الوجه قوله وعزني في الخطاب فدل هذا على أن ~~الكلام كان بينهما في الخطبة ولم يكن قد تقدم تزوج أوريا لها فعوتب داود ~~بسببين أحدهما: خطبته على خطبة أخيه والثاني: إظهار الحرص على التزوج مع ~~كثرة نسائه. وقيل إن ذنب داود الذي استغفر منه ليس هو بسبب أوريا والمرأة ~~وإنما هو بسبب الخصمين وكونه قضى لأحدهما قبل سماع كلام الآخر وقيل هو ~~قوله لأحد الخصمين لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه فحكم على خصمه بكونه ~~ظالما بمجرد الدعوى فلما كان هذا الحكم مخالفا للصواب اشتغل داود ~~بالاستغفار والتوبة فثبت بهذه الوجوه نزاهة داود عليه الصلاة والسلام مما ~~نسب إليه والله أعلم. وقوله عز وجل: { فاستغفر ربه } أي سأل ربه الغفران ~~{ وخر راكعا } أي ساجدا عبر بالركوع عن السجود لأن كل واحد منهما فيه ~~انحناء. وقيل معناه وخر ساجدا بعد ما كان راكعا والله تعالى أعلم ~~بمراده. فصل اختلف العلماء في سجدة ص هل هي من عزائم السجود، فذهب ~~الشافعي رحمه الله تعالى إلى أنها ليست من عزائم سجود التلاوة قال: لأنها ~~توبة نبي فلا توجب سجدة التلاوة. وقال أبو حنيفة: هي من عزائم سجود ~~التلاوة واستدل بهذه الآية على أن الركوع يقوم مقام السجود في سجود ~~التلاوة، وعن أحمد: في سجدة ص روايتان وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سجد فيها خ. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سجدة ص ليست من عزائم ~~السجود وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها قال مجاهد قلت لابن ~~عباس أسجد في ص فقرأ ومن ذريته داود وسليمان حتى أتى فبهداهم اقتده فقال ~~نبيكم ممن أمر أن يقتدى بهم فسجدها داود فسجدها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وللنسائي # " عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ms2717 سجد في ص وقال سجدها داود ~~توبة فنسجدها شكرا " # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة ص وهو على المنبر فلما بلغ ~~السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة ~~تشوف الناس لسجوده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هي توبة نبي ~~ولكني رأيتكم تشوفتم فنزل وسجد وسجدوا " # أخرجه أبو داود قوله تشوف الناس يعني تهيؤا وتأهبوا واستعدوا للسجود وعن ~~ابن عباس قال " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ~~رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها ~~تقول اللهم اكتب لي بها أجرا وحط عني بها وزرا واجعلها لي عندك ذخرا ~~وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود عليه الصلاة والسلام ". # " قال ابن عباس: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سجدة ثم سجد ~~فقال مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة " # أخرجه الترمذي قال المفسرون سجد داود أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا ~~لحاجة أو لوقت صلاة مكتوبة ثم يعود ساجدا تمام أربعين يوما لا يأكل ولا ~~يشرب وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه وهو ينادي ربه عز وجل ويسأله ~~التوبة وكان من دعائه في سجوده سبحان الملك الأعظم الذي يبتلي الخلق بما ~~يشاء سبحان خالق النور سبحان الحائل بين القلوب سبحان خالق النور إلهي ~~خليت بيني وبين عدوي إبليس فلم أقم لفتنته إذ نزلت بي سبحان خالق النور ~~إلهي أنت خلقتني وكان في سابق علمك ما أنا إليه صائر سبحان خالق النور ~~إلهي الويل لداود يوم يكشف عنه الغطاء، فيقال هذا داود الخاطئ سبحان خالق ~~النور إلهي بأي عين أنظر إليك يوم القيامة وإنما ينظر الظالمون من طرف ~~خفي، سبحان خالق النور إلهي بأي قدم أقوم أمامك يوم القيامة يوم تزل ~~أقدام الخاطئين، سبحان خالق النور إلهي من أين يطلب العبد المغفرة إلا من ~~عند سيده سبحان خالق النور، ms2718 إلهي أنا لا أطيق حر شمسك فكيف أطيق حر نارك ~~سبحان خالق النور إلهي أنا لا أطيق صوت رعدك فكيف أطيق صوت جهنم سبحان ~~خالق النور إلهي الويل لداود من الذنب العظيم الذي أصابه سبحان خالق ~~النور إلهي كيف تستر الخطاؤون بخطاياهم دونك وأنت تشاهدهم حيث كانوا، ~~سبحان خالق النور إلهي قد تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي سبحان خالق ~~النور إلهي اغفر لي ذنوبي ولا تباعدني من رحمتك لهواني سبحان خالق النور ~~إلهي أعوذ بوجهك الكريم من ذنوبي التي أوبقتني سبحان خالق النور إلهي ~~فررت إليك بذنوبي واعترفت بخطيئتي فلا تجعلني من القانطين ولا تخزني يوم ~~الدين سبحان خالق النور وقيل مكث داود أربعين يوما لا يرفع رأسه حتى نبت ~~المرعى من دموع عينيه حتى غطى رأسه فنودي يا داود أجائع انت فتطعم أظمآن ~~أنت فتسقى أمظلوم أنت فتنصر فأجيب في غير ما طلب ولم يجب في ذكر خطيئته ~~بشيء فحزن حتى هاج ما حوله من العشب فاحترق من حرجوفه ثم أنزل الله تعالى ~~له التوبة والمغفرة. # قال وهب: إن داود أتاه نداء أني قد غفرت لك قال يا رب كيف وأنت لا تظلم ~~أحدا قال اذهب إلى قبر أوريا فناده وأنا أسمعه نداءك فتحلل منه، قال ~~فانطلق داود وقد لبس المسوح حتى جلس عند قبره ثم نادى يا أوريا فقال من ~~هذا الذي قطع علي لذتي وأيقظني قال أنا داود قال ما جاء بك يا نبي الله ~~قال أسألك أن تجعلني في حل مما كان مني إليك قال وما كان منك إلي قال ~~عرضتك للقتل قال بل عرضتني للجنة فأنت في حل فأوحى الله تعالى إليه يا ~~داود ألم تعلم أني حكم عدل لا أقضي بالغيب ألا أعلمته إنك قد تزوجت ~~امرأته، قال فرجع فناداه فأجابه فقال من هذا الذي قطع علي لذتي وأيقظني ~~قال أنا داود قال ما جاء بك يا نبي الله أليس قد عفوت عنك قال نعم ولكن ~~إنما فعلت ذلك بك لمكان امرأتك وقد تزوجتها ms2719 قال فسكت ولم يجبه ودعاه مرة ~~فلم يجبه وعاوده فلم يجبه فقام عند قبره وجعل التراب على رأسه ثم نادى ~~الويل لداود ثم الويل الطويل لداود إذا وضعت الموازين بالقسط سبحان خالق ~~النور الويل لداود ثم الويل الطويل له حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى ~~النار سبحان خالق النور فأتاه نداء من السماء يا داود قد غفرت لك ذنبك ~~ورحمت بكاءك واستجبت دعاءك وأقلت عثرتك قال يا رب كيف وصاحبي لم يعف عني ~~قال يا داود أعطيه يوم القيامة من الثواب ما لم تر عيناه ولم تسمع أذناه ~~فأقول له رضيت عبدي فيقول يا رب من أين لي هذا ولم يبلغه عملي، فأقول هذا ~~عوض من عبدي داود فأستوهبك منه فيهبك لي قال يا رب الآن قد عرفت أنك قد ~~غفرت لي فذلك قوله فاستغفر ربه وخر راكعا { وأناب } أي رجع { فغفرنا ~~له ذلك } أي الذنب { وإن له عندنا } أي يوم القيامة بعد المغفرة { لزلفى ~~} أي لقربة ومكانة { وحسن مآب } أي حسن مرجع ومنقلب. قال وهب بن منبه إن ~~داود عليه الصلاة والسلام لما تاب الله عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة ~~لا يرقأ دمعه ليلا ولا نهارا وكان أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة فقسم ~~الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام يوم للقضاء بين بني إسرائيل، ويوم ~~لنسائه ويوم يسيح في الجبال والفيافي والساحل ويوم يخلو في دار له فيها ~~أربعة آلاف محراب فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه ويساعدونه على ~~ذلك، فإذا كان يوم سياحته يخرج إلى الفيافي ويرفع صوته بالمزامير فيبكي ~~وتبكي الشجر والرمال والطير والوحوش حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار ثم ~~يجيء إلى الجبال ويرفع صوته ويبكي فتبكي معه الجبال والحجارة والطير ~~والدواب حتى تسيل من بكائهم الأودية ثم يجيء إلى الساحل فيرفع صوته ويبكي ~~فتبكي معه الحيتان ودواب البحر وطين الماء فإذا أمسى رجع فإذا كان يوم ~~نوحه على نفسه نادى مناديه إن اليوم يوم نوح داود على نفسه فليحضره من ~~يساعده ms2720 ويدخل الدار التي فيها المحاريب فيبسط فيها ثلاث فرش من مسوح ~~حشوها ليف فيجلس عليها ويجيء أربعة آلاف راهب عليهم البرانس وفي أيديهم ~~العصي فيجلسون في تلك المحاريب ثم يرفع داود عليه الصلاة والسلام صوته ~~بالبكاء والنوح على نفسه ويرفع الرهبان معه أصواتهم فلا يزال يبكي حتى ~~يغرق الفرش من دموعه ويقع داود فيها مثل الفرخ يضطرب فيجيء ابنه سليمان ~~فيحمله ويأخذ داود من تلك الدموع بكفيه ويمسح بها وجهه ويقول يا رب اغفر ~~ما ترى فلو عادل بكاء داود بكاء أهل الدنيا لعدله. # وعن الأوزاعي مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن مثل عيني داود عليه الصلاة والسلام كالقربتين ينقطان ماء ولقد خدت ~~الدموع في وجهه كخديد الماء في الأرض ". # وقال وهب: لما تاب الله تعالى على داود قال: يا رب أغفرت لي فكيف لي أن ~~لا أنسى خطيئتي فأستغفر منها وللخاطئين إلى يوم القيامة، قال فوسم الله ~~تعالى خطيئته في يده اليمنى فما رفع فيها طعاما ولا شرابا إلا بكى إذا ~~رآها وما قام خطيبا في الناس إلا وبسط راحته فاستقبل بها الناس ليروا ~~وسم خطيئته وكان يبدأ إذا دعا واستغفر بالخاطئين قبل نفسه. وعن الحسن ~~قال: كان داود عليه الصلاة والسلام بعد الخطيئة لا يجالس إلا الخاطئين ~~يقول تعالوا إلى داود الخاطئ ولا يشرب شرابا إلا مزجه بدموع عينيه وكان ~~يجعل خبز الشعير اليابس في قصعة فلا يزال يبكي عليه حتى يبتل بدموع عينيه ~~وكان يذر عليه الملح والرماد فيأكل ويقول هذا أكل الخاطئين قال وكان داود ~~عليه الصلاة والسلام قبل الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر فلما ~~كان من خطيئته ما كان صام الدهر كله وقام الليل كله. وقال ثابت كان داود ~~إذا ذكر عقاب الله انخلعت أوصاله فلا يشهدها إلا الأسر وإذا ذكر رحمة ~~الله تراجعت وقيل إن الوحوش والطير كانت تستمع إلى قراءته فلما فعل ما ~~فعل كانت لا تصغي إلى قراءته. وقيل إنها قالت يا داود ذهبت خطيئتك بحلاوة ~~صوتك. ms2721 ### || [38.26-28] # قوله عز وجل: { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض } أي لتدبر أمر الناس ~~بأمر نافذ الحكم فيهم { فاحكم بين الناس بالحق } أي بالعدل { ولا تتبع ~~الهوى } أي لا تمل مع ما تشتهي إذا خالف أمر الله تعالى { فيضلك عن سبيل ~~الله } أي عن دين الله وطريقه { إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب ~~شديد بما نسوا يوم الحساب } أي بما تركوا الإيمان بيوم الحساب. وقيل ~~بتركهم العمل بذلك اليوم وقيل بترك العدل في القضاء. قوله تعالى: { وما ~~خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا } قال ابن عباس: لا لثواب ولا ~~لعقاب. وقيل معناه ما خلقناهما عبثا لا لشيء { ذلك ظن الذين كفروا } ~~يعني أهل مكة هم الذين ظنوا أنما خلقناهم لغير شيء وأنه لا بعث ولا حساب ~~{ فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض } قيل إن كفار قريش قالوا للمؤمنين إنما نعطي في ~~الآخرة من الخير ما تعطون فنزلت هذه الآية { أم نجعل المتقين } يعني ~~الذين اتقوا الشرك وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم { كالفجار } يعني ~~الكفار والمعنى لا نجعل الفريقين سواء في الآخرة. ### || [38.29-32] # { كتاب أنزلناه إليك } أي هذا كتاب يعني القرآن أنزلناه إليك { مبارك } ~~أي كثير خيره ونفعه { ليدبروا آياته } أي ليتدبروا ويتفكروا في أسراره ~~العجيبة ومعانيه اللطيفة وقيل تدبر آياته اتباعه في أوامره ونواهيه { ~~وليتذكر } أي وليتعظ { أولوا الألباب } أي ذوو العقول والبصائر. قوله ~~تعالى: { ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشي ~~الصافنات الجياد } قيل إن سليمان عليه الصلاة والسلام غزا أهل دمشق ~~ونصيبين فأصاب منهم ما أصاب وهو ألف فرس وقيل ورثها من أبيه وقيل إنها ~~كانت خيلا من البحر لها أجنحة فصلى سليمان عليه الصلاة والسلام الصلاة ~~الأولى التي هي الظهر وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه فعرض عليه منها ~~تسعمائة فرس فتنبه لصلاة العصر فإذا الشمس قد غربت وفاتت الصلاة ولم يعلم ~~بذلك هيبة له فاغتم لذلك وقال ردوها علي ms2722 فأقبل يضرب سوقها وأعناقها ~~بالسيف تقربا إلى الله تعالى وطلبا لمرضاته حيث اشتغل بها عن طاعته ~~وكان ذلك مباحا له وإن كن حراما علينا وبقي منها مائة فرس فالذي في ~~أيدي الناس من الخيل يقال إنه من نسل تلك المائة فلما عقرها الله تعالى ~~أبدله الله تعالى خيرا منها وأسرع وهي الريح تجري بأمره كيف شاء، وقوله ~~تعالى: { إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد } قيل هي الخيل القائمة على ~~ثلاث قوائم مقيمة الرابعة على طرف الحافر من رجل أو يد وقيل الصافن ~~القائم وجاء في الحديث # " من سره أن يقوم له الناس صفوفا فليتبوأ مقعده من النار " # أي قياما الجياد: أي الخيار السراع في الجري واحده جواد قال ابن عباس ~~يريد الخيل السوابق { فقال إني أحببت حب الخير } أي آثرت حب الخير وأراد ~~بالخير الخيل سميت به لأنه معقود في نواصيها الخير الأجر والغنيمة وقيل ~~حب الخير يعني المال ومنه الخيل التي عرضت عليه { عن ذكر ربي } يعني صلاة ~~العصر { حتى توارت } أي استترت الشمس { بالحجاب } أي ما يحجبها من ~~الأبصار يقال إن الحجاب جبل دون قاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه. ### || [38.33-34] # { ردوها علي } أي ردوا الخيل علي { فطفق مسحا بالسوق } جمع ساق { ~~والأعناق } أي جعل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف، هذا قول ابن عباس وأكثر ~~المفسرين وكان ذلك مباحا له لأن نبي الله سليمان لم يكن ليقدم على محرم ~~ولم يكن ليتوب عن ذنب وهو ترك الصلاة بذنب آخر وهو عقر الخيل، وقال محمد ~~بن إسحاق: لم يعنفه الله تعالى على عقره الخيل إذ كان ذلك أسفا على ما ~~فاته من فريضة ربه عز وجل، وقيل إنه ذبحها وتصدق بلحومها. وقيل معناه ~~إنه حبسها في سبيل الله تعالى وكوى سوقها وأعناقها بكي الصدقة. وحكي عن ~~علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: معنى ردوها علي يقول بأمر الله تعالى ~~للملائكة الموكلين بالشمس ردوها علي فردوها عليه فصلى العصر في وقتها ~~قال الإمام فخر الدين بل التفسير الحق المطابق ms2723 لألفاظ القرآن أن نقول إن ~~رباط الخيل كان مندوبا إليه في دينهم كما أنه كذلك في ديننا ثم إن ~~سليمان عليه الصلاة والسلام احتاج إلى غزو فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر ~~بإجرائها وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس وإنما أحبها لأمر ~~الله تعالى وتقوية دينه وهو المراد بقوله عن ذكر ربي ثم إنه عليه الصلاة ~~والسلام أمر بإعدائها وإجرائها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره ثم أمر ~~برد الخيل إليه وهو قوله ردوها علي فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها ~~وأعناقها والغرض من ذلك المسح أمور الأول تشريف لها لكونها من أعظم ~~الأعوان في دفع العدو الثاني أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة ~~والمملكة يبلغ إلى أنه يباشر الأمور بنفسه الثالث أنه كان أعلم بأحوال ~~الخيل وأمراضها وعيوبها من غيره فكان يمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل ~~فيها ما يدل على المرض فهذا التفسير الذي ذكرناه ينطبق عليه لفظ القرآن ~~ولا يلزمنا شيء من تلك المنكرات والمحظورات والعجب من الناس كيف قبلوا ~~هذه الوجوه السخيفة فإن قيل فالجمهور قد فسروا الآية بتلك الوجوه فما ~~قولك فيه، فنقول: لنا هاهنا مقامات المقام الأول أن يدعي أن لفظ الآية لا ~~يدل على شيء من تلك الوجوه التي ذكروها وقد ظهروا الحمد لله أن الأمر كما ~~ذكرنا ظهورا لا يرتاب عاقل فيه، المقام الثاني: أن يقال هب أن لفظ الآية ~~يدل عليه إلا أنه كلام ذكره الناس وأن الدلائل الكثيرة قد قامت على عصمة ~~الأنبياء ولم يدل دليل على صحة هذه الحكايات. قوله عز وجل: { ولقد ~~فتنا سليمان } أي اختبرناه وابتليناه بسلب ملكه وكان سبب ذلك ما ذكر عن ~~وهب بن منبه قال: سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها ~~صيدون وبها ملك عظيم الشأن ولم يكن للناس إليه سبيل لمكانه في البحر وكان ~~الله تعالى قد أتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا ~~بحر إنما يركب إليه الريح فخرج ms2724 إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر ~~الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وسبى ما فيها وأصاب ~~فيما أصاب بنتا لذلك الملك يقال لها جرادة لم ير مثلها حسنا وجمالا ~~فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة فقه وأحبها ~~حبا لم يحبه شيئا من نسائه وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا ~~يرقأ دمعها فشق ذلك على سليمان، فقال لها ويحك ما هذا الحزن الذي لا ~~يذهب والدمع الذي لا يرقأ، قالت: إني أذكر أبي وأذكر ملكه وما كان فيه ~~وما أصابه فيحزنني ذلك فقال سليمان: فقد أبدلك الله ملكا هو أعظم من ~~ملكه وسلطانا أعظم من سلطانه وهداك إلى الإسلام وهو خير من ذلك قالت إن ~~ذلك كذلك ولكني إذ ذكرته أصابني ما تراه من الحزن فلو أنك أمرت الشياطين ~~فصوروا لي صورته في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشيا لرجوت أن يذهب ~~ذلك حزني وأن يسلي عني بعض ما أجد في نفسي فأمر سليمان الشياطين، فقال: ~~مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئا فمثلوه لها حتى ~~نظرت إلى أبيها بعينه إلا أنه لا روح فيه فعمدت إليه حين صنعوه فألبسته ~~ثيابا مثل ثيابه التي كان يلبسها، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو ~~إليه في ولائدها فتسجد له ويسجدن معها كما كانت تصنع في ملكه وتروح في كل ~~عشية بمثل ذلك وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحا. # وبلغ ذلك آصف بن برخيا وكان صديقا له وكان لا يرد على أبواب سليمان أي ~~ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل حاضرا سليمان أو غائبا، فأتاه فقال: ~~يا نبي الله كبر سني ورق عظمي ونفد عمري وقد حان مني الذهاب وقد أحببت أن ~~أقوم مقاما قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله تعالى وأثني عليهم ~~بعلمي فيهم وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير أمرهم. فقال: افعل ~~فجمع له سليمان الناس، ms2725 فقام فيهم خطيبا فذكر من مضى من أنبياء الله ~~تعالى وأثنى على كل نبي بما فيه وذكر ما فضله الله تعالى به حتى انتهى ~~إلى سليمان فقال: ما كان أحكمك في صغرك وأورعك في صغرك وأفضلك في صغرك ~~وأحكم أمرك في صغرك وأبعدك عن كل ما يكره الله تعالى في صغرك ثم انصرف، ~~فوجد سليمان في نفسه من ذلك حتى ملئ غضبا فلما دخل سليمان داره دعاه ~~فقال: يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله تعالى فأثنيت عليهم خيرا في كل ~~زمانهم وعلى كل حال من أمرهم فلما ذكرتني جعلت تثني علي خيرا في صغري ~~وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري فما الذي أحدثت في آخر عمري؟ قال آصف: ~~إن غير الله يعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة، فقال سليمان ~~في داري؟ قال: في دارك قال: فإنا لله وإنا إليه راجعون قد عرفت أنك ما ~~قلت الذي قلت إلا عن شيء بلغك. # ثم رجع سليمان إلى داره فكسر ذلك الصنم وعاقب تلك المرأة وولائدها ثم ~~أمر بثياب الظهيرة فأتى بها وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار ولا ينسجها ~~إلا الأبكار ولا يغسلها إلا الأبكار لم تمسها يد امرأة قد رأت الدم ~~فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده وأمر برماد ففرش له ثم أقبل تائبا ~~إلى الله تعالى حتى جلس على ذلك الرماد وتمعك به في ثيابه تذللا إلى ~~الله تعالى وتضرعا إليه يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره فلم يزل ~~كذلك يومه حتى أمسى ثم رجع إلى داره وكانت له أم ولد يقال لها أمينة كان ~~إذا دخل الخلاء أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر ~~وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر وكان ملكه في خاتمه فوضعه يوما عندها ~~ثم دخل مذهبه، فأتاها شيطان اسمه صخر المارد في صورة سليمان لا تنكر منه ~~شيئا فقال: خاتمي أمينة فناولته إياه فجعله في يده ثم خرج حتى جلس ms2726 على ~~سرير سليمان وعكفت عليه الطير والوحش والجن والإنس وخرج سليمان فأتى ~~أمينة وقد تغيرت حالته وهيأته عند كل من رآه فقال: يا أمينة خاتمي قالت ~~من أنت قال سليمان بن داود فقالت كذبت قد جاء سليمان وأخذ خاتمه وهو جالس ~~على سرير ملكه فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته فخرج فجعل يقف على الدار ~~من دور بني إسرائيل فيقول: أنا سليمان بن داود فيحثون عليه التراب ~~ويقولون انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه سليمان. فلما رأى ~~سليمان ذلك عمد إلى البحر فكان ينقل الحيتان لأصحاب السوق ويعطونه كل يوم ~~سمكتين فإذ أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة ويشوي الأخرى فيأكلها. فمكث على ~~ذلك أربعين صباحا عدة ما كان يعبد الوثن في داره ثم إن آصف وعظماء بني ~~إسرائيل أنكروا حكم عدو الله الشيطان في تلك المدة فقال آصف يا معشر بني ~~إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيتم قالوا نعم فقال ~~أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن هل أنكرن من خاصة أمره ما أنكرنا في ~~عامة الناس وعلانيتهم فدخل على نسائه فقال: ويحكن هل أنكرتن من ابن داود ~~ما أنكرنا؟ فقلن: أشده ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من الجنابة، ~~فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. # قال الحسن: ما كان الله سبحانه وتعالى ليسلط الشيطان على نساء نبيه صلى ~~الله عليه وسلم قال وهب: ثم إن آصف خرج على بني إسرائيل فقال ما في ~~الخاصة أشد مما في العامة فلما مضى أربعون صباحا طار الشيطان عن مجلسه ~~ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه فبلعته سمكة فأخذها بعض الصيادين وقد عمل ~~له سليمان صدر يومه فلما أمسى أعطاه سمكتيه فباع سليمان إحداهما بأرغفة ~~وبقر بطن الأخرى ليشويها، فاستقبله خاتمه في جوفها فأخذه وجعله في يده ~~ووقع لله ساجدا وعكفت عليه الطير والجن وأقبل الناس عليه وعرف الذي كان ~~دخل عليه لما كان أحدث في داره فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه وأمر ms2727 ~~الشياطين أن يأتوه بصخر فطلبوه حتى أخذوه فأتي به فأدخله في جوف صخرة ~~وسد عليه بأخرى ثم أوثقها بالحديد والرصاص ثم أمر به فقذفوه في البحر. ~~وقيل في سبب فتنة سليمان عليه الصلاة والسلام أن جرادة كانت أبر نسائه ~~عنده وكان يأتمنها على خاتمه، فقالت له يوما إن أخي بينه وبين فلان ~~خصومة فأحب أن تقضي له فقال نعم ولم يفعل فابتلي بقوله نعم وذكروا نحو ما ~~تقدم. وقيل إن سليمان لما افتتن سقط الخاتم من يده فأعاده في يده فسقط ~~وكان فيه ملكه فأيقن سليمان بالفتنة فأتاه آصف فقال: إنك مفتون بذلك ~~والخاتم لا يتماسك في يدك ففر إلى الله تعالى تائبا فإني أقوم مقامك ~~وأسير بسيرتك إلى أن يتوب الله عليك. ففر سليمان إلى الله تعالى تائبا ~~وأعطى آصف الخاتم فوضعه في يده فثبت في يده فأقام آصف في ملك سليمان ~~بسيرته أربعة عشر يوما إلى أن رد الله تعالى على سليمان ملكه وتاب عليه ~~فرجع إلى ملكه وجلس على سريره وأعاد الخاتم في يده فثبت فهو الجسد الذي ~~ألقي على كرسيه. وروي عن سعيد بن المسيب قال: احتجب سليمان عن الناس ~~ثلاثة أيام فأوحى الله تعالى إليه احتجبت عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر ~~في أمور عبادي فابتلاه الله تعالى وذكر نحو ما تقدم من حديث الخاتم وأخذ ~~الشيطان إياه، قال القاضي عياض وغيره من المحققين: لا يصح ما نقله ~~الأخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه وتصرفه في أمته بالجور ~~في حكمه وإن الشياطين لا يسلطون على مثله هذا وقد عصم الله تعالى ~~الأنبياء من مثل هذا، والذي ذهب إليه المحققون أن سبب فتنته ما أخرجاه في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " قال سليمان لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في ~~سبيل الله تعالى فقال له صاحبه قل إن شاء الله فلم يقل إن شاء الله، فطاف ~~عليهن جميعا فلم ms2728 تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل وايم الله الذي ~~نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعين " # وفي رواية لأطوفن بمائة امرأة فقال له الملك قل إن شاء الله فلم يقل ~~ونسي قال العلماء والشق هو الجسد الذي ألقي على كرسيه وهي عقوبته ومحنته ~~لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص وغلب عليه من التمني وقيل نسي أن ~~يستثني كما صح في الحديث لينفذ أمر الله ومراده فيه وقيل إن المراد ~~بالجسد الذي ألقي على كرسيه أنه ولد له ولد فاجتمعت الشياطين وقال بعضهم ~~لبعض إن عاش له ولد لم ننفك من البلاء فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخبله، ~~فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب فحمله فكان يربيه في السحاب خوفا من ~~الشياطين فبينما هو مشتغل في بعض مهماته إذا ألقى ذلك الولد ميتا على ~~كرسيه فعاتبه الله على خوفه من الشياطين ولم يتوكل عليه في ذلك، فتنبه ~~لخطئه فاستغفر ربه فذلك قوله عز وجل: { وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب ~~} أي رجع إلى ملكه بعد الأربعين يوما وقيل أناب إلى الاستغفار وهو قوله: ~~{ قال رب اغفر لي }. ### || [38.35] # { قال رب اغفر لي } أي سأل ربه المغفرة { وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من ~~بعدي } أي لا يكون لأحد من بعدي وقيل لا تسلبنيه في باقي عمري وتعطيه ~~غيري كما سلبته مني فيما مضى من عمري { إنك أنت الوهاب } فإن قلت قول ~~سليمان لا ينبغي لأحد من بعدي مشعر بالحسد والحرص على الدنيا. قلت لم يقل ~~ذلك حرصا على طلب الدنيا ولا نفاسة بها ولكن كان قصده في ذلك أن لا يسلط ~~عليه الشيطان مرة أخرى وهذا على قول من قال إن الشيطان استولى على ملكه. ~~وقيل سأل ذلك ليكون علما وآية لنبوته ومعجزة دالة على رسالته ودلالة على ~~قبول توبته حيث أجاب الله تعالى دعاءه ورد ملكه إليه وزاده فيه وقيل ~~كان سليمان ملكا ولكنه أحب أن يخص بخاصية كما خص داود بإلانة ms2729 الحديد ~~وعيسى بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فسأل شيئا يختص به كما روى ~~في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله ~~منه فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه ~~كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان: { رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من ~~بعدي } فرددته خاسئا " ### || [38.36-42] # قوله تعالى: { فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء } أي لينة ليست بعاصفة { ~~حيث أصاب } أي حيث أراد { والشياطين } أي وسخرنا له الشياطين { كل بناء } ~~أي يبنون له ما يشاء { وغواص } يعني يستخرجون له اللالىء من البحر وهو ~~أول من استخرج اللؤلؤ من البحر { وآخرين } أي وسخرنا له آخرين وهم مردة ~~الشياطين { مقرنين في الأصفاد } أي مشدودين في القيود سخروا له حتى قرنهم ~~في الأصفاد { هذا عطاؤنا } أي قلنا له هذا عطاؤنا { فامنن } أي أحسن إلى ~~من شئت { أو أمسك } أي عمن شئت { بغير حساب } أي لا حرج عليك فيما أعطيت ~~ولا فيما أمسكت قال الحسن: ما أنعم الله تعالى على أحد نعمة إلا عليه ~~تبعة إلا سليمان فإنه إن أعطى أجر وإن لم يعط لم تكن عليه تبعة وقيل هذا ~~في أمر الشياطين يعني هؤلاء الشياطين عطاؤنا فامنن على من شئت منهم فخل ~~عنه وأمسك أي احبس من شئت منهم في العمل وقيل في الوثاق لا تبعة عليك ~~فيما تتعاطاه { وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب } لما ذكر الله تعالى ما ~~أنعم به عليه في الدنيا أتبعه بما أنعم به عليه في الآخرة. قوله عز وجل: ~~{ واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب } أي بمشقة { ~~وعذاب } أي ضر وذلك في المال والجسد وقد تقدمت قصة أيوب { اركض } يعني ~~أنه لما انقضت مدة ابتلائه قيل له اركض أي اضرب { برجلك } يعني الأرض ~~ففعل فنبعت عين ماء عذب { هذا مغتسل بارد } أمره الله تعالى أن يغتسل ms2730 منه ~~ففعل فذهب كل داء كان بظاهره ثم مشى أربعين خطوة فركض برجله الأرض مرة ~~أخرى فنبعت عين ماء عذب أخرى فشرب منه فذهب كل داء كان في باطنه فذلك ~~قوله عز وجل: { وشراب }. ### || [38.43-52] # { ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا } أي إنما فعلنا ذلك معه على ~~سبيل التفضل والرحمة لا على اللزوم { وذكرى لأولي الألباب } يعني سلطنا ~~البلاء عليه فصبر، ثم أزلناه عنه وكشفنا ضره فشكر فهو موعظة لذوي العقول ~~والبصائر { وخذ بيدك ضغثا } أي ملء كفك من حشيش أو عيدان أو ريحان { ~~فاضرب به ولا تحنث } وكان قد حلف أن يضرب امرأته مائة سوط فشكر الله حسن ~~صبرها معه فأفتاه في ضربها وسهل له الأمر وأمره بأن يأخذ ضغثا يشتمل على ~~مائة عود صغار فيضربها به ضربة واحدة ففعل ولم يحنث في يمينه وهل ذلك ~~لأيوب خاصة أم لا؟ فيه قولان أحدهما أنه عام. وبه قال ابن عباس وعطاء بن ~~أبي رباح والثاني أنه خاص بأيوب. قاله مجاهد واختلف الفقهاء فيمن حلف أن ~~يضرب عبده مائة سوط فجمعها وضربه بها ضربة واحدة. فقال مالك والليث بن ~~سعيد وأحمد لا يبر. وقال أبو حنيفة والشافعي إذا ضربه ضربة واحدة فأصابه ~~كل سوط على حدة فقد بر واحتجوا بعموم هذه الآية { إنا وجدناه صابرا } أي ~~على البلاء الذي ابتليناه به { نعم العبد إنه أواب } قوله تعالى: { واذكر ~~عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب } أي اذكر صبرهم فإبراهيم ألقي في النار ~~فصبر وإسحاق أضجع للذبح في قول فصبر ويعقوب ابتلي بفقد ولده وذهاب بصره ~~فصبر: { أولي الأيدي } قال ابن عباس أولي القوة في طاعة الله تعالى: { ~~والأبصار } أي في المعرفة بالله تعالى، وقيل: المراد باليد أكثر الأعمال ~~وبالبصر أقوى الإدراكات فعبر بهما عن العمل باليد وعن الإدراك بالبصر ~~وللإنسان قوتان عالمية وعاملية وأشرف ما يصدر عن القوة العالمية معرفة ~~الله تعالى وأشرف ما يصدر عن القوة العاملية طاعته وعبادته فعبر عن هاتين ~~القوتين بالأيدي والأبصار { إنا أخلصناهم } أي اصطفيناهم وجعلناهم لنا ~~خالصين ms2731 { بخالصة ذكرى الدار } قيل معناه أخلصناهم بذكرى الآخرة فليس لهم ~~ذكرى غيرها، وقيل نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكراها وأخلصناهم بحب ~~الآخرة وذكراها وقيل كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله تعالى، وقيل ~~أخلصوا بخوف الآخرة وهو الخوف الدائم في القلب وقيل أخلصناهم بأفضل ما في ~~الآخرة { وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار } يعني من الذين اختارهم الله ~~تعالى واتخذهم صفوة وصفاهم من الأدناس والأكدار { واذكر إسماعيل واليسع ~~وذا الكفل } أي اذكرهم بفضلهم وصبرهم لتسلك طريقهم { وكل من الأخيار } ~~قوله عز وجل: { هذا ذكر } أي الذي يتلى عليكم ذكر وقيل شرف وقيل جميل ~~تذكرون به { وإن للمتقين لحسن مآب } أي حسن مرجع ومنقلب يرجعون وينقلبون ~~إليه في الآخرة ثم ذكر ذلك فقال تعالى: { جنات عدن مفتحة لهم الأبواب } ~~قيل تفتح أبوابها لهم بغير فتح لها بيد بل بالأمر يقال لها انفتحي انغلقي ~~{ متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب وعندهم قاصرات الطرف أتراب ~~} أي مستويات الأسنان والشباب والحسن بنات ثلاث وثلاثين سنة وقيل متآخيات ~~لا يتباغضن ولا يتغايرن ولا يتحاسدن. ### || [38.53-60] # { هذا ما توعدون ليوم الحساب } أي قيل للمؤمنين هذا ما توعدون، وقيل هذا ~~ما يوعد به المتقون { إن هذا لرزقنا ما له من نفاد } أي دائم ما له من ~~نفاد وانقطاع بل هو دائم كلما أخذ منه شيء عاد مثله في مكانه. قوله ~~تعالى: { هذا } أي الأمر الذي ذكرناه { وإن للطاغين } يعني الكافرين { ~~لشر مآب } يعني لشر مرجع يرجعون إليه ثم بينه فقال تعالى: { جهنم يصلونها ~~} أي يدخلونها { فبئس المهاد } أي الفراش { هذا فليذوقوه حميم وغساق } ~~معناه هذا حميم وهو الماء الحار وغساق. قال ابن عباس: هو الزمهرير يحرقهم ~~ببرده كما تحرقهم النار بحرها وقيل هو ما يسيل من القيح والصديد من جلود ~~أهل النار ولحومهم وفروج الزناة وقيل الغساق عين في جهنم وقيل هو البارد ~~المنتن والمعنى هذا حميم وغساق فليذوقوه { وآخر من شكله } أي مثل الحميم ~~والغساق { أزواج } أي أصناف أخر من العذاب { هذا فوج مقتحم معكم } قال ~~ابن ms2732 عباس هو أن القادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع قالت الخزنة ~~للقادة هذا فوج يعني جماعة الأتباع مقتحم معكم النار أي داخلوها كما ~~دخلتموها أنتم قيل إنهم يضربون بالمقامع حتى يقتحموها بأنفسهم خوفا من ~~تلك المقامع قالت القادة { لا مرحبا بهم } أي الأتباع { إنهم صالوا ~~النار } أي داخلوها كما صليناها نحن { قالوا } أي قال الأتباع للقادة { ~~بل أنتم لا مرحبا بكم } أي لا رحبت بكم الأرض والعرب تقول مرحبا وأهلا ~~وسهلا أي أتيت رحبا وسعة { أنتم قدمتموه لنا } يعني وتقول الأتباع ~~للقادة أنتم بدأتم بالكفر قبلنا وشرعتموه لنا وقيل معناه أنتم قدمتم لنا ~~هذا العذاب بدعائكم إيانا إلى الكفر { فبئس القرار } أي فبئس دار القرار ~~جهنم. ### || [38.61-67] # { قالوا } يعني الأتباع { ربنا من قدم لنا هذا } أي شرعه وسنه لنا { ~~فزده عذابا ضعفا في النار } أي ضعف عليه العذاب في النار. قال ابن عباس ~~حيات وأفاعي { وقالوا } يعني كفار قريش وصناديدهم وأشرافهم وهم في النار ~~{ ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم } أي في الدنيا { من الأشرار } يعنون ~~بذلك فقراء المؤمنين مثل عمار وخباب وصهيب وبلال وسليمان وإنما سموهم ~~أشرارا لأنهم كانوا على خلاف دينهم { أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم ~~الأبصار } يعني أن الكفار إذا دخلوا النار نظروا فلم يروا فيها الذين ~~كانوا يسخرون منهم فقالوا ما لنا لا نرى هؤلاء الذين اتخذناهم سخريا لم ~~يدخلوا معنا النار أم دخلوها فزاغت عنهم الأبصار أي أبصارنا فلم نرهم حين ~~دخلوا. وقيل معناه أم هم في النار ولكن احتجبوا عن أبصارنا وقيل معناه أم ~~كانوا خيرا منا ونحن لا نعلم فكانت أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا فلا ~~نعدهم شيئا { إن ذلك } أي الذي ذكر { لحق } ثم بين ذلك فقال تعالى: { ~~تخاصم أهل النار } أي في النار وإنما سماه تخاصما لأن قول القادة للأتباع ~~لأمر حبا بكم وقول الأتباع للقادة بل أنتم لا مرحبا بكم من باب الخصومة. ~~قوله عز وجل: { قل } أي يا محمد لمشركي مكة { إنما أنا منذر } أي مخوف ms2733 { ~~وما من إله إلا الله الواحد } يعني الذي لا شريك له في ملكه { القهار } ~~أي الغالب وفيه شعار بالترهيب والتخويف ثم أردفه بما يدل على الرجاء ~~والترغيب فقال تعالى: { رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار } ~~فكونه ربا يشعر بالتربية والإحسان والكرم والجود وكونه غفارا يشعر بأنه ~~يغفر الذنوب وإن عظمت ويرحم { قل هو نبأ عظيم } يعني القرآن قاله ابن ~~عباس وقيل يعني القيامة. ### || [38.68-75] # { أنتم عنه معرضون } أي لا تتفكرون فيه فتعلمون صدقي في نبوتي وأن ما ~~جئت به لم أعلمه إلا بوحي من الله تعالى: { ما كان لي من علم بالملأ ~~الأعلى } يعني الملائكة { إذ يختصمون } يعني في شأن آدم حين قال الله ~~تعالى: # إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء # [البقرة: 30]. فإن قلت كيف يجوز أن يقال إن الملائكة اختصموا بسبب قولهم # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء # [البقرة: 30] والمخاصمة مع الله تعالى لا تليق ولا تمكن. قلت لا شك أنه ~~جرى هناك سؤال وجواب وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة وهو علة لجواز المجاز ~~فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة { إن يوحى إلي } أي إنما علمت هذه ~~المخاصمة بوحي من الله تعالى إلي { إلا أنما أنا نذير مبين } يعني إلا ~~أنما أنا نبي أنذركم وأبين لكم ما تأتونه وتجتنبونه عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أتاني ربي في أحسن صورة قال أحسبه قال في المنام فقال يا محمد هل تدري ~~فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا قال فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ~~ثديي أو قال في نحري فعلمت ما في السموات وما في الأرض قال يا محمد هل ~~تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت نعم في الكفارات والكفارات المكث في ~~المساجد بعد الصلوات والمشي على الأقدام إلى الجمعات وإسباغ الوضوء على ~~المكاره ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه ~~وقال يا محمد إذا صليت ms2734 فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات ~~وحب المساكين وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون قال والدرجات ~~إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام " # وفي رواية # " فقلت لبيك وسعديك في المرتين " # وفيها # " فعلمت ما بين المشرق والمغرب " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. فصل: في الكلام على معنى هذا الحديث ~~وللعلماء في هذا الحديث وفي أمثاله من أحاديث الصفات مذهبان أحدهما وهو ~~مذهب السلف إمراره كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والإيمان به ~~من غير تأويل له والسكوت عنه وعن أمثاله مع الاعتقاد بأن الله تعالى ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير. المذهب الثاني: هو تأويل الحديث، وقيل ~~الكلام على معنى الحديث نتكلم على إسناده فنقول قال البيهقي: هذا حديث ~~مختلف في إسناده فرواه زهير بن محمد عن يزيد بن يزيد عن جابر عن خالد بن ~~الحلاج عن عبد الرحمن بن عائش عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ورواه جهضم بن عبد الله عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن عبد ~~الرحمن بن عائش الحضرمي عن مالك بن عامر عن معاذ بن جبل عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ورواه موسى بن خلف العمي عن يحيى عن زيد عن جده ممطور ~~وهو أبو سلام عن ابن السكسكي عن مالك بن يخامر وقيل فيه غير ذلك، ورواه ~~أبو أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس وقال فيه أحسبه قال في المنام، ورواه ~~قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن الحلاج عن ابن عباس قال البخاري عبد ~~الرحمن بن عائش الحضرمي له حديث واحد إلا أنهم يضطربون فيه وهو حديث ~~الرؤية. # قال البيهقي وقد روى من طرق كلها ضعاف وفي ثبوته نظر وأحسن طريق فيه ~~رواية جهضم بن عبد الله ثم رواية موسى بن خلف وفيهما ما يدل على أن ذلك ~~كان في المنام. فأما تأويله فإن الصورة هي التركيب والمصور هو المركب ولا ~~يجوز أن يكون الباري ms2735 تبارك وتعالى مصورا ولا أن يكون له صورة لأن الصور ~~مختلفة والهيئات متضادة ولا يجوز إضافة ذلك إليه سبحانه وتعالى فاستحال ~~أن يكون مصورا وهو الخالق الباري المصور فقوله أتاني ربي في أحسن صورة ~~يحتمل وجهين أحدهما وأنا في أحسن صورة كأنه زاده جمالا وكمالا وحسنا ~~عند رؤيته وفائدة ذلك تعريفه لنا أن الله تعالى زين خلقته وحسن صورته عند ~~رؤيته لربه وإنما التغيير وقع بعد لشدة الوحي وثقله. الوجه الثاني: أن ~~الصورة بمعنى الصفة ويرجع ذلك إلى الله تعالى والمعنى أنه رآه في أحسن ~~صفاته من الإنعام عليه والإقبال والاتصال إليه وأنه تلقاه بالإكرام ~~والإعظام والإجلال. وقد يقال في صفات الله تعالى إنه جميل ومعناه أنه ~~مجمل في أفعاله وذلك نوع من الإحسان والإكرام فذلك من حسن صفة الله تعالى ~~وقد يكون حسن الصورة أيضا يرجع إلى صفاته العلية من التناهي في العظمة ~~والكبرياء والعلو والعز والرفعة حتى لا منتهى ولا غاية وراءه، ويكون معنى ~~الحديث على هذا تعريفنا ما تزايد من معارفه صلى الله عليه وسلم عند رؤية ~~ربه عز وجل فأخبر عن عظمته وعزته وكبريائه وبهائه وبعده عن شبه الخلق ~~وتنزيهه عن صفات النقص وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وقوله صلى ~~الله عليه وسلم # " فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي " # فتأويله أن المراد باليد النعمة والمنة والرحمة وذلك شائع في لغة العرب ~~فيكون معناه على هذا الإخبار بإكرام الله تعالى إياه وإنعامه عليه بأن ~~شرح صدره ونور قلبه وعرفه ما لا يعرفه أحد حتى وجد برد النعمة والمعرفة ~~في قلبه وذلك لما نور قلبه وشرح صدره فعلم ما في السموات وما في الأرض ~~بإعلام الله تعالى إياه وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ~~إذ لا يجوز على الله تعالى ولا على صفات ذاته مماسة أو مباشرة أو نقص ~~وهذا هو أليق بتنزيهه وحمل الحديث عليه وإذا حملنا الحديث على المنام وأن ~~ذلك كان في المنام فقد زال الإشكال ms2736 وحصل الغرض ولا حاجة بنا إلى التأويل. # ورؤية البارئ عز وجل في المنام على الصفات الحسنة دليل على البشارة ~~والخير والرحمة للرائي وسبب اختصام الملأ الأعلى وهم الملائكة في ~~الكفارات وهي الخصال المذكورة في الحديث في أيها أفضل وسميت هذه الخصال ~~كفارات لأنها تكفر الذنوب عن فاعلها فهي من باب تسمية الشيء باسم لازمه، ~~وإنما سماه مخاصمة لأنه ورد مورد سؤال وجواب وذلك يشبه المخاصمة ~~والمناظرة فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة عليه والله تعالى أعظم. ~~قوله عز وجل: { إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين } أي آدم { ~~فإذا سويته } أي أتممت خلقه { ونفخت فيه من روحي } أضاف الروح إلى نفسه ~~إضافة ملك على سبيل التشريف كبيت الله وناقة الله ولأن الروح جوهر شريف ~~قدسي يسري في بدن الإنسان سريان الضوء في الفضاء وكسريان النار في الفحم ~~{ فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر } أي تعظم ~~{ وكان من الكافرين قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } أي ~~توليت خلقه { أستكبرت } أي تعظمت بنفسك عن السجود له { أم كنت من العالين ~~} أي من القوم الذين يتكبرون فتكبرت عن السجود لكونك منهم. ### || [38.76-88] # { قال أنا خير منه } يعني لو كنت مساويا له في الشرف لكان يقبح أن أسجد ~~له فكيف وأنا خير منه. ثم بين كونه خيرا منه فقال { خلقتني من نار ~~وخلقته من طين } والنار أشرف من الطين وأفضل منه وأخطأ إبليس في القياس ~~لأن مآل النار إلى الرماد الذي لا ينتفع به والطين أصل كل ما هو نام ثابت ~~كالإنسان والشجرة المثمرة ومعلوم أن الإنسان والشجرة المثمرة خير من ~~الرماد وأفضل. وقيل: هب أن النار خير من الطين بخاصية فالطين خير منها ~~وأفضل بخواص وذلك مثل رجل شريف نسيب لكنه عار عن كل فضيلة فإن نسبه يوجب ~~رجحانه بوجه واحد، ورجل ليس بنسيب ولكنه فاضل عالم فيكون أفضل من ذلك ~~النسيب بدرجات كثيرة { قال فاخرج منها } أي من الجنة وقيل من السماء. ms2737 ~~وقيل من الخلقة التي كان فيها وذلك لأن إبليس تجبر وافتخر بالخلقة فغير ~~الله تعالى خلقته فاسود وقبح بعد حسنه ونورانيته { فإنك رجيم } أي مطرود ~~{ وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين } فإن قلت إذا كان الرجم بمعنى الطرد ~~وكذلك اللعنة لزم التكرار فما الفرق. قلت الفرق أن يحمل الرجم على الطرد ~~من الجنة أو السماء وتحمل اللعنة على معنى الطرد من الرحمة فتكون أبلغ ~~وحصل الفرق وزال التكرار. فإن قلت كلمة إلى لانتهاء الغاية وقوله إلى يوم ~~الدين يقتضي انقطاع اللعنة عنه عند مجيء يوم الدين. قلت معناه أن اللعنة ~~باقية عليه في الدنيا فإذا كان يوم القيامة زيد له مع اللعنة من أنواع ~~العذاب ما ينسى بذلك اللعنة فكأنها انقطعت عنه { قال رب فأنظرني إلى يوم ~~يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } يعني النفخة الأولى ~~{ قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال فالحق والحق ~~أقول } أي أنا أقول الحق وقيل الأول قسم يعني فبالحق وهو الله تعالى أقسم ~~بنفسه { لأملأن جهنم منك } أي بنفسك وذريتك { وممن تبعك منهم أجمعين } ~~يعني من بني آدم { قل ما أسألكم عليه } أي على تبليغ الرسالة { من أجر } ~~أي جعل { وما أنا من المتكلفين } أي المتقولين القرآن من تلقاء نفسي وكل ~~من قال شيئا من تلقاء نفسه فقد تكلف له ق عن مسروق قال: دخلنا على ابن ~~مسعود فقال يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله ~~أعلم فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم قال الله تعالى لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم { قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين } ~~لفظ البخاري { إن هو } يعني القرآن { إلا ذكر } أي موعظة { للعالمين } أي ~~للخلق أجمعين { ولتعلمن } يعني أنتم يا أهل مكة { نبأه } أي خبر صدقه { ~~بعد حين } قال ابن عباس: بعد الموت، وقيل يوم القيامة وقيل من بقي علم ~~بذلك إذا ظهر أمره وعلا ومن مات علمه بعد الموت. ms2738 وقال الحسن بن آدم عند ~~الموت يأتيك الخبر اليقين والله تعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-4] # قوله عز وجل: { تنزيل الكتاب } أي هذا الكتاب وهو القرآن تنزيل { من ~~الله العزيز الحكيم } أي لا من غيره { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق } أي ~~لم ننزله باطلا لغير شيء { فاعبد الله مخلصا له الدين } أي الطاعة { ~~ألا لله الدين الخالص } أي شهادة أن لا إله إلا الله، وقيل لا يستحق ~~الدين الخالص إلا الله وقيل يعني الخالص من الشرك وما سوى الخالص ليس ~~بدين الله الذي أمر به لأن رأس العبادات الإخلاص في التوحيد واتباع ~~الأوامر واجتناب النواهي { والذين اتخذوا من دونه } أي من دون الله { ~~أولياء } يعني الأصنام { ما نعبدهم } أي قالوا ما نعبدهم { إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى } يعني قربة وذلك أنهم كانوا إذا قيل لهم من خلقكم وخلق ~~السموات والأرض ومن ربكم قالوا الله فقيل لهم فما معنى عبادتكم الأصنام ~~فقالوا ليقربونا إلى الله زلفى وتشفع لنا عنده { إن الله يحكم بينهم فيما ~~هم فيه يختلفون } أي من أمر الدين { إن الله لا يهدي } أي لا يرشد لدينه ~~{ من هو كاذب } أي من قال إن الآلهة تشفع له { كفار } أي باتخاذه الآلهة ~~دون الله تعالى { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى } أي لاختار { مما ~~يخلق ما يشاء } يعني الملائكة ثم نزه نفسه فقال تعالى: { سبحانه } أي ~~تنزيها له عن ذلك وعما لا يليق بطهارة قلبه { وهو الواحد } أي في ملكه ~~الذي لا شريك له ولا ولد { القهار } أي الغالب الكامل القدرة. ### || [39.5-7] # قوله تعالى: { خلق السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور ~~النهار على الليل } يعني يغشى هذا هذا، وقيل يدخل أحدهما على الآخر وقيل ~~ينقص من أحدهما ويزيد في الآخر فما نقص من الليل زاد في النهار وما نقص ~~من النهار زاد في الليل ومنتهى النقصان تسع ساعات ومنتهى الزيادة خمس ~~عشرة ساعة وقيل الليل والنهار عسكران عظيمان يكر أحدهما على الآخر وذلك ~~بقدرة ms2739 قادر عليهما قاهر لهما { وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى } ~~يعني إلى يوم القيامة { ألا هو العزيز الغفار } معناه أن خلق هذه الأشياء ~~العظيمة يدل على كونه سبحانه وتعالى عزيزا كامل القدرة مع أنه غفار عظيم ~~الرحمة والفضل والإحسان { خلقكم من نفس واحدة } يعني آدم { ثم جعل منها ~~زوجها } يعني حواء، ولما ذكر الله تعالى قدرته في خلق السموات والأرض ~~وتكوير الليل على النهار ثم أتبعه بذكر خلق الإنسان عقبه بذكر خلق ~~الحيوان فقال تعالى: { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } يعني الإبل ~~والبقر والغنم والمعز والمراد بالأزواج الذكر والأنثى من هذه الأصناف، ~~وفي تفسير الإنزال وجوه. قيل إنه هنا بمعنى الإحداث والإنشاء وقيل إن ~~الحيوان لا يعيش إلا بالنبات والنبات لا يقوم إلا بالماء وهو ينزل من ~~السماء فكان التقدير أنزل الماء الذي تعيش به الأنعام وقيل إن أصول هذه ~~الأصناف خلقت في الجنة ثم أنزلت إلى الأرض { يخلقكم في بطون أمهاتكم } ~~لما ذكر الله تعالى أصل خلق الإنسان ثم أتبعه بذكر الأنعام عقبه بذكر ~~حالة مشتركة بين الإنسان والحيوان وهي كونها مخلوقة في بطون الأمهات ~~وإنما قال في بطون أمهاتكم لتغليب من يعقل ولشرف الإنسان على سائر الخلق ~~{ خلقا من بعد خلق } يعني نطفة ثم علقة ثم مضغة { في ظلمات ثلاث } قال ~~ابن عباس ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة وقيل ظلمة الصلب وظلمة ~~الرحم وظلمة البطن { ذلكم الله ربكم } أي الذي خلق هذه الأشياء ربكم { له ~~الملك } أي لا لغيره { لا إله إلا هو } أي لا خالق لهذا الخلق ولا معبود ~~لهم إلا الله تعالى: { فأنى تصرفون } أي عن طريق الحق بعد هذا البيان. ~~قوله عز وجل: { إن تكفروا فإن الله غني عنكم } يعني أنه تعالى ما كلف ~~المكلفين ليجر إلى نفسه نفعا أو ليدفع عن نفسه ضررا وذلك لأنه تعالى ~~غني عن الخلق على الإطلاق فيمتنع في حقه جر المنفعة ودفع المضرة ولأنه لو ~~كان محتاجا لكان ذلك نقصانا والله تعالى منزه عن النقصان فثبت ms2740 بما ~~ذكرنا أنه غني عن جميع العالمين فلو كفروا وأصروا عليه فإن الله تعالى ~~غني عنهم ثم قال الله تعالى: { ولا يرضى لعباده الكفر } يعني أنه تعالى ~~وإن كان لا ينفعه إيمان ولا يضره كفر إلا أنه لا يرضى لعباده الكفر قال ~~ابن عباس لا يرضى لعباده المؤمنين بالكفر وهم الذين قال الله تعالى فيهم: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الحج: 42] فعلى هذا يكون عاما في اللفظ خاصا في المعنى بقوله # عينا يشرب بها عباد الله # [الإنسان: 6] يريد بعض عباد الله وأجراه قوم على العموم، وقال لا يرضى ~~لأحد من عباده الكفر ومعنى الآية لا يرضى لعباده أن يكفروا به وهو قول ~~السلف، قالوا: كفر الكافر غير مرضي لله تعالى وإن كان بإرادته لأن الرضا ~~عبارة عن مدح الشيء والثناء عليه بفعله والله تعالى لا يمدح الكفر ولا ~~يثني عليه ولا يكون في ملكه إلا ما أراد وقد لا يرضى به ولا يمدح عليه ~~وقد بان الفرق بين الإرادة والرضا { وإن تشكروا } أي تؤمنوا بربكم ~~وتطيعوه { يرضه لكم } فيثيبكم عليه { ولا تزر وازرة وزر أخرى } تقدم ~~بيانه { ثم إلى ربكم مرجعكم } أي في الآخرة { فينبئكم بما كنتم تعملون } ~~أي في الدنيا { إنه عليم بذات الصدور } يعني بما في القلوب. ### || [39.8-10] # { وإذا مس الإنسان ضر } أي بلاء وشدة { دعا ربه منيبا } أي راجعا { ~~إليه } مستغيثا به { ثم إذا خوله } أي أعطاه { نعمة منه نسي } أي ترك { ~~ما كان يدعو إليه من قبل } والمعنى نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه ~~{ وجعل لله أندادا } يعني الأصنام { ليضل عن سبيله } أي ليرد عن دين ~~الله تعالى { قل } أي لهذا الكافر { تمتع بكفرك قليلا } أي في الدنيا ~~إلى انقضاء أجلك { إنك من أصحاب النار } قيل نزلت في عتبة بن ربيعة وقيل ~~في أبي حذيفة المخزومي وقيل هو عام في كل كافر { أمن هو قانت } قيل فيه ~~حذف مجازه كمن هو غير قانت، وقيل مجازه الذي جعل لله أندادا أخير أم من ~~هو ms2741 قانت. وقيل معنى الآية تمتع بكفرك إنك من أصحاب النار ويا من هو قانت ~~أنت من أصحاب الجنة. قال ابن عباس: نزلت في أبي بكر وعمر. وعن ابن عمر: ~~أنها نزلت في عثمان. وقيل: إنها نزلت في ابن مسعود وعمار وسلمان وقيل: ~~الآية عامة في كل قانت وهو المقيم على الطاعة، وقال ابن عمر: القنوت ~~قراءة القرآن وطول القيام، وقيل: القانت القائم بما يجب عليه { آناء ~~الليل } أي ساعات الليل أوله ووسطه وآخره { ساجدا وقائما } أي في ~~الصلاة وفيه دليل على ترجيح قيام الليل على النهار وأنه أفضل منه وذلك ~~لأن الليل أستر فيكون أبعد عن الرياء ولأن ظلمة الليل تجمع الهم وتمنع ~~البصر عن النظر إلى الأشياء، وإذا صار القلب فارغا عن الاشتغال بالأحوال ~~الخارجية رجع إلى المطلوب الأصلي وهو الخشوع في الصلاة ومعرفة من يصلى ~~له، وقيل لأن الليل وقت النوم ومظنة الراحة فيكون قيامه أشق على النفس ~~فيكون الثواب فيه أكثر { يحذر } أي يخاف { الآخرة ويرجوا رحمة ربه } قيل ~~المغفرة وقيل الجنة وفيه فائدة وهي أنه قال في مقام الخوف يحذر الآخرة ~~فلم يضف الحذر إليه تعالى، وقال في مقام الرجاء ويرجو رحمة ربه وهذا يدل ~~على أن جانب الرجاء أكمل وأولى أن ينسب إلى الله تعالى ويعضد. هذا ما روي ~~عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقال له كيف ~~نجدك قال أرجو الله يا رسول الله وأخاف ذنوبي فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله تعالى ~~ما يرجو منه وآمنه مما يخاف " # أخرجه الترمذي { قل هل يستوي الذين يعلمون } أي ما عند الله من الثواب ~~والعقاب { والذين لا يعلمون } ذلك، وقيل: الذين يعلمون عمار وأصحابه. # والذين لا يعلمون أبو حذيفة المخزومي، وقيل افتتح الله الآية بالعمل ~~وختمها بالعلم لأن العمل من باب المجاهدات والعلم من باب المكاشفات وهو ~~النهاية فإذا ms2742 حصل للإنسان دل ذلك على كماله وفضله { إنما يتذكر أولوا ~~الألباب } قوله تعالى: { قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم } أي بطاعته ~~واجتناب معاصيه { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } يعني للذين آمنوا ~~وحسنوا العمل حسنة يعني الجنة وقيل الصحة والعافية في هذه الدنيا { وأرض ~~الله واسعة } قال ابن عباس يعني ارتحلوا من مكة وفيه حث على الهجرة من ~~البلد الذي يظهر فيه المعاصي وقيل من أمر بالمعاصي في بلد فليهرب منه ~~وقيل نزلت في مهاجري الحبشة وقيل نزلت في جعفر بن أبي طالب: وأصحابه حيث ~~لم يتركوا دينهم لما نزل بهم البلاء وصبروا وهاجروا { إنما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب } قال علي بن أبي طالب كل مطيع يكال له كيلا ويوزن له ~~وزنا إلا الصابرين فإنه يحثي لهم حثيا. وروي أنه يؤتى بأهل البلاء فلا ~~ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصب عليهم الأجر صبا بغير حساب حتى ~~يتمنى أهل العافية في الدنيا لو أن أجسادهم تقرض بالمقاريض لما يذهب به ~~أهل البلاء من الفضل. ### || [39.11-16] # قوله عز وجل: { قل } يا محمد { إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } ~~أي مخلصا له التوحيد أي لا أشرك به شيئا { وأمرت لأن أكون أول المسلمين ~~} أي من هذه الأمة قيل أمره أولا بالإخلاص وهو من عمل القلب ثم أمره ~~ثانيا بعمل الجوارح لأن شرائع الله تعالى لا تستفاد إلا من الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وهو المبلغ فكان هو أول الناس شروعا فيها فخص الله ~~سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر لينبه على أن غيره ~~أحق بذلك فهو كالترغيب لغيره { قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } ~~وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما حملك على هذا الذي ~~أتيتنا به ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وقومك فتأخذ بها فأنزل الله تعالى ~~هذه الآيات ومعنى الآية زجر الغير عن المعاصي لأنه مع جلالة قدره وشرف ~~طهارته ونزاهته ومنصب نبوته إذا ms2743 كان خائفا حذرا من المعاصي فغيره أولى ~~بذلك { قل الله أعبد مخلصا له ديني } فإن قلت ما معنى التكرار في قوله { ~~قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } وفي قوله { قل الله أعبد ~~مخلصا له ديني }. قلت هذا ليس بتكرار لأن الأول الإخبار بأنه مأمور من ~~جهة الله تعالى بالإتيان بالعبادة والإخلاص، والثاني أنه إخبار بأنه أمر ~~أن يخص الله تعالى وحده بالعبادة ولا يعبد أحدا غيره مخلصا له دينه، ~~لأن قوله { أمرت أن أعبد الله } لا يفيد الحصر وقوله: { الله أعبد } يفيد ~~الحضر والمعنى الله أعبد ولا أعبد أحدا غيره ثم أتبعه بقوله { فاعبدوا ~~ما شئتم من دونه } ليس أمرا بل المراد منه الزجر والتهديد والتوبيخ ثم ~~بين كمال الزجر بقوله { قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم } ~~يعني أزواجهم وخدمهم { يوم القيامة } قال ابن عباس: وذلك أن الله تعالى ~~جعل لكل إنسان منزلا وأهلا في الجنة فمن عمل بطاعة الله تعالى كان ذلك ~~المنزل والأهل ومن عمل بمعصية الله تعالى دخل النار وكان ذلك المنزل ~~والأهل لغيره ممن عمل بطاعة الله تعالى فخسر نفسه وأهله ومنزله وقيل ~~خسران النفس بدخول النار وخسران الأهل بأن يفرق بينه وبين أهله { ألا ذلك ~~هو الخسران المبين لهم من فوقهم ظلل من النار } أي أطباق وسرادقات { ومن ~~تحتهم ظلل } أي فراش ومهاد وقيل أحاطت النار بهم من جميع الجهات ~~والجوانب. فإن قلت الظلة ما فوق الإنسان فكيف سمي ما تحته بالظلة، قلت ~~فيه وجوه الأول أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر. الثاني أن ~~الذي تحته من النار يكون ظلة لآخر تحته في النار لأنها دركات. الثالث أن ~~الظلة التحتانية لما كانت مشابهة للظلة الفوقانية في الإيذاء والحرارة ~~سميت باسمها لأجل المماثلة والمشابهة { ذلك يخوف الله به عباده } أي ~~المؤمنين لأنهم إذا سمعوا حال الكفار في الآخرة خافوا فأخلصوا التوحيد ~~والطاعة لله عز وجل وهو قوله تعالى: { يا عباد فاتقون } أي فخافون. ### || [39.17-21] # { والذين اجتنبوا الطاغوت } يعني الأوثان ms2744 { أن يعبدوها وأنابوا إلى الله ~~} أي رجعوا إلى عبادة الله تعالى بالكلية وتركوا ما كانوا عليه من عبادة ~~غيره { لهم البشرى } أي في الدنيا وفي الآخرة أما في الدنيا فالثناء ~~عليهم بصالح أعمالهم وعند نزول الموت وعند الوضع في القبر، وأما في ~~الآخرة فعند الخروج من القبر وعند الوقوف للحساب وعند جواز الصراط وعند ~~دخول الجنة وفي الجنة ففي كل موقف من هذه المواقف تحصل لهم البشارة بنوع ~~من الخير والراحة والروح والريحان { فبشر عبادي الذين يستمعون القول } ~~يعني القرآن { فيتبعون أحسنه } أي أحسن ما يؤمرون به فيعملون به وهو أن ~~الله تعالى ذكر في القرآن الانتصار من الظالم وذكر العفو عنه والعفو أحسن ~~الأمرين وقيل ذكر العزائم والرخص فيتبعون الأحسن وهو العزائم وقيل ~~يستمعون القرآن وغيره من الكلام فيتبعون القرآن لأنه كله حسن وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما لما أسلم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه جاءه ~~عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ~~فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فنزلت فيهم { فبشر عبادي الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه } وقيل نزلت هذه الآية في ثلاثة نفر كانوا في ~~الجاهلية يقولون لا إله إلا الله وهم زيد بن عمرو وأبو ذر وسلمان الفارسي ~~{ أولئك الذين هداهم الله } أي إلى عبادته وتوحيده { وأولئك هم أولوا ~~الألباب أفمن حق عليه كلمة العذاب } قال ابن عباس: سبق في علم الله تعالى ~~أنه في النار وقيل كلمة العذاب قوله { لأملأن جهنم } وقيل قوله هؤلاء في ~~النار ولا أبالي { أفأنت تنقذ من في النار } أي لا تقدر عليه، قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: يريد أبا لهب وولده { لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف ~~من فوقها غرف مبنية } أي منازل في الجنة رفيعة وفوقها منازل هي أرفع منها ~~{ تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد } أي وعدهم الله ~~تلك الغرف والمنازل وعدا لا يخلفه ق عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى ~~عنه عن النبي ms2745 صلى الله عليه وسلم قال # " إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري ~~الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم فقالوا يا رسول ~~الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال بلى والذي نفسي بيده رجال ~~آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " # قوله الغابر أي الباقي في الأفق أي في ناحية المشرق أو المغرب. قوله ~~تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه } أي أدخل ذلك الماء { ~~ينابيع في الأرض } أي عيونا وركايا ومسالك ومجاري في الأرض كالعروق في ~~الجسد قال الشعبي كل ماء في الأرض فمن السماء نزل { ثم يخرج به } أي ~~بالماء { زرعا مختلفا ألوانه } أي مثل أصفر وأخضر وأحمر وأبيض وقيل ~~أصنافه مثل البر والشعير وسائر أنواع الحبوب { ثم يهيج } أي ييبس { فتراه ~~} أي بعد خضرته ونضرته { مصفرا ثم يجعله حطاما } أي فتاتا متكسرا { ~~إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب }. ### || [39.22-23] # قوله عز وجل: { أفمن شرح الله صدره } أي وسعه { للإسلام } وقبول الحق ~~كمن طبع الله تعالى على قلبه فلم يهتد { فهو على نور من ربه } أي على ~~يقين وبيان وهداية. روى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن مسعود قال # " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على ~~نور من ربه قلنا يا رسول الله كيف انشراح صدره قال إذا دخل النور القلب ~~انشرح وانفسح قلنا يا رسول الله فما علامات ذلك قال الإنابة إلى دار ~~الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت " # { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله } القسوة جمودة وصلابة تحصل في ~~القلب. فإن قلت كيف يقسو القلب عن ذكر الله وهو سبب لحصول النور ~~والهداية؟ قلت إنهم كلما تلي ذكر الله على الذين يكذبون به قست قلوبهم ~~عن الإيمان به وقيل إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العنصر بعيدة عن ~~قبول الحق فإن سماعها لذكر الله لا يزيدها إلا قسوة، وكدورة كحر الشمس ~~يلين الشمع ويعقد الملح فكذلك ms2746 القرآن يلين قلوب المؤمنين عن سماعه ولا ~~يزيد الكافرين إلا قسوة قال مالك بن ديار ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة ~~القلب، وما غضب الله تعالى على قوم إلا نزع منهم الرحمة { أولئك في ضلال ~~مبين } قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وفي ~~أبي بن خلف، وقيل: في علي وحمزة وفي أبي لهب وولده وقيل في رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وفي أبي جهل. قوله عز وجل: { الله نزل أحسن الحديث } يعني ~~القرآن وكونه أحسن الحديث لوجهين أحدهما من جهة اللفظ والآخر من جهة ~~المعنى، أما الأول فلأن القرآن من أفصح الكلام وأجزله وأبلغه وليس هو من ~~جنس الشعر ولا من جنس الخطب والرسائل بل هو نوع يخالف الكل في أسلوبه، ~~وأما الوجه الثاني وهو كون القرآن من أحسن الحديث لأجل المعنى فلأنه كتاب ~~منزه عن التناقض والاختلاف مشتمل على أخبار الماضين وقصص الأولين وعلى ~~أخبار الغيوب الكثيرة وعلى الوعد والوعيد والجنة والنار { كتابا ~~متشابها } أي يشبه بعضه بعضا في الحسن ويصدق بعضه بعضا { مثاني } أي ~~يثني فيه ذكر الوعد والوعيد والأمر والنهي والأخبار والأحكام { تقشعر } ~~أي تضطرب وتشمئز { منه جلود الذين يخشون ربهم } والمعنى تأخذهم قشعريرة ~~وهي تغيير يحدث في جلد الإنسان عند ذكر الوعيد والوجل والخوف. وقيل ~~المراد من الجلود القلوب أي قلوب الذين يخشون ربهم { ثم تلين جلودهم ~~وقلوبهم إلى ذكر الله } أي لذكر الله تعالى قيل إذا ذكرت آيات الوعيد ~~والعذاب اقشعرت جلود الخائفين لله وإذا ذكرت آيات الرعد والرحمة لانت ~~جلودهم وسكنت قلوبهم وقيل حقيقة المعنى أن جلودهم تقشعر عند الخوف وتلين ~~عند الرجاء. # روي عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تعالى تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن ~~الشجرة اليابسة ورقها " # وفي رواية # " حرمه الله تعالى على النار " # قال بعض العارفين: السيارون في بيداء جلال الله إذا نظروا إلى عالم ~~الجلال طاشوا وإذا ms2747 لاح لهم جمال من عالم الجمال عاشوا. وقال قتادة: هذا ~~نعت أولياء الله الذي نعتهم الله به بأن تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر ~~الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما ذلك في أهل البدع وهو ~~من الشيطان، وروي عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال " قلت لجدتي أسماء ~~بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما كيف كان أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يفعلون إذا قرىء عليهم القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم ~~الله عز وجل تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم، قال عبد الله: فقلت لها إن ناسا ~~اليوم إذا قرىء عليهم القرآن خر أحدهم مغشيا عليه، قالت: أعوذ بالله ~~من الشيطان الرجيم " وروي أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مر برجل من ~~أهل العراق ساقط فقال ما بال هذا قالوا إنه إذا قرىء عليه القرآن أو سمع ~~ذكر الله سقط فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله وما نسقط وقال ابن عمر: إن ~~الشيطان يدخل في جوف أحدهم ما كان هذا صنيع أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وذكر عن ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرىء عليهم القرآن فقال بيننا ~~وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطا رجليه ثم يقرأ عليه القرآن من ~~أوله إلى آخره فإن رمى بنفسه فهو صادق: فإن قلت لما ذكرت الجلود وحدها ~~أولا في جانب الخوف ثم قرنت معها القلوب ثانيا في الرجاء قلت إذا ذكرت ~~الخشية التي محلها القلوب اقشعرت الجلود من ذكر آيات الوعيد في أول وهلة ~~وإذا ذكر الله ومبني أمره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في ~~قلوبهم وبالقشعريرة لينا في جلودهم وقيل إن المكاشفة في مقام الرجاء ~~أكمل منها في مقام الخوف لأن الخير مطلوب بالذات والخوف ليس بمطلوب وإذا ~~حصل الخوف اقشعر منه الجلد وإذا حصل الرجاء اطمأن إليه القلب ولان الجلد ~~{ ذلك } أي القرآن الذي هو أحسن الحديث { هدى الله يهدي به من يشاء } أي ~~هو الذي يشرح الله به صدره لقبول الهداية { ومن ms2748 يضلل الله } أي يجعل قلبه ~~قاسيا منافيا لقبول الهداية { فما له من هاد } أي يهديه. ### || [39.24-26] # قوله عز وجل: { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب } أي شدته { يوم القيامة } ~~قيل يجر على وجه في النار وقيل يرمى به في النار منكوسا فأول شيء تمسه ~~النار وجهه، وقيل هو الكافر يرمى به منكوسا في النار مغلولة يداه إلى ~~عنقه وفي عنقه صخرة من كبريت مثل الجبل العظيم فتشعل النار في تلك الصخرة ~~وهي في عنقه فحرها ووهجها على وجهه لا يطيق دفعها عنه للأغلال التي في ~~يديه وعنقه ومعنى الآية أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن هو آمن العذاب { ~~وقيل للظالمين } أي تقول لهم الخزنة { ذوقوا ما } أي وبال ما { كنتم ~~تكسبون } أي في الدنيا من المعاصي { كذب الذين من قبلهم } أي من قبل كفار ~~مكة كذبوا الرسل { فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } يعني وهم غافلون ~~آمنون من العذاب { فأذاقهم الله الخزي } أي العذاب والهوان { في الحياة ~~الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون }. ### || [39.27-31] # قوله عز وجل: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم ~~يتذكرون } أي يتعظون { قرآنا عربيا } أي فصيحا أعجز الفصحاء والبلغاء ~~عن معارضته { غير ذي عوج } أي منزها عن التناقض، وقال ابن عباس: غير ~~مختلف. وقيل: غير ذي لبس وقيل: غير مخلوق ويروى ذلك عن مالك بن أنس وحكي ~~عن سفيان بن عيينة عن سبعين من التابعين إن القرآن ليس بخالق ولا مخلوق { ~~لعلهم يتقون } أي الكفر والتكذيب. فإن قلت ما الحكمة في تقديم التذكر في ~~الآية الأولى على التقوى في هذه الآية. قلت سبب تقديم التذكر أن الإنسان ~~إذا تذكر وعرف ووقف على فحوى الشيء واختلط بمعناه واتقاه واحترز منه. ~~قوله تعالى: { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون } أي متنازعون ~~مختلفون سيئة أخلاقهم والشكس السيء الخلق المخالف للناس لا يرضى بالإنصاف ~~{ ورجلا سلما لرجل } أي خالصا له فيه ولا منازع والمعنى واضرب يا محمد ~~لقومك مثلا وقل لهم ما تقولون في رجل ms2749 مملوك قد اشترك فيه شركاء بينهم ~~اختلاف وتنازع كل واحد يدعي أنه عبده وهم يتجاذبونه في مهن شتى فإذا عنت ~~لهم حاجة يتدافعونه فهو متحير في أمره لا يدري أيهم يرضي بخدمته وعلى ~~أيهم يعتمد في حاجاته وفي رجل آخر مملوك قد سلم لمالك واحد يخدمه على ~~سبيل الإخلاص وذلك السيد يعين خادمه في حاجاته فأي هذين العبدين أحسن ~~حالا وأحمد شأنا، وهذا مثل ضربه الله تعالى للكافر الذي يعبد آلهة شتى ~~والمؤمن الذي يعبد الله وحده فكان حال المؤمن الذي يعبد إلها واحدا ~~أحسن وأصلح من حال الكافر الذي يعبد آلهة شتى وهو قوله تعالى: { هل ~~يستويان مثلا } وهذا استفهام إنكار أي لا يستويان في الحال والصفة قال ~~تعالى: { الحمد لله } أي لله الحمد كله وحده دون غيره من المعبودين، وقيل ~~لما ثبت أن لا إله إلا الله الواحد الأحد الحق بالدلائل الظاهرة والأمثال ~~الباهرة قال: الحمد لله على حصول هذه البينات وظهور هذه الدلالات { بل ~~أكثرهم لا يعلمون } أي المستحق للعبادة هو الله تعالى وحده لا شريك له. ~~قوله تعالى: { إنك ميت } أي ستموت { وإنهم ميتون } أي سيموتون وذلك أنهم ~~كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته فأخبر الله تعالى أن ~~الموت يعمهم جميعا فلا معنى للتربص وشماتة الفاني بالفاني وقيل نعى إلى ~~نبيه نفسه وإليكم أنفسكم والمعنى أنك ميت وإنهم ميتون وإن كنتم أحياء ~~فإنكم في عداد الموتى { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } قال ابن ~~عباس يعني المحق والمبطل والظالم والمظلوم عن عبد الله بن الزبير قال: # " لما نزلت { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } ، قال الزبير: يا ~~رسول الله أتكون علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا قال: نعم، ~~فقال: إن الأمر إذا لشديد " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وقال ابن عمر رضي الله عنهما: عشنا ~~برهة من الدهر وكنا نرى أن هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين { ثم ~~إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } قلنا كيف نختصم ms2750 وديننا واحد وكتابنا ~~واحد حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف فعرفت أنها فينا نزلت وعن أبي ~~سعيد الخدري في هذه الآية قال كنا نقول ربنا واحد وديننا واحد ونبينا ~~واحد فما هذه الخصومة فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيف قلنا ~~نعم هو هذا وعن إبراهيم قال: لما نزلت هذه الآية ثم إنكم يوم القيامة عند ~~ربكم تختصمون قالوا كيف نختصم ونحن إخوان فلما قتل عثمان قالوا هذه ~~خصومتنا خ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " من كان عنده مظلمة لأخيه من عرض أو مال فليتحلله اليوم من قبل أن لا ~~يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن ~~له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحملت عليه " # م عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال إن ~~المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا ~~وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من ~~حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذت من خطاياهم فطرحت عليه ~~ثم طرح في النار ". ### || [39.32-36] # { فمن أظلم ممن كذب على الله } فزعم أن له ولدا أو شريكا { وكذب ~~بالصدق إذ جاءه } أي بالقرآن وقيل بالرسالة إليه { أليس في جهنم مثوى } ~~أي منزلة ومقام { للكافرين }. قوله تعالى: { والذي جاء بالصدق وصدق به } ~~أي والذي صدق به، قال ابن عباس: الذي جاء بالصدق هو رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جاء بلا إله إلا الله وصدق به هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أيضا بلغه إلى الخلق، وقيل: الذي جاء بالصدق هو جبريل عليه الصلاة ~~والسلام جاء بالقرآن وصدق به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: ~~الذي جاء بالصدق رسول الله ms2751 صلى الله عليه وسلم وصدق به أبو بكر رضي الله ~~تعالى عنه وقيل وصدق به المؤمنون وقيل الذي جاء بالصدق الأنبياء وصدق به ~~الأتباع. وقيل: الذي جاء بالصدق أهل القرآن وهو الصدق يجيئون به يوم ~~القيامة وقد أدوا حقه فهم الذين صدقوا به { أولئك هم المتقون } أي الذين ~~اتقوا الشرك { لهم ما يشاؤون عند ربهم } أي من الجزاء والكرامة { ذلك ~~جزاء المحسنين } أي في أقوالهم وأفعالهم { ليكفر الله عنهم أسوأ الذي ~~عملوا } أي يستره عليهم بالمغفرة { ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا ~~يعملون } أي يجزيهم بمحاسن أفعالهم ولا يجزيهم بمساويها. قوله عز وجل: { ~~أليس لله بكاف عبده } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وقرىء عباده يعني ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قصدهم قومهم بالسوء فكفاهم الله تعالى شر ~~من عاداهم { ويخوفونك بالذين من دونه } وذلك أنهم خوفوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم مضرة الأوثان وقالوا لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل ~~أو جنون { ومن يضلل الله فما له من هاد }. ### || [39.37-42] # { ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز } أي منيع في ملكه { ذي ~~انتقام } أي منتقم من أعدائه { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن ~~الله } يعني أن هؤلاء المشركين مقرون بوجود الإله القادر العالم الحكيم، ~~وذلك متفق عليه عند جمهور الخلائق فإن فطرة الخلق شاهدة بصحة هذا العلم ~~فإن من تأمل عجائب السموات والأرض وما فيها من أنواع الموجودات علم بذلك ~~أنها من ابتداع قادر حكيم ثم أمره الله تعالى أن يحتج عليهم بأن ما ~~يعبدون من دون الله لا قدرة لها على جلب خير أو دفع ضر وهو قوله تعالى: { ~~قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله } يعني الأصنام { إن أرادني الله بضر } ~~أي بشدة وبلاء { هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة } أي بنعمة وخير وبركة ~~{ هل هن ممسكات رحمته } فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسكتوا ~~فقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم { قل حسبي الله } أي هو ثقتي ~~وعليه ms2752 اعتمادي { عليه يتوكل المتوكلون } أي عليه يثق الواثقون { قل يا ~~قوم اعملوا على مكانتكم } أي اجتهدوا في أنواع مكركم وكيدكم وهو أمر ~~تهديد وتقريع { إني عامل } أي بما أمرت به من إقامة الدين { فسوف تعلمون ~~من يأتيه عذاب يخزيه } أي أنا وأنتم { ويحل عليه عذاب مقيم } أي دائم وهو ~~تهديد وتخويف { إنا أنزلنا عليك الكتاب } يعني القرآن { للناس بالحق } أي ~~ليهتدي به كافة الخلق { فمن اهتدى فلنفسه } أي ترجع فائدة هدايته إليه { ~~ومن ضل فإنما يضل عليها } أي يرجع وبال ضلالته عليه { وما أنت عليهم ~~بوكيل } أي لم توكل بهم ولا تؤاخذ عنهم قيل هذا منسوخ بآية القتال. قوله ~~تعالى: { الله يتوفى الأنفس } أي الأرواح { حين موتها } أي فيقبضها عند ~~فناء أكلها وانقضاء أجلها وهو موت الأجساد { والتي لم تمت في منامها } ~~والنفس التي يتوفاها عند النوم وهي التي يكون بها العقل والتمييز، ولكل ~~إنسان نفسان نفس هي التي تكون بها الحياة وتفارقه عند الموت وتزول ~~بزوالها الحياة والنفس الأخرى هي التي يكون بها التمييز وهي التي تفارقه ~~عند النوم ولا يزول بزوالها التنفس { فيمسك التي قضى عليها الموت } أي ~~فلا يردها إلى جسدها { ويرسل الأخرى } أي يرد النفس التي لم يقض عليها ~~الموت إلى جسدها { إلى أجل مسمى } أي إلى أن يأتي وقت موتها، وقيل إن ~~للإنسان نفسا وروحا فعند النوم تخرج النفس وتبقى الروح وقال علي بن أبي ~~طالب: تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعها في الجسد فبذلك يرى الرؤيا فإذا ~~انتبه من النوم عادت الروح إلى الجسد بأسرع من لحظة. وقيل: إن أرواح ~~الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله تعالى فإذا أرادت ~~الرجوع إلى أجسادها أمسك الله تعالى أرواح الأموات عنده وأرسل أرواح ~~الأحياء إلى أجسادها إلى حين انقضاء مدة آجالها ق. # عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا آوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما ~~خلفه عليه ثم يقول ms2753 باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها ~~وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ". # فإن قلت: كيف الجمع بين قوله تعالى { الله يتوفى الأنفس حين موتها } ~~وبين قوله # قل يتوفاكم ملك الموت # [السجدة: 11] وبين قوله تعالى # حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا # [الأنعام: 61]. قلت: المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى وملك الموت هو ~~القابض للروح بإذن الله تعالى ولملك الموت أعوان وجنود من الملائكة ~~ينتزعون الروح من سائر البدن فإذا بلغت الحلقوم قبضها ملك الموت { إن في ~~ذلك لآيات لقوم يتفكرون } أي في البعث وذلك أن توفي نفس النائم وإرسالها ~~بعد التوفي دليل على البعث وقيل إن في ذلك دليلا على قدرتنا حيث لم نغلط ~~في إمساك ما نمسك من الأرواح وإرسال ما نرسل منها. ### || [39.43-45] # قوله تعالى: { أم اتخذوا من دون الله شفعاء } يعني الأصنام { قل } يا ~~محمد { أولو كانوا } يعني الآلهة { لا يملكون شيئا } أي من الشفاعة { ~~ولا يعقلون } أي إنكم تعبدونهم وإن كانوا بهذه الصفة { قل لله الشفاعة ~~جميعا } أي لا يشفع أحد إلا بإذنه فكان الاشتغال بعبادته أولى لأنه هو ~~الشفيع في الحقيقة وهو يأذن في الشفاعة لمن يشاء من عباده { له ملك ~~السموات والأرض } أي لا ملك لأحد فيهما سواه { ثم إليه ترجعون } أي في ~~الآخرة. قوله تعالى: { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت } أي نفرت وقال ابن ~~عباس انقبضت عن التوحيد وقيل استكبرت { قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة } ~~قيل إذا اشمأز القلب من عظم غمه وغيظه انقبض الروح إلى داخله فيظهر على ~~الوجه أثر ذلك مثل الغبرة والظلمة { وإذا ذكر الذين من دونه } يعني ~~الأصنام { إذا هم يستبشرون } أي يفرحون والاستبشار أن يمتلئ القلب سرورا ~~حتى يظهر على الوجه فيتهلل. ### || [39.46-50] # { قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة } وصف نفسه بكمال ~~القدرة وكمال العلم { أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون } أي من ~~أمر الدنيا م # " عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال " سألت عائشة رضي الله تعالى ms2754 عنها بأي ~~شيء كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت ~~كان إذا قام من الليل افتتح صلاته قال اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ~~فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا ~~فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى ~~صراط مستقيم ". # قوله عز وجل: { ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون } يعني ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا أنه نازل بهم في الآخرة، ~~وقيل ظنوا أن لهم حسنات فبدت لهم سيئات والمعنى أنهم كانوا يتقربون إلى ~~الله تعالى بعبادة الأصنام فلما عوقبوا عليها بدا لهم من الله ما لم ~~يحتسبوا، وروي أن محمد بن المنكدر جزع عند الموت فقيل له في ذلك فقال ~~أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب { وبدا لهم سيئات ما كسبوا } يعني مساوي ~~أعمالهم من الشرك والظلم أولياء الله تعالى: { وحاق } يعني نزل { بهم ما ~~كانوا به يستهزئون فإذا مس الإنسان ضر } يعني شدة { دعانا ثم إذا خولناه ~~} يعني أعطيناه { نعمة منا قال إنما أوتيته على علم } يعني من الله تعالى ~~علم أني له أهل وقيل على خير علمه الله عنده { بل هي فتنة } يعني تلك ~~النعمة استدراج من الله تعالى وامتحان وبلية { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ~~يعني أنها استدراج من الله تعالى: { قد قالها الذين من قبلهم } يعني ~~قارون فإنه قال إنما أوتيته على علم عندي { فما أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون } يعني فما أغنى الكفر من العذاب شيئا. ### || [39.51-53] # { فأصابهم سيئات ما كسبوا } أي جزاؤها وهو العذاب ثم أوعد كفار مكة فقال ~~تعالى { والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين } ~~أي بفائتين لأن مرجعهم إلى الله تعالى: { أو لم يعلموا أن الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء } أي يوسع الرزق لمن يشاء { ويقدر } أي ms2755 يقتر ويقبض على من ~~يشاء { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } أي يصدقون. قوله تعالى: { قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } روي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما في سبب نزول هذه الآية # " أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا وانتهكوا الحرمات ~~فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد إن الذي تقول وتدعو ~~إليه لحسن لو تخبرنا بأن لما عملنا كفارة فنزلت والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر إلى قوله فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات قال يبدل شركهم ~~إيمانا وزناهم إحصانا ونزلت { قل يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله } " # أخرجه النسائي. وعن ابن عباس أيضا قال " بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى وحشي يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى دينك وأنت ~~تزعم أن من قتل أو أشرك أو زنى يلق أثاما يضاعف له العذاب وأنا قد فعلت ~~ذلك كله فأنزل الله تعالى # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا # [الفرقان: 70] فقال: وحشي هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل غير ذلك ~~فأنزل الله تعالى # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء # [النساء: 48] فقال وحشي أراني بعد في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا ~~فأنزل الله تعالى { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله } فقال وحشي نعم هذا فجاء فأسلم " وعن ابن عمر رضي الله عنهما ~~قال نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من ~~المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا فكنا نقول لا يقبل ~~الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا قوم أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب ~~عذبوا به فأنزل الله تعالى هذه الآية فكتبها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~بيده ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك ~~النفر فأسلموا جميعا وهاجروا. ms2756 وعن ابن عمر أيضا قال كنا معشر أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أو نقول ليس شيء من حسناتنا إلا وهي ~~مقبولة حتى نزلت # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم # [محمد: 33]، فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا فقلنا ~~الكبائر والفواحش قال فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا هلك فنزلت ~~هذه الآية فكففنا عن القول في ذلك وكنا إذا رأينا من أصحابنا من أصاب ~~شيئا من ذلك خفنا عليه وإن لم يصب منها شيئا رجونا له وقوله { أسرفوا ~~على أنفسهم } أي تجاوزوا الحد في كل فعل مذموم قيل هو ارتكاب الكبائر ~~وغيرها من الفواحش { لا تقنطوا من رحمة الله } أي لا تيأسوا من رحمة الله ~~والقنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله من الكبائر { إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } فإن قلت حمل هذه الآية على ظاهرها ~~يكون إغراء بالمعاصي وإطلاقا في الإقدام عليها وذلك لا يمكن. # قلت المراد منها التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنه لا مخلص له ~~من العذاب، فإن اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله إذ لا أحد من العصاة إلا ~~ومتى تاب زال عقابه وصار من أهل المغفرة والرحمة فمعنى قوله { إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا } أي إذا تاب وصحت التوبة غفرت ذنوبه ومن مات قبل أن ~~يتوب فهو موكول إلى مشيئة الله تعالى فإن شاء غفر له وعفا عنه وإن شاء ~~عذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة بفضله ورحمته فالتوبة واجبة على كل أحد ~~وخوف العقاب مطلوب فلعل الله تعالى يغفر مطلقا ولعله يعذب ثم يعفو بعد ~~ذلك والله أعلم. فصل في ذكر أحاديث تتعلق بالآية روى ابن مسعود رضي الله ~~عنه أنه دخل المسجد فإذا قاص يقص وهو يذكر النار والأغلال فقام على رأسه ~~فقال لم تقنط الناس ثم قرأ { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } # " عن ms2757 أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { قل ~~يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا } ولا يبالي " # أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن غريب ق. عن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا ثم خرج يسأل هل له ~~توبة فأتى راهبا فسأله فقال هل لي من توبة قال لا فقتله وجعل يسأل فقال ~~له رجل ائت قرية كذا وكذا فأدركه الموت فضرب صدره تخوفا فاختصمت فيه ~~ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تقربي وأوحى ~~الله إلى هذه أن تباعدي وقال قيسوا ما بينها فوجد أقرب إلى هذه بشبر فغفر ~~له " # لفظ البخاري ولمسلم قال " فدل على راهب فأتاه فقال له إن رجلا قتل تسعة ~~وتسعين نفسا فهل له من توبة فقال لا فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم ~~أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة قال ~~نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا ~~يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ~~فانطلق حتى إذا كان نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة ~~وملائكة العذاب فأوحى الله إلى هذه أن تقربي وإلى هذه أن تباعدي وقال ~~قيسوا ما بينهما فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال قيسوا ما بين ~~الأرضين فإلى أيهما كان أدنى فهو له فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض الذي ~~أراد فقبضته ملائكة الرحمة " ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجل أسرف على نفسه وفي رواية لم ~~يعمل خيرا قط وفي رواية لم يعمل حسنة قط فلما حضره الموت قال لبنيه إذا ~~مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح فوالله لئن ms2758 قدر على ربي ~~ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا فلما مات فعل به ذلك فأمر الله تعالى الأرض ~~فقال اجمعي ما فيك منه ففعلت فإذا هو قائم فقال ما حملك على ما صنعت قال ~~خشيتك يا رب أو قال مخافتك فغفر له بذلك " # وعنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " كان في بني إسرائيل رجلان متحابان أحدهما مذنب والآخر في العبادة ~~مجتهد فكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب فيقول له أقصر فوجده يوما ~~على ذنب فقال له أقصر فقال خلني وربي أبعثت علي رقيبا فقال والله لا ~~يغفر لك الله أو قال لا يدخلك الجنة فقبض الله أرواحهما فاجتمعا عند رب ~~العالمين فقال الرب تبارك وتعالى للمجتهد أكنت على ما في يدي قادرا وقال ~~للمذنب اذهب فادخل الجنة برحمتي وقال للآخر اذهبوا به إلى النار " # قال أبو هريرة " تكلم والله بكلمة أوبقت دنياه وآخرته " أخرجه أبو داود ~~عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " قال الله عز وجل يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان ~~منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت ~~لك ولا أبالي يا ابن آدم لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا ~~تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة " # أخرجه الترمذي، قوله عنان السماء العنان السحاب وقيل هو ما عن لك منها ~~وقراب الأرض بضم القاف هو ما يقارب ملأها. ### || [39.54-55] # قوله عز وجل: { وأنيبوا إلى ربكم } أي ارجعوا إليه بالتوبة والطاعة { ~~وأسلموا له } أي أخلصوا له التوحيد { من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا ~~تنصرون } أي لا تمنعون منه { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } يعني ~~القرآن لأنه كله حسن ومعنى الآية على ما قاله الحسن الزموا طاعة الله ~~واجتنبوا معصيته فإنه أنزل في القرآن ذكر القبيح ليجتنب وذكر الأدون لئلا ~~يرغب فيه وذكر الأحسن لتؤثره وتأخذ به وقيل الأحسن إتباع الناسخ وترك ~~العمل ms2759 بالمنسوخ { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون } يعني ~~غافلين عنه. ### || [39.56-58] # { أن تقول نفس } أي لئلا تقول وقيل معناه بادروا واحذروا أن تقول وقيل ~~خوف أن تصيروا إلى حال أن تقول نفس { يا حسرتى } أي يا ندمي ويا حزني ~~والتحسر الاغتمام والحزن على ما فات { على ما فرطت في جنب الله } أي على ~~ما قصرت في طاعة الله، وقيل في أمر الله وقيل في حق الله وقيل على ما ~~ضيعت في ذات الله وقيل معناه على ما قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا ~~الله تعالى: { وإن كنت لمن الساخرين } أي المستهزئين بدين الله وبكتابه ~~وبرسوله وبالمؤمنين قيل لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر بأهلها { أو ~~تقول لو أن الله هداني } أي أرشدني إلى دينه وطاعته { لكنت من المتقين } ~~أي الشرك { أو تقول حين ترى العذاب } أي عيانا { لو أن لي كرة } أي رجعة ~~إلى الدنيا { فأكون من المحسنين } أي الموحدين ثم أجاب الله تعالى هذا ~~التأويل بأن الأعذار زائلة والتعليل باطل وهو قوله تعالى: { بلى قد جاءتك ~~آياتي }. ### || [39.59-66] # { بلى قد جاءتك آياتي } يعني القرآن { فكذبت بها } أي قلت ليست من الله ~~{ واستكبرت } أي تكبرت عن الإيمان بها { وكنت من الكافرين ويوم القيامة ~~ترى الذين كذبوا على الله } أي زعموا أن له ولدا وشريكا وقيل هم الذين ~~يقولون الأشياء إلينا إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل { وجوههم مسودة } ~~قيل هو سواد مخالف لسائر أنواع السواد { أليس في جهنم مثوى للمتكبرين } ~~أي عن الإيمان. قوله تعالى: { وينجي الله الذين اتقوا } أي الشرك { ~~بمفازتهم } أي الطرق التي تؤديهم إلى الفوز والنجاة وقرئ بمفازاتهم أن ~~ينجيهم بفوزهم بالأعمال الحسنة من النار { لا يمسهم السوء } أي لا يصيبهم ~~المكروه { ولا هم يحزنون الله خالق كل شيء } أي مما هو كائن أو يكون في ~~الدنيا والآخرة { وهو على كل شيء وكيل } أي إن الأشياء كلها موكولة إليه ~~فهو القائم بحفظها { له مقاليد السموات والأرض } أي مفاتيح خزائن السموات ms2760 ~~والأرض واحدها مقلاد مثل مفتاح وقيل إقليد على غير قياس قيل هو فارسي ~~معرب قال الراجز: # لم يؤذها الديك بصوت تغريد ولم يعالج غلقها بإقليد # والمعنى أن الله تعالى مالك أمرها وحافظها وهو من باب الكناية لأن حافظ ~~الخزائن ومدبر أمرها هو الله الذي يملك مقاليدها، وقيل مقاليد السموات ~~خزائن الرحمة والرزق والمطر ومقاليد الأرض النبات { والذين كفروا بآيات ~~الله } أي جحدوا بآياته الظاهرة الباهرة { أولئك هم الخاسرون } قوله عز ~~وجل: { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } وذلك أن كفار قريش ~~دعوه إلى دين آبائه فوصفهم بالجهل لأن الدليل القاطع قد قام بأنه هو ~~المستحق للعبادة فمن عبد غيره فهو جاهل { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من ~~قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك } أي الذي عملته قبل الشرك، وهذا خطاب مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره لأن الله عز وجل عصم نبيه ~~صلى الله عليه وسلم من الشرك وفيه تهديد لغيره { ولتكونن من الخاسرين بل ~~الله فاعبد وكن من الشاكرين } أي لإنعامه عليك. ### || [39.67-68] # قوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره } أي ما عظموه حق عظمته حين ~~أشركوا به غيره ثم أخبر عن عظمته فقال { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } ق عن عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه قال " جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال يا محمد إن الله يضع السماء على أصبع والأرض على أصبع والجبال على ~~أصبع والشجر والأنهار على أصبع وسائر الخلق على أصبع ثم يقول أنا الملك ~~فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال { وما قدروا الله حق قدره } وفي ~~رواية " والماء والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهن وفيه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه تعجبا وتصديقا له ثم ~~قرأ { وما قدروا الله حق قدره } الآية ق عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2761 # " يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا ~~الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا ~~الملك أين الجبارون أين المتكبرون، وفي رواية يقول: أنا الله ويقبض ~~أصابعه ويبسطها ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون، وفي رواية ~~يقول: أنا الله ويقبض أصابعه أنا الملك حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من ~~أسفل شيء منه حتى أني أقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم " # لفظ مسلم وللبخاري # " أن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السموات بيمينه ويقول أنا ~~الملك " # خ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك ~~الأرض " # قال أبو سليمان الخطابي ليس فيما يضاف إلى الله عز وجل من صفة اليدين ~~شمال لأن الشمال محمل النقص والضعف وقد روى كلتا يديه يمين وليس عندنا ~~معنى اليد الجارحة إنما هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ~~ولا نكيفها وننتهي إلى حيث انتهى الكتاب والأخبار المأثورة الصحيحة وهذا ~~مذهب أهل السنة والجماعة وقال سفيان بن عيينة كل ما وصف الله به نفسه في ~~كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه. قوله عز وجل: { ونفخ في الصور فصعق ~~من في السموات ومن في الأرض } أي ماتوا من الفزع وهي النفخة الأولى { إلا ~~من شاء الله } تقدم في سورة النمل تفسير هذا الاستثناء وقال الحسن إلا من ~~يشاء الله يعني الله وحده { ثم نفخ فيه } أي في الصور { أخرى } مرة أخرى ~~وهي النفخة الثانية { فإذا هم قيام } أي من قبورهم { ينظرون } أي ينتظرون ~~أمر الله فيهم ق عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " ما بين النفختين أربعون قالوا أربعون يوما، قال أبو هريرة: أبيت، ~~قالوا: أربعون شهرا، قال أبو هريرة: أبيت، قالوا: أربعون سنة قال: أبيت، ~~ثم ينزل الله عز وجل من السماء ms2762 ماء فينبتون كما ينبت البقل وليس من ~~الإنسان شيء لا يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم ~~القيامة ". ### || [39.69-73] # قوله تعالى: { وأشرقت الأرض بنور ربها } وذلك حين يتجلى الرب تبارك ~~وتعالى لفصل القضاء بين خلقه فما يضارون في نوره كما لا يضارون في الشمس ~~في اليوم الصحو وقيل بعدل ربها وأراد بالأرض عرصات القيامة { ووضع الكتاب ~~} أي كتاب الأعمال وقيل اللوح المحفوظ لأن فيه أعمال جميع الخلق من ~~المبدأ إلى المنتهى { وجيء بالنبيين } يعني ليكونوا شهداء على أممهم { ~~والشهداء } قال ابن عباس يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة وهم أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقيل يعني الحفظة { وقضي بينهم الحق } أي بالعدل ~~{ وهم لا يظلمون } أي لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم { ووفيت كل ~~نفس ما عملت } أي ثواب ما عملت { وهو أعلم بما يفعلون } يعني أنه سبحانه ~~وتعالى عالم بأفعالهم لا يحتاج إلى كاتب ولا إلى شاهد. قوله تعالى: { ~~وسيق الذين كفروا إلى جهنم } يعني سوقا عنيفا { زمرا } أفواجا بعضهم ~~على أثر بعض كل أمة على حدة وقيل جماعات متفرقة واحدتها زمرة { حتى إذا ~~جاؤوها فتحت أبوابها } يعني السبعة وكانت قبل ذلك مغلقة { وقال لهم ~~خزنتها } يعني توبيخا وتقريعا { ألم يأتكم رسل منكم } أي من أنفسكم ومن ~~جنسكم { يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن ~~حقت كلمة العذاب } أي وجبت { على الكافرين } وهي قوله # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [السجدة: 13] { قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ~~} قوله عز وجل: { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا } فإن قلت عبر ~~عن الفريقين بلفظ السوق فما الفرق بينهما. قلت المراد بسوق أهل النار ~~طردهم إلى العذاب بالهوان والعنف كما يفعل بالأسير إذا سيق إلى الحبس أو ~~القتل، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنهم يذهبون إليها راكبين أو ~~المراد بذلك السوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرضوان فشتان ما بين ~~السوقين { حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها } فإن ms2763 قلت قال في أهل النار فتحت ~~بغير واو وهنا زاد حرف الواو فما الفرق. قلت فيه وجوه أحدها أنها زائدة ~~الثاني إنها واو الحال مجازه وقد فتحت أبوابها فأدخل الواو لبيان أنها ~~كانت مفتحة قبل مجيئهم إليها وحذف الواو في الآية الأولى لبيان أن أبواب ~~جهنم كانت مغلقة قبل مجيئهم إليها ووجه الحكمة في ذلك أن أهل الجنة إذا ~~جاؤوها ووجدوا أبوابها مفتحة حصل لهم السرور والفرح بذلك وأهل النار إذا ~~رأوها مغلقة كان ذلك نوع ذل وهوان لهم. الثالث زيدت الواو هنا لبيان أن ~~أبواب الجنة ثمانية ونقصت هناك لأن أبواب جهنم سبعة والعرب تعطف بالواو ~~فيما فوق السبعة تقول سبعة وثمانية. فإن قلت حتى إذا جاؤوها شرط فأين ~~جوابه؟ قلت فيه وجوه أحدها أنه محذوف والمقصود من الحذف أن يدل على أنه ~~بلغ في الكمال إلى حيث لا يمكن ذكره الثاني أن الجواب هو قوله { وقال لهم ~~خزنتها سلام عليكم } بغير واو الثالث تقديره فادخلوها خالدين دخلوها فحذف ~~دخولها لدلالة الكلام عليه { وقال لهم خزنتها سلام عليكم } أي أبشروا ~~بالسلامة من كل الآفات { طبتم } قال ابن عباس معناه طاب لكم المقام وقيل ~~إذا قطعوا النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعض ~~حتى إذا هذبوا وطيبوا دخلوا الجنة فيقول لهم رضوان وأصحابه { سلام عليكم ~~طبتم } { فادخلوها خالدين } وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا ~~سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرة يخرج من تحتها ~~عينان فيغتسل المؤمن من أحداهما فيطهر ظاهره ويشرب من الأخرى فيطهر باطنه ~~وتتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون { سلام عليكم طبتم فادخلوها ~~خالدين }. ### || [39.74-75] # { وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده } أي بالجنة { وأورثنا الأرض } أي ~~أرض الجنة نتصرف فيها كما نشاء تشبيها بحال الوارث وتصرفه فيما يرثه وهو ~~قوله تعالى: { نتبوأ } أي ننزل { من الجنة } أي في الجنة { حيث نشاء } ~~فإن قلت فما معنى قوله { حيث نشاء } وهل يتبوأ أحدهم مكان غيره. قلت يكون ~~لكل واحد ms2764 منهم جنة لا توصف سعة وحسنا وزيادة على الحاجة فيتبوأ من جنته ~~حيث يشاء ولا يحتاج إلى غيره وقيل إن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يدخلون ~~الجنة قبل الأمم فينزلون فيها حيث شاؤوا ثم تنزل الأمم بعدهم فيما فضل ~~منها قال الله عز وجل: { فنعم أجر العاملين } أي ثواب المطيعين في الدنيا ~~الجنة في العقبى { وترى الملائكة حافين من حول العرش } أي محدقين محيطين ~~بحافته وجوانبه { يسبحون بحمد ربهم } وقيل هذا تسبيح تلذذ لا تسبيح تعبد ~~لأن التكليف يزول في ذلك اليوم { وقضي بينهم بالحق } بين أهل الجنة وأهل ~~النار بالعدل { وقيل الحمد لله رب العالمين } أي يقول أهل الجنة شكرا ~~حين تم وعد الله لهم، وقيل ابتدأ الله ذكر الخلق بالحمد في قوله # الحمد لله الذي خلق السموات والأرض # [الأنعام: 1] وختم بالحمد في آخر الأمر وهو استقرار الفريقين في ~~منازلهم فنبه بذلك على تحميده في بداءة كل أمر وخاتمته والله تعالى أعلم ~~بمراده وأسرار كتابه. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-3] # قوله عز وجل: { حم } قال ابن عباس رضي الله عنهما: { حم } اسم الله ~~الأعظم وعنه قال الر وحم ون حروف اسمه الرحمن مقطعة وقيل حم اسم للسورة ~~وقيل الحاء افتتاح أسمائه حليم وحميد وحي وحكيم وحنان، والميم افتتاح ~~أسمائه ملك ومجيد ومنان، وقيل معناه حم بضم الحاء أي قضى ما هو كائن { ~~تنزيل الكتاب من الله العزيز } أي الغالب القادر وقيل الذي لا مثل له { ~~العليم } أي بكل المعلومات { غافر الذنب } يعني ساتر الذنب { وقابل التوب ~~} يعني التوبة قال ابن عباس غافر الذنب لمن قال لا إله إلا الله وقابل ~~التوب ممن قال لا إله إلا الله { شديد العقاب } لمن لا يقول لا إله إلا ~~الله { ذي الطول } يعني السعة والغنى وقيل ذي الفضل والنعم وأصل الطول ~~الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه { لا إله إلا هو } يعني هو الموقوف ~~بصفات الوحدانية التي لا يوصف بها غيره { إليه المصير } أي مصير العباد ~~إليه في الآخرة ### || [40.4-7] # { ما يجادل } يعني ms2765 ما يخاصم ويحاجج في آيات الله يعني في دفع آيات الله ~~بالتكذيب والإنكار إلا الذين كفروا قال أبو العالية آيتان ما أشدهما على ~~الذين يجادلون في القرآن. قوله تعالى: { ما يجادل في آيات الله إلا الذين ~~كفروا } وقوله { وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } وعن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن جدالا في القرآن كفر " # أخرجه أبو داود وقال المراد في القرآن كفر وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده قال # " سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما يتمارون فقال إنما هلك من كان ~~قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله عز وجل بعضه ببعض وإنما أنزل الكتاب يصدق ~~بعضه بعضا فلا تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوه وما جهلتم منه ~~فكلوه إلى عالمه " # م عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوما فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية فخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال # " إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب " # { فلا يغررك تقلبهم } يعني تصرفهم { في البلاد } للتجارات وسلامتهم فيها ~~مع كفرهم فإن عاقبة أمرهم العذاب { كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم ~~} يعني الكفار الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب من بعد قوم نوح { وهمت ~~كل أمة برسولهم ليأخذوه } قال ابن عباس ليقتلوه ويهلكوه وقيل ليأسروه { ~~وجادلوا } يعني خاصموا { بالباطل ليدحضوا } يعني ليبطلوا { به الحق } ~~الذي جاءت به الرسل { فأخذتهم فكيف كان عقاب } يعني أنزلت بهم من الهلاك ~~ما هموا هم بإنزاله بالرسل وقيل معناه فكيف كان عقابي إياهم أليس كان ~~مهلكا مستأصلا { وكذلك حقت } أي وجبت { كلمة ربك } يعني كما وجبت كلمة ~~العذاب على الأمم المكذبة حقت { على الذين كفروا } يعني من قومك { إنهم } ~~يعني بأنهم { أصحاب النار } قوله عز وجل: { الذين يحملون العرش } قيل ~~حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أردفهم الله تعالى بأربعة ~~أخر كما قال ms2766 الله تعالى: # ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية # [الحاقة: 17] وهم أشرف الملائكة وأفضلهم لقربهم من الله عز وجل وهم على ~~صورة الأوعال وجاء في الحديث إن لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ~~ووجه نسر، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة جناحان منها على وجهه مخافة أن ~~ينظر إلى العرش فيصعق وجناحان يهفو بهما في الهواء ليس لهم كلام غير ~~التسبيح والتحميد والتمجيد ما بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى ~~سماء وقال ابن عباس: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة ~~خمسمائة عام، ويروي أن أقدامهم في تخوم الأرضين والأرضون والسموات إلى ~~حجزهم تسبيحهم سبحان ذي العزة والجبروت سبحان ذي الملك والملكوت سبحان ~~الحي الذي لا يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح وقيل إن أرجلهم في الأرض ~~السفلى ورؤوسهم خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم وهم أشد خوفا من ~~أهل السماء السابعة وأهل السماء السابعة أشد خوفا من التي تليها والتي ~~تليها أشد خوفا من التي تليها. # وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش إن ما بين ~~شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام " # أخرجه أبو داود وأما صفة العرش فقيل إنه جوهرة خضراء وهو من أعظم ~~المخلوقات خلقا وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: إن ما بين ~~القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية كخفقان الطير المسرع ثلاثين ألف ~~عام ويكسى العرش كل يوم ألف لون من النور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من ~~خلق الله تعالى والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة وقال مجاهد بين ~~السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور ~~وحجاب ظلمة وقيل إن العرش قبلة لأهل السماء كما أن الكعبة قبلة لأهل ~~الأرض قوله: { ومن حوله } يعني الطائفين به وهم الكروبيون وهم سادات ~~الملائكة، قال وهب بن منبه: إن حول العرش ms2767 سبعين ألف صف من الملائكة صف ~~خلف صف يطوفون بالعرش يقبل هؤلاء ويدبر هؤلاء فإذا استقبل بعضهم بعضا ~~هلل هؤلاء وكبر هؤلاء ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام أيديهم على أعناقهم ~~قد وضعوها على عواتقهم فإذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم رفعوا أصواتهم ~~فقالوا سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأجلك أنت الله لا إله غيرك أنت الأكبر ~~والخلق كلهم إليك راجعون ومن وراء هؤلاء وهؤلاء مائة ألف صف من الملائكة ~~قد وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد إلا يسبح بتحميد لا يسبحه الآخر ~~ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلاثمائة عام وما بين شحمة أذنه إلى عاتقه ~~أربعمائة عام واحتجب الله عز وجل من الملائكة الذين حول العرش بسبعين ~~حجابا من نار وسبعين حجابا من ظلمة وسبعين حجابا من نور وسبعين حجابا ~~من در أبيض وسبعين حجابا من ياقوت أحمر وسبعين حجابا من زبرجد أخضر ~~وسبعين حجابا من ثلج وسبعين حجابا من ماء وسبعين حجابا من برد وما لا ~~يعلمه إلا الله عز وجل. قوله تعالى: { يسبحون بحمد ربهم } أي ينزهون الله ~~تعالى عما لا يليق بجلاله والتحميد هو الاعتراف بأنه هو المنعم على ~~الإطلاق { ويؤمنون به } أي يصدقون بأنه واحد لا شريك له ولا مثل له ولا ~~نظير له. # فإن قلت قدم قوله يسبحون بحمد ربهم على قوله { ويؤمنون به } ولا يكون ~~التسبيح إلا بعد الإيمان فما فائدة قوله ويؤمنون به. قلت فائدته التنبيه ~~على شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه. ولما كان الله عز وجل محتجبا عنهم ~~بحجب جلاله وجماله وكماله وصفهم بالإيمان به. قال شهر بن حوشب حملة العرش ~~ثمانية أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد ~~علمك وأربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد ~~قدرتك قال وكأنهم يرون ذنوب بني آدم { ويستغفرون للذين آمنوا } أي يسألون ~~الله تعالى المغفرة لهم قيل هذا الاستغفار من الملائكة مقابل لقولهم # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء # [البقرة: 30] فلما صدر هذا منهم أولا تداركوه ms2768 بالاستغفار لهم ثانيا ~~وهو كالتنبيه لغيرهم فيجب على كل من تكلم في أحد بشيء يكرهه أن يستغفر له ~~{ ربنا } أي ويقولون ربنا { وسعت كل شيء رحمة وعلما } أي وسعت رحمتك ~~وعلمك كل شيء وفيه تنبيه على تقديم الثناء على الله تعالى بما هو أهله ~~قيل المطلوب بالدعاء فلما قدموا الثناء على الله عز وجل قالوا { فاغفر ~~للذين تابوا واتبعوا سبيلك } أي دينك { وقهم عذاب الجحيم } قال مطرف أنصح ~~عباد الله للمؤمنين الملائكة وأغش الخلق للمؤمنين هم الشياطين. ### || [40.8-10] # { ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم } قيل إذا دخل المؤمن الجنة قال: أين أبي ~~وأين أمي وأين ولدي وأين زوجتي، فيقال: إنهم لم يعملوا عملك، فيقول: إني ~~كنت أعمل لي ولهم فيقال أدخلوهم الجنة فإذا اجتمع بأهله في الجنة كان ~~أكمل لسروره ولذته { وقهم السيئات } أي عقوبات السيئآت بأن تصونهم من ~~الأعمال الفاسدة التي توجب العقاب { ومن تق السيئات يومئذ } يعني من تقه ~~في الدنيا { فقد رحمته } يعني في القيامة { وذلك هو الفوز العظيم } يعني ~~النعيم الذي لا ينقطع في جوار مليك لا تصل العقول إلى كنه عظمته وجلاله ~~قوله تعالى: { إن الذين كفروا ينادون } يعني يوم القيامة وهم في النار ~~وقد مقتوا أنفسهم حين عرضت عليهم سيئاتهم وعاينوا العذاب فيقال لهم { ~~لمقت الله } يعني إياكم في الدنيا { أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى ~~الإيمان فتكفرون } أي اليوم عند حلول العذاب بكم. ### || [40.11-12] # { قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم فأحياهم الله تعالى في الدنيا ثم ~~أماتهم الموتة التي لا بد منها ثم أحياهم للبعث يوم القيامة فهذه موتتان ~~وحياتان وقيل أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في القبر للسؤال ثم أميتوا في ~~قبورهم ثم أحيوا للبعث في الآخرة وذلك أنهم عدوا أوقات البلاء والمحنة ~~وهي أربعة الموتة الأولى ثم الحياة في القبر ثم الموتة الثانية فيه ثم ~~الحياة للبعث فأما الحياة ms2769 الأولى التي هي من الدنيا فلم يعدوها لأنها ~~ليست من أقسام البلاء وقيل ذكر حياتين وهي حياة الدنيا وحياة القيامة ~~وموتتين وهي الموتة الأولى في الدنيا ثم الموتة الثانية في القبر بعد ~~حياة السؤال ولم يعدوا حياة السؤال لقصر مدتها { فاعترفنا بذنوبنا } يعني ~~إنكارهم البعث بعد الموت فلما شاهدوا البعث اعترفوا بذنوبهم ثم سألوا ~~الرجعة بقولهم { فهل إلى خروج } يعني من النار { من سبيل } والمعنى فهلا ~~إلى رجوع إلى الدنيا من سبيل لنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك وهذا كلام من ~~غلب عليه اليأس والقنوط من الخروج وإنما قالوا ذلك تعللا وتحيرا ~~والمعنى فلا خروج ولا سبيل إليه ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك وهو قوله ~~تعالى: { ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم } معناه فأجيبوا أن لا سبيل ~~إلى الخروج وهذا العذاب والخلود في النار بأنكم إذا دعى الله وحده كفرتم ~~يعني إذا قيل لا إله إلا الله أنكرتم ذلك { وإن يشرك به } أي غيره { ~~تؤمنوا } أي تصدقوا ذلك الشرك { فالحكم لله العلي } أي الذي لا أعلى منه ~~{ الكبير } أي الذي لا أكبر منه. ### || [40.13-19] # قوله عز وجل: { هو الذي يريكم آياته } أي عجائب مصنوعاته التي تدل على ~~كمال قدرته { وينزل لكم من السماء رزقا } يعني المطر الذي هو سبب ~~الأرزاق { وما يتذكر } أي يتعظ بهذه الآيات { إلا من ينيب } أي يرجع إلى ~~الله تعالى في جميع أموره { فادعوا الله مخلصين له الدين } أي الطاعة ~~والعبادة { ولو كره الكافرون }. قوله تعالى: { رفيع الدرجات } أي رافع ~~درجات الأنبياء والأولياء والعلماء في الجنة وقيل معناه المرتفع أي إنه ~~سبحانه وتعالى هو المرتفع بعظمته في صفات جلاله وكماله ووحدانيته ~~المستغني عن كل ما سواه وكل الخلق فقراء إليه { ذو العرش } أي خالقه ~~ومالكه، والفائدة في تخصيص العرش بالذكر لأنه أعظم الأجسام والمقصود بيان ~~كمال التنبيه على كمال القدرة فكل ما كان أعظم كانت دلالته على كمال ~~القدرة أقوى { يلقي الروح } يعني ينزل الوحي سماه روحا لأن به تحيا ~~الأرواح كما تحيا الأبدان بالأرواح { من ms2770 أمره } قال ابن عباس: من قضائه ~~وقيل بأمره وقيل من قوله { على من يشاء من عباده } يعني الأنبياء { لينذر ~~يوم التلاق } يعني لينذر النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي يوم التلاق وهو ~~يوم القيامة لأنه يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، وقيل يلتقي الخلق ~~والخالق وقيل يلتقي العابدون والمعبودون وقيل يلتقي المرء مع عمله وقيل ~~يلتقي الظالم والمظلوم { يوم هم بارزون } أي خارجون من قبورهم ظاهرون لا ~~يسترهم شيء { لا يخفى على الله منهم شيء } أي من أعمالهم وأحوالهم، فإن ~~قلت إن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في سائر الأيام فما وجه تخصيص ذلك ~~اليوم، قلت كانوا يتوهمون في الدنيا إذا استتروا بالحيطان والحجب أن الله ~~تعالى لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم وهم في ذلك اليوم صائرون من البروز ~~والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه في الدنيا { ~~لمن الملك اليوم } أي يقول الله عز وجل في ذلك اليوم بعد فناء الخلق لمن ~~الملك فلا أحد يجيبه فيجيب نفسه تعالى فيقول { لله الواحد القهار } أي ~~الذي قهر الخلق بالموت وقيل إذا حضر الأولون والآخرون في يوم القيامة ~~نادى مناد لمن الملك فيجيبه جميع الخلائق في يوم القيامة { لله الواحد ~~القهار } فالمؤمنون يقولونه تلذذا حيث كانوا يقولونه في الدنيا ونالوا ~~به المنزلة الرفيعة في العقبى والكفار يقولونه على سبيل الذل والصغار ~~والندامة حيث لم يقولوه في الدنيا { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } يعني ~~يجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته { لا ظلم اليوم } أي إن الخلق آمنون ~~في ذلك اليوم من الظلم لأن الله تعالى ليس بظلام للعبيد { إن الله سريع ~~الحساب } أي إنه تعالى لا يشغله حساب عن حساب بل يحاسب الخلق كلهم في وقت ~~واحد. # قوله تعالى: { وأنذرهم يوم الآزفة } يعني يوم القيامة سميت آزفة لقرب ~~وقتها وكل ما هو آت فهو قريب { إذ القلوب لدى الحناجر } وذلك أنها تزول ~~عن أماكنها من الخوف حتى تصير إلى الحناجر فلا هي تعود إلى أماكنها ولا ~~هي تخرج ms2771 من أفواههم فيموتوا ويستريحوا { كاظمين } أي مكروبين ممتلئين ~~خوفا وحزنا حتى يضيق القلب عنه { ما للظالمين من حميم } أي من قريب ~~ينفعهم { ولا شفيع } أي يشفع لهم { يطاع } أي فيهم { يعلم خائنة الأعين } ~~أي خيانتها وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل وقيل هو نظر الأعين لما نهى ~~الله عنه { وما تخفي الصدور } أي يعلم مضمرات القلوب. ### || [40.20-26] # { والله يقضي بالحق } أي يحكم بالعدل { والذين يدعون من دونه } يعني ~~الأصنام { لا يقضون بشيء } لأنها لا تعلم شيئا ولا تقدر على شيء { إن ~~الله هو السميع } أي لأقوال الخلق { البصير } بأفعالهم { أولم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة ~~وآثارا في الأرض } أي المعنى أن العاقل من اعتبر بغيره فإن الذين مضوا ~~من الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء فلم تنفعهم قوتهم { فأخذهم الله ~~بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق } أي يدفع عنهم العذاب { ذلك } أي ~~ذلك العذاب الذي نزل بهم { بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا ~~فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب } قوله عز وجل: { ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب فلما ~~جاءهم بالحق من عندنا قالوا } يعني فرعون وقومه { اقتلوا أبناء الذين ~~آمنوا معه } قيل هذا القتل غير القتل الأول لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل ~~الوالدان فلما بعث موسى عليه الصلاة والسلام أعاد القتل عليهم فمعناه ~~أعيدوا عليهم القتل { واستحيوا نساءهم } أي استحيوا النساء ليصدوهم بذلك ~~عن متابعة موسى عليه الصلاة والسلام ومظاهرته { وما كيد الكافرين } أي ~~وما مكر فرعون وقومه واحتيالهم { إلا في ضلال } أي يذهب كيدهم باطلا ~~ويحيق بهم ما يريده الله تعالى { وقال فرعون } أي لملئه { ذروني أقتل ~~موسى } وإنما قال فرعون هذا لأنه كان في خاصة قومه من يمنعه من قتل موسى ~~وإنما منعوه عن قتله لأنه كان فيهم من يعتقد بقلبه أنه كان صادقا، وقيل ~~قالوا لا تقتله فإنه هو ساحر ضعيف فلا يقدر ms2772 أن يغلب سحرنا وإن قتلته قالت ~~العامة كان محقا صادقا وعجزوا عن جوابه فقتلوه { وليدع ربه } أي وليدع ~~موسى ربه الذي يزعم أنه أرسله إلينا فيمنعه منا { إني أخاف أن يبدل دينكم ~~} يعني يقول فرعون أخاف أن يغير دينكم الذي أنتم عليه { أو أن يظهر في ~~الأرض الفساد } يعني بذاك تغيير الدين وتبديله وعبادة غيره. ### || [40.27-29] # { وقال موسى } يعني لما توعده فرعون بالقتل { إني عذت بربي وربكم } يعني ~~أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يأت في دفع الشدة إلا بأن استعاذ بالله ~~واعتمد عليه فلا جرم أن صانه الله عن كل بلية { من كل متكبر } أي متعظم ~~عن الإيمان { لا يؤمن بيوم الحساب } قوله عز وجل: { وقال رجل مؤمن من آل ~~فرعون يكتم إيمانه } قيل كان ابن عم فرعون وقيل كان من القبط وقيل كان من ~~بني إسرائيل، فعلى هذا يكون معنى الآية وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل ~~فرعون وكان اسم هذا المؤمن حزبيل عند ابن عباس وأكثر العلماء وقال إسحاق ~~كان اسمه جبريل وقيل حبيب { أتقتلون رجلا أن يقول } أي لأن يقول { ربي ~~الله } وهذا استفهام إنكار وهو إشارة إلى التوحيد وقوله { وقد جاءكم ~~بالبينات من ربكم } فيه إشارة إلى تقرير نبوته بإظهار المعجزة والمعنى ~~وقد جاءكم بما يدل على صدقه { وإن يك كاذبا فعليه كذبه } أي لا يضركم ~~ذلك إنما يعود وبال كذبه عليه { وإن يك صادقا } أي فكذبتموه { يصبكم بعض ~~الذي يعدكم } قيل معناه يصبكم الذي يعدكم إن قتلتموه وهو صادق، وقيل بعض ~~على أصلها ومعناه كأنه قاله على طريق الاحتجاج أقل ما في صدقه أن يصيبكم ~~بعض الذي يعدكم وفيه هلاككم فذكر البعض ليوجب الكل { إن الله لا يهدي } ~~يعني إلى دينه { من هو مسرف كذاب } أي على الله تعالى خ عن عروة بن ~~الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص عن أشد ما صنع المشركون ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي بفناء ms2773 الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه وخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر فأخذ ~~بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال { أتقتلون رجلا أن ~~يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم }. قوله عز وجل: { يا قوم لكم ~~الملك اليوم ظاهرين في الأرض } يعني غالبين في الأرض أي أرض مصر { فمن ~~ينصرنا } يعني يمنعنا { من بأس الله إن جاءنا } والمعنى لكم الملك فلا ~~تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب وقتل النبي فإنه لا مانع من عذاب الله تعالى ~~إن حل بكم { قال فرعون ما أريكم } أي من الرأي والنصيحة { إلا ما أرى } ~~يعني لنفسي { وما أهديكم إلا سبيل الرشاد } أي ما أدعوكم إلا إلى طريق ~~الهدى ثم حكى الله تعالى أن مؤمن آل فرعون رد على فرعون هذا الكلام وخوفه ~~أن يحل به ما حل بالأمم قبله بقوله: { وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف ~~عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم }. ### || [40.30-34] # { وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح ~~وعاد وثمود والذين من بعدهم } يعني مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب ~~حتى أتاهم العذاب { وما الله يريد ظلما للعباد } يعني لا يهلكهم إلا بعد ~~إقامة الحجة عليهم { ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد } يعني يوم ~~القيامة سمي يوم القيامة يوم التناد لأنه يدعى فيه كل أناس بإمامهم ~~وينادي بعضهم بعضا فينادي أصحاب الجنة أصحاب النار وينادي أصحاب النار ~~أصحاب الجنة وينادى فيه بالسعادة والشقاوة ألا إن فلان بن فلان سعد سعادة ~~لا يشقى بعدها أبدا وفلان ابن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا ~~وينادي حين يذبح الموت يا أهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا ~~موت وقيل ينادي المؤمن هاؤم اقرؤوا كتابيه وينادي الكافر يا ليتني لم أوت ~~كتابيه وقيل يوم التناد يعني يوم التنافر من ند ms2774 البعير إذا نفر وهرب وذلك ~~أنهم إذا سمعوا زفير النار ندوا هربا فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا ~~وجدوا الملائكة صفوفا عليه فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه { يوم ~~تولون مدبرين } يعني منصرفين عن موقف الحساب إلى النار { ما لكم من الله ~~من عاصم } يعني يعصمكم من عذابه { ومن يضلل الله فما له من هاد } يعني ~~يهديه { ولقد جاءكم يوسف } يعني يوسف بن يعقوب { من قبل } يعني من قبل ~~موسى { بالبينات } يعني قوله # أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار # [يوسف: 39] قيل مكث فيهم يوسف عشرين سنة نبيا وقيل إن فرعون يوسف هو ~~فرعون موسى وقيل هو فرعون آخر { فما زلتم في شك مما جاءكم به } قال ابن ~~عباس من عبادة الله وحده لا شريك له والمعنى أنهم بقوا شاكين في نبوته لم ~~ينتفعوا بتلك البينات التي جاءهم بها { حتى إذا هلك } يعني مات { قلتم لن ~~يبعث الله من بعده رسولا } يعني أقمتم على كفركم وظننتم أن الله لا يجدد ~~عليكم الحجة وإنما قالوا ذلك على سبيل التشهي والتمني من غير حجة ولا ~~برهان عليه بل قالوا ذلك ليكون لهم أساسا في تكذيب الأنبياء الذين يأتون ~~بعده وليس قولهم لن يبعث الله من بعده رسولا تصديقا لرسالة يوسف كيف ~~وقد شكوا فيها وإنما هو تكذيب لرسالة من بعده مضمون إلى التكذيب لرسالته ~~{ كذلك يضل الله من هو مسرف } يعني في شركه وعصيانه { مرتاب } يعني في ~~دينه. ### || [40.35-40] # { الذين يجادلون في آيات الله } قيل هذا تفسير للمسرف المرتاب يعني ~~الذين يجادلون في إبطال آيات الله بالتكذيب { بغير سلطان } أي بغير حجة ~~وبرهان { أتاهم } من الله { كبر } أي ذلك الجدال { مقتا عند الله وعند ~~الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار } قوله عز وجل: { وقال ~~فرعون } يعني لوزيره { يا هامان ابن لي صرحا } يعني بناء ظاهرا لا يخفى ~~على الناظرين وإن بعد وقد تقدم ذكره في سورة القصص { لعلي أبلغ الأسباب ~~أسباب السموات } يعني طرقها وأبوابها من سماء إلى ms2775 سماء { فأطلع إلى إله ~~موسى وإني لأظنه } يعني موسى { كاذبا } أي فيما يدعي ويقول إن له ربا ~~غيري { وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل } قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما صده الله تعالى عن سبيل الهدى وقرىء وصد بالفتح أي وصد فرعون الناس ~~عن السبيل { وما كيد فرعون إلا في تباب } أي وما كيده في إبطال آيات موسى ~~إلا في خسار وهلاك. قوله تعالى: { وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم ~~سبيل الرشاد } أي طريق الهدى { يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع } أي ~~متعة ينتفعون بها مدة ثم تنقطع { وإن الآخرة هي دار القرار } يعني التي ~~لا تزول والمعنى أن الدنيا فانية منقرضة لا منفعة فيها وأن الآخرة باقية ~~دائمة والباقي خير من الفاني، قال بعض العارفين: لو كانت الدنيا ذهبا ~~فانيا والآخرة خزفا باقيا لكانت الآخرة خيرا من الدنيا فكيف والدنيا ~~خزف فان والآخرة ذهب باق { من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها } قيل معناه ~~من عمل الشرك فجزاؤه جهنم خالدا فيها ومن عمل بالمعاصي فجزاؤه العقوبة ~~بقدرها { ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ~~يرزقون فيها بغير حساب } يعني لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة من ~~الخير وقيل يصب عليهم الرزق صبا بغير تقتير. ### || [40.41-46] # { ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار } معناه أنا ~~أدعوكم إلى الإيمان الذي يوجب النجاة من النار وأنتم تدعونني إلى الشرك ~~الذي يوجب النار ثم فسر ذلك فقال { تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس ~~لي به علم } أي لا أعلم أن الذي تدعونني إليه إله وما ليس بإله كيف يعقل ~~جعله شريكا للإله الحق ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر والشرك بين أنه ~~يدعوهم إلى الإيمان بقوله { وأنا أدعوكم إلى العزيز } أي في انتقامه ممن ~~كفر { الغفار } أي لذنوب أهل التوحيد { لا جرم } يعني حقا { أنما ~~تدعونني إليه } يعني الصنم { ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة } يعني ~~ليست له ms2776 استجابة دعوة لأحد في الدنيا ولا في الآخرة وقيل ليست له دعوة ~~إلى عبادته في الدنيا ولا في الآخرة لأن الأصنام لا تدعي الربوبية ولا ~~تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من عابديها { وأن مردنا إلى الله } ~~يعني مرجعنا إلى الله فيجازي كلا بما يستحقه { وأن المسرفين } يعني ~~المشركين { هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم } أي إذا عاينتم العذاب ~~حين لا ينفعكم الذكر { وأفوض أمري إلى الله } أي أرد أمري إلى الله وذلك ~~أنهم توعدوه لمخالفته دينهم { إن الله بصير بالعباد } يعني يعلم المحق من ~~المبطل ثم خرج المؤمن من بينهم فطلبوه فلم يقدروا عليه وذلك قوله تعالى: ~~{ فوقاه الله سيئات ما مكروا } يعني ما أرادوا به من الشر قيل إنه نجا مع ~~موسى عليه الصلاة والسلام وكان قبطيا { وحاق } يعني نزل { بآل فرعون سوء ~~العذاب } يعني الغرق في الدنيا والنار في الآخرة وذلك قوله تعالى: { ~~النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } يعني صباحا ومساء قال ابن مسعود " ~~أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدو ~~وتروح إلى النار ويقال يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة " وقيل ~~تعرض روح كل كافر على النار بكرة وعشيا ما دامت الدنيا. ويستدل بهذه ~~الآية على إثبات عذاب القبر أعاذنا الله تعالى منه بمنه وكرمه ق عن عبد ~~الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة ~~فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حين ~~يبعثك الله تعالى إليه يوم القيامة " # ثم أخبر الله تعالى عن مستقرهم يوم القيامة فقال تعالى: { ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون } أي يقال لهم ادخلوا يا آل فرعون { أشد العذاب } ~~قال ابن عباس ألوان من العذاب غير الذي كانوا يعذبون بها منذ أغرقوا. ### || [40.47-52] # قوله تعالى: { وإذ يتحاجون } أي واذكر يا محمد لقومك إذ يختصمون يعني ~~أهل ms2777 النار { في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا } ~~أي في الدنيا { فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا } ~~يعني الرؤساء والقادة { إنا كل فيها } يعني نحن وأنتم { إن الله قد حكم ~~بين العباد } أي قضى علينا وعليكم { وقال الذين في النار } يعني حين اشتد ~~عليهم العذاب { لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب قالوا } ~~يعني الخزنة { أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات } يعني لا عذر لكم بعد مجيء ~~الرسل { قالوا بلى } أي اعترفوا بذلك { قالوا فادعوا } يعني أنتم إنا لا ~~ندعوا لكم لأنهم علموا أنه لا يخفف عنهم العذاب قال الله تعالى: { وما ~~دعاء الكافرين إلا في ضلال } يعني يبطل ويضل ولا ينفعهم. قوله عز وجل: { ~~إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا } قال ابن عباس بالغلبة ~~والقهر، وقيل بالحجة وقيل بالانتقام من الأعداء في الدنيا والآخرة وكل ~~ذلك حاصل لهم فهم منصورون بالحجة على من خالفهم تارة وقد نصرهم الله ~~بالقهر على من عاداهم وأهلك أعداءهم بالانتقام منهم كما نصر يحيى بن ~~زكريا لما قتل فإنه قتل به سبعين ألفا { ويوم يقوم الأشهاد } يعني ~~وننصرهم يوم القيامة يوم يقوم الأشهاد وهم الحفظة من الملائكة يشهدون ~~للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب { يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم } ~~أي إن اعتذروا عن كفرهم لم يقبل منهم { ولهم اللعنة } أي البعد من الرحمة ~~{ ولهم سوء الدار } يعني جهنم. ### || [40.53-57] # { ولقد آتينا موسى الهدى } يعني النبوة وقيل التوراة { وأورثنا بني ~~إسرائيل الكتاب } يعني التوراة وقيل سائر الكتب المنزلة على أنبيائهم { ~~هدى وذكرى لأولي الألباب } قوله تعالى: { فاصبر } أي يا محمد على أذاهم { ~~إن وعد الله حق } أي في إظهار دينك وإهلاك أعدائك قال الكلبي نسخت آية ~~القتال آية الصبر { واستغفر لذنبك } يعني الصغائر وهذا على قول من يجوزها ~~على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقيل يعني على ترك الأولى والأفضل ~~وقيل على ما صدر منه قبل النبوة وعند من لا يجوز الصغائر على الأنبياء ~~يقول هذا تعبد ms2778 من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ليزيده درجة ~~ولتصير سنة لغيره من بعده وذلك لأن مجامع الطاعات محصورة في قسمين التوبة ~~عما لا ينبغي، والاشتغال بما ينبغي والأول مقدم وهو التوبة من الذنوب ~~والثاني الاشتغال بالطاعات وهو قوله تعالى: { وسبح بحمد ربك } أي نزه ربك ~~عما لا يليق بجلاله وقيل صل شاكرا لربك { بالعشي والإبكار } يعني صلاة ~~العصر وصلاة الفجر وقال ابن عباس الصلوات الخمس { إن الذين يجادلون في ~~آيات الله بغير سلطان أتاهم } يعني كفار قريش { إن في صدورهم } يعني ما ~~في قلوبهم { إلا كبر } قال ابن عباس ما حملهم على تكذيبك إلا ما في ~~صدورهم من الكبر والعظمة { ما هم ببالغيه } يعني ببالغي مقتضى ذلك الكبر ~~وقيل معناه إن في صدورهم إلا كبر على محمد صلى الله عليه وسلم وطمع أن ~~يغلبوه وما هم ببالغي ذلك وقيل نزلت في اليهود وذلك أنهم قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إن صاحبنا المسيح بن داود يعنون الدجال يخرج في آخر ~~الزمان فيبلغ سطانه البر والبحر ويرد الملك إلينا قال الله تعالى: { ~~فاستعذ بالله } أي من فتنة الدجال { إنه هو السميع } يعني لأقوالهم { ~~البصير } يعني بأفعالهم. قوله عز وجل: { لخلق السموات والأرض } يعني مع ~~عظمهما { أكبر من خلق الناس } أي من إعادتهم بعد الموت والمعنى أنهم ~~مقرون أن الله تعالى خلق السموات والأرض وذلك أعظم في الصدور من خلق ~~الناس فكيف لا يقرون بالبعث بعد الموت { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ~~يعني أن الكفار لا يعلمون حيث لا يستدلون بذلك على توحيد خالقها، وقال ~~قوم معنى أكبر من خلق الناس أي أعظم من خلق الدجال ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون يعني اليهود الذين يخاصمون في أمر الدجال. فصل في ذكر الدجال م ~~عن هشام بن عروة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول # " ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال " # معناه أكبر فتنة وأعظم شوكة من الدجال ق عن ابن عمر رضي الله تعالى ms2779 ~~عنهما # " أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال فقال إنه أعور العين اليمنى ~~كأنها عنبة طافئة " # ولأبي داود والترمذي عنه قال # " قام النبي صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ~~ذكر الدجال فقال إني أنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذره قومه لقد أنذر ~~نوح قومه ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور ~~وأن الله ليس بأعور " # ق عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما من نبي إلا وقد أنذر قومه الأعور الكذاب ألا إنه أعور وإن ربكم ليس ~~بأعور مكتوب بين عينيه كافر " # وفي رواية لمسلم " بين عينيه كافر ثم تهجى ك ف ر ويقرؤه كل مسلم " # " عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في بيتي فذكر الدجال، فقال إن بين يديه ثلاث سنين سنة تمسك السماء ثلث ~~قطرها والأرض. والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها. ~~والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله نباتها كله فلا تبقى ~~ذات ظلف ولا ضرس من البهائم إلا هلكت ومن أشد فتنته أنه يأتي الأعرابي ~~فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك ألست تعلم أني ربك قال: فيقول: بلى، ~~فيتمثل الشيطان نحو إبله كأحسن ما تكون ضروعا وأعظمه أسنمة ويأتي الرجل ~~قد مات أخوه ومات أبوه فيقول: أرأيت إن أحييت لك أخاك وأباك ألست تعلم ~~أني ربك فيقول بلى فيتمثل له الشيطان نحو أخيه ونحو أبيه قالت: ثم خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته ثم رجع والقوم في اهتمام وغم مما ~~حدثهم قالت وأخذ بلحمتي الباب فقال مهيم أسماء فقلت: يا رسول الله لقد ~~خلعت أفئدتنا بذكر الدجال قال: إن يخرج وأنا حي فأنا حجيجه وإلا فإن ربي ~~خليفتي على كل مؤمن، قالت أسماء: فقلت يا رسول الله والله إنا لنعجن ~~عجينا فما نخبزه حتى نجوع فكيف بالمؤمنين يومئذ، قال: يجزيهم ما يجزىء ~~أهل ms2780 السماء من التسبيح والتقديس " # وفي رواية عنها قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم # " يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة ~~كاليوم واليوم كاضطرام السعفة في النار " # هذا حديث أخرجه البغوي بسنده والذي جاء في صحيح مسلم قال # " قلنا يا رسول الله ما لبثه في الأرض قال أربعون يوما يوم كسنة ويوم ~~كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم هذه قلنا يا رسول الله فذاك اليوم ~~الذي كسنة أتكفينا له صلاة يوم قال لا أقدروا له قدره قلنا يا رسول الله ~~وما إسراعه في الأرض قال كالغيث استذرته الريح " # وفي رواية أبي داود عنه " فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف ~~فإنها جواركم من فتنته وفيه ثم ينزل عيسى عليه الصلاة والسلام عند ~~المنارة البيضاء شرقي دمشق فيدركه عند باب لد فيقتله " ق عن حذيفة قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن مع الدجال إذا خرج ماء ونارا، فأما الذي يرى الناس أنه نار فماء ~~بارد والذي يرى الناس أنه ماء فنار محرقة فمن أدرك ذلك منكم فليقع في ~~الذي يرى أنه نار فإنه ماء عذب بارد " # ق عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " ألا أحدثكم حديثا عن الدجال ما حدث به نبي قومه إنه أعور وإنه يجيء ~~بمثال الجنة ولنار فالتي يقول إنها الجنة هي النار وإني أنذركم كما أنذر ~~نوح قومه " # ق # " عن المغيرة بن شعبة قال " ما سأل أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الدجال ما سألته وإنه قال لي ما يضرك قلت إنهم يقولون إن معه جبل خبز ~~ونهر ماء قال هو أهون على الله من ذلك " # عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من سمع بالدجال فلينأ منه فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن ~~فيتبعه مما يبعث به الشبهات أو قال لما يبعث به من الشبهات " # أخرجه أبو داود ق ms2781 عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ليس نقب من نقابها إلا ~~عليه الملائكة صافين يحرسونها فينزل السبخة ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث ~~رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق " # م عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " يأتي المسيح من قبل المشرق وهمته المدينة حتى ينزل دبر أحد ثم تصرف ~~الملائكة وجهه قبل الشام وهناك يهلك " # عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال # " الدجال يخرج بأرض بالمشرق يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأن وجوههم ~~المجان المطرقة " # أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن غريب م. عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة " # عن مجمع بن جارية الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " يقتل ابن مريم الدجال بباب لد " # أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح. قال الشيخ محيي الدين النووي: قال ~~القاضي عياض هذه الأحاديث التي وردت في قصة الدجال حجة للمذهب الحق في ~~صحة وجوده وأنه شخص بعينه ابتلى الله تعالى به عباده فأقدره على أشياء من ~~المقدورات من إحياء الميت الذي يقتله ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه ~~وجنته وناره وإتباع كنوز الأرض له وأمره السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن ~~تنبت فتنبت ويقع كل ذلك بقدرة الله تعالى وفتنته ثم يعجزه الله تعالى بعد ~~ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره ويبطل أمره ويقتله عيسى ابن ~~مريم عليه السلام ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، هذا مذهب أهل ~~السنة وجميع المحدثين والفقهاء خلافا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج ~~والجهمية وبعض المعتزلة وخلافا للجبائي المعتزلي وموافقيه من الجهمية ~~وغيرهم في أنه صحيح الوجود ولكن الأشياء التي يأتي بها زعموا أنها مخاريق ~~وخيالات لا حقائق لها وزعموا أنها لو ms2782 كانت حقا لضاهت معجزات الأنبياء ~~وهذا غلط من جميعهم لأنه لم يدع النبوة فيكون ما معه كالتصديق له وإنما ~~يدعي الربوبية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله ووجود دلائل الحدوث ~~فيه ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينه وعن إزالة الشاهد ~~بكفره المكتوب بين عينيه ولهذه الدلائل لا يغتر به إلا عوام من الناس ~~لشدة الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو خوفا من فتنته لأن فتنته عظيمة ~~جدا تدهش العقول وتحير الألباب ولهذا حذرت الأنبياء من فتنته فأما أهل ~~التوفيق فلا يغترون به ولا يخدعون بما معه لما سبق من العلم بحاله ولهذا ~~يقول له الذي يقتله ثم يحييه ما ازددت فيك إلا بصيرة قوله # " قلت يا رسول الله إنهم يقولون إن معه جبل خبز ونهر ماء قال هو أهون ~~على الله تعالى من ذلك " # معناه هذا أهون على الله تعالى من أن يجعل ما خلقه الله عز وجل على يده ~~مضلا للمؤمنين ومشككا لقلوبهم بل إنما جعله الله له ليزداد الذين آمنوا ~~إيمانا وتثبت الحجة على الكافرين والمنافقين وليس معناه أنه ليس معه شيء ~~من ذلك لأنه ثبت في الحديث أن معه ماء ونارا فماؤه نار وناره ماء بارد ~~والله تعالى أعلم. ### || [40.58-60] # قوله عز وجل: { وما يستوي الأعمى والبصير } أي الجاهل والعالم { والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء } أي لا يستوون { قليلا ما تتذكرون إن ~~الساعة } يعني القيامة { لآتية لا ريب فيها } أي لا شك في قيامها ومجيئها ~~{ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } أي لا يصدقون بالبعث بعد الموت، قوله ~~تعالى: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } أي اعبدوني دون غيري أجبكم وأثبكم ~~وأغفر لكم فلما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإثابة استجابة عن النعمان ~~بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر # " الدعاء هو العبادة ثم قرأ { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } " # أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح ms2783 وعن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من لم يسأل الله يغضب عليه " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب عن أنس بن مالك قال " الدعاء مخ العبادة " ~~أخرجه الترمذي وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " ليس شيء أكرم على الله من الدعاء " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب فإن قلت كيف قال ادعوني أستجب لكم وقد ~~يدعو الإنسان كثيرا فلا يستجاب له، قلت الدعاء له شروط منها الإخلاص في ~~الدعاء وأن لا يدعو وقلبه لاه مشغول بغير الدعاء وأن يكون المطلوب ~~بالدعاء مصلحة للإنسان وأن لا يكون فيه قطيعة رحم فإذا كان الدعاء بهذه ~~الشروط كان حقيقا بالإجابة فإما أن يعجلها له وإما أن يؤخرها له يدل ~~عليه ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " ما من رجل يدعو الله تعالى بدعاء إلا استجيب له فإما أن يعجل له به في ~~الدنيا وإما أن يدخر له في الآخرة وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ~~ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل قالوا يا رسول الله وكيف يستعجل ~~قال يقول دعوت ربي فما استجاب لي " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب وقيل الدعاء هو الذكر والسؤال { إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي } أي عن توحيدي وقيل دعائي { سيدخلون جهنم داخرين } ~~أي صاغرين ذليلين. ### || [40.61-69] # قوله عز وجل: { الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه } أي لتحصل لكم ~~الراحة فيه بسبب النوم والسكون { والنهار مبصرا } أي لتحصل لكم فيه مكنة ~~التصرف في حوائجكم ومهماتكم { إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس ~~لا يشكرون ذلكم الله ربكم } أي ذلكم المميز بالأفعال الخاصة التي لا ~~يشاركه فيها أحد هو الله ربكم { خالق كل شيء لا إله إلا هو } أي هو ~~الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق الأشياء كلها وأنه لا ~~شريك له في ذلك { فأنى تؤفكون } أي فأنى تصرفون عن الحق { كذلك ms2784 } أي كما ~~أفكنتم عن الحق مع قيام الدلائل كذلك { يؤفك الذين كانوا بآيات الله ~~يجحدون الله الذي جعل لكم الأرض قرارا } أي فراشا لتستقروا عليها وقيل ~~منزلا في حال الحياة وبعد الموت { والسماء بناء } أي سقفا مرفوعا ~~كالقبة { وصوركم فأحسن صوركم } أي خلقكم فأحسن خلقكم قال ابن عباس خلق ~~ابن آدم قائما معتدلا يأكل ويتناول بيده وغير ابن آدم يتناول بفيه { ~~ورزقكم من الطيبات } قيل هو ما خلق الله تعالى لعباده من المأكل والمشرب ~~من غير رزق الدواب { ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين هو الحي } ~~وهذا يفيد الحصر أي لا حي إلا هو فوجب أن يحمل ذلك على الذي يمتنع أن ~~يموت امتناعا تاما ثابتا وهو الله تعالى الذي لا يوصف بالحياة الكاملة ~~إلا هو، والحي هو المدرك الفعال لما يريد وهذه إشارة إلى العلم التام ~~والقدرة التامة ولما نبه على هذه الصفات نبه على كمال الوحدانية بقوله { ~~لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين } أي فادعوه ~~واحمدوه، قال ابن عباس من قال لا إله إلا الله فليقل على أثرها الحمد لله ~~رب العالمين { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني ~~البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين } وذلك حين دعي إلى الكفر ~~أمره الله تعالى أن يقول ذلك. قوله تعالى: { هو الذي خلقكم من تراب } ~~يعني أصلكم آدم وقيل يحتمل أن كل إنسان خلق من تراب لأنه خلق من النطفة ~~وهي من الأغذية والأغذية من النبات والنبات من التراب { ثم من نطفة ثم من ~~علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا } يعني أن ~~مراتب الإنسان بعد خروجه من بطن أمه ثلاث الطفولية وهي حالة النمو ~~والزيادة إلى أن يبلغ كمال الأشد من غير ضعف ثم يتناقص بعد ذلك وهي ~~الشيوخة { ومنكم من يتوفى من قبل } أي من قبل أن يصير شيخا { ولتبلغوا } ~~أي جميعا { أجلا مسمى } أي وقتا محدود لا تجاوزونه يعني أجل ms2785 الحياة ~~إلى الموت { ولعلكم تعقلون } أي ما في هذه الأحوال العجيبة من القدرة ~~الباهرة الدالة على توحيده وقدرته { هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون } أي يكونه من غير كلفة ولا معاناة ولا تعب وكل ~~ذلك من كمال قدرته على الإحياء والإماتة وسائر ما ذكر من الأفعال الدالة ~~على قدرته كأنه قال من الاقتدار إذا قضى أمرا كان أهون شيء وأسرعه. قوله ~~تعالى: { ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله } يعني القرآن { أنى ~~يصرفون } أي عن دين الحق وقيل نزلت في القدرية. ### || [40.70-78] # { الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون } فيه وعيد ~~وتهديد ثم وصف ما أوعدهم به فقال تعالى: { إذ الأغلال في أعناقهم ~~والسلاسل يسحبون } يعني يجرون بتلك السلاسل { في الحميم ثم في النار ~~يسجرون } يعني توقد بهم النار { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون ~~الله } يعني الأصنام { قالوا ضلوا عنا } أي فقدناهم فلم نرهم { بل لم نكن ~~ندعوا من قبل شيئا } قيل إنهم أنكروا عبادتها، وقيل لم نكن ندعوا شيئا ~~ينفع ويضر، وقيل ضاعت عبادتنا لها فكأنا لم نكن ندعو من قبل شيئا { كذلك ~~يضل الله الكافرين } أي كما أضل هؤلاء { ذلكم } أي العذاب الذي نزل بكم { ~~بما كنتم تفرحون } أي تبطرون وتأشرون { في الأرض بغير الحق وبما كنتم ~~تمرحون } أي تختالون وتفرحون به { ادخلوا أبواب جهنم } يعني السبعة { ~~خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين } يعني عن الإيمان. قوله تعالى: { فاصبر ~~إن وعد الله حق } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي بنصرك على الأعداء ~~{ فإما نرينك بعض الذي نعدهم } أي من العذاب في حياتك { أو نتوفينك } أي ~~قبل أن يحل ذلك بهم { فإلينا يرجعون ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من ~~قصصنا عليك } أي خبره وحاله في القرآن { ومنهم من لم نقصص عليك } أي لم ~~نذكر لك حال الباقين منهم وليس منهم أحد إلا أعطاه الله تعالى آيات ~~ومعجزات، وقد جادله قومه وكذبوه فيها وما جرى عليهم ms2786 يقارب ما جرى عليك ~~فصبروا وهذا تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم { وما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله } يعني بأمره وإرادته { فإذا جاء أمر الله } أي قضاؤه ~~بين الأنبياء والأمم { قضي بالحق } يعني بالعدل { وخسر هنالك المبطلون } ~~يعني الذين يجادلون في آيات الله بغير حق وفيه وعيد وتهديد لهم. ### || [40.79-85] # قوله تعالى: { الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ~~ولكم فيها منافع } أي في أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها { ولتبلغوا ~~عليها حاجة في صدوركم } أي تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد في أسفاركم ~~وحاجاتكم { وعليها وعلى الفلك تحملون } أي على الإبل في البر وعلى السفن ~~في البحر { ويريكم آياته } أي دلائل قدرته { فأي آيات الله تنكرون } يعني ~~أن هذه الآيات التي ذكرها ظاهرة باهرة فليس شيء منها يمكن إنكاره. قوله ~~تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض } يعني مصانعهم وقصورهم ~~والمعنى لو سار هؤلاء في أطراف الأرض لعرفوا أن عاقبة هؤلاء المنكرين ~~المتمردين الهلاك والبوار مع أنهم كانوا أكثر عددا وأموالا من هؤلاء { ~~فما أغنى عنهم } أي لم ينفعهم { ما كانوا يكسبون } أي أي شيء أغنى عنهم ~~كسبهم { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا } أي رضوا { بما عندهم من ~~العلم } قيل هو قولهم لن نبعث ولن نعذب وقيل هو علمهم بأحوال الدنيا سمي ~~ذلك علما على ما يدعونه ويزعمونه وهو في الحقيقة جهل { وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزئون فلما رأوا بأسنا } أي عذابنا { قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين } أي تبرأنا مما كنا نعدل بالله { فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده } يعني أن ~~سنة الله قد جرت في الأمم الخالية بعدم قبول الإيمان عند معاينة البأس ~~وهو العذاب يعني بتلك السنة أنهم إذا رأوا العذاب آمنوا ولا ينفعهم ~~إيمانهم عند معاينة العذاب { وخسر هنالك الكافرون } يعني بذهاب الدارين ~~قيل الكافر خاسر في ms2787 كل وقت ولكنه يتبين خسرانه إذا رأى العذاب والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-7] # قوله عز وجل: { حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته } أي بينت ~~وميزت وجعلت معاني مختلفة من أحكام وأمثال ومواعظ ووعد ووعيد { قرآنا ~~عربيا } أي باللسان العربي { لقوم يعلمون } أي إنما أنزلناه على العرب ~~بلغتهم ليفهموا منه والمراد ولو كان بغير لسانهم ما فهموه { بشيرا ~~ونذيرا } نعتان للقرآن أي بشيرا لأولياء الله بالثواب ونذيرا لأعدائه ~~بالعقاب { فأعرض أكثرهم } أي عنه { فهم لا يسمعون } أي لا يصغون إليه ~~تكبرا { وقالوا } يعني مشركي مكة { قلوبنا في أكنة } أي أغطية { مما ~~تدعونا إليه } أي فلا نفقه ما تقول { وفي آذاننا وقر } أي صمم فلا نسمع ~~ما تقول والمعنى أنا في ترك القبول منك بمنزلة من لا يفهم ولا يسمع { ومن ~~بيننا وبينك حجاب } أي خلاف في الدين وحاجز في الملة فلا نوافقك على ما ~~تقول { فاعمل } أي أنت على دينك { إننا عاملون } أي على ديننا { قل } يا ~~محمد { إنما أنا بشر مثلكم } أي كواحد منكم { يوحى إلي } أي لولا الوحي ~~ما دعوتكم، قال الحسن: علمه الله تعالى التواضع { إنما إلهكم إله واحد ~~فاستقيموا إليه } أي توجهوا إليه بطاعته ولا تميلوا عن سبيله { واستغفروه ~~} أي من ذنوبكم وشرككم { وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة } قال ابن ~~عباس: لا يقولون لا إله إلا الله لأنها زكاة الأنفس، والمعنى لا يطهرون ~~أنفسهم من الشرك بالتوحيد. وقيل: لا يقرون بالزكاة المفروضة ولا يرون ~~إتيانها واجبا يقال الزكاة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا ومن تخلف عنها ~~هلك، وقيل: معناه لا ينفقون في طاعة الله ولا يتصدقون، وقيل: لا يزكون ~~أعمالهم { وهم بالآخرة هم كافرون } أي جاحدون بالبعث بعد الموت. ### || [41.8-11] # { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } قال ابن عباس: ~~غير مقطوع، وقيل: غير منقوص، وقيل: غير ممنون عليهم به، وقيل: غير محسوب. ~~قيل نزلت هذه الآية في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن العمل ~~والطاعة ms2788 يكتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه خ عن أبي موسى الأشعري ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين يقول # " إذا كان العبد يعمل عملا صالحا فشغله عنه مرض أو سفر كتب الله تعالى ~~له كصالح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم ". # قوله عز وجل: { قل أئنكم } استفهام بمعنى الإنكار وذكر عنهم شيئين ~~منكرين أحدهما الكفر بالله تعالى وهو قوله تعالى { لتكفرون بالذي خلق ~~الأرض في يومين } وثانيهما { وتجعلون له أندادا } إثبات الشركاء ~~والأنداد له والمعنى كيف يجوز جعل هذه الأصنام الخسيسة أندادا لله تعالى ~~مع أنه تعالى هو الذي خلق الأرض في يومين يعني الأحد والاثنين { ذلك رب ~~العالمين } أي هو رب العالمين وخالقهم المستحق للعبادة لا الأصنام ~~المنحوتة من الخشب والحجر { وجعل فيها رواسي } أي جبالا ثوابت { من ~~فوقها } أي من فوق الأرض { وبارك فيها } أي في الأرض بكثرة الخيرات ~~الحاصلة فيها وهو ما خلق فيها من البحار والأنهار والأشجار والثمار وخلق ~~أصناف الحيوانات وكل ما يحتاج إليه { وقدر فيها أقواتها } أي قسم في ~~الأرض أرزاق العباد والبهائم وقيل قدر في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ~~ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة وقيل قدر البر لأهل قطر من الأرض والتمر ~~لأهل قطر آخر والذرة لأهل قطر والسمك لأهل قطر وكذلك سائر الأقوات. قيل ~~إن الزراعة أكثر الحرف بركة لأن الله تعالى وضع الأقوات في الأرض قال ~~الله تعالى: { وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام } أي مع اليومين الأولين ~~فخلق الأرض في يومين وقدر الأقوات في يومين وهما يوم الثلاثاء ويوم ~~الأربعاء فصارت أربعة أيام رد الآخر على الأول في الذكر { سواء للسائلين ~~} معناه سواء لمن سأل عن ذلك أي فهكذا الأمر سواء لا زيادة فيه ولا نقصان ~~جوابا لمن سأل في كم خلقت الأرض والأقوات { ثم استوى إلى السماء } أي ~~عمد إلى خلق السماء { وهي دخان } ذلك الدخان كان بخار الماء، قيل كان ~~العرش قبل خلق السموات والأرض على الماء فلما ms2789 أراد الله تعالى أن يخلق ~~السموات والأرض أمر الريح فضربت الماء فارتفع منه بخار كالدخان فخلق منه ~~السماء ثم أيبس الماء فخلقه أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها سبعا. فإن قلت ~~هذه الآية مشعرة بأن خلق الأرض كان قبل خلق السماء وقوله { والأرض بعد ~~ذلك دحاها } مشعر بأن خلق الأرض بعد خلق السماء فكيف الجمع بينهما. # قلت الجواب المشهور أنه تعالى خلق الأرض أولا ثم خلق السماء بعدها ثم ~~بعد خلق السماء دحا الأرض ومدها. وجواب آخر وهو أن يقال إن خلق السماء ~~مقدم على خلق الأرض فعلى هذا يكون معنى الآية خلق الأرض في يومين، وليس ~~الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين فقط بل هو عبارة عن التقدير أيضا فيكون ~~المعنى قضى أن يحدث الأرض في يومين بعد إحداث السماء فعلى هذا يزول ~~الإشكال والله أعلم بالحقيقة { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها } ~~أي ائتيا ما أمرتكما به أي افعلاه وقيل افعلا ما أمرتكما طوعا وإلا ~~ألجأتكما إلى ذلك حتى تفعلاه كرها فأجابتا بالطوع { قالتا أتينا طائعين ~~} معناه أتينا بما فينا طائعين فلما وصفهما بالقول أجراهما في الجمع مجرى ~~من يعقل. قيل قال الله تعالى لهما أخرجا ما خلقت فيكما من المنافع لمصالح ~~العباد أما أنت يا سماء فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك وأنت يا أرض فشقي ~~أنهارك وأخرجي ثمرك ونباتك. ### || [41.12-14] # وقوله تعالى: { فقضاهن سبع سموات } أي أتمهن وفرغ من خلقهن { في يومين } ~~وهما الخميس والجمعة { وأوحى في كل سماء أمرها } قال ابن عباس خلق في كل ~~سماء خلقا من الملائكة وخلق ما فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلمه ~~إلا الله تعالى وقيل أوحى إلى كل سماء ما أراد من الأمر والنهي { وزينا ~~السماء الدنيا } أي التي تلي الأرض { بمصابيح } أي بكواكب تشرق كالمصابيح ~~{ وحفظا } أي وجعلناها يعني الكواكب حفظا للسماء من الشياطين الذين ~~يسترقون السمع { ذلك } أي الذي ذكر من صنعه وخلقه { تقدير العزيز } أي في ~~ملكه { العليم } أي بخلقه وفيه إشارة إلى كمال القدرة والعلم. قوله ms2790 ~~تعالى: { فإن أعرضوا } يعني هؤلاء المشركين عن الإيمان بعد هذا البيان { ~~فقل أنذرتكم } أي خوفتكم { صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } أي هلاكا مثل ~~هلاكهم والصاعقة المهلكة من كل شيء { إذ جاءتهم الرسل } يعني إلى عاد ~~وثمود { من بين أيديهم } يعني الرسل الذين أرسلوا إلى آبائهم { ومن خلفهم ~~} يعني ومن بعد الرسل الذين أرسلوا إلى آبائهم وهم الرسل الذين أرسلوا ~~إليهم وهما هود وصالح وإنما خص هاتين القبيلتين لأن قريشا كانوا يمرون ~~على بلادهم { أن لا } أي بأن لا { تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا ~~لأنزل ملائكة } يعني لو شاء ربنا دعوة الخلق لأنزل ملائكة بدل هؤلاء ~~الرسل { فإنا بما أرسلتم به كافرون } روى البغوي بإسناد الثعلبي عن جابر ~~بن عبد الله قال: " قال الملأ من قريش وأبو جهل قد التبس علينا أمر محمد ~~فلو التمستم رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر فأتاه فكلمه ثم أتينا ~~ببيان من أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الشعر والكهانة ~~والسحر وعلمت من ذلك علما وما يخفى علي إن كان كذلك، فأتاه فلما خرج ~~إليه قال: يا محمد أنت خير أم هاشم أنت خير أم عبد المطلب أنت خير أم عبد ~~الله فيم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا فإن كان ما بك للرياسة عقدنا لك ~~ألويتنا فكنت رئيسا ما بقيت وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختارهن ~~من أي بنات قريش وإن كان بك المال جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من ~~بعدك ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم فلما فرغ قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته # [فصلت: 1-3] إلى قوله تعالى { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة ~~عاد وثمود } فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى ~~قريش واحتبس عنهم فقال أبو جهل يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد ~~صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه وما ذاك إلا من حاجة أصابته فانطلقوا ms2791 بنا إليه ~~فانطلقوا إليه فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبوت إلى ~~محمد وأعجبك طعامه فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن ~~طعام محمد، فغضب عتبة وأقسم لا يكلم محمدا أبدا وقال: والله لقد علمتم ~~أني من أكثر قريش مالا ولكني أتيته وقصصت عليه القصة فأجابني بشيء والله ~~ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله تعالى { فإن أعرضوا ~~فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن ~~يكف وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب ~~" وقال محمد بن كعب القرظي: حدثت أن عتبة بن ربيعة كان سيدا حليما قال ~~يوما وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده في ~~المسجد يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله ~~يقبل منا بعضها فنعطيه ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أن أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون قالوا بلى يا أبا الوليد فقم إليه ~~وكلمه فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن ~~أخي إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة والمكانة في النسب وإنك قد ~~أتيت قومك بأمر عظيم فرقت جماعتهم وسفهت أحلامهم وعيبت آلهتهم وكفرت من ~~مضى من آبائهم فاستمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها فقال صلى الله عليه ~~وسلم قل يا أبا الوليد فقال يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به ~~مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون من أكثرنا مالا وإن كنت تريد شرفا ~~سودناك علينا وإن كان هذا الذي بك رئيا تراه لا تستطيع رده طلبنا لك ~~الطب أو لعل هذا شعر جاش به صدرك فنعذرك فإنكم لعمري بني عبد المطلب ~~تقدرون من ذلك على ما لا يقدر عليه أحد حتى إذا فرغ قال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ms2792 أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاستمع مني، ~~قال: فافعل، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم # حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته # [فصلت: 1-3] ثم مضى فيها يقرأ فلما سمعها عتبة أنصت وألقى يده خلف ظهره ~~معتمدا عليها يستمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~السجدة فسجد ثم قال أسمعت يا أبا الوليد فأنت وذاك فقام عتبة إلى أصحابه ~~فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ~~فلما جلس إليهم قالوا ما وارءك يا أبا الوليد قال ورائي أني سمعت قولا ~~والله ما سمعت بمثله قط ما هو بشعر ولا بسحر ولا كهانة يا معشر قريش ~~أطيعوني يا معشر قريش خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه فوالله ~~ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن ~~يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وأنتم أسعد الناس به قالوا سحرك ~~والله محمد يا أبا الوليد بلسانه قال هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم ". ### || [41.15-16] # قوله عز وجل: { فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد ~~منا قوة } وذلك أن هودا هددهم بالعذاب فقالوا نحن نقدر على دفع العذاب ~~عنا بفضل قوتنا وكانوا ذوي أجسام طوال قال الله تعالى ردا عليهم { أولم ~~يروا } أي أو لم يعلموا { أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا ~~بآياتنا يجحدون فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا } أي عاصفا شديد الصوت وقيل ~~هي الريح الباردة فقيل إن الريح ثمانية، فأربع منها عذاب وهي الريح ~~الصرصر والعاصف والقاصف والعقيم وأربع منها رحمة وهي الناشرات والمبشرات ~~والمرسلات والذاريات قيل أرسل عليهم من الريح على قدر خرق الخاتم فأهلكوا ~~جميعا { في أيام نحسات } أي نكدات مشؤومات ذات نحس وقيل ذات غبار وتراب ~~ثائر لا يكاد يبصر فيه وقيل أمسك الله عز وجل عنهم المطر ثلاث سنين ودأبت ~~عليهم الريح من غير مطر { لنذيقهم عذاب الخزي } أي عذاب ms2793 الذل والهوان ~~وذلك مقابل لقوله { فاستكبروا في الأرض بغير الحق } { في الحياة الدنيا ~~} أي ذلك الذي نزل بهم من الخزي والهوان في الحياة الدنيا { ولعذاب ~~الآخرة أخزى } أي أشد إهانة { وهم لا ينصرون } أي لا يمنعون من العذاب. ### || [41.17] # { وأما ثمود فهديناهم } قال ابن عباس بينا لهم سبيل الهدى وقيل دللناهم ~~على الخير والشر { فاستحبوا العمى على الهدى } أي اختاروا الكفر على ~~الإيمان { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } أي ذي الهوان { بما كانوا يكسبون ~~} أي من الشرك. ### || [41.18-24] # { ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } أي يتقون الشرك والأعمال الخبيثة ~~وهم صالح ومن آمن معه من قومه. قوله تعالى: { ويوم يحشر أعداء الله إلى ~~النار فهم يوزعون } أي يساقون ويدفعون وقيل يحبس أولهم حتى يلحق آخرهم { ~~حتى إذا ما جاؤوها } يعني النار { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم } أي ~~بشراتهم وقيل فروجهم { بما كانوا يعملون } معناه أن الجوارح تنطق بما ~~كتمت الألسن من عملهم م # " عن أنس رضي الله تعالى عنه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فضحك فقال: هل تدرون مم أضحك قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ~~ربه عز وجل يقول يا رب ألم تجرني من الظلم، قال فيقول بلى فيقول فإني لا ~~أجيز اليوم على نفسي إلا شاهدا مني قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا وبالكرام الكاتبين عليك شهودا قال فيختم على فيه ويقال لأعضائه ~~انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا ~~فعنكن كنت أناضل " # { وقالوا } يعني الكفار الذين يجرون إلى النار { لجلودهم لم شهدتم علينا ~~قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } معناه أن القادر الذي خلقكم أول ~~مرة في الدنيا وأنطقكم ثم أعادكم بعد الموت قادر على إنطاق الأعضاء ~~والجوارح وهو قوله تعالى: { وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون } وقيل تم ~~الكلام عند قوله { الذي أنطق كل شيء } ثم ابتدأ بقوله { وهو خلقكم أول ~~مرة وإليه ترجعون } وقيل إنه ليس من جواب الجلود { وما كنتم تستترون } أي ~~تستخفون ms2794 وقيل معناه تظنون { أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ~~} والمعنى أنكم لا تقدرون على الاستخفاء من جوارحكم ولا تظنون أنها تشهد ~~عليكم { ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: كان الكفار يقولون إن الله لا يعلم ما في أنفسنا ولكنه ~~يعلم ما يظهر ق. عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال " اجتمع ~~عند البيت ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم ~~فقال أحدهم أترون أن الله تعالى يسمع ما نقول قال الآخر يسمع إذا جهرنا ~~ولا يسمع إن أخفينا وقال الآخر إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا ~~أخفينا فأنزل الله تعالى: { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا ~~أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } قيل ~~الثقفي هو عبد ياليل وختناه القرشيان ربيعة وصفوان بن أمية. قوله تعالى: ~~{ وذلك ظنكم الذي ظننتم بربكم } أي ظنكم أن الله لا يعلم كثيرا مما ~~تعملون { أرداكم } أي أهلككم قال ابن عباس طرحكم في النار { فأصبحتم من ~~الخاسرين } ثم أخبر عن حالهم بقوله بقوله تعالى { فإن يصبروا فالنار مثوى ~~لهم } أي مسكن { وإن يستعتبوا } أي يسترضوا ويطلبوا العتبى والمعتب هو ~~الذي قبل عتابه وأجيب إلى ما سأل { فما هم من المعتبين } أي المرضيين. ### || [41.25-29] # { وقيضنا لهم } أي بعثنا ووكلنا وقيل هيأنا لهم وسببنا لهم { قرناء } أي ~~نظراء من الشياطين حتى أضلوهم { فزينوا لهم ما بين أيديهم } أي من أمر ~~الدنيا حتى آثروهم على الآخرة { وما خلفهم } أي فدعوهم إلى التكذيب ~~بالآخرة وإنكار البعث وقيل حسنوا لهم أعمالهم القبيحة الماضية والمستقبلة ~~{ وحق عليهم القول } أي وجب { في أمم } أي مع أمم { قد خلت من قبلهم من ~~الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين } قوله تعالى: { وقال الذين كفروا } يعني ~~مشركي قريش { لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه } قال ابن عباس: والغطوا ~~فيه من اللغط وهو كثرة الأصوات كان بعضهم يوصي إلى بعض ms2795 إذا رأيتم محمدا ~~يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر وقيل أكثروا الكلام حتى يتخلط عليه ما يقول ~~وقيل والغوا فيه بالمكاء والصغير وقيل صيحوا في وجهه { لعلكم تغلبون } ~~يعني محمدا على قراءته { فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم ~~أسوأ } يعني بأسوأ { الذي كانوا يعملون } أي في الدنيا وهو الشرك { ذلك } ~~أي الذي ذكر من العذاب { جزاء أعداء الله } ثم بين ذلك الجزاء فقال { ~~النار لهم فيها دار الخلد } أي دار الإقامة لا انتقال لهم عنها { جزاء ~~بما كانوا بآياتنا يجحدون وقال الذين كفروا } أي في النار { ربنا } أي ~~يقولون يا ربنا { أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس } يعنون إبليس ~~وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه لأنهما سنا المعصية { نجعلهما تحت أقدامنا ~~} أي في النار { ليكونا من الأسفلين } أي في الدرك الأصفل من النار وقال ~~ابن عباس: ليكونا أشد عذاب منا. ### || [41.30-33] # قوله عز وجل: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } قال أهل التحقيق ~~كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته لأجل العمل به، ورأس المعرفة اليقينية ~~معرفة الله تعالى وإليه الإشارة بقوله { إن الذين قالوا ربنا الله } ورأس ~~الأعمال الصالحة أن يكون الإنسان مستقيما في الوسط غير مائل إلى طرفي ~~الإفراط والتفريط فتكون الاستقامة في أمر الدين والتوحيد فتكون في ~~الأعمال الصالحة. سئل أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عن الاستقامة ~~فقال: أن لا تشرك بالله شيئا وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ~~الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعلب. وقال عثمان ~~رضي الله تعالى عنه: استقاموا أخلصوا في العمل، وقال علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه: أدوا الفرائض، وهو قول ابن عباس. وقيل استقاموا على أمر الله ~~فعملوا بطاعته واجتنبوا معاصيه، وقيل: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا ~~الله حتى لحقوا بالله وكان الحسن إذا تلا هذه الآية قال اللهم أنت ربنا ~~فارزقنا الاستقامة { تتنزل عليهم الملائكة } قال ابن عباس عند الموت وقيل ~~إذا قاموا من قبورهم وقيل البشرى تكون في ثلاثة مواطن ms2796 عند الموت وفي ~~القبر وعند البعث { أن لا تخافوا } أي من الموت وقيل لا تخافوا على ما ~~تقدمون عليه من أمر الآخرة { ولا تحزنوا } أي على ما خلفتم من أهل وولد ~~فإنا نخلفكم في ذلك كله وقيل لا تخافوا من ذنوبكم ولا تحزنوا فأنا أغفرها ~~لكم { وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم } أي تقول الملائكة ~~عند نزولهم بالبشرى نحن أولياؤكم أي أنصاركم وأحباؤكم وقيل تقول لهم ~~الحفظة نحن كنا معكم { في الحياة الدنيا و } نحن أولياؤكم { في الآخرة } ~~لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة { ولكم فيها } أي في الجنة { ما تشتهي ~~أنفسكم } أي من الكرامات واللذات { ولكم فيها ما تدعون } أي تتمنون { ~~نزلا } أي رزقا والنزل رزق النزيل والنزيل هو الضيف { من غفور رحيم } ~~قال أهل المعاني كل هذه الأشياء المذكورة في هذه الآية جارية مجرى النزل ~~والكريم إذا أعطى هذا النزل فما ظنك بما بعده من الألطاف و الكرامة. قوله ~~تعالى: { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } أي إلى طاعة الله تعالى وقيل ~~هو رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى شهادة أن لا إله إلا ~~الله، وقيل: هو المؤمن أجاب الله تعالى فيما دعاه إليه ودعا الناس إلى ما ~~أجاب إليه { وعمل صالحا } في إجابته وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ~~أرى أن هذه الآية نزلت في المؤذنين وقيل إن كل من دعا إلى الله تعالى ~~بطريق من الطرق فهو داخل في هذه الآية. # وللدعوة إلى الله تعالى مراتب: الأولى: دعوة الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام إلى الله تعالى بالمعجزات وبالحجج والبراهين وبالسيف وهذه ~~المرتبة لم تتفق لغير الأنبياء. المرتبة الثانية: دعوة العلماء إلى الله ~~تعالى بالحجج والبراهين فقط والعلماء أقسام علماء بالله وعلماء بصفات ~~الله وعلماء بأحكام الله. المرتبة الثالثة: دعوة المجاهدين إلى الله ~~تعالى بالسيف فهم يجاهدون الكفار حتى يدخلوا في دين الله وطاعته. المرتبة ~~الرابعة: دعوة المؤذنين إلى الصلاة فهم أيضا دعاة إلى الله تعالى وإلى ~~طاعته، وعمل صالحا، قيل: العمل الصالح على ms2797 قسمين قسم يكون من أعمال ~~القلوب وهو معرفة الله تعالى وقسم يكون بالجوارح وهو سائر الطاعات وقيل: ~~وعمل صالحا صلى ركعتين بين الأذان والإقامة ق. عن عبد الله بن مغفل قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة وقال في الثالثة لمن شاء " # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: # " الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد " # أخرجه أبو داود والترمذي، وقال هذا حديث حسن. { وقال إنني من المسلمين } ~~قيل ليس الغرض منه القول فقط بل يضم إليه اعتقاد القلب فيعتقد بقلبه دين ~~الإسلام مع التلفظ به. ### || [41.34-38] # قوله تعالى { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } يعني الصبر والغضب والحلم ~~والجهل والعفو والإساءة { ادفع بالتي هي أحسن } قال ابن عباس أمره بالصبر ~~عند الغضب وبالحلم عند الجهل وبالعفو عند الإساءة { فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم } أي صديق قريب، قيل نزلت في أبي سفيان بن حرب وذلك ~~حيث لان للمسلمين بعد شدة عداوته بالمصاهرة التي حصلت بينه وبين النبي ~~صلى الله عليه وسلم فصار وليا بالإسلام حميما بالقرابة { وما يلقاها } ~~أي وما يلقى هذه الخصلة والفعلة وهي دفع السيئة بالحسنة { إلا الذين ~~صبروا } أي على تحمل المكاره وتجرع الشدائد وكظم الغيظ وترك الانتقام وما ~~يلقاها { إلا ذو حظ عظيم } أي من الخير والثواب وقيل الحظ العظيم الجنة ~~يعني ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ } ~~النزغ شبه النخس والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه أي يبعثه إلى ما لا ~~ينبغي ومعنى الآية وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن ~~{ فاستعذ بالله } أي من شره { إنه هو السميع } أي لاستعاذتك { العليم } ~~بأحوالك. قوله تعالى: { ومن آياته } أي ومن دلائل قدرته وحكمته الدالة ~~على وحدانيته { الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } ~~أي إنهما مخلوقان مسخران فلا ينبغي السجود لهما لأن السجود عبارة عن ~~نهاية التعظيم { واسجدوا لله الذي خلقهن } أي المستحق للسجود ms2798 والتعظيم هو ~~الله خالق الليل والنهار والشمس والقمر { إن كنتم إياه تعبدون } يعني أن ~~ناسا كانوا يسجدون للشمس والقمر والكواكب ويزعمون أن سجودهم لهذه ~~الكواكب هو سجود لله عز وجل فنهوا عن السجود لهذه الوسايط وأمروا بالسجود ~~لله الذي خلق هذه الأشياء كلها { فإن استكبروا } أي عن السجود لله { ~~فالذين عند ربك } يعني الملائكة { يسبحون له بالليل والنهار وهم لا ~~يسأمون } أي لا يفترون ولا يملون. فصل وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة ~~وفي موضع السجود فيها قولان للعلماء وهما وجهان لأصحاب الشافعي أحدهما ~~أنه عند قوله تعالى: { إن كنتم إياه تعبدون } وهو قول ابن مسعود والحسن ~~وحكاه الرافعي عن أبي حنيفة وأحمد لأن ذكر السجدة قبله والثاني وهو الأصح ~~عند أصحاب الشافعي وكذلك نقله الرافعي أنه عند قوله تعالى: { وهم لا ~~يسأمون } وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وقتادة وحكاه ~~الزمخشري عن أبي حنيفة لأن عنده يتم الكلام. ### || [41.39-43] # { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن ~~الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير } قوله تعالى: { إن الذين ~~يلحدون } أي يميلون عن الحق { في آياتنا } أي في أدلتنا قيل بالمكاء ~~والتصدية واللغو واللغط وقيل يكذبون بآياتنا ويعاندون ويشاقون { لا يخفون ~~علينا } تهديد ووعيد قيل نزلت في أبي جهل { أفمن يلقى في النار } هو أبو ~~جهل { خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة } المعنى الذين يلحدون في آياتنا ~~يلقون في النار والذين يؤمنون بآياتنا آمنون يوم القيامة قيل هو حمزة ~~وقيل عثمان وقيل عمار بن ياسر { اعملوا ما شئتم } أمر تهديد ووعيد { إنه ~~بما تعملون بصير } أي إنه عالم بأعمالكم فيجازيكم عليها { إن الذين كفروا ~~بالذكر لما جاءهم } يعني القرآن وفي جواب إن وجهان أحدهما أنه محذوف ~~تقديره إن الذين كفروا بالذكر يجازون بكفرهم، والثاني جوابه أولئك ينادون ~~من مكان بعيد ثم أخذ في وصف الذكر فقال تعالى: { وإنه لكتاب عزيز } قال ~~ابن عباس: كريم على الله تعالى، وقيل: العزيز ms2799 العديم النظير وذلك أن ~~الخلق عجزوا عن معارضته وقيل أعزه الله بمعنى منعه فلا يجد الباطل إليه ~~سبيلا وهو قوله تعالى { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } قيل ~~الباطل هو الشيطان فلا يستطيع أن يغيره وقيل إنه محفوظ من أن ينقص منه ~~فيأتيه الباطل من بين يديه أو يزاد فيأتيه الباطل من خلفه فعلى هذا يكون ~~معنى الباطل الزيادة والنقصان وقيل لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله ~~ولا يجيء بعده كتاب فيبطله وقيل معناه أن الباطل لا يتطرق إليه ولا يجد ~~إليه سبيلا من جهة من الجهات حتى يصل إليه وقيل: لا يأتيه الباطل عما ~~أخبر فيما تقدم من الزمان ولا فيما تأخر { تنزيل من حكيم } أي في جميع ~~أفعاله { حميد } أي إلى جميع خلقه بسبب نعمه عليهم ثم عزى الله تعالى ~~نبيه صلى الله عليه وسلم على تكذيبهم إياه فقال عز وجل: { ما يقال لك } ~~أي من الأذى والتكذيب { إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } يعني أنه قد قيل ~~للأنبياء قبلك ساحر كما يقال لك وكذبوا كما كذبت { إن ربك لذو مغفرة } أي ~~لمن تاب وآمن بك { وذو عقاب أليم } أي لمن أصر على التكذيب. ### || [41.44-47] # قوله عز وجل: { ولو جعلناه } أي هذا الكتاب الذي تقرأه على الناس { ~~قرآنا أعجميا } يعني بغير لغة العرب { لقالوا لولا فصلت آياته } يعني ~~هلا بينت آياته بالعربية حتى نفهمها { أأعجمي وعربي } يعني أكتاب أعجمي ~~ورسول عربي وهذا استفهام إنكار والمعنى لو نزل الكتاب بلغة العجم لقالوا ~~كيف يكون المنزل عليه عربيا والمنزل أعجميا، وقيل في معنى الآية: أنا ~~لو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم لكان لهم أن يقولوا كيف أنزلنا الكلام ~~العجمي إلى القوم العرب ولصح قولهم أن يقولوا قلوبنا في أكنة وفي آذاننا ~~وقر لأنا لا نفهمه ولا نحيط بمعناه، وأنا لما أنزلنا هذا القرآن بلغة ~~العرب وهم يفهمونه فكيف يمكنهم أن يقولوا قلوبنا في أكنة وفي آذاننا وقر ~~وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2800 كان يدخل على يسار غلام عامر بن ~~الحضرمي وكان يهوديا أعجميا يكنى أبا فكيهة فقال المشركون إنما يعلمه ~~يسار فضربه سيده وقال إنك تعلم محمدا فقال هو والله يعلمني فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية { قل } يا محمد { هو } يعني القرآن { للذين آمنوا هدى } ~~يعني من الضلالة { وشفاء } يعني لما في القلوب من مرض الشرك والشك وقيل ~~شفاء من الأوجاع والأسقام { والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم ~~عمى } يعني صموا عن استماع القرآن وعموا عنه فلا ينتفعون به { أولئك ~~ينادون من مكان بعيد } يعني كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم ~~كذلك هؤلاء في قلة انتفاعهم بما يوعظون به كأنهم ينادون من حيث لا يسمعون ~~{ ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } يعني فمصدق به ومكذب كما اختلف ~~قومك في كتابك { ولولا كلمة سبقت من ربك } يعني في تأخير العذاب عن ~~المكذبين بالقرآن { لقضي بينهم } يعني لفرغ من عذابهم وعجل إهلاكهم { ~~وإنهم لفي شك منه مريب } يعني من كتابك وصدقك { من عمل صالحا فلنفسه } ~~يعني يعود نفع إيمانه وعمله لنفسه { ومن أساء فعليها } يعني ضرر إساءته ~~أو كفره يعود على نفسه أيضا { وما ربك بظلام للعبيد } يعني فيعذب غير ~~المسيء. قوله عز وجل: { إليه يرد علم الساعة } يعني إذا سأل عنها سائل ~~قيل له لا يعلم وقت قيام الساعة إلا الله تعالى ولا سبيل للخلق إلى معرفة ~~ذلك { وما تخرج من ثمرات من أكمامها } أي من أوعيتها، وقال ابن عباس: هو ~~الكفرى قبل أن ينشق { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } أي يعلم قدر ~~أيام الحمل وساعاته ومتى يكون الوضع وذكر الحمل هو أم أنثى ومعنى الآية ~~كما يرد إليه علم الساعة فكذلك يرد إليه علم ما يحدث من كل شيء كالثمار ~~والنتاج وغيره. # فإن قلت قد يقول الرجل الصالح من أصحاب الكشف قولا فيصيب فيه وكذلك ~~الكهان والمنجمون. قلت أما أصحاب الكشف إذا قالوا قولا فهو من إلهام ~~الله تعالى وإطلاعه إياهم عليه ms2801 فكان من علمه الذي يرد إليه وأما الكهان ~~والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم في شيء مما يقولونه البتة، وإنما ~~غايته ادعاء ظن ضعيف قد لا يصيب وعلم الله تعالى هو العلم اليقين المقطوع ~~به الذي لا يشركه فيه أحد { ويوم يناديهم } أي ينادي الله تعالى المشركين ~~فيقول { أين شركائي } أي الذين تدعون أنها آلهة { قالوا } يعني المشركين ~~{ آذناك } أي أعلمناك { ما منا من شهيد } أي يشهد أن لك شريكا وذلك لما ~~رأوا العذاب تبرؤوا من الأصنام. ### || [41.48-53] # { وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل } أي يعبدون في الدنيا { وظنوا ما لهم ~~من محيص } أي مهرب. قوله تعالى: { لا يسأم الإنسان } أي لا يمل الكافر { ~~من دعاء الخير } يعني لا يزال يسأل ربه الخير وهو المال والغنى والصحة { ~~وإن مسه الشر } أي الشدة والفقر { فيؤوس } أي من روح الله تعالى { قنوط } ~~أي من رحمته { ولئن أذقناه رحمة منا } أي آتيناه خيرا وعافية وغنى { من ~~بعد ضراء مسته } أي من بعد شدة وبلاء أصابه { ليقولن هذا لي } أي أستحقه ~~بعملي { وما أظن الساعة قائمة } أي ولست على يقين من البعث { ولئن رجعت ~~إلى ربي } يقول هذا الكافر أي فإن كان الأمر على ذلك ورددت إلى ربي { إن ~~لي عنده للحسنى } أي الجنة والمعنى كما أعطاني في الدنيا سيعطيني في ~~الآخرة { فلننبئن الذين كفروا بما عملوا } قال ابن عباس لنوقفنهم على ~~مساوي أعمالهم { ولنذيقنهم من عذاب غليظ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ~~ونأى بجانبه } أي ذهب بنفسه وتكبر وتعظم { وإذا مسه الشر } أي الشدة ~~والفقر { فذو دعاء عريض } أي كثير { قل } أي قل يا محمد لكفار مكة { ~~أرأيتم إن كان من عند الله } أي هذا القرآن { ثم كفرتم به } أي جحدتموه { ~~من أضل ممن هو في شقاق بعيد } أي في خلاف للحق بعيد عنه والمعنى فلا أحد ~~أضل منكم { سنريهم آياتنا في الآفاق } قال ابن عباس يعني منازل الأمم ~~الخالية { وفي أنفسهم } أي البلاء والأمراض وقيل ما نزل بهم يوم بدر وقيل ~~في ms2802 الآفاق هو ما يفتح من القرى والبلاد على محمد صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين وفي أنفسهم هو فتح مكة { حتى يتبين لهم أنه الحق } يعني دين ~~الإسلام، وقيل يتبين القرآن أنه من عند الله وقيل يتبين لهم أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم مؤيد من قبل الله تعالى وقيل في الآفاق يعني أقطار ~~السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والأشجار والأنهار والنبات وفي ~~أنفسهم يعني من لطيف الحكمة وبديع الصنعة حتى يتبين لهم أنه الحق يعني لا ~~يقدر على هذه الأشياء إلا الله تعالى: { أولم يكف بربك أنه على كل شيء ~~شهيد } يعني يشهد أن القرآن من عند الله تعالى، وقيل أولم يكفهم الدلائل ~~الكثيرة التي أوضحها الله لهم على التوحيد وأنه شاهد لا يغيب عنه شيء. ### || [41.54] # { ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم } أي في شك عظيم من القيامة { ألا إنه ~~بكل شيء محيط } أي عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها، أحاط بكل شيء ~~علما وأحصى كل شيء عددا والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-3] # قوله عز وجل: { حم عسق } سئل الحسين بن الفضل لم قطع حروف حم عسق ولم ~~يقطع حروف المص والمر وكهيعص، فقال: لأنها بين سور أوائلها حم فجرت مجرى ~~نظائرها فكان حم مبتدأ وعسق خبره لأن حم عسق عدت آيتين وعدت أخواتها التي ~~لم تقطع آية واحدة. وقيل لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص وأخواتها ~~أنها حروف التهجي واختلفوا في حم فأخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلها ~~فعلا فقال معناها حم الأمر أي قضى وبقي عسق على أصله. وقال ابن عباس ح ~~حلمه م مجده ع علمه س سناه ق قدرته أقسم الله عز وجل بها. وقيل إن العين ~~من العزيز والسين من قدوس والقاف من قاهر وقيل ح حرب في قريش يعز فيها ~~الذليل ويذل فيها العزيز م ملك يتحول من قوم إلى قوم ع عدو لقريش يقصدهم ~~س سنون كسني يوسف ق قدرة الله في خلقه، وقيل ms2803 هذا في شأن محمد صلى الله ~~عليه وسلم فالحاء حوضه المورود و الميم ملكه الممدرد والعين عزه الموجود ~~والسين سناؤه المشهود والقاف قيامه في المقام المحمود وقربه من الملك ~~المعبود وقال ابن عباس ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق ~~فلذلك قال الله تعالى: { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك } وقيل معناه ~~كذلك نوحي إليك أخبار الغيب كما أوحينا إلى الذين من قبلك { الله العزيز ~~} في ملكه { الحكيم } في صنعه، والمعنى كأنه قيل من يوحي فقال الله ~~العزيز الحكيم ثم وصف نفسه وسعة ملكه فقال تعالى: { له ما في السموات وما ~~في الأرض... }. ### || [42.4-7] # { له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم تكاد السموات يتفطرن ~~من فوقهن } أي من فوق الأرضين وقيل تنفطر كل واحدة فوق التي تليها من ~~عظمة الله تعالى وقيل من قول المشركين اتخذ الله ولدا { والملائكة ~~يسبحون بحمد ربهم } أي ينزهونه عما لا يليق بجلاله وقيل يصلون بأمر ربهم ~~{ ويستغفرون لمن في الأرض } أي من المؤمنين دون الكفار، لأن الكافر لا ~~يستحق أن تستغفر له الملائكة، وقيل يحتمل أن يكون لجميع من في الأرض أما ~~في حق الكافرين فبواسطة طلب الإيمان لهم ويحتمل أن يكون المراد من ~~الاستغفار لا يعاجلهم بالعقاب وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم، ~~وقيل استغفارهم لمن في الأرض هو سؤال الرزق لهم فيدخل فيه المؤمن والكافر ~~{ ألا إن الله هو الغفور الرحيم } يعني أنه تعالى يعطي المغفرة التي ~~سألوها ويضم إليها بمنه وكرمه الرحمة العامة الشاملة. قوله تعالى: { ~~والذين اتخذوا من دونه أولياء } أي جعلوا له شركاء وأندادا { الله حفيظ ~~عليهم } يعني رقيب على أحوالهم وأعمالهم { وما أنت عليهم بوكيل } يعني لم ~~توكل بهم حتى تؤخذ بهم إنما أنت نذير { وكذلك } أي ومثل ما ذكرنا { ~~أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى } يعني مكة والمراد أهلها { ~~ومن حولها } يعني قرى الأرض كلها { وتنذر يوم الجمع } أي وتنذرهم بيوم ~~الجمع وهو يوم القيامة يجمع الله ms2804 سبحانه وتعالى فيه الأولين والآخرين ~~وأهل السموات وأهل الأرضين { لا ريب فيه } أي لا شك في الجمع أنه كائن ثم ~~بعد ذلك يتفرقون وهو قوله تعالى: { فريق في الجنة وفريق في السعير } # " عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال " خرج علينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قابضا على كفه ومعه كتابان فقال أتدرون ~~ما هذان الكتابان قلنا لا يا رسول الله فقال للذي في يده اليمنى هذا كتاب ~~من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل ~~أن يستقروا نطفا في الأصلاب وقبل أن يستقروا نطفا في الأرحام إذ هم في ~~الطينة منجدلون فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم إجمال من الله تعالى عليهم ~~إلى يوم القيامة، ثم قال للذي في يساره هذا كتاب من رب العالمين بأسماء ~~أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفا في ~~الأصلاب وقبل أن يستقروا نطفا في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون فليس ~~بزائد فيهم ولا ناقص منهم إجمال من الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة ~~فقال عبد الله بن عمرو ففيم العمل إذا؟ قال اعملوا وسددوا وقاربوا فإن ~~صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل ثم قال فريق في الجنة ~~وفريق في السعير عدل من الله تعالى " " # أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. ### || [42.8-11] # قوله تعالى: { ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة } قال ابن عباس: على دين ~~واحد وقيل على ملة الإسلام { ولكن يدخل من يشاء في رحمته } أي في دين ~~الإسلام { والظالمون } أي الكافرون { ما لهم من ولي } أي يدفع عنهم ~~العذاب { ولا نصير } أي يمنعهم من العذاب { أم اتخذوا } يعني الكفار { من ~~دونه أولياء فالله هو الولي } قال ابن عباس هو وليك يا محمد وولي من تبعك ~~{ وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير } يعني أن من يكون بهذه الصفة فهو ~~الحقيق بأن يتخذ وليا ومن لا يكون بهذه الصفة فليس بولي { ما ms2805 اختلفتم ~~فيه من شيء } أي من أمر الدين { فحكمه إلى الله } أي يقضي فيه ويحكم يوم ~~القيامة بالفصل الذي يزيل الريب وقيل علمه إلى الله وقيل تحاكموا فيه إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن حكمه من حكم الله تعالى ولا تؤثروا ~~حكومة غيره على حكومته { ذلكم الله } يعني الذي يحكم بين المختلفين هو ~~الله { ربي عليه توكلت } يعني في جميع أموري { وإليه أنيب } يعني وإليه ~~أرجع في كل المهمات { فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم } يعني من ~~جنسكم { أزواجا } يعني حلائل، وإنما قال من أنفسكم لأن الله تعالى خلق ~~حواء من ضلع آدم { ومن الأنعام أزواجا } يعني أصنافا ذكرانا وإناثا { ~~يذرؤكم } يعني يخلقكم وقيل يكثركم { فيه } يعني في الرحم وقيل في البطن ~~لأنه قد تقدم ذكر الأزواج وقيل نسلا بعد نسل حتى كان بين ذكورهم وإناثهم ~~التوالد والتناسل وقيل الضمير في يذرؤكم يرجع إلى المخاطب من الناس ~~والأنعام إلا أنه غلب جانب الناس وهم العقلاء على غير العقلاء من ~~الأنعام، وقيل في بمعنى الباء أي يذرؤكم به أي يكثركم بالتزويج { ليس ~~كمثله شيء } المثل صلة أي ليس كهو شيء وقيل الكاف صلة مجازه ليس مثله ~~شيء، قال ابن عباس: ليس له نظير. فإن قلت هذه الآية دالة على نفي المثل ~~وقوله تعالى: { وله المثل الأعلى في السموات والأرض } يقتضي إثبات المثل ~~فما الفرق. قلت المثل الذي يكون مساويا في بعض الصفات الخارجية على ~~الماهية فقوله ليس كمثله شيء معناه ليس له نظير، كما قاله ابن عباس أو ~~يكون معناه ليس لذاته سبحانه وتعالى مثل وقوله { وله المثل الأعلى } ~~معناه وله الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله ولا يشاركه فيه أحد فقد ظهر ~~بهذا التفسير معنى الآيتين وحصل الفرق بينهما { وهو السميع } يعني لسائر ~~المسموعات { البصير } يعني المبصرات. ### || [42.12-15] # { له مقاليد السموات والأرض } يعني مفاتيح الرزق في السموات يعني المطر ~~وفي الأرض يعني النبات يدل عليه قوله تعالى: { يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ~~} أي أنه يوسع على من ms2806 يشاء ويضيق على من يشاء لأن مفاتيح الرزق بيده { ~~إنه بكل شيء عليم } أي من البسط والتضييق. قوله عز وجل: { شرع لكم من ~~الدين } أي ما بين وسن لكم طريقا واضحا من الدين، أي دينا تطابقت على ~~صحته الأنبياء وهو قوله تعالى: { ما وصى به نوحا } أي أنه أول الأنبياء ~~أصحاب الشرائع والمعنى قد وصيناه وإياك يا محمد دينا واحدا { والذي ~~أوحينا إليك } أي من القرآن وشرائع الإسلام { وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى } إنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء ~~وأصحاب الشرائع المعظمة والأتباع الكثيرة وأولو العزم. ثم فسر المشروع ~~الذي اشترك فيه هؤلاء الأعلام من رسله بقوله تعالى: { أن أقيموا الدين ~~ولا تتفرقوا فيه } والمراد بإقامة الدين هو توحيد الله والإيمان به ~~وبكتبه ورسله واليوم الآخر وطاعة الله في أوامره ونواهيه وسائر ما يكون ~~الرجل به مسلما، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها ~~فإنها مختلفة متفاوتة قال الله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا # [المائدة: 48] وقيل أراد تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقيل تحريم ~~الأمهات والبنات والأخوات فإنه مجمع على تحريمهن، وقيل لم يبعث الله ~~نبيا إلا وصاه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله تعالى ~~بالوحدانية والطاعة وقيل بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة ~~والجماعة وترك الفرقة { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } أي من التوحيد ~~ورفض الأوثان { الله يجتبي إليه من يشاء } أي يصطفي لدينه من يشاء من ~~عباده { ويهدي إليه من ينيب } أي يقبل على طاعته { وما تفرقوا } يعني أهل ~~الأديان المختلفة، وقال ابن عباس: يعني أهل الكتاب { إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم } أي بأن الفرقة ضلالة { بغيا بينهم } أي ولكنهم فعلوا ذلك للبغي ~~وقيل بغيا منهم على محمد صلى الله عليه وسلم { ولولا كلمة سبقت من ربك } ~~أي في تأخير العذاب عنهم { إلى أجل مسمى } يعني إلى يوم القيامة { لقضي ~~بينهم } أي بين من آمن وكفر يعني لأنزل العذاب بالمكذبين في الدنيا { وإن ~~الذين أورثوا الكتاب } أي اليهود ms2807 والنصارى { من بعدهم } أي من بعد ~~أنبيائهم وقيل الأمم الخالية { لفي شك منه } أي من أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم فلا يؤمنون به { مريب } يعني مرتابين شاكين فيه { فلذلك } أي ~~إلى ذلك { فادع } أي إلى ما وصى الله تعالى به الأنبياء من التوحيد وقيل ~~لأجل ما حدث به من الاختلاف في الدين الكثير فادع أنت إلى الاتفاق على ~~الملة الحنيفية { واستقم كما أمرت } أي أثبت على الدين الذي أمرت به { ~~ولا تتبع أهواءهم } أي المختلفة الباطلة { وقل آمنت بما أنزل الله من ~~كتاب } أي آمنت بكتب الله المنزلة كلها وذلك لأن المتفرقين آمنوا ببعض ~~الكتب وكفروا ببعض { وأمرت لأعدل بينكم } قال ابن عباس أمرت أن لا أحيف ~~عليكم بأكثر مما افترض الله عليكم من الأحكام وقيل لأعدل بينكم في جميع ~~الأحوال والأشياء وقيل لأعدل بينكم في الحكم إذا تخاصمتم وتحاكمتم إلى { ~~الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم } يعني أن إله الكل واحد وكل ~~أحد مخصوص بعمل نفسه وإن اختلفت أعمالنا فكل يجازي بعمله { لا حجة } أي ~~لا خصومة { بيننا وبينكم } وهذه الآية منسوخة بآية القتال إذا لم يؤمر ~~بالقتال وأمر بالدعوة فلم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة { الله يجمع ~~بيننا } أي في المعاد لفصل القضاء { وإليه المصير }. ### || [42.16-18] # قوله عز وجل: { والذين يحاجون في الله } أي يخاصمون في دين الله قيل هم ~~اليهود قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن خير منكم فهذه ~~خصومتهم { من بعد ما استجيب له } أي من بعد ما استجاب الناس لدين الله ~~تعالى فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزة نبيه صلى الله عليه وسلم { ~~حجتهم داحضة } أي خصومتهم باطلة { عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد } ~~أي في الآخرة { الله الذي أنزل الكتاب بالحق } أي الكتاب المشتمل على ~~أنواع الدلائل والأحكام { والميزان } أي العدل سمي العدل ميزانا لأن ~~الميزان آلة الإنصاف والتسوية، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الله ~~تعالى بالوفاء ونهى عن البخس { وما يدريك لعل الساعة قريب ms2808 } أي وقت ~~إتيانها قريب وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الساعة وعنده قوم من ~~المشركين فقالوا تكذيبا له متى تكون الساعة فأنزل الله تعالى: { يستعجل ~~بها الذين لا يؤمنون بها } أي ظنا منهم أنها غير آتية { والذين آمنوا ~~مشفقون } أي خائفون { منها ويعلمون أنها الحق } أي أنها آتية لا شك فيها ~~{ ألا إن الذين يمارون } أي يخاصمون { في الساعة } وقيل يشكون فيها { لفي ~~ضلال بعيد } ### || [42.19-23] # قوله عز وجل: { الله لطيف بعباده } أي كثير الإحسان إليهم، قال ابن ~~عباس: حفي بهم وقيل رفيق وقيل لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعا ~~بمعاصيهم يدل عليه قوله تعالى: { يرزق من يشاء } يعني أن الإحسان والبر ~~إنعام في حق كل العباد وهو إعطاء ما لا بد منه فكل من رزقه الله تعالى من ~~مؤمن وكافر وذي روح فهو ممن يشاء الله أن يزرقه، وقيل لطفه في الرزق من ~~وجهين أحدهما أنه جعل رزقكم من الطيبات والثاني أنه لم يدفعه إليكم مرة ~~واحدة { وهو القوي } أي القادر على كل ما يشاء { العزيز } أي الذي لا ~~يغالب ولا يدافع { من كان يريد حرث الآخرة } أي كسب الآخرة والمعنى من ~~كان يريد بعمله الآخرة { نزد له في حرثه } أي بالتضعيف الواحدة إلى عشرة ~~إلى ما يشاء الله تعالى من الزيادة، وقيل إنا نزيد في توفيقه وإعانته ~~وتسهيل سبيل الخيرات والطاعة إليه { ومن كان يريد حرث الدنيا } يعني يريد ~~بعمله الدنيا مؤثرا لها على الآخرة { نؤته منها } أي ما قدر وقسم له ~~منها { وما له في الآخرة من نصيب } يعني لأنه لم يعمل لها، عن أبي بن كعب ~~رضي الله عنه قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم # " بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل ~~الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب " # ذكره في جامع الأصول ولم يعزه إلى أحد من الكتب الستة وأخرجه البغوي ~~بإسناده. قوله تعالى: { أم لهم } يعني كفار مكة { شركاء } يعني الأصنام ~~وقيل الشياطين ms2809 { شرعوا لهم من الدين } قال ابن عباس شرعوا لهم غير دين ~~الإسلام { ما لم يأذن به الله } يعني أن تلك الشرائع بأسرها على خلاف دين ~~الله تعالى الذي أمر به وذلك أنهم زينوا لهم الشرك وإنكار البعث والعمل ~~للدنيا لأنهم لا يعلمون غيرها { ولولا كلمة الفصل } يعني أن الله حكم بين ~~الخلق بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة { لقضي بينهم } أي لفرغ من ~~عذاب الذين يكذبونك في الدنيا { وإن الظالمين } يعني المشركين { لهم عذاب ~~أليم } أي في الآخرة { ترى الظالمين } يعني يوم القيامة { مشفقين } أي ~~وجلين خائفين { مما كسبوا } أي من الشرك والأعمال الخبيثة { وهو واقع بهم ~~} أي جزاء كسبهم واقع بهم { والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات ~~الجنات } لأن هذه الروضات أطيب بقاع الجنة فلذلك خص الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات بها وفيه تنبيه على أن الجنة منازل غير الروضات هي لمن هو دون ~~الذين عملوا الصالحات من أهل القبلة { لهم ما يشاؤون عند ربهم } أي من ~~الكرامة { ذلك هو الفضل الكبير ذلك } أي الذي ذكر من نعيم الجنة الذي ~~يبشر الله به عباده { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } قوله عز وجل: { قل ~~لا أسألكم عليه } أي على تبليغ الرسالة { أجرا } أي جزاء { إلا المودة ~~في القربى } خ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قوله { إلا المودة ~~في القربى } فقال سعيد بن جبير قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن ~~عباس: عجبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن بطن من قريش إلا وله فيهم ~~قرابة فقال ألا تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، وعن ابن عباس أيضا في ~~قوله { إلا المودة في القربى }: يعني أن تحفظوا قرابتي وتودوني وتصلوا ~~رحمي، وإليه ذهب مجاهد وقتادة وعكرمة ومقاتل والسدي والضحاك خ عن ابن عمر ~~أن أبا بكر قال: ارقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته واختلفوا ~~في قرابته، فقيل علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم وقيل أهل ~~بيته من تحرم عليه الصدقة ms2810 من أقاربه وهم بنو هاشم وبنو المطلب الذين لم ~~يفترقوا في جاهلية ولا في إسلام م. # عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " " إني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب ~~الله تعالى واستمسكوا به " فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال " وأهل ~~بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي فقال له حصين من ~~أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته قال نساؤه من أهل بيته ولكن أهل ~~بيته من حرمت عليهم الصدقة بعده قال ومن هم قال هم آل علي وآل عقيل وآل ~~جعفر وآل عباس ". # فإن قلت طلب الأجر على تبليغ الرسالة والوحي لا يجوز لقوله في قصة نوح ~~عليه السلام وغيره من الأنبياء # وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين # [الشعراء: 127]. قلت لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على تبليغ ~~الرسالة. بقي الجواب عن قوله { إلا المودة في القربى }. فالجواب عنه من ~~وجهين: الأول معناه لا أطلب منكم إلا هذه وهذا في الحقيقة ليس بأجر ومنه ~~قول الشاعر: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب # معناه إذا كان هذا عيبهم فليس فيهم عيب بل هو مدح فيهم ولأن المودة بين ~~المسلمين أمر واجب وإذا كان كذلك في حق جميع المسلمين كان في أهل بيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم أولى فقوله { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى } المودة في القربى ليست أجرا في الحقيقة لأن قرابته ~~قرابتهم فكانت مودتهم وصلتهم لازمة لهم فثبت أن لا أجر البتة، والوجه ~~الثاني أن هذا الاستثناء منقطع وتم الكلام عند قوله قل لا أسألكم عليه ~~أجرا ثم ابتدأ فقال إلا المودة في القربى أي لكن أذكركم المودة في ~~قرابتي الذين هم قرابتكم فلا تؤذوهم وقيل: إن هذه الآية منسوخة وذلك ~~لأنها نزلت بمكة وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2811 فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية فأمرهم فيها بمودة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصلة رحمه فلما هاجر إلى المدينة وآواه الأنصار ونصروه أحب الله تعالى أن ~~يلحقه بإخوانه من النبيين فأنزل الله تعالى: # قل ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله # [سبأ: 47] فصارت هذه الآية ناسخة لقوله { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى } وإليه ذهب الضحاك والحسين بن الفضل، والقول بنسخ هذه ~~الآية غير مرضي لأن مودة النبي صلى الله عليه وسلم وكف الأذى عنه ومودة ~~أقاربه من فرائض الدين وهو قول السلف فلا يجوز المصير إلى نسخ هذه الآية. ~~وروي عن ابن عباس في معنى الآية قول آخر قال: إلا أن توادوا الله ~~وتتقربوا إليه بطاعته وهو قول الحسن قال هو القربى إلى الله يقول إلا ~~التقرب إلى الله تعالى والتودد إليه بالطاعة والعمل الصالح. وقوله تعالى: ~~{ ومن يقترف حسنة } أي يكتسب طاعة { نزد له فيها حسنا } أي بالتضعيف { إن ~~الله غفور } للذنوب { شكور } أي للقليل من الأعمال حتى يضاعفها. ### || [42.24-25] # { أم يقولون } أي بل يقول كفار مكة { افترى على الله كذبا } فيه توبيخ ~~لهم معناه أيقع في قلوبهم ويجري على لسانهم أن ينسبوا مثله إلى الكذب ~~وأنه افترى على الله كذبا وهو أقبح أنواع الكذب { فإن يشأ الله يختم على ~~قلبك } أي يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشق عليك أذاهم وقولهم إنه مفتر ~~وقيل معناه يطبع على قلبك فينسيك القرآن وما أتاك فأخبرهم أنه لو افترى ~~على الله بالفعل به ما أخبر به في هذه الآية { ويمح الله الباطل } أخبره ~~الله تعالى أن ما يقولونه الباطل والله عز وجل يمحوه { ويحق الحق بكلماته ~~} أي يحق الإسلام بما أنزل من كتابه وقد فعل الله تعالى ذلك فمحا باطلهم ~~وأعلى كلمة الإسلام { إنه عليم بذات الصدور } قال ابن عباس: لما نزلت # قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى # [الشورى: 23] وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا يريد أن ms2812 يحثنا على ~~أقاربه من بعده فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام فأخبره أنهم اتهموه وأنزل ~~الله هذه الآية فقال القوم يا رسول الله فإنا نشهد أنك صادق فنزل قوله عز ~~وجل: { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده } قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~يريد أولياؤه وأهل طاعته. فصل في ذكر التوبة وحكمها قال العلماء التوبة ~~واجبة من كل ذنب فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق ~~بحق آدمي فلها ثلاثة شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية. والثاني: أن يندم ~~على فعلها. والثالث: أن يعزم على أن لا يعود إليها أبدا. فإذا حصلت هذه ~~الشروط صحت التوبة وإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته وإن كانت المعصية ~~تتعلق بحق آدمي فشروطها أربعة هذه الثلاثة والشرط الرابع أن يبرأ من حق ~~صاحبها فهذه شروط التوبة وقيل التوبة الانتقال عن المعاصي نية وفعلا ~~والإقبال على الطاعات نية وفعلا، وقال سهل بن عبد الله التستري: التوبة ~~الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة خ. عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة " # م عن الأغر بن بشار المزني قال # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني ~~أتوب إليه في اليوم مائة مرة " # ق عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة معه راحلته ~~عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها ~~حتى إذا اشتد الحر والعطش أو ما شاء الله قال أرجع إلى مكاني الذي كنت ~~فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ فإذا راحلته عنده ~~عليها طعامه وشرابه فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته ~~وزاده الدوية الفلاة والمفازة " # ق عن أنس رضي الله تعالى عنه قال قال ms2813 رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض ~~فلاة " # ولمسلم عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض ~~فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ~~ظلها قد أيس من راحلته فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ~~ثم قال من شدة فرحه اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح " # عن صفوان بن عسال المرادي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله جعل بالمغرب بابا عرضه مسيرة سبعين عاما للتوبة لا يغلق ما ~~لم تطلع الشمس من قبله وذلك قوله تعالى: { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع ~~نفسا إيمانها } " # الآية أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وعن ابن عمر رضي الله عنهما: ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب م. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ~~ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها " # وقوله عز وجل: { ويعفوا عن السيئات } أي يمحوها إذا تابوا { ويعلم ما ~~تفعلون } يعين من خير وشر فيجازيهم عليهم. ### || [42.26-28] # { ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات } يعني يجيب المؤمنون الله تعالى ~~فيما دعاهم لطاعته وقيل معناه ويجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات إذا ~~دعوه، وقال ابن عباس: ويثبت الذين آمنوا { ويزيدهم من فضله } أي سوى ثواب ~~أعمالهم تفضلا منه، وقال ابن عباس: يشفعهم في إخوانهم ويزيدهم من فضله، ~~قال في إخوان إخوانهم { والكافرون لهم عذاب شديد } قوله عز وجل: { ولو ~~بسط الله الرزق لعباده } قال خباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية وذلك ~~أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير ms2814 وبني قينقاع فتمنيناها فأنزل الله ~~تعالى: { ولو بسط الله الرزق لعباده } أي وسع الله الرزق لعباده { لبغوا ~~} أي لطغوا وعتوا { في الأرض } قال ابن عباس: بغيهم طلبهم منزلة بعد ~~منزلة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس، وقيل: إن الإنسان متكبر بالطبع ~~فإذا وجد الغنى والقدرة رجع إلى مقتضى طبعه وهو التكبر وإذا وقع في شدة ~~ومكروه وفقر انكسر فرجع إلى الطاعة والتواضع، وقيل: إن البغي مع القبض ~~والفقر أقل ومع البسط والغنى أكثر لأن النفس مائلة إلى الشر لكنها إذا ~~كانت فاقدة لآلاته كان الشر أقل وإذا كانت واجدة لها كان الشر أكثر فثبت ~~أن وجدان المال يوجب الطغيان { ولكن ينزل بقدر ما يشاء } يعني الأرزاق ~~نظرا لمصالح عباده وهو قوله تعالى: { إنه بعباده خبير بصير } والمعنى ~~أنه تعالى عالم بأحوال عباده وبطبائعهم وبعواقب أمورهم فيقدر أرزاقهم على ~~وفق مصالحهم يدل على ذلك ما روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن جبريل عن الله عز وجل قال # " يقول الله عز وجل من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وإني لأغضب ~~لأوليائي كما يغضب الليث الحرد، وما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل أداء ما ~~افترضت عليه وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا إن دعاني أجبته وإن سألني ~~أعطيته وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره ~~الموت وأكره مساءته ولا بد له منه وإن من عبادي المؤمنين لمن يسألني ~~الباب من العبادة فأكفه عنه أن لا يدخله عجب فيفسده ذلك وإن من عبادي ~~المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الغنى لو أفقرته لأفسده ذلك وإن من ~~عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وإن ~~من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك ~~وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ~~ذلك إني أدبر أمر عبادي بعلمي ms2815 بقلوبهم إني عليم خبير " # أخرجه البغوي بإسناده. قوله عز وجل: { وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما ~~قنطوا } أي يئس الناس منه وذلك أدعى لهم إلى الشكر قيل حبس الله المطر عن ~~أهل مكة سبع سنين حتى قنطوا ثم أنزل الله عز وجل المطر فذكرهم نعمته لأن ~~الفرح بحصول النعمة بعد الشدة أتم { وينشر رحمته } أي يبسط بركات الغيث ~~ومنافعه وما يحصل به من الخصب { وهو الولي } أي لأهل طاعته { الحميد } أي ~~المحمود على ما يوصل إلى الخلق من أقسام رحمته. ### || [42.29-33] # { ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث } أي أوجد { فيهما } أي في ~~السموات والأرض { من دابة }. فإن قلت كيف يجوز إطلاق لفظ الدابة على ~~الملائكة. قلت الدبيب في اللغة المشي الخفيف على الأرض، فيحتمل أن يكون ~~للملائكة مشي مع الطيران فيوصفون بالدبيب كما يوصف به الإنسان، وقيل: ~~يحتمل أن الله تعالى خلق في السموات أنواعا من الحيوانات يدبون دبيب ~~الإنسان { وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } يعني يوم القيامة. قوله عز وجل: ~~{ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } المراد بهذه المصائب الأحوال ~~المكروهة نحو الأوجاع والأسقام والقحط والغلاء والغرق والصواعق وغير ذلك ~~من المصائب فبما كسبت أيديكم من الذنوب والمعاصي { ويعفوا عن كثير } قال ~~ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " والذي نفسي بيده ما من خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب ~~وما يعفو الله عنه أكثر " # وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي سخيلة قال: قال علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه " ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير } ~~وسأفسرها لكم يا علي { ما أصابكم من مصيبة } أي من مرض أو عقوبة أو بلاء ~~في الدنيا { فبما كسبت أيديكم } والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في ~~الآخرة وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أحلم من أن ms2816 يعود بعد عفوه " ~~وقال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ~~ليغفر له إلا بها أو درجة لم يكن الله ليرفعه لها إلا بها ق. عن عائشة ~~رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها ~~خطيئة " # { وما أنتم بمعجزين } أي بفائتين { في الأرض } هربا يعني لا تعجزونني ~~حيثما كنتم { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } قوله عز وجل: { ومن ~~آياته الجوار } يعني السفن وهي السيارة { في البحر كالأعلام } أي كالقصور ~~وكل شيء مرتفع عند العرب فهو علم { إن يشأ يسكن الريح } أي التي تجري بها ~~السفن { فيظللن } يعني السفن الجواري { رواكد } أي ثوابت { على ظهره } أي ~~ظهر البحر لا تجري { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } وهذه صفة المؤمن ~~لأنه يصبر في الشدة ويشكر في الرخاء. ### || [42.34-39] # { أو يوبقهن } أي يغرقهن ويهلكهن { بما كسبوا } أي بما كسبت ركابها من ~~الذنوب { ويعف عن كثير } أي من ذنوبهم فلا يعاقب عليها { ويعلم الذين ~~يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص } يعني يعلم الذين يكذبون بالقرآن إذا ~~صاروا إلى الله تعالى ما لهم من مهرب من عذابه { فما أوتيتم من شيء } أي ~~من زينة الدنيا { فمتاع الحياة الدنيا } أي ليس هو من زاد المعاد { وما ~~عند الله } أي من الثواب { خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } ~~والمعنى أن المؤمن والكافر يستويان في متاع الحياة الدنيا فإذا صارا إلى ~~الله تعالى كان ما عند الله من الثواب خيرا وأبقى للمؤمن { والذين ~~يجتنبون كبائر الإثم } يعني كل ذنب تعظم عقوبته كالقتل والزنا والسرقة ~~وشبه ذلك { والفواحش } يعني ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال { وإذا ما ~~غضبوا هم يغفرون } يعني يكظمون الغيظ ويجهلون { والذين استجابوا لربهم } ~~يعني أجابوا إلى ما دعاهم إليه من طاعته { وأقاموا الصلاة } يعني ~~المفروضة { وأمرهم شورى بينهم } يعني يتشاورون فيما يبدو لهم ولا ms2817 يعجلون ~~ولا ينفردون برأي ما لم يجتمعوا عليه قيل. ما تشاور قوم إلا هدوا إلى ~~أرشد أمرهم { ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغي } يعني الظلم ~~والعدوان { هم ينتصرون } يعني ينتقمون من ظالمهم من غير تعد قال ابن زيد ~~جعل الله تعالى المؤمنين صنفين صنف يعفون عمن ظلمهم فبدأ بذكرهم وهو قوله ~~تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } وصنف ينتصرون من ظالمهم وهم الذين ~~ذكروا في هذه الآية، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم ~~فإذا قدروا عفوا. وقيل: إن العفو إغراء للسفيه وقال عطاء: هم المؤمنون ~~الذين أخرجهم الكفار من مكة وبغوا عليهم ثم مكنهم الله عز وجل في الأرض ~~حتى انتصروا ممن ظلمهم ثم بين الله تعالى أن شرعة الانتصار مشروطة برعاية ~~المماثلة ### || [42.40-44] # { وجزاء سيئة سيئة مثلها } سمي الجزاء سيئة وإن لم يكن سيئة لتشابههما ~~في الصورة وقيل لأن الجزاء يسوء من ينزل به، وقيل هو جزاء القبيح إذا قال ~~أخزاك الله فقل له أخزاك الله ولا تزد وإذا شتمك فاشتمه بمثلها ولا ~~تعتدوا وقيل هو في القصاص في الجراحات والدماء يقتص بمثل ما جنى عليه ~~وقيل إن الله تعالى لم يرغب في الانتصار بل بين أنه مشروع ثم بين أن ~~العفو أولى بقوله تعالى: { فمن عفا } أي عمن ظلمه { وأصلح } أي بالعفو ~~بينه وبين الظالم { فأجره على الله } قال الحسن: إذا كان يوم القيامة ~~نادى مناد من كان له على الله أجر فليقم فلا يقوم إلا من عفا ثم قرأ هذه ~~الآية { إنه لا يحب الظالمين } قال ابن عباس: الذين يبدؤون بالظلم { ولمن ~~انتصر بعد ظلمه } أي بعد ظلم الظالم إياه { فأولئك } يعني المنتصرين { ما ~~عليهم من سبيل } أي بعقوبة ومؤاخذة { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ~~} أي يبدؤون بالظالم { ويبغون في الأرض بغير الحق } أي يعملون فيها ~~بالمعاصي { أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر } أي لم ينتصر { وغفر } تجاوز ~~عن ظالمه { إن ذلك } أي الصبر والتجاوز { لمن عزم الأمور } يعني تركه ~~الانتصار لمن عزم ms2818 الأمور الجيدة التي أمر الله عز وجل بها وقيل إن الصابر ~~يؤتي بصبره الثواب فالرغبة في الثواب أتم عزما { ومن يضلل الله فما له ~~من ولي من بعده } يعني ما له من أحد يلي هدايته بعد إضلال الله إياه أو ~~يمنعه من عذابه { وترى الظالمين لما رأوا العذاب } يعني يوم القيامة { ~~يقولون هل إلى مرد من سبيل } يعني أنهم يسألون الرجعة إلى الدنيا. ### || [42.45-49] # { وتراهم يعرضون عليها } أي على النار { خاشعين من الذل } أي خاضعين ~~متواضعين { ينظرون من طرف خفي } يعني يسارقون النظر إلى النار خوفا منها ~~وذلة في أنفسهم، وقيل ينظرون بطرف خفي أي ضعيف من الذل، وقيل ينظرون إلى ~~النار بقلوبهم لأنهم يحشرون عميا والنظر بالقلب خفي { وقال الذين آمنوا ~~إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم } يعني بأن صاروا إلى النار. { وأهليهم ~~يوم القيامة } يعني وخسروا أهليهم بأن صاروا لغيرهم في الجنة { ألا إن ~~الظالمين في عذاب مقيم وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن ~~يضلل الله فما له من سبيل } أي وصول إلى الحق في الدنيا والجنة في العقبى ~~فقد استدت عليهم طرق الخير { استجيبوا لربكم } أي أجيبوا داعي الله يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم { من قبل من أن يأتي يوم لا مرد له من الله } ~~أي لا يقدر أحد على دفعه وهو يوم القيامة وقيل هو يوم الموت { ما لكم من ~~ملجأ يومئذ } أي ما لكم من مخلص من العذاب وقيل من الموت { وما لكم من ~~نكير } أي ينكر حالكم وقيل النكير الإنكار يعني لا تقدرون أن تنكروا من ~~أعمالكم شيئا { فإن أعرضوا } أي عن الإجابة { فما أرسلناك عليهم حفيظا ~~} أي تحفظ أعمالهم { إن عليك إلا البلاغ } أي ليس عليك إلا البلاغ وفيه ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم { وإنا أذا أذقنا الإنسان منا رحمة } قال ~~ابن عباس: يعني الغنى والصحة { فرح بها وإن تصبهم سيئة } أي قحط { ما ~~قدمت أيديهم } أي من الأعمال الخبيثة { فإن الإنسان كفور } أي لما تقدم ~~من نعمة ms2819 الله تعالى عليه. قوله عز وجل: { لله ملك السموات والأرض } يعني ~~له التصرف فيهما بما يريد { يخلق ما يشاء } أي لا يقدر أحد أن يعترض عليه ~~في ملكه وإرادته { يهب لمن يشاء إناثا } أي فلا يولد له ذكر { ويهب لمن ~~يشاء الذكور } أي فلا يولد له أنثى. ### || [42.50-52] # { أو يزوجهم ذكرانا وإناثا } أي يجمع بينهما فيولد له الذكور والإناث ~~{ ويجعل من يشاء عقيما } أي فلا يولد له ولد، وقيل هذا في الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام. فقوله يهب لمن يشاء إناثا يعني لوطا لم يولد له ~~ذكر إنما ولد له ابنتان ويهب لمن يشاء الذكور يعني إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام لم يولد له أنثى { أو يزوجهم ذكرانا وإناثا } يعني محمدا صلى ~~الله عليه وسلم ولد له أربع بنين وأربع بنات ويجعل من يشاء عقيما يعني ~~يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام لم يولد لهما وهذا على وجه التمثيل ~~وإلا فالآية عامة في جميع الناس { إنه عليم } أي بما يخلق { قدير } أي ~~على ما يريد أن يخلق. قوله تعالى: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا } قيل في سبب نزولها: إن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى صلى الله عليه وسلم ~~ونظر إليه فقال لم ينظر موسى إلى الله تعالى فأنزل الله تعالى: { وما كان ~~لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا } أي يوحي إليه في المنام أو بالإلهام كما ~~رأى إبراهيم في المنام أن يذبح ولده وهو وحي وكما ألهمت أم موسى أن تقذفه ~~في البحر { أو من وراء حجاب } أي يسمعه كلامه من وراء حجاب ولا يراه كما ~~كلم موسى عليه الصلاة والسلام { أو يرسل رسولا } يعني من الملائكة إما ~~جبريل أو غيره { فيوحي بإذنه ما يشاء } يعني يوحي ذلك الرسول إلى المرسل ~~إليه بإذن الله ما يشاء وهذه الآية محمولة على أنه لا يكلم بشرا إلا من ~~وراء حجاب في الدنيا ويأتي بيان هذه المسألة إن شاء الله تعالى ms2820 في سورة ~~النجم { إنه على } أي عن صفات المخلوقين { حكيم } أي في جميع أفعاله. ~~قوله عز وجل: { وكذلك } أي وكما أوحينا إلى سائر رسلنا { أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا } قال ابن عباس: نبوة، وقيل: قرآنا لأن به حياة الأرواح، ~~وقيل: رحمة وقيل جبريل { ما كنت تدري } أي قبل الوحي { ما الكتاب } يعني ~~القرآن { ولا الإيمان } اختلف العلماء في هذه الآية مع اتفاقهم على أن ~~الأنبياء قبل النبوة كانوا مؤمنين فقيل معناه ما كنت تدري قبل الوحي ~~شرائع الإيمان ومعالمه. وقال محمد بن إسحاق عن ابن خزيمة الإيمان في هذا ~~الموضع الصلاة دليله # وما كان الله ليضيع إيمانكم # [البقرة: 143] يعني صلاتكم ولم يرد به الإيمان الذي هو الإقرار بالله ~~تعالى لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة يوحد الله تعالى ويحج ~~ويعتمر ويبغض اللات والعزى ولا يأكل ما ذبح على النصب وكان يتعبد على دين ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولم تتبين له شرائع دينه إلا بعد الوحي إليه ~~{ ولكن جعلناه نورا } قال ابن عباس يعني الإيمان وقيل القرآن لأنه يهتدي ~~به من الضلالة وهو قوله تعالى: { نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي } ~~أي لتدعو { إلى صراط مستقيم } يعني إلى دين الإسلام. ### || [42.53] # { صراط الله } يعني دين الله الذي شرعه لعباده { الذي له ما في السموات ~~وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور } يعني أمور الخلائق في الآخرة ~~فيثيب المحسن ويعاقب المسيء والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار ~~كتابه. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-5] # قوله عز وجل: { حم والكتاب المبين } أقسم بالكتاب وهو القرآن الذي أبان ~~طرق الهدى من طرق الضلالة وأبان ما تحتاج إليه الأمة من الشريعة وقيل ~~المبين يعني الواضح للمتدبرين وجواب القسم { إنا جعلناه } أي صيرنا هذا ~~الكتاب عربيا وقيل بيناه وقيل سميناه وقيل وصفناه وقيل أنزلناه { قرآنا ~~عربيا لعلكم تعقلون } يعني معانيه وأحكامه { وإنه } يعني القرآن { في أم ~~الكتاب } أي في اللوح المحفوظ، قال ابن عباس: أول ما خلق الله عز وجل ~~القلم فأمره ms2821 أن يكتب ما يريد أن يخلق في الكتاب عنده ثم قرأ { وإنه في أم ~~الكتاب لدينا } أي عندنا فالقرآن مثبت عند الله تعالى في اللوح المحفوظ { ~~لعلي حكيم } أخبر عن شرفه وعلو منزلته، والمعنى إن كذبتم يا أهل مكة ~~بالقرآن فإنه عندنا لعلي أي رفيع شريف، وقيل على علي جميع الكتب حكيم أي ~~محكم لا يتطرق إليه الفساد والبطلان. قوله تعالى: { أفنضرب عنكم الذكر ~~صفحا } معناه أفنترك عنكم الوحي ونمسك عن إنزال القرآن فلا نأمر ولا ~~ننهاكم من أجل أنكم أسرفتم في كفركم وتركتم الإيمان وهو قوله تعالى: { أن ~~كنتم } أي لأن كنتم { قوما مسرفين } والمعنى لا نفعل ذلك قال قتادة ~~والله لو كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا ولكن الله ~~عز وجل عاد بعائدته وكرامته فكرره عليهم عشرين سنة أو ما شاء الله، وقيل: ~~معناه أفنضرب عنكم بذكرنا إياكم صافحين أي معرضين عنكم، وقيل: معناه ~~أفنطوي الذكر عنكم طيا فلا تدعون ولا توعظون وقيل أفتترككم فلا نعاقبكم ~~على كفركم. ### || [43.6-12] # { وكم أرسلنا من نبي في الأولين وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به ~~يستهزئون } يعني كاستهزاء قومك بك وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم { ~~فأهلكنا أشد منهم بطشا } أي أقوى من قومك قوة { ومضى مثل الأولين } أي ~~صفتهم والمعنى أن كفار قريش سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم ~~فليحذروا أن ينزل بهم مثل ما نزل بالأولين من الخزي والعقوبة. قوله عز ~~وجل: { ولئن سألتهم } أي ولئن سألت يا محمد قومك { من خلق السموات والأرض ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم } يعني أنهم أقروا بأن الله تعالى خلقهما ~~وأقروا بعزته وعلمه ومع إقرارهم بذلك عبدوا غيره وأنكروا قدرته على البعث ~~لفرط جهلهم ثم ابتدأ تعالى دالا على نفسه بذكر مصنوعاته فقال تعالى: { ~~الذي جعل لكم الأرض مهدا } معناه واقفة ساكنة يمكن الانتفاع بها ولما ~~كان المهد موضع راحة الصبي فلذلك سمى الأرض مهادا لكثرة ما فيها من ~~الراحة للخلق { وجعل لكم فيها سبلا } أي طرقا ms2822 { لعلكم تهتدون } يعني ~~إلى مقاصدكم في أسفاركم { والذي نزل من السماء ماء بقدر } أي بقدر ~~حاجاتكم إليه لا كما أنزل على قوم نوح حتى أهلكهم { فأنشرنا به } أي ~~بالمطر { بلدة ميتا } أي كما أحيينا هذه البلدة الميتة بالمطر { كذلك ~~تخرجون } أي من قبوركم أحياء { والذي خلق الأزواج كلها } أي الأصناف ~~والأنواع كلها قيل إن كل ما سوى الله تعالى فهو زوج وهو الفرد المنزه عن ~~الأضداد والأنداد والزوجية { وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون } ~~يعني في البر والبحر. ### || [43.13-18] # { لتستوا على ظهوره } أي على ظهور الفلك والأنعام { ثم تذكروا نعمة ربكم ~~إذا استويتم عليه } يعني بتسخير المركب في البر والبحر { وتقولوا سبحان ~~الذي سخر لنا هذا } أي ذلل لنا هذا { وما كنا له مقرنين } أي مطيقين وقيل ~~ضابطين { وإنا إلى ربنا لمنقلبون } أي لمنصرفون في المعاد م عن ابن عمر ~~رضي الله عنهما # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا ~~للسفر حمد الله تعالى وسبح وكبر ثلاثا ثم قال سبحان الذي سخر لنا هذا ~~وما كنا مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا ~~البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون سفرنا هذا واطو عنا بعده اللهم ~~أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر ~~وكآبة المنظر وسوء المنقلب في الأهل والمال والولد وإذا رجع قالهن وزاد ~~فيهم آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون " # قوله وعثاء السفر: يعني تعبه وشدته ومشقته وكآبة المنظر وسوء المنقلب ~~الكآبة الحزن والمنقلب المرجع وذلك أن يعود من سفره حزينا كثيبا أو ~~يصادف ما يحزنه في أهل أو مال. # " عن علي بن أبي ربيعة قال " شهدت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ~~وقد أتي بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال بسم الله فلما استوى ~~على ظهرها قال الحمد لله سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا ~~إلى ربنا لمنقلبون ثم قال الحمد ms2823 لله ثلاث مرات ثم قال الله أكبر ثلاث ~~مرات ثم قال سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ~~ثم ضحك فقلت يا أمير المؤمنين مم ضحكك قال رأيت رسول الله فعل كما فعلت ~~فقلت يا رسول الله من أي شيء ضحكت قال إن ربك يعجب من عبده إذا قال رب ~~اغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب غيرك " # أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن غريب. قوله تعالى: { وجعلوا له من عباده ~~جزءا } يعني ولدا وهو قولهم الملائكة بنات الله لأن الولد جزء من الأب ~~ومعنى جعلوا هنا حكموا وأثبتوا { إن الإنسان لكفور مبين } أي لجحود نعم ~~الله تعالى عليه { أم اتخذ مما يخلق بنات } هذا استفهام إنكار وتوبيخ ~~يقول اتخذ ربكم لنفسه البنات { وأصفاكم } أي أخلصكم { بالبنين وإذا بشر ~~أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا } أي بالجنس الذي جعله للرحمن شبها لأن ~~الولد لا يكون إلا من جنس الوالد والمعنى أنهم نسبوا إليه البنات ومن ~~حالهم أن أحدهم إذا قيل له وقد ولد لك بنت اغتم وتربد وجهه غيظا وأسفا ~~وهو قوله تعالى: { ظل وجهه } أي صار وجهه { مسودا وهو كظيم } أي من ~~الحزن والغيظ قيل إن بعض العرب ولد له أنثى فهجر بيت امرأته التي ولدت ~~فيه الأنثى فقالت المرأة: # ما لأبي حمزة لا يأتينا يظل في البيت الذي يلينا غضبان أن لا نلد ~~البنينا ليس لنا من أمرنا ما شينا وإنما نأخذ ما أعطينا حكمة ربي ذي ~~اقتدار فينا # قوله عز وجل: { أو من ينشؤا } يعني أو من يتربى { في الحلية } ~~يعني في الزينة والنعمة والمعنى أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة ~~المذمومة صفته ولولا نقصانها لما احتاجت إلى تزيين نفسها بالحلية ثم بين ~~نقصان حالها بوجه آخر وهو قوله { وهو في الخصام } أي المخاصمة { غير مبين ~~} للحجة وذلك لضعف حالها وقلة عقلها قال قتادة قلما تكلمت امرأة فتريد أن ~~تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. ### || [43.19-23] # { وجعلوا } أي وحكموا وأثبتوا { الملائكة الذين ms2824 هم عباد } وقرىء عند { ~~الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم } أي حضروا خلقهم حين خلقوا وهذا استفهام ~~إنكار أي لم يشهدوا ذلك { ستكتب شهادتهم } أي على الملائكة أنهم بنات ~~الله { ويسألون } أي عنها، قيل لما قالوا هذا القول سألهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: وما يدريكم أنهم بنات الله، قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن ~~نشهد أنهم لم يكذبوا، فقال الله تعالى: { ستكتب شهادتهم } ويسألون عنها ~~في الآخرة { وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم } يعني الملائكة وقيل ~~الأصنام وإنما لم يعجل عقوبتنا على عبادتنا إياها لرضاه منا بذلك قال ~~الله تعالى ردا عليهم. { ما لهم بذلك من علم } أي فيما يقولون { إن هم ~~إلا يخرصون } يعني ما هم إلا كاذبون في قولهم إن الله رضي منا بعبادتها، ~~وقيل يكذبون في قولهم إن الملائكة إناث وإنهم بنات الله { أم آتيناهم ~~كتابا من قبله } أي من قبل القرآن بأن يعبدوا غير الله { فهم به ~~مستمسكون } أي يأخذون بما فيه { بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة } أي ~~على دين وملة { وإنا على آثارهم مهتدون } يعني أنهم جعلوا أنفسهم مهتدين ~~باتباع آبائهم وتقليدهم من غير حجة ثم أخبر أن غيرهم قد قال هذه المقالة ~~بقوله تعالى: { وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها ~~} أغنياؤها ورؤساؤها { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ~~} أي بهم. ### || [43.24-31] # { قال أولو جئتكم بأهدى } أي بدين هو أصوب { مما وجدتم عليه آباءكم } ~~فأبوا أن يقبلوا { قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون فانتقمنا منهم فانظر ~~كيف كان عاقبة المكذبين } قوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه ~~إنني براء } أي بريء { مما تعبدون إلا الذي فطرني } معناه أنا أتبرأ مما ~~تعبدون إلا من الله الذي خلقني { فإنه سيهدين } أي يرشدني إلى دينه { ~~وجعلها } أي وجعل إبراهيم كلمة التوحيد التي تكلم بها وهي لا إله إلا ~~الله { كلمة باقية في عقبه } أي في ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله ~~تعالى ويدعو إلى توحيده { لعلهم يرجعون ms2825 } أي لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء ~~من وحد منهم وقيل لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين ويرجعون عما هم عليه من ~~الشرك إلى دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام { بل متعت هؤلاء } يعني كفار ~~مكة { وآباءهم } في الدنيا بالمد في العمر والنعمة ولم أعاجلهم بالعقوبة ~~على كفرهم { حتى جاءهم الحق } يعني القرآن وقيل الإسلام { ورسول } هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم { مبين } أي يبين لهم الأحكام وقيل بين الرسالة ~~وأوضحها بما معه من الآيات والمعجزات وكان من حق هذا الإنعام أن يطيعوه ~~فلم يفعلوا بل كذبوا وعصوا وسموه ساحرا وهو قوله تعالى: { ولما جاءهم ~~الحق } يعني القرآن { قالوا هذا سحر وإنا به كافرون } قوله عز وجل: { ~~وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } معناه أنهم قالوا ~~منصب النبوة منصب عظيم شريف لا يليق إلا برجل شريف عظيم كثير المال ~~والجاه من إحدى القريتين وهما مكة والطائف واختلفوا في هذا الرجل العظيم ~~قيل الوليد بن المغيرة بمكة وعروة بن مسعود الثقفي بالطائف وقيل عتبة بن ~~ربيعة من مكة وكنانة بن عبد ياليل الثقفي من الطائف، وقال ابن عباس: ~~الوليد بن المغيرة من مكة ومن الطائف حبيب بن عمير الثقفي قال الله تعالى ~~ردا عليهم. { أهم يقسمون رحمة ربك } ### || [43.32-35] # { أهم يقسمون رحمة ربك } معناه أبأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعوها حيث ~~شاؤوا وفيه الإنكار الدال على تجهيلهم والتعجب من اعتراضهم وتحكمهم وأن ~~يكونوا هم المدبرين لأمر النبوة ثم ضرب لهذا مثلا فقال تعالى: { نحن ~~قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا } أي نحن أوقعنا هذا التفاوت بين ~~العباد فجعلنا هذا غنيا وهذا فقيرا وهذا مالكا وهذا مملوكا وهذا ~~قويا وهذا ضعيفا ثم إن أحدا من الخلق لم يقدر على تغيير حكمنا ولا على ~~الخروج عن قضائنا فإذا عجزوا عن الاعتراض في حكمنا في أحوال الدنيا مع ~~قلتها وذلتها فكيف يقدرون على الاعتراض على حكمنا في تخصيص بعض عبادنا ~~بمنصب النبوة والرسالة والمعنى كما فضلنا بعضهم على بعض كما شئنا كذلك ~~اصطفينا ms2826 بالرسالة من شئنا ثم قال تعالى: { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ~~ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } يعني لو أننا سوينا بينهم في كل الأحوال لم ~~يخدم أحد أحدا ولم يصر أحد منهم مسخرا لغيره، وحينئذ يقضي ذلك إلى خراب ~~العالم وفساد حال الدنيا ولكنا فعلنا ذلك ليستخدم بعضهم بعضا فتسخر ~~الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل فيكون بعضهم لبعض سبب المعاش ~~فهذا بماله وهذا بعمله فيلتئم قوام العالم وقيل يملك بعضهم بما له بعضا ~~بالملك { ورحمة ربك } يعني الجنة { خير } يعني للمؤمنين { مما يجمعون } ~~أي يجمع الكفار من الأموال لأن الدنيا على شرف الزوال والانقراض وفضل ~~الله ورحمته يبقى أبد الآبدين. قوله عز وجل: { ولولا أن يكون الناس أمة ~~واحدة } أي لولا أن يصيروا كلهم كفارا فيجتمعون على الكفر ويرغبون فيه ~~إذا رأوا الكفار في سعة من الخير والرزق لأعطيت الكفار أكثر الأسباب ~~المفيدة للتنعم وهو قوله تعالى: { لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا ~~من فضة ومعارج } يعني مصاعد ودرجات من فضة { عليها يظهرون } يصعدون ~~ويرتقون عليها { ولبيوتهم أبوابا } أي من فضة { وسررا } أي ولجعلنا لهم ~~سررا من فضة { عليها يتكئون وزخرفا } أي ولجعلنا من ذلك زخرفا وهو ~~الذهب وقيل الزخرف الزينة من كل شيء { وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ~~} يعني أن الإنسان يستمتع بذلك قليلا ثم ينقضي لأن الدنيا سريعة الزوال ~~والذهاب { والآخرة عند ربك للمتقين } يعني الجنة خاصة للمتقين الذين ~~تركوا الدنيا. عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لو كانت الدنيا عند الله تزن جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ~~" # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. و # " عن المستورد بن شداد جد بني فهر قال " كنت في الركب الذين وقفوا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على السخلة الميتة فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أترون هذه هانت على أهلها حين ألقوها قالوا من هوانها ألقوها ~~يا رسول الله قال فإن الدنيا أهون على الله من هذه الشاة ms2827 على أهلها " " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. وعن قتادة بن النعمان أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " إذا أحب الله عبدا حماه من الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء ~~" # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب م عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ". ### || [43.36-39] # قوله تعالى: { ومن يعش } أي يعرض { عن ذكر الرحمن } أي فلم يخف عقابه ~~ولم يرد ثوابه وقيل يول ظهره عن القرآن { نقيض له شيطانا } أي نسبب له ~~شيطانا ونضمه إليه ونسلطه عليه { فهو له قرين } يعني لا يفارقه يزين له ~~العمى ويخيل إليه أنه على الهدى { وإنهم } يعني الشياطين { ليصدونهم عن ~~السبيل } يعني يمنعونهم عن الهدى { ويحسبون أنهم مهتدون } يعني ويحسب ~~كفار بني آدم أنهم على الهدى { حتى إذا جاءنا } يعني الكافر وحدة وقرئ ~~جاءنا على التثنية يعني الكافر وقرينه وقد جعلا في سلسلة واحدة { قال } ~~الكافر لقرينه الشيطان { يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين } أي بعد ما ~~بين المشرق والمغرب، فغلب اسم أحدهما على الآخر كما يقال للشمس والقمر ~~القمران ولأبي بكر وعمر العمران، وقيل: أراد بالمشرقين مشرق الصيف ومشرق ~~الشتاء، والقول الأول أصح { فبئس القرين } يعني الشيطان قال أبو سعيد ~~الخدري: إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصير إلى ~~النار { ولن ينفعكم اليوم إذا ظلمتم } يعني أشركتم { أنكم في العذاب ~~مشتركون } يعني لا ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف عنكم شيئا، لأن ~~كل واحد من الكفار والشياطين له الحظ الأوفر من العذاب وقيل لن ينفعكم ~~الاعتذار والندم اليوم فأنتم وقرناؤكم اليوم مشتركون في العذاب كما كنتم ~~مشتركين في الكفر. ### || [43.40-44] # { أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين } يعني الكافرين ~~الذين حقت عليهم كلمة العذاب أنهم لا يؤمنون. قوله عز وجل: { فإما نذهبن ~~بك } أي بأن نميتك قبل أن نعذبهم { فإنا منهم منتقمون } أي بالقتل بعدك { ~~أو نرينك } أي في حياتك ms2828 { الذي وعدناهم } أي من العذاب { فإنا عليهم ~~مقتدرون } أي قادرون على ذلك متى شئنا عذبناهم، وأراد به مشركي مكة وقد ~~انتقم منهم يوم بدر وهذا يفيد التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه ~~وعده الانتقام له منهم إما حال حياته أو بعد وفاته، وهذا قول أكثر ~~المفسرين وقيل عني به ما يكون في أمته وقد كان بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم نقمة شديدة في أمته ولكن أكرم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم ~~وذهب به ولم يره في أمته إلا الذي تقربه عينه وأبقى النقمة بعده وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أري ما يصيب أمته بعده فما رئي ضاحكا منبسطا ~~حتى قبضه الله تعالى: { فاستمسك بالذي أوحي إليك } يعني القرآن { إنك على ~~صراط مستقيم } أي على دين مستقيم لا يميل عنه إلا الضال { وإنه } يعني ~~القرآن { لذكر } أي لشرف عظيم { لك ولقومك وسوف تسألون } يعني عن حقه ~~وأداء شكره وروى ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك لم يخبر ~~بشيء حتى نزلت هذه الآية فكان بعد ذلك إذا سئل قال لقريش " # ق. عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان " # خ عن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله تعالى على وجهه ما ~~أقاموا الدين " # وقيل القوم هم العرب والقرآن لهم شرف إذ نزل بلغتهم ثم يختص بذلك الشرف ~~الأخص فالأخص من العرب حتى يكون الأكثر لقريش ولبني هاشم، وقيل ذكر لك أي ~~ذلك شرف لك بما أعطاك الله من النبوة والحكمة ولقومك يعني المؤمنين بما ~~هداهم الله تعالى به وسوف تسألون عن القرآن وعما يلزمكم من القيام بحقه. ### || [43.45-50] # قوله تعالى: { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون } اختلف العلماء من هؤلاء والمسؤولون ms2829 فروي عن ابن عباس في ~~رواية عنه " لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم بعث الله عز وجل له آدم ~~وولده من المرسلين فأذن جبريل ثم أقام وقال يا محمد تقدم فصل بهم فلما ~~فرغ من الصلاة قال له جبريل سل يا محمد من أرسلنا من قبلك من أرسلنا ~~الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا أسأل قد اكتفيت. وهذا قول الزهري ~~وسعيد بن جبير وابن زيد قالوا جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسال ~~فلم يشك ولم يسأل فعلى هذا القول قال بعضهم هذه الآية نزلت ببيت المقدس ~~ليلة أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال أكثر المفسرين معناه سل مؤمني ~~أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هل جاءتهم ~~الرسل إلا بالتوحيد وهو قول ابن عباس في أكثر الروايات عنه ومجاهد وقتادة ~~والضحاك والسدي والحسن ومقاتل ومعنى الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش ~~أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله عز وجل. قوله تعالى: { ولقد ~~أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين فلما ~~جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون } أي يسخرون { وما نريهم من آية إلا هي ~~أكبر من أختها } أي قرينتها التي قبلها { وأخذناهم بالعذاب } أي بالسنين ~~والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس، فكانت هذه آيات ودلالات ~~لموسى عليه الصلاة والسلام وعذابا لهم وكانت كل واحدة أكبر من التي ~~قبلها { لعلهم يرجعون } أي عن كفرهم { وقالوا } يعني لموسى عليه الصلاة ~~والسلام لما عاينوا العذاب { يا أيها الساحر } أي العالم الكامل الحاذق ~~وإنما قالوا ذلك له تعظيما وتوقيرا لأن السحر كان عندهم علما عظيما ~~وصنعة ممدوحة وقيل معناه يا أيها الذي غلبنا بسحره { ادع لنا ربك بما عهد ~~عندك } أي بما أخبرتنا عن عهده إليك أنا إن آمنا كشف عنا العذاب فاسأله ~~أن يكشفه عنا { إننا لمهتدون } أي لمؤمنون فدعا موسى ربه فكشف عنهم فلم ~~يؤمنوا فذلك قوله سبحانه وتعالى: { فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ~~} أي ms2830 ينقضون عهدهم ويصرون على كفرهم. ### || [43.51-57] # { ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي } يعني أنهار النيل الكبار وكانت تجري تحت قصره وقيل معناه تجري بين ~~يدي جناني وبساتيني، وقيل تجري بأمري { أفلا تبصرون } أي عظمتي وشدة ملكي ~~{ أما أنا } أي بل أنا { خير } وليس بحرف عطف على قول أكثر المفسرين وقيل ~~فيه إضمار مجازه أفلا تبصرون أم تبصرون ثم ابتدأ فقال أنا خير { من هذا ~~الذي هو مهين } أي ضعيف حقير يعني موسى { ولا يكاد يبين } أي يفصح بكلامه ~~للثغته التي كانت في لسانه وإنما عابه بذلك لما كان عليه أولا وقيل ~~معناه ولا يكاد يبين حجته التي تدل على صدقه فيما يدعي ولم يرد به أنه لا ~~قدرة له على الكلام { فلولا ألقي عليه } أي إن كان صادقا { أسورة من ذهب ~~} قيل إنهم كانوا إذا سودوا رجلا سوروه بسوار من ذهب وطوقوه بطوق من ذهب ~~يكون ذلك دلالة لسيادته، فقال فرعون هلا ألقى رب موسى عليه أسورة من ذهب ~~إن كان سيدا تجب طاعته { أو جاء معه الملائكة مقترنين } أي متتابعين ~~يقارن بعضهم بعضا يشهدون له بصدقه ويعينوه على أمره. قال الله تعالى: { ~~فاستخف } يعني فرعون { قومه } يعني القبط أي وجدهم جهالا وقيل حملهم على ~~الخفة والجهل { فأطاعوه } أي على تكذيب موسى { إنهم كانوا قوما فاسقين } ~~يعني حيث أطاعوا فرعون فيما استخفهم به { فلما آسفونا } أي أغضبونا وهو ~~في حق الله وإرادته العقاب وهو قوله تعالى: { انتقمنا منهم فأغرقناهم ~~أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين } يعني جعلنا المتقدمين الماضين ~~عبرة وموعظة لمن يجيء من بعدهم. قوله تعالى: { ولما ضرب ابن مريم مثلا } ~~قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في مجادلة عبد الله بن الزبعرى مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام وذلك لما ~~نزل قوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] وقد تقدم ذكره في سورة الأنبياء ومعنى الآية ولما ms2831 ضرب ~~عبد الله بن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلا وجادل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعبادة النصارى إياه { إذا قومك } يعني قريشا { منه } أي من المثل ~~{ يصدون } أي يرتفع لهم ضجيج وصياح وفرح وقيل يقولون إن محمدا ما يريد ~~منا إلا أن نعبده ونتخذه إلها كما عبدت النصارى عيسى ابن مريم عليه ~~الصلاة والسلام. ### || [43.58-61] # { وقالوا أآلهتنا خير أم هو } يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم فنعبده ~~ونطيعه ونترك آلهتنا وقيل معنى أم هو يعني عيسى والمعنى قالوا يزعم محمد ~~أن كل ما عبد من دون الله في النار فنحن قد رضينا أن تكون آلهتنا مع عيسى ~~وعزير والملائكة في النار قال الله تعالى: { ما ضربوه } يعني هذا المثل { ~~لك إلا جدلا } أي خصومة بالباطل وقد علموا أن المراد من قوله { إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم } هؤلاء الأصنام { بل هم قوم خصمون } أي ~~بالباطل. عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب صحيح ثم ذكر عيسى فقال تعالى: { إن هو ~~} أي ما عيسى { إلا عبد أنعمنا عليه } أي بالنبوة { وجعلناه مثلا } أي ~~آية وعبرة { لبني إسرائيل } يعرفون به قدرة الله على ما يشاء حيث خلقه من ~~غير أب { ولو نشاء لجعلنا منكم } الخطاب لأهل مكة { ملائكة } معناه لو ~~نشاء لأهلكناكم ولجعلنا بدلا منكم ملائكة { في الأرض يخلفون } أي يكونون ~~خلفا منكم يعمرون الأرض ويعبدونني ويطيعونني، وقيل يخلف بعضهم بعضا { ~~وإنه } يعني عيسى { لعلم للساعة } يعني نزوله من أشراط الساعة يعلم به ~~قربها ق. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عادلا فيكسر ~~الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض ms2832 المال حتى لا يقبله أحد " # وفي رواية أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ليس بيني وبين عيسى نبي وإنه نازل فيكم فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل ~~مربوع إلى الحمرة والبياض ينزل بين ممصرتين كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه ~~بلل فيقاتل الناس على الإسلام فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ~~ويهلك الله تعالى في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ويهلك الدجال ثم يمكث ~~في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون " # ق عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم وإمامكم منكم " # وفي رواية فأمكم منكم قال ابن أبي ذؤيب فأمكم بكتاب ربكم عز وجل وسنة ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم ويروى أنه ينزل عيسى وبيده حربة وهي التي يقتل ~~بها الدجال، فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة العصر فيتأخر الإمام ليقدمه ~~عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ثم يقتل الخنازير ~~ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن وقيل في ~~معنى الآية وإنه أي وإن القرآن لعلم للساعة أي يعلم قيامها ويخبركم ~~بأحوالها وأهوالها { فلا تمترن بها } أي لا تشكن فيها، وقال ابن عباس: لا ~~تكذبوا بها { واتبعون } أي على التوحيد { هذا } أي الذي أنا عليه { صراط ~~مستقيم }. ### || [43.62-66] # { ولا يصدنكم } أي لا يصرفنكم { الشيطان } أي عن دين الله الذي أمر به { ~~إنه } يعني الشيطان { لكم عدو مبين ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم ~~بالحكمة } أي بالنبوة { ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه } أي من أحكام ~~التوراة وقيل من اختلاف الفرق الذين تحزبوا في أمر عيسى وقيل الذي جاء به ~~عيسى الإنجيل وهو بعض الذي اختلفوا فيه فبين لهم عيسى في غير الإنجيل ما ~~احتاجوا إليه { فاتقوا الله وأطيعون } أي فيما آمركم به { إن الله هو ربي ~~وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم } أي اختلف الفرق ~~المتحزبة بعد عيسى { فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم هل ms2833 ينظرون } أي ~~ينتظرون { إلا الساعة أن تأتيهم بغتة } أي فجأة والمعنى أنها تأتيهم لا ~~محالة { وهم لا يشعرون }. ### || [43.67-71] # { الأخلاء } أي على الكفر والمعصية في الدنيا { يومئذ } يعني يوم ~~القيامة { بعضهم لبعض عدو } أي إن الخلة إذا كانت كذلك صارت عداوة يوم ~~القيامة { إلا المتقين } أي إلا الموحدين المتحابين في الله عز وجل ~~المجتمعين على طاعته، روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الآية قال: ~~" خليلان مؤمنان وخليلان كافران مات أحد المؤمنين فقال يا رب إن فلانا ~~كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك صلى الله عليه وسلم ويأمرني بالخير ~~وينهاني عن الشر ويخبرني أني ملاقيك يا رب فلا تضله بعدي واهده كما ~~هديتني وأكرمه كما أكرمتني فإذا مات خليله المؤمن جمع بينهما فيقول ليثن ~~كل منكما على صاحبه فيقول نعم الأخ ونعم الخليل ونعم الصاحب، قال ويموت ~~أحد الكافرين فيقول رب إن فلانا كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك ~~ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير ويخبرني أني غير ملاقيك فيقول ليثن كل ~~منكما على صاحبه فيقول بئس الأخ وبئس الخليل وبئس الصاحب ". قوله عز ~~وجل: { يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون } قيل إن الناس حين ~~يبعثون ليس أحد منهم إلا فزع فينادي مناد يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ~~ولا أنتم تحزنون فيرجوها الناس كلهم فيتبعها { الذين آمنوا بآياتنا ~~وكانوا مسلمين } فييأس الناس كلهم غير المسلمين فيقال لهم { ادخلوا الجنة ~~أنتم وأزواجكم تحبرون } أي تسرون وتنعمون { يطاف عليهم بصحاف من ذهب } ~~جمع صحفة وهي القصعة الواسعة { وأكواب } جمع كوب وهو إناء مستدير بلا ~~عروة { وفيها } أي في الجنة { ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } عن عبد ~~الرحمن بن سابط قال # " قال رجل يا رسول الله هل في الجنة خيل فإني أحب الخيل قال إن يدخلك ~~الله الجنة فلا تشاء أن تركب فرسا من ياقوتة حمراء فتطير بك في أي الجنة ~~شئت إلا فعلت وسأله آخر فقال يا رسول الله هل في الجنة من إبل فإني أحب ~~الإبل ms2834 قال فلم يقل ما قال لصاحبه فقال إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ~~ما اشتهت نفسك ولذت عينك " # أخرجه الترمذي { وأنتم فيها خالدون }. ### || [43.72-81] # { وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون لكم فيها فاكهة كثيرة منها ~~تأكلون } ورد في الحديث # " أنه لا ينزع أحد في الجنة من ثمرها ثمرة إلا نبت مكانها مثلاها " # قوله تعالى: { إن المجرمين } يعني المشركين { في عذاب جهنم خالدون لا ~~يفتر عنهم } أي لا يخفف عنهم { وهم فيه مبلسون } أي آيسون من رحمة الله ~~تعالى: { وما ظلمناهم } أي وما عذبناهم بغير ذنب { ولكن كانوا هم ~~الظالمين } أي لأنفسهم بما جنوا عليها { ونادوا يا مالك } يعني يدعون ~~مالكا خازن النار يستغيثون به فيقولون { ليقض علينا ربك } أي ليمتنا بل ~~لنستريح والمعنى توسلوا به ليسأل الله تعالى لهم الموت فيجيبهم بعد ألف ~~سنة قاله ابن عباس، وقيل بعد مائة سنة، وروي عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص قال " إن أهل النار يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما ثم يرد ~~عليهم " { قال إنكم ماكثون } قال هانت والله دعوتهم على مالك وعلى رب ~~مالك ومعنى ماكثون مقيمون في العذاب { لقد جئناكم بالحق } يقول أرسلنا ~~إليكم يا معشر قريش رسولنا بالحق { ولكن أكثركم للحق كارهون أم أبرموا ~~أمرا } أي أحكموا أمرا في المكر بالرسول صلى الله عليه وسلم { فإنا ~~مبرمون } أي محكمون أمرا في مجازاتهم إن كاد شرا كدتهم بمثله { أم ~~يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم } أي ما يسرونه من غيرهم ويتناجون به ~~بينهم { بلى } نسمع ذلك كله ونعلمه { ورسلنا } يعني الحفظة من الملائكة { ~~لديهم يكتبون } قوله عز وجل: { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } ~~معناه إن كان للرحمن ولد في قولكم وعلى زعمكم فأنا أول من عبد الرحمن ~~فإنه لا شريك له ولا ولد له، وقال ابن عباس: إن كان أي ما كان للرحمن ولد ~~فأنا أول العابدين الشاهدين له بذلك. وقيل: معناه لو كان للرحمن ولد فأنا ~~أول من عبده بذلك ولكن لا ولد ms2835 له، وقيل: العابدين بمعنى الآنفين أي أنا ~~أول الجاحدين المنكرين لما قلتم وأنا أول من غضب للرحمن أن يقال له ولد. ~~وقال الزمخشري في معنى الآية: إن كان للرحمن ولد وصح وثبت ببرهان صحيح ~~توردونه وحجة واضحة تدلون بها فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى ~~طاعته كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه وهذا كلام وارد على سبيل ~~الفرض والتمثيل لغرض وهو المبالغة في نفي الولد والإطناب فيه مع الترجمة ~~عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد ~~وهي محال في نفسها فكان المعلق عليها محالا مثلها ثم نزه نفسه عن الولد ### || [43.82-88] # { سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون } أي عما يقولونه من ~~الكذب { فذرهم يخوضوا } أي في باطلهم { ويلعبوا } أي في دنياهم { حتى ~~يلاقوا يومهم الذي يوعدون } يعني يوم القيامة { وهو الذي في السماء إله ~~وفي الأرض إله } يعني هو الإله الذي يعبد في السماء وفي الأرض لا إله إلا ~~هو { وهو الحكيم } يعني في تدبير خلقه { العليم } يعني بمصالحهم { وتبارك ~~الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون ~~ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة } قيل سبب نزولها أن النضر بن ~~الحارث ونفرا معه قالوا إن كان ما يقول محمد حقا فنحن نتولى الملائكة ~~فهم أحق بالشفاعة من محمد صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية وأراد ~~بالذين يدعون من دونه آلهتهم ثم استثنى عيسى وعزيرا والملائكة بقوله { ~~إلا من شهد بالحق } لأنهم عبدوا من دون الله ولهم شفاعة وقيل المراد ~~بالذين يدعون من دونه عيسى وعزير والملائكة فإن الله تعالى لا يملك لأحد ~~من هؤلاء الشفاعة إلا لمن شهد بالحق وهي كلمة الإخلاص وهي لا إله إلا ~~الله فمن شهدها بقلبه شفعوا له وهو قوله { وهم يعلمون } أي بقلوبهم ما ~~شهدوا به بألسنتهم وقيل يعلمون أن الله عز وجل خلق عيسى وعزيرا ~~والملائكة ويعلمون أنهم عباده { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } يعني ~~أنهم ms2836 إذا أقروا بأن الله خالق العالم بأسره فكيف قدموا عبادة غيره { فأنى ~~يؤفكون } يعني يصرفون عن عبادته إلى غيره { وقيله يا رب } يعني قوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم شاكيا الله ربه يا رب { إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } ~~قال ابن عباس: شكا إلى الله تعالى تخلف قومه عن الإيمان، وقال قتادة: هذا ~~نبيكم يشكو قومه إلى ربه. ### || [43.89] # { فاصفح عنهم } يعني أعرض عنهم وفي ضمنه منعه من أن يدعو عليهم بالعذاب ~~{ وقل سلام } معناه المتاركة، وقيل معناه قل خيرا بدلا من شرهم { فسوف ~~يعلمون } يعني عاقبة كفرهم وفيه تهديد لهم وقيل معناه يعلمون أنك صادق، ~~قال مقاتل: نسختها آية السيف والله تعالى أعلم. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-5] # قوله عز وجل: { حم والكتاب المبين } يعني المبين ما يحتاج الناس إليه من ~~حلال وحرام وغير ذلك من الأحكام { وإنا أنزلناه في ليلة مباركة } قيل هي ~~ليلة القدر أنزل الله تعالى فيها القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى سماء ~~الدنيا ثم نزل به جبريل نجوما على حسب الوقائع في عشرين سنة، وقيل هي ~~ليلة النصف من شعبان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " إن الله تبارك وتعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر ~~لأكثر من عدد شعر غنم بني كلب " # أخرجه الترمذي. { إنا كنا منذرين } أي مخوفين عقابنا { فيها } أي في تلك ~~الليلة المباركة { يفرق } أي يفصل { كل أمر حكيم } أي محكم، قال ابن ~~عباس: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير ~~والشر والأرزاق والآجال حتى الحجاج يقال: يحج فلان ويحج فلان وقيل هي ~~ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة وينسخ الأحياء من الأموات، وروى ~~البغوي بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج ~~اسمه في الموتى " # وعن ابن عباس " إن الله يقضي الأقضية في ليلة النصف من ms2837 شعبان ويسلمها ~~إلى أربابها في ليلة القدر " { أمرا } أي أنزلنا أمرا { من عندنا إنا ~~كنا مرسلين } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الأنبياء. ### || [44.6-11] # { رحمة من ربك } قال ابن عباس رأفة مني بخلقي ونعمة عليهم بما بعثنا ~~إليهم من الرسل وقيل أنزلناه في ليلة مباركة رحمة من ربك { إنه هو السميع ~~} أي لأقوالهم { العليم } أي بأحوالهم { رب السموات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين } أي إن الله رب السموات والأرض وما بينهما { لا إله إلا هو ~~يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين } قوله تعالى: { بل هم في شك } أي من ~~هذا القرآن { يلعبون } أي يهزؤون به لاهون عنه { فارتقب } أي يا محمد { ~~يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم } ق عن مسروق قال: ~~كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو مضطجع بيننا فأتاه رجل فقال يا أبا ~~عبد الرحمن إن قاصا عند باب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ ~~بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمنين منها كهيئة الزكام فقام عبد الله وجلس وهو ~~غضبان فقال يا أيها الناس اتقوا الله من علم منكم شيئا فليقل به ومن لا ~~يعلم شيئا فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم # " فإن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم " قل ما أسالكم عليه من ~~أجر وما أنا من المتكلفين " # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى من الناس إدبارا قال اللهم ~~سبعا كسبع يوسف " # وفي رواية # " لما دعا قريشا فكذبوه واستعصوا عليه قال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع ~~يوسف " # فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع وينظر أحدهم ~~إلى السماء فيرى كهيئة الدخان فأتاه أبو سفيان فقال يا محمد إنك جئت تأمر ~~بطاعة الله وبصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم قال الله عز ~~وجل: { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين } إلى قوله { عائدون } قال عبد ~~الله فيكشف عذاب الآخرة يوم ms2838 نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون فالبطشة يوم ~~بدر وفي رواية للبخاري قالوا: { ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون }. ### || [44.12-16] # { ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } فقيل له إن كشفناه عنهم عادوا فدعا ~~ربه فكشف عنهم فعادوا فانتقم الله منهم يوم بدر فذلك قوله تعالى: { ~~فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين } إلى قوله { إنا منتقمون } قوله حصت ~~كل شيء بالحاء والصاد المهملتين أي أهلكت واستأصلت كل شيء ق. عن عبد الله ~~بن مسعود قال: " خمس قد مضين اللزام والروم والبطشة والقمر والدخان قيل ~~أصابهم من الجوع كالظلمة في أبصارهم وسبب ذلك أن في سنة القحط العظيم ~~تيبس الأرض بسبب انقطاع المطر ويرتفع الغبار ويظلم الهواء والجو وذلك ~~يشبه الدخان وقيل هو دخان يجيء قبل قيام الساعة ولم يأت بعد فيدخل في ~~أسماع الكفار والمنافقين حتى يكون الرجل رأسه كالرأس الحنيذ يعني المشوي ~~ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه، وهو قول ~~ابن عباس وابن عمر والحسن يدل عليه ما روى البغوي بإسناد الثعلبي عن ~~حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين ~~تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، قال حذيفة: يا رسول الله وما ~~الدخان؟ فتلا هذه الآية { يوم تأتي السماء بدخان مبين } يملأ ما بين ~~المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة ~~الزكام وأما الكافر فكمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره " # { أنى لهم الذكرى } أي كيف يتذكرون ويتعظون بهذه الحالة { وقد جاءهم ~~رسول مبين } معناه وقد جاءهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الطاعة وهو ما ظهر ~~على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المعجزات الظاهرات والآيات ~~البينات الباهرة { ثم تولوا عنه } أي أعرضوا عنه { وقالوا معلم } أي ~~يعلمه بشر { مجنون } أي تلقي إليه الجن هذه الكلمات حال ما يعرض له الغشي ~~{ إنا كاشفوا العذاب } أي الجوع { قليلا } أي زمنا يسيرا ms2839 قيل إلى يوم ~~بدر { إنكم عائدون } أي إلى كفركم { يوم نبطش البطشة الكبرى } هو يوم بدر ~~{ إنا منتقمون } أي منكم في ذلك اليوم، وهو قول ابن مسعود وأكثر العلماء ~~وفي رواية عن ابن عباس أنه يوم القيامة. ### || [44.17-27] # قوله تعالى: { ولقد فتنا قبلهم } أي قبل هؤلاء { قوم فرعون وجاءهم رسول ~~كريم } يعني على الله وهو موسى بن عمران عليه السلام { أن أدوا إلي عباد ~~الله } يعني أطلقوا إلي بني إسرائيل ولا تعذبوهم { إني لكم رسول أمين } ~~يعني على الوحي { وأن لا تعلوا على الله } يعني لا تتجبروا عليه بترك ~~طاعته { إني آتيكم بسلطان مبين } يعني ببرهان بين على صدق قولي فلما ~~قال ذلك توعده بالقتل فقال { وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون } أن تقتلون ~~وقال ابن عباس: تشتمون وتقولوا هو ساحر وقيل ترجموني بالحجارة { وإن لم ~~تؤمنوا لي فاعتزلون } أي فاتركون لا معي ولا علي، وقال ابن عباس: ~~اعتزلوا أذاي باليد واللسان فلم يؤمنوا { فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون } ~~أي مشركون { فأسر بعبادي ليلا } أي أجاب الله دعاءه وأمره أن يسري ببني ~~إسرائيل بالليل { إنكم متبعون } أي يتبعكم فرعون وقومه { واترك البحر } ~~أي إذا قطعته أنت وأصحابك { رهوا } أي ساكنا والمعنى لا تأمره أن يرجع ~~بل اتركه على حالته حتى يدخله فرعون وقومه، وقيل اتركه طريقا يابسا ~~وذلك أنه لما قطع موسى البحر رجع ليضربه بعصاه ليلتئم وخاف أن يتبعه ~~فرعون بجنوده فقيل لموسى اترك البحر كما هو { إنهم جند مغرقون } يعني ~~أخبر موسى بإغراقهم ليطمئن قلبه في تركه البحر كما هو { كم تركوا } أي ~~بعد الغرق { من جنات وعيون وزروع ومقام كريم } أي مجلس شريف حسن { ونعمة ~~} أي وعيش لين رغد { كانوا فيها } أي في تلك النعمة { فاكهين } أي ناعمين ~~وقرىء فكهين أي أشرين بطرين. ### || [44.28-37] # { كذلك } أي أفعل بمن عصاني { وأورثناها قوما آخرين } يعني بني إسرائيل ~~{ فما بكت عليهم السماء والأرض } وذلك أن المؤمن إذا مات تبكي عليه ~~السماء والأرض أربعين صباحا، وهؤلاء لم يكن يصعد لهم ms2840 عمل صالح فتبكي ~~السماء على فقده ولا لهم على الأرض عمل صالح فتبكي الأرض عليه. عن أنس ~~بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " ما من مؤمن إلا وله بابان باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه فإذا ~~مات بكيا عليه " فذلك قوله تعالى: { فما بكت عليهم السماء والأرض وما ~~كانوا منظرين } " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، قيل: ~~بكاء السماء حمرة أطرافها، وقال مجاهد: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء ~~والأرض أربعين صباحا فقيل: أوتبكي، فقال: وما للأرض لا تبكي على عبد كان ~~يعمرها بالركوع والسجود وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره ~~فيها دوي كدوي النحل وقيل المراد أهل السماء وأهل الأرض { وما كانوا ~~منظرين } أي لم يمهلوا حين أخذهم العذاب لتوبة ولا لغيرها قوله عز وجل: { ~~ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين } أي من قتل الأبناء واستحياء ~~النساء والتعب في العمل { من فرعون إنه كان عاليا } أي جبارا { من ~~المسرفين ولقد اخترناهم على علم } أي علمه الله تعالى فيهم { على ~~العالمين } أي عالمي زمانهم { وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين } أي ~~نعمة بينة من فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى والنعم التي ~~أنعمنا بها عليهم وقيل ابتلاؤهم بالرخاء والشدة { إن هؤلاء } يعني مشركي ~~مكة { ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى } أي لا موتة لنا إلا هذه التي ~~نموتها في الدنيا ولا بعث بعدها وهو قوله { وما نحن بمنشرين } أي ~~بمبعوثين بعد موتتنا هذه { فأتوا بآبائنا } أي الذين ماتوا قبل { إن كنتم ~~صادقين } أي إنا نبعث أحياء بعد الموت قيل طلبوا من النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يحيي لهم قصي بن كلاب ثم خوفهم مثل عذاب الأمم الخالية فقال ~~تعالى: { أهم خير أم قوم تبع } أم ليسوا خيرا من قوم تبع يعني في الشدة ~~والقوة والكثرة قيل هو تبع الحميري وكان من ملوك اليمن سمي تبعا لكثرة ~~أتباعه وقيل كل واحد ms2841 من ملوك اليمن يسمى تبعا لأنه يتبع صاحبه الذي قبله ~~كما يسمى في الإسلام خليفة وكان تبع هذا يعبد النار فأسلم ودعا قومه وهم ~~حمير إلى الإسلام فكذبوه. عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول # " لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم " # أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " ما أدري أكان تبع نبيا أو غير نبي " # وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت " لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا ~~صالحا " وكان من قصته على ما ذكر محمد بن إسحاق وغيره، وذكر عكرمة عن ~~ابن عباس قالوا: كان تبع الآخر وهو أبو كرب أسعد بن مليك وكان سار ~~بالجيوش نحو المشرق حتى حير الحيرة وبنى سمرقند ورجع من قبل المشرق فجعل ~~طريقه على المدينة وقد كان حين مر بها خلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة ~~فقدمها وهو مجمع على خرابها واستئصال أهلها، فجمع له هذا الحي من الأنصار ~~حين سمعوا بذلك من أمره فخرجوا لقتاله فكان الأنصار يقاتلونه بالنهار ~~ويقرونه بالليل، فأعجبه ذلك وقال: إن هؤلاء لكرام فبينا هو كذلك إذ جاءه ~~حبران عالمان من أحبار بني قريظة وكانا ابني عم اسم أحدهما كعب والآخر ~~أسد حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة وأهلها فقالا له: أيها الملك لا ~~تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينه ولم نأمن عليك عاجل ~~العقوبة فإن هذه المدينة مهاجر نبي يخرج من هذا الحي من قريش اسمه محمد ~~مولده بمكة وهذه دار هجرته ومنزلك الذي أنت فيه يكون به من القتل والجراح ~~أمر كبير في أصحابه وفي عدوهم، قال تبع ومن يقاتله وهو نبي قالا يسير ~~إليه قومه فيقتتلون ها هنا فتناهى لقولهما عما كان يريد بالمدينة ثم ~~إنهما دعواه إلى دينهما فأجابهما واتبعهما على دينهما وأكرمهما وانصرف عن ~~المدينة، وخرج بهما ونفر من اليهود عامدين إلى اليمن فأتاه في الطريق نفر ~~من هذيل ms2842 وقالوا له إنا ندلك على بيت فيه كنز من لؤلؤ وزبرجد وفضة قال أي ~~بيت هذا قالوا بيت بمكة وإنما أراد هذيل هلاكه لأنهم عرفوا أنه لم يرده ~~أحد بسوء إلا هلك فذكر الملك ذلك للأحبار، فقالوا: ما نعلم لله في الأرض ~~بيتا غير هذا البيت الذي بمكة فاتخذه مسجدا وانسك عنده وانحر واحلق ~~رأسك وما أراد القوم إلا هلاكك. وما ناوأه أحد قط إلا هلك فأكرمه واصنع ~~عنده ما يصنعه أهله فلما قالوا له ذلك أخذ أولئك النفر من هذيل فقطع ~~أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ثم صلبهم فلما قدم مكة شرفها الله تعالى نزل ~~بالشعب شعب البطائح وكسا البيت الوصائل وهي برود تصنع باليمن وهو أول من ~~كسا البيت ونحر بالشعب ستة آلاف بدنة وأقام به ستة أيام وطاف به وحلق ~~وانصرف، فلما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك وقالوا له لا ~~تدخلها علينا وأنت قد فارقت ديننا فدعاهم إلى دينه وقال: إنه دين خير من ~~دينكم قالوا فحاكمنا إلى النار. # وكانت باليمن نار في أسفل جبل يتحاكمون إليها فيما يختلفون فيه فتأكل ~~الظالم ولا تضر المظلوم. قال تبع أنصفتم فخرج القوم بأوثانهم وما يتقربون ~~به في دينهم وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما حتى قعدوا للنار عند ~~مخرجها الذي تخرج منه وخرجت النار فأقبلت حتى غشيتهم فأكلت الأوثان وما ~~قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال حمير وخرج الحبران بمصاحفهما يتلوان ~~التوراة تعرق جباههما لم تضرهما النار ونكصت النار حتى رجعت إلى مخرجها ~~الذي خرجت منه فأصفقت عند ذلك حمير على دينها فمن هناك كان أصل اليهودية ~~باليمن، وقال الرياشي كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة ممن آمن ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة سنة. وقال كعب ذم الله ~~قومه ولم يذمه. قوله تعالى: { والذين من قبلهم } أي من الأمم الكافرة { ~~أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين }. ### || [44.38-46] # { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق } ~~أي بالعدل وهو الثواب على ms2843 الطاعة والعقاب على المعصية { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } قوله عز وجل: { إن يوم الفصل } أي الذي يفصل الله فيه بين ~~العباد { ميقاتهم أجمعين } أي يوافي يوم القيامة الأولون والآخرون { يوم ~~لا يغني مولى عن مولى شيئا } أي لا ينفع قريب قريبه ولا يدفع عنه شيئا ~~{ ولا هم ينصرون } أي يمنعون من عذاب الله { إلا من رحم الله } يعني ~~المؤمنين فإنه يشفع بعضهم لبعض { إنه هو العزيز } أي في انتقامه من ~~أعدائه { الرحيم } أي بأوليائه المؤمنين، قوله تعالى: { إن شجرة الزقوم ~~طعام الأثيم } أي ذي الإثم وهو أبو جهل { كالمهل } أي كدردي الزيت الأسود ~~{ يغلي في البطون } أي في بطون الكفار { كغلي الحميم } يعني كالماء الحار ~~إذا اشتد غليانه عن أبي سعيد الخدري # " عن النبي صلى الله عليه وسلم " في قوله كالمهل قال كعكر الزيت فإذا ~~قرب إلى وجهه سقطت فروة وجهه فيه " " # أخرجه الترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث رشدين سعد وقد تكلم فيه من قبل ~~حفظه. عن ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: { يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ثم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت ~~على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن تكون طعامه " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. ### || [44.47-56] # قوله تعالى: { خذوه } أي يقال للزبانية خذوه يعني الأثيم { فاعتلوه } أي ~~دافعوه وسوقوه بالعنف { إلى سواء الجحيم } أي إلى وسط النار { ثم صبوا ~~فوق رأسه من عذاب الحميم } قيل إن خازن النار يضرب على رأسه فينقب رأسه ~~من دماغه ثم يصب فيه ماء حميما قد انتهى حره ثم يقال له { ذق } أي هذا ~~العذاب { إنك أنت العزيز الكريم } أي عند قومك بزعمك وذلك أن أبا جهل ~~لعنه الله كان يقول أنا أعز أهل الوادي وأكرمهم فيقول له خزنة النار هذا ~~على طريق الاستخفاف والتوبيخ { إن هذا ما كنتم به تمترون } أي تشكون فيه ms2844 ~~ولا تؤمنون به ثم ذكر مستقر المتقين { في مقام أمين } أي في مجلس أمنوا ~~فيه من الغير { في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق } قيل السندس ما رق ~~من الديباج والإستبرق ما غلظ منه وهو معرب إستبر. فإن قلت كيف ساغ أن ~~يقع في القرآن العربي المبين لفظ أعجمي. قلت إذا عرب خرج من أن يكون ~~أعجميا لأن معنى التعريب أن يجعل عربيا بالتصرف فيه وتغييره عن منهاجه ~~وإجرائه على أوجه الإعراب { متقابلين } أي يقابل بعضهم بعضا { كذلك } أي ~~كما أكرمناهم بما وصفنا من الجنات والعيون واللباس كذلك { و } أكرمناهم ~~بأن { زوجناهم بحور عين } أي قرناهم بهن وليس هو من عقد التزويج وقيل ~~جعلناهم أزواجا لهن أي جعلناهم اثنين واثنين الحور من النساء النقيات ~~البيض، وقيل يحار الطرف من بياضهن وصفاء لونهن وقيل الحور الشديدات بياض ~~العينين { يدعون فيها بكل فاكهة } يعني أرادوها واشتهوها { آمنين } أي من ~~نفادها ومن مضرتها وقيل آمنين فيها من الموت والأوصاب والشيطان { لا ~~يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } أي لا يذوقون في الجنة الموت سوى ~~الموتة التي ذاقوها في الدنيا إلا وقيل إلا بمعنى لكن، وتقديره ليذوقون ~~فيها الموت لكن الموتة الأولى قد ذاقوها وقيل إنما استثنى الموتة من موت ~~الجنة لأن السعداء حين يموتون يصيرون بلطف الله إلى أسباب الجنة يلقون ~~الروح والريحان ويرون منازلهم في الجنة فكان موتهم في الدنيا كأنه في ~~الجنة لاتصالهم بأسبابها ومشاهدتهم إياها { ووقاهم عذاب الجحيم }. ### || [44.57-59] # { فضلا من ربك } يعني كل ما وصل إليه المتقون من الخلاص من عذاب النار ~~والفوز بالجنة إنما حصل لهم ذلك بفضل الله تعالى وفعل ذلك بهم تفضلا منه ~~{ ذلك هو الفوز العظيم فإنما يسرناه بلسانك } أي سهلنا القرآن على لسانك ~~كناية عن غير مذكور { لعلهم يتذكرون } أي يتعظون { فارتقب } أي فانتظر ~~النصر من ربك وقيل انتظر لهم العذاب { إنهم مرتقبون } أي منتظرون قهرك ~~بزعمهم وقيل منتظرون موتك قيل هذه الآية منسوخة بآية السيف عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى ms2845 الله عليه وسلم # " من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب وعمر بن خثعم أحد رواته وهو ضعيف، وقال ~~البخاري: هو منكر الحديث وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة غفر له " # أخرجه الترمذي وقال هشام أبو المقداد أحد رواته ضعيف والله أعلم. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-4] # قوله عز وجل: { حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إن في السموات ~~والأرض } أي إن في خلق السموات والأرض وهما خلقان عظيمان يدلان على قدرة ~~القادر المختار وهو قوله { لآيات للمؤمنين وفي خلقكم } أي وخلق أنفسكم من ~~تراب ثم من نطفة إلى أن يصير إنسانا ذا عقل وتمييز { وما يبث من دابة } ~~أي وما يفرق في الأرض من جميع الحيوانات على اختلاف أجناسها في الخلق ~~والشكل والصورة { آيات } دلالات تدل على وحدانية من خلقها وأنه الإله ~~القادر المختار { لقوم يوقنون } يعني أنه لا إله غيره. ### || [45.5-11] # { واختلاف الليل والنهار } يعني بالظلام والضياء والطول والقصر { وما ~~أنزل الله من السماء من رزق } يعني المطر الذي هو سبب أرزاق العباد { ~~فأحيا به } أي بالمطر { الأرض بعد موتها } أي بعد يبسها { وتصريف الرياح ~~} أي في مهابها فمنها الصبا والدبور والشمال والجنوب ومنها الحارة ~~والباردة وغير ذلك { آيات لقوم يعقلون }. فإن قلت ما وجه هذا الترتيب في ~~قوله { لآيات للمؤمنين } و { لقوم يوقنون } { ويعقلون }. قلت معناه إن ~~المنصفين من العباد إذا نظروا في هذه الدلائل النظر الصحيح علموا أنها ~~مصنوعة وأنه لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا أنه الإله القادر على كل ~~شيء ثم إذا أمعنوا النظر ازدادوا إيقانا وزال عنهم اللبس فحينئذ استحكم ~~علمهم وعدوا في زمرة العقلاء الذين عقلوا عن الله مراده في أسرار كتابه { ~~تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله } أي بعد كتاب الله ~~{ وآياته يؤمنون } قوله تعالى: { ويل لكل أفاك أثيم } أي كذاب صاحب إثم ~~يعني النضر بن الحارث ms2846 { يسمع آيات الله } يعني القرآن { تتلى عليه ثم يصر ~~مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئا } ~~يعني آيات القرآن { اتخذها هزوا } أي سخر منها { أولئك } إشارة إلى من ~~هذه صفته { لهم عذاب مهين } ثم وصفهم فقال تعالى: { من ورائهم جهنم } ~~يعني أمامهم جهنم وذلك جهنم وذلك خزيهم في الدنيا ولهم في الآخرة النار { ~~ولا يغني عنهم ما كسبوا } أي من الأموال { شيئا ولا ما اتخذوا من دون ~~الله أولياء } أي ولا يغني عنهم ما عبدوا من دون الله من الآلهة { ولهم ~~عذاب عظيم هذا } يعني القرآن { هدى } أي هو هدى من الضلالة { والذين ~~كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم }. ### || [45.12-17] # { الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله } أي ~~بسبب التجارة واستخراج منافعه { ولعلكم تشكرون } نعمته على ذلك { وسخر ~~لكم ما في السموات والأرض } يعني أنه تعالى خلقها ومنافعها فهي مسخرة لنا ~~من حيث إنا ننتفع بها { جميعا منه } قال ابن عباس: كل ذلك رحمه منه وقيل ~~كل ذلك تفضل منه وإحسان { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون }. قوله عز وجل: ~~{ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } أي لا يخافون وقائع ~~الله ولا يبالون بمقته، قال ابن عباس: نزلت في عمر بن الخطاب وذلك أن ~~رجلا من بني غفار شتمه بمكة فهم عمر أن يبطش به فأنزل الله هذه الآية ~~وأمره أن يعفو عنه وقيل نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من أهل مكة كانوا في أذى شديد من المشركين قبل أن يؤمروا بالقتال ~~فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية ثم ~~نسخها بآية القتال { ليجزي قوما بما كانوا يكسبون } أي من الأعمال ثم ~~فسر ذلك فقال تعالى: { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ~~ترجعون }. قوله تعالى: { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب } يعني التوراة { ~~والحكم } يعني معرفة أحكام الله { والنبوة ورزقناهم ms2847 من الطيبات } أي ~~الحلالات وهو ما وسع عليهم في الدنيا وأورثهم أموال قوم فرعون وديارهم ~~وأنزل عليهم المن والسلوى { وفضلناهم على العالمين } أي على عالمي ~~زمانهم، قال ابن عباس: لم يكن أحد من العالمين في زمانهم أكرم على الله ~~ولا أحب إليه منهم { وآتيناهم بينات من الأمر } أي بيان الحلال والحرام ~~وقيل العلم ببعث محمد صلى الله عليه وسلم وما بين لهم من أمره { فما ~~اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم } معناه التعجب من حالهم ~~وذلك لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الاختلاف وهنا صار مجيء العلم سببا ~~لحصول الاختلاف وذلك أنه لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم وإنما كان ~~مقصودهم منه طلب الرياسة والتقدم ثم إنهم لما علموا عاندوا وأظهروا ~~النزاع والحسد والاختلاف { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون }. ### || [45.18-23] # { ثم جعلناك } يا محمد { على شريعة } أي على طريقة ومنهاج وسنة بعد موسى ~~{ من الأمر } أي من الدين { فاتبعها } أي اتبع شريعتك الثابتة { ولا تتبع ~~أهواء الذين لا يعلمون } يعني مراد الكافرين وذلك أنهم كانوا يقولون له ~~أرجع إلى دين آبائك فإنهم كانوا أفضل منك قال الله تعالى: { إنهم لن ~~يغنوا عنك من الله شيئا } أي لن يدفعوا عنك من عذاب الله شيئا إن اتبعت ~~أهواءهم { وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض } يعني إن الظالمين يتولى بعضهم ~~بعضا في الدنيا ولأولى لهم في الآخرة { والله ولي المتقين } أي هو ~~ناصرهم في الدنيا ووليهم في الآخرة { هذا } يعني القرآن { بصائر للناس } ~~أي معالم للناس في الحدود والأحكام يبصرون به { وهدى ورحمة لقوم يوقنون ~~أم حسب الذين اجترحوا السيئات } أي اكتسبوا المعاصي والكفر { أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } نزلت في نفر من مشركي مكة قالوا للمؤمنين ~~لئن كان ما تقولون حقا لنفضلن عليكم في الآخرة كما فضلنا عليكم في ~~الدنيا { سواء محياهم ومماتهم } معناه أحسبوا أن حياة الكافرين ومماتهم ~~كحياة المؤمنين وموتهم سواء كلا والمعنى أن المؤمن مؤمن في محياه ومماته ~~في الدنيا والآخرة ms2848 والكافر كافر في محياه ومماته في الدنيا والآخرة وشتان ~~ما بين الحالين في الحال والمآل { ساء ما يحكمون } أي بئس ما يقضون قال ~~مسروق قال لي رجل من أهل مكة هذا مقام أخيك تميم الداري ولقد رأيته ذات ~~ليلة حتى أصبح أو قرب أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله يركع بها ويسجد ~~ويبكي { أم حسب الذين اجترحوا السيئات } الآية { وخلق } الله السموات ~~والأرض بالحق أي بالعدل { ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون } ومعنى ~~الآية أن المقصود من خلق هذا العالم إظهار العدل والرحمة ذلك لا يتم إلا ~~في القيامة ليحصل التفاوت بين المحقين والمبطلين في الدرجات والدركات. ~~قوله عز وجل: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } قال ابن عباس: اتخذ دينه ما ~~يهواه فلا يهوى شيئا إلا ركبه لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه ولا يحرم ما ~~حرم الله وقيل معناه اتخذ معبوده ما تهواه نفسه وذلك أن العرب كانت تعبد ~~الحجارة والذهب والفضة فإذا رأوا شيئا أحسن من الأول رموا بالأول وكسروه ~~وعبدوا الآخر وقيل إنما سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار { وأضله الله ~~على علم } أي علما منه بعاقبة أمره وقيل على ما سبق في علم الله أنه ضال ~~قبل أن يخلقه { وختم على سمعه وقلبه } أي فلم يسمع الهدى ولم يعقله بقلبه ~~{ وجعل على بصره غشاوة } يعني ظلمة فهو لا يبصر الهدى { فمن يهديه من بعد ~~الله } أي من بعد أن أضله الله { أفلا تذكرون } قال الواحدي ليس يبقى ~~للقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة لأن الله صرح بمنعه إياه عن الهدى حتى ~~أخبر أنه ختم على سمعه وقلبه وبصره. ### || [45.24-27] # { وقالوا } يعني منكري البعث. { ما هي إلا حياتنا الدنيا } يعني ما ~~الحياة إلا حياتنا الدنيا { نموت ونحيا } يعني يموت الآباء ويحيا الأبناء ~~وقيل تقديره نحيا ونموت { وما يهلكنا إلا الدهر } يعني وما يفنينا إلا ~~ممر الزمان واختلاف الليل والنهار { وما لهم بذلك من علم } يعني لم ~~يقولوه عن علم علموه { إن هم ms2849 إلا يظنون } ق عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: # " يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار " # وفي رواية # " يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر ~~فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما " # وفي رواية # " يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار " # ومعنى هذه الأحاديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل ~~لأنهم كانوا ينسبون إلى الدهر ما يصيبهم من المصائب والمكاره فيقولون ~~أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر كما أخبر الله عز وجل عنهم بقوله { ~~وما يهلكنا إلا الدهر } فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد وسبوا ~~فاعلها كان مرجع سبهم إلى الله تعالى إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور ~~التي يضيفونها إلى الدهر فنهوا عن سب الدهر قيل لهم لا تسبوا فاعل ذلك ~~فإنه هو الله عز وجل والدهر متصرف فيه يقع به التأثير كما يقع بكم والله ~~أعلم. قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن ~~قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين } معناه أن منكري البعث احتجوا بأن ~~قالوا إن صح ذلك فأتوا بآبائنا الذين ماتوا ليشهدوا لنا بصحة البعث { قل ~~الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون ولله ملك السموات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر ~~المبطلون } يعني في ذلك اليوم يظهر خسران أصحاب الأباطيل وهم الكافرون ~~يصيرون إلى النار. ### || [45.28-32] # { وترى كل أمة جاثية } أي باركة على الركب وهي جلسة المخاصم بين يدي ~~الحاكم ينتظر القضاء قال سلمان الفارسي إن في القيامة ساعة هي عشر سنين ~~يخر الناس فيها جثاة على الركب حتى إبراهيم ينادي ربه لا أسألك إلا نفسي ~~{ كل أمة تدعى إلى كتابها } أي الذي فيه أعمالها ويقال لهم { اليوم تجزون ~~ما كنتم تعملون } أي من خير وشر { هذا كتابنا } يعني ديوان الحفظة. ms2850 فإن ~~قلت كيف أضاف الكتاب إليهم أولا بقوله { تدعى إلى كتابها } وإليه ثانيا ~~بقوله { هذا كتابنا }. قلت لا منافاة بينهما فإضافته إليهم لأنه كتاب ~~أعمالهم وإضافته إليه لأنه تعالى هو آمر الحفظة بكتبه { ينطق عليكم بالحق ~~} أي يشهد عليكم ببيان شاف كأنه ينطق وقيل المراد بالكتاب اللوح المحفوظ ~~{ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } أي نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم ~~وكتابتها وإثباتها عليكم وقيل نستنسخ أي نأخذ نسخته وذلك أن الملكين ~~يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله منه ما كان له ثواب وعليه عقاب ويطرح منه ~~اللغو نحو قولهم هلم واذهب، وقيل الاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ ~~الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم والاستنساخ لا يكون إلا من أصل ~~فينسخ كتاب من كتاب { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في ~~رحمته } أي جنته { ذلك هو الفوز المبين } أي الظفر الظاهر { وأما الذين ~~كفروا } أي يقال لهم { أفلم تكن آياتي تتلى عليكم } يعني آيات القرآن { ~~فاستكبرتم } أي عن الإيمان بها { وكنتم قوما مجرمين } يعني كافرين ~~منكرين قوله عز وجل: { وإذا قيل إن وعد الله حق } أي البعث كائن { ~~والساعة لا ريب فيها } أي لا شك في أنها كائنة { قلتم ما ندري ما الساعة ~~} أي أنكرتموها وقلتم { إن نظن إلا ظنا } أي ما نعلم ذلك إلا حدسا ~~وتوهما { وما نحن بمستيقنين } أي إنها كائنة. ### || [45.33-37] # { وبدا لهم } أي في الآخرة { سيئات ما عملوا } أي في الدنيا والمعنى بدا ~~لهم جزاء سيئاتهم { وحاق بهم } أي نزل بهم { ما كانوا به يستهزئون وقيل ~~اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا } أي تركتم الإيمان والعمل للقاء ~~هذا اليوم { ومأواكم النار وما لكم من ناصرين } أي ما لكم من مانعين ~~يمنعونكم من العذاب { ذلكم } أي هذا الجزاء { بأنكم اتخذتم آيات الله ~~هزوا وغرتكم الحياة الدنيا } يعني حين قلتم لا بعث ولا حساب { فاليوم لا ~~يخرجون منها } أي من النار { ولا هم يستعتبون } أي لا يطلب منهم أن ~~يرجعوا إلى طاعة الله والإيمان به لأنه ms2851 لا يقبل ذلك اليوم عذر ولا توبة { ~~فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين } معناه فاحمدوا الله الذي ~~هو ربكم ورب كل شيء من السموات والأرض والعالمين فإن مثل الربوبية ~~والعامة توجب الحمد والثناء على كل حال { وله الكبرياء } أي وكبروه فإن ~~له الكبرياء والعظمة { في السموات والأرض } وحق لمثله أن يكبر ويعظم { ~~وهو العزيز الحكيم } م عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " العز إزاره والكبرياء رداؤه " # قال الله تعالى: # " فمن ينازعني عذبته " # لفظ مسلم وأخرجه البرقاني وأبو مسعود رضي الله عنهما يقول الله عز وجل: # " العز إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني شيئا منهما عذبته " # ولأبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~الله تعالى: # " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قذفته في ~~النار ". # شرح غريب ألفاظ الحديث قيل هذا الكلام خرج على ما تعتاده العرب في بديع ~~استعاراتهم وذلك أنهم يكنون عن الصفة اللازمة بالثياب يقولون شعار فلان ~~الزهد ولباسه التقوى فضرب الله عز وجل الإزار والرداء مثلا له في ~~انفراده سبحانه وتعالى بصفة الكبرياء والعظمة، والمعنى أنهما ليسا كسائر ~~الصفات التي يتصف بها بعض المخلوقين مجازا كالرحمة والكرم وغيرهما ~~وشبههما بالإزار والرداء لأن المتصف بهما يشملانه كما يشمل الرداء ~~الإنسان ولأنه لا يشاركه في إزاره وردائه أحد فكذلك الله تعالى لا ينبغي ~~أن يشاركه فيهما أحد لأنهما من صفاته اللازمة له المختصة به التي لا تليق ~~بغيره والله أعلم. ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-8] # قوله عز وجل: { حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السموات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق } أي بالعدل { وأجل مسمى } يعني يوم القيامة ~~وهو الأجل الذي ينتهي إليه فناء السموات والأرض { والذين كفروا عما ~~أنذروا } أي خوفوا به في القرآن من البعث والحساب { معرضون } أي لا ~~يؤمنون به { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله } يعني الأصنام { أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ms2852 السموات ائتوني بكتاب من قبل هذا } أي ~~بكتاب جاءكم من الله قبل القرآن فيه بيان ما تقولون { أو أثارة من علم } ~~أي بقية من علم يؤثر عن الأولين ويسند إليهم وقيل برواية عن علم الأنبياء ~~وقيل علامة من علم وقيل هو الخط وهو خط كانت العرب تخطه في الأرض { إن ~~كنتم صادقين } أي في أن لله شريكا { ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من ~~لا يستجيب له } يعني الأصنام لا تجيب عابد بها إلى شيء يسألونها { إلى ~~يوم القيامة } يعني لا تجيب أبدا ما دامت الدنيا { وهم من دعائهم غافلون ~~} يعني لأنها جمادات لا تسمع ولا تفهم { وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ~~وكانوا بعبادتهم كافرين } أي جاحدين { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال ~~الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين } سموا القرآن سحرا { أم ~~يقولون افتراه } أي اختلق القرآن محمد من قبل نفسه قال الله عز وجل { قل ~~} يا محمد { إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا } أي لا تقدرون أن ~~تردوا عني عذابه إن عذبني على افترائي فكيف أفتري على الله من أجلكم { هو ~~أعلم } أي الله أعلم { بما تفيضون فيه } أي تخوضون فيه من التكذيب ~~بالقرآن والقول فيه أنه سحر { كفى به شهيدا بيني وبينكم } أي إن القرآن ~~جاء من عنده { وهو الغفور الرحيم } أي في تأخير العذاب عنكم وقيل هو دعاء ~~لهم إلى التوبة ومعناه أنه غفور لمن تاب منكم رحيم به. ### || [46.9] # قوله تعالى: { قل } يا محمد { ما كنت بدعا } أي بديعا { من الرسل } أي ~~لست بأول مرسل قد بعث قبلي كثير من الأنبياء فكيف تنكرون نبوتي { وما ~~أدري ما يفعل بي ولا بكم } اختلف العلماء في معنى هذه الآية فقيل معناه ~~ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة ولما نزلت هذه الآية فرح ~~المشركون وقالوا واللات والعزى ما أمرنا وأمر محمد عند الله إلا واحد وما ~~له علينا من مزية وفضل ولولا أنه ابتدع ما يقوله من ذات نفسه ms2853 لأخبره الذي ~~بعثه بما يفعل به فأنزل الله عز وجل: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2] فقالت الصحابة هنيئا لك يا نبي الله قد علمت ما يفعل بك ~~فماذا يفعل بنا فأنزل الله عز وجل: # ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار # [الفتح: 5] الآية وأنزل # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا # [الأحزاب: 47] فبين الله ما يفعل به وبهم وهذا قول أنس وقتادة والحسن ~~وعكرمة قالوا: إنما قال هذا قبل أن يخبر بغفران ذنبه وإنما أخبر بغفران ~~ذنبه عام الحديبية فنسخ ذلك خ # " عن خارجة بن زيد بن ثابت أن أم العلاء امرأة من الأنصار وكانت بايعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنه اقتسم المهاجرون قرعة قالت فطار لنا ~~عثمان بن مظعون فأنزلناه في أبياتنا فوجع وجعه الذي توفي فيه فلما توفي ~~وغسل وكفن في أثوابه دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: رحمة ~~الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه، فقلت: بأبي أنت يا رسول الله فمن ~~يكرمه الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هو فقد جاءه اليقين ~~والله إني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي قالت ~~فوالله لا أزكي بعده أحد يا رسول قالت ورأيت لعثمان في النوم عينا تجري ~~فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال ذاك عمله " # وفي رواية غير البخاري قالت # " لما قدم المهاجرون المدينة اقترعت الأنصار على سكناهم قالت فطار لنا ~~عثمان بن مظعون وفيه والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم ~~وقيل في معنى قوله ما أدري ما يفعل بي ولا بكم هذا في الدنيا أما في ~~الآخرة فقد علم أنه في الجنة وأن من كذبه في النار " # فعلى هذا الوجه فقد اختلفوا فيه فقال ابن عباس لما اشتد البلاء بأصحاب ~~رسول الله صلى ms2854 الله عليه وسلم " رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~المنام وهو بمكة أرض ذات سباخ ونخل رفعت له يهاجر إليها فقال له أصحابه ~~متى تهاجر إلى الأرض التي أريت فسكت فأنزل الله هذه الآية وما أدري ما ~~يفعل بي ولا بكم أأترك في مكاني أم أخرج وأنا وأنتم إلى الأرض التي رفعت ~~لي وقيل " لا أرى إلى ماذا يصير أمري وأمركم في الدنيا أما أنا فلا أدري ~~أخرج كما أخرجت الأنبياء من قبلي أم أقتل كما قتل بعض الأنبياء من قبلي ~~وأما أنتم أيها المصدقون فلا أدري أتخرجون معي أم تتركون أم ماذا يفعل ~~بكم ولا أدري ما يفعل بكم أيها المكذبون أترمون بالحجارة من السماء أم ~~يخسف بكم أم أي شيء يفعل بكم مما فعل بالأمم المكذبة ثم أخبره الله عز ~~وجل أن يظهر دينه على الأديان كلها فقال تعالى # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله # [التوبة: 33] وقال في أمته # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون # [الأنفال: 33] فأعلمه ما يصنع به وبأمته وقيل معناه لا أدري إلى ماذا ~~يصير أمري وأمركم ومن الغالب والمغلوب ثم أخبره أنه يظهر دينه على ~~الأديان وأمته على سائر الأمم. وقوله: { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } ~~معناه ما أتبع غير القرآن الذي يوحى إلي ولا أبتدع من عندي شيئا { وما ~~أنا إلا نذير مبين } أي أنذركم العذاب وأبين لكم الشرائع. ### || [46.10] # { قل أرأيتم } أي أخبروني ماذا تقولون { إن كان من عند الله } يعني ~~القرآن { وكفرتم به } أيها المشركون { وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ~~} أي أنه من عند الله { فآمن } يعني الشاهد { واستكبرتم } أي عن الإيمان ~~به والمعنى إذا كان الأمر كذلك أليس قد ظلمتم وتعديتم { إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين } واختلفوا في هذا الشاهد فقيل هو عبد الله بن سلام آمن ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وشهد بصحة نبوته واستكبر اليهود فلم يؤمنو يدل ~~عليه ما روى ms2855 عن أنس بن مالك قال: # " بلغ عبد الله بن سلام مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهو في ~~أرض يخترف النخل فأتاه وقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول ~~أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة ومن أي شيء ينزع الولد إلى ~~أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أخبرني بهن آنفا جبريل قال فقال عبد الله ذاك عدو اليهود من الملائكة ~~فقرأ هذه الآية { من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك } فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من ~~المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، ~~وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له ~~وإذا سبقت كان الشبه لها قال أشهد أنك رسول الله ثم قال يا رسول الله إن ~~اليهود قوم بهت إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك فجاءت ~~اليهود ودخل عبد الله البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي رجل ~~فيكم عبد الله بن سلام فقالوا أعلمنا وابن أعلمنا وخيرنا وابن خيرنا، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفرأيتم إن أسلم عبد الله قالوا ~~أعاذه الله من ذلك زاد في رواية فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك فخرج عبد ~~الله إليهم فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ~~فقالوا شرنا وابن شرنا ووقعوا فيه " # زاد في رواية # " فقال يعني عبد الله بن سلام هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله " # أخرجه البخاري في صحيحه ق. # " عن سعد بن أبي وقاص قال ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لحي ~~يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام قال وفيه نزلت ~~وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله " # قال الراوي لا أدري قال مالك الآية أو في الحديث وقيل الشاهد هو ms2856 موسى بن ~~عمران عليه السلام قال مسروق في هذه الآية والله ما نزلت في عبد الله بن ~~سلام لأن آل حم نزلت بمكة وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة ونزلت ~~الآية في محاجة كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه ومثل القرآن ~~التوراة فشهد موسى على التوراة ومحمد على القرآن وكل يصدق الآخر فيكون ~~المعنى وشهد موسى على التوراة التي هي مثل القرآن إنها من عند الله كما ~~شهد محمد صلى الله على القرآن أنه كلام الله فآمن من آمن بموسى والتوراة ~~واستكبرتم أنتم يا معشر العرب أن تؤمنوا بمحمد والقرآن إن لا يهدي القوم ~~الظالمين. # قيل إنه تهديد وهو قائم مقام جواب الشرط المحذوف والتقدير قل أرأيتم إن ~~كان من عند الله ثم كفرتم به فإنكم لا تكونون مهتدين بل تكونون ضالين. ### || [46.11-15] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا } يعني من اليهود { للذين آمنوا لو كان ~~خيرا } يعني دين محمد صلى الله عليه وسلم { ما سبقونا إليه } يعنون عبد ~~الله بن سلام وأصحابه، وقيل نزلت في مشركي مكة قالوا لو كان ما يدعونا ~~إليه محمد خيرا ما سبقنا إليه فلان وقيل الذين كفروا أسد وغطفان قالوا ~~للذين آمنوا يعني جهينة ومزينة لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا ~~إليه رعاء البهم قال الله تعالى { وإذ لم يهتدوا به } يعني بالقرآن كما ~~اهتدى به أهل الإيمان { فسيقولون هذا إفك قديم } يعني كذب متقدم { ومن ~~قبله } يعني من قبل القرآن { كتاب موسى } يعني التوراة { إماما } يعني ~~جعلناه إماما يقتدى به { ورحمة } يعني من الله لمن آمن به { وهذا كتاب } ~~يعني القرآن { مصدق } يعني للكتب التي قبله { لسانا عربيا لينذر الذين ~~ظلموا } يعني مشركي مكة { وبشرى للمحسنين إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها ~~جزاء بما كانوا يعملون } تقدم تفسيره. قوله عز وجل: { ووصينا الإنسان ~~بوالديه حسنا } أي يوصل إليهما إحسانا وهو ضد الإساءة { حملته أمه ~~كرها ms2857 } يعني حين أثقلت وثقل عليها الولد { ووضعته كرها } يريد شدة ~~الطلق { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } يعني ومدة حمله إلى أن ينفصل من ~~الرضاع وهو الفطام ثلاثون شهرا. فأقل مدة الحمل ستة أشهر وأكثر مدة ~~الرضاع أربعة وعشرون شهرا. قال ابن عباس: إذا حملت المرأة تسعة أشهر ~~أرضعت إحدى وعشرين شهرا وإذا حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا { ~~حتى إذا بلغ أشده } أي نهاية قوته وغاية شبابه واستوائه وهو ما بين ثمان ~~عشرة سنة إلى أربعين سنة وهو قوله تعالى: { وبلغ أربعين سنة } قيل: نزلت ~~هذه الآية في سعد بن أبي وقاص وقد تقدمت القصة. وقيل إنها على العموم ~~والأصح أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وذلك أنه صحب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي صلى الله عليه ~~وسلم ابن عشرين سنة في تجارة إلى الشام فنزلوا منزلا فيه سدرة فقعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله عن ~~الدين فقال له الراهب من الرجل الذي في ظل السدرة فقال هو محمد بن عبد ~~الله بن عبد المطلب فقال الراهب: هذا والله نبي وما استظل تحتها بعد عيسى ~~أحد إلا هذا وهو نبي آخر الزمان، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، ~~فكان لا يفارق النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ولا حضر، فلما بلغ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة أكرمه الله تعالى بنبوته واختصه ~~برسالته فآمن به أبو بكر وصدقه وهو ابن ثمان وثلاثين سنة فلما بلغ أربعين ~~سنة دعا ربه عز وجل: { قال رب أوزعني } أي ألهمني { أن أشكر نعمتك التي ~~أنعمت علي وعلى والدي } أي بالإيمان والهداية. # وقال علي بن أبي طالب في قوله ووصينا الإنسان بوالديه حسنا في أبي بكر ~~أسلم أبواه جميعا ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره أوصاه ~~الله بهما ولزم ذلك من بعده { وأن أعمل صالحا ترضاه } قال ابن عباس: ms2858 ~~أجابه الله تعالى فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهم بلال ولم ~~يرد شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه ودعا أيضا فقال { وأصلح لي في ~~ذريتي } فأجابه الله تعالى فلم يكن له ولد إلا آمن فاجتمع لأبي بكر إسلام ~~أبويه: أبوه قحافة عثمان بن عمرو، وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو وابنه ~~عبد الرحمن وابن عبد الرحمن أبي عتيق محمد فهؤلاء أربعة أبو بكر وأبوه ~~وابنه عبد الرحمن وابن ابنه محمد كلهم أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأسلموا ولم يجتمع ذلك لأحد من الصحابة غير أبي بكر وقوله: { إني تبت ~~إليك } أي رجعت إليك إلى كل ما تحب { وإني من المسلمين } أي: وأسلمت ~~بقلبي ولساني. ### || [46.16-17] # { أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا } يعني أعمالهم الصالحة التي ~~عملوها في الدنيا وكلها حسن فالأحسن بمعنى الحسن فيثيبهم عليها ويتجاوز ~~عن سيئاتهم فلا يؤاخذهم بها { في أصحاب الجنة } أي مع أصحاب الجنة { وعد ~~الصدق } يعني الذي وعدهم بأن يتقبل حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم ووعده صدق ~~وقيل: وعدهم بأن يدخلهم الجنة { الذي كانوا يوعدون } يعني في الدنيا على ~~لسان الرسول صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { والذي قال لوالديه } يعني ~~إذ دعواه إلى الإيمان بالله والإقرار بالبعث بعد الموت { أف لكما } وهي ~~كلمة كراهية { أتعدانني أن أخرج } يعني من قبري حيا { وقد خلت القرون من ~~قبلي } يعني فلم يبعث منهم أحد { وهما يستغيثان الله } يعني يستصرخان ~~بالله عليه ويقولان له { ويلك آمن إن وعد الله حق } يعني بالبعث { فيقول ~~ما هذا } يعني الذي تدعونني إليه { إلا أساطير الأولين } قال ابن عباس ~~نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قبل إسلامه وكان أبواه يدعوانه إلى ~~الإسلام وهو يأبى ويقول أحيوا لي عبد الله بن جدعان وعامر بن كعب ومشايخ ~~قريش حتى أسألهم عما تقولون. وأنكرت عائشة أن يكون قد نزل هذا في عبد ~~الرحمن بن أبي بكر خ. عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز استعمله ~~معاوية ms2859 فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له، فقال له عبد الرحمن ~~بن أبي بكر شيئا، فقال: خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال له ~~مروان: هذا الذي أنزل الله فيه والذي قال لوالديه أف لكما فقالت عائشة من ~~وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا ما أنزل الله في ~~سورة النور من براءتي والقول الصحيح أنه ليس المراد من الآية شخص معين بل ~~المراد كل شخص كان موصوفا بهذه الصفة وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين ~~الصحيح والإيمان بالبعث فأبى وأنكر. وقيل نزلت في كل كافر عاق لوالديه ~~قال الزجاج: قول من قال إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه ~~يبطله قوله تعالى: { أولئك الذين حق عليهم القول }. ### || [46.18-20] # { أولئك الذين حق عليهم القول } أعلم الله أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة ~~العذاب وعبد الرحمن مؤمن من أفاضل المؤمنين فلا يكون ممن حقت عليه كلمة ~~العذاب أي وجب عليهم العذاب { في أمم } أي مع أمم { قد خلت من قبلهم من ~~الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ولكل درجات مما عملوا } قال ابن عباس: ~~يريد من سبق إلى الإسلام فهو أفضل ممن تخلف عنه ولو ساعة وقيل لكل واحد ~~من الفريقين المؤمنين والكافرين والبار والعاق درجات يعني منازل ومراتب ~~عند الله يوم القيامة بأعمالهم فيجازيهم عليها قيل درجات الجنة تذهب إلى ~~علو ودرجات النار تذهب إلى أسفل { وليوفيهم أعمالهم } يعني جزاء أعمالهم ~~{ وهم لا يظلمون } قوله عز وجل: { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } ~~يعني يجاء بهم فيكشف لهم عنها ويقال لهم { أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا واستمتعتم بها } يعني أن كل ما قدر لكم من الطيبات واللذات فقد ~~أفنيتموه في الدنيا وتمتعتم به فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم منها شيء { ~~فاليوم تجزون عذاب الهون } أي الذي فيه ذل وخزي { بما كنتم تستكبرون في ~~الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون } علق هذا العذاب بأمرين، أحدهما: ~~الاستكبار وهو الترفع، ويحتمل أن يكون ms2860 عن الإيمان، والثاني: الفسق وهو ~~المعاصي، والأول من عمل القلوب، والثاني من عمل الجوارح. فصل لما وبخ ~~الله تعالى الكافرين بالتمتع بالطيبات، آثر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه والصالحون بعدهم اجتناب اللذات في الدنيا رجاء ثواب الآخرة ق # " عن عمر بن الخطاب قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو ~~متكئ على رمال حصير قد أثر في جنبه، فقلت: أستأنس يا رسول الله. قال: نعم ~~فجلست، فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا ~~أهبة ثلاثة، فقلت: ادع الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم ~~ولا يعبدون الله فاستوى جالسا ثم قال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك ~~قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا فقلت استغفر لي يا رسول الله " # ق. " عن عائشة قالت: ما شبع آل محمد من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " ق " عنها قالت: كان يأتي علينا الشهر ما ~~نوقد فيه نارا إنما هو الأسودان التمر والماء إلا أن نؤتى باللحيم " وفي ~~رواية أخرى قالت: " إنا كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة ~~أهلة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. قال ~~عروة: قلت: يا خالة فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء إلا أنه ~~قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار وكانت لهم منائح ~~فكانوا يرسلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانها فيسقينا " عن ~~ابن عباس قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاويا ~~وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير " # أخرجه الترمذي وله عن أنس قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أخفت في الله ما لم يخف أحد ~~وأوذيت في الله ما لم يؤذ أحد ولقد أتى علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما ~~لي ولبلال طعام إلا شيء يواري إبط ms2861 بلال " # خ. عن أبي هريرة قال: لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه ~~رداء إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم فمنها ما يبلغ نصف الساقين ~~ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته " خ. " عن ~~إبراهيم بن عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن عوف أتي بطعام وكان صائما فقال: ~~قتل مصعب بن عمير وهو خير مني فكفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن ~~غطي رجلاه بدا رأسه. قال: وأراه قال: قتل حمزة وهو خير مني، فلم يوجد ما ~~يكفن فيه إلا برده. ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط وقد خشيت أن تكون عجلت ~~لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام " وقال جابر بن ~~عبد الله: " رأى عمر بن الخطاب لحما معلقا في يدي فقال ما هذا يا جابر؟ ~~قلت: اشتهيت لحما فاشتريته، فقال عمر: كلما اشتهيت يا جابر اشتريت، أما ~~تخاف هذه الآية: { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا؟ }. ### || [46.21-25] # قوله تعالى: { واذكر أخا عاد } يعني هودا عليه السلام { إذ أنذر قومه ~~بالأحقاف } قال ابن عباس: الأحقاف واد بين عمان ومهرة. وقيل: كانت منازل ~~عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له مهرة. وكانوا أهل عمد سيارة في ~~الربيع فإذا هاج العود، رجعوا إلى منازلهم وكانوا من قبيلة إرم. وقيل: إن ~~عادا كانوا أحياء باليمن وكانوا أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها ~~الشحر. والأحقاف: جمع حقف وهو المستطيل من الرمل فيه اعوجاج كهيئة الجبل ~~ولم يبلغ أن يكون جبلا. وقيل: الأحقاف ما استدار من الرمل { وقد خلت ~~النذر } أي مضت الرسل { من بين يديه } أي من قبل هود { ومن خلفه } أي من ~~بعده { ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } والمعنى: أن ~~هودا قد أنذرهم بذلك وأعلمهم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون ~~بعده كلهم منذرون نحو إنذاره { قالوا أجئتنا لتأفكنا } أي لتصرفنا { عن ~~آلهتنا } أي عبادتها { فأتنا بما تعدنا } أي من ms2862 العذاب { إن كنت من ~~الصادقين } يعني أن العذاب نازل بنا { قال } يعني هودا { إنما العلم عند ~~الله } يعني هو يعلم متى يأتيكم العذاب { وأبلغكم ما أرسلت به } يعني من ~~الوحي الذي أنزله الله علي وأمرني بتبليغه إليكم { ولكني أراكم قوما ~~تجهلون } يعني قدر العذاب الذي ينزل بكم { فلما رأوه } يعني رأوا ما ~~يوعدون به من العذاب ثم بينه فقال تعالى: { عارضا } يعني رأوا سحابا ~~عارضا وهو السحاب الذي يعرض في ناحية السماء ثم يطبق السماء { مستقبل ~~أوديتهم } وذلك أنه خرجت عليهم سحابة سوداء من ناحية واد يقال له المغيث ~~وكان قد حبس عنهم المطر مدة طويلة فلما رأوا تلك السحابة استبشروا بها ثم ~~{ قالوا هذا عارض ممطرنا } قال الله ردا عليهم { بل هو ما استعجلتم به } ~~يعني من العذاب ثم بين ماهية ذلك العذاب فقال تعالى: { ريح فيها عذاب ~~أليم } ثم وصف تلك الريح فقال تعالى: { تدمر كل شيء بأمر ربها } يعني ~~تهلك كل شيء مرت به من رجال عاد وأموالهم يقال: إن تلك الريح كانت تحمل ~~الفسطاط وتحمل الظعينة حتى ترى كأنها جرادة فلما رأوا ذلك، دخلوا بيوتهم ~~وأغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح فقلعت الأبواب وصرعتهم. وأمر الله الريح، ~~فأهالت عليهم الرمال فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين. ~~ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمل واحتملتهم فرمت بهم في البحر. وقيل: ~~إن هودا عليه السلام لما أحس بالريح، خط على نفسه وعلى من معه من ~~المؤمنين خطا فكانت الريح تمر بهم لينة باردة طيبة والريح التي تصيب ~~قومه شديدة عاصفة مهلكة وهذه معجزة عظيمة لهود عليه السلام. # وقيل: إن الله تعالى أمر خازن الريح أن يرسل عليهم مثل مقدار الخاتم ~~فأهلكهم الله بهذا القدر وفي هذا إظهار كمال القدرة ق # " عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا قط ~~ضاحكا حتى ترى منه لهواته إنما كان يتبسم " زاد في رواية: " وكان إذا ~~رأى غيما عرف في وجهه قالت يا رسول الله الناس إذا ms2863 رأوا الغيم فرحوا ~~رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيت غيما عرف في وجهك الكراهة؟ فقال: ~~يا عائشة وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب قد عذب قوم بالريح وقد رأى قوم ~~العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا " " # وفي رواية قالت # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر ~~ودخل وخرج وتغير وجهه فإذا أمطرت السماء سري عنه فرفعته عائشة ذلك فقال ~~وما أدري لعله كما قال قوم هود فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا ~~هذا عارض ممطرنا " # الآية وفي رواية أخرى قالت: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال اللهم إني أسألك ~~خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ~~ما أرسلت به " # وإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا أمطرت السماء ~~سري عنه فعرفت ذلك عائشة فسالته فقال: لعله يا عائشة كما قال قوم عاد ~~فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا المخيلة: السحاب ~~الذي يظن فيه مطر. وتخيلت السماء: إذا تغيمت. وقولها: سري عنه أي كشف ~~وأزيل عنه ما كان به من الغم والحزن. وقوله تعالى: { فأصبحوا لا ترى إلا ~~مساكنهم } قرىء بالتاء مفتوحة على أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. ~~والمعنى: ما ترى يا محمد إلا مساكنهم خاوية عاطلة من السكان ليس فيها أحد ~~وقرىء بالياء مضمومة والمعنى لا يرى إلا آثار مساكنهم لأن الريح لم تبق ~~منها إلا الآثار والمساكن المعطلة { كذلك نجزي القوم المجرمين } يخوف ~~بذلك كفار مكة ### || [46.26-28] # { ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه } الخطاب لأهل مكة يعني مكناهم فيما ~~لم نمكنكم فيه من قوة الأبدان وطول الأعمار وكثرة الأموال { وجعلنا لهم ~~سمعا وأبصارا وأفئدة } يعني إنا أعطيناهم هذه الحواس ليستعملوها فيما ~~ينفعهم في أمر الدين فما استعملوها إلا في طلب الدنيا ولذاتها فلا جرم { ~~فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء } يعني أنه لما أنزل ~~بهم العذاب ما ms2864 أغنى ذلك عنهم شيئا { إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق ~~بهم ما كانوا به يستهزئون } يعني ونزل بهم العذاب الذي كانوا يطلبونه على ~~سبيل الاستهزاء { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى } الخطاب لأهل مكة يعني ~~أهلكنا قرى ديار ثمود وهي الحجر وسدوم وهي قرى قوم لوط بالشام وقرى قوم ~~عاد باليمن يخوف أهل مكة بذلك { وصرفنا الآيات } يعني وبينا لهم الحجج ~~والدلائل الدالة على التوحيد { لعلهم يرجعون } يعني عن كفرهم فلم يرجعوا ~~فأهلكناهم بسبب كفرهم وتماديهم في الكفر { فلولا } يعني فهلا { نصرهم ~~الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة } يعني أنهم اتخذوا الأغنام آلهة ~~يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى والقربان كل ما يتقرب به إلى الله ~~تعالى: { بل ضلوا عنهم } يعني بل ضلت الآلهة عنهم فلم تنفعهم عند نزول ~~العذاب بهم { وذلك إفكهم } يعني كذبهم الذي كانوا يقولون إنها تقربهم إلى ~~الله تعالى وتشفع لهم عنده { وما كانوا يفترون } يعني يكذبون بقولهم إنها ~~آلهة وإنها تشفع لهم. ### || [46.29] # قوله عز وجل: { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن } الآية. ذكر القصة في ذلك ~~قال المفسرون: لما مات أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في ~~حياته يحوطه وينصره ويمنعه ممن يؤذيه، فلما مات وجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وحشة من قومه، فخرج إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة له ~~والمنعة من قومه فروى محمد بن إسحاق عن زيد بن زياد عن محمد بن كعب ~~القرظي قال: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى ~~نفر من ثقيف، وهم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل، ~~ومسعود، وحبيب بنو عمير. وعندهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم، ~~فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاء له من نصرته على الإسلام والقيام معه على ~~من خالفه من قومه فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. ~~وقال الآخر: ما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث: لا أكلمك كلمة ms2865 ~~أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك ~~الكلام وإن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن أكلمك فقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف فقال لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي وكره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يبلغ قومه فيزيد ذلك في تجرئهم عليه فلم يفعلوا وأغروا به ~~سفهاءهم وعبيدهم فجعلوا يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع إليه الناس وألجؤوه ~~إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما فيه، فرجع عنه سفهاء ثقيف ومن كان ~~تبعه منهم، فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه ~~ويريان ما لقي من سفهاء ثقيف وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك ~~المرأة التي من بني جمح فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟ فلما اطمأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، فأنت رؤوف ~~وأنت أرحم الراحمين، وأنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد ~~يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن ~~عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر ~~الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ~~لا حول ولا قوة إلا بك " # فلما رأى ابنا ربيعة ما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا ~~يقال له عداس فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق ثم اذهب ~~به إلى ذلك الرجل وقل له يأكل منه. # ففعل عداس ذلك ثم أقبل بالطبق حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال له: كل. فلما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده قال: بسم ~~الله ثم أكل فنظر عداس إلى وجهه ثم قال والله إن ms2866 هذا الكلام ما يقوله أهل ~~هذه البلدة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أي البلاد أنت يا ~~عداس وما دينك؟ فقال: أنا نصراني وأنا رجل من أهل نينوى. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال له عداس: ~~وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أخي ~~كان نبيا وأنا نبي. فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل ~~رأسه ويديه وقدميه قال فقال أحد ابني ربيعة: أما غلامك، فقد أفسده عليك. ~~فلما جاءهم عداس قال له: ويلك يا عداس ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه ~~وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا الرجل. لقد أخبرني بأمر ما ~~يعلمه إلا نبي. فقال له: ويحك يا عداس لا يصرفك عن دينك فإن دينك خير من ~~دينه ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعا إلى مكة ~~حين يئس من خير ثقيف حتى إذا كان ببطن نخلة قام من جوف الليل يصلي فمر به ~~نفر من جن نصيبين كانوا قاصدين اليمن وذلك حين منعوا من استراق السمع من ~~السماء ورموا بالشهب فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم ~~منذرين وقد آمنوا به وأجابوا لما سمعوا القرآن فقص الله خبرهم عليه فقال ~~تعالى: { وإذا صرفنا إليك نفرا من الجن } وفي الآية قول آخر وسيأتي في ~~سورة الجن وهو حديث مخرج في الصحيحين من حديث ابن عباس. وروي أن الجن لما ~~رجموا بالشهب بعث إبليس سراياه ليعرف الخبر فكان أول بعث بعث من أهل ~~نصيبين وهم أشراف الجن وساداتهم فبعثهم إلى تهامة. وقال أبو حمزة: بلغنا ~~أنهم من بني الشيصبان وهم أكثر الجن عددا وهم عامة جنود إبليس فلما ~~رجعوا إلى قومهم قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا وقال جماعة: بل أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله ويقرأ عليهم ~~القرآن ms2867 فصرف الله عز وجل إليه نفرا من الجن وهم من أهل نينوى وجمعهم له ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إني أمرت أن أقرأ على الجن ~~الليلة فأيكم يتبعني فأطرقوا ثم استتبعهم فأطرقوا ثم استتبعهم فأطرقوا ثم ~~استتبعهم الثالثة فتبعه عبد الله بن مسعود قال عبد الله بن مسعود لم يحضر ~~معه أحد غيري قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم شعبا يقال له شعب الحجون وخط لي خطا ثم أمرني أن أجلس فيه ~~وقال: لا تخرج منه حتى أعود إليك فانطلق حتى قام عليهم فافتتح القرآن ~~فجعلت أرى مثال النسور تهوي وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى لا أسمع صوته ثم ~~طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منهم مع الفجر فانطلق إلي فقال لي نمت فقلت: لا والله يا رسول الله لقد ~~هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول لهم اجلسوا ~~فقال: لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم ثم قال: هل رأيت شيئا؟ قلت: ~~نعم رأيت رجالا سودا عليهم ثياب بيض قال أولئك جن نصيبين سألوني المتاع ~~والمتاع الزاد فمتعتهم بكل عظم حائل وروثة وبعرة فقالوا يا رسول الله ~~يقذرها الناس علينا فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجي بالعظم ~~والروث قال: فقلت يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم؟ فقال: إنهم لا يجدون ~~عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم ~~أكلت فقلت: يا رسول الله سمعت لغطا شديدا فقال إن الجن تدارأت في قتيل ~~قتل بينهم فتحاكموا إلي فقضيت بينهم بالحق قال ثم تبرز رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأتاني فقال لهم معك ماء؟ قلت: يا رسول الله معي أداوة ~~فيها شيء من نبيذ التمر فاستدعاه فصببت على يديه فتوضأ وقال: تمرة طيبة ~~وماء طهور. ms2868 # قال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود لما قدم الكوفة رأى شيوخا شمطا من ~~الزط فأفزعوه حين رآهم ثم قال اظهروا؟ فقيل له: إن هؤلاء قوم من الزط. ~~فقال: ما أشبههم بالنفر. الذين صرفوا إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليلة الجن قلت حديث التوضؤ بنبيذ التمر ضعيف ذكره البيهقي في كتابه ~~الخلافيات بأسانيده وأجاب عنها كلها. والذي صح عن علقمة قال: قلت لابن ~~مسعود: هل صحب النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما ~~صحبه منا أحد ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ~~ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقلنا استطير أو اغتيل فبتنا بشر ~~ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء فقلنا يا رسول الله ~~فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا ليلة بات قوم قال أتاني داعي الجن فذهبت ~~معه فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا فأرنا آثارهم وآثار نيرانهم ~~وسألوه الزاد فقال لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما ~~يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ~~تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن. # زاد في رواية قال الشعبي: وكانوا من جن الجزيرة أخرجه مسلم في صحيحه ~~وأما تفسير الآية: فقوله تعالى: وإذ صرفنا إليك الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم يعني واذكر إذ بعثنا إليك يا محمد نفرا من الجن. واختلفوا في ~~عدد أولئك النفر فقال ابن عباس: كانوا سبعة من جن نصيبين فجعلهم رسول ~~الله رسلا إلى قومهم. وقال آخرون: كانوا تسعة. وروي عن زر بن حبيش قال: ~~كان زوبعة من التسعة الذين استمعوا القرآن. وروي أن الجن ثلاثة أصناف: ~~صنف منهم لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء وصنف على صور الحيات والكلاب ~~وصنف يحلون ويظعنون ونقل بعضهم أن أولئك الجن كانوا يهودا فأسلموا. ~~قالوا في الجن ملل كثيرة مثل الإنس ففهم اليهود والنصارى والمجوس وعبدة ~~الأصنام وفي مسلمهم مبتدعة ومن يقول بالقدر ms2869 وخلق القرآن ونحو ذلك من ~~المذاهب والبدع وأطبق المحققون من العلماء على أن الكل مكلفون. سئل ابن ~~عباس هل للجن ثواب؟ فقال: نعم وعليهم عقاب { يستمعون القرآن فلما حضروه } ~~الضمير يعود إلى القرآن يعني: فلما حضروا القرآن وقيل يحتمل أنه يعود على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. ويكون المعنى: فلما حضروا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأجل استماع القرآن { قالوا أنصتوا } يعني قال بعضهم لبعض ~~اسكتوا لنسمع قراءته ولا يحول بيننا وبين سماعه شيء فأنصتوا واستمعوا ~~القرآن حتى كاد يقع بعضهم على بعض من شدة حرصهم على سماعه { فلما قضي } ~~أي فرغ من قراءته { ولوا } أي رجعوا { إلى قومهم منذرين } يعني داعين لهم ~~إلى الإيمان مخوفين لهم من المخالفة ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لهم وذلك بعد إيمانهم لأنهم لا يدعون غيرهم إلى سماع القرآن ~~والتصديق إلا بعد إيمانهم به وتصديقهم له. ### || [46.30-33] # { قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا } قال عطاء: ~~كان دينهم اليهودية ولذلك { قالوا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ~~مصدقا لما بين يديه } يعني من الكتب الإلهية المنزلة من السماء وذلك أن ~~كتب الأنبياء كانت مشتملة على الدعوة إلى التوحيد وتصديق الأنبياء ~~والإيمان بالمعاد والحشر والنشر وجاء هذا الكتاب وهو القرآن المنزل على ~~محمد صلى الله عليه وسلم كذلك فذلك هو تصديقه لما بين يديه من الكتب { ~~يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم } يعني: يهدي إلى دين الحق وهو دين ~~الإسلام ويهدي إلى طريق الجنة { يا قومنا أجيبوا داعي الله } يعني محمدا ~~صلى الله عليه وسلم لأنه لا يوصف بهذا غيره وفي الآية دليل على أنه مبعوث ~~إلى الإنس والجن جميعا قال مقاتل لم يبعث الله نبيا إلى الإنس والجن ~~قبله { وآمنوا به }. فإن قلت قوله تعالى { أجيبوا داعي الله } أمر ~~بإجابته في كل ما أمر به فيدخل فيه الأمر بالإيمان فلم أعاد ذكره بلفظ ~~التعيين. قلت: إنما أعاده لأن الإيمان أهم أقسام المأمور به وأشرفها ~~فلذلك ms2870 ذكره على التعيين فهو من باب ذكر العام ثم يعطف عليه أشرف أنواعه { ~~يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم } قال بعضهم: لفظة من هنا زائدة ~~والتقدير يغفر لكم ذنوبكم وقيل: هي على أصلها وذلك أن الله يغفر من ~~الذنوب ما كان قبل الإسلام فإذا أسلموا جرت عليهم أحكام الإسلام فمن أتى ~~بذنب أخذ به ما لم يتب منه أو يبقى تحت خطر المشيئة إن شاء الله غفر له ~~وإن شاء آخذه بذنبه واختلف العلماء في حكم مؤمني الجن، فقال قوم: ليس لهم ~~ثواب إلا نجاتهم من النار. وتأولوا قوله: { يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من ~~عذاب أليم }. وإليه ذهب أبو حنيفة. وحكي عن الليث قال: ثوابهم أن يجاروا ~~من النار ثم يقال لهم: كونوا ترابا مثل البهائم. وعن أبي الزناد قال: ~~إذا قضى بين الناس، قيل لمؤمني الجن: عودوا ترابا، فيعودون، ترابا. ~~فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. وقال الآخرون: لهم الثواب في ~~الإحسان كما يكون عليهم العقاب في الإساءة كالإنس وهذا هو الصحيح وهو قول ~~ابن عباس وإليه ذهب مالك وابن أبي ليلى. قال الضحاك: الجن يدخلون الجنة ~~ويأكلون ويشربون. وقال أرطأة بن المنذر: سألت ضمرة بن حبيب: هل للجن ~~ثواب؟ قال: نعم وقرأ # لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان # [الرحمن: 74] قال: فالإنسيات للإنس والجنيات للجن وقال عمر بن عبد ~~العزيز: إن مؤمني الجن حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها يعني في ~~الجنة. وقوله تعالى: { ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض } يعني ~~لا يعجز الله فيفوته { وليس له من دونه أولياء } يعني أنصارا يمنعونه من ~~الله { أولئك } يعني الذين لم يجيبوا داعي الله { في ضلال مبين } قوله ~~تعالى: { أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن } ~~يعني أنه تعالى خلق هذا الخلق العظيم ولم يعجز عن إبداعه واختراعه ~~وتكوينه { بقادر على أن يحيي الموتى } يعني أن إعادة الخلق وإحياءه بعد ~~الموت أهون عليه من إبداعه وخلقه فالكل عليه ms2871 هين إبداع الخلق وإعادته بعد ~~الموت وهو قوله { بلى إنه على كل شيء قدير } يعني من إماتة الخلق ~~وإحيائهم لأنه قادر على كل شيء. ### || [46.34-35] # { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } فيه إضمار تقديره فيقال لهم { أليس ~~هذا بالحق } يعني هذا العذاب هو الذي وعدكم به الرسل وهو الحق { قالوا ~~بلى وربنا } هذا اعتراف منهم على أنفسهم بعد ما كانوا منكرين لذلك وفيه ~~توبيخ وتقريع لهم فعند ذلك { قال } لهم { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ~~} قوله عز وجل: { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل } الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم أمره الله تعالى بالاقتداء بأولي العزم من الرسل في الصبر ~~على أذى قومه قال ابن عباس ذوو الحزم وقال الضحاك ذوو الجد والصبر. ~~واختلفوا في أولي العزم من الرسل من هم فقال ابن زيد: كل الرسل كانوا ~~أولي عزم لم يبعث الله نبيا إلا كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال عقل. وهذا ~~القول هو اختيار الإمام فخر الدين الرازي. قال: لأن لفظة من في قوله { من ~~الرسل } للتبين لا للتبعيض كما تقول: ثوب من خز كأنه قيل له اصبر كما صبر ~~الرسل من قبلك على أذى قومهم وصفهم بالعزم لقوة صبرهم وثباتهم وقال ~~بعضهم: الأنبياء كلهم أولو العزم إلا يونس لعجلة كانت فيه ألا ترى أنه ~~قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: # ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم: 48] وقال قوم: أولي العزم هم نجباء الرسل المذكورون في سورة ~~الأنعام وهم ثمانية عشر نبيا لقوله بعد ذكرهم # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأتعام: 90] وقال الكلبي: هم الذين أمروا بالجهاد وأظهروا المكاشرة ~~لأعداء الله. وقيل: هم ستة: نوح،وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى، وهم ~~المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء. وقال مقاتل: هم ستة: نوح ~~صبر على أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، في ~~قول، ويعقوب صبر على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف صبر على الجب والسجن، ~~وأيوب صبر على الضر. وقال ابن عباس وقتادة: هم: نوح، ms2872 وإبراهيم، وموسى، ~~وعيسى، أصحاب الشرائع فهم مع محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين ~~وخمسة قد ذكرهم الله على التخصيص والتعيين في قوله # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن ~~مريم # [الأحزاب: 7] وفي قوله: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا # [الشورى: 13] الآية روى البغوي بسنده عن عائشة قالت: # " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي ~~لمحمد ولا لآل محمد يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم إلا بالصبر ~~على مكروهها والصبر عن محبوبها ولم يرض إلا أن كلفني ما كلفهم فقال: { ~~فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل } وإني والله لا بد لي من طاعته ~~والله لأصبرن كما صبروا ولأجهدن كما جهدوا ولا قوة إلا بالله ". # قوله تعالى: { ولا تستعجل لهم } يعني اصبر على أذاهم لا تستعجل بنزول ~~العذاب عليهم فإنه نازل بهم لا محالة كأنه صلى الله عليه وسلم ضجر بعض ~~الضجر فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى منهم فأمره الله تعالى بالصبر وترك ~~الاستعجال ثم أخبر بقرب العذاب فقال تعالى: { كأنهم يوم يرون ما يوعدون } ~~يعني من العذاب في الآخرة { لم يلبثوا } يعني في الدنيا { إلا ساعة من ~~نهار } يعني أنهم إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ ~~كأنه قدر ساعة من نهار لأن ما مضى وإن كان طويلا فهو يسير إلى ما يدوم ~~عليهم من العذاب وهو أبد الآبدين بلا انقطاع ولا فناء وتم الكلام عند ~~قوله ساعة من نهار ثم ابتدأ فقال تعالى: { بلاغ } أي هذا القرآن وما فيه ~~من البينات والهدى بلاغ من الله إليكم. والبلاغ: بمعنى التبليغ { فهل ~~يهلك } بالعذاب إذا نزل { إلا القوم الفاسقين } يعنى الخارجين عن الإيمان ~~بالله وطاعته قال الزجاج: تأويله لا يهلك من رحمة الله وفضله إلا القوم ~~الفاسقون ولهذا قال قوم ما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الآية ~~والله أعلم. ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-3] # قوله عز وجل: { الذين ms2873 كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } يعني ~~أبطلها ولم يتقبلها منهم. وأراد بالأعمال: ما كانوا يفعلون من أعمال البر ~~في إطعام الطعام، وصلة الأرحام وفك العاني وهو الأسير، وإجارة المستجير، ~~ونحو ذلك. وقال بعضهم: أول هذه السورة متعلق بآخر سورة الأحقاف المتقدمة ~~كأن قائلا قال: كيف يهلك القوم الفاسقون ولهم أعمال صالحة كإطعام الطعام ~~ونحوه من الأعمال والله لا يضيع لعامل عمله ولو كان مثقال ذرة من خير ~~فأخبر بأن الفاسقين هم الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم يعني ~~أبطلها لأنها لم تكن لله ولا بأمره إنما فعلوها من عند أنفسهم ليقال عنهم ~~ذلك فلهذا السبب أبطلها الله تعالى وقال الضحاك: أبطل كيدهم ومكرهم ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعل الدائرة عليهم. قال بعضهم: المراد بقوله، ~~{ الذين كفروا } هم الذين كانوا يطعمون الجيش يوم بدر وهم رؤوس كفار قريش ~~منهم أبو جهل، والحارث بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وغيرهم. وقيل: هم ~~جميع كفار قريش وقيل هم كفار أهل الكتاب وقيل هو عام فيدخل فيه كل كافر { ~~وصدوا عن سبيل الله } يعني ومنعوا غيرهم عن الدخول في دين الله وهو ~~الإسلام أو منعوا أنفسهم من الدخول في الإسلام { أضل أعمالهم } يعني ~~أبطلها لأنها كانت لغير الله ومنه قوله تعالى: # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا # [الفرقان: 23] { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } قال ابن عباس الذين ~~كفروا مشركو قريش، والذين آمنوا هم الأنصار وقيل مؤمنو أهل الكتاب وقيل ~~هو عام فيدخل فيه كل مؤمن آمن بالله ورسوله وهذا هو الأولى ليشمل جميع ~~المؤمنين { وآمنوا بما نزل على محمد } يعني القرآن الذي أنزله الله على ~~محمد وإنما ذكره بلفظ الاختصاص مع ما يجب من الإيمان بجميع ما جاء به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تعظيما لشأن القرآن الكريم ~~وتنبيها على أنه لا يتم الإيمان إلا به وأكد ذلك بقوله: { وهو الحق من ~~ربهم } وقيل: معناه أن دين محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق ms2874 لأنه ناسخ ~~للأديان كلها ولا يرد عليه نسخ وقال سفيان الثوري في قوله { وآمنوا بما ~~نزل على محمد } يعني لم يخالفوه في شيء { كفر عنهم سيئاتهم } يعني ستر ~~بأيمانهم وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم وتوبتهم ~~منها فغفر لهم بذلك ما كان منهم { وأصلح بالهم } يعني حالهم وشأنهم ~~وأمرهم بالتوفيق في أمور الدين والتسليط على أمور الدنيا بما أعطاهم من ~~النصر على أعدائهم. وقيل أصلح بالهم يعني قلوبهم لأن القلب إذا صلح صلح ~~سائر الجسد وقال ابن عباس عصمهم أيام حياتهم يعني أن هذا الإصلاح يعود ~~إلى إصلاح أعمالهم حتى لا يعصوا { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل } ~~يعني الشيطان { وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم } يعني القرآن ومعنى ~~الآية ذلك الأمر وهو إضلال أعمال الكفار وتكفير سيئات المؤمنين كائن بسبب ~~إتباع الكفار الباطل وإتباع المؤمنين الحق من ربهم { كذلك يضرب الله ~~للناس أمثالهم } الضمير في أمثالهم راجع إلى الناس على أنه تعالى يضرب ~~للناس أمثال أنفسهم أو أنه راجع إلى الفريقين على معنى أنه تعالى ضرب ~~أمثال الفريقين للناس ليعتبروا بها قال الزجاج كذلك يضرب الله أمثال ~~حسنات المؤمنين وأمثال أعمال الكافرين للناس. ### || [47.4] # قوله تعالى: { فإذا لقيتم الذين كفروا } من اللقاء وهو الحرب { فضرب ~~الرقاب } يعني: فاضربوا رقابهم ضربا. وضرب الرقاب، عبارة عن القتل، إلا ~~أن المراد ضرب الرقاب فقط دون سائر الأعضاء وإنما خص الرقاب بالضرب، لأن ~~قتل الإنسان أشنع ما يكون بضرب رقبته فلذلك خصت بالذكر في الأمر بالقتل ~~ولأن الرأس من أشرف أعضاء البدن فإذا أبين عن بدنه كان أسرع إلى الموت ~~والهلاك بخلاف غيره من الأعضاء { حتى إذا أثخنتموهم } يعني بالغنم في ~~القتل وقهرتموهم مأخوذ من الشيء الثخين الغليظ. والمعنى: إذا اثقلتموهم ~~بالقتل والجراح ومنعتموهم النهوض والحركة { فشدوا الوثاق } يعني في ~~الاسرى والمعنى فأسروهم وشدوا وثاقهم حتى لا يفلتوا منكم والوثاق اسم لما ~~يوثق به أي يشد به { فإما منا بعد وإما فداء } يعني بعد الأسر إما أن ~~تمنوا عليهم ms2875 منا بإطلاقهم من غير عوض وإما أن تفادوهم فداء. فصل: في حكم ~~الآية اختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال قوم هي منسوخة بقوله # فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم # [الأنفال: 57] وبقوله # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] وهذا قول قتادة والضحاك والسدي وابن جريج وإليه ذهب ~~الأوزاعي وأصحاب الرأي قالوا لا يجوز لمن على من وقع في الأسر من الكفار ~~ولا الفداء بل إما القتل أو الاسترقاق أيهما رأى الإمام. ونقل صاحب ~~الكشاف عن مجاهد قال ليس اليوم من ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق ~~ويجوز أن يكون المراد أن يمن عليهم بترك القتل ويسترقوا أو يمن عليهم ~~فيخلوا لقبول الجزية إن كانوا من أهل الذمة ويراد بالفداء أن يفادى ~~بأسراهم أسرى المسلمين فقد رواه الطحاوي مذهبا عن أبي حنيفة والمشهور ~~عنه أنه لا يرى فداءهم لا بمال ولا بغيره خيفة أن يعودوا حربا للمسلمين ~~وذهب أكثر العلماء إلى أن الآية محكمة والإمام بالخيار في الرجال ~~البالغين من الكفار إذا أسروا بين أن يقتلهم أو يسترقهم أو يمن عليهم ~~فيطلقهم بلا عوض أو يفاديهم بالمال أو بأسارى المسلمين وإليه ذهب ابن عمر ~~وبه قال الحسن وعطاء وأكثر الصحابة والعلماء وهو قول الثوري والشافعي ~~وأحمد وإسحاق. قال ابن عباس: لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم أنزل الله ~~عز وجل في الأسارى { فإما منا بعد وإما فداء } وهذا القول هو الصحيح ~~ولأنه به عمل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده ق عن أبي هريرة ~~قال: # " بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة ~~يقال له ثمامة بن أثال فربطوه في سارية من سواري المسجد فخرج إليه النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد إن ~~تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ~~ما شئت فتركه النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من الغد قال: ms2876 ما عندك ~~يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن ~~كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى إذا كان من الغد قال: ما عندك يا ثمامة قال: عندي ما قلت لك إن تنعم ~~تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما ~~شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطلقوا ثمامة. فانطلق إلى نخل ~~قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله والله ما كان على الأرض أبغض إلي من وجهك، ~~فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي. والله ما كان من دين أبغض من دينك فأصبح ~~دينك أحب الدين كله إلي والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح ~~بلدك أحب البلاد كلها إلي وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى ~~فبشره النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له ~~قائل: أصبوت؟ قال: لا ولكني أسلمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " # لفظ مسلم بطوله واختصره البخاري عن عمران بن حصين قال # " أسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني عقيل فأوثقوه ~~وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففداه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجلين الذين أسرتهما ثقيف " # أخرجه الشافعي في مسنده وأخرجه مسلم وأبو داود بلفظ أطول من هذا. وقوله ~~تعالى: { حتى تضع الحرب أوزارها } يعني أثقالها وأحمالها والمراد أهل ~~الحرب يعني حتى يضعوا أسلحتهم ويمسكوا عن القتال وأصل الوزر: ما يحمله ~~الإنسان فسمى الأسلحة وزرا لأنها تحمل. وقيل: الحرب هم المحاربون مثل ~~الشرب والركب. وقيل: الأوزار الآثام. ومعناه: حتى يضع المحاربون أوزارهم ~~بأن يتوبوا ms2877 من كفرهم فيؤمنوا بالله ورسوله. وقيل: معناه حتى تضع حربكم ~~وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن يسلموا. ومعنى الآية: أثخنوا ~~المشركين بالقتل والأسر حتى يدخل أهل الملل كلها في الإسلام ويكون الدين ~~كله لله فلا يكون بعده جهاد ولا قتال وذلك عند نزول عيسى ابن مريم عليه ~~السلام وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم # " الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال " # هكذا ذكره البغوي بغير سند قال الكلبي معناه حتى يسلموا أو يسالموا. قال ~~الفراء: حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم { ذلك } يعني الذي ذكر وبين من ~~حكم الكفار { ولو يشاء الله لانتصر منهم } يعني ولو شاء الله لأهلكهم ~~بغير قتال وكفاكم أمرهم { ولكن } يعني ولكن أمركم بالقتال { ليبلوا بعضكم ~~ببعض } يعني فيصير من قتل من المؤمنين إلى الثواب ومن قتل من الكافرين ~~إلى العذاب { والذين قتلوا في سبيل الله } يعني الشهداء وقرىء قاتلوا وهم ~~المجاهدون في سبيل الله { فلن يضل أعمالهم } يعني فلن يبطلها بأن يوفيهم ~~ثواب أعمالهم التي عملوها لله تعالى قال قتادة ذكر لنا أن هذه الآية نزلت ~~في يوم أحد وقد فشت في المسلمين الجراحات والقتل. ### || [47.5-7] # { سيهديهم } يعني أيام حياتهم في الدنيا إلى أرشد الأمور في الآخرة إلى ~~الدرجات العلي { ويصلح بالهم } ويرضي أعمالهم ويقبلها { ويدخلهم الجنة ~~عرفها لهم } يبين لهم منازلهم في الجنة حتى اهتدوا إلى مساكنهم لا ~~يخطئونها ولا يستدلون عليها كأنهم ساكنوها منذ خلقوا فيكون المؤمن أهدى ~~إلى درجته ومنزله وزوجته وخدمه منه إلى منزله وأهله في الدنيا هذا قول ~~أكثر المفسرين. ونقل عن ابن عباس عرفها لهم طيبها لهم من العرف وهو الريح ~~الطيبة وطعام معرف أي مطيب. قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا إن ~~تنصروا الله } يعني تنصروا دين الله ورسوله وقيل: تنصروا أولياء الله ~~وحزبه { ينصركم } يعني على عدوكم { ويثبت أقدامكم } يعني عند القتال وعلى ~~الصراط. ### || [47.8-14] # { والذين كفروا فتعسا لهم } قال ابن عباس: يعني بعدا لهم. وقال أبو ~~العالية: ms2878 سقوطا لهم وقال الضحاك: خيبة لهم. وقال ابن زيد: شقاء لهم. ~~وقيل: التعس في الدنيا العثرة وفي الآخرة التردي في النار. يقال للعاثر: ~~تعسا إذا دعوا عليه ولم يريدوا قيامه وضده لعا إذا دعوا له وأرادوا ~~قيامه وفي هذا إشارة جليلة وهي أنه تعالى لما قال في حق المؤمنين { ويثبت ~~أقدامكم } ، يعني في الحرب والقتال، كان من الجائز أن يتوهم متوهم أن ~~الكافر أيضا يصبر ويثبت قدمه في الحرب والقتال فأخبر الله تعالى أن لكم ~~الثبات أيها المؤمنون ولهم العثار والزوال والهلاك وقال في حق المؤمنين ~~بصيغة الوعد لأن الله تعالى لا يجب عليه شيء وقال في حق الكفار بصيغة ~~الدعاء عليهم { وأضل أعمالهم } يعني أبطل أعمالهم لأنها كانت في طاعة ~~الشيطان { ذلك } يعني التعس والإضلال { بأنهم كرهوا ما أنزل الله } يعني ~~القرآن الذي فيه النور والهدى وإنما كرهوه لأن فيه الأحكام والتكاليف ~~الشاقة على النفس لأنهم كانوا قد ألفوا الإهمال وإطلاق العنان في الشهوات ~~والملاذ فشق عليهم ذلك والأخذ بالجد والاجتهاد في طاعة الله فلهذا السبب ~~كرهوا ما أنزل الله { فأحبط أعمالهم } يعني فأبطل أعمالهم التي عملوها في ~~غير طاعة الله ولأن الشرك محبط للعمل. ثم خوف الكفار فقال تعالى: { أفلم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } يعني من الأمم ~~الماضية والقرون الخالية الكافرة { دمر الله عليهم } يقال: دمره الله. ~~يعني أهلكه، ودمر عليه إذا أهلك ما يختص به والمعنى أهلك الله عليهم ما ~~يختص بهم من أنفسهم وأموالهم وأولادهم { وللكافرين } يعني بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم { أمثالها } يعني إن لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما ~~جاءهم به من عند الله وهذا التضعيف إنما يكون في الآخرة { ذلك } يعني ~~الإهلاك والهوان { بأن } أي بسبب أن { الله مولى الذين آمنوا } يعني هو ~~ناصرهم ووليهم ومتولي أمورهم { وأن الكافرين لا مولى لهم } يعني لا ناصر ~~لهم وسبب ذلك أن الكفار لما عبدوا الأصنام وهي جماد لا تضر ولا تنفع ولا ~~تنصر من عبدها فلا جرم ms2879 ولا ناصر لهم والفرق بين قوله: { وأن الكافرين لا ~~مولى لهم } وبين قوله # ثم ردوا إلى الله مولاهم # [الأنعام: 62] الحق أن المولى هنا بمعنى الناصر والمولى هناك بمعنى ~~الرب والمالك والله تعالى رب كل أحد من الناس ومالكهم فبان الفرق بين ~~الآيتين ولما ذكر الله تعالى حال المؤمنين والكافرين في الدنيا ذكر حالهم ~~في الآخرة فقال تعالى: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار } يعني هذا لهم في الآخرة { والذين كفروا يتمتعون ~~} يعني في الدنيا بشهواتها ولذاتها { ويأكلون كما تأكل الأنعام } يعني ~~ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم وهم مع ذلك لاهون ساهون عما يراد بهم في ~~غد ولهذا شبههم بالأنعام لأن الأنعام لا عقل لها ولا تمييز وكذلك الكافر ~~لا عقل له ولا تمييز لأنه لو كان له عقل ما عبد ما يضره ولا ينفعه. # قيل: المؤمن في الدنيا يتزود والمنافق يتزين والكافر يتمتع وإنما وصف ~~الكافر بالتمتع في الدنيا لأنها جنته وهي سجن المؤمن بالنسبة إلى ما أعد ~~الله له في الآخرة من النعيم العظيم الدائم { والنار مثوى لهم } يعني ~~مقام الكفار في الآخرة. والثواء: المقام في المكان مع الاستقرار فيه، ~~فالنار مثوى الكافرين ومستقرهم. قوله تعالى: { وكأين من قرية هي أشد قوة ~~من قريتك التي أخرجتك } يعني أخرجك أهلها. والمراد بالقرية: مكة. قال ابن ~~عباس: كم من رجال هي أشد قوة من أهل مكة أهلكهم الله يدل عليه قوله { ~~أهلكناهم } ولم يقل أهلكناها { فلا ناصر لهم } يعني فلا مانع يمنعهم من ~~العذاب والهلاك الذي حل بهم قال ابن عباس: # " لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار التفت إلى مكة وقال: ~~" أنت أحب بلاد الله تعالى إلى الله وأحب بلاد الله إلي ولو أن ~~المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك " # ، فأنزل الله هذه الآية { أفمن كان على بينة من ربه } يعني على يقين من ~~دينه وهو محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه { كمن زين له سوء عمله } ~~وهو الكافر ms2880 أبو جهل ومن معه من المشركين { واتبعوا أهواءهم } يعني في ~~عبادة الأوثان. ### || [47.15-17] # قوله عز وجل: { مثل الجنة التي وعد المتقون } لما بين الله عز وجل حال ~~الفريقين في الاهتداء والضلال بين في هذه الآية ما أعد لكل واحد من ~~الفريقين فبين أولا ما أعد للمؤمنين المتقين فقال تعالى: { مثل الجنة ~~التي وعد المتقون } يعني صفة الجنة. قال سيبويه: المثل هو الوصف فمعناه ~~وصف الجن وذلك لا يقتضي مشبها به. وقيل: الممثل به محذوف غير مذكور ~~والمعنى مثل الجنة التي وعد المتقون مثل عجيب وشيء عظيم وقيل: الممثل به ~~مذكور وهو قوله: { كمن هو خالد في النار } { فيها } يعني الجنة التي وعد ~~المتقون { إنها من ماء غير آسن } يعني غير متغير ولا منتن. يقال: أسن ~~الماء وأجن إذا تغير طعمه وريحه { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } يعني ~~كما تتغير ألبان الدنيا فلا يعود حامضا ولا قارصا ولا ما يكره من ~~الطعوم { وأنهار من خمر لذة للشاربين } يعني ليس فيها حموضة ولا عفوصة ~~ولا مرارة ولم تدنسها الأرجل بالدوس ولا الأيدي بالعصر وليس من شرابها ~~ذهاب عقل ولا صداع ولا خمار بل هي لمجرد الالتذاذ فقط { وأنهار من عسل ~~مصفى } يعني ليس فيه شمع كعسل الدنيا ولم يخرج من بطون النحل حتى يموت ~~فيه بعض نحله بل هو خالص صاف من جميع شوائب عسل الدنيا. عن حكيم بن ~~معاوية عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق ~~الأنهار بعد " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح م عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة " # قال الشيح محيي الدين النووي في شرح مسلم: سيحان وجيحان غير سيحون ~~وجيحون فأما سيحان جيحان المذكوران في الحديث اللذان هما من أنهار الجنة ~~فهما في بلاد الأرمن فسيحان نهر أردنة وجيحان نهر المصيصة وهما نهران ~~عظيمان جدا أكبرهما جيحان هذا ms2881 هو الصواب في موضعهما ثم ذكر كلاما بعد ~~هذا طويلا. ثم قال: فأما كون هذه الأنهار من ماء الجنة، ففيه تأويلان ~~الثاني، وهو الصحيح، أنها على ظاهرها وأن لها مادة من الجنة. فالجنة ~~مخلوقة موجودة اليوم هذا مذهب أهل السنة. وقال كعب الأحبار: نهر دجلة نهر ~~ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سيحان ~~نهر عسلهم، وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر هكذا نقله البغوي ~~عنه. وقوله تعالى: { ولهم فيها من كل الثمرات } في ذكر الثمرات بعد ~~المشروب إشارة إلى أن مأكول أهل الجنة للذة لا الحاجة فلهذا ذكر الثمار ~~بعد المشروب لأنها للتفكه واللذة { ومغفرة من ربهم } فإن قلت: المؤمن ~~المتقي لا يدخل الجنة إلا بعد المغفرة، فكيف يكون له فيها المغفرة. # قلت ليس بلازم أن يكون المعنى ولهم مغفرة فيها لأن الواو لا تقتضي ~~الترتيب فيكون المعنى ولهم فيها من كل الثمرات ولهم مغفرة قبل دخولهم ~~إليها، وجواب آخر وهو أن المعنى ولهم مغفرة فيها برفع التكاليف عنهم فيما ~~يأكلون ويشربون بخلاف الدنيا فإن مأكولها يترتب عليه حساب وعقاب ونعيم ~~الجنة لا حساب عليه ولا عقاب فيه قوله تعالى: { كمن هو خالد في النار } ~~يعني من هو في هذا النعيم المقيم الدائم كمن هو خالد في النار يتجرع من ~~حميمها وهو قوله { وسقوا ماء حميما } يعني شديد الحر قد استعرت عليه ~~جهنم منذ خلقت، إذا دنا منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم { ف } إذا ~~شربوه قطع أمعاءهم يعني فخرجت من أدبارهم والأمعاء جمع معي وهو جميع ما ~~في البطن من الحوايا. وقال الزجاج: قوله كمن هو خالد في النار راجع إلى ~~ما تقدم كأنه تعالى قال: أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله ~~وهو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم. عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما ~~في جوفه حتى ms2882 يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد " # كما كان أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب حسن صحيح. عن أبي أمامة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # " في قوله يسقى من ماء صديد يتجرعه قال: يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا دنا ~~منه وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره. قال ~~الله تعالى: { ماء حميما فقطع أمعاءهم } ويقول: وإن يستغيثوا يغاثوا ~~بماء كالمهل يشوي الوجوه " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. قوله تعالى: { ومنهم } يعني ومن هؤلاء ~~الكفار { من يستمع إليك } وهم المنافقون يستمعون قولك فلا يعونه ولا ~~يفهمونه تهاونا به وتغافلا عنه { حتى إذا خرجوا من عندك } يعني أن ~~هؤلاء المنافقين الذين كانوا عندك يا محمد يستمعون كلامك فإذا خرجوا من ~~عندك { قالوا } يعني المنافقين { للذين أوتوا العلم } يعني من الصحابة { ~~ماذا قال آنفا } يعني ما الذي قال محمد الآن وهو من الائتناف. يقال: ~~ائتنفت الأمر أي ابتدأته قال مقاتل: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يخطب ويعيب المنافقين، فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود ~~استهزاء ماذا قال محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس وقد سئلت فيمن ~~سئل { أولئك } يعني المنافقين { الذين طبع الله على قلوبهم } يعني فلم ~~يؤمنوا ولم ينتفعوا بما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم { واتبعوا ~~أهواءهم } يعني في الكفر والنفاق والمعنى أنهم لما تركوا إتباع الحق ~~أمات الله قلوبهم فلم تفهم ولم تعقل فعند ذلك اتبعوا أهواءهم في الباطل ~~{ والذين اهتدوا } يعني المؤمنين لما بين الله أن المنافق يسمع ولا ينتفع ~~بل هو مصر على متابعة الهوى بين حال المؤمن المهتدي الذي ينتفع بما يستمع ~~فقال تعالى: { والذين اهتدوا } يعني بهداية الله إياهم إلى الإيمان { ~~زادهم هدى } يعني أنهم كلما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ~~جاء به عن الله عز وجل آمنوا بما سمعوا منه وصدقوه فيزيدهم ذلك هدى مع ~~هدايتهم وإيمانا مع إيمانهم { وآتاهم تقواهم } يعني وفقهم للعمل بما ~~أمرهم ms2883 به وهو التقوى. # وقال سعيد بن جبير: آتاهم ثواب تقواهم، وقيل: آتاهم نفس تقواهم، بمعنى ~~أنه تعالى بين لهم التقوى. ### || [47.18-19] # قوله عز وجل: { فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة } يعني الكافرين ~~والمنافقين الذين قعدوا عن الإيمان فلم يؤمنوا فالساعة بغتة تفجؤهم وهم ~~على كفرهم ونفاقهم ففيه وعيد وتهديد والمعنى لا ينظرون إلى الساعة ~~والساعة آتية لا محالة وسميت القيامة ساعة لسرعة قيامها. عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " بادروا بالأعمال سبعا فهل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا أو ~~مرضا مفسدا أو هرما مقيدا أو موتا مجهزا أو الدجال فشر غائب ينتظر ~~أو الساعة والساعة أدهى وأمر " # أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. وقوله تعالى: { فقد جاء أشراطها } أي ~~أماراتها وعلاماتها واحدها شرط. ولما كان قيام الساعة أمرا مستبطأ في ~~النفوس وقد قال الله تعالى: فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فكأن ~~قائلا قال متى يكون قيام الساعة فقال تعالى: { فقد جاء أشراطها } قال ~~المفسرون: من أشراط الساعة انشقاق القمر وبعثة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ق. عن سهل بن سعد قال: # " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بأصبعه هكذا الوسطى والتي تلي ~~الإبهام وقال: بعثت أنا والساعة كهاتين وفي رواية قال بعثت أنا والساعة ~~كهاتين ويشير بأصبعيه يمدهما " # ق عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بعثت أنا والساعة كهاتين كفضل أحدهما على الأخرى وضم السبابة والوسطى ~~وفي رواية قال بعثت في نفس الساعة فسبقتها كفضل هذه على الأخرى " # قيل معنى الحديث أن المراد أن ما بين مبعثه صلى الله عليه وسلم وقيام ~~الساعة شيء يسير كما بين الإصبعين في الطول وقيل هو إشارة إلى قرب ~~المجاورة ق عن أنس قال عند قرب وفاته ألا أحدثكم حديثا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا يحدثكم به أحد غيري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " لا تقوم الساعة أو قال من أشراط الساعة أن ms2884 يرفع العلم ويظهر الجهل ~~ويشرب الخمر ويفشو الزنى ويذهب الرجال ويبقى النساء حتى يكون لخمسين ~~امرأة قيم. وفي رواية ويظهر الزنى ويقل الرجال ويكثر النساء " # ق عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن من أشراط الساعة أن يتقارب الزمان وينقص العلم وتظهر الفتن ويبقى ~~الشح ويكثر الهرج قالوا وما الهرج قال القتل وفي رواية: يرفع العلم ويثبت ~~الجهل أو قال ويظهر الجهل " # خ عن أبي هريرة قال: # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم إذ جاءه أعرابي ~~فقال متى الساعة فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه فقال بعض ~~القوم سمع ما قال فكره ما قال وقال بعضهم: بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه ~~قال أين السائل عن الساعة قال: ها أنا ذا يا رسول الله قال: إذا ضيعت ~~الأمانة فانتظر الساعة قال وكيف إضاعتها؟ قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله ~~فانتظر الساعة ". # وقوله تعالى: { فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } يعني فمن أين لهم التذكر ~~والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم الساعة بغتة. وقيل: معناه كيف يكون حالهم ~~إذا جاءتهم الساعة فلا تنفعهم الذكرى ولا تقبل منهم التوبة ولا يحتسب ~~بالإيمان في ذلك الوقت { فاعلم أنه لا إله إلا الله } الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم. وأورد على هذا أنه صلى الله عليه وسلم كان عالما بالله ~~وأنه لا إله إلا هو فما فائدة هذا الأمر. وأجيب عنه بأن معناه: دم على ~~ما أنت عليه من العلم. فهو كقول القائل للجالس: اجلس أي دم على ما أنت ~~عليه من الجلوس أو يكون معناه ازدد علما إلى علمك. وقيل: إن هذا الخطاب ~~وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم، فالمراد به غيره من أمته. قال أبو ~~العالية وسفيان بن عيينة: هذا متصل بما قبله. معناه: إذا جاءتهم فاعلم ~~أنه لا ملجأ ولا منجى ولا مفزع عند قيامها إلا إلى الله الذي لا إله إلا ~~هو. وقيل: معناه فاعلم أنه لا ms2885 إله إلا الله وأن جميع الممالك تبطل عند ~~قيامها فلا ملك ولا حكم لأحد إلا الله الذي لا إله إلا هو { واستغفر ~~لذنبك } أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار مع أنه ~~مغفور له ليستن به أمته وليقتدوا به في ذلك م عن الأغر المزني أغر ~~مزينة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر في اليوم مائة مرة وفي رواية قال: ~~توبوا إلى ربكم فوالله إني لأتوب إلى ربي عز وجل مائة مرة في اليوم " # خ عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة وفي رواية أكثر من ~~سبعين مرة " # قوله: إنه ليغان على قلبي الغين التغطية والستر أي يلبس على قلبي ويغطي ~~وسبب ذلك ما أطلعه عليه من أحوال أمته بعده فأحزنه ذلك حتى كان يستغفر ~~لهم. وقيل: إنه لما كان يشغله النظر في أمور المسلمين ومصالحهم حتى يرد ~~أنه قد شغل بذلك وإن كان من أعظم طاعة وأشرف عبادة عن أرفع مقام مما هو ~~فيه وهو التفرد بربه عز وجل وصفاء وقته معه وخلوص همه من كل شيء سواه ~~فلهذا السبب كان صلى الله عليه وسلم يستغفر الله فإن حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين. # وقيل: هو مأخوذ من الغين وهو الغيم الرقيق الذي يغشى السماء فكان هذا ~~الشغل والهم يغشى قلبه صلى الله عليه وسلم ويغطيه عن غيره فكان يستغفر ~~الله منه وقيل هذا الغين هو السكينة التي تغشى قلبه صلى الله عليه وسلم ~~وكأن سبب استغفاره لها إظهار العبودية والافتقار إلى الله تعالى. وحكى ~~الشيخ محيي الدين النووي عن القاضي عياض، أن المراد به الفترات والغفلات ~~من الذكر الذي كان شأنه صلى الله عليه وسلم الدوام عليه فإذا فتر وغفل عد ~~ذلك ذنبا واستغفر منه وحكى الوجوه المتقدمة عنه. وعن غيره. وقال الحارث ~~المحاسبي: خوف الأنبياء والملائكة خوف إعظام وإجلال وإن كانوا آمنين من ms2886 ~~عذاب الله تعالى. وقيل: يحتمل أن هذا الغبن حالة حسنة وإعظام يغشى القلب ~~ويكون استغفاره شكرا كما قال: أفلا أكون عبدا شكورا. وقيل في معنى ~~الآية: استغفر لذنبك أي لذنوب أهل بيتك { وللمؤمنين والمؤمنات } يعني من ~~غير أهل بيته وهذا إكرام من الله عز وجل لهذه الأمة حيث أمر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن يستغفر لذنوبهم وهو الشفيع المجاب فيهم { والله يعلم ~~متقلبكم ومثواكم } قال ابن عباس والضحاك: متقلبكم يعني متصرفكم ومنتشركم ~~في أعمالكم في الدنيا ومثواكم يعني مصيركم إلى الجنة أو إلى النار وقيل: ~~متقلبكم في أشغالكم بالنهار ومثواكم بالليل إلى مضاجعكم وقيل: متقلبكم من ~~أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات وبطونهن ومثواكم في الدنيا وفي القبور ~~والمعنى أنه تعالى عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها وإن دق ~~وخفي. ### || [47.20-22] # قوله تعالى: { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة } وذلك أن المؤمنين ~~كانوا حراصا على الجهاد في سبيل الله فقالوا: فهلا أنزلت سورة تأمرنا ~~بالجهاد؟ لكي نجاهد { فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال } قال ~~مجاهد: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين ~~{ رأيت الذين في قلوبهم مرض } يعني نفاقا وهم المنافقون { ينظرون إليك } ~~يعني شزرا وكراهية منهم للجهاد وجبنا عن لقاء العدو { نظر المغشي عليه ~~من الموت } يعني كما ينظر الشاخص بصره عند معاينة الموت { فأولى لهم } ~~فيه وعيد وتهديد وهو معنى قولهم في التهديد وليك وقاربك ما تكره وتم ~~الكلام عند هذا. ثم ابتدأ بقوله { طاعة وقول معروف } فعلى هذا هو مبتدأ ~~محذوف الخبر تقديره طاعة وقول معروف أمثل لهم وأولى بهم. والمعنى: لو ~~أطاعوا وقالوا قولا معروفا كان أمثل وأحسن. وقيل: هو متصل بما قبله ~~واللام في لهم بمعنى الباء مجازة فأولى بهم طاعة الله وطاعة رسوله وقول ~~معروف بالإجابة والمعنى لو أطاعوا وأجابوا لكانت الطاعة والإجابة أولى ~~بهم وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء عنه { فإذا عزم الأمر } فيه ~~حذف تقديره فإذا عزم صاحب الأمر وقيل: هو ms2887 على أصله ومجازه كقولنا: جاء ~~الأمر ودنا الوقت وهذا أمر متوقع. ومعنى الآية: فإذا عزم الأمر خالف ~~المنافقون وكذبوا فيما وعدوا به { فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم } يعني ~~الصدق وقيل: معناه لو صدقوا الله في إظهار الإيمان والطاعة لكان ذلك ~~خيرا لهم { فهل عسيتم } أي فلعلكم { إن توليتم } يعني أعرضتم عن سماع ~~القرآن وفارقتم أحكامه { أن تفسدوا في الأرض } يعني تعودوا إلى ما كنتم ~~عليه في الجاهلية من الفساد في الأرض بالمعصية والبغي وسفك الدم وترجعوا ~~إلى الفرقة بعد ما جمعكم الله بالإسلام { وتقطعوا أرحامكم } قال قتادة ~~كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام وقطعوا ~~الأرحام وعصوا الرحمن؟ ق عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن الرحم شجنة من الرحمن فقال الله تعالى من وصلك وصلته ومن قطعك ~~قطعته " # وفي رواية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن ~~فقال: مه فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: نعم أما ترضين أن ~~أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذلك لك ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اقرؤوا إن شئتم: { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في ~~الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا ~~يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } " # الشجنة: القرابة المشتبكة كاشتباك العروق. والحقو. مشد الإزار من ~~الإنسان وقد يطلق على الإزار، ولما جعل الرحم شجنة من الرحمن، استعار لها ~~الاستمساك به والأخذ كما يستمسك القريب من قريبه والنسيب من نسيبه. ومعنى ~~صلة الرحم: مبرة الأقارب والإحسان إليهم وقطع الرحم ضد صلتها والعائذ ~~اللائذ المستجير قال القاضي عياض: الرحم التي توصل وتقطع وتبر إنما هي ~~معنى من المعاني وليست بجسم وإنما هي قرابة ونسب يجمعه رحم والده فيتصل ~~بعضه ببعض فسمي ذلك الاتصال رحما. والمعاني لا يتأتى منها القيام ولا ~~الكلام فيكون ذكر قيامها هنا وتعلقها ms2888 ضرب مثل وحسن استعارة على عادة ~~العرب في استعمال ذلك والمراد تعظيم شأنها وفضيلة واصلها وعظيم إثم ~~قاطعها ولهذا سمي العقوق قطعا كأنه قطع ذلك السبب المتصل قال: ويجوز أن ~~يكون المراد قيام ملك من الملائكة تعلق بالعرش وتكلم على لسانها بهذا ~~بأمر الله عز وجل هذا كلام القاضي عياض في معنى هذا الحديث والله أعلم ~~وقيل في الآية في قوله { إن توليتم } هو من الولاية يعني { فهل عسيتم } ~~إن توليتم أمر الناس أن تفسدوا في الأرض، يعني بالظلم، وتقطعوا أرحامكم، ~~ومعنى الاستفهام في قوله: فهل عسيتم للتقرير المذكور والمعنى هل يتوقع ~~منكم الإفساد. فإن قلت: عسى طمع وترج وتوقع وذلك على الله محال لأنه ~~تعالى عالم بكل شيء فما معناه. قلت: قال بعضهم معناه: يفعل بكم فعل ~~المترجي المبتلي. وقال بعضهم معناه كل من ينظر إليهم يتوقع منهم ذلك. ~~وقال الزمخشري: معناه أنه لما عهد منكم إحقاء بأن يقول لكم كل من ذاقكم ~~وعرف تمريضكم ورخاوة عقدكم في الإيمان يا هؤلاء ما ترون هل يتوقع منكم إن ~~توليتم أمور الناس وتأمرتم عليهم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ~~تناحرا على الملك وتهالكا على الدنيا. ### || [47.23-26] # { أولئك } إشارة إلى من إذا تولى أفسد في الأرض وقطع الأرحام { الذين ~~لعنهم الله } يعني أبعدهم من رحمته وطردهم عن جنته { فأصمهم } يعني عن ~~سماع الحق { وأعمى أبصارهم } يعني عن طريق الهدى وذلك أنهم لما سمعوا ~~القرآن فلم يفهموه ولم يؤمنوا به وأبصروا طريق الحق فلم يسلكوه ولم ~~يتبعوه، فكانوا بمنزلة الصم العمى، وإن كان لهم أسماع وأبصار في الظاهر { ~~أفلا يتدبرون القرآن } يعني يتكفرون فيه وفي مواعظه وزواجره وأصل التدبر ~~التفكر في عاقبة الشيء وما يؤول إليه أمره. وتدبر القرآن لا يكون إلا مع ~~حضور القلب وجمع الهم وقت تلاوته ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال ~~الصرف وخلوص النية { أم على قلوب اقفالها } يعني بل على قلوب أقفالها ~~وجعل القفل مثلا لكل مانع للإنسان من تعاطي فعل الطاعة. يقال: فلان مقفل ~~عن كذا، ms2889 بمعنى ممنوع منه. فإن قلت: إذا كان الله تعالى قد أصمهم وأعمى ~~أبصارهم وأقفل على قلوبهم وهو بمعنى الختم فكيف يمكنهم تدبر القرآن مع ~~هذه الموانع الشديدة. قلت: تكليف ما لا يطاق جائز عندنا، لأن الله أمر ~~بالإيمان لمن سبق في علمه أنه لا يؤمن فكذلك هنا والله يفعل ما يريد لا ~~اعتراض لأحد عليه. وقيل: إن قوله { أفلا يتدبرون القرآن } المراد به ~~التأسي. وقيل: إن هذه الآية محققة للآية المتقدمة وذلك أن الله تعالى لما ~~قال: { أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم } فكان قوله أفلا ~~يتدبرون القرآن كالتهييج لهم على ترك ما هم فيه من الكفر الذي استحقوا ~~بسببه اللعنة أو كالتبكيت لهم على إصرارهم على الكفر والله أعلم بمراده. ~~وروى البغوي بإسناد الثعلبي، عن عروة بن الزبير قالا: " تلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها فقال شاب من ~~أهل اليمن: بل على قلوب أقفالها حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها فما زال ~~الشاب في نفس عمر حتى ولي فاستعان به " هذا حديث مرسل وعروة بن الزبير ~~تابعي من كبار التابعين وأجلهم لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ~~ولد سنة اثنتين وعشرين وقيل غير ذلك. قوله عز وجل: { إن الذين ارتدوا على ~~أدبارهم } يعني رجعوا القهقرى كفارا { من بعد ما تبين لهم الهدى } يعني ~~من بعد ما وضح لهم طريق الهداية. قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب كفروا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم من بعد ما عرفوه ووجدوا نعته في كتابهم. وقال ~~ابن عباس والضحاك والسدي: هم المنافقون آمنوا أولا ثم كفروا ثانيا { ~~الشيطان سول لهم } يعني زين لهم القبيح حتى رأوه حسنا { وأملى لهم } ~~قرىء بضم الألف وكسر اللام وفتح الياء على ما لم يسم فاعله يعني أمهلوا ~~ومد لهم في العمر وقرىء وأملى لهم بفتح الألف واللام بمعنى وأملى لهم ~~الشيطان بأن مد لهم في الأمل. # فإن قلت: الإملاء والإمهال لا يكونان إلا من الله لأنه الفاعل ms2890 المطلق ~~وليس للشيطان فعل قط على مذهب أهل السنة، فما معنى هذه القراءة. قلت إن ~~المسول والمملي هو الله تعالى في الحقيقة وليس للشيطان فعل إنما أسند ~~إليه ذلك من حيث إن الله تعالى قدر ذلك على يده ولسانه فالشيطان يمنيهم ~~ويزين لهم القبيح ويقول لهم في آجالكم فسحة فتمتعوا بدنياكم ورياستكم إلى ~~آخر العمر { ذلك } إشارة إلى التسويل والإملاء { بأنهم } يعني بأن أهل ~~الكتاب أو المنافقين { قالوا للذين كرهوا ما نزل الله } وهم المشركون { ~~سنطيعكم في بعض الأمر } يعني من التعاون على عداوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وترك الجهاد معه والقعود عنه وكانوا يقولون ذلك سرا فأخبر الله ~~نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم خبرهم ثم قال: { والله يعلم إسرارهم } ~~يعني أنه تعالى لا تخفى عليه خافية من أمرهم. ### || [47.27-32] # { فكيف إذا توفتهم الملائكة } يعني فكيف يكون حالهم إذا توفتهم الملائكة ~~{ يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك } يعني ذلك الضرب { بأنهم } يعني بسبب أنهم ~~{ اتبعوا ما أسخط الله } يعني ترك الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال ابن عباس: بما كتموا من التوراة وكفروا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم { وكرهوا رضوانه } يعني كرهوا ما فيه رضوان الله عز وجل وهو الإيمان ~~والطاعة والجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم { فأحبط أعمالهم } التي ~~عملوها من أعمال البر لأنها لم تكن لله ولا بأمره { أم حسب الذين في ~~قلوبهم مرض } أي شك ونفاق وهم المنافقون { أن لن يخرج الله أضغانهم } ~~يعني يظهر أحقادهم على المؤمنين فيبديها حتى يعرف المؤمنون نفاقهم واحدها ~~ضغن وهو الحقد الشديد. وقال ابن عباس: حسدهم { ولو نشاء لأريناكهم ~~فلعرفتهم بسيماهم } لما قال تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن ~~يخرج الله أضغانهم } فكأن قائلا قال لم لم يخرج أضغانهم ويظهرها فأخبر ~~تعالى أنه إنما أخر ذلك لمحض المشيئة لا لخوف منهم فقال تعالى: { ولو ~~نشاء لأريناكهم } لا مانع لنا من ذلك. والإراءة بمعنى التعريف والعمل. ~~وقوله: { فلعرفتهم } لزيادة فائدة وهي أن التعريف قد ms2891 يطلق ولا يلزم منه ~~المعرفة الحقيقية كما يقال: عرفته فلم يعرف فكان المعنى هنا عرفناكهم ~~تعريفا تعرفهم به ففيه إشارة إلى قوة ذلك التعريف الذي لا يقع معه ~~اشتباه وقوله { بسيماهم } يعني بعلامتهم أي نجعل لك علامة تعرفهم بها. ~~قال أنس: ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية ~~شيء من المنافقين وكان يعرفهم بسيماهم { ولتعرفنهم في لحن القول } يعني ~~في معنى القول وفحواه ومقصده وللحن معنيان صواب وخطأ صرف الكلام وإزالته ~~عن التصريح إلى المعنى والتعريض وهذا محمود من حيث البلاغة ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " فلعل بعضكم ألحن بحجته من بعض " # وإليه قصد بقوله { ولتعرفنهم في لحن القول } وأما اللحن المذموم فظاهر ~~وهو صرف الكلام عن الصواب إلى الخطأ بإزالة الإعراب أو التصحيف. ومعنى ~~الآية: وإنك يا محمد لتعرفن المنافقين فيما يعرضون به من القول من تهجين ~~أمرك وأمر المسلمين وتقبيحه والاستهزاء به فكان بعد هذا لا يتكلم منافق ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا عرفه بقوله ويستدل بفحوى كلامه على ~~فساد باطنه ونفاقه ثم قال الله تعالى { والله يعلم أعمالكم } يعني أعمال ~~جميع عباده فيجازي كلا على قدر عمله. قوله تعالى { ولنبلونكم } يعني ~~ولنعاملنكم معاملة المختبر فإن الله تعالى عالم بجميع الأشياء قبل كونها ~~ووجودها { حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } يعني إنا نأمركم بالجهاد ~~حتى يظهر المجاهد ويتبين من يبادر منكم ويصبر عليه من غيره لأن المراد من ~~قوله: حتى نعلم، أي علم الوجود والظهور { ونبلوا أخباركم } يعني نظهرها ~~ونكشفها ليتبين من يأتي القتال ولا يصبر على الجهاد { إن الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول } يعني خالفوه فيما أمرهم به من الجهاد ~~وغيره { من بعد ما تبين لهم الهدى } يعني من بعد ما ظهر لهم أدلة على ~~الهدى وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم { لن يضروا الله شيئا } يعني إنما ~~يضرون أنفسهم بذلك والله تعالى منزه عن ذلك { وسيحبط أعمالهم } يعني ~~وسيبطل أعمالهم فلا يرون لها ثوابا في ms2892 الآخرة لأنها لم تكن لله تعالى ~~قال ابن عباس: هم المطعمون يوم بدر. ### || [47.33-37] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } لما ~~ذكر الله عز وجل الكفار بسبب مشاقتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ~~الله المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى: { ~~ولا تبطلوا أعمالكم } قال عطاء: يعني بالشرك والنفاق والمنى. داوموا على ~~ما أنتم عليه من الإيمان والطاعة ولا تشركوا فتبطل أعمالكم. وقيل: لا ~~تبطلوا أعمالكم بترك طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أبطل أهل ~~الكتاب أعمالهم بتكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصيانه. وقال ~~الكلبي: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء والسمعة لأن الله لا يقبل من الأعمال ~~إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم. وقال الحسن: لا تبطلوا أعمالكم بالمعاصي ~~والكبائر. قال أبو العالية: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون ~~أنه لا يضرهم مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل فنزلت هذه الآية ~~فخافوا من الكبائر بعد أن نحبط أعمالهم واستدل بهذه الآية من يرى إحباط ~~الطاعات بالمعاصي ولا حجة لهم فيها وذلك لأن الله تعالى يقول: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8] وقال تعالى: # وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [النساء: 40] فالله تعالى أعدل وأكرم من أن يبطل طاعات سنين كثيرة ~~بمعصية واحدة وروى ابن عمر أنه قال: كنا نرى أنه لا شيء من حسناتنا إلا ~~مقبولا حتى نزل { ولا تبطلوا أعمالكم } فقلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا. ~~فقلنا: الكبائر والفواحش حتى نزل # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء # [النساء: 48] فكففنا عن ذلك القول وكنا نخاف على من أصاب الكبيرة ونرجو ~~لمن لم يصبها واستدل بهذه الآية من لا يرى أبطال النوافل حتى لو دخل في ~~صلاة تطوع أو صوم تطوع لا يجوز له إبطال ذلك العمل والخروج منه ولا دليل ~~لهم في ms2893 الآية ولا حجة لأن السنة مبينة للكتاب وقد ثبت في الصحيحين # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح صائما فلما رجع إلى البيت وجد ~~حيسا فقال لعائشة قربيه فلقد أصبحت صائما فأكل " # وهذا معنى الحديث وليس بلفظه وفي الصحيحين أيضا أن سلمان زار أبا ~~الدرداء فصنع له طعاما فلما قربه إليه قال. كل فإني صائم قال لست بآكل ~~حتى تأكل فأكل معه وقال مقاتل في معنى الآية لا تمنوا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فتبطل أعمالكم نزلت في بني أسد وسنذكر القصة في تفسير ~~سورة الحجرات إن شاء الله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ~~ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم } قيل نزلت في أهل القليب وهم أبو جهل ~~وأصحابه الذين قتلوا ببدر وألقوا في قليب بدر وحكمها عام في كل كافر مات ~~على كفره فالله لا يغفر له لقوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } { فلا تهنوا } الخطاب فيه لأصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم هو عام لجميع المسلمين يعني فلا تضعفوا أيها المؤمنون ~~{ وتدعوا إلى السلم } يعني ولا تدعوا الكفار إلى الصلح أبدا منع الله ~~المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح وأمرهم بحربهم حتى يسلموا { وأنتم ~~الأعلون } يعني وأنتم الغالبون لهم والعالون عليهم. # أخبر الله تعالى أن الأمر للمسلمين والنصرة والغلبة لهم عليهم وإن غلبوا ~~المسلمين في بعض الأوقات { والله معكم } يعني بالنصر والمعونة ومن كان ~~الله معه فهو العالي الغالب { ولن يتركم أعمالكم } يعني لن ينقصكم شيئا ~~من ثواب أعمالكم. وقال ابن عباس وغيره: لن يظلمكم أعمالكم الصالحة بل ~~يؤتيكم أجورها ثم حض على الآخرة بذم الدنيا فقال تعالى: { إنما الحياة ~~الدنيا لعب ولهو } أي باطل وغرور يعني كيف تمنعكم الدنيا عن طلب الآخرة ~~وقد علمتم أن الدنيا كلها لعب ولهو إلا ما كان منها في عبادة لله عز وجل ~~وطاعته واللعب ما يشغل الإنسان وليس فيه منفعة في الحال ولا في ms2894 المآل ثم ~~إذا استعمله الإنسان ولم يشغله عن غيره ولم ينسه أشغله المهمة فهو اللعب ~~وإن أشغله عن مهمات نفسه فهو اللهو { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم } ~~يعني يؤتكم جزاء أعمالكم في الآخرة { ولا يسألكم أموالكم } يعني أن الله ~~تعالى لا يسأل من العباد أموالهم لإيتاء الأجر عليهم، بل يأمرهم بالإيمان ~~والتقوى والطاعة ليثيبهم عليها الجنة. وقيل: معناه ولا يسألكم محمد صلى ~~الله عليه وسلم أموالكم وقيل: معناه لا يسألكم الله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم أموالكم كلها في الصدقات إنما يسألكم غيضا من فيض وهو ربع العشر من ~~أموالكم وهو زكاة أموالكم ثم ترد عليكم ليس لله ورسوله فيها حاجة إنما ~~فرضها الله تعالى في أموال الأغنياء وردها على الفقراء فطيبوا بإخراج ~~الزكاة أنفسكم. وإلى هذا القول ذهب سفيان بن عيينة ويدل عليه سياق الآية ~~وهو قوله تعالى: { إن يسألكموها } الضمير عائد إلى الأموال { فيحفكم } ~~يعني يجهدكم ويطلبها كلها والإحفاء المبالغة في المسألة وبلوغ الغاية في ~~كل شيء. يقال: أحفاه في المسألة إذا لم يترك شيئا من الإلحاح { تبخلوا } ~~يعني بالمال فلا تعطوه { ويخرج أضغانكم } يعني بغضكم وعداوتكم لشدة ~~محبتكم للأموال قال قتادة علم الله أن الإحفاء بمسألة الأموال مخرج ~~للأضغان. ### || [47.38] # { ها أنتم هؤلاء } يعني أنتم يا هؤلاء المخاطبون الموصفون ثم استأنف ~~وصفهم فقال تعالى: { تدعون لتنفقوا في سبيل الله } قيل أراد به النفقة في ~~الجهاد والغزو وقيل المراد به إخراج الزكاة وجميع وجوه البر والكل في ~~سبيل الله { فمنكم من يبخل } يعني بما فرض عليه إخراجه من الزكاة أو ندب ~~إلى أنفاقه في وجوه البر { ومن يبخل } يعني بالصدقة وأداء الفريضة فلا ~~يتعداه ضر بخله وهو قوله تعالى: { فإنما يبخل عن نفسه } أي على نفسه { ~~والله الغني } يعني عن صدقاتكم وطاعتكم لأنه الغني المطلق الذي له ملك ~~السموات والأرض { وأنتم الفقراء } يعني إليه وإلى ما عنده من الخيرات ~~والثواب في الدنيا والآخرة { وإن تتولوا } يعني عن طاعة الله تعالى وطاعة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وعن القيام ms2895 بما أمركم به وألزمكم إياه { يستبدل ~~قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } يعني يكونون أطوع لله ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم منكم. قال الكلبي: هم كندة والنخع من عرب اليمن. وقال ~~الحسن: هم العجم. وقال عكرمة: هم فارس والروم. عن أبي هريرة رضي الله ~~تعالى عنه قال: # " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { وإن تتولوا يستبدل ~~قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } قالوا ومن يستبدل بنا قال فضرب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان ثم قال هذا وأصحابه " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب وفي إسناده مقال وله رواية أخرى عن أبي ~~هريرة قال: # " قال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله من هؤلاء ~~الذين ذكر الله عز وجل إن تولينا استبدلوا منا ثم لا يكونوا أمثالنا قال ~~وكان سلمان بجنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فخذ سلمان فقال هذا وأصحابه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان ~~منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس " # ولهذا الحديث طرق في الصحيح ترد في سورة الجمعة إن شاء الله تعالى والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بمراده. ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-3] # قوله عز وجل: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وحده والمعنى إنا قضينا وحكمنا لك فتحا مبينا ظاهرا بغير قتال ~~ولا تعب. واختلفوا في هذا الفتح فروى قتادة عن أنس أنه فتح مكة وقال ~~مجاهد: إنه فتح خيبر. وقيل: هو فتح فارس والروم وسائر بلاد الإسلام التي ~~يفتحها الله عز وجل له. فإن قلت على هذه الأقوال هذه البلاد مكة وغيرها ~~لم تكن قد فتحت بعد فكيف قال تعالى: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } بلفظ ~~الماضي. قلت: وعد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالفتح وجيء به ~~بلفظ الماضي جريا على عادة الله تعالى في أخباره، لأنها في تحققها ~~وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة كأنه تعالى قال: إنا فتحنا لك في حكمنا ms2896 ~~وتقديرنا وما قدره وحكم به فهو كائن لا محالة. وقال أكثر المفسرين: إن ~~المراد بهذا الفتح صلح الحديبية وهو الأصح، وهو رواية عن أنس. ومعنى ~~الفتح: فتح المغلق المستصعب وكان الصلح مع المشركين يوم الحديبية ~~مستصعبا متعذرا حتى فتحه الله عز وجل ويسره وسهله بقدرته ولطفه. عن ~~البراء قال: تغدون أنتم الفتح فتح مكة ولقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد ~~الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها ولم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء ~~فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ~~وماشيتنا وركابنا. وقال الشعبي في قوله { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } ~~قال: فتح الحديبية وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأطعموا نخل خيبر ~~وبلغ الهدي محله وظهرت الروم على فارس ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب ~~على المجوس وقال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية وذلك أن ~~المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم فأسلم ~~في ثلاث سنين خلق كثير، فعز الإسلام بذلك وأكرم الله عز وجل رسوله صلى ~~الله عليه وسلم. وقوله عز وجل: { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر } قيل اللام في قوله ليغفر لك الله لام كي والمعنى فتحنا لك فتحا ~~مبينا لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة بالفتح، وقال الحسن بن ~~الفضل: هو مردود إلى قوله تعالى: # واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات # [محمد: 19] ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر وليدخل المؤمنين ~~والمؤمنات جنات " وقال ابن جريج: هو راجع إلى قوله في سورة النصر # واستغفره إنه كان توابا # [النصر: 3] ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك. وقيل: إن الفتح لم يجعل ~~سببا للمغفرة ولكن لاجتماع ما قدر له من الأمور الأربعة المذكورة وهي: ~~المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز. كأنه ~~قال: ms2897 يسرنا لك الفتح ونصرناك على عدوك وغفرنا لك ذنبك وهديناك صراطا ~~مستقيما ليجتمع لك عز الدارين وأغراض العاجل والآجل. وقيل: يجوز أن يكون ~~الفتح سببا للغفران لأنه جهاد للعدو وفيه الثواب والمغفرة مع الظفر ~~بالعدو والفوز بالفتح. وقيل: لما كان هذا الفتح سببا لدخول مكة والطواف ~~بالبيت، كان ذلك سببا للمغفرة. ومعنى الآية: ليغفر لك الله جميع ما فرط ~~منك ما تقدم من ذنبك يعني قبل النبوة وما تأخر، يعني بعدها وهذا على قول ~~ما يجوز الصغائر على الأنبياء. وقال عطاء الخراساني: ما تقدم من ذنبك ~~يعني من ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك، وما تأخر من ذنوب أمتك بدعائك لهم. ~~وقال سفيان الثوري: ما تقدم من ذنبك مما كان منك قبل النبوة، وما تأخر ~~يعني كل شيء لم تعمله ويذكر مثل هذا على طريق التأكيد كما تقول: أعط من ~~تراه ومن لم تره واضرب من لقيت ومن لم تلقه فيكون المعنى: ما وقع لك من ~~ذنب وما لم يقع فهو مغفور لك. وقيل المراد منه ما كان من سهو وغفلة، ~~وتأول لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له ذنب كذنوب غيره فالمراد ~~بذكر الذنب هنا ما عسى أن يكون وقع منه من سهو ونحو ذلك لأن حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين فسماه ذنبا فما كان من هذا القبيل وغيره فهو ~~مغفور له فأعلمه الله عز وجل بذلك وإنه مغفور له ليتم نعمته عليه وهو ~~قوله تعالى: { ويتم نعمته عليك } يعني بالنبوة وما أعطاك من الفتح والنصر ~~والتمكين { ويهديك صراطا مستقيما } يعني ويهديك إلى صراط مستقيم وهو ~~الإسلام ويثبتك عليه والمعنى ليجمع لك من الفتح تمام النعمة بالمغفرة ~~والهداية إلى صراط مستقيم وهو الإسلام. وقيل: معناه ويهدي بك إلى صراط ~~مستقيم { وينصرك الله نصرا عزيزا } يعني غالبا ذا عز ومنعة وظهور على ~~الأعداء وقد ظهر النصر بهذا الفتح المبين وحصل الأمن بحمد الله تعالى. ~~فإن قلت: وصف الله تعالى النصر بكونه عزيزا والعزيز هو المنصور صاحب ~~النصر فما معناه؟. قلت: ms2898 معناه ذا عزة كقوله # عيشة راضية # [القارعة: 7] أي ذات رضى. وقيل: وصف النصر بما يوصف به المنصور إسنادا ~~مجازيا. يقال: هذا كلام صادق كما يقال متكلم صادق. وقيل: معناه نصرا ~~عزيزا صاحبه فحذف المضاف إيجازا واختصارا وقيل إنما يحتاج إلى هذه ~~التقديرات إذا كانت العزة من الغلبة. والعزيز: الغالب. أما إذا قلنا إن ~~العزيز هو النفيس القليل أو العديم النظير، فلا يحتاج إلى هذه التقديرات، ~~لأن النصر الذي هو من الله تعالى عزيز في نفسه لكونه من الله تعالى فصح ~~وصف كونه نصرا عزيزا. ### || [48.4-6] # قوله تعالى: { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } يعني الطمأنينة ~~والوقار في قلوبهم لئلا تنزعج نفوسهم. قال ابن عباس: كل سكينة في القرآن ~~طمأنينة إلا التي في سورة البقرة وقد تقدم تفسيرها في موضعها. ولما قال ~~الله تعالى: { وينصرك الله نصرا عزيزا } ، بين وجه هذا النصر كيف هو، ~~وذلك أنه تعالى جعل السكينة التي هي الطمأنينة والثبات في قلوب المؤمنين ~~ويلزم من ذلك ثبات الأقدام عند اللقاء في الحروب وغيرها فكان ذلك من ~~أسباب النصر الذي وعد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى: ~~{ ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } وذلك أنه تعالى جعل السكينة والطمأنينة ~~في قلوب المؤمنين سببا لزيادة الإيمان في قلوبهم، وذلك أنه كلما ورد ~~عليهم أمر أو نهي، آمنوا به وعملوا بمقتضاه، فكان ذلك زيادة في إيمانهم. ~~وقال ابن عباس: بعث الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا ~~إله إلا الله فلما آمنوا به وصدقوه زادهم الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم ~~الحج ثم الجهاد حتى أكمل دينهم، فكلما أمروا بشيء وصدقوه، ازدادوا ~~تصديقا إلى تصديقهم، وقال الضحاك: يقينا مع يقينهم. وقال الكلبي: هذا ~~في أمر الحديبية حين صدق الله رسوله الرؤيا بالحق. وقيل: لما آمنوا ~~بالأصول وهو التوحيد وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن ~~الله عز وجل وآمنوا بالبعث بعد الموت والجنة والنار وآمنوا بالفروع وهي ~~جميع التكاليف البدنية والمالية ms2899 كان ذلك زيادة في إيمانهم { ولله جنود ~~السموات والأرض } لما قال الله عز وجل: وينصرك الله نصرا عزيزا، وكان ~~المؤمنون في قلة من العدد والعدد، فكأن قائلا قال: كيف ينصره؟ فأخبره ~~الله عز وجل أن له جنود السموات والأرض وهو قادر على نصر رسوله صلى الله ~~عليه وسلم ببعض جنوده بل هو قادر على أن يهلك عدوه بصيحة ورجفة وصاعقة ~~ونحو ذلك فلم يفعل بل أنزل سكينة في قلوبكم أيها المؤمنون ليكون نصر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإهلاك أعدائه على أيديكم فيكون لكم الثواب ولهم ~~العقاب وفي جنود السموات والأرض وجوه: الأول: إنهم ملائكة السموات ~~والأرض. الثاني: أن جنود السموات الملائكة وجنود الأرض جميع الحيوانات ~~الثالث أن جنود السموات مثل الصاعقة والصيحة والحجارة وجنود الأرض مثل ~~الزلال والخسف والغرق ونحو ذلك { وكان الله عليما } يعني بجميع جنوده ~~الذين في السموات والأرض { حكيما } يعني في تدبيره وقيل: عليما بما في ~~قلوبكم أيها المؤمنون حكيما حيث جعل النصر لكم على أعدائكم. قوله عز ~~وجل: { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار } يستدعي ~~سابقا تقديره هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليدخلهم جنات. # وقيل: تقديره أن من علمه وحكمته إن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ~~ووعدهم الفتح والنصر ليشكروه على نعمه، فيثيبهم ويدخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار، وقد تقدم ما روي عن أنس أنه لما نزل قوله تعالى: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 1- 2] قال الصحابة: هنيئا مريئا قد بين الله تعالى ما يفعل بك ~~فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله عز وجل الآية التي بعدها: { ليدخل المؤمنين ~~والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم } ~~فإن قلت تكفير السيئات إنما يكون قبل دخولهم الجنة فكيف ذكره بعد دخولهم ~~الجنة، قلت: الواو لا تقتضي الترتيب وقيل إن تكفير السيئات والمغفرة من ~~توابع كون المكلف من أهل الجنة فقدم الإدخال بالذكر بمعنى أنه من أهل ~~الجنة { وكان ذلك ms2900 عند الله فوزا عظيما } يعني أن ذلك الإدخال والتكفير ~~كان في علم الله تعالى فوزا عظيما { ويعذب المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات } يعني المنافقين والمنافقات من أهل المدينة ~~والمشركين والمشركات من أهل مكة وإنما قدم المنافقين على المشركين هنا ~~وفي غيره من المنافقين كانوا أشد على المؤمنين من الكافرين لأن الكافر ~~يمكن أن يحترز منه ويجاهد لأنه عدو مبين والمنافق لا يمكن أن يحترز منه ~~ولا يجاهد فلهذا كان شره أكثر من شر الكافر فكان تقديم المنافق بالذكر ~~أولى { الظانين بالله ظن السوء } يعني أنهم ظنوا أن الله لا ينصر محمدا ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين { عليهم دائرة السوء } يعني عليهم دائرة ~~العذاب والهلاك { وغضب الله عليهم } زيادة في تعذيبهم وهلاكهم { ولعنهم } ~~يعني وأبعدهم وطردهم عن رحمته { وأعد لهم جهنم } يعني في الآخرة { ~~وساءت مصيرا } يعني ساءت جهنم منقلبا. ### || [48.7-10] # { ولله جنود السموات والأرض } تقدم تفسيره بقي ما فائدة التكرير ولم قدم ~~ذكر جنود السموات والأرض على إدخال المؤمنين الجنة ولم أخر ذكر جنود ~~السموات والأرض هنا بعد تعذيب المنافقين والكافرين، فنقول: فائدة التكرار ~~للتأكيد وجنود السموات والأرض منهم من هو للرحمة ومنهم من هو للعذاب فقدم ~~ذكر جنود السموات والأرض قبل إدخال المؤمنين الجنة ليكون مع المؤمنين ~~جنود الرحمة فيثبتوهم على الصراط وعند الميزان فإذا دخلوا الجنة أفضوا ~~إلى جوار الله تعالى ورحمته والقرب منه، فلا حاجة لهم بعد ذلك إلى شيء، ~~وأخر ذكر جنود السموات والأرض بعد تعذيب الكافرين والمنافقين ليكون معهم ~~جنود السخط فلا يفارقوهم أبدا. فإن قلت: قال في الآية الأولى: { وكان ~~الله عليما حكيما } ، وقال في هذه الآية { وكان الله عزيزا حكيما } ~~فما معناه؟ قلت: لما كان في جنود السموات والأرض من هو للرحمة ومن هو ~~للعذاب وعلم الله ضعف المؤمنين، ناسب أن تكون خاتمة الآية الأولى { وكان ~~الله عليما حكيما } ، ولما بالغ في وصف تعذيب الكافر والمنافق وشدته، ~~ناسب أن تكون خاتمة الآية الثانية { وكان الله عزيزا حكيما } فهو ~~كقوله: # أليس الله بعزيز ذي انتقام ms2901 # [الزمر: 37] وقوله # فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر # [القمر: 42] قوله تعالى: { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ذكره في معرض الامتنان عليه حيث شرفه بالرسالة ~~وبعثه إلى الكافة شاهدا على أعمال أمته ومبشرا يعني لمن آمن به وأطاعه ~~بالثواب ونذيرا يعني لمن خالفه وعصى أمره بالعقاب ثم بين فائدة الإرسال ~~فقال تعالى: { لتؤمنوا بالله ورسوله } فالضمير فيه للناس المرسل إليهم { ~~وتعزروه } يعني ويقووه وينصروه. والتعزير: نصر مع تعظيم { وتوقروه } يعني ~~وتعظموه والتوقير: التعظيم والتبجيل { وتسبحوه } من التسبيح الذي هو ~~التنزيه من جميع النقائص أو من السبحة وهي الصلاة. قال الزمخشري: ~~والضمائر لله تعالى والمراد بتعزير الله تعالى. تعزير دينه ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم. ومن فرق الضمائر فقد أبعد وقال غيره: الكنايات في قوله ~~ويعزروه ويوقروه راجعة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وعندها تم الكلام ~~فالوقف علي ويوقروه وقف تام ثم يبتدئ بقوله ويسبحوه { بكرة وأصيلا } ~~على أن الكناية في ويسبحوه راجعة إلى الله تعالى يعني ويصلوا الله أو ~~يسبحوا بالغداة والعشي. قوله عز وجل: { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون ~~الله } يعني إن الذين يبايعونك يا محمد بالحديبية على أن لا يفروا إنما ~~يبايعون الله لأنهم باعوا أنفسهم من الله عز وجل بالجنة وأصل البيعة: ~~العقد الذي يعقده الإنسان على نفسه من بذل الطاعة للإمام، والوفاء بالعهد ~~الذي التزمه له، والمراد بهذه البيعة بيعة الرضوان بالحديبية، وهي قرية ~~ليست بكبيرة بينها وبين مكة أقل من مرحلة أو مرحلتين سميت ببئر هناك. # وقد جاء في الحديث أن الحديبية بئر. قال مالك: هي من الحرم. وقال ابن ~~القصار: بعضها من الحل. ويجوز في الحديبية التخفيف والتشديد والتخفيف ~~أفصح وعامة المحدثنين يشددونها ق عن يزيد بن عبيدة، قال: قالت لسلمة بن ~~الأكوع على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: على الموت م ~~عن معقل بن يسار لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع ~~الناس وأنا رافع غصنا عن أغصانها من رأسه ونحن ms2902 أربعة عشرة مائة قال: لم ~~نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر. قال العلماء: لا منافاة ~~بين الحديثين ومعناهما صحيح بايعه جماعة منهم سلمة بن الأكوع على الموت ~~فلا يزالون يقاتلون بين يديه حتى يقتلوا أو ينتصروا. وبايعه جماعة منهم ~~معقل بن يسار على أن لا يفروا خ. عن ابن عمر قال: إن الناس كانوا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس ~~محدقون بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال يعني عمر: يا عبد الله انظر ما ~~شأن الناس أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب فوجدهم يبايعون ~~فبايع ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع. وقوله تعالى: { يد الله فوق أيديهم } ~~قال ابن عباس: يد الله بالوفاء بما وعدهم من الخير فوق أيديهم. وقال ~~السدي: كانوا يأخذون بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبايعونه ويد ~~الله فوق أيديهم كذا نقله البغوي عنه. وقال الكلبي: نعمة الله عليهم في ~~الهداية فوق ما صنعوا من البيعة. وقال الإمام فخر الدين الرازي: يد الله ~~فوق أيديهم يحتمل وجوها، وذلك لأن اليد في الموضعين إما أن تكون بمعنى ~~واحد، وإما أن تكون بمعنيين. فإن قلنا إنها بمعنى واحد ففيه وجهان: ~~أحدهما: يد الله بمعنى نعمة الله عليهم فوق إحسانهم كما قال # بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان # [الحجرات: 17] وثانيهما: يد الله فوق أيديهم أي نصرته إياهم أقوى وأعلى ~~من نصرتهم إياه، يقال: اليد لفلان، أي الغلبة والنصرة والقوة. وإن قلنا: ~~إنها بمعنيين، فنقول: اليد في حق الله تعالى بمعنى الحفظ، وفي حق ~~المبايعين بمعنى الجارحة، فيكون المعنى: يد الله فوق أيديهم بالحفظ. وقال ~~الزمخشري: لما قال إنما يبايعون الله أكده تأكيدا على طريقة التخيل، ~~فقال: يد الله فوق أيديهم، يريد أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ~~تعلو أيدي المبايعين هي يد الله والله منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام ~~وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع رسول الله صلى الله ms2903 عليه وسلم ~~كعقده مع الله عز وجل من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80] هذا مذهب أهل التأويل وكلامهم في هذه الآية ومذهب السف ~~السكوت عن التأويل وإمرار آيات الصفات كما جاءت وتفسرها قراءتها والإيمان ~~بها من غير تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل. وقوله تعالى: { فمن نكث فإنما ~~ينكث على نفسه } يعني فمن نقض العقد الذي عقده مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم ونكث البيعة فإن وبال ذلك وضره يرجع إليه ولا يضر إلا نفسه { ومن ~~أوفى بما عاهد عليه الله } يعني من البيعة { فسيؤتيه أجرا عظيما } يعني ~~في الآخرة وهو الجنة. ### || [48.11-15] # قوله تعالى: { سيقول لك المخلفون من الأعراب } قال ابن عباس ومجاهد يعني ~~أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع والنخع وأسلم وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا، استنفر من حول ~~المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذرا من قريش أن يعرضوا له ~~بحرب أو يصدوه عن البيت فأحرم بالعمرة وساق الهدى ليعلم الناس أنه لا ~~يريد حربا، فتثاقل عنه كثير من الأعراب، وتخلفوا، واعتلوا بالشغل، ~~فأنزل الله تعالى فيهم سيقول لك يا محمد المخلفون من الأعراب الذين خلفهم ~~الله عز وجل عن صحبتك، إذا رجعت إليهم من عمرتك هذه وعاتبتهم على التخلف ~~عنك { شغلتنا أموالنا وأهلونا } يعني النساء والذراري. يعني: لم يكن لنا ~~من يخلفنا فيهم: فلذا تخلفنا عنك { فاستغفر لنا } أي إنا مع عذرنا ~~معترفون بالإساءة فاستغفر لنا بسبب تخلفنا عنك فأكذبهم الله تعالى فقال ~~الله تعالى: { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } يعني أنهم في طلب ~~الاستغفار كاذبون لأنهم لا يبالون استغفر لهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~أم لا { قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا } يعني سوءا { ~~أو أراد بكم نفعا } وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يدفع عنهم الضر أو يجعل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم ~~فأخبرهم ms2904 الله عز وجل أنه إن أراد شيئا من ذلك لم يقدر أحد على دفعه { بل ~~كان الله بما تعملون خبيرا } يعني من إظهاركم الاعتذار وطلب الاستغفار ~~وإخفائكم النفاق { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم ~~أبدا } يعني ظننتم أن العدو يستأصلهم فلا يرجعون إلى أهليهم { وزين ذلك ~~في قلوبكم } يعني زين الشيطان ذلك الظن عندكم حتى قطعتم به، حتى صار ~~الظن يقينا عندكم، وذلك أن الشيطان قد يوسوس في قلب الإنسان بالشيء ~~ويزينه له حتى يقطع به { وظننتم ظن السوء } يعني وظننتم أن الله يخلف ~~وعده وذلك أنهم قالوا: إن محمدا وأصحابه أكلة رأس، يريدون بذلك قتلهم ~~فلا يرجعون فأين تذهبون معهم انظروا ما يكون من أمرهم { وكنتم قوما ~~بورا } يعني وصرتم بسبب ذلك الظن الفاسد قوما بائرين هالكين { ومن لم ~~يؤمن بالله ورسوله فإنا اعتدنا للكافرين سعيرا }. لما بين الله تعالى ~~حال المخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين حال ظنهم الفاسد وإن ~~ذلك يفضي بصاحبه إلى الكفر حرضهم على الإيمان والتوبة من ذلك الظن الفاسد ~~فقال تعالى: { ومن لم يؤمن بالله ورسوله } وظن أن الله يخلف وعده فإنه ~~كافر وإنا أعتدنا للكافرين سعيرا { ولله ملك السموات والأرض يغفر لمن ~~يشاء ويعذب من يشاء } لما ذكر الله تعالى حال المؤمنين المبايعين لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وحال الظانين ظن السوء أخبر أن له ملك السموات ~~والأرض ومن كان كذلك فهو يغفر لمن يشاء بمشيئته ويعذب من يشاء ولكن ~~غفرانه ورحمته أعم وأشمل وأتم وأكمل وإليه الإشارة بقوله تعالى: { وكان ~~الله غفورا رحيما } قوله عز وجل: { سيقول المخلفون } يعني الذين تخلفوا ~~عن الحديبية { إذا انطلقتم } يعني إذا سرتم وذهبتم أيها المؤمنون { إلى ~~مغانم لتأخذوها } يعني غنائم خيبر وذلك أن المؤمنين لما انصرفوا من ~~الحديبية على صلح من غير قتال ولم يصيبوا من الغنائم شيئا وعدهم الله عز ~~وجل فتح خيبر وجعل غنائمها لمن شهد الحديبية خاصة عوضا عن غنائم أهل مكة ~~حيث انصرفوا عنهم ولم ms2905 يصيبوا منهم شيئا { ذرونا نتبعكم } يعني إلى خيبر ~~فنشهد معكم قتال أهلها وفي هذا بيان كذب المتخلفين عن الحديبية حيث ~~قالوا: شغلتنا أموالنا وأهلونا إذ لم يكن لهم هناك طمع في غنيمة وهنا ~~قالوا: ذرونا نتبعكم حيث كان لهم طمع في الغنيمة { يريدون أن يبدلوا كلام ~~الله } يعني يريدون أن يغيروا ويبدلوا مواعيد الله لأهل الحديبية حيث ~~وعدهم غنيمة خيبر لهم خاصة وهذا قول جمهور المفسرين. # وقال مقاتل: يعني أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم حيث أمره أن ~~لا يسير منهم أحدا إلى خيبر. وقال ابن زيد: هو قول الله تعالى فاستأذنوك ~~للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا، والقول الأول أصوب { قل } أي قل لهم يا ~~محمد { لن تتبعونا } يعني إلى خيبر { كذلكم قال الله من قبل } يعني من ~~قبل مرجعنا إليكم غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب { ~~فسيقولون بل تحسدوننا } يعني يمنعكم الحسد أن نصيب معكم من الغنائم شيئا ~~{ بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا } يعني لا يعلمون ولا يفهمون من الله ما ~~لهم وما عليهم من الدين إلا قليلا منهم وهو من تاب منهم وصدق الله ~~ورسوله. ### || [48.16-18] # قوله عز وجل: { قل للمخلفين من الأعراب } لما قال الله للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: قل لن تتبعونا، وكان المخلفون جمعا كثيرا من قبائل متشعبة، ~~وكان فيهم من ترجى توبته وخيره بخلاف الذين مردوا على النفاق واستمروا ~~عليه، فجعل الله عز وجل لقبول توبتهم علامة، وهي أنهم يدعون إلى قوم أولى ~~بأس شديد، فإن أطاعوا، كانوا من المؤمنين ويؤتيهم الله أجرا حسنا وهو ~~الجنة، وإن تولوا وأعرضوا عما دعوا إليه، كانوا من المنافقين ويعذبهم ~~عذابا أليما. واختلفوا في المشار إليهم بقوله { ستدعون إلى قوم أولي ~~بأس شديد } من هم فقال ابن عباس ومجاهد: هم أهل فارس. وقال كعب: هم ~~الروم. وقال الحسن: هم فارس والروم. وقال سعيد بن جبير: هوازن وثقيف. ~~وقال قتادة: هوازن وغطفان يوم حنين. وقال الزهري وجماعة: هم بنو حنيفة ~~أهل اليمامة ms2906 أصحاب مسيلمة الكذاب. وقال رافع بن خديج: كنا نقرأ هذه الآية ~~ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى قتال بني حنيفة ~~فعلمنا أنهم هم. وقال ابن جريج: دعاهم عمر رضي الله عنه إلى قتال فارس. ~~وقال أبو هريرة: لم يأت تأويل هذه الآية بعد، وأقوى هذه الأقوال، قول من ~~قال إنهم هوازن وثقيف، لأن الداعي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وأبعدها قول من قال إنهم بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب أما الدليل على ~~صحة القول الأول فهو أن العرب كان قد ظهر أمرهم في آخر الأمر على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلم يبق إلا مؤمن تقي طاهر أو كافر مجاهر. وأما ~~المنافقون، فكان قد علم حالهم لامتناع النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الصلاة عليهم، وكان الداعي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حرب من ~~خالفه من الكفار. وكانت هوازن وثقيف من أشد العرب بأسا وكذلك غطفان ~~فاستنفر النبي صلى الله عليه وسلم العرب لغزوة حنين وبني المصطلق، فصح ~~بهذا البيان أن الداعي هو النبي صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: هذا ممتنع ~~لوجهين: أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لن تتبعونا، وقال: لن ~~تخرجوا معي أبدا، فكيف كانوا يتبعونه مع هذا النهي؟ الوجه الثاني: قوله ~~{ أولي بأس شديد } ، ولم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم حرب مع قوم أولي ~~بأس شديد، لأن الرعب كان قد دخل قلوب العرب كافة فنقول: الجواب عن الوجه ~~الأول من وجهين: أحدهما: أن يكون قوله: قل لن تتبعونا ولن تخرجوا معي ~~أبدا مقيد بقيد وهو أن يكون تقديره: قل لن تتبعونا ولن تخرجوا معي أبدا ~~ما دمتم على ما أنتم عليه من النفاق والمخالفة وهذا القيد لا بد منه لأن ~~من أسلم وحسن إسلامه وجب عليه الجهاد ولا يجوز منعه من الخروج إلى الجهاد ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم. # الوجه الثاني: في الجواب عن الوجه الأول أن المراد من ms2907 قوله لن تتبعونا ~~ولن تخرجوا معي أبدا يعني في غزوة خيبر لأنها كانت مخصوصة بمن شهد بيعة ~~الرضوان بالحديبية دون غيرهم. ثم نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لو ~~لم يدعهم إلى الجهاد معه أو منعهم من الخروج إلى الجهاد معهما لامتنع أبو ~~بكر وعمر من الإذن لهم في الخروج إلى الجهاد معهما كما امتنعا من أخذ ~~الزكاة من ثعلبة لامتناع النبي صلى الله عليه وسلم من أخذها وأما الجواب ~~عن الوجه الثاني وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبق له حرب مع قوم ~~أولي بأس شديد فغير مسلم لأن الحرب كانت باقية مع قريش وغيرهم من العرب ~~وهم أولو بأس شديد فثبت بهذا البيان أن الداعي للمخلفين هو النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأما قول من قال إن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة ~~أصحاب مسيلمة الكذاب وإن عمر دعاهم إلى قتال فارس والروم فظاهر في ~~الدلالة وفيه دليل على صحة خلافتهما لأن الله تعالى وعد على طاعتهما ~~الجنة وعلى مخالفتهما النار. وقوله تعالى: { تقاتلونهم أو يسلمون } فيه ~~إشارة إلى وقوع أحد الأمرين إما الإسلام أو القتل { فإن تطيعوا يؤتكم ~~الله أجرا حسنا } يعني الجنة { وإن تتولوا } يعني تعرضوا عن الجهاد { ~~كما توليتم من قبل } يعني عام الحديبية { يعذبكم عذابا اليما } يعني ~~النار ولما نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة والأعذار كيف حالنا يا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل { ليس على الأعمى حرج ولا على ~~الأعرج حرج ولا على المريض حرج } يعني في التخلف عن الجهاد وهذه أعذر ~~ماهرة في جواز ترك الجهاد، لأن أصحابها لا يقدرون على الكر والفر، لأن ~~الأعمى لا يمكنه الإقدام على العدو والطلب، ولا يمكنه الاحتراز منه ~~والهرب، وكذلك الأعرج، والمريض. وفي معنى الأعرج: الزمن المقعد والأقطع. ~~وفي معنى المريض: صاحب السعال الشديد والطحال الكبير. والذين لا يقدرون ~~على الكر والفر: فهذه أعذار مانعة من الجهاد ظاهرة ومن وراء ذلك أعذار ~~أخر دون ما ذكر ms2908 وهي: الفقر الذي لا يمكن صاحبه أن يستصحب معه ما يحتاج ~~إليه من مصالح الجهاد والاشغال التي تعوق عن الجهاد كتمريض المريض الذي ~~ليس له من قوم مقامه عليه ونحو ذلك وإنما قدم الأعمى على الأعرج، لأن عذر ~~الأعمى مستمر لا يمكن الانتفاع به في حرس ولا غيره بخلاف الأعرج لأنه ~~يمكن الانتفاع به في الحراسة ونحوها وقدم الأعرج على المريض لأن عذره أشد ~~من عذر المريض لإمكان زوال المرض عن قريب { ومن يطع الله ورسوله } يعني ~~في أمر الجهاد وغيره { يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول } يعني ~~يعرض عن الساعة ويستمر على الكفر والنفاق { يعذبه عذابا أليما } يعني ~~في الآخرة. # قوله عز وجل: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك } يعني بالحديبية ~~على أن يناجزوا قريشا ولا يفروا { تحت الشجرة } وكانت هذه الشجرة سمرة ق ~~عن طارق بن عبد الرحمن قال انطلقت حاجا، فمررت بقوم يصلون، فقلت: ما هذا ~~المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة ~~الرضوان فأتيت ابن المسيب فأخبرته فقال سعيد: كان أبي ممن بايع تحت ~~الشجرة قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فعميت علينا فلم نقدر ~~عليها. قال سعيد: فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلموها ~~وعلمتموها فأنتم أعلم فضحك. وفي رواية، عن سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: ~~لقد رأيت الشجرة ثم أتيتها بعد عام فلم أعرفها، وروي أن عمر مر بذلك ~~المكان بعد أن ذهبت الشجرة، فقال: أين كانت؟ فجعل بعضهم يقول هاهنا ~~وبغضهم يقول هاهنا فلما كثر اختلافهم قال: سيروا. ذهبت الشجرة. { خ } عن ~~ابن عمر قال رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي ~~بايعنا تحتها وكانت رحمة من الله تعالى م عن أبي الزبير، أنه سمع جابرا ~~يسأل: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة فبايعناه وعمر آخذ ~~بيده تحت الشجرة وهي سمرة فبايعناه جميعا غير جد بن قيس الأنصاري اختفى ~~تحت بطن بعيره. زاد ms2909 في رواية قال: بايعناه على أن لا نفر. ولم نبايعه على ~~الموت. وأخرجه الترمذي عن جابر في قوله تعالى: { لقد رضي الله تعالى عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة }. قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت. ق عن عمرو بن دينار قال: سمعت ~~جابر بن عبد الله يقول: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الحديبية. # " أنتم اليوم خير أهل الأرض " # وكنا ألفا وأربعمائة قال: ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. ~~وروى سالم عن جابر قال: كنا خمس عشرة مائة ق عن عبد الله بن أبي أوفى ~~قال: كان أصحاب الشجرة ألفا وثلثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين وهذه ~~البيعة تسمى بيعة الرضوان لهذه الآية وكان سبب هذه البيعة على ما ذكر ~~محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا ~~خراش بن أمية الخزاعي حين نزل الحديبية فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على ~~جمل يقال له " الثعلب " ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا جمل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله فمنعتهم الأحابيش، فخلوا سبيله حتى ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فدعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فقال: يا رسول الله إني أخاف على نفسي ~~قريشا وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد وقد عرفت قريش عداوتي إياها ~~وغلظتي عليها ولكن أدلك على رجل هو أعزبها مني عثمان بن عفان فدعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عثمان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم ~~أنه لم يأت لحرب إنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته فخرج عثمان ~~إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فنزل ~~عن دابته وحمله بين يديه ثم أردفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال عظماء قريش لعثمان حين فرغ من رسالة ms2910 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إن شئت أن تطوف بالبيت، فطف به. # فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتبسته ~~قريش عندها فبلغ، رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد ~~قتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا نبرح حتى نناجز القوم " # ودعا الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة وكان الناس ~~يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت قال بكير بن ~~الأشج: بايعوه على الموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بل على ما استطعتم " # وقد تقدم عن جابر ومعقل بن يسار أنهما قالا: لم نبايعه على الموت، ولكن ~~بايعناه على أن لا نفر. وقد تقدم أيضا الجمع بين هذا وبين قول سلمة بن ~~الأكوع بايعناه على الموت وكان أول من بايع بيعة الرضوان رجلا من بني ~~أسد يقال له أبو سنان بن وهب، ولم يتخلف عن بيعة الرضوان أحد من المسلمين ~~حضرها إلا جد بن قيس أخو بني سلمة قال جابر: فكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ~~ناقته يستتر بها من الناس ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ~~ذكر من أمر عثمان باطل م عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة " # عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ليدخلن الجنة من بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل الأحمر " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. وقوله تعالى: { فعلم ما في قلوبهم } يعني ~~من الصدق والإخلاص والوفاء كما علم ما في قلوب المنافقين من المرض ~~والنفاق { فأنزل السكينة } يعني الطمأنينة { عليهم } يعني على المؤمنين ~~المخلصين حتى ثبتوا وبايعوك على الموت وعلى أن لا يفروا وفي هذه الآية ~~لطيفة، وهي أن هذه البيعة كانت فيها طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وذلك موجب لرضوان الله عز وجل وهو موجب لدخول الجنة ويدل عليه قوله ~~تعالى في الآية ms2911 المتقدمة { ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } فثبت بهذا البيان أن أهل بيعة الرضوان من أهل الجنة، ويشهد ~~لصحة ما قلناه الحديث المتقدم. # فإن قلت الفاء في فعلم للتعقيب وعلم الله قبل الرضا، لأنه تعالى علم ما ~~في قلوبهم من الصدق والإيمان فرضي عنهم فكيف يفهم التعقيب في قوله { فعلم ~~ما في قلوبهم }. قلت: قوله { ما في قلوبهم } ، متعلق بقوله: { إذ ~~يبايعونك } ، فيكون تقديره: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك فعلم ~~ما في قلوبهم من الصدق إشارة إلى أن الرضا لم يكن عند المبايعة فحسب بل ~~عند المبايعة التي عندها علم الله بصدقهم والفاء في قوله: فأنزل السكينة ~~للتعقيب، لأنه تعالى لما علم ما في قلوبهم رضي عنهم فأنزل السكينة عليهم. ~~وقوله تعالى: { وأثابهم فتحا قريبا } يعني خيبر. ### || [48.19-20] # { ومغانم كثيرة يأخذونها } يعني من أموال أهل خيبر وكانت خيبر ذات نخيل ~~وعقار وأموال فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم { وكان الله ~~عزيزا } يعني منيعا كامل العزة غنيا عن إعانتكم { حكيما } حيث حكم ~~لكم بالغنائم ولأعدائكم بالهلاك على أيديكم. قوله تعالى: { وعدكم الله ~~مغانم كثيرة تأخذونها } يعني المغانم التي تغنمونها من الفتوحات التي ~~تفتح لكم إلى يوم القيامة { فعجل لكم هذه } يعني مغانم خيبر وفيه إشارة ~~إلى كثرة الفتوحات والغنائم التي يعطيهم الله عز وجل في المستقبل وإنما ~~عجل لهم هذه كعجالة الراكب أعجلها الله لكم وهي في جنب ما وعدكم الله به ~~من الغنائم كالقليل من الكثير { وكف أيدي الناس عنكم } وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما قصد خيبر وحاصر أهلها، همت قبائل من بني أسد وغطفان ~~أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة، فكف الله عز وجل أيديهم ~~بإلقاء الرعب في قلوبهم. وقيل: المعنى إن الله عز وجل كف أيدي أهل مكة ~~بالصلح عنكم لتمام المنة عليكم { ولتكون آية للمؤمنين } هو عطف على ما ~~تقدم تقديره، فعجل لكم الغنائم لتنتفعوا بها، ولتكون آية للمؤمنين. يعني: ~~ولتحصل من بعدكم آية تدلهم ms2912 على أن ما وهبكم الله يحصل مثله لهم. وقيل: ~~لتكون آية للمؤمنين دالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في إخباره عن ~~الغيوب، فيزدادوا يقينا إلى يقينهم ويعلموا أن الله هو المتولي حياطتهم ~~وحراستهم في مشهدهم ومغيبهم { ويهديكم صراطا مستقيما } يعني ويهديكم ~~إلى دين الإسلام ويثبتكم عليه ويزيدكم بصيرة ويقينا بصلح الحديبية وفتح ~~خيبر. ذكر غزوة خيبر وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من ~~الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم ثم خرج إلى خيبر في ~~بقية المحرم سنة سبع ق. # " عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قوما لم يكن يغزو ~~بنا حتى يصبح وينظر فإن سمع أذانا كف عنهم. وإن لم يسمع أذانا أغار ~~عليهم. قال: فخرجنا إلى خيبر فلما انتهينا إليهم ليلا فلما أصبح ولم ~~يسمع أذانا ركب وركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال فخرجوا علينا بمكاتلهم ومساحيهم فلما رأوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قالوا محمد والخميس فلما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال " الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " ~~" # م عن سلمة بن الأركع قال: خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم: # تالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ونحن عن فضلك ما ~~استغنينا فثبت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من هذا؟ " # قال: أنا عامر. قال: # " غفر لك ربك " # قال: وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان يخصه إلا استشهد. ~~قال: فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له: يا نبي الله لولا متعتنا ~~بعامر. قال: فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول: # قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلتهب # قال: وبرز له عمي عامر فقال: # قد علمت خيبر أني عامر ms2913 شاكي السلاح بطل مغامر # قال: فاختلفا بضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل له، ~~فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله، فكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا ~~نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: بطل عمل عامر قتل ~~نفسه فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقلت: يا رسول الله ~~بطل عمل عمي عامر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال ذلك؟ فقت: ~~ناس من أصحابك. قال: كذب من قال ذلك بل له أجره مرتين. ثم أرسلني إلى علي ~~وهو أرمد فقال: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. ~~قال: فأتيت عليا فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. فبصق في عينيه فبرأ، وأعطاه الراية فخرج مرحب فقال: # قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلتهب # فقال علي رضي الله عنه: # أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات كريه المنظره أوفيهم بالصاع ~~كيل السندره # قال فضرب مرحبا فقتله ثم كان الفتح على يده. أخرجه مسلم بهذا اللفظ وقد ~~أخرج البخاري طرفا منه قال البغوي وقد روى حديث فتح خيبر جماعة منهم سهل ~~بن سعد وأنس بن مالك وأبو هريرة يزيدون وينقصون فيه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى ~~الناس، فأخذ أبو بكر راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نهض فقاتل ~~قتالا شديدا، ثم رجع فأخذها عمر فقاتل قتالا شديدا هو أشد من القتال ~~الأول، ثم رجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: لأعطين ~~الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ويفتح الله على ~~يديه، فدعا عليا فأعطاه الراية وقال له: امش ولا تلتفت حتى يفتح الله ~~عليك فأتى خيبر فخرج مرحب صاحب الحصن وعلى رأسه مغفر من حجر قد نقبه مثل ~~البيضة وهو يرتجز، فخرج إليه علي بن أبي طالب، فضربه ms2914 فقد الحجر والمغفر ~~وفلق رأسه حتى أخذ السيف في الأضراس، ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر وهو ~~يرتجز، فخرج إليه الزبير بن العوام فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب: يقتل ~~ابني يا رسول الله؟ قال: ابنك يقتله إن شاء الله. ثم التقيا، فقتله ~~الزبير. ثم كان الفتح ثم لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح ~~الحصون ويقتل المقاتلة ويسبي الذرية ويحوز الأموال " # قال محمد بن إسحاق: فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم وعنده قتل محمود بن ~~مسلمة ألقت اليهود عليه حجرا فقتله ثم فتح حصن ابن أبي الحقيق فأصاب ~~سبايا منهم صفية بنت حيي بن أخطب جاء بها بلال وبأخرى معها فمر بها على ~~قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفية، صاحت وصكت وجهها وحثت ~~التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اعزبوا عني هذه الشيطانة " # وأمر بصفية فجهزت خلفه وألقى عليها رداءه، فعرف المسلمون أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد اصطفاها لنفسه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لبلال لما رأى من تلك اليهودية ما رأى أنزعت منك الرحمة يا بلال حيث تمر ~~بامرأتين على قتلى رجالهما وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة ~~بن الربيع بن أبي الحقيق أن قمرا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها ~~فقال: ما هذا إلا أنك تتمنين ملك الحجاز محمدا ثم لطم وجهها لطمة اخضرت ~~منها عينها، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها أثر منها فسألها ~~عن ذلك ما هو، فأخبرته الخبر، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزوجها ~~كنانة بن الربيع وكان عنده كنز بني النضير فسأله، فجحد أن يكون يعلم ~~مكانه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل من اليهود فقال لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيت كنانة يطوف بهذه الخربة كل غداة فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك أنقتلك قال: ~~نعم فأمر ms2915 رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض ~~كنزهم ثم سأله ما بقي، فأبى أن يؤديه إليه فأمر به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى الزبير بن العوام أن يعذبه حتى يستأصل ما عنده فكان الزبير ~~يقدح بزنده على صدره حتى أشرف على نفسه ثم دفعه إلى محمد بن مسلمة فضرب ~~عنقه بأخيه محمود بن مسلمة " ق # " عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر فصلينا ~~عندها صلاة الغداة بغلس فركب نبي الله صلى الله عليه وسلم وركب أبو طلحة ~~وأنا رديف أبي طلحة فأجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر وإن ~~ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم ثم حسر الإزار عن فخذه حتى ~~إني أنظر بياض فخذ النبي صلى الله عليه وسلم، فلما دخل القرية قال: الله ~~أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين قالها ~~ثلاثا. قال: وخرج القوم إلى أعمالهم فقالوا محمد والخميس يعني الجيش. ~~قال: فأصبناها عنوة فجمع السبي فجاء دحية فقال: يا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أعطني جارية من السبي. قال: اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية بنت حيي ~~فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أعطيت دحية ~~صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير لا تصلح إلا لك قال: ادعوها فجاء بها، ~~فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال: خذ جارية من السبي غيرها، ~~فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها. فقال له ثابت: يا أبا حمزة ما ~~أصدقها قال نفسها أعتقها وتزوجها، حتى إذا كان بالطريق، جهزتها له أم ~~سليم، فأهدتها له من الليل وأصبح النبي صلى الله عليه وسلم عروسا فقال: ~~من كان عنده شيء فليجئ به. وبسط نطعا فجعل الرجل يجيء بالتمر وجعل الآخر ~~يجيء بالسمن قال: وأحسبه ذكر السويق. قال: فحاسوا حيسا فكانت وليمة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " # ق. عن عبد الله بن ms2916 أبي أوفى قال: " أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان ~~يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها فلما غلت بها القدور نادى ~~منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أكفئوا القدور ولا تأكلوا من لحوم ~~الحمر شيئا ". فقال أناس: نهى عنها لأنها لم تخمس وقال آخرون: إنما نهى ~~عنها البتة ق عن أنس: # " أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فجيء ~~بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك ~~فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك. أو قال علي قالوا أنقلتها قال لا فما ~~زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم ". # قال محمد بن إسماعيل قال يونس عن الزهري قال عروة قالت عائشة: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: # " يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت ~~انقطاع أبهري من ذلك السم " # خ. عن عائشة قالت: " لما فتحت خيبر قلنا الآن نشبع من التمر " ق عن ابن ~~عمر # " أن عمر أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز وأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها وكانت الأرض لما ظهر ~~عليها لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين فأراد إخراج اليهود منها ~~فسألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم بها على أن يكفوا ~~العمل ولهم نصف التمر، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: نقركم بها ~~على ذلك ما شئنا فقروا بها " # حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء وأريحاء. قال محمد بن إسحاق: لما ~~سمع أهل فدك بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعثوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يحقن دماءهم وأن يسيرهم ويخلوا له ~~الأموال ففعل بهم ثم إن أهل خيبر سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يعاملهم على النصف ففعل على أن لنا إذا ms2917 شئنا إخراجكم فصالحه أهل فدك على ~~مثل ذلك فكانت خيبر للمسلمين وكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب، فلما اطمأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم اليهودية ~~شاة مصلية، يعني مشوية، وسألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها السم، وسمت سائر الشاة، ~~ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول ~~الذراع فأخذها، فلاك منها قطعة فلم يسغها ومعه بشر بن البراء بن معرور، ~~فأخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بشر فأساغها يعني ~~ابتلعها وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها، ثم قال: إن هذا العظم ~~ليخبرني أنه مسموم. ثم دعا بها فاعترفت فقال: ما حملك على ذلك؟ فقالت: ~~بلغت من قومي ما لا يخفى عليك فقلت إن كان ملكا استرحنا منه وإن كان ~~نبيا فسيخبرنا. فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات بشر على ~~مرضه الذي توفي فيه. فقال: # " يا أم بشر ما زالت أكلة خيبر التي أكلت مع ابنك تعاودني فهذا أوان ~~انقطاع أبهري " # فكان المسلمون يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا مع ما ~~أكرمه الله تعالى به من النبوة. عن عبيد الله بن سلمان # " أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما فتحنا خيبر ~~أخرجوا غنائمهم من المتاع والسبي فجعل الناس يتبايعون غنائمهم فجاء رجل ~~فقال: يا رسول الله لقد ربحت اليوم ربحا ما ربحه أحد من أهل هذا الوادي. ~~قال: ويحك وما ربحت قال ما زلت أبيع وأبتاع حتى ربحت ثلاثمائة أوقية. ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أنبئك بخير ربح؟ قال: وما هو ~~يا رسول الله قال: ركعتان بعد الصلاة " " # أخرجه أبو داود. ### || [48.21-24] # قوله تعالى: { وأخرى لم تقدروا عليها } يعني وعدكم الله ms2918 فتح بلدة أخرى ~~لم تقدروا عليها { قد أحاط الله بها } يعني حفظها لكم حتى تفتحوها ومنعها ~~من غيركم حتى تأخذوها، وقال ابن عباس: علم الله أن يفتحها لكم واختلفوا ~~فيها فقال ابن عباس: هي فارس والروم وما كانت العرب تقدر على قتال فارس ~~والروم بل كانوا خولا لهم حتى أقدرهم الله عليها بشرف الإسلام وعزه. ~~وقيل: هي خيبر وعدها الله نبيه صلى الله عليه وسلم قبل أن يصيبها ولم ~~يكونوا يرجونها ففتحها الله لهم. وقيل: هي مكة. وقيل: هو كل فتح فتحه ~~المسلمون أو يفتحونه إلى آخر الزمان { وكان الله على كل شيء قديرا } أي: ~~من فتح القرى والبلدان لكم وغير ذلك { ولو قاتلكم الذين كفروا } أي أسد ~~وغطفان وأهل خيبر { لولوا الأدبار } أي لانهزموا عنكم { ثم لا يجدون ~~وليا ولا نصيرا } يعني من تولى الله خلذلانه فلا ناصر له ولا مساعد { ~~سنة الله التي قد خلت من قبل } يعني هذه سنة الله في نصر أوليائه وقهر ~~أعدائه { ولن تجد لسنة الله تبديلا } قوله عز وجل: { وهو الذي كف أيديهم ~~عنكم وأيديكم عنهم } سبب نزول هذه الآية ما روي عن أنس بن مالك: " أن ~~ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل ~~التنعيم متسلحين يريدون غدر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأخذهم ~~سبايا فاستحياهم فأنزل الله تعالى وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة من بعد أن أطفركم عليهم " انفرد بإخراجه مسلم # " وقال عبد الله بن مغفل المزني: " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن وعلى ظهره غصن من أغصان ~~تلك الشجرة فرفعته عن ظهره وعلي بن أبي طالب بين يديه يكتب كتاب الصلح ~~فخرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: جئتم في عهد أو هل ms2919 جعل لكم أحد أمانا ~~قالوا اللهم لا فخلى سبيلهم ". # ومعنى الآية، أن الله تعالى ذكر منته بحجزه بين الفريقين حتى لم يقتلوا ~~وحتى اتفق بينهم الصلح الذي كان أعظم من الفتح وهو قوله تعالى: { وهو ~~الذي كف أيديهم عنكم } يعني أيدي أهل مكة { وأيديكم عنهم } أي قضى بينهم ~~وبينكم بالمكافة والمحاجرة { ببطن مكة } قيل: أراد به الحديبية. وقيل: ~~التنعيم وقيل: وادي مكة { من بعد أن أظفركم عليهم } أي مكنكم منهم حتى ~~ظفرتم بهم { وكان الله بما تعملون بصيرا } قوله عز وجل: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام # [الفتح: 25] ذكر صلح الحديبية روى الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور ~~بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: " خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة عام الحديبية في بضع عشرة مائة ~~من أصحابه يريد زيارة البيت لا يريد قتالا وساق معه سبعين بدنة والناس ~~سبعمائة رجل وكانت كل بدنة عن عشرة نفر فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي ~~وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عينا له من خزاعة يخبره عن قريش. وسار ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبا من عسفان أتى ~~عتبة الخزاعي. وقال: إن قريشا قد جمعوا لك جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش ~~وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أشيروا ~~علي أيها الناس أترون أن أميل على ذراري هؤلاء الذين عاونوهم فنصيبهم ~~فإن قعدوا قعدوا موتورين وإن نجوا تكن عنقا قطعها الله أو ترون أن نؤم ~~البيت لا نريد قتال أحد ولا حربا فمن صدنا عنه قاتلناه. فقال أبو بكر: ~~يا رسول الله إنما جئت عامدا لهذا البيت لا تريد قتال أحد ولا حربا ~~فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال: امضوا على اسم الله فنفذوا. قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة ~~فخذوا ذات اليمين فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش ms2920 فانطلق ~~يركض نذيرا لقريش. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية ~~التي يهبط عليهم منها بركت راحلته فقال الناس: حل حل. فألحت فقالوا خلأت ~~القصواء فقال النبي صلى الله عليه وسلم من خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ~~ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال: والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى ~~خطة يعظمون فيها حرمات الله وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها ~~فوثبت. قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتربضه ~~الناس تربضا فلم يلبث الناس أن نزحوه. وشكا الناس إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم العطش، فنزع سهما من كنانته وأعطاه رجلا من أصحابه يقال له ~~ناجية بن عمير وهو سائق بدن النبي صلى الله عليه وسلم فنزل في البئر ~~فغرزه في جوفه. فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم ~~كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه وكانت خزاعة عيبة نصح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي ~~وعامر بن لؤي نزلوا على أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل وهم ~~مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنا لم نجىء ~~لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن ~~شاؤوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر. # فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل الناس فيه فعلوا وإلا فقد جموا وإن هم ~~أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن ~~الله أمره. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا، فقال إنا ~~قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم ~~فعلنا فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي ~~منهم: هات ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقام عروة بن مسعود الثقفي، فقال: ms2921 أي قوم، ألستم بالولد؟ ~~قالوا: بلى. قال: أولست بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: ~~لا قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ؟ فلما ألحوا علي جئتكم ~~بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا الرجل قد عرض عليكم ~~خطة رشد فأقبلوها ودعوني آتية قالوا ائته فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل، فقال عروة ~~عند ذلك: يا محمد أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح ~~أصله قبلك وإن تكن الأخرى فإني والله لأرى وجوها وإني لأرى أشوابا من ~~الناس خليقا أن يفروا ويدعوك فقال له أبو بكر رضي الله عنه: امصص بظر ~~اللات أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما ~~والذي نفسي بيده لولا يد لك عندي ولم أجزك بها لأجبتك. قال وجعل يكلم ~~النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم ~~على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى ~~عروة بيده إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنصل السيف. ~~وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرفع عروة رأسه، ~~فقال: من هذا قالوا المغيرة بن شعبة فقال: أي غدر ألست أسعى في غدرتك؟ ~~وكان المغيرة قد صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه ~~في شيء. ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينه قال: ~~فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل ~~منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمر ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون ~~في وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليه تعظيما له ~~فرجع عروة إلى أصحابه وقال: أي قوم. # والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر ms2922 وكسرى والنجاشي. والله إن ~~رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله ما تنخم نخامة ~~إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره. ~~وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه. وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما ~~يحدون النظر إليه تعظيما له وقد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوها فقال رجل من ~~كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه ~~وسلم: وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فلان من قوم يعظمون ~~البدن فابعثوها له فبعث له واستقبله الناس يلبون فلما رأى ذلك قال: سبحان ~~الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت ~~البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت. ثم بعثوا إليه الحليس ~~بن علقمة وكان يومئذ سيد الأحابيش فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه، فلما رأى ~~الهدي يسيل إليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن ~~محله، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاما ~~لما رأى فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما لا يحل صد الهدى في قلائده قد ~~أكل أوباره من طول الحبس عن محله قالوا له: اجلس فإنما أنت رجل أعرابي لا ~~علم لك. فغضب الحليس عند ذلك وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا ~~حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أيصد عن بيت الله من جاءه معظما له؟ ~~والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحبيش ~~نفرة رجل واحد. فقالوا: مه كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به ~~فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقال: ائته فلما ~~أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل ~~يكلم النبي صلى ms2923 الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو قال ~~معمر فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: قد سهل لكم من أمركم قال معمر قال الزهري في حديثه فجاء سهيل بن ~~عمرو فقال هات أكتب بيننا وبينكم كتابا فدعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم علي بن أبي طالب فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. # فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم كما ~~كنت تكتب فقال المسلمون والله ما نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: اكتب باسمك اللهم. ثم قال له: اكتب هذا ~~ما قضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال سهيل لو كنا نعلم ~~أنك رسول الله ما صددناك عن هذا البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد ~~الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله وإن ~~كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله. قال الزهري وذلك لقوله صلى الله عليه ~~وسلم لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها فكتب هذا ~~ما قاضى عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن ~~الناس عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: وعلي أن يخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به فقال سهيل: والله ~~لأتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل فكتب فقال سهيل ~~وعلي أن لا يأتيك منا رجلا وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال ~~المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين من جاء مسلما. وروي عن ~~البراء قصة الصلح وفيها قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا ~~ولكن أنت محمد بن عبد الله قال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله ثم ~~قال لعلي: امح رسول الله. قال: لا والله لا أمحوك أبدا قال: فأرنيه، ~~فأراه إياه ms2924 فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده. وفي رواية، فأخذ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن أن يكتب فكتب هذا ما قاضى عليه ~~محمد بن عبد الله قال البراء: على ثلاثة أشياء على أن من أتاه من ~~المشركين رده إليهم ومن أتاه من المسلمين لم يردوه وعلى أن يدخلها من ~~قابل ويقيم ثلاثة أيام ولا يدخلها بجلباب السلاح السيف والقوس ونحوه. ~~وروى ثابت عن أنس أن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم فاشترطوا أن ~~من جاءنا منكم لم نرده عليكم ومن جاءكم منا رددتموه علينا فقالوا يا رسول ~~الله أنكتب هذا؟ قال: نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا ~~منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا. رجعنا إلى حديث الزهري قال بينما هم ~~كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد انفلت وخرج من ~~أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل هذا: يا محمد أول من ~~أقاضيك عليه أن ترده إلي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض ~~الكتاب بعد قال فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجره لي. قال: ما أنا بمجيره لك. قال: ~~بلى فافعل. قال: ما أنا بفاعل. ثم جعل سهيل يجره ليرده إلى قريش. فقال ~~أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما ~~لقيت، وكان قد عذب في الله عذابا شديدا، وفي الحديث، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: يا أبا جندل احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك في ~~المستضعفين فرجا ومخرجا إنا قد قعدنا بيننا وبين القوم عقدا وصلحا ~~وإنا لا نغدر، فوثب عمر إلى جنب أبي جندل وجعل يقول: اصبر يا أبا جندل ~~فإنما هم المشركون ودم أحدهم دم كلب ويدني السيف منه. قال عمر: ورجوت أن ~~يأخذ السيف فيضربه به فضن الرجل بأبيه وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms2925 خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فلما رأوا ذلك، دخل الناس أمر عظيم حتى كادوا يهلكون وزادهم أمر ~~أبي جندل شرا إلى ما بهم. قال عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ ~~قال الزهري في حديثه عن مروان والمسور وروى أبو وائل عن سهل بن حنيف قال ~~عمر بن الخطاب فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقا؟ ~~قال: بلى. قلنا: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل. قال: بلى. قلت: أليس ~~قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار. قال: بلى. قلت: فلم نعط الدنية في ~~ديننا إذا قال إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري قلت أولست كنت تحدثنا ~~إنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى. أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: ~~لا. قال: فإنك آتيه وتطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس ~~هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ ~~قال: بلى. قلت: فلم نعطى الدنية في ديننا؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه، فوالله إنه ~~على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنه سيأتي البيت ويطوف به؟ قال: بلى. ~~أفأخبرك أنه آتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك تأتيه وتطوف به. قال عمر: ~~فعملت لذلك أعمالا، فلما فرغ من قضية الكتاب. قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا فوالله ما قام رجل منهم حتى ~~قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم أحد منهم قام النبي صلى الله عليه وسلم ~~فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. قالت أم سلمة: يا نبي الله ~~أتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم منهم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك ~~فيحلقك فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك ونحر بدنة ودعا حالقا ~~فحلقه، فلما رأوا ذلك، قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم ms2926 ~~يقتل بعضا غما قال ابن عمر وابن عباس: حلق رجال يوم الحديبية وقصر ~~آخرون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله المحلقين. # قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: يرحم المحلقين. قالوا: يا رسول ~~الله والمقصرين؟ قال: يرحم الله المحلقين والمقصرين قالوا: يا رسول الله ~~فلم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين. قال: لأنهم لم يشكوا. قال ابن ~~عمر: وذلك أنه تربص قوم وقالوا: لعلنا نطوف بالبيت. قال ابن عباس: وأهدي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في هداياه جملا لأبي جهل في ~~رأسه برة من فضة ليغيظ المشركين بذلك. قال الزهري في حديثه: ثم جاء نسوة ~~مؤمنات فأنزل الله تعالى # يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات # [الممتحنه: 10]حتى بلغ # بعصم الكوافر # [الممتحنه: 10] فطلق عمر امرأتين يومئذ كانتا في الشرك فتزوج إحداهما ~~معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية قال: فنهاهم أن يردوا النساء ~~وأمرهم أن يردوا الصداق. قال: ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~المدينة فجاءه أبو بصير عتبة بن أسيد رجل من قريش وهو مسلم وكان ممن حبس ~~بمكة فكتب فيه أزهر بن عبد عوف والأخنس بن شريق الثقفي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبعثا في طلبه رجلا من بني عامر بن لؤي ومعه مولى لهم ~~فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالا: العهد الذي جعلت لنا فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما ~~قد علمت ولا يصلح في ديننا الغدر وإن الله تعالى جاعل لك ولمن معك من ~~المستضعفين فرجا ومخرجا ثم دفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى إذا بلغا ذا ~~الحليفة نزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني ~~لأرى سيفك هذا جيد، فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ~~ثم جربت به. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأخذه، منه فضربه حتى برد وفر ~~الآخر حتى أتى المدينة ms2927 فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعرا. فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: ويلك ما لك؟ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول فوالله ما ~~برح حتى طلع أبو بصير متوشح السيف حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا نبي الله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم فأنجاني الله ~~تعالى منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه مسعر حرب لو كان معه ~~أحد. # فلما سمع ذلك، عرف أن يرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر وبلغ المسلمين ~~الذين كانوا حبسوا بمكة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بصير ويل ~~أمه مسعر حرب لو كان معه أحد فخرج عصابة منهم إليه فانفلت أبو جندل فلحق ~~بأبي بصير حتى اجتمع إليه قريب من سبعين رجلا فوالله ما يسمعون بعير ~~خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت ~~قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسلت إليهم ~~فمن أتاه فهو آمن فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقدموا إليه ~~المدينة وأنزل الله عز وجل: { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم } ~~حتى بلغ { حمية الجاهلية } وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم ~~يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بينه وبين هذا البيت أخرجه البخاري ~~بطوله سوى ألفاظ منه وهي مستثناة في الحديث. منها قوله: فنزع سهما من ~~كنانته، وأعطاه رجلا من أصحابه، إلى قوله: فوالله ما زال يجيش لهم بالري ~~ومنها قوله ثم بعثوا الحليس بن علقمة إلى قوله فقالوا كف عنا يا حليس حتى ~~نأخذ لأنفسنا بما نرضى به ومنها قوله هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، ~~إلى قوله: وعلي أن يخلوا بيننا وبين البيت. ومنها قوله: وروي عن البراء ~~قصة الصلح، إلى قوله: رجعنا إلى حديث الزهري. ومنها قوله: وفي الحديث أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ms2928 يا أبا جندل، إلى قوله: قال عمر فأتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ألست نبي الله حقا؟ ومنها قوله: قال ابن ~~عمر وابن عباس، إلى قوله: وقال الزهري في حديثه ثم جاء نسوة مؤمنات فهذه ~~الألفاظ لم يخرجها البخاري في صحيحه. شرح غريب ألفاظ الحديث قوله: بضع ~~عشرة، البضع: في العدد بالكسر وقد يفتح هو ما بين الثلاثة إلى التسعة. ~~وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة. قوله: وبعث عينا له أي جاسوسا. قوله: ~~وقد جمعوا لك الأحابيش: هم أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في ~~محاربتهم قريشا. وقيل: هم حلفاء قريش وهم بنو الهون بن خزيمة وبنو ~~الحارث بن عبد مناة وبنو المصطلق من خزاعة تحالفوا تحت جبل يقال له: حبش ~~فسموا بذلك. وقيل: هو اسم واد بأسفل مكة. وقيل: سموا بذلك لتجمعهم. ~~والتحبيش: التجمع. قوله: فإن قعدوا قعدوا موتورين، أي منقوصين. قوله: ~~فنفذوا: أي مضوا وتخلصوا. قوله: إن خالد بن الوليد بالغميم، اسم موضع ~~ومنه كراع الغميم. وقوله: طليعة الطليعة، الجماعة يبعثون بين يدي الجيش ~~ليطلعوا على أخبار العدو. قوله: وقترة الجيش: هو الغبار الساطع معه سواد. # قوله: يركض نذير، النذير: الذي يعلم القوم بالأمر الحادث. قوله: حل حل: ~~هو زجر للناقة. قوله خلأت القصوا: يعني أنها لما توقفت عن المشي وتقهقرت ~~ظنوا ذلك خللا في خلقها وهو كالحران للفرس فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ما خلأت أي ليس ذلك من خلقها ولكن حبسها حابس الفيل، أي منعها عن ~~المسير. والذي منع الفيل عن مكة هو الله تعالى والقصوا اسم ناقة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولم تكن قصوا وهو شق الأذن. قوله: خطة، أي حالة وقضية ~~يعظمون فيها حرمات الله جمع حرمة وهي فروضه وما يجب القيام به يريد بذلك ~~حرمة الحرم ونحوه. قوله: حتى نزل بأقصى الحديبية بتخفيف الياء وتشديدها، ~~وهي قرية ليست بالكبيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة وبين الحديبية ~~ومكة مرحلة وبينها وبين المدينة تسع مراحل. وقال ما لك: هي من ms2929 الحرم. ~~وقال ابن القصار: بعضها من الحل حكاه في المطالع. والثمد: الماء القليل ~~الذي لا مادة له. والتربض: أخذ الشيء قليلا قليلا. وقوله: فما زال يجيش ~~بالري، يقال: جاشت البئر بالماء إذا ارتفعت وفاضت. والري ضد العطش، والصد ~~الرجوع بعد الورود. وقوله: وكانت خزاعة عيبة، نصح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقال فلان عيبة نصح فلان إذا كان موضع سره وثقته في ذلك. قوله: ~~نزلوا على أعداد مياه الحديبية، الماء العد: الكثير الذي لا انقطاع له ~~كالعيون وجمعه أعداد. قوله: ومعهم العوذ المطافيل، العوذ: جمع عائذ وهي ~~الناقة إذا وضعت إلى أن يقوى ولدها، وقيل: هي كل أنثى لها سبع ليال منذ ~~وضعت. والمطافيل: جمع مطفل وهي الناقة معها فصيلها وهذه استعارة استعار ~~ذلك للناس وأراد بهم أن معهم النساء والصبيان. قوله: وإن قريشا قد ~~نهكتهم الحرب أي، أضرت بهم وأثرت فيهم. وقوله: ماددتهم أي جعلت بيني ~~وبينهم مدة. قوله: وإلا فقد جموا، أي: استراحوا. والجمام: بالجيم الراحة ~~بعد التعب. قوله: تنفرد سالفتي السالفة الصفحة والسالفتان صفحتا العنق. ~~وقيل: السالفة حبل العنق وهو ما بينه وبين الكتف وهو كناية عن الموت ~~لأنها لا تنفرد عنه إلا بالموت. قوله: إني استنفرت، يقال: استنفر القوم ~~إذا دعاهم إلى قتال العدو، وعكاظ: اسم سوق كانت في الجاهلية معروفة. ~~وقوله: بلحوا على فيه لغتان التخفيف والتشديد وأصل التبليح: الإعياء ~~والفتور. والمراد: امتناعهم من إجابته وتقاعدهم عنه. قوله: استأصلت قومك. ~~واجتاح: أصله من الاجتياح إيقاع المكروه بالإنسان ومنه الجائحة ~~والاستئصال والاجتياح متقاربان في مبالغة الأذى. قوله: إني لأرى وجوها ~~وأشوابا: الأشواب، مثل الأوباش وهم الأخلاط من الناس والرعاع. يقال: ~~فلان خليق بذلك أي جدير لا يبعد ذلك من خلقه قوله امصص بظر اللات وهي اسم ~~صنم لهم كانوا يعبدونه والبظر ما تقطعه الخافضة وهي الخاتنة من الهنة ~~التي تكون في فرج المرأة وكان هذا اللفظ شتما لهم يدور في ألسنتهم. # قوله: لولا يدلك عندي اليد النعمة وما يمتن به الإنسان على غيره. قوله: ~~أي ms2930 غدر معدول عن غادر وهو للمبالغة. وقوله: قد عرض عليكم خطة رشد، يقال: ~~خطة رشد وخطة غي. والرشد والرشاد خلاف الغي والمراد منه أنه قد طلب منكم ~~طريقا واضحا في هدى واستقامة. قوله: وهو من قوم يعظمون البدن أي الإبل ~~تهدى إلى البيت في حج أو عمرة، وتقليدها: هو أن يجعل في رقابها شيء ~~كالقلادة من لحاء الشجر أو نعل أو غيره ليعلم بذلك أنه هدى. والإشعار: هو ~~أن يشق جانب السنام فيسيل دمه عليه وقوله لما رأى الهدى يسيل عليه أي ~~يقبل عليه كالسيل من عرض الوادي أي جانبه. وقوله: هذا مكرز وهو رجل فاجر. ~~الفجور: الميل عن الحق وكل انبعاث في شر فهو فجور. قوله: هذا ما قاضى ~~عليه، أي فاعل من القضاء وهو إحكام الأمر وإمضاؤه وهو في اللغة على وجوه ~~مرجعها إلى انقضاء الشيء وإتمامه. قوله: ضغطة، هو كناية عن القهر والضيق. ~~قوله: بجلباب السلاح، بضم الجيم وسكون اللام مع تخفيف الباء ويروى بضم ~~اللام أيضا مع التشديد وهو وعاء من أدم شبه الجراب يوضع فيه السيف ~~مغمودا ويعلق في مؤخرة الرحل. يرسف بضم السين وكسرها لغتان، وهو: مشي ~~المقيد. قوله: فأجره لي. قال ابن الأثير: يجوز أن يكون بالزاي من الإجازة ~~أي اجعله جائزا غير ممنوع ولا محرم أو أطلقه لي وإن كان بالراء المهملة ~~فهو من الإجارة والحماية والحفظ وكلاهما صالح في هذا الموضوع. قوله: فلم ~~نعطى الدنية، أي القضية التي لا نرضى بها أي لم نرض بالأدون والأقل في ~~ديننا؟ قوله: فاستمسك بغرزه الغرز لكور الناقة كالركاب لسرج الفرس ~~والمعنى: فاستمسك به ولا تفارقه ساعة كما لا تفارق رجل الراكب غرز رحله ~~فإنه على الحق الذي لا يجوز لأحد تركه. قوله: ويل أمه، هذه كلمة تقال ~~للوافع فيما يكره ويتعجب بها أيضا، ومسعر الحرب أي موقدها. يقال: سعرت ~~النار وأسعرتها إذا أوقدتها. والمسعر: الخشب الذي توقد به النار وسيف ~~البحر بكسر السين جانبه وساحله والله أعلم وأما تفسير الآية فقوله عز ~~وجل: { هم ms2931 الذين كفروا... }. ### || [48.25] # { هم الذين كفروا } ، يعني كفار مكة، { وصدوكم } أي منعوكم { عن المسجد ~~الحرام } أن تطوفوا به { والهدي } أي وصدوا الهدي وهو البدن التي ساقها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت سبعين بدنة { معكوفا } أي محبوسا { ~~أن يبلغ محله } أي منحره وحيث يحل نحره وهو الحرم { ولولا رجال مؤمنون ~~ونساء مؤمنات } يعني المستضعفين بمكة { لم تعلموهم } أي لم تعرفوهم { أن ~~تطؤوهم } أي بالقتل وتوقعوا بهم { فتصيبكم منهم معرة بغير علم } أي إثم ~~وقيل: غرم الدية، وقيل: كفارة قتل الخطأ، لأن الله أوجب على قاتل المؤمن ~~في دار الحرب إذا لم يعلم إيمانه الكفارة دون الدية. وقيل: هو أن ~~المشركين يعتبونكم ويقولون: قتلوا أهل دينهم. والمعرة: المشقة يقول: لولا ~~أن تطؤوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم فيلزمكم به كفارة أو ~~سيئة وجواب لولا محذوف تقديره لأذن لكم في دخول مكة ولكنه حال بينكم وبين ~~ذلك لهذا السبب { ليدخل الله في رحمته من يشاء } أي في دين الإسلام من ~~يشاء من أهل مكة بعد الصلح وقيل دخولها { لو تزيلوا } أي لو تميزوا ~~المؤمنين من الكفار { لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } أي بالسبي ~~والقتل بأيديكم وقيل: لعذبنا جواب لكلامين أحدهما لولا رجال. والثاني: لو ~~تزيلوا. ثم قال: ليدخل الله في رحمته من يشاء يعني المؤمنين والمؤمنات في ~~رحمته أي في جنته. قال قتادة: في الآية إن الله تعالى يدفع بالمؤمنين عن ~~الكفار كما دفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكة. ### || [48.26-27] # قوله تعالى: { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية } أي الأنفة والغضب ~~وذلك حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت ومنعوا ~~الهدي محله ولم يقروا بسم الله الرحمن الرحيم وأنكروا أن يكون محمد رسول ~~الله. وقيل: قال أهل مكة قد قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخلون علينا، ~~فتحدث العرب أنهم دخلوا علينا رغما منا واللات والعزى لا يدخلونها علينا ~~فكانت هذه { حمية الجاهلية } التي دخلت قلوبهم { فأنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين } أي: حتى ms2932 لا يدخلهم ما دخلهم في الحمية فيعصون الله ~~في قتالهم { وألزمهم كلمة التقوى }. قال ابن عباس: " كلمة التقوى لا إله ~~إلا الله " وأخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب. وقال علي وابن عمر: كلمة ~~التقوى لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير. وقال عطاء الخراساني: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وقال الزهري: هي بسم الله الرحمن الرحيم { وكانوا أحق ~~بها } أي من كفار مكة { وأهلها } أي كانوا أهلها في علم الله، لأن الله ~~تعالى اختار لدينه وصحبة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أهل الخير والصلاح ~~{ وكان الله بكل شيء عليما } يعني من أمر الكفار وما كانوا يستحقونه من ~~العقوبة وأمر المؤمنين وما كانوا يستحقونه من الخير. قوله تعالى: { لقد ~~صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } سبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأى في المنام وهو بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية أنه يدخل ~~المسجد الحرام هو وأصحابه آمنين ويحلقوا رؤوسهم فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا ~~وحسبوا أنهم داخلو مكة عامهم ذلك، فلما انصرفوا ولم يدخلوا، شق عليهم ذلك ~~وقال المنافقون: أين رؤياه التي رآها؟ فأنزل الله هذه الآية ودخلوا في ~~العام المقبل. وروي # " عن مجمع بن حارثة الأنصاري قال: " شهدنا الحديبية مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر فقال بعضهم: ~~ما بال الناس؟ قال: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فخرجنا ~~نرجف فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم واقفا على راحلته عند كراع الغميم ~~فلما اجتمع الناس قرأ { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } فقال عمر: أهو فتح ~~يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده " # ففيه دليل على أن المراد من الفتح هو صلح الحديبية، وتحقيق الرؤيا كان ~~في العام المقبل. وقوله: لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق، أخبر أن ~~الرؤيا التي أراه إياها في مخرجه إلى الحديبية أنه يدخل هو ms2933 وأصحابه ~~المسجد حق وصدق بالحق أي الذي رآه حق وصدق وقيل: يجوز أن يكون بالحق ~~قسما لأن الحق من أسماء الله تعالى أو قسما بالحق الذي هو ضد الباطل ~~وجوابه { لتدخلن المسجد الحرام } وقيل: لتدخلن من قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأصحابه حكاية عن رؤياه فأخبر الله عز وجل أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ذلك { إن شاء الله آمنين } قيل: إنما استثني مع ~~علمه بدخوله تعليما لعباده الأدب وتأكيدا لقوله: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله # [الكهف: 23-24] وقيل: إن بمعنى إذ مجازه إذ شاء الله. وقيل: لما لم يقع ~~الدخول في عام الحديبية وكان المؤمنون يريدون الدخول ويأبون الصلح قال: ~~لتدخلن المسجد الحرام لا بقوتكم وإرادتكم ولكن بمشيئة الله تعالى، وقيل: ~~الاستثناء واقع على إلا من لا على الدخول لأن الدخول لم يكن فيه شك فهو ~~كقوله صلى الله عليه وسلم: # " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " # مع أنه لا يشك في الموت { محلقين رؤوسكم } أي كلها { ومقصرين } أي ~~تأخذون بعض شعوركم { لا تخافون } أي من عدو في رجوعكم لأن قوله آمنين في ~~حال الإحرام لأنه لا قتال فيه. وقوله: لا تخافون يرجع إلى كمال الأمن بعد ~~الإحرام في حال الرجوع { فعلم ما لم تعلموا } يعني علم أن الصلاح كان في ~~الصلح وتأخير الدخول وكان ذلك سببا لوطء المؤمنين والمؤمنات. وقيل: علم ~~أن دخولكم في السنة الثانية ولم تعلموا أنتم فظننتم أنه في السنة الأولى ~~{ فجعل من دون ذلك } أي من قبل دخولكم الحرم { فتحا قريبا } يعني صلح ~~الحديبية قاله الأكثرون. وقيل: هو فتح خيبر. ### || [48.28-29] # قوله عز وجل: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق } هذا البيان صدق ~~الرؤيا وذلك أن الله تعالى لا يرى رسوله صلى الله عليه وسلم ما لا يكون ~~فيحدث الناس فيقع خلافه فيكون سببا للضلال فحقق الله أمر الرؤيا بقوله: # لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق # [الفتح: 27] وبقوله { هو الذي أرسل رسوله ms2934 بالهدى ودين الحق } وفيه بيان ~~وقوع الفتح ودخول مكة وهو قوله تعالى: { ليظهره على الدين كله } أي يعليه ~~ويقويه على الأديان كلها فتصير الأديان كلها دونه { وكفى بالله شهيدا } ~~أي في أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه تسلية لقلوب المؤمنين وذلك ~~أنهم تأذوا من قول الكفار لو نعلم أنه رسول الله ما صددناه عن البيت فقال ~~الله تعالى: وكفى بالله شهيدا. أي: في أنه رسول الله، ثم قال تعالى: { ~~محمد رسول الله } أي هو محمد رسول الله الذي سبق ذكره في قوله أرسل ~~رسوله. قال ابن عباس: شهد له بالرسالة ثم ابتدأ فقال { والذين معه } يعني ~~أصحابه المؤمنين { أشداء على الكفار } أي غلاظ أقوياء كالأسد على ~~فريسته لا تأخذهم فيهم رأفة { رحماء بينهم } أي: متعاطفون متوادون بعضهم ~~لبعض كالولد مع الوالد. كما قال في حقهم: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة: 54] { تراهم ركعا سجدا } أخبر عن كثرة صلاتهم ومداومتهم ~~عليها { يبتغون } أي يطلبون { فضلا من الله } يعني الجنة { ورضوانا } ~~أي أن يرضى عنهم. وفيه لطيفة وهو أن المخلص بعمله لله يطلب أجره من الله ~~تعالى والمرائي بعمله لا يبتغي له أجرا وذكر بعضهم في قوله: والذين معه ~~يعني أبا بكر الصديق أشداء على الكفار عمر بن الخطاب رحماء بينهم عثمان ~~بن عفان تراهما ركعا سجدا علي بن أبي طالب يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا بقية الصحابة { سيماهم } أي علامتهم { في وجوههم من أثر السجود ~~} واختلفوا في هذه السيما على قولين: أحدهما: أن المراد في يوم القيامة ~~قيل: هي نور وبياض في وجوههم يعرفون به يوم القيامة أنهم سجدوا لله في ~~الدنيا وهي رواية عن ابن عباس. وقيل: تكون مواضع السجود في وجوههم كالقمر ~~ليلة البدر. وقيل: يبعثون غرا محجلين يوم القيامة يعرفون بذلك. والقول ~~الثاني: إن ذلك في الدنيا وذلك أنهم استنارت وجوههم بالنهار من كثرة ~~صلاتهم بالليل. وقيل: هو السمت الحسن والخشوع والتواضع. قال ابن عباس: ~~ليس بالذي ترون ولكنه سيما الإسلام وسجيته وسمته وخشوعه. والمعنى: ms2935 أن ~~السجود أورثهم الخشوع والسمت الحسن يعرفون به وقيل هو صفوة الوجه من سهر ~~الليل ويعرف ذلك في رجلين أحدهما سهر الليل في الصلاة والعبادة والآخر في ~~اللهو واللعب فإذا أصبحا ظهر الفرق بينهما فيظهر في وجه المصلي نور وضياء ~~وعلى وجه اللاعب ظلمة. # وقيل: هو أثر التراب على الجباه لأنهم كانوا يصلون على التراب لا على ~~الأثواب. قال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات ~~الخمس { ذلك مثلهم في التوراة } يعني ذلك الذي ذكر صفتهم في التوراة وتم ~~الكلام هاهنا ثم ابتدأ بذكر نعتهم وصفتهم في الإنجيل فقال تعالى: { ~~ومثلهم } أي صفتهم { في الإنجيل كزرع أخرج شطأه } أي إفراطه قبل فراخه. ~~قيل: هو نبت فما خرج بعده شطؤه { فآزره } أي: قواه وأعانه وشد أزره { ~~فاستغلظ } أي غلظ ذلك الزرع وقوي { فاستوى } أي تم وتلاحق نباته وقام { ~~على سوقه } جمع ساق أي على أصوله { يعجب الزراع } أي يعجب ذلك الزرع ~~زراعه وهو مثل ضربه الله عز وجل لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مكتوب في ~~الإنجيل أنهم يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون قال قتادة: مثل أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم مكتوب في الإنجيل أنه سيخرج قوم ينبتون نبات ~~الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر قيل الزرع محمد صلى الله عليه ~~وسلم والشطء أصحابه والمؤمنون وقيل: الزرع هو محمد صلى الله عليه وسلم ~~شطأه أبو بكر فآزره عمر فاستغلظ عثمان فاستوى على سوقه علي بن أبي طالب ~~يعجب الزراع يعني جميع المؤمنين { ليغيظ بهم الكفار } قيل: هو قول عمر بن ~~الخطاب لأهل مكة بعد ما أسلم لا يبعد الله سرا بعد اليوم. وقيل: قوتهم ~~وكثرتهم ليغيظ بهم الكفار. قال مالك بن أنس: من أصبح وفي قلبه غيظ على ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية. فصل في فضل ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ق عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " قال خير الناس قرني ms2936 ثم الذين يلونهم " # م. عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: # " سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس خير؟ قال: القرن الذي أنا ~~فيه ثم الثاني ثم الثالث " # قوله: خير الناس قرني ثم الذين يلونهم يعني الصحابة ثم التابعين ~~وتابعيهم والقرن كل أهل زمان قيل هو أربعون سنة وقيل ثمانون وقيل مائة ~~سنة عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أبو بكر في الجنة وعمر بن الخطاب في الجنة وعثمان بن عفان في الجنة ~~وعلي بن أبي طالب في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن ~~بن عوف في الجنة وسعد بن أبي وقاص في الجنة وسعيد بن زيد في الجنة وأبو ~~عبيدة بن الجراح في الجنة " # أخرجه الترمذي. وأخرج عن سعيد بن زيد نحوه وقال: هذا أصح من الحديث ~~الأول عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر وأشدهم حياء عثمان ~~وأقضاهم علي وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت ~~وأقرؤهم أبي بن كعب ولكل قوم أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ~~وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر أشبه عيسى في ~~ورعه قال عمر فنعرف له ذلك يا رسول الله؟ قال نعم " # أخرجه الترمذي مفرقا في موضعين، أحدهما: إلى قوله أبو عبيدة بن الجراح، ~~والآخر إلى أبي ذر خ. عن أنس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد أحدا أبو بكر وعمر وعثمان فرجف ~~بهم فقال: " اثبت أحد أراه ضربه برجله فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ". # عن ابن مسعود: # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اقتدوا بالذين بعدي من أصحابي ~~أبي بكر وعمر واهتدوا بهدى عثمان وتمسكوا بعهد عبد الله بن مسعود " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. ق # " عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في جيش ms2937 ذات ~~السلاسل قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال عائشة فقلت من الرجال ~~قال أبوها قلت ثم من؟ قال ثم عمر بن الخطاب فعد رجالا " # عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة وصحبني في الغار ~~وأعتق بلالا من ماله رحم الله عمرا ليقولن الحق وإن كان مرا تركه الحق ~~وما له من صديق. رحم الله عثمان تستحي منه الملائكة، رحم الله عليا ~~اللهم أدر الحق معه حيث دار " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. م عن زر بن حبيش قال: سمعت عليا يقول: ~~والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا ~~مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. عن عبدالله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " ما من أحد يموت من أصحابي بأرض إلا بعثه الله قائدا ونورا لهم يوم ~~القيامة " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب وقد روي عن أبي بريدة مرسلا وهو أصح. ق ~~عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما ~~بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " # وعن أبي هريرة نحوه أخرجه مسلم عن عبد الله بن مغفل المزني قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا من بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ~~ومن أبغضهم فبغضبي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ~~فيوشك أن يأخذه " # أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب. قوله تعالى: { وعد الله الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات منهم } لفظة من في قوله منهم لبيان الجنس لا للتبعيض. ~~كقوله: فاجتنبوا الرجس من الأوثان، فيكون معنى الآية وعد الله الذين ~~آمنوا من جنس الصحابة. وقال ابن جرير: يعني من الشطء الذي أخرجه الزرع ~~وهم الداخلون في الإسلام إلى يوم القيامة ورد الهاء والميم على معنى ms2938 ~~الشطء لا على لفظه ولذلك لم يقل منه { مغفرة وأجرا عظيما } يعني الجنة. ~~وقيل: إن المغفرة جزاء الإيمان فإن لكل مؤمن مغفرة والأجر العظيم جزاء ~~العمل الصالح والله تعالى أعلم بمراده. ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } من ~~التقديم أي لا ينبغي لكم أن يصدر منكم تقديم أصلا. وقيل: لا تقدموا ~~فعلا بين يدي الله ورسوله. والمعنى: لا تقدموا بين يدي أمر الله ورسوله ~~ولا نهيهما. وقيل: لا تجعلوا لأنفسكم تقدما عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفيه إشارة إلى احترام رسول الله صلى الله عليه وسلم والانقياد ~~لأوامره ونواهيه والمعنى: لا تعجلوا بقول أو فعل قبل أن يقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو قبل أن يفعله. وقيل: لا تقولوا بخلاف الكتاب ~~والسنة واختلفوا في معنى الآية فروي عن جابر أنه في الذبح يوم الأضحى أي: ~~لا تذبحوا قبل أن يذبح النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن أناسا ذبحوا ~~قبل النبي صلى الله عليه وسلم فأمروا أن يعيدوا الذبح. ق عن البراء بن ~~عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك ~~فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من ~~النسك في شيء " # زاد الترمذي في أوله: # " قال خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر وذكر الحديث ". # وروي عن عائشة أنه في النهي عن صوم يوم الشك أي لا تصوموا قبل نبيكم عن ~~عمار بن ياسر قال: " من صام في اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ~~صلى الله عليه وسلم " أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقيل ~~في سبب نزول هذه الآية: ما روي عن عبد الله بن الزبير أنه قدم وفد من بني ~~تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد ms2939 بن ~~زرارة. وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس. قال أبو بكر: ما أردت إلا ~~خلافي. وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزل في ~~ذلك { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } حتى انقضت ~~زاد في رواية فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه حتى ~~يستفهمه أخرجه البخاري. وقيل: نزلت الآية في ناس كانوا يقولون: لو نزل في ~~كذا أو صنع كذا وكذا، فكره الله ذلك وقيل في معنى الآية لا تفتئتوا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضيه الله على لسانه. وقيل في ~~القتال وشرائع الدين: لا تقضوا أمرا من دون الله ورسوله { واتقوا الله } ~~أي في تضييع حقه بمخالفة أمره { إن الله سميع } أي لأقوالكم { عليم } أي ~~بأفعالكم. ### || [49.2] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } ~~أي لا تجعلوا كلامكم مرتفعا على كلام النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الخطاب وذلك، لأن رفع الصوت دليل على قلة الاحتشام وترك الاحترام. وقوله: ~~لا تقدموا نهي عن فعل وقوله لا ترفعوا أصواتكم نهي عن قول { ولا تجهروا ~~له بالقول كجهر بعضكم لبعض } أمرهم أن يبجلوه ويفخموه ويعظموه ولا يرفعوا ~~أصواتهم عنده ولا ينادوه كما ينادي بعضهم بعضا فيقول يا محمد بل يقولون ~~يا رسول الله يا نبي الله { أن تحبط أعمالكم } أي لئلا تحبط. وقيل: مخافة ~~أن تحبط حسناتكم { وأنتم لا تشعرون } أي بذلك. ق عن أنس بن مالك قال: # " لما نزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي } الآية جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار. واحتبس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ ~~فقال: يا أبا عمرو ما شأن ثابت أيشتكي؟ فقال سعد: إنه لجاري وما علمت له ~~شكوى. قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ms2940 ~~ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنا من أهل النار فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو من أهل الجنة ". # زاد في رواية: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة مسلم ~~وللبخاري نحوه. وروي # " لما نزلت هذه الآية قعد ثابت في الطريق يبكي فمر به عاصم بن عدي فقال: ~~ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون أنزلت في وأنا رفيع ~~الصوت على النبي صلى الله عليه وسلم أخاف أن يحبط عملي وأن أكون من أهل ~~النار. فمضى عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلب ثابتا البكاء ~~فأتى امرأته جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول فقال لها: إذا دخلت بيت ~~فرسي فشدي على الضبة بمسمار فضربتها بمسمار. وقال: لا أخرج حتى يتوفاني ~~الله أو يرضى عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى عاصم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبره قال اذهب فادعه فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فيه ~~فلم يجده فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفرس. فقال له: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يدعوك فقال اكسر الضبة فأتيا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا ثابت؟ فقال: أنا ~~صيت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت في فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة؟ فقال: رضيت ~~ببشرى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا أرفع صوتي على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أبدا " # فأنزل الله تعالى: { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله... } ### || [49.3-4] # { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله } الآية. قال أنس: فكنا ننظر ~~إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا فلما كان يوم اليمامة في حرب ~~مسيلمة رأى ثابت من المسلمين بعض ms2941 انكسار وانهزمت طائفة منهم فقال: أف ~~لهؤلاء. ثم قال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا ثم ثبتا وقاتلا حتى قتلا واستشهد ~~ثابت وعليه درع فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام وأنه قال له: ~~اعلم أن فلانا رجلا من المسلمين نزع درعي فذهب به وهو في ناحية من ~~المعسكر عند فرس يستن في طيله وقد وضع على درعي برمته فأت خالد بن الوليد ~~فأخبره حتى يسترد درعي وأت أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقل له: إن علي دينا حتى يقضيه عني وفلان من رقيقي عتيق فأخبر الرجل ~~خالدا فوجد الدرع والفرس على ما وصفه فاسترد الدرع وأخبر خالد أبا بكر ~~بتلك الرؤيا فأجاز أبو بكر وصيته قال مالك بن أنس: لا أعلم وصية أجيزت ~~بعد موت صاحبها إلا هذه. قال أبو هريرة وابن عباس: لما نزلت هذه الآية ~~كان أبو بكر لا يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار. وقال ~~ابن الزبير: لما نزلت هذه الآية ما حدث عمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~ذلك فسمع النبي صلى الله عليه وسلم كلامه حتى يستفهمه مما يخفض صوته ~~فأنزل الله تعالى: { إن الذين يغضون } أي يخفضون أصواتهم عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أي إجلالا له وتعظيما { أولئك الذين امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى } أي اختبرها وأخلصها كما يمتحن الذهب بالنار ليخرج خالصه ~~{ لهم مغفرة وأجر عظيم } قوله عز وجل: { إن الذين ينادونك من وراء ~~الحجرات }. قال ابن عباس: # " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى بني العنبر وأمر عليهم ~~عيينة بن حصن الفزاري فلما علموا أنه توجه نحوهم، هربوا وتركوا عيالهم، ~~فسباهم عيينة وقدم بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاءه بعد ذلك ~~رجالهم يفدون الذراري فقدموا وقت الظهيرة ووافقوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قائما في أهله، فلما رأتهم الذراري أجهشوا إلى ms2942 آبائهم يبكون ~~وكان لكل امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرة فعجلوا قبل أن ~~يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادون: يا محمد اخرج ~~إلينا. حتى أيقظوه من نومه فخرج إليهم، فقالوا: يا محمد فادنا عيالنا ~~فنزل جبريل عليه السلام فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تجعل بينك وبينهم ~~رجلا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أترضوا أن يكون بيني ~~وبينكم سبرة بن عمرو وهو على دينكم؟ قالوا: نعم. قال سبرة: أنا لا أحكم ~~إلا وعمي شاهد وهو الأعور بن بشامة، فرضوا به، فقال الأعور: أرى أن تفادي ~~نصفهم وتعتق نصفهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد رضيت " # ففادى نصفهم، وأعتق نصفهم فأنزل الله عز وجل: إن الذين ينادونك من وراء ~~الحجرات { أكثرهم لا يعقلون } وصفهم بالجهل وقلة العقل. وقيل في معنى ~~الآية: أكثرهم إشارة إلى من يرجع منهم عن ذلك الأمر ومن لا يرجع فيستمر ~~على حاله وهم الأكثر. ### || [49.5] # { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم } فيه بيان لحسن الأدب وهو خلاف ما ~~جاؤوا به من سوء الأدب وطلب العجلة في الخروج { لكان خيرا لهم } أي ~~الصبر لأنك كنت تعتقهم جميعا وتطلقهم بلا فداء. وقيل: لكان حسن الأدب في ~~طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم خيرا لهم: وقيل: نزلت الآية ~~في ناس من أعراب تميم وكأن فيهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والزبرقان ~~بن بدر فنادوا على الباب. ويروى ذلك عن جابر قال: جاءت بنو تميم فنادوا ~~على الباب فقالوا: يا محمد اخرج علينا فإن مدحنا زين وذمنا شين فخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: # " إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين " # قالوا نحن ناس من تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا جئنا نشاعرك ونفاخرك فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما بالشعر بعثت ولا بالفخر أمرت، ولكن هاتوا " # فقام منهم شاب فذكر فضله وفضل قومه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت ms2943 ~~بن قيس بن شماس، وكان خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قم فأجبه " # فقام فأجابه وقام شاعرهم فذكر أبياتا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لحسان بن ثابت: # " أجبه " # فأجابه فقام الأقرع بن حابس فقال: إن محمد المؤتى له تكلم خطيبنا فكان ~~خطيبهم أحسن قولا وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أحسن شعرا وقولا ثم دنا من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما يضرك ما كان قبل هذا " # ثم أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم وقد كان تخلف في ركابهم ~~عمرو بن الأهتم لحداثة سنه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما ~~أعطاهم فأزرى به بعضهم وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنزل فيهم: # يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي # الآيات إلى قوله { والله غفور رحيم } أي لمن تاب منهم. وقال زيد بن ~~أرقم: جاء ناس من العرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقال بعضهم ~~لبعض: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم لبعض: ~~انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ~~ملكا نعش في جنابه فجاؤوا فجعلوا ينادونه: يا محمد يا محمد. ### || [49.6-9] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } الآية ~~نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدقا وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، ~~فلما سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي ~~فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أن يغزوهم فبلغ القوم رجوع ms2944 الوليد ~~فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك ~~فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي له ما قبلناه من حق الله فبدا له الرجوع ~~فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ ~~بالله من غضب الله وغضب رسوله فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث ~~خالد بن الوليد خفية في عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدومه، وقال: انظر فإن ~~رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم وإن لم تر ذلك، ~~فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكفار ففعل ذلك خالد. فوافاهم فسمع منهم أذان ~~المغرب والعشاء فأخذ منهم صدقاتهم ولم ير منهم إلا الطاعة والخير فانصرف ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر فأنزل الله تعالى: { يا ~~أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق } يعني الوليد بن عقبة. وقيل: هو عام ~~نزلت لبيان التثبت وترك الاعتماد على قول الفاسق وهو أولى من حكم الآية ~~على رجل بعينه، لأن الفسوق خروج عن الحق ولا يظن بالوليد ذلك إلا أنه ظن ~~وتوهم فأخطأ، فعلى هذا يكون معنى الآية: إن جاءكم فاسق بنبأ، أي بخبر، ~~فتبينوا. وقرىء: فتثبتوا، أي: فتوقفوا واطلبوا بيان الأمر وانكشاف ~~الحقيقة ولا تعتمدوا على قول الفاسق { أن تصيبوا } أي كيلا تصيبوا بالقتل ~~والسبي { قوما بجهالة } أي جاهلين حاله وحقيقة أمرهم { فتصبحوا على ما ~~فعلتم } أي من إصابتكم بالخطأ { نادمين واعلموا أن فيكم رسول الله } أي: ~~قاتقوا الله أن تقولوا باطلا أو تكذبوه فإن الله يخبره ويعرفه حالكم ~~فتفتضحوا { لو يطيعكم } أي الرسول { في كثير من الأمر } أي مما تخبرونه ~~به فيحكم برأيكم { لعنتم } أي لأثمتم وهلكتم عن أبي سعيد الخدري # " أنه قرأ { واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر ~~لعنتم } قال:هذا نبيكم يوحى إليه وخيار أئمتكم لو أطاعهم في كثير من ~~الأمر لعنتوا فكيف بكم اليوم " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب { ولكن الله حبب إليكم الإيمان } ~~أي جعله أحب الأديان ms2945 إليكم { وزينه } أي حسنة وقربه منكم وأدخله { في ~~قلوبكم } حتى اخترتموه لأن من أحب شيئا إذا طال عليه قد يسأم منه ~~والإيمان في كل يوم يزداد في القلب حسنا وثباتا وبذلك تطيعون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم { وكره إليكم الكفر والفسوق } قال ابن عباس: يريد ~~الكذب { والعصيان } جميع معاصي الله تعالى وفي هذه لطيفة، وهو أن الله ~~تعالى ذكر هذه الثلاثة الأشياء في مقابلة الإيمان الكامل المزين في القلب ~~المحبب إليه. # والإيمان الكامل: ما اجتمع فيه ثلاثة أمور: تصديق بالجنان، وإقرار ~~باللسان، وعمل بالأركان. فقوله: وكره إليكم الكفر في مقابله. قوله: حبب ~~إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وهو التصديق بالجنان والفسوق وهو الكذب في ~~مقابلة الإقرار باللسان فكره إلى عبده المؤمن الكذب وهو الجحود وحبب إليه ~~الإقرار بشهادة الحق والصدق وهو: لا إله إلا الله. والعصيان في مقابلة ~~العمل بالأركان فكره إليه العصيان وحبب إليه العمل الصالح بالأركان ثم ~~قال تعالى: { أولئك هم الراشدون } إشارة إلى المؤمنين المحبب إليهم ~~الإيمان المزين في قلوبهم أي: أولئك هم المهتدون إلى محاسن الأعمال ~~ومكارم الأخلاق { فضلا من الله } أي فعل ذلك بكم فضلا منه { ونعمة } ~~عليكم { والله عليم } أي بكم وبما في قلوبكم { حكيم } في أمره بما تقتضيه ~~الحكمة وقيل عليم بما في خزائنه من الخير والرحمة والفضل والنعمة حكيم ~~بما ينزل من الخير بقدر الحاجة إليه على وفق الحكم. قوله عز وجل: { وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا }. ق عن أنس قال: قيل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم لو أتيت عبد الله بن أبي. فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون معه وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني والله لقد آذاني نتن حمارك. فقال رجل ~~من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك. ~~فغضب لعبد الله رجل من قومه، فتشاتما، فغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان ~~بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال فبلغنا أنها نزلت فيهم: ms2946 وإن طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. ويروى أنها لما نزلت قرأها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عليهم فأصلحوا وكف بعضهم عن بعض. ق عن أسامة بن ~~زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه إكاف تحته قطيفة ~~فدكية وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن ~~الخزرج قبل وقعة بدر قال: فسار حتى مر على مجلس فيه عبد الله بن أبي ابن ~~سلول وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي. وإذا في المجلس أخلاط من ~~المسلمين والمشركين عبدة الأصنام واليهود وفي المسلمين عبد الله بن رواحة ~~فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثم قال: ~~لا تغيروا علينا. # فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله تعالى ~~وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: أيها المرء إنه لا ~~أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذونا به في مجالسنا وارجع إلى رحلك فمن ~~جاءك فاقصص عليه فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا في ~~مجالسنا فإنا نحب ذلك. واستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا ~~يتثاورون فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا ثم ركب ~~النبي صلى الله عليه وسلم دابته. وقال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار ~~كان بينهما مماراة في حق بينهما فقال أحدهما للآخر: لآخذن حقي منك عنوة ~~لكثرة عشيرته، وإن الآخر دعاه ليحاكمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى ~~أن يتبعه فلم يزل الأمر بينهما حتى تدافعوا وتناول بعضهم بعضا بالأيدي ~~والنعال ولم يكن قتال بالسيوف. وقيل: كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم ~~زيد تحت رجل وكان بينهما وبين زوجها شيء فرقي بها إلى علية فحبسها فيها، ~~فبلغ ذلك قومها فجاؤوا وجاء معه قومه، فاقتتلوا بالأيدي والنعال، فأنزل ~~الله عز وجل: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا. وقيل: المراد من ~~الطائفتين الأوس والخزرج. { فأصلحوا بينهما ms2947 } أي بالدعاء إلى حكم كتاب ~~الله والرضا بما فيه لهما وعليهما { فإن بغت } أي تعدت { إحداهما على ~~الأخرى } وأبت الإجابة إلى حكم كتاب الله { فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء } ~~أي ترجع { إلى أمر الله } أي إلى كتابه الذي جعله حكما بين خلقه. وقيل: ~~ترجع إلى طاعته في الصلح الذي أمر به { فإن فاءت } أي رجعت إلى الحق { ~~فأصلحوا بينهما بالعدل } اي الذي يحملهما على الإنصاف والرضا بحكم الله { ~~وأقسطوا } أي اعدلوا { إن الله يحب المقسطين } أي العادلين. ### || [49.10] # { إنما المؤمنون إخوة } أي في الدين والولاية ذلك أن الإيمان وقد عقد ~~بين أهله من السبب والقرابة كعقد النسب الملاصق وإن بينهم ما بين الإخوة ~~من النسب والإسلام لهم كالأب قال بعضهم: # أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم # { فأصلحوا بين أخويكم } أي إذا اختلفا واقتتلا { واتقوا الله } أي فلا ~~تعصوه ولا تخالفوا أمره { لعلكم ترحمون } ق. عن ابن عمر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه. ومن كان في حاجة أخيه كان الله ~~في حاجته. ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله بها عنه كربة من كرب يوم ~~القيامة ومن ستر مسلما ستره الله تعالى يوم القيامة " # والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده. فصل في حكم قتال البغاة قال العلماء: ~~في هاتين الآيتين دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأن الله تعالى ~~سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين ويدل عليه ما روي عن علي بن أبي طالب، ~~وهو القدوة في قتال أهل البغي، وقد سئل عن أهل الجمل وصفين أمشركون هم؟ ~~فقال: لا إنهم من الشرك فروا. فقيل: أمنافقون هم؟ فقال: لا إن المنافقين ~~لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. ~~والباغي في الشرع: هو الخارج على الإمام العدل فإذا اجتمعت طائفة لهم قوة ~~ومنعة فامتنعوا عن طاعة الإمام العدل بتأويل محتمل ونصبوا لهم إماما ~~فالحكم فيهم أن يبعث إليهم الإمام ويدعوهم إلى ms2948 طاعته، فإن أظهروا مظلمة ~~أزالها عنهم وإن لم يذكروا مظلمة وأصروا على البغي قاتلهم الإمام حتى ~~يفيئوا إلى طاعته. ثم الحكم في قتالهم أن لا يتبع مدبرهم ولا يقتل أسيرهم ~~ولا يذفف على جريحهم نادى منادي على يوم الجمل: ألا لا يتبع مدبر ولا ~~يقتل أسير ولا يذفف على جريح، وهو بذال معجمة، وهو الإجهاز على الجريح ~~وتحرير قتله وتتميمه. وأتي علي يوم صفين بأسير فقال: لا أقتلك صبرا إني ~~أخاف الله رب العالمين. وما أتلفت إحدى الطائفتين على الأخرى في حال ~~القتال من نفس ومال فلا ضمان عليها قال ابن شهاب كانت في تلك الفتنة دماء ~~يعرف في بعضها القاتل والمقتول وأتلف فيها أموال ثم صار الناس إلى أن ~~سكنت الحرب بينهم وجرى الحكم عليهم فما رأيته اقتص من أحد ولا أغرم ~~مالا. أما من لم تجتمع فيه هذه الشروط الثلاثة: بأن كانوا جماعة قليلين ~~لا منعة لهم، أو لم يكن لهم تأويل، أو لم ينصبوا إماما، فلا يتعرض لهم ~~إذا لم ينصبوا قتالا ولم يتعرضوا للمسلمين فإن فعلوا ذلك فهم كقطاع ~~الطريق في الحكم. وروي أن عليا سمع رجلا يقول في ناحية المسجد: لا حكم ~~إلا الله. فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل. لكم علينا ثلاثة: لا نمنعكم ~~مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع ~~أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال. ### || [49.11] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم } الآية نزلت في ~~ثلاثة أسباب: السبب الأول: من أولها إلى قوله خيرا منهم. قال ابن عباس: ~~نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أنه كان في أذنه وقر، فكان إذا أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى ~~جنبه فيسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم وقد فاتته ركعة من صلاة الفجر فلما ~~انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة، أخذ أصحابه مجالسهم فظل كل ~~رجل بمجلسه فلا يكاد يوسع ms2949 أحد لأحد وكان الرجل إذا جاء فلم يجد مجلسا ~~قام قائما كما هو فلما فرغ ثابت من الصلاة أقبل نحو رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يتخطى رقاب الناس ثم يقول: تفسحوا تفسحوا. فجعلوا يتفسحون له ~~حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينه وبينه رجل فقال: تفسح. ~~فقال له الرجل: أصبت مجلسا فاجلس. فجلس ثابت خلفه مغضبا، فلما اأنجلت ~~الظلمة غمز ثابت الرجل فقال: من هذا؟ قال أنا فلان. قال له ثابت: ابن ~~فلانة وذكر أما له كان يعير بها في الجاهلية. فنكس الرجل رأسه واستحيا ~~فأنزل الله هذه الآية. وقال الضحاك: نزلت في وفد بني تميم الذين ذكرناهم ~~وكانوا يستهزئون بفقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عمار ~~وخباب وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة لما رأوه من رثاثة حالهم ~~فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم. أي: لا ~~يستهزىء غني بفقير ولا مستور عليه ذنبه بمن لم يستر ولا ذو حسب بلئيم ~~وأشباه ذلك مما ينتقصه به ولعله عند الله خير منه وهو قوله تعالى: { عسى ~~أن يكونوا خيرا منهم } السبب الثاني قوله: { ولا نساء من نساء } أي لا ~~يستهزىء نساء من نساء { عسى أن يكن خيرا منهن } روي عن أنس أنها نزلت ~~في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عيرن أم سلمة بالقصر. وعن ابن ~~عباس: أنها نزلت في صفية بنت حيي قال لها بعض نساء النبي صلى الله عليه ~~وسلم: يهودية بنت يهوديين. عن أنس: # " بلغ صفية أن حفصة قالت بنت يهودي فبكت فدخل عليها النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهي تبكي فقال: ما يبكيك؟ قالت: قالت لي حفصة إني بنت يهودي فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنك لابنة نبي وعمك لنبي وإنك لتحت نبي ففيم ~~تفتخر عليك ثم قال: اتقي الله يا حفصة " # أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب. والسبب الثالث قوله تعالى: { ~~ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب } # " عن أبي ms2950 جبيرة بن الضحاك وهو أخو ثابت بن الضحاك الأنصاري قال: فينا ~~نزلت هذه الآية في بني سلمة " قدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول يا فلان فيقولون مه يا رسول الله إنه يغضب من هذا الاسم فأنزل الله ~~هذه الآية { ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } " " # أخرجه أبو داود وفي الترمذي قال " كان الرجل منا يكون له اسمان وثلاثة ~~فيدعى ببعضها فعسى أن يكره قال فنزلت هذه الآية { ولا تنابزوا بالألقاب ~~}. " قال الترمذي: حديث حسن. قوله تعالى: ولا تلمزوا أنفسكم أي لا يعيب ~~بعضكم بعضا ولا يطعن بعضكم في بعض. والمراد بالأنفس، الإخوان هنا. ~~والمعنى: لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين لأنهم كأنفسكم، فإذا عاب عائب ~~أحدا بعيب، فكأنه عاب نفسه. وقيل: لا يخلو أحد من عيب فإذا عاب غيره ~~فيكون حاملا لذلك على عيبه فكأنه هو العائب لنفسه ولا تنابزوا بالألقاب ~~أي لا تدعوا الإنسان بغير ما سمي به. وقال ابن عباس: التنابز بالألقاب أن ~~يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب عنها فنهي أن يعير بما سلف من عمله. وقيل: ~~هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق يا كافر. قيل: كان الرجل اليهودي ~~والنصراني يسلم فيقال له بعد إسلامه: يا يهودي يا نصراني فنهوا عن ذلك. ~~وقيل: هو أن تقول لأخيك يا كلب يا حمار يا خنزير. وقال بعض العلماء: ~~المراد بهذه الألقاب ما يكرهه المنادى به أو يفيد ذما له، فأما الألقاب ~~التي صارت كالأعلام لأصحابها كالأعمش والأعرج وما أشبه ذلك فلا بأس بها ~~إذا لم يكرهها المدعو بها، وأما الألقاب التي تكسب حمدا ومدحا تكون ~~حقا وصدقا فلا يكره كما قيل لأبي بكر: عتيق، ولعمر: الفاروق، ولعثمان: ~~ذو النورين ولعلي: أبو تراب ولخالد سيف الله ونحو ذلك { بئس الاسم الفسوق ~~بعد الإيمان } أي بئس الاسم أن تقولوا له يا يهودي أو يا نصراني بعد ما ~~أسلم أو يا ms2951 فاسق بعد ما تاب وقيل معناه أن من فعل ما نهي عنه من السخرية ~~واللمز والنبز فهو فاسق وبئس الاسم الفسوق بعد الإيمان فلا تفعلوا ذلك ~~فتستحقوا اسم الفسوق { ومن لم يتب } أي من ذلك كله { فأولئك هم الظالمون ~~} أي: الضارون لأنفسهم بمعصيتهم ومخالفتهم. وقيل ظلموا الذين قالوا لهم ~~ذلك. ### || [49.12] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن } قيل: نزلت ~~في رجلين اغتابا رفيقهما وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~غزا أو سافر ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما ويتقدمهما إلى ~~المنزل فيهىء لهما ما يصلحهما من الطعام والشراب فضم سلمان الفارسي إلى ~~رجلين في بعض أسفاره، فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فنام ولم ~~يهيىء شيئا لهما فلما قدما قالا له: ما صنعت شيئا. قال: لا غلبتني ~~عيناي فنمت قالا له: انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطلب لنا ~~منه طعاما فجاء سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله طعاما ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له: إن ~~كان عنده فضل طعام وأدم فليعطك وكان أسامة خازن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعلى رحله فأتاه فقال ما عندي شيء فرجع سلمان إليهما فأخبرهما فقالا ~~كان عند أسامة طعام ولكن بخل فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد ~~عندهم شيئا فلما رجع قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها ثم ~~انطلقا يتجسسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: ما لي أرى ~~خضرة اللحم في أفواهكما؟ قالا: والله يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا ~~لحما. قال: ظللتما تأكلان لحم سلمان وأسامة فأنزل الله عز وجل: يا أيها ~~الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن يعني أن يظن بأهل الخير سوءا فنهى ~~الله المؤمن أن يظن بأخيه المؤمن شرا وقيل هو ms2952 أن يسمع من أخيه المسلم ~~كلاما لا يريد به سوءا أو يدخل مدخلا لا يريد به سوءا فيراه أخوه ~~المسلم فيظن شرا لأن بعض الفعل قد يكون في الصورة قبيحا وفي نفس الأمر ~~لا يكون كذلك لجواز أن يكون فاعله ساهيا أو يكون الرائي مخطئا فأما أهل ~~السوء والفسق المجاهرون بذلك فلنا أن نظن فيهم مثل الذي يظهر منهم { إن ~~بعض الظن إثم }. قال سفيان الثوري: الظن ظنان: أحدهما: إثم، وهو أن يظن ~~ويتكلم به والآخر ليس بإثم وهو أن يظن ولا يتكلم به. وقيل: الظن أنواع ~~فمنه واجب ومأمور به وهو الظن الحسن بالله عز وجل ومنه مندوب إليه وهو ~~الظن الحسن بالأخ المسلم الظاهر العدالة ومنه حرام محظور وهو سوء الظن ~~بالله عز وجل وسوء الظن بالأخ المسلم { ولا تجسسوا } أي لا تبحثوا عن ~~عيوب الناس نهى الله عن البحث عن المستور من أمور الناس وتتبع عوراتهم ~~حتى يظهر على ما ستره الله منها ق. # عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ~~ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم ~~المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى هاهنا التقوى ~~هاهنا ويشير إلى صدره التقوى هاهنا. التقوى هاهنا بحسب امرىء من الشر أن ~~يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله إن الله لا ~~ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم وأعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم " # التجسس بالجيم التفتيش عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال في الشر ومنه ~~الجاسوس وبالحاء هو الاستماع إلى حديث الغير. وقيل: معناهما واحد وهو طلب ~~الأخبار. وقوله: ولا تنافسوا أي لا ترغبوا فيما يرغب فيه الغير من أسباب ~~الدنيا وحظوظها والحسد تمني زوال النعمة عن صاحبها. قوله: ولا تدابروا أي ~~لا يعطي كل واحد منكم أخاه دبره وقفاه فيعرض عنه ويهجره. عن ابن عمر قال: # " صعد رسول الله صلى ms2953 الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع يا معشر من ~~أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا ~~تتبعوا عن عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن ~~يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله " # قال نافع: ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك. ~~والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن غريب عن ~~زيد بن وهب. قال: أتى ابن مسعود فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا. ~~فقال عبد الله: إنا قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر إلينا شيء نأخذ به ~~أخرجه أبو داود وله عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موءودة " # م عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة ". # قوله تعالى: { ولا يغتب بعضكم بعضا } أي لا يتناول بعضكم بظهر الغيب ~~بما يسوءه مما هو فيه. # " عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أتدرون ما ~~الغيبة؟ قلت الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره قلت وإن كان في أخي ~~ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه قد بهته " " # أخرجه مسلم # " عن عائشة قالت: " قلت للنبي صلى الله عليه وسلم حسبك من صفية كذا وكذا ~~قال بعض الرواة تعني قصيرة فقال لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ~~قالت وحكيت له إنسانا فقال ما أحب أني حكيت إنسانا وإن لي كذا وكذا " # أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، قوله: لمزجته أي خالطته ~~مخالطة يتغير بها طعمه وريحه لشدة نتنها وقبحها وهذا الحديث من أبلغ ~~الزواجر عن الغيبة. قوله تعالى: { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ~~فكرهتموه } قال مجاهد: لما قيل أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا قالوا ~~لا ms2954 قيل فكرهتموه أي كما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بسوء غالبا قيل تأويله ~~إن ذكرك من لم يحضرك بسوء بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لأنه لا يحس بذلك وفيه ~~إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه ودمه لأن الإنسان يتألم قلبه إذا ذكر ~~بسوء كما يتألم جسده إذا قطع لحمه والعرض أشرف من اللحم فإذا لم يحسن من ~~العاقل أكل لحم الناس فترك أعراضهم أولى وقوله لحم أخيه آكد في المنع آكد ~~لأن العدو قد يحمله الغضب على أكل لحم عدوه، وقوله ميتا أبلغ في الزجر. ~~عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم ولحومهم وفي ~~نسخة وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ~~ويقعون في أعراضهم " # أخرجه أبو داود وقال ميمون بن سيار بينا أنا نائم إذا بجيفة زنجي وقائل ~~يقول كل يا عبد الله قلت وما آكل؟ قال كل بما اغتبت بعد فلان قلت والله ~~ما ذكرت فيه خيرا ولا شرا قال: ولكنك استمعت ورضيت، فكان ميمون لا ~~يغتاب أحدا ولا يدع أحدا يغتاب أحدا عنده. قوله تعالى: { واتقوا الله ~~} أي في أمر الغيبة واجتناب نواهيه { إن الله تواب رحيم }. ### || [49.13] # قوله عز وجل: { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } قال ابن عباس: ~~نزلت في ثابت بن قيس بن شماس. وقوله في الرجل الذي لم يفسح له ابن فلانة ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من الذاكر فلانة؟ قال ثابت: أنا رسول ~~الله قال انظر في وجوه القوم فنظر فقال ما رأيت يا ثابت؟ قال رأيت أبيض ~~وأحمر وأسود قال فإنك لا تفضلهم إلا بالدين والتقوى فنزلت في ثابت هذه ~~الآية ونزل في الذي لم يفسح له # يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا # [المجادلة: 11] الآية. وقيل: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بلالا حتى علا على ظهر الكعبة وأذن ms2955 فقال عتاب بن أسيد ~~الحمد لله الذي قبض أبي ولم ير هذا اليوم وقال الحارث بن هشام أما وجد ~~محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا وقال سهيل بن عمرو إن يكره الله شيئا ~~يغيره. وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبره رب السماء فنزل ~~جبريل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قالوا وسألهم عما قالوا ~~فأقروا فأنزل الله هذه الآية وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر ~~بالأموال والإزراء بالفقراء فقال { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى } يعني آدم وحواء. والمعنى: إنكم متساوون في النسب فلا تفاخر لبعض ~~على بعض لكونكم أبناء رجل واحد وامرأة واحدة. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى ~~إنا خلقنا كل واحد منكم أيها الموجودون من أب وأم فإن كل واحد منكم خلق ~~كما خلق الآخر سواء فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب { وجعلناكم شعوبا ~~} جمع شعب بفتح الشين وهي رؤوس القبائل مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج ~~سموا شعوبا لتشعب القبائل منهم وقيل لتجمعهم { وقبائل } جمع قبيلة وهي ~~دون الشعوب كبكر من ربيعة وتميم من مضر ودون القبائل العمائر واحدتها ~~عمارة بفتح العين وهم كشيبان من بكر ودارم من تميم ودون العمائر البطون ~~واحدتها بطن وهم كبني غالب ولؤي من قريش ودون البطون الأفخاذ واحدتها فخذ ~~وهم كبني هاشم وبني أمية من لؤي ودون الأفخاذ الفصائل واحدتها فصيلة ~~بالصاد المهملة كبني العباس من بني هاشم ثم بعد ذلك العشائر واحدتها ~~عشيرة وليس بعد العشيرة شيء يوصف. وقيل: الشعوب للعجم، والقبائل: للعرب، ~~والأسباط: من بني إسرائيل. وقيل: الشعوب الذين لا ينسبون إلى أحد بل ~~ينسبون إلى المدائن والقرى والقبائل الذين ينتسبون إلى آبائهم. { ~~لتعارفوا } أي ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب وبعده لا للتفاخر بالأنساب ~~ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان على غيره ويكتسب بها الشرف عند الله ~~تعالى فقال: { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } قيل: أكرم الكرم التقوى، ~~وألأم اللؤم الفجور. # وقال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى. عن ms2956 سمرة بن جندب ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الحسب المال والكرم التقوى " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب ق. عن أبي هريرة قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم؟ قال أكرمهم عند الله ~~أتقاهم قالوا ليس عن هذا نسألك قال فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي ~~الله ابن نبي الله ابن خليل الله قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن معادن ~~العرب تسألون؟ قالوا نعم قال فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا ~~فقهوا " # فقهوا بضم القاف على المشهور وحكي كسرها ومعناه إذا تعلموا أحكام الشرع ~~عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم ~~الأركان بمحجنه فلما خرج لم يجد مناخا فنزل على أيدي الرجال ثم قام ~~فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه وقال: # " الحمد لله الذي أذهب عنكم غيبة الجاهلية وتكبرها يا أيها الناس إن ~~الناس رجلان بر تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم تلا يا أيها ~~الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ثم قال أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ~~ولكم " # والمحجن عصا محنية الرأس كصولجان وقوله غبية الجاهلية يعني كبرها وفخرها ~~{ إن الله عليم } أي بظواهركم ويعلم أنسابكم { خبير } أي ببواطنكم لا ~~تخفى عليه أسراركم فاجعلوا التقوى زادكم إلى معادكم قيل: التقي هو العالم ~~بالله المواظب على الوقوف ببابه المتقرب إلى جنابه. وقيل: حد التقوى أن ~~يجتنب العبد المناهي ويأتي بالأوامر والفضائل ولا يغتر ولا يأمن فإن اتفق ~~أن يرتكب منهيا لا يأمن ولا يتكل بل يتبعه بحسنة ويظهر عليه توبة وندامة ~~ومن ارتكب منهيا ولم يتب في الحال واتكل على المهلة وغره طول الأمل فليس ~~بمتق لأن المتقي لم يترك ما أمر به ويترك ما نهي عنه وهو مع ذلك خاش لله ~~خائف منه لا يشتغل بغير الله تعالى فإن التفت لحظة إلى نفسه وأهله وولده ~~جعل ذلك ذنبا واستغفر منه وجدد له توبة جعلنا الله وإياكم من ms2957 المتقين. ### || [49.14] # قوله تعالى: { قالت الأعراب آمنا } الآية نزلت في نفر من بني أسد بن ~~خزيمة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة مجدبة فأظهروا ~~الإسلام، ولم يكونوا مؤمنين في السر، فأفسدوا طرق المدينة بالقذرات ~~وأغلوا أسعارها وكانوا يغدون ويروحون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~ويقولون: أتتك العرب أنفسهم على ظهور رواحلها وجئناك بالأثقال والعيال ~~والذراري ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، يمنون على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بذلك ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا فأنزل الله فيهم ~~هذه الآية. وقيل: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الفتح وهم ~~جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار كانوا يقولون آمنا ليأمنوا على أنفسهم ~~وأموالهم فلما استنفروا للحديبية تخلفوا عنها فأنزل الله عز وجل قالت ~~الأعراب آمنا أي صدقنا { قل لم تؤمنوا } أي لم تصدقوا بقلوبكم { ولكن ~~قولوا أسلمنا } أي استسلمنا وانقدنا مخافة القتل والسبي { ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم } أخبر أن حقيقة الإيمان هو التصديق بالقلب وأن ~~الإقرار باللسان وإظهار شرائعه بالأبدان لا يكون إيمانا دون التصديق ~~بالقلب والإخلاص. ق # " عن سعد بن أبي وقاص قال: " أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا ~~وأنا جالس فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا منهم هو أعجبهم إلي ~~فقلت ما لك عن فلان والله إني لأراه مؤمنا فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أو مسلما ذكر ذلك سعد ثلاثا وأجابه بمثل ذلك ثم قال إني لأعطي ~~الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكب في النار على وجهه " " # زاد في رواية قال الزهري: " فترى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل ~~الصالح " لفظ الحميدي اعلم أن الإسلام هو الدخول في السلم وهو الانقياد ~~والطاعة فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان والجنان ~~لقوله لإبراهيم عليه السلام: # أسلم قال أسلمت لرب العالمين # [البقرة: 131] ومنه ما هو انقياد باللسان والقلب وذلك قوله: ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم. " وقيل: الإيمان هو التصديق بالقلب ms2958 ~~مع الثقة وطمأنينة النفس عليه والإسلام هو الدخول في السلم والخروج من أن ~~يكون حربا للمسلمين مع إظهار الشهادتين. فإن قلت: المؤمن والمسلم واحد ~~عند أهل السنة فكيف يفهم ذلك مع هذا القول. قلت بين العام والخاص فرق ~~فالإيمان لا يحصل إلا بالقلب والانقياد قد يحصل بالقلب وقد يحصل باللسان ~~فالإسلام أعم والإيمان أخص لكن العام في صورة الخاص متحد مع الخاص ولا ~~يكون أمرا غيره فالعام والخاص مختلفان في العموم والخصوص متحدان في ~~الوجود فذلك المؤمن والمسلم. وقوله تعالى: { وإن تطيعوا الله ورسوله } أي ~~ظاهرا وباطنا سرا وعلانية وقال ابن عباس تخلصوا له الإيمان { لا يلتكم ~~} أي لا ينقصكم { من أعمالكم شيئا } أي من ثواب أعمالكم { إن الله غفور ~~رحيم } ثم بين حقيقة الإيمان ### || [49.15-18] # { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا } أي لم يشكوا ~~في دينهم { وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } ~~أي في إيمانهم ولما نزلت هاتان الآيتان أتت الأعراب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحلفون بالله إنهم مؤمنون صادقون وعرف الله منهم غير ذلك فأنزل ~~الله عز وجل: { قل أتعلمون الله بدينكم } أي تخبرون الله بدينكم الذي ~~أنتم عليه { والله يعلم ما في السموات وما في الأرض } أي لا تخفى عليه ~~خافية { والله بكل شيء عليم } أي لا يحتاج إلى إخباركم { يمنون عليك أن ~~أسلموا } هو قولهم أسلمنا ولم نحاربك يمنون بذلك على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فبين بذلك أن إسلامهم لم يكن خالصا { قل لا تمنوا على إسلامكم ~~} أي لا تعتدوا علي بإسلامكم { بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان } أي ~~لله المنة عليكم أن أرشدكم وأمدكم بتوفيقه حيث هداكم للإيمان على ما ~~زعمتم وادعيتم وهو قوله تعالى: { إن كنتم صادقين } أي إنكم مؤمنون { إن ~~الله يعلم غيب السموات والأرض } أي إنه سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء ~~في السموات والأرض فكيف يخفى عليه حالكم بل يعلم سركم وعلانيتكم { والله ~~بصير بما تعملون } أي بجوارحكم الظاهرة والباطنة ms2959 والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-4] # قوله عز وجل: { ق } قال ابن عباس: هو قسم وقيل: هو اسم للسورة وقيل اسم ~~من أسماء الله وقيل اسم من أسماء القرآن وقيل هو مفتاح اسمه القدير ~~والقادر والقاهر والقريب والقابض والقدوس والقيوم. وقيل: معناه قضى الأمر ~~أو قضى ما هو كائن. وقيل: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء متصلة عروقه ~~بالصخرة التي عليها الأرض والسماء كهيئة القبة وعليه كتفاها وخضرة السماء ~~منه والعالم داخله ولا يعلم ما وراءه إلا الله تعالى ويقال هو من وراء ~~الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة { والقرآن المجيد } أي ~~الشريف الكريم على الله الكثير الخير والبركة واختلفوا في وجواب القسم ~~قيل جوابه محذوف تقديره لتبعثن وقيل جوابه بل عجبوا وقيل ما يلفظ من قول ~~وقيل قد علمنا ومعنى { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } إنكار لتعجبهم مما ~~ليس بعجب وهو أن يخوفهم رجل منهم قد عرفوا وساطته فيهم وعدالته وأمانته ~~وصدقه { فقال الكافرون هذا شيء عجيب } أي معجب غريب { أئذا متنا وكنا ~~ترابا } أي حين نموت ونبلى نبعث وترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه { ~~ذلك رجع بعيد } أي يبعد أن نبعث بعد الموت قال الله تعالى: { قد علمنا ما ~~تنقص الأرض منهم } أي ما تأكل الأرض من لحومهم ودمائهم وعظامهم لا يعزب ~~عن علمنا شيء { وعندنا } أي مع علمنا بذلك { كتاب حفيظ } بمعنى محفوظ أي ~~من التبديل والتغيير وقيل حفيظ بمعنى حافظ أي حافظ لعددهم وأسمائهم ولما ~~تنقص الأرض منهم وهو اللوح المحفوظ وقد أثبت فيه ما يكون. ### || [50.5-11] # { بل كذبوا بالحق } أي بالقرآن { لما جاءهم } قيل: معناه كذبوا به لما ~~جاءهم. وقيل: كذبوا المنذر لما جاءهم { فهم في أمر مريج } أي مختلط ملتبس ~~قيل معنى اختلاط أمرهم قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم مرة شاعر ومرة ~~ساحر ومرة معلم مجنون ويقولون في القرآن مرة سحر ومرة رجز ومرة مفتري ~~فكان أمرهم مختلطا ملتبسا عليهم وقيل في هذه الآية من ترك الحق ms2960 مرج ~~عليه أمره والتبس عليه دينه وقيل ما ترك قوم الحق إلا مرج عليهم أمرهم ثم ~~دلهم على عظيم قدرته فقال تعالى: { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها } أي: بغير عمد { وزيناها } أي بالكواكب { وما لها من فروج } أي: ~~شقوق وصدوع { والأرض مددناها } أي بسطناها على وجه الماء { وألقينا فيها ~~رواسي } أي: جبالا ثوابت { وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج } أي: من كل صنف ~~حسن كريم يبتهج به أي: يسر به { تبصرة } أي جعلنا ذلك تبصرة { وذكرى } أي ~~تذكرة { لكل عبد منيب } أي: راجع إلى الله تعالى والمعنى ليتبصر ويتذكر ~~به من أناب { ونزلنا من السماء ماء مباركا } أي كثير الخير والبركة فيه ~~حياة كل شيء وهو المطر { فأنبتنا به } أي: بذلك الماء { جنات } أي بساتين ~~{ وحب الحصيد } يعني البر والشعير وسائر الحبوب التي تحصد { والنخل ~~باسقات } أي: طوالا وقيل مستويات { لها طلع } أي: ثمر يطلع ويظهر ويسمى ~~طلعا قبل أن يتشقق { نضيد } أي: متراكب بعضه على بعض في أكمامه فإذا ~~تشقق وخرج من أكمامه فليس بنضيد { رزقا } أي: جعلنا ذلك رزقا { للعباد ~~وأحيينا به } أي: بالمطر { بلدة ميتا } فأنبتنا فيها الكلأ والعشب { ~~كذلك الخروج } أي: من القبور أحياء بعد الموت. ### || [50.12-18] # قوله تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان ~~لوط وأصحاب الأيكة } قيل: كان لوط مرسلا إلى طائفة من قوم إبراهيم ولذلك ~~قال إخوان لوط { وقوم تبع } هو أبو كرب أسعد تبع الحميري وقد تقدم قصص ~~جمعهم قيل ذم الله عز وجل قوم تبع ولم يذمه وذم فرعون لأنه هو المكذب ~~المستخف لقومه فلهذا خص بالذكر دونهم { كل كذب الرسل فحق وعيد } أي: كل ~~هؤلاء المذكورين كذبوا رسلهم فحق وعيدي أي وجب لهم عذابي وقيل فحق وعيدي ~~للرسل بالنصر { أفعيينا بالخلق الأول } هذا جواب لقولهم ذلك رجع بعيد ~~والمعنى أعجزنا حين خلقناهم أولا فنعيا بالإعادة ثانيا وذلك لأنهم ~~اعترفوا بالخلق الأول وأنكروا البعث { بل هم في لبس } أي شك { من خلق ~~جديد } وهو البعث. ms2961 قوله عز وجل: { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به ~~نفسه } أي ما يحدث به قلبه فلا تخفى علينا سرائره وضمائره { ونحن أقرب ~~إليه من حبل الوريد } بيان لكمال علمه أي نحن أعلم به منه والوليد العرق ~~الذي يجري فيه الدم ويصل إلى كل جزء من أجزاء البدن وهو بين الحلقوم ~~والعلباوين ومعنى الآية أن أجزاء الإنسان وأبعاضه يحجب بعضها بعضا ولا ~~يحجب عن علم الله شيء. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى ونحن أقرب إليه بنفوذ ~~قدرتنا فيه ويجري فيه أمرنا كما يجري الدم في عروقه { إذ يتلقى المتلقيان ~~} أي يتلقن الملكان الموكلان به وبعمله ومنطقه فيكتبانه ويحفظانه عليه { ~~عن اليمين وعن الشمال } يعني أن أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله فصاحب ~~اليمين يكتب الحسنات وصاحب الشمال يكتب السيئات { قعيد } أي قاعد وكل ~~واحد منهما قعيد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر. وقيل: أراد بالقعيد ~~الملازم الذي لا يبرح { ما يلفظ من قول } أي ما يتكلم من كلام يخرج من ~~فيه { إلا لديه رقيب } أي حافظ { عتيد } أي حاضر أينما كان سوى وقت ~~الغائط وعند جماعة فإنهما يتأخران عنه فلا يجوز للإنسان أن يتكلم في ~~هاتين الحالتين حتى لا يؤذي الملائكة بدنوهما منه وهو على تلك الحالة حتى ~~يكتبا ما يتكلم به أنهما يكتبان عليه كل شيء يتكلم به حتى أتيته في مرضه ~~وقيل لا يكتبان إلا ما له أجر وثواب أو عليه وزر وعقاب. وقيل: إن مجلسهما ~~تحت الشعر على الحنك وكان الحسن البصري يعجبه أن ينظف عنفقته روى البغوي ~~بإسناد الثعلبي. عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين ~~عشرا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله ~~يسبح أو يستغفر. ### || [50.19-24] # قوله تعالى: { وجاءت سكرة الموت } أي غمرته وشدته التي تغشى الإنسان ~~وتغلب على عقله { بالحق } أي بحقيقة الموت وقيل بالحق من أمر الآخرة حتى ~~يتبينه الإنسان ويراه بالعيان ms2962 وقيل بما يؤول إليه أمر الإنسان من السعادة ~~والشقاوة { ذلك ما كنت منه تحيد } أي يقال لمن جاءته سكرة الموت: ذلك ~~الذي كنت عنه تميل. وقيل: تهرب وقال ابن عباس: تكره { ونفخ في الصور } ~~يعني نفخة البعث { ذلك يوم الوعيد } أي ذلك اليوم الذي وعد الله الكفار ~~أن يعذبهم فيه { وجاءت } أي في ذلك اليوم { كل نفس معها سائق } أي يسوقها ~~إلى المحشر { وشهيد } أي يشهد عليها بما عملت. قال ابن عباس: السائق من ~~الملائكة والشاهد من أنفسهم الأيدي والأرجل فيقول الله تعالى لصاحب تلك ~~النفس { لقد كنت في غفلة من هذا } أي من هذا اليوم في الدنيا { فكشفنا ~~عنك غطاءك } أي الذي كان على قلبك وسمعك وبصرك في الدنيا { فبصرك اليوم ~~حديد } أي قوي ثابت نافذ تبصر ما كنت تتكلم به في الدنيا. وقيل: ترى ما ~~كان محجوبا عنك وقيل نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن حسناتك وسيئاتك { ~~وقال قرينه } يعني الملك الموكل به { هذا ما لدي } أي عندي { عنيد } أي ~~معد محضر. وقيل: يقول الملك هذا الذي وكلتني به من بني آدم قد أحضرته ~~وأحضرت ديوان عمله { ألقيا في جهنم } أي يقول الله تعالى لقرينه وقيل هذا ~~أمر للسائق والشهيد { كل كفار } أي شديد الكفر { عنيد } أي عاص معرض عن ~~الحق معاند لله فيما أمره به. ### || [50.25-30] # { مناع للخير } أي للزكاة المفروضة وكل حق وجب عليه في ماله { معتد } ~~أي ظالم لا يقر بتوحيد الله { مريب } أي: شاك في التوحيد { الذي جعل مع ~~الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد } يعني النار { قال قرينه } ~~يعني الشيطان الذي قيض لهذا الكافر { ربنا ما أطغيته } قيل: هذا جواب ~~لكلام مقدر وهو أن الكافر حين يلقى في النار يقول: ربنا أطغاني شيطاني ~~فيقول الشيطان ربنا ما أطغيته أي ما أضللته وما أغويته { ولكن كان في ~~ضلال بعيد } أي عن الحق فيتبرأ منه شيطانه وقال ابن عباس: قرينه يعني ~~الملك يقول الكافر الكافر رب إن الملك زاد علي في الكتابة فيقول الملك ms2963 ~~ربنا ما أطغيته أي ما زدت عليه وما كتبت إلا ما قال وعمل ولكن كان في ~~ضلال بعيد أي طويل لا يرجع عنه إلى الحق { قال } الله تعالى: { لا ~~تختصموا لدي } أي لا تعتذروا عندي بغير عذر وقيل هو خصامهم مع قرنائهم { ~~وقد قدمت إليكم بالوعيد } أي بالقرآن وأنذرتكم على ألسن الرسل وحذرتكم ~~عذابي في الآخرة لمن كفر { ما يبدل القول لدي } أي لا تبديل لقولي وهو ~~قوله عز وجل: # لأملأن جهنم # [السجدة: 13] وقضيت عليكم ما أنا قاض فلا يغير قولي ولا يبدل وقيل ~~معناه ولا يكذب عندي ولا يغير القول عن وجهه، لأني علام الغيوب وأعلم كيف ~~ضلوا وهذا القول هو الأولى يدل عليه أنه قال ما يبدل القول لدي ولم يقل ~~ما يبدل قولي { وما أنا بظلام للعبيد } أي: فأعاقبهم بغير جرم. وقيل: ~~معناه فأزيد على إساءة المسيء أو أنقص من إحسان المحسن. قوله عز وجل: { ~~يوم نقول لجهنم هل امتلأت } بيان لما سبق لها من وعد الله تعالى إياها ~~أنه يملؤها من الجنة والناس وهذا السؤال من الله تعالى لتصديق خبره ~~وتحقيق وعده { وتقول } يعني جهنم { هل من مزيد } يعني تقول قد امتلأت ولم ~~يبق في موضع لم يمتلئ فهو استفهام إنكاري. وقيل: هو بمعنى الاستزادة. وهو ~~رواية عن ابن عباس. فعلى هذا يكون السؤال وهو قوله: هل امتلأت؟ قبل دخول ~~جميع أهلها فيها. وروي عن ابن عباس: " إن الله تعالى سبقت كلمته لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين فلما سيق أعداء الله إليها لا يلقى فيها فوج ~~إلا ذهب فيها ولا يملؤها شيء فتقول ألست قد أقسمت لتملأني فيضع قدمه ~~عليها فيقول هل امتلأت؟ فتقول قط قط قد امتلأت وليس من مزيد " ق عن أنس ~~بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العرش - وفي ~~رواية رب العزة - فيها قدمه فيزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك ولا ms2964 ~~يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضول الجنة " # ولأبي هريرة نحوه وزاد " ولا يظلم الله من خلقه أحدا ". فصل هذا الحديث ~~من مشاهير أحاديث الصفات وللعلماء فيه وفي أمثاله مذهبان: أحدهما: وهو ~~مذهب جمهور السلف وطائفة من المتكلمين أنه لا يتكلم في تأويلها بل نؤمن ~~بأنها حق على ما أراد الله ورسوله ونجريها على ظاهرها ولها معنى يليق بها ~~وظاهرها غير مراد والمذهب الثاني وهو قول جمهور المتكلمين أنها تتأول ~~بحسب ما يليق بها فعلى هذا اختلفوا في تأويل هذا الحديث. فقيل: المراد ~~بالقدم المقدم وهو سائغ في اللغة. والمعنى: حتى يضع الله فيها من قدمه ~~لها من أهل العذاب. وقيل: المراد به قدم بعض المخلوقين فيعود الضمير في ~~قدمه إلى ذلك المخلوق المعلوم. وقيل: إنه يحتمل أن في المخلوقات من تسمى ~~بهذه التسمية وخلقوا لها. قال القاضي عياض: أظهر التأويل أنهم قوم ~~استحقوها وخلقوا لها قال المتكلمون: ولا بد من صرفه عن ظاهره لقيام ~~الدليل القطعي العقلي على استحالة الجارحة على الله تعالى والله أعلم. ~~قوله: قط قط أي: حسبي حسبي. قد اكتفيت. وفيها ثلاث لغات: إسكان الطاء، ~~وكسرها منونة، وغير منونة. وقوله: ولا يظلم الله من خلقه أحدا، يعني: ~~أنه يستحيل الظلم في حق الله تعالى فمن عذبه بذنب أو بغير ذنب فذلك عدل ~~منه سبحانه وتعالى. ### || [50.31-34] # قوله تعالى: { وأزلفت الجنة } أي قربت وأدنيت { للمتقين } أي الذين ~~اتقوا الشرك { غير بعيد } يعني أنها جعلت عن يمين العرش بحيث يراها أهل ~~الموقف قبل أن يدخلوها { هذا ما توعدون } أي يقال لهم الذي وعدتم به في ~~الدنيا على ألسنة الأنبياء { لكل أواب } أي رجاع عن المعصية إلى الطاعة. ~~قال سعيد بن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: هو ~~الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها. وقيل: هو التواب، وقال ابن ~~عباس: هو المسيح. وقيل: هو المصلي { حفيظ } قال ابن عباس الحافظ لأمر ~~الله وعنه هو الذي يحفظ ذنوبه حتى يرجع ms2965 عنها ويستغفر منها وقيل: حفيظ لما ~~استودعه الله من حقه. وقيل: هو المحافظ على نفسه المتعهد لها المراقب ~~لها. وقيل: هو المحافظ على الطاعات والأوامر { ومن خشي الرحمن بالغيب } ~~أي خاف الرحمن فأطاعه وإن لم يره وقيل: خافه في الخلوة بحيث لا يراه أحد ~~إذا ألقى الستر أغلق الباب { وجاء بقلب منيب } أي مخلص مقبل على طاعة ~~الله { ادخلوها } أي يقال لأهل هذه الصفة: ادخلوا الجنة { بسلام } أي ~~بسلامة من العذاب والهموم. وقيل: بسلام من الله وملائكته عليهم وقيل: ~~بسلامة من زوال النعم { ذلك يوم الخلود } أي في الجنة لأنه لا موت فيها. ### || [50.35-39] # { لهم ما يشاؤون فيها } وذلك أنهم يسألون الله حتى تنتهي مسألتهم فيعطون ~~ما سألوا ثم يزيد الله عبيده ما لم يسألوا مما لم يخطر بقلب بشر وهو قوله ~~تعالى: { ولدينا مزيد } وقيل: المزيد، هو النظر إلى وجهه الكريم قيل: ~~يتجلى لهم الرب تبارك وتعالى في كل جمعة في دار كرامته فلهذا هو المزيد. ~~قوله تعالى: { وكم أهلكنا قبلهم } أي قبل كفار مكة { من قرن هم أشد منهم ~~بطشا } يعني سطوة والبطش الأخذ بصولة وعنف { فنقبوا في البلاد } أي ~~ساروا وتقلبوا في البلاد وسلكوا كل طريق { هل من محيص } أي فلم يجدوا لهم ~~محيصا أي مهربا من أمر الله وقيل: لا يجدون لهم مفرا من الموت بل ~~يموتون فيصيرون إلى عذاب الله وفيه تخويف لأهل مكة لأنهم على مثل سبيلهم ~~{ إن في ذلك لذكرى } أي إن فيما ذكر من إهلاك القرى تذكرة وموعظة { لمن ~~كان له قلب }. قال ابن عباس: أي عقل. وقيل: له قلب حاضر مع الله واع عن ~~الله { أو ألقى السمع } أي استمع القرآن واستمع ما يقال له لا يحدث نفسه ~~بغيره { وهو شهيد } أي حاضر القلب ليس بغافل ولا ساه. قوله تعالى: { ولقد ~~خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب } أي ~~إعياء وتعب قال المفسرون نزلت في اليهود حيث قالوا: خلق الله السموات ~~والأرض وما بينهما في ستة ms2966 أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة ثم استراح يوم ~~السبت واستلقى على العرش فلذلك تركوا العمل فيه فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية ردا عليهم وتكذيبا لهم في قولهم استراح يوم السبت بقوله تعالى: { ~~وما مسنا من لغوب }. قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: والظاهر أن ~~المراد الرد على المشركين والاستدلال بخلق السموات والأرض وما بينهما ~~فقوله { وما مسنا من لغوب } أي ما تعبنا بالخلق الأول حتى لا نقدر على ~~الإعادة ثانيا كما قال الله تعالى: # أفعيينا بالخلق الأول # [ق: 15] الآية وأما ما قاله اليهود ونقلوه من التوراة فهو إما تحريف ~~منهم أو لم يعلموا تأويله وذلك أن الأحد والاثنين أزمنة مستمرة بعضها بعد ~~بعض فلو كان خلق السموات والأرض ابتدىء يوم الأحد لكان الزمان قبل ~~الأجساد والزمان لا ينفك عن الأجساد فيكون قبل خلق الأجسام أجسام لأن ~~اليوم عبارة عن زمان سير الشمس من الطلوع إلى الغروب وقبل السموات والأرض ~~لم يكن شمس ولا قمر لكن اليوم قد يطلق ويراد به الوقت والحين وقد يعبر به ~~عن مدة الزمان أي مدة كانت قوله عز وجل: { فاصبر على ما يقولون } الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أي: اصبر يا محمد على ما يقولون أي من كذبهم ~~فإن الله لهم بالمرصاد وهذا قبل الأمر بقتالهم { وسبح بحمد ربك } أي صل ~~حامدا لله { قبل طلوع الشمس } أي صلاة الصبح { وقبل الغروب } يعني صلاة ~~المغرب. قال ابن عباس: صلاة الظهر والعصر. ### || [50.40-41] # { ومن الليل فسبحه } يعني صلاة المغرب والعشاء. وقيل: يعني صلاة الليل ~~أي وقت صلى { وأدبار السجود } قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ~~وغيرهما: أدبار السجود الركعتان بعد المغرب، وأدبار النجوم الركعتان قبل ~~صلاة الفجر. وهي رواية عن ابن عباس. ويروى مرفوعا عن عائشة رضي الله ~~تعالى عنها قالت # " لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه ~~على ركعتي الفجر " # م عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما ms2967 فيها " # يعني بذلك سنة الفجر، ع # " عن ابن مسعود، قال: " ما أحصى ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ في الركعتين بعد المغرب والركعتين قبل صلاة الفجر قل يا أيها ~~الكافرون وقل هو الله أحد " " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. وقيل: في قوله وأدبار السجود: التسبيح ~~باللسان في أدبار الصلوات المكتوبات خ عن ابن عباس قال: # " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسبح في أدبار الصلوات كلها يعني ~~قوله وأدبار السجود " # م. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد الله ثلاثا وثلاثين ~~وكبر الله ثلاثا وثلاثين فذلك تسعة وتسعون ثم قال: تمام المائة لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت ~~ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر " # خ عنه # " أن فقراء المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول ~~الله ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم فقال وما ذاك؟ قالوا صلوا ~~كما صلينا وجاهدوا كما جاهدنا وأنفقوا من فضول أموالهم وليست لنا أموال ~~قال أفلا أخبركم بأمر تدركون به من كان قبلكم وتسبقون من جاء بعدكم ولا ~~يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله تسبحون في دبر كل صلاة عشرا ~~وتحمدون عشرا وتكبرون عشرا ". # قوله تعالى: { واستمع يوم يناد المناد } يعني استمع يا محمد حديث يوم ~~ينادي المنادي. وقيل: معناه انتظر صيحة القيامة والنشور. قال المفسرون: ~~المنادي هو إسرافيل يقف على صخرة بيت المقدس فينادي بالحشر فيقول: يا ~~أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور ~~المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، وهو قوله تعالى: { من ~~مكان قريب } قيل: إن صخرة بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ~~ميلا وقيل: هي في وسط الأرض. ### || [50.42-45] # { يوم يسمعون الصيحة بالحق } أي الصيحة الأخيرة { ذلك يوم الخروج } أي ~~من القبور { إنا نحن ms2968 نحيي } أي في الدنيا { ونميت } يعني عند انقضاء ~~الأجل { وإلينا المصير } أي في الآخرة وقيل: تقديره نميت في الدنيا ونحيي ~~للبعث وإلينا المصير بعد البعث { يوم تشقق الأرض عنهم سراعا } أي يخرجون ~~سراعا إلى المحشر وهو قوله تعالى: { ذلك حشر علينا يسير } أي هين { نحن ~~أعلم بما يقولون } يعني كفار مكة في تكذيبك { وما أنت عليهم بجبار } أي ~~بمسلط تجبرهم على الإسلام إنما بعثت مذكرا وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم { ~~فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } أي ما أوعدت به من عصاني من العذاب قال ابن ~~عباس: " قالوا يا رسول الله لو خوفتنا فنزلت: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ~~" أي عظ بالقرآن من يخاف وعيدي والله أعلم بمراده. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-4] # قوله عز وجل: { والذاريات ذروا } يعني الرياح التي تذر التراب { ~~فالحاملات وقرا } يعني السحاب يحمل ثقلا من الماء { فالجاريات يسرا } ~~يعني السفن تجري في الماء جريا سهلا { فالمقسمات أمرا } يعني الملائكة ~~يقسمون الأمور بين الخلق على ما أمروا به وقيل: هم أربعة: جبريل صاحب ~~الوحي إلى الأنبياء الأمين عليه وصاحب الغلظة، وميكائيل صاحب الرزق ~~والرحمة، وإسرافيل صاحب الصور واللوح، وعزرائيل صاحب قبض الأرواح. وقيل: ~~هذه الأوصاف الأربعة في الرياح لأنها تنشئ السحاب وتسيره ثم تحمله وتقله ~~ثم تجري به جريا سهلا ثم تقسم الأمطار بتصريف السحاب أقسم الله تعالى ~~بهذه الأشياء لشرف ذواتها ولما فيها من الدلالة على عجيب صنعته وقدرته. ~~والمعنى: اقسم بالذاريات بهذه الأشياء، وقيل: فيه مضمر تقديره ورب ~~الذاريات ثم ذكر جواب القسم فقال تعالى: { إن ما توعدون لواقع }. ### || [51.5-14] # { إن ما توعدون } أي من الثواب والعقاب يوم القيامة { لصادق } أي الحق { ~~وإن الدين } أي الحساب والجزاء { لواقع } أي لكائن ثم ابتدأ قسما آخر ~~فقال تعالى: { والسماء ذات الحبك } قال ابن عباس: ذات الخلق الحسن ~~المستوي، وقيل: ذات الزينة حبكت بالنجوم وقيل: ذات البنيان المتقن وقيل: ~~ذات الطرائق كحبك الماء إذا ضربته الريح وحبك الرمل ولكنها لا ترى لبعدها ~~من الناس وجواب القسم قوله { إنكم } يعني ms2969 يا أهل مكة { لفي قول مختلف } ~~يعني في القرآن وفي محمد صلى الله عليه وسلم يقولون في القرآن سحر وكهانة ~~وأساطير الأولين وفي محمد صلى الله عليه وسلم ساحر وشاعر وكاهن ومجنون ~~وقيل: لفي قول مختلف أي مصدق ومكذب { يؤفك عنه من أفك } أي يصرف عن ~~الإيمان به من صرف حتى يكذبه وهو من حرمه الله الإيمان بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وبالقرآن وقيل: معناه أنهم كانوا يتلقون الرجل إذا أراد ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فيقولون إنه ساحر وشاعر وكاهن ومجنون ~~فيصرفونه عن الإيمان به { قتل الخراصون } أي: الكذابون هم المقتسمون ~~الذين اقتسموا عقاب مكة واقتسموا القول في النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليصرفوا الناس عن الإسلام. وقيل: هم الكهنة { الذين هم في غمرة } أي في ~~غفلة وعمى وجهالة { ساهون } أي لاهون غافلون عن أمر الآخرة والسهو الغفلة ~~عن الشيء وذهاب القلب عنه { يسألون أيان يوم الدين } أي يقولون يا محمد ~~متى يوم الجزاء يعني يوم القيامة تكذيبا واستهزاء قال الله تعالى: { يوم ~~هم } أي يكون هذا الجزاء في يوم هم { على النار يفتنون } أي يدخلون ~~ويعذبون بها وتقول لهم خزنة النار: { ذوقوا فتنتكم } أي عذابكم { هذا ~~الذي كنتم به تستعجلون } أي في الدنيا تكذيبا به. ### || [51.15-18] # قوله تعالى: { إن المتقين في جنات وعيون } يعني في خلال الجنات عيون ~~جارية { آخذين ما آتاهم } أي ما أعطاهم { ربهم } أي من الخير والكرامة { ~~إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } أي قبل دخولهم الجنة محسنين في الدنيا ثم ~~وصف إحسانهم فقال تعالى: { كانوا قليلا من الليل ما يهجعون } أي كانوا ~~ينامون قليلا من الليل ويصلون أكثره. وقال ابن عباس: كانوا قل ليلة تمر ~~بهم إلا صلوا فيها شيئا إما من أولها أو من أوسطها عن أنس بن مالك في ~~قوله: { كانوا قليلا من الليل ما يهجعون } قال: كانوا بين المغرب ~~والعشاء أخرجه أبو داود. وقيل: كانوا لا ينامون حتى يصلون العتمة وقيل: ~~قل ليلة أتت عليهم هجعوها كلها، ووقف بعضهم على قوله: ms2970 كانوا قليلا، أي ~~من الناس ثم ابتدأ من الليل ما يهجعون أي لا ينامون بالليل البتة بل ~~يقومون الليل كله في الصلاة والعبادة { وبالأسحار هم يستغفرون } أي ربما ~~مدوا عبادتهم إلى وقت السحر ثم أخذوا في الاستغفار وقيل: معناه يستغفرون ~~من تقصيرهم في العبادة وقيل: يستغفرون من ذلك القدر القليل الذي كانوا ~~ينامونه من الليل وقيل: معناه يصلون بالأسحار لطلب المغفرة ق عن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول ~~من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له " # ولمسلم قال: # " فيقول أنا الملك أنا الملك " # وذكر الحديث وفيه # " حتى يضيء الفجر " # وزاد في رواية # " من يقرض غير عديم ولا ظلوم ". # فصلهذا الحديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان معروفان: أحدهما: وهو مذهب ~~السلف وغيرهم أنه يمر كما جاء من غير تأويل ولا تعطيل ويترك الكلام فيه ~~وفي أمثاله مع الإيمان به وتنزيه الرب تبارك وتعالى عن صفات الأجسام. ~~المذهب الثاني: وهو قول جماعة من المتكلمين وغيرهم أن الصعود والنزول من ~~صفات الأجسام والله تعالى يتقدس عن ذلك. فعلى هذا يكون معناه نزول الرحمة ~~والألطاف الإلهية وقربها من عباده والإقبال على الداعين بالإجابة واللطف. ~~وتخصيصه بالثلث الأخير من الليل? لأن ذلك وقت التهجد والدعاء وغفلة أكثر ~~الناس عن التعرض لنفحات رحمة الله تعالى وفي ذلك الوقت تكون النية خالصة ~~والرغبة إلى الله تعالى متوفرة فهو مظنة لقبول الإجابة والله تعالى أعلم ~~ق.عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد قال: اللهم لك ~~الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت ملك السموات ~~والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد ~~أنت الحق ووعدك الحق ولقاؤك الحق وقولك الحق والجنة حق والنار حق ~~والنبيون حق ومحمد حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك ms2971 آمنت وعليك توكلت ~~وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت ~~وما أعلنت ". # زاد في رواية: # " وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا إله ~~غيرك " # زاد النسائي: # " ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " # خ عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من تعار من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شيء قدير الحمد لله وسبحان الله والله أكبر ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم ثم قال اللهم اغفر لي، أو قال دعا أستجيب له ~~فإن توضأ وصلى قبلت صلاته " # قوله تعار من الليل يقال: تعار الرجل من نومه إذا انتبه وله صوت. ### || [51.19-24] # { وفي أموالهم حق } أي نصيب قيل إنه ما يصلون به رحما أو يقرون به ~~ضيفا أو يحملون به كلا أو يعينون به محروما وليس بالزكاة قاله ابن ~~عباس. وقيل: إنه الزكاة المفروضة { للسائل } أي الذي يسأل الناس ويطلب ~~منهم { والمحروم } قيل هو الذي ليس له في الغنائم سهم ولا يجري عليه من ~~الفيء شيء قال ابن عباس رضي الله عنهما: المحروم الذي ليس له في فيء ~~الإسلام سهم. وقيل: معناه الذي حرم الخير والعطاء، وقيل: المحروم، ~~المتعفف الذي لا يسأل. وقيل: هو صاحب الجائحة الذي أصيب زرعه وثمره أو ~~نسل ماشيته وقيل: هو المحارف المحروم في الرزق والتجارة وقيل: هو المملوك ~~وقيل: هو المكاتب، وأظهر الأقوال، أنه المتعفف لأنه قرنه بالسائل ~~والمتعفف لا يسأل ولا يكاد الناس يعطون من لا يسأل إنما يفطن له متيقظ { ~~وفي الأرض آيات } أي عبر من البحار والجبال والأشجار والثماؤ وأنواع ~~النبات { للموقنين } أي بالله الذي يعرفونه ويستدلون عليه بصنائعه { وفي ~~أنفسكم } أي آيات إذ كنتم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما إلى أن تنفخ ~~الروح. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد اختلاف الألسنة والصور ~~والألوان والطبائع وقيل: ms2972 يريد سبيل الغائط والبول يأكل ويشرب من مدخل ~~واحد ويخرج من سبيلين وقيل: يعني تقويم الأدوات السمع والبصر والنطق ~~والعقل إلى غير ذلك من العجائب المودعة في ابن آدم { أفلا تبصرون } يعني ~~كيف خلقكم فتعرفوا قدرته على البعث { وفي السماء رزقكم } قال ابن عباس هو ~~المطر وهو سبب الأرزاق { وما توعدون } يعني من الثواب والعقاب. وقيل: من ~~الخير والشر. وقيل: الجنة والنار ثم أقسم سبحانه وتعالى بنفسه فقال { ~~فورب السماء والأرض إنه لحق } أي ما ذكر من الرزق وغيره { مثل ما أنكم ~~تنطقون } أي بلا إله إلا الله. وقيل: شبه تحقيق ما أخبر عنه بتحقيق نطق ~~الآدمي ومعناه إنه لحق كما أنك تتكلم. وقيل: إن معناه في صدقه ووجوده ~~كالذي تعرفه ضرورة وقال بعض الحكماء معناه كما أن كل إنسان ينطق بلسان ~~نفسه لا يمكنه أن ينطق بلسان غيره كذلك كل إنسان يأكل من رزق نفسه الذي ~~قسم له لا يقدر أن يأكل رزق غيره. قوله تعالى: { هل أتاك حديث ضيف ~~إبراهيم } يعني هل أتاك يا محمد حديث الذين جاؤوا إبراهيم بالبشرى فاستمع ~~نقصصه عليك وقد تقدم ذكر عددهم وقصتهم في سورة هود { المكرمين } قيل: ~~سماهم مكرمين لأنهم كانوا ملائكة كراما عند الله. وقيل: لأنهم كانوا ضيف ~~إبراهيم وهو أكرم الخلق على الله يومئذ وضيف الكريم مكرمون. وقيل: لأن ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام أكرمهم بتعجيل قراهم وخدمته إياهم بنفسه ~~وطلاقة وجهه لهم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: سماهم مكرمين لأنهم ~~كانوا غير مدعوين ق عن أبي شريح العدوي قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ". ### || [51.25-34] # { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون } أي غرباء لا ~~نعرفكم. قال ابن عباس: قال في نفسه هؤلاء قوم لا نعرفهم وقيل: إنما أنكر ~~أمرهم، لأنهم دخلوا بغير استئذان وقيل: أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي ~~تلك الأرض { فراغ } أي عدل ومال { إلى أهله فجاء بعجل سمين } أي جيد وكان ~~مشويا. قيل: ms2973 كان عامة مال إبراهيم البقر فجاء بعجل { فقربه إليهم } هذا ~~من آداب المضيف أن يقدم الطعام إلى الضيف ولا يحوجهم السعي إليه فلما لم ~~يأكلوا { قال ألا تأكلون } يعني أنه حثهم على الأكل. وقيل: عرض عليهم ~~الأكل من غير أن يأمرهم { فأوجس } أي فأضمر { منهم خيفة } لأنهم لم ~~يتحرموا بطعامه { قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم } أي يبلغ ويعلم وقيل: ~~عليم أي نبي { فأقبلت امرأته } قيل لم يكن ذلك إقبالا من مكان إلى مكان ~~بل كانت في البيت فهو كقول القائل أقبل يفعل كذا إذا أخذ فيه { في صرة } ~~أي في صيحة والمعنى أنها أخذت تولول وذلك من عاد النساء إن سمعن شيئا { ~~فصكت وجهها } قال ابن عباس: لطمت وجهها. وقيل: جمعت أصابعها وضربت جبينها ~~تعجبا وذلك من عادة النساء أيضا إذا أنكرن شيئا { وقالت عجوز عقيم } ~~معناه: أتلد عجوز عقيم وذلك لأن سارة لم تلد قبل ذلك { قالوا كذلك قال ~~ربك } أي كما قلنا لك قال ربك إنك ستلدين غلاما { إنه هو الحكيم العليم ~~} ثم إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما علم حالهم وأنهم من الملائكة { ~~قال فما خطبكم } أي فما شأنكم وما طلبكم { أيها المرسلون قالوا إنا ~~أرسلنا إلى قوم مجرمين } يعني قوم لوط { لنرسل عليهم حجارة من طين } قيل ~~هو الآجر { مسومة } أي معلمة قيل على كل حجر اسم من يهلك به. وقيل: معلمه ~~بعلامة تدل على أنها ليست من حجارة الدنيا { عند ربك للمسرفين } قال ابن ~~عباس يعني المشركين لأن الشرك أسرف الذنوب وأعظمها. ### || [51.35-43] # { فأخرجنا من كان فيها } أي في قرى قوم لوط { من المؤمنين فما وجدنا ~~فيها غير بيت } أي أهل بيت { من المسلمين } يعني لوطا وابنتيه وصفهم ~~الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعا لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم. لأن ~~الإسلام أعم من الإيمان. وإطلاق العام على الخاص لا مانع منه فإذا سمي ~~المؤمن مسلما، لا يدل على اتحاد مفهوميهما { وتركنا فيها } أي في مدينة ~~قوم لوط { آية } أي عبرة { للذين يخافون العذاب ms2974 الأليم } والمعنى تركنا ~~فيها علامة للخائفين تدلهم على أن الله مهلكهم فيخافون مثل عذابهم قوله ~~عز وجل: { وفي موسى } أي وتركنا في إرسال موسى آية وعبرة { إذ أرسلناه ~~إلى فرعون بسلطان مبين } أي حجة ظاهرة { فتولى } أي أعرض عن الإيمان { ~~بركنه } أي بجمعه وجنوده الذين كان يتقوى بهم { وقال ساحر أو مجنون ~~فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم } أي فأغرقناهم في البحر { وهو مليم } ~~أي آت بما يلام عليه من دعوى الربوبية وتكذيب الرسل { وفي عاد } أي وفي ~~إهلاك عاد أيضا آية وعبرة { إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } يعني التي ~~لا خير فيها ولا بركة فلا تلقح شجرا ولا تحمل مطرا { ما تذر من شيء أتت ~~عليه } أي من أنفسهم وأموالهم وأنعامهم { إلا جعلته كالرميم } أي كالشيء ~~الهالك البالي وهو ما يبس وديس من نبات الأرض كالشجر والتبن ونحوه وأصله ~~من رم العظم إذا بلي { وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين } يعني إلى ~~وقت انقضاء آجالهم وذلك أنهم لما عقروا الناقة قيل لهم: تمتعوا في داركم ~~ثلاثة أيام. ### || [51.44-51] # { فعتوا عن أمر ربهم } أي تكبروا عن طاعة ربهم { فأخذتهم الصاعقة } أي ~~بعد مضي ثلاثة أيام من بعد عقر الناقة وهي الموت في قول ابن عباس. وقيل: ~~أخذهم العذاب والصاعقة كل عذاب مهلك { وهم ينظرون } أي يرون ذلك العذاب ~~عيانا { فما استطاعوا من قيام } أي فما قاموا بعد نزول العذاب بهم ولا ~~قدروا على نهوض من تلك الصرعة { وما كانوا منتصرين } أي ممتنعين منا ~~وقيل: ما كانت عندهم قوة يمتنعون بها من أمر الله { وقوم نوح } قرىء بكسر ~~الميم ومعناه وفي يوم نوح وقرىء بنصبها ومعناه: وأغرقنا قوم نوح { من قبل ~~} أي من قبل هؤلاء وهم عاد وثمود وقوم فرعون { إنهم كانوا قوما فاسقين } ~~أي خارجين عن الطاعة. قوله تعالى: { والسماء بنيناها بأيد } أي بقوة ~~وقدرة { وإنا لموسعون } قيل: هو من السعة: أي أوسعنا السماء بحيث صارت ~~الأرض وما يحيط بها من السماء والفضاء وبالنسبة إلى سعة السماء كالحلقة ~~الملقاة ms2975 في الفلاة وقال ابن عباس: معناه قادرون على بنائها كذلك وعنه ~~لموسعون أي الرزق على خلقنا وقيل: معناه وإنا ذوو السعة والغنى { والأرض ~~فرشناها } أي بسطناها ومهدناها لكم { فنعم الماهدون } أي نحن { ومن كل ~~شيء خلقنا زوجين } أي صنفين ونوعين مختلفين كالسماء والأرض والشمس والقمر ~~والليل والنهار والبر والبحر والسهل والجبل والصيف والشتاء والجن والإنس ~~والذكر والأنثى والنور والظلمة والإيمان والكفر والسعادة والشقاوة والحق ~~والباطل والحلو والمر والحامض { لعلكم تذكرون } أي فتعلمون أن خالق ~~الأزواج فرد لا نظير له ولا شريك معه { ففروا إلى الله } أي: قل يا محمد ~~ففروا إلى الله أي فاهربوا من عذابه إلى ثوابه بالإيمان والطاعة وقال ابن ~~عباس ففروا منه إليه واعملوا بطاعته وقال سهل بن عبد الله ففروا مما سوى ~~الله إلى الله { إني لكم منه نذير } أي مخوف { مبين } أي بين الرسالة ~~بالحجة الظاهرة والمعجزة الباهرة والبرهان القاطع { ولا تجعلوا مع الله ~~إلها آخر } أي وحدوه ولا تشركوا به شيئا { إني لكم منه نذير مبين } ~~قيل: إنما كرر قوله إني لكم منه نذير مبين عند الأمر بالطاعة والنهي عن ~~الشرك ليعلم أن الإيمان لا ينفع إلا مع العمل كما أن العمل لا ينفع إلا ~~مع الإيمان وأنه لا يفوز عند الله إلا الجامع بينهما. ### || [51.52-57] # { كذلك } أي كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون كذلك { ما أتى الذين من ~~قبلهم } أي من قبل كفار مكة والأمم الخالية { من رسول } يعني يدعوهم إلى ~~الإيمان والطاعة { إلا قالوا ساحر أو مجنون } قال الله تعالى { أتواصوا ~~به } أي أوصى أولهم آخرهم وبعضهم بعضا بالتكذيب وتواطؤوا عليه وفيه ~~توبيخ لهم { بل هم قوم طاغون } أي لم يتواصلوا بهذا القول لأنهم لم ~~يتلاقوا على زمان واحد بل جمعتهم على ذلك علة واحدة وهي الطغيان وهو ~~الحامل لهم على ذلك القول { فتول عنهم } أي أعرض عنهم { فما أنت بملوم ~~} أي لا لوم عليك فقد أديت الرسالة وبذلت المجهود وما قصرت فيما أمرت به. ~~قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية ms2976 حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واشتد على أصحابه وظنوا أن الوحي قد انقطع وأن العذاب قد حضر إذ أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولى عنهم فأنزل الله عز وجل: { وذكر فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين } فطابت نفوسهم بذلك والمعنى عظ بالقرآن كفار مكة ~~فإن الذكرى تنفع من علم الله أنه يؤمن منهم وقيل: معناه عظ بالقرآن من ~~آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم. قوله عز وجل: { وما خلقت الجن والإنس } ~~أي من المؤمنين { إلا ليعبدون } قيل هذا خاص بأهل طاعته من الفريقين يدل ~~عليه قراءة ابن عباس " وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون " ~~وقيل: معناه وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي والأشقياء منهم ~~إلا لمعصيتي وهو ما جبلوا عليه من الشقاوة والسعادة. وقال علي بن أبي ~~طالب إلا ليعبدون أي إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي. وقيل: ~~معناه إلا ليعرفوني وهذا حسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده. ~~وقيل: معناه إلا ليخضعوا لي ويتذللوا لأن معنى العبادة في اللغة التذلل ~~والانقياد وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله متذلل للمشيئة لا ~~يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق له. وقيل: معناه إلا ليوحدوني فأما المؤمن ~~فيوحده اختيارا في الشدة والرخاء وأما الكافر فيوحده اضطرارا في الشدة ~~والبلاء دون النعمة والرخاء { ما أريد منهم من رزق } أي ما أريد أن ~~يرزقوا أحدا من خلقي ولا أن يرزقوا أنفسهم لأني أنا الرزاق المتكفل ~~لعبادي بالرزق القائم لكل نفس بما يقيمها من قوتها { وما أريد أن يطعمون ~~} أي أن يطعموا أحدا من خلقي وإنما أسند الإطعام إلى نفسه لأن الخلق ~~كلهم عيال الله ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه لما صح من حديث أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله عز وجل يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب ~~كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده ms2977 ~~أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال ~~يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان ~~فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يا ابن آدم استسقيتك ~~فلم تسقني قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان ~~فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي " # أخرجه مسلم ثم بين أن الرزاق هو لا غيره فقال تعالى: { إن الله هو ~~الرزاق }. ### || [51.58-60] # { إن الله هو الرزاق } أي لجميع خلقه { ذو القوة المتين } يعني هو القوي ~~الشديد المقتدر البليغ القوة والقدرة الذي لا يلحقه في أفعاله مشقة { فإن ~~للذين ظلموا } أي من أهل مكة { ذنوبا } أي نصيبا من العذاب { مثل ذنوب ~~أصحابهم } أي مثل نصيب أصحابهم الذين هلكوا من قوم نوح وعاد وثمود { فلا ~~يستعجلون } أي بالعذاب لأنهم أخروا إلى يوم القيامة يدل عليه قوله عز وجل ~~{ فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون } يعني يوم القيامة وقيل: يوم ~~بدر والله تعالى أعلم بمراده. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-3] # قوله عز وجل: { والطور } أراد به الجبل الذي كلم الله موسى عليه الصلاة ~~والسلام بالأرض المقدسة وقيل: بمدين { وكتاب مسطور } أي مكتوب { في رق } ~~يعني الأديم الذي يكتب فيه المصحق { منشور } أي مبسوط. واختلفوا في ~~الكتاب، فقيل: هو ما كتب الله بيده لموسى من التوراة وموسى يسمع صرير ~~الأقلام. وقيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: هو دواوين الحفظة يخرج إليهم يوم ~~القيامة منشورا فآخذ بيمينه وآخذ بشماله. وقيل: هو القرآن. ### || [52.4-10] # { والبيت المعمور } يعني بكثرة الغاشية والأهل وهو بيت في السماء ~~السابعة قدام العرش بحيال الكعبة يقال له الصراع حرمته في السماء كحرمة ~~الكعبة في الأرض وصح في حديث المعراج من أفراد مسلم عن أنس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رأى البيت المعمور في السماء السابعة قال: فإذا هو ~~يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه وفي رواية أخرى قال ms2978 فانتهيت ~~إلى بناء فقلت للملك ما هذا؟ قال بناء بناه الله للملائكة يدخل فيه كل ~~يوم سبعون ألف ملك لا يعودون يسبحون الله ويقدسونه. وفي أفراد البخاري عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه # " عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم ~~سبعون ألف ملك " # { والسقف المرفوع } يعني السماء { والبحر المسجور } يعني الموقد المحمى ~~بمنزلة التنور المسجور وهو قول ابن عباس. وذلك ما روي أن الله تعالى يجعل ~~البحار كلها يوم القيامة نارا فيزاد بها في نار جهنم وجاء في الحديث عن ~~عبد الله بن عمرو وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يركبن رجل البحر إلا غازيا أو معتمرا أو حاجا فإن تحت البحر ~~نارا وتحت النار بحرا " # وقيل: المسجور المملوء وقيل: هو اليابس الذي ذهب ماؤه ونضب. وقيل: هو ~~المختلط العذب بالملح. وروي عن علي أنه قال البحر المسجور هو بحر تحت ~~العرش غمره كما بين سبع سموات إلى سبع أرضين فيه ماء غليظ يقال له بحر ~~الحيوان يمطر العباد بعد النفخة الأولى منه أربعين صباحا فينبتون من ~~قبورهم أقسم الله بهذه الأشياء لما فيها من عظيم قدرته وجواب القسم قوله ~~تعالى: { إن عذاب ربك لواقع } يعني إنه لحق وكائن ونازل بالمشركين في ~~الآخرة { ما له من دافع } أي مانع. قال جبير بن مطعم: قدمت المدينة لأكلم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر فدفعت له وهو يصلي بأصحابه ~~المغرب وصوته يخرج من المسجد فسمعته يقرأ والطور إلى قوله إن عذاب ربك ~~لواقع ما له من دافع فكأنما صدع قلبي حين سمعت ولم يكن أسلم يومئذ فأسلمت ~~خوفا من نزول العذاب وما كنت أظن أني أقوم من مكاني حتى يقع بي العذاب ~~ثم بين أنه متى يقع فقال تعالى: { يوم تمور السماء مورا } أي تدور ~~كدوران الرحى وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة وقيل: تتحرك وتختلف أجزاؤها ~~بعضها من بعض وتضطرب { وتسير الجبال سيرا } أي تزول عن أماكنها وتصير ~~هباء منثورا والحكمة ms2979 في مور السماء وسير الجبال الإنذار والأعلام بأن لا ~~رجوع ولا عود إلى الدنيا وذلك لأن الأرض والسماء وما بينهما من الجبال ~~والبحار وغير ذلك إنما خلقت لعمارة الدنيا وانتفاع بني آدم بذلك فلما لم ~~يبق لهم عود إليها أزالها الله تعالى وذلك لخراب الدنيا وعمارة الآخرة. ### || [52.11-21] # { فويل } أي شدة عذاب { يومئذ للمكذبين } أي يوم القيامة { الذين هم في ~~خوض } أي يخوضون في الباطل { يلعبون } أي غافلون لأهون عما يراد بهم { ~~يوم يدعون } أي يدفعون { إلى نار جهنم دعا } يعني دفعا بعنف وجفوة، ~~وذلك أن خزنة جهنم يغلون أيدي الكفار إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى ~~أقدامهم ويدفعون بها دفعا إلى النار على وجوههم وزجا في أقفيتهم حتى ~~يردوا إلى النار، فإذا دنوا منها، قال لهم خزنتها: { هذه النار التي كنتم ~~بها تكذبون } أي في الدنيا { أفسحر هذا } ذلك أنهم كانوا ينسبون محمدا ~~صلى الله عليه وسلم إلى السحر وأنه يغطي على الأبصار فوبخوا بذلك وقيل ~~لهم: أفسحر هذا { أم أنتم لا تبصرون اصلوها } أي قاسوا شدتها { فاصبروا } ~~أي على العذاب { أو لا تصبروا } أي عليه { سواء عليكم } أي الصبر والجزع ~~{ إنما تجزون ما كنتم تعملون } أي من الكفر والتكذيب في الدنيا. قوله ~~تعالى: { إن المتقين في جنات ونعيم فاكهين } أي معجبين بذلك ناعمين { بما ~~آتاهم ربهم } أي من الخير والكرامة { ووقاهم ربهم عذاب الجحيم كلوا } أي ~~يقال لهم كلوا { واشربوا هنيئا } أي مأمون العاقبة من التخمة والسقم { ~~بما كنتم تعملون } أي في الدنيا من الإيمان ولطاعة { متكئين على سرر ~~مصفوفة } أي موضوعة بعضها إلى بعض { وزوجناهم بحور عين والذين آمنوا ~~واتبعتهم ذريتهم بإيمان } يعني ألحقنا أولادهم الصغار والكبار بإيمانهم ~~فالكبار بإيمانهم بأنفسهم والصغار بإيمان آبائهم فإن الولد الصغير يحكم ~~بإسلامه تبعا لأحد أبويه { ألحقنا بهم ذريتهم } يعني المؤمنين في الجنة ~~بدرجات آبائهم وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجات آبائهم تكرمة لآبائهم لتقر ~~بذلك أعينهم هذه رواية عن ابن عباس. وفي رواية أخرى عنه، أن معنى الآية ~~والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم ms2980 يعني البالغين بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم ~~الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان بإيمان آبائهم أخبر الله تعالى أنه يجمع ~~لعبده المؤمن من ذريته في الجنة كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا إليه ~~فيدخلهم الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته بعمله من غير أن ينقص الآباء من ~~أعمالهم شيئا وذلك قوله تعالى: { وما ألتناهم من عملهم من شيء } يعني: ~~وما نقصنا الآباء من أعمالهم شيئا عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر ~~بهم عينه ثم قرأ والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ~~ذرياتهم إلى آخر الآية. # " عن علي قال: سألت خديجة النبي صلى الله عليه وسلم عن ولدين ماتا لها ~~في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هما في النار فلما رأى ~~الكراهية في وجهها قال: لو رأيت مكانهما لأبغضتهما قالت يا رسول الله ~~فولدي منك قال: في الجنة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~المؤمنين وأولادهم في الجنة وإن المشركين وأولادهم في النار ثم قرأ النبي ~~صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ~~ذرياتهم " # أخرج هذين الحديثين البغوي بإسناد الثعلبي. { كل امرىء } أي كافر { بما ~~كسب } أي عمل من الشرك { رهين } أي مرتهن بعمله في النار والمؤمن لا يكون ~~مرتهنا بعمله لقوله # كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين # [المدثر: 38-39] ثم ذكر ما وعدهم به من الخير والنعمة فقال تعالى: { ~~وأمددناكم بفاكهة ولحم مما يشتهون }. ### || [52.22-23] # { وأمددناهم بفاكهة } يعني زيادة عما كان لهم { ولحم مما يشتهون } أي من ~~أنواع اللحوم { يتنازعون } أي يتعاطون ويتناولون { فيها } أي في الجنة { ~~كأسا لا لغو فيها } أي لا باطل فيها ولا رفث ولا تخاصم ولا تذهب عقولهم ~~فيلغوا ويرفثوا { ولا تأثيم } أي لا يكون فيها ما يؤثمهم ولا يجري بينهم ~~ما فيه لغو وإثم كما يجري بين شربة الخمر في الدنيا. وقيل: لا يأثمون في ~~شربها. ### || [52.24-30] # { ويطوف عليهم ms2981 } أي للخدمة { غلمان لهم كأنهم } أي في الحسن والبياض ~~والصفاء { لؤلؤ مكنون } أي مخزون مصون لم تمسه الأيدي وقال عبد الله بن ~~عمرو ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام كل واحد منهم على ~~عمل غير عمل صاحبه وعن قتادة قال: " ذكر لنا أن رجلا قال يا نبي الله ~~هذا الخادم فكيف المخدوم؟ قال: # " فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ". # قوله تعالى: { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } يعني يسأل بعضهم بعضا في ~~الجنة قال ابن عباس: يتذاكرون ما كانوا فيه من الخوف والتعب في الدنيا { ~~قالوا إنا كنا قبل في أهلنا } أي في الدنيا { مشفقين } أي خائفين من ~~العذاب { فمن الله علينا } أي بالمغفرة { ووقانا عذاب السموم } يعني عذاب ~~النار وقيل: هو اسم من أسماء جهنم { إنا كنا من قبل } أي في الدنيا { ~~ندعوه } أي نخلص الدعاء والعبادة له { إنه هو البر } قال ابن عباس: ~~اللطيف وقيل: يعني الصادق فيما وعد. وقيل: البر العطوف على عباده المحسن ~~إليهم الذي عم بره جميع خلقه { الرحيم } بعبيده. قوله عز وجل: { فذكر } ~~يعني فعظ يا محمد بالقرآن كفار مكة { فما أنت بنعمة ربك } أي برحمته ~~وعصمته وقيل: بإنعامه عليك بالنبوة { بكاهن ولا مجنون } الكاهن هو الذي ~~يوهم أنه يعلم الغيب ويخبر بما في غد من غير وحي والمعنى أنك لست كما ~~يقول كفار مكة أنه كاهن أو مجنون إنما تنطلق بالوحي نزلت في الذين ~~اقتسموا أعقاب مكة يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكهانة والسحر ~~والشعر والجنون { أم يقولون } يعني هؤلاء المقتسمين { شاعر } أي هو شاعر ~~{ نتربص به } أي ننتظر به { ريب المنون } يعني حوادث الدهر وصروفه فيموت ~~ويهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء أو يتفرق عنه أصحابه وإن أباه مات ~~وهو شاب ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه والمنون اسم للموت وللدهر ~~وأصله القطع سميا بذلك لأنهما يقطعان الأجل. ### || [52.31-37] # { قل تربصوا } أي انتظروا بي الموت { فإني معكم من ms2982 المتربصين } أي من ~~المنتظرين حتى يأتي أمر الله فبكم فعذبوا يوم بدر بالقتل والسبي { أم ~~تأمرهم أحلامم } أي عقولهم { بهذا } وذلك أن عظماء قريش كانوا يوصفون ~~بالأحلام والعقول فأزرى الله بعقولهم حين لم تثمر لهم معرفة الحق من ~~الباطل { أم هم قوم طاغون } أي يتجاوزون الحد في الطغيان والكفر { أم ~~يقولون تقوله } أي اختلق القرآن من تلقاء نفسه والتقول التكلف ولا يستعمل ~~إلا في الكذب والمعنى ليس الأمر كما زعموا { بل لا يؤمنون } أي بالقرآن ~~استكبارا ثم ألزمهم الحجة فقال تعالى: { فليأتوا بحديث مثله } أي مثل ~~القرآن في نظمه وحسنه وبيانه { إن كانوا صادقين } يعني إن محمد تقوله من ~~قبل نفسه { أم خلقوا من غير شيء }. قال ابن عباس: من غير رب خالق. ~~والمعنى: أم خلقوا من غير شيء خلقهم فوجدوا بلا خالق وذلك مما لا يجوز أن ~~يكون لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم فإن أنكروا الخالق لم يجز أن ~~يوجدوا بلا خالق { أم هم الخالقون } أي لأنفسهم وذلك في البطلان أشد لأن ~~ما لا وجود له كيف يخلق فإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأن لهم ~~خالقا فليؤمنوا به وليوحدوه وليعبدوه وقيل: في معنى الآية: أخلقوا ~~باطلا فلا يحاسبون ولا يؤمرون ولا ينهون أم هم الخالقون أي لأنفسهم فلا ~~يجب عليهم لله أمر { أم خلقوا السموات والأرض } يعني ليس الأمر كذلك { بل ~~لا يوقنون } أي بالحق وهو توحيد الله تعالى وقدرته على البعث وأن الله ~~تعالى هو خالقهم وخالق السموات والأرض فليؤمنوا به وليوقنوا أنه ربهم ~~وخالقهم { أم عندهم خزائن ربك } يعني النبوة ومفاتيح الرسالة فيضعونها ~~حيث شاؤوا وقيل: خزائن المطر والرزق { أم هم المسيطرون } أي المسلطون ~~الجبارون. وقيل: الأرباب القاهرون فلا يكونون نتحت أمر ولا نهي ويفعلون ~~ما يشاؤون. ### || [52.38-45] # { أم لهم سلم } يعني مرقى ومصعد إلى السماء { يستمعون فيه } أي يستمعون ~~عليه الوحي من السماء فيعلمون أن ما هم عليه حق فهم به مستمسكون { فليأت ~~مستمعهم } أي إن ادعوا ذلك { بسلطان مبين } أي بحجة بينة ms2983 { أم له البنات ~~ولكم البنون } هذا إنكار عليهم حيث جعلوا لله ما يكرهون لأنفسهم { أم ~~تسألهم أجرا } أي جعلا على ما جئتهم به من النبوة ودعوتهم إليه من ~~الدين { فهم من مغرم مثقلون } يعني أثقلهم ذلك المغرم الذي سألتهم فمنعهم ~~عن الإسلام { أم عندهم الغيب } أي علم الغيب وهو ما غاب عنهم حتى علموا ~~أن ما يخبرهم به الرسول من أمر القيامة والبعث باطل. وقيل: هو جواب ~~لقولهم نتربص به ريب المنون، والمعنى: اعلموا أن محمدا يموت قبلهم { فهم ~~يكتبون } أي يحكمون قال ابن عباس: معناه أم عندهم اللوح المحفوظ فهم ~~يكتبون ما فيه ويخبرون الناس به { أم يريدون كيدا } أي مكرا بك ليهلكوك ~~{ فالذين كفروا هم المكيدون } أي المجزيون بكيدهم والمعنى أن ضرر كيدهم ~~يعود عليهم ويحيق مكرهم بهم وهو أنهم مكروا به في دار الندوة ليقتلوه ~~فقتلوا ببدر { أم لهم إله غير الله } يعني يرزقهم وينصرهم { سبحان الله ~~عما يشركون } المعنى: أنه نزه نفسه عما يقولون. قوله تعالى: { وإن يروا ~~كسفا من السماء ساقطا } هذا جواب لقولهم فأسقط علينا كسفا من السماء ~~يقول لو عذبناهم بسقوط قطعة من السماء عليهم لم ينتهوا عن كفرهم { يقولوا ~~} لمعاندتهم هذا { سحاب مركوم } أي بعضه على بعض يسقينا { فذرهم حتى ~~يلاقوا } أي يعاينوا { يومهم الذي فيه يصعقون } أي يموتون ويهلكون. ### || [52.46-49] # { يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون } أي لا ينفعهم كيدهم يوم ~~الموت ولا يمنعهم من العذاب مانع { وإن للذين ظلموا } أي كفروا { عذابا ~~دون ذلك } أي عذابا في الدنيا قبل عذاب الآخرة قال ابن عباس يعني القتل ~~يوم بدر وقيل: هو الجوع والقحط سبع سنين وقيل: هو عذاب القبر { ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } أي أن العذاب نازل بهم. قوله عز وجل: { واصبر لحكم ~~ربك } أي إلى أن يقع بهم العذاب الذي حكمنا عليهم به { فإنك بأعيننا }. ~~أي بمرأى منا. قال ابن عباس: نرى ما يعمل بك. وقيل: معناه إنك بحيث نراك ~~ونحفظك فلا يصلون إليك بمكروه { وسبح بحمد ms2984 ربك حين تقوم } أي: وقل حين ~~تقوم من مجلسك: سبحانك اللهم وبحمدك فإن كان المجلس خيرا ازددت بذلك ~~إحسانا وإن كان غير ذلك كان كفارة لك. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من جلس مجلسا فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك ~~أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا كان كفارة لما بينهما " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وقال ابن عباس: معناه حين تقوم من ~~منامك. وقيل: هو ذكر الله بالليل من حين تقوم من الفراش إلى أن تدخل في ~~الصلاة و # " عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة بأي شيء كان يفتتح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قيام الليل فقالت سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك ~~كان إذا قام كبر عشرا وحمد الله عشرا وسبح عشرا وهلل عشرا واستغفر ~~عشرا وقال اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني وكان يتعوذ من ~~ضيق المقام يوم القيامة " # أخرجه أبو داود والنسائي وقيل: إذا قمت إلى الصلاة فقل سبحانك اللهم ~~وبحمدك يدل عليه ما روي عن عائشة قالت # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال سبحانك اللهم ~~وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ولا إله غيرك " # أخرجه الترمذي وأبو داود وقد تكلم في أحد رواته. وقوله تعالى: { ومن ~~الليل فسبحه } أي فصل له يعني صلاة المغرب والعشاء { وإدبار النجوم } ~~يعني الركعتين قبل صلاة الفجر ذلك حين تدبر النجوم أي تغيب بضوء الصبح ~~هذا قول أكثر المفسرين يدل عليه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إدبار النجوم الركعتان قبل الفجر وإدبار السجود الركعتان بعد المغرب " # أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب. وقيل: إدبار النجوم هي فريضة صلاة الصبح ~~ق # " عن جبير بن مطعم قال: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~المغرب بالطور " " # والله تعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [53 - سورة ms2985 النجم] ### || [53.1-4] # قوله عز وجل: { والنجم إذا هوى } قال ابن عباس يعني الثريا إذا سقطت ~~وغابت والعرب تسمي الثريا نجما ومنه قولهم إذا طلع النجم عشاء ابتغى ~~الراعي كساء وجاء في الحديث عن أبي هريرة مرفوعا: # " ما طلع النجم قط وفي الأرض من العاهة شيء إلا رفع " # أراد بالنجم الثريا، وقيل: هي نجوم السماء كلها وهويها غروبها فعلى هذا ~~لفظه واحد ومعناه الجمع. وروي عن ابن عباس أنه الرجوم من النجوم وهي ما ~~ترمى به الشياطين عند استراق السمع. وقيل: هي النجوم إذا انتثرت يوم ~~القيامة. وقيل: أراد بالنجم القرآن سمي نجما لأنه نزل نجوما متفرقة في ~~عشرين سنة وهو قول ابن عباس أيضا. وقيل: النجم هو النبت الذي لا ساق له ~~وهويه سقوطه إذا يبس على الأرض. وقيل: النجم هو محمد صلى الله عليه وسلم ~~وهويه نزوله ليلة المعراج من السماء وجواب القسم قوله تعالى: { ما ضل ~~صاحبكم } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ما ضل عن طريق الهدى { وما غوى ~~} أي ما جهل. وقيل: الفرق بين الضلال والغي أن الضلال هو أن لا يجد ~~السالك إلى مقصده طريقا أصلا والغواية أن لا يكون له طريق إلى مقصده ~~مستقيم وقيل: إن الضلال أكثر استعمالا من الغواية { وما ينطق عن الهوى } ~~أي بالهوى والمعنى لا يتكلم بالباطل وذلك أنهم قالوا: إن محمدا يقول ~~القرآن من تلقاء نفسه { إن هو } أي ما هو يعني القرآن وقيل: نطقه في ~~الدين { إلا وحي } من الله { يوحى } إليه. ### || [53.5-11] # { علمه شديد القوى } يعني جبريل علم محمدا صلى الله عليه وسلم ما أوحى ~~الله إليه عز وجل وكونه شديد القوى أنه اقتلع قرى قوم لوط وحملها على ~~جناحه حتى بلغ بها السماء ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين وكان ~~هبوطه بالوحي على الأنبياء أسرع من رجعة الطرف { ذو مرة } أي ذو قوة ~~وشدة. وقال ابن عباس: ذو منظر حسن وقيل: ذو خلق طويل حسن. { فاستوى } ~~يعني جبريل عليه الصلاة والسلام { وهو } يعني محمدا صلى ms2986 الله عليه وسلم ~~والمعنى استوى جبريل ومحمد ليلة المعراج { بالأفق الأعلى } عند مطلع ~~الشمس وقيل: فاستوى يعني جبريل وهو كناية عن جبريل أيضا أي قام في صورته ~~التي خلقه الله فيها وهو بالأفق الأعلى وذلك أن جبريل عليه الصلاة ~~والسلام كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان ~~يأتي الأنبياء قبله فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه على ~~صورته التي جبل عليها فأراه نفسه مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء فأما ~~التي في الأرض فبالأفق الأعلى والمراد بالأفق الأعلى جانب المشرق وذلك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بحراء، فطلع له جبريل عليه الصلاة ~~والسلام من ناحية المشرق، فسد الأفق إلى المغرب فخر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مغشيا عليه فنزل جبريل عليه، الصلاة والسلام في صورة الآدميين ~~فضمه إلى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه وهو قوله تعالى: { ثم دنا فتدلى ~~} وأما التي في السماء فعند سدرة المنتهى ولم يره أحد من الأنبياء على ~~تلك الصورة التي خلق عليها إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قوله ~~تعالى: { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى }. اختلف العلماء في معنى ~~هذه لآية فروي عن مسروق بن الأجدع قال " قلت لعائشة فأين قوله ثم دنا ~~فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى؟ قالت ذلك جبريل كان يأتيه في صورة الرجل ~~وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد الأفق " أخرجاه في ~~الصحيحين. وعن زر بن حبيش في قوله تعالى: { فكان قاب قوسين أو أدنى } وفي ~~قوله { ما كذب الفؤاد ما رأى } وفي قوله { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } ~~قال: فيها كلها أن ابن مسعود قال " رأى جبريل عليه الصلاة والسلام له ~~ستمائة جناح " زاد في رواية أخرى " رأى جبريل في صورته " أخرجه مسلم ~~والبخاري في قوله تعالى: { فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما ~~أوحى } فعلى هذا يكون معنى الآية ثم دنا ms2987 جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى ~~من الأرض فتدلى إلى محمد صلى الله عليه وسلم فكان منه قاب قوسين أو أدنى ~~أي: بل أدنى وبه قال ابن عباس والحسن وقتادة. # وقيل: في الكلام تقديم وتأخير تقديره ثم تدلى فدنا لأن التدلي سبب ~~الدنو. وقال آخرون: ثم دنا الرب عز وجل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى ~~أي فقرب منه حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وقد ورد في الصحيحين في حديث ~~المعراج من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس ودنا الجبار رب ~~العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى. وهذه رواية أبي سلمة عن ابن ~~عباس والتدلي هو النزول إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ عبد ~~الحق في كتابه. الجمع بين الصحيحين، بعد ذكر حديث أنس من رواية شريك، وقد ~~زاد فيه زيادة مجهولة وأتى فيه بألفاظ غير معروفة. وقد روى حديث الإسراء ~~جماعة من الحفاظ المتقنين كابن شهاب وثابت البناني وقتادة يعني عن أنس ~~فلم يأت أحد منهم بما أتى به وفي رواية شريك قدم وآخر وزاد ونقص فيحتمل ~~أن هذا اللفظ من زيادة شريك في الحديث وقال الضحاك دنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم من ربه عز وجل فتدلى أي فأهوى للسجود فكان منه قاب قوسين أو ~~أدنى والقاب القدر والقوس الذي يرمي به وهو رواية عن ابن عباس. وقيل: ~~معناه حيث الوتر من القوس فأخبر أنه كان بين جبريل ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم مقدار قوسين وهذا إشارة إلى تأكيد القرب وأصله أن الحليفين من العرب ~~كانا إذا أرادا عقد الصفاء والعهد بينهما خرجا بقوسيهما فألصقا بينهما ~~يريد أن بذلك أنهما متظاهران يحامي كل واحد منهما عن صاحبه. وقال عبد ~~الله بن مسعود: قاب قوسين قدر ذراعين والقوس الذراع التي يقاس بها من قاس ~~يقيس أو أدنى بل أقرب { فأوحى } أي فأوحى الله { إلى عبده } محمد صلى ~~الله عليه وسلم { ما أوحى } وعن ابن عباس رضي الله عنهما ms2988 قال أوحى جبريل ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه عز وجل وقال سعيد بن ~~جبير: أوحى إليه # ألم يجدك يتيما فآوى # [الضحى: 6] إلى قوله # ورفعنا لك ذكرك # [الشرح: 4] وقيل: أوحى إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها أنت ~~وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك قوله عز وجل: { ما كذب الفؤاد } قرىء ~~بالتشديد أي ما كذب محمد صلى الله عليه وسلم { ما رأى } أي بعينه تلك ~~الليلة بل صدقه وحققه وقرىء بالتخفيف أي ما كذب فؤاد محمد الذي رآه بل ~~صدقه والمعنى: ما كذب الفؤاد فيما رأى. واختلفوا في الذي رآه، فقيل: رأى ~~جبريل وهو قول ابن عباس وابن مسعود وعائشة وقيل: هو الله عز وجل ثم ~~اختلفوا في معنى الرؤية فقيل جعل بصره في فؤاده وهو قول ابن عباس م. # عن ابن عباس ما كذب الفؤاد ما رأى ولقد رآه نزلة أخرى قال: رآه بفؤاده ~~مرتين وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه حقيقة وهو قول أنس بن مالك والحسن ~~وعكرمة قالوا: رأى محمد ربه عز وجل. وروى عكرمة عن ابن عباس، قال: إن ~~الله عز وجل اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدا ~~بالرؤية. وقال كعب: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى فكلم موسى ~~مرتين ورآه محمد مرتين أخرجه الترمذي بأطول من هذا. وكانت عائشة تقول: لم ~~ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه. وتحمل الآية على رؤية جبريل. عن ~~مسروق قال: قلت لعائشة: يا أماه هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما ~~قلت أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب. من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد ~~كذب ثم قرأت: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وما ~~كان لبشر أن يكلمه إلا الله وحيا أو من وراء حجاب. ومن حدثك أنه يعلم ما ~~في غد فقد كذب. ثم قرأت: وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت ومن حدثك أن ms2989 محمدا كتم أمرا فقد كذب ثم قرأت يا أيها الرسول ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين. أخرجاه في ~~الصحيحين م # " عن أبي ذر قال: " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ ~~قال: نور أني أراه " ". ### || [53.12-16] # قوله عز وجل: { أفتمارونه على ما يرى } يعني أفتجادلونه على ما يرى وذلك ~~أنهم جادلوه حين أسري به وقالوا له صف لنا بيت المقدس وأخبرنا عن عيرنا ~~في الطريق وغير ذلك مما جادلوه به. والمعنى: أفتجادلونه جدالا ترومون به ~~دفعه عما رآه وعلمه { ولقد رآه نزلة أخرى } يعني رأى جبريل في صورته التي ~~خلق عليها نازلا من السماء نزلة أخرى وذلك أنه رآه في صورته مرتين مرة ~~في الأرض ومرة عند سدرة المنتهى م عن أبي هريرة ولقد رآه نزلة أخرى قال: ~~رأى جبريل. وعلى قول ابن عباس: يعني نزلة أخرى هو أنه كانت للنبي صلى ~~الله عليه وسلم في تلك الليلة عرجات لمسألة التخفيف من أعداد الصلوات ~~فيكون لكل عرجة نزلة فرأى ربه عز وجل في بعضها. وروي عن ابن عباس أنه رأى ~~ربه بفؤاده مرتين وعنه أنه رآه بعينه { عند سدرة المنتهى } م عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه قال: " لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى ~~به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة وإليها ينتهي ما يعرج من ~~الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها وقال إذ يغشى ~~السدرة ما يغشى قال فراش من ذهب ". وفي رواية الترمذي إليها ينتهي علم ~~الخلائق لا علم لهم فوق ذلك وفي حديث المعراج المخرج في الصحيحين # " ثم صعد بي إلى السماء السابعة ثم قال ثم رفعت إلى سدرة المنتهى " # فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها كآذان الفيلة قال: هذه سدرة ~~المنتهى. وفي أفراد مسلم من حديث أنس قال: " ثم عرج بنا إلى السماء ~~السابعة وذكره إلى أن قال فيه ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها ms2990 ~~كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال قال فلما غشيها من نور الله ما غشي ~~تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها " وقال هلال بن ~~يساف سأل ابن عباس كعبا عن سدرة المنتهى وأنا حاضر فقال كعب إنها سدرة ~~في أصل العرش على رؤوس حملة العرش وإليها ينتهي علم الخلائق وما خلفها ~~غيب لا يعلمه إلا الله عز وجل # " وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ~~سدرة المنتهى فقال: يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة سنة أو قال يستظل ~~بظلها مائة ألف راكب فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال " " # أخرجه الترمذي. وقال: مقاتل هي شجرة تحمل الحلي والحلل والثمار من جميع ~~الألوان ولو أن ورقة وضعت منها في الأرض لأضاءت لأهل الأرض وهي شجرة طوبى ~~التي ذكرها الله في سورة الرعد { عندها جنة المأوى } قال ابن عباس: جنة ~~المأوى يأوي إليها جبريل والملائكة وقيل: يأوي إليها أرواح الشهداء { إذ ~~يغشى السدرة ما يغشى } قال ابن مسعود: فراش من ذهب وقيل: يغشاها ملائكة ~~أمثال الغربان. وقيل: أمثال الطيور حتى يقعن عليها. وقيل: غشيها نور ~~الخلاق وغشيتها الملائكة من حب الله تعالى أمثال الغربان حتى يقعن عليها ~~وقيل: هو نور رب العزة ويروى في الحديث قال: رأيت على كل ورقة منها ملكا ~~قائما يسبح الله عز وجل. ### || [53.17-19] # { ما زاغ البصر وما طغى } يعني ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم في ~~ذلك المقام وفي تلك الحضرة المقدسة الشريفة يمينا وشمالا ولا جاوز ما ~~رأى وقيل: ما أمر به وهذا وصف أدبه صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام ~~الشريف إذ لم يلتفت إلى شيء سوى ما أمر به. وفي معنى الآية إن قلنا إن ~~الذي يغشى السدرة فراش من ذهب أي لم يلتفت إليه ولم يشتغل به وفيه بيان ~~أدبه صلى الله عليه وسلم إذ لم يقطع بصره عن المقصود وإن قلنا الذي يغشى ~~السدرة هو نور رب العزة ففيه ms2991 وجهان: أحدهما: أنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يلتفت عنه يمنة ولا يسرة ولا يشتغل بغير مطالعة ذلك النور. الوجه الثاني: ~~ما زاغ البصر بصعقة ولا غشية كما أخبر عن موسى بقوله # وخر موسى صعقا # [الأعراف: 143] وذلك أنه لما تجلى رب العزة وظهر نوره على الجبل قطع ~~نظره وغشي عليه ونبينا صلى الله عليه وسلم ثبت في ذلك المقام العظيم الذي ~~تحار فيه العقول وتزل فيه الأقدام وتميل فيه الأبصار فوصف الله عز وجل ~~قوة نبينا صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام العظيم بقوله تعالى ما زاغ ~~البصر وما طغى. وقوله تعالى: { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } يعني رأى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات العظام وقيل: أراد ما رأى تلك ~~الليلة في مسيره ورجوعه وقيل: معناه لقد رأى من آيات ربه الآيات الكبرى م ~~عن عبد الله بن مسعود قال: لقد رأى من آيات ربه الكبرى. قال: رأى جبريل ~~في صورته له ستمائة جناح خ عنه قال لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال رأى ~~رفرفا أخضر سد أفق السماء. فصل من كلام الشيخ محيي الدين النووي في معنى ~~قوله تعالى # ولقد رآه نزلة أخرى # [النجم: 13] وهل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل ليلة الإسراء ~~قال القاضي عياض اختلف السلف والخلف هل رأى نبينا صلى الله عليه وسلم ربه ~~ليلة الإسراء فأنكرته عائشة كما وقع في صحيح مسلم. وجاء مثله عن أبي ~~هريرة وجماعة وهو المشهور عن ابن مسعود وإليه ذهب جماعة من المحدثين ~~والمتكلمين. وروي عن ابن عباس أنه رآه بعينه ومثله عن أبي ذر وكعب ~~والحسن وكان يحلف على ذلك وحكي مثله عن ابن مسعود وأبي هريرة وأحمد بن ~~حنبل وحكى أصحاب المقالات عن أبي الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه أنه رآه ~~ووقف بعض مشايخنا في هذا وقال: ليس عليه دليل واضح ولكنه جائز ورؤية الله ~~عز وجل في الدنيا جائزة وسؤال موسى إياها دليل على جوازها إذ لا يجهل نبي ms2992 ~~ما يجوز أن يمتنع على ربه. # واختلفوا في أن نبينا صلى الله عليه وسلم هل كلم ربه ليلة الإسراء بغير ~~واسطة أم لا، فحكي عن الأشعري وقوم من المتكلمين أنه كلمه. وعزا بعضهم ~~هذا القول إلى جعفر بن محمد وابن مسعود وابن عباس وكذلك اختلفوا في قوله: ~~ثم دنا فتدلى فالأكثر على أن هذا الدنو والتدلي منقسم بين جبريل والنبي ~~صلى الله عليه وسلم أو مختص أحدهما من الآخر أو من سدرة المنتهى. وذكر ~~ابن عباس والحسن ومحمد بن كعب وجعفر بن محمد وغيرهم أنه دنو من النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى ربه أو من الله فعلى هذا القول يكون الدنو والتدلي ~~متأولا ليس على وجهه بل كما قال جعفر بن محمد الدنو من الله لا حد له ~~ومن العباد بالحدود فيكون معنى دنو النبي صلى الله عليه وسلم وقربه منه ~~ظهور عظيم منزلته لديه وإشراق أنوار معرفته عليه واطلاعه من غيبه وأسرار ~~ملكوته على ما لم يطلع سواه عليه. والدنو من الله تعالى له إظهار ذلك ~~وعظيم بره وفضله العظيم لديه ويكون قوله تعالى: قاب قوسين أو أدنى، هنا ~~عبارة عن لطف المحل وإيضاح المعرفة والإشراف على الحقيقة من نبينا صلى ~~الله عليه وسلم ومن الله تعالى إجابة الرغبة وإبانة المنزلة هذا آخر كلام ~~القاضي عياض. قال الشيخ محيي الدين: وأما صاحب التحرير فإنه اختار إثبات ~~الرؤية. قال: والحجج في المسألة وإن كانت كثيرة ولكن لا تتمسك إلا ~~بالأقوى منها وهو حديث ابن عباس: " أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم ~~والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين " وعن ~~عكرمة قال: سئل ابن عباس هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟ قال: نعم. ~~وقد روي بإسناد لا بأس به عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: رأى محمد ربه عز ~~وجل وكان الحسن يحلف لقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل. والأصل ~~في المسألة حديث ابن عباس حبر هذه الأمة وعالمها والمرجوع إليه ms2993 في ~~المعضلات وقد راجعه ابن عمر في هذه المسألة وراسله هل رأى محمد صلى الله ~~عليه وسلم ربه عز وجل فأخبره أنه رآه ولا يقدح في هذا حديث عائشة لأن ~~عائشة لم تخبر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لم أر ربي وإنما ~~ذكرت ما ذكرت متأولة لقول الله تعالى # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا # [الشورى: 51] ولقوله # لا تدركه الأبصار # [الأنعام: 103] والصحابي إذا قال قولا وخالفه غيره منهم لم يكن قوله ~~حجة وإذا قد صحت الروايات عن ابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بإثبات ~~الرؤية وجب المصير إلى إثباتها لأنها ليست مما يدرك بالعقل ويؤخذ بالظن ~~وإنما يتلقى بالسمع ولا يتسجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه ~~المسألة بالظن والاجتهاد وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن ~~عباس ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس ثم إن ابن عباس أثبت ما نفاه غيره ~~والمثبت مقدم على النفي هذا كلام صاحب التحرير في إثبات الرؤية. # قال الشيخ محيي الدين فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن ~~عباس وغيره مما تقدم وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه ثم إن عائشة لم تنف الرؤية ~~بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان معها حديث لذكرته وإنما ~~اعتمدت على الاستنباط من الآيات وسنوضح الجواب عنها? فنقول: أما احتجاج ~~عائشة رضي الله تعالى عنها بقوله تعالى: # لا تدركه الأبصار # [الأنعام: 103] فجوابه ظاهر، فإن الإدراك هو الإحاطة والله تعالى لا ~~يحاط به وإذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة ~~وهذا الجواب في نهاية الحسن مع اختصاره. وأما احتجاجها بقوله تعالى: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا # [الشورى: 51] الآية، ms2994 فالجواب عنه من أوجه: أحدها أنه لا يلزم مع الرؤية ~~وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية من غير كلام، الوجه الثاني: ~~أنه عام مخصوص بما تقدم من الأدلة. الوجه الثالث: ما قاله بعض العلماء ~~إن المراد بالوحي الكلام من غير واسطة وهذا القول وإن كان محتملا لكن ~~الجمهور. على أن المراد بالوحي هنا إلهام والرؤية في المنام وكلاهما يسمى ~~وحيا وأما قوله تعالى: # أو من وراء حجاب # [الشورى: 51] فقال الواحدي وغيره معناه غير مجاهر لهم بالكلام بل ~~يسمعون كلامه سبحانه من حديث لا يرونه وليس المراد أن هناك حجابا يفصل ~~موضعا عن موضع ويدل على تحديد المحجوب فهو بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب ~~حيث لم ير المتكلم وقول عائشة في أول الحديث " لقد قف شعري " فمعناه قام ~~شعري من الفزع لكوني سمعت ما لا ينبغي أن يقال تقول العرب عند إنكار ~~الشيء: قف شعري واقشعر جلدي واشمأزت نفسي وقوله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث أبي ذر # " نور أني أراه " # فهو بتنوين نور وبفتح الهمزة في أني وتشديد النون المفتوحة ومعناه: ~~حجابه نور فكيف أراه قال الماوردي الضمير في أراه عائد على الله تعالى ~~والمعنى أن النور يمنعني من الرؤية كما جرت العادة بإغشاء الأنوار ~~الأبصار ومنعها من إدراك ما حال بين الرائي وبينه وفي رواية رأيت نورا ~~معناه: رأيت النور فحسب ولم أر غيره وفي رواية ذاته نور أني أراه ومعناه ~~هو خالق النور المانع من رؤيته فيكون من صفات الأفعال ومن المستحيل أن ~~تكون ذات الله نورا إذ النور من جملة الأجسام والله يتعالى عن ذلك هذا ~~مذهب جميع أئمة المسلمين والله أعلم. # قوله عز وجل: { أفرأيتم اللات والعزى } هذه أسماء أصنام اتخذوها آلهة ~~يعبدونها واشتقوا لها أسماء من أسماء الله عز وجل فقالوا من الله اللات ~~ومن العزيز العزى. وقيل: العزى تأنيث الأعز. والمعنى: أخبرونا عن هذه ~~الآلهة التي تعبدونها من دون الله هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها ~~رب العزة شيء وكان ms2995 اللات بالطائف وقيل: بنخلة كانت قريش تعبده وقرىء ~~اللات بالتشديد خ. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان اللات رجلا يلت ~~السويق للحاج. قيل: فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه. وقيل: كان في رأس ~~جبل له غنيمة يسلأ منها السمن ويأخذ منها الأقط ويجمع رسلها ثم يتخذ ~~حيسا فيطعم الحاج وكان ببطن نخلة فلما مات عبدوه وهو اللات. وقيل: كان ~~رجلا من ثقيف يقال له صرمة بن غنم وكان يسلأ السمن فيضعه على صخرة ~~فتأتيه العرب فتلت به أسوقتهم فلما مات الرجل حولها ثقيف إلى منازلها ~~فمرت الطائف على موضع اللات وأما العزى فقيل هي شجرة بغطفان كانوا ~~يعبدونها فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها فجعل ~~يضربها بالفأس ويقول: # يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك # فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية بويلها واضعة يدها على رأسها ~~ويقال: إن خالدا رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد قطعتها. ~~فقال: ما رأيت؟ فقال ما رأيت شيئا فقال ما قطعت فعاودها ومعه المعول ~~فقطعها واجتثت أصلها فخرجت منها امرأة عريانة فقتلها ثم رجع إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال: تلك العزى ولن تعبد أبدا. وقيل: ~~هي صنم لغطفان وضعها لهم سعد بن سالم الغطفاني. وقيل: إنه قدم مكة فرأى ~~الصفا والمروة ورأى أهل مكة يطوفون بينهما فرجع إلى بطن نخلة فقال لقومه: ~~إن لأهل مكة الصفا والمروة وليستا لكم ولهم إله يعبدونه وليس لكم قالوا ~~فما تأمرنا؟ قال: أنا أصنع لكم كذلك فأخذ حجرا من الصفا وحجرا من ~~المروة ونقلهما إلى نخلة فوضع الذي أخذ من الصفا وقال الصفا ثم وضع الذي ~~أخذ من المروة. وقال: هذه المروة ثم أخذ ثلاثة أحجار وأسندها إلى شجرة. ~~وقال: هذا ربكم فجعلوا يطوفون بين الحجرين ويعبدون الحجارة الثلاث حتى ~~افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وأمر برفع الحجارة وأمر خالد بن ~~الوليد بالعزى فقطعها وقيل: هي بيت بالطائف كانت ms2996 تعبده ثقيف. ### || [53.20-23] # { ومناة } قيل: هي لخزاعة كانت بقديد وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها ~~في الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت حذو قديد وقيل: هي بيت بالمشلل كانت ~~تعبده بنو كعب. وقيل: مناة، صنم لهذيل وخزاعة وكانت تعبدها أهل مكة وقيل: ~~اللات والعزى ومناة أصنام من الحجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها { ~~الثالثة الأخرى } الثالثة نعت لمناة إذ هي الثالثة في الذكر وأما الأخرى ~~فإن العرب لا تقول الثالثة الأخرى وإنما الأخرى هنا نعت للثلاثة قال ~~الخليل: قالها لوفاق رؤوس الآي كقوله # مآرب أخرى # [طه: 18] ولم يقل أخر. وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره أفرأيتم ~~اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة. وقيل: هي صفة ذم كأنه تعالى قال ~~ومناة الثالثة المتأخرة الذليلة. فعلى هذا فالأصنام ترتب مراتب، وذلك لأن ~~اللات كان صنما على صورة آدمي والعزى شجرة فهي نبات ومناة صخرة فهي ~~جماد وهي في أخريات المراتب. ومعنى الآية: هل رأيتم هذه الأصنام حق ~~الرؤية، وإذا رأيتموها علمتم أنها لا تصلح للعبادة لأنها لا تضر ولا تنفع ~~وقيل: أفرأيتم أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومناة بنات الله ألكم الذكر ~~وله الأنثى. وقيل: كان المشركون بمكة يقولون: الأصنام والملائكة بنات ~~الله وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره ذلك فقال الله عز وجل منكرا ~~عليهم { ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى } قال ابن عباس: أي ~~قسمة جائرة حيث جعلتم لربكم ما تكرهون لأنفسكم وقيل: قسمة عوجاء غير ~~معتدلة { إن هي } أي ما هذه الأصنام { إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } ~~والمعنى: أنكم سميتموها آلهة وليست حقيقة ولا بمعبودة حقيقة وقيل: معناه ~~قلتم لبعضها عزى ولا عزة لها فلا يكون لها مسمى حقيقة. { ما أنزل الله ~~بها من سلطان } أي حجة بما تقولون إنها آلهة { إن يتبعون إلا الظن } أي ~~في قولهن إنها آلهة { وما تهوى الأنفس } يعني هو ما زين لهم الشيطان من ~~عبادة الأصنام وقيل: وضعوا عبادتهم بمقتضى شهواتهم والذي ينبغي أن تكون ~~العبادة بمقتضى الشرع لا بمتابعة هوى النفس ms2997 { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } ~~أي البيان بالكتاب المنزل والنبي المرسل أن الأصنام ليست بآلهة وأن ~~العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار. ### || [53.24-30] # { أم للإنسان ما تمنى } معناه أيظن الكافر أن له ما يتمنى ويشتهي من ~~شفاعة الأصنام أي ليس الأمر كما يظن ويتمنى { فلله الآخرة والأولى } أي ~~لا يملك أحد فيها شيئا أبدا إلا بإذنه وقيل: معناه أن الإنسان إذا ~~اختار معبودا على ما تمناه واشتهاه فلله الآخرة والأولى يعاقبه على فعله ~~ذلك إن شاء في الدنيا والآخرة وإن شاء أمهله إلى الآخرة { وكم من ملك في ~~السموات } أي ممن يعبدهم هؤلاء ويرجون شفاعتهم عند الله { لا تغني ~~شفاعتهم شيئا } يعني أن الملائكة، مع علو منزلتهم، لا تغني شفاعتهم، ~~شيئا فكيف تشفع الأصنام مع حقارتها ثم أخبر أن الشفاعة لا تكون إلا ~~بإذنه فقال تعالى: { إلا من بعد أن يأذن الله } أي في الشفاعة { لمن يشاء ~~ويرضى } أي من أهل التوحيد قال ابن عباس يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن ~~رضي الله عنه وقيل: إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء من الملائكة في ~~الشفاعة لمن شاء الشفاعة له { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } يعني الكفار ~~الذين أنكروا البعث { ليسمون الملائكة تسمية الأنثى } أي بتسمية الأنثى ~~حيث قالوا إنهم بنات الله. فإن قلت كيف قال تسمية الأنثى ولم يقل تسمية ~~الإناث. قلت المراد منه بيان الجنس وهذا اللفظ أليق بهذا الموضع لمناسبته ~~رؤوس الآي وقيل: إن كل واحد من الملائكة يسمونه تسمية الأنثى وذلك لأنهم ~~إذا قالوا الملائكة بنات الله فقد سموا كل واحد منهم بنتا وهي تسمية ~~الأنثى { وما لهم به من علم } يعني بالله فيشركون به ويجعلون له ولدا ~~وقيل: ما يستيقنون أن الملائكة أناث { إن يتبعون إلا الظن } يعني في ~~تسمية الملائكة بالإناث { وإن الظن لا يغني من الحق شيئا } يعني لا يقوم ~~الظن مقام العلم الذي هو الحق وقيل معناه إنما يدرك الحق الذي هو حقيقة ~~الشيء بالعلم واليقين لا بالظن والتوهم وقيل: ms2998 الحق هو الله تعالى والمعنى ~~أن الأوصاف الإلهية لا تستخرج بالظنون { فأعرض عمن تولى عن ذكرنا } يعني ~~القرآن. وقيل: عن الإيمان { ولم يرد إلا الحياة الدنيا } يعني أنهم لا ~~يؤمنون بالآخرة حتى يردوها ويعملوا لها وفيه إشارة إلى إنكارهم الحشر ثم ~~صغر رأيهم فقال تعالى: { ذلك مبلغهم من العلم } أي ذلك نهاية علمهم وقلة ~~عقولهم أن آثروا الدنيا على الآخرة وقيل: معناه أنهم لم يبلغوا من العلم ~~إلا ظنهم أن الملائكة بنات الله وأنهم يشفعون لهم فاعتمدوا على ذلك ~~وأعرضوا عن القرآن والإيمان { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بمن اهتدى } أي هو عالم بالفريقين ويجازيهم بأعمالهم. ### || [53.31-32] # { ولله ما في السموات وما في الأرض } وهذه إشارة إلى كمال قدرته وغناه ~~وهو معترض بين الآية الأولى وبين قوله { ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا }. ~~والمعنى: إذا كان أعلم بهم جازى كل أحد بما يستحقه فيجزي الذين أساؤوا أي ~~أشركوا بما عملوا من الشرك { ويجزي الذين أحسنوا } أي وحدوا ربهم { ~~بالحسنى } يعني الجنة وإنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان كثير ~~الملك كامل القدرة فلذلك قال ولله ما في السموات وما في الأرض ثم وصف ~~المحسنين فقال عز وجل: { الذين يجتنبون كبائر الإثم } قيل: الإثم، الذنب ~~الذي يستحق صاحبه العقاب وقيل: هو اسم للأفعال المبطئة عن الثواب، وقيل: ~~هو فعل ما لا يحل وقيل: الإثم جنس يشتمل على كبائر وصغائر وجمعه آثام ~~والكبيرة متعارفة في كل ذنب تعظم عقوبته وجمعه كبائر { والفواحش } جمع ~~فاحشة، وهي ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال وقيل: هي ما فحش من الكبائر ~~{ إلا اللمم } أي إلا ما قل وصغر من الذنوب وقيل: هي مقاربة المعصية من ~~قولك ألممت بكذا إذا قاربته من غير مواقعة واختلفوا في معنى الآية فقيل ~~هذا استثناء صحيح واللمم من الكبائر والفواحش ومعنى الآية: إلا إن يلم ~~بالفاحشة مرة ثم يتوب أو يقع الوقعة ثم ينتهي وهو قول أبي هريرة ومجاهد ~~والحسن ورواية عن ابن عباس. وقال عبد ms2999 الله بن عمرو بن العاص: اللمم ما ~~دون الشرك. وقال أبو صالح: سئلت عن قول الله عز وجل إلا اللمم فقلت: هو ~~الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده فذكرت ذلك لابن عباس فقال: أعانك عليها ~~ملك كريم. عن ابن عباس في قوله عز وجل: { الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم }. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما " # أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب وقيل: أصل اللمم والإلمام ما ~~يعمله الإنسان الحين بعد الحين ولا يكون له إعادة ولا إقامة وقيل: هو ~~استثناء منقطع مجازه لكن اللمم ولم يجعل اللمم من الكبائر والفواحش ثم ~~اختلفوا في معناه فقيل هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به في الإسلام ~~وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنهم كانوا بالأمس يعملون معنا فأنزل ~~الله عز وجل هذه الآية وهذا قول زيد بن ثابت وزيد بن سلم. وقيل: اللمم هو ~~صغار الذنوب كالنظرة والغمزة والقبلة ونحو ذلك مما هو دون الزنى وهو قول ~~ابن مسعود وأبي هريرة ومسروق والشعبي والرواية الأخرى عن ابن عباس ق عن ~~ابن عباس قال ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " إن الله عز وجل كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى ~~العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو ~~يكذبه ". # ولمسلم قال: # " كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة العينان زناهما ~~النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش ~~والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه " # وقيل: اللمم على وجهين، أحدهما أنه كل ذنب لم يذكر الله تعالى عليه حدا ~~في الدنيا ولا عذابا في الآخرة فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس وصوم ~~رمضان ما لم يبلغ الكبائر والفواحش. والوجه الثاني: هو الذنب العظيم يلم ~~به المسلم المرة بعد المرة ms3000 فيتوب منه وقيل: هو ما لم على القلب أي خطر ~~وقيل: اللمم النظرة من غير عمد فهو مغفور فإن أعاد النظر فليس بلمم فهو ~~ذنب والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل: في بيان الكبيرة وحدها وتمييزها عن ~~الصغيرة قال العلماء: أكبر الكبائر الشرك بالله وهو ظاهر لا خفاء به ~~لقوله تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] ويليه القتل بغير حق فأما ما سواهما من الزنا واللواط وشرب ~~الخمر وشهادة الزور وأكل مال اليتيم بغير حق والسحر وقذف المحصنات وعقوق ~~الوالدين والفرار من الزحف وأكل الربا وغير ذلك من الكبائر التي ورد بها ~~النص فلها تفاصيل وأحكام تعرف بها مراتبها ويختلف أمرها باختلاف الأحوال ~~والمفاسد المرتبة عليها. فعلى هذا يقال في كل واحدة منها، هي من أكبر ~~الكبائر بالنسبة إلى ما دونها. وقد جاء عن ابن عباس أنه سئل عن الكبائر ~~أسبع هي قال هي إلى السبعين أقرب. وفي وراية إلى سبعمائة أقرب وقد اختلف ~~العلماء في حد الكبيرة وتمييزها عن الصغيرة فجاء عن ابن عباس: كل شيء نهى ~~الله عنه فهو كبيرة. وبهذا قال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني وحكاه ~~القاضي عياض عن المحققين واحتج القائلون بهذا بأن كل مخالفة فهي بالنسبة ~~إلى جلال الله كبيرة وذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى ~~انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر وقد تظاهرت على ذلك دلائل الكتاب والسنة ~~واستعمال سلف الأئمة. وإذا ثبت انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، فقد ~~اختلف في ضبطها، فروي عن ابن عباس أنه قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله ~~بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب وعن الحسن نحو هذا وقيل: هي ما وعد الله ~~عليه بنار في الآخرة وأحد في الدنيا. وقال الغزالي: في البسيط الضابط ~~الشامل في ضبط الكبيرة أن كل معصية يقدم عليها المرء من غير استشعار خوف ~~أو استحداث ندم كالمتهاون في ارتكابها والمستجرىء عليها اعتيادا فما ~~أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة وما تحمل عليه فلتات النفس وفترة ~~مراقبة التقوى ولا ينفك عن ندم ms3001 يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية فهذا لا ~~يمنع العدالة وليس بكبيرة. # وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في كتابه القواعد: إذا أردت معرفة ~~الفرق بين الكبيرة والصغيرة فأعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص ~~عليها فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر وإن ساوت أدنى مفاسد ~~الكبائر أو زادت عليه فهي من الكبائر فمن أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها ~~أو أمسك مسلما لمن يقتله فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم ممن أكل درهما من ~~مال اليتيم مع كونه من الكبائر. وكذلك لو دل الكفار على عورة المسلمين مع ~~علمه بأنهم يستأصلونهم بدلالته فإن تسببه إلى هذه المفسدة أعظم من توليه ~~يوم الزحف بغير عذر مع كونه من الكبائر وكذلك لو كذب على إنسان كذبا ~~يعلم أنه يقتل بسببه. ولو كذب على إنسان كذبا يعلم أنه يؤخذ منه ثمرة ~~بسبب كذبه لم يكن ذلك من الكبائر. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في ~~فتاويه الكبيرة: كل ذنب كبر وعظم عظما بحيث يصح معه أنه يطلق عليه اسم ~~الكبيرة ويوصف بكونه عظيما على الإطلاق فهذا حد الكبيرة ولها أمارات ~~منها الحد ومنها الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب أو السنة ~~ومنها ما وصف فاعلها بالفسق أو يضاف إليه اللعن كلعن الله من غير منار ~~الأرض ونحو ذلك والله أعلم. وقوله تعالى: { إن ربك واسع المغفرة } قال ~~ابن عباس: لمن فعل ذلك ثم تاب وأناب. وروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس ~~قالا: لا كبيرة في الإسلام أي لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار ~~معناه أن الكبيرة أيضا تمحى بالاستغفار والتوبة والصغيرة تصير كبيرة ~~بالإصرار وقيل في حد الإصرار هو أن يتكرر منه الصغيرة تكرارا يشعر بقلة ~~مبالاته بذنبه وتم الكلام على قوله إن ربك واسع المغفرة ثم ابتدأ فقال ~~تعالى: { هو أعلم بكم } أي قبل أن يخلقكم وهو قوله: { إذ أنشأكم من الأرض ~~} يعني خلق أباكم آدم من التراب { وإذ أنتم أجنة } جمع جنين { في ms3002 بطون ~~أمهاتكم } سمي جنينا لاستتاره في بطن أمه { فلا تزكوا أنفسكم } قال ابن ~~عباس: لا تمدحوها. وقال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما ~~هي صائرة فلا تزكوا أنفسكم فلا تبرئوها من الآثام ولا تمدحوها بحسن ~~الأعمال. وقيل في معنى الآية: هو أعلم بكم أيها المؤمنون علم حالكم من ~~أول خلقكم إلى آخر يومكم فلا تزكوا أنفسكم رياء وخيلاء ولا تقولوا لمن لم ~~تعرفوا حقيقته أنا خير منك أو أنا أزكى منك أو أتقى منك فإن العلم عند ~~الله وفيه إشارة إلى وجوب خوف العاقبة فإن الله يعلم عاقبة من هو على ~~التقوى وهو قوله تعالى: { هو أعلم بمن اتقى } يعني بمن بر وأطاع وأخلص ~~العمل وقيل في معنى الآية فلا تزكوا أنفسكم يعني لا تنسبوها إلى زكاء ~~العلم وزيادة الخير والطاعات وقيل لا تنسبوها إلى الزكاة والطهارة من ~~المعاصي ولا تثنوا عليها واهضموها فقد علم الله الزكي منكم والتقي أولا ~~وآخرا قبل أن يخرجكم من صلب أبيكم آدم وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم. ~~قيل: نزلت من ناس كانوا يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون صلاتنا وصيامنا ~~وحجنا فأنزل الله فيهم هذه الآية. ### || [53.33-36] # قوله عز وجل: { أفرأيت الذي تولى } نزلت في الوليد بن المغيرة كان قد ~~اتبع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه فغيره بعض المشركين وقالوا: ~~أتركت دين الأشياخ وضللت. قال: إني خشيت عذاب الله فضمن له الذي عاتبه إن ~~أعطاه كذا من ماله ورجع إلى الشرك أن يتحمل عنه عذاب الله فرجع الوليد ~~إلى الشرك وأعطى للذي عيره بعض الذي ضمن له من المال ومنعه تمامه فأنزل ~~الله أفرأيت الذي تولى يعني أدبر وأعرض عن الإيمان { وأعطى } يعني لصاحبه ~~الذي عيره { قليلا وأكدى } أي بخل بالباقي. وقيل: أعطى قليلا يعني من ~~الخير بلسانه وأكدى يعني قطعه وأمسك ولم يعم بالعطية. وقيل: نزلت في ~~العاص بن وائل السهمي وذلك أنه كان ربما يوافق النبي صلى الله عليه وسلم ~~في بعض الأمور. وقيل: نزلت ms3003 في أبي جهل وذلك أنه قال والله ما يأمرنا محمد ~~إلا بمكارم الأخلاق فذلك قوله: وأعطى قليلا وأكدى يعني لم يؤمن به ومعنى ~~الآية أكدى يعني قطع وأصله من الكدية وهي حجر يظهر في البئر يمنع من ~~الحفر { أعنده علم الغيب فهو يرى } أي ما غاب عنه يعني أن صاحبه يتحمل ~~عنه عذابه { أم لم ينبأ } يعني يخبر { بما في صحف موسى } يعني أسفار ~~التوراة. ### || [53.37-41] # { وإبراهيم } يعني ويخبر بما في صحف إبراهيم { الذي وفى } يعني كمل وتمم ~~مما أمر به وقيل: عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه إلى خلقه وقيل وفى فرض ~~عليه وقيل قام بذبح ولده وقيل استكمل الطاعة. وقيل: وفى بما فرض عليه في ~~سهام الإسلام وهو قوله # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # [البقرة: 124] والتوفية الإتمام. وقيل: وفي شأن المناسك. وروى البغوي ~~بسنده عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إبراهيم الذي وفى ~~عمله كل يوم بأربع ركعات أول النهار. عن أبي الدرداء وأبي ذر عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " عن الله تبارك وتعالى أنه قال " ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول ~~النهار أكفك آخره " " # أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب ثم بين ما في صحفهما فقال تعالى: { ~~ألا تزر وازرة وزر أخرى } أي لا تحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى. والمعنى: ~~لا تؤخذ نفس بإثم غيرها. وفي هذا إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة أن ~~يحمل عنه الإثم. وقال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الرجل بذنب ~~غيره كان الرجل يقتل بقتل أبيه وابنه وأخيه وامرأته وعبده حتى كان ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام فنهاهم عن ذلك وبلغهم عن الله تعالى: { ألا ~~تزر وازرة وزر أخرى } { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } أي عمل وهذا في ~~صحف إبراهيم وموسى أيضا قال ابن عباس هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة ~~بقوله تعالى: # ألحقنا بهم ذريتهم # [الطور: 21] فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء وقيل كان ذلك لقوم ~~إبراهيم وموسى فأما ms3004 هذه الأمة فلها ما سعوا وما سعى لهم غيرهم لما روي عن ~~ابن عباس # " أن امرأة رفعت صبيا لها فقالت يا رسول الله ألهذا حج؟ قال نعم ولك ~~أجرا " # أخرجه مسلم وعنه # " أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمي توفيت أينفعها إن ~~تصدقت عنها؟ قال نعم ". # وفي رواية أن سعد بن عبادة أخا بني سعد وذكر نحوه وأخرجه البخاري وعن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: # " إن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمي افتلتت نفسها ~~وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال نعم. " # أخرجاه في الصحيحين. وفي حديث ابن عباس دليل لمذهب الشافعي ومالك وأحمد ~~وجماهير العلماء أن حج الصبي منعقد صحيح يثاب عليه وإن كان لا يجزيه عن ~~حجة الإسلام بل يقع تطوعا. وقال أبو حنيفة: لا يصح حجه وإنما يكون ذلك ~~تمرينا للعبادة. وفي الحديثين الآخرين دليل على أن الصدقة عن الميت تنفع ~~الميت ويصله ثوابها. # وهو إجماع العلماء. وكذلك أجمعوا على وصول الدعاء وقضاء الدين للنصوص ~~الواردة في ذلك ويصح الحج عن الميت حجة الإسلام وكذا لو أوصى بحج تطوع ~~على الأصح عند الشافعي واختلف العلماء في الصوم إذا مات وعليه صوم ~~فالراجع جوازه عنه للأحاديث الصحيحة فيه والمشهور من مذهب الشافعي أن ~~قراءة القرآن لا يصله ثوابها. وقال جماعة من أصحابه: يصله ثوابها. وبه ~~قال أحمد بن حنبل وأما الصلوات وسائر التطوعات فلا يصله عند الشافعي ~~والجمهور. وقال أحمد: يصله ثواب الجميع والله أعلم. وقيل: أراد بالإنسان ~~الكافر. والمعنى: ليس له من الخير إلا ما عمل هو فيثاب عليه في الدنيا ~~بأن يوسع عليه في رزقه ويعافى في بدنه حتى لا يبقى له في الآخرة خير وروي ~~أن عبد الله بن أبي ابن سلول كان أعطى العباس قميصا ألبسه إياه فلما مات ~~أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه ليكفن فيه فلم يبق له في الآخرة ~~حسنة يثاب عليها. وقيل: ليس للإنسان إلا ما ms3005 سعى هو من باب العدل فأما من ~~باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما يشاء من فضله وكرمه { وأن سعيه سوف يرى ~~} أي يراه في ميزانه يوم القيامة وفيه بشارة للمؤمن وذلك أن الله تعالى ~~يريه أعماله الصالحة ليفرح بها ويحزن الكافر بأعماله الفاسدة فيزداد غما ~~{ ثم يجزاه } أي السعي { الجزاء الأوفى } أي الأتم والأكمل. والمعنى: أن ~~الإنسان يجزى جزاء سعيه الجزاء الأوفى. ### || [53.42-47] # قوله عز وجل: { وأن إلى ربك المنتهى } أي إليه منتهى الخلق ومصيرهم إليه ~~في الآخرة وهو مجازيهم بأعمالهم وفي المخاطب بهذا وجهان أحدهما أنه عام ~~تقديره وأن إلى ربك أيها السامع أو العاقل كائنا من كان المنتهى فهو ~~تهديد بليغ للمسيء وحث شديد للمحسن ليقلع المسيء عن إساءته ويزداد المحسن ~~في إحسانه الوجه الثاني أن المخاطب بهذا النبي صلى الله عليه وسلم فعلى ~~هذا، ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى: لا تحزن فإن إلى ربك ~~المنتهى. وقيل. في معنى الآية: منه ابتداء المنة وإليه انتهاء الآمال. ~~وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله { وأن إلى ربك المنتهى } قال لا فكرة في الرب. وهذا مثل ما روي ~~عن أبي هريرة مرفوعا: # " تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنه لا تحيط به الفكرة " # ومعناه: لا فكرة في الرب أي انتهى الأمر إليه لأنك إذا نظرت إلى سائر ~~الموجودات الممكنة علمت أن لا بد لها من موجد وإذا علمت أن موجدها هو ~~الله تعالى فقد انتهى الأمر إليه فهو إشارة إلى وجوده ووحدانيته سبحانه ~~وتعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } أي هو القادر على إيجاد الضدين في محل ~~واحد الضحك والبكاء ففيه دليل على أن جميع ما يعمله الإنسان فبقضاء الله ~~وقدره وخلقه حتى الضحك والبكاء وقيل أضحك أهل الجنة في الجنة وأبكى أهل ~~النار في النار قيل أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر وقيل: أفرح ~~وأحزن، لأن الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء # " عن جابر بن سمرة ms3006 قال " جلست مع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة ~~مرة وكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ~~ساكت وربما تبسم معهم إذا ضحكوا " " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وفي رواية سماك بن حرب: فيضحكون ~~ويتبسم معهم إذا ضحكوا يعني النبي صلى الله عليه وسلم. وسئل ابن عمر: هل ~~كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم والإيمان في ~~قلوبهم أعظم من الجبل ق. # " عن أنس قال: " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها ~~قط فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا فغطى أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم خنين " " # وهو بالخاء المعجمة أي بكاء مع صوت يخرج من الأنف { وأنه هو أمات وأحيا ~~} أي أمات في الدنيا وأحيا للبعث. وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء. ~~وقيل: أمات الكافر بالنكرة وأحيا المؤمن بالمعرفة { وأنه خلق الزوجين ~~الذكر والأنثى } أي من كل حيوان وهو أيضا من جملة المتضادات التي تتوارد ~~على النطفة فيخلق بعضها ذكرا وبعضها أنثى وهذا شيء لا يصل إليه فهم ~~العقلاء ولا يعلمونه وإنما هو بقدرة الله تعالى وخلقه لا بفعل الطبيعة { ~~من نطفة إذا تمنى } أي تصب في الرحم. # وقيل: تقدر. وفي هذا تنبيه على كمال قدرته، لأن النطفة شيء واحد خلق ~~الله منها أعضاء مختلفة وطباعا متباينة وخلق منها الذكر والأنثى وهذا من ~~عجيب صنعته وكمال قدرته ولهذا لم يؤكده بقوله وأنه هو خلق لأنه لم يدع ~~أحد إيجاد نفسه ولا خلقها ولا خلق غيره كما لم يقدر أحد أن يدعي خلق ~~السموات والأرض { وأن عليه النشأة الأخرى } أي الخلق الثاني بعد الموت ~~للبعث يوم القيامة. ### || [53.48-56] # { وأنه هو أغنى وأقنى } أي أغنى الناس بالأموال وأعطى القنية وهي أصول ~~الأموال وما يدخرونه بعد الكفاية. وقيل: أغنى بالذهب والفضة وصنوف ~~الأموال وما يدخرونه بعد الكفاية. وأقنى: بالإبل والبقر والغنم. وقيل: ~~أقنى أي أخدم. وقال ابن عباس: أغنى وأقنى، أي أعطى فأرضى. ms3007 وقيل: أغنى ~~يعني رفع حاجته ولم يتركه محتاجا إلى شيء لأن الغنى ضد الفقر، وأقنى: أي ~~زاد فوق الغنى { وأنه هو رب الشعرى } أي أنه رب معبودهم وكانت خزاعة تعبد ~~الشعرى وأول من سن لهم ذلك الرجل من أشرافهم يقال له أبو كبشة عبدها ~~وقال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا والشعرى تقطعها طولا فهي مخالفة لها ~~فعبدها وعبدتها خزاعة فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلاف ~~العرب في الدين سموه ابن أبي كبشة تشبيها له في خلافه إياهم كما خالفهم ~~أبو كبشة وعبد الشعرى وهو كوكب يضيء خلف الجوازء ويسمى كلب الجبار أيضا ~~وهما اثنتان: يمانية وشامية يقال لإحداهما العبور والأخرى الغميصاء. سميت ~~بذلك لأنها أخفى من العبور والمجرة بينهما. وأراد بالشعرى هنا العبور { ~~وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود أهلكوا بريح صرصر وكان لهم عقب ~~فكانوا عادا أخرى وقيل: الأخرى إرم. وقيل: الأولى يعني أول الخلق هلاكا ~~بعد قوم نوح { وثمود } وهم قوم صالح أهلكهم الله بالصيحة { فما أبقى } ~~يعني منهم أحدا { وقوم نوح من قبل } يعني أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود ~~بالغرق { إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } يعني لطول دعوة نوح إياهم وعتوهم ~~على الله بالمعصية والتكذيب { والمؤتفكة } يعني قرى قوم لوط { أهوى } أي ~~أسقط وذلك أن جبريل رفعها إلى السماء ثم أهوى بها { فغشاها } أي ألبسها ~~الله { ما غشى } يعني الحجارة المنضودة المسومة { فبأي آلاء ربك تتمارى } ~~أي تشك أيها الإنسان. وقيل: أراد الوليد بن المغيرة. قال ابن عباس: ~~تتمارى أي تكذب { هذا نذير } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { من النذر ~~الأولى } أي رسول من الرسل المتقدمة أرسل إليكم كما أرسلت الرسل إلى ~~قومهم وقيل: أنذر محمد كما أنذرت الرسل من قبله. ### || [53.57-62] # { أزفت الآزفة } أي قربت القيامة واقتربت الساعة { ليس لها من دون الله ~~كاشفة } أي مظهرة ومبينة متى تقوم. وقيل: معناه ليس لها نفس قادرة على ~~كشفها إذا وقعت إلا الله غير أنه لا يكشفها. وقيل: الكاشفة مصدر ms3008 بمعنى ~~الكشف كالعافية. والمعنى: لا يكشف عنها ولا يظهرها غيره. وقيل: معناه ليس ~~لها رد يعني: إذا غشيت الخلق أهوالها وشدائدها لم يكشفها ولم يردها عنهم ~~أحد. قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث } يعني القرآن { تعجبون } تنكرون { ~~وتضحكون } أي استهزاء { ولا تبكون } أي مما فيه من الوعيد { وأنتم سامدون ~~} أي لاهون غافلون قاله ابن عباس. وعنه، أن السمود هو الغناء بلغة أهل ~~اليمن وكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا. ولعبوا وأصل السمود في اللغة، رفع ~~الرأس، مأخوذ، من سمد البعير إذا رفع رأسه وجد في سيره والسامد اللاهي ~~والمعنى. وقيل: معناه أشرون بطرون. وقال مجاهد: غضاب مبرطمون قيل له: وما ~~البرطمة؟ قال: الإعراض { فاسجدوا لله } يعني أيها المؤمنون شكرا على ~~الهداية. وقيل: هذا محمول على سجود التلاوة. وقيل: على سجود الفرض في ~~الصلاة { واعبدوا } أي اعبدوا الله وإنما قال: واعبدوا، إما لكونه ~~معلوما، وإما لأن العبادة في الحقيقة لا تكون إلا لله تعالى ق عن عبد ~~الله بن مسعود: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ والنجم فسجد فيها وسجد من كان ~~معه غير أن شيخا من قريش أخذ كفا من حصباء أو تراب فرفعه إلى جبهته ~~وقال: يكفيني هذا قال عبد الله فلقد رأيته بعد قتل كافر " # زاد البخاري في رواية له قال: " أول سورة نزلت فيها سجدة النجم وذكره " ~~وقال في آخره وهو " أمية بن خلف " خ. عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس ق # " عن زيد بن ثابت قال: " قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم النجم ~~فلم يسجد فيها " " # ففي هذا الحديث دليل على أن سجود التلاوة غير واجب وهو قول الشافعي ~~وأحمد وقال عمر بن الخطاب: إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء وذهب قوم ~~إلى وجوبها على القارىء والمستمع وهو قول سفيان وأصحاب الرأي والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-3] # قوله عز وجل: { اقتربت الساعة } أي دنت القيامة { وانشق القمر ms3009 } قيل: ~~فيه تقديم وتأخير تقديره انشق القمر واقتربت الساعة وانشقاق القمر من ~~آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم الظاهرة ومعجزاته يدل عليه ما روي عن ~~أنس: # " أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم ~~انشقاق القمر مرتين ". # أخرجه البخاري ومسلم. وزاد الترمذي فنزلت { اقتربت الساعة وانشق القمر } ~~إلى قوله { سحر مستمر } ولهما عن ابن مسعود. قال: # " انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا " # وفي رواية أخرى قال: # " بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى إذ انفلق القمر ~~فلقتين، فلقة فوق الجبل، وفلقة دونه. فقال لنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: اشهدوا " # ولهما عن ابن عباس قال: " إن القمر انشق في زمن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " م عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: # " انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقتين فستر الجبل ~~فلقة وكانت فلقة فوق الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشهدوا " # وعن جبير بن مطعم قال: # " انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين فقالت ~~قريش سحر محمد أعيننا، فقال بعضهم لئن كان سحرنا ما يستطيع أن يسحر الناس ~~كلهم " # أخرجه الترمذي وزاد غيره فكانوا يتلقون الركبان فيخبرونهم بأنهم قد رأوه ~~فيكذبونهم. قال مقاتل: انشق القمر ثم التأم بعد ذلك. وروى مسروق عن عبد ~~الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة فسألوا السفارة فقالوا: نعم. قد رأيناه ~~فأنزل الله تعالى: { اقتربت الساعة وانشق القمر }. فهذه الأحاديث الصحيحة ~~قد وردت بهذه المعجزة العظيمة، مع شهادة القرآن المجيد بذلك فإنه أدل ~~دليل وأقوى مثبت له وإمكانه لا يشك فيه مؤمن وقد أخبر عنه الصادق فيجب ~~الإيمان به واعتقاد وقوعه. وقال الشيخ محيي الدين النووي في شرح صحيح ~~مسلم، قال الزجاج: وقد أنكرها ms3010 بعض المبتدعة المضاهين المخالفي الملة وذلك ~~لما أعمى الله قلبه ولا إنكار للعقل فيها لأن القمر مخلوق لله تعالى يفعل ~~فيه ما يشاء كما يفنيه ويكوره في آخر أمره. فأما قول بعض الملاحدة لو وقع ~~هذا النقل متواترا واشترك أهل الأرض كلهم في رؤيتهم له ومعرفته ولم يختص ~~بها أهل مكة فأجاب العلماء عن هذا بأن هذا الانشقاق حصل في الليل ومعظم ~~الناس نيام غافلون والأبواب مغلقة وهم مغطون بثيابهم فقل من يتفكر في ~~السماء أو ينظر إليها إلا الشاذ النادر. # ومما هو مشاهد معتاد أن كسوف القمر وغيره مما يحدث في السماء في الليل ~~من العجائب والأنوار والطوالع والشهب العظام ونحو ذلك يقع ولا يتحدث به ~~إلا آحاد الناس ولا علم عند غيرهم بذلك لما ذكرناه من غفلة الناس. وكان ~~هذا الانشقاق آية عظيمة حصلت في الليل لقوم سألوها واقترحوا رؤيتها، فلم ~~يتأهب غيرهم لها. قال العلماء: وقد يكون القمر حينئذ في بعض المجاري ~~والمنازل التي تظهر لبعض أهل الآفاق دون بعض كما يكون ظاهرا لقوم غائبا ~~عن قوم وكما يجد الكسوف أهل بلد دون بلد والله أعلم وقيل في معنى الآية ~~ينشق القمر يوم القيامة وهذا قول باطل لا يصح وشاذ لا يثبت لإجماع ~~المفسرين على خلافه ولأن الله ذكره بلفظ الماضي وحمل الماضي على المستقبل ~~بعيد يفتقر إلى قرينة تنقله أو دليل يدل عليه وفي قوله تعالى: { وإن يروا ~~آية يعرضوا } دليل على وجود هذه الآية العظيمة وقد كان ذلك في زمن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمعنى: وإن يروا آية أي تدل على صدق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، والمراد بالآية هنا انشقاق القمر يعرضوا أي عن ~~التصديق بها { ويقولوا سحر مستمر } أي دائم مضطرد. وكل شيء دام حاله قيل ~~فيه: مستمر. وذلك لما رأوا تتابع المعجزات وترادف الآيات فقالوا هذا سحر ~~مستمر: وقيل مستمر أي قوي محكم شديد بعلوه يعلو كل سحر. قيل: مستمر أي ~~ذاهب سوف يبطل ويذهب ولا يبقى وإنما قالوا ms3011 ذلك تمنية لأنفسهم وتعليلا { ~~وكذبوا } يعني النبي صلى الله عليه وسلم وما عاينوا من قدرة الله { ~~واتبعوا أهواءهم } أي ما زين لهم الشيطان من الباطل وقيل: هو قولهم إنه ~~سحر القمر { وكل أمر مستقر } أي لكل أمر حقيقة فما كان منه في الدنيا ~~فسيظهر وما كان منه في الآخرة فسيعرف. وقيل: كل أمر مستقر. فالخير مستقر ~~بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار، وقيل: يستقر قول المصدقين ~~والمكذبين حين يعرفون حقيقته بالثواب أو العقاب. وقيل: معناه لكل حديث ~~منتهى. وقيل: ما قدر فهو كائن وواقع لا محالة. وقيل: هو جواب قولهم سحر ~~مستمر يعني ليس أمره بذاهب كما زعمتم بل كل أمر من أموره مستقر وإن أمر ~~محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم سيظهر إلى غاية يتبين فيها أنه حق. ### || [54.4-7] # { ولقد جاءهم } يعني أهل مكة { من الأنباء } أي من أخبار الأمم الماضية ~~المكذبة في القرآن { ما فيه مزدجر } أي منتهى وموعظة { حكمة بالغة } يعني ~~القرآن حكمة تامة قد بلغت الغاية { فما تغني النذر } يعني أي غنى تغني ~~النذر إذا خالفوهم وكذبوهم { فتول عنهم } أي أعرض عنهم نسختها آية القتال ~~{ يوم يدع الداع } أي اذكر يا محمد يوم يدع الداعي وهو إسرافيل ينفخ في ~~الصور قائما على صخرة بيت المقدس { إلى شيء نكر } أي منكر فظيع لم يروا ~~مثله، فينكرونه استعظاما له { خشعا } وقرىء خاشعا { أبصارهم } أي ~~ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب { يخرجون من الأجداث } يعني من القبور { ~~كأنهم جراد منتشر } مثل في كثرتهم وتموج بعضهم في بعض حيارى فزعين. ### || [54.8-14] # { مهطعين } مسرعين مادي أعناقهم مقبلين { إلى الداع } يعني إلى صوت ~~الداعي وهو إسرافيل وقيل ناظرين إليه لا يقلعون بأبصارهم { يقول الكافرون ~~هذا يوم عسر } أي صعب شديد وفيه إشارة إلى أن ذلك اليوم يوم شديد على ~~الكافرين لا على المؤمنين. قوله تعالى: { كذبت قبلهم } أي قبل أهل مكة { ~~قوم نوح فكذبوا عبدنا } يعني نوحا { وقالوا مجنون وازدجر } أي زجروه على ~~دعوته ومقالته بالشم والوعيد بقولهم # لئن لم ms3012 تنته يا نوح لتكونن من المرجومين # [الشعراء: 116] { فدعا } يعني نوحا { ربه } وقال { إني مغلوب } أي ~~مقهور { فانتصر } أي فانتقم لي منهم { ففتحنا أبواب السماء } قيل هو على ~~ظاهره وللسماء أبواب تفتح وتغلق ولا يستبعد ذلك لأنه قد صح في الحديث أن ~~للسماء أبوابا. وقيل: هو على الاستعارة، فإن الظاهر أن يكون المطر من ~~السحاب { بماء منهمر } أي منصب انصبابا شديدا لم ينقطع أربعين يوما { ~~وفجرنا الأرض عيونا } أي وجعلنا الأرض كلها عيونا تسيل بالماء { فالتقى ~~الماء } يعني ماء السماء وماء الأرض { على أمر قد قدر } أي قضى عليهم في ~~أم الكتاب. وقيل قدر الله أن يكون الماءان سواء فكانا على ما قدر { ~~وحملناه } يعني نوحا { على ذات ألواح } يعني سفينة ذات ألواح. وأراد ~~بالألواح، خشب السفينة العريضة. { ودسر } هي المسامير التي تشد بها ~~الألواح وقيل الدسر صدر السفينة. وقيل: هي عوارض السفينة وأضلاعها. وقيل: ~~الألواح: جانبا السفينة، والدسر: أصلها وطرفاها. { تجري } يعني السفينة { ~~بأعيننا } يعني بمرأى منا. وقيل: بحفظنا. وقيل: بأمرنا { جزاء لمن كان ~~كفر } يعني فعلنا ذلك به وبهم من إنجاء نوح وإغراق قومه ثوابا لنوح لأنه ~~كان كفر به وجحد أمره. وقيل لمن بمعنى لما أي جزاء لما كان كفر من أيادي ~~الله ونعمه عند الذين أغرقهم. وقيل: جزاء لما صنع بنوح وأصحابه. ### || [54.15-24] # { ولقد تركناها آية } يعني الفعلة التي فعلنا بهم آية يعتبر بها. وقيل: ~~أراد السفينة. قال قتادة: أبقاها الله تعالى بأرض الجزيرة عبرة حتى نظر ~~إليها أوائل هذه الأمة { فهل من مدكر } يعني متذكر معتبر متعظ خائف مثل ~~عقوبتهم ق عن ابن مسعود قال " قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مذكر فردها علي " وفي رواية أخرى " سمعته يقرؤها فهل من مدكر دالا " { ~~فكيف كان عذابي ونذر } يعني إنذاري { ولقد يسرنا القرآن } يعني سهلنا ~~القرآن { للذكر } يعني ليتذكر ويعتبر به قال سعيد بن جبير يسرناه للحفظ ~~والقراءة وليس شيء من كتب الله تعالى يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن { فهل ~~من مدكر } يعني متعظ بمواعظه ms3013 وفيه الحث على تعليم القرآن والاشتغال به ~~لأنه قد يسره الله وسهله على من يشاء من عباده بحيث يسهل حفظه للصغير ~~والكبير والعربي والعجمي وغيرهم. قوله تعالى: { كذبت عاد فكيف كان عذابي ~~ونذر } أي إنذاري لهم بالعذاب { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } أي ~~شديدة الهبوب { في يوم نحس } أي يوم شؤم { مستمر } أي دائم الشؤم استمر ~~على جميعهم بنحو سنة فلم يبق منهم أحد إلا هلك فيه. وقيل: كان ذلك اليوم ~~يوم الأربعاء في آخر الشهر { تنزع الناس } أي الريح تقلعهم ثم ترمي بهم ~~على رؤوسهم فتدق رقابهم. قيل: كانت تنزعهم من حفرهم { كأنهم أعجاز نخل } ~~قال ابن عباس: أصول نخل { منقعر } أي منقطع من مكانه ساقط على الأرض. ~~قيل: كانت الريح تبين رؤوسهم من أجسامهم فتبقي أجسامهم بلا رؤوس كعجز ~~النخلة الملقاة { فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من ~~مدكر كذبت ثمود بالنذر } أي بالإنذار الذي جاء به صالح { فقالوا أبشرا ~~منا واحدا } يعني آدميا واحدا منا { نتبعه } أي ونحن جماعة كثيرون { ~~إنا إذا لفي ضلال } أي خطأ وذهاب عن الصواب { وسعر } قال ابن عباس: ~~عذاب. وقيل: شدة عذاب وقيل إنا لفي عناء وعذاب مما يلزمنا من طاعته. ~~وقيل: لفي جنون. وقيل: لفي بعد عن الحق. ### || [54.25-31] # { أألقي الذكر عليه } يعني أأنزل الوحي عليه { من بيننا بل هو كذاب أشر ~~} أي بطر متكبر يريد أن يتعظم علينا بادعائه النبوة { سيعلمون غدا } أي ~~حين ينزل بهم العذاب. وقيل: يعني يوم القيامة وإنما ذكر الغد للتقريب { ~~من الكذاب الأشر } أي صالح أم من كذبه { إنا مرسلوا الناقة } أي باعثوها ~~ومخرجوها من الهضبة التي سألوا، وذلك أنهم تعنتوا على صالح فسألوه أن ~~يخرج لهم من صخرة حمراء ناقة عشراء فقال الله تعالى إنا مرسلو الناقة { ~~فتنة } أي محنة واختبارا { لهم فارتقبهم } أي فانتظر ما هم صانعون { ~~واصطبر } أي على أذاهم { ونبئهم } أي أخبرهم { أن الماء قسمة بينهم } أي ~~بين الناقة وبينهم لها يوم ولهم يوم وإنما قال تعالى بينهم ms3014 تغليبا ~~للعقلاء { كل شرب } أي نصيب من الماء { محتضر } أي يحضره من كانت نوبته ~~فإذا كان يوم الناقة حضرت شربها وإذا كان يومهم حضروا شربهم. وقيل: يعني ~~يحضرون الماء إذا غابت الناقة فإذا جاءت حضروا اللبن { فنادوا صاحبهم } ~~يعني قدار بن سالف { فتعاطى } أي فتناول الناقة بسيفه { فعقر } يعني ~~الناقة { فكيف كان عذابي ونذر } ثم بين عذابهم فقال تعالى: { إنا أرسلنا ~~عليهم صيحة واحدة } يعني صيحة جبريل { فكانوا كهشيم المحتظر } قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: هو الرجل يحظر لغنمه حظيرة من الشجر والشوك دون ~~السباع فما سقط من ذلك فداسته الغنم فهو الهشيم. وقيل: هو الشجر البالي ~~الذي يهشم حين تذروه الرياح. والمعنى: أنهم صاروا كيبيس الشجر إذا بلي ~~وتحطم وقيل كالعظام النخرة المحترقة وقيل هو التراب يتناثر من الحائط. ### || [54.32-42] # { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر }. قوله تعالى: { كذبت قوم لوط ~~بالنذر إنا أرسلنا عليهم حاصبا } يعني الحصباء وهي الحجارة التي دون ملء ~~الكف وقد يكون الحاصب الرامي، فعلى هذا، يكون المعنى إنا أرسلنا عليهم ~~عذابا يحصبهم أي يرميهم بالحجارة ثم استثنى. فقال تعالى: { إلا آل لوط } ~~يعني لوطا وابنتيه { نجيناهم } يعني من العذاب { بسحر نعمة من عندنا } ~~أي جعلناه نعمة منا عليهم حيث نجيناهم { كذلك نجزي } أي كما أنعمنا على ~~آل لوط كذلك نجزي { من شكر } يعني أن من وحد الله لم يعذبه مع المشركين { ~~ولقد أنذرهم } أي لوط { بطشتنا } يعني أخذنا إياهم بالعقوبة { فتماروا ~~بالنذر } أي شكوا بالإنذار ولم يصدقوا وكذبوا { ولقد راودوه عن ضيفه } أي ~~طلبوا منه أن يسلم إليهم أضيافه { فطمسنا أعينهم } وذلك أنهم لما قصدوا ~~دار لوط عالجوا الباب ليدخلوا عليهم فقالت الرسل للوط خل بينهم وبين ~~الدخول فإنا رسل ربك لن يصلوا إليك فدخلوا الدار فصفقهم جبريل بجناحه ~~فتركهم عميا بإذن الله يترددون متحيرين لا يهتدون إلى الباب وأخرجهم لوط ~~عميا لا يبصرون. ومعنى: فطمسنا أعينهم، يعني صيرناها كسائر الوجه لا يرى ~~لها شق. وقيل: طمس الله أبصارهم فلم يروا الرسل ms3015 فقالوا لقد رأيناهم حين ~~دخلوا فأين ذهبوا؟ فلم يروهم { فذوقوا عذابي ونذر } يعني ما أنذركم به ~~لوط من العذاب { ولقد صبحهم بكرة } أي جاءهم وقت الصبح { عذاب مستقر } ~~يعني دائم استقر فيهم حتى أفضى بهم إلى عذاب الآخرة { فذوقوا عذابي ونذر ~~ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } قوله عز وجل: { ولقد جاء آل ~~فرعون النذر } يعني موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام. وقيل: النذر، ~~الآيات التي أنذرهم بها موسى { كذبوا بآياتنا كلها } يعني الآيات التسع { ~~فأخذناهم } يعني بالعذاب { أخذ عزيز مقتدر } يعني غالب في انتقامه قادر ~~على إهلاكهم لا يعجزه عما أراد ثم خوف كفار مكة. ### || [54.43-48] # { أكفاركم خير من أولئكم } يعني أقوى وأشد من الذين أحللت بهم نقمتي مثل ~~قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون وهذا استفهام إنكار، أي، ليسوا ~~بأقوى منهم { أم لكم براءة } يعني من العذاب { في الزبر } أي في الكتب ~~أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم الخالية { أم يقولون } يعني كفار مكة { نحن ~~جميع } يعني أمرنا { منتصر } يعني من أعدائنا والمعنى: نحن يد واحدة على ~~من خالفنا منصرون ممن عادانا. ولم يقل منصرون لموافقة رؤوس الآي. وقيل: ~~معناه نحن كل واحد منا منتصر كما يقال: كلهم عالم، يعني: كل واحد منهم ~~عالم. قال الله تعالى: { سيهزم الجمع } يعني كفار مكة { ويولون الدبر } ~~يعني الأدبار فوحد لأجل رؤوس الآي. وقيل في الإفراد، إشارة إلى أنهم في ~~التولية والهزيمة كنفس واحدة، فلا يتخلف أحد عن الهزيمة ولا يثبت أحد ~~للزحف فهم في ذلك كرجل واحد خ. عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو في قبة يوم بدر # " اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد هذا اليوم أبدا ~~فأخذ ابو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك فخرج وهو ~~في الدرع وهو يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر " # { بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر } فصدق الله وعده وهزمهم يوم بدر. ~~وقال سعيد بن المسيب: سمعت ms3016 عمر بن الخطاب يقول: لما نزلت سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر: كنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر، رأيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يثب في درعه ويقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر فعلمت ~~تأويلها { بل الساعة موعدهم } يعني جميعا والساعة أدهى وأمر، أي أعظم ~~داهية وأشد مرارة من الأسر والقتل يوم بدر. قوله عز وجل: { إن المجرمين ~~} يعني المشركين { في ضلال وسعر } قيل في بعد عن الحق وسعر أي نار تسعر ~~عليهم. وقيل: في ضلال في الدنيا ونار مسعرة في الآخرة. وقيل: في ضلال، أي ~~عن طريق الجنة وسعر أي عذاب الآخرة ثم بين عذابهم فقال تعالى: { يوم ~~يسحبون } أي يجرون { في النار على وجوههم } ويقال لهم { ذوقوا مس سقر } ~~أي ذوقوا أيها المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم مس سقر. ### || [54.49-51] # { إنا كل شيء خلقناه بقدر } أي مقدور ومكتوب في اللوح المحفوظ. وقيل: ~~معناه قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له. وقال ابن عباس: كل ~~شيء بقدر حتى وضعك يدك على خدك. فصل في سبب نزول الآية وما ورد في القدر ~~وما قيل فيه م # " عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ~~ألف سنة " # قال وعرشه على الماء م. عن أبي هريرة قال: # " جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت ~~هذه الآية { إن المجرمين في ضلال وسعر } إلى قوله { إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر } م عن طاوس قال: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقولون: كل شيء بقدر الله تعالى قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو ~~الكيس والعجز ". # عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن ms3017 لا إله إلا الله وأني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن ~~بالقدر " # أخرجه الترمذي. وله عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ~~ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه " # وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن ميمون وهو منكر ~~الحديث. وفي حديث جبريل المتفق عليه: وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت ~~ففيه ذم القدرية. عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر من مات منهم فلا ~~تشهدوا جنازته ومن مرض منهم فلا تعودوه وهم من شيعة الدجال وحق على الله ~~أن يلحقهم بالدجال ". # أخرجه أبو داود وله عن أبي هريرة مثله " وزاد فلا تجالسوهم ولا تفاتحوهم ~~في الكلام ". وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية " # أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. وروى ابن الجوزي في تفسيره عن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أمر مناديا فينادي نداء يسمعه ~~الأولون والآخرون أي خصماء الله فتقوم القدرية فيأمر بهم إلى النار يقول ~~الله ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ". # قال ابن الجوزي: وإنما قيل: خصماء الله، لأنهم يخاصمون في أنه لا يجوز ~~أن يقدر المعصية على العبد ثم يعذبه عليها. وروي عن الحسن قال: والله لو ~~أن قدريا صام حتى يصير كالحبل، وصلى حتى يصير كالوتر، ثم أخذ ظلما حتى ~~يذبح بين الركن والمقام لكبه الله على وجهه في سقر ثم قيل له ذق مس سقر ~~إنا كل شيء خلقناه بقدر. قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله اعلم أن ~~مذهب أهل الحق إثبات القدر ومعناه أن الله تعالى قدر الأشياء ms3018 في القدم ~~وعلم سبحانه وتعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى وعلى ~~صفات مخصوصة فهي تقع على حسن ما قدرها الله تعالى وأنكرت القدرية هذا ~~وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يقدرها ولم يتقدم علمه بها وإنها مستأنفة ~~العلم أي إنما يعلمها سبحانه وتعالى بعد وقوعها وكذبوا على الله سبحانه ~~وتعالى عن أقوالهم الباطلة علوا كبيرا. وسميت هذه الفرقة قدرية، ~~لإنكارهم القدر. قال أصحاب المقالات من المتكلمين: وقد انقرضت القدرية ~~القائلون بهذا القول الشنيع الباطل ولم يبق أحد من أهل القبلة عليه. ~~وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر ولكن تقول الخير من ~~الله والشر من غيره تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وحكى أبو محمد بن ~~قتيبة في كتابه غريب الحديث، وأبو المعالي إمام الحرمين في كتابه الإرشاد ~~في أصول الدين، أن بعض القدرية قالوا: لسنا بقدرية بل أنتم القدرية ~~لاعتقادكم إثبات القدر. قال ابن قتبية وإمام الحرمين: هذا تمويه من هؤلاء ~~الجهلة ومباهته وتواقح، فإن أهل الحق يفرضون أمورهم إلى الله تعالى. ~~ويضيفون القدر والأفعال إلى الله تعالى وهؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم ~~ومدعي الشيء لنفسه ومضيفه إليها أولى بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره ~~وينفيه عن نفسه. قال إمام الحرمين: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " القدرية مجوس هذه الأمة " # شبههم بهم لتقسيمهم الخير والشر في حكم الإرادة كما قسمت المجوس فصرفت ~~الخير إلى يزدان والشر إلى أهرمن. ولا خفاء باختصاص هذا الحديث بالقدرية. ~~وحديث: القدرية مجوس هذه الأمة، رواه أبو حازم عن ابن عمر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأخرجه أبو داود في سننه والحاكم أبو عبد الله في ~~المستدرك على الصحيحين. وقال: صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم ~~عن ابن عمر وقال الخطابي: إنما جعلهم صلى الله عليه وسلم مجوسا لمضاهاة ~~مذهبهم مذهب المجوس لقولهم بالأصلين: النور والظلمة يزعمون أن الخير من ~~فعل النور والشر من فعل الظلمة فصاروا ثنوية وكذلك القدرية يضيفون الخير ~~إلى الله ms3019 والشر إلى غيره والله سبحانه وتعالى خالق كل شيء الخير والشر ~~جميعا لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته فهما مضافان إليه سبحانه وتعالى ~~خلقا وإيجادا وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلا واكتسابا. # قال الخطابي: وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله ~~تعالى العبد وقهره على ما قدره وقضاه وليس الأمر كما يتوهمونه وإنما ~~معناه الإخبار عن تقدم علم الله تعالى بما يكون من اكساب العباد وصدورها ~~عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها. قال: والقدر اسم لما صدر مقدرا عن ~~فعل القادر. ويقال: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد. ~~والقضاء في هذا معناه الخلق كقوله تعالى: # فقضاهن سبع سموات # [فصلت: 12] أي خلقهن. وقد تظاهرت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة ~~وإجماع الصحابة وأهل العقد والحل من السلف والخلف على إثبات قدر الله ~~سبحانه وتعالى وقد قرر ذلك أثمة المتكلمين أحسن تقرير بدلائله القطعية ~~السمعية والعقلية والله أعلم. وأما معاني الأحاديث المتقدمة، فقوله: جاء ~~مشركو قريش إلى قوله إنا كل شيء خلقناه بقدر المراد بالقدر هنا القدر ~~المعروف وهو ما قدره الله وقضاه وسبق به علمه وإرادته فكل ذلك مقدر في ~~الأزل معلوم لله تعالى مراد له، وكذلك قوله: كتب الله مقادير الخلائق قبل ~~أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء المراد منه تحديد ~~وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره لا أصل القدر فإن ذلك أزلي لا أول ~~له وقوله وعرشه على الماء أي قبل أن يخلق السموات والأرض، وقوله: كل شيء ~~بقدر حتى العجز والكيس. أو قال: الكيس والعجز. العجز: عدم القدرة. وقيل: ~~هو ترك ما يجب فعله بالتسويف به وتأخيره عن وقته. وقيل: يحتمل العجز عن ~~الطاعات ويحتمل العموم في أمور الدنيا والآخرة والكيس ضد العجز وهو ~~النشاط والحذق بالأمور. ومعنى الحديث: أن العاجز قدر عجزه والكيس قدر ~~كيسه. قوله تعالى: { وما أمرنا إلا واحدة } أي وما أمرنا إلا مرة واحدة ~~وقيل معناه وأما أمرنا للشيء إذا أردنا تكوينه إلا كلمة ms3020 واحدة # كن فيكون # [يس: 82] لا مراجعة فيه فعلى هذا إذا أراد الله سبحانه وتعالى شيئا قال ~~له كن فيكون فهنا بان فرق بين الإرادة والقول فالإرادة قدر والقول قضاء ~~وقوله واحدة فيه بيان أنه لا حاجة إلى تكرير القول بل هو إشارة إلى نفاذ ~~الأمر { كلمح البصر } قال ابن عباس: يريد أن قضائي في خلقي أسرع من لمح ~~البصر. وعن ابن عباس أيضا: معناه وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا ~~كطرف البصر { ولقد أهلكنا أشياعكم } أي أشباهكم ونظراءكم في الكفر من ~~الأمم السالفة { فهل من مدكر } أي متعظ بأن ذلك حق فيخاف ويعتبر. ### || [54.52-55] # { وكل شيء فعلوه } يعني الأشياع من خير وشر { في الزبر } أي في كتب ~~الحفظة وقيل في اللوح المحفوظ { وكل صغير وكبير } أي من الخلق وأعمالهم ~~وآجالهم { مستطر } أي مكتوب. قوله عز وجل: { إن المتقين في جنات } أي ~~بساتين { ونهر } أي أنهار وإنما وحده لموافقة رؤوس الآي وأراد أنها ~~الجنة من الماء والخمر واللبن والعسل. وقيل: معناه في ضياء وسعة ومنه ~~النهار والمعنى لا ليل عندهم { في مقعد صدق } أي في مجلس حق لا لغو فيه ~~ولا تأثيم وقيل في مجلس حسن وقيل في مقعد لا كذب فيه لأن الله صادق فمن ~~وصل إليه امتنع عليه الكذب فهو في مقعد صدق { عند مليك } قيل معناه قرب ~~المنزلة والتشريف لا معنى المكان { مقتدر } أي قادر لا يعجزه شيء وقيل ~~مقربين عند مليك أمره في الملك والاقتدار أعظم شيء، فلا شيء إلا وهو تحت ~~ملكه وقدرته فأي منزلة أكرم من تلك المنزلة وأجمع للغبطة كلها والسعادة ~~بأسرها. قال جعفر الصادق: وصف الله تعالى المكان بالصدق، فلا يقعد فيه ~~إلا أهل الصدق، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-4] # قوله عز وجل: { الرحمن علم القرآن } قيل لما نزلت اسجدوا للرحمن قال ~~كفار مكة وما الرحمن فأنكروه وقالوا لا نعرف الرحمن فأنزل الله الرحمن ~~يعني الذي أنكرتموه هو الذي علم القرآن، وقيل هذا جواب لأهل مكة حين ~~قالوا ms3021 إنما يعلمه بشر فقال تعالى الرحمن علم القرآن يعني علم محمدا ~~القرآن وقيل علم القرآن يسره للذكر ليحفظ ويتلى وذلك أن الله عز وجل عد ~~نعمه على عباده فقدم أعظمها نعمة وأعلاها رتبة وهو القرآن العزيز لأنه ~~أعظم وحي الله إلى أنبيائه وأشرفه منزلة عند أوليائه وأصفيائه وأكثره ~~ذكرا وأحسنه في أبواب الدين أثرا وهو سنام الكتب السماوية المنزلة على ~~أفضل البرية { خلق الإنسان } يعني آدم عليه الصلاة والسلام قاله ابن عباس ~~{ علمه البيان } يعني أسماء كل شيء وقيل علمه اللغات كلها فكان آدم ~~يتكلم بسبعمائة لغة أفضلها العربية وقيل الإنسان اسم جنس وأراد به جميع ~~الناس، فعلى هذا يكون معنى علمه البيان أي النطق الذي يتميز به عن سائر ~~الحيوانات، وقيل علمه الكتابة والفهم والإفهام حتى عرف ما يقول وما يقال ~~له وقيل علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به وقيل أراد بالإنسان محمدا ~~صلى الله عليه وسلم علمه البيان يعني بيان ما يكون وما كان لأنه صلى ~~الله عليه وسلم ينبىء عن خبر الأولين والآخرين وعن يوم الدين، وقيل علمه ~~بيان الأحكام من الحلال والحرام والحدود والأحكام. ### || [55.5-11] # { الشمس والقمر بحسبان } قال ابن عباس يجريان بحساب ومنازل لا يتعديانها ~~وقيل يعني بهما حساب الأوقات والآجال ولولا الليل والنهار والشمس والقمر ~~لم يدر أحد كيف يحسب ما يريد، وقيل الحساب هو الفلك تشبيها بحسبان الرحى ~~وهو ما يدور الحجر بدورانه { والنجم والشجر يسجدان } قيل النجم ما ليس له ~~ساق من النبات كالبقول والشجر ما له ساق يبقى في الشتاء وسجودها سجود ~~ظلها وقيل النجم هو الكوكب، وسجوده طلوعه والقول الأول أظهر لأنه ذكره مع ~~الشجر في مقابلة الشمس والقمر ولأنهما أرضيان في مقابلة سماءين { والسماء ~~رفعها } أي فوق الأرض { ووضع الميزان } قيل أراد بالميزان العدل لأنه آلة ~~العدل والمعنى أنه أمر بالعدل يدل عليه قوله { ألا تطغوا في الميزان } أي ~~لا تجاوزوا العدل وقيل أراد به الآلة التي يوزن بها للتوصل إلى الإنصاف ~~والانتصاف وأصل الوزن التقدير أن لا ms3022 تطغوا في الميزان أي لئلا تميلوا ~~وتظلموا وتجاوزوا الحق في الميزان { وأقيموا الوزن بالقسط } يعني بالعدل ~~وقيل أقيموا لسان الميزان بالعدل وقيل الإقامة باليد والقسط بالقلب { ولا ~~تخسروا } أي لا تنقصوا { الميزان } أي لا تطففوا في الكيل والوزن أمر ~~بالتسوية ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة وعن الخسران الذي هو ~~تطفيف ونقصان وكرر لفظ الميزان تشديدا للتوصية به وتقوية للأمر ~~باستعماله والحث عليه { والأرض وضعها } أي خفضها مدحوة على الماء { ~~للأنام } يعني للخلق الذين بثهم فيها وهو كل ما ظهر عليها من دابة وقيل ~~للإنس والجن فهي كالمهاد لهم يتصرفون فوقها { فيها } يعني في الأرض { ~~فاكهة } يعني من أنواع الفاكهة وقيل ما يتفكهون به من النعم التي لا تحصى ~~{ والنخل ذات الأكمام } يعني الأوعية التي يكون فيها الثمر لأن ثمر النخل ~~يكون في غلاف وهو الطلع ما لم ينشق وكل شيء ستر شيئا فهو كم وقيل ~~أكمامها ليفها واقتصر على ذكر النخل من بين سائر الشجر لأنه أعظمها ~~وأكثرها بركة. ### || [55.12-15] # { والحب } يعني جميع الحبوب التي يقتات بها كالحنطة والشعير ونحوهما ~~وإنما أخر ذكر الحب على سبيل الارتقاء إلى الأعلى لأن الحب أنفع من ~~النخل وأعم وجودا في الأماكن { ذو العصف } قال ابن عباس يعني التبن وعنه ~~أنه ورق الزرع الأخضر إذ قطع رؤوسه ويبس وقيل هو ورق كل شيء يخرج منه ~~الحب يبدو صلاحه ولا ورق وهو العصف ثم يكون سوقا ثم يحدث الله فيه ~~أكماما ثم يحدث في الأكمام الحب { والريحان } يعني الرزق قال ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما كل ريحان في القرآن فهو رزق وقيل هو الريحان الذي ~~يشم، وقيل: العصف التبن والريحان ثمرته فذكر قوت الناس والأنعام ثم خاطب ~~الجن والإنس فقال تعالى: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } يعني أيها الثقلان ~~يريد هذه الأشياء المذكورة وكرر هذه الآية في هذه الصورة في أحد وثلاثين ~~موضعا تقريرا للنعمة وتأكيدا في التذكير بها، ثم عدد على الخلق آلاءه ~~وفصل بين كل نعمتين بما ينبههم عليها ليفهمهم النعم ms3023 ويقررهم بها كقول ~~الرجل لمن أحسن إليه وتابع إليه بالأيادي وهو ينكرها ويكفرها ألم تكن ~~فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا؟ الم تكن عريانا فكسوتك أفتنكر هذا؟ ألم تكن ~~حاملا فعززتك أفتنكر هذا؟ ومثل هذا الكلام شائع في كلام العرب حسن ~~تقريرا وذلك لأن الله تعالى ذكر في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من ~~خلق الإنسان وتعليمه البيان وخلق الشمس والقمر والسماء والأرض إلى غير ~~ذلك مما أنعم به على خلقه وخاطب الجن والإنس فقال فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~من الأشياء المذكورة لأنها كلها منعم بها عليكم. عن جابر رضي الله تعالى ~~عنه قال # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن ~~من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا ~~أحسن مردودا منكم كنت كلما أتيت على قوله فبأي آلاء ربكما تكذبان قالوا ~~لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب وفي رواية غيره # " كانوا أحسن منكم ردا وفيه ولا بشيء " # قوله تعالى: { خلق الإنسان من صلصال } يعني من طين يابس له صلصلة وهو ~~الصوت منه إذا نقر { كالفخار } يعني الطين المطبوخ بالنار وهو الخزف. فإن ~~قلت قد اختلفت العبارات في صفة خلق الإنسان الذي هو آدم فقال تعالى من ~~تراب وقال من حمإ مسنون وقال من طين لازب وقال من ماء مهين وقال هنا من ~~صلصال كالفخار قلت ليس في هذه العبارات اختلاف بل المعنى متفق وذلك أن ~~الله تعالى خلقه أولا من تراب ثم جعله طينا لازبا لما اختلط بالماء ثم ~~حمأ مسنونا وهو الطين الأسود المنتن فلما يبس صار صلصالا كالفخار { ~~وخلق الجان } وهو أبو الجن. وقيل هو إبليس { من مارج من نار } يعني ~~الصافي من لهب النار الذي لا دخان فيه، وقيل هو ما اختلط بعضه ببعض من ~~اللهب الأحمر والأصفر الذي يعلو النار إذا أوقدت. ### || [55.16-25] # { فبأي آلاء ربكما تكذبان رب المشرقين } يعني مشرق الصيف وهو غاية ~~ارتفاع الشمس ومشرق الشتاء ms3024 وهو غاية انحطاط الشمس. { ورب المغربين } يعني ~~مغرب الصيف ومغرب الشتاء، وقيل يعني مشرق الشمس ومشرق القمر ومغرب الشمس ~~ومغرب القمر { فبأي آلاء ربكما تكذبان مرج البحرين } يعني أرسل البحرين ~~العذب والملح متجاورين متلاقين لا فصل بين الماءين لأن من شأنهما ~~الاختلاط وهو قوله: { يلتقيان } لكن الله تعالى منعهما عما في طبعهما ~~بالبرزخ وهو قوله: { بينهما برزخ } أي حاجز من قدرة الله { لا يبغيان } ~~أي لا يبغي أحدهما على صاحبه وقيل لا يختلطان ولا يتغيران وقيل لا يطغيان ~~على الناس بالغرق وقيل مرج البحرين بحر الروم وبحر الهند وأنتم الحاجز ~~بينهما وقيل بحر فارس والروم بينهما برزخ يعني الجزائر وقيل بحر السماء ~~وبحر الأرض يلتقيان في كل عام { فبأي آلاء ربكما تكذبان يخرج منهما } قيل ~~إنما يخرج من البحر الملح دون العذب فهو كقوله # وجعل القمر فيهن نورا # [نوح: 16] وقيل أراد يخرج من أحدهما فحذف المضاف وقيل لما التقى البحران ~~فصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال يخرج منهما كما يقال يخرج من البحر ولا ~~يخرج من جميع البحر ولكن من بعضه وقيل يخرج من السماء وماء البحر قيل إذا ~~أمطرت السماء تفتح الأصداف أفواهها فحيثما وقعت قطرة صارت لؤلؤة على قدر ~~القطرة، وقوله تعالى: { اللؤلؤ } قيل هو ما عظم من الدر { والمرجان } ~~صغاره وقيل بعكس ذلك وقيل المرجان هو الخرز الأحمر { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان وله الجوار } يعني السفن الكبار { المنشآت } أي المرفوعات التي ~~يرفع خشبها بعضه على بعض وقيل هي ما رفع قلعها من السفن أما ما لم يرفع ~~قلعها فليست من المنشآت وقيل معنى المنشآت المحدثات المخلوقات المسخرات { ~~في البحر كالأعلام } أي كالجبال جمع علم وهو الجبل الطويل شبه السفن في ~~البحر بالجبل في البر { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. ### || [55.26-31] # قوله عز وجل: { كل من عليها } أي على الأرض من حيوان وإنما ذكره بلفظة ~~من تغليبا للعقلاء { فان } أي هالك لأن وجود الإنسان في الدنيا عرض فهو ~~غير باق وما ليس بباق فهو فان ففيه الحث على العبادة ms3025 وصرف الزمن اليسير ~~إلى الطاعة { ويبقى وجه ربك } يعني ذاته والوجه يعبر به عن الجملة. وفي ~~المخاطب وجهان أحدهما أنه كل واحد والمعنى ويبقى وجه ربك أيها الإنسان ~~السامع. والوجه الثاني: أنه يحتمل أن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~{ ذو الجلال } أي ذو العظمة والكبرياء ومعناه الذي يجله الموحدون عن ~~التشبيه بخلقه { والإكرام } أي المكرم لأنبيائه وأوليائه وجميع خلقه ~~بلطفه وإحسانه إليهم مع جلاله وعظمته { فبأي ألاء ربكما تكذبان } عن أنس ~~بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام " # أخرجه الترمذي وقال الحاكم حديث صحيح الإسناد ومعنى ألظوا الزموا هذه ~~الدعوة وأكثروا منها. قوله تعالى: { يسأله من في السموات والأرض } يعني ~~من ملك وإنس وجن فلا يستغني عن فضله أهل السموات والأرض قال ابن عباس ~~فأهل السموات يسألونه المغفرة وأهل الأرض يسألونه الرزق والمغفرة وقيل كل ~~أحد يسأل الرحمة وما يحتاج إليه في دينه أو دنياه وفيه إشارة إلى كمال ~~قدرة الله تعالى وأن كل مخلوق وإن جل وعظم فهو عاجز عن تحصيل ما يحتاج ~~إليه مفتقر إلى الله تعالى: { كل يوم هو في شأن } قيل نزلت ردا على ~~اليهود حيث قالوا إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا قال المفسرون من شأنه ~~أنه يحيي ويميت ويرزق ويعز قوما ويذل قوما ويشفي مريضا ويمرض صحيحا ~~ويفك عانيا ويفرج عن مكروب ويجيب داعيا ويعطي سائلا ويغفر ذنبا إلا ~~ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء سبحانه وتعالى وروى البغوي ~~بإسناد الثعلبي عن ابن عباس قال " إن مما خلق الله عز وجل لوحا من درة ~~بيضاء دفتاه من ياقوته حمراء قلمه نور وكتابه نور ينظر الله فيه كل يوم ~~ثلاثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء ~~فذلك قوله تعالى: { كل يوم هو في شأن } قال ابن عيينة الدهر كله عند الله ~~يومان أحدهما مدة أيام الدنيا والآخر يوم القيامة والشأن الذي هو فيه ~~اليوم الذي ms3026 هو مدة أيام الدنيا الاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة ~~والإعطاء والمنع وشأن يوم القيامة الجزاء والحساب والثواب والعقاب، وقال ~~الحسين بن الفضل هو سوق المقادير إلى المواقيت ومعناه إن الله عز وجل كتب ~~ما يكون في كل يوم وقدر ما هو كائن فإذا جاء ذلك الوقت تعلقت إرادته ~~بالفعل فيوجده في ذلك الوقت وقال أبو سليمان الداراني في هذه الآية له في ~~كل يوم إلى العبيد بر جديد وقيل شأنه تعالى أنه يخرج في كل يوم وليلة ~~ثلاثة عساكر عسكرا من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات وعسكرا من ~~الأرحام إلى الدنيا وعسكرا من الدنيا إلى القبور ثم يرتحلون جميعا إلى ~~الله تعالى: { فبأي آلاء ربكما تكذبان سنفرغ لكم أيه الثقلان } قيل هو ~~وعيد من الله تعالى للخلق بالمحاسبة وليس هو فراغ عن شغل لأن الله تعالى ~~لا يشغله شأن عن شأن فهو كقول القائل لمن يريد تهديده لأتفرغن لك وما به ~~شغل وهذا قول ابن عباس وإنما حسن ذكر هذا الفراغ لسبق ذكر الشأن وقيل ~~معناه سنقصدكم بعد الترك والإمهال ونأخذ في أمركم فهو كقول للقائل الذي ~~لا شغل له قد فرغت لك وقيل معناه أن الله وعد أهل التقوى وأوعد أهل ~~الفجور فقال سنفرغ لكم مما وعدناكم وأخبرناكم فنحاسبكم ونجازيكم فننجز ~~لكم ما وعدناكم فنتم ذلك ونفرغ منه فهو على طريق المثل وأراد بالثقلين ~~الإنس والجن سميا ثقلين لأنهما ثقلا على الأرض أحياء وأمواتا، وقيل كل ~~شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم # " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " # فجعلهما ثقلين إعظاما لقدرهما وقال جعفر بن محمد الصادق سمي الإنس ~~والجن ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب. ### || [55.32-35] # { فبأي آلاء ربكما تكذبان يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا } ~~أي تخرجوا { من أقطار السموات والأرض } أي جوانبهما وأطرافهما { فانفذوا ~~} أي فاخرجوا والمعنى إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار ~~السموات والأرض فاهربوا واخرجوا منها فحيثما كنتم يدرككم الموت وقيل ms3027 يقال ~~لهم هذا يوم القيامة والمعنى إن استطعتم أن تخرجوا من أقطار السموات ~~والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فاخرجوا وقيل معناه إن استطعتم أن ~~تهربوا من قضائي وتخرجوا من ملكي ومن سمائي وأرضي فافعلوا وقدم الجن على ~~الإنس في هذه الآية لأنهم أقدر على النفوذ والهرب من الإنس وأقوى على ذلك ~~ثم قال تعالى: { لا تنفذون إلا بسلطان } يعني لا تقدرون على النفوذ إلا ~~بقوة وقهر وغلبة وأني لكم ذلك لأنكم حيثما توجهتم كنتم في ملكي وسلطاني ~~وقال ابن عباس معناه إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموا ~~ولن تعلموه إلا بسلطان أي بينة من الله تعالى: { فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~} وفي الخبر # " يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادي " # { يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض } ~~الآية فذلك قوله تعالى: { يرسل عليكما شواظ من نار } قال أكثر المفسرين ~~هو اللهب الذي لا دخان فيه وقيل هو اللهب الأخضر المنقطع من النار { ~~ونحاس } وقيل هو الدخان وهو رواية عن ابن عباس وقيل هو الصفر المذاب يصب ~~على رؤوسهم وهو الرواية الثانية عن ابن عباس وقال ابن مسعود النحاس المهل ~~وقيل يرسل عليهما هذا مرة وهذا مرة وقيل يجوز أن يرسلا معا من غير أن ~~يمتزج أحدهما بالآخر { فلا تنتصران } أي فلا تمتنعان من الله ولا يكون ~~لكم ناصر منه. ### || [55.36-41] # { فبأي آلاء ربكما تكذبان فإذا انشقت السماء } أي انفرجت فصارت أبوابا ~~لنزول الملائكة وقيل المراد منه خراب السماء وذلك لما قال كل من عليها ~~فان إشارة إلى أهل الأرض ذكر في هذه الآية بيان حال سكان السماء وقيل فيه ~~تهويل وتعظيم للأمر لأن فيه إشارة إلى ما هو أعظم من إرسال الشواظ على ~~الإنس والجن وهو تشقق السماء وذوبانها وهو قوله تعالى: { فكانت وردة ~~كالدهان } جمع دهن شبه تلون السماء عند انشقاقها بتلون الفرس الورد وهو ~~الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة وقيل إن السماء تتلون يومئذ ألوانا كألوان ~~الفرس ms3028 الورد يكون في الربيع أصفر وفي أول الشتاء أحمر فإذا اشتد البرد ~~صار أغبر فشبه السماء في تلونها عند انشقاقها بهذا الفرس في تلونه وقيل ~~كالدهان أي كعصير الزيت لأنه يتلون في الساعة ألوانا وقيل تصير السماء ~~كالدهن الذائب وذلك حين يصلها حر جهنم وقيل كالدهان أي كالأديم الأحمر { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان } قيل لا ~~يسألون عن ذنوبهم لتعلم من جهتهم لأن الله تعالى علمها منهم وكتبتها ~~الحفظة عليهم وهذه رواية عن ابن بعاس وعنه لا تسأل الملائكة المجرمين ~~لأنهم يعرفون بسيماهم دليله ما بعده وعن ابن عباس أيضا في الجمع بين هذه ~~الآية وبين قوله تعالى: # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # [الحجر: 92-93] قال لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا لأنه أعلم بذلك منهم ~~ولكنه يسألهم لم عملتم كذا وكذا وقيل إنها مواطن فيسأل في بعضها ولا يسأل ~~في بعضها وعن ابن عباس أيضا قال لا يسألون سؤال شفقة ورحمة إنما يسألون ~~سؤال تقريع وتوبيخ وقيل لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان يعرف المجرمون بسيماهم } ، يعني بسواد وجوههم وزرقة عيونهم ~~{ فيؤخذ بالنواصي والأقدام } قيل تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلف ~~ظهره وقيل تجعل رؤوسهم على ركبهم ونواصيهم في أصابع أرجلهم مربوطة وقيل ~~يسحب بعضهم بالنواصي وبعضهم بالأقدام ثم يلقون في النار. ### || [55.42-46] # { فبأي آلاء ربكما تكذبان هذه جهنم } أي يقال لهم هذه جهنم ثم يلقون ~~فيها { التي يكذب بها المجرمون } يعني المشركين { يطوفون بينها وبين حميم ~~آن } يعني قد انتهى حره ى أنهم يسعون بين الحميم وبين الجحيم فإذا ~~استغاثوا من النار جعل عذابهم الحميم الأنى الذي قد صار كالمهل وقال كعب ~~الأحبار آن واد من أودية جهنم يجمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم في ~~الأغلال فيغمسون فيه حتى تنخلع أوصالهم ثم يخرجون منه وقد أحدث الله لهم ~~خلقا جديدا فيلقون في النار فذلك قوله تعالى: { يطوفون بينها وبين حميم ~~آن } { فبأي آلاء ms3029 ربكما تكذبان } فإن قلت هذه الأمور المذكورة في هذه ~~الآيات من قوله: { كل من عليها فان } إلى هنا ليست نعما فكيف عقبها ~~بقوله { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. قلت المذكور في هذه الآيات مواعظ ~~وزواجر وتخويف وكل ذلك نعمة من الله تعالى لأنها تزجر العبد عن المعاصي ~~فصارت نعما فحسن ختم كل آية منها بقوله تعالى: { فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~} ثم ذكر ما أعده لمن اتقاه وخافه من عباده المؤمنين فقال تعالى: { ولمن ~~خاف مقام ربه } يعني مقامه بين يدي ربه للحساب فترك الشهوة والمعصية وقيل ~~قيام ربه عليه يعني اطلاعه عليه وهو الذي يهم بالمعصية فيذكر الله ~~واطلاعه عليه فيدعها من مخافة الله وقيل لمن راقب الله في السر والعلانية ~~بعمله فما عرض له من محرم تركه من خشيته وما عمل من خير أخلصه لله ولا ~~يحب أن يطلع عليه أحد قيل إن المؤمنين خافوا ذلك المقام فعملوا لله مع ~~الإخلاص ودأبوا الليل والنهار { جنتان } يعني جنة عدن وجنة نعيم وقيل جنة ~~بخوفه ربه وجنة بتركه شهوته. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة ~~الله الجنة " # أخرجه الترمذي قوله أدلج الإدلاج محففا سير أول الليل ومثقلا سير آخر ~~الليل والمراد من الإدلاج التشمير والجد والاجتهاد في أول الأمر فإن من ~~سار أول الليل كان جديرا ببلوغ المنزل وروى البغوي بسنده # " عن أبي ذر " أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقص على المنبر وهو ~~يقول ولمن خاف مقام ربه جنتان فقلت وإن زنى وإن سرق؟ فقال وإن زنى وإن ~~سرق ثم قال ولمن خاف مقام ربه جنتان فقلت الثانية وإن زنى وإن سرق يا ~~رسول الله؟ فقال وإن زنى وإن سرق ثم قال ولمن خاف مقام ربه جنتان فقلت ~~الثالثة وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال وإن زنى وإن سرق على رغم أنف ~~أبي ms3030 ذر " ". ### || [55.47-54] # { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ثم وصف الجنتين فقال تعالى: { ذواتا أفنان } ~~أي أغصان واحدها فنن وهو الغصن المستقيم طولا وقيل ذواتا ظلال وهو ظل ~~الأغصان على الحيطان، وقال ابن عباس ذواتا ألوان يعني ألوان الفواكه وجمع ~~عطاء بين القولين فقال في كل غصن فنون من الفاكهة وقيل ذواتا فضل وسعة ~~على ما سواهما، { فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان تجريان } قال ابن ~~عباس بالكرامة والزيادة لأهل الجنة وقيل تجريان بالماء الزلال إحداهما ~~التسليم والأخرى السلسبيل وقيل إحداهما من ماء غير آسن والأخرى من خمر ~~لذة للشاربين { فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما من كل فاكهة زوجان } أي ~~صنفان ونوعان وقيل معناه إن فيهما من كل ما يتفكه به ضربين رطبا ويابسا ~~قال ابن عباس ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى ~~الحنظل إلا أنه حلو { فبأي آلاء ربكما تكذبان متكئين على فرش } جمع فراش ~~{ بطائنها } جمع بطانة والتي تلي الأرض من تحت الظهارة { من استبرق } وهو ~~ما غلظ من الديباج قال ابن مسعود وأبو هريرة هذه البطائن فما ظنكم ~~بالظهائر وقيل لسعيد بن جبير البطائن من استبرق فما الظهائر؟ قال هي مما ~~قال الله تعالى: # فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17]، وعنه أيضا قال بطائنها من استبرق وظواهرها من نور جامد ~~وقال ابن عباس وصف البطائن وترك الظواهر لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ما ~~الظواهر وقيل ظواهرها من سندس وهو الديباج الرقيق الناعم وهذا يدل على ~~نهاية شرف هذه الفرش لأنه ذكر أن بطائنها من الإستبرق ولا بد أن تكون ~~الظهائر خيرا من البطائن فهو مما لا يعلمه البشر، { وجنى الجنتين دان } ~~يعني أن ثمرهما قريب يناله القائم والقاعد والنائم وهذا بخلاف ثمر الدنيا ~~فإنها لا تنال إلا بكد وتعب قال ابن عباس تدنو الشجرة حتى يجنيها ولي ~~الله إن شاء قائما وإن شاء قاعدا وقيل لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك. ### || [55.55-58] # { فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهن ms3031 } فإن قلت الضمير إلى ماذا يعود؟ قلت إلى ~~الجنتين وإنما جمع بقوله فيهن لاشتمال الجنتين على مساكن وقصور ومجالس { ~~قاصرات الطرف } أي غاضات الأعين قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى ~~غيرهم ولا يردن سواهم قيل تقول الزوجة لزوجها وعزة ربي ما أرى في الجنة ~~شيئا أحسن منك فالحمد لله الذي جعلك زوجي وجعلني زوجتك { لم يطمثهن } أي ~~لم يجامعهن ولم يفرعهن والمعنى لم يدمهن بالجماع وقيل معناه لم يمسهن ~~ومنه قول الفرزدق: # خرجن إلي لم يطمثن قبل وهن أصح من بيض النعام # أي لم يمسسني والمعنى لم يطأهن ولم يغشهن { إنس قبلهم } أي قبل أزواجهن ~~من أهل الجنة، { ولا جان } قيل إنما نفي الجن لأن لهم أزواجا في الجنة ~~منهم وفي الآية دليل على أن الجني يغشى كما يغشى الإنسي وسئل ضمرة بن ~~حبيب هل للجن ثواب؟ فقال نعم وقرأ هذه الآية ثم قال الإنسيات للإنس ~~والجنيات للجن وقال مجاهد في هذه الآية إذا جامع ولم يسم انطوى الجني على ~~إحليله فجامع معه واختلف في هؤلاء اللواتي لم يطمثن فقيل هن الحور العين ~~لأنهن خلقن في الجنة فلم يمسهن أحد قبل أزواجهن وقيل إنهن من نساء الدنيا ~~أنشئن خلقا آخر أبكارا كما وصفهن. لم يمسهن منذ أنشئن خلقا آخر أحد ~~وقيل هن الآدميات اللاتي متن أبكارا ومعنى الآية المبالغة في نفي الطمث ~~نهن لأن ذلك أقر لأعين أزواجهن إذا لم يغشهن أحد غيرهم { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان كأنهن الياقوت والمرجان } أراد صفاء الياقوت في بياض المرجان وهو ~~صغار اللؤلؤ وأشده بياضا وقيل شبه لونهن ببياض اللؤلؤ مع حمرة الياقوت ~~لأن أحسن الألوان البياض المشوب بحمرة والأصح أنه شبههن بالياقوت لصفائه ~~لأنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لرأيت السلك من ظاهره لصفائه ~~وقال عمرو بن ميمون إن المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حلة فيرى مخ ~~ساقها من وراء الحلل كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء يدل على ~~صحة ذلك ما روي عن ابن مسعود عن النبي ms3032 صلى الله عليه وسلم قال # " إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى ~~يرى مخها وذلك لأن الله تعالى يقول كأنهن الياقوت والمرجان فأما الياقوت ~~فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لرأيته من ورائه " # أخرجه الترمذي قال وقد روي عن ابن مسعود بمعناه ولم يرفعه وهو أصح ق عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر " # زاد في رواية # " ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبصقون فيها ولا ~~يتمخطون ولا يتغوطون آنيتهم الذهب والفضة وأمشاطهم الذهب ومجامرهم الألوة ~~ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من ~~الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب رجل واحد يسبحون الله بكرة ~~وعشيا " # ، وللبخاري # " قلوبهم على قلب رجل واحد " # وزاد فيه # " ولا يسقمون " # قوله مجامرهم الألوة يعني بخورهم العود. ### || [55.59-66] # { فبأي آلاء ربكما تكذبان هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } أي ما جزاء من ~~أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة وقال ابن عباس هل جزاء من قال ~~لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة. روى ~~البغوي بإسناد الثعلبي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ثم قال ~~هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال يقول هل جزاء من أنعمت ~~عليه بالتوحيد إلا الجنة " # ، وروى الواحدي بغير سند عن ابن عمر وابن عباس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال في هذه الآية # " يقول الله عز وجل هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلا أن أسكنه ~~جنتي وحظيرة قدسي برحمتي " # ، وقيل في معنى الآية هل جزاء من أتى بالفعل الحسن إلا أن يؤتى في ~~مقابلته بفعل حسن وفي الآية إشارة إلى رفع التكليف في الآخرة ms3033 لأن الله ~~وعد المؤمنين بالإحسان وهو الجنة فلو بقي التكليف في الآخرة وتركه العبد ~~لاستحق العقاب على ترك العمل والعقاب ترك الإحسان إليه فلا تكليف { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان ومن دونهما جنتان } أي ومن دون الجنتين الأوليين جنتان ~~أخريان وقال ابن عباس من دونهما في الدرج وقيل في الفضل وقال أبو موسى ~~الأشعري جنتان من ذهب للسابقين وجنتان من فضة للنابعين وقال ابن جريج هن ~~أربع جنان: جنتان للمقربين السابقين فيهما من كل فاكهة زوجان وجنتان ~~لأصحاب اليمين والتابعين فيهما فاكهة ونخل ورمان، ق عن أبي موسى الأشعري ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما ~~بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة ~~عدن " # وقال الكناني ومن دونهما جنتان يعني أمامهما وقبلهما يدل عليه قول ~~الضحاك الجنتان الأوليان من ذهب وفضة والجنتان الأخريان من ياقوت وزبرجد ~~وهما أفضل من الأوليين { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ثم وصف الجنتين فقال ~~تعالى: { مدهامتان } أي سوداوان من ريهما وشدة خضرتهما لأن الخضرة إذا ~~اشتدت ضربت إلى السواد، { فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان نضاختان } ~~أي فوارتان بالماء لا ينقطعان وقال ابن عباس والضحاك ينضخان بالخير ~~والبركة على أهل الجنة وقال ابن مسعود ينضخان بالمسك والكافور على أولياء ~~الله وقال أنس بن مالك ينضخان بالمسك والعنبر في دور أهل الجنة كطش ~~المطر. ### || [55.67-76] # { فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما فاكهة ونخل ورمان } يعني فيهما من أنواع ~~الفواكه كلها وإنما عطف النخل والرمان بالواو وإن كانا من جملة الفواكه ~~تنبيها على فضلهما وشرفهما على سائر الفواكه وعلى هذا القول عامة ~~المفسرين وأهل اللغة قالوا إنما فضلهما بالذكر للتخصيص والتفضيل فهو ~~كقوله من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال خصهما بالذكر وإن ~~كان من جملة الملائكة لشرفهما وفضلهما وقيل بعضهم ليس النخل والرمان من ~~الفواكه لأن ثمرة النخل فاكهة وطعام وثمرة الرمان فاكهة ودواء فلم ms3034 يخلصا ~~للتفكه ولهذا قال أبو حنيفة إذا حلف لا يأكل الفاكهة فأكل رطبا أو ~~رمانا لم يحنث وخالفه صاحباه وهذا القول خلاف قول أهل اللغة ولا حجة له ~~في الآية وروى البغوي بسنده عن ابن عباس موقوفا قال نخل الجنة جذوعها ~~زمرد أخضر وكرمها ذهب أحمر وسعفها كسوة لأهل الجنة منها حللهم وثمرها مثل ~~القلال أو الدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس ~~له عجم وروي أن الرمانة من رمان الجنة مثل البعير المقتب وقيل إن نخل أهل ~~الجنة نضيد وثمرها كالقلال كلما نزعت منها واحدة عادت مكانها أخرى ~~العنقود منها اثني عشر ذراعا، { فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهن } أي في ~~الجنان الأربع { خيرات حسان } روي عن أم سلمة قالت قلت لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أخبرني عن قوله خيرات حسان قال # " خيرات الأخلاق حسان الوجوه " # ، { فبأي آلاء ربكما تكذبان حور مقصورات } أي مخدرات مستورات لا يخرجن ~~لكوامتهن وشرفهن روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " لو أن امرأة من نساء أهل الجنة أطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بين السماء ~~والأرض ولملأت ما بينهما ريحا ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما ~~فيها " # وقيل قصرن أطرافهن وأنفسهن على أزواجهن فلا يبغين بهم بدلا { في الخيام ~~} قيل هي البيوت. قال ابن الأعرابي الخيمة لا تكون إلا من أربعة أعواد ثم ~~تسقف بالثمام ويقال خيم فلان خيمة إذا بناها من جريد النخل وخيم بها إذا ~~قام بها وتظلل فيها وقيل كل خيامها من در ولؤلؤ وزبرجد مجوف تضاف إلى ~~القصور في الجنة. ق عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء وفي ~~رواية عرضها ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى ~~بعضهم بعضا " # { فبأي آلاء ربكما تكذبان لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان } تقدم تفسيره، { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان متكئين على رفرف خضر } قيل الرفرف ms3035 رياض الجنة خضر ~~مخصبة ويروى هذا عن ابن عباس وقيل إن الرفرف البسط، وعن ابن عباس الرفرف ~~فضول المجالس والبسط منه وقيل هي مجالس خضر فوق الفرش وقيل هي المرافق ~~وقيل الزرابي وقيل كل ثوب عريض عند العرب فهو رفرف { وعبقري حسان } قيل ~~هي الزرابي والطنافس الثخان وقيل هي الطنافس الرقاق وقيل كل ثوب موشى عند ~~العرب فهو عبقري وقال الخليل كل جليل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم فهو ~~عبقري عند العرب ومنه # " قول النبي صلى الله عليه وسلم في عمر " فلم أر عبقريا يفري فريه " " # وأصل هذا فيما قيل إنه نسب إلى عبقر وهي أرض يسكنها الجن فصار مثلا لكل ~~منسوب إلى شيء رفيع عجيب وذلك أن العرب تعتقد في الجن كل صفة عجيبة وأنهم ~~يأتون بكل أمر عجيب ولما كانت عبقر معروفة بسكنى الجن نسبوا إليها كل شيء ~~عجيب بديع. ### || [55.77-78] # { فبأي آلاء ربكما تكذبان تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } قيل لما ~~ختم نعم الدنيا بقوله { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } وفيه إشارة ~~إلى أن الباقي هو الله تعالى وأن الدنيا فانية ختم نعمة الآخرة بهذه ~~الآية وهو إشارة إلى تمجيده وتحميده م عن ثوبان قال # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا ~~وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام " # وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من الصلاة لم يقعد إلا ~~مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال ~~والإكرام " # أخرجه أبو داود والنسائي غير قولها لم يقعد إلا مقدار ما يقول والله ~~أعلم بمراده. ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-8] # قوله عز وجل: { إذا وقعت الواقعة } يعني إذا قامت القيامة وقيل إذا نزلت ~~صيحة القيامة وهي النفخة الأخيرة وقيل الواقعة اسم للقيامة كالآزفة، { ~~ليس لوقعتها } يعني لمجيئها { كاذبة } يعني ليس لها كذب والمعنى أنها تقع ~~حقا وصدقا وقيل معناه ليس لوقعتها قصة كاذبة ms3036 أي كل ما أخبر الله عنها ~~وقص من خبرها قصة صادقة غير كاذبة وقيل معناه ليس لوقعتها نفس كاذبة أي ~~إن كل من يخبر عن وقوعها صادق غير كاذب لم تكذب نفس أخبرت عن وقوعها، { ~~خافضة رافعة } أي تخفض أقواما إلى النار وترفع أقواما إلى الجنة وقال ~~ابن عباس تخفض أقواما كانوا في الدنيا مرتفعين وترفع أقواما كانوا في ~~الدنيا مستضعفين وقيل تخفض أقواما بالمعصية وترفع أقواما بالطاعة، { ~~إذا رجت الأرض رجا } أي إذا حركت وزلزلت زلزالا وذلك أن الله عز وجل ~~إذا أوحى إليها اضطربت فرقا وخوفا قال المفسرون ترج كما يرج الصبي في ~~المهد حتى ينهدم كل بناء عليها وينكسر كل ما فيها من جبال وغيرها وهو ~~قوله تعالى: { وبست الجبال بسا } أي فتتت حتى صارت كالدقيق المبسوس وهو ~~المبلول وقيل صارت كثيبا مهبلا بعد أن كانت شامخة وقيل معناه قلعت من ~~أصلها وسيرت على وجه الأرض حتى ذهب بها { فكانت هباء منبثا } أي غبارا ~~متفرقا كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل الكوة وهو الهباء، { وكنتم ~~أزواجا } أي أصنافا { ثلاثة } ثم فسر الأزواج فقال تعالى: { فأصحاب ~~الميمنة } يعني أصحاب اليمين. والميمنة ناحية اليمين وهم الذين يؤخذ بهم ~~ذات اليمين إلى الجنة وقال ابن عباس هم الذين كانوا على يمين آدم حين ~~أخرجت الذرية من صلبه وقال الله تعالى: # " هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي " # وقيل هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم وقيل هم الذين كانوا ميامين أي ~~مباركين على أنفسهم وكانت أعمالهم صالحة في طاعة الله وهم التابعون ~~بإحسان { ما أصحاب الميمنة } تعجيب من حالهم في السعادة. والمعنى أي شيء ~~هم. ### || [56.9-16] # { وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة } يعني أصحاب الشمال وهم الذين يؤخذ ~~بهم ذات الشمال إلى النار وقال ابن عباس هم الذين كانوا على شمال آدم عند ~~إخراج الذرية وقال الله تعالى لهم: # " هؤلاء إلى النار ولا أبالي " # وقيل هم الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم وقيل هم المشائيم على أنفسهم وكانت ~~أعمالهم في المعاصي لأن العرب تسمي اليد اليسرى ms3037 الشؤمى، { والسابقون ~~السابقون } قال ابن عباس هم السابقون إلى الهجرة السابقون في الآخرة إلى ~~الجنة وقيل هم السابقون إلى الإسلام وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين من ~~المهاجرين والأنصار وقيل هم السابقون إلى الصلوات الخمس وقيل إلى الجهاد ~~وقيل هم المسارعون إلى التوبة وإلى ما دعا الله إليه من أعمال البر ~~والخير وقيل هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة. فإن قلت لم أخر ذكر ~~السابقين وكانوا أولى بالتقديم عن أصحاب اليمين. قلت فيه لطيفة وذلك أن ~~الله تعالى ذكر في أول السورة من الأمور الهائلة عند قيام الساعة تخويفا ~~لعباده فإما محسن فيزداد رغبة في الثواب وإما مسيء فيرجع عن إساءته خوفا ~~من العقاب فلذلك قدم أصحاب اليمين ليسمعوا ويرغبوا ثم ذكر أصحاب الشمال ~~ليرهبوا ثم ذكر السابقين وهم الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر ليجتهد أصحاب ~~اليمين في القرب من جهنم ثم أثنى على السابقين فقال تعالى: { أولئك ~~المقربون } يعني من الله في جواره وفي ظل عرشه ودار كرامته وهو قوله: { ~~في جنات النعيم } قوله تعالى: { ثلة } أي جماعة غير محصورة العدد، { من ~~الأولين } يعني من الأمم الماضية من لدن آدم إلى زمن نبينا { وقليل من ~~الآخرين } يعني من هذه الأمة وذلك لأن الذين عاينوا جميع الأنبياء ~~وصدقوهم من الأمم الماضية أكثر ممن عاين النبي صلى الله عليه وسلم وآمن ~~به وقيل إن الأولين هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل من ~~الآخرين أي ممن جاء بعدهم من الصحابة، { على سرر موضونة } أي منسوجة من ~~الذهب والجوهر وقيل موضونة يعني مصفوفة { متكئين عليها } أي على السرر { ~~متقابلين } يعني لا ينظر بعضهم في قفا بعض وصفوا بحسن العشرة في المجالسة ~~وقيل لأنهم صاروا أرواحا نورانية صافية ليس لهم أدبار وظهور. ### || [56.17-23] # { يطوف عليهم } أي للخدمة { ولدان } أي غلمان { مخلدون } لا يموتون ولا ~~يهرمون ولا يتغيرون ولا ينتقلون من حالة إلى حالة وقيل مخلدون مفرطون ~~والخلد القرط وهو الحلقة تعلق في الأذن واختلفوا في هؤلاء الولدان فقيل ~~هم أولاد المؤمنين ms3038 الذين ماتوا أطفالا وفيه ضعف لأن الله أخبر أنه ~~يلحقهم بآبائهم ولأن من المؤمنين من لا ولد له فلو خدمه ولد غيره كان ~~منقصة بأبي الخادم وقيل هم صغار الكفار الذين ماتوا قبل التكليف وهذا ~~القول أقرب من الأول لأنه قد اختلف في أولاد المشركين على ثلاثة مذاهب ~~فقال الأكثرون هم في النار تبعا لآبائهم وتوقف فيهم طائفة والمذهب ~~الثالث وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون أنهم من أهل الجنة ولكل مذهب ~~دليل ليس هذا موضعه، وقيل هم أطفال ماتوا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ~~ولا سيئات فيعاقبوا عليها ومن قال بهذه الأقوال يعلل بأن الجنة ليس فيها ~~ولادة والقول الصحيح الذي لا معدل عنه إن شاء الله إنهم ولدان خلقوا في ~~الجنة لخدمة أهل الجنة كالحور وإن لم يولدوا ولم يحصلوا عن ولادة أطلق ~~عليهم اسم الولدان لأن العرب تسمي الغلام وليدا ما لم يحتلم والأمة ~~وليدة وإن أسنت، { بأكواب } جمع كوب وهي الأقداح المستديرة الأفواه لا ~~آذان لها ولا عرا { وأباريق } جمع إبريق وهي ذوات الخراطيم والعرا سميت ~~أباريق لبريق لونها من الصفاء وقيل لأنها يرى باطنها كما يرى ظاهرها، { ~~وكأس من معين } أي من خمرة جارية { لا يصدعون عنها } أي لا تصدع رؤوسهم ~~من شربها وعنها كناية عن الكأس وقيل لا يتفرقون عنها { ولا ينزفون } أي ~~لا يغلب على عقولهم ولا يسكرون منها وقرىء بكسر الزاي ومعناه لا ينفد ~~شرابهم، { وفاكهة مما يتخيرون } أي يأخذون خيارها { ولحم طير مما يشتهون ~~} قال ابن عباس يخطر على قلبه لحم الطير فيطير ممثلا بين يديه على ما ~~اشتهى وقيل إنه يقع على صحفة الرجل فيأكل منه ما يشتهي ثم يطير. فإن قلت ~~هل في تخصيص الفاكهة بالتخير واللحم بالاشتهاء بلاغة؟. قلت نعم وكيف لا ~~وفي كل حرف من حروف القرآن بلاغة وفصاحة والذي يظهر فيه أن اللحم ~~والفاكهة إذا حضرا عند الجائع تميل نفسه إلى اللحم وإذا حضرا عند الشبعان ~~تميل نفسه إلى الفاكهة فالجائع مشته والشبعان غير مشته ms3039 بل هو مختار وأهل ~~الجنة إنما يأكلون لا من جوع بل للتفكه فميلهم إلى الفاكهة أكثر ~~فيتخيرنها ولهذا ذكرت في مواضع كثيرة من القرآن بخلاف اللحم وإذا اشتهاه ~~حضر بين يديه على ما يشتهيه فتميل نفسه إليه أدنى ميل ولهذا قدم الفاكهة ~~على اللحم والله أعلم، { وحور عين } أي ويطوف عليهم حور عين وقيل لهم حور ~~عين وجاء في تفسير حور أي بيض عين أي ضخام العيون { كأمثال اللؤلؤ ~~المكنون } أي المخزون في الصدف المصون الذي لم تمسه الأيدي ولم تقع عليه ~~الشمس والهواء فيكون في نهاية الصفاء روي " أنه سطع نور في الجنة فقيل ما ~~هذا؟ قيل ضوء ثغر حوراء ضحكت " وروي " أن الحوراء إذا مشت يسمع تقديس ~~الخلاخل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها وإن عقد الياقوت يضحك من ~~نحرها وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ يصران بالتسبيح ". ### || [56.24-31] # { جزاء بما كانوا يعملون } أي فعلنا ذلك بهم جزاء بما كانوا يعملون في ~~الدنيا بطاعتنا { لا يسمعون فيها } أي في الجنة، { لغوا } قيل اللغو ما ~~يرغب عنه من الكلام ويستحق أن يلغى وقيل هو القبيح من القول والمعنى ليس ~~فيها لغو فيسمع { ولا تأثيما } قيل معناه أن بعضهم لا يقول لبعض أثمت ~~لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم كما يتكلم به أهل الدنيا وقيل معناه لا ~~يأتون تأثيما أي ما هو سبب التأثيم من قول أو فعل قبيح { إلا قيلا } ~~معناه لكن يقولون قيلا أو يسمعون قيلا { سلاما سلاما } يعني يسلم ~~بعضهم على بعض وقيل تسلم الملائكة عليهم أو يرسل الرب بالسلام إليهم وقيل ~~معناه أن قولهم يسلم في اللغو. ثم ذكر أصحاب اليمين وعجب من شأنهم فقال ~~تعالى: { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } لما بين حال السابقين شرع في ~~بيان حال أصحاب اليمين فقال تعالى: { في سدر مخضود } أي لا شوك فيه كأنه ~~خضد شوكه أي قطع ونزع منه وهذا قول ابن عباس وقيل هو الموقر حملا قيل ~~ثمرها أعظم من القلال وهو النبق قيل لما ms3040 نظر المسلمون إلى وج وهو واد ~~مخصب بالطائف فأعجبهم سدره فقالوا ليت لنا مثل هذا فأنزل الله هذه الآية ~~{ وطلح } قيل هو الموز عند أكثر المفسرين وقيل هو شجر له ظل بارد طيب ~~وقيل هو شجر أم غيلان له شوك ونور طيب الرائحة فخوطبوا ووعدوا بمثل ما ~~يحبون ويعرفون إلا أن فضله على شجر الدنيا كفضل الجنة على الدنيا { منضود ~~} أي متراكم قد نضد بالحمل من أوله إلى آخره ليست له سوق بارزة بل من ~~عروقه إلى أغصانه ثمر وليس شيء من ثمر الجنة في غلاف كثمر الدنيا مثل ~~الباقلاء والجوز ونحوهما بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه، { وظل ~~ممدود } أي دائم لا تنسخه كظل أهل الدنيا وذلك لأن الجنة ظل كلها لا شمس ~~فيها. ق عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة واقرؤوا إن شئتم وظل ~~ممدود " # وعن ابن عباس في قوله وظل ممدود قال شجرة في الجنة على ساق يخرج إليها ~~أهل الجنة فيتحدثون في أصلها فيشتهي بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله عز وجل ~~ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا { وماء مسكوب } أي ~~مصبوب يجري دائما في غير أخدود ولا ينقطع. ### || [56.32-36] # { وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة } قال ابن عباس لا تنقطع إذا جنيت ~~ولا تمتنع من أحد إذا أراد أخذها وقيل لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة ~~بالأثمان كما تنقطع ثمار الدنيا في الشتاء ولا يوصل إليها إلا بالثمن ~~وقيل لا يحظر عليها كما يحظر على بساتين الدنيا وجاء في الحديث # " ما قطعت ثمرة من ثمار الجنة إلا أبدل الله عز وجل مكانها ضعفين " # { وفرش مرفوعة } قال علي مرفوعة على الأسرة وقيل بعضها فوق بعض فهي ~~مرفوعة عالية عن أبي سعيد الخدري # " عن النبي صلى الله عليه وسلم " في قوله: وفرش مرفوعة قال ارتفاعها كما ~~بين السماء والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام " " # أخرجه ms3041 الترمذي وقال حديث حسن غريب قال الترمذي قال بعض أهل العلم معنى ~~هذا الحديث ارتفاعها كما بين السماء والأرض يقول ارتفاع الفرش المرفوعة ~~في الدرجات والدرجات ما بين كل درجتين بين السماء والأرض وقيل أراد ~~بالفرش النساء والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا على الاستعارة فعلى هذا ~~القول يكون معنى مرفوعة أي رفعن بالفضل والجمال على نساء الدنيا ويدل على ~~هذا التأويل قوله في عقبه، { إنا أنشأناهن إنشاء } أي خلقناهن خلقا ~~جديدا قال ابن عباس يعني الآدميات العجائز الشمط يقول خلقناهن بعد الكبر ~~والهرم خلقا آخر، { فجعلناهن أبكارا } يعني عذارى. عن أنس رضي الله ~~تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن أنشأناهن إنشاء قال إن من المنشآت اللاتي كن في الدنيا عجائز عمشا ~~رمصا " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب وضعف بعض رواته وروى البغوي بسنده عن ~~الحسن قال # " أتت عجوز النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ادع الله أن ~~يدخلني الجنة فقال يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز قال فولت تبكي قال ~~أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن الله تعالى قال { إنا أنشأناهن إنشاء ~~فجعلناهن أبكارا } " # هذا حديث مرسل وروي بإسناد الثعلبي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله { إنا أنشأناهن إنشاء } قال # " عجائزكن في الدنيا عمشا رمصا " # { فجعلناهن أبكارا } وقال المسيب بن شريك هن عجائز الدنيا أنشأهن الله ~~بقدرته خلقا جديدا كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا وقيل إنهن فضلن ~~على الحور العين بصلاتهن في الدنيا وقيل هن الحور العين أنشأهن الله لم ~~تقع عليهن ولادة فجعلناهن أبكارا عذارى وليس هناك وجع. ### || [56.37-40] # { عربا } جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها قاله ابن عباس في رواية عنه ~~وعنه أنها الملقة وقيل الغنجة وعن أسامة بن زيد عن أبيه عربا قال حسان ~~الكلام { أترابا } يعني أمثالا في الخلق وقيل مستويات في السن على سن ~~واحد بنات ثلاث وثلاثين، عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم ms3042 قال # " يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين أبناء ثلاثين أو قال ثلاث ~~وثلاثين سنة " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب { لأصحاب اليمين } يعني أنشأهن لأصحاب ~~اليمين وقيل هذا الذي ذكرنا لأصحاب اليمين { ثلة من الأولين } يعني من ~~المؤمنين الذين هم قبل هذه الأمة { وثلة من الآخرين } يعني من مؤمني هذه ~~الأمة يدل عليه ما روى البغوي بإسناد الثعلبي عن عروة بن رويم قال # " لما أنزل الله عز وجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلة من ~~الأولين وقليل من الآخرين بكى عمر فقال يا نبي الله آمنا برسول الله ~~وصدقناه ومن ينجو منا قليل فأنزل الله عز وجل وثلة من الأولين وثلة من ~~الآخرين فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر فقال قد أنزل الله تعالى ~~فيما قلت فقال رضينا عن ربنا وتصديق نبينا فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من آدم إلينا ثلة ومنا إلى يوم القيامة ثلة ولا يستتمها الأسودان من ~~رعاة الإبل ممن قال لا إله إلا الله " # ، ق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان ~~والنبي وليس معه أحد إذ رفع إلى سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي هذا ~~موسى وقومه ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي انظر إلى ~~الأفق الآخر فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون ~~الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم نهض فدخل منزله فخاض القوم في أولئك الذين ~~يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قال بعضهم فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا ~~بالله وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما ~~الذي تخوضون فيه فأخبروه فقال هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون ~~وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن فقال يا رسول الله ms3043 ادع الله أن ~~يجعلني منهم فقال أنت منهم فقام رجل آخر فقال يا رسول الله ادع الله أن ~~يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة " # الرهيط تصغير رهط وهم دون العشرة وقيل إلى الأربعين. # ق # " عن عبد الله بن مسعود قال " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~قبة نحوا من أربعين فقال أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا نعم قال ~~أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا نعم قال والذي نفس محمد بيده إني ~~لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة ~~مسلمة وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو ~~كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر " " # وعن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون منها من هذه الأمة وأربعون من سائر ~~الأمم " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن وذهب جماعة إلى أن الثلثين جميعا من هذه ~~الأمة وهو قول أبي العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحاك قالوا ثلة ~~من الأولين من سابقي هذه الأمة وثلة من الآخرين من هذه الأمة أيضا في ~~آخر الزمان يدل على ذلك ما روى البغوي بإسناد الثعلبي # " عن ابن عباس في هذه الآية ثلة من الأولين وثلة من الآخرين قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " هما جميعا من أمتي " " # وهذا القول هو اختيار الزجاج قال معناه جماعة ممن تبع النبي صلى الله ~~عليه وسلم وآمن به وعاينه وجماعة ممن آمن به وكان بعده ولم يعاينه. فإن ~~قلت كيف قال في الآية الأولى وقليل من الآخرين وقال في هذه الآية وثلة من ~~الآخرين؟. قلت: الآية الأولى في السابقين الأولين وقليل ممن يلحق بهم من ~~الآخرين وهذه الآية في أصحاب اليمين وهم كثيرون من الأولين والآخرين وحكي ~~عن بعضهم أن هذه ناسخة للأولى واستدل بحديث عروة بن رويم ونحوه والقول ~~بالنسخ لا يصح لأن الكلام في الآيتين خبر والخبر لا يدخله النسخ. ### || [56.41-56] ms3044 # قوله تعالى: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } قد تقدم أنه بمعنى ~~التعجب من حالتهم وهم الذين يعطون كتبهم بشمائلهم ثم بين منقلبهم وما أعد ~~لهم من العذاب فقال تعالى: { في سموم } أي في حر النار وقيل في ريح شديد ~~الحرارة { وحميم } أي ماء حار يغلي، { وظل من يحموم } يعني في ظل من دخان ~~شديد السواد قيل إن النار سواد وأهلها سود وكل شيء فيها أسود وقيل ~~اليحموم اسم من أسماء النار { لا بارد ولا كريم } يعني لا بارد المنزل ~~ولا كريم المنظر وذلك لأن فائدة الظل ترجع إلى أمرين أحدهما دفع الحر ~~والثاني حسن المنظر وكون الإنسان فيه مكرما وظل أهل النار بخلاف هذا ~~لأنهم في ظل من دخان أسود حار، ثم بين بما استحقوا ذلك فقال تعالى: { ~~إنهم كانوا قبل ذلك } يعني في الدنيا، { مترفين } يعني منعمين { وكانوا ~~يصرون على الحنث العظيم } يعني على الذنب الكبير وهو الشرك وقيل الحنث ~~العظيم اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون وكذبوا في ~~ذلك يدل عليه سياق الآية وهو قوله تعالى: { وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون } فرد الله تعالى عليهم ~~بقوله { قل إن الأولين والآخرين } يعني الآباء والأبناء، { لمجموعون إلى ~~ميقات يوم معلوم } يعني أنهم يجمعون ويحشرون ليوم الحساب { ثم إنكم أيها ~~الضالون } يعني عن الهدى { المكذبون } أي بالبعث والخطاب لكفار مكة وقيل ~~إنه عام مع كل ضال مكذب، { لآكلون من شجر من زقوم } تقدم تفسيره { ~~فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم } يعني ~~الإبل العطاش قيل إن الهيام داء يصيب الإبل فلا تروى معه ولا تزال تشرب ~~حتى تهلك وقيل الهيم الأرض ذات الرمل التي لا تروى بالماء قيل يلقى على ~~أهل النار العطش فيشربون من الحميم شرب الهيم فلا يروون { هذا نزلهم } ~~يعني ما ذكر من الزقوم والحميم أي رزقهم وغذاؤهم وما أعد لهم { يوم الدين ~~} يعني يوم يجازون بأعمالهم ثم احتج عليهم في البعث بقوله تعالى: { نحن ms3045 ~~خلقناكم فلولا تصدقون }. ### || [56.57-65] # { نحن خلقناكم } يعني ولم تكونوا شيئا وأنتم تعلمون ذلك { فلولا } أي ~~فهلا { تصدقون } يعني بالبعث بعد الموت. قوله عز وجل: { أفرأيتم ما تمنون ~~} يعني ما تصبون في الأرحام من النطف { أأنتم تخلقونه } أي أنتم تخلقون ~~ما تمنون بشرا { أم نحن الخالقون } أي إنه خلق النطفة وصورها وأحياها ~~فلم لا تصدقون بأنه واحد قادر على أن يعيدكم كما أنشأكم احتج عليهم في ~~البعث بالقدرة على ابتداء الخلق، { نحن قدرنا بينكم الموت } يعني الآجال ~~فمنكم من يبلغ الكبر والهرم ومنكم من يموت صبيا وشابا وغير ذلك من ~~الآجال القريبة والبعيدة وقيل معناه إنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه ~~سواء شريفهم ووضيعهم فعلى هذا القول يكون معنى قدرنا قضينا، { وما نحن ~~بمسبوقين } يعني لا يفوتني شيء أريده ولا يمتنع مني أحد وقيل معناه وما ~~نحن بمغلوبين عاجزين عن إهلاككم وإبدالكم بأمثالكم وهو قوله تعالى: { على ~~أن نبدل أمثالكم } أي نأتي بخلق مثلكم بدلا منكم في أسرع حين { وننشئكم ~~} أي نخلقكم { فيما لا تعلمون } أي من الصور والمعنى نغير حليتكم إلى ما ~~هو أسمح منها من أي خلق شئنا وقيل نبدل صفاتكم فنجعلكم قردة وخنازير كما ~~فعلنا بمن كان قبلكم أي إن أردنا أن نفعل ذلك بكم ما فاتنا، وقال سعيد بن ~~المسيب فيما لا تعلمون في حواصل طيور سود كأنها الخطاطيف تكون ببرهوت وهو ~~واد باليمن وهذه الأقوال كلها تدل على المسخ وعلى أنه لو شاء أن يبدلهم ~~بأمثالهم من بني آدم قدر ولو شاء أن يمسخهم في غير صورهم قدر، وقال بعض ~~أهل المعاني هذا يدل على النشأة الثانية يكونها الله تعالى في وقت لا ~~يعلمه العباد ولا يعلمون كيفيته كما علموا الإنشاء الأول من جهة التناسل ~~ويكون التقدير على هذا وما نحن بمسبوقين على أن ننشئكم في وقت لا تعلمونه ~~يعني وقت البعث والقيامة، وفيه فائدة وهو التحريض على العمل الصالح لأن ~~التبديل والإنشاء هو الموت والبعث وإذا كان ذلك واقعا في الأزمان ولا ~~يعلمه أحد ms3046 فينبغي أن لا يتكل الإنسان على طول المدة ولا يغفل عن إعداد ~~العدة { ولقد علمتم النشأة الأولى } أي الخلقة الأولى ولم تكونوا شيئا ~~وفيه تقرير للنشاة الثانية يوم القيامة { فلولا تذكرون } أي بأني قادر ~~على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم أول مرة. قوله تعالى: { أفرأيتم ما ~~تحرثون } لما ذكر الله تعالى ابتداء الخلق وما فيه من دلائل الوحدانية ~~ذكر بعده الرزق لأن به البقاء وذكر أمورا ثلاثة المأكول والمشروب وما به ~~إصلاح المأكول والمشروب ورتبه ترتيبا حسنا فذكر المأكول أولا لأنه هو ~~الغذاء وأتبعه المشروب لأن به الاستمراء ثم النار التي بها الإصلاح وذكر ~~من أنواع المأكول الحب لأنه هو الأصل ومن المشروب الماء لأنه أيضا هو ~~الأصل وذكر من المصلحات النار لأن بها إصلاح أكثر الأغذية، فقوله أفرأيتم ~~ما تحرثون أي ما تثيرون من الأرض وتلقون فيه البذر { أأنتم تزرعونه } أي ~~تنبتونه وتنشئونه حتى يشتد ويقوم على سوقه { أم نحن الزارعون } معناه ~~أأنتم فعلتم ذلك أم الله ولا شك في أن إيجاد احب في السنبل ليس بفعل أحد ~~غير الله تعالى وإن كان إلقاء البذر من فعل الناس، { لو نشاء لجعلناه } ~~يعني ما تحرثونه وتلقون فيه من البذر، { حطاما } أي تبنا لا قمح فيه ~~وقيل هشيما لا ينتفع به في مطعم ولا غيره وقيل هو جواب لمعاند يقول نحن ~~نحرثه وهو بنفسه يصير زرعا لا بفعلنا ولا بفعل غيرنا فرد الله علي هذا ~~المعاند بقوله لو نشاء لجعلناه حطاما فهل تقدرون أنتم على حفظه أو هو ~~يدفع عن نفسه بنفسه تلك الآفات التي تصيبه ولا يشك أحد في أن دفع الآفات ~~ليس إلا بإذن الله وحفظه، { فظلتم تفكهون } أي تتعجبون مما نزل بكم في ~~زرعكم وقيل تندمون على نفقاتكم وقيل تندمون على ما سلف منكم من المعاصي ~~التي أوجبت تلك العقوبة وقيل تتلاومون وقيل تحزنون وقيل هو تلهف على ما ~~فات. ### || [56.66-73] # { إنا لمغرمون } أي وتقولون فحذف القول ومعنى الغرم ذهاب المال بغير عوض ~~وقيل معناه لموقع بنا وقال ms3047 ابن عباس رضي الله عنهما لمعذبون يعني أنهم ~~عذبوا بذهاب أموالهم بغير فائدة والمعنى إنا غرمنا الحب الذي بذرناه فذهب ~~بغير عوض، { بل نحن محرومون } أي ممنوعون والمعنى حرمنا الذي كنا نطلبه ~~من الريع في الزرع، { أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن ~~أم نحن المنزلون } ذكرهم الله تعالى نعمه عليهم بإنزال المطر الذي لا ~~يقدر عليه إلا الله عز وجل: { لو نشاء جعلناه أجاجا } قال ابن عباس شديد ~~الملوحة وقيل مرا لا يمكن شربه { فلولا } أي فلا { تشكرون } يعني نعمة ~~الله عليكم { أفرأيتم النار التي تورون } يعني تقدحون من الزند { أأنتم ~~أنشأتم شجرتها } يعني التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار وهما ~~شجرتان تقدح منهما النار وهما رطبتان وقيل أراد جميع الشجر الذي توقد منه ~~النار { أم نحن المنشئون نحن جعلناها } يعني نار الدنيا { تذكرة } أي ~~للنار الكبرى إذا رأى الرائي هذه النار ذكر بها نار جهنم فيخشى الله ~~ويخاف عقابه وقيل موعظة يتعظ بها المؤمن. ق عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم قالوا والله إن ~~كانت لكافية يا رسول الله قال فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها ~~مثل حرها " # { ومتاعا } أي بلغة ومنفعة { للمقوين } يعني للمسافرين والمقوي النازل ~~في الأرض القواء وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والمعنى أنه ينتفع ~~بها أهل البوادي والسفار فإن منفعتهم أكثر من المقيم فإنهم يوقدونها ~~بالليل لتهرب الشماع ويهتدي بها الضال إلى غير ذلك من المنافع هذا قول ~~أكثر المفسرين وقيل المقوين الذين يستمتعون بها في الظلمة ويصطلون بها من ~~البرد وينتفعون بها في الطبخ والخبز إلى غير ذلك من المنافع وقيل المقوي ~~من الأضداد يقال للفقير مقو لخلوه من المال ويقال للغني مقو لقوته على ما ~~يريد والمعنى أن فيها متاعا ومنفعة للفقراء والأغنياء جميعا لا غنى ~~لأحد عنها. ### || [56.74-79] # { فسبح باسم ربك العظيم } لما ذكر الله ما يدل على ms3048 وحدانيته وقدرته ~~وإنعامه على سائر الخلق خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون ~~خطابا لكل فرد من الناس فقال تعالى فسبح باسم ربك أي برىء الله ونزهه ~~عما يقول المشركون في صفته والاسم يكون بمعنى الذات والمعنى فسبح بذات ~~ربك العظيم. قوله عز وجل: { فلا أقسم } قال أكثر المفسرين معناه فأقسم ~~ولا صلة مؤكدة وقيل لا على أصلها وفي معناها وجهان أحدهما أنها ترجع إلى ~~ما تقدم ومعناها النهي وتقديره فلا تكذبوا ولا تجحدوا ما ذكرته من النعم ~~والحجج. الوجه الثاني: أن لا رد لما قاله الكفار في القرآن من أنه سحر ~~وشعر وكهانة والمعنى ليس الأمر كما تقولون ثم استأنف القسم فقال أقسم ~~والمعنى لا والله لا صحة لقول الكفار وقيل إن لا هنا معناها النفي فهو ~~كقول القائل لا تسأل عما جرى وهو يريد تعظيم الأمر لا النهي عن السؤال، { ~~بمواقع النجوم } قال ابن عباس أراد نجوم القرآن فإنه كان ينزل على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم متفرقا وقيل أراد مغارب النجوم ومساقطها وقيل ~~أراد منازلها وقيل انكدارها وانتثارها يوم القيامة وقيل مواقعها في اتباع ~~الشياطين عند الرجم { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } قيل هذا يدل على أن ~~المراد بمواقع النجوم نزول القرآن والمعنى إن القسم بمواقع النجوم لقسم ~~عظيم لو تعلمون عظمته لانتفعتم بذلك وقيل معنى لو تعلمون أي فاعلموا ~~عظمته وقيل إنه اعتراض بين القسم والمقسم عليه والمعنى فأقسم بمواقع ~~النجوم، { إنه لقرآن كريم } أي إن الكتاب الذي أنزل على محمد صلى الله ~~عليه وسلم لقرآن كريم أي عزيز مكرم لأنه كلام الله تعالى ووحيه إلى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم وقيل الكريم الذي من شأنه أن يعطي الكثير وسمي القرآن ~~كريما لأنه يفيد الدلائل التي تؤدي إلى الحق في الدين وقيل الكريم اسم ~~جامع لما يحمد والقرآن الكريم لما يحمد فيه من الهدى والنور والبيان ~~والعلم والحكم فالفقيه يستدل به ويأخذ منه والحكيم يستمد منه ويحتج به ~~والأديب يستفيد منه ويتقوى به ms3049 فكل عالم يطلب أصل علمه منه وقيل سمي ~~كريما لأن كل أحد يناله ويحفظه من كبير وصغير وذكي وبليد بخلاف غيره من ~~الكتب، وقيل إن الكلام إذا كرر مرارا يسأمه السامعون ويهون في الأعين ~~وتمله الآذان والقرآن عزيز كريم لا يهون بكثرة التلاوة ولا يخلق بكثرة ~~الترداد ولا يمله السامعون ولا يثقل على الألسنة بل هو غض طري يبقى أبد ~~الدهر كذلك { في كتاب مكنون } أي مصون مستور عند الله تعالى في اللوح ~~المحفوظ من الشياطين من أن يناله بسوء وقيل المراد بالكتاب المصحف ومعنى ~~مكنون مصون محفوظ من التبديل والتحريف والقول الأول أصح، { لا يمسه } أي ~~ذلك الكتاب المكنون { إلا المطهرون } وهم الملائكة الموصوفون بالطهارة من ~~الشرك والذنوب والأحداث يروى هذا القول عن ابن عباس وأنس وهو قول سعيد بن ~~جبير وأبي العالية وقتادة وابن زيد وقيل هم السفرة الكرام البررة وعلى ~~القول الثاني من أن المراد بالكتاب المصحف فقيل معنى لا يمسه إلا ~~المطهرون أي من الشرك وكان ابن عباس ينهى أن تمكن اليهود والنصارى من ~~قراءة القرآن قال الفراء لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به وقيل معناه لا ~~يقرأه إلا الموحدون وقال قوم معناه لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث ~~والجنابات وظاهر الآية نفي ومعناها نهي قالوا لا يجوز للجنب ولا للحائض ~~ولا للمحدث حمل المصحف ولا مسه وهو قول عطاء وطاوس وسالم والقاسم وأكثر ~~أهل العلم وبه قال مالك والشافعي وأكثر الفقهاء يدل عليه ما روى مالك في ~~الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم إن في الكتاب الذي ~~كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم # " أن لا تمس القرآن إلا طاهرا " # أخرجه مالك مرسلا وقد جاء موصولا عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ~~عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بهذا ~~والصحيح فيه الإرسال وروى الدارقطني بسنده عن سالم عن أبيه قال قال ms3050 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " لا يمس القرآن إلا طاهر " # والمراد بالقرآن المصحف سماه قرآنا على قرب الجوار والاتساع، كما روي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ~~" # وأراد به المصحف وقال الحكم وحماد وأبو حنيفة يجوز للمحدث والجنب حمل ~~المصحف ومسه بغلافه. فإن قلت: إذا كان الأصح أن المراد من الكتاب هو ~~اللوح المحفوظ وأن المراد من " لا يمسه إلا المطهرون " هم الملائكة ولو ~~كان المراد نفي الحدث لقال لا يمسه إلا المتطهرون من التطهر فكيف يصح قول ~~الشافعي لا يصح للمحدث مس المصحف. قلت من قال أن الشافعي أخذه من صريح ~~الآية حمله على التفسير الثاني وهو القول بأن المراد من الكتاب هو المصحف ~~ومن قال إنه أخذه من طريق الاستنباط قال المس بطهر صفة دالة على التعظيم ~~والمس بغير طهر نوع استهانة وهذا لا يليق بمباشرة المصحف الكريم والصحيح ~~أنه أخذه من السنة ودليله ما تقدم من الأحاديث والله أعلم. ### || [56.80-84] # قوله تعالى: { تنزيل من رب العالمين } صفة للقرآن أي القرآن منزل من عند ~~رب العالمين سمي المنزل تنزيلا على اتساع اللغة يقال للمقدور قدر ~~وللمخلوق خلق وفيه رد على من قال إن القرآن شعر أو سحر أو كهانة فقال ~~الله تعالى بل القرآن تنزيل من رب العالمين. قوله عز وجل: { أفبهذا ~~الحديث } يعني القرآن { أنتم } أي يا أهل مكة { مدهنون } قال ابن عباس ~~مكذبون وقيل كافرون والمدهن والمداهن الكذاب والمنافق والإدهان الجري في ~~الباطل على خلاف الظاهر هذا أصله ثم قيل للمكذب والكافر مدهن وإن صرح ~~بالتكذيب والكفر، { وتجعلون رزقكم } أي حظكم ونصيبكم من القرآن { أنكم ~~تكذبون } قال الحسن في هذه الآية خسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا ~~التكذيب وقال جماعة من المفسرين معناه وتجعلون شكركم أنكم تكذبون أي ~~بنعمة الله عليكم وهذا في الاستسقاء بالأنواء وذلك أنهم كانوا إذا مطروا ~~يقولون مطرنا بنوء كذا ولا يرون ذلك المطر من فضل الله عليهم فقيل لهم ms3051 ~~أتجعلون رزقكم أي شكركم بما رزقكم التكذيب فمن نسب الإنزال إلى النجم فقد ~~كذب برزق الله تعالى ونعمه وكذب بما جاء به القرآن والمعنى أتجعلون بدل ~~الشكر التكذيب، ق # " عن يزيد بن خالد الجهني قال " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على ~~الناس فقال هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال قال أصبح ~~من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي ~~كافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن ~~بالكواكب " " # رواه مسلم وفيه عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعناه ~~وزاد فنزلت هذه الآية فلا أقسم بمواقع النجوم إلى قوله وتجعلون رزقكم ~~أنكم تكذبون، وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين ~~ينزل الله الغيث فيقولون الكوكب كذا وكذا وفي رواية بكوكب كذا وكذا " # عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا ~~وبنجم كذا وكذا " # وفي رواية # " بكوكب كذا وكذا " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. قوله في أثر سماء أي أثر مطر والنوء ~~الكوكب يقال ناء النجم ينوء إذا سقط وغاب وقيل ناء إذا نهض وطلع واختلف ~~العلماء في معنى الحديث وكفر من قال مطرنا بنوء كذا على قولين أحدهما أنه ~~كفر بالله تعالى سالب لأصل الإيمان مخرج عن ملة الإسلام وذلك فيمن قال ~~ذلك معتقدا أن الكوكب فاعل مدبر منشىء للمطر كما كان بعض الجاهلية يزعم ~~فمن اعتقد هذا فلا شك في كفره، وهذا القول هو الذي ذهب إليه جماهير ~~العلماء منهم الشافعي وهو ظاهر الحديث وعلى هذا لو قال مطرنا بنوء كذا ~~وكذا وهو ms3052 معتقد أن إيجاد المطر من الله ورحمته وأن النوء ميقات له ومراده ~~إنا مطرنا في وقت طلوع نجم كذا ولم يقصد إلى فعل النجم كما جاء عن عمر ~~أنه استسقى بالمصلى ثم نادى العباس كم بقي من نوء الثريا؟ فقال إن ~~العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعا بعد وقوعها فوالله ما مضت تلك ~~السبع حتى غيث الناس وإنما أراد عمركم بقي من الوقت الذي جرت العادة أنه ~~إذا تم أتى الله بالمطر فهذا جائز لا كفر فيه واختلفوا في كراهية هذا ~~والأظهر أنها كراهية تنزيه لا إثم فيها ولا تحريم وسبب هذه الكراهة أنها ~~كلمة مترددة بين الكفر وغيره فيساء الظن بقائلها ولأنها من شعار الجاهلية ~~ومن سلك مسلكهم، والقول الثاني في تأويل أصل الحديث أن المراد بالكفر كفر ~~النعمة لله تعالى لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكواكب وهذا جار فيمن لا ~~يعتقد تدبير الكواكب ويؤيد هذا التأويل حديث أبي هريرة # " ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين " # فقوله بها يدل على أنه كفر بالنعمة والله أعلم. قوله تعالى: { فلولا } ~~أي فهلا { إذا بلغت الحلقوم } أي النفس أو الروح إلى الحلقوم عند الموت { ~~وأنتم } يعني يا أهل الميت { حينئذ تنظرون } يعني إلى الميت متى تخرج ~~نفسه وقيل تنظرون إلى أمري وسلطاني لا يمكنكم الدفع ولا تملكون شيئا. ### || [56.85-92] # { ونحن أقرب إليه منكم } أي بالعلم والقدرة والرؤية وقيل ورسلنا الذين ~~يقبضون روحه أقرب إلى الميت منكم { ولكن لا تبصرون } أي الذين حضروه من ~~الملائكة لقبض روحه وقيل لا تبصرون أي لا تعلمون ذلك { فلولا إن كنتم غير ~~مدينين } أي مملوكين وقيل محاسبين ومجزيين { ترجعونها إن كنتم صادقين } ~~أي تردون نفس هذا الميت إلى جسده بعد ما بلغت الحلقوم فأجاب عن قوله ~~فلولا إذا بلغت الحلقوم وعن قوله فلولا إن كنتم غير مدينين بجواب واحد ~~وهو قوله ترجعونها والمعنى إن كان الأمر كما تقولون إنه لا بعث ولا حساب ~~ولا إله يجازي فهلا تردون ms3053 نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم وإذا لم ~~يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر إلى غيركم وهو الله تعالى فآمنوا به ثم ذكر ~~طبقات الخلق عند الموت وبين درجاتهم فقال تعالى: { فأما إن كان من ~~المقربين } يعني السابقين. { فروح } أي فله روح وهو الراحة وقيل فله فرح ~~وقيل رحمة { وريحان } أي وله استراحة وقيل رزق وقيل هو الريحان الذي يشم ~~قال أبو العالية لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان ~~الجنة فيشمه فتقبض روحه { وجنة نعيم } أي وله جنة النعيم يفضي إليها في ~~الآخرة قال أبو بكر الوراق الروح النجاة من النار والريحان رضوان دار ~~القرار { وأما إن كان } يعني المتوفى { من أصحاب اليمين فسلام لك من ~~أصحاب اليمين } أي فسلامة لك يا محمد منهم والمعنى فلا تهتم لهم فإنهم ~~سلموا من عذاب الله أو إنك ترى فيهم ما تحب من السلامة وقيل هو أن الله ~~يتجاوز عن سيئاتهم ويقبل حسناتهم وقيل معناه مسلم لك أنهم من أصحاب ~~اليمين أو يقال لصاحب اليمين مسلم لك أنك من أصحاب اليمين وقيل فسلام ~~عليك من أصحاب اليمين، { وأما إن كان من المكذبين } أي بالبعث { الضالين ~~} أي عن الهدى وهم أصحاب الشمال. ### || [56.93-95] # { فنزل من حميم } أي الذي يعد لهم حميم جهنم { وتصلية جحيم } أي وإدخال ~~نار عظيمة { إن هذا } يعني ما ذكر من قصة المحتضرين { لهو حق اليقين } أي ~~لا شك فيه وقيل إن هذا الذي قصصناه عليك في هذه السورة من الأقاصيص وما ~~أعد الله لأوليائه من النعم وما أعد لأعدائه من العذاب الأليم وما ذكر ~~مما يدل على وحدانيته يقين لا شك فيه، { فسبح باسم ربك العظيم } أي فنزه ~~ربك العظيم عن كل سوء وقيل معناه فصل بذكر ربك العظيم وبأمره. عن عقبة بن ~~عامر الجهني قال # " لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اجعلوها في ركوعكم ولما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال اجعلوها في سجودكم " # أخرجه أبو داود ms3054 عن حذيفة # " أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول في ركوعه " سبحان ربي ~~العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل ~~وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وله عن جابر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # " من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة " # م # " عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أخبرك بأحب ~~الكلام إلى الله تعالى قال سبحان الله وبحمده " " # ق عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن ~~سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " # هذا الحديث آخر حديث في صحيح البخاري والله أعلم. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-5] # قوله عز وجل: { سبح لله ما في السموات والأرض } يعني كل ذي روح وغيره ~~يسبح الله تعالى فتسبيح العقلاء تنزيه الله عز وجل عن كل سوء وعما لا ~~يليق بجلاله وتسبيح غير العقلاء من ناطق وجماد اختلفوا فيه فقيل تسبيحه ~~دلالته على صانعه فكأنه ناطق بتسبيحه وقيل تسبيحه بالقول يدل عليه قوله # ولكن لا تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44] أي قولهم والحق أن التسبيح هو القول الذي لا يصدر إلا من ~~العاقل العارف بالله تعالى وما سوى العاقل ففي تسبيحه وجهان أحدهما أنها ~~تدل على تعظيمه وتنزيهه والثاني أن جميع الموجودات بأسرها منقادة له ~~يتصرف فيها كيف يشاء فإن حملنا التسبيح المذكور في الآية على القول كان ~~المراد بقوله ما في السموات والأرض من في السموات وهم الملائكة ومسبحي ~~الأرض وهم المؤمنون العارفون بالله وإن حملنا التسبيح على التسبيح ~~المعنوي فجميع أجزاء السموات وما فيها من شمس وقمر ونجوم وغير ذلك وجميع ~~ذرات الأرضين وما فيها من جبال وبحار وشجر ودواب وغيره ذلك كلها مسبحة ~~خاشعة خاضعة لجلال عظمة الله جل جلاله وتقدست أسماؤه وصفاته منقادة له ~~يتصرف فيها كيف يشاء. فإن قلت قد ms3055 جاء في بعض فواتح السور سبح بلفظ ~~الماضي وفي بعضها يسبح بلفظ المضارع فما معناه. قلت فيه إشارة إلى كون ~~جميع الأشياء مسبحا لله أبدا غير مختص بوقت دون وقت بل هي كانت مسبحة ~~أبدا في الماضي وستكون مسبحة أبدا في المستقبل { وهو العزيز } أي ~~الغالب الكامل القدرة الذي لا ينازعه شيء، { الحكيم } أي الذي جميع ~~أفعاله على وفق الحكمة والصواب { له ملك السموات والأرض } أي أنه الغني ~~عن جميع خلقه وكلهم محتاجون إليه، { يحيي ويميت } أي يحيي الأموات للبعث ~~ويميت الأحياء في الدنيا { وهو على كل شيء قدير } قوله عز وجل: { هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن } يعني هو الأول قبل كل شيء بلا ابتداء كان ~~هو ولم يكن شيء موجودا والآخر بعد فناء كل أحد بلا انتهاء يفني الأشياء ~~ويبقى هو والظاهر الغالب العالي على كل شيء والباطن العالم بكل شيء هذا ~~معنى قول ابن عباس وقيل هو الأول بوجوده ليس قبله شيء والآخر ليس بعده ~~شيء وقيل هو الأول بوجوده في الأزل وقيل الابتداء والآخر بوجوده في الأبد ~~وبعد الانتهاء والظاهر بالدلائل الدالة على وحدانيته والباطن الذي احتجب ~~عن العقول أن تكيفه، وقيل هو الأول الذي سبق وجوده كل موجود والآخر الذي ~~يبقى بعد كل مفقود وقال الإمام أبو بكر بن الباقلاني معناه أنه تعالى ~~الباقي بصفاته من العلم والقدرة وغيرهما التي كان عليها في الأزل، ويكون ~~كذلك بعد موت الخلائق وذهاب علومهم وقدرهم وحواسهم وتفرق أجسامهم قال ~~وتعلقت المعتزلة بهذا الاسم فاحتجوا لمذهبهم في فناء الأجسام وذهابها ~~بالكلية قالوا معناه أنه الباقي بعد فناء خلقه ومذهب أهل الحق يعني أهل ~~السنة بخلاف ذلك وأن المراد الآخر بصفاته بعد ذهاب صفاتهم كما يقال آخر ~~من بقي من بني فلان فلان يراد حياته ولا يراد فناء أجسام موتاه وذهابها ~~بالكلية هذا آخر كلام ابن الباقلاني، وقيل هو الأول السابق للأشياء ~~والآخر الباقي بعد فناء الأحياء والظاهر بحججه الباهرة وبراهينه النيرة ~~الزاهرة وشواهده الدالة على وحدانيته والباطن الذي احتجب عن ms3056 أبصار الخلق ~~فلا تستوي عليه الكيفية وقيل هو الأول القديم والآخر الرحيم والظاهر ~~الحكيم والباطن العليم، وقيل هو الأول ببره إذ عرفك توحيده والآخر بجوده ~~إذ عرفك طريق التوبة عما جنيت والظاهر بتوفيقه إذ وفقك للسجود له والباطن ~~بستره إذا عصيت يستر عليك، وقال الجنيد هو الأول بشرح القلوب والآخر ~~بغفران الذنوب والظاهر بكشف الكروب والباطن بعلم الغيوب وسأل عمر كعبا ~~عن هذه الآية فقال معناها أن علمه بالأول كعلمه بالآخر وعلمه الظاهر ~~كعلمه بالباطن { وهو بكل شيء عليم } م عن سهيل بن أبي صالح قال كان أبو ~~صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول " ~~اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب ~~والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ ~~بناصيته " وفي رواية " من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها اللهم أنت الأول ~~فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت ~~الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر " وكان يروى ذلك عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي هريرة أيضا قال # " بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدرون ما هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال ~~هذه العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله تعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا ~~يدعونه ثم قال هل تدرون ما فوقكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال فإنها ~~الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف ثم قال هل بينكم وبينها؟ قالوا الله ورسوله ~~أعلم قال بينكم وبينها خمسمائة سنة ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا ~~الله ورسوله أعلم قال سماءان بعد ما بينهما خمسمائة سنة حتى عد سبع سموات ~~ما بين كل سماء كما بين السماء والأرض، ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك؟ ~~قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن فوق ذلك ms3057 العرش وبينه وبين السماء بعد ما ~~بين السماءين ثم قال هل تدرون ما الذي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال ~~فإنها الأرض ثم قال هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟ قالوا الله ورسوله أعلم ~~قال فإن تحتها أرضا أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عد سبع أرضين بين ~~كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة ثم قال والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم ~~بحبل إلى الأرض السابعة السفلى لهبط على الله ثم قرأ هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب قال الترمذي قال بعض أهل العلم في تفسير ~~هذا الحديث إنما أراد لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه وعلم الله وقدرته ~~وسلطانه في كل مكان وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه. العنان اسم ~~للسحاب ومعنى روايا الأرض الحوامل والرقيع اسم للسماء وقيل هو اسم لسماء ~~الدنيا قوله عز وجل: { هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما ~~يعرج فيها } تقدم تفسيره { وهو معكم أينما كنتم } أي بالعلم والقدرة فليس ~~ينفك أحد من تعليق علم الله تعالى وقدرته أينما كان من أرض أو سماء برا ~~وبحرا وقيل هو معكم بالحفظ والحراسة. وقوله تعالى: { والله بما تعملون ~~بصير } يدل على صحة القول الأول، { له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع ~~الأمور }. ### || [57.6-10] # { يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور } ~~تقدم تفسيره. قوله تعالى: { آمنوا بالله ورسوله } لما ذكر أنواعا من ~~الدلائل الدالة على التوحيد والعلم والقدرة شرع يخاطب كفار قريش ويأمرهم ~~بالإيمان بالله ورسوله ويأمرهم بترك الدنيا والإعراض عنها والنفقة في ~~جميع وجوه البر وهو قوله تعالى: { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } يعني ~~المال الذي كان بيد غيركم فأهلكهم وأعطاكم إياه فكنتم في ذلك المال خلفاء ~~عمن مضى { فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير وما لكم لا تؤمنون ~~بالله والرسول يدعوكم ms3058 لتؤمنوا بربكم } يعني وأي عذر لكم في ترك الإيمان ~~بالله والرسول يدعوكم إليه وينبهكم عليه ويتلو عليكم الكتاب الناطق ~~بالبرهان والحجج، { وقد أخذ ميثاقكم } أي أخذ الله ميثاقكم حين أخرجكم من ~~ظهر آدم عليه السلام بأن الله ربكم لا إله لكم سواه وقيل أخذ ميثاقكم حيث ~~ركب فيكم العقول ونصب لكم الأدلة والبراهين والحجج التي تدعو إلى متابعة ~~الرسول، { إن كنتم مؤمنين } أي يوما ما فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا ~~لقيام الحجج والإعلام ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى: { ~~هو الذي ينزل على عبده } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { آيات بينات } ~~يعني القرآن { ليخرجكم } يعني الله بالقرآن وقيل الرسول بالدعوة { من ~~الظلمات إلى النور } أي من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان { وإن الله بكم ~~لرؤوف رحيم } قوله تعالى: { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث ~~السموات والأرض } يقول أي شيء لكم في ترك الإنفاق فيما يقربكم من الله ~~تعالى وأنتم ميتون تاركون أموالكم لغيركم فالأولى أن تنفقوها أنتم فيما ~~يقربكم إلى الله تعالى وتستحقون به الثواب ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في ~~سبيل الله وبالجهاد فقال تعالى: { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ~~وقاتل } يعني فتح مكة في قول أكثر المفسرين وقيل هو صلح الحديبية، ~~والمعنى لا يستوي في الفضل من أنفق ماله وقاتل العدو مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قبل فتح مكة مع من أنفق ماله وقاتل بعد الفتح { أولئك ~~أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } قال الكلبي إن هذه الآية ~~نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه لأنه أول من أسلم وأول من أنفق ماله ~~في سبيل الله وذهب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عبد الله بن ~~مسعود أول من أظهر إسلامه سبع منهم النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ~~وروى البغوي بإسناد الثعلبي # " عن ابن عمر رضي الله عنهما قال " كنت عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعنده ms3059 أبو بكر وعليه عباءة قد خلها في صدره بخلال فنزل جبريل فقال ~~ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال فقال أنفق ماله على ~~قبل الفتح قال فإن الله عز وجل يقول اقرأ عليه السلام وقل له أراض أنت ~~عني في فقرك هذا أم ساخط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر ~~إن الله يقرئك السلام ويقول لك أراض أنت في فقرك هذا أم ساخط فقال أبو ~~بكر أأسخط على ربي إني على ربي راض إني على ربي راض " # { وكلا وعد الله الحسنى } يعني الجنة قال عطاء درجات الجنة تتفاضل ~~فالذين أنفقوا قبل الفتح في أفضلها، { والله بما تعملون خبير }. ### || [57.11-13] # { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } أي صادقا محتسبا بالصدقة طيبة ~~بها نفسه وسمي هذا الإنفاق قرضا من حيث إنه وعد به الجنة تشبيها بالقرض ~~قال بعض العلماء القرض لا يكون حسنا حتى تجمع فيه أوصاف عشرة وهي أن ~~يكون المال من الحلال وأن يكون من أجود المال وأن تتصدق به وأنت محتاج ~~إليه وأن تصرف صدقتك إلى الأحوج إليها وأن تكتم الصدقة ما أمكنك وأن لا ~~تتبعها بالمن والأذى وأن تقصد بها وجه الله ولا ترائي بها الناس وأن ~~تستحقر ما تعطي وتتصدق به وإن كان كثيرا وأن يكون من أحب أموالك إليك ~~وأن لا ترى عز نفسك وذل الفقير فهذه عشرة أوصاف إذا اجتمعت في الصدقة ~~كانت قرضا حسنا، { فيضاعفه له } يعني يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفا، { ~~وله أجر كريم } يعني وذلك الأجر كريم في نفسه. قوله عز وجل: { يوم ترى ~~المؤمنين والمؤمنات } يعني على الصراط { يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ~~} أي عن أيمانهم وقيل أراد جميع الجوانب فعبر بالبعض عن الكل وذلك دليلهم ~~إلى الجنة، وقال قتادة ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء ودون ذلك ~~حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره ms3060 إلا موضع قدميه " # وقال عبد الله بن مسعود يؤتون نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يؤتي نوره ~~كالنخلة ومنهم من يؤتي نوره كالرجل القائم وأدناهم نورا من نوره على ~~إبهامه فيطفأ مرة ويوقد مرة وقيل في معنى الآية يسعى نورهم بين أيديهم أي ~~يعطون كتبهم بأيمانهم وتقول لهم الملائكة { بشراكم اليوم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون ~~والمنافقات للذين آمنوا انظرونا } أي انتظرونا { نقتبس من نوركم } أي ~~نستضيء من نوركم قيل تغشى الناس ظلمة شديدة يوم القيامة فيعطي الله ~~المؤمنين نورا على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط ويعطي المنافقين ~~أيضا نورا خديعة لهم فبينما هم يمشون إذ بعث الله ريحا وظلمة فأطفأت ~~نور المنافقين فذلك قوله تعالى # يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم ~~وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا # [التحريم: 8] مخافة أن يسلبوا نورهم كما سلب نور المنافقين وقيل بل ~~يستضيئون بنور المؤمنين ولا يعطون النور فإذا سبقهم المؤمنون بقوا في ~~الظلمة وقالوا للمؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم، { قيل ارجعوا وراءكم } ~~قال ابن عباس يقول لهم المؤمنون وقيل يقول لهم الملائكة ارجعوا وراءكم من ~~حيث جئتم وقيل ارجعوا إلى الدنيا فاعملوا فيها أعمالا يجعلها الله لكم ~~نورا وقيل معناه لا نور لكم عندنا فارجعوا وراءكم { فالتمسوا } أي ~~اطلبوا لأنفسكم هناك { نورا } أي لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا ~~فيرجعون في طلب النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم ليلقوهم فيميز ~~بينهم وبين المؤمنين فذلك قوله تعالى: { فضرب بينهم } أي المؤمنين ~~والمنافقين { بسور } وهو حائط بين الجنة والنار { له } أي لذلك السور { ~~باب باطنه فيه الرحمة } أي في باطن ذلك السور الرحمة وهي الجنة { وظاهره ~~من قبله العذاب } أي من قبل ذلك الظاهر العذاب وهو النار وروي عن عبد ~~الله بن عمر قال إن السور الذي ذكر في القرآن هو سور بيت المقدس الشرقي ~~باطنه فيه المسجد وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم وقال ابن شريح ms3061 كان كعب ~~يقول في الباب الذي يسمى باب الرحمة في بيت المقدس إنه الباب الذي قال ~~الله تعالى: { فضرب بينهم بسور له باب } الآية. ### || [57.14-15] # { ينادونهم } يعني ينادي المنافقون المؤمنين من وراء ذلك السور حين حجز ~~بينهم وبقوا في الظلمة { ألم نكن معكم } أي في الدنيا نصلي ونصوم { قالوا ~~بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم } أي أهلكتموها بالنفاق والكفر واستعملتموها في ~~المعاصي والشهوات وكلها فتنة { وتربصتم } أي بالإيمان والتوبة وقيل ~~تربصتم بمحمد صلى الله عليه وسلم وقلتم يوشك أن يموت فنستريح منه { ~~وارتبتم } أي شككتم في نبوته وفيما أوعدكم به { وغرتكم الأماني } أي ~~الأباطيل وذلك ما كنتم تتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين { حتى جاء أمر ~~الله } يعني الموت وقيل هو إلقاؤهم في النار وهو قوله تعالى: { وغركم ~~بالله الغرور } يعني الشيطان قال قتادة ما زالوا على خدعة من الشيطان حتى ~~قذفهم الله في النار { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } أي عوض وبدل بأن تفدوا ~~أنفسكم من العذاب وقيل معناه لا يقبل منكم إيمان ولا توبة { ولا من الذين ~~كفروا } يعني المشركين وإنما عطف الكفار على المنافقين وإن كان المنافق ~~كافرا في الحقيقة لأن المنافق أبطن الكفر والكافر أظهره فصار غير ~~المنافق فحسن عطفه على المنافق { مأواكم النار } أي مصيركم، { هي مولاكم ~~} أي وليكم وقيل هي أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب والمعنى هي التي تلي ~~عليكم لأنها ملكت أمركم وأسلمتم إليها فهي أولى بكم من كل شيء وقيل معنى ~~الآية لا مولى لكم ولا ناصر لأن من كانت النار مولاه فلا مولى له { وبئس ~~المصير }. ### || [57.16-18] # قوله تعالى: { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } قيل نزلت ~~في المنافقين بعد الهجرة بسنة وذلك أنهم قالوا لسلمان الفارسي ذات يوم ~~حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنزل # نحن نقص عليك أحسن القصص # [يوسف: 3] فأخبرهم أن القرآن أحسن من غيره فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء ~~الله ثم عادوا فسألوه مثل ذلك فنزل # الله نزل أحسن الحديث # [الزمر: 23] الآية فكفوا عن سؤاله ms3062 ما شاء الله ثم عادوا فسألوه فنزلت ~~هذه الآية فعلى هذا القول يكون تأويل قوله: { ألم يأن للذين آمنوا } يعني ~~في العلانية باللسان ولم يؤمنوا بالقلب، وقيل نزلت في المؤمنين وذلك أنهم ~~لما قدموا المدينة أصابوا من لين العيش ورفاهيته ففتروا عن بعض ما كانوا ~~عليه فعوتبوا ونزل في ذلك ألم يأن للذين آمنوا الآية قال ابن مسعود ما ~~كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين أخرجه ~~مسلم وقال ابن عباس إن الله تعالى استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ~~ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن فقال ألم يأن يعني أما حان للذين آمنوا أن ~~تخشع قلوبهم أي ترق وتلين وتخضع قلوبهم لذكر الله أي لمواعظ الله { وما ~~نزل من الحق } يعني القرآن { ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل } ~~يعني اليهود والنصارى، { فطال عليهم الأمد } أي الزمان الذي بينهم وبين ~~أنبيائهم { فقست قلوبهم } قال ابن عباس مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن ~~مواعظ القرآن والمعنى أن الله نهى المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن ~~كاليهود والنصارى الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر روي عن أبي موسى ~~الأشعري أنه بعث إلى قراء البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرؤوا القرآن ~~فقال أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم قاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو ~~قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم { وكثير منهم فاسقون } يعني الذين ~~تركوا الإيمان بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم قوله عز وجل: { اعلموا أن ~~الله يحيي الأرض } أي بالمطر { بعد موتها } أي يخرج منها النبات بعد ~~يبسها فكذلك يقدر على إحياء الموتى وقال ابن عباس يلين القلوب بعد قسوتها ~~فيجعلها مخبتة منيبة وكذلك يحيي القلوب الميتة بالعلم والحكمة وإلا فقد ~~علم إحياء الأرض بالمطر مشاهدة { قد بينا لكم الآيات } أي الدالة على ~~وحدانيتنا وقدرتنا { لعلكم تعقلون إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله ~~قرضا حسنا } أي بالنفقة والصدقة في سبيل الله { يضاعف لهم } أي ذلك ~~القرض { ولهم أجر كريم } أي ثواب حسن وهو الجنة. ms3063 ### || [57.19-20] # { والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون } أي الكثير والصدق قال ~~مجاهد كل من آمن بالله ورسوله فهو صديق وتلا هذه الآية فعلى هذا الآية ~~عامة في كل من آمن بالله ورسوله وقيل إن الآية خاصة في ثمانية نفر من هذه ~~الأمة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام وهم أبو بكر وعلي وزيد ~~وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب ألحقه الله بهم ~~لما عرف من صدق نيته، { والشهداء عند ربهم } قيل أراد بالشهداء المؤمنين ~~المخلصين قال مجاهد كل مؤمن صديق شهيد وتلا هذه الآية وقيل هم التسعة ~~الذين تقدم ذكرهم وقيل تم الكلام عند قوله هم الصديقون ثم ابتدأ والشهداء ~~عند ربهم وهم الأنبياء الذين يشهدون على الأمم يروى ذلك عن ابن عباس وقيل ~~هم الذين استشهدوا في سبيل الله، { لهم أجرهم } أي بما عملوا من العمل ~~الصالح { ونورهم } يعني على الصراط { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك ~~أصحاب الجحيم } لما ذكر حال المؤمنين أتبعه بحال الكافرين. قوله عز وجل: ~~{ اعلموا أنما الحياة الدنيا } أي مدة الحياة في هذه الدار الدنيا وإنما ~~أراد من صرف حياته في غير طاعة الله فحياته مذمومة ومن صرف حياته في طاعة ~~الله فحياته خير كلها ثم وصفها بقوله { لعب } أي باطل لا حاصل له كلعب ~~الصبيان { ولهو } أي فرح ساعة ثم ينقضي عن قريب { وزينة } أي منظر ~~يتزينون به { وتفاخر بينكم } يعني إنكم تشتغلون في حياتكم بما يفتخر به ~~بعضكم على بعض { وتكاثر في الأموال والأولاد } أي مباهاة بكثرة الأموال ~~والأولاد وقيل بجمع ما لا يحل له فيتطاول بماله وخدمه وولده على أولياء ~~الله تعالى وأهل طاعته ثم ضرب لهذه الحياة مثلا فقال تعالى: { كمثل غيث ~~أعجب الكفار } أي الزراع إنما سمي الزراع كفارا لسترهم الأرض بالبذر { ~~نباته } أي ما نبت بذلك الغيث { ثم يهيج } أي ييبس { فتراه مصفرا } أي ~~بعد خضرته { ثم يكون حطاما } أي يتحطم ويتكسر بعد يبسه ويفنى { وفي ~~الآخرة عذاب شديد } أي لمن كانت حياته بهذه ms3064 الصفة قال أهل المعاني زهد ~~الله بهذه الآية في العمل للدنيا وهذه صفة حياة الكافرين وحياة من يشتغل ~~باللعب واللهو ورغب في العمل للآخرة بقوله: { ومغفرة من الله ورضوان } أي ~~لأوليائه وأهل طاعته وقيل عذاب شديد لأعدائه ومغفرة من الله ورضوان ~~لأوليائه لأن الآخرة إما عذاب وإما جنة { وما الحياة الدنيا إلا متاع ~~الغرور } أي لمن عمل لها ولم يعمل للآخرة فمن اشتغل في الدنيا بطلب ~~الآخرة في له بلاغ إلى ما هو خير منه وقيل متاع الغرور لمن لم يشتغل فيها ~~بطلب الآخرة. ### || [57.21-25] # قوله عز وجل: { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } معناه لتكن مفاخرتكم ~~ومكاثرتكم في غير ما أنتم عليه بل احرصوا على أن تكون مسابقتكم في طلب ~~الآخرة والمعنى سارعوا مسارعة المسابقين في المضمار إلى مغفرة أي إلى ما ~~يوجب المغفرة وهي التوبة من الذنوب وقيل سابقوا إلى ما كلفتم به من ~~الأعمال فتدخل فيه التوبة وغيرها، { وجنة عرضها كعرض السماء والأرض } قيل ~~إن السموات السبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح وألزق بعضها ببعض لكان ~~عرض الجنة في قدرها جميعا وقال ابن عباس إن لكل واحد من المطيعين جنة ~~بهذه السعة وقيل إن الله تعالى شبه عرض الجنة بعرض السموات والأرضين ولا ~~شك أن الطول يكون أزيد من العرض فذكر العرض تنبيها على أن طولها أضعاف ~~ذلك وقيل إن هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه ويقع في نفوسهم وأفكارهم وأكثر ~~ما يقع في نفوسهم مقدار السموات والأرض فشبه عرض الجنة بعرض السموات ~~والأرض على ما يعرفه الناس، { أعدت للذين آمنوا بالله ورسله } فيه أعظم ~~رجاء وأقوى أمل لأنه ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن بالله ورسله ولم يذكر مع ~~الإيمان شيئا آخر يدل عليه قوله في سياق الآية { ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء } فبين أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله تعالى لا بعمله، { ~~والله ذو الفضل العظيم } ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " لن يدخل أحدا ms3065 منكم الجنة عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا ~~أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل رحمته " # وقد تقدم الكلام على معنى هذا الحديث والجمع بينه وبين قوله ادخلوا ~~الجنة بما كنتم تعملون في تفسير سورة النحل. قوله تعالى: { ما أصاب من ~~مصيبة في الأرض } يعني عدم المطر وقلة النبات ونقص الثمار، { ولا في ~~أنفسكم } يعني الأمراض وفقد الأولاد { إلا في كتاب } يعني في اللوح ~~المحفوظ { من قبل أن نبرأها } أي من قبل أن نخلق الأرض والأنفس وقال ابن ~~عباس من قبل أن نبرأ المصيبة { إن ذلك على الله يسير } أي إثبات ذلك على ~~كثرته هين على الله عز وجل: { لكيلا تأسوا } أي تحزنوا { على ما فاتكم } ~~من الدنيا { ولا تفرحوا } أي لا تبطروا { بما آتاكم } أي أعطاكم قال ~~عكرمة ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا الفرح شكرا والحزن صبرا ~~قال صاحب الكشاف: إن قلت ما من أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به ولا عند ~~منفعة ينالها أن لا يحزن ولا يفرح قلت المراد الحزن المخرج إلى ما يذهل ~~صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله ورجاء ثواب الصابرين والفرح المطغي ~~الملهي عن الشكر فأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام ~~والسرور بنعمة الله والاعتداد بها مع الشكر فلا بأس بهما والله أعلم وقال ~~جعفر بن محمد الصادق يا ابن آدم ما لك تأسف على مفقود لا يرده إليك الفوت ~~وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت، { والله لا يحب كل مختال } ~~أي متكبر بما أوتي من الدنيا { فخور } أي بذلك الذي أوتي على الناس { ~~الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } قيل هذه الآية متعلقة بما قبلها ~~والمعنى والله لا يحب الذين يبخلون يريد إذا رزقوا مالا وحظا من الدنيا ~~فلحبهم له وعزته عندهم يبخلون به ولا ينفقونه في سبيل الله ووجوه الخير ~~ولا يكفيهم أنهم بخلوا به حتى يأمروا الناس بالبخل وقيل إن الآية كلام ~~مستأنف لا تعلق له بما قبله وإنها ms3066 في صفة اليهود الذين كتموا صفة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وبخلوا ببيان نعته { ومن يتول } قال ابن عباس عن ~~الإيمان { فإن الله هو الغني } أي عن عباده { الحميد } أي إلى أوليائه. # قوله عز وجل: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } أي بالدلالات والآيات ~~والحجج { وأنزلنا معهم الكتاب } أي المتضمن للأحكام وشرائع الدين { ~~والميزان } يعني العدل أي وأمرنا بالعدل وقيل المراد بالميزان هو الآلة ~~التي يوزن بها وهو يرجع إلى العدل أيضا وهو قوله { ليقوم الناس بالقسط } ~~أي ليتعاملوا بينهم بالعدل، { وأنزلنا الحديد } قيل إن الله تعالى أنزل ~~مع آدم عليه الصلاة والسلام لما أهبط إلى الأرض السندان والمطرقة ~~والكلبتين وروي عن ابن عمر يرفعه " إن الله أنزل أربع بركات من السماء ~~إلى الأرض الحديد والنار والماء والملح " وقيل أنزلنا هنا بمعنى أنشأنا ~~وأحدثنا الحديد وذلك أن الله تعالى أخرج لهم الحديد من المعادن وعلمهم ~~صنعته بوحيه وإلهامه، { فيه بأس شديد } أي قوة شديدة فمنه جنة وهي آلة ~~الدفع ومنه سلاح وهي آلة الضرب { ومنافع للناس } أي ومنه ما ينتفعون به ~~في مصالحهم كالسكين والفأس والإبرة ونحو ذلك، إذ الحديد آلة لكل صنعة فلا ~~غنى لأحد عنه { وليعلم الله } أي وأرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم هذه الأشياء ~~ليتعامل الناس بالحق والعدل وليرى الله { من ينصره } أي من ينصر دينه { ~~ورسله بالغيب } أي الذين لم يروا الله ولا الآخرة وإنما يحمد ويثاب من ~~أطاع بالغيب وقال ابن عباس ينصرونه ولا يبصرونه { إن الله قوي } في أمره ~~{ عزيز } في ملكه. ### || [57.26-27] # { ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب } معناه ~~أنه تعالى شرف نوحا وإبراهيم بالرسالة وجعل في ذريتهما النبوة والكتاب ~~فلا يوجد نبي إلا من نسلهما { فمنهم } أي من الذرية { مهتد وكثير منهم ~~فاسقون ثم قفينا } أي اتبعنا { على آثارهم برسلنا } والمعنى بعثنا رسولا ~~بعد رسول إلى أن انتهت الرسالة إلى عيسى ابن مريم وهو قوله تعالى: { ~~وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه } أي ~~على دينه، { رأفة ورحمة ms3067 } يعني أنهم كانوا متوادين بعضهم لبعض، { ~~ورهبانية ابتدعوها } ليس هذا عطفا على ما قبله والمعنى أنهم جاؤوا بها ~~من قبل أنفسهم وهي ترهبهم في الجبال والكهوف والغيران والديرة فروا من ~~الفتنة وحملوا أنفسهم المشاق في العبادة الزائدة وترك النكاح واستعمال ~~الخشن في المطعم والمشرب والملبس مع التقلل من ذلك { ما كتبناها عليهم } ~~أي ما فرضناها نحن عليهم { إلا ابتغاء رضوان الله } أي لكنهم ابتدعوها ~~ابتغاء رضوان الله { فما رعوها حق رعايتها } يعني أنهم يرعوا تلك ~~الرهبانية حق رعايتها بل ضيعوها وضموا إليها التثليث والاتحاد وكفروا ~~بدين عيسى ودخلوا في دين ملوكهم وأقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فآمنوا به فذلك قوله تعالى: { فآتينا الذين ~~آمنوا منهم أجرهم } وهم الذين ثبتوا على الدين الصحيح، { وكثير منهم ~~فاسقون } وهم الذين تركوا الرهبانية وكفروا بدين عيسى صلى الله عليه وسلم ~~وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن مسعود قال دخلت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا ابن مسعود # " اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك ~~سائرهن: فرقة وازت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى فأخذوهم وقتلوهم، وفرقة ~~لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا أن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم إلى ~~دين الله ودين عيسى فساحوا في البلاد وترهبوا وهم الذين قال الله عز وجل ~~فيهم ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم " # قال صلى الله عليه وسلم # " من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك ~~هم الهالكون " # وعنه قال كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لي # " يا ابن أم عبد هل تدري من أين أخذت بنو إسرائيل الرهبانية؟ قلت الله ~~ورسوله أعلم قال ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بالمعاصي فغضب أهل ~~الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق منهم إلا القليل ~~فقالوا إن ظهرنا لهؤلاء فتنونا ولم يبق أحد يدعو إليه تعالى فتعالوا ~~لنتفرق في الأرض إلى أن ms3068 يبعث الله النبي الذي وعدنا عيسى به - يعنون ~~محمدا صلى الله عليه وسلم - فتفرقوا في غيران الجبال وأحدثوا الرهبانية ~~فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر ثم تلا هذه الآية { ورهبانية ابتدعوها ~~} إلى { فآتينا الذين آمنوا منهم } " # أي من الذين ثبتوا عليها أجرهم ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم # " يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي؟ قلت الله ورسوله أعلم قال ~~الهجرة والصلاة والجهاد والصوم والحج والعمرة والتكبير على التلاع " # ، وروي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن لكل أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله " # وعن ابن عباس قال " كانت ملوك بعد عيسى عليه الصلاة والسلام بدلوا ~~التوراة والإنجيل وكان فيهم جماعة مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل ~~ويدعونهم إلى دين الله فقيل لملوكهم لو جمعتم هؤلاء الذين شقوا عليكم ~~فقتلتموهم أو دخلوا فيما نحن فيه فجمعهم ملكهم وعرض عليهم القتل أو ~~يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها فقالوا ما تريدون إلى ~~ذلك دعونا نحن نكفيكم أنفسنا فقالت طائفة منهم ابنوا لنا اسطوانا ثم ~~ارفعونا فيه ثم أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم ~~وطائفة قالت دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش فإن قدرتم ~~علنيا في أرضكم فاقتلونا. وقالت طائفة منهم ابنوا لنا دورا في الفيافي ~~ونحتفر الآبار ونحترث البقول ولا نرد عليكم ولا نمر عليكم وليس أحد من ~~القبائل إلا وله حميم فيهم قال ففعلوا ذلك فمضى أولئك على منهاج عيسى ~~وخلف قوم من بعدهم ممن غيروا الكتاب فجعل الرجل يقول نكون في مكان فلان ~~نتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورا كما اتخذ فلان وهم ~~على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم فذلك قول الله عز وجل: { ~~ورهبانية ابتدعوها } يعني ابتدعها الصالحون فما رعوها حق رعايتها يعني ~~الآخرين الذين جاؤوا من بعدهم { فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } يعني ~~الذين ابتدعوها { ابتغاء رضوان الله وكثير منهم فاسقون } وهم الذين جاؤوا ~~من ms3069 بعدهم فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا القليل ~~انحط رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته وصاحب دير من ديره فآمنوا به ~~وصدقوه فقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله ~~يؤتكم كفلين من رحمته }. ### || [57.28-29] # { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته } ~~أجرين بإيمانهم بعيسى وبالتوراة والإنجيل وبإيمانهم بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وتصديقهم له وقال { ويجعل لكم نورا تمشون به } القرآن واتباعهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال { لئلا يعلم أهل الكتاب } الذين يتشبهون ~~بكم { ألا يقدرون على شيء من فضل الله } الآية أخرجه النسائي موقوفا على ~~ابن عباس وقال قوم انقطع الكلام عند قوله ورحمة ثم قال ورهبانية ابتدعوها ~~وذلك أنهم تركوا الحق فأكلوا الخنزير وشربوا الخمر وتركوا الوضوء والغسل ~~من الجنابة والختان، # فما رعوها # [الحديد: 27] يعني الملة والطاعة حق رعايتها كناية عن غير مذكور { ~~فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } وهم أهل الرأفة والرحمة { وكثير منهم ~~فاسقون } هم الذين غيروا وبدلوا وابتدعوا الرهبانية ويكون معنى قوله: { ~~ابتغاء رضوان الله } على هذا التأويل: { ما كتبناها عليهم } ولكن ابتغاء ~~رضوان الله وابتغاء رضوان الله اتباع ما أمر به دون الترهب لأنه لم يأمر ~~به. قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } الخطاب لأهل ~~الكتابين من اليهود والنصارى يعني يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا ~~الله في محمد وآمنوا به وهو قوله تعالى: { وآمنوا برسوله } يعني بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم { يؤتكم كفلين } أي نصيبين { من رحمته } يعني يؤتكم ~~أجرين لإيمانكم بعيسى والإنجيل وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ق عن ~~أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ثلاثة لهم أجران رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم والعبد المملوك الذي أدى حق مواليه وحق الله ورجل كانت عنده ~~أمة يطؤها فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها ~~فله أجران " # ، { ويجعل لكم ms3070 نورا تمشون به } يعني على الصراط وقال ابن عباس: النور ~~هو القرآن وقيل هو الهدى والبيان أي يجعل لكم سبيلا واضحا في الدين ~~تهتدون به { ويغفر لكم } أي ما سلف من ذنوبكم قبل الإيمان بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، { والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب } قيل لما سمع من لم ~~يؤمن من أهل الكتاب قوله: { أولئك يؤتون أجرهم مرتين } ، قالوا للمسلمين ~~أما من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه بكتابكم وكتابنا ومن لم ~~يؤمن فله أجر كأجركم فما فضلكم علينا فنزل { لئلا يعلم } أي ليعلم ولا ~~صلة أهل الكتاب يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وحسدوا ~~المؤمنين { ألا يقدرون } يعني أنهم لا يقدرون { على شيء من فضل الله } ~~والمعنى جعلنا الأجرين لمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ليعلم الذين لم ~~يؤمنوا به أنهم لا أجر لهم ولا نصيب من فضل الله وقيل لما نزل في مسلمي ~~أهل الكتاب { أولئك يؤتون أجرهم مرتين } افتخروا على المسلمين بزيادة ~~الأجر فشق ذلك على المسلمين فنزل لئلا يعلم أهل الكتاب يعني المؤمنين ~~منهم أن لا يقدرون على شيء من فضل الله، { وأن الفضل بيد الله } يعني ~~الذي خصكم به فإنه فضلكم على جميع الخلائق وقيل يحتمل أن يكون الأجر ~~الواحد أكثر من الأجرين وقيل قالت اليهود يوشك أن يخرج منا نبي يقطع ~~الأيدي والأرجل فلما خرج من العرب كفروا به فأنزل هذه الآية فعلى هذا ~~يكون فضل الله النبوة { يؤتيه من يشاء } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وهو قوله { وأن الفضل بيد الله } أي في ملكه وتصرفه يؤتيه من يشاء لأنه ~~قادر مختار، { والله ذو الفضل العظيم } خ عن عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم على المنبر يقول # " إنما بقاؤكم فيمن سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب ~~الشمس أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا ~~فأعطوا قيراطا قيراطا ms3071 ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة ~~العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب ~~الشمس فأعطينا قراطين قيراطين فقال أهل الكتابين أي ربنا أعطيت هؤلاء ~~قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطا ونحن أكثر عملا قال الله تعالى هل ~~ظلمتكم من أجركم شيئا قالوا لا قال فهو فضلي أوتيه من أشاء " # وفي رواية # " إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ~~وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال من يعمل لي ~~إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط ~~قيراط ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ~~فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ثم قال من ~~يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين ألا فأنتم ~~الذين يعملون من صلاة العصر إلى غروب الشمس ألا لكم الأجر مرتين فغضبت ~~اليهود والنصارى وقالوا نحن أكثر عملا وأقل عطاء قال الله عز وجل وهل ~~ظلمتكم من حقكم شيئا قالوا لا قال فإنه فضلي أصيب به من شئت " # أي أعطيه من شئت خ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له إلى ~~الليل على أجر معلوم فعملوا إلى نصف النهار فقالوا لا حاجة لنا إلى أجرك ~~الذي شرطت لنا وما عملنا باطل فقال لهم لا تفعلوا اعملوا بقية يومكم ~~وخذوا أجركم كاملا فأبوا وتركوا واستأجر آخرين بعدهم فقال اعملوا بقية ~~يومكم ولكم الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر ~~قالوا ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه فقال أكملوا بقية عملكم ~~فإن ما بقي من النهار شيء يسير فأبوا فاستأجر قوما أن يعملوا بقية يومهم ~~فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما فذلك ~~مثلهم ومثل ms3072 ما قبلوا من هذا النور " # والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1] # قوله عز وجل: # " { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } نزلت في خولة بنت ثعلبة ~~وقيل اسمها جميلة وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت وكان به لمم ~~وكانت هي حسنة الجسم فأرادها فأبت عليه فقال لها أنت علي كظهر أمي ثم ~~ندم على ما قال وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية فقال ما أظنك ~~إلا قد حرمت علي فقالت والله ما ذاك طلاق فأتت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعائشة تغسل شق رأسه فقالت يا رسول الله إن زوجي أوس بن الصامت ~~تزوجني وأنا شابة غنية ذات أهل ومال حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق ~~أهلي وكبر سني ظاهر مني وقد ندم فهل من شيء يجمعني وإياه وتنعشني به فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمت عليه فقالت يا رسول الله والذي أنزل ~~عليك الكتاب ما ذكر الطلاق وإنه أبو ولدي وأحب الناس إلي فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حرمت عليه فقالت أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي قد طالت ~~له صحبتي ونثرت له بطني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراك إلا ~~قد حرمت عليه ولم أومر في شأنك بشيء فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكلما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمت عليه هتفت وقالت ~~أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي وشدة حالي وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إلي ~~جاعوا وإن ضممتهم إليه ضاعوا وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول اللهم ~~أشكو إليك اللهم فأنزل على لسان نبيك فرجي وهذا كان أول ظهار في الإسلام، ~~فقامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر فقالت انظر في أمري جعلني الله فداءك يا ~~نبي الله فقالت عائشة أقصري حديثك ومجادلتك أما ترين وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي أخذه مثل السبات فلما قضي الوحي قال ~~ادعي لي زوجك فتلا ms3073 عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمع الله قول ~~التي تجادلك في زوجها الآية " # ق عن عائشة قالت الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة ~~خولة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمته في جانب البيت وما أسمع ما ~~تقول فأنزل الله { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ~~} الآية وأما تفسير الآية فقوله تعالى قد سمع الله قول التي تجادلك أي ~~تحاورك وتخاصمك وتراجعك في زوجها أي في أمر زوجها { وتشتكي إلى الله } أي ~~شدة حالها وفاقتها ووحدتها، { والله يسمع تحاوركما } أي مراجعتكما الكلام ~~{ إن الله سميع } أي لمن يناجيه ويتضرع إليه { بصير } أي بمن يشكو إليه ~~ثم ذم الظهار فقال تعالى: { الذين يظاهرون منكم من نسائهم }. ### || [58.2] # { الذين يظاهرون منكم من نسائهم } يعني يقولون لهن أنتن كظهور أمهاتنا { ~~ما هن أمهاتهم } أي ما اللواتي يجعلونهن من زوجاتهن كالأمهات بأمهات ~~والمعنى ليس هن بأمهاتهم { إن أمهاتهم } أي ما أمهاتهم { إلا اللائي ~~ولدنهم وإنهم } يعني المظاهرين { ليقولون منكرا من القول } يعني لا يعرف ~~في الشرع { وزورا } يعني كذبا وقيل إنما وصفه بكونه منكرا من القول ~~وزورا لأن الأم محرمة تحريما مؤبدا والزوجة لا تحرم عليه بهذا القول ~~تحريما مؤبدا فلا جرم صار ذلك منكرا من القول وزورا { وإن الله لعفو ~~غفور } عفا الله عنهم وغفر لهم بإيجاب الكفارة عليهم. فصل في أحكام ~~الظهار: وفيه مسائل المسألة الأولى: في معناه لغة قيل إن مشتق من الظهر ~~وهو العلو وليس هو من ظهر الإنسان إذ ليس الظهر بأولى من سائر الأعضاء ~~التي هي مواضع التلذذ والمباضعة فثبت بهذا أنه مأخوذ من الظهر الذي هو ~~العلو لأن امرأة الرجل مركب له وظهر يدل عليه قول العرب في الطلاق نزلت ~~عن امرأتي أي طلقتها وفي قولهم أنت علي كظهر أمي حذف وإظمار لأن تأويله ~~ظهرك علي أي ملكي إياك وعلوي عليك حرام كعلوي أمي وعلوه عليها حرام. ~~المسألة الثانية: كان الظهار من أشد طلاق أهل ms3074 الجاهلية لأنه في التحريم ~~آكد ما يمكن فإن كان ذلك الحكم صار مقررا بالشرع كانت الآية ناسخة له ~~وإلا لم يعد نسخا لأن النسخ إنما يدخل في الشرائع لا في أحكام الجاهلية ~~وعادتهم. المسألة الثالثة: في الألفاظ المستعملة لهذا المعنى في الشريعة ~~وعرف الفقهاء الأصل في هذا قوله أنت علي كظهر أمي وأنت مني أو معي أو ~~عندي كظهر أمي وكذا لو قال أنت علي كبطن أمي أو كرأس أمي أو كيد أمي أو ~~قال بطنك أو رأسك أو يدك علي كظهر أمي أو شبه عضوا منها بعضو من أعضاء ~~أمه يكون ذلك ظهارا وقال أبو حنيفة إن شبهها ببطن أمه أو بفرجها أو ~~بفخذها يكون ظهارا وإن بشبهها بعضو غير هذه الأعضاء لا يكون ظهارا ولو ~~قال أنت علي كأمي أو كروح أمي وأراد به الإعزاز والإكرام لا يكون ظهارا ~~حتى ينويه ويريده ولو شبهها بجدته فقال أنت علي كظهر جدتي يكون ظهارا ~~وكذلك لو شبهها بامرأة محرمة عليه بالقرابة بأن قال أنت علي كظهر أختي أو ~~عمتي أو خالتي أو شبهها بامرأة محرمة عليه بالرضاع يكون ظهارا على ~~الأصح. المسألة الرابعة: فيمن يصح ظهاره قال الشافعي الضابط في هذا أن ~~كل من صح طلاقه صح ظهاره فعلى هذا يصح ظهار الذمي وقال أبو حنيفة لا يصح ~~احتج الشافعي بعموم قوله { والذين يظاهرون من نسائهم } واحتج أبو حنيفة ~~بأن هذا خطاب للمؤمنين فيدل على أن الظهار مخصوص بالمؤمنين وأجيب عنه بأن ~~هذا خطاب يتناول جميع الحاضرين فلم قلتم إنه مختص بالمؤمنين. ### || [58.3] # قوله تعالى: { والذين يظاهرون من نسائهم } يعني يمتنعون بهذا اللفظ من ~~جماعهن { ثم يعودون لما قالوا } اختلف العلماء في معنى العود في قوله { ~~ثم يعودون لما قالوا } ولا بد أولا من بيان أقوال أهل العربية ثم بيان ~~أقوال الفقهاء فنقول قال الفراء لا فرق في اللغة بين أن يقال يعودون لما ~~قالوا وفيما قالوا وقال أبو علي الفارسي كلمة إلى اللام تتعاقبان كقوله # وأوحى إلى نوح # [هود: ms3075 36] و # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5] وأما لفظة " ما " في قوله لما فهي بمعنى الذي والمعنى ~~يعودون إلى الذي قالوا وفي الذي قالوا. وفيه وجهان: أحدهما: إنه لفظ ~~الظهار والمعنى أنهم يعودون إلى ذلك اللفظ. الوجه الثاني: أن المراد لما ~~قالوا أي القول فيه وهو الذي حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار تنزيلا للقول ~~منزلة المقول فيه وعلى هذا المعنى قوله ثم يعودون لما قالوا أي يعودون ~~إلى شيء وذلك الشيء هو الذي قالوا فيه ذلك القول ثم إذا فسر هذا اللفظ ~~بالوجه الأول يجوز أن يكون المعنى عاد لما فعل أي فعله مرة أخرى وعلى ~~الوجه الثاني يجوز أن يقال عاد لما فعل أي نقض ما فعل وذلك أن من فعل ~~شيئا ثم أراد أن يفعله ثانيا فقد عاد إليه وكذا من فعل شيئا ثم أراد ~~إبطاله فقد عاد إليه بالتصرف فيه فقد ظهر بما تقدم أن قوله ثم يعودون لما ~~قالوا يحتمل أن يكون المراد ثم يعودون إليه بأن يفعلوا مثله مرة أخرى ~~ويحتمل أن يكون المراد ثم يعودون إليه بالنقض والرفع والإزالة وإلى هذا ~~الاحتمال ذهب أكثر المجتهدين ثم اختلفوا فيه على وجوه: الأول: وهو قول ~~الشافعي إن معنى العود لما قالوا هو السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانا ~~يمكنه أن يطلقها فيه وذلك لأنه لما ظاهر فقد قصد التحريم فإن وصله ~~بالطلاق فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه فإذا سكت عن ~~الطلاق فذلك يدل على أنه ندم على ما ابتدأ به من التحريم فحينئذ تجب عليه ~~الكفارة وفسر ابن عباس العود بالندم فقال يندمون فيرجعون إلى الألفة. ~~الوجه الثاني: في تفسير العود وهو قول أبي حنيفة إنه عبارة عن استباحة ~~الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة وذلك أنه لما شبهها بالأم في حرمة ~~هذه الأشياء ثم قصد استباحة ذلك كان مناقضا لقوله أنت علي كظهر أمي. ~~الوجه الثالث: وهو قول مالك إن العود إليها عبارة عن العزم على وطئها وهو ~~قريب من قول ms3076 أبي حنيفة. الوجه الرابع: وهو قول الحسن وقتادة وطاوس ~~والزهري إن العود إليها عبارة عن جماعها وقالوا لا كفارة عليه ما لم ~~يطأها قال العلماء والعود المذكور هنا هب أنه صالح للجماع أو للعزم عليه ~~أو لاستباحته إلا أن الذي قاله الشافعي هو أقل ما ينطلق عليه الاسم فيجب ~~تعليق الحكم عليه لأنه هو الذي به يتحقق مسمى العود وأما الباقي فزيادة ~~لا دليل عليه وأما الاحتمال الأول في قوله ثم يعودون أي يفعلون مثل ما ~~فعلوه فعلى هذا الاحتمال في الآية وجوه أيضا الأول قال مجاهد والثوري ~~العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام وتجب الكفارة به والمراد من العود ~~هو العود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية ذلك أن أهل الجاهلية كانوا ~~يطلقون بالظهار فجعل الله حكم الظهار في الإسلام على خلاف حكمه عندهم ~~فمعنى ثم يعودون لما قالوا أي في الإسلام فيقولون في الإسلام مثل ما ~~كانوا يقولون في الجاهلية فكفارته كذا وكذا على الوجه الثاني قال أبو ~~العالية إذا كرر لفظ الظهار فقد عاد وإلا لم يكن عود وهذا قول أهل الظاهر ~~واحتجوا عليه بأن ظاهر قوله ثم يعودون لما قالوا يدل على إعادة ما فعلوه ~~وهذا لا يكون إلا بالتكرير وإن لم يكرر اللفظ فلا كفارة عليه. # وقوله تعالى: { فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } المراد بالتماس المجامعة ~~فلا يحل للمظاهر وطء امرأته التي ظاهر منها ما لم يكفر، { ذلكم توعظون به ~~} يعني أن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار ولا تعاودوه { والله ~~بما تعملون } أي من التكفير وتركه { خبير } ثم ذكر حكم العاجز عن الرقبة ~~فقال تعالى: { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين... }. ### || [58.4] # { فمن لم يجد } أي الرقبة { فصيام شهرين } أي فكفارته وقيل فعليه صيام ~~شهرين { متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع } أي الصيام ف ~~كفارته { إطعام ستين مسكينا ذلك } أي الفرض الذي وصفناه، { لتؤمنوا ~~بالله ورسوله } أي لتصدقوا الله فيما أمر به وتصدقوا الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فيما أخبر ms3077 به عن الله تعالى: { وتلك حدود الله } يعني ما وصف ~~من الكفارة في الظهار { وللكافرين } أي لمن جحد هذا وكذب به { عذاب أليم ~~} أي في نار جهنم يوم القيامة. فصل: في أحكام الكفارة، وما يتعلق بالظهار ~~وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا فيما يحرمه الظهار فللشافعي قولان: ~~أحدهما أنه يحرم الجماع فقط. والقول الثاني وهو الأظهر أنه يحرم جميع ~~جهات الاستمتاع وهو قول أبي حنيفة. المسألة الثانية: اختلفوا فيمن ظاهر ~~مرارا فقال الشافعي وأبو حنيفة لكل ظهار كفارة إلا أن يكون في مجلس واحد ~~وأراد التكرار للتأكيد فإن عليه كفارة واحدة وقال مالك من ظاهر من امرأته ~~في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفارة واحدة. المسألة الثالثة: الآية تدل ~~على إيجاب الكفارة قبل المماسة سواء أراد التكفير بالإعتاق أو بالصيام ~~أو بالإطعام وعند مالك إن أراد التكفير بالإطعام يجوز له الوطء قبله لأن ~~الله تعالى قيد العتق والصوم بما قبل المسيس ولم يقل في الإطعام { من قبل ~~أن يتماسا } فدل على ذلك. وعند الآخرين الإطلاق في الطعام محمول على ~~المقيد في العتق والصيام فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة ~~واحدة وهو قول أكثر أهل العلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وسفيان ~~وقال بعضهم وإن واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان وهو قول عبد الرحمن بن ~~مهدي. المسألة الرابعة: كفارة الظهار مرتبة فيجب عليه عتق رقبة مؤمنة ~~وقال أبو حنيفة هذه الرقبة تجزي سواء كانت مؤمنة أو كافرة لقوله تعالى: # فتحرير رقبة # [المجادلاة: 3] فهذا اللفظ يفيد العموم في جميع الرقاب. دليلنا أنا ~~أجمعنا على أن الرقبة في كفارة القتل مقيدة بالايمان فكذا هنا وحمل ~~المطلق على المقيد أولى. المسألة الخامسة: الصوم فمن لم يجد الرقبة فعليه ~~صيام شهرين متتابعين فإن أفطر يوما متعمدا أو نسي النية يجب عليه ~~استئناف الشهرين ولو شرع في الصوم ثم جامع في خلال الشهرين بالليل عصى ~~الله تعالى بتقديم الجماع على الكفارة لكن لا يجب عليه استئناف الشهرين ~~وعند أبي حنيفة يجب عليه ms3078 استئناف الشهرين. المسألة السادسة: إن عجز عن ~~الصوم لمرض أو كبر أو فرط شهوة بحيث لا يصبر عن الجماع يجب عليه إطعام ~~ستين مسكينا كل مسكين مد من الطعام الذي يقتات به أهل البلد من حنطة أو ~~شعير أو أرز أو ذرة أو تمر أو نحو ذلك وقال أبو حنيفة يعطي لكل مسكين نصف ~~صاع من بر أو دقيق أو سويق أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير ولو أطعم ~~مسكينا واحدا ستين جزءا لا يجزيه عند الشافعي وقال أبو حنيفة يجزيه. # حجة الشافعي ظاهر الآية وهو أن الله تعالى أوجب إطعام ستين مسكينا فوجب ~~رعاية ظاهر الآية وحجة أبي حنيفة أن المقصود دفع الحاجة وهو حاصل. وأجيب ~~عنه بأن إدخال السرور على قلب ستين مسكينا أولى من إدخال السرور على قلب ~~مسكين واحد. المسألة السابعة: إذا كانت له رقبة إلا أنه محتاج إلى الخدمة ~~أو له ثمن الرقبة لكنه محتاج إليه لنفقته ونفقة عياله فله أن ينتقل إلى ~~الصوم وقال مالك والأوزاعي يلزمه الإعتاق إذا كان واجدا للرقبة أو ثمنها ~~وإن كان محتاجا إليه وقال أبو حنيفة إن كان واجدا لعين الرقبة يجب عليه ~~إعتاقها وإن كان محتاجا إليه، وإن كان واجدا لثمن الرقبة لكنه محتاج ~~إليه فله أن يصوم. المسألة الثامنة: قال أصحاب الشافعي الشبق المفرط ~~والغلمة الهائجة عذر في الانتقال من الصيام إلى الإطعام والدليل عليه ما ~~روي # " عن سلمة بن صخر البياضي قال " كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب ~~غيري فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا تتايع بي حتى أصبحت ~~فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي ~~منها شيء فما لبثت أن نزوت عليها فلما أصبحت خرجت إلى قومي فأخبرتهم ~~الخبر قال فقلت امشوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لا ~~والله فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال أنت بذاك ~~يا سلمة قلت أنا بذاك ms3079 يا رسول الله مرتين وأنا صابر لأمر الله فاحكم بما ~~أمرك الله به. قال حرر رقبة قلت والذي بعثك بالحق نبيا ما أملك رقبة ~~غيرها وضربت صفحة رقبتي قال فصم شهرين متتابعين قال وهل أصبت الذي أصبت ~~إلا من الصيام قال فأطعم وسقا من تمر ستين مسكينا قلت والذي بعثك بالحق ~~نبيا لقد بتنا وحشين لا نملك لنا طعاما قال فانطلق إلى صاحب صدقة بني ~~زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر وكل أنت وعيالك ~~بقيتها فرجعت إلى قومي فقلت وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم السعة وحسن الرأي وقد أمر لي بصدقتكم وبنو بياضة بطن ~~من بني زريق " " # أخرجه أبو داود. قوله نزوت عليها أي وثبت عليها وأراد به الجماع وقوله ~~تتايع به التتايع الوقوع في الشر واللجاج فيه والوسق ستون صاعا، وقوله ~~وحشين يقال رجل وحش إذا لم يكن له طعام وأوحش الرجل إذا جاع. # " وعن خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت " ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت فجئت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يجادلني فيه ويقول اتقي الله فإنه ابن عمك فما برحت حتى نزل القرآن قد ~~سمع الله قول التي تجادلك في زوجها إلى الفرض قال يعتق رقبة قلت لا يجد ~~قال فليصم شهرين متتابعين قلت يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام ~~قال فليطعم ستين مسكينا قلت ما عنده شيء يتصدق به قال فإني سأعينه بعرق ~~من تمر قلت يا رسول الله وأنا أعينه بعرق آخر قال قد أحسنت اذهبي فأطعمي ~~بهما عنه ستين مسكينا ارجعي إلى ابن عمك " " # أخرجه أبو داود وفي رواية " قلت إن أوسا ظاهر مني وذكرت أن به لمما ~~وقالت والذي بعثك بالحق ما جئتك إلا رحمة له إن له في منافع وذكرت نحوه " ~~العرق بفتح العين والراء المهملتين زنبيل يسع ثلاثين صاعا وقيل خمسة عشر ~~صاعا وقولها إن به لمما ms3080 اللمم طرف من الجنون وقال الخطابي لبس المراد ~~من اللمم هنا الجنون والخبل إن لو كان به ذلك ثم ظاهر في تلك الحال لم ~~يلزمه شيء بل معنى اللمم هاهنا الإلمام بالنساء وشدة الحرص والشبق والله ~~أعلم. ### || [58.5-8] # قوله عز وجل: { إن الذين يحادون الله ورسوله } أي يعادون الله ورسوله ~~ويشاقون ويخالفون أمرهما، { كبتوا } أي ذلوا وأخزوا وأهلكوا { كما كبت ~~الذين من قبلهم } أي كما أخزي من كان قبلهم من أهل الشرك، { وقد أنزلنا ~~آيات بينات } يعني فرائض وأحكاما. { وللكافرين } أي الذين لم يعملوا بها ~~وجحدوها { عذاب مهين يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه ~~الله } أي حفظ الله أعمالهم { ونسوه } أي نسوا ما كانوا يعملون في ~~الدنيا، { والله على كل شيء شهيد } قوله تعالى: { ألم تر } أي ألم تعلم { ~~أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض } يعني أنه سبحانه وتعالى عالم ~~بجميع المعلومات لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماوات ثم أكد ذلك ~~بقوله تعالى: { ما يكون من نجوى ثلاثة } أي من أسرار ثلاثة وهي المسارة ~~والمشاورة والمعني ما من شيء يناجي به الرجل صاحبه وقيل ما يكون من ~~متناجين ثلاثة يسارر بعضهم بعضا { إلا هو رابعهم } أي بالعلم يعني يعلم ~~نجواهم كأنه حاضر معهم ومشاهدهم كما تكون نجواهم معلومة عند الرابع الذي ~~يكون معهم { ولا خمسة إلا هو سادسهم } فإن قلت لما خص الثلاثة والخمسة. ~~قلت: أقل ما يكفي في المشاورة ثلاثة حتى يتم الغرض فيكون اثنان ~~كالمتنازعين في النفي والإثبات والثالث كالمتوسط الحاكم بينهما فحينئذ ~~تحمد تلك المشاورة ويتم ذلك الغرض وهكذا كل جمع يجتمع للمشاورة لا بد من ~~واحد يكون حكما بينهم مقبول القول وقيل إن العدد الفرد أشرف من الزوج ~~فلهذا خص الله تعالى الثلاثة والخمسة ثم قال تعالى: { ولا أدنى من ذلك ~~ولا أكثر } يعني ولا أقل من ثلاثة وخمسة ولا أكثر من ذلك العدد { إلا هو ~~معهم أينما كانوا } أي بالعلم والقدرة، { ثم ينبئهم بما عملوا يوم ~~القيامة ms3081 إن الله بكل شيء عليم } قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين نهوا عن ~~النجوى } نزلت في اليهود والمنافقين وذلك أنهم كانوا يتناجون فيما بينهم ~~دون المؤمنين وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم ويوهمون المؤمنين ~~أنهم يتناجون بما يسوءهم فيحزن المؤمنين لذلك ويقولون ما نراهم إلا قد ~~بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو هزيمة فيقع ذلك في ~~قلوبهم ويحزنهم فلما طال على المؤمنين وكثر شكوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأمرهم أن لا يتناجوا دون المؤمنين فلم ينتهوا فأنزل الله ألم ~~تر إلى الذين نهوا عن النجوى أي المناجاة فيما بينهم، { ثم يعودون لما ~~نهوا عنه } أي يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها { ويتناجون بالإثم ~~والعدوان } يعني ذلك السر الذي كان بينهم لأنه إما مكر وكيد بالمسلمين أي ~~شيء يسوءهم وكلاهما إثم وعدوان، { ومعصية الرسول } وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان قد نهاهم عن النجوى فعصوه وعادوا إليها وقيل معناه ~~يوصي بعضهم بعضا بمعصية الرسول { وإذا جاؤوك } يعني اليهود { حيوك بما ~~لم يحيك به الله } وذلك أن اليهود كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويقولون السام عليك والسام الموت وهم يوهمونه بأنهم يسلمون عليه ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد فيقول عليكم { ويقولون في أنفسهم } ~~يعني إذا خرجوا من عنده قالوا { لولا يعذبنا الله بما نقول } يريدون لو ~~كان نبيا لعذبنا الله بما نقول من الاستخفاف به قال الله تعالى: { حسبهم ~~جهنم يصلونها فبئس المصير } المعنى أن تقديم العذاب إنما يكون بحسب ~~المشيئة والمصلحة وإذا لم تقتض المشيئة والمصلحة تقديم العذاب فعذاب جهنم ~~يوم القيامة كافيهم ق عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت # " دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا السام ~~عليك قالت عائشة ففهمتها فقلت عليكم السام واللعنة قالت فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله فقلت ~~يا رسول الله ألم تسمع ما ms3082 قالوا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~قلت عليكم " # وللبخاري # " إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا السام عليك فقال ~~وعليكم فقالت عائشة السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش قالت أولم ~~تسمع ما قالوا؟ قال أولم تسمعي ما قلت رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا ~~يستجاب لهم في " # السام الموت قال الخطابي عامة المحدثين يروون إذا سلم عليكم أهل الكتاب ~~فإنما يقولون السام عليكم فقولوا وعليكم الحديث فيثبتون الواو في وعليكم ~~وكان سفيان بن عيينة يرويه بغير واو قال وهو الصواب لأنه إذا حذف الواو ~~صار قولهم الذي قالوا مردودا عليهم بعينه وإذا أثبت الواو وقع الاشتراك ~~معهم لأن الواو تجمع بين الشيئين، والعنف ضد الرفق واللين، والفحش الرديء ~~من القول. ### || [58.9-10] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم ~~والعدوان ومعصية الرسول } في المخاطبين بهذه الآية قولان أحدهما أنه خطاب ~~للمؤمنين وذلك أنه لما ذم اليهود والمنافقين على التناجي بالإثم والعدوان ~~ومعصية الرسول أتبعه بأن نهى المؤمنين أن يسلكوا مثل طريقهم وأن يفعلوا ~~كفعلهم فقال لا تتناجوا بالإثم وهو ما يقبح من القول والعدوان وهو ما ~~يؤدي إلى الظلم ومعصية الرسول وهو ما يكون خلافا عليه. والقول الثاني: ~~وهو الأصح أنه خطاب للمنافقين والمعنى. يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ~~وقيل آمنوا بزعمهم كأنه قال لهم لا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية ~~الرسول { وتناجوا بالبر والتقوى } أي بالطاعة وترك المعصية { واتقوا الله ~~الذي إليه تحشرون إنما النجوى من الشيطان } أي من تزيين الشيطان وهو ما ~~يأمرهم به. من الإثم والعدوان ومعصية الرسول { ليحزن الذين آمنوا } إنما ~~يزين ذلك ليحزن المؤمنين ق عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # " إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث " # زاد ابن مسعود في رواية # " فإن ذلك يحزنه " # وهذه الزيادة لأبي داود { وليس بضارهم شيئا } يعني ذلك ms3083 التناجي وقيل ~~الشيطان ليس بضارهم شيئا { إلا بإن الله } أي إلا ما أراد الله تعالى ~~وقيل إلا بإذن الله في الضر { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أي فليكل ~~المؤمنون أمرهم إلى الله تعالى ويستعيذوا به من الشيطان فإن من توكل على ~~الله لا يخيب أمله ولا يبطل سعيه. ### || [58.11] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس ~~فافسحوا } الآية قيل في سبب نزولها # " إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ~~فجاء ناس منهم يوما وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي صلى الله ~~عليه وسلم فسلموا عليه فرد عليهم ثم سلموا على القوم فردوا عليهم ثم ~~قاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا وشق ذلك على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال لمن حوله قم يا فلان وأنت يا فلان فأقام من المجلس ~~بقدر أولئك النفر الذين كانوا بين يديه من أهل بدر فشق ذلك على من أقيم ~~من مجلسه وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهية في وجوههم فأنزل الله ~~هذه الآية " # وقيل نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وقد تقدمت القصة في سورة الحجرات، ~~وقيل كانوا يتنافسون في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحبون القرب ~~منه فكانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلا تضاموا في مجلسهم فأمرهم الله أن ~~يفسح بعضهم لبعض وقيل كان ذلك يوم الجمعة في الصفة والمكان ضيق والأقرب ~~أن المراد مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يتضامون فيه ~~تنافسا على القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرصا على استماع ~~كلامه فأمر الله المؤمنين بالتواضع وأن يفسحوا في المجلس لمن أراد الجلوس ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم ليتساوى الناس في الأخذ بالحظ منه وقرىء في ~~المجلس لأن لكل واحد مجلسا ومعناه ليفسح كل رجل في مجلسه فافسحوا أي ~~فأوسعوا في المجلس أمروا بأن يوسعوا في المجالس لغيرهم، { يفسح الله لكم ~~} أي يوسع الله لكم في ms3084 الجنة والمجالس فيها ق عن ابن عمر رضي الله عنهما ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا يقيمن أحدكم رجلا من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن توسعوا وتفسحوا يفسح ~~الله لكم " # م عن جابر بن عبد الله قال " لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف ~~إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول افسحوا " ذكره الحميدي في أفراد مسلم ~~موقوفا على جابر ورفعه غير الحميدي وقيل في معنى الآية إن هذا في مجالس ~~العرب ومقاعد القتال كان الرجل يأتي القوم وهم في الصف فيقول توسعوا ~~فيأبون عليه لحرصهم على القتال ورغبتهم في الشهادة فأمروا بأن يوسعوا ~~لإخوانهم لأن الرجل الشديد البأس قد يكون متأخرا عن الصف الأول والحاجة ~~داعية إلى تقدمه فلا بد من التفسح له ثم يقاس على ذلك سائر المجالس ~~كمجالس العلم والقرآن والحديث والذكر ونحو ذلك لأن كل من وسع على عباد ~~الله أنواع الخير والراحة وسع الله عليه خيري الدنيا والآخرة. # { وإذا قيل انشزوا فانشزوا } أي إذا قيل ارتفعوا عن مواضعكم حتى توسعوا ~~لإخوانكم فارتفعوا وقيل كان رجال يتثاقلون عن الصلاة في الجماعة إذا نودي ~~لها فأنزل الله تعالى هذه الآية والمعنى إذا نودي إلى الصلاة فانهضوا ~~إليها وقيل إذا قيل لكم انهضوا إلى الصلاة وإلى الجهاد وإلى كل خير ~~فانهضوا إليه ولا تقصروا عنه، { يرفع الله الذين آمنوا منكم } أي بطاعتهم ~~لله ولرسوله وامتثال أوامره في قيامهم من مجالسهم وتوسعتهم لإخوانهم { ~~والذين أوتوا العلم } أي ويرفع الذين أوتوا العلم من المؤمنين بفضل علمهم ~~وسابقتهم { درجات } أي على من سواهم في الجنة قيل يقال للمؤمن الذي ليس ~~بعالم إذا انتهى إلى باب الجنة أدخل ويقال للعالم قف فاشفع في الناس أخبر ~~الله عز وجل أن رسوله صلى الله عليه وسلم مصيب فيما أمروا أن أولئك ~~المؤمنين مثابون فيما ائتمروا وأن النفر من أهل بدر مستحقون لما عوملوا ~~به من الإكرام { والله بما تعملون خبير } قال الحسن قرأ ابن مسعود هذه ~~الآية وقال يا أيها الناس ms3085 افهموا هذه الآية ولنرغبنكم في العلم فإن الله ~~تعالى يقول يرفع المؤمن العالم فوق المؤمن الذي ليس بعالم درجات وقيل إن ~~العالم يحصل له بعلمه من المنزلة والرفعة ما لا يحصل لغيره لأنه يقتدي ~~بالعالم في أقواله وفي أفعاله كلها عن قيس بن كثير قال قدم رجل من ~~المدينة على أبي الدرداء وهو بدمشق فقال ما أقدمك يا أخي قال حديث بلغني ~~أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما جئت لحاجة غيره؟ قال ~~لا قال أما قدمت في تجارة؟ قال لا قال ما جئت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال ~~نعم قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة وإن ~~الملائكة تضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن العالم ليستغفر له من في ~~السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل ~~القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم ~~يورثوا دينارا ولا درهما إنما أورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر ~~" # أخرجه الترمذي ولأبي داود نحوه، ق عن معاوية بن أبي سفيان قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول # " من يريد الله به خيرا يفقهه في الدين " # وعن ابن عباس مثله أخرجه الترمذي وروى البغوي بسنده عن عبد الله بن عمرو ~~بن العاص # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين في مسجده أحد المجلسين ~~يدعون إلى الله ويرغبون إليه والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه فقال كلا ~~المجلسين على خير وأحدهما أفضل من صاحبه. أما هؤلاء فيدعون إلى الله ~~ويرغبون إليه وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه ويعلمون الجاهل فهؤلاء أفضل ~~وإنما بعثت معلما ثم جلس فيهم ". ### || [58.12] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة } يعني إذا أردتم مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقدموا أمام ذلك صدقة وفائدة ذلك إعظام مناجاة رسول الله صلى الله ms3086 عليه ~~وسلم فإن الإنسان إذا وجد الشيء بمشقة استعظمه وإن وجده بسهولة استحقره ~~ونفع كثير من الفقراء بتلك الصدقة المقدمة قبل المناجاة قال ابن عباس إن ~~الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثروا حتى شق عليه فأراد ~~الله تعالى أن يخفف على نبيه صلى الله عليه وسلم ويثبطهم على ذلك فأمرهم ~~أن يقدموا صدقة على مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل نزلت في ~~الأغنياء وذلك أنهم كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكثرون ~~مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس حتى كره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم طول جلوسهم ومناجاتهم فلما أمروا بالصدقة كفوا عن مناجاته فأما ~~الفقراء وأهل العسرة فلم يجدوا شيئا وأما الأغنياء وأهل الميسرة فضنوا ~~واشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الرخصة وقال ~~مجاهد نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب تصدق ~~بدينار وناجاه ثم نزلت الرخصة فكان علي يقول آية في كتاب الله لم يعمل ~~بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي وهي آية المناجاة. وعن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه قال لما نزلت { يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } قال لي النبي صلى الله عليه وسلم ما ترى ~~دينارا قلت لا يطيقونه قال فنصف دينار قلت لا يطيقونه قال فكم قلت شعيرة ~~قال إنك لزهيد قال فنزلت. { أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكل صدقات... ~~}. ### || [58.13-16] # { أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات } الآية قال فبي خفف الله عن ~~هذه الأمة أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب قوله قلت شعيره أي وزن شعيرة ~~من ذهب وقوله إنك لزهيد يعني قليل المال قدرت على قدر حالك. فإن قلت في ~~هذه الآية منقبة عظيمة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه إذ لم يعمل بها أحد ~~غيره. قلت هو كما قلت وليس فيها طعن على غيره من الصحابة ووجه ذلك أن ~~الوقت لم يتسع ms3087 ليعملوا بهذه الآية ولو اتسع الوقت لم يتخلفوا عن العمل ~~بها وعلى تقدير اتساع الوقت ولم يفعلوا ذلك إنما هو مراعاة لقلوب الفقراء ~~الذين لم يجدوا ما يتصدقون به لو احتاجوا إلى المناجاة فيكون ذلك سببا ~~لحزن الفقراء إذ لم يجدوا ما يتصدقون به عند مناجاته ووجه آخر وهو أن هذه ~~المناجاة لم تكن من المفروضات ولا من الواجبات ولا من الطاعات المندوب ~~إليها بلى إنما كلفوا هذه الصدقة ليتركوا هذه المناجاة ولما كانت هذه ~~المناجاة أولى بأن تترك لم يعملوا بها وليس فيها طعن على أحد منهم، ~~وقوله: { ذلك خير لكم } يعني تقديم الصدقة على المناجاة لما فيه من طاعة ~~الله وطاعة رسوله { وأطهر } أي لذنوبكم { فإن لم تجدوا } يعني الفقراء ~~الذين لا يجدون ما يتصدقون به { فإن الله غفور رحيم } يعني أنه تعالى رفع ~~عنهم ذلك { أأشفقتم } قال ابن عباس أبخلتم والمعنى أخفتم العيلة والفاقة ~~إن قدمتم وهو قوله { أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا } أي ~~ما أمرتم به، { وتاب الله عليكم } أي تجاوز عنكم ونسخ الصدقة قال مقاتل ~~بن حيان كان ذلك عشر ليال ثم نسخ، وقال الكلبي ما كان إلا ساعة من نهار ~~ثم نسخ { فأقيموا الصلاة } أي المفروضة { وآتوا الزكاة } أي الواجبة { ~~وأطيعوا الله ورسوله } أي فيما أمر ونهى { والله خبير بما تعملون } أي ~~إنه محيط بأعمالكم ونيتكم. قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين تولوا قوما ~~غضب الله عليهم } نزلت في المنافقين وذلك أنهم تولوا اليهود ونصحوهم ~~ونقلوا أسرار المؤمنين إليهم فأراد بقوله قوما غضب الله عليهم اليهود { ~~ما هم } يعني المنافقين { منكم } أي من المؤمنين في الدين والولاء { ولا ~~منهم } يعني ولا من اليهود { ويحلفون على الكذب وهم يعلمون } أي أنهم ~~كذبة # " نزلت في عبد الله بن نبتل المنافق وكان يجالس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ويرفع حديثه إلى اليهود فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة ~~من حجره إذ قال يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب ms3088 جبار ينظر بعيني شيطان فدخل ~~عبد الله بن نبتل وكان أزرق العينين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ~~علام تشتمني أنت وأصحابك فحلف بالله ما فعل وجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما ~~سبوه فأنزل الله هذه الآية " # { أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون اتخذوا أيمانهم ~~} يعني الكاذبة { جنة } أي يستجنون بها من القتل ويدفعون بها عن أنفسهم ~~وأموالهم { فصدوا عن سبيل الله } يعني أنهم صدوا المؤمنين عن جهادهم ~~بالقتل وأخذ أموالهم بسبب أيمانهم، وقيل معناه صدوا الناس عن دين الله ~~الذي هو الإسلام { فلهم عذاب مهين } يعني في الآخرة. ### || [58.17-22] # { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم } يوم القيامة { من الله شيئا ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له } ~~يعني كاذبين أنهم ما كانوا مشركين { كما يحلفون لكم } أي في الدنيا وقيل ~~كان الحلف جنة لهم في الدنيا فظنوا أنه ينفع في الآخرة أيضا { ويحسبون ~~أنهم على شيء } يعني من أيمانهم الكاذبة { ألا إنهم هم الكاذبون } يعني ~~في أقوالهم وأيمانهم، { استحوذ عليهم الشيطان } أي غلب واستولى عليهم ~~وملكهم { فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم ~~الخاسرون إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين } يعني في جملة ~~من يلحقهم الذل في الدنيا والآخرة لأن ذل أحد الخصمين على حسب عز الخصم ~~الثاني. ولما كانت عزة الله غير متناهية كانت ذلة من ينازعه غير متناهية ~~{ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } أي قضى ذلك قضاء ثابتا قيل غلبة الرسل ~~على نوعين فمنهم من يؤمر بالحرب فهو غالب بالحرب ومن لم يؤمر بالحرب فهو ~~غالب بالحجة، { إن الله قوي } أي على نصر رسله وأوليائه { عزيز } أي غالب ~~على أعدائه. قوله تعالى: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله } أخبر الله تعالى أن إيمان المؤمنين يفسد ~~بموادة الكافرين وأن من كان مؤمنا لا يوالي من كفر لأن من أحب أحدا ~~امتنع أن يحب عدوه فإن قلت قد ms3089 أجمعت الأمة على أنه تجوز مخالفتهم ~~ومعاشرتهم فما هذه المودة المحظورة قلت المودة المحظورة هي مناصحتهم ~~وإرادة الخير لهم دينا ودنيا مع كفرهم، فأما ما سوى ذلك فلا حظر فيه ثم ~~إنه تعالى بالغ في الذكر عن مودتهم بقوله { ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم ~~أو إخوانهم أو عشيرتهم } يعني أن الميل إلى هؤلاء من أعظم أنواع الميل ~~ومع هذا فيجب أن يطرح الميل إلى هؤلاء والمودة لهم بسبب مخالفة الدين قيل ~~نزلت هذه الآية في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة وستأتي قصته في ~~سورة الممتحنة وروي عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية قال ولو كانوا ~~آباءهم يعني أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه الجراح يوم أحد أو أبناءهم ~~يعني أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه دعا ابنه يوم بدر إلى البراز ~~وقال يا رسول الله دعني أكن في الرعلة الأولى فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " متعنا بنفسك يا أبا بكر " # أو إخوانهم يعني مصعب بن عمير قتل أخاه عبد الله بن عمير أو عشيرتهم ~~يعني عمر بن الخطاب قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر وعلي بن ~~أبي طالب وحمزة وأبا عبيدة قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة ~~يوم بدر، { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان } أي أثبت التصديق في قلوبهم فهي ~~مؤمنة موقنة مخلصة وقيل حكم لهم بالإيمان وإنما ذكر القلوب لأنها موضعه { ~~وأيدهم بروح منه } أي قواهم بنصر منه وإنما سمى نصره إياهم روحا لأن به ~~حيي أمرهم. # وقيل بالإيمان وقيل بالقرآن وقيل بجبريل وقيل برحمته { ويدخلهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه } إنما ذكر ~~رضوانه عليهم بعد دخولهم الجنة لأن أعظم النعم وأجل المراتب ثم لما ذكر ~~هذه النعم أتبعه بما يوجب ترك المودة لأعداء الله سبحانه وتعالى فقال { ~~أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } والله أعلم بمراده. ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1] # قوله عز وجل: ms3090 { سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم ~~هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم } قال المفسرون: نزلت ~~هذه السورة في بني النضير وهم طائفة من اليهود وذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما دخل المدينة صالحه بنو النضير على أن لا يقاتلوه ولا ~~يقاتلوا معه فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما غزا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بدرا وظهر على المشركين قال بنو النضير والله إنه ~~النبي الأمي الذي نجد نعته في التوراة لا ترد له راية فلما غزا أحدا ~~وهزم المسلمون ارتابوا وأظهروا العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وللمؤمنين ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة فأتوا ~~قريشا فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد صلى الله ~~عليه وسلم ودخل أبو سفيان في أربعين من قريش وكعب بن الأشرف في أربعين من ~~اليهود المسجد الحرام وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين أستار الكعبة ثم ~~رجع كعب وأصحابه إلى المدينة فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام فأخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان وأمره بقتل كعب بن ~~الأشرف فقتله محمد بن مسلمة غيلة " وقد تقدمت القصة في سورة آل عمران ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد اطلع منهم على خيانة حين أتاهم ~~يستعينهم في دية الرجلين المسلمين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري في ~~منصرفه من بئر معونة فهموا بطرح حجر على النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الحصن فعصمه الله منهم و أخبره بذلك وقد تقدمت القصة في سورة المائدة. ~~فلما قتل كعب بن الأشرف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس ~~بالمسير إلى بني النضير وكانوا بقرية يقال لها زهرة فلما سار إليها النبي ~~صلى الله عليه وسلم وجدهم ينوحون على كعب بن الأشرف فقالوا يا محمد واعية ~~على ms3091 أثر واعية وباكية على أثر باكية قال نعم فقالوا ذرنا نبك شجونا ثم ~~ائتمر أمرك فقال النبي صلى الله عليه وسلم اخرجوا من المدينة فقالوا ~~الموت أقرب إلينا من ذلك ثم تنادوا بالحرب وأذنوا بالقتال ودس المنافقون ~~عبد الله بن أبي وأصحابه إليهم أن لا تخرجوا من الحصين فإن قاتلوكم فنحن ~~معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم ولئن أخرجتم لنخرجن معكم فدربوا على الأزقة ~~وحصنوها ثم إنهم أجمعوا على الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا ~~إليه أن اخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حتى ~~نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك فيسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا ~~فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه وخرج إليه ثلاثون ~~حبرا من اليهود حتى كانوا في براز من الأرض فقال بعض اليهود لبعض كيف ~~تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلا من أصحابه كلهم يحب الموت قبله ولكن ~~أرسلوا إليه كيف نفهم ونحن ستون اخرج في ثلاثة من أصحابك ويخرج إليك ~~كثلاثة من علمائنا فيسمعون منك فإن آمنوا بك آمنا بك وصدقناك، فخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه وخرج ثلاثة من اليهود معهم ~~الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت امرأة ناصحة ~~من بني النضير إلى أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته بما أراد بنو ~~النضير من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أخوها سريعا حتى ~~أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فساره بخبرهم قبل أن يصل إليهم فرجع النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلما كان من الغد صبحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة فقذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من ~~نصر المنافقين فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح فأبى عليهم إلا ~~أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به فقبلوا ذلك فصالحهم على الجلاء ~~وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من أموالهم إلا الحلقة وهي السلاح وعلى أن ms3092 ~~يخلوا لهم ديارهم وعقارهم وسائر أموالهم. # وقال ابن عباس: على أن يحمل كل أهل بيت على بعير ما شاؤوا من متاعهم ~~وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي، وقيل أعطى كل ثلاثة نفر بعيرا وسقاء ~~ففعلوا ذلك وخرجوا من ديارهم إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام إلا أهل ~~بيتين منهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة ~~بالحيرة، فلذلك قوله عزو جل: { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل ~~الكتاب... }. ### || [59.2] # { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب } يعني بني النضير { من ~~ديارهم } يعني التي كانت بالمدينة. قال ابن إسحاق كان إجلاء بني النضير ~~مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد، وفتح قريظة مرجعه من الأحزاب ~~وبينهما سنتان { لأول الحشر } قال الزهري كانوا من سبط لم يصبهم جلاء ~~فيما مضى وكان الله قد كتب عليهم الجلاء ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا قال ~~ابن عباس من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية فكان هذا أول حشر إلى ~~الشام قال النبي صلى الله عليه وسلم أخرجوا قالوا إلى أين؟ قال إلى أرض ~~المحشر ثم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام وقيل إنما قال لأول الحشر ~~لأنهم كانوا أول من أجلي من أهل الكتاب من جزيرة العرب ثم أجلي آخرهم عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه وقيل كان هذا أول الحشر من المدينة والحشر الثاني ~~من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام في أيام عمر، ~~وقيل كان هذا أول الحشر والحشر الثاني نار نحشرهم يوم القيامة من المشرق ~~إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا { ما ظننتم } يعني ~~أيها المؤمنين { أن يخرجوا } أي من المدينة لعزتهم ومنعتهم وذلك أنهم ~~كانوا أهل حصون وعقار ونخل كثير { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله } ~~أي وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من سلطان الله { فأتاهم الله } أي ~~أتاهم أمر الله وعذابه { من حيث لم يحتسبوا } وهو أن الله أمر نبيه صلى ms3093 ~~الله عليه وسلم بقتالهم وإجلائهم وكانوا لا يظنون ذلك، { وقذف في قلوبهم ~~الرعب } أي الخوف الشديد بقتل سيدهم كعب بن الأشرف { يخربون بيوتهم ~~بأيديهم وأيدي المؤمنين } قال الزهري وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما صالحهم على أن لهم ما أقلت الإبل كانوا ينظرون إلى الخشب في منازلهم ~~فيهدمونها وينزعون ما استحسنوه منها فيحملونه على إبلهم ويخرب المؤمنون ~~باقيها وقيل كانوا يقلعون العمد وينقضون السقوف وينقبون الجدران لئلا ~~يسكنها المؤمنون حسدا منهم وبغضا وقيل كان المسلمون يخربون ما يليهم من ~~ظاهرها ويخربها اليهود من داخلها وقال ابن عباس كلما ظهر المسلمون على ~~دار من دورهم هدموها لتتسع لهم المقاتل وجعل أعداء الله ينقبون دورهم من ~~أدبارها فيخرجون إلى التي بعدها فيتحصنون فيها ويكسرون ما يليهم ويرمون ~~بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، { فاعتبروا } يعني ~~فاتعظوا وانظروا ما نزل بهم { يا أولي الأبصار } يعني يا ذوي العقول ~~والبصائر. ### || [59.3-5] # { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء } يعني الخروج من الوطن { لعذبهم في ~~الدنيا } يعني بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة { ولهم في الآخرة عذاب ~~النار ذلك } أي الذي لحقهم ونزل بهم { بأنهم شاقوا الله ورسوله } أي ~~خالفوا الله ورسوله { ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب } قوله ~~تعالى: { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله } ~~الآية وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل ببني النضير وتحصنوا ~~بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وأحرقها فجزع أعداء الله عند ذلك وقالوا يا محمد ~~زعمت أنك تريد الصلاح أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخل وهل وجدت فيما ~~زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم ~~وخشوا أن يكون ذلك فسادا. واختلفوا في ذلك فقال بعضهم لا تقطعوا فإنه ~~مما أفاء الله علينا وقال بعضهم بل نغيظهم بقطعه فأنزل الله هذه الآية ~~بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم وأن ذلك كان بإذن الله ~~تعالى ق عن ابن عمر ms3094 قال: حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني ~~النضير وقطع وهي البويرة فنزل { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على ~~أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين } البويرة اسم موضع لبني النضير وفي ~~ذلك يقول حسان بن ثابت: # وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير # قال ابن عباس النخل كلها لينة ما خلا العجوة وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقطع نخلهم إلا العجوة، وأهل المدينة يسمون ما خلا العجوة من التمر ~~الألوان وقيل النخل كلها لينة إلا العجوة والبرنية وقيل اللينة النخل ~~كلها من غير استئناف وقال ابن عباس في رواية أخرى عنه هي لون من النخل ~~وقيل كرام النخل وقيل هي ضرب من النخل يقال لتمرها اللون وهو شديد الصفرة ~~ويرى نواه من خارج يغيب فيه الضرس وكان من أجود تمرهم وأعجبه إليهم وكانت ~~النخلة الواحدة ثمنها ثمن وصيف وأحب إليهم من وصيف فلما رأوهم يقطعونها ~~شق عليهم ذلك وقالوا للمؤمنين إنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون دعوا هذا ~~النخل قائما هو لمن غلب عليه فأخبر الله أن قطعها كان بإذنه، { وليخزي ~~الفاسقين } يعني اليهود والمعنى ولأجل إخزاء اليهود أذن الله في قطعها ~~احتج العلماء بهذه الآية على أن حصون الكفار وديارهم لا بأس أن تهدم ~~وتحرق وترمى بالمجانيق وكذلك قطع أشجارهم ونحوها. ### || [59.6] # قوله عز وجل: { وما أفاء الله على رسوله } أي ما رد الله على رسوله { ~~منهم } أي من يهود بني النضير { فما أوجفتم عليه } يعني أوضعتم وهو سرعة ~~السير { من خيل ولا ركاب } يعني الإبل التي تحمل القوم وذلك أن بني ~~النضير لما تركوا رباعهم وضياعهم طلب المسلمون من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يقسمها بينهم كما فعل بغنائم خيبر فبين الله تعالى في هذه ~~الآية أنها لم يوجف المسلمون عليها خيلا ولا ركابا ولم يقطعوا إليها ~~شقة ولا نالوا مشقة وإنما كانوا يعني بني النضير على ميلين من المدينة ~~فمشوا إليها مشيا ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3095 كان على ~~جمل، { ولكن الله يسلط رسله على من يشاء } من أعدائه { والله على كل شيء ~~قدير } أي فهي له خاصة يضعها حيث يشاء فقسمها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم ~~حاجة وهم أبو دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة ق عن ~~مالك بن أوس النضري أن عمر دعاه إذ جاءه حاجبه يرفأ فقال هل لك يا أمير ~~المؤمنين في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد يستأذنون؟ قال نعم ~~فأدخلهم فلبث قليلا ثم جاء يرفأ فقال هل لك في عباس وعلي يستأذنان؟ قال ~~نعم فأذن لهما فلما دخلا قال العباس يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا ~~فقال القوم أجل يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر قال ~~مالك بن أوس يخيل إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك فقال عمر اتئدوا أنشدكم ~~بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال # " لا نورث ما تركنا صدقة " # يريد بذلك نفسه قالوا نعم ثم أقبل عمر على العباس وعلي وقال أنشدكما ~~بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " لا نورث ما تركنا صدقة " # قالا نعم قال عمر إن الله خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بخاصة لم ~~يخصص بها أحدا غيره فقال { وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم ~~عليه من خيل ولا ركاب } الآية قال فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بينكم أموال بني النضير فوالله ما استأثرها عليكم ولا أخذها دونكم فقد ~~أعطاكموها وقسمها فيكم حتى بقي هذا المال وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يأخذ منه نفقة سنة ثم ما بقي يجعله مجعل مال الله فعمل بذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حياته ثم أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء ~~والأرض أتعلمون ذلك؟ قالوا نعم قال ثم نشد عباسا وعليا ms3096 بمثل ما نشد ~~القوم أتعلمان ذلك؟ قالا نعم قال فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال أبو بكر أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضه أبو بكر فعمل ~~فيه بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم حينئذ وأقبل على علي ~~وعباس وقال تذاكران أن أبا بكر عمل فيه كما تقولان والله يعلم إنه لصادق ~~راشد تابع للحق ثم توفى الله أبا بكر فقلت أنا ولي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأبي بكر فقبضته سنتين من إمارتي أعمل فيهما بما عمل فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر والله يعلم إني فيه لصادق بار راشد ~~تابع للحق ثم جئتماني كلاكما وكلمتكما واحدة وأمركما جميع فقلت لكما إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا نورث ما تركنا صدقة " # قلتم ادفعها إلينا فلما بدا لي أن أدفعها إليكما قلت إن شئتما دفعته ~~إليكما على أن عليكما عهدا لله وميثاقه لتعملان فيه بما عمل فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وما عملت فيه منذ وليت وإلا فلا ~~تكلماني فقلتما ادفعه إلينا بذلك فدفعته إليكما أفتلتمسان مني قضاء غير ~~ذلك فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيه بقضاء غير ذلك حتى ~~تقوم الساعة فإن عجزتما عنه فادفعاه إلي فإني أكفيكماه. ### || [59.7] # قوله تعالى: { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } يعني من أموال ~~كفار أهل القرى قال ابن عباس هي قريظة والنضير وفدك وخيبر وقرى عرينة { ~~فلله وللرسول ولذي القربى } يعني بني هاشم وبني المطلب { واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل } قد تقدم تفسيره في سورة الأنفال في حكم الغنيمة ~~وقسمتها وأما حكم الفيء فإنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياته ~~يضعه حيث يشاء فكان ينفق على أهله منه نفقة سنتهم ويجعل ما بقي مجعل مال ~~الله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله. واختلف العلماء في مصرف الفيء ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قوم ms3097 هو للأئمة بعده وللشافعي فيه ~~قولان أحدهما أنه للمقاتلة والثاني هو لمصالح المسلمين ويبدأ بالمقاتلة ~~ثم بالأهم فالأهم من المصالح. واختلفوا في تخميس مال الفيء فذهب قوم إلى ~~أنه يخمس فخمس لأهل خمس الغنيمة وأربعة للمقاتلة أو للمصالح وذهب ~~الأكثرون إلى أنه لا يخمس بل مصرف جميعه واحد ولجميع المسلمين فيه حق قرأ ~~عمر بن الخطاب " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى حتى بلغ للفقراء ~~المهاجرين إلى قوله والذين جاؤوا من بعدهم " ثم قال هذه استوعبت المسلمين ~~عامة قال وما على وجه الأرض مسلم إلا وله في هذا الفيء حق إلا ما ملكت ~~أيمانكم { كيلا يكون } الفيء { دولة } والدولة اسم للشيء الذي يتداوله ~~القوم بينهم { بين الأغنياء منكم } يعني بين الرؤساء والأقوياء فيغلبوا ~~عليه الفقراء والضعفاء وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا غنيمة أخذ ~~الرئيس ربعها لنفسه وهو المرباع ثم يصطفي بعده ما شاء فجعله الله لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقسمه فيما أمره به { وما آتاكم الرسول فخذوه } ~~أي من مال الفيء والغنيمة { وما نهاكم عنه } أي من الغلول وغيره { ~~فانتهوا } وهذا نازل في أموال الفيء وهو عام في كل ما أمر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم أو نهي عنه من قول أو عمل من واجب أو مندوب أو مستحب أو ~~نهى عن محرم فيدخل فيه الفيء وغيره ق عن عبد الله بن مسعود أنه قال " لعن ~~الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق ~~الله فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن ~~فأتته فقالت ما حديث بلغني عنك أنك قلت كذا وكذا وذكرته فقال عبد الله ~~وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله ~~تعالى فقالت المرأة لقد قرأت لوحي المصحف فما وجدته فقال إن كنت قرأته ~~لقد وجدته قال الله عز وجل: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا } الوشم هو غرز العضو من الإنسان بالإبرة ثم ms3098 يحشى بكحل ~~والمستوشمة هي التي تطلب أن يفعل بها ذلك والنامصة هي التي تنتف الشعر من ~~الوجه والمتفلجة هي التي تتكلف تفريج ما بين ثناياها بصناعة وقيل هي التي ~~تتفلج في مشيتها فكل ذلك منهي عنه ق عن عائشة رضي الله عنها قالت قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " # وفي رواية # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " # عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به ونهيت عنه ~~فيقول لا أدري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه " # أخرجه أبو داود والترمذي. وقال هذا حديث حسن الأريكة كل ما اتكئ عليه ~~من سرير أو فراش أو منصة أو نحو ذلك { واتقوا الله } أي في أمر الفيء { ~~إن الله شديد العقاب } أي على ترك ما أمركم به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أو نهاكم عنه ثم بين من له الحق في الفيء فقال عز وجل: { للفقراء ~~المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم... }. ### || [59.8] # { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم } يعني ألجأهم ~~كفار مكة إلى الخروج { يبتغون فضلا من الله } أي رزقا وقيل ثوابا من ~~الله { ورضوانا } أي أخرجوا من ديارهم طلبا لرضا الله عز وجل: { ~~وينصرون الله ورسوله } أي بأنفسهم وأموالهم والمراد بنصر الله نصر دينه ~~وإعلاء كلمته { أولئك هم الصادقون } أي في إيمانهم قال قتادة المهاجرون ~~الذين تركوا الديار والأموال والعشائر وخرجوا حبا لله ولرسوله واختاروا ~~الإسلام على ما كانوا فيه من شدة حتى ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر ~~على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما ~~له دثار غيرها م عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين ~~خريفا " # وعن أبي سعيد قال قال ms3099 رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أبشروا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل ~~أغنياء الناس بنصف يوم وذلك خمسمائة سنة " # أخرجه أبو داود. ### || [59.9] # قوله عز وجل: { والذين تبوءوا الدار والإيمان } يعني الأنصار توطنوا ~~الدار وهي المدينة واتخذوها سكنا { من قبلهم } يعني أنهم أسلموا في ~~ديارهم وآثروا الإيمان وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بسنتين والمعنى والذين تبوءوا الدار من قبل المهاجرين وقد آمنوا لأن ~~الإيمان ليس بمكان يتبوأ { يحبون من هاجر إليهم } وذلك أنهم أنزلوا ~~المهاجرين في منازلهم وأشركوهم في أموالهم { ولا يجدون في صدورهم حاجة } ~~أي حزازة وغيظا وحسدا { مما أوتوا } أي أعطي المهاجرين من الفيء دونهم ~~وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين ~~المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة فطابت أنفس الأنصار بذلك ~~ك { ويؤثرون على أنفسهم } أي ويؤثر الأنصار المهاجرين بأموالهم ومنازلهم ~~على أنفسهم { ولو كان بهم خصاصة } أي فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون به ق عن ~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني مجهود فأرسل إلى ~~بعض نسائه فقالت والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء ثم أرسل به إلى أخرى ~~فقالت مثل ذلك وقلن كلهن مثل ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~يضيفه يرحمه الله فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة فقال أنا يا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته هل عندك شيء؟ ~~قالت لا إلا قوت صبياني قال فعلليهم بشيء ونوميهم فإذا دخل ضيفنا فأريه ~~أنا نأكل فإذا هوى بيده ليأكل فقومي إلى السراج كي تصلحيه فأطفئيه ففعلت ~~فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد عجب الله أو ضحك الله ~~من فلان وفلانة " # زاد في رواية " فأنزل الله { ويؤثرون على أنفسهم ms3100 ولو كان بهم خصاصة } ". ~~ق عن أبي هريرة قال # " قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم أقسم بيننا وبين إخواننا ~~النخيل قال لا فقالوا تكفونا ونشرككم في الثمر قالوا سمعنا وأطعنا " # خ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال # " دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين ~~فقالوا لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها فقال أما لا فاصبروا ~~حتى تلقوني على الحوض فإنه سيصيبكم أثرة بعدي " # وفي رواية # " ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " # الأثرة بفتح الهمزة والثاء والراء وضبطه بعضهم بضم الهمزة وإسكان الثاء ~~والأول أشهر ومعناه الاستئثار وهو أن يستأثر عليكم بأمور الدنيا ويفضل ~~غيركم عليكم ولا يجعل لكم في الأمر نصيب وقيل هو من آثر إذا أعطى أراد ~~يستأثر عليكم بأمور الدنيا ويفضل غيركم عليكم ولا يجعل لكم في الأمر نصيب ~~وقيل هو من آثر إذا أعطى أراد يستأثر عليكم غيركم فيفضل في نصيبه من ~~الفيء والاستئثار الانفراد بالشيء وقيل الأثرة الشدة والأول أظهر وعن ابن ~~عباس قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النضير للأنصار " إن شئتم قسمتم ~~للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم في هذه الغنيمة وإن شئتم كانت ~~لكم أموالكم ودياركم ولم نقسم لكم شيئا من الغنيمة فقالت الأنصار بل ~~نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها فأنزل ~~الله عز وجل ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون " " # والشح في كلام العرب البخل مع الحرص وقد فرق بعض العلماء بين البخل ~~والشح فقال البخل نفس المنع والشح هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك ~~المنع. ولما كان الشح من صفات النفس لا جرم قال الله تعالى: { ومن يوق ~~شح نفسه فأولئك هم المفلحون } أي الفائزون بما أرادوا وروي أن رجلا قال ~~لابن مسعود إني أخاف أن أكون قد هلكت قال وما ذاك قال إني أسمع الله يقول ~~ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ms3101 وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي ~~شيء فقال عبد الله ليس ذلك بالشح الذي ذكر الله في القرآن ولكن الشح أن ~~تأكل مال أخيك ظلما ولكن ذلك البخل وبئس الشيء البخل وقال ابن عمر ليس ~~الشح أن يمنع الرجل ماله إنما الشح أن تطمع عين الرجل فيما ليس له وقيل ~~الشح هو الحرص الشديد الذي يحمل صاحبه على ارتكاب المحارم وقيل من لم ~~يأخذ شيئا نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئا أمره الله بإعطائه فقد وقاه ~~شح نفسه م عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك ~~من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم " # عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع " # أخرجه أبو داود الهلع أشد الجزع والمراد منه أن الشحيح يجزع جزعا ~~شديدا ويحزن على شيء يفوته أو يخرج من يده والخالع الذي خلع فؤاده لشدة ~~خوفه وفزعه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا ولا يجتمع ~~الشح والإيمان في قلب عبد أبدا " # أخرجه النسائي. ### || [59.10] # قوله تعالى: { والذين جاؤوا من بعدهم } يعني من بعد المهاجرين والأنصار ~~وهم التابعون لهم إلى يوم القيامة { يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا ~~الذين سبقونا بالإيمان } أخبر أنهم يدعون لأنفسهم بالمغفرة ولإخوانهم ~~الذين سبقوهم بالإيمان { ولا تجعل في قلوبنا غلا } أي غشا وحسدا ~~وبغضا { للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم } فكل من كان في قلبه غل أو بغض ~~لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يترحم على جميعهم فإنه ~~ليس ممن عناه الله بهذه الآية لأن الله تعالى رتب المؤمنين على ثلاث ~~منازل المهاجرين ثم من بعدهم التابعون الموصوفون بما ذكر فمن لم يكن من ~~التابعين بهذه الصفة كان خارجا ms3102 من أقسام المؤمنين وليس له في المسلمين ~~نصيب وقال ابن أبي ليلى الناس على ثلاثة منازل الفقراء المهاجرون والذين ~~تبوءوا الدار والإيمان والذين جاؤوا من بعدهم فاجتهد أن لا تكون خارجا ~~من هذه الثلاث منازل ق عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا ~~نصيفه " # م عن عروة بن الزبير قال قالت عائشة " يا ابن أختي أمروا أن يستغفروا ~~لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبوهم " عن عبد الله بن مغفل قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن ~~أبغضهم فبغضبي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن ~~آذى الله فيوشك أن يأخذه " # أخرجه الترمذي وقال مالك بن أنس: من انتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو كان في قلبه غل عليهم فليس له حق في فيء المسلمين ثم ~~تلا هذه الآية # ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى # [الحشر: 7] - إلى - # والذين جاؤوا من بعدهم # [الحشر: 10] - إلى - # رؤوف رحيم # [الحشر: 10] وقال مالك بن مغول قال الشعبي يا مالك تفاضلت اليهود ~~والنصارى على الرافضة بخصلة سئلت اليهود من خير أهل ملتكم؟ قالوا أصحاب ~~موسى وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم؟ قال حواري عيسى وسئلت الرافضة من ~~شر أهل ملتكم؟ فقالوا أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمروا أن ~~يستغفروا لهم فسبوهم والسيف مسلول عليهم إلى يوم القيامة لا تقوم لهم ~~راية ولا يثبت لهم قدم ولا تجمع لهم كلمة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها ~~الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم وإدحاض حجتهم أعاذنا الله وإياكم من ~~الأهواء المضلة. وروي عن جابر قال قيل لعائشة إن ناسا يتناولون أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أبا بكر وعمر فقالت وما تعجبون من هذا ~~انقطع عنهم العمل فأحب ms3103 الله أن لا يقطع عنهم الأجر. وروي أن ابن عباس سمع ~~رجلا ينال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: من أمن ~~المهاجرين الأولين أنت؟ قال لا قال أفمن الأنصار أنت؟ قال لا قال فأنا ~~أشهد بأنك لست من التابعين لهم بإحسان. ### || [59.11-12] # قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين نافقوا } يعني أظهروا خلاف ما أضمروا ~~وهم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه { يقولون لإخوانهم الذين كفروا من ~~أهل الكتاب } يعني اليهود من بني قريظة وبني النضير وإنما جعل المنافقين ~~إخوانهم لأنهم كفار مثلهم { لئن أخرجتم } أي من المدينة { لنخرجن معكم } ~~أي منها { ولا نطيع فيكم أحدا أبدا } يعني إن سألنا أحد خلافكم ~~وخذلانكم فلا نطيعه فيكم { وإن قوتلتم لننصرنكم } أي لنعيننكم ولنقاتلن ~~معكم } { والله يشهد إنهم } يعني المنافقين { لكاذبون } أي فيما قالوا ~~ووعدوا ثم أخبر الله عن حال المنافقين فقال تعالى: { لئن أخرجوا لا ~~يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم } وكان الأمر كذلك فإنهم أخرجوا ولم ~~يخرج المنافقون معهم وقوتلوا فلم ينصروهم { ولئن نصروهم ليولن الأدبار } ~~يعني لو قدروا نصرهم أو لو قصدوا نصر اليهود لولوا الأدبار منهزمين { ثم ~~لا ينصرون } يعني بني النضير لا يصيرون منصورين إذا انهزم ناصروهم. ### || [59.13-16] # { لأنتم } يعني يا معشر المسلمين { أشد رهبة في صدورهم من الله } أصل ~~الرهبة والرهب الخوف الشديد مع حزن واضطراب والمعنى أنهم يرهبون ويخافون ~~منكم أشد من رهبتهم من الله { ذلك } أي الخوف منكم { بأنهم قوم لا يفقهون ~~} يعني عظمة الله تعالى: { لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة } أي لا ~~يبرزون لقتالكم إنما يقاتلونكم متحصنين بالقرى والجدران وهو قوله تعالى: ~~{ أو من وراء جدار } وقرىء جدر { بأسهم بينهم شديد } أي بعضهم فظ على بعض ~~أو عداوة بعضهم بعضا شديدة وقيل بأسهم فيما بينهم من وراء الحيطان ~~والحصون شديد فإذا خرجوا إليكم فهم أجبن خلق الله { تحسبهم جميعا ~~وقلوبهم شتى } أي متفرقة مختلفة قال قتادة أهل الباطل مختلفة أهواؤهم ~~مختلفة أعمالهم مختلفة شهاداتهم وهم مجتمعون ms3104 في عداوة أهل الحق وقيل أراد ~~أن دين المنافقين وآراءهم يخالف دين اليهود وآراءهم { ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون } ثم ضرب لليهود مثلا فقال تعالى: { كمثل الذين من قبلهم قريبا ~~} يعني مشركي مكة { ذاقوا وبال أمرهم } يعني القتل ببدر وكان ذلك قبل ~~غزوة بني النضير وقال ابن عباس " كمثل الذين من قبلهم " يعني بني قينقاع ~~وقيل مثل قريظة كمثل بني النضير وكان بينهما سنتان { ولهم عذاب أليم } أي ~~في الآخرة ثم ضرب مثلا آخر للمنافقين واليهود جميعا في تخاذلهم وتخلى ~~بعضهم عن بعض فقال تعالى { كمثل الشيطان } أي مثل المنافقين مع بني ~~النضير وخذلانهم إياهم كمثل الشيطان { إذ قال للإنسان اكفر } وذلك ما روي ~~عن عطاء وغيره عن ابن عباس قال كان راهب في الفترة يقال له برصيصا تعبد ~~في صومعة له سبعين سنة لم يعص الله فيها طرفة عين وأن إبليس أعياه في ~~أمره الحيل فجمع ذات يوم مردة الشياطين وقال ألا أحد منكم يكفيني أمر ~~برصيصا؟ فقال الأبيض وهو صاحب الأنبياء وهو الذي تصدى للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وجاء في صورة جبريل ليوسوس إليه على وجه الوحي فلحقه جبريل ~~عليه السلام فدفعه إلى أقصى أرض الهند لإبليس أنا أكفيك أمره فانطلق ~~فتزين بزينة الرهبان وحلق وسط رأسه وأتى صومعة برصيصا فناداه فلم يجبه ~~وكان لا يفتل عن صلاته إلا في كل عشرة أيام ولا يفطر إلا في كل عشرة أيام ~~مرة فلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل الصومعة فلما ~~انفتل برصيصا من صلاته اطلع من صومعته فرأى الأبيض قائما يصلي في هيئة ~~حسنة على هيئة الرهبان فلما رأى ذلك من حاله ندم في نفسه أي لام نفسه حين ~~لم يجبه فقال له إنك ناديتني وكنت مشتغلا عنك فما حاجتك قال الأبيض ~~حاجتي أني جئت لأكون معك فأتأدب بأدبك وأقتبس من عملك ونجتمع على العبادة ~~فتدعو لي وأدعو لك قال برصيصا إني لفي شغل عنك فإن كنت مؤمنا فإن الله ~~سيجعل لك فيما ms3105 للمؤمنين نصيبا إن استجاب لي ثم أقبل على صلاته وترك ~~الأبيض وأقبل الأبيض يصلي فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يوما فلما انفتل ~~بعدها رآه قائما يصلي فلما رأى برصيصا شدة اجتهاد الأبيض قال له ما ~~حاجتك؟ قال حاجتي أن تأذن لي فأرتفع إليك فأذن له فارتفع إليه في صومعته ~~فأقام حولا يتعبد لا يفطر إلا في كل أربعين يوما مرة ولا ينفتل عن ~~صلاته إلا كذلك وربما مد إلى الثمانين فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت ~~إليه نفسه وأعجبه شأن الأبيض فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا إني ~~منطلق فإن لي صاحبا غيرك ظننت أنك أشد اجتهادا مما رأيت وكان يبلغنا ~~عنك غير الذي رأيت فدخل من ذلك على برصيصا أمر شديد وكره مفارقته لما رأى ~~من كثرة اجتهاد ولما ودعه الأبيض قال له إن عندي دعوات أعلمكها تدعو بهن ~~فهو خير لك مما أنت فيه يشفي الله بها السقم ويعافي بها المبتلى والمجنون ~~قال برصيصا أنا أكره هذه المنزلة لأن لي في نفسي شغلا وإني أخاف إن علم ~~الناس شغلوني عن العبادة فلم يزل به الأبيض حتى علمه ثم انطلق حتى أتى ~~إبليس فقال قد والله أهلكت الرجل فانطلق الأبيض فتعرض لرجل فخنقه ثم جاء ~~في صورة رجل متطبب فقال لأهله إن بصاحبكم جنونا أفأعالجه؟ قالوا نعم ~~فعالجه فلم يفد فقال لهم إني لا أقوى على جنته ولكن سأرشدكم إلى من يدعو ~~الله فيعافيه انطلقوا إلى برصيصا فإن عنده الاسم الذي إذا دعا به أجيب ~~قال انطلقوا إليه فسألوه ذلك فدعا بتلك الكلمات فذهب عنه الشيطان فكان ~~الأبيض يفعل ذلك بالناس ويرشدهم إلى برصيصا فيدعو لهم فيعافون فانطلق ~~الأبيض فتعرض لجارية من بنات ملوك بني إسرائيل ولها ثلاثة إخوة وكان ~~أبوهم هو الملك فلما مات استخلف أخاه فكان عم تلك الجارية ملك بني ~~إسرائيل فخنقها وعذبها، ثم جاء إليهم كما كان يأتي الناس في صورة متطبب ~~فقال لهم أعالجها؟ قالوا نعم فقال إن الذي عرض لها مارد لا يطاق ولكن ms3106 ~~سارشدكم إلى من تثقون به تدعونها عنده فإذا جاء شيطانها دعا لها فإذا ~~علمتم أنها قد عوفيت تردونها صحيحة قالوا ومن هو؟ قال برصيصا قالوا وكيف ~~لنا أن يجيبنا إلى هذا وهو أعظم شأنا من ذلك قال فانطلقوا فابنوا صومعة ~~إلى جنب صومعته حتى تشرف عليه فإن قبلها وإلا فضعوها في صومعتها وقولوا ~~له هذه أمانة عندك فاحتسب أمانتك قال فانطلقوا فسألوه ذلك فأبى عليهم ~~فبنوا صومعة على ما أمرهم الأبيض ثم انطلقوا فوضعوا الجارية في صومعتها ~~وقالوا يا برصيصا هذه أختنا أمانة عندك فاحتسب فيها ثم انصرفوا فلما ~~انفتل برصيصا عن صلاته حتى عاين الجارية وما هي عليه من الجمال فوقعت في ~~قلبه ودخل عليه أمر عظيم فجاءها الشيطان فخنقها فدعا برصيصا بتلك الدعوات ~~فذهب الشيطان عنها ثم أقبل برصيصا على صلاته فجاءها الشيطان فخنقها فكانت ~~تكشف عن نفسها وتتعرض لبرصيصا فجاءه الشيطان وقال له ويحك واقعها فلم تجد ~~مثلها وستتوب بعد ذلك فتدرك ما تريد من الأمر فلم يزل به حتى واقعها فلم ~~يزل كذلك يأتيها حتى حملت وظهر حملها فقال له الشيطان ويحك يا برصيصا قد ~~افتضحت فهل لك أن تقتلها وتتوب؟ فإن سألوك فقل ذهب بها شيطانها فلم أقف ~~عليه فقتلها ثم انطلق بها فدفنها إلى جانب الجبل فجاء الشيطان وهو يدفنها ~~بالليل فأخذ بطرف إزارها فبقي خارجا من التراب ثم رجع برصيصا إلى صومعته ~~وأقبل على صلاته إذ جاء إخوتها يتعاهدون أختهم وكانوا يجيئون في بعض ~~الأيام يسألون عنها ويوصونه بها فقالوا يا برصيصا ما فعلت أختنا قال قد ~~جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه فصدقوه وانصرفوا فلما أمسوا وهم مكروبون ~~جاء الشيطان إلى أكبرهم في منامه فقال ويحك إن برصيصا فعل فعل بأختك كذا ~~وكذا وإنه دفنها في موضع كذا وكذا فقال هذا حلم وهو من الشيطان إن برصيصا ~~خير من ذلك فتتابع عليه ثلاث ليال فلم يكترث به فانطلق الشيطان إلى ~~أوسطهم فقال الأوسط مثل ما قال الأكبر ولم يخبر به أحدا فانطلق ms3107 إلى ~~أصغرهم بمثل ذلك قال الأصغر لأخويه والله لقد رأيت كذا وكذا فقال الأوسط ~~أنا والله قد رأيت مثله فقال الأكبر أنا والله قد رأيت مثله فانطلقوا إلى ~~برصيصا فقالوا يا برصيصا ما فعلت أختنا فقال أليس قد أعلمتكم بحالها ~~فكأنكم قد اتهمتموني فقالوا لا والله لا نتهمك واستحيوا منه وانصرفوا ~~فجاءهم الشيطان فقال ويحكم إنها لمدفونة في موضع كذا وكذا وإن طرف إزارها ~~خرج من التراب فانطلقوا فرأوا أختهم على ما رأوه في النوم فمشوا في ~~مواليهم وغلمانهم معهم الفؤوس والمساحي فهدموا صومعة برصيصا وأنزلوه منها ~~وكتفوه ثم انطلقوا به للملك فأقر على نفسه وذلك أن الشيطان أتاه فوسوس له ~~فقال له تقتلها ثم تكابر يجتمع عليك أمران قتل ومكابرة اعترف فلما اعترف ~~أمر الملك بقتله وصلبه على خشبة فلما صلب أتاه الأبيض فقال يا برصيصا ~~أتعرفني؟ قال لا فقال أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات وكنت إذا دعوت بهن ~~يستجاب لك ويحك ما اتقيت الله في أمانتك خنت أهلها وإنك زعمت أنك أعبد ~~بني إسرائيل أما استحيت فلم يزل يعيره ويعنفه حتى قال في آخر ذلك ألم ~~يكفك ما صنعت حتى أقررت على نفسك وفضحت أشباهك من الناس وفضحت نفسك فإن ~~مت على هذه الحالة لن تفلح أبدا ولن يفلح أحد من نظرائك قال فكيف أصنع؟ ~~قال تطيعني في خصلة واحدة حتى أخلصك مما أنت فيه فآخذ بأعينهم وأخرجك من ~~مكانك قال وما هي؟ قال تسجد لي قال ما أستطيع أفعل قال بطرفك افعل فسجد ~~له برصيصا فقال يا برصيصا هذا الذي أردت منك صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت ~~بربك، { فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين }. ### || [59.17] # قال الله تعالى: { فكان عاقبتهما } يعني الشيطان وذلك الإنسان { أنهما ~~في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين } قال ابن عباس ضرب الله هذا ~~المثل ليهود بني النضير والمنافقين من أهل المدينة وذلك أن الله تعالى ~~أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بإجلاء بني النضير فدس المنافقون ms3108 إلى اليهود ~~وقالوا لا تجيبوا محمدا إلى ما دعاكم ولا تخرجوا من دياركم فإن قاتلكم ~~فإنا معكم وإن أخرجكم خرجنا معكم فأجابوهم ودربوا على حصونهم وتحصنوا في ~~ديارهم رجاء نصر المنافقين فخذلوهم وتبرؤوا منهم كما تبرأ الشيطان من ~~برصيصا وخذله فكان عاقبة الفريقين النار قال ابن عباس فكان الرهبان بعد ~~ذلك لا يمشون في بني إسرائيل إلا بالتقية والكتمان وطمع أهل الفسق ~~والفجور في الأحبار ورموهم بالبهتان والقبيح حتى كان من أمر جريج الراهب ~~ما كان فلما برأه الله مما رموه به من الزنا انبسطت الرهبان بعده وظهروا ~~للناس وكانت قصة جريج على ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصاحب جريج وصاحب يوسف ~~وكان جريج رجلا صالحا عابدا فاتخذ صومعة فكان فيها فأتته أمه وهو يصلي ~~فيها فقالت يا جريج فقال يا رب أمي وصلاتي فأقبل على صلاته فانصرفت فلما ~~كان من الغد أتته فقالت يا جريج فقال يا رب أمي وصلاتي فأقبل على صلاته ~~فانصرفت فلما كان من الغد أتته فقالت يا جريج فقال يا رب أمي وصلاتي ~~فأقبل على صلاته فقالت اللهم لا تمته حتى ينظر في وجوه المومسات فتذاكر ~~بنو إسرائيل جريجا وعبادته وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها معهم، فقالت إن ~~شئتم لأفتننه لكم قال فتعرضت له فلم يلتفت إليها فأتت راعيا كان يأوي ~~إلى صومعته فأمكنته من نفسها فوقع عليها فحملت فلما ولدت قالت هو من جريج ~~فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه فقال ما شأنكم فقالوا زنيت ~~بهذه البغي فولدت منك فقال أين الصبي فجاؤوا فقال دعوني حتى أصلي فصلى؟ ~~فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه وقال يا غلام من أبوك قال فلان الراعي ~~قال فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به وقالوا له نبني لك صومعتك من ~~ذهب قال أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا. وبينا صبي يرضع من أمه فمر رجل ~~راكب على دابة فارهة ms3109 ذو شارة حسنة فقالت أمه اللهم اجعل ابني مثل هذا ~~فترك الثدي وأقبل عليه فنظر إليه فقال اللهم لا تجعلني مثل هذا ثم أقبل ~~على ثديه فجعل يرضع قال فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~يحكي ارتضاعه بأصبعه السبابة في فيه فجعل يمصها قال ومر بجارية وهم ~~يضربونها ويقولون زنيت وسرقت وهي تقول حسبي الله ونعم الوكيل فقالت أمه ~~اللهم لا تجعل ابني مثلها فترك الرضاع ونظر إليها فقالت اللهم اجعلني ~~مثلها فهنالك تراجعا الحديث، فقالت مر رجل حسن الهيئة فقالت اللهم اجعل ~~إبني مثله فقلت اللهم لا تجعلني مثله ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها ~~ويقولون زنيت وسرقت فقلت اللهم لا تجعل ابني مثلها فقلت اللهم اجعلني ~~مثلها فقال إن ذلك الرجل كان جبارا فقلت اللهم لا تجعلني مثله وإن هذه ~~يقولون لها زنيت ولم تزن وسرقت ولم تسرق فقلت اللهم اجعلني مثلها " # أخرجه مسلم بتمامه وهذا لفظه وأخرجه البخاري مفرقا حديث جريج تعليقا ~~وحديث المرأة وابنها خاصة. المومسات الزواني جمع مومسة وهي المرأة ~~الفاجرة والبغي الزانية أيضا وقوله يتمثل بحسنها أي يتعجب منه ويضرب به ~~المثل وقوله ذو شارة حسنة أي صاحب جمال ظاهر في الهيئة والملبس والمركب ~~ونحو ذلك والجبار العاتي المتكبر القاهر للناس. ### || [59.18-23] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد } ~~أي لينظر أحدكم إلى شيء قدم لنفسه من الأعمال عملا صالحا ينجيه أم ~~سيئا يوبقه والمراد بالغد يوم القيامة وقربه على الناس كان يوم القيامة ~~يأتي غدا وكل ما هو آت فهو قريب، { واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ~~} قيل كرر الأمر بالتقوى تأكيدا وقيل معنى الأول اتقوا الله في أداء ~~الواجبات ومعنى الثاني واتقوا الله فلا تأتوا المنهيات { ولا تكونوا ~~كالذين نسوا الله } أي تركوا أمر الله { فأنساهم أنفسهم } أي أنساهم حظوظ ~~أنفسهم حتى لم يقدموا لها خيرا ينفعها وعنده { أولئك هم الفاسقون لا ~~يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون } لما ms3110 أرشد ~~المؤمنين إلى ما يصلحهم بقوله " ولتنظر نفس ما قدمت لغد هدد الكافرين ~~بقوله نسوا الله فأنساهم أنفسهم بين الفرق بين الفريقين بقوله لا يستوي ~~أصحاب النار يعني الذين هم في العذاب الدائم وأصحاب الجنة يعني الذين هم ~~في النعيم المقيم ثم أتبعه بقوله أصحاب الجنة هم الفائزون ومعلوم أن من ~~جعل له النعيم المقيم فقد فاز فوزا عظيما. قوله تعالى: { لو أنزلنا هذا ~~القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } قيل معناه أنه لو ~~جعل في الجبل تمييزا وعقلا كما جعل فيكم وأنزل عليه القرآن لخشع أي ~~تطأطأ وخضع وتشقق وتصدع من خشية الله والمعنى أن الجبل مع صلابته ورزانته ~~مشقق من خشية الله، وحذر من أن لا يؤدي حق الله تعالى في تعظيم القرآن ~~والكافر مستخف بحقه معرض عما فيه من العبر والأحكام كأنه لم يسمعها. وصفه ~~بقساوة القلب فهو غافل عما يتضمنه القرآن من المواعظ والأمثال والوعيد ~~وتمييز الحق من الباطل والواجب مما لا يجب بأحسن بيان وأوضح برهان ومن ~~وقف على هذا وفهمه أوجب له الخشوع والخشية وهذا تمثيل لأن الجبل لا يتصور ~~منه الخشوع والخشية إلا أن يخلق الله تعالى له تمييزا وعقلا يدل على ~~أنه تمثيل. قوله تعالى: { وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون } أي ~~الغرض من هذا التمثيل التنبيه على فساد قلوب هؤلاء الكفار وقساوتها وغلظ ~~طباعهم. ولما وصف القرآن بالعظم أتبعه بوصف عظمته فقال تعالى: { هو الله ~~الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة } يعني أنه تعالى أعلم بما غاب ~~عن العباد مما لم يعاينوه ولم يعلموه وعلم ما شاهدوه وما علموه وقيل ~~استوى في علمه تعالى السر والعلانية والموجود والمعدوم وقيل علم حال ~~الدنيا والآخرة { هو الرحمن الرحيم } اسمان مشتقان اشتقاقهما من الرحمة ~~وهما صفتان لله تعالى ومعناهما ذو الرحة ورحمة الله إرادته الخير والنعمة ~~والإحسان إلى خلقه وقيل إن الرحمن أشد مبالغة من الرحيم ولهذا قيل هو ~~رحمن الدنيا ورحيم الآخرة لأن إحسانه تعالى في الدنيا يعم ms3111 المؤمن والكافر ~~وفي الآخرة يختص إحسانه وإنعامه بالمؤمنين { هو الله الذي لا إله إلا هو ~~الملك } أي المتصرف بالأمر والنهي في جميع خلقه المالك لهم فهم تحت ملكه ~~وقهره وإرادته { القدوس } أي الطاهر عن كل عيب المنزه عما لا يليق به ~~وقيل هو الذي كثرت بركته { السلام } أي الذي سلم من النقائص وكل آفة تلحق ~~الخلق. # فإن قلت على هذا التفسير لا يبقى بين القدوس والسلام فرق فيكون كالتكرار ~~وذلك لا يليق بفصاحة القرآن. قلت الفرق بينهما أن القدوس إشارة إلى ~~براءته عن جميع العيوب والنقائص في الماضي والحاضر والسلام إشارة إلى أنه ~~لا يطرأ عليه شيء من العيوب والنقائص في المستقبل فإن الذي يطرأ عليه شيء ~~من ذلك تزول سلامته ولا يبقى سليما وقيل السلام أي سلم خلقه ممن ظلمه، { ~~المؤمن } قال ابن عباس هو الذي أمن الناس من ظلمه وأمن من آمن به من ~~عذابه وقيل هو المصدق لرسله بإظهار المعجزات لهم والمصدق للمؤمنين بما ~~وعدهم من الثواب وبما أوعد الكافرين من العذاب { المهيمن } قال ابن عباس ~~أي الشهيد على عباده بأعمالهم الذي لا يغيب عنه شيء وقيل هو القائم على ~~خلقه برزقه وأنشد في معناه: # ألا إن خير الناس بعد نبيه مهيمنه التاليه في العرب والنكر # أي القائم على الناس بعده وقيل هو الرقيب الحافظ، وقيل هو المصدق وقيل ~~هو القاضي وقيل هو بمعنى الأمين والمؤتمن وقيل بمعنى العلي ومنه قول ~~العباس يمدح النبي صلى الله عليه وسلم في أبيات منها: # حتى احتوى بينك المهيمن من خندف عليا زانها النطق # وقيل: المهيمن اسم من أسماء الله تعالى هو أعلم بتأويله وأنشدوا في ~~معناه: # جل المهيمن عن صفات عبيده ولقد تعالى عن عقول أولي النهى راموا ~~بزعمهم صفات مليكهم والوصف يعجز عن مليك لا يرى # { العزيز } أي الذي لا يوجد له نظير وقيل الغالب القاهر { الجبار } قال ~~ابن عباس الجبار هو العظيم وجبروت الله عظمته فعلى هذا هو صفة ذات وقيل ~~هو من الجبر يعني الذي يغني الفقير ms3112 ويجبر الكسير فعلى هذا هو صفة فعل وهو ~~سبحانه وتعالى كذلك يجبر كل كسير ويغني كل فقير وقيل هو الذي يجبر الخلق ~~ويقهرهم على ما أراد: وسئل بعضهم عن معنى الجبار فقال هو القهار الذي إذا ~~أراد أمرا فعله لا يحجزه عنه حاجز وقيل الجبار هو الذي لا ينال ولا ~~يداني والجبار في صفة الله تعالى صفة مدح وفي صفة الناس ذم وكذلك { ~~المتكبر } في صفة الناس صفة ذم لأن المتكبر هو الذي يظهر من نفسه الكبر ~~وذلك نقص في حقه لأنه ليس له كبر ولا علو بل له الحقارة والذلة فإذا أظهر ~~الكبر كان كذابا في فعله فكان مذموما في حق الناس وأما المتكبر في صفة ~~الله تعالى فهو صفة مدح لأن له جميع صفات العلو والعظمة ولهذا قال في آخر ~~الآية { سبحان الله عما يشركون } كأنه قيل إن بعض الخلق يتكبر فيكون ذلك ~~نقصا في حقه أما الله تعالى فله العلو والعظمة والعزة والكبرياء فإن ~~أظهر ذلك كان ضم كمال إلى كمال قال ابن عباس المتكبر هو الذي تكبر ~~بربوبيته فلا شيء مثله وقيل هو الذي تكبر عن كل سوء وقيل هو المتعظم عما ~~لا يليق بجماله وجلاله وقيل هو المتكبر عن ظلم عباده وقيل الكبر ~~والكبرياء الامتناع، وقيل هو ذو الكبرياء وهو الملك سبحان الله عما ~~يشركون أي من ادعاء الكبر لأنفسهم. ### || [59.24] # { هو الله الخالق } أي المقدر لما يوجده فهو سبحانه وتعالى قدر أفعاله ~~على وجوه مخصوصة فهو راجع إلى الإرادة، وقيل المقدر لقلب الشيء بالتدبير ~~إلى غيره { البارئ } أي المخترع المنشىء للأعيان من العدم إلى الوجود { ~~المصور } أي الذي يخلق صورة الخلق على ما يريده وقيل معناه الممثل ~~للمخلوقات بالعلامات التي يتميز بعضها عن بعض وقيل الخالق المبدىء للخلق ~~المخترع له على غير مثال سبق البارىء المنشىء لما يريد بخلقه فيظهره من ~~العدم إلى الوجود المصور لما خلقه وأنشأه على صور مختلفة وأشكال متباينة ~~وقيل معنى التصوير التخطيط والتشكيل فأولا يكون خلقا ثم برءا ثم ms3113 ~~تصويرا وإنما قدم الخالق على البارىء لأن تأثير الإرادة مقدم على تأثير ~~القدرة وقدم البارىء على المصور لأن إيجاد الذات مقدم على إيجاد الصفات { ~~له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } عن ~~معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ~~الرجيم وقرأ الثلاث الآيات من آخر سورة الحشر وكل به سبعين ألف ملك يصلون ~~عليه حتى يمسي فإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا ومن قالها حين يمسي كان ~~كذلك " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب والله أعلم. ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } ~~الآية ق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال # " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال ~~انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، قال ~~فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا ~~أخرجي الكتاب فقالت ما معي من كتاب فقلنا لتخرجي الكتاب أو لنلقين الثياب ~~فأخرجته من عقاصها فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب ~~بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا حاطب ما هذا فقال ~~يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرا ملصقا في قريش ولم أكن من ~~أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم ~~بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها ~~قرابتي وما فعلته كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد ~~الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قد صدقكم فقال عمر دعني ~~يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3114 ~~إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقالوا اعملوا ما ~~شئتم فقد غفرت لكم " # فأنزل الله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~إلى قوله سواء السبيل } روضة خاخ موضع بقرب حمراء الأسد من المدينة وقيل ~~إنه موضع قريب من مكة والأول أصح والظعينة المرأة المسافرة سميت بذلك ~~لملازمتها الهودج والعقاص الشعر المضفور قال المفسرون نزلت هذه الآية في ~~حاطب بن أبي بلتعة كما جاء في الحديث # " وذلك أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت المدينة ~~من مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة فقال لها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أمسلمة جئت؟ قالت لا قال أمهاجرة جئت؟ قالت لا قال ~~فما جاء بك؟ قالت كنتم الأهل والعشيرة والموالي وقد ذهبت موالي وقد احتجت ~~حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني فقال لها وأين أنت من ~~شباب مكة وكانت مغنية نائحة قالت ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر فحث عليها ~~بني عبد المطلب فأعطوها نفقة وكسوها وحملوها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة ~~حليف بني أسد بن عبد العزى فكتب معها إلى أهل مكة وأعطاها عشرة دنانير ~~وكساها بردا على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة وكتب في الكتاب من حاطب بن ~~أبي بلتعة إلى أهل مكة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا ~~حذركم فخرجت سارة ونزل جبريل عليه السلام فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بما فعل فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وعمارا والزبير وطلحة ~~والمقداد بن الأسود وأبا مرثد فرسانا فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ~~فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فخذوه منها ~~وخلوا سبيلها وإن لم تدفعه لكم فاضربوا عنقها فخرجوا حتى أدركوها في ذلك ~~المكان الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لها أين الكتاب؟ ~~فحلفت بالله ما معها من كتاب فبحثوا ms3115 وفتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتابا ~~فهموا بالرجوع، فقال علي والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسل السيف وقال أخرجي الكتاب وإلا لأجردنك ولأضربن عنقك فلما رأت ~~الجد أخرجته من ذوائبها وكانت قد خبأته في شعرها فخلوا سبيلها ولم ~~يتعرضوا لها ولا لما معها ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حاطب فأتاه فقال له هل تعرف ~~الكتاب قال نعم قال فما حملك على ما صنعت؟ فقال والله ما كفرت منذ أسلمت ~~ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكن لم يكن أحد من ~~المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته وكنت غريبا منهم وكان أهلي بين ~~ظهرانيهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ لي عندهم يدا وقد علمت أن الله ~~تعالى ينزل بهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا فصدقه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعذره فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله دعني أضرب ~~عنق هذا المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريك يا عمل لعل ~~الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " # فأنزل الله في شأن حاطب بن أبي بلتعة: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~عدوي وعدوكم أولياء يعني أصدقاء وأنصارا { تلقون إليهم بالمودة } أي ~~بأسباب المحبة وقيل معناه تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم ~~وسره بالمودة التي بينكم وبينهم { وقد كفروا } أي وحالهم أنهم كفروا { ~~بما جاء من الحق } يعني القرآن { يخرجون الرسول وإياكم } يعني من مكة { ~~أن تؤمنوا } أي لأن آمنتم، كأنه قال يفعلون ذلك لإيمانكم { بالله ربكم إن ~~كنتم خرجتم } هذا شرط جوابه متقدم والمعنى إن كنتم خرجتم { جهادا في ~~سبيلي وابتغاء مرضاتي } فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء. وقوله: { تسرون ~~إليهم بالمودة } أي بالنصيحة { وأنا أعلم بما أخفيتم } أي من المودة ~~للكفار { وما أعلنتم } أي أظهرتم بألسنتكم منها { ومن يفعله منكم } أي ms3116 ~~الإسرار وإلقاء المودة إليهم فقال: { فقد ضل سواء السبيل } أي أخطأ طريق ~~الهدى ثم أخبر عن عداوة الكفار فقال تعالى: { إن يثقفوكم يكونوا لكم ~~أعداء... }. ### || [60.2-5] # { إن يثقفوكم } أي يظفروا بكم ويروكم { يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم ~~أيديهم وألسنتهم بالسوء } أي بالضرب والقتل والشم والسب { وودوا } أي ~~تمنوا { لو تكفرون } أي ترجعون إلى دينهم كما كفروا والمعنى أن أعداء ~~الله لا يخلصون المودة لأولياء الله ولا يناصحونهم لما بينهم من الخلاف ~~فلا تناصحوهم أنتم ولا توادوهم { لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم } أي لا ~~يدعونكم ولا يحملنكم ذوو أرحامكم وقراباتكم وأولادكم الذين بمكة إلى ~~خيانة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وترك مناصحتهم ونقل ~~أخبارهم وموالاة أعدائهم فإنه لا تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم الذين عصيتم ~~الله لأجلهم { يوم القيامة يفصل بينكم } أي يدخل أهل طاعته الجنة وأهل ~~معصيته النار { والله بما تعملون بصير } قوله تعالى: { قد كانت لكم أسوة ~~حسنة في إبراهيم } يخاطب حاطبا ولامؤمنين ويأمرهم بالاقتداء بإبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام، { والذين معه } أي من أهل الإيمان { إذ قالوا ~~لقومهم } يعني المشركين { إنا برآء منكم } جمع بريء { ومما تعبدون من دون ~~الله كفرنا بكم } أي جحدناكم وأنكرنا دينكم { وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده } والمعنى أن إبراهيم عليه السلام ~~وأصحابه تبرؤوا من قومهم وعادوهم لكفرهم فأمر حاطبا والمؤمنين أن يتأسوا ~~بهم { إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك } يعني لكم أن تتأسوا بإبراهيم ~~في جميع أموره إلا في الاستغفار لأبيه المشرك فلا تتأسوا به فإن إبراهيم ~~كان قد قال لأبيه لأستغفرن لك فلما تبين له إقامته على الكفر تبرأ منه { ~~وما أملك لك من الله من شيء } هذا من قول إبراهيم لأبيه يعني ما أغني عنك ~~ولا أدفع عنك عذاب الله إن عصيته وأشركت به وإنما وعده بالاستغفار رجاء ~~إسلامه وكان من دعاء إبراهيم ومن معه من المؤمنين { ربنا عليك توكلنا ~~وإليك أنبنا وإليك المصير ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } أي لا ~~تظهرهم علينا فيظنوا أنهم ms3117 على الحق، وقيل معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا ~~بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم ذلك { واغفر لنا ~~ربنا إنك أنت العزيز الحكيم }. ### || [60.6-8] # { لقد كان لكم فيهم } يعني في إبراهيم ومن معه { أسوة حسنة } أي اقتداء ~~حسن { لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر } أي إن هذه الأسوة لمن يخاف الله ~~ويخاف عذاب الآخرة { ومن يتول } أي يعرض عن الإيمان ويوالي الكفار { فإن ~~الله هو الغني } أي عن خلقه { الحميد } أي إلى أهل طاعته وأوليائه فلما ~~أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين ~~وأظهروا لهم العداوة والبراءة وعلم الله شدة وجد المؤمنين بذلك فأنزل ~~الله تعالى { عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم } أي من ~~كفار مكة { مودة } ففعل الله تعالى ذلك بأن أسلم كثير منهم فصاروا لهم ~~أولياء وإخوانا وخالطوهم وناكحوهم وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم ~~حبيبة بنت أبي سفيان ولان لهم أبو سفيان { والله قدير } أي علي جعل ~~المودة بينكم { والله غفور رحيم } أي لمن تاب منهم وأسلم ثم رخص في صلة ~~الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم فقال تعالى: { لا ينهاكم الله عن ~~الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم } أي لا ~~ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم { وتقسطوا إليهم } أي وتعدلوا فيهم ~~بالإحسان إليهم والبر { إن الله يحب المقسطين } أي العادلين قال ابن عباس ~~نزلت في خزاعة وذلك أنهم صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا ~~يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا فرخص الله في برهم وقال عبد الله بن ~~الزبير نزلت في أمه وهي أسماء بنت أبي بكر وذلك أن أمها قتيلة بنت عبد ~~العزى قدمت عليها المدينة بهدايا ضبابا وأقطا وسمنا وهي مشركة فقالت ~~أسماء لا أقبل منك هدية ولا تدخلي علي بيتا حتى أستأذن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فسألته فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمرها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن تدخلها منزلها ms3118 وأن تقبل هديتها وتكرمها وتحسن إليها " ~~، ق عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما قالت # " قدمت على أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومدتهم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول ~~الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها قال نعم صليها " # ، زاد في رواية قال ابن عيينة فأنزل الله فيها { لا ينهاكم الله عن ~~الذين لم يقاتلوكم في الدين } ثم ذكر الله الذي نهى عن صلتهم وبرهم فقال ~~تعالى: { إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم ~~وظاهروا على إخراجكم... }. ### || [60.9-10] # { إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم ~~وظاهروا على إخراجكم } وهم مشركو مكة { أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم ~~الظالمون } قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن } الآية خ عن عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن ~~مخرمة يخبران عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لما كاتب سهيل ~~بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا ~~وبينه وكره المؤمنون ذلك وأبي سهيل إلا ذلك فكاتبه النبي صلى الله عليه ~~وسلم على ذلك فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من ~~الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما وجاءت المؤمنات مهاجرات ~~وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يومئذ وهي عاتق فجاء أهلها يسألون عنها النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها حتى أنزل الله فيهن { إذا جاءكم ~~المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن - إلى - ولا هم يحلون لهن ~~} قال عروة فأخبرتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن ~~بهذه الآية { يا أيها النبي إذا جاءك ms3119 المؤمنات } - إلى قوله # غفور رحيم # [الممتحنة: 12] قال عروة قالت عائشة فمن أقرت بهذا الشرط منهن؟ قال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قد بايعتك " # كلاما يكلمها والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة ولا بايعهن إلا ~~بقوله وقال ابن عباس " أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا حتى ~~إذا كان بالحديبية صالحة مشركو مكة على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم ~~ومن أتى مكة من أصحابه لم يردوه إليه وكتبوا بذلك كتابا وختموا عليه ~~فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة بعد فراغ الكتاب وأقبل زوجها ~~مسافر من بني مخزوم وقيل هو صيفي بن الراهب في طلبها وهو كافر فقال يا ~~محمد اردد علي امرأتي فإنك قد شرطت أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طية ~~الكتاب لم تجف بعد فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات أي من دار الكفر إلى دار الإسلام فامتحنوهن قال ابن عباس ~~امتحانها أن تستحلف ما خرجت من بغض زوج ولا رغبة عن أرض إلى أرض ولا لحدث ~~أحدثته ولا التماس دنيا وما خرجت إلا رغبة في الإسلام وحبا لله ولرسوله ~~صلى الله عليه وسلم فإذا حلفت على ذلك لم يردها فاستحلف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سبيعة فحلفت فلم يردها وأعطى زوجها مهرها وما أنفق عليها ~~فتزوجها عمر بن الخطاب قال المفسرون المراد بقوله يا أيها الذين آمنوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذي تولى امتحانهن بنفسه فكان ~~يمسك من جاءه من النساء بعد الامتحان ويعطي أزواجهن مهورهن ويرد من جاء ~~من الرجال. # واختلف العلماء هل دخل رد النساء في عقد الهدنة لفظا أو عموما فقيل قد ~~كان شرط ردهن في عقد الهدنة لفظا صريحا فنسخ الله تعالى ردهن من العقد ~~ومنع منه وأبقاه في الرجال على ما كان في العقد وقيل لم يشترط ردهن في ~~العقد لفظا صريحا وإنما أطلق العهد فكان ظاهره العموم لاشتماله على ~~النساء وعلى الرجال فبين ms3120 الله تعالى خروجهن من عموم العقد وفرق بينهن ~~وبين الرجال في الحكم، { الله أعلم بإيمانهن } أي هذا الامتحان لكم والله ~~أعلم بإيمانهن { فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل ~~لهم ولا هم يحلون لهن } إي إذا أقررن بالإيمان فلا تردوهن إلى الكفار لأن ~~الله لم يبح مؤمنة لكفار { وآتوهم } يعني أزواجهن { ما أنفقوا } أي عليهن ~~من المهر الذي دفعوه إليهن، { ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن ~~أجورهن } أي مهورهن أباح الله للمسلمين نكاح المهاجرات من دار الحرب إلى ~~دار الإسلام وإن كان لهن أزواج كفار في دار الحرب لأن الإسلام فرق بينهن ~~وبين أزواجهن الكفار ووقفت الفرقة بانقضاء عدتها فإن أسلم الزوج قبل ~~انقضاء عدتها فهي زوجته وبه قال الأوزاعي والليث بن سعد ومالك والشافعي ~~وأحمد وقال أبو حنيفة تقع الفرقة باختلاف الدارين، { ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر } جمع عصمة وهي ما اعتصم به من العقد: والسبب نهى الله تعالى ~~المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات يقول الله تعالى وإن كانت له امرأة ~~كافرة بمكة فلا يعتد بها فقد انقطعت عصمة الزوجية بينهما. قال الزهري لما ~~نزلت هذه الآية طلق عمر بن الخطاب امرأتين كانتا بمكة مشركتين قريبة بنت ~~أبي أمية بن المغيرة فتزوجها معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة ~~والأخرى أم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية وهي أم ابنه عبيد الله ~~فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غنم وهما على شركهما. وكانت أروى بنت ربيعة ~~بن الحارث بن عبد المطلب تحت طلحة بن عبيد الله فهاجر طلحة وبقيت هي على ~~دين قومها ففرق الإسلام بينهما فتزوجها بعده في الإسلام خالد بن سعيد بن ~~العاص بن أمية قال الشعبي وكانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~امرأة أبي العاص بن الربيع أسلمت وهاجرت ولحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~وأقام أبو العاص بمكة مشركا ثم أتى المدينة فأسلم فردها عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم { واسألوا } أي أيها المؤمنون { ما أنفقتم ms3121 } يعني إن ~~لحقت امرأة منكم بالمشركين مرتدة فاطلبوا ما أنفقتم من المهر إذا منعوها ~~ممن تزوجها منهم { وليسألوا } يعني المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم { ما ~~أنفقوا } من المهر إذا منعوها ممن تزوجها منهم { وليسألوا } يعني ~~المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم { ما أنفقوا } من المهر ممن تزوجها منكم ~~{ ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم } قال الزهري ولولا الهدنة ~~والعهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش لأمسك ~~النساء ولم يرد الصداق وكذلك صنع بمن جاء من المسلمات قبل العهد فلما ~~نزلت هذه الآية أقر المؤمنون بحكم الله تعالى وأدوا ما أمروا به من أداء ~~نفقات المشركين على نسائهم وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما أمر من ~~أداء نفقات المسلمين فأنزل الله عز وجل: { وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى ~~الكفار. # .. }. ### || [60.11] # { وإن فاتكم } أيها المؤمنون { شيء من أزواجكم إلى الكفار } أي فلحقن ~~بهم مرتدات { فعاقبتم } معناه غزوتم فغنمتم وأصبتم من الكفار عقبي وهي ~~الغنيمة وقيل معناه ظهرتم وكانت العاقبة لكم { فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ~~} أي إلى الكفار { مثل ما أنفقوا } معناه أعطوا الذين ذهبت أزواجهم منكم ~~إلى الكفار مرتدات مثل ما أنفقوا عليها من الغنائم التي صارت في أيديكم ~~من أموال الكفار قال ابن عباس لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ~~ست نسوة أم الحكم بنت أبي سفيان وكان تحت عياض بن شداد الفهري وفاطمة بنت ~~أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة وكانت تحت عمر بن الخطاب فلما أراد عمر ~~أن يهاجر بها أبت وارتدت وبروع بنت عقبة وكانت تحت شماس بن عثمان وعزة ~~بنت عبد العزيز بن نضلة وتزوجها عمرو بن عبد ود وهند بنت أبي جهل بن هشام ~~وكانت تحت هشام بن العاص بن وائل وأم كلثوم وكانت تحت عمر بن الخطاب ~~فكلهن رجعن عن الإسلام فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجهن مهور ~~نسائهم من الغنيمة واختلف القول في رد مهر من أسلمت من النساء إلى زوجها ~~هل كان ms3122 واجبا أو مندوبا وأصل هذه المسألة أن الصلح هل كان وقع على رد ~~النساء أم لا فيه قولان أحدهما أنه وقع على رد الرجال والنساء جميعا لما ~~روي أنه لا يأتيك منا أحد إلا رددته ثم صار الحكم في رد النساء منسوخا ~~بقوله تعالى { فلا ترجعوهن إلى الكفار } فعلى هذا كان رد المهر واجبا. ~~والقول الثاني أن الصلح لم يقع على رد النساء لأنه روي عن علي أنه قال لا ~~يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته وذلك لأن الرجل لا يخشى عليه ~~من الفتنة في الرد ما يخشى على المرأة من إصابة المشرك إياها وأنه لا ~~يؤمن عليها الردة إذا خوفت وأكرهت عليها لضعف قلبها وقلة هدايتها إلى ~~المخرج من الكفر بإظهار كلمة الكفر مع التورية وإضمار كلمة الإيمان ~~وطمأنينة القلب عليه ولا يخشى ذلك على الرجل لقوته وهدايته إلى التقية ~~فعلى هذا كان المهر مندوبا. واختلفوا في أنه هل يجب العمل به اليوم في ~~رد المال إذا شرط في معاقدة الكفار فقال قوم لا يجب وزعموا أن الآية ~~منسوخة وهم عطاء ومجاهد وقتادة قال قوم الآية غير منسوخة ويرد عليهم ما ~~أنفقوا قوله تعالى: { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون }. ### || [60.12] # { يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك } الآية قال المفسرون لما ~~فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من بيعة الرجال وهو على الصفا ~~أتته النساء يبلغنه وعمر بن الخطاب أسفل منه يبلغهن عنه وهند بنت عتبة ~~امرأة أبي سفيان متنقبة متنكرة مع النساء خوفا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يعرفها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبايعهن { على أن ~~لا يشركن بالله شيئا } فرفعت هند رأسها وقالت والله إنك لتأخذ علينا ~~أمرا وما رأيناك أخذته على الرجال وكان قد بايع الرجال يومئذ على ~~الإسلام والجهاد فقط فقال النبي صلى الله عليه وسلم { ولا يسرقن } فقالت ~~هند إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ماله هنات فلا أدري ms3123 يحل لي أم لا ~~فقال أبو سفيان ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو حلال فضحك النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها وإنك لهند بنت عتبة قالت نعم فاعف ~~عما سلف عفا الله عنك فقال { ولا يزنين } فقالت هند أو تزني الحرة؟ فقال ~~{ ولا يقتلن أولادهن } فقالت هند ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا فأنتم ~~وهم أعلم وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر فضحك عمر حتى ~~استلقى وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم { ولا يأتين ببهتان يفترينه ~~بين أيديهن وأرجلهن } فقالت هند والله إن البهتان لقبيح وما تأمرنا إلا ~~بالرشد ومكارم الأخلاق، { ولا يعصينك في معروف } فقالت هند ما جلسنا ~~مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء فأقر النسوة بما أخذ عليهم من ~~البيعة قال ابن الجوزي وجملة من أحصى من المبايعات أربعمائة وسبعة وخمسون ~~امرأة ولم يصافح في البيعة امرأة وإنما بايعهن بالكلام، ق عن عائشة رضي ~~الله تعالى عنها قالت " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع النساء ~~بالكلام بهذه الآية على أن لا يشركن بالله شيئا وما مست يد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يد امرأة لا يملكها " وأما تفسير الآية فقوله تعالى: ~~{ ولا يقتلن أولادهن } أراد به وأد البنات الذي كان يفعله أهل الجاهلية ~~ثم هو عام في كل نوع من قتل الولد ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن يعني لا تلحق المرأة بزوجها غير ولده وذلك أن المرأة كانت تلتقط ~~المولود فتقول لزوجها هذا ولدي منك فهذا هو البهتان المفتري وليس المراد ~~منه نهيهن عن الزنا لأن النهي عنه قد تقدم ذكره ومعنى بين أيديهن وأرجلهن ~~أن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها ولا يعصينك في معروف أي ~~في كل ما تأمرهن به أو تنهاهن عنه وقيل في كل أمر وافق طاعة الله وكل أمر ~~فيه رشد وقيل هو النهي عن النوح والدعاء بالويل وتمزيق الثياب وحلق الشعر ~~ونتفه وخمش الوجه وأن ms3124 لا تحدث المرأة الرجال الأجانب ولا تخلو برجل غير ~~ذي محرم ولا تسافر مع غير ذي محرم، قال ابن عباس في قوله { ولا يعصينك في ~~معروف } إنما هو شرط شرطه الله على النساء أخرجه البخاري ق عن أم عطية ~~قالت " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا أن لا يشركن ~~بالله شيئا ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة منا يدها فقالت فلانة أسعدتني ~~فأنا أريد أن أجزيها فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فانطلقت ~~ثم رجعت فبايعها ". # ق عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية " # عن أسيد بن أسيد عن امرأة من المبايعات قالت " كان فيما أخذ علينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه أن ~~لا نخمش وجها ولا ندعو ويلا ولا نشق جيبا ولا ننشر شعرا " أخرجه أبو ~~داود عن أنس رضي الله عنه # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ على النساء حين بايعهن أن لا ~~ينحن فقلن يا رسول الله نساء أسعدننا في الجاهلية فنسعدهن فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا إسعاد في الإسلام " # أخرجه النسائي، م عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ~~ودرع من جرب " # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال # " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة " # أخرجه أبو داود، وقوله تعالى: { فبايعهن } يعني إذا بايعنك على هذه ~~الشروط فبايعهن { واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم } عن أميمة بنت ~~رقية قالت # " بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة فقال لنا فيما استطعتن ~~وأطقتن قلنا الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا قلت يا رسول الله بايعنا ~~قال سفيان يعني صافحنا فقال رسول الله صلى ms3125 الله عليه وسلم إنما قولي ~~لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. ### || [60.13] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم } ~~يعني من اليهود وذلك أن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود ~~بأخبار المسلمين يتوصلون إليهم بذلك فيصيبون من ثمارهم فنهاهم الله عن ~~ذلك " { قد يئسوا من الآخرة } يعني اليهود وذلك أنهم عرفوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذبوا به فيئسوا من ~~أن يكون لهم ثواب أو خير في الآخرة { كما يئس الكفار من أصحاب القبور } ~~يعني كما يئس الذين ماتوا على الكفر وصاروا في القبور من أن يكون لهم ~~ثواب في الآخرة وذلك أن الكفار إذا دخلوا قبورهم أيسوا من رحمة الله ~~تعالى وقيل معناه كما يئس الكفار من أصحاب القبور أن يرجعوا إليهم ~~والمعنى: أن اليهود الذين عاينوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ~~يؤمنوا به قد يئسوا من ثواب الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور أن ~~يرجعوا إليهم، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-2] # قوله عز وجل: { سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم ~~يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } قيل سبب نزولها ما روي عن ~~عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال " قعدنا نفرا من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فتذاكرنا فقلنا لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا ~~فأنزل الله تعالى سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم ~~يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون قال عبد الله بن سلام فقرأها ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم " أخرجه الترمذي وقال المفسرون إن ~~المؤمنين قالوا لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعلمناه ولبذلنا فيها ~~أموالنا وأنفسنا فأنزل الله عز وجل: # إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا # [الصف: 4] وأنزل الله # هل أدلكم على تجارة # [الصف: 10] الآية فابتلوا ms3126 بذلك يوم أحد فولوا مدبرين وكرهوا الموت ~~وأحبوا الحياة فأنزل الله تعالى لم تقولون ما لا تفعلون وقيل لما أخبر ~~الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بثواب أهل بدر قالت الصحابة لئن ~~لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا ففروا يوم أحد فعيرهم الله بهذه الآية ~~وقيل نزلت في شأن القتال كان الرجل يقول قاتلت ولم يقاتل وأطعمت ولم يطعم ~~وضربت ولم يضرب فنزلت هذه الآية وقيل نزلت في المنافقين وذلك أنهم كانوا ~~يعدون النصر للمؤمنين وهم كاذبون. ### || [61.3-6] # { كبر مقتا عند الله } أي عظم بغضا عند الله { أن تقولوا ما لا تفعلون ~~} معناه أن يعدوا من أنفسهم شيئا ولم يفوا به { إن الله يحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا } أي يصفون أنفسهم عند القتال صفا ولا يزولون عن ~~أماكنهم { كأنهم بنيان مرصوص } أي قد رص بعضه ببعض وألزق بعضه إلى بعض ~~وأحكم فليس فيه فرجة ولا خلل ومنه الحديث # " تراصوا في الصف " # ومعنى الآية إن الله يحب أن يثبت في الجهاد في سبيله ويلزم مكانه كثبوت ~~البناء المرصوص. قوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه } أي واذكر يا محمد ~~لقومك إذ قال موسى لقومه بني إسرائيل { يا قوم لم تؤذونني } قيل: إنهم ~~كانوا يؤذونه بأنواع من الأذى التعنت منها قولهم أرنا الله جهرة وقولهم ~~لن نصبر على طعام واحد ومنها أنهم رموه بالأدرة { وقد تعلمون أني رسول ~~الله إليكم } يعني تؤذونني وأنتم عالمون علما قطعيا أني رسول الله ~~إليكم والرسول يعظم ويوقر ويحترم ولا يؤذي { فلما زاغوا } أي عدلوا ~~ومالوا عن الحق { أزاغ الله قلوبهم } أي أمالها عن الحق إلى غيره { والله ~~لا يهدي القوم الفاسقين } أي لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق خارج عن ~~طاعته وهدايته وهذا تنبيه على عظم إيذاء الرسل حتى إن أذاهم يؤدي إلى ~~الكفر وزيغ القلوب عن الهدى { وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني ~~رسول الله إليكم } أي إني رسول أرسلت إليكم بالوصف الذي وصفت به في ~~التوراة { مصدقا لما بين ms3127 يدي من التوراة } أي مقر معترف بأحكام التوراة ~~وكتب الله وأنبيائه جميعا ممن قد تقدم { ومبشرا برسول يأتي من بعدي } ~~أي يصدق بالتوراة على مثل تصديقي فكأنه قيل ما اسمه فقال { اسمه أحمد } ~~عن أبي موسى قال # " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يأتوا النجاشي " # وذكر الحديث، وفيه قال # " سمعت النجاشي يقول أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر ~~به عيسى ولولا ما أنا فيه من الملك وما تحملت من أمر الناس لأتيته حتى ~~أحمل نعليه " # أخرجه أبو داود وعن عبد الله بن سلام قال مكتوب في التوراة صفة محمد ~~وعيسى ابن مريم يدفن معه فقال أبو داود المدني قد بقي في البيت موضع قبر ~~أخرجه الترمذي عن كعب الأحبار أن الحواريين قالوا لعيسى صلى الله عليه ~~وسلم يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال نعم يأتي بعدكم أمة حكماء علماء ~~أبرار أتقياء كأنهم في الفقه أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق ~~ويرضى الله منهم باليسير من العمل ق عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي ~~الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي يوم القيامة وأنا العاقب ~~الذي ليس بعدي نبي وقد سماه الله تعالى رؤوفا رحيما " # وأحمد يحتمل معنيين أحدهما أنه مبالغة من الفاعل ومعناه أن الأنبياء ~~كلهم حمادون لله عز وجل وهو أكثر حمدا لله من غيره والثاني أنه مبالغة ~~من المفعول ومعناه أن الأنبياء كلهم محمودون لما فيهم من الخصال الحميدة ~~وهو أكثر مبالغة وأجمع للفضائل والمحاسن والأخلاق التي يحمد بها من غيره، ~~{ فلما جاءهم بالبينات } قيل هو عيسى صلى الله عليه وسلم وقيل هو محمد ~~صلى الله عليه وسلم { قالوا هذا سحر مبين } أي ظاهر. ### || [61.7-14] # { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب } أي ومن أقبح ظلما ممن بلغ ~~افتراؤه أن يكذب على الله وذلك أنهم ms3128 علموا أن ما نالوه من نعمة فمن الله ~~ثم كفروا به { وهو يدعى إلى الإسلام } معنى الآية أي الناس أشد ظلما ممن ~~يدعوه ربه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام الذي له فيه ~~سعادة الدارين فيجعل مكان إجابته افتراء الكذب على الله بقوله هذا سحر ~~مبين { والله لا يهدي القوم الظالمين } أي لا يوفقهم للهداية علم من ~~حالهم عقوبة لهم { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم } يعني إرادتهم ~~إبطال الإسلام بقولهم في القرآن هذا سحر { والله متم نوره } يعني متم ~~للحق ومظهره ومبلغه غايته وقال ابن عباس مظهر دينه { ولو كره الكافرون هو ~~الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله } أي ليعليه على ~~الأديان المخالفة له ولقد فعل ذلك فلم يبق دين من الأديان إلا وهو مغلوب ~~ومقهور بدين الإسلام { ولو كره المشركون } ، قوله عز وجل: { يا أيها ~~الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم } نزلت هذه الآية ~~حين قالوا لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناه وإنما سماه ~~تجارة لأنهم يربحون فيه رضا الله عز وجل ونيل جنته والنجاة من النار ثم ~~بين تلك التجارة فقال تعالى: { تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل ~~الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم } أي الذي آمركم به من الإيمان ~~والجهاد في سبيله { إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم } هذا جواب قوله ~~تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون لأن معناه معنى الأمر والمعنى آمنوا بالله ~~وجاهدوا في سبيل الله أي إذا فعلتم ذلك يغفر لكم ذنوبكم { ويدخلكم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم } يعني ~~هذا الجزاء الذي ذكر هو الفوز العظيم، { وأخرى تحبونها } أي ولكم تجارة ~~أخرى وقيل لكم خصلة أخرى تحبونها في العاجل مع ثواب الآخرة وتلك الحصلة { ~~نصر من الله وفتح قريب } ، قيل هو النصر على قريش وفتح مكة وقيل فتح ~~مدائن فارس والروم { وبشر المؤمنين } أي يا محمد بالنصر في الدنيا والجنة ~~في الآخرة ثم ms3129 حضهم على نصر الدين وجهاد المخالفين فقال تعالى: { يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري ~~إلى الله } أي مع الله والمعنى انصروا دين الله كما نصر الحواريون دين ~~الله لما قال لهم عيسى من أنصاري إلى الله { قال الحواريون نحن أنصار ~~الله } وكانوا اثني عشر رجلا أول من آمن بعيسى عليه الصلاة والسلام ~~وحواري الرجل صفيه وخلاصته ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " حواري " ~~الزبير { فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة } قال ابن عباس في زمن ~~عيسى عليه الصلاة والسلام وذلك أنه لما رفع تفرق قومه ثلاث فرق فرقة ~~قالوا كان الله فارتفع وفرقة قالوا كان ابن الله فرفعه وفرقة قالوا كان ~~عبد الله ورسوله فرفعه وهم المؤمنون واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس ~~فاقتتلوا فظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنين حتى بعث الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة فذلك قوله تعالى: { ~~فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين } أي غالبين وقيل معناه ~~فأصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم أن عيسى ~~روح الله وكلمته والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-3] # قوله عز وجل: { يسبح له ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز ~~الحكيم هو الذي بعث في الأميين } يعني العرب وكانت العرب أمة أمية لا ~~تكتب ولا تقرأ حتى بعث فيهم نبي الله وقيل الأمي هو الذي على ما خلق عليه ~~كأنه منسوب إلى أمه { رسولا منهم } يعني محمد صلى الله عليه وسلم يعلمون ~~نسبه وهو من جنسهم وقيل أميا مثلهم وإنما كان أميا لأن نعته في كتب ~~الأنبياء النبي الأمي وكونه بهذه الصفة أبعد من توهم الاستعانة بالكتابة ~~على ما أتى به من الوحي والحكمة ولتكون حاله مشاكلة لحال أمته الذين بعث ~~فيهم وذلك أقرب إلى صدقه { يتلوا عليهم آياته } أي التي يبين رسالته وقيل ~~آياته التي يتميز بها الحلال من الحرام والحق من ms3130 الباطل { ويزكيهم } أي ~~يطهرهم من دنس الشرك { ويعلمهم الكتاب } أي القرآن وقيل الفرائض { ~~والحكمة } قيل هي السنة { وإن كانوا من قبل } أي من قبل إرسال محمد صلى ~~الله عليه وسلم { لفي ضلال مبين وآخرين منهم } أي من المؤمنين الذين ~~ظهروا يدينون بدينهم لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم فإن المسلمين كلهم أمة ~~واحدة، وقيل أراد بالآخرين العجم وهو قول ابن عمر وسعيد بن جبير ورواية ~~عن مجاهد يدل عليه ما روي # " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال " كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذ نزلت سورة الجمعة فتلاها فلما بلغ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ~~قال له رجل يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا فلم يكلمه حتى ~~سأله ثلاثا قال وسلمان الفارسي فينا فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يده على سلمان وقال والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال ~~من هؤلاء " " # أخرجاه في الصحيحين، وقيل هم جميع من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى يوم القيامة { لما يلحقوا بهم } لم يدركوهم ولكنهم جاؤوا ~~بعدهم وقيل لم يلحقوا بهم في الفضل والسابقة لأن التابعين لا يدركون شأو ~~الصحابة { وهو العزيز } أي الغالب الذي قهر الجبابرة { الحكيم } أي الذي ~~جعل كل مخلوق يشهد بوحدانيته. ### || [62.4-8] # { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } يعني الإسلام وقيل النبوة خص بها محمدا ~~صلى الله عليه وسلم { والله ذو الفضل العظيم } أي على خلقه حيث أرسل فيهم ~~رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { مثل الذين حملوا التوراة ~~} يعني اليهود حيث كلفوا القيامة بها والعمل بما فيها وليس هو من الحمل ~~على الظهر وإنما هو من الحمالة والحميل والكفيل { ثم لم يحملوها } أي لم ~~يعملوا بما فيها ولم يؤدوا حقها، { كمثل الحمار يحمل أسفارا } جمع سفر ~~الكتب العظام من العلم سمى سفرا لأنه سفر عما فيه من المعنى وهذا مثل ~~ضربه الله تعالى لليهود الذين أعرضوا عن العمل بالتوراة والإيمان بمحمد ~~صلى الله ms3131 عليه وسلم شبهوا إذا لم ينتفعوا بما في التوراة الدال على ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بالحمار الذي يحمل الكتب ولا يدري ما ~~فيها ولا ينتفع بها كذلك اليهود الذين يقرؤون التوراة ولا ينتفعوا بها ~~لأنهم خالفوا ما فيها وهذا المثل يلحق من لم يفهم معاني القرآن ولم يعمل ~~بما فيه وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه ولهذا قال ميمون بن مهران يا ~~أهل القرآن اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم ثم تلا هذه الآية ثم ذم هذا ~~المثل والمراد منهم ذمهم فقال تعالى: { بئس مثل القوم } يعني بئس مثلا ~~مثل القوم { الذين كذبوا بآيات الله } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وما أتي من آيات القرآن وقيل المراد من الآيات آيات التوراة لأنهم كذبوا ~~بها حين تركوا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم { والله لا يهدي القوم ~~الظالمين } أي لا يهدي من سبق في علمه أن يكون ظالما وقيل يعني الذين ~~ظلموا أنفسهم بتكذيب آيات الله وأنبيائه { قل } أي قل يا محمد { يا أيها ~~الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس } أي من دون محمد صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه { فتمنوا الموت } ادعوا على أنفسكم بالموت { إن ~~كنتم صادقين } يعني فيما زعمتم أنكم أبناء الله وأحياؤه فإن الموت هو ~~الذي يوصلكم إليه لأن الآخرة خير لأولياء الله من الدنيا { ولا يتمنونه ~~أبدا بما قدمت أيديهم } أي بسبب ما قدموا من الكفر والتكذيب { والله ~~عليم بالظالمين قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم } أي لا ينفعكم ~~الفرار منه { ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ~~} فيه وعيد وتهديد. ### || [62.9] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة } أي لوقت الصلاة { ~~من يوم الجمعة } أي في يوم الجمعة وأراد بهذا النداء الإذن عند قعود ~~الإمام على المنبر للخطبة لأنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نداء سواه " كان إذا جلس صلى الله عليه وسلم على المنبر أذن ms3132 بلال " ~~خ عن السائب بن يزيد قال " كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام ~~على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلما كان ~~عثمان وكثر الناس زاد النداء الثاني على الزوراء " زاد في رواية " فثبت ~~الأمر على ذلك " ، ولأبي داود قال " كان يؤذن بين يدي النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد وذكر نحوه " ~~الزوراء موضع عند سوق المدينة قريب من المسجد وقيل كان مرتفعا كالمنارة. ~~واختلفوا في تسمية هذا اليوم جمعة فقيل لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم ~~وقيل لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء فيه فاجتمعت فيه المخلوقات وقيل ~~لاجتماع الجماعات فيه للصلاة وقيل أول من سمى هذا اليوم جمعة كعب بن لؤي ~~قال أبو سلمة أول من قال أما بعد كعب بن لؤي وكان أول من سمى الجمعة جمعة ~~وكان يقال لها يوم العروبة، عن ابن سيرين قال جمع أهل المدينة قبل أن ~~يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وقبل أن تنزل الجمعة وهم الذين ~~سموا الجمعة وقالوا لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى يوم ~~فهلم فلنجعل يوما نجتمع فيه فنذكر اسم الله تعالى ونصلي فقالوا يوم ~~السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة ثم أنزل الله تعالى ~~في ذلك اليوم { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة } الآية عن كعب بن ~~مالك أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة فقال له ~~ابنه عبد الرحمن يا أبت إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة قال لأنه ~~أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع ~~الخضمات قلت له كم كنتم يومئذ؟ قال أربعون " أخرجه أبو داود وأما أول ~~جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أصحاب السير أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما دخل المدينة مهاجرا نزل قباء على بني عمرو بن عوف ms3133 ~~وذلك يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول حين امتد الضحى فأقام ~~بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم ثم خرج ~~من بين أظهرهم يوم الجمعة عامدا إلى المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني ~~سالم بن عوف في بطن واديهم وقد اتخذوا في ذلك الموضع مسجدا فجمع فيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطب. # وقوله تعالى: { فاسعوا إلى ذكر الله } أي فامضوا إليه واعملوا له وليس ~~المراد من السعي الإسراع في المشي وإنما المراد منه العمل وكان عمر بن ~~الخطاب يقرأ فامضوا إلى ذكر الله وقال الحسن أما والله ما هو بالسعي على ~~الاقدام ولقد نهوا أن يأتوا إلى الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ولكن ~~بالقلوب والنية والخشوع. وعن قتادة في هذه الآية فاسعوا إلى ذكر الله قال ~~السعي أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها وكان يتأول قوله: # فلما بلغ معه السعي # [الصافات: 102] بقوله فلما مشى معه ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا ~~تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " # وفي رواية # " فإذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة " # وذكره زاد مسلم # " فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في الصلاة " # والمراد بقوله فاسعوا إلى ذكر الله الصلاة وقال سعيد بن المسيب هو موعظة ~~الإمام { وذروا البيع } يعني البيع والشراء لأن البيع اسم يتناولهما ~~جميعا وهو من لوازمه وإنما يحرم البيع والشراء عند الأذان الثاني وقال ~~الزهري عند خروج الإمام وقال الضحاك إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء { ~~ذلكم } أي الذي ذكرت من حضور الجمعة وترك البيع والشراء { خير لكم } أي ~~من المبايعة في ذلك الوقت { إن كنتم تعلمون } أي من مصالح أنفسكم والله ~~تعالى أعلم. فصل في فضل الجمعة وأحكامها وإثم تاركها وفيه مسائل: ~~المسألة الأولى: في فضلها م عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله ms3134 عليه وسلم # " خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه ~~أخرج لما منها " # ، زاد في رواية # " ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة " # ق عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: فيه ساعة لا ~~يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل فيها شيئا إلا أعطاه إياه وأشار بيده ~~يقللها " # ق عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب ~~بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة ~~الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب ~~دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا أحرم الإمام حضرت ~~الملائكة يستمعون الذكر " # ، وفي رواية # " إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المساجد ملائكة يكتبون ~~الأول فالأول فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاؤوا يستمعون الذكر " # قوله من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة معناه غسلا كغسل الجنابة م عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين ~~الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغا " # قوله ومن مس الحصى فقد لغا معناه أنه يشغله عن سماع الخطبة كما يشغله ~~الكلام فجعله كاللغو خ عن عبادة قال أدركني أبو عيسى وأنا ذاهب إلى ~~الجمعة فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول # " من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار " # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال خرجت إلى الطور فرأيت كعب الأحبار فجلست ~~معه فحدثني عن التوراة وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فيما ~~حدثته أن قلت له قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه مات ~~وفيه تيب عليه وفيه تقوم الساعة وما دابة ms3135 إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من ~~حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيها ساعة لا ~~يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه " # قال كعب ذاك في كل سنة يوما فقلت بل في كل جمعة فقرأ كعب التوراة فقال ~~صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو هريرة ثم لقيت عبد الله بن ~~سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار وما حدثته في يوم الجمعة فقال عبد ~~الله بن سلام قد علمت أي ساعة هي قال أبو هريرة فقلت أخبرني بها ولا تكن ~~عني، وفي رواية تضن علي قال هي آخر ساعة في يوم الجمعة قال أبو هريرة ~~قلت وكيف تقول آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي وتلك الساعة لا يصلي فيها قال عبد ~~الله بن سلام ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصليها " # قال أبو هريرة فقلت بلى قال فهو ذلك أخرجه مالك في الموطأ والنسائي خ عن ~~سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من الطهور ويدهن من دهنه ~~ويمس من طيب بيته ثم يخرج فلم يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت ~~إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة " # الأخرى عن أوس بن أوس الثقفي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " من غسل واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام ولم يلغ ~~واستمع كان له بكل خطوة أجر عمل سنة صيامها وقيامها " # أخرجه أبو داود والنسائي قال أبو داود سئل مكحول عن غسل واغتسل قال غسل ~~رأسه وجسده. المسألة الثانية: في إثم تاركها م عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على ms3136 ~~منبره # " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن ~~من الغافلين " # عن أبي الجعد الضمري وكان له صحبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه " # أخرجه أو داود والنسائي وللترمذي نحوه م عن ابن مسعود رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة # " هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة ~~بيوتهم ". # المسألة الثالثة: في تأكيد وجوبها قال العلماء صلاة الجمعة هي من فروض ~~الأعيان فتجب على كل مسلم حر بالغ عاقل ذكر مقيم إذا لم يكن له عذر في ~~تركها ومن تركها من غير عذر استحق الوعيد أما الصبي والمجنون فلا جمعة ~~عليهما لأنهما ليسا من أهل الفرض ولا جمعة على النساء بالاتفاق يدل عليه ~~ما روي عن طارق بن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا على أربعة عبد مملوك أو ~~امرأة أو صبي أو مريض " # ، أخرجه أبو داود وقال طارق " رأى النبي صلى الله عليه وسلم وبعضا من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئا عن عبد الله بن عمرو ~~بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " الجمعة على من سمع النداء " # أخرجه أبو داود وقال رواه جماعة ولم يرفعوه وإنما أسنده قبيصة عن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " الجمعة على من آواه الليل إلى أهله " # ، أخرجه الترمذي ولا تجب الجمعة على العبيد وقال الحسن وقتادة والأوزاعي ~~تجب على العبد المكاتب وعن أحمد في العبيد روايتان وتجب الجمعة على أهل ~~القرى والبوادي إذا سمعوا النداء من موضع تقام فيه الجمعة يلزمهم الحضور ~~وإن لم يسمعوا فلا جمعة عليهم وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق والشرط أن ~~يبلغهم نداء مؤذن جهوري الصوت يؤذن في وقت تكون الأصوات فيه هادئة ~~والرياح ms3137 ساكنة فكل قرية تكون من موضع الجمعة في القرب على هذا القدر يجب ~~على أهلها حضور الجمعة وقال سعيد بن المسيب تجب الجمعة على من آواه ~~المبيت وقال الزهري تجب على كل من كان على ستة أميال وقال ربيعة على ~~أربعة أميال، وقال مالك والليث على ثلاثة أميال وقال أبو حنيفة لا جمعة ~~على أهل السواد سواء كانت القرية قريبة أو بعيدة دليل الشافعي ومن وافقه ~~ما روي البخاري عن ابن عباس قال " إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجؤاثى من البحرين " ~~ولأبي داود نحوه فيه بجؤائى قرية من قرى البحرين. # المسألة الرابعة: في تركها لعذر كل من له عذر من مرض أو تعهد مريض أو ~~خوف جاز له ترك الجمعة وكذا له تركها بعذر المطر والوحل يدل على ذلك ما ~~روي عن ابن عباس " أنه خطب في يوم ذي ردغ فأمر المؤذن فلما بلغ حي على ~~الصلاة قال قل الصلاة في الرحال فنظر بعضهم إلى بعض كأنهم أنكروا ذلك ~~فقال كأنكم أنكرتم هذا إن هذا فعله من هو خير مني يعني النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإنها عزمة وإني كرهت أن أخرجكم " زاد في رواية " فتمشون في ~~الطين و الدحض والزلق " ، أخرجه البخاري ومسلم وكل من لا تجب عليه الجمعة ~~فإذا حضر وصلى مع الإمام الجمعة سقط عنه فرض الظهر ولكن لا يكمل به عدد ~~الذين تنعقد بهم الجمعة إلا صاحب العذر فإنه إذا حضر كمل به العدد. ~~المسالة الخامسة: في العدد الذي تنعقد به الجمعة اختلف أهل العلم في ~~العدد الذي تنعقد به الجمعة فقيل لا تنعقد بأقل من أربعين رجلا وهو قول ~~عبيد الله بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق ~~قالوا لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلا من أهل الكمال وذلك بأن ~~يكونوا أحرارا بالغين عاقلين مقيمين في موضع لا يظعنون عنه شتاء ولا ~~صيفا إلا ظعن حاجة، ms3138 وشرط عمر بن عبد العزيز أن يكون فيهم وال والوالي ~~غير شرط عند الشافعي وقال علي بن أبي طالب: لا جمعة إلا في مصر جامع وهو ~~قول أصحاب الرأي ثم عند أبي حنيفة تنعقد بأربعة والوالي شرط عنده وقال ~~الأوزاعي وأبو يوسف تنعقد بثلاثة إذا كان فيهم وال وقال الحسن تنعقد ~~باثنين وكسائر الصلوات وقال ربيعة تنعقد باثني عشر رجلا ولا يكمل العدد ~~بمن لا تجب عليه الجمعة كالعبد والمرأة والمسافر والصبي ولا تنعقد إلا في ~~موضع واحد من البلد وبه قال الشافعي ومالك وأبو يوسف وقال أحمد تصح ~~بموضعين إذا كثر الناس وضاق الجامع. # المسألة السادسة: لا يجوز أن يسافر الرجل يوم الجمعة بعد الزوال قبل أن ~~يصلي الجمعة وجوز أصحاب الرأي أن يسافر بعد الزوال إذا كان يفارق البلد ~~قبل خروج الوقت أما إذا سافر قبل الزوال وبعد طلوع الفجر فإنه يجوز غير ~~أنه يكره إلا أن يكون سفره سفر طاعة كحج أو غزو، وذهب بعضهم إلى أنه إذا ~~أصبح يوم الجمعة مقيما فلا يسافر حتى يصلي الجمعة يدل على جوازه ما روي ~~عن ابن عباس قال # " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ~~ذلك يوم الجمعة فغدا أصحابه وقال أتخلف فأصلي مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم ألحقهم فلما صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رآه فقال ما منعك ~~أن تغدو مع أصحابك؟ قال أردت أن أصلي معك ثم أتبعهم فقال لو أنفقت ما في ~~الأرض جميعا ما أدركت فضل غدوتهم " # أخرجه الترمذي وروى أن عمر رأى رجلا عليه أهبة السفر وسمعه يقول لولا ~~أن اليوم يوم الجمعة لخرجت فقال له عمر اخرج فإن الجمعة لا تحبس عن سفر. ~~وللجمعة شرائط وسنن وآداب مذكورة في كتب الفقه وفي هذا القدر كفاية والله ~~أعلم. ### || [62.10-11] # قوله عز وجل: { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض } أي إذا فرغ من ~~صلاة الجمعة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم { وابتغوا ms3139 من ~~فضل الله } يعني الرزق وهذا أمر إباحة قال ابن عباس إن شئت فاخرج وإن شئت ~~فاقعد وإن شئت فصل إلى العصر وقيل قوله فانتشروا في الأرض ليس لطلب دنيا ~~ولكن لعيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله وقيل وابتغوا من فضل ~~الله هو طلب العلم وعن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف ~~على باب المسجد وقال اللهم أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني ~~فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين { واذكروا الله كثيرا } أي إذا فرغتم ~~من الصلاة ورجعتم إلى التجارة والبيع والشراء فاذكروا الله كثيرا قيل ~~باللسان وقيل بالطاعة قيل لا تكون من الذاكرين الله كثيرا حتى تذكره ~~قائما وقاعدا ومضطجعا { لعلكم تفلحون } قوله تعالى: { وإذا رأوا تجارة ~~أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما } ق عن جابر قال " بينما نحن نصلي ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبلت عير تحمل طعاما فانفتلوا ~~إليها حتى ما بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا إثنا عشر رجلا فنزلت ~~هذه الآية وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما " وفي ~~رواية " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما فجاءت عير من الشام ~~وذكر نحوه " وفيه " إلا اثنا عشر رجلا فيهم أبو بكر وعمر " ولمسلم " كنا ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقدمت سويقة قال فخرج الناس ~~إليها فلم يبق إلا اثنا عشر رجلا أنا فيهم " وذكر الحديث وهو حجة من يرى ~~صحة الجمعة باثني عشر رجلا. وأجيب عنه بأنه ليس فيه بيان أنه أقام بهم ~~الجمعة حتى يكون الحديث حجة لاشتراط هذا العدد وقال ابن عباس في رواية ~~عنه لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط قال الحسن وأبو مالك # " أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدم دحية بن خليفة الكلبي بتجارة زيت ~~وطعام من الشام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فلما رأوه بالبقيع قاموا ~~إليه خشية أن يسبقوا إليه فلم يبق مع النبي صلى الله عليه ms3140 وسلم إلا رهط ~~فيهم أبو بكر وعمر، فنزلت هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي ~~نفس محمد بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد لسال بكم الوادي نارا " # وقال مقاتل # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن ~~خليفة الكلبي من الشام بالتجارة وكان إذا قدم لم تبق عاتق بالمدينة إلا ~~أتته وكان يقدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق وبر وزيت وغيره وينزل عند ~~أحجار الزيت وهو مكان في سوق المدينة ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه ~~فيخرج إليه الناس ليبتاعوا منه فقدم ذات جمعة وذلك قبل أن يسلم ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس ولم يبق ~~في المسجد إلا اثنا عشر رجلا وامرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم كم ~~بقي في المسجد؟ فقالوا اثني عشر رجلا وامرأة، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء فأنزل الله هذه الآية " # وأراد باللهو الطبل وكانت العير إذا قدمت استقبلوها بالطبل والتصفيق، ~~وقوله تعالى انفضوا أي تفرقوا وذهبوا نحوها والضمير في إليها راجع إلى ~~التجارة لأنها أهم إليهم وتركوك قائما اتفقوا على أن القيام كان في ~~الخطبة للجمعة قال علقمة " سئل ابن مسعود أكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يخطب قائما أو قاعدا؟ قال أما تقرؤون وتركوك قائما " قال العلماء ~~الخطبة فريضة في صلاة الجمعة وقال داود الظاهري هي مستحبة ويجب أن يخطب ~~الإمام قائما خطبتين يفصل بينهما بجلوس وقال أبو حنيفة وأحمد لا يشترط ~~القيام ولا القعود وتشترط الطهارة في الخطبة عند الشافعي في أحد القولين ~~وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة أن يحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويوصي بتقوى الله هذه الثلاث شروط في الخطبتين جميعا ويجب أن يقرأ ~~في الأولى آية من القرآن ويدعو للمؤمنين في الثانية ولو ترك واحدة من هذه ~~الخمسة لم تصح خطبته ولا جمعته عند الشافعي وذهب أبو ms3141 حنيفة إلى أنه لو ~~أتى بتسبيحة أو تحميدة أو تكبيرة أجزأه وهذا القدر لا يقع عليه اسم ~~الخطبة وهو مأمور بالخطبة والسنة للإمام إذا صعد المنبر أن يستقبل الناس ~~وأن يسلم عليهم خلافا لأبي حنيفة ومالك وهل يحرم الكلام في حال الخطبة ~~فيه خلاف بين العلماء والأصح أنه يحرم على المستمع دون الخاطب ويستحب أن ~~يصلي تحية المسجد إذا دخل والإمام يخطب خلافا لأبي حنيفة ومالك. ذكر ~~الأحاديث الواردة الدالة على هذه الأحكام ق عن ابن عمر رضي الله عنهما ~~قال # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين يعقد بينهما " # وفي رواية أخرى # " كان يخطب يوم الجمعة وهو قائم ثم يقوم فيتم كما يفعلون الآن " # م عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال # " كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر ~~الناس " # زاد في رواية " فمن حدثك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب " ، م عن كعب بن ~~عجرة رضي الله عنه أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن الحكم يخطب جالسا فقال ~~انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا وقد قال الله تعالى: { وإذا رأوا ~~تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما } ، م # " عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال " كنت أصلي مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الصلاة فكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا " # زاد أبو داود ويقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء " # أخرجه أبو داود والترمذي ولأبي داود عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # " كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم " # عن ابن مسعود رضي الله عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تشهد قال الحمد لله نستعينه ~~ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل ~~فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا ms3142 عبده ورسوله ~~أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ~~ومن يعصيهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا " # وفي رواية أن يونس سأل ابن شهاب عن تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم الجمعة فذكر نحوه وقال فيه " ومن يعصيهما فقد غوى ونسأل الله ربنا أن ~~يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه إنما نحن به وله ~~" أخرجه أبو داود م عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال " كانت خطبة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه بما هو ~~أهله ثم يقول على أثر ذلك وقد علا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش ~~يقول صبحكم ومساكم ويقول # " بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى ويقول أما ~~بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها ~~وكل بدعة ضلالة ثم يقول أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك مالا فلأهله ~~ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي " # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا أخرجه الترمذي ق عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة انصت والإمام يخطب فقد لغوت " # عن نافع أن ابن عمر رأى رجلين يتحدثان والإمام يخطب يوم الجمعة فحصبهما ~~أن اصمتا أخرجه مالك في الموطأ قال ابن شهاب خروج الإمام يقطع الصلاة ~~وكلامه يقطع الكلام " فأما صفة صلاة الجمعة " فركعتان يجهر فيهما ~~بالقراءة ولجواز الجمعة خمس شروط الوقت وهو وقت الظهر ما بين زوال الشمس ~~إلى دخول وقت العصر والعدد والإمام والخطبة ودار الإقامة فإن فقد شرط من ~~هذه الشروط لخمس يجب أن يصلي ظهرا ولا يجوز للإمام أن يبتدىء الخطبة قبل ~~تمام العدد وهو أربعون عند الشافعي فلو اجتمعوا وخطب بهم ثم انفضوا قبل ~~افتتاح الصلاة ms3143 أو انفض واحد من العدد لا يجوز أن يصلي بهم الجمعة بل يصلي ~~الظهر ولو افتتح بهم الصلاة ثم انفضوا فأصح أقوال الشافعي أن بقاء ~~الأربعين شرط إلى آخر الصلاة كما أن بقاء الوقت شرط إلى آخر الصلاة فلو ~~نقص واحد قبل أن يسلم الإمام يجب على الباقين أن يصلوها ظهرا، وفيه قول ~~آخر وهو أنه إن بقي معه اثنان أتمها جمعة وقيل إن بقي معه واحد أتمها ~~جمعة وعند المزني إن انفضوا بعد ما صلى بهم الإمام ركعة أتمها جمعة وإن ~~بقي وحده وإن كان في الركعة الأولى يتمها أربعا وإن انفض من العدد ~~واحدا، وبه قال أبو حنيفة لكن في العدد الذي يشترط كالمسبوق إذا أدرك مع ~~الإمام ركعة من الجمعة فإذا سلم الإمام أتمها جمعة وإن أدرك أقل من ركعة ~~أتمها أربعا خ عن أنس رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس " # م عن عبيد الله بن أبي رافع قال " استخلف مروان أبا هريرة على المدينة ~~وخرج إلى مكة فصلى بنا أبو هريرة الجمعة فقرأ بعد الحمد سورة الجمعة في ~~الأولى وإذا جاءك المنافقون في الثانية قال فأدركت أبا هريرة حين انصرف ~~فقلت له إنك قرأت سورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الكوفة فقال ~~أبو هريرة إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما يوم الجمعة " ~~، م عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه قال # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح ~~اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية قال وإذا اجتمع العيد والجمعة في ~~يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين " # عن سمرة بن جندب رضي الله عنهما # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الجمعة بسبح اسم ربك ~~الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية " # أخرجه أبو داود والنسائي. وقوله تعالى: { قل ما عند الله } أي ما عند ~~الله من الثواب والأجر على الصلاة والثبات ms3144 مع النبي صلى الله عليه وسلم { ~~خير من اللهو ومن التجارة } الذي جاء بهما دحية { والله خير الرازقين } ~~يعني أنه تعالى موجد الأرزاق وأصلها منه فإياه فاسألوا ومنه فاطلبوا، ~~والله تعالى أعلم. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-3] # قوله عز وجل: { إذا جاءك المنافقون } يعني عبد الله بن أبي سلول وأصحابه ~~قالوا { نشهد إنك لرسول الله } وتم الخبر عنهم ثم ابتدأ فقال تعالى: { ~~والله يعلم إنك لرسوله } أي هو الذي أرسلك فهو عالم بك { والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون } يعني في قولهم نشهد إنك لرسول الله لأنهم أضمروا ~~خلاف ما أظهروا وذلك لأن حقيقة الإيمان أن يواطىء اللسان القلب وكذلك ~~الكلام فمن أخبر عن شيء واعتقد خلافه أو أضمر خلاف ما أظهر فهو كاذب ألا ~~ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم نشهد إنك لرسول الله وسماه كذبا لأن ~~قولهم خالف اعتقادهم { اتخذوا أيمانهم جنة } أي سترة يسترون بها من القتل ~~ومعنى أيمانهم ما أخبر الله عنهم من حلفهم إنهم لمنكم وقولهم نشهد إنك ~~لرسول الله { فصدوا عن سبيل الله } أي أعرضوا بأنفسهم عن طاعة الله وطاعة ~~رسوله وقيل منعوا الناس عن الجهاد وعن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~{ إنهم ساء ما كانوا يعملون } يعني حيث آثروا الكفر على الإيمان { ذلك ~~بأنهم آمنوا } أي في الظاهر وذلك إذا رأوا المؤمنين أقروا بالإيمان { ثم ~~كفروا } أي في السر وذلك إذا خلوا مع المشركين وفيه تأكيد لقوله والله ~~يشهد إنهم لكاذبون { فطبع على قلوبهم } أي بالكفر { فهم لا يفقهون } أي ~~الإيمان وقيل لا يتدبرون القرآن. ### || [63.4-6] # { وإذا رأيتهم } يعني المنافقين مثل عبد الله بن أبي ابن سلول { تعجبك ~~أجسامهم } يعني أن لهم أجساما ومناظر حسنة { وإن يقولوا تسمع لقولهم } ~~أي فتحسب أنه صدق قال ابن عباس كان عبد الله بن أبي ابن سلول جسيما ~~فصيحا ذلق اللسان فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله { كأنهم ~~خشب مسندة } أي أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام شبههم بالخشب المسندة ~~إلى جدر وليست بأشجار مثمرة ينتفع ms3145 بها { يحسبون كل صيحة عليهم } يعني ~~أنهم لا يسمعون صوتا في العسكر بأن ينادي مناد أو تنفلت دابة أو تنشد ~~ضالة إلا ظنوا من خبثهم وسوء ظنهم أنهم يرادون بذلك وظنوا أنهم قد أتوا ~~لما في قلوبهم من الرعب وقيل إنهم على خوف ووجل من أن ينزل فيهم أمر يهتك ~~أستارهم ويبيح دماءهم وتم الكلام عند قوله عليهم ثم ابتدأ فقال تعالى: { ~~هم العدو فاحذرهم } أي لا تأمنهم فإنهم وإن كانوا معك ويظهرون تصديقك ~~أعداء لك فاحذرهم ولا تأمنهم على سرك لأنهم عيون لأعدائك من الكفار ~~ينقلون إليهم أسرارك { قاتلهم الله } أي لعنهم الله { أنى يؤفكون } أي ~~يصرفون عن الحق. قوله تعالى: { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ~~لووا رؤوسهم } أي أمالوها وأعرضوا بوجوههم رغبة عن الاستغفار { ورأيتهم ~~يصدون } أي يعرضون عما دعوا إليه { وهم مستكبرون } أي عن استغفار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لهم { سواء عليهم أستغفرت لهم } أي يا محمد { أم ~~لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين }. ذكر ~~القصة: في سبب نزول هذه الآية قال محمد بن إسحاق وغيره من أصحاب السير إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني المصطلق يجتمعون لحربه وقائدهم ~~الحارث بن أبي ضرار وهو أبو جويرية زوج النبي صلى الله عليه وسلم فلما ~~سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من ~~مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فتزاحم الناس واقتتلوا ~~فهزم الله تعالى بني المصطلق وأمكن منهم وقيل من قتل منهم ونقل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءها عليهم فبينما الناس ~~على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني ~~غفار يقال له جهجاه بن سعيد الغفاري يقود له فرسه فازدحم جهجاه وسنان بن ~~وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني يا ~~معشر الأنصار وصرخ الغفاري ms3146 يا معشر المهاجرين وأعان جهجاها رجل من ~~المهاجرين يقال له جعال وكان فقيرا فقال عبد الله بن أبي الجعال وإنك ~~لهناك فقال جعال وما يمنعني أن أفعل ذلك فغضب عبد الله بن أبي وعنده رهط ~~من قومه فيهم زيد بن أرقم وهو غلام حديث السن فقال عبد الله بن أبي ~~افعلوها قد نافرونا وكاثرنا في بلادنا والله ما مثلنا زائدة ومثلهم إلا ~~كما قال القائل سمن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل ثم أقبل على من حضر من قومه فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم ~~أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه ~~فضل الطعام لم يركبوا رقابكم ولتحولوا إلى غير بلادكم فلا تنفقوا عليهم ~~حتى ينفضوا من حول محمد فقال زيد بن أرقم أنت والله الذليل القليل المبغض ~~في قومك ومحمد صلى الله عليه وسلم في عز من الرحمن ومودة من المسلمين ~~فقال عبد الله بن أبي اسكت لقد كنت ألعب فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وذلك بعد فراغه من الغزو فأخبره الخبر وعنده عمر بن ~~الخطاب فقال دعني أضرب عنقه يا رسول الله قال كيف يا عمر إذا تحدث الناس ~~أن محمدا يقتل أصحابه ولكن أذن بالرحيل وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها فارتحل الناس وأرسل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي فأتاه فقال أنت صاحب هذا الكلام الذي ~~بلغني فقال عبد الله بن أبي والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك ~~وإن زيدا لكاذب وكان عبد الله في قومه شريفا عظيما فقال من حضر من ~~الأنصار من أصحابه يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد وهم في حديثه ولم ~~يحفظ ما قاله فعذره النبي صلى الله عليه وسلم وفشت الملامة لزيد في ~~الأنصار وكذبوه وقال له عمه وكان زيد معه ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ~~صلى ms3147 الله عليه وسلم والناس ومقتوك وكان زيد يساير النبي صلى الله عليه ~~وسلم فاستحيا بعد ذلك أن يدنو من النبي صلى الله عليه وسلم فلما استقل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة ~~وسلم عليه ثم قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رحت في ساعة منكرة ~~ما كنت تروح فيها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ما بلغك ما ~~قال صاحبك عبد الله بن أبي فقال أسيد وما قال؟ قال يزعم أنه إن رجع إلى ~~المدينة أخرج الأعز منها الأذل فقال أسيد أنت والله يا رسول الله تخرجه ~~هو والله الذليل وأنت والله العزيز ثم قال يا رسول الله ارفق به فوالله ~~لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى أنك قد ~~سلبته ملكا وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أبيه فأتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد ~~الله بن أبي لما بلغك عنه فإن كنت فاعلا فمرني فأنا أحمل إليك رأسه ~~فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني وإني أخشى أن ~~تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي ~~يمشي على الأرض فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا " # قالوا وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يومه ذلك حتى أمسى وليلته حتى ~~أصبح وصدر يومه حتى آذتهم الشمس فنزل بالناس فلم يكن إلا أن وجدوا مس ~~الأرض فوقعوا نياما وإنما فعل ذلك ليشتغل الناس عن حديث عبد الله بن أبي ~~الذي كان منه بالأمس ثم راح بالناس حتى نزل على ماء بالحجاز فويق البقيع ~~يقال لها نقعاء فهاجت ريح شديدة آذتهم وتخوفوها وضلت ناقة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وذلك ms3148 بالليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا تخافوا فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار توفي بالمدينة " # فقيل من هو؟ قال # " رفاعة بن زيد بن التابوت " # فقال رجل من المنافقين كيف يزعم أنه يعلم الغيب ولا يعلم بمكان ناقته ~~ألا يخبره الذي يأتيه بالوحي فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فأخبره ~~بقول المنافق وبمكان ناقته فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه وقال # " ما أزعم أني أعلم الغيب ولا أعلمه ولكن الله أخبرني بقول المنافق ~~وبمكان ناقتي هي في الشعب وقد تعلق زمامها بشجرة " # فخرجوا يسعون قبل الشعب فإذا هي كما قال فجاؤوا بها فآمن ذلك المنافق ~~وحسن إيمانه فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت قد مات في ~~ذلك اليوم وكان من عظماء اليهود وكهفا للمنافقين فلما وافى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة قال زيد بن أرقم جلست في البيت لما بي من ~~الهم والحياء فأنزل الله عز وجل سورة المنافقين في تصديق زيد بن أرقم ~~وتكذيب عبد الله بن أبي فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذن ~~زيد وقال # " يا زيد إن الله قد صدقك وأوفى بإذنك " # ق عن زيد بن أرقم قال " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ~~أصاب الناس فيه شدة فقال عبد الله بن أبي لا تنفقوا علي من عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى ينفضوا من حوله وقال لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ~~بذلك فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل فقالوا كذب ~~زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فوقع في نفسي مما قالوه شدة حتى ~~أنزل الله بتصديقي إذا جاءك المنافقون قال ثم دعاهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليستغفر لم قال فلووا رؤوسهم وقوله كأنهم خشب مسندة قال كانوا ~~رجالا أجمل شيء " ق # " عن جابر قال " غزونا ms3149 مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بات معه ناس ~~من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاب فكسع أنصاريا فغضب ~~الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا وقال الأنصاري يا للأنصار وقال ~~المهاجري يا للمهاجرين فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما بال ~~دعوى الجاهلية ثم قال ما شأنهم فأخبر بسكعة المهاجري الأنصاري فقال دعوها ~~فإنها خبيثة وقال عبد الله بن أبي ابن سلول أقد تداعوا علينا لئن رجعنا ~~إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال عمر ألا أقتل يا نبي الله هذا ~~الخبيث لعبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يتحدث الناس أنه كان ~~يقتل أصحابه " " # ولمسلم رواية # " وفيها فقال لا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالما كان أو مظلوما إن كان ~~ظالما فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره " # وزاد الترمذي فيه " فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله لا تنقلب حتى تقر ~~أنك أنت الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز ففعل " قال أصحاب ~~السير وكان عبد الله بن أبي بقرب المدينة فلما أراد أن يدخلها جاءه ابنه ~~عبد الله حتى أناخ على مجامع طرق المدينة فلما جاء عبد الله بن أبي قال ~~له ابنه وراءك قال ويلك ما لك قال لا والله لا تدخلها أبدا إلا أن يأذن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولتعلمن اليوم من الأعز ومن الأذل فشكا عبد ~~الله بن أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع ابنه عبد الله ~~فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خل عنه يدخل فقال عبد الله أما ~~إذا جاء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنعم فدخل قالوا فلما نزلت هذه ~~السورة وتبين كذب المنافقين قيل يا أبا حباب إنه قد نزل فيك آي شداد ~~فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك فلوى رأسه وقال ~~أمرتموني أن أؤمن فآمنت وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت فما بقي ~~إلا أن ms3150 أسجد لمحمد صلى الله عليه وسلم فأنزل الله { وإذا قيل لهم تعالوا ~~يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم } الآية. ### || [63.7-9] # { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } أي ~~يتفرقوا عنه { ولله خزائن السموات والأرض } يعني بيده مفاتيح الرزق فلا ~~يعطي أحد أحدا شيئا إلا بإذنه ولا يمنعه إلا بمشيئته { ولكن المنافقين ~~لا يفقهون } يعني أن أمر الله إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون { ~~يقولون لئن رجعنا إلى المدينة } يعني من غزوة بني المصطلق { ليخرجن الأعز ~~منها الأذل } فرد الله عليهم بقوله { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ~~فعزة الله تعالى قهره وغلبته على من دونه وعزة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~إظهار دينه على الأديان كلها وعزة المؤمنين نصر الله إياهم على أعدائهم { ~~ولكن المنافقين لا يعلمون } أي ذلك لو علموا ما قالوا هذه المقالة قال ~~أصحاب السير فلما نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول لم يلبث ~~إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات على نفاقه. قوله تعالى: { يا أيها الذين ~~آمنوا لا تلهكم } أي لا تشغلكم { أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله } يعني ~~عن الصلوات الخمس والمعنى لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم كما شغلت ~~المنافقين عن ذكر الله { ومن يفعل ذلك } أي ومن شغله ماله وولده عن ذكر ~~الله { فأولئك هم الخاسرون } أي في تجارتهم حيث آثروا الفاني على الباقي. ### || [63.10-11] # { وأنفقوا مما رزقناكم } قال ابن عباس يريد زكاة الأموال { من قبل أن ~~يأتي أحدكم الموت } أي دلائل الموت ومقدماته وعلاماته فيسأل الرجعة { ~~فيقول رب لولا أخرتني } أي هلا أمهلتني وقيل لو أخرت أجلي { إلى أجل قريب ~~فأصدق } أي فأزكي مالي { وأكن } وقرىء وأكون { من الصالحين } أي المؤمنين ~~وقيل نزلت هذه الآية في المنافقين ويدل على هذا أن المؤمن لا يسأل الرجعة ~~وقيل نزلت في المؤمنين والمراد بالصلاح هنا الحج قال ابن عباس: ما من أحد ~~يموت وكان له مال ولم يؤد زكاته أو أطاق الحج ولم يحج إلا سأل الرجعة ms3151 عند ~~الموت وقرأ هذه الآية { وأن من الصالحين } أي أحج وأزكي { ولن يؤخر الله ~~نفسا إذا جاء أجلها } يعني أنه تعالى لا يؤخر من حضر أجله وانقضت مدته { ~~والله خبير بما تعملون } يعني أنه لو رد إلى الدنيا وأجيب إلى ما سأل ما ~~حج وما زكى وقيل هو خطاب شائع لكل عامل عملا من خير أو شر، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-2] # قوله عز وجل: { يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد ~~} يعني أنه تعالى متصرف في ملكه كيف يشاء تصرف اختصاص لا شريك له فيه وله ~~الحمد لأن أصول النعم كلها منه وهو الذي يحمد على كل حال فلا محمود في ~~جميع الأحوال إلا هو { وهو على كل شيء قدير } يعني أنه سبحانه وتعالى ~~يفعل ما يشاء كما يشاء بلا مانع ولا مدافع { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ~~ومنكم مؤمن } قال ابن عباس: إن الله تعالى خلق بني آدم مؤمنا وكافرا ثم ~~يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا وكافرا م عن عائشة رضي الله تعالى ~~عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار ~~أهلا خلقهم لهم وهم في أصلاب آبائهم " # ق عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " وكل الله بالرحم ملكا فيقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا ~~أراد الله أن يقضي خلقها قال يا رب أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد فما الزرق ~~فما الأجل فيكتب ذلك وهو في بطن أمه " # وقال جماعة في معنى الآية إن الله تعالى خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا لأن ~~الله ذكر الخلق ثم وصفهم بفعلهم فقال فمنكم كافر ومنكم مؤمن ثم اختلفوا ~~في تأويلها فروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال فمنكم كافر حياته مؤمن في ~~العاقبة ومنكم مؤمن حياته كافر في العاقبة وقال عطاء بن أبي رباح فمنكم ms3152 ~~كافر بالله مؤمن بالكواكب ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب وقيل فمنكم ~~كافر أي بأن الله خلقه وهم الدهرية وأصحاب الطبائع ومنكم مؤمن أي بأن ~~الله خلقه وجملة القول فيه أن الله تعالى خلق الكافر وكفره فعلا له ~~وكسبا وخلق المؤمن وإيمانه فعلا له وكسبا فلكل واحد من الفريقين كسب ~~واختيار وكسبه واختياره بتقدير الله وبمشيئته فالمؤمن بعد خلق الله إياه ~~يختال الإيمان لأن الله تعالى أراد ذلك منه وقدره عليه وعلمه منه والكافر ~~بعد خلق الله إياه يختار الكفر لأن الله تعالى قدر ذلك عليه وعلمه منه ~~هذا طريق أهل السنة فمن سلك هذا أصاب الحق وسلم من مذهب الجبرية والقدرية ~~{ والله بما تعملون بصير } أي أنه عالم بكفر الكافر وإيمان المؤمن. ### || [64.3-6] # { خلق السموات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم } أي إنه أتقن وأحكم ~~صوركم على وجه لا يوجد مثله في الحسن والمنظر من حسن القامة والمناسبة في ~~الأعضاء وقد علم بهذا أن صورة الإنسان أحسن صورة وأكملها { وإليه المصير ~~} أي المرجع في القيامة { يعلم ما في السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما ~~تعلنون والله عليم بذات الصدور } معناه أنه لا تخفى عليه خافية فاستوى في ~~علمه الظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم قوله تعالى: { ألم يأتكم } يخاطب ~~كفار مكة { نبأ الذين كفروا من قبل } يعني خبر الأمم الخالية { فذاقوا ~~وبال أمرهم } أي جزاء أعمالهم وهو ما لحقهم من العذاب في الدنيا { ولهم ~~عذاب أليم } أي في الآخرة { ذلك } أي الذي نزل بهم من العذاب { بأنه كانت ~~تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا } معناه أنهم أنكروا أن يكون ~~الرسول بشرا وذلك لقلة عقولهم وسخافة أحلامهم ولم ينكروا أن يكون ~~معبودهم حجرا { فكفروا } أي جحدوا وأنكروا { وتولوا } أي أعرضوا { ~~واستغنى الله } أي عن إيمانهم وعبادتهم { والله غني } أي عن خلقه { حميد ~~} أي في أفعاله ثم أخبر الله تعالى عن إنكارهم البعث ### || [64.7-13] # { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل } أي قل لهم يا محمد { بلى وربي ~~لتبعثن } أي يوم القيامة { ثم ms3153 لتنبؤن } أي لتخبرن { بما عملتم وذلك على ~~الله يسير } أي أمر البعث والحساب يوم القيامة { فآمنوا بالله ورسوله } ~~لما ذكر حال الأمم الماضية المكذبة وما نزل بهم من العذاب قال فآمنوا ~~أنتم بالله ورسوله لئلا ينزل بكم ما نزل بهم من العقوبة { والنور الذي ~~أنزلنا } يعني القرآن سماه نورا لأنه يهتدى به في ظلمات الضلال كما ~~يهتدى بالنور في الظلمة { والله بما تعملون خبير } يعني أنه مطلع عليكم ~~عالم بأحوالكم جميعا فراقبوه وخافوه. قوله عز وجل: { يوم يجمعكم ليوم ~~الجمع } يعني يوم القيامة يجمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات ~~وأهل الأرضين { ذلك يوم التغابن } من الغبن وهو فوت الحظ والمراد في ~~المجازاة والتجارة وذلك أنه إذا أخذ الشيء بدون قيمته فقد غبن والمغبون ~~من غبن أهله ومنازله في الجنة وذلك لأن كل كافر له أهل ومنزل في الجنة لو ~~أسلم فيظهر يومئذ غبن كل كافر يتركه الإيمان ويظهر غبن كل مؤمن بتقصيره ~~في الإحسان وقيل إن قوما في النار يعذبون وقوما في الجنة ينعمون فلا ~~غبن أعظم من هذا وقل هو غبن المظلوم للظالم لأن المظلوم مغبون في الدنيا ~~فصار في الآخرة غابنا لظالمة وأصل الغبن في البيع والشراء وقد ذكر الله ~~في حق الكافرين " انهم خسروا وغبنوا في شرائهم فقال تعالى: # اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة # [البقرة: 175] وقال في حق المؤمنين # هل أدلكم على تجارة # [الصف: 10] وقال # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة: 111] فخسرت صفقة الكافرين وربحت صفقة المؤمنين { ومن يؤمن ~~بالله } على ما جاءت به الرسل من الإيمان بالبعث والجنة والنار { ويعمل ~~صالحا } أي في إيمانه إلى أن يموت على ذلك { يكفر عنه سيئاته ويدخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم والذين ~~كفروا } أي بوحدانية الله وقدرته { وكذبوا بآياتنا } أي الدالة على البعث ~~{ أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير ما أصاب من مصيبة إلا بإذن ~~الله } أي بقضاء الله وقدره وإرادته { ومن يؤمن بالله } أي يصدق ms3154 أنه لا ~~يصيبه مصيبة من موت أو مرض أو ذهاب مال ونحو ذلك إلا بقضاء الله وقدره ~~وإذنه { يهد قلبه } أي يوفقه لليقين حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ~~وما أخطأه لم يكن ليصيبه فيسلم لقضاء الله تعالى وقدره وقيل يهد قلبه ~~للشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء { والله بكل شيء عليم وأطيعوا الله } ~~أي فيما أمر { وأطيعوا الرسول } أي فيما جاء به عن الله وما أمركم به { ~~فإن توليتم } أي عن إجابة الرسول فيما دعاكم إليه { فإنما على رسولنا ~~البلاغ المبين الله لا إله إلا هو } أي لا معبود ولا مقصود إلا هو { وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون }. ### || [64.14-16] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم } عن ابن عباس قال هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن ~~يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن ~~يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رأوا الناس قد فقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم فأنزل الله تعالى: { يا ~~أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم } الآية ~~أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وعنه قالوا لهم صبرنا على إسلامكم فلا ~~صبر لنا على فراقكم فأطاعوهم وتركوا الهجرة فقال تعالى فاحذروهم أي أن ~~تطيعوهم وتدعوا الهجرة { وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا } هذا فيمن أقام على ~~الأهل والولد ولم يهاجر ثم هاجر فرأى الذين قد سبقوه بالهجرة فقد فقهوا ~~في الدين فهم أن يعاقب زوجته وولده الذين ثبطوه ومنعوه عن الهجرة لما ~~لحقوا به ولا ينفق عليهم ولا يصيبهم بخير فأمره الله بالعفو والصفح عنهم ~~وقال عطاء بن يسار نزلت في عوف بن مالك الأشجعي وكان ذا أهل وولد فإذا ~~أراد أن يغزو بكوا عليه ورققوه وقالوا إلى من تدعنا فيرق عليهم فيقيم ~~فأنزل الله تعالى إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم بحملهم إياكم على ترك ~~طاعة الله فاحذروهم أي أن تقبلوا منهم وإن ms3155 تعفوا وتصفحوا وتغفروا أي فلا ~~تعاقبوهم على خلافكم { فإن الله غفور رحيم إنما أموالكم وأولادكم فتنة } ~~أي بلاء واختبار وشغل عن الآخرة وقد يقع الإنسان بسببهم في العظائم ومنع ~~الحق وتناول الحرام وغصب مال الغير ونحو ذلك { والله عنده أجر عظيم } ~~يعني الجنة والمعنى لا تباشروا المعاصي بسبب أولادكم ولا تؤثروهم على ما ~~عند الله من الأجر العظيم قال بعضهم لما ذكر الله العداوة أدخل من ~~للتبعيض فقال إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم لأنهم كلهم ليسوا بأعداء ~~ولم يذكر من في قوله إنما أموالكم وأولادكم فتنة لأنهم لم يخلوا من ~~الفتنة واشتغال القلب بهم وكان عبد الله بن مسعود يقول لا يقولن أحدكم ~~اللهم إني أعوذ بك من الفتنة فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى أهل ومال وولد ~~إلا يشتمل على فتنة ولكن ليقل اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن. # " عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يخطبنا فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال ~~صدق الله إنما أموالكم وأولادكم فتنة نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ~~ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما " " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. وقوله تعالى: { فاتقوا الله ما ~~استطعتم } أي ما أطقتم وهذه الآية ناسخة لقوله # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102] { واسمعوا وأطيعوا } أي لله ولرسوله فيما يأمركم به ~~وينهاكم عنه { وأنفقوا } أي من أموالكم حق الله الذي أمركم به { خيرا ~~لأنفسكم } أي ما أنفقتم في طاعة الله { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون } تقدم تفسيره. ### || [64.17-18] # { إن تقرضوا الله قرضا حسنا } القرض الحسن هو التصدق من الحلال مع ~~طيبة نفس يعني إن تقرضوا أي تنفقوا في طاعة الله متقربين إليه بالإنفاق { ~~يضاعفه لكم } أي يجزكم بالضعف إلى سبعمائة إلى ما يشاء من الزيادة { ~~ويغفر لكم والله شكور } يعني يحب المتقربين إليه { حليم } أي لا يعاجل ~~بالعقوبة ms3156 مع كثرة ذنوبهم { عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم } والله ~~أعلم. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1] # قوله عز وجل: { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } نادى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم خاطب أمته لأنه المقدم عليهم فإذا خوطب خطاب الجمع كانت ~~أمته داخلة في ذلك الخطاب وقيل معناه يا أيها النبي قل لأمتك فأضمر القول ~~إذا طلقتم النساء أي إذا أردتم تطليقهن { فطلقوهن لعدتهن } أي لزمان ~~عدتهن وهو الطهر لأنها تعتد بذلك الطهر من عدتها وتحصل في العدة عقيب ~~الطلاق فلا يطول عليها زمان العدة وكان ابن عباس وابن عمر يقرآن فطلقوهن ~~في قبل عدتهن وهذا في المدخول بها لأن غير المدخول بها لا عدة عليها نزلت ~~هذه الآية في عبد الله بن عمر كان قد طلق امرأته في حال الحيض ق # " عن ابن عمر رضي الله عنهما " أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم قال: مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن بدا له أن ~~يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها ~~النساء " " # زاد في رواية # " كان عبد الله طلقها تطليقة فحسبت من طلاقها وراجعها عبد الله كما أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " # وفي رواية لمسلم # " إنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا " # ولمسلم من حديث أبي الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ~~عمر وأبو الزبير يسمع كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا فقال # " طلق ابن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعها فردها وقال إذا طهرت فليطلق أو ~~ليمسك قال ابن عمر وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم يا أيها النبي إذا ~~طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن ". # فصل اعلم ms3157 أن الطلاق في حال الحيض والنفاس بدعة وكذلك في الطهر الذي ~~جامعها فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم وإن شاء طلق قبل أن يمس، ~~والطلاق السني أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه وهذا في حق امرأة تلزمها ~~العدة بالأقراء فأما إذا طلق غير المدخول بها في حال الحيض أو طلق ~~الصغيرة التي لم تحض أو الآيسة بعد ما جامعها أو طلق الحامل بعد ما ~~جامعها أو طلق التي لم تر الدم لا يكون بدعيا ولا سنة، ولا بدعة في طلاق ~~هؤلاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا " # والخلع في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه لا يكون بدعيا لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس في مخالعة زوجته قبل أن يعرف حالها ~~ولولا جوازه في جميع الأحوال لأمره أن يتعرف الحال ولو طلق امرأته في حال ~~الحيض أو في طهر جامعها فيه قصدا عصى الله تعالى ووقع الطلاق لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر بالمراجعة فلولا وقوع الطلاق لم يأمره ~~بالمراجعة، وإذا راجعها في حال الحيض يجوز أن يطلقها في حال الطهر الذي ~~يعقب تلك الحيضة قبل المسيس كما رواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين عن ابن ~~عمر ولم يقولا ثم تحيض ثم تطهر وما رواه نافع عن ابن عمر ثم يمسكها حتى ~~تطهر ثم تحيض ثم تطهر فأمر استحباب استحب تأخير الطلاق إلى الطهر الثاني ~~حتى لا تكون مراجعته إياها للطلاق كما أنه يكره النكاح للطلاق، ولا بدعة ~~في الجمع بين الطلقات الثلاث عند بعض أهل العلم فلو طلق امرأته في حال ~~الطهر ثلاثا لا يكون بدعيا وهو قول الشافعي وأحمد وذهب بعضهم إلى أنه ~~بدعة وهو قول مالك وأصحاب الرأي. قوله تعالى: { وأحصوا العدة } أي عدة ~~أقرائها فاحفظوها قيل أمر بإحصاء العدة لتفريق الطلاق على الأقراء إذا ~~أراد أن يطلق ثلاثا، وقيل للعلم ببقاء زمان الرجعة ومراعاة أمر النفقة ~~والسكنى { واتقوا الله ms3158 ربكم } أي واخشوا الله ولا تعصوه فيما أمركم به { ~~لا تخرجوهن من بيوتهن } يعني إذا كان المسكن الذي طلقها فيه الزوج له ~~بملك أو إكراء وإن كان عارية فارتجعت كان على الزوج أن يكري لها منزلا ~~غيره ولا يجوز للزوج أن يخرج المرأة من المسكن الذي طلقها فيه { ولا ~~يخرجن } يعني ولا يجوز للمرأة أن تخرج ما لم تنقض عدتها لحق الله تعالى ~~فإن خرجت لغير ضرورة أثمت فإن وقعت ضرورة بأن خافت هدما أو غرقا جاز ~~لها أن تخرج إلى منزل آخر وكذلك إذا كان لها حاجة ضرورية من بيع غزل أو ~~شراء قطن جاز لها الخروج نهارا ولا يجوز ليلا، يدل على ذلك أن رجالا ~~استشهدوا بأحد فقالت نساؤهم نستوحش في بيوتنا فأذن لهن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يتحدثن عند إحداهن فإذا كان وقت النوم تأوي كل امرأة ~~إلى بيتها وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالة جابر وقد كان طلقها ~~زوجها أن تخرج لجذاذ نخلها فإذا لزمتها العدة في السفر تعتد في أهلها ~~ذاهبة وراجعة والبدوية تتبوأ حيث يتبوأ أهلها في العدة لأن الانتقال في ~~حقهم كالإقامة في حق المقيم. وقوله تعالى: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } ~~قال ابن عباس: الفاحشة المبينة بذاءتها على أهل زوجها فيحل إخراجها لسوء ~~خلقها وقيل أراد بالفاحشة أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها ثم ترد إلى ~~منزلها يروى ذلك عن ابن مسعود وقيل معناه إلا أن يطلقها على نشوزها فلها ~~أن تتحول من بيت زوجها والفاحشة النشوز وقيل خروجها قبل انقضاء عدتها ~~فاحشة { وتلك حدود الله } يعني ما ذكر من سنة الطلاق وما بعده من الأحكام ~~{ ومن يتعد حدود الله } أي فيطلق لغير السنة أو تجاوز هذه الأحكام { فقد ~~ظلم نفسه } أي ضر نفسه { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } أي يوقع ~~في قلب الزوج مراجعتها بعد الطلقة والطلقتين وهذا يدل على أن المستحب أن ~~يفرق الطلقات ولا يوقع الثلاث دفعة واحدة حتى إذا ندم ms3159 أمكنه المراجعة. # عن محارب بن دثار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق " # وأخرجه أبو داود مرسلا وله في رواية عنه عن ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال # " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " # عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أيما امرأة سالت زوجها الطلاق من غير بأس به حرام عليها رائحة الجنة " # وأخرجه أبو داود والترمذي. ### || [65.2] # قوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن } أي إذا قربن من انقضاء عدتهن { ~~فأمسكوهن } أي راجعوهن { بمعروف أو فارقوهن بمعروف } أي اتركوهن حتى ~~تنقضي عدتهم فيبن منكم { وأشهدوا ذوي عدل منكم } أي على الرجعة وعلى ~~الفراق أمر بالإشهاد على الرجعة وعلى الطلاق. عن عمران بن حصين أنه سئل ~~عن رجل يطلق امرأته ثم يقع عليها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها ~~فقال طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا ~~تعد. أخرجه أبو داود وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كما في قوله ~~وأشهدوا إذا تبايعتم وعند الشافعي هو واجب في الرجعة مندوب إليه في ~~الفرقة وفائدة هذا الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد وأن لا يتهم في ~~إمساكها وأن لا يموت أحد الزوجين فيدعي الآخر ثبوت الزوجية ليرث وقيل أمر ~~بالإشهاد للاحتياط مخافة أن تنكر الزوجة المراجعة فتنقضي العدة فتنكح ~~زوجا غيره { وأقيموا الشهادة } يعني أيها الشهود { لله } أي طلبا ~~لمرضاة الله وقياما بوصيته والمعنى اشهدوا بالحق وأدوها على الصحة { ~~ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا } قيل معناه ومن يتق الله فيطلق للسنة يجعل له مخرجا إلى الرجعة. ~~وقال أكثر المفسرين: نزلت في عوف بن مالك أسر ابن له يسمى مالكا فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أسر العدو ابني وشكا إليه ~~أيضا فاقة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم # " اتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ms3160 ولا قوة إلا بالله " # ففعل الرجل ذلك فبينما هو في بيته إذ أتاه ابنه وقد غفل عنه العدو فأصاب ~~منهم إبلا وجاء بها إلى أبيه. وعن ابن عباس قال: غفل عنه العدو فاستاق ~~غنمهم فجاء بها إلى أبيه وهي أربعة آلاف شاة فنزلت { ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا } أي في ابنه. ### || [65.3] # { ويرزقه من حيث لا يحتسب } يعني ما ساق من الغنم وقيل أصاب غنما ~~ومتاعا ثم رجع إلى أبيه فانطلق أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأخبره الخبر وسأله أيحل له أن يأكل ما أتى به ابنه؟ فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم نعم ونزلت الآية وقال ابن مسعود ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا من كل شيء ويرزقه من حيث لا يحتسب هو أن يعلم أنه من قبل الله وأن ~~الله رازقه وقال الربيع بن خثيم يجعل له محرجا من كل شيء ضاق على الناس ~~وقيل محرجا من كل شدة وقيل مخرجا عما نهاه الله عه { ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه } يعني من يتق الله فيما نابه كفاه ما أهمه وروي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا ~~وتروح بطانا " # { إن الله بالغ أمره } أي منفذ أمره وممض في خلقه ما قضاه { قد جعل الله ~~لكل شيء قدرا } أي جعل لكل شيء من شدة أو رخاء أجلا ينتهى إليه وقال ~~مسروق في هذه الآية إن الله بالغ أمره توكل عليه أم لم يتوكل عليه غير أن ~~المتوكل يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا. ### || [65.4-5] # قوله عز وجل: { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم } قيل لما نزلت # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # [البقرة: 228] قال خلاد بن النعمان بن قيس الأنصاري يا رسول الله فما ~~عدة من تحيض والتي لم تحض وعدة الحبلى فأنزل الله عز وجل: { واللائي يئسن ~~من المحيض من نسائكم } يعني القواعد اللاتي قعدن عن الحيض فلا يرجى أن ~~يحضن ms3161 وهن العجائز الآيسات من الحيض { إن ارتبتم } أي شككتم في حكمهن ولم ~~تدروا ما عدتهن { فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن } يعني الصغائر ~~اللاتي لم يحضن بعد فعدتهن أيضا ثلاثة أشهر أما الشابة التي كانت تحيض ~~فارتفع حيضها قبل بلوغ سن الآيسات فذهب أكثر أهل العلم إلى أن عدتها لا ~~تنقضي حتى يعاودها الدم فتعتد بثلاثة أقراء وتبلغ سن الآيسات فتعتد ~~بثلاثة أشهر وهذا قول عثمان وعلي وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وبه ~~قال عطاء وإليه ذهب الشافعي وأصحاب الرأي وحكي عن عمر أنها تتربص تسعة ~~أشهر فإن لم تحض فتعتد بثلاثة أشهر وهو قول مالك وقال الحسن تتربص سنة ~~فإن لم تحض فتعتد بثلاثة أشهر وهذا كله في عدة الطلاق وأما المتوفى عنها ~~زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشر سواء كانت ممن تحيض أو لا تحيض وأما الحامل ~~فعدتها بوضع الحمل سواء طلقها زوجها أو مات عنها وهو قوله تعالى: { ~~وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ق " عن سبيعة الأسلمية أنها كانت ~~تحت سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي وكان ممن شهد بدرا فتوفي عنها ~~في حجة الوداع وهي حامل فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته فلما تعلت من ~~نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك رجل من بني عبد ~~الدار فقال لها ما لي أراك تجملت للخطاب ترجين النكاح وأنت والله ما أنت ~~بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر قالت سبيعة فلما قال لي ذلك جمعت علي ~~ثيابي حتى أمسيت وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك ~~فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي " لفظ ~~البخاري ولمسلم نحوه وزاد قال ابن شهاب ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت ~~وإن كانت في دمها غير أنها لا يقربها زوجها حتى تطهر { ومن يتق الله يجعل ~~له من أمره يسرا } أي يسهل عليه أمر الدنيا والآخرة { ذلك } أي ذلك ذكر ~~من الأحكام { أمر الله ms3162 أنزله إليكم } أي لتعلموا به { ومن يتق الله يكفر ~~عنه سيئاته ويعظم له أجرا } ### || [65.6-7] # قوله تعالى: { أسكنوهن } يعني مطلقات نسائكم { من حيث سكنتم من وجدكم } ~~أي من سعتكم وطاقتكم فإن كان موسرا يوسع عليها في المسكن والنفقة وإن ~~كان فقيرا فعلى قدر الطاقة { ولا تضاروهن } أي لا تؤذوهن { لتضيقوا ~~عليهن } يعني في مساكنهن فيخرجن { وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى ~~يضعن حملهن } أي فيخرجن من عدتهن. فصل: في حكم الآية اعلم أن المعتدة ~~الرجعية تستحق على الزوج النفقة والسكنى ما دامت في العدة ونعني بالسكنى ~~مؤنة السكنى فإن كانت الدار التي طلقها الزوج فيها ملك الزوج يجب عليه أن ~~يخرج منها ويترك الدار لها مدة عدتها وإن كانت بإجارة فعلى الزوج الأجرة ~~وإن كانت عارية فرجع المعير فعليه أن يكتري لها دارا تسكنها وأما ~~المعتدة البائنة بالخلع أو بالطلاق الثلاث أو باللعان فلها السكنى حاملا ~~كانت أو غير حامل عند أكثر أهل العلم وروي عن ابن عباس أنه قال لا سكنى ~~لها إلا أن تكون حاملا وهو قول الحسن والشعبي. واختلفوا في نفقتها فذهب ~~قوم إلى أنه لا نفقة لها إلا أن تكون حاملا، يروى ذلك، عن ابن عباس وهو ~~قول الحسن والشعبي وبه قال الشافعي وأحمد ومنهم من أوجبها بكل حال يروى ~~ذلك عن ابن مسعود وهو قول إبراهيم النخعي، وبه قال الثوري وأصحاب الرأي ~~وظاهر القرآن يدل على أنها لا تستحق النفقة إلا أن تكون حاملا لقوله ~~تعالى: { وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن } وأما الدليل ~~على ذلك من السنة فما روي # " عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل ~~إليها وكيله بشعير فسخطته فقال والله ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال لها ليس لك عليه نفقة وأمرها أن ~~تعتد في بيت أم شريك ثم قال تلك امرأة يغشاها أصحابي فاعتدي عند ابن أم ~~مكتوم فإنه رجل ms3163 أعمى تضعين ثيابك عنده فإذا حللت فآذنيني قالت فلما حللت ~~ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال ~~له انكحي أسامة بن زيد فكرهته ثم قال انكحي أسامة بن زيد فنكحته فجعل ~~الله فيه خيرا واغتبطت به " # أخرجه مسلم واحتج بهذا الحديث من لم يجعل لها سكنى وقال إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمرها أن تعتد في بيت عبد الله بن أم مكتوم ولا حجة له ~~فيه لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كانت فاطمة في مكان وحش ~~فخيف على ناحيتها وقال سعيد بن المسيب إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على ~~أحمائها وكان في لسانها ذرابة: وأما المعتدة عن وطء الشهبة والمفسوخ ~~نكاحها بعيب أو خيار عتق فلا سكنى لها ولا نفقة وإن كانت حاملا وأما ~~المعتدة عن وفاة الزوج فلا نفقة لها عند أكثر أهل العلم وروي عن علي أن ~~لها النفقة إن كانت حاملا من التركة حتى تضع وهو قول شريح والشعبي ~~والنخعي والثوري. # واختلفوا في سكناها وللشافعي فيه قولان: أحدهما: أنه لا سكنى لها بل ~~تعتد حيث تشاء وهو قول علي وابن عباس وعائشة وبه قال عطاء والحسن وهو قول ~~أبي حنيفة. والثاني: أن لها السكنى وهو قول عمر وعثمان وعبد الله بن ~~مسعود وعبد الله بن عمر وبه قال مالك والثوري وأحمد وإسحاق. واحتج من ~~أوجب لها السكنى بما روي # " عن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري " أنها جاءت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألته أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة فإن ~~زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه ~~قالت فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة ~~فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة قالت فقال رسول ms3164 الله صلى الله ~~عليه وسلم نعم قالت فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو أمر بي فنوديت فقال كيف قلت فرددت عليه القصة التي ~~ذكرت له من شأن زوجي فقال امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت ~~فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا قالت فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ~~ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به " " # أخرجه أبو داود والترمذي، فمن قال بهذا القول قال إذنه لفريعة أولا ~~بالرجوع صار منسوخا بقوله آخرا # " امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله " # ومن لم يوجب السكنى قال أمرها بالمكث في بيتها آخرا استحبابا لا ~~وجوبا. قوله عز وجل: { فإن أرضعن لكم } يعني أولادكم { فآتوهن أجورهن } ~~يعني على إرضاعهن، وفيه دليل على أن اللبن وإن كان قد خلق لمكان الولد ~~فهو ملك للأم وإلا لم يكن لها أن تأخذ عليه أجرا وفيه دليل على أن حق ~~الرضاع والنفقة على الأزواج في حق الأولاد { وأتمروا بينكم بمعروف } أي ~~ليقبل بعضكم من بعض إذا أمره بالمعروف وقيل يتراضى الأب والأم على أجر ~~مسمى والخطاب للزوجين جميعا أمرهم أن يأتوا بالمعروف وما هو الأحسن ولا ~~يقصدوا الضرار، وقيل المعروف هاهنا لا أن يقصر الرجل في حق المرأة ~~ونفقتها ولا المرأة في حق الولد ورضاعه { وإن تعاسرتم } أي في حق الولد ~~وأجرة الرضاع فأبى الزوج أن يعطي المرأة أجرة رضاعها وأبت الأم أن ترضعه ~~فليس له إكراهها على إرضاعه بل يستأجر للصبي مرضعا غير أمه وذلك قوله: { ~~فسترضع له أخرى لينفق ذو سعة من سعته } أي على قدر غناه { ومن قدر } أي ~~ضيق { عليه رزقه } فكان بمقدار القوت { فلينفق مما آتاه الله } أي على ~~قدر ما آتاه الله من المال { لا يكلف الله نفسا } أي في النفقة { إلا ما ~~آتاها } يعني من المال والمعنى لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني في ~~النفقة { سيجعل الله بعد عسر يسرا } أي بعد ضيق وشدة غنى وسعة. ### || [65.8-12] # قوله تعالى: { وكأين من قرية ms3165 عتت } أي عصت وطغت والمراد أهل القرية { عن ~~أمر ربها ورسله } أي وأمر رسله { فحاسبناها حسابا شديدا } أي بالمناقشة ~~والاستقصاء وقيل حاسبها بعملها في الكفر فجزاها النار وهو قوله { ~~وعذبناها عذابا نكرا } أي منكرا فظيعا وقيل في الآية تقديم وتأخير ~~مجازها فعذبناها في الدنيا بالجوع والقحط والسيف وسائر أنواع البلاء ~~وحاسبناها في الآخرة حسابا شديدا { فذاقت وبال أمرها } أي شدة أمرها ~~وجزاء كفرها { وكان عاقبة أمرها خسرا } أي خسرانا في الدنيا والآخرة { ~~أعد الله لهم عذابا شديدا } يخوف كفار مكة أن ينزل بهم مثل ما نزل ~~بالأمم الماضية { فاتقوا الله يا أولي الألباب } أي يا ذوي العقول ثم ~~نعتهم فقال تعالى: { الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا } يعني القرآن ~~{ رسولا } أي وأرسل إليكم رسولا { يتلوا عليكم آيات الله مبينات } قرىء ~~مبينات بالخفض أي تبين الحلال من الحرام والأمر والنهي وقرىء بالنصب ~~ومعناه أنها واضحات { ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى ~~النور } أي من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم ~~{ ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا } يعني الجنة التي لا ينقطع نعيمها ~~وقيل يرزقون طاعة في الدنيا وثوابا في الآخرة { الله الذي خلق سبع سموات ~~} يعني بعضها فوق بعض { ومن الأرض مثلهن } أي في العدد { يتنزل الأمر ~~بينهن } أي الوحي إلى خلقه من السماء العليا إلى الأرض السفلى وقيل هو ما ~~يدبر فيهن من عجائب تدبيره ينزل المطر ويخرج النبات ويأتي بالليل والنهار ~~وبالصيف والشتاء ويخلق الحيوان على اختلاف هيئاته وينقله من حال إلى حال ~~فيحكم بحياة بعض وموت بعض وسلامة هذا وهلاك هذا، وقيل في كل سماء من ~~سمواته وأرض من أرضيه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه { لتعلموا ~~أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما } يعني أنه ~~سبحانه وتعالى عالم بكل شيء لا تخفى عليه خافية وأنه قادر على ms3166 الإنشاء ~~بعد الإفناء وكل الكائنات جارية تحت قدرته داخلة في علمه والله تعالى ~~أعلم. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1] # قوله عز وجل: { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة ~~أزواجك والله غفور رحيم } ذكر سبب نزولها، ق # " عن عائشة رضي الله عنها قالت " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب ~~الحلواء والعسل وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن ~~فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس فغرت فسألت عن ~~ذلك فقيل لي أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل فسقت النبي صلى الله ~~عليه وسلم منه شربة فقلت أما والله لنحتالن له فذكرت ذلك لسودة وقلت إذا ~~دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له يا رسول الله أكلت مغافير فإنه سيقول ~~لا فقولي ما هذه الريح التي أجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد ~~عليه أن يوجد منه الريح فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل فقولي له جرست ~~نحله العرفط وسأقول ذلك وقولي أنت يا صفية ذلك فلما دخل على سودة قالت ~~تقول سودة والله الذي لا إله إلا هو لقد كدت أبادئه بالذي قلت لي وإنه ~~لعلى الباب فرقا منك فلما دنا منها قالت له سودة يا رسول الله أكلت ~~مغافير؟ قال لا قالت فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال سقتني حفصة شربة ~~عسل قال جرست نحله العرفط فلما دخل علي قلت له مثل ذلك ثم دخل على صفية ~~فقالت له مثل ذلك فلما دخل على حفصة قالت له يا رسول الله ألا أسقيك منه؟ ~~قال لا حاجة لي فيه قالت تقول سودة سبحان الله لقد حرمناه قلت لها اسكتي ~~" # ق # " عن عائشة رضي الله عنها " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند ~~زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا فتواطيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل له إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير ms3167 ~~فدخل على إحداهما فقالت ذلك له فقال بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن ~~أعود له " # فنزلت { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } إلى قوله { إن تتوبا ~~إلى الله } لعائشة وحفصة { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا } لقوله # " بل شربت عسلا ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا " # زاد في رواية # " يبتغي بذلك مرضاة أزواجه ". # شرح غريب ألفاظ الحديثين وما يتعلق بهما قولها كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحب الحلواء والعسل الحلواء بالمد وهو كل شيء حلو وذكر العسل ~~بعدها وإن كان داخلا في جملة الحلواء تنبيها على شرفه ومزيته وهو من ~~باب ذكر الخاص بعد العام قولها في الحديث الثاني فتواطيت أنا وحفصة هكذا ~~ذكر في الرواية وأصله فتواطأت أي اتفقت أنا وحفصة قولها إني لأجد منك ريح ~~مغافير هو بغين معجمة وفاء بعدها ياء وراء وهو صمغ حلو كالناطف وله رائحة ~~كريهة ينضحه شجر يقال له العرفط بضم العين المهملة وبالفاء يكون بالحجاز ~~وقيل العرفط نبات له ورق عريض يفرش على الأرض له شوكة وثمره خبيث ~~الرائحة، وقال أهل اللغة العرفط من شجر العضاه وهو كل شجر له شوك، وقيل ~~رائحته كرائحة النبيذ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يوجد منه ~~رائحة كريهة قولها جرست نحله العفرط هو بالجيم والراء وبالسين المهملتين ~~ومعناه أكلت نحله العرفط فصار منه العسل قولها في الحديث الثاني فقال ~~شربت عسلا عند زينب بنت جحش وفي الحديث الأول أن الشرب كان عند حفصة بنت ~~عمر بن الخطاب وأن عائشة وسودة وصفية هن اللواتي تظاهرن عليه قال القاضي ~~عياض والصحيح الأول قال النسائي إسناد حديث حجاج بن محمد عن ابن جريج ~~صحيح حيد غاية وقال الأصيلي حديث حجاج أصح وهو أولى بظاهر كتاب الله ~~وأكمل فائدة يريد قوله تعالى: { وإن تظاهرا عليه } وهما ثنتان لا ثلاثة ~~وأنهما عائشة وحفصة كما اعترف به عمر في حديث ابن عباس وسيأتي الحديث قال ~~وقد انقلبت الأسماء ms3168 على الراوي في الرواية الأخرى يعني الحديث الأول الذي ~~فيه أن الشرب كان عند حفصة قال القاضي عياض: والصواب أن شرب العسل كان ~~عند زينب بنت جحش ذكره الشيخ محيي الدين النووي في شرح مسلم وكذا ذكره ~~القرطبي أيضا وقال المفسرون في سبب النزول # " إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فلما كان يوم حفصة ~~استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة أبيها فأذن لها فلما خرجت ~~أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريته مارية القبطية فأدخلها بيت ~~حفصة وخلا بها فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقا فجلست عند الباب فخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكي فقال ما ~~يبكيك؟ قالت إنما أذنت لي من أجل هذا أدخلت أمتك بيتي ووقعت عليها في ~~يومي وعلى فراشي أما رأيت لي حرمة وحقا ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس هي جاريتي قد أحلها الله لي ~~اسكتي فهي علي حرام ألتمس بذلك رضاك فلا تخبري بهذا امرأة منهن فلما خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة ~~فقالت ألا أبشرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه أمته مارية ~~وقد أراحنا الله منها وأخبرت عائشة بما رأت وكانتا متصافيتين متظاهرتين ~~على سائر أزواج النبي بها صلى الله عليه وسلم فغضبت عائشة فلم تزل بنبي ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى حلف أن لا يقربها " # عن أنس بن مالك رضي الله عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها بها فلم تزل به ~~عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه فأنزل الله تعالى: { يا أيها النبي لم ~~تحرم ما أحل الله لك } الآية " # أخرجه النسائي قال العلماء الصحيح في سبب نزول الآية أنها في قصة العسل ~~لا في قصة مارية المروية في غير الصحيحين ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح ~~قال النسائي ms3169 إسناد حديث عائشة في العسل جيد صحيح غاية. وأما التفسير ~~فقوله { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } أي من العسل أو ملك ~~اليمين على اختلاف الرواية فيه وهذا التحريم تحريم امتناع عن الانتفاع ~~بها أو بالعسل لا تحريم اعتقاد بكونه حراما بعد ما أحله الله فالنبي " ~~صلى الله عليه وسلم امتنع عن الانتفاع بذلك مع اعتقاده أن ذلك حلال تبتغي ~~مرضاة أزواجك أي تطلب رضاهن بترك ما أحل الله لك والله غفور رحيم أي غفر ~~لك ذلك التحريم. ### || [66.2-3] # { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } أي بين وأوجب لكم تحليل أيمانكم ~~بالكفارة وهو ما ذكر في سورة المائدة فأمره الله أن يكفر عن يمينه ويراجع ~~أمته فأعتق رقبة { والله مولاكم } أي وليكم وناصركم { وهو العليم } أي ~~بخلقه { الحكيم } أي فيما فرض من حكمه. فصل اختلف العلماء في لفظ التحريم ~~فقيل ليس هو بيمين فإن قال لزوجته أنت علي حرام أو قال حرمتك فإن نوى ~~طلاقا فهو طلاق وإن نوى ظهارا فظهار وإن نوى تحريم ذاتها أو أطلق فعليه ~~كفارة اليمين بنفس اللفظ وإن قال ذلك لجاريته فإن نوى عتقا عتقت وإن نوى ~~تحريم ذاتها أو أطلق فعليه كفارة اليمين وإن قال لطعام حرمته على نفسي ~~فلا شيء عليه وهذا قول أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة والتابعين وإليه ~~ذهب الشافعي وإن لم ينو شيئا ففيه قولان للشافعي أحدهما أنه يلزمه كفارة ~~اليمين، والثاني لا شيء عليه وأنه لغو فلا يترتب عليه شيء من الأحكام ~~وذهب جماعة إلى أنه يمين فإن قال ذلك لزوجته أو جاريته فلا تجب عليه ~~الكفارة ما لم يقربها كما لو حلف أن لا يطؤها وإن حرم طعاما فهو كما لو ~~حلف أن لا يأكله فلا كفارة عليه ما لم يأكله وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه ~~ق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال " إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين ~~يكفرها وقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " وفي رواية " إذا حرم ms3170 ~~امرأته ليس بشيء وقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " لفظ الحميدي. ~~قوله تعالى: { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا } يعني ما أسر إلى ~~حفصة من تحريم مارية على نفسه واستكتمها ذلك وهو قوله لا تخبري بذلك ~~أحدا وقال ابن عباس أسر أمر الخلافة بعده فحدثت به حفصة قال الكلبي أسر ~~إليها إن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتين على أمتي من بعدي، وقيل لما رأى ~~الغيرة في وجه حفصة أراد أن يراضيها فسرها بشيئين بتحريم مارية على نفسه ~~وأن الخلافة بعده في أبي بكر وأبيها عمر { فلما نبأت به } أي أخبرت بذلك ~~حفصة عائشة { وأظهره الله عليه } أي أطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم ~~على قول حفصة لعائشة { عرف بعضه } قرىء بتخفيف الراء أي عرف بعض الذي ~~فعلته حفصة فغضب من إفشاء سره وجازاها عليه بأن طلقها فلما بلغ عمر قال ~~لها لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فجاءه جبريل عليه السلام وأمره بمراجعتها وقيل لم يطلق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حفصة وإنما هم بطلاقها فأتاه جبريل فقال لا تطلقها فإنها ~~صوامة قوامة وإنها من نسائك في الجنة وقرىء عرف بالتشديد، ومعناه عرف ~~حفصة بعض الحديث وأخبرها ببعض ما كان منها { وأعرض عن بعض } أي لم يعرفها ~~إياه ولم يخبرها به قال الحسن ما استقصى كريم قط قال الله تعالى عرف بعضه ~~وأعرض عن بعض والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر حفصة ببعض ما ~~أخبرت به عائشة وهو تحريم الأمة وأعرض عن ذكر الخلافة لأنه صلى الله عليه ~~وسلم كره أن ينتشر ذلك في الناس { فلما نبأها به } أي أخبر حفصة بما ~~أظهره الله عليه { قالت } يعني حفصة { من أنبأك هذا } أي من أخبرك بأني ~~أفشيت السر { قال نبأني العليم } أي بما تكنه الضمائر { الخبير } أي ~~بخفيات الأمور. ### || [66.4] # قوله عز وجل: { إن تتوبا إلى الله } يخاطب عائشة وحفصة أي من التعاون ~~على رسول ms3171 الله صلى الله عليه وسلم والإيذاء له { فقد صغت قلوبكما } أي ~~زاغت ومالت عن الحق واستوجبتما أن تتوبا وذلك بأن سرهما ما كره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو اجتناب مارية، ق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ~~" لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله عز وجل إن تتوبا إلى الله فقد صغت ~~قلوبكما حتى حج عمر وحججت معه فلما كان عمر ببعض الطريق عدل وعدلت معه ~~بالإرادة فتبرز ثم أتاني فصببت على يديه فتوضأ فقلت يا أمير المؤمنين من ~~المرأتان من أزواج النبي صبلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى إن ~~تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما قال عمر واعجبا لك يا ابن العباس قال ~~الزهري كره منه ما سأله عنه ولم يكتمه قال هما عائشة وحفصة ثم أخذ يسوق ~~الحديث قال كنا معشر قريش قوما نغلب النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا ~~قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم قال وكان منزلي في بني ~~أمية بن زيد بالعوالي فغضبت يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني فأنكرت أن ~~تراجعني فقالت ما تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل فانطلقت فدخلت على حفصة ~~فقلت أتراجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت نعم فقلت أتهجره ~~إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت نعم قلت لقد خابت من فعلت ذلك منكن وخسرت ~~أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فإذا هي قد هلكت لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه ~~شيئا وسليني ما بدا لك ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم منك يريد عائشة وكان لي جار من الأنصار فكنا ~~نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فينزل يوما ويأتيني ~~بخبر الوحي وغيره وآتيه بمثل ذلك ms3172 وكنا نتحدث أن غسان تبعث الخيل لتغزونا ~~فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته ثم أتاني عشاء فضرب بابي ثم ناداني فخرجت ~~إليه فقال حدث أمر عظيم قلت ماذا أجاءت غسان؟ قال لا بل أعظم من ذلك ~~وأهول طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه قلت قد خابت حفصة وخسرت قد ~~كنت أظن هذا يوشك أن يكون حتى إذا صليت الصبح شددت على ثيابي ثم نزلت ~~فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت ~~لا أدري ها هو ذا معتزل في هذه المشربة فأتيت غلاما له أسود فقلت استأذن ~~لعمر فدخل ثم خرج إلي فقال قد ذكرتك له فصمت فانطلقت حتى أتيت المنبر ~~فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم فجلست قليلا ثم غلبني ما أجد فأتيت ~~الغلام فقلت استأذن لعمر فدخل ثم خرج فقال قد ذكرتك له فصمت فجلست إلى ~~المنبر ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت استأذن لعمر فدخل ثم خرج فقال ~~قد ذكرتك له فصمت فوليت مدبرا فإذا الغلام يدعوني فقال ادخل فقد أذن لك ~~فدخلت فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو متكىء على رمال ~~حصير قد أثر في جنبه فقلت أطلقت يا رسول الله نساءك فرفع رأسه إلي وقال ~~لا فقلت الله أكبر لو رأيتنا يا رسول الله قد كنا معشر قريش نغلب النساء ~~فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من ~~نسائهم فغضبت على امرأتي يوما فإذا هي تراجعني فأنكرت إذ راجعتني فقالت ~~ما تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه ~~وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل فقلت قد خاب من فعل ذلك منهن وخسر أفتأمن ~~إحداهن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هي قد ~~هلكت فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله قد دخلت علي ~~حفصة فقلت لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله ms3173 صلى الله ~~عليه وسلم منك فتبسم أخرى فقلت استأنس يا رسول الله قال نعم قال فجلست ~~فرفعت رأسي في البيت فوالله ما رأيت فيه ما يرد البصر إلا أهبة ثلاثة ~~فقلت يا رسول الله ادع الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم ~~وهم لا يعبدون الله فاستوى جالسا ثم قال أفي اشك أنت يا ابن الخطاب ~~أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا فقلت استغفر لي يا رسول ~~الله وكان قد أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا من أجل ذلك الحديث حين أفشته ~~حفصة لعائشة من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله تعالى " قال الزهري ~~فأخبرني عروة # " عن عائشة قالت " لما مضت تسع وعشرون دخل علي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بدأ بي فقلت يا رسول الله إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وإنك ~~دخلت في ليلة تسع وعشرين أعدهن فقال إن الشهر يكون تسعا وعشرين زاد في ~~رواية وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ليلة ثم قال يا عائشة إني ذاكر لك ~~أمرا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك ثم قال يا أيها النبي قل ~~لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها حتى بلغ إلى قوله عظيما ~~قالت عائشة قد علم رسول الله والله أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه ~~فقلت أفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله و الدار الآخرة " # ، زاد في رواية # " أن عائشة قالت لا تخبر نساءك أني اخترتك فقال لها النبي صلى الله عليه ~~وسلم إن الله أرسلني مبلغا ولم يرسلني متعنتا " # ولمسلم عن ابن عباس عن عمر نحوه وفيه قال " دخلت عليه فقلت يا رسول الله ~~ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل ~~وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا ~~رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول فنزلت هذه الآية عسى ربه إن طلقكن ~~أن يبدله أزواجا خيرا منكن وإن تظاهرا عليه فإن ms3174 الله هو مولاه وجبريل ~~وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير " ، وفيه أنه استأذن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه فأذن له وأنه قام ~~على باب المسجد فنادى بأعلى صوته لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نساءه. شرح بعض ألفاظه قوله فعدلت معه بالإداوة أي فملت معه بالركوة ~~فتبرز أي أتى البراز وهو الفضاء من الأرض لقضاء الحاجة. العوالي جمع ~~عالية وهي أماكن بأعلى أراضي المدينة قوله ولا يغرنك أن كانت جارتك يريد ~~بها الضرة وهي عائشة أوسم منك أي أكثر حسنا وجمالا منك قوله فكنا ~~نتناوب النزول التناوب هو أن يفعله الإنسان مرة ويفعله الآخر بعده ~~المشربة بضم الراء وفتحها الغرفة قوله فإذا هو متكىء على رمال حصير يقال ~~رملت الحصير إذا ضفرته ونسجته والمراد به أنه لم يكن على السرير وطاء سوى ~~الحصير قوله ما رأيت فيه ما يرد البصر إلا أهبة ثلاثة الأهبة والأهب جمع ~~إهاب وهو الجلد قوله من شدة موجدته الموجدة الغضب. قوله تعالى: { وإن ~~تظاهرا عليه } أي تعاونا على إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم { فإن الله ~~هو مولاه } أي وليه وناصره { وجبريل } يعني وجبريل وليه وناصره أيضا ~~وإنما أفرده وإن كان داخلا في جملة الملائكة تعظيما له وتنبيها على ~~علو منزلته ومكانته { وصالح المؤمنين } روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب ~~صالح المؤمنين أبو بكر وعمر وقيل هم المخلصون من المؤمنين الذين ليسوا ~~بمنافقين وقيل هم الأنبياء { والملائكة بعد ذلك } أي بعد نصر الله وجبريل ~~وصالح المؤمنين { ظهير } أي أعوان للنبي صلى الله عليه وسلم ينصرونه. ### || [66.5] # { عسى ربه } أي واجب من الله { إن طلقكن } يعني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم { أن يبدله أزواجا خيرا منكن } ثم وصف الأزواج اللواتي كان يزوجه ~~بهن فقال { مسلمات } أي خاضعات لله بالطاعة { مؤمنات } أي مصدقات بتوحيد ~~الله تعالى: { قانتات } أي طائعات وقيل داعيات وقيل مصليات بالليل { ~~تائبات } أي تاركات للذنوب، لقبحها أو كثيرات التوبة { عابدات } وكثيرات ~~العبادة ms3175 { سائحات } أي صائمات وقيل مهاجرات وقيل يسحن معه حيث ساح { ~~ثيبات } جمع ثيب وهي التي تزوجت ثم بانت بوجه من الوجوه { وأبكارا } أي ~~عذارى جمع بكر وهذا من باب الإخبار عن القدرة لا عن الكون لأنه قال إن ~~طلقكن وقد علم أنه لا يطلقهن فأخبر عن قدرته أنه إن طلقهن أبدله أزواجا ~~خيرا منهن تخويفا لهن. ### || [66.6-9] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم } قال ابن عباس ~~بالانتهاء عما نهاكم الله عنه والعمل بطاعته { وأهليكم } يعني مروهم ~~بالخير وانهوهم عن الشر وعلموهم وأدبوهم تقوهم بذلك، { نارا وقودها ~~الناس والحجارة } يعني الكبريت، لأنه أشد الأشياء حرا وأسرع إيقادا { ~~عليها ملائكة } يعني خزنة النار وهم الزبانية { غلاظ } أي فظاظ على أهل ~~النار { شداد } يعني أقوياء يدفع الواحد منهم بالدفعة الواحدة سبعين ~~ألفا في النار لم يخلق الله الرحمة فيهم { لا يعصون الله ما أمرهم } أي ~~لا يخالفون الله فيما أمرهم به ونهاهم عنه { ويفعلون ما يؤمرون } أي لا ~~تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامره والانتقام من أعدائه { يا أيها الذين كفروا ~~لا تعتذروا اليوم } أي يقال لهم لا تعتذروا اليوم وذلك حين يعاينون النار ~~وشدتها لأنه قد قدم إليهم الإنذار والإعذار فلا ينفعهم الاعتذار لأنه غير ~~مقبول بعد دخول النار { إنما تجزون ما كنتم تعملون } يعني أن أعمالكم ~~السيئة ألزمتكم العذاب. قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى ~~الله توبة نصوحا } أي ذات نصح تنصح صاحبها بترك العود إلى الذنب الذي ~~تاب منه قال عمر بن الخطاب وأبي بن كعب ومعاذ التوبة النصوح أن يتوب ثم ~~لا يعود إلى الذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع وقال السن هي أن يكون ~~العبد نادما على ما مضى مجمعا على أن لا يعود إليه وقال الكلبي أن ~~يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن وقال سعيد بن المسيب معناه ~~توبة تنصحون بها أنفسكم وقال محمد بن كعب القرظي التوبة النصوح يجمعها ~~أربعة أشياء الاستغفار باللسان والإقلاع بالأبدان وإضمار ترك العود ~~بالجنان ومهاجرة سيىء ms3176 الإخوان. فصل وقال العلماء التوبة واجبة من كل ذنب ~~على الفور ولا يجوز تأخيرها سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة فإن كانت ~~المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاث شروط: ~~أحدها: أن يقلع عن المعصية والثاني أن يندم على فعلها، والثالث أن يعزم ~~على أن لا يعود إليها أبدا فإذا اجتمعت هذه الشروط في التوبة كانت ~~نصوحا وإن فقد شرط منها لم تصح توبته فإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي ~~فشروطها أربعة هذه الثلاثة المتقدمة والرابع أن يبرأ من حق صاحبها فإن ~~كانت المعصية مالا ونحوه رده إلى صاحبه وإن كان حد قذف أو نحوه مكنه من ~~نفسه أو طلب عفوه وإن كانت غيبة استحله منها ويجب أن يتوب العبد من جميع ~~الذنوب فإن تاب من بعضها صحت توبته من ذلك الذنب وبقي عليه ما لم يتب منه ~~هذا مذهب أهل السنة، وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ~~وجوب التوبة م عن الأغر بن يسار المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة " # خ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة " # ، ق عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض ~~فلاة " # الحديث م عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب ~~مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها " # عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. وقوله تعالى: { عسى ربكم أن ms3177 يكفر عنكم ~~سيئاتكم } هذا إطماع من الله تعالى لعباده في قبول التوبة وذلك تفضلا ~~وتكرما لا وجوبا عليه { ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا ~~يخزي الله النبي والذين آمنوا معه } أي لا يعذبهم بدخول النار { نورهم ~~يسعى بين أيديهم وبأيمانهم } يعني على الصراط { يقولون ربنا } يعني إذا ~~انطفأ نورا المنافقين { أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير يا ~~أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير ~~} تقدم تفسيره. ### || [66.10-12] # قوله تعالى: { ضرب الله مثلا } أي بين شبها وحالا { للذين كفروا ~~امرأة نوح } واسمها واعلة { وامرأة لوط } واسمها واهلة وقيل اسمهما والعة ~~ووالهة { كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين } وهما نوح ولوط عليهما ~~الصلاة والسلام وقوله من عبادنا إضافة تشريف وتعظيم { فخانتاهما } قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما ما بغت امرأة نبي قط وإنما كانت خيانتهما أنهما ~~كانتا على غير دينهما وكانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون وإذا آمن أحد ~~أخبرت به الجبابرة من قومها وأما امرأة لوط فإنها كانت تدل قومها على ~~أضيافه إذا نزل به ضيف بالليل أوقدت النار وإذا نزل به ضيف بالنهار دخنت ~~لتعلم قومها بذلك وقيل أسرتا النفاق وأظهرتا الإيمان { فلم يغنيا عنهما ~~من الله شيئا } أي لم يدفعا عن امرأتيهما مع نبوتهما عذاب الله { وقيل ~~ادخلا النار مع الداخلين } وهذا مثل ضربه الله تعالى للصالحين والصالحات ~~من النساء وأنه لا ينفع العاصي طاعة غيره ولا يضر المطيع معصية غيره وإن ~~كانت القرابة متصلة بينهم وأن القريب كالأجانب بل أبعد وإن كان القريب ~~الذي يتصل به الكافر نبيا كامرأة نوح وامرأة لوط لما خانتاهما لم يغن ~~هذان الرسولان عن امرأتيهما شيئا فقطع بهذه الآية طمع من يرتكب المعصية ~~ويتكل على صلاح غيره وفي هذا المثل تعريض بأمي المؤمنين عائشة وحفصة وما ~~فرط منهما وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده ثم ضرب مثلا آخر يتضمن أن ~~معصية الغير لا تضره إذا كان مطيعا وأن وصلة المسلم بالكافر لا ms3178 تضر ~~المؤمن فقال تعالى: { وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون } يعني ~~آسية بنت مزاحم قال المفسرون لما غلب موسى السحرة آمنت به امرأة فرعون ~~فلما تبين لفرعون إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في ~~الشمس فكانت تعذب في الشمس فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة { إذ قالت ~~رب ابن لي عندك بيتا في الجنة } فكشف الله لها عن بيتها في الجنة وقيل ~~إن فرعون أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها فلما أتوها بالصخرة قالت رب ابن لي ~~عندك بيتا في الجنة فأبصرت بيتها في الجنة، من درة بيضاء وانتزعت روحها ~~فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه ولم تجد ألما وقيل رفع الله امرأة ~~فرعون إلى الجنة فهي تأكل وتشرب فيها { ونجني من فرعون عمله } يعني وشركه ~~وقال ابن عباس عمله يعني جماعه { ونجني من القوم الظالمين } يعني ~~الكافرين { ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها } أي عن الفواحش والمحصنة ~~العفيفة { فنفخنا فيه } أي في جيب درعها ولذلك ذكر الكناية { من روحنا } ~~إضافة تمليك وتشريف كبيت الله وناقة الله { وصدقت بكلمات ربها } يعني ~~الشرائع التي شرعها الله لعباده بكلماته المنزلة على أنبيائه { وكتبه } ~~يعني الكتب المنزلة على إبراهيم وموسى وداود وعيسى عليهم الصلاة والسلام، ~~{ وكانت من القانتين } يعني كانت من القوم القانتين أي المطيعين وهم ~~رهطها وعشيرتها لأنهم كانوا أهل بيت صلاح وطاعة الله عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت ~~محمد وآسية امرأة فرعون " # أخرجه الترمذي وقال حديث صحيح. والله أعلم بمراده. ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1-2] # قوله عز وجل: { تبارك الذي بيده الملك } أي له الأمر والنهي والسلطان ~~فيعز من يشاء ويذل من يشاء { وهو على كل شيء قدير } أي من الممكنات { ~~الذي خلق الموت والحياة } قيل أراد موت الإنسان وحياته في الدنيا جعل ~~الله الدنيا دار حياة وفناء وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء وإنما قدم الموت ~~لأنه أقرب إلى ms3179 قهر الإنسان، وقيل قدمه لأنه أقدم وذلك لأن الأشياء كانت ~~في الابتداء في حكم الموتى كالتراب والنطفة والعلقة ونحو ذلك ثم طرأ ~~عليها الحياة وقال ابن عباس خلق الموت على صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا ~~يجد ريحه شيء إلا مات وخلقت الحياة على صورة فرس بلقاء وهي التي كان ~~جبريل والأنبياء يركبونها لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي وهي ~~التي أخذ السامري قبضة من أثرها فألقاها في العجل فخار وحيي وقيل إن ~~الموت صفة وجودية مضادة للحياة، وقيل الموت عبارة عن زوال القوة ~~الحيوانية وإبانة الروح عن الجسد وضده الحياة وهي القوة الحساسة مع وجود ~~الروح في الجسد وبه سمي الحيوان حيوانا وقيل إن الموت نعمة لأن الفاصل ~~بين حال التكليف في هذه الدار وحال المجازاة في دار القرار والحياة أيضا ~~نعمة إذ لولاها لم يتنعم أحد في الدنيا ولم يصل إليه الثواب في الآخرة { ~~ليبلوكم } أي ليختبركم فيما بين الحياة إلى الموت { أيكم أحسن عملا } ~~روي عن ابن عمر مرفوعا أحسن عملا أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع ~~في طاعته وقال الفضيل بن عياض أحسن عملا أخلصه وأصوبه، وقال أيضا العمل ~~لا يقبل حتى يكون خالصا صوابا فالخالص إذا كان لله والصواب إذا كان على ~~السنة وقيل أيكم أزهد في الدنيا { وهو العزيز } أي الغالب المنتقم ممن ~~عصاه { الغفور } أي لمن تاب إليه ورجع عن إساءته. ### || [67.3-8] # قوله تعالى: { الذي خلق سبع سموات طباقا } يعني طبقا على طبق بعضها ~~فوق بعض كل سماء مقبية على الأخرى وسماء الدنيا كالقبة على الأرض قال كعب ~~الأحبار سماء الدنيا موج مكفوف والثانية مرمرة بيضاء والثالثة حديد ~~والرابعة صفر أو قال نحاس والخامسة فضة والسادسة ذهب والسابعة ياقوتة ~~حمراء وما بين السماء إلى الحجب السبعة صحار من نور، { ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت } أي ما ترى يا ابن آدم في شيء مما خلق الرحمن اعوجاجا ~~ولا اختلافا ولا تناقضا بل خلقهن مستقيمة مستوية { فارجع البصر ms3180 } أي ~~كرر النظر { هل ترى من فطور } أي من شقوق وصدوع { ثم ارجع البصر كرتين } ~~قال ابن عباس مرة بعد مرة { ينقلب } أي ينصرف { إليك } فيرجع { البصر ~~خاسئا } أي صاغرا ذليلا مبعدا لم ير ما يهوي { وهو حسير } أي كليل ~~منقطع لم يدرك ما طلب { ولقد زينا السماء الدنيا } أي القربى من الأرض ~~وهي التي يراها الناس { بمصابيح } أي بكواكب كالمصابيح في الإضاءة وهي ~~أعلام الكواكب، وقال ابن عباس بنجوم لها نور وقيل خلق الله النجوم لثلاث ~~زينة للسماء وعلامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ورجوما للشياطين ~~وهو قوله تعالى: { وجعلناها رجوما للشياطين } قال ابن عباس: يرجم بها ~~الشياطين الذين يسترقون السمع. فإن قلت جعل الكواكب زينة للسماء يقتضي ~~بقاءها وجعلها رجوما للشياطين يقتضي زوالها فكيف الجمع بين هاتين ~~الحالتين. قلت قالوا إنه ليس المراد أنهم يرمون بأجرام الكواكب بل يجوز ~~أن تنفصل من الكواكب شعلة وترمي الشياطين بتلك الشعلة وهي الشهب ومثلها ~~كمثل قبس يؤخذ من النار وهي على حالها { وأعتدنا لهم } أي وأعتدنا ~~للشياطين بعد الاحتراق في الدنيا { عذاب السعير } أي في الآخرة وهي النار ~~الموقدة { وللذين كفروا بربهم } أي ليس العذاب مختصا بالشياطين بل لكل ~~من كفر بالله من إنس وجن { عذاب جهنم وبئس المصير } ثم وصف جهنم فقال ~~تعالى: { إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا } هو أول صوت نهيق الحمار وذلك ~~أقبح الأصوات { وهي تفور } أي تغلي بهم كغلي المرجل وقيل تفور بهم كما ~~يفور الماء الكثير بالحب القليل، { تكاد تميز } أي تتقطع { من الغيظ } من ~~تغيظها عليهم { كلما ألقي فيها فوج } أي جماعة { سألهم خزنتها } يعني ~~سؤال توبيخ وتقريع { ألم يأتكم نذير } أي رسول ينذركم. ### || [67.9-16] # { قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا } يعني للرسول { ما نزل الله من ~~شيء } وهذا اعتراف منهم بأنه أزاح عللهم ببعثة الرسل ولكنهم كذبوا وقالوا ~~ما نزل الله من شيء { إن أنتم إلا في ضلال كبير } فيه وجهان أحدهما وهو ~~الأظهر أنه من جملة قول الكفار للرسل والثاني ms3181 يحتمل أن يكون من كلام ~~الخزنة للكفار والمعنى لقد كنتم في الدنيا في ضلال كبير { وقالوا لو كنا ~~نسمع } أي من الرسل ما جاؤوا به { أو نعقل } أي نفهم منهم، قال ابن عباس ~~لو كنا نسمع الهدى أو نعقله فنعمل به { ما كنا في أصحاب السعير } وقيل ~~معناه لو كنا نسمع سمع من يعي ونعقل عقل من يميز وننظر ونتفكر ما كنا في ~~أصحاب السعير { فاعترفوا بذنبهم } هو في معنى الجمع أي بتكذيبهم الرسل ~~وقولهم " ما نزل الله من شيء " { فسحقا } أي بعدا { لأصحاب السعير } ~~قوله عز وجل: { إن الذين يخشون ربهم بالغيب } أي يخافون ربهم ولم يروه ~~فيؤمنوا به خوفا من عذابه { لهم مغفرة } أي لذنوبهم { وأجر كبير } يعني ~~جزاء أعمالهم الصالحة { وأسروا قولكم أو اجهروا به } قال ابن عباس نزلت ~~في المشركين كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل ~~بما قالوا فقال بعضهم لبعض أسروا قولكم كي لا يسمع إله محمد فأخبره الله ~~أنه لا يخفى عليه خافية فقال تعالى: { إنه عليم بذات الصدور } ثم أكد ذلك ~~بقوله تعالى: { ألا يعلم من خلق } يعني ألا يعلم من خلق مخلوقه، وقيل ألا ~~يعلم الله من خلق والمعنى ألا يعلم الله ما في صدور من خلق { وهو اللطيف ~~} أي باستخراج ما في الصدور { الخبير } بما فيها من السر والوسوسة. قوله ~~تعالى: { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا } الذلول المنقاد من كل شيء ~~والمعنى جعلها لكم سهلة لا يمتنع المشي فيها لحزونتها وغلظها { فامشوا في ~~مناكبها } أمر إباحة وكذا قوله { وكلوا من رزقه } ومناكبها جوانبها ~~وأطرافها ونواحيها وقيل طرقها وفجاجها وقال ابن عباس جبالها والمعنى هو ~~الذي سهل لكم السلوك في جبالها وهو أبلغ التذلل وكلوا من رزقه أي مما ~~خلقه الله لكم في الأرض { وإليه النشور } أي وإليه تبعثون من قبوركم ثم ~~خوف كفار مكة فقال تعالى: { أأمنتم من في السماء } قال ابن عباس يعني ~~عقاب من في السماء إن عصيتموه { أن يخسف بكم الأرض فإذا ms3182 هي تمور } أي ~~تتحرك بأهلها وقيل تهوي بهم والمعنى أن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف ~~بهم حتى يقلبهم إلى أسفل وتعلو الأرض عليهم وتمور فوقهم أي تجيء وتذهب. ### || [67.17-27] # { أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا } يعني ريحا ذات حجارة ~~كما فعل بقوم لوط { فستعلمون } أي عند الموت في الآخرة { كيف نذير } أي ~~إنذاري إذا عاينتم العذاب { ولقد كذب الذين من قبلهم } أي من قبل كفار ~~مكة وهم الأمم الخالية { فكيف كان نكير } أي إنكاري عليهم أليس وجدوا ~~العذاب حقا. قوله عز وجل: { أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات } أي ~~باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها { ويقبضن } أي يضممن أجنحتهن إذا ~~ضربن بهن جنوبهن بعد البسط { ما يمسكهن } أي حال القبض والبسط { إلا ~~الرحمن } والمعنى: أن الطير مع ثقلها وضخامة جسمها لم يكن بقاؤها وثبوتها ~~في الجو إلا بإمساك الله عز وجل إياها وحفظه لها { إنه بكل شيء بصير } ~~يعني أنه تعالى لا تخفى عليه خافية { أمن هذا الذي هو جند لكم } استفهام ~~إنكار أي لا جند لكم { ينصركم } أي يمنعكم { من دون الرحمن } أي من عذاب ~~الله قال ابن عباس أي من ينصركم مني إن أردت عذابكم { إن الكافرون إلا في ~~غرور } أي من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم { أمن هذا الذي ~~يرزقكم إن أمسك رزقه } يعني من ذا الذي يرزقكم المطر إن أمسكه الله عنكم ~~{ بل لجوا } أي تمادوا { في عتو } أي نبو وتكبر { ونفور } أي تباعد عن ~~الحق ثم ضرب مثلا للكافر والمؤمن فقال تعالى: { أفمن يمشي مكبا على ~~وجهه } أي كابا رأسه في الضلالة والجهالة أعمى القلب والعين لا يبصر ~~يمينا ولا شمالا وهو الكافر أكب على الكفر والمعاصي في الدنيا فحشره ~~الله على وجهه يوم القيامة { أهدى } أي هو أهدى، { أمن يمشي سويا } أي ~~قائما معتدلا لا يبصر الطريق { على صراط مستقيم } يعني المؤمن يمشي يوم ~~القيامة سويا { قل هو الذي أنشأكم } أي خلقكم { وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة } يعني ms3183 أنه تعالى ركب فيكم هذه القوى لكنكم ضيعتموها فلم تقبلوا ~~ما سمعتموه ولا اعتبرتم بما أبصرتموه ولا تأملتم ما عقلتموه فكأنكم ضيعتم ~~هذه النعم فاستعملتموها في غير ما خلقت له فلهذا قال { قليلا ما تشكرون ~~} وذلك لأن شكر نعم الله صرفها في وجه مرضاته فلما صرفتموها في غير ~~مرضاته فكأنكم ما شكرتم رب هذه النعم الواهب لها { قل هو الذي ذرأكم } أي ~~خلقكم وبثكم { في الأرض وإليه تحشرون } أي يوم القيامة والمعنى أن القادر ~~على الإبداء قادر على الإعادة { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } ~~هذا سؤال يحتمل وجهين: أحدهما أنه سؤال عن نزول العذاب بهم والثاني أنه ~~سؤال عن يوم القيامة فأجاب الله عن ذلك بقوله { قل إنما العلم عند الله ~~وإنما أنا نذير مبين } أمره بإضافة العلم إلى الله تعالى وتبليغ ما أوحي ~~إليه { فلما رأوه } يعني العذاب في الآخرة على قول أكثر المفسرين، وقيل ~~يعني العذاب ببدر { زلفة } أي قريبا { سيئت وجوه الذين كفروا } أي اسودت ~~وعلتها الكآبة والمعنى قبحت وجوههم بالسواد { وقيل } لهم أي وقالت لهم ~~الخزنة { هذا الذي كنتم به تدعون } من الدعاء أي تتمنون وتطلبون أن يعجله ~~لكم وقيل من الدعوى أي تدعون أنه باطل. ### || [67.28-30] # { قل } يا محمد لمشركي مكة الذين يتمنون هلاكك { أرأيتم إن أهلكني الله ~~ومن معي } أي من المؤمنين { أو رحمنا } أي فأبقانا وأخر في آجالنا { فمن ~~يجير الكافرين من عذاب أليم } أي إنه واقع بهم لا محالة وقيل في معنى ~~الآية قل أرأيتم إن أهلكني الله أي فعذبني ومن معي أو رحمنا أي فغفر لنا ~~فنحن مع إيماننا خائفون أن يهلكنا بذنوبنا لأن حكمه نافذ فينا فمن يجيركم ~~أو يمنعكم من عذاب أليم وأنتم كافرون وهذا قول ابن عباس، { قل } أي قل ~~لهم في إنكارك عليهم وتوبيخك لهم { هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا } أي ~~نحن آمنا به وعبدناه وأنتم كفرتم به { فستعلمون } أي عند معاينة العذاب { ~~من هو في ضلال مبين } أي نحن أم أنتم وهذا تهديد ms3184 لهم ثم ذكرهم ببعض نعمه ~~عليهم على طريق الاحتجاج فقال تعالى: { قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم } قيل ~~يريد ماء زمزم وقيل غيرها من المياه { غورا } أي غائرا ذاهبا في الأرض ~~لا تناله الأيدي ولا الدلاء { فمن يأتيكم بماء معين } أي ظاهر تراه ~~العيون وتناله الأيدي والدلاء، وقال ابن عباس معين أي جار والمقصود من ~~الآية أن يجعلهم مقرين ببعض نعمه عليهم ويريهم قبح ما هم عليه من الكفر ~~والمعنى أخبروني إن صار ماؤكم ذاهبا في الأرض فمن يأتيكم بماء معين فلا ~~بد أن يقولوا هو الله تعالى فيقال لهم حينئذ فلم تجعلون معه من لا يقدر ~~على شيء أصلا شريكا له في العبودية فهذا محال، والله أعلم. ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1] # قوله عز وجل: { ن } قال ابن عباس هو الحوت الذي على ظهره الأرض وعنه " ~~إن أول ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ثم خلق النون ~~فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون فمادت الأرض فأثبتت الجبال فإن الجبال ~~لتفخر على الأرض ثم قرأ ن والقلم وما يسطرون " قيل اسم النون بهموت وقيل ~~لوثيا وعن علي بلهوث. قال أصحاب السير والأخبار: لما خلق الله الأرض ~~وفتقها سبع أرضين بعث من تحت العرش ملكا فهبط إلى الأرض حتى دخلت تحت ~~الأرضين السبع وضبطها فلم يكن لقدميه موضع قرار فأهبط الله تعالى من ~~الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة وجعل قرار قدم الملك ~~على سنامه فلم تستقر قدمه فأخذ الله ياقوتة خضراء من أعلى درجة الفردوس ~~غلظها مسيرة خمسمائة سنة فوضعها بين سنام الثور إلى أذنه فاستقر عليها ~~قدما الملك وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض ومنخراه في البحر فهو ~~يتنفس كل يوم نفسا فإذا تنفس مد البحر وإذا رد نفسه جزر البحر فلم يكن ~~لقوائم الثور قرار فخلق الله تعالى صخرة كغلظ سبع سموات وسبع أرضين ~~فاستقرت قوائم الثور عليها وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه فتكن في صخرة ~~فلم يكن للصخرة مستقر ms3185 فخلق الله تعالى نونا وهو الحوت العظيم فوضع ~~الصخرة على ظهره وسائر جسده خال والحوت على البحر والبحر على متن الريح ~~والريح على القدرة قيل فكل الدنيا بما عليها حر فان قال لها الجبار ~~سبحانه وتعالى وتنزه وتقدس كوني فكانت. قال كعب الأحبار: إن إبليس تغلغل ~~إلى الحوت الذي على ظهر الأرض فوسوس إليه فقال له أتدري ما على ظهرك يا ~~ليوثا من الأمم والدواب والشجر والجبال لو نفضتهم لألقيتهم على ظهرك فهم ~~ليوثا أن يفعل ذلك فبعث له دابة فدخلت منخره فوصلت إلى دماغه فعج الحوت ~~إلى الله تعالى منها فأذن لها فخرجت قال كعب الأحبار فوالذي نفسي بيده ~~إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت كما كانت وعن ابن ~~عباس أيضا أن النون هو الدواة ومنه قول الشاعر: # إذا ما الشوق برح بي إليهم ألقت النون بالدمع السجام # أراد بالنون الدواة وعن ابن عباس أيضا أن نونا حرف من حروف الرحمن إذا ~~جمعت الرحمن وقيل هو مفتاح اسمه ناصر ونصير وقيل اسم للسورة { والقلم } ~~هو القلم الذي كتب الله به الذكر وهو قلم من نور طوله ما بين السماء ~~والأرض ويقال أول ما خلق الله القلم فنظر إليه فانشق نصفين ثم قال اجر ~~بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ بذلك وإنما يجري ~~الناس على أمر قد فرغ منه { وما يسطرون } أي وما يكتب الحفظة من أعمال ~~بني آدم وقيل إن حملنا القلم على ذلك القلم المعين فيحتمل أن يكون المراد ~~وما يسطرون فيه وهو اللوح المحفوظ ويكون الجمع في وما يسطرون للتعظيم لا ~~للجمع. ### || [68.2-4] # { ما أنت } يا محمد { بنعمة ربك بمجنون } هذا جواب القسم أقسم الله بنون ~~والقلم وما يسطرون وما أنت بنعمة ربك بمجنون وهو رد لقولهم # يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون # [الحجر: 6] والمعنى إنك لا تكون مجنونا وقد أنعم الله عليك بالنبوة ~~والحكمة فنفى عنه الجنون وقيل معناه ما أنت بمجنون والنعمة لله وهو ms3186 كما ~~يقال ما أنت بمجنون والحمد لله وقيل إن نعمة الله كانت ظاهرة عليه من ~~الفصاحة التامة والعقل الكامل والسيرة المرضية والأخلاق الحميدة والبراءة ~~من كل عيب والاتصاف بكل مكرمة وإذا كانت هذه النعم محسوسة ظاهرة فوجودها ~~ينفي حصول الجنون فنبه الله تعالى بهذه الآية على كونهم كاذبين في قولهم ~~إنك لمجنون { وإن لك لأجرا غير ممنون } أي غير منقوص ولا مقطوع ومنه قول ~~لبيد: # عبس كواسب ما يمن طعامها # أي ما يقطع يصف بذلك كلابا ضارية، وقيل في معنى الآية إنه غير مكدر ~~عليك بسبب المنة والقول هو الأول ومعناه إن لك على احتمالك الطعن وصبرك ~~على هذا القول القبيح وافترائهم عليك أجرا عظيما دائما لا ينقطع، وقيل ~~إن لك على إظهار النبوة وتبليغ الرسالة ودعاء الخلق إلى الله تعالى ~~والصبر على ذلك وبيان الشرائع لهم أجرا عظيما فلا تمنعك نسبتهم إياك ~~إلى الجنون عن الاشتغال بهذا الأمر العظيم الذي قد حملته ثم وصفه بما ~~يخالف حال المجنون فقال تعالى: { وإنك لعلى خلق عظيم } وهذا كالتفسير ~~لقوله { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية ~~كانت ظاهرة عليه ومن كان كذلك لم تجز إضافة الجنون إليه ولما كانت أخلاق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كاملة حميدة وأفعاله المرضية الجميلة وافرة ~~وصفها الله تعالى بأنها عظيمة وحقيقة الخلق قوى نفسانية يسهل على المتصف ~~بها الإتيان بالأفعال الحميدة والآداب المرضية فيصير ذلك كالخلقة في ~~صاحبه ويدخل في حسن الخلق التحرز من الشح والبخل والتشديد في المعاملات ~~ويستعمل في حسن الخلق التحبب إلى الناس بالقول والفعل والبذل وحسن الأدب ~~والمعاشرة بالمعروف مع الأقارب والأجانب والتساهل في جميع الأمور ~~والتسامح بما يلزم من الحقوق وترك التقاطع والتهاجر واحتمال الأذى من ~~الأعلى والأدنى مع طلاقة الوجه وإدامة البشر فهذه الخصال تجمع جميع محاسن ~~الأخلاق ومكارم الأفعال ولقد كان جميع ذلك في رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولهذا وصفه الله تعالى بقوله { وإنك لعلى خلق عظيم } ، وقال ابن ~~عباس معناه على ms3187 دين عظيم لا دين أحب إلي ولا أرضى عندي منه وهو دين ~~الإسلام وقال الحسن هو آداب القرآن سئلت عائشة رضي الله عها عن خلق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القرآن وقال قتادة هو ما كان ~~يأتمر من أوامر الله وينتهي عنه من مناهي الله تعالى والمعنى وإنك لعلى ~~الخلق الذي أمرك الله به في القرآن وقيل سمى الله خلقه عظيما لأنه امتثل ~~تأديب الله إياه بقوله # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين # [الأعراف: 199] والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل: في فضل حسن الخلق وما ~~كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما روى جابر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # " إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال " # م # " عن النواس بن سمعان قال " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر ~~والإثم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البر حسن الخلق والإثم ما حاك ~~في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس " " # ، عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم " # أخرجه أبو داود وعنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن من أكمل الناس إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال # " ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وإن الله ~~تعالى يبغض الفاحش البذيء " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وله عن جابر رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن من أحبكم إلى الله وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ~~" # ، ق عن البراء رضي الله عنه قال " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا ليس بالطويل ولا بالقصير " ق عن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال " إن رسول ms3188 الله صلى الله عليه وسلم ~~لم يكن فاحشا ولا متفحشا " وكان يقول # " خياركم أحاسنكم أخلاقا " # ق # " عن أنس رضي الله عنه قال " خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ~~والله ما قال لي أف قط ولا قال لشيء لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا " " # زاد الترمذي # " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا وما مسست خزا ~~قط ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولا شممت مسكا قط ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " # ، خ عنه قال # " إن كانت الأمة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث ~~شاءت " # زاد في رواية # " ويجيب إذا دعي " # وعنه قال # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع ~~يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده ولا يصرف وجهه حتى يكون الرجل هو ~~الذي يصرفه ولم ير مقدما ركبتيه بين يدي جليس له " # أخرجه الترمذي، ق عن عائشة رضي الله عنها قالت # " ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ~~ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه وما انتقم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم " # ، زاد مسلم عنها # " وما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده ولا امرأة ولا ~~خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى " # ق # " عن أنس قال " كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد ~~نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة ~~عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ~~ثم قال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وضحك وأمر له بعطاء " " # ، ق عنه ms3189 رضي الله عنه قال # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا وكان لي أخ يقال ~~له أبو عمير وكان فطيما كان إذا جاءنا قال يا أبا عمير ما فعل النغير ~~لنغير كان يلعب به " # النغير طائر صغير يشبه العصفور إلا أنه أحمر المنقار م # " عن الأسود قال " سألت عائشة ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ~~في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة يتوضأ ويخرج إلى ~~الصلاة " " # المهنة الخدمة عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال # " ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم " # أخرجه الترمذي. ### || [68.5-8] # قوله تعالى: { فستبصر } أي يا محمد { ويبصرون } يعني أهل مكة إذا نزل ~~بهم العذاب { بأيكم المفتون } قال ابن عباس معناه بأيكم المجنون وقيل ~~الباء بمعنى " في " معناه فستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون في ~~فريقك أو فريقهم وقيل المفتون هو الشيطان الذي فتن بالجنون { إن ربك هو ~~أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } معناه إنهم رموه بالجنون ~~والضلال ووصفوا أنفسهم بالعقل والهداية فأعلم الله تعالى أنه هو العالم ~~بالفريقين الضال والمهتدي والمجنون والعاقل { فلا تطع المكذبين } يعني ~~مشركي مكة وذلك أنهم دعوه إلى دين آبائه فنهاه الله أن يطيعهم. ### || [68.9-10] # { ودوا لو تدهن فيدهنون } أصل الإدهان اللين والمصانعة والمقاربة في ~~الكلام وقيل أدهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر خلاف ما ~~أبطن ومعنى الآية أنهم تمنوا أن تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضونه ~~مصانعة لهم فيفعلوا مثل ذلك ويتركوا بعض ما لا ترضى به فتلين لهم ويلينون ~~لك وقيل معناه ودوا لو تكفر فيكفرون وهو أن تعبد آلهتهم مدة ويعبدون الله ~~مدة { ولا تطع كل حلاف } أي كثير الحلف بالباطل { مهين } أي ضعيف حقير ~~ذليل وقيل هو من المهانة وهي قلة الرأي والتمييز وقال ابن عباس كذاب وهو ~~قريب من الأول لأن الإنسان إنما يكذب لمهانة نفسه عليه قيل هو الوليد ms3190 بن ~~المغيرة وقيل هو الأسود بن عبد يغوث وقيل هو الأخنس بن شريق. ### || [68.11-15] # { هماز } أي مغتاب يأكل لحوم الناس بالطعن والعيب وقيل هو الذي يغمز ~~بأخيه في المجلس { مشاء بنميم } أي فتان يسعى بالنميمة ليفسد بين الناس { ~~مناع للخير } أي بخيل بالمال وقال ابن عباس مناع للخير أي يمنع ولده ~~وعشيرته عن الإسلام يقول لئن دخل واحد منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء ~~أبدا، { معتد } أي ظلوم يتعدى الحق { أثيم } أي فاجر يتعاطى الإثم { عتل ~~} أي غليظ جاف وقيل هو الفاحش السيىء الخلق وقيل هو الشديد في الخصومة ~~بالباطل وقيل هو الشديد في كفره وقيل العتل الأكول الشروب القوي الشديد ~~ولا يزن في الميزان شعيرة يدفع الملك من أولئك سبعين ألفا في النار دفعة ~~واحدة { بعد ذلك زنيم } أي مع ما وصفناه به من الصفات المذمومة زنيم وهو ~~الدعي الملصق في القوم وليس منهم قال ابن عباس يريد مع هذا هو دعي في ~~قريش وليس منهم قيل إنما ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة سنة وقيل الزنيم هو ~~الذي له زنمة كزنمة الشاة وقال ابن عباس في هذه الآية نعت من لا يعرف حتى ~~قيل زنيم فعرف وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها وعنه أيضا قال يعرف بالشر ~~كما تعرف الشاة بزنمتها قال ابن قتيبة لا نعلم أن الله وصف أحدا ولا ذكر ~~من عيوبه مثل ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة فألحق به عارا لا يفارقه ~~في الدنيا ولا في الآخرة { أن كان ذا مال وبنين } قرىء على الخبر ومعناه ~~فلا تطع كل حلاف مهين لأن كان ذا مال وبنين أي لا تطعه لماله وبنيه وقرىء ~~أأن كان ذا مال وبنين بالاستفهام ومعناه ألأن كان ذا مال وبنين { إذا ~~تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين } أي جعل مجازاة النعم التي خولها ~~من المال والبنين الكفر بآياتنا وقيل لأن كان ذا مال وبنين تطيعه ثم ~~أوعده. ### || [68.16-20] # { سنسمه على الخرطوم } أي على الأنف والمعنى نسود وجهه فنجعل ms3191 له علما ~~يعرف به في الآخرة وهو سواد الوجه فعبر بالأنف عن الوجه وقال ابن عباس ~~سنسمه بالسيف وفعل به ذلك يوم بدر، وقيل معناه سنلحق به شيئا لا يفارقه ~~أي سنسمه ميسم سوء يريد نلحق به عارا لا يفارقه كما أن السمة لا تمحى ~~ولا يعفى أثرها. وقد ألحق الله به بما ذكر من عيوبه عارا لا يفارقه في ~~الدنيا ولا في الآخرة كالوسم على الخرطوم الذي لا يخفى قط وقيل معناه ~~سنكويه على وجهه. وقوله تعالى: { إنا بلوناهم } أي اختبرنا أهل مكة ~~بالقحط والجوع { كما بلونا أصحاب الجنة } روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ~~{ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة } قال بستان باليمن يقال له الضروان ~~دون صنعاء بفرسخين يطؤه أهل الطريق وكان غرسه قوم من أهل الصلاة وكان ~~لرجل فمات فورثه ثلاث بنين له وكان يترك للمساكين إذا صرموا نخلهم كل شيء ~~تعداه المنجل إذا طرح من فوق النخل إلى البساط وكل شيء يخرج من المنجل ~~إلى البساط فهو أيضا للمساكين وإذا حصدوا زرعهم فكل شيء تعداه المنجل ~~فهو للمساكين وإذا داسوه كان لهم كل شيء ينتثر أيضا فلما مات الأب وورثه ~~بنوه هؤلاء الإخوة الثلاثة قالوا والله إن المال قليل وإن العيال كثير ~~وإنما كان هذا الأمر يفعل لما كان المال كثيرا والعيال قليلا فأما إذا ~~قل المال وكثر العيال فإنا لا نستطيع أن نفعل فتحالفوا بينهم يوما أن ~~يغدوا غدوة قبل خروج الناس فليصر من نخلهم فذلك قوله تعالى: { إذ أقسموا ~~} أي تحالفوا { ليصرمنها } أي ليقطعن ثمرها { مصبحين } أي إذا أصبحوا قبل ~~أن يخرج إليهم المساكين وقبل أن يعلم بها المساكين، { ولا يستثنون } أي ~~ولم يقولوا إن شاء الله وقيل لا يستثنون شيئا للمساكين من ثمر جنتهم { ~~فطاف عليها طائف من ربك } أي عذاب من ربك ولا يكون الطائف إلا بالليل وهو ~~قوله تعالى: { وهم نائمون } وكان ذلك الطائف نارا أنزلت من السماء ~~فأحرقتها وهو قوله تعالى: { فأصبحت } أي الجنة { كالصريم } أي كالليل ~~الأسود ms3192 المظلم وقيل تصرم منها الخير فليس فيها شيء ينتفع به وقال ابن ~~عباس كالرماد الأسود وهو بلغة خزيمة. ### || [68.21-31] # { فتنادوا } أي فنادى بعضهم بعضا { مصبحين } يعني لما أصبحوا { أن ~~اغدوا على حرثكم } يعني الثمار والزرع والأعناب { إن كنتم صارمين } أي ~~قاطعين ثماركم { فانطلقوا } أي مشوا إليها { وهم يتخافتون } أي يتسارون ~~يقول بعضهم لبعض سرا { أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حرد } ~~أي على قصد ومنع وقيل معناه على جد وجهد وقيل على أمر مجتمع قد أسسوه ~~بينهم وقيل على حنق وغضب من المساكين وقال ابن عباس على قدرة { قادرين } ~~أي عند أنفسهم على جنتهم وثمارها لا يحول بينهم وبينها أحد { فلما رأوها ~~} أي رأوا الجنة محترقة { قالوا إنا لضالون } أي لمخطئون الطريق أضللنا ~~عن مكان جنتنا وليست هذه جنتنا { بل نحن محرومون } أي قال بعضهم قد حرمنا ~~خيرها ونفعها بمنعنا المساكين وتركنا الاستثناء { قال أوسطهم } أي أعدلهم ~~وأعقلهم وأفضلهم { ألم أقل لكم لولا تسبحون } أي هلا تستثنون أنكر عليهم ~~ترك الاستثناء في قولهم ليصرمنها مصبحين سماه تسبيحا لأنه تعظيم لله ~~وإقرار بأنه لا يقدر أحد على شيء إلا بمشيئته، وعلى التفسير الثاني أن ~~الاستثناء بمعنى لا يتركون شيئا للمساكين من ثمر جنتهم يكون معنى لولا ~~تسبحون أي تتوبون وتستغفرون الله من ذنوبكم وتفريطكم ومنعكم حق المساكين ~~وقيل كان استثناؤهم سبحان الله وقيل هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما ~~أعطاكم من نعمه { قالوا سبحان ربنا } معناه أنهم نزهوه عن الظلم فيما فعل ~~وأقروا على أنفسهم بالظلم فقالوا { إنا كنا ظالمين } أي بمنعنا المساكين ~~حقوقهم { فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون } أي يلوم بعضهم بعضا { قالوا يا ~~ويلنا } دعوا على أنفسهم بالويل { إنا كنا طاغين } أي في منعنا حق ~~الفقراء والمساكين وقيل معناه طغينا في نعم الله فلم نشكرها ولم نصنع ما ~~كان يصنع آباؤنا من قبل ثم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: { عسى ربنا أن ~~يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون... }. ### || [68.32-42] # { عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ms3193 ربنا راغبون } قال ابن مسعود ~~بلغني أن القوم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها ~~الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا قال الله تعالى: { كذلك العذاب ~~} أي كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا وخالف أمرنا يخوف بذلك كفار مكة ثم ~~قال تعالى: { ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } ثم أخبر بما أعد الله ~~للمتقين فقال تعالى: { إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم } أي عند ربهم في ~~الآخرة ولما نزلت هذه الآية قال المشركون إنا نعطي في الآخرة أفضل مما ~~تعطون فقال الله تعالى تكذيبا للمشركين { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } ~~يعني أن التسوية بين المسلم والمجرم غير جائزة فكيف يكون أفضل أو يعطى ~~أفضل منه ولما قال تعالى ذلك على سبيل الاستبعاد والإنكار قال لهم على ~~طريق الالتفات { ما لكم كيف تحكمون } يعني هذا الحكم المعوج { أم لكم ~~كتاب } أي نزل من عند الله { فيه } أي في ذلك الكتاب { تدرسون } أي ~~تقرؤون { إن لكم فيه } أي في ذلك الكتاب { لما تخيرون } أي تختارون ~~وتشتهون { أم لكم أيمان علينا بالغة } معناه ألكم عهود ومواثيق مؤكدة ~~عاهدناكم عليها فاستوثقتم بها منا { إلى يوم القيامة } أي لا تنقطع تلك ~~الأيمان والعهود إلى يوم القيامة { إن لكم } أي في ذلك العهد { لما ~~تحكمون } أي لأنفسكم من الخير والكرامة عند الله تعالى ثم قال الله تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم { سلهم أيهم بذلك زعيم } أي أيهم كفيل لهم بأن ~~لهم في الآخرة ما للمسلمين { أم لهم شركاء } أي بل لهم شركاء يعني ما ~~كانوا يجعلونه لله شريكا وإنما أضاف الشركاء إليهم لأنهم هم جعلوها ~~شركاء لله، وقيل معنى شركاء شهداء يشهدون بصدق ما ادعوه { فليأتوا ~~بشركائهم إن كانوا صادقين } أي في دعواهم { يوم يكشف } أي فليأتوا ~~بشركائهم في ذلك اليوم لتنفعهم وتشفع لهم { عن ساق } أي عن أمر فظيع شديد ~~قال ابن عباس هو أشد ساعة في القيامة تقول العرب للرجل إذا وقع في أمر ~~عظيم فظيع يحتاج فيه إلى الجد ومقاساة ms3194 الشدة شمر عن ساقك إذا قام في ذلك ~~الأمر ويقال إذا اشتد الأمر في الحرب كشفت الحرب عن ساق وسئل ابن عباس عن ~~هذه الآية فقال إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان ~~العرب أما سمعتم قول الشاعر: # سن لنا قومك ضرب الأعناق وقامت الحرب بنا على ساق # ثم قال ابن عباس هو يوم كرب وشدة وأنشد أهل اللغة أبياتا في هذا المعنى ~~فمنها ما أنشده أبو عبيدة لقيس بن زهير: # فإن شمرت لك عن ساقها فدنها ربيع ولا تسأم # ومنها قول جرير: # ألا رب ساهي الطرف من آل مازن إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا # وقد كثر مثل هذا في كلام العرب حتى صار كالمثل للأمر العظيم الشديد ق عن ~~أبي سعيد الخدري رضي الله عنه # " أن ناسا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قالوا يا محمد هل نرى ربنا ~~يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم هل تضارون في رؤية ~~الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ~~صحوا ليس فيها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال ما تضارون في رؤية الله ~~يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن ~~لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام ~~والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من ~~بر وفاجر وغير أهل الكتاب فيدعى اليهود فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا ~~كنا نعبد عزيرا ابن الله قال كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا ~~تبغون فيقولون عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى ~~النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار ثم تدعى النصارى ~~فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال لهم ~~كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فيقال لهم ماذا تبغون فيقولون ms3195 عطشنا ~~يا ربنا فاسقنا قيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم ~~بعضها بعضا فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من ~~بر وفاجر أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال فماذا ~~تنتظرون لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فيقولون يا ربنا فارقنا الناس في ~~الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله ~~منك لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب ~~فيقول هل بينكم وبينه آية لتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساق فلا ~~يبقى من كان يسجد من تلقاء نفسه إلا أذن له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد ~~نفاقا ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على ~~قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فقال ~~أنا ربكم فيقولون أنت ربنا ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون ~~اللهم سلم سلم، قيل يا رسول الله وما الجسر قال دحض مزلة فيه خطاطيف ~~وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف ~~العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش ~~مرسل ومكردس في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ~~ما من أحد منكم بأشد منا شدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم ~~القيام لإخوانهم الذين في النار فيقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ~~ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا ~~كثيرا وقد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، ثم يقولون ربنا ما بقي ~~فيها أحد ممن أمرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من ~~خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن ~~أمرتنا به فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير ~~فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ms3196 ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن ~~أمرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه ~~فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا، وكان أبو سعيد ~~يقول إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم: إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما فيقول الله عز وجل ~~شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين ~~فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما ~~فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج ~~الحبة في حميل السيل ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى ~~الشمس أصفر أو أخضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض قال فيخرجون ~~كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم تعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين ~~أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ثم يقول ادخلوا الجنة ~~فما رأيتموه فهو لكم فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين ~~فيقول لكم عندي أفضل من هذا فيقولون ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول ~~رضائي فلا أسخط عليكم أبدا " # لفظ مسلم والبخاري نحوه بمعناه. فصل في شرح ألفاظ الحديث وما يتعلق به ~~أما الرؤية وما يتعلق بها فسيأتي الكلام عليها في موضعها إن شاء الله ~~تعالى. قوله # " حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم رب العالمين ~~في أدنى صورة من التي رأوه فيها وفي رواية أبي هريرة فيأتيهم الله في ~~صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا ~~مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي ~~يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه " # قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله وغيره اعلم أن هذا الحديث من ~~أكبر أحاديث الصفات وأعظمها وللعلماء فيه وفي أمثاله قولان: أحدهما: وهو ~~قول ms3197 معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناها بل يقولون يجب علينا أن ~~نؤمن بها ونعتقد أن لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته مع اعتقادنا ~~الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء وأنه منزه عن التجسيم والانتقال ~~والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوقين وهذا القول هو مذهب جماعة من ~~المتكلمين واختاره جماعة من محققيهم وهو أسلم وقال الخطابي هذا الحديث ~~تهيب القول فيه شيوخنا فأجروه على ظاهر لفظه ولم يكشفوا عن باطن معناه ~~على نحو مذهبهم في التوقف عن تفسير كل ما لا يحيط العلم بكنهه من هذا ~~الباب. والقول الثاني: وهو مذهب معظم المتكلمين أنها تتأول على ما يليق ~~بها على حسب مواقعها وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله فعلى هذا المذهب ~~يقال في قوله صلى الله عليه وسلم فيأتيهم الله أن الإتيان عبارة عن ~~رؤيتهم إياه لأن العادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته بالإتيان فعبر ~~بالإتيان والمجيء هنا عن الرؤية مجازا وقيل الإتيان فعل من أفعال الله ~~تعالى سماه إتيانا وقيل المراد بيأتيهم الله يأتيهم بعض ملائكته قال ~~القاضي عياض وهذا الوجه أشبه عندي بالحديث قال ويكون هذا الملك هو الذي ~~جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات الحدوث الظاهرة على الملك والمخلوق ~~قال أو يكون معناه يأتيهم الله في صورة أي يصور ويظهر لهم من صور ملائكته ~~ومخلوقاته التي لا تشبه صفات الإله ليختبرهم وهذا آخر امتحان المؤمنين ~~فإذا قال لهم هذا الملك أو هذه الصورة أنا ربكم رأوا عليه علامة من ~~علامات المخلوقات مما ينكرونه ويعلمون بذلك أنه ليس ربهم فيستعيذون بالله ~~منه. وأما قوله صلى الله عليه وسلم فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون ~~فالمراد بالصورة هنا الصفة ومعناه فيتجلى الله تعالى لهم في الصفة التي ~~يعلمونها ويعرفونه بها وإنما عرفوه بصفته وإن لم تكن تقدمت لهم رؤية له ~~سبحانه وتعالى لأنهم على هذه الصفة يرونه شيئا من مخلوقاته وقد علموا ~~أنه لا يشبه شيئا من مخلوقاته فيعلمون ms3198 بذلك أنه ربهم فيقولون أنت ربنا ~~وإنما عبر عن الصفة بالصورة لمشابهتها إياها ولمجانسة الكلام فإنه تقدم ~~ذكر الصورة. وقوله في حديث أبي سعيد " أتاهم رب العالمين في أدنى صورة ~~من التي رأوه فيها " معنى رأوه فيها أي علموها وهي صفته المعلومة ~~للمؤمنين وهي أنه لا يشبهه شيء وقولهم " نعوذ بالله منك لا نشرك بالله " ~~إنما استعاذوا منه لما قدمناه من كونهم رأوا عليه سمات المخلوق. قوله " ~~فيكشف عن ساق وفي رواية للبخاري يكشف ربنا عن ساقه " ذكر هذه الرواية ~~البيهقي في كتاب الأسماء والصفات، قال أبو سليمان الخطابي فيحتمل أن يكون ~~معنى قوله فيكشف عن ساقه أي عن قدرته التي تكشف عن الشدة وضبط يكشف بفتح ~~الياء وضمها وقد تقدم تفسير كشف الساق وقيل المراد بالساق في هذا الحديث ~~نور عظيم. # وورد ذلك في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما روي عن أبي موسى ~~الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله يوم يكشف عن ~~ساق قال نور عظيم يخرون له سجدا تفرد به روح بن حبان مولى عمر بن عبد ~~العزيز وهو شامي يأتي بأحاديث منكرة لا يتابع عليها وموالي عمر بن عبد ~~العزيز كثيرون ففي إسناده مجهول أيضا وقال ابن فورك ومعنى ذلك ما يتجدد ~~للمؤمن عند رؤية الله تعالى من الفوائد والألطاف قال القاضي عياض وقيل قد ~~يكون الساق علامة بينه وبين المؤمنين من ظهور جماعة من الملائكة على خلقة ~~عظيمة وقد تكون ساقا مخلوقة جعلها الله تعالى علامة للمؤمنين خارجة عن ~~السوق المعتادة، قيل معناه كشف الحزن وإزالة للرعب عنهم وما كان غلب على ~~عقولهم من الأهوال فتطمئن حينئذ نفوسهم عند ذلك ويتجلى الله لهم فيخرون ~~سجدا قال الخطابي وهذه الرؤية في هذا المقام يوم القيامة غير الرؤية ~~التي هي في الجنة لكرامة أولياء الله وإنما هذه الرؤية امتحان الله ~~لعباده وقوله فلا يبقى من كان يسجد لله تعالى من تلقاء نفسه إلا أذن الله ~~له في السجود ms3199 ولا يبقى من كان يسجد نفاقا ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة ~~واحدة هذا السجود امتحان من الله تعالى لعباده ومعنى طبقة واحدة أي فقارة ~~واحدة كالصحيفة فلا يقدر على السجود وقوله ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في ~~صورته التي رأوه فيها أول مرة معناه ثم يرفعون رؤوسهم وقد أزال المانع ~~لهم من رؤيته وتجلى لهم فيقولون أنت ربنا وقوله ثم يضرب الجسر على جهنم ~~الجسر بفتح الجيم وكسرها لغتان وهو الصراط وتحل للشفاعة بكسر الحاء وقيل ~~بضمها من حل ومعناه وتقع الشفاعة ويؤذن فيها قوله دحض مزلة أي تزلق فيه ~~الأقدام ولا تثبت قوله فيه خطاطيف جمع خطاف وهو الذي يخطف الشيء وكلاليب ~~جمع كلوب وهو الحديدة التي يعلق بها اللحم والحسك الذي يقال له السعدان ~~نبت له شوك عظيم من كل جانب قوله فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكردس في نار ~~جهنم معناه أنهم ثلاثة أقسام قسم يسلم فلا يناله شيء أصلا وقسم يخدش ثم ~~يرسل فيخلص وقسم يكردس أي يلقى ويسقط في جهنم وفي هذا إثبات الصراط وهو ~~مذهب أهل السنة وأهل الحق وهو جسر يجعل على متن جهنم وهو أرق من الشعر ~~وأحد من السيف فيمر عليه الناس كلهم فالمؤمنون ينجون على حسب منازلهم ~~وأعمالهم والآخرون يسقطون في جهنم أعاذنا الله منها، ومعنى مناشدة ~~المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار شفاعتهم لهم وقوله فمن ~~وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير ومثقال نصف دينار من خير ومثقال ذرة ~~قال القاضي عياض قيل معنى الخير اليقين قال والصحيح أن معناه شيء زائد ~~على مجرد الإيمان لأن الإيمان الذي هو التصديق لا يتجزأ وإنما يكون هذا ~~الخير زائدا عليه من عمل صالح وذكر خفي وعمل من أعمال القلب من شفقة على ~~مسكين أو خوف من الله تعالى أو نية صادقة ومثقال الذرة مثل لأقل الخير ~~لأن ذلك أقل المقادير وقول المؤمنين لم نذر فيها خيرا أي صاحب خير وقوله ~~تعالى: # " شفعت الملائكة هو بفتح الفاء وشفع النبيون ms3200 وشفع المؤمنون ولم يبق إلا ~~أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط ~~" # هؤلاء الذين معهم مجرد الإيمان فقط ولم يعملوا خيرا قط وتفرد الله ~~تعالى بعلم ما تكنه القلوب فالرحمة لمن ليس عنده إلا مجرد الإيمان فقط ~~ومعنى قبض قبضة أي جمع جماعة. قوله قد عادوا حمما أي صاروا فحما ~~فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة جمع فوهة وهي أول النهر. قوله فيخرجون ~~كاللؤلؤ أي في الصفاء في رقابهم الخواتم قيل معناه أنه يعلق في رقابهم ~~أشياء من ذهب أو غير ذلك مما يعرفون بها والله أعلم. قوله تعالى: { ~~ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } السجود يعني الكفار والمنافقين تصير ~~أصلابهم كصياصي البقر أو كصفيحة نحاس فلا يستطيعون السجود. ### || [68.43] # { خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة } وذلك أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم من السجود ~~ووجوههم أشد بياضا من الثلج وقد علاها النور والبهاء وتسود وجوه الكفار ~~والمنافقين ويغشاهم ذل وخسران وندامة { وقد كانوا يدعون إلى السجود } ~~يعني في دار الدنيا كانوا يدعون إلى الصلاة المكتوبة بالأذان والإقامة ~~وذلك أنهم كانوا يسمعون حي على الصلاة حي على الفلاح فلا يجيبون { وهم ~~سالمون } يعني أنهم كانوا يدعون إلى الصلاة وهم أصحاء فلا يأتونها قال ~~كعب الأحبار والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعة. ### || [68.44-51] # قوله عز وجل: { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث } أي دعني والمكذبين بالقرآن ~~وخل بيني وبينهم ولا تشغل قلبك بهم وكلهم إلي فإني أكفيك إياهم { ~~سنستدرجهم } أي سنأخذهم بالعذاب { من حيث لا يعلمون } فعذبوا يوم بدر ~~بالقتل والأسر، وقيل في معنى الآية كلما أذنبوا ذنبا جددنا لهم نعمة ~~وأنسيناهم الاستغفار والتوبة. وهذا هو الاستدراج لأنهم يحسبونه تفضيلا ~~لهم على المؤمنين وهو في الحقيقة سبب إهلاكهم فعلى العبد المسلم إذا ~~تجددت عنده نعمة أن يقابلها بالشكر وإذا أذنب ذنبا أن يعاجله بالاستغفار ~~والتوبة. { وأملي لهم } أي أمهلهم وأطيل لهم المدة. وقيل معناه أمهلهم ~~إلى الموت فلا أعاجلهم بالعقوبة { إن كيدي متين } أي عذابي شديد ms3201 وقيل ~~الكيد ضرب من الاحتيال فيكون بمعنى الاستدراج المؤدي إلى العذاب { أم ~~تسألهم أجرا } أي على تبليغ الرسالة { فهم من مغرم مثقلون } المغرم ~~الغرامة والمعنى أتطلب منهم أجرا فيثقل عليهم حمل الغرامات في أموالهم ~~فيثبطهم ذلك عن الإيمان { أم عندهم الغيب فهم يكتبون } أي عندهم اللوح ~~المحفوظ فهم يكتبون منه ما يحكمون به وهو استفهام على سبيل الإنكار { ~~فاصبر لحكم ربك } أي اصبر على أذاهم لقضاء ربك قيل إنه منسوخ بآية السيف ~~{ ولا تكن } في الضجر والعجلة { كصاحب الحوت } يعني يونس بن متى { إذ ~~نادى } ربه أي في بطن الحوت { وهو مكظوم } أي مملوء غما { لولا أن ~~تداركه نعمة من ربه } أي حين رحمه وتاب عليه، { لنبذ بالعراء } أي لطرح ~~بالفضاء من بطن الحوت على الأرض { وهو مذموم } أي يذم ويلام بالذنب. وقيل ~~في معنى الآية لولا أن تداركته نعمة من ربه لبقي في بطن الحوت إلى يوم ~~القيامة ثم ينبذ بعراء القيامة أي بأرضها وفضائها فإن قلت هل يدل قوله ~~وهو مذموم على كونه كان فاعلا للذنب. قلت الجواب عنه من ثلاثة أوجه: ~~أحدها: أن كلمة لولا دلت على أنه لم يحصل منه ما يوجب الذم الثاني لعل ~~المراد منه ترك الأفضل فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين الثالث لعل هذه ~~الواقعة كانت قبل النبوة يدل عليه قوله تعالى: { فاجتباه ربه } والفاء ~~للتعقيب أي اصطفاه ورد عليه الوحي وشفعه في قومه { فجعله من الصالحين } ~~أي النبيين. قوله تعالى: { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم } ~~وذلك أن الكفار أرادوا أن يصيبوا النبي صلى الله عليه وسلم بالعين فنظرت ~~قريش إليه وقالوا ما رأينا مثله ولا مثل حججه، وقيل كانت العين في بني ~~أسد حتى أن كانت الناقة أو البقرة لتمر بأحدهم فيعاينها ثم يقول لجاريته ~~خذي المكتل والدراهم فائتينا بلحم من لحم هذه فما تبرح حتى تقع بالموت ~~فتنحر. وقيل كان رجل من العرب يمكث لا يأكل يومين أو ثلاثة ثم يرفع جانب ~~خبائه فتمر به الإبل فيقول لم أر كاليوم ms3202 إبلا ولا غنما أحسن من هذه فما ~~تذهب إلا قليلا حتى يسقط ما عناه فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالعين ويفعل به مثل ذلك فعصم الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم وأنزل وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم قال ابن ~~عباس: معناه ينفذونك وقيل يصيبونك بعيونهم كما يصيب العائن بعينه ما ~~يعجبه. # وقيل يصرعونك وقيل يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة وإنما أراد ~~أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء يكاد ~~يسقطك، ومنه قولهم نظر إلي نظرا يكاد يصرعني أو يكاد يهلكني يدل على صحة ~~هذا المعنى أنه قرن هذا النظر بسماع القرآن وهو قوله { لما سمعوا الذكر } ~~لأنهم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهة ويحدون النظر إليه بالبغضاء { ~~ويقولون إنه لمجنون } أي ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن قال ~~تعالى ردا عليهم. ### || [68.52] # { وما هو } يعني القرآن { إلا ذكر للعالمين } قال ابن عباس موعظة ~~للمؤمنين قال الحسن: دواء من أصابته العين أن تقرأ عليه هذه الآية ق، عن ~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " العين حق " # زاد البخاري " ونهى عن الوشم " م عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا " # وعن عبيد الله بن رفاعة الزرقي # " أن أسماء بنت عميس كانت تقول يا رسول الله إن ولد جعفر تسرع إليهم ~~العين أفأسترقي لهم؟ قال: نعم ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين " # أخرجه الترمذي قوله العين حق أخذ بظاهر هذا الحديث جماهير العلماء ~~وقالوا العين حق وأنكره طوائف من المبتدعة والدليل على فساد قولهم " أن ~~كل معنى ليس مخالفا في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا إفساد دليل فإنه ~~من مجوزات العقول فإذا أخبر الشارع بوقوعه وجب اعتقاده ولا يجوز تكذيبه ~~ومذهب أهل السنة أن العين إنما تفسد وتهلك عند مقابلة هذا الشخص الذي هو ms3203 ~~العائن لشخص آخر فتؤثر فيه بقدرة الله تعالى وفعله وقوله ولو كان شيء ~~سابق القدر لسبقته العين، فيه إثبات القدر وأنه حق والمعنى أن الأشياء ~~كلها بقدر الله ولا يقع شيء إلا على حسب ما قدر الله وسبق به علمه ولا ~~يقع شرر العين وغيره من الخير والشر إلا بقدرة الله وفيه صحة إثبات العين ~~وأنها قوية الضرر إذا وافقها القدر، والله أعلم. ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-3] # قوله عز وجل: { الحاقة } يعني القيامة سميت حاقة من الحق الثابت يعني ~~أنها ثابتة الوقوع لا ريب فيها. وقيل لأن فيها تحقيق الأمور فتعرف على ~~الحقيقة وفيها يحق الجزاء على الأعمال أي يجب. وقيل الحاقة النازلة التي ~~حقت فلا كاذبة لها. وقيل الحاقة هي التي تحق على القوم أي تقع بهم، { ما ~~الحاقة } استفهام ومعناه التفخيم لشأنها والتهويل لها والمعنى أي شيء هي ~~الحاقة { وما أدراك ما الحاقة } أي إنك لا تعلمها إذ لم تعاينها ولم تر ~~ما فيها من الأهوال على أنه من العظم والشدة أمر لا تبلغه دراية أحد ولا ~~فكره وكيف قدرت حالها فهي أعظم من ذلك. ### || [69.4-10] # { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } قال ابن عباس بالقيامة سميت قارعة لأنها ~~تقرع قلوب العباد بالمخافة. وقيل كذبت بالعذاب أي الذي أوعدهم نبيهم حتى ~~نزل بهم فقرع قلوبهم { فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية } أي طغيانهم وكفرهم. ~~وقيل الطاغية الصيحة الشديدة المجاوزة الحد في القوة. وقيل الطاغية ~~الفرقة التي عقروا الناقة فأهلك قوم ثمود بسببهم { وأما عاد فأهلكوا بريح ~~صرصر } أي شديدة الصوت في الهبوب لها صرصرة. وقيل هي الباردة من الصر ~~كأنها التي كرر فيها البرد وكثر فهي تحرق بشدة بردها { عاتية } أي عتت ~~على خزنتها فلم تطعهم ولم يكن لهم عليهم سبيل وجاوزت الحد والمقدار فلم ~~يعرفوا مقدار ما خرج منها. وقيل عتت على عاد فلم يقدروا على دفعها عنهم ~~بقوة ولا حيلة { سخرها عليهم } أي أرسلها وسلطها عليهم وفيه رد على من ~~قال إن سبب ذلك كان باتصال الكواكب فنفى هذا المذهب ms3204 بقوله سخرها عليهم ~~وبين الله تعالى أن ذلك بقضائه وقدره وبمشيئته لا باتصال الكواكب، { سبع ~~ليال وثمانية أيام } ذات برد ورياح شديدة. قال وهب هي الأيام التي سماها ~~العرب العجوز لأنها أيام ذات برد ورياح شديدة. وسميت عجوزا لأنها تأتي ~~في عجز الشتاء وقيل لأن عجوزا من قوم عاد دخلت سربها فاتبعتها الريح حتى ~~قتلتها { حسوما } أي متتابعة دائمة ليس فيها فتور، وذلك أن الريح ~~المهلكة تتابعت عليهم في هذه الأيام فلم يكن لها فتور ولا انقطاع حتى ~~أهلكتهم، وقيل حسوما شؤما وقيل لهذه الأيام حسوما لأنها تحسم الخير عن ~~أهلها والحسم القطع. والمعنى أنها حسمتهم بعذاب الاستئصال فلم تبق منهم ~~أحدا { فترى القوم فيها } أي في تلك الليالي والأيام { صرعى } أي هلكى ~~جمع صريع قد صرعهم الموت { كأنهم أعجاز نخل خاوية } أي ساقطة وقيل خالية ~~الأجواف شبههم بجذوع نخل ساقطة ليس لها رؤوس { فهل ترى لهم من باقية } أي ~~من نفس باقية، قيل إنهم لما أصبحوا موتى في اليوم الثامن كما وصفهم الله ~~تعالى بقوله { أعجاز نخل خاوية } حملتهم الريح فألقتهم في البحر فلم يبق ~~منهم أحد. قوله تعالى: { وجاء فرعون ومن قبله } قرىء بكسر القاف وفتح ~~الباء أي ومن معه من جنوده وأتباعه وقرىء بفتح القاف وسكون الباء أي ومن ~~قبله من الأمم الكافرة { المؤتفكات } يعني قرى قوم لوط يريد أهل ~~المؤتفكات، وقيل يريد الأمم الذين ائتفكوا بخطيئتهم وهو قوله { بالخاطئة ~~} أي بالخطيئة والمعصية وهو الشرك { فعصوا رسول ربهم } ، قيل يعني موسى ~~بن عمران وقيل لوطا والأولى أن يقال المراد بالرسول كلاهما لتقدم ذكر ~~الأمتين جميعا { فأخذهم أخذة رابية } يعني نامية وقال ابن عباس شديدة ~~وقيل زائدة على عذاب الأمم. ### || [69.11-17] # { إنا لما طغى الماء } أي عتا وجاوز حده حتى علا على كل شيء وارتفع فوقه ~~وذلك في زمن نوح عليه الصلاة والسلام وهو الطوفان { حملناكم في الجارية } ~~يعني حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم فصح خطاب الحاضرين في الجارية أي ~~السفينة التي تجري في الماء { لنجعلها } أي لنجعل ms3205 تلك الفعلة التي ~~فعلناها من إغراق قوم نوح ونجاة من حملنا معه، { لكم تذكرة } أي عبرة ~~وموعظة { وتعيها } أي تحفظها { أذن واعية } أي حافظة لما جاء من عند ~~الله. وقيل أذن سمعت وعقلت ما سمعت وقيل لتحفظها كل أذن فتكون عظة وعبرة ~~لمن يأتي بعد والمراد صاحب الإذن والمعنى ليعتبر ويعمل بالموعظة. قوله عز ~~وجل: { فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة } يعني النفخة الأولى { وحملت الأرض ~~والجبال } أي رفعت من أماكنها { فدكتا دكة واحدة } أي كسرتا وفتتتا حتى ~~صارتا هباء منبثا والضمير عائد إلى الأرض والجبال فعبر عنهما بلفظ ~~الاثنين { فيومئذ وقعت الواقعة } أي قامت القيامة { وانشقت السماء فهي ~~يومئذ واهية } أي ضعيفة لتشققها { والملك } يعني الملائكة { على أرجائها ~~} يعني نواحيها وأقطارها وهو الذي لم ينشق منها قال الضحاك تكون الملائكة ~~على حافتها حتى يأمرهم الرب فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها { ويحمل ~~عرش ربك فوقهم } أي فوق رؤوسهم يعني الحملة { يومئذ } أي يوم القيامة { ~~ثمانية } يعني ثمانية أملاك، وجاء في الحديث أنهم اليوم أربعة فإذا كان ~~يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فكانوا ثمانية على صورة الأوعال بين ~~أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء. الأوعال تيوس الجبل وروى السدي ~~عن أبي مالك قال إن الصخرة التي تحت الأرض السابعة ومنتهى علم الخلائق ~~على أرجائها يحملها أربعة من الملائكة لكل واحد منهم أربعة وجوه إنسان ~~ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر فهم قيام عليها قد أحاطوا بالسموات والأرض ~~ورؤوسهم تحت العرش، وعن عروة بن الزبير قال حملة العرش منهم من صورته على ~~صورة الإنسان ومنهم من صورته على صورة النسر ومنهم من صورته على صورة ~~الثور ومنهم من صورته على صورة الأسد. وعن ابن عباس قال صدق النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمية بن أبي الصلت في شيء من الشعر فقال: # رجل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى وليث يرصد # عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أذن لي أن أحدث عن ملك من ms3206 ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة ~~أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام " # أخرجه أبو داود بإسناد صحيح غريب # " عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال " كنت جالسا في البطحاء في عصابة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيهم إذ مرت سحابة فنظروا إليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل ~~تدرون ما اسم هذه قلنا نعم هذا السحاب قال والمزن قالوا والمزن قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والعنان قالوا والعنان ثم قال لهم رسول الله صلى ~~الله عليه هل تدرون كم بعد ما بين السماء والأرض؟ قالوا لا والله ما ندري ~~قال: فإن بعد ما بينهما إما قال واحدة وإما قال اثنتان وإما ثلاث وسبعون ~~سنة وبعد التي فوقها كذلك وكذلك حتى عدهن سبع سموات كذلك ثم فوق السماء ~~السابعة بحرا أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء وفوق ذلك ثمانية أوعال ~~بين أظلافهن وركبهن كما بين سماء إلى سماء ثم فوق ظهورهن العرش بين أسفله ~~وأعلاه مثل ما بين السماء إلى السماء والله عز وجل فوق ذلك " # أخرجه الترمذي وأبو داود زاد في رواية # " وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء " # ، عن ابن مسعود قال ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وما بين كل ~~سماء وسماء خمسمائة عام وفضاء كل سماء وأرض مسيرة خمسمائة عام وما بين ~~السماء السابعة والكرسي مسيرة خمسمائة عام وما بين الكرسي والماء مسيرة ~~خمسمائة عام والعرش على الماء والله على العرش لا يخفى عليه شيء من ~~أعمالكم ". أخرجه أبو سعيد الدارمي وابن خزيمة وغيرهما موقوفا على ابن ~~مسعود قال ابن خزيمة اختلاف خبر العباس وابن مسعود في قدر المسافة على ~~اخلاف سير الدواب. وعن ابن عباس قال: " لحملة العرش قرون ما بين أخمص ~~أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام ومن كعبه إلى ركبته مسيرة خمسمائة عام ~~ومن ترقوته إلى موضع القرط مسيرة خمسمائة عام ". وعن عبد الله بن ms3207 عمر قال ~~" الذين يحملون العرش ما بين موق أحدهم إلى مؤخر عينيه خمسمائة عام " وعن ~~شهر بن حوشب قال " حملة العرش ثمانية فأربعة منه يقولون سبحانك اللهم ~~وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة منهم يقولون سبحانك اللهم ~~وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك " وروي عن ابن عباس في قوله يومئذ ~~ثمانية قال ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله عز وجل: ### || [69.18-24] # { يومئذ تعرضون } أي على الله تعالى للحساب { لا تخفى منكم خافية } أي ~~فعلة خافية. والمعنى أنه تعالى عالم بأحوالكم لا يخفى عليه شيء منها وأن ~~عرضكم يوم القيامة عليه ففيه المبالغة والتهديد، وقيل معناه لا يخفى منكم ~~يوم القيامة ما كان مخفيا في الدنيا فإنه يظهر أحوال الخلائق فالمحسنون ~~يسرون بإحسانهم والمسيئون يحزنون بإساءتهم عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير وأما ~~العرضة الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله " # أخرجه الترمذي وقال ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي ~~هريرة وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~قوله تعالى: { فأما من أوتي } أي أعطي { كتابه بيمينه فيقول هاؤم } أي ~~تعالوا { اقرؤوا كتابيه } والمعنى له لما بلغ الغاية في السرور وعلم أنه ~~من الناجين بإعطاء كتابه بيمينه أحب أن يظهر ذلك لغيره حتى يفرحوا له، ~~وقيل يقول ذلك لأهله وأقربائه { إني ظننت } أي عملت وأيقنت وإنما أجرى ~~الظن مجرى العلم لأن الظن في الغالب يقوم مقام العلم في العادات والأحكام ~~{ أني ملاق حسابيه } أي في الآخرة والمعنى أني كنت في الدنيا أستيقن أني ~~أحاسب في الآخرة { فهو في عيشة راضية } أي في حالة من لعيش مرضية وذلك ~~بأنه لقي الثواب وأمن من العقاب { في جنة عالية } رفيعة { قطوفها دانية } ~~أي ثمارها قريبة لمن يتناولها ينالها قائما وقاعدا ومضطجعا يقطفونها ~~كيف ms3208 شاؤوا { كلوا } أي يقال لهم كلوا { واشربوا هنيئا بما أسلفتم } أي ~~بما قدمتم لآخرتكم من الأعمال الصالحة { في الأيام الخالية } أي الماضية ~~يريد أيام الدنيا. ### || [69.25-34] # { وأما من أوتي كتابه بشماله } ، قيل تلوى يده اليسرى خلف ظهره ثم يعطى ~~كتابه بها. وقيل تنزع يده اليسرى من صدره إلى خلف ظهره ثم يعطى كتابه بها ~~{ فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه } وذلك لما نظر في كتابه ورأى قبائح ~~أعماله مثبتة عليه تمنى أنه لم يؤت كتابه لما حصل له من الخجل والافتضاح ~~{ ولم أدر ما حسابيه } أي لم أدر أي شيء حسابي لأنه لا طائل ولا حاصل له ~~وإنما كله عليه لا له { يا ليتها كانت القاضية } تمنى أنه لم يبيعث ~~للحساب والمعنى يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت القاضية عن كل ما ~~بعدها والقاطعة للحياة أي ما أحيا بعدها قال قتادة تمنى الموت ولم يكن ~~شيء عنده أكره منه إليه أي من الموت في الدنيا لأنه رأى تلك الحالة أشنع ~~وأمر مما ذاقه من الموت { ما أغنى عني ماليه } أي لم يدفع عني يساري ~~ومالي من العذاب شيئا { هلك عني سلطانيه } أي ضلت عني حجتي التي كنت ~~أحتج بها في الدنيا وقيل ضلت عنه حجته حين شهدت عليه الجوارح بالشرك وقيل ~~معناه زال عني ملكي وقوتى وتسلطي على الناس وبقيت ذليلا حقيرا فقيرا { ~~خذوه } أي يقول الله تعالى لخزنة جهنم خذوه { فغلوه } أي أجمعوا يديه إلى ~~عنقه { ثم الجحيم صلوه } أي أدخلوه معظم النار لأنه كان يتعاظم في الدنيا ~~{ ثم في سلسلة } وهي حلق منتظمة كل حلقة منها في حلقة { ذرعها } أي ~~مقدارها والذرع التقدير بالذراع من اليد أو غيرها { سبعون ذراعا } قال ~~ابن عباس بذرع الملك. وقال نوفر البكالي سبعون ذراعا كل ذراع سبعون ~~باعا كل باع أبعد مما بينك وبين مكة وكان في رحبة الكوفة. وقال سفيان كل ~~ذراع سبعون ذراعا، وقال الحسن الله أعلم أي ذراع هو عن عبد الله بن عمرو ~~بن العاص رضي ms3209 الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لو أن رضاضة مثل هذه وأشار إلى مثل الجمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض ~~وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل ولو أنها أرسلت في رأس ~~السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ قعرها أو أصلها " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. الرضاض: الحصباء الصغار، وقوله مثل هذه ~~وأشار إلى مثل الجمجمة. الجمجمة قدح من خشب وجمعه جماجم والجمجمة الرأس ~~وهو أشرف الأعضاء وقال وهب لو جمع حديد الدنيا ما وزن حلقة منها وقوله ~~تعالى: { فاسلكوه } أي أدخلوه فيها قال ابن عباس تدخل في دبره وتخرج من ~~منخره. وقيل تدخل في فيه وتخرج من دبره { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم } ~~أي لا يصدق بوحدانية الله وعظمته، { ولا يحض على طعام المسكين } أي ولا ~~يحث نفسه على إطعام المسكين ولا يأمر أهله بذلك وفيه دليل على تعظيم ~~الجرم في حرمان المساكين لأن الله تعالى عطفه على الكفر وجعله قرينه. قال ~~الحسن في هذه الآية أدركت أقواما يعزمون على أهليهم أن لا يردوا سائلا ~~وعن بعضهم أنه كان يأمر أهله بكثير المرقة لأجل المساكين ويقول خلعنا نصف ~~السلسلة بالإيمان أفلا نخلع النصف الثاني بالإطعام. ### || [69.35-45] # { فليس له اليوم هاهنا حميم } أي ليس له في الآخرة قريب ينفعه أو يشفع ~~له { ولا طعام إلا من غسلين } يعني صديد أهل النار مأخوذ من الغسل كأنه ~~غسالة جروحهم وقروحهم وقيل هو شجر يأكله أهل النار { لا يأكله إلا ~~الخاطئون } أي الكافرون. قوله عز وجل: { فلا أقسم } قيل إن لا صلة ~~والمعنى أقسم. وقيل لا رد لكلام المشركين كأنه قال ليس الأمر كما يقول ~~المشركون ثم قال تعالى أقسم وقيل لا هنا نافية للقسم على معنى أنه لا ~~يحتاج إليه لوضوح الحق فيه كأنه قال لا أقسم على أن القرآن قول رسول كريم ~~فكأنه لوضوحه استغنى عن القسم. وقوله { بما تبصرون وما لا تبصرون } يعني ~~بما ترون وتشاهدون وبما لا ترون وما لا ms3210 تشاهدون أقسم بالأشياء كلها فيدخل ~~فيه جميع المكونات والموجودات، وقيل أقسم بالدنيا والآخرة. وقيل بما ~~تبصرون يعني على ظهر الأرض وما لا تبصرون أي ما في بطنها. وقيل بما ~~تبصرون يعني الأجسام وما لا تبصرون يعني الأرواح. وقيل بما تبصرون يعني ~~الإنس وما لا تبصرون يعني الملائكة والجن. وقيل بما تبصرون من النعم ~~الظاهرة وما لا تبصرون من النعم الباطنة. وقيل بما تبصرون هو ما أظهره ~~الله من مكنون غيبه لملائكته واللوح والقلم وجميع خلقه وما لا تبصرون هو ~~ما استأثر الله بنعمه فلم يطلع عليه أحدا من خلقه، ثم ذكر المقسم عليه ~~فقال تعالى { إنه } يعني للقرآن { لقول رسول كريم } يعني تلاوة رسول كريم ~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: الرسول هو جبريل عليه السلام فعلى هذا ~~يكون المعنى إنه لرسالة رسول كريم والقول الأول أصح لأنهم لم يصفوا جبريل ~~بالشعر والكهانة وإنما وصفوا بهما محمدا صلى الله عليه وسلم. فإن قلت قد ~~توجه هنا سؤال وهو أن جمهور الأمة وهم أهل السنة مجمعون على أن القرآن ~~كلام الله فكيف يصح إضافته إلى الرسول. قلت أما إضافته إلى الله تعالى ~~فلأنه هو المتكلم به وأما إضافته إلى الرسول فلأنه هو المبلغ عن الله ~~تعالى ما أوحي إليه ولهذا أكده بقوله { تنزيل من رب العالمين } ليزول هذا ~~الإشكال. قال ابن قتيبة لم يرد أنه قول الرسول وإنما أراد أنه قول الرسول ~~المبلغ عن الله تعالى. وفي الرسول ما يدل على ذلك فاكتفى به عن أن يقول ~~عن الله تعالى وقوله تعالى: { وما هو بقول شاعر } يعني أن هذا القرآن ليس ~~بقول رجل شاعر ولا هو من ضروب الشعر ولا تركيبه { قليلا ما تؤمنون } ~~أراد بالقليل عدم إيمانهم أصلا. والمعنى أنكم لا تصدقون بأن القرآن من ~~عند الله تعالى: { ولا بقول كاهن } أي وليس هو بقول رجل كاهن ولا هو من ~~جنس الكهانة { قليلا ما تذكرون } يعني لا تتذكرون البتة { تنزيل } أي هو ~~تنزيل يعني القرآن، { من رب العالمين } وذلك ms3211 أنه لما قال إنه لقول رسول ~~كريم أتبعه بقوله تنزيل من رب العالمين ليزول هذا الإشكال. # قوله تعالى: { ولو تقول علينا } أي اختلق علينا محمد { بعض الأقاويل } ~~يعني أتى بشيء من عند نفسه لم نقله نحن ولم نوجه إليه { لأخذنا منه ~~باليمين } أي لأخذناه بالقوة والقدرة وانتقمنا منه باليمين أي بالحق. قال ~~ابن عباس لأخذناه بالقوة والقدرة قال الشماخ يمدح عرابة ملك اليمن: # إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين # أي بالقوة فعبر عن القوة باليمين لأن قوة كل شيء في ميامنه. والمعنى ~~لأخذنا منه اليمين أي سلبناه القوة فعلى هذا المعنى الباء زائدة. وقيل ~~معنى الآية ذللناه وأهناه كفعل السلطان بمن يريد أن يهينه، يقول لبعض ~~أعوانه خذ بيده فأقمه. وإنما خص اليمين بالذكر لأنه أشرف العضوين. ### || [69.46-52] # { ثم لقطعنا منه الوتين } قال ابن عباس يعني نياط القلب، وقيل هو حبل ~~الظهر. وقيل هو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه. ~~وقيل هو عرق يتصل من القلب بالرأس، قال ابن قتيبة لم يرد أنا نقطعه بعينه ~~بل المراد منه أنه لو كذب علينا لأمتناه فكان كمن قطع وتينه والمعنى أنه ~~لو كذب علينا وتقول علينا قولا لم نقله لمنعناه من ذلك إما بواسطة إقامة ~~الحجة عليه بأن نقيض له من يعارضه ويظهر للناس كذبه فيكون ذلك إبطالا ~~لدعواه، وإما أن نسلب عنه قوة التكلم بذلك القول الكذب حتى لا يشتبه ~~الصادق بالكاذب، وإما أن نميته، { فما منكم من أحد عنه حاجزين } أي ~~مانعين يحجزوننا عن عقوبته والمعنى أن محمدا لا يتكلم الكذب علينا ~~لأجلكم مع علمه أنه لو تكلمه لعاقبناه ولا يقدر أحد على دفع عقوبتنا عنه ~~وإنما قال حاجزين بلفظ الجمع وهو وصف أحد ردا على معناه { وإنه } يعني ~~القرآن وذلك أنه لما وصفه بأنه تنزيل من رب العالمين بواسطة جبريل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بين ما هو فقال تعالى: { لتذكرة } أي لعظة { ~~للمتقين } أي لمن اتقى عقاب الله { وإنا لنعلم ms3212 أن منكم مكذبين } فيه وعيد ~~لمن كذب بالقرآن { وإنه } يعني القرآن { لحسرة على الكافرين } يعني يوم ~~القيامة والمعنى أنهم يندمون على ترك الإيمان به لما يرون من ثواب من آمن ~~به { وإنه لحق اليقين } معناه أنه حق معين لا بطلان فيه ويقين لا شك ولا ~~ريب فيه { فسبح باسم ربك العظيم } أي نزه ربك العظيم واشكره على أن جعلك ~~أهلا لإيحائه إليك، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1] # قوله عز وجل: { سأل سائل } قرىء بغير همزة وفيه وجهان الأول أنه لغة في ~~السؤال والثاني أنه من السيل. ومعناه اندفع عليهم واد بعذاب وقيل سال واد ~~من أودية جهنم. وقرىء سأل سائل بالهمز من السؤال { بعذاب } قيل الباء ~~بمعنى عن أي عذاب { واقع } أي نازل وكائن وعلى من ينزل ولمن ينزل ولمن ~~ذلك العذاب فقال الله تعالى مجيبا لذلك السؤال. ### || [70.2-4] # { للكافرين } وذلك أن أهل مكة لما خوفهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالعذاب قال بعضهم لبعض: من أهل هذا العذاب ولمن هو سلوا عنه محمدا ~~فسألوه فأنزل الله تعالى سأل سائل بعذاب واقع للكافرين أي هو للكافرين. ~~والباء صلة ومعنى الآية دعا داع وطلب طالب عذابا واقعا للكافرين. وهذا ~~السائل هو النضر بن الحارث حيث دعا على نفسه وسأل العذاب فقال # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: 32] الآية فنزل به ما سأل فقتل يوم بدر صبرا وهذا قول ابن ~~عباس، { ليس له دافع } أي أن العذاب واقع بهم لا محالة سواء طلبوه أو لم ~~يطلبوه إما في الدنيا بالقتل وإما في الآخرة، لأن العذاب واقع بهم في ~~الآخرة لا يدفعه دافع { من الله } أي بعذاب من الله، والمعنى ليس لذلك ~~العذاب الصادر من الله للكافرين دافع يدفعه عنهم { ذي المعارج } قال ابن ~~عباس ذي السموات سماها معارج لأن الملائكة تعرج فيها. وقيل ذي الدرجات ~~وهي المصاعد التي تعرج الملائكة فيها. وقيل ذي الفواضل والنعم وذلك لأن ~~أفضاله وأنعامه مراتب وهي تصل إلى الخلق على مراتب ms3213 مختلفة، { تعرج ~~الملائكة والروح } يعني جبريل عليه الصلاة والسلام وإنما أفرده بالذكر ~~وإن كان من جملة الملائكة لشرفه وفضل منزلته. وقيل إن الله تعالى إذا ذكر ~~الملائكة في معرض التخويف والتهويل أفرد الروح بالذكر وهذا يقتضي أن ~~الروح أعظم الملائكة { إليه } أي إلى الله عز وجل { في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة } أي من سني الدنيا. والمعنى أنه لو صعد غير الملك من بني ~~آدم من منتهى أمر الله تعالى من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمر الله ~~تعالى من فوق السماء السابعة لما صعد في أقل من خمسين ألف سنة والملك ~~يقطع ذلك كله في ساعة واحدة وأقل من ذلك وذكر أن مقدار ما بين الأرض ~~السابعة السفلى إلى منتهى العرش مسافة خمسين ألف سنة. وقيل إن ذلك اليوم ~~هو يوم القيامة قال الحسن هو يوم القيامة وأراد أن موقفهم للحساب حتى ~~يفصل بين الناس في مقدار خمسين ألف سنة من سني الدنيا وليس يعني أن مقدار ~~طول ذلك اليوم خمسون ألف سنة دون غيره من الأيام لأن يوم القيامة له أول ~~وليس له آخر لأنه يوم ممدود لا آخر له. ولو كان له آخر لكان منقطعا وهذا ~~الطول في حق الكفار دون المؤمنين. قال ابن عباس يوم القيامة يكون على ~~الكافرين مقدار خمسين ألف سنة. وروى البغوي بسنده عن أبي سعيد الخدري قال # " قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ~~فما أطول هذا اليوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي ~~بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة يصليها في ~~الدنيا " # وقال ابن عباس معناه لو ولي محاسبة العباد في ذلك اليوم غير الله لم ~~يفرغ منه في خمسين ألف سنة. وقال عطاء ويفرغ الله تعالى منها في مقدار ~~نصف يوم من أيام الدنيا. وقال الكلبي يقول الله تعالى لو وليت حساب ذلك ~~اليوم الملائكة والجن والإنس وطوقتهم محاسبتهم لم يفرغوا منه في ms3214 خمسين ~~ألف سنة وأنا أفرغ منه في ساعة من نهار. وقال يمان هو يوم القيامة فيه ~~خمسون موطنا كل موطن ألف سنة فعلى هذا يكون المعنى ليس له دافع من الله ~~في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. وقيل معناه سأل سائل بعذاب واقع في يوم ~~كان مقداره خمسين ألف سنة وفيه تقديم وتأخير. ### || [70.5-14] # { فاصبر } أي يا محمد على تكذيبهم إياك { صبرا جميلا } أي لا جزع فيه ~~وهذا قبل أن يؤمر بالقتال ثم نسخ بآية السيف، { إنهم يرونه } أي العذاب { ~~بعيدا } أي غير كائن { ونراه قريبا } أي كائنا لا محالة لأن كل ما هو ~~آت قريب، وقيل الضمير في يرونه بعيدا يعود إلى يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة والمعنى أنهم يستبعدونه على جهة الانكسار والإحالة ونحن نراه قريبا ~~في قدرتنا غير بعيد علينا فلا يتعذر علينا إمكانه { يوم تكون السماء ~~كالمهل } أي كعكر الزيت وقال الحسن كالفضة المذابة { وتكون الجبال كالعهن ~~} أي الصوف المصبوغ. وإنما شبه الجبال بالمصبوغ من الصوف لأنها ذات ألوان ~~أحمر وأبيض وغرابيب سود ونحو ذلك فإذا بست الجبال وسيرت أشبهت العهن ~~المنفوش إذا طيرته الريح. وقيل العهن الصوف الأحمر وهو أضعف الصوف وأول ~~ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا ثم عهنا منفوشا ثم تصير هباء ~~منثورا { ولا يسأل حميم حميما } أي لا يسأل قريب قريبه لشغله بشأن نفسه ~~والمعنى لا يسأل الحميم حميمه كيف حالك ولا يكلمه لهول ذلك اليوم وشدته. ~~وقيل لا يسأله الشفاعة ولا يسأله الإحسان إليه ولا الرفق به كما كان ~~يسأله في الدنيا وذلك لشدة الأمر وهول يوم القيامة { يبصرونهم } أي ~~يرونهم وليس في القيامة مخلوق من جن أو إنس إلا وهو نصف عين صاحبه فيبصر ~~الرجل أباه وأخاه وقرابته فلا يسألهم ويبصر حميمه فلا يكلمه لاشتغاله ~~بنفسه. وقال ابن عباس يتعارفون ساعة من النهار ثم لا يتعارفون بعد ذلك، ~~وقيل يعرف الحميم حميمه ومع ذلك لا يسأله عن حاله لشغله بنفسه. وقيل ~~يبصرونهم أي يعرفونهم أما المؤمن فيعرف ببياض ms3215 وجهه وأما الكافر فيعرف ~~بسواد وجهه { يود المجرم } أي يتمنى المشرك { لو يفتدي من عذاب يومئذ } ~~أي عذاب يوم القيامة { ببنيه وصاحبته } أي زوجته { وأخيه وفصيلته } أي ~~عشيرته وقيل قبيلته وقيل أقربائه الأقربين { التي تؤويه } أي تضمه ويأوي ~~إليها { ومن في الأرض جميعا } يعني أنه يتمنى لو ملك هؤلاء وكانوا تحت ~~يده ثم إنه يفتدي بهم جميعا { ثم ينجيه } أي ذلك الفداء من عذاب الله. ### || [70.15-23] # { كلا } أي لا ينجيه من عذاب الله شيء ثم ابتدأ فقال تعالى { إنها لظى } ~~يعني النار ولظى اسم من أسمائها وقيل: الدركة الثانية من النار سميت لظى ~~لأنها تتلظى أي تلتهب، { نزاعة للشوى } يعني الأطراف كاليدين والرجلين ~~مما ليس بمقتل. والمعنى أن النار تنزع الأطراف فلا تترك عليها لحما ولا ~~جلدا. وقال ابن عباس: تنزع العصب والعقب وقيل تنزع اللحم دون العظام ~~وقيل تأكل الدماغ كله ثم يعود كما كان ثم تأكله فذلك دأبها. وقيل لمكارم ~~خلقه ومحاسن وجهه وأطرافه، { تدعوا } يعني النار إلى نفسها { من أدبر } ~~أي عن الإيمان { وتولى } أي عن الحق فتقول له إلي يا مشرك إلي يا منافق ~~إلي إلي. قال ابن عباس تدعو الكافر والمنافق بأسمائهم بلسان فصيح ثم ~~تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب. وقيل تدعو أي تعذب قال أعرابي لآخر دعاك ~~الله أي عذبك الله { وجمع فأوعى } يعني وتدعو من جمع المال في الوعاء ولم ~~يؤد حق الله منه، { إن الإنسان خلق هلوعا } قال ابن عباس الهلوع الحريص ~~على ما لا يحل. وقيل شحيحا بخيلا. وقيل ضجورا وقيل جزوعا، وقيل ضيق ~~القلب والهلع شدة الحرص وقلة الصبر وقال ابن عباس تفسيره ما بعده وهو ~~قوله تعالى: { إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا } يعني إذا ~~أصابه الفقر لم يصبر وإذا أصابه المال لم ينفق. وقال ابن كيسان خلق الله ~~الإنسان يحب ما يسره ويهرب مما يكره ثم تعبده بإنفاق ما يحب والصبر على ~~ما يكره. قيل أراد بالإنسان هنا الكافر وقيل هو على عمومه ثم استثنى الله ms3216 ~~عز وجل فقال تعالى: { إلا المصلين } وهذا استثناء الجمع من الواحد لأن ~~الإنسان واحد وفيه معنى الجمع { الذين هم على صلاتهم دائمون } يعني ~~يقيموها في أوقاتها وهي الفرائض. فإن قلت كيف قال على صلاتهم دائمون ثم ~~قال بعده على صلاتهم يحافظون؟ قلت معنى إدامتهم عليها أن يواظبوا على ~~أدائها، وأن لا يتركوها في شيء من الأوقات وأن لا يشتغلوا عنها بغيرها ~~إذا دخل وقتها، والمحافظة عليها ترجع إلى الاهتمام بحالها وهو أن يأتي ~~بها العبد على أكمل الوجوه. وهذا إنما يحصل بأمور ثلاثة منها ما هو سابق ~~للصلاة كاشتغاله بالوضوء وستر العورة وإرصاد المكان الطاهر للصلاة، وقصد ~~الجماعة وتعلق القلب بدخول وقتها وتفريغه عن الوسواس والالتفات إلى ما ~~سوى الله عز وجل. وأما الأمور المقارنة للصلاة فهي أن لا يلتفت في الصلاة ~~يمينا ولا شمالا وأن يكون حاضر القلب في جميعها بالخشوع والخوف وإتمام ~~ركوعها وسجودها. وأما الأمور الخارجة عن الصلاة فهو أن يحترز عن الرياء ~~والسمعة خوف أن لا تقبل منه مع الابتهال والتضرع إلى الله تعالى في سؤال ~~قبولها وطلب الثواب فالمداومة على الصلاة ترجع إلى نفسها والمحافظة عليها ~~ترجع إلى أحوالها وهيئاتها. وروى البغوي بسنده عن أبي الخير قال سألنا ~~عقبة بن عامر عن قوله عز وجل الذين هم على صلاتهم دائمون أهم الذين يصلون ~~أبدا؟ قال لا ولكنه إذا صلى لم يلتفت عن يمينه ولا عن شماله ولا خلفه. ### || [70.24-39] # { والذين في أموالهم حق معلوم } يعني الزكاة المفروضة لأنها مقدرة ~~معلومة. وقيل هي صدقة التطوع وذلك بأن يوظف الرجل على نفسه شيئا من ~~الصدقة يخرجه على سبيل الندب في أوقات معلومة { للسائل } يعني الذي يسأل ~~{ والمحروم } يعني الفقير المتعفف عن السؤال فيحسب غنيا فيحرم { والذين ~~يصدقون بيوم الدين } أي يؤمنون بالبعث بعد الموت والحشر والنشر والجزاء ~~يوم القيامة { والذين هم من عذاب ربهم مشفقون } أي خائفون ثم أكد ذلك ~~الخوف فقال تعالى: { إن عذاب ربهم غير مأمون } يعني أن الإنسان لا يمكنه ~~القطع بأنه أدى الواجبات ms3217 كما ينبغي ولا اجتنب المحظورات بالكلية كما ~~ينبغي بل قد يكون وقع منه تقصير من الجانبين فلا جرم ينبغي أن يكون بين ~~الخوف والرجاء. قوله تعالى: { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } تقدم تفسيره في سورة ~~المؤمنين. قوله تعالى: { والذين هم بشهاداتهم قائمون } أي يقومون فيها ~~عند الحكام ولا يكتمونها ولا يغيرونها وهذه الشهادة من جملة الأمانات إلا ~~أنه خصها بالذكر لفضلها لأن بها تحيا الحقوق وتظهر وفي تركها تموت وتضيع، ~~وقيل أراد بالشهادة الشهادة له بأن لا إله إلا الله واحد لا شريك له ~~ولهذا عطف عليها { والذين هم على صلواتهم يحافظون } ثم ذكر ما أعده لهم ~~فقال تعالى: { أولئك } يعني من هذه صفته { في جنات مكرمون } قوله تعالى: ~~{ فمال الذين كفروا } أي فما بالهم { قبلك مهطعين } أي مسرعين مقبلين ~~إليك مادي أعناقهم ومديمي النظر إليك متطلعين نحوك، نزلت في جماعة من ~~الكفار كانوا يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم يسمعون كلامه ~~ويستهزئون به ويكذبونه فقال الله تعالى ما لهم ينظرون إليك ويجلسون عندك ~~وهم لا ينتفعون بما يسمعون منك { عن اليمين وعن الشمال عزين } يعني أنهم ~~كانوا عن يمينه وعن شماله مجتمعين حلقا وفرقا، والعزون جماعات في تفرقة ~~{ أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم } قال ابن عباس: معناه أيطمع كل ~~رجل منهم أن يدخل جنتي نعيم كما يدخلها المسلمون ويتنعمون فيها وقد كذبوا ~~نبيي، { كلا } أي لا يدخلها ثم ابتدأ فقال تعالى { إنا خلقناهم مما ~~يعلمون } أي من الأشياء المستقذرة من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة نبه ~~الله على أنهم خلقوا من أصل واحد وشيء واحد وإنما يتفاضلون بالمعرفة ~~ويستوجبون الجنة بالإيمان والطاعة. روى البغوي بإسناد الثعلبي عن بشر بن ~~جحاش قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وبصق يوما في كفه ووضع ~~عليها أصبعه فقال # " يقول الله عز وجل يا ابن ms3218 آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا ~~سويتك وعدلتك ومشيت بين بردين والأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت ~~التراقي قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة " # ، وأخرجه ابن الجوزي في تفسيره بلا إسناد. وقيل في معنى الآية إنا ~~خلقناهم من أجل ما يعلمون وهو الأمر والنهي والثواب والعقاب. وقيل معناه ~~إنا خلقناهم ممن يعلمون ويعقلون ولم نخلقهم كالبهائم بلا علم ولا عقل. ### || [70.40-44] # { فلا أقسم } يعني وأقسم وقد تقدم بيانه { برب المشارق والمغارب } يعني ~~مشرق كل يوم من السنة ومغربه. وقيل يعني مشرق كل نجم ومغربه { إنا ~~لقادرون على أن نبدل خيرا منهم } معناه إنا لقادرون على إهلاكهم وعلى أن ~~نخلق أمثل منهم وأطوع لله { وما نحن بمسبوقين } أي بمغلوبين عاجزين عن ~~إهلاككم وإبدالكم بمن هو خير منكم { فذرهم يخوضوا } أي في أباطيلهم { ~~ويلعبوا } في دنياهم { حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون } نسختها آية القتال ~~ثم فسر ذلك فقال تعالى: { يوم يخرجون من الأجداث } يعني القبور { سراعا ~~} أي إلى إجابة الداعي { كأنهم إلى نصب } يعني إلى شيء منصوب كالعلم ~~والراية ونحوه. وقرىء بضم النون والصاد وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها ~~{ يوفضون } أي يسرعون ومعنى الآية أنهم يخرجون من الأجداث يسرعون إلى ~~الداعي مستبقين إليه كما كانوا يستبقون إلى نصبهم ليستلموها { خاشعة ~~أبصارهم } أي ذليلة خاضعة { ترهقهم ذلة } أي يغشاهم هوان { ذلك اليوم ~~الذي كانوا يوعدون } يعني يوم القيامة الذي كانوا يوعدون به في الدنيا، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-8] # قوله عز وجل: { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك } أي بأن خوف ~~قومك وحذرهم { من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } يعني الغرق بالطوفان والمعنى ~~إنا أرسلناه لينذرهم بالعذاب إن لم يؤمنوا { قال يا قوم إني لكم نذير ~~مبين } أي أنذركم وأبين لكم { أن اعبدوا الله } أي وحدوه ولا تشركوا به ~~شيئا { واتقوه } أي وخافوه بأن تحفظوا أنفسكم مما يؤثمكم { وأطيعون } أي ~~فيما آمركم به من عبادة الله وتقواه { يغفر لكم من ذنوبكم } أي يغفر ms3219 لكم ~~ذنوبكم. ومن صلة وقيل يغفر لكم ما سلف من ذنوبكم إلى وقت الإيمان وذلك ~~بعض الذنوب { ويؤخركم إلى أجل مسمى } أي إلى منتهى آجالكم فلا يعاقبكم { ~~إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } ، معناه يقول آمنوا قبل ~~الموت تسلموا من العذاب فإن أجل الله وهو الموت إذا جاء لا يؤخر، قال ~~الزمخشري إن قلت كيف قال ويؤخركم مع الإخبار بامتناع تأخير الأجل وهل هذا ~~إلى تناقض قلت قضى مثلا أن قوم نوح إن آمنوا عمرهم ألف سنة وإن بقوا على ~~كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة سنة فقيل لهم آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى أي ~~إلى وقت سماه الله وضربه أمدا تنتهون إليه لا تتجاوزونه وهو الوقت ~~الأطول تمام الألف. ثم أخبر أنه إذا جاء ذلك الأجل لا يؤخر كما يؤخر هذا ~~الوقت ولم تكن حيلة فبادروا في أوقات الإمهال والتأخير عنكم وحيث يمكنكم ~~الإيمان، { قال } يعني نوحا عليه الصلاة والسلام { رب إني دعوت قومي ~~ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } أي نفارا وإدبارا عن ~~الإيمان { وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم } أي ليؤمنوا بك فتغفر لهم { جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم } لئلا يسمعوا دعوتي { واستغشوا ثيابهم } أي غطوا ~~وجوههم بثيابهم لئلا يرون { وأصروا } على كفرهم { واستكبروا } عن الإيمان ~~بك { استكبارا } أي تكبرا عظيما { ثم إني دعوتهم جهارا } أي معلنا ~~قال ابن عباس: بأعلى صوتي. ### || [71.9-17] # { ثم إني أعلنت لهم } أي كررت لهم الدعاء معلنا { وأسررت لهم إسرارا } ~~قال ابن عباس يريد الرجل بعد الرجل أكلمه سرا بيني وبينه أدعوه إلى ~~عبادتك وتوحيدك { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم ~~مدرارا } وذلك أن قوم نوح لما كذبوه زمانا طويلا حبس الله عنهم المطر ~~وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة فهلكت أموالهم ومواشيهم فقال لهم استغفروا ~~ربكم أي من الشرك واطلبوا المغفرة بالتوحيد حتى يفتح عليكم أبواب نعمه ~~وذلك لأن الاشتغال بالطاعة يكون سببا لاتساع الخير والرزق. وأن الكفر ~~سبب لهلاك الدنيا فإذا اشتغلوا بالإيمان والطاعة حصل ما ms3220 يحتاجون إليه في ~~الدنيا. وروى الشعبي أن عمر بن الخطاب خرج يستسقي بالناس فلم يزد على ~~الاستغفار حتى يرجع فقيل له ما سمعناك استسقيت فقال طلبت الغيث بمجاديح ~~السماء التي يستنزل بها القطر ثم قرأ { استغفروا ربكم إنه كان غفارا } ~~الآية قوله بمجاديح السماء واحدها مجدح وهو نجم من النجوم. وقيل هو ~~الدبران وقيل هي ثلاثة كواكب كالأثافي تشبيها بالمجدح الذي له شعب وهي ~~عند العرب من الأنواء الدالة على المطر فجعل عمر الاستغفار مشبها ~~بالأنواء مخاطبة لهم بما يعرفون وكانوا يزعمون أن من شأنها المطر لا أنه ~~يقول بالأنواء. وعن بكر بن عبد الله أن أكثر الناس ذنوبا أقلهم ~~استغفارا وأكثرهم استغفارا أقلهم ذنوبا. وعن الحسن أن رجلا شكا إليه ~~الجدب فقال له استغفر الله وشكا آخر إليه الفقر وقلة النسل وآخر قلة ريع ~~أرضه فأمرهم كلهم بالاستغفار فقال له الربيع بن صبيح أتاك رجال يشكون ~~أنواعا فأمرتهم كلهم بالاستغفار؟ فتلا هذه الآية وقوله يرسل السماء ~~عليكم أي يرسل ماء السماء وذلك لأن ماء المطر ينزل من السماء إلى السحاب ~~ثم ينزل من السحاب إلى الأرض. وقيل أراد بالسماء السحاب، وقيل أراد ~~بالسماء المطر من قول الشاعر # إذا نزل السماء بأرض قوم فحلوا حيثما نزل السماء # يعني المطر مدرارا أي كثير الدر وهو حلب الشاة حالا بعد حال. وقيل ~~مدرارا أي متتابعا { ويمددكم بأموال وبنين } أي يكثر أموالكم وأولادكم ~~{ ويجعل لكم جنات } أي البساتين { ويجعل لكم أنهارا } وهذا كله مما يميل ~~طبع البشرية إليه { ما لكم لا ترجون لله وقارا } قال ابن عباس أي لا ~~ترون لله عظمة. وقيل معناه لا تخافون عظمته فالرجاء بمعنى الخوف، والوقار ~~العظمة من التوقير وهو التعظيم. وقيل التعظيم وقيل معناه ما لكم لا ~~تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة وقيل معناه ما لكم لا ترجون في عبادة ~~الله أن يثيبكم على توقيركم إياه خيرا { وقد خلقكم أطوارا } يعني تارة ~~بعد تارة وحالا بعد حال نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى تمام الخلق. ms3221 # وقيل معناه خلقكم أصنافا مختلفين لا يشبه بعضكم بعضا وهذا مما يدل على ~~وحدانية الله وسعة قدرته { ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا } أي ~~بعضها فوق بعض. { وجعل القمر فيهن نورا } يعني في سماء الدنيا وقوله ~~فيهن هو كما يقال أتيت بني تميم وإنما أتى رجلا منهم { وجعل الشمس ~~سراجا } يعني مصباحا مضيئة. قال عبد الله بن عمرو إن الشمس والقمر ~~وجوههما إلى السموات وضوء الشمس والقمر فيهن جميعا وأقفيتهما إلى الأرض ~~ويروى هذا عن ابن عباس أيضا، { والله أنبتكم من الأرض نباتا } أراد ~~مبدأ خلق آدم وأصل خلقه من الأرض والناس كلهم من ولده وقوله نباتا اسم ~~جعل في موضع المصدر أي إنباتا. وقيل تقديره أنبتكم فنبتم نباتا وفيه ~~دقيقة لطيفة وهي أنه لو قال أنبتكم إنباتا كان المعنى أنبتكم إنباتا ~~عجيبا غريبا ولما قال أنبتكم نباتا كان المعنى أنبتكم نباتا عجيبا ~~وهذا الثاني أولى لأن الانبات صفة الله تعالى وصفة الله تعالى غير محسوسة ~~لنا فلا يعرف أن ذلك الإنبات إنبات عجيب كامل إلا بواسطة إخبار الله ~~تعالى وهذا المقام مقام الاستدلال على كمال قدرة الله تعالى فكان هذا ~~موافقا لهذا المقام فظهر بهذا أن العدول عن تلك الحقيقة إلى هذا المجاز ~~كان لهذا السر اللطيف. ### || [71.18-23] # { ثم يعيدكم فيها } أي في الأرض بعد الموت { ويخرجكم } أي منها يوم ~~البعث { إخراجا } يعني إخراجا حقا لا محالة { والله جعل لكم الأرض ~~بساطا } أي فرشها لكم مبسوطة تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه { ~~لتسلكوا منها سبلا فجاجا } أي طرقا واسعة. قوله تعالى: { قال نوح رب ~~إنهم عصوني } أي لم يجيبوا دعوتي { واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا ~~خسارا } يعني اتبع السفلة والفقراء القادة والرؤساء الذين لم تزدهم كثرة ~~المال والولد إلا ضلالا في الدنيا وعقوبة في الآخرة { ومكروا مكرا ~~كبارا } يعني كبيرا عظيما يقال كبيرا وكبارا بالتشديد والتخفيف ~~والتشديد أشد وأعظم في المبالغة والماكرون هم الرؤساء والقادة ومكرهم ~~احتيالهم في الدين وكيدهم لنوح عليه الصلاة والسلام ms3222 وتحريش السفلة على ~~أذاه وصد الناس عن الإيمان به والميل إليه والاستماع منه. وقيل مكرهم هو ~~قولهم لا تذرن آلهتكم وتعبدوا إله نوح، وقال ابن عباس في مكرهم قالوا ~~قولا عظيما. وقيل افتروا على الله الكذب وكذبوا رسله { وقالوا } يعني ~~القادة للأتباع { لا تذرن آلهتكم } أي لا تتركن عبادتها { ولا تذرن ودا ~~ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا } هذه أسماء آلهتهم وإنما أفرد بالذكر ~~وإن كانت داخلة في جملة قوله لا تذرن آلهتكم لأنهم كانت لهم أصنام هذه ~~الخمسة المذكورة هي أعظمها عندهم. قال محمد بن كعب هذه أسماء قوم صالحين ~~كانوا بين آدم ونوح فلما ماتوا كان أتباعهم يقتدون بهم ويأخذون بعدهم ~~بأخذهم في العبادة فجاءهم إبليس وقال لهم: لو صورتم صورهم كان ذلك أنشط ~~لكم وأشوق إلى العبادة ففعلوا ذلك ثم نشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس إن ~~الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم. فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك وسميت ~~تلك الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صورة أولئك القوم الصالحين من ~~المسلمين، خ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صارت الأوثان التي كانت ~~تعبد قوم نوح في العرب بعد. أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل وأما سواع ~~فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم صارت لبني غطيف بالجرف عند سبأ، ~~وأما يعوق فكانت لهمدان وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع. وروى سفيان ~~عن موسى عن محمد بن قيس في قوله ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا، قال كانت أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان ~~إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها ~~بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى هلك أولئك ونسخ العلم فعبدت الأوثان، وروي ~~عن ابن عباس أن تلك الأوثان دفنها الطوفان وطمها التراب فلم تزل مدفونة ~~حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب، وكانت للعرب أصنام أخر فاللات كانت ~~لثقيف والعزى لسليم وغطفان وجشم، ومناة كانت لخزاعة بقديد وإساف ونائلة ~~وهبل كانت لأهل مكة. ولذلك ms3223 سمت العرب أنفسهم بعبد ود وعبد يغوث وعبد ~~العزى ونحو ذلك من الأسماء. ### || [71.24-28] # { وقد أضلوا كثيرا } أي ضل بسبب الأصنام كثير من الناس. وقيل أضل كبراء ~~قوم نوح كثيرا من الناس { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } يعني ولا تزد ~~المشركين بعبادتهم الأصنام إلا ضلالا وهذا دعاء عليهم وذلك أن نوحا ~~عليه السلام كان قد امتلأ قلبه غضبا وغيظا عليهم فدعا عليهم. فإن قلت ~~كيف يليق بمنصب النبوة أن يدعو بمزيد الضلال وإنما بعث ليصرفهم عنه. قلت ~~إنما دعا عليهم بعد أن أعلمه الله أنهم لا يؤمنون وهو قوله تعالى: # إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36] وقيل إنما أراد بالضلال في أمر الدنيا وما يتعلق بها لا في ~~أمر الآخرة { مما خطيئاتهم أغرقوا } أي بالطوفان { فأدخلوا نارا } أي في ~~حالة واحدة وذلك في الدنيا كانوا يغرقون من جانب ويحترقون من جانب. ~~واستدل بعضهم بهذه الآية على صحة عذاب القبر وذلك لأن الفاء تقتضي ~~التعقيب في قوله تعالى أغرقوا فأدخلوا نارا، وهذا يدل على أنه إنما حصل ~~دخول النار عقيب الإغراق ولا يمكن حمله على عذاب الآخرة لأنه يبطل دلالة ~~الفاء، وقيل معناه أنهم سيدخلون نارا في الآخرة فعبر عن المستقبل بلفظ ~~الماضي لصدق الوعد في ذلك والأول أصح { فلم يجدوا لهم من دون الله ~~أنصارا } يعني تنصرهم وتمنعهم من العذاب الذي نزل بهم { وقال نوح رب لا ~~تذر على الأرض من الكافرين ديارا } يعني أحد يدور في الأرض فيذهب ويجيء ~~من الدوران. وقيل أصله من الدار أي نازل دار { إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ~~} قال ابن عباس وغيره كان الرجل ينطلق بابنه إلى نوح فيقول له احذر هذا ~~فإنه كذاب وإن أبي حذرنيه، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك { ولا ~~يلدوا إلا فاجرا كفارا } إنما قال نوح هذا حين أخرج الله كل مؤمن من ~~أصلابهم وأرحام نسائهم وأعقم بعد ذلك أرحام النساء وأيبس أصلاب الرجال ~~وذلك قبل نزول العذاب بأربعين سنة. وقيل بسبعين سنة وأخبر الله ms3224 نوحا ~~أنهم لا يؤمنون ولا يلدون مؤمنا فحينئذ دعا عليهم فأجاب الله دعوته ~~فأهلكهم جميعا ولم يكن معهم صبي وقت العذاب لأن الله تعالى أعقمهم قبل ~~العذاب { رب اغفر لي } وذلك أنه لما دعا على الكفار قال رب اغفر لي يعني ~~ما صدر مني من ترك الأفضل، وقيل يحتمل أنه لما دعا على الكفار قال رب ~~اغفر لي يعني ما صدر مني من ترك الأفضل. وقيل يحتمل أنه حين دعا على ~~الكفار أنه إنما دعا عليهم بسبب تأذيه منهم فكان ذلك الدعاء عليهم ~~كالانتقام منهم فاستغفر من ذلك لما فيه من طلب حظ النفس أو لأنه ترك ~~الاحتمال. { ولوالدي } وكان اسم أبيه ملك بن متوشلخ واسم أمه سمخاء بنت ~~أنوش وكانا مؤمنين وقيل لم يكن بين آدم ونوح عليهما السلام من آبائه كافر ~~وكان بينهما عشرة آباء { ولمن دخل بيتي مؤمنا } أي داري وقيل مسجدي وقيل ~~سفينتي { وللمؤمنين والمؤمنات } وهذا عام في كل مؤمن آمن بالله وصدق ~~الرسل، وإنما بدأ بنفسه لأنها أولى بالتخصيص والتقديم ثم ثنى بالمتصلين ~~به لأنهم أحق بدعائه من غيرهم ثم عمم جميع المؤمنين والمؤمنات ليكون ذلك ~~أبلغ في الدعاء، { ولا تزد الظالمين إلا تبارا } أي هلاكا ودمارا ~~فاستجاب الله تعالى دعاءه فأهلكهم جميعا والله أعلم. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-4] # قوله عز وجل: { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن } اختلف الناس ~~قديما وحديثا في ثبوت وجود الجن فأنكر وجودهم معظم الفلاسفة، واعترف ~~بوجودهم جمع منهم وسموهم بالأرواح السفلية، وزعموا أنهم أسرع إجابة من ~~الأرواح الفلكية إلا أنهم أضعف. وأما جمهور أرباب الملل وهم أتباع الرسل ~~والشرائع فقد اعترفوا بوجود الجن لكن اختلفوا في ماهيتهم، فقيل الجن ~~حيوان هوائي يتشكل بأشكال مختلفة، وقيل إنها جواهر وليست بأجسام ولا ~~أعراض ثم هذه الجواهر أنواع مختلفة بالماهية فبعضها خيرة كريمة محبة ~~للخيرات وبعضها دنيئة خسيسة شريرة محبة للشرور والآفات ولا يعلم عدة ~~أنواعهم إلا الله تعالى، وقيل إنهم أجسام مختلفة الماهية لكن تجمعهم صفة ~~واحدة وهي كونهم ms3225 حاصلون في الحيز موصوفون بالطول والعرض والعمق، وينقسمون ~~إلى لطيف وكثيف وعلوي وسفلي ولا يمتنع في بعض الأجسام اللطيفة الهوائية ~~أن تكون مخالفة لسائر أنواع الأجسام في الماهية وأن يكون لها علم مخصوص ~~وقدرة مخصوصة على أفعال عجيبة أو شاقة يعجز البشر عن مثلها. وقد يتشكلون ~~بأشكال مختلفة وذلك بإقدار الله تعالى إياهم على ذلك، وقيل إن الأجسام ~~متساوية في تمام الماهية وليست البنية شرطا للحياة وهذا قول الأشعري ~~وجمهور أتباعه، وشذ تأويل المعتزلة من هذه الأمة فأنكروا وجود الجن ~~وقالوا البنية شرط للحياة وإنه لا بد من صلابة البنية حتى يكون قادرا ~~على الأفعال الشاقة، وهذا قول منكر وصاحب هذا القول ينكر خرق العادات ورد ~~ما ثبت وجوده بنص الكتاب والسنة. فصل اختلف الرواة هل رأى النبي صلى الله ~~عليه وسلم الجن فأثبتها ابن مسعود فيما رواه عنه مسلم في صحيحه وقد تقدم ~~حديثه في تفسير سورة الأحقاف عند قوله تعالى: # وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن # [الأحقاف: 29] وأنكرها ابن عباس فيما رواه عنه البخاري ومسلم. قال ابن ~~عباس " ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجن ولا رآهم، انطلق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ ~~وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسل عليهم الشهب فرجعت الشياطين ~~إلى قومهم فقالوا ما لكم فقيل حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا ~~الشهب؟ قالوا وما ذاك إلا من شيء قد حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ~~فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق ~~الأرض ومغاربها فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما ~~سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء ~~فرجعوا إلى قومهم فقالوا { يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى ~~الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا } فأنزل الله تعالى على نبيه { قل ~~أوحي ms3226 إلي أنه استمع نفر من الجن } زاد في رواية " وإنما أوحي إليه قول ~~الجن " أخرجاه في الصحيحين، قال القرطبي في شرح مسلم في حديث ابن عباس ~~هذا معناه أنه لم يقصدهم بالقراءة بل لما تفرقوا يطلبون الخبر الذي حال ~~بينهم وبين استراق السمع، صادف هؤلاء النفر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي بأصحابه وعلى هذا فهو صلى الله عليه وسلم لم يعلم باستماعهم ولم ~~يكلمهم وإنما أعلمه الله عز وجل بما أوحي إليه من قوله قل أوحى إلي أنه ~~استمع نفر من الجن وأما حديث ابن مسعود فقضية أخرى وجن آخرون. # والحاصل من الكتاب والسنة العلم القطعي بأن الجن والشياطين موجودون ~~متعبدون بالأحكام الشرعية على النحو الذي يليق بخلقتهم وبحالهم، وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رسول إلى الإنس والجن فمن دخل في دينه فهو من ~~المؤمنين ومعهم في الدنيا والآخرة والجنة، ومن كفر به فهو من الشياطين ~~المبعدين المعذبين فيها والنار مستقره. وهذا الحديث يقتضي أن الرجم ~~بالنجوم ولم يكن قبل المبعث. وذهب قوم إلى أنه كان قبل مبعثه وآخرون إلى ~~أنه كان لكن زاد بهذا المبعث وبهذا القول يرتفع التعارض بين الحديثين هذا ~~آخر كلام القرطبي والله أعلم. عكاظ سويقة معروفة بقرب مكة كان العرب ~~يقصدونها في كل سنة مرة في الجاهلية وأول الإسلام وتهامة كل ما نزل عن ~~نجد من بلاد الحجاز سميت تهامة لتغير هوائها. ومكة من تهامة معدودة ونخلة ~~واد من أودية مكة قريب منها. وأما التفسير فقوله سبحانه وتعالى: { قل ~~أوحي إلي } أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يظهر لأصحابه واقعة ~~الجن وكما أنه مبعوث إلى الإنس فهو أيضا مبعوث إلى الجن لتعلم قريش أن ~~الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن عرفوا إعجازه فآمنوا به وقوله استمع نفر ~~من الجن النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة قيل كانوا تسعة من جن نصيبين. ~~وقيل سبعة سمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم { فقالوا } أي لما رجعوا ~~إلى قومهم، { إنا سمعنا قرآنا عجبا ms3227 } قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~بليغا أي ذا عجب يعجب منه لبلاغته وفصاحته { يهدي إلى الرشد } أي يدعو ~~إلى الصواب يعني التوحيد والإيمان { فآمنا به } أي بالقرآن { ولن نشرك ~~بربنا أحدا } أي ولن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك. وفيه دليل على أن ~~أولئك النفر كانوا مشركين قيل كانوا يهودا وقيل كانوا نصارى وقيل كانوا ~~مجوسا ومشركين { وأنه تعالى جد ربنا } أي جلال ربنا وعظمته، ومنه قول ~~أنس " كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا " أي عم قدره وقيل ~~الجد الغنى. # ومنه الحديث # " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " # أي لا ينفع ذا الغنى غناه. وقال ابن عباس: عظمت قدرة ربنا وقيل أمر ربنا ~~وقيل فعله وقيل آلاؤه ونعماؤه على خلقه وقيل علا ملك ربنا { ما اتخذ ~~صاحبة ولا ولدا } أي أنه تعالى جلال ربنا وعظمته عن أن يتخذ صاحبة أو ~~ولدا لأن الصاحبة تتخذ للحاجة والولد للاستئناس به والله تعالى منزه عن ~~كل نقص { وأنه كان يقول سفيهنا } يعني جاهلنا قيل هو إبليس { على الله ~~شططا } أي كذبا وعدوانا وهو وصفه تعالى بالشريك والولد أي الشطط وهو ~~مجاوزة الحد في كل شيء. ### || [72.5-9] # { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا } أي كنا نظن أن ~~الإنس والجن صادقون في قولهم إن لله صاحبة وولدا وأنهم لا يكذبون على ~~الله في ذلك فلما سمعنا القرآن علمنا أنهم قد كذبوا على الله. قوله ~~تعالى: { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } وذلك أن الرجل ~~من العرب في الجاهلية كان إذا سافر فأمسى في أرض قفر قال أعوذ بسيد هذا ~~الوادي من شر سفهاء قومه فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح. روى البغوي ~~بإسناد الثعلبي عن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال خرجت مع أبي إلى ~~المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ~~فآوانا المبيت إلى راعي غنم فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من ms3228 ~~الغنم فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي جارك فنادى مناد لا نراه يا ~~سرحان أرسله فأتى الحمل يشتد حتى دخل الغنم ولم تصبه كدمته فأنزل الله ~~على رسوله صلى الله عليه وسلم بمكة وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال ~~من الجن، { فزادوهم رهقا } وذكره ابن الجوزي في تفسيره بغير سند ومعنى ~~الآية زاد الإنس الجن باستعاذتهم بقادتهم رهقا، قال ابن عباس إثما. ~~وقيل طغيانا وقيل غيا وقيل شرا وقيل عظمة وذلك أنهم كانوا يزدادون ~~بهذا التعوذ طغيانا وعظمة ويقولون يعني عظماء الجن سدنا الجن والإنس. ~~والرهق في كلام العرب الإثم وغشيان المحارم { وأنهم ظنوا } يعني الجن { ~~كما ظننتم } أي يا معشر الكفار من الإنس { أن لن يبعث الله أحدا } يعني ~~يقول الجن وأنا { لمسنا السماء } أي طلبنا بلوغ السماء الدنيا واستماع ~~كلام أهلها { فوجدناها ملئت حرسا } يعني من الملائكة { شديدا وشهبا } ~~أي من النجوم { وأنا كنا نقعد منها } أي من السماء { مقاعد للسمع } يعني ~~كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب والآن قد ملئت المقاعد ~~كلها { فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا } أي أرصد له ليرمى به. وقيل ~~شهابا من الكواكب ورصدا من الملائكة، عن ابن عباس قال # " كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا ~~عليها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا وأما ما زاد فيكون باطلا. فلما بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم فذكروا ذلك لإبليس ولم تكن ~~النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال لهم إبليس ما هذا إلا من أمر قد حدث في ~~الأرض فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يصلي بين ~~جبلين أراه قال بمكة فأخبروه فقال هذا الحدث في الأرض " # ، أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وقال ابن قتيبة إن الرجم كان قبل ~~مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لم يكن مثل ما كان بعد مبعثه في شدة ~~الحراسة وكانوا يسترقون في بعض الأحوال فلما بعث منعوا من ذلك أصلا فعلى ms3229 ~~هذا القول يكون حمل الجن على الضرب في الأرض. وطلب السبب إنما كان لكثرة ~~الرجم ومنعهم عن الاستراق بالكلية. ### || [72.10-16] # { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض } أي برمي الشهب { أم أراد بهم ~~ربهم رشدا } ومعنى الآية لا ندري هل المقصود من المنع من الاستراق هو شر ~~أريد بأهل الأرض أم أريد بهم صلاح وخير { وأنا منا الصالحون } أي ~~المؤمنون المخلصون { ومنا دون ذلك } أي دون الصالحين مرتبة. قيل المراد ~~بهم غير الكاملين في الصلاح وهم المقتصدون فيدخل فيهم الكافر وغيره { كنا ~~طرائق قددا } أي جماعات متفرقين وأصنافا مختلفة والقدة القطعة من ~~الشيء، قال مجاهد يعنون مسلمين وكافرين. وقيل أهواء مختلفة وشيعا متفرقة ~~لكل فرقة هوى كأهواء الناس وذلك أن الجن فيهم القدرية والمرجئة والرافضة ~~والخوارج وغير ذلك من أهل الأهواء، فعلى هذا التفسير يكون معنى طرائق ~~قددا أي سنصير طرائق قددا وهو بيان للقسمة المذكورة أي كنا ذوي مذاهب ~~مختلفة متفرقة، وقيل معناه كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة { ~~وأنا ظننا } الظن هنا بمعنى العلم واليقين أي علمنا وأيقنا { أن لن نعجز ~~الله في الأرض } أي لن نفوته إن أراد بنا أمرا { ولن نعجزه هربا } أي ~~إن طلبنا فلن نعجزه أينما كنا { وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به } أي لما ~~سمعنا القرآن آمنا به وبمحمد صلى الله عليه وسلم { فمن يؤمن بربه فلا ~~يخاف بخسا } أي نقصانا من عمله وثوابه { ولا رهقا } يعني ظلما وقيل ~~مكروها يغشاه { وأنا منا المسلمون } وهم الذين آمنوا بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم { ومنا القاسطون } أي الجائرون العادلون عن الحق، قال ابن عباس ~~وهم الذين جعلوا لله أندادا { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } أي قصدوا ~~طريق الله وتوخوه { وأما القاسطون } يعني الذين كفروا { فكانوا لجهنم ~~حطبا } يعني وقودا للنار يوم القيامة. فإن قلت قد يتمسك بظاهر هذه ~~الآية من لا يرى لمؤمني الجن ثوابا وذلك لأن الله تعالى ذكر عقاب ~~الكافرين منهم ولم يذكر ثواب المؤمنين منهم. قلت ليس فيه تمسك له ms3230 وكفى ~~بقوله فأولئك تحروا رشدا فذكر سبب الثواب والله أعدل وأكرم من أن يعاقب ~~القاسط ولا يثيب الراشد. فإن قلت كيف يعذب الجن بالنار وقد خلقوا منها. ~~قلت وإن خلقوا من النار فقد تغيروا عن تلك الهيئة وصاروا خلقا آخر والله ~~تعالى قادر أن يعذب النار بالنار قوله عز وجل: { وأن لو استقاموا على ~~الطريقة }. اختلفوا فيمن يرجع الضمير إليه فقيل هو راجع إلى الجن الذين ~~تقدم ذكرهم ووصفهم والمعنى لو استقام الجن على الطريقة المثلى الحسنى ~~لأنعمنا عليهم وإنما ذكر الماء كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع وقيل ~~معناه لو ثبت الجن الذين سمعوا القرآن. على الطريقة التي كانوا عليها قبل ~~استماع القرآن ولم يسلموا { لأسقيناهم ماء غدقا } أي لوسعنا الرزق ~~عليهم. ### || [72.17-19] # { لنفتنهم فيه } وقيل الضمير راجع إلى الإنس وتم الخبر عن الجن ثم رجع ~~إلى خطاب الإنس فقال تعالى: { وأن لو استقاموا } يعني كفار مكة على ~~الطريقة يعني على طريقة الحق والإيمان والهدى وكانوا مؤمنين مطيعين # لأسقيناهم ماء غدقا # [الجن: 16] يعني كثيرا وذلك بعد ما رفع عنهم المطر سبع سنين. والمعنى ~~لو آمنوا لوسعنا عليهم في الدنيا ولأعطيناهم ماء كثيرا وعيشا رغدا. ~~وإنما ذكر الماء الغدق مثلا لأن الخير والرزق كله أصله من المطر وقوله " ~~لنفتنهم فيه " أي لنختبرهم كيف شكرهم فيما خولوا فيه. وقيل في معنى الآية ~~لو استقاموا أي ثبتوا على طريقة الكفر والضلالة لأعطيناهم مالا كثيرا ~~ولوسعنا عليهم لنفتنهم فيه عقوبة لهم واستدراجا لهم حتى يفتنوا به ~~فنعذبهم والقول الأول أصح لأن الطريقة معرفة بالألف واللام وهي طريقة ~~الهدى والقول بأن الآية في الإنس أولى لأن الإنس هم الذين ينتفعون بالمطر ~~{ ومن يعرض عن ذكر ربه } أي عن عبادة ربه وقيل عن مواعظه { يسلكه } أي ~~يدخله { عذابا صعدا } ، قال ابن عباس شاقا وقيل عذابا لا راحة فيه ~~وقيل لا يزداد إلا شدة. قوله تعالى: { وأن المساجد لله } يعني المواضع ~~التي بنيت للصلاة والعبادة، وذكر الله تعالى فيدخل فيه مساجد المسلمين ~~والكنائس والبيع التي لليهود ms3231 والنصارى { فلا تدعوا مع الله أحدا } قال ~~قتادة كان اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله فأمر ~~الله عز وجل المؤمنين أن يخلصوا الدعوة لله إذا دخلوا المساجد كلها. وقيل ~~أراد بالمساجد بقاع الأرض كلها لأن الأرض كلها جعلت مسجدا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فعلى هذا يكون المعنى فلا تسجدوا على الأرض لغير الله ~~تعالى، قال سعيد بن جبير " قالت الجن للنبي صلى الله عليه وسلم كيف لنا ~~أن نشهد معك الصلاة ونحن ناؤون عنك فنزلت وأن المساجد لله " وروي عنه ~~أيضا أن المراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها الإنسان وهي سبعة ~~الجبهة واليدان والركبتان والقدمان والمعنى أن هذه الأعضاء التي يقع ~~عليها السجود مخلوقة لله فلا تسجدوا عليها لغيره، م عن العباس بن عبد ~~المطلب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول # " إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه " # الآراب الأعضاء، ق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال # " أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نسجد على سبعة أعضاء وأن لا نكف ~~شعرا ولا ثوبا: الجبهة واليدين والركبتين والقدمين " # وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء على الجبهة وأشار بيده إلى أنفه واليدين ~~والركبتين وأطراف القدمين ولا نكفف الثياب ولا الشعر " # كف شعره عقصه وغرز طرفه في أعلى الضفيرة وقد نهي عن ذلك. قوله عز وجل: { ~~وأنه لما قام عبد الله } يعني النبي صلى الله عليه وسلم { يدعوه } يعني ~~يعبد الله ويقرأ القرآن وذلك حين كان يصلي الفجر ببطن نخلة { كادوا } ~~يعني الجن { يكونون عليه لبدا } يعني يركب بعضهم بعضا من الازدحام عليه ~~حرصا على استماع القرآن، قاله ابن عباس. وعنه أيضا أنه من قول النفر من ~~الجن الذين رجعوا إلى قومهم فأخبروهم عن طاعة أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم له واقتدائهم به في الصلاة. وقيل في معنى الآية لما قدم عبد الله ~~بالدعوة تلبدت الإنس والجن وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي ms3232 جاءهم به ~~ويطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره ويظهر هذا الأمر وينصره على ~~من ناوأه وعاداه. وأصل اللبد الجماعة بعضهم فوق بعض. ### || [72.20-27] # { قل } يعني النبي صلى الله عليه وسلم وقرىء على الأمر { إنما أدعوا ربي ~~} وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لقد جئت بأمر عظيم ~~فارجع عنه فنحن نجيرك فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم # " إنما أدعو ربي { ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ~~} " # أي لا أقدر على أن أدفع عنكم ضرا ولا أسوق إليكم رشدا وإنما الضار ~~والنافع والمرشد والمغوي هو الله تعالى. { قل إني لن يجيرني من الله أحد ~~} أي لم يمنعني منه أحد إن عصيته { ولن أجد من دونه ملتحدا } أي ملجأ ~~ألجأ إليه وقيل حرزا أحترز به وقيل مدخلا في الأرض مثل السرب أدخل فيه ~~{ إلا بلاغا من الله ورسالاته } أي ففيه الجوار والأمن والنجاة. وقيل ~~معناه ذلك الذي يجبرني من عذاب الله يعني التبليغ وقيل إلا بلاغا من ~~الله فذلك الذي أملكه بعون الله وتوفيقه. وقيل معناه لا أملك لكم ضرا ~~ولا رشدا لكن أبلغ بلاغا عن الله عز وجل فإنما أنا مرسل لا أملك إلا ما ~~ملكت، { ومن يعص الله ورسوله } يعني ولم يؤمن { فإن له نار جهنم خالدين ~~فيها أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون } يعني العذاب يوم القيامة { فسيعلمون ~~} أي عند نزول العذاب { من أضعف ناصرا وأقل عددا } أهم أم المؤمنون { ~~قل إن أدري } أي ما أدري { أقريب ما توعدون } يعني العذاب وقيل يوم ~~القيامة { أم يجعل له ربي أمدا } أي أجلا وغاية تطول مدتها والمعنى أن ~~علم وقت العذاب غيب لا يعلمه إلا الله عز وجل { عالم الغيب } أي هو عالم ~~ما غاب عن العباد { فلا يظهر } أي فلا يطلع { على غيبه } أي الغيب الذي ~~يعلمه وانفرد به { أحدا } أي من الناس ثم استثنى فقال تعالى: { إلا من ~~ارتضى من رسول } يعني إلا من يصطفيه لرسالته ms3233 ونبوته فيظهره على ما يشاء ~~من الغيب حتى يستدل على نبوته بما يخبر به من المغيبات فيكون ذلك معجزة ~~له وآية دالة على نبوته. قال الزمخشري وفي هذا إبطال الكرامات لأن الذين ~~تضاف إليهم الكرامات وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل وقد خص الله ~~الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب وفيه أيضا إبطال الكهانة ~~والتنجيم لأن أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط. قال ~~الواحدي وفي هذا دليل على أن من ادعى أن النجوم تدله على ما يكون من حياة ~~أو موت ونحو ذلك فقد كفر بما في القرآن. فأما الزمخشري فأنكر كرامات ~~الأولياء جريا على قاعدة مذهبه في الاعتزال ووافق الواحدي وغيره من ~~المفسرين في إبطال الكهانة والتنجيم قال الإمام فخر الدين ونسبة الآية في ~~الصورتين واحدة فإن جعل الآية دالة على المنع من أحكام النجوم فينبغي أن ~~يجعلها دالة على المنع من الكرامات قال: وعندي أن الآية لا دلالة فيها ~~على شيء من ذلك والذي تدل عليه أن قوله { فلا يظهر على غيبه أحدا } ليس ~~فيه صيغة عموم فيكفي في العمل بمقتضاه أن لا يظهر الله تعالى خلقه على ~~غيب واحد من غيوبه فنحمله على وقت وقوع القيامة، فيكون المراد من الآية ~~أنه تعالى لا يظهر هذا الغيب لأحد فلا يبقى في الآية دلالة على أنه لا ~~يظهر شيئا من الغيوب لأحد ثم إنه يجوز أن يطلع الله على شيء من المغيبات ~~غير الرسل كالكهنة وغيرهم وذكر ما يدل على صحة قوله. # والذي ينبغي أن مذهب أهل السنة إثبات كرامات الأولياء خلافا للمعتزلة ~~وأنه يجوز أن يلهم الله بعض أوليائه وقوع بعض الوقائع في المستقبل فيخبر ~~به وهو من إطلاع الله إياه على ذلك. ويدل على صحة ذلك ما روي عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لقد كان فيمن كان قبلكم من الأمم ناس محدثون من غير أن يكونوا أنبياء ~~وإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر بن ms3234 الخطاب " # أخرجه البخاري قال ابن وهب تفسير محدثون ملهمون. ولمسلم عن عائشة رضي ~~الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول # " قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر ~~بن الخطاب منهم " # ، ففي هذا إثبات كرامات الأولياء ولا يقال لو جازت الكرامة للولي لما ~~تميزت معجزة النبي عن غيرها ولا نسد الطريق إلى معرفة الرسول من غيره ~~فنقول الفرق بين معجزة النبي وكرامة الولي أن المعجزة أمر خارق للعادة مع ~~عدم المعارضة مقرون بالتحدي، ولا يجوز للولي أن يدعي خرق العادة مع ~~التحدي إذ لو ادعاه الولي لكفر من ساعته فبان الفرق بين المعجزة والكرامة ~~وقد يظهر على يد الولي أمر خارق للعادة من غير دعواه. وهذا أيضا يدل على ~~ثبوت نبوة النبي لأن الكرامة إنما تظهر على يد من هو معتقد للرسول متابع ~~له فلو لم تكن نبوته حقا لما ظهر الخارق على يد متابعه. وأما الكاهن ~~فليس بمتبع للرسول وقد انسد باب الكهانة بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~فمن ادعى منهم اطلاعا على غيب فقد كفر بما جاء به القرآن وكذلك حكم ~~المنجم والله تعالى أعلم، وقوله تعالى: { فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~} أي من بين يدي الرسول ومن خلفه وذكر البعض دال على جميع الجهات { رصدا ~~} أي حفظه من الملائكة يحفظونه من الشيطان أن يسترق السمع من الملائكة ~~ويحفظونه من الجن أن يسمعوا الوحي فيلقوه إلى الكهنة فيخبروا به قبل ~~الرسول. وقيل إن الله تعالى كان إذا بعث رسولا أتاه إبليس في صورة ملك ~~يخبره فيبعث الله من بين يديه ومن خلفه رصدا من الملائكة يحرسونه ~~ويطردون الشيطان عنه فإذا جاءه شيطان في صورة ملك أخبروه بأنه شيطان ~~فاحذره وإن جاء ملك قالوا له هذا رسول ربك. ### || [72.28] # { ليعلم } أي ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم { أن } أي أن جبريل قد بلغ ~~إليه رسالات ربه وقيل معناه ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا ms3235 رسالات ~~ربهم وأن الله قد حفظهم ودفع عنهم. وقيل معناه ليعلم الله أن الرسل { قد ~~أبلغوا رسالات ربهم } فيعلم الله ذاك ظاهرا موجودا فيوجب فيه الثواب { ~~وأحاط بما لديهم } أي علم الله ما عند الرسل فلا يخفى عليه شيء من أمورهم ~~{ وأحصى كل شيء عددا } قال ابن عباس: أحصى ما خلق وعرف ما خلق لم يفته ~~شيء حتى مثاقيل الذر والخردل، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار ~~كتابه. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-3] # قوله عز وجل: { يا أيها المزمل } هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصله المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف. قال المفسرون كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يتزمل في ثيابه أول ما جاءه جبريل فرقا منه فكان ~~يقول زملوني زملوني حتى أنس به. وقيل خرج يوما من البيت وقد لبس ثيابه ~~فناداه جبريل يا أيها المزمل، وقيل معناه متزمل النبوة أي حاملها والمعنى ~~زملت هذا الأمر فقم به واحمله فإنه أمر عظيم وإنما لم يخاطب بالنبي ~~والرسول لأنه كان في أول الأمر ومبدئه، ثم خوطب بالنبي والرسول بعد ذلك، ~~وقيل كان صلى الله عليه وسلم قد نام وهو متزمل في ثوبه فنودي يا أيها ~~المزمل { قم الليل } أي للصلاة والعبادة واهجر هذه الحالة واشتغل بالصلاة ~~والعبودية وكان قيام الليل فريضة في ابتداء الإسلام { إلا قليلا } أي صل ~~الليل إلا قليلا تنام فيه وهو الثلث ثم بين قدر القيام فقال تعالى: { ~~نصفه } أي قم نصف الليل { أو انقص منه قليلا } أي إلى الثلث. ### || [73.4] # { أو زد عليه } أي على النصف إلى الثلثين خيره بين هذه المنازل فكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقومون على هذه المقادير وكان الرجل ~~منهم لا يدري متى ثلث الليل أو متى نصفه أو متى ثلثاه، فكان يقوم الليل ~~كله حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب واشتد ذلك عليهم حتى انتفخت ~~أقدامهم فرحمهم الله وخفف عنهم ونسخها عنهم بقوله # فاقرؤوا ما تيسر منه # [المزمل: 20] قيل ليس في القرآن سورة ms3236 نسخ آخرها أولها إلا هذه السورة ~~وكان بين نزول أولها ونزول آخرها سنة. وقيل ستة عشر شهرا. وكان قيام ~~الليل فرضا ثم نسخ بعد ذلك في حق الأمة بالصلوات الخمس وثبتت فريضته على ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79] م عن سعد بن هشام قال " انطلقت إلى عائشة فقلت يا أم ~~المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ألست تقرأ ~~القرآن قلت بلى قالت فإن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن. ~~قلت فقيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أم المؤمنين؟ قالت ألست تقرأ ~~المزمل قلت بلى قالت فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة فقام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم وأمسك الله ~~خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة ~~فصار قيام الليل تطوعا بعد الفريضة ". وقوله تعالى: { ورتل القرآن ~~ترتيلا } قال ابن عباس بينه بيانا وعنه أيضا " اقرأه على هينتك ثلاث ~~آيات وأربعا وخمسا " ، وقيل الترتيل هو التوقف والترسل والتمهل ~~والإفهام وتبيين القراءة حرفا حرفا أثره في أثر بعض بالمد والإشباع ~~والتحقيق. وترتيلا تأكيد في الأمر به وأنه لا بد للقارىء منه، وقيل إن ~~الله تعالى لما أمر بقيام الليل أتبعه بترتيل القرآن حتى يتمكن المصلي من ~~حضور القلب والتأمل والفكر في حقائق الآيات ومعانيها فعند الوصول إلى ذكر ~~الله تعالى يستشعر بقلبه عظمة المذكور وجلاله وعند ذكر الوعد والوعيد ~~يحصل الرجاء والخوف وعند ذكر القصص والأمثال يحصل الاعتبار فيستنير القلب ~~عند ذلك بنور المعرفة، والإسراع في القراءة لا يحصل فيها ذلك فظهر بذلك ~~أن المقصود من الترتيل إنما هو حضور القلب عند القراءة. فصل خ عن قتادة ~~قال " سئل أنس كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كانت ~~مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد ~~الرحيم " عن أم سلمة رضي ms3237 الله عنها وقد سألها يعلى بن مالك عن قراءة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وصلاته فقالت " ما لكم وصلاته ثم نعتت قراءته ~~فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا " ، أخرجه النسائي وللترمذي قالت # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته يقول الحمد لله رب ~~العالمين ثم يقف الرحمن الرحيم، ثم يقف وكان يقول مالك يوم الدين ثم يقف ~~" # وفي رواية أبي داود قالت # " قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ~~رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين يقطع قراءته آية آية " # ق # " عن عبد الله بن مغفل قال " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح ~~مكة على ناقته يقرأ سورة الفتح فرجع في قراءته " " # ، ق عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال " جاء رجل إلى ابن مسعود قال إني ~~لأقرأ المفصل في ركعة قال عبد الله هذا كهذ الشعر إن أقواما يقرؤون ~~القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ نفع، إن أفضل الصلاة ~~الركوع والسجود إني لأعرف النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقرن بينهن سورتين في كل ركعة " وفي رواية " فذكر عشرين سورة من المفصل " ~~الهذ سرعة القطع والمراد به هنا سرعة القراءة والعجلة فيها، وقوله لا ~~يجاوز تراقيهم التراقي جمع ترقوة وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق ~~وعند مخرج الصوت، والنظائر جمع نظير وهو الشبه والمثل. عن عائشة رضي الله ~~عنها قالت # " قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن " # ، أخرجه الترمذي وللنسائي عن أبي ذر نحوه وزاد " والآية إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " # " عن سهل بن سعد قال " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ~~نقرأ فقال: الحمد لله كتاب الله واحد وفيكم الأحمر وفيكم الأبيض وفيكم ~~الأسود اقرؤوا القرآن قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقال السهل يتعجل ~~لقراءته ولا يتأجله " " # أخرجه أبو داود وزاد غيره في رواية " لا ms3238 يجاوز تراقيهم " # " عن جابر رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونحن نقرأ القرآن وفينا العربي والعجمي فقال: " اقرؤوا فكل حسن وسيجيء ~~أقوام يقومونه كما يقوم القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه " " # أخرجه أبو داود عن ابن مسعود قال " لا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذ ~~الشعر قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة " ### || [73.5-6] # { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } قال ابن عباس شديدا. وقيل ثقيلا يعني ~~كلاما عظيما جليلا ذا خطر وعظمة لأنه كلام رب العالمين وكل شيء له خطر ~~ومقدار فهو ثقيل والمعنى فصير نفسك مستعدة لقبول هذا القول العظيم الثقيل ~~الشاق، وقيل سماه ثقيلا لما فيه من الأوامر والنواهي فإن فيه مشقة وكلفة ~~على الأنفس وقيل ثقيلا لما فيه من الوعد والوعيد والحلال والحرام ~~والحدود والفرائض والأحكام. وقيل ثقيلا على المنافقين لأنه يبين عيوبهم ~~ويظهر نفاقهم، وقيل هو خفيف على اللسان بالتلاوة ثقيل في الميزان بالثواب ~~يوم القيامة. وقيل ثقيلا أي ليس بالخفيف ولا السفساف لأنه كلام ربنا ~~تبارك وتعالى. وقيل معناه أنه قول مبين في صحته وبيانه ونفعه كما تقول ~~هذا كلام رصين وهذا قول له وزن إذا استجدته وعلمت أنه صادق الحكمة ~~والبيان. وقيل سماه ثقيلا لما فيه من المحكم والمتشابه والناسخ ~~والمنسوخ. وقيل ثقيلا في الوحي وذلك # " أنه صلى الله عليه وسلم " كان إذا نزل عليه القرآن والوحي يجد له مشقة ~~" " # ، ق عن عائشة رضي الله عنها # " أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول ~~الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحيانا يأتيني ~~في مثل صلصلة الجرس وهذا أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا ~~يتمثل إلي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة ولقد رأيته ينزل ~~عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا " # م عن عبادة بن الصامت قال # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3239 إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد ~~له وجهه " # وفي رواية # " كان إذا نزل عليه الوحي عرفنا ذلك في فيه وغمض عينيه وتربد وجهه " # قوله مثل صلصلة الجرس الصلصة الصوت الشديد الصلب اليابس من الأشياء ~~الصلبة كالجرس ونحوه. قوله فيفصم أي ينفصل عني ويفارقني وقد وعيت ما قال ~~أي حفظت. وقولها ليتفصد عرقا أي يجري عرقه كما يجري الدم من الفاصد. ~~قوله تربد وجهه الربدة في الألوان غبرة مع سواد، وقوله تعالى: { إن ناشئة ~~الليل } أي ساعاته كلها وكل ساعة منه ناشئة، لأنها تنشأ عن التي قبلها ~~وقال ابن أبي مليكة سألت ابن عباس وابن الزبير عنها فقالا الليل كله ~~ناشئة وهي عبارة عن الأمور التي تحدث وتنشأ في الليل وقالت عائشة الناشئة ~~القيام بعد النوم. وقيل هي قيام آخر الليل وقيل أوله، وقيل أي ساعة قام ~~الإنسان من الليل فقد نشأ. روي عن زين العابدين علي بن الحسين أنه كان ~~يصلي بين المغرب والعشاء ويقول هذه ناشئة الليل، وقيل كل صلاة بعد العشاء ~~الآخرة فهي ناشئة الليل، وقيل ناشئة الليل قيامه وقيل ناشئة الليل وطاؤه ~~{ هي أشد وطأ } قرىء بكسر الواو مع المد يعني من المواطأة والموافقة وذلك ~~لأن مواطأة القلب اللسان والسمع والبصر تكون بالليل أكثر مما تكون ~~بالنهار. # وقرىء وطأ بفتح الواو وسكون الطاء أي أشد على المصلي وأثقل. من صلاة ~~النهار لأن الليل جعل للنوم والراحة فكان قيامه على النفس أشد وأثقل وقال ~~ابن عباس كانت صلاتهم أول الليل هي أشد وطأ يقول هي أجدر أن يحصوا ما فرض ~~الله عليهم من القيام وذلك أن الإنسان إذا نام لا يدري متى يستيقظ. وقيل ~~أثبت للخير وأحفظ للقراءة من النهار وقيل هي أوطأ للقيام وأسهل على ~~المصلي من ساعات النهار لأنه خلق لتصرف العباد والليل والخلوة برب العباد ~~ولأن الليل أفرغ للقلب من النهار ولا يعرض له في الليل حوائج وموانع مثل ~~النهار وأمنع من الشيطان وأبعد من الرياء وهو قوله تعالى: { وأقوم قيلا ~~} أي أصوب قراءة ms3240 وأصح قولا من النهار لهدأة الناس وسكون الأصوات وقيل ~~معناه أبين قولا بالقرآن. والحاصل أن عبادة الليل أشد نشاطا وأتم ~~إخلاصا وأبعد عن الرياء وأكثر بركة وأبلغ في الثواب وأدخل في القبول. ### || [73.7-10] # { إن لك في النهار سبحا طويلا } أي تصرفا وتقلبا وإقبالا وإدبارا ~~في حوائجك واشتغالك. وقيل فراغا وسعة لنومك وتصرفك في حوائجك أفضل من ~~الليل { واذكر اسم ربك } أي بالتوحيد والتعظيم والتقديس والتسبيح { وتبتل ~~إليه تبتيلا } قال ابن عباس أخلص إليه إخلاصا وقيل تفرغ لعبادته وانقطع ~~إليه انقطاعا والمعنى بتل إليه نفسك واقطعها عن كل شيء سواه. وقيل ~~التبتل رفض الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله. وقيل معناه وتوكل عليه ~~توكلا واجتهد في العبادة وقيل يقال للعابد إذا ترك كل شيء وأقبل على ~~العبادة قد تبتل أي انقطع عن كل شيء إلا من عبادة الله وطاعته. فإن قلت ~~كيف قال تبتيلا مكان تبتلا ولم يجيء على مصدره؟ قلت جاء تبتيلا على ~~بتل نفسك إليه تبتيلا فوقع المصدر موضع مقارنة في المعنى ويكون التقدير ~~وبتل نفسك إليه تبتيلا فهو كقوله والله أنبتكم من الأرض نباتا، وقيل ~~لأن معنى تبتل بتل نفسك فجيء به على معناه مراعاة لحق الفواصل. وقيل ~~الأصل في تبتل أن يقال تبتلت تبتيلا وتبتلت تبتيلا فتبتيلا محمول على ~~معنى بتل إليه تبتيلا وقيل إنما عدل عن هذه العبارة لدقيقة لطيفة وهي أن ~~المقصود إنما هو التبتل فأما التبتيل فهو تصرف والمشتغل بالتصرف لا يكون ~~متبتلا إلى الله تعالى لأن المشتغل بغير الله لا يكون منقطعا إليه إلا ~~أنه لا بد من التبتيل حتى يحصل التبتل فذكر أولا التبتل لأنه المقصود ~~وذكر التبتيل ثانيا إشعارا بأنه لا بد منه { رب المشرق والمغرب } يعني ~~أن التبتل والانقطاع لا يليق إلا لله تعالى الذي هو رب المشرق والمغرب { ~~لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا } أي فوض أمرك إليه وتوكل عليه. وقيل معناه ~~اتخذ يا محمد ربك كفيلا بما وعدك من النصر على الأعداء { واصبر على ما ~~يقولون } أي ms3241 من التكذيب لك والأذى { واهجرهم هجرا جميلا } أي واعتزلهم ~~اعتزالا حسنا لا جزع فيه وهذه الآية منسوخة بآية القتال. ### || [73.11-19] # { وذرني والمكذبين } أي دعني ومن كذبك لا تهتم به فإني أكفيكه { أولي ~~النعمة } أي أصحاب النعم والترفه نزلت في صناديد قريش المستهزئين وقيل ~~نزلت في المطعمين ببدر { ومهلهم قليلا } يعني إلى يوم بدر فلم يكن إلا ~~يسير حتى قتلوا ببدر. وقيل أراد بالقليل أيام الدنيا ثم وصف عذابهم فقال ~~تعالى: { إن لدينا } أي عندنا في الآخرة { أنكالا } يعني قيودا عظاما ~~ثقالا لا تنفك أبدا وقيل أغلالا من حديد { وجحيما وطعاما ذا غصة } ~~أي غير سائغ في الحلق لا ينزل ولا يخرج وهو الزقوم والضريع { وعذابا ~~أليما } أي وجيعا { يوم ترجف الأرض والجبال } أي تتزلزل وتتحرك وهو يوم ~~القيامة { وكانت الجبال كثيبا مهيلا } يعني رملا سائلا وهو الذي إذا ~~أخذت منه شيئا يتبعك ما بعده { إنا أرسلنا إليكم } يعني يا أهل مكة { ~~رسولا } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { شاهدا عليكم } أي بالتبليغ ~~وإيمان من آمن منكم وكفر من كفر { كما أرسلنا إلى فرعون رسولا } يعني ~~موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، قيل إنما خص فرعون وموسى بالذكر من ~~بين سائر الأمم والرسل لأن محمدا صلى الله عليه وسلم آذاه أهل مكة ~~واستخفوا به لأنه ولد فيهم كما أن فرعون ازدرى بموسى وآذاه لأنه رباه { ~~فعصى فرعون الرسول فأخذناه } أي فرعون { أخذا وبيلا } أي شديدا ثقيلا ~~يعني عاقبناه عقوبة غليظة، خوف بذلك كفار مكة ثم خوفهم يوم القيامة ~~فقال تعالى: { فكيف تتقون إن كفرتم } أي كيف لكم بالتقوى يوم القيامة إن ~~كفرتم أي في الدنيا، المعنى لا سبيل لكم إلى التقوى إذا وافيتم القيامة. ~~وقيل معنى الآية فكيف تتقون العذاب يوم القيامة، وبأي شيء تتحصنون من ~~عذاب ذلك اليوم، وكيف تنجون منه إن كفرتم في الدنيا { يوما يجعل ~~الولدان شيبا } يعني شيوخا شمطا من هول ذلك اليوم وشدته وذلك حين يقال ~~لآدم عليه الصلاة والسلام قم، فابعث بعث النار من ذريتك. ms3242 ق عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول لبيك وسعديك " # زاد في رواية # " والخير في يديك فينادى بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعث ~~النار قال يا رب، وما بعث النار؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، ~~فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى ~~ولكن عذاب الله شديد، فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم قالوا: يا رسول ~~الله أينا ذلك الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم أبشروا فإن من يأجوج ~~ومأجوج تسعمائة وتسعا وتسعين ومنكم واحد ثم قال: أنتم في الناس كالشعرة ~~السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور ~~الأسود، وفي رواية كالرقمة في ذراع الحمار، وإني لأرجو أن تكونوا ربع ~~أهل الجنة، فكبرنا ثم قال: ثلث أهل الجنة فكبرنا ثم قال شطر أهل الجنة ~~فكبرنا " # أما ما يتعلق بمعنى الحديث فقوله أن تخرج من ذريتك بعث النار فمعناه ميز ~~أهل الجنة من أهل النار، وأما الرقمة بفتح الراء وإسكان القاف فهي الأثرة ~~في باطن عضد الحمار. وقوله إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة وثلث أهل ~~الجنة، وشطر أهل الجنة فيه البشارة العظيمة لهذه الأمة وجعلهم ربع أهل ~~الجنة أولا ثم الثلث ثم الشطر لفائدة حسنة، وهي أن ذلك أوقع في نفوسهم، ~~وأبلغ في إكرامهم فإن إعطاء الإنسان مرة بعد مرة دليل على الاعتناء به، ~~ودوام ملاحظته وفيه تكرير البشارة مرة بعد أخرى، وفيه أيضا حملهم على ~~تجديد شكر الله وحمده على إنعامه عليهم، وهو تكبيرهم لهذه البشارة ~~العظيمة، وسرورهم بها، وأما ما يتعلق بمعنى الآية الكريمة، والحديث في ~~قوله تعالى: { فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا } وقوله صلى ~~الله عليه وسلم # " ويشيب الوليد " # ففيه وجهان: الأول عند زلزلة الساعة قبل خروجهم من الدنيا، فعلى هذا ~~هو على ظاهره الثاني أنه في القيامة، فعلى هذا يكون ms3243 ذكر الشيب مجازا، ~~لأن القيامة ليس فيها شيب، وإنما هو مثل في شدة الأمر، وهوله يقال في ~~اليوم الشديد يوم تشيب فيه نواصي الأطفال، والأصل فيه أن الهموم ~~والأحزان إذا تعاقب على الإنسان أسرع فيه الشيب. قال المتنبي: # والهم يخترم الجسيم نحافة ويشيب ناصية الصبي ويهرم # فلما كان الشيب من لوازم كثرة الهموم والأحزان جعلوه كناية عن الشدة ~~والهول، وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيبا حقيقة لأن ~~الطفل لا تمييز له، وقيل يحتمل أن يكون المراد وصف ذلك اليوم بالطول، وأن ~~الأطفال يبلغون سن الشيخوخة والشيب. { السماء منفطر به } وصف اليوم ~~بالشدة أيضا وأن السماء مع عظمها تنفطر به، وتتشقق فما ظنك بغيرها من ~~الخلائق، وقيل تتشقق لنزول الملائكة، وقيل به أي بذلك المكان، وقيل الهاء ~~ترجع إلى الرب سبحانه وتعالى أي بأمره وهيبته. { كان وعده مفعولا } أي ~~كائنا لا محالة فيه، ولا خلف { إن هذه } أي آيات القرآن { تذكرة } أي ~~مواعظ يتذكر بها { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } بالإيمان والطاعة. ### || [73.20] # { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل } أي أقل من ثلثي الليل { ~~ونصفه وثلثه } أي تقوم نصفه وثلثه { وطائفة من الذين معك } يعني ~~المؤمنين، وكانوا يقومون معه الليل { والله يقدر الليل والنهار } يعني ~~أن العالم بمقادير الليل والنهار وأجزائهما وساعاتهما هو الله تعالى. لا ~~يفوته علم ما يفعلون، فيعلم القدر الذي يقومون من الليل والذي ينامون ~~منه. { علم أن لن تحصوه } يعني أن لن تطيقوا معرفته على الحقيقة. قيل ~~قاموا حتى انتفخت أقدامهم، فنزل: علم أن لن تحصوه أي لن تطيقوه، قيل كان ~~الرجل يصلي الليل كله مخافة أن لا يصيب ما أمر الله به من القيام فقال ~~تعالى: علم أن لن تحصوه أي لن تطيقوا معرفة ذلك { فتاب عليكم } أي فعاد ~~عليكم بالعفو والتخفيف، والمعنى عفا عنكم ما لم تحيطوا بعلمه ورفع المشقة ~~عنكم { فاقرؤوا ما تيسر من القرآن } فيه قولان: أحدهما: أن المراد بهذه ~~القراءة. القراءة في الصلاة، وذلك لأن ms3244 القراءة أحد أجزاء الصلاة، فأطلق ~~اسم الجزء على الكل، والمعنى فصلوا ما تيسر عليكم. وقال الحسن: يعني في ~~صلاة المغرب والعشاء، قال قيس بن أبي حازم: صليت خلف ابن عباس بالبصرة ~~فقرأ في أول ركعة بالحمد، وأول آية من البقرة، ثم قام في الثانية، فقرأ ~~بالحمد والآية الثانية من البقرة، ثم ركع فلما انصرف أقبل علينا بوجهه ~~فقال: إن الله تعالى يقول فاقرؤوا ما تيسر منه، وقيل نسخ ذلك التهجد، ~~واكتفي بما تيسر ثم نسخ ذلك أيضا بالصلوات الخمس وذلك في حق الأمة وثبت ~~قيام الليل في حقه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: { ومن الليل فتهجد ~~به نافلة لك }. القول الثاني: أن المراد بقوله فاقرؤوا ما تيسر من القرآن ~~دراسته، وتحصيل حفظه وأن لا يعرض للنسيان، فقيل يقرأ مائة آية ونحوها، ~~وقيل إن قراءة السورة القصيرة كافية. روى البغوي بإسناده عن أنس رضي الله ~~عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " من قرأ خمسين آية في يوم وليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية ~~كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية، لم يحاججه القرآن يوم القيامة، ومن ~~قرأ خمسمائة آية كتب له قنطار من الأجر " # وذكره الشيخ محيي الدين في كتابه الأذكار ولم يضعفه وقال: في رواية " ~~من قرأ أربعين آية بدل خمسين وفي رواية عشرين " وفي رواية # " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~ألم أخبر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ليلة قلت بلى يا رسول الله، ~~ولم أرد بذلك إلا الخير قال فصم صوم داود وكان أعبد الناس واقرأ القرآن ~~في كل شهر مرة قال قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه في ~~كل عشر قال: قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه في سبع ولا ~~تزد على ذلك " # ثم ذكر الله حكمة النسخ والتخفيف. فقال تعالى: { علم أن سيكون منكم ~~مرضى } يعني أن المريض يضعف ms3245 عن التهجد بالليل فخفف الله عز وجل عنه ~~لأجل ضعفه وعجزه عنه { وآخرون يضربون في الأرض } يعني المسافرين للتجارة ~~{ يبتغون من فضل الله } أي يطلبون من رزق الله وهو الربح في التجارة { ~~وآخرون يقاتلون في سبيل الله } يعني الغزاة والمجاهدين، وذلك لأن المجاهد ~~والمسافر مشتغل في النهار بالأعمال الشاقة، فلو لم ينم بالليل لتوالت ~~عليه أسباب المشقة، فخفف الله عنهم لذلك. روي عن ابن مسعود: قال " أيما ~~رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا، فباعه بسعر ~~يومه كان عند الله بمنزلة الشهداء ثم قرأ عبد الله: وآخرون يضربون في ~~الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله " { فاقرؤوا ما ~~تيسر منه } أي من القرآن وإنما أعاده للتأكيد { وأقيموا الصلاة } يعني ~~المفروضة { وآتوا الزكاة } أي الواجبة. { وأقرضوا الله قرضا حسنا } قال ~~ابن عباس: يريد سوى الزكاة من صلة الرحم وقرى الضيف، وقيل يريد سائر ~~الصدقات، وذلك بأن يخرجها على أحسن وجه من كسب طيب، ومن أكثر الأموال ~~نفعا للفقراء ومراعاة النية والإخلاص وابتغاء مرضاة الله تعالى بما ~~يخرج والصرف إلى المستحق. { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } ~~أي ثوابه وأجره { هو خيرا وأعظم أجرا } يعني أن الذي قدمتم لأنفسكم خير ~~من الذي أخرتموه ولم تقدموه وروى البغوي بسنده عن عبد الله قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه قالوا يا رسول الله ما منا أحد إلا ~~ما له أحب إليه من مال وارثه قال اعلموا ما تقولون قالوا ما نعلم إلا ذلك ~~يا رسول الله قال ما منكم رجل إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، قالوا كيف ~~يا رسول الله؟ قال: إنما قال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخر " # { واستغفروا الله } أي لذنوبكم وتقصيركم في قيام الليل { إن الله غفور ~~رحيم } أي لجميع الذنوب، والله تعالى أعلم. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-5] # قوله عز وجل: { يا أيها المدثر } ق عن يحيى بن كثير قال " سألت ms3246 أبا سلمة ~~بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قال يا أيها المدثر قلت يقولون ~~اقرأ باسم ربك قال أبو سلمة سألت جابرا عن ذلك وقلت له مثل الذي قلت ~~فقال لي جابر لا أحدثك إلا ما حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " " جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني فلم ~~أر شيئا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ونظرت خلفي فلم أر شيئا فرفعت ~~رأسي فرأيت شيئا. فأتيت خديجة فقلت دثروني فدثروني " وصبوا علي ماء ~~باردا " # فنزلت { يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر } ~~وذلك قبل أن تفرض الصلاة وفي رواية # " فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي - وذكر نحوه - فإذا هو قاعد على ~~عرش في الهواء - يعني جبريل - فأخذتني رجفة شديدة " # ق عن جابر رضي الله عنه من رواية الزهري # " عن أبي سلمة عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة ~~الوحي فقال لي في حديثه: فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت ~~رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثثت ~~منه رعبا فقلت زملوني زملوني فدثروني فأنزل الله عز وجل { يا أيها ~~المدثر } إلى { والرجز فاهجر } " # وفي رواية # " فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي " # وذكره وفيه قال أبو سلمة الرجز الأوثان قال ثم حمى الوحي بعد وتتابع. ~~فإن قلت دل هذا الحديث على أن سورة المدثر أول ما نزل من القرآن، ويعارضه ~~حديث عائشة رضي الله عنها المخرج في الصحيحين أيضا في بدء الوحي، وسيأتي ~~في موضعه إن شاء الله تعالى وفيه # " فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: { اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق } ، حتى بلغ - { ما لم يعلم } - فرجع بها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يرجف فؤاده " # الحديث. قلت الصواب الذي عليه جمهور العلماء أن أول ما نزل من القرآن ~~على الإطلاق { اقرأ باسم ربك الذي خلق } ، كما ms3247 صرح به في حديث عائشة، ~~وقول من قال إن سورة المدثر أول ما نزل من القرآن على الإطلاق ضعيف لا ~~يعتد به، وإنما كان نزولها بعد فترة الوحي كما صرح به في رواية الزهري ~~عن أبي سلمة عن جابر، ويدل عليه أيضا قوله في الحديث وهو يحدث عن فترة ~~الوحي إلى أن قال وأنزل الله تعالى يا أيها المدثر ويدل عليه أيضا قوله # " فإذا الملك الذي جاءني بحراء ثم قال وأنزل الله تعالى: يا أيها المدثر ~~" # وأيضا قوله " ثم حمي الوحي بعد وتتابع " فالصواب إن أول ما نزل من ~~القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة # اقرأ باسم ربك الذي خلق # [العلق: 1] وإن أول ما نزل بعد فترة الوحي سورة المدثر فحصل بهذا الذي ~~بيناه الجمع بين الحديثين، والله أعلم قوله " فإذا هو قاعد على عرش بين ~~السماء والأرض " يريد به السرير الذي يجلس عليه وقوله يحدث عن فترة ~~الوحي، أي عن احتباسه وعدم تتابعه، وتواليه في النزول قوله " فجئثت منه " ~~روى بجيم مضمومة ثم همزة مكسورة ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم تاء الضمير وروى ~~بثاءين مثلثتين بعد الجيم، ومعناه فرعبت منه وفزعت. وقوله " وحمي الوحي ~~بعد وتتابع " أي كثر نزوله، وازداد بعد فترته من قولهم حميت الشمس ~~والنار إذا ازداد حرهما، وقوله وصبوا علي ماء فيه أنه ينبغي لمن فزع أن ~~يصب عليه ماء حتى يسكن فزعه والله أعلم. وأما التفسير فقوله عز وجل: يا ~~أيها المدثر أصله المتدثر وهو الذي يتدثر في ثيابه ليستدفىء بها، وأجمعوا ~~على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما سماه مدثرا لقوله صلى الله ~~عليه وسلم دثروني، وقيل معناه يا أيها المدثر بدثار النبوة والرسالة ~~من قولهم ألبسه الله لباس التقوى، فجعل النبوة كالدثار واللباس، مجازا ~~{ قم فأنذر } أي حذرهم من عذاب ربك إن لم يؤمنوا والمعنى قم من مضجعك ~~ودثارك، وقيل قم قيام عز واشتغل بالإنذار الذي تحملته { وربك فكبر } أي ~~عظم ربك عما يقوله عبدة الأوثان { وثيابك فطهر ms3248 } فيه أربعة أوجه: أحدها ~~أن ينزل لفظ الثياب والتطهير على الحقيقة، والثاني أن ينزل لفظ الثياب ~~على الحقيقة والتطهير على المجاز والثالث أن ينزل لفظ الثياب على ~~المجاز، والتطهير على الحقيقة والرابع أن ينزل لفظ الثياب والتطهير ~~على المجاز. أما الوجه الأول: فمعناه وثيابك فطهر من النجاسات ~~والمستقذرات، وذلك أن المشركين لم يكونوا يحترزون عنها فأمر صلى الله ~~عليه وسلم بصون ثيابه من النجاسات، وغيرها خلافا للمشركين. الوجه ~~الثاني: معناه وثيابك فقصر وذلك لأن المشركين كانوا يطولون ثيابهم ويجرون ~~أذيالهم على النجاسات وفي الثوب الطويل من الخيلاء والكبر والفخر ما ~~ليس في الثوب القصير فنهى عن تطويل الثوب وأمر بتقصيره لذلك، وقيل معناه ~~وثيابك فطهر عن أن تكون مغصوبة أو محرمة بل تكون من وجه حلال وكسب طيب. ~~الوجه الثالث: معناه حمل الثوب على النفس قال عنترة: # وشككت بالرمح الأصم ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم # يريد نفسه والمعنى ونفسك فطهر عن الذنوب والريب وغيره وكنى بالثياب عن ~~الجسد لأنها تشتمل عليه. # الوجه الرابع: وهو حمل الثياب والتطهير على المجاز، فقيل معناه وقلبك ~~فطهر عن الصفات المذمومة، وقيل معناه وخلقك فحسن وسئل ابن عباس عن قوله، ~~وثيابك فطهر فقال: لا تلبسها على معصية ولا غدر أما سمعت قول غيلان بن ~~سلمة الثقفي: # وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع # والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء هو طاهر الثياب، وتقول لمن ~~غدر إنه لدنس الثوب، والسبب في ذلك أن الثوب كالشيء الملازم للإنسان ~~فلهذا جعلوه كناية عن الإنسان كما يقال الكرم في ثوبه والعفة في أزاره، ~~وقيل إن من طهر باطنه طهر ظاهره. وقوله تعالى: { والرجز فاهجر } يعني ~~أترك الأوثان ولا تقربها وقال ابن عباس: اترك المآثم، وقيل الشرك ~~والمعنى اترك ما أجب لك العذاب من الأعمال والأقوال. ### || [74.6-14] # { ولا تمنن تستكثر } يعني لا تعط مالك مصانعة لتعطي أكثر منه هذا قول ~~أكثر المفسرين وهذا النهي مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم وإنما نهى عن ~~ذلك ms3249 تنزيها لمنصب النبوة لأن من أعطى شيئا لغيره يطلب منه الزيادة عليه ~~لا بد وأن يتواضع لذلك الذي أعطاه، ومنصب النبوة بحل عن ذلك وهذا غير ~~موجود في حق الأمة، فيجوز لغيره من الأمة ذلك كما قيل هما رباءان حلال ~~وحرام فالحلال الهدية يهديها الرجل لغيره ليعطيه أكثر منها وأما الحرام ~~فالربا المحرم بنص الشرع، وقيل معناه لا تعط شيئا لمجازاة الدنيا أعط ~~الله وأراد به وجه الله وقيل معناه لا تمنن على الله بعملك فتستكثره، ولا ~~يكثرن عملك في عينك فإنه مما أنعم الله به عليك وأعطاك. وقيل معناه لا ~~تمنن على أصحابك بما تعلمهم من أمر الدين وتبلغهم من أمر الوحي كالمستكثر ~~بذلك عليهم، وقيل لا تمنن عليهم بنبوتك فتأخذ منهم على ذلك أجرا تستكثر ~~به، وقيل معناه لا تمنن لا تضعف عن الخير تستكثر منه، وقيل معناه لا تمنن ~~على الناس بما تنعم عليهم وتعطيهم استكثارا منك لتلك العطية، فإن المن ~~يحبط العمل { ولربك فاصبر } أي على طاعته وأوامره ونواهيه لأجل ثواب الله ~~تعالى وقيل معناه فاصبر لله على ما أوذيت فيه، وقيل معناه إنك حملت أمرا ~~عظيما فيه محاربة العرب والعجم، فاصبر على ذلك لله عز وجل، وقيل معناه ~~فاصبر تحت موارد القضاء لأجل الله { فإذا نقر في الناقور } أي نفخ في ~~الصور وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل وهي النفخة الأولى، وقيل الثانية ~~وهو الأصح { فذلك يومئذ } يعني يوم النفخة وهو يوم القيامة { يوم عسير } ~~أي شديد { على الكافرين } يعني يعسر عليهم في ذلك اليوم الأمر، فيعطون ~~كتبهم بشمائلهم وتسود وجوههم { غير يسير } أي غير هين. فإن قلت ما فائدة ~~قوله غير يسير وعسير مغن عنه. قلت: فائدة التكرار التأكيد كقوله: أنا ~~محب لك غير مبغض، وقيل لما كان على الكافرين غير يسير دل على أنه يهون ~~على المؤمنين بخلاف الكفار فإنه عليهم عسير لا يسر فيه ليزداد غيظ ~~الكافرين وبشارة المؤمنين قوله تعالى: { ذرني ومن خلقت وحيدا } أي خلقته ~~في بطن أمه وحيدا فريدا ms3250 لا مال له ولا ولد، وقيل معناه خلقته وحدي لم ~~يشاركني في خلقه أحد، والمعنى ذرني وإياه، فأنا أكفيكه نزلت هذه الآية ~~في الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان يسمى الوحيد في قومه. { وجعلت له ~~مالا ممدودا } أي كثير يمد بعضه بعضا دائما غير منقطع، وقيل ما يمد ~~بالنماء كالزرع والضرع والتجارة واختلفوا في مبلغه، فقيل كان ألف دينار ~~وقيل أربعة آلاف درهم، وقيل ألف ألف وقال ابن عباس: تسعة آلاف مثقال فضة ~~وعنه كان له بين مكة والطائف إبل وخيل ونعم، وكان له غنم كثيرة وعبيد ~~وجوار: وقيل كان له بستان بالطائف لا تنقطع ثماره شتاء ولا صيفا، وقيل ~~كان له غلة شهر بشهر، { وبنين شهودا } أي حضورا بمكة لا يغيبون عنه ~~لأنهم كانوا أغنياء غير محتاجين إلى الغيبة لطلب الكسب، وقيل معنى شهودا ~~أي رجالا يشهدون معه المحافل والمجامع، قيل كانوا عشرة وقيل سبعة وهم ~~الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص وقيس وعبد شمس أسلم منهم ~~ثلاثة نفر خالد وهشام وعمارة { ومهدت له تمهيدا } أي بسطت له في العيش ~~وطول العمر بسطا مع الجاه العريض والرياسة في قومه، وكان الوليد من ~~أكابر قريش وكان يدعى ريحانة قريش. ### || [74.15-18] # { ثم يطمع } أي يرجو { أن أزيد } أي أزيده مالا وولدا وتمهيدا { كلا ~~} أي لا أفعل ولا أزيده قالوا فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في ~~نقصان ماله وولده حتى هلك { إنه كان لآياتنا عنيدا } أي معاندا والمعنى ~~أنه كان معاندا في جميع دلائل التوحيد والقدرة والبعث والنبوة منكرا ~~للكل، وقيل كان كفره كفر عناد وهو أنه كان يعرف هذا بقلبه وينكره بلسانه ~~وهو أقبح الكفر وأفحشه { سأرهقه صعودا } يعني سأكلفه مشقة من العذاب لا ~~راحة له فيها، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " الصعود عقبة في النار يتصعد فيها الكافر سبعين خريفا ثم يهوي فيها ~~سبعين خريفا فهو كذلك أبدا " # أخرجه الترمذي. وقال حديث غريب وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ms3251 أبي سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سأرهقه صعودا. قال هو جبل ~~من نار يكلف أن يصعده فإذا وضع يده ذابت فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله ~~ذابت فإذا رفعها عادت وقال الكلبي: الصعود صخرة ملساء في النار يكلف ~~الكافر أن يصعدها لا يترك يتنفس في صعوده يجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ~~ويضرب من خلفه بمقامع من حديد فيصعدها في أربعين عاما، فإذا بلغ ذروتها ~~أحدر إلى أسفلها، ثم يكلف أن يصعدها يجذب من أمامه، ويضرب من خلفه فذلك ~~دأبه أبدا قوله عز وجل { إنه فكر وقدر } أي فكر في الأمر الذي يريده ~~ونظر فيه وتدبره ورتب في قلبه كلاما، وهيأه لذلك لأمر وهو المراد بقوله ~~{ وقدر } أي وقدر ذلك الكلام في قلبه وذلك أن الله تعالى لما أنزل على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم # حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم # [غافر: 1-2] إلى قوله # المصير # [غافر: 3] قام النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد يصلي والوليد بن ~~المغيرة قريب منه يسمع قراءته فلما فطن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لاستماعه أعاد قراءة الآية فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم ~~فقال والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من ~~كلام الجن، والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن ~~أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلي ثم انصرف إلى منزله فقالت قريش صبأ ~~والله الوليد ولتصبون قريش كلهم فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه فانطلق حتى ~~جلس إلى جنب الوليد حزينا فقال له الوليد ما لي أراك حزينا يا ابن أخي؟ ~~فقال وما يمنعني أن لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على كبر ~~سنك، ويزعمون أنك زينت كلام محمد، وأنك تدخل على ابن أبي كبشة، وابن أبي ~~قحافة لتنال من فضل طعامهم. # فغضب الوليد وقال: ألم تعلم قريش أني من أكثرهم مالا وولدا؟ وهل شبع ~~محمد وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل ms3252 طعام ثم قام مع أبي جهل حتى أتى ~~مجلس قومه، فقال لهم تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يخنق قط؟ قالوا ~~اللهم لا، قال تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه قط تكهن؟ قالوا اللهم لا ~~قال تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه ينطق بشعر قط؟ قالوا اللهم لا قال ~~تزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئا من الكذب، قالوا اللهم لا وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى الأمين قبل النبوة لصدقه، فقالت قريش ~~للوليد فما هو فتفكر في نفسه، ثم قال ما هو إلا ساحر أما رأيتموه يفرق ~~بين الرجل، وأهله، وولده، ومواليه فهو ساحر وما يقوله سحر يؤثر. فذلك ~~قوله عز وجل: { إنه فكر } أي في أمر محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ~~وقدر في نفسه ماذا يمكنه أن يقول في محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. ### || [74.19-29] # { فقتل كيف قدر } أي عذب، وقيل لعن كيف قدر وهو على طريق التعجب ~~والإنكار والتوبيخ { ثم قتل كيف قدر } كرره للتأكيد، وقيل معناه لعن على ~~أي حال قدر من الكلام { ثم نظر } أي في طلب ما يدفع به القرآن ويرده { ثم ~~عبس وبسر } أي كلح وقطب وجهه كالمهتم المتفكر في شيء يدبره { ثم أدبر } ~~أي عن الإيمان { واستكبر } أي حين دعى إليه { فقال إن هذا } الذي يقوله ~~محمد ويقرؤه { إلا سحر يؤثر } يروى ويحكى عن السحرة { إن هذا إلا قول ~~البشر } يعني يسارا وجبرا فهو يأثره عنهما الله قال الله تعالى: { ~~سأصليه } أي سأدخله { سقر } هو اسم من أسماء جهنم وقيل آخر دركاتها { ~~وما أدراك ما سقر } أي وما أعلمك أي شيء هي سقر، وإنما ذكره على سبيل ~~التهويل والتعظيم لأمرها { لا تبقي ولا تذر } قيل هما بمعنى كما تقول ~~صد عني وأعرض عني وقيل لا بد من الفرق وإلا لزم التكرار فقيل معناه لا ~~تبقى أحدا من المستحقين للعذاب إلا أخذته، ثم لا تذر من لحوم أولئك ~~شيئا إلا أكلته وأهلكته، وقيل لا يموت فيها ولا يحيا أي لا تبقى ms3253 من فيها ~~حيا ولا تذر من فيها ميتا كلما احترقوا جددوا وأعيدوا، وقيل لا تبقى ~~لهم لحما ولا تذر منهم عظما، وقيل لكل شيء ملال وفترة إلا جهنم ليس لها ~~ملال ولا فترة فهي لا تبقى عليهم ولا تذرهم { لواحة للبشر } جمع بشرة أي ~~مغيرة للجلد حتى تجعله أسود قال مجاهد: تلفح الجلد حتى تدعه أشد سوادا ~~من الليل وقال ابن عباس: محرقة للجلد، وقيل تلوح لهم جهنم حتى يروها ~~عيانا. ### || [74.30-32] # { عليها تسعة عشر } أي على النار تسعة عشر من الملائكة وهم خزنتها مالك ~~ومعه ثمانية عشر جاء في الأثر " إن أعينهم كالبرق الخاطف وأنيابهم ~~كالصياصي يخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة قد ~~نزعت منهم الرحمة يدفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم " ~~وقال عمرو بن دينار: إن أحدهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ~~ربيعة ومضر وقال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية. قال أبو جهل: لقريش ~~ثكلتكم أمهاتكم أسمع من ابن أبي كبشة يخبر أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم ~~الدهم يعني الشجعان أفيعجز كل عشر منكم أن تبطش بواحد منهم يعني خزنة ~~جهنم، فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة بن خلف الجمحي أنا أكفيكم منهم ~~سبعة عشر عشرة على ظهري، وسبعة على بطني، واكفوني أنتم اثنين ويروى عنه ~~أنه قال أنا أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن وتسعة ~~بمنكبي الأيسر في النار ونمضي فندخل الجنة. فأنزل الله تعالى: { وما ~~جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة } يعني لا رجالا آدميين فمن ذا يغلب ~~الملائكة وإنما جعلهم ملائكة ليكونوا من غير جنس المعذبين وأشد منهم لأن ~~الجنسية مظنة الرأفة والرحمة { وما جعلنا عدتهم } أي عددهم في القلة { ~~إلا فتنة للذين كفروا } أي ضلالة لهم حتى قالوا ما قالوا، وقيل فتنتهم هي ~~قولهم لم لم يكونوا عشرين، وما الحكمة في تخصيص هذا العدد وقيل فتنتهم هي ~~قولهم كيف يقدر هذا العدد، القليل على تعذيب جميع من في النار. ms3254 وأجيب عن ~~قولهم لم لم يكونوا عشرين بأن أفعال الله تعالى لا تعلل ولا يقال فيها ~~لم، وتخصيص الزبانية بهذا العدد لأمر اقتضته الحكمة، وقيل وجه الحكمة في ~~كونهم تسعة عشر أن هذا العدد يجمع أكثر القليل، وأقل الكثير، ووجه ذلك أن ~~الآحاد أقل الأعداد وأكثرها تسعة، وأقل الكثير عشرة فوقع الاقتصار على ~~عدد يجمع أقل الكثير وأكثر القليل لهذه الحكمة، وما سوى ذلك من الأعداد ~~فكثير لا يدخل تحت الحصر. وأجيب عن قولهم كيف يقدر هذا العدد القليل على ~~تعذيب جميع أهل النار، وذلك بأن الله جل جلاله يعطي هذا القليل من ~~القوة والقدرة ما يقدرون به على ذلك، فمن اعترف بكمال قدرة الله، وأنه ~~على كل شيء قدير وأن أحوال القيامة على خلاف أحوال الدنيا زال عن قلبه ~~هذا الاستبعاد بالكلية. { ليستيقن الذين أوتوا الكتاب } يعني أن هذا ~~العدد مكتوب في التوراة والإنجيل أنهم تسعة عشر { ويزداد الذين آمنوا ~~إيمانا } يعني من آمن من أهل الكتاب يزدادون تصديقا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، وذلك أن العدد كان موجودا في كتابهم وأخبر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم على وفق ما عندهم من غير سابقة دراسة، وتعلم علم إنما حصل ~~له ذلك بالوحي السماوي، فازدادوا بذلك إيمانا وتصديقا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم: { ولا يرتاب } أي ولا يشك { الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون } ~~يعني في عددهم وإنما قال ولا يرتاب وإن كان الاستيقان يدل على نفي ~~الارتياب ليجمع لهم بين إثبات اليقين ونفي الشك، وذلك أبلغ وآكد لأن فيه ~~تعريضا بحال غيرهم كأنه قال: وليخالف حالهم حال الناس المرتابين من أهل ~~الكفر، والنفاق { وليقول الذين في قلوبهم مرض } أي شك ونفاق { والكافرون ~~} أي مشركو مكة. # فإن قلت لم يكن بمكة نفاق فكيف قال، وليقول الذين في قلوبهم مرض وهم ~~المنافقون وهذه السورة مكية. قلت لأنه كان في علم الله تعالى أن النفاق ~~سيحدث فأخبره عما سيكون وهو كسائر الإخبار بالغيوب فعلى هذا تصير الآية ~~معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ms3255 لأنه إخبار عن غيب سيقع وقد وقع على وفق ~~الخبر، وقيل يحتمل أن يراد بالذين في قلوبهم مرض أهل مكة لأن فيهم من هو ~~شاك وفيهم من هو قاطع بالكذب { ماذا أراد الله بهذا مثلا } يعني أي شيء ~~أراد الله بهذا المثل العجيب، وإنما سموه مثلا لأنه استعارة من المثل ~~المضروب لأنه مما غرب من الكلام وبدع استغرابا منهم لهذا العقد ~~واستبعادا له، والمعنى أي غرض قصد في جعل الملائكة تسعة عشرة لا عشرين ~~ومرادهم بذلك إنكار هذا من أصله وإنه ليس من عند الله فلهذا سموه مثلا { ~~كذلك } أي كما أضل من أنكر عدد الخزنة وهدى من صدق به كذلك { يضل الله من ~~يشاء ويهدي من يشاء } لأن الله تعالى بيده الهداية والإضلال { وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو } هذا جواب لأبي جهل حين قال: أما لمحمد أعوان إلا تسعة ~~عشر، والمعنى أن الخزنة تسعة عشر، ولهم أعوان وجنود من الملائكة لا يعلم ~~عددهم إلا الله تعالى خلقوا لتعذيب أهل النار وقيل كما أن مقدورات الله ~~تعالى غير متناهية فكذلك جنوده غير متناهية، { وما هي } يعني النار { إلا ~~ذكرى للبشر } أي إلا تذكرة وموعظة للناس، وقيل ما هي يعني آيات القرآن ~~ومواعظه إلا تذكرة للناس يتعظون بها { كلا } أي لا يتعظون ولا يتذكرون، ~~وقيل معناه ليس الأمر كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابه خزنة النار وقيل ~~كلا هنا بمعنى حقا { والقمر }. ### || [74.33-41] # { والليل إذ أدبر } أي ولى ذاهبا، وقيل دبر بمعنى أقبل تقول العرب ~~دبرني فلان أي جاء خلفي فالليل يأتي خلف النهار { والصبح إذا أسفر } أي ~~أضاء وتبين وهذا قسم وجوابه { إنها لإحدى الكبر } يعني إن سقر لإحدى ~~الأمور العظام، وقيل أراد بالكبر دركات النار وهي سبعة جهنم ولظى ~~والحطمة والسعير وسقر والجحيم والهاوية { نذيرا للبشر } قيل يحتمل أن ~~يكون نذيرا صفة للنار، والمعنى أن النار نذير للبشر قال الحسن: والله ~~ما أنذر بشيء أدهى من النار، وقيل يجوز أن يكون نذيرا صفة لله تعالى، ~~والمعنى أنا ms3256 لكم منها نذير فاتقوها وقيل هو صفة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ومعناه يا أيها المدثر قم نذيرا للبشر فأنذر { لمن شاء منكم أن يتقدم أو ~~يتأخر } أي يتقدم في الخير والطاعة أو يتأخر عنهما فيقع في الشر ~~والمعصية، والمعنى أن الإنذار قد حصل لكل واحد ممن آمن أو كفر، وقد تمسك ~~بهذه الآية من يرى أن العبد غير مجبور على الفعل وأنه متمكن من فعل نفسه. ~~وأجيب عنه بأن مشيئته تابعة لمشيئة الله تعالى وقيل إضافة المشيئة إلى ~~المخاطبين على سبيل التهديد كقوله # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40] وقيل هذه المشيئة لله تعالى، والمعنى لمن شاء منكم أن يتقدم ~~أو يتأخر. قوله تعالى: { كل نفس بما كسبت رهينة } أي مرتهنة في النار ~~بكسبها ومأخوذة بعملها { إلا أصحاب اليمين } فإنهم غير مرتهنين بذنوبهم ~~في النار، ولكن الله يغفرها لهم، وقيل معناه فكوا رقاب أنفسهم بأعمالهم ~~الحسنة كما يفك الراهن رهنه بأداء الحق الذي عليه. واختلفوا في أصحاب ~~اليمين من هم فقيل هم المؤمنون المخلصون، وقيل هم الذين يعطون كتبهم ~~بإيمانهم، وقيل هم الذين كانوا على يمين آدم يوم أخذ الميثاق وحين قال ~~الله تعالى لهم: # " هؤلاء في الجنة ولا أبالي " # وقيل هم الذين كانوا ميامين أي مباركين على أنفسهم، وروى عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه أنهم أطفال المسلمين وهو أشبه بالصواب لأن الأطفال لم ~~يكتسبوا إثما يرتهنون به وعن ابن عباس قال هم الملائكة { في جنات } أي ~~هم في بساتين { يتساءلون عن المجرمين } أي يتساءلون المجرمين وعن صلة ~~فيقولون لهم. ### || [74.42-51] # { ما سلككم في سقر } قيل وهذا يقوي قول من قال إن أصحاب اليمين هم ~~الأطفال لأنهم لم يعرفوا الذنوب التي توجب النار، وقيل معناه يسأل بعضهم ~~بعضا عن المجرمين، فعلى هذا التفسير يكون معنى ما سلككم، أي يقول ~~المسؤولون للسائلين قلنا للمجرمين ما سلككم، أي أدخلكم وقيل ما حبسكم في ~~سقر، وهذا سؤال توبيخ وتقريع { قالوا } مجيبين لهم { لم نك من المصلين } ~~أي لله في الدنيا { ولم ms3257 نك نطعم المسكين } أي لم نتصدق عليه { وكنا نخوض ~~مع الخائضين } أي في الباطل { وكنا نكذب بيوم الدين } أي بيوم الجزاء على ~~الأعمال وهو يوم القيامة { حتى أتانا اليقين } يعني الموت قال الله ~~تعالى: { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } قال ابن مسعود: تشفع الملائكة ~~والنبيون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين فلا يبقى في النار إلا ~~أربعة ثم تلا { قالوا لم نك من المصلين } الآية، وقال عمران بن حصين: ~~الشفاعة نافعة لكل أحد دون هؤلاء الذين تسمعون. روى البغوي بسنده عن أنس ~~رضي الله تعالى عنه قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يصف أهل النار فيعذبون قال فيمر ~~بهم الرجل من أهل الجنة، فيقول للرجل منهم يا فلان فيقول ما تريد فيقول ~~أما تذكر رجلا سقاك شربة يوم كذا وكذا قال فيقول وإنك لأنت هو فيقول نعم ~~فيشفع له فيشفع فيه قال، ثم يمر بهم الرجل من أهل الجنة فيقول يا فلان ~~فيقول ما تريد فيقول أما تذكر رجلا وهب لك وضوءا يوم كذا وكذا، فيقول ~~وإنك لأنت هو فيقول نعم فيشفع له فيشفع فيه " " # { فما لهم عن التذكرة معرضين } أي عن مواعظ القرآن { كأنهم حمر } جمع ~~حمار { مستنفرة } قرىء بالكسر أي نافرة وقرىء بالفتح أي منفرة مذعورة ~~محمولة على النفار { فرت من قسورة } قيل القسورة جماعة الرماة لا واحد ~~له من لفظه، وهي رواية عن ابن عباس وعنه أنها القناص وعنه قال: هي حبال ~~الصيادين، وقيل معناه فرت من رجال أقوياء وكل ضخم شديد عند العرب قسورة ~~وقسور وقيل القسورة لغط القوم وأصواتهم وقيل القسورة شدة سواد ظلمة ~~الليل وقال أبو هريرة: هي الأسد وذلك لأن الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد ~~هربت فكذلك هؤلاء المشركون إذا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ~~القرآن هربوا منه شبههم بالحمر في البلادة والبله، وذلك أنه لا يرى مثل ~~نفار حمر الوحش إذا خافت من شيء. ### || [74.52-56] # { بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة } قال المفسرون إن كفار ~~قريش قالوا لرسول ms3258 الله صلى الله عليه وسلم ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب ~~منشور من الله أنك رسوله نؤمر فيه باتباعك، وقيل إن المشركين قالوا يا ~~محمد بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح، وعند رأسه ذنبه وكفارته ~~فأتنا بمثل ذلك { كلا } أي لا يؤتون الصحف وهو ردع لهم عن هذه الاقتراحات ~~{ بل لا يخافون الآخرة } أي لا يخافون عذاب الآخرة والمعنى أنهم لو خافوا ~~النار لما اقترحوا هذه الآيات بعد قيام الأدلة، لأنه لما حصلت المعجزات ~~الكثيرة كفت في الدلالة على صحة النبوة فطلب الزيادة يكون من باب ~~التعنت { كلا } أي حقا { إنه تذكرة } يعني إنه عظة عظيمة { فمن شاء ذكره ~~} أي اتعظ به فإنما يعود نفع ذلك عليه { وما يذكرون إلا أن يشاء الله } ~~أي إلا أن يشاء الله لهم الهدى فيتذكروا ويتعظوا { هو أهل التقوى وأهل ~~المغفرة } أي هو حقيق بأن يتقيه عباده ويخافوا عقابه فيؤمنوا به ويطيعوه، ~~وهو حقيق بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم وذنوبهم وقيل هو أهل أن تتقى ~~محارمه، وأهل أن يغفر لمن اتقاه عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال في هذه الآية: # " هو أهل التقوى وأهل المغفرة قال الله تبارك، وتعالى أنا أهل أن أتقى ~~فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له " # أخرجه الترمذي، وقال حديث غريب وفي إسناده سهيل بن عبد الله القطيعي ~~وليس بالقوي في الحديث وقد تفرد به عن ثابت، والله تعالى أعلم بمراده. ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-3] # قوله عز وجل: { لا أقسم بيوم القيامة } اتفقوا على أن المعنى أقسم، ~~واختلفوا في لفظ لا فقيل إدخال لفظة لا على القسم مستفيض في كلام العرب ~~وأشعارهم، قال امرؤ القيس: # لا وأبيك ابنة العامري لا يدعي القوم أني أفر # قالوا: وفائدتها تأكيد القسم كقولك لا والله ما ذاك كما تقول تريد والله ~~فيجوز حذفها. لكنه أبلغ في الرد مع إثباتها، وقيل إنها صلة كقول الله ~~تعالى: { لئلا يعلم أهل ms3259 الكتاب } وفيه ضعف لأنها لا تزاد إلا في وسط ~~الكلام لا في أوله. وأجيب عنه بأن القرآن في حكم السورة الواحدة بعضه ~~متصل ببعض يدل عليه أنه قد يجيء ذكر الشيء في سورة، ويذكر جوابه في سورة ~~أخرى كقوله: # يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون # [الحجر: 6] وجوابه في سورة # ما أنت بنعمة ربك بمجنون # [القلم: 2] وإذا كان كذلك كان أول هذه السورة جاريا مجرى الوسط وفيه ~~ضعف أيضا لأن القرآن في حكم السورة الواحدة في عدم التناقض لا أن تقرن ~~سورة بما بعدها فذلك غير جائز، وقيل لا رد لكلام المشركين المنكرين للبعث ~~أي ليس الأمر كما زعموا، ثم ابتدأ فقال أقسم بيوم القيامة وأقسم بالنفس ~~اللوامة، وقيل الوجه فيه أن يقال إن لا هي للنفي، والمعنى في ذلك كأنه ~~قال لا أقسم بذلك اليوم ولا بتلك النفس إلا إعظاما لهما فيكون الغرض ~~تعظيم المقسم به وتفخيم شأنه، وقيل معناه لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات ~~هذا المطلوب فإنه إثباته أظهر من أن يقسم عليه. وروى البغوي في تفسير ~~القيامة عن المغيرة بن شعبة قال: يقولون القيامة وقيامة أحدهم موته وشهد ~~علقمة جنازة فلما دفنت قال أما هذا فقد قامت قيامته وفيه ضعف لاتفاق ~~المفسرين على أن المراد به القيامة الكبرى لسياق الآيات في ذلك. وقوله { ~~ولا أقسم بالنفس اللوامة } قيل هي التي تلوم على الخير والشر ولا تصبر ~~على السراء والضراء، وقيل اللوامة هي التي تندم على ما فات فتقول لو فعلت ~~ولو لم تفعل وقيل ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت ~~عملت خيرا تقول هلا ازددت وإن عملت شرا تقول يا ليتني لم أفعل وقال ~~الحسن: هي نفس المؤمن إن المؤمن ما تراه إلا يلوم نفسه ما أردت بكلامي ما ~~أردت بأكلي، وإن الكافر يمضي ولا يحاسب نفسه، ولا يعاتبها، وقيل هي ~~النفس الشريفة التي تلوم النفوس العاصية يوم القيامة بسبب ترك ~~التقوى، وقيل هي النفس الشريفة التي لا تزال ms3260 تلوم نفسها وإن اجتهدت في ~~الطاعة وقيل هي النفس الشقية العاصية يوم القيامة بسبب ترك التقوى، ~~وقيل هي النفس الشقية تلوم نفسها حين تعاين أهوال يوم القيامة فتقول # يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله # [الزمر: 56] فإن قلت أي مناسبة بين يوم القيامة، وبين النفس اللوامة ~~حتى جمع بينهما في القسم. قلت وجه المناسبة أن في يوم القيامة تظهر أحوال ~~النفوس اللوامة من الشقاوة أو السعادة فلهذا حسن الجمع بينهما في القسم ~~وقيل إنما وقع القسم بالنفس اللوامة على معنى التعظيم لها من حيث إنها ~~أبدا تستحقر فعلها واجتهادها في طاعة الله تعالى وقيل إنه تعالى أقسم ~~بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة فكأنه قال أقسم بيوم القيامة ~~تعظيما لها ولا أقسم بالنفس اللوامة تحقيرا لها لأن النفس الكافرة أو ~~الفاجرة لا يقسم بها، فإن قلت المقسم به هو يوم القيامة، والمقسم عليه هو ~~يوم القيامة، فيصير حاصله أنه أقسم بيوم القيامة على وقوع القيامة وفيه ~~إشكال. قلت إن المحققين قالوا: القسم بهذه الأشياء قسم بربها في الحقيقة، ~~فكأنه قال أقسم برب القيامة، وقيل لله تعالى أن يقسم بما يشاء من خلقه ~~وجواب القسم محذوف تقديره لتبعثن ثم لتحاسبن يدل عليه قوله تعالى: { ~~أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه } ### || [75.4-5] # { بلى قادرين على أن نسوي بنانه } ومعنى أيحسب الإنسان أيظن هذا الكافر ~~أن العظام بعد تفرقها ورجوعها رميما، ورفاتا مختلطة بالتراب وبعد ما ~~نسفتها الريح فطيرتها في أباعد الأرض أن لن نجمع عظامه، أي لا يمكننا ~~جمعها مرة أخرى وكيف خطر بباله هذا الخاطر الفاسد، وما علم أن القادر على ~~الإبداء قادر على الإعادة نزلت هذه الآية في عدي بن ربيعة حليف بني زهرة ~~وهو ختن الأخنس بن شريق الثقفي وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول # " اللهم اكفني جاري السوء " # يعني عديا والأخنس وذلك أن عديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~يا محمد حدثني متى تكون القيامة وكيف أمرها وحالها فأخبره النبي صلى الله ~~عليه وسلم ms3261 فقال عدي بن ربيعة لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك، ولم أؤمن بك ~~أو يجمع الله العظام فأنزل الله عز وجل. أيحسب الإنسان يعني هذا الكافر ~~أن لن نجمع عظامه يعني بعد التفرق والبلاء فنحييه ما كان أول مرة، وقيل ~~ذكر العظام وأراد بها نفسه جميعها لأن العظام قالب النفوس، ولا يستوي ~~الخلق إلا باستوائها، وقيل إنما خرج على وفق قول هذا المنكر، أو يجمع ~~الله العظام بلى قادرين يعني على جمع عظامه، وتأليفها وإعادتها إلى ~~التركيب الأول والحالة، والهيئة الأولى وعلى ما هو أعظم من ذلك، وهو أن ~~نسوي بنانه يعني أنامله فنجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف ~~البعير، أو كحافر الحمار، فلا يقدر أن يرتفق بها بالقبض والبسط والأعمال ~~اللطيفة كالكتابة والخياطة وغيرهما، وقيل معناه أظن الكافر أن لن نقدر ~~على عظامه بلى نقدر على جمع عظامه حتى نعيد السلاميات على صغرها إلى ~~أماكنها، ونؤلف بينها حتى نسوي البنان فمن يقدر على جمع العظام الصغار، ~~فهو على جمع كبارها أقدر وهذا القول أقرب إلى الصواب، وقيل إنما خص ~~البنان بالذكر لأنه آخر ما يتم به الخلق. قوله تعالى: { بل يريد الإنسان ~~ليفجر أمامه } أي ليدوم على فجوره فيما يستقبله من الزمان ما عاش لا ينزع ~~عن المعاصي ولا يتوب وقال سعيد بن جبير يقدم الذنب ويؤخر التوبة، ويقول ~~سوف أتوب سوف أعمل حتى يأتيه الموت وهو على سوء حاله وشر أعماله، وقيل هو ~~طول الأمل يقول أعيش فأصيب من الدنيا كذا وكذا ولا يذكر الموت وقال ابن ~~عباس: يكذب بما أمامه من البعث والحساب، وأصل الفجور الميل وسمي الكافر ~~والفاسق فاجرا لميله عن الحق. ### || [75.6-13] # { يسأل أيان يوم القيامة } أي متى يكون يوم القيامة والمعنى أن الكافر ~~يسأل سؤال متعنت مستبعد لقيام الساعة قال الله تعالى: { فإذا برق البصر ~~} أي شخص البصر عند الموت فلا يطرف مما يرى من العجائب التي كان يكذب بها ~~في الدنيا، وقيل تبرق أبصار الكفار عند رؤية جهنم، وقيل برق إذا فزع ms3262 ~~وتحير لما يرى من العجائب، وقيل برق أي شق عينه وفتحها من البريق وهو ~~التلألؤ { وخسف القمر } أي أظلم وذهب ضوءه، { وجمع الشمس والقمر } يعني ~~أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران، وقيل يجمع بينهما في ذهاب الضوء، ~~وقيل يجمعان ثم يقذفان في البحر فهناك نار الله الكبرى { يقول الإنسان } ~~يعني الكافر المكذب { يومئذ } أي القيامة { أين المفر } أي المهرب وهو ~~موضع الفرار { كلا } أي لا ملجأ لهم يهربون إليه وهو قوله { لا وزر } أي ~~لا حرز ولا ملجأ ولا جبل، وكانوا إذا فزعوا لجؤوا إلى الجبل فتحصنوا به، ~~فقيل لهم لا جبل لكم يومئذ تتحصنون به وأصل الوزر الجبل المنيع، وكل ما ~~التجأت إليه وتحصنت به فهو وزر ومنه قول كعب بن مالك. # الناس آلت علينا فيك ليس لنا إلا السيوف وأطراف القنا وزر # ومعنى الآية أنه لا شيء يعصمهم من أمر الله تعالى لا حصن ولا جبل يوم ~~القيامة يستندون إليه من النار { إلى ربك يومئذ المستقر } يعني مستقر ~~الخلق وقال عبد الله بن مسعود: إليه المصير والمرجع وهو بمعنى الاستقرار، ~~وقيل إلى ربك مستقرهم أي موضع قرارهم من جنة أو نار، وذلك مفوض إلى ~~مشيئته فمن شاء أدخله الجنة برحمته ومن شاء أدخله النار بعدله { ينبأ ~~الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } قال ابن مسعود وابن عباس: بما قدم قبل موته ~~من عمل صالح أو سيىء وما أخر بعد موته من سنة حسنة، أو سيئة يعمل بها، ~~وعن ابن عباس أيضا بما قدم من المعصية وأخر من الطاعة، وقيل بما قدم من ~~طاعة الله وأخر من حق الله فضيعه، وقيل بأول عمله وآخره وهو ما عمله في ~~أول عمره وفي آخره، وقيل بما قدم من ماله لنفسه قبل موته وما أخر من ماله ~~لورثته. ### || [75.14-21] # { بل الإنسان على نفسه بصيرة } أي بل الإنسان على نفسه من نفسه رقباء ~~يرقبونه ويشهدون عليه بعمله وهي سمعه وبصره وجوارحه، وإنما دخلت الهاء في ~~البصيرة لأن المراد من الإنسان جوارحه، وقيل معناه بل الإنسان ms3263 على نفسه ~~عين بصيرة وفي رواية عن ابن عباس بل الإنسان على نفسه شاهد فتكون الهاء ~~للمبالغة كعلامة { ولو ألقى معاذيره } يعني ولو اعتذر بكل عذر وجادل عن ~~نفسه، فإنه لا ينفعه لأنه قد شهد عليه شاهد من نفسه، وقيل معناه ولو ~~اعتذر فعليه من نفسه ما يكذب عذره، وقيل إن أهل اليمن يسمون الستر ~~معذارا وجمعه معاذير، فعلى هذا يكون معناه ولو أرخى الستور وأغلق ~~الأبواب ليخفي ما يعمل، فإن نفسه شاهدة عليه، وهذا في حق الكافر لأنه ~~ينكر يوم القيامة فتشهد عليه جوارحه بما عمل في الدنيا. قوله عز وجل: { ~~لا تحرك به لسانك لتعجل به } ق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز ~~وجل: { لا تحرك به لسانك لتعجل به } قال كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه قال ابن جبير: قال ابن عباس ~~أنا أحركهما كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركها فحرك شفتيه ~~فأنزل الله عز وجل { لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه } ~~قال: جمعه في صدرك ثم تقرأه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. قال فاستمع وأنصت ~~ثم إن علينا أن تقرأه، قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه ~~جبريل بعد ذلك استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم ~~كما قرأه، وفي رواية كما وعده الله تعالى لفظ الحميدي، ورواه البغوي من ~~طريق البخاري وقال فيه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل ~~بالوحي، كان مما يحرك لسانه وشفتيه فيشتد عليه، وكان يعرف منه فأنزل الله ~~عز وجل الآية، التي في لا أقسم بيوم القيامة لا تحرك به لسانك لتعجل به ~~إن علينا جمعه وقرآنه، قال إن علينا أن نجمعه في صدرك، وتقرأه فإذا ~~قرأناه، فاتبع قرآنه، فإذا أنزلناه فاستمع ثم إن علينا بيانه علينا أن ~~نبينه بلسانك. قال فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله ~~تعالى وفي ms3264 رواية كان يحرك شفتيه إذا نزل عليه يخشى أن ينفلت منه فقيل له ~~لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه، أي نجمعه في صدرك ~~وقرآنه أن تقرأه، ومعنى الآية لا تحرك بالقرآن لسانك، وإنما جاز هذه ~~الإضمار وإن لم يجر له ذكر لدلالة الحال عليه لتجعل به أي بأخذه { إن ~~علينا جمعه } أي جمعه في صدرك وحفظك إياه { وقرآنه } أي قراءته علينا ~~والمعنى سنقرئك يا محمد بحيث تصير لا تنساه { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } ~~أي لا تكن قراءتك مقارنة لقراءة جبريل عليك بل اسكت حتى يتم جبريل ما ~~يوحى إليك، فإذا فرغ جبريل من القراءة، فخذ أنت فيها، وجعل قراءة جبريل ~~قراءته لأنه بأمره نزل بالوحي ونظيره. # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80] وقيل معناه اعمل به واتبع حلاله، وحرامه، والقول الأول ~~أولى لأن هذا ليس موضع الأمر باتباع حلاله وحرامه وإنما هو موضع الأمر ~~بالاستماع حتى يفرغ جبريل من قراءته فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~ذلك إذا نزل عليه جبريل بالوحي أصغى إليه فإذا فرغ من قراءته وعاه النبي ~~صلى الله عليه وسلم وحفظه { ثم إن علينا بيانه } أي أن نبينه بلسانك ~~فتقرأه كما أقرأك جبريل وقيل إذا أشكل شيء من معانيه فنحن نبينه لك، ~~وعلينا بيان ما فيه من الأحكام والحلال والحرام، وذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا أشكل عليه شيء سأل جبريل عن معانيه لغاية حرصه على ~~العلم فقيل له نحن نبينه لك. قوله تعالى: { كلا } أي حقا { بل تحبون ~~العاجلة وتذرون الآخرة } أي تختارون الدنيا على العقبى وتعملون لها يخاطب ~~كفار مكة. ### || [75.22-29] # { وجوه يومئذ } أي يوم القيامة { ناضرة } من النضارة، وهي الحسن قال ابن ~~عباس: حسنة وقيل مسرورة بالنعيم، وقيل ناعمة، وقيل مسفرة مضيئة، وقيل بيض ~~يعلوها نور وبهاء وقيل مشرقة بالنعيم. { إلى ربها ناظرة } قال ابن عباس ~~وأكثر المفسرين: تنظر إلى ربها عيانا بلا حجاب قال الحسن حق لها أن تنظر ~~وهي تنظر إلى الخالق ms3265 سبحانه وتعالى، وروي عن مجاهد وأبي صالح أنهما فسرا ~~النظر في هذه الآية بالانتظار قال مجاهد تنتظر من ربها ما أمر لها به ~~وقال أبو صالح: تنتظر الثواب من ربها، قال الأزهري: ومن قال إن معنى ~~قوله { إلى ربها ناظرة } بمعنى منتظرة فقد أخطأ لأن العرب لا تقول نظرت ~~إلى الشيء بمعنى انتظرته إنما تقول نظرت فلانا أي انتظرته ومنه قول ~~الحطيئة: # وقد نظرتكم أعشاء صادرة للورد طال بها حوري وتنساسي # فإذا قلت نظرت إليه لم يكن إلا بالعين، وإذا قلت نظرت في الأمر احتمل أن ~~يكون تفكر فيه وتدبر بالقلب، وهذا آخر كلامه ويشهد لصحة هذا أن النظر ~~الوارد في التنزيل بمعنى الانتظار كثير ولم يوصل في موضع بإلى كقوله # انظرونا نقتبس من نوركم # [الحديد: 13] وقوله # هل ينظرون إلا تأويله # [الأعراف: 53] # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله # [البقرة: 210] والوجه إذا وصف بالنظر وعدي بإلى لم يحتمل غير الرؤية، ~~وأما قوله أنظر إلى الله ثم إليك على معنى أتوقع فضل الله ثم فضلك، فيكون ~~النظر إلى الوجه لم يحتمل نظر القلب إنما يجوز هذا إذا لم يسند إلى ~~الوجه، فإذا أسند النظر إلى الوجه لم يحتمل نظر القلب، ولا انتظار وإذا ~~بطل المعنيان لم يبق لبقاء الرؤية كلام وإن شق ذلك عليهم، والأحاديث ~~الصحيحة تعضد قول من فسر النظر في هذه الآية بالرؤية وسنذكرها إن شاء ~~الله تعالى. فصل: في إثبات رؤية المؤمنين ربهم سبحانه وتعالى في الآخرة ~~قال علماء أهل السنة رؤية الله سبحانه وتعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا، ~~وأجمعوا على وقوعها في الآخرة، وأن المؤمنين يرون الله سبحانه، وتعالى ~~دون الكافرين بدليل قوله تعالى: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15] وزعمت طوائف من أهل البدع كالمعتزلة والخوارج، وبعض ~~المرجئة أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه، وأن رؤيته مستحيلة عقلا، ~~وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة ~~وإجماع الصحابة، فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى، وقد ~~رواها ms3266 نحو من عشرين صحابيا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآيات ~~القرآن فيها مشهورة، واعتراضات المبتدعة عليها لها أجوبتها مشهورة في كتب ~~المتكلمين من أهل السنة، وكذلك باقي شبههم وأجوبتها مشهورة مستفاضة في ~~كتب الكلام، وليس هذا موضع ذكرها، ثم مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها ~~الله في خلقه، ولا يشترط فيها اتصال الأشعة، ولا مقابلة المرئي ولا غير ~~ذلك. # وأما الأحاديث الواردة في إثبات الرؤية فمنها ما روي عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه، وأزواجه، ونعيمه وخدمه، ~~وسروره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم ~~قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } " # أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث غريب، وقال: وقد روي عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما ولم يرفعه ق # " عن جرير بن عبد الله قال " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر ~~إلى القمر ليلة البدر، وقال إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر ~~لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس، ~~وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس، وقبل الغروب ~~" # قوله " لا تضامون " روي بفتح التاء وتشديد الميم وقد تضم التاء مع ~~التشديد أيضا ومعناه لا ينضم بعضكم إلى بعض ولا تزدحمون وقت النظر ~~إليه، وروي بتخفيف الميم ومعناه لا ينالكم ضيم في رؤيته فيراه بعضكم دون ~~بعض وقوله: " إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر " معناه تشبيه ~~الرؤية بالرؤية في الوضوح وزوال الشك والمشقة لا تشبيه المرئي بالمرئي ~~عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه # " أن أناسا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: هل تضارون في القمر ليلة البدر، قالوا: لا يا رسول ~~الله قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب، ms3267 قالوا: لا يا رسول الله ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكم سترونه كذلك " # أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي. وليس عنده في أوله أن أناسا سألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قوله ليس دونها سحاب.