######OpenITI# #META# Origin: converted with Kraken (ocr model: 12-24-2021_ArabPersGeneralized.mlmodel, segmentation model: DEFAULT) #META# Date: 2022-02-18 #META#Header#End# # املب الفاسفي ~~2 PageV00P001 ~~============================================================ ~~كتاب التنهيد ~~في شرح معالم العدل والتوحيد ~~تأليف ~~الإمام المؤيد بالله يخبى بن حمزة العلوي 745ه ~~تحقيق ~~هشام حنفي سيد PageV00P002 ~~============================================================ ~~الطبعة الأولى ~~قوق الطبع محفوظة للتاشر ~~مكتبة الثقافة الدينية ~~26شارع بور سعد (لقاهرة) ~~ف: 259367 هتف: 25938411 - 15912120 ~~166161ا اف_ افاهداه :ا66 ~~بطاقة الفهرسة ~~اعداد الهينة المصرية العامة لدار الكتب والوثانق القومرة ~~بدارة الشنون الفتية ~~الويد، ييى بن حمزة بن على بن ايراهيم، 127 1244 ~~التمهيد في شرح معالم العدل والتوحيد ~~تليف : الويد بالله يحيى بن حمزة تقيق امشام حنفى السيد ~~1- القاهرة : مكتبة النقافة الدينية، 2008 ~~24 ~~177 -241346 1 : ~~احعلم الكالكه ~~يد، هشام حنه ~~الخوان ~~ديوى:240 ~~رقم الايداع: 2446 /2008 PageV00P003 ~~============================================================ ~~EMPTY PAGE? PageV00P004 ~~============================================================ ~~الهيد شح معالم العدل والتوحيد ~~بسم الله الرخمن الرحيم ~~الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا تبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~صلاة دائمة مباركة إلى يوم الدين. # أما بعد: فإن الكلمة نتاج انفعال فكري وروحي يحدث داخل الفرد والمجتمع، وانبعاثها ~~ووضوحها والاتفاق في فهمها والايمان بها من قبل المجموع يحدث له الوحدة، وأيا كان ~~نصيب هذه الكلمة من الصحة والبطلان فإيمان الجماعة بها سبيلهم إلى الوحدة والنجاح ~~تفانيا منهم في نصرتها، فعندما آمن أقوام بالاشتراكية كوسيلة لتحقيق العدالة والسعادة ~~للمجموع نجحوا في قطع شوط من الحضارة والتنمية، ولكن لكونها فكرا بشريا سرعان ما ~~يظهر عدم ملاءمته لكل البشر أو لكل الأزمنة يقل إيمان المجموع به بعد حين- قصر أم بعد ~~فتسقط الكلمة ويسقط من آمن بها، وكذلك حدث للمؤمنين بالنازية أو القومية أو غيرها ~~من الكلمات الوضعية. # أما نحن المسلمين فالكلمة التي نؤمن بها كلمة إلهية محضة وهي تمثل الحق المطلق حسب ~~ايماننا واعتقادنا، وتتمثل في كتاب الله القرآن الكريم وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والمسلم في سبيل نصرة هذه الكلمة يبذل حياته وماله طواعية منه واختيارا. # وان افترضنا معادلة حضارية عناصرها: ~~أولا: الكلمة، فنتتبع فيها مدى صلاحيتها لكل البيثات وعلى مدار الأزمان، ونكشف ~~عن طروء التغيير عليها أو تعرضها ms001 للتبديل والتحريف. PageV00P005 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيد ~~ثانيا: الفرد المؤمن بهذه الكلمة، حيث نرصد درجة إيمانه ويقينه بها، ومدى استعداده ~~للتضحية من أجل هذا الإيمان. # ثالثا: أفهام وتصورات مجموع الأفراد لتلك الكلمة، فنبحث عن درجة اقترابهم أو ~~بعدهم في تفسيرها وتأويلها، ونرصد تأثير ذلك على وحدتهم أو فرقتهم ~~و حين نتأمل هذه العناصر الثلاث يمكننا تفسير ما تعرضت له الأمة الإسلامية في ~~تاريخها الحضاري من تعاقب حالات النصر بالهزيمة والعزة بالهوان والنهضة بالركود. # ال و تفسير ذلك فيما أظن ليس إلا تغيرا في العنصر الثالث وهو الأفهام والتصورات للنص ~~والكلمة، فتصورات المسلمين للعقيدة الإسلامية وتأويلهم للنصوص الدينية كان السبب ~~وراء التغيرات المتفاوتة التي تعرضوا لها، فكما كانت هناك حالات نضوج ونهضة حضارية ~~مادية في تاريخ المسلمين وحالات ركود وانحطاط وهزيمة كذلك كانت تصورات علماء ~~المسلمين لعقائدهم ترتفع حينا لتصل إلى السماء رقيا ونضوجا فتنزه الاله وتراه عادلا حكيما ~~في أفعاله وأوامره وتهبط حينا آخر فتشبه المعبود بالبشر وتراه سفيها أو عابثا تعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا. # و تبعا لما كان يسود في فترة زمانية من تصورات عقائدية كانت تأتي تصرفات أفراد ~~المسلمين في حياتهم من جهاد وفكر وإبداع؛ فلم تكن يوما كلمتنا الإسلامية عاجزة عن ~~الارتفاع بنا إن نحن أحسنا فهمهما واقتربنا في تأويلها، فالقرآن والسنة ثابتان من عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم محفوظان من التبديل والتحريف، وهذا الثبات صاحب قوتنا ~~ل وضعفنا، وأفراد المؤمنين في تكاثر دائم باطراد مع الزمن، ودرجات الإيمان وإن كانت ~~متفاوتة على مستوى الأفراد ولكنها في مجموعها ثابتة، والاستعداد للشهادة في سبيل إعلاء PageV00P006 ~~============================================================ ~~الشهيد شحمعالر العدل والنوحيل ~~كلمة الله كان وما زال موجودا وثابتا، ولكن العنصر المتغير والذي وصل تغيره أحيانا إلى ~~درجة التضباد هو عنصر الفهم. # ال وان وحدة الأمة الإسلامية تبدأ من الكلمة، فالكلمة تقرأ ويثابر على قراءتها كما كان ~~أول أمر قرآني (اقرأ)، ثم ينتظم عقدها في تصور سليم مبني على الفهم والاستيعاب المتجرد ~~عن الهوى، وبذلك يتحقق لأصحاب الكلمة ms002 الإيمان اليقيني الذي يدفعهم إلى الوحدة ~~والبناء. # فإن الكلمة هي القادرة على جمع شتات الأمة الإسلامية وتوحيدها، وبلا كلمة فلا حياة ~~ولا وجود ولا وحدة بل هو ضياع وشتات وذاتية، فهل سنعرف كلمتنا وقيمتها، وهل ~~جتهد في فهمها وتفسيرها بشكل مستقيم ومناسب لنهضة جديدة، فمتى عرفنا ذلك ~~سنعرف طريقنا إلى حبل الله المتين والاعتصام به من جديد كيد واحدة وأمة واحدة. # فالحمد لله الذي هدانا هذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، أقدم للقاري الكريم ~~صفحة من صفحات تراثنا الإسلامي المشرقة حقا والتي تكشف الستار عن جانب من ~~الفكر الإسلامي المغيب منذ قرون، يمثل كتاب التمهيد في شرح معالم العدل والتوحيد ~~للامام المؤيد بالله يحيى بن حمزة العلوي مرحلة مهمة في تاريخ الفكر الزيدي، فمن المعروف ~~أن المذهب الزيدي تأثر كثيرا بالمعتزلة، بل لقد بنيت كثير من آرائه وفق مناهج وتصورات ~~المعتزلة، وكذلك احتفظت لنا مؤلفات الزيدية بالكثير من آراء وأفكار المعتزلة التي ربما ~~فقدناها في أصولها، فكان الأمر بين التأثير والتأثر. # ولكن الإمام يحيى في هذا الكتاب اجتهد في تخليص المذهب الزيدي من الفكر المعتزلي ~~لتحقيق الاستقلالية الكاملة في التصورات وفي مناهج الاستدلال لمذهب الزيدية، فهو ~~يوجه كثيرا من النقد لآراء المعتزلة ويفند أدلتهم، وهو حين يوافقهم الرآي في بعض المسائل PageV00P007 ~~============================================================ ~~الشهيل شح معالمر العدل والنوحيل ~~يبين سبب الموافقة أو يسوق طريقة أخرى للاستدلال مختلفة عن طريقة المعتزلة ويبين ~~ضعف وركاكة طريقتهم، وفي أحيان أخرى يعارضهم ويرد عليهم وينقض مقالاتهم. # فكتاب التمهيد في مسائل العدل والتوحيد من أهم مؤلفات الإمام يحيى بن مزة ~~العلوي، فقد أودع فيه الإمام خلاصة أفكاره وآرائه الفكرية والكلامية والتي تأصل ~~وتترجم لما عليه فكر آل البيت في هذا العصر؛ والإمام يحبى يعد من أئمة آل البيت من ~~الزيدية في القرن الثامن الهجري ويعتبر مرجعا لآرائهم الكلامية، وقد شمل الكتاب جميع ~~مسائل علم الكلام الإسلامي أو مسائل العقيدة الإسلامية إضافة إلى ردود على الشبه التي ~~أثارها الملحدون والمشككون في العقيدة الإسلامية. # ال و دارت ms003 آراء الإمام في هذا الكتاب على تحليل جميع الآراء في المسائل الاعتقادية المختلفة ~~مع سرد جميع الأدلة ثم نقدها والترجيح بينها بموضوعية ومنهجية رائعة، وأول ما يلفت ~~نظر القارى في أسلوب الإمام ويثير إعجابه هو حسن التقسيم والتبويب للمسائل بشكل ~~متقن ومفصل، فقد جاء الكتاب في جزأين مقسما على عشرة أبواب تكلم في الباب الأول ~~عن وجوب النظر، وفي الثاني ذكر أدلة إثبات الصانع، وقسم الباب الثالث لقسمين الأول ~~رد فيه على الخارجين عن الإسلام كالفلاسفة والصابئة والطبائعية وعبدة الأصنام والثنوية ~~والمجوس والباطنية والنصارى، والثاني رد فيه على المخالفين من أهل القبلة كالنظام ~~والكعبي والصيمري، وتطرق للكلام على خلق أفعال العباد فأثبت العدل وساق الأدلة ~~على كون العبد موجدا لأفعاله ومؤثرا فيها، أما الباب الرابع فتكلم فيه عن صفات الله عز ~~ال ووجل مثل القدرة والعلم والحياة والسمع والبصر والإدراك والإرادة والكلام، ثم انتقل ~~للباب الخامس فتكلم عما يصح لذات الله عز وجل من الأوصاف السلبية، وفيه أبطل ~~الجسمية والعرضية وما يتعلق بهما، فأبطل كونه جوهرا أو متحيزا أو في جهة وأبطل كذلك PageV00P008 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الألم واللذة والرؤية بالأبصار في حق الله تعالى، ثم تحدث عن أسماء الله تعالى وكيفية ~~اجرائها عليه، وهنا انتهى الجزء الأول. # وبدأ الجزء الثاني وفيه الباب السادس فتكلم عن أفعال الله سبحانه وتعالى والتحسين ~~والتقبيح العقليين، ثم الباب السابع عن النبوات ووجوب بعثة النبي واتصافه بالعصمة، ~~ثم تحدث عن نبوة المصطفى عليه الصلاة والسلام ورد على شبه المنكرين لنبوته، وجاء ~~الباب الثامن في المعاد الأخروي وكيفية الإفناء للأجسام وصحة الإعادة لها والرد على شبه ~~المنكرين للمعاد، وحول هذا الموضوع تحدث عن إثبات عذاب القبر والأمور السمعية ~~المتعلقة بالآخرة من الميزان والصراط ونشر الصحف، وفي الباب التاسع تحدث في الوعد ~~والوعيد وفي استحقاق الثواب والعقاب وفي صفتهما وعن الخلود والشفاعة، ثم أتم الباب ~~بالحديث عن الأسماء والأحكام وحقيقة الكفر والايمان وفيه تكلم عن تكفير المعتزلة لكل ~~من المجبرة والمشبهة، ونفى آن يكون صاحب ms004 الكبيرة من أهل الصلاة مؤمنا كما تقوله ~~المرجئة أو كافرا كما تزعمه الخوارج أو منافقا كما قال الحسن البصري، وإنما يسمى فاسقا له ~~منزلة بين المنزلتين، وفي النهاية جاء الباب العاشر في الإمامة وفيه تكلم عن بطلان قول ~~الاثنا عشرية بوجوب الإمامة عقلا وعن بطلان العصمة في الإمام وبطلان شرط إحاطته ~~بكل العلوم، وتكلم عن فساد ما ذهب إليه المعتزلة من القول بالاختيار في الإمامة، ثم ~~تكلم عن الأحكام المتعلقة بالدار من كفر وفسق وإسلام، وتحدث عن كيفية معاملة الكفار ~~وفرقهم صنفين: عباد الأوثان والأصنام والنيران، والذين دانوا بالشرائع وبعثت إليهم ~~الرسل بالكتب المنزلة كاليهود والنصارى، وانتهى إلى حكم الإقامة في دار الكفر ومتى ~~يجب الانتقال عنها. # وقدرأيت في هذا العمل خطوة نحو عرض مجموعة من التصورات العقائدية المتميزة في ~~تاريخنا، فلعلها تثير فينا شيئا جديدا من الفهم للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وربما PageV00P009 ~~============================================================ ~~الشهيد ش معالمر العدل والنوحيل ~~صحب ذلك شيئا من النشاط الفكري، وحسبنا أن ننظر في مجادلة الإمام بالحجة والبرهان ~~لدحض الكثير من العقائد الشركية والكفرية التي تمسك بها قائلوها واصطنعوا لها الأدلة ~~الزائفة والتي أظهر الإمام بطلانها في رده مثلا على الصابئة والمجوس والنصارى. # وفي النهاية أرجو من الله عز وجل أن ينال هذا العمل رضاه وأن يجعله لي عنده زخرا، ~~فإني لم أدخر جهدا لإخراج هذا العمل بشكل كامل وجيد يسهل على المتلقي استيعابه ~~و تحصيل ما به من منافع. # التعريف بالامام يحيى: ~~هو السيد يحيى بن مزة بن على بن ابراهيم بن محمد بن إدريس بن على بن جعفر ~~الحسيني العلوي، الطالبي (669 -45 7اها: من أكابر أئمة الزيدية وعلمائهم في اليمن، إمام ~~مجاهد مجتهد مفكر زاهده ولد بمدينة صنعاء، صحب الامام المتوكل على الله المطهر بن يحيى ~~في حربه، ثم أظهر الدعوة بعد وفاة المهدي محمد بن المطهر 729ه في بلاد صعدة والظاهر ~~وبلاد الشرف، ونهض إلى صنعاء وقاتل الإسماعيلية قتالا شديدا انتهى بالصلح، وتلقب ~~بالمؤيد بالله أو المؤيد برب العزة. # شيوخه الإمام يحيى ms005 بن محمد السراجي وعامر بن زيد الشماخ. # وقد استمر إلى أن توفي في حصن هران قبلي ذمار وقبره هناك معروف مزور، ويروى أن ~~كراريس تصانيفه زادت على عدد آيام عمره. # اهتم بتقريب الشقة بين طوائف المسلمين والنصح لحكام عصره، وكان ميالا للإنصاف ~~مع بهارة لسان وسلامة صدر وعدم إقدام على التكفير والتفسيق. PageV00P010 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~ومن تصانيفه: ~~1) "الفائق المحقق في علم المنطق". # 2)"إجازة الحديث". # 3) "أجوبة مسائل الأوزري". # 4)"أطوق الحمامة في حمل الصحابة على السلامة" في مباحث الإمامة. # 5)"إكليل التاج وجوهر الوهاج". # 6)"الأزهار الصافية شرح مقدمة الكافية" وذكر باسم "الأنهار الصافية" في مجلدين. # 7)"الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام" مجلد. # 8)"الأنوار المضيئة في شرح الأربعين حديث السليقية". # 9)"الايجاز لأسرار كتاب الطراز". # 1) "الايضاح لمعاني المفتاح" للفضل بن أبي السعد العصيفري. في الفرائض مجلد. # 1)"الاختيارات المؤيدية" في فقه الزيدية. # 12)"الاقتصار" في النحو، مجلد. # 13)"الانتصار الجامع لمذاهب علماء الأمصار" في الفقه، يقع في ثمانية عشر جزءا. # 14)"التحقيق في الإكفار والتفسيق" علم كلام. # 15)"الجواب الرائق في تنزيه الخالق" علم كلام. # 16)"الجواب القاطع للتمويه عما يرد على الحكمة والتنزيه" علم كلام. # 17)"الجواب المصلح للدين الموضح لسنن سيد المرسلين". # 18) "الجواب الناطق بالصواب القاطع". # 19)"الجوابات الوافية بالبراهين الشافية" علم كلام. # 20)"الحاصر لفوائد مقدمة الطاهر" ابن باشاذ، في النحو. PageV00P011 # ============================================================ ~~السهبد شح معالمر العدل والنوحيل ~~21) "الحاوي لحقائق الأدلة الفقهية وتحرير القواعد السياسية" في أصول الفقه، ثلاثة ~~مجلدات. # 22) "الدعوة إلى الأمراء". # 23)"الدعوة إلى سلطان اليمن". # 24)"الدعوة العامة". # 25) "الديباج الوضي في الكشف عن أسرار كلام الوصي" ثلاثة مجلدات شرح نهج البلاغة ~~للرضي: ~~26)"الرسالة المفيدة". # 27) "الرسالة الوازعة لذوي الألباب عن فرط الشك والارتياب". # 28) "الرسالة الوازعة لصالح الأمة عن الاعتراض على الأيمة" . # 29)"الرسالة الوازعة للمعتدين عن سب صحابة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم". # 30) "الشامل لحقائق الأدلة العقلية وأصول المسائل الدينية" في أصول الدين أربعة مجلدات. # (3) "الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز" ثلاثة أجزاء. # 32) "العدة في المدخل إلى العمدة". # 33) "العمدة في مذاهب الأيمة" في فقه الزيدية، في ستة مجلدات. # 34)"الفتاوى". # 35)"القسطاس" مجلدين ~~36)"الكاشف ms006 للغمة". # 37)"الكوكب الوقاد في أحكام الاجتهاد". # 38) "اللباب في محاسن الآداب". # 39) "المحصل في كشف أسرار المفصل للزمخشري"، أربعة مجلدات. # 4)المعالم الدينية في العقائد الإلهية" في العقائد، مجلد. PageV00P012 # ============================================================ ~~الشهين شح معالمر العدل والنوحيد ~~4)"المعيار لقرائح النظار في شرح حقائق الأدلة الفقهية وتقرير القواعد القياسية". # 42)"المعيار" مجلد. # 43)"المنهاج الجلي في شرح جمل الزجاج" في النحو مجلدين. # 44)"النهاية في الوصول إلى علم حقائق علوم الأصول"، ثلاثة أجزاء. # 45)"الوعد والوعيد وما يتعلق بهما". # 46)"تصفية القلوب عن أدران الأوزار والذنوب"، تصوف. # 47) لاخطب الشهور والسنة". # 48) لخلاصة السيرةه تلخيص سيرة ابن هشام. # 49)"رأى الإمام يحيى في أبي بكر وعمر". # 5) "رسالة في بيان المصدر والحاصل له". # (5) "عقد اللآلي في الرد على أبي حامد الغزالي". # 52) "مختصر الأنوار المضيئة في شرح الأربعين حديث السليقية". # 53)"مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار". # 54)"مشكاة الأنوار للسالكين مسالك الأبرار". # 55 "انهاية الوصول إلى علم الأصول"، ثلاثة مجلدات. # 56) "انور الأبصار المنتزع من كتاب الانتصار". # 57) "وصايا الإمام إلى أولاده وزوجاته". # 58) "جواب مسائل وردت على الإمام". # 59)"التمهيد في علوم العدل والتوحيد"، ويسمى "التمهيد لأدلة مسائل التوحيد" ألفه في ~~سنة 733ه ويقع في 112 لوحة برقم 4 73 مكتبة الأوقاف الجامع. وذكر الحبشي PageV00P013 ~~============================================================ ~~EMPTY PAGE? PageV00P014 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الموضع الثاني: ~~"اوهو اختيار الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة عليه السلام أعني قدرة الله على اللطف ~~بالعصاة وأنه غير واجب عليه، فتبقى الآيات في التمدح بذلك على ظاهرها، ذكره الإمام في ~~كتاب "التمهيد" في أواثل الباب السابع في النبوات واحتج عليه، وهو قول الإمام الناصر ~~محمد بن علي عليهما السلام، وهو قول قدماء العترة كما ذكره صاحب الجامع الكافي". # الموضع الثالث: ~~"ولكن اكثر المعتزلة زعموا أن الله تعالى مريد لفعل جميع ما يقدر عليه من هداية ~~المكلفين واللطف بهم بل اعتقدوا أن ذلك واجب عليه، ولأجل اعتقادهم وجوبه عليه ~~قطعوا حين لم يفعله أنه غير قادر عليه تنزيها له من الإخلال بالواجب، وقد صرح الإمام ~~يحيى بن حمزة بإبطال قولهم في كتابه "التمهيد" في أوائل الباب السابع من ms007 النبوات على ~~ذلك، وهو قول جماعة من القدماء محمد بن منصور الكوفي والسيد أبو عبد الله الحسيني في ~~كتابه الجامع الكافي، وهو قول غير واحد ممن عاصرت من أثمتهم عليهم السلام" (1). # نسخ المخطوط: ~~للمخطوط نسخة مصورة في دار الكتب المصرية، وهي مصورة من المكتبة المتوكلية ~~اليمانية بالجامع الكبير بصنعاء، تحت رقم 61 رصيد عام علم كلام، ميكروفيلم 138، ب ~~28677، بعنوان "التمهيد لأدلة مسائل التوحيده. ومرتبة على مقدمة وعشرة أبواب، ~~والجزء المصور 112 لوحة، ولذلك فهذا الجزء لم يحتو على الأبواب العشرة وإنما انتهى في PageV00P015 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~منتصف الباب الخامس، ويلاحظ أن النسخة جميعها بخط قديم عدا نصف اللوحة الأخيرة ~~جاءت بقلم ختلف. # بدأت بعد البسملة ب "الحمد لله الذي لم يتناه في العقول فيكون في مهب فكرها مكيفا"، ~~وانتهت ب: "فلما تجلى الله بآياته للجبل جعله دكا. وهذا لا يفيد معنى الرؤية في حال، فبطل ~~ما توهموه من الآية...تم الجزء الأول من جزآين من التمهيد وصلى الله على محمد وآله ~~وسلم". # مقاس الصفحة 15223سم، عدد السطور 14، وصفت بأنها مجلد وليست مجموعة ~~ال ومصورة من خارج الدار، حالة النسخ سيئة، الأوراق بيضاء والكتابة سوداء، مجلدة بورق ~~مقوى تجليد حديث، مؤرخة بتاريخ 33لاه وهي من كتب الوقف يشير لذلك ختم عليها ~~يقول: "الحمد لله من كتب الوقف أمر مولانا الامام المتوكل على رب العالمين بوضعه ~~بمكتبة الجامع المقدس". # أما النسخة التي اعتمد عليها التحقيق فهي نسخة خاصة وفقت للحصول عليها بفضل ~~أحد الباحثين اليمنين والذي يعد رسالة الماجستير في فكر الإمام يحيى بن حمزة بكلية دار ~~العلوم بالقاهرة، فجزاه الله خيرا، وقد آثرتها لأنها نسخة كاملة للكتاب تضم الأبواب ~~العشرة وتشمل الجزأين، وقد استعنت بنسخة دار الكتب في مواطن كثيرة للتأكد من قراءة ~~بعض الكلمات غير الواضحة في الأصل، وسوف أثبت صورا من لوحات متعددة من ~~النسخة التي اعتمدها التحقيق، وأنقل ما جاء على دفتيها من تملكات أو تعليقات من ~~اصحابها. PageV00P016 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الصورة التي جاءت عليها ms008 صفحة الغلاف لنسخة دار الكتب ~~الجزء الأول من كتاب التمهيد لأدلة مسائل التوحيد ~~تصنيف المصقع القمقام شيخ مشايخ الكلام عالم العلماء تاج الحكماء إمام أهل الإسلام ~~وارث علم الأئمة الكرام عماد الدين جنف الملحدين معلي منار الدين لسان الموحدين مبين ~~الظلمة المعتدين أبي الحسين يحيى بن حمزة بن علي بن ابراهيم بن محمد بن إدريس بن جعفر ~~اال بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين ~~العابدين بن الحسين السبط بن علي الوصي بن أبي طالب عليه السلام وعلى آبائه أفضل ~~الصلاة والسلام. # وكان مولده سلام الله عليه في شهر صفر من شهور سنة تسع وستين وستمائة ~~تولى الله مكافأته ورفع في الدارين درجاته. # والحمد لله وحده وصلواته على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم عليهم أجمعين ~~ما وجدت على دفتي المخطوط المحقق: ~~1- وجدت في آخر المخطوط تمليك نصه: ~~(مالكه أفقر عباد الله إلى عفوه الراجي مغفرة ربه إبراهيم بن عبد الله بن أحمد بن ~~عبد الحميد بن عطية بن منبه الحجري). PageV00P017 # ============================================================ ~~السهيد ش معالمر العدل والنوحيل ~~2 - وانتقال للملكية نصه: ~~(انتقل بالشراء الصحيح الشرعي من مالكه إلى ملكي ول الهادي ابن أمير المؤمنين ~~بحيى بن حمزة عفى الله عنه وصلى الله على محمد وآله وسلم) ~~3 - ووجدت بعض الحكم والمواعظ مثل: ~~ان اللسان أملك شيء لأن من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه. # ال والسعيد من وعظ بغيره والشقي من شقي في بطن آمه. # )- ووجدت بعض الأشعار مثل: ~~اذاشنت آن تلتى عدوك راغا وتقتا ه حزنا وتحرق هغا ~~ام العلى وازدد من الاخير انه من ازداد علما زاد حاده ها ~~وهناك قصيدة كاملة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبها يدعى عبد الرحيم ~~راحلتي إلى منى تقادي شوقم يوم الرحيل ف ؤادي ~~رم وسارت عيكم يا وحشتى الشوق أزعي وصوت الحادي ~~فاذا وصلتم سالمين فبلفوا مني السلام لأهل ذاك الوادي ~~5- وهناك إشارة إلى المبلغ المدفوع ms009 في نسخ الكتاب وكم دفع منه وكم تبقى واسم ~~الناسخ واسم المجلد. # - وهناك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: PageV00P018 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~منقول من كتب الصحابة عن ابن عمر آن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~لاعلمني جبريل دعاء لا أحتاج معه إلى أدوية الأطباء قالوا: علمنا يا رسول الله قال: تأخذ ~~من ماء مطر لم يمسه سقف وتقرأ عليه فاتحة الكتاب سبعين مرة وآية الكرسي مثله ~~والاخلاص مثله وقل أعوذ برب الناس مثله وقل أعوذ برب الفلق مثله ولا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير مثله ثم تشرب ~~من الماء سبعة.00000: ~~7- وهناك بعض الفوائد منها: ~~عن الإمام الهادي يحيى بن الحسين في شروط المتعلم أربعة: ~~الأول أن يكون عارفا بقدر العلم وقدر أهل العلم وقدر الأمر بالعلم وقدر ما يؤدي ~~إليه العلم. # الثاني أن يكون مقصده ومعتمده بتعلمه وجه الله تعالى. # والثالث أن يكون راغبا راهبا حريصا مجتهدا في كل وقت وحين حتى لا تغرب شمس ~~يومه ونهاره إلا وقد خبر شيئا كان به جاهلا فيعمل به.......0 PageV00P019 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~صور من مخطوط التمهيد في شرح معالم العدل والتوحيد للإمام يحيى بن حمزة العلوي ~~(النسخة التي اعتمد عليها المحقق) PageV00P020 ~~============================================================ ~~ار العدل والنوحيد ~~19 ~~1 ~~48 ~~قلداوالل ~~0 ~~~~م ~~: ~~417 ~~. ~~1 ~~~~ودوز ~~2 ~~ه1 ~~تا ~~.. # 94 ~~ى ا رش ~~2 ~~1 ~~- ~~1م ~~2 ~~40 ~~~~24 PageV00P021 ~~============================================================ ~~السهي شح معالمر العدل والتورحيل ~~5 ~~ال مسلع ش ~~معرف بولهشا لاخاب ~~ك باه دنا بيه با ~~اخازطم لة نه لان فر ~~لة ~~تم نلة فبس ازكا يالظوقة مرن لعاله ب لا المهيا ~~اه عمه لايد اطفه ودا له بالبابة واشكن ال ~~بي ا لحان لالبر الله و لما ب لع ~~بلعا فا فباه ~~ب د ~~ش شتا ست د ما بد لا ال ~~بقة الله مه انه تلر بل يداله بايعا ~~ة الل ~~جنه باص ms010 ~~1 ~~الو ال اب ~~1 ~~اللا ملوله ~~3 ~~ا: لگنى ~~اللد ~~. السفلوم لنوع ولايبلرا ~~امالا برد بن شاب تلامه ل ~~3 PageV00P022 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والترحيل ~~ب ~~تمالوافالتم هاخ اللومنه ~~وافققهقالبا لولنهاجاها ~~ك د ~~.. # ب PageV00P023 ~~============================================================ ~~النهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~7 ~~يزت ~~معلا الهراوالك ~~العدراوالو ~~ش: ~~الالتبالماذ لالثلو ~~للهقالاهلي ~~ر ~~الحامالتعه يصو لال ~~2 ~~الروه انولكت ~~7 ~~وعالا ~~ها1 ~~6 ~~و1 ~~دافنا التلل السلم ~~اللاهوب) ~~6 ~~وعل اللة اللوال PageV00P024 ~~============================================================ ~~المهيد ش معالمرالعدل والتوحيل ~~بهية ~~3 ~~قدد ~~الل اب الم ~~اللالي ولنة عله فم طا مبتا د الر ~~ضفدا ~~3 ~~به بلاهن ~~قالتخمراتا ~~مد شانربشه با بماه ~~الد س تلسبه و بره م باعا اا ~~مالضما تيه مداي بميي الذر ا لاه ~~تلصمد السبيسه السي بطن لا ~~بسرت اليجمل النام زملى وسامر هالبلاك ~~ة مللت فللئو يا اه ~~2 ~~1 PageV00P025 ~~============================================================ ~~متن المخطوط PageV00P026 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الجزء الأول من كتاب التمهيد في شنرح معالم العذل والتوحيد(1) ~~تأليف السيد الإمام العلامة المنة غياث الأنام عماد الأيتام مثابة الإسلام فخر الزيدية(2) ~~الكرام وكعبة الشرعيين... عز العترة الأكرم أبي الحسين يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم ~~ال بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين ~~الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد الأمين وعلى آله الأكرمين وسلم تسليما. # العزة لله وحده (3). # مناك إحالة في الهامش بينت عدول المؤلف أو الناسخ عن تسمية الكتاب "التمهيد في مسائل العدل ~~والتوحيد إلى" التمهيد في شرح معالم العدل والتوحيد". # 2 - الزيدية هم أتباع الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم . ساقوا الإمامة في أولاد ~~فاطمة رضي الله عنها، ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم زاهد شجاع ~~سخي خرج بالإمامة أن يكون إماما واجب الطاعة سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين رضي الله ~~عنهما. وكان من مذهب الإمام زيد جواز إمامة المفضول مع قيام ms011 الأفضل فقال : كان علي بن أبي طالب رضيي الله ~~عنه أفضل الصحابة إلا أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها وقاعدة دينية راعوها، من تسكين ثاثرة ~~الفتنة وتطيب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريبا وسيف أمير المؤمنين على عن ~~دماء المشركين من قريش وغيرهم لم يجف بعد والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي. وقد بويع الإمام ~~زيد بالكوفة في أيام هشام بن عبد الملك، وكان زيد بن علي يفضل علي بن أبي طالب على سائر أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ويتولى أبا بكر وعمر ويرى الخروج على أثمة الجور، فلما ظهر بالكوفة في أصحابه الذين ~~بايعوه من يطعن في آبي بكر وعمر أنكر ذلك شديدا على من قاله منهم فتفرقوا عنه، فقاتل يوسف بن عمر فقتل ~~ودفن ليلا. ومنهم الجارودية أتباع أي الجارود وهم يطعنون في أبي بكر وعمر رضى الله عنهما، ومنهم السليمانية ~~أتباع سليمان بن جرير وهم يعظمون أبا بكر وعمر رضى الله عنهما ويكفرون عشمان رضي الله عنه. انظر ~~الشهرستاني: الملل والنحل 250/1، الرازي: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين 52/1. # 3 جاء في هامش اللوحة: " الإمام عماد الدين أودعه كل الغرائب طرا والبراهين". PageV00P027 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنتوحيل ~~بسم الله الرحمن الرحيم اللهم عونك ~~الحمد لله القيوم الذي لم يتناه في العقول فيكون في مهب فكرها مكيفا ولا انحصر في ~~الخواطر فيصير في زويانها محدودا مصرفا، المتعالي الذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع ~~حقيقته وحاول الفكر المبرأ من خطر الوساوس أن يقع على كنه معرفته وتولهت(1) القلوب ~~للاحاطة بكيفية صفاته وغمضت مداخل العقول لتنال علم ذاته ردعها وهي تجوب في ~~مهاوي سدف2) الغيوب متخلصة إليه، وكف أناسي أبصارها عن أن تناله وتقع عليه ~~فرجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه عظمته ولا تخطر ببال أولي ~~الزويات خاطرة من جلال عزته. # وأشهد ألا إله إلا الله أرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به ms012 آيات حكمته ما ~~اال دلنا باضطرار على قيام الحجة على معرفته فصار كل ما خلق حجة موصلة إليه ودليلا ~~اال واضحا بقدرته عليه، فحجته بالتدبير ناطقة ودلالته على المبدع قائمة، وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله الكاشف لما التبس من آياته والمتحمل لودائع رسالاته وعلى آله الطيبين. # أما بعد فإن شرف هذا العلم يظهر من أوجه خمسة: ~~اولها شرف المعلوم، ولا شك أن الغرض الأهم والمطلوب الأعظم من علم الكلام ~~معرفة الله تعالى وصفاته وحكمته، ولا شك أنه سبحانه أشرف المعلومات، فيجب أن ~~يكون العلم به أشرف العلوم. # 1- توطت أي احتارت وذهبت بلهفة كل مذهب. انظر القاموس المحيط مادة (وله). # - التدف محركة: الصبح، واقباله، وسواد الليل، ويطلق أيضا على اختلاط الضوء والظلمة معا، كوقت ما بين ~~طلوع الفخر إلى الإشفار. انظر القاموس المحيط مادة (سدف). PageV00P028 # ============================================================ ~~الشهيل شح معالمر العدل والنوحيل ~~ال وثانيها وثاقة الأدلة والبراهين، ولا شك أن الأدلة المستعملة في هذا العلم يجب أن ~~تكون مؤلفة من علوم ضرورية؛ ليعلم صحته بالضرورة ويعلم لزوم المطلوب عنه ~~بالضرورة، وذلك هو النهاية في القوة والوثاقة. # وثالثها شدة الحاجة إليه، ولا شك أن السعادة من أهم المطالب وأجل المقاصد، ثم إن ~~السعادة الأخروية لا يمكن اكتسابها إلا بالإيمان بالله ورسله واليوم الآخر، ولا يمكن ~~تحصيل ذلك كما ينبغي إلا بهذا العلم، وأما السعادة الدنيوية فلا يمكن تحصيل كمالها إلا ~~بانتظام أحوال العالم، وهو لا يكمل إلا بالرغبة في الثواب والرهبة من العقاب. # ورابعها: حاجة سائر العلوم الدينية إليه؛ لأن صحة كلها متوقفة على صحة هذا العلم؛ ~~لأنه ما لم يثبت أن لهذا العالم صانعا حيا عالما قادراكيف يتمكن الفقيه والمفسر والمحدث من ~~الشروع في علومهم. # فإذن ما عدا هذا العلم من العلوم الدينية محتاج إليه مع استغنائه عنه، وذلك يوجب ~~زيادة شرفه على شرف غيره. # وخامسها: أن شرف الشيء قد يستفاد من خساسة ضده، فإذا كان الخطأ في هذا العلم ~~كفر أو بدعة، وهما من أقبح الأشياء، وجب أن يكون إصابة الحق فيه ms013 من أشرف الأشياء، ~~فثبت بهذه الوجوه أن هذا العلم من أجل العلوم وأعلاها. # ثم إن مسارح النظر فيه طويلة، وطرقه واسعة الخطو ممتدة الحواشي، والمصنفات فيه ~~كثيرة، وأعظمها نفعا وأحمدها سعيا وأحواها للبغية وأجمعها للفوائد ما نيل منه الغرض ~~على قرب، وأحرز منه المقصود على سهولة، وكان حاصلا في ذروة التوسيط بعيدا عن ~~خطي الإفراط والتفريط وهذا الكتاب الغرض به الإشارة إلى زبد المسائل وخلاصة الأدلة ~~ومعتمد المذاهب ما عسى آن يكون مقنعا لمن وقف عليه وكافيا لمن استغنى به واعتمده PageV00P029 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~واستند إلية، ورجوت بذلك وجه الله تعالى والتقرب إليه في إرشاد متعلم، وتهذيب منتهى، ~~والله تعالى الموفق لاتمامه والمرجو لتثبيت القصد فيه بمنه وطوله. # ورتبته على مقدمة وعشرة أبواب. # المقدمة فيها فصول ثلاثة: ~~الفصل الأول في تعريفات الحقائق وأقسامها. # اعلم أن معنى الحد تعيين حقيقة متصورة في الذهن تصورا تفصيليا من غير أن يحكم ~~على تلك الحقيقة بنفي أو إثبات، ثم تلك الحقيقة إما ألا يحكم عليها بحكم وهو التصور، ~~واما أن يحكم عليها بنفي أو إثبات وهو التصديق، وفرق بين عدم الحكم والحكم بالعدم. # فصل: وتقسيم التعريفات لا ينفك عن أمور ثلاثة: ~~فالأول بأمور داخلة فيها ولا تقع إلا في الحقائق المركبة؛ لأنها إذا لم تكن مركبة لم يكن لها ~~جزء، وما لا جزء له لا يمكن تعريفه بجزئه، ثم إما أن يذكر جملة أجزاء الحقيقة أو بعضها، ~~فإن ذكر جملة أجزاء الحقيقة فهو الغاية في كمال الماهية، وإن كان المذكور بعضها كان إن أفاد ~~تييز تلك الحقيقة عن غيرها فمقبول، وإلا فهو مردود باتفاق. # الثاني بأمور خارجة عنها، ويكون في المركبة والمفردة فهذا أعم من الأول ويسمى ~~بالرسم الناقص، وشروطه ثلاثة: ~~الا ينفك عن ملازمة الحقيقة. ويمتنع حصوله لغيره. ويكون أسبق إلى العقل منها. # الثالث بمجموع أمور بعضها داخل فيها وبعضها خارج عنها، وهذا القسم لا يكون إلا ~~في الحقائق المركبة. PageV00P030 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~فصل: وتنقسم الحقائق إلى مركبة ومفردة، ms014 ونعني بالمركب ما تلتئم حقيقته من عدة ~~أامور، ولا بد في المركبة من أن تنتهي إلى حقيقة مفردة، وإلا كانت أجزاء الحقيقة بلا نهاية، ~~فيلزم معرفة المفردة ضرورة، ثم إذا تحققت المركبة كان ثبوت كل واحد من أجزاء تلك ~~الحقيقة أصلا في ثبوت تلك الحقيقة، وعدم كل واحد منها أصلا في عدمها، والمفردة هي ~~التي لا جزء لها، ثم تلك الحقائق إما أن تكون كلها غنية عن الاكتساب وهو محال؛ لأن ~~العلم بحقيقة الجسم والعرض وغيرهما غير غني عن الاكتساب، وإما أن تكونه كلها ~~محتاجة إلى الاكتساب وهو محال أيضا؛ لافتقارها إلى موضوعات متناهية، وهو الدور. أو ~~الى موضوعات غير متناهية وهو التسلسل، فإذا بطل هذان القسمان تعين الثالث، وهو أن ~~بعضها غني والثاني محتاج ~~فصل: والحقائق الغنية عن الاكتساب على نوعين: محسوس كالألم والسواد؛ لأن كل ما ~~يذكر في تعريفها فهو أخفى بكثير منها، وقد ذهب جمع من المتكلمين إلى تعريفها، وذكروا ~~في تعريفها أمورا هي آغمض منها. وغير محسوس كالعلم، واختلاف الناس في تعريفه ليس ~~لخفاء حقيقته بل لبلوغه في الوضوح إلى حد لا يمكن تعريفه. # وبيانه بوجهن: ~~أحدهما أنا نعلم وجود أنفسنا بالبديهة، ومن علم شيئا بالبديهة أمكنه أن يعلم بالبديهة ~~كونه عالما بذلك الشيء، والعلم بكونه عالما بذلك الشيء مسبوق بالعلم بحقيقة العلم، ~~فإذن العلم بحقيقة العلم سابق على علم البديهي، والسابق على البديهي أولى أن يكون ~~بديهيا، فإذن العلم بحقيقة العلم بديهي: ~~وثانيهما أن ما عدا العلم إنما تنكشف حقيقته بواسطة العلم، فما يكون كاشفا لكل ما ~~عداه كيف لا تكون حقيقته منكشفة بنفسها. PageV00P031 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~فصل وأحكام التعريفات ثلاثة: ~~أحدها أن يكون التعريف مميزا لتلك الحقيقة عن غيرها ذاتيا كان أو عرضيا. # وثانيها أن العالم بالحد يجب أن يكون عالما بالمحدود، والجاهل بالحد يجب أن يكون ~~جاهلا بالمحدود. # وثالثها الحد لا يمكن منعه؛ لأن الحد كما ذكرنا إشارة إلى تصور الحقيقة، والمنع لا يمكن ~~ان يقع في نفس تصورها وإنما يقع ms015 في حصولها وعدم حصولها، وذاك أمر آخر. # الفصل الثاني في تقسيم الأدلة: ~~ال واعلم أن كل ما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر كان دليلا عليه. ثم هي منحصرة في ~~أقسام ثلاثة: ~~القسم الأول منها الاستدلال بطريقة التلازم، وهو إذا كان شيئان يكون أحدهما لازما ~~للآخر أمكن الاستدلال بوجود الملزوم على وجود اللازم، وبعدم اللازم على عدم الملزوم، ~~وإلا بطل اللزوم، لكن لا يمكن الاستدلال بعدم الملزوم على عدم اللازم ولا بوجود ~~اللازم على وجود الملزوم؛ لاحتمال أن يكون اللازم أعم من الملزوم. # وبيانه أنا نستدل بوجود الثقل على وجود الكون في الجهة وبعدم الكون على عدم الثقل، ~~ولا يمكن أن نستدل بعدم الثقل على عدم الكون، ولا بوجود الكون على وجود الثقل، لما ~~كان حصول الكون أعم من حصول الثقل، ثم إن التلازم لا ينفك عن أنواع ثلاثة: ~~النوع الأول الاستدلال بالأثر على المؤثر، وهو ضربان: PageV00P032 ~~============================================================ ~~الشبيد شح معالر العدل والتوحيل ~~أحدهما أن يكون حصوله بطريق الايجاب كدلالة المعلولات على عللها ودلالة المسببات ~~على أسبابها. # وثانيهما أن يكون حصوله بطريق الاختيار، وذلك كاستدلالنا بوقوع بعض الأفعال على ~~كون فاعله قادرا عليه. # النوع الثاني الاستدلال بالمؤثر على الأثر، وهو أيضا ضربان: ~~أحدهما أن يكون تأثيره بطريق الايجاب، وذلك كاستد لالنا على كونه مدركا بكونه حيا. # ال وثانيهما أن يكون تأثيره بطريق الاختيار، وذلك كاستدلالنا بكونه تعالى عالما بقبح ~~القبيح وغنيا عن فعله على أنه لا يفعله، وبكونه عالما بوجوب الواجب عليه وقادرا عليه ~~على وجوب حصوله من جهته. # النوع الثالث الاستدلال بنوع من التلازم من غير أن يكون أثرا ولا مؤثرا، وهو ضربان: ~~أاحدهما أن يكونا معلولين عن علة واحدة من غير شرط، فمتى علمنا أحدهما لا شك ~~أنا نعلم الآخر. # وثانيهما أن يكونا معلولين عن علتين متلازمتين من غير شرط، فمتى سبق لنا العلم ~~بأحدهما علمنا الآخر لا محالة. # القسم الثاني التقسيم المتردد بين النفي والإثبات ~~فإنه يلزم من إثبات أحدهما كان نفي الآخر ومن نفي أحدهما كان ms016 إثبات الآخر. # القسم الثالث التمسك بالسمعيات، وهي بالاضافة إلى ماتدل عليه على ثلاثة أقسام: PageV00P033 ~~============================================================ ~~السبيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~القسم الأول ما لا يمكن العلم به من جهة السمع، وذلك كل ما يتوقف العلم بصحة ~~السمع على العلم به، فما كان كذلك استحال تصحيحه بواسطة السمع، وذلك كالعلم ~~بعالمية الصانع وحكمته والعلم بصدق الرسول. # القسم الثاني ما لا يمكن العلم به إلا من جهة السمع، وذلك كالعلم بأحكام الآخرة ~~ال وسائر الأمور الجائزة التي لا يفضي العقل فيها بصحة ولا إحالة، فهذه الأمور إذا دل ~~الشرع على شيء منها وجب قبوله. # القسم الثالث ما يمكن العلم بها بواسطة العقل والسمع جميعا، وذلك نحو مسألة ~~الرؤية والوحدانية؛ لأن صحة السمع لا تقف عليها. # فحصل من مجموع ما ذكرنا أن القسم الأول لا يمكن العلم به من جهة السمع؛ ~~لإفضائه إلى الدور، وأن القسم الثاني لا يمكن الوصول إليه إلا بواسطة السمع إذ لا مدخل ~~للعقل فيه، وأن القسم الثالث يمكن العلم به من جهة العقل والسمع جميعا. # الفصل الثالث في مسالك المتكلمين الفاسدة ~~وهي خمس: ~~الأولى قولهم: الشيء الفلاني لا دليل عليه، وما لا دليل عليه وجب نفيه. # أما أنه لا دليل عليه فيقررونه بوجهين: ~~أما أولا فبنقل أدلة المثبتين لذلك الشيء، ثم بيان فسادها وضعفها. # وأما ثانيا فيتكلمون على حصر وجوه الأدلة وأن شيئا منها لا يدل عليه. فإذا قيل لهم ~~بعد ذلك: لعل وراء ما ذكرتموه دليلا عليه. قالوا: لا طريق إليه. PageV00P034 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وأما أن ما لا دليل عليه وجب نفيه فيثبتونه بوجهين: ~~أما أولا فتجويز ذلك يؤدي إلى القدح في العلوم الضرورية؛ لجواز أن يكون بين أيدينا ~~جبال شامخة وأصوات هائلة ونحن لا ندركها، لجواز أن يكون الله تعالى قد خلق في أعيننا ~~مانعا عن إدراكها. # ال وأما ثانيا فتجويز ذلك يؤدي إلى فساد العلوم النظرية؛ لأنا إذا جوزنا دليلا علميا فلعل ~~في بعض مقدماته خللا ولم نقف عليه نحن ولا غيرنا، ودفع هذا ms017 الاحتمال يكون بدليل ~~آخر، والكلام فيه كالكلام في الأول، إلى غير غاية وهو محال. # وهذه الطريقة ضعيفة؛ لأن قولهم في الشيء الفلاني أنه لا دليل عليه إما أن يعنوا أنهم لم ~~يعلموا دليل ثبوته أو أنه لا دليل عليه في نفس الأمر. # فإن عنيتم الأول كان حاصل كلامكم الشيء الفلاني لا نعلم دليل ثبوته، وكل ما لا ~~نعرف دليل ثبوته وجب نفيه. فعلى هذا التقدير تكون المقدمة الأولى حق لكن المقدمة الثانية ~~تكون ظاهرة الفساد؛ لأنه لو كان عدم علم الإنسان بدليل ثبوت شيء دليلا على عدم ذلك ~~الشيء للزم من هذا أن يكون العوام كلهم جازمين بنفي الأمور التي لا يعلمون دليلا على ~~ثبوتها، ويلزم أن يكون المنكرون للصانع والتوحيد والنبوة قائلين بنفيها لانتفاء علمهم ~~بأدلة هذه الأمور، بل يلزم أن يكون الإنسان كلما كان أقل علما بالدلائل أن يكون أكثر ~~علما، وفساد هذا ظاهر ~~ال وإن عنيتم الثاني كان حاصل كلامكم: الشيء الفلاني لا دليل على ثبوته في نفس الأمر، ~~وكل ما كان كذلك وجب نفيه. لكن المقدمة الأولى لم تتضمن بطلان أدلة المثبت، ثم لو ~~سلمنا أنها تتضمن بطلانها فلا يلزم من بطلان أدلة المثبت ألا يكون ذلك الشيء ثابتا؛ لجواز PageV00P035 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~ثبوته بدليل غير معلوم للمثبت، ثم لو قدرنا أنه لا دليل عليه للمثبت ولا لغيره فلم يجب ~~قالوا: يؤدي إلي القدح في العلوم الضرورية. قلنا: العلم بعدم كون الجبل بحضرت إما ~~أن يكون متوقفا على العلم بأن ما لا دليل عليه وجب نفيه أو لا يتوقف، فإن كان متوقفا ~~عليه لم يمكن حصول العلم بألا جبل بحضرت إلا بعد حصول العلم بأن ما لا دليل عليه ~~وجب نفيه، ويلزم منه محالان: ~~أحدهما أنه إذا كان العلم بعدم كون الجبل بحضرت متوقفا على العلم بأن ما لا دليل ~~عليه وجب نفيه فحينثذ يكون العلم بعدم كون الجبل بحضرتي نظريا مستفادا من دليل، ~~فيلزم من القدح فيه القدح في العلم الضروري:. # وثانيهما أنه ms018 إذا كان العلم بعدم كون جبل بحضرت متوقفا على العلم بأن ما لا دليل عليه ~~وجب نفيه، وهذا القائل قد بنى قوله في أن ما لا دليل عليه وجب نفيه على أن القدح فيه ~~يفضي إلى تجويز كون الجبل بحضرت، فحينثذ يلزم الدور. # وأما إن لم يكن العلم بعدم الجبل بحضرتي متوقفا على العلم بأن ما لا دليل عليه وجب ~~نفيه لم يلزم من عدم العلم بأن ما لا دليل عليه وجب نفيه زوال العلم بأن لا جبل ~~بحضرت، فإن ما لا يتوقف على حصول غيره لم يلزم من عدمه عدمه. # قالوا: يؤدي إلى القدح في العلوم النظرية؛ لاحتمال أن يكون هناك غلط غير معلوم في ~~بعض مقدماته. # قلنا: إن الدليل إنما يفيد العلم إذا كانت مقدماته بديهية أو لازمة للبديهية، فعند ذلك ~~يكون العلم يقينا لا يمكن تجويز الخلل في شيء من مقدماته. فأبن أحدهما عن الآخر. PageV00P036 # ============================================================ ~~الشهيد شرح معالمر العدل والتوحيد ~~الطريقة الثانية: القياس، وهي تستدعي أركانا أربعة: الأصل. والفرع. والعلة. والحكم. # فإنه متى ثبت أن الحكم في محل الوفاق معلل بعلة ثم وجدنا تلك العلة في محل النزاع لزم لا ~~محالة ثبوت الحكم في محل النزاع. والمعتمد في تقرير هذه الطريقة بيان أن الحكم في الأصل ~~معلل بالعلة الموجودة في الفرع، ولهم على إثبات علة الأصل دليلان: ~~الأول الطرد والعكس، كما قال أصحاب أبي هاشم(1)؛ استدلالا على إثبات الصانع ~~بالقياس، قالوا: إن أفعالنا محتاجة إلينا لوقوعها على حسب قصودنا ودواعينا بقاء وإتيانا، ~~وحاجتها إلينا إنما هو في حدوثها؛ لأنه الذي يقف على قصودنا ودواعينا وجودا وعدما، ~~فيجب أن تكون الحاجة معللة، فما شاركها في العلة وجب مشاركته في الحكم، فإذا قيل لهم: ~~لم لا تكون الحاجة معللة بأمر آخر؟ قالوا: لا دليل عليه. # الثاني: السبر والتقسيم، نذكر أقساما غير منحصرة مثل ما قاله الأشعرية: السواد إنما ~~كان مرئيا؛ لأنه موجود، والله تعالى موجود، فيجب أن يكون مرثيا. ثم يحتج على آن علة ~~صحة رؤية السواد هو الوجود ms019 بأن علة هذه الصحة إما كونه سوادا أو لونا أو عرضا أو ~~محدثا، فإذا بطلت هذه الأقسام سوى الوجود ثبت أن علة صحة الرؤية هو الوجود. # فإذا قيل لهم: لعل وراء ما ذكرتموه أمرا آخر يمكن تعليل هذه الصحة به. قالوا: لا دليل ~~عليه: ~~واعلم أن مدار هذين الأمرين في إثبات علة الأصل على أن ما لا دليل عليه وجب نفيه، ~~وقد سبق الكلام عليه. # - عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان الجبائي أبو هاشم (321ه)، من ~~أبناء أبان مولى عشمان: عالم بالكلام، من كبار المعتزلة. له آراء انفرد بها، وتبعته فرقة سميت "البهشمية" نسبة إلى ~~كنيته أبي هاشم. الزركلي: الأعلام 7/4، كحالة: معجم المؤلفين 5/ 230 . PageV00P037 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنورحيل ~~قالوا: لو جاز فيما يدور على الشيء وجودا وعدما إسناده إلى غيره لزم إسناد المتحركية ~~الى غير الحركة، وهذا يفتح باب التشكيك في العلل والمعلولات. # قلنا: المتحركية هي نفس الحركة؛ لأنا لا نقول بالعلة والمعلول، ثم لئن سلمنا فالفرق ~~ظاهر، لأنا لا نريد بالحركة إلا الأمر المؤثر في المتحركية. # فإذا قيل لنا: جوزوا إسناد المتحركية إلى غير الحركة، فكأنه قال: جوزوا أن يكون المؤثر ~~في المتحركية غير ما هو المؤثر فيها، وفساد هذا ظاهر. # الطريقة الثالثة استدلالهم على تساوي الشيئين في بعض الوجوه على تساويهما مطلقا. # ولنذكر لذلك مثالين: ~~أولهما استدلال أصحاب أبي هاشم على بطلان المعاني القديمة بأنه لو ثبت قيام معاني ~~قديمة بذات الله تعالى لكانت تلك المعاني مساوية للذات في القدم، وكل شيئين متساويين ~~في القدم يجب تساويهما في جميع الوجوه، فلزم أن تكون الذات مثلا للمعاني وأن يكون كل ~~واحد منهما مثلا للآخر، وحينئذ لا يكون قيام المعنى بالذات أولى من العكس. # وثانيهما استلاهم على بطلان كونه تعالى عالما بعلم لكان ذلك العلم متعلقا بما تعلق به ~~علم الواحد منا، وعند ذلك يكونان متساويين في كون كل واحد منهما متعلقا بذلك ~~المعلوم، فيلزم تساويهما مطلقا، ثم يلزم ms020 من حدوث علمنا حدوث علمه آو من قدم علمه ~~قدم علمنا، وهو محال. # وهذه الطريقة تضعف لوجهين: PageV00P038 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~أما أولا فلأن المتمسك بها إما أن يدعي أن المشتركين في أمر يجب اشتراكهما من كل ~~الوجوه حتى يكونا مثلين أو لا يدعي ذلك. # فإن ادعى ذلك ظهر فساده. فإن الضدين اشتركا في كون كل واحد منهما مضادا للآخر، ~~ال والمختلفين اشتركا في كون كل واحد منهما مخالفا للآخر، ولم يلزم تماثلهما مطلقا. وأما إن ~~يسلموا أنه لا يلزم من اشتراكهما في بعض الوجوه تماثلهما سقط ما ذكروه بالكلية. # فإن زعموا أنه إنما يقتضي التمائل إذا كان خاصا. قلنا: إن أردتم بالخصوصية كونه ذاتيا، ~~بطل؛ لصحة كون الشيء معلوما، وإن أردتم به أنه حقيقة في معقول الذات فأقيموا برهانا ~~على ذلك، وإن أردتم بالخصوصية هو أن هذه الصفة وهي القدم لا تحصل لغير هذه الذات ~~ففيه وقع النزاع، وإن أردتم معنى آخر غير ما ذكرناه فأظهروه حتى ننظر في صحته ~~وفساده. # وأما ثانيا فلأن صريح العقل لا يستبعد وجود شيئين لا أول لكل واحد منهما مع أن ~~حقيقة كل واحد منهما مخالفة لحقيقة الآخر، وكذلك لا يستبعد تعلق أمرين بشيء واحد مع ~~أن حقائقهما في نفس ذاتيهما مختلفة. # الطريقة الرابعة وهو آنهم متى أرادوا نفي عدد متناه قالوا: إنه ليس عدد أولى من عدد، ~~فيلزم إما إثبات أعداد لا نهاية لها أو نفي العدد أصلا. ونحن نورد بعض المسائل التي ~~يستعملون هذه الطريقة فيها، ونذكر منها مثالين: ~~أولهما أنهم احتجوا على أن العلم الحادث الواحد لا يتعلق بأكثر من معلوم واحد بأن ~~قالوا: لو تعلق بمعلومين لم يكن تعلقه بذلك أولى من تعلقه بثلاثة وأربعة فيلزم تعلقه بما لا ~~نهاية له إذ ليس عدد أولى من عدد، وهو محال. PageV00P039 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~ال وثانيهما أنهم ذكروا أن القدرة الواحدة في الحس والوقت والمحل والوجه لا تتعلق إلا ~~بمقدور واحد، إذ لو تعلقت بمقدورين للزم تعلقها بما ms021 لا نهاية له من المقدورات، إذ ليس ~~عدد أولى من عدد. # وهذه ضعيفة؛ لأن لقائل أن يقول: قولكم إنه ليس عدد أولى من عدد إما أن تريدوا به ~~أنه ليس عند المثبت لذلك العدد المعين دليل يعلم به أن بعض تلك الأعداد أولى من بعض، ~~ال وإما أن تريدوا به أنه لا يمكن في العقل أن يكون أحد العددين ممتازا عن الآخر بما لأجله ~~يكون أولى من عدد آخر. فإن عنيتم الأول فهو حق ولا نزاع فيه، ولكن لا يلزم من عدم ~~العلم بالمرجح عدم الترجيح، اللهم إلا أن يقال إنه لا دليل عليه، فيجب نفيه، وقد قدمنا ما ~~وان عنيتم الثاني فهذه دعوى لا بد من تصحيحها بالدلالة، فلم لا يجوز أن يكون وجود ~~الثاني حاصلا مع أن وجود الثالث يكون محالا ؟ وإن كنا لا نعرف ما لأجله صح وجود ~~الثاني وامتنع وجود الثالث. # ل ولا يمكن أن يقال: إن الثالث مثل الثاني بالإضافة إلى المتعلق، فلو صح حصول الثاني ~~وجب حصول الثالث؛ لأنا نقول: إن كان ما ذكرتموه حقا فيلزم من وجوب الأول وجوب ~~الثاني؛ لكون الثاني مثلا للأول، فإن لم يلزم ذلك لم يلزم ما ذكرتموه، ولو صح ذلك أنه إذا ~~جاز وجود علم خاصيته التعلق بمعلوم واحد على التعيين جاز آيضا وجود علم خاصيته ~~التعلق بمعلومين فقط. وصريح العقل لا يستبعد ذلك، ألا ترى أن العلم المتعلق بمضادة ~~السواد للبياض متعلق بالسواد والبياض، فقد وجدنا علما متعلقا بمعلومين مع أنه لا يجب ~~ان يتعلق بجميع المعلومات، وإذا ثبت ذلك بطل قولهم: إنه يلزم من وجوب عدد معين ~~أعداد لا نهاية لها. PageV00P040 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~وأيضا فان العالم يصح تقدم أحداثه على الوقت الذي حدث فيه بوقت واحد وبوقتين ~~وثلاثة أوقات مع أنه لا يصح تقديم أحداثه على الوقت الذي حدث فيه بأوقات لا نهاية ~~لها، فعلمنا أنه لا يلزم من صحة وجود ما يكون أزيد من الواحد صحة وجود ما لا نهاية ~~الطريقة الخامسة ms022 وهي الطرد والعكس المفردان. # فهذه هي طريقة الأشعرية لأنهم يستدلون تارة بقياس العكس وتارة بقياس الطرد. # أما صورة قياس العكس فنذكر منه مثالين: ~~أحدهما استد لالهم في خلق الأعمال بأن العبد لو كان قادرا على الإيجاد لكان قادرا على ~~الإعادة، ولما لم يكن قادرا على الإعادة لم يكن قادرا على الايجاد، قياسا على البارى تعالى، ~~فإنه لما كان قادرا على الإيجاد كان قادرا على الإعادة، ولما لم يكن العبد قادرا على الإعادة ~~وجب أن لا يكون قادرا على الإيجاد: ~~ال وثانيهما استدلالهم أيضا على أن الاستطاعة لا تتقدم الفعل، بأن قالوا: لو جاز تقدم ~~القدرة في حقنا على المقدور بوقت واحد جاز تقدمها عليه بأوقات كثيرة، قياسا على قادرية ~~الله تعالى. فإنها لما تقدمت الفعل بوقت واحد جاز تقدمها عليه بأوقات، ولما لم يجز تقدم ~~قدرة العبد على الفعل بأوقات لم يجز تقدمها عليه بوقت واحد. # اال و أاما صورة قياس الطرد. فتارة تكون في الإثبات وتارة تكون في النفي: ~~أما الاثبات فكاستد لالهم على أن الله تعالى عالم بعلم، بأن قالوا: أجمعنا على أن الله تعالى ~~مريد بإرادة فيجب أن يكون عالما بعلم. PageV00P041 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنرحيل ~~وأما في النفي فكاستد لالهم على أن النظر لا يولد العلم، بأن قالوا: أجمعنا على أن بذكر ~~النظر لا يولد العلم، فيجب في نفس النظر ألا يكون مولدا له. # واعلم أن هذا النوع من الاستدلال ركيك جدا لا يصلح أن يكون حجة ولا لإفادة ~~يقين ~~وبيان ذلك أن للخصم أن يقول: أنا إنما اعترفت بالحكم في محل الوفاق لعلة غير ~~ال موجودة في محل النزاع، فإن صحت لي تلك العلة بطل القياس لظهور الفارق، وإن بطلت ~~تلك العلة منعت الحكم في محل الوفاق. # وعلى الجملة فهذه الحجة مترددة بين منع الحكم في الأصل وبين ظهور الفارق بينه وبين ~~الفرع، وكل واحد منهما يبطل الحجة. # ال والنحقق هذا الكلام في الأمثلة التي أوردناها: ~~فنقول: إنما منعنا من اقتدار العبد على الإعادة لأمر ms023 لا يوجد في الايجاد، وذلك لأن ~~العبد لو قدر على الإعادة لكان اقتداره عليها إما بالقدرة التي كانت متعلقة بإيجاد ذلك ~~الشيء أو بقدرة أخرى، فالأول باطل؛ لأن تلك القدرة لها بحسب كل وقت مقدور على ~~فلو تعلقت في بعض الأوقات باعادة ما عدم وهي في ذلك الوقت متعلقة بايجاد مقدور ~~آخر كانت القدرة الواحدة في الوقت الواحد في المحل الواحد على الوجه الواحد متعلقة ~~بايجاد مقدورين، وذلك يقتضي تعلق القدرة بمقدورات لا نهاية لها؛ لأنه ليس عدد أولي من ~~عدد، وذلك يقتضي بطلان التفاوت بين القادرين، وهو باطل. PageV00P042 # ============================================================ ~~الشسهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~وأما إن كانت القدرة المتعلقة بالإعادة غير القدرة المتعلقة بالايجاد، فحينئذ تكون ~~القدرتان متعلقتين بمقدور واحد، فيلزم وجود مقدور بين قادرين، وهو محال. # فهذه الأصول التي قررناها ساقتنا إلى الحكم باستحالة اقتدار العبد على الإعادة، وهي ~~غير موجبة للحكم بامتناع اقتداره على الايجاد، فإن كانت صحيحة ظهر الفرق بين الايجاد ~~والاعادة، وإن فسدت منعت الحكم في الأصل، وجوزت اقتدار العبد على الإعادة. # وهكذا نقول في قولهم: إنه لما كان مريدا بإرادة وجب أن يكون عالما بعلم. فإنا إنما ~~حكمنا بتعليل المريدية بالإرادة؛ لأن عندنا المريدية صفة جائزة، والصفة الجائزة معللة، ~~والعالمية صفة واجبة، والواجب لا يعلل. # فإن صحت هذه الأصول ظهر الفرق، وإن فسدت منعنا الحكم في الأصل وهو كون ~~المريدية معللة بالإرادة، وهكذا القول في بقية الأمثلة. # وظهر بما قررناه أن مثل هذا الاستدلال لا يصلح أن يكون حجة. # فهذا هو الكلام في المقدمة ونشرع الآن في المقصود. # الباب الأول في النظر (1) ~~القول في الرد على منكري الحقائق من أهل السفسطة ~~وقد أنكروا الحقائق وجحدوها وهم فرق ثلاث. # ا- جاء في الهامش حاشية توضح معنى النظر: "لقظة النظر مقولة بالاشتراك على المقابلة والانتظار وتحديق ~~العين وفكر الذات وهو المراد هاهنا. وفي مصطلح النظار من أهل الصناعة: ترتيب مقدمات اعتقادية أو ظنية ~~ليتوصل بها إلى الوقوف على الشيء باعتقاد أو ظن. PageV00P043 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الفرقة ms024 الأولى تسمى باللاإدرية، وهم الذين لا يقرون بنفي شيء ولا بثبوته، بل يتوقفون ~~في كل الأقسام. # الفرقة الثانية تسمى العنادية، وهم الذين يعاندون فيقولون: نقطع بألا موجود أصلا. # الفرقة الثالثة تسمى بالعندية، وهم الذين يقولون بأن حقائق الأشياء تابعة للاعتقادات ~~ال وليس لها في أنفسها حقيقة، فمن اعتقد في العالم أنه قديم كان قديما في حقه، ومن اعتقده ~~محدثا فهو كما اعتقده، ولهم شبه ركيكة. # الأولى قالوا: الاعتماد على المحسوسات، فيجب ألا نعتمد على البديهيات. بيان أنه لا ~~اعتماد على المحسوسات أن العلم الضروري حاصل بأن زيد المشاهد في أول النهار هو ~~المشاهد في آخره، مع الاتفاق على أن الله تعالى يجوز أن يكون قد خلق شخصا مثل زيد في ~~جميع الوجوه، ومع هذا التجويز لا يكون ذلك العلم صحيحا، فإذا بطل الاعتماد على ~~المحسوس بطل الاعتماد على البديهي؛ لأنهما في الظهور على سواء. # الثانية: إن النائم يشاهد صورة يقطع بها ويتحقق وجودها حال نومه ثم يظهر له من بعد ~~أن الذي شاهده في الحالة الأولى كان خيالا باطلا، فإذا جاز ذلك جاز أن يكون الذي ~~شاهده في اليقظة أيضا خيالا باطلا لا حقيقة له. # الثالثة قالوا: إنا نجد الصفراوى(1) يدرك السكر في فمه مرا وغير الصفراوي يجده حلوا ~~كما هو، وهذا يدل على أن الحقائق تابعة للادراكات وليس لها حقيقة في نفسها. # والجواب أن العلماء مختلفون في صحة مناظرتهم، فالمحققون على أنه لا معنى لمناظرتهم لأمور: ~~- هو إما نسبة إلى الصفر وهو داء يصيب المعدة يضفر له وجه الإنسان والذي ورد في قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "لا صفر1، أو هو نسبة إلى الصفار بمعنى الجوع القاموس المحيط مادة صفر. PageV00P044 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالر العدل والتوحيد ~~أما أولا فلأن المناظرة استفادة أمور مجهولة بواسطة أمور معلومة، فإذا كانت تلك ~~الوسائط غير متحققة الثبوت فلا معنى للمناظرة. # وأما ثانيا فلأن البدائه كلها والمحسوسات أصل في صحة النظر، وهم منكرون لها ~~بأجمعهم، فكيف يمكن الشروع في مناظرتهم مع إنكارها. # ال وأما ms025 ثالثا فلأن النظريات في غاية الدقة والخفاء لمن تأمل، فإذا أنكروا الجليات من ~~المشاهدات وغيرها فكيف يرجى فلاحهم فيما هو أغمض منها وأدق. # نعم نعد عليهم آمورا لا بد لهم فيها من الاعتراف بثبوتها، فاسألهم عنها حتى يظهر ~~كذبهم في إنكارهم حقائق الأشياء، وذلك مثل أن تقول لهم: هل تميزون بين الدخول في ~~النار والدخول في الماء، وهل قميزون بين الايلام بالتقطيع وشرب الماء البارد، وهل تميزون ~~بين مذهبكم وبين ما يناقضه فإن قالوا: لا. ظهرت مكابرتهم، وعند هذا لا يستحقون إلا ~~الايجاع والايلام، وإن اعترفوا سقطت سفسطتهم. # فأما الشبه التي أوردوها فالصحيح أنها لا تستحقق جوابا؛ لأن الجواب عن بيان الخطأ ~~الذي لأجله وقع الغلط في المطلوب، ولما استحال وقوع الخطأ في المطلوب لم تكن الشبه ~~مستحقة للجواب، ومع ذلك فإنا نشير إلى مآخذ الأجوبة فيها. # أما ما ذكروه أولا فالمحسوس هو وجود هذا المشاهد وذلك لا شك فيه، فإما أن هذا ~~الذي شوهد هو الذي شوهد في أول النهار فليس ذلك أمرا محسوسا، فالخطأ فيه لا يكون ~~خطا في المحسوس: ~~ال و أما ما ذكروه ثانيا في النائم فإنا نجد من أنفسنا ضرورة أن هذا الكلام لا يشككنا في ~~علمنا بوجود أنفسنا وآلامنا ولذاتنا، ولا فرق أقوى مما يجده الإنسان من نفسه. PageV00P045 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~وأما ما ذكروه ثالثا فإن الذي يختلف بحسب اختلاف الأشخاص إنما هو الأمور ~~الإضافية، فأما حدوث العالم وقدمه وإثبات الصانع وسائر الحقاثق فهي أمور حقيقية، ~~فيستحيل اختلافها. # فأما الصفراوي فإنما وجد السكر مرا لما كان في فيه مرارة، فلما خالطها السكر تغير ~~طعمه بسببها، وبالجملة فإن ما ذكروه لا يشككنا في العلوم الضرورية القطعية وسائر ~~الحقائق المتيقنة. # القول في جنس النظر وكونه مفيدا للعلم. # أما جنسه فقد اضطربت فيه الآراء، فالذي ذهب إليه أصحاب أبي هاشم أن النظر ~~جس، وأنه مغاير للعلم والاعتقاد والإرادة، وأنه مولد للعلم. وعند الأشعرية أنه تردد في ~~أنحاء العلوم الضرورية، وزعموا آن حصول العلم عقيبها بمجرى ms026 العادة من جهة الله ~~تعالى. وذهب الفلاسفة إلى أن النظر أسباب معدة لصيرورة النفس الناطقة مستعدة ~~استعدادا تاما لفيضان العلوم، وزعموا أن حصول تلك العلوم من جهة العقل الفعال. # والذي ذهب إليه الشيخان أبو الهذيل (1) وأبو الحسين(2) أن النظر استحضار العلوم ~~الضرورية، وأنها هي الموجبة له، وهو المختار، ويدل عليه أنا إذا جربنا أنفسنا لم نجد للفكر ~~ا- محمد بن محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدى، مولى عبد القيس، أبو الهذيل العلاف (235ه): من ~~أئمة المعتزلة. ولد في البصرة واشتهر بعلم الكلام، ورد على المجوس واليهود والمشبهة والملحدين والسوفسطائية. # قال المأمون: أطل أبو الهذيل على الكلام كاطلال الضمام على الأنام. له مقالات في الاعتزال ومجالس ومناظرات. # وكان حسن الجدل قوي الحجة سريع الخاطر، كف بصره في آخر عمره، وتوفي بسامراء. الزركلي: الأعلام ~~131/7، كحالة: معجم المؤلفين 12/ 92. # 2 محمد بن علي الطيب أبو الحسين البصري (436 ه): أحد أنمة المعتزلة، ولد في البصرة وسكن بغداد وتوني ~~بها. قال الخطيب البغدادي: له تصانيف وشهرة بالذكاء والديانة على بدعته. وهو صاحب"المعتمد في أصول ~~الفقه. الزركلي: الأعلام 275/6، كحالة: معجم المؤلفين 20/11. PageV00P046 # ============================================================ ~~الشهيل شح معالم العدل والنرحيل ~~والنظر معنى إلا ترتيب علوم أو ظنون ليتوصل بها إلى الوقوف على الشيء بعلم أو ظن، ~~ولا يعقل آمر وراء ذلك ثم لا معنى للترتيب إلا حصول بعضها عقيب بعض على وجه ~~يلزم من حصول تلك العلوم والظنون حصول العلم أو الظن بشيء آخر. # وأما كونه مفيدا للعلم فقد قررنا أن معنى النظر إنما هو استحضار العلوم الضرورية، ~~و حاصله يرجع إلى مجموع أمور أربعة: ~~أحدها العلم البديهي بالمقدمات الحاصلة في الذهن وترتيبها. # وثانيها العلم بصحة ذلك الترتيب. # وثالثها العلم البديهي بلزوم المطلوب عن تلك المقدمات المرتبة التي علم صحتها ~~وصحة ترتيبها بالضرورة. # ورابعها العلم البديهي بأن ما لزم عن الأمور الصحيحة وحصل عنها كان صحيحا. # فمرادنا بافادة النظر للعلم، ذلك وكل عاقل يعلم ضرورة ببديهة عقله أن من حصلت ~~له هذه العلوم الأربعة فإنه ms027 لا بد أن يحصل له العلم بالمطلوب لا محالة، فثبت أن من تصور ~~حقيقة النظر بالمعنى الذي ذكرناه علم كونه مفيدا للعلم بالضرورة، وهو المقصود. # واحتج المنكرون لإفادة النظر للعلم بأمور ستة: ~~اولها: قالوا لو كان النظر مفيدا للعلم لكان العلم بكونه كذلك لا يخلو إما أن يكون ~~اضروريا أو نظريا، وباطل أن يكون ضروريا؛ لأن الضروري يجب اشتراك العقلاء فيه، ~~لكن العقلاء لم يتفقوا على كون النظر مفيدا للعلم، وباطل أن يكون نظريا؛ لأن الكلام فيه ~~كالكلام في الأول، فيتسلسل إلى غير غاية، وهو محال. PageV00P047 # ============================================================ ~~النهيد شح معالمر العدل والترحيل ~~وجوابه أنا قد بينا أنا نعني بالنظر مجموع علوم تتوقف إفادتها للعلم على مجموع تلك ~~العلوم الأربعة، وبيناها أن اقتضاءها للعلم النظري حاصل بالضرورة، فمن عرف النظر ~~بهذه الصفة علم كونه مفيدا للعلم بلا مرية. # وثانيها: قولهم إذا نظرنا وتفكرنا وحصل لنا عقيب نظرنا وتفكرنا اعتقاد فعلمنا بكون ~~ذلك الاعتقاد علما إما أن يكون ضروريا أو نظريا، والأول باطل؛ لأن الضروري من جهة ~~اشتراك العقلاء فيه، وخصم ذلك الناظر غير معترف بأن الاعتقاد الذي حصل له عقيب ~~نظره علم، والثاني أيضا باطل؛ لأن الكلام فيه كالكلام في الأول فيفضي إلى التسلسل، وهو ~~محال. # وجوابه أنا نعلمه ضرورة؛ لأنا إذا عرفنا أنه لازم عن العلوم الضرورية، وعرفنا ~~بالضرورة أن اللازم للعلم الضروري يجب أن يكون صحيحا، فحينئذ يحصل العلم اليقين ~~بأن ذلك الاعتقاد الحاصل عن النظر علم. # وثالثها أن إفادة النظر للعلم إما أن تتوقف على العلم بدلالة الدليل أو لا تتوقف، فإن ~~توقفت فهو باطل؛ لأن دلالة الدليل على المدلول أمر إضافي، والعلم بالإضافة مسبوق ~~بالعلم بكل واحد من المضافين، فيلزم الدور، وإن لم تتوقف إفادة النظر للعلم على العلم ~~بدلالة الدليل كان المدلول أجنبيا عنه، فينقطع التعلق بينه وبينه، ولا يكون النظر مفيدا ~~للعلم بالمدلول. # ال وجوابه أنا نقول: إن العلم بإفادة النظر للعلم لا يتوقف على العلم بدلالة الدليل، ~~ولكنها تتوقف على العلم بوجه دلالة الدليل، وفرق ms028 بين نفس الدلالة ووجه الدلالة؛ ~~فدلالة العالم على الصانع كونه بحال يلزم من ثبوته ثبوت الصانع، وهذا أمر إضافي، والعلم PageV00P048 ~~============================================================ ~~السهيد ش معالم العدل والنورحيل ~~به لا محالة مسبوق بالعلم بالمضافين، وأما وجه دلالته على الصانع فهو غير مسبوق بالعلم ~~بالصانع بل يترتب عليه العلم بالصانع، وذلك لا يلزم منه محال:. # ورابعها قولهم إن الذي ذهبتم إليه من كون النظر مجموع مقدمات مخالف للعقلاء ~~فيجب بطلانه؛ لأن جماهير المعتزلة ذهبوا إلى أنه جنس برأسه، والأشعرية على أنه تردد في ~~أنحاء العلوم الضرورية كما مر، والفلاسفة على أنه استعداد النفس. # وجوابه أنه إذا قام الدليل على صحته وجب قبوله كيف وقد ذهب إليه من القدماء أبو ~~الهذيل ومن المتأخرين أبو الحسين، فتقرر أن الذي اخترناه ليس على خلاف العقلاء. # وخامسها قولهم: إذا استدللنا بدليل، فإما أن تتوقف إفادة النظر للعلم على نفي ~~المعارض لذلك الدليل أو لا يتوقف، وباطل ألا يتوقف؛ لأن بتقدير حصول المعارض إما ~~ان يقطع بالاعتقادين معا، وهو محال؛ لأنهما نقيضان وإما أن يقطع بأحدهما من دون ~~مرجح، وهو محال أيضا، وباطل أيضا أن يتوقف على نفي المعارض؛ لأن نفي المعارض ~~ال ليس بضروري فهو نظري، والكلام فيه كالكلام في الأول، فيتسلسل إلي غير غاية. # ال وجوابه أنا نقطع بعدم توقفه على نفي المعارض. قوله: نفي المعارض إما ضروري أو ~~نظري قلنا: من عرف ما ذكرناه في حقيقة النظر علم قطعا بالضرورة استحالة توقفه على ~~نفي المعارض له. # ل وسادسها أنا نجد كثيرا من أهل المذاهب والأديان يعتقدون مذهبا ويكونون جازمين ~~بصحته، ثم إنهم بعد ذلك يتبين لهم بعد حين فساد ذلك فإذا كان الأمر كذلك فكيف يأمن ~~الواحد من أن الذي يعتقد الآن صحته يكون صحيحا، بل لا يمتنع أن يكون فاسدا وأنه ~~سيظهر له بعد ذلك فساده، ومع هذا التجويز كيف يحصل العلم اليقين. PageV00P049 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالر العدل والتوحيل ~~وجوابه: إن كل من أتى بالنظر على الوجه الذي بيناه وعلم ما اشترطنا في إفادته للعلم ~~استحال ms029 أن يبدو له عن ذلك؛ لأن علمه الضروري بالمقدمات إذا حصل استحال تطرق ~~الخلل إليه، وكذلك العلم الضروري بصحة الترتيب، وكذلك العلم الضروري بلزوم ~~المطلوب، وإذا استحال تطرق الخلل إلى واحد من هذه العلوم استحال تطرق الخلل إلى ~~النتيجة، وإذا لم يأت بالنظر على هذا الوجه فهو النظر الفاسد، ولا نزاع في أنه لا يفيد العلم ~~أصلا. # القول في وجوب النظر وكونه أول واجب. # أما وجوب النظر فيدل عليه أمران: ~~أحدهما أن معرفة الله تعالى واجبة لكونها لطفا، وتحصيلها لا يكون إلا بالنظر لتعذر ~~سائر الوجوه، فيجب أن يكون واجبا، وبيان كونها لطفا هو آن من عرف الله كان أقرب إلي ~~تحصيل الواجب والكف عن مواقعة القبيح، ولا نعني باللطف إلا هذا. # وبيان أنها لا تحصل إلا بالنظر هو أن الطريق إلى تحصيل المعرفة لا يخلو من أمور أربعة: ~~اما الحس أو البديهة أو الخبر أو النظر. # أما الحس والبديهة فنعلم ضرورة أنهما ليسا طريقين إلى معرفة الله تعالى، وأما الخبر ~~فالمتواتر إنما يفيد العلم إذا كان مستندا إلى المشاهدة، وأما الآحاد فليس موصلا إلى العلم. # فإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق طريق إلى المعرفة إلا النظر، وهو المطلوب. # وثانيهما أن النظر يندفع به الضرر عن النفس، ودفع الضرر واجب، فالنظر أيضا ~~واجب. PageV00P050 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وبيان أن النظر يندفع به الضرر هو أن المكلف إذا كمل عقله فلا بد من أن يخاف من ~~ترك النظر لسبب ما، والأمن لا يكون إلا بالوقوف على حقيقة الأمر، ولن يكون ذلك إلا ~~بالنظر؛ لبطلان سائر الوجوه الموصلة كما مر، فثبت أن النظر يندفع به الضرر. # وبيان أن دفع الضرر واجب مقرر في العقول معلوم باضطرار، فوجب القول بوجوب ~~النظر. وتمام تقرير هذه القاعدة بذكر ما يرد عليها من الأسئلة والانفصال عنها، وهي ~~أربعة. # السؤال الأول: أنا لا نسلم أن العلم مما يمكن دخوله تحت التكليف، وبيانه من وجهين: ~~أحدهما أن الشخص لو كان مكلفا بتحصيل العلم لكان حال كونه مكلفا ms030 به إما أن ~~يمكنه التمييز بينه وبين الجهل أم لا. # فإن قلنا: بأنه يمكنه التمييز بينه وبين الجهل فهو باطل؛ لأن التمييز إنما يكون إذا علم أن ~~هذا الاعتقاد مطابق للمعتقد والآخر غير مطابق له، والعلم بكون هذا الاعتقاد مطابقا ~~للمعتقد علم باضافة أمر إلى أمر، والعلم بإضافة الشيء إلى غيره مسبوق بالعلم بكل واحد ~~من المضافين إليهما، فإذن العلم بكون هذا الاعتقاد علما مسبوق بالعلم بذلك المعتقد، وهو ~~محال يؤدي إلي أنا لا نعلم الشيء حتى نعلمه، وإن قلنا: إنه حال تكليفه بالعلم لا يمكنه ~~التمييز بينه وبين الجهل. كان تكليفه بالعلم على التعيين محال، فيكون وقوعه عند النظر ~~يجري مجرى الحدس والاتفاق، ومثل هذا لا يدخل تحت التكليف، وهو مثل من يمشي في ~~طريق فيقع في المهواة وهو لا يشعر. # ال وثانيهما: أن النظر كما حققتم عبارة عن ترتيب العلوم الضرورية على وجه يلزم من ~~حصولها حصول العلم النظري لا محالة، وإذا كان كذلك فمتى خلق الله تلك العلوم ~~الضرورية كان العلم حاصلا لوجوب حصولها، ومتى لم يخلق الله تلك العلوم الضرورية PageV00P051 ~~============================================================ ~~النهيد شرح معالمر العدل والنوحيل ~~استحال حصول العلم النظري، فيكون دائرا معها وجودا وعدما، فيستحيل دخوله تحت ~~التكليف. # وجوابه: أما ما ذكر أولا فنسلم أنه لا بد من التمييز بينه وبين الجهل، ولكن التمييز كما ~~يكون بما ذكروه فقد يكون بطريق آخر، وهو أن الاعتقاد الذي يكون لازما بالضرورة عن ~~العلوم الضرورية لا بدوأن يكون علما، وإلا لكان الباطل لازما عن الحق، وهو محال، وإذا ~~كان كذلك فمتى رآينا النتيجة لازمة للمقدمات العلمية الحقيقية علمنا بالضرورة صحة ~~النتيجة وكونها حقا. # وأما ما ذكره ثانيا فلا شك أن حصول هذه العلوم الضرورية غير كاف في حصول العلم ~~النظري؛ لأن العقلاء مشتركون فيها، ولم يشتركوا في العلوم النظرية، ولما كان كذلك علمنا ~~أن اقتضاءها للعلم النظري موقوف على شرط من جهتنا، وذلك الشرط يرجع إلى آمور ~~ثلاثة: ~~أولها: شعور النفس بتلك المقدمات وارتباطها. # وثانيها: إخلاء الذهن عن سائر ms031 الاعتبارات. # وثالثها: التأمل وحصر النفس وإعمال قواها. # وبالجملة فالعلم بوقوفه على أحوالنا ضروري: ~~السؤال الثاني: أنا وإن سلمنا أن العلم مطلقا يمكن دخوله تحت تكليفنا فلا نسلم أن ~~العلم بالله تعالى على الخصوص يمكن دخوله تحت تكليفنا. # وبيانه من وجهين: PageV00P052 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنرحيد ~~أحدهما أن التكليف بمعرفة الله تعالى لا يخلو إما أن يتوجه على العارف أو على غير ~~العارف، ومحال أن يتوجه على العارف؛ لأن من كان عارفا فهو لا يحتاج إلى معرفة؛ لأن ~~تحصيل الحاصل محال، ومحال أن يتوجه على غير العارف؛ لأن من لا يعرف الله تعالى لا ~~يمكنه تحصيل المعرفة به. # ال وثانيهما أن العبد لو كان مكلفا بالمعرفة لكان لا يخلو إما أن يكون تكليفه بها لغرض أو ~~لا لغرض، وباطل أن يكون لغير غرض؛ وإلا لكان عبثا قبيحا، وإن كان لغرض فذلك ~~ليس بغرض دنيوي، إذ لا نفع فيه ولا دفع ضرر عاجل، وإن كان دينيا فهو إما لجلب ~~الثواب أو لدفع ضرر العقاب، وذلك إنما يكون بعد العلم بالمثيت والمعاقب. # وجوابه: أما ما ذكر أولا فالتكليف بالمعرفة إنما يتوجه على غير العارف؛ لتحصل لنفسه ~~المعرفة. قوله: من لا يعرف الله لا يمكنه تحصيل العلم به. قلنا: لا نسلم ذلك، بل من ~~شرطه التمكين من العلم، وها هنا التمكين حاصل في الجملة، فإنه إذا جوز ونظر حصل له ~~العلم على قرب، وكان التمكين كافيا في تحصيل المعرفة لكل مكلف. # وأماما ذكره ثانيا فهو فاسد لوجهين: ~~أما أولا فلأنه لا يجب تحصيل كل شيء لأجل شيء آخر، وإلا لزم التسلسل، بل لا بد ~~من الانتهاء إلى ما يكون تحصيله لذاته، فمن المحتمل أن يكون العلم بالأشياء مطلوبا لذاته ~~من غير حاجة إلى غرض. # وأما ثانيا فلم لا يجوز أن يكون وجوب النظر لأجل دفع ضرر العقاب المجوز عند ~~تقدير ترك النظر. PageV00P053 # ============================================================ ~~الشهيد ش معالم العدل والنوحيل ~~السؤال الثالث: هب أنا سلمنا أن معرفة الله تعالى ممكنة، وأنها داخلة تحت قدرنا فلا ~~نسلم آنها ms032 واجبة. # وبيانه من وجوه ثلاثة: ~~أما أولا فإن الأعرابي الجلف ربما وصل إلى حضرة رسول الله صلى الله عليه وآله فنطق ~~بكلمتي الشهادة وحكم الرسول عليه الصلاة والسلام بإسلامه. ونحن نعلم ضرورة أن ~~معرفة الله تعالى ومعرفة ما يجوز عليه وما يستحيل وما يجب له ومعرفة شرائط المعجز ما ~~كانت حاصلة لذلك الأعرابي الذي حكم الرسول بإسلامه، بل لو حاولنا تفهيمه صور ~~هذه المسائل ما تصورها قط، وهذا يدل على أن المعرفة غير واجبة وإنما الواجب هو الاقرار ~~والاعتقاد فقط. # وأما ثانيا: فلانه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ولا عن الصحابة ~~والتابعين وجميع السلف الخوض في الأدلة على حدوث العالم وإثبات الصانع وبيان كونه ~~عالما بكل المعلومات ودلالة المعجزات على صدق الأنبياء مع أن إيمانهم كان أتم من إيمان ~~غيرهم، وهذا يدل على أنها غير واجبة. # وأما ثالثا فهو أنه عليه الصلاة والسلام شدد النكير على من خاض في هذه والأمور، ~~احتى روي أنه خرج يوما إلى أصحابه فرآهم يتكلمون في القدر، فغضب حتى احمرت ~~وجنتاه، وقال: "إنما هلك من كان قبلكم في خوضهم في هذا، عزمت عليكم ألا تخوضوا ~~فيه"(1). # ا- أخرجه الترمذي (باب ما جاء في التشديد في الخوض في القدر) حديث رقم 2134، وقال أبو عيسى: هذا ~~حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث صالح المري، وصالح المري له غرائب ينفرد بها لا يتابع ~~عليها. المتقي: كنز العمال 192/1، حديث رقم 968. PageV00P054 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~وقال عليه الصلاة والسلام: "عليكم بدين العجائز"(1). # فأما إنكار الصحابة والتابعين على من خاض في المسائل الكلامية فأظهر من أن يحتاج ~~فيه إلى الإطناب والشرح، وكل ذلك يفيد أن معرفة الله عز وجل غير واجبة، وإنما ما أمرنا ~~إلا بالإقرار والاعتقاد. # والجواب أنه لا نزاع بين الأمة في أنه لا بد من الإقرار والاعتقاد، فنقول: إما أن يكون ~~الواجب هو الإقرار والاعتقاد بالدين سواء كان حقا أو باطلا، أو الواجب هو الإقرار ~~والاعتقاد بالدين الحق، ms033 والأول باطل بإجماع الأمة؛ فإن المعلوم ضرورة من دين صاحب ~~الشريعة أنه ما كان يأمر بالإقرار بدينه والاعتقاد له إلا أن يكون هذا الدين حقا، وأما الثاني ~~ففيه تسليم المطلوب؛ لأنا ما لم تعرف صحة هذا الدين لا نعرف وجوب الإقرار به ولا ~~وجوب الاعتقاد بصحته، فثبت أنه لا بد من تحصيل المعرفة. # وأما ما ذكره أولا من أن من تكلم بكلمتي الشهادة في عصر النبي حكم بصحة ~~إسلامه(2)، قلنا: لما ثبت بالأدلة القاطعة أنه لا بد أن يكون المكلف مميزا بين الدين الحق ~~والدين الباطل، فلما حكم النبي صلى الله عليه بصحة إسلام أولئك عرفنا أن النبي قد علم ~~من ذلك الشخص كونه عالما بأوائل الأدلة في هذه المسائل، وكان هذا القدر كافيا في ~~ذكره الشوكاني في الفواتد المجموعة 505/1، حديث رقم 94، ونصه: "إذا كان آخر الزمان واختلفت ~~الأهواء فعليكم بدين البادية والنساء"1. ثم أتبعه بقوله: رواه ابن حبان عن ابن عمر مرفوعا، وقال ابن الجوزي: لا ~~يصح محمد بن الحارث الحارثي ليس بشيء، وشيخه كذلك حدث عن آبيه بنسخة موضوعة، وإنما يعرف من ~~هذا قول عمر بن عبد العزيز. قال الصغاني: موضوع. وقال في المقاصد: لا أصل له بهذا اللفظ، وروي بلفط: ~~"عليكم بدين العجائز". قال ابن طاهر: لم نقف له على أصل السلسلة الضعيفة 130/1، حديث رقم 53، ~~الألباني: لا أصل له. # 2- في الأصل: " بإسلامه "1. وكلمة" بصحة كتبت أعلى السطر. PageV00P055 # ============================================================ ~~الهيد شرح معالمر العدل والنوحيل ~~حصول اليقين، ولا يلزم من عدم اقتدارهم على التعبير عنها ألا يكونوا عالمين بها؛ فإن ~~العامي إذا رأى الرعد والبرق فقال: سبحان الله. علمنا أنه إنما قال ذلك لما تقرر في عقله أن ~~هذه الحوادث لما حصلت بعد أن لم تكن حاصلة من قبل أسند ذلك لا محالة إلى فاعل مختار، ~~فهذا المعنى إذا كان متقررا في عقله كان عالما بالله، ولا يضره بعد ذلك عدم الاقتدار على ~~تبيره وشرحه. # وأما ما ذكره ثانيا هو آنه لم ينقل عن واحد من الصحابة والتابعين ms034 خوضهم في هذه ~~الأدلة، قلنا: لا نسلم هذا، بل نقول: جملة أصول الأدلة التي يذكرها المتكلمون في إثبات ~~الصانع والمعاد والنبوة مذكورة في القرآن، والرسول والصحابة كانوا عالمين بها على ~~حقائقها، نعم الخصوم في زمانهم كانوا قليلين، فلا جرم استغنوا عن البسط في تقرير هذه ~~الأدلة، أما في زماننا فلما كثرت الشكوك والشبه فلا جرم احتجنا إلى مزيد الكشف ~~والشرح. # وأما ما ذكره ثالثا وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام وجميع الصحابة كانوا منكرين ~~للخوض في هذه الأدلة، قلنا: هذا فاسد. وكيف يقال: إنهم منكرون للخوض في هذه ~~الأدلة وأكثر القرآن مشتمل على ذكرها وشرحها؟ ولنذكر منها آية واحدة ليقاس بها الباقي ~~وهي قوله تعالى: (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين)(1) إلى آخر ~~السورة، فالله تعالى حكى في هذه الآية إنكار المنكرين للاعادة وكرر وجه شبههم وأجاب ~~عن كل واحدة منها بجواب يخصه وهي ثلاث: ~~1- سورة يس: آية 77. PageV00P056 # ============================================================ ~~التسهيد شح معالم العدل والترحيد ~~الشبهة الأولى قوهم: إن العظام التي صارت رميمة كيف يمكن أن تصير حية؟ وهو ~~المراد بقوله تعالى: (قال من يخيي العظام وهي رميم) (1). ثم لما حكى شبهتهم أجاب عنها ~~بقوله: (قل ثخييها الذي أنشأها أول مرة)(2). وهذا هو الذي عليه تعويل المتكلمين من أن ~~الإعادة مثل الايجاد، وحكم الشيء حكم مثله، فلما كان قادرا على الايجاد كان قادرا على ~~الإعادة. # الشبهة الثانية لنفاة الحشر، وهي أن العظام والأبدان إذا صارت رميمة اختلطت ~~الأجزاء بعضها ببعض، فحينئذ لا يمكن تمييز أجزاء بدن عن أجزاء بدن آخر. وأجاب ~~عنها بقوله: (وهو بكل خلق عليم). ومعناه أن الله تعالى لما كان عالما بكل المعلومات أمكنه ~~تميز أجزاء كل بدن لكل حيوان عن أجزاء بدن الحيوان الآخر، وإن ذلك إنما يتعذر على من ~~لم يكن عالما بكل المعلومات. # الشبهة الثالثة لمنكري المعاد، وهي مشهورة وهي أن القول بالقيامة على ما جاء به الأنبياء ~~ونطقت به الشريعة محال؛ لأن ذلك يتضمن إعدام هذا العالم الذي نحن فيه ms035 وايجاد عالم ~~آخر، وذلك باطل لأصول كثيرة مقررة في كتبهم. وأجاب الله سبحانه عن هذه الشبهة بأن ~~يتسلم من المنكر كونه خالقا هذه السماوات والأرض، ومتى سلم الخصم ذلك لزمه كونه ~~سبحانه قادرا على إعدامها؛ لأن ما صح عليه العدم في وقت صح عليه العدم في كل ~~الأوقات، ويلزمه أيضا تسليم كونه قادرا على إيجاد عالم آخر؛ لأن القادر على الشيء قادر ~~على مثله لا محالة، فظهر بما أشرنا إليه أنه سبحانه جمع في هذه الآيات بين الدليل على إثبات ~~المعاد وبين إيراد شبههم ثم سرد الجواب عليه على أبلغ شيء وأحسنه. # سورة يس: آية 78. # 2- سورة يس: آية 79. PageV00P057 # ============================================================ ~~النمهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~فأما الآيات الدالة على إثبات الصانع وصفاته والنبوة والرد على منكريها فأكثر من أن ~~تحصى، وإذا كان كذلك فكيف يمكن أن يقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ~~والصحابة كانوا منكرين للخوض في هذه الأدلة ولا يقال أيضا: إنهم كانوا منكرين ~~للجدل؛ لأن الله تعالى أمر نبيه بالجدل في قوله: (وجادهم بالتي هي أحسن)(1). وإذا ثبت ~~ذلك تقرر أن النهي الوارد عن الخوض في الكلام في المعقولات ما كان مطلقا، وإنما ورد ~~عن تكبير الشبهات وإيراد الضلالات، وهذا ما لا نزاع فيه. # السؤال الرابع إذا سلمنا لكم أن معرفة الله تعالى واجبة فلم قلتم: إنه لا طريق إلى معرفته ~~إلا بالنظر، فما دليلكم على ذلك، وهلا جاز أن يكون الطريق إلى معرفته أحد أمرين إما ~~بالتصفية للنفس من العلائق الجسدانية والهيئات البدنية، فإنها متى خلت عن هذه الأمور ~~حصل لها عقائد يقينية كما هو مذهب الصوفية وأهل الرياضة، وإما أن يكون خبر شخص ~~وهو المعلم الصادق كما هو مذهب التعليمية، وإذا كان كذلك فالتصفية والتعليم وإن لم ~~يتعينا طريقا إلى معرفة الله تعالى فلا أقل من أن يكونا من (ك) جملة الطرق الموصلة إلى معرفة ~~الله تعالى، وإذا كان كذلك بطل ما ذكرتموه من الحصر في النظر. # و أما الجواب فإنا قد بينا أن طريق تحصيل العلم بالأشياء ms036 لا يكون إلا بالحس أو الخبر أو ~~البديهة أو النظر، ولما بطل أن يكون الحس والبديهة والخبر طريقا إلى معرفة الله تعالى تعين ~~النظر، قوله: لم لا يجوز أن تكون التصفية والتعليم طريقا إلى اكتساب المعارف؟ قلنا: أما ~~التصفية فالعقائد الحاصلة عندها إما أن تكون من فعل الله تعالى أو من فعلنا، فإن كانت من ~~فعل الله تعالى فهي ضرورية، وقد قدمنا أن معرفة الله تعالى ليست ضرورية، وإن كانت من ~~فعلنا فلا يخلو إما أن تكون تلك العقائد لازمة للعلوم الضرورية ومترتبة عليها أم لا، فإن ~~ا- سورة النحل: آية 125. # 2- في الأصل: في من PageV00P058 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~كانت لازمة لها ومترتبة في الحصول عليها فهي نظرية، إذ لا معنى للعلم النظري إلا ذاك، ~~وان لم تكن تلك العقائد لازمة للعلوم النظرية فتلك العقائد ليست إلا عقائد تقليدية ولا ~~عبرة بها، فإن أمثال تلك العقائد قد تحصل لأصحاب التصفية والرياضة(1) من الملاحدة ~~والدهرية واليهود والنصارى، وأما التعليم فهو باطل لوجهين: ~~أما أولا فلا بدلهم من معرفة صدق هذا المعلم حتى يجب اتباعه، فإن عرفوه ضرورة ~~فهذا مكابرة، وإن عرفوه بالنظر رجعوا إلى النظر، وإن عرفوه بمعلم آخر لزم التسلسل. # وأما ثانيا فإذا كان لا بد من معلم فبم يقع التمييز بين المعلم المحق من المعلم المبطل، فإن ~~افتقر إلى معلم فمعلمه أيضا يفتقر إلى معلم إلى غير غاية وهو محال، فإن قالوا: هذا معارض ~~بالنظر، فثمة يقع التمييز بين صحيحه وفاسده قلنا: الفرق بينهما أن النظريات تنتهي إلى ~~الضروريات الغنية عن تعريف صحتها، فأما المعلمون فيمتنع انتهاؤهم إلى معلم يعرف ~~صدقه بالضرورة، فإن الأقوال يمتنع ترجيح بعضها على بعض إلا بحجة تنضم إليها ~~وتؤيدها، وذلك هو المعجز. # وأما كونه أول الواجبات فلسنا نريد بذلك أنه أول الواجبات بكل الاعتبار حتى لا ~~يجب واجب معه، وإنما نريد بكونه أول الواجبات باعتبار أنه أول الأفعال المقصودة التي لا ~~ينفك عنها مكلف على الإطلاق. قلنا: أول الأفعال. احترازا من التروك، كترك الظلم ms037 ~~والكذب. وقلنا: المقصودة. احترازا من قصد النظر، وقلنا: على الإطلاق. احترازا عما ~~ينفك عنه المكلف في حال كقضاء الدين وشكر نعمة الولدين. # ا- يقصد الرياضة الروحية بمعنى تهذيب النفس والسمو بالروح والتعالى على متطلبات البدن والانقطاع عن ~~الخلق. PageV00P059 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الباب الثاني في أن للأجسام محدثا وصانعا ~~القول في حدوث الأجسام وفيه مسلكان: ~~الأول أن الأجسام لم تنفك عن مقارنة حوادث لها بداية وكل ما لا ينفك عن مقارنة ~~حوادث لها بداية فهو آبدا حادث فالأجسام إذن حادثة. # بيان أن الأجسام لم تنفك عن مقارنة حوادث لها بداية وهو يتم بإثبات الأكوان ~~وحدوثها، وأن الجسم لم يخل منها، وأن لها بداية. فهذه أمور أربعة: الأول إثبات الأكوان، ~~ونحن فيه بين أمرين: إما أن ندعي العلم الضروري بكونها زائدة على الجسم، وذلك لأن ~~المفهوم ضرورة من المتحيز مغاير للمفهوم من حصوله في الحيز. وإما أن ندل عليه من ~~وجوه: ~~أولها أن الجسم لم يكن متحركا ثم تحرك بعد ذلك، ونفس جسمه مدركة بالحس باقية، ~~فما لم يتغير مخالف لما تغير. # وثانيها إن تصرفنا في الجسم بالنقل والتحويل من جهة إلى أخرى مع تعذر إيجاد الجسم ~~منا يدل على تحصيل أمر مغاير للجسم، ولا نعني بالكون الإدراك. # وثالثها أنه لو لم يكن إلا نفس اختصاص المتحيز بالجهة من غير أمر آخر لكان نسبته إلى ~~كل جهة على سواء، فيلزم حصول الجسم في كل جهة وهو محال. # الثاني حدوث الأكوان ~~ويدل عليه أمران: PageV00P060 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~أحدهما أن كل واحد منها يضح عليه العدم، وما صح عليه العدم استحال عليه القدم، ~~وانما قلنا: إن كل واحد منها يصح عليه العدم فلأن اختصاص كل متحيز بحيزه إما أن ~~يكون واجبا أو جائزا، والأول باطل؛ لأنه لو كان واجبا لكان وجوبه لذاته، فكان يلزم ~~حصول الأجسام معا في ذلك الحيز لتمائلها، لأن كل ما وجب لشيء وجب لمثله لا محالة، ~~وهو محال. ويلزم ما كان منها في حيز ألا يكون في ms038 حيز آخر، ويلزم أن ما كان منها متحركا ~~ألا يكون ساكنا لأن الوجوب لا يتبدل، فبطل أن يكون واجبا، وإذا بطل وجوبه ثبت ~~جوازه، وفي ذلك صحة العدم عليها؛ لأنا لا نعني بالجائز إلا ما حصل بعد أن لم يكن ~~حاصلا. # وأما أن القديم يستحيل عليه العدم فلأن القديم إما أن تكون حقيقته قابلة للعدم أو لا، ~~فالأول محال؛ لأن القديم إذا كان موجودا وحقيقته قابلة للعدم فلا بد من مرجح لوجوده ~~على عدمه، وذلك المرجح إن كان قديما عادت الحاجة وتسلسل إلى غير غاية، وإن كان ~~محدثا فهو محال؛ لأن القديم سابق عليه. وإن لم تكن حقيقته قابلة للعدم استحال عليه ~~العدم، وهو المطلوب. # ال وثانيهما أن الأكوان لو لم تكن محدثة لكانت قديمة، وباطل أن تكون قديمة؛ لأنها لو ~~كانت قديمة لم تقف حركة الجسم وحصوله في الحيز على أحوالنا ودواعينا، وإذا بطل ~~قدمهاثبت خدوثها. # الثالث أن الجسم لم ينفك منها ويدل عليه أمران: ~~أحدهما أن الجسم متى كان موجودا فهو متحيز، ومتى كان متحيزا فهو حاصل في الحيز، ~~ولا نعني بالكون الإدراك. وإنما قلنا: إنه متى كان موجودا فهو متحيز فلأن وجود الجوهر PageV00P061 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالر العدل والنوحيل ~~هو عين حقيقته كما سيأت فكيف يمكن فرض وجود الجوهر من غير تحيز، وإنما قلنا: إنه ~~متى كان متحيزا فهو كائن؛ لأن معنى التحيز هو حصوله في الحيز، وهو الكون بعينه. # وثانيهما: إن فرض وجود المتحيز وهو غير شاغل للحيز عود على أصل حقيقة التحيز ~~بالنفس، إذشغل الحيز أصل في معقولية المتحيز، ففرضها من دونه محال. # الرابع: أن لها بداية ويدل على ذلك وجوه: ~~أولها: أن كل واحد من الحوادث يسبقه عدم لا أول له. فإذا كان كل واحد منها حادثا ~~كان مجموع العدمات السابقة عليها حاصلا في الأزل، فلو وجد شيء من الحوادث في الأزل ~~مع هذا الفرض لزم أن يكون وجود الشيء حاصلا مع عدمه، وهو محال. فثبت أنه ليس ~~شيء من الحوادث موجودا في الأزل، فإذن ms039 لكل الحوادث أول وبداية. # وثانيها: إنه إما أن يوجد منها شيء في الأزل أم لا، والأول محال؛ لأنه إن كان قبله غيره ~~بطل كونه أزليا. وإن لم يكن قبله غيره فهو أولها، وإن لم يوجد منها شيء في الأزل كان لها ~~أول وهو المطلوب. # وثالثها أن كل الحوادث لا شك في حاجتها إلى المؤثر، وذلك المؤثر يستحيل أن يكون ~~موجبا لبطلان أن يؤثر في حصول الأكوان أمر موجب (1) بل المؤثر فيها مختار، وكل ما كان ~~فعلا لفاعل مختار فيجب أن يكون مسبوقا بالعدم، فإذن يجب أن تكون جملة الحوادث ~~مسبوقة بالعدم. # ورابعها: أنا إذا أخذنا الحوادث الماضية من زمان الطوفان جملة والحوادث الماضية من ~~زماننا هذا جملة أخرى ثم أطبقنا في الوهم بين النهايتين فلا يخلو إما أن يظهر التفاوت من ~~- في الأصل: أمرا موجباء PageV00P062 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنتوحيد ~~الجانب الآخر أو لا يظهر، فإن لم يظهر فهو محال؛ لاستحالة أن يكون الشيء مع غيره كهو ~~لامع غيره، وإن ظهر التفاوت كانت الجملة الناقصة متناهية، والزائدة زادت عليها بمقدار ~~ما بين زمان الطوفان إلى زماننا، والمتناهي إذا ضم إلى المتناهي كان متناهيا، فإذن الحوادث ~~لها بداية. وأما إن كل ما لا ينفك عن مقارنة حوادث ها بداية فهو آبدا حادث فهو ضروري ~~في الجملة؛ لأنه إما معه أو بعده، فثبت أن الجسم لا يخلو عن الحوادث، وثبت أن لها بداية، ~~فيلزم أن يكون الجسم أول، وهو المطلوب. # وتمام تقرير هذه القاعدة بإيراد الأسئلة عليها والانفصال عنها وهي توعان: ~~الأول ما يتعلق بنظم الدليل وهو أمور ثلاثة: ~~أولها هو أن دليلكم هذا مركب من مقدمتين: أحدهما أن الأجسام لم تنفك عن مقارنة ~~حوادث. والثانية: أن ما لا ينفك عن مقارنة حوادث فهو حادث. وهذه المقدمة الثانية هي ~~إعادة الأولى مع ضم دعوى إليها وهي الحدوث، والشيء لا يكون دليلا على نفسه. # وثانيها أن النتيجة وهي العلم بحدوث الأجسام إما أن يكون حاصلا عن إحدى ~~المقدمتين أو عن مجموعهما، والأول باطل؛ ms040 لأن إنتاجهما مشروط بالتلازم، ومع الانفراد لا ~~يحصل التلازم. والثاني أيضا باطل؛ لأن عند الانضمام لم يتحدد أمر آخر، فإذا بطل إنتاجهما ~~مع الانفراد بطل أيضا مع الانضمام. # وثالثها أن دلالة الحدوث على الجسم إما أن يكون هو قولكم: إنها لم تخل من حوادث ~~فقط أو أنها لم تخل من حوادث لها بداية. فإن كان الأول لم يحصل المطلوب؛ لأنها إذا لم تكن ~~لها بداية لم يتحقق حدوث الجسم، وإن كان الثاني كانت المقدمة الأولى هي نفس المطلوب، ~~والثانية مكررة ليس لها فائدة. PageV00P063 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~والجواب: أما ما ذكره أولا من أن المقدمة الثانية إعادة الأولى، قلنا: لا نسلم، وبيانه أن ~~المطلوب هاهنا ثبوت الحدوث للعالم، ومن الجائز أن يكون للشيء صفات بعضها بينة ~~الثبوت له وبعضها غير بينة الثبوت له، وهذا الذي لا يكون بين الثبوت للشيء يكون بين ~~الثبوت لما هو بين الثبوت له، ولا جرم أنا نكتسب اللازم المجهول بواسطة اللازم المعلوم؛ ~~لأن كل مطلوب لا بد فيه من موصوف وصفة، والمطلوب هو حصول تلك الصفة لذلك ~~الموصوف، فإذا كان ذلك الحصول مجهولا فلا بد من ثالث ينتسبان إليه انتسابا معلوما ~~لتصير تلك النسبة المجهولة بواسطة الشيئين المعلومين معلومة، فالصفة هي الحدوث ~~والموصوف هو الجسم والحدوث مجهول الثبوت للجسم وهو معلوم الثبوت للعرض، ~~والعرض معلوم الثبوت للجسم، فتصير النبة المجهولة وهي حدوث الجسم معلومة ~~بواسطة الشيثين المعلومين اللتين هما حدوث العرض وملازمة الجسم. # وأما ما ذكره ثانيا: من أن العلم بحدوث العالم إما أن يكون حاصلا عن أحدهما أو ~~مجموعهما. قلنا: الحق أن حصوله عن الكبرى بشرط الثانية قوله: إذا لم يكن كل واحد منهما ~~مؤثرا عند الانفراد فالمجموع لا يكون مؤثرا. قلنا: لا شك أن المقدمتين عند الاجتماع يثبت ~~هما وصف الاجتماع، فبالطريق الذي عقل لهما حصول وصف الاجتماع وإن كان ممتنعا ~~حصوله لأحدهما فليعقل ذلك أيضا في تأثيرهما في النتيجة. # و أما ما ذكره ثالثا من أن دلالة الحدوث إما أن يكون ms041 هو قولنا لم تخل من حوادث فقط ~~أو قولنا أنها لم تخل من حوادث لها بداية، قلنا: الحق هو الثاني، قوله هو نفس المطلوب قلنا: ~~ان ضرورة التلازم تدعو إلى مثل هذا التقرير؛ لأنه لا بد من ذكر وسط يتفقان فيه حتى ~~يقيم النظم ويتحقق حصول المطلوب. # النوع الثاني: ما يتعلق بأمور خارجة وهي خمس: PageV00P064 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~الأولى العالم، لو كان محدثا لكان له محدث، فما لأجله يكون ذلك المحدث محدثا، إما أن ~~يكون حاصلا بتمامه في الأزل أو لا يكون، فإن لم يكن حاصلا لم يحصل الأمر، وإن افتقر إلى ~~أامر محدث فالكلام فيه كالكلام في العالم، فيتسلسل إلى غير غاية وهو محال. وإن كان ~~حصول العالم في الأزل، وهو المطلوب. # والكلام على هذه الشبهة هو أن مطلوبكم منها لا يخلو حاله إما أن يكون القول ~~ال بوجوب قدم العالم أو تقولون باستحالة قدمه، لكن تقولون لم تخصص في أوقات ما لا يزال ~~اال بوقت دون وقت مع أنه بالإضافة إليها على سواء فإن كان الأول فهو فاسد كما مر في ~~مسألة الحدوث، فإن الحدوث مسبوق بالعدم، وما كان مسبوقا بالعدم استحال وجوده في ~~الأوقات الأزلية؛ لأن الأزل ينافي الحدوث، وإن كان الثاني فالجواب عنه يكون واقعا من ~~جهة التحقيق ومن جهة المعارضة. # أما التحقيق فمن وجهين: ~~أحدهما جواب أصحاب أبي هاشم، وهو أن القادر لا يتوقف ترجيحه لأحد المثلين على ~~الآخر على مرجح. وبيانه أن الهارب من السبع إذا اعترض له طريقان متساويتان من جميع ~~الوجوه فيما يرجع إلى مقصوده فإنه يسلك أحدهما دون الآخر لغير مرجح، وكذلك الجائع ~~إذا خير بين رغيفين متساويين من كل الوجوه فإنه يختار أحدهما على الآخر لا لمرجح أصلا، ~~فثبت أن القادر لا يفتقر في تخصيصه بايجاد مقدوره في وقت دون وقت على مرجح، فإذا ~~ثبت ذلك فالقديم تعالى لا يحتاج في تخصيصه بايجاد العالم في وقت دون وقت إلى مخصص ~~ومرجح. PageV00P065 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الجواب الثاني: ms042 أنا إن سلمنا أنه لا بد من مرجح فذلك المرجح يحتمل وجوها ثلاثة: ~~أولها جواب بعض الأشعرية وهو أن علم الله تعالى يتعلق بجميع الأشياء، فإذا كان ~~علمه تعالى متعلقا بايجاد العالم في هذا الوقت دون غيره وجب وجوده فيه؛ لأن خلاف ~~معلومه محال، وإذا كان كذلك كان هو تعالى عالما بأن أي الأشياء يقع وأيها لا يقع، فوقوع ~~ما علم الله تعالى أنه لا يوجد محال، وعدم وقوع ما علم الله أنه يوجد محال. # وثانيها: جواب الخوارزمي وهو أن الله تعالى إنما رجح إيجاد العالم على ترك إيجاده لأن ~~الايجاد إحسان، والإحسان أفضل من تركه، وأما تخصيصه بايجاد العالم بالوقت المعين فمن ~~المحتمل أن يكون إيجاده العالم في ذلك الوقت متضمنا نوع مصلحة عائدة إلى المكلف لو ~~أوجده في وقت آخر لم تحصل تلك المصلحة. وبهذا التقدير يكون إيجاد العالم في ذلك ~~الوقت أولى من إيجاده في غيره، فلما دل الدليل على حدوث العالم ودل الدليل على ~~اختصاص حدوثه بالوقت المعين دون ما عداه علمنا أنه لمكان اختصاص ذلك الوقت ~~خصص ومرجح لا يوجد في غيره وهو المصلحة، وإن كنا لا نطلع على تفاصيل تلك ~~المصلحة. # وثالثها جواب أبي القاسم(1)، وهو أن حدوث العالم قبل أن يحدثه الله تعالى فيه كان ~~محالا، ولهذا لم يحدثه الله تعالى إلا فيه. # وأما المعارضة فبأمرين: ~~أما أولا: فهب أنا سلمنا أن العالم قديم الذات بزعمكم، لكن لا شك في حدوث ~~الأعراض الحاصلة في عالمنا هذا كحركة الريح وحركة الشمس، فاختصاص حدوث واحد ~~1 - هو أبو القاسم الكمبي PageV00P066 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~منها بوقته المعين الذي حدث فيه دون الوقت الآخر لا بد له من مخصص، فما أجابوا به فهو ~~بعينه جوابنا في العالم. # وأما ثانيا: فاختصاص حركة الفلك بحد معين من البطء والسرعة دون ما هو أزيد أو ~~انقص منه يكون ترجيحا على ما يساويه من غير مرجح. # الشبهة الثانية: لو كان العالم محدثا لكان البارئ تعالى سابقا على حدوثه بمدة ms043 غير ~~متناهية، فيكون حدوث العالم موقوفا على انقضاء تلك المدة غير المتناهية، وما يتوقف ~~حصوله على انقضاء ما لا نهاية له استحال حصوله، فكان يجب استحالة حصول العالم، فلما ~~حصل علمنا أنه لا يمكن أن يكون البارئ سابقا عليه بمدة غير متناهية فإذن إما أن يكون ~~سابقا عليه بمدة متناهية فيلزم حدوث الباري، وهو محال، واما أن لا يكون سابقا عليه ~~فيلزم قدمه. # والجواب من وجهين: ~~أحدهما أنا وإن قلنا: إن البارئ تعالى سابق على حدوث العالم بمدة غير متناهية. فإن ~~مرادنا بذلك أن يكون على سبيل الفرض والاعتبار دون التحقق والثبوت، والمحال الذي ~~ذكرتم إنما يلزم إذا كانت أمورا ثابتة وجودية، فأما إذا كانت فرضية فلا. # ال وثانيهما: أنكم لما أثبم قدم العالم فقد وقفتم حدوث الحوادث اليومية على انقضاء ~~حوادث غير متناهية، فما أجبتم فيها فهو جوابنا في كل العالم. # الشبهة الثالثة: لو كان العالم محدثا لاستحال من البارئ تعالى أن يقصد إلى إيجاده ~~واحداثه إلا إذا كان عالما بأنه معدوم؛ لأنه لو لم يكن قد تقدم علمه بعدمه لاستحال منه PageV00P067 ~~============================================================ ~~النهيد شرح معالمر العدل والنوحيل ~~القصد إلى إيجاده، ثم إذا وجد فلا بدوأن يصير عالما بوجوده، وذلك يقتضي وقوع التغير في ~~علم الله تعالى وهو محال. # والجواب من وجهين: ~~أحدهما أن من العلماء من ذهب إلى أن العلم بأن الشيء سيوجد هو علم بوجوده إذا ~~وجد فمن ذهب إلى هذا فقد سقط عنه الاشكال، ومن سلم أنه لا بد من تجدد علم آخر ~~وهو أبو الحسين فإنه يقول بأن ذلك التعلق الأزلي باق، ولكنه تجدد تعلق آخر بوجوده. فإن ~~عنيتم بالتغير هذا فليس فيه محال. # وثانيهما هب أنا سلمنا لكم أن الأجسام قديمة فلا شك في حدوث الأعراض، فكل ما ~~تقولونه في حدوث الأعراض فهو قولنا في حدوث الأجسام. # الشبهة الرابعة: قوهم وجود العالم إما أن يكون صحيحا أو لا، فإن كان محالا لم يصح ~~وجوده أصلا، وإن كان صحيحا فإما أن تقولوا إن لصحة وجود العالم ms044 بداية أو تقولوا ليس ~~لها بداية، فإن قلتم إن لها بداية فهو باطل؛ لأن معنى أن لها بداية هو أن العالم ممكن الوجود ~~فيما لا يزال لذاته وقبل أن كان ممكن الوجود لذاته كان ممتنع الوجود لذاته، فإذا جوزتم ~~ذلك جاز ذلك في جميع المعلومات الممتنعات، فحينئذ لا نأمن أن يصير اجتماع الضدين ~~مكنا لذاته بعد أن كان ممتنعا لذاته، وكذلك لا يمكنكم الاستدلال بحدوث العالم على ~~اثبات الصانع؛ لأنه إذا جاز أن يقال إن ذلك الإمكان كان ممتنعا لنفسه ثم انقلب واجبا ~~لعينه جاز في وجود العالم كذلك، حتى يقال: إنه كان قبل حدوثه ممتنعا لعينه ثم انقلب PageV00P068 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~والجواب قوله: إما أن يكون لها بداية أو لا يكون لها بداية قلنا: فإن لها بداية. قوله: ~~يلزم انقلاب الممتنع لذاته واجبا لذاته. قلنا: ليس استحالة وجود العالم في الأزل لذاته حتى ~~يقال إن الممتنع لذاته قد انقلب واجبا، وإنما استحالته إما لامتناع وجود شرطه أو لأجل ~~وجود مانع عن وجوده فيما لا يزال قد وجد شرطه وزال ذلك المانع، وأيضا فقولنا في ~~صحة حدوث كل العالم كقولكم في صحة حدوث الحادث المعين مع كونه مسبوقا بالعدم. # الشبهة الخامسة الايجاد للعالم إحسان، والإحسان أفضل من تركه، فلو كان العالم محدثا ~~لكان البارى تاركا للإحسان الذي هو أفضل الأمور مدة غير متناهية، وترك الأفضل ~~نقص، والنقص على الله تعالى محال. # والجواب إن فعل العالم وإن كان إحسانا فالإحسان مشروط بالإمكان، فإذا كان وجود ~~العالم في الأزل محالا لم يكن إيجاده إحسانا، وأيضا فداعي الإحسان شرط في إيجاده، وعلمه ~~باستحالة إيجاده في الأزل يصرفه عن إيجاده في الأزل. # واعلم أنا بينا هذه الطريقة على استحالة خلق الجسم عن الكائنيات الحادثة، وقررها ~~أصحاب الأحوال(1) وهم أصحاب أبي هاشم على استحالة خلق الأجسام عن معان هي ~~علل هذه الكائنيات، وهي عسيرة صعبة وفيها مزيد إشكالات، وهي مبنية على بطلان كون ~~الكائنية بالفاعل، ولا سبيل إليه بحجة قوية، وفيما ذكرناه مقنع ms045 وكفاية. # ا- تنسب نظرية الأحوال إلى أبي هاشم الجباني وتقول: إن العالم له حال يفارق به من ليس بعالم، وللقادر حال به ~~يفارق حال العالم، والحال ليست بموجودة ولا معدومة ولا مجهولة، وإن العالح يغلم على حالة ولا يعلم حال ~~العالم ولا حال القادر، ولا يمكن الفرق بين حال العالم وبين حال القادر إذ لا يغلم حال واحد منهما، ومن لا يعلم ~~من نفسه ما يقول كيف يقدر أن يعلمه غيره. وقد اقتدى في ذلك القول بالباطنية حيث قالوا: إن الصانع لا معدوم ~~ولا موجود، وما من ثابت إلا وهو في الحقيقة موجود إذ لا واسطة بين العدم والوجود ولو ثبت. الإسفرايني: ~~التبصير في الدين 87/1. PageV00P069 # ============================================================ ~~الشهيل شح معالمر العدل والتوحيل ~~المسلك الثاني: الجسم إما حادث وإما قديم، ومحال أن يكون قديما؛ لأنه لو كان قديما ~~لوجب سبقه على هذه الحوادث سبقا لا أول له، وقد دللنا على وجوب مقارنته لها، فإذا ~~بطل أن يكون قديما وجب حدوثه، فثبت بما قدمنا حدوث الأجسام، وهو المطلوب ولله ~~الحمد. # القول في إثبات الصانع ~~اعلم أن المثبتين للصانع بواسطة حدوث العالم فريقان: ~~أحدهما من يزعم أن دلالة الحادث على المحدث ضرورية وهو أبو الحسين وأصحابه. # والثاني من يزعم أنها نظرية ثم هم قسمان: الأول الذين يستدلون بالإمكان وهي طريقة ~~الخوارزمي، والثاني الذين يعتمدون طريقة القياس بأن يثبتوا كون العبد موجدا لأفعاله ~~أولا ثم يثبتون أن حاجة أفعاله إليه لكونها حادثة، ثم إذا ثبت لهم حدوث الأجسام لزم أن ~~تكون محتاجة إلى الفاعل، وهذه هي طريقة أصحاب أبى هاشم، والمعتمد في إثبات المؤثر ~~هو ل أن العالم مخدث وكل ثخدث فله ثخدث، فالعالم له محدث ]. # بيان أن العالم محدث بما مر، وبيان أن كل محدث فله محدث أن كل محدث فهو ممكن ~~الوجود، وكل ممكن الوجود فهو محتاج في وجوده إلى مؤثر. بيان أن كل محدث فهو ممكن ~~الوجود أن المحدث إما أن لا تكون حقيقته قابلة للعدم أو تكون قابلة له، فإن لم تكن ms046 قابلة ~~للعدم لم تكن معدومة قط فكانت موجودة أبدا، وكان واجب الوجود وإن كانت حقيقته ~~قابلة للعدم فهي أيضا قابلة للوجود، فكانت ممكنة الوجود؛ لأنا لا نعني بالممكن إلا ذاك. PageV00P070 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالم العدل والتوحيد ~~بيان أن كل ممكن فهو محتاج إلى مؤثر أما احتياجه إلى مؤثر فلأنه لما كانت حقيقته قابلة ~~للعدم والوجود فلولا أمر من الأمور وإلا لم يكن ترجح أحد الطرفين أولى من الآخر، ~~والعلم بذلك ضروري، فثبت احتياجه إلى قادر مؤثر وهو المطلوب. # فأما بطلان الموجب فنقرره في الباب الثالث عند الكلام في إبطال الوسائط. # وتمام تقرير هذه القاعدة بذكر ما يرد عليها من أسئلة والانفصال عنها. # وهو أنكم إذا قلتم بأن الممكن بالضرورة محتاج إلى سبب قائم في هذا المقام بين أمرين إما ~~ان تدعوا الضرورة فيه أو النظر، ودعوى الضرورة باطلة لوجهين: ~~أحدهما أنا إذا عرضنا هذه القضية على عقولنا وعرضنا قولنا الواحد نصف الاثنين لم ~~نجد القضية الأولى في قوة القضية الثانية. # ال وثانيهما أن أكثر العقلاء جوزوا وقوع الممكن لا عن سبب، ولو كان ضروريا لاستحال ~~من العقلاء دفعه. # وبيان أن العقلاء جوزوا ذلك بصورتين: ~~الأولى منهما أن القائلين بحدوث العالم وهم المسلمون يقولون: إن الله تعالى فعل العالم ~~في وقت معين دون سائر الأوقات لا لأمر يختص به ذلك الوقت، فقد حكموا باختصاص ~~ذلك الوقت بحدوث العالم دون ما قبله وما بعده بلا سبب. # الثانية أن أصحاب أبي هاشم زعموا أن القادر مع تساوي دواعيه إلى الشيء وضده قد ~~يفعل أحدهما دون الآخر لا لمرجح، وإن ادعيتم النظر والاستدلال فهو فاسد بصورة PageV00P071 ~~============================================================ ~~التمهيل شرح معالمر العدل والتوحيل ~~واحدةه وهو أن الهارب من السبع إذا عرض له طريقان متساويان من جميع الوجوه فإنه لا ~~بدوأن يختار سلوك أحدهما دون الآخر لا لمرجح، فكيف توجبون حاجة الممكن إلى سبب. # والجواب على وجهين: ~~الأول منهما مجمل وهو دليلنا على أن الممكن محتاج إلى المؤثر مبني على مقدمتين بديهيتين: ~~أحدهما أن العالم ممكن. والثانية: أن ms047 الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا لمرجح. # وهاتان المقدمتان لا يشك فيهما عاقل. # وما ذكرتموه من الشكوك مما لا يستحق جوابا؛ لأنه يجري مجرى شبه أصحاب السفسطة ~~في الأمور الضرورية، فكما أن تلك الشبهة لا تقدح في شيء من العلوم الضرورية ولا تزيل ~~عنا الجزم بالمشاهدات والبديهيات فكذلك ما ذكرتموه هاهنا، وهذا بمجرده جواب قاطع. # الوجه الثاني مفصل وهو أنا نجيب عن الشكوك التي ذكروها على التفصيل فنقول: ~~قوله هل تدعون الضرورة أو النظر ؟ قلنا: بل ندعي الضرورة، فإنا إذا فرضنا إنسانا سليم ~~العقل لم يمارس هذه المجادلات ثم نعرض على عقله أن كفتي الميزان هل يمكن أن يترجح ~~أحدهما على الأخرى لا لسبب أصلا فإن صريح عقله يشهد بإنكار ذلك، وهكذا إذا دخل ~~برية لم يجد فيها عمارة أصلا ثم دخلها مرة أخرى فرأى فيها عمارة رفيعة وقصرا مشيدا فإنه ~~يضطر إلى العلم بوجود بان وصانع، وهكذا إذا أحس بصوت أو حركة اضطر إلى العلم ~~بوجود مصوت أو محرك بل نعلم أن الصبيان يضطرون إلى العلم بذلك فإنهم إذا وجدوا ~~شيئا موضوعا في موضع خال حملتهم طبائعهم السليمة على طلب من وضع ذلك الشيء في ~~ذلك الموضع، فدلنا ذلك على أن هذا من جملة العلوم الضرورية. قوله: إنا إذا عرضنا على ~~العقل أن الواحد نصف الاثنين وعرضنا أيضا أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر ~~إلا لمرجح وجدنا الأول أظهر. قلنا: هذا ممنوع، بل هما سيان في الجلاء والظهور، وأيضا PageV00P072 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والترحيد ~~فبتقدير التسليم لا يلزم من كونه أجلى منه ألا يكون هو جليا، وذلك لأن العلوم الضرورية ~~متفاوتة في الجلاء، كما أن العلوم النظرية متفاوتة في الخفاء، وكما أن التفاوت في النظريات لا ~~يخرجها عن كونها نظرية، فكذلك التفاوت في الضروريات لا يخرجها عن أن تكون ~~ضرورية. قوله: إن جمعا من العقلاء التزموا وقوع الممكن لا عن سبب، ولو كان فساد ذلك ~~ضروريا لما قالوا به. قلنا: إنهم لم يلتزموا ذلك، بل ms048 غاية الأمر أن ذلك صار لازما لهم على ~~مذاهبهم، ولكن ليس كل ما صار لازما يجب أن يلتزمه صاحب ذلك المذهب، والاشكال ~~انما يجيء من التزام ما يناقض القضايا الضرورية لا من لزومه، ولهذا فإنهم متى ألزموا ~~ال وقوع الممكن لا عن سبب يحتالون في دفع ذلك عنهم ولا يعترفون بالتزامه، ويجيبون عنه ~~سواء كانت أجوبتهم ضعيفة أو قوية، وذلك يدل على أن العلم به ضروري: ~~فأما العذر عن الصورة الأولى وهي أن العالم يخصص حدوثه بوقت دون غيره فقد ~~أجبنا عنه فيما سلف، وأما العذر في الصورة الثانية لأصحاب أبي هاشم فإنهم ما أوجبوا ~~وقوع الممكن لا عن سبب، بل قالوا: إن أصل القادرية مؤثرة في صحة الفعل وضده، ومع ~~ذلك فلا يمتنع أن تكون القادرية هي التي أثرت في وقوع أحد الضدين دون الآخر فقد ~~أوجبوا أصل المرجح وهو القادر، وقالوا: إنها كافية في حصول أحد الضدين دون الآخر ~~من غير حاجة إلى أمر آخر. قوله: وإن ادعيتم النظر فهو فاسد بالهارب من السبع، فإنه يختار ~~أ حد الطريقين لا لمرجح. قلنا: منهم من منع ذلك وقال: لا بل لا بد من مرجح، وإن لم ~~يشعر به من نفسه. ومنهم من سلم أنه لا يفتقر إلى مرجح وادعى العلم الضروري بالفرق ~~بين القادر وسائر الممكنات، وهم أصحاب أبي هاشم، فثبت بما ذكرنا حاجة كل الممكنات ~~إلى الأسباب. # القول في أنه تعالى موجود وأنه لا أول لوجوده ~~أما أنه تعالى موجود فاعلم أن للناس في الموجود مذهبين: PageV00P073 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الأول منهما قول من يقول: إن الموجود بكونه موجودا حال وإنه أمر زائد على ذاته، وإن ~~الموجودات مشتركة في أمر معنوي وهو الوجود. وهذا هو قول أصحاب أبي هاشم، ~~واحتجوا على ذلك بأمور خمسة: ~~أولها أن الموجودات قد اشتركت في نفس الوجود وتباينت في حقائقها فيجب أن يكون ~~ما وقع فيه الاشتراك مغايرا لما وقع فيه التباين، وإلا كانت قد اشتركت في أمر واحد ~~وتباينت فيه، وهو ms049 محال. # وثانيها أنا نعقل ماهية العرض والجوهر مع الشك في وجودهما، فما شككنا فيه يجب أن ~~يكون مغايرا لما تيقناه، فاذن وجوده غير ماهيته. # وثالثها أنا ندرك بالبديهة التفرقة بين قولنا الجوهر جوهر وبين قولنا الجوهر موجود، فلو ~~كان قوله موجودا نفس كونه جوهرا لتنزل أحد القولين منزلة الآخر. # ورابعها أن الوجود أمر واحد يجمع الواجب والممكن حتى يصح التقسيم فيه، فيقال: ~~الموجود ينقسم إلى الواجب والممكن، فلو كان الوجود نفس الموجود لم يكن الوجود أمرا ~~مشتركا، وحينئذ لا يصح التقسيم كما لا يصح أن يقال الحيوان ينقسم إلى إنسان وحجر؛ ~~لأن مورد القسمة وأصلها لا بد أن يكون بحيث تجتمع فيه الأقسام. # وخامسها أن العدم شيء واحد فيجب أن يكون ما يقابله على المناقضة وهو الوجود أن ~~يكون شيئا واحدا، وذلك لا يتأتى إلا أن يكون الوجود أمرا واحدا(1) تشترك فيه ~~الموجودات، فثبت بهذه الوجوه أن الوجود زائد على ماهيات الأجسام والأعراض. # - في الأصل: أمر واحد. PageV00P074 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~والمذهب الثاني إن الوجود هو نفس الموجود، وإن إطلاق لفظ الوجود على الموجودات ~~بالاشتراك اللفظي، وحقائق أنفسها متغايرة، وهو المحكي عن أبي الحسين البصري: ~~واحتج بوجهين: ~~أحدهما أن الوجود لو كان زائدا على ماهية الموجود لكان لا يخلو إما أن يكون معدوما ~~أو موجودا. والأول باطل؛ يقتضي أن يكون وجود الموجودات معدوما، وهو محال. والثاني ~~باطل أيضا، يقتضي أن يكون للوجود وجود إلى غير غاية. # وثانيهما أن الوجود لو كان زائدا على ماهية الموجود لصح تعقل الماهية محصلة في الأعيان ~~مع الذهول عن كونها موجودة، أو تعقل كونها موجودة مع الذهول عن كونها متعينة، فلما ~~بطل ذلك علمنا أن وجود الشيء نفس ماهيته، وهذا هو المختار. # فإذا عرفت ذلك فنقول: أما أصحاب أبي هاشم فلا يكفيهم في الدلالة على وجود ~~الصانع إثباته فقط بل لا بد من دلالة أخرى على وجوده؛ لأن الموجود عندهم ما كانت له ~~هذه الصفة؛ لأنه لا يمتنع أن يكون ثابتا، وإن لم تكن ms050 له هذه الصفة كالذوات الثابتة في ~~العدم فإنها ثابتة وإن لم تكن موجودة، ولا بد من دلالة. # وقد استدلوا على وجوده تعالى بأدلة، وأقواها دلالة التعلق، وحاصلها أن للقديم تعالى ~~تعلقا بمقدوره ومعلومه، والعدم يحيل التعلق، ويستشهدون على ذلك بالارادة، فإنها ~~عندهم متعلقة، والعدم يحيل تعلقها، وهذه الطريقة مع ما فيها من الصعوبة تؤدي إلى ~~طريقة القياس وقد عرفت فيها. PageV00P075 # ============================================================ ~~الشهيد شرح معالمر العدل والنرحيل ~~وأما من ذهب إلى أن الوجود هو نفس الموجود فلا يحتاج إلى هذه المقدمات، فإذا قام ~~الدليل على إثبات الصانع ثبت أنه موجود، إذ لا فرق بين نفي المؤثر وبين مؤثر هو نفي، ~~فشبت آنه تعالى موجود. # وأما أنه لا أول لوجوده فيدل عليه أنا نقول: المؤثر في وجود العالم لا يخلو إما أن تكون ~~حقيقته قابلة للعدم أم لا، فإن كانت قابلة للعدم وقد ثبت أنها موجودة كانت تلك الحقيقة ~~غير متنعة الاتصاف بالوجود والعدم، وإذا كان كذلك امتنع ترجيح وجوده على عدمه إلا ~~بمرجح، والكلام في ذلك المرجح كالكلام فيه، فإما أن ينتهي إلى موجود واجب الوجود ~~ال وهو المطلوب، وإما ألا ينتهي وهو محال؛ لأنه إما أن يستند الأول إلى الثاني ويستند الثاني ~~إلى الأول وهذا هو الدور بعينه، وإما أن يستند كل واحد منهما إلى غيره إلى غير نهاية فهذا ~~هو التسلسل، وكلاهما محال. # واما أن لا تكون حقيقته قابلة للعدم كان دائم الوجود وكان أزليا أبديا وهو المقصود، ~~فثبت بما ذكرنا انتهاء جميع الحوادث إلى موجود لا تقبل حقيقته العدم. # الباب الثالث في الرد على المخالفين وهم قسمان. # القسم الأول في الرد على الخارجين عن الإسلام كالفلاسفة والصابثة والطبائعية وعبدة ~~الأصنام والثنوية والمجوس(1) والباطنية(2) والنصارى ~~ونرسم على كل فريق منهم فصلا. # - المجوس ملة أهل فارس قديها وفيها تعظيم الأنوار والنيران والمياه إلا أنهم يقرون بنبوة زرادشت ولهم شرائع ~~يضيفونها إليه. # 2- الباطنية من فرق الشيعة وهم القائلون: إن لكل ظاهر باطنا ولكل تنزيل تأويلا. وهم يسوقون الإمامة في ~~المستورين منهم ثم ms051 في الظاهرين القائمين من بعدهم. PageV00P076 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~الفصل الأول في الرد على الفلاسفة. # اعلم أن مقالتهم في كيفية صدور الأشياء عن المبدأ الأول هي زبدة أقاويلهم في ~~الالهيات، وخلاصتها وهي الغرض الأعظم بعد معرفة صفات الحق سبحانه عندهم، وهم ~~لما طعنوا في كون القديم تعالى مؤثرا بالاختيار، واعتقدوه موجبا بالذات ثم منعوا أن تكون ~~ذاته مركبة من وجه ما؛ لأن التركيب دلالة الكثرة، والكثرة دلالة الإمكان. ثم قالوا: إنه ~~تعالى لا يصدر عنه إلا واحد وهو عقل، ثم الصادر الأول عنه له إمكان من جهة ذاته ~~اا ووجوب من جهة غيره فإذا انضم ما له من ذاته إلى ما له من غيره حصل هناك كثرة ~~تصلح أن تكون مبدأ لصدور الكثرة عن الصادر الأول، ثم الذي له من ذاته إمكان والذي ~~له من جهة غيره وجوب، وأشرف الجهات يجب أن تكون مبدأ لأشرف المعلومات، فلا ~~جرم جعلنا وجود العقل الأول علة لوجود عقل ثان، وجعلنا إمكانه علة لوجود الفلك ~~الأقصى، ثم حصل من العقل الثاني عقل ثالث وفلك البروج، ومن العقل الثالث عقل ~~ال رابع وفلك زحل، ومن العقل الرابع عقل خامس وفلك المشترى، ومن العقل الخامس ~~عقل سادس وفلك المريخ، ومن العقل السادس عقل سابع وفلك الشمس، ومن العقل ~~السابع عقل ثامن وفلك الزهرة ومن العقل الثامن عقل تاسع وفلك عطارد، ومن العقل ~~التاسع عقل عاشر وفلك القمر، وعند ذلك قد استوفت السماويات وجودها، وحصلت ~~الموجودات الشريفة في انتهاء عددها سوى البارى تعالى تسعة عشر، عشرة عقول وتسعة ~~أفلاك فهذه زبدة أقاويلهم في كيفية صدور الأشياء عن البارى تعالى، فإذن أكثر ما ~~يعتمدون في تقرير مذاهبهم هذان الاعتلالان(1). # أحدهما أنه تعالى موجب بالذات. والثاني أنه تعالى لا يصدر عنه إلا واحد. # 1 - في الاصل: الاعتلال. PageV00P077 # ============================================================ ~~الشميد شح معالمر العدل والتوحيل ~~فلنقصر في الرد عليهم فيهما ونذكر ما يرد عليهم من الالزامات ~~فنقول: أما الاختيار فضروري عند العقلاء، ويجدون فرقا بين حركة اليد ونزول الحجر، ~~وأيضا فالقادر ms052 يعلم من حاله بالضرورة في سلوك طريقين مؤديين إلى الغرض: أنه يتخير ~~ويؤثر سلوك أحدهما على الآخر بخلاف الموجب، فيستحيل خلافه كالمرمى من شاهق. # وبالجملة فلا ينكر الاختيار إلا معاند، فلو كان تعالى موجبا بالذات للزم من قدمه قدم ~~العالم؛ لأن المعلول مع علته، وأيضا فكان يلزم حصول الحوادث دفعة واحدة، وهو محال. # ال وستأتي بقية الكلام في الاختيار عند الكلام في إثبات القادرية إن شاء الله تعالى. # وأما الثاني وهو أنه تعالى لا يصدر عنه إلا واحد، فقد احتجوا عليه بأمرين: ~~أحدهما أنه تعالى لو صدر عن ذاته أكثر من واحد لكان مفهوم ذاته صدر عنها أمر مغاير ~~لمفهومها إذا(1) صدر عنها أمر آخر، فيكون في ذاته تعالى كثرة. قلنا: إن كان مفهوم ذاته ~~صدر عنها أمر مغاير لمفهومها إذا صدر عنها أمر آخر، فكذلك مفهوم الذات مسلوب عنها ~~أمر مغاير لمفهومها إذا سلب عنها أمر آخر. وأنتم قد أثبتم للقديم تعالى سلوبا كثيرة، فإن ~~كان الأول يقتضيي كثرة في ذاته تعالى فكذلك الثاني. # وثانيهما قالوا: لو صدر عن ذاته تعالى شيئان، وأحدهما ليس هو الآخر، لكان قد صدر ~~عنه شيء وما ليس بذلك الشيء، وهو متناقض. # قلنا: ليس صدور الشييء عن الذات يناقض صدور ما ليس بذلك الشيء عنها، بل ~~يناقضه لا صدور ذلك الشييء بعينه. # - "إذا غير موجودة بالأصل. PageV00P078 # ============================================================ ~~الشهييد شح معالم العدل والتوحيل ~~وأما الالزامات فاعلم أنه يلزمهم على مذهبهم أمور تناقض أصولهم وهي خمسة: ~~الأول أن الكثرة الحاصلة في العقل الأول التي جعلتموها مبدأ لصدور العقل والفلك ~~عنه معا إما أن تكون كثرة في الماهية أو في أمور خارجة، فإن كان الأول فتلك الأجزاء ~~الذاتية مستندة إلى البارئ تعالى بلا واسطة، وحينئذ يبطل قولكم إن الواحد لا يصدر عنه ~~إلا واحد. وإن كانت الكثرة لأمور خارجة فتلك الأمور الخارجة إما أن تصلح لأن تكون ~~مبادئ المعلولات الكثيرة أو لا تصلح، فإن كانت صالحة فالبارى تعالى له لوازم سلبية ~~وأحكام لذاته إضافية، فيلزمكم إسناد المعلولات الكثيرة ms053 إلى ذاته بحسب ما وجب لها من ~~السلوب والإضافات. وإن لم تكن صالحة وجب ألا يصدر عن العقل الأول لأجل كثرة ~~عوارضه من الإمكان والوجوب أكثر من معلول واحد، وهذا يناقض ما قلتم. # الثاني أليس قد زعمتم أن للفلك الأقصى وهو أول الأفلاك وجودا مضافا إلى إمكان ~~العقل الأول، وقد تقرر من مذهبكم أن الفلك ليست حقيقته مفردة، وإنما هو مركب من ~~جموع أمور فإن فيه هيولي وصورة وله مقدار مخصوص وشكل مقدر، فهذه الأمور الكثيرة ~~لو استندت إلى الإمكان كما زعمتم لكان قد صدر عن الواحد أكثر من واحد، وهذا يبطل ~~مذهبكم وينقض القاعدة. # الثالث زعموا أن العقل الفعال بسيط لا تركيب فيه، وعندهم أنه مبدأ لجميع الحوادث ~~في هذا العالم لأنه مضاف إليه، وهذا يبطل قولهم إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد. # الرابع إن صح ما ذكرتوه من أنه يصدر عن وجوب العقل الأول عقل وعن إمكانه ~~فلك فيلزم أن يصدر عن كل عقل عقل وفلك إلى غير غاية، وعند هذا يبطل ما أجمعوا عليه ~~من عشرية العقول وحصر عدد الأفلاك في تسعة. PageV00P079 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الخامس إن إسناد العقل إلى الوجوب والفلك إلى الإمكان ليس بأولى من العكس، ~~وحينئذ يبطل قولهم بتخصيص تأثير الوجوب في العقل والإمكان في الفلك، لا يقال: إن ~~الوجوب أشرف من الإمكان والعقل أشرف من الفلك، فلا جرم جعلنا أشرف الجهات ~~مبدا لأشرف المعلولات. قلنا: القضايا العقلية والمباحث العلمية لا تنبني على الشرف ~~والخسة، ولا يليق بها ولا ينبغي أن تكون مقررة عليها، فهذا ما أردنا أن نذكره عليهم في ~~هذه المسألة. # الفصل الثاني في الرد على الصابثة ~~اعلم أنهم يقولون: إن هذه الأفلاك أحياء ناطقة وهي المدبرة للعالم السفلي والمحدثة ~~للأمور الحادثة فيه ويجب علينا عبادتها وهي تعبد الله تعالى؛ لأن الله تعالى أجل من أن يكون ~~معبودا لنا، ولم أقف على حقيقة مذهبهم في ذات الله تعالى هل هو موجب بالذات أو فاعل ~~بالاختيار، فإن كان موجبا بالذات ms054 فهو عين مذهب الفلاسفة، وقد مر الكلام عليهم ~~وقد حكى بعض أصحاب المقالات عنهم القول بحدوث العالم وأن له صانعا قديما ~~مختارا وأنه فوض تدبيره إلى هذه الكواكب وهي حية. ومن أهل المقالات من جعلهم فرقة ~~من النصارى، والأولى أنهم فرقة تخالفها لأن آراءهم في الإلهيات تخالف آراء النصارى. # والكلام عليهم في أمور ثلاثة: ~~بطلان قدم هذه الكواكب. وبطلان كونها حية. وبطلان إسناد هذه الحوادث إلى حركتها ~~اما الأول وهو بطلان قدمها فلوجوه: ~~أاما أولا فيما قررناه في حدوث العالم من مقارنة الكون لكل حجم، فلا معنى لإعادته. PageV00P080 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~وأما ثانيا فلو كانت أجرام هذه النجوم قديمة لوجب تماثلها، لأن القدم وصف ذاتي ~~دال على تماثل ما اختص به، وهذه النجوم مختلفة الشكل والهيئة والحركة، فلو كانت قديمة ~~لوجب كونها على حالة واحدة. فإن قالوا: إن اختلاف أشكالها وهيآتها ومقاديرها إنما هو ~~لأمور عارضة وليس لذواتها حتى يلزم أن تكون على حالة واحدة. قلنا: تلك الأمور إن ~~كانت لذواتها وجب كونها بصفة واحدة لتماثلها، وإن كانت لأمور عارضة فإما أن يكون ~~ذلك الأمر العارض موجبا أو مختارا، فإن كان موجبا فلم خص البياض بالزهرة والصفرة ~~بعطارد والحمرة بالمريخ والدرية بالمشترى، وما بالها اختلف أشكالها ومقاديرها، ونسبة ~~تأثير هذا الموجب إليها على طريقة واحدة. وإن كان مختارا فقد ثبت الفاعل المختار، وهو ~~المطلوب. وإذا كان هو المؤثر في أشكالها وهيآتها فهو المؤثر أيضا في وجود ذواتها؛ لأنهما في ~~الحاجة إلى المؤثر على سواء. # وأما ثالثا فلو كانت أجرام هذه النجوم قديمة لكان لا يخلو حالها في الأزل إما أن تكون ~~حاصلة في جهة أم لا، ومحال أن لا تكون حاصلة في جهة، لأن الحجم لا يتصور وجوده إلا ~~في جهة، وإن كانت حاصلة في جهة فحصولها في الجهة إما أن يكون لذاتها أم لا، وباطل أن ~~يكون لذاتها وإلا لوجب ألا تنتقل من تلك الجهة، ونحن نراها تارة في المشرق وتارة في ~~المغرب. وإن كان لغير ذواتها ms055 فإن كان موجبا لم يختص بجهة دون جهة، ويلزم حصولها في ~~جهات غير متناهية، وإن كان مختارا وجب آن يكون سابقا عليها؛ ليتصور تأثيره فيها؛ لأن ~~من حق الفاعل آن يسبق على فعله، وفي ذلك بطلان قدمها. # وأما الثاني وهو بطلان كونها حية. فقد قالوا: إن أجرام هذه النجوم لما ثبت كونها مؤثرة ~~في هذه الحوادث كلها من الكون والفساد والحرث والنسل وترتيب الأزمنة واختلاف ~~انواع الشمار والزروع وجميع الأشياء التي بها قوام هذا العالم وجب أن تكون أنفسها أكمل ~~النفوس، ولا كمال لها إلا بأن تكون حية، فيجب القضاء بحياتها. وهذا باطل لوجوه: PageV00P081 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنرحيل ~~أما أولا فمن سلم لكم أن هذه الحوادث من آثار النجوم، وإنما هي آثار لفاعل مختار ~~كيم ~~فدلوا أولا على أنها من آثارها، واستشهدوا بها. # وأما ثانيا فالأفعال عندكم على نوعين: طبيعية، واختيارية. والاختيارية هي التي تدل ~~على أن فاعلها حي، فمن أين ثبت لكم أن أفعال هذه النجوم اختيارية، وما أنكرتم أن ~~تكون طبيعية فلا تكون حية. # و أما ثالثا فحاصل كلامكم في دلائلكم على كونها حية أنها أكمل من غيرها، ولا كمال ~~إلا بالحياة، فنقول لكم: أليس جسم الياقوت والذهب أكمل من جسم البعرة والحصاة؟ # الومع ذلك فلا حياة في الذهب والياقوت، فما أنكرتم أن تكون هذه النجوم كاملة في ~~الجسمية ولا تكون حية. # وأما الثالث وهو بطلان إسناد هذه الحوادث إلى حركاتها. فقد احتجوا له بأمرين: ~~أولهما أنهم قالوا: لما رأينا هذه الحوادث في عالمنا تختلف باختلاف أحوال الكواكب في ~~صلاحها وفسادها وجب آن يكون معلقا بها. وهذا باطل لوجوه: ~~أما أولا فمن سلم لكم أن هذه الأفعال من تأثير الكواكب، وإنما هي بفعل الله تعالى ~~يفعلها عندها على حسب المصلحة وقانون الحكمة، فبينوا بطلان هذا الاحتمال ليصح ما ~~ذكرتم. # وأما ثانيا فكما تقف هذه الحوادث على أحوال هذه الكواكب فهي واقفة على غيرها من ~~تنقية الأرض وإصلاحها وسياقة الأمراء، فلم أضفتموها إلى النجوم أولى من إضافتها إلى ms056 ~~غيرها. PageV00P082 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~وأما ثالثا فإن الله أنعم علينا بأن سخر الشمس والقمر والنجوم لمنافعنا، واستدعى ~~بذلك أن نحمده عليه فقال: (والشمس والقمر والنجوم)(1). فلو كانت هذه الأجرام حية ~~وكانت هي المؤثرة في هذه الحوادث لكانت هي المنعمة عينا، ولوجب علينا شكرها لمكان ~~نعمتها، ونحن نعلم قطعا من زمن الأنبياء ضرورة أنه لا يتوجه علينا شكرها وإنما يتوجه ~~الشكر علينا في جميع منافعها لله الذي خلقها وسخرها لمصالحنا بما فعل فيها، ونعلم أن هذه ~~الأجرام كلها حوادث مخلوقة لمنافع الخلق بمنزلة أجرام الأرض والسماء والماء والهواء. # ال وثانيهما أنا نشاهد في العالم حوادث خسيسة يستقبح العقل إضافتها إلى الله تعالى مثل ~~الحيوانات المؤذية وسائر المحن والآفات والضرر فيجب تنزيه الله تعالى عنها وإضافتها إلى ~~هذه الأجرام. وهذا باطل لوجهين: ~~أما أولا فإن الله تعالى إذا كان هو الفاعل لكل ما في العالم كان ذلك أعظم وأجل وأكمل ~~من أن لا يكون كذلك. # و أما ثانيا فلا نسلم أن العقل يستقبح إضافتها إلى الله تعالى لأن فيها أغراضا حكمية ~~وأسرارا مصلحية استأثر الله تعالى بعلمها، فكيف يقال بأنها لا تضاف إلى الله سبحانه. # الفصل الثالث في الرد على عبدة الأصنام ~~يقرب أن يكون أول من دعا إلى عبادة الأصنام هم الصابئة، فلا جرم ألصقنا هذا ~~الفصل بالكلام عليهم. # واعلم أنه لا مذهب أسخف من مذهب عبدة الأصنام، وبطلانه يعرف ببديهة العقل، ~~وقد نبه الله على تهجين عقوهم وضعف أحلامهم بقوله تعالى: ( إن الذين تدعون من دون ~~- سورة النحل: آية 12. وقد جاءت في الأصل هكذا: (وهوالذيي حخر الشمس والقمر والنجوم). PageV00P083 # ============================================================ ~~الهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يشلبهم الذباب شييا لا يستنقذوه منه)(1). إلى آخر ~~الآية، وقوله تعالى: (والذين تذعون من دونه ما يملكون من قطمير)(2). إلى غيرها من ~~الآي في شأنهم، وذلك لأن العلم الضروري حاصل بأن الصورة المركبة من الخشب أو ~~النحاس أو الصخر التي يؤلفها الصانع ويضم بعضها إلى بعض ms057 يستحيل أن تكون هي ~~الموجدة للأشخاص والمؤثرة في وجود العالم وخالقة للسماوات والأرض ورازقة للخلق، ~~والعلم بفساد ذلك هو من أجل العلوم الضرورية، والجمع العظيم لا يجوز اتفاقهم على ما ~~يعلم فساده بالضرورة، فلعل منشأ الزلل لهم في عبادتها لأسباب عارضة وهي خمسة: ~~أولها أنهم كانوا يعيدون الكواكب وكانوا يعتقدون فيها آنها أحياء ناطقة عالمة، فلما ~~رأوها تخفى بالنهار ويعرض لها في أوقات الليل ما يسترهم عن إدراكها بالغيوم اتخذوا لكل ~~واحد من تلك الكواكب هيكلا؛ ليرونه في كل وقت، فجعلوا لهم أصناما على عدد ~~الكواكب السبعة يعبدونها ويتقربون إليها لا على أن المعبود هو ذلك الهيكل بل الكوكب ~~الحاصل فيه. # وثانيها أنهم كانوا يعتقدون في بعض الرجال النبوة والولاية ونيل الزلفة عند الله تعالى، ~~فبعد موتهم فاتخذوا على شكل صورهم أصناما وعبدوها وتقربوا إليها؛ ليكون أولئك ~~الأشخاص شفعاء عند الله لهم ~~وثالثها أن معتقدهم في الله تعالى أنه جسم وله صورة كأحسن الصور وأن له ملائكة لهم ~~كمال وحسن والله تعالى وملائكته محتجبون بالسماء، فدعاهم ذلك إلى أن يتخذوا أصناما ~~على صورة الله وصور ملائكته فعبدوها وقربوا لها القرابين واعتقدوا نفعها. # 1 - سورة الحج: آية 73. # 2- سورة فاطر: آية 13. PageV00P084 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~ورابعها لعلهم اتخذوا تلك الأصنام قبلة كما أن المسلمين لما سجدوا إلى جانب الكعبة ~~فليس المسجود له هو الكعبة بل هو الله تعالى، لكن الكعبة قبلة للصلاة، فلعلهم يتخذون ~~الصنم قبلة لهم في صلاتهم. # وخامسها لعلهم كانوا يتقربون إليها على سبيل اليمن والتبرك لما اعتقدوا أنها بشكل ~~الكواكب وصورها وأنه لا يحدث في العالم حادث إلا على قدر ما تجري عليه حركات ~~الكواكب عن أمر الله تعالى، فتقربوا إليها وعظموها لذلك. فهذه الوجوه التي يمكن أن ~~تحمل عليها عبادة العاقل للصنم. # فأما البله الناقصو العقول فلعل فيهم من يعتقد إلهيتها، ولكن لا عبرة بهم، وإنما العبرة ~~بقول أهل الفطانة والأذكياء من كل طائفة. # فإذا عرفت ذلك فنقول: هذه التأويلات التي أوردناها عذرا لهم في عبادة الأصنام ms058 كلها ~~خطا وضلالة. # أما اعتقادهم بكونها أحياء ناطقة فقد بطل لما أوردناه على الصابئة. # وأما اعتقادهم في الله تعالى الجسمية وأنها على صورته فسيأتي القول فيه. # وأما اتخاذهم إياها قبلة لصلاتهم وشفعا لهم وتبركا بها وتعظيما لها فهو باطل؛ لأنا نعلم ~~قطعا إنكار صاحب الشريعة ذلك عليهم، ونعلم من دينه ضرورة تحريمه ومنعهم عن ذلك ~~وزجرهم، فبطلت التأويلات وفسد ما توهموه من تعظيم الأصنام وعبادتها، والحمد لله ~~رب العالمين. PageV00P085 # ============================================================ ~~النهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الفصل الرابع في الرد على الثنوية ~~زعموا أن النور والظلمة قديمان وأن العالم إنما حدث لامتزاجهما واختلاطهما. # فأما المانوية(1) والديصانية(2) فزعموا أن امتزاجهما كان لأنفسهما وأنكروا المتوسط ~~وقالوا: إن سبب امتزاجهما علم كل واحد منهما بأن معه غيره، فجانب من الظلمة التقائه ~~الى النور فمالت إلى المخالطة فتعلق بعض أجزائها بأجزائه فحاول النور الأعظم تخليص ~~تلك الأجزاء النورية عن الأجزاء الظلمية فما أمكن إلا ببناء هذا العالم وخلق الأجسام ~~النيرة حتى إنها تستحصل جميع ما في هذا العالم من الأنوار وتؤديها إلى النور الأعظم حتى لا ~~ال يبقى شيء في هذا العالم من النور فبعد ذلك يتخلص النور الأعظم بالكلية، فهذا هو المبدأ ~~عندهم، ويبطل هذا العالم ويبقى مظلما وهذا هو المعاد. # - المانوية من المجوس أتباع ماني المصدقة بنبوة عيى وزرادشت المكذبة بنبوة موسى، ويعتقدون أن للأشياء ~~فاعلين النور والظلمة، يزعمون أن النور يأمر أشكاله المختلقة بالظلمة بفعل الخير وهي ما لا يقدر على الشر ولا ~~يصح منها فعل الشرور. وقد ذهبت المانوية إلى القول بالتناسخ وقال ماني في بعض كتبه: إن الأرواح التي تفارق ~~الأجسام نوعان: أرواح الصديقين وأرواح أهل الضلالة، فأرواح الصديقين إذا فارقت أجسادها سرت في عمود ~~الصبح إلى النور الذى فوق الفلك فبقيت في ذلك العالم على السرور الدائم، وأرواح أهل الضلال إذا فارقت ~~الأجساد وأرادت اللحوق بالنور الأعلى ردت منعكسة إلى السفل فتتناسخ في أجسام الحيوانات إلى أن تصفو من ~~شوائب الظلمة ثم تلتحق بالنور العالي. انظر الشهرستاني: الملل والنحل 74/2، ms059 ابن حزم: الفصل في الملل ~~والنحل 91/1. # 2- الديصانية أتباع ديصان وهي فرقة ترى أن الظلام موات جاهل لا حس له وأن النور حي بنفسه حساس وأن ~~سمع النور هو بصره وهو ذائقه وهو شامه وإنما اختلف إدراكه فصار يدرك بجهة ما لا يدرك بالجهة الأخرى لأن ~~الآفة خالطته من جهة خلاف ما خالطته من الجهة الأخرى فاختلف الادراك لاختلاف الأعراض، وزعموا أن ~~المعدل هو الإنسان الحساس إذ هو ليس بنور محض ولا ظلام محض . وحكي عنهم أنهم يرون المناكحة وكل ما فيه ~~منفعة للبدن والروح حراما ويحرمون ذبح الحيوان لما فيه من الألم. انظر الشهرستاني: الملل والنحل 89/2. PageV00P086 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وأما المرقيونية(1) القائلون بالعدل فزعموا أن الامتزاج لا يحصل إلا بواسطة ثالث لما ~~بينهما من التضاد، وذكر بعض المتكلمين أنهم يعنون بالأنوار عالم العقل وقواه وبالظلمة ~~عالم الطبيعة وقواها، وأن الإنسان مركب من العالمين معا، فإن كان هذا مذهبهم فهم ~~موافقون للفلاسفة في المعنى، ولهذا قال بعض العلماء: مراد الثنوية بالتور والظلمة ما تسمية ~~الفلاسفة بالهيولي والصورة. فهذا ملخص ما نقل عنهم، وما وراء ذلك من الهذيانات ~~الركيكة والخرافات الباردة أهملنا ذكرها. # والكلام عليهم ينحصر في مقامات ثلاثة: ~~المقام الأول في مائية (2) النور والظلمة وحقيقتهما ~~اعلم أن استنارة الأجسام ليس نفس كونها أجساما بل استنارتها عرض قائم بها، ويدل ~~على ذلك وجوه أربعة: ~~اولها أن الأجسام المستنيرة والمظلمة مشتركة في الجسمية ومتباينة في النور والظلمة، فما ~~اشتركت فيه يجب أن يكون مغايرا لما افترقت فيه، فإذن الجسمية غير النور والظلمة. # وثانيها آن الجسم الواحد يصير مضيئا بعد أن كان مظلما وبالعكس من ذلك، وجسميته ~~باقية في الحالين، فيجب أن تكون جسميته مغايرة لهذين الوصفين. # - المرقيونية من المجوس قالوا بقدم النور والظلمة، وزعموا أن العالم مركب منهما، وأن الخير والنفع من النور ~~وأن الشر والضر من الظلام. النديم: الفهرست ص474، الشهرستاني: الملل والنحل 92/2، ابن حزم: الفصل ~~في المل والنحل 90/1. # 2 تعني الماهية. PageV00P087 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل ms060 والتوحيل ~~وثالثها أن الشمس إذا كانت محاذية لكوة البيت فحين تطلع الشمس يصير البيت ~~مضيئا، فإذا سددنا تلك الكوة صار البيت مظلما، فلو كان الضوء جسما لبقي الضوء في ~~البيت بعد سدنا للكوة. # ورابعها أن الشمس إذا طلعت من داثرة الأفق استضاء وجه الأرض، ومن المحال أن ~~تنتقل الأجسام منها إلى وجه الأرض لاستحالة الطفر(1)، والضوء قد حصل دفعة واحدة ~~فيجب أن يكون الضوء غير الجسم. # وأما الظلمة فهي عبارة عن عدم النور لأمرين: ~~أما أولا فلأن حال البصير في الظلمة التامة كحال الأعمى، ثم إن الأعمى لا يدرك ~~كيفية الظلمة؛ لأنه لا يبصر شيئا أصلا، فيجب أن تكون الظلمة عبارة عن أن البصير لا ~~ل يدرك شيئا فتكون الظلمة أمرا عدميا. # وأما ثانيا فلأن الإنسان في الليلة المظلمة إذا كان قريبا من النار وإنسانا آخر يبعد منها ~~فالبعيد منها يرى القريب ولا يكون الهواء المظلم مانعا بالنسبة إليه، فلو كانت الظلمة أمرا ~~ثبوتيا لم يفترق الحال بينهما، فكان إذا منعت أحدهما منعت الآخر. # وقد ذهب بعض المتكلمين إلى أن الظلمة عبارة عن عرض قائم بالجسم كالنور، والأول ~~اقرب. # - الطفر: الوثب في ازتفاع. القاموس المحيط مادة طفر. PageV00P088 # ============================================================ ~~الشهيل شح معالمر العدل والنوحيل ~~المقام الثاني في الخصائص التي اعتقدوها للنور والظلمة وقرروا عليها مذاهبهم وهي ~~الأول ذهبت الثنوية إلى أن المرجع بالنور والظلمة إلى أنفس الأجسام وذواتها وأنهما ~~قديمان وأن العالم مصنوع منهما وأن الأجسام قديمة. واحتجوا لقدمها بأنها لو كانت محدثة ~~لكان لها محدث، ثم لا يخلو محدثها إما أن يكون أحدثها لنفع أو دفع ضرر أو لغير ذلك، فإن ~~فعلها لطلب النفع أو لدفع الضرر كان جسماء لأن النفع والضرر إنما يجوزان على الأجسام، ~~وان فعلها لا لنفع ولا لدفع ضرر كان عبثا مخالفا للعقول هذا إذا كان فاعلها مختارا، وإن ~~كان موجبا وكان محدثا افتقر إلى محدث إلى غير غاية، وإن كان قديما لم يتقدمها، فإذا كان ~~محدثها قديما كانت الأجسام قديمة. # الثاني زعموا أن النور لا نهاية ms061 له من جميع الجهات إلا من الجهة التي تلقاءها الظلمة، ~~وان الظلمة لا نهاية لها من جميع الجهات إلا من الجهة التي تلقاءها النور، فالنور غير متناه ~~الا من جهة التحت، والظلمة غير متناهية إلا من جهة الفوق. # واحتجوا لفقد تناهيهما إلا من الجهة التي ذكرناها بأن الحس يشهد بأن الأجسام النورية ~~صاعدة أبدا والأجسام المظلمة هابطة أبدا، فلو كان النور متناهيا من جهة الفوق لكان يجب ~~ان يتصاعد أكثر مما يتصاعد الآن، لأن صعوده بطبعه، فلو كان ممكنا لوجب، وكذلك ~~الظلمة يجب أن تهبط اكثر من هبوطها الآن؛ لأن هبوطها بطبعها، ولو كان كذلك لما كانا ~~متلاقيين، فلما كان تلاقيهما محسوسا علمنا أنه لم يبق شيء من الجهات خاليا عنهما وأن ~~تناهيهما من جهة ملاقاتهما. # الثالث اعتقدت الثنوية أن النور خير كله وأن الظلمة شر كلها. PageV00P089 # ============================================================ ~~الشهيد شرح معالمر العدل والتوحيل ~~واحتجوا لذلك بأنا نرى العالم فيه خير وشر، والفاعل الواحد يستحيل أن يكون فاعلا ~~للخير والشر، وثبت أن أصل العالم النور والظلمة فوجب أن يكون أحدهما خيرا والآخر ~~شرا، والنور لاشك أفضل من الظلمة فهو إذن خير لذاته، والظلمة شر لذاتها. # الرابع اتفقوا على كون النور حيا عالما قادرا سميعا بصيرا متحركا لذاته، ثم اختلفوا بعد ~~ل ذلك في القوة على هذه الإدراكات، فذهبت الديصانية إلى أن القوة على هذه الإدراكات ~~الخمسة قوة واحدة، ولكنها تختلف الادراكات لاختلاف الآلات. # وأما المانوية فقد حكموا باختلاف القوى لاختلاف الإدراكات، فجعلوا قوة الإبصار ~~غير قوة السماع، وكذلك البواقي: ~~وأما الظلمة فقد اختلفوا فيها فذهبت الديصانية إلى أنها غير عالمة ولا حية ولا قادرة ولا ~~سميعة ولا بصيرة بل هي ميتة ولا هي متحركة لذاتها بل هي راكدة. واحتجوا على قولهم ~~بأن النور لما كان موصوفا بهذه الصفات كانت هذه الصفات خيرات، والظلمة ضد له، ~~فوجب ألا تكون موصوفة بهذه الصفات بل بضدها؛ لما بينهما من التضياد. # وذهبت المزدقية(1) إلى أنها حية ولكنها غير عالمة ولا سميعة ولا بصيرة، وذهبت المانوية ~~إلى ms062 آنها موصوفة بهذه الصفات، ولكن الفرق بينها وبين النور آنها تستعمل حياتها وعلمها ~~وسمعها وبصرها في الشر، والنور يستعمل الصفات في الخير. # ولكل واحد من هؤلاء أدلة ركيكة وهذيان طويل، ولسنا نحتاج إلى إيرادها إذ لا طائل ~~فيها، وقد تقصاها صاحب المعتمد، واشتملت عليها كتب المتكلمين: ~~المزدقية من المجوس هم أصحاب مزدق الموبذ ويقولون بالمساواة في المكاسب والنساء، فاستباحوا ~~المحرمات،ودامت فتنة هؤلاء إلى أن قتلهم أنوشروان فى زمانه. ابن حزم: الفصل في الملل والنحل 36/1. PageV00P090 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~الخامس اتفقت الثنوية على أن تكوين العالم وتركيبه من امتزاج النور والظلمة. # واحتجوا على كون العالم متكونا من النور والظلمة بأن قالوا: إنا وجدنا أجسام العالم ~~على ضربين: أحدهما ذو ظل يستر غيره من أن يقع عليه النور وينفي عنه النور المشرق. # والثاني لا ظل له كالأجسام المنيرة المشرقة كالشمس وسائر الأنوار. فعلمنا أن العالم نور ~~وظلمة وأنهما ممتزجان وأنهما ضدان متنافيان ينفي أحدهما الآخر وأن ما كان له ظل هو من ~~جس الظلام وماليس بذي ظل فهو من جنس النور، فلهذا كان العالم ممتزجا منهما. # السادس: في سبب حدوث هذا الامتزاج: ~~أما المرقيونية فزعموا أن امتزاج هذين الأصلين إنما كان لشيء ثالث وهو المعلول ~~المتوسط. # وأما الديصانية والمانوية فقد أنكروا هذا المتوسط، وزعموا أن سبب الامتزاج من جهة ~~أنفسهما من دون أمر آخر كما حكيناه عنهم في أول الباب. # فهذا مجموع ما اعتقدوه للنور والظلمة من الخصائص وبنوا عليها خرافاتهم. # المقام الثالث في بطلان هذه الخصائص وإفسادها. # أما ما ذكروه أولا من أن المرجع بالنور والظلمة إلى أنفس الأجسام وأنها قديمة وأنهما ~~قديمان فقد دللنا فيما مر على أن استنارة الأجسام ليس نفس كونها أجسام، فلا فائدة في ~~اعادته، وأقمنا الدلالة أيضا على حدوث الأجسام، فإن كان الحق ما قالوه من كون النور ~~جسما لزم القول بحدوثه، وإن كان الحق ما ذهبنا إليه من كون النور عرضا لزم أيضا من ~~حدوث الجسم حدوث النور؛ لاستحالة سبق الحال على محله. ms063 PageV00P091 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~فأما الظلمة فإن كانت أمرا عدميا كما قررنا فلا كلام، وإن كانت أمرا ثبوتيا كان بيان ~~حدوثها كبيان حدوث النور. # ولو سلمنا قدم الأجسام وجب القول بحدوث النور والظلمة؛ لأنا قد بينا كون النور ~~عرضا فاختصاص الجسم به ليس لجسميته، وإلا وجب حصوله في جميع الأجسام، ولا ~~لأمر آخر موجب، إذ لا مخصص له بجسم دون جسم، فلم يبق إلا أن يكون للفاعل ~~المختار، وكل من كان فعلا للفاعل المختار فهو محدث، فيجب أن يكون النور محدثا. # فأما قولهم: إن الأجسام لو حدثت لكان لا يخلو إما أن يكون حدوثها لغرض أو لا ~~لغرض ~~فالجواب أنه فعلها لأكمل الأغراض وهو الإحسان إلى الخلق، وليس ذلك خلاف ~~المعقول كما زعموا؛ لأن داعي الإحسان مقرر في العقول كما نشرحه عند الكلام في الحكمة ~~ان شاء الله. # و أما ما ذكروه ثانيا من أن تناهيهما لا يكون إلا من حيث تلاقيهما. # فجوابه من وجوه: ~~أما أولا فلأن من مذهبكم أن المرجع بالأنوار كلها على اختلاف أنواعها إلى أنفس ~~الأجسام، وقد تقرر أن الأجسام متناهية، فيجب أن تكون الأنوار متناهية. وإنما قلنا: إن ~~الأجسام متناهية؛ لأنها لو لم تكن متناهية لم يفترق الحال بين صغيرها وكبيرها بل يجب ~~التساوي لاشتراك الكل منها في فقد التناهي، وفساد ذلك معلوم ضرورة. # و أما ثانيا فإن الشيء كما تظهر نهايته عند غيره فقد يظهر عند آخر جزء منه وعند فراغ ~~يمكن أن يقدر فيه غيره. ألا ترى أنا نعلم تناهي الجبل عند رؤية طرفه وعند الفراغ الذي PageV00P092 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيد ~~يمكن أن يقدر فيه غير الجبل. فما أنكرتم أن يكون النور متناهيا عند الفراغ الذي يمكن أن ~~يقدر فيه إما ظلمة من جهة أعلى النور وإما نور من تحت الظلمة. # وأما ثالثا فإنكم إذا حكمتم بتناهيهما من حيث الملاقاة وجب الحكم أيضا بتناهي النور ~~من أعلاه وتناهي الظلمة من أسفلها؛ لأنه إذا وجب تناهيهما من أحد الطرفين وجب ~~تناهيهما من ms064 الطرف الآخر. # فأما قولهم لو كان النور متناهيا من جهة العلو لكان يجب آن يصعد أكثر من صعوده ~~الآن. # فالجواب عنه أنا لا نسلم أن حركة الأجسام المستنيرة واجبق إذ لو وجبت لوجب ~~اشتراك جميع الأجسام في هذه الحركةب لأن حقيقتها واحدة، فإذن لا تكون الحركة الصاعدة ~~والهابطة واجبة. # و أما ما ذكروه ثالثا من أن النور خير كله مطبوع على الخير وأن الظلمة كلها شر مطبوعة ~~على الشر. # فجوابه من وجوه: ~~أما أولا فإن الظلمة تستر الهارب من الظالم والضوء يدل عليه. # وأما ثانيا فإن الظلمة تعين على النوم والاستراحة والضوء قد يمنع منه، وإدامة النظر إلى ~~الأشياء المشرقة يفسد البصر والأشياء السود تجمعه وتصلحه. PageV00P093 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~وأما ثالثا فالنظر إلى سواد شعر الجارية الحسناء وسواد حدقتها ألذ من النظر إلى بياض ~~شعر العجوز وبياض حدقتها، وسواد الليل يوصل العاشق إلى محبوبه وهو يكره الصباح؛ ~~لأنه يمنعه. # فأما قولهم: إنا نرى في العالم خيرا وشرا فلا بد من خير وشرير. # فالجواب أن هذا مبني على حياة النور والظلمة وفاعليتهما وكون العالم مركبا منهما إلى ~~غير ذلك من الركاكات، وسنأتي على بطلان ذلك وإفساده إن شاء الله تعالى. # وأما ما ذكروه رابعا من اتفاقهم على كون النور حيا قادرا واختلافهم في الظلمة. # فالجواب أما الديصانية فقد بطل مذهبهم من وجوه: ~~أما أولا فإذا كان عندهم أن النور والظلمة قديمان، والقدم وصف ذاتي يكشف عن ~~اشتراكهما في حقيقة الذات ويوجب تماثلهما، وعندهم أن النور نور لذاته والظلمة ظلمة ~~لذاتها. فيجب أن يكونا نورين كلاهما أو ظلمتين لتماثلهما. # وأما ثانيا فإذا وجب تماثلهما لاشتراكهما فيما هو أصل في حقيقة الذات وهو القدم فكيف ~~يقال بأن النور قادر لذاته والظلمة عاجزة لذاتها، ومن حق المثلين ألا يفترقا في أوصاف ~~الذات. # وأما ثالثا فإذا قلتم بأن الظلمة ميتة فكيف يقال بأنها يصح منها الفعل وأن الشر كله من ~~فعلها، والفعل لا يتأتى إلا من حي قادر. PageV00P094 # ============================================================ ~~السهيد شحمعالمر العدل والتوحيل ~~وأما ms065 المانوية فقد بطل مذهبهم من وجوه: ~~أما أولا فإذا كان كل واحد من النور والظلمة حاصلا على هذه الأوصاف من الحياة ~~والقدرة والسمع والبصر فلما اختص أحدهما بأن كان يفعل الخير والآخر يفعل الشر مع ~~تماثلهما وكون تأثيرهما على سبيل الإيجاب. # وأما ثانيا فإذا كانت الظلمة حاصلة على هذه الصفات كالنور وجب آن يستغنى ~~بأحدهما عن الآخر، فلا يستبد أحدهما بشيء إلا ويجب للآخر مثله، وفي ذلك بطلان ~~الاثنينية كما زعمتم. # وأما ثانيا فالظلمة إذا كانت حاصلة لها هذه الأوصاف فلا معنى لقولكم إنها لم تستعمل ~~سمعها وبصرها وعلمها؛ لأن هذا إنما يقال في حق من كان يفعل بالاختيار. فأما ما كان ~~تأثيره على جهة الوجوب فلا تطلق عليه هذه العبارة. # وأما المزدقية فقد بطل قولهم من وجهين: ~~أما أولا فإذا قالوا بأنها حية لذاتها وجب أيضا أن تكون قادرة وعالمة؛ لأن ما وجب ~~لأحد المثلين وجب للآخر، فيلزمهم تماثل النور والظلمة لاشتراكهما في كونهما قديمين ~~وحيين لذاتهما. # و أما ثانيا فكيف تكون فاعلة للشر كله ولا تكون قادرة. # وأما ما ذكروه خامسا من أن تكوين العالم وتركيبه من النور والظلمة فهو باطل ~~لوجهين: PageV00P095 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~أما أولا فلما قدمنا من أن النور عرض والظلمة عدم النور عما كان من شأنه أن يكون ~~مستنيرا، وامتزاج العرض بعدم نفسه غير معقول. # وأما ثانيا فهب أنا سلمنا أن امتزاج النور والظلمة معقول في الجملة لكن لا يمكن أن ~~تكون هذه الأجسام مركبة منهما. فإنا نرى الأجسام الكثيفة إذا لم تقابلها الأجسام المستنيرة ~~كالشمس والقمر وسائر الكواكب فإنها تكون مظلمة جدا. ولو كانت مركبة من النور ~~والظلمة لكان ما فيها من أجزاء النور مستنيرة، فلما لم يكن ذلك بطل ما قالوه. # ثم هاهنا إلزامات على قولهم إن العالم متزج من النور والظلمة ومتكون منهما مع قولهم ~~بحدوث هذا الامتزاج وأن النور لا يفعل إلا الخير والظلمة لا تفعل إلا الشر. وهي أربعة: ~~الأول وهو أن امتزاجهما إما أن يكون خيرا ms066 أو شرا، فإن كان خيرا فالنور كان تاركا له في ~~الأزل، فإن تركه اختيارا فترك الخير شر، فيكون النور شريرا، وإن تركه عجزا فالعجز نقص ~~فيكون النور ناقصا وهو شر، وإما أن يكون الامتزاج شرا فترك النور دفع ذلك الشر إن ~~كان اختيارا، فترك دفع الشر شر، فيكون النور شريرا. وإن كان عجزا فالعجز نقص فيكون ~~النور ناقصا. # الثاني من قال أنا ظلمة فقائل هذا القول إن كان ظلمة كانت الظلمة صادقة، فتكون ~~فاعلة للحسن، وإن كان النور كان كاذبا فيكون فاعلا للقبيح. # الثالث لو كان هاهنا رجلان دفعا إلى ظلمة شديدة ضاع لأحدهما بدرة واستتر الآخر ~~عن العدو فإن هذه الظلمة محسنة إلى من استتر عن عدوه ومسيئة إلى من ضاعت منه ~~بدرته، وهكذا الشمس إذا طلعت فإنها محسنة إلى من ضاعت منه البدرة ومسيئة إلى من ~~استتر عن عدوه. PageV00P096 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~الرابع إن الإنسان إذا كان من النور والظلمة والنور لا يقدر إلا على الخير ولا يمكنه ~~غيره والظلمة لا تقدر إلا على الشر ولا تتمكن من غيره فحينئذ يبطل الأمر والنهي والمدح ~~والذم والحب والزجر وتكون هذه الأمور عبثا قبيحا، وعلى الجملة فقول هؤلاء بأن تكوين ~~الأجسام وتركيبها من النور والظلمة كالأمر الذي يعرف فساده بالضرورة فيجب بطلانه. # فأما ما قالوه من أن أجسام العالم ضربان: ذو ظل، وما ليس بذي ظل. فعلمنا أن العالم ~~متركب منهما. # فالجواب عنه من وجهين: ~~أما أولا فإذا سلمنا لكم أن الأشياء على قسمين ذو ظل وغير ذي ظل فهذا إنما يتأتى ~~بالنهار دون الليل؛ لأن الليل يغشى الأشياء ويسترها بالظلام كما يغشاها النور بالنهار، فإن ~~لزم من وجودنا الأشياء بالنهار على قسمين ذي ظل وغير ذي ظل أن يكون العالم مركبا من ~~ن ور وظلمة فليلزم من وجودها في الليل مظلمة أن يكون العالم مركبا من الظلمة فقط ~~خالصة، وفيه بطلان ما ذكروه. # و أما ثانيا فلئن دل وقوع الظل بما كان له ظل على أن فيه ms067 أجزاء من الظلام فليدل ما لا ~~يقع له ظل كالهواء المستنير من الشمس على أنه لا ظلام فيه، فكيف يقال إن العالم ممتزج ~~هما ~~وأما ما ذكروه سادسا في سبب حدوث هذا الامتزاج فجوابه: ~~أما المانوية والديصانية فقد أنكروا هذا المتوسط وزعموا أن امتزاجهما كان لأنفسهما. # فنقول لهم: إن حال هذا الامتزاج لا يخلو إما أن يكون طبيعيا للنور والظلمة أو اختياريا، ~~فإن كان طبيعيا وجب حصوله في الأزل، وعندكم آن حدوث هذا الامتزاج في بعض PageV00P097 ~~============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~أوقات ما لا يزال، وإن كان اختياريا فهذا الاختيار إما أن يكون ثابتا لتلك الأجسام لذواتها ~~أو يكون حاصلا من غير ذواتها، والأول باطل، وإلا لوجب حصوله في الأزل لأن ذوات ~~الأجسام قديمة. والثاني باطل أيضا؛ لأنه إن كان جسما عاد المحال، وإن لم يكن جسما ~~فحييذ يكون لا بد من وجود شيء غير جسم يكون معطيا للنور والظلمة قدرة واختيارا ~~بهما يتمكنان من الامتزاج، وهذا يكون اعترافا بالصانع عز سلطانه وتركا للتثنية، ولا يبقى ~~الخلاف إلا في قدم الأجسام، وقد قررنا الدلالة على حدوثها. # وأما المرقيونية القائلون بحصول المتوسط فقوهم هذا لا يستمر على مذهبهم؛ لأن ذلك ~~الامتزاج إن كان خيرا كان فاعله النور؛ لأن الخير لا يصدر إلا عن النور. وإن كان شرا كان ~~فاعله الظلمة؛ لأن الشر لا يصدر إلا عنها. # فحيئذ يبطل المتوسط، وإن أرادوا بالمتوسط هو الله تعالى الذي يجمع بين الأجسام ~~اا و يؤلفها ويخلق منها التراكيب المتقنة والعجائب المحكمة كان ذلك رجوعا منهم إلى ~~التوحيد وتركا للتثنية وهو المطلوب. # الفصل الخامس في الرد على المجوس ~~ولهم أقاويل مضطربة، وهم فرق مختلفة، وقد حكي أصحاب المقالات عنهم أنهم أثبتوا ~~للعالم صانعا غير جسم عالما قادرا حكيما ونزهوه عن خلق الجهل والمرض والألم وسائر ~~أنواع الشرور أجمع وسموه برذن، فلما قالوا بهذه المقالة احتاجوا عند ذلك إلى إسناد هذه ~~الشرور إلى الشيطان وسموه أهرم، واختلفوا في كونه جسما وفي كونه حادثا، فالأقلون على ~~كونه ms068 قديما وأنه ليس بجسم، والأكثرون منهم على آنه محدث وجسم. # وزعموا أن سبب حدوثه أنه عرض لبرذان في بعض الأوقات فكرة، وهو أنه فكر كيف ~~يكون حالي لو كان في ملكي من يناب عني، فتولد الشيطان عن هذه الفكرة، ثم إنه حارب PageV00P098 ~~============================================================ ~~السهيد شرح معالمر العدل والنوحيل ~~برذان وهزم عسكره، واصطلحا، وصفة تلك المحاربة والمصالحة مذكورة في كتب ~~المتكلمين، والمقصود في الرد عليهم أمران: ~~أحدهما أنه لا يجوز إضافته الشرور والآلام القبيحة إلى الله تعالى، ونحن ندفع ذلك ~~بطريقين: ~~أما أولا فلا نسلم أن الآلام قبيحة كلها وأن الملاذ حسنة كلها، بل منها ما يقبح ومنها ما ~~يحسن لوجوه تقع عليها، فما كان من الآلام من فعل الله تعالى فهو حسن لتضمنه المصلحة ~~كما سيأتي مقررا في الحكمة إن شاء الله. # وأما ثانيا فهو أن تبين تناقض هذا المذهب أن الشيطان هو أصل الشرور والآلام ~~بزعمهم وقد أضافوا حدوثه إلى الله تعالى، فكيف يمكنهم تنزيه الله عن فعل القبائح مع ~~ذلك. # و ثانيهما أن نبين أن المحاربة لله تعالى محال، وذلك إنما يكون بأن نبين كونه تعالى قادرا على ~~كل الممكنات وعلى ما لا نهاية له منها وأنه لا ثاني له - وكل هذا سيجيء من بعد - وإن من ~~كان هذا حاله استحالت محاربته، فإما ما وراء ذلك من مذاهبهم في كيفية تلك المحاربة ~~والاشتغال بإبطالها فلا طائل فيه لاستحاله على الهذيان البارد والتحكم الجامد، فلا يليق بنا ~~الإكثار فيه. # الفصل السادس في الرد على الباطنية ~~اعلم أن هذه الفرقة لا يرجعون إلى عقيدة تعرف على الحقيقة، والنقل عنهم مضطرب، ~~واكثر ما يحكى عنهم إذا عرض عليهم أنكروه، وإذا روجع فيه المستجيبون لدعوتهم ~~دو: PageV00P099 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وقاعدة مذهبهم تقتضي آن يكون النقل عنهم مختلفا فإنهم لا يخاطبون الخلق بمسلك ~~واحد بل غرضهم استدراج كل واحد عن دينه بما يوافق رأيه بعد أن يظفروا منهم بالانقياد ~~لهم والإصغاء إلى كلامهم، وهذا نراهم يذكرون في توحيدهم أشياء مما يذهب إليه ms069 أهل ~~الملل الكفرية كالثنوية والمجوس والفلاسفة والنصارى ليأنس به عوام تلك الملة فيوافقونهم ~~عليى أغراضهم، وليس غرضهم بذكره تدينا به واعتقادا له وإنما غرضهم خديعة الضعفاء، ~~فيذكرون في مذاهبهم العقل والهيولي والصورة رمزا منهم إلى مذهب الفلاسفة ليتمكنوا من ~~دعوتهم، ويذكرون أن الخالق الأول خلق العقل والنفس واتحد بهما فكمل بهما وغرضهم ~~بذلك استدعاء فرق النصارى وايناسهم لعوامهم، وقالوا أيضا بالفكرة الردية وحدوث ~~الشرير تأنيسا للمجوس؛ لأن هذه مقالتهم. ومرادهم بذلك الخدع والتغرير وحل عرى ~~الاسلام عروة عروةه نعم قد اتفق نقلة المقالات عنهم من غير تردد أنهم يقولون باهين ~~قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان وأنهما خالقان ومدبران وربان للعباد وأحدهما ~~أعلى رتبة من الآخر إلا أن أحدهما علة لوجود الآخر واسم العلة السابق واسم المعلول ~~التالي وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي. وقالوا أيضا مع ذلك: إنهما مخلوقان محتاجان إلى ~~غيرهما والذي خلقهما ليس له اسم ولا صفة ولا يجوز أن يذكر ولا يقصد إليه بعبادة وجميع ~~الصفات لا تليق به وإنما تليق بالإلهين اللذين حصلا عنه. # ال وزعموا أن السابق هو التام بالفعل والتالي ناقص بالإضافة إليه؛ لأنه معلوله ثم قالوا: ~~العالم قديم أي ليس وجوده مسبوقا بعدم بل حدث من السابق بواسطة التالي وهو أول ~~مخلوق. # إلى هذيان وخرافات أفحش مما نقلناه في التوحيد وفي سائر قواعد الشريعة والنبوة، ~~ولسنا نرد عليهم هاهنا إلا ما يذهبون إليه في التوحيد دون غيره، والكلام عليهم متعلق ~~بأمور ثلاثة: PageV00P100 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~الأول بيان حدوث العالم وإثبات محدثه وقد مر فلا نعيده. # الثاني بيان المناقضة فيما ذهبوا إليه واعتقدوه ~~وظهورها من وجهين: ~~أحدهما قولهم بأن هذين الالهين قديمان ومع ذلك قالوا بأنهما مخلوقان، ومن حق ما كان ~~مخلوقا أن يسبقه عدم، ومن حق القديم الا يسبقه عدم، وأيضا فحق المخلوق أن يكون ~~حاصلا بغيره، وحق القديم أن يكون حاصلا لذاته، فكيف يمكن القول بقدمهما مع القول ~~بأنهما مخلوقان. وهذا جهل منهم وعدم علم بحقيقة القديم والمخلوق ms070 والميز بينهما. # وثانيهما قوهم بأنهما قديمان مع قوهم بأن التالي حاصل من جهة السابق ومعلول له، وما ~~سبقه غيره وحصل عنه كيف يقال إنه قديم، ومن حق القديم أن لا يسبقه غيره، وأيضا ~~فكيف يقال بأن السابق قديم وقد تلاه المحدث، وهو حصول التالي عنه من غير فصل ~~وأمكن الإشارة إلى أوله، وهذا يبطل قدمه؛ لأن من حق القديم أن يكون سابقا على ~~المحدث سبقا لا نهاية له. # الثالث في إفساد ما زعموه ~~ويتضح بطلانه بوجوه: ~~أولها لو سلمنا لكم صحة هذين الأصلين مع ما فيهما من اهذيان والتحكم فكيف ~~تقولون إن السابق مؤثر في التالي وإنه معلول عنه وكلاهما حاصل فيما لا أول له على ~~زعمكم، فلم اختص السابق بالتأثير في التالي، ولم لم ينعكس الأمر فيكون التالي مؤثرا في ~~السابق، ولم لم يكن كل واحد منهما مؤثرا في الثاني حتى يلزم أن يكون كل واحد منهما مؤثرا ~~في نفسه بواسطة الآخر، ثم ما يؤمنكم أن يكون كلاهما معلولا عن علة أخرى إلى غير PageV00P101 ~~============================================================ ~~النسهي شح معالمر العدل والنوحيل ~~غاية؛ لأنكم إذا أثبتموهما من غير طريق إليهما جاز إثبات غيرهما من غير طريق، إذ ليس ~~عدد أولى من عدد. # وثانيهما إذا قلتم بأنهما مستحقان للإهية بزعمكم فكيف ساغ لكم إضافة النقص إلى ~~التالي مع اعتقاد الإلهية، وكيف يتصور النقصان في الإله، ومن حقه أن يحصل على جميع ~~أوصاف الكمال ليكون مستحقا للعبادة، ثم نقول: إذا أقررتم بنقصانه فمع القول بذلك ~~هل يبقى إلها أم لا؟ فإن كان الأول فكيف يكون إلها مع نقصانه، والإله لا يكون ناقصا. # وان كان الثاني فكيف قلتم بأنهما إلهان أحدهما سابق على الآخر. # وثالثها إنكم إذا حكمتم على التالي بالنقصان فأخبرونا عن سبب نقصانه هل كان لأنه ~~قديم أو لأنه حادث أو لأنه حصل لغيره، فإن كان نقصانه لأنه قديم فالسابق أيضا ~~بزعمكم قديم فيجب أن يكون ناقصا أيضا، وإن كان نقصانه لأنه حادث فالتالي عندكم ~~ليس بحادث بل هو قديم، وإن كان نقصانه ms071 لأنه حصل بغيره فإذا جوزتم أن يكون التالي ~~حاصلا بغيره مع أنه قديم فيجب في السابق أيضا أن يكون حاصلا بغيره مع آنه قديم، ~~فيلزم نقصانها جميعا، وأنتم لا تجوزونه، ثم يقال لهم: نقصان التالي هل كان لذاته أو ~~لعارض؟ فإن كان لذاته فالسابق أيضا ناقص؛ لأنه مشارك له في حقيقته لاشتراكهما في ~~القدم، وهو حقيقة في الذات، والأحكام الذاتية لا يمكن افتراق المثلين فيها، وإن كان ~~لعارض فلم اختص العارض بالتالي حتى جعله ناقصا دون السابق من غير مخصص، وهما ~~حاصلان في الأزل على سواء: ~~فهذه جملة كافية فى إفساد ما زعموه من توحيدهم. PageV00P102 # ============================================================ ~~المهيد شح معالمر العدل والتوحيد ~~فأما سائر أقاويلهم في النبوة والإمامة وتأويلات الشرائع وذكر الباطن فقد أفردنا عليهم ~~كتابا في الرد أبطلنا فيه قواعدهم وأفسدنا فيه جميع مذاهبهم وما عدا ذلك من ذكر فرقهم ~~ورجالهم، والسبب في نصب هذه الدعوة فهو بكتب التواريخ أليق. # الفصل السابع في الرد على النصارى ~~حكى نقلة المقالات عنهم أقاويل مختلفة ومذاهب مضطربة لا تثول إلى رابطة ولا ~~عها جامع، ومهما لم تنضبط المذاهب فالكلام عليها عسير صعب، نعم قد اشتهر عنهم ~~مقالتان: ~~أحدهما فيما يختص ذات القديم تعالى وصفاته وهي التثليث. # والثانية فيما يعتقدونه في أمر عيسى عليه السلام وهي الاتحاد. فلنقصر الكلام في الرد ~~عليهم فيهما. # المقالة الأولى فيما يختص ذات القديم تعالى وصفاته. # والمشهور عنهم أنهم يقولون: إن الله تعالى واحد بالجوهرية ثلاثة بالأقنومية، فأما ~~وصفهم الله تعالى بأنه جوهر فالخلاف فيه لفظي؛ لأنه قد اشتهر عنهم من مذاهبهم أن الله ~~تعالى ليس بمتحيز وأنه تعالى منزه عن المكان والجهة. وأما الأقانيم فقد اتفقوا على أنها ~~ثلاثة: أقنوم الآب وهو ذات البارى تعالى، وأقنوم الابن وهو الكلمة، وأقنوم روح القدس ~~وهو الحياة. # وقد تخبط الناس في معرفة مقاصدهم بها، فقد قال بعضهم: إنها ذوات. وقال بعضهم: ~~هي آشخاص وقال بعضهم.: هي وجوه وصفات. ونحن نذكر تقسيما حاصرا يحيط ~~بجميع الأقسام التي يمكن أن تقال فيه ونرد عليهم ms072 بعد ذلك. PageV00P103 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~فنقول: الأقانيم الثلاثة لا تخلو إما أن تكون المرجع بها إلى محض ذاته تعالى أو لا تكون ~~كذلك والأول باطل بالضرورة، لا يقول به أحد؛ لأن الذات الواحدة من حيث أنها ذات ~~وا حدة يمتنع أن تكون أمور ثلاثة متعددة. وأما الثاني فلا يخلو إما أن يكون المرجع ببعض ~~الأقانيم إلى مجرد ذاته وإما أن لا يكون كذلك، فالأول هو الذي يحكى عن بعضهم أن أقنوم ~~الآب هو نفس الذات أي أن وجود القديم تعالى هو عين ذاته. # ال و أما الثاني فلا يخلو إما أن يكون المرجع بالأقانيم الثلاثة إلى موجودات ثلاثة أو لا يكون ~~كذلك فإن كان الأول فإما أن تكون تلك الموجودات قائمة بذات الله تعالى كما يحكى عن ~~الأشعرية وإما أن تكون موجودات قائمة بأنفسها كما يقوله من أثبت آلهة كثيرة غير الله ~~تعالى، وإما أن لم تكن الأقانيم الثلاثة أمورا موجودة فلا يخلو إما أن تكون من قبيل ~~الأحوال كما يقوله أبو هاشم أو من قبيل الأحكام كما يقوله أبو الحسين أو من قبيل ~~السلوب والإضافات كما تزعمه الفلاسفة، فهذه الوجوه التي يمكن حمل الأقانيم الثلاثة ~~عليها. # والكلام على هذه المقالة من وجهين: ~~الأول منهما السرد. واعلم أن الحاصل من مذهبهم أن الذات واحدة والأقانيم لا تتعدد ~~أصلا، وأما الذات على الأقانيم فثلاثة، فإذن حقيقة مذهبهم اعتبار أمور ثلاثة: وخدة ~~الذات، والامتناع من تعديد الأقانيم، والقول بأن الذات مع الأقانيم ثلاثة. # فنقول: إن كان مرادهم بالأقانيم الثلاثة ذواتا ثلاثة قائمة بأنفسها غير ذات الله تعالى ~~فهذا يناقض مذهبهم أن الذات واحدة ثلاثة بالأقنومية، وأيضا فسيأتي إفساده في الوحدانية ~~ان شاء الله تعالى. وإن كان مرادهم بالأقانيم الثلاثة معان قائمة بذات الله تعالى كما تقوله ~~الأشعرية فسيأتي الكلام عليها في الصفات. وإن كان مرادهم بالأقانيم الثلاثة الأحوال PageV00P104 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~التي يقولها أبو هاشم أو الأحكام التي يقولها أبو الحسين أو السلوب والإضافات التي ~~تزعمها الفلاسفة فهذا ms073 لا يلائم مذهبهم، لأن الأقانيم عندهم متغايرة. وإن قصدوا هذا ~~المعنى بمقالتهم بالأقانيم فهو صحيح، وحينئذ لا يكون إكفارهم لأجل ذلك بل بقولهم ~~بالهية عيسى وكفرهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله فظهر بما ذكرنا ما يصح، ويبطل ما ~~يمكن أن يراد بالأقانيم، ومع ذلك فلا يضرنا جهلنا بمرادهم بالأقانيم على التعيين. # ثم يقال لهم: هذه الأقانيم الثلاثة هل هي مستوية في حقائقها أو مختلفة، فإن كانت ~~مستوية وجب الاستغناء بواحد منها عن سائرها، وإن اختلفت حقائقها وتباينت فكيف ~~يتحقق اختلافها مع اشتراكها في القدم، وهو الأصل في معقول الحقيقة، والاشتراك فيه ~~موجب لتساوي الحقائق في أنفسها وخصائصها. # الوجه الثاني ~~المطالبة لهم بالدلالة على حصر الأقانيم الثلاثة في الآب والابن وروح القدس أي في ~~الوجود والعلم والحياة، ولم لم يجعلوها أقانيم كثيرة بحسب أحواله أو يقتصرون على أقنوم ~~واحد لمجرد الذات، فإن قالوا: إن كل واحد من الفرق ممن أثبت الصفات يدعي انحصار ~~صفات القديم تعالى في عدد مخصوص. # فالأشعرية يحصرونها في سبعة أو ثمانية أو أكثر، وأكثر المعتزلة من أصحاب أبي هاشم ~~زعموا أن الصفة الذاتية واحدة والصفات المستفادة منها أربع، فما تثبتون به هذا الحصر ~~فبحق تبت به حصرنا. # قلنا: إنهم لم يثبتوا للقديم تعالى من الصفات إلا ما دل عليه الفعل بنفسه أو بواسطة، ~~وأنتم لم تعتبروا ذلك، بل أثبتم القديم تعالى فاعلا مختارا، ولا بد لكم من الاعتراف بكونه PageV00P105 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~قادرا، ولم تثبتوا له أقنوم القادرية، وأثبتموه سميعا بصيرا ولم تثبتوا له أقنوم السمع والبصر، ~~فلهذا بطل قولكم بانحصارها في ثلاثة. # ل وجه آخر من المطالبة: أليس قد زعمتم أنه تعالى واحد بالجوهرية ثلاثة بالأقنومية، ~~فخبرونا هل يمكن انفصال كل واحد من هذه الأقانيم عن غيره بفصل أم لا؟ # فإن قالوا: لا يفصل عن غيره ولا يمكن تميزه عنه. قلنا: فلم كان الآب بأن يكون أبا ~~أولى من أن يكون ابنا ولم كان والدا بأولى من أن يكون ولدا؟ وهكذا الروح. وإن ms074 قالوا: إن ~~كل واحد من الأقانيم منفصل عن غيره ومتميز. قلنا: فعلى هذا القول يكون قد عمها ~~الجوهر ثم انفصل كل واحد منهما عن غيره بفصل، وهذا يوجب عليكم القول بأن الآب ~~مركب من جنس وفصل إذ قد شارك غيره في الجوهرية وانفصل عنه بفصل، وهذا معنى ~~المركب، ويبطل قولكم أن الآب بسيط وأن حقيقة ذاته غير مركبة، فهذا هو الكلام عليهم ~~في المقالة الأولى فيما يختص الذات وهو التثليث. # المقالة الثانية فيما زعموه في أمر عيسى عليه السلام وهو الاتحاد ~~ال وقد اتفقوا على القول بالاتحاد، واختلفوا في كيفيته، فذهب الملكانية(1) إلى أن الاتحاد ~~كان بالإنسان الكلي، والباقون أثبتوا الاتحاد بالإنسان الجزئي: ~~ا- الملكانية هي مذهب جميع ملوك النصارى وعامتهم حيث كانوا حاشا الحبشة والنوبة، وقوهم أن الله تعالى ~~عبارة ثلاثة أشياء آب وابن وروح القدس كلها لم تزل، وأن عيسى عليه السلام إله تام كله وإنسان تام كله ليس ~~أحدهما غير الآخر وأن الإنسان منه هو الذي صلب وقتل وأن الإله منه لم ينله شيء من ذلك، وأن مريم ولدت ~~الاله والإنسان وأنهما معا شيء واحد ابن الله. ابن حزم: الفصل 111/1 PageV00P106 ~~============================================================ ~~الشهيد ش معالمر العدل والنوحيل ~~ثم اختلفوا فقالت اليعقوبية(1): المراد منه الممازجة، فيصير منهما شيء ثالث كما تمتزج ~~النار بالفحم فحصل منهما الجمر الذي ليس بنار ولا فحم، ولذلك قالوا: المسيح جوهر من ~~جوهرين وأقنوم من أقنومين لاهوت وناسوتي. # وقالت النسطورية(2). معنى الاتحاد هو أن الكلمة خلقته هيكلا وأدرعته أدرعا. ولذلك ~~قالوا: المسيح جوهران أقنومان. # ومنهم من قال: الاتحاد وقع بعيسى كما يتحد الوجه بالمرآة من غير أن يكون قد انتقل ~~الوجه إلى المرآة. # ومنهم من قال: الاتحاد هو أنها ظهرت آثار الكلمة على عيسى: ~~وأما الأرمنوسية منهم فإنهم زعموا أن عيسى كان عبد الله تعالى ولكنه اتخذه ابنا على ~~سبيل التشريف كما اتخذ إبراهيم خليلا لنفسه على سبيل التشريف. فهذه خلاصة ما نقل من ~~مذهبهم. واعلم أنا قبل الاشتغال بالرد عليهم فلا بد من البحث عن ms075 أمرين: ~~أحدهما في حقيقة الإنسان الكلي والجزئي: ~~والثاني كيفية وجودهما. # - اليعقوبية من فرق النصارى تزعم أن المسيح هو الله تعالى نفسه وأن الله مات وصلب وقتل وأن العالم بقي ~~ثلاثة أيام بلا مدبر، ثم قام ورجع كما كان، وأن الله تعالى عاد محدثا وأن المحدث عاد قديما، وأنه تعالى هو كان في ~~بطن مريم محمولا به، وهو مذهب عامة أهل مصر وجميع النوبة وجميع الحبشة. ابن حزم: الفصل في الملل والنحل ~~.112/1 ~~2- النسطورية من فرق النصارى قالوا: إن مريم لم تلد الاله وإنما ولدت الإنسان وإن الله تعالى لم يلد الانسان ~~وانما ولد الإله، وقالوا: إن الإتسان إنسان والاله إله وزعموا أن الموت والصلب إنما وقع على الناسوت خاصة: ~~ابن حزم: الفصل في الملل والنحل 117/1. PageV00P107 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~أما الأول فحقيقة الكلي هو الذي لا يمنع نفس تصوره عن وقوع الشركة فيه؛ فإن ~~الانسان من حيث إنه إنسان حقيقة واحدة تشترك فيها الأشخاص المفردة مثل زيد وعمرو: ~~ومعنى جزئي هو الذي يمنع نفس تصوره عن وقوع الشركة فيه؛ فإن زيدا لمكان حقيقته ~~المعينة يمتنع وقوع الشركة فيها. # و أما كيفية وجودهما فقد اختلف فيه الأوائل، فأما أفلاطون فذهب إلى أن كل حقيقة ~~يوجد لها أشخاص في الوجود المحسوس فإن لتلك الحقيقة من حيث إنها كلية وجودا ثابتا ~~لا يتغير أبدا. واحتج عليه بأن قال: لما صدق قولنا إن هذا الانسان الجزئي موجود في ~~الأعيان صدق عليه أن الإنسان الكلي موجود في الأعيان أيضا؛ لأن هذا الإنسان الجزثي ~~عبارة عن مجموع حقيقة الإنسان الكلي مع قيد التعيين، فصار بوصف التعيين مركبا، ومتى ~~كان المركب موجودا فالمفرد لا محالة موجود فإذن الانسان من حيث كونه إنسانا موجود ~~في الأعيان وهو أمر كلي، وقد ثبت وجوده في الأعيان، وإنه لا يتطرق إليه العدم والفساد؛ ~~لأن الإنسان من حيث كونه إنسانا يستحيل خروجه عن كونه إنسانا، ثم إن الإنسان الكلي ~~هو حقيقة واحدة جامعة لكل واحد من الأفراد المشخصة كزيد وعمرو ms076 وإذا ثبت ذلك في ~~الإنسان فالأمر في جميع الماهيات كذلك، ثم إنه سماها المثل. # و أما أرسطو فيحكى عنه أن الإنسان الكلي حاصل في الذهن ويمتنع وجوده في الخارج، ~~و الذي يصح وجوده في الخارج هو الأجزاء المقردة كزيد وعمرو. والحق ما ذهب إليه ~~أرسطو؛ لأن الإنسان الكلي يمتنع وجوده في الخارج؛ لأن الإنسان من حيث كونه إنسانا ~~هو الكل وهو مشترك بين الأشخاص، فلو كان موجودا في الخارج لكان الشيء الواحد ~~موصوفا بالصفات المتضادة، أعني علم زيد وجهل عمرو وطول بكر وقصر خالد؛ لأن ~~الإنسان الكلي يجمع هذه الأمور كلها، فلو كان موجودا في الأعيان لكان موصوفا بها أجمع، ~~وهو محال. PageV00P108 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~فأما قوله إن الإنسان الجزئي لما كان موجودا في الخارج كان الإنسان الكلي أيضا موجودا ~~في الخارج. فجوابه أن الانسان من حيث كونه إنسانا هو حقيقة واحدة، فأما كوته معينا فهو ~~قيد من قيوده، وهو أمر خارج عنه لا يعترض عند كونه ذهنيا، فلا يلزم من كون الإنسان ~~المعين موجودا في الخارج كون الإنسان الكلي موجودا في الخارج، وفيما ذكرنا مقنع وكفاية ~~في مقدار غرضنا من معرفة الجزئي والكلي في بطلان قولهم بالاتحاد، والكلام عليهم يجري ~~على وجوه ثلاثة: ~~الأول في بطلان ما توهموه حاصلا لعيسى عليه السلام من جهة ذات الله تعالى ~~واعلم أن الأمر الذي توهموا حصوله لعيسى من ذات الله تعالى لا يعدو أمورا خمسة: ~~الاتحاد، أو الحلول، أو التولد، أو الاختصاص، أو التشريف. # فالأول الاتحاد ~~وهو لا يخلو من وجوه أربعة: ~~أولها أن يتحد ذات القديم تعالى ببدن عيسى، وهذا باطل؛ لأن حالهما عند الاتحاد إما أن ~~يكونا موجودين فلم يتحد أحدهما بالآخر بل هما على ما كانا عليه، وإما أن يكونا معدومين ~~فلم يتحدا أيضا بل وجد غيرهما، وإن كان أحدهما معدوما والآخر موجودا فلم يتحدا ~~أيضاب لأن الموجود لا يتحد بالمعدوم؛ لأن الاتحاد كله متفرع على الوجود. # وثانيها أن تتحد صفة القديم تعالى ببدن عيسى عليه السلام، ms077 وهذا خطأ أيضا؛ لأن حال ~~الصفة عند الاتحاد إما أن تثبت هما جميعا وهو محال؛ لأن الصفة لا يمكن قيامها ~~بموصوفين، وإما ألا تثبت لأحدهما فهذا ليس باتحاد بل هو زوال ونفي، وإما إن تثبت PageV00P109 ~~============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~لأحدهما دون الآخر ومن ثبتت له فليست مختصة بالآخر على حال، وهذا أيضا ليس ~~باتحاد. # وثالثها أن يقال: إن ذات الله تعالى متحدة بنفس عيسى الناطقة. وهذا لا يخلو أيضا إما ~~أن يكون اللاهوت قد أبطل الناسوت فإذن عيسى يجب أن يكون إلها محضا ويبطل ناسوته، ~~وعندهم أن ناسوته باق، فإما أن يكون الناسوت قد أبطل اللاهوت وهذا يوجب أن يكون ~~عيسى إنسانا محضا ويبطل لاهوته، وهذا يخالف قوهم، وإن كان كل واحد منهما قد أبطل ~~الآخر فحينيذ يكون عيسى خارجا عن الناسوت واللاهوت؛ لأنهما قد بطلا جميعا، وإن ~~كانا حاصلين معا فلم يتحدا؛ لأن معقول الاتحاد أن يحصلا ذاتا واحدة، وهما ذاتان. # ورابعهما أن يقال: إن صفة الله تعالى اتحدت بنفس عيسى الناطقة، وهو باطل أيضاب لأن ~~حاهما عند الاتحاد إن ثبتا فهو محال؛ لأن الصفة لا يمكن قيامها بموصوفين، وإن بطلا فلم ~~يتحدا وإن ثبت أحدهما دون الآخر فليس باتحاد. # الثاني الحلول ~~وهو لا يخلو من الوجوه الأربعة: ~~إما أن يكون حلول ذات الله تعالى أو صفة في بدن عيسى، وإما أن يكون حلول ذات الله ~~أو صفته في نفس عيسى الناطقة، وكلها باطلة؛ لأن الحلول على أي وجه وقع إنما هو من ~~سمات الحوادث والأمور التابعة للأجسام، والله تعالى يتعالى عن ذلك كله كما سيأتي شرحه ~~عند الكلام في التشبيه إن شاء الله تعالى. PageV00P110 # ============================================================ ~~الشسهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~الثالث التولد ~~فهو لا يخلو من تلك الوجوه الأربعة، وهذا باطل أيضا؛ لأن التولد لا يجوز إلا على ~~الحوادث، وقد قررنا فيما تقدم أزليته فلا نعيده. # الرابع الاختصاص ~~وهو أن يقال: إن الله تعالى أعطى عيسى خاصية لذاته لأجلها يقدر على خلق الأجسام ~~واحياء الموتى. وهو باطل لأمرين: ms078 ~~أما أولا فقدر البشر لا تصلح لخلق الأجسام وإحياء الموات. # وأما ثانيا فليس اختصاصه بما ذكروه مما يقتضي كونه إلها. # الخامس التشريف ~~وهو أن يقال: إن الله تعالى كان يفعل خوارق العادات تشريفا لعيسى وإكراما له، وهذا ~~جيد، ولكن لا يكون إلها لمكان ذلك، ولا ينبغي إطلاق اسم البنوة ولا أن يكون ابنا، كغيره ~~من الأنبياء. فهذا هو الكلام عليهم على العموم. # الوجه الثاني فيما يختص كل فريق منهم: ~~أما قول الملكانية: إن الاتحاد كان بالإنسان الكلي. فهو باطل لوجهين: ~~أما أولا فلأنا قد بينا فيما تقدم أن الإنسان الكلي لا وجود له في الخارج، وإذا لم يكن ~~موجودا استحال الاتحاد به؛ لأن اتحاد الشيء بالمعدوم محال. PageV00P111 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~وأما ثانيا فحال الإنسان الكلي إما أن يكون خارجا عن أشخاص الناس المرئية ~~المحسوسة أو يكون هو أشخاصهم المرئية، فإن كان خارجا عن أشخاص الناس المرئية ~~المحسوسة لم يكن نزول عيسى لخلاص الناس كما زعموا؛ لأنه قد اتحد بغير الناس، وإن ~~كان هو أشخاصهم المرئية وجب في كل شخص من أشخاص الناس أن يكون مسيحا، ~~ل ويبطل أن يكون المسيح هو المولود من مريم؛ لأن اتحاد الكلمة لم يكن بذلك الشخص ~~و حده بل بأشخاص جميع الناس. # ال وأما قول اليعقوبية: إنهما امتزجا ثم اتحدا حتى صار منهما شيء ثالث كما يحصل الجمر ~~عن الفحم والنار. فهو باطل أيضا لوجهين: ~~أما أولا فإنهم إذا قالوا: المسيح جوهر من جوهرين أقنوم من أقنومين أحدهما جوهر ~~الاله القديم والآخر جوهر الانسان للحدث اتحدا وصارا جوهرا واحدا. # فيقال لهم: ليس يخلو حال الجوهرين بعد الاتحاد إما أن يكونا قد بقيا على ما كانا عليه ~~قبل الاتحاد أو بطلا، فإن كانا باقيين فليس هذا من مذهبهم، وإنما هو قول النسطورية، وقد ~~أ بوه وإن كانا باطلين وجب خروج عيسى أن يكون إلها وإنسانا، إذ كل واحد منهما قد ~~بطل، وهذا يوجب خروجه عن الناسوت واللاهوت. # وأما ثانيا فلأن الامتزاج لا يعقل إلا ms079 في الأجسام، والكلمة عندهم ليست من الأجسام، ~~فلا يعقل فيها الامتزاج ~~وأما قول النسطورية على اختلاف فرقهم: إن الاتحاد هو أن الكلمة اتخذته هيكلا ~~وأدرعته أدرعا. وقول بعضهم: إن الاتحاد ظهور آثار الكلمة على عيسى. وقول بعضهم: ~~إنها أثرت فيه كما يؤثر نقش الفص في الشمع والصورة في المرآة المجلوة. PageV00P112 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~فهذه الأقاويل ليست من الاتحاد في شيء، ألا ترى أن الإنسان يدرع الثوب ولا يصير ~~الثوب إنسانا ولا الإنسان ثوبا، وأيضا فالإدراع لا يتعقل إلا في الجسم، والكلمة ليس ~~بجسم وأما قول من قال منهم إنها أثرت فيه كما يؤثر نقش الفص فإن عنوا به أن ذات ~~عي صارت مثلا لله تعالى فهو محال؛ لاستحالة أن يصير الجسم المحدث قديما، وإن عنوا ~~به أنه حصلت له خاصية لأجلها قدر على ما لم يقدر عليه غيره فقد سبق الكلام عليه. وأما ~~قول من قال منهم بأن الكلمة دبرت على يديه وظهرت عليه. فهو باطل؛ لأنه كان يلزم أن ~~تكون المعجزات من فعل الكلمة وهم لا يقولون به. # وقد فسر بعض من صنف في المقالات قول النصارى بالآب والابن وروح القدس بما ~~تقوله الفلاسفة من أنه تعالى عقل وعاقل ومعقول. فهو من حيث أنه عقل أقنوم الآب، ~~ال ومن حيث أنه عاقل لذاته أقنوم الابن، ومن حيث أنه معقول لذاته أقنوم روح القدس. # ولهم سبحة مشهورة تمنع من هذا التفسير. # ل ومن أكثر المذاهب التي نقلناها عنهم وهي قوهم بالله الواحد الآب مالك كل صانع ما ~~ال يرى وما لا يرى وبالرب الواحد يسوع المسيح بن الله بكر الخلائق كلها الذي ولد من أبيه ~~قبل العوالم كلها وليس بمصنوع إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي بيده اتفق العوالم ~~وخلق كل شيء من أجلنا معشر الناس، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد بروح ~~القدس فصار إنسانا وحبل به وولد وقتل وصلب ودفن وقام بعد ثلاث وصعد إلى السماء ~~اا وجلس عن يمين آبيه، وهو ms080 مستعد المجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء ~~ال ونؤمن بروح القدس الذي خرج من آبيه وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا وبجماعة ~~واحدة قدسية جاثليقية وبقيامه أبدا بنا والحياة الدائمة إلى أبد الآبدين. (1) ~~آ- إنجيل متى: إصحاح 27. PageV00P113 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~هذا آخر السبحة التي لهم، والمعمودية عندهم ماء لهم يغسلون به الصبي في اليوم السابع ~~من ولادته رجاء مغفرة الخطايا، والجماعة عندهم هم الأئمة بعد النبي فإنهم يقولون ~~بعصمتهم، وهذا وصفوها بأنها قدسية، وشرطوا الايمان بهم في جملة إيمانهم، ولهم أقاويل ~~ختلفة ومذاهب مضطربة، ومن أحاط علما بما ذكرناه هان عليه مناقضتها وإفسادها. # واعلم أن أقربهم إلى الحق وأكثرهم إنصافا فريقان: أحدهما البولية أصحاب بولي فإنهم ~~قالوا: إن الله تعالى واحد وإن المسيح ابتدئ من مريم ابتداء وإنه نبي صالح عبد مخلوق إلا ~~ان الله شرفه وكرمه بطاعاته وسماه ابنا على طريق التبني لا من طريق الولادة، ولعل التبني ~~في لغتهم موضوع للاكرام والتعظيم من دون أن تعتبر فيه المجانسة فلذلك قالوا: تبناه الله ~~تعالى. # الفريق الثاني الأرمنوسية منهم فإنهم ذهبوا إلى أن عيسى كان عبدا لله ولكنه اتخذه ابنا ~~على سبيل التشريف كما اتخذ إبراهيم خليلا لنفسه على سبيل التشريف. وغرضهم بالتبني ~~الاكرام والإعظام لا حقيقة البنوة كما حكيناه عن الفريق الأول. # الوجه الثالث في الكلام على شبههم ~~ال واعلم أنه ليس في أيدي النصارى أدلة منقولة عن كتب الله تعالى ولا مأثورة عن رسله ~~في كون المسيح ابنا لله. وجملة ما أتوا به أمران: ~~أحدهما ما اختص عيسى عليه الصلاة والسلام به من خوارق العادات، وذلك نحو ~~حدوثه من غير الأب، ثم إحيائه الموتى وابرائه الأكمه والأبرص. # وجوابه أن هذا باطل لمعجزات سائر الأنبياء، فإنها قد ظهرت عليهم ولم يثبت لهم اسم ~~البنوة والإلهية. PageV00P114 # ============================================================ ~~EMPTY PAGE? PageV00P115 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنرحيد ~~وثانيهما ما نقلوه عن المسيح من قوله: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم وربي وربكم. # وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فلا نسلم صحة النقل لهذا الخبر. # و أما ms081 ثانيا فإن معناه أنه يذهب إلى الموضع الذي أمره الله تعالى الرعوف بهم وبه والمالك ~~له ولهم؛ لأنه يتجوز بالأبوة عن الرأفة والرحمة؛ لأن شفقة الآباء على الأولاد معروفة، ~~فجاز أن يتجوز باسم الأب عن الرعوف الرحيم، وذلك لا يقتضي أن يسمى المرحوم ابنا ~~قياسا، بل لا بدمن إذن سمعي، فهذا هو الكلام عليهم. # الفصل الثامن في الرد على الطبائعية ~~قد أنكروا وجود القديم تعالى، وزعموا أن الأجسام قديمة وأنها متحركة لذواتها، ثم ~~اتفق في حركاتها أنها تصادمت فحصل منها هذا العالم. قالوا: إن حصول الألوان ~~والأشكال في عالمنا هذا تابع لامتزاج العناصر الأربعة النار والهواء والأرض والماء. # والكلام على بطلان مقالتهم ببيان حدوث العالم وإثبات صانعه ~~وقد تقرر والحمد لله، ولنقتصر على هذا القدر في الرد على الخارجين عن الإسلام. PageV00P116 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وذهب الشيخان أبو الهذيل وأبو الحسين إلى أن صدور القبيح منه تعالى ممكن بالنظر إلى ~~قادريته مستحيل بالنظر إلى داعيته؛ لأن الفاعل لا بد له من داعية، والداعي إلى فعل القبيح ~~محال في حق الله تعالى، فيستحيل صدور القبيح منه تعالى نظرا إلى هذه الجهة. # والمعتمد في إبطال مذهب النظام أمران: ~~الأول منهما جملي وهو أن هذه الأمور الموصوفة بالقبح ممكنة، وكل ممكن فإنه يجب أن ~~يكون مقدورا لله تعالى؛ لأن سائر الأمور الممكنة نسبتها إلى ذاته واحدة، فلا اختصاص ~~لبعضها دون بعض بالمقدورية، فيجب آن يكون قادرا على جميعها، وهو المطلوب. # الثاني تفصيلي وهو أن ندل على أنه تعالى قادر على الصور المفردة من القبائح، ثم لقدرته ~~على الظلم؛ ولأنه لا نزاع في أته تعالى قادر على تعذيب المجرم، وذلك التعذيب لماهيته ~~ومعقوليته مقدور لله تعالى، وحقيقة ذلك التعذيب لا تتوقف على سبق الجرم؛ لأن الواحد ~~منا يمكنه تعذيبه من غير سابقة جريمة، فاذن الله تعالى قادر على تعذيب غير مشروط في ~~ذاته بسابقة جرم، وهو بعينه قدرة على القبيح، فيجب أن يكون قادرا عليه. # و أما قدرته على الكذب فيدل عليه أنه ms082 تعالى قادر على أن يقول العالم ليس قديما، والتلفظ ~~بلفظ العالم مع لفظ القديم لا يتوقف على التلفظ بلفظة ليس؛ لأنه لا لبس في أنه يمكننا أن ~~نتلفظ بهما من غير التلفظ بلفظة ليس، وكل من قدر على مجموع أمور لا يكون البعض فيها ~~مشروطا بالبعض وجب أن يكون قادرا على كل واحد منهما عند عدم الآخر، وذلك يقتضي ~~أن يكون القديم تعالى قادرا على أن يقول العالم قديم، ولا شك في كونه كذبا، فيجب أن ~~يكون قادرا على الكذب. # و أما قدرته على الجهل فيدل عليه أنه تعالى قادر على خلق العلم، والقادر على الشيء لا ~~بد أن يكون قادرا على ضده؛ لأن هذا هو الأصل في معقول القادر أن يكون قادرا على PageV00P117 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الشيء وعلى ضده وأن يكون قادرا على أن يفعل وألا يفعل، وإلا بطل الاختيار. فإذن يلزم ~~أن يكون الله تعالى قادرا على فعل الجهل كقدرته على فعل العلم. # وأما قدرته على العيب، فالذي يدل عليه أنه تعالى قادر على أن يفعل فعلان غاية لبعض ~~المصالح، فإذا كان قادرا على فعله مع اعتبار المصلحة يكون قادرا عليه من غير اعتبارها؛ ~~لأن بتقدير بطلان تلك المصلحة لا يخرج الفعل عن أن يكون مقدورا؛ لأن الفعل إنما خرج ~~عن كونه مقدورا بما له به تعلق مما يرجع إلى نفس القادر أو المقدور، وما لا تعلق له به لا ~~يخرجه عن كونه مقدورا، فثبت أن القديم تعالى قادر على خلق الفعل من غير رعاية لتلك ~~المصلحة وهذا هو العيب بعينه. # واحتج النظام بأن فعل القبيح من الله تعالى محال، والمحال غير مقدور، وإنما قلنا إن فعل ~~القبيح منه تعالى محال؛ فلأن القبيح لا يصدر إلا عند وجود المحال، وما لا يوجد إلا عند ~~وجود المحال فهو محال. وإنما قلنا: إن فعل القبيح لا يوجد إلا عند وجود المحال؛ فلأن ~~القبيح لا يفعله إلا المحتاج إليه الجاهل بقبحه أو باستغنائه عنه، وهذان على الله تعالى محال. ms083 # أما إن القبيح لا يفعله إلا الجاهل أو المحتاج فالعلم به ضروري. وأما إن هذين ~~الوصفين على الله تعالى محال فهو متفق عليه بين المسلمين. وأما إن ما لا يوجد إلا عند ~~وجود المحال فهو محال فالعلم به ضروري. فثبت أن فعل القبيح منه تعالى محال. وأما إن ~~كل محال فهو غير مقدور؛ فلأن المقدور هو الذي لو شاء الفاعل لفعله، وذلك فرع على ~~صحة حدوثه وإمكانه، والمحال ما لا يصح حدوثه في نفسه، فكيف يصح صدوره من جهة ~~الفاعل. PageV00P118 # ============================================================ ~~الشهبل شرح معالمر العدل والتوحيل ~~وجوابه أن ما ذكره النظام وطبقته إنما يدل على استحالة صدور القبيح منه تعالى نظرا إلى ~~داعيته، ولكن الكلام أنا لو قدرنا صحة أو تحقق هذه الداعية في حقه تعالى هل يصح نظرا ~~الى قادريته تعالى صدور ذلك الفعل منه، وذلك لا يثبت امتناعه لما قررناه. # فالحاصل أن فعل القبيح من الله تعالى وإن كان مستحيلا نظرا إلى داعيته إلا أنه لا يلزم ~~ان يكون