قال الترمذي وقد ~~روي مثل هذا الحديث عن أبي سعيد وهو صحيح، وهذا الحديث طرف من حديث طويل ~~قد أخرجه البخاري ومسلم، ومعنى تضارون وتضامون واحد. عن أبي رزين ~~العقيلي قال: # " قلت يا رسول الله أكلنا يرى ربه مخليا به يوم القيامة؟ قال نعم قلت ~~وما آية ذلك في خلقه؟ قال يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر ~~مخليا به قلت بلى قال: فالله أعظم إنما هو خلق من خلق الله يعني القمر ~~فالله أجل وأعظم " # أخرجه أبو داود م عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم ~~فيقولون ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف ~~الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم تبارك وتعالى " # والأحاديث في الباب كثيرة وهذا القدر كاف والله أعلم. قوله عز وجل: { ~~ووجوه يومئذ باسرة } أي عابسة كالحة متغيرة مسودة قد أظلمت ألوانها، ~~وعدمت آثار النعمة، والسرور منها لما أدركها من اليأس من رحمة الله ~~تعالى: وذلك حين يميز بين أهل الجنة والنار { تظن } أي تستيقن والظن هنا ~~بمعنى اليقين { أن يفعل بها فاقرة } أن يفعل بهم أمر عظيم من العذاب ~~والفاقرة الداهية العظيمة والأمر الشديد الذي يكسر فقار الظهر ويقصمه ~~وقيل الفاقرة دخول النار، وقيل هي أن تحجب تلك الوجوه عن رؤية الله ~~تعالى: { كلا } أي حقا { إذا بلغت } يعني النفس كناية عن غير مذكور { ~~التراقي } جمع ترقوة وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق ويكنى ببلوغ ~~النفس التراقي عن الإشراف على الموت ومنه قول دريد بن الصمة: # ورب عظيمة دافعت عنها وقد بلغت نفوسهم التراقي # { وقيل } يعني وقال من حضره ms3268 { من راق } أي هل من طبيب يرقيه ويداويه مما ~~نزل به ويشفيه ويخلصه من ذلك برقيته ودوائه، وقيل لما نزل به من قضاء ~~الله ما نزل التمسوا له الأطباء، فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئا، وقيل ~~هذا من قول الملائكة الذين يحضرونه عند الموت يقول بعضهم لبعض من يرقى ~~بروحه إذا خرجت فيصعد بها ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، { وظن } أي ~~أيقن الذين بلغت روحه التراقي { أنه الفراق } يعني الخروج من الدنيا ~~وفراق المال ولأهل والولد { والتفت } أي اجتمعت { الساق بالساق } أي ~~الشدة بالشدة يعني شدة مفارقة الدنيا مع شدة الموت وكربه، وقيل شدة الموت ~~بشدة الآخرة، وقيل تتابعت عليه الشدائد لا يخرج من كرب إلا جاءه ما هو ~~أشد منه، وقال ابن عباس: أمر الدنيا بأمر الآخرة فكان في آخر يوم من أيام ~~الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، وقيل الناس يجهزون جسده والملائكة ~~يجهزون روحه، وقيل هما ساقا الميت إذا لفتا في الكفن، وقيل هما ساقاه عند ~~الموت ألا تراه كيف يضرب بإحدى رجليه على الأخرى عند النزع، وقيل إذا مات ~~يبست ساقاه فالتفت إحداهما بالأخرى. ### || [75.30-40] # { إلى ربك يومئذ المساق } أي مرجع العباد إلى الله تعالى يساقون إليه ~~يوم القيامة ليفصل بينهم. قوله تعالى: { فلا صدق ولا صلى } يعني أبا جهل ~~لم يصدق بالقرآن، ولم يصل لله تعالى: { ولكن كذب وتولى } أي أعرض عن ~~الإيمان والتصديق { ثم ذهب إلى أهله يتمطى } أي يتبختر ويختال في مشيته، ~~وقيل أصله يتمطط أي يتمدد من المط، وقيل من المطا وهو الظهر لأنه يلويه. ~~{ أولى لك فأولى } هذا وعيد على وعيد من الله تعالى لأبي جهل. وهي كلمة ~~موضوعة للتهديد والوعيد ومعناه، ويل لك مرة بعد مرة وهو دعاء عليه بأن ~~يليه ما يكرهه، وقيل معناه أنك أجدر بهذا العذاب. وأحق وأولى به. يقال ~~ذلك لمن يصيبه مكروه يستوجبه قال قتادة: ذكر لنا # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية أخذ بمجامع ثوب أبي ~~جهل بالبطحاء وقال ms3269 له أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى " # فقال أبو جهل أتوعدوني يا محمد والله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي ~~شيئا وإني لأعز من مشى بين جبليها فلما كان يوم بدر صرعه وقتله أشد ~~قتلة. وكان نبي الله يقول صلى الله عليه وسلم # " إن لكل أمة فرعونا وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل " # { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } أي هملا لا يؤمر ولا ينهى ولا يكلف في ~~الدنيا ولا يحاسب في الآخرة { ألم يك نطفة } أي ماء قليلا { من مني يمنى ~~} أي يصيب في الرحم، والمعنى كيف يليق بمن خلق من شيء قذر مستقذر أن ~~يتكبر ويتمرد عن الطاعة. { ثم كان علقة } أي صار الإنسان علقة بعد النطفة ~~{ فخلق فسوى } أي فقدر خلقه وسواه وعدله وقيل نفخ فيه الروح وكمل أعضاءه ~~{ فجعل منه } أي من الإنسان { الزوجين } أي الصنفين ثم فسرهما فقال { ~~الذكر والأنثى } أي خلق من مائة أولادا ذكورا وإناثا { أليس ذلك } أي ~~الذي فعل وأنشأ الأشياء أول مرة { بقادر على أن يحيي الموتى } أي بقادر ~~على إعادته بعد الموت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " من قرأ منكم { والتين والزيتون } ، فانتهى إلى آخرها { أليس الله ~~بأحكم الحاكمين } فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ { لا أقسم ~~بيوم القيامة } فانتهى إلى { أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } ، ~~فليقل بلى ومن قرأ { والمرسلات فبلغ، فبأي حديث بعده يؤمنون } فليقل آمنا ~~بالله " # أخرجه أبو داود وله عن موسى بن أبي عائشة قال " كان رجل يصلي فوق بيته، ~~فكان إذا قرأ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى قال سبحانك بلى فسألوه ~~عن ذلك فقال سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم " والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-2] # قوله عز وجل: { هل أتى } أي قد أتى { على الإنسان } يعني آدم عليه ~~الصلاة والسلام { حين من الدهر } يعني مدة أربعين سنة وهو من طين ملقى م ms3270 ~~عن أنس رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يطوف ~~به وينظر إليه فلما رآه أجوف عرف أنه خلف لا يتمالك " # قوله يطوف أي يدور حوله فلما رآه أجوف أي صاحب جوف وقيل هو الذي داخله ~~خال قوله عرف أنه خلق لا يتمالك، أي لا يملك نفسه ويحبسها عن الشهوات، ~~وقيل لا يملك دفع الوسواس عنه، وقيل لا يملك نفسه عند الغضب. وروي في ~~تفسير الآية أن آدم بقي أربعين سنة طينا، وبقي أربعين سنة حمأ مسنونا ~~وأربعين سنة صلصالا كالفخار فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة { لم يكن ~~شيئا مذكورا } أي لا يذكر ولا يعرف ولا يدري ما اسمه، ولا ما يراد به ~~وذلك قبل أن ينفخ فيه الروح كان شيئا ولم يكن شيئا يذكر. روي عن عمر ~~أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية: لم يكن شيئا مذكورا فقال عمر ليتها تمت ~~يعني ليته بقي على ما كان عليه ويروى نحوه عن أبي بكر وابن مسعود، وقيل ~~المراد بالإنسان جنس الإنسان وهم بنو آدم بدليل قوله { إنا خلقنا الإنسان ~~} فالإنسان في الموضعين واحد فعلى هذا يكون معنى قوله حين من الدهر طائفة ~~من الدهر غير مقدرة لم يكن شيئا مذكورا يعني أنهم كانوا نطفا في ~~الأصلاب. ثم علقا، ومضغا في الأرحام لم يذكروا بشيء إنا خلقنا الإنسان ~~يعني ولد آدم { من نطفة } أي مني الرجل ومني المرأة { أمشاج } أي أخلاط ~~قال ابن عباس وغيره: يعني ماء الرجل، وماء المرأة يختلطان في الرحم فيكون ~~منهما الولد فماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق فأيهما علا ~~صاحبه كان الشبه له وما كان من عصب، وعظم فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ~~ودم وشعر فمن ماء المرأة، وقيل الأمشاج اختلاف ألوان النطفة، فنطفة الرجل ~~بيضاء ونطفة المرأة صفراء. وكل لونين اختلطا فهو أمشاج. وقال ابن مسعود: ~~هي العروق التي تكون في ms3271 النطفة، وقيل هي نطفة مشجت أي خلطت بدم وهو دم ~~الحيض فإذا حبلت المرأة ارتفع دم الحيض، وقيل الأمشاج أطوار الخلق نطفة ~~ثم علقة ثم مضغة، ثم عظما ثم يكسوه لحما ثم ينشئه خلقا آخر، وقيل إن ~~الله تعالى جعل في النطفة أخلاطا من الطبائع التي تكون في الإنسان من ~~الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة فعلى هذا يكون التقدير من نطفة ذات ~~أمشاج. { نبتليه } أي لنختبره بالأمر والنهي { فجعلناه سميعا بصيرا } ~~قيل فيه تقديم وتأخير تقديره فجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه لأن الابتلاء ~~لا يقع إلا بعد تمام الخلقة، وقيل معناه إنا خلقنا الإنسان من هذه ~~الأمشاج للابتلاء والامتحان ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء، وهو ~~السمع والبصر وهما كنايتان عن الفهم والتمييز وقيل المراد بالسمع والبصر ~~الحاستان المعروفتان، وإنما خصهما بالذكر لأنهما أعظم الحواس وأشرفها. ### || [76.3-5] # { إنا هديناه السبيل } أي بينا له سبيل الحق والباطل والهدى والضلالة، ~~وعرفناه طريق الخير والشر، وقيل معناه أرشدناه إلى الهدى لأنه لا يطلق ~~اسم السبيل إلا عليه والمراد من هداية السبيل نصب الدلائل، وبعثه الرسل ~~وإنزال الكتب. { إما شاكرا وإما كفورا } يعني إما موحدا طائعا لله، ~~وإما مشركا بالله في علم الله وذلك أن الله تعالى بين سبيل التوحيد ~~ليتبين شكر الإنسان من كفره، وطاعته عن معصيته، وقيل في معنى الآية إما ~~مؤمنا سعيدا وإما كافرا شقيا. وقيل معناه الجزاء أي بينا له الطريق ~~إن شكر أو كفر، وقيل المراد من الشاكر الذي يكون مقرا معترفا بوجوب شكر ~~خالقه سبحانه وتعالى عليه، والمراد من الكفور الذي لا يقر بوجوب الشكر ~~عليه ثم بين ما للفريقين فوعد الشاكر، وأوعد الكافر فقال تعالى: { إنا ~~أعتدنا } أي هيأنا في جهنم { للكافرين سلاسل } يعني يشدون بها { وأغلالا ~~} أي في أيديهم تغل بها إلى أعناقهم { وسعيرا } يعني وقودا لا توصف ~~شدته وهذا من أعظم أنواع الترهيب والتخويف ثم ذكر ما أعد للشاكرين ~~الموحدين فقال تعالى: { إن الأبرار } يعني المؤمنين الصادقين في إيمانهم ~~المطيعين لربهم، واحدهم بار وبر وأصله ms3272 التوسع فمعنى البر المتوسع في ~~الطاعة { يشربون من كأس } يعني فيها شراب { كان مزاجها كافورا } قيل ~~يمزج لهم شرابهم بالكافور ويختم بالمسك. فإن قلت إن الكافور غير لذيذ، ~~وشربه مضر فما وجه مزج شرابهم به. قلت قال أهل المعاني: أراد بالكافور ~~بياضه، وطيب ريحه وبرده. لأن الكافور لا يشرب وقال ابن عباس: هو اسم عين ~~في الجنة والمعنى أن ذلك الشراب يمازجه شراب ماء هذه العين التي تسمى ~~كافورا، ولا يكون في ذلك ضرر لأن أهل الجنة لا يمسهم ضرر فيما يأكلون، ~~ويشربون وقيل هو كافور لذيذ طيب الطعم ليس فيه مضرة، وليس ككافور الدنيا ~~ولكن الله سمى ما عنده بما عندكم بمزج شرابهم. بذلك الكافور والمسك ~~والزنجبيل. ### || [76.6-9] # { عينا } بدلا من الكافور وقيل أعني عينا { يشرب بها } أي يشرب منها ~~{ عباد الله } قال ابن عباس أولياء الله { يفجرونها تفجيرا } أي ~~يقودونها إلى حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم تفجيرا سهلا لا يمتنع ~~عليهم. قوله تعالى: { يوفون بالنذر } لما وصف الله تعالى ثواب الأبرار ~~في الآخرة وصف أعمالهم في الدنيا التي يستوجبون بها هذا الثواب والمعنى ~~كانوا في الدنيا يوفون بالنذر والنذر الإيجاب. والمعنى يوفون بما فرض ~~الله عليهم فيدخل فيه جميع الطاعات من الأيمان والصلاة، والزكاة والصوم ~~والحج، والعمرة، وغير ذلك من الواجبات، وقيل النذر في عرف الشرع واللغة ~~أن يوجب الرجل على نفسه شيئا ليس بواجب عليه، وذلك بأن يقول: لله علي ~~كذا وكذا من صدقة أو صلاة أو صوم أو حج أو عمرة يعلق ذلك بأمر يلتمسه من ~~الله. وذلك بأن يقول إن شفى الله مريضي أو قدم غائبي كان لله علي كذا، ~~ولو نذر في معصية لا يجب الوفاء به خ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " من نذر أن يطيع الله فليف بنذره، ومن نذر أن يعصي الله فلا يف به " # وفي رواية # " فليطعه ولا يعصه " # وعنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " لا نذر ms3273 في معصية الله وكفارته كفارة يمين " # أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي ق عن ابن عباس قال: # " استفتى سعد بن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أمه ~~فتوفيت قبل أن تقضيه فأمره أن يقضيه عنها " # أخرجه الجماعة. وفي الآية دليل على وجوب الوفاء بالنذر، وهذا مبالغة في ~~وصفهم بأداء الواجبات لأن من وفى بما أوجبه على نفسه كان لما أوجبه الله ~~عليه أوفى. { ويخافون يوما كان شره مستطيرا } أي منتشرا فاشيا ~~ممتدا، وقيل استطار خوفه في أهل السموات والأرض، وفي أولياء الله ~~وأعدائه، وقيل فشا سره في السموات. فانشقت وتناثرت الكواكب وفزعت ~~الملائكة وكورت الشمس، والقمر، وفي الأرض فتشققت الجبال وغارت المياه ~~وكسر كل شيء على الأرض من جبل وبناء، والمعنى أنهم يوفون بالنذر وهم ~~خائفون من شر ذلك اليوم وهوله وشدته. قوله عز وجل: { ويطعمون الطعام على ~~حبه } أي حب الطعام وقلته وشهوتهم له والحاجة إليه فوصفهم الله تعالى: ~~بأنهم يؤثرون غيرهم على أنفسهم بالطعام، ويواسون به أهل الحاجة، وذلك لأن ~~أشرف أنواع الإحسان والبر إطعام الطعام. لأن به قوام الأبدان، وقيل على ~~حب الله عز وجل أي لحب الله { مسكينا } يعني فقيرا وهو الذي لا مال له ~~ولا يقدر على الكسب { ويتيما } أي صغيرا وهو الذي لا أب له يكتسب له، ~~وينفق عليه { وأسيرا } قيل هو المسجون من أهل القبلة يعني من المسلمين، ~~وقيل هو الأسير من أهل الشرك. # أمر الله بالأسرى أن يحسن إليهم وإن أسراهم يومئذ أهل الشرك. فعلى هذا ~~الوجه يجوز إطعام الأسرى، وإن كانوا على غير ديننا، وأنه يرجى ثوابه، ولا ~~يجوز أن يعطوا من الصدقة الواجبة كالزكاة والكفارة، وقيل الأسير المملوك، ~~وقيل الأسير المرأة لقول النبي صلى الله عليه وسلم # " اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان " # يعني أسرى، وقيل غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك. واختلفوا في سبب نزول ~~الآية، فقيل نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو الدحداح صام يوما فلما ~~كان وقت الإفطار جاءه مسكين، ويتيم، ms3274 وأسير فأطعمهم ثلاثة أرغفة، وبقي له ~~ولأهله رغيف واحد. فنزلت هذه الآية فيه، وروي عن ابن عباس أنها نزلت في ~~علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وذلك أنه عمل ليهودي بشيء من شعير ~~فقبض ذلك الشعير فطحن منه ثلثه، وأصلحوا منه شيئا يأكلونه فلما فرغ أتى ~~مسكين فسأل فأعطوه ذلك ثم عمل الثلث الثاني فلما فرغ أتى يتيم فسأل ~~فأعطوه ذلك، ثم عمل الثلث الباقي فلما تم نضجه أتى أسير من المشركين فسأل ~~فأعطوه ذلك وطووا يومهم وليلتهم فنزلت هذه الآية. وقيل هذه عامة في كل من ~~أطعم المسكين واليتيم والأسير لله تعالى وآثر على نفسه { إنما نطعمكم ~~لوجه الله } أي لأجل وجه الله تعالى: { لا نريد منك جزاء ولا شكورا } ~~قيل إنهم لم يتكلموا به ولكن علم الله ذلك من قلوبهم. فأثنى به عليهم، ~~وقيل قالوا ذلك منعا للمحتاجين من المكافأة، وقيل قالوا ذلك ليقتدي بهم ~~غيرهم في ذلك وذلك أن الإحسان إلى الغير تارة يكون لأجل الله تعالى لا ~~يراد به غيره. فهذا هو الإخلاص، وتارة يكون لطلب المكافأة أو لطلب الحمد ~~من الناس أو لهما، وهذان القسمان مردودان لا يقبلهما الله تعالى لأن ~~فيهما شركا، ورياء فنفوا ذلك عنهم بقولهم إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد ~~منكم جزاء ولا شكورا. ### || [76.10-16] # { إنا نخاف من ربنا يوما } يعني أن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك ~~اليوم لا لطلب مكافأتكم { عبوسا } وصف ذلك اليوم بالعبوس مجازا كما ~~يقال نهاره صائم? والمراد أهله والمعنى تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته ~~وقيل وصف اليوم بالعبوس لما فيه من الشدة. { قمطريرا } يعني شديدا ~~كريها يقبض الوجوه والجباه بالتعبيس، وقيل العبوس الذي لا انبساط فيه، ~~والقمطرير الشديد، وقيل هو أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء { ~~فوقاهم الله شر ذلك اليوم } أي الذي يخافونه { ولقاهم نضرة } أي حسنا في ~~وجوههم { وسرورا } أي في قلوبهم { وجزاهم بما صبروا } أي على طاعة الله ~~واجتناب معصيته، وقيل على الفقر والجوع مع الوفاء بالنذر ms3275 والإيثار { جنة ~~وحريرا } أي أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير { متكئين فيها } أي في الجنة { ~~على الأرائك } جمع أريكة وهي السرر في الحجال ولا تسمى أريكة إلا إذا ~~اجتمعا { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } يعني لا يؤذيهم حر الشمس، ~~ولا برد الزمهرير كما كان يؤذيهم في الدنيا والزمهرير أشد البرد وحكى ~~الزمخشري قولا أن الزمهرير هو القمر وعن ثعلب أنه في لغة طيىء وأنشد: # وليلة ظلامها قد اعتكر قطعتها والزمهرير ما زهر # والمعنى أن الجنة ضياء لا يحتاج فيها إلى شمس وقمر { ودانية عليهم ~~ظلالها } أي قريبة منهم ظلال أشجارها { وذللت } أي سخرت وقربت { قطوفها } ~~أي ثمارها { تذليلا } أي يأكلون من ثمارها قياما وقعودا ومضطجعين، ~~ويتناولونها كيف شاؤوا وعلى أي حال أرادوا. { ويطاف عليهم بآنية من فضة ~~وأكواب } قيل هي الكيزان التي لا عرى لها كالقدح ونحوه { كانت قواريرا ~~قواريرا من فضة } قال أهل التفسير أراد بياض الفضة في صفاء القوارير وهو ~~الزجاج، والمعنى أن آنية أهل الجنة من فضة بيضاء في صفاء الزجاج، والمعنى ~~يرى ما في باطنها من ظاهرها، قال الكلبي: إن الله تبارك وتعالى جعل ~~قوارير كل قوم من تراب أرضهم، وإن أرض الجنة من فضة فجعل منها قوارير ~~يشربون فيها، وقيل إن القوارير التي في الدنيا من الرمل والقوارير التي ~~في الجنة من الفضة، ولكنها أصفى من الزجاج. { قدروها تقديرا } أي قدروا ~~الكؤوس على قدر ريهم، وكفايتهم لا تزيد ولا تنقص. والمعنى أن السقاة ~~والخدم الذين يطوفون عليهم يقدرونها لهم ثم يسقونهم. ### || [76.17-21] # { ويسقون فيها } أي في الجنة { كأسا كان مزاجها زنجبيلا } قيل إن ~~الزنجبيل هو اسم للعين التي يشرب منها الأبرار يوجد منها طعم الزنجبيل ~~يشرب بها المقربون صرفا، ويمزج لسائر أهل الجنة، وقيل هو النبت المعروف، ~~والعرب كانوا يجعلون الزنجبيل في شرابهم لأنه يحصل فيه ضرب من اللذع قال ~~الأعشى: # كأن القرنفل والزنجبي ل باتا بفيها وأريا مشورا # الأري العسل والمشور المستخرج من بيوت النحل وقال المسيب بن علس: # فكأن طعم الزنجب يل به إذ ms3276 ذقته سلافة الخمر # فلما كان الزنجبيل مستطابا عند العرب وصف الله تعالى شراب أهل الجنة ~~بذلك، وقيل إن شرب أهل الجنة على برد الكافور، وطعم الزنجبيل وريح المسك ~~قال ابن عباس: كل ما ذكر الله تعالى في القرآن مما في الجنة وسماه ليس له ~~مثل في الدنيا، وذلك لأن زنجبيل الجنة لا يشبه زنجبيل الدنيا { عينا ~~فيها تسمى سلسبيلا } أي سلسلة منفادة لهم يصرفونها حيث شاؤوا وقيل حديدة ~~الجرية سميت سلسبيلا لأنها تسيل عليها في طرقهم، ومنازلهم تنبع من أصل ~~العرش من جنة عدن إلى سائر الجنان، وقيل سميت بذلك لأنها في غاية السلاسة ~~تتسلسل في الحلق ومعنى تسمى أي توصف لأن أكثر العلماء على أن سلسبيلا صفة ~~لا اسم { ويطوف عليهم ولدان مخلدون } أي في الخدمة وقيل مخلدون مسرورون ~~ومقرطون { إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا } يعني في بياض اللؤلؤ الرطب ~~وحسنه، وصفائه، واللؤلؤ إذا انتثر على البساط كان أصفى منه منظوما، وقيل ~~إنما شبهوا بالمنثور لانتثارهم في الخدمة. قوله عز وجل: { وإذا رأيت } ~~قيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وقيل لكل واحد ممن يدخل الجنة ~~والمعنى إذا رأيت ببصرك ونظرت به { ثم } يعني إلى الجنة { رأيت نعيما } ~~أي لا يوصف عظمه { وملكا كبيرا } قيل هو أن أدناهم منزلة من ينظر في ~~ملكه مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه، وقيل هو أن رسول رب العزة ~~من الملائكة لا يدخل عليه إلا بإذنه وهو استئذان الملائكة عليهم وقيل ~~معناه ملكا لا زوال له ولا انتقال { عاليهم } أي فوقهم { ثياب سندس خضر ~~} وهو مارق من الديباج { وإستبرق } وهو ما غلظ منه وكلاهما داخل في اسم ~~الحرير { وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا } يعني طاهرا من ~~الأقذار والأردان لم تمسه الأيدي، ولم تدنسه الأرجل كخمر الدنيا وقيل إنه ~~لا يستحيل بولا، ولكنه يستحيل رشحا في أبدانهم كرشح المسك، وذلك أنهم ~~يؤتون بالطعام ثم من بعده يؤتون بالشراب الطهور فيشربون منه فتطهر بطونهم ~~ويصير ما أكلوا رشحا يخرج من ms3277 جلودهم أطيب من المسك الأذفر، وتضمر بطونهم ~~وتعود شهواتهم، وقيل الشراب الطهور هو عين ماء على باب الجنة من شرب منه ~~نزع الله ما كان في قلبه من غل وغش وحسد. ### || [76.22-28] # { إن هذا كان لكم جزاء } أي يقال لأهل الجنة بعد دخولهم فيها ومشاهدتهم ~~نعيمها. إن هذا كان لكم جزاء قد أعده الله لكم إلى هذا الوقت. فهو لكم ~~بأعمالكم، وقيل هو إخبار من الله تعالى لعباده المؤمنين أنه قد أعده لهم ~~في الآخرة { وكان سعيكم مشكورا } أي شكرتكم عليه وآتيتكم أفضل منه، وهو ~~الثواب، وقيل شكر الله لعباده هو رضاء منهم بالقليل من الطاعة وإعطاؤه ~~إياهم الكثير من الخيرات. قوله عز وجل: { إنا نحن نزلنا عليك } أي يا ~~محمد { القرآن تنزيلا } قال ابن عباس: متفرقا آية بعد آية ولم ننزله ~~جملة واحدة، والمعنى أنزلنا عليك القرآن متفرقا لحكمة بالغة تقتضي تخصيص ~~كل شيء بوقت معين، والمقصود من ذلك تثبيت قلب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وشرح صدره وإن الذي أنزله إليه وحي منه ليس بكهانة، ولا سحر لتزول ~~تلك الوحشة التي حصلت له من قول الكفار إنه سحر أو كهانة. { فاصبر لحكم ~~ربك } أي لعبادته فهي من الحكمة المحضة، وقيل معناه فاصبر لحكم ربك في ~~تأخير الإذن في القتال، وقيل هو عام في جميع التكاليف، أي فاصبر لحكم ربك ~~في كل ما حكم الله به سواء كان تكليفا خاصا كالعبادات والطاعات أو ~~عاما متعلقا بالغير كالتبليغ، وأداء الرسالة وتحمل المشاق وغير ذلك. { ~~ولا تطع منهم آثما أو كفورا } قيل أراد به أبا جهل، وذلك أنه لما فرضت ~~الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أبو جهل عنها، وقال لئن رأيت ~~محمدا يصلي لأطأن عنقه، وقيل أراد بالآثم عتبة بن ربيعة، وبالكفور ~~الوليد بن المغيرة وذلك أنهما قالا للنبي صلى الله عليه وسلم إن كنت صنعت ~~ما صنعت لأجل النساء، والمال فارجع عن هذا الأمر، وقال عتبة أنا أزوجك ~~ابنتي وأسوقها إليك بغير مهر، وقال الوليد أنا ms3278 أعطيك من المال حتى ترضى ~~فارجع عن هذا الأمر فأنزل الله تعالى هذه الآية. فإن قلت هل من فرق بين ~~الآثم والكفور قلت نعم. الآثم هو المقدم على المعاصي أي معصية كانت، ~~والكفور هو الجاحد فكل كفور آثم، ولا ينعكس لأن من عبد غير الله فقد ~~اجتمع في حقه هذان الوصفان لأنه لما عبد غير الله فقد عصاه وجحد نعمه ~~عليه. { واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا } قيل المراد من الذكر الصلاة، ~~والمعنى وصل لربك بكرة يعني صلاة الصبح وأصيلا يعني صلاة الظهر والعصر { ~~ومن الليل فاسجد له } يعني صلاة المغرب والعشاء فعلى هذا تكون الآية ~~جامعة لمواقيت الصلاة الخمس { وسبحه ليلا طويلا } يعني صلاة التطوع بعد ~~المكتوبة وهو التهجد بالليل، وقيل المراد من الآية هو الذكر باللسان، ~~والمقصود أن يكون ذاكرا لله تعالى في جميع الأوقات في الليل والنهار ~~بقلبه وبلسانه. قوله عز وجل: { إن هؤلاء } يعني كفار مكة { يحبون العاجلة ~~} يعني الدار العاجلة، وهي الدنيا. { ويذرون وراءهم } يعني أمامهم { ~~يوما ثقيلا } يعني شديدا وهو يوم القيامة والمعنى أنهم يتركونه فلا ~~يؤمنون به، ولا يعملون له { نحن خلقناهم وشددنا } أي قوينا وأحكمنا { ~~أسرهم } أي خلقهم وقيل أوصالهم شددنا بعضها إلى بعض بالعروق والأعصاب، ~~وقيل الأسر مجرى البول والغائط، وذلك أنه إذا خرج الأذى انقبضا. { وإذا ~~شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا } أي إذا شئنا أهلكناهم، وآتينا بأشباههم ~~فجعلناهم بدلا منهم. ### || [76.29-31] # { إن هذه } أي السورة { تذكرة } أي تذكير وعظة { فمن شاء اتخذ } أي ~~لنفسه في الدنيا { إلى ربه سبيلا } أي وسيلة بالطاعة، والتقرب إليه وهذه ~~مما يتمسك بها القدرية يقولون اتخاذ السبيل هو عبارة عن التقرب إلى الله ~~تعالى، وهو إلى اختيار العبد، ومشيئته قال أهل السنة ويرد عليهم قوله عز ~~وجل في سياق الآية. { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله } أي لستم تشاؤون إلا ~~بمشيئة الله تعالى لأن الأمر إليه، ومشيئة الله مستلزمة لفعل العبد فجميع ~~ما يصدر عن العبد بمشيئة الله جل جلاله وتعالى شأنه { إن الله كان ~~عليما } أي ms3279 بأحوال خلقه وما يكون منهم { حكيما } أي حيث خلقهم مع علمه ~~بهم { يدخل من يشاء في رحمته } أي في دينه وقيل في جنته فإن فسرت الرحمة ~~بالدين كان ذلك من الله تعالى وإن فسرت بالجنة كان دخول الجنة بسبب مشيئة ~~الله جل جلاله وتعالى شأنه وفضله وإحسانه لا بسبب الاستحقاق { ~~والظالمين } يعني المشركين { أعد لهم عذابا أليما } أي مؤلما، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-4] # قوله عز وجل: { والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا ~~فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا } اعلم أن المفسرين ~~ذكروا في هذه الكلمات الخمس وجوها: الأول: أن المراد بأسرها الرياح ~~ومعنى المرسلات عرفا الرياح أرسلت متتابعة كعرف الفرس، وقيل عرفا أي ~~كثيرا { فالعاصفات عصفا } يعني الرياح الشديدة الهبوب، { والناشرات ~~نشرا }. يعني الرياح اللينة. وقيل هي الرياح التي أرسلها نشرا بين يدي ~~رحمته، وقيل هي الرياح التي تنشر السحاب، وتأتي بالمطر فالفارقات فرقا ~~يعني الرياح التي تفرق السحاب، وتبدده فالملقيات ذكرا يعني أن الرياح ~~إذا أرسلت عاصفة شديدة قلعت الأشجار، وخربت الديار، وغيرت الآثار. فيحصل ~~بذلك خوف للعباد في القلوب، فيلجؤون إلى الله تعالى ويذكرونه، فصارت تلك ~~الرياح كأنها ألقت الذكر، والمعرفة في القلوب عند هبوبها. الوجه الثاني: ~~أن المراد بأسرها الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى ومعنى والمرسلات ~~عرفا. الملائكة الذين أرسلوا بالمعروف من أمر الله، ونهيه وهذا القول ~~رواية عن ابن مسعود فالعاصفات عصفا يعني الملائكة تعصف في طيرانهم، ~~ونزولهم كعصف الرياح في السرعة، والناشرات نشرا يعني أنهم إذا نزلوا إلى ~~الأرض نشروا أجنحتهم، وقيل هم الذين ينشرون الكتب، ودواوين الأعمال يوم ~~القيامة فالفارقات فرقا. قال ابن عباس: يعني الملائكة تأتي بما يفرق بين ~~الحق والباطل، فالملقيات ذكرا يعني الملائكة تلقي الذكر إلى الأنبياء، ~~وقيل يجوز أن يكون الذكر هو القرآن خاصة فعلى هذا يكون الملقى هو جبريل ~~وحده، وإنما ذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم. الوجه الثالث: أن المراد ~~بأسرها آيات القرآن، ومعنى المرسلات عرفا آيات القرآن المتتابعة في ~~النزول على محمد ms3280 صلى الله عليه وسلم بكل عرف وخير فالعاصفات عصفا يعني ~~آيات القرآن تعصف القلوب بذكر الوعيد حتى تجعلها كالعصف وهو النبت ~~المتكسر، والناشرات نشرا يعني آيات القرآن تنشر أنوار الهداية والمعرفة ~~في قلوب المؤمنين. فالفارقات فرقا يعني آيات القرآن تفرق بين الحق ~~والباطل فالملقيات ذكرا يعني آيات القرآن هي الذكر الحكيم الذي يلقى ~~الإيمان والنور في قلوب المؤمنين. ### || [77.5-23] # الوجه الرابع: أنه ليس المراد من هذه الكلمات الخمس شيئا واحدا بعينه ~~فعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى: # والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا # [المرسلات: 1-3] الرياح ويكون المراد بقوله { فالفارقات فرقا فالملقيات ~~ذكرا } الملائكة. فإن قلت وما المجانسة بين الرياح والملائكة حتى جمع ~~بينهما في القسم قلت الملائكة روحانيون فهم بسبب لطافتهم، وسرعة حركاتهم ~~شابهوا الرياح فحصلت المجانسة بينهما من هذا الوجه فحسن الجمع بينهما في ~~القسم عذرا أو نذرا أي للإعذار والإنذار من الله، وقيل عذرا من الله ~~ونذرا منه إلى خلقه، وهذه كلها أقسام وجواب القسم قوله تعالى: { إن ما ~~توعدون } أي من أمر الساعة ومجيئها { لواقع } أي لكائن نازل لا محالة، ~~وقيل معناه إن ما توعدون به من الخير والشر لواقع بكم. ثم ذكر متى يقع ~~فقال تعالى: { فإذا النجوم طمست } أي محي نورها وقيل محقت { وإذا السماء ~~فرجت } أي شقت وقيل فتحت { وإذا الجبال نسفت } أي قلعت من أماكنها { وإذا ~~الرسل أقتت } وقرىء وقتت بالواو ومعناهما وأحد أي جمعت لميقات يوم معلوم، ~~وهو يوم القيامة ليشهدوا على الأمم { لأي يوم أجلت } أي أخرت وضرب الأجل ~~لجميعهم كأنه تعالى يعجب لعباده من تعظميم ذلك اليوم، والمعنى جمعت الرسل ~~في ذلك اليوم لتعذيب من كذبهم وتعظيم من آمن بهم، ثم بين ذلك اليوم فقال ~~تعالى: { ليوم الفصل } قال ابن عباس يوم فصل الرحمن فيه بين الخلائق ثم ~~أتبع ذلك تعظيما وتهويلا فقال تعالى: { وما أدراك ما يوم الفصل } أي ~~وما أعلمك بيوم الفصل وهو له وشدته { ويل يومئذ للمكذبين } أي بالتوحيد ~~والنبوة والمعاد والبعث والحساب. قوله تعالى: { ألم ms3281 نهلك الأولين } يعني ~~الأمم الماضية بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم { ثم نتبعهم الآخرين } ~~يعني السالكين سبيلهم في الكفر والتكذيب، وهم كفار قريش، أي نهلكهم ~~بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم { كذلك نفعل بالمجرمين } أي إنما ~~نفعل بهم ذلك لكونهم مجرمين { ويل يومئذ للمكذبين ألم نخلقكم من ماء مهين ~~} يعني النطفة { فجعلناه في قرار مكين } يعني الرحم { إلى قدر معلوم } ~~يعني وقت الولادة وهو معلوم لله تعالى لا يعلم ذلك غيره { فقدرنا } قرىء ~~بالتشديد من التقدير، أي قدرنا ذلك تقديرا { فنعم القادرون } أي ~~المقدرون له وقرىء بالتخفيف من القدرة، أي قدرنا على خلقه، وتصويره كيف ~~شئنا فنعم القادرون حيث خلقناه في أحسن صورة وهيئة. ### || [77.24-32] # { ويل يومئذ للمكذبين } أي المنكرين للبعث لأن القادر على الابتداء قادر ~~على الإعادة { ألم نجعل الأرض كفاتا } يعني وعاء وأصله الضم والجمع { ~~أحياء وأمواتا } يعني تكفتهم أحياء على ظهرها بمعنى تضمهم في دورهم ~~ومنازلهم وتكفتهم أمواتا في بطنها في قبورهم، ولذلك تسمى الأرض أما ~~لأنها تضم الناس كالأم تضم ولدها { وجعلنا فيها } أي في الأرض { رواسي ~~شامخات } يعني جبالا عاليات { وأسقيناكم ماء فراتا } يعني عذابا { ويل ~~يومئذ للمكذبين } يعني أن هذا كله أعجب عن البعث فالقادر عليه قادر على ~~البعث. قوله عز وجل: { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } يعني يقال ~~للمكذبين بيوم القيامة في الدنيا انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون وهو ~~العذاب ثم فسره بقوله { انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب } يعني دخان جهنم إذا ~~سطع وارتفع تشعب، وتفرق ثلاث فرق، وكذلك شأن الدخان العظيم. فيقال لهم ~~كونوا فيه إلى أن يفرغ من الحساب كما يكون أولياء الله تعالى في ظل عرشه، ~~وقيل يخرج عنق من النار فيتشعب ثلاث شعب على رؤوسهم وعن أيمانهم وعن ~~شمائلهم { لا ظليل } أي إن ذلك الظل لا يظل من حر { ولا يغني من اللهب } ~~أي لا يرد عنهم لهب جهنم والمعنى أنهم إذا استظلوا بذلك الظل لا يدفع ~~عنهم حر اللهب { إنها } يعني جهنم { ترمي بشرر } جمع ms3282 شرارة وهي ما تطاير ~~من النار { كالقصر } يعني كالبناء العظيم ونحوه قيل هي أصول الشجر، ~~والنخل العظام واحدتها قصرة وسئل ابن عباس عن قوله، { ترمي بشرر كالقصر } ~~فقال هي الخشب العظام المقطعة وكنا نعمد إلى الخشبة فنقطعها ثلاثة أذرع، ~~وفوق ذلك ودونه وندخرها للشتاء، وكنا نسميها القصر. ### || [77.33-48] # { كأنه } يعني الشرر { جمالات } جمع الجمال، وقال ابن عباس: هي حبال ~~السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون كأوساط الجمال { صفر } جمع أصفر يعني ~~أن لون ذلك الشرر أصفر وأنشد بعضهم: # دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم بمثل الجمال الصفر نزاعة الشوى # وقيل الصفر هنا معناه الأسود لأنه جاء في الحديث أن شرر نار جهنم أسود ~~كالقير، والعرب تسمى سود الإبل صفرا لأنه يشوب سوادها شيء من الصفرة، ~~وقيل هي قطع النحاس، والمعنى أن هذا الشرر يرتفع كأنه شيء مجموع غليظ ~~أصفر. { ويل يومئذ للمكذبين } قوله عز وجل: { هذا يوم لا ينطقون } يعني ~~بحجة تنفعهم قيل هذا في بعض مواطن القيامة ومواقفها، وذلك لأن في بعضها ~~يتكلمون وفي بعضها يختصمون، وفي بعضها يختم على أفواههم فلا ينطقون { ولا ~~يؤذن لهم فيعتذرون } عطف على يؤذن واختير ذلك لأن رؤوس الآي بالنون فلو ~~قال فيتعذروا لم يوافق الآيات، والعرب تستحب وفاق الفواصل كما تستحب وفاق ~~القوافي، والقرآن نزل على ما تستحب العرب من موافقة المقاطع، والمعنى لا ~~يكون إذن واعتذار قال الجنيدي: أي عذر لمن أعرض عن منعمه وكفر بأياديه ~~ونعمه. فإن قلت قد توهم أن لهم عذرا، ولكن قد منعوا من ذكره. قلت ليس ~~لهم عذر في الحقيقة لأنه قد تقدم الإعذار والإنذار في الدنيا فلم يبق ~~لهم عذر في الآخرة، ولكن ربما تخيلوا خيالا فاسدا أن لهم عذرا فلم ~~يؤذن لهم في ذلك العذر الفاسد { ويل يومئذ للمكذبين } يعني أنه لما تبين ~~إنه لا عذر لهم، ولا حجة فيما أتوا به من الأعمال السيئة، ولا قدرة لهم ~~على دفع العذاب عنهم لا جرم قال في حقهم { ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم ~~الفصل } يعني بين ms3283 أهل الجنة وأهل النار، وقيل هو الفصل بين العباد في ~~الحقوق والمحاكمات { جمعناكم والأولين } يعني مكذبي هذه الأمة والذين ~~كذبوا أنبياءهم من الأمم الماضية. { فإن كان لكم كيد فكيدون } أي إن كانت ~~لكم حيلة تحتالون بها لأنفسكم فاحتالوا وهم يعلمون أن الحيل يومئذ منقطعة ~~لا تنفع وهذا في نهاية التوبيخ والتقريع فلهذا عقبة بقوله { ويل يومئذ ~~للمكذبين } قوله عز وجل { إن المتقين } أي الذين اتقوا الشرك { في ظلال } ~~جمع ظل وهو ظل الأشجار { وعيون } أي في ظلهم عيون ماء { وفواكه مما ~~يشتهون } أي يتلذذون بها { كلوا واشربوا } أي ويقال لهم كلوا واشربوا، ~~وهذا القول يحتمل أن يكون من جهة الله تعالى بلا واسطة، وما أعظمها من ~~نعمة أو يكون من جهة الملائكة على سبيل الإكرام { هنيئا } أي خالص ~~اللذة لا يشوبه تنغيص { بما كنتم تعملون } أي في الدنيا من الطاعات { ~~إنا كذلك نجزي المحسنين } قيل المقصود منه تذكير الكفار ما فاتهم من ~~النعم العظيمة، ليعلموا أنهم لو كانوا من المتقين المحسنين لفازوا بمثل ~~ذلك الخير العظيم. # فلما لم يفعلوا ذلك وقعوا في قوله. { ويل يومئذ للمكذبين } قوله عز وجل: ~~{ كلوا وتمتعوا قليلا } يقول الكفار مكة كلوا وتمتعوا قليلا في الدنيا ~~إلى منتهى آجالكم، وهذا وإن كان ظاهر اللفظ أمرا إلا أنه في المعنى نهي ~~بليغ وزجر عظيم { إنكم مجرمون } أي مشركون بالله مستحقون للعقاب لا جرم ~~أتبعه بقوله { ويل يومئذ للمكذبين وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } أي ~~وإذا قيل لهم صلوا مع محمد وأصحابه لا يصلون فعبر عن الصلاة بلفظ الركوع ~~لأنه ركن من أركانها وقال ابن عباس: إنما يقال لهم هذا يوم القيامة حين ~~يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. ### || [77.49-50] # { ويل يومئذ للمكذبين فبأي حديث بعده يؤمنون } أي بعد نزول القرآن إذا ~~لم يؤمنوا به فبأي شيء يؤمنون والله أعلم. ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-8] # قوله عز وجل: { عم } أصله عن ما { يتساءلون } عن أي شيء يتساءلون يعني ~~المشركين ولفظه استفهام، ومعناه التفخيم كقولك، أي شيء زيد إذا عظمت ms3284 ~~شأنه، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى التوحيد، وأخبرهم ~~بالبعث بعد الموت، وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون فيما بينهم فيقول ~~بعضهم لبعض ماذا جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ثم ذكر عما ذا تساؤلهم ~~فقال تعالى: { عن النبأ العظيم } يعني الخبر العظيم الشأن قال الأكثرون ~~هو القرآن، وقيل هو البعث وقيل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به ~~{ الذي هم فيه مختلفون } فمن فسر النبأ العظيم بالقرآن قال اختلافهم فيه ~~هو قولهم إنه سحر أو شعر أو كهانة أو نحو ذلك مما قالوه في القرآن، ومن ~~فسر النبأ العظيم بالبعث قال اختلافهم فيه فمن مصدق به، وهم المؤمنون ومن ~~مكذب به، وهم الكافرون ومن فسره بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم قال ~~اختلافهم فيه كاختلافهم في القرآن { كلا } هي ردع وزجر وقيل هي نفي ~~لاختلافهم، والمعنى ليس الأمر كما قالوا { سيعلمون } أي عاقبة تكذيبهم ~~حين ينكشف الأمر يعني في القيامة { ثم كلا سيعلمون } وعيد على أثر وعيد، ~~وقيل معناه كلا سيعلمون يعني الكافرين عاقبة تكذيبهم وكفرهم ثم كلا ~~سيعلمون يعني المؤمنين عاقبة تصديقهم وإيمانهم ثم ذكر أشياء من عجائب ~~صنائعه ليستدلوا بذلك على توحيده، ويعلموا أنه قادر على إيجاد العالم ~~وفنائه بعد إيجاده وإيجاده مرة أخرى للبعث والحساب، والثواب، والعقاب ~~فقال تعالى: { ألم نجعل الأرض مهادا } أي فراشا وبساطا لتستقر عليها ~~الأقدام { والجبال أوتادا } يعني للأرض حتى لا تميد { وخلقناكم أزواجا ~~} يعني أصنافا ذكورا وإناثا. ### || [78.9-18] # { وجعلنا نومكم سباتا } أي راحة لأبدانكم وليس الغرض أن السبات للراحة ~~بل المقصود منه أن النوم يقطع التعب ويزيله، ومع ذلك تحصل الراحة، وأصل ~~السبت القطع، ومعناه أن النوم يقطع عن الحركة والتصرف في الأعمال { ~~وجعلنا الليل لباسا } أي غطاء وغشاء يستر كل شيء بظلمته عن العيون، ~~ولهذا سمي الليل لباسا على وجه المجاز، ووجه النعمة في ذلك هو أن ~~الإنسان يستتر بظلمة الليل عن العيون إذا أراد هربا من عدو ونحو ذلك. { ~~وجعلنا النهار معاشا } أي ms3285 سببا للمعاش والتصرف في المصالح وقال ابن ~~عباس تبتغون فيه من فضل الله وما قسم لكم من رزقه { وبنينا فوقكم سبعا ~~شدادا } يعني سبع سموات محكمة ليس يتطرق عليها شقوق ولا فطور على ممر ~~الزمان إلى أن يأتي أمر الله تعالى: { وجعلنا سراجا وهاجا } يعني الشمس ~~مضيئة منيرة، وقيل الوهاج الوقاد، وقيل جعل في الشمس حرارة ونورا والوهج ~~يجمع النور والحرارة { وأنزلنا من المعصرات } يعني الرياح التي تعصر ~~السحاب. وهي رواية عن ابن عباس: وقيل هي الرياح ذوات الأعاصير، وعلى هذا ~~المعنى تكون من بمعنى الباء، أي وأنزلنا بالمعصرات، وذلك لأن الريح تستدر ~~المطر من السحاب، وقيل هي السحاب وفي الرواية الأخرى عن ابن عباس ~~المعصرات السحابة التي حان لها أن تمطر، ولما تمطر وقيل المعصرات ~~المغيثات والعاصر هو الغيث، وقيل المعصرات السموات، وذلك لأن المطر ينزل ~~من السماء إلى السحاب { ماء ثجاجا } أي صبابا مدرارا متتابعا يتلو ~~بعضه بعضا، ومنه الحديث # " أفضل الحج العج والثج " # ، أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدى { لنخرج به } أي بذلك الماء { ~~حبا } أي ما يأكله الإنسان كالحنطة ونحوها { ونباتا } أي ما ينبت في ~~الأرض من الحشيش مما يأكل منه الأنعام { وجنات ألفافا } أي ملتفة بالشجر ~~ليس بينها خلال فدل على البعث بذكر ابتداء الخلق ثم أخبر عنه بقوله ~~تعالى: { إن يوم الفصل } أي الحساب { كان ميقاتا } أي لما وعده الله من ~~الثواب والعقاب وقيل ميقاتا يجمع فيه الخلائق ليقضي بينهم { يوم ينفخ في ~~الصور } يعني النفخة الأخيرة { فتأتون أفواجا } يعني زمرا زمرا من كل ~~مكان للحساب. ### || [78.19-25] # { وفتحت السماء فكانت أبوابا } يعني فكانت ذوات أبواب لنزول الملائكة، ~~وقيل تنحل وتتناثر حتى يصير فيها أبواب وطرق { وسيرت الجبال } أي عن وجه ~~الأرض { فكانت سرابا } أي هباء منبثا كالسراب في عين الناظر { إن جهنم ~~كانت مرصادا } أي طريقا وممرا فلا سبيل لأحد إلى الجنة حتى يقطع النار ~~وروي عن ابن عباس " إن على جسر جهنم سبع محابس يسئل العبد عند أولها عن ~~شهادة أن لا ms3286 إله إلا الله فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني فيسأل عن ~~الصلوات فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها ~~تامة جاز إلى الرابع فيسأل عن الصوم، فإن جاء به تاما جاز إلى الخامس، ~~فيسأل عن الحج فإن جاء به تاما جاز إلى السادس، فيسأل عن العمرة فإن جاء ~~بها تامة جاز إلى السابع، فيسأل عن المظالم فإن خرج منها، وإلا يقال ~~انظروا فإن كان له تطوع أكملت به أعماله فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة " ، ~~وقيل كانت مرصادا أي معدة لهم، وقيل هو من رصدت الشيء أرصده إذا ترقبته، ~~والمرصاد المكان الذي يرصد فيه الراصد العدو، والمعنى إن جهنم ترصد ~~الكفار أي تنتظرهم { للطاغين } أي الكافرين { مآبا } أي مرجعا يرجعون ~~إليها { لابثين فيها } أي في جهنم { أحقابا } جمع حقب وهو ثمانون سنة كل ~~سنة اثنا عشر شهرا كل شهر ثلاثون يوم كل يوم ألف سنة يروى ذلك عن علي بن ~~أبي طالب، وقيل الحقب الواحد سبعة عشر ألف سنة. فإن قلت الأحقاب وإن ~~طالت فهي متناهية وعذاب الكفار في جهنم غير متناه فما معنى قوله أحقابا. ~~قلت ذكروا فيه وجوها: أحدها: ما روي عن الحسن قال: إن الله تعالى لم ~~يجعل على النار مدة بل قال لابثين فيها أحقابا، فوالله ما هو إلا أنه ~~إذا مضى حقب دخل حقب آخر، ثم آخر إلى الأبد فليس للأحقاب عدة إلا الخلود ~~وروي عن عبد الله بن مسعود قال: " لو علم أهل النار أنهم يلبثون في النار ~~عدد حصى الدنيا لفرحوا، ولو علم أهل الجنة أنهم يلبثون في الجنة عدد حصى ~~الدنيا لحزنوا ". الوجه الثاني: أن لفظ الأحقاب لا يدل على نهاية، والحقب ~~الواحد متناه، والمعنى أنهم يلبثون فيها أحقابا لا يذوقون فيها أي في ~~تلك الأحقاب بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا، فهذا توقيت لأنواع ~~العذاب الذي يبدلونه ولا توقيت للبثهم فيها. الوجه الثالث: أن الآية ~~منسوخة بقوله فلن نزيدكم إلا عذابا يعني أن العدد ms3287 قد ارتفع والخلود قد ~~حصل. { لا يذوقون فيها بردا } قال ابن عباس: البرد النوم وقيل بردا أي ~~روحا وراحة، وقيل لا يذوقون بردا ينفعهم. { ولا شرابا } أي يغنيهم عن ~~عطش { إلا حميما وغساقا } أي لكن يشربون حميما قيل هو الصفر المذاب، ~~وقيل هو الماء الحار الذي انتهى حره وغساقا قال ابن عباس الغساق ~~الزمهرير يحرقهم ببرده، وقيل هو صديد أهل النار. ### || [78.26-37] # { جزاء وفاقا } أي جازيناهم جزاء وافق أعمالهم، وقيل وافق العذاب الذنب ~~فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار. { إنهم كانوا لا يرجون ~~حسابا } أي لا يخافون أن يحاسبوا، والمعنى أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث ~~ولا بأنهم يحاسبون { وكذبوا بآياتنا } أي التي جاءت بها الأنبياء، وقيل ~~كذبوا بدلائل التوحيد والنبوة والبعث والحساب { كذابا } ، أي تكذيبا ~~قال الفراء هي لغة يمانية فصيحة يقولون في مصدر التفعيل فعال، قال وقد ~~سألني أعرابي منهم يستفتيني الحلق أحب إليك أم القصار يريد التقصير { وكل ~~شيء } أي من الأعمال { أحصيناه } أي بيناه وأثبتناه { كتابا } أي في ~~كتاب وهو اللوح المحفوظ، وقيل معناه وكل شيء علمناه علما لا يزول ولا ~~يتغير ولا يتبدل والمعنى أنا عالم بجميع ما فعلوه من خير وشر، وأنا ~~أجازيهم على قدر أعمالهم جزاء وفاقا { فذوقوا } أي يقال لهم ذوقوا { فلن ~~نزيدكم إلا عذابا } قيل هذه الآية أشد آية في القرآن على أهل النار كلما ~~استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشد منه. قوله عز وجل: { إن للمتقين ~~مفازا } أي فوزا أي نجاة من العذاب، وقيل فوزا بما طلبوه من نعيم ~~الجنة، ويحتمل أن يفسر الفوز بالأمرين جميعا لأنهم فازوا بمعنى نجوا من ~~العذاب، وفازوا بما حصل لهم من النعيم. ثم فسره قال { حدائق } جمع حديقة ~~وهي البستان المحوط فيه كل ما يشتهون { وأعنابا } التنكير يدل على تعظيم ~~ذلك العنب { وكواعب } جمع كاعب يعني جواري نواهد قد تكعبت ثديهن { ~~أترابا } يعني مستويات في السن { وكأسا دهاقا } قال ابن عباس: مملوءة ~~مترعة، وقيل متتابعة، وقيل صافية { لا يسمعون فيها ms3288 } أي في الجنة، وقيل ~~في حالة شربهم لأن أهل الدنيا يتكلمون بالباطل في حالة شربهم { لغوا } ~~أي باطلا من الكلام { ولا كذابا } أي تكذيبا والمعنى أنه لا يكذب ~~بعضهم بعضا ولا ينطقون به { جزاء من ربك عطاء حسابا } أي جازاهم جزاء ~~وأعطاهم عطاء حسابا أي كافيا وافيا، وقيل حسابا يعني كثيرا، وقيل ~~جزاء بقدر أعمالهم { رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه ~~خطابا } أي لا يقدر الخلق أن يكلموا الرب إلا بإذنه، وقيل لا يملكون منه ~~خطابا أي لا يملكون شفاعة إلا بإذنه في ذلك اليوم. ### || [78.38-40] # { يوم يقوم الروح والملائكة صفا } قيل هو جبريل عليه الصلاة والسلام ~~وقال ابن عباس: الروح ملك من الملائكة ما خلق الله مخلوقا أعظم منه، ~~فإذا كان يوم القيامة قام وحده صفا، وقامت الملائكة كلهم صفا واحدا ~~فيكون من عظم خلقه مثلهم، وقال ابن مسعود: الروح ملك عظيم أعظم من ~~السموات والأرض والجبال وهو في السماء الرابعة يسبح الله كل يوم اثني عشر ~~ألف تسبيحة يخلق الله من كل تسبيحة ملكا يجيء يوم القيامة صفا وحده، ~~وقيل الروح خلق على صورة بني آدم وليسوا بناس يقومون صفا والملائكة صفا ~~هؤلاء جند وهؤلاء جند وقال ابن عباس الروح خلق على صورة بني آدم وما ينزل ~~من السماء ملك إلا ومعه واحد منهم، وعنه أنهم بنو آدم يقومون صفا ~~والملائكة صفا، وقيل يقوم سماطان سماط من الروح وسماط من الملائكة { لا ~~يتكلمون } يعني الخلق كلهم إجلالا لعظمته تعالى جل جلاله وتعالى عطاؤه ~~وشأنه من هول ذلك اليوم { إلا من أذن له الرحمن } أي في الكلام { وقال ~~صوابا } أي حقا في الدنيا وعمل به، وقيل قال لا إله إلا الله قيل ~~الاستثناء يرجع إلى الروح والملائكة، ومعنى الآية لا يشفعون إلا في شخص ~~أذن الرحمن في الشفاعة له، وذلك الشخص ممن كان يقول صوابا في الدنيا، ~~وهو لا إله إلا الله { ذلك اليوم الحق } أي الكائن الواقع لا محالة وهو ~~يوم القيامة. { فمن شاء اتخذ ms3289 إلى ربه مآبا } أي سبيلا يرجع إليه وهو ~~طاعة الله وما يتقرب به إليه { إنا أنذرناكم } أي خوفناكم في الدنيا { ~~عذابا قريبا } أي في الآخرة وكل ما هو آت قريب { يوم ينظر المرء ما ~~قدمت يداه } يعني من خير أو شر مثبتا في صحيفته ينظر إليه يوم القيامة. ~~{ ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا } قال عبد الله بن عمرو " إذا كان ~~يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر الدواب والبهائم والوحوش، ثم يجعل ~~القصاص بين البهائم حتى يقتص للشاة الحماء من الشاة القرناء نطحتها. ~~فإذا فرغ من القصاص قيل لها كوني ترابا فعند ذلك يقول الكافر يا ليتني ~~كنت ترابا " وقيل يقول الله عز وجل للبهائم بعد القصاص إنا خلقناكم ~~وسخرناكم لبني آدم وكنتم مطيعين لهم أيام حياتكم فارجعوا إلى ما كنتم ~~عليه كونوا ترابا، فإذ رأى الكافر ذلك تمنى، وقال يا ليتني كنت في ~~الدنيا في صورة بعض هذه البهائم، وكنت اليوم ترابا وإذا قضى الله بين ~~الناس وأمر بأهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، وقيل لسائر ~~الأمم سوى الناس والجن عودوا ترابا فيعودون ترابا فحينئذ يقول الكافر ~~يا ليتني كنت ترابا، وقيل معناه إن الكافر إذا رأى ما أنعم الله به على ~~المؤمنين من الخير، والرحمة، قال يا ليتني كنت ترابا يعني متواضعا في ~~طاعة الله في الدنيا، ولم أكن جبارا متكبرا، وقيل إن الكافر هاهنا هو ~~إبليس، وذلك أنه عاب آدم وكونه خلق من تراب، وافتخر عليه بأنه خلق من نار ~~فإذا كان يوم القيامة، ورأى ما فيه آدم وبنوه المؤمنين من الثواب ~~والرحمة، وما هو فيه من الشدة والعذاب قال يا ليتني كنت ترابا قال أبو ~~هريرة رضي الله عنه يقول التراب لا ولا كرامة لك من جعلك مثلي، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-2] # قوله عز وجل: { والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا ~~فالسابقات سبقا } اختلفت عبارات المفسرين في هذه الكلمات هل هي صفات ~~لشيء واحد أو لأشياء ms3290 مختلفة على أوجه واتفقوا على أن المراد بقوله { ~~فالمدبرات أمرا } وصف لشيء واحد وهم الملائكة: الوجه الأول: في قوله ~~تعالى: { والنازعات غرقا } يعني الملائكة تنزع أرواح الكفار من أقاصي ~~أجسامهم. كما يغرق النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد، والغرق من ~~الإغراق أي، والنازعات إغراقا وقال ابن مسعود: " إن ملك الموت، وأعوانه ~~ينزعون روح الكافر كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل، فتخرج ~~نفس الكافر كالغريق في الماء " { والناشطات نشطا } الملائكة تنشط نفس ~~المؤمن أي تسلها سلا رفيقا فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير، ~~وإنما خص النزع بنفس الكافر والنشط بنفس المؤمن، لأن بينهما فرقا فالنزع ~~جذب بشدة والنشط جذب برفق، # والسابحات سبحا # [النازعات: 3] يعني الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلا ~~رفيقا، ثم يدعونها حتى تستريح، ثم يستخرجونها كالسابح في الماء يتحرك ~~فيه برفق ولطافة، وقيل هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين كالفرس ~~الجواد إذا أسرع في جريه. يقال له سابح # فالسابقات سبقا # [النازعات: 4]يعني الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح، وقيل هم ~~الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة. الوجه الثاني: في قوله { ~~والنازعات غرقا } يعني النفس حين تنزع من الجسد، فتغرق في الصدر ثم تخرج ~~{ والناشطات نشطا } ، قال ابن عباس: هي نفوس المؤمنين تنشط للخروج عند ~~الموت لما ترى من الكرامة، وذلك لأنه يعرض عليه مقعده في الجنة قبل أن ~~يموت وقال علي بن أبي طالب: هي أرواح الكفار تنشط بين الجلد، والأظفار ~~حتى تخرج من أفواههم بالكرب والغم. ### || [79.3-7] # { والسابحات سبحا } يعني أرواح المؤمنين حين تسبح في الملكوت { ~~فالسابقات سبقا } يعني استباقها إلى الحضرة المقدسة. الوجه الثالث: في ~~قوله تعالى: # والنازعات غرقا # [النازعات: 1] يعني النجوم تنزع من أفق إلى أفق تطلع ثم تغيب # والناشطات نشطا # [النازعات: 2]، يعني النجوم تنشط من أفق إلى أفق، أي تذهب { والسابحات ~~سبحا } ، يعني النجوم والشمس والقمر يسبحون في الفلك. { فالسابقات سبقا ~~} يعني النجوم يسبق بعضها بعضا في السير. الوجه الرابع: في قوله تعالى # والنازعات غرقا # [النازعات: 1]. يعني خيل الغزاة تنزع ms3291 في أعنتها وتغرق في عرقها وهي ~~الناشطات نشطا لأنها تخرج بسرعة إلى ميدانها، وهي السابحات في جريها، ~~وهي السابقات سبقا لاستباقها إلى الغاية. الوجه الخامس: في قوله # والنازعات غرقا # [النازعات: 1] يعني الغزاة حين تنزع قسيها في الرمي فتبلغ غاية المد وهو ~~قوله غرقا، # والناشطات نشطا # [النازعات: 2]، أي السهام في الرمي { والسابحات سبحا، فالسابقات ~~سبقا } يعني الخيل والإبل حين يخرجها أصحابها إلى الغزو. الوجه السادس: ~~ليس المراد بهذه الكلمات شيئا واحدا، فقوله والنازعات يعني ملك الموت ~~ينزع النفوس غرقا حتى بلغ بها الغاية، # والناشطات نشطا # [النازعات: 2] يعني النفس تنشط من القدمين بمعنى تجذب، { والسابحات ~~سبحا } يعني السفن، { والسابقات سبقا } يعني مسابقة نفوس المؤمنين إلى ~~الخيرات والطاعات. أما قوله: { فالمدبرات أمرا } ، فأجمعوا على أنهم ~~الملائكة قال ابن عباس: هم الملائكة وكلوا بأمور عرفهم الله عز وجل: ~~العمل بها وقال عبد الرحمن بن سابط يدبر الأمر في الدنيا أربعة أملاك ~~جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، واسمه عزرائيل، فأما جبريل فموكل ~~بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت ~~فموكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو ينزل عليهم بالأمر من الله تعالى ~~أقسم الله بهذه الأشياء لشرفها، ولله أن يقسم بما يشاء من خلقه، أو يكون ~~التقدير، ورب هذه الأشياء، وجواب القسم محذوف تقديره لتبعثن، ولتحاسبن، ~~وقيل جوابه # إن في ذلك لعبرة لمن يخشى # [النازعات: 26] وقيل هو قوله: { قلوب يومئذ واجفة... }. ### || [79.8-14] # { قلوب يومئذ واجفة } # يوم ترجف الراجفة # [النازعات: 8] يعني النفخة الأولى يتزلزل ويتحرك لها كل شيء، ويموت منها ~~جميع الخلق { تتبعها الرادفة } يعني النفخة الثانية ردفت الأولى وبينهما ~~أربعون سنة، وقال قتادة: هما صيحتان فالأولى تميت كل شيء، والأخرى تحيي ~~كل شيء بإذن الله عز وجل وقيل الراجفة التي تزلزل الأرض، والجبال ~~والرادفة التي تشق السماء، وقيل الراجفة القيامة والرادفة البعث يوم ~~القيامة روى البغوي بسند الثعلبي عن أبي بن كعب قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام وقال: أيها ~~الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها ms3292 الرادفة جاء الموت بما فيه ". # قوله عز وجل: { قلوب يومئذ واجفة } أي خافقة قلقة مضطربة، وقيل وجله ~~زائلة عن أماكنها { أبصارها خاشعة } أي أبصار أهلها خاشعة ذليلة، والمراد ~~بها الكفار بدليل قوله تعالى { يقولون } يعني المنكرين للبعث إذا قيل لهم ~~إنكم مبعوثون بعد الموت. { أئنا لمردودون في الحافرة } يعني أنرد إلى أول ~~الحال، وابتداء الأمر فنصير أحياء بعد الموت كما كنا أول مرة والعرب تقول ~~رجع فلان في حافرته، أي رجع من حيث جاء فالحافرة عنده اسم لابتداء الشيء ~~وأول الشيء ويقال رجع فلان في حافرته أي في طريقه الذي جاء منه يحفره ~~بمشيئته، فحصل بأثر قدميه حفر فهي محفورة في الحقيقة، وقيل الحافرة الأرض ~~التي تحفر فيها قبورهم سميت حافرة لأنها يستقر عليها الحافر، والمعنى ~~أئنا لمردودون إلى الأرض فنبعث خلقا جديدا نمشي عليها، وقيل الحافرة ~~النار { أئذا كنا عظاما نخرة } أي بالية وقرىء ناخرة وهما بمعنى، وقيل ~~الناخرة المجوفة التي يمر فيها الريح فتنخر أي توصت { قالوا } يعني ~~المنكرين للبعث إذا عاينوا أهوال القيامة { تلك إذا كرة خاسرة } أي رجعة ~~غابنة يعني إن رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا بعد الموت. { فإنما هي ~~} يعني النفخة الأخيرة { زجرة واحدة } أي صيحة واحدة يجمعون بها جميعا { ~~فإذا هم بالساهرة } يعني وجه الأرض سميت ساهرة لأن عليها نوم الحيوان ~~وسهرهم، وقيل هي التي كثر الوطء عليها كأنها سهرت، والمعنى أنهم كانوا في ~~بطن الأرض. فلما سمعوا الصيحة صاروا على وجهها، وقيل هي أرض الشام وقيل ~~أرض القيامة، وقيل هي أرض جهنم. ### || [79.15-27] # قوله عز وجل: { هل أتاك حديث موسى } يا محمد وذلك أنه صلى الله عليه ~~وسلم شق عليه حين كذبه قومه، فذكر له قصة موسى عليه الصلاة والسلام وأنه ~~كان يتحمل المشاق من قومه ليتأسى به { إذ ناداه ربه بالواد المقدس } أي ~~المطهر { طوى } هو اسم واد بالشام عند الطور { اذهب إلى فرعون إنه طغى } ~~أي علا وتكبر وكفر بالله { فقل هل لك إلى أن تزكى } أي تتطهر من الشرك ms3293 ~~والكفر، وقيل معناه تسلم وتصلح العمل وقال ابن عباس: تشهد أن لا إله إلا ~~الله { وأهديك إلى ربك } أي أدعوك إلى عبادة ربك وتوحيده { فتخشى } يعني ~~عقابه وإنما خص فرعون بالذكر، وإن كانت دعوة موسى شاملة لجميع قومه لأن ~~فرعون كان أعظمهم فكانت دعوته دعوة لجميع قومه { فأراه } أي أرى موسى ~~فرعون { الآية الكبرى } يعني اليد البيضاء والعصا { فكذب } يعني فرعون ~~بأنها من الله { وعصى } أي تمرد وأظهر التجبر { ثم أدبر } أي أعرض عن ~~الإيمان { يسعى } يعمل الفساد في الأرض { فحشر } أي فجمع قومه وجنوده { ~~فنادى } أي لما اجتمعوا { فقال } يعني فرعون لقومه { أنا ربكم الأعلى } ~~أي لا رب فوقي، وقيل أراد أن الأصنام أرباب وهو ربها وربهم { فأخذه الله ~~نكال الآخرة والأولى } أي عاقبة فجعله عبرة لغيره بأن أغرقه في الدنيا ~~ويدخله النار في الآخرة، وقيل أراد بالآخرة والأولى كلمتي فرعون وهما ~~قوله # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] وقوله { أنا ربكم الأعلى } وكان بينهما أربعون سنة { إن في ~~ذلك } أي في الذي فعل بفرعون حين كذب وعصى { لعبرة } أي عظة { لمن يخشى } ~~أي يخاف الله عز وجل ثم عاتب منكري البعث فقال تعالى: { أأنتم أشد خلقا ~~أم السماء بناها } معناه أخلقكم بعد الموت أشد أم خلق السماء عندكم في ~~تقديركم. فإن كلا الأمرين بالنسبة إلى قدرة الله واحد، لأن خلق الإنسان ~~على صغره وضعفه إذا أضيف إلى خلق السماء مع عظمها وعظم أحوالها كان ~~يسيرا فبين تعالى: أن خلق السماء أعظم، وإذا كان كذلك كان خلقكم بعد ~~الموت أهون على الله تعالى: فكيف تنكرون ذلك مع علمكم بأنه خلق السموات ~~والأرض ولا تنكرون ذلك. ثم إنه تعالى ذكر كيفية خلق السماء والأرض فقال ~~تعالى: { رفع سمكها... }. ### || [79.28-44] # { رفع سمكها } يعني علو سمتها، وقيل رفعها بغير عمد { فسواها } أي أتقن ~~بناءها، فليس فيها شقوق، ولا فطور، { وأغطش } أي أظلم { ليلها } والغطش ~~الظلمة { وأخرج } أي وأظهر وأبرز { ضحاها } أي نهارها، وإنما عبر عن ~~النهار بالضحى لأنه أكمل أجزاء النهار ms3294 في النور، والضوء، وإنما أضاف ~~الليل والنهار إلى السماء لأنهما يجريان بسبب غروب الشمس وطلوعها، وهي في ~~السماء ثم وصف كيفية خلق الأرض. فقال تعالى: { والأرض بعد ذلك دحاها } أي ~~بسطها ومدها قال أمية بن أبي الصلت: # دحوت البلاد فسويتها وأنت على طيها قادر # فإن قلت ظاهر هذه الآية، يقتضي أن الأرض خلقت بعد السماء بدليل قوله ~~تعالى { بعد ذلك } وقد قال تعالى: في حم السجدة { ثم استوى إلى السماء } ~~فكيف الجمع بين الآيتين وما معناهما. قلت خلق الله الأرض أولا مجتمعة، ~~ثم سمك السماء ثانيا، ثم دحا الأرض بمعنى مدها وبسطها. ثالثا، فحصل ~~بهذا التفسير الجمع بين الآيتين، وزال الإشكال قال ابن عباس: خلق الله ~~الأرض بأقواتها، من غير أن يدحوها قبل السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن ~~سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وقيل معناه والأرض مع ذلك دحاها كقوله # عتل بعد ذلك زنيم # [القلم: 13] أي مع ذلك { أخرج منها ماءها ومرعاها } أي فجر من الأرض ~~عيونها، ومرعاها أي رعيها، وهي ما يأكله الناس، والأنعام واستعير الرعي ~~للإنسان على سبيل التجوز. { والجبال أرساها } أي أثبتها { متاعا لكم ~~ولأنعامكم } أي الذي أخرج من الأرض هو بلغة لكم ولأنعامكم. قوله عز وجل: ~~{ فإذا جاءت الطامة الكبرى } يعني النفخة الثانية، التي فيها البعث، ~~وقيل الطامة القيامة سميت بذلك لأنها تطم على كل شيء فتعلو عليه، والطامة ~~عند العرب الداهية التي لا تستطاع. { يوم يتذكر الإنسان ما سعى } أي ما ~~عمل في الدنيا من خير، أو شر. { وبرزت الجحيم لمن يرى } يعني أنه ينكشف ~~عنها الغطاء فينظر إليها الخلق { فأما من طغى } أي كفر { وآثر الحياة ~~الدنيا } أي على الآخرة { فإن الجحيم هي المأوى } أي لمن هذه صفته { ~~وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى } أي المحارم التي يشتهيها ~~وقيل هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر مقامه بين يديه جل جلاله للحساب ~~فيتركها لذلك { فإن الجنة هي المأوى } أي لمن هذه صفته. قوله عز وجل: { ~~يسألونك } أي يا محمد { عن ms3295 الساعة أيان مرساها } أي متى ظهورها وقيامها ~~{ فيم أنت من ذكراها } أي لست في شيء من علمها وذكراها حتى تهتم لها ~~وتذكر وقتها { إلى ربك منتهاها } أي منتهى علمها لا يعلم متى تقوم الساعة ~~إلا هو، وقيل معناه فيم إنكار لسؤالهم، أي فيم هذا السؤال، ثم قال أنت ~~يا محمد من ذكراها، أي من علامتها، لأنك آخر الرسل، وخاتم الأنبياء، ~~فكفاهم ذلك دليلا على دنوها، ووجوب الاستعداد لها. ### || [79.45-46] # { إنما أنت منذر من يخشاها } أي إنما ينفع إنذارك من يخافها. { كأنهم } ~~يعني الكفار { يوم يرونها } أي يعاينون يوم القيامة. { لم يلبثوا } أي في ~~الدنيا، وقيل في قبورهم { إلا عشية أو ضحاها }. فإن قلت العشية ليس لها ~~ضحى فما معنى قوله { أو ضحاها }؟ قلت قيل إن الهاء والألف صلة، والمعنى ~~لم يلبثوا إلا عشية، أو ضحى، وقيل إضافة الضحى إلى العشية، إضافة إلى ~~يومها، كأنه قال: إلا عشية أو ضحى يومها. والله أعلم بمراده وأسرار ~~كتابه. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-3] # قوله عز وجل: { عبس وتولى } أي كلح وقطب وجهه وتولى أي أعرض بوجهه. { أن ~~جاءه الأعمى } يعني ابن أم مكتوم، واسمه عمرو، وقيل عبد الله بن شريح بن ~~مالك بن ربيعة، وقيل عمرو قيس بن زائدة بن الأصم بن زهرة بن رواحة القرشي ~~الفهري من بني عامر بن لؤي، واسم أمه عاتكة بنت عبد الله المخزومية، وهو ~~ابن خالة خديجة بنت خويلد أسلم قديما بمكة، وذلك أنه أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وهو يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد ~~المطلب، وأبي بن خلف، وأخاه أمية بن خلف ويدعوهم إلى الله يرجو إسلامهم ~~فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله وجعل ~~يناديه ويكرر النداء، وهو لا يدري أنه مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهة ~~في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعه كلامه، وقال في نفسه يقول ~~هؤلاء الصناديد إنما اتبعه الصبيان، والعبيد، والسفلة فعبس وجهه وأعرض ~~عنه، وأقبل على ms3296 القوم الذين كان يكلمهم، فأنزل الله هذه الآيات معاتبة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~ذلك يكرمه إذا رآه، ويقول مرحبا بمن عاتبني الله فيه ويقول له هل لك من ~~حاجة، واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين وكان من المهاجرين الأولين، ~~وقيل قتل شهيدا بالقادسية قال أنس: رأيته يوم القادسية، وعليه درع ومعه ~~راية سوداء، عن عائشة رضي الله عنها قالت # " أنزلت { عبس وتولى } في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فجعل يقول يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عظماء قريش من المشركين فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ~~ويقبل على الآخرين ويقول أترى بما أقول بأسا فيقول لا ففي هذا أنزلت " # أخرجه الترمذي، وقال حديث غريب { وما يدريك } أي أي شيء يجعلك داريا { ~~لعله يزكى } أي يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح وما يتعلمه منك. ### || [80.4-15] # { أو يذكر } أي يتعظ { فتنفعه الذكرى } أي الموعظة { أما من استغنى } ~~قال ابن عباس: عن الله وعن الإيمان بما له من المال { فأنت له تصدى } أي ~~تتعرض له، وتقبل عليه وتصغى إلى كلامه { وما عليك ألا يزكى } أي لا يؤمن، ~~ولا يهتدي وإنما عليك البلاغ { وأما من جاءك يسعى } يعني يمشي يعني ابن ~~أم مكتوم { وهو يخشى } أي الله عز وجل { فأنت عنه تلهى } أي تتشاغل وتعرض ~~عنه { كلا } أي لا تفعل بعدها مثلها { إنها } يعني الموعظة وقيل آيات ~~القرآن { تذكرة } أي موعظة للخلق { فمن شاء } أي من عباد الله { ذكره } ~~أي اتعظ به يعني القرآن ثم وصف جلالة القرآن، ومحله عنده فقال عز وجل { ~~في صحف مكرمة } يعني القرآن في اللوح المحفوظ { مرفوعة } أي رفيعة القدر ~~عند الله، وقيل مرفوعة في السماء السابعة { مطهرة } يعني الصحف لا يمسها ~~إلا المطهرون، وهم الملائكة { بأيدي سفرة } قال ابن عباس: يعني كتبة، وهم ~~الملائكة الكرام الكاتبون، واحدهم سافر ومنه قيل للكتاب سفر، وقيل هم ~~الرسل ms3297 من الملائكة إلى الأنبياء واحدهم سفير، ثم أثنى عليهم. بقوله: { ~~كرام بررة }. ### || [80.16-25] # { كرام } أي هم كرام على الله { بررة } أي مطيعين له جمع بار. قوله عز ~~وجل: { قتل الإنسان } أي لعن الكافر وطرد { ما أكفره } أي أشد كفره بالله ~~مع كثرة إحسانه إليه، وأياديه عنده وهذا على سبيل التعجب، أي أعجبوا من ~~كفره وقيل معناه أي شيء حمله على الكفر، نزلت هذه الآية في عتبة بن أبي ~~لهب، وقيل في أمية بن خلف، وقيل في الذين قتلوا يوم بدر، وقيل الآية عامة ~~في كل كافر، ثم بين من أمره ما كان ينبغي أن يعلم أن الله تعالى: خالقه ~~منه فقال تعالى: { من أي شيء خلقه } لفظه استفهام ومعناه التقرير، ثم ~~فسر ذلك فقال تعالى { من نطفة خلقه فقدره } يعني خلقه أطوارا نطفة ثم ~~علقة، ثم مضغة، إلى آخر خلقه، وقيل قدره يعني خلق رأسه، وعينيه ويديه، ~~ورجليه على قدر ما أراده { ثم السبيل يسره } أي سهل له طريق خروجه من بطن ~~أمه، وقيل سهل له العلم بطريق الحق والباطل، وقيل يسر على كل أحد ما خلق ~~له وقدر عليه. { ثم أماته فأقبره } أي جعل له قبرا يوارى فيه، وقيل جعله ~~مقبورا، ولم يجعله ملقى للسباع، والوحوش والطيور، أو أقبره معناه ستره ~~الله بحيث يقبر وجعله ذا قبر يدفن فيه، وهذه تكرمة لبني آدم على سائر ~~الحيوانات. ثم قال تعالى: { ثم إذا شاء أنشره } أي أحياه بعد موته للبعث، ~~والحساب وإنما قال تعالى { ثم إذا شاء أنشره } لأن وقت البعث غير معلوم ~~لأحد فهو إلى مشيئة الله تعالى متى شاء أن يحيي الخلق أحياهم { كلا } ردع ~~وزجر للإنسان عن تكبره وتجبره وترفعه، وعن كفره وإصراره على إنكار ~~التوحيد، وإنكار البعث والحساب { لما يقض ما أمره } أي لم يفعل ما أمره ~~به ربه، ولم يؤد ما فرض عليه، ولما ذكر خلق ابن آدم ذكر رزقه ليعتبر فإنه ~~موضع الاعتبار فقال تعالى: { فلينظر الإنسان إلى طعامه } إلى قدرة ربه ~~فيه أي كيف ms3298 قدره ربه، ويسره ودبره له وجعله سببا لحياته، وقيل مدخل ~~طعامه ومخرجه. ثم بين ذلك فقال تعالى: { أنا صببنا الماء صبا } يعني ~~المطر. ### || [80.26-37] # { ثم شققنا الأرض شقا } أي بالنبات { فأنبتنا فيها } أي بذلك الماء { ~~حبا } يعني الحبوب التي يتغدى بها الإنسان { وعنبا } يعني أنه غذاء من ~~وجه، وفاكهة من وجه، فلهذا أتبعه الحب { وقضبا } يعني القت وهو الرطب ~~سمي بذلك لأنه يقتضب، أي يقطع في كل الأيام، وقيل القضب هو العلف كله ~~الذي تعلف به الدواب. { وزيتونا } وهو ما يعصر منه الزيت { ونخلا ~~وحدائق } جمع حديقة { غلبا } يعني غلاظ الأشجار، وقيل الغلب الشجر ~~الملتف بعضه على بعض. وقال ابن عباس: طوالا { وفاكهة } يعني جميع ألوان ~~الفاكهة { وأبا } يعني الكلأ والمرعى الذي لم يزرعه الناس مما يأكله ~~الدواب والأنعام، وقيل فاكهة ما يأكله الناس، والأب ما يأكله الدواب. ~~وقال ابن عباس: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس. والأنعام روى إبراهيم ~~التيمي أن أبا بكر سئل عن قوله: { وفاكهة وأبا } فقال أي سماء تظلني، ~~وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم خ عن أنس أن عمر قرأ { ~~وفاكهة وأبا } قال فما الأب، ثم قال ما كلفنا أو قال ما أمرنا بهذا لفظ ~~البخاري، وزاد غيره ثم قال اتبعوا ما بين لكم هذا الكتاب وما لا فدعوه. { ~~متاعا لكم } يعني الفواكه والحب، والعشب منفعة لكم { ولأنعامكم } ثم ذكر ~~أهوال القيامة فقال تعالى: { فإذا جاءت الصاخة } يعني صيحة القيامة سميت ~~صاخة لأنها تصخ أسماع الخلق، أي تبالغ في أسماعهم حتى تكاد تصمها { يوم ~~يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته، وبنيه } أي إنه لا يلتفت إلى واحد ~~من هؤلاء لشغله بنفسه، والمراد من الفرار التباعد، والسبب في ذلك ~~الاحتراز عن المطالبة بالحقوق فالأخ يقول ما واسيتني بمالك، والأبوان ~~يقولان قصرت في برنا، والصاحبة تقول لم توفني حقي والبنون يقولون ما ~~علمتنا وما أرشدتنا، وقيل أول من يفر هابيل من أخيه قابيل، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم من أمه وإبراهيم ms3299 عليه الصلاة والسلام من أبيه ولوط من ~~صاحبته ونوح من ابنه، وقيل يفر المؤمن من موالاة هؤلاء، ونصرتهم والمعنى ~~أن هؤلاء الذين كانوا يقربونهم في الدنيا، ويتقوون بهم ويتعززون بهم ~~يفرون منهم في الدار الآخرة، وفائدة الترتيب كأنه قيل يوم يفر المرء من ~~أخيه بل من أبويه لأنهما أقرب من الإخوة بل من الصاحبة، والولد لأن ~~تعلقه بهما أشد من تعلقه بالأبوين { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } أي ~~يشغله شأن نفسه عن شأن غيره عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه قال: # " تحشرون حفاة عراة غرلا، فقالت امرأة أيبصر أحدنا، أو يرى بعضنا عورة ~~بعض قال: يا فلانة لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه " # أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح ولما ذكر الله تعالى حال القيامة، ~~وأهوالها بين حال المكلفين، وأنهم على قسمين منهم السعداء والأشقياء. ~~فوصف السعداء بقوله تعالى: { وجوه يومئذ مسفرة... }. ### || [80.38-42] # { وجوه يومئذ مسفرة } أي مشرقة مضيئة من أسفر الصبح إذا أضاء، وقيل ~~مسفرة من قيام الليل، وقيل من أثر الوضوء، وقيل من الغبار في سبيل الله ~~{ ضاحكة } أي عند الفراغ من الحساب { مستبشرة } أي بالسرور فرحة بما تنال ~~من كرامة الله، ورضوانه. ثم وصف الأشقياء فقال تعالى: { ووجوه يومئذ ~~عليها غبرة } أي سواد وكآبة للهم الذي نزل بهم { ترهقها قترة } أي ~~تعلوها، وتغشاها ظلمة، وكسوف وقال ابن عباس: تغشاها ذلة والفرق بين ~~الغبرة والقترة أن الغبرة ما كان أسفل في الأرض، والقترة ما ارتفع من ~~الغبار فلحق بالسماء { أولئك } أي الذين صنع بهم هذا { هم الكفرة الفجرة ~~} جميع كافر وفاجر والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-7] # قوله عز وجل: { إذا الشمس كورت } قال ابن عباس: أظلمت، وغورت، وقيل ~~اضمحلت، وقيل لفت كما تلف العمامة، وأصل التكوير جمع بعض الشيء إلى بعض ~~ومعناه أن الشمس يجمع بعضها إلى بعض، ثم تلف فإذا فعل بها ذلك ذهب ~~ضوءها، قال ابن عباس: يكور الله الشمس، والقمر، والنجوم يوم القيامة في ~~البحر، ثم ms3300 يبعث عليها ريحا دبورا فتضربها فتصير نارا. خ عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الشمس والقمر يكوران يوم القيامة " # قيل إن الشمس، والقمر، جمادان فإلقاؤهما في النار يكون سببا لازدياد ~~الحر في جهنم. { وإذا النجوم انكدرت } أي تناثرت من السماء، وسقطت على ~~الأرض. قال الكلبي وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجوما، فلا يبقى نجم إلا ~~وقع { وإذا الجبال سيرت } أي عن وجه الأرض، فصارت هباء منثورا. { وإذا ~~العشار عطلت } يعني النوق الحوامل التي أتى عليها عشرة أشهر من حملها، ~~واحدتها عشراء، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام سنة، وهي أنفس مال ~~عند العرب فإذا كان ذلك اليوم عطلت، وتركت هملا بلا راع أهملها أهلها، ~~وقد كانوا لازمين لأذنابها ولم يكن مال أعجب إليهم منها لما جاءهم من ~~أهوال يوم القيامة. { وإذا الوحوش } يعني من دواب البر { حشرت } أي جمعت ~~يوم القيامة ليقتص لبعضها من بعض. وقال ابن عباس: حشرها موتها قال: وحشر ~~كل شيء موته غير الجن والإنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة. { وإذا البحار ~~سجرت } قال ابن عباس: أوقدت فصارت نارا تضطرم، وقيل فجر بعضها في بعض ~~العذاب، والملح حتى صارت البحار كلها بحرا واحدا وقيل صارت مياهها من ~~حميم أهل النار، وقيل سجرت أي يبست، وذهب ماؤها فلم تبق فيها قطرة. قال ~~أبي بن كعب: ست آيات قبل يوم القيامة، بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ~~ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على الأرض، فبينما هم كذلك إذ ~~تناثرت النجوم فتحركت، واضطربت، وفزعت الإنس، والجن، واختلطت الدواب، ~~والطير، والوحش، وماج بعضهم في بعض. فذلك قوله تعالى: { إذا الشمس كورت ~~وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت ~~وإذا البحار سجرت } فحينئذ تقول الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فينطلقون ~~إلى البحر، فإذا هو نار تأجج، فبينما هم كذلك إذ انصدعت الأرض صدعة واحدة ~~إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك ~~إذ جاءتهم ريح فأماتتهم، وعن ms3301 ابن عباس قال: هي اثنتا عشرة خصلة ستة في ~~الدنيا، وستة في الآخرة، وهي ما ذكر بعد هذه. وهو قوله تعالى: { وإذا ~~النفوس زوجت } روى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن هذه ~~الآية، فقال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن ~~بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، وقيل ألحق كل امرىء بشيعته ~~اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، وقيل يحشر الرجل مع صاحب عمله، وقيل ~~زوجت النفوس بأعمالها، وقيل زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت ~~نفوس الكافرين بالشياطين، وقيل معنى زوجت ردت الأرواح إلى الأجساد. ### || [81.8-13] # { وإذا الموءودة سئلت } يعني الجارية التي دفنت، وهي حية سميت بذلك لما ~~يطرح عليها من التراب، فيئدها، أي يثقلها حين تموت، وكانت العرب تفعل ذلك ~~في الجاهلية. تدفن البنات حية مخافة العار، والحاجة، وروي عن ابن عباس ~~قال: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت، وكان أوان ولادتها حفرت حفيرة، ~~فتمخضت على رأس الحفيرة فإن ولدت جارية رمت بها في الحفيرة، وإذا ولدت ~~غلاما حبسته، وقيل كان الرجل في الجاهلية إذا ولدت له بنت، وأراد بقاءها ~~حية ألبسها جبة صوف، أو شعر وتركها ترعى الإبل، والغنم في البادية، وإذا ~~أراد قتلها تركها حتى تشب، فإذا بلغت قال لأمها طيبيها وزينيها حتى أذهب ~~بها إلى أحمائها، وقد حفر بئرا في الصحراء، فيبلغ بها البئر فيقول لها: ~~انظري فيها، فإذا نظرت دفعها من ورائها، ويهيل عليها التراب حتى تستوي ~~بالأرض، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الوائدة، والموءودة في النار " # أخرجه أبو داود، وكان صعصعة بن ناجية ممن منع الوأد، ولم يئد فافتخر به ~~الفرزدق في شعره فقال: # ومنا الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم توأد # { بأي ذنب قتلت } معناه تسأل الموءودة، فيقال لها، بأي ذنب قتلت، ومعنى ~~سؤالها لها توبيخ قاتلها. لأنها قتلت بغير ذنب. { وإذا الصحف نشرت } ~~يعني صحائف الأعمال تنشر للحساب { وإذا السماء كشطت } أي نزعت، وطويت، ~~وقيل قلعت كما يقلع السقف، ms3302 وقيل كشفت، وأزيلت عمن فيها. { وإذا الجحيم ~~سعرت } أوقدت لأعداء الله تعالى { وإذا الجنة أزلفت } أي قربت لأولياء ~~الله. ### || [81.14-22] # { علمت نفس ما أحضرت } يعني عند ذلك تعمل كل نفس ما أحضرت من خير، أو شر ~~وهذا جواب لقوله إذا الشمس كورت إلى هنا. قوله عز وجل: { فلا أقسم } لا ~~زائدة والمعنى أقسم، وقد تقدم ذلك في قوله # لا أقسم بيوم القيامة # [القيامة: 1]. { بالخنس الجوار الكنس } يعني النجوم تبدو بالليل، ~~فتظهر، وتخنس بالنهار تحت نور الشمس، ونحو هذا المعنى روي عن علي بن أبي ~~طالب، وقيل هي النجوم الخمسة زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، ~~تخنس في مجاريها، أي ترجع وراءها في الفلك، وتنكس، أي تستر وقت اختفائها، ~~وقيل إنها تخنس، أي تتأخر عن مطالعها، والكنس معناه أنها لا ترى بالنهار، ~~وقيل هي الظباء، وهي رواية عن ابن عباس، وأصل الخنوس الرجوع إلى وراء، ~~والكنوس هو أن تأوي إلى كناسها، وهو الموضع الذي يأوي إليه الوحوش. { ~~والليل إذا عسعس } أي أقبل بظلامه وقيل أدبر، والعسعسة رقة الظلام، ~~وذلك يكون في طرف الليل. { والصبح إذا تنفس } أي أقبل وبدا أوله وقيل ~~أسفر. وفي تنفسه قولان أحدهما: أن في إقبال الصبح روحا، ونسيما فجعل ~~ذلك نفسا على المجاز الثاني، أنه شبه الليل بالمكروب المحزون، فإذا تنفس ~~وجد راحة، فكأنه تخلص من الحزن، فعبر عنه بالتنفس، فهو استعارة لطيفة، ~~ولما ذكر المقسم به أتبعه بالمقسم عليه فقال تعالى: { إنه } يعني القرآن ~~{ لقول رسول كريم } يعني جبريل عليه الصلاة والسلام والمعنى أن جبريل نزل ~~به عن الله عز وجل: { ذي قوة } وكان من قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط ~~الأربع من الماء الأسود، وحملها على جناحه، فرفعها إلى السماء، ثم قلبها، ~~وأنه أبصر إبليس يكلم عيسى عليه الصلاة والسلام على بعض عقاب الأرض ~~المقدسة، فنفحه بجناحه نفحة ألقاه إلى أقصى جبل بالهند، وأنه صاح صيحة ~~بثمود، فأصبحوا جاثمين، وأنه يهبط من السماء إلى الأرض، ثم يصعد في أسرع ~~من رد الطرف { عند ذي العرش مكين ms3303 } أي في المنزلة والجاه { مطاع ثم } أي ~~في السموات تطيعه الملائكة، ومن طاعة الملائكة له أنهم فتحوا أبواب ~~السموات ليلة المعراج بقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح خزنة ~~الجنة أبوابها بقوله { أمين } يعني على وحي الله تعالى إلى أنبيائه { وما ~~صاحبكم } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم يخاطب كفار مكة { بمجنون } وهذا ~~أيضا من جواب القسم أقسم على أن القرآن نزل به جبريل وأن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم ليس بمجنون كما يقول أهل مكة، وذلك أنهم قالوا إنه مجنون، ~~وأن ما يقوله ليس هو إلا من عند نفسه فنفى الله عنه الجنون، وكون القرآن ~~من عند نفسه. ### || [81.23-29] # { ولقد رآه } يعني رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه الصلاة ~~والسلام على صورته التي خلق فيها { بالأفق المبين } يعني بالأفق الأعلى ~~من ناحية المشرق حيث تطلع الشمس، وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن ~~عباس قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه الصلاة والسلام " إني ~~أحب أن أراك في صورتك التي تكون فيها في السماء قال: لن تقوى على ذلك ~~قال، بلى قال فأين تشاء أن أتخيل لك قال بالأبطح، قال لا يسعني ذلك، قال: ~~فبمنى قال لا يسعني ذلك قال فبعرفات، قال: لا يسعني ذلك قال بحراء قال إن ~~يسعني فواعده فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت. فإذا هو ~~بجبريل قد أقبل من حيال عرفات بخشخشة، وكلكله قد ملأ ما بين المشرق، ~~والمغرب، ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله ~~عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل عن صورته، وضمه إلى صدره، وقال: ~~يا محمد لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل، ورأسه تحت العرش، ورجلاه في تخوم ~~الأرض السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة ~~الله جل جلاله وعلا علاؤه وشأنه حتى يصير كالصعو، يعني العصفور حتى ما ~~يحمل عرش ربك إلا عظمته " # { وما هو } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { على الغيب } أي ms3304 الوحي وخبر ~~السماء، وما اطلع عليه مما كان غائبا عن علمه من القصص والأنباء. { ~~بضنين } قرأ بالظاء، ومعناه بمتهم والمظنة التهمة، وقرىء بضنين بالضاد، ~~ومعناه ببخيل يقول إنه يأتيه علم الغيب، ولا يبخل به عليكم، ويخبركم به، ~~ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده حتى يأخذ عليه حلوانا، وهو أجرة ~~الكاهن، وقراءة الظاء أولى لأنهم لم يبخلوه، وإنما اتهموه، فنفى الله عنه ~~تلك التهمة، ولو أراد البخل لقال وما هو بالغيب. { وما هو } يعني القرآن ~~{ بقول شيطان رجيم } يعني إن القرآن ليس بشعر، ولا كهانة كما قالت قريش، ~~وقيل كانوا يقولون إن شيطانا يلقيه على لسانه، فنفى الله ذلك عنه، { ~~فأين تذهبون } أي فأين تعدلون عن القرآن، وفيه الشفاء، والهدى، والبيان، ~~وقيل معناه أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم. { إن ~~هو } يعني ما في القرآن { إلا ذكر للعالمين } أي موعظة للخلق أجمعين { ~~لمن شاء منكم أن يستقيم } أي يتبع الحق، ويقيم عليه، وينتفع به ثم بين أن ~~مشيئة العبد موقوفة بمشيئته فقال تعالى: { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ~~رب العالمين } أعلمهم الله أن المشيئة في التوفيق للاستقامة إليه، وأنهم ~~لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله، وتوفيقه، وفيه إعلام أن أحدا لا ~~يعمل خيرا إلا بتوفيق الله تعالى ولا شرا إلا بخذلانه، ومشيئته والله ~~تعالى أعلم. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-6] # قوله عز وجل: { إذا السماء انفطرت } أي انشقت { وإذا الكواكب انتثرت } ~~أي تساقطت { وإذا البحار فجرت } أي فجر بعضها في بعض واختلط العذب ~~بالملح، فصارت بحرا واحدا، وقيل معنى فجرت فاضت. { وإذا القبور بعثرت } ~~أي بحثرت، وقلب ترابها وبعث من فيها منه الموتى أحياء. { علمت نفس ما ~~قدمت وأخرت } يعني علمت في ذلك اليوم ما قدمت من عمل صالح، أو سيىء، ~~وأخرت بعدها من حسنة أو سيئة، وقيل ما قدمت من الصدقات وأخرت من ~~الزكوات، وهذه أحوال يوم القيامة. قوله عز وجل: { يا أيها الإنسان ما ~~غرك بربك الكريم } أي ما خدعك، وسول لك ms3305 الباطل حتى صنعت ما صنعت، وضيعت ~~ما أوجب عليك، والمعنى ماذا أمنك من عقابه، قيل نزلت في الوليد بن ~~المغيرة، وقيل في أبي الشريق، واسمه أسيد بن كلدة، وقيل كلدة بن خلف، ~~وكان كافرا ضرب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعاقبه الله وأنزل الله ~~هذه الآية، وقيل الآية عامة في كل كافر وعاص، يقول ما الذي غرك، قيل غره ~~حمقه، وجهله وقيل تسويل الشيطان له، وقيل غره عفو الله عنه حيث لم ~~يعاجله بالعقوبة في أول مرة بربك الكريم، أي المتجاوز عنك، فهو بكرمه لك ~~لم يعاجلك بعقوبته بل بسط لك المدة لرجاء التوبة. قال ابن مسعود " ما ~~منكم من أحد إلا سيخلو الله عز وجل به يوم القيامة. فيقول: يا ابن آدم ما ~~غرك بي يا ابن آدم! ماذا عملت؟ فيما علمت يا ابن آدم؟ ماذا أجبت المرسلين ~~" ، وقيل للفضيل بن عياض لو أقامك الله يوم القيامة فيقول لك يا ابن آدم ~~ما غرك بربك الكريم ماذا كنت تقول. قال: أقول غرني ستورك المرخاة، وقال ~~يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه، وقال ما غرك بي أقول غرني بربك بي ~~سالفا وآنفا، وقال أبو بكر الوراق لو قال لي ما غرك بربك الكريم لقلت ~~غرني كرم الكريم، وقال بعض أهل الإشارة. إنما قال بربك الكريم دون سائر ~~أسمائه، وصفاته كأنه لقنه حجته في الإجابة حتى يقول غرني كرم الكريم. ### || [82.7-15] # { الذي خلقك } أي أوجدك من العدم إلى الوجود { فسواك } أي جعلك سويا ~~سالم الأعضاء، تسمع وتبصر { فعدلك } أي عدل خلقك في مناسبة الأعضاء فلم ~~يجعل بعضها أطول من بعض، وقيل معناه جعلك قائما معتدلا حسن الصورة، ~~ولم يجعلك كالبهيمة المنحنية { في أي صورة ما شاء ركبك } أي في أي شبه من ~~أب أو أم أو خال أو عم، وجاء في الحديث # " إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضر كل عرق بينه وبين آدم ثم قرأ: { ~~في أي صورة ما شاء ركبك } " # ، وقيل معناه إن شاء ركبك في صورة ms3306 إنسان، وإن شاء في صورة دابة أو ~~حيوان، وقيل في أي صورة ما شاء ركبك من الصور المختلفة بحسب الطول، ~~والقصر، والحسن، والقبح والذكورة، والأنوثة، وفي هذه دلالة على قدرة ~~الصانع المختار القادر. وذلك أنه لما اختلفت الهيئات، والصفات دل ذلك على ~~كمال القدرة، واتساع الصنعة، وأن المدبر المختار هو الله تعالى. قوله عز ~~وجل: { كلا بل تكذبون بالدين } أي بيوم الحساب والجزاء { وإن عليكم ~~لحافظين } يعني رقباء من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم { كراما } أي ~~على الله { كاتبين } أي يكتبون أقوالكم وأعمالكم { يعلمون ما تفعلون } ~~يعني من خير أو شر. قوله عز وجل { إن الأبرار } يعني الذين بروا وصدقوا ~~في إيمانهم بأداء ما افترض الله عليهم، واجتناب معاصيه. { لفي نعيم } ~~يعني نعيم الجنة { وإن الفجار لفي جحيم } روي أن سليمان بن عبد الملك ~~قال: لأبي حازم المزني ليت شعري ما لنا عند الله، فقال له: اعرض عملك على ~~كتاب الله، فإنك تعلم ما لك عند الله، قال: أين أجد ذلك في كتاب الله؟ ~~قال: عند قوله { إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم } قال سليمان ~~فأين رحمة الله قال قريب من المحسنين { يصلونها يوم الدين } يعني يوم ~~القيامة لأنه يوم الجزاء. ### || [82.16-19] # { وما هم عنها بغائبين } أي عن النار ثم عظم شأن ذلك اليوم فقال تعالى: ~~{ وما أدراك ما يوم الدين } قيل المخاطب بذلك هو الكافر، وهو على وجه ~~الزجر له، وقيل هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم: والمعنى أي شيء أعلمك ~~به لو لم نعرفك أحواله { ثم ما أدراك ما يوم الدين } التكرير لتعظيم ذلك ~~اليوم، وتفخيم شأنه { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } أي لا تملك نفس كافرة ~~شيئا من المنفعة { والأمر يومئذ لله } يعني أنه لم يملك الله في ذلك ~~أحدا شيئا كما ملكهم في الدنيا، والله أعلم. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-2] # قوله عز وجل: { ويل } أي قبح وهي كلمة تذكر عند وقوع البلاء، يقال ويل ~~له وويل عليه، وقيل ويل اسم واد في جهنم ms3307 { للمطففين } يعني الذين ينقصون ~~المكيال والميزان لأنه لا يكاد المطفف يسرق في الكيل والوزن، إلا الشيء ~~اليسير الطفيف قال ابن عباس: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا. فأنزل الله عز وجل: { ويل للمطففين ~~} فأحسنوا الكيل، وقيل لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ~~وبها رجل يقال له أبو جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، ~~فأنزل الله هذه الآية وجعل الويل للمطففين ثم بين من هم. فقال تعالى: { ~~الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } يعني أنهم إذا اكتالوا من ~~الناس، ومن وعلى يتعاقبان، وقيل معناه إذا اكتالوا من الناس، أي اشتروا ~~شيئا استوفوا عليهم لأنفسهم الكيل والوزن. ### || [83.3-7] # { وإذا كالوهم أو وزنوهم } يعني وإذا كالوا لهم أو وزنوا لهم للناس كما ~~يقال نصحتك ونصحت لك. { يخسرون } أي ينقصون الكيل والوزن وهذا الوعيد ~~يلحق من يأخذ لنفسه زائدا ويدفع إلى غيره ناقصا، ويتناول الوعيد القليل ~~والكثير لكن إذا لم يتب منه فإن تاب منه ورد الحقوق إلى أهلها قبلت توبته ~~ومن فعل ذلك، وأصر عليه كان مصرا على كبيرة من الكبائر، وذلك لأن عامة ~~الخلق محتاجون إلى المعاملات وهي مبنية على أمر الكيل والوزن والذرع، ~~فلهذا السبب عظم الله أمر الكيل والوزن، قال نافع: كان ابن عمر يمر ~~بالبائع فيقول له اتق الله أوف الكيل والوزن، فإن المطففين يوقفون يوم ~~القيامة حتى يلجمهم العرق، وقال قتادة: أوف يا ابن آدم كما تحب أن يوفى ~~لك، واعدل كما تحب أن يعدل لك، قال الفضيل: بخس الميزان سواد يوم ~~القيامة. { ألا يظن } أي ألا يعلم ويستيقن { أولئك } أي الذين يفعلون هذا ~~الفعل، وهم المطففون { أنهم مبعوثون ليوم عظيم } يعني يوم القيامة { يوم ~~يقوم الناس } يعني من قبورهم { لرب العالمين } أي لأمره وجزائه وحسابه ق ~~عن نافع " أن ابن عمر تلا { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم ~~يقوم الناس لرب العالمين } ، قال يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه " ~~، وروي مرفوعا عن ms3308 المقداد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " تدنو الشمس من رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى تكون منهم كمقدار ميل " # زاد الترمذي أو ميلين " قال سليم بن عامر والله ما أدري ما يعني بالميل ~~مسافة الأرض، أو الميل ما تكتحل به العين قال فيكون الناس على قدر ~~أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ~~ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، وأشار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بيديه إلى فيه " قوله عز وجل: { كلا } قيل إنه ردع ~~وتنبيه أي ليس الأمر على ما هم عليه من بخس الكيل والميزان، فليرتدعوا ~~عنه فعلى هذا تم الكلام هنا، وقيل كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى ~~حقا { إن كتاب الفجار } أي الذي كتبت فيه أعمالهم { لفي سجين } قال ابن ~~عمر هي الأرض السابعة السفلى، وفيها أرواح الكفار وروى البغوي بإسناد ~~الثعلبي عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " سجين أسفل سبع أرضين وعليون في السماء السابعة تحت العرش " # وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: أخبرني عن قول ~~الله عز وجل { إن كتاب الفجار لفي سجين } قال إن روح الفاجر يصعد بها ~~إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى أن ~~تقبلها فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع جند إبليس ~~فيخرج لها من سجين رق، فليتم ويختم ويوضع تحت جند إبليس لمعرفتها الهلاك ~~بحساب يوم القيامة، وقيل هي صخرة تحت الأرض السابعة السفلى خضراء خضرة ~~السماء منها فتقلب، ويجعل كتاب الفجار تحتها، قال وهب: هي آخر سلطان ~~إبليس وجاء في الحديث # " الفلق جب في جهنم مغطى وسجين جب في جهنم مفتوح " # ، وقيل معناه لفي سجين لفي خسار وضلال، وقيل إنه مشتق من السجن، ومعناه ~~لفي حبس وضيق شديد. ### || [83.8-14] # { وما أدراك ما سجين } أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت، ولا قومك، وقيل ~~إنما ms3309 قال ذلك تعظيما لأمر سجين { كتاب مرقوم } ليس هذا تفسيرا للسجن ~~وإنما هو بيان للكتاب المذكور في قوله # إن كتاب الفجار # [المطففين: 7] والمعنى إن كتاب الفجار مرقوم أي مكتوب فيه أعمالهم مثبتة ~~عليهم كالرقم في الثوب لا ينسى ولا يمحى حتى يحاسبوا به، ويجازوا عليه، ~~وقيل مرقوم رقم عليه بشر كأنه علم بعلامة يعرف بها أنه كافر، وقيل مرقوم ~~أي مختوم وهو بلغة حمير { ويل يومئذ للمكذبين } قيل إنه متصل بقوله يوم ~~يقوم الناس لرب العالمين ومعنى الآية ويل لمن كذب بهذا اليوم، وقيل ~~معناه مرقوم بالشقاوة، ثم قال ويل يومئذ للمكذبين أي في ذلك اليوم من ~~ذلك الكتاب المرقوم عليهم بالشقاوة { الذين يكذبون بيوم الدين } أي بيوم ~~القيامة لأنه يوم الجزاء { وما يكذب به } أي بيوم القيامة { إلا كل معتد ~~} أي متجاوز عن نهج الحق { أثيم } هو مبالغة في الآثم وهو المرتكب الإثم ~~والمعاصي { إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين } أي أكاذيب ~~الأولين. قوله عز وجل: { كلا } أي لا يؤمن ثم استأنف فقال { بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون } عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " إن العبد إن أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة فإذا هو نزع واستغفر وتاب ~~صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي قال الله: { بل ~~ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } " # أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وأصل الران الغلبة ومعنى الآية أن ~~الذنوب والمعاصي غلبت على قلوبهم وأحاطت بها، وقيل هو الذنب على الذنب ~~حتى يميت القلب وقال ابن عباس: ران على قلوبهم طبع عليها، وقيل الرين أن ~~يسود القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الرين ~~والإقفال أشد من الطبع وقيل الرين التغطية، والمعنى أنه يغشى القلب شيء ~~كالصدى فيغطيه فعند ذلك يموت القلب. ### || [83.15-20] # { كلا } قال ابن عباس يريد لا يصدقون وقيل معناه ليس الأمر كما يقولون ~~إن لهم في الاخرة خيرا ثم استأنف فقال تعالى: { إنهم ms3310 عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون } قيل عن كرامته ورحمته ممنوعون، وقيل إن الله لا ينظر إليهم ~~ولا يزكيهم وهذا التفسير فيه ضعف أما حمله على منع الكرامة والرحمة فهو ~~عدول عن الظاهر بغير دليل، وكذا الوجه الثاني فإن من حجب عن الله فإن ~~الله لا ينظر إليه نظر رحمة، ولا يزكيه والذي ذهب إليه أكثر المفسرين ~~أنهم محجوبون عن رؤية الله، وهذا هو الصحيح واحتج بهذه الآية من أثبت ~~الرؤية للمؤمنين قالوا: لولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة، ووجه آخر وهو ~~أنه تعالى ذكر الحجاب في معرض الوعيد والتهديد للكفار، وما يكون وعيدا ~~وتهديدا للكفار لا يجوز حصوله في حق المؤمنين، فوجب أن لا يحصل هذا ~~الحجاب في حق المؤمنين قال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا ~~يرون ربهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا. وقيل كما حجبهم في ~~الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته وسئل مالك عن هذه الآية، ~~فقال: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه، وقال ~~الشافعي في قوله { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } دلالة على أن ~~أولياء الله يرون الله جل جلاله وعنه كما حجب قوما بالسخط دل على أن ~~قوما يرونه بالرضا، ثم أخبر أن الكفار مع كونهم محجوبون عن الله يدخلون ~~النار. فقال عز من قائل { ثم إنهم لصالوا الجحيم } أي لداخلو النار { ~~ثم يقال } أي تقول لهم الخزنة { هذا } أي هذا العذاب { الذي كنتم به ~~تكذبون } يعني في الدنيا { كلا } أي ليس الأمر كما يتوهمه الفجار من ~~إنكار البعث، وقيل كلا أي لا يؤمنون بالعذاب الذي يصلونه، ثم بين محل ~~كتاب الأبرار فقال تعالى: { إن كتاب الأبرار لفي عليين } جمع علي من ~~العلو، وقيل هو موضوع على صفة الجمع لا واحد له من لفظه وتقدم من حديث ~~البراء المرفوع إن عليين في السماء السابعة تحت العرش وقال ابن عباس: هو ~~لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه، وقيل هو قائمة ~~العرش اليمنى وقال ابن ms3311 عباس في رواية عنه هي الجنة، وقيل هي سدرة ~~المنتهى، وقيل معناه علو بعد علو وشرف بعد شرف، وقيل هي مراتب عالية ~~محفوفة بالجلالة وقد عظمها الله وأعلاها. { وما أدراك ما عليون } ~~تنبيها له على عظم شأنه { كتاب مرقوم } ليس تفسير العليين، والمعنى أن ~~كتاب الأبرار كتاب مرقوم في عليين فيه ما أعد لهم في الآخرة من الكرامة، ~~وقيل مكتوب فيه أعمالهم وعليون محل الملائكة وضده سجين، وهو محل إبليس ~~وجنوده. ### || [83.21-27] # { يشهده المقربون } يعني الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، أي يحضرون ~~ذلك المكتوب ومن قال إنه كتاب الأعمال قال: يشهد ذلك الكتاب إذا صعد به ~~إلى عليين المقربون من الملائكة لكرامة المؤمن. قوله تعالى: { إن الأبرار ~~} يعني المطيعين لله { لفي نعيم } يعني نعيم الجنة { على الأرائك } جمع ~~أريكة وهي الأسرة في الحجال { ينظرون } أي إلى ما أعد الله لهم من نعيم ~~الجنة، وقيل ينظرون إلى أعدائهم كيف يعذبون في النار، وقيل ينظرون إلى ~~ربهم سبحانه وتعالى { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } يعني أنك إذا رأيتهم ~~تعرف أنهم من أهل النعمة لما ترى على وجوههم من النور والحسن والبياض، ~~قيل النضرة في الوجه والسرور في القلب { يسقون من رحيق } يعني الخمر ~~الصافية الطيبة البيضاء { مختوم } يعني ختم على ذلك الشراب ومنع من أن ~~تمسه الأيدي إلى أن يفك ختمه الأبرار. فإن قلت قد قال في سورة محمد صلى ~~الله عليه وسلم # وأنهار من خمر # [محمد: 15] والنهر لا يختم عليه فكيف طريق الجمع بين الآيتين، قلت يحتمل ~~أن يكون المذكور في هذه الآية. في أوان مختوم عليها، وهي غير تلك الخمر ~~التي في الأنهار، وإنما ختم عليها لشرفها ونفاستها { ختامه مسك } أي ~~طينته التي ختم عليه بها مسك بخلاف خمر الدنيا فإن ختامها طين وقال ابن ~~مسعود مختوم أي ممزوج ختامه أي آخر طعمه، وعاقبته مسك، وقيل يمزج لهم ~~بالكافور ويختم لهم بالمسك { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } أي فليرغب ~~الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله عز وجل، ليحصل لهم هذا الشراب ms3312 ~~المختوم بالمسك وقيل أصله من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس، ~~ويريده كل أحد لنفسه وينفس به على غيره أي يضن ويبخل { ومزاجه من تسنيم } ~~أي شراب ينصب عليهم من غرفهم ومنازلهم وقيل يجري في الهواء مسنما فيصب ~~في أواني أهل الجنة على قدر ملئها فإذا امتلأت أمسك وأصل هذه الكلمة من ~~العلو ومنه سنام البعير لأنه أعلاه، وقيل هو شراب اسمه تسنيم وهو من أشرف ~~شراب أهل الجنة وقال ابن مسعود وابن عباس: هو خالص للمقربين يشربونه ~~صرفا ويمزج لسائر أهل الجنة، وسئل ابن عباس عن قوله من تسنيم فقال: هذا ~~مما قال الله تعالى: # فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين # [السجدة: 17]. ### || [83.28-34] # { عينا يشرب بها } أي منها وقيل يشربها { المقربون } أي صرفا وقوله عز ~~وجل: { إن الذين أجرموا } أي أشركوا يعني كفار قريش أبا جهل والوليد بن ~~المغيرة والعاص بن وائل وأصحابهم من مترفي أهل مكة { كانوا من الذين ~~آمنوا } أي من عمار وخباب وصهيب وبلال وأصحابهم من فقراء المؤمنين { ~~يضحكون } أي منهم ويستهزئون بهم { وإذا مروا بهم } يعني مر المؤمنون ~~الفقراء بالكفار الأغنياء { يتغامزون } يعني يتغامز الكفار والغمز ~~الإشارة بالجفن والحاجب أي يشيرون إليها بالأعين استهزاء بهم { وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم } يعني الكفار { انقلبوا فكهين } أي معجبين بما هم ~~فيه، وقيل ينقلبون بذكرهم كأنهم يتفكهون بحديثهم { وإذا رأوهم } يعني ~~رأوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم { قالوا إن هؤلاء لضالون } أي هم في ~~ضلال يأتون محمدا ويرون أنهم على شيء. قال الله عز وجل: { وما أرسلوا } ~~يعني المشركين { عليهم } يعني على المؤمنين { حافظين } أي لأعمالهم ~~والمعنى أنهم لم يوكلوا بحفظ أعمالهم قوله عز وجل: { فاليوم } يعني في ~~الآخرة { الذين آمنوا من الكفار يضحكون } وسبب هذا الضحك أن الكفار لما ~~كانوا في الدنيا يضحكون من المؤمنين لما هم فيه من الشدة والبلاء فلما ~~أفضوا إلى الآخرة انعكس ذلك الأمر فصار المؤمنون في السرور والنعيم وصار ~~الكفار في العذاب والبلاء، فضحك المؤمنون من الكافرين لما ms3313 رأوا حالهم ~~وقال أبو صالح: تفتح للكافرين أبواب النار وهم فيها ويقال لهم اخرجوا ~~فإذا انتهوا إليها أغلقت دونهم فيفعل ذلك بهم مرارا والمؤمنون ينظرون ~~إليهم ويضحكون منهم وقال كعب بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ~~ينظر إلى عدوه في الدنيا من الكفار اطلع عليه من تلك الكوى وهو يعذب ~~فيضحك منه فذلك قوله تعالى: { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون }. ### || [83.35-36] # { على الأرائك } جمع أريكة وهو السرير ويتخذ في الحجلة وهي الكلة يزين ~~بها البيت، وأرائك الجنة من الدر والياقوت { ينظرون } يعني إليهم وهم في ~~النار يعذبون قال الله تعالى { هل ثوب الكفار } أي جوزي الكفار { ما ~~كانوا يفعلون } أي بالمؤمنين من الاستهزاء والضحك وهذا الاستفهام بمعنى ~~التقرير، وثوب، وأثيب بمعنى، قال أوس: # سأجزيك أو يجزيك عني مثوب وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي # والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-7] # قوله عز وجل: { إذا السماء انشقت } يعني عند قيام الساعة وهي من ~~علاماتها { وأذنت لربها } أي سمعت أمر ربها بالانشقاق، وأطاعته من الأذن ~~وهو الاستماع { وحقت } أي حق لها أن تطيع أمر ربها { وإذا الأرض مدت } ~~يعني مد الأديم العكاظي وزيد في سعتها، وقيل سويت فلا يبقى فيها بناء ولا ~~جبل { وألقت ما فيها } أي أخرجت ما في بطنها من الموتى والكنوز { وتخلت } ~~أي من ذلك الذي كان في بطنها من الموتى والكنوز { وأذنت لربها وحقت } ~~واختلفوا في جواب إذا فقيل جوابه محذوف تقديره إذا كان هذه الأشياء يرى ~~الإنسان الثواب أو العقاب، وقيل جوابه يا أيها الإنسان إنك كادح والمعنى ~~إذا انشقت السماء لقي كل كادح ما عمله وقيل جوابه وأذنت وحينئذ تكون ~~الواو زائدة { يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا } أي ساع إليه في ~~عملك سعيا والكدح عمل الإنسان وجهده في الأمرين الخير والشر، وقيل ~~معناه عامل لربك عملا وقيل معناه إنك كادح في لقاء ربك وهو الموت، ~~والمعنى أن هذا الكدح يستمر بك إلى الموت، وقيل معناه إنك تكدح في دنياك ms3314 ~~كدحا تصير به إلى ربك. { فملاقيه } أي فملاق جزاء عملك. ### || [84.8-17] # { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } سوف من الله واجب والحساب اليسير هو أن ~~تعرض عليه أعماله، فيعرف بالطاعة، والمعصية ثم يثاب على الطاعة، ويتجاوز ~~له عن المعصية فهذا هو الحساب اليسير لأنه لا شدة فيه على صاحبه، ولا ~~مناقشة ولا يقال له لم فعلت هذا ولا يطالب بالعذر فيه، ولا الحجة عليه ~~فإنه متى طولب بذلك لم يجد عذرا، ولا حجة فيفتضح ق عن ابن أبي مليكة أن ~~عائشة كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: من حوسب عذب قال: فقلت، أوليس يقول الله عز وجل ~~فسوف يحاسب حسابا يسيرا قالت فقال إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب ~~عذب. { وينقلب إلى أهله } يعني في الجنة من الحور العين والآدميات { ~~مسرورا } أي بما أوتي من الخير والكرامة { وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ~~} يعني أنه تغل يده اليمنى إلى عنقه، وتجعل يده اليسرى وراء ظهره، فيعطى ~~كتابه بشماله من وراء ظهره، وقيل تخلع يده الشمال فتخرج من وراء ظهره ~~فيعطي بها كتابه { فسوف يدعوا ثبورا } يعني عند إعطائه كتابه بشماله من ~~وراء ظهره يعلم أنه من أهل النار فيدعو بالويل والهلاك، فيقول يا ويلاه ~~يا ثبوراه { ويصلى سعيرا } أي ويقاسي التهاب النار وحرها { إنه كان في ~~أهله } يعني في الدنيا { مسرورا } يعني باتباع هواه وركوب شهواته { إنه ~~ظن أن لن يحور } أي لن يرجع إلينا ولن يبعث والحور الرجوع { بلى } ليس ~~الأمر كما ظن بل يحور إلينا، ويبعث ويحاسب { إن ربه كان به بصيرا } أي ~~من يوم خلقه إلى أن يبعث قوله عز وجل: { فلا أقسم بالشفق } تقدم الكلام { ~~لا أقسم } في سورة القيامة. وأما الشفق فقال مجاهد: هو النهار كله ~~وحجته في ذلك أنه عطف عليه فيجب أن يكون المذكور أولا هو النهار فعلى ~~هذا الوجه يكون القسم بالليل والنهار اللذين فيهما معاش العالم وسكونه، ~~وقيل هو ما ms3315 بقي من النهار وقال ابن عباس، وأكثر المفسرين: هو الحمرة ~~التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس، وهو مذهب عامة العلماء، وقيل هو ~~البياض الذي يعقب تلك الحمرة وهو مذهب أبي حنيفة { والليل وما وسق } أي ~~جمع وضم ما كان منتشرا بالنهار من الخلق والدواب والهوام وذلك أن الليل ~~إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه، وقيل وما عمل فيه ويحتمل أن يكون ذلك ~~تهجد العباد، فيجوز أن يقسم به. ### || [84.18-21] # { والقمر إذا اتسق } أي اجتمع وتم نوره وذلك في الأيام البيض، وقيل ~~استدار واستوى، ولما ذكر المقسم به أتبعه بالمقسم عليه فقال تعالى { ~~لتركبن } قرىء بفتح الباء وهو خطاب الواحد والمعنى لتركبن يا محمد { ~~طبقا عن طبق } يعني سماء بعد سماء وقد فعل الله ذلك معه ليلة أسري به، ~~فأصعده سماء بعد سماء، وقيل درجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة في القرب من ~~الله تعالى: وقيل معناه لتركبن حالا بعد حال خ عن ابن عباس قال: لتركبن ~~طبقا عن طبق حالا بعد حال هذا لنبيكم صلى الله عليه وسلم ومعنى هذا ~~يكون لك الظفر والغلبة على المشركين حتى يختم لك بجميل العاقبة فلا يحزنك ~~تكذيبهم وتماديهم في كفرهم وقرىء لتركبن بضم الباء، وهو الأشبه ويكون ~~خطاب الجمع والمعنى لتركبن أيها الناس حالا بعد حال وأمرا بعد أمر، ~~وذلك في موقف القيامة تتقلب بهم الأحوال فيصيرون في الآخرة على غير الحال ~~التي كانوا عليها في الدنيا. وقال ابن عباس يعني الشدائد وأهوال الموت ~~ثم البعث ثم العرض، وقيل حال الإنسان حالا بعد حال رضيع ثم فطيم ثم غلام ~~ثم شاب ثم كهل ثم شيخ، وقيل معناه لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالهم. ق ~~عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # " لتتبعن سنن من كان قبلكم وأحوالهم شبرا بعد شبر وذراعا بعد ذراع حتى ~~لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن " # ، وقيل في معنى الآية إنه أراد به السماء تتغير لونا ms3316 بعد لون فتصير ~~تارة وردة كالدهان وتارة كالمهل وتنشق مرة وتطوي أخرى { فما لهم لا ~~يؤمنون } يعني بالبعث والحساب وهو استفهام إنكار { وإذا قرىء عليهم ~~القرآن لا يسجدون } يعني لا يصلون فعبر بالسجود عن الصلاة لأنه جزء ~~منها، وقيل أراد به سجود التلاوة وهذه السجدة أحد سجدات القرآن عند ~~الشافعي ومن وافقه ق عن رافع قال " صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ # إذا السماء انشقت # [الإنشقاق: 1] فسجد، فقلت ما هذا قال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله ~~عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه ولمسلم عنه قال: " سجدنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في # اقرأ باسم ربك # [العلق: 1] # إذا السماء انشقت # [الإنشقاق: 1]. ### || [84.22-25] # { بل الذين كفروا يكذبون } يعني بالقرآن والبعث { والله أعلم بما يوعون ~~} يعني يجمعون في صدورهم من التكذيب { فبشرهم بعذاب أليم } يعني على ~~عنادهم وكفرهم { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } ~~يعني غير مقطوع ولا منقوص في الآخرة، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده ~~وأسرار كتابه. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-4] # قوله عز وجل: { والسماء ذات البروج } يعني البروج الاثني عشر وإنما حسن ~~القسم بها لما فيها من عجيب حكمة الباري جل جلاله، وهو سير الشمس ~~والقمر الكواكب فيها على قدر معلوم لا يختلف وقيل البروج والكواكب العظام ~~سميت بروجا لظهورها { واليوم الموعود } يعني يوم القيامة { وشاهد ومشهود ~~} عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اليوم الموعود يوم القيامة، والمشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة ~~ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة فيه ساعة لا يوافقها ~~عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له ولا يستعيذ من شر إلا أعاذه ~~الله منه " # أخرجه الترمذي وضعف أحد رواته من قبل حفظه وهذا قول ابن عباس والأكثرين ~~أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة وقيل الشاهد يوم الجمعة والمشهود ~~يوم النحر وقيل الشاهد يوم التروية، والمشهود يوم عرفة وإنما حسن القسم ~~بهذه الأيام ms3317 لعظمها وشرفها، واجتماع المسلمين فيها، وقيل الشاهد هو الله ~~تعالى والمشهود يوم القيامة، وقيل الشاهد هم الأنبياء والمشهود أي عليهم ~~هم الأمم وقيل الشاهد هو الملك والمشهود أي عليه هو آدم وذريته، وقيل ~~الشاهد هذه الأمة ونبيها صلى الله عليه وسلم والمشهود عليهم هم الأمم ~~المتقدمة، وقيل الشاهد الأنبياء والمشهود له هو محمد صلى الله عليه وسلم ~~لأن الأنبياء قبله شهدوا له بالنبوة وقوله، { والسماء ذات البروج واليوم ~~الموعود وشاهد ومشهود } أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها، وعظمها. وجواب ~~القسم قوله تعالى: { قتل أصحاب الأخدود } أي لعن وقتل وقيل جوابه # إن بطش ربك لشديد # [البروج: 12] والأخدود الشق المستطيل في الأرض. واختلفوا فيهم فروي عن ~~صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك إني ~~قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر فبعث إليه غلاما يعلمه، وكان في ~~طريقه إذا سلك إليه راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه فكان إذا أتى ~~الساحر مر بالراهب، وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه، وإذا رجع من ~~الساحر قعد إلى الراهب وسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه فشكا ذلك إلى ~~الراهب فقال إذا خشيت الساحر، فقل حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل حبسني ~~الساحر فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال اليوم ~~أعلم الراهب أفضل أم الساحر فأخذ حجرا ثم قال اللهم إن كان أمر ~~الراهب أحب إليك من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، ~~فرماها فقتلها فمضى الناس، فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب: أي بني ~~أنت أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك مبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي ~~فكان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع ~~جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال ما ها هنالك أجمع إن أنت ~~شفيتني قال إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله عز وجل، فإن آمنت بالله ~~دعوت عز ms3318 وجل فشفاك فآمن به فشفاه الله عز وجل فأتى الملك فجلس إليه كما ~~كان يجلس فقال له الملك من رد عليك بصرك فقال ربي: فقال أو لك رب غيري ~~قال ربي، وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دله على الغلام فجيء ~~بالغلام، فقال له الملك أي بني إنه قد بلغ من سحرك ما تبرىء الأكمه ~~والأبرص وتفعل وتفعل، فقال إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله عز وجل ~~فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب فجيء له بالراهب، فقيل له ارجع ~~عن دينك فأبى فدعا بالميشار فوضع الميشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع ~~شقاه ثم جيء بجليس الملك، فقيل له ارجع عن دينك فدعا بالميشار فوضع ~~الميشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع ~~عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال لهم اذهبوا به إلى جبل كذا ~~وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه ~~فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل، ~~فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال كفانيهم ~~الله فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به فاحملوه في قرقور فتوسطوا ~~به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال اللهم اكفنيهم ~~بما شئت فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ~~ما فعل أصحابك؟ قال كفانيهم الله تعالى فقال للملك إنك لست بقاتلي حتى ~~تفعل ما آمرك به فقال: وما هو قال تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على ~~جذع نخل ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل بسم ~~الله رب الغلام ثم ارمني به فإنك إن فعلت ذلك قتلتني فجمع الناس في صعيد ~~واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم ~~قال بسم الله رب الغلام ثم رماه ms3319 فوقع السهم في صدغه فوضع يده على صدغه ~~موضع السهم فمات، فقال الناس آمنا برب الغلام ثلاثا، فأتى الملك فقيل له ~~أرأيت ما كنت تحذر قد، والله نزل بك حذرك قد آمن الناس فأمر بالأخدود في ~~أفواه السكك فخدت وأضرم النيران وقال من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها ~~ففعلوا ذلك حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها ~~الغلام يا أماه اصبري ولا تقاعسي فإنك على الحق " # هذا حديث صحيح أخرجه مسلم. وفي هذا الحديث إثبات كرامات الأولياء، وفيه ~~جواز الكذب في مصلحة ترجع إلى الدين، وفيه إنقاذ النفس من الهلاك والأكمه ~~هو الذي خلق أعمى، والميشار بالياء وتخفيف الهمزة وروي بالنون وذروة ~~الجبل بالضم والكسر أعلاه، ورجف تحرك واضطرب والقرقور بضم القاف الأولى ~~السفينة الصغيرة وانكفأت انقلبت، والصعيد هنا الأرض البارزة والسكك ~~الطرق والأخدود الشق العظيم في الأرض، وأقحموه أي ارموه وتقاعست أي ~~تأخرت وكرهت الدخول في النار. وقال ابن عباس: " كان بنجران ملك من ملوك ~~حمير يقال له يوسف ذو نواس بن شرحبيل بن شراحيل في الفترة قبل مولد النبي ~~صلى الله عليه وسلم بسبعين سنة، وكان في بلاده غلام يقال له عبد الله بن ~~تامر، وكان أبوه يسلمه إلى معلم يعلمه السحر فكره ذلك الغلام ولم يجد ~~بدا من طاعة أبيه فجعل يختلف إلى المعلم وكان في طريقه راهب حسن القراءة ~~حسن الصوت فأعجبه ذلك ". وذكر نحو حديث صهيب وقال وهب بن منبه: إن رجلا ~~كان قد بقي على دين عيسى، فوقع إلى نجران فأحبوه فسار إليه ذو نواس ~~اليهودي بجنوده من حمير وخيرهم بين النار واليهودية، فأبوا عليه فخد ~~الأخدود وحرق اثني عشر ألفا ثم غلب أرياط على اليمن فخرج ذو نواس ~~هاربا، فاقتحم البحر بفرسه فغرق. وقال: محمد بن إسحاق عن عبد الله بن ~~أبي بكر إن خربة احتفرت في زمن عمر بن الخطاب، فوجدوا عبد الله بن تامر ~~واضعا يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت يده عنها انبعثت ms3320 دما، وإذا تركت ~~ارتدت مكانها وفي يده خاتم حديد فيه مكتوب ربي الله فبلغ ذلك عمر، فكتب ~~أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه. وقال سعيد بن جبير وابن أبزى لما انهزم ~~أهل اسفندهار، قال: عمر بن الخطاب أي شيء يجري على المجوس من الأحكام، ~~فإنهم ليسوا بأهل كتاب، فقال علي بن أبي طالب بلى قد كان لهم كتاب، وكانت ~~الخمر قد أحلت لهم فتناولها ملك من ملوكهم، فغلبت على عقله فوقع على ~~أخته فلما ذهب عنه السكر ندم، وقال لها ويحك ما هذا الذي أتيت وما المخرج ~~منه قالت: المخرج منه أنك تخطب الناس وتقول إن الله قد أحل نكاح ~~الأخوات فإذا ذهب في الناس وتناسوه خطبتهم فحرمته. فقام خطيبا بذلك فقال ~~إن الله قد أحل لكم نكاح الأخوات فقال الناس بأجمعهم معاذ الله أن نؤمن ~~بهذا أو نقر به، ما جاءنا به من نبي، ولا أنزل علينا في كتاب، فبسط فيهم ~~السوط فأبوا أن يقروا، فجرد فيهم السيف فأبوا أن يقروا به فجرد لهم ~~الأخدود، وأوقدوا فيها النيران وعرضهم عليها فمن أبى قذفه في النار ومن ~~أجاب أطلقه. # وروي عن علي قال كان أصحاب الأخدود نبيهم حبشي بعث من الحبشة إلى قومه ~~ثم قرأ علي # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك # [غافر: 78] الآية، فدعاهم فتابعه أناس فقاتلهم الكفار، فقتل أصحابه وأخذ ~~من انفلت منهم فأوثقوه ثم خدوا له أخدودا فملؤوها نارا، فمن تبع ذلك ~~النبي رمي به في النار ومن تابعهم تركوه فجاؤوا بامرأة معها صبي رضيع ~~فجزعت، فقال الصبي يا أماه قعي ولا تقاعسي وقيل كانت الأخدود ثلاثة واحدة ~~بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس حرقوا بالنار فأما التي ~~بالشام فهو أبطاموس الرومي وأما التي بفارس فبختنصر ويزعمون أنهم أصحاب ~~دانيال وأما التي باليمن فذو نواس يوسف فأما التي بالشام وفارس فلم ينزل ~~الله فيهم قرآنا وأنزل في التي بنجران اليمن وذلك أن هذه القصة كانت ~~مشهورة عند أهل مكة، ms3321 فذكر الله تعالى ذلك لأصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يحملهم بذلك على الصبر، وتحمل المكاره في الدين. ### || [85.5-10] # قوله تعالى: { النار ذات الوقود } ، هو تعظيم لأمر تلك النار قال الربيع ~~بن أنس نجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار يقبض أرواحهم، قبل أن ~~تمسهم النار وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم { ~~إذ هم عليها قعود } ، أي جلوس عند الأخدود { وهم } يعني الملك الذي خد ~~الأخدود وأصحابه { على ما يفعلون بالمؤمنين } أي من عرضهم على النار ~~وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم { شهود } أي حضور وقيل يشهدون أن المؤمنين ~~ضلال حين تركوا عبادة الصنم، { وما نقموا منهم } قال ابن عباس ما كرهوا ~~منهم { إلا أن يؤمنوا بالله } ، وقيل ما عابوا ولا علموا فيهم عيبا إلا ~~إيمانهم بالله { العزيز } ، يعني إن الذي يستحق العبادة هو الله العزيز ~~الغالب القاهر الذي لا يغالب ولا يدافع، { الحميد } يعني الذي يستحق أن ~~يحمد ويثنى عليه، وهو أهل لذلك وهو الله جل جلاله، { الذي له ملك السموات ~~والأرض } أي فهو المستحق للعبادة { والله على كل شيء } أي من أفعالهم ~~بالمؤمنين. { شهيد } وفيه وعد عظيم للمؤمنين ووعيد عظيم للكافرين. قوله ~~عز وجل: { إن الذين فتنوا } أي عذبوا وأحرقوا { المؤمنين ~~والمؤمنات } أي بالنار { ثم لم يتوبوا } أي لم يرجعوا عما هم عليه من ~~الكفر وفيه دليل على أنهم إذا تابوا وآمنوا يقبل منهم، ويخرجون من هذا ~~الوعيد، وأن الله تعالى يقبل منهم التوبة، وأن توبة القاتل مقبولة، وأنهم ~~إن لم يتوبوا { فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق } يعني لهم عذاب جهنم ~~بكفرهم، ولهم عذاب الحريق بما أحرقوا المؤمنين، وقيل لهم عذاب الحريق في ~~الدنيا وذلك أن الله أحرقهم بالنار التي أحرقوا بها المؤمنين ارتفعت ~~إليهم من الأخدود فأحرقتهم، ولهم عذاب جهنم في الآخرة ثم ذكر ما أعد ~~للمؤمنين فقال تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير... }. ### || [85.11-20] # { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري ms3322 من تحتها الأنهار ذلك ~~الفوز الكبير }. قوله عز وجل: { إن بطش ربك لشديد } قال ابن عباس إن ~~أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة لشديد. { إنه هو يبدىء ويعيد } أي يخلقهم ~~أولا في الدنيا، ثم يعيدهم أحياء بعد الموت ليجازيهم بأعمالهم في ~~القيامة { وهو الغفور } يعني لذنوب جميع المؤمنين. { الودود } أي المحب ~~لهم، وقيل المحبوب أي يوده أولياؤه ويحبونه، وقيل يغفر ويود أن يغفر، ~~وقيل هو المتودد إلى أوليائه بالمغفرة. { ذو العرش } أي خالقه ومالكه. { ~~المجيد } قرىء بالرفع على أنه صفة لله تعالى لأن المجد من صفات التعالي ~~والجلال، وذلك لا يليق إلا بالله تعالى. وقرىء المجيد بالكسر على أنه صفة ~~للعرش أي للسرير العظيم إذ لا يعلم صفة العرش وعظمته إلا الله تعالى وقيل ~~أراد حسنه فوصفه بالمجيد فقد قيل إن العرش أحسن الأجسام، ثم قال تعالى: { ~~فعال لما يريد } يعني أنه لا يعجزه شيء ولا يمنع منه شيء طلبه، وقيل فعال ~~لما يريد لا يعترض عليه معترض، ولا يغلبه غالب، فهو يدخل أولياءه الجنة ~~برحمته، لا يمنعه من ذلك مانع، ويدخل أعداءه النار لا ينصرهم منه ناصر. { ~~هل أتاك } أي قد أتاك { حديث الجنود } أي خبر الجموع الكافرة الذين ~~تجندوا على الأنبياء ثم بين من هم فقال تعالى: { فرعون } يعني وقومه { ~~وثمود } وكانت قصتهم عند أهل مكة مشهورة { بل الذين كفروا } أي من قومك ~~يا محمد. { في تكذيب } يعني لك وللقرآن كما كذب من كان قبلهم من الأمم، ~~ولم يعتبروا بمن أهلكنا منهم { والله من ورائهم محيط } ، أي عالم بهم لا ~~يخفى عليه شيء من أعمالهم يقدر أن ينزل بهم ما أنزل بمن كان قبلهم. ### || [85.21-22] # { بل هو قرآن مجيد } أي كريم شريف كثير النفع والخير ليس هو كما زعم ~~المشركون أنه شعر وكهانة. { في لوح محفوظ } قرىء بالرفع على أنه نعت ~~للقرآن، محفوظ يعني أن القرآن من التبديل والتغيير والتحريف، وقرىء محفوظ ~~بالكسر على أنه نعت للوح لأنه يعرف باللوح المحفوظ وهو أم الكتاب، ومنه ~~تنسخ الكتب وسمي محفوظا ms3323 لأنه حفظ من الشياطين من الزيادة والنقص، وهو عن ~~يمين العرش، وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس قال " إن في صدر ~~اللوح لا إله إلا الله وحده دينه الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن ~~بالله عز وجل وصدق بوعده واتبع رسله، أدخله الجنة " وقال: واللوح لوح ~~من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، ~~وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه من نور، وكلامه سر ~~معقود بالعرش وأصله في حجر ملك والله تعالى أعلم بمراده. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-3] # قوله عز وجل: { والسماء والطارق } قيل نزلت في أبي طالب وذلك أنه أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأتحفه بخبز ولبن فبينما هو جالس يأكل إذ انحط ~~نجم فامتلأ ماء ثم نارا ففزع أبو طالب، وقال: أي شيء هذا فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " هذا نجم رمي به، وهو آية من آيات الله " # ، فعجب أبو طالب فأنزل الله والسماء والطارق يعني النجم يظهر بالليل، ~~وكل ما أتاك بالليل فهو طارق، ولا يسمى ذلك بالنهار، وسمي النجم طارقا ~~لأنه يطرق بالليل قالت هند: # نحن بنات طارق نمشي على النمارق # تريد أن أباها نجم في علوه وشرفه. { وما أدراك ما الطارق } قيل لم يكن ~~صلى الله عليه وسلم يعرفه، حتى بينه الله له بقوله { النجم الثاقب } ، أي ~~المضيء المنير، وقيل المتوهج، وقيل المرتفع العالي، وقيل هو الذي يرمى به ~~الشيطان فيثقبه أي ينفذه، وقيل النجم الثاقب هو الثريا لأن العرب تسميها ~~النجم، وقيل هو زحل سمي بذلك لارتفاعه، وقيل هو كل نجم يرمى به الشيطان ~~لأنه يثقبه فينفذه، وهذه أقسام أقسم الله بها، وقيل تقديره ورب هذه ~~الأشياء وجواب القسم قوله تعالى { إن كل نفس لما عليها حافظ... }. ### || [86.4-9] # { إن كل نفس لما عليها حافظ } ، يعني أن كل نفس عليها حافظ من ربها يحفظ ~~عملها ويحصي عليها ما تكسب من خير أو شر، قال ابن عباس: هم الحفظة من ~~الملائكة، وقيل حافظ من الله تعالى يحفظها، ms3324 ويحفظ قولها، وفعلها، حتى ~~يدفعها ويسلمها إلى المقادير، ثم يحل عنها، وقيل يحفظها من المهالك ~~والمعاطب إلا ما قدر لها. قوله عز وجل: { فلينظر الإنسان } يعني نظر ~~تفكر واعتبار { مم خلق } أي من أي شيء خلقه ربه، ثم بين ذلك فقال ~~تعالى: { خلق من ماء } يعني من مني { دافق } ، أي مدفوق مصبوب في الرحم، ~~وأراد به ماء الرجل، وماء المرأة، لأن الولد مخلوق منهما وإنما جعله ~~واحدا لامتزاجهما { يخرج } يعني ذلك الماء وهو المني، { من بين الصلب ~~والترائب } يعني صلب الرجل، وترائب المرأة، وهي عظام الصدر والنحر. قال ~~ابن عباس: هي موضع القلادة من الصدر، وعنه أنها بين ثديي المرأة، قيل إن ~~المني، يخرج من جميع أعضاء الإنسان، وأكثر ما يخرج من الدماغ، فينصب في ~~عرق في ظهر الرجل، وينزل في عروق كثيرة من مقدم بدن المرأة، وهي الترائب، ~~فلهذا السبب خص الله تعالى، هذين العضوين بالذكر { إنه على رجعه لقادر ~~} يعني إن الله تعالى قادر على أن يرد النطفة في الإحليل، وقيل قادر على ~~رد الماء في الصلب الذي خرج منه، وقيل قادر على رد الإنسان ماء كما كان ~~من قبل، وقيل معناه إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى ~~الصبا ومن الصبا، إلى النطفة وقيل إنه على حبس ذلك الماء حتى لا يخرج ~~لقادر، وقيل معناه إن الذي قدر على خلق الإنسان ابتداء قادر على إعادته ~~حيا بعد موته، وهو أهون عليه، وهذا القول هو الأصح، والأولى بمعنى الآية ~~لقوله تعالى بعده { يوم تبلى السرائر } وذلك يوم القيامة. قيل معناه تظهر ~~الخبايا. وقيل معنى تبلى تختبر، وقيل السرائر هي فرائض الأعمال كالصوم، ~~والصلاة، والوضوء، والغسل من الجنابة، فكل هذه سرائر بين العبد وبين ربه ~~عز وجل وذلك لأن العبد قد يقول صليت ولم يصل، وصمت ولم يصم، واغتسلت ~~ولم يغتسل، فإذا كان يوم القيامة يختبر حتى يظهر من أداها ومن ضيعها. قال ~~عبد الله بن عمر: يبدي الله تعالى يوم القيامة كل سر، فيكون زينا ms3325 في ~~وجوه وشينا في وجوه، يعني من أدى الفرائض كما أمر كان وجهه مشرقا، ~~مستنيرا يوم القيامة، ومن ضيعها أو انتقص منها كان وجهه أغبر. ### || [86.10-17] # { فما له } أي لهذا الإنسان المنكر البعث. { من قوة } أي يمتنع بها من ~~عذاب الله { ولا ناصر } أي ينصره من الله، ثم ذكر قسما آخر فقال تعالى { ~~والسماء ذات الرجع } أي ذات المطر، سمي به لأنه يجيء ويرجع ويتكرر { ~~والأرض ذات الصدع } أي تتصدع وتنبثق عن النبات، والشجر، والأنهار، وجواب ~~القسم. قوله تعالى: { إنه } يعني القرآن { لقول فصل } أي إنه لحق وجد ~~يفصل بين الحق والباطل. { وما هو بالهزل } أي باللعب والباطل. { إنهم } ~~يعني مشركي مكة، { يكيدون كيدا } يعني يحتالون بالمكر بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وذلك حين اجتمعوا في دار الندوة وتشاوروا فيه. { وأكيد كيدا ~~} يعني أجازيهم على كيدهم بأن استدرجهم من حيث لا يعلمون فأنتقم منهم في ~~الدنيا بالسيف، وفي الآخرة بالنار { فمهل الكافرين } أي لا تستعجل ولا ~~تدع بهلاكهم. قال ابن عباس: هذا وعيد لهم من الله عز وجل، ثم لما أمره ~~بإمهالهم بين أن ذلك الإمهال قليل. فقال تعالى: { أمهلهم رويدا } يعني ~~قليلا، فأخذهم الله يوم بدر ونسخ الإمهال بآية السيف، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم بمراده. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-4] # قوله عز وجل: { سبح اسم ربك الأعلى } أي قل سبحان ربي الأعلى، وهو قول ~~جماعة من الصحابة والتابعين يدل عليه ما روي عن ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ { سبح اسم ربك الأعلى } ، فقال ~~سبحان ربي الأعلى " # ، ذكره البغوي بإسناد الثعلبي، وقيل معناه نزه ربك الأعلى عما يصفه ~~الملحدون، فعلى هذا يكون الاسم صلة، وقيل معناه نزه تسمية ربك الأعلى بأن ~~تذكره وأنت له معظم، ولذكره محترم. وقال ابن عباس: سبح أي صل بأمر ربك ~~الأعلى. عن عقبة بن عامر، قال: # " لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوها ~~في ركوعكم، ولما نزلت { سبح اسم ربك الأعلى } قال: اجعلوها في سجودكم " # أخرجه ms3326 أبو داود { الذي خلق فسوى } أي خلق كل ذي روح فسوى اليدين ~~والرجلين والعينين، وقيل خلق الإنسان مستويا معتدل القامة. { والذي قدر ~~فهدى } قيل قدر الأرزاق وهدى لاكتسابها، وقيل قدر لكل شيء شكله فهدى، أي ~~فعرف كيف يأتي الذكر الأنثى وقيل قدر مدة الجنين في الرحم وهداه إلى ~~الخروج منه، وقيل قدر السعادة لأقوام، والشقاوة لأقوام، ثم هدى كل فريق ~~من الطائفتين لسلوك سبيل ما قدر له، وعليه، وقيل قدر الخير والشر، وهدى ~~إليهما، وقيل قدر أي أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه، وهدى الأنعام وسائر ~~الحيوانات لمراعيها، وهو قوله تعالى: { والذي أخرج المرعى } أي أنبت ~~العشب وما ترعاه الأنعام من أخضر وأصفر وأحمر وأبيض وغير ذلك. ### || [87.5-14] # { فجعله } يعني المرعى بعد الخضرة { غثاء } أي هشيما يابسا باليا ~~كالغثاء الذي تراه فوق السيل. { أحوى } أي أسود بعد الخضرة، وذلك أن ~~الكلأ إذا جف ويبس سود. قوله عز وجل: { سنقرئك } أي نعلمك القرآن ~~بقراءة جبريل عليك. { فلا تنسى } يعني ما يقرأ عليك، وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا نزل جبريل بالوحي، لم يفرغ من آخر الآية حتى ~~يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولها، مخافة أن ينساها، فأنزل الله ~~تعالى { سنقرئك فلا تنسى } فلم ينس شيئا بعد ذلك { إلا ما شاء الله } ~~يعني أن تنساه وهو ما نسخ الله تعالى تلاوته من القرآن ورفعه من الصدور، ~~وقيل معناه إلا ما شاء الله أن تنساه، ثم تذكره بعد ذلك، كما صح من حديث ~~عائشة رضي الله عنها. قال: # " سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في سورة بالليل فقال ~~يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا، آية كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا " # وفي رواية # " كنت أسقطتهن من سورة كذا " # أخرجاه في الصحيحين، وقيل هذا الاستثناء لم يقع، ولم يشأ الله أن ينسيه ~~شيئا. { إنه يعلم الجهر } يعني من القول والفعل. { وما يخفى } يعني ~~منهما والمعنى، أنه تعالى يعلم السر والعلانية. { ونيسرك لليسرى } أي ~~نهون عليك أن ms3327 تعمل خيرا ونسهله عليك حتى تعمله، وقيل نوفقك للشريعة ~~اليسرى وهي الحنيفية السمحة، وقيل هو متصل بالكلام الأول، والمعنى إنه ~~يعلم الجهر مما تقرؤوه على جبريل إذا فرغ من التلاوة، وما يخفى مما تقرؤه ~~في نفسك مخافة النسيان، ثم وعده فقال: ونيسرك لليسرى أي نهون عليك الوحي ~~حتى تحفظه، ولا تنساه. { فذكر } أي فعظ بالقرآن. { إن نفعت الذكرى } أي ~~مدة نفع الموعظة، والتذكير، والمعنى عظ أنت، وذكر أن نفعت الذكرى، أو لم ~~تنفع، إنما عليك البلاغ. { سيذكر من يخشى } أي سيتعظ من يخشى الله تعالى. ~~{ ويتجنبها } أي الذكرى ويتباعد عنها. { الأشقى } أي في علم الله تعالى، ~~{ الذي يصلى النار الكبرى } أي النار العظيمة الفظيعة، وقيل النار الكبرى ~~هي نار الآخرة، والنار الصغرى هي نار الدنيا { ثم لا يموت فيها } أي في ~~النار فيستريح { ولا يحيى } أي حياة طيبة تنفعه. قوله عز وجل: { قد ~~أفلح من تزكى } أي تطهر من الشرك وقال لا إله إلا الله قاله ابن عباس: ~~وقيل قد أفلح من كان عمله زاكيا، وقيل هو صدقة الفطر، روي عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه في قوله: { قد أفلح من تزكى } قال: أعطى صدقة الفطر. ### || [87.15-19] # { وذكر اسم ربه فصلى } قال: خرج إلى العيد فصلى وكان ابن مسعود يقول: ~~رحم الله امرأ تصدق ثم صلى. ثم يقرأ هذه الآية وقال نافع: كان ابن عمر ~~إذا صلى الغداة يعني يوم العيد قال: يا نافع أخرجت الصدقة، فإن قلت نعم ~~مضى إلى المصلى، وإن قلت لا قال: فالآن فأخرج، فإنما هذه الآية في هذا قد ~~أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى. فإن قلت فما وجه هذا التأويل، وهذه ~~السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر. قلت يجوز أن يكون النزول ~~سابقا على الحكم، كما قال: { وأنت حل بهذا البلد } وهذه السورة مكية، ~~وظهر أثر الحل يوم الفتح، وكذا نزل بمكة { سيهزم الجمع ويولون الدبر } ، ~~وكان ذلك يوم بدر. قال عمر بن الخطاب: كنت لا أدري أي جمع ms3328 سيهزم، فلما ~~كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع، ويقول سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر. ووجه آخر وهو أنه كان في علم الله تعالى أنه سيكون ~~ذلك فأخبر عنه، وقيل وذكر اسم ربه فصلى يعني الصلوات الخمس، وقيل أراد ~~بالذكر تكبيرات العيد، وبالصلاة صلاة العيد. قوله عز وجل: { بل تؤثرون ~~الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى } يعني أن الدنيا فانية والآخرة باقية، ~~والباقي خير من الفاني، وأنتم تؤثرون الفاني على الباقي قال عرفجة الأشج: ~~كنا عند ابن مسعود فقرأ هذه الآية فقال لنا أتدرون لم آثرنا الحياة ~~الدنيا على الآخرة. قلنا لا قال: لأن الدنيا حضرت، وعجل لنا طعامها ~~وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها، وإن الآخرة تغيبت وزويت عنا فأحببنا ~~العاجل، وتركنا الآجل، وقيل إن أريد بذلك الكفار، فالمعنى أنهم يؤثرون ~~الدنيا على الآخرة، لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، وإن أريد بذلك المسلمون ~~بالمعنى يؤثرون الاستكثار من الدنيا على الثواب الذي يحصل في الآخرة، وهو ~~خير وأبقى. { إن هذا } أي الذي ذكر من قوله قد أفلح من تزكى إلى هنا، وهو ~~أربع آيات. { لفي الصحف الأولى } أي الكتب المتقدمة التي نزلت قبل ~~القرآن، ذكر في تلك الصحف فلاح من تزكى والمصلي وإيثار الدنيا وإن الآخرة ~~خير وأبقى ثم بين ذلك فقال تعالى: { صحف إبراهيم وموسى } يعني أن هذا ~~القدر المذكور في صحف إبراهيم وموسى، وقيل إنه مذكور في جميع صحف ~~الأنبياء التي منها صحف إبراهيم وموسى لأن هذا القدر المذكور في هذه ~~الآيات لا تختلف فيه شريعة، بل جميع الشرائع متفقة عليه. # " عن أبي ذر رضي الله عنه قال " دخلت المسجد فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن للمسجد تحية فقلت وما تحيته يا رسول الله، قال: ركعتان ~~تركعهما، قلت يا رسول الله هل أنزل الله عليك شيئا مما كان في صحف ~~إبراهيم وموسى؟ قال: يا أبا ذر اقرأ { قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه ~~فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى، إن هذا لفي الصحف ms3329 ~~الأولى، صحف إبراهيم وموسى } قلت يا رسول الله، فما صحف موسى، قال: كانت ~~عبرا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت، كيف يفرح؟! عجبت لمن أيقن بالنار كيف ~~يضحك؟! عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن؟ عجبت لمن أيقن ~~بالقدر ثم ينصب! عجبت لمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل " # ! أخرج هذا الحديث رزين في كتابه، وذكره ابن الأثير في كتابه جامع ~~الأصول. ولم يعلم عليه شيئا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وقل ~~يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد في ركعة ركعة " # أخرجه الترمذي والنسائي. وعن عبد العزيز بن جريج قال # " سألنا عائشة بأي شيء كان يوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كان ~~يقرأ في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون، ~~وفي الثالثة بقل هو الله أحد المعوذتين " # ، أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي. وقال: حديث حسن غريب، والله ~~أعلم. ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1-6] # قوله عز وجل: { هل أتاك } أي قد أتاك { حديث الغاشية } يعني القيامة، ~~سميت غاشية لأنها تغشى كل شيء بأهوالها، وقيل الغاشية النار، سميت ~~بذلك لأنها تغشى وجوه الكفار { وجوه يومئذ } يعني يوم القيامة { خاشعة } ~~يعني ذليلة، والمراد بالوجوه أصحابها فعبر بالجزء عن الكل، ولأن الوجه ~~أشرف أعضاء الإنسان، فعبر به عنه. { عاملة ناصبة } قال ابن عباس: يعني ~~الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام من عبدة الأوثان وكفار ~~أهل الكتاب، مثل الرهبان وأصحاب الصوامع، لا يقبل الله منهم اجتهادا في ~~ضلال بل يدخلون النار يوم القيامة. ومعنى النصب الدؤوب في العمل بالتعب. ~~ق عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " # ، وفي رواية # " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " # ، أما الرواية فإنها تختص بمن أحدث في دين الإسلام شيئا ابتدعه من عنده ~~فهو مردود عليه لا يقبل ms3330 منه. وأما الرواية الثانية فإنها تشتمل على كل ~~عامل في دين الإسلام، أو غير دين الإسلام فإنه مردود عليه إذا لم يكن ~~تابعا لنبينا صلى الله عليه وسلم. وقيل في معنى الآية عاملة في الدنيا ~~بالمعاصي ناصبة في الآخرة في النار. وقيل عاملة ناصبة في النار، لأنها لم ~~تعمل لله في الدنيا فأعملها وأنصبها في النار بمعالجة السلاسل والأغلال، ~~وهي رواية عن ابن عباس قال ابن مسعود: تخوض في النار كما تخوض الإبل في ~~الوحل، وقيل يجرون على وجوههم في النار، وقيل يكلفون ارتقاء جبل من حديد ~~في النار وهو قوله تعالى: { تصلى نارا حامية } قال ابن عباس: قد حميت ~~فهي تتلظى على أعداء الله عز وجل: { تسقى من عين آنية } أي متناهية في ~~الحرارة قد أوقدت عليها جهنم مذ خلقت لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا ~~لذابت فيدفعون إليها ورودا عطاشا، فهذا شرابهم، ثم ذكر طعامهم فقال ~~تعالى: { ليس لهم طعام إلا من ضريع } قيل هو نبت ذو شوك لاطئ بالأرض ~~تسميه قريش الشبرق فإذا هاج سموه الضريع، وهو أخبث طعام وأبشعه، وهي ~~رواية عن ابن عباس، فإذا يبس لا تقربه دابة، وقيل الضريع في الدنيا هو ~~الشوك اليابس الذي له ورق، وهو في الآخرة شوك من نار، وجاء في الحديث عن ~~ابن عباس يرفعه الضريع شيء في النار يشبه الشوك، أمر من الصبر، وأنتن من ~~الجيفة، وأشد حرا من النار، قال أبو الدرداء: إن الله تعالى يرسل على ~~أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب فيستغيثون فيغاثون ~~بطعام ذي غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء فيستسقون ~~فيعطشهم ألف سنة ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة، ولا مريئة، فإذا ~~أدنوه من وجوههم سلخ جلدة وجوههم، وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها ~~فذلك قوله تعالى: # وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم # [محمد: 15] قال المفسرون فلما نزلت هذه الآية قال المشركون إن إبلنا ~~لتسمن على الضريع وكذبوا في ذلك، فإن الإبل إنما ms3331 ترعاه رطبا فإذا يبس لا ~~تأكله فأنزل الله تعالى { لا يسمن ولا يغني من جوع... }. ### || [88.7-17] # { لا يسمن ولا يغني من جوع } يعني إن هذا الطعام لا تقدر البهائم على ~~أكله فكيف يقدر الإنسان على أكله، فهو إذا لا يسمن ولا يغني من جوع. ~~فإن قلت قد ذكر الله تعالى في هذه الآية أنه لا طعام لهم إلا من ضريع، ~~وذكر في موضع آخر أنه لا طعام لهم إلا من غسلين، فكيف الجمع بينهما؟!. ~~قلت إن النار دركات فعلى قدر الذنوب تقع العقوبات، فمنهم من طعامه الزقوم ~~لا غير، ومنهم من طعامه الضريع، ومنهم من طعامه الغسلين. ثم وصف أهل ~~الجنة فقال تعالى: { وجوه يومئذ ناعمة } أي متنعمة ذات بهجة وحسن، ~~ونعمة، وكرامة { لسعيها راضية } أي لسعيها في الدنيا راضية في الآخرة حيث ~~أعطيت الجنة بعملها. { في جنة عالية } قيل هو من العلو الذي هو الشرف، ~~وقيل من العلو في المكان، وذلك لأن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض، كل ~~درجة كما بين السماء والأرض. { لا تسمع فيها لاغية } أي ليس فيها لغو ولا ~~باطل. { فيها عين جارية } على وجه الأرض في غير أخدود، وقيل تجري حيث ~~أرادوا من منازلهم، وقصورهم. { فيها سرر مرفوعة } قال ابن عباس: ألواحها ~~من ذهب، مكللة بالزبرجد، والياقوت، مرتفعة ما لم يجىء أهلها، فإذا أراد ~~أهلها الجلوس عليها تواضعت لهم حتى يجلسوا عليها، ثم ترتفع إلى مواضعها { ~~وأكواب } يعني الكيزان التي لا عرى لها. { موضوعة } يعني عندهم بين ~~أيديهم، وقيل موضوعة على حافات العين الجارية كلما أرادوا الشرب منها ~~وجدوها مملوءة. { ونمارق مصفوفة } يعني وسائد ومرافق مصفوفة، بعضها جنب ~~بعض أينما أراد أن يجلس ولي الله جلس على واحدة، واستند إلى الأخرى. { ~~وزرابي } يعني البسط العريضة قال ابن عباس: هي الطنافس التي لها خمل، ~~واحدتها زربية { مبثوثة } أي مبسوطة، وقيل متفرقة في المجالس. قوله عز ~~وجل: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } قال أهل التفسير لما نعت الله ~~عز وجل ما في هذه السورة مما ms3332 في الجنة عجب من ذلك أهل الكفر وكذبوه، ~~فذكرهم الله صنعه، فقال: أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإنما بدأ ~~بالإبل لأنها من أنفس أموال العرب، ولهم فيها منافع كثيرة والمعنى إن ~~الذي صنع لهم هذا في الدنيا هو الذي صنع لأهل الجنة ما صنع وتكلمت علماء ~~التفسير في وجه تخصيص الإبل بالذكر من بين سائر الحيوانات، فقال: مقاتل ~~لأن العرب لم يروا بهيمة قط أعظم منها، ولم يشاهد الفيل إلا النادر منهم، ~~وقال الكلبي لأنها تنهض بحملها وقد كانت باركة، وقال قتادة: لما ذكر الله ~~تعالى ارتفاع سرر الجنة وفرشها قالوا كيف نصعدها فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. # وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له الفيل أعظم في الأعجوبة فقال: أما ~~الفيل فإن العرب بعيدة العهد به، ثم هو لا خير فيه لأنه لا يركب على ~~ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب دره، والإبل أعز مال للعرب، وأنفسه تأكل ~~النوى وألقت وغيره، وتخرج اللبن، ومن منافع الإبل أنها مع عظمها تلين ~~للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف حتى أن الصبي الصغير يأخذ بزمامها ~~فيذهب بها حيث شاء، ومنها أنها فضلت على سائر الحيوانات بأشياء، وذلك أن ~~جميع الحيوانات إنما تقتنى إما للزينة أو للركوب، أو للحمل، أو للبن، أو ~~لأجل اللحم، ولا توجد جميع هذه الخصال إلا في الإبل، فإنها زينة، وتركب ~~فيقطع عليها المفازات البعيدة، وتحمل الثقيل، وتحلب الكثير، ويأكل من ~~لحمها الجم الغفير، وتصبر على العطش عدة أيام، ومنها أن يحمل عليها، وهي ~~باركة ثم تنهض بحملها بخلاف سائر الحيوانات، ومنها أنها ترعى في كل نبات ~~في البراري مما لا يرعاه غيرها من الحيوانات، وهي سفن البر يحمل عليها ~~الثقيل، ويقطع عليها المفاوز البعيدة. وكان شريح يقول: اخرجوا بنا إلى ~~الكناسة حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت. فإن قلت كيف حسن ذكر الإبل مع ~~السماء والأرض والجبال، ولا مناسبة بينهما ولم بدأ بذكر الإبل قبل السماء ~~والأرض والجبال؟ قلت لما كان المراد ذكر الدلائل الدالة على توحيده ~~وقدرته، ms3333 وأنه هو الخالق لهذه الأشياء جميعها، وكانت الإبل من أعظم شيء ~~عند العرب فينظرون إليها ليلا ونهارا، ويصاحبونها ظعنا وأسفارا ذكرهم ~~عظيم نعمته عليهم فيها ولهذا بدأ بها ولأنها من أعجب الحيوانات عندهم. ### || [88.18-26] # { وإلى السماء كيف رفعت } يعني فوق الأرض بغير عمد، ولا ينالها شيء. { ~~وإلى الجبال كيف نصبت } أي على الأرض نصبا ثابتا راسخا لا يزول. { ~~وإلى الأرض كيف سطحت } أي بسطت، ومهدت بحيث يستقر على ظهرها كل شيء. قال ~~ابن عباس: المعنى هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء أو ~~ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض غير الله القادر على كل شيء. ولما ~~ذكر الله تعالى دلائل التوحيد ولم يعتبروا ولم يتفكروا فيها خاطب نبيه ~~صلى الله عليه وسلم فقال تعالى { فذكر إنما أنت مذكر } أي فعظ إنما أنت ~~واعظ { لست عليهم بمسيطر } أي بمسلط فتكرههم على الإيمان، وهذه الآية ~~منسوخة نسختها آية القتال. { إلا من تولى وكفر } استثناء منقطع عما قبله ~~معناه لكن من تولى وكفر بعد التذكير { فيعذبه الله العذاب الأكبر } وهو ~~أن يدخله النار، وإنما قال: الأكبر لأنهم عذبوا في الدنيا بأنواع من ~~العذاب مثل الجوع، والقحط والقتل، والأسر، فكانت النار أكبر من هذا كله. ~~{ إن إلينا إيابهم } أي رجوعهم بعد الموت. { ثم إن علينا حسابهم } يعني ~~جزاءهم بعد الرجوع إلينا، والله أعلم. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-3] # قوله عز وجل: { والفجر } أقسم الله عز وجل بالفجر وما بعده لشرفها ~~وما فيها من الفوائد الدينية وهي أنها دلائل باهرة، وبراهين قاطعة، على ~~التوحيد، وفيها من الفوائد الدنيوية أنها تبعث على الشكر. واختلفوا في ~~معاني هذه الألفاظ، فروي عن ابن عباس، أنه قال: الفجر هو انفجار الصبح في ~~كل يوم، أقسم الله تعالى به لما يحصل فيه من انقضاء الليل، وظهور الضوء، ~~وانتشار الناس، وسائر الحيوانات في طلب الأرزاق، وذلك يشبه نشر الموتى من ~~قبورهم للبعث. وعن ابن عباس أيضا أنه صلاة الفجر، والمعنى أنه أقسم ~~بصلاة الفجر لأنها مفتتح النهار، ms3334 ولأنها مشهودة يشهدها ملائكة الليل، ~~وملائكة النهار، وقيل إنه فجر معين. واختلفوا فيه، فقيل هو فجر أول يوم ~~من المحرم، لأن منه تنفجر السنة وقيل هو فجر ذي الحجة، لأنه قرن به ~~الليالي العشر، وقيل هو فجر يوم النحر، لأن فيه أكثر مناسك الحج، وفيه ~~القربات. { وليال عشر } قيل إنما نكرها لما فيها من الفضل، والشرف الذي ~~لا يحصل في غيرها. روي عن ابن عباس أنها العشر الأول من ذي الحجة لأنها ~~أيام الاشتغال بأعمال الحج، وأخرج الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله قال: # " ما من أيام العمل فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر " # ، وذكر الحديث، وروي عن ابن عباس قال: هي العشر الأواخر من رمضان، لأن ~~فيها ليلة القدر، ولأن رسول الله كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان أحيا ~~ليله، وشد مئزره، وأيقظ أهله، يعني للعبادة وقيل هي العشر الأول من ~~المحرم، وهو تنبيه على شرفه، ولأن فيه يوم عاشوراء. { والشفع والوتر } ~~قيل الشفع هو الخلق، والوتر هو الله تعالى يروى ذلك عن أبي سعيد الخدري، ~~وقيل الشفع هو الخلق كالإيمان والكفر، والهدى، والضلالة، والسعادة، ~~والشقاوة، والليل، والنهار، والأرض، والسماء، والشمس، والقمر، والبر، ~~والبحر، والنور، والظلمة، والجن، والإنس. والوتر هو الله تعالى، وقيل ~~الخلق كله فيه شفع وفيه وتر. وقيل هما الصلوات منها شفع ومنها وتر عن ~~عمران بن حصين رضي الله عنه # " أن رسول الله سئل عن الشفع والوتر قال: هي الصلاة بعضها شفع وبعضها ~~وتر " # أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب وعن ابن عباس قال: الشفع صلاة الغداة، ~~والوتر صلاة المغرب، وعن عبد الله بن الزبير قال: الشفع النفر الأول، ~~والوتر النفر الأخير، وروي أن رجلا سأله عن الشفع، والوتر، والليالي ~~العشر فقال: أما الشفع والوتر فقول الله عز وجل: # فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه # [البقرة: 203] فهما الشفع والوتر، وأما الليالي العشر فالثمان، وعرفة ~~والنحر، وقيل الشفع الأيام، والليالي والوتر اليوم الذي لا ليلة معه، وهو ~~يوم ms3335 القيامة، وقيل الشفع درجات الجنة لأنها ثمان، والوتر دركات النار ~~لأنها سبع، فكأنه أقسم بالجنة، والنار. وقيل الشفع أوصاف المخلوقين ~~المتضادة، مثل العز، والذل، والقدرة، والعجز، والقوة، والضعف، والغنى، ~~والفقر، والعلم، والجهل، والبصر، والعمى، والموت، والحياة، والوتر، صفات ~~الله تعالى التي تفرد بها عز بلا ذل، وقدرة بلا عجز، وقوة بلا ضعف، وغنى ~~بلا فقر، وعلم بلا جهل، وحياة بلا موت. ### || [89.4-8] # { والليل إذا يسر } أي إذا سار وذهب، وقيل إذا جاء، وأقبل، وأراد به كل ~~ليلة، وقيل هي ليلة المزدلفة، وهي ليلة النحر التي يسار فيها من عرفات ~~إلى مزدلفة فعلى هذا يكون المعنى واليل الذي يسار فيه. { هل في ذلك } أي ~~فيما ذكرت { قسم } مقنع ومكتفي في القسم فهو استفهام بمعنى التأكيد. { ~~لذي حجر } أي لذي عقل سمي بذلك لأنه يحجر صاحبه عما لا يحل له، ولا ينبغي ~~كما سمي عقلا لأنه يعقل صاحبه عن القبائح، وسمي نهيه لأنه ينهى عما لا ~~يحل، ولا ينبغي وأصل الحجر المنع، ولا يقال ذو حجر إلا لمن هو قاهر لنفسه ~~ضابط لها عما لا يليق، كأنه حجر على نفسه ومنعها ما تريد، والمعنى إن من ~~كان ذا لب، وعقل علم أن ما أقسم الله عز وجل به من هذه الأشياء فيه ~~عجائب، ودلائل تدل على توحيده، وربوبيته. فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته ~~على خالقه. قيل جواب القسم قوله تعالى # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14]، واعترض بين القسم وجوابه قوله تعالى { ألم تر كيف فعل ربك ~~بعاد } ، وقيل جواب القسم محذوف وتقديره ورب هذه الأشياء ليعذبن الكافر ~~يدل عليه قوله تعالى { ألم تر كيف فعل ربك بعاد }؟ إلى قوله # فصب عليهم ربك سوط عذاب # [الفجر: 13]، وقوله عز وجل { ألم تر كيف فعل ربك }؟ أي ألم تعلم وإنما ~~أطلق لفظ الرؤية على العلم لأن أخبار عاد وثمود وفرعون كانت معلومة ~~عندهم. وقوله: { ألم تر } خطاب للنبي ولكنه عام لكل أحد. { كيف فعل ربك ~~بعاد إرم ذات العماد } المقصود من ذلك تخويف أهل مكة ms3336 وكيف أهلكهم وهم ~~كانوا أطول أعمارا، وأشد قوة، من هؤلاء فأما عاد فهو عاد بن عوص بن ارم ~~بن سام بن نوح، ومنهم من يجعل عادا اسما للقبيلة لقوله تعالى: # وأنه أهلك عادا الأولى # [النجم: 50] وإرم هو جد عاد على ما ذكر في نسبه عاد. وقيل إن المتقدمين ~~من قوم عاد كانوا يسمون بإرم اسم جدهم. وقيل إرم هم قبيلة من عاد، وكان ~~فيهم الملك، وكانوا بمهرة اسم موضع باليمن وكان عاد أباهم فنسبوا إليه ~~وهو إرم بن عاد بن شيم بن سام بن نوح وقال الكلبي: إرم هو الذي يجتمع ~~إليه نسب عاد وثمود أهل السواد، وأهل الجزيرة، وكان يقال عاد إرم وثمود ~~إرم فأهلك عاد وثمود، وأبقى أهل السواد، وأهل الجزيرة وقال سعيد بن ~~المسيب: إرم ذات العماد دمشق وقيل الإسكندرية، وفيه ضعف لأن منازل عاد ~~كانت من عمان إلى حضرموت، وهي بلاد الرمال والأحقاف. وقيل إن عادا كانوا ~~أهل عمد وخيام وماشية سيارة في الربيع فإذا هاج العود ويبس رجعوا إلى ~~منازلهم، وكانوا أهل جنان وزروع ومنازلهم بوادي القرى، وهي التي قال الله ~~تعالى: { التي لم يخلق مثلها في البلاد } وسموا ذات العماد لأنهم كانوا ~~أهل عمد سيارة، وهو قول قتادة ومجاهد والكلبي، ورواية ابن عباس. # وقيل سموا ذات العماد لطول قامتهم يعني طولهم، مثل العماد في الشبه، قال ~~مقاتل: كان طول أحدهم اثني عشر ذراعا، وقوله { التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد } يعني لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول، والقوة، وهم الذين ~~قالوا # من أشد منا قوة # [فصلت: 15]. وقيل سموا ذات العماد لبناء بناه بعضهم، فشيد عمده ورفع ~~بناءه، وقيل كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا بعده، وقهرا البلاد والعباد ~~فمات شديد وخلص الملك لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها وكان يحب قراءة ~~الكتب القديمة فسمع بذكر الجنة وصفتها فدعته نفسه إلى بناء مثلها عتوا ~~على الله وتجبرا روى وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب ~~إبل له شردت فبينما ms3337 هو يسير في صحارى عدن إذ وقع على مدينة في تلك ~~الفلوات عليها حصن وحول الحصن قصور كثيرة فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا ~~يسأله عن إبله فلم ير خارجا ولا داخلا فنزل عن دابته وعقلها، وسل سيفه ~~ودخل من باب المدينة فإذا هو ببابين عظيمين وهما مرصعان بالياقوت الأحمر ~~فلما رأى ذلك دهش، ففتح الباب ودخل، فإذا هو بمدينة لم ير أحد مثلها، ~~وإذا فيها قصور في كل قصر منها غرف، وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب، ~~والفضة، وأحجار اللؤلؤ والياقوت وإذا أبواب تلك القصور مثل مصاريع باب ~~المدينة يقابل بعضها بعضا وهي مفروشة كلها باللؤلؤ وبنادق المسك ~~والزعفران، فلما عاين ذلك ولم ير أحدا هاله ذلك ثم نظر إلى الأزقة فإذا ~~في تلك الأزقة أشجار مثمرة، وتحت تلك الأشجار أنهار مطردة يجري ماؤها في ~~قنوات من فضة فقال الرجل في نفسه هذه الجنة وحمل معه من لؤلؤ ترابها ومن ~~بنادق مسكها وزعفرانها، ورجع إلى اليمن وأظهر ما كان معه وحدث بما رأى ~~فبلغ ذلك معاوية، فأرسل إليه فقدم عليه فسأله عن ذلك فقص عليه ما رأى ~~فأرسل معاوية إلى كعب الأحبار فلما أتاه قال له: يا أبا إسحاق هل في ~~الدنيا مدينة من ذهب وفضة قال نعم هي إرم ذات العماد بناها شداد بن عاد ~~قال: فحدثني حديثها فقال لما أراد شداد بن عاد عملها أمر عليها مائة ~~قهرمان مع كل قهرمان ألف من الأعوان، وكتب إلى ملوك الأرض أن يمدوه بما ~~في بلادهم من الجواهر فخرجت القهارمة يسيرون في الأرض ليجدوا أرضا ~~موافقة فوقفوا على صحراء نقية من التلال وإذا فيها عيون ماء ومروج فقالوا ~~هذه الأرض التي أمر الملك أن نبني فيها فوضعوا أساسها من الجزع اليماني، ~~وأقاموا في بنائها ثلاثمائة سنة، وكان عمر شداد تسعمائة سنة فلما أتوه ~~وقد فرغوا منها قال: انطلقوا فاجعلوا حصنا يعني سورا واجعلوا حوله ألف ~~قصر وعند كل قصر ألف علم ليكون في كل قصر وزير من وزرائي ففعلوا وأمر ms3338 ~~الملك وزراءه وهم ألف وزير أن يتهيؤا للنقلة إلى إرم ذات العماد، وكان ~~الملك وأهله في جهازهم عشر سنين ثم ساروا إليها فلما كانوا من المدينة ~~على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليه وعلى من كان معه صيحة من السماء ~~فأهلكتهم جميعا، ولم يبق منهم أحد ثم قال كعب: وسيدخلها رجل من المسلمين ~~في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال، وعلى عنقه خال يخرج في طلب إبل ~~له ثم التفت فأبصر عبد الله بن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل. ### || [89.9-10] # قوله عز وجل: { وثمود } أي وفعل بثمود مثل ما فعل بعاد { الذين جابوا ~~} أي قطعوا { الصخر } أي الحجر { بالواد } يعني بوادي القرى وكانت ثمود ~~أول من قطع الصخر ونحته واتخذوا مساكن في الجبال وبيوتا. { وفرعون ذي ~~الأوتاد } سمي بذلك لكثرة جنوده وكثرة مضاربهم وخيامهم التي كانوا ~~يضربونها، إذا نزلوا، وقيل معناه ذي الملك كما قيل في ظل ملك راسخ ~~الأوتاد. وقيل سمي بذلك لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد وروى البغوي بإسناد ~~الثعلبي عن ابن عباس أن فرعون إنما سمي ذا الأوتاد لأنه كانت عنده امرأة ~~مؤمنة وهي امرأة خازنة حزقيل وكان مؤمنا كتم إيمانه مائة سنة وكانت ~~امرأته ماشطة بنت فرعون فبينما هي ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون إذ سقط ~~المشط من يدها فقالت تعس من كفر بالله فقالت بنت فرعون وهل لك من إله غير ~~أبي فقالت إلهي وإله أبيك وإله السموات والأرض واحد لا شريك له فقامت ~~ودخلت على أبيها وهي تبكي فقال لها ما يبكيك قالت الماشطة امرأة خازنك ~~تزعم أن إلهك وإلهنا وإله السموات والأرض واحد لا شريك له فأرسل إليها ~~فسألها عن ذلك فقالت صدقت فقال لها: ويحك اكفري بإلهك وقري أني إلهك قالت ~~لا أفعل فمدها بين أربعة أوتاد ثم أرسل عليها الحيات والعقارب وقال لها: ~~اكفري بالله وإلا عذبتك بهذا العذاب شهرين فقالت لو عذبتني سبعين شهرا ~~ما كفرت بالله وكان لها ابنتان فجاء بابنتها الكبرى فذبحها على قلبها ثم ms3339 ~~قال اكفري بالله وإلا ذبحت الصغرى على فيك وكانت رضيعا فقالت لو ذبحت من ~~في الأرض على في ما كفرت بالله عز وجل فأتى بابنتها فلما اضطجعت على ~~صدرها وأراد ذبحها جزعت المرأة فأطلق الله لسان ابنتها فتكلمت وهي من ~~الأربعة الذين تكلموا في المهد صغارا أطفالا وقالت يا أماه لا تجزعي ~~فإن الله قد بنى لك بيتا في الجنة فاصبري فإنك تفضين إلى رحمة الله ~~وكرامته فذبحت فلم تلبث الأم أن ماتت فأسكنها الله الجنة قال: وبعث في ~~طلب زوجها حزقيل فلم يقدروا عليه فقيل لفرعون إنه قد رؤي في موضع كذا في ~~جبل كذا فبعث رجلين في طلبه فانتهى إليه الرجلان، وهو يصلي وثلاثة صفوف ~~من الوحش خلفه يصلون فلما رأوا ذلك انصرفوا فقال، حزقيل: اللهم إنك تعلم ~~أني كتمت إيماني مائة سنة ولم يظهر علي أحد فأيما هذين الرجلين كتم علي ~~فاهده إلى دينك وأعطه من الدنيا سؤاله وأيما هذين الرجلين أظهر علي فعجل ~~عقوبته في الدنيا واجعل مصيره في الآخرة إلى النار فانصرف الرجلان إلى ~~فرعون فأما أحدهما فاعتبر وآمن وأما الآخر فأخبر فرعون بالقصة على رؤوس ~~الملأ فقال له فرعون وهل معك غيرك قال نعم فلان فدعا به فقال أحق ما يقول ~~هذا قال ما رأيت مما يقول شيئا فأعطاه فرعون وأجزل وأما الآخر فقتله ثم ~~صلبه قال: وكان فرعون قد تزوج امرأة من أجمل نساء بني إسرائيل يقال لها ~~آسية بنت مزاحم، فرأت ما صنع فرعون بالماشطة، فقالت وكيف يسعني أن أصبر ~~على ما يأتي فرعون وأنا مسلمة وفرعون كافر؟ فبينما هي كذلك تؤامر نفسها ~~إذ دخل عليها فرعون فجلس قريبا منها، فقالت يا فرعون أنت أشر الخلق ~~وأخبثهم، عمدت إلى الماشطة فقتلتها قال فلعل بك الجنون الذي كان بها، ~~قالت: ما بي جنون وإن إلهها وإلهك وإلهي وإله السموات والأرض واحد لا ~~شريك له فبصق عليها وضربها، وأرسل إلى أبيها وأمها فدعاهما وقال لهما: إن ~~الجنون الذي كان بالماشطة أصابها، قالت: أعوذ بالله ms3340 من ذلك، إني أشهد أن ~~ربي وربك ورب السموات والأرض واحد لا شريك له، فقال لها أبوها: يا آسية ~~ألست من خير نساء العماليق، وزوجك إله العماليق قالت: أعوذ بالله من ذلك ~~إن كان ما يقول حقا فقولا له أي يتوجني تاجا تكون الشمس أمامه والقمر ~~خلفه والكواكب حوله. # فقال لهما فرعون أخرجا عني ثم مدها بين أربعة أوتاد يعذبها ففتح الله ~~لها بابا إلى الجنة ليهون عليها ما يصنع بها فرعون، فعند ذلك # قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله # [التحريم: 11]، فقبض الله روحها وأدخلها الجنة. ### || [89.11-15] # قوله عز وجل: { الذين طغوا في البلاد } يعني عادا وثمودا وفرعون ~~عملوا بالمعاصي، وتجبروا، ثم فسر ذلك الطغيان بقوله { فأكثروا فيها ~~الفساد } يعني القتل والفساد ضد الصلاح، فكما أن الصلاح يتناول جميع ~~أقسام البر فكذلك الفساد يتناول جميع أقسام الإثم. { فصب عليهم ربك سوط ~~عذاب } يعني لونا من العذاب صبه عليهم، وقيل هو تشبيه بما يكون في ~~الدنيا من العذاب بالسوط، وقيل هو إشارة إلى ما خلط لهم من العذاب، لأن ~~أصل السوط خلط الشيء بعضه ببعض وقيل هذا على الاستعارة، لأن السوط غاية ~~العذاب فجرى ذلك لكل نوع منه. وقيل جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب، وكان ~~الحسن إذا قرأ هذه الآية يقول إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط ~~منها. { إن ربك لبالمرصاد } قال ابن عباس يعني بحيث يرى ويسمع، وقيل عليه ~~طريق العباد، لا يفوته أحد وقيل عليه ممر الناس لأن الرصد والمرصاد ~~الطريق. وقيل ترجع الخلق إلى حكمه وأمره وإليه مصيرهم، وقيل إنه يرصد ~~أعمال بني آدم. والمعنى أنه لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت ~~من المرصاد، وقد قيل أرصد النار على طريقهم حتى تهلكهم. قوله عز وجل: ~~{ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه } أي امتحنه { ربه } أي بالنعمة { فأكرمه } ~~أي بالمال { ونعمه } أي بما يوسع عليه { فيقول ربي أكرمن } أي بما أعطاني ~~من المال والنعمة. ### || [89.16-21] # { وأما إذا ما ابتلاه ms3341 } يعني بالفقر { فقدر عليه } أي فضيق عليه، وقيل ~~قتر. { رزقه } أي وقد أعطاه ما يكفيه. { فيقول ربي أهانن } أي أذلني ~~بالفقر، قيل نزلت في أمية بن خلف الجمحي الكافر، وقيل ليس المراد به ~~واحدا بعينه، بل المراد جنس الكافر، وهو الذي تكون الكرامة والهوان عنده ~~بكثرة المال والحظ في الدنيا وقلته فرد الله تعالى على من ظن أن سعة ~~الرزق إكرام وأن الفقر إهانة فقال تعالى: { كلا } أي ليس الأمر كذلك، أي ~~لم أبتله بالغنى لكرامته، ولم أبتله بالفقر لهوانه، فأخبر أن الإكرام ~~والإهانة لا يدوران على المال، وسعة الرزق وقلته، ولكن الغنى والفقر ~~بتقدير الله جل جلاله وحكمته فقد يوسع على الكافر لا لكرامته، ويضيق على ~~المؤمن لا لهوانه، لكن لأمر اقتضته حكمة الله تعالى، وإنما يكرم المرء ~~بطاعته، ويهينه بمعصيته، وقد يوسع على الإنسان من أصناف المال ليختبره، ~~أيشكر أم يكفر، ويضيق عليه ليختبره، أيصبر أم يضجر، ويقلق. { بل لا ~~تكرمون اليتيم } أي لا يعطونه حقه الثابت له في الميراث قال مقاتل: كان ~~قدامة بن مظعون يتيما في حجر أمية بن خلف، فكان يدفعه عن حقه. { ولا ~~تحضون على طعام المسكين } أي لا يطعمون مسكينا، ولا يأمرون بإطعامه، ~~وقرىء ولا يحاضون ومعناه، ولا يحض بعضهم بعضا على ذلك. { وتأكلون التراث ~~} أي الميراث { أكلا لما } أي شديدا، والمعنى أنه يأكل نصيبه ونصيب ~~غيره، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء، ولا الصبيان، ~~ويأكلون نصيبهم، وقيل الآكل اللم الذي يأكل كل شيء يجده لا يسأل أحلال أم ~~حرام، فيأكل الذي له ولغيره. { وتحبون المال حبا جما } أي كثيرا ~~والمعنى يحبون جمع المال، ويولعون به، وبحبه. { كلا } أي لا ينبغي أن ~~يكون الأمر هكذا، من الحرص على جمع المال وحبه. وقيل معناه لا يفعلون ما ~~أمروا به من إكرام اليتيم وغيره من المسلمين، ثم أخبر عن تلهفهم على ما ~~سلف منهم، وذلك حين لا ينفعهم الندم. فقال تعالى: { إذا دكت الأرض دكا ~~دكا } أي دقت وكسرت مرة بعد مرة، وكسر ms3342 كل شيء عليها من جبل وبناء وغيره، ~~حتى لا يبقى على ظهرها شيء. ### || [89.22-28] # { وجاء ربك } اعلم أن هذه الآية من آيات الصفات التي سكت عنها وعن مثلها ~~عامة السلف وبعض الخلف، فلم يتكلموا فيها وأجروها كما جاءت من غير تكييف ~~ولا تشبيه ولا تأويل، وقالوا يلزمنا الإيمان بها وأجراؤها على ظاهرها، ~~وتأولها بعض المتأخرين، وغالب المتكلمين فقالوا ثبت بالدليل العقلي، أن ~~الحركة على الله محال، فلا بد من تأويل الآية. فقيل في تأويلها وجاء أمر ~~ربك بالمحاسبة والجزاء. وقيل جاء أمر ربك وقضاؤه. وقيل وجاء دلائل آيات ~~ربك فجعل مجيئها مجيئا له تفخيما لتلك الآيات. { والملك صفا صفا } أي ~~تنزل ملائكة كل سماء صفا صفا على حدة، فيصطفون صفا بعد صف، محدقين ~~بالجن والإنس، فيكونون سبع صفوف. { وجيء يومئذ } يعني يوم القيامة { ~~بجهنم } قال ابن مسعود: في هذه الآية تقاد جهنم بسبعين ألف زمام، كل زمام ~~بيد سبعين ألف ملك، لها تغيط وزفير حتى تنصب عن يسار العرش { يومئذ } ~~يعني يوم يجاء بجهنم { يتذكر الإنسان } أي يتعظ الكافر ويتوب. { وأنى له ~~الذكرى } يعني أنه يظهر التوبة، ومن أين له التوبة. { يقول يا ليتني قدمت ~~لحياتي } أي قدمت الخير، والعمل الصالح لحياتي في الآخرة التي لا موت ~~فيها. { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } أي لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله ~~الكافر يومئذ. { ولا يوثق وثاقه أحد } يعني لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ ~~الله في العذاب، والوثاق هو الأسر في السلاسل، والأغلال، وقرىء لا يعذب، ~~ولا يوثق بفتح الذال والثاء، ومعناه لا يعذب عذاب هذا الكافر أحد، ولا ~~يوثق وثاقه أحد، وهو أمية بن خلف، وذلك لشدة كفره وعتوه. قوله عز وجل: ~~{ يا أيتها النفس المطمئنة } أي الثابتة على الإيمان، والإيقان، المصدقة ~~بما قال الله تعالى، الموقنة التي قد أيقنت بالله تعالى، وبأن الله ربها، ~~وخضعت لأمره، وطاعته، وقيل المطمئنة المؤمنة، الموقنة، وقيل هي الراضية ~~بقضاء الله، وقيل هي الآمنة من عذاب الله، وقيل هي المطمئنة بذكر الله ~~قيل ms3343 نزلت في حمزة بن عبد المطلب حين استشهد بأحد، وقيل في حبيب بن عدي ~~الأنصاري، وقيل في عثمان حين اشترى بئر رومة وسبلها وقيل في أبي بكر ~~الصديق والأصح أن الآية عامة في كل نفس مؤمنة مطمئنة، لأن هذه السورة ~~مكية { ارجعي إلى ربك } أي إلى ما وعد ربك من الجزاء والثواب، قيل يقال ~~لها ذلك عند خروجها من الدنيا. قال عبد الله بن عمر: إذا توفي العبد ~~المؤمن أرسل الله عز وجل إليه ملكين، وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال ~~اخرجي أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى روح وريحان، وربك عنك راض، فتخرج ~~كأطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه، والملائكة على أرجاء السماء يقولون قد ~~جاء من الأرض روح طيبة ونسمة طيبة فلا تمر بباب إلا فتح لها، ولا بملك، ~~إلا صلى عليها حتى يؤتى بها الرحمن جل جلاله، فتسجد له ثم يقال لميكائيل ~~اذهب بهذه النفس فاجعلها مع أنفس المؤمنين، ثم يؤمر فيوسع عليه قبره ~~سبعون ذراعا عرضه، وسبعون ذراعا، طوله وينبذ له فيه الروح والريحان، ~~فإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره، وإن لم يكن جعل له نور مثل الشمس ~~في قبره، ويكن مثله مثل العروس ينام فلا يوقظه إلا أحب أهله إليه، وإذا ~~توفي الكافر أرسل الله إليه ملكين، وأرسل قطعة من بجاد أي من كساء أنتن ~~من كل نتن، وأخشن من كل خشن، فيقال أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى جهنم ~~وعذاب أليم، وربك عليك غضبان وقيل في معنى قوله { ارجعي إلى ربك } أي إلى ~~صاحبك وهو الجسد، وإنما يقال لا ذلك عند البعث فيأمر الله الأرواح أن ~~ترجع إلى أجسادها، وهو قول عكرمة وعطاء والضحاك ورواية عن ابن عباس. # وقيل ارجعي إلى ثواب ربك وكرامته { راضية } أي عن الله بما أعد لك { ~~مرضية } أي رضي الله عنها، وقيل لها في الدنيا ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية، فإذا كان يوم القيامة قيل لها { فادخلي في عبادي }. ### || [89.29-30] # { فادخلي في عبادي } أي في جملة عبادي، الصالحين ms3344 المصطفين { وادخلي جنتي ~~} قال سعيد بن جبير: مات ابن عباس بالطائف فشهدت جنازته، فجاء طائر لم ير ~~على خلقه طائر قط، فدخل نعشه ثم لم ير خارجا منه، فلما دفن تليت هذه ~~الآية على شفير القبر لا يدرى من تلاها { يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي ~~إلى ربك راضية مرضية وادخلي في عبادي وادخلي جنتي } ، وقال: بعض أهل ~~الإشارة في تفسير هذه الآية يا أيتها النفس المطمئنة إلى الدنيا، ارجعي ~~إلى ربك بتركها، والرجوع إليه هو سلوك سبيل الآخرة والله أعلم. ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-4] # قوله عز وجل: { لا أقسم بهذا البلد } تقدم الكلام على قوله لا أقسم في ~~أول سورة القيامة، والبلد هي مكة في قول جميع المفسرين. { وأنت حل بهذا ~~البلد } أي مقيم به، نازل فيه، فكأنه عظم حرمة مكة من أجل أنه صلى الله ~~عليه وسلم مقيم بها وقيل حل أي حلال، والمعنى أحلت لك تصنع فيها ما تريد ~~من القتل، والأسر، ليس عليك ما على الناس من الإثم في استحلالها، أحل ~~الله عز وجل له مكة يوم الفتح حتى قاتل، وأمر بقتل ابن خطل، وهو متعلق ~~بأستار الكعبة، ومقيس بن صبابة وغيرهما، وأحل دماء قوم، وحرم دماء قوم ~~آخرين، فقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ~~دخل المسجد فهو آمن، ثم قال بعد ذلك إن الله حرم مكة يوم خلق السموات ~~والأرض، ولم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من ~~نهار فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، والمعنى أن الله تعالى لما ~~أقسم بمكة دل ذلك على عظم قدرها، وشرفها، وحرمتها، ومع ذلك فقد وعد نبيه ~~صلى الله عليه وسلم، أنه يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، ~~فهذا وعد من الله تعالى في الماضي، وهو مقيم بمكة أن يفتحها عليه في ~~المستقبل بعد الهجرة، وخروجه منها، فكان كما وعده، وقيل في معنى قوله { ~~وأنت حل بهذا البلد } ، أي أنهم يحرمون أن ms3345 يقتلوا به صيدا، ويستحلون ~~قتلك فيه، وإخراجك منه. { ووالد وما ولد } يعني آدم وذريته أقسم الله ~~تعالى بمكة لشرفها، وحرمتها، وبآدم، وبالأنبياء والصالحين من ذريته، لأن ~~الكافر وإن كان من ذريته فلا حرمة له حتى يقسم به، وجواب القسم قوله ~~تعالى: { لقد خلقنا الإنسان في كبد } قال ابن عباس: في نصب، وقيل يكابد ~~مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة، وعنه أيضا قال: في شدة من حمله، وولادته، ~~ورضاعه، وفطامه، وفصاله، ومعاشه، وحياته، وموته وأصل الكبد الشدة، وقيل ~~لم يخلق الله خلقا يكابد، ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق، وعن ~~ابن عباس أيضا قال: الكبد الاستواء، والاستقامة، فعلى هذا يكون المعنى، ~~خلقنا الإنسان منتصبا معتدل القامة، وكل شيء من الحيوان يمشيء منكبا، ~~وقيل منتصبا، رأسه في بطن أمه فإذا أذن الله في خروجه انقلب رأسه إلى ~~أسفل، وقيل في كبد أي في قوة نزلت في أبي الأشد أسيد بن كلدة بن جمح، ~~وكان شديدا قويا يضع الأديم العكاظي تحت قدميه، ويقول من أزالني عنه ~~فله كذا وكذا فلا يطاق أن ينزع من تحت قدميه إلا قطعا، ويبقى من ذلك ~~الأديم بقدر موضع قدميه. ### || [90.5-11] # { أيحسب } أبو الأشد من قوته { أن لن يقدر عليه أحد } يعني أيظن لشدته ~~في نفسه، أنه لا يقدر عليه الله، وقيل هو الوليد بن المغيرة المخزومي. { ~~يقول } يعني هذا الكافر { أهلكت } أي أنفقت { مالا لبدا } أي كثيرا من ~~التلبيد الذي يكون بعضه فوق بعض. يعني في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~{ أيحسب أن لم يره أحد } يعني أيظن أن الله لم يره، ولا يسأله عن ماله من ~~أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وقيل كان كاذبا في قوله، إنه أنفق ولم ينفق ~~جميع ما قال والمعنى أيظن أن الله لم ير ذلك منه فيعلم مقدار نفقته. ثم ~~ذكره نعمه عليه ليعتبر فقال تعالى: { ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين } ~~يعني أن نعم الله على عبده متظاهرة، يقروه بها كي يشكره، وجاءه في الحديث # " إن الله عز وجل ms3346 يقول: ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك فقد ~~أعنتك عليه بطبقتين فأطبق عليه، وإن نازعك بصرك فيما حرمت عليك فقد أعنتك ~~عليه بطبقتين فأطبق عليه، وإن نازعك فرجك فيما حرمت عليك فقد أعنتك عليه ~~بطبقتين فأطبق عليه " # { وهديناه النجدين } قال أكثر المفسرين طريق الخير والشر والحق، ~~والباطل، والهدى، والضلالة، وقال ابن عباس: الثديين { فلا أقتحم العقبة } ~~أي فهلا أنفق ماله فيما يجوز به العقبة من فك الرقاب وإطعام المساكين ~~يكون ذلك خيرا له من إنفاقه في عداوة من أرسله الله إليه، وهو محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وقيل معناه لم يقتحمها ولا جاوزها والاقتحام الدخول في ~~الأمر الشديد، وذكر العقبة مثل ضربه الله تعالى: لمجاهدة النفس، ~~والهوى، والشيطان في أعمال الخير، والبر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة ~~يقول الله عز وجل: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة، والإطعام، ~~وقيل إنه شبه ثقل الذنوب على مرتكبها بالعقبة، فإذا أعتق رقبة وأطعم ~~المساكين. كان كمن اقتحم العقبة وجاوزها، وروي عن ابن عمر أن هذه العقبة ~~جبل في جهنم، وقيل هي عقبة شديدة في النار دون الجسر فاقتحموها بطاعة ~~الله ومجاهدة النفس، وقيل هي الصراط يضرب على متن جهنم كحد السيف مسيرة ~~ثلاثة آلاف سنة سهلا وصعودا وهبوطا، وأن بجنبيه كلاليب وخطاطيف، كأنها ~~شوك السعدان فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكردس في الناس منكوس، فمن الناس ~~من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح العاصف، ومنهم من يمر ~~كالفارس، ومنهم من يمر كالرجل يعدو، ومنهم من يمر كالرجل يسير، ومنهم من ~~يزحف زحفا ومنهم الزالون ومنهم من يكردس في النار، وقيل معنى الآية: ~~فهلا سلك طريق النجاة ثم بين ما هي. فقال تعالى: { وما أدراك ما ~~العقبة... }. ### || [90.12-17] # { وما أدراك ما العقبة } أي وما أدراك ما اقتحام العقبة { فك رقبة } ~~يعني عتق الرقبة وهو إيجاب الحرية لها، وإبطال الرق، والعبودية عنها، ~~وذلك بأن يعتق الرجل الرقبة التي في ملكه، أو يعطي مكاتبا ما يصرفه في ~~فكاك رقبته ومن أعتق رقبة كانت ms3347 فداءه من النار ق عن أبي هريرة رضي الله ~~تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى ~~فرجه بفرجه " # وروى البغوي بسنده عن البراء بن عازب قال: # " جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله علمني ~~عملا يدخلني الجنة قال لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسالة أعتق ~~النسمة، وفك الرقبة قال أوليسا واحدا قال لا عتق النسمة أن تنفرد ~~بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها والمنحة الوكوف والفيء على ذي الرحم ~~الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وانه ~~عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير " # وقيل في معنى الآية وفك رقبة من رق الذنوب بالتوبة وبما يتكلفه من ~~العبادات، والطاعات التي يصير بها إلى رضوان الله، والجنة فهي الحرية ~~الكبرى ويتخلص بها من النار { أو إطعام في يوم ذي مسغبة } أي في يوم ذي ~~مجاعة والسغب الجوع { يتيما ذا مقربة } أي ذا قرابة يريد يتيما بينك ~~وبينه قرابة { أو مسكينا ذا متربة } يعني قد لصق بالتراب من فقره وضره ~~وقال ابن عباس: هو المطروح في التراب لا يقيه شيء والمتربة الفقر، ثم ~~بين أن هذه القرب لا تنفع إلا مع الإيمان بقوله { ثم كان من الذين آمنوا ~~} والمعنى أنه كان مؤمنا تنفعه هذه القرب، وكان مقتحما العقبة، وإن لم ~~يكن مؤمنا لا تنفعه هذه القرب ولا يقتحم العقبة { وتواصوا بالصبر } يعني ~~وصى بعضهم بعضا على الصبر على أداء الفرائض، وجميع أوامر الله ونواهيه. ~~{ وتواصوا بالمرحمة } أي برحمة الناس وفيه الإشارة إلى تعظيم أمر الله ~~والشفقة على خلق الله. ### || [90.18-20] # { أولئك } يعني أهل هذه الخصال { أصحاب الميمنة والذين كفروا بآياتنا هم ~~أصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة } يعني مطبقة عليهم أبوابها لا يدخل فيها ~~روح ولا يخرج منها غم. والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-4] # قوله عز ms3348 وجل: { والشمس وضحاها } أي إذا بدا ضوءها والضحى حين ترتفع ~~الشمس، ويصفو ضوءها، وقيل الضحى النهار كله لأن الضحى هو نور الشمس، ~~وهو حاصل في النهار كله، وقيل الضحى هو حر الشمس لأن حرها ونورها ~~متلازمان، فإذا اشتد نورها قوى حرها وهذا أضعف الأقوال. { والقمر إذا ~~تلاها } أي تبعها وذلك في النصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها ~~القمر في الإضاءة وخلفها في النور، وقيل تلاها في الاستدارة وذلك حين ~~يكمل ضوءه، ويستدير وذلك في الليالي البيض، وقيل تلاها تبعها في الطلوع، ~~وذلك في أول ليلة من الشهر إذا غربت الشمس ظهر الهلال فكأنه تبعها. { ~~والنهار إذا جلاها } يعني جلا ظلمة الليل بضيائه وكشفها بنوره، وهو كناية ~~عن غير مذكور لكونه معروفا { والليل إذا يغشاها } أي يغشى الشمس حين ~~تغيب فتظلم الآفاق وحاصل هذه الأقسام الأربعة ترجع إلى الشمس في الحقيقة. ~~لأن بوجودها يكون النهار ويشتد الضحى، وبغروبها يكون الليل ويتبعها ~~القمر. ### || [91.5-8] # { والسماء وما بناها } أي ومن بناها، وقيل والذي بناها فعلى هذا كأنه ~~أقسم به وبأعظم مخلوقاته، ومعنى بناها خلقها، وقيل ما بمعنى المصدر أي ~~والسماء وبنائها { والأرض وما طحاها } أي بسطها وسطحها على الماء { ونفس ~~وما سواها } أي عدل خلقها وسوى أعضاءها هذا إن أريد بالنفس الجسد وإن ~~أريد بها المعنى القائم بالجسد فيكون معنى سواها أعطاها القوى الكثيرة ~~كالقوة الناطقة، والسامعة والباصرة، والمفكرة، والمخيلة وغير ذلك من ~~العلم، والفهم، وقيل إنما نكرها لأنه أراد بها النفس الشريفة المكلفة ~~التي تفهم عنه خطابه، وهي نفس جميع من خلق من الإنس والجن { فألهمها ~~فجورها وتقواها } قال ابن عباس: بين لها الخير والشر وعنه علمها الطاعة ~~والمعصية، وعنه عرفها ما تأتي وما تتقي، وقيل ألزمها فجورها، وتقواها، ~~وقيل وجعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور، وذلك ~~لأن الله تعالى خلق في المؤمن التقوى، وفي الكافر الفجور م عن أبي ~~الأسود الديلي قال: قال لي عمران بن حصين أرأيت ما يعمل الناس اليوم ~~ويكدحون فيه أشيء قضى ms3349 عليهم، ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلونه ~~مما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم وثبتت الحجة عليهم، فقلت بل شيء ~~قضى عليهم ومضى عليهم، فقال أفلا يكون ظلما قال ففزعت من ذلك فزعا ~~شديدا، وقلت كل شيء خلق الله وملك يده فلا يسأل عما يفعل، وهم يسألون ~~فقال لي يرحمك الله إني لم أرد بما سألتك إلا لأختبر عقلك # " إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول ~~الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه أشيء قضى عليهم، ومضى ~~عليهم، من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه ~~وسلم وثبتت الحجة عليهم فقال لا بل شيء قضى عليهم، ومضى فيهم، وتصديق ذلك ~~في كتاب الله عز وجل، ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها " # م عن جابر قال: # " جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأننا ~~خلقنا الآن فيم العمل اليوم فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير أو ~~فيما يستقبل قال: لا بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير قال: ففيم ~~العمل؟ فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له " # وهذه أقسام أقسم الله تعالى بالشمس وضحاها وما بعدها لشرفها ومصالح ~~العالم بها، وقيل فيه إضمار تقديره ورب الشمس وما بعدها. وأورد على هذا ~~القول أنه قد دخل في جملة هذا القسم قوله، { والسماء وما بناها } وذلك ~~هو الله تعالى، فيكون التقدير رب السماء، ورب من بناها، وهذا خطأ لا يجوز ~~وأجيب عنه بأن ما إن فسرت بالمصدرية فلا إشكال وإن فسرت بمعنى من فيكون ~~التقدير ورب السماء الذي بناها وجواب القسم قوله تعالى: { قد أفلح من ~~زكاها... }. ### || [91.9-14] # { قد أفلح من زكاها } المعنى لقد أفلح من زكاها أي فازت وسعدت نفس زكاها ~~الله أي أصلحها وطهرها من الذنوب، ووفقها للطاعة. { وقد خاب من دساها } ~~أي خابت وخسرت نفس أضلها الله تعالى، وأفسدها، وأصله من دس الشيء إذا ms3350 ~~أخفاه فكأنه سبحانه وتعالى أقسم بأشرف مخلوقاته على فلاح من طهره، وزكاه، ~~وخسارة من خذله، وأضله حتى لا يظن أحد أنه يتولى تطهير نفسه، أو إهلاكها ~~بالمعصية من غير قدر متقدم وقضاء سابق م عن زيد بن أرقم قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول # " اللهم إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والبخل، والهرم وعذاب القبر، ~~اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها، ومولاها، ~~اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع، ~~ومن دعوة لا يستجاب لها ". # قوله عز وجل { كذبت ثمود } وهم قوم صالح عليه الصلاة والسلام { ~~بطغواها } أي بطغيانها وعدوانها، والمعنى أن الطغيان حملهم على التكذيب ~~حتى كذبوا { إذا انبعث أشقاها } أي قام وأسرع وذلك أنهم لما كذبوا ~~بالعذاب، وكذبوا صالحا انبعث أشقى القوم وهو قدار بن سالف، وكان رجلا ~~أشقر أزرق العين قصيرا فعقر الناقة ق # " عن عبد الله بن زمعة " أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وذكر ~~الناقة، والذي عقرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا انبعث ~~أشقاها انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في أهله مثل أبي زمعة " " # لفظ البخاري قوله عارم أي شديد ممتنع. قوله تعالى: { فقال لهم رسول الله ~~} يعني صالحا عليه الصلاة والسلام { ناقة الله } أي ذروا ناقة الله ~~وإنما قال لهم ذلك لما عرف منهم أنهم قد عزموا على عقرها وإنما أضافها ~~إلى الله تعالى لشرفها كبيت الله. { وسقياها } أي وشربها ولا تتعرضوا ~~للماء يوم شربها { فكذبوه } يعني صالحا { فعقروها } يعني الناقة { فدمدم ~~عليهم ربهم } أي فدمر عليهم ربهم وأهلكهم والدمدمة هلاك استئصال، وقيل ~~دمدم أي أطبق عليهم العذاب طبقا حتى لم ينفلت منهم أحد { بذنبهم } أي ~~فعلنا ذلك بهم بسبب ذنبهم، وهو تكذيبهم صالحا عليه الصلاة والسلام ~~وعقرهم الناقة { فسواها } أي فسوى الدمدمة عليهم جميعا وعمهم بها، وقيل ~~معناه فسوى بين الأمة وأنزل بصغيرهم، وكبيرهم، وغنيهم وفقيرهم العذاب، { ~~ولا يخاف عقباها } أي ms3351 لا يخاف الله تبعة من أحد في هلاكهم كذا قال ابن ~~عباس: وقيل هو راجع إلى العاقر والمعنى لا يخاف العاقر عقبى ما قدم عليه ~~من عقر الناقة، وقيل هو راجع إلى صالح عليه الصلاة والسلام والمعنى لا ~~يخاف صالح عاقبة ما أنزل الله بهم من العذاب أن يؤذيه أحد بسبب ذلك والله ~~أعلم. ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-5] # قوله عز وجل: { والليل إذا يغشى } أي يغشى النهار بظلمته فيذهب الله ~~بضوئه. أقسم الله تعالى بالليل لأنه سكن لكافة الخلق يأوى فيه كل حيوان ~~إلى مأواه، ويسكن عن الاضطراب، والحركة، ثم أقسم بالنهار بقوله { والنهار ~~إذا تجلى } أي بان وظهر بعد الظلمة لأن فيه حركة الخلق في طلب الرزق { ~~وما خلق الذكر والأنثى } أي ومن خلق فعلى هذا يكون أقسم بنفسه تعالى، ~~والمعنى والقادر العظيم الذي قدر على خلق الذكر، والأنثى من ماء واحد إن ~~أريد به جنس الذكر والأنثى، وقيل هما آدم وحواء، وإنما أقسم بهما لأنه ~~تعالى ابتدأ خلق آدم من طين وخلق منه حواء من غير أم وجواب القسم قوله ~~تعالى: { إن سعيكم لشتى } أي إن أعمالكم لمختلفة فساع في فكاك نفسه، وساع ~~في عطبها روى أبو مالك الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " # قوله موبقها أي مهلكها. قوله تعالى: { فأما من أعطى } أي أنفق ماله في ~~سبيل الله عز وجل: { واتقى } أي ربه، وفيه إشارة إلى الاحتراز عن كل ما ~~لا ينبغي. ### || [92.6-10] # { وصدق بالحسنى } قال ابن عباس صدق بقول لا إله إلا الله وعنه صدق ~~بالخلف به، أي أيقن أن الله سيخلف عليه ما أنفقه في طاعته، وقيل صدق ~~بالجنة، وقيل صدق بموعد الله عز وجل الذي وعده أنه يثيبه { فسنيسره } ~~فسنهيئه في الدنيا { لليسرى } أي للخلة والفعلة اليسرى، وهو العمل بما ~~يرضاه الله. قوله عز وجل: { وأما من بخل } أي بالنفقة في الخير والطاعة ~~{ واستغنى } أي عن ثواب الله تعالى فلم يرغب فيه ms3352 { وكذب بالحسنى } أي بلا ~~إله إلا الله أو كذب بما وعده الله عز وجل من الجنة والثواب { فسنيسره ~~للعسرى } أي فسنيهئه للشر بأن نجريه على يديه حتى يعمل بما لا يرضى الله ~~تعالى فيستوجب بذلك النار، وقيل نعسر عليه أن يأتي خيرا وفي الآية دليل ~~لأهل السنة وصحة قولهم في القدر وأن التوفيق والخذلان والسعادة ~~والشقاوة بيد الله تعالى، ووجوب العمل بما سبق له في الأزل ق # " عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: " كنا في جنازة في بقيع ~~الغرقد، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه ~~مخصرة فنكس، وجعل ينكت بمخصرته ثم قال ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده ~~من النار ومقعده من الجنة " " # زاد مسلم # " وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على ~~كتابنا وندع العمل فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل ~~السعادة فيصير لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة، فيصير ~~لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره ~~لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى } " # المخصرة بكسر الميم كالسوط والعصا، ونحو ذلك مما يمسكه الإنسان بيده، ~~والنكت بالتاء المثناة فوق ضرب الأرض بذلك أو غيرها مما يؤثر فيه الضرب، ~~وهذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق، وذلك أنه اشترى بلالا من أمية بن ~~خلف ببردة وعشرة أواق فأعتقه، فأنزل الله تعالى # والليل إذا يغشى # [الليل: 1] إلى قوله # إن سعيكم لشتى # [الليل: 4] يعني سعي أبي بكر وأمية بن خلف، وقيل كان لرجل من الأنصار ~~نخلة وفرعها في دار رجل فقير وله عيال، فكان صاحب النخلة إذا طلع نخلته ~~ليأخذ منها التمر فربما سقطت التمرة، فيأخذها صبيان ذلك الفقير، فينزل ~~الرجل عن نخلته حتى يأخذ التمرة من أيديهم وإن وجدها في فم أحدهم أدخل ~~أصبعه في فيه حتى يخرجها فشكا ذلك الرجل الفقير إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلقي ms3353 النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة فقال له: # " تعطيني نخلتك التي فرعها في دار فلان، ولك بها نخلة في الجنة " # فقال الرجل: إن لي نخلا، وما فيه أعجب إلي منها ثم ذهب، فسمع بذلك أبو ~~الدحداح رجل من الأنصار، فقال لصاحب النخلة هل لك أن تبيعها بحش يعني ~~حائطا له فيه نخل، فقال هي لك فأتى أبو الدحداح إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم تشتريها مني بنخلة في ~~الجنة، فقال نعم فقال هي لك فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل ~~الفقير جار الأنصاري صاحب النخلة قال # " خذها لك ولعيالك " # فأنزل الله هذه الآية، وهذا القول فيه ضعف لأن هذه السورة مكية، وهذه ~~القصة كانت بالمدينة فإن كانت القصة صحيحة تكون هذه السورة قد نزلت بمكة، ~~وظهر حكمها بالمدينة، والصحيح أنها نزلت في أبي بكر الصديق وأمية بن خلف ~~لأن سياق الآيات يقتضي ذلك. ### || [92.11-18] # قوله عز وجل: { وما يغني عنه ماله } أي الذي بخل به { إذا تردى } أي إذا ~~مات، وقيل هوى في جهنم { إن علينا للهدى } أي إن علينا أن نبين طريق ~~الهدى من طريق الضلالة وذلك أنه لما عرفهم ما للمحسن من اليسرى، وما ~~للمسيء من العسرى أخبرهم أن بيده الإرشاد والهداية وعليه تبيين طريقها، ~~وقيل معناه إن علينا للهدى والإضلال فاكتفى بذكر أحدهما، والمعنى أرشد ~~أوليائي إلى العمل بطاعتي وأصرف أعدائي عن العمل بطاعتي، وقيل معناه من ~~سلك سبيل الهدى فعلى الله سبيله. { وإن لنا للآخرة والأولى } أي لنا ما ~~في الدنيا والآخرة فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق { ~~فأنذرتكم } أي يا أهل مكة { نارا تلظى } أي تتوقد وتتوهج { لا يصلاها ~~إلا الأشقى } يعني الشقي { الذي كذب } يعني الرسل { وتولى } أي عن ~~الإيمان { وسيجنبها الأتقى } يعني التقي { الذي يؤتي } أي يعطي { ماله ~~يتزكى } أي يطلب عند الله أن يكون زاكيا لا يطلب بما ينفقه رياء ولا ~~سمعة وهو أبو بكر الصديق في قول جميع ms3354 المفسرين قال ابن الزبير: كان يبتاع ~~الضعفاء فيعتقهم، فقال له أبوه أي بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، قال ~~منع ظهري أريد فأنزل الله { وسيجنبها الأتقى } إلى آخر السورة، وذكر ~~محمد ابن إسحاق قال: كان بلال لبعض بني جمح وهو بلال بن رباح، واسم أمه ~~حمامة، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت ~~الشمس فيطرحه على ظهره ببطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على ~~صدره، ثم يقول له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد فيقول وهو في ذلك ~~أحد أحد قال محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه قال: مر به أبو بكر ~~يوما وهم يصنعون به ذلك، وكانت دار أبي بكر في بني جمح فقال لأمية: ألا ~~تتقي الله في هذا المسكين قال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى فقال أبو بكر ~~أفعل عندي غلام أسود أجلد منه، وأقوى، وهو على دينك أعطيكه قال قد فعلت ~~فأعطاه أبو بكر غلامه وأخذ بلالا فأعتقه، وكان قد أعتق ست رقاب على ~~الإسلام قبل أن يهاجر بلال سابعهم، وهم عامر بن فهيرة شهد بدرا وأحدا، ~~وقتل يوم بئر معونة شهيدا، وأم عميس وزهرة فأصيب بصرها حين أعتقها أبو ~~بكر فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى فقالت: كذبوا ورب البيت ~~ما تضر اللات، والعزى، ولا تنفعان فرد الله تعالى: عليها بصرها وأعتق ~~النهدية وابنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، فرآهما أبو بكر وقد ~~بعثتهما سيدتهما يحتطبان لها وهي تقول والله لا أعتقهما أبدا فقال أبو ~~بكر كلا يا أم فلان فقالت كلا أنت أفسدتهما فأعتقهما، قال فبكم قالت بكذا ~~وكذا قال أخذتهما وهما حرتا ومر بجارية من بني المؤمل وهي تعذب فابتاعها ~~وأعتقها فقال عمار بن ياسر: يذكر بلالا وأصحابه وما كانوا فيه من البلاء ~~وإعتاق أبي بكر إياهم وكان اسم أبي بكر عتيقا فقال في ذلك: # جزى الله خيرا عن بلال وصحبه عتيقا وأخزى فاكها وأبا جهل عشية ~~هما ms3355 في بلال بسوءة ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقل بتوحيد رب ~~الأنام وقوله شهدت بأن الله ربي على مهل فإن تقتلوني فاقتلوني فلم أكن ~~لأشرك بالرحمن من خيفة القتل فيا رب إبراهيم والعبد يونس وموسى وعيسى ~~نجني ثم لا تملي لمن ظل يهوى الغي من آل غالب على غير حق كان منه ولا ~~عدل # قال سعيد بن المسيب: بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر في بلال حين قال ~~له أتبيعه قال نعم أبيعه بنسطاس عبد لأبي بكر وكان نسطاس صاحب عشرة آلاف ~~دينار وغلمان وجوار ومواش وكان مشركا حمله أبو بكر على الإسلام على أن ~~يكون ماله له فأبى، فأبغضه أبو بكر، فلما قال أمية أبيعه بغلامك نسطاس ~~اغتنمه أبو بكر، وباعه به فقال المشركون ما فعل ذلك أبو بكر ببلال إلا ~~ليد كانت لبلال عنده. فأنزل الله عز وجل: { وما لأحد عنده من نعمة ~~تجزى... } ### || [92.19-21] # { وما لأحد عنده } أي عند أبي بكر { من نعمة تجزى } أي من يد يكافئه ~~عليها { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } أي لم يفعل ذلك مجازاة لأحد ولا ليد ~~كانت له عنده لكن فعله ابتغاء وجه ربه الأعلى وطلب مرضاته { ولسوف يرضى } ~~أي بما يعطيه الله عز وجل في الآخرة من الجنة والخير والكرامة جزاء على ~~ما فعل، والله أعلم. ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-2] # قوله عز وجل: { والضحى } اختلفوا في سبب نزول هذه السورة على ثلاثة ~~أقوال: القول الأول ق # " عن جندب بن سفيان البجلي قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ~~يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون ~~شيطانك قد تركك لم أره قربك ليلتين أو ثلاثا فأنزل الله عز وجل: { ~~والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى } " # وأخرجه الترمذي عن جندب قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار ~~فدميت أصبعه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت ms3356 # قال: فأبطأ عليه جبريل فقال المشركون قد ودع محمدا ربه فأنزل الله عز ~~وجل: { ما ودعك ربك وما قلى... }. ### || [93.3-5] # { ما ودعك ربك وما قلى } وقيل إن المرأة المذكورة في الحديث المتفق عليه ~~هي أم جميل امرأة أبي لهب. القول الثاني: قال المفسرون: سألت اليهود رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، وعن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، فقال ~~سأخبركم غدا، ولم يقل إن شاء الله فاحتبس الوحي عليه. القول الثالث: قال ~~زيد بن أسلم: كان سبب احتباس الوحي، وجبريل عنه أن جروا كان في بيته، ~~فلما نزل عليه عاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على إبطائه فقال إنا ~~لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة. واختلفوا في مدة احتباس الوحي عنه، فقيل ~~اثنا عشر يوما وقال ابن عباس: خمسة عشر يوما، وقيل أربعون يوما فلما ~~نزل جبريل عليه الصلاة والسلام قال النبي صلى الله عليه وسلم # " يا جبريل ما جئت حتى اشتقت إليك " # فقال جبريل: إني كنت إليك أشد شوقا، ولكني عبد مأمور. ونزل # وما نتنزل إلا بأمر ربك # [مريم: 64] وأنزل الله هذه السورة قوله عز وجل: # والضحى # [الضحى: 1] قيل أراد به النهار كله بدليل أنه قابله بالليل كله في ~~قوله، # والليل إذا سجى # [الضحى: 2]، وقيل وقت الضحى وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس ~~واعتدال النهار في الحر والبرد في الصيف والشتاء. # والليل إذا سجى # [الضحى: 2] قال ابن عباس أقبل بظلامه وعنه إذا ذهب وقيل معناه غطى كل ~~شيء بظلامه، وقيل معناه سكن فاستقر ظلامه فلا يزاد بعد ذلك، وهذا قسم ~~أقسم الله تعالى بالضحى والليل إذا سجى وجواب القسم قوله تعالى: { ما ~~ودعك ربك وما قلى } أي ما تركك ربك منذ اختارك ولا أبغضك منذ أحبك، وإنما ~~قال قلى ولم يقل قلاك لموافقة رؤوس الآي، وقيل معناه وما قلى أحدا من ~~أصحابك ومن هو على دينك إلى يوم القيامة. { وللآخرة خير لك من الأولى } ~~أي الذي أعطاك ربك في الآخرة خير لك وأعظم من الذي أعطاك في ms3357 الدنيا، ~~وروى البغوي بسنده عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا " # { ولسوف يعطيك ربك فترضى } قال ابن عباس هي الشفاعة في أمته حتى يرضى م ~~عن عبد الله بن عمرو بن العاص # " أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى ~~فقال الله عز وجل يا جبريل اذهب إلى محمد، واسأله ما يبكيك، وهو أعلم ~~فأتى جبريل، وسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو ~~أعلم، فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد وقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا ~~نسوءك " # ق عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعتي ~~لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك ~~بالله شيئا " # عن عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أتاني آت من عند ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة ~~فاخترت الشفاعة، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات لا يشرك بالله ~~شيئا " # أخرجه الترمذي قال حرب بن شريح سمعت جعفر بن محمد بن علي يقول إنكم يا ~~معشر أهل العراق تقولون أرجى آية في القرآن # قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله # [الزمر: 53] وإنا أهل البيت نقول أرجى آية في كتاب الله { ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى } وقيل في معنى الآية ولسوف يعطيك ربك من الثواب فترضى، وقيل ~~من النصر والتمكين وكثرة المؤمنين فترضى وحمل الآية على ظاهرها من خيري ~~الدنيا ولآخرة معا أولى، وذلك أن الله تعالى أعطاه في الدنيا النصر ~~الظفر على الأعداء وكثرة الأتباع، والفتوح في زمنه، وبعده إلى يوم ~~القيامة وأعلى دينه وإن أمته خير الأمم، وأعطاه في الآخرة الشفاعة ~~العامة، والخاصة، والمقام المحمود وغير ذلك، مما أعطاه في ms3358 الدنيا ~~والآخرة ثم أخبر عن حاله صغيرا وكبيرا قبل الوحي وذكر نعمه عليه ~~وإحسانه إليه. فقال عز وجل: { ألم يجدك يتيما فآوى... }. ### || [93.6-8] # { ألم يجدك يتيما } أي صغيرا { فآوى } أي ألم يعلمك الله يتيما من ~~الوجود الذي هو بمعنى العلم، والمعنى ألم يجدك يتيما صغيرا حين مات ~~أبوك، ولم يخلف لك مالا، ولا مأوى فجعل لك مأوى تأوي إليه وضمك إلى عمك ~~أبي طالب حتى أحسن تربيتك وكفاك المؤنة. وذلك أن عبد الله مات ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حمل فكفله جده عبد المطلب، فلما مات عبد المطلب، ~~كفله عمه أبو طالب إلى أن قوي، واشتد وتزوج خديجة، وقيل هو من قولهم درة ~~يتيمة، والمعنى ألم يجدك واحدا في قريش عديم النظير فآواك إليه وأيدك ~~وشرفك بنبوته واصطفاك برسالته. { ووجدك ضالا } أي عما أنت عليه اليوم { ~~فهدى } أي فهداك إلى توحيده ونبوته، وقيل وجدك ضالا عن معالم النبوة ~~وأحكام الشريعة، فهداك إليها وقال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ضل في شعاب مكة وهو صبي صغير، فرآه أبو جهل منصرفا من أغنامه، فرده ~~إلى جده عبد المطلب، وقال سعيد بن المسيب: خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مع عمه أبي طالب في قافلة ميسرة غلام خديجة فبينما هو راكب ذات ليلة ~~مظلمة إذ جاء إبليس فأخذ بزمام ناقته، فعدل به عن الطريق فجاء جبريل عليه ~~السلام فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى الحبشة، ورد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى القافلة فمن الله عليه بذلك، وقيل وجدك ضالا نفسك لا ~~تدري من أنت فعرفك نفسك وحالك، وقيل ووجدك بين أهل الضلال فعصمك من ذلك ~~وهداك إلى الإيمان وإلى إرشادهم، وقيل الضلال هنا بمعنى الحيرة وذلك لأنه ~~كان صلى الله عليه وسلم يخلو في غار حراء في طلب ما يتوجه به إلى ربه حتى ~~هداه الله لدينه، وقال الجنيد: ووجدك متحيرا في بيان ما أنزل الله إليك، ~~فهداك لبيانه فهذا ما قيل في هذه الآية ms3359 ولا يلتفت إلى قول من قال إنه صلى ~~الله عليه وسلم كان قبل النبوة على ملة قومه، فهداه الله إلى الإسلام ~~لأن نبينا صلى الله عليه وسلم، وكذلك الأنبياء قبله منذ ولدوا نشؤوا على ~~التوحيد، والإيمان قبل النبوة وبعدها، وأنهم معصومون قبل النبوة من ~~الجهل بصفات الله تعالى وتوحيده ويدل على ذلك أن قريشا لما عابوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم ورموه بكل عيب سوى الشرك وأمر الجاهلية فإنهم لم ~~يجدوا لهم عليه سبيلا إذ لو كان فيه لما سكتوا عنه ولنقل ذلك فبرأه الله ~~تعالى من جميع ما قالوه فيه وعيروه به. ويؤكد هذا ما روي في قصة بحير ~~الراهب حين استحلف النبي صلى الله عليه وسلم باللات والعزى، وذلك حين ~~سافر مع عمه أبي طالب إلى الشام فرأى بحيرا علامة النبوة فيه وهو صبي ~~فاختبره بذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تسألني بهما فوالله ما أبغضت شيئا بغضهما " # ، ويؤكد هذا شرح صدره صلى الله عليه وسلم في حال الصغر واستخراج العلقة ~~منه وقول جبريل هذا حظ الشيطان منك وملؤه حكمة وإيمانا وقوله تعالى: # ما ضل صاحبكم وما غوى # [النجم: 2] وقال الزمخشري: ومن قال كان على أمر قومه أربعين سنة فإن ~~أراد أنه على خلوهم من العلوم السمعية، فنعم وإن أراد أنه كان على دين ~~قومه، فمعاذ الله والأنبياء يجب أن يكونوا معصومين قبل النبوة وبعدها من ~~الكبائر، والصغائر الشائنة، فما بال الكفر والجهل بالصانع # ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء # [يوسف: 38] والله أعلم. قوله عز وجل: { ووجدك عائلا فأغنى } يعني ~~فقيرا فأغناك بمال خديجة ثم بالغنائم، وقيل أرضاك بما أعطاك من الرزق، ~~وهذه حقيقة الغني ق عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس " # العرض بفتح العين والراء المال م عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله ~~عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ms3360 # " قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما أتاه " # وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " سألت ربي عز وجل مسألة وددت أني لم أكن سألته قلت: يا رب إنك آتيت ~~سليمان بن داود ملكا عظيما، وآتيت فلانا كذا وفلانا كذا قال يا محمد ~~ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت بلى يا رب " قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ ~~قلت بلى يا رب قال ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت بلى يا رب " # زاد في رواية # " ألم أشرح لك صدرك ووضعت عنك وزرك؟ قلت بلى يا رب ". # فإن قلت كيف يحسن بالجواد الكريم أن يمن بإنعامه على عبده، والمن مذموم ~~في صفة المخلوق، فكيف يحسن بالخالق تبارك وتعالى. قلت إنما حسن ذلك لأنه ~~سبحانه وتعالى: قصد بذلك أن يقوي قلبه، ويعده بدوام نعمه عليه فظهر الفرق ~~بين امتنان الله تعالى الممدوح وبين امتنان المخلوق المذموم لأن امتنان ~~الله تعالى زيادة إنعامه، كأنه قال ما لك تقطع رجاءك عني ألست الذي ربيتك ~~وآويتك وأنت يتيم صغير أتظنني تاركك ومضيعك كبيرا. بل لا بد وأن أتم ~~نعمتي عليك فقد حصل الفرق بين امتنان الخالق، وامتنان المخلوق، ثم أوصاه ~~باليتامى، والمساكين، والفقراء فقال عز وجل: { فأما اليتيم فلا تقهر }. ### || [93.9-11] # { فأما اليتيم فلا تقهر } أي لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيما، وقيل لا ~~تقهره على ماله فتذهب به لضعفه، وكذا كانت العرب في الجاهلية تفعل في أمر ~~اليتامى يأخذون أموالهم، ويظلمونهم حقوقهم روى البغوي بسنده عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت في المسلمين بيت ~~فيه يتيم يساء إليه ثم قال: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا ويشير ~~بأصبعيه " # خ عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة، والوسطى، وفرج بينهما ~~" # { وأما السائل فلا تنهر } يعني السائل على ms3361 الباب يقول لا تزجره إذا سألك ~~فقد كنت فقيرا فإما أن تطعمه وإما أن ترده ردا لينا برفق ولا تكهر ~~بوجهك في وجهه وقال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال يحملون زادنا إلى ~~الآخرة وقال إبراهيم النخعي السائل: يريدنا إلى الآخرة يجيء إلى باب ~~أحدكم فيقول هل توجهون إلى أهليكم بشيء وقيل السائل هو طالب العلم فيجب ~~إكرامه وإسعافه بمطلوبه ولا يعبس في وجهه ولا ينهر ولا يلقى بمكروه { ~~وأما بنعمة ربك فحدث } قيل أراد بالنعمة النبوة أي بلغ ما أرسلت به ~~وحدث بالنبوة التي أتاك الله، وقيل النعمة هي القرآن أمره أن يقرأه ~~ويقرئه غيره، وقيل أشكره لما ذكره نعمه عليه في هذه السورة من جبر ~~اليتيم والهدى بعد الضلالة والإغناء بعد العيلة والفقر أمره أن يشكره ~~على إنعامه عليه، والتحدث بنعمة الله تعالى شكرها. عن جابر بن عبد الله ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من أعطي عطاء فليجزه إن وجد فإن لم يجد فليثن عليه فإن من أثنى عليه ~~فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور " # أخرجه الترمذي وله عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من لا يشكر الناس لا يشكر الله " # وله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر " # وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول # " من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، ~~والتحدث بنعمة الله شكر وتركه كفر والجماعة رحمة والفرقة عذاب " # والسنة في قراءة أهل مكة أن يكبر من أول سورة الضحى على رأس كل سورة ~~حتى يختم القرآن فيقول الله أكبر وسبب ذلك أن الوحي لما احتبس عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال المشركون: هجره شيطانه، وودعه، فاغتم النبي ~~صلى الله عليه وسلم لذلك ms3362 فلما نزلت والضحى كبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فرحا بنزول الوحي، فاتخذوه سنة، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-2] # قوله عز وجل: { ألم نشرح لك صدرك } استفهام بمعنى التقرير، أي قد فعلنا ~~ذلك ومعنى الشرح الفتح بما يصده عن الإدراك والله تعالى فتح صدر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم للهدى، والمعرفة بإذهاب الشواغل التي تصده عن إدراك ~~الحق، وقيل معناه ألم نفتح قلبك ونوسعه ونلينه بالإيمان، والموعظة، ~~والعلم، والنبوة، والحكمة، وقيل هو شرح صدره في صغره م # " عن أنس رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل ~~عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرجه ~~فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء ~~زمزم، ثم لأمه ثم أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره ~~فقالوا: إن محمدا قد قتل فاستقبلوه، وهو ممتقع اللون. قال أنس: وقد كنت ~~أرى أثر المخيط في صدره " # { ووضعنا عنك وزرك } أي حططنا عنك وزرك الذي سلف منك في الجاهلية فهو ~~كقوله # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2] وقيل الخطأ والسهو وقيل ذنوب أمتك فأضافها إليه لاشتغال ~~قلبه بها، وقيل المراد بذلك ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة حتى يبلغها ~~لأن الوزر في اللغة الثقل تشبيها بوزر الجبل، وقيل معناه عصمناك عن ~~الوزر الذي ينقض ظهرك لو كان ذلك الوزر حاصلا فسمى العصمة وضعا مجازا. ~~واعلم أن القول في عصمة الأنبياء قد تقدم مستوفى في سورة طه عند قوله ~~تعالى: # وعصى آدم ربه فغوى # [طه: 121] وعند قوله # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2]. ### || [94.3-6] # { الذي أنقض ظهرك } أي أثقله وأوهنه حتى سمع له نقيض وهو الصوت الخفي ~~الذي يسمع من المحمل، أو الرحل فوق البعير، فمن حمل الوزر على ما قبل ~~النبوة قال هو اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بأمور كان فعلها قبل ~~نبوته إذ ms3363 لم يرد عليه شرع بتحريمها، فلما حرمت عليه بعد النبوة عدها ~~أوزارا وثقلت عليه وأشفق منها فوضعها الله عنه وغفرها له ومن حمل ذلك ~~على ما بعد النبوة قال: هو ترك الأفضل لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ~~وقوله عز وجل: { ورفعنا لك ذكرك } روى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه سأل جبريل عن هذه الآية، ورفعنا لك ذكرك قال: قال الله عز وجل: ~~إذا ذكرت ذكرت معي " # قال ابن عباس: يريد الأذان، والإقامة، والتشهد، والخطبة على المنابر، ~~فلو أن عبدا عبد الله وصدقه في كل شيء، ولم يشهد أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم لم ينتفع من ذلك بشيء وكان كافرا، وقال قتادة: رفع الله ذكره ~~في الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي أشهد أن ~~لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وقال الضحاك: لا تقبل صلاة إلا به ~~ولا تجوز خطبة إلا به، وقال مجاهد يريد التأذين وفيه يقول حسان بن ثابت: # أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي ~~مع اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله فذو ~~العرش محمود وهذا محمد # وقيل رفع ذكره بأخذ ميثاقه على النبيين، وإلزامهم الإيمان به، ~~والإقرار بفضله، وقيل رفع ذكره بأن قرن اسمه باسمه في قوله " محمد رسول ~~الله " وفرض طاعته على الأمة بقوله: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول # [النور: 54] ومن يطع الله ورسوله فقد فاز، ونحو ذلك مما جاء في القرآن ~~وغيره من كتب الأنبياء ثم وعده باليسر، والرخاء بعد الشدة والعناء، وذلك ~~أنه كان في شدة بمكة فقال تعالى { فإن مع اليسر يسرا } أي مع الشدة التي ~~أنت فيها من جهاد المشركين يسرا ورخاء بأن يظهرك عليهم حتى ينقادوا للحق ~~الذي جئتهم به { إن مع العسر يسرا } وإنما كرره لتأكيد الوعد وتعظيم ~~الرجاء قال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى ms3364 الله عليه ~~وسلم: # " أبشروا فقد جاءكم اليسر لن يغلب عسر يسرين " # وقال ابن مسعود: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخله عليه ويخرجه ~~إنه لن يغلب عسر يسرين قال المفسرون في معنى قوله لن يغلب عسر يسرين إن ~~الله تعالى كرر لفظ العسر، وذكره بلفظ المعرفة، وكرر اليسر بلفظ النكرة، ~~ومن عادة العرب. # إذا ذكرت اسما معرفا ثم أعادته كان الثاني هو الأول وإذا ذكرت اسما ~~نكرة ثم أعادته كان الثاني غير الأول كقولك كسبت درهما فأنفقت درهما. ~~فالثاني غير الأول وإذا قلت كسبت درهما، فأنفقت الدرهم فالثاني هو ~~الأول، فالعسر في الآية مكرر بلفظ التعريف فكان عسرا واحدا، واليسر ~~مكرر بلفظ التنكير فكانا يسرين، فكأنه قال فإن مع العسر يسرا إن مع ذلك ~~العسر يسرا آخر وزيف أبو على الحسن بن يحيى الجرجاني صاحب النظم هذا ~~القول، وقال قد تكلم الناس في قوله لن يغلب عسر يسرين فلم يحصل منه غير ~~قولهم إن العسر معرفة، واليسر نكرة، فوجب أن يكون عسر واحد ويسران وهو ~~قول مدخول فيه إذا قال الرجل إن مع الفارس سيفا إن مع الفارس سيفا فهذا ~~لا يوجب أن يكون الفارس واحدا والسيف اثنين فمجاز قوله لن يغلب عسر ~~يسرين أن الله عز وجل بعث نبيه صلى الله عليه وسلم وهو مقل مخف، فكانت ~~قريش تعيره بذلك حتى قالوا: إن كان بك طلب الغنى جمعنا لك مالا حتى تكون ~~كأيسر أهل مكة فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، وظن أن قومه إنما ~~كذبوه لفقره فعدد الله نعمه عليه في هذه السورة، ووعده الغنى ليسليه ~~بذلك عما خامره من الغم. فقال تعالى: { فإن مع العسر يسرا } أي لا يحرنك ~~الذي يقولون فإن مع العسر الذي في الدنيا يسرا عاجلا، ثم انجز ما وعده ~~وفتح عليه القرى القريبة، ووسع ذات يده حتى كان يعطي المئين من الإبل، ~~ويهب الهبة السنية ثم ابتدأ فضلا آخر من أمور الآخرة فقال تعالى: { إن ~~مع العسر يسرا } والدليل على ms3365 ابتدائه تعريه من الفاء والواو، وهذا وعد ~~لجميع المؤمنين، والمعنى أن مع العسر الذي في الدنيا للمؤمن يسرا في ~~الآخرة وربما اجتمع له اليسران يسر الدنيا وهو ما ذكره في الآية الأولى ~~ويسر الآخرة وهو ما ذكره في الآية الثانية فقوله لن يغلب عسر يسرين أي إن ~~عسر الدنيا لن يغلب اليسر الذي وعده الله للمؤمنين في الدنيا واليسر الذي ~~وعدهم في الآخرة إنما يغلب أحدهما وهو يسر الدنيا فأما يسر الآخرة، فدائم ~~أبدا غير زائل، أي لا يجتمعان في الغلبة فهو كقوله صلى الله عليه وسلم # " شهرا عيد لا ينقصان " # أي لا يجتمعان في النقص قال القشيري: كنت يوما في البادية بحالة من ~~الغم فألقي في روعي بيت شعر فقالت: # أرى الموت لمن أصب ح مغموما له أروح # فلما جن الليل سمعت هاتفا يهتف في الهواء: # ألا يا أيها المرء ال ذي الهم به برح وقد أنشد بيتا لم يزل ~~في فكره يسنح إذا اشتد بك العسر فف كر في ألم نشرح فعسر بين ~~يسرين إذا أبصرته فافرح # قال فحفظت الأبيات ففرج الله عني وقال إسحاق بن بهلول القاضي: # فلا تيأس إذا أعسرت يوما فقد أيسرت في دهر طويل ولا تظنن بربك ظن ~~سوء فإن الله أولى بالجميل فإن العسر يتبعه يسار وقول الله أصدق كل ~~قيل # وقال أحمد بن سليمان في المعنى: # توقع لعسر دهاك سرورا ترى العسر عنك بيسر تسرى فما الله يخلف ميعاده ~~وقد قال إن مع العسر يسرا # وقال غيره: # وكل الحادثات إذا تناهت يكون وراءها فرج قريب ### || [94.7-8] # قوله عز وجل: { فإذا فرغت فانصب } لما عدد الله على نبيه صلى الله عليه ~~وسلم نعمه السالفة حثه على الشكر، والاجتهاد في العبادة، والنصب فيها وأن ~~لا يخلي وقتا من أوقاته منها، فإذا فرغ من عبادة أتبعها بأخرى، والنصب ~~التعب قال ابن عباس: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في ~~الدعاء، وارغب إليه في المسألة وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض، ~~فانصب في ms3366 قيام الليل، وقيل إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك، ~~وقيل إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب في عبادة ربك، وقيل إذا فرغت من تبليغ ~~الرسالة فانصب في الاستغفار لك وللمؤمنين. قال عمر بن الخطاب إني لأكره ~~أن أرى أحدكم فارغا سبهللا لا في عمل دنياه ولا في عمل آخرته. السبهلل ~~الذي لا شيء معه، وقيل السبهلل الباطل { وإلى ربك فارغب } أي تضرع إليه ~~راغبا في الجنة راهبا من النار، وقيل اجعل رغبتك إلى الله تعالى في ~~جميع أحوالك لا إلى أحد سواه والله أعلم. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-5] # قوله عز وجل: { والتين والزيتون } قال ابن عباس: هو تينكم الذي تأكلون ~~وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت، قيل إنما خص التين بالقسم لأنه فاكهة ~~مخلصة من شوائب التنغيص، وفيه غذاء ويشبه فواكه الجنة لكونه بلا عجم. ~~ومن خواصه أنه طعام لطيف سريع الهضم لا يمكث في المعدة يخرج بطريق الرشح ~~ويلين الطبيعة، ويقلل البلغم وأما الزيتون فإنه من شجرة مباركة فيه إدام ~~ودهن يؤكل ويستصبح به وشجرته في أغلب البلاد ولا يحتاج إلى خدمة وتربية ~~وينبت في الجبال التي ليست فيها دهنية ويمكث في الأرض ألوفا من السنين، ~~فلما كان فيهما من المنافع، والمصالح الدالة على قدرة خالقهما لا جرم ~~أقسم الله بهما، وقيل هما جبلان فالتين الجبل الذي عليه دمشق والزيتون ~~الجبل الذي عليه بيت المقدس، واسمهما بالسريانية طور تينا وطور زيتا ~~لأنهما ينبتان التين والزيتون، وقيل هما مسجدان فالتين مسجد دمشق ~~والزيتون مسجد بيت المقدس، وإنما حسن القسم بهما لأنهما موضع الطاعة، ~~وقيل التين مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيلياء، وقيل التين مسجد نوح ~~الذي بناه على الجودى والزيتون مسجد بيت المقدس { وطور سينين } يعني ~~الجبل الذي كلم الله موسى عليه الصلاة والسلام وسينين اسم للمكان الذي ~~فيه الجبل سمي سينين وسيناء لحسنه ولكونه مباركا وكل جبل فيه أشجار ~~مثمرة يسمى سينين وسيناء { وهذا البلد الأمين } يعني الآمن، وهو مكة ~~حرسها الله تعالى لأنه الحرم الذي يأمن فيه الناس ms3367 في الجاهلية والإسلام ~~لا ينفر صيده ولا يعضد شجره، ولا تلتقط لقطته إلا لمنشد وهذه أقسام أقسم ~~الله بها لما فيها من المنافع والبركة وجواب القسم قوله تعالى { لقد ~~خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } يعني في أعدل قامة، وأحسن صورة، وذلك أنه ~~تعالى خلق كل حيوان منكبا على وجهه يأكل بفيه إلا الإنسان فإنه خلقه ~~مديد القامة حسن الصورة يتناول مأكوله بيده مزينا بالعلم، والفهم، ~~والعقل، والتمييز، والمنطق. { ثم رددناه أسفل سافلين } يعني إلى الهرم ~~وأرذل العمر فيضعف بدنه وينقص عقله والسافلون هم الضعفاء، والزمنى ~~والأطفال والشيخ الكبير أسفل من هؤلاء جميعا لأنه لا يستطيع حيلة، ولا ~~يهتدي سبيلا لضعف بدنه وسمعه وبصره وعقله، وقيل ثم رددناه إلى النار ~~لأنها دركات بعضها أسفل من بعض ثم استثنى. فقال تعالى: { إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات... }. ### || [95.6-8] # { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فإنهم لا يردون إلى النار أو إلى ~~أسفل سافلين وعلى القول الأول يكون الاستثناء منقطعا، والمعنى ثم رددناه ~~أسفل سافلين فزال عقله وانقطع عمله فلا تكتب له حسنة لكن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ولازموا عليها إلى أيام الشيخوخة والهرم والضعف، فإنه ~~يكتب لهم بعد الهرم والخرف مثل الذي كانوا يعملون في حالة الشباب ~~والصحة وقال ابن عباس: هم نفر ردوا إلى أرذل العمر على زمن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله عذرهم وأخبرهم أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن ~~تذهب عقولهم فعلى هذا القول السبب خاص وحكمه عام قال عكرمة ما يضر هذا ~~الشيخ كبره إذا ختم الله له بأحسن ما كان يعمل وروي عن ابن عباس: قال إلا ~~الذين قرؤوا القرآن وقال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر { فلهم ~~أجر غير ممنون } يعني غير مقطوع لأنه يكتب له بصالح ما كان يعمل قال ~~الضحاك: أجر بغير عمل ثم قال الزاما للحجة. { فما يكذبك } يعني يا أيها ~~الإنسان وهو خطاب على طريق الالتفات { بعد } أي بعد هذه الحجة والبرهان { ~~بالدين } أي بالحساب والجزاء، والمعنى فما الذي ms3368 يلجئك أيها الناس إلى هذا ~~الكذب ألا تتفكر في صورتك وشبابك، ومبدأ خلقك، وهرمك، فتعتبر وتقول أن ~~الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني ويحاسبني، فما الذي يكذبك بالمجازاة، ~~وقيل هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى فمن يكذبك أيها الرسول ~~بعد ظهور هذه الدلائل، والبراهين { أليس الله بأحكم الحاكمين } أي بأقضى ~~القاضين يحكم بينكم وبين أهل التكذيب يوم القيامة عن أبي هريرة رضي الله ~~تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قرأ والتين والزيتون، فقرأ أليس الله بأحكم الحاكمين، فليقل بلى ~~وأنا على ذلك من الشاهدين " # أخرجه الترمذي وعن البراء # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فصلى العشاء الأخيرة فقرأ في ~~إحدى الركعتين بالتين والزيتون فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه ~~صلى الله عليه وسلم " # والله تعالى أعلم. ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1] # قوله عز وجل: { اقرأ باسم ربك } قيل الباء زائدة مجازه اقرأ اسم ربك، ~~والمعنى اذكر اسم ربك أمر أن يبتدىء القراءة باسم الله تأديبا، وقيل ~~الباء على أصلها والمعنى اقرأ القرآن مفتتحا باسم ربك أي قل بسم الله، ~~ثم اقرأ فعلى هذا يكون في الآية دليل على استحباب البداءة بالتسمية في ~~أول القراءة، وقيل معناه اقرأ القرآن مستعينا باسم ربك على ما تتحمله من ~~النبوة وأعباء الرسالة { الذي خلق } يعني جميع الخلائق وقيل الذي حصل ~~منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه وقيل الذي خلق كل شيء. ### || [96.2-10] # { خلق الإنسان } يعني آدم وإنما خص الإنسان بالذكر من بين سائر ~~المخلوقات لأنه أشرفها، وأحسنها خلقه { من علق } جمع علقة ولما كان ~~الإنسان اسم جنس في معنى الجمع جمع العلق ولمشاكله رؤوس الآي أيضا { ~~اقرأ } كرره تأكيدا وقيل الأول اقرأ في نفسك، والثاني اقرأ للتبليغ ~~وتعليم أمتك ثم استأنف. فقال تعالى: { وربك الأكرم } يعني الذي لا يوازيه ~~كريم ولا يعادله في الكرم نظير وقد يكون الأكرم بمعنى الكريم كما جاء ~~الأعز بمعنى العزيز، وغاية الكريم إعطاؤه الشيء من غير ms3369 طلب العوض، فمن ~~طلب العوض فليس بكريم، وليس المراد أن يكون العوض عينا بل المدح ~~والثواب عوض والله سبحانه وجل جلاله وتعالى علاؤه وشأنه يتعالى عن طلب ~~العوض ويستحيل ذلك في وصفه لأنه أكرم الأكرمين، وقيل الأكرم هو الذي له ~~الابتداء في كل كرم وإحسان وقيل هو الحليم عن جهل العباد فلا يعجل عليهم ~~بالعقوبة، وقيل يحتمل أن يكون هذا حثا على القراءة، والمعنى اقرأ وربك ~~الأكرم لأنه يجزي بكل حرف عشر حسنات { الذي علم بالقلم } أي الخط ~~والكتابة التي بها تعرف الأمور الغائبة وفيه تنبيه على فضل الكتابة لما ~~فيها من المنافع العظيمة لأن بالكتابة ضبطت العلوم، ودونت الحكم وبها ~~عرفت أخبار الماضين، وأحوالهم وسيرهم ومقالاتهم ولولا الكتابة ما استقام ~~أمر الدين والدنيا قال قتادة: القلم نعمة من الله عظيمة. لولا القلم لم ~~يقم دين ولم يصلح عيش، فسأل بعضهم عن الكلام، فقال ربح لا يبقى قيل له ~~فما قيده قال الكتابة لأن القلم ينوب عن اللسان ولا ينوب اللسان عنه { ~~علم الإنسان ما لم يعلم } قيل يحتمل أن يكون المراد علم بالقلم علم ~~الإنسان ما لم يعلم، فيكون المراد من ذلك معنى واحدا، وقيل علمه من ~~أنواع العلم، والهداية، والبيان، ما لم يكن يعلم، وقيل علم آدم الأسماء ~~كلها، وقيل المراد بالإنسان هنا محمد صلى الله عليه وسلم. قوله عز وجل: ~~{ كلا } أي حقا { إن الإنسان ليطغى } أي يتجاوز الحد، ويستكبر على ربه { ~~أن } أي لأن { رآه استغنى } أي رأى نفسه غنيا وقيل يرتفع عن منزلته إلى ~~منزلة أخرى في اللباس والطعام وغير ذلك، نزلت في أبي جهل وكان قد أصاب ~~مالا فزاد في ثيابه ومركبه وطعامه فذلك طغيانه { إن إلى ربك الرجعى } أي ~~المرجع في الآخرة وفيه تهديد، وتحذير لهذا الإنسان من عاقبة الطغيان، ثم ~~هو عام لكل طاغ متكبر. ### || [96.11-19] # { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } نزلت في أبي جهل وذلك أنه نهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الصلاة م عن أبي هريرة قال: قال ms3370 أبو جهل هل يعفر ~~محمد وجهه بين أظهركم، فقيل نعم فقال واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك ~~لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب قال فأتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على ~~عقبيه ويتقي بيديه، فقيل له ما لك قال إن بيني وبينه خندقا من نار ~~وهولا وأجنحة فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا " # فأنزل الله هذه الآية، لا أدري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه كلا إن ~~الإنسان ليطغى إلى قوله كلا لا تطعه قال: وأمره بما أمره به زاد في ~~رواية، فليدع ناديه يعني قومه خ عن ابن عباس قال # " قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلي عند البيت لأطأن على عنقه. فبلغ ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " لو فعله لأخذته الملائكة " " # زاد الترمذي عيانا ومعنى أرأيت تعجبا للمخاطب وهو رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفائدة التنكير في قوله عبدا تدل على أنه كامل العبودية، ~~والمعنى أرأيت الذي ينهى أشد الخلق عبودية عن العبودية، وهذا دأبه ~~وعادته، وقيل إن هذا الوعيد يلزم لكل من ينهى عن الصلاة عن طاعة الله ~~تعالى، ولا يلزم منه عدم جواز المنع من الصلاة في الدار المغصوبة، وفي ~~الأوقات المكروهة لأنه قد ورد النهي عن ذلك في الأحاديث الصحيحة، ولا ~~يلزم من ذلك أيضا عدم جواز منع المولى عبده، والرجل زوجته عن قيام ~~الليل، وصوم التطوع والاعتكاف لأن ذلك استيفاء مصلحة إلا أن يأذن فيه ~~المولى أو الزوج { أرأيت إن كان على الهدى } يعني العبد المنهي وهو النبي ~~صلى الله عليه وسلم { أو أمر بالتقوى } يعني في الإخلاص والوحيد { أرأيت ~~إن كذب } يعني أبا جهل { وتولى } أي عن الإيمان وتقدير نظم الآية أرأيت ~~الذي ينهي عبدا إذا صلى وهو على الهدى آمر بالتقوى والناهي مكذب متول ~~عن الإيمان أي أعجب من هذا { ألم يعلم } يعني أبا جهل { بأن ms3371 الله يرى } ~~يعني يرى ذلك الفعل فيجازيه به، وفيه وعيد شديد وتهديد عظيم { كلا } أي ~~لا يعلم ذلك أبو جهل { لئن لم ينته } يعني عن إيذاء محمد صلى الله عليه ~~وسلم وعن تكذيبه { لنسفعا بالناصية } أي لنأخذن بناصيته فلنجرنه إلى ~~النار، يقال سفعت بالشيء إذا أخذته وجذبته جذبا شديدا والناصية شعر ~~مقدم الرأس والسفع الضرب أي لنضربن وجهه في النار، ولنسودن وجهه ولنذلنه ~~ثم قال على البدل { ناصية كاذبة خاطئة } أي صاحبها كاذب خاطىء. # قال ابن عباس: لما نهى أبو جهل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة ~~انتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو جهل: أتنتهرني فوالله ~~لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا، ورجالا مردا وعن ابن عباس ~~قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فجاءه أبو جهل فقال: ألم ~~أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فزبره فقال أبو جهل إنك ~~لتعلم ما بها ناد أكثر مني فأنزل الله تعالى { فليدع ناديه سندع الزبانية ~~} قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله أخرجه الترمذي، ~~وقال حديث حسن غريب صحيح، ومعنى فليدع ناديه أي عشيرته وقومه فلينتصر ~~بهم، وأصل النادي المجلس الذي يجمع الناس، ولا يسمى ناديا ما لم يكن فيه ~~أهله { سندع الزبانية } يعني الملائكة الغلاظ الشداد قال ابن عباس: يريد ~~زبانية جهنم سموا بذلك لأنهم يدفعون أهل النار إليها بشدة مأخوذ من ~~الزبن وهو الدفع { كلا } أي ليس الأمر على ما هو عليه أبو جهل { لا تطعه ~~} أي في ترك الصلاة { واسجد } يعني صل لله { واقترب } أي من الله م عن ~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء " # وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة عند الشافعي فيسن للقارىء، ~~والمستمع أن يسجد عند قراءتها يدل عليه ما روي # " عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال " سجدنا مع رسول ms3372 الله صلى الله ~~عليه وسلم في اقرأ باسم ربك وإذا السماء انشقت " " # أخرجه مسلم والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-2] # قوله عز وجل: { إنا أنزلناه } يعني القرآن كناية عن غير مذكور { في ~~ليلة القدر } وذلك أن الله تعالى أنزل القرآن العظيم جملة واحدة من ~~اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر فوضعه في بيت العزة، ثم ~~نزل به جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم نجوما متفرقة ~~في مدة ثلاث وعشرين سنة، فكان ينزل بحسب الوقائع، والحاجة إليه، وقيل ~~إنما أنزله إلى السماء الدنيا لشرف الملائكة بذلك ولأنها كالمشترك ~~بيننا وبين الملائكة، فهي لهم سكن ولنا سقف وزينة وسميت ليلة القدر لأن ~~فيها تقدير الأمور، والأحكام، والأرزاق، والآجال، وما يكون في تلك السنة ~~إلى مثل هذه الليلة من السنة المقبلة يقدر الله ذلك في بلاده وعباده، ~~ومعنى هذا أن الله يظهر ذلك لملائكته ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم بأن ~~يكتب لهم ما قدره في تلك السنة ويعرفهم إياه، وليس المراد منه أن يحدثه ~~في تلك الليلة لأن الله تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض ~~في الأزل، قيل للحسين بن الفضل أليس قد قدر الله المقادير قبل أن يخلق ~~السموات والأرض قال: نعم قيل له فما معنى ليلة القدر قال سوق المقادير ~~إلى المواقيت وتنفيذ القضاء المقدر، وقيل سميت ليلة القدر لعظم قدرها ~~وشرفها على الليالي من قولهم لفلان قدر عند الأمير، أي منزلة وجاه، وقيل ~~سميت بذلك لأن العمل الصالح يكون فيها ذا قدر عند الله لكونه مقبولا، ~~وقيل سميت بذلك لأن الأرض تضيق بالملائكة فيها. فصل في فضل ليلة القدر ~~وما ورد فيها ق عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " # ، واختلف العلماء في وقتها فقال بعضهم إنها كانت على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم رفعت لقوله صلى الله ms3373 عليه وسلم حين تلاحى الرجلان # " إني خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون ~~خيرا لكم " # وهذا غلط ممن قال بهذا القول لأن آخر الحديث يرد عليهم فإنه صلى الله ~~عليه وسلم قال في آخره # " فالتمسوها في العشر الأواخر في التاسعة والسابعة والخامسة " # ، فلو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها وعامة الصحابة والعلماء ~~فمن بعدهم على أنها باقية إلى يوم القيامة، روي عن عبد الله بن خنيس مولى ~~معاوية قال قلت لأبي هريرة زعموا أن ليلة القدر رفعت قال كذب من قال ذلك ~~قلت هي في كل شهر رمضان استقبله قال نعم. ومن قال ببقائها ووجودها ~~اختلفوا في محلها، فقيل هي متنقلة تكون في سنة في ليلة وفي سنة أخرى في ~~ليلة أخرى هكذا أبدا قالوا: وبهذا يجمع بين الأحاديث الواردة في أوقاتها ~~المختلفة وقال: مالك والثوري وأحمد، وإسحاق وأبو ثور، إنها تنتقل في ~~العشر الأواخر من رمضان، وقيل بل تنتقل في رمضان كله، وقيل إنها في ليلة ~~معينة لا تنتقل عنها أبدا في جميع السنين لا تفارقها، فعلى هذا هي في ~~ليلة من السنة كلها وهو قول ابن مسعود وأبي حنيفة، وصاحبيه وروي عن ابن ~~مسعود أنه قال: من يقم الحول يصبها فبلغ ذلك عبد الله بن عمر فقال يرحم ~~الله أبا عبد الرحمن. # أما إنه علم أنها في شهر رمضان ولكن أراد أن لا يتكل الناس وقال جمهور ~~العلماء: إنها في شهر رمضان، واختلفوا في تلك الليلة فقال أبو رزين ~~العقيلي: في أول ليلة من شهر رمضان، وقيل هي ليلة سبعة عشر وهي الليلة ~~التي كانت صبيحتها وقعة بدر يحكى هذا عن زيد بن أرقم وابن مسعود أيضا، ~~والحسن والصحيح الذي عليه الأكثرون أنها في العشر الأواخر من رمضان ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. ذكر الأحاديث الواردة في ذلك ق عن عائشة رضي ~~الله تعالى عنها قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور العشر الأواخر من رمضان ويقول ~~تحروا ليلة القدر في العشر ms3374 الأواخر من رمضان " # م عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أريت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها فالتمسوها في العشر ~~الأواخر من رمضان " # وذهب الشافعي إلى أنها ليلة إحدى وعشرين ق عن أبي هريرة # " أن أبا سعيد قال " اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر ~~الأواسط فلما كانت صبيحة عشرين نقلنا متاعنا فأتانا النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال من كان اعتكف فليرجع إلى معتكفه، وأنا رأيت هذه الليلة، ~~ورأيتني أسجد في ماء وطين، فلما رجع إلى معتكفه هاجت السماء فمطرنا ~~فوالذي بعثه بالحق لقد هاجت السماء من آخر ذلك اليوم، وكان المسجد على ~~عريش، ولقد رأيت على أنفه وأرنبته أثر الماء والطين " " # ، وفي رواية نحوه إلا أنه قال # " حتى إذا كانت ليلة أحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من ~~اعتكافه قال من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر " # وورد في فضل ليلة القدر اثنان وعشرون حديثا عن عبد الله بن أنيس قال: # " كنت في مجلس لبني سلمة وأنا أصغرهم فقالوا من يسأل لنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن ليلة القدر وذلك في صبيحة إحدى وعشرين من رمضان فخرجت ~~فوافيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أرسلني إليك رهط من بني سلمة ~~يسألونك عن ليلة القدر، فقال كم الليلة فقلت اثنتان وعشرون فقال هي ~~الليلة، ثم رجع فقال أو القابلة يريد ثلاثا وعشرين " # أخرجه أبو داود. وذهب جماعة من الصحابة وغيرهم أن ليلة القدر ليلة ~~ثلاث وعشرين ومال إليه الشافعي أيضا خ عن الصنابحي، أنه سأل رجلا هل ~~سمعت في ليلة القدر شيئا قال، أخبرني بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنها في أول السبع من العشر الأواخر، وهذا اللفظ مختصر عن عبد الله ~~بن أنيس قال: # " قلت يا رسول الله إن لي بادية أكون فيها وأنا أصلي فيها بحمد الله ~~فمرني بليلة أنزلها إلى هذا المسجد، فقال انزل ليلة ثلاث وعشرين قيل ms3375 ~~لابنه كيف كان أبوك يصنع قال: كان يدخل المسجد إذا صلى العصر فلا يخرج ~~إلا لحاجة حتى يصلي الصبح، فإذا صلى الصبح وجد دابته على باب المسجد فجلس ~~عليها ولحق بباديته " # أخرجه أبو داود ولمسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أريت ليلة القدر ثم أنسيتها وأراني أسجد صبيحتها في ماء وطين " # قال فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين فصلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه، ويحكى عن بلال وابن عباس ~~والحسن أنها ليلة أربع وعشرين خ عن ابن عباس قال التمسوها في أربع ~~وعشرين، وقيل في ليلة خمس وعشرين دليله قوله صلى الله عليه وسلم # " تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان " # ، وقيل هي ليلة سبع وعشرين يحكى ذلك عن جماعة من الصحابة منهم أبي بن ~~كعب وابن عباس وإليه ذهب أحمد م عن زر بن حبيش قال سمعت أبي بن كعب يقول ~~وقيل له إن عبد الله بن مسعود يقول من قام السنة أصاب ليلة القدر قال ~~أبي: والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان يحلف، ولا يستثني، فوالله ~~إني لأعلم أي ليلة هي هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بقيامها، وهي ليلة سبع وعشرين وأمارتها أن تطلع الشمس من صبيحة يومها ~~بيضاء لا شعاع لها عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم # " في ليلة القدر، قال ليلة سبع وعشرين " # أخرجه أبو داود، وقيل هي ليلة تسع وعشرين دليله قوله # " تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان " # وقيل هي ليلة آخر الشهر، عن ابن عمر قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر وأنا أسمع، فقال هي ~~في كل رمضان " # أخرجه أبو داود قال ويروى موقوفا عليه. ذكر ليال مشتركة # " عن ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة ~~القدر " اطلبوها ليلة سبع وعشرين من رمضان، وليلة إحدى وعشرين ms3376 وليلة ثلاث ~~وعشرين، ثم سكت " # أخرجه أبو داود # " عن عتبة بن عبد الرحمن قال: حدثني أبي قال ذكرت ليلة القدر عند أبي ~~بكرة فقال ما أنا بملتمسها بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~إلا في العشر الأواخر، فإني سمعته يقول " التمسوها في تسع يبقين أو خمس ~~يبقين، أو في ثلاث يبقين أواخر الشهر " " # قال وكان أبو بكرة يصلي في العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة، فإذا ~~دخل العشر الأواخر اجتهد أخرجه الترمذي خ عن عبادة بن الصامت قال: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من ~~المسلمين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني خرجت لأخبركم بليلة القدر ~~فتلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة ~~والسابعة والخامسة " # قوله فتلاحى رجلان أي تخاصم رجلان، وقوله فرفعت لم يرد رفع عينها، وإنما ~~أراد رفع بيان وقتها، ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها، خ عن ~~ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " هي في العشر في سبع مضين أو سبع يبقين يعني القدر " # وفي رواية # " في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى " # قال أبو عيسى: # " روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر أنها ليلة إحدى ~~وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، وآخر ~~ليلة من رمضان " # قال الشافعي: كان هذا عندي والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يجيب على نحو ما يسأل عنه يقال له نلتمسها في كذا، فقال التمسوها في ليلة ~~كذا قال الشافعي: وأقوى الروايات عندي في ليلة إحدى وعشرين قال البغوي ~~وبالجملة أبهم الله تعالى هذه الليلة على الأمة ليجتهدوا في العبادة ~~ليالي شهر رمضان طمعا في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، ~~وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، واسمه الأعظم في القرآن في ~~أسمائه، ورضاه في الطاعات ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي لينتهوا ~~عن جميعها، وأخفى ms3377 قيام الساعة ليجتهدوا في الطاعات حذرا من قيامها، ومن ~~علاماتها. ما روى الحسن رفعه # " إنها ليلة بلجة سمحة لا حارة ولا باردة تطلع الشمس صبيحتها بيضاء لا ~~شعاع لها " # ق عن عائشة قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل، ~~وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر " # ولمسلم عنها قالت # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما ~~لا يجتهد في غيره " # ق عنها # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى ~~توفاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه من بعده " # ق عن ابن عمر رضي الله عنهما # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان " # " عن عائشة قالت " قلت يا رسول الله إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها ~~قال: قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني " " # أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح أخرجه النسائي وابن ماجه. ### || [97.3-5] # قوله عز وجل: { وما أدراك ما ليلة القدر } أي شيء يبلغ درايتك قدرها ~~ومبلغ فضلها، وهذا على سبيل التعظيم لها، والتشويق إلى خيرها ثم ذكر ~~فضلها من ثلاثة أوجه: فقال تعالى: { ليلة القدر خير من ألف شهر } قال ابن ~~عباس: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني إسرائيل حمل السلاح ~~على عاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لذلك، وتمنى ذلك لأمته فقال: يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارا، وأقلها ~~أعمالا، فأعطاه الله تبارك وتعالى ليلة القدر، فقال ليلة القدر خير من ~~ألف شهر التي حمل فيها الإسرائيلي السلاح في سبيل الله لك ولأمتك إلى ~~يوم القيامة، وعن مالك أنه سمع من يثق به من أهل العلم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أرى أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه ~~تقاصر أعمار أمته أي لا يبلغوا من العمل مثل الذي يبلغ غيرهم في طول ~~العمر ms3378 فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر أخرجه مالك في الموطأ قال ~~المفسرون: معناه العمل الصالح في ليلة القدر خير من العمل في ألف شهر ~~ليس فيها ليلة القدر، وإنما كان كذلك لما يريد الله تعالى فيها من ~~المنافع والأرزاق وأنواع الخير والبركة. الوجه الثاني: من فضلها قوله عز ~~وجل: { تنزل الملائكة } يعني إلى الأرض وسبب هذا أنهم لما قالوا أتجعل ~~فيها من يفسد فيها وظهر أن الأمر بخلاف ما قالوه وتبين حال المؤمنين وما ~~هم عليه من الطاعة، والعبادة، والجد، والاجتهاد نزلوا إليهم ليسلموا ~~عليها ويعتذروا مما قالوه، ويستغفروا لهم لما يرون من تقصير قد يقع من ~~بعضهم { والروح } يعني جبريل عليه الصلاة والسلام قاله أكثر المفسرين: ~~وفي حديث أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا كانت ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون، ويسلمون ~~على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز وجل " # ذكره ابن الجوزي، وقيل إن الروح طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة ~~إلا في تلك الليلة { فيها } أي في ليلة القدر { بإذن ربهم } أي بأمر ربهم ~~{ من كل أمر } أي بكل أمر من الخير والبركة، وقيل بكل ما أمر به وقضاه من ~~كل أمر. الوجه الثالث: من فضلها قوله تعالى: { سلام } أي سلام على أولياء ~~الله وأهل طاعته قال الشعبي: هو تسليم الملائكة في ليلة القدر على أهل ~~المساجد من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر، وقيل الملائكة ينزلون فيها ~~كلما لقوا مؤمنا أو مؤمنة يسلمون عليه من ربه عز وجل، وقيل تم الكلام ~~عند قوله { من كل أمر } ثم ابتدأ فقال تعالى: { سلام هي } يعني القدر ~~سلامة وخير ليس فيها شر، وقيل لا يقدر الله في تلك الليلة ولا يقضي إلا ~~السلامة، وقيل إن ليلة القدر سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ~~أو يحدث فيها أذى { حتى مطلع الفجر } أي أن ذلك السلام أو السلامة تدوم ~~إلى مطلع الفجر، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده. ms3379 ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-4] # قوله عز وجل: { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب } يعني اليهود ~~والنصارى { والمشركين } أي ومن المشركين، وهم عبدة الأوثان، وذلك أن ~~الكفار كانوا جنسين أحدهما أهل كتاب وسبب كفرهم ما أحدثوه في دينهم، أما ~~اليهود فقولهم عزير ابن الله وتشبيههم الله بخلقه، وأما النصارى فقولهم ~~المسيح ابن الله وثالث ثلاثة وغير ذلك، والثاني المشركون أهل الأوثان ~~الذين لا ينتسبون إلى كتاب الله، فذكر الله الجنسين في قوله: { لم يكن ~~الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين } أي منتهين عن كفرهم وشركهم ~~وقيل معناه زائلين { حتى تأتيهم } أي حتى أتتهم لفظه مضارع ومعناه الماضي ~~{ البينة } أي الحجة الواضحة يعني محمدا صلى الله عليه وسلم أتاهم ~~بالقرآن فبين لهم ضلالتهم، وشركهم وما كانوا عليه من الجاهلية، ودعاهم ~~إلى الإيمان، فآمنوا فأنقذهم الله من الجهالة والضلالة ولم يكونوا ~~منفصلين عن كفرهم قبل بعثه إليهم، والآية فيمن آمن من الفريقين، قال ~~الواحدي في بسيطة: وهذه الآية من أصعب ما في القرآن نظما، وتفسيرا وقد ~~تخبط فيها الكبار من العلماء. قال الإمام فخر الدين في تفسيره إنه لم ~~يلخص كيفية الأشكال فيها وأنا أقول وجه الإشكال أن تقدير الآية لم يكن ~~الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إنه ~~تعالى لم يذكر أنهم منفكون عماذا لكنه معلوم إذ المراد هو الكفر الذي ~~كانوا عليه، فصار التقدير لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم ~~البينة، التي هي الرسول، ثم إن كلمة حتى لانتهاء الغاية، فهذه الآية ~~تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول ثم قال بعد ذلك وما ~~تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة، وهذا يقتضي أن ~~كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول، فحينئذ يحصل بين الآية الأولى والثانية ~~مناقضة في الظاهر، وهذا منتهى الإشكال في ظني قال والجواب عنه من وجوه: ~~أولها: وأحسنها الوجه، الذي لخصه صاحب الكشاف وهو أن الكفار من الفريقين ~~أهل الكتاب، وعبدة الأوثان ms3380 كانوا يقولون قبل مبعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم لا ننفك عما نحن عليه من ديننا، ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود ~~الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل وهو محمد صلى الله عليه وسلم فحكى ~~الله تعالى عنهم ما كانوا يقولونه، ثم قال { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ~~} ، أي أنهم كانوا يعدلون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم ~~الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر إلا مجيء الرسول، ~~ونظيره في الكلام ما يقول الفاسق الفقير لمن يعظه لست بمنفك مما أنا فيه ~~من الأفعال القبيحة حتى يرزقني الله الغنى فيرزقه الله الغنى فيزداد ~~فسقا، فيقول واعظه لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر وما غمست رأسك في ~~الفسق إلا بعد اليسار فيذكره ما كان يقول توبيخا، وإلزاما قال الإمام ~~فخر الدين: وحاصل هذا الجواب يرجع إلى حرف واحد وهو أن قوله تعالى لم يكن ~~الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة مذكور حكاية عنهم، وقوله ~~وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إخبار عن الواقع، والمعنى أن الذي وقع كان ~~بخلاف ما ادعوا أو ثانيها أن تقدير الآية لم يكن الذين كفروا منفكين عن ~~كفرهم وإن جاءتهم البينة وعلى هذا التقدير يزول الإشكال إلا أن تفسير ~~لفظة حتى بهذا ليس من اللغة في شيء وذكر وجوها أخر قال: والمختار هو ~~الأول ثم فسر البينة فقال تعالى: { رسول من الله } أي تلك البينة رسول من ~~الله { يتلوا } أي يقرأ الرسول صلى الله عليه وسلم { صحفا } أي كتبا ~~يريد ما تضمنه المصحف من المكتوب فيه وهو القرآن لأنه كان صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ عن ظهر قلبه لا عن كتاب { مطهرة } أي من الباطل والكذب ~~والزور، والمعنى أنها مطهرة من القبيح، وقيل معنى مطهرة معظمة، وقيل ~~مطهرة أي لا ينبغي أن يمسها إلا المطهرون { فيها } أي في الصحف { كتب } ~~أي الآيات المكتوبة وقيل الكتب بمعنى الأحكام { قيمة } أي عادلة مستقيمة ~~غير ذات عوج، وقيل قيمة بمعنى قائمة مستقلة بالحجة ms3381 من قولهم قام بالأمر ~~إذا أجراه على وجهه، ثم ذكر من لم يؤمن من أهل الكتاب فقال تعالى: { وما ~~تفرق الذين أوتوا الكتاب } يعني في أمر محمد صلى الله عليه وسلم { إلا من ~~بعد ما جاءتهم البينة } يعني جاءتهم البينة في كتبهم أنه نبي مرسل قال ~~المفسرون لم يزل أهل الكتاب مجتمعين في تصديق محمد صلى الله عليه وسلم ~~حتى بعثه الله تعالى فلما بعث تفرقوا في أمره، واختلفوا فيه، فآمن به ~~بعضهم وكفر به آخرون، ثم ذكر ما أمروا به في كتبهم فقال تعالى: { وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله. # .. }. ### || [98.5-8] # { وما أمروا } يعني هؤلاء الكفار { إلا ليعبدوا الله } أي وما أمروا إلا ~~أن يعبدوا الله قال ابن عباس: ما أمروا في التوراة، والإنجيل، إلا بإخلاص ~~العبادة لله موحدين له { مخلصين له الدين } الإخلاص عبارة عن النية ~~الخالصة، وتجريدها عن شوائب الرياء، وهو تنبيه على ما يجب من تحصيل ~~الإخلاص من ابتداء الفعل إلى انتهائه، والمخلص هو الذي يأتي بالحسن لحسنه ~~والواجب لوجوبه والنية الخالصة لما كانت معتبرة. كانت النية معتبرة فقد ~~دلت الآية على أن كل مأمور به فلا بد وأن يكون منويا فلا بد من اعتبار ~~النية في جميع المأمورات، قال أصحاب الشافعي: الوضوء مأمور به ودلت هذه ~~الآية على أن كل مأمور به يجب أن يكون منويا، فتجب النية في الوضوء، ~~وقيل الإخلاص محله القلب وهو أن يأتي بالفعل لوجه الله تعالى مخلصا له، ~~ولا يريد بذلك رياء ولا سمعة ولا غرضا آخر حتى قالوا في ذلك لا يجعل طلب ~~الجنة مقصودا ولا النجاة من النار مطلوبا، وإن كان لا بد من ذلك بل ~~يجعل العبد عبادته لمحض العبودية واعترافا لربه عز وجل بالربوبية، ~~وقيل في معنى مخلصين له الدين مقرين له بالعبودية، وقيل قاصدين بقلوبهم ~~رضا الله تعالى بالعبادة م عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم، ولا صوركم، ولكن ينظر ms3382 إلى قلوبكم ~~" # { حنفاء } أي مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وقيل متبعين ملة ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقيل حنفاء أي حجاجا وإنما قدمه على ~~الصلاة والزكاة لأن فيه صلاة وإنفاق مال، وقيل حنفاء أي مختونين محرمين ~~لنكاح المحارم، وقيل الحنيف الذي آمن بجميع الأنبياء والرسل، ولا يفرق ~~بين أحد منهم فمن لم يؤمن بأشرف الأنبياء وهو محمد صلى الله عليه وسلم ~~فليس بحنيف { ويقيموا الصلاة } أي المكتوبة في أوقاتها { ويؤتوا الزكاة } ~~أي المفروضة عند محلها { وذلك } أي الذي أمروا به { دين القيمة } أي ~~الملة المستقيمة والشريعة المتبوعة، وإنما أضاف الدين إلى القيمة وهي ~~نعته لاختلاف اللفظين وأنث القيمة ردا إلى الملة، وقيل الهاء في القيمة ~~للمبالغة كعلامة، وقيل القيمة الكتب التي جرى ذكرها، أي وذلك دين أصحاب ~~الكتب القيمة، وقيل القيمة جمع القيم، والقيم، والقائم واحد والمعنى وذلك ~~دين القائمين لله بالتوحيد واستدل بهذه الآية من يقول إن الإيمان قول ~~وعمل لأن الله تعالى ذكر الاعتقاد أولا وأتبعه بالعمل ثانيا ثم قال ~~وذلك دين القيمة والدين هو الإسلام والإسلام هو الإيمان بدليل قوله # فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين # [الذاريات: 35-36] ثم ذكر ما للفريقين فقال تعالى { إن الذين كفروا من ~~أهل الكتاب والمشركين } فإن قلت لم قدم أهل الكتاب على المشركين. قلت لأن ~~جنايتهم أعظم في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم كانوا ~~يستفتحون به قبل بعثته ويقرون بنبوته، فلما بعث أنكروه وكذبوه وصدوه مع ~~العلم به فكانت جنايتهم أعظم من المشركين فلهذا قدمهم عليهم. فإن قلت إن ~~المشركين أعظم جناية من أهل الكتاب لأن المشركين أنكروا الصانع والنبوة، ~~والقيامة وأهل الكتاب اعترفوا بذلك غير أنهم أنكروا نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وإذا كان كذلك كان كفرهم أخف فلم سوى بين الفريقين في العذاب. ~~قلت لما أراد أهل الكتاب الرفعة في الدنيا بإنكارهم نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم أذلهم الله في الدنيا، وأدخلهم أسفل سافلين في ms3383 الآخرة ولا ~~يمنع من دخولهم النار مع المشركين أن تتفاوت مراتبهم في العذاب. { في ~~نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية } أي هم شر الخلق والمعنى أنهم ~~لما استحقوا النار بسبب كفرهم قالوا: فهل إلى خروج من سبيل فقال بل تبقون ~~خالدين فيها، فكأنهم قالوا لم ذلك قال لأنكم شر البرية. { إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } يعني أنهم بسبب أعمالهم الصالحة ~~واجتنابهم الشرك استحقوا هذا الاسم { جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه } قيل الرضا ~~ينقسم إلى قسمين: رضا به ورضا عنه، فالرضا به أن يكون ربا ومدبرا، ~~والرضا عنه فيما يقضي ويدبر قال السري: إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف ~~تسأله الرضا عنك، وقيل: رضي الله أعمالهم، ورضوا عنه بما أعطاهم من الخير ~~والكرامة { ذلك } أي هذا الجزاء والرضا { لمن خشي ربه } أي لمن خاف ربه ~~في الدنيا وانتهى عن المعاصي ق عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: # " قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب " إن الله أمرني أن أقرأ ~~عليك { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب } قال وسماني قال نعم فبكى " " # وفي رواية البخاري # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب إن الله أمرني أن أقرأ ~~عليك القرآن، قال الله سماني لك، قال نعم قال وقد ذكرت عند رب العالمين ~~قال نعم قيل فذرفت عيناه " # شرح غريب الحديث أما بكاء أبي فإنه بكى سرورا، واستصغارا لنفسه عن ~~تأهله لهذه النعمة العظيمة وإعطائه تلك المنزلة الكريمة، والنعمة عليه ~~فيها من وجهين أحدهما: كونه منصوصا عليه بعينه والثاني قراءة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فإنها منقبة عظيمة لم يشاركه فيها أحد من الصحابة، وقيل ~~إنما بكى خوفا من تقصيره في شكره هذه النعمة. # وأما تخصيص هذه السورة بالقراءة، فإنها مع وجازتها جامعة لأصول وقواعد ~~ومهمات عظيمة، وكان الحال يقتضي الاختصار، وأما الحكمة في أمر النبي صلى ms3384 ~~الله عليه وسلم بالقراءة على أبي فهي أن يتعلم أبي القراءة من ألفاظه صلى ~~الله عليه وسلم، وضبط أسلوب الوزن المشروع وقدره بخلاف ما سواه من النعم ~~المستعملة في غيره فكانت قراءته على أبي ليتعلم أبي منه لا ليتعلم هو من ~~أبي وقيل إنما قرأ على أبي ليتعلم غيره التواضع والأدب وأن لا يستنكف ~~الشريف وصاحب الرتبة العالية أن يتعلم القرآن ممن هو دونه، وفيه تنبيه ~~على فضيلة أبي والحث عن الأخذ عنه وتقديمه في ذلك فكان كذلك بعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم رأسا وإما ما في القراءة وغيرها، وكان أحد علماء ~~الصحابة رضي الله عنهم أجمعين والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار ~~كتابه. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-6] # قوله عز وجل: { إذا زلزلت الأرض زلزالها } أي تحركت حركة شديدة، ~~واضطربت، وذلك عند قيام الساعة، وقيل تزلزل من شدة صوت إسرافيل حتى ينكسر ~~كل ما عليها من شدة الزلزلة ولا تسكن حتى تلقي ما على ظهرها من جبل، ~~وشجر، وبناء وفي وقت هذه الزلزلة قولان أحدهما: وهو قول الأكثرين، أنها ~~في الدنيا، وهي من أشراط الساعة والثاني أنها زلزلت يوم القيامة. { ~~وأخرجت الأرض أثقالها } فمن قال إن الزلزلة تكون في الدنيا قال أثقالها ~~كنوزها، وما في بطنها من الدفائن، والأموال فتلقيها على ظهرها يدل على ~~صحة هذا القول، ما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوانة من الذهب، والفضة، فيجيء ~~القاتل فيقول في هذا قتلت ويجيء القاطع، فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء ~~السارق فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا " # أخرجه مسلم والأفلاذ جمع فلذة وهي القطعة المستطيلة شبه ما يخرج من ~~باطنها بأقطاع كبدها، لأن الكبد مستور في الجوف، وإنما خص الكبد لأنها من ~~أطيب ما يشوى عند العرب من الجزور، واستعار القيء للإخراج، ومن قال بأن ~~الزلزلة تكون يوم القيامة، قال أثقالها الموتى فتخرجهم إلى ظهرها قيل إن ms3385 ~~الميت إذا كان في بطن الأرض، فهو ثقل لها وإذا كان فوقها، فهو ثقل عليها، ~~ومنه سميت الجن والإنس بالثقلين لأن الأرض تثقل بهم أحياء وأمواتا. { ~~وقال الإنسان ما لها } يعني ما لها تزلزلت هذه الزلزلة العظيمة، ولفظت ما ~~في بطنها وفي الإنسان وجهان. أحدهما أنه اسم جنس يعم المؤمن والكافر، ~~وهذا على قول من جعل الزلزلة من أشراط الساعة، والمعنى أنها حين وقعت ~~لم يعلم الكل أنها من أشراط الساعة، فيسأل بعضهم بعضا عن ذلك، والثاني ~~أنه اسم للكافر خاصة وهذا على قول من جعلها زلزلة القيامة لأن المؤمن ~~عارف بها فلا يسأل عنها، والكافر جاحد لها، فإذا وقعت سأل عنها، وقيل ~~مجاز الآية { يومئذ تحدث أخبارها } فيقول الإنسان ما لها، والمعنى أن ~~الأرض تحدث بكل ما عمل على ظهرها من خير أو شر، فتشكوا العاصي، وتشهد ~~عليه وتشكر الطائع وتشهد له عن أبي هريرة قال: # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { يومئذ تحدث أخبارها } ~~قال أتدرون ما أخبارها قالوا الله ورسوله أعلم، قال فإن أخبارها أن تشهد ~~على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول عمل يوم كذا كذا وكذا فهذه ~~أخبارها " # أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح { بأن ربك أوحى لها } أي أمرها ~~بالكلام وأذن لها أن تخبر بما عمل عليها قال ابن عباس: أوحى إليها قيل إن ~~الله تعالى يخلق في الأرض الحياة، والعقل، والنطق حتى تخبر بما أمر الله ~~به وهذا مذهب أهل السنة. قوله تعالى: { يومئذ يصدر الناس } أي عن موقف ~~الحساب بعد العرض { أشتاتا } أي متفرقين فآخذ ذات اليمين إلى الجنة وآخذ ~~ذات الشمال إلى النار { ليروا أعمالهم } قال ابن عباس ليروا جزاء ~~أعمالهم، وقيل معناه ليروا صحائف أعمالهم التي فيها الخير والشر وهو ~~قوله تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة... }. ### || [99.7-8] # { فمن يعمل مثقال ذرة } قال وزن نملة صغيرة وقيل هو ما لصق من التراب ~~باليد { خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } قال ابن عباس: ليس ms3386 مؤمن ~~ولا كافر عمل خيرا أو شرا في الدنيا إلا أراه الله إياه يوم القيامة، ~~فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته فيغفر الله له سيئاته، ويثيبه بحسناته، ~~وأما الكافر، فيرد حسناته ويعذبه بسيئاته، وقال محمد بن كعب القرظي فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره من كافر يرى ثوابه في الدنيا في نفسه وولده ~~وأهله وماله حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير ومن يعلم مثقال ~~ذرة شرا يره من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه، وماله، وولده وأهله ~~حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر قيل نزلت هذه الآية في رجلين ~~وذلك أنه لما نزلت { ويطعمون الطعام على حبه } وكان أحدهما يأتيه السائل، ~~فيستقل أن يطعمه التمرة والكسرة، والجوزة ونحو ذلك ويقول هذا ليس بشيء ~~يؤجر عليه إنما يؤجر على ما يعطي ونحن نحبه، وكان الآخر يتهاون بالذنب ~~الصغير مثل الكذبة والنظرة وأشباه ذلك ويقول إنما وعد الله النار على ~~الكبائر وليس في هذا، إثم فأنزل الله هذه الآية يرغبهم في القليل من ~~الخير أن يعطوه فإنه يوشك أن يكثر ويحذرهم من اليسير من الذنب، فإنه ~~يوشك أن يكبر والإثم الصغير في عين صاحبه يصير مثل الجبل العظيم يوم ~~القيامة قال ابن مسعود: أحكم آية في القرآن { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } وسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هذه الآية الجامعة الفاذة حين سأل عن زكاة الحمير، فقال # " ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة " # ، { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } وتصدق ~~عمر بن الخطاب وعائشة كل واحد منهما بحبة عنب، وقالا فيها مثاقيل كثيرة، ~~قلت إنما كان غرضهما تعليم الغير وإلا فهما من كرماء الصحابة رضي الله ~~تعالى عنهم وقال الربيع بن خيثم: مر رجل بالحسن وهو يقرأ هذه السورة ~~فلما بلغ آخرها قال حسبي الله قد انتهت الموعظة، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [100 - سورة ms3387 العاديات] ### || [100.1-4] # قوله عز وجل: { والعاديات ضبحا } فيه قولان أحدهما، أنها الإبل في ~~الحج قال علي كرم الله وجهه: هي الإبل تعدو من عرفة إلى المزدلفة ومن ~~المزدلفة إلى منى، وعنه قال كانت أول غزاة في الإسلام بدرا، وما كان ~~معنا إلا فرسان فرس للزبير، وفرس للمقداد بن الأسود، فكيف تكون ~~العاديات؟ فعلى هذا القول يكون معنى ضبحها مد أعناقها في السير وأصله من ~~حركة النار في العود. { فالموريات قدحا } يعني أن أخفاف الإبل ترمي ~~بالحجارة من شدة عدوها فيضرب الحجر حجرا آخر فيوري النار، وقيل هي ~~النيران بجمع { فالمغيرات صبحا } يعني الإبل تدفع بركبانها يوم النحر ~~من جمع إلى منى والسنة أن لا يدفع حتى يصبح والإغارة سرعة السير، ومنه ~~قولهم أشرق ثبير كيما نغير { فأثرن به نقعا } أي هيجن بمكان سيرها ~~غبارا. ### || [100.5-11] # { فوسطن به جمعا } أي وسطن بالنقع جمعا وهو مزدلفة، فوجه القسم على ~~هذا أن الله تعالى أقسم بالإبل لما فيها من المنافع الكثيرة، وتعريضه ~~بإبل الحج للترغيب وفيه تقريع لمن لم يحج بعد القدرة عليه، فإن الكنود ~~هو الكفور، ومن لم يحج بعد الوجوب موصوف بذلك القول الثاني في تفسير ~~والعاديات، قال ابن عباس وجماعة هي الخيل العادية في سبيل الله والضبح ~~صوت أجوافها إذا غدت قال ابن عباس: وليس شيء من الحيوانات يضبح سوى ~~الفرس، والكلب، والثعلب، وإنما تضبح هذه الحيوانات إذا تغير حالها من فزع ~~أو تعب، وهو من قول العرب ضبحته النار إذا غيرت لونه، # فالموريات قدحا # [العاديات: 2] يعني أنها توري النار بحوافرها إذا سارت في الحجارة، ~~وقيل هي الخيل تهيج الحرب ونار العداوة بين فرسانها وقال ابن عباس: هي ~~الخيل تغزو في سبيل الله ثم تأوي بالليل فيوري أصحابها نارا، ويصنعون ~~طعامهم، وقيل هو مكر الرجال في الحرب، والعرب تقول إذا أراد الرجل أن ~~يمكر بصاحبه أما والله لأقدحن لك ثم لأورين لك، # فالمغيرات صبحا # [العاديات: 3] يعني الخيل تغير بفرسانها على العدو عند الصباح لأن ~~الناس في غفلة في ذلك الوقت ms3388 عن الاستعداد، # فأثرن به # [العاديات: 4] أي بالمكان # نقعا # [العاديات: 4] أي غبارا { فوسطن به جمعا } أي دخلن به أي بذلك النقع ~~وهو الغبار، وقيل صرن بعدوهن وسط جمع العدو، وهم الكتيبة وهذا القول في ~~تفسير هذه الآيات أولى بالصحة، وأشبه بالمعنى، لأن الضبح من صفة الخيل، ~~وكذا إيراء النار بحوافرها، وإثارة الغبار أيضا، وإنما أقسم الله بخيل ~~الغزاة لما فيها من المنافع الدينية، والدنيوية، والأجر، والغنيمة، ~~وتنبيها على فضلها، وفضل رباطها في سبيل الله عز وجل، ولما ذكر الله ~~تعالى المقسم به ذكر المقسم عليه. فقال تعالى: { إن الإنسان لربه لكنود } ~~أي لكفور وهو جواب القسم قال ابن عباس: الكنود الكفور الجحود لنعمة الله ~~تعالى، وقيل الكنود هو العاصي، وقيل هو الذي يعد المصائب، وينسى النعم، ~~وقيل هو قليل الخير مأخوذ من الأرض الكنود، وهي التي لا تنبت شيئا، وقال ~~الفضيل بن عياض الكنود: الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال ~~الكثيرة من الإحسان، وضده الشكور الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإحسان ~~الخصال الكثيرة من الإساءة { وإنه على ذلك لشهيد } قال أكثر المفسرين: ~~وإن الله على كونه كنود الشاهد، وقيل الهاء راجعة إلى الإنسان، والمعنى ~~أنه شاهد على نفسه بما صنع { وإنه } يعني الإنسان { لحب الخير } أي المال ~~{ لشديد } أي لبخيل والمعنى أنه من أجل حب المال لبخيل، وقيل معناه وإنه ~~لحب المال وإيثار الدنيا لقوي شديد { أفلا يعلم } يعني هذا الإنسان { ~~إذا بعثر } أي أثير وأخرج { ما في القبور } يعني من الموتى { وحصل ما في ~~الصدور } أي ميز وأبرز ما فيها من الخير والشر { إن ربهم بهم } أي جمع ~~الكناية لأن الإنسان اسم جنس { يومئذ لخبير } أي عالم والله تعالى خبير ~~بهم في ذلك اليوم، وفي غيره، ولكن المعنى أنه يجازيهم في ذلك اليوم على ~~كفرهم وإنما خص أعمال القلوب بالذكر في قوله، { وحصل ما في الصدور } ~~لأن أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلوب، فإنه لولا البواعث والإرادات ~~التي في القلوب لما حصلت أعمال الجوارح والله أعلم. ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-11] ms3389 # قوله عز وجل: { القارعة } أصل القرع الصوت الشديد، ومنه قوارع ~~الدهر أي شدائده، والقارعة من أسماء القيامة. سميت بذلك لأنها تقرع ~~القلوب بالفزع، والشدائد وقيل سميت قارعة بصوت إسرافيل لأنه إذا نفخ في ~~الصور مات جميع الخلائق من شدة صوت نفخته، { ما القارعة } تهويل وتعظيم، ~~والمعنى أنها فاقت القوارع في الهول والشدة { وما أدراك ما القارعة } ~~معناه لا علم لك بكنهها لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها فهم أحد وكيفما ~~قدرت أمرها فهي أعظم من ذلك { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } الفراش ~~هذه الطير التي تراها تتهافت في النار سميت بذلك لفرشها، وانتشارها، ~~وإنما شبه الخلق عند البعث بالفراش، لأن الفراش إذا ثار لم يتجه لجهة ~~واحدة. بل كل واحدة تذهب إلى غير جهة الأخرى، فدل بهذا التشبيه على أن ~~الخلق في البعث يتفرقون، فيذهب كل واحد إلى غير جهة الآخر، والمبثوث ~~المتفرق، وشبههم أيضا بالجراد فقال: كأنهم جراد منتشر وإنما شبههم ~~بالجراد لكثرتهم قال الفراء: كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضا فشبه الناس ~~عند البعث بالجراد لكثرتهم بموج بعضهم في بعض، ويركب بعضهم بعضا من شدة ~~الهول. { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } أي كالصوف المندوف، وذلك لأنها ~~تتفرق أجزاؤها في ذلك اليوم حتى تصير كالصوف المتطاير عند الندف، وإنما ~~ضم بين حال الناس وحال الجبال، كأنه تعالى نبه على تأثير تلك القارعة في ~~الجبال العظيمة الصلدة الصلبة حتى تصير كالعهن المنفوش، فكيف حال ~~الإنسان الضعيف عند سماع صوت القارعة ثم لما ذكر حال القيامة قسم الخلق ~~على قسمين فقال تعالى: { فأما من ثقلت موازينه } يعني رجحت موازين حسناته ~~قيل هو جمع موزون، وهو العمل الذي له قدر وخطر عند الله تعالى، وقيل هو ~~جمع ميزان وهو الذي له لسان وكفتان توزن فيه الأعمال فيؤتى بحسنات المؤمن ~~في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان، فإن رجحت فالجنة له ويؤتى بسيئات ~~الكافر في أقبح صورة فتخف ميزانه، فيدخل النار، وقيل إنما توزن أعمال ~~المؤمنين فمن ثقلت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن ثقلت ms3390 سيئاته على ~~حسناته دخل النار، فيقتص منه على قدرها ثم يخرج منها، فيدخل الجنة أو ~~يعفو الله عنه بكرمه، فيدخل الجنة بفضل الله وكرمه، ورحمته، وأما ~~الكافرون فقد قال: في حقهم # فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا # [الكهف: 105] روى عن أبي بكر الصديق أنه قال: إنما ثقلت موازين من ثقلت ~~موازينه يوم القيامة بإتباعهم الحق في دار الدنيا، وثقله عليهم وحق ~~لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت ~~موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم، وحق لميزان ~~يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا. # قوله تعالى: { فهو في عيشة راضية } أي مرضية في الجنة، وقيل في عيشة ذات ~~رضا يرضاها صاحبها { وأما من خفت موازينه } أي رجحت سيئاته على حسناته { ~~فأمه هاوية } أي مسكنة النار سمي المسكن أما لأن الأصل في السكون ~~الأمهات، وقيل معناه فأم رأسه هاوية في النار، والهاوية اسم من أسماء ~~النار، وهي المهواة التي لا يدرك قعرها فيهوون فيها على رؤوسهم، وقيل كان ~~الرجل إذا وقع في أمر شديد يقال هوت أمه أي هلكت حزنا وثكلا { وما ~~أدراك ما هيه } يعني الهاوية ثم فسرها فقال { نار حامية } أي حارة قد ~~انتهى حرها نعوذ بالله وعظمته منها والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-2] # قوله عز وجل: { ألهاكم التكاثر } أي شغلتكم المفاخرة، والمباهاة، ~~والمكاثرة بكثرة المال، والعدد، والمناقب عن طاعة الله ربكم، وما ينجيكم ~~من سخطه، ومعلوم أن من اشتغل بشيء أعرض عن غيره، فينبغي للمؤمن العاقل أن ~~يكون سعيه وشغله في تقديم الأهم وهو ما يقربه من ربه عز وجل. فالتفاخر ~~بالمال والجاه والأعوان، والأقرباء تفاخر بأخس المراتب، والاشتغال به ~~يمنع الإنسان من الاشتغال بتحصيل السعادة الأخروية التي هي سعادة الأبد، ~~ويدل على أن المكاثرة، والمفاخرة بالمال مذمومة، ما روي عن مطرف بن عبد ~~الله بن الشخير عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو يقرأ هذه الآية { ألهاكم التكاثر } " فقال # " يقول ابن ms3391 آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت أو أكلت ~~فأفنيت أو لبست فأبليت " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح خ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد يتبعه ماله وأهله وعمله ~~فيرجع أهله وماله ويبقى عمله " # { حتى زرتم المقابر } أي حتى متم ودفنتم في المقابر يقال لمن مات زار ~~قبره وزار رمسه، فيكون معنى الآية ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن ~~طاعة ربكم حتى أتاكم الموت، وأنتم على ذلك قيل نزلت هذه الآية في اليهود، ~~قالوا نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، شغلهم ذلك حتى ~~ماتوا ضلالا، وقيل نزلت في حيين من قريش، وهما بنو عبد مناف، وبنو سهم ~~بن عمرو، وكان بينهم تفاخر فتعادوا القادة، والأشراف أيهم أكثر فقال بنو ~~عبد مناف نحن أكثر سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، وأكثر عددا، وقال ~~بنو سهم مثل ذلك، فكاثرهم بنو بعد مناف، ثم قالوا نعد موتانا فعدوا ~~الموتى حتى زار والقبور، فعدوهم فقالوا هذا قبر فلان وهذا قبر فلان ~~فكثرهم بنو سهم بثلاثة أبيات لأنهم كانوا في الجاهلية أكثر عددا فأنزل ~~الله هذه الآية، وهذا القول أشبه بظاهر القرآن لأن قوله { حتى زرتم ~~المقابر } يدل على أمر مضى، فكأنه تعالى يعجبهم من أنفسهم ويقول مجيبا ~~هب إنكم أكثر عددا، فماذا ينفع ثم رد الله تعالى عليهم فقال: { كلا سوف ~~تعلمون... }. ### || [102.3-8] # { كلا } أي ليس الأمر كما يتوهمه هؤلاء بالتكاثر والتفاخر، وقيل المعنى ~~حقا { سوف تعلمون } وعيد لهم { ثم كلا سوف تعلمون } كرره توكيدا ~~والمعنى سوف تعلمون عاقبة تكاثركم وتفاخركم إذا نزل بكم الموت، فهو وعيد ~~بعد وعيد، وقيل معناه كلا سوف تعلمون يعني الكافرين ثم كلا سوف تعلمون ~~يعني المؤمنين وصاحب هذا القول يقرأ الأولى بالياء والثانية بالتاء. { ~~كلا لو تعلمون علم اليقين } أي علما يقينا وجواب لو محذوف والمعنى لو ~~تعلمون علما يقينا لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر ms3392 والتفاخر، قال قتادة ~~كنا نحدث أن علم اليقين أن يعلم أن الله باعثه بعد الموت { لترون الجحيم ~~} اللام تدل على أنه جواب قسم محذوف والقسم لتوكيد الوعيد، وإن ما أوعدوا ~~به لا يدخله شك ولا ريب، والمعنى أنكم ترون الجحيم بأبصاركم بعد الموت { ~~ثم لترونها } يعني مشاهدة { عين اليقين } وإنما كرر الرؤية لتأكيد ~~الوعيد { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } يعني أن كفار مكة كانوا في ~~الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه ~~لأنهم لم يشكروا رب النعيم حيث عبدوا غيره ثم يعذبون على ترك الشكر، ~~وذلك لأن الكفار لما ألهاهم التكاثر بالدنيا، والتفاخر بلذاتها عن طاعة ~~الله والاشتغال بشكره سألهم عن ذلك، وقيل إن هذا السؤال يعم الكافر، ~~والمؤمن، وهو الأولى لكن سؤال الكافر توبيخ، وتقريع لأنه ترك شكر ما أنعم ~~الله به عليه، والمؤمن يسأل سؤال تشريف وتكريم لأنه شكر ما أنعم الله به ~~عليه، وأطاع ربه فيكون السؤال في حقه تذكرة بنعم الله عليه. يدل على ذلك ~~ما روي # " عن الزبير قال لما نزلت { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } قال الزبير: ~~يا رسول الله وأي نعيم نسأل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء قال ~~أما أنه سيكون " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن واختلفوا في النعيم الذي يسأل البعد عنه، ~~فروي عن ابن مسعود رفعه قال لتسألن يومئذ عن النعيم قال الأمن، والصحة ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له ألم نصح لك ~~جسمك ونروك من الماء البارد " # أخرجه الترمذي وقال حديث غريب م عن أبي هريرة رضي الله عنه قال # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر ~~وعمر فقال صلى الله عليه وسلم ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة، قالا ~~الجوع يا رسول الله قال وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، ~~فقوموا فقاموا معه فأتى رجلا من الأنصار، ms3393 فإذا هو ليس في بيته فلما رأته ~~المرأة قالت مرحبا وأهلا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين ~~فلان قالت ذهب يستعذب لنا الماء إذا جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ثم قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا ~~مني قال فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر، وتمر، ورطب فقال: كلوا وأخذ المدية ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إياك والحلوب، فذبح لهم شاة فأكلوا ~~من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا فلما شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأبي بكر وعمر والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم ~~القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم " # وأخرجه الترمذي بأطول من هذا # " وفيه ظل بارد ورطب طيب وماء بارد " # وروي عن ابن عباس قال: النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار يسأل الله ~~العبيد يوم القيامة فيم استعملوها وهو أعلم بذلك منهم، وقيل يسأل عن ~~الصحة والفراغ والمال خ عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ " # ، وقيل الذي يسأل العبد عنه هو القدر الزائد على ما يحتاج إليه فإنه لا ~~بد لكل أحد من مطعم، ومشرب، وملبس، ومسكن، وقيل يسأل عن تخفيف الشرائع ~~وتيسير القرآن، وقيل عن الإسلام فإنه أبر النعم، وقيل يسأل عما أنعم به ~~عليكم وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي أنقذكم به من الضلال إلى الهدى، ~~والنور وامتن به عليكم والله أعلم. ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # قوله عز وجل: { والعصر } قال ابن عباس: هو الدهر قيل أقسم الله به ~~لما فيه من العبر، والعجائب للناظر وقد ورد في الحديث # " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " # وذلك لأنهم كانوا يضيفون النوائب والنوازل إلى الدهر، فأقسم به ~~تنبيها على شرفه وأن الله هو المؤثر فيه فما حصل فيه من النوائب ~~والنوازل كان بقضاء الله وقدره، وقيل تقديره ورب العصر، وقيل أراد ms3394 ~~بالعصر الليل والنهار لأنهما يقال لهما العصران، فنبه على شرف الليل ~~والنهار لأنهما خزانتان لأعمال العباد، وقيل أراد بالعصر آخر طرفي النهار ~~أقسم بالعشى كما أقسم بالضحى، وقيل أراد صلاة العصر أقسم بها لشرفها ~~ولأنها الصلاة الوسطى في قول بدليل قوله تعالى: # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى # [البقرة: 238] لما قيل هي صلاة العصر والذي في مصحف عائشة رضي الله عنها ~~وحفصة والصلاة الوسطى صلاة العصر وفي الصحيحين # " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر " # وقال صلى الله عليه وسلم # " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " # ، وقيل أراد بالعصر زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقسم بزمانه كما ~~أقسم بمكانه في قوله # لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد # [البلد: 1-2] نبه بذلك على أنه زمانه أفضل الأزمان وأشرفها، وجواب القسم ~~قوله تعالى: { إن الإنسان لفي خسر } أي لفي خسران ونقصان قيل أراد ~~بالإنسان جنس الإنسان بدليل قولهم كثر الدرهم في أيدي الناس أي الدرهم ~~وذلك لأن الإنسان لا ينفك عن خسران، لأن الخسران هو تضييع عمره وذلك لأن ~~كل ساعة تمر من عمر الإنسان إما أن تكون تلك الساعة في طاعة أو معصية، ~~فإن كانت في معصية فهو الخسران المبين الظاهر وإن كانت في طاعة، فلعل ~~غيرها أفضل وهو قادر على الإتيان بها فكان فعل غير الأفضل تضييعا ~~وخسرانا، فبان بذلك أنه لا ينفك أحد من خسران، وقيل إن سعادة الإنسان في ~~طلب الآخرة وحبها والإعراض عن الدنيا ثم إن الأسباب الداعية إلى حب ~~الآخرة خفية، والأسباب الداعية إلى حب الدنيا ظاهرة، فلهذا السبب كان ~~أكثر الناس مشتغلين بحب الدنيا مستغرقين في طلبها، فكانوا في خسار وبوار ~~قد أهلكوا أنفسهم بتضييع أعمارهم، وقيل أراد بالإنسان الكافر بدليل أنه ~~استثنى المؤمنين فقال تعالى: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } يعني ~~فإنهم ليسوا في خسر، والمعنى أن كل ما مر من عمر الإنسان في طاعة الله ~~تعالى فهو في صلاح وخير وما كان بضده فهو في خسر وفساد وهلاك. { وتواصوا ms3395 ~~} أي أوصى بعض المؤمنين بعضا { بالحق } يعني بالقرآن والعمل بما فيه، ~~وقيل بالإيمان والتوحيد { وتواصوا بالصبر } أي على أداء الفرائض وإقامة ~~أمر الله وحدوده، وقيل أراد أن الإنسان إذا عمر في الدنيا وهرم لفي نقص ~~وتراجع إلا الذين آمنوا، وعملوا الصالحات فإنهم تكتب أجورهم ومحاسن ~~أعمالهم التي كانوا يعملونها في شبابهم وصحتهم وهي مثل قوله # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون # [التين: 4-6] والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1] # قوله عز وجل: { ويل } أي قبح، وقيل اسم واد في جهنم { لكل همزة لمزة } ~~قال ابن عباس هم المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبرآء ~~العيب وقيل معناهما واحد وهو العياب المغتاب للناس في بعضهم قال الشاعر: # إذا لقيتك من كره تكاشرني وإن تغيبت كنت الهامز اللمزا # وقيل بل يختلف معناهما فقيل الهمزة الذي يعيبك في الغيب، واللمزة الذي ~~يعيبك في الوجه، وقيل هو على ضده، وقيل الهمزة الذي يهمز الناس بيده ~~ويضربهم، واللمزة الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم، وقيل هو الذي يهمز بلسانه ~~ويلمز بعينه، وقيل الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ، واللمزة الذي يرمق ~~بعينه ويشير برأسه ويرمز بحاجبه، وقيل الهمزة المغتاب للناس واللمزة ~~الطعان في أنسابهم وحاصل هذه الأقاويل يرجع إلى أصل واحد، وهو الطعن ~~وإظهار العيب وأصل الهمز الكسر والقبض على الشيء بالعنف، والمراد منه هنا ~~الكسر من أعراض الناس والغض منهم، والطعن فيهم، ويدخل فيه من يحاكي الناس ~~بأقوالهم، وأفعالهم، وأصواتهم ليضحكوا منه، وهما نعتان للفاعل على نحو ~~سخره وضحكة للذي يسخر ويضحك من الناس، واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية، ~~فقيل نزلت في الأخنس بن شريق بن وهب. كان يقع في الناس ويغتابهم وقال ~~محمد بن إسحاق: ما زلنا نسمع أن سورة الهمزة نزلت في أمية بن خلف الجمحي، ~~وقيل نزلت في الوليد بن المغيرة كان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من ~~ورائه ويطعن عليه في وجهه، وقيل نزلت في العاص ms3396 بن وائل السهمي، وقيل هي ~~عامة في كل شخص هذه صفته كائنا من كان، وذلك لأن خصوص السبب لا يقدح في ~~عموم اللفظ والحكم، ومن قال إنها في أناس معينين قال أن يكون اللفظ ~~عاما لا ينافي أن يكون المراد منه شخصا معينا وهو تخصيص العام بقرينة ~~العرف والأولى أن تحمل على العموم في كل من هذه صفته ثم وصفه فقال تعالى: ~~{ الذي جمع مالا... }. ### || [104.2-9] # { الذي جمع مالا } وإنما وصفه بهذا الوصف لأنه يجري مجرى السبب والعلة ~~في الهمز واللمز يعني وهو بإعجابه بما جمع من المال يستصغر الناس ويسخر ~~منهم، وإنما نكر مالا لأنه بالنسبة إلى مال هو أكثر منه كالشيء الحقير ~~وإن كان عظيما عند صاحبه فكيف يليق بالعاقل أن يفتخر بالشيء الحقير { ~~وعدده } أي أحصاه من العدد، وقيل هو من العدة أي استعده وجعله ذخيرة وغنى ~~له { يحسب أن ماله أخلده } أي يظن أنه يخلد في الدنيا ولا يموت ليساره ~~وغناه قال الحسن ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت ~~ومعناه أن الناس لا يشكون في الموت مع أنهم يعملون عمل من يظن أنه يخلد ~~في الدنيا ولا يموت { كلا } رد عليه أي لا يخلده ماله بل يخلده ذكر ~~العلم، والعمل الصالح ومنه قول علي: مات خزان المال، وهم أحياء والعلماء ~~باقون ما بقي الدهر، وقيل معناه حقا { لينبذن } واللام في لينبذن جواب ~~القسم فدل ذلك على حصول معنى القسم، ومعنى لينبذن ليطرحن { في الحطمة } ~~أي في النار، وهو اسم من أسمائها مثل سقر ولظى، وقيل هو اسم للدركة ~~الثانية منها وسميت حطمة لأنها تحطم العظام وتكسرها، والمعنى يا أيها ~~الهمزة اللمزة الذي يأكل لحوم الناس، ويكسر من أعراضهم إن وراءك الحطمة ~~التي تأكل اللحوم وتكسر العظام { وما أدراك ما الحطمة } أي نار لا ~~كسائرالنيران { نار الله } إنما أضافها إليه على سبيل التفخيم والتعظيم ~~لها { الموقدة } أي لا تخمد أبدا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله ms3397 صلى الله عليه وسلم # " أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ~~ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة " # أخرجه الترمذي قال ويروى عن أبي هريرة موقوفا وهو أصح { التي تطلع على ~~الأفئدة } أي يبلغ ألمها ووجعها إلى القلوب، والمعنى أنها تأكل كل شيء ~~حتى تنتهي إلى الفؤاد، وإنما خص الفؤاد بالذكر لأنه ألطف شيء في بدن ~~الإنسان، وأنه يتألم بأدنى شيء، فكيف إذا اطلعت عليه واستولت عليه، ثم ~~إنه مع لطافته لا يحترق إذ لو احترق لمات صاحبه، وليس في النار موت، وقيل ~~إنما خصه بالذكر لأن القلب موطن الكفر، والعقائد، والنيات الفاسدة. { ~~إنها عليهم مؤصدة } أي مطبقة مغلقة { في عمد ممددة } قال ابن عباس: ~~أدخلهم في عمد فمدت عليهم بعماد وفي أعناقهم السلاسل سدت عليهم بها ~~الأبواب، وقال قتادة: بلغنا أنهم عمد يعذبون بها في النار، وقيل هي ~~أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار، والمعنى أنها مطبقة عليهم بأوتاد ~~ممدودة، وقيل أطبقت الأبواب عليهم ثم سدت بأوتاد من حديد من نار حتى يرجع ~~عليهم غمها وحرها، فلا ينفتح عليهم باب، ولا يدخل عليهم روح، وممددة صفة ~~العمد، أي مطولة فتكون أرسخ من القصيرة نعوذ بالله من النار، وحرها والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1] # قوله عز وجل: { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } كانت قصة أصحاب ~~الفيل على ما ذكره محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير، ~~وعكرمة عن ابن عباس، وذكره الواقدي أن النجاشي ملك الحبشة كان بعث أرياط ~~إلى اليمن، فغلب عليها فقام رجل من الحبشة يقال له أبرهة بن الصباح بن ~~يكسوم، فساخط أرياط في أمر الحبشة حتى انصدعوا صدعين، فكان طائفة مع ~~أرياط، وطائفة مع أبرهة، فتزاحفا فقتل أبرهة أرياط، واجتمعت الحبشة ~~لأبرهة، وغلب على اليمن، وأقره النجاشي على عمله، ثم إن أبرهة رأى ~~الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة لحج بيت الله عز وجل، فبنى كنيسة ms3398 ~~بصنعاء، وكتب إلى النجاشي إني قد بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يبن لملك ~~مثلها، ولست منتهيا حتى أصرف إليها حج العرب فسمع بذلك مالك بن كنانة ~~فخرج لها ليلا، فدخل وتغوط فيها ولطخ بالعذرة قبلتها، فبلغ ذلك أبرهة ~~فقال: من اجترأ علي، فقيل صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت سمع ~~بالذي قلت، فحلف أبرهة عند ذلك ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها، فكتب إلى ~~النجاشي يخبره بذلك، وسأله أن يبعث إليه بفيله، وكان له فيل يقال له ~~محمود، وكان فيلا لم ير مثله عظما، وجسما، وقوة، فبعث به إليه، فخرج ~~أبرهة في الحبشة سائرا إلى مكة، وخرج معهم الفيل، فسمعت العرب بذلك، ~~فعظموه ورأوا جهاده حقا عليهم، فخرج ملك من ملوك اليمن يقال له ذو نفر ~~بمن أطاعه من قومه، فقاتلوه فهزمه أبرهة، وأخذ ذا نفر فقال يا أيها الملك ~~استبقني فإن بقائي خير لك من قتلي فاستحياه وأوثقه وكان أبرهة رجلا ~~حليما، ثم سار حتى إذا دنا من بلاد خثعم، خرج إليه نفيل بن حبيب الخثعمي ~~في خثعم ومن اجتمع إليه من قبائل اليمن، فقاتلوه فهزمهم، وأخذ نفيلا ~~فقال نفيل أيها الملك إني دليل بأرض العرب، وهاتان يداي على قومي بالسمع ~~والطاعة، فاستبقاه وخرج معه يدله حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن ~~مغيث في رجال من ثقيف فقال: أيها الملك نحن عبيدك ليس عندنا خلاف لك، ~~إنما تريد البيت الذي بمكة نحن نبعث معك من يدلك عليه، فبعثوا معه أبا ~~رغال مولى لهم، فخرج حتى إذا كان بالمغمس مات أبو رغال وهو الذي يرجم ~~قبره، وبعث أبرهة رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مسعود على مقدمة ~~خيله، وأمره بالغارة على نعم الناس، فجمع الأسود أموال أصحاب الحرم، ~~وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير، ثم إن أبرهة أرسل بحناطة الحميري إلى أهل ~~مكة، وقال له: سل عن شريفها، ثم أبلغه ما أرسلك به إليه أخبره أني لم آت ~~لقتال، إنما جئت لأهدم هذا البيت، فانطلق حتى ms3399 دخل مكة، فلقي عبد المطلب ~~بن هاشم فقال له إن الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأت لقتال، إلا أن ~~تقاتلوه، إنما جاء لهدم هذا البيت ثم الانصراف عنكم، فقال عبد المطلب: ما ~~له عندنا قتال ولا لنا به يد إنا سنخلي بينه وبين ما جاء له، فإن هذا بيت ~~الله الحرام، وبيت إبراهيم خليله عليه الصلاة والسلام، فإن يمنعه فهو ~~بيته وحرمه وإن يخل بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به قوة قال فانطلق معي ~~إلى الملك، فزعم بعض العلماء أنه أردفه على بغلة كان عليها، وركب معه بعض ~~بنيه حتى قدم على العسكر، وكان ذو نفر صديقا لعبد المطلب، فأتاه فقال: ~~يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ قال فما غناء رجل أسير لا يأمن ~~من أن يقتل بكرة أو عشية، ولكن سأبعث إلى أنيس سائس الفيل، فإنه لي صديق، ~~فأسأله أن يصنع لك عند الملك ما استطاع من خير، ويعظم خطرك، ومنزلتك عنده ~~قال فأرسل إلى أنيس، فأتاه فقال، له إن هذا سيد قريش، وصاحب عير مكة يطعم ~~الناس في السهل، والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب الملك له مائتي بعير ~~فإن استطعت أن تنفعه عنده، فانفعه فإنه صديق لي أحب ما وصل إليه من ~~الخير، فدخل أنيس على أبرهة فقال: أيها الملك هذا سيد قريش، وصاحب عير ~~مكة الذي يطعم الناس في السهل، والوحوش في رؤوس الجبال يستأذن عليك، ~~وأنا أحب أن تأذن له، فيكلمك فقد جاء غير ناصب، ولا مخالف عليك، فأذن له ~~وكان عبد المطلب رجلا جسيما، وسيما فلما رآه أبرهة عظمه، وأكرمه، وكره ~~أن يجلس معه على السرير وأن يجلس تحته، فهبط إلى البساط فجلس عليه، ثم ~~دعاه، فأجلسه معه ثم قال لترجمانه قل له ما حاجتك إلى الملك فقال ~~الترجمان: ذلك له فقال له عبد المطلب حاجتي إلى الملك أن يرد علي مائتي ~~بعير أصابها لي، فقال أبرهة لترجمانه قل له كنت أعجبتني حين رأيتك، ولقد ~~زهدت الآن فيك ms3400 قال لم قال جئت إلى بيت هو دينك، ودين آبائك، وهو شرفكم، ~~وعصمتكم لأهدمه لم تكلمني فيه، وتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، قال عبد ~~المطلب: أنا رب هذه الإبل، ولهذا البيت رب سيمنعه منك، قال ما كان ليمنعه ~~مني قال فأنت وذاك فأمر بإبله فردت عليه، فلما ردت الإبل على عبد المطلب ~~خرج، فأخبر قريشا الخبر وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ويتحرزوا في رؤوس ~~الجبال تخوفا عليهم من معرة الحبش، ففعلوا وأتى عبد المطلب الكعبة، وأخذ ~~حلقة الباب وجعل يقول: # يا رب لا أرجو لهم سواكا يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من ~~عاداكا امنعهم أن يخربوا قراكا # وقال أيضا: # لا هم إن العبد يم نع رحله فامنع رحالك وانصر على آل الصلي ~~ب وعابديه اليوم آلك لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدوا محالك جروا ~~جموع بلادهم والفيل كي يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم جهلا وما ~~رقبوا جلالك إن كنت تاركهم وكع بتنا فأمر ما بدا لك # ثم ترك عبد المطلب الحلقة، وتوجه في بعض تلك الوجوه مع قومه، وأصبح ~~أبرهة بالمغمس، وقد تهيأ للدخول، وهيأ جيشه، وهيأ فيله، وكان فيلا لم ير ~~مثله في العظم والقوة، ويقال كان معه اثنا عشر فيلا، فأقبل نفيل إلى ~~الفيل الأعظم، ثم أخذ بإذنه، وقال له أبرك محمود وارجع راشدا من حيث ~~جئت، فإنك ببلد الله الحرام، فبرك الفيل، فبعثوه فأبى، فضربوه بالمعول في ~~رأسه، فأدخلوا محاجنهم تحت مراقه، ومرافقه، ففزعوه ليقوم فأبى فوجهوه ~~راجعا إلى اليمن، فقام يهرول ووجهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجوه إلى ~~المشرق ففعل مثل ذلك فصرفوه إلى الحرم، فبرك وأبى أن يقوم، وخرج نفيل ~~يشتد حتى صعد الجبل، وأرسل الله عز وجل طيرا من البحر أمثال الخطاطيف ~~مع كل طائر منها ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره أمثال الحمص، ~~والعدس، فلما غشين القوم أرسلنها عليهم، فلم تصب تلك الحجارة أحدا إلا ~~هلك، وليس كل قوم أصابت وخرجوا هاربين لا يهتدون إلى الطريق الذي ms3401 جاؤوا ~~منه ويتساءلون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، ونفيل ينظر ~~إليهم من بعض الجبال وفي ذلك يقول نفيل: # فإنك ما رأيت ولن تراه لدى حين المحصب ما رأينا حمدت الله إذ أبصرت ~~طيرا وحصب حجارة تلقى علينا وكلهم يسائل عن نفيل كأن علي للحبشان ~~دينا # وخرج القوم وماج بعضهم في بعض يتساقطون بكل طريق، ويهلكون في كل منهل، ~~وبعث الله على أبرهة داء في جسده، فجعل تتساقط أنامله كلما سقطت أنملة ~~تبعتها مدة من قيح، ودم، فانتهى إلى صنعاء، وهو مثل فرخ الطير، فيمن بقي ~~من أصحابه، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، ثم هلك قال الواقدي: وأما ~~محمود فيل النجاشي فربض ولم يشجع على الحرم، والفيل الآخر شجعوا، فحصبوا ~~أي رموا بالحصباء، وقال بعضهم أنفلت أبو يكسوم وزير أبرهة، وتبعه طير، ~~فحلق فوق رأسه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة، فلما أنهاها وقع عليه ~~حجر من ذلك الطير، فخر ميتا بين يدي النجاشي قال أمية بن أبي الصلت: # إن آيات ربنا ساطعات ما يماري فيهن إلا الكفور حبس الفيل بالمغمس حتى ~~ظل يعوي كأنه معقور # وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة ~~يستطعمان الناس، وزعم مقاتل بن سليمان أن السبب الذي جرأ أصحاب الفيل، أن ~~فئة من قريش أججوا نارا حين خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي، فدنوا من ~~ساحل البحر، وثم بيعة للنصارى تسميها قريش الهيكل، فنزلوا فأججوا ~~النار واشتووا، فلما ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم عاصف، فهاجت ~~الريح، فاضطرم الهيكل نارا فانطلق الصريخ إلى النجاشي فأسف غضبا ~~للبيعة، فبعث أبرهة لهدم الكعبة، وكان في مكة يومئذ أبو مسعود الثقفي ~~وكان مكفوف البصر يصيف بالطائف ويشتو بمكة، وكان رجلا نبيها نبيلا ~~تستقيم الأمور برأيه، وكان خليلا لعبد المطلب فقال له عبد المطلب: ماذا ~~عندك فهذا يوم لا يستغنى فيه عن رأيك؟ فقال أبو مسعود اصعد بنا إلى حراء، ~~فصعد الجبل فقال أبو مسعود لعبد المطلب اعمد إلي ms3402 مائة من الإبل، فاجعلها ~~لله وقلدها نعلا، واجعلها لله ثم أبثثها في الحرم، فلعل بعض السودان ~~يعقر منها شيئا، فيغضب رب هذا البيت، فيأخذهم ففعل ذلك عبد المطلب فعمد ~~القوم إلى تلك الإبل، فحملوا عليها، وعقروا بعضها وجعل عبد المطلب يدعو ~~فقال أبو مسعود إن لهذا البيت ربا يمنعه فقد نزل تبع ملك اليمن صحن هذا ~~البيت، وأراد هدمه فمنعه الله وابتلاه، وأظلم عليه ثلاثة أيام، فلما رأى ~~تبع ذلك كساه القباطي البيض، وعظمه ونحر له جزورا، فانظر نحو البحر، ~~فنظر عبد المطلب فقال: أرى طيرا بيضاء نشأت من شاطئ البحر فقال ارمقها ~~ببصرك أين قرارها قال أراها قد دارت على رؤوسنا، قال: هل تعرفها؟ قال ~~والله ما أعرفها ما هي بنجدية، ولا بتهامية، ولا عربية، ولا شامية، قال: ~~ما قدرها؟ قال: أشباه اليعاسيب في مناقيرها حصى، كأنها حصى الخذف قد ~~أقبلت كالليل يتبع بعضها بعضا أمام كل رفقة طير يقودها أحمر المنقار ~~أسود الرأس طويل العنق، فجاءت حتى إذا حاذت عسكر القوم ركدت فوق رؤوسهم، ~~فلما توافت الرجال كلهم أهالت الطير ما في مناقيرها على من تحتها مكتوب ~~على كل حجر اسم صاحبه، ثم إنها رجعت من حيث جاءت فلما أصبحا انحطا من ~~ذورة الجبل، فمشيا حتى صعدا ربوة، فلم يؤنسا أحدا ثم دنوا فلم يسمعا ~~حسا فقال بات القوم سامرين، فأصبحوا نياما فلما دنوا من عسكر القوم ~~فإذا هم خامدون وكان يقع الحجر على بيضة أحدهم فيخرقها حتى تقع في دماغه، ~~وتخرق الفيل والدابة ويغيب الحجر في الأرض من شدة وقعه، فعمد عبد ~~المطلب، فأخذ فأسا من فؤوسهم، فحفر حتى أعمق في الأرض، فملأه من الذهب ~~الأحمر، والجواهر، وحفر لصاحبه مثله فملاه ثم قال لأبي مسعود اختر إن شئت ~~حفرتي وإن شئت حفرتك، وإن شئت فهما لك معا فقال أبو مسعود فاختر لي على ~~نفسك، فقال عبد المطلب إني أرى أجود المتاع في حفرتي فهي لك وجلس كل واحد ~~منهما على حفرته ونادى عبد المطلب في الناس فتراجعوا، ms3403 وأصابوا من فضلهما ~~حتى ضاقوا به، وساد عبد المطلب بذلك قريشا، وأعطته القادة فلم يزل عبد ~~المطلب وأبو مسعود في أهليهما في غنى من ذلك المال، ودفع الله عز وجل ~~عن كعبته، واختلفوا في تاريخ عام الفيل، فقيل كان قبل مولد النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأربعين سنة وقيل بثلاث وعشرين سنة، والأصح الذي عليه ~~الأكثرون من علماء السير، والتواريخ، وأهل التفسير أنه كان في العام الذي ~~ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم يقولون ولد عام الفيل، ~~وجعلوه تاريخا لمولده صلى الله عليه وسلم وأما التفسير فقوله عز وجل ~~{ ألم تر } أي ألم تعلم، وذلك لأن هذه الواقعة ك انت قبل مبعثه بزمان ~~طويل إلا أن العلم بها كان حاصلا عنده لأن الخبر بها كان مستفيضا ~~معروفا بمكة وإذا كان كذلك فكأنه صلى الله عليه وسلم علمه وشاهده ~~يقينا، فلهذا قال تعالى { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } ، قيل كان ~~معهم فيل واحد، وقيل كانوا فيلة ثمانية، وقيل اثني عشر وإنما وحده لأنه ~~نسبهم إلى الفيل الأعظم الذي كان يقال له محمود، وقيل وإنما وحده لو فاق ~~الآي، وفي قصة أصحاب الفيل دلالة عظيمة على قدرة الله تعالى وعلمه، ~~وحكمته إذ يستحيل في العقل أن طيرا تأتي من قبل البحر تحمل حجارة ترمي ~~بها ناسا مخصوصين، وفيها دلالة عظيمة على شرف محمد صلى الله عليه وسلم ~~ومعجزة ظاهرة له وذلك أن الله تعالى إنما فعل ذلك لنصر من ارتضاه، وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم الداعي إلى توحيده، وإهلاك من سخط عليه، وليس ~~ذلك لنصرة قريش، فإنهم كانوا كفارا لا كتاب لهم، والحبشة لهم كتاب فلا ~~يخفى على عاقل، أن المراد بذلك نصر محمد صلى الله عليه وسلم فكأنه تعالى ~~قال أنا الذي فعلت ما فعلت بأصحاب الفيل تعظيما لك، وتشريفا لقدومك، ~~وإذ قد نصرتك قبل قدومك فكيف أتركك قبل ظهورك. ### || [105.2-5] # { ألم يجعل كيدهم } يعني مكرهم، وسعيهم في تخريب الكعبة { في تضليل } أي ~~تضييع وخسار، ms3404 وإبطال ما أرادوا أضل كيدهم، فلم يصلوا إلى ما أرادوا من ~~تخريب البيت، بل رجع كيدهم عليهم، فخربت كنيستهم، واحترقت، وهلكوا وهو ~~قوله تعالى: { وأرسل عليهم طيرا أبابيل } يعني طيرا كثيرة متفرقة يتبع ~~بعضها بعضا، وقيل أبابيل أقاطيع كالإبل المؤبلة، وقيل أبابيل جماعات في ~~تفرقة قيل لا واحد لها من لفظها، وقيل واحدها أبالة، وقيل أبيل، وقيل ~~أبول مثل عجول قال ابن عباس: كانت طيرا لها خراطيم، كخراطيم الطير، وأكف ~~كأكف الكلاب، وقيل رؤوس كرؤوس السباع، وقيل لها أنياب كأنياب السباع، ~~وقيل طير خضر لها مناقير صفر، وقيل طير سود جاءت من قبل البحر فوجا ~~فوجا مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجران في رجليه، وحجر في منقاره لا تصيب ~~شيئا إلا هشمته، ووجه الجمع بين هذه الأقاويل في اختلاف أجناس هذه الطير ~~أنه كانت فيها هذه الصفات كلها فبعضها على ما حكاه ابن عباس، وبعضها على ~~ما حكاه غيره، فأخبر كل واحد بما بلغه من صفاتها، والله أعلم. قوله عز ~~وجل: { ترميهم بحجارة } قال ابن مسعود: صاحت الطير، ورمتهم بالحجارة، ~~وبعث الله ريحا، فضربت بالحجارة، فزادتها شدة، فما وقع حجر منها على رجل ~~إلا خرج من الجانب الآخر، وإن وقع على رأسه خرج من دبره { من سجيل } قيل ~~السجيل اسم علم للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار، واشتقاقه من ~~الإسجال، وهو الإرسال، والمعنى ترميهم بحجارة من جملة العذاب المكتوب ~~المدون بما كتب الله في ذلك الكتاب، وقيل معناه من طين مطبوخ كما يطبخ ~~الأجر، وقيل سجيل حجر، وطين مختلط، وأصله سنك، وكل فارسي معرب، وقيل سجيل ~~الشديد. { فجعلهم كعصف مأكول } يعني كزرع وتبن أكلته الدواب، ثم راثته، ~~فيبس، وتفرقت أجزاؤه شبه تقطع أوصالهم، وتفرقها بتفرق أجزاء الروث، وقيل ~~العصف ورق الحنطة، وهو التبن، وقيل كالحب إذا أكل، فصار أجوف وقال ابن ~~عباس: هو القشر الخارج الذي يكون على حب الحنطة كهيئة الغلاف، والله ~~تعالى أعلم. ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1] # قوله عز وجل: { لإيلاف قريش } اختلفوا في هذه اللام، فقيل هي ms3405 متعلقة ~~بما قبلها وذلك أن الله تعالى ذكر أهل مكة عظيم نعمته عليهم بما صنع ~~بالحبشة، فقال فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، أي هلك أصحاب الفيل لتبقى ~~قريش، وما ألفوا من رحلة الشتاء والصيف، ولهذا جعل أبي بن كعب هذه ~~السورة وسورة الفيل واحدة ولم يفصل بينهما في مصحفه ببسم الله الرحمن ~~الرحيم والذي عليه الجمهور من الصحابة وغيرهم، وهو المشهور أن هذه ~~السورة منفصلة عن سورة الفيل وأنه لا تعلق بينهما وأجيب عن مذهب أبي بن ~~كعب في جعل هذه السورة، والسورة التي قبلها سورة واحدة بأن القرآن ~~كالسورة الواحدة يصدق بعضه بعضا ويبين بعضه معنى بعض وهو معارض أيضا ~~بإطباق الصحابة، وغيرهم على الفصل بينهما، وأنهما سورتان فعلى هذا القول ~~اختلفوا في العلة الجالبة للام في قوله { لإيلاف } ، فقيل هي لام التعجب، ~~أي اعجبوا الإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، وتركهم عبادة رب هذا ~~البيت، ثم أمرهم بعبادته، فهو كقوله على وجه التعجب اعجبوا لذلك، وقيل هي ~~متعلقة بما بعدها تقديره، فليعبدوا رب هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء ~~والصيف، أي ليجعلوا عبادتهم شكرا لهذه النعمة والإيلاف من ألفت الشيء ~~إلفا وهو بمعنى الإئتلاف فيكون المعنى لإيلاف قريش هاتين الرحلتين ~~فتتصلا ولا تتقطعا، وقيل هو من ألفت كذا، أي لزمته وألفنيه الله ألزمنيه ~~الله، وقريش هم ولد النضر بن كنانة، فكل من ولده النضر، فهو من قريش، ومن ~~لم يلده النضر، فليس بقرشي م عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى ~~من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم " # م عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " الناس تبع لقريش في الخير والشر " # ق عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم " # عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه ms3406 وسلم # " من أراد هوان قريش أهانه الله " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " اللهم أذقت أول قريش نكالا، فأذق آخرهم نوالا " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب. النكال: العذاب، والمشقة، ~~والشدة والنوال: العطاء، والخير، وسموا قريشا من القرش، والتقريش وهو ~~الجمع، والتكسب، يقال فلان يقرش لعياله، ويقترش لهم، أي يكتسب وذلك لأن ~~قريشا كانوا قوما تجارا وعلى جمع المال، والأفضال حراصا، وقال أبو ~~ريحانة سأل معاوية عبد الله بن عباس لم سميت قريش قريشا قال لدابة تكون ~~في البحر هي من أعظم دوابه يقال لها القرش لا تمر بشيء من الغث والسمين ~~إلا أكلته، وهي تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، قال وهل تعرف العرب ذلك ~~في أشعارها قال نعم وأنشده شعر الجمحي. # وقريش هي التي تسكن البح ر بها سميت قريش قريشا سلطت بالعلو في ~~لجة البح ر وعلى سائر البحور جيوشا تأكل الغث والسمين ولا تت ~~رك فيه لذي الجناحين ريشا هكذا في الكتاب حي قريش يأكلون البلاد ~~أكلا كشيشا ولهم في آخر الزمان نبي يكثر القتل فيهم والخموشا يملأ ~~الأرض خيلة ورجالا يحشرون المطي حشرا كميشا # وقيل إن قريشا كانوا متفرقين في غير الحرم، فجمعهم قصي بن كلاب، ~~وأنزلهم الحرم فاتخذوه مسكنا فسموا قريشا لتجمعهم، والتقرش التجمع يقال ~~تقرش القوم إذا تجمعوا، وسمي قصي مجمعا لذلك قال الشاعر: # أبوكم قصي كان يدعى مجمعا به جمع الله القبائل من فهر ### || [106.2-4] # وقوله تعالى: { إيلافهم } هو بدل من الأول تفخيما لأمر الإيلاف، ~~وتذكيرا لعظم المنة فيه. { رحلة الشتاء والصيف } قال ابن عباس كانوا ~~يشتون بمكة ويصيفون بالطائف فأمرهم الله تعالى أن يقيموا بالحرم، ويعبدوا ~~رب هذا البيت، وقال الأكثرون كانت لهم رحلتان في كل عام للتجارة: رحلة في ~~الشتاء إلى اليمن لأنها أدفأ، ورحلة في الصيف إلى الشام، وكان الحرم ~~واديا مجدبا لا زرع فيه، ولا ضرع، وكانت قريش تعيش بتجارتهم ورحلتهم، ~~وكانوا لا يتعرض لهم أحد ms3407 بسوء، وكانوا يقولون قريش سكان حرم الله وولاة ~~بيته وكانت العرب تكرمهم وتعزهم، وتعظمهم لذلك، فلولا الرحلتان لم يكن ~~لهم مقام بمكة ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف، فشق عليهم ~~الاختلاف إلى اليمن والشام، فأخصبت تبالة وجرش من بلاد اليمن، فحملوا ~~الطعام إلى مكة، أهل الساحل حملوا طعامهم في البحر على السفن إلى مكة ~~وأهل البر حملوا على الإبل والحمير فألقى أهل الساحل بجدة وأهل البر ~~بالمحصب وأخصب الشام فحملوا الطعام إلى مكة وألفوا بالأبطح فامتار أهل ~~مكة من قريب، وكفاهم الله مؤنة الرحلتين جميعا وقال ابن عباس: كانوا في ~~ضر ومجاعة حتى جمعهم هاشم على الرحلتين، فكانوا يقسمون ربحهم بين الغني، ~~والفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم، وقال الكلبي: كان أول من حمل السمراء ~~يعني القمح إلى الشام، ورحل إليها الإبل هاشم بن عبد مناف وفيه يقول ~~الشاعر: # قل للذي طلب السماحة والندى هلا مررت بآل عبد مناف هلا مررت بهم ~~تريد قراهم منعوك من ضر ومن إكفاف الرائشين وليس يوجد رائش ~~والقائلين هلم للأضياف والخالطين غنيهم بفقيرهم حتى يكون فقيرهم ~~كالكافي والقائمين بكل وعد صادق والراحلين برحلة الإيلاف عمرو العلا ~~هشيم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف سفرين سنهما له ولقومه ~~سفر الشتاء ورحلة الأصياف # قوله عز وجل: { فليعبدوا رب هذا البيت } يعني الكعبة، وذلك أن الإنعام ~~على قسمين أحدهما: دفع ضر، وهو ما ذكره في سورة الفيل، والثاني جلب نفع، ~~وهو ما ذكره في هذه السورة، ولما دفع الله عنهم الضر، وجلب لهم النفع، ~~وهما نعمتان عظيمتان أمرهم بالعبودية، وأداء الشكر، وقيل إنه تعالى لما ~~كفاهم أمر الرحلتين أمرهم أن يشتغلوا بعبادة رب هذا البيت. فإنه هو { ~~الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } ومعنى الذي أطعمهم من جوع، أي من بعد ~~جوع بحمل الميرة إليهم من البلاد في البر والبحر، وقيل في معنى الآية ~~أنهم لما كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم دعا عليهم، فقال اللهم اجعلها ~~عليهم سنين كسني يوسف فاشتد عليهم القحط، وأصابهم ms3408 الجوع، والجهد، فقالوا: ~~يا محمد ادع الله لنا فإنا مؤمنون فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخصبت البلاد، وأخصب أهل مكة بعد القحط، والجهد، فذلك قوله تعالى { الذي ~~أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } ،أي بالحرم وكونهم من أهل مكة حتى لم ~~يتعرض لهم أحد في رحلتهم، وقيل آمنهم من خوف الجذام فلا يصيبهم ببلدهم ~~الجذام، وقيل آمنهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالإسلام والله أعلم. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1] # قوله عز وجل: { أرأيت الذي يكذب بالدين } قيل نزل في العاص بن وائل ~~السهمي، وقيل في الوليد بن المغيرة، وقيل في عمرو بن عائذ المخزومي، وفي ~~رواية عن ابن عباس أنها في رجل من المنافقين، ومعنى الآية هل عرفت الذي ~~يكذب بيوم الجزاء، والحساب، فإن لم تعرفه. ### || [107.2-7] # { فذلك الذي يدع اليتيم } ولفظ أرأيت استفهام، والمراد به المبالغة في ~~التعجب من حال هذا المكذب بالدين وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقيل هو خطاب لكل واحد، والمعنى أرأيت يا أيها الإنسان أو يا أيها ~~العاقل هذا الذي يكذب بالدين بعد ظهور دلائله، ووضوح بيانه، فكيف يليق به ~~ذلك الذي يدع اليتيم، أي يقهره، ويدفعه عن حقه، والدع الدفع بعنف، وجفوة، ~~والمعنى أنه يدفعه عن حقه، وماله بالظلم، وقيل يترك المواساة له وإن لم ~~تكن المواساة واجبة، وقيل يزجره، ويضربه، ويستخف به، وقرىء يدعو ~~بالتخفيف، أي يدعوه ليستخدمه قهرا واستطالة. { ولا يحض على طعام المسكين ~~} أي لا يطعمه ولا يأمر بإطعامه لأنه يكذب بالجزاء، وهذا غاية البخل، ~~لأنه يبخل بماله وبمال غيره بالإطعام. قوله تعالى: { فويل للمصلين } ~~يعني المنافقين، ثم نعتهم فقال تعالى: { الذين هم عن صلاتهم ساهون } روى ~~البغوي بسنده عن سعد قال # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذين هم عن صلاتهم ساهون قال ~~إضاعة الوقت " # وقال ابن عباس: هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس. ويصلون ~~في العلانية إذا حضروا معهم لقوله تعالى { الذين هم يراؤون } وقال تعالى ~~في وصف المنافقين # وإذا قاموا ms3409 إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس # [النساء: 142]، وقيل ساه عنها لا يبالي صلى أو لم يصل، وقيل لا يرجون ~~لها ثوابا إن صلوا ولا يخافون عليها عقابا إن تركوا، وقيل غافلون عنها ~~ويتهاونون بها، وقيل هم الذين إن صلوا صلوها رياء وإن فاتتهم لم يندموا ~~عليها وقيل هم الذين لا يصلونها لمواقيتها، ولا يتمون ركوعها، ولا ~~سجودها، وقيل لما قال تعالى عن صلاتهم ساهون بلفظة عن علم أنها في ~~المنافقين، والمؤمن قد يسهو في صلاته والفرق بين السهوين أن سهو المنافق ~~هو أن لا يتذكرها، ويكون فارغا عنها، والمؤمن إذا سها في صلاته تداركه ~~في الحال، وجبره بسجود السهو فظهر الفرق بين السهوين، وقيل السهو عن ~~الصلاة هو أن يبقى ناسيا لذكر الله في جميع أجزاء الصلاة، وهذا لا ~~يصدر إلا من المنافق الذي يعتقد أنه لا فائدة في الصلاة، فأما المؤمن ~~الذي يعتقد فائدة صلاته، وأنها عليه واجبة، ويرجو الثواب على فعلها، ~~ويخاف العقاب على تركها، فقد يحصل له سهو في الصلاة يعني أن يصير ساهيا ~~في بعض أجزاء الصلاة بسبب وارد يرد عليه بوسوسة الشيطان أو حديث ~~النفس، وذلك لا يكاد يخلو منه أحد، ثم يذهب ذلك الوارد عنه، فثبت بهذا ~~الفرق أن السهو عن الصلاة من أفعال المنافق والسهو في الصلاة من ~~أفعال المؤمن. { الذين هم يراؤون } يعني يتركون الصلاة في السر ~~ويصلونها في العلانية، والفرق بين المنافق، والمرائي أن المنافق هو الذي ~~يبطن الكفر ويظهر الإيمان، والمرائي يظهر الأعمال مع زيادة الخشوع ليعتقد ~~فيه من يراه أنه من أهل الدين والصلاح أما من يظهر النوافل ليقتدى به ~~ويأمن على نفسه من الرياء، فلا بأس بذلك وليس بمراء ثم وصفهم بالبخل. # فقال تعالى: { ويمنعون الماعون } روي عن علي أنه قال هي الزكاة، وهو قول ~~ابن عمر والحسن، وقتادة، والضحاك ووجه ذلك أن الله تعالى ذكرها بعد ~~الصلاة فذمهم على ترك الصلاة ومنع الزكاة، وقال ابن مسعود: الماعون ~~الفاس والدلو والقدر، وأشباه ذلك، وهي رواية عن ابن عباس، ms3410 ويدل عليه ما ~~روي عنه قال كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية ~~الدلو، والقدر، أخرجه أبو داود، وقال مجاهد: الماعون العارية وقال ~~عكرمة: الماعون أعلاه الزكاة المفروضة، وأدناه عارية المتاع، وقال محمد ~~بن كعب القرظي: الماعون المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم وقيل ~~أصل الماعون من القلة فسمي الزكاة والصدقة، والمعروف ماعونا لأنه قليل ~~من كثير، وقيل الماعون ما لا يحل منعه مثل الماء، والملح، والنار، ويلتحق ~~بذلك البئر، والتنور في البيت فلا يمنع جيرانه من الانتفاع بهما، ومعنى ~~الآية الزجر عن البخل بهذه الأشياء القليلة الحقيرة، فإن البخل بها في ~~نهاية البخل قال العلماء ويستحب أن يستكثر الرجل في بيته مما يحتاج إليه ~~الجيران فيعيرهم ويتفضل عليهم ولا يقتصر على الواجب، والله أعلم. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # قوله عز وجل: { إنا أعطيناك الكوثر } نهر في الجنة أعطاه الله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم، وقيل الكوثر القرآن العظيم، وقيل هو النبوة، ~~والكتاب، والحكمة، وقيل هو كثرة أتباعه، وأمته، وقيل الكوثر الخير الكثير ~~كما فسره ابن عباس خ عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الكوثر ~~الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه، قال أبو بشر قلت لسعيد بن جبير أن ~~ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد النهر الذي في الجنة من الخير ~~الكثير الذي أعطاه الله إياه، وأصل الكوثر فوعل من الكثرة، والعرب تسمي ~~كل شيء كثير في العدد أو كثير القدر والخطر كوثرا، وقيل الكوثر الفضائل ~~الكثيرة التي فضل بها على جميع الخلق فجميع ما جاء في تفسير الكوثر فقد ~~أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم أعطي النبوة، والكتاب، والحكمة، والعلم، ~~والشفاعة، والحوض المورود، والمقام المحمود، وكثرة الأتباع، والإسلام، ~~وإظهاره على الأديان كلها، والنصر على الأعداء، وكثرة الفتوح في زمنه ~~وبعده إلى يوم القيامة. وأولى الأقاويل في الكوثر الذي عليه جمهور ~~العلماء، أنه نهر في الجنة كما جاء مبينا في الحديث ق # " عن أنس قال " بينا رسول ms3411 الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا ~~إذ أغفى إغفاءه ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا ما أضحكك يا رسول الله قال ~~أنزلت علي آنفا سورة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم { إنا أعطيناك ~~الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر } ، ثم قال أتدرون ما الكوثر، ~~قلنا الله ورسوله أعلم قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل فيه خير كثير ~~هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة. آنيته عدد نجوم السماء، فيختلج العبد ~~منهم، فأقول رب إنه من أمتي. فيقول ما تدري ما أحدث بعدك " " # لفظ مسلم وللبخاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لما عرج بي إلى السماء أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت ~~ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك فإذا طينه أو طينته مسك ~~أذفر " # شك الراوي عن أنس رضي الله عنه قال # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الكوثر قال ذلك نهر أعطانيه الله ~~يعني في الجنة أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل فيه طير أعناقها ~~كأعناق الجزور، قال عمر إن هذه لناعمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أكلتها أنعم منها " # أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح. عن ابن عمر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر، والياقوت تربته ~~أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج " # أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح خ " عن عامر بن عبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنهما قال سألت عائشة عن قوله تعالى { إنا أعطيناك الكوثر } ، ~~فقالت الكوثر نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم شاطئاه در مجوف آنيته ~~كعدد نجوم السماء " ق عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه ~~كنجوم السماء من شرب منها لا يظمأ أبدا " # زاد في ms3412 رواية # " وزواياه سواء " # ق عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أمامكم حوضي ما بين جنبيه كما بين جربا وأذرح " # قال بعض الرواة هما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاثة أيام، وفي رواية # " فيه أباريق كنجوم السماء من ورده فشرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ~~" # ق عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ما بين ناحيتي وفي رواية لابتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة " # وفي رواية # " مثل ما بين المدينة وعمان " # وفي رواية قال # " إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد ~~نجوم السماء " # م # " عن أبي ذر رضي الله عنه قال " قلت يا رسول الله ما آنية الحوض قال ~~والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء، وكواكبها ألا في الليلة ~~المظلمة المصحية آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه يشخب فيه ~~ميزابان من الجنة من شرب منه لم يظمأ عرضه، مثل طوله ما بين عمان إلى ~~أيلة ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل " " # م عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي، أي حتى يرفض عليهم، ~~فسئل عن عرضه فقال من مقامي إلى عمان وسئل عن شرابه فقال أشد بياضا من ~~اللبن وأحلى من العسل يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما: من ذهب، ~~والآخر من الورق " # ق عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنا فرطكم على الحوض وليرفعن إلى رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم ~~لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول أي ربي أصحابي، فيقال إنك لا تدري ما ~~أحدثوا بعدك " # ق عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قال ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رفعوا إلي اختلجوا ~~دوني، فلأقولن أي رب أصحابي أصحابي ms3413 فليقالن لي إنك لا تدري ما أحدثوا ~~بعدك " # وفي رواية # " يردن علي ناس من أمتي الحديث " # وفي آخره # " فأقول سحقا لمن بدل بعدي " # ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " يرد علي يوم القيامة رهطان من أصحابي أو قال من أمتي فيجلون عن ~~الحوض، فأقول رب أصحابي، فيقول إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ~~ارتدوا على أدبارهم القهقرى " # ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ترد علي أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل ~~عن إبله قالوا أيا نبي الله تعرفنا قال نعم لكم سيما ليست لأحد غيركم ~~تردون على غرا محجلين من آثار الوضوء وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون ~~إلي فأقول يا رب هؤلاء من أصحابي فيجيبني ملك فيقول وهل تدري ما أحدثوا ~~بعدك " # ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " والذي نفسي بيده لأذودن رجالا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن ~~الحوض " # م عن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " إن حوضي لأبعد من أيلة إلى عدن، والذي نفسي بيده لأذودن عنه الرجل كما ~~يذود الرجل الإبل الغريبة عن إبله قالوا يا رسول الله وتعرفنا؟ قال نعم ~~تردون على غرا محجلين من آثار الوضوء ليس لأحد غيركم " # " عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال " كنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنزلنا منزلا فقال ما أنتم إلا جزء من مائة ألف جزء ممن يرد على ~~الحوض، قيل كم كنتم يومئذ قال سبعمائة أو ثمانمائة " " # أخرجه أبو داود. فصل في شرح هذه الأحاديث وذكر ما يتعلق بالحوض قال ~~الشيخ محيي الدين النووي: قال القاضي عياض أحاديث الحوض صحيحة، ~~والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة، ~~والجماعة لا يتأول، ولا يختلف فيه، وحديثه متواتر النقل رواه الخلائق من ms3414 ~~الصحابة، فذكره مسلم من رواية ابن عمر وأبي سعيد، وسهل بن سعد، وجندب بن ~~عبد الله، وعبد الله بن عمر وعائشة وأم سلمة، وعقبة بن عامر، وابن مسعود، ~~وحذيفة، وحارثة بن وهب، والمستورد وأبي ذر وثوبان، وأنس، وجابر بن سمرة، ~~ورواه غير مسلم من رواية أبي بكر الصديق وزيد بن أرقم وأبي أمامة وعبد ~~الله بن زيد وأبي برزة وسويد بن حبلة وعبد الله بن الصنابحي والبراء بن ~~عازب وأسماء بنت أبي بكر الصديق وخولة بنت قيس وغيرهم، قال الشيخ محيي ~~الدين، ورواه البخاري ومسلم أيضا من رواية أبي هريرة ورواه غيرهما في ~~رواية عمر بن الخطاب وعائذ بن عمرو وآخرين، وقد جمع ذلك كله الإمام ~~الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه البعث والنشور بأسانيده وطرقه المتكاثرة ~~قلت وقد اتفقا على إخراج حديث الحوض وعن جماعة ممن تقدم ذكرهم من ~~الصحابة على ما سبق ذكره في الأحاديث، وفيه بيان ما اتفقا عليه، وانفرد ~~به كل واحد منهما، وأخرجا أيضا حديث الحوض عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ~~وذكرها القاضي عياض، فيمن خرج له في غير الصحيحين قال القاضي عياض وفي ~~بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواترا، وأما صفة الحوض ومقداره فقد قال ~~في رواية # " حوضي مسيرة شهر وفي رواية ما بين جنبيه كما بين جرباء، وأذرح، وفي ~~رواية كما بين أيلة، وصنعاء اليمن، وفي رواية عرضه مثل طوله ما بين عمان ~~إلى أيلة، وفي رواية إن حوضي لأبعد من أيلة إلى عدن " # فهذا الاختلاف في هذه الروايات في قدر الحوض ليس موجبا للاضطراب فيها ~~لأنه لم يأت في حديث واحد بل في أحاديث مختلفة الرواة عن جماعات من ~~الصحابة سمعوها من النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن مختلفة ضربها ~~النبي صلى الله عليه وسلم مثلا لبعد أقطار الحوض وسعته وقرب ذلك على ~~أفهام السامعين لبعد ما بين هذه البلاد المذكورة لأعلى التقدير الموضوع ~~للتحديد بل لإعلام السامعين عظم بعد المسافة وسعة الحوض وليس في ذكر ~~القليل من هذه ms3415 المسافة منع من الكثير، فإن الكثير ثابت على ظاهره، وصحت ~~الرواية به، والقليل داخل فيه فلا معارضة، ولا منافاة بينهما وكذلك القول ~~في آنية الحوض من أن العدد المذكور في الأحاديث على ظاهره، وأنها أكثر ~~عددا من نجوم السماء ولا مانع يمنع من ذلك إذ قد وردت الأحاديث ~~الصحيحة الثابتة بذلك وكذلك القول في الواردين إلى الحوض الشاربين ~~منه، وكثرتهم وقوله صلى الله عليه وسلم # " ما أنتم إلا جزء من مائة ألف جزء ممن يرد الحوض " # لم يرد به الحصر بهذا العدد المذكور وإنما ضربه مثلا لأكثر العدد ~~المعروف للسامعين ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم # " من ورد شرب منه " # فهذا صريح في أن جميع الواردين يشربون، وإنما يمنع منه الذين يزدادون، ~~ويمنعون الورود لارتدادهم، وتبديلهم وهو قوله صلى الله عليه وسلم # " فيختلج العبد منهم فأقول رب إنه من أمتي، فيقول ما تدري ما أحدث بعدك، ~~وفي رواية وليرفعن إلى رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، ~~فأقول أي رب أصحابي، فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " # ونحو هذا من الروايات المذكورة في الأحاديث السابقة، وهذا مما اختلف ~~العلماء في معناه، وفي المراد به من هم، فقيل المراد بهم المنافقون، ~~والمرتدون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل أنهم إذا حشروا عرفهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم للسيما التي عليهم فيناديهم، فيقال له ليس ~~هؤلاء ممن وعدت بهم إنهم قد بدلوا بعدك، أي لم يكونوا على ما ظهر من ~~إسلامهم، وقيل المراد بهم من أسلموا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~ارتدوا بعده في زمن أبي بكر الصديق وهم الذين قاتلهم على الردة، وهم ~~أصحاب مسيلمة الكذاب، فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يعرفه ~~من إيمانهم في حياته فيقال له قد ارتدوا بعدك، وقيل المراد بهم أصحاب ~~البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وأصحاب المعاصي، والكبائر ~~الذين ماتوا على التوحيد، ولم يتوبوا من بدعتهم ومعاصيهم فعلى هذا القول ~~لا يقطع ms3416 لهؤلاء المطرودين عن الحوض بالنار بل يجوز أن يزادوا عنه عقوبة ~~لهم ثم يرحمهم الله، فيدخلهم الجنة من غير عذاب، وقال ابن عبد البر كل من ~~أحدث في الدين كالخوارج والروافض وسائر أصحاب الأهواء فهو من المطرودين ~~عن الحوض قال وكذلك الظلمة المسرفون في الجور، وغمط الحق، والمعلنون ~~بالكبائر فكل هؤلاء يخاف أن يكونوا ممن عنى بهذا الحديث وقوله من شرب منه ~~لم يظمأ أبدا قال القاضي عياض: ظاهر هذا الحديث أن الشرب منه يكون بعد ~~الحساب، والنجاة من النار، ويحتمل أن من شرب منه من هذه الأمة وقدر عليه ~~دخول النار لا يعذب فيها بالظمأ بل يكون عذابه بغير ذلك لأن ظاهر الحديث ~~أن جميع الأمة تشرب منه إلا من ارتد، وصار كافرا، وقيل إن جميع المؤمنين ~~يأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم يعذب الله من شاء من عصاتهم، وقيل إنما يأخذ ~~بيمينه الناجون منهم خاصة، والشرب من الحوض مثله. # شرح غريب ألفاظ الأحاديث قوله فيختلج العبد منهم، أي ينتزع ويجذب منهم، ~~قوله ما بين جنبيه كما بين جربا، وأذرح أما جربا فبجيم ثم راء ساكنة ثم ~~باء موحدة ثم ألف مقصورة، ووقع عند بعض رواة البخاري فيها المد والقصر ~~أولى، وهي قرية من الشام، وأما أذرح فبهمزة ثم ذال معجمة ثم راء ثم حاء ~~مهملة، وهي في طرف الشام قريب من الشوبك، وأما عمان فبفتح العين وتشديد ~~الميم بليدة بالبلقاء من أرض الشام، وأما أيلياء فبفتح الهمزة وإسكان ~~المثناة تحت وفتح اللام مدينة معروفة في طرف الشام على ساحل البحر متوسطة ~~بين دمشق ومصر بينها وبين المدينة نحو خمس عشرة مرحلة وبينها وبين مصر ~~ثمان مراحل وإلى دمشق اثنا عشر مرحلة وهي آخر الحجاز وأول الشام، وأما ~~صنعاء فهي قاعدة اليمن، وأكبر مدنه، وإنما قيد باليمن في الحديث لأن ~~بدمشق موضعا يعرف بصنعاء دمشق وقد تقدم الكلام على اختلاف هذه المسافات ~~والجمع بين رواتها قوله يشخب فيه ميزابان هو بفتح الياء المثناة تحت ~~وبالشين والخاء المعجمتين، أي يسيل فيه وفي ms3417 الحديث الآخر يغت بفتح الياء ~~وبالغين المعجمة وكسرها، وتشديد التاء المثناة فوق، أي يدفق منه ميزابان ~~تدفقا شديدا متتابعا قوله إني لبعقر حوضي هو بضم العين المهملة، ~~وإسكان القاف وهو موقف الإبل من الحوض إذا وردته للشرب، وقيل هو مؤخر ~~الحوض قوله أذود الناس، أي أضرب الناس لأهل اليمن بعصاي حتى يرفض عليهم، ~~معناه أطرد الناس عنه غير أهل اليمن، ومعنى يرفض أي يسيل عليهم، وفيه ~~منقبة عظيمة لأهل اليمن قوله أنا فرطكم على الحوض الفرط بفتح الفاء ~~والراء هو الذي يتقدم على الواردين ليصلح لهم الحياض، والدلاء ونحوها من ~~آلات الاستقاء، والمعنى أنا سابقكم على الحوض كالمهيىء له قوله سحقا، أي ~~بعدا وفيه دليل لمن قال إنهم أهل الردة إذ لا يقال للمؤمن سحقا بل يشفع ~~قلت في حديث أنس الأول دليل لمن يقول أن سورة الكوثر مدنية وهو الأظهر ~~لقوله بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا إذا أغفى إغفاءه ~~يعني نام نومة ثم رفع رأسه متبسما والله أعلم. # قوله تعالى: { فصل لربك وانحر } معناه أن ناسا كانوا يصلون لغير الله ~~تعالى وينحرون لغير الله فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي له ~~وينحر له متقربا إلى ربه بذلك، وقيل معناه فصل لربك صلاة العيد يوم ~~النحر، وانحر نسكك، وقيل معناه فصل الصلاة المفروضة بجمع، وانحر البدن ~~بمنى وقال ابن عباس: { فصل لربك وانحر } أي ضع يدك اليمنى على اليسرى في ~~الصلاة عند النحر، وقيل هو رفع اليدين مع التكبير إلى النحر حكاه ابن ~~الجوزي، ومعنى الآية قد أعطيتك ما لا نهاية لكثرته من خير الدارين ~~وخصصتك بما لم أخص به أحدا غيرك، فاعبد ربك الذي أعطاك هذا العطاء ~~الجزيل، والخير الكثير، وأعزك، وشرفك على كافة الخلق، ورفع منزلتك فوقهم ~~فصل له واشكره على إنعامه عليك، وانحر البدن متقربا إليه { إن شانئك } ~~يعني عدوك ومبغضك { هو الأبتر } يعني هو الأذل المنقطع دابره نزلت في ~~العاص بن وائل السهمي وذلك أنه رأى النبي صلى الله ms3418 عليه وسلم خارجا من ~~المسجد وهو داخل فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا وأناس من صناديد قريش ~~جلوس في المسجد فلما دخل العاص قالوا له من الذي كنت تتحدث معه فقال ذلك ~~الأبتر يعني به النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد توفي ابن لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من خديجة، وقيل إن العاص بن وائل كان إذا ذكر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك ~~انقطع ذكره، فأنزل الله تعالى هذه السورة وقال ابن عباس: نزلت في كعب بن ~~الأشرف، وجماعة من قريش، وذلك أنه لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له ~~قريش نحن أهل السقاية والسدانة وأنت سيد أهل المدينة فنحن خير أم هذا ~~الصنبور المنبتر من قومه، فقال أنتم فنزلت فيه # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت # [النساء: 51] ونزلت في الذين قالوا إنه أبتر { إن شانئك هو الأبتر } أي ~~المنقطع من كل خير قولهم في النبي صلى الله عليه وسلم هذا الصنبور ~~أرادوا أنه فرد ليس له ولد، فإذا مات انقطع ذكره شبهوه بالنخلة المفردة ~~يدق أسفلها، وتسمى الصنبور، وقيل هي النخلة التي تخرج في أصل أخرى تغرس، ~~وقيل الصنابر سعفات تنبت من جذع النخلة تضربها ودواؤها أن تنقطع تلك ~~الصنابر منها فأراد كفار مكة أن محمدا صلى الله عليه وسلم بمنزلة ~~الصنابر تنبت في جذع نخلة فإذا انقلع استراحت النخلة فكذا محمد إذا مات ~~انقطع ذكره، وقيل الصنبور الوحيد الضعيف الذي لا ولد له ولا عشيرة ولا ~~ناصر من قريب ولا غريب فأكذبهم الله تعالى في ذلك ورد عليهم أشنع رد فقال ~~إن شانئك يا محمد هو الأبتر الضعيف الوحيد، الحقير، وأنت الأعز، الأشرف ~~الأعظم، والله أعلم بمراده. ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # قوله عز وجل: { قل يا أيها الكافرون } إلى آخر السورة نزلت في رهط من ~~قريش منهم الحارث بن قيس السهمي، والعاص بن وائل السهمي، والوليد بن ~~المغيرة، والأسود ms3419 بن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، وأمية بن ~~خلف قالوا يا محمد هلم اتبع ديننا ونتبع دينك، ونشركك في ديننا كله تعبد ~~آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة فإن كان الذي جئت به خيرا كنا قد شركناك ~~فيه، وأخذنا حظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا كنت قد شركتنا في ~~أمرنا، وأخذت بحظك منه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم # " معاذ الله أن أشرك به غيره " # قالوا فاستلم بعض آلهتنا نصدقك، ونعبد إلهك قال # " حتى أنظر ما يأتي من ربي " # فأنزل الله { قل يا أيها الكافرون } إلى آخر السورة فغدا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام وفيه أولئك الملأ من قريش، فقام على ~~رؤوسهم ثم قرأها عليهم حتى فرغ من السورة فأيسوا منه عند ذلك وآذوه ~~وأصحابه، وقيل إنهم لقوا العباس، فقالوا يا أبا الفضل لو أن ابن أخيك ~~استلم بعض آلهتنا لصدقناه فيما يقول، ولآمنا بإلهه، فأتاه العباس، ~~فأخبره بقولهم، فنزلت هذه السورة وقيل نزلت في أبي جهل والمستهزئين ومن ~~لم يؤمن منهم. ومعنى ذلك، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأمورا ~~بتبليغ الرسالة بجميع ما أوحي إليه فلما قال الله تعالى { قل يا أيها ~~الكافرون } أداه النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعه من جبريل عليه ~~السلام فكأنه صلى الله عليه وسلم قال أمرت بتبليغ جميع ما أنزل الله ~~علي، وكان فيما نزل عليه { قل يا أيها الكافرون } وقيل إن النفوس تأبى ~~سماع الكلام الغليظ الشنيع من النظير، ولا أشنع ولا أغلظ من المخاطبة ~~بالكفر فكأنه صلى الله عليه وسلم قال ليس هذا من عندي إنما هو من عند ~~الله عز وجل وقد أنزل الله علي قل يا أيها الكافرون والمخاطبون بقوله ~~يا أيها الكافرون كفرة مخصوصون قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون { لا ~~أعبد ما تعبدون } في معنى الآية قولان: أحدهما أنه لا تكرار فيها، فيكون ~~المعنى لا أعبد ما تعبدون لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه ms3420 مني من عبادة ~~آلهتكم { ولا أنتم عابدون ما أعبد } أي ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما ~~أطلبه منكم من عبادة إلهي ثم قال { ولا أنا عابد ما عبدتم } أي ولست في ~~الحال بعابد معبودكم { ولا أنتم عابدون ما أعبد } أي ولا أنتم في الحال ~~بعابدين معبودي وقيل يحتمل أن يكون الأول للحال، والثاني للاستقبال، وقيل ~~يصلح كل واحد منهما أن يكون للحال، والاستقبال، ولكن يختص أحدهما بالحال ~~والثاني للاستقبال لأنه أخبر أولا عن الحال ثم أخبر ثانيا عن ~~الاستقبال، فيكون المعنى لا أعبد ما تعبدون في الحال ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد في الاستقبال وما بمعنى من أي من أعبد ويحتمل أن تكون بمعنى الذي أي ~~الذي أعبد. # القول الثاني: حصول التكرار في الآية، وعلى هذا القول يقال إن التكرار ~~يفيد التوكيد، وكلما كانت الحاجة إلى التوكيد أشد كان التكرار أحسن، ~~ولا موضع أحوج إلى التوكيد من هذا الموضع لأن الكفار راجعوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم في هذا المعنى مرارا فحسن التوكيد، والتكرار في هذا ~~الموضع لأن القرآن نزل بلسان العرب وعلى مجاري خطابهم، ومن مذاهبهم ~~التكرار إرادة التوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة ~~التخفيف، والإيجاز، وقيل تكرار الكلام لتكرار الوقت، وذلك أنهم قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إن سرك أن ندخل في دينك عاما فأدخل في ديننا ~~عاما، فنزلت هذا السورة جوابا لهم على قولهلم { لكم دينكم ولي ديني } ~~أي لكم كفركم ولي إخلاصي وتوحيدي، والمقصود منه التهديد فهو كقوله: ~~اعملوا ما شئتم وهذه الآية منسوخة بآية القتال، والله أعلم. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-3] # قوله عز وجل: { إذا جاء نصر الله والفتح } يعني فتح مكة وكانت قصة ~~الفتح على ما ذكره محمد بن إسحاق، وأصحاب الأخبار " أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما صالح قريشا عام الحديبية اصطلحوا على وضع الحرب بين ~~الناس عشرين سنة، وقيل عشر سنين يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض وأنه ~~من أحب أن يدخل في عقد محمد صلى ms3421 الله عليه وسلم وعهده دخل فيه ومن أحب أن ~~يدخل في عقد قريش، وعهدهم دخل فيه. فدخلت بنو بكر في عهد قريش، ودخلت ~~خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان بينهما شر قديم ثم إن بني ~~بكر عدت على خزاعة، وهم على ماءلهم أسفل مكة يقال له الوتير، فخرج نوفل ~~بن معاوية الدؤلي في بني الدئل من بني بكر حين بقيت خزاعة على الوتير، ~~فأصابوا منهم رجلا، وتحاوروا واقتتلوا، وردفت قريش بني بكر بالسلاح، ~~وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، ~~وكان ممن أعان بني بكر من قريش على خزاعة ليلتئذ بأنفسهم بكر بن صفوان بن ~~أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو مع عبيدهم، فلما انتهوا إلى ~~الحرم قالت بنو بكر يا نوفل إنا قد دخلنا إلى إلهك فقال كلمة عظيمة إنه ~~لا إله اليوم يا بني بكر أصيبوا ثأركم فلعمري إنكم لتسرفون في الحرم، ~~أفلا تصيبون ثأركم فيه قال: فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة، وأصابوا ~~منهم ما أصابوا ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من العهد والميثاق بما استحلوا من خزاعة، وكانوا في عقده خرج عمرو بن ~~سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان ~~ذلك مما أهاج فتح مكة فوقف عليه وهو في المسجد جالس بين ظهراني الناس ~~فقال: # يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتمو ولدا وكنا ~~والدا ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرا أعتدا وادع ~~عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا إن سيم خسفا وجهه ~~تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ~~ميثاقك المؤكدا وجعلوا لي في كداء رصدا وزعموا أن لست أدعو أحدا وهم ~~أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعا وسجدا فانصر ~~هداك الله نصرا أيدا # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قد نصرت يا ms3422 عمرو بن سالم ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان ~~من السماء، فقال إن هذه السحابة لتشهد بنصر بني كعب " # ، وهم رهط عمرو بن سالم، ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى ~~قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأخبروه بما أصيب منهم، ~~وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، وقد كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال للناس # " كأنكم بأبي سفيان قد جاء يشدد في العقد ويزيد في المدة " # ، ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه حتى لقوا أبا سفيان بعسفان قد بعثته قريش ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشدد في العقد ويزيد في المدة وقد ~~رهبوا من الذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا ~~بديل وظن أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سرت في خزاعة في هذا ~~الساحل، وفي بطن هذا الوادي قال: وهل أتيت محمدا قال: لا فلما راح بديل ~~إلى مكة قال أبو سفيان لئن كان جاء المدينة لقد علف منها النوى فعمد إلى ~~مبرك ناقته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال أحلف بالله لقد جاء ~~بديل محمدا ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه فقال: أي بنية أرغبت بي عن هذا ~~الفراش أم رغبت به عني فقالت بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأنت رجل مشرك نجس لم أحب أن تجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر، ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فكلمه، فلم يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبي بكر، فكلمه أن ~~يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى ms3423 عمر بن ~~الخطاب، فكلمه فقال انا لا أشفع لك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فوالله ~~لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب، وعنده ~~فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندها الحسن بن علي غلاما يدب ~~بين يديها فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحما، وأقربهم مني قرابة، وقد ~~جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا، فاشفع لي إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: ويحك يا أبا سفيان لقد أرى عزم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة وقال: يا بنت ~~محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر ~~الدهر. # فقالت: والله ما بلغ بني أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي، ~~فانصحني قال والله لا أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم ~~فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك قال: وترى ذلك مغنيا عني شيئا قال لا ~~والله ما أظن ذلك ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد، ~~فقال أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره، فانطلق فلما قدم ~~على قريش قالوا ما رواءك قال: جئت محمدا فكلمته فوالله ما رد علي شيئا ~~ثم جئت ابن أبي قحافة، فلم أجد عنده خيرا، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته ~~أعدى القوم، ثم أتيت علي بن أبي طالب فوجدته ألين القوم وقد أشار علي ~~بشيء صنعته فوالله ما أدري هل يغني ذلك شيئا أم لا قالوا: وما ذاك قال ~~أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت قالوا فهل أجاز ذلك محمد قال لا قالوا ~~ويلك والله ما زاد على أن لعب بك فما يغني عنك ما قلت قال لا والله ما ~~وجدت غير ذلك قال: وأمر رسول الله ms3424 صلى الله عليه وسلم بالجهاز وأمر أهله ~~أن يجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة، وهي تصلح بعض جهاز رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال أي بنية أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~تجهزوه، قالت نعم. قال فأين ترينه يريد قالت لا والله ما أدري ثم إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد ~~والتهيؤ وقال اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها، ~~فتجهز الناس وكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدمت قصته في تفسير سورة ~~الممتحنة ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره، واستخلف على ~~المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري وخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عامدا إلى مكة لعشر بقين من رمضان سنة ثمان من ~~الهجرة فصام النبي صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه حتى إذا كان ~~بالكديد بين عسفان، وأمج أفطر ثم مضى حتى نزل بمر الظهران في عشرة آلاف ~~من المسلمين. ولم يتخلف من الأنصار والمهاجرين عنه أحد فلما نزل بمر ~~الظهران، وقد عميت الأخبار عن قريش، ولا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ولا يدرون ما هو فاعل خرج في تلك الليالي أبو سفيان بن ~~حرب، وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار وينظرون هل يجدون ~~خبرا أو يسمعون به وقد كان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ببعض الطريق قال ابن عشام: لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله، وقد ~~كان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ~~راض فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران قال العباس بن ~~عبد المطلب ليلتئذ وا صباح قريش، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه الهلاك لقريش ms3425 إلى آخر الدهر. # قال فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، فخرجت عليها ~~حتى جئت الأراك لعلي أجد حاطبا، أو صاحب لبن أو ذا حاجة يدخل مكة، ~~فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل ~~أن يدخلها عنوة قال العباس: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له إذ ~~سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول ما ~~رأيت كالليلة نيرانا قط. فقال بديل هذه والله نيران خزاعة حمشتها الحرب، ~~فقال أبو سفيان خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها، فعرفت صوته فقلت ~~يا أبا حنظلة فعرف صوتي، فقال يا أبا الفضل فقلت نعم قال ما لك فداك أبي ~~وأمي قلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء ~~بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين قال: وما الحيلة قلت والله لئن ~~ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأستأمنه لك فردفني، ورجع صاحباه فخرجت أركض به على بغلة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كلما مررت بنار من نيران المسلمين ينظرون إلي، ~~ويقولون عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال من هذا فقام إلي فلما رأى ~~أبا سفيان على عجز البغلة، قال أبو سفيان عدو الله الحمد لله الذي أمكن ~~منك بغير عقد، ولا عهد ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وركضت البغلة فسبقته كما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء قال فاقتحمت ~~عن البغلة سريعا، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه ~~عمر فقال: يا رسول الله هذا عدو الله أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير ~~عقد، ولا عهد فدعني أضرب عنقه قال فقلت يا رسول الله إني قد أجرته ثم ~~جلست إلى رسول الله صلى الله ms3426 عليه وسلم فأخذت برأسه، وقلت والله لا ينجيك ~~الليلة أحد دوني فلما أكثر عمر في شأنه قلت مهلا يا عمر. # فوالله ما تصنع هذا إلا أنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي بن ~~كعب ما قلت هذا، فقال مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب ~~إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما ذاك إلا لأني أعلم أن إسلامك كان أحب ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فائتني به ~~قال فذهبت به إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلما رآه قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن ~~لا إله إلا الله وأني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بأبي أنت وأمي ما ~~أحلمك وأكرمك وأوصلك والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى ~~عني شيئا بعد قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله، ~~قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك، وأوصلك أما هذه فإن في النفس منها ~~حتى الآن شيئا فقال العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله، وأن ~~محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك فتشهد شهادة الحق وأسلم قال العباس: ~~فقلت يا رسول الله إن أبا سفيان هذا رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا قال # " نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن ~~دخل المسجد فهو آمن " # فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله " # قال فخرجت به حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه قال ومرت ~~به القبائل على راياتها كلما مرت به قبيلة قال من هؤلاء يا عباس، فأقول ms3427 ~~سليم فيقول ما لي ولسليم، ثم القبيلة فيقول من هؤلاء، فأقول مزينة فيقول ~~ما لي ولمزينة حتى نفدت القبائل. لا تمر قبيلة إلا سألني عنها، فإذا ~~أخبرته عنها. فيقول ما لي، ولبني فلان حتى مر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في كتيبته الخضراء، وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد، وظهوره ~~فيها وفيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد فقال ~~سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~المهاجرين، والأنصار. قال ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله يا أبا ~~الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما قلت ويحك إنها النبوة، قال فنعم إذا ~~فقلت الحق الآن بقومك فحذرهم، فخرج سريعا حتى أتى مكة، فصرخ في المسجد ~~بأعلى صوته يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به قالوا فمه ~~قال: قال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. # قالوا ويحك، وما تغني عنا دارك قال من دخل المسجد، فهو آمن ومن أغلق ~~عليه بابه فهو آمن فتفرق الناس إلى دورهم، وإلى المسجد قال وجاء حكيم بن ~~حزام وبديل بن ورقاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمم فأسلما وبايعاه، ~~فلما بايعاه بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه إلى قريش ~~يدعوانهم إلى الإسلام، ولما خرج حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء من عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عامدين إلى مكة بعث في أثرهما الزبير وأعطاه ~~رايته وأمره على خيل المهاجرين والأنصار وأمره أن يركز رايته بأعلى مكة ~~بالحجون، وقال لا تبرح حيث أمرتك أن تركز رايتي حتى آتيك، ثم إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرا ~~بشقه عليه برد حبرة، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعا ~~لله عز وجل حين رأى ما أكرمه به من الفتح حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة ~~الرحل، ثم إن رسول الله صلى ms3428 الله عليه وسلم دخل مكة وضرب قبته بأعلى مكة، ~~وأمر خالد بن الوليد، فيمن أسلم من قضاعة، وبني سليم أن يدخلوا من أسفل ~~مكة وبها بنو بكر، وقد استنفرتهم قريش، وبنو الحارث بن عبد مناف ومن كان ~~من الأحابيش أمرتهم قريش أن يكونوا بأسفل مكة، وأن صفوان بن أمية وعكرمة ~~بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لخالد والزبير حين بعثهما # " لا تقاتلا إلا من قاتلكما " # ، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كدى فقال سعد: حين توجه ~~داخلا اليوم يوم الملحمة اليوم يوم تستحل الحرمة فسمعها رجل من ~~المهاجرين قيل: هو عمر بن الخطاب فقال: لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اسمع ما قال سعد بن عبادة، وما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب أدركه بهذه الراية. فكن أنت الذي ~~تدخن بها، فلم يكن بأعلى مكة من قبل الزبير قتال، وأما خالد بن الوليد، ~~فقدم على قريش وبني بكر، والأحابيش بأسفل مكة، فقاتلوه فهزمهم الله، ولم ~~يكن بمكة قتال غير ذلك، وقتل من المشركين اثنا عشر رجلا أو ثلاثة عشر ~~رجلا، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل من جهينة يقال له سلمة بن الميلاء ~~من خيل خالد بن الوليد ورجلان يقال لهما كرز بن جابر، وخنيس بن خالد بن ~~الوليد شذا وسلكا طريقا غير طريقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا ~~إلا من قاتلهم إلا نفرا منهم سماهم أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار ~~الكعبة منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وإنما أمر بقتله لأنه كان قد ~~أسلم فارتد مشركا ففر إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاعة فغيبه حتى أتى به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن اطمأن أهل مكة فاستأمنه له وعبد ~~الله بن ms3429 خطل رجل من بني تميم بن غالب، وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلما ~~فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا، وكان له مولى يخدمه، وكان ~~مسلما فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا ويصنع له طعاما ونام ~~فاستيقظ، ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركا، وكان له ~~قينتان يغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بقتلهما معه ~~والحويرث بن نقيد بن وهب، وكان ممن يؤذيه بمكة ومقيس صبابة، وإنما أمر ~~بقتله لقتله الأنصاري الذي قتل أخاه خطأ، ورجوعه إلى قريش مرتدا، وسارة ~~مولاة لبني عبد المطلب، وكانت ممن يؤذيه بمكة، وعكرمة بن أبي جهل فأما ~~عكرمة فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، ~~فاستأمنت له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه فخرجت في طلبه حتى أتت ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما عبد الله بن خطل فقتله سعيد بن ~~الحارث المخزومي وأبو برزة الأسلمي اشتركا في دمه وأما مقيس بن صبابة ~~فقتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحداهما، ~~وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنها وأما ~~سارة فتغيبت حتى استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاشت حتى ~~أوطأها رجل من الناس فرسا له في زمن عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها، وأما ~~الحويرث ابن نقيد فقتله علي بن أبي طالب قالت أم هانىء: لما نزل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة فر إلي رجلين من أحمائي من بني ~~مخزوم، وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي قالت: فدخل علي علي بن أبي ~~طالب أخي فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جفنة وإن فيها ~~لأثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم ~~صلى ثمان ركعات الضحى، ثم انصرف إلي فقال مرحبا وأهلا ms3430 بأم هانىء ما ~~جاء بك؟ فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي بن أبي طالب فقال: قد أجرنا من ~~أجرت وأمنا من أمنت فلا نقتلهما ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ~~لما اطمأن الناس حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن ~~بمحجن في يده فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، وأخذ منه مفتاح الكعبة ~~ففتحت له فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف ~~على باب الكعبة، وقد استكف له الناس في المسجد فقال: لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة ~~أو دم أو مال يدعى فهي تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج ألا ~~قتل الخطأ شبه العمد بالسوط، والعصا، ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل ~~أربعون منها خلفة في بطونها أولادها. # يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء، ~~الناس من آدم وآدم من تراب، ثم تلا هذه الآية: # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى # [الحجرات: 13] الآية ثم قال يا معشر قريش ما ترون إني فاعل فيكم، قالوا ~~خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال فاذهبوا فأنتم الطلقاء، فأعتقهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، وكان الله أمكنه منهم عنوة فبذلك ~~سموا أهل مكة الطلقاء، ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه ~~علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة بيده فقال: يا رسول الله اجمع لنا بين ~~الحجابة، والسقاية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين عثمان بن طلحة ~~فدعي له فقال هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم وفاء وبر، قال واجتمع الناس ~~للبيعة فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا، وعمر بن ~~الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس. فبايعونه على السمع والطاعة فيما ~~استطاعوا، فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء قال عروة بن الزبير: خرج ~~صفوان بن أمية يريد جدة ليركب ms3431 منها إلى اليمن فقال عمير بن وهب الجمحي يا ~~رسول الله إن صفوان بن أمية سيد قومي قد خرج هاربا منك ليقذف بنفسه في ~~البحر، فأمنه يا رسول الله، فقال هو آمن قال: يا رسول الله أعطني شيئا ~~يعرف به أمانك، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل بها ~~مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة، وهو يريد أن يركب البحر فقال يا ~~صفوان فداك أبي وأمي أذكرك الله في نفسك أن تهلكها، فهذا أمان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جئتك به؟ فقال ويلك أغرب عني لا تكلمني قال: فداك أبي ~~وأمي أفضل الناس، وأبر الناس وأحلم الناس، وخير الناس ابن عمتك عزه عزك ~~وشرفه شرفك، وملكه ملكك، قال إني أخافه على نفسي قال: هو أحلم من ذلك، ~~وأكرم فرجع به معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ~~صفوان: إن هذا يزعم أنك آمنتني قال صدق، قال فاجعلني في ذلك بالخيار ~~شهرين قال: أنت بالخيار أربعة أشهر # " قال ابن هشام وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة، ~~ودخلها قام على الصفا يدعو، وقد أحدقت به الأنصار فقالوا فيما بينهم ~~أترون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فتح الله عليه مكة أرضه، ~~وبلاده يقيم بها فلما فرغ من دعائه قال ماذا قلتم قالوا لا شيء يا رسول ~~الله فلم يزل بهم حتى أخبروه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم معاذ الله ~~المحيا محياكم والممات مماتكم " # قال ابن إسحاق: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف، وكان ~~فتح مكة لعشر ليال بقين من رمضان سنة ثمان، وأقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة ثم خرج إلى هوازن ~~وثقيف، وقد نزلوا حنينا ق عن أبي هريرة # " أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام الفتح بقتيل لهم في الجاهلية ~~فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ms3432 فحمد الله، وأثنى عليه وقال: ~~إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين ألا وإنها لم تحل ~~لأحد قبلي، ولا تحل لأحد من بعدي، ألا وإنما أحلت لي ساعة من نهار إلا، ~~وإنها ساعتي هذه فلا ينفر صيدها ولا يختلى خلاها، ولا يقطع شوكها، ولا ~~تحل ساقطتها لا لمنشد، ومن قتل له قتيل، فهو بخير النظرين. إما أن يفتدي ~~وإما أن يقيد فقال العباس: إلا الإذخر فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الإذخر، فقام أبو شاه رجل من أهل اليمن ~~فقال اكتبوا لي يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتبوا ~~لأبي شاه قال الأوزاعي: يعني الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ". # وأما التفسير فقوله تعالى: { إذا جاء نصر الله } يعني إذا جاءك يا محمد ~~نصر الله، ومعونته على من عاداك وهم قريش. ومعنى مجيء النصر أن جميع ~~الأمور مرتبطة بأوقاتها يستحيل تقدمها عن وقتها أو تأخرها عنه فإذا جاء ~~ذلك الوقت المعين حضر معه ذلك الأمر المقدر، فلهذا المعنى قال { إذا جاء ~~نصر الله والفتح } يعني فتح مكة في قول جمهور المفسرين، وقيل هو جنس نصر ~~الله المؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم على الإطلاق، والفرق بين النصر ~~والفتح. أن النصر هو الإعانة والإظهار على الأعداء وهو تحصيل المطلوب، ~~وهو كالسبب للفتح. # فلهذا بدأ بذكر النصر وعطف عليه الفتح، وقيل النصر هو إكمال الدين ~~وإظهاره، والفتح هو الإقبال الذي هو تمام النعمة. { ورأيت الناس يدخلون ~~في دين الله أفواجا } يعني زمرا وأرسالا القبيلة بأسرها. والقوم ~~بأجمعهم من غير قتال قال الحسن: لما فتح الله على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مكة قالت العرب بعضها لبعض إذا ظفر الله محمد بأهل الحرم، وكان ~~قد أجارهم من أصحاب الفيل فليس لكم به يدان فكانوا يدخلون في دين الله ~~أفواجا. بعد أن كانوا يدخلون واحدا واحدا واثنين اثنين. وقيل أراد ~~بالناس أهل اليمن ق عن أبي هريرة ms3433 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوبا، وأرق أفئدة الإيمان يمان، والحكمة ~~يمانية ودين الله هو الإسلام " # وأضافه إليه تشريفا وتعظيما، كبيت الله وناقة الله قوله { فسبح بحمد ~~ربك واستغفره إنه كان توابا } يعني فإنك حينئذ لاحق به ق عن ابن عباس: ~~قال كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فقال: بعضهم لم يدخل هذا الفتى معنا، ~~ولنا أبناء مثله فقال إنه ممن قد علمتم قال فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم. ~~قال وما رأيت أنه كان دعاني يومئذ إلا ليريهم مني. قال ما تقولون في قول ~~الله تعالى: { إذا جاء نصر الله والفتح } حى ختم السورة، فقال بعضهم ~~أمرنا أن نحمد الله، ونستغفره إذ نصرنا، وفتح علينا، وسكن بعضهم فلم يقل ~~شيئا فقال لي أكذلك تقول يا ابن عباس، قال: قلت لا قال فما هو قلت هو ~~أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه، فقال { إذا جاء نصر الله والفتح ~~} ، فذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا، قال عمر: ما ~~أعلم منها إلا ما تعلم ق عن عائشة قالت: # " ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن أنزلت عليه إذا جاء ~~نصر الله والفتح، إلا يقول فيها سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، وفي ~~رواية قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه ~~وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن، وفي رواية قالت ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر القول من سبحان الله، وبحمده ~~أستغفر الله وأتوب إليه، وقال أخبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي. فإذا ~~رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه قد ~~رأيتها إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة، ورأيت الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا " # قال ابن عباس: لما نزلت هذه السورة علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~نعيت إليه نفسه. ms3434 # وقال الحسن: أعلم أنه قد اقترب أجله فأمر بالتسبيح والتوبة، ليختم ~~بالزيادة في العمل الصالح قيل عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه ~~السورة سنتين، وقيل في معنى السورة إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا فاشتغل أنت بالتسبيح والتحميد، والاستغفار، ~~فالاشتغال بهذه الطاعة يصير سببا لمزيد درجاتك في الدنيا والآخرة. وفي ~~معنى التسبيح وجهان: أحدهما نزه ربك عما لا يليق بجلاله ثم احمده. ~~والثاني فصل لربك لأن التسبيح جزء من أجزاء الصلاة، ثم قيل عني به صلاة ~~الشكر، وهو ما صلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ثمان ~~ركعات. وقيل هي صلاة الضحى. وفي الآية دليل على فضيلة التسبيح، والتحميد ~~حيث جعل ذلك كافيا في أداء ما وجب عليه من شكر نعمة النصر والفتح. فإن ~~قلت ما معنى هذا الاستغفار، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قلت ~~إنه تعبد الله بذلك ليقتدي به غيره. إذ لا يأمن كل واحد من نقص يقع في ~~عبادته واجتهاده ففيه تنبيه على أن النبي صلى الله عليه وسلم مع عصمته ~~وشدة اجتهاده ما كان يستغني عن الاستغفار فكيف بمن هو دونه وقيل هو ترك ~~الأفضل والأولى لا عن ذنب صدر منه صلى الله عليه وسلم وعلى قول من جوز ~~الصغائر على الأنبياء يكون المعنى، واستغفره لما عسى أن يكون قد وقع من ~~تلك الأمور منه، وقيل المراد منه الاستغفار لذنوب أمته، وهذا ظاهر لأن ~~الله تعالى أمره بذلك في قوله # واستغفر لذنبك، وللمؤمنين، والمؤمنات # [محمد: 19] والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1-5] # قوله عز وجل: { تبت يدا أبي لهب وتب } ق عن ابن عباس قال: # " لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } صعد النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الصفا، ونادى يا بني فهر يا بني عدي لبطون من قريش حتى اجتمعوا، فجعل ~~الرجل إذا لم يستطع أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال ~~أرأيتكم لو أخبرتكم أن ms3435 خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي، ~~قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقا قال فإني لكم نذير بين يدي عذاب شديد، ~~فقال أبو لهب تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت { تبت يدا أبي لهب ~~وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب } " # وفي رواية # " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء فصعد الجبل، فنادى يا ~~صباحاه فاجتمعت عليه قريش " # الحديث وذكر نحوه ومعنى تبت خابت وخسرت، والتباب هو الخسار المفضي إلى ~~الهلاك، والمراد من اليد صاحبها وجملة بدنه، وذلك على عادة العرب في ~~التعبير ببعض الشيء عن كله، وجميعه، وقيل إنه رمى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بحجر، فأدمى عقبه فلهذا ذكرت اليد، وإن كان المراد جملة البدن فهو ~~كقولهم خسرت يده، وكسبت يده فأضيفت الأفعال إلى اليد، وأبو لهب هو عبد ~~العزى بن عبد المطلب بن هاشم عم النبي صلى الله عليه وسلم وكني بأبي لهب ~~لحسنه وإشراق وجهه. فإن قلت لم كناه وفي الكنية تشريف وتكرمة قلت فيه ~~وجوه أحدها أنه كان مشتهرا بالكنية دون الاسم، فلو ذكره باسمه لم يعرف ~~الثاني أنه كان اسمه عبد العزى، فعدل عنه إلى الكنية لما فيه من الشرك ~~الثالث. أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى النار، والنار ذات لهب ~~وافقت حاله كنيته، وكان جديرا بأن يذكر بها. { وتب } قيل الأول أخرج ~~مخرج الدعاء عليه، والثاني أخرج مخرج الخبر كما يقال أهلكه الله، وقد هلك ~~وقيل تبت يدا أبي لهب، يعني ماله وملكه، كما يقال فلان قليل ذات اليد ~~يعنون به المال، وتب يعني نفسه أي وقد أهلكت نفسه { ما أغنى عنه ماله وما ~~كسب } قال ابن مسعود: لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرباءه إلى ~~الله تعالى قال أبو لهب: إن كان ما تقول يا ابن أخي حقا، فأنا أفتدي ~~نفسي بمالي وولدي، فأنزل الله تعالى: { ما أغنى عنه ماله } ، أي شيء يغني ~~عنه ماله، أي ما يدفع عنه عذاب الله، وما كسب ms3436 يعني من المال، وكان صاحب ~~مواش، أي ما جمع من المال أو ما كسب من المال، أي الربح بعد رأس ماله، ~~وقيل وما كسب يعني ولده لأن ولد الإنسان من كسبه، كما جاء في الحديث # " إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم " # أخرجه الترمذي ثم أوعده بالنار فقال تعالى: { سيصلى نارا ذات لهب } ~~أي نارا تلتهب عليه { وامرأته } يعني أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي ~~سفيان بن حرب عمة معاوية بن أبي سفيان، وكانت في نهاية العداوة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. { حمالة الحطب } قيل كانت تحمل الشوك، والحسك ~~والعضاه بالليل، فتطرحه في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~لتؤذيهم بذلك وهي رواية عن ابن عباس فإن قلت إنها كانت من بيت العز ~~والشرف فكيف يليق بها حمل الحطب؟ قلت يحتمل أنها كانت مع كثرة مالها، ~~وشرفها في نهاية البخل والخسة، فكان يحملها بخلها على حمل الحطب بنفسها، ~~ويحتمل أنها كانت تفعل ذلك لشدة عداوتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولا ترى أنها تستعين في ذلك بأحد بل تفعله هي بنفسها، وقيل كانت تمشي ~~بالنميمة وتنقل الحديث وتلقي العداوة بين الناس وتوقد نارها، كما توقد ~~النار الحطب يقال فلان يحطب على فلان إذا كان يغري به، وقيل حمالة ~~الخطايا والآثام التي حملتها في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأنها كانت كالحطب في مصيرها إلى النار. { في جيدها } أي عنقها { حبل من ~~مسد } قال ابن عباس: سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعا تدخل من فيها، ~~وتخرج من دبرها، ويكون سائرها في عنقها. فتلت من حديد فتلا محكما وقيل ~~هو حبل من ليف، وذلك الحبل هو الذي كانت تحتطب به، فبينما هي ذات يوم ~~حاملة الحزمة أعيت، فقعدت على حجر تستريح أتاها ملك، فجذبها من خلفها، ~~فأهلكها، وقيل هو حبل من شجر ينبت باليمن يقال له المسد، وقيل قلادة من ~~ودع، وقيل كانت لها خرزات في عنقها، وقيل كانت لها قلادة ms3437 فاخرة. قالت ~~لأنفقنها في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # قوله عز وجل: { قل هو الله أحد } عن أبي بن كعب # " أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك، فأنزل ~~الله { قل هو الله أحد الله الصمد } والصمد الذي لم يلد، ولم يولد لأنه ~~ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت ولا ~~يورث، ولم يكن له كفوا أحد. قال لم يكن له شبيه، ولا عديل، وليس كمثله ~~شيء " # أخرجه الترمذي وقال: وقد روي عن أبي العالية أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذكر آلهتهم، فقالوا انسب لنا ربك، فأتاه جبريل بهذه السورة { قل هو ~~الله أحد } وذكر نحوه، ولم يذكر فيه عن أبي بن كعب، وهذا أصح وقال ابن ~~عباس # " أن عامر بن الطفيل، وأربد بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال عامر: إلام تدعونا يا محمد قال إلى الله قال صفه لنا أمن ذهب هو أم ~~من فضة، أم من حديد، أم من خشب، فنزلت هذه السورة، وأهلك الله أربد ~~بالصاعقة وعامر بالطاعون " # ، وقد تقدم ذكرهما في سورة الرعد، وقيل جاء ناس من أحبار اليهود إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك، فإن الله ~~تعالى أنزل نعته في التوراة، فأخبرنا من أي شيء هو، وهل يأكل ويشرب، وممن ~~ورث الربوبية، ولمن يورثها، فأنزل الله هذه السورة { قل هو الله أحد } ~~يعني الذي سألتموني عنه هو الله الواحد في الألوهية، والربوبية الموصوف ~~بصفات الكمال والعظمة المنفرد عن الشبه، والمثل والنظير، وقيل لا يوصف ~~أحد بالأحدية غير الله تعالى فلا يقال رجل أحد، ودرهم أحد بل أحد صفة من ~~صفات الله تعالى. استأثر بها فلا يشركه فيها أحد، والفرق بين الواحد، ~~والأحد أن الواحد يدخل في الأحد، ولا ينعكس، وقيل إن الواحد يستعمل في ~~الإثبات والأحد في النفي تقول في الإثبات رأيت رجلا واحدا، وفي ms3438 النفي ~~ما رأيت أحدا، فتفيد العموم، وقيل الواحد هو المنفرد بالذات فلا يضاهيه ~~أحد، والأحد هو المنفرد بالمعنى فلا يشاركه فيه أحد { الله الصمد } قال ~~ابن عباس: الصمد الذي لا جوف له وبه قال جماعة من المفسرين، ووجه ذلك من ~~حيث اللغة أن الصمد الشيء المصمد الصلب الذي ليس فيه رطوبة، ولا ~~رخاوة، ومنه يقال لسداد القارورة الصماد. فإن فسر الصمد بهذا كان من صفات ~~الأجسام، ويتعالى الله جل وعز عن صفات الجسمية، وقيل وجه هذا القول إن ~~الصمد الذي ليس بأجوف، معناه هو الذي لا يأكل، ولا يشرب، وهو الغني عن كل ~~شيء، فعلى هذا الاعتبار هو صفة كمال، والقصد بقوله الله الصمد التنبيه ~~على أنه تعالى بخلاف من أثبتوا له الإلهية، وإليه الإشارة بقوله تعالى: # ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا ~~يأكلان الطعام # [المائدة: 75] وقيل الصمد الذي ليس بأجوف شيئان أحدهما دون الإنسان، ~~وهو سائر الجمادات الصلبة والثاني أشرف من الإنسان وأعلى منه وهو ~~البارىء جل وعز وقال أبي بن كعب الصمد الذي لم يلد، ولم يولد لأن من يولد ~~سيموت، ومن يموت يورث منه. وروى البخاري في أفراده عن أبي وائل شقيق بن ~~سلمة قال: الصمد هو السيد الذي انتهى سؤدده، وهي رواية عن ابن عباس، ~~أيضا قال هو السيد الذي كمل فيه جميع أوصاف السؤدد، وقيل هو السيد ~~المقصود في جميع الحوائج المرغوب إليه في الرغائب المستعان به عند ~~المصائب، وتفريج الكرب وقيل هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله وتلك دالة ~~على أنه المتناهي في السودد والشرف، والعلو والعظمة، والكمال والكرم ~~والإحسان، وقيل الصمد الدائم الباقي بعد فناء خلقه، وقيل الصمد الذي ليس ~~فوقه أحد، وهو قول علي، وقيل هو الذي لا تعتريه الآفات ولا تغيره الأوقات ~~وقيل هو الذي لا عيب فيه وقيل الصمد هو الأول الذي ليس له زوال والآخر ~~الذي ليس لملكه انتقال. والأولى أن يحمل لفظ الصمد على كل ما قيل فيه ~~لأنه محتمل ms3439 له، فعلى هذا يقتضي أن لا يكون في الوجود صمد سوى الله تعالى ~~العظيم القادر على كل شيء وأنه اسم خاص بالله تعالى انفرد به له الأسماء ~~الحسنى والصفات العليا # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # [الشورى: 11]. قوله عز وجل: { لم يلد ولم يولد } وذلك أن مشركي العرب ~~قالوا الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله فكذبهم الله عز وجل، ونفى عن نفسه ما قالوا بقوله { لم ~~يلد } يعني كما ولد عيسى، وعزير، { ولم يولد } معناه أن من ولد كان له ~~والد فنفى عنه إحاطة النسب من جميع الجهات، فهو الأول الذي لم يتقدمه، ~~والد كان عنه وهو الآخر الذي لم يتأخر عنه ولد يكون عنه، ومن كان كذلك ~~فهو الذي لم يكن له كفوا أحد، أي ليس له من خلقه مثل، ولا نظير ولا شبيه ~~فنفى عنه. بقوله { ولم يكن له كفوا أحد } العديل والنظير، والصاحبة ~~والولد خ عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " قال الله عز وجل: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني، ولم يكن له ~~ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون ~~علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد ~~الذي لم يلد، ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " # والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # قوله عز وجل: { قل أعوذ برب الفلق } قال ابن عباس وعائشة: " كان غلام من ~~اليهود يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فدبت إليه اليهود، فلم يزالوا به ~~حتى أخذ من مشاطة رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدة من أسنان مشطه، ~~فأعطاها اليهود، فسحروه فيها، وتولى ذلك لبيد بن الأعصم رجل من اليهود ~~فنزلت السورتان فيه ". ق عن عائشة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان يخيل إليه أن يصنع الشيء ولم ~~يصنعه " # وفي رواية # " أنه يخيل إليه فعل الشيء، وما فعله حتى ms3440 إذا كان يوم، وهو عندي دعا ~~الله، ودعاه ثم قال أشعرت يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه ~~قلت: وما ذاك يا رسول الله قد جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر ~~عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل قال مطبوب، قال ومن طبه قال ~~لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زريق قال: فيما ذا قال في مشط ومشاطة، وجف ~~طلعة ذكر قال فأين هو قال في بئر ذروان، ومن الرواة من قال في بئر بني ~~زريق فذهب النبي صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه إلى البئر فنظر ~~إليها وعليها نخل ثم رجع إلى عائشة فقال والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ~~ولكأن نخلها رؤوس الشياطين قلت يا رسول الله فأخرجه. قال أما أنا فقد ~~عافاني الله وشفاني، وخفت أن أثيرعلى الناس منه شرا " # وفي رواية للبخاري # " أنه كان يرى أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن قال سفيان وهذا أشد ما يكون ~~من السحر إذا كان كذلك " # عن زيد بن أرقم قال # " سحر رجل من اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكى ذلك أياما فأتاه ~~جبريل فقال إن رجلا من اليهود سحرك، وعقد لك عقدا في بئر كذا فأرسل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فاستخرجها، فجاء بها فحلها فجعل كلما ~~حل عقدة وجد لذلك خفة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من ~~عقال، فما ذكر ذلك لليهودي، ولا رآه في وجهه قط " # أخرجه النسائي وروي " أنه كان تحت صخرة في البئر فرفعوا الصخرة وأخرجوا ~~جف الطلعة، فإذا فيه مشاطة من رأسه صلى الله عليه وسلم وأسنان من مشطه " ~~، وقيل كان في وتر عقد عليه إحدى عشرة عقدة وقيل كان مغروزا بالإبر ~~فأنزل الله هاتين السورتين، وهما إحدى عشرة آية سورة الفلق خمس آيات، ~~وسورة الناس ست آيات، فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة حتى انحلت العقد ~~كلها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال وروي " أنه لبث ~~ستة ms3441 أشهر، واشتد عليه ذلك ثلاث ليال فنزلت المعوذتان " م عن أبي سعيد ~~الخدري # " أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا محمد اشتكيت قال نعم ~~قال بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله ~~يشفيك بسم الله أرقيك ". # فصل وقبل الشروع في التفسير نذكر معنى الحديث، وما قيل فيه، وما قيل في ~~السحر، وما قيل في الرقى قولها في الحديث إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سحر حتى كان يخيل إليه أنه يصنع الشيء، ولم يصنعه. قال الإمام المازري: ~~مذهب أهل السنة، وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة ~~كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة خلافا لمن أنكر ذلك، ونفى حقيقته، ~~وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، وقد ذكره الله في ~~كتابه، وذكر أنه مما يتعلم، وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به، وأنه ~~يفرق بين المرء، وزوجه وهذا كله لا يمكن أن يكون مما لا حقيقة له وهذا ~~الحديث الصحيح مصرح بإثباته، ولا يستنكر في العقل أن الله تعالى يخرق ~~العادة عند النطق بكلام ملفق أو تركيب أجسام أو المزج بين قوي لا يعرفها ~~إلا الساحر، وأنه لا فاعل إلا الله تعالى، وما يقع من ذلك فهو عادة ~~أجراها الله تعالى على يد من يشاء من عباده. فإن قلت المستعاذ منه هل هو ~~بقضاء الله، وقدره فذلك قدح في القدرة. قلت كل ما وقع في الوجود هو بقضاء ~~الله وقدره، والاستشفاء بالتعوذ، والرقى من قضاء الله، وقدره يدل على ~~صحة ذلك. ما روى الترمذي # " عن ابن أبي خزامة عن أبيه قال: " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقلت يا رسول الله أرأيت رقى نسترقي بها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها ~~هل ترد من قدر الله شيئا، قال: هي من قدر الله تعالى " " # قال الترمذي: هذا حديث حسن وعن عمر نفر من قدر الله إلى قدر الله ~~تعالى. فصل وقد أنكر بعض المبتدعة ms3442 حديث عائشة المتفق عليه، وزعم أنه يحط ~~منصب النبوة ويشكك فيها وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع. ورد على هذا ~~المبتدع بأن الذي ادعاه باطل لأن الدلائل القطعية، والنقلية قد قامت على ~~صدقه صلى الله عليه وسلم، وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ، والمعجزة شاهدة ~~بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل. وأما ما يتعلق ببعض أمور ~~الدنيا، وهو ما يعرض للبشر فغير بعيد أن يخيل إليه من أمور الدنيا ما لا ~~حقيقة له. وقد قيل إنه كان يخيل إليه أنه وطىء زوجاته، وليس واطىء، وهذا ~~مثل ما يتخيله الإنسان في المنام. # فلا يبعد أن يتخيله في اليقظة، ولا حقيقة له، وقيل إنه يخيل إليه أنه ~~فعله وما فعله، ولكن لا يعتقد ما تخيله فتكون اعتقاداته على السداد قال ~~القاضي: وقد جاءت في بعض روايات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما سلط على ~~بدنه وظواهر جوارحه لا على قلبه وعقله واعتقاده وليس في ذلك ما يوجب ~~لبسا على الرسالة ولا طعنا لأهل الزيغ والضلالة، وقوله ما وجع الرجل ~~قال مطبوب أي مسحور قوله، وجف طلعة ذكر يروى بالباء ويروى بالفاء، وهو ~~وعاء طلع النخل. وأما الرقى والتعاويذ فقد اتفق الاجماع على جواز ذلك ~~إذا كان بآيات من القرآن، أو إذ كانت وردت في الحديث، ويدل على صحته ~~الأحاديث الواردة في ذلك منها حديث أبي سعيد المتقدم أن جبريل رقي النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ومنها ما روي عن عبيد بن رفاعة الزرقي # " أن أسماء بنت عميس قالت يا رسول الله إن ولد جعفر تسرع إليهم العين. ~~أفأسترقي لهم قال نعم فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين " # أخرجه الترمذي وقال: حديث صحيح وعن أبي سعيد الخدري # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ ويقول أعوذ بالله من الجان، ~~وعين الإنسان فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما " # أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب فهذه الأحاديث تدل على جواز ~~الرقية، وإنما المنهي عنه منها ما كان فيه كفر أو شرك أو ms3443 ما لا يعرف ~~معناه مما ليس بعربي لجواز أن يكون فيه كفر والله أعلم. وأما التفسير ~~فقوله عز وجل { قل أعوذ برب الفلق } ، أراد بالفلق الصبح، وهو قول ~~الأكثرين، ورواية عن ابن عباس لأن الليل ينفلق عن الصبح وسبب تخصيصه في ~~التعوذ أن القادر على إزالة هذه الظلمة عن العالم قادر على أن يدفع عن ~~المستعيذ ما يخافه، ويخشاه، وقيل إن طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج، كما ~~أن الإنسان ينتظر طلوع الصباح، فكذلك الخائف يترقب مجيء النجاح، وقيل إن ~~تخصيص الصبح بالذكر في هذا الموضع لأنه وقت دعاء المضطرين، وإجابة ~~الملهوفين، فكأنه يقول قل أعوذ برب الوقت، الذي يفرج فيه هم المهمومين ~~والمغمومين، وروي عن ابن عباس أن الفلق سجن في جهنم، وقيل هو واد في جهنم ~~إذ فتح استعاذ أهل النار من حره، ووجهه أن المستعيذ قال: أعوذ برب هذا ~~العذاب، القادر عليه من شر عذابه، وغيره وروي عن ابن عباس أيضا أن الفلق ~~الخلق، ووجه هذا التأويل، أن الله تعالى فلق ظلمات بحر العدم بإيجاد ~~الأنوار، وخلق منه الخلق، فكأنه قال قل أعوذ برب جميع الممكنات، ومكون ~~جميع المحدثات { من شر ما خلق } قيل يريد به إبليس خاصة لأنه لم يخلق ~~الله خلقا هو شر منه، ولأن السحر لا يتم إلا به وبأعوانه وجنوده، وقيل ~~من شر كل ذي شر، وقيل من شر ما خلق من الجن، والإنس. # { ومن شر غاسق إذا وقب } عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر فقال يا عائشة استعيذي ~~بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب " # أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، فعلى هذا الحديث المراد به القمر ~~إذا خسف، واسود ومعنى وقب دخل في الخسوف، أو أخذ في الغيبوبة، وقيل سمي ~~به لأنه إذا خسف اسود، وذهب ضوءه وقيل إذا وقب دخل في المحاق، وهو آخر ~~الشهر وفي ذلك الوقت يتم السحر المورث للتمريض، وهذا مناسب لسبب نزول هذه ms3444 ~~الآية. وقال ابن عباس: الغاسق الليل إذا وقب أي أقبل لظلمته من المشرق، ~~وقيل سمي الليل غاسقا لأنه أبرد من النهار، والغسق البرد وإنما أمر ~~بالتعوذ من الليل لأن فيه تنشر الآفات، ويقل الغوث وفيه يتم السحر، وقيل ~~الغاسق الثريا إذا سقطت، وغابت، وقيل إن الأسقام تكثر عند وقوعها، وترتفع ~~عند طلوعها فلهذا أمر بالتعوذ من الثريا عند سقوطها { ومن شر النفاثات في ~~العقد } يعني السواحر اللاتي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها، وقيل ~~المراد بالنفاثات بنات لبيد بن الأعصم اللاتي سحرن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، والنفث النفخ مع ريق قليل، وقيل إنه النفخ فقط. واختلفوا في جواز ~~النفث في الرقى، والتعاويذ الشرعية المستحبة فجوزه الجمهور من ~~الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، ويدل عليه حديث عائشة قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه ~~بالمعوذات " # الحديث وأنكر جماعة التفل، والنفث في الرقى، وأجازوا النفخ بلا ريق ~~قال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد، وقيل النفث في ~~العقد إنما يكون مذموما إذا كان سحرا مضرا بالأرواح والأبدان، وإذا ~~كان النفث لإصلاح الأرواح والأبدان وجب أن لا يكون مذموما، ولا مكروها ~~بل هو مندوب إليه. { ومن شر حاسد إذا حسد } الحاسد هو الذي يتمنى زوال ~~نعمة الغير، وربما يكون مع ذلك سعي، فلذلك أمر الله تعالى بالتعوذ منه، ~~وأراد بالحاسد هنا اليهود، فإنهم كانوا يحسدون النبي صلى الله عليه وسلم ~~أو لبيد بن الأعصم وحده والله سبحانه، وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-6] # قوله عز وجل: { قل أعوذ برب الناس } إنما خصص الناس بالذكر، وإن كان رب ~~جميع المحدثات لأنه لما أمر بالاستعاذة من شر الوسواس، فكأنه قال أعوذ من ~~شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم ومعبودهم ~~فإنه هو الذي يعيذهم من شرهم، وقيل إن أشرف المخلوقات هم الناس، فلهذا ~~خصهم بالذكر. { ملك الناس إله الناس } إنما وصف نفسه أولا: بأنه رب ms3445 ~~الناس، لأن الرب قد يكون ملكا، وقد لا يكون ملكا فنبه بذلك على أنه ~~ربهم، وملكهم ثم إن الملك لا يكون إلها، فنبه بقوله { إله الناس } على ~~أن الإلهية خاصة بالله سبحانه، وتعالى لا يشاركه فيها أحد، والسبب في ~~تكرير لفظ الناس يقتضي مزيد شرفهم على غيرهم { من شر الوسواس } يعني ~~الشيطان ذا الوسواس، والوسوسة الهمز، والصوت الخفي. { الخناس } يعني ~~الرجاع من الذي عادته أن يخنس أي يتأخر. قيل إن الشيطان جاثم على قلب ~~الإنسان، فإذا غفل وسها وسوس، وإذا ذكر الله تعالى خنس الشيطان عنه، ~~وتأخر وقال قتادة الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب وقيل كخرطوم الخنزير في ~~صدر الإنسان فإذا ذكر العبد ربه خنس، ويقال رأسه كرأس الحية واضع رأسه ~~على ثمرة القلب يمسه ويجذبه، فإذا ذكر الله تعالى خنس وإذا لم يذكر الله ~~تعالى رجع، ووضع رأسه على القلب فذلك قوله تعالى: { الذي يوسوس في صدور ~~الناس } يعني بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع، ~~والمراد بالصدر القلب { من الجنة } يعني الجن { والناس } وفي معنى الآية ~~وجهان: أحدهما: أن الناس لفظ مشترك بين الجن والإنس، ويدل عليه قول بعض ~~العرب جاء قوم من الجن، فقيل من أنتم قالوا أناس من الجن، وقد سماهم الله ~~تعالى رجالا في قوله # يعوذون برجال من الجن # [الجن: 6] فعلى هذا يكون معنى الآية أن الوسواس الخناس يوسوس للجن كما ~~يوسوس للإنس. الوجه الثاني: أن الوسواس الخناس قد يكون من الجنة، وهم ~~الجن وقد يكون من الإنس، فكما أن شيطان الجن قد يوسوس للإنسان تارة، ~~ويخنس أخرى، فكذلك شيطان الإنس قد يوسوس للإنسان كالناصح له فإن قبل زاد ~~في الوسوسة، وإن كره السامع ذلك انخنس وانقبض فكأنه تعالى أمر أن يستعاذ ~~به من شر الجن والإنس جميعا ق عن عائشة رضي الله تعالى عنها # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع ~~كفيه ثم ينفث فيهما، فيقرأ { قل هو الله أحد } ، و { قل أعوذ ms3446 برب الفلق } ~~و { قل أعوذ برب الناس } ، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على ~~رأسه، وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات " # عن عائشة رضي الله عنها # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه ~~بالمعوذات، وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عنه بيديه رجاء ~~بركتهما " # أخرجه مالك في الموطأ ولهما بمعناه ق عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل، ~~وأطراف النهار، ورجل آتاه الله مالا، فهو ينفق منه آناء الليل وأطراف ~~النهار " # عن ابن عباس قال: # " قيل يا رسول الله أي الأعمال أحب إلى الله تعالى، قال الحال المرتحل ~~قيل، وما الحال المرتحل قال الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حل ~~ارتحل " # أخرجه الترمذي، والله سبحانه، وتعالى أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ms3447