مستحيلا نظرا إلى قادريته، وهو المقصود. # الفصل الثاني في خلاف معلومه تعالى هل يكون مقدورا له ~~زعم عباد(1) أنه غير مقدور، وتابعه على ذلك شرذمة من المجبرة، والذي يدل على ~~بطلان مذهبه وجوه: ~~أولها أن خلاف معلومه تعالى ممكن، وكل ما كان حاصلا على نعت الإمكان وجب أن ~~يكون تعالى قادرا عليه، إلى تمام التقرير الذي سلف على النظام. # وثانيها ماقد تقرر من أنه تعالى موصوف بالقادرية، كما سيأتي مشروحا في موضعه، ومن ~~حق القادر صدور أثره على جهة الاختيار إن شاء فعل هذا وإن شاء لم يفعله، وإن شاء فعله ~~وان شاء فعل ضده. لو لم يكن تأثيره على هذا الوجه للحق بالموجبات من الأسباب ~~عباد بن سليمان من كبار متكلمي المعتزلة وبينه وبين عبد الله بن كلاب مناظرة في أيام المأمون، وهو الذي ~~زعم أن بين اللفظ والمعنى طبيعة مناسبة، فردوا عليه ذلك، وقد اشترك في كثير من الآراء مع هشام الفوطي مثل ~~قوله: البارى لا في مكان ms084 بل هو على ما لم يزل عليه. وقال: لا أقول إن البارى لم يزل سميعا بصيرا؛ لأن ذلك ~~يقتضي وجود المسموع والمبصر . وكان يمتنع من إطلاق القول بأن الله تعالى خلق الكافر؛ لأن الكافر: كفر ~~وإنسان، والله تعالى لا يخلق الكفر. وانتسبت إليه فرقة تسمت العبادية. انظر الأشعري: مقالات الإسلاميين ~~298/1، ابن حجر: لسان الميزان 13/4. PageV00P119 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~والعلل، كما سنوضحه في الفرق بين القادر والموجب، فإذا تقرر أن القديم تعالى قادر وأن ~~القادر من معقوليته الاختيار كان قادرا على خلاف معلومه. # وثالثها أن أبدان الروم محتملة للسواد كاحتمالها للبياض، فيجب أن يكون قادرا على ~~خلق السواد فيها بدلا عن البياض، وكذلك أبدان الزنج يجب أن يكون قادرا على خلق ~~البياض فيها بدلا عن السواد، وإلا أدى إلى تعجيزه عن بعض الممكنات، وفي ذلك قدرته ~~على خلاف معلومه. # احتج عباد ومتبعوه بأن وجود ما علم الله أنه لا يكون محال، والمحال لا يكون مقدورا. # وانما قلنا إن وجود ما علم الله أنه لا يكون محال؛ لأن ذلك الشيء لو وقع لم يكن معلوم الله ~~تعالى على ما تعلق به علم الله، فيلزم منه محالان: ~~أحدهما انقلاب علمه جهلا؛ لأن علم الله تعالى لا بد أن يكون متعلقا إما بوجود ذلك ~~الشيء وإما بعدمه، ونحن وإن كنا لا نعلم كيفية ذلك التعلق على التعيين إلا أنا نعلم أن ~~ال ذلك التعلق في نفسه لا بد من كونه واقعا على أحد الوجهين على التعيين، فإذا قدرنا ألا يقع ~~المعلوم على ذلك الوجه الذي تعلق به ذلك العلم لزم انقلاب علمه جهلا. # و ثانيهما تغير الشيء عما كان عليه في الماضي. وكلاهما محال، فثبت أن وقوع ما علم الله أنه ~~لا يقع محال، والمحال لا يكون مقدورا. # وجوابه من وجهين: ~~أحدهما أنا لا نقول: إن علمه تعالى يتغير في الأزل عما كان عليه، بل نقول: إنا متى ~~فرضنا وقوع الشيء الذي فرضنا أن علم الله تعالى كان متعلقا بعدم وقوعه ms085 فإنا نتبين أن علم ~~الله تعالى ما كان متعلقا في الأزل بعدم وقوعه بل كان متعلقا بوقوعه؛ لأن العلم تابع PageV00P120 ~~============================================================ ~~النسهيل شح معالمر العدل والنوحيد ~~للمعلوم، فمتى فرض وقوع المعلوم على وجه مخصوص لزم أن يفرض تعلق علم الله تعالى ~~به في الأزل على ذلك الوجه. # وثانيهما أنا وإن سلمنا أنه محال وقوعه نظرا إلى تعلق علم الله تعالى ولكنه ممكن في ذاته، ~~و كل ممكن في ذاته فهو من حيث أنه ممكن مقدور، كما مر، فإذن خلاف معلوم الله تعالى وإن ~~كان محالا بالنظر إلى العلم ولكنه مقدور في نفسه. # واعتمد الشيخان أبو علي (1) وأبو هاشم في الجواب مسلكا آخر، وتابعهما عليه جماهير ~~المتكلمين، وقالوا: إنا إذا فرضنا انقلاب معلوم الله تعالى فلا نقول إن ذلك يدل على انقلاب ~~علمه جهلا ولا أنه لا يدل، بل نمسك عن القولين جميعا، ولا نجيب لا بلا ولا بنعم. وهذا ~~من ركيك الكلام وضعيفه لوجوه: ~~أما أولا فليس المقصود من الإلزام العبارة وأن تلتزموا تصريح السنتكم شيئا ولكنا لما ~~علمنا بالبديهة أن الأمر لا يخلو عن النفي والإثبات ولا واسطة بينهما وعلمنا بالضرورة أن ~~انقلاب المعلوم يقتضي انقلاب العلم لا محالة لزمكم ما ذكرناه، سواء أمسكتم اللسان عنه ~~أو لم تمسكوا. # وأما ثانيا فالسؤال لا يخلو إما أن يكون صحيحا أو فاسدا، فإن كان صحيحا توجه ~~الجواب من المسثول، فإن لم يجب كان إفحاما له وعد منقطعا، وإن كان فاسدا وجب رده ~~على السائل بكونه فاسد الوضع، كمن يسأل عن قدم المعدوم وحدوثه، فكما أن هذا السائل ~~محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمزة بن آبان الجبائي أبو علي (303ه(: متكلم مفسر من أئمة ~~المعتزلة، ورثيس علماء الكلام في عصرهه وإليه نسبة الطائفة الجبائية. له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب. نسبته ~~إلى جبى من قرى البصرة. الزركلي: الأعلام 256/6، كحالة: معجم المؤلفين 269/10. PageV00P121 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~لا يستحق جوابا لكون سؤاله قد فسد وضعه كذلك في ms086 مسألتنا، فأما الامتناع عن الإجابة ~~بلا أو نعم فمن الحيرة والخروج عن قضايا العقول. # وأما ثالثا فليس امتناعكم من الإجابة بلا أو بنعم إلا فرارا من المحالات المتوجهة بتقدير ~~وقوع خلاف معلومه، وليس التزامها بأعظم مما التزمتموه من الخروج عن النفي والإثبات، ~~فكيف يدفع المحال بما هو أفحش منه وأدخل في البطلان. # الفصل الثالث في خلق الأعمال ~~ذهب الأشعري (1) إلى أن قدرة العبد غير صالحة للايجاد ولا مؤثرة فيه، وعندنا أن العبد ~~موجد لأفعاله ومؤثر فيها، ويتضح مقصودنا في المسألة بمسالك أربعة: ~~المسلك الأول أنا ندعي العلم الضروري بكون العبد موجدا لفعله ومؤثرا فيه. # وهذه هي طريقة الشيخ أي الحسين. وبيانه بوجوه ثلاثة: ~~أولها أن كل عاقل يعلم من نفسه أن وقوع تصرفاته موقوف على دواعيه ولولا دواعيه لما ~~ال وقع منها شيء، ومتى اشتد به الجوع وكان تناول الطعام ممكنا له فإنه يقع منه الأكل لا ~~محالة، ومتى اعتقد أن فيه سما انصرف عنه، وكذلك نعلم من حال غيره من العقلاء الذين ~~أحوالهم سليمة وقوف أفعالهم ووقوعها بحسب دواعيهم، فإن أحدنا إذا علم ما له من ~~ا- علي بن اسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن عامر ابن آبي موسى عبد ~~الله بن قيس الأشعري، اليماني البصري أبو الحسن (330ه(، من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري: مؤسس ~~مذهب الأشاعرة. كان من الأثمة المتكلمين المجتهدين. ولد في البصرة. وتلقى مذهب المعتزلة وتقدم فيهم ثم ~~رجع وجاهر بخلافهم ورد على الملحدة والمعتزلة والشيعة والجهمية والخوارج. وتوفي ببغداد. وهو صاحب كتاب ~~"مقالات الإسلاميين" و"الابانة عن أصول الديانة1. الزركلي: الاعلام 263/4، كحالة: معجم المؤلفين ~~.35 PageV00P122 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنرحيل ~~المنفعة في شرب الماء حال عطشه ولم يمنعه مانع فإنه يقع منه الشرب لا محالة، ومتى علم ما ~~عليه من المضرة في الدخول في النار فإنه لا يدخل فيها، وإذا كان الموجد للشيء هو الذي ~~يحدث منه الفعل موافقا لدواعيه وثبت أن العقلاء قد تقرر في ms087 بدائه عقولهم أن العبد حاله ~~كذلك علمنا أن علمهم بكونهم محدثين لأفعالهم علم ضروري: ~~وثانيها أن العقلاء يعلمون بالضرورة حسن ذم المسيء إليهم ومدح المحسن ويعلمون ~~قبح الذم والمدح على كونه طويلا أو قصيرا على طول القامة وقصرها وسواد الوجه وبياضه ~~وأن السماء فوقه والأرض تحته، ولولا علمهم الضروري بكون العبد محدثا لما علموا حسن ~~ذمه ومدحه بالضرورة على أفعاله وقبح مدحه وذمه على ما لا تعلق له به؛ لأن العلم ~~باستحسانهم لمدحه وذمه فرع على العلم بحدوث ذلك منه، والعلم بالفرع إذا كان ~~ضروريا فالعلم بالأصل يكون ضروريا لا محالة، ولظهور ذلك عند العقلاء حصل العلم ~~به للمراهقين، فإن أحدنا لو رمى مراهقا بحجر تؤلمه فإنه يذم الرامي دون الحجر، ولولا ~~علمه الضروري بكون الرامي فاعلا دون الحجر لما استحسن ذم الرامي دون الحجر. # وثالثها أن الواحد منا يجد من نفسه ومن غيره إذا طلب من غيره فعلا فإنه يطلبه منه ~~طلب عالم بأنه هو الذي يحدث ذلك، وهذا فإنه يتلطف في استدعاء الفعل منه بكل لطف ~~ويعظه ويزجره ويحتال بكل حيلة ويعده ويتوعده على تركه وينهاه عن فعل ما يكرهه ~~اا و لومه ويعنفه ويتعجب من فعله ويعجب العقلاء، ويعلل ذلك بأنه فعله. ونجد من ~~أنفسنا الفرق الضروري بين أمره بالقيام والقعود وبين آمره بايجاد السماء وتناول الكواكب، ~~ولولا أن العلم الضروري حاصل بكوننا موجدين لأفعالنا لما صح ذلك. # فهذه الوجوه كلها منبهة على أن العلم الضروري حاصل بكوننا موجدين لأفعالنا ~~مؤكدة لكون العلم ضروريا بصحة الايجاد. ولهم على هذا المسلك أسئلة أربعة: PageV00P123 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~السؤال الأول أن دعوى الضرورة غير ممكن لأمرين: ~~أما أولا فلو كان ضروريا لوجب اشتراك العقلاء فيه، والعلم بكون العبد موجد لفعله ~~غير مشترك بين العقلاء، فأما إذا راجعنا أنفسنا لم تعلم إلا أن هذه الأفعال تحصل بحسب ~~دواعينا وإرادتنا، فأما أن نكون المؤثرين فيها فذلك مما لا نجده من أنفسنا. # و أما ثانيا فإن الناس كانوا قبل أبي الحسين ms088 إما منكرين لكون العبد موجدا لأفعاله وإما ~~معترفين بصحة الايجاد، مثبتين دعواهم بالنظر والاستدلال فكيف يسمع منه نسبة العقلاء ~~إلى إنكار الضرورة. # وجوابه أما قوهم أولا: إنه لو كان ضروريا لوجب اشتراك العقلاء فيه. فإنا نقول: إن ~~العقلاء بأسرهم متفقون على وجوب إضافة أفعالنا إلينا ومعترفون بذلك، وإنما وقع ~~نزاعهم في كيفية تلك الإضافة، كما سنحكي عنهم، ويجوز أن يشتبه الأمر في كيفية الإضافة ~~فيحصل الخلاف كما في صور من الضروريات، لمكان كثرة الخوض وضعف كل فريق ~~بنصرة مذهبه وعدم الالتفات إلى مذهب مخالفه وكثيرا ما يعرض هذا الفرق إلا لمنصف ~~محقق. # وأما قولهم ثانيا: إن من قبل أبي الحسين إما منكرين وإما معترفين. فنقول: إن من قبل ~~ابي الحسين متفقون على وجوب الإضافة إلينا ومعترفون بصحة وقوفها على أحوالنا، وهم ~~بين منكر لتأثير القدرة في الحدوث ويثبت جهة أخرى، وهم عدد قليل. وبين معترف ~~بالحدوث مثبت له بالنظر، ويجوز أن يعرض اللبس في العلم بين كونه ضروريا أو نظريا كما ~~عرض للكعبي في خبر التواتر فظنه نظريا، فحصل أنا لم ندع علما ضروريا وأنكروه وإنما ~~وقع الاشتباه في كونه ضروريا أو نظريا، وهذا لا يضرنا. وظهر أن كلام أبي الحسين مطابق ~~لماعلمه العقلاء ضرورة. PageV00P124 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~السؤال الثاني قولهم: اشتهر عن أبي الحسين مذهبان: ~~أحدهما القول بأن القادر لا يفعل أحد مقدوريه إلا لمرجح بالضرورة. # والثاني أن الفعل عند حصول المرجح واجب الحصول بالضرورة. # ومع الاعتراف بصحة هذين المذهبين كيف يمكن القطع بكون العبد موجدا لأفعاله، ~~ال وبالغ في ذلك حتى ادعى الضرورة. # وجوابه أما المذهب الأول فبتسليمه لا يحصل فيه بنفسه غرض المسألة. وأما الثاني ~~فمفهوم الوجوب مشترك والغرض به هاهنا أن له أولوية بالوجود من ضده، وتلك ~~الأولوية حاصلة بالنظر إلى داعيته، وإن كان ضده ممكنا بالنظر إلى قادريته؛ لأن العقل لا ~~يأبى إثبات واسطة بين التساوي وبين التعين على سبيل الوجوب، وهو آن يكون أحد ~~الجانبين أولى بالحصول من الآخر وإن لم تنته ms089 تلك الأولوية إلى درجة الوجوب، ولهذا فإن ~~أحدنا يستحق المدح والذم إذا ترك الفعل عند توفر دواعيه، وأما عند حصول الإلجاء فلا ~~يستحق مدحا ولا ذما، وهذا يدل على إمكان الترك عند حصول تلك الأولوية. # السؤال الثالث قالوا: إذا فعل القادر أحد الضدين فاما أن يمكنه أن يفعل ضده الآخر ~~أو لا يمكنه، فإن كان الأول فإما أن يفعله لمرجح أو لا لمرجح، فإن فعله لغير مرجح فقد ~~ترجح أحد طرفي الممكن لا لمرجح، وهو محال. وإن استدعى مرجحا كان حصول ذلك ~~الفعل عند ذلك المرجح إما أن يكون واجبا أو لا يكون واجبا، ومحال ألا يكون واجبا وإلا ~~لاستدعى مرجحا ومرجحه إلى مرجح إلى غير غاية، وإن كان واجبا كان حصول الفعل ~~عند الداعي واجبا. وإن كان القادر لا يمكنه إذا فعل أحد الضدين ألا يفعل الآخر كان ~~أيضا واجبا، وهو المطلوب. PageV00P125 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وجوابه من وجهين: ~~أحدهما أنا نقول: إن هذا السؤال إن كان يبطل الاختيار في حق العبد فهو بعينه مبطل ~~الاختيار في حق الله تعالى؛ لأن طريق الفاعلية واحد، وهذا بعينه فلسفة محض وقول ~~بالموجب وخروج عن الدين. # فإن قالوا: إن كون القدير تعالى بحال يجب أن يكون فاعلا لا يخرجه عن حد الاختيار. # قلنا: وكون فاعلية العبد واجبة لا تخرجه عن حد الاختيار. # وثانيهما أنا نسلم أن الفعل واجب عند داعية العبد، ولكن هذا الوجوب لا يبطل كونه ~~مختارا في فعله. ومعناه أن له أولوية بالوجود من دون ضده. # السؤال الرابع قالوا: إذا كان لا محيص لكم عن القول بالوجوب إلا بالتزام الأولوية ~~فالأولوية باطلة لوجوه: ~~أما أولا فعند حصول تلك الأولوية إن امتنع وجود الفعل عقلا لم يكن هو أولى ~~بالوجود، وإن امتنع عدمه فلا كان واجبا وجوده وإن لم يمتنع وجوده ولا عدمه كان كل ~~ال وا حد من الأمرين ممكنا، فلو فرضنا وجوده مع أن نسبة تلك الأولوية إلى الوقوع واللا ~~وقوع نسبة واحدة كان ترجيحا لأحد طرفي الممكن ms090 لا لمرجح، وهو محال. # وأما ثانيا فحصول تلك الأولوية وعدم الممكن إما إن يكونا متنافيين أولا، فإن كانا ~~متنافيين استحال اجتماعهما. فمتى كانت تلك الأولوية حاصلة استحال عدمه، ومتى ~~استحال عدمه وجب وجوده. وإن لم يكونا متنافيين كان عند حصول تلك الأولوية يمكن ~~ان يستمر عدمه، وإذا استمر عدمه في وقت وجب استمراره في جميع الأوقات، إذ لا وقت PageV00P126 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~اولى من وقت. فلو قدرنا اقتضاء تلك الأولوية زوال عدم الممكن في وقت مع أنها لم تقتض ~~زواله في سائر الأوقات كان ترجيحا للممكن من غير مرجح، وإنه محال. # وأما ثالثا فهو أن الممكن هو الذي تكون نسبة تجدد الوجود إليه كنسبة استمرار العدم، ~~فإذا امتنع ترجح استمرار العدم على ترجح تجدد الوجود بحال كونهما متساويين فلأن ~~يمتنع ترجح استمرار العدم حال كون استمرار العدم مرجوحا أولى. # ال وجوابه أنا قد قررنا أن تلك الأولوية لا ينكرها العقل وأن إثبات واسطة بين التساوي ~~ال وبين التعيين على سبيل الوجوب ممكنة، وهو أن يكون أحد الجانبين أولى من الآخر وإن لم ~~ت نته تلك الأولوية إلى درجة الوجوب. # فأما ما ذكروه من الأوجه الثلاثة فالجواب عنها بحرف واحد، وهو أنا نسلم أن وجود ~~الممكن في هذه الأحوال واجب، ولكن مفهوم الوجوب مشترك، والغرض به هاهنا أنه ~~أحق بالوجود ولا يستحيل ضده لا باعتبار الداعي ولا باعتبار القدرة. # المسلك الثاني الاستدلال على كون العبد موجدا لأفعاله ~~وهذه هي طريقة الشيخ أبي هاشم وأصحابه، وبيانه من وجوه ثلاثة: ~~أوها أنها واقفة على حسب دواعيهم ومنتفية بحسب صوارفهم، فلو كانت فعلا لغيرهم ~~لبطل ما نعلمه من مطابقة الداعي وجودا وعدما. # ال وثانيها حسن الأمر والنهي والمدح والذم على القيام والقعود وقبح ذلك على طول ~~القامة وقصرها، حتى إنه لو لم يكن المأمور قادرا على المأمورية لمرض أو عجز ثم أمره غيره ~~فان العقلاء يتعجبون منه وينسبونه إلى الحماقة والجنون ويقولون له: إنك تعلم أنه لا يقدر ~~على ذلك ثم تأمره ms091 به وهذا مما يعلم فساده ببديهة العقل. PageV00P127 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~وثالثها حسن طلب الإنسان من غيره فعلا من أفعاله التي هو قادر عليها طلب عالم ~~كونه موجدا له يتمكن من تحصيله، وهذا تعجب العقلاء من امتناعه مع القدرة عليه، ~~ويعللون ذلك بامتناعه ويعلمون أنه لو شاء لفعل. وهلم جرا إلى تمام التقرير الذي حكيناه ~~عن أبي الحسين، لكن الفرق بين الطريقتين أن أبا الحسين يجعل العلم بكون العبد موجدا ~~لأفعاله أصلا للعلم بهذه الأمور من الأمر والنهي والمدح والذم. # وأصحاب أبي هاشم يجعلون العلم بهذه الأمور أصلا للعلم بكونه موجدا لأفعاله، ~~وهذه الطريقة ضعيفة من وجهين: ~~الأول من حيث الاستدراك وهو أنكم قلتم في نظم دليلكم: وجوب حصول الفعل عند ~~الدواعي ووجوب ألا يحصل عند حصول الصوارف. مع أن ذكر أحد الأمرين كاف في ~~حصول المطلوب؛ لأنه لو ثبت وجوب حصول الفعل عند حصول الدواعي وثبت أن ما ~~يجب حصوله عند حصول شيء آخر فإنه يجب أن يكون المؤثر فيه ذلك الشيء الآخر فيلزم ~~من هذا القدر أنه إذا وجب حصول الفعل عند الدواعي يجب ألا يحصل عند فقدها، وإلا لم ~~يكن لتعليقه بها فائدة، فيلزم ألا يكون لذكر الصوارف معنى لاستحاله على الزيادة من غير ~~فايدة، وهو باطل: ~~والثاني من حيث التحقيق، وهو أنكم إذا ادعيتم وجوب حصول الفعل عند حصول ~~الدواعي واستحالة حصوله عند تحقق الصوارف، ولا شك أن تلك الدواعي والصوارف ~~أفعال الله تعالى أو مستندة إلى أفعاله، وهذا يبطل مذهبكم بالكلية؛ لأن الله تعالى إذا فعل ~~تلك الدواعي والصوارف وجب حصول ذلك الفعل شاء العبد آم أبى، وإذا لم يفعل فيه ~~تلك الدواعي استحال حصول الفعل لا محالة، وعند ذلك يكون تكليف العبد بها تكليفا ~~بما ليس مقدورا له. وأيضا فليس في هذا الاستدلال على طوله إلا وقوف الفعل على حسب ~~الدواعي، وليس يلزم من هذا القدر كون قدرة العبد مؤثرة في فعله، فمن الجائز أن يكون PageV00P128 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~الله تعالى ms092 يفعل ذلك الفعل مطابقا لداعية العبد، وبكونه محتملا يبطل الاستدلال، ثم نقول: ~~ان ما ذكرتموه من وجوب وقوف فعل العبد على دواعيه لا يفيد المطلوب بكونه محدثا له؛ ~~لأن حصول فعل العبد عند توفر دواعيه ليس بأظهر من حصول الشبع للحي السليم عند ~~تناول الغذاء الطيب وحصول الري عقيب شرب الماء البارد وحصول النبت عند إلقاء ~~البذر في الأرض الجدبة مع حصول الشرائط من السقي بالماء والشمس وغير ذلك، فإذا ~~كانت هذه الأمور واجبة الحصول عند هذه الأشياء ومع ذلك لم تعلق بها فكذا أيضا ~~اا و جوب حصول فعل العبد عند الداعية لا تعلق به، ثم لثن سلمنا وجوب حصول فعل ~~العبد عند داعيته فلم قلتم إنه لا بد لذلك الفعل من مؤثر فضلا عن أن يكون المؤثر فيه ~~قدرة العبد؟ وهلا جاز أن يكون حاصلا لا لأمر كما في صور من مذهبكم، منها أن ~~الذوات مشتركة في كونها ذواتا، ثم إن بعض الذوات مختصة بصفة ذاتية يجب حصولها ~~لتلك الذات ويمنع حصوها لغيرها من الذوات، وهذا الوجوب لا يعلل بأمر؛ لأنه بأي ~~شيء علل فسد. # فهكذا الوجوب في فعل العبد لا يعلل أيضا، ومنها أن العرض المعين يجب اختصاصه ~~بالمحل مع أن ذلك المحل مثل لسائر المحال، وذلك الوجوب لا يعلل أيضا؛ لأنه بأي شيء ~~علل بطل. ومنها أن الأعراض التي لا تبقى تختص صحة حدوثها بالوقت المعين مع كون ~~ذلك الوقت مساويا لسائر الأوقات. ومنها أن القادر يفعل أحد مقدوريه دون الآخر لا ~~لأمر؛ لأنه بأي شيء علل فسد. # فإذا رأينا أن الوجوب في الصحة والاستحالة قد يحصل في بعض المواضع وبعض ~~الأوقات لا لأمر فلم لا يجوز أن يقال: إن الفعل الذي حدث عند توفر الدواعي اختص ~~وجوب حدوثه بذلك الوقت دون الوقت الذي قبله وبعده لا لأمر، وحينئذ لا نحتاج إلى ~~مؤثر أصلا، ثم لئن سلمنا أنه لا بد لهذه الأفعال من مؤثر فلم لا يجوز أن يكون المؤثر فيها PageV00P129 ~~============================================================ ~~الشهيد شرح معالمر العدل والتوحيل ms093 ~~غير العبد، ولا يمكن أن يقال: لو كان كذلك لصح من ذلك الغير ألا يخلق تلك الأفعال ~~عقيب توفر الدواعي أو يخلقها عقيب حصول الصوارف؛ لأنا نقول: إن الموجد لتلك ~~الدواعي هو الله تعالى. وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يقال: إن تلك القدرة والداعية وإن ~~كانتا غير مؤثرتين في وجود الفعل ولكنه يستحيل انفكاكهما عن ذلك الفعل، والفاعل ~~للشيء لا يمكنه أن يفعل ذلك الشيء عاريا عما يلازمه؛ فلأجل ذلك يستحيل من الله تعالى ~~أن لا يوجد ذلك الفعل عقيب توفر الدواعي، كما أنه متى خلق الجوهر استحال منه ألا ~~يخلق الكون الملازم له، فهذا ما يتوجه على هذه الطريقة. # المسلك الثالث القول بأن الله تعالى خالق لأفعال العباد يسد باب معرفة إللهية الصانع ~~والعلم بصحة النبوة وكونه صادقا في إخباره ومعرفة صحة الشريعة ويفضي إلى خرق ~~الاجماع. # وجامعها آمور خمسة: ~~الأول بطلان معرفة إلهية الصانع؛ لأن الإله من تحق له العبادة، وإنما تحق له العبادة لمكان ~~نعمته، ومع القول بكونه خالقا للقبيح وموجدا له ومضافا إليه لا يمكنهم القطع بكونها ~~عماء التجويز ألا يريد وجها بل يكون عبثا أو ألا يريد بها وجه الإحسان. # والثاني بطلان النبوة؛ لأنه تعالى إذا كان فاعلا لكل القبائح لم يمتنع عن إظهار المعجز ~~على الكذابين، ومتى لم يقطع بامتناع ذلك لم يقطع بصحة النبوة، وحينئذ يتعذر علينا الفرق ~~بين النبي والمتنبئ. # الثالث وهو أنه يلزم سد باب الوثوق بوعده ووعيده؛ لأنه إذا جاز أن يخلق القبائح جاز ~~أن يكذب في إخباره، فلا تقع الثقة بشيء منها. PageV00P130 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيد ~~الرابع بطلان صحة الشريعة؛ لأنه تعالى إذا كان خالقا للقبائح جاز أن يدعو إليها وأن ~~يبعث من يدعو إليها ويحث عليها ويرغب فيها. ومتى جاز ذلك لزمهم في دين الإسلام أن ~~يكون هو الكفر والضلال ولكن الله تعالى زينه في قلوبنا، وأن تكون سائر الملل الكفرية هو ~~الحق ولكن الله تعالى صدنا عنه وزين خلافه في أعيننا. ومتى جوزوا ذلك ms094 وجب زوال الثقة ~~بالشرائع وقبح التشاغل بها. # الخامس هو أنه يلزمهم خرق إجماع الأمة؛ وذلك من وجوه: ~~أولها أنه تعالى لو كان خالقا لأفعال العباد وفيها الظلم والكذب والعبث للزم أن يكون ~~ظالما وعابثا تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # وثانيها أن من جملة أفعال العباد الإشراك بالله تعالى ووصفه بالأنداد وسبه وشتمه فكان ~~يجب أن تكون هذه الأشياء فعله؛ وذلك يبطل حكمته ويلحقه بالسفهاء. # وثالثها لو كان تعالى خالقا للكفر في الكافر ثم يعذبه عليه لكان ضرره على العبد أكبر ~~من ضرر الشيطان؛ لأن الشيطان يدعوه إلى الكفر والله تعالى هو المتولي لخلقه فيه، والأمة ~~جمعة على خلاف ذلك. # ورابعها أن العبد لو لم يكن موجدا لأفعاله لما استحق عليها ثوابا ولا عقابا، ولكان الله ~~تعالى مبتدئا بالثواب والعقاب من غير استحقاق، ولو جاز ذلك لحسن منه تعذيب الأنبياء ~~واثابة الفراعنة والأبالسة، ولو كان كذلك لكان أسفه السفهاء، وقد ميز الله المسلمين في ~~كتابه الكريم فقال: (أفتجعل المشلمين كالمجرمين (35) ما لكم كيف تحكمون (36)(1). # 1- سورة القلم: آية 46-35. PageV00P131 # ============================================================ ~~الشهيل شح معالمر العدل والتوحيل ~~وخامسها لو جاز أن يكون الله تعالى هو الخالق للزنا وسائر الفواحش لجاز أن يبعث ~~رسولا هذا دينه، ولو جوزنا ذلك لجوزنا أن يكون فيمن سلف من الأنبياء عليهم السلام ~~من لم يبعثه إلا للدعاء إلى الزنا والسرقة والأفعال الردية واتباع الشيطان وعبادته ~~والاستخفاف بالله تعالى ورسله وبالوالدين وذم المحسن ومدح المسيء، وكفى بمذهب ~~فسادا هذا ثمرته. # ال وسادسها أن الله تعالى لو كان خالقا للكفر في الكافر لكان قد خلقه للعذاب في نار ~~جهم، ولو كان كذلك لما كان لله تعالى نعمة على الكافر أصلا، ولا يمكن أن يقال: إن الله ~~تعالى وإن لم يكن له نعمة على الكافر دينية فله عليه نعمة دنياوية. لأنا نقول: إن اللذة ~~الدنيوية بالنسبة إلى العقوبة الأبدية كالغرفة بالنسبة إلى البحر بل أقل، وذلك لا يعد نعمة، ~~الاترى أن من جعل السم في الحلوى فإنه لا تعد اللذة ms095 الحاصلة من تناوله نعمة، فكذا هنا. # ال ومتى التزمتم أنه تعالى لا نعمة له على الكافر فقد أنكرتم ما هو معلوم ضرورة من الدين ~~ل وخالفتم الكتاب والسنة، قال تعالى: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا)(1). وقال تعالى: ~~(وأخسن كما أخسن الله إليك)(2). وأما السنة فأكثر من أن تحصى؛ لأنه ما من عبد إلا ولله ~~تعالى عليه نعمة مسلما كان أو كافرا. # ال وسابعها أنه تعالى لو خلق الكفر في الكافر ثم كلفه الإيمان لكان ذلك تكليفا لما لا ~~يطاق، ولو جاز ذلك لجاز تكليف الأعمى بنقط المصحف على جهة الصواب وتكليف ~~الزمن(3) العدو، بل يلزم التكليف بخلق القديم، والجمع بين السواد والبياض. ولو جاز ~~ذلك لجاز تكليف الجمادات، وكل ذلك باطل بالضرورة. # سورة ابراهيم: آية 28. # 2 سورة القصص: آية 77. # 3- يقصد به الضعيف الذي لا حراك له أو الأعرج PageV00P132 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيد ~~ال وثامنها أنه تعالى لو كان فاعلا للقبائح لكان جاهلا ومحتاجا؛ لأن الفاعل للقبيح لا ~~يفعله إلا لأحد هذين الوجهين، فإذا وجب ذلك في الشاهد مع أن الفاعل منا ليس فاعلا ~~على الحقيقة عندكم فلأن يكون في الغائب أولى وأحق. # المسلك الرابع الأدلة النقلية وهي منقسمة إلى الكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب فقوله تعالى: ( فتبارك الله أخسن الخالقين)(1). وكذلك الآيات المشتملة على ~~إثبات العمل للعبد كقوله تعالى: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا)(2). فذكر ~~الغفران عن نفسه لمن أتى بالإيمان والعمل الصالح، وذلك يدل على أن للعبد عملا. وقوله ~~تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه)(2) وقوله تعالى: (ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويخزي ~~الذين أخسنوا بالخشنى)(4) وقوله: (ليبلوكم أيكم أخسن عملا)(3) وقوله تعالى: (أم ~~حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات)(6) وقوله ~~تعالى: (أم نجعل الذين آمثوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم تجعل المتقين ~~كالفجار)(1). وبالجملة فكل ما في القرآن من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد ووصف ~~العباد بكونهم محسنين أو مسيئين يدل على كونهم فاعلين. # وأما السنة فقوله عليه الصلاة ms096 والسلام: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له". وقوله: لانية ~~المؤمن خير من عمله، ونية الفاسق شر من عمله". وقوله: "الأعمال بالنيات". # - سورة المؤمنون: آية14. # 2- سورة طه: آية 82. # 3- سورة فصلت: آية 46. # 4 - سورة النجم: آية 31. # 5- سورة الملك: آية 2. # 6- سورة الجائية: آية 21. # 1- سورة ص: آية 28. PageV00P133 # ============================================================ ~~الهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~وأما الاجماع فهو أن الرضا بقضاء الله تعالى واجب، فلو كان الكفر من قضاء الله تعالى ~~لوجب الرضا به، ولكن الرضا بالكفر كفر بالإجماع، فعلمنا أن الكفر ليس من فعل الله ~~تعالى فلا يكون من خلقه. # واعلم أن التمسك بالآيات والأحاديث والإجماع في هذه المسألة صحيح من جهة النظر ~~وذلك لأن صحة المسالك السمعية متوقفة على تقرير قواعد الحكمة، والحكمة متوقفة ~~على كونه تعالى عالما وغنيا، فإذا صح هذان الأصلان صح الاستدلال بالسمع في كل ~~موضع؛ لأن أصوله قد تمهدت. # و أما حيث(1) الإلزام فممتنع؛ لأنه ما لم يثبت أن الله تعالى لا يفعل لا يصح الاستدلال ~~بالسمع، فكيف يمكن تصحيح ذلك بالسمع. # ثم إن المجبرة عن آخرهم متفقون على عدم استقلال العبد بالتأثير في فعله، ثم اختلفوا ~~في ذلك، فذهب الأشعري إلى أن الايجاد بقدرة الله تعالى وأن معنى كون العبد مؤثرا عنده ~~هو مقارنة قدرته لمقدور حصل من جهة الله تعالى، وهذا هو معنى الكسب عنده. # وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني (2) منهم إلى أن الإيجاد بقدرة الله تعالى وأن تأثير قدرة ~~العبد إنما هو في صفة زائدة للفعل وهي كونه طاعة أو معصية، وهذا هو الكسب عنده. # 1- في نسخة دار الكتب: من حيث. # 2محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم البصري البغدادي الباقلاني القاضي أبو بكر(403 ه(، متكلم ~~على مذهب الأشعري. ولد بالبصرة، وسكن بغداد، سمع بها الحديث، ورد على المعتزلة والشيعة والخوارج ~~والجهمية وغيرهم، كان جيد الاستنباط سريع الجواب، وقد وجهه عضد الدولة سفيرا عنه إلى ملك الروم، ~~فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين يدي ملكها وتوفي ببغداد. الزركلي: الأعلام 176/6، ~~كحالة: معجم المؤلفين ms097 109/10. PageV00P134 # ============================================================ ~~الهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~وذهب الجويني(1) إلى أن الايجاد كما هو حاصل بقدرة الله تعالى فهو أيضا بقدرة العبد ~~عند الاختيار، ولا معنى للكسب عنده. صرح بذلك في كتابه المعروف "بالنظامي"، وهو ~~مذهب الإشفرايني2) منهم. # فهذه خلاصة مذهبهم في الكسب، وقد ذكرنا فيما سلف أقوى الأدلة وأقوى الأسئلة ~~عليها، فأما الكلام عليهم في الكسب فإن صح أنه جهة للتأثير فهو عندهم واجب ~~الحصول، وإن لم يكن جهة للتأثير فهو باطل، ومن أحاط بما ذكرناه هان عليه على القرب ~~افساده، وما وراء ذلك فهو تطويلات خارجة عن المقصود. # الفصل الرابع في أن الداعي هل هو شرط في وجود الفعل أم لا ~~ذهب الشيخان أبو الحسين ومحمود الملاحمي إلى أن الداعي شرط في وجود الفعل وأن ~~وقوعه من دون اعتباره محال، وهو قول متأخري الأشعرية. وذهب جمهور المعتزلة من ~~أ صحاب أبي هاشم إلى أن الداعي ليس شرطا في وقوع الفعل ولا في صحته، والمختار هو ~~الأول، ويدل عليه مسالك: ~~ا- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي النيابوري الشافعي الأشعري، ركن الدين، ~~الملقب بامام الحرمين (478ه(: فقيه أصولي متكلم مفر أديب، أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي، ولد في ~~جوين من تواحي نيسابور ورحل إلى بغداد فمكة حيث جاور أربع سنين. الزركلي: الأعلام 160/4، كحالة: ~~معجم المؤلفين 184/2 ~~2عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله البغدادي التميمي الإسفراييني الشافعي، أبو منصور (429 ه(: ~~فقيه أصولي متكلم أديب عالم متفنن، من أئمة الأصول، كان صدر الإسلام في عصره، ولد ونشأ في بغداد، ورحل ~~إلى خراسان فاستقر في نيسابور. وفارقها على إثر فتنة التركمان وهو صاحب كتاب "أصول الدين" و"الفرق بين ~~الفرق". الزركلي: الاعلام 48/4، كحالة: معجم المؤلفين 309/5. PageV00P135 # ============================================================ ~~الهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~الأول ما قد تقرر أن العالم بما يفعله لا يفعله إلا لداع باتفاق من الكل، وكل عاقل يعلم ~~ذلك من نفسه ضرورة. ومتى استحال من العالم أن يفعل فعله لغير داع فلا ms098 بد من كون ~~الداعي شرطا في وجود الفعل، إذ لو لم يكن شرطا لكان لا معنى لتلازمهما؛ لأن كل أمرين ~~لا تعلق لأحدهما بالآخر جاز انفصال أحدهما عن الآخر، فكان لا يمتنع وجود الفعل من ~~العالم به من غير داع إليه، فلما علمنا خلاف ذلك بالضرورة كان دلالة على أن الداعي شرط ~~في وجود الفعل ومحتاج في وجوده إليه، ولا شك أن أدنى درجات الاحتياج هو الشرطية، ~~ال ومتى كان الداعي شرطا في وجود الفعل استحال وجوده من دونه، لأن فائدة كون الشييء ~~شرطا في غيره أنه يصح وجوده إذا وجد الشرط ويمتنع وجوده مع عدم شرطه. # فإذا تقرر ذلك فلا فرق بين كون القادر عالما بما يفعله وبين ألا يكون عالما بفعله في افتقار ~~الفعل إلى الداعي؛ لأن وقوف الشييء على غيره هو لأمر يرجع إليه في نفسه لا لأمر يرجع ~~إلى غيره من كون القادر عالما أو غير عالم. لا يقال: إنما امتنع من العالم بما يفعله وقوع فعله ~~من غير داع لأن كونه عالما بفعله هو الداعي نفسه. فلو فرضنا وقوع الفعل من العالم لغير ~~داع مع أن الداعي لا يزيد على حاله بكونه عالما به لتناقض الكلام، وليس كذلك الساهي ~~والنائم فإنهما غير عالمين بما يفعلانه، فلم يتناقض قولنا إنهما يفعلان لغير داع؛ لأنا نقول: ~~هذا غلط. فإن علم العالم بفعله أمروراء الداعي ومخالف له، فإن معنى كون الفاعل عالما بما ~~فعله هو آنه يعلم حقيقته وجنسه من كونه حركة وسكونا وقياما وقعودا حتى يصح منه ~~اتخاذه والقصد إليه، والداعي هو آمر زائد على علمه بحقيقته وجنسه وهو كونه مؤديا إلى ~~النفع أو دفع الضرر هذا في داعي الحاجة أو كونه حسنا وإحسانا إلى الغير هذا في داعي ~~الحكمة، ولو كان الغرض من الداعي هو نفس علمه بحقيقته لكان الكلام متناقضا، فبطل ~~ما أوردوه وصح أن الداعي شرط في وجود الفعل من العالم وغيره. PageV00P136 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~المسلك الثاني أنه لو صح وجود الفعل ms099 من غير داع لصح وجوده مع قيام الصارف، ~~وهذا ينقض حقيقة القادر ويعود بالنقض على ما قد علم بالضرورة، فإن من حق القادر آن ~~يوجد فعله بحسب دواعيه وآن يمتنع وجوده إذا خلص صارفه وإنما قلنا: إنه لو صح ~~وجود الفعل من غير داع لصح وجوده مع قيام الصارف فلأن الفعل إذا كان غير مفتقر إلى ~~الداعي جاز حصوله مع نقيضه وهو قيام الصارف، فلما علمنا استحالة ذلك عرفنا أن ~~الداعي شرط في وجود الفعل، فاستحال حصوله مع نقيضه، وهذا فإن التأليف لما كان ~~مفتقرا إلى المجاورة لم يصح وجوده مع نقيضها وهو الافتراق، ولما لم يكن التأليف مفتقرا إلى ~~السواد كان وجوده مع ضده وهو البياض صحيحا. # المسلك الثالث هو أن من حق القادر أن تتعلق قدرته بالضدين على سواء، على معنى أن ~~كل واحد من مقدوريه صحيح الوقوع في نفسه، وحال هذه الصفة في تعلقها بالضدين على ~~ال سواء، فلولا الداعي لما ترجح وجود أحدهما على الآخر، وهذا هو الفرق بين القادر ~~والموجب، فإن كل واحد من القادر والموجب يصح وجود أثره ولا تقع التفرقة بينهما إلا ~~من حيث أن القادر يفتقر في وقوع أثره إلى الداعي بخلاف الموجب فإنه متى صح أثره ~~ال وجب، ومتى لم يصح استحال، وليس كذلك القادر فإنه متى صح أثره لا يجب كونه مؤثرا ~~لا محالة، بل عند إمكانه يجوز ألا يقع. فحصل من هذا أن التفرقة بين القادر والموجب ~~معلومة بالضرورة، ولا تفرقة إلا من حيث اعتبار الداعي، فيجب أن يكون الداعي معتبرا ~~في وجود الفعل وشرطا فيه. # لا يقال: إن وجه التفرقة بين القادر والموجب هو أن القادر مؤثر على سبيل الصحة ~~والاختيار بخلاف الموجب. لأنا نقول: أما الصحة فقد اشتركا في أن أثر كل واحد منهما ~~صحيح الوقوع، فلا تقع التفرقة بينهما من هذه الجهة. وأما الاختيار فإن لم يفسر بالداعي ~~فلا معنى له، إذكيف تصح تسميته بكونه مختارا لفعله وليس له داع إليه. PageV00P137 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ms100 ~~واحتج أصحاب أبي هاشم بأمرين: ~~أحدهما أن الساهي والنائم قد يفعلان الفعل لغير داع، وهذا يدل على أن الداعي ليس ~~شرطا في وجود الفعل، إذلو كان شرطا لما صح وجوده من قبلهما. # ل وجوابه أنا قد قررنا أن الداعي شرط في وجود الفعل بما فيه مقنع وكفاية، وما ذكروه في ~~النائم فهو رجوع إلى وجود محتمل، فإنا لا نسلم أن النائم لا يفعل ما يفعله لغير داع، بل ~~يفعله لداع، ولهذا فإن المستيقظ من نومه يذكر أنه كان في حال نومه معتقدا أو ظانا لأمر ~~يحدث منه أفعال بحسب ذلك الظن والاعتقاد كمن يرى آنه يضرب بالسيف أو ~~تقطع أوصاله فيضطرب ويعلو صوته حتى يكون ذلك سببا للانتباه، وكمن يرى فور ~~هم فيبعثه ذلك على الحزن والأسف حتى يسمع بكاؤه ونحيبه، وكمن يرى ما يسره ~~فتسفره الغبطة والفرح فينتبه وهو يضحك. # ويؤكد ذلك أن الداعي في حقه ليس إلا الظن أو الاعتقاد، وهذا يتأتى من النائم كما ~~يتأتى من غيره، فكيف يقال إنه يفعل ما يفعله لغير داع وغاية، ينافي هذا أن النائم حال ~~يقظته قد لا يعلم ما دعاه إلى تلك الأفعال، وهذا لا يوجب القطع على أنها في الأصل ما ~~صدرت عن غير داع، فإن علمه بتلك الدواعي غير الدواعي في أنفسها. # وثانيهما أنه قد يقع أحد الفعلين من القادر دون الآخر وحالهما في تناول الداعي لهما على ~~سواء فإن من خير بين دينارين مستوين في الجودة أو تمرتين مستويتين في الحلاوة فإنه ~~ايتناول أحدهما دون الآخر، وهذا يدل على أن الفعل غير مفتقر إلى الداعي؛ لأنه لو كان ~~الداعي شرطا في وجوده لكان كما يحتاج إليه في أول الأمر يحتاج إليه في آخره أيضا عند ~~فرض الاستواء. PageV00P138 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~وجوابه من وجوه: ~~أما أولا فنحن لا نسلم تماثلهما بالإضافة إليه ولو كانا في أنفسهما مثلين، فربما يعتقد ~~لأحدهما فضلا على الآخر فيكون ذلك سببا للعدول إلى أحدهما دون الآخر. # وأما ثانيا فلو تناهيا في ms101 التصوير إلى أنهما مستويان من كل الوجوه فربما يذهل عن أحدهما ~~لاستوائهما في الغرض، ويصير الحال كما لو لم يكن إلا أحدهما. # وأما ثالثا وهو الصحيح فلأن حال القادر ليس كحال الموجب، فإن أثر الموجب متى ~~صح وجب ومتى لم يصح استحال، والقادر يفعل أحد مقدوريه لقصده وداعيه مع ~~استوائهما في كونهما ممكني الوقوع على سواء، فمتى استويا في الغرض فإنه يفعل أحدهما ~~لداعيته من دون أمر آخر. فإذا قال السائل: ما الذي رجح وجود المقدور على عدمه ؟ فمن ~~جوابنا أنه القادر. فإذا قال: فلم وجد في هذا الوقت دون ما قبله وبعده، ولم اختص ~~بالحصول دون ضده ؟ قلنا: الفاعل المختار لمكان داعيه، فمتى قال فلنفرض قيام الداعي في ~~كل واحد من الضدين على سواء. قلنا: من هاهنا يتميز القادر عن الموجب، فإنا لو جرينا ~~في هذا الموطن على طلب مخصص لأحد مقدوريه دون الآخر غير كونه فاعلا مختارا ~~لألحقناه بباب الموجب وخرج عن حد الاختيار، وهذا يرفع ما عرفناه ضرورة من الفرق ~~بين القادر والموجب. # ل وحصل من مجموع ما ذكرناه أن الفاعل مفتقر في الأصل إلى الداعي ليبعثه على الفعل، ~~وعند فرض الاستواء في الفعلين من كل الوجوه يفعل أحدهما دون الآخر من غير أمر وراء ~~كونه فاعلا مختارا. PageV00P139 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الفصل الخامس إن الله تعالى قادر على غير مقدور العبد ~~اتفقت المعتزلة على منع ذلك إلا أبا الحسين فإنه جوز ذلك واعترف به. # واحتجواعلى منعه بوجوه: ~~أولها قالوا: لو قدر قادران على مقدور واحد وفرضنا كون أحدهما مريدا والآخر كارها ~~لكان إما أن يوجد فيكون قد وجد مقدور القادر مع كراهته وهو محال أو لا يوجد فيكون ~~قد امتنع مقدور القادر مع إرادته وهو محال أو يوجد ولا يوجد وهو محال أيضا. # وجوابه إن أحد القادرين إذا قصد إلى إيجاده وجد وإن كان أحدهما كارها. قوله: ليس ~~بأن يوجد لإرادة أحدهما أولى من ألا يوجد لكراهة الآخر. قلنا: إن جانب الوجود يكفي ~~فيه مؤثر ms102 واحد وأما جانب العدم فلا يكفي فيه امتناع أحدهما عن الفعل بل يجب ألا يؤثر ~~المؤثران معا. # وثانيها لو قدر قادران على مقدور واحد لصح مع فعل أحدهما ألا يفعله الآخر؛ لأن من ~~حق القادر أن يصح منه أن يفعل وألا يفعل إذا لم يكن ملجأ إلى الفعل، وليس فعل أحدهما ~~يلجي الآخر إلى الفعل، ولو لم يفعله الآخر لصح منه أن يفعل ضده في محله، وفي ذلك ~~حصول الفعل من جهة أحدهما ووجود ضده من جهة الآخر في المحل الواحد وإنه محال. # وجوابه إن صحة صدور الفعل عن الشخص كما يتوقف على كونه قادرا فهي أيضا ~~موقوفة على كون المحل قابلا، فأحد القادرين إذا كان فاعلا لذلك المقدور في ذلك المحل ~~امتنع على القادر الآخر أن يفعل فيه ضده لوجود المانع. PageV00P140 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والترحيل ~~وثالثها لو قدر قادران على مقدور واحد بعينه لوجب إذا أرادا جميعا إيجاده أن يكون كل ~~واحد منهما فاعلا، ولو كان كذلك لم ينفصل حاله وقد أراد أحدهما إيجاده عن حاله وقد ~~أرادا جميعا إيجاده، إذ ليس يختص أحدهما بتأثير ليس للآخر. # وجوابه أن الفرق بينهما وإن لم يظهر تحقيقا فإنه يظهر تقديرا، وفيما ذكرناه يظهر تقديرا؛ ~~فإنا لو قدرنا عدم أحدهما لأثر فيه الآخر، وقد قيل: إن الفرق بينهما هو أن القادر الواحد لو ~~حاول قادر مثله منعه عن فعله لمنعه ووقع التمانع بينهما، فأما القادران فإنه لا يقع بينهما وبين ~~القادر الآخر التمانع، بل يكون وجود مقدورهما أولى، وهذا فيه نظر؛ لأنه إذا كان المقدور ~~واحد لم يقع التمانع بينهما ولم يظهر. # ورابعها أن تعلق المقدور بالقادر كتعلق المعلول بالعلة، فكما استحال في المعلول الواحد ~~ان يستند إلى علتين فكذلك في المقدور الواحد أن يستند إلى قادرين ~~وجوابه أن الدليل قد دل على استحالة تعليل المعلول الواحد بعلتين، فإن حصل هذا ~~المانع في مسألتنا بطل القياس وإن لم يحصل منعت الحكم وجوزت معلولا بين علتين. # وخامسها أن الفعل فعل لفاعله لذاته ms103 لا لغيره كما أن اللون لون لنفسه لا لغيره، فإن ~~جاز أن يكون فعله فعلا لغيره جاز أن يكون اللون لونا لغيره، وهو محال. # ل وجوابه أن كونه فعلا لذاته لأحد الفاعلين لا ينافى أن يكون مع ذلك فعلا لآخر على ~~معنى أن ذاته تقتضي الاستناد إليهما جميعا، اللهم إلا أن تقولوا: إن استناده إلى أحدهما ينافى ~~استناده إلى الآخر. وفيه وقع النزاع، وقد ذكروا في ذلك وجوها كثيرة، وأقواها ما ذكرنا. # واحتج أبو الحسين بوجهين: PageV00P141 ~~============================================================ ~~الشسهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~أحدهما أنه ممكن، والممكن مقدور، فإذا ثبت أنه لا قدرة لذاته تعالى بمقدور دون غيره ~~قبل وجود القادرين بالقدر، وقبل وجود قدرهم وجب كونه قادرا على الكل، ولا يجوز أن ~~خرج عن كونه قادرا بوجود القادرين من خلقه ووجود قدرهم، فإذا صح كون القادرين ~~بالقدر فاعلين وكون أفعاهم تابعة لقدرهم فقد لزم تعلق المقدور الواحد بقادرين، وهو ~~المطلوب. # وثانيهما أنا إذا فرضنا جزءا ملتصقا بكفي إنسانين فجذبه أحدهما في حال ما دفعه ~~الآخر، فإما أن يحصل في ذلك الجزء حركتان أو حركة واحدة، والأول باطل لاستحالة ~~اجتماع المثلين. وأيضا فإما أن لا تستند الحركتان إلى أحد القادرين فيكون الفعل حصل من ~~غير فاعل وهو محال، وإما أن تستند الحركتان إلى كل واحد منهما وهو الغرض، وإن كان ~~الحاصل فيه حركة واحدة فإما أن لا تستند إلى واحد منهما وهو محال لاستحالة صدور ~~الفعل عن غير فاعل، وإما أن يستند إلى كل واحد منهما وهو المقصود. # الفصل السادس في إبطال ما يزعمه الكعبي ~~نقل عنه مذهبان: ~~الأول أنه منع أن يكون الله تعالى قادرا على أن يخلق فينا علما ضروريا متعلقا بما علمناه ~~استدلالا. واحتج على ذلك بوجوه ثلاثة: ~~أولها أنه لو جاز أن نعلم بالضرورة ما علمناه اكتسابا لجاز أن نعلم باكتساب ما علمناه ~~بالضرورة، ولو جاز ذلك لجاز أن نعلم وجود أنفسنا وآلامنا ولذاتنا باكتساب وأن نعلم ~~نبوة الأنبياء بالضرورة. PageV00P142 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~وجوابه أن علمنا ms104 بوجود أتفسنا وآلامنا ولذاتنا أصل في صحة النظر وكمال العقل، وكل ~~ما كان أصلا في صحة النظر لا يمكن تصحيحه بالنظر؛ لأنه يكون دورا محضا. # اا وثانيها لو صح أن يفعل الله تعالى فينا علما ضروريا بما نعلمه استدلالا لصح منه تعالى ~~ان يفعل فينا العلم بصفة الشيء باضطرار، ونعلم ذاته بضرب من الاستدلال حتى يعرف ~~وجود زيد بخبر النبي ونعرف كونه قادرا باضطرار، ولو صح ذلك لم يمتنع أن تدخل علينا ~~شبهة في نبوة ذلك النبي فيزول علمنا بوجود زيد ويبقى كوننا عالمين بكونه قادرا باضطرار، ~~وهذا محال. # وجوابه أن العلم بكون زيد قادرا باضطرار يتضمن العلم بوجوده فيستحيل حصول ~~العلم بكونه قادرا باضطرار عند عدم العلم بوجوده. # وثالثها أن الله تعالى لو قدر على أن يخلق فينا علما ضروريا بما علمناه استدلالا لجاز إذا ~~صرنا مضطرين إلى ذلك أن نكتسب العلم به؛ لأنا أصحاء، والأدلة حاضرة. ولو جاز أن ~~نكتسب العلم به لجاز أن نكتسب الجهل بدلا عنه كسائر ما نعلمه بالاستدلال، ويلزم من ~~ذلك كوننا عالمين بالشيء الواحد بالضرورة وجاهلين به، وإنه محال، وما أدى إليه فهو محال ~~أيضا. # وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فنقول: لم لا يجوز أن يكون حصول العلم الضروري مانعا من صحة طلب ~~العلم الاستدلالي؛ لأن النظر طلب؛ وطلب الحاصل محال. PageV00P143 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~وأما ثانيا فلم قلتم إن ذلك محال ؟ قالوا: يلزم منه صحة طلبه للجهل بدلا عنه. قلنا: ~~نريد أن اكتساب الجهل بذلك المعلوم معلوم من وجه آخر، والأول غير لازم والثاني نسلم ~~ولا يضرنا أن يكون عالما به من وجه وجاهلا به من وجه آخر. # والمذهب الثاني زعم أن الله تعالى قادر على أن يحرك الجوهر إلى الجهة التي يقدر العبد ~~على تحريكه إليها ولكن الحركة التي يفعلها العبد لا تكون مماثلة للحركة التي يفعلها الله ~~تعالى ~~واحتج عليه بأن فعل العبد إما سفه وإما تواضع، ويستحيل أن يكون مقدور الله تعالى ~~كذلك، فإذن الله تعالى غير قادر ms105 على مثل مقدور العبد. # وخالفه في ذلك جماهير المعتزلة وأجابوا عن حجته بأن قالوا: إن كون فعل العبد عبثا ~~وسفها وتواضعا اعتبارات عارضة بسبب قصد العبد وداعيته، والاختلاف في العوارض ~~المفارقة لا يوجب اختلافا في الحقيقة والماهية. # الفصل السابع في العلة والمعلول ~~ذهب نفاة الأحوال إلى أن الكون نفس الكائنية وأن العلم نفس العالمية وهكذا القول في ~~جيع الأعراض، وأما مثبتو الأحوال فبعضهم قد ذهب إلى أن الكائنية حالة معللة بالكون ~~والأسودية حالة معللة بالسواد، وطرد ذلك في جميع الأعراض كلها. # وهذا القول يحكى عن بعض المتأخرين من الأشعرية وهو الباقلاني منهم، وأما أبو ~~هاشم ففصل القول فيها وقال: أما الأعراض المشروطة بالحياة فإنها توجب أحوالا للجملة ~~كالقدرة والعلم والحياة، فالقدرة تقتضي لجملة البدن حالة هي القادرية، والعلم يقتضي PageV00P144 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيد ~~أيضا لجملة البدن حالة هي العالمية، وكذلك سائر الأعراض المشروطة بالحياة، وكذلك ~~الحياة أيضا توجب حالة الجملة يصير الحي بها كالشيء الواحد. # وأما الأعراض التي لا تكون مشروطة بالحياة فما كان منها مدركا لم يوجب البتة حالا ~~ولا حكما كالسواد والطعم وما ليس بمدرك منها فإنه ينقسم إلى ما يوجب حاله لمحله ~~كالكون، وإلى ما يوجب حكما كالاعتماد وغيره: ~~والكلام عليهم في هذا الفصل يقع في مواضع ثلاثة: ~~الموضع الأول في أن الكائنية هل هي معللة بالمعنى الذي هو الكون أم هي نفس الكون؟ # ال وأ قوى ما استدلوا به على استحالة تعليل الكائنية بالفاعل أمور أربعة: ~~الأول أنا لو قدرنا على جعل الجسم كائنا من غير واسطة معنى لقدرنا على ذات الجسم، ~~وأيضا فلو قدرنا على جعله صفة من غير واسطة معنى لقدرنا على جعله على سائر صفاته ~~من كونه أسود وحلوا وحامضا، وإذا استحال منا ايجاد الجسم واستحال منا أيضا جعله ~~على سائر أوصافه استحال منا أيضا جعله على صفة من غير واسطة هي المعنى. # اا و دليلنا على ذلك ما نعلمه من حال الكلام، فإنا لما قدرنا على جعله على صفة من غير ms106 ~~ال واسطة معنى وتلك الصفة هي كونه خبرا وأمرا ونهيا قدرنا على إيجاد ذاته، وعكسه كلام ~~الغير؛ فإنا لما لم نقدر على جعله على صفة لم نقدر على إيجاد ذاته، فعلمنا أنه لا علة لاقتدارنا ~~على الذات إلا اقتدارنا على الصفة، وأيضا فلما قدرنا على جعل كلامنا خبرا وأمرا قدرنا على ~~جعله على سائر أوصافه من كونه دعاء وجحدا واستخبارا، ولا علة لذلك إلا اقتدارنا على ~~صفة من صفاته، فثبت أن القادر على جعله على صفة لا بد وأن يكون قادرا على ذاته، وأن ~~القادر على جعله على صفة من صفاته لا بد و أن يكون قادرا على جعله على سائر الصفات. PageV00P145 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والترحيل ~~والجواب أنا لا نسلم أن من قدر على صفة الذات من غير واسطة يجب أن يكون قادرا ~~على إيجاد الذات ولا من قدر على صفة من صفاتها يكون قادرا على سائر أوصافها، فما ~~دليلكم على ذلك ؟ # قالوا: دليلنا الكلام، قلنا: الكلام على ما ذكرتموه من حيث الاجمال والتفصيل: ~~أما الاجمال فإنه لا يلزم من ثبوت حكم في عدة من الصور ثبوته على الاطراد فضلا عن ~~ثبوته في صورة واحدة، وهذا نفس ما اعتمدوه فإن ما ادعيتموه لا يوجد إلا في صورة ~~الكلام، وهي صورة واحدة، فكان باطلا. # وأما التفصيل فلا نسلم أن للكلام بكونه أمرا وخبرا صفة حتى نفرض من قدرتنا عليها ~~قدرتنا على ذات الكلام، فما دليلكم عليه ؟ قالوا: اتخاذ هذه الصيغة على أنها تكون خبرا عن ~~زيد دون غيره من الزيدين يدل على أن الصيغة بكونها خبرا تتميز بها حتى تكون خبرا عن ~~أحدهما دون الآخر. قلنا: هذا باطل من وجوه: ~~أما أولا فلم لا يجوز أن يكون التميز راجعا إلى مجرد إيجاد الصيغة لغرض مخصوص ~~بحسب داعية المخبر، فلأجل اختلاف الدواعي اختلفت الإضافات. # وأما ثانيا فهو أن هذه الصفة التي هي الخبرية إما أن تكون ثابتة لمجموع الحروف أو ~~لكل حرف من حروف الصيغة، وباطل أن تكون ثابتة لمجموع الأحرف؛ ms107 لأن مجموعها لا ~~ال وجود له أبدا، وإنما الموجود منها حرف واحد، وباطل أن تكون ثابتة لكل حرف من ~~حروفها؛ لأن هذا يلزم أن يكون كل حرف منها خبرا، وهو محال: PageV00P146 ~~============================================================ ~~الشسهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~وأما ثالثا فهب أنا سلمنا أن له صفة يتميز بها ولكن متى يلزم من اقتدارنا على الصفة ~~اقتدارنا على الذات إذا جعلنا اقتدارنا على جعل الكلام على صفة معلول اقتدارنا على أصل ~~الكلام، أم إذا جعلناه علة ممنوع مسلم. # وبيانه هو أنا إذا جعلنا اقتدارنا على الصفة علة لاقتدارنا على الذات لزم من حصول ~~الاقتدار على الصفة الاقتدار على الذات؛ لأنه مهما حصلت العلة فلا بد من حصول ~~المعلول لا محالة. وأما إذا جعلنا اقتدارنا على الذات علة لاقتدارنا على الصفة لا يلزم من ~~حصول اقتدارنا على الصفة اقتدارنا على الذات؛ لأن مثل المعلول يجوز حصوله بعلة أخرى ~~غير تلك العلة كما نقوله في القبح؛ فإنه حكم واحد، وهو تارة يعلل بكون الفعل ظلما وتارة ~~بكونه جهلا، وإذا كان كذلك فلم قلتم إن الحق هو الأول دون الثاني بل الثاني هو الأقرب ~~في العقل؛ لأن الذات أصل الصفة، فجعل القدرة على الأصل علة للقدرة على التبع أولى ~~من العكس ثم أما لو سلمنا أن من قدر على جعل الذات على صفة قدر على إيجادها فإنما ~~يلزم ذلك في الجبرية؛ لأن الجبرية وجه لا يقع عليها الكلام إلا حال حدوثه، فلا جرم ~~القادر على إيقاعه على ذلك الوجه لا بد وأن يكون قادرا على إحداثه. # وأما الكائنية فهي صفة لا يتوقف حصوها للجوهر على حدوث الجوهر فلا يلزم من ~~الاقتدار عليها الاقتدار على أصل الجوهر. # الثاني أن القادر منا يقدر على تحريك الخفيف دون الثقيل مع استوائهما في صحة ~~التحريك، فلولا أنه لا يتأتى منه التحريك ألا بكون ونقل، فيحتاج في تحريك الثقيل إلى ~~معان كثيرة لا يقدر عليها الضعيف، وإلا لما وجد هذا التفاوت، ولا يمكن أن يقال: لم لا ~~يكون التفاوت لأجل أنه ms108 يحتاج في تحريك الثقيل إلى صفات كثيرة؛ لأنا نقول: كثرة ~~الصفات لا تعلم إلا بواسطة المعاني، ألا ترى أنه لا يمكن أن يعلم التزايد في كون الواحد ~~منا عالما إلا باثبات العلوم وتزايدها، ففي كل حال لا بد من إثبات المعاني. PageV00P147 # ============================================================ ~~الهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~والجواب من وجهين: ~~أما أولا فإن القادر يحتاج إلى رفع الثقيل إلى مدافعات كثيرة إلى جهة العلو تزيد على ~~مدافعات الثقيل إلى جهة السفل، وتلك المدافعات ليست عبارة عن الأكوان، بل عبارة عن ~~الاعتمادات، ولانزاع فيها، وإنما النزاع في استحالة إضافة الكائنية إلى الفاعل. # وأما ثانيا فلم لا يجوز أن يكون التفاوت بين القوي والضعيف لأجل أنه يحتاج في ~~تحريك الثقيل إلى صفات كثيرة لا يقدر عليها الضعيف. قوله: كثرة الصفات لا تعلم إلا ~~بواسطة المعاني. قلنا: هذا خطأ، لأن صحة كون الشيء معلوما لأمر ترجع إليه في نفسه، ~~فإذا لم يكن معلوما في نفسه استحال آن يعلم بواسطة غيره. # الثالث أن صفة الكائنية يصح فيها التزايد، وما صح فيه التزايد استحال أن يكون أثرا ~~للفاعل. # بيان الأول من وجهين: ~~أما أولا فإن القوى إذا وضع يده على جسم واستفرغ جهده في تسكينه لم يقدر الضعيف ~~على تحريكه، ومتى لم يستفرغ جهده أمكنه تحريكه، فعلمنا أنه رام في الحالة الأولى أكثر مما ~~رام في الحالة الثانية. # وأما ثانيا فهو آن الجزء الواحد إذا التصق بكفي قادرين فدفعه أحدهما حال ما جذيه ~~الآخر تحرك ذلك الجزء بالحركتين جميعا، وليس يجوز أن يكون ما فعله أحدهما هو الذي ~~فعله الآخر؛ لاستحالة مقدور واحد بين قادرين، فظهر آن تحركه قد تزايد. # وبيان الثاني من وجهين: PageV00P148 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل واللوحيل ~~أما أولا فلأن الفاعل في تأثيره كالعلة، ثم العلة لا تؤثر في أكثر من صفة واحدة، ~~فكذلك الفاعل. # وأما ثانيا فهو أن الوجود لما كان أثرا للفاعل استحال فيه التزايد فكذلك هاهنا. # والجواب من وجهين: ~~أما أولا فإن الكائنية عبارة عن الحصول في الحيز، وذلك لا يقبل ms109 التزايد؛ لأن من المعلوم ~~بالضرورة أن حصول جوهر في حيز يستحيل أن يكون أكبر من حصول جوهر في حيز ~~آخر، وما ذكروه من امتناع نقل الضعيف ما يسكنه القوي فذلك لزيادة المدافعات، والتزايد ~~فيها لا ننكره. وما ذكروه من دفع القادر للجوهر إلى جهة واحدة فلا نسلم أن فيه تزايدا، ~~بل هو مقدور واحد بين قادرين، كما هو مذهب أبي الحسين، وقد قدمنا تفصيله. # وأما ثانيا فهب أنا سلمنا أن الكائنية تقبل التزايد فلم لا يكون تزايدها بالفاعل. # وقياسهم على العلة لا يصح لأمرين: ~~أما أولا فلأنا لا نقول بالعلة والمعلول. # وأما ثانيا فهب أنا سلمنا القول بالعلل فالفرق ظاهر؛ لأن العلة موجبة لذاتها، فليس ~~ايجابها بعدد أولى من إيجابها لعدد اكثر منه، فهذه الطريقة إن صحت كانت فارقة بين ~~الموجب والقادر، وإن لم تصح منعنا الحكم في الأصل، وجوزنا تزايد المعلولات. وقياسهم ~~على الوجود باطل لوجهين: ~~أما أولا فإن وجود الشيء عندنا هو نفس حقيقته وحصوله في الخارج، وذلك محال أن ~~يعقل فيه التزايد. PageV00P149 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وأما ثانيا فنطالبهم بالدلالة على استحالة تزايد الوجود، وكلامهم في منع تزايد الوجود ~~ليس بالقوي: ~~الرابع قالوا: الكائنية تثبت حال بقاء الجوهر، وكل ما كان ثابتا في حال البقاء امتنع ~~تعلقه بالفاعل. # بيان الأول أنا لا نعني بالباقي إلا ما استمر وجوده أكثر من وقت واحد، وهذا حاصل ~~في الجوهر. وأما أن الكائنية ثابتة له فقد قدمنا وجوب الملازمة، فلا معنى لاعادته، فثبت أن ~~الكاثنية ثابتة في حال بقاء الجوهر. # االوبيان الثاني وهو أن ما كان ثابتا في حال البقاء استحال تعليقه بالفاعل؛ فلأن ما كان ~~متعلقا بالفاعل فهو مختص بحال الحدوث، كما نقوله في الحسن والقبح لما كانا بالفاعل لا ~~جرم اختصا بحالة الحدوث، ولا علة لذلك إلا كونهما متعلقين بالفاعل. # والجواب من وجهين: ~~أما أولا فنقول: إن عنيتم بالقبح حكم القبح وهو استحقاق الذم فذلك مما لا يثبت ~~بالفاعل؛ لأن كل ما كان أثرا للفاعل أمكنه أن يفعله ms110 وأن لا يفعله، فكان يلزم صحة أن ~~يفعل القادر القبيح، ولا يجعله مما يستحق عليه الذم، وهذا محال. وإن عنيتم بالقبح وجه ~~القبح فهو على نوعين: ~~أحدهما ما يكون كذلك لأمر يرجع إليه وهو أيضا على ضربين: أحدهما ألا يعتبر فيه إلا ~~ما يرجع إليه في نفسه، وذلك نحو كون الاعتقاد جهلا؛ فإن وجه قبحه كونه جهلا، وذلك ~~غير معلل بالفاعل. وثانيهما أن تعتبر فيه قيود عدمية مثل قبح الظلم والعدم لا تتعلق ~~بالفاعل. PageV00P150 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيد ~~ل والثاني وهو الذي يقبح لا لأمر يعود إلى نفس الفعل بل لما يرجع إلى أغراض الفاعل، ~~نحو السجود للصنم، وإنه إنما قبح لأنه أوجده وقضده منه تعظيم الصنم، ولا يعقل في ~~قبحه غير ذلك، فثبت أن وجوه القبح في القبائح غير متعلقة بالفاعل، فلا يمكن قياس ~~كونه كائنا عليها. # وأما ثانيا فهب أنا سلمنا أن القبح من متعلقات الفاعل لكن الفرق بينهما آن جهات ~~القبح كيفيات في الحدوث، فلهذا لا تحصل إلا حال الحدوث بخلاف الكائنية. # فهذا هو الكلام على أدلتهم في استحالة تعلق الكائنية بالفاعل، وأما الشيخ أبو الحسين ~~فقد علل في نفي تعليل الكائنية بمعنى بما نذكره عنه، وهو قوله: إن كون الكون مقتضيا ~~لحصول الجوهر في حيز معين إما أن يتوقف على حصوله في حيز أو لا يتوقف، فإن لم ~~يتوقف لم يكن ذلك الكون بأن يقتضي الحصول في جهة أولى من أن يقتضي الحصول في جهة ~~اخري، وذلك محال. وأما إن توقف على ذلك فإما أن يحصل في الحيز الذي يقتضي حصول ~~الجوهر فيه أو في جوهر آخر، والثاني باطل لوجهين: ~~أما أولا فيلزم منه تقدم العلة على المعلول، وهو محال. # وأما ثانيا فلأن هذا لا يجري في الكون الذي يحصل فيه الجوهر حال حدوثه، إذ ليس ~~حاصلا في حيز قبل وجوده. # ولما بطل هذا القسم نفي الأول وهو أن يكون شرط اقتضاء الكون لحصول الجوهر في ~~حيز حصوله في ذلك الحيز، لكن حصوله في ذلك ms111 الحيز يكون تبعا لحصول محله فيه، فيلزم ~~توقف حصول ذلك الكون فيه على حصول الجوهر فيه وتوقف حصول ذلك الجوهر فيه ~~على حصول ذلك الكون فيه، فيلزم الدور وإنه محال. ولا يمكن أن يقال: إن كل ما كان ~~لازما لأصحاب أبي هاشم فهو بعينه لازم لأبي الحسين؛ لأنه يقول: إن الكون لا يوجد في PageV00P151 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~الجوهر إلا عند حصوله في حيز معين، وحصوله في حيز معين مانع لوجود الكون فيه، ~~فيلزم الدور. لأنا نقول: إنما لزمهم من حيث قالوا بالعلة والمعلول وهما أمران فلزمهم تبعية ~~أحدهما للآخر، وأما عنده فهو آمر واحد وهو أن الفاعل يوجد الكون في الجوهر فيشغل به ~~الحيز. والله أعلم. # الموضع الثاني ذهب جماهير المعتزلة من أصحاب أبي هاشم إلى أن القادرية والعالمية ~~والحيية وسائر صفات الجملة من كونه ظانا ومعتقدا ومريدا أحوال راجعة إلى الجملة، وأنها ~~معللة بمعان هي القدرة والعلم والحياة والاعتقاد والظن وغيرها، ومقصدهم من ذلك ~~يحصل بتقرير أصلين: ~~أحدهما أنها أحوال راجعة إلى الجملة. والثاني أنها معللة بمعان. # أما الأول فأقوى ما احتجوا به عليه هو طريق المفارقة، وذلك أنهم قالوا: وجدنا في ~~الشاهد حيين أحدهما يصح منه الفعل والآخر يتعذر عليه، فلا بد من مفارقة، وإلا لم يكن ~~بأن يصح من أحدهما من دون الآخر، وهذا معلوم بالضرورة، أعني أنه لا بد من مفارقته. # فإذا قيل لهم: لم لا يجوز أن تكون تلك المفارقة معللة بأمر راجع إلى الأجزاء والأبعاض ~~وهي البنية. كان جوابهم أن صحة الفعل حكم صدر عن الجملة، والمؤثر فيه يجب أن يكون ~~راجعا إلى الجملة؛ لأن البعض في حكم الغير للجملة، كزيد وعمرو، فكما لا يصح الفعل ~~من زيد لما يرجع إلى عمرو فكذلك لا يصح من الجملة لما يرجع إلى بعضها. # وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فالقادرية والعالمية والحيية وسائر صفات الجملة أمور راجعة إلى الجملة، ومع ~~ذلك فقد أثر فيها ما يرجع إلى الأبعاض وهي القدرة والعلم والحياة وسائر المعاني، فهلا ms112 ~~جاز أن يكون المؤثر في صحة الفعل الجملة بواسطة البنية من غير حاجة إلى حالة الجملة. PageV00P152 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~ولا يمكن أن يقال: إن صحة الفعل إنما وجب تعليلها بأمر راجع إلى الجملة لما كانت ثابتة ~~بطريق مفارقة الجملة لجملة أخرى، بخلاف كونه قادرا، فإنما علل بأمر راجع إلى البعض ~~وهي القدرة لما كان ثابتا بطريق الجواز؛ لأنا نقول: هذه عبارة ليس وراءها كبير فائدة؛ لأنه ~~ل يمكن أن يقال إن القادرية والعالمية ثابتة بطريق المفارقة أيضا؛ لأن القادر والعالم يفارقان ~~من ليس بقادر ولا عالم. فقولوا بأن المفارقة راجعة إلى الجملة وأنتم لا تقولون به. # وأما ثانيا فهب أنا سلمنا أن صحة الفعل وصحة الأحكام أمران صدرا عن الجملة وأن ~~المؤثر فيهما لا بد أن يكون راجعا إلى الجملة فأخبرونا لماذا دلا على أمر راجع إلى الجملة، هل ~~دلا لمطلق كونهما صحتين، فهذا باطل بكل صحة، أو دلا لكونهما صحتين عائدين إلى ~~مجموع أجزاء، فصحة أن يحيي راجعة إلى مجموع أجزاء، ومع ذلك عللتموها بأمر راجع إلى ~~الأبعاض وهي البنية. أو دلا لكونهما صحتين راجعتين إلى مجموع أجزاء لتلك الأجزاء ~~صفة واحدة، ففي هذا اشتراط المدلول في الدليل، وهو أول المسألة؛ لأنهما إذا كانا لا يدلان ~~على صفتين راجعتين إلى الجملة هما القادرية والعالمية إلا بعد أن يكونا صحتين راجعتين إلى ~~مجموع أجزاء لها صفتان لزم ما قلناه. # وأما الشيخ أبو الحسين فقد عول في نفي هذه الصفات كلها على أنه لا طريق إليها ~~فيجب نفيها، وبالغ صاحب المعتمد في بعضها. # وأما الثاني وهو آنها معللة بمعان، فقد قرروه بأنها ثابتة على سبيل الجواز، والحال واحدة ~~والشرط واحدة، فلا بد من أمر ضرورة:. # وجوابه أنا نسلم أنه لا بد من أمر بالضرورة، ولكن لم يجوز أن يكون ذلك الأمر هو ~~البنية. لا يقال: إن البنية راجعة إلى أمور كثيرة متضادة من نحو رطوبة ويبوسة وغير ذلك، PageV00P153 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~اال وليس يمكن في حكم واحد ms113 وهو صحة الفعل أن يكون حاصلا عن آمور كثيرة، وليس ~~بعضها بأن يكون شرطا وبعضها مؤثرا أولى من العكس. # وجوابه من وجهين: ~~أاحدهما ما ذكره أبو الحسين وهو أن اجتماع الأجزاء الرطبة واليابسة والحارة والباردة ~~يحصل منها شيء واحد متوسط بين الحار والبارد والرطب واليابس فتؤثر في صحة الفعل ~~وتكون واقفة عليه في ثبوتها. # ال وثانيهما أن صحة كون الحي حيا واقفا على البنية، وهي مجموع آجزاء متضادة، فما ~~الزمتمونا في صحة الفعل فهو بعينه لازم في صحة كون الجملة حية، والحق أن يقال: إن ~~بعضها مؤثر في بعضها بشرط، ولا نعلم التميز، وعدم علمنا بالتميز بين المؤثر والشرط لا ~~يضرنا في ذلك. # الموضع الثالث في أن كونه أسود وأبيض وحلوا وحامضا معللة باللون والطعم ~~فالمعتزلة أبطلوا ذلك، وقالوا: لا طريق إليها، وما لا طريق إليه وجب نفيه. # وذهب بعض الأشعرية إلى أنها أحوال معللة بمعان، واستدل على ذلك بدليل عام في ~~كل الأعراض، وقال: إنا نعلم بالضرورة كون الجسم مثلا أسود حلوا طيب الرائحة عالما ~~قادرا مع أن علمنا بهذه الأعراض استدلالي، والمعلوم بالضرورة غير ما علم بالاستدلال، ~~فإذن كون الجسم أسود طيبا متحركا عالما قادرا أحوال زائدة على السواد والحلاوة والحركة ~~والعلم والقدرة. # وجوابه من وجهين: PageV00P154 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~أما أولا فيلزمه فيما سلم أنه لا حال له مثل كونه آكلا وشاربا ولابسا ومنتعلا أن يكون ~~له أحوال؛ لأنا نعلم كونه اكلا بالضرورة، وعلمنا بالأعراض استدلالي، فإذا كان عمدته ~~في ذلك تغاير العلمين لزم ما ذكرناه، وهو لا يقول به. # وأما ثانيا فهو أن هذه الحالة التي هي الأسودية معلومة بالاستدلال، وكون الجسم أسود ~~معلوم بالضرورة، فيلزم أن تكون الحالة التي هي الأسودية مغايرة لكون الجسم أسود، ~~وهذا فاسد فإن حقيقتهما واحدة، فهذا هو الكلام عليهم في العلة والمعلول. # الفصل الثامن في أن المعدوم ليس بذات في حال عدمه ~~ذهب المحققون من جماهير العلماء إلى أن المعدوم ليس بشيء ولا عين ولا ذات في حال ~~عدمه، ms114 وإنما هو نفي محض، والله تعالى هو الموجد للأشياء والمحصل لذواتها وحقائقها ~~وخصائص صفاتها. # وذهب الشيخان أبو علي وأبو هاشم ومتبعوهما إلى أن المعدوم شيء وأنه ذات متميزة ~~مختصة بالأوصاف الذاتية ويستحق من الأحكام المماثلة والمخالفة. والحق هو الأول ويدل ~~عليه مسالك: ~~الأول لو كانت الجواهر ذواتا في العدم لكانت لا تخلو إما أن يكون كل فرد من إفرادها ~~متميزا عن الآخر أو غير متميز، فإن لم يكن متميزا لزم ألا يبقى فرق بين الواحد والمتعدد، ~~فإنا إنما تحكم على الشيء بأنه واحد وأنه فرد متعين لأجل امتيازه عن غيره ومباينته له ~~بوجه من الوجوه، فلو قدرنا شيئين لا امتياز بينهما بوجه ما بطل الحكم عليهما بالإثنينية ~~والتعدد. فثبت أن الذوات لو كانت ثابتة في العدم لكان كل واحد منها ممتازا عن الآخر ~~بأمر من الأمور، وذلك الأمر لا يخلو إما أن يكون ثبوته لحقيقة الجوهر بطريق الوجوب أو ~~لا على طريق الوجوب، فإن كان الأول فهو ثابت لجميع تلك الأفراد؛ لأن ما تقتضيه PageV00P155 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل واللوحيل ~~حقيقة الشيء يجب ثبوته لكل فرد من أفراد تلك الحقيقة، وحينئذ لا يكون سببا لامتياز ~~بعضها عن بعض، وإن لم يكن ثبوته على طريق الوجوب وجب آن يستدعي مخصصا ~~يخصص كل واحد منها بذلك الأمر، لكنه لا يمكنه أن يخصص كل واحد منها بذلك ~~الوصف دون غيره إلا بعد تميزه عن غيره فلو كان تميزه عن غيره لأجل ذلك الوصف لزم ~~الدور، وهو محال: ~~المسلك الثاني إن الذوات المعدومة من كل جنس من أجناس الموجودات إما أن تكون ~~متناهية أو غير متناهية، والقسمان باطلان، فبطل القول بالذوات المعدومة. # ال وانما قلنا: إنه يمتنع كونها متناهية؛ لأن البارئ تعالى لا يقدر عندهم إلا على إيجاد ~~الذوات الثابتة في العدم، فلو كانت الذوات متناهية في العدد لكانت مقدورات الله تعالى ~~متناهية، ولأن ليس في حصرها في عدد أولى من غيره، فيجب كونها غير متناهية. وإنما قلنا: ~~انه يمتنع كونها غير متناهية؛ لأن الله ms115 تعالى لما خلق العالم والجواهر المعدومة صارت أقل مما ~~كانت، فإن مما يشهد به العقل أنا لو ضممنا جملة من الذوات إلى جملة أخرى لكان حال ~~تلك الجملة مع غيرها ليس كحالها بانفرادها بل لا بد من ظهور التفاوت في زيادتها ~~ونقصانها، وكل ما كان يتطرق إليه الزيادة والنقصان، فهو متناه العدد. # المسلك الثالث إن القول بثبوت الذوات المعدومة يمنع من القول بصحة انعدام ~~الأعراض، فإن البياض إذا كان قائما في المحل فطرأ عليه السواد، فالسواد إما أن يبطل ذات ~~البياض وإما أن يبطل وجوده، والأول باطل عندهم؛ لأن الذات يستحيل بطلانها. والثاني ~~محال أيضا؛ لأن المنافي لوجود البياض إما سوادية السواد أو وجوده، والأول محال؛ لأن ~~سوادية السواد لو كانت منافية لوجود البياض لزم أن تكون منافية لوجود نفسها، فإنه لا ~~تفاوت بين الوجودين، والثاني أيضا محال؛ فإن الوجودين مع قطع النظر عن السوادية ~~والبياضية غير متنافيين بدليل صحة اجتماع الأعراض في المحل الواحد. ولا يقال: إنه لا PageV00P156 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنرحيل ~~منافاة بين صفتي الذاتين ولا بين الوجودين بل المنافاة حكم متفرع على الصفة الحاصلة عن ~~صفة الذات بشرط الوجود. لأنا نقول: وهذا أيضا باطل؛ لأنه إذا كان صدور تلك الصفة ~~عن صفة الذات مشرطا بالوجود كان ارتفاع تلك الصفة موقوفا على ارتفاع الوجود، وقد ~~بينا أنه ليس هناك ما يرفع الوجود، فيجب ألا ترتفع الصفة المقتضاة عن صفة الذات. # المسلك الرابع إن القول بالذوات المعدومة يمنع من كون البارى تعالى موجدا ~~للموجودات، وهذا خطأ، وذلك لأن تأثير قدرة القديم إما أن تكون في الذات أو في ~~الوجود، والأول باطل؛ لأن الذوات عندهم ثابتة في الأزل ممتنعة الزوال لأعيانها، وما كان ~~كذلك استحال وقوعها بالفاعل. والثاني أيضا باطل؛ لأن صفة الوجود عندهم من قبيل ~~الأحوال، والأحوال ليست معلومة ولا مقدورة، فيستحيل إسنادها إلى قدرة الله تعالى. # لا يقال: إنا لا نقول إن قدرة الله تعالى تؤثر في الوجود، وإنما نقول: إنها تؤثر في جعل ~~الذات على صفة ms116 الوجود. لأنا نقول: المفهوم من قولكم أنه يجعلها على صفة الوجود ليس ~~إلا أحد أمور ثلاثة: ~~أحدها نفس الذات. والثاني الوجود. والثالث اتصاف الذات بصفة الوجود. # فأما الذات بانفرادها والوجود على انفراده فقد بينا أنه لا يمكن إسناد واحد منهما إلى ~~المؤثر. وأما اتصاف الذات بالوجود فليس بأمر زائد على معقول المفردين، وأيضا فالوجود ~~إذا لم يكن واقعا بالفاعل وأثرا له وجب أن يكون ثابتا في حال العدم، وهذا محال. # المسلك الخامس نقول: كون الجوهر ثابتا في نفسه هو نفس وجوده فلو كان ثابتا في ~~الأزل لزم أن يكون موجودا في الأزل، وهذا قول بقدم العالم ظاهر فساده. وإنما قلنا: إن ~~كونه ثابتا في نفسه هو نفس وجوده؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكان العلم بوجود الأشياء نظريا ~~لا ضروريا، وهذا دخول في السفسطة. وإنما قلنا: إنه لو لم يكن ثبوته هو نفس وجوده لكان PageV00P157 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~العلم بوجود الأشياء نظريا لا ضروريا؛ فلأنا إذا شاهدنا جسما أو عرضا علمنا بالضرورة ~~وجودهه والذي علمناه بالضرورة هو حصوله وثبوته، فأما الصفة التي يثبتونها ويسمونها ~~الوجود فتصورها مكتسب، والتصديق باتصاف الذات بها آيضا مكتسب، فلو كان وجود ~~الأشياء عبارة عن تلك الصفة لكان العلم بوجود الأشياء متوقفا على اكتساب تصور ~~الوجود وعلى اكتساب التصديق باتصاف الذات بصفة الوجود فيكون العلم بوجود ~~الأشياء نظريا. # لا يقال: إن كان هذا لازما لنا فهو بعينه لازم لكم؛ لأن وجوده الشيء وإن كان على ~~مذهكم عين ذاته ولكن العلم بأن وجود الشيء عين ذاته ليس علما ضروريا بل نظريا. # فقبل تمام ذلك الاستدلال يكون التجويز قائما، فإن لزم من ذلك التجويز السفسطة فهي ~~لازمة لكم، وإن لم تلزم بطل أصل دليلكم؛ لأنا نقول: إنا نريد بالوجود الأمر الذي يضطر ~~اليه عند قولنا: السماء موجودة، والأرض موجودة. وذلك الأمر لا يجوز أن يكون صفة ~~زائدة على تحقق ماهية الشيء وثبوته في الأعيان، وإلا لزم ألا يحصل العلم الضروري ~~ال بوجود السماء والأرض، فحاصل كلامنا ms117 أنا نستدل بالعلم الضروري بوجود السماء ~~والأرض على أن وجودها غير زائدة على حصولها في الأعيان، فاندفع الإشكال. # واحتج أصحاب أبي هاشم لمذهبهم بأمور: ~~أولها قالوا: إن المقدور لا يوجد إلا باتخاذ القادر له واتخاذ القادر له متوقف على تعلق ~~القادرية به دون غيره، وتعلق القادرية به متوقف على تيزه في نفسه، فيجب آن يكون ~~وجوده متوقفا على تميزهه وذلك التميز حاصل قبل وجوده، وهو المطلوب. # وجوابه أنا نقول: متعلق القادر عندكم هو الذات أو الوجود أو الذات على الوجود. # والأول باطل؛ لأن الذات ثابتة لا حاجة بها إلى القادر أصلا، فيستحيل تعلق القادرية بها. PageV00P158 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنرحيل ~~والثاني يبطل مذهبهم، لأن متعلق القادر إذا كان هو الوجود مع أن الوجود غير حاصل ~~بالاتفاق في العدم بطل مذهبهم في أن متعلق القادر لا بد من أن يكون ثابتا، وأيضا فإن جاز ~~تعلق القادرية بالوجود ولا وجود هناك جاز تعلقها بالذات ولا ذات. والثالث أيضا ~~باطل؛ لأنا نقول: ليس في العقل وراء الذات والوجود ومجموعهما وشيء آخر قسم خامس ~~منفصل، فإذا أبطلنا الكل لم يبق لقولكم الذات على الوجود مفهوم محصل يستحق أن ~~نتكلم عليه، فإذا بطل أن يكون متعلق القادرية الذات بانفرادها والوجود بانفراده وأن ~~مجموعهما ليس أمرا زائدا على معقول المفردين والشيء المنفصل عنها فلا ثبوت له بطل ~~قولهم. # ثم ولو سلمنا أن مفهوم الذات على الوجود أمر زائد على مفهوم المفردين لكنا نقول إذا ~~كان متعلق القادر هو الذات على الوجود لزم أن يكون الذات على الوجود حاصلا قبل ~~تعلق القادر حتى تتعلق القادرية، فيلزم أن يكون الذات على الوجود سابقا على تحقق ~~الوجود، وهو غير معقول. # وثانيها أنا إذا أردنا ايجاد الشيء فإرادتنا متعلقة بأمر متميز عن غيره، وإرادة إيجاد الشيء ~~انما تكون قبل وجود ذلك الشيء، فيلزم أن يكون ذلك الشيء متميزا عن غيره قبل وجوده، ~~وذلك يقتضيي كون الذوات ثابتة في العدم. # وجوابه أن متعلق القصد إن كان هو الأمر الثابت في العدم ms118 فهو محال؛ لأنا إنما نقصد إلى ~~تكوين غير ما هو كائن لا إلى تكوين ما هو كائن في الحال، وإن كان متعلق القصد لا يجب ~~أن يكون ثابتا فقد بطل أصل الشبهة، ثم نقول: إنه يكفي في صحة القصد إلى إيجاد الذات ~~ان يعلم القادر حقيقتها وماهيتها ثم يدعوه الداعي إلى إيجادها مطابقة لما علم من حقيقتها ~~ومعقولها من غير آن يشعر بثبوتها في العدم، وأيضا فالقادر عندهم يقصد إلى إيجاد الذات PageV00P159 ~~============================================================ ~~الهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~على صفة الوجود فيجب أن تكون الذات على صفة الوجود حاصلة في العدم حتى يصح ~~منه القصد إلى ذلك. # وثالثها أنا نعلم الأشياء في حال عدمها ونميز بينها وبين غيرها فلولا أن تلك الأمور ~~متميز بعضها عن بعض وإلا لاستحال منا أن نعلم تميزها، وفي ذلك ثبوتها ذواتا وفي حال ~~عدمها. # وجوابه أنه لا يلزم من كون المعدوم معلوما أن يكون ثابتا لوجوه ثلاثة: ~~أما أولا فلأن المحالات معلومة فيلزم أن تكون ثابتة. وإنما قلنا: إنها معلومة؛ لأنا نحكم ~~عليها بكونها متنعة الحصول، والحكم بأمر على أمر يتوقف على تصور حقيقة المحكوم عليه ~~والمحكوم به، فثبت أن المحال معلوم. # لا يقال: العلم بالمحال علم لا معلوم له. وبيانه أنا إذا قلنا مثلا: مثل الله تعالى محال. # فالعلم المتعلق بمثل الله تعالى علم لا معلوم له؛ لأن المعلوم إما أن يكون موجودا أو ~~معدوما، ومحال أن يكون ها هنا موجودا لأنا حكمنا عليه بأنه محال، والمحال لا يكون ~~موجودا، ومحال أن يكون معدوما؛ لأن المعدوم الصرف لا يكون مثلا لله تعالى؛ لأنه ~~موجود، وكلامنا ها هنا في إثبات مثل له، ولما ثبت أن كل معلوم فهو إما معدوم أو ~~موجود، وثبت أن مثل الله تعالى لا يمكن أن يكون معدوما ولا أن يكون موجودا، ثبت أن ~~مثل الله تعالى غير معلوم؛ لأنا نقول: القول بإثبات علم لا معلوم له باطل. لوجهين: ~~أما أولا فلأن العلم تعلق مخصوص، وحقيقته أنه أمر إضافي، والإضافة لا بد ms119 لها من ~~مضاف، وذلك المضياف إليه هو المعلوم فإثبات علم من غير أن يتقرر في مقابلته معلوم ~~محال، وهكذا القول في جميع الأمور الإضافية. PageV00P160 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~وأما ثانيا فهب أنا سلمنا لهم ثبوت علم لا معلوم له، فالمقصود من المسألة حاصل؛ لأن ~~حاصل كلامهم في إثبات المعدوم ذاتا في حال عدمه أنه معلوم، ونحن نقول: إن علمنا ~~بالمعدومات الممكنة مثل علمنا بالأمور المحالة، ونجد من أنفسنا أنهما مثلان في كونهما ~~معلومين على سواء ألاترى أن الواحد منا إذا قال: لله تعالى مثل، أو جمع الضدين حاصل. # فإنا نتصور من هذه الألفاظ أمورا معقولة ونميز بينها وبين غيرها، ولولا ذلك التميز لما ~~أمكنا أن نحكم عليها بالاستحالة وامتناع الوجود، كما إذا قال: السواد والطعم والجوهر. # فإنا نعقل عند سماع هذه الألفاظ أمورا ونميز بينها وبين غيرها ونحكم عليها بأنها ممكنة، ~~فان كان مرادهم بكون المعدوم معلوما هذا القدر الحاصل في المحالات بطل قوهم إن ~~المعدوم ذات، كما أن الأمور المحالة ليست بذوات. وإن كان مرادهم بكونه معلوما أموا ~~وراء ما ذكرنا وهو كونه ذاتا فلا بد لهم من إقامة الدلالة على كون المعدوم معلوما بهذا ~~المعنى، وفيه وقع النزاع وهو أول المسألة. # الوجه الثاني أنا قد نتخيل زيدا ونتصوره بعد تفرق أجزاءه على الحالة التي كان عليها ~~موجودا في حال حياته مع أن زيدا غير ثابت في العدم بشكله وتخطيطه بل الثابت في العدم ~~أجزاء مفردة. # ال وليس كلامنا فيها بل في تصور زيد على شكله المخصوص، مع أن ذلك ليس له ثبوت ~~في العدم، فكذلك الذوات المعدومة نتصورها وليس لها ثبوت في العدم. # الوجه الثالث أنا نعقل وجود الشيء حال عدمه مع أن الوجود غير ثابت في العدم. # فثبت بهذه الوجوه أنه لا يلزم من كون المعدوم معلوما متميزا عن غيره في كونه معلوما ~~كونه ثابتا في حال عدمه. PageV00P161 # ============================================================ ~~الشهيل شح معالمر العدل والتوحيل ~~ورابعها أن المحال متميز عن الممكن في أن المحال لا يصح أن يكون ms120 مقدورا، والممكن ~~يصح أن يكون مقدورا، وهذا التميز حاصل في نفس الأمر لا بحسب الفرض والاعتبار، ~~فلا بد من أمر متصف بالتميز وبالإمكان، وفي ذلك ثبوت الذات في حالة العدم. # وجوابه أنا نقول: إن كان وجه الاستدلال على كون المعدوم ذاتا هو مجرد تميز الممكن ~~عن المحال فالمحال أيضا متميز عن الممكن، فيلزم أن يكون المحال ثابتا، وإن كان وجه ~~الاستدلال أن الإمكان أمر إضافي فيلزم إسناده إلى غيره لزم أن يكون الجسم المركب ثابتا في ~~العدم؛ لأنا نحكم عليه بأنه يمكن وجوده، وبديهة العقل حاكمة بأن الشخص المركب لا ~~يكون ثابتا في حالة العدم على شكله وتركيبه. # وخامسها آن كل محدث فإنه مسبوق بامكان وجوده، وذلك الامكان غير عائد إلى ~~القادر؛ لأن القادر لا يمكنه التأثير إلا في الممكن ولا يمكنه التأثير في المحال، فلولا امتياز ~~الممكن عن المحال في نفسه بكونه بحيث يصلح أن يفعله القادر وإلا لم يكن اقتداره عليه ~~أولى من اقتداره على المحال، فثبت أنه لا بد من إمكان عائد إلى المقدور، وهذا الإمكان لا ~~يجوز أن يكون عدما محضاب لأن العدم لا تخصص له ولا امتياز، والإمكان وصف ثبوتي ولا ~~شك أنه يستدعي ذاتا تكون موصوفة به، فإما أن تكون هي ذات ذلك المحدث أو غيرها، ~~وباطل أن تكون غير ذات المحدث؛ لأن إمكان الشيء لازم من لوازم ماهيته ونعت من ~~نعوت ذاته، ولازم الشيء ووصفه لا يمكن حصوله في غيره، فيجب أن يكون المحدث ~~ذاتا ليصح وصفها بالإمكان. # وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فإذا لزم من وصف الممكن بالإمكان أن يكون ذاتا ثابتة في العدم لزم من ~~وصف الممتنع بالامتناع أن يكون الممتنع ثابتا، فيلزم أن تكون المحالات ثابتة، وهو باطل. PageV00P162 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~وأما ثانيا فهو أن الموصوف بالصحة إنما هو الوجود، والوجود غير ثابت في العدم، لا ~~يقال: الصحة وإن كانت للوجود إلا أنه لا بد من استنادها إلى الذات الثابتة في العدم. لأنا ~~نقول: إذا كان الموصوف بالصحة ms121 هو الوجود مع أن الوجود غير ثابت في العدم فقد بطل ~~قولكم إن الموصوف بالصحة يجب أن يكون ثابتا. # وسادسها أن المعلوم بالضرورة أن المعدوم متميز عن الموجود تميزا حقيقيا لا تميزا فرديا، ~~والمتميز عن الغير لا بد وأن يكون له تعين في نفسه حتى يصح أن يكون متميزا عن ذلك ~~الغير، وذلك يقتضيي كون المعدوم ثابتا. # وجوابه أن المعدوم كما هو متميز عن الموجود فالعدم أيضا متميز عن الوجود، فيلزم أن ~~يكون العدم وصفا ثابتا، وهذا محال؛ لأن العدم نفي محض، وأيضا فالمركب متميز عن ~~المفرد، والمركب لا يلزم أن يكون ثابتا على حد تركيبه، فكذلك المعدوم لا يلزم من تميزه عن ~~الموجود أن يكون ثابتا. # وسابعها أن التحيز صفة تقتضيها صفة الذات الحاصلة في العدم فلا بد من إثبات ~~الذات الحاصلة بالصفة الذاتية في العدم. وإنما قلنا ذلك لأن تحيز الجوهر متجدد عند ~~وجوده، فإما أن يتحيز لذاته أو لصفة ذاته أو لوجوده أو لحدوثه أو لوجود معنى أو لعدم ~~معنى أو للفاعل، والأقسام كلها باطلة إلا قولنا المقتضى له هو الجوهرية بشرط الوجود. # قالوا: وإنما لم نجز أن يكون تحيزه لوجوده أو لحدوثه؛ لأنه يلزم أن يكون كل موجود أو ~~حادث متحيز، وإنما لم نجز أن يكون لوجود معنى؛ لأن ذلك المعنى لا يكون مختصا به إلا ~~إذا كان متحيزا، فلو وقف تحيزه على وجود ذلك المعنى فيه لزم الدور، وهو محال. وإنما لم ~~نجز أن يكون لعدم معنى؛ لأن العدم لا اختصاص له بشيء دون شيء. وإنما لم نجز أن ~~يكون بالفاعل؛ لأنه لو كان كذلك لتأتى من الفاعل أن يجعل الذات الواحدة حركة سوادا PageV00P163 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~ثم لو طرا بياض ليس بسكون آن يضادها من وجه دون وجه، فتكون معدومة موجودة، ~~وهذا محال، فثبت أن التحيز يستفاد من صفة الذات، وصفة الذات لا بد وأن تكون ثابتة ~~قبل الوجود حتى تكون مفضية للتحيز عند الوجود، وذلك يوجب كون الذات ثابتة قبل ~~الحدوث: ms122 ~~فهذه خلاصة كلامهم في أن صفة الأجناس لا تكون بالفاعل، وفيه تقرير كون المعدوم ~~وجوابه من وجوه. # أما أولا فهذا بناء منكم على أن الوجود والتحيز صفتان زائدتان على الذات، وهو ~~باطل؛ لأن الوجود والتحيز لو كانا وصفين زائدين على ذات الجوهر لصح أن يعقل الجوهر ~~موجودا محصلا في الأعيان من غير أن يكون متحيزا وأن يكون متحيزا من غير أن يكون ~~موجودا، فلما علمنا استحالة ذلك عرفنا أن وجود الجوهر وتحيزه هو نفس ذاته وحقيقته. # وأما ثانيا فهب أنا سلمنا لكم أنهما وصفان زائدان على ذات الجوهر فلم لا يجوز أن ~~نقول: حصل هذا التحيز بعد أن لم يكن لا لأمر كما في صور من مذهبكم، منها أن صحة ~~حدوث العرض الذي لا يبقى مختصة بزمان دون ما قبله وبعده لا لأمر. ومنها صحة ~~حلول العرض المعين مختصة بمحل دون سائر المحال لا لأمر. ومنها أن الذوات مشتركة في ~~كونها ذواتا مع اختصاص كل واحدة منها بصفة ذاتية مستحيلة على سائر الذوات لا لأمر، ~~فإذا عقل في هذه الصور أن يترجح أحد الحيزين على الآخر لا لمرجح وأن تحصل هذه ~~الآثار لا لأمر فلم لا يجوز ذلك في التحيز أن يحصل لا لأمر. # وأما ثالثا فتسلم أنه مما يصح تعليله فلم لا يجوز أن يكون معللا بنفس الذات عند كونها ~~موجودة ؟ لا يقال: لو كان معللا بنفس الذات لزم استواء الذوات في هذه الصفة؛ لأنا PageV00P164 ~~============================================================ ~~السهيل شح معالمر العدل والتوحيل ~~نقول: هذا باطل على مذهبكم بأمور: منها أن الله تعالى قادر على مثل مقدور العبد، ولا ~~يجب أن يكون قادرا على عين مقدوره. ومنها أن الحركة تحل هذا المحل ومثلها لا يجوز ~~وجوده في محلها إذا كانت تحل في محل آخر. ومنها أن المقدور المعين يوجد في هذا الوقت لا ~~يوجد مثله في ذلك الوقت. فإذا لا يلزم من الاستواء في الحقيقة الاستواء في جميع أحكامها، ~~فهلا جاز تعليل التحيز بمجرد الذات ولا يلزم حصوله في سائر الذوات. # وأما ms123 رابعا فلو سلمنا أنه لا يجوز تعليله بنفس الذات فلم لا يجوز أن يكون معللا ~~بالفاعل. ولا يمكن أن يقال: لو كان المقتضي لصفة التحيز هو الفاعل لصح منه أن يجعل ~~الحركة سوادا؛ لأنا نقول: هذا باطل لوجوه: ~~أحدها أن صفة الجنس في السواد واقفة على صفة اللونية فلا يلزم من حصولها للسواد ~~حصوها للحركة، إذ اللونية غير حاصلة للحركة، ألا ترى أن كونه حيزا وإن كان أثرا ~~للفاعل لا يلزم أن يجعل الحركة حيزا لما كان كونه حيزا واقفا على صفة الكلامية، وليست ~~ذات الحركة عليها، فإذن لا يلزم أن يجعل الحركة سوادا. # وثانيها أن نقول: إن المحال إنما يلزم من اجتماع الصفتين لا من حيث أن كل واحد منهما ~~متعلق بالفاعل، وإذالزم المحال كان محالا، والفاعل لا يقدر على المحال. # وثالثها هو أنا لو سلمنا أن الفاعل يصح منه أن يجعل الحركة سوادا فما يمنع من ذلك. # قالوا: لو طرا بياض غير سكون أن يضادها من وجه دون وجه. قلنا: هذا باطل. لأمرين: ~~أما أولا فلم لا يجوز أن يقال: إنه ينتفي بالكلية؛ لأن صفة الوجود واحدة، وكذلك لأن ~~الشيء الواحد إذا كان سوادا حركة معا ثم طرا بياض ليس بسكون فالبياض يعدمه من ~~حيث أنه سواد وهو ضده، والسوادية كما هي محتاجة إلى الوجود فكونه حركة أيضا مفتقر PageV00P165 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~إلى الوجود، فحينئذ كما يلزم انتفاؤه لكونه سوادا يلزم انتفاؤه لكونه حركة؛ لأن الشيء كما ~~يتفي لطروء ضده، فقد ينتفي لفقد ما يحتاج إليه. # وأما ثانيا فهب أنا سلمنا آنه ينتفي من حيث آنه سواد ولا ينتفي من حيث آنه حركة فلم ~~قلتم إن هذا محال ؟ قالوا: لأنه لا يخرج عن الصفة المقتضاة عن صفة الذات إلا إذا خرج ~~عن الوجود، ولا يبقى على صفة الحركة إلا إذا استمر ذلك الوجود، فلو زالت إحدى ~~الصفتين دون الأخرى لزم أن يكون الوجود مستمرا غير مستمر، فيكون حاصلا غير ~~حاصل، وإنه محال. قلنا: فهذا ينبني على ms124 آن ها هنا صفة مقتضاة عن الذات وأنها مشروطة ~~بالوجود، وفيه وقع النزاع، وهو المطلوب من أول المسألة فكيف يمكن تصحيحها به. # واذ وفقنا الله تعالى وألهمنا حتى رددنا على من خالفنا من أهل القبلة وغيرهم فلنشرع ~~الآن في إقامة البرهان على أوصافه تعالى وما يصح عليه وما يستحيل. # الباب الرابع في الصفات ~~وهو مشتمل على قسمين: ~~القسم الأول في صفات الذات ~~القول في كونه تعالى قادرا ~~وفيه ثلاث مسائل: ~~المسألة الأولى في إقامة البرهان على أنه تعالى قادر. # ال ونعني بالقادرية أنه الذي لا يمتنع عليه أن يؤثر وأن لا يؤثر بحسب الاختيار والداعية. # والدليل على إثبات القادرية له تعالى أن إسناد العالم إلى مؤثر موجب يفضي إلى أقسام PageV00P166 ~~============================================================ ~~الشهيل شح معالم العدل والنوحيل ~~فاسدة، فيجب أن يكون القول به فاسدا، وإنما قلنا: إنه يؤدي إلى أقسام فاسدة؛ لأن ذلك ~~الموجب لا يخلو إما أن يكون قديما أو حادثا، وباطل أن يكون حادثا لافتقاره إلى محدث ~~ومحدثه إلى محدث إلى غير غاية، فتكون حوادث لا أول لها، وقد مر بطلانه. وباطل أن يكون ~~قديما؛ لأن صدور العالم منه إما أن يكون موقوفا على شرط أو لا، وباطل أن يكون موقوفا ~~على شرط؛ لأن ذلك إما أن يكون قديما أو حادثا، فإن كان قديما لزم من قدمه وقدم ~~الموجب قدم العالم؛ لأن المعلول أبدا مع علته. وإن كان محدثا فله محدث، والكلام في محدثه ~~كالكلام فيه مسلسل إلى غير غاية، وهو محال. وباطل أن يكون صدور العالم من جهته لا ~~بشرط؛ لأن ذلك الموجب إما أن يكون مقارنا لتجدد أثره أو سابقا عليه، وباطل أن يكون ~~مقارنا لأثره؛ لأنه يلزم من قدم المؤثر قدم الأثر، وباطل أن يكون سابقا عليه؛ لأن المعلول ~~لا يتراخى عن علته، فثبت أن إسناد العالم إلى الموجب يفضي إلى أقسام باطلة، فيجب أن ~~يكون باطلا، ووجب إضافته إلى القادر المختار، وهو المقصود. # لا يقال: لو كان تعالى قادرا لكان له تعلق بمقدوره حتى يمكنه إيجاد ms125 ذلك المقدور ~~وهذا التعلق هو من الأمور الإضافية متوسطا في تحققه بين القادر والمقدور، ومعلوم أن ~~الأمور الاضافية يتوقف حصولها وثبوتها على وجود كل واحد من المضياف إليهما، وهما ها ~~هنا القادر والمقدور، فيلزم أن يتوقف تعلق القادر بالمقدور على وجود المقدور في نفسه، ~~فإذن تعلق القادر بالمقدور متوقف على وجود المقدور، فلو استفدنا وجود المقدور من تعلق ~~القادرية لزم الدور، وهو محال: ~~اال وجوابه أنا نسلم أن القادر لا بد له من تعلق، وذلك التعلق لا شك أنه أمر إضافي، ~~قوله: يلزم أن يكون متوقفا على وجود المقدور. قلنا: هذا باطل، لأمرين: ~~أاما أولا فتحن تعلم بالضرورة صحة علمنا بالمعدومات وصحة اقتدارنا عليها، فعلمنا ~~ان هذا التعلق لا يتوقف على وجود المتعلق. PageV00P167 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~وأما ثانيا فهو أن حقيقة تعلق القادر بالمقدور ليس إلا أنه لا يستحيل منه إيجاده عند ~~تحقق داعيته، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا عند عدم المقدور دون وجوده؛ لأن تحصيل الحاصل ~~محال. لا يقال: لو كان تعالى قادا لكان إذا وجد الفعل منه فإما أن تبقى قادريته على ايجاد ~~ذلك الفعل أو لا تبقى، والقسمان باطلان، فيبطل القول بكونه تعالى قادرا. وإنما قلنا ~~باستحالة بقائها؛ لأن الفعل إذا صار موجودا بطلت قدرة القادر عليه؛ لأن تعلق القادر ~~مشروط بعدمه، وبعد وجوده قد زال عدمه، فبطل تعلقه به. وإنما قلنا باستحالة كونها غير ~~باقية؛ فلأن قادرية الله تعالى على إيجاد ذلك الفعل ثابتة في الأزل إلى الآن؛ لأنها لو لم تكن ~~ثابتة في الأزل كانت متجددة، وهو باطل بالاتفاق، فإذا وجد ذلك الفعل فلو لم يبق تعلق ~~قدرة الله تعالى بذلك الفعل كان ذلك زوالا للتعلق الثابت في الأزل، فيكون عدما للقديم، ~~وهذا محال. # وجوابه أن القادرية أمر ثبوتي وهي باقية ومستمرة بعد وجود الفعل وثابتة أزلا وأبدا كما ~~سنقرره بعد، وأما تعلقها فهو من الأمور الإضافية، وثبوته مشروط بعدم الفعل، وبعد ~~وجود الفعل لا يبقى، وليس في زواله زوال القادرية، فثبت أنه ms126 تعالى قادر. # المسألة الثانية في مفهوم القادرية ~~اعلم أنا قد أوضحنا أنه تعالى قادر. فأما مفهوم قادريته تعالى فمختلف فيه، فعند الشيخ ~~اباي الحسين ومن تابعه من نفاة الأحوال أن القادرية في حقه ليس إلا أنه ذات متميزة عن ~~غيرها بحيث يصح منه الفعل عند الداعية من غير أمر زائد على ذلك، وأن القادرية في حق ~~الواحد منا إنما هي بنية مخصوصة من رطوبة ويبوسة وحرارة وبرودة وحصافة وأعصاب ~~صحيحة، وذهب الشيخ أبو هاشم وأصحابه إلى أن القادرية في حقه تعالى حالة لمكانها ~~يصح منه الفعل، وأنه يستحقها لذاته المخصوصة، وأن الواحد منا إنما يصح منه الفعل لمثل PageV00P168 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنرحيل ~~هذه الحالة، ولا فرق في ثبوت مطلق القادرية شاهدا وغائبا خلا أنها في حقه تعالى ثابتة ~~لذاته وفي حقنا لمعنى. # واعتمد الشيخ أبو الحسين وأصحابه في بطلان هذه الحالة في حقه تعالى أنه لا طريق لهم ~~إلى هذه الحالة، وأن صحة الفعل معللة بذاته من غير حاجة إلى حالة بكونه قادرا، وأما ~~ثبوتها في الشاهد فقد مر الكلام عليهم في العلة والمعلول. # المسألة الثالثة في أحكام القادرية ~~ال وهي ثلاثة: أولها أنها ثابتة فيما لا أول له؛ لأنها إما أن تكون عين ذاته، فذاته ثابتة فيما لا ~~أول له، وإن كانت أمرا زائدا على ذاته فهي من مقتضى ذاته، فيجب ثبوتها فيما لا أول له. # وثانيها أن تعلق القادرية يتعلق ويزول، وهذا فإن الله تعالى قادر في الأزل على إيجاد ~~الأجسام، فإذا أوجدها استحال أن يبقى قادرا عليها على معنى آنه لا يصح منه إيجادها ~~وهي موجودة الآن؛ لأن إيجاد الموجود محال. فقد انقطع ذلك التعلق وبطل. # وثالثها أنه تعالى قادر على كل الممكنات، وأن مقدوراته غير متناهية. وإنما قلنا: إنه تعالى ~~قادر على كل الممكنات؛ لأن علة كون الشيء مقدورا هو الإمكان، وهو أمر عام في كل ~~الممكنات فإذا تقرر استوائها في صفة الامكان وهو علة المقدورية، فحينئذ تكون نسبة ~~قدرة الله تعالى إلى بعضها كنسبتها ms127 إلى الكل، إذ لا نجد في العقل مخصصا لقدرة الله تعالى ~~بامر دون أمر، لا لما يرجع إليها ولا لما يرجع إلى نفس المقدور، فيجب بالضرورة شمول ~~قادريته لكل الممكنات. # لا يقال: نحن لا نسلم اشتراك الممكنات في صحة المقدورية لله تعالى؛ وذلك لأن ~~الصحة العائدة إلى المقدور مغايرة للصحة العائدة إلى القادر، بدليل أن القادر يصح منه فعل PageV00P169 ~~============================================================ ~~السهيد شرح معالم العدل والنوحيل ~~الممكن دون المحال، فلولا امتياز الممكن عن المحال بحكم عائد إليه وإلا لم يكن صدور ~~الممكن عنه أولى من صدور المحال، وإذا ثبت تغاير الصحتين فمن المحتمل أن تكون ~~الصحة العائدة إلى المقدور مشتركة بين كل الممكنات، ولكن الصحة العائدة إلى القادر لا ~~تكون ثابتة لقدرة الله تعالى بالنسبة إلى الكل، كما أن العلم الحادث يقتضي التعلق بمعلوم ~~دون معلوم، وإن كانت المعلومات كلها مشتركة في صحة المعلومية؛ لأنا نقول: قد قررنا أن ~~الممكنات مشتركة، وصحة كونها مقدورة لله تعالى وأن نسبتها إلى قدرته بأسرها واحدة، ~~فلم يختص بعضها دون بعض، فيجب استواؤها في صحة الاضافة إلى قدرته. # فأما قوله: إن المعلومات بأسرها مشتركة في صحة كونها معلومة لنا، ثم لم يلزم من تعلق ~~العلم الحادث ببعضها تعلقه بكلها. فجوابه أن الفرق ظاهر؛ لأن المعلوم الذي تعلق به ~~العلم الحادث لم يدل دليل على أنه إنما صح كونه متعلقا لذلك العلم الحادث لأجل وصف ~~مشترك بينه وبين كل المعلومات، بل نقول: إنما صح تعلق ذلك العلم به فقط لأمر يرجع ~~الى العلم نفسه، فلا يلزم من صحة تعلق ذلك العلم بذلك المعلوم صحة تعلقه بغيره، ~~بخلاف مسألتنا، فإنا قد دللنا على أن ما لأجله صح أن يكون المقدور متعلقا بقدرة الله تعالى ~~مشترك بين سائر المقدورات وهو الإمكان، فظهر الفرق. # واعلم أن الفرق الخارجة عن الاسلام كالفلاسفة والثنوية والصابئة والمجوس ~~والنصارى كلهم ينكرون كون البارى تعالى قادرا على كل الممكنات، وأما المسلمون فأكثر ~~المعتزلة ينكرون أيضا أن يكون الله قادرا على عين مقدور العبد، وإنما يقدر ms128 على مثله، ~~ويقولون: إن قدرته على عين مقدور العبد محال، فلا تتعلق قدرته. وقد مر الكلام عليهم في ~~وأما الدلالة على أن مقدوراته غير متناهية فهو أنه تعالى قادر لذاته، فلا وجه يخصص ~~ذاته بعدد دون عدد فيجب آن يكون قادرا على ما لا غاية له ولا حصر، ويفارق ذلك PageV00P170 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيد ~~القادر منا، فإنا إنما نقدر بقدرة هي البنية المخصوصة وهي آلة في حصول الأفعال، وعلى ~~حسب قوتها وصلابتها وحصافتها يقع التفاضل بين القادرين، والله تعالى يستحيل عليه ~~ذلك فأفعاله تقف على ذاته المخصوصة عند الداعية فلا يختص بعدد منحصر: ~~وأما أصحاب أبي هاشم فقالوا: إن الذي يحصر المقدورات في الجنس والعدد إنما هو ~~القدرة، والقدرة أمر زائد على البنية معنى يوجب القادرية، والله تعالى قادر لذاته، فلا جرم ~~لم تنحصر مقدوراته في الجنس ولا في العدد. لا يقال: إذا كان لا يصح وجود ما لا نهاية له ~~فكيف يوصف بأنه تعالى قادر عليه؛ لأنا نقول: إن معنى وصفنا له بأنه قادر على ما لا نهاية ~~له أنه ما من قدرة من المقدورات إلا ويقدر عليه وعلى أضعافه وأنه لا ينتهي التقدير إلى قدر ~~إلا ويقدر على أزيد منه، وإن كان متى وجد فهو متناهه ولسنا نريد آنه يوجد ما لا نهاية له، ~~كما أنا إذا قلنا: إنه تعالى قادر على الضدين، فإنا لا نريد أنه قادر على أن يجمع بينهما، وإنما ~~يقدر على ايجاد كل واحد منهما على الانفراد. # القول في كونه تعالى عالما ~~وفيه ثلاث مسائل: ~~المسألة الأولى في إقامة الدلالة على أنه تعالى عالم. # ولنا فيه مسلكان: ~~الأول أنه تعالى فعل أفعالا محكمة، وكل من كان كذلك فهو عالم. # أاما أنه تعالى فعل أفعالا محكمة فهو ظاهر، لا سيما عند تأمل ما في أعضاء الحيوان من ~~المنافع العظيمة والاتقان العجيب، وكذلك ما في خلق السموات والأرض من العجائب ~~ال وبدائع الحكمة. وأما إن من كان كذلك فهو عالم، فالعلماء قد ادعوا الضرورة في ms129 هذا، PageV00P171 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وقالوا: إن من رأى خطا منظوما على الإتقان فإنه يضطر إلى أن ذلك الكاتب عالما، مع أنه ~~لا نسبة لما في ذلك الخط من الإحكام إلى أقل شيء من أفعال الله تعالى، فإذا كان هناك ~~ضروريا فهاهنا أولى. # المسلك الثاني في بيان أنه تعالى عالم، وذلك أن نقول: قد دللنا على أنه تعالى قادر، والقادر ~~هو الذي يفعل فعله مطابقا لداعيته وقصده إلى إيجاده، وذلك الايجاد لا يتأتى إلا بعد تصور ~~تلك الحقائق قبل إيجادها، فلا بد أن يكون القديم تعالى متصورا لحقائق الأشياء قبل ~~ايجادها، ثم التصور لا يعقل أن يكون جهلا ولا ظناب لأن اعتقاد الجهل إنما يكون إذا كان ~~الحكم غير مطابق، والظن أيضا إنما يكون حيث يجوز أن يكون الحكم وألا يكون، ~~ال والتصور ليس فيه حكم أصلا، وإنما هو علم بالحقيقة من حيث هي هي، فيستحيل أن ~~يكون جهلا أو ظنا، فإذا ثبت أنه تعالى عالم بحقائق الأشياء على سبيل التصور فتلك ~~الحقائق لذواتها وحقائقها تقتضي أن لها لوازم، وتصور حقيقة اللازم وتصور حقيقة الملزوم ~~يقتضيان لذاتهما التصديق بثبوت أحدهما للآخر، فلا بد أن يكون ذلك التصديق حاصلا في ~~حق الله تعالى، فثبت أنه تعالى عالم بالأشياء تصورا وتصديقا، وهو المطلوب. # وتمام تقرير الدليل بذكر ما يرد عليه من الأسئلة والانفصال عنها وهي ثلاثة: ~~السؤال الأول ما المقصود بالإحكام لننظر في أفعاله تعالى هل هي محكمة أم لا؛ فإن ~~الإحكام قديراد به وجهان: ~~أحدهما إيقاع الفعل مطابقا لما حسبت عليه المواضعة، فكما أن الناس لما اتفقوا على إيجاد ~~أحرف مخصوصة أدلة على الكلام، فكل من أتى بتلك الأحرف مطابقا لما تواضعوا عليه ~~كان محكما لأفعاله وعالما بها. PageV00P172 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وثانيهما إيقاع الفعل مطابقا للمنفعة. فإذا تقرر ذلك فنقول: إن فسرتم إحكام أفعال الله ~~تعالى بالوجه الأول امتنع الاستدلال به على العالمية؛ لأن الإحكام بذلك المعنى لا يتحقق ~~الا بعد المواضعة، وأفعال الله تعالى مبتدأة ليست مسبوقة ms130 بمواضعة، فلا تكون محكمة بهذا ~~التفسير، وإن فسرتم الإحكام بالمعنى الثاني وهو المطابقة للمنفعة فهو باطل أيضا؛ لأنا نعلم ~~أنه لا يصدر أثر عن مؤثر إلا ويمكن أن ينتفع به منتفع ما باعتبار ما، سواء كان ذلك الفعل ~~صادرا عن العالم أو عن الجاهل، أو كان صادرا عن موجب مثل الإحراق الصادر عن النار ~~والتبريد الحاصل عن الماء، فيبطل أن يكون الإحكام بهذين الوجهين دليلا على العالمية. # ال وجوابه إن كلا الوجهين حاصل في أفعال الله تعالى، فإن في خلق الإنسان وسائر ~~الحيوانات وأجرام الكواكب وأشكالها وأصناف النبات وأنواع الأحجار من التركيب ~~العجيب والتأليف البديع والنظارة المعجبة ما تحار فيه الأفهام وتدهش العقول، وكذلك ~~أيضا ما في خلق الإنسان وتصريف الليل والنهار وجري الكواكب وسيرها من المطابقة ~~لمنافع الخلق والجري على حسب مصالحهم ما لا يحيط بوصفه إلا الله تعالى، فإذا كان البناء ~~والكتابة يدلان على علم فاعلهما وإحكامه لمكان ما فيهما من التأليف ومطابقة المنفعة، ~~فأفعاله تعالى تزيد في الإحكام والمطابقة للمنفعة علمي صناعة البناء والكتابة. # وقد علمنا أن البناء والكتابة يتعذران على من ليس بعالم، فمتى ثبت إحكام أفعاله بهذين ~~الوجهين أو بأحدهما وجب أن يكون عالما. قوله: الفعل إنما يكون محكما إذا تقدمته ~~مواضعة. قلنا: إن مطابقة المواضعة السابقة كما تدل على علم فاعلها، فالأفعال الابتدائية ~~المرتبة المحكمة هي أدل على إحكام فاعلها وعلمه، ألا ترى أن المبتدئ بنساجة ثوب من ~~ديباج لم تسبقه مواضعة يكون أعرب وأدل على علمه من نساجة من سبق بالمواضعة، ~~وأيضا فالمحتذي لا بد وأن يكون عالما بالمواضعة وكيفيتها ليكون متمكنا من إيجاد مثلها. # قوله: في مطابقة المنفعة لا يمكن صدور أثر عن مؤثر إلا وينتفع به بوجه ما. قلنا: الغرض PageV00P173 ~~============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~بالإحكام بهذا المعنى إيجاد الفعل مطابقا للمنفعة المطلوبة، كما يطلب من السكين القطع ~~ومن القلم الكتابة، فمن أوجدهما بهذه الصفة كان محكما لهما وكانا محكمين، وعلى الجملة ~~فالاحكام ضروري يدريه العقلاء. # السؤال الثاني هب أنا سلمنا ms131 لكم أن أفعاله محكمة بالوجهين كلاهما، فلم قلتم: إن المؤثر ~~فيها لا بد أن يكون له بها شعور فضلا عن أن يكون عالما بها، وأما دعوى الضرورة فباطل؛ ~~لأن جمهور الفلاسفة والأطباء اتفقوا على إسناد عجائب خلقة الإنسان وترتيبها إلى أمور ~~جمية سموها بالقوة المصورة، ولو كان فساد ذلك معلوما بالضرورة لامتنع اتفاقهم ~~عليه، فيبطل دعوى الضرورة. # ال وجوابه أن كل عاقل إذا رأى خطا مستقيما فإنه يضطر إلى أن المؤثر فيه كان ذا شعورية ~~وفطانة وهذا أصدره على قانون مرتب. قوله: الفلاسفة أسندوا عجائب خلقة الإنسان إلى ~~القوة المصورة. # قلنا: إنكار الضرورة على الجمع القليل جائز، والغلط ممكن، وهذا فإن أكثر أفاضل ~~الأطباء اتفقوا على دلالة ذلك على حكمة الصانع، ونقل العلماء عن جماهيرهم وأكابرهم أن ~~ذلك دليل على حكمة الصانع وعلمه. # السؤال الثالث أنا لو سلمنا لكم أنه لا بد أن يكون لموجد الأفعال المحكمة شعور بها ~~فلم قلتم إنه لا بد أن يكون عالما بها، ولم لا يجوز أن يكون ظانا، فإن الفعل المحكم كما ~~يصدر عن العالم فقد يصدر عن الظان. # وجوابه أنا نعلم بالضرورة أن الظان لا يمكنه إيجاد الأفعال الكثيرة على وجه الإحكام؛ ~~لأن الظان قد يخطى وقد يصيب، فليست أفعاله تكون دائمة الإحكام. وأما أفعال الله تعالى ~~فهي محكمة على الدوام، وأيضا فإن الظان لا بد وأن يكون عالما بحقيقة الأمارة، وفي ذلك PageV00P174 ~~============================================================ ~~السهي شح معالمر العدل والتوحيل ~~حصول غرضنا من كون الموجد لا بد وأن يكون عالما، فظهر بما ذكرنا أنه لا يجوز عليه ~~الظن وأنه لمكان علمه أحكم العالم. # المسألة الثالثة في مفهوم العالمية ~~اختلف المسلمون في مفهوم العالمية في حقه تعالى مع اتفاقهم على أنها أمر زائد على ذاته، ~~ثم إما أن يكون مجرد إضافة أو صفة مع إضافة، فالأول مذهب أي الحسين، والثاني مذهب ~~أبي هاشم وأصحابه. # واعتمد الشيخ أبو الحسين في بطلان هذه الحالة على زعمهم على أنه لا طريق إلى أمر ~~زائد على نفس هذه الإضافة وأن ms132 معنى كونه عالما هو حصول هذا التعلق بين العالم والمعلوم ~~شاهدا وغائبا، إلا أن هذا التعلق معلل بالذات في الغائب وهو في الشاهد معلل ببنية القلب ~~المخصوصة. # ومعتمد أصحاب أبي هاشم في إثبات هذه الحالة له تعالى الرد إلى الشاهد، وقد مضى ~~الكلام عليهم فلا نعيده. # وأما الفلاسفة فقد أنكروا أن يكون علمه تعالى أمرا زائدا على ذاته ورجعوا به إلى مجرد ~~الذات فقط، ويدل على بطلان مقالتهم أمران: ~~أحدهما أنه تعالى إذا علم أمرا فعلمه بذلك الأمر إما أن يكون هو عين ذاته أو لا يكون، ~~وباطل أن يكون عين ذاته، وإلا لكان إثبات ذاته مع نفي كونه عالما جاريا مجرى إثبات ذاته ~~مع نفي ذاته ولكان الدليل على إثبات ذاته هو بعينه دليل على إثبات عالميته، وذلك باطل. PageV00P175 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~ال وثانيهما أن كونه عالما أمر إضافي متوسط بين العالم والمعلوم، والأمور الإضافية تابعة في ~~الوجود والذهن للغير، وذاته تعالى غير تابعة لغيرها، فلو جعلنا علمه هو عين ذاته لزم أن ~~تكون ذاته تابعة لنفسها، فعلمنا أن علمه زائد على ذاته. # لا يقال: لو كان علمه هو زائد على ذاته لكان لا يخلو إما أن يكون من صفات الكمال أو ~~لا، فإن كان من صفات الكمال لزم ألا تكون ذات الله تعالى من حيث هي هي كاملة ~~لاحتياجها في ذلك الكمال إلى ذلك العلم الزائد على ذاته، وهو باطل، وإن لم يكن من ~~صفات الكمال لم يجز اتصاف ذاته تعالى به، وكان محالا عليه؛ لأنا نقول: لا شك في أن ~~العالمية صفة كمال. قوله: يلزم ألا تكون ذاته الله تعالى من حيث هي هي كاملة. قلنا: إن ~~عنيت بذلك أن ذات الله تعالى إذا نظرنا إليها من دون هذه الصفة لم تكن ذاته موصوفة بهذا ~~النوع من صفات الكمال، فالأمر كذلك، لكن لا يلزم منه محال. وإن عنيت به أن ذات الله ~~تعالى تكون خالية عن صفات الكمال فذلك غير لازم أصلا. لا يقال أيضا: ms133 المعقول من ~~اختصاص الصفة بالموصوف وحصولها في الجهة تبعا لحصول محلها فيها، فإنا لو لم نعتبر ~~ال ذلك لم يكن اتصاف أحدهما بالآخر أولى من العكس، فلو كان البارى تعالى موصوفا ~~بالعلم لزم أن يكون لذاته حصول في الجهة، وذلك على الله تعالى محال؛ لأنا نقول: هذا ~~باطل لوجهين: ~~أما أولا فقد وصفتم ذات القديم تعالى بالأوصاف السلبية، فما أجبتم في اختصاص ذاته ~~بتلك السلوب والاضافات فهو جوابنا في اختصاصه بصفة العالمية. # وأما ثانيا فلا نسلم أن المفهوم من اختصاص الصفة بالموصوف حصولها في الحيز تبعا ~~لحصول محلها، بل نقول: معنى اختصاصها بموصوفها هو أن الذات لولاها لما كانت ~~الصفة وأنها مؤثرة فيها، فإذا كان هذا معنى مفهوما بطل قولكم إنه لا معنى لاختصاصها ~~الا حصولها في الحيز تبعا لحصوله. PageV00P176 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحبل ~~المسألة الثالثة في أحكام العالمية ~~ال وهي ثلاثة: الأول هذه العالمية ثابتة له تعالى في الأزل والأبد، والدليل على ذلك أن كونه ~~تعالى عالما إما أن يكون مقتضى ذاته كما هو مذهب نفاة الأحوال، أو مقتضى عن شيء ذلك ~~الشيء مقتضى عن ذاته كما هو مذهب الصفاتية، فاقتضاء ذاته تعالى للعالمية إما أن يتوقف ~~على شرط أو لا يتوقف، فإن لم يقف على شرط لزم الدوام، وإن وقف على شرط فذلك ~~الشرط إما أن يكون قديما أو حادثا، فإن كان قديما حصل المطلوب وهو الدوام، وإن كان ~~حادثا فهو باطل؛ لأن الحادث إنما يحدث بإحداث الله تعالى إياه، وإحداثه إياه متوقف على ~~كونه عالما به ليصح إيجاده منه، فلو توقف حصول عالميته على حدوث ذلك الحادث لزم ~~الدور، وإنه محال. # لا يقال: العلم لا بد أن يكون متعلقا بالمعلوم، والتعلق أمر إضافي، والأمور الإضافية لا ~~يتحقق ثبوتها إلا عند المضاف إليهما، فقبل وجود الأشياء يستحيل حصول العلم بها؛ لأنا ~~نقول: لا ننكر أن العلم من الأمور الإضافية، ولكن كما يمكن إسناده إلى الأمور الثابتة في ~~الخارج فقد يمكن إسناده إلى الأمور الثابتة في الذهن، فإنا ms134 نعلم الأشياء قبل وجودها. # الحكم الثاني أن هذا التعلق يتجدد بحسب تجدد معلومه؛ فإن الله تعالى لم يكن عالما ~~بوجود الأشياء في الأزل ثم حصل علمه بها بعد وجودها، فقد حصل أمر لم يكن حاصلا ~~من قبل، ولا يمكن أن يقال: إن العلم بأن الشيء سيحصل هو علم بحصوله إذا حصل، ~~فلا يمكن أن يقال: إن العلم يتجدد بتجدد معلومه؛ لأنا نقول: هذا باطل لوجوه ثلاثة: ~~أولها أن من علم أن زيدا سيدخل الدار بكرة النهار، ثم جاءت البكرة ولم يكن الشخص ~~عالما بمجيء البكرة، فإنه لا يعلم أن زيدا دخل الدار، ولو كان علمه بأن زيدا سيدخل ~~الدار وقت البكرة هو بعينه العلم بدخوله فيها عند حضور البكرة لحصل العلم في هذه PageV00P177 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الصورة لا محالة، فلما لم يحصل العلم بالدخول عند عدم العلم بحصول البكرة علمنا أن ~~أحدهما مغاير للثاني: ~~وثانيها أن الحقيقة الحاصلة في الحال يستحيل توقف حصولها على شرط غير حاصل في ~~الحال، بل يحصل في المستقبل، فإنا إذا قلنا بأن العلم بأن الشيء سيوجد هو علم بوجوده إذا ~~وجد فقد وقفنا كون ذلك العلم علما بوجود ذلك المعلوم على دخول ذلك المعلوم في ~~الوجود، فلو لم يكن كونه عالما بوجوده أمرا متجددا بل هو عين ما هو حاصل في الحال ~~لوقف حصوله على شرط سيتجدد بعد ذلك فلما عرفنا أن الحقيقة الحاصلة في الحال ~~يسحيل وقوفها على شرط غير حاصل في الحال علمنا أن ذلك العلم متجدد. # وثالثها أنا نقول: إن من حق الشيئين إذا كانت حقيقتهما واحدة أن يقوم أحدهما مقام ~~الآخر، ولا شك أن العلم بأن الشيء سيوجد لا يقوم مقام العلم بوجوده إذا وجد. # وبيانه بالاعتقاد فإن اعتقاد أن الشيء موجود قبل وجوده جهل، واعتقاد آنه غير موجود ~~الآن عند وجوده جهل، ولما كان كذلك وجب أن يكون أحدهما مخالفا للآخر في الحقيقة، ~~ل ومع المخالفة يستحيل أن يكون أحدهما عين الآخر. فتقرر حينئذ أن العلم بأن الشيء ms135 ~~سيوجد ليس علما بوجوده إذا وجد بل هو أمر مخالف له في حقيقته. # الحكم الثالث أنه تعالى عالم بكل المعلومات ~~ال والمعتمد في أنه تعالى عالم بكل المعلومات أنه تعالى يصح أن يعلم جميع الأشياء، فيجب ~~ان يكون عالما بها، وإنما قلنا إنه تعالى يصح أن يكون عالما بجميع الأشياء فلأنه تعالى حي، ~~والحي يصح أن يعلم جميع الأشياء. وإنما قلنا: إنه تعالى يجب أن يكون عالما بها؛ فلأن ~~المقتضي لكونه عالما بجميع الأمور هو ذاته، إما بواسطة اقتضائها لحالة العالمية كما تقوله ~~الصفاتية وإما من غير واسطة كما يقوله نفاة الأحوال، والمقتضي إذا اقتضى أمرا لذاته من PageV00P178 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~جملة أمور مع أن جميع تلك الأمور ممكنة فإنه لا بد أن يكون مقتضيا لجميع تلك الأمور، ~~وانما قلنا: إن المقتضي لكونه عالما هو ذاته إما بواسطة أو غير واسطة، فذلك لا نزاع فيه، ~~ال وسيأتي له مزيد تقرير في إبطال المعاني، وأما أن المقتضي إذا اقتضى لذاته أمرا من جملة أمور ~~كلها صحيحة الوجود فإنه لا بد أن يقتضي كل تلك الأمور، فإنه لما كان كل تلك الأمور ~~مكنة أن تكون معلومة لم يكن تأثير ذاته في البعض أولى من تأثيرها في الباقي. فإما أن لا ~~يؤثر في شيء وهو باطل لما ثبت أنه تعالى عالم، وإما أن يؤثر في الكل حتى يكون عالما بكل ~~المعلومات وهو المطلوب. # واعلم أن الخلاف في هذا الحكم أعني أنه تعالى عالم بكل المعلومات محيط بتفاصيلها ~~ال ووجوهها وحقائقها إنما متحقق بينتا وبين الفلاسفة، حيث زعموا أنه تعالى عالم بكل ~~المعلومات بعلم كلي وأنه تعالى غير عالم بالجزئيات، وزعموا أنه يلزم من كونه عالما ~~بالجزثيات تعدد وتكثر في ذاته، ووقوع الكثرة في الحقيقة الإهية محال؛ لأن الكثرة دلالة ~~الامكان، وذاته تعالى مختصة بالوجوب لحقيقتها، فحاصل مذهبهم آنه تعالى عالم بجميع ~~الأشياء بعلم كلي ليس فيه تعدد، بل له نسبة إلى ما لا يتناهى، وذلك لأن حالات العالم ~~بالاضافة إلى تعلقه ms136 بالمعلومات ثلاث: ~~الحالة الأولى تحصل في نفسه صور المعقولات مفصلة متعددة بالفعل، فهذا محال على الله ~~تعالى؛ لأنه يوجب الكثرة في ذاته. # الحالة الثانية أن يحصل له ملكة فياضة بالعلوم كالذي يحصل له ملكة بالحساب، فهذه ~~أيضا حالة تكون العلوم فيها بالقوة لا بالفعل، وهذه الحالة يمكن أن يغفل فيها عن بعض ~~المعلومات، وهو محال على الله تعالى. PageV00P179 # ============================================================ ~~الشهيد شرح معالمر العدل والنوحيل ~~الحالة الثالثة وهي بين هاتين الحالتين، وذلك أن يحصل له حالة كلية غير متعددة هي ~~بالقوة محيطة بكل المعلومات وبالفعل غير متعددة، فياضة بالتفاصيل، وهذه عندهم هي ~~حالة القديم تعالى في كونه عالما بكل المعلومات. # فهذه خلاصة مذهبهم في عالميته تعالى، ولهم على ثبوت كونه تعالى عالما بكل المعلومات ~~أسئلة ثلاثة: ~~السؤال الأول قالوا: لا نسلم أنه تعالى يصح أن يعلم جميع الأشياء. قولكم: إنه تعالى ~~حي، والحي يصح أن يعلم كل شيء. قلنا: إما أن تفسروا الحي بأنه الذي لا يستحيل أن ~~يعلم أو تفسروه بأنه الموصوف بصفة لأجلها لا يستحيل أن يعلم، فإن فسرتوه بالأول لم ~~يصح؛ لأنا وإن سلمنا أنه يصح أن يعلم في الجملة فلم قلتم إنه يلزم من حيث كونه يصح ~~ان يعلم في الجملة كونه بحيث يصح أن يعلم جميع المعلومات، فلا نسلم آنه حي بهذا ~~المعنى. وإن فسرتموه بالثاني فنحن لا نسلم هذه الصفة، ثم لثن سلمناها فهي إنما تقتضي ~~كونه يصح أن يعلم في الجملة، فمن أين أنها تقتضي صحة كونه عالما بجميع المعلومات. # وجوابه أنا سواء فسرنا الحي بالمعنى الأول أو بالمعنى الثاني فإنا نعلم ضرورة أن كل من ~~صح أن يعلم شيئا صح عليه أن يعلم كل شيء، ولا تختص هذه الصحة بمعلوم دون غيره، ~~والنزاع في هذا مكابرة. # لا يقال: أليس الواحد منا حي ومع ذلك يستحيل أن يعلم معلومات لا نهاية لها على ~~التفصيل؛ لأنا نقول: الممتنع ها هنا حصول تلك العلوم على الجمع، فأما حصول كل واحد ~~منها على الانفراد فذلك مما لا نزاع ms137 فيه. PageV00P180 # ============================================================ ~~السهيل شح معالمر العدل والتوحيل ~~السؤال الثاني هب أنا سلمنا أنه تعالى يصح أن يعلم كل هذه المعلومات ولكن نقول: إما ~~يصح أن يعلم كل واحد منها على انفراده، فأما على الجمع فلا. فإذا جاز علينا كل واحد من ~~المعلومات فمن المعلوم أن مجموعها محال علينا، فلم لا يجوز ذلك في حق الله تعالى. # وجوابه أنه ليس يستبعد أن يكون الشيء محالا في حقنا وإن لم يكن محالا في حق الله ~~تعالى، والدليل قد دل على ذلك في غير صورة، والفرق ظاهر؛ فإنا نعلم كل ما علمناه بعلم ~~يحصل فينا من قبلنا ومن قبل غيرنا وليس ذواتا مقتضية لذلك لنا. وأما القديم تعالى فذاته ~~هي المقتضية لكونه عالما، فمن ثم عم اقتضاؤها لكل المعلومات، إذ ليس اقتضاء ذاته لكونه ~~عالما ببعض الأشياء دون بعض، فيلزم أحد الأمرين: إما ألا يقتضي شيئا من المعلومات ~~أا صلا، وهو محال لما ثبت أنه تعالى عالم، وإما أن يقتضي الكل لعدم المخصص، وهو ~~المطلوب. # السؤال الثالث لو وجب أن يكون تعالى عالما بجميع الأشياء لكان إذا علم شيئا وجب ~~ان يعلم كونه عالما بذلك الشيء وأن يعلم كونه عالما بكونه عالما بذلك الشيء، ثم الكلام في ~~المرتبة الثالثة كالكلام في المرتبة الثانية، فيلزم منه وجود علوم لا نهاية لها، وهو محال. ثم إن ~~الله تعالى عالم عندكم بمعلومات بلا نهاية، فيلزم من علمه بكل واحد من تلك المعلومات ~~الغير المتناهية علوم غير متناهية طولا فيكون له تعالى معلومات غير متناهية عرضا، وفي كل ~~واحد من تلك المعلومات علوم غير متناهية طولا، فيكون له علوم غير متناهية لا مرة ~~واحدة بل مرارا، وهذا محال. # وجوابه أن غاية ما في هذا التزام أن يكون له تعالى معلومات غير متناهية في العرض وأن ~~له علوم بتلك المعلومات غير المتناهية في الطول، وهذا جائز. فإن الذي أبطله الدليل إنما هر ~~التسلسل الذي لا أول له، وهاهنا ليس كذلك؛ لأن هاهنا معلوما أولا ثم يصير العلم به ~~معلوما، ms138 ثم العلم بالعلم يصير معلوما أيضا، ولا ينتهي إلى علم آخر لا يتعلق به علم آخر، PageV00P181 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~فهذا التسلسل، وإن كان لا آخر له لكن له أول، فلم قلتم أن التسلسل على هذا الوجه ~~محال. # القول في كونه تعالى حيا ~~وفيه مسألتان: ~~المسألة الأولى في الدلالة على أنه تعالى حي ~~واعلم أن الحي هو الذي لا يستحيل أن يقدر ويعلم. وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسين ~~ال وأصحابه وهو قول أبي هاشم أولا ثم قال آخرا: إن الحي هو المختص بصفة لكونه عليها ~~صح أن يقدر ويعلم. ويعني بهذه الصحة نفي الاستحالة. # واختلف المتكلمون في مستند هذه الصحة التي هي نفي الاستحالة. فذهب الشيخ أبو ~~الحسين وأصحابه إلى أن مستندها في الغائب هي الذات المخصوصة المتميزة بحقيقتها عن ~~سائر الذوات، ومستندها في الشاهد هو البنية المخصوصة، فمن يصح آن يقدر ويعلم ~~مفارق لمن يستحيل عليه ذلك بالبنية. # وأما أبو هاشم وأصحابه فذهبوا إلى أن مستند هذه الصحة شاهدا وغائبا إنما هو حالة ~~محققة هي كونه حيا. وقرروا ذلك في الشاهد، وقالوا: إذا ثبت في الشاهد ثبت في الغائب؛ ~~لأن دلالة الدليل على مدلوله لذاته وحقيقته فيجب أن لا تختلف دلالته أينما حصل. # واحتجوا على إثبات هذه الحالة بطريق المفارقة، وقد قدمناها وذكرنا ما عليهم فيها. # والدليل على كونه تعالى حيا هو أنه لا يستحيل أن يقدر ويعلم، فيجب أن يكون حيا، ~~أما أنه لا يستحيل أن يقدر ويعلم؛ فلأنا قد دللنا على ثبوت قادريته وعالميته، ولو كانتا PageV00P182 ~~============================================================ ~~الشهيل شح معالم العدل والنوحيد ~~مستحيلتين لما ثبتا، وأما إن ما كان كذلك فهو حي؛ فلأنا لا نعني بالحي إلا ذاك فإذن هو ~~المسألة الثانية في كونه تعالى سميعا بصيرا ~~اتفق أهل القبلة على وصف الله تعالى بكونه سميعا بصيرا، وورد به الشرع ويتحصل ~~مقصودنا من المسألة بالبحث عن أمرين: ~~الأول منهما في فائدة وصفنا له تعالى بكونه سميعا بصيرا ~~فالذي ذهب إليه الشيخان أبو علي وأبو هاشم وأصحابهما ms139 البصريون أن معنى وصفنا له ~~تعالى بذلك أنه تعالى مختص بصفة لكونه عليها يصح منه أن يسمع المسموع ويبصر المبصر ~~إذا وجدا، وتلك الصفة هي كونه تعالى حيا بشرط ألا تكون به آفة. وقالوا: إن قولنا سميع ~~بصير موضوع لهذه الصحة، وهذا يوصف النائم بأنه سميع بصير وإن كان غير سامع ولا ~~مبصر في الحال لما كان يصح منه أن يسمع ويبصر على حال. وقالوا: إنه تعالى سميع بصير ~~في الأزل لما كان حيا لا آفة به في الأزل، فلما كان المعنى حاصلا في الأزل وصفوه به، وقد ~~حكي عن أبي هاشم أنه ذكر في بعض كتبه أن للسميع البصير حالة زائدة على كونه حيا لا ~~آفة به. والصحيح من قوله ما ذكره في سائر كتبه من أن المرجع بهما إلى كونه حيا لا آفة به من ~~غير حالة زائدة. # وذهب الكعبي وسائر البغداديين إلى آن معنى وصفنا لله تعالى بكونه سميعا بصيرا أنه ~~تعالى عالم بكل ما يعلمه غيره من جهة السمع والبصر على جهة المبالغة. قالوا: ووجوه ~~المبالغة من وجهين: ~~أما أولا فلأن ما ندركه بهاتين الحاستين اكثر مما ندر كه بسائر الحواس. PageV00P183 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~و أما ثانيا فإن بهاتين الحاستين نعلم تفاصيل الأشياء التي نقتبس منها الأدلة، فلما كان ~~المستفاد من هاتين الحاستين أغلب وأكثر مما نستفيده من غيرهما من الحواس صار الوصف ~~بالسمع والبصر مبالغة في كونه عالما. فمتى دللنا على كونه تعالى عالما لذاته وأنه تعالى محيط ~~جميع المعلومات ثبت أنه عالم بالمسموعات والمبصرات التي يعلمها غيره من جهة السمع ~~والبصر، فكان سميعا بصيرا بهذا المعنى ~~ال واعلم أن الخلاف في كونه تعالى سميعا بصيرا فرع على الخلاف في كونه تعالى مدركا، ~~فمن ذهب إلى أن كونه تعالى مدركا أمر زائد على كونه تعالى حيا وعالما كما هو مذهب ~~الشيخ أبي هاشم وأصحابه، قال: السميع البصير هو الذي يصح أن يختص بهذه الصفة ~~اعني كونه مدركا عند وجود المدرك. ومن ذهب إلى ms140 أن كونه تعالى مدركا ليس أمرا زائدا ~~على كونه تعالى عالما- كما يقوله البغداديون- قال: إن كونه تعالى سميعا بصيرا مدركا ليس ~~الا أوصاف المبالغة في كونه تعالى عالما من غير أمر زائد، كقولنا عالم وعليم. # الأمر الثاني في الدلالة على كونه تعالى سميعا بصيرا ~~ويدل على ذلك أنه تعالى حي ليس بذي آلة فيجب أن يكون سميعا بصيرا. أما أنه تعالى ~~حي فقد مر، وأما أنه تعالى ليس بذي آلة؛ فلأن الآلات إنما تجوز على الأجسام، وسيجيء ~~الكلام على استحالة كونه تعالى جسما، فثبت أنه تعالى سميع بصير. # القول في كونه تعالى مدركا ~~وفيه خمس مسائل: PageV00P184 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~المسألة الأولى في ماهية الإدراك ~~اعلم أن كون الواحد منا مدركا أمر لا شبهة فيه؛ لأن الواحد منا يجد ذلك من نفسه ~~باضطرار، ويفرق بينه وبين سائر أحواله من كونه ظانا ومعتقدا ومشتهيا ونافرا وناظرا ~~بفرقة ضرورية، وكذلك سائر أوصافه من كونه حيا وقادرا ومريدا، والذي يحتاج إلى ~~الدلالة هو تميزه عن العلم. والمعتمد فيه أمران: ~~أحدهما أن الواحد منا يعلم ما لا يدركه كالعلم بالأمور الغائبة والعلم بالأمور ~~المعدومة، ويدرك ما لا يعلمه كالفرضية، وقد يدرك أصوات الناس بحضرته حتى تكون ~~سببا لانتباهه مع أنه لا يعلمها، ولا مغايرة أعظم من ثبوت أحدهما مع عدم الآخر. # ال وثانيهما أنا نقول: لو لم يكن الإدراك مخالفا للعلم لما افترق الحال بين كوننا رائين للشيء ~~ال وبين كوننا عالمين به بعد غيبته عنا، ولما افترق الحال بين أن يكون الألم في أبعاضنا وبين أن ~~يكون في غيرها مع أنا نعلمه؛ لأنا في الحالين قد علمناه، فلما كانت التفرقة معلومة ~~بالضرورة وجب أن يكون الإدراك مغايرا للعلم. # لا يقال: لم لا يجوز أن تكون التفرقة عائدة إلى أن عند فتح جفن العين يعرف من ~~تفاصيل المدرك ما لا نعرفه إذا غاب عنا، فإذا أمكن رجوع التفرقة إلى هذا بطل القول ~~بكونه مدركا؛ لأنا نقول: هذا باطل؛ لأنا قد تشاهد الشيء الصغير مشاهدة ms141 بينة ونعرف ~~تفاصيله فإذا أطبقنا أعيننا وجدنا تفرقة بين الحالتين، مع أنا نعرف الآن منه ما عرفناه حال ~~النظر لقرب الزمانين. # ولا يقال أيضا: لم لا يجوز أن تكون التفرقة بين الحالتين عائدة إلى تأثير المرئي في الحاسة ~~كما أن عند الصوت الشديد نحس بالصدمة داخل الأذن إحساسا شديدا ونحس بالمطعوم PageV00P185 ~~============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~في الفم خاصة عند الحموضة الشديدة والحرافة القوية، وكذلك القول في سائر المدركات. # لأنا نقول: هذا باطل لأمرين: ~~أما أولا فلأنا نعلم بالضرورة أن إبصار المرئي حالة إضافية صادرة منه إلى نفس المرئي، ~~ونعلم بالضرورة التفرقة بين هذه الحالة والحالة المسماة بالعلم في صدورهما عنا. قال: ما ~~زعمتم في ذلك فهو مكابرة ومدافعة للضرورة، وإن سعيتم عليه وسميتم تلك الحالة ~~الإضافية الحاصلة لنا عند رؤية المرئي تأثيرا من جهة المرئي كان خلافا في عبارة. # و أما ثانيا فلأنا نبصر المرئي بحيث هو ولو لم يكن إلا تأثير المدرك في الحاسة لما كنا نبصره ~~بحيث هو، فثبت أن حقيقة الادراك جائزة هذه الأمور. # المسألة الثانية في كيفية حصول هذه المدركية ~~ذهب أكثر المعتزلة إلى أن المدرك مهما كان موجودا وكانت الحاسة سليمة وارتفعت ~~الموانع كلها فعند اجتماع هذه الشروط يجب حصول كونه مدركا لا محالة. # وذهبت الأشعرية إلى آنه غير واجب عند حصول هذه الأمور بل يجوز حصوله وألا ~~يحصل، وإلى هذا ذهب أبو الهذيل، والمختار هو الأول. ويدل عليه مسلكان: ~~المسلك الأول دعوى الضرورة على وجوب حصول كونه مدركا عند هذه الأمور، وهو ~~الذي ارتضاه أبو الحسين لنفسة، ثم تارة يقول بأن العلم بوجوب حصول كونه مدركا عند ~~هذه الأمور ضروري، والعلم بكونه ضروريا أيضا ضروري وتارة يقول: العلم بكونه ~~ضروريا نظري: ~~أما بيان الأول وهو كونه ضروريا؛ فلأن كل عاقل خبر الأمور وتكرر إدراكه المدركات ~~فإنه لا يشك أنه إذا شخص ببصره إلى السماء من غير مانع فإنه يستحيل ألا يرى قرص PageV00P186 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والترحيل ~~الشمس، وأن نصب الحديد المحمي على ms142 صدره فلا يدرك حرارته، وأن تقطع أوصاله فلا ~~يدرك الألم، وأن يطبق عليه في تنور مسجر فلا يدرك حرارته، وأن يكون بين يديه جبال ~~شامخة وأصوات هائلة وهو لا يدركها، ويعلم العقلاء استحالة هذه الأمور ضرورة، ثم إنه ~~اورد على نفسه عقيب ذلك صورا من الأمور العادية المستمرة كالإحراق عقيب ملاقاة ~~النار وحصول الشبع والري عقيب الأكل والشرب لصحيح المزاج وحصول النبات عند ~~القاء البذور في الأرض الطيبة مع حصول الشرائط وعلوق الولد عند إلقاء النطفة في ~~الرحم. # وأجاب عن هذه الصور بأمرين: ~~أحدهما القول بوجوب حصول الإحراق عند ملاقاة التار وحصول النبات عند كمال ~~شرائطه ووجوب حصول الشبع عند تناول الغذاء الطيب، والتزم الوجوب في هذه ~~الصور، فأما علوق الولد عند إلقاء النطفة فلم يلتزم وجوبه، وذكر في الفرق بينه وبين غيره ~~ان العلم به ليس كالعلم بغيره في الظهور كسائر الأمور العادية، بل العلم بوجوب حصولها ~~أجلى وأظهر منه. # وثانيهما أنه أجاب بأن هذه الأسئلة جارية مجرى شبه أصحاب السفسطة في كونها غير ~~قادحة في العلم الضروري الحاصل لنا، فإن العامل لو قيل له: إن هذا الجيل صغير وإن ~~شاهدته عظيما ولعل الأنهار الجارية سراب ولعل الجبال العظيمة متحركة وإن كنا نشاهدها ~~ساكنة. لما داخله شك في هذه الأمور، كذلك إذا سمع العاقل هذه الأسئلة لم يشك بسببها ~~في ما قد حصل من العلم الضروري من وجوب إدراك المرثي عند حصول تلك الشرائط: ~~وأما بيان الثاني وهو أن العلم بكونه ضروريا نظري، فحاصل كلام أبي الحسين أن ~~العقلاء إذا أعملوا حواسهم السليمة فلم يروا فيلا بحضرتهم علموا أنه لا فيل بحضرتهم، PageV00P187 ~~============================================================ ~~النسهيل شح معالمر العدل والنوحيل ~~وهذا العلم يستند إلى أنهم لم يروه بعد إعمال حواسهم السليمة، ولا يصح هذا الاسناد إلا ~~إذا ثبت آنه لو كان حاضرا لوجبت رؤيته، وما يتوقف عليه العلم الضروري وجب أن ~~يكون معلوما بالضرورة، فإذن العلم بأنه لو كان المرئي حاضرا لوجبت رؤيته عند استجماع ~~الشرائط علم ضروري، وهو المطلوب. فهذه مقدمات ms143 أربع لا بد من بيانها: ~~أما المقدمة الأولى وهي أن العقلاء إذا أعملوا حواسهم السليمة فلم يروا فيلا بحضرتهم ~~علموا أنه لا فيل بحضرتهم فهي ضرورية. # وأما الثانية وهي أن هذا العلم يستند إلى آنهم لم يروه بعد إعمال حواسهم السليمة، ~~فالذي يدل عليها أن العقلاء يفرغون إلى إعمال حواسهم في العلم بأنه ليس بحضرتهم فيل، ~~ويعللون معرفتهم بأن ليس بحضرتهم فيل بأنهم لم يروه فيقولون: علمنا أنه لا فيل ~~بحضرتنا لأنا لم نره مع سلامة حواسنا وعدم المانع. # و أما الثالثة وهي أن هذا الاستناد لا يصح إلا إذا ثبت أنه لو كان المرئي حاضرا لوجبت ~~رؤيته، فالذي يدل عليها أن الأعمى لما جوز حصول المرئي مع أنه لا يراه، والبصير لما جوز ~~حضور الملائكة والجن وهو لا يراهم، لم يمكنهما القطع بأنه لا شيء بحضرتهما، فلهذا قلنا ~~بأن هذا الاستدلال لا يتم إلا مع العلم بأنه لو كان المرئي حاضرا لوجبت رؤيته. # وأما الرابعة وهي أن ما يتوقف عليه العلم الضروري فهو ضروري، فالذي يدل عليها ~~أان العلم بأن المرئي لو كان حاضرا لوجبت رؤيته، لو لم يكن ضروريا لجاز تطرق الشبهة ~~اليه، فلو انتفى لكان لا يخلو إما أن يبقى العلم المتفرع عليه وهو أنه لا فيل بحضرتنا أو لا ~~يبقى، فإن بقي قدح ذلك في كونه فرعا له، وإن لم يبق قدح ذلك في كونه ضروريا، ولما بطل ~~كونه غير ضروري ثبت آنه ضروري، فثبت أن العلم بأن المرئي متى كان حاضرا وكانت ~~الشرائط حاصلة وكانت الحاسة سليمة فإن الرؤية واجبة هو علم ضروري: PageV00P188 ~~============================================================ ~~الهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~المسلك الثاني مسلك الاستدلال، وهو الذي عول عليه أصحاب أبي هاشم، وحاصل ~~كلام ابن متويه (1) أن كونه مدركا لو لم يجب عند وجود المدرك وسلامة الحواس لوجب ~~زوال الثقة بالأمور المشاهدة وإلحاق البصراء بالعميان؛ لجواز أن يكون بحضرتنا أجسام ~~عظيمة وأصوات هائلة ونحن لا ندركها، وهذا باطل، فما يؤدي إليه يكون أيضا باطلا. # واحتج الأشعرية لمذهبهم بأنا ms144 نرى الجسم الكبير من البعد صغيرا، فلا يخلو إما أن نكون ~~رائين لجميع أجزاء ذلك الجسم أو لا نكون رائين لشيء من أجزائه أو نكون رائين لبعض ~~أجزائه دون بعض، والأول يقتضي أنا نرى الشيء على كبره، وهو محال. والثاني يقتضي ألا ~~نراه أصلا، وهو محال أيضا. والثالث يقتضي أنا نرى بعض أجزائه دون بعض، ومن المعلوم ~~بالضرورة أن الشرائط المذكورة في رؤية المرئي كما هي حاصلة بالنسبة إلى الأجزاء المرئية ~~- هو أبو محمد الحسن بن أحد بن متويه النجراني توفي عام (468ه) أحد كبار شيوخ المعتزلة من المتأخرين، ~~ويعتبره ابن المرتضى في الطبقة الثانية عشر من طبقات المعتزلة، وهو تلميذ قاضي القضاة عبد الجبار بن آحمد المتوفي ~~سنة 415ه وذكر عنه ابن أبي الحديد أنه كان مخالفا لشيوخ المعتزلة في البصرة في تفضيله علي بن أبي طالب على ~~أبي بكر الصديق وقد نص على ذلك في كتاب له يسمى"الكفاية". ومن الباحثين من يرجع نسبة كتاب "المجموع ~~في المحيط بالتكليف" المنسوب للقاضى عبد الجبار إلى تلميذه ابن متويه؛ وذلك لأن ابن المرتضى يذكر له كتابا ~~بعنوان "المحيط في أصول الدين1، والقاضي عبد الجبار نفسه يذكر أن لابن متويه كتابا بنفس العنوان. وهو ~~صاحب كتاب "التذكرة في أحكام الجواهر والأعراض". ويتبين من كتاب التذكرة أن ابن متويه من المعتزلة ~~القائلين بالجزء الذي لا يتجزأ ويذهب إلى آن الجسم ينتهى إلى حد لا تصلح فيه القسمة والتجزؤ من بعد، ويثبت ~~الخلاء في العالم ويحصى الأعراض باثنين وعشرين عرضا، ويقول بشيئية المعدوم لقوله تعالى: (ولا تقولن لشيء إني ~~فاعل ذلك غدا) فأطلق لفظ شيء على المعدوم قبل خروجه إلى الوجود. وقد تحدث عنه ابن الوزير فقال: وقد ~~اختار ابن متويه والحاكم منهم وغيرهما أن الروح هو النفس الجاري، لأجل التلازم فوهموا وهما فاحشاء فإن ~~الجنين في بطن أمه لا يتنفس بعد حياته ونفخ الروح فيه بالنص والحس، بل حيوان الماء لا يتنفس فيه، ولو سلم ~~هم جواز دوام التلازم لم يكن حجة قاطعة ms145 على اتحاد النفس والروح، فليحذر الخوض في أمثال ذلك. انظر القاضي ~~عبد الجبار: فرق وطبقات المعتزلة ص126، ابن الوزير: إيثار الحق ص284، أبو الوفا التفتازاني: معجم أعلام ~~الفكر الانساني - ترجمة ابن متويه ص266. PageV00P189 # ============================================================ ~~العهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~فهي أيضا حاصلة بالنسبة إلى الأجزاء التي هي غير مرئية، ولما كان المرئي من الأشياء ~~المستجمعة للشرائط نرى بعضها دون بعضها، علمنا أن حصول الرؤية عند استجماع ~~الشرائط غير واجب، وهو المطلوب. # وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فقد بينا أن حصول المدركية عند وجود شرائطها كاملة هو آمر واجب ~~بالضرورة فلا يمكن مدافعته بالأمور المحتملة، وما ذكروه معارضة بأمر محتمل فلا نقبله. # وأما ثانيا فنقول: إنما وجب أن نرى الكبير صغيرا من البعد لعروض أسباب ثلاثة: ~~الأول وهو الذي عول عليه جمهور القائلين بالانطباع، فإنهم ذكروا أن الرؤية لا تحصل ~~إلا لأجل انطباع صورة في نقطة الناظر، وإنه يرتسم فيما بين الناظر وبين المرئي شكل من ~~الهواء مخروط، زاويته تلي الناظر وقاعدته تلي المرئي، فكلما كان المرئي أبعد كانت تلك ~~الزاوية أدق وأصغر، ومتى كان أصغر كانت تلك الصورة المنطبعة فيها أصغر؛ فلأجل ~~ذلك وجب أن نرى الكبير صغيرا. # الثاني وهو الذي ذكره أبو الحسين، فإنه قال: إن صورة المرئي تحدث في الهواء على جهة ~~التأثير، ثم يتصل الهواء بنقطة الناظر فتحدث صورة المرثي في النقطة، فإذا كان المرئي في ~~أقصى البعد ضعف تأثيره في الهواء واضمحل؛ لأن طول المدى يضعف التأثير ويقطعه، ~~وقيل ذلك بالرامي لحجر في ماء؛ فإنه يتحرك الماء ثم لا يزال الاضطراب يضعف إلى أن ~~ال يبطل، وكلما قوي التحريك والاعتماد طال زمان التحريك، وكلما ضعف التحريك ~~والاعتماد قصرت مدته، فكذلك إذا عظم الجسم المرئي وقوى اللون المدرك قوي تأثيره في ~~الهواء ومتى صغر وقل فإنه يضعف تأثيره في الهواء. PageV00P190 # ============================================================ ~~الشهيد ش معالم العدل والتوحيل ~~واعلم أن مذهب أي الحسين ليس مشبها لمذهب القائلين بالانطباع؛ لأنه يشرط تأثير ~~المدرك في الهواء ثم يحصل الهواء في نقطة الناظر لا ms146 الانطباع، كما ذهبوا إليه، ويجب أن ~~يطالب هو بحقيقة هذا التأثير. # الثالث قول أصحاب الشعاع، فقد حكي عن الشيخ أبي هاشم أنه قال: إن الشعاع ~~ينفصل على شكل صورة ترى مستدقة مما يلي المرثي وأوسعه مما يلي الرائي، فإذا كان المرثي ~~بعيدا كانت تلك الزاوية أدق وأصغر؛ فلأجل ذلك وجب أن نرى الكبير صغيرا. فهذه ~~الأمور هي السبب في رؤيتنا للكبير صغيرا. # المسألة الثالثة في أن الإدراك هل هو معنى أم لا. # فنقول: المشهور من مذهب الأشعرية أن الإدراك معنى يؤثر في المدركية، وإلى هذا ذهب ~~أ بو علي وأبو القاسم. وأما أبو هاشم فيذهب إلى آنه ليس بمعنى، وقبل الخوض في الدليل ~~لا بد من تلخيص محل النزاع. # واعلم أن إثبات الإدراك أمر زائد على ذات المدرك مما لا خلاف فيه بين العقلاء، وإنما ~~النزاع واقع في أمرين: ~~أحدهما أن هذه المدركية معللة بمعنى هو الادراك أم لا. فعند الأشعرية أنها معللة ~~بالادراك، وعند الشيخ أبي هاشم وأصحابه أنها غير معللة بمعنى بل هي صادرة عن كون ~~الذات حية بشرط عدم الآفة. # وثانيهما أن الإدراك إذا ثبت أنه أمر زائد على ذات المدرك فهل هو من قبيل الأحوال أو ~~من قبيل المعاني. # أما الأول فهو أن هذه الصفة معللة بمعنى، فقد احتج المعتزلة على بطلانه بوجوه: PageV00P191 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الأول ما ذكره أبو الحسين وهو أن هذه المدركية صفة واجبة الحصول عند حصول هذه ~~الشرائط المذكورة وممتنعة الحصول عند عدمها أو عدم بعضها، ومتى كان الأمر كذلك ~~امتنع تعليلها بالمعنى. أما أنها واجبة الحصول عند حصول هذه الأمور وممتنعة الحصول عند ~~عدمها أو عدم بعضها فقد مر بيانه، وأما آنها متى كانت كذلك استحال تعليلها بالمعنى ~~فلأمور ثلاثة: ~~أما أولا فلأنه لا طريق إلى ذلك المعنى؛ لأن إثباته غير معلوم بالضرورة ولا بالنظر ~~فبب نفيه. # وأما ثانيا فلأن الحكم إذا حصل عند أمر وانتفى عند انتفائه على طريقة واحدة ولم يكن ~~إلى تعليله بغيره طريق كان ذلك ms147 الأمر أخص منه ووجب إضافته إليه، ولا يبعد أن يقال: إن ~~العقلاء إذا تأملوا دورانه عليه وجودا وعدما يضطرون إلى العلم بأن الأمر الذي حصل ~~معه الدوران وجودا وعدما هو العلة. # وأما ثالثا فهو أن العقلاء متى علموا تكامل هذه الشروط علموا وجوب هذه المدركية، ~~وان لم يعلموا شيئا آخر، ومتى علموا عدمها أو عدم بعضها علموا امتناع هذه المدركية، ~~وان علموا سائر الأشياء، فلو وقف كوننا مدركين على معنى آخر غير هذه الأمور لكان مع ~~تقدير عدم ذلك المعنى وحصول هذه الأمور لا يجب أن ندرك أو يحصل كونه مدركا عند ~~تقدير وجود ذلك المعنى وإن عدمت هذه الأمور أو عدم بعضها. وفي ذلك نقض لما قد ~~علم من وقوفها على هذه الأمور وجودا وعدما. # الثاني ما عول عليه أبو هاشم وهو أن الإدراك لو كان معنى لكان لا يمتنع وجوده في ~~عين الواحد منا، فيدرك المعدوم؛ لأن المحل محتمل له مع عدم المدرك، ومن حق الإدراك أن PageV00P192 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~يتعلق بالمرتي على ما هو عليه في نفسه، وذلك يحصل في حال عدمه كحصوله في حال ~~و قد قرر أبو الحسين هذا الكلام من وجه آخر فقال: لو صح أن يدرك الواحد منا جميع ~~الموجودات بإدراكات تجري مجرى العلم في عموم التعلق لكان يلزم صحة إدراك المعدوم ~~اا و أن يتعلق بالشيء على أنه سيوجد وبأن الشيء قد كان موجودا وأن يدرك بجميع الحواس؛ ~~لأنه لا فرق في العقول بين رؤية المعدوم وبين رؤية الطعوم والعلوم، فكما أنا نعلم استحالة ~~رؤية الطعوم والروائح والعلوم فكذلك نعلم استحالة رؤية المعدوم. # الثالث أنه لو كان الواحد منا رائيا لمعنى لصح أن يفعله فاعله في عين الأعمى أو في ~~العين الصحيحة مع السواتر، وهذا محال. وأيضا لو كان الإدراك معنى لصح أن يفعل في ~~عين الواحد منا إدراك البقة ولا يفعل فيه إدراك الفيل بين يديه حتى يصح منه إدراك البقة ~~دون الفيل. # واحتج الأشعرية لإثبات الإدراك معنى بأن ms148 قالوا: إن هذه الصفة ثابتة على سبيل ~~الجواز، فيجب أن يكون المؤثر فيها معنى هو الإدراك. أما ثبوتها على سبيل الجواز فقد ~~تقدم، وأما أن ما ثبت على طريقة الجواز فلا بد أن يكون المؤثر فيه معنى؛ فلأنا لو أسندنا ~~ذلك التأثير إلى القادر لجاز إسناد القادرية والعالمية والكائنية إلى القادر، وذلك يفضي إلى ~~نفي جميع المعاني، والكلام في هذه المسألة فرع على الكلام في إثبات المعاني؛ لأن من نفى ~~المعاني فلا وجه أن نتكلم معه في الإدراك خاصة. # وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فلأنا لا نقول بالعلة والمعلول، وقد قدمنا بطلانه. PageV00P193 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وأما ثانيا فلو قلنا بإثبات المعاني فطريق ثبوتها إنما هو الجواز، وهذه الصفة واجبة كما ~~قررناه فيما سلف، فثبت أن الادراك ليس بمعنى:. # ل وأما الثاني وهو أن هذه المدركية هل هي من قبيل الأحوال أو من قبيل المعاني. فالأمر ~~فيه يسير، والأليق أنها بقبل الصفات والأحوال أشبه؛ لأنها حالة نسبية إضافية يستحيل ~~تعقلها من دون العلم بما اختص بها وهو ذات المدرك بخلاف اللون والطعم فإنه يمكن ~~تعقلهما بانفرادهما من دون أمر آخر، ثم نعرف بعد ذلك بدليل منفصل أنه لا بد من المحل. # المسألة الرابعة في إثبات المدركية في حقه تعالى، وهو المقصود. # ال و قد أنكر ثبوتها في حقه تعالى جماعة من البغداديين ورجعوا بها إلى كونه تعالى عالما، ~~ويدل على اتصافه بها طرق ثلاث: ~~الطريقة الأولى محكية عن الشيخين أبي على وأبي هاشم، وتحريرها أن الله تعالى حي ~~لذاته، وكل حي لذاته فإنه يدرك المدرك عند وجوده. # أما المقدمة الأولى فهي ظاهرة، وأما الثانية فهو أن الحيية شاهدا مقتضية للمدركية ~~فيجب في الحيية غائبا أن تكون مقتضية للمدركية، وإنما قلنا: إن الحيية شاهدا مقتضية ~~للمدركية فلأمرين: ~~أما أولا فلأن العضو متى كان من جملة الحي صح وقوع الإدراك به، ومتى خرج من ~~جملة الحي بالقطع والشلل لم يصح وقوع الإدراك به، فوقوفه على الحيية وجودا وعدما ~~يقتضي أن يكون ms149 المقتضي لكونه مدركا وهو كونه حيا. # لا يقال: لم لا يجوز أن يكون المقتضي لكونه مدركا هو اتصاله بالحي؛ لأنا نقول: هذا ~~باطل بالشعر والظفر. PageV00P194 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~و أما ثانيا فهو أنه لما ثبت أن الحي السليم الحس يجب أن يدرك المدرك عند وجوده مع ~~ارتفاع الموانع وحصول الشرائط. فنقول: هذا الوجوب إما أن يعلل بانتفاء الموانع وهو ~~باطل لأمرين: ~~أما أولا فلأن فقد الموانع لا يختص بالحي دون الميت، فكان يجب أن يقال إن الميت يرى ~~المرئيات. # وأما ثانيا فلأن انتفاء الموانع أمور كثيرة، وليس تعليل كونه مدركا ببعضها أولى من ~~تعليله بالباقي، فإما ألا يعلل بالكل، وهو المطلوب. وإما أن يعلل بالكل وهو محال، وإما أن ~~يعلل كونه مدركا بصحة الحاسة، وهو باطل لأمرين: ~~أما أولا فلأن المرجع بصحة الحاسة إلى أمور كثيرة، فليس تعليل كونه مدركا ببعضها ~~أولى من تعليله بالباقي، فإما أن يعلل بالكل وهو محال، أو لا يعلل بشيء منها وهو ~~المطلوب. # وأما ثانيا فلأن صحة الحاسة أمر عائد إلى الآحاد، والمدركية أمر عائد إلى الجملة، ~~والعائد إلى الجملة لا يكون معللا بالعائد إلى الآحاد، وإما أن يكون معللا بوجود المدرك، ~~وهو باطل لأمرين: ~~أما أولا فلأن المدرك قد يوجد في غير المدرك، وما يوجد في غيره لا يوجب له حالة ولا ~~حكما. # و أما ثانيا فلأنه يقتضي اجتماع الضدين، بأن يكون أحدنا مدركا للسواد والبياض دفعة ~~واحدة، فيكون حاصلا على صفتين ضدين، وهو محال. PageV00P195 # ============================================================ ~~النبيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~واما أن يكون معللا بقسم آخر وراء هذه الأقسام، وهو باطل؛ لأن المقتضي للمدركية ~~لو كان أمرا مغايرا للحيية وصحة الحاسة ووجود المدرك وانتفاء الموانع لزم منه المحالات ~~الكثيرة، ولما بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا أن المقتضي لكونه مدركا هو الحيية، وإنما قلنا: إن ~~الحيية لما كانت مقتضية للمدركية شاهدا وجب أن تكون مقتضية لها غائبا؛ لأن صفة الحيية ~~غير مختلفة في الشاهد والغائب، فإذا كانت مقتضية لها في الشاهد وجب ms150 أن تكون كذلك في ~~الغائب. # لا يقال: إن الحيية لا تقتضي المدركية في الشاهد إلا بشرط صحة الحاسة، وهذا الشرط ~~محال على الله تعالى، فيجب استحالة المدركية في حقه؛ لأنا نقول: إن حاجتنا إلى الحواس ~~لكوننا أحياء بحياة، والقديم تعالى حي لذاته، فيجب أن يكون مستغنيا عن الحواس، ولهذا ~~فإنا لما كنا قادرين بالقدر احتجنا إلى الآلات، ولما كان قادرا لذاته استغنى عن الآلات، ~~فكذلك الحي لنفسه يستغني عن الحواس، فهذا منتهى هذه الطريقة. # الطريقة الثانية ذكرها صاحب المعتمد. # قال: إنا متى علمنا في شيء كونه حيا سليما عن الموانع فإنا نعلم بالضرورة أنه متى وصل ~~إليه المدرك فإنه لا بد أن يدرك وإن لم يوجد شيء آخر، ومتى لم يكن حيا استحال أن يدرك ~~المدرك وإن وجد سائر الأشياء، وهذا يقتضي أن الحيية علة للمدركية، إذ لو لم تكن كذلك ~~لكان الحي السليم إذا وصل إليه المدرك ولم يوجد ما يقتضي الإدراك وجب ألا يصير ~~مدركا، وهذا يقدح في علمنا بالضرورة أنا متى علمنا حيا سليما عن الموانع علمناه مدركا ~~للمدرك الواصل إليه، فإذا ثبت ذلك فنقول: لا شك أن المدركية موقوفة في حصولها على ~~اال وجود المدرك ثم لا يخلو إما أن يتوقف بعد ذلك على شرط آخر أو لا يتوقف، فإن لم ~~يتوقف على شرط آخر كانت المدركية حاصلة؛ لأن المدرك حاصل، وإن وقفت على شرط ~~آخر فذلك الشرط لا يخلو إما أن يكون هو الشرائط المعقولة فيما بيننا من سلامة الحواس PageV00P196 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~وعدم القرب القريب والبعد البعيد وارتفاع الحجب، وإما أن يكون شرطا آخر وراء هذه ~~الشروط. والأول باطل؛ لأن تلك الشرائط لا يعقل ثبوتها إلا في حق الأجسام، والله تعالى ~~ليس بجسم، فيستحيل تحققها في حقه. وما استحال ثبوته استحال كونه شرطا في ثبوت ~~غيره؛ لأن ثبوت كون الشيء شرطا في غيره مسبوق بصحة إمكانه، فإذا كان مستحيلا بطل ~~كونه شرطا. والثاني باطل أيضا؛ لأنا لو وقفنا صحة حصول الادراك على ms151 شرط آخر سوى ~~هذه الشروط المعقولة لزمنا الجهالات العظيمة، إذ من الجائز أن يقال الحي السليم بعد ~~استجماع هذه الشرائط لا يحصل له الإدراك لعدم حصول ذلك الشرط، وذلك يوقعنا في ~~كل جهالة على ما مر تقريره في مسألة الإدراك. فثبت أن المقتضي لكون البارئ تعالى مدركا ~~حاصل والشرائط التي يمكن كونها شرائط في حقه تعالى فهي بأسرها حاصلة، فوجب ~~القطع بكونه تعالى مدركا. # هذا مدخص كلامه في المعتمد بعد حذف أكثر فضلاته. # الطريقة الثالثة سمعية، وهي أنا نستدل بالآيات الدالة على كونه تعالى سامعا رائيا ~~مدركا، كقوله تعالى: (إنني معكما أشمع وأرى)(1) وقوله تعالى: (لا تذركه الأبصار وهو ~~يذرك الأبصار)(2) وقوله تعالى: (قذ سمع الله قؤل التي تجادلك في زوجها)(3) وقوله تعالى: ~~(والله يسمع تحاوركما). فنقول: هذه الألفاظ موضوعة لهذه الإدراكات المخصوصة، ~~وحقيقة السمع والبصر والإدراك موضوع في اللغة على هذا الأمر الزائد الذي قررناه، فإذا ~~كانت حقيقة هذه الألفاظ موضوعة على هذا الأمر الزائد ولم يكن مستحيلا على الله تعالى ~~اال وجب حمل هذه الآيات على ظاهرها، ولم يجز صرفها عن ظاهرها لغير أمر يقتضي ذلك، ~~ا- سورة طه: آية 41. # 2- سورة الأنعام: آية 103. # 3- سورة المجادلة: آية 1. PageV00P197 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~اا ومتى حملت على ظاهرها وجب إثبات هذا الأمر الزائد لذاته تعالى وصح وصفه بكونه ~~مدركا. # واحتج البغداديون لنفي كونه تعالى مدركا بأمور: ~~أولها أنهم قالوا: لو جاز أن يكون تعالى مدركا لم يصح أن يكون مدركا في الأزل؛ لأن ~~وجود المدرك مستحيل في الأزل، فيجب أن يكون مدركا بعد أن لم يكن، وفي ذلك تغير، ~~والتغير عليه محال. # وجوابه أنا نقول: تعنون بالتغير حصوله على هذه الصفة بعد أن لم يكن عليها؟ فهذا هو ~~مذهبنا، فأي فساد في ذلك. أو تعنون بالتغير انقلابه عما هو عليه في ذاته ؟ قلنا: ليس يلزم ~~اذا كان مدركا خروجه عما هو عليه في ذاته، فبينوا أنه إذا تجددت له صفة لم يكن عليها ~~انقلب عما هو عليه في ذاته، ولا سبيل ms152 إليه. # ال وثانيها أنه تعالى لو كان مدركا للطعوم والروائح لوجب أن يسمي شاما وذائقا، وكل ~~ذلك لايصح على الله تعالى. # ل وجوابه أن الذائق والشام ليس اسما للمدرك للطعوم والروائح فيلزم ما ذكرتموه، وإنما ~~الشام اسم لمن يستجلب الهواء بالخيشوم لادراك المشموم، والذائق اسم لمن يماس محل ~~الطعم باللهاة، وهذا يقولون: شممته فلم آجد له ريحا، وذقته فلم أجد له طعما. فأين هذا ~~عما ذكروه من كونه اسما للمدرك. # وثالثها أنه لو كان تعالى مدركا لكان ذا حس، والحس هو إدراك الشيء بآلة وحاسة، ~~وهذا محال على الله تعالى. PageV00P198 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~وجوابه أنا نقول: إن أرتم بالحس حصول الإدراك فهذا مذهبنا، فأي مانع منه، وإن ~~أرتم أجساما مخصوصة فمن أين يلزم إذا كان مدركا أن يكون جسما. # ال ورابعها أنه تعالى لو كان له حالة بكونه مدركا لكان لا حكم هذه الصفة، فلا يجوز ~~اثباتها له تعالى؛ لأنا لا نعقل للادراك حكما إلا كونه طريقا إلى لعلم بالمدرك وهو تعالى عالم ~~بالأشياء بحقائقها وتفاصيلها. # وجوابه أن الصفة إنما يجب إثبات حكم لها إذا لم تكن معلومة بنفسها، وهذه الصفة ~~نعلمها من أنفسنا بالوجدان ومن غيرنا بالاضطرار، وفي حق الله تعالى نعلمها بالاستدلال، ~~كما قررناه آنفا، فإذا ثبت أنها معلومة لم يحتج إلى إثبات حكم ليكون طريقا إليها. # المسألة الخامسة في أنه تعالى مدرك لجميع المدركات ~~ذهب جميع البصريين إلى أنه تعالى مدرك لجميع المدركات، وحكي عن أبي القاسم بن ~~سهلويه (1) أنه نفى أن يكون تعالى مدركا للألم واللذة. ودليلنا عليه ما مر من ثبوت كونه ~~تعالى مدركا، ولا يختص بمدرك دون مدرك، فيجب آن يكون مدركا لجميعها. # واحتج لمذهبه بأن الألم واللذة إنما يدركان بمحل الحياة في محل الحياة، وهذا هو حكمهما ~~الذي يتميزان به عن غيرهما، وإدراك القديم تعالى هما كذلك مستحيل، فوجب ألا ~~يدركهما. # 1 - أبو القاسم ابن سهلويه (308-399ه) شيخ القاضي عبد الجبار بن أحمد، ويلقب بقاتل الأشعري؛ وسبب ~~ذلك أنه ناظر الأشعري ms153 في مسألة فانقطع وحم ومات. ذكره صاحب المنية والأمل في الطبقة العاشرة قال: هو من ~~أهل العراق وكان يشار إليه في جودة البيان وقوة النظر. وذكره النديم في الفهرست قال: ابن سهلويه ممن أخذ عن ~~أبي هاشم ولا كتاب له يعرف ويلقب بقشور. انظر النديم: الفهرست 222/1، القاضي عبد الجبار: فرق ~~وطبقات المعتزلة ص 117، وفضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص324، ابن المرتضى: المنية والأمل ص111. PageV00P199 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فالشيء المدرك إنما يتميز عن غيره بحقيقته التي يدرك عليها، والألم واللذة ~~يدركان لحقيقتهما ويتميزان بها، وكونهما يوجدان في محل أو لا في محل أمر وراء معقول ~~حقيقتهما، فكيف يجعل أصلا في مفهوم حقيقتهما. # وأما ثانيا فهو أن الحرارة والبرودة يدركان بمحل الحياة في غير محل الحياة، فإذا كان ~~تعالى يدركهما ولا يلزم من إدراكهما في حقه محال فكذلك الألم واللذة يجب أن يكون مدركا ~~لهما ولا يلزم منه محال. # القول في اضافة هذه الصفات إلى ذاته تعالى ~~اعلم أن كل من أثبت الله قادرا أثبت له تعلقا بمقدوره، ومن أثبته عالما أثبت له تعلقا ~~لوهه: ~~ثم اختلفوا فأما المعتزلة فنفاة الأحوال منهم يضيفون ذلك التعلق إلى ذاته من غير ~~واسطة، وهذا هو مذهب أبي الحسين وأصحابه، فإنهم ذهبوا إلى أن القديم تعالى لذاته ~~وحقيقته المخصوصة توجب هذا التعلق من غير واسطة أمر زائد، يمكن أن يكون هذا هو ~~قول المتقدمين من المعتزلة، فإنهم أطلقوا بأن القديم تعالى يستحقها، فلم يخوضوا خوض ~~المتأخرين في تحقيق الصفات، فيجب حمل قوهم على ذلك، وأما مثبتو الأحوال منهم كأبي ~~على وأبي هاشم وأصحابهما فيضيفون هذا التعلق إلى ذاته بواسطة صفة هي القادرية ~~والعالمية، ثم هذه الصفة عندهم ليست معدومة ولا موجودة ولا معلومة ولا مجهولة ~~بانفرادها، وهم مجمعون عن آخرهم على أن الله تعالى لا يستحق هذه الصفات لمعاني. PageV00P200 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~وأما الأشعرية فاتفقوا على إثبات المعاني القديمة، ثم اختلفوا فنفاة الأحوال منهم ~~يقولون: العلم هو ms154 نفس العالمية، والقدرة هي نفس القادرية، ثم هذه الصفة عندهم معلومة ~~بنفسها موجودة لذاتها. وهذا هو مذهب الأشعري وابن كلاب(1)، وهو قول المحققين من ~~متاخريهم. # فأما مثبتو الأحوال منهم فعندهم أن هذه الصفات أعني القادرية والعالمية والحيية ~~مضافة إلى المعاني، وأن الله تعالى كما هو موصوف بهذه الصفات فهو موصوف بالمعاني، ~~وهذا مذهب القاضي الباقلاني منهم، وهو قول الكرامية(2) فهذا تحصيل مذاهبهم بحسب ~~الوسع. # واحتج المعتزلة على بطلان المعاني بأمور: منها ما يدل على نفيها مطلقا، ومنها ما يدل ~~على نفي كل واحد منها على الخصوص. # 1 عبد الله بن سعيد بن محمد بن كلاب، أبو محمد القطان البصري (245ه(: محدث، متكلم من العلماء يقال له ~~"ابن كلاب". قال السبكي: وكلاب بضم الكاف وتشديد اللام، قيل: لقب بها لأنه كان يجتذب الناس إلى معتقده ~~اذا ناظر عليه كما يجتذب الكلاب الشيء. له كتب، منها "الصفات وخلق الأفعال 1 و0الرد على المعتزلة(1. # الزركلي: الاعلام 90/4، كحالة: معجم المؤلفين 59/6. # 2 الكرامية من فرق المرجئة أصحاب أبو عبد الله محمد بن كرام السجزي (255ه( يزعمون أن الايمان هو ~~الاقرار والتصديق باللسان دون القلب وأنكروا أن يكون معرفة القلب أو شيء غير التصديق باللسان إيمانا، ~~وزعموا أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين على الحقيقة، وزعموا أن ~~الكفر بالله هو الجحود والإنكار له باللسان، وقد غالوا في إثبات الصفات إلى أن انتهي الأمر بهم إلى التجسيم ~~والتشبيه. الزركلي: الأعلام 14/7، الشهرستاني: الملل والنحل 159/1. PageV00P201 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~أما النوع الأول وهو ما يدل على نفيها مطلقا ~~فمن وجوه: الأول ذكره صاحب المعتمد وطول فيه أنفاسه، وقال: إنه لا دليل على هذه ~~المعاني وما لا دليل عليه وجب نفيه. وإنما قلنا إنه لا دليل على هذه المعاني؛ فلأن الدليل ~~عليها إما أن يكون عقليا أو سمعيا. أما العقلي فلا بد أن يكون بينه وبين مدلوله تعلق وإلا ~~لم يكن بأن يدل عليه أولى من أن ms155 لا يدل أو يدل على غيره، وذلك التعلق لا يخلو من ~~ال وجهين: إما استدلال بالأثر على المؤثر أو استدلال بالمؤثر على الأثر، وكلا الوجهين باطل ~~في حق هذه المعاني. أما بطلان الاستدلال على هذه المعاني بآثارها؛ فلأن الذي يمكن ذكره ~~في ذلك أن يقال: إن هذه المعاني توجب أحوالا للقديم تعالى، فتلك الأحوال دلالة عليها، ~~وهذا باطل لوجهين: ~~أما أولا فهذه الأحوال لا طريق إليها كما أنه لا طريق إلى هذه المعاني: ~~وأما ثانيا فلو سلمنا هذه الأحوال لكانت ذات القديم تعالى كافية في التأثير فيها من غير ~~حاجة إلى هذه المعاني: ~~وأما بطلان الاستدلال على هذه المعاني بأمور مؤثرة فيها فليس يمكن في ذلك إلا ~~أمران: إما أن يقال: إن ذات القديم تعالى هي المؤثرة في هذه المعاني والموجبة لها. وإما أن ~~يقال إن ذاتا قديمة غير ذاته تعالى هي الموجبة لهذه المعاني، والأول باطل لأمرين: ~~أما أولا فإذا كانا في الأزل على سواء فلم أثرت ذات القديم تعالى في هذه المعاني أولى من ~~ان تؤثر هذه المعاني في ذات القديم تعالى. # و أما ثانيا فلو أثرت ذات القديم تعالى في هذه المعاني لأثرت هذه المعاني في معان أخر إلى ~~غير غاية. PageV00P202 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~والثاني باطل لما ذكرناه في القسم الأول؛ ولأنه لا قائل به، فيجب أن يكون باطلا، فبطل ~~ان يكون الطريق إلى هذه المعاني دلالة عقلية. # وأما السمع فليس فيه ما يدل على هذه المعاني؛ لأن السمع ليس إلا مثل قوله تعالى: ~~(أنزله بعلمه)(1). وقوله: (ذو القوة المتين)(2) وهذا ليس فيه دلالة عليها؛ لأن المتعارف ~~عند أهل اللغة من القوة والعلم ليس إلا كونه قادرا وعالما دون القدرة والعلم؛ فإنهم لا ~~يفهمونها، فثبت أنه ليس في أقسام الأدلة ما يصلح للاستدلال على هذه المعاني، فثبت أنه لا ~~دليل عليها. # وأما أن ما دليل عليه وجب نفيه؛ فلأن اعتقاده يؤدي إلى فساد العلوم الضرورية ~~والنظرية ويكون حصوله كألا يحصل، فيجب القطع ببطلان هذه المعاني، ms156 فهذا ملخص ما ~~ذكره في المعتمد بعد حذف التطويلات. # الوجه الثاني القديم تعالى وعالميته لو كانت لأجل معان قديمة لكانت مساوية لذات ~~القديم تعالى في نفس القدم، والقدم وصف كاشف عن حقيقة الذات، والاشتراك في ~~الوصف الخاص يقتضي الاشتراك في نفس الحقيقة، وإنما قلنا إنها لو كانت قديمة لشاركت ~~القديم تعالى في القدم فهو ظاهر؛ لأنه قد وجب لها على قولهم مثل ما وجب له تعالى من ~~الحصول فيما لا أول له وهو القدم. # وانما قلنا: إن القدم وصف كاشف عن حقيقة الذات؛ فلأنا إذا أردنا أن نميز حقيقته عن ~~غيرها فلا يمكننا إلا بكونه قديما، فدل ذلك على أن القدم هو الوصف المميز لذاته عن ~~غيرها. وإنما قلنا: إن الاشتراك في الوصف الخاص يقتضي الاشتراك في نفس الحقيقة؛ فلما ~~1- سورة النساء: آية 116. # 2- سورة الذاريات: آية 58. PageV00P203 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~ثبت أنه لا طريق إلى تعقل تلك الحقيقة إلا بواسطة ذلك الوصف، فلو كان تستحق صفاته ~~لمعان قديمة لزم أن تكون مساوية لذاته في تمام حقيقتها، فيلزم أن تكون كل واحد من تلك ~~المعاني مثلا لذاته تعالى، فيكون كل واحد منها ذاتا مستقلة موصوفة بالصفات المعتبرة في ~~الالهية، فيكون كل واحد منها إلها، ولا تكون صفة أولى من أن تكون موصوفة، وهذا محال. # فبطل القول بالمعاني القديمة. # الوجه الثالث أن كون القديم تعالى قادرا وعالما وحيا أمور واجبة، والواجب يستحيل ~~تعليله بعلة. وإنما قلنا إنها أمور واجبة فلأمرين: ~~أما أولا فلأنه لا خلاف بيننا وبين خصومنا في كونها واجبة. # وأما ثانيا فلأنه يستحيل خروج ذاته عن كونها قادرة وعالمة وحية، ولا نعني بكونها ~~واجبة إلا ذاك؛ فثبت أنها واجبة. # وانما قلنا إن الواجب يستحيل تعليله فلأمرين: ~~أما أولا فلأن الوجوب دليل الغنى كما نقوله في صفة العلة؛ فإنها لما كانت واجبة ~~استغنت بوجوبها عن العلة. # وأما ثانيا فلما ثبت من امتناع تعليل وجوب ذاته تعالى. وإنما امتنع لأجل وجوبها، ~~فيجب امتناع تعليل ما كان واجبا بعلة. # الوجه الرابع أنه ms157 تعالى لو كان قادرا وعالما لمعان لولاها لم يكن حاصلا على هذه الصفات ~~لكان يجب أن يكون محتاجا إليها، وهو تعالى يتعالى عن الحاجة في ذاته وفي صفاته، كما ~~سيجيء مشروحا إن شاء الله تعالى. وإنما قلنا إنه يكون محتاجا إليها؛ لأنه لا يحصل على PageV00P204 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~أوصاف الكمال إلا لمكانها، وهذا هو الغاية في الاحتياج، ولا يلزم مثل ذلك في الإرادة ~~والكلام؛ لأن كونه تعالى غير مريد ولا متكلم ليس بنقص. # الوجه الخامس أن القديم تعالى لو استحق صفاته لمعان قديمة لكانت تلك الحقيقة ~~الالهية مركبة من تلك الذات ومن تلك الصفات، ولو كانت كذلك لكانت الذات مفتقرة؟ # لأن كل حقيقة مركبة فهي محتاجة إلى أجزائها، وكل واحد من أجزائها غيرها، فإذن كل ~~حقيقة مركبة فهي محتاجة إلى غيرها، وهذا محال في حق الله تعالى. فيبطل القول بالمعاني. # الوجه السادس أنا إنما أثبتنا العلم والقدرة والحياة في حقنا؛ لأن كون الواحد منا قادرا ~~عالماحيا أحكام جائزة، فلا جرم وجب علينا تعليلها بالعلل، وهذا الجواز غير ثابت في حق ~~الله تعالى؛ لوجوب كونه قادرا وعالما وحيا، فوجب ألا يحكم باسناد هذه الصفات إلى ~~العلل. وهذا الوجه بعينه يرجع إلى أن هذه المعاني لا دليل عليها، وقد تقدم، فهذه الوجوه ~~التي يحتج بها على نفي المعاني مطلقا. # وأما النوع الثاني وهو ما يدل على نفي كل واحد منها على الخصوص: ~~أما العلم ~~فيدل على بطلانه وجوه ثلاثة: ~~الوجه الأول أنه تعالى لو كان عالما بعلم لكان علمه مثلا لعلمنا، ومماثلته لعلمنا محال. # فالقول بكونه عالما بعلم باطل. وإنما قلنا إنه تعالى لو كان عالما بعلم لكان علمه مثلا لعلمنا؛ ~~فلأن العلم متعلق بالمعلوم، فلو كان لله تعالى علم لكان علمه متعلقا بعين ما تعلق به العلم ~~الحادث في كل وجوهه، وكل علمين هذا حالهما فهما مثلان، فهذه مقدمات ثلاث يلزم من ~~ثبوتها أن يكون علم البارئ تعالى مثلا للعلم الحادث. PageV00P205 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~أاما المقدمة الأولى ms158 وهي أن العلم متعلق بالمعلوم، فالذي يدل عليه أن العلم لو لم يكن ~~متعلقا بالمعلوم لم يكن بأن يوجب كون العالم عالما بهذا المعلوم أولى من أن يوجب كونه عالما ~~بغيره. # وأما المقدمة الثانية وهي أن العلم القديم متعلق بما تعلق به العلم الحادث على وجه ~~واحد وطريقة واحدة، فبيانه أن المعتبر في تماثلهما أمور خمسة: وهي أن يكون التعلق واحد، ~~والمتعلق واحد والطريقة واحدة، والوقت واحد والوجه واحد. وهذه الوجوه كلها ~~حاصلة بالدليل أو تسليم الخصم. # أما إن التعلق واحد فهو احتراز عما إذا كان أحدهما تعلق العلوم والآخر تعلق الإرادات ~~لم يلزم ثماثلهما. وأما إن المتعلق واحد فهو احتراز عما إذا كان أحدهما متعلقا بمعلوم والآخر ~~بمعلوم آخرلم يتماثلا، كعلمنا بالسواد وعلم متعلق بغيره. وأما إن الوجه واحد فهو احتراز ~~عما إذا كان أحد العلمين متعلقا بالشييء على حكم أو صفة والآخر يخالفه. فأما إن الطريقة ~~واحدة فهو احتراز عما إذا كان أحدهما متعلقا بالجملة والآخر بالتفصيل. وأما إن الوقت ~~واحد فهو احتراز عما إذا كان وقت المعلوم مختلفا لم يتماثلا. # وأما المقدمة الثالثة وهو أن كل علمين هذا شأنهما فهما مثلان. فبيانه من وجهين: ~~أما أولا فلأن هذا التعلق على هذه الوجوه الخمسة أخص أثر يصدر عن العلم، فيجب ~~ان يكون كاشفا عن حقيقته، والاشتراك في الأثر الكاشف عن الحقيقة يقتضي الاشتراك في ~~الحقيقة، كما قررناه في المعاني القديمة، فيجب تماثل العلمين. # ال و أما ثانيا فلأنهما يتنافيان بالضيد الواحد والشيء الواحد، ولا ينفي حقيقتين مختلفتين غير ~~ضدين، فثبت أنه تعالى لو كان عالما بعلم لكان علمه مثلا لعلمنا. PageV00P206 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وأما أن ذاك محال فلأن المثلين يجب اشتراكهما في جميع اللوازم، فيلزم أن يكون علمنا ~~قديما أو علمه محدثا، وكلاهما محال، فبطل القول بكونه عالما بعلم. # الوجه الثاني أنا نقول: قد ثبت بالدليل وبالاجماع من مخالفتنا في هذه المسألة أنه تعالى عالم ~~بمعلومات لا نهاية لها، فلو كان تعالى عالما بعلم لكان لا ms159 يخلو إما أنه يعلم تلك المعلومات ~~الغير المتناهية بعلوم غير متناهية أو بعلوم متناهية أو بعلم واحد. # والأول باطل؛ لأن وجود أعداد لا تتناهى محال لا قائل به. والثاني والثالث باطلان؛ ~~لأن ذلك يقتضي أن يتعلق العلم الواحد بأكثر من معلوم واحد، وهو باطل لأمرين: ~~أما أولا فلو تعدى العلم في تعلقه المعلوم الواحد لتعدى ولا حاصر، إذ ليس عدد أولى ~~من عدد، فيلزم تعلق العلم الحادث بما لا نهاية له، وهذا محال. # وأما ثانيا فلأن العلمين إذا كانا متعلقين بمعلومين مختلفين فهما لا شك مختلفان، وإنما ~~اختلفا لاختلاف متعلقهما، فاختلاف متعلقهما دليل على اختلاف حقيقتهما، فلو كان العلم ~~الواحد متعلقا بمعلومين مختلفين كان اختلاف تعلقه دليلا على اختلاف حقيقته، فيلزم أن ~~يكون العلم الواحد مخالفا لنفسه، وهو محال. # الوجه الثالث أنه تعالى لو كان عالما بعلم لكان لا يخلو إما أن يكون عالما بعلمه أو لا ~~يكون، وهو محال ألا يكون عالما بعلمه، للبرهان وتسليم الخصم. ومحال أن يكون عالما ~~بذلك العلم؛ لأنه لا يخلو إما أن يعلم ذلك العلم لذاته أو بنفس ذلك العلم أو بعلم آخر، ~~فإن كان الأول فإذا جاز أن يعلم علمه لذاته جاز أن يعلم سائر المعلومات لذاته ولا يحتاج ~~إلى علم قديم وإن كان الثاني فإذا جاز أن يعلم علمه بنفس علمه جاز في كل معلوم أن ~~يكون معلوما بنفسه حتى يعلم الجوهر بنفس كونه جوهرا لا بالعلم، وهذا محال. وإن كان PageV00P207 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الثالث فالكلام في العلم بالعلم الثاني كالكلام في العلم الأول، فيلزم احتياج كل علم إلى ~~علم آخر إلى غير نهاية، وهذا محال، فيطل القول بكونه تعالى عالما بعلم. # وأما القدرة ~~فيدل على بطلانها وجهان: ~~الأول أنه تعالى لو كان قادرا بالقدرة لاستحال منه فعل الجسم، وقد ثبت أنه فاعل له، ~~فيستحيل أن يكون قادرا بالقدرة. وإنما قلنا إنه لو كان قادرا بقدرة لاستحال منه فعل ~~الأجسام، فلمقدمات ثلاث: ~~المقدمة الأولى أنا لا نقدر على فعل الأجسام. ms160 # الثانية أنا إنما لم نقدر عليها لكوننا قادرين بالقدرة. # الثالثة أن الله تعالى لو كان قادرا بالقدرة لاستحال منه فعل الأجسام. # أما الأولى فيدل عليها أمران: ~~أحدهما أنا لو قدرنا على فعل الأجسام لوجب أن يفعل الإنسان لنفسه ما شاء من ~~الأموال والأولاد إذا دعاه إليه داع، فلما علمنا تعذر ذلك علمنا أنا ليس بقادرين على فعل ~~الأجسام. # وثانيهما أنا لو قدرنا على فعل الأجسام لكان لا يخلو إما أن تفعلها ابتداء أو متولدة، ~~وباطل أن نفعلها ابتداء، وإلا لصح منا فعلها مخترعة في ظروف مشددة الرؤوس إذا دعانا ~~إلى فعلها داع، ولما لم يصح ذلك منا علمنا استحالته. وباطل أن نفعلها متولدة؛ لأن ذلك ~~المولد لها لا بد وأن يكون مختصا بجهة وإلا لم يكن بأن يولد الجسم في جهة دون جهة ولا PageV00P208 ~~============================================================ ~~الشهي شح معالمر العدل والتوحيل ~~سبب يختص بالجهة إلا الاعتماد، فلو كان الاعتماد مولدا للأجسام، وقد ثبت قدرتنا على ~~الاعتماد، لكان يجب إذا أدخلنا أيدينا في زق وشددنا رأسه، واعتمدنا فيه أن نملأه جواهر ~~كما نملؤه بأجزاء الهواء إذا نفخناه؛ لأن ما نواليه من الاعتمادات الكثيرة يقتضي كثرة ~~الأجسام فيه، وقد علمنا أن الزق لا يملأ من كثرة المدافعات فعلمنا أن الاعتماد لا يولد ~~الأجسام. # و أما الثانية فيدل عليها أمران أيضا: ~~أحدهما أن القدر في الشاهد يشملها هذا الحكم فلا بد أن يعلل ذلك بعلة يشملها، ~~ال وليس ذلك إلا كونها قدرا. # وثانيهما أنه لو ثبت في الغائب قدرة لكان لا يخلو إما أن تكون مثلا هذه القدرة أو مخالفة ~~لها فإن كانت مثلا لها وجب ألا يصح بها فعل الأجسام كما لا يصح بهذه القدرة، وإن ~~كانت مخالفة هذه القدرة لم تكن مخالفتها هذه القدرة بأكثر من مخالفتها بعضها لبعض، فلو ~~صح فعل الأجسام بالقدرة العامة لصح بهذه القدر؛ لاشتراكها في معنى المخالفة، فلما لم ~~يصح ذلك علمنا أنه لا يصلح شيء من القدر لإيجاد الأجسام. # وأما المقدمة الثالثة وهي أن من كان قادرا ms161 بالقدرة استحال منه فعل الأجسام، فلما قدمنا ~~من أنه إنما استحال بها فعل الأجسام لكونها قدرا، وقد ثبت أن الله تعالى فاعل للأجسام، ~~فلا يكون قادرا بالقدرة. # الوجه الثاني أنه تعالى لو كان قادرا بالقدرة لاستحال منه الفعل إلا بإعمال محلها، ومعنى ~~اعمال محلها أن يحصل الفعل أو سببه في محل القدرة، فلو كان قادرا بالقدرة لاستحال منه ~~الفعل إلا بإعمال ذاته التي هي محل القدرة، وهذا محال في حقه تعالى. فبطل أن يكون قادرا ~~بقدرة. PageV00P209 # ============================================================ ~~النسهيل شح معالمر العدل والتوحيل ~~وأما الحياة ~~فالذي يدل على بطلانها وجهان: ~~الأول أنه تعالى لو كان حيا بحياة لصحت عليه الشهوة والنفار؛ لأن الحياة مضمنة بهما، ~~ولمالم يصحاعليه تعالى لما سنثبته بطل كونه حيا بحياة. # الوجه الثاني أنه تعالى لو كان حيا بحياة، والحياة لا يصح الإدراك بها إلا بعد استعمال ~~محلها ضربا من الاستعمال، فلو كان تعالى حيا بحياة لكان لا يصح إدراكه للمدركات التي ~~لا تدرك إلا بمحل الحياة إلا بعد استعمال ذاته التي هي محل الحياة في المدرك ضربا من ~~الاستعمال، ولما استحال ذلك في حقه بطل أن يكون حيا بحياة. فهذه خلاصة أدلتهم على ~~بطلان المعاني: ~~واعلم أن أقرب ما يعول عليه في إبطال هذه المعاني أن يقال: إن القديم تعالى لو كان له ~~تعالى قدرة وعلم وحياة لكانت حقائق هذه المعاني مخالفة لحقيقة ذاته تعالى لاستقلال كل ~~واحد من هذه المعاني بنفسه في المعلومية والثبوت، وأقل مراتب المخالفة الغيرية، فحينئذ ~~اال يكون في الوجود قديم غير الله تعالى مخالف له في ذاته وحقيقته، وبطلانه معلوم باتفاق ~~المسلمين. # القول في إيراد الشبه المتعلقة بإثبات المعاني ~~اال وهي نوعان: أحدهما يوردونه تقريرا لكونه تعالى عالما بعلم. والثاني يوردونه طعنا في ~~كونه عالما لذاته، فيجب أن يكون عالما لمعنى. # أما النوع الأول فشبه خمس: PageV00P210 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~الشبهة الأولى قالوا: قد ثبت أنه تعالى عالم، والعلم جزء من مفهوم العالم، وحصول ~~الحقيقة مع بطلان جزء من أجزائها محال، فإذا ms162 ثبت أنه تعالى عالم وجب أن يكون له علم، ~~أما أنه تعالى عالم فللبرهان السابق وتسليم الخصم. وأما أن العلم جزء من مفهوم العالم ~~فالذي يدل عليه أن من لا يخطر بباله العلم لا يمكنه أن يعقل العالم ولا يفهم حقيقته، فلهذا ~~قلنا إنه جزء من مفهومه. وأما أن حصول الحقيقة مع بطلان جزء من أجزائها محال فالذي ~~يدل عليه أن الحقيقة إذا صارت مركبة من آجزاء كان معقولها متوقفا على فهم تلك ~~الأجزاء؛ لأن كل جزء من أجزاء تلك الحقيقة على حظ من مفهوم الحقيقة. # وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فنحن نسلم أن العلم جزء من مفهوم حقيقة العالم وأن فهم الحقيقة من دون ~~كمال أجزاثها محال، ولكن نقول: ما تريدون بالعلم الذي هو جزء من مفهوم حقيقة العالم ؟ # فإن أردتم به التعلق الحاصل بين العالم والمعلوم فهذا صحيح وهو موجود في حقه تعالى، ~~وان أردتم به معنى قائما بنفسه مغايرا لذاته تعالى فهذا فيه النزاع، ولا نسلم أنه أصل في ~~حقيقة العالم ولا جزء من مفهومها. # وأما ثانيا فلو كان الغرض بالعلم هو الذات المغايرة لذاته تعالى لكان يجب ألا يفهم ~~العالم عالما إلا من فهم هذا المعنى، ونحن على قطع من حال العقلاء أنهم يفهمون العالم وإن ~~ميخطر ببال أحد منهم هذا المعنى، فكيف يقال إنه جزء من مفهوم العالم. # الشبهة الثانية قالوا: المصحح لكون العالم عالما وكون القادر قادرا إنما هو صفة الحي، إذ ~~يستحيل أن يكون قادرا وعالما وليس بحي، فإذا(1) استحال حصول القادرية والعالمية من ~~دون مصححهما فيجب آن يستحيل حصولهما من دون موجبهما، وهما العلم والقدرة؛ لأن ~~- جاءت في الأصل هكذا: فإذا إذا. PageV00P211 # ============================================================ ~~التسهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~الحاجة إلى الموجب آكد من الحاجة إلى المصحح، ولهذا يجوز حصول المصحح من دون ما ~~ه ويتيل حصول الموجب من دون حصول موجيه. # وجوابه من وجوه: ~~أما أولا فنحن لا نقول بالعلة والمعلول، فلا يلزمنا ما ذكرتم، وإنما يلزم القائلين بالمعاني. # وأما ثانيا فلو سلمنا ms163 فلم زعمتم أنه إذا استحال حصول الصفة من دون مصححها ~~وجب استحالة حصولها من دون موجبها، وما أنكرتم أن تكون القادرية والعالمية مصحح ~~واحد ويكون لها موجبان أحدهما الذات في الغائب والثاني المعنى في الشاهد، فلم تزيدوا في ~~كلامكم على مجرد الدعوى من دون برهان. # وأما ثالثا فهو أن المصحح يجوز أن يخلفه مصحح آخر عندكم كما ذكرنا في الموجب، ~~وهذا فإن المصحح لقيام العلم بالواحد منا هو الحجم وفي الغائب هو ذات القديم، فصح ~~أن الموجب والمصحح يجريان مجرى واحدا في أن كل واحد منهما يجوز أن يخلفه غيره. # وأما رابعا فقولكم: إن الموجب أقوى من المصحح. خطأ، لأن المصحح موجب للصحة ~~ل وهي أثره، كما أن الموجب يوجب الحكم وهو أثره، فلا فرق بينهما في ذلك. وقولكم: ~~يستحيل وجود العلة من دون حكمهما، ولا يستحيل وجود المصحح من دون ما صححه. # قلنا: إنما كان كذلك؛ لأن المصحح ليس موجبا لوجود المصحح بل يحتاج إلى مؤثر آخر غير ~~الصحح، وإنما المصحح يؤثر في صحته ويوجبها، فبطل قولكم إن العلة أقوى من ~~المصحح، وصح أنه لا فرق بينهما. # الشبهة الثالثة قالوا: قد ثبت أن الله تعالى محكم لأفعاله، والإحكام من لوازم العلم، ~~فيجب أن يكون له تعالى علم. PageV00P212 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وانما قلنا: إن الله تعالى محكم لأفعاله، فلما مر في مسألة العالمية، وإنما قلنا إن الإحكام من ~~لوازم العلم؛ فلأنا نعلم بالضرورة أن تأتي الإحكام ممن ليس له علم محال: ~~وجوابه أنا نسلم أن الإحكام من لوازم العلم، ولكن نقول: إن كان الغرض بالعلم هو ~~التعلق الذي لمكانه أحكم العالم أفعاله فهذا صحيح، وإن كان المراد بالعلم المعنى القائم ~~بالذات المغاير لها فهذا خطأ، ولا نسلم أن الإحكام من لوازمه ولا أن الله تعالى محكم ~~لأفعاله لمكانه. # الشبهة الرابعة أنا نعلم القديم تعالى قادرا عالما، فعلمنا بكونه قادرا وعالما لا يخلو إما أن ~~يكون بنفس الذات أو بمعنى قائم، وباطل أن يكون بنفس الذات؛ لأنا نعلم ذاته، ms164 وإن لم ~~نعلم أنها قادرة عالمة فلم يبق إلا أن يكون العلم متعلقا بمعنى غير الذات، وهو المطلوب. # وجوابه أما نفاة الأحوال فيقولون: إن علمنا بكونه قادرا وعالما ليس علما بذاته مجردة ~~ولا بمعنى مغايرا لذاته، وإنما هو علم بها على حكم، وهو أنها ذات يصح منها الفعل عند ~~عدم المنع. وعلمنا بكونه عالما علم بكونها على حكم، وهو تثبته للمعلوم وتعلقه به. وأما ~~مثبتو الأحوال فإن علمهم بكونه تعالى قادرا وعالما هو علم بذاته على صفة هي القادرية ~~والعالمية، وهكذا القول في جميع أوصافه وأحواله، فإذا كان هذا الوجه غير ممتنع بطل قولهم ~~انه لا وجه إلا إثبات المعنى. # الشبهة الخامسة قالوا: قد ثبت أن الواحد منا عالم بعلم، والمحوج إلى العلم إما أن يكون ~~هو مجرد من هذه الصفة أو جوازها، وباطل أن يكون المحوج إلى المعنى هو جواز هذه ~~الصفة؛ لأن جوازها حاصل في الجاهل، فكان يجب أن يكون الجاهل عالما بما يجهله في حال ~~جهله، فلم يبق إلا أن يكون المحوج إلى المعنى هو مجرد هذه الصفة، فيجب أن تكون دالة ~~على المعنى في حقه تعالى. PageV00P213 # ============================================================ ~~الهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وجوابه أن من لا يقول بالعلة والمعلول فهذه الشبهة غير لازمة له، وإنما تلزم مثبتي ~~الأحوال كأبي هاشم وأصحابه. # وجوابه على مذهبهم أن الدال على المعنى في الشاهد ليس مجرد هذه الصفة ولا جوازها ~~وانما الدلالة عليه هو حصول هذه الصفة مع جوازها. وهذا القياس وهو الحصول مع ~~الجواز ليس حاصلا في حقه تعالى، فلا يجب أن يكون عالما بعلم، فهذه زبدة أدلتهم في كونه ~~تعالى عالما بعلم. # وأما النوع الثاني وهو ما يوردونه طعنا علينا في كونه عالما لذاته، فيجب أن يكون عالما ~~بعلم ~~وهم فيه شبه ثلاث: ~~الشبهة الأولى قالوا: العلم متميز عن غيره من الحقائق، وتميزه إنما كان بايجابه كون ~~الذات عالمة وهذا فإن القدرة لما لم توجب كون الذات عالمة لم تكن علما، فإذا كان الله تعالى ~~عالما لذاته وجب أن ms165 تكون ذاته علما. # وجوابه أن هذا إنما يلزم أهل المعاني، وجوابهم عنه أن اشتراك حقيقتين مختلفتين في ~~ايجاب حكم لا يقتضي تماثلهما، وإنما يقتضي تماثلهما إذا اشتركا في صدور ذلك الأثر على ~~نعت واحد وقضية واحدة، وهذا فإن الحقائق المختلفة كالعلم والارادة والقدرة يجوز ~~تعلقها بشيء واحد ولا يجب تماثلهما لما لم يكن تعلقها على نعت واحد وقضية واحدة، فإذا ~~عرفت ذلك فنقول: إن العلم وذات القديم سبحانه وإن اشتركا في أن كل واحد منهما ~~موجب للعالمية فلا يلزم تماثلهما؛ لأن إيجابهما مختلف، فإن ذات القديم تعالى توجب العالمية ~~لنفسها، والعلم ويوجب العالمية لغيره، فلما اختلفا في كيفية الايجاب لم يلزم تماثلهما. PageV00P214 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الشبهة الثانية لو كان تعالى عالما لذاته لوجب أن يكون كل عالم عالما لذاته. # وإنما قلنا ذلك لأن المفهوم من قولنا إنه تعالى عالم لذاته أن ذاته هي المؤثرة في عالميته، ~~فنقول: إسناد العالمية إلى الذات إما أن يكون لنفس الذات أو لمعقول العالمية، وباطل أن ~~يكون لنفس الذات، وإلا لزم في كل ذات أن تكون عالمة، فلم يبق إلا أن يكون لمعقول ~~العالمية، فيصير إسناد العالمية إلى الذات أصلا في معقول حقيقة العالمية، فيلزم في كل عالمية ~~أن تكون للذات. # وجوابه أنا نقول: إن إسناد العالمية إلى الذات ليس لمعقول العالمية حتى يلزم في كل عالم ~~ان تكون عالميته لذاته، بل إنما كانت لذاته لقيام الدلالة على بطلان سائر الأقسام سوى ذاته ~~المخصوصة، فلا يلزم من إسنادها إلى ذاته المخصوصة إسنادها إلى ذات غيره لما لم تكن ~~ذات غيره مشاركة له في خصوصية حقيقته. # الشبهة الثالثة لو جاز حصول حكم العلة مع مخالف العلة لجاز حصول الحكم لا لعلة؛ ~~لأنه في كلتا الحالتين قد حصل الحكم لا لتلك العلة، فلو كان تعالى عالما لذاته لكان قد ~~حصل حكم العلة مع مخالف للعلة وهو الذات، فيلزم أن يحصل كونه عالما لا لعلة. # وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فلم لا يجوز صدور نوع العالمية ms166 عن أمرين حقيقة كل واحد منها مخالفة لحقيقة ~~الآخر أحدهما ذات الله تعالى والثاني العلم في حق الواحد منا، فلم يزيدوا على مجرد الإنكار ~~والاستعباد من غير دلالة. # و أما ثانيا فإنما امتنع من ثبوت مثل حكم العلة مع علة تخالفها إذا كان الاثبات على نعت ~~واحد وكان الحكم كاشفا عن حقيقة تلك العلة، ومن أخص أحكامها؛ لأنها إذا كانت على PageV00P215 ~~============================================================ ~~النهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~هذه الصفة لم يجز ثبوت حكمها مع علة أخرى مخالفة لها؛ لأن ذلك الحكم يكون كاشفا عن ~~تماثلهما، فكيف تكون مخالفة لها. فأما إذا لم يكن الأيجاب على نعت واحد جاز ثبوت مثل ~~حكم العلة مع علة تخالفها. فأما قوله: لو حصل حكم العلة مع أمر يخالف العلة لجاز ~~حصول الحكم لا لعلة. فليس بلازم؛ لأن إيجابها لحكمها هو لذاتها فلم يجز أن تحصل مع ~~عدمها، بخلاف حصول حكمها لمخالفها، فإن كان ايجابها على نعت واحد وكان خاصا لها ~~وكاشفا عن حقيقتها لم يجز حصوله لمخالفها، وإن لم يكن على هذا الحد جاز حصوله ~~لمخالفها إذلا استحالة في ذلك. # القول في أن مخالفته لخلقه لذاته المخصوصة لا بصفة زائدة ~~ال والذي ذهب إليه نفاه الأحوال كأي الحسين وأصحابه أن مخالفته تعالى لغيره إنما تكون ~~لذاته المخصوصة بل قال: إن كل موجود مخالف لغيره بحقيقة ذاته وإنه ليس بين الحقائق ~~اشتراك إلا في الأسماء والأحكام، فأما أنفس الحقائق فلا اشتراك فيها. # وأما مثبتو الأحوال كأبي علي وأبي هاشم وأصحابهما فإنهم ذهبوا إلى أن ذاته مساوية ~~لسائر الذوات في أصل الذاتية، ولكنها تخالفها بصفة مخصوصة اختصت بها من دون سائر ~~الذوات، ثم اختلفا فذهب أبو علي إلى أن مخالفته تعالى لغيره بوجوب قادريته وعالميته، ~~وهذا قول أبى هاشم أولا، وقال آخرا: إنه تعالى يخالف خلقه بصفة خامسة وهي المقتضية ~~هذه الأربع. # والمختار هو الأول، ويدل عليه أن مخالفته تعالى لخلقه لو كانت لغير ذاته لكانت ذاته ~~مساوية لسائر الذوات، إذ لو كانت مخالفة لها لكونها تلك ms167 الذات لكانت المخالفة بنفس ~~الذات لا بأمر زائد. ولو كانت ذاته مساوية لسائر الذوات في كونها ذاتا لكان اختصاص ~~ذاته بالصفة التي خالف بها غيره لا بد من أن تكون لأمر، وذلك الأمر إن كان جائزا لم يكن PageV00P216 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيد ~~اختصاص القديم تعالى بالصفة واجبا؛ لأن المعلول تابع لعلته، وهو محال؛ لأن مخالفته تعالى ~~لغيره واجبة بكل حال، وإن كان واجبا فذلك الوجوب إن كان لأجل صفة أخرى ~~تسلسل، وإن كان لذاته المخصوصة كانت المخالفة لنفس ذاته من غير حاجة إلى صفة، وهو ~~المطلوب. # واحتجوا لتقرير المخالفة بالصفة بأمرين: ~~الأول أن مخالفته تعالى لخلقه لا تخلو إما أن تكون لكونه ذاتا مطلقة أو لكونه ذاتا ~~مخصوصة، والأول باطل، وإلا لزم ألا تكون غيره ذاتا، أو أن تكون الذوات المتماثلة مختلفة، ~~وهذا باطل، والثاني أيضا محال؛ لأن مفهوم تلك الخصوصية إن كان راجعا إلى مجرد كونها ~~ذاتا لزم أن يكون العالم بكونها ذاتا عالما بتلك الخصوصية حتى يلزم أن من علم أنه تعالى ~~ذات علم خصوصية ذاته، وليس الأمر كذلك، فإن العلم بأحدهما مغاير للعلم بالثاني. # فإذن لا بد أن يكون لقولكم مخصوصة مفهوم منفصل عن مطلق كونه ذاتا، سواء كان ذلك ~~المفهوم ثبوتيا أو عدميا، لكنكم تساعدون على أن مخالفته تعالى لخلقه ليس لأمر عدمي بل ~~لأمر ثبوتي زائد على مطلق كونه تعالى ذاتا، وهذا بعينه هو مذهب من زعم أنه تعالى مخالف ~~لخلقه بصفة مخصوصة، فأنتم لا تخالفونهم إلا في العبارة؛ لأنهم سموا ذلك الأمر الزائد ~~حالة وأنتم سميتموه خصوصية. # وجوابه أنا نقول: إن المخالفة ثابتة بخصوصية الذات وحقيقتها من غير نظر إلى أمر ~~آخر. قوله: مخالفته إما أن تكون لمطلق الذات أو لذات مخصوصة. فبيانه: الذات ~~المخصوصة كونه مفهوم الخصوصية... راجعا إلى مجرد كونه يقال ذاتا لزم فيمن علم ذاته ~~ان يعلم هذه الخصوصية. قلنا: هذا هو الحق. فما الذي يفسر قوله: أحدهما مغاير للآخر. # قلنا: هذا خطأ، بل مفهومهما واحد. PageV00P217 # ============================================================ ~~النمهيد شح معالم العدل ms168 والتوحيل ~~قوله: الخصوصية التي تثبتونها هي نفس الصفة التي نثبتها، قلنا: هذا إنما يلزم لو قلنا بأن ~~الخصوصية أمر زائد على الذات كما زعمتم في الصفة، وليس الأمر كذلك، فإن الصفة التي ~~تزعمون أن ذات الله تعالى تخالف خلقه بها إن لم تكن ممتازة عن غيرها وجب أن تقولوا إن الله ~~يخلق وتمنعون أن يخالف بذات أو بشيء آخر؛ لأن الحكم بوقوع المخالفة بها وامتناع وقوع ~~المخالفة بغيرها لا يمكن إلا بعد امتيازها عن غيرها، ثم امتيازها عن غيرها إن كان لحالة ~~تسلسل، وإن كان امتيازها بحقيقتها فأعقلوا مثله في نفس الذات من غير حالة زائدة، لا يقال: ~~إن الأحوال لا توصف بوصف ولا يمكن وصفها بالخصوصية، بل الذات الموصوفة بتلك ~~الحالة هي الخصوصية، وليس للحالة خصوصية، فلا يلزم التسلسل. لأنا نقول: إن خصوصية ~~الذات لما لم تعقل إلا لأجل تلك الصفة فلا بد وأن تكون خصوصية تلك الصفة معقولة أولا؛ ~~لأن الذات مع الصفة عبارة عن الذات والصفة جميعا، وما لم تعقل الخصوصية في المفردات ~~امتنع تعقله في المركبات أيضا، فإذا تقرر ذلك فنقول: إذا لم يكن الامتياز ثابتا بين الذوات فلا بد ~~من ثبوته بين الصفات وإلا استحال أن تعقل الذات الموصوفة المتميزة، فإن كان امتياز الصفة ~~بصفة تسلسل، وإن كان امتيازها لحقيقتها كان امتياز الذات لحقيقة أيضا. # الوجه الثاني أن الذات يمكن تقسيمها إلى القديم والحادث، ومورد التقسيم لا بد أن ~~يكون مشتركا بين الأقسام فيجب أن يكون أصل الذات مشتركا بين القديم والحادث، ثم ~~لا شك أن الله تعالى مخالف لخلقه، وما وقع به الاشتراك غير ما وقع به الامتياز، فيجب أن ~~يكون ما خالف الله به خلقه أمر غير ذاته. # وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فنقول: مورد التقسيم هو أمر وراء خصوصية الذات تشترك فيه الأنواع وهو ~~كونها يصح أن تعلم، وهذا أمر يمكن تقسيمها عليه، فلا يلزم من الاشتراك فيه الاشتراك ~~في خصوصية الذات. PageV00P218 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~وأما ثانيا فالصفة أيضا يمكن ms169 تقسيمها إلى الواجب والجائز، وما وقع له الاشتراك غير ~~ما وقع به الامتيان، فيلزم أن تكون الصفة متميزة عن غيرها بصفة، فيتسلسل إلى غير غاية، ~~فما أجابوا به في الصفة فهو جوابنا في الذات. # القول في أن حقيقة ذاته غير معلومة لأحد من البشر أو يصح أن تكون معلومة ~~ذهب أكثر المتكلمين من المعتزلة وغيرهم إلى أن حقيقة ذاته معلومة لنا وأن علمنا ~~حقيقته سبحانه كعلمه بحقيقة نفسه، وذهب بعض المتكلمين وأكثر الصوفية ومحققو ~~الأشعرية كالجويني والغزالي(1) والقاضي منهم إلى أن خاصية ذاته تعالى غير معلومة لنا. # ال وزعم ضرار(2) أن لله تعالى مائية لا يعلمها إلا هو، وهو محكي عن علي عليه السلام ~~وأبي حنيفة، ذكره ابن أبي الحديد (3) في شرحه. # 1 محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أيو حامد، حجة الإسلام (05 ده(: فيلسوف، متصوف، له تحو ~~متي مصنف. مولده ووفاته في الطابران قصبة طوس، نسبته إلى صناعة الغزل عند من يقوله بتشديد الزاي، أو إلى ~~غزالة من قرى طوس لمن قال بالتخفيف. وهو صاحب "إحياء علوم الدين1 و1تهافت الفلاسفة" و"الاقتصاد في ~~الاعتقاد. الزركلي: الأعلام 22/7، كحالة: معجم المؤلفين 266/11. # 2ضرار بن عمرو الغطفاني (نحو.19ه( قاض من كبار المعتزلة، طمع برياستهم في بلده فلم يدركها ~~فخالفهم، فكفروه وطردوه. وصنف نحو ثلاثين كتابا، بعضها في الرد عليهم وعلى الخوارج، وفيها مقالات خبيثة ~~كان يزعم أن الإنسان يفعل في غير حيزه وأن ما تولد عن فعله في غيره من حركة أو سكون فهو كسب له خلق ~~له عز وجل، وكل أهل الإثبات غير ضرار يقولون : لا فعل للإنسان في غيره ويحيلون ذلك. وقد شهد عليه أحمد ~~بن حتيل عند القاضي سعيد بن عبد الرحن الجمحي فأفتى بضرب عنقه، فهرب. قال الجشمي: ومن عده من ~~المعتزلة فقد أخطأ، لأنا نتبرأ منه فهو من المجبرة. الزركلي: الأعلام 215/3 ، ابن حجر: لسان الميزان 303/3. # 3عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين المداثني، المعروف بابن أبى الحديد أبو حامد ms170 عز الدين ~~(656ه(. أديب، كاتب، من أعيان المعتزلة، له شعر جيد واطلاع واسع على التاريخ. ولد بالمدائن وصار إلى ~~بغداد، وكان حظيا عند الوزير ابن العلقمي، وتوفي ببغداد. من آثاره: "شرح نهج البلاغة و11الفلك الدائر على ~~المثل السائر. الزركلي: الاعلام 289/3، كحالة: معجم المؤلفين 106/5. PageV00P219 # ============================================================ ~~الشبيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~والحق أن حقيقة ذاته تعالى وكنهها غير معلوم لنا، ويدل عليه مسلكان: ~~المسلك الأول أن المعلوم لنا منه تعالى ليس إلا الصفات السلبية أو الإضافية، وشيء ~~منها ليس نفس حقيقته. أما أن المعلوم لنا منه ليس إلا الصفات السلبية أو الإضافية؛ فلأن ~~الذي عرفناه منه من الصفات الإضافية هو أنه يمكنه أن يوجد الأشياء وألا يوجدها، وهو ~~المعنى بالقادرية، وأنه يمكنه إيجادها على نعت الإحكام والإتقان وهو المعنى بالعالمية، ~~والذي عرفناه من الصفات السلبية أنه ليس بمتحيز ولا حاصل في جهة ولا محل لشيء، ~~ولا حال في شيء، ولا موصوف بصفات الأجسام من الشهوة والنفرة والألم واللذة، وكلها ~~اضافات وسلوب، وإذا تصفحنا ما علمناه منه فليس إلا هذه الأمور، ونحن نعلم ~~بالضرورة أن السلوب والإضافات لا بد لها من ذات مستقلة بنفسها متقومة بحقيقتها، ~~وتكون موصوفة بهذه السلوب والاضافات، فإذا كنا لا نعرف حقيقة الذات الموصوفة بهذه ~~السلوب والاضافات ثبت أنا لا نعرف حقيقة ذاته. # المسلك الثاني أنا إذا خيرنا أنفسنا وجربناها وجدناها غير عالمة بحقيقة شيء من الأشياء ~~مفصلا إلا من وجهين: ~~أحدهما الادراك بالحس نحو العلم بمدركات الحواس الخمسة. # وثانيهما الوجدان من النفس مثل علمنا بحقيقة الألم واللذة والجوع والعطش، فأما سائر ~~الأشياء فإنه لا سبيل لنا إلى معرفتها إلا على الوجه الإجمالي، فإذا عرفت ذلك فنقول: أما ~~الادراك فيستحيل في حقه تعالى؛ لأنه تعالى لا يدرك بحاسة كما سيأتي شرحه إن شاء الله ~~تعالى، ويستحيل آنا نجد من آنفسنا معرفة حقيقته، فوجب القطع بأنا لا نعلمه، وهو ~~المقصود. # ال و تمام تقرير الدليل بذكر الأسثلة والانفصال عنها PageV00P220 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~ال وهي ثلاثة: السؤال الأول ms171 قالوا: إنا إذا عرفنا صفات القديم تعالى السلبية والإضافية ~~وعلمنا اتصافه بهذه الصفات فقد عرفنا حقيقة ذاته كما هي وأحطنا بمعقولها. # وجوابه أن وجوب اتصاف ذاته تعالى بهذه الصفات السلبية والإضافية إن فسرناه بأن ~~هذه الأمور يمتنع زوالها عن ذاته كان أمرا سلبيا، وإن فسرناه باستحقاقه لثبوت هذه ~~الأمور له كان أمرا إضافيا، وقد قررنا أن حقيقة ذاته أمر وراء هذين الأمرين، فثبت أن ~~حقيقة ذاته غير معقولة لنا. # السؤال الثاني قالوا: إن حقيقة ذاته تعالى عبارة عن الذات المقيدة بوجوب الاتصاف ~~بهذه السلوب والاضافات، ومطلق الذات معلوم وهذا القيد أيضا معلوم، فيجب أن تكون ~~ذاته المخصوصة معلومة لا محالة. # ل وجوابه أن هذا إنما يستقيم لو قلنا بأن ذاته تعالى مساوية لسائر الذوات في أصل الذاتية ~~ثم إنه خالفها بمجرد هذا القيد، وهو وجوب هذه الصفات السلبية أو الاضافية، وقد بينا ~~ابطال ذلك، وبينا أن مخالفته تعالى لسائر الذوات بحقيقته المخصوصة، وأنه ليس بين ماهيته ~~ل وبين سائر الماهيات اشتراك أصلا، وأن هذا القيد أعني وجوب اتصافه بهذه الاضافات ~~والسلوب لا يمكن أن تكون هو تمام حقيقته؛ لأن وجوب اتصاف الشيء بغيره متأخر عن ~~تحقق ذات الموصوف، فإذا ثبت آنه ليس حقيقته المخصوصة هو كونه ذاتا ولا وجوب ~~اتصاف ذاته بهذه الأوصاف ولا مجموعها ثبت أن حقيقته المخصوصة آمر وراء هذه ~~الأمور، وهذه الأمور تابعة لحقيقة ذاته لازمة لها، وذلك الأمر غير معلوم من حيث هو هو، ~~فيلزم من هذا كوننا غير عالمين بحقيقة ذاته. PageV00P221 # ============================================================ ~~النمهيد شرح معالمر العدل والنوحيل ~~السؤال الثالث قالوا: قد حكمتم على خصوصية ذاته تعالى بأنها غير معلومة، والحكم ~~على الشيء بالنفي أو بالإثبات متأخر عن تصور حقيقة المحكوم عليه، فإذن الحكم على ~~تلك الحقيقة بكونها غير معلومة يتوقف على كونها معلومة، وفيه تمام غرضنا. # ل وجوابه أن التصور الجملي كاف في الحكم على الشيء بالنفي أو بالإثبات، ولا إشكال أنا ~~نعرف حقيقة ذاته جملة، وإنما الخلاف في التعيين والتفصيل. # واحتج القائلون على معرفة حقيقة ms172 ذاته بأمرين: ~~أحدهما أنا مكلفون بأنا تعرف الله تعالى واحد، والعلم بوحدته متوقف على معرفة ~~حقيقته، ومعرفة حقيقة الواحد؛ لأن من لا يعرف العالم ولا الحادث لا يمكنه العلم بأن ~~العالم حادث، فلو لم يكن لنا طريق إلى معرفة حقيقة ذاته لكان تكليفا بمعرفة كونه واحدا ~~تكليفا بالمحال، والعقول قاضية بأن التكليف بمعرفة وحدانيته ليس تكليفا بالمحال. # وثانيهما معنى قولنا أنا نعلم حقيقة ذاته هو أنا نعلم كونه إها، فإذا علمنا وجوب أزليته ~~اا و قادريته وعالميته وحييته وكونه سميعا بصيرا مريدا متكلما وأنه منزه عن الحيز والجهة ~~والحلول وأنه غير جسم ولا عرض، فإنا نعلمه إلها بمجرد هذه الصفات، فإذا صح آنه ~~تعالى مختص بهذه الصفات ثبت كونه إلها، وذلك هو غرضنا بمعرفة حقيقة ذاته. # والجواب عما أوردوه من الأمرين بحرف واحد، وهو أن العلم الجملي يكفي في العلم ~~بالوحدانية والإلهية، والعلم بالحقيقة هو أمر وراء ذلك الأمر الذي ذكروه. # فأما ضرار فإن أراد بالمائية ما نعنيه بخصوصية الذات وحقيقتها وأنه لا يعلمها إلا هو ~~فهذا جيد، وإن آراد بالمائية صفة زاثدة على حقيقة ذاته كما يزعمه آبو هاشم فهذا غير ~~سديد؛ لأن من قال إن له تعالى صفة قال إنها معلومة لنا فلا معنى لقوله لا يعلمها إلا هو. PageV00P222 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~القول في البقاء وأنه تعالى موصوف به ~~اتفق المسلمون على وصف الله تعالى بأنه باق واختلفوا في فائدة هذه الصفة ~~فذهب الكعبي إلى أن الباقي باق ببقاء، وإلى هذا ذهب الأشعري وابن كلاب. ونفاه ~~جهور المعتزلة. # ال واعلم أن محل النزاع في المسألة فيه غموض، وقبل الخوض في الدلالة لا بد من ~~تلخيصه، فنقول: النظر يتعلق بتنزيل الخلاف في هذه المسألة على صور أربع: ~~الصورة الأولى أن استمرار وجود الشيء هل هو صفة زائدة على ذات ذلك الشيء أم لا، ~~والحق أنه ليس كذلك. ويدل عليه أمران: ~~أما أولا فلأن المفهوم من قولنا إن الشيء مستمر الوجود هو أن الوجود الحاصل في ~~الزمن الأول ms173 حاصل في الزمن الثاني، فلو كان استمرار الوجود وصفا زائدا لجاز حصوله ~~في الوقت الأول، فيكون مستمر الوجود حال حدوثه، وهو محال. # وأما ثانيا فلو كان استمرار وجود الشيء وصفا ثبوتيا زائدا على ذاته للزم أن يكون ~~المعدوم الصرف موصوفا بالصفات الثبوتية، وإنما قلنا ذلك لأن المعلوم ضرورة أن عدم ~~العالم من الأزل إلى وقت حدوثه كان عدما مستمرا، والمعقول من الاستمرار أمر واحد في ~~المعدوم والموجود، فلو كان الاستمرار وصفا ثبوتيا في الموجود للزم أن يكون في المعدوم ~~كذلك، ولما كان ذلك باطلا بالضرورة ثبت أن الاستمرار لا يمكن أن يكون وصفا ثبوتيا ~~زائدا على ذات الشيء، وهو المطلوب. PageV00P223 # ============================================================ ~~النسهيد شرح معالمر العدل والتوحيل ~~الصورة الثانية إذا قلنا بأن استمرار الشيء ليس أمرا زائدا على ذاته فلا شك في كونه ~~موصوفا بالبقاء، فهل له بكونه باقيا حال زائدة على استمرار وجوده أم لا، والحق أنه ليس ~~كذلك لأمرين: ~~أما أولا فلو كان له بكونه باقيا حال زائدة على استمرار وجوده لكان يمكننا تعقل كونه ~~باقيا من غير أن يكون مستمر الوجود، وأن يكون مستمر الوجود ولا يكون باقيا. فلما ~~علمنا بطلان ذلك علمنا آن كونه باقيا هو نفس استمرار وجوده. # و أما ثانيا فلو كان بقاؤه زائدا على استمرار وجوده لأمكن أن يكون مستمر الوجود في ~~الخارج من غير أن يكون باقيا وأن يكون باقيا من غير أن يكون مستمر الوجود، ولما كان ~~هذا باطلا كان بقاؤه هو نفس استمرار وجوده. # الصورة الثالثة إذا قلنا بأن كونه باقيا ليس أمرا زائدا على استمرار وجوده فهل يحتاج إلى ~~البقاء ليوجب له هذا الاستمرار أم لا. # فالحق أنه لا يحتاج إلى البقاء؛ لأن البقاء مفتقر في وجوده إلى الباقي، فلو كان الباقي ~~مفتقرا إلى البقاء لزم الدور، وهو محال. # الصورة الرابعة إذا قلنا إن البقاء لا يوجب هذا الاستمرار فهل يكون شرطا فيه أم لا. # والحق أنه ليس شرطا فيه؛ لأن كونه شرطا فيه ينبني على آن استمرار وجوده أمر زائد، ms174 ~~وقد أبطلناه. # فهذه الصور التي يمكن تنزيل الخلاف عليها، فقد صح أن البقاء ليس أمرا زائدا على ~~استمرار الوجود وأنه تعالى موصوف به؛ لأن وجوده لذاته فيجب آن يكون مستمر الوجود ~~في كل حال. وبتمامه يتم الكلام في الأوصاف الذاتية. PageV00P224 # ============================================================ ~~السييد شح معالمر العدل والتوحيل ~~القسم الثاني في الأوصاف الفعلية ~~القول في كونه تعالى مريدا ~~وفيه ثلاث مسائل: ~~المسألة الأولى في إثبات المريدية ~~اعلم أنه لا خلاف بين أهل القبلة في وصف الله تعالى بكونه مريدا وكارها، وإنما ~~الخلاف في فائدة هذه الصفة. فالذي يذهب إليه أبو الهذيل والنظام والجاحظ (1) والبلخي(2) ~~والخوارزمي أنه لا معنى للارادة والكراهة شاهدا وغائبا إلا الداعي والصارف، ففي حق ~~الله تعالى ليس إلا علمه باشتمال الفعل على مصلحة أو مفسدة، وفي حقنا هو العلم أو الظن ~~أو الاعتقاد باشتمال الفعل على مصلحة أو مفسدة أو حصول نفع أو دفع ضرر. # وأما أبو الحسين فإنه حكم بكون الإرادة أمرا زائدا على الداعي شاهدا ونفاها غائبا. # وأما سائر المعتزلة والأشعرية فإنهم حكموا بكون الإرادة شاهدا وغائبا أمرا زائدا على ~~الظن والعلم والاعتقاد. # واحتج المثبتون لهذه الإرادة أمرا زائدا بوجوه ثلاثة: ~~الأول دلالة الأمر والخبر، ويمكن تمشيتها على وجهين: ~~ا- عمرو بن بحر بن عحبوب الكناني بالولاء الليثي، أبو عثمان الشهير بالجاحظ (255هل، كبير أثمة الأدب، ~~ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة. مولده ووفاته في البصرة، فلج في آخر عمره. وكان مشوه الخلقة، ومات ~~والكتاب على صدره، قتلته مجلدات من الكتب وتعت عليه. الزركلي: الأعلام 5/، 7، كحالة: معجم المؤلفين ~~78 ~~2- هو أبو القاسم الكمبي PageV00P225 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~أحدهما أنه قد ثبت أنه تعالى آمر ومخبر، وكل آمر ومخبر لا بد أن يكون مريدا، فيجب أن ~~يكون تعالى مريدا. وإنما قلنا إنه تعالى آمر ومخبر؛ فلأنه تعالى قد تكلم بما هو في حقيقة اللغة ~~للخبر والأمر، ولم يدلنا على أنه استعمله في غيره من أقسام الكلام، فلا بد أن يكون آمرا ~~ومخبرا، وإلا كان ذلك منه إلغازا وتعمية، وهذا محال. ms175 وإنما قلنا إن المخبر والآمر لا بد أن ~~يكونا مريدين؛ فلأن الآمر والمخبر لا بد وأن يكونا متميزين تميزا لمكانه صح أن يكون الخبر ~~خبرا أولى من أن لا يكون خبرا، وأن يكون خبرا عن زيد دون غيره، وإن الآمر متميز بأمر ~~لولاه لم يكن آمرا أولى من أن لا يكون آمرا، وأن يكون آمرا لهذا دون ذاك وذلك الأمر لا ~~خلو من وجوه أربعة: ~~اما أن يكون راجعا إلى الخبر نفسه أو إلى المخبر أو إلى المخبر أو إلى المخبر عنه. وباطل أن ~~يكون راجعا إلى صيغة الأمر والخبر من سائر صفاتها من حدوثها وحلولها وصفة ذاتها ~~وجنسها؛ لأن كل واحد من هذه قد يحصل ولا يكون خبرا، وباطل أن يكون راجعا إلى ~~المخبر به أو المخبر عنه؛ لأنه ما من صفة من صفاتهما يقدر ثبوتها في حال وجود الصيغة إلا ~~اال ويجوز أن يكون غير خبر، وهذا يدل على أنه لا تأثير لشيء من صفاتهما في كون الصيغة ~~خبرا، فلم يبق إلا أن يكون خبرا لما يرجع إلى المخبر والآمر، ولا يجوز أن يكون خبر الشيء ~~من أوصافه من كونه قادرا وعالما وسائر أوصافه؛ لأنه ما من وصف من أوصافه إلا ~~ويمكن أن يكون خبرا وأمرا من دونه، فلم يبق إلا أن يكون مخبرا وآمرا لكونه مريدا، وهو ~~المطلوب. # ال و ثانيهما تمشية على وجه آخر وهو أن يقال: إن صيفتي الأمر والخبر متميزتان بأمر لولاه ~~لم يكونا أمرا وخبرا أولى من أن لا يكونا أمرا وخبرا، وذلك الأمر هو حكم اختصت به ~~الصيغة لمكانه كان خبرا عن هذا دون ذاك، ثم ذلك الحكم لا يؤثر فيه أمر سوى الإرادة؛ ~~لبطلان سائر الأقسام، وهلم جرا إلى سائر التقسيم الذي ذكرناه في التوجيه الأول، فالفرق PageV00P226 ~~============================================================ ~~المهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~بين هذا الوجه والوجه الذي قبله أن هذا الوجه مقرر على أن للصيغة حكما كونها خبرا ~~وأمرا والمؤثر فيه الإرادة والوجه الأول لا يبنى على ذلك وإنما يبنى على ms176 أن المخبر والآمر لا ~~بدوأن يكونا مريدين ~~الوجه الثاني أن أفعال الله تعالى مختصة بأوقات واقعة على وجوه مختلفة مع جواز ~~حصوها على خلاف تلك الوجوه وفي غير تلك الأوقات، فاختصاصها بتلك الأمور ~~الجائزة يستدعي مخصصا، وذلك المخصص ليس هو قدرة الله تعالى؛ لأن القدرة شأنها ~~الايجاد من غير أن يكون لها تأثير في الوجوه المختلفة، ولا يجوز أن يكون المخصص هو ~~العلم لأن العلم متعلق بالمعلوم على ما هو عليه وتابع له. وأما سائر المتعلقة بعضها ~~مستحيل في حقه كالظن والاعتقاد والشهوة، وبعضها وإن صح كالادراك فبطلان ~~صلاحيته للتخصيص بوجه دون وجه ظاهر، فلا بد من صفة لأجلها تختص أفعال الله ~~تعالى بهذه الوجوه الجائزة، وتلك الصفة هي كونه تعالى مريدا. # الوجه الثالث قالوا: العالم منا بما يفعله لا يفعله إلا لداع يخصه ولا يفعله لداع يخصه إلا ~~اا وهو مريد له إذ لم يكن ممنوعا من إرادته. وإنما قلنا إن العالم بما يفعله لا يفعله إلا لداع ~~يخصه؛ فلما قدمنا من أن الداعي معتبر في حصول الفعل من جهة العالم به، إذ هو شرط في ~~اال وجوده يستحيل حصوله من دونه. وإنما قلنا إن الفاعل لا يفعله لداع يخصه إلا وهو مريد ~~له فهو ظاهر، فإن الواحد منا يدعوه الداعي إلى الكتابة والبناء ويجد من نفسه كونه مريدا ~~لهذه الأمور، وهذا يدل على أن الإرادة أمر وراء الداعي؛ لأن الداعي ليس إلا العلم أو ~~الظن أو الاعتقاد باشتمال الفعل على مصلحة من نفع أو دفع ضرر، والإرادة أمر وراء ~~ذلك، واشترطنا في كون الفعل مرادا أن يكون الداعي خاصا له احترازا عن الإرادة ~~والكراهة فإنهما يفعلان تبعا للداعي إلى الفعل والصارف عنه، فلا يلزم أن يكونا مرادين، ~~واشترطنا أن يكون المريد غير ممنوع عن الإرادة؛ لأن الواحد منا قد يفعل الفعل لداعي PageV00P227 ~~============================================================ ~~الشهيد شرح معالم العدل والنوحيل ~~المصلحة ويمنع عن إرادته، فلا يكون مريدا، فإذا عرفت ذلك فنقول: هذا المعنى بكماله ~~حاصل في حق الله تعالى، فإنه يفعل ms177 أفعاله لغرض يخصها وليس منوعا من إرادتها، فيجب ~~أن يكون تعالى مريدا لها، ما خلا الإرادة والكراهة. # واحتج النافون هذه الإرادة بوجوه ثلاثة: ~~الأول أنه تعالى لو كان مريدا لكان لا يخلو إما أن يكون مريدا لذاته أو بإرادة قديمة أو ~~بإرادة حادثة والأقسام كلها باطلة، فيبطل القول بكونه تعالى مريدا. وإنما قلنا إنه تعالى ~~يستحيل أن يكون مريدا لذاته فلأنه لو كان مريدا لذاته لوجب أن يريد كلما صح أن يراد. # فهذا باطل، فالقول بكونه تعالى مريدا لذاته باطل أيضا، وإنما قلنا إنه تعالى لو كان مريدا ~~لذاته لوجب أن يريد كلما صح أن يراد؛ فلوجهين: ~~أما أولا فلأنه تعالى لما كان عالما لذاته وجب أن يعلم كلما صح أن يكون معلوما، ~~فكذلك لما كان تعالى مريدا لذاته وجب أن يريد كلما صح أن يراد. # وأما ثانيا فهو أن المرادات مشتركة في صحة أن يريدها كل مريد، فإذا اقتضت الذات ~~كون بعضها مرادا وجب أن تقتضي الباقي، لأن اقتضاءها البعض ليس بأولى من اقتضائها ~~للكل، إذ لا مخصص. وإنما قلنا إن ذلك باطل فلوجهين: ~~أما أولا فلأن زيد إذا أراد حياة إنسان وعمرو يريد موته، فلو كان تعالى مريدا لكل ~~المرادات لوجب أن يكون مريدا لحياة زيد وموته معا، وإنه محال. # وأما ثانيا فلأن الأشياء التي يصح أن تراد لا نهاية لها، فيلزم وجود ما لا نهاية له، وهو ~~باطل فبطل أن يكون تعالى مريدا لذاته، وبهذا الدليل يبطل أن يكون تعالى مريدا بإرادة ~~قديمة؛ لأنه ليس تعلق الإرادة القديمة ببعض المرادات أولى من تعلقها بالباقي، وحينئذ PageV00P228 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~يلزم المحالات المذكورة في كونه تعالى مريدا لذاته، فبطل أن يكون مريدا بإرادة قديمة. وإنما ~~قلنا إنه يستحيل آن يكون مريدا بإرادة حادثة؛ فلوجهين: ~~أما أولا فلأن تلك الإرادة الحادثة يكون حدوثها مختصا بوقت مع جواز حدوثها قبل ~~ذلك الوقت أو بعده، فيفتقر اختصاصها بذلك الوقت إلى إرادة أخرى، ويلزم تسلسل ~~الإرادات إلى غير غاية، وهذا محال. ms178 لا يقال: إن هذا التسلسل غير لازم. لأن القادر إنما ~~وجب أن يريد فعله الحادث لا لكونه حادثا كيف كان حتى يلزم منه احتياج كل حادث إلى ~~ارادة، بل لأنه مقصود بالدواعي، وليس كذلك الإرادة فإنها غير مقصودة بالداعي، بل ~~الداعي إلى الفعل يدعو إليها تبعا من غير قصد إليها؛ لأنا نقول: هذا باطل؛ لأن الداعي إما ~~أن يكون كافيا في حدوث الأفعال ويخصصها بأوقاتها ووجوهها أو لا يكون كافيا، فإن كان ~~كافيا فلا حاجة بنا إلى الإرادة، وإن لم يكن كافيا وجب احتياج الإرادة إلى إرادة أخرى، ~~سواء كان حدوثها مقصودا أو تابعا. # و أما ثانيا فلأنه تعالى لو كان مريدا بإرادة حاثة لكان لا تخلو تلك الإرادة إما أن تحدث ~~فيه أو في غيره أو لا في محل، والأقسام كلها باطلة، فبطل القول بكونه تعالى مريدا بإرادة ~~حادثة. وأما أنه يستحيل أن تحدث فيه الارادة؛ فلأنه يلزم أن يكون تعالى محلا للحوادث، ~~ال وسيأتي بطلانه في استحالة توابع الجسم عليه. وأما أنه يستحيل أن تكون تلك الإرادة ~~حادثة في غيره؛ فلأن ذلك الغير إما أن يكون حيوانا أو لا يكون، فإن كان حيوانا فهو أحق ~~اا بأن يكون مريدا بها من غيره، وإن لم يكن حيوانا فهو محال؛ لأنا نعلم بالضرورة استحالة ~~حصول الإرادة في المحل الذي لا يكون حيا. وأما أنه يستحيل أن تحدث لا في محل؛ ~~فلوجهين: ~~أما أولا فلأنا لو جوزنا إرادة لا في محل لجوزنا وجود سائر الأعراض لا في محل، وذلك ~~باطل بالاتفاق، فكذلك ما قالوا في الإرادة. PageV00P229 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وأما ثانيا فلأن اقتضاء تلك الإرادة لكونه مريدا إما أن يتوقف على حلولها في المريد أو لا ~~يتوقف، فإن توقفت وجب ألا يكون البارى تعالى مريدا بإرادة غير حاصلة فيه وإن لم ~~يتوقف ذلك على حلول الإرادة في المريد، فالإرادة الموجودة لا في محل ليس بأن يقتضي كونه ~~تعالى مريدا بأولى من أن يقتضيه لغيره، فيلزم أن تقتضي تلك الإرادة ms179 صفة كونه مريدا لكل ~~الحيوانات كما اقتضاها للباري تعالى، أو ألا تقتضي للبارئ تعالى كونه مريدا كما لم تقتضيها ~~لكل الحيوانات. # لا يقال: إن المريد إذا كان لا في محل ولا جهة كان اختصاص تلك الإرادة التي لا في محل ~~ولا جهة به أقوى من اختصاصها بسائر المريدين الحاصلين في الجهة؛ لأنا نقول: إن الإرادة ~~لما كانت في ذاتها غنية عن المحل والجهة، وفي اقتضائها لكونه مريدا كانت نسبة الإرادة إلى ~~كل الأحياء نسبة واحدة، فأما كون بعض المريدين في الجهة والبعض لا في جهة فلما لم يكن ~~معتبرا في ذات الإرادة ولا في كوته مريدا استحال أن يختلف لأجل ذلك حكم اقتضاء ~~الإرادة فثبت بمجموع ما ذكرنا أنه تعالى يستحيل أن يكون مريدا لذاته أو مريدا بإرادة ~~قديمة أو مريدا بارادة حادثة فيلزم منه استحالة كونه تعالى مريدا. # الوجه الثاني حجة أبي الحسين أنه تعالى لو كان مريدا لكانت إرادته إما أن تكون تابعة ~~لداعية أو لا تكون تابعة. والقسمان باطلان فبطل أن يكون تعالى مريدا، وإنما قلنا إنه ~~يستحيل ألا تكون تابعة لداعية؛ فلأنها إذا كانت غير تابعة لداعية كانت تلك المريدية إما ~~واجبة الثبوت لذاته وإما بإرادة قديمة وإما ألا تعلل بوجه من الوجوه، وكلها باطلة فبطل ~~ألا تكون تابعة لداعية. وإنما قلنا إنه يستحيل أن تكون تابعة لداعية فلأن المعقول من ~~الارادة لو سلمناها أمرا زائدا أنها صفة تخصص الفعل بوقوعه على وجه دون وجه، فنقول: ~~اما أن يفعلها لداع أو لا، فإن فعلها لغير داع كان غبيا، وإن فعلها لداع فذلك الداعي لا ~~خلو من وجوه ثلاثة: PageV00P230 ~~============================================================ ~~النهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~أحدها أن يكون لأمر عائد إلى الفعل وتأثيرها فيه لا يخلو إما أن يكون في وجوده أو في ~~الدعاء إليه أو في وقوعه على وجه، ولا يجوز أن يكون تأثيرها في وجوده؛ لأن وجود الفعل ~~حاصل بالقدرة فلا نحتاج فيه إلى الإرادة، ولا يجوز أن يكون تأثيرها في الحث على الفعل؛ ~~لأن الداعي ms180 كاف في البعث على الفعل والحث عليه، ولا يجوز أن يكون تأثيرها في وقوع ~~الفعل على وجه دون وجه؛ لأنه لا وجه للفعل يقع عليه بالإرادة، ثم لو كان ثم وجه لكفى ~~فيه الداعي من غير حاجه إلى الإرادة. # وثانيها أن يكون عائدا إلى الفاعل، فهو إما أن يفعل هذه الإرادة ليخف عليه موقع ~~الفعل إذا فعله وإما أن يفعلها للمسرة؛ لأنه يتعوض بها عن تعجل الفعل، والإنسان قد ~~يجيز ذلك من نفسه، وكل هذا يستحيل في حق الله تعالى، فبطل أن يكون فعلها لأمر عائد ~~إلى الفاعل. # وثالثها أن يكون لأمر عائد إلى المفعول له، وهو أن يقال: إن له تعالى في فعل هذه الإرادة ~~غرضا، وهو أن يسر لفعلها، وهذا باطل؛ لأنه تعالى خلق المنافع لداعي الانتفاع، وإن لم يرد ~~الانتفاع، ولو أنه أحدثها لا للانتفاع لم تحصل المسرة، فكان الأصل في حصول هذه المسرة ~~انما هو الداعي من غير حاجة إلى الإرادة، فحصل أنه لا أثر هذه الإرادة فيجب أن تكون ~~باطلة. # الوجه الثالث ذكره صاحب المعتمد واستقواه. وحاصله أنه لا دليل على أن هذه الإرادة ~~أمر زائد على الداعي، وما لا دليل عليه وجب نفيه. أما أنه لا دليل على هذه الإرادة فبيانه ~~بأمرين: إما بنقل أدلة المثبتين لها ثم ببيان فسادها وضعفها. وإما بحصر وجوه الأدلة وأن ~~شيئا منها لا يدل على هذه الإرادة. PageV00P231 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحبل ~~فأما أن ما لا دليل عليه وجب نفيه؛ فلأن تجويز ذلك يؤدى إلى القدح في العلوم ~~الضرورية والنظرية، وما أدى إلى هذا الفاسد فهو فاسد، فيجب أن يكون القول بالإرادة ~~فاسدا، وهذه الطريقة عليها تعويل أبي الحسين والخوارزمي في أكثر المسائل الكلامية، وقد ~~عرفت ما فيها، فهذه زبدة أدلة الفريقين في جانب النفي والإثبات جميعا، والمختار ما ذهب ~~إليه الشيخ أبو الحسين من أن الإرادة والكراهة في الغائب ليس إلا نفس الداعي والصارف ~~وهو العلم باشتمال الفعل على مصلحة أو مفسدة، وإن الإرادة في الشاهد أمر ms181 زائد على ~~الداعي ويدل عليه ما يجده الانسان من نفسه عند خلوص داعيته إلى الفعل من طلبه للفعل ~~وقصده إليه وميل قلبه إلى حصوله، ونجد ذلك الطلب كالتابع للعلم والظن والاعتقاد ~~لحصول النفع في الفعل ودفع الضرر. # والعجب من الشيخ محمود حيث قال: إن الإرادة هي نفس الداعي شاهدا وغائبا. وقد ~~ذهب إلى أن المدركية أمر زائد على العلم وأنها تابعة للحيية، ومقتضى عنها عند كمال ~~شرائطها، وكان غاية كلامه واستدلاله على أنها زائدة على العلم قوله: إني أجد من نفسي ~~أمرا عند الإدراك مغايرا للعلم، وأجد عند إدراك المدرك تفرقة بين أن أعلم الشيء ولا ~~أ دركه وبين أن أعلمه وأدركه. فحكم بأن الإدراك زائد على العلم لما يجده من نفسه من ~~التفرقة بين العلم والإدراك وهذا بعينه حاصل في الداعي مع الإرادة، فإن أحدنا يجد من ~~ن فسه عند علمه أو ظنه بحصول النفع ودفع الضرر أمرا زائدا هو طلبه للفعل وميل قلبه ~~اليه، ويجد تفرقة بين أن يعلم ما في الفعل من النفع ودفع الضرر وبين أن يطلبه ويقصده، ~~فكيف صار أحد الوجدانيين أولى من الآخر، بل لا يمتنع أن يكون الحال في الإرادة أعلى ~~من الإدراك فإن الإدراك لا يمتنع دخول لبس فيه بأن يقال إن الإدراك طريق إلى العلم ~~بالمدرك فلا يمتنع أن يقال إن التفرقة بين الحالتين هو أنا عند الإدراك يحصل لنا العلم ~~بتفاصيل المدرك بخلاف حالنا إذا علمناه من غير إدراك، وليس كذلك الحال في الداعي مع ~~الارادة، فإن الداعي ليس طريقا إلى الإرادة. PageV00P232 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~لا يقال: إن التفرقة التي يجدها الإنسان من نفسه بين أن يعلم ما في الفعل من النفع ~~ودفع الضرر ولا يريده وبين آن يعلم ما فيه منهما ثم يطلبه ويقصده هو أنه في الحالة الأولى ~~لميخل الداعي عن شوب من الصوارف بخلاف الحالة الثانية فإنه قد خلا عن شوب ~~الصوارف وصفى عن المعارضة، لأنا نقول: إنا نعلم ضرورة أنا نجد أمرا عند تمحض ms182 ~~الدواعي وخلوصها عن شوب الصوارف زائدا على العلم والظن بحصول النفع ودفع ~~الضرر الحاصلين، ولا مزيد على هذا التدخيص وفيه مقنع وكفاية. # المسألة الثانية في كيفية حصول هذه المريدية ~~اعلم أن الخلاف في هذه المسألة هو فرع على الخلاف في المسألة التي قبلها، فمن ذهب إلى ~~ان المريدية في حقه تعالى هو علمه باشتمال الفعل على مصلحة أو مفسدة من غير أمر زائد ~~على ذلك كأبي الحسين وأصحابه وسائر الشيوخ فهي من قبيل العلم، فلا حاجة إلى هذه ~~المسألة. # ال و أما من ذهب إلى أن المريدية أمر وراء الداعي غير العلم كأبي هاشم وأصحابه وسائر ~~فرق المجبرة فقد اختلفوا في كيفية حصولها له فذهب أبو هاشم إلى أنه تعالى مريد بإرادة ~~محدثة موجودة لا في محل. وذهبت النجارية(1) إلى أنه تعالى مريد لذاته، وعند الأشعرية أنه ~~تعالى مريد بارادة قديمة كمذهبهم في سائر الصفات، وهذا بعينه هو قول الكلابية، ~~ا- النجارية من فرق المعتزلة أصحاب الحسين بن محمد النجار (220هل، واكثر معتزلة الري وما حواليها على ~~مذهبه، وهم يوافقون أهل الستة في مسألة القضاء والقدر واكتساب العباد وفي الوعد والوعيد وإمامة أبي بكر، ~~ويوافقون المعتزلة في نفي الصفات وخلق القرآن وفي الرؤية، ينكرون أن يكون في الكفار إيمان وأن يقال إن فيهم ~~بعض إيمان إذ كان الايمان لا يتبعض عندهم، وهم برغوثية وزعفرانية ومستدركة. انظر الشهرستاني: الملل ~~والنحل 116/1. PageV00P233 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والترحيل ~~والكلام على النجارية قد مر في المسألة الأولى، والكلام على الأشعرية والكلابية قد مر في ~~ابطال المعاني القديمة. # المسألة الثالثة في إرادة الكائنات ~~ذهب القائلون بالعدل من الزيدية والمعتزلة إلى أن الله مريد لجميع أفعاله ما خلا الإرادة ~~والكراهة وأنه تعالى مريد لجميع الطاعات من أفعالنا ما حدث منها وما لم يحدث وأنه تعالى ~~كاره لجميع المعاصي ما حدث منها وما لم يحدث. # وذهب سائر فرق المجبرة من الأشعرية والكلابية والنجارية إلى أنه تعالى مريد لجميع ما ~~حدث من الممكنات طاعة كان أو معصية، وأنه لا ms183 كائن في عالمنا إلا وهو متعلق بإرادته، ~~ومالم يحدث منها فإنه تعالى لا يريده طاعة كان أو معصية. # والمقصود من الكلام في المسألة يتعلق بطرفين: ~~الأول في آنه تعالى مريد لجميع الطاعات ما حدث منها وما لم يحدث. ويدل عليه ~~مسلكان: ~~الأول أن الله أمر بالطاعات، والآمر بالشيء يجب أن يكون مريدا له، فيجب أن يكون ~~الله تعالى مريدا لجميع الطاعات. وإنما قلنا إنه تعالى آمر؛ فلما قررناه في الإرادة ولتسليم ~~الخصم ولاتفاق المسلمين على كونه تعالى آمرا بالطاعات، وإنما قلنا إن الآمر بالشيء يجب ~~أن يكون مريدا له فلأمرين: ~~أما أولا فلأن صيغة أفعل قد تقع أمرا مرة ولا تقع أمرا مرة أخرى، بأن تصدر عن ~~الساهي، فلا بد من أمر لمكانه كان آمرا، فلا يخلو إما أن يكون آمرا لذاته أو لغيرها، وهلم ~~جرا إلى سائر التقسيم الذي ذكرناه في الإرادة، فلم يبق إلا أن يكون أمر الإرادة المأمور به. PageV00P234 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وأما ثانيا فهب أنا سلمنا أنه لا صفة للآمر بكونه آمرا فالآمر يجب أن يكون مريدا ~~للمأمور به؛ لأن الأمر لا ينفصل عن التهديد إلا بإرادة المأمور به، وأيضا فالأمر طلب، ~~والطلب لا بد له من مطلوب، فيلزم أن تكون إرادة المأمور من معقول الآمر، فيجب أن ~~يكون المأمور مرادا. # المسلك الثاني هو أن الأنبياء وسائر المؤمنين موصوفون بالطاعة لله تعالى، والمطيع هو من ~~فعل ما أراده الغير، فيجب أن تكون الطاعات مرادة لله تعالى، وإنما قلنا إن الأنبياء وسائر ~~المؤمنين موصوفون بالطاعة لله تعالى؛ فللاجماع وتسليم الخصم على وصفهم بالطاعة لله ~~تعالى والانقياد لحكمه، وإنما قلنا إن المطيع هو من فعل ما أراده الغير؛ فلأمرين: ~~أما أولا فلأن من فعل ما أراده الغير وصف بكونه مطيعا له، ومن لم يفعل مراد الغير ~~فليس مطيعا له، فلما كان وصف كونه مطيعا داثرا مع فعل مراد الغير وجودا وعدما وجب ~~أن يكون علة فيه. # و أما ثانيا فكونه مطيعا إما أن يكون لأنه فعل ms184 ما أمر به أو لأنه فعل مراده، والأول باطل ~~لأن العبد يوصف بكونه مطيعا لسيده وإن لم يكن من جهته أمر بل لأنه فعل مراده، فثبت ~~أن المطيع هو من فعل ما أراده الغير، وفي ذلك وجوب كونه تعالى مريدا لجميع الطاعات ~~وهو المطلوب. # الطرف الثاني في أنه تعالى كاره لجميع المعاصي وساخط لها، ويدل على ذلك وجوه: ~~الأول حجة أبي الحسين وهو أن الله تعالى لا يدعوه داع إلى الفعل القبيح فلا يكون مريدا ~~ل له، وإنما قلنا إنه لا يدعوه داع إلى القبيح؛ فلأن الداعي في حق الله تعالى هو العلم، والعلم ~~انما يكون داعيا إذا تعلق إما بكون الفاعل محتاجا إليه لنفع أو دفع ضرر وإما بكونه حسنا ~~ال واحسانا، والأول في حق الله تعالى محال، والثاني لا يتصور في الفعل القبيح، فثبت أن الله PageV00P235 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~تعالى لا يدعوه داع إلى فعل القبيح. وإنما قلنا إنه لا يكون مريدا له؛ فلما ثبت أنه لا معنى ~~للارادة في حقه إلا الداعي، فإذا كان داعيه مستحيلا استحالت إرادته. # الوجه الثاني حجة أبي هاشم واعتمده أبو الحسين، قد ثبت أنه تعالى ناه عن المعاصي، ~~والناهي عن الشيء يجب أن يكون كارها له، فيجب أن تكون المعاصي مكروهة لله تعالى، ~~وانما قلنا إنه تعالى ناه عن المعاصي؛ فلأنه قد صدر من جهته صيغة النهي كقوله تعالى: (ولا ~~تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)(1) ولم يدلنا على أنه أراد غير ظاهره وحقيقته، فلو ~~أراد غير ظاهره وحقيقته ولم يبينه لنا لكان ذلك تعمية وإلغازا، وهما محالان عليه تعالى، ~~فيجب آن يكون المقصود به ظاهره. # وإنما قلنا إن الناهي عن الشيء يجب أن يكون كارها له؛ فلأ مرين: ~~أما أولا فلأن النهي قد يقع تارة نهيا ويقع مرة أخرى غير نهي، فلا بد من أمر لمكانه كان ~~نهيا. فلا يخلو إما أن يكون نهيا لذاته أو لغيرها، والأقسام كلها باطلة كما ذكرناه في صيغة ~~الأمر، فلم يبق إلا ms185 أن يكون نهيا لكراهية المنهي عنه. # وأما ثانيا فلأن النهي إنما ينفصل عن التهديد بكراهة المنهي عنه، فثبت أنه تعالى كاره ~~لجميع المعاصي: ~~الوجه الثالث إن إرادة القبيح قبيحة، والقبيح على الله تعالى محال، وإرادة القبيح غير ~~جائزة في حق الله تعالى. وإنما قلنا إن إرادة القبيح قبيحة، فلأن العقلاء يستحسنون ذم من ~~علموا من حاله أنه يريد قتل الأنبياء وفساد الناس في الأرض وهدم المساجد وانتهاك حرم ~~المسلمين، وإنما قلنا إن القبيح على الله تعالى محال؛ فلأنه صفة نقص، والنقص على الله تعالى ~~- سورة الأنعام: آية 151. PageV00P236 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~محال. وأيضا فالقبيح دلالة على الجهل والحاجة، وهما محالان على الله تعالى، فثبت أنه غير ~~مريد للقبيح ~~الوجه الرابع الإتيان بما يريده الغير طاعة لذلك الغير، فلو أراد الله تعالى من الكافر ~~الكفر لكان الكافر مطيعا لله تعالى بكفره، وكل مطيع لله تعالى فهو مستحق للثواب ~~بالاجماع، فيلزم أن يكون الكافر مستحقا للثواب، وإنه باطل. وإنما قلنا إن الإتيان بمراد ~~الغير طاعة له؛ فلما قدمناه في كونه مريدا للطاعات، ولوجوه ثلاثة: ~~أما أولا فما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان في بعض الأسفار فضرب الأرض ~~بعقبه فنبع الماء فقال أبو طالب - وفي رواية: العباس رضي الله عنه -: يا محمد إن ربك ~~ليطيعك. فقال عليه الصلاة والسلام: "وأنت إن أطعت الله أطاعك"(1). أي إن فعلت ما ~~أراده يفعل لك ما أردت. # وأما ثانيا فروي عن عمر أنه قال: أطاعني ربي في ثلاث (2). فوصف الله تعالى بكونه ~~مطيعا له لما فعل ما أراده. # وأما ثالثا فقول سويد: ~~رب مسن أتضحت غيظا صذره قذتمتى لي موتالم يطغ(3) ~~اي لم يقع له ما أراده ولم يفعل له، فثبت أن الله تعالى لا يريد شيئا من القبائح. # ا- افيئمي: مجمع الزوائد (كتاب الجنائز - باب عيادة غير المسلم) 300/2، وقال عنه: رواه الطبراني في ~~الأوسط، وفيه الهيثم بن جماز البكاء وهو ضعيف. # 2- البخاري (كتاب الصلاة - باب ما جاء في القبلة) 89/1، حديث ms186 رقم 404، وفيه: "وافقت ربي في ثلاث". # ومسلم (كتاب فضاثل الصحابة - باب من فضايثل عمر رضي الله عنه) 2/ 1027 حديث رقم 1359. # 3- هو سويد بن أبي كاهل اليشكري، والبيت من بحر الرمل. PageV00P237 # ============================================================ ~~السهيد شرح معالم العدل والنوحيل ~~فأما الأدلة النقلية فهي نوعان: منها ما يدل على أن الله تعالى لا يريد المعاصي. ومنها ما ~~يدل على أنه تعالى لا يريد إلا الطاعات. # أما الأول فيدل عليه خمس آيات: الأولى قوله تعالى: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ~~ما أشركنا ولا آباؤنا)(1) ثم قال: (كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل ~~عنذكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون). وهذه الآية تدل ~~على فساد مذهبهم من وجوه: ~~أما الأول فإن الله تعالى حكى صريح مذهبهم عنهم، ثم رد عليهم بقوله: (كذلك كذب ~~الذين من قبلهم). # وأما ثانيا فقوله تعالى: (حتى ذاقوا بأسنا) والبأس هو العذاب، وهو لا يستحق إلا على ~~الباطل. # وأما ثالثا فقوله تعالى: (هل عندكم من علم فتخرجوه لنا). ومثل هذا لا يقال إلا ~~للمبطل. # وأما رابعا فقوله: ( إن تتبعون إلا الظن). وهذا يدل على جهلهم فيما قالوه. # ل و أما خامسا فقوله تعالى: (وإن أنتم إلا تخرصون) أي تكذبون، والخرص هو الكذب؛ ~~لقوله تعالى: (قتل الخراصون) (2). أي الكذابون. # ا- سورة الأنعام: آية 148. # 2- سورة الذاريات: آية 10. PageV00P238 # ============================================================ ~~النهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الثانية إن المعاصي مكروهة، والمكروه لا يكون مرادا، فيلزم أن تكون المعاصي غير ~~مراده. وإنما قلنا إن المعاصي مكروهة؛ فلقوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق)(1) ~~إلى أن قال: (كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها)(2) فبين أن المعاصي كلها مكروهة له ~~تعالى، وأما أن المراد لا يكون مكروها؛ فلأن فيه اجتماع الضدين، وهو محال. # الثالثة قوله تعالى: (وما الله يريد ظلما للعباد)(3)، وقوله تعالى: (وما الله يريد ظلما ~~للعالمين)(4)، وقوله تعالى: (يريد الله بكم اليشر ولا يريد بكم العشر)(3)، فنفي بجميع هذه ~~الآيات أنه لا يريد شيئا من المعاصي: ~~الرابعة قوله تعالى: ms187 (والله لا ئحب الفساد)(6)، والمحبة هي الإرادة، فإذا كان غير محب لها ~~وجب ألا يكون مريدا لها. # الخامسة قوله تعالى: (ولا يرضى لعباده الكفر)(2)، والرضي هو الإرادة، فإذا كان غير ~~راض بها وجب ألا يكون مريدا لها. # وأما النوع الثاني وهو أنه تعالى مريدا للطاعات، فيدل عليها آيات: ~~- سورة الاسراء: آية 31. # 2- سورة الإسراء: آية 38. # 3- سورة غافر: آية 31. # 4 - سورة آل عمران: آية 108. # 5- سورة البقرة: آية185. # 6- سورة البقرة: آية 205. # (سورة الزمر: آية 7. PageV00P239 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الأولى قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليغبدوا الله مخلصين له الدين) (1) بين في هذه الآية أنه ~~ما أمرهم إلا بالعبادة، والعبادة هي الطاعة. # الثانية قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)(2). # الثالثة قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم)(3) ~~الرابعة قوله تعالى: (يأيها الناس اتقوا ربكم) (4) فأمرهم بالتقوى، وهي رأس الطاعة ~~وعمدتها، والقرآن كله محشو بالأمر بالطاعات والنهي عن الفواحش، فحصل من مجموع ~~ما ذكرناه أنه تعالى مريد لجميع الطاعات وأنه تعالى كاره لجميع المعاصي وساخط لها، وهو ~~المطلوب. # القول في شبههم وهي نوعان: عقلية وسمعية. # أما العقلية فهي أربع: ~~الشبهة الأولى في أنه تعالى مريد لكل ما حدث من الكائنات، قالوا: قد ثبت أنه تعالى ~~موجد لكل المحدثات، وكل من كان موجدا لشيء فلا بد وأن يكون مريدا له، فيلزم أن ~~يكون الله تعالى مريدا لحدوث جميع الحوادث. وإنما قلنا إنه تعالى موجد لجميع الحوادث؛ ~~فلما مر في مسألة خلق الأعمال. وإنما قلنا إن كل من كان موجدا للشيء فلا بد وأن يكون ~~1 سورة البينة: آية5. # 2- سورة الذاريات: آية56. # و سورة النساء: آية 26. # 4 - سورة النساء: آية 1. PageV00P240 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~مريدا له؛ فلما مضى في مسألة الإرادة من أن اختصاص الفعل بوقوعه على وجوهه المختلفة ~~لا يمكن إلا بالإرادة. # وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فلا نسلم أنه تعالى خالق لأفعال العباد، وبيانه ما مر في مسألة خلق الأعمال، فإنا ~~قد أنهينا القول فيه نهايته، وبينا ms188 أن العلم بالايجاد ضروري لا مدفع له إلا بالمكابرة، وإن ~~اسناد أفعال العباد إلى غيرهم يبطل الحس والبديهة، ولا يبقى للأمر والنهي فائدة، وفي ~~ذلك استيصال لقاعدة الدين، وهدم لأصول الشريعة. # و أما ثانيا فهب أنا سلمنا ذلك، فلم قلتم إنه يجب أن يكون مريدا لكل واقع. # بيانه إن عندكم أن الله تعالى يخلق القبائح ثم ينهى عنها، فإذا جاز أن يخلقها ثم ينهى ~~عنها فلم لا يجوز أن يخلقها مع أنه كاره لها وساخط لوقوعها. # الشبهة الثانية ففي كونه تعالى غير مريد لما لم يحدث ~~قالوا: إن كل ما لم يحدث ولا هو مما سيحدث فالله تعالى عالم باستحالة حدوثه، والعالم ~~باستحالة حدوث الشييء يستحيل أن يكون مريدا له. وإنما قلنا إن كل ما لم يحدث ولا هو مما ~~سيحدث فالله تعالى عالم بأنه لا يدخل في الوجود، وما علم الله أنه لا يوجد استحال ~~وجوده؛ لأن خلاف معلومه تعالى محال. فإذا كان الله عالما بكل المعلومات وجب آن يكون ~~عالما باستحالة حدوثه، وإنما قلنا إن العالم باستحالة حدوث الشيء يستحيل أن يكون مريدا ~~له؛ فلأن العلم الضروري حاصل بأن الإرادة لا تتعلق إلا بالأمور الجائزة، فأما الأمور ~~المستحيلة فلا. # وجوابه من وجهين: PageV00P241 ~~============================================================ ~~النمهيل شح معالمر العدل والتوحيل ~~أما أولا فلا نسلم أن ما علم الله أنه لا يوجد كان ممتنع الوجود. # وبيانه ما قررناه فيما سلف من آن خلاف معلومه ممكن الوقوع، وأنه وإن استحال ~~وقوعه بالنظر إلى علمه فإنه لا يستحيل بالنظر إلى تعلق القدرة به، وكونه ممكن الوقوع ~~بالاضافة إلى تعلق القدرة به كاف في تصحيح تعلق الإرادة به؛ لأن تعلق الإرادة متوقف ~~على كون الشيء ما يصح حدوثه، فإذا كان خلاف معلومه تعالى ممكن الوقوع بالإضافة إلى ~~القدرة أمكن تعلق الإرادة به، وبطل قولكم إن الإرادة لا يصح تعلقها بما يستحيل حدوثه. # وأما ثانيا فهب أنا سلمنا أن خلاف معلومه تعالى محال، فلم قلتم إن إرادة ما علم أنه لا ~~يقع متنعة. # وبيانه أن أحدنا ms189 لو أخبره نبي صادق بأن زيدا لا يحسن إليه، فإنه يكون مريدا للإحسان ~~مع أن حصول الإحسان محال؛ لأنه يؤدي إلى كذب النبي، وهو محال. فبان أن وجود الشيء ~~وان كان مستحيلا لا يمتنع تعلق الإرادة به. # الشبهة الثالثة قالوا: لو وقع في العالم ما لا يريده الله من الأفعال لكان عاجزا عن منعها ~~ل وكفها، والعجز عليه محال، فوقوعها غير مراده محال. وإنما قلنا إنه لو وقع في العالم من ~~الأفعال ما لا يريده الله تعالى لكان عجزا عن منعها وكفها؛ فلأنه تعالى إذا كان كارها لها ~~وساخطا لوقوعها فيجب ألا تكون واقعة مع كراهته لها وسخطه لوقرعها، فإذا وقعت ~~وهي غير مرادة دل ذلك على عجزه عن منعها وكفها، وإنما قلنا إن العجز عليه محال فلما بينا ~~ان قادريته لذاته، فثبت أنه تعالى مريد لجميع الواقعات. # وجوابه من وجهين: PageV00P242 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~أما أولا فلا نسلم أن له تعالى أن يمنعهم بالقسر من وقوع هذه الأفعال مع استمرار ~~التكليف لأن في منعه لهم عنها إبطالا للتكليف، وفيه بطلان استحقاق الثواب والعقاب، ~~فلهذا لم يكن له منعهم. فنقول: ليس له منعهم مع استمرار التكليف، فوقوعها غير مرادة ~~لايدل على ضعفه وعجزه، فأما منعهم بالقسر والالجاء فوقوعها غير مرادة دليل على عجزه ~~وقصور قدرته. # و أما ثانيا فلأته إذا ثبت أنه تعالى قد أمر بما لم يقع، ولم يدل على عجزه، فكذلك وقوع ما ~~لم يرد وقوعه لا يدل على عجزه. # الشبهة الرابعة قالوا: إرادة ما لا يفع تمني، والتمني على تعالى محال، فإرادة ما لا يقع ~~محال. وإنما قلنا إن إرادة ما لا يقع تمني؛ فلأن ما علم الله أنه لا يقع استحال وقوعه، فلو ~~تعلقت الإرادة بوقوعه مع أن وقوعه محال لكان تمنيا؛ لأن التمني لا يمتنع تعلقه ~~بالمحالات. وإنما قلنا إن التمني على الله تعالى محال؛ فلأن التمني إنما يكون في حق من لا ~~يقدر على الأشياء ولا يعلم حقائقها وتفاصيلها، والله تعالى محيط بها ms190 وعالم بحقائقها وقادر ~~عليها، فلهذا كان مستحيلا عليه. # وجوابه من وجوه: ~~أما أولا فالتمني هو من أقسام الكلام، والإرادة من قبيل الأفعال، فكيف يقال إن إرادة ~~ما لايقع تمني: ~~و أما ثانيا فإن إرادة ما لا يقع كإرادة ما يقع في صحة كون كل واحد منهما مرادا ومتعلقا ~~للارادة، والعقلاء لا يجدون فرقا بينهما في صحة إرادتهما. PageV00P243 # ============================================================ ~~الهيد شح معالمر العدل والنرحيل ~~و أما ثالثا فيلزم أن يكون الأمر بما لا يقع أيضا تمنيا كإرادة ما لا يقع، بل هذا أقرب من ~~كون الإرادة تمنيا؛ لأن الأمر والتمني كلاهما من قبيل الكلام، فلا يمتنع أن يستعمل الأمر ~~لما لا يقع في النهي مجازا بخلاف الإرادة، فإنها ليست من قبيل الكلام. # وأما الشبهة السمعية. # فقد تمسكوا بآيات منها قوله تعالى: (ولؤ شاء الله لجمعهم على الهدى)(1) وقوله تعالى: ~~(أفلم ينتس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا)(3) وقوله تعالى: ( ولو أننا نزلنا ~~إلنهم الملائكة وكلمهم المؤتى وحشزنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ~~)(3). وقوله: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله)(4) وقوله تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون)(3) وقوله تعالى: (ولو شاء الله ما اقتلوا)(46). وغير ذلك من الآيات التي ~~توهم أنه تعالى مريد لجميع الواقعات وأنه تعالى لا يريد من الطاعات ما ليس بواقع. # والجواب من وجهين: ~~أ حدهما أن المراد بالمشيثة في هذه الآيات مشيئة الإلجاء والإكراه والقسر، كقوله تعالى: ~~(إن نشأ تنزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين)(1) وقوله: (ولؤ شاء ربك ~~1 - سورة الأنعام: آية35. # 2سورة الرعد: آية 31. # 3 سورة الأنعام: آية 111. # 4 - سورة الانسان: آية 30. # 5 سورة يس: آية 82. # 6- سورة البقرة: آية 253. # (- سورة الشعراء: آية4. PageV00P244 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنرحيل ~~لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تنره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (1) فبين أنه تعالى ~~قادر على إكراههم على الايمان وقسرهم عليه ولكن وكلهم في الايمان إلى اختيارهم؛ ليتم ~~التكليف ويحسن الأمر والنهي ms191 والثواب والعقاب، لأن ذلك لا يتم إلا مع كمال الاختيار ~~اال وزوال القسر؛ ليحصل بكمال الطاعة الثواب ويحصل بوقوع المعصية العقاب، كما قال: ~~(وقل الخحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)(2). # ال وثانيهما أن هذه الآيات معارضة بالآيات التي قدمناها، فإذا كانت الظواهر في هذه ~~الآيات متعارضة وجب الرجوع إلى أدلة العقل، فهذا تمام القول في الإرادة. # القول في كونه تعالى متكلما ~~ويشتمل على تمهيد وفصول ثلاثة: ~~أما التمهيد فنذكر فيه تلخيص محل النزاع فنقول: اتفق المسلمون على وصف الله تعالى ~~بكونه متكلما، واختلفوا في فائدته، فعندنا وهو مذهب المعتزلة أن المعنى بكونه تعالى متكلما ~~أانه خلق هذه الحروف والأصوات في جسم، وأما الأشعرية فزعموا أن كلام الله صفة ~~حقيقية مغايرة هذه الحروف والأصوات، وأن ذاته تعالى موصوفة بهذه الصفة. # واعلم أن التحقيق أنه لا نزاع بيننا وبين الأشعرية في كونه تعالى متكلما بالمعنى الذي ~~ذكرناه وهو آن معنى كونه تعالى متكلما هو خلقه هذه الحروف والأصوات في جسم؛ لأن ~~النزاع بيننا وبينهم إما أن يكون واقعا في اللفظ أو في المعنى. أما النزاع في المعنى فإما أن ~~يكون في الصحة أو في الوقوع. أما النزاع في الصحة فذلك غير ممكن؛ لأنا متفقون على أن ~~ا- سورة يونس: آية 99. # 2- سورة الكهف: آية 29. PageV00P245 # ============================================================ ~~النهيل شح معالم العدل والتوحيل ~~الله تعالى يصح منه إيجاد هذه الحروف والأصوات، وأما النزاع في الوقوع فغير متصور ~~أيضاب لأن عندهم أن الله تعالى موجد لجميع أفعال العباد ومنها هذه الحروف والأصوات، ~~فلا يمكن إنكار كونه تعالى موجدا لها، وأما على مذهبنا فنحن نثيت كونه تعالى موجدا لها ~~بالسمع، لأن وقوعها من جهة غيره مكن فلا يستفاد كونه موجدا لها إلا بالسمع. فإذا كان ~~لا معنى لكونه متكلما إلا خلق هذه الحروف والأصوات، ولم يثبت أن له تعالى صفة ولا ~~حالة ولا حكما من كونه موجدا لها أزيد من كونه قادرا عليها عالما بها مريدا لوجودها، فقد ~~صح ما ادعيناه وأنه لا نزاع بيننا وبينهم في ms192 كونه متكلما بالمعنى الذي ذكرناه. # ال وأما النزاع اللفظي فهو أن يقولوا: إنا لا نسلم أن لفظ المتكلم موضوع في اللغة لموجد ~~الكلام وإنما هو موضوع بالاشتراك لموجد الكلام ولمن اختص بصفة ككونه قادرا وعالما. # وأقوى ما تمسك به أصحابنا في أن المتكلم فاعل الكلام وجهان: ~~أحدهما أن لفظ المتكلم من أسماء الفاعلين الجارية عليهم، فلا يقع إلا على الموجد لذلك ~~الفعل كالكاسر والضارب. # وثانيهما أن العرب تقول: تكلم الجني على لسان المصروع. فيضيفون كلام المصروع إلى ~~الجني؛ لاعتقادهم كون الجني فاعلا له ومتكلما على لسانه، فلولا اعتقادهم أن المتكلم هو ~~فاعل الكلام وإلا لما صح ذلك منهم، فحصل من مجموع كلامنا أن المتكلم على مذهبنا ~~ومذهب المعتزلة هو فاعل الكلام. # وأما الأشعرية فهم يزعمون أن كلام الله تعالى صفة مغايرة هذه الأحرف والأصوات ~~قائمة بذاته، ويثبتون قدمه كسائر صفاته، فالمطالبة لهم في آمور ثلاثة: تصور حقيقة هذه ~~الصفة أولا، وإثباتها له تعالى ثانيا، وإثبات قدمها ثالثا. ونحن من وراء الوفاء بالإبطال لهذه PageV00P246 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتورحيد ~~الأمور الثلاثة بعون الله تعالى، فهذا هو التمهيد في تلخيص موضع الخلاف، ونشرع الآن في ~~الفصول الثلاثة. # الفصل الأول في حقيقة الكلام وإثبات كونه تعالى متكلما به ~~أما حقيقة الكلام فعندنا أن الكلام هو المنتظم من الحروف المسموعة المتميزة المتواضع ~~عليها الحاصلة على التوالي من قادر واحد. قلنا المنتظم احترازا من الحرف الواحد؛ فإنه لا ~~يكون كلاما، وأقل الكلام حرفان. وقلنا من الحروف احترازا عن انتظام الأجسام، فإنه لا ~~يكون كلاما. وقلنا المسموعة احترازا من حروف الكتابة، فليست كلاما. وقلنا المتميزة ~~احترازا عن أصوات كثيرة لا تتميز، فلا تعد كلاما. وقلنا المتواضع عليها احترازا عن ~~المهملات. وقلنا على التوالي احترازا عن تخلل الأوقات بين الحروف، فإنه لا يعد كلاما، ~~كمن ينطق بالزاي أولا من زيد ثم يقف ساعة ثم ينطق بالباء ويقف ساعة ثم ينطق بالدال، ~~فإن هذا لا يكون كلاما، ولا يثبت له حكم الكلام. وقلنا من قادر واحد احترازا عما ms193 إذا ~~صدر كل حرف من حروف الكلمة من قادر على حياله، فإنها لا تكون كلاما. # فهذا هو الكلام المصطلح عليه في حقيقة اللغة والسابق إلى أفهام العقلاء، والمعنى بكونه ~~تعالى متكلما هو ايجاد هذه الحروف والأصوات في جسم، وقد بينا فيما سبق أنه لا خلاف ~~بينناوبينهم في كونه تعالى متكلما بهذا المعنى. # وأما الأشعرية فزعموا أن لفظ الكلام موضوع بالاشتراك على المعنى القائم بالنفس، ~~وعلى هذه الحروف المقطعة، وعندهم أن كلام الله تعالى صفة حقيقية مغايرة لهذه الحروف، ~~وأن هذه الحروف دلالة عليها، وعندهم أن كلام الله تعالى ماهية واحدة لا يدخلها التعدد، ~~وكونه آمرا ونهيا وخبرا واستخبارا أمور إضافية متعلقة بالكلام كالعلم بالاضافة إلى PageV00P247 ~~============================================================ ~~السهيد شرح معالم العدل والتوحيل ~~وقد حكى الإسفرايني عن بعض القدماء منهم أن كلام الله تعالى متعدد إلى أمور خمسة: ~~امر ونهي وخبر واستخبار ونداء. والمحققون منهم على خلافه، وأنه حقيقة واحدة غير ~~متعددة، والمعنى بكونه تعالى متكلما عندهم قيام هذه الصفة وهي المتكلمية بذاته كالقادرية ~~والعالمية. # والمعتمد في إبطال مذهبهم مسالك: ~~الأول وعليه تعويل اكثر المتكلمين وهو أن إثبات حالة القديم تعالى بكونه متكلما لا ~~دليل عليه، وما لا دليل عليه وجب نفيه. وإنما قلنا إنه لا دليل عليها؛ فلأن الدليل عليها إما ~~ان يكون عقليا أو سمعيا، وباطل أن يكون سمعيا لأمرين: ~~أما أولا فلأن السمع لا يرشد إلى إثبات هذه الصفة؛ لأنها لا تعلم إلا بالأدلة الدقيقة. # و أما ثانيا فلو ورد خطاب مشعر بالكلام كقوله تعالى: (حتى يشمع كلام الله)(1). وقوله ~~تعالى: (وكلم الله موسى تكليما)(2) فهو إنما يحمل على السابق إلى الفهم والمتعارف في حقيقة ~~اللغة من ايجاد هذه الحروف والأصوات دون غيرها، من إثيات حالة لا تفهمونها. وأما ~~العقل فلا بد أن يكون بينه وبين مدلوله تعلق وإلا لم يكن بأن يدل أولى من ألا يدل أو يدل ~~على غيره، وذلك التعلق لا يخلو من وجوه ثلاثة: ~~إما أن يكون استدلالا بالأثر على المؤثر أو بالمؤثر على الأثر أو ms194 بأن يكونا صادرين عن ~~مؤثر واحد، وكل هذه الأقسام باطلة. # 1- سورة التوبة: آية1. # 2سورة النساء: آية 164. PageV00P248 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~أما الأول وهو أن يكون الدليل على هذه الصفة أثرها، فلا يعقل لها أثر إلا هذه الحروف ~~والأصوات، كما زعموا أنها دلالة عليها. فنقول: ليس يعقل تأثير هذه الصفة في هذه ~~الحروف إلا بطريقة الوجوب، فذلك الايجاب إما أن يكون بشرط أو لا بشرط، فإن كان لا ~~بشرط وجب حصولها في الأزل، ولا شك في حدوثها، وإن كان بشرط فالشرط إما أن ~~يكون قديما أو حادثا، فإن كان قديما لزم حصولها فيما لا أول له، وإن كان محدثا فلا شرط ~~يعقل هناك محدث يقف عليه صدور هذه الحروف، فيجب آن يكون باطلا. # وأما الثاني وهو أن يكون الدليل على هذه الصفة ما يؤثر فيها، فلا يعقل هناك إلا أحد ~~أمرين إما أن يقال: إن ذاتا قديمة غير ذاته تعالى أثرت له فيها. فهم لا يقولون به، وهو أيضا ~~لا يعقل. وإما أن يقال: إن ذات القديم تعالى أثرت له في حصول هذه الصفة. وهذا باطل ~~أيضا، لا تقولون به، ولأنها عندهم قديمة. والثالث أيضا باطل، وهو أن يقال: إن هذه ~~الصفة وهذه الحروف صدرا عن مؤثر واحد وهو ذات القديم تعالى؛ لأن هذا يوجب ~~عليهم حصول هذه الأحرف والأصوات فيما لا أول له، وهو فاسد. فثبت أنه لا دليل لهم ~~على هذه الحالة. # وأما أن ما لا دليل عليه وجب نفيه؛ فلأن تجويز ذلك يفتح كل جهالة، ويقضي بفساد ~~العلوم الضرورية والنظرية، فيجب أن يكون باطلا، فهذا منتهى هذه الطريقة، وقد عرفت ~~مافيها. # المسلك الثاني لو كان المتكلم بكونه متكلما حال زائدة على وجود الكلام من جهته لصح ~~أن يعقل كونه متكلما من دون وجود الكلام، وأن يعقل وجود الكلام من جهته ثم لا يكون ~~متكلما؛ لأن هذا هو الأصل في كل أمرين ليس بينهما علقة من وجه، فلما علمنا تعذر ذلك ~~وأنه يستحيل تعقل كونه متكلما من دون ms195 وجود الكلام من جهته وأن يعقل وجود الكلام PageV00P249 ~~============================================================ ~~الشبيد شح معالم العدل والتوحيل ~~من جهته ولا يعقل كونه متكلما علمنا أن كونه متكلما ليس أمرا زائدا على وجود الكلام ~~المسلك الثالث أن لفظ المتكلم لو كان موضوعا بإزاء أمر زائد على وجود الكلام من ~~جهته لكان لا يصح إطلاق ذلك الاسم إلا ممن عرف هذه الحالة، ونحن نعلم ضرورة أن ~~أهل اللغة يسمونه متكلما عند وجود الكلام منه وإن لم يخطر ببال أحد منهم معرفة هذه ~~الحالة، ولا فهموها، وهذا يدل على أن إطلاق اسم المتكلم موضوع على من وجد منه ~~الكلام من غير أمر زائد. # لا يقال: إنهم وإن لم يعرفوها مفصلة فقد عرفوها على سبيل الاجمال، وهو كاف في ~~صحة إطلاق الاسم. لأنا نقول: إن هذه الصفة لا يفهمها إلا الأذكياء وأهل الكياسة ~~بالأدلة الدقيقة، فأما أهل اللغة فهي معتاصة على أفهامهم، ولا تخطر لأحد منهم على بال لا ~~على جملة ولا تفصيل. # المسلك الرابع أن نقول: إن من أثبت لله تعالى صفة بكونه متكلما زائدة على وجود ~~الكلام فهو يثبتها له في الأزل؛ لأنها قديمة كسائر صفاته القديمة من القدرة والعلم ~~والحياة، فنقول: إذا وجد هذا الكلام من جهته أعني الحروف والأصوات فإما أن يستحق ~~صفة غير ما كان ثابتا في الأزل أم لا. والأول باطل؛ لأنه لو ثبت له صفتان ثبتت له ثالثة ~~ورابعة إلى غير غاية، إذ لا عدد أولى من عدد. والثاني باطل أيضا؛ لأنه إذا ثبتت له صفة ~~بكونه متكلما من دون إيجاد هذه الحروف كان ثبوتها له مع وجودها أحق؛ لأن وجود هذه ~~الحروف هو حقيقة في حصول المتكلمية وأصل في معقولها، فإذا ثبتت مع عدمها فثبوتها مع ~~وجودها أولى. PageV00P250 # ============================================================ ~~السهين شرح معالمر العدل والتوحيل ~~المسلك الخامس القائلون بإثبات حالة للقديم تعالى في الأزل هي المتكلمية لا بد أن ~~يقولوا بثبوت هذه التعلقات هذه الصفة- أعني الخبر والاستخبار والأمر والنهي وسائر ~~هذه الإضافات - لأن هذه الحالة لا تعقل من دونها، فنقول: إما أن ms196 تحصل هذه التعلقات ~~مع هذه الحالة فيما لا أول له أم لا، والأول باطل؛ لأنها لو كانت حاصلة في الأزل لكان ~~قوله تعالى: (ولقد نادانا نوه)(1). # (وأوحينا إلى إبراهيم)(2). ( وآتينا داود زبورا)(3). وسائر الأخبار والقصص كذبا لا ~~محالة؛ لأن الإخبار عن وقوع ما لم يقع في الماضي كذب، والكذب على الله تعالى محال: ~~ولكان يجب أن يكون الأمر والنهي - كقوله تعالى: (أقيموا الصلاة)، (ولا تقربوا الفواحش ~~) - عبثا قبيحاب لأن الأمر والنهي لغير مأمور ومنهي قبيحان. والثاني أيضا باطل؛ لأن هذه ~~التعلقات كالحقيقة في معقول هذه الصفة، فيكون حصول هذه الحالة من دون تعلقاتها ~~محال: ~~لا يقال: إن هذه الصفة بالإضافة إلى تعلقاتها كالعلم بالإضافة إلى تعلقاته، فكما جاز ~~حصول العلم وإن فقد بعض متعلقاته كذلك الحال في الكلام. # لأنا نقول: هذا باطل لوجهين: ~~أما أولا فهذا بناء منكم على أن العلم حقيقة مفردة ولها تعلقات مضافة إليها، ونحن لا ~~نسلم ذلك، وإنما العلم عندنا هو نفس التعلق من غير زيادة أمر آخر، كما مر. # 1 - سورة الصافات: آية 75. # 2- سورة النساء: آية 164. # 3- سورة النساء: آية 163. PageV00P251 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وأما ثانيا فلو سلمنا أن العلم حقيقة مفردة وها تعلقات فان متعلقات علمه تعالى ~~حاصلة في الأزل بلا نهاية، ثم إما أن نقول بأن العلم بأن الشيء سيوجد هو علم بوجوده ~~إذا وجد كما هو رأي أكثر المتكلمين، فحينئذ لم يتجدد شيء من معلوماته، وكانت كلها ~~ثابتة. وإن قلنا بأن العلم بوجود الشيء غير العلم بأنه سيوجد وأنه تجدد أمر آخر بوجوده ~~فهذا ملخص ما وجدته في المسألة والله الموفق. # وتمام تقرير الدليل بايراد معتمدهم في إثبات حقيقة الكلام ~~فأقوى ما ذكروه واعتمده المحققون منهم قالوا: قد ثبت أن القديم آمر ناه ومخبر، فأمره ~~ال وونهيه وخبره إما أن يكون عبارة عن مجرد هذه الألفاظ أو لا يكون. والأول باطل؛ لأن ~~الألفاظ الموضوعة للأمر والنهي والخبر قد كان من الجاثز ألا يضعها الواضع لمعنى أصلا ~~حى تكون من المهملات، ثم بتقدير ms197 أن يضعها لمعنى لكن من الجائز أن تكون اللفظة التي ~~وضعها لافادة الأمريضعها لافادة الخبر، وبالعكس من ذلك، فإذن كون اللفظة المعينة أمرا ~~الا ونهيا وخبرا إنما كانت كذلك لدلالتها على ماهية الطلب والزجر والحكم، وهذه الماهيات ~~ليست آمورا وضعية بل هي حقائق ثابتة لا تختلف بحسب اختلاف المواضعة، وليست ~~أيضا عبارة عن العلم والقدرة والإرادة، بل هي أمور مخالفة في حقائقها، ولا نعني بالكلام ~~النفسي إلا ذاك فثبت أن أمر الله تعالى ونهيه وخبره صفات حقيقية قائمة بذاته مغايرة ~~لارادته وقدرته وعلمه، وأن الألفاظ الواردة في الكتب المنزلة دليل عليها، وهو المطلوب. # والجواب من وجهين: PageV00P252 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~الأول أن حقيقة الأمر عندنا ليس إلا حصول هذه الصيغة أو ما في معناها مع إرادة ~~المأمورية من غير زيادة على ذلك. ويدل عليه أمران: ~~أما أولا فالدوران العقلي، فإن العقلاء متى علموا هذه الصيغة مع الإرادة علموه أمرا، ~~ومتى لم يعلموا هذه الصيغة أو علموها ولم يعلموا الإرادة لم يعلموه أمرا. # وأما ثانيا فالدوران الوجودي، فإنه متى وجدت هذه الصيغة مع الإرادة وجب آن ~~يكون أمرا، ومتى لم توجد هذه الصيغة أو وجدت من غير إرادة لم يحصل كونه أمرا، فلما دل ~~الدوران العقلي والوجودي على أن حقيقة الأمر ما ذكرناه وجب أن يكون أمرا لذلك من ~~ال دون اعتبار أمر آخر، وهكذا الكلام في النهي والخبر، إنما كان نهيا للصيغة مع الكراهة ~~وخبرا للصيغة مع الإرادة. # قوله: إن صيغ الأمر والنهي والخبر وضعية مختلقة بحسب اختلاف المواضعة، وحقيقة ~~الأمر والنهي والخبر عقلية لا تختلف بحسب اختلاف المواضعة، وهذا يدل على أن حقيقة ~~الأمر والنهي والخبر أمر وراء الصيغة. قلنا: إن مدلولات الصيغ والألفاظ في الأمر والنهي ~~والخبر وغيرها من سائر الحقائق كالانسان والفرس والجسم والعرض سواء كان لها وجود ~~في الخارج أم لا إنما هي أمور ذهنية متعلقها العقل، وليست من الكلام في شيء. # قوله: لا نريد بالكلام النفسي إلا ذاك. قلنا: إن كان يلزم من مجرد ms198 اختلاف الصيغ في ~~الأمر والنهي والخبر مع أن حقائقها غير مختلفة أن يكون ثم كلام نفسي ليلزم في لفظ ~~الفرس والانسان لما كان وضعيا وحقيقتهما عقلية أن يكون ثم فرس نفسي وإنسان نفسي، ~~وكذلك يلزم في كل الألفاظ الموضوعة على الحقائق، وهم لا يقولون بذلك. # الوجه الثاني إن حقيقة الأمر إما أن تكون هي مجرد الصيغة مع الإرادة أو أمر آخر، فإن ~~كان الأول فهو المطلوب، وإن كان الثاني فهو باطل؛ لأن حقيقة الأمر ظاهرة عند العقلاء PageV00P253 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وأهل اللغة، فلو كان ثم أمر وراء هذه الصيغة مع الإرادة لكان أمرا خفيا لا يطلع عليه إلا ~~الأذكياء، والأمور الظاهرة لا يمكن تعليقها بالأمور الخفية فدل هذا على أن حقيقة الأمر ~~ليس إلا نفس هذه الصيغة مع الإرادة، وكذلك النهي والخبر وغيرهما من صيغ الكلام. # الفصل الثاني في حدوث الكلام ~~اعلم أنا قد بينا أن حقيقة الكلام هو هذه الحروف والأصوات، وأن معنى كونه تعالى ~~متكلما به هو إيجاده هذه الحروف والأصوات في جسم، فإذا كان المراد بالكلام ما ذكرناه ~~فالعلم الضروري حاصل بحدوثه، واستحالة قدمه، وماكان معلوما بالضرورة لم يفتقر إلى ~~تحصيل دلالة. # وقد حكي عن بعض الحشوية من الحنابلة أن هذا القرآن المتلو في المحاريب والمكتوب ~~في المصاحف قديم مع الله تعالى، وهذا جهل منهم بحقيقة القديم والمحدث. والأولى تنزيه ~~كتابنا عن مثل هذه التهويسات والكلام عليها. # وأما الأشعرية فقد قالوا بأن الكلام الذي يثبت قدمه ليس هذه الحروف والأصوات ~~ولا إرادتها ولا العلم بها، وإنما الكلام الذي يثبت قدمه هي صفة قائمة بذاته تعالى كسائر ~~صفاته القديمة من القدرة والعلم والحياة. # والمعتمد ف بطلان مذهبهم طريقان: عقلية وسمعية. # أما العقلية فمن أوجه: ~~الأول أنه يلزم من قدم كلامه حصول النقص في حقه، والنقص عليه محال. فالقول بقدم ~~كلامه محال، وإنما قلنا إنه يلزم من قدم كلامه حصول نقص في حقه؛ فلأن المتكلم لا بد أن ~~يفيد بكلامه فائدة حتى يخرج الكلام عن كونه عبثا، ms199 وتلك الفائدة إما أن تكون راجعة إلى PageV00P254 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~نفسه أو إلى غيره، أما الإفادة الراجعة إلى نفس المتكلم فنحو أن يتكلم به ليطرب إليه، كما في ~~التغني، أو يكرره ليحرز حفظه، أو للتعبد به كما نعبد الله بقراءة القرآن، والله تعالى متعال ~~عن هذه المنافع. # وأما الافادة الراجعة إلى غيره فنحو أن يخاطب به غيره لفهم مراده بأمره ونهيه وإخباره ~~بأمر من الأمور، ولما لم يكن في الأزل من يفيد بكلامه هذه الفائدة كان كلامه سفها وعبثا ~~وهذيانا، تعالى الله عن ذلك، فثبت أنه يلزم من قدم كلامه حصول النقص في حقه. # وأما أن النقص عليه محال؛ فللأدلة وتسليم الخصم لذلك، فثبت أن القول بقدم كلامه ~~محال. # الوجه الثاني أن كلامه لو كان قديما لكان جاريا مجرى علمه في كون تعلقه بمتعلقاته ~~لذاته، فكما أن علمه تعالى يتعلق بما يصح آن يعلم فيجب آن يكون كلامه متعلقا بما يصح ~~تعلقه به، وعلى مذهبكم في القبح والحسن وخلق الأعمال لا شيء إلا ويصح من الله أن يأمر ~~به وينهى عنه، فيلزم أن يكون الله تعالى آمرا بكل الأشياء ناهيا عن كلها، مخبرا عن كلها على ~~الوجوه المتناقضة التي يصح الأخبار عن كل واحد منها، وهذا محال: ~~الوجه الثالث أن كلامه تعالى يصح عليه النسخ ~~ال والنسخ على القديم محال، فالقول بقدم كلامه تعالى محال، وإنما قلنا بأن كلامه تعالى ~~يصح عليه دخول النسخ فاتفاق المسلمين على ذلك، وإنما قلنا إن النسخ على القديم محال؛ ~~فلأن النسخ عبارة عن دفع الحكم أو عن الإزالة أو عن انتهاء مدة العبادة، وكلها مستحيلة ~~على القديم؛ لاستحالة العدم عليه. فيلزم أن يكون كلام الله تعالى غير قديم. PageV00P255 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~الوجه الرابع أن كلام الله تعالى هو القرآن، والقرآن محدث، فكلام الله أيضا محدث. # وانما قلنا إن كلام الله هو القرآن فبالاجماع، وأما أن القرآن محدث؛ فلوجوه ثلاثة: ~~أما أولا فلأن القرآن معجز، والمعجز هو الفعل الخارق للعادة، فإذن ms200 القرآن فعل الله ~~تعالى، والفعل محدث. # وأما ثانيا فلأن الخلف والسلف أجمعوا على أنه ليس القرآن إلا هذا المتلو بين أظهرنا ~~المكتوب بين الدفتين، ولهذا لو سئل الصحابة والتابعون في كل عصر عن القرآن لما أشاروا ~~إلا إلى هذا، ولا شك في حدوث هذا. # ال و أما ثالثا فهو أن القرآن موصوف بكونه عربيا، لقوله تعالى: (قرآنا عربيا)(1) ومسموعا ~~لقوله: (حتى يشمع كلام الله)(2)، ومحكما ومتشابه وسورا وآيات وأعشارا وأخماسا، وكل ~~ذلك من صفات الحدوث، فثبت أن كلام الله تعالى يجب أن يكون محدثا. # الطريقة الثانية سمعية، وهي اثنان: آيتان. وخبران. # أما الآيتان فالأولى قوله تعالى: (الله تزل أخسن الخحديث كتابا متشابها مثاني)(5). فوصفه ~~بالتنزيل والحسن وبكونه متشابها وحديثا ومكتوبا وبكونه مثاني، وكل هذه الأمور من ~~صفات الحوادث. # الثانية إن القرآن ذكر، والذكر محدث، فالقرآن محدث. # 1 سورة يوسف: آية 2. # 2- سورة التوبة: آية 1. # 3- سورة الزمر: آية 23. PageV00P256 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~أما أن القرآن ذكر؛ فلقوله تعالى: (إنا نخن نزلنا الذكر)(1). والمنزل هو القرآن بالإجماع، ~~وأما أن الذكر محدث؛ فلقوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم شخدث)(2). # وأما الخبران: فالأول ما رواه عمران بن الحصين أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "كان الله ولا شيء، ثم خلق الذكر"(5). والذكر هو القرآن لما ذكرناه. # الثاني ما رواه أبو الحسين عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: لاما خلق الله من سماء ولا ~~أرض ولا سهل ولا جبل أعظم من سورة البقرة، وأعظم منها آية الكرسي"(4). # لا يقال: هذا معارض بما نقل عن السلف من الامتناع عن القول بخلق القرآن، ~~وانكارهم على من وصفه بذلك. لأنا نقول: هذا خطأ، لوجهين: ~~أما أولا فلا نسلم أن السلف امتنعوا عن وصف القرآن بالخلق، كما ورد في الحديث، ولم ~~يمنع من وصفه بالخلق إلا من اعتقد قدمه. # وأما ثانيا فلأنا نحمل امتناعهم لو سلمناه على أن لفظة الخلق قد تستعمل مجازا في ~~الكذب والافتراء؛ ليحصل التلفيق بين الروايات. # ا- سورة الحجر: آية9. ms201 # 2- سورة الأنبياء: آية 2. # 3 أخرجه البخاري (كتاب بده الخلق - باب ما جاء في قول الله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده) ~~105/4 حديث رقم 3227، ونصه: "كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ~~وخلق السماوات والأرض". والطبراني: المعجم الكبير 205/18، حديث رقم 500. # 4 - أخرجه الترمذي (كتاب فضائل القرآن سورة آل عمران) حديث رقم 2884، ونصه: "ما خلق الله من سماء ~~ولا أرض أعظم من آية الكرسي(1 . قال سفيان: لأن آية الكرسي هو كلام الله وكلام الله أعظم من خلق الله من ~~السماء والأرض. PageV00P257 # ============================================================ ~~الهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~واعلم أن ما ذكرناه في الوجه الرابع وساثر الأدلة النقلية لا ينبغي إيرادها دلالة على ~~حدوث كلام الله تعالى؛ لأنها متناولة هذه الحروف والأصوات ودالة على حدوثها، ولا ~~خلاف بيننا وبين خصومنا من الأشعرية في حدوث هذه الحروف والأصوات، وإنما ~~الخلاف بيننا وبينهم في حدوث هذه الصفة - أعني المتكلمية- على زعمهم أنها ثابتة له تعالى ~~بكونه متكلما، وأنها قديمة كسائر صفاته من القدرة والعلم، فأما هذه الحروف والأصوات ~~التي أثبتوها دلالة على تلك الحالة فلا شك في حدوثها، وهذا لما كان أكثر أدلة المعتزلة على ~~حدوث كلام الله تعالى متناولة هذه الحروف والأصوات أغفلنا ذكرها وتركنا إيرادها لميلها ~~عن الغرض وانحرافها عن المقصد، وإنما يتوجه إيرادها على هؤلاء الحنابلة حيث زعموا أن ~~هذه الأحرف المؤتلفة والكلمات المنتظمة قديمة، وهو جهل منهم بماهية القديم كما مر بيانه. # والمعتمد في إبطال قدم الكلام ما أسلفناه في المعاني القديمة وما ذكرناه هاهنا من الوجوه ~~العقلية. ولهم شبهتان: ~~الشبهة الأولى قولهم: لو لم يكن متكلما بكلام قديم للزم أن يكون متكلما بكلام محدث، ~~ومحال أن يكون متكلما بكلام محدث؛ لأن ذلك الكلام إما أن يوجد فيه أو في غيره أو يوجد ~~لا في محل. والأقسام كلها باطلة، فيجب أن يكون متكلما بكلام قديم. # ل وجوابه أنا نقول: إن المتكلم هو فاعل الكلام كما سبق، فإن كان القديم تعالى فاعلا ~~للكلام ms202 وجب أن يكون متكلما. فأما كون الكلام حالا أو غير حال فيحتاج إلى نظر ~~مستأنف، ونظرنا بعد فعرفنا أن الكلام لا يمكن وجوده لا في محل؛ لأنه لا يعقل إلا ~~مدركا، وإدراكه تبعا لحلوله، وكذلك القول في سائر الأعراض لا يعقل وجودها إلا في ~~محل: PageV00P258 ~~============================================================ ~~السهيل شح معالمر العدل والتوحيل ~~الشبهة الثانية قالوا: لو لم يكن متكلما فيما لم يزل لكان أخرس أو ساكتا، والخرس ~~والسكوت محالان عليه، فكونه غير متكلم في الأزل محال. # وجوابه ما تريدون بقولكم إنه لو لم يكن متكلما في الأزل لكان أخرس أو ساكتا، تعنون ~~بكونه أخرس أو ساكتا أنه غير متكلم ؟ فهذا هو مذهبنا، ولا استحالة فيه. أو تريدون آنه ~~إذا كان غير متكلم في الأزل فهو ذو آفة من الخرس والسكوت، فهذا ليس بلازم إذا لم يكن ~~متكلما أن يكون أخرس أو ساكتا؛ لأن الخرس والسكوت إنما يجوزان على من كان متكلما ~~بآلة فيلحقها الفساد والتقصير، وهو تعالى غير متكلم بآلة فلا يلحقه خرس ولا سكوت، ~~فثبت أنه تعالى متكلم بكلام محدث، وهو المطلوب. (1) ~~الفصل الثالث في كونه تعالى صادقا ~~اعلم أنه لا خلاف بين المسلمين في وصف الله تعالى بكونه صادقا، ولكن اختلفوا في ~~كيفية إثباته بحسب اختلافهم في مسألتي الحسن والقبح. # فعندنا وهو مذهب المعتزلة أن إثبات كونه تعالى صادقا مقرر على قواعد الحكمة كما ~~سيأتي شرحه عند الكلام في أفعاله تعالى، وحاصل الدلالة أنه تعالى لو لم يكن صادقا لكان ~~كاذبا، والكذب قبيح، والله تعالى لا يفعل القبيح. # وأما الأشعرية فاستدلوا على صدقه تعالى بوجهين: ~~- جاء في الهامش: فأما ما يحكى عن الملقب بالبرغوث من أن الله تعالى متكلم لذاته فهو خطأ، وما أوردناه على ~~الأشعرية من بطلان المتكلمية حالة زائدة وأنها ثابتة في الأزل فهو مبطل لما قاله البرغوث، وجميع ما يورده المعتزلة ~~في إبطال مذهبه فإنه غير لازم؛ لأنها مبنية على أنه فاعل للكلام لذاته، وهو عمن لا يقول به وإنما مذهبه إثيات حالة ~~للذات هي المتكلمية لا ms203 غير. PageV00P259 # ============================================================ ~~الشبيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الأول منهما أن كلامه تعالى قائم بنفسه، ويستحيل الكذب في الكلام النفسي على من ~~يستحيل عليه الجهل؛ لأن الخبر يقوم بالنفس على وفق العلم، والجهل على الله تعالى محال، ~~فالكذب محال. وهذا الاستدلال خطأ لوجهين: ~~أما أولا فلأنهم ما أقاموا دلالة على أن من لا يكون جاهلا يستحيل أن يخبر بالخبر ~~النفسي على سبيل الكذب، وهذه القضية غير معلومة بالضرورة، فلا بد من بيانها بإظهار ~~الدلالة عليها، وهم ما أظهروها. # ال وأما ثانيا فهب أنا سلمنا أنه تعالى صادق في الخبر القائم بذاته، ولكن لم لا يجوز في ~~الكلام الذي نسمعه ونقرأه أن يكون كذبا. # الوجه الثاني قالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد أخبر بامتناع الكذب على الله ~~تعالى، وما أخبر به الصادق فهو صدق، فإذن امتناع الكذب على الله تعالى صدق، وهو ~~المطلوب. وهذا أيضا ركيك جدا؛ لأن صدق الرسول متوقف على إظهار المعجزة عليه، ~~واظهار المعجزة عليه قائم مقام تصديقه بالقول، وتصديق الله تعالى إياه إنما يدل على صدقه ~~لو ثبت كون الله تعالى صادقا، إذ لو جاز عليه الكذب لم يكن الرسول صادقا، فإذن صدق ~~الرسول مسبوق بالعلم بصدق الله تعالى ومستفاد منه، فلو استفدنا صدق الله من خبر ~~الرسول لزم الدور، وهو باطل. # لا يقال: إن تصديق الله تعالى للنبي بإظهار المعجزة عليه لا يتوقف على العلم بكون الله ~~تعالى صادقا، وتصديق الله تعالى للنبي هو بقوله: أنت رسولي. جار مجرى قول الرجل لغيره ~~أنت وكيلي، والبائع لغيره بعت منك هذا المتاع. وهذا الصيغ وإن كانت إخبارات من جهة ~~اللفظ إلا أنها إنشاءات من جهة المعنى، والأمور الإنشائية لا يتطرق إليها صدق ولا كذب؛ ~~لأنها بمنزلة الأمر، وإذا ثبت ذلك فقول الله تعالى للنبي: أنت رسولي. يدل على رسالته PageV00P260 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~سواء قدر أن الله تعالى صادق في ذلك أم لم يقدر. ومتى ثبت أنه رسول ثبت أنه صادق، ~~فثبت أن العلم بكون الرسول صادقا لا ms204 يتوقف على العلم بكون الله تعالى صادقا. # لأنا نقول: هب أنا سلمنا أن قول الله تعالى للرسول أنت رسولي إنشاء وليس بإخبار، ~~لكن الإنشاء إنما تأثيره في الأحكام الشرعية لا في المعاني الحقيقية، وإذا كان كذلك لم يكن في ~~قول الله للرسول أنت رسولي ما يقتضي كونه صادقا؛ لأن كونه صادقا أمر حقيقي، والأمور ~~الحقيقية لا تختلف باختلاف التصرفات الشرعية، فإذن لا طريق إلى معرفة كون الرسول ~~صادقا إلا باظهاره المعجزة عليه التي هي قائمة مقام تصديقه بالقول، فلو لم يعرف كون الله ~~تعالى صادقا إلا من قبل الرسول لزم الدور، وإنه محال. # القول في الأمور المتعلقة بالحرف والصوت ~~وفيه فصلان: الأول في الصوت، والنظر منه في أمور خمسة: ~~الأول في ماهية الصوت، ولا شك أن الصوت من الأمور المدركة، وقد بينا أن الأمور ~~المدركة لا يمكن تعريفها؛ لأن كل شيء يذكر في تعريفها فهي أجلى منه. ومن المتكلمين من ~~زعم أن الصوت عبارة عن اصطكاك(1) الأجسام الصلبة، وهذا خطأ، لأن الاصطكاك ~~ماسة قوية، والمماسة غير الصوت. ومنهم من زعم آنه كيفية تحدث من تموج الهواء ~~المنضغط، وهذا أيضا خطأ لأن هذا إنما هو إشارة إلى سبب حدوثه دون ماهيته، فثبت أن ~~الصوت لا يمكن تعريفه. # الثاني في جنسه، ولا إشكال أنه من الأعراض، ونقل عن النظام أن الصوت جسم، ~~وهذا وهم في النقل عنه، وأظن أن سبب الوهم أن النظام لما كان يذهب إلى أن الصوت لا ~~- جاءت في الأصل: اصتكاك، والكلمة بها إبدال. PageV00P261 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~يدرك إلا بوصول الهواء الحامل له إلى سطح الصماخ، فظن الناقل لأجل ذلك أنه يذهب إلى ~~ان الصوت جسم، ويدل على بطلان كونه جسما أمران: ~~أما أولا فلأن الأجسام باقية والأصوات ليست بباقية، فيجب أن يكون الصوت غير ~~و ~~وأما ثانيا فهو أن الأجسام مدركة لمسا ونظرا، والصوت ليس كذلك، فبطل كونه جسما. # الثالث في كيفية إدراكه، وقد ذهب أكثر المتكلمين إلى أن إدراك الصوت إنما هو في محله، ~~ولا ms205 حاجة في إدراكه إلى انتقال محله. # ل وحكي عن النظام أن الصوت لا يدرك إلا بوصول الهواء الحامل له إلى سطح الصماخ، ~~ويدل على إدراكه في محله أمور ثلاثة: ~~أولها أنا إذا سمعنا الصوت عرفنا جهته، ولو كنا إنما ندركه بوصوله إلى أصمختنا(1) لما ~~أدركنا جهته التي منها وصل إلينا، ألا ترى أنا لما لم ندرك الملموس إلا حال وصوله إلينا لم ~~يفرق اللامس من أي جهة جاءه فلما أدركنا التفرقة في الصوت عرفنا أنه يدرك في محله. # وثانيها أن الإنسان قد يسمع كلام غيره وإن حال بينهما الجدار، فقد حصل الإدراك من ~~غير وصول الهواء إلى الصماخ، وهذا يدل على أن إدراكه في محله. # وثالثها أن الصوت قد ثبت أنه غير باق، فلو كان لا يدرك إلا بانتقال الهواء إلى الصماخ ~~لكان يجب أن يكون باقيا أو أن لا يدرك أصلا، وهذا محال. # واحتج النظام بأمرين: ~~- جمع صماخ وهي الآذان. PageV00P262 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيد ~~أحدهما أن الصوت إنما أدرك بحيث هو لم يؤثر فيه البعد، ولكان حاله في الإدراك مع ~~البعد كحاله مع القرب. # وجوابه أن الصحيح أن البعد ليس بمانع عن إدراك الصوت وإن كان مانعا عن إدراك ~~المرثي؛ وإنما اختلف الإدراك في القرب والبعد؛ لأجل الحوائل والسواتر لا للبعد كما ذكر، ~~ال والشرط في إدراكه ألا يحصل حائل عن الصماخ. # ال وثانيهما أن الريح إذا هبت في ثمت الجهة التي يسمع منها الكلام أعانت على إدراكه ~~وقوى الإدراك لأجلها، ومتى هبت في خلاف جهته لم يسمع كذلك، فلولا أن الانتقال ~~شرط وإلا لما وجب ذلك. # وجوابه أنا لا نمنع من صحة إدراكه بالانتقال كما يدرك في محله أيضا، فإذا هبت في ~~خلاف جهته كانت مانعة وسدا، وإذا هبت في جهته تقلت محل الصوت، ولكن نمنع من ~~قال إنه لا يدرك أبدا إلا بالانتقال. # الرابع في سببه، والمشهور من مذهب المعتزلة أن الصوت متولد عن الاعتماد بشرط ~~الصكة، وهي عبارة عن تأليف بين جسمين صلبين عقيب حركات ms206 متوالية أو حركات نقل ~~السكون بينها. ودليلهم على ذلك أن الصوت واقف على الاعتماد وجودا وعدما، فيجب أن ~~يكون مؤثرا فيه، ثم منهم من شرط الحركة في وجود الصوت وهو أبو علي، وقال أبو ~~هاشم: الصوت لا يحتاج إلى الحركة، لأمرين: ~~أما أولا فلأن الصوت واقف على الاعتماد وجودا وعدما فلا حاجة به إلى أمر آخر. PageV00P263 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~و أما ثانيا فلو سلمنا أنه لا بد من الحركة فإنما الحاجة إليها في توليد الاعتماد للصوت لا ~~في وجود الصوت نفسه. والمختار أن الصوت حاصل عقيب الاعتماد والحركة، فيمكن أن ~~يكون الاعتماد سببا والحركة شرطا، وبالعكس من ذلك، فلا جرم كان الوقف هو الأولى. # الخامس في بقائه، ذهب الأكثرون إلى أن الصوت غير باق لأمرين: ~~أما أولا فلأنا إذا قلنا زيدا، فلو بقيت هذه الأحرف لوجد كل واحد منها مع صاحبه، ~~فلم تكن الجملة بأن نسمع زيدا أولى من يزدا أو ديزا إلى غير ذلك من التقاليب. # وأما ثانيا فنحن نعلم بالضرورة أن الباء والتاء والثاء والظاء لا يمكن استمرارها في ~~الزمان، وقد ذهب جمع من الكرامية إلى بقاء الصوت، وأن إدراكه مشروط بحال حدوثه، ~~وهذا خطأ؛ لأنه لو كان باقيا لوجب إدراكه في الثاني والثالث؛ لأن الإدراك لا يتوقف على ~~حالة الحدوث، بل كل ما كان مختصا بالإدراك كان مدركا في حالتي الحدوث والبقاء ~~كاللون والطعم وسائر المدركات. # الفصل الثاني في الحرف والنظر في ماهيته وقسمته وحكمه. # النظر الأول في ماهيته ~~وهو مدرك فلا يحتاج إلى تعريف، ومن الناس من زعم أنه هيئة عارضة للصوت يتميز ~~بها عن صوت آخر مثله في الخفة والثقل تميزا في المسموع، وهذا التعريف خطأ. لأن طول ~~الصوت وقصره وخفته وثقله هيئات عارضة للصوت يتميز بها عن صوت آخر مثله، ~~ال وليس بحرف. فثبت أن الحرف مما لا يحتاج إلى تعريف. PageV00P264 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل واللوحيل ~~النظر الثاني في قسمته ~~وتنقسم الحروف إلى مفردة ومركبة. # أما المفردة فتوعان: مهملة ومستعملة. # أما المستعملة ms207 فهي حروف العربية السبعة والعشرون، وربما وجد حروف آخر مستعملة ~~غير هذه، وإذا كان كذلك فحصر الحروف في عدد معين بدلالة قاطعة لا سبيل إليه. # و أما المهملة فهي الباء التي كالفاء والطاء التي كالتاء والظاء التي كالثاء، وهي مستهجنة ~~لا توجد في فصيح الكلام. # وأما المركبة فالنظر فيها من وجهين: في الكمية، والكيفية. # أما الكمية فقد قيل: إن أعدل المركبات الألفاظ الثلاثية، لأمرين: ~~أما أولا فلا بد من طرفين ووسط، وهذا لا يحصل إلا في الثلاثية؛ لأن الثنائية ناقصة، ~~وما فوق الثلاثية فهو زائد، والمعتدل هو الثلاثي. # و أما ثانيا فهو أن الحرف الأول لا بد أن يكون متحركا، والموقوف عليه لا بد أن يكون ~~ساكنا، وبينهما منافرة، فلا بد من وسط معدل، فإذن الاعتدال لا يحصل إلا في الثلاثي: ~~وأما الكيفية فمنها المتلائم ومنها المتنافر، فمتى سهلت مخارجها وعذبت أحرفها فهي ~~متلائمة، ومثال المتلائم كقوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة)(1). ومتى عسرت مخارجها ~~وصعبت الألفاظ فهي متنافرة، ومثال المتنافر نحو قولك: عفحق. # 1- سورة البقرة: آية 179. PageV00P265 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنرحيل ~~النظر الثالث في أحكامها. # ونعرض لها الجهر والهمس والشدة والرخاوة واللين والصفير والإطباق والانفتاح، ~~وغير ذلك. # والبحث عن أحكامها واسع وموضعه اللغة ومقدار الغرض وقد وفينا به، فهذه ~~الأمور المتعلقة بالصوت والحرف يوردها المتكلمون متفرقة في كتبهم، فجمعناها هاهنا، ~~ال وكان إيرادها هاهنا أحق، وبتمامه تم القول في الأوصاف الذاتية والفعلية، ونشرح الآن ما ~~سحيل عليه تعالى. # الباب الخامس فيما يصح على ذاته من الأوصاف السلبية. # القول في أنه تعالى ليس بجسم ~~فعندنا أن الله تعالى ليس بجسم ولا جوهر، وهو قول المعتزلة والأشعرية والخوارج ~~وذهب أهل الظاهر والروافض(1) والحنابلة والحشوية إلى أنه تعالى جسم. # والمعتمد في فساد مقالتهم مسالك: ~~الأول أنا قد دللنا فيما مضى على حدوث الأجسام، ودللنا على قدم الصانع، وذلك كاف ~~في العلم بأنه تعالى ليس بجسم، ولكنا نمهد أصلا يكفينا في بيان أنه تعالى ليس بجسم، ~~و ذلك الأصل هو أن نتبين أن ms208 الأجسام كلها متماثلة، والذي يدل على تماثلها أمران: ~~1 - الرافضة من فرق الشيعة سموا بذلك لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر، وهم مجمعون على أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نص على استخلاف علي بن أبي طالب باسمه وأظهر ذلك وأعلنه وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الاقتداء ~~به بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وأن الإمامة لا تكون إلا بنص وتوقيف وأنها قرابة وأنه يجوز للامام التقية، ~~ويطلق عليهم الامامية. PageV00P266 # ============================================================ ~~النسهيل شح معالمر العدل والنوحيد ~~أما أولا فلأن المعقول من الجسم هو الامتداد في الجهات الثلاث، حتى لا يعقل جسم ~~من دونه، وما لا يعقل الشيء من دونه يجب أن يكون أصلا في معقول حقيقته، وقد ثبت أن ~~الأجسام بأجمعها مشتركة في هذا القدر، فيجب أن تكون متماثلة. # وأما ثانيا فهو أن أخص أحكام الجوهر نفس حجميته، حتى لا يعقل جوهر مع قطع ~~النظر عن حجميته، وأفراد الجواهر مشتركة في نفس الحجمية، فيجب القول بتماثلها ~~واشتراكها في كل ما يجب ويجوز ويستحيل. # فإذا ثبت هذا الأصل قررنا عليه وجوها في استحالة الجسمية على الله تعالى: ~~أولها ما قدمنا من قدم الصانع وحدوث الأجسام، فلو كان تعالى جسما للزم إما قدمها ~~واما حدوثه، وكلاهما محال. فالقول بكونه تعالى جسما محال. # ال وثانيها لو كان تعالى جسما لاستحال كونه قادرا وعالما وحيا؛ لأن اتصافه تعالى بهذه ~~الصفات إما أن يكون واجبا أو جائزا، فإن كان واجبا لزم اتصاف جميع الأجسام بهذه ~~الصفات، وهذا محال بالضرورة. وإن كان جائزا افتقر في كونه عليها إلى مؤثر، وذلك المؤثر ~~اما هو أو غيره، والأول باطل؛ لأن من حق المؤثر أن يكون قادرا وعالما، فلو أثر لنفسه في ~~هذه الصفات للزم أن يكون قادرا قبل أن يكون قادرا، وإنه محال. وإن كان غيره فإن كان ~~من أفعاله لزم الدور، وإن لم يكن من أفعاله كان محتاجا في كونه على هذه الأوصاف إلى ~~فاعل مؤثر يجعله عليها، فلا يكون إلها، بل ذلك الغير هو الإله، ثم ذلك ms209 الغير إن كان جسما ~~عادت المحالات كما مر، وإن لم يكن جسما كان هو الاله، وليس بجسم، وهو المطلوب. # وثالثها لو كان تعالى جسما لاستحالت قدرته على ايجاد الأجسام؛ لأن قدرته على خلق ~~الأجسام إما أن تكون واجبة أو جائزة، فإن كانت واجبة وجب اشتراك الأجسام فيها، وإن PageV00P267 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~كانت جائزة كان لا بد لها من مؤثر، وذلك المؤثر إما أن يكون هو الله تعالى أو غيره، ويعود ~~التقسيم الأول، فثبت بهذه الوجوه استحالة كونه تعالى جسما. # المسلك الثاني لو كان تعالى جسما لكان مركبا، ولو كان مركبا لكان وجود المركب متوقفا ~~على وجود كل واحد من مفرداته، وما كان كذلك كان ممكنا لذاته، لكنه تعالى يستحيل أن ~~يكون ممكنا لذاته، فبطل أن يكون جسما. # وانما قلنا إنه تعالى لو كان جسما لكان مركبا؛ فلأن معقول الجسم هو المختص بهذه ~~الامتدادات الثلاث، أعني الطول والعرض والعمق، وإنما قلنا إنه لو كان مركبا لكان ~~ل وجود المركب متوقفا على كل واحد من مفرداته؛ فلأن حقيقة المركب هو الذي يلتئم من ~~جموع أجزاء، فحصول مركب من دون مفرداته محال، وإنما قلنا إن ما كان كذلك فهو ممكن ~~لذاته؛ فلأنا لا نعني بالممكن إلا ما كان محتاجا إلى غيره، لولا ذلك الغير لم يكن موجودا، ~~وهذا حاصل في المركب مع مفرداته؛ فإنه لا يمكن وجود المركب من دون مفرداته. وإنما ~~قلنا إنه يستحيل أن يكون ممكنا لذاته، فلما قدمنا من آنه واجب الوجود، وما كان واجب ~~الوجود استحال أن يكون ممكن الوجود، لضرورة الجمع بين النقيضين، لأن واجب ~~الوجود مستغن بذاته عن غيره وممكن الوجود لا يستغني عن غيره، فكيف يكون غنيا غير ~~غني، هذا محال. # المسلك الثالث لو كان تعالى جسما لكان قادرا بقدرة، فكان لا يصح أن يفعل الفعل إلا ~~بمماسة، ومعلوم أنه تعالى يفعل الأفعال العظيمة في الأقطار المتباعدة في حالة واحدة، فبطل ~~أن يكون جسما. PageV00P268 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~لا يقال: إنه منبث في ms210 كل الجهات؛ فلهذا صح منه أن يفعل فيها هذه الأفعال. لأنا نقول: ~~ان الأجسام المتفرقة لا يصح أن تكون قادرة عالمة؛ لافتقار القدرة والعلم إلى البنية ~~المخصرصة. # وتمام تقرير الدليل بايراد شبههم وإبطالها: فمنها عقلية، ومنها سمعية. # أما الشبه العقلية فأربع: ~~الشبهة الأولى قد ثبت أنه تعالى عالم بالأشخاص الجسمية عند وجودها، ثم تلك ~~الأشخاص الجسمية ثابتة في علمه، فإذا كان البارئ تعالى عالما بها فلا بد وأن تكون صورها ~~مرتسمة في ذاته، وما يرسم فيه الصور الجسمية لا بد وأن يكون جسما؛ لأن الصور الجسمية ~~ها امتداد في الجهات وذهاب فيها، فيكون تعالى محلا هذه الصور، فيكون ذاهبا في الجهات ~~كهي، فثبت أنه يلزم من كونه عالما بالأشخاص الجسمية أن يكون جسما. # وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فهذا بناء على أصل فاسد، وهو أن العلم عبارة عن انطباع صورة المعلوم في ~~العالم، وهذا خطأ. بل العلم حالة نسبية إضافية بين العالم والمعلوم. # وأما ثانيا فنقول: من أين يلزم إذا كان عالما بالصور الجسمية أن يكون جسما، هل من ~~حيث كونه عالما فقط أو من حيث كونه عالما بالصور الجسمية، فإن كان الأول فهو خطأ؛ ~~لأنه لا يلزم من كونه عالما كونه جسما، وإن كان الثاني فهو باطل أيضا؛ لأنه لو لزم من كونه ~~عالما بالصور الجسمية كونه جسما لزم من كونه عالما بالعرض أن يكون عرضا، وهذا باطل. PageV00P269 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~الشبهة الثانية قالوا: القديم تعالى مساو للأجسام في الاستغناء عن المحل، وهذا ~~الاستغناء هو نفس حقيقة الجسم فالبارئ تعالى لما شاركها فيه كان مشاركا لها في حقيقتها، ~~والمشارك للجسم في حقيقته جسم، فالباري تعالى جسم ~~وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فلا نسلم أن هذا الاستغناء هو نفس حقيقة الجسم، بل هو حكم سلبي يرجع ~~إلى أنها غير مفتقرة إلى المحل، والأحكام السلبية يجوز اشتراك الحقائق المختلفة فيها. # وأما ثانيا فهذا منقوض بالأعراض، فإنها مع اختلاف حقائقها مشتركة في الحاجة إلى ~~المحل، ولا يلزم منه اتفاقها في ms211 بعض الحقائق. # الشبهة الثالثة قالوا: إن الله تعالى قادر، وحقيقة القادرية في الشاهد هو اعتدال المزاج، ~~بدليل أنا متى عقلنا كون البدن معتدل المزاج علمناه قادرا، وإن لم يعلم شيئا آخر. ومتى لم ~~نعلمه معتدل المزاج لم نعلم كونه قادرا، وإن علمنا سائر الأشياء. وهذا يدل على أنه لا ~~معنى للقادرية في الشاهد إلا هذا الاعتدال، ثم إن الحقائق لا تختلف شاهدا وغائبا، فيجب ~~ان تكون القادرية في حقه تعالى هي هذا الاعتدال، ومتى كان كذلك كان جسما. # وجوابه أنا لا نسلم أن القادرية عبارة عن اعتدال المزاج، بل هي عبارة عن الممكن من ~~الفعل، ثم إن ثبت أن هذا التمكن معلل في الشاهد باعتدال المزاج لا يلزم أن يكون في ~~الغائب كذلك، لجواز تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة. # الشبهة الرابعة الفطرة الأولية تأبى وجود موجود لا في جهة لا بالأصالة كالمتحيز ولا ~~بالتبعية كالعرض، وهذا إذا عرض العاقل على عقله وجود موجود غير مختص بالجهة لا ~~بالأصالة ولا بالتبعية كان استبعاده كاستبعاد من جوز وجود جسم في مكانين، وإذا كان PageV00P270 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والترحيل ~~كذلك فلو جوزنا القدح في هذه القضية مع كونها معلومة بالفطرة جاز القدح في سائر ~~القضايا الضرورية، وذلك يجر إلى السفسطة، وإنه محال. # وجوابه أنا لا نسلم أن الفطرة تأبى وجود موجود غير حاصل في الجهة لا بالأصالة ولا ~~بالتبعية، وكيف لا وقد شهدت له الأدلة وقامت على إيضاحه البراهين. لا يقال: إنه لا ~~يعقل موجود لا في جهة؛ لأنا نقول: ما تريدون بقولكم إنه لا يعقل؟ أتريدون به أنه لم ~~يشاهد له نظير، أو تريدون به أنه لا يمكن اعتقاده، فإن كان الأول فلم متعتم من إثبات ما ~~لا نظير له، وهذا فإن الأشخاص الإنسانية مشتركة في معنى الإنسانية، والقدر المشترك فيه ~~هو أن له شكلا ومقدارا وحيزا، وهذا ليس بمشترك فيه بين الأشخاص ذوات الأشكال ~~والأحياز والمقادير، فإذا كانت الفطرة الأولية لا غنى لها عن الاعتراف بإثبات ما ليس له ~~نظير فكيف ms212 يقال بأنها تأبى إثبات موجود لا نظير له. وإن كان الثاني فلا نسلمه أيضا وقد ~~علمنا ذاتا قديمة قادرة عالمة لا تشبه سائر الذوات، ودللنا على ثبوتها في الوجود. # وأما الشبه السمعية، فقد تمسكوا بالآيات التي تشعر ظواهرها بإثبات الأعضاء ~~والجوارح، أما في الوجه فقوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإثرام)(1)، وأما في ~~العين فقوله تعالى: (تجري بأعيينا)(2)، وأما في اليد فقوله تعالى: (ما عملت أيدينا)(3)، ~~وأما في الجنب فقوله تعالى: (على ما فرطت في جنب الله)(4)، وأما في الساق فقوله تعالى: ~~ا- سورة الرحمن: آية 27. # 2-سورة القمر: آية 14. # 3- سورة يس: آية 71. # 4 - سورة الزمر: آية 56. PageV00P271 # ============================================================ ~~النهيل شح معالم العدل والنوحيل ~~(يؤم يكشف عن ساق)(1)، وقالوا: فأشعر ظواهر هذه الآيات بثبوت الأعضاء له، وهذه ~~الأعضاء لا تثبت إلا في حق الأجسام، فيجب أن يكون تعالى جسما. # والجواب عما أشعر به ظواهر هذه الآي، من وجهين: ~~أحدهما من حيث الإجمال، وهو أن أدلة العقل إما أن تكون محتملة للخطأ أو لا تكون، ~~فإن كان الأول لزم من تطرق الخطأ إليه تطرق الخطأ إلى الكتاب والسنة؛ لأنه لا يمكن ~~القطع بكون الكتاب والسنة حجة إلا بالعقل، والقدح في الأصل يتضمن القدح في الفرع. # وان كان الثاني فنقول: حمل الكلام على المجاز محتمل، وحمل الأدلة العقلية على غير مدلولها ~~غير محتمل، فإذا تعارضا كان التصرف في المحتمل أولى من التصرف في غير المحتمل. # الوجه الثاني من حيث التفصيل ~~وهو أن نفرد كل آية بما يخصها من التأويل، وبيان وجه المجاز فيها، وقد بالغ العلماء في ~~ذلك وموضعه كتب التفسير. # القول في ما يستحيل عليه من توابع الجسمية والعرضية ~~وفيه مسائل: المسألة الأولى في أنه تعالى ليس بجوهر ~~اعلم أن إطلاق لفظ الجوهر على الله تعالى لا يصح من جهة اللغة ولا من جهة ~~الاصطلاح، أما من جهة اللغة فلأنه موضوع على ما يكون أصلا للشيء، كما يقال جوهر ~~هذا الثوب جيد، أي أصله. لا يقال: هلا جاز إطلاقه على الله تعالى؛ لأنه هو ms213 الأصل في ~~ايجاد الأشياء ومبدعها، وإليه تنتهي. لأنا نقول: هذا المعنى وإن كان صحيحا في حقه تعالى ~~- سورة القلم: آية 42. PageV00P272 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنرحيل ~~الا أنه لا يجوز إطلاق لفظ الجوهر عليه؛ لأنه يوهم آنها متركبة منه، ويوهم أيضا كونه ~~متحيزا. # فأما من جهة الاصطلاح فلا يجوز إطلاقه عليه؛ لأن فائدته في لسانهم آنه حجم غير ~~متجزي، وهذا في حقه محال، فيبطل إطلاق لفظ الجوهر عليه. # والدليل على بطلان كونه جوهرا وجوه: ~~الأول هو أنه تعالى لو كان جوهرا لكان متحيزا، ولو كان متحيزا لكان محدثا، وقد ثبت ~~أنه تعالى قديم، فبطل أن يكون جوهرا. وإنما قلنا إنه تعالى لو كان جوهرا لكان متحيزا؛ ~~فلأن الجوهر إنما ينفصل عن العرض بكونه متحيزا؛ لأن التحيز أصل في حقيقة الجوهر ~~وجزء من معناه، فلا يمكن تعقل حقيقة الجوهر من دون تحيزه. وإنما قلنا إنه لو كان متحيزا ~~لكان محدثا؛ فلأن المتحيز شاغل للجهة، وشغله للجهة هو كونه فيها، فالكون ملازم ~~للمتحيز، وهو دلالة على حدوثه. فثبت أنه تعالى لو كان جوهرا لكان محدثا، وقد ثبت ~~قدمه، فبطل أن يكون جوهرا. # الوجه الثاني أنه تعالى لو كان جوهرا لاستحال أن يكون قادرا وعالماب لأن اتصافه بهذه ~~الصفات إما أن يكون واجبا أو جائزا، فإن كان واجبا لزم اتصاف جميع الأجسام بهذه ~~الصفات، وهو باطل بالضرورة. وإن كان جائزا افتقر في اتصافه بها إلى مخصص مختار كما ~~قررناه، ثم ذلك المخصص إما أن يكون هو أو غيره، وباطل أن يكون هو المؤثر لنفسه في ~~قادريته وعالميته؛ لأن شرط كون الشيء مؤثرا كونه قادرا عالما، فلو كان هو المؤثر لنفسه في ~~القادرية والعالمية لزم اتصافه بهذه الصفات قبل اتصافه بها، وإنه محال. وإن كان المؤثر غيره ~~فذلك الغير إن كان من أفعاله لزم الدور، وإن لم يكن من أفعاله كان هو محتاجا في كونه ~~قادرا وعالما وحيا إلى مؤثر يجعله على هذه الصفات، فلا يكون هو إلها بل ذلك الغير هو PageV00P273 ~~============================================================ ~~الشهيد شرح معالم ms214 العدل والتوحيل ~~الإله، ثم ذلك الغير إن كان جوهرا عادت المحالات، وإن لم يكن جوهرا فالاله ليس ~~بجوهر، وهو المطلوب. # الوجه الثالث إن الجوهر هو الذي لا ينقسم، والجزء الذي ليس بمنقسم موضع قدم ~~النملة أعظم منه بمائة ألف مرة، وكل عاقل يعلم بالضرورة أن ذلك الجزء ليس هو الموجد ~~للسموات والأرضين والمدبر للعالم، فبطل أن يكون تعالى جوهرا. # المسألة الثانية في أنه تعالى ليس في الجهة ولا في الحيز ~~اعلم أن مذهبنا أن الله تعالى ليس في جهة ولا حيز ولا مكان، وهو قول شيوخ المعتزلة. # واختلف مثبتو الجهة فذهب ذاهبون إلى أنه تعالى في كل جهة، وقال آخرون: هو في جهة ~~دون جهة. ثم اختلفوا فقال قائلون: هو فوق العرش مماس للعرش. وصار صائرون إلى أنه ~~تعالى في جهة فوق وليس شاغلا لها. # وقبل الخوض والاستدلال لا بد من تلخيص موضع الخلاف، فنقول: ما ليس بمتحيز ~~هل يعقل حصوله في الجهة أم لا، فإن لم يعقل كانت الدلالة على نفي الجسمية كافية في نفي ~~الجهة، والحق أنه يعقل حصول ما ليس بمتحيز في الجهة لأمرين: ~~أما أولا فلأنا نعلم بالضرورة اختصاص الألوان بالجهات المخصوصة، مثل اللون ~~القائم بأعلى الجدار، واللون القائم بأسفله. # وأما ثانيا فهو أن الحصول في الجهة أعم من الحصول في الجهة بالاستقلال أو بالتبعية، ~~فإذا سلموا اختصاص الألوان بالجهات بالتبعية فقد سلموا اختصاصها بالجهات، ولا ~~يضرنا بعد ذلك ما يقال إن الألوان تحصل في الجهات على طريق التبعية لمحالها، فإذا عرفت PageV00P274 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~ذلك وجب علينا بعد الفراغ من نفي الجسمية عن الله تعالى إقامة الدلالة على عدم حصوله ~~في الجهة. # والدليل على بطلان الجهة من وجوه: ~~الأول أنه يقال: لو كان تعالى حاصلا في جهة لكان لا يخلو إما أن يكون حاصلا في حيز ~~واحد أو أكثر منه، وباطل أن يكون حاصلا في حيز واحد لأمرين: ~~أما أولا فلأنه يلزم من هذا أن تكون ذاته تعالى أصغر المقادير بحيث لا أصغر ms215 منه ولا ~~أقل، والله يتعالى عن ذلك علو كبيرا. # وأما ثانيا فلأن حصوله في ذلك الحيز إما أن يكون واجبا أو جائزا، ومحال أن يكون ~~واجبا؛ لأن الوجوب لا يمكن إسناده إلا إلى الذات وصفاتها، ونسبة الذات إلى سائر ~~الجهات على سواء، فيلزم أن يكون تعالى حصلا في كل الجهات، وقد فرضناه في جهة ~~واحدةه هذا خلف. وإن كان جائزا فلا بد له من مؤثر، ومؤثره إن كان في حيز تسلسل إلى ~~غير غاية، وإن لم يكن في حيز فهو الإله، وليس إلها ما كان حاصلا في الحيز. فبطل أن يكون ~~حاصلا في حيز واحد. وإما أن يكون حاصلا في أكثر من حيز واحد، فالحاصل في أحد ~~الحيزين إما أن يكون هو عين الحاصل في الحيز الثاني أو غيره، والأول باطل، وإلا لكان ~~الشيء الواحد حاصلا في حيزين دفعة واحدة، وإنه محال. والثاني باطل أيضا؛ لأنه يلزم منه ~~انقسام ذاته، وقد بينا استحالة الانقسام على ذاته، فبطل أن يكون تعالى حاصلا في جهة. # الوجه الثاني المفهوم من الحصول في الجهة أمران، وكلاهما مستحيل في حق الله تعالى، ~~فبطل القول بكونه تعالى حاصلا في الجهة. وإنما قلنا إن المفهوم من الحصول في الجهة أمران؛ ~~فلأن حصول الشيء في الجهة إما أن يكون على سبيل الاستقلال فهو المتحيز، وإما أن يكون ~~على جهة التبعية فهو العرض، ولا يعقل حصول في الجهة على غير هذين الوجهين. وإنما PageV00P275 ~~============================================================ ~~النهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~قلنا إنهما محالان في حق الله تعالى، أما الحصول في الحيز على سبيل الاستقلال فهو باطل؛ ~~لأن حصوله تعالى في الحيز مستقلا لا بد وأن يكون شاغلا لها؛ لأن حصوله فيها لا يعقل ~~من غير أن يكون شاغلا لها، وشغله لها هو كونه فيها، والكون هو دلالة الحدوث، وقد ثبت ~~أنه تعالى قديم، فبطل أن يكون حاصلا في الجهة على جهة الاستقلال. وأما حصوله فيها ~~على سبيل التبعية فهو باطل أيضا؛ لأن حصوله على سبيل التبعية ليس إلا بالحلول، وسيأتي ~~القول ms216 في أنه تعالى يستحيل عليه الحلول، فإذا ثبت أنه لا يمكن الحصول في الجهة إلا على ~~هذين الوجهين وثبت آنهما مستحيلان على الله تعالى استحال عليه الحصول في الجهة، وهو ~~المطلوب. # الوجه الثالث القول بحصول ذات في جهة ليست جسما ولا عرضا لا يعقل، وما لا ~~يعقل لا يمكن إثباته، فكونه تعالى في جهة لا يمكن إثباته. وإنما قلنا إن القول بحصول ذات ~~في جهة ليست جسما ولا عرضا لا يعقل؛ فلأن المعقول من حصول الذات في الجهة إما ~~بالاستقلال فهو الحجم وإما بالتبعية فهو العرض، فأما ما ليس حجما ولا عرضا فلا يعقل ~~حصوله في الجهة. وإنما قلنا إن ما لا يعقل لا يمكن إثباته؛ فلأن في إثبات ما لا يعقل ~~الدخول في كل جهالة، وخروج عن قضايا العقول، وهو باطل بالضرورة، فثبت أن ~~حصول ذاته في الجهة لا يعقل، فلا يمكن إثباته. # وتمام تقرير الدليل بايراد شبههم وإبطالها ~~و قد تمسكوا بشبه عقلية وسمعية. # أما العقلية فثلاث: ~~الأولى قالوا: إنا كما لا نعقل موجودا خاليا عن القدم والحدوث، وكذلك لا نعقل ~~موجودا ليس في العالم ولا خارج العالم ولا فوق ولا أسفل ولا يمين ولا شمال ولا خلف PageV00P276 ~~============================================================ ~~السهيد ش معالمر العدل والنوحيل ~~ولا قدام، فلئن جاز إثبات موصوف بهذه الصفات جاز إثبات موجود غير موصوف ~~بالقدم والحدوث، وهذا لا يعقل. # وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فلا نسلم أنه لا يعقل؛ لأن صريح العقل لا يأبى إثبات موجود لا في جهة، ~~وكيف يأباه وقد قامت عليه الأدلة، ولكن يأبى خلو الشيء عن ثبوت الأولية ولا ثبوتها، ~~فقياس أحدهما على الآخر بعيد. # و أما ثانيا فما تعنون بقولكم إنه لا يعقل إثبات ذات لا في جهة ؟ أتعنون أنه لا يوجد لها ~~نظير في الشاهد، أو تعنون أنه لا يمكن اعتقاده، فإن عنيتم الأول فهو نفس ما نريده؛ لأن ~~مرادنا إثبات ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات والنظائر. وإن عنيتم الثاني فهو خطأ، لأن ~~العقلاء قد اعتقدوه وأيضا فإذا جاز إثبات ms217 ذات ليست حجما ولا عرضا جاز إثبات هذه ~~الذات لا في جهة لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا خلف ولا قدام. # الشبهة الثانية قالوا: قد دلت الأدلة على إثبات ذاته تعالى، فلو قلنا إنه تعالى لا في جهة ~~لكان ذلك نفيا لذاته، والله يتعالى عن ذلك. # وجوابه قد زعمتم أن إثبات ذاته مع القول بأنها غير حاصلة في الجهة يكون نفيا لذاته، ~~فهل تقولون إن حقيقة ذاته هو الحصول في الجهة، أو تقولون إن ذاته حقيقة مخصوصة ~~حاصلة في الجهة، فإن أردتم الأول كان باطلا؛ لأن الحصول في الجهة وصف عارض ~~للجسم والعرض ودليل حدوثهما، فلو كان تعالى بهذه الصفة لكان محدثا، وقد ثبت قدمه. # ال وان أردتم الثاني فقد أبطلتم قولكم إن نفي الجهة عنه يكون نفيا لذاته، فليس نفيا لذاته، ~~وانما هو نفي لحكم تابع لذاته، وهو الحصول في الجهة. PageV00P277 # ============================================================ ~~السبيد شح معالم العدل والتوحيل ~~الشبهة الثالثة قد ثبت أنه تعالى مختص بصفات الكمال، حتى لا كمال إلا وهو حاصل ~~عليه، وجهة فوق هي أشرف الجهات، فيجب أن يكون تعالى مختصا بها وحاصلا فيها. # وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فنقول: شرف الجهة ليس أمرا ذاتيا يختص الجهة نفسها، وإنما هو شرف ~~بالاضافة، فجهة العلو إنما شرفت على جهة السفل لا لأمر يخصها، بل لما فيها من الأنوار ~~وحصول الملائكة الذين هم أشرف الخلق وحصول العرش الذي هو أعظم المخلوقات، ~~فلو حصلت هذه الأمور في جهة السفل لكانت أشرف من جهة العلو. فبطل قولكم إن ~~جهة العلو أشرف. # وأما ثانيا فلأنه لا حيز إلا ويفرض فوقه حيز آخر إلى غير غاية، فإذن لا حيز إلا وهو ~~بالإضافة إلى ما فوقه سفل، فيجب ألا يحصل في شيء من الجهات. # وأما الشبهة السمعية، فقد تمسكوا بظواهر الآيات التي توهم الجهة كقوله تعالى: ~~(الرخمن على العزش استوى)(1)، وقوله تعالى: (يخافون ربهم من فوقهم)(2)، وقوله تعال: ~~(أأمنتم من في السماء)(3)، وقوله تعالى: (إلنه يضعد الكلم الطيب) (4)، وقوله تعالى: (تغرج ~~الملائكة ms218 والروح إلنه)(3)، وقوله: (وهو القاهر فوق عباده)(5). # ا- سورة طه: آية5. # 2- سورة النحل: آية 50. # 3- سورة الملك: آية 16. # 4- سورة فاطر: آية 10. # 5- سورة المعارج: آية4. # 6- سورة الأنعام: آية 18. PageV00P278 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والترحيل ~~وجوابه إنا نعارضهم بقوله تعالى: (وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم ~~وجهركم)(1)، وقوله تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو ~~سادسهم ولا أذنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا)(2)، وقوله تعالى: (ونخن ~~أقرب إلنه من حبل الوريد)(3)، وبقوله: (إنني معكما أسمع وأرى) (4)، فإن دل ما ذكرتم ~~على أنه تعالى حاصل في جهة العلو ليدلن ما ذكرنا على أنه حاصل في جميع الجهات، فإذا ~~تعارضت هذه الظواهر وجب اطراحها والرجوع إلى أدلة العقل، وقد أوضحناها، ولأن ~~العقل إن تطرق إليه الخطأ بطل كل شيء، وإن لم يتطرق إليه الخطأ فهو الطريق إلى الحقائق، ~~وهو المعصوم حقيقة، وفيه كفاية عن غيره. # فأما تأويل كل واحدة من هذه الآيات وبيان وجه مجازها وإيراد الاستشهادات اللغوية ~~فله موضع أخص به من كتب التفسير وغيرها. # المسألة الثالثة في أنه تعالى يستحيل أن يكون محلا للحوادث، والنظر هاهنا في أمرين: ~~أحدهما في تجدد الأحوال. وقد اتفقت المعتزلة على تجويز ذلك مثل كونه تعالى مدركا ~~ومريدا وكارها. وأما أبو الحسين فقد أثبت التجدد في تعلقات العلم لذاته تعالى. # اا وثانيهما في كون ذاته محلا للحوادث، أجمعت الكرامية على تجويز ذلك ومنعه الأشعرية ~~وسائر الشيوخ. # والمعتمد في بطلان مذهبهم مسلكان: ~~1- سورة الأنعام: آية 3. # 2- سورة المجادلة: آية 7. # 3- سورةق: آية11. # 4- سورة طه: آية 46. PageV00P279 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الأول لو صح في ذاته تعالى أن تكون محلا للحوادث لكان حجما، ومحال أن تكون ذاته ~~حجماء فبطل أن تكون ذاته محلا. وإنما قلنا إن ذاته لو كانت محلا للحوادث لكان حجما؟ # فلأن الذي يصحح الحلول إنما هو الحجمية؛ لأن صحة الحلول دائر معها وجودا وعدما، ~~فيجب أن تكون هي العلة لصحة حلول الأعراض، وهذا فإن العرض لما لم يكن حجما ms219 لم ~~يصح الحلول فيه، فثبت أن صحة الحلول إنما هو لكونه حجما. وإنما قلنا إنه تعالى يستحيل ~~أن يكون حجما؛ فلأن الحجم يلزمه الكون، وهو دلالة على حدوثه، وقد ثبت أنه تعالى ~~قديم، فبطل أن يكون تعالى محلا للحوادث. # لا يقال: المتحيز إنما صح الحلول فيه لقيامه بنفسه لا لكونه حجما، والعرض ليس قائما ~~بنفسه، فلهذا لم يكن محلا لغيره. لأنا نقول: إن كون الحجم قائما بنفسه راجع إلى أمر سلبي، ~~ال وهو أنه غير محتاج في وجوده إلى محل، والأمور السلبية لا يمكن كونها مصححة للحلول؛ ~~لأنه لا فرق في العقل بين نفي المصحح وإثبات مصحح راجع إلى النفي. # المسلك الثاني لو صح أن يجله بعض الأعراض لصح أن يحله جميعها، وحلول جميعها فيه ~~محال، فحلول بعضها أيضا محال. وإنما قلنا إنه لو صح عليه حلول بعض الأعراض لصح ~~عليه حلول كلها؛ فلأن المصحح لحلول بعضها هو المصحح لحلول جميعها، وهذا فإن ~~الجوهر لما صحح حلول بعضها صحح حلول كلها، وإن افتقر بعضها إلى بنية كالقدرة ~~والعلم فهو لما يرجع إلى الحال لا إلى المحل. وإنما قلنا إن حلول جميعها فيه محال فلوجوه: ~~أما أولا فلأن من جملتها الحركة والسكون، فلو جاز حلوهما فيه لكان تعالى متحركا ~~ساكنا، والحركة والسكون دلالة على حدوث المتحرك والساكن، وقد ثبت أنه تعالى قديم. PageV00P280 # ============================================================ ~~السهيل شح معالمر العدل والتوحيل ~~وأما ثانيا فلو حلته جميع الأعراض لجاز حلول السواد فيه، ولو حل فيه لصح إدراكه ~~دون محله؛ لأن ذاته تعالى غير مدركه عند المخالف لنا في الحصول في الجهة، وإدراكه من ~~دون محله محال. # وأما ثالثا فلو حلته جميع الأعراض لكان يجب أن تكون ذاتيته لأجل حلول القدرة ~~والعلم، وفي ذلك كونه جسما، وقد أبطلناه، فبطل أن يكون تعالى محل الشيء من الأعراض. # وأما الشيخ أبو الحسين فإنه عول في إبطال قولهم على أن المفهوم من قيام الصفة ~~بالموصوف حصولها في الحيز تبعا لحصوله في ذلك الحيز، والله يتعالى عن الحصول في الحيز، ~~فيمتنع ms220 قيام الصفة الحادثة بذاته، وهذا فيه نظر؛ لأن لقائل أن يقول: إنكم تصفون الله تعالى ~~بالأحوال والأحكام، فبالطريق الذي تصفونه بالأحوال والأحكام نصفه أيضا بالصفات ~~لا يقال: إن معنى اتصاف الله تعالى بالأحكام أن ذاته مؤثرة فيها ولولاها لما كانت؛ لأنا ~~نقول: هذا باطل طردا وعكسا: ~~أما الطرد فلأنه لو كان اتصاف الشيء بغيره عبارة عن تأثيره فيه لكان كلما تراه أثرا ~~الشيء يكون صفة له، فيلزم أن يكون العالم صفة لله تعالى، وهذا لا يقوله أحد. # ل و أما العكس فلأنه يلزم في كل ما لا يكون أثرا للشيء ألا يكون صفة له، فكان يجب ألا ~~يكون السواد والبياض وسائر الصفات الحاصلة في الجمادات صفات لها؛ لأنها ليست آثارا ~~لها، وهذا باطل. # وهم شبهتان: PageV00P281 ~~============================================================ ~~التهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الأولى قالوا: قد ثبت أنه تعالى مدرك مريد متكلم، فاتصافه تعالى بهذه الصفات محال أن ~~يستحقها لذاته ولمعان قديمة ولمعان حادثة حاصلة في غيره، فإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق ~~الا أنه يستحقها لمعان محدثة حاصلة في ذاته. # وجوابه أنا قد قدمنا الكلام في هذه الصفات وأوضحنا فيها الحق وتكلمنا في كل واحد ~~منها بما يليق بها، فلا فائدة في إعادتها. # الشبهة الثانية قالوا: القادر منا في الشاهد لا يمكنه أن يفعل الفعل متعديا عن ذاته إلا ~~بعد أن يفعل في ذاته شيئا، فوجب أن يكون حال الغائب كذلك؛ لأن مطلق التأثير في ايجاد ~~الفعل لا يختلف شاهدا وغائبا. # وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فلأن ما ذكروه إنما كان لازما في الشاهد؛ لأن ذلك من أحكام القدرة؛ لأنه لا ~~يفعل بها فعل متعدي إلا بعد أن يفعل في محلها فعل، والله تعالى قادر لذاته، فلا يلزم في حقه ~~ما ذكروه فبطل ما قالوه. # و أما ثانيا أنا نقول: إذا جاز أن يحدث في ذاته فعلا من غير واسطة حادث آخر جاز أن ~~يحدث في غيره فعلا مباينا لذاته من غير واسطة فعل في ذاته. فثبت بما ذكرنا أن ذاته تعالى ms221 ~~ليست محلا لشييء من الحوادث. # المسألة الرابعة في أنه تعالى لا يكون في محل ~~والمعتمد في إبطاله مسالك ثلاثة: PageV00P282 ~~============================================================ ~~الهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~الأول ذكره أبو الحسين، وحاصل كلامه أن القول بصحة الحلول على الله تعالى يفضي إلى ~~أقسام فاسدة، وما أدى إلى الفاسد فهو فاسد، فالقول بصحة الحلول يجب أن يكون فاسدا. # وإنما قلنا إن القول بصحة الحلول يفضي إلى أقسام فاسدة؛ فلأنه تعالى لو حل في محل لكان ~~لا يخلو إما أن يقال بأنه تعالى كان حالا فيه أبدا، فيلزم منه إما حدوثه وإما قدم المحل، ~~وكلاهما محال. وإما أن يقال بأنه تعالى حل في جسم بعد أن لم يكن حالا فيه، فنقول: حلوله ~~فيه لا يخلو إما أن يكون واجبا أو جائزا، فإن كان واجبا فذلك الوجوب إن كان راجعا إلى ~~المحل لزم أن تكون الأجسام كلها مستوية فيه، فيلزم أن يكون الله تعالى حالا في جميعها، ~~فيلزم إما انقسام ذاته تعالى، وهو محال كما مر في التجسيم. وإما حصول الشيء الواحد في ~~الوقت الواحد في أكثر من حيز واحد، وهو باطل بالضرورة. وإن كان الوجوب راجعا إلى ~~الحال نفسه لزم أن يكون تعالى في كل المحال، إذ لا مخصص لذاته بمحل دون محل، فبطل ~~ان يكون حلوله واجبا. وإن كان جائزا فهو إما لوجود معنى آو عدمه، ووجود المعنى ~~وعدمه لا اختصاص لهما، فكان يلزم أن يكون تعالى في كل محل، وهو باطل. # وان كان بالفاعل فإما أن بجعل ذاته في كل محل لزم انقسام ذاته، وإما أن بجعلها في محل ~~واحد فيلزم أن تكون ذاته تعالى أصغر المقادير، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فثبت أن ~~هذا ملخص كلامه بعد حذف زوائده. # المسلك الثاني لو حل تعالى في محل لكان لا يخلو إما أن يحل في جزء واحد أو في أكثر من ~~جزء واحد، والأول باطل؛ لأن هذا يلزم منه أن تكون ذاته تعالى أصغر المقادير، والله يتعالى ~~عن ذلك، وإن حل في أكثر ms222 من جزء واحد فهو باطل أيضاب لأن الحال في أحد الجزأين إما ~~ان يكون هو عين الموجود في المحل الآخر أو غيره، فإن كان الأول لزم أن تكون الذات PageV00P283 ~~============================================================ ~~العهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~الواحدة في الوقت الواحد في جزأين، وهو باطل، وإن كان الثاني لزم انقسام ذاته وهو ~~باطل لما مر، فبطل أن يكون حالا في محل. # المسلك الثالث لو كان الله تعالى حالا في محل لزم أن يكون محتاجا إلى المحل، والمحتاج ~~إلى المحل مكن الوجود، وهو تعالى واجب الوجود، فبطل أن يكون محتاجا إلى المحل. وإنما ~~قلنا إنه لو صح حلوله في محل لكان محتاجا إليه؛ فلأنا لا نعني بالحاجة إلا أنه لا يصح ~~اا وجوده من دون محله، والمخالف يعتقد أنه كذلك. وإنما قلنا إن المحتاج إلى غيره ممكن ~~الوجود؛ فلأن الممكن هو الذي لولا غيره لم يصح وجوده، فثبت أنه لو كان محتاجا إلى ~~المحل لكان ممكنا. وإنما قلنا إنه تعالى واجب الوجود فلما قدمنا من أن وجوده لذاته، فبطل ~~ان يكون تعالى حالا في محل، وهو المطلوب. # المسألة الخامسة في أنه تعالى لا يجوز عليه الألم واللذة. # زعم بعض المتكلمين أن ماهية اللذة هي إدراك ما يلائم المزاج، وأن ماهية الألم هي ~~ادراك ما ينافي المزاج، وهذا التعريف يضعف لأمرين: ~~أما أولا فلأن الغرض من التعريف إيضاح المجهول بالمعلوم، وأظهر العلوم وأجلاها في ~~الحصول العلم بالمحسوسات والأمور الموجودة من النفس، ومنها الألم واللذة، فإنهما من ~~الأمور المحسوسة ومعلومان بالوجدان من النفس، فإن كل عاقل يعلمهما من نفسه ويدرك ~~التفرقة بينهما وبين غيرهما من سائر المحسوسات. # وأما ثانيا فهو أن الملاءمة للمزاج والمنافاة له أمران خفيان، فكيف يمكن جعلهما أصلا ~~في معقول ماهية الألم واللذة، وهما أخفى بكثير منهما. PageV00P284 # ============================================================ ~~الهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~فبطل أن تكون معرفة ماهيتهما بالاكتساب، فإذا عرفت ذلك فالذي يدل على استحالة ~~اللذة والألم على الله تعالى مسلكان: ~~الأول ذكره صاحب المعتمد، وحاصله هو أن كونه تعالى آلما وملتذا ليس ms223 بمعلوم في ~~ن فسه ولا طريق إليه، وما ليس بمعلوم في نفسه ولا طريق إليه وجب نفيه. أما أنه ليس ~~بمعلوم في نفسه فهو ظاهر؛ لأنه ليس بديهيا ولا موجودا من النفس، وأما أنه لا طريق ~~اليهما؛ فلأن الطريق إليهما لا يخلو من قسمين: إما أن يكون عقليا، أو سمعيا. وباطل أن ~~يكون عقليا؛ لأنه لا يخلو من وجهين: إما أن يكون أمرا مؤثرا فيهما، أو أثرا عنهما. # أما الوجه الأول وهو أن يكون الطريق إليهما أمرا يؤثر فيهما، فلا يمكن إلا أحد أمرين: ~~اما أن يقال بأن ذات القديم تعالى أثرت في كونه تعالى آلما وملتذا، وهذا باطل؛ لأنه تعالى لو ~~كان ملتذا لذاته لكان يجب أن يكون ملجأ إلى إيجاد جميع المشتهيات إلى غير غاية، ولكان ~~يجب تقديم خلقها قبل الوقت الذي أوجدها فيه إلى غير غاية أيضا، ولو كان آلما لذاته لكان ~~يجب ألا يوجد شييء من المنفرات، وهذا معلوم بطلانه. وإما أن يقال إن فاعلا فعل للقديم ~~كونه آلما وملتذا، ولا طريق إلى قديم آخر غير القديم، فبطل أن يكون الطريق إليهما أمرا ~~يؤثر فيهما. # ال وأما الوجه الثاني وهو أن يكون الطريق إليهما أثرا لهما، فذلك الأثر لا يخلو إما أن يكون ~~هو حكم الفعل نحو صحة الفعل وصحة الأحكام، وهذا باطل؛ لأن صحة الفعل لكونه ~~قادرا، وصحة الأحكام أثر لكونه عالما، ولا تدل هاتان الصحتان على أكثر من ذلك. # واما أن يكون الدال عليهما نفس الصفة نحو كونه قادرا وعالما وحيا، وكل واحدة من ~~هذه الصفات لا تدل على كونه تعالى آلما وملتذا، فبطل أن يكون الطريق إليهما أمرا عقليا. PageV00P285 # ============================================================ ~~السهيد شرح معالم العدل والتوحيل ~~ال وأما القسم الثاني وهو أن يكون الطريق إليهما أمرا سمعيا، فهو باطل؛ لأن أدلة السمع ~~انما يثبت كونها دلالة على مدلولاتها ويصح كونها حجة متى ثبت كونه تعالى غنيا عن ~~الانتفاعات، وأنه لا يجوز عليه الألم واللذة، فكيف تكون حجة عليهما وهي لا تثبت حجة ~~إلا بعد نفيهما، ms224 فثبت أنه لا طريق إليهما. # وأما أن ما لا طريق إليه وجب نفيه؛ فلأن في تجويزه حصول كل جهالة وإبطال ما قد ~~تقرر من العلوم الضرورية والنظرية، فبطل أن يكون تعالى آلما وملتذا. فهذا ملخص ما ~~ذكره في المعتمد مع زيادة بيان منا لكلامه. # المسلك الثاني لو صحت عليه اللذة للزم من فرض صحتها محال، وما يلزمه المحال فهر ~~محال، فالقول بصحة اللذة عليه تعالى محال. # وانما قلنا إنه لو صحت عليه اللذة للزم من فرض صحتها محال؛ فلأنه تعالى إذا كان عالما ~~بما له في إيجاد الملتذ به من المنفعة العظيمة وأنه قادر على إيجاد الملتذ به مطلقا ولا مانع يمنعه ~~من تحصيله فإنه يكون ملجأ إلى إيجاد الملتذبه، وحينيذ يلزم منه محالان: ~~أما أولا فكان يجب إيجاد الملتذ به قبل الوقت الذي أوجده وقبل ذلك إلى غير غاية، ~~وهذا باطل. # وأما ثانيا فكان يجب ألا ينتهي إلى حد في إيجاد الملتذ به دون حد ولا قدر دون قدر، ~~فيلزم وجود ما لا نهاية له من الأمور اللذيذة، وهذا باطل، فثبت أنه يلزم من فرض صحة ~~اللذة عليه تعالى محال. # وانما قلنا إن ما لزمه المحال فهو محال؛ فهذا معلوم ضرورة؛ لأن الصحيح لا يلزم منه ~~محال، فبطل أن يكون تعالى ملتذا. لا يقال: إنما يلزم أن يوجد من الأمور اللذيذة اكثر مما PageV00P286 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والترحيد ~~أوجده وأن يقدم فعله قبل الوقت الذي أوجده فيه وقبله إلى غير غاية إذا لم يكن ثم مفسدة، ~~فأما إذا جوزنا أن يكون في الزيادة على ما أوجده وأن في تقديم إيجاده على الوقت الذي ~~أوجده فيه مفسدة لم يلزم ما قلتموه. لأنا نقول: إن تجويز هذه المفسدة لا يعقل؛ لأنها لا ~~تخلو إما أن تكون راجعة إليه تعالى أو إلى غيره، ومحال أن تكون راجعة إليه؛ لأن إيجاد الملتذ ~~به منفعة له ولذق فكيف يقال إنه مفسدة عليه. ولا يمكن أن تكون راجعة إلى غيره؛ لأن ~~علمه بما له في ms225 إيجاد الملتذ به من المنفعة يصرفه عن ايجاد من تكون هذه المنفعة مفسدة في ~~حقه، فحصل أن داعيته متوفرة إلى إيجاد الملتذ به قبل الوقت الذي أوجده فيه وإلى الزيادة ~~على ذلك، حتى لايقف على حد دون حد، فهو باطل. # وأما الألم فالذي يبطله أمران: ~~أحدهما أنه لو جاز عليه الألم لجازت عليه اللذة، وقد استحالت اللذة فيستحيل الألم. # وانما قلنا إنه لو جاز عليه الألم لجازت عليه اللذة؛ لأن أحدنا قد يتألم بما يلتذ به ويلتذ بما يتألم ~~به، فلو جاز أحدهما لجاز الآخر: ~~ال وثانيهما أن الألم واللذة لا يجوزان إلا على من جازت عليه الزيادة والنقصان، والزيادة ~~والنقصان من خصائص الأجسام، فبطل أن يكون تعالى يجوز عليه الألم. # و أما أبو الحسين فإنه عول في استحالة الألم واللذة عليه تعالى على أن قال: إن اللذة هي ~~ادراك ما لا يلائم المزاج، وإن الألم إدراك ما ينافيه، والله تعالى ليس بذي مزاج؛ فيستحيل ~~عليه ما يوافق المزاج وينافيه من الألم واللذة. وهذا فيه نظر من وجهين: ~~أحدهما أنا قد بينا أنه لا سبيل إلى تعريف اللذة والألم وأن ماهيتهما معلومة فلا تحتاج إلى ~~تفى PageV00P287 ~~============================================================ ~~النهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~وثانيهما أنا لو سلمنا أن اللذة هي إدراك الملائم فلو زعمتم أن كل ملائم فهو ملائم ~~للمزاج فلا يلزم من نفينا ملاءمة المزاج في حق الله تعالى أن ننفي عنه مطلق الملاءمة، فما ~~المانع من حصول ما يلائم ذاته تعالى وإن لم يكن ثم مزاج. # فهذاتمام القول في ما يستحيل عليه تعالى من توابع الجسمية والعرضية. # القول في استحالة الرؤية عليه تعالى ~~وقبل الخوض في الاستدلال لا بد من تلخيص محل النزاع فنقول: ذهب علماء العترة ~~والزيدية والمعتزلة والخوارج وأكثر فرق المرجئة إلى أن الله تعالى لا يرى بالأبصار. # وذهبت المشبهة والأشعرية والحشوية إلى أنه تعالى يرى بالأبصار. # واعلم أن الخلاف إنما يتحقق بيننا وبين الأشعرية والحشوية حيث قالوا بأنه يرى رؤية ~~غير مكيفة لا فوق ولا تحت ولا ms226 يمين ولا شمال ولا خلف ولا أمام. ويقرب أن يكون ~~الخلاف بيننا وبينهم في هذه المسألة لفظيا، كما سنحكي مقالة المحققين من متأخريهم. # فأما المشبهة فخلافهم في الرؤية فرع على الخلاف في التشبيه، فلو صح كونه تعالى جسما ~~م نخالفهم في صحة رؤيته، وقد مضى الكلام عليهم في التجسيم. # والذي يدل على استحالة رؤيته تعالى مسالك: ~~الأول دلالة الموانع. # ولها تمشيتان: PageV00P288 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل واللوحيل ~~الأولى ذكرها أبو الحسين، وحاصلها أن القول بصحة الرؤية عليه تعالى تفضي إلى ~~المحال، وما أفضى إلى المحال فهو محال، فالقول بصحة الرؤية عليه محال. وإنما قلنا إن القول ~~بصحة الرؤية يفضي إلى المحال؛ فلأنه لو صح منا رؤية الله تعالى في حالة من الحالات لصح ~~ان نراه الآن، ولو صح أن نراه الآن لوجب أن نراه الآن، فلما لم يصح أن نراه الآن لم يصح ~~اا ان نراه في حالة من الحالات. وإنما قلنا إنه لو صح أن نراه في حالة من الحالات لصح أن ~~نراه الآن؛ فلأن كونه بحيث يصح أن يكون مرثيا حكم يثبت له إما بالذاتية أو لبعض ما ~~يلزم ذاته على كلا الوجهين فإنه يلزم من استمرار ذاته استمرار هذه الصحة. وإنما قلنا إنه ~~لو صح أن نراه الآن لوجب أن نراه الآن، فلأن الحاسة إذا كانت صحيحة والمريي حاضر ~~في الضياء من غير أن يكون في غاية الصغر والدقة واللطافة ويكون مقابلا للرائي ولا تكون ~~الحجب حائلة فإنه يوجب حصول الرؤية. إذ لو لم يجب حصولها عند تكامل هذه الأمور ~~لجاز أن يكون بحضرتنا جبال شامخة وأصوات هائلة ونحن لا ندركها، وهذا باطل كما ~~قررنا في مسألة الادراك فإذا ثبت ذلك فنقول: هذه الشرائط لا يمكن اعتبارها في حق الله ~~تعالى؛ لأنها لا تعقل إلا في الأجسام أو ما يحل فيها من الألوان، وإذا لم يمكن اعتبار هذه ~~الشرائط في رؤية الله تعالى وجب أن يكون مجرد سلامة الحواس وكونه تعالى بحيث يصح ~~ان يكون مرئيا كافيا في ms227 صحة رؤيته وحصولها، فيلزم آن تدوم رؤية أصحاب الحواس لله ~~تعالى. وهذا باطل بالضرورة، فثبت أن القول بصحة رؤية الله تعالى يفضي إلى المحال. وإنما ~~قلنا إن كل ما يفضي إلى المحال فهو محال، فهذا معلوم بالضرورة؛ لأن الصحيح لا يلزمه ~~محال، فبطل أن يكون تعالى مرئيا، وفيها نظر من وجهين: ~~أ حدهما أن دلالة الموانع بالحقيقة راجعة إلى دلالة المقابلة؛ لأنا إذا قلنا في دلالة الموانع لو ~~كان تعالى مرثيا لوجب أن نراه الآن، إذ لا مانع، كان لقائل أن يقول: إنما لم نره لمانع في حقه، ~~وهو عدم المقابلة، وقد ثبت أن المقابلة شرط في صحة رؤية الرائي لما يراه، فإذا قيل: المقابلة ~~مستحيلة على الله تعالى. قلنا: إذا كانت دلالة الموانع لا تستقيم دلالة، ولا يمكن تمهيد PageV00P289 ~~============================================================ ~~الشييد شح معالم العدل والنوحيل ~~قاعدتها إلا بذكر دلالة المقابلة، وجب أن تكون دلالة المقابلة هي العمدة، فلهذا قلنا: إن ~~دلالة الموانع بالحقيقة راجعة إلى دلالة المقابلة. # وثانيهما أنا لو سلمنا أنها دلالة مستقلة بنفسها، لكنها إنما تدل على استحالة رؤيتنا لله ~~تعالى، فأما أنه ليس بمرئي في نفسه وأنه لا ترى ذاته فإنها لا تدل عليه. # التمشية الثانية ذكرها صاحب المعتمد، وهي أقوى وأشد، وزبدتها أته قد ثبت أنا غير ~~رائين لله تعالى ولا مدركين، فلن يخلو انتفاء رؤيتنا له تعالى من أحد وجوه خمسة: ~~إما لأنا لسنا على الصفة التي لمكانها يصح أن نراه. وإما لأنه تعالى على الصفة التي لمكانها ~~صح أن يرى ويدرك. وإما لأن مانعا منعنا من رؤيته. وإما لأن شروط رؤيتنا له مستحيلة ~~عليه وإما لأنه ليس بمرثي في نفسه. # والوجوه كلها باطلة إلا الوجه الخامس ~~أما الوجه الأول وهو أنا إنما لم نره لأنا لسنا على الصفة التي لمكانها يصح أن نرى؛ فهو ~~باطل؛ لأنا قد بينا فيما سلف أن الصفة التي لمكانها صح أن ندرك المدركات هي كوننا أحياء ~~سليمي الحواس، ولا شبهة في كوننا الآن كذلك، وأبطلنا القول بالإدراك. # ال وأما ms228 الوجه الثاني وهو أنا إنما لم نره لأنه ليس على الصفة التي لمكانها يرى، فهو باطل ~~أيضا؛ لأنه تعالى إنما يصح أن يرى لذاته أو لبعض ما يلزم ذاته، وعلى كلا الوجهين فإنه ~~يلزم من استمرار ذاته استمرار هذه الصحة. # ال وأما الوجه الثالث وهو أنا إنما لم نره لأن مانعا منعنا من رؤيته، فهو باطل أيضا؛ لأن ~~الموانع المعقولة لا تعقل ولا يمكن كونها مانعة إلا من رؤية الأجسام والألوان، وإذا ~~استحال أن يكون تعالى جسما استحال كونها مانعة من رؤيته. PageV00P290 # ============================================================ ~~الشسهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~وأما الوجه الرابع وهو أنا إنما لم نره لأن شرائط رؤيتنا له وهي المقابلة مستحيلة عليه؛ ~~فهو باطل أيضا؛ لأن المقابلة إذا كانت لا تعقل إلا في رؤية الأجسام والألوان، والله تعالى ~~ليس بجسم ولا لون استحال كونها شرط في رؤيته؛ لأن كل شرط فلا بد من كونه مسبوقا ~~بامكان تصوره وحصوله، فإذا كان تصوره وحصوله غير ممكن في حق الله تعالى استحال ~~جعله شرطا، فبطل أن تكون استحالة رؤيتنا له تعالى لاستحالة الشرط، فإذا هذه الأوجه ~~الأربعة لم يبق إلا الوجه الخامس، وهو أنا لم نره لاستحالة كونه مرئيا في نفسه، فلا يمكن أن ~~يرى نفسه ولا يراه أحد، وهذا هو المطلوب. # اال وتمام تقرير ما ذكره الخوارزمي بدفع ما يرد عليه من الأسئلة والانفصال عنها، وهي ~~الأول أنا لو سلمنا أن هذه الأمور التي أعددتوها من البعد وعدم المحازاة للرائي ~~واللطافة والحجب الكثيفة وعدم الضياء المتصل بالمرثي موانع فقرروها بالدلالة، ليتم ما ~~ذكرتم من استحالة الرؤية على الله تعالى. # وجوابه من وجهين: ~~أحدهما أن كونها موانع معلوم بالضرورة بعد الخبرة والاستقراء، والإنكار لكونها موانع ~~مكابرة للعقل ومدافعة للحس، وما يورد من الشكوك على كونها غير موانع كأن يقال: لو ~~كان البعد مانعا لما رأينا النجوم، ولو كان الحجب الكثيفة مانعة لما رأينا ما وراء الزجاج ~~فهو مما لا يستحق جوابا لخروجه عن القضايا العقلية وانجراره إلى السفسطة. # ال وثانيهما أن مع ms229 تسليم كونها غير موانع فمقصود الاستدلال حاصل؛ لأنه إذا ثبت أنه ~~تعالى على الصفة التي لمكانها يرى ونحن على الصفة التي لمكانها يجب أن نراه ولا مانع لنا PageV00P291 ~~============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والترحيل ~~من رؤيته حصل ما نريده من وجوب رؤيته تعالى في كل وقت وفي كل حال، وبطلانه ~~معلوم بالضرورة. # السؤال الثاني سلمنا أنها موانع فما أنكرتم أن يكون المانع من رؤيتنا له تعالى هو عدم ~~المقابلة لأن المقابلة في حقه تعالى محال، واستحالة الشرط أقوى في المنع عن رؤيته من ~~صحته وانتفائه، وإذا صح كون المقابلة شرطا في رؤيتنا وهي ممتنعة في حقه أمكنكم القطع ~~على استحالة رؤيتنا له ولم يمكنكم القطع على استحالة كونه مرئيا في نفسه وأنه يرى نفسه. # اال وجوابه أن الشرط هو ما توقف عليه تأثير المؤثر، وما لا يعقل ولا يمكن تصوره ~~استحال جعله شرطا، فإذا استحال تحقق المقابلة في حقه تعالى استحال جعلها شرطا في ~~رؤيته، وإذا استحال جعلها شرطا في حقه كان امتناع رؤيتنا له الآن لاستحالة رؤيته في ~~نفسه لا لاستحالة الشرط: ~~السؤال الثالث إذا كانت المقابلة معتبرة في رؤية الأجسام وما يحلها كالألوان حتى ~~وقفت صحة رؤيتها عليها واستحالت رؤيتها مع عدمها، فهل وجب اعتبارها فيها لأنها ~~صحيحة في حقها أو لأنها شرط في صحة رؤيتها. والأول باطل؛ لأن كون الشيء صحيحا ~~لا يجعله شرطا في غيره، فإذا بطل اعتبارها في حقها لصحتها عليها لم يبق إلا أنه إنما وجب ~~اعتبارها لأنها شرطا في صحة رؤيتها، فيجب أن تكون شرطا في كل رائي بحاسة، فإذا ~~استحالت في حق الله تعالى استحال كوننا رائين له، لا أنه ليس بمرئي في نفسه ولا أنه يرى ~~ذاته. # ل وجوابه أنا نسلم أن كون الشيء صحيحا لا يجعله شرطا، ولكن نقول: من حق الشرط ~~أن يكون مسبوقا بالصحة وأن يكون ممكنا في نفسه متصور الحصول، فأما إذا كان مستحيلا ~~استحال جعله شرطا، فلهذا أبطلنا كون المقابلة في حق الله تعالى شرطا لما استحالت ms230 في PageV00P292 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~حقه، فحصل إذن من مجموع ما ذكرنا أنا لا نجعل المقابلة شرطا صحة رؤيتنا له تعالى، ~~حتى إذا استحالت في حقه استحال كوننا راثيين له؛ لفوات الشرط، مع آنه مرثي في نفسه ~~وأنه يرى ذاته. وإنما نقول: إن المقابلة في حقه لما كانت مستحيلة استحال جعلها شرطا، ~~وإذا استحال جعلها شرطا كان استحالة رؤيتنا له الآن؛ لأنه ليس بمرئي في نفسه، وإذا كان ~~غير مرئي في نفسه استحال أن يرى ذاته. # السؤال الرابع لو لم تكن المقابلة شرطا لرؤيتنا بالحواس في بعض المرئيات للزم ألا تكون ~~شرطا في رؤيتنا لجميعها، فكان يصح أن يرى الجسم واللون من دون مقابلة، ألا ترى أن ~~العرض لو صح أن يكون عالما من غير أن يكون حيا لعلمنا أن الحيية ليست شرطا في ~~العالمية، فيجب أن لا تشترط الحيية في الجسم وإن صحت عليه؛ لأنها لو اشترطت في ~~الجسم لاشترطت في العرض، فلو قدرنا في العرض كونه عالما من غير أن يكون حيا بطل ~~اشتراط الحيية في العالمية. # وجوابه أنا نقول: الشرط ينقسم إلى ما يكون كالحقيقة فيما هو شرط فيه وإلى ما ليس ~~كذلك فما كان كالحقيقة فيما هو شرط فيه لم يختلف حاله على أي وجه حصل، وهذا كما ~~نقول: القدرة شرط في الفعل، فهي كالحقيقة في حصوله، فلا يعقل فعل من دون قدرة، ~~وكما نقول الحيية شرط في العالمية، لكنها كالحقيقة فيها، فلا يمكن أن يعقل عالم من غير أن ~~يكون حيا، وليست المقابلة حقيقة في الرؤية مطلقا، حتى لا يمكن معقول الرؤية قطعا من ~~غير مقابلة، وهذا حال ما ليس بحقيقة فيما هو شرط فيه، فإنه مختلف كما نقوله في كون اليد ~~آلة للبطش والرجل آلة للمشي والعين آلة في الرؤية واللسان آلة في الكلام، وكذلك سائر ~~الآلات ولكن هذا كله فيما كان ممكن الحصول متصور الوقوع، فأما ما كان مستحيلا فلا ~~يمكن جعله شرطا فضلا عن أن يحكم باختلافه أو اتفاقه. PageV00P293 # ============================================================ ~~الشهيد شح ms231 معالمر العدل والنوحيل ~~السؤال الخامس وهو المشكل على طريقة الخوارزمي، وحاصله أنكم إذا حكمتم بأن كل ~~ما كان مستحيلا لا يمكن جعله شرطا، حتى قلتم: إن المقابلة لما استحالت في حق الله تعالى ~~استحال كونها شرطا، فيبطل أن يكون امتناع رؤيته لعدم شرطها بل لاستحالة كونه مرئيا ~~في نفسه. فهذا يبطل عليكم الاستدلال بامتناع اللازم على امتناع الملزوم، مثل أن يقال لو ~~كان للعالم صانعان للزم الفساد في العالم، وذلك محال. فالقول بالصانعين محال، ومثل أن ~~يقال لو كان الله تعالى فاعلا للقبيح لكان جاهلا محتاجا، وذلك محال. فالقول بكونه فاعلا ~~له محال، ومثل أن يقال لو كان الله في جهة للزم أن يكون جسما، وباطل أن يكون جسما، ~~فاستحال أن يكون في جهة، لأن لقائل أن يقول: لما كان الفساد محالا استحال أن يكون ~~لازما لثبوت صانعين، وكذلك الجهل والحاجة لما كانا محالين على الله تعالى استحال كونهما ~~لازمين لفعل القبيح وكذلك الجسمية، لما كانت مستحيلة على الله تعالى فيستحيل كونها ~~لازمة لكونه في الجهة؛ لأن ما كان محالا في نفسه استحال وصفة بكونه لازما لغيره، كما أن ~~المقابلة لما كانت مستحيلة في حق الله تعالى استحال وصفها بكونها شرطا، وهلم جرا إلى ~~سائر الاستدلال بامتناع اللازم على امتناع الملزوم. # وجوابه أنا قد بينا أن الشرط هو ما توقف عليه تأثير المؤثر فمن حقه أن يكون مسبوقا ~~بالصحة وأن يكون ممكن الوقوع جائز الحصول، فأما إذا كان مستحيلا في نفسه لم يعقل ~~كونه شرطا، فأما ما ذكروه من بطلان الاستدلال بامتناع اللازم على امتناع الملزوم، فالفرق ~~بينه وبين الشرط ظاهر، وهو أن الاستدلال بامتناع اللازم على امتناع الملزوم إنما هو شيء ~~يذكر على سبيل الفرض والتقدير دون الوجود والتحقيق، وهذا نقول فيه: لو حصل للعالم ~~صانعان للزم الفساد فيه، واللازم محال، فالملزوم مثله. وكذلك نقول: لو وجد من الله تعالى ~~القبيح لدل على جهله، واللازم محال، فالملزوم مثله. وكذلك سائر الأمثلة بخلاف الشرط، ~~فانه موضوع ليقف عليه تأثير المؤثر، ms232 فلا بد أن يكون أمرا متحققا مسبوقا بالصحة، وأن ~~يكون ممكن الوقوع ليتحقق تأثير المؤثر، فهذا هو الفرق بينهما. PageV00P294 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~واعلم أن الفرق في توجيه الدلالة بين ما ذكره أبو الحسين والخوارزمي من وجهين: ~~أحدهما من حيث النظم، وهو أن أبا الحسين يجعل دلالة الموانع ودلالة المقابلة كل ~~واحدة منهما مستقلة بنفسها، كما فعله سائر الشيوخ، خلا أنه ربما يقول: إن دلالة الموانع ~~ترجع إلى دلالة المقابلة. والخوارزمي يجعلهما دلالة واحدة، ويجعل دلالة المقابلة أحد ~~مقدمات دلالة الموانع، كما حكينا عنه. # ال وثانيهما من حيث الثمرة، وهو أنه يأتي على سياق كلام أبي الحسين أن دلالة الموانع إنما ~~تدل على استحالة رؤيتنا له لا على أنه ليس بمريي في نفسه، والخوارزمي يأتى على منهاج ~~استدلاله أنه ليس بمرئي في نفسه وأنه لا يرى ذاته، فهذه دلالة الموانع. # المسلك الثاني دلالة المقابلة ~~وهو مبني على مقدمتين: ~~الأولى أن الرائي بالحاسة لا يرى إلا ما كان مقابلا أو في حكم المقابل، واحترزنا بقولنا ~~أو في حكم المقابل عن رؤية الإنسان وجهه في المرآة فإنه وإن لم يكن مقابلا فهو في حكمه. # والمقدمة الثانية أن الله تعالى يستحيل عليه المقابلة وما في حكمها، فيستحيل أن يكون ~~مرئيا. # فأما المقدمة الأولى فهي ضرورية بعد الخبرة والاستقراء؛ لأن من جوز آن يرى بحاسته ~~ما هو في خلاف جهة محاذاتها فقد كابر عقله ودفع المعاينة وما هو معلوم بالضرورة عند ~~العقلاء. PageV00P295 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وأما المقدمة الثانية فهي متفق عليها؛ لأن مخالفنا في المسألة معترف بأن الله تعالى ليس ~~مقابلا ولا في حكم المقابل، فيلزم من هذا استحالة كونه تعالى مرئيا. # لا يقال: أليس القديم تعالى يرى المرثيات من غير مقابلة، فهلا جازت رؤيتنا له من غير ~~مقابلة. لأنا نقول: إن دليلنا لا ينتقض بذلك؛ لأنا ادعينا الضرورة في أن الرائي بالحاسة لا ~~يرى إلا ما كان مقابلا أو في حكمه، والله تعالى ليس بذي حاسة، فلا يلزم أن يكون ms233 مقابلا. # و اعلم أن الشيخ أبا الحسين قد صرح بأن دلالة المقابلة إنماتدل على استحالة رؤيتنا له، ~~فأما أنه ليس بمرئي في نفسه فلا، وذلك لأن المقابلة إذا كانت شرطا في رؤيتنا لكل مرني ~~ال وهي مستحيلة على الله تعالى كان استحالة الرؤية لاستحالة الشرط لا لاستحالة كونه مرثيا ~~في نفسه. # وأما الخوارزمي فقد قدمنا كلامه في دلالة الموانع، وهذان المسلكان عليهما تعويل ~~المعتزلة في الأدلة العقلية، وما وراءهما من الأدلة العقلية ركيك، فمن ثم تركتا إيرادها ~~لضعفها. # المسلك الثالث التمسك بقوله تعالى: (لاتذركه الأبصار)(1). # وهذه الآية يمكن توجيهها في الاستدلال على وجهين: ~~أحدهما أنه تعالى لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. والآخر أنه تعالى يستحيل كوننا رائين ~~- سورة الأنعام: آية 103. PageV00P296 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~أما الوجه الأول وهو أنه تعالى لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة فتمام المقصود من الآية ~~يحصل باثبات أمور أربعة: ~~أولها أن إدراك الأبصار هو رؤيتها. وثانيها أن المراد بالأبصار المبصرون. وثالثها أن الآية ~~تقتضي عموم النفي عن كل واحد من الأشخاص. ورابعها أنها تقتضي عموم النفي في كل ~~الأزمنة. وبعد تصحيح هذه الأمور الأربعة يكون معنى الآية لا يراه أحد من المبصرين في ~~شيء من الأوقات، وهو المطلوب. # فالذي يدل على الأول وهو أن إدراك الأبصار هو رؤيتها أمران: ~~أما أولا فلأنه لا فرق في اللغة بين أن يقال رأيت فلانا ببصري وبين أن يقال أدركته ~~بصري، كما لا فرق بين أن يقال أدركت كلامه بأذني وبين أن يقال سمعته بأذني. # وأما ثانيا فلأن أهل اللسان فهموا من هذه الآية نفي الرؤية، كما روي عن عائشة لما ~~بلغها أن كعبا قال: إن محمدا رأى ربه. أنكرت ذلك وقالت: وقف شعري مما قلت، من ~~حدثك أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله.(1) وتلت الآية (لا تذركه الأبصار)، ~~وروي عن ابن عباس مثل ذلك أيضا. # والذي يدل على الثاني وهو أن المراد بالأبصار المبصرون ها هنا فأمران: ~~- أخرجه البخاري (كتاب بدء ms234 الخلق باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى ~~غفر له ما تقدم من ذنبه) 115/4 حديث رقم 3270، الترمذي (تفسير القرآن - سورة الأنعام) حديث رقم ~~3070. وروى عن اين عباس آنه فسر قوله تعالى: (ولقد رآه نزلة أخرى) قال: رآه بفؤاده. مرتين. صحيح مسلم ~~(كتاب الايمان - باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد رآه نزلة أخرى) 89/1 حديث رقم 455. وقال: رأى ربه ~~عز وجل. الطبراني: المعجم الكبير 363/10، حديث رقم 10727. PageV00P297 # ============================================================ ~~السهيل شح معالمر العدل والنوحيل ~~أحدهما أن الأبصار وإن كانت قد تستعمل في العقول كما في قوله تعالى: (فاغتبروا يا ~~أولي الأبصار)(1)، ولكنه مجاز لأمرين: ~~أما أولا فلأن الله تعالى قال: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور)(2)، فنفى العماء عن الأبصار وأثبته في القلوب، والمراد بالقلوب العقول، فلو كان ~~البصر حقيقة في العقل لما جاز نفي الحكم عن الأبصار مطلقا مع ثبوته في العقل لتناقضه. # وأما ثانيا فلأنه إذا قيل: اشتكى بصر زيد، لم يسبق إلى الأفهام أنه قد جن وفسد عقله، ~~وكذلك إذا قيل: لا بصر لفلان، فإنه قد ذهب بصره، لم يفهم أنه قد جن وذهب عقله، ~~وهذا علامة كونه مجازا. # ال وثانيهما أن البصر لو كان حقيقة في العقل فلا يمكن حمله في هذه الآية عليه؛ لأنه لا ~~معنى لادراك العقل إلا العلم، فلو حملنا الأبصار على العقول لكان معنى الآية أن العقول ~~لا تدركه، وهذا غير جائز، فثبت أن المراد بالأبصارها هنا المبصرون. # والذي يدل على الثالث وهو عموم النفي عن كل واحد من الأشخاص فأمران: ~~أما أولا فلأن لام الجنس إذا دخل في ضمن النفي على الجمع أفاد العموم بدليل صحة ~~الاستثناء، وصحة الاستثناء تدل على الاستغراق. # ال و أما ثانيا فلأنه إذا قيل: فلان لا يقرب النساء، فإما أن يفيد أنه لا يقرب كل النساء أو لا ~~يقرب واحدة من النساء، والأول باطل وإلا لصدق على جميع الناس؛ لأنه يستحيل في كل ~~شخص أن يقرب كل النساء، ويمتنع ms235 في الرجل أن يكون لكل النساء، فلو كان عدم مقاربة ~~ا- سورة الحشر: آية 2. # 2- سورة الحج: آية 46. PageV00P298 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~البعض كافيا في صدق قولنا فلان لا يقرب النساء لوجب أن يصدق ذلك على كل أحد، ~~ولما لم يكن كذلك علمنا أن المفهوم منه أنه لا يقرب واحدة من النساء، فكذلك في قوله (لا ~~تدركه الأبصار) أي لا يدركه أحد من المبصرين بالأبصار، فثبت أن الآية تفيد عموم النفي ~~في كل الأشخاص. # والذي يدل على الرابع وهو عموم كل الأزمنة فأمران: ~~أما أولا فلأن قوله (لا تدركه الأبصار) عام في كل الأزمنة، بدليل صحة الاستثناء، ~~وصحة الاستثناء تدل على الاستغراق. # وأما ثانيا فهو أن النفي كالنهي، فكما أن قول القائل لا تدخل الدار يفيد أنه نهاه عن ~~دخولها أبدا، فكذلك الخبر بالنفي إذا كان مطلقا وجب أن يفيد عموم النفي في كل الأزمنة، ~~فهذاتمام تقرير وجه الاستدلال بالوجه الأول من الآية. # الوجه الثاني هو أن رؤيتنا لله تعالى تفيد النقص، والنقص عليه محال، فرؤيتنا له محال. أما ~~أن رؤيتنا له تفيد النقص فبيانه بإثبات أمور أربعة: ~~أولها أن الله تمدح بنفي إدراك الأبصار. وثانيها أن ذلك التمدح ليس تدحا بتفضل. # وثالثها أنه راجع إلى ذاته. ورابعها أن إثبات ما هذا حاله يكون نقصا. # فالذي يدل على الأول وهو أن الله تعالى تمدح بنفي إدراك الأبصار وجوه ثلاثة: ~~أما أولا فلأنه وسط قوله (لا تذركه الأبصار) بين أوصاف المدح، لأن قبله قوله تعالى: ~~(بديع السموات والأرض) إلى قوله: (وهو على كل شيء وكيل)(1)، مدح كله، وبعده ~~1- سورة الأنعام: آية 101- 102. PageV00P299 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~قوله: (وهو اللطيف الخبير)(1) مدح أيضا، وكل ما وسط بين أوصاف المدح يجب أن يكون ~~مدحا، وإلا كان خارجا عن أساليب الفصاحة. ألا ترى أنه لو قال قائل زيد فاضل عالم ~~يأكل الخبز حكيم تقي لم يحسن كلامه، فعلمنا أن ما وسط بين أوصاف المدح يكون مدحا. # وأما ثانيا فلأن الأمة أجمعت على كون الآية واردة ms236 مورد التمدح، وإن اختلفوا في جهة ~~التمدح، فأهل العدل يتأولونها على نفي الرؤية عنه تعالى في الدنيا والآخرة، والأشعرية ~~منهم من حملها على تفي الاحاطة، ومنهم من حملها على اقتداره على منعنا من رؤيته في ~~الدنيا والآخرة، وكل هذه الوجوه مدح، فيحصل منه إجماعهم على كون الآية مدحا. # وأما ثالثا فلأن إجماع المسلمين على قولهم: يا من يرى ولا يرى. ويريدون به الثناء على ~~الله تعالى، وإنما أخذوه من الآية، فثبت أن الآية واردة مورد التمدح. # والذي يدل على الثاني وهو أن ذلك التمدح ليس تمدحا بتفضل، فنحترز بذلك عن ~~التمدح بقوله: حليما عفوا. فإن العفو هو الذي يترك حق نفسه من الإضرار بالغير ~~بالعقوبة، والحليم هو الذي لا يعاجل بالعقوبة، فهذا النفي مما يتمدح به، وليس إثباته ~~نقصا. فإن استيفاء الحق جائز، والمعاجلة بالعقوبة لمن يستحقها غير ممنوع منه، والذي يدل ~~على أن التمدح في الآية ليس تمدحا بتفضل أمران: ~~أما أولا فلأن حصول رؤية الله تعالى بأن يكون تفضلا أولى من عدمها تفضلا، لا سيما ~~وعندهم أنها من أعظم الثواب. # وأما ثانيا فلأن التفضل إما أن يكون بإيجاد ضد الإدراك أو بأن لا يوجد الإدراك وهما ~~محالان كما مر، والذي يدل على الثالث وهو أن تمدحه راجع إلى ذاته؛ فلأنه لو رجع إلى ~~1- سورة الأنعام: آية 103. PageV00P300 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~الفعل لكان لا يخلو إما أن يكون بايجاد ضد الإدراك، أو بأنه لم يفعل الإدراك والإدراك ~~وضده محالان. أو بحصول الحجاب أو البعد وأمثالهما من موانع الرؤية، وكل ذلك محال ~~على الله تعالى، فبطل أن يكون تمدحه راجعا إلى الفعل، فيجب أن يكون راجعا إلى الذات. # والذي يدل على الرابع وهو أن إثبات ما هذا حاله يكون نقصا فأمران: ~~أاما أولا فلأن ما كان نفيه مدحا إما أن يكون إثباته نقصا أو مدحا أو لا مدحا ولا نقصا، ~~والأول هو المطلوب، والثاني باطل؛ لأن نفي المدح لا يكون مدحا وإلا لصح أن يوصف ~~الإنسان بأنه غير قادر ms237 ولا عالم على جهة المدح، وهو باطل. والثالث باطل أيضا؛ لأنه لو ~~كان كذلك لم يكن نفيه مدحا، ولهذا فإن الإنسان لا يمدح بأنه ليس جالسا في داره، لما كان ~~اثباته ليس مدحا ولا نقصا. # وأما ثانيا فلأن نفي السنة والنوم في قوله تعالى: (لا تأخذه سنة ولا نوم) (1) لما كان نفيه ~~مدحا كان إثباته نقصا، فكذلك ها هنا يجب أن يكون إثبات الرؤية نقصا. فثبت بما ذكرنا أن ~~رؤيتنا له تعالى تفيد النقص. # وأما أن النقص عليه تعالى محال فلأ مرين: ~~أما أولا فلاجماع الأمة على أن النقائص على الله تعالى محال. # وأما ثانيا فهو أن النقص عليه تعالى إما أن يكون عدما لشييء من صفاته الذاتية أو ~~لحصول ما ينافيها ويضادها أو لصدور فعل لا يجوز صدوره عنه كالقبيح أو عدم صدور ~~فعل يجب صدوره عنه كترك الواجب، ولما علمنا أن رؤيته لا تفضي إلى القسمين الآخرين ~~اذ لا تعلق للرؤية بما يخص الأفعال علمنا أنه يلزم النقص بحصول أحد القسمين الأولين، ~~1- سورة البقرة: آية 255. PageV00P301 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~اما لخروجه عن صفاته الذاتية أو حصول ما ينافيها ويضادها مثل كونه مقابلا أو من جنس ~~المرئيات، ولما كان ذلك محالا كان القول بالرؤية محالا، فهذا تمام الاستدلال بالآية من هذين ~~الوجهين ~~المسلك الرابع أن الله ما ذكر سؤال رؤية في موضع إلا واستعظمه. # وذلك في ثلاث آيات: أحدها قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا) (1)، فوصف الله تعالى من ~~سأل الرؤية بكونه عاتيا مستكبرا، ولو كانت صحيحة لم يصف طالبها بالعتو والاستكبار، ~~ال بل بكونه طالبا نازلا منزلة من طلب سائر المعجزات. # وثانيها قوله تعالى: ( يسألك أفل الكتاب أن تنؤل عليهم كتابا من السماء فقذ سألوا ~~موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم)(2)، فسمى سؤالهم ~~للرؤية ظلما، وعاقبهم في الحال، فلو كانت الرؤية ممكنة لم يعاقبوا على طلبها. # وثالثها ms238 قوله تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم ~~الصاعقة وأنتم تنظرون)(3) فعاقبهم الله برمي الصواعق لما سألوا ما لا يمكن، فلو طلبوا ~~مكنا لم يعاقبوا كما لو طلبوا معجزة زائدة. # ا- سورة الفرقان: آية 21. # 2- سورة النساء: آية 153. # 3- سورة البقرة: آية55. PageV00P302 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~المسلك الخامس التمسك بقوله تعالى جوابا لموسى عليه الصلاة والسلام لما سأل الرؤية: ~~(لن تراي)(1). # ووجه الاستلال أن كلمة "لن" موضوعة للنفي على سبيل الأبد، مؤكدة للحجر في ~~المستقبل وارده، لا كذاب من يقول سيفعل زيد، فنقول لن يفعل، كما نقل عن صاحب ~~"العين" الخليل بن أحمد، وقرره الزمخشري (2) في "مفصله"، ولا شك أنها داخلة على الفعل ~~في قوله لن تراني وهو يفيد رؤية العين، فوجب بحكم الآية ألا يراه موسى عليه الصلاة ~~والسلام، وإذا لم يره موسى أبدا فغير موسى من المؤمن أحق بأن لا يراه أبدا. # لا يقال: لو كانت "لن" موضوعة للنفي على سبيل الأبد لما وردت للنفي المنقطع، وقد ~~الوردت في المنقطع كما في قوله تعالى: (ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم)(3)، وقد علمنا ~~قطعا بالضرورة أنهم يتمنون الموت في الآخرة والخلاص من النار؛ لأنا نقول: هذا باطل ~~لوجهين: ~~أما أولا فلأنا قد قررنا أن أصل وضعها للنفي على سبيل الأبد بما حكيناه عن أئمة ~~الأدب، ولسنا نمنع من استعمالها مجازا في النفي المنقطع، فإذا علمنا أن أهل النار يتمنون ~~الموت كان ورودها في قوله: وكن يتمنؤه، مجازا. # - سورة الأعراف: آية 143. # 2 محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، جار الله، أبو القاسم (538 ه(، من أئمة العلم بالدين ~~والتفسير واللغة والآداب. ولد في زمخشر من قرى خوارزم، وسافر إلى مكة فجاور بها زمنا فلقب بجار الله. وهر ~~صاحب تفسير "الكشاف" و"أساس البلاغة" و"المفصل(، وكان معتزلي المذهب، مجاهرا شديد الإنكار على ~~المتصوفة أكثر من التشنيع عليهم في الكشاف وغيره. الزركلي: الأعلام 178/7، كحالة: معجم المؤلفين ~~.181/12 ~~3- سورة البقرة: آية95. PageV00P303 # ============================================================ ~~الشهي شح معالمر العدل والنوحيل ms239 ~~و أما ثانيا فلا نسلم أنها واردة على سبيل المجاز؛ لأن الموت الذي نفي عنهم أنهم يتمنونه ~~هو الموت الذي يؤديهم إلى العذاب الدائم، وهم لا يتمنونه أبدا، فهي مستعملة في حقيقتها ~~في نفي التأبيد، والموت الذي يتمنونه في الآخرة هو الموت الذي يخلصون به من العذاب، ~~فكان أحدهما غير الآخر، وكانت "لن" باقية على أصل وضعها في نفي التأبيد. # فهذه المسالك الخمسة هي العمدة في نفي الرؤية، ثم إن للمعتزلة طرقا غير هذه، ونحن ~~نوردها واحدا واحدا، ونبين فسادها وضعفها. # القول في المسالك الفاسدة وهي أربعة: ~~الأول طريق الأجناس ~~وهو أن المرئيات في الشاهد أجناس مخصوصة، وهي الجواهر والألوان والأجسام، فلا ~~يخرج من هذه الأجناس ما هو منها ولا يدخل فيها ما ليس منها فلا يصح أن يرى إلا ما ~~كان من جنسها كما أن المسموعات في الشاهد لما كان حسا مخصوصا وهي الأصوات فكما ~~لا يجوز أن يسمع ما ليس بصوت فكذلك لا يجوز أن يرى ما ليس من هذه الأجناس وهذا ~~باطل لوجوه أما أولا فيما ذكروه هو مجرد دعوى فمجرد المطالبة بصحة كاف في سقوطه. # وأما ثانيا فهو أن الأمور التي يستحيل رؤيتها أجناس مخصوصة في الشاهد، فإن لزم من ~~صحة كونه تعالى مرئيا أن يكون من جنس ما يرى في الشاهد لزم من استحالة كونه تعالى ~~مرئيا أن يكون من جنس ما لا يرى في الشاهد من غير فرق. # وأما ثالثا فهو أنا نرى الجسم والسواد والبياض، ولا يلزم من رؤيتنا لها أن يكون كل ~~وا حد منها مثلا للآخر، فلم لا يجوز أن يكون الله تعالى مرئيا ولا يكون مثلا هذه المرثيات، ~~وبالجملة فما ذكروه تعويل على مجرد الوجود، فكان خطأ فاسدا. PageV00P304 # ============================================================ ~~الهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~الثاني طريق الأخص. # ال وهو أن المرئي إنما يرى على أخص أوصافه كالتحيز في الجوهر والهيئة في اللون، فلو كان ~~الله تعالى مرئيا لكان يجب أن يرى لصفته المقتضاة، والمقتضاة في حقه تعالى هي كونه قديما ~~قادرا ms240 عالما حيا، وباطل أن يكون مرئيا لواحدة من هذه الصفات. # أما كونه قديما فلأن المرجع به إلى أنه لا أول له، والمرئي إنما يرى لصفة هو عليها الآن. # و أما كونه قادرا عالما حيا فلو تعلقت بها الرؤية في حقه تعالى لتعلقت بها الرؤية في حقنا، ~~فكان يجب أن يرى الواحد منا على كونه قادرا وعالما، وهذا باطل بالضرورة، وهذا الطريق ~~فاد لوجهين: ~~أما أولا فلأنه تعالى إنما يرى لحقيقة ذاته المخصوصة لا لصفة زائدة، كما يخالف خلقه ~~لحقيقة ذاته لا بصفة زائدة، فلا يلزم من تعلق رؤيتنا بحقيقة ذاته المخصوصة تعلقها بكونه ~~قادرا عالما. # وأما ثانيا فلو سلمنا أنه تعالى يرى لصفته المقتضاة، فلم لا يرى على كونه قادرا وعالما. لا ~~يقال: لو رئى على هذه الصفات لصح في الواحد منا أن يرى عليها؛ لأنا نقول: إن هذه ~~الصفات عند القائلين بصحة الرؤية لا تماثل هذه الصفات في حقنا من كل الوجوه وإذا لم ~~يجب تماثلها من كل الوجوه لم يجب استواؤها في هذا الحكم، وهو تصحيح الرؤية. # الثالث طريق التماثل والخلاف. # قالوا: كل ما كان إدراكه مقصورا على حاسة واحدة فإنه لا يكون إلا متماثلا أو متضادا، ~~كما نعلمه في السواد مع مثله، أو في السواد مع البياض، فلو كان الله تعالى مرئيا لكان إما PageV00P305 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~مثلا لبعض الألوان أو مضادا، ولما بطل ذلك في حقه استحال كونه مرئيا. وهذا فاسد ~~لوجهين: ~~أما أولا فلأنهم لم يزيدوا فيما ذكروا على مجرد الدعوى من غير إقامة برهان على ما ~~ادعوه، اللهم إلا أن يقولوا: لم نجد بيننا مقصورا على حاسة واحدة في الإدراك إلا متماثلا أو ~~متضادا، كان ذلك تعويلا على الوجود، وإنه باطل. # وأما ثانيا فهذا ينبني على أنه لو رئى لوجب أن يكون من جنس المرثيات، وقد مر إبطاله ~~فيما تقدم. # الرابع لو جاز تعلق الرؤية بالله تعالى لجاز أن تتعلق به سائر الإدراكات. # فيلزم أن يكون الله تعالى مسموعا مذوقا ملموسا، ولما ms241 بطل ذلك بضرورة العقل فهكذا ~~رويته أيضا، وهذا ضعيف من وجهين: ~~أما أولا فإن هذا قد التزموه فلا معنى لالزامهم إياه. # و أما ثانيا فالذي يبطل بضرورة العقل أن يكون تعالى من جنس الأصوات والروائح ~~والطعوم، فأما إذا قالوا إنه تعالى يدرك بهذه الإدراكات ولا يلزم أن يكون من جنس هذه ~~المدركات، فلا بد من إقامة دليل على بطلان قولهم، كما أنهم إذا قالوا بصحة رؤيته لم يقولوا ~~انه من جنس المرئيات. # القول في شبههم: ومنها عقلية. ومنها سمعية. # أما العقلية فأربع: PageV00P306 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~الأولى قالوا: إنا نرى الجواهر والألوان مشتركة في صحة كونها مرئية، فهذه الصحة لا ~~بد لها من علة، فإن المعدومات لا يصح أن تكون مرئية، وهذه الموجودات من الجواهر ~~والألوان يصح أن تكون مرئية، فلا بد من أمر لأجله صح في هذه الموجودات أن تكون ~~مرئية، وإلا لم يكن حصول هذه الصحة هذه الموجودات أولى من حصوها للمعدومات، ~~فوجب تعليل هذه الصحة، ولا يمكن تعليل هذه الصحة بخصوصية تحيز الجوهر وهيئة ~~اللون؛ لأن هذا يوجب تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة، وإنه محال، فلا بد من ~~تعليل هذه الصحة بأمر مشترك، ولا شيء تشترك فيه الأجسام والأعراض إلا الوجود ~~والحدوث، والتعليل بالحدوث باطل؛ لأنه عبارة عن وجود مرتب على عدم، ولا يمكن ~~كون العدم جزءا من العلة، وإذا سقط العدم عن درجة الاعتبار لم يبق إلا الوجود ~~والوجود مشترك بين القديم تعالى وبين سائر المرئيات، فيجب آن تصح رؤيته وهو ~~المطلوب. # والجواب من أوجه ثلاثة: ~~الأول أنا نسلم أنه لا بد لهذه الصحة من علة، ولكن نقول: إن الصحة في رؤية الجوهر ~~واللون معللة بتحيز الجوهر وهيئة اللون، قوله يلزم منه تعليل الأحكام المتساوية بالعلل ~~المختلفة، فنقول: هذا جائز، ويدل عليه وجوه: ~~أما أولا فلأنكم قد عللتم كون الأشياء مرئية بالوجود، فبماذا تعللون صحة كونها ~~موجودة، فإن عللتموها بخصوصية حقائقها فقد عللتم الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة، ~~وان قلتم إن صحة كون الأشياء موجودة ليس ms242 أمرا ثبوتيا وإنما هو أمر إضافي، فكذلك ~~نقول: ليس صحة كون الأشياء مرئية أمرا ثبوتيا وإنما هو أمر إضافي. PageV00P307 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والترحيل ~~و أما ثانيا فلأن الأشياء المختلفة مشتركة في كون كل واحد منها مخالفا للآخر، والمخالفة ~~أمر واحد، فإن عللتموه بحقائقها المختلفة فقد عللت الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة، ~~ال وان قلتم إن المخالفة ليست أمرا ثبوتيا، فكذلك صحة كون الشيء مرثيا ليس أمرا ثبوتيا. # وأما ثالثا فلأن صحة كون الشيء معلوما ومخبرا عنه أحكام متساوية، وقد عللت ~~بحقائقها المختلفة. # وأما رابعا فلأن صحة العالمية والقادرية أمر واحد مشترك بيننا وبين القديم تعالى، ومع ~~ذلك قد عللتم هذه الصحة في الشاهد بالحياة المحدثة وفي الغائب بالحياة القديمة مع ~~اختلاف الحياتين، وفي ذلك اختلاف العلة مع تساوي الحكم. # وأما خامسا فلأن الأعراض مع اختلافها واختلاف أجناسها وحقائقها مشتركة في ~~ال وجوب حاجتها إلى المحل، وحاجتها إلى المحل أمر واحد، ومع ذلك عللتموه بالحقائق ~~المختلفة، فثبت بهذه الوجوه تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة. # الوجه الثاني سلمنا أنه لا يجوز تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة، فبماذا تعلل ~~صحة كون الجواهر والألوان مرئية، فإن قالوا بالوجود؛ لأنه مشترك بين القديم وسائر ~~المرئيات. فنقول: لو كان علة في صحة كونها مرئية للزم عليه أمور باطلة. # أما أولا فكان يلزم صحة كون الروائح والطعوم مرئية لنا، والعلم باستحالة ذلك ~~ضروري: ~~وأما ثانيا فهو أن حواسنا سليمة، والموانع مرتفعة، وشرائط الرؤية حاصلة، فلو كان ~~الوجود هو العلة في صحة رؤية الأشياء لوجب في العلوم والقدر وذات الله تعالى أن نراها ~~الآن، وإنه محال. PageV00P308 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~وأما ثالثا فلأن الألوان لما صح كونها مرئية فإن الأعمى يجد في نفسه نقصا في امتناع ~~رؤيته لها، فلو كانت الطعوم والروائح يصح أن تكون مرئية وجب أن يكون حالنا معها ~~كحال الأعمى مع الألوان، فكان يجب أن نجد من أنفسنا ذلك النقص، وإنه محال ~~بالضرورة. فبطل أن يكون الوجود علة في صحة كون الأشياء مرئية. # الوجه ms243 الثالث سلمنا أن العلة في صحة كون الأشياء مرثية هو وجودها، فمن أين لكم ~~أن وجودها مساو لوجود القديم تعالى، فما أنكرتم أن تكون علة هذه الصحة هو الوجود ~~بشرط تقدم العدم، كما أن الفعل محتاج إلى الفاعل في الوجود بشرط تقدم العدم، فإذا جاز ~~ان يكون الوجود بشرط كونه مسبوقا بالعدم علة هذه الحاجة فلم لا يجوز أن يكون علة ~~هذه الصحة. # الشبهة الثانية قالوا: قد ثبت أن الله تعالى يرى غيره، فيجب أن يرى نفسه؛ لأن العلة في ~~كونه رائيا لنفسه كونه رائيا لغيره، وإذا صح أن يرى نفسه صح أن يراه غيره؛ لأن المرثي في ~~نفسه يصح آن يراه كل رائي: ~~والجواب من وجهين: ~~أما أولا فنقول لهم: متى يلزم من رؤيته لغيره رؤيته لنفسه ؟ إذا جعلنا رؤيته لغيره علة ~~في رؤيته لنفسه أو إذا جعلناه معلولا، فهذا ممنوع مسلم. # وبيانه أنا إذا جعلنا رؤيته لغيره علة في رؤيته لنفسه لزم لا محالة من حصول العلة ~~حصول المعلول، فأما إذا جعلنا رؤيته لغيره معلولا لرؤيته لنفسه لم يلزم من رؤيته لغيره ~~رؤيته لنفسه؛ لأن مثل المعلول يجوز حصوله لعلة أخرى غير تلك العلة، كما نقول في القبح، ~~فإنه حكم واحد، ومع ذلك تعلل تارة بكون الفعل ظلما وتارة بكونه جهلا، وإذا كان الأمر ~~كذلك فلم قلتم إن الحق هو الأول دون الثاني، بل الثاني أقرب إلى العقل؛ لأن رؤيته لغيره PageV00P309 ~~============================================================ ~~الهي شح معالر العدل والنوحيل ~~كالتابع لرؤيته لنفسة، فجعل رؤيته لغيره معلولا أولى من جعله علة. وإذا كان معلولا بطل ~~استدلالهم لجواز حصوله بعلة أخرى غير رؤيته لنفسه، وهو إنما يرى غيره لأنه حاصل على ~~الصفة التي لمكانها يرى غيره. # و أما ثانيا فإذا كان وضع استدلالكم هكذا وهو أنه تعالى إذا صح أن يرى غيره صح أن ~~يرى نفسه، فيلزم عليه أنه تعالى إذا صح آن يحرك غيره صح آن يحرك نفسه، وإذا كان قادرا ~~على غيره كان قادرا على نفسه، من غير فرق. فهذا لازم ms244 على مناهج استدلالهم. # لا يقال: إن ذاته تعالى لا يصح عليها الحركة، ولا تتعلق بها القدرة، فلا يلزم من حركته ~~لغيره وقدرته على غيره حركته لذاته وقدرته على ذاته؛ لأنا نقول: فهكذا نقول في الرؤية: ~~إنه تعالى لا يصح رؤيته لنفسه كما لا تصح حركته لنفسه. فبينوا أولا أنه تعالى يصح أن يرى ~~في نفسه، وحينئذ لا حاجة بكم إلى هذا الاستدلال. # الشبهة الثالثة قالوا: الجواهر والأجسام إنما صح أن ترى؛ لأنها قائمة بأنفسها، والقديم ~~تعالى قائم بنفسه، فيلزم صحة كونه مرثيا. وإنما قلنا إن الجواهر والأجسام إنما صح أن ~~تكون مرئية لأنها قائمة بأنفسها؛ فلأنها إذا وجدت كانت قائمة بأنفسها، فصح أن تكون ~~مرئية، وإذا عدمت بطل كونها قائمة بأنفسها، فاستحال كونها مرئية، فإذا شاركها القديم ~~تعالى في كونه قائما بنفسه صح أن يكون مرثيا. # والجواب من أوجه ثلاثة: ~~أما أولا فنقول: ما تعنون بقولكم إن الجواهر والأجسام إنما صحت رؤيتها لأنها قائمة ~~بأنفسها؟ تعنون آنها إنما صحت عليها الرؤية لأنها موجودة، فقد مر الكلام على هذه ~~الشبهة. أو تعنون آنها إنما صحت عليها الرؤية لأنها مستقلة بأنفسها في الوجود من غير ~~حاجة بها إلى محل، فهذا باطل باللون؛ فإنه مدرك وإن لم يكن قاثما بنفسه. PageV00P310 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وأما ثانيا فلم زعمتم أن العلة في صحة رؤية الجواهر والأجسام كونها قائمة بأنفسها؟ # فإن قالوا: لأنها إذا عدمت بطل كونها قائمة بأنفسها، فاستحالت رؤيتها، وإذا وجدت ~~كانت قائمة بأنفسها فصح آن تكون مرئية. قلنا: إنه كما يبطل كونها قائمة بأنفسها عند ~~عدمها يبطل أيضا تحيزها، وإذا وجدت فكما أنها قائمة بأنفسها فهي آيضا متحيزة، فلم ~~جعلتم العلة في صحة رؤيتها كونها قائمة بأنفسها أولى من كونها متحيزة. # وأما ثالثا فلو قدرنا شيئا متحيزا مفتقرا في وجوده إلى محل لم يبطل عنا اعتقاد صحة ~~رؤيته، ولو قدرنا أن القدرة وغيرها مما لا يرى مستغنيا في وجوده عن المحل لم يصح منا ~~رؤيتها، فما يتبعه العلم بصحة كون الجوهر ms245 مرثيا يجب آن يكون هو العلة في رؤيته، وهو ~~التحيز دون غيره. لا يقال: لو كان الجوهر مرئيا لتحيزه لما رئى السواد؛ لأنه ليس بمتحيز. # لأنا نقول: ولو رثى لكونه قاثما بنفسه لما رثى السواد؛ لأنه ليس قاثما بنفسه. # الشبهة الرابعة قالوا: القديم تعالى لما كان عالما لذاته وجب أن يعلم ذاته كما يجب أن ~~علم غيره، فكذلك إذا كان رائيا لذاته وجب آن يرى ذاته، كما يجب آن يرى غيره: ~~والجواب من وجهين: ~~أما أولا فلو سلمنا أنه تعالى راء لذاته فصفة الذات إنما يلزم تعلقها بما يكون ممكنا في ~~نفسه دون ما كان محالا، وهذا فإنه تعالى وإن كان رائيا لذاته لم يلزم أن يرى المعدوم، لما كان ~~مستحيلا في نفسه. فبينوا أولا أن ذاته مما يصح عليها الرؤية، ولا حاجة بكم إلى عموم ~~التعلق بكونه رائيا لذاته. # وأما ثانيا فهو أنه تعالى إذا كان قادرا لذاته ولم يلزم منه قدرته على نفسه، لأنها ليست ~~بمقدورة، فكذلك في مسألتنا يكون تعالى رائيا لنفسه ولا يرى ذاته؛ لأنها ليست بمرئية. PageV00P311 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وأما شبههم السمعية فأربع: ~~الأولى تمسكهم بسؤال موسى عليه السلام الرؤية في قوله تعالى حكاية عنه: (رب أرني ~~أنظر إليك) قالوا: فلو كانت مستحيلة لما سألها، ولما جاز أن يطلبها، كما لا يجوز أن نسأله ~~عن الصاحبة والولد، فلما سألها علمنا أنها جائزة غير مستحيلة. # والجواب عن هذا السؤال من أوجه ثلاثة: ~~الأول أنا لا نسلم أن موسى عليه الصلاة والسلام سأل رؤية الله تعالى، ولم لا يجوز أن ~~يكون المراد من قوله: (أرني أنظر إليك). أي أرني آية أعلمك بها علما ضروريا، وهذا تأويل ~~أبي الهذيل وأبي القاسم، وفيه نظر من وجوه: ~~أما أولا فلو كان قوله: (أرني أنظر إليك) معناه أنظر إلى آية من آياتك لكان قوله مجيبا ~~(لن تراني) لن ترى آية من آياتي، حتى تحصل المطابقة، فحينئذ يلزم وقوع الخلف في كلام ~~الله تعالى، فمعلوم أنه قدرأى أعظم الآيات حيث ms246 جعل الجبل دكا. # وأما ثانيا فهو آن موسى عليه الصلاة والسلام قد وقف على آيات الله تعالى الباهرة نحو ~~قلب العصاحية وفلق البحر وتفجير الماء من الحجر وإخراج اليد البيضاء، فطلب الآية بعد ~~ظهور هذه الآيات معيب لا يليق بالأنبياء. # وأما ثالثا فهو أن موسى قد كان عرف الله تعالى وجعل يناجيه، ولا يليق بالعاقل أن ~~يقول لمن يناجيه عرفني نفسك فضلا عن الأنبياء وهم أكمل الناس عقولا وأعرفهم بالله ~~تعالى. # الجواب الثاني أنا نسلم أنه عليه الصلاة والسلام سأل الرؤية، ولكن لا نسلم أنه سألها ~~لنفسه وإنما سألها لقومه، وبيانه أن قوم موسى كانوا يطلبون منه أن يريهم ربه، كما حكى الله PageV00P312 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والترحيد ~~تعالى عنهم في قوله: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) (1) فطلب من الله تعالى الرؤية ~~ليحصل منه البيان على أنه ليس بمرئي، وأضاف السؤال إلى نفسه ليكون حصول البيان ~~على أنه تعالى ليس بمرئي أكبر وقعا وأشد تمكنا في القلوب؛ لأنه إذا منع موسى عن الرؤية ~~مع عظم قدره وقربه إلى الله تعالى فغيره يكون بالمنع أولى. وهذا تأويل الشيخين أبي على ~~وأبي هاشم، وفيه نظر من وجوه: ~~أما أولا فلأن هذا عدول عن ظاهر الآية من غير دليل، فلا يكون مقبولا. # وأما ثانيا فهو أن الرؤية لو كانت لقومه وهو عالم باستحالتها على الله تعالى لمنعهم موسى ~~عن السؤال، ولوجب عليه الرد عليهم؛ لأنه لا يجوز للأنبياء تقرير الجهال على جهالاتهم ~~واعتقادهم الباطل، وهذا فإنهم لما قالوا له اجعل لنا إلها كما هم آلهة لم يسأل ذلك بل رد ~~عليهم جهالتهم في الحال بقوله: (إنكم قؤم تجهلون)(2). # وأما ثالثا فالذين سألوا موسى الرؤية إما أن يقال هم المؤمنون الذين كانوا مصدقين ~~بشبوته، فكان يجب عليه أن يمتعهم عن سؤال الأمور الممتنعة، وكان كلامه كافيا لهم في المنع ~~عن ذلك؛ لأن المؤمن إذا منعه الرسول عن شيء امتنع منه، فكان لا يحتاج إلى سؤال الله ~~تعالى. وإما أن يقال هم الكفار ms247 الذين سأل لهم الرؤية، فهم ما كانوا وقت السؤال ~~حاضرين، وإنما الحاضر هم السبعون الذين اختارهم موسى من قومه كما حكى الله عنه في ~~قوله: (واختار موسى قومه سبعين رجلا ليقاتنا)(3)، وإذا لم يكن أحد من الكفار حاضرا ~~في تلك الحال بطل أن يكون السؤال لهم. # ا- سورة البقرة: آية55. # 2- سورة الأعراف: آية 138. # 3- سورة الأعراف: آية155. PageV00P313 # ============================================================ ~~التمهيد شرح معالمر العدل والتوحيل ~~الجواب الثالث وهو جواب أبي الحسين والخوارزمي، أنا نسلم أنه سأل الرؤية لنفسه ~~على وجهين: ~~أحدهما أن يكون سؤاله عليه الصلاة والسلام مع علمه باستحالة الرؤية على الله تعالى، ~~ويكون لسؤاله فائدتان: إحداهما أن يضم الأدلة السمعية إلى الأدلة العقلية؛ لأن في كثرة ~~الأدلة وتناصرها تقوية وبيانا إذا كانت من جنس واحد، فكيف بها إذا كانت من جنسين ~~عقلي وسمعي، وهذا أكثر الله من الأدلة على وجوده. # الفائدة الثانية أن مثل هذا قد وقع من إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث سأل الله تعالى ~~بقوله: (أرني كيف ثحيي المؤتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمين قلبي)(1)، وكما وقع ~~مثل ذلك من الملائكة حيث قالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)(2)، مع أنهم ~~عالمون بدليل العقل استحالة ذلك على الله تعالى، أما على مذهبكم فلأنه لا يقبح من الله ~~تعالى قبيح، وأما على مذهبنا فإنهم عالمون بحكمة الله تعالى وأنه لا يفعل القبيح، ومع ذلك ~~فقد سألوا، وبالجملة قدوقع ذلك منهم، فما كان الفائدة في سؤالهم، فالعذر لهم فيه ها هنا ~~فهو بعينه قائم في سؤال موسى عليه الصلاة والسلام للرؤية. # الوجه الثاني أن يكون سؤاله للرؤية عليه الصلاة والسلام مع عدم علمه باستحالتها ~~على الله تعالى، ويكون فائدة سؤاله أن يحصل له العلم باستحالة الرؤية على الله تعالى ~~بالسمع، وهذا جائز، آما على مذهبنا فهو آن المعارف وإن كانت كلها عقلية فعدم علمه ~~باستحالة الرؤية على الله لا يكون جهلا بالله، إذ ليس للمرثي بكونه مرثيا حال، فيقال إنه ~~قد جهله. وأما على مذهبكم فالمعارف كلها إنما وجبت بالشرع، ms248 فلعل في شريعة موسى أن ~~1- سورة البقرة: آية 260. # 2- سورة البقرة: آية 30. PageV00P314 # ============================================================ ~~النمهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~العلم باستحالة الرؤية غير واجب، ثم ولو كانت واجبة فلعل موسى عصى بتركها، ~~ومذهبكم تجويز المعاصي على الأنبياء، ويؤكد عصيانه أمران: ~~أما أولا فلأنه تاب، والتوبة لا تكون إلا عن معصية. # و أما ثانيا فلأنه سأل الرؤية في الدنيا، وليس لأحد عندكم أن يراه في الدنيا، فقد عصى ~~موسى بسؤاله. # لا يقال: إن أبا الحسين يدعي العلم الضروري بأن المرئي يجب أن يكون مقابلا للرائي أو ~~في حكم المقابل له، والعلم الضروري أيضا حاصل بأن ما كان مقابلا أو في حكمه فهو ~~ختص بالجهة، إما متحيز أو عرض، فهذان العلمان الضروريان إما أن يكونا حاصلين ~~لموسى عليه الصلاة والسلام أو لا يكونا حاصلين، فإن كانا حاصلين لزم من صحة سؤاله ~~الرؤية اعتقاده لكونه تعالى جسما متحيزا أو عرضا، وذلك مما لا يجوز باتفاق على الأنبياء؛ ~~لأن تجويز ذلك يمنع من العلم بحكمته تعالى عندكم، وإن لم يحصل لموسى هذان العلمان ~~الضروريان كان ذلك قدحا في كونه عليه الصلاة والسلام عاقلا، وهذا لا يقوله عاقل ~~فضلا عن المسلمين؛ لأنا نقول: ذكر الخوارزمي كلاما حاصله أن المرئي يجب أن يكون ~~مقابلا أو في حكم المقابل إنما يحصل بالخبرة والاستقراء في الشاهد، ثم يعلم ذلك في الغائب ~~بطريق النظر، فلا يبعد أن يطلب موسى دليلا سمعيا ليعلم بنظره فيه وتأمله له أن الله تعالى ~~غير مرئي، قوله: العلم بأن المرئي يجب أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل إما أن يكون ~~حاصلا لموسى عليه الصلاة والسلام أم لا، قلنا: أما في الشاهد فهو حاصل بعد الخبرة ~~والاستقراء، وأما في الغائب فليس بحاصل، وإنما يحصل بعد حصول سمع الدليل ~~السمعي، والنظر فيه. قوله: لو لم يكن حاصلا لزم أن يكون موسى غير عاقل. قلنا: إنما ~~ال يلزم أن يكون غير عاقل لو لم يحصل هذا العلم بعد الخبرة والاستقراء في الشاهد، فأما إذا ~~كان حاصلا فلا، فأما في ms249 الغائب فإنما يعلم بنظر وتأمل، فلا يكون معدودا في كمال العقل. PageV00P315 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~فأما العلم بأن ما كان مقابلا أو في حكم المقابل فهو متحيز أو عرض فهو ضروري، حاصل ~~لكل أحد. # فهذا منتهى كلام الخوارزمي فيما أورد إشكالا على جواب أبي الحسين مع زيادة بيان منا ~~له، فأما سؤال الصاحبة والولد فتنزيل جوابه على حد اختلافهم في الأجوبة عن سؤال ~~الرؤية. # أما الشيخان أبو الهذيل وأبو القاسم فيقولان: إنما لم يسأل الصاحبة والولد؛ لأن ~~الغرض من سؤال موسى عليه الصلاة والسلام على قوهما إنما هو طلب آية يعلم بها ربه ~~علما ضروريا، ولا يتمشى هذا ولا يكون معقولا في سؤال الصاحبة والولد. # وأما الشيخان أبر علي وأبو هاشم فإنما لم يسأل الصاحبة والولد على قوهما إن سؤال ~~الرؤية كان لقومه فلأمرين: ~~أما أولا فلأنهم ما سألوه أن يسأل عن الصاحبة والولد، فيكون سائلا لهما. # وأما ثانيا فلأنه إنما سأل لهم ما يمكن آن يعلم استحالته بالسمع، ليرد منه دليل سمعي ~~على استحالته كالرؤية. فأما استحالة الصاحبة والولد فلا يمكن أن يعلم استحالتهما ~~بالسمع، فلهذا لم يسأل الصاحبة والولد. # وأما الشيخ أبو الحسين فإنما لم يسأل الصاحبة والولد على قوله: إن سؤال الرؤية كان ~~لنفسه سواء فرضنا كونه عالما باستحالة الرؤية عليه أم لا؛ فلأنه إنما طلب دليلا سمعيا على ~~استحالة الرؤية ليعلم بنظره فيه استحالتها عليه، فأما الصاحبة والولد فلا يمكن أن يعلم ~~استحالتهما بالسمع. # فهذه خلاصة كلام المعتزلة في جواب هذه الشبهة، والمختار في سؤال موسى أمران: PageV00P316 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~أحدهما أنه عليه الصلاة والسلام يجب أن يكون عالما باستحالة الرؤية على الله تعالى ~~خلافا لما ذكره أبو الحسين في أحد وجهيه من أنه يجوز أن يكون غير عالم باستحالة الرؤية ~~على الله تعالى، ويدل عليه أمران: ~~أما أولا فلأن الأنبياء عليهم السلام يجب أن يكونوا أعرف الخلق بذات الله تعالى ~~اال و صفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز، فكيف يخفى على ms250 موسى حال العلم باستحالة الرؤية ~~على الله تعالى مع ما في تجويزها من إيهام الجسمية والعرضية والحصول في الجهة، والله يتعالى ~~عن ذلك كله. # وأما ثانيا فلأنه عليه الصلاة والسلام لما جوزوا الرؤية وطلبوها بقولهم: أرنا الله جهرة. # قالوا: (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا)(1). فأنكر ذلك عليهم وعده سفها وضلالا، فكيف ~~جوز آن ينكره عليهم ويكون حاصلا على مثله. # وثانيهما أن سؤاله للرؤية ما كان عن نفسه وإنما كان عن قومه، ويدل عليه أمران: ~~أما أولا فلأنه عليه الصلاة والسلام لما فهم منهم طلب الرؤية أنكر عليهم غاية الإنكار ~~وألقمهم الحجر في امتناعها وأعلمهم بما اقترحوا من الخطأ، كما اقترحوه في قوهم: (اجعل ~~لنا إلما كما لهم آلهة)(2). فأبوا إلا التمادي في جهلهم ولجاجهم بقولهم: أرنا الله جهرة. # وبقولهم: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. وكانوا حين كلم الله موسى يسمعون كلامه، ~~فلما سمعوا كلام الله تعالى أرادوا عملا على رآي فاسد أن يرى موسى ربه، فيرونه معه، ~~فقال موسى سائلا لهم ليرد منه تعالى ما يقطع لجاجهم ويحسم شغبهم: رب آرني آنظر ~~إليك. # - سورة الأعراف: آية 155. # 2- سورة الأعراف: آية 138. PageV00P317 # ============================================================ ~~النسهي شح معالمر العدل والنوحيل ~~وأما ثانيا فلأن مثل هذا السؤال لا يليق بمن أيد بالعصمة، وطهر عن نسبة ما لا يليق ~~بجلال الربوبية، وإنما يحق أن يكون سؤالا لقومه لفرط جهلهم وإعراضهم عن قبول قوله، ~~فأما إضافة السؤال إلى نفسه في قوله: رب أرني أنظر إليك، ففيه مقصد عظيم، وهو أنه إذا ~~منع من الرؤية مع الزلفة العظيمة عند الله وقرب المنزلة فغيره بالمنع أولى، فلو كان سؤال ~~الرؤية لنفسه لأورده الله تعالى على سبيل الزجر والملامة، ولكان مستحقا للتوبيخ والإنكار، ~~كما حكى الله عن قومه في قوله: فقذ سألوا موسى أكبر من ذلك. فأما صعقته وتوبته فما ~~كانتا إلا من أجل استعظام طلب الرؤية وفخامة شأنها لما ظهر من آثارها من الأمور الهائلة ~~كدك الجبل وحصول الصاعقة، كأن الله عز سلطانه حقق أن طلب الرؤية مع استحالتها ms251 ~~يشبه إضافة الولد إليه، في قوله: (تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأزض وتخر الجبال ~~هذا(90) أن دعؤا للرحمن ولدا)(1)، ولو كان للمجبرة دربة وفطانة وعلم بأحوال الأنبياء ~~لعلموا أن قوله عليه الصلاة والسلام: رب أرني أنظر إليك. لما فيه من إيهام الجسمية أو ~~العرضية ما كان إلا سؤالا لقومه وترجمة عن مقترحاتهم وحكاية عن جهلهم. # لا يقال: هذا الاختيار يضعف لوجهين: ~~أما أولا فلأنه خلاف الظاهر، فلا يكون مقبولا، لأن الظاهر إضافة الرؤية إلى نفسه في ~~قوله رب أرني، وأضافها الله إليه في جوابه بقوله: لن تراني ~~وأما ثانيا فإذا كان يعلم أن الرؤية مستحيلة على الله تعالى فلم لم يمنع قومه عن سؤالها، ~~ال ويرد عليهم جهلهم ولا يقرهم عليه لما فيه من الخطاب لأنا نقول: أما كونه عدولا عن ~~الظاهر فلا ننكره، ولكن إنما عدلنا عن الظاهر لأن أدلة العقل لا يمكن حملها على غير ~~مدلولها، والظواهر يمكن حملها على غير ظاهرها، فكان التصرف في المحتمل أولى من غير ~~- سورة مريم: آية90 - 91. PageV00P318 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~المحتمل، وأما أنه لم لم يمنعهم عن سؤال الرؤية؟ فلأنه قد بالغ في نهيهم وتعريفهم ~~بجهلهم، فأبوا إلا الإصرار على الجهل، فأراد قطع شغبهم وحسم مادتهم بما يرد من الله ~~تعالى من المنع عن رؤيته. # الشبهة الثانية وهو التوجيه الثاني من سؤال الرؤية لهم، قوله تعالى: (فإن اشتقر مكانه ~~فسوف تراني)(1) قالوا: علق رؤيته باستقرار الجبل، فاستقرار الجبل ممكن، وما علق على ~~الممكن فهو ممكن، فالرؤية ممكنة. وإنما قلنا إنه علق رؤيته على استقرار الجبل فهو ظاهر في ~~الآية فإنه علقها بصيغة الشرط بقوله: فإن استقر مكانه فسوف تراني. وإنما قلنا إنه ممكن؛ ~~فلأنه لا مانع من استقرار الجبل، ولا إحالة فيه. وأما أن ما علق على الممكن فهو ممكن فهو ~~ضروري لا إشكال فيه، فثبت أن رؤيته تعالى ممكنة. # والجواب من وجهين: ~~الأول أنا لا نسلم أنه علق الرؤية بأمر ممكن، قوله استقرار الجبل مكن، قلنا: إنه وإن ~~كان ممكنا ms252 بالإضافة إلى ذاته لكنه مستحيل بالإضافة إلى أمور أخر، ولا فرق في استحالة ~~وقوع الشيء وحصوله بين أن يكون مستحيلا لذاته وبين أن يكون مستحيلا لأمور أخر ~~وراء ذاته، وهذا فإنه لا فرق في عدم الوقوع بين استحالة حدوث ذات القديم سبحانه وبين ~~استحالة وقوع القبيح من جهته، وإن كان استحالة حدوثه لذاته واستحالة وقوع القبيح منه ~~لداعيته، واستحالة الاستقرار إنما هو لأمور ثلاثة: ~~أما أولا فلأن عندكم أنه تعالى أراد في ذلك الوقت ألا يستقر الجبل، وما أراد الله ألا ~~يحصل كان حصوله محالا عندكم، فإذن حصول الاستقرار في ذلك الوقت محال. # ا- سورة الأعراف: آية 143. PageV00P319 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~وأما ثانيا فهو أنه علق الرؤية باستقرار الجبل حال تحركه، وحصول الاستقرار حال ~~الحركة محال: ~~وأما ثالثا فهو أن قوله فإن استقر مكانه فسوف تراني معناه فإن استقر حال التجلي؛ ~~لأمرين: ~~أما أولا فلأن أحدنا لو قال لحاجب الخليفة: أرني الخليفة. فقال الحاجب: لن تراه ولكن ~~انظر إلى زيد فإن استقر قدماه فسوف تراه. فلما تجلى الخليفة لم يستقر قدما زيد علمنا أنه ~~أراد فإن استقر قدماه حال التجلي: ~~وأما ثانيا فلولا أن الغرض بقوله فإن استقر مكانه فسوف تراني حالة التجلي لكان لا ~~معنى لقوله فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاب لأن ذكره ليس إلا ليزيد أن استقرار الجبل حالة ~~التجلي محال لا يمكن، فثبت أن حصول الرؤية معلق على أمر مستحيل، فيجب أن يكون ~~محيلا. # الوجه الثاني سلمنا أن الرؤية معلقة على أمر ممكن، فلم قلتم إنها لا بد أن تكون ممكنة ؟ # بيانه أن المعلق على ما لا يوجد وهو مما يصح وجوده يفيد أمرين: أحدهما استحالة ~~صول المعلق عند عدم الشرط. والثانى صحة حصوله عند حصول الشرط. والمطلوب ~~المعلق بالشرط ها هنا ليس إلا وقوع الرؤية وحصولها، ولا شك عند حصوله أن موسى ~~عليه الصلاة والسلام لما سأل الرؤية بقوله: رب أرني أنظر إليك. وأجابه الله تعالى بقوله: ~~لان تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر ms253 مكانه فسوف تراني. فعلق الرؤية بأمر غير ~~حاصل، فكان تعليقه للرؤية على ما لم يوجد لبيان نفي وجودها جوابا مطابقا. PageV00P320 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~فأما أن الغرض بيان كون الرؤية ممكنة أو غير ممكنة فهو أمر غير مطلوب ولا مقصود، ~~فلو كان الغرض من التعليق بيان صحة الرؤية واستحالتها لم يكن الجواب مطابقا، فثبت أن ~~الغرض بيان نفي وجودها لانتفاء شرطها، وهو المطلوب. # الشبهة الثالثة وهو التوجيه الثالث من سؤال الرؤية، قوله تعالى: فلما تجلى ربه للجبل ~~جعله دكا. والتجلي هو الظهور والتكشف، وإذا جاز أن يتجلى للجبل جاز أن يتجلى لغيره. # والجواب أن التجلي لا يخلو إما أن يكون المراد به التجلي بذاته أو بآياته، والأول باطل؛ ~~لأن التجلي في اللسان يراد به وجهان: ~~أحدهما الظهور والتكشف كما يقال: تجلى الهلال للناظرين. أي ظهر. # والثاني يراد به مقابلة الشيء كما يقال: تجلى لي فلان فنظرت إليه، وتجلى البارئ للعبد إذا ~~رفع رأسه فقابله ونظر إليه. ولا يمكن حمل التجلي في الآية على هذين الوجهين ~~لاستحالتهما على الله تعالى؛ لأنهما لا يجوزان إلا على الأجسام، وهو تابع لها، فبطل حمل الآية ~~عليهما، وإن كان الغرض التجلي بآياته فلا شك أن تجلي الله بآياته هو ظهور آياته، والآية ~~الظاهرة التي كان الله بها متجليا هو تقطيعه للجبل، فحينئذ يصير معنى الآية: فلما تجلى الله ~~بآياته للجبل جعله دكا. وهذا لا يفيد معنى الرؤية في حال، فبطل ما توهموه من الآية(1). # الشبهة الرابعة تمسكهم بقوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)(2) قالوا: ~~ل ووجه الاستدلال بهذه الآية أن النظر وإن جاء في اللغة لمعان عدة إلا أن الأمة مجمعة على أن ~~المراد به في هذه الآية أحد أمور ثلاثة: ~~حهنا انتهى الجزء المصور والموجود من المخطوط في دار الكتب المصرية والذي يقع في 112 لوحة. # 2- سورة القيامة: آية 23-22. PageV00P321 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~اما الرؤية أو الانتظار أو تقليب الحدقة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته. فإذا أبطلنا ~~القسمين الآخرين ms254 ثبت أن المراد به الرؤية، وإنما قلنا: إن الأمة مجمعة على أن المراد بالنظر ها ~~هنا أحد هذه الأمور الثلاثة، فلأن من أثبت الرؤية حمل النظرها هنا عليها، ومن نفاها فإنه ~~يحمل النظر على أحد وجهين: إما على تقليب الحدقة نحو المرني، ونقول: لما استحال ~~التقليب في حق الله تعالى جاز إضمار ما يصح ذلك فيه، فيكون المراد ناظرة إلى ثواب ربها. # ال واما أن يحمل النظر على الانتظار، وليس أحد من الأمة قال في الآية قولا وراء هذه الأمور ~~الثلاثة، وإنما قلنا إنه لا يمكن حمله على الانتظار؛ فلأن لفظ النظر المقرون بحرف إلى متعلقا ~~بالوجه ما جاء في اللغة بمعنى الانتظار. وإنما قلنا إنه لا يمكن حمله على تقليب الحدقة؛ لأن ~~ذلك يتضمن كون المنظور إليه في الجهة والمنظور إليه ها هنا هو الله تعالى، وليس حاصلا في ~~جهة، فإذا بطل هذان القسمان ثبت أن المراد بالنظر في الآية الرؤية. # والجواب عن هذه الشبهة من أوجه ثلاثة: ~~الأول أن النظر وإن كان يقع على معان عدة فلا نسلم أنه يفيد الرؤية بل إنما يوضع ~~لتقليب الحدقة نحو المرئي أو لمقابلة الحدقة للمرثي، وليس بنفس الرؤية، وإنما هو مقدمة ~~الرؤية، ينزل منزلة الإصغاء من السمع، ويدل على ما قلناه أمور عشرة: ~~أما أولا فقوله تعالى في قصة الأصنام: (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون)(1) ~~أثبت النظر حال عدم الإبصار، والمنفي غير المثبت، فالنظر غير الإبصار. لا يقال: النظر ها ~~هنا مجاز؛ لوروده في حق الأصنام. لأنا نقول: المجاز كالحقيقة في عدم المناقضة. # وأما ثانيا فلأنهم يقولون: نظرت إلى الهلال فلم أره. فأثبت النظر مع عدم الرؤية، وهذا ~~يدل على تغايرهما. # 1- سورة الأعراف: آية 198. PageV00P322 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~و أما ثالثا فلو كان النظر بمعنى الرؤية لوجب أن يقال رأيت إليه كما يقال نظرت إليه. # وأما رابعا فإنا نرى كون الجماعة ناظرين إلى الهلال ولا نرى كونهم رائين له، وهذا يدل ~~على التباين والمغايرة. # وأما خامسا فلأنهم يقولون ما ms255 زلت أنظر إلى زيد حتى رأيته، فيجعلون الرؤية غاية ~~للنظر، وغاية الشيء غير الشيء: ~~وأما سادسا فلأن قولهم نظرت إلى زيد يفيد أن نظره انتهى إليه؛ لأن حرف إلى لانتهاء ~~الغاية، فجرى مجرى قولهم أشرت إليه وأومأت إليه، وذلك يفيد الحركة إلى الشيء على وجه ~~يتهي إليه دون غيره فكان النظر عبارة عن تحريك العين في مقابلة المرثي، وهذا ليس ~~حاصلا في الرؤية. # وأما سابعا فلأن الله تعالى يوصف بأنه راء ويرى، ولا يوصف بأنه ناظر وينظر، ~~فأحدهما غير الآخر. # وأما ثامنا فلأنهم يقسمون النظر أقساما كثيرة فيقولون: فلان ينظر إلي نظر راض ونظر ~~غضبان ونظر متحيز. قال النابغة: ~~تظرت إلي لجاجة لم تقضها نظر المريض إلى وخجوه العود(1) ~~ا- البيت من بحر الكامل، وقد عاب الأصمعي بين يدي الرشيد قول النابغة: ~~نظرت إليك بحاجة لم تقضها نظر المريض إلى وجوه العود. # فقال: يكره تشبيه المحبوب بالمريض. انظر ابن حجة الحموي: خزانة الأدب 498/1. PageV00P323 # ============================================================ ~~النهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وقال الكميت: ~~وشمث ينظ رون إلى بلا كمانظر الظما حيا الفمام(1) ~~ال ومعلوم أن رؤية هؤلاء واحدة؛ لأنهم يرون الشيء على ما هو عليه، ويستحيل وقوع ~~التفاوت في نفس الرؤية، وإنما المراد من قوهم فلان ينظر إلي نظر راض ونظر شزر وصف ~~عينيه بما يكون عليه الباغض من الانحراف والازورار ~~لا يقال: أليس أنهم يقولون فلان يرى بعين الرضا وبعين الغضب وبعين الذل، فإذا جاز ~~ذلك في الرؤية جاز في النظر أيضا. لأنا نقول: إنهم ما قسموا الرؤية وإنما أضافوها تارة إلى ~~عين الرضا تارة إلى عين الغضب. # وأما تاسعا فلأنهم يصفون النظر بما لا يمكن أن توصف به الرؤية، وهذا يصفون النظر ~~بالشدة والصلابة، أنشد ابن قتيبة: ~~يتقارضون إذا التقوا في موطن نظرا يزيل مواقع الأقدام (2) ~~قال ابن قتيبة: يكاد يزيلها من شدته وصلابته؛ لأنه لا يقال: يكاد هذا النظر يزيل ~~الأقدام إلا لشدة ذلك، والمعنى بتلك الشدة الاعتماد على الحدقة في تحريكها وتقليبها، ~~فعرفنا أن النظر هو التقليب لا الرؤية. ms256 # وأما عاشرا فما أنشده أبو علي الفارسي (5): ~~فيا مي هل يخزى بكاني بويله ~~مرارا وأنفاسي عليك الزوافر ~~- البيت من بحر الوافر. # 2- البيت من بحر الكامل: ~~3- البيتان من بحر الطويل، وهما لذي الرمة. PageV00P324 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~فطلب منها الجزاء على كونه ناظرا، ولو كان النظر هو رؤيته لها لكان قد طلب الجزاء ~~على منفعته ولذته وحصول غرضه. # فهذه الأمور العشرة كلها دالة على أن لفظة النظر غير محتملة للرؤية ولا تفيدها في حالة ~~من حالات إطلاقها. لا يقال: لم لا يجوز أن تكون لفظة النظر مقولة بالاشتراك بين الرؤية ~~وتقليب الحدقة والمقابلة لأنا نقول: هذا باطل لوجوه أربعة: ~~أما أولا فلأنها لو كانت لفظة النظر مشتركة بين الرؤية والمقابلة والتقليب لكانت حقيقة ~~في الرؤية ومفيدة لمعناها، وقد بينا فيما سلف أن النظر لا يفيد الرؤية أصلا. # وأما ثانيا فهو أن الاشتراك على خلاف الأصل، والأصل أن الألفاظ موضوعة على ~~معانيها المفردة من غير اشتراك فمن ادعى كون اللفظة موضوعة بالحقيقة لحقيقتين ~~مختلفتين أو أكثر كان مدعيا لخلاف الأصل، فعليه الدلالة. # وأما ثالثا فلأنهم قالوا: فلان ينظر إلي نظر راض ونظر غضبان ونظر شزر، فأطلقوا هذا ~~التقسيم في النظر، فلو كان لفظ النظر واقعا على الرؤية حقيقة تارة وعلى التقليب والمقابلة ~~أخرى لكان المنقسم إلى هذه الأقسام بعض ما نطلق عليه اسم النظر لا كل ما يسمي ~~بالنظر، فكان يلزم ألا نعلم أن المراد تقليب الحدقة دون الرؤية إلا بالقرينة؛ لأن هذا من ~~حق مايكون مشتركا، أعني أنه لا بد فيه من القصد بالقرينة، فلما لم يفصلوا علمنا أن لفظ ~~النظر لا يفيد الرؤية بحال. # ال و أما رابعا فهو أن أحدا من الأمة لم يقل بأن لفظة النظر مشتركة بين الرؤية والتقليب ~~والمقابلة؛ لأن المثبتين للرؤية حملوها على الرؤية، والمنكرون للرؤية حملوها على التقليب PageV00P325 ~~============================================================ ~~النهيل شح معالمر العدل والنوحيل ~~والمقابلة، فحملها عليهما يكون خرقا للاجماع، وإنه غير جائز، فثبت بمجموع ما ذكرنا أن ~~النظر لا يفيد الرؤية. # الوجه الثاني ms257 أنا قد بينا أن النظر لا يفيد الرؤية بحال، فإذا كان كذلك فلم قلتم إنه لا ~~يجوز أن يكون المراد بالنظر في الآية الانتظار، قالوا: النظر بمعنى الرؤية يمكن إسناده إلى ~~الله، والنظر بمعنى الانتظار لا يمكن إسناده إليه. قلنا: لم لا يضمر فيه الثواب حتى يكون ~~النظر معدى إليه، وهذا وإن كان على خلاف الأصل لكنه يجب المصير إليه، ويدل عليه ~~أمران: ~~الأول أن الله تعالى قابل بين أول الآية وبين آخرها، فلو كان المراد في أول الآية الرؤية ~~لنفاها في آخرها، ولكان يقول في آخرها: ووجوه يومئذ باسرة غير ناظرة إلى ربها. ليشاكل ~~القسمان، فلما لم يقل ذلك، بل قال: (تظن أن يفعل بها فاقرة) (1). فأوجب للكفار خوف ~~العقاب وتوقع حصوله دون المنع من الرؤية، فوجب أن يكون الذي أوجبه للمؤمن هو ~~انتظار الثواب وتوقع حصوله ليناسب آخر الكلام أوله، ويتسق نمط الآية، ويصير ~~معناها: وجوه يومثذ ناضرة أي ناعمة لثواب ربها منتظرة، ووجوه يومثذ باسرة أي كالحة ~~في مقابلة قوله ناضرة، تظن أن يفعل بها فاقرة أي تخاف حصول العقاب وتتوقع هجومه، ~~ال وهي في مقابلة قوله منتظرة لثواب ربها. # الثاني إن كثيرا من الصحابة والتابعين فسروا الآية بذلك، روي عن أمير المؤمنين عليه ~~السلام في معنى قوله تعالى: وجوه يومثذ ناضرة إلى ربها ناظرة. ينظرون إلى الله في الآخرة ~~كما ينظرون إليه في الدنيا. أي ينتظرون ما يأتيهم من نعم وإحسان. # 1 - سورة القيامة: آية25. PageV00P326 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وعن ابن عباس أنه سثل عنها فقال: أهل الجنة ينتظرون رحمة الله تعالى وكرامته، وتلا ~~قوله تعالى: لا تذركه الأبصار. # وعن مجاهد في معنى قوله: ناضرة إلى ربها ناظرة. أي حسنة مستبشرة تنتظر الثواب من ~~رها. # ال وعن ابن المسيب: تنتظر الثواب من ربها. # ل وعن أبي صالح: أنها تنتظر الثواب من ربها. فثبت أن المفسرون فسروا الآية بذلك، ولم ~~ينكر عليهم غيرهم، فكان إجماعا منهم، فوجب حملها عليها. # لا يقال: النظر المقرون بحرف التعدية وهو ms258 إلى لم يرد بمعنى الانتظار. # لأنا نقول: هذا باطل لأمرين: ~~الأول أنا لا نسلم أن إلى هي حرف تعدية، وإنما هي اسم، ولها معنيان: أحدهما أنه قد ~~جاء "إلى" و "ألى" واحد الآلاء اسم للنعم. ذكره الأزهري في تهذيبه ورواه أبو العباس ~~المبرد وابن الأعرابي وذكره ابن دريد في "الجمهرة" وابن السكيت في "المقصور والممدوده. # وأنشدوا للأعشى: ~~الج لايزهب افزال ولا يفطع رجما ولاينون إلا(ه) ~~وإذا كان كذلك كان معنى الآية وجوه يومثذ ناضرة نعمة ربها منتظرة. # - البيت من بحر المنسرح، PageV00P327 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنورحيل ~~وثانيهما أن إلى قد تجيء بمعنى عند، ذكره الأزهري في التهذيب، وذكر ابن السكيت أن ~~"إلى" بمعنى "عند" قد جاء، وأنشد قول أوس: ~~فهل لكما فيما إلي فإني بصيو بما أغيا النطاسي حذيما(1) ~~اي فهل لكما فيما عندي، فعلى هذا يكون معنى الآية وجوه يومئذ ناضرة ~~عندربها ناظرة. # الثاني هب أنا سلمنا أن إلى ليس باسم للنعم، وأنها ليست بمعنى عند، وإنما هي حرف ~~للتعدية، ولكن لا نسلم أن ذلك لا يجيء بمعنى الانتظار. # وبيانه بما يحكى عن ابن عباس، أنه قال: العرب تقول: إنما نظر إلى الله ثم إلى فلان. # ال وروي عن الخليل أنه قال: نظرت إلى فلان بمعنى انتظرته. # وقال الشاعر: ~~والبخر دونك حذتني نعتما(ل) ~~وإذا نظرث إليك من فلك ~~وقال آخر: ~~نظر الحجيج إلى طلوع هلال(3) ~~كل الخلايق ينظرون سجاله ~~ومعلوم أن الحجيج ينتظرون طلوع الهلال. # - البيت من بحر الطويل، والشاعر هو أوس بن حجر بن مالك التميمي أبو شريح شاعر تميم في الجاهلية. # والنطاسي تعني عالم بالأمور حاذق بالطب وغيره، وهو بالرومية النشطاس. لسان العرب مادة نطس: ~~2- البيت من بحر الكامل ~~3- البيت من بحر الكامل. PageV00P328 # ============================================================ ~~الهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~لا يقال: إنا لا ننازعكم في أن النظر المقرون بإلى يجيء بمعنى الانتظار، ولكن نقول: ~~النظر المقرون بإلى المعلق بالوجه لا يمكن أن يأتي بمعنى الانتظار. # لأنا نقول: هذا باطل بقول حسان: ~~إلى الرممن ياتي بالخلاص () ~~ووه يوم بدر ms259 ناظرات ~~ويقول الشاعر: ~~إلى الموت من وقع الشيوف نواظر(2ى) ~~ويوم بذي قار كان وخجوههم ~~وقال المغيث: ~~إلى ملك زان المعادن تاظرة(3) ~~وخجوه بها ليل الحجاز على النوى ~~فثبت بهذه الأشعار أن النظر المعدى ب"إلى" المعلق بالوجه قد يجيء بمعنى الانتظار، ~~فيجب حمل الآية عليه، وهو المطلوب. # الوجه الثالث سلمنا أن النظر في الآية ليس بمعنى الانتظار، فلم لا يجوز أن يكون ~~بمعنى تقليب الحدقة نحو المرئي. قوله: إنما يعقل إذا كان المنظور إليه في جهة، والله تعالى ~~ليس حاصلا في جهة. قلنا عن هذا جوابان: ~~الأول أنا نقول: لم لا يجوز أن يكون المعنى إلى ثواب ربها ناظرة، وهذا وإن كان على ~~خلاف الأصل إلا أنه يجب إضماره؛ لأن الصحابة والتابعين فسروا الآية بذلك. # - البيت من بحر الوافر. # 2- البيت من بحر الطويل. # 3- البيت من بحر الطويل. PageV00P329 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والترحيل ~~روي عن أمير المؤمنين أنه قال: إلى ثواب ربها ناظرة. وعن ابن عباس أنه قال: إلى ثواب ~~ربها ناظرة. وعن مجاهد وقتادة مثله، وعن النخعي أنه قال: حدثنا من سمع عليا يقول في ~~قوله تعالى: إلى ربها ناظرة، إذا جاز المؤمنون الصراط فتحت لهم أبوب الجنة، فينظرون إلى ~~ما أعد الله لهم من الثواب والكرامة وما يعطون من النعم. # وعن سعيد بن مسلم قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى: إلى ربها ناظرة، فقال: ~~ما يقول أهل العراق؟ قلت: يزعمون أنهم يرون الله قال: كذبوا، أليس الله تعالى قال: (لا ~~تدركه الأبصار). قلت: فما تقول في قوله: إلى ربها ناظرة، قال: إلى ثواب ربها ناظرة. # ثم إن الذين يحملون الآية على هذا التأويل لا بد لهم من أحد أمرين: إما حذف المضاف ~~واقامة المضاف إليه مقامه، كقوله: (واشأل القرية)(1). فيضمرون الثواب كما قررناه. وإما ~~أن يقولوا: إن "إلى" واحد الآلاء فلا يحتاجون إلى إضسماره. # لا يقال: كيف تقولون إن "إلى" قد يجيء اسما واحد الآلاء. والأكثرون من أئمة النحو ~~ذكروا في باب الحروف الجارة أن منها ما يجيء ms260 اسما، ومنها ما لا يجيء اسما، وأوردوا صيغة ~~"إلى" في قسم ما لا يجيء اسما، وهكذا عمله الزخشرى في مفصله، فإنه قال عند ذكره ~~الحروف الجارة: إن "إلى" مما يكون حرفا لا غير. وأنتم ها هنا قد جعلتموه تارة اسما بمعنى ~~واحد الآلاء وتارة حرفا للتعدية. # لأنا نقول: هذا خطأ وجهل بمقاصد النحاة؛ فإنهم إنما منعوا أن يأتي "إلى" اسما من غير ~~إعلال ولا إشكال أن "إلى" اسما لا يأتي إلا مع الإعلال؛ لأن الأصل فيه "إلي" بتحريك ~~الياء، فلما تحركت قلبت ألفا، مثل فتى، ولهذا فإن قولنا: من أمرا من مان يمين، وكذلك ~~قولنا: في أمرا من قولنا فاء يفيعه لما كانا لا يأتيان فعلين إلا مع الإعلال لم يعدهما النحاة فيما ~~1- سورة يوسف: آية 82. PageV00P330 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~يجيء حرفا وفعلا، لما لم يكونا كذلك إلا بالإعلال، ألا ترى أن الكاف ومذ ومنذ لما أتت ~~وهي على حالها من غير إعلال تارة اسما وتارة حرفا عدوها مما يجيء اسما وحرفا، فلما كانت ~~"إلى" لا تجيء اسما إلا مع الإعلال لم يعدوها فيما يجيء اسما وحرفا، فحصل من مجموع ~~كلامنا أن "إلى" يجب أن تكون اسما مع الإعلال، وإن لم يعدها النحاة في الحروف الجارة، ~~فيما يجيء اسما وحرفا؛ لأنهم إنما يعدونها اسما وحرفا إذا صارت اسما من غير إعلال، فأما ~~مع الإعلال فلا. # الجواب الثاني سلمنا أن النظر في الآية لا يمكن حمله على تقليب الحدقة إلا إذا كان ~~المنظور إليه في جهة، فلم قلتم إن الله تعالى ليس في جهة، ولا شك أن هذا هو الحق على ~~منهاج القائلين بالرؤية؛ لأن من قال بها لا يمكنه نفي الجهة عن الله تعالى؛ لأن الدلالة على ~~نفي الجهة ليس إلا أن يقال: لو كان تعالى حاصلا في الجهة لكان شاغلا لها، فكما أن المعقول ~~من الحصول في الجهة شغلها، فكذلك المعقول من الرؤية الأمر الذي لا يحصل إلا مع ~~المقابلة، فإن جاز لكم إثبات رؤية منزهة عن المقابلة ms261 جاز للقائلين بالجهة إثبات الحصول ~~فيها منزها عن الشغل لها من غير فرق. # لا يقال: الفرق بينهما ظاهر، فإنا إذا رأينا شيئا فإنا نعقل بالبديهة الفرق بين رؤيتنا له ~~وبين كوننا مقابلين له، فالرؤية هي بعض إدراك الشيء، والمقابلة شرطها، وفرق بين نفس ~~الشيء وبين شرطه، فإذا عقلنا الفرق بينهما يمكن قولنا بثبوت رؤية منفكة عن المقابلة قولا ~~متناقضا بخلاف ما إذا قلنا في الشيء إنه حاصل في الجهة وليس شاغلا لها، فإنه لا يعقل من ~~الحصول في الجهة إلا شغل تلك الجهة، فلو أثبتنا الحصول في الجهة مع نفي الشغل لها لكان ~~قد نفينا عين ما أثبتناه، وهو متناقض، فظهر الفرق. # لأنا نقول: إذا اقتنعتم بمجرد هذا الفرق كان للقائلين بالجهة أن يقولوا: لا شك أن ~~الحصول في الجهة أعم من الحصول في الجهة على سبيل الاستقلال كالأجسام أو على سبيل PageV00P331 ~~============================================================ ~~النهين شح معالمر العدل والتوحيل ~~التبعية كالأعراض، فإذا جاز أن يعقل حصول الرؤية مطلقا مع قطع النظر عن سائر قيوده ~~جاز أن يعقل الحصول في الجهة منفكا عن قيد الاستقلال أو التبعية. ومتى جوزتم الرؤية ~~مع قطع النظر عن قيد المقابلة فجوزوا الحصول في الجهة مع قطع النظر عن شغل الجهة، ~~فظهر بما ذكرنا أنهم إذا جوزوا الرؤية من غير كيفية لزمهم تجويز الحصول في الجهة من غير ~~كيفية من غير فرق بينهما. # واعلم أن التحقيق في هذه المسألة أن الخلاف فيها يقرب أن يكون لفظيا كما ذكره ~~المتأخرون من محققيهم. # فإن الغزالي ذكره في كتابه "الاقتصاد": إن الرؤية عبارة عن تجلي مخصوص لا ينكره ~~العقل، وهذا هو العلم بعينه، ونحن لا نأباه. # وذكر الرازي(1) في "النهاية" بعد تحريره للأدلة العقلية لهم وقال: إنها ليست بقوية. وقال ~~في آخرها: ويقرب أن يكون الخلاف في المسألة لفظيا. # فهذا ما أردنا ذكره في الرؤية، وإذ قد أتينا على المقصود من صفاته تعالى وما يجوز عليه ~~وما لا يجوز، فلنذكر الآن ما يجوز إجراؤه عليه من الأسماء وما لا يجوز. # ا- محمد ms262 بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، أبو عبد الله، فخر الدين الرازي (606ه(: الإمام المفسر، ~~أوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الأوائل. وهو قرشي النسب. أصله من طبرستان، ومولده في الري وإليها ~~نسبته، ويقال له (ابن خطيب الري) رحل إلى خوارزم وما وراء النهر وخراسان، وتوفي في هراة. أقبل الناس على ~~كتبه في حياته يتدارسونها. وكان يحسن الفارسية. وهو صاحب "نهاية العقول في الكلام في دراية الأصول" ~~وتفسير"مفاتيح الغيب)، و1 محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين1، و" الأربعون في ~~أصول الدين". الزركلي: الأعلام 313/6، كحالة: معجم المؤلفين 79/11. PageV00P332 # ============================================================ ~~السهيل شح معالمر العدل والنوحيل ~~القول في ما يجوز إطلاقه على الله من الأسماء وما لا يجوز ~~ويشتمل على تمهيد وفصول ثلاثة. # أما التمهيد فنذكر فيه الاسم والمسمى، وخلاف الناس فيهما، والمشهور عند المعتزلة أن ~~الاسم غير المسمى وأن الاسم هو التسمية. وعند الأشعرية الاسم هو المسمى، وقد أكثر ~~الناس الخوض في هذه المسألة وهي قريبة؛ لأن البحث عن كون الاسم هو المسمى أو نفس ~~التسمية أو غيرهما مسبوق بتصور ماهية الاسم والمسمى والتسمية، فإذا كانت هذه الأمور ~~المفردة متصورة أمكن الحكم على كل واحد منها بما يخصه. # فنقول: معنى الاسم هو اللفظ الدال على معنى مجردا عن الدلالة على زمان ذلك المعنى. # ال و معنى المسمى هو الشيء الذي وضع عليه ذلك الاسم. ومعنى التسمية هي نفس وضع ~~الاسم على المسمى ~~فإذا عرفت ذلك فاعلم أن الاسم قد يكون غير المسمى، وهو المطرد الشائع، وقد يكون ~~نفس المسمى وهو الأقل النادر، أما كونه غير المسمى فهو الأكثر، فإنا نعلم بالضرورة أن ~~لفظة الجدار مغايرة لحقيقة الجدار ولفظ السموات والأرض مغايرة لحقيقتهما، وهكذا ~~سائر الألفاظ مغايرة لأنفس الحقائق. وأما كونه نفسه فذلك يكون في صور متعددة وهي ~~لفظة الاسم والفعل والحرف، فإن لفظ الاسم اسم اللفظ الدال على المعنى المجرد عن ~~دلالة الزمان، ومن جملة تلك الألفاظ لفظة الاسم، فإنها لفظة دالة على معنى مجرد عن ~~الزمان، فإذن ms263 الاسم هو نفس المسمى في هذه الصورة وما أشبهها وله موضع آخر، فيكون ~~الاسم اسما لنفسه من حيث هو اسم. فهذه زبدة المسألة وتمهيدها. # وأما فصولها: PageV00P333 ~~============================================================ ~~النهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~فالفصل الأول في تقسيم أسماء الله تعالى وصفاته. # اعلم أن الصفات في حق الله وإن تعددت وكثرت فلا بد ها من اسم تجري عليه ~~وموصوف تستند إليه، وذلك الاسم هو قولنا: الله. فإن هذا الاسم هو أعظم أسمائه تعالى ~~لأمرين: ~~أما أولا فلأنه موضوع للدلالة على الذات الجامعة للأوصاف الإلهية مرشد إلى حقيقتها ~~وشامل لمعانيها، وسائر الأسماء لا تدل إلا على آحاد المعاني، كالقادر والعالم والحي. # وأما ثانيا فلمكان خصوصيته، إذ لا يجوز إطلاقه على غير الله، لا حقيقة ولا مجازا، ~~وسائر الأسماء قد يسمى بها غيره، كالقادر والرحيم والعالم، فلهذا قلنا: إنه أعظم أسماء الله ~~تعالى، وقد اختلف الناس فيه هل هو اسم عربي آو عجمي فزعم قوم أنه سريوني، وأكثر ~~العلماء على كونه عربيا، ثم اختلف القائلون بكونه عربيا هل يكون اسما أو صفة، واختار ~~الزمخشرى في تفسيره أنه اسم لوجهين: ~~أما أولا فلأن صفات الله تعالى لا بد لها من موصوف ترجع إليه؛ لأن ما عدا هذا اللفظ ~~فهي صفات لذاته تعالى. # وأما ثانيا فلأنه يوصف ولا يوصف به، وهذا أمارة كونه اسما، فنقول: إله واحد، ولا ~~نقول: شييء إله. # والقائلون بكونه صفة اختلفوا، هل هو موضوع أو مشتق، قال قائلون بأنه جامد ~~اال موضوع لا يعقل معناه ولا يفهم له اشتقاق، كما لا يفهم كنه حقيقته. وقال آخرون ~~بالاشتقاق، ثم اختلفوا في أصله المشتق منه، فمن قائل: إنه مشتق من لاه، إذا احتجب. # ومن قائل: إنه مشتق من لاه إذا ارتفع. وقال آخرون: لاه إذا تمنى. ومنهم من قال: أله إذا PageV00P334 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيد ~~فرغ، وصار صائرون إلى أنه مأخوذ من أله إذا ذهب عقله، وقال قوم: إنه مأخوذ من أله إذا ~~عبد. ومنهم من قال: من أله إذا شكر إليه، فكل هذه ms264 المعاني حاصلة في حق الله تعالى، وفيه ~~بحث يليق بكتب التفسير. # والمختار أنه في الأصل صفة؛ لأن معنى الإله المعبود، والمعبود صفة، لكنه بالتعارف ~~صار اسما جاريا مجرى العلم، وإن لم يكن علما محضا، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن الأسماء ~~الجارية على الله تعالى منقسمة إلى خمسة أنواع: ~~النوع الأول يرجع إلى نفس الذات، وهذا كقولنا الله والموجود والثابت والكائن ~~ال والشيء. ولا خلاف بين جمهور المسلمين في صحة إطلاق هذه الأسماء على الله تعالى إلا ~~شيئا يحكى عن بعض الملاحدة وجهم(1) والناشي(3) فإنهم اتفقوا على منع أن يكون الله ~~اال موصوفا بأنه شيء، وقالوا: لا يصح إطلاقه عليه. ثم اختلفوا بعد ذلك، فأما الملاحدة ~~فزعموا أنه تعالى لا يوصف بأنه موجود ولا معدوم ولا عالم ولا لا عالم وأما جهم فمنع ~~من آن يوصف الله بأنه موجود وقادر وعالم؛ لأن هذه من صفات الأجسام، وإنما يوصف ~~- جهم بن صفوان السمرقندي، أبو محرز، من موالي بني راسب (128ه(: رأس الجهمية، قال الذهبي: الضيال ~~المبدع، هلك في زمان صفار التابعين وقد زرع شرا عظيما. ومن عقائده أن الجنة والنار تفنيان، وأن الايمان هو ~~المعرفة فقط دون سائر الطاعات، وأنه لا فعل لأحد على الحقيقة إلا لله، والإنسان مجبر على أفعاله. وكان يقضي في ~~عسكر الحارث بن سريج، الخارج على أمراء خراسان. الزركلي: الأعلام 141/2، ابن حجر: لسان الميزان ~~.14212 ~~2عبد الله بن شرشير (303ه( عبد الله بن محمد الأنباري الناشي أبو العباس، متكلم شاعر منطقي عروضي ~~نحوي. أصله من الأنبار، أقام ببغداد مدة طويلة، ثم خرج إلى مصر وأقام بها إلى أن توفي له تصانيف وأشعار ~~كثيرة في جوارح الصيد وآلاته وما يتعلق بها، وله قصيدة علي روي واحد وقافية واحدة في أربعة آلاف بيت، ويعد ~~من طبقة ابن الرومي والبحتري. ومن أقواله : إن الإنسان لا يفعل في الحقيقة ولا يحدث في الحقيقة، وكان لا يقول ~~ان البارى يحدث كسب الإنسان. قلزمه محدث لا لمحدث في الحقيقة ومفعول لا لفاعل في ms265 الحفيقة، وذلك خلافا ~~لآراء المعتزلة. الزركلي: الأعلام 6/ 120، كحالة: معجم المؤلفين 111/6. PageV00P335 # ============================================================ ~~الشهيد شرح معالمر العدل والنوحيل ~~بأنه موجد ومقدر ومعلم. وأما الناشي فزعم أن الله يوصف بأنه موجود وقادر وعالم، وأما ~~غيره فلا يوصف بذلك، وإنما يوصف بأنه موجد ومقدر ومعلم ~~وهذا كله خطأ. فإن هذه الصفات معناها حاصل في حق الله تعالى، وليس في إطلاقها ~~ايهام خطأ، فلا مانع من إجرائها على الله تعالى. # النوع الثاني ما يرجع إلى صفات حقيقية كالقادر والعالم والحي والسميع والبصير عند ~~القاثلين بإثبات الصفات، فأما نفاة الأحوال فإنهم وإن قالوا بنفي الصفات فإنهم يقولون ~~إن هذه الأسماء تطلق على ذاته باعتبار أمور معقولة، فيصفون ذاته بكونها قادرة على معنى ~~أنه لا يستحيل عليها الفعل عند داعيته، ويصفونها بكونها حية بمعنى آنها ذات لا يستحيل ~~عليها القدرة والعلم، وهكذا القول في سائرها. # النوع الثالث ما يرجع إلى صفات سلبية، كالقدوس والسلام والغني والأحد، فإن ~~السلام هو السالم عن كل العيوب والبريء عنها، والقدوس هو المسلوب عن جميع ما يخطر ~~بالبال ويدخل في الوهم، والغني هو الذي لا يحتاج، والأحد هو المسلوب عن النظير ~~والتعدد والانقسام. # النوع الرابع ما يرجع إلى أمور إضافية كقولنا ذو الطول وذو المعارج وذو القوة وكقولنا ~~غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب وغير ذلك من الصفات الإضافية. # النوع الخامس ما يرجع إلى الصفات الفعلية، كقولنا الخالق البارئ المصور القابض ~~الباسط الرزاق الوهاب. # فهذه الأنواع الخمسة شاملة لجميع أسمائه تعالى وصفاته على تعددها واختلاف عباراتها. PageV00P336 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الفصل الثاني في كيفية إجراء الأسماء والصفات على الله تعالى، هل تفتقر إلى التوقيف أم ~~وقد اختلف العلماء في كيفية إجرائها عليه، فقال قائلون بصحة إطلاق الأسماء ~~والصفات عليه مطلقا إذا كان مفيدا للمدح ولم يمنع منه مانع شرعي، إما استحالته عليه ~~واما إيهامه الخطا في حقه. وقال آخرون: إن صحة إطلاقها مفتقر إلى التوقيف، فلا يجوز ~~اطلاق صفة ولا اسم على الله تعالى وإن صح معناهما في حقه إلا بتوقيف ms266 وإذن. وصار ~~صاثرون إلى الفرق بين الاسم والصفة، فأما الاسم فمنعوا من إطلاقه إلا بتوقيف وإذن، ~~وأما الصفة فقالوا: إذا كان معناها حاصلا في حقه ولم يمنع مانع جاز إطلاقها عليه من غير ~~توقيف. # و المختار هو الأول إذا حصل فيه شرطان: أحدهما أن يكون ذلك مفيدا للمدح دالا ~~عليه. والثاني ألا يكون موهما لخطأ، فإذا حصل هذان الشرطان جاز إطلاقه عليه من غير ~~توقيف، سواء كان اسما أو صفة متضمنتين للحسن، ويدل عليه قوله تعالى: (ولله الأشماء ~~الحشنى فاذعوه بها)(1)، فظاهر الآية يقضي بأن كل اسم أو صفة متضمنتين للحسن فهما ~~وسيلتان إلى الله في الدعاء، وذلك مانريده. # الفصل الثالث في حصرها. # وفيه احتمالان: الأول منهما أنه يمكن أن تكون منحصرة، ويؤيد هذا الاحتمال ما رواه ~~ابو هريرة أنه قال عليه الصلاة والسلام: "إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل ~~ا- سورة الأعراف: آية 180. PageV00P337 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~الجنة"(1). فإن كانت غير منحصرة فلا معنى لتخصيصها بهذا العدد؛ لأن من له ألف درهم ~~لا يقال إن له تسعة وتسعين درهما؛ لأن الألف مشتمل على تسعة وتسعين، فلا فائدة في ~~تخصيصها بالذكر. # الاحتمال الثاني آنها غير منحصرة في عدد، ويؤيده ما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال ~~في دعائه: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو آنزلته في كتابك أو علمته أحدا ~~من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي". (3) إلى آخر ~~الدعاء، فقوله: أو استأثرت به في علم الغيب عندك. يدل على آن أسماءه غير منحصرة. # فإذا كان العقل لا يمكن القطع به على أحد الاحتمالين، وظواهر أدلة الشرع متعارضة، ~~فالأولى الوقف في كونها متحصرة بعدد أو غير منحصرة. # ل وبحث أسمائه تعالى من اللطائف والغرائب ما لا يتسع للإحاطة به والاحتواء على ~~أسراره القوى البشرية، ومقدار الغرض قد وفينا به، والحمد لله. # القول في إقامة البرهان على أنه لا إله إلا الله ~~أما القول بإثبات إهين كل ms267 واحد منهما على نعت الكمال بالقدرة والعلم والحياة فالمعتمد ~~في إبطاله طريقان: ~~1 أخرجه البخاري (كتاب التوحيد - باب إن لله ماثة اسم إلا واحدا) 118/9 حديث رقم 7481، مسلم ~~(كتاب الذكر والدعاء والتوبة - باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها) 1133/2 حديث رقم 2985. # 2- رواه الحاكم في مستدركه 690/1، حديث رقم 1877. والطبراني في المعجم الكبير 210/10، حديث رقم ~~10352. الالباني: السلسلة الصحيحة 383/1، حديث رقم 199. PageV00P338 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الطريقة الأولى عقلية، وهي المذكورة في كتاب الله تعالى إشارة إلى الممانعة بقوله تعالى: ~~رلو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)(1)، وتحريرها أن القول بالإلهين كل واحد منهما حاصل ~~على نعت الكمال بصفات الإلهية يفضي إلى المحال، وما أفضى إلى المحال فهو محال، فالقول ~~باهين محال. وإنما قلنا إن القول بإثبات إهين يفضي إلى المحال؛ فلأنا لو قدرنا إلهين قادرين ~~فإما أن لا يصح بينهما مخالفة أو يصح، والقسمان باطلان، فالقول بإهين باطل. # بيان فساد القسم الأول وهو القول باستحالة المخالفة بينهما فهو أنه إذا ثبت كونهما ~~قادرين على كل الممكنات وأن أحدهما لو انفرد لكان قادرا على الحركة والآخر لو انفرد ~~لكان قادرا على السكون لا محالة فعند اجتماعهما إما أن يبقى هاتان الصحتان أو لا يبقى ~~واحدة منهما أو يبقى أحدهما دون الأخرى، والأول هو المطلوب؛ لأن هاتين الصحتين إذا ~~كانتا باقيتين أمكن ببقائهما تحقق المخالفة والقول بصحتها، وفي ذلك ما نريده. والثاني ~~يقتضي ألا يكون كل واحد منهما قادرا، وذلك يمنع من وجود إله قادر، وهو باطل بما مر ~~من إثبات الصانع. والثالث أيضا باطل؛ لأن الذي زالت عنه الصحة لا يكون إلها، بل الإله ~~الذي يصح منه إيجاد مراده، فبطل القول باستحالة المخالفة بينهما. # بيان فساد القسم الثاني وهو القول بصحة المخالفة بينهما، فهو آن كل ما يصح ثبوته لا ~~يلزم من فرض ثبوته محال، والمخالفة يلزم من فرض ثبوتها محال؛ لأنا إذا قدرنا اختلافهما ~~وحاول أحدهما إيجاد الحركة وحاول الآخر إيجاد السكون فإما أن يحصل مطلوبهما جميعا ms268 أو ~~لا يحصل مطلوب واحد منهما أو يحصل مطلوب أحدهما دون الآخر، والأول ظاهر ~~الفساد؛ لأن فيه اجتماع الضدين وهو محال. والثاني باطل أيضا؛ لأنه إذا كان كل واحد منهما ~~قادرا على الفعل وتوفرت داعيته إلى إيجاده وجب وجوده لا محالة، فلو لم يوجد لم يكن قادرا ~~عليه؛ لأن هذا بعينه هو نفس الفرق بين القادر والعاجز، فإن القادر يتوقف فعله على ~~ا- سورة الأنبياء: آية 22. PageV00P339 # ============================================================ ~~النمهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~حسب داعيته إن شاء أوجده وإن شاء لم يوجده، بخلاف العاجز فإنه لا يتأتى منه الفعل ~~بحال، فلو لم يوجد الفعل عقيب داعية القادر لم يكن فرق بين القادر والعاجز، وهذا باطل ~~بالضرورة. والثالث باطل أيضا؛ لأنا إذا فرضنا كونهما قادرين على كل الممكنات وأن كل ما ~~قدر عليه أحدهما يقدر عليه الآخر، فيستحيل أن يختص أحدهما بأمر يصير مطلوبه راجحا ~~على مطلوب الآخر، وإذا استحال من كل واحد منهما ترجيح مطلوبه على الآخر لم يكن ~~وجود مطلوب أحدهما أولى من وجود مطلوب الآخر، وحينيذ يمتنع حصول مطلوب ~~أحدهما عند تعذر مطلوب الآخر، فثبت أن القول باهين يفضي إلى المحال، فيجب أن يكون ~~محالا. # واعلم أن المعتزلة ينهون دليل الممانعة إلى أنه يوجد مراد أحدهما دون الآخر، والذي لم ~~يوجد مراده منحصر المقدور، ومن انحصر مقدوره فهو قادر بالقدرة، والقادر بالقدرة ~~جسم، وصانع العالم لا يكون جسما كما قدمنا. والمختار ما قررنا من أن إثبات الثاني يفضي ~~إلى المحالات السابقة، ولا معنى لتخصيص بعضها دون بعض، فيكون القول به محالا، ~~وهو المطلوب. # وتمام تقرير دليل الممانعة بإيراد الأسئلة ودفعها وهي خمسة: ~~السؤال الأول أنا لا نسلم صحة وقوع المخالفة بينهما فما دليلكم على ذلك ؟ بين ما ~~ذكرنا أن المحال متوقف على وقوع الممانعة، فمهما لم تكن الممانعة صحيحة استحال وقوعها. # ال وجوابه أن صحة الممانعة متوقفة على قادرية كل واحد منهما؛ لأنا لا نعني بالممانعة إلا أن ~~أحدهما لو انفرد لكان قادرا على الحركة، والآخر لو انفرد لكان قادرا على ms269 السكون، فعند ~~اجتماعهما إما أن تبقى هاتان الصحتان أو لا تبقى واحدة منهما أو يبقى إحداهما دون ~~الأخرى، والأول هو المطلوب؛ لأن الصحتين إذا كانتا باقيتين أمكن تحقق الممانعة، والثاني PageV00P340 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~باطل أيضا كما مر؛ لأنه يقتضي ألا يكون كل واحد منهما قادرا، وذلك يمنع من وجود إله ~~قادر، والثالث باطل؛ لأن الذي زالت عنه الصحة ليس إلها، فثبت أن صحة الممانعة بينهما ~~متوقفة على قادرية كل واحد منهما، ولا نزاع في ثبوت القادرية لكل واحد منهما، فلا جرم ~~كانت الممانعة حاصلة. # السؤال الثاني هب أنا سلمنا أن صحة الممانعة بينهما لمكان القادرية، ولكن هذا إنما يدل ~~على أنه يصح من كل واحد منهما ضد ما يصح من الآخر، نظرا إلى ما لكل واحد منهما من ~~القادرية، فلم لا يجوز أن يكون ها هنا اعتبار آخر يمنع من صحة الممانعة بينهما مطلقا، ~~فليس يلزم من صحة ثبوت الشيء باعتبار خصوص ثبوت صحته مطلقا، ألا ترى أن ~~صحة صدور القبيح من الله تعالى صحيح باعتبار القادرية، مستحيل باعتبار الداعية، فلا ~~يلزم من صحته الممانعة، نظرا إلى ما لكل واحد منهما من القادرية صحة ثبوت الممانعة ~~مطلقا، والمحال إنما يلزم من صحة الممانعة مطلقا، فعليكم إقامة الدلالة على صحة الممانعة ~~مطلقا. # وجوابه أنا نقول: إذا ثبت أن كل واحد من ذينك المقدورين صحيح الوقوع بنفسه من ~~جهة كل واحد من ذينك القادرين، وكان كل واحد منهما موصوفا بالصفات المعتبرة في ~~صحة صدور ذلك المقدور منه، علمنا بالضرورة حيتثذ صحة صدور كل واحد من ذينك ~~المقدورين من كل واحد من ذينك القادرين، وذلك يكفي في تقرير صحة الممانعة. وسواء ~~كانت الممانعة بينهما مطلقة أو مقدرة من جهة دون جهة، ولأنا لو قدرنا مانعا آخر يمنع من ~~وقوع الممانعة لكان لا يعقل هناك أمر سوى حكمة، وهي غير مانعة ها هنا لصحة تقدير ~~الحكمة في مقدور كل واحد منهما، فلهذا لم تكن مانعة، ويوضح هذا أنا لا نريد بالممانعة إلا ms270 ~~اال ان أحدهما إذا انفرد كان قادرا على الحركة والآخر إذا انفرد كان قادرا على السكون وهذا ~~حاصل عند اجتماعهما، سواء قدرناها مطلقة أو مقيدة بجهة دون جهة. PageV00P341 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~السؤال الثالث سلمنا أنه تصح الممانعة بينهما، ولكن لا نسلم وقوع الممانعة، والمحال إنما ~~ال يلزم من فرض وقوع الممانعة لا من فرض صحتها، وليس يلزم من فرض صحة وقوع ~~الشيء فرض وقوعه. وهذا قلنا: إنه يصح من الله تعالى فعل القبيح ولا يمكن وقوعه، ~~والذي يمنع من وقوعهاها هنا أمران: ~~أحدهما أن كل واحد منهما عالم بأن الآخر قادر على ما لا نهاية له من المقدورات، فلو ~~خالف أحدهما صاحبه فإنه لا يتمكن كل واحد منهما من تحصيل مطلوبه، فإذا علم كل ~~واحد منهما تعذر مطلوبه بتقدير المخالفة صار هذا العلم صارفا لكل واحد منهما عن ~~مخالفة الآخر؛ لأن العلم بكون الشيء مستحيلا يكون صارفا عن محاولة تحصيله. # وثانيهما أنا فرضنا أن كل واحد منهما حاصل على نعت الكمال بالقدرة والعلم، وهذا ~~يوجب الحكمة لكل واحد منهما، والحكمة مانعة لهما عن الممانعة. # وجوابه أما ما ذكروه أولا من أن علم كل واحد منهما بأن الآخر قادر على ما لا نهاية له ~~يصرفه عن الممانعة، فهذا العلم حاصل لكل واحد منهما، فليس جعله صرفا في حق أحدهما ~~عن محاولة إيجاد مراده أولى من الآخر، فيلزم أن يمتنع على كل واحد منهما إيجاد مراده، وفي ~~ذلك حصول غرضنا من الممانعة. # وأما ما ذكروه ثانيا من أن الحكمة مانعة فنقول: إن الحكمة وإن كانت مانعة من وقوع ~~الممانعة كما زعموه، لكنا نقدر جعل الحكمة في مقدور كل واحد منهما؛ فلا جرم كانت ~~الممانعة حاصلة مع الحكمة كما أوضحناهه فلأن أحدا من العقلاء لم يذهب إلى أن للعالم ~~صانعين كل واحد منهما حاصل على نعت الكمال بالقدرة والعلم فضلا عن أن يقال إن ~~حكمتهما مانعة عن وقوع الممانعة بينهما. وإنما قررنا الدلالة على تقدير المانعة وقلنا: لو كان ~~للعالم صانعان ms271 لتمانعا، والممانعة في حقهما محال، فيبطل القول بإلهين، وسواء كانت الممانعة ~~واقعة أو غير واقعة. PageV00P342 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~السؤال الرابع سلمنا وقوع الممانعة، فلم زعمتم أن وقوعها يلزم منه المحال، ولم لا يجوز ~~ان يمتنع مراد كل واحد منهما معا. # وجوابه أنا قد بينا أن مع تقدير وقوع الممانعة لا يخلو الحال من وجوه ثلاثة: إما أن يوجد ~~مرادهما جميعا، وهو محال. وإما أن لا يوجد مراد كل واحد منهما، وهو باطل أيضا. وإما أن ~~يوجد مراد أحدهما دون الآخر، وكلها باطلة كما مر. فيبطل القول بالهين. # السؤال الخامس هو أن ما ذكرتم من تقرير دلالة التمانع إنما يدل على بطلان إلهين ~~قديمين كل واحد منهما حاصل على نعت الكمال بالقدرة والعلم، ولكن ما الدليل على أنه ~~ليس مع الإله القادر موجود قديم قائم بنفسه ليس بحي ولا قادر ولا عالم. # وجوابه أن هذا بعينه هو نفس مقالة الثنوية، وزعمهم قدم النور والظلمة، وقد أسلفنا ~~عليهم في القسم الأول في الرد على الخارجين عن الإسلام كلاما فيه مقنع، فلا حاجة إلى ~~الاعادة، فهذا ما عندنا في تقرير دلالة التمانع، وفي تمشيتها صعوبة لغموض ما يرد عليها من ~~الأسئلة، ومن أحاط بما ذكرناه أمكنه الوقوف على حقيقة الحال فيها. # الطريقة الثانية التمسك بالأدلة السمعية، وهي المعتمدة في هذه المسألة، وقد قدمنا أنه ~~يمكن الاستدلال بالشرع عليها، ودلالة الشرع عليها من أوجه ثلاثة: ~~أما أولا فقوله تعالى: (وإلهكم إله واحد)(1)، وقوله تعالى: (فاغلم أنه لا إله إلا الله)(2)، ~~وغير ذلك من الآيات المشعرة بإثبات الوحدانية. # وأما ثانيا فهو معلوم من الدين ضرورة. # ا- سورة البقرة: آبة 163. # 2- سورة محمد: آية 19. PageV00P343 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وأما ثالثا فإجماع الأمة على الوحدانية لله تعالى. # فهذا تمام القول في الدلالة على أنه لا إله مع الله تعالى مشارك له في أوصافه، فإما القول ~~باثبات قديم آخر ليس حيا ولا قادرا فقد سبق الكلام على الثنوية والمجوس فلا نعيده. # القول في المسلك الفاسدة وهي أربع: ms272 ~~اعلم أن ما أسلفناه من الأدلة العقلية والنقلية هو المعتمد في إثبات الوحدانية، ثم إن ~~للمتكلمين طرقا وراء ذلك ليست بالقوية، ونحن نوردها واحدة واحدة ونبين وجه ~~ضفها بعون الله: ~~الطريقة الأولى ذكرها صاحب المعتمد، وحاصلها أن إثبات قديم ثان مشارك لله تعالى في ~~جيع أوصافه وخصائصه ليس معلوما بنفسه ولا طريق إليه، وما كان هذا حاله وجب نفيه. # وانما قلنا إنه ليس معلوما بنفسه فلأنه لو كان معلوما بنفسه لكان يجب أن نعلمه كسائر ~~الأمور البديهية التي هي معلومة بنفسها ولا يفتقر في العلم بها إلى طريق، كعلمنا بأحوال ~~أنفسنا من جوعنا وألمنا ولذتنا وغيرهما، فلما تعذر ذلك ثبت أنه أي الإله الثاني ليس معلوما ~~بنفسه. وإنما قلنا إنه لا طريق إليه، فلأن الطريق إليه إما أن يكون عقليا أو شرعيا، وليس ~~فيهما مايدل عليه. # أما العقل فالدلالة منه على القديم الثاني ليس إلا أحد أمور ثلاثة: ~~أحدها الفعل، ولا دلالة فيه؛ لأن الفعل إنما يدل على أنه لا بد له من فاعل، وما من فعل ~~إلا ويمكن إسناده إلى الفاعل الذي قد علمنا ثبوته بالدلالة، وإذا كان الأمر كذلك فلا فعل ~~بعد ذلك يمكن التوصل به إلى إثبات قديم ثان، فبطل أن يكون الدليل عليه من جهة ~~الفعل. PageV00P344 # ============================================================ ~~السبيد شح معالم العدل والنوحيل ~~وثانيها أمر موجب للقديم الثاني: ~~وثالثها أمر موجب عنه، وليس في العقل ولا في الوجود ما يمكن أن يقال إنه موجب ~~للقديم الثاني أو موجب عنه يصح الاستدلال به عليه، فبطل أن يكون الطريق إليه شيئا من ~~جهة العقل. # وأما الشرع فأدلته ونصوصه مصرحة ببطلان القديم الثاني، وناطقة بالوحدانية، فضلا ~~عن أن يقال إن فيها ما يدل على إثبات قديم ثان. # لا يقال: أليس من حكم الأدلة ألا تختلف شاهدا وغائبا، وقد تقرر أن أدلة الفعل على ~~فاعله غائبا كدلالة الكتابة على كاتبها شاهدا ثم إن الكتابة تدل على أنه لا بد لها من كاتب ~~واحد قطعا بالضرورة، ومع ذلك تجوزون أن يكون مع ذلك ms273 الكاتب كاتب ثان، فهلا قلتم ~~بمثله في الغائب، وقطعتم على أنه لا بد من فاعل واحد وجوزتم فاعلا ثانيا كما قلتم في ~~الكتابة. # لأنا نقول: وجه الفرق بينهما أنا في الشاهد نعد الدلالة من الكتابة على كاتبها الواحد ~~يصح أن يكون لنا طريق إلى الكاتب الثاني، إما بخبر متواتر وإما بغيره، فتجويز الكاتب ~~الثاني بعد القطع على الكاتب الأول تجويز لما يمكن أن يكون لنا إلى العلم به طريق. وليس ~~كذلك الغائب؛ لأن بعد ثبوت الدلالة على الصانع الواحد يمكن إسناد جميع الحوادث إليه، ~~فلا يبقى بعد ذلك دلالة على القديم الثاني، فتجويزه والحال هذه يكون تجويزا لما لا طريق ~~إليه، فثبت أنه لا طريق إليه. # وإنما قلنا إن ما لا طريق إليه وجب نفيه؛ فلأن تجويز ذلك يؤدي إلى إفساد العلوم ~~الضرورية والنظرية، ويفتح كل جهالة كما قررناه فيما سلف، فيجب بطلانه. PageV00P345 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~فهذا ملخص ما ذكره الخوارزمي بعد حذف الفضلات، وهذه الطريقة ضعيفة من ~~وجين: ~~أحدهما أن القديم الثاني لو ثبت لكان الطريق إليه ليس إلا فعله، وفعله واقف على ~~حسب داعيته، فإن اختاره وجد، وإلا فلا يمتنع أن يكون ثانيا في نفسه وإن لم يكن إليه ~~طريق، فعدم الطريق لا يدل على عدمه. # لا يقال: إن داعي الإحسان متوفر من جهته، فلو كان ثم قديم ثان لبلغنا إحسانه ~~ال ولوصل إلينا فضله، فلما لم يكن ذلك دل على أنه لا قديم ثان؛ لأنا نقول: هذا الآن خروج ~~عن الاستدلال بأنه لا طريق إليه وسلوك طريق أخرى في إبطاله، وهو أنه لو كان مع الله ~~قديم ثان لوصل إلينا إحسانه وبلغتنا رسله، وفيه بطلان التعويل على أن ما لا دليل عليه ~~وب نفيه: ~~وثانيهما أنا قد بينا في أول الكتاب ترتيب هذه الطريقة. # الطريقة الثانية وهي محكية عن قدماء المعتزلة كأبي الهذيل وأبي علي وجمع من المتكلمين، ~~و تحريرها أنه لو كان مع الله تعالى إله ثان مشارك له في جميع صفاته لكان يلزم ms274 ألا ينفصل ~~الاثنان عن الواحد، وما أدى إلى هذا فهو فاسد، فالقول بإلهين فاسد. وإنما قلنا إنه لو كان ~~معه إله ثان لكان يلزم ألا ينفصل الاثنان عن الواحد؛ فلأن الانفصال إنما يعقل بأن يستبد ~~أحدهما بأمر ليس للآخر مما يرجع إلى الذات أو إلى غيرها، وهما حاصلان على قصد ~~المساواة ونعتها، فلا يمكن أن يشار إلى اختصاص أحدهما بأمر إلا وللآخر مثله، فثبت أنه ~~يلزم من ذلك ألا ينفصل الاثنان عن الواحد. # وانما قلنا إن ذلك فاسد فلوجهين: PageV00P346 ~~============================================================ ~~السهيد ش معالمر العدل والنوحيل ~~أما أولا فلأن الاثنين اكثر من الواحد، فمتى لم ينفصل الاكثر عما ليس بأكثر بطلت ~~الكثرة، فيؤدي إلى أن يكون الواحد كالعشرة في الكثرة، والعشرة في الوحدة كالواحد، ~~وهذا محال. # و أما ثانيا فلأن هذا يؤدي إلى أن يكون حصول القديم الثاني كألا يحصل، فلا يكون فرق ~~بين ثبوته وألايثبت، وبطلانه معلوم ضرورة. # فهذه زبدة ما عولوا عليه، وهذه الطريقة ضعيفة لأمرين: ~~أاحدهما أنا نقول لهم: قولكم إنه لو كان مع الله تعالى قديم ثان لكان يجب ألا ينفصل ~~الاثنان عن الواحد، إما أن تريدوا به أنه ليس عند العاقل دليل يعلم به تميز أحد الإلهين عن ~~الآخر، وإما أن تريدوا به أنه لا يمكن أن يختص أحد الإلهين في نفسه بأمر لأجله يكون ~~متميزا عن الآخر، فإن أرادوا الأول فهو حق ولا نزاع فيه، ولكن نقول: إنه لا يلزم من ~~عدم العلم بالأمر المميز عدم التميز في نفسه، فيجوز أن يكون المميز حاصلا وإن لم يعلموه، ~~اللهم إلا أن يقولوا: إنه لا طريق إليه. وحينئذ تكون طريقة أخرى غير هذه، وقد سبق ~~الكلام عليها. وإن أرادوا الثاني فهذه دعوى لا بد من تصحيحها بالدلالة. # اا وثانيهما أن صريح العقل لا يستبعد وجود قديمين يتساويان في جميع الأحكام واللوازم ~~مع أن حقيقة كل واحد منهما مغايرة لحقيقة الآخر، ألا ترى أنه لا يمتنع على مذهب هؤلاء ~~الذين عولوا على هذه الطريقة وجود سوادين في محل واحد ms275 يتساويان في جميع الأحكام ~~واللوازم، فإذا جاز هذا عندهم جاز مثله في الالهين من غير فرق. # الطريقة الثالثة لو جاز إثبات إله ثان مشارك للقديم في جميع صفاته للزم إثبات ثالث ~~ال ورابع إلى ما لا نهاية له، إذ ليس عدد أولى من عدد، وما أدى إلى هذا فهو فاسد، فالقول ~~بالهين فاسد. وإنما قلنا إنه لو جاز إثبات إله ثان لجاز إثبات ثالث ورابع إلى غير غاية؛ فلأن PageV00P347 ~~============================================================ ~~الشسهيل شح معالم العدل والنوحيل ~~الفعل إنما يدل على فاعل واحد لا محالة، ولا يدل على أكثر من واحد، فإثبات الثاني كاثبات ~~ثالث ورابع إلى غير غاية، إذ ليس إثبات أحد العددين أولى من إثبات الآخر. وإنما قلنا إن ~~وجود ما لا نهاية له محال فهو ظاهر، فصح أن القديم تعالى واحد. # وهذه الطريقة أيضا تضعف لوجهين: ~~أاحدهما ما قررناه في الطريقة الثانية، وهو أن قوهم لو جاز إثبات إله ثان لجاز إثبات ~~ثالث ورابع، إذ ليس إثبات عدد أولى من عدد. إما إن يريدوا به أنه ليس عند المستدل دليل ~~يعلم به تيز أحد العددين عن الآخر، وإما أن يريدوا به أنه لا يمكن أن يختص أحد ~~العددين في نفسه بأمر يكون لأجله أولى من عدد آخر. فإن أرادوا الأول فهو حق ولا نزاع ~~فيه ولكن لا يلزم من عدم العلم بالمخصص عدم التخصيص، فيجوز أن يكون المخصص ~~حاصلا وإن لم يعلموه اللهم إلا أن يقولوا إنه لا طريق إليه، فوجب نفيه. فقد مضى الكلام ~~عليه. وإن أرادوا الثاني فهذه دعوى لا بد من تصحيحها بالبرهان، فلم لا يجوز أن يكون ~~وجود الإله الثاني ممكنا ووجود الثالث محالا، وإن كنا لا نعرف ما لأجله استحال وجود ~~الثالث وصح وجود الثاني. # لا يقال: إن الثالث مثل الثاني، وحكم المثلين التساوي في جميع الأحكام اللازمة، فلو ~~صح حصول الثاني لزم حصول الثالث. لأنا نقول: إن كان ما قلتموه حقا فيلزم من ~~حصول الأول حصول الثاني، لكون الثاني مثلا للأول، من غير فرق. ms276 # فحصل من مجموع ما ذكرناه أنه على منهاج استدلالهم لا يمتنع تجويز إله ثان. # وثانيهما أن الدلالة قد دلت على أنه لا بد للفعل من فاعل واحد، ودلت أيضا على أن ~~اثبات ما لا نهاية له محال، فهذان الطرفان معلوم ثبوتهما قطعا، فأما إثبات عدد من القدماء ~~يزيد على واحد ويقصر عما لا نهاية له فلم يدل على نفيه دليل، فلا جرم أمكن تجويزه. PageV00P348 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~الطريقة الرابعة قالوا: قد تقرر في العقول أن من حق كل قادرين صحة اختلافهما في ~~الدواعي، وإثبات قديم ثان يمنع من هذا الأصل، فيجب أن يكون باطلا، فالقول بإلهين ~~باطل. وإنما قلنا إن من حق كل قادرين صحة اختلافهما في الدواعي؛ فلأن ذلك من حكم ~~الغيرية، فلو لم يختلفا في الدواعي لبطل تغايرهما ولالتبس حال القادرين بحال القادر ~~الواحد، وهذا محال. وإنما قلنا إن إثبات قديم ثان يمنع من هذا الأصل؛ فلأن كل واحد ~~منهما إذا كان عالما بما في الفعل من المصلحة وكانت الحكمة مانعة لكل واحد منهما عن ~~الخطا والزلل استحال منهما الاختلاف والمعارضة في الدواعي، وفي ذلك نقض لما قد تقرر ~~في العقول من صحة اختلاف القادرين في الدواعي، وإثبات الثاني قد أدى إلى هذا الفساد، ~~فيجب أن يكون باطلا. # وهذه الطريقة ضعيفة لأمرين: ~~أما أولا فلأن قولكم: من حق كل قادرين صحة اختلافهما في الدواعي. لا نسلمه على ~~الإطلاق، بل نقول: إن هذا الحكم وهو صحة الاختلاف في الدواعي إنما يصح في حق ~~قادرين ليسا بحكيمين يجوز عليهما السهو والغفلة ويصح عليهما الشهوة والنفرة، ويمكن ~~في حقهما الجهل والظن، فمن هذه حاله لا يمتنع اختلافهما في الدواعي بحسب الشهوة ~~والنفرة والعلم والجهل والسهو والغفلة، فيدعو أحدهما الداعي إلى شيء ويدعو الآخر إلى ~~خلافه، فأما إذا فرضناهما حكيمين عالمين لذاتيهما فحينئذ يجب أن تجري أفعاهما على نعت ~~الحكمة والمصلحة، ويستحيل بينهما المخالفة والمعارضة. لا يقال: إنا إذا فرضناهما حكيمين ~~عالمين قادرين ولم يصح اختلافهما في الدواعي التبس حالهما ms277 بحال القادر الواحد، وهو ~~محال. لأنا نقول: قد سبق الجواب عن هذا عليهم في الطريقة الثانية، وبينا أن تغايرهما مقرر ~~في العقول. PageV00P349 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وأما ثانيا فهب أنا سلمنا لكم بالصحة في اختلاف دواعيهما، لكن المقصود حاصل في ~~المسالة بتقدير اختلافهما في الدواعي مع فرض الحكمة، بأن يكون كل واحد من الفعلين ~~مصلحة فيلزم ما ذكرناه، فهذا القدر كاف في ما يذكرونه من الطرق الفاسدة، وقد أشرنا ~~فيما تقدم إلى تحقيق دلالة التمانع بما فيه مقنع، وذكرنا أن المعتمد في نفي إله ثان على أدلة ~~الشرع لكون هذه المسألة مما يصح الاستدلال عليها بأدلة الشرع. # القول فيما يصح الاستدلال عليه بأدلة الشرع وما لا يصح. # اعلم أن المطالب السمعية بالإضافة إلى مدلولاتها منقسمة إلى ثلاثة أقسام: فمنها ما ~~يستحيل حصول العلم به من جهة السمع. ومنها ما لا يصح العلم به إلا بواسطة السمع. # ومنها ما يصح العلم به بالسمع تارة وبالعقل أخرى: ~~فأما القسم الأول فهو ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته، فما هذا حاله ~~استحال تصحيحه بواسطة السمع، وهذا مثل العلم بوجود الصانع وكونه عالما بكل ~~المعلومات وصدق صاحب الشريعة، فإن هذا لا يمكن أن يعلم من جهة السمع؛ لأن ~~صحة السمع متوقفة عليه. # وأما القسم الثاني وهو ما لا يعلم إلا بواسطة السمع، وهذا نحو الأمور الجائزة التي لا ~~يقضي العقل فيها بوجوب ولا استحالة، فيستحيل العلم بها إلا من جهة الشرع، ونحو ~~أحكام الآخرة. # وأما القسم الثالث وهو ما يمكن الاستدلال عليه بأدلة العقل والشرع جميعا، فهذا نحو ~~مسألة الرؤية والوحدانية وغيرهما. PageV00P350 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~فإذا عرفت هذا التفصيل فنقول: أما أن الأدلة الشرعية لا يجوز استعمالها في القسم ~~الأول فهو ظاهر، وإلا وقع الدور. وأما أنه يجب استعمالها في القسم الثاني فهو ظاهر أيضا ~~بما قدمناه، فلو لم يحصل من جهة الشرع لانسد علينا طريق العلم به. وأما القسم الثالث ~~ففي جواز استعمال الأدلة السمعية فيه نظر؛ لأن ms278 لقائل أن يقول: إذا قلتم بأن الأدلة العقلية ~~والسمعية يجريان في هذا القسم، فلو قدرنا قيام الدليل العقلي القاطع على خلاف ما أشعر ~~به ظاهر الدليل السمعي فكيف يكون الحكم فيه. # والجواب أنه لا خلاف بين أهل التحقيق أنه يجب تأويل الأدلة السمعية على مقتضى أدلة ~~العقل وتنزيلها على معناها؛ لأنه إذا لم يمكن الجمع بين ظاهر النقل وبين مقتضى دليل ~~العقل فإما أن يكذب العقل أو يأول النقل، فإن كذبنا العقل مع أن أدلة النقل لا يمكن ~~إثباتها إلا بالعقل، فإن الطريق إلى إثبات الصانع وحكمته ومعرفة النبوة إنما هو بالأدلة ~~العقلية، فحينئذ تصحيح الأدلة النقلية برد أدلة العقل يتضمن القدح في أدلة النقل، وما ~~أدى ثبوته إلى انتفائه فهو باطل، ولما بطل ذلك تعين تأويل أدلة النقل. # لا يقال: فيجب على هذا التقرير أن يكون الأدلة السمعية لا تفيد العلم اليقين بوجود ~~مدلولاتها إلا إذا علمنا أنه ليس في العقل ما يقتضي خلاف ظاهرها، ولا طريق لنا إلى العلم ~~بأنه ليس في العقل ما يقتضي خلاف ظاهرها إلا بحصر لا يفيد القطع، فحينئذ يحصل من ~~هذا أن الأدلة السمعية لا تفيد العلم اليقيني بمطلوب بحال. # لأنا نقول: إنما نستدل على الأمور القطعية بالمسالك السمعية بما يكون منها نصا قاطعا لا ~~احتمال فيه، وما كان منها بهذه الصفة استحال أن يكون في العقل ما يخالفه، فحينئذ يحصل ~~العلم اليقيني بما أفادته القواطع السمعية دون ما كان منها محتملا، فلا صحة لايراده في ~~مواضع القطع، فثبت بما ذكرنا ما يصح الاستدلال عليه بأدلة السمع وما لا يصح. PageV00P351 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~القول في مراتب التوحيد وفي معنى وصفنا لله تعالى بأنه واحد ~~أما معنى وصفنا لله تعالى بأنه واحد فيطلق ويراد به أحد معان أربعة: ~~أحدها أنه تعالى ذات، لا يجوز عليه التجزؤ والانقسام، فيقال له: واحد. على معنى آن ~~ذاته غير منقسمة، وهذا لا يطلق عليه على جهة المدح، فإن الجزء هو أصغر المقادير يشاركه ~~في ذلك. # وثانيها ms279 أنه تعالى واحد بمعنى آنه لا يشاركه غيره في صفاته على الحد الذي يوصف بها. # وثالثها أنه تعالى واحد بمعنى آنه المستحق للعبادة لا يشار كه فيها غيره. # ورابعها آنه تعالى واحد بمعنى آنه واحد لا قديم معه سواه. # وهذه المعاني الثلاثة كلها تفيد المدح في حقه تعالى، فأما وصفنا له تعالى بأنه ثالث ثلاثة ~~او رابع ثلاثة فلا يجوز إطلاقه عليه تعالى؛ لأن ذلك يوهم الجنسية، وأنه واحد مثلهم، ولا ~~يجوز إطلاق ما يوهم تشبيهه بغيره، ويجوز إطلاق ذلك من جهته وممن يعلم من حاله ~~الحكمة، كما قال تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ~~) (1)، لأن معنى قولهم فلان ثالث ثلاثة أي هو واحد من الثلاثة، ومعنى قولهم فلان رابع ~~ثلاثة أي صيرهم أربعة على العدد المشتق وصفه منه، وكل ذلك لا يجوز إطلاقه في حق الله ~~تعالى إلا بأمر وتوقيف وإذن، لإيهامه الخطأ في حقه. # ال وأما مراتب التوحيد فهي بالإضافة إلى الموحدين أربع: ~~سورة المجادلة: آية 7ا. PageV00P352 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~المرتبة الأولى الإقرار بالوحدانية والإخبار بأنه لا إله إلا الله، فهذا الخبر يوصف بأنه ~~توحيد لافادته أن الله واحد. # وزعم عباد أن قول القائل لا إله إلا الله ليس بتوحيد، وقال: إنه لو كان توحيدا لوجب ~~دوامه؛ لأن التوحيد يجب أن يكون مستداما. # وهذا خطأ لأنه لا يمتنع أن يوصف بأنه توحيد وإن لم يكن دائما، وفائدة هذا الإقرار ~~التبرؤ عن الشرك وإحراز الرقبة عن القتل وتحصين الأموال عن الأخذ إلا بحقها، وثبت ~~لقائلها أحكام الإسلام في الظاهر، والسرائر علمها عند الله تعالى. # المرتبة الثانية اعتقاد مضمون هذا اللفظ مجملا تقليدا، وهذه هي حالة المقلدة ومن قصر ~~عن بلوغ مراتب النظر، وصاحبها سالم في الدارين مهما سلم اعتقاده عن زلل عند أكثر ~~العلماء، خلافا لطوائف من المتكلمين. # فإن صاحب الشريعة صلى الله عليه وآله كان يقبل من الأعراب والنسوان، ولو كلفهم ~~العلم اليقين لعجزوا عن ذلك لقصور أفهامهم. ms280 # المرتبة الثالثة وهي الوصول بمقدمات النظر إلى معرفة ذاته تعالى وصفاته وحكمته ~~وأفعاله، وأنه واحد لا شريك له، وهذه هي حالة العلماء والأفاضل الذين وصلوا بحقائق ~~الأدلة والبراهين، فحصلوا على انشراح الصدور وطمأنينة الأنفس وبرد اليقين، وبين هذه ~~الرتبة والتي قبلها بون عظيم، فإن هذه درجة الأولياء وتلك درجة الضعفاء، وفي هذه ~~المرتبة تتفاوت درجات أهل النظر في تحصيل هذه المعارف على جهة الإجمال أو على جهة ~~التفصيل، تتفاوت درجاتهم في تفاصيلها، فيتفاضلون بذلك في شرعة الوصول إلى المعرفة ~~وحراستها عن الزلل، وكل ذلك سهل ويسير على من وفقه الله تعالى وثبته. PageV00P353 # ============================================================ ~~النهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~المرتبة الرابعة وهي الحصول على معرفة ذاته تعالى وصفاته بالعلم الضروري الذي لا ~~يعترضه شك ولا يعتريه ريب، وهذه هي درجة المقربين، وقد منع منه طوائف من ~~المتكلمين، ولا مانع منه لأمرين: ~~أما أولا فلأنه إذا كان موضوع وجوب المعرفة عندهم إنما هو اللطف، واللطف تختلف ~~أحواله بحسب اختلاف أحوال الخلق، فغير ممتنع أن يكون المعلوم من حال بعض المكلفين ~~ان اللطف في حقه إنما هو بخلق العلم الضروري، وبعضهم المصلحة في حقه تكون ~~بتحصيل العلم النظري، كما تختلف أحوالهم في الغنى والفقر والمرض والصحة وغير ذلك. # وأما ثانيا فالخوف من الله تعالى إنما هو على قدر معرفته وتحقق ذاته، ونحن نعلم تباين ~~الخلق في الخوف من الله تعالى، فخوف الملائكة والأنبياء ليس كخوف الأولياء والصالحين، ~~ل وخوف الأولياء ليس كخوف سائر المكلفين، فزيادة الخوف إنما هو لزيادة المعرفة، فلا ~~ل ي متنع أن يزداد الخوف بحسب ازدياد المعرفة حتى ينتهي إلى رتبة العلم الضروري، وهو ~~المطلوب. # القول في ما يجب تحصيله من علوم التوحيد ~~اعلم أنا قد بينا فيما سلف أن الوجه في وجوب معرفة الله تعالى إنما هو لأجل اللطف ~~والمصلحة، وشرحنا ذلك بما فيه كفاية، وإذا كان الأمر كما قررناه وكان الأصل في حقيقة ~~اللطف إنما هو العلم باستحقاق الثواب والعقاب، فيدعوه العلم باستحقاق الثواب إلى ~~فعل الطاعة ويدعوه العلم ms281 باستحقاق العقاب إلى ترك المعصيةب لأن اللطف حظه الدعاء ~~إلى الطاعة والصرف عن القبيح، ولا حظ لشيء في الدعاء والصرف حقيقة إلا ما ذكرناه ~~من العلم باستحقاق الثواب والعقاب، فإذا كان كذلك أصل اللطف هو ما ذكرناه فنقول: PageV00P354 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~ما كان من علوم التوحيد أصلا في تحقق هذين العلمين وجب تحصيله، وما كان ليس أصلا ~~فيهما فلا وجه لايجابه. # والذي يقطع بكونه أصلا في العلم باستحقاق الثواب والعقاب من علوم التوحيد أمور ~~: ~~أولها العلم بذات الصانع وما يترتب عليه من العلم بحدوث العالم الذي هو طريق إلى ~~معرفة ذاته. # وثانيها العلم بكونه تعالى قادرا. # وثالثها العلم بكونه تعالى عالما. # ورابعها العلم بكونه تعالى حيا. # وخامسها العلم بكونه تعالى قديما لا أول لوجوده. # وسادسها العلم بكونه تعالى لا يشبه شيئا من الحوادث كالأجسام والأعراض. # وسابعها العلم بكونه تعالى واحدا لا ثاني له. # فهذه العلوم السبعة لا بد من تحصيلها لكل عاقل؛ لأن كل واحد منها له حظ في العلم ~~بتحقق اللطف، وهو استحقاق الثواب والعقاب، ولهذا فإنه متى قدرنا عدم هذه العلوم ~~كلها بطل العلم باستحقاق الثواب والعقاب، وهكذا متى جوزنا انخرام أصل واحد منها ~~قدح في أصل اللطف، ألا ترى أنه متى لم يحصل العلم بالصانع لم يعلم استحقاق ثواب ~~ال وعقاب؛ لأنه متوقف على العلم بالصانع، ومسبوق بالعلم به، وهكذا العلم بالقادرية ~~والعالمية على حظ من تحقق اللطف، وهلم جرا إلى سائر المعارف كلها، ثم إذا أحرز هذه PageV00P355 ~~============================================================ ~~النهيد شرح معالم العدل والتوحيل ~~العلوم كلها فلا بد من العلم بالحكمة، وإن لم يكن من جملة علم التوحيد؛ لأن لها مدخلا ~~في تحقق اللطف وحصوله. # فإذا عرفت هذا فنقول: العلم بتحصيل هذه الأصول يكون على وجهين: ~~الأول منهما جملي وهو الذي نوجبه على أصحاب الجهل الذين عجزوا عن إحراز ~~التفاصيل وقصروا عن بلوغها، بل إنما نلزمهم العلم بهذه الأمور بأوائل الأدلة ومبادئها؛ ~~لئلا يبطل العلم بتحصيل اللطف والوصول إليه فإذا علم أحدهم ما يحصل في العالم ms282 من ~~أنواع الحوادث والأمطار والغيوم والنبات والثمار وجري الشمس والقمر واختلاف الليل ~~والنهار وغير ذلك علم أنه لا بد هذه الأمور من صانع على القرب؛ لأن العلم بالصانع هو ~~علم قريب تتبادر إليه العقول السليمة، فإذا حصل له العلم بالصانع فلا بد من حصول ~~العلم بصفاته نحو العلم بكونه قادرا وعالما وحيا وموجودا وقديما، ويحصل له العلم بأنه لا ~~يشبه الأشياء وأنه تعالى غني في ذاته لا يجوز عليه الحاجة وأنه واحد لا ثاني له يشاركه في ~~صفاته الخاصة، ثم بعد ذلك لا بد له من العلم بالحكمة وتحصيل العلم بصدق صاحب ~~الشريعة. # فهذه العلوم لا بد من حصولها لهم بأوائل الأدلة ومبادئها كما ذكرناه؛ لأنا لو كلفناهم ~~العلم بتفاصيل هذه العلوم لتعذر عليهم ذلك ولم يمكنهم الوصول إليه، وكيف لا ونحن ~~نعلم من صاحب الشريعة أنه ما عاملهم بالعلم بتفاصيلها، أعني هذه الأمور، بل قبلها ~~منهم على سبيل الإجمال. # الوجه الثاني العلم بتحصيل هذه الأصول على سبيل التفصيل، وهذا إنما يليق بالعلماء ~~والأفاضل، فإن المأخوذ عليهم العلم بحقائقها مفصلة، والوقوف على حقيقة الأمر فيها، ~~ورد الشبه عنها، والإجابة عن سائر الشكوك عليها. PageV00P356 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~القول في متعلق العلم بأن لا قديم مع الله تعالى ~~اعلم أن هذه المسألة أصلا لا بد من تمهيده، وحاصله أن الحقائق في أنفسها منقسمة إلى ~~ما له وجود في العين وإلى ما له وجود في الذهن، فالموجود المعين هو هذه الموجودات ~~الحاضرة نحو السماء والأرض، وأما الموجود في الذهن فهو منقسم إلى ما يكون له وجود في ~~الخارج وإلى ما يستحيل أن يكون له وجود في الخارج. فالأول نحو سائر الممكنات كالحركة ~~والسكون والعلم والشهوة، والثاني نحو القدرة القديمة والحياة القديمة والبقاء، ونحو ثاني ~~القديم تعالى، فإنه متصور في الذهن، ومع ذلك ليس له وجود في الخارج، ونعني بالوجود ~~الخارجي أن له تعينا في الوجود غير ما كان حاصلا في الذهن. # وإنما قلنا: إن ثاني القديم لا بد من أن يكون ms283 متصورا؛ لأنه لو لم يكن له تصور في الذهن ~~لما أمكن الحكم عليه بأنه غير ثابت؛ لأن الحكم على الشيء بأنه حاصل أو غير حاصل ~~مسبوق بالعلم بتصور حقيقته، فإذا عرفت هذا فنقول: إذا ثبت أن حقيقة الثاني لا بد من أن ~~تكون متصورة في الذهن، فاعلم أن متعلق العلم بالآيات لله تعالى هو ذاته على حكم ~~سلبي، وهو ألا ثاني له، ويصير حاله كما إذا علمنا بأنه تعالى ليس بجسم ولا مرئي، فهكذا ~~العلم بأن لا ثان يكون على هذا الحد. # وذهب الشيخان أبو علي وأبو هاشم إلى أن العلم بألا ثان هو علم لا معلوم له، وهذا ~~فيه نظر؛ لأنهم إن أرادوا بقولهم: إنه لا معلوم له أته ليس بموجود وأنه ليس بذات ~~معدومة، كما نقوله في المعدوم، فهذا مسلم. وإن أرادوا آنه ليس بمتصور فلا نسلمه ~~لأمرين: ~~أما أولا فلأنه لو لم يكن متصورا لما أمكن الحكم عليه بأنه غير ثابت؛ لأن الحكم ~~بالشبوت وعدمه مسبوق بالعلم بتصور حقيقته كما قدمنا. PageV00P357 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وأما ثانيا فلأنا نميز بينه وبين غيره من سائر الحقائق المتصورة، ولو لم يكن متصورا لم ~~يمكن الحكم عليه بالتميز. # ل وحكي عن بعض المتكلمين أن العلم بأن لا ثان هو علم بأنه لا يشبه الأشياء، وهذا فيه ~~نظر، لأنه كان يجب إذا علمنا حدوث الأجسام والأعراض وأنه تعالى قديم أن نعلم أنه لا ~~ثاني له، وهذا محال. فثبت أن متعلق العلم بأن لا ثان لله تعالى هو ذاته على حكم سلبي، كما ~~قررناه فيما سلف. PageV00P358 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~تم الأول من التمهيد بحمد الله ومنه ~~وتوفيقه فله الحمد كثيرا دائما ~~وصلى الله على النبي وآله وصحبه وسلم ~~ال وكان الفراغ من تأليفه في سنة سبع وسبعمائة ~~نقلته من خطه عليه السلام PageV00P359 ~~============================================================ ~~السهيل شح معالمر العدل والنوحيل ~~الجزء الثاني من التمهيد ~~في شرح معالم العدل والتوحيد ~~إملاء السيد الإمام العلامة الصدر مثابة الإسلام غياث الأنام مجلي الأحكام الشرعية ~~ومقتفي ms284 الآثار النبوية أبي الحسين يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم بن رسول الله عليه وعلى ~~آبائه أفضل الصلاة والسلام صلاة دائمة إلى يوم الدين ~~والحمد لله وحده وصل اللهم على محمد وسلم ~~صلاة دائمة إلى يوم الدين PageV00P360 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ~~الباب السادس في أفعال الله سبحانه ~~القول في التحسين والتقبيح ~~ويشتمل على تهيد وفصول آربعة: ~~أما التمهيد فنذكر فيه تلخيص محل النزاع، وفيه غموض، ولأجل غموضه نشأ الخلاف ~~وصعب مدرك المسألة، فلا بد من كشفه فنقول: ~~اعلم أن الحسن والقبح يطلقان ويراد بهما أمور ثلاثة: ~~أحدها ملاءمة الطبع ومنافرته كالآلام والصور القبيحة، فإن معنى كونها قبيحة منافرتها ~~للطباع وازورار الأنفس عنها، وهكذا الملاذ والصور الحسنة فإن معنى كونها حسنة ~~ملاءمتها للطباع واستباق الأنفس إليها. # وثانيها كون الشيء على صفة كمال كالعلم أو على صفة نقص كالجهل. # وثالثها كون الفعل جهة المدح والذم عاجلا والثواب والعقاب آجلا. # فأما القسمان الأولان فلا خلاف في أن طريق معرفتهما العقل، وإنما النزاع في القسم ~~الثالث. # فأما أئمة الزيدية وسائر شيوخ المعتزلة فذهبوا إلى أن الحسن والقبح إنما يكونان جهتين ~~للمدح والذم والثواب والعقاب لوجوه عائدة إليهما، ثم تلك الوجوه منقسمة في نفسها إلى ~~فمين: PageV00P361 ~~============================================================ ~~السبيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~أحدهما يستقل العقل بدركه، إما ضرورة كحسن شكر المنعم والانصاف وحسن ~~الصدق والعدل والإحسان والعلم، ومثل قبح الجهل والظلم وتكليف ما لا يطاق وكفران ~~النعم وإرادة القبيح وتعظيم من لا يستحق التعظيم. وإما نظرا كحسن الصدق الضار وقبح ~~الكذب النافع. # والثاني لا يستقل العقل بدركه كسائر المحسنات الشرعية من الصلاة والزكاة وسائر ~~العبادات، وقبائحه كبيع الربا وشرب المسكر وسائر المنكرات. # وأما الأشعرية فحاصل الخلاف معهم من وجهين: ~~أاحدهما أن الطريق إلى معرفة قبح الأشياء وحسنها بالمعنى الثالث ليس إلا من جهة ~~الشرع، وأن العقل لا تأثير له في تقبيح ولا تحسين البتة . # ال وثانيهما أنه لا معنى عندهم لكون الفعل قبيحا أصلا إلا تعلق النهي به، ms285 ولا معنى ~~لكونه حسنا إلا تعلق الأمر به، من غير زيادة أمر آخر، فعلى هذا ينبغي تنزيل الخلاف بيننا ~~وبينهم، فهذا هو التمهيد، ونشرع الآن في الفصول. # الفصل الأول في ماهيات هذه الأمور. # والذي تمس الحاجة من ذكره ها هنا أمور ثلاثة: ~~أولهاالحسن والقبح. # قال أبو الحسين: القبيح هو ماليس للقادر عليه المتمكن منه ومن العلم بقبحه أن يفعله. # وقال أيضا في حده: هو ما له مدخل في استحقاق الذم، وأما الحسن فقد ذكر في حده هو ما PageV00P362 ~~============================================================ ~~الشهيد شحعالم العدل والنوحيل ~~للقادر عليه المتمكن من العلم بحاله أن يفعله. وقال أيضا: هو ما لم يكن على صفة يؤثر في ~~استحقاق الذم. # لا يقال: إن قوله في حد القبيح ليس للقادر عليه أن يفعله، وقوله في حد الحسن له أن ~~يفعله، يحتمل أمورا ثلاثة: ~~فما المراد منها، أما أولا فقد يراد به الإذن والمنع، كما يقال: لزيد أن يستمتع بجاريته ~~وليس لعمرو أن يستمتع بها. أي زيد مأذون له في ذلك وعمرو ممنوع منه. # و أما ثانيا فقد يراد به العجز والقدرة، كما يقال: لزيد أن يصارع الأسد إذا كان قادرا على ~~ذلك وليس له إذا لم يكن قادرا عليه. # وأما ثالثا فقد يراد به كونه موصوفا به، كما يقال: لهذا المحل آن يسود ويتحرك. السواد ~~والحركة إذا كان موصوفا بهما وليس لغيره ذلك إذا لم يكن موصوفا بهما، فصار محتملا لهذه ~~الأمور الثلاثة، فلا بد من بيان المقصود منها. # لأنا نقول: الغرض بقولنا في الحسن إن له أن يفعله، أنه مأذون له في فعله عقلا فيما ~~يقتضيه تحسين العقل أو شرعا فيما يقتضي حسنه الشرع. والغرض بقولنا في القبيح: ليس ~~للقادر عليه أن يفعله، أي أنه ممنوع منه ومزجور عن فعله عقلا أو شرعا في المحرمات ~~العقلية والشرعية، فهذا ما لخصناه من كلامه، وأقوى ما يرد على أبي الحسين في تعريفه ~~القبيح بقوله ما ليس للقادر عليه المتمكن من العلم بقبحه أن يفعله، أمران: ~~أما أولا فلأنه أدخل القبح ms286 في حد القبيح، ولو كان القبح معلوما لكان القبيح معلوما ~~غنياعن التفسير، وفي هذا إحالة المجهول على مجهول مثله. PageV00P363 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~و أما ثانيا فهو أن ترك الواجبات من جملة القبائح، وهو غير داخل في الحد؛ لأنه لا يصح ~~ان يقال فيه إنه ليس للمتمكن منه أن يفعله، فإن الترك عدم، وهو لا يفعل: ~~ويرد على تعريفه الحسن بقوله ما للقادر عليه المتمكن من العلم بحاله أن يفعله، ترك ~~القبائح، فإن ذلك من جملة المحسنات، وليس فعلا، وإنما هو عدم محض، والحق أنا إذا ~~عولنا على هذين الحدين في تعريف ماهية القبيح والحسن أن نقول في حد القبيح هو ما ليس ~~للقادر عليه المتمكن من العلم بحاله الاتيان به، وفي حد الحسن ما للقادر عليه المتمكن من ~~العلم بحاله الاتيان به، فيكون فيه وفاء بالبغية من معرفة ماهيتهما، وخلاصا من الدرك ~~الذي ذكرناه. # وثانيها حقيقة المدح والذم. # أما المدح فقد حده صاحب المعتمد بأنه قول ينبى عن ارتفاع حال الغير مع القصد إلى ~~ذلك قال: وإنما قلنا مع القصد إلى ذلك؛ لأن اليهودي إذا قال ليهودي مثله: يا يهودي. لم ~~يوصف ذلك بأنه ذم، لما لم يقصد به وضع حاله، ولو قال له مسلم: يا يهودي. كان ذما له؛ ~~لأن المسلم يقصد الوضع من حاله. # لا يقال: لفظ الارتفاع والإيضاع إنما يستعملان حقيقة في الأجسام عند تنقلها من أعلى ~~إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى، واستعمالهما في غيرها على سبيل المجاز، والتعريف بالأمور ~~المجازية خطأ، لا يوصل إلى المفهوم، ويجب الاحتراز عن الألفاظ المجازية في الحدود. # لأنا نقول: أما كون لفظهما مجازا فلا ننكره، ولكن نقول: إنما يكون خطأ ويجب الاحتراز ~~عنه في الحدود إذا كان التحديد بالأمور المجازية غريبا لا يوصل إلى الغرض، فأما إذا كان ~~مفهوما متبادرا إلى الفهم فلا، وها هنا الارتفاع والايضاع في تعريف المدح والذم مفهومان ~~عند العقلاء، فلا خلل في التعريف بهما. PageV00P364 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~وثالثها البحث عن ماهية ms287 الظلم. # فانه مما تمس الحاجة إلى فهمها، وقد ذكر صاحب المعتمد في حده بأنه ضرر ليس ~~بمستحق وليس فيه نفع ولا دفع ضرر أعظم منه، معلوم أو مظنون، ولا يكون مفعولا في ~~مجرى العادة على جهة الدفع عن النفس. # والعجب من الشيخ محمود من إغفاله في تعريف حقيقة الظلم لأمرين: ~~أما أولا فلأنه لم يذكر تقييد المنفعة بكونها أكبر، ولا بد منه، وإلا لزم ألا يوجد ظلم في ~~العالم على حال؛ لأن كل ظلم فإن الله يضمن للمظلوم عوضا مساويا لإجراء الضرر من ~~غير زيادة ولا نقصان، وإذا كان الأمر كذلك لم يخل شيء من المضار عن المنافع، فلو لم يعتبر ~~في المنفعة أن تكون زائدة لوجب ألا يكون للظلم وجود أصلا. # وأما ثانيا فلأنه لم يذكر أيضا كون الضرر في الحكم كأنه من جهة غير فاعله، ولا بد من ~~ذكره، وإلا لزم أن يكون إلقاء الصبي في النار ظلما من الله تعالى، وهو باطل. فالأحسن إذا ~~في تعريفه أن يقال: إنه ضرر عار عن جلب منفعة أكثر منه أو دفع مضرة أعظم منه مظنونين ~~أو معلومين، أو استحقاق من غير أن يكون في الحكم كأنه من جهة غير فاعل الضرر. قلنا: ~~ضرر. نعني به الألم والغم وما يؤدي إليهما، وقلنا: عار عن جلب منفعة أكثر منه، احترازا ~~عن الآلام المحتملة لاكتساب المغانم والآداب، وقلنا: أو دفع مضرة، احترازا عن قطع اليد ~~لاصلاح جميع البدن، وقلنا: معلومين أو مظنونين، العلم والظن سيان في ذلك، وقلنا: أو ~~استحقاق، احترازا عن إنزال العقوبات بمستحقيها، فلا يكون ظلما من فاعلها لمكان ~~الاستحقاق. وقلنا: من غير أن يكون في الحكم كأنه من جهة غير فاعل الضرر، احترازا ~~عمن ألقى صبيا في النار ليحترق، فإنه في الحكم كأنه من جهة الملقي، فلا يكون من فاعل ~~الضرر، ولا يحتاج إلى قولنا من غير أن يكون في الحكم كأنه من جهة المضرور؛ لأنه يذكر PageV00P365 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~احترازا عمن أتى ليقتل إنسانا فقتله، فإن هذا ms288 الضرر ليس من فاعله لما كان في الحكم كأنه ~~من جهة المضرور، وهذا لا يحتاج إلى ذكره؛ لأنه يدخل في قيد الاستحقاق أو في قولنا كأنه ~~في الحكم من جهة غير فاعل الضرر، لا نحتاج إلى إفراده بالذكر. # لا يقال: إنكم تدعون أن العلم بقبح الظلم ضروري، والعلم بقبح الظلم مسبوق ~~بالعلم بحقيقة الظلم، فكان يجب أن يكون العلم بحقيقة الظلم ضروريا، ليتم ما ذكرتم، ~~فلو كان الظلم عبارة عن الضرر المقيد بهذه القيود الكثيرة لكان يلزم أن يكون حاصلا لكل ~~أ حد، والمعلوم أن العلم بذلك لا يحصل إلا للعلماء وأكابر الأفاضل، فكيف يمكن ادعاء ~~العلم الضروري بقبحه. # لأنا نقول: من علم الضرر بهذه القيود علم قبحه، ومتى انخرم واحد منها لم يعلم قيحه، ~~وهذا يدل على أن العلم بقبح الظلم متوقف على هذه القيود، سواء كان علمه بقبحه ~~ضروريا أو نظريا. # اعلم أن الضرر يطلق في حقيقة الظلم ويندرج تحته أمور عشرة: ~~أما أولا فالألم كالضرب. وأما ثانيا فالغم كما في الشتم. وأما ثالثا فمنع اللذة كمنع ~~الرجل عن أكل الطعام الذي يملكه أو وطي جاريته. وأما رابعا فمنع السرور كمنع الرجل ~~عن لقاء أحبته وأصدقائه. وأما خامسا فإزالة اللذة كإخراج الطعام من فيه. وأما سادسا ~~فإزالة السرور كابعاد من يستر بمواصلته. وأما سابعا فمنع ما يؤدي إلى اللذة كالمنع من ~~الاكتساب. وأما ثامنا فمنع ما يصحح اللذة كأخذ ماله. وأما تاسعا فمنع ما يؤدي إلى ~~السرور كالمنع من الهبة والصدقة. وأما عاشرا فكالمنع مما يصحح السرور كالوداد. # فهذه الأمور العشرة مرادة بقولنا: ضرر. ومندرجة تحته، فهذا ما أردنا ذكره مما تمس إليه ~~الحاجة في ماهيات هذه الأمور. PageV00P366 # ============================================================ ~~الشهيد ش معالمر العدل والنرحيد ~~الفصل الثاني في الاستدلال على تقبيح العقل وتحسينه ~~واعلم أنهم قد ساعدونا على أن العقل يقضي بالقبح والحسن بمعنيين: ~~أحدهما ملاءمة الطبع ونفاره. والثاني كون الشيء على صفة كمال ونقص، فهذا القدر قد ~~ساعدونا في أن مستنده العقل، والذي لم يقع عليه المساعدة هو القبح ms289 والحسن بالمعنى ~~الثالث، وهو كون الفعل جهة للمدح والذم عاجلا وللثواب والعقاب آجلا، فعندنا أن ~~القبح والحسن يقضي بهما العقل ضرورة بهذا المعنى كما يقضي بالأمور البديهية، وعندهم أن ~~العقل لا يقضي بها، وإنما مستندها الشرع بالأمر والنهي وسائر وجوه الخطاب. # فحاصل مذهبهم فيها من المصالح والمفاسد، فأما إذا لم يكن فيها إرشاد إلى مصلحة لم ~~يكن لذلك صحة عند العقل ولا يلتفت إليها، ولا نجد ذلك من أنفسنا ضرورة ولا دلالة، ~~فهذه خلاصة مذهبهم فيما يقضي به العقل في القبح والحسن، وإذا أردنا الاستدلال على ~~ذلك قلنا: معهم مقامات ثلاثة: ~~المقام الأول أنا ندعي العلم الضروري في أصل تقبيح العقل وتحسينه، وهذه هي طريقة ~~الشيخ أبي الحسين وأصحابه، فإنهم اتفقوا على دعوى العلم الضروري بقبح هذه الأمور ~~وحسنها، وقرروا ذلك بأن العقلاء يعلمون ضرورة قبح الضرر الخالي عن جهات ~~الاستحقاق وقبح تكليف الأعمى الكتابة الحسنة، والزمن الطيران، وكفران النعم، وإيلام ~~البريء وظلم الخلق، والبذاء والتفحش وسائر القبائح، ويعلمون ضرورة بعقولهم حسن ~~شكر المنعم وإنقاذ الغرقى والهلكى، وحسن التفضل، ومحامد الشيم، واكتساب الفضائل، ~~ويقولون: من أنكر حسن هذه الأشياء وقبحها فقد كابر عقله وجحد الضرورة. وليس هذا PageV00P367 ~~============================================================ ~~النمهيل شح معالمر العدل والنوحيل ~~الاستقباح لأجل عرف أو شرع، فإنهما حاصلان لمن لا يعرف الشرع ولا يقرؤه ~~كالبراهمة(1) والملاحدة، فإذن هي حاصلة بمجرد العقل. # فهذا ملخص ما ذكروه، لا يقال: إنا لا ننكر العلم بقبح هذه الأمور وحسنها، ولكن ~~نقول: إنها أمور مشهورة وآراء محمودة عند العقلاء تنغرس في مبدأ الصبا وأوائل النشوء، ~~ال وربما ينشأ من التسالم وطيب المعاشرة، وربما يحصل من الجبن والرقة، ولاستقباحها ~~واستحسانها أسباب كثيرة لا تنضبط وليست آمورا بديهية يقتضيها العقل بصريحه كما ~~يقتضي سائر الأمور البديهية. # لأنا نقول: هذا فاسد لوجهين: ~~أما أولا فإن كان الغرض بقولهم إن هذه القضايا مشهورة على معنى أن العقول قاضية ~~بحسنها وقبحها، فهذا هو المطلوب. وإن كان الغرض آنها اشتهرت بين العقلاء وألفتها ~~طباعهم وانغرست في قلوبهم محبتها والميل إليها ms290 من غير علم بحسنها وقبحها، فهذا هو ~~النكر والشناعة، فإنا على علم ويقين من حال العقلاء في رسوخ هذه القضايا في عقولهم ~~وتحققها في أفهامهم، لا لبس عليهم فيها كسائر الأمور الضرورية من البدائه وغيرها، مع ~~أنا لا ننكر أن العلوم متفاوتة في الظهور والخفاء، ولكنها مستوية في التحقق والثبوت. # وأما ثانيا فليس سعينا معهم إلا في بيان أن هذه القضايا مقررة في الأذهان متحققة في ~~العقول، فإذا ساعدونا على هذا التحقق فقولهم بعد ذلك إنها قضايا مشهورة وآراء محمودة ~~وانها تنغرس في الصبا وأوائل النشوء لا يضرنا بعد تسليم كونها عقلية، وعلى الجملة فنحن ~~نقول: إن هذه القضايا مقررة في العقول وهم يزعمون أنها مشهورة بين العقلاء ونحن ~~- البراهمة هم المنكرون للنبوات أصلا، منهم من يميل إلى الدهر ومنهم من يميل إلى مذهب الثنوية ويقول ~~بملة إبراهيم عليه السلام. PageV00P368 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنرحيد ~~نقول: إن النفرة عن هذه المقبحات نفرة عقلية. وهم يقولون: إنها نفرة طبيعية. مع الاتفاق ~~منا ومنهم على أن موردها العقل ومستندها الضرورة، كما ذكره المحققون من متأخريهم. # وأنت إذا تحققت هذا منا ومنهم عرفت أن الخلاف بيننا وبينهم في هذه القضايا يقرب ~~أن يكون لفظيا. # المقام الثاني للذين حاولوا إثبات القبح والحسن العقليين بالاستدلال والإلزام، وهذه ~~طريقة الشيخ أبي هاشم وأصحابه وأدلتهم نوعان: ~~فالنوع الأول يقتضي أن القبح والحسن أمور عقلية، وذلك من وجوه ثلاثة: ~~الأول أن من استوى عنده الصدق والكذب من جميع الوجوه سوىى كونه صدقا وكذبا، ~~ثم قيل له: إن صدقت أعطيناك درهما وإن كذبت أعطيناك درهما. فإنه لا محالة يرجح ~~الصدق على الكذب، فلولا أن الصدق مختصا بما يقتضي الترجيح وإلا لما وجب فيه ذلك، ~~ال وليس ذلك إلا كونه حسنا. # الوجه الثاني أن الملك العظيم إذا رأى ضعيفا مشرفا على الهلاك في برية ليس فيها أحد ~~فإنه يميل قلبه إلى إنقاذه ويستحسنه بكمال عقله، وإن فرضنا أنه كافر لا يتدين بدين ولا ~~يعتقد إلها حتى لا يقال إنه ينتظر ms291 ثوابا، وفرضنا كونه في برية لا يرى فيها أحدا حتى لا يقال ~~انه ينتظر مدحا ولا مجازاة ولا ينتظر شكرا، ولا هو مما يلائم طبعه ويلتذ به؛ لأنه ربما تعب ~~بانقاذه من تلك الهلكة. # الوجه الثالث استحسان مكارم الأخلاق والتحلي بمحاسن الشمائل والتخلق ~~بالأوصاف الشريفة، وعكس هذه الأمور من البذاء والفحش والتفاحش والتخلق ~~بالأخلاق الردية، فقبح هذه الأمور وحسنها لا ينكرها عاقل إلا عن عناد وجحود. PageV00P369 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~النوع الثاني يقتضي بطلان كونها أمورا شرعية، وذلك من وجوه: ~~أولها وهو الأقوى أنه لو كان قبح هذه الأشياء وحسنها كما زعموه ثابتا من جهة الشرع ~~لما قبح من الله تعالى شيء، ولو كان الأمركما قالوه لما قبح من الله تعالى إظهار المعجزة على ~~الكذابين، وتجويز ذلك يسد باب معرفة النبوة؛ لأن مستند الفصل بين الكاذب والصادق ~~ليس إلا أن الله تعالى لا يفعل القبيح، فلا يليق بحكمته تصديق الكذابين، فإذا كان لا يقبح ~~منه قبيح لم يقطع بأنه لا يصدق الكذابين مع أنه لا يقبح منه أيضا. # وثانيها أنه لو كان القبح والحسن ثابتين بالشرع لحسن من الله تعالى الأمر بالكفر ~~وتكذيب الأنبياء وتعظيم الأصنام والنهى عن الصدق والإحسان وشكر المنعم. # وثالثها أنه لو كان القبح والحسن بالشرع لتوقف وجوب الواجبات على مجيء الشارع، ~~ولو كان الأمر كذلك لزم إفحام الرسل؛ لأن النبي ادعى الرسالة وأظهر المعجزة، فللمدعو ~~أن يقول: إنما يجب علي النظر في معجزتك بعد معرفتي أنك صادق، فأنا لا أنظر إلى معرفة ~~صدقك حتى لا يجب على امثال الأمر. وفي ذلك إفحامهم وبطلان المقصود بإرسالهم. # ال ورابعها لو كان حسن الأفعال لأجل الأمر من جهة الشرع لوجب ألا يكون في أفعال ~~الله حسن بكل حال؛ لأن الحسن إنما هو لأجل الأمر، والأمر في حقه تعالى محال. ولو كان ~~القبح لأجل النهي لكان أحدنا إذا نهى غيره عن العبادة والإنصاف والتفضل يقتضي ~~قبحها، وهذا باطل قطعا ويقينا. # وخامسها لو لم يكن الحسن والقبح معلومين بالعقل لما ms292 جاز إسناد الأحكام إلى المصالح، ~~وهذا يسد باب معرفة القياس، وهو مقطوع به، فتحريم القتل وشرب المسكر والربا ~~والسرقة ونصب هذه العقوبات لمن اقتحمها إنما هو رعاية لمصالح الخلق وهداية لهم إلى PageV00P370 ~~============================================================ ~~السهيل شح معالم العدل والنوحيل ~~المراشد، كما نبه عليه تعالى في قوله: (ولكم في القصاص حياة)(1)، وقوله: (إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر) (2) وبقوله: (ولا تقربوا الزنى ~~إنه كان فاحشة وساء سبيلا)(3)، فلا يكاد يخلو شرع مهد بساطه عن هذه الاستصلاحات. # فهذه زبدة أدلتهم وما عدا ما ذكرناه فيه تكرير وتطويل، فيجب الاكتفاء بهذا القدر. # المقام الثالث إذا ثبت ما ذكرناه من قضاء العقل بقبح هذه الأمور وحسنها، فقبحها ~~وحسنها إنما بينا لأمور راجعة إليها، ويدل عليه مسالك: ~~الأول أنا متى علمنا هذه الوجوه - أعني كون الضرر ظلما وكون الخير كذبا وكذلك ~~ن شكر المنعم وحسن التفضل - علمنا قبحها وحسنها، وإن لم نعلم شيئا آخر، ومتى لم ~~نعلم هذه الوجوه لم نعلم القبح، وإن علمنا كل شيء. فلما دار القبح مع هذه الوجوه وجودا ~~وعدما علمنا أن القبح معلل بهذه الأمور، فإذا تقرر ذلك فلو صدر من الله تعالى مثل هذه ~~الوجوه وجب أن يحكم بقبحه لوجود علة القبح فيه. # لا يقال: لم لا يجوز في القبح وإن كان دائرا مع هذه الوجوه وجودا وعدما ألا يكون ~~معللا بها، ولكنه معلل بأمر آخر. وإذا كان هذا محتملا بطل قولكم أن القبح معلل بهذه ~~الوجوه. # لأنا تقول: هذا فاسد وبيانه بوجوه ثلاثة: ~~- سورة البقرة: آية 179. # 2- سورة المائدة: آية 91. # 3 سورة الإسراء: آية 32. PageV00P371 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالر العدل والنوحيل ~~أما أولا فلأنا قد قررنا أنا متى علمنا هذه الوجوه علمنا قبحها، وإن لم نعلم شيئا آخر. # ال ومتى لم نعلم هذه الوجوه لم نعلم القبح وإن علمنا سائر الأشياء. فلو كانت علة القبح أمرا ~~وراء هذه الوجوه مغاير لها لم يلزم من مجرد العلم بهذه الوجوه العلم بالقبح. # وأما ثانيا فلأنه لو جاز فيما يدور مع ms293 الشيء وجودا وعدما إسناده إلى غيره لزم إسناد ~~المتحركة إلى غير الحركة، وإن كانت تدور معها وجودا وعدما، وذلك يفتح باب التشكيك ~~في العلل والمعلولات، فلو جاز مع دوران القبح على هذه الوجوه وجودا وعدما إسناده إلى ~~غيرها لزم ما ذكرناه: ~~وأما ثالثا فنقول: إن ذلك المقارن الذي جوزتموه إما أن يمكن انفكاكه عن هذه الوجوه ~~أو انفكاكها عنه أو لا يمكن، فإن أمكن انفكاكه عنها أو انفكاكها عنه لم يكن القبح دائرا ~~مع هذه الوجوه وجودا وعدما، وقد فرضناه دائرا معها، هذا خلف، وإن لم يمكن انفكاكه ~~عنها ولا انفكاكها عنه فحيث حصل تلك الوجوه حصل ذلك المقارن، فكانت علة القبح ~~حاصلة، وهو المطلوب. # المسلك الثاني إذا وقع الضرر من القادر عليه المتمكن بحاله فلا يخلو من وجهين: ~~فقد يقع ولا يكون قبيحا كقطع اليد في صلاح جميع الجسم وكضرب الصبي للأدب، ~~وتحمل المرء السفر ومشقته لطلب الربح وغير ذلك. # وقد يقع ويكون قبيحا إذا كان خاليا عن نفع آو دفع ضرر أو عن أحد وجوه ~~الاستحقاق، فلا بد من فاصل بين أن يكون الضرر قبيحا وبين ألا يكون قبيحا؛ لأنه لو لم ~~يختص بأمر لأجله كان قبيحا وإلا لكان يختصه بالقبح دون سائر الأحكام ترجيحا لا ~~لمرجح، وإنه باطل. وليس ذلك إلا كونه ظلما؛ لأن كل شيء قدرناه وجها في قبحه أمكن ~~حصول قبحه من دونه، فيجب آن يكون الوجه في قبحه كونه ظلما. PageV00P372 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيد ~~المسلك الثالث ليس يخلو إسناد هذه الأحكام أعني القبح والحسن والوجوب وسائر ~~أحكام الأفعال المتفق عليها من وجوه ثلاثة: ~~اما أن تكون مضافة إلى الوجوه التي تقع عليها كما ذكرناه. أو تكون مضافة إلى الأمر ~~والنهي أو تكون مضافة إلى كوننا مملوكين ومربوبين، كما ذكروه. والأول هو المطلوب. # والثاني باطل لأمرين: ~~أما أولا فكان يلزم ألا نعلم قبح هذه الأمور وحسنها إلا من علم الأمر والنهي؛ لأنهما ~~الأصل عند مخالفينا في قبح المقبحات وحسن المحسنات، ووجه في قبحها وحسنها، ms294 فيجب ~~أن يكون العلم بالقبح والحسن مترتب على معرفة الأمر والنهي ومسبوق بالعلم بهما، فيلزم ~~فيمن لا يعرف النهي ولا الناهي ولا الأمر ولا الآمر كالملاحدة والبراهمة ألا يتحقق قبح ~~هذه الأمور وحسنها، وبطلان ذلك معلوم ضرورة. # وأما ثانيا فلو كان القبح والحسن لمكان الأمر والنهي لكان يجب لو أمر الله بالظلم ~~والكذب والإساءة وكفران النعم وجحود الإحسان وسب الأنبياء أن يكون حسنا لمكان ~~أمره، وإنه لو نهى عن الايمان به وعن الشكر والإحسان وبر الوالدين وتعظيم الأنبياء أن ~~تكون هذه الأمور قبيحة لمكان نهيه، ونحن نعلم ضرورة من عقولنا قبح هذه القبائح وإن ~~تعلق الأمر بها، وحسن هذه المحسنات وإن تعلق النهي بها، وهذا يدل على أنه لا تأثير ~~للأمر والنهي في حسن الأشياء وقبحها. # والثالث أيضا باطل لوجهين: ~~أما أولا فلأن نسبة أفعالنا إلى هذه الحالة وهي كون الواحد منا مملوكا مربوبا نسبة ~~واحدة، فكان يلزم أن تكون أفعالنا حسنة كلها أو قبيحة كلها أو واجبة؛ لأن كونه مخلوقا PageV00P373 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~ومربوبا معها على سواء، فيجب آن يكون حاصله على هذه الوجوه دفعة واحدة، وفي هذا ~~من التناقض والتنافي ما لا يخفى. # وأما ثانيا فكان يلزم فيمن لا يعرف هذه الحالة وهي كون الواحد منا مملوكا مربوبا ألا ~~يعرف القبح والحسن، ونحن على قطع ممن ينكر الصانع ولا يعترف به أنه يعلم هذه ~~الأحكام ويعترف بهذه القبائح والمحسنات، فثبت بما ذكرناه بطلان إضافة هذه الأحكام إلى ~~هاتين الجهتين اللتين عليهما تعويلهم، ووجب إضافتها إلى وجوه تقع عليها وتكون هي ~~المؤثرة في قبحها وحسنها. # المسلك الرابع طريقة ذكرها أبو الحسين، وحاصلها أنا نستفسرهم عن ماهية القبح وعن ~~ما لأجله يقبح القبيح، فيقال لهم: ما معنى قولكم إن الفعل قبيح؟ فإن قالوا: معنى ذلك ~~عندنا هو أنه فعل قد تعلق به النهي، قلنا: لو كان القبيح كما ذكرتم من كونه متعلق النهي ~~لوجب ألا يعلم القبيح إلا من علم النهي؛ لأن ذلك هو معنى القبح على قولكم، ms295 ونحن ~~نعلم ضرورة من حال العقلاء أنهم يعلمون القبيح وإن لم يخطر ببال أحدهم النهي، وكان ~~يجب إذا قبح القبيح لمكان النهي أن يكون الوجه في حسن الحسن تعلق الأمر به، فكان يلزم ~~الا تكون أفعال الله تعالى حسنة، وهذا نكر على قائله وشناعة. # فإن قالوا: معنى القبيح هو ما أخبر الله تعالى بقبحه قلنا: إن الخبر تابع المخبر عنه، فلا ~~بد من حصول القبيح بتمامه حتى يصح الخبر عنه، وإن قالوا: إن القبيح هو ما استحق ~~فاعله الذم، أو ماليس لفاعله أن يفعله. قلنا: هذا جيد، ولكن فلم استحق الذم بفعله دون ~~سائر الأفعال، فإن قالوا: لأجل تعلق النهي به، قلنا: فكان يلزم إذا نهى أحدنا عن ~~المحسنات أن تكون قبيحة، وإنه محال. فإن قالوا: إنه نهي مخصوص، فلهذا أفاد القبح دون ~~غيره. قلنا: الخصوصية تفيد أمرين: إما لأنه نهي قديم، أو لأن الناهي قديم، وكل واحد من ~~هذين لا تأثير لهما في القبح؛ لأن القبح هو أمر يختص الفعل، ويعود إليه سواء كان الناهي PageV00P374 ~~============================================================ ~~النمهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~قديما أو حادثا، وسواء كان النهي قديم أو حادث، ثم كان يلزم فيمن لا يعرف قدم النهي ~~والناهي ألا يعلم قبح هذه الأمور، وهو باطل كما قدمنا. فإن قالوا: إنما يقبح لأنه نهي من ~~مالك رب. قلنا: ولم إذا كان مالكا ربا يكون نهيه قبيحا. # فإن قالوا: إنما يقبح لأنه منعم. قلنا: ولم إذا كان منعما بأصول النعم يكون نهيه قبيحا، ~~فإن قالوا: قبح نهيه لا يعلل، قلنا: فلم يكن ليقبح لا لأمر بأولى من أن يحسن لا لأمر، فيلزم ~~أن يكون قبيحا حسنا لا لأمر، وهذا كله محال، فبطل قولهم بأن القبيح إنما كان قبيحا لأجل ~~النهي: ~~المسلك الخامس ذكره بعض أصحاب أبي هاشم، وحاصله أنا قد علمنا تباين هذه ~~الأفعال واختلافها، ففيها ما يستحق الذم بفعله وهو القبيح، وفيها ما يستحق الذم بتركه ~~وهو الواجب، وفيها ما يستحق المدح بفعله ولا يستحق الذم بتركه وهو المندوب، وفيها ms296 ما ~~لا يستحق المدح بفعله ولا يستحق الذم بتركه ولا يترجح فعله على تركه وهو المباح، ~~فنقول: اختلاف هذه الأفعال على هذه الوجوه لا يخلو إما أن يكون لأمر أو لا لأمر، ~~وباطل أن يكون اختلافها لا لأمر؛ لأن اختلاف هذه الأفعال أمر معقول متميز، فلا يمكن ~~أن يقال إنه ثبت بعد أن لم يكن ثابتا لا لأمر، وإن كان اختلافها ثابتا لأمر فذلك الأمر لا ~~يخلو إما أن يكون هو ذواتها أو أمر خارج عن ذواتها، وباطل أن يكون هو ذواتها، وإلا ~~لكان يلزم أن تكون كلها واجبة معا أو قبيحة كلها، ولكان يلزم أن تجتمع لها هذه الأحكام ~~كلها، فيكون كل فعل منها واجبا قبيحا بذيثا مباحا مكروها، وهذا محال، فبطل أن يكون ~~اختلافها لذاتها. وإن كان اختلافها لأمر خارج عن ذاتها فلا يخلو إما أن يكون فاعلا أو ~~علة، وباطل أن يكون فاعلا؛ لأن الفاعل لا أثر له في ذلك، وإلا لكان يلزم أن يجعل الظلم ~~حسنا والعدل قبيحا، وباطل أن يكون ذلك علة؛ لأن العرض لا يقوم بالعرض ولا يختص ~~به فإذا بطلت هذه الأمور لم يبق إلا أن المؤثر في اختلافها وتباينها في أحكامها وقوعها على PageV00P375 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وجوه مختلفة كما قلناه، فثبت بما ذكرنا أن قبح هذه الأفعال وحسنها لأمور عقلية راجعة ~~اليها، والحمد لله. # الفصل الثالث في الكلام عليهم ولهم في إنكار التقبيح والتحسين بالعقل طريقان: ~~الطريقة الأولى مجملة، ودلالتها من وجوه ثلاثة: ~~الأول قولهم: إنا لا ننازعكم في أن العقلاء يستحسنون أمورا ويستقبحون أمورا قبل ~~ال ورود الشرع، ولكن الاستحسان والاستقباح قد يكون لأمور أربعة: ~~أما أولا فقد يكون لأجل ميل الطبع ونفاره، كاستحسان العدل واستقباح الظلم. # وأما ثانيا فقد يكونان لأجل دفع الضرر عن النفس، كمن يشاهد حيوانا في بلية ومحنة، ~~فإنه يتأذى من مشاهدته في تلك المحنة والبلية، فلا جرم يستحسن إنقاذه من البلاء؛ لأن ~~الانقاذ يتضمن دفع الضرر عن نفسه، ويستقبح تركه لما فيه من الضرر ms297 على نفسه. # ل و أما ثالثا فقد يكون لأجل اتفاق العالم على المنع منه؛ لأجل أن مصلحة العالم لا تنتظم ~~إلا بالمنع منه كقبح الكذب. # فهذه الوجوه الثلاثة لا ننكر كونها ثابتة بالعقل وأنه مستندها، وإنما النزاع في وجه رابع ~~غير هذهه وهو كون هذه الأمور مستندا للمدح والذم عاجلا وللثواب والعقاب آجلا، فلا ~~يلزم من اتفاق العقلاء على مطلق الاستحسان والاستقباح اللذين لم يقع فيهما نزاع اتفاقهم ~~على الاستحسان والاستقباح اللذين وقع النزاع فيهما. # والكلام عليهم فيما توهموه يجري في طرفين PageV00P376 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الطرف الأول أن هذه الأحكام يقضي بها العقل ويعترف بها، وهو إطباق العقلاء ~~ومذهب جماهير العلماء، وذهب الأشعرية وداود(1) وطبقته من أهل الظاهر إلى أن هذه ~~الأحكام لا تعلم عقلا، وإنما طريقها الشرع، وأن المرجع بهذه الأحكام ليس إلا تعلق ~~الخطاب بها، فالواجب عندهم ما قيل افعلوه، والقبيح ما قيل لا تفعلوه، وإن المندوب ما ~~قيل افعلوه ولا حرج عليكم في تركه، والمباح ما لم يؤمر بفعله ولم ينه عن تركه، وليس ~~للعقل فيها مدخل بحال، والذي يدل على صحة ما قلناه أمور: ~~منها أن العقلاء يعلمون بعقولهم حسن إرشاد الضال وهداية الحيوان، ويعلمون حسن ~~التفضل والإحسان والتكرم بعوارف الجود والنعم، وأن يقول أحدهم للأعمى وقد أشرف ~~على الهلاك بالوقوع في مهواة: يمنة أو يسرة. ويشترك في ذلك من نفر بالشرع ومن يجحده ~~من الملحدة والموجدة ~~ومنها أن العقلاء يعلمون بعقوهم حسن التنفس في الهواء والمشي في مناكب الأرض ~~لاستجلاب نفع أو دفع ضرر، ويعلمون بفطر عقوهم حسن شرب الماء، ثم يعلمون حسن ~~اصطناع المعروف وصلة الأرحام ونفع الجار وإعانة الملهوف وتنفيس الكروب وإيناس ~~الغريب ويعرفون حسن ذلك ولا يمترون فيه، ومن أنكر ذلك فقد دفع معلوما وأنكر ~~ظاهرا. # ومنها آنهم يستقبحون كافة قبح الظلم والاساءة وكفران النعم وجحودها ويستقبحون ~~الكذب والسفه والعبث، ويشترك في ذلك من يعترف بالشرع ومن ينكره، وكيف لا ونحن ~~- داود بن علي بن خلف الأصفهاني، أبو سليمان الظاهري ms298 (270ه(: أحد الائمة المجتهدين في الإسلام. تنسب ~~اليه الطائفة الظاهرية، وسميت بذلك لأخذها بظاهر الكتاب والسنة وإعراضها عن التأويل والرأي والقياس، ~~وكان داود أول من جهر بهذا القول وكان اكثر الناس تعصبا للإمام الشافعي، وقد نفى القياس في الأحكام ~~الشرعية وتمسك بظواهر النصوص. الزركلي: الأعلام 333/2، كحالة: معجم المؤلفين 139/4. PageV00P377 # ============================================================ ~~النسهي شح معالم العدل والتوحيل ~~لو فرضنا رفع أوامر الشرع ونواهيه عنا لعلمنا حسن التفضل واصطناع المعروف وقبح ~~الكذب والسفه والإساءة، ويعلم ضرورة أن رجلا لو أخذ يذم رجلا غيره على ما لا تعلق ~~له به كأن يذمه على أن السماء فوقه والأرض تحته من غير ما جرم ولا تقدم جناية، فإنهم ~~يقضون بقبح صنيعه معه ويذمونه على ما فعل معه، ولا يعللون ذلك بالنهي ولا بورود ~~الشريعة، ونجد ذلك من أنفسنا. # لا يقال: إن هذا الاستقباح والاستحسان إنما كان لنفرة طباعهم عن هذه الأمور، ~~وميلها إلى ما يلائمها، ونحن لا ننكر الاستقباح والاستحسان بالعقل بهذا المعنى: ~~لأنا نقول: إنا نعلم ضرورة أن العقل يستقبح أمورا وإن لم يكن فيها نفرة طبع. وبيانه ~~بوجوه: ~~أما أولا فهو أن أحدنا إذا كان له عدو وهو يحب نقصه ويشتهي ذمه وإسقاط مرتبته عند ~~الناس، فلو جعل أحدنا يذم عدوه هذا بأنه يعلم أن العشرة أكثر من الخمسة ويعلم أن ~~السماء فوقه والأرض تحته إلى ما أشبه ذلك ويذمه على أنه سخي وجواد وكريم، وفرضنا أنه ~~كان يذمه بصوت طيب حزين يلتذ به سامعه، فان العقلاء يستقبحون ذلك منه، حيث ذمه ~~بما لا يذمه العقلاء. # وأما ثانيا فالرجل العاقل إذا اعتقد أن العشرة نصف الخمسة وأن الإنسان حاصل في ~~جهتين إلى غير ذلك من الجهالات فإن اعتقاد هذه الأمور لا يضر أحدا ولا يشق عليه، ومع ~~ذلك فإن العقلاء يستقبحون ذلك. # وأما ثالثا فلأن العاقل إذا جعل يأمر الجمادات بالطيران في الهواء والمشي على الماء، ~~وجعل يذمها بأنها لا تطيعه في أوامره، وجعل يكلم الأحجار ويخاطب الأشجار، وفرضنا ~~أنه يكلمها ويخاطبها بصوت طيب ms299 حزين لذيذ، وأنه يستريح بذلك ويلائم طبعه، فإنه يقبح PageV00P378 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~منه ذلك الكلام مع أنه لا مضرة عليه فيه، وكذلك فإنا نعلم أنه يستحسن أمورا وإن كانت ~~لا تلائم طبعه، فإن العاقل يستحسن رد الأمانات إلى أهلها وإن كان يستضر بردها، ~~ويستحسن التفضلات وإنصاف المنعم وإن كان يشق عليه ويتعبه، فلو كان اشتهار هذه ~~القضايا لأجل ميل الطبع أو نفاره لوجب أن يشتهر عند الظالم حسن الظلم كما يشتهر عند ~~المظلوم قبح الظلم. # وبالجملة فمعتمدنا أن هذه نفرة يشهد ها العقل ويعترف بها، وعندهم آنها نفرة طبيعية، ~~فان كان غرضهم بالطبيعية هو ما قررناه من شهادة العقل بالقبح والحسن في هذه الأمور ~~فلا نزاع. وإن كان غرضهم غير ذلك فعليهم بيانه، وهم عنه عاجزون. # الطرف الثاني إذا ثبت أن طريق معرفتها العقل كما قررناه، وهي معلومة بفطرة العقل ~~وغريزته دون نظره وتفكره، فهذا هو مذهبنا وهو قول الجماهير من أهل العلم. # وذهب المتأخرون من الفلاسفة الإسلاميين كابن سينا وأبي نصر الفارابي إلى أن العلم ~~بقبح هذه المقبحات وحسن المحسنات ووجوب الواجبات ليس حاصلا بفطرة العقل ~~وضرورته، بل هذه القضايا يعبر عنها بالمشهورات، وحاصلها أمران: ~~أحدهما تكرر هذه الأمور على السمع في مبدأ الصبا، واتفاق الأكابر وجماهير الخلق على ~~قبولها لكثرة الإلف والاعتياد، واجتماع أهل البلدان عليها لاستصلاح معاشهم، فسارعت ~~النفوس إلى قبولها. # وثانيهما كونها من مقتضيات الأخلاق وأحوال الطباع من الرقة والحياء والجبن وغير ~~ذلك، ولو قدر الانسان نفسه وقد خلق عاقلا أنه لم يجر على اعتياد ولم يؤذن باصطلاح ولم ~~يأنس بأحد ولا بخلق ثم وردت هذه القضايا على ذهنه لأمكنه الامتناع عن قبولها والجري ~~على حكمها، وليست من باب ما يعلم بالضرورة كقولنا الاثنان اكثر من الواحد. PageV00P379 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~ومن علماء المسلمين من ذهب إلى هذه المقالة كالشيخ أبي حامد الغزالي، فإنه ذهب إلى أن ~~هذه القضايا ليست معلومة بفطرة العقل وغريزته، وإنما هي أمور مشهورة عمدتها الالف ~~والعادة وتتأيد بالأخلاق ms300 والطباع. # وهذا خطأ من هؤلاء، وركوب شطط فيما قالوه، ويدل على بطلان مذهبهم مسالك: ~~المسلك الأول أن المعيار الصادق بين ما بعد من العلوم الضرورية وما بعد من العلوم ~~النظرية هو أن ما كان معدودا من جملة الضروريات فإن العاقل يعلمه من غير اعتناء ولا ~~تقدم بحث، كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين وأن الكل اكثر من الجزء. وما كان نظريا فلا ~~بد فيه من العناية بتقديم مقدمات النظر وترتيبها وإعمال قوى النفس في طلب العلم ~~النظري بها، وفي علمنا بأن العاقل يعلم ما ذكرنا من حسن بعض الأفعال وقبح بعضها ~~ال ووجوب البعض من غير توقف على ترتيب مقدمات ولا سبق فكر أظهر دليل على أن ~~العلم بها ضروري: ~~المسلك الثاني لو كان العلم بهذه القضايا التي حكم العقل فيها بالحسن والقبح ~~والوجوب من باب النظر والاستدلال لجاز ورود الشبهة فيها، كسائر الأمور النظرية، فإن ~~من شأن ما كان معلوما بالنظر والاستدلال ورود الشبهة فيه، لا سيما مهما كثرت أصوله ~~وامتدت حواشيه، فإنه يجوز آن يسهو عن شيء منها، فيكون سببا لورود الشبهة فيه. # فلو قلنا بأن العلم بهذه القضايا نظري لجاز ورود الشبهة كسائر العلوم الاكتسابية، فكنا ~~نصدق من أخبرنا بأن أهل إقليم من الأقاليم سليمي العقول لا يفرقون بين الإحسان ~~والاساءة والانصاف والظلم والمصادقة والعداوة وبين من عاملهم بالبر والمناصرة وبين من ~~يعاملهم بقتل الآباء وانتهاك الحرم، ومن جوز ذلك فقد عاند وأصر على المكابرة وجاحد ~~وفي هذا أعظم دلالة على كونه ضروريا لا مرية فيه. PageV00P380 # ============================================================ ~~السهي شح معالمر العدل والتوحيل ~~المسلك الثالث من حق ما كان معلوما بالأدلة النظرية أن يكون مسبوقا بالعلم بقواعد ~~الاستدلال ومبادئ البرهان؛ ليكون وصلة إليه ودلالة عليه، وهذه القضايا التي ذكرناها ~~ليس لها أصول ترد إليها كالعلم بقبح الظلم والسفه والجهل وحسن الشكر والجود ~~والتفضل، بل هي حاصلة بفطرة العقل وغريزته، فلا تحتاج إلى فكرة ونظر، وهذا يوضح ~~كونها ضرورية. # المسلك الرابع اعلم قطعا بالضرورة أن العلم بهذه القضايا من قبح الفعل ms301 وحسنه ~~ووجوبه حاصلة للعوام والعجزة الذين قصروا عن بلوغ مراتب النظر، ولو كانت معلومة ~~بالأدلة النظرية لكان لا يعقل حصولها إلا للأذكياء وأفاضل العلماء وأهل القدم السابق في ~~بلوغ الغاية القصوى في تحصيل العلوم النظرية، فلما كانت حاصلة للمهملين لطرائق النظر ~~ثبت أنها ضرورية. # فأما ما يزعمه هؤلاء الفلاسفة من أن مستندها الشهرة وأحوال الطباع من الحياء والرقة ~~وغير ذلك فأما الشهرة فقد أوضحنا فساد قولهم في فصل الاستدلال، وأما الحياء فهر ~~خلق في الإنسان وفطرة فيه، وهو من الخصال الشريفة والطباع الحسنة، وملاكه أمران: ~~استقباح القبائح من الظلم والكذب والسفه والجهل، والدعاء إلى فعل الواجبات كقضاء ~~الدين ورد الوديعة وشكر النعمة. ولهذا يقال: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت. إشارة إلى أنه ~~هو المميز بين الحسن والقبيح والمحمود والمذموم من الأفعال. وله معنيان: ~~أحدهما أن يكون المراد به: إذا لم يكن فيك حياء يمنعك عن كل فعل مذموم فاصنع ما ~~شئت، فإنك لا تبالي بعد ذلك. # ثانيهما أن يكون المراد به: كل أمر لا تستحي عن الجهارة به فافعله، فإنه لا حرج عليك PageV00P381 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~فهذان المعنيان محتملان كما ترى، والأول هو السابق إلى الفهم، فإن كل من كان يستحي ~~فإنه يجتنب كثيرا من الأفعال، وإن من لا يستحي فلا يلوي على شيء من ذلك، وليس كمن ~~يقف به الحياء على فعل ما يجب وترك ما يقبح، وهذا لا يقدح فيما قلناه من أن العلم ~~بوجوب بعض الأفعال وقبح بعضها علم ضروري لا مرية فيه، بل من طبعه الحياء فهو ~~يريده مواظبة على فعل الواجبات وانكفافا عن القبيح، فكيف يقال بأن الحياء هو سبب في ~~عدم العلم بهذه القضايا وهو المؤكد لها والقاضي بوجوبها وحسنها وقبحها على التمام ~~والكمال، وليس العجب من هؤلاء الفلاسفة في إنكارهم هذه القضايا مع إنكارهم لما هو ~~أدخل منها في الجلاء والظهور كاطباقهم على إنكار الاختيار، والعلم به ضروري أولى، لا ~~مدفع له عند العقلاء، فإنهم يفرقون بين حركة اليد ونزول ms302 الحجر، وبعضهم أنكر الأمور ~~المحسوسة، وبعضهم أنكر العلم بالتواتر، فمن لا يرجى فلاحه في هذه الأمور الظاهرة ~~الجلية كيف يرجى فلاحه فيما هو دونها في الظهور، وليس إنكارهم هذه القضايا على ~~ظهورها وجلائها إلا كإنكار أصحاب السفسطة لحقائق المعقولات، فكما أن إنكارهم لا ~~يقدح في العلم بحقائق الأشياء وماهياتها فهكذا نقول: تمويه هؤلاء لا يطرق شكا علينا في ~~العلم بهذه القضايا الظاهرة التي عززها الله في الفطر وركبها في العقول. # إنما العجب كله من أبي حامد حيث وافقنا على العلم بجميع المدارك العقلية وخالفنا في ~~العلم بهذه القضايا، وقال: إن مستند الاستحسان والاستقباح ليس إلا ميل الطبع ونفاره. # فيلزم على سياق مذهبه هذا أن يكون الشيء الواحد حسنا قبيحا، فينبغي أن يكون الظلم ~~حسناب لأنه يلاثم طبع الظالم ويميل إليه، وأن يكون قبيحا؛ لأنه يسوء المظلوم وينفر عنه ~~طبعه، فيكون الشيء الواحد قبيحا حسنا، وهذا نكر على قائله وشناعة على ملتزمه. # لا يقال: كيف تدعون في العلم بهذه القضايا أنه ضروري مع اختلاف العقلاء في ذلك، ~~فالأشعرية زعموا أن طريق العلم بها من جهة الشرع، ولولا ورد الشرع بها لم يكن لنا إلى PageV00P382 ~~============================================================ ~~السهيل شح معالمر العدل والنوحيل ~~العلم بها طريق، والأوائل من الفلاسفة ذهبوا إلى أن طريقها الاستقراء والتصفح، ~~والمتأخرون من الفلاسفة ذهبوا إلى أن طريقها الشهرة، فكيف يقال إن العلم بها ضروري ~~مع اختلاف العقلاء. # لأنا نقول عن هذا جوابان: ~~أاحدهما أنه لم يقع الخلاف في كونها معلومة أو غير معلومة، بل قد اتفق الكل على أنها ~~معلومة، وإنما وقع الخلاف بينهم في مستند هذا العلم هل العقل أو الشرع أو الاستقراء أو ~~الشهرة، ومثل هذا يجوز أن يعرض اللبس فيه كما عرض اللبس للكعبي في مخبر التواتر فظنه ~~نظريا. # ال وثانيهما أنا لم نقل إن العلم بأنا عالمون بها ضرورة هو ضروري، بل نقول هو علم ~~نظري، فلهذا جاز ورود الخلاف فيه، فبعضهم يقول طريقه العقل، وبعضهم يقول طريقه ~~الشرع، فهذا هو الكلام على الوجه الأول مما ms303 أوردوه. # الوجه الثاني لو كان العلم بهذه القضايا ضروريا لوجب أن يكون معدودا في كمال ~~العقل، ولو كان معدودا في كمال العقل لما أنكره أحد من العقلاء كسائر العلوم المعدودة في ~~كمال العقل، من البدائه والمحسوسات، وهؤلاء الأشعرية قد أنكروا العلم بالقبح والحسن ~~عقلا، فضلا عن أن يكون العلم بها ضروري: ~~والجواب من وجهين: ~~أما أولا فهو أن المعدود في كمال العقل إنما هو العلم بقبح هذه القضايا وحسنها مطلقا، ~~وهذا لا ينكره أحد من العقلاء، فأما كون قبحها وحسنها معلومين بالعقل أو بالشرع فهذا ~~لا يعد في كمال العقل. PageV00P383 # ============================================================ ~~النمهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وأما ثانيا فلأن الذين أنكروا العلم بالقبح والحسن عقلا وهم عدد يسير يجوز عليهم ~~التواطؤ على الكذب على نفوسهم، والممتنع التواطؤ على الكذب من العدد الكثير، فأما ~~القليل فلا. # الوجه الثالث أنا إذا عرضنا على العقل أن الواحد نصف الاثنين وأن العشرة أكبر من ~~الواحد وعرضنا عليه حسن هذه القضايا وقبحها لم نجد جزم العقل في هذه الأمور مثل ~~جزمه بالقضية الأولى. # والجواب أن كل واحد منهما معلوم بضرورة العقل، ولا ننكر كون أحدهما أجلى من ~~الآخر، وكون غيره أجلى منه لا يخرجه عن أن يكون معلوما بالضرورة. ألا ترى أن العلم ~~بأحوال النفس أقوى من الأمور المشاهدة، ولم تخرج المشاهدة عن أن تكون ضرورية، ~~فهكذا في ما قلناه، فهذا هو الكلام على ما أوردوه من شبههم على طريق الإجمال. # الطريقة الثانية لهم مفصلة. # وحاصلها إيراد كل واحد من المقبحات العقلية بعينه ويستدلون على إبطال قبحه لوجه ~~يعود اليه، ومجموعها آمور خمسة: ~~أولها الكذب، قالوا: والذي يدل على أنه غير قبيح لوجه يعود إليه أن جهة قبحه إما أن ~~تكون عائدة إلى مجموع الحروف أو إلى آحادها، والأول باطل؛ لأن مجموع الحروف لا ~~وجود له أصلا؛ لأن الحاصل منه داثما ليس إلا حرف واحد، وما لا وجود له يستحيل أن ~~يكون متصفا بصفة وأن يضاف إليه حكم، حتى يجعل تلك الصفة أو الحكم علة في ms304 القبح. # والثاني باطل أيضا؛ لأن كل ما كان كذبا كان خبرا، فلو كان كل واحد من الحروف كذبا ~~لكان كل واحد منها خبرا، وهذا معلوم بطلانه. PageV00P384 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنرحيل ~~وجوابه من وجوه: ~~أما أولا فلم لا يجوز أن تكون جهة القبح هي التلفظ بهذه الحروف المتقدمة بشرط ~~الفراغ من الحرف الأخير، وإذا كان هذا ممكنا بطل قولهم أنه لا وجه لقبحه. # و أما ثانيا فهو أن ما ذكرتموه إن كان يقدح في كون الكذب قبيحا لوجب أن يقدح في ~~كونه كلاما وخبرا وكذبا، فإنا تقول: الموصوف بكونه خبرا وكذبا إما أن يكون هو مجموع ~~الحروف أو آحادها، والقسمان باطلان، فيلزمكم أن يقدح في كونه كذبا وخبرا وكلاما مع ~~أن ذلك لا يمكن إنكاره. # وأما ثالثا فهب أنا سلمنا أن هذه الألفاظ غير متصفة بصفة القبح، ولكن نقول: ~~الموصوف بالقبح أمر وراء ذلك، وهو أن القائل إذا قال قام زيد فهذه الصيغة وضعت ~~للدلالة على حكم الذهن بنسبة القيام إلى زيد، فالموصوف بالقبح هو ذلك الحكم الذهني، ~~وهو موجود واحد يحصل دفعة واحدة، فهذا لا مانع منه. # وثانيها تكليف ما لا يطاق، قالوا: والذي يدل على أنه غير قبيح لوجه يعود إليه أمران: ~~أما أولا فهو أن الله تعالى موجد لأفعال العباد وخالق لجميعها، ومع ذلك فإنه كلفنا بها ~~وهي حاصلة بقدرته ومتعلقة بها، كما قررناه في خلق الأعمال. # و أما ثانيا فهو أنه تعالى أمر بما علم أنه لا يوجد منا، وأخبر أنه لا يوجد، وما علم أنه لا ~~يوجد وأخبر بأنه لا يوجد فوجوده محال، فيكون أمرا بالمحال، ولو كان قبيحا لما أمر به ولما ~~وجوابه أما الأول فقد مر جوابه في مسألة خلق الأعمال، فلا نعيده. PageV00P385 # ============================================================ ~~الشسبيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وأما الثاني فقد قدمنا أيضا أن خلاف معلومه تعالى ممكن ومقدور، ورددنا على عباد ~~قوله باستحالته بما فيه مقنع، وأيضا فتكليف ما لا يطاق غير متصور ولا معلوم، وما لا ~~ي علم ولا يتصور فلا ms305 يمكن دخوله في الوجود ولا يعقل التكليف به. # وثالثها الظلم، والذي يدل على أنه غير قبيح لوجه يعود إليه أن المقتضي لقبحه إما أن ~~يكون ذاته أو صفاته الثبوتية أو صفاته العدمية أو مجموع صفاته الثبوتية والعدمية، فالأول ~~والثاني باطلان؛ لأن قولنا ضرر فيه نفع أو دفع ضرر هو وجه في الحسن فلا يجوز أن يجعل ~~وجها في القبح. والثالث باطل أيضا؛ لأن الأمور العدمية لا تأثير لها. والرابع أيضا باطل؛ ~~لأن ليس جعل أحدهما شرطا والآخر مؤثرا بأولى من العكس، فيجب بطلانهما جميعا. # وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فلم لا يكون المؤثر في قبح الظلم هو نفس كونه ضررا، بشرط هذه القيود ~~العدمية، وهو الذي يدور عليها نفيا وإثباتا، فيجب أن تكون هي المؤثرة في قبحه. # وأما ثانيا فلأن حقيقة العالم مخالفة لغيرها من سائر الحقائق، فنقول: الذي وقعت به ~~المخالفة هو المؤثر في قبح الظلم من غير زيادة. # ال ورابعها الجهل، قالوا: فلو كان قبحه لأمر يرجع إليه لكان ذلك الأمر لا يخلو إما أن ~~يرجع إلى نفس الاعتقاد أو المعتقد أو مجموعهما، والأول باطل؛ لأن نفس الاعتقاد قد يكون ~~علما فلا يكون مؤثرا في القبح، والثاني باطل أيضا؛ لأن المعتقد أمر منفصل عن الاعتقاد، ~~فلا يكون مؤثرا في قبحه، والثالث باطل أيضا؛ لأن بالاجتماع يستحيل أن يكون كل واحد ~~منهما علة على حدة، وليس جعل أحدهما علة والآخر شرطا بأولى من عكسه، فيجب أن ~~يكون باطلا كله. PageV00P386 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل واللوحيل ~~وجوابه من وجهين: ~~أما أولا فلم لا يجوز أن يكون المؤثر في قبحه هو نفس الاعتقاد بشرط أن يكون معتقده ~~على خلاف ماهو عليه. # وأما ثانيا فقد تقرر أن حقيقة العلم مغايرة لحقيقة الجهل ومخالفة لها، وما وقعت به ~~المخالفة لا يمتنع أن يكون المؤثر في قبح الجهل. # وخامسها قالوا: إن كان العبث هو الذي لا داعي إليه، فالفعل من دون داع محال، وما ~~كان محالا لا يقال إنه قبيح، وإن كان العبث هو الذي ms306 لا غرض فيه، فالغرض على الله تعالى ~~محال لا يتصور في حقه، فصح أنه لا معنى لقبح العبث في حقه تعالى. # ال وجوابه أنا نسلم أنه لا بد من داع إلى الفعل، ولكن نقول: العبث هو ما يتعرى عن ~~داعي مثله، كمن تقدم إلى بلد ليبيع متاعه بعشرة، وهو يبتعه في بلد نفسه بعشرة، فكل ما ~~كان بهذه الصفة فهو قبيح، وقبحه هذا الوجه، وهو تعرية عن غرض مثله، فهذه هي ~~الأمور المشهورة التي زعموا فيها أنها لا تقبح لوجوه تعود إليها، وما عداها فالجواب عنه ~~سهل بعد الوقوف على ما ذكرناه. # الفصل الرابع في تقرير دلالة الحكمة ~~اعلم أنه لا خلاف بين أهل القبلة في أن الله تعالى موصوف بالحكمة في جميع ما صدر منه ~~من أقواله وأفعاله وأنها جارية على وجه المصلحة، وإنما يحكى الخلاف عن هؤلاء المجبرة ~~على طبقاتهم فإنهم يوافقوتنا لفظا ويصفون الله بالحكمة والعدل ويخالفوننا معنى، ~~اال ويقولون بأن جميع المعاصي وسائر الفواحش من فعل الله تعالى، وحاصلة بقدرته وإرادته ~~ال وهو المتولي لخلقها وايجادها تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وقالوا: إذا كان الله PageV00P387 ~~============================================================ ~~النسهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~تعالى لا يعقل منه قبح ويستحيل وقوعه من جهته فلا معنى للقول بأنه تعالى لا يفعل ~~القبيح وأنه منزه عنه لأجل الحكمةب لأن ما كان يستحيل وقوعه في نفسه لا يقال فيه إنه لا ~~يفعل لمكان الحكمة. # والكلام عليهم ها هنا متفرع على الكلام في مسألتي الحسن والقبح، وقد سلف القول ~~فيهما. # فإذا عرفت ذلك فنقول: لفظة العدل في مصطلح المتكلمين تطلق ويراد بها أمران: ~~أحدهما بمعنى الفعل وهو تنزيه الله تعالى عن فعل القبيح والإخلال بالواجب، وأن ~~أفعاله كلها حسنة. # ال وثانيهما بمعنى الفاعل وهو الذي لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب، وأفعاله كلها ~~حسنة، ولما كانت هذه جارية على هذين الوجهين، وكانت هذه الأوصاف الثلاثة أعني أنه ~~لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب وأفعاله كلها حسنة معتبرة في المعنيين جميعا فلا جرم ms307 رتبنا ~~الكلام في هذا الفصل على أصول ثلاثة: ~~الأصل الأول أنه تعالى لا يفعل القبيح. # وهو مبني على مقدمتين: ~~الأولى منهما أنه تعالى عالم بقبح القبيح وغني عن فعله وعالم بغنائه عنه. # والثانية أن من كان بهذه الصفة استحال منه فعل القبيح. # أما المقدمة الأولى فتقريرها ببيان أمور ثلاثة: PageV00P388 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~أحدها حسن الأشياء وقبحها. وثانيها كونه تعالى غنيا. وثالثها كونه تعالى عالما بكل ~~المعلومات حتى يجب أن يكون عالما بقبح القبيح وعالما بغنائه عنه. # وهذه الأمور الثلاثة قد مر بيانها. # وأما المقدمة الثانية وهو أن من كان بهذه الأوصاف فإنه يستحيل منه فعل القبيح، فبيانها ~~بطريقين: ~~أحدهما طريقة كلية وهي أن القادر لا يفعل ما يفعله إلا لداعي، فالداعي إلى فعل القبيح ~~ليس إلا جهل الفاعل بقبحه أو جهله بغنائه عنه أو حاجته إليه أو شهوته له، وهذه الأمور ~~كلها مستحيلة في حق الله تعالى، فلا جرم استحال منه فعل القبيح. وهذه طريقة الشيخ أبي ~~الحسين، وحاصلها أنه تعالى قد فقد داعيه وحصل صارفه عن الفعل، وكل من فقد داعيه ~~وخلص صارفه عن الفعل فإنه لا يفعله. وإنما قلنا إنه تعالى قد فقد داعيه إلى الفعل القبيح ~~وخلص صارفه؛ فلأن داعيه إلى فعل القبيح إما أن يكون داعي حاجة أو داعي حكمة، ~~والأول باطل لاستحالة المنافع والمضار عليه كما سلف. والثاني باطل أيضا؛ لأن ذلك ~~مترتب على كون الفعل حسنا دون أن يكون قبيحا. وأما خلوص صارفه فهو ظاهر؛ لأنه ~~تعالى إذا كان عالما بقبحه وعالم (1) بأنه تعالى غني لا يحتاج إلى شيء فقد خلص صارفه، وإنما ~~قلنا إن كل من فقد داعيه وخلص صارفه عن الفعل فإنه لا يفعله؛ فلأنه لو وقع والحال ما ~~ذكرناه لبطل وقوفه على حسب داعيته، وخرج عن كونه مقدورا له؛ لأن حقيقة الفعل ليس ~~إلا وقوفه على حسب الداعية. # - "عالم هكذا في الأصل. ويبدو أنه أراد فصلها عن الجملة السابقة، فليست بمعطوفة عل ""عالما7 الأولى ~~ولكن تقدير الكلام: هو عالم. ms308 حيث خرج بكونه عالما بغناه عن جملة الشرط "إذا كي تكون خبرية مطلقة. PageV00P389 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~الطريقة الثانية القياس، وتقريرها أن الواحد منا متى كان عالما بقبح القبيح وغنيا عنه ~~وعالما باستغنائه عنه فإنه يستحيل منه أن يفعله، وإنما لم يفعله لأجل هذه الأمور، وإذا ثبت ~~الحكم في الشاهد ثبت في الغائب. # فهذه أمور ثلاثة لا بد من كشفها وبيانها، وإنما قلنا إن الواحد منا لو كان عالما بقبح ~~القبيح وغنائه عنه وعالما بكونه غنيا عنه فإنه لا يفعله؛ فلأنه إذا قيل له: إن صدقت أعطيناك ~~درهما وإن كذبت أعطيناك درهما. وفرضنا أن الكذب والصدق مستويان من جميع الوجوه ~~وقدرنا أن الإنسان لم يخالط أحدا من الخلق ولم يعتقد مذهبا ولا يدين بدين ولا اعتقد ثوابا ~~ولا عقابا، فإنا نعلم بالضرورة أنه لا يختار الكذب على الصدق. وإنما قلنا إنه إنما لم يفعله ~~لأنه عالم بقبحه وغني عنه وعالم باستغناثه عنه؛ فلأنا نعلم قطعا آنه متى كان حاصلا على ~~هذه الأوصاف الثلاثة فإنه يستحيل منه فعله، ومتى قدرنا فقدها أو فقد واحد منها جاز أن ~~يفعله، فلما دار الحكم وهو استحالة فعل القبيح منه عليها وجودا وعدما كان ذلك هو ~~العلة؛ لأن الدوران طريق العلية. وإتما قلنا إن الحكم متى ثبت شاهدا وجب ثبوته في ~~الغائب؛ فلأن العلة متى حصلت بكمالها فإنه يستحيل تخلف الحكم عنها، ولما ثبتت هذه ~~الأمور في حقه على أتمه وأبلغه وجب ألا يكون فاعلا للقبيح، وهو المطلوب. # الأصل الثاني وهو أنه تعالى لا يخل بما هو واجب عليه في الحكمة. # فهو مبني على مقدمتين: ~~الأولى أنه تعالى قد توفر داعيه إلى إيجاده وعدم صارفه عن وجوده. # والمقدمة الثانية أن كل من توفر دواعيه إلى إيجاد الفعل وعدم صارفه فإنه لا بد أن يفعله ~~لا محالة. PageV00P390 # ============================================================ ~~الشبيل شرح معالمر العدل والتوحيد ~~بيان الأولى أنه تعالى عالم بوجوب الواجب عليه وعالم باستحقاق الذم على تركه، ولا ~~مشقة عليه تعالى في إيجاده لقدرته على كل الممكنات، ms309 ثم علمه أيضا بأن ترك الواجب ~~والإخلال به بمنزلة الإقدام على فعل القبيح يكون صارفا له عن الإخلال به، فثبت أنه ~~تعالى قد فقد صارفه وتوفر داعيه إلى فعل الواجب. # بيان المقدمة الثانية وهو أن كل من توفر داعيه وعدم صارفه فإنه لا بد أن يفعله لا محالة، ~~فتقريره بطريقين: ~~أاحدهما أن الفعل لو عدم والحال ما ذكرناه لبطل كون الفعل متعلقا بفاعله؛ لأن من ~~ه وقوفه على حسب داعيته وانتفائه بحسب صارفه. # وثانيهما بالرد إلى الشاهد، فإن الواحد منا متى توفر داعيه إلى الفعل وجب وجوده، ~~ومتى صرفه عنه صارف امتنع وجوده، وهلم جرا إلى تمام التقرير الذي ذكرناه في أنه تعالى ~~لا يفعل القبيح. # الأصل الثالث أن أفعاله تعالى كلها حسنة. # والذي يدل عليه أن أفعاله تعالى لو لم تكن حسنة لكانت قبيحة، وقد تقرر أنه لا قبيح ~~فيها، فثبت أنها حسنة. وإنما قلنا إنها لو لم تكن حسنة لكانت قبيحة؛ فلأنا نقول: الفعل ~~الواقع من العالم به لا يخلو إما أن يكون له فعله أو لا يكون له فعله، ولا واسطة بين هذين ~~الأمرين، فإن كان له فعله فهو الحسن، وإن لم يكن له فعله فهو القبيح. وإنما قلنا إنه لا قبيح ~~في أفعاله فلما قررنا من أنه تعالى عالم بقبحه وغني عنه، فهو لا يفعله. فثبت أن أفعاله كلها ~~حسنة، وثبت بتقرير هذه الأصول الثلاثة ما نرومه من إثبات الحكمة لله تعالى، والحمد لله. PageV00P391 # ============================================================ ~~النعهيل شح معالمر العدل والتوحيل ~~لا يقال: إن هذا الأصل الثالث لا فائدة في ذكره؛ لأنه إذا ثبت أنه تعالى لا يفعل القبيح ~~ولا يخل بالواجب فأفعاله لا بد من كونها حسنة، فلا معنى لايراده. لأنا نقول: في إيراده ~~غرضان: ~~أحدهما احترازا عما يعد يسيرا من الأفعال، وعما يقع من الساهي، فإن مثل هذا لا ~~ي وصف بحسن ولا قبح، فلا يعد من أفعاله تعالى؛ لاستحالة السهو عليه، واستحالة أن ~~يفعل فعلا لا غرض فيه. # ال وثانيهما أنا نذكره دفعا لكلام المجبرة ms310 حيث قالوا: إن الحسن ليس إلا ما أمر به والقبيح ~~ليس إلا ما نهى عنه، فأفعاله تعالى ليست حسنة ولا قبيحة بهذا المعنى، فتمهد بمجموع ما ~~ذكرناه أصل الحكمة. # القول في ضبط علوم العدل وحصرها وضبطها على وجهين: ~~الأول منهما جملي، وحاصله أنها تنقسم إلى نفي وإثبات، فالاثبات أن يعلم أن أفعاله ~~تعالى حكمة وصواب وأن أقواله حق وصدق يأمر بالمصلحة وينهى عن المفسدة ويريد ~~الطاعات ويكره المعاصي ويثبت أهل الطاعة إلى غير ذلك، والنفي هو أن يعلم أن الله لا ~~يفعل القبائح ولا يخل بشيء من الواجبات ولا يريد القبائح ولا يرضى الكفر ولا يحب ~~الفساد ولا يكره الطاعات ولا يكلف عباده ما لا يطيقونه ولا يعذب أحدا على غير ذنبه ~~ولا يظلم الناس شيئا ولا يأمر بالفحشاء ولا ينهى عن الإحسان والعدل وغير ذلك. # الوجه الثاني مفصل، وهي بالاضافة إلى خلاف الناس فيها منقسمة إلى ستة أقسام: PageV00P392 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~فالقسم الأول كلام فيما نثبته فعلا لله تعالى وغيرنا ينفيه، وهذا كاضافتنا إلى الله سبحانه ~~إنزال الأمراض والأسقام والآفات في النفوس والزروع وجميع الأمور التي يجب إضافتها ~~اليه، وأن القرآن فعله وكلامه. # القسم الثاني وهو كلام فيما يجب نفيه عن الله تعالى وغيرنا يثبته، وهذا كنفينا عنه أنه ~~خالق لجميع أفعال العباد ونفينا عنه تكليف ما لا يطاق واضلال الخلق وإغواءهم وصدهم ~~عن السبيل وغير ذلك من الطبع والختم. # القسم الثالث كلام في إثبات كون الفعل حسنا وغيرنا يقضي بقبحه، وهذا كما نقوله في ~~حسن تكليف من المعلوم من حاله الكفر، وحسن التبعية لمن المعلوم من حاله أنه يضل وإن ~~كان مؤمنا مطيعا في الحال، وهكذا حسن الاحترام لمن المعلوم من حاله أنه لو بقي لأمن ~~وإن كان كافرا في الحال، ومن هذا القبيل حسن البعثة للأنبياء عليهم السلام. # القسم الرابع في قبح تكليف ما لا يطاق وقبح الإضلال والإغواء وتعذيب من لا جرم ~~له كتعذيب الأطفال بذنوب آبائهم. # القسم الخامس وهو كلام في إيجاب الفعل ms311 وغيرنا يمنع من وجوبه، وهذا كوجوب ~~التمكين والإثابة والتعويض على الآلام وإزاحة علل المكلفين وغير ذلك. # القسم السادس وهو كلام فيما لا يعد واجبا على الله تعالى وغيرنا يقضي بوجوبه، وهذا ~~كما نقوله في نفي وجوب الأصلح على الله تعالى ونفي وجوب العقاب وغير ذلك. # فهذه الأقسام عليها مدار علوم العدل وإن كانت في الحقيقة متداخلة. PageV00P393 # ============================================================ ~~النسهيل شح معالم العدل والتوحيد ~~القول في بطلان مطاعنهم على الحكمة ~~وأقوى ما ذكروه أمور خمسة: ~~الأول أنه تعالى أمر الكافر بالايمان، والايمان منه محال؛ لأنه يقضي إلى انقلاب علمه تعالى ~~جهلا، والجهل في حقه محال، وما أدى إلى المحال فهو محال، وهذا يناقض الحكمة ويبطلها. # وجوابه من وجهين: ~~أ حدهما أنا لا نسلم أن وقوع الايمان من الكافر محال؛ لأنا قد بينا إمكان القدرة على ~~خلاف المعلوم فيما مضى، ولا نسلم أيضا أن حصول الايمان من الكافر يقضي إلى انقلاب ~~علمه تعالىى جهلا. # بيانه أن العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو به، فإن كان الشيء واقعا تعلق العلم بوقوعه، ~~ال وإن كان غير واقع تعلق العلم بأنه غير واقع، فإذا فرضنا الإيمان واقعا لزم القطع بأن الله ~~تعالى كان في الأزل عالما بوقوعه، وإن فرضنا أنه غير واقع لزم القطع بأنه كان في الأزل غير ~~واقع، وإذا ثبت هذا فقد تقرر أن فرض وقوع الإيمان بدلا عن الكفر لا يقتضي تغيير العلم، ~~ال بل يقتضي أن يكون الحاصل في الأزل هو العلم بالإيمان بدلا عن الكفر. # ال وثانيهما أن الإيمان في نفسه ممكن الوقوع، فلو انقلب محالا بسبب العلم لكان العلم ~~مؤثرا في المعلوم، وهو محال لأمور: ~~أما أولا فكان يلزم ألا يقدر الله على شيء البتة؛ لأن كل ما علم الله وجوده كان واجب ~~الوجود، وما علم عدمه كان واجب العدم، وعلى كلا التقديرين يكون واجبا، والقدرة على ~~ما كان واجب الحصول محال. PageV00P394 # ============================================================ ~~الهيد ش معالمر العدل والنرحيد ~~وأما ثانيا فلو كان ما علم الله تعالى له وجودا كان واجب الوجود، وما ms312 علم عدمه كان ~~واجب العدم للزم ألا يكون لنا اختيار في فعل شيء أصلا وأن تكون حركتنا بمنزلة حركة ~~الريح للأشجار من حيث أنه لا اختيار لنا فيها، وخلاف هذا معلوم لنا بالضرورة، فإنا ~~نجد فرقا بين الحركة الضرورية والاختيارية. # وأما ثالثا فلو كان العلم مؤثرا في المعلوم لكان الله تعالى إذا علم بأن العالم يوجد في ~~الوقت الفلاني وجب وجوده في ذلك الوقت، ومن حق الواجب أن يستغني عن المؤثر، ~~فيلزم استغناؤه عن المؤثر فيكون العالم غير مفتقر إلى محدث، وهذا كفر من مرتكبه. # وثانيها أن من جمع بين عبيده وإماثه وقوى لهم الشهوة ومكنهم من أنواع الفجور ~~وتركهم يمرجون، ثم قال بعد ذلك: إن غرضي آنهم يمتنعون عن القبائح كي يستحقوا من ~~عندي التعظيم والإعطاء. مع علمه يقينا أنهم لا يمتنعون عن ذلك ويرتكبون الفواحش، ~~فإن العقلاء يستقبحون ذلك منه، وهذا بعينه صورة التكليف. # وجوابه من وجهن: ~~أما أولا فنقول: إنه لما ثبت بالدليل القاطع حكمة الله تعالى وثبت أن هذا التكليف من ~~فعله وجب أن يقطع بكونه حسنا لا محالة. لا يقال: إن الحكمة لا يمكن تقريرها إلا بعد ~~سلامتها عن هذا المعارض، فإذن حكمة الله تعالى لا تثبت إلا بعد الإجابة عن هذا السؤال، ~~فإذا كان هذا السؤال لا يمكن دفعه إلا بالرد إلى الحكمة وجب الدور. [هذا ملخص كلام ~~ابن الخطيب في "النهاية"، ثم قال بعد ذلك: فإذا أفرق عليك المعتزلي وأرعد فادفعه بما ~~ذكرناه فإنه لا خلاص له عنه ولو أضاعوا أعمارهم ما تخلصوا عن هذا السؤال، فإنه قاطع ~~بخذهم وحاسم لشبهم] PageV00P395 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~لأنا نقول: إن الحكمة مبنية على قواعد قد سلمت عن الاعتراض وتمهدت أصولها فإذا ~~ورد مثل هذا السؤال رددناه إلى أصل تلك القاعدة، وكان هذا السؤال كالمنحرف عن ما ~~بني عليه أصل الحكمة، فلا يصير نقضا لشييء من قواعدها. # وأما ثانيا فنقول: قبح التكليف لا يخلو إما أن يكون من حيث التمكين، فمجرد التمكين ~~لا يقبح، وإن ms313 كان من جهة مخالفتهم في الأمر فمخالفتهم من جهتهم على آنفسهم، ~~والتكليف حسن ~~ال وثالثها أن الله تعالى كلف أبا لهب الايمان، ومن الايمان تصديق الله تعالى في كل ما أخبر ~~به، ومن جملة ما أخبر به أن أبا لهب لا يؤمن، فقد صار مكلفا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا ~~تكليف بالجمع بين النقيضين، وهذا ينقض أصل الحكمة. # ال وجوابه أنا نقول: ليس يخلو قبح التكليف إما أن يكون من حيث علم أنه لا يؤمن أو ~~اخبر بأنه لا يؤمن، وخلاف علمه تعالى وخبره غير مقدور، فهذا قد أجبنا عنه، وبينا أن ~~خلاف علمه وخبره مقدور. وإما أن يكون قبحه من حيث أنه كلف بالجمع بين النقيضين، ~~فهو باطل لوجهين: ~~أما أولا فإنه إنما كلف بالايمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ولم يقرع سمعه الخبر بأنه لا ~~يصدق، ولا خطر على باله فضلا عن أن يكون مكلفا به. # و أما ثانيا فلأن تكليفه بالتصديق بالخبر بأنه لا يؤمن مشروط بألا يقع منه الإيمان، ~~وتكليفه بأنه يؤمن هو مطلق، وإذا اختلف الوجهان لم يكن تكليفه جمعا بين النقيضين. # ال ورابعها أن الله إذا أخبر عن أقوام مخصوصين أنهم لا يؤمنون أصلا، فلو آمنوا لصار ~~خبر الله كذبا، والكذب على الله تعالى محال، أما عندنا فلذاته، وأما عند المعتزلة فلأنه يدل PageV00P396 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنرحيد ~~على الجهل والحاجة، وهما محالان على الله تعالى، وما يؤدي إلى المحال فهو محال، فإذن ~~صدور الايمان عن أولئك الأقوام محال مع أنهم قد كلفوا به، وهذا بعينه تكليف لما لا ~~يطاق، وهو يناقض الحكمة. # و جوابه أن قبح تكليفهم بالايمان إن كان من حيث أنه تكليف لما لا يطاق فقد بينا أن ~~خلاف معلومه تعالى ممكن، فيجب أن يكون خلاف خبره أيضا ممكن؛ لأن خبره تابع لعلمه ~~فإذا جاز التكليف بخلاف العلم جاز التكليف بخلاف الخبر؛ لأنهما سيان في التحقق ~~والشبوت. وإن كان قبحه لعدم وقوعه فعدم وقوعه معلل بصارفهم عن الايمان وإصرارهم ~~على الكفر ms314 لا بالخبر بأته غير واقع منهم، وأيضا فعدم وقوع الايمان متأخر عن التكليف به، ~~فلا يكون وجها في قبح التكليف به؛ لأن ما كان وجها في قبح الشيء وحسنه فحقه المقارنة. # وخامسها خلق إبليس، فإنه أصل لكل ضلالة وغاية لكل فساد، حتى لا معصية تقع في ~~العالم من كفر أو فسق إلا بدعائه وإضلاله، وهذا بعينه يناقض الحكمة ويبطلها، ولو صدر ~~مثل هذا الفعل عن آحد من العقلاء لهزي به وسخر من عقله، فإن أحدنا لو كان له عبيد ~~واماء اشتراهم لخدمته وتحصيل منافعه ثم آمر من يستفسدهم عن ذلك ويدعوهم إلى ~~مخالفته وابطال منافعه لسخر منه العقلاء، وهذا نظير خلق إبليس، فإنه الأصل في ضلال ~~الخلق وغاية لفسادهم، ومثل هذا لا يليق بالحكمة. # وجوابه من آوجه: ~~أما أولا فلأنا قد مهدنا دلالة الحكمة، وقررنا قواعدها على أتم تقرير، فإذا اشتبه شيء ~~من مفردات الأفعال التي يغمض فيها وجه الحكمة رردناه إلى أصل الحكمة، وصارت ~~معيارا يرجع إليه في تفاصيل الأفعال التي يدق وجه المصلحة فيها. PageV00P397 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~ال وأما ثانيا فوجه الحكمة في خلق إبليس إنما هو لأجل البلوى وزيادة في التمحيص ~~والامتحان؛ ليكون التكليف أشق والثواب أوفر وأعظم، فمن أجاب دعاءه وأصغى إلى ~~و سواسه فقد غرق وهوى، ومن آعرض عن دعائه وأدبر عن اتباعه فقد سلم ونجا، كما ~~قال تعالى حاكيا عنه: (وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا ~~تلوموني ولوموا أنفسكم)(1). # و أما ثالثا فلأن خلق إبليس ليس بأبلغ من خلق الشهوة إلى القبيح، فكما أن شهوة القبيح ~~تحسن وتكون أصلا في التكليف، فكذلك خلق إبليس يحسن وإن لم يكن أصلا في حسن ~~التكليف. # فهذه عمدة ما يوردونه طعنا علينا في الحكمة من جهة العقل، ولهم مطاعن عقلية أغفلنا ~~ذكرها لركتها وهوانها، ومن أحاط علما بما ذكرناه هان عليه على القرب إفسادها. # فأما المثال الذي ذكروه في حال السيد وعبيده فليس مطابقا للميول، لأمرين: ~~أما أولا فلأن المثال ms315 مفروض على أن السيد لما كلف عبيده خدمته أمر من يستفسدهم ~~عنها، ولا إشكال في قبح مثل هذا، فإن الأمر بالمفسدة قبيح، وليس مرادا لخلق إبليس، فإن ~~الله تعالى ما أمر إبليس بالإغواء والإضلال، وإنما أمره بالانقياد والاحتكام، فأساء الاختيار ~~لنفسه وأبى واستكبر وكان من الكافرين. # و أما ثانيا فلو سلمنا أنه لم يأمر من يستفسدهم ولكنه مكن من يدعوهم إلى مخالفة أمره ~~ال ويشطهم عن تحصيل منافعه لقبح ذلك منه أيضا، فإن هذا التمكين ليس فيه إلا مجرد ~~استفسادهم من غير تعريض لهم إلى درجات ومنافع عظيمة، حتى لو فرضنا أن الحال في ~~ا- سورة إبراهيم: آية 22. PageV00P398 # ============================================================ ~~السبيد شح معالم العدل والتوحيل ~~حقهم كالحال في حق إبليس لحسن ذلك من جهة السيد، ولا شك أن التكليف بخلق ~~ابليس أتم والثواب على مخالفته أوفر وأعظم منه إذا لم يخلقه؛ لأن في خلقه مزيد تمحيص ~~وابتلاء، كما قال تعالى: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يذعو حزبه ليكونوا من ~~أضحاب السعير)(1). # النوع الثاني يتمسكون به من جهة السمع، وهو على أضرب ثلاثة: ~~فالضرب الأول الآيات الذي يذكر فيها الضلال، نحو قوله تعالى: (فمن يرد الله أن ~~ينديه يشرخ صذره للرشلام ومن يرذ أن يضله يجعل صذره ضيقا حرجا كأنما يصعد في ~~السماء)(2)، وقوله تعالى: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا)(3)، وقوله تعالى: (أتريدون أن ~~(4 ~~تهدوا من أضل الله)(4)، وقوله تعالى: (إن تخرص على هداهم فإن الله لا يندي من يضل ~~)(3)، وقوله تعالى: (ومن يضلل فلن تجد له وليا مزشدا)(4)، وقوله تعالى: (ويضل الله ~~- سورة فاطر: آية1. # 2- سورة الأنعام: آية 125. # 3- سورة البقرة: آية 26. # 4 - سورة النساء: آية 88. # 5- سورة النحل: آية 37. # 6- سورة الكهف: آية 17. # 2- سورة إبراهيم: آية 27. # 6- سورة فاطر: آية 8. # 9- سورة غافر: آية 34. PageV00P399 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الآيات، قالوا: فالله تعالى أخبر بأنه هو الذي أضلهم عن الدين وصدهم عن سواء السبيل، ~~وهذا يناقض الحكمة ويبطلها. # والجواب عما أوردوه من هذه الآي تجري على وجهين: ~~الأول منهما جملي، ولنا معهم فيه ms316 مقامان: ~~المقام الأول أنا نمنعهم من الاستدلال بالسمع، وهو أن نقول لهم: إنكم معشر المجبرة ~~مع اعتقادكم إضافة القبيح إلى الله تعالى وإسناد كل واقعة إلى قدرته وإرادته لا يمكنكم ~~التمسك بشيء من كلامه ولا كلام رسوله صلى الله عليه وآله ولا بشيء من الأدلة الشرعية، ~~فما يؤمنكم أن الله تعالى لم يرد بخطابه معنى من المعاني المفهومة، بل تكلم به على جهة الهذر ~~واللعب، أو نقول: أراد به معنى استاثر بعلمه في سابق أزله ولم يجعل لنا إلى العلم به سبيل، ~~أو نقول: أراد به معنى غير ما ذهبتم إليه، فإذا كانت هذه الاحتمالات لازمة لكم على قود ~~مذهبكم فكيف يمكنكم الشروع في الاستدلال بشيء من المسالك الشرعية، وكفى بهذا ~~المذهب شناعة على قاثليه وفسادا على مستحليه. # المقام الثاني هب أنا سلمنا لكم صحة الاستدلال بالأدلة الشرعية، ونزلنا عن المقام ~~الأول، لكنا نقول: الأدلة العقلية لا يخلو حالها إما أن تكون محتملة للخطأ أم لا، فإن كانت ~~محتملة للخطأ لزم من تطرق احتمال الخطأ إليها تطرق احتمال الخطأ إلى الكتاب والسنة؛ ~~لأنه لا يمكن القطع بكون الكتاب والسنة حجة إلا بالعقل وأدلته، والقدح في الأصل ~~يتضمن القدح في الفرع. وإن كانت غير محتملة للخطأ فلا شك أن حمل الكلام على المجاز ~~محتمل، وحمل الأدلة العقلية على غير مدلولها غير محتمل، فإذا تعارضا كان التصرف في ~~المحتمل أولى من التصرف في غير المحتمل، فهذا هو الكلام عليهم على جهة الإجمال. PageV00P400 # ============================================================ ~~السهيل شح معالم العدل والنوحيل ~~الوجه الثاني من جهة التفصيل، واعلم أن المجبرة على طبقاتهم قد ذهبوا إلى أن الله تعالى ~~قد أضل أكثر الخلق عن الدين وصدهم عن منهاج الطريق المستبين وأزلهم عن السبيل، ~~ال ولبس عليهم وجه الدليل، وتهالكوا في إظهار ذلك والاغتراء إليه حتى قال قائل منهم: إن ~~الله تعالى هو إبليس إبليس ومصدر كل ضلالة وتلبيس تعالى الله عن مقالتهم وشنيع ~~جهالتهم، وأوردوا هذه الآى محتجين بها على ما زعموه ومعتقدين على ما اعتقدوه، ونحن ~~نوردها ms317 واحدة واحدة؛ ليتضح سقوط ما في آيديهم وبطلان مذهبهم إن شاء الله تعالى بعد ~~ان نمهد أصلا في حصر معاني الضلال وضبط مجازيه. # فنقول: لفظ الضلال يطلق ويراد به معان ثمانية: ~~أولها الصد والإغواء والإمالة عن الطريق والتغرير والتعمية، وهذا كقوله تعالى: ~~(وأضلهم السامري)(1)، وقوله: (وأضل فزعون قومه وما هدى)(2)، وقوله: (لقد أضلني ~~عن الذكر بعد إذ جاءني)(3)، فكله بمعنى الصد والإغواء كما ترى. # وثانيها بمعنى الهلاك والنفاد والبطلان، وهذا كقوله تعالى: (وقالوا أئذا ضللنا في ~~الأرض أثنا لفي خلق جديد) (4)، معناه هلكنا ونفدنا وتبددت أجزاؤنا في الأرض. # 1- سورة طه: آية 85. # 2- سورة طه: آية 79. # 3 سورة الفرقان: آية 29. # 4 - سورة السجدة: آية 10. PageV00P401 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وثالثها بمعنى العقوبة، كما قال تعالى: (إن المجرمين في ضلال وسعر)(1)، ويشهد له ~~قوله: (يوم يسحبون في النار على وجوههم)(2)، وهكذا قوله تعالى: (بل الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة في العذاب والضلال البعيد)(5). # ورابعها بمعنى الإبطال، كقوله تعالى: (والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أغمالهم ~~)(4)، أي لن يبطلها. وقال تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أغمالهم)(5)، ~~أي أبطلها بارتكابهم الكفر. # وخامسها بمعنى الاضاعة والفوات، ومنه قولهم: فلان أضل راحلته، وضل على فلان ~~متاعه. قال زهير: ~~ان الرزية لارزية مثلها ما تتفي غطفان يوم أضلت(6) ~~يريد فقدها لرئيسها وسيدها المطاع فيها، وعلى هذا المعنى يحمل قوله تعالى: (أولئك ~~الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون)(1)، وقوله تعالى: (الذين ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا) (6)، أي فقدوا نفعه في الآخرة. وقوله تعالى: (بل ضلوا عنهم وذلك ~~- سورة القمر: آية 47. # 2- سورة القمر: آية 48. # 3 سورة سبا: آية 8. # 4- سورة محمد. آية4. # 5- سورة محمد: آية 1. # 6- البيت من بحر الكامل. # 1- سورة هود: آية 21. # 6- سورة الكهف: آية104. PageV00P402 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~وذلك إفكهم)(1) أي فقدوهم وقت الحاجة إليهم والدفاع بهم لو كانوا أهلا لذلك، وقوله ~~تعالى: (قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا)(2)، أي ضاعوا ولم يعودوا ~~علينا بنفع ~~الوسادسها النسيان، كقوله تعالى: ms318 (أن تضل إخداهما فتذكر إخداهما الأخرى)(5). # وسابعها بمعنى الذهاب عن الشيء والغفلة عنه، وهذا كقوله تعالى: (ووجدك ضالا ~~فهدى)(4)، أي وجدك غافلا عما أرادك به من الكرامة بالنبوة. # ال وثامنها استعمال الضلال في معنى وجدان الغير ضالا، كما يقال: أحمدت فلانا، إذا ~~وجدته محمودا. وفي كلام عمرو بن معدي كرب يخاطب مجاشعا: لله دركم يا بني سليم ~~قاتلناكم فما أجبناكم، وسألناكم فيما أبخلناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم. أي ما وجدناكم ~~على هذه الصفات المذمومة (3) ~~ومن هذا قوله تعالى: ( وأضله الله على علم)(6)، أي وجده ضالا، وقوله: (أتريدون أن ~~تهدوا من أضل الله)(7)، أي وجده ضالا. # ا- سورة الأحقاف: آية 28. # 2- سورة الاعراف: آية 37. وقد ذكرت بالأصل: وقيل لهم أين ما كنتم. # 3- سورة البقرة: آية 282. # 4- سورة الضحى: آية 7. # 5 - انظر ابن قتيبة: أدب الكاتب 434/1. وابن السكيت: إصلاح المنطق 250/1. # 6- سورة الجاثية: آية 24. # (- سورة النساء: آية 88. PageV00P403 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~فهذه المعاني التي يفيدها لفظ الضلال عند إطلاقه، فإذا عرفت ذلك فالواجب حينئذ ~~تنزيل لفظ الضلال في الآي التي أوردوها على ما يليق به من هذه المعاني السابقة، فأما قوله ~~تعالى: (ومن يرذ أن يضله يجعل صذره ضيقا حرجا)(1)، فالمراد به معنيان: ~~أحدهما أن اهدى ها هنا بمعنى الثواب، والأضلال بمعنى العقوبة، فيصير معنى الآية: ~~فمن يرد الله آن يهديه - آي يثيبه - يعجل له من ذلك جزاء وافرا وحظا كاملا فينشرح بذلك ~~صدره وينعم به، ومن يرد آن يضله- آي يعاقبه- يعجل له من ذلك جزاء يضيق به صدره ~~ويحرج منه قلبه. # وثانيهما أن المراد بالهدى هاهنا الاثابة، وبالإضلال العقوبة على وجه آخر غير الأول، ~~فيصير معنى الآية: فمن يرد الله إثابته في الآخرة يقدم له شرح الصدر عند موته بأن يطلعه ~~على منزلته في الجنة لأجل إسلامه ومن يرد عقوبته في الآخرة يقدم له عند موته ما يضيق به ~~صدره بأن يطلعه على منزلته في النار فيضيق صدره لأجل كفره أو فسقه. # وأما قوله تعالى: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا)(2)، فالمراد بالضلال ها ms319 هنا الهلاك ~~والعقوبة، وبالهداية الفوز بالنجاة والظفر بالفلاح، فيصير معنى الآية: يضل به كثيرا - أي ~~يعاقبهم - ويهدي به كثيرا- أي يظفرهم بالفوز بثوابه ونعيمه. ويحتمل الاضلال معنى آخر ~~وهو الصد والإغواء عن طريق الجنة بما استوجبوا لأجل الكفر، وبالهداية الإرشاد إلى ~~طريق الجنة بما استحقوه على تصديقهم وإيمابهم. # - سورة الأنعام: آية 125. # 2- سورة البقرة: آية 26. PageV00P404 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~وأما قوله تعالى: (أتريدون أن تهدوا من أضل الله) فالمراد به الإهلاك والعقوبة، ~~والمعنى: أتريدون نجاة من عند الله هالك مبين. ويحتمل أن يكون المراد: أتريدون أن تجعلوا ~~هم الجنة وهم قد استوجبوا من الله النار. # وأما قوله تعالى: (إن تخرض على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ~~)(1) فله معنيان: ~~أحدهما العقوبة، ومعنى الآية: إن تحرص على الهدى في الدنيا لمن اختار الشقاوة لنفسه ~~فإن الله لا يهدي في الآخرة من هذه حاله بل يعدل به عن طريق الجنة ويؤخذ به إلى النار. # وثانيهما بمعنى وجوده ضالا، ويصير معنى الآية: إن تحرص فغاية حرصك وقصارى ~~امرك بلوغ البيان والتعريف لهم، فأما هداية من هو ضال في نفسه مصر مستكبر فلا حيلة ~~لك فيه. # وأما قوله تعالى: (من يهد الله فهو المفتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا)(2) فالمراد ~~بالاضلال ها هنا العقوبة، ومعناه: من يعاقب فلن يجد له ناصرا وكهفا يلوذ به عن عقوبته. # وأما قوله تعالى: (ويضل الله الظالمين) فالمراد بذلك عقوبتهم كما تقرر غير مرة. # وأما قوله تعالى: (فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات)(3) فلا مطمع فيه لهم، فإن المراد العقوبة، يشهد له سياق الآية من قوله تعالى: ~~ا- سورة النحل: آية 47. # 2- سورة الكهف: آية 17. # 3 سورة فاطر: آية 8. PageV00P405 # ============================================================ ~~السهيد شرح معالم العدل والتوحيل ~~(أفمن زين له سوء عمله فراه حسنا)(1)، ولو كان كما زعموه من خلق الكفر والضلال في ~~الكافر لكان لا معنى لقوله: (إن الله عليم بما يضنعون)، فإنها وردت تأسيا وتسلية لرسول ~~الله صلى الله ms320 عليه وآله عن شدة ما يقاسي من عنادهم وإصرارهم، فأخبر تعالى أنه عليم بما ~~يصعونه وسيجازيهم على سوء فعلهم وصنيعهم، وهذا لا يتصور مع كونه خالقا للكفر ~~وموجدا له فيهم ~~فقد وضح لك فساد تعلقهم بهذه الآي في إضلال الخلق وأنه تعالى قد صرح بالهداية في ~~كتابه الكريم في غير موضع كقوله تعالى: ( إن علينا للهدى)(2)، وقوله تعالى: (هذى ~~للناس وبينات من الهدى والفرقان)(3)، وقوله تعالى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا ~~العمى على الهدى)(4). وقوله تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للمتي هي أقوم)(3)، وقال: ~~(وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم)(6)، وقال: (اهدنا الصراط المستقيم)(1)، إلى غير ذلك، ~~ال و اذا تأملت القرآن الكريم وجدته مملوةا من حسن هداية الله لخلقه وإرشادهم إلى مناهج ~~الخير وطرق الصلاح والسداد، كقوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله ~~لمع المخسنين)(6)، وقوله تعالى: (والذين اهتدؤا زادهم هدى وآتاهم تقواهم)(2)، فأين ~~- سورة فاطر: آية 8. # 2- سورة الليل: آية 12. # 3- سورة البقرة: آية185. # 4- سورة فصلت: آية 17. # 5- سورة الإسراء: آية9. # 6- سورة الشورى: آية 52. # 7- سورة الفاتحة: آية1. # 6 سورة العنكبوت: آية 19. # 9- سورة محمد: آية 17. PageV00P406 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~هذا عن زعم المجبرة من أن الله خلق فيه الكفر وعقد بناصيته الضلال بحيث لا محيص له ~~عنه، وكيف يقول: (لئلا يكون للناس على الله حجة بغد الرسل)(1)، وما أوضح الحجة من ~~قطع المحجة، تعالى الله عن سخف مقالتهم وشنيع ضلالتهم علوا كبيرا. # الضرب الثاني تعلقهم بالآيات التي يذكر فيها الطبع والختم والغشاوة والغل والحجاب ~~والسد، كقوله تعالى: (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم ~~الغافلون)(2)، وقوله تعالى: (وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره ~~غشاوة فمن يهديه من بغد الله)(1)، وقوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا)(4)، وقوله تعالى: (إنا جعلنا في أغناقهم أغلالا فهي ~~إلى الأذقان فهم مقمحون)(3)، إلى آخر الآية قالوا: فالله تعالى أخبر بأنه طبع على قلبه وختم ~~عليه وجعل له غشاوة فكيف ms321 يمكن معها الايمان ؟ # فالجواب عن تعلقهم بهذا الضرب يجري على أوجه ثلاثة: ~~الأول أن نقول: إن الله سبحانه لعجيب صنعته ولطيف حكمته فطر الخلقة الأنسانية ~~ل وركب فيها العقل والهوى وجعل الإنسان لأجلهما متردد الدواعي، فلو خلص العقل عن ~~مزاج الهوى لكانت دواعيه متوفرة على فعل الواجبات والكف عن القبائح، ولو خلص ~~الهوى عن مزاج العقل لكان معدودا في حيز البهائم، فلأمر ما كان الحكمة في امتزاجها، ~~ولأجلهماتم التكليف، وقد ألزمه الله تعالى أن يتصدر في صف العقل وينازع الهوى، فنادى ~~1- سورة النساء: آية 165. # 2- سورة النحل: آية 108. # 3-سورة الجائية: آية 23. # 4 - سورة الأنعام: آية 25. # 5- سورة يس: آية 8. PageV00P407 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالر العدل والتوحيل ~~النفس ومكن إبليس من التسلط عليه، ثم أمده الهوى ومعاونته وجعل له القدرة على رفض ~~الشهوات واتباع موجبات العقل، فإن هو إذ ذاك استجاب ناعق الهوى وجعل العقل في ~~اساره وجعله في ربقة الشهوة صار بتحكيم الهوى كالأسير المنقاد يرد معه حيث ورد، فلم ~~ينتفع بالعقل حيث جعله موطوءا بقدم الهوى مقهورا بسلطان غلية الشهوة، فجاز آن يقال: ~~ان الله تعالى ختم على قلبه وطبع على لبه بانقياده هذه الشهوات التي صار مطواعا لها في ~~اقدامه وإحجامه، وصار بإبعاده للعقل واقصائه له كالممنوع من الانتصار والدفع، لكن ~~ابليس الذي يتسلط بواسطتها. فإن العقل هو سلطان الله في الإنسان، الذي يدرأ به ~~وسواس الشيطان، والهوى هو مركب إبليس، فإذا كان الهوى غالبا للعقل أخذ به الشيطان ~~يأخذه في كل جهة من الخطأ، فهذا وجه في إطلاق الطبع والختم. # الوجه الثاني أن نقول: إن الطبع والختم في اللغة بمعنى العلامة على الشيء، كما يقال: ~~طبع فلان الدينار والدرهم. أي أظهر فيهما من العلامات والنقوش ما يتميزان به عن ~~غيرهما، ويقال: ختمت بالشمع، أي علمت به على الشيء علامة، فإذا كان الأمر كذلك ~~فمعنى الآية أن الله تعالى يطبع على قلوب الكفار أي يعلمها بعلامة للملائكة يعرفون بها ~~قدر ماهم عليه من الكفر، فينزلون بهم ما يستحقونه على كفرهم، وفي ذلك ms322 أيضا لطف ~~للملائكة وسائر المكلفين؛ لأنهم متى علموا أنه من أضمر شيئا من المعاصيي ظهرت على ~~قلبه علامة ذلك فتشهد عليه الملائكة، كان ذلك داعيا لهم إلى فعل الواجب والانكفاف ~~عن مواقعة القبيح. فأما حمل الطبع والختم على المنع من الإيمان فلا كما تزعمه المجبرة، بل ما ~~ذكرناه هو اللائق بالحكمة واللغة، وفسد ما توهموه. # الوجه الثالث أن يقال: إن الله سبحانه شبه الكفار في عدم انتفاعهم بقلوبهم وأبصارهم ~~ال وأسماعهم بحال من عدم القلب والسمع والبصر، وعلى هذا قال تعالى: (لهم قلوب لا PageV00P408 ~~============================================================ ~~السهيل شح معالمر العدل والنوحيل ~~يفقهون بها ولهم أغين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها)(1)، وقد علمنا أن الكفار ~~لم يكونوا على هذه الحالة لكنهم لم يستعملوها فيما أراد الله منهم فصاروا بمثابة من عدم ~~ذلك كله، فالختم والطبع ها هنا مشبه بالمنع، وليس منعا على الحقيقة، ولكنه بمثابة ما ذكرنا ~~في عدم السمع والبصر، وليس عدما على الحقيقة، فهذا هو الكلام على ما يتعلقون به من ~~هذا الضرب. # الضرب الثالث تعلقهم بالآيات التي يذكر فيها الفتنة والتزيين والإغفال ونفي التطهر ~~واضافة ذلك كله إلى الله تعالى، كقوله تعالى: (فإنا قد فتنا قومك من بعدك)(2)، وقوله ~~تعالى: (إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء)()، وقوله: (ولقد فتنا قبلهم ~~قوم فرعون)(4)، وقوله تعالى: (ولا تطغ من أغفلنا قلبه عن ذكرنا)(5)، وقوله تعالى: ~~و(كذلك زينا لكل أمة عملهم)(4)، وقوله تعالى: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم ~~أعمالهم فهم يعمهون)(1). # والجواب عما ذكروه أن لفظ الفتنة يطلق ويراد به معان ثلاثة: ~~- سورة الأعراف: آية 179. # 2- سورة طه: آية85. # 3- سورة الأعراف: آية155. # 4 - سورة الدخان: آية 17. # 5- سورة الكهف: آية 28. # 6- سورة الأنعام: آية 108. # (- سورة النمل: آية4. PageV00P409 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحل ~~أولها الإهلاك بالعذاب، كما قال تعالى: (يوم هم على النار يفتنون)(1)، وقال تعالى: (إن ~~الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا)(2)، معناه حرقوهم وأهلكوهم. # ال وثانيها الاختبار والامتحان، كقوله تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)(3)، ms323 أي محنة ~~واختبارا وقوله تعالى: (ولقذ فتنا الذين من قبلهم فليغلمن الله الذين صدقوا وليغلمن ~~الكاذبين)(4)، أي امتحناهم واختبرناهم. # وثالثها الإضلال والتعمية وتلبيس الحق والاستدعاء إلى المعصية، وهذا كقوله تعالى: (يا ~~بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة)(3)، فإذا تقررت هذه القاعدة من ~~استعمال لفظ الفتنة في معان بعضها يصح إطلاقه على الله وبعضها ينافي موضوع الحكمة، ~~وجب حمل ما في القرآن من لفظ الفتنة على ما يصح في حقه ويليق بحكمته دون ما لا يليق. # فنقول: المراد بقوله تعالى: (فإنا قد فتنا قومك من بغدك)(6)، وقوله تعالى: (إن هي إلا ~~فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء)(7)، إنما هو الاختبار والامتحان والابتلاء لا ~~الضلال والاغواء كما تزعمه المجبرة؛ لأنه ورد في سياق قصة بني إسرائيل في اتخاذهم ~~العجل وتحلية السامري، ولا شك أن إدخال الشبهة والإلباس ضرب من الاختبار ~~والامتحان، فتحقق حمل الفتنة على هذا المعنى: ~~- سورة الذاريات: آية 13. # 2- سورة البروج: آية10. # 3- سورة الأنبياء: آية 35. # 4- سورة العنكبوت: آية 3. # 5- سورة الأعراف: آية 27. # 6- سورة طه: آية 85. # (-سورة الأعراف: آية155. PageV00P410 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~فأما قوله تعالى: (ولقذ فتنا قبلهم قوم فرعون)(1)، فالمراد به أيضا الامتحان لهم ~~بالتشديد عليهم في اتباع الرسل وترك ما ألفوه من عوائدهم من الإخلاد إلى ضلالاتهم ~~والارتباك في جهالاتهم، وكيف يصح حمله على الإضلال لهم من الله وقد ذمهم بجحدان ~~الأنبياء وانحرافهم عما جاءت به الرسل، فلو كان هو الذي أضلهم لما ذمهم على ذلك. # فأما ما ورد فيه ذكر التزيين من الآي فقد يرد منسوبا إلى الله تعالى كقوله: و(كذلك زينا ~~لكل أمة عملهم)(2)، وقوله تعالى: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أغمالهم)(5)، وقد ~~يرد منسوبا إلى الشيطان كما قال تعالى: (وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل)(4) ، وقال تعالى: (فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليؤم)(3)، فإذن هما تزينان، ~~أحدهما من الله وهو خلق الشهوة وفطرة الهوى في النفوس، فيكون معنى الآية على هذا: ~~وكذلك زينا لكل أمة عملهم ms324 بأن جعلنا فيهم شهوة وهوى، فاستجابوا ناعق الهوى وتركوا ~~ما قررناه في عقولهم، فالحجة لنا عليهم حيث أساعوا الاختيار لنفوسهم. وتسمية مثل هذا ~~تزينا توسعا ومجازا. # ال وثانيهما أن يكون التزيين من الشيطان ومن غيره من شياطين الإنس وهو الدعاء إلى ~~القبيح وتسهيل الحال في مواقعته وارتكابه. # فأما قوله تعالى: (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم)(6)، ففيه وجهان: ~~ا- سورة الدخان: آية 17. # 2- سورة الأنعام: آية 108. # 3 سورة النمل: آية4. # 4- سورة النمل: آية24. # 5- سورة النحل: آية 13. وقد ذكرت في النص: وزين لهم. # 6 - سورة المائدة: آية 41. PageV00P411 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~أحدهما أن يكون المراد أن الله تعالى ما أراد تطهير قلوبهم عن اعتقاد الكفر والشرك على ~~جهة العسر والإلجاء بل وكل ذلك إلى اختيارهم؛ لئلا يبطل التكليف مع الإلجاء. # وثانيهما أن يكون مراده بذلك أنه لم يلطف بهم؛ لأنه لا لطف يحكم... # فأما قوله تعالى: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) فله معنيان: ~~أحدهما أن يكون قوله أغفلنا آي وجدناه غافلا، كأحمدت فلانا إذا وجدته محمودا، ~~وأحييت الأرض إذا وجدتها حية النبات. # ال وثانيهما أن يكون المعنى: ولا تطع من أغفلنا قلبه أي تركنا أن نسم قلبه بسمة الإيمان ~~وعلامته، فإن لقلب المؤمن علامة، ولقلب الكافر علامة. فإن يقال: خط غفل إذا كان غير ~~محروس بالنقط والشكل من اللبس، فمتى أغلف قلب الكافر عن علامة الإيمان جاز أن ~~يسمى مغفلا بهذا المعنى، فعلى هذا يجري الكلام على ما أوردوا من هذه الآي المتشابهة طعنا ~~في الحكمة، ووجب حملها على ما ذكرنا من المعاني اللائقة بالحكمة وآداب اللغة، كما قررناه ~~والحمد لله رب العالمين. # الباب السابع في النبوات ~~وفيه ثلاثة أقسام: PageV00P412 ~~============================================================ ~~الهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~القسم الأول في مقدمات الباب: القول في حسن البعثة ووجوبها. # أما حسنها فقد أنكره طوائف كالملحدة والزنادقة(1) والمعطلة والدهرية وجمع من ~~الطبائعية. # فأما البراهمة فمنهم من أنكرها أصلا، وقال: إن في العقول غنية عنهم. ومنهم من ~~جوزها لتأكيد الأدلة العقلية من غير تحمل ms325 شريعة. ومنهم من يثبتها. # اال وبيان وجه حسنها ما يحصل عليه الخلق من الصلاح وارشادهم إلى مناهج الخير ~~وسلوك طريق الحق وتعليمهم وظائف الدين، فإذا كان لا هداية لعقولهم إلى أسرار ذلك، ~~ولا مطمع لهم في نيله من أتفسهم كان اللائق بإحسانه تعالى الرعاية لأحوالهم والملاحظة ~~صلاحهم ببعثة من يعلم صلاحا لهم، يرشدهم إلى مصالح الدين، ويذكرهم أحوال المعاد، ~~ويعلمهم بأمور الآخرة وأحكامها، يعدهم رحمة الله تعالى ويخوفهم عقابه، كما قال تعالى: ~~((سلا مبشرين ومثذرين)(2). # وأما وجوبها فمبني على المنقول بالاستصلاح ممن قال بوجوبه على الله تعالى، قال: إذا ~~كان الله تعالى يعلم أنه إذا كلفنا أفعالا وزجرنا عن أمور كنا أقرب إلى فعل الواجبات ~~العقلية وترك القبائح العقلية، وكان لا هداية لنا إلى تلك الأفعال والتروك بالعقول، وجب ~~على الله تعالى مراعاة هذه المصلحة بأن يبعث إلينا من يعرفنا تلك الأفعال والتروك، ويؤيده ~~بالمعجز الدال على صدقه، ليكون مزيجا للعلل وكي لا يكون عائدا على غرضه بالنقص. # جاءت في الهامش حاشية تشرح لفظة الزنادقة، تقول: الزندقة التعطيل وكانت دين اكثر قريش في الجاهلية. # زنديق تجمع زنادقة. # 2 سورة النساء: آية165. PageV00P413 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~و أما من ذهب إلى أن الاستصلاح غير واجب وأن التمكين كاف في حسن التكليف، ~~فنقول: إن البعثة حسنة وليست واجبة، ولكنها فضل من الله تعالى كما في أصل التكليف، ~~واحتج القائلون بوجوب البعثة بأمر كلي، وحاصله أن البعثة لطف، واللطف واجب، ~~فالبعثة واجبة قالوا: وإنما قلنا إن البعثة لطف؛ فلأنا نعلم قطعا بالضرورة بعد الخبرة ~~واستقرار العادة أن الخلق إذا كان لهم رثيس قاهر يمنعهم عن المحظورات ويحثهم على أداء ~~الواجبات ويذكرهم بالله ويخوفهم عقابه فإن حالهم إلى أداء الواجبات وترك القبائح أقرب ~~من حالهم إلى ذلك إذا لم يكن لهم هذا الرتيس، خاصة مع ما يخصه الله تعالى من إظهار ~~الأعلام النيرة دلالة على صدقة، ولا معنى للطف إلا ذلك، وإنما قلنا: إن اللطف واجب ~~فلأمرين: ~~أحدهما أن اللطف كالتمكين، لما قد ms326 تقرر في الشاهد من أن الواحد منا إذا أراد استدعاء ~~الغير إلى طعامة، وكان غرضه نفع ذلك الغير، واستمر على ذلك الغرض وقت التناول، ولم ~~بدله فيه، وعلم أنه متى استبشر في وجهه فإنه يتناول طعامه، ومتى لم يفعل له ذلك فإنه لا ~~يتناوله، فإنا نعلم أن تركه الاستبشار والحال ما ذكرناه يجري مجرى إغلاق الباب دونه ~~ومنعه عن الطعام، والعلم بذلك ضروري: ~~ال و ثانيهما أن الله تعالى لو لم يجب عليه اللطف لكان لا يقبح منه فعل المفسدة؛ لأنه لا فرق ~~في العقول بين فعل يختار عنده المكلف القبيح وبين ترك فعل يخل المكلف عند تركه ~~بالواجب، وهذا ضروري لا شبهة فيه، فثبت بمجموع ما ذكرناه أن البعثة لطف، وأن ~~اللطف واجب، والكلام عليهم في هذا الاستدلال من وجهين: ~~أحدهما أنا لا نسلم أن البعثة لطف، وإنما هي فضل وإحسان، كأصل التكليف، قولهم: ~~الخلق إذا كان لهم رئيس يمنعهم عن القبائح ويحثهم على فعل الواجبات كانوا أقرب إلى ~~فعل الواجبات وترك القبائح بخلاف حالهم إذا لم يكن ذلك الرئيس، قلنا: هذا القدر لا PageV00P414 ~~============================================================ ~~السميد شح معالم العدل والنوحيل ~~يكفي في الدلالة على كون المبعوث لطفا إلا بتقدير خلو بعثته عن جميع جهات القبح، فإن ~~كون الفعل مصلحة من وجه لا ينافي كونه مفسدة من وجه آخر، فعليكم آن تقيموا دلالة ~~على أن البعثة خالية عن جميع جهات القبح، لأنكم إذا لم تقيموا دلالة على ذلك لزمكم ~~تجويز ثبوت ما لو ثبت لقطعتم بأن البعثة ليست بلطف، ومع هذا التجويز لا يمكن القطع ~~بكون المبعوث لطفا. فثبت أن ما ذكروه لا يكفى في كون البعثة لطفا ما لم يضموا إليها دلالة ~~في خلوها عن جميع جهات القبح. # لا يقال: لو جاز القدح في كون البعثة لطفا من الله تعالى بالاحتمال الذي ذكرتموه، وهو ~~تجويز المفسدة لجاز القدح به في كون معرفة الله تعالى لطفا؛ لأن الذي يمكننا في بيان كون ~~المعرفة لطفا ليس إلا كونها باعثة على أداء الواجبات ms327 والاحتراز عن القبائح العقليين. # و أما خلوها عن جميع جهات القبح فذلك مما لا سبيل لنا إلى العلم به، فيلزم ألا تكون ~~المعرفة لطفا، وإنه محال. لأنا نقول: إن معرفة الله تعالى ليست من الألطاف التي يجب على ~~الله تعالى فعلها كالبعثة، بل فعلها واجب على العبد، وإذا كان الأمر كذلك فنقول: متى ~~دللنا على كون معرفة الله مصلحة ولطفا ولم يدل دليل على كونها مفسدة بوجه من الوجوه ~~فحينثذ يغلب على ظننا كون المعرفة لطفا، والظن يقوم مقام العلم في اقتضاء وجوب الفعل ~~علينا، وهذا فإن القاعدة تحت جدار مائل إذا غلب على ظنه سقوطه عليه فإنه يجب عليه ~~الانتقال من ذلك الموضع، كما لو علم، وإذا كان الأمر كذلك فلا جرم يكفي ظن كون ~~المعرفة لطفا في وجوب فعلها علينا. # وأما البعثة فأنتم توجبونها على الله تعالى، ولا يكفي في إيجابها على الله تعالى ظن كونها ~~لطفا، فما لم يعلم بالدلالة القاطعة خلوها عن جميع جهات القبح لا يمكن القطع بكونها ~~لطفا، فلا يمكن إيجابها على الله تعالى، فظهر الفرق بينهما. PageV00P415 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وثانيهما هب أنا سلمنا أن البعثة لطف فلما قلتم إن اللطف واجب ؟ قالوا: لأمرين: ~~أما أولا فلأن اللطف جار مجرى التمكين. قلنا: لا نسلم. قالوا: إن من قدم الطعام إلى ~~انسان وأراد من ذلك الإنسان أن يتناول ذلك الطعام وعلم أنه لا يتناوله إلا إذا تواضع له ~~فإن تركه للتواضع له يقدح في كونه مريدا من ذلك الإنسان أن يتناول طعامه. قلنا: لا ~~نسلم أن تركه التواضع والحال هذه يقدح في كونه مريدا على الإطلاق. # بيانه أن الارادات مختلفة بحسب العادة والإخلاف، فقد يكون الإنسان مريدا من غيره ~~ان يتناول طعامه إرادة بالغة في الغاية مبلغا عظيما حتى إنه يقدر في نفسه أن يفعل كل ما ~~يعلم أن ذلك الضيف يتناول طعامه عند فعله، وقد يكون مريدا من غيره أن يتناول طعامه ~~ولكن لا إلى هذا الحد، فإذا عرفت هذا التفصيل فنقول: ms328 الإرادة إذا كانت واقعة على الوجه ~~الأول كان ترك التواضع قادحا فيها، فأما إذا كانت واقعة على الوجه الثاني فلا نسلم أن ~~ترك التواضع يقدح فيها، والعلم بذلك بعد الاختبار والتجربة ضروري، وإذا ثبت ذلك ~~قلنا: لم قلتم إن الله تعالى أراد من المكلفين فعل الطاعات والاجتناب عن المعاصي والقبائح ~~على الوجه الأول حتى يلزمه فعل اللطف. # بيانه أن التكليف إنما هو تفضل وإحسان، والتفضل لا يجب عليه أن يأتي بأقصى مراتب ~~الفضل، فإذا كان الأمر كما ذكرنا حسن من الله تعالى أن يريد من المكلف فعل الطاعة وترك ~~المعصية على الوجه الثاني، وعلى هذا التقدير لا يلزم من ترك اللطف القدح في ترك الإرادة. # وأما قولهم ثانيا إن ترك اللطف كفعل المفسدة. فنقول: إن عنيتم بقولكم إن ترك اللطف ~~كفعل المفسدة بمعنى أن حقيقة أحدهما كحقيقة الآخر فهو باطل قطعا؛ لأن عدم فعل لا ~~يكون مثلا لفعل آخر. وإن عنيتم أن ترك اللطف يماثل فعل المفسدة في القبح فهذا خطأ PageV00P416 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~أيضا؛ لأن ترك اللطف إنما يماثل فعل المفسدة في القبح لو كان فعل اللطف واجبا، وهذا هو ~~أول المسألة. # لا يقال: إنا نعني به تماثلهما في كونهما إضرارا بالغير، وذلك علة القبح، ويلزم من ~~الاشتراك في العلة الاشتراك في الحكم. لأنا نقول: الفرق بينهما ظاهر لأنه لا معنى لكون ~~ترك اللطف ضررا إلا أنه ترك الانتفاع، ولا يلزم من قبح فعل الإضرار قبح ترك الانتفاع، ~~الا ترى أنه يقبح منا أن نضر بالفقير ولا يقبح منا ألا ننفعه فحصل الفرق وظهر بما حققناه ~~ان البعثة إحسان من الله تعالى وفضل: ~~القول في الصفة التي يكون عليها المبعوث ~~اعلم أن الغرض ببعثة الأنبياء عليهم السلام إبلاع الرسالة وأداء ما حملوه إلى الخلق ~~لارشادهم إلى مصالح الدين وهداهم إلى الصراط المستقيم، فما كان يقتضيي كمالا لا ينافي ~~الابلاغ اعتبرناه، وما كان يوجب خللا وتنفيرا عنهم نفيناه، وينقسم ما يجب نفيه عنهم إلى ~~ن: ~~الأول منهما مؤثر ms329 في التنفير بنفسه من غير واسطة، وذلك أمور ثلاثة: ~~أولها ما يتعلق بنفس الابلاغ للشرع، كنفينا عنهم الكتمان والتحريف والتبديل ~~والكذب. # اال وثانيها ما يتعلق بأفعاله نحو مواقعة الكبائر من الكفر والفسوق قبل البعثة وبعدها ~~وارتكابه للصغائر المستخفة. # وثالثها ما يتعلق بأحوال الخلقة نحو الأمراض المنفرة كالجنون وسلس البول، وتحو ~~الفظاظة والغلظة. PageV00P417 # ============================================================ ~~الهيل شح معالمر العدل والتوحيل ~~فهذه الأمور الثلاثة مما لا تختلف فيها أحوال الأنبياء في كونها منفرة، وإنما أوجبنا ~~تنزيههم عنها لما فيها من نفار الخلق وبعدهم عن القبول منهم، وذلك يناقض الغرض الذي ~~بعثوا من أجله، وقد وضح اعتبار ذلك بقوله تعالى: (ولؤ كنت فظا غليظ القلب لانفضوا ~~من حولك)(1)، وقوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم)(2). # القسم الثاني غير مؤثر بنفسه بل لا بد فيه من اعتبار واسطة، وذلك نحو العمى ~~والصمم والنوم والغشية وصغر السن والكتابة والقراءة والشعر. # أما العمى والصمم فإنما يكونان مؤثرين إذا تعلق الأداء بسلامتهما، فأما إذا لم يكن له ~~تعلق بسلامتهما فلا مانع من حصولهما. # وأما النوم فلا خلاف في جوازه، إذلا مدخل له في التنفير. # وأما الغشية فجائزة كما قال تعالى: (وخر موسى صعقا)(3)، وإنما يجب تنزيه الأنبياء ~~عنهما إذا استمر الحال فيهما؛ لأن مع الاستمرار يبطل الغرض بالبعثة، فلهذا جاز في حال ~~دون حال: ~~وأما صغر السن فغير مؤثر بنفسه وإنما يؤثر بواسطة ضعف العقل ونقصانه، فأما إذا ~~أكمل الله له العقل، فالإعجاز في حقه أعظم والأعجوبة في مثله أدخل، ولهذا جوزنا في حق ~~عيسى عليه الصلاة والسلام أن يكون نبيا في الحال لقوله تعالى: (ويكلم الناس في ~~المهد)(4)، وهكذا في حق يحبى عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى: (وآتيناه الخكم صبيا)(1). # 1- سورة آل عمران: آية 159. # 2- سورة القلم: آية4. # 3- سورة الأعراف: آية 143. # 4 - سورة آل عمران: آية 46. PageV00P418 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~وأما الكتابة والقراعة والشعر فهي غير مؤثرة بنفسها، وإنما يعتبر تأثيرها لما يختص ~~المعجز؛ لأن تعاطى مثل هذه الأمور يقدح في سكون النفس إلى كون القرآن معجزا، ومن ~~تكون ms330 معجزته إحياء الموتى وقلب العصى حية لا تكون هذه الأمور مؤثرة في معجزته، ~~ولهذا جنب الله نبيه الكتابة والقراءة والشعر بقوله: (ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ~~)(2)، وقوله: (وما علمناه الشغر)(3)، وبقوله: (النبي الأمي) (4)، لما كانت هذه الأمور ~~مؤثرة في معجزته، فعلى هذا يجري الكلام فيما يجب أن يحصل المبعوث عليه من الصفات، ~~وسيأتي لهذا مزيد تقرير في العصمة بعون الله ولطفه إن شاء الله. # القول في العصمة وأحكامها ~~اعلم أن الملل الكفرية من الملحدة والزنادقة وأشكالهم من الثنوية ونفاة الرسل من ~~البراهمة وغيرهم من اليهود والنصارى لما أعناهم الأمر في دفع ما أتت به الرسل عليهم ~~السلام من المعجزات الباهرة والآيات النيرة ولم يجدوا سبيلا إلى دفع حججهم وإدحاض ~~براهينهم عمدوا إلى توهين أمرهم وإطفاء ما أظهر الله من نورهم من وجه آخر، وهو ما ~~اخترعوه من عند أنفسهم وكذبوه بألسنتهم من ما نسبوه إليهم من الشرك وتعاطي الكذب ~~والفجور وسائر الفسوق، لكيما يقولوا: كيف يجوز فيمن هذه حاله أن يكون مبلغا عن الله، ~~ويحتكم لقوله في سائر التحليلات والتحريمات من الفروج والدماء والأموال حتى لا ~~ينبفي لأحد أن يتعاطى فعلا أو كفا إلا بأمر منهم، وحالهم هذه في تعاطي الكبائر وأنواع ~~ا- سورة مريم: آية 12. # 2- سورة العنكبوت: آية 48. # 3- سورة يس: آية19. # 4 - سورة الأعراف: آية 157. PageV00P419 # ============================================================ ~~الهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~الفسوق، ومن هذه حاله لا يحكم بشهادته في قليل ولا كثير، فضلا عن أن تكون أمور ~~الدين والدنيا منوطة بقوله وجارية على حكمه. # وأيدوا ذلك في نفوسهم بنقل الحكايات الكاذبة والأقوال المزورة، كما نقلوا أن آدم ~~وحواء عليهما السلام أشركا وسميا ابنا لهما الحرب، والحرب هو إبليس، وأن لوطا دعا إلى ~~الزنا، وأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام شك في قدرة الله حتى سأله أن يريه إحياء الموتى، ~~و ان يونس توهم أن الله تعالى لا يقدر عليه، وأن موسى قتل نفسا بغير حق، وأن داود عشق ~~امرأة أو زنا، وأن محمدا صلى الله عليه وآله عشق امرأة زيد وأخطأ ms331 في أخذ الفداء قبل ~~الاثخان بالقتل، إلى غير ذلك من الافتراء، قالوا: فإذا كان الأمر هكذا سقطت النبوة ~~والرسالة. # فإذا عرفت هذا فاعلم أن مقصودنا من العصمة يحصل بالكلام في فصول أربعة: ~~ذكر الخلاف في العصمة ودليل وجوبها ووقتها وفاعلها وكيفيتها. # الفصل الأول في ذكر الخلاف في العصمة. # فنقول: اختلفت الأمة في عصمة الأنبياء على قولين: ~~فالقول الأول منهما قول من ذهب إلى أنه لا يجوز عليهم الخطأ ولا يقع منهم ذنب على ~~وجه من الوجوه، وهذا قول يعزى إلى الرافضة. # والقول الثاني قول من ذهب إلى جواز الخطأ عليهم، واختلفوا فيما يجوز عليهم من ذلك ~~وما لا يجوز، واختلافهم يرجع إلى أقسام أربعة: PageV00P420 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والترحيل ~~فالأول يتعلق باعتقاداتهم نحو الكفر والشرك بالله، وهذا غير جائز عليهم عند الأمة ~~بأسرها، وحكي عن الخوارج جوازه عليهم، وذهبت الإمامية(1) إلى جواز الكفر عليهم ~~على وجه التقية. # الثاني ما يتعلق بالتبليغ، وهو الكذب والتقول، فإن الأمة قد ذهبوا إلى أن ذلك لا يجوز ~~عليهم، وحكى عن قوم جوازه على سبيل السهو والنسيان، فإن الاحتراس عنه غير ممكن. # الثالث ما يتعلق بأحوال القول، فيما يفتي ويحكم، وقد أجمعوا على أن الزلل في الحكم ~~والفتوى لا يقع منهم على سبيل العمد، وأما على سبيل الخطأ والغلط فقد جوزه بعضهم ~~وأباه الأكثر: ~~الرابع ما يتعلق بأحوال أفعالهم، وخلاف الأمة فيه على أربعة أوجه: ~~أحدها قول من جوز عليهم الكبائر على وجه العمد، وهذا هو قول الحشوية والأشعرية ~~وبعض الخوارج ~~ال وثانيها قول من قال إنه لا يجوز عليهم الخطأ، ولا يقع منهم ذنب لا صغير ولا كبير، ~~وهذا هو قول الرافضة، كما حكيناه عنهم. # وثالثها قول من ذهب إلى أنه لا يجوز عليهم ذنب صغير ولا كبير على وجه العمد، ~~و يجوز ذلك عليهم سهوا وخطأ، وهذا هو قول النظام وجعفر بن مبشرك)، وذهب ~~الشيخان أبو الهذيل وأبو علي إلى جواز الخطأ عليهم من جهة التأويل. # - الامامية هم الرافضة. # 2 جعفر بن مبشر ms332 بن أحمد الثقفي (234ه(: متكلم، من كبار المعتزلة له آراء انفرد بها، مولده ووفاته ببغداد. # الزركلي: الأعلام 126/2، كحالة: معجم المؤلفين 143/4 . PageV00P421 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحى ~~ورابعها مذهب من قال إنه لا يجوز عليهم أن يرتكبوا كبيرة، ويجوز وقوع الصغائر منهم ~~على جهة الخطأ والتأويل، ولا يجوز عليهم كل أمر يقتضي التقصير في أداء ما حملوه، ~~والإخلال به من كذب وسهو وغلظ. وهذا هو قول أكثر المعتزلة والزيدية. # فهذا تلخيص الخلاف بين الأمة في العصمة. # الفصل الثاني في الدليل على وجوب العصمة للأنبياء عليهم السلام ~~واعلم أنا نورد الدليل عاما على ما اختاره الجماهير من الزيدية والمعتزلة في عصمتهم عن ~~جيع الكبائر وأنه لا يجوز عليهم التقصير في أداء ما حملوه وإبلاغه على وجهه من غير ~~تحريف ولا تبديل، ولنا في إيراده مقامان: ~~المقام الأول من حيث الجملة، وهو وجهان أحدهما عقلي وهو أن تجويز الكبائر عليهم ~~فضلا عن وقوعها منهم يؤدي إلى التنفير عنهم ويصرف عن القبول عنهم ويكون داعيا إلى ~~اعراض الخلق عن سماع كلامهم، وفي ذلك نقض للغرض بهم وابطال لما أرسلوا من أجله، ~~وهذا فاسد، وما أدى إليه فهو أولى بالفساد. # ال وثانيهما شرعي، وهو ما ورد من جهة الشرع ما يدل على تنزيههم عن ذلك ورفع ~~درجاتهم عند الله، كقوله تعالى: (وإنهم عندنا لمن المضطفين الأخيار)(1)، وقوله تعالى: ~~(إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويذعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين)(2)، وقوله ~~تعالى: (وجعلناهم أيمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات)(2)، وقوله تعالى: ~~1- سورة ص: آية 47. # 2- سورة الأنبياء: آية 40. # 3- سورة الأنبياء: آية 73. PageV00P422 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~(أولئك الذين هداهم الله وأولثك هم أولو الآلباب)(1)، وقوله تعالى: (أولئك الذين هدى ~~الله فبهداهم اقتده)(2)، وقوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى)(3)، وقوله تعالى: (وما كان ~~لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يؤم القيامة) (4)، وغير ذلك مما يدل على تنزيههم وعلو ~~درجتهم عند الله وقرب منزلتهم منه، فمن هذه حاله كما وصف الله تعالى كيف يقال بأنه ms333 ~~ل واقع في المعاصي متهالك في تحصيل الكبائر، هذا لعمري هو الضلال وزيغ عن طريق الحق ~~وانسلال. # المقام الثاني من حيث التفصيل، أما الاعتقاد فالذي يدل على عصمتهم فيه أنهم لو ~~جهلوا الله تعالى ولم يعلموه لما علموا الرسالة ولم يمكنهم الدعاء إلى الله تعالى ولا تعليم ~~شيء من شرائعه وإبلاغ شيء من أحكامه. والذي يدل على عصمتهم في ما يتعلق بالتبليغ ~~قيام المعجز على صدق ما جاعوا به وكونه حقا مع أن تجويز ذلك يتضمن زوال الثقة ~~بكلامهم وتطرق الشك في ما أتوا به من الشرائع، وهكذا القول في عصمتهم في سائر ~~الأفعال. # ثم نقول لمن جوز عليهم الكبائر: ما حال من ارتكب كبيرة عمدا لا شبهة فيها له هل ~~تبطل شهادته أم لا، فإن قالوا لا تبطل خالفوا ما وردت به الشريعة من اعتبار العدالة في ~~الشاهد، وإن قالوا تبطل قيل لهم: فهل تجوزون الكبائر عليهم في كل وقت أو في وقت دون ~~وقت، فان قالوا في وقت دون وقت، سنلوا عن التخصيض، وليس ذلك مذهبا لهم، وإن ~~قالوا في كل وقت وهو مذهبهم قيل هم: فهل تبطل نبوتهم أم لا؟ فإن قالوا تبطل قيل لهم: ~~ا- سورة الزمر: آية 18. # 2- سورة الأنعام: آية 90. # 3 سورة النجم: آية 3. # 4- سورة آل عمران: آية 161. PageV00P423 # ============================================================ ~~الشهيد شرح معالم العدل والتوحيل ~~فلا حال إلا ويجوز ارتكابهم للكبائر، فإذا جاز ذلك فلا حال أيضا إلا ويجوز أن تبطل ~~بوتهم فيه، وهذا يؤدي إلى بطلان نبوتهم وترك التصديق لهم، وألا تثبت نبوتهم في وقت ~~من الأوقات. وإن قالوا لا تبطل قيل لهم: فكيف تبطل شهادتهم ولا تبطل نبوتهم، والنبوة ~~أعظم حالا من الشهادة، فيجب على حاصل مذهبكم متى بطلت الشهادة أن تبطل النبوة، ~~وهذا باطل، وما أدى إليه يكون باطلا أيضا. # فأما ما نسبوه إلى الأنبياء عليهم السلام كقولهم إن إبراهيم شك في قدرة الله تعالى وإن ~~ونس ظن أن الله تعالى لا يقدر عليه وإن موسى قتل نفسا بغير حق وغير ذلك مما كذبوه ~~وزوروه ms334 ففي كلامنا - فيما أوردناه دلالة على العصمة - ما يدفعه، وتفاصيل الأعذار فيما ~~ورد عنهم في هذه القصص مذكور في كتب التفسير، وقد أطنب العلماء في شرحه وتنزيههم ~~عن كذب الملاحدة، فلا حاجة بنا إلى إيراده. # الفصل الثالث في وقت العصمة ~~اختلف القائلون بالعصمة في وقتها على ثلاثة أقوال: ~~أحدها قول من ذهب إلى آن عصمتهم من وقت المولد، وهذا هو قول الرافضة. # وثانيها أن وقت عصمتهم من وقت بلوغهم، ولم يجوزوا عليهم ارتكاب كبيرة ولا ~~اعتقاد كفر قبل البلوغ، وهذا هو مذهب أكثر أهل النظر. # وثالثها قول من قال: إن عصمتهم إنما كانت من وقت النبوة، ويجوزون الخطأ عليهم ~~قبل النبوة، وهذا يحكى عن الشيخين أبي الهذيل وأبي علي. # والمختار هو الأول ويدل عليه أمران: PageV00P424 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~أاما أولا فلأن الأدلة التي دلت على وجوب العصمة لم تخص وقتا دون وقت فيجب ~~شمولها في جميع الأوقات. # وأما ثانيا فما علم قطعا من ظهور العناية بحال نبيه صلى الله عليه وآله من تطهيره من ~~الأفعال الرديثة والخلائق الرذلة وتخصيصه له بالشمائل الطاهرة والخلائق الزكية من وقت ~~المولد إلى حال البعثة، كما حققه أهل التاريخ في سيرهم. # الفصل الرابع في فاعل العصمة وكيفيتها ~~أما فاعلها فاختلف القائلون بها على قولين: ~~الأول منهما أن فاعلها هو الله تعالى. والقول الثاني أن فاعلها الأنبياء عليهم السلام. # وأما كيفيتها فالخلاف فيه مترتب على الخلاف في فاعلها، فمن قال فاعلها هو الله تعالى ~~فاختلفوا في كيفية فعلها على ثلاثة مذاهب: ~~أولها أن الله تعالى ينبتهم على بنية التقوى والطهارة ويمنعهم عن المعاصي بنفس البنية. # وثانيها أن يصرف الله تعالى قواهم عن مواقعة المعاصي ويمنعهم عن الاقدام عليها قهرا ~~نه م ~~وثالثها أن يستصلحهم الله تعالى بفعل الألطاف ويمنعهم عن المعاصي بتقوية الصوارف ~~والدواعي من جهته. # ومن قال فاعلها الأنبياء عليهم السلام فلهم في كيفية فعلها لهم مذهبان: PageV00P425 ~~============================================================ ~~السهيد ش معالمر العدل والنوحيل ~~أحدهما أن يمتنع النبي عن المعاصي ومواقعة الكبائر باختيار نفسه من ms335 غير واسطة، ~~ويسمى معصوما؛ لأن الله تعالى آخبر عن عصمته. # وثانيها أن يمتنع عن القبيح بنفسه أيضا لكن لا يستغني عن معونة الله تعالى. # والمختار أن فاعل العصمة في حق الأنبياء عليهم السلام هو الله تعالى، ويكون ذلك ~~بفعل الألطاف الخفية وسائر الاستصلاحات عن فعل القبيح ومواقعة الكبائر، وهو الذي ~~عليه جماهير العلماء. ويدل عليه أمران: ~~أما أولا فلأن الله تعالى هو المتولي لتصديقهم باظهار المعجز وتأييدهم به، وهو متوقف ~~على العصمة، فيجب أن تكون العصمة من جهته كالمعجز. # وأما ثانيا فلأن الظواهر مشعرة بأن حصول العصمة من جهة الله تعالى، كقوله تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وآله: (ولؤلا أن ثبتناك لقذ كذت تركن إليهم شييا قليلا)(1)، وقوله ~~تعالى: (فبما رخمة من الله لنت لهم) (2)، وقوله تعالى في قصة يوسف: (لؤلا أن رأى برهان ~~ربه)(3)، وقوله تعالى في قصة يونس: (لؤلا أن تداركه نعمة من ربه) (4)، وغير ذلك، ~~وبتمامه يتم القول في مقدمات الباب والحمد لله. # - سورة الإسراء: آية 4 7. # 2- سورة آل عمران: آية159. # 3 سورة يوسف: آية24. # 4 - سورة القلم: آية 49. PageV00P426 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والترحيل ~~القسم الثاني في المقاصد ~~القول في نبوة المصطفى محمد صلى الله عليه وآله ~~والمعتمد في تقريرها أصلان: ~~الأصل الأول أنه عليه الصلاة والسلام ادعى النبوة وظهر عليه المعجز. # والأصل الثاني أن كل من كان على هذه الصفة فهو نبي. فيلزم أن يكون عليه الصلاة ~~والسلام نبيا. وإنما قلنا إنه عليه الصلاة والسلام ادعى النبوة فللتواتر، وإنما قلنا إنه قد ظهر ~~عليه المعجز فلوجوه ثلاثة: ~~الأول أن القرآن ظهر عليه وهو معجز. وإنما قلنا إن القرآن ظهر عليه فللتواتر، وإنما ~~قلنا إن القرآن معجز؛ فلأنه عليه الصلاة والسلام تحدى العرب الذين هم النهاية في ~~الفصاحة، وهم قد عجزوا عن معارضته، وكل ما كان كذلك فهو معجز. وإنما قلنا إنه عليه ~~الصلاة والسلام تحدى العرب بالقرآن فلتواتر الآي على ذلك، كقوله تعالى: (قل لئن ~~الخجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ms336 بمثله ولو كان بغضهم ~~لبغض ظهيرا)(1)، وقال تعالى: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات)(2)، ~~وقال تعالى: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله واذعوا من استطعتم من دون الله)(5)، ~~وقال: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله واذعوا شهداء كم من ~~1 - سورة الإسراء: آية 88. # 2- سورة هود: آية 13. # 3- سورة يونس: آية 38. PageV00P427 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~دون الله إن كنتم صادقين)(1)، ثم قال: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها ~~الناس والحجارة أعدث للكافرين)(2)، فظهر تأكيد سياق هذا الكلام بأمرين: ~~أما أولا فلأنه نفى القدرة بقضية قاطعة وأمر حتم من غير احتمال وتردد، بقوله: ولن ~~تفعلوا. # و أما ثانيا فبما أردفه من الوعيد الشديد بقوله: فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة. # فدلت هذه الأي على التحدي مرة بالقرآن كله، ومرة بعشر سور منه، ومرة بسورة منه ~~واحدة، وذلك هو النهاية وبلوغ غاية التحدى ونهايته، وهو كقول القائل لغيره: هات قوما ~~كقومي، هات كبعضهم، هات كواحد منهم. وإنما قلنا إنهم قد عجزوا عن معارضته؛ فلأن ~~دواعيهم كانت متوفرة على الإتيان بها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كلف العرب ترك ~~ادبائهم ورياستهم وآوجب عليهم ما يتعب آبدانهم وينقص آمواهم وطالبهم بعداوة ~~أصدقاثهم وصداقة أعداثهم بسبب الدين، وشاء منهم خلاف ما ألفوه من عاداتهم، ولا ~~شك كل واحد من هذه الأمور مما يشق على القلب لا سيما على العرب؛ لأجل شموخ ~~آنافهم وشدة أنفتهم وكثرة حميتهم، ولا شك أن الإنسان إذا استنزل غيره عن رثاسة ودعاه ~~إلى طاعته فإن ذلك الغير يحاول إبطال أمره بكل ما يقدر عليه ويجد إليه سبيلا، ولما كانت ~~معارضته القرآن بتقدير وقوعها منهم مبطلة لأمر النبي عليه الصلاة والسلام علمنا توفر ~~دواعي العرب إليها. # اا وإنما قلنا إنه ما كان لهم مانع يمنعهم عنها فلأن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان ~~يخاف من قهره كل العرب، بل هو الذي كان خائفا منهم في مبدأ الأمر. وإنما قلنا إنهم لم ms337 ~~- سورة البقرة: آية 23. # 2- سورة البقرة: آية 24. PageV00P428 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~يعارضوا؛ فلأنهم لو أتوا بالمعارضة لكان اشتهارها أولى من اشتهار القرآن؛ لأن القرآن ~~حيئذ يصير كالشبهة وتلك المعارضة كالحجة. ومتى كان الأمر كذلك وكانت الدواعي ~~متوفرة على إسقاط أبهة المدعي وإبطال رونقه كان اشتهار المعارضة أولى من اشتهار ~~الأصل، وكيف لا وقد نقل ما كان من خرافات مسيلمة(1) وابن المقفع على ركاكتها ونزول ~~قدرها، فلما لم تشتهر المعارضة علمنا عدمها. # وانما قلنا إن من توفرت دواعيه إلى الشيء ولم يوجد منه مانع ثم لم يحصل منه فهو عاجز؛ ~~فلأنه لا معنى للعجز إلا ذاك، وبهذا الطريق يعرف عجزنا عن كل ما نعجز عنه، ولأنهم ~~عدلوا عن المعارضة على سهولتها وقربها لو كانوا قادرين عليها إلى تعريض النفس للقتل ~~وبذل المهج وسحت الأموال، فثبت بما ذكرنا أن القرآن معجز. # الوجه الثاني أن يقال إنه عليه الصلاة والسلام أخبر عن الأمور الغيبية، والأخبار عنها ~~معجز، وإنما قلنا إنه أخبر عن الأمور الغيبية؛ فلأن القرآن مشتمل على ذلك كقوله تعالى: ~~(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم)(2)، الآية. وقوله تعالى: ~~(لتدخلن المشجد الحرام إن شاء الله آمنين)(3). وأما في غير القرآن فإخباره عن الأمور ~~الغيبية كثيرة، وقد اشتمل عليها كتب الحديث، وإنما قلنا إن الإخبار عن الأمور الغيبية ~~معجز؛ فلأن الواحد منا يحاول ذلك فلا يمكنه، لا سيما من أخبر عن الأمور الغيبية لا ~~بمارسة صناعة كعلم النجوم وعلم الرمل، وعدم ممارسته صلى الله عليه هذه الصناعات ~~معلوم بالضرورة، فلا يحتاج إلى شرح. # 1 يقصد مسيلمة الكذاب، وقد كتبها مسيملة ~~2- سورة النور: آية55. # 3 سورة الفتح: آية 27. PageV00P429 # ============================================================ ~~الشبي شرح معالمر العدل والتوحيل ~~الوجه الثالث أنه قد جاءت أخبار كثيرة عن سائر معجزاته نحو نبوع الماء من بين ~~أصابعه وإشباعه الخلق الكثير من الطعام اليسير وانشقاق القمر، وهذه الأخبار وإن كان ~~كل واحد منها معدودا في باب الآحاد لكن مجموعها بلغ في الكثرة حد التواتر، ولا شك أن ~~أحدا لم ينكرها ولاعارضها، ms338 وإلا لظهرت تلك المعارضة. # فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أنه عليه الصلاة والسلام ادعى النبوة وظهر عليه فعل خارق ~~للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة، ولا معنى للمعجز إلا هذا، فثبت الأصل الأول ~~وهو أن المعجز قد ظهر عليه. # الأصل الثاني وهو أن من ظهر عليه المعجز فهو نبي؛ فلأن إظهار المعجز عليه قاثم مقام ~~التصديق، ومن صدقه الله فهو صادق. وإنما قلنا إن المعجز قائم مقام التصديق فلأمرين: ~~أاحدهما أنه لا فرق في العقول إذا ادعى إنسان على غيره أمرا من الأمور وأراد تصديقه ~~فيه بين أن يقول صدقت في دعواك هذه وبين آن يظهر فعلا دالا به على تصديقه له. # ال و ثانيهما من طريق العادة فإن ملكا من الملوك لو جلس على سرير مملكته في محفل عظيم، ~~فقام رجل من المحفل وزعم أنه رسول ذلك الملك إليهم ثم قال الرجل: أيها الملك إن كنت ~~صادقا في دعواي بأني رسولك فضع تاجك عن رأسك. ففعل الملك ذلك اضطر ~~الحاضرون إلى أن الملك قد صدق ذلك المدعي بما فعل له من مطابقة كلامه، وإذا ثبت ذلك ~~في حقنا ثبت في حق الله تعالى. وإنما قلنا: إن من صدقه الله تعالى فهو صادق؛ فلأن الكذب ~~على الله محال؛ لأنه قبيح، وقد قررنا تنزيهه عن القبيح، فثبت بمجموع ما ذكرنا نبوته صلى ~~الله عليه وآله. # وتمام تقرير الدليل بإيراد سلوك المخالفين ومطاعنهم في النبوة والرد عليهم. PageV00P430 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~القول في شبه المنكرين للنبوة وفيه فصلان: ~~الفصل الأول في الشبه التي تمنع من القول بالنبوة مطلقا. # وهي خمسة: ~~الشبهة الأولى قالوا: لو حسنت البعثة لحسن التكليف، ولا يجوز أن يكون التكليف ~~حسنا؛ فيبطل حسن البعثة. وإنما قلنا إنه لو حسنت البعثة لحسن التكليف فلاجماع العقلاء؛ ~~لأن المبعوث إن بعث بشريعة كانت تلك الشريعة متضمنة للتكليف، وإن بعث بغير شريعة ~~كانت بعثته تقريرا لما في العقول من وجوب الوجبات وقبح المقبحات، فإذن البعثة لا تنفك ~~عن التكليف. وإنما قلنا: إن التكليف ms339 لا يكون حسنا؛ فلأنه إما أن يكون لفائدة أو لا ~~لفائدة، ومحال أن يكون لغير فائدة؛ لأنه يكون عبثا، وقبحه معلوم. وإن كان لفائدة فهي إما ~~راجعة إلى الله تعالى أو إلى العبد، والأول باطل؛ لاستحالة النفع والضر عليه. والثاني باطل ~~أيضا؛ لأنها إما جلب منفعة أو دفع مضرة، ولا منفعة إلا والله قادر على تحصيلها ابتداء، ولا ~~مضرة إلا والله تعالى قادر على دفعها ابتداء من غير تكليف، فيكون توسط التكليف عبثا لا ~~فائدة فيه، فحينئذ تكون البعثة قبيحة. # والجواب: أما قوله لو حسنت البعثة لحسن التكليف، فلا ننكره؛ لأن التكليف لازم ~~للبعثة، إما لأنها أصل فيه كجميع ما يحمله الأنبياء من التشريعات، وإما لأنها مؤكدة لها ~~كسائر المقبحات والمحسنات العقلية. # وأما قوله: إن التكليف لا يحسن. فلا نسلمه. قوله: التكليف إما أن يكون لفائدة أو لغير ~~فائدة. قلنا: لفائدة. قوله: إما أن يرجع إلى الله أو إلى العبد. قلنا: لم لا يجوز أن تكون راجعة ~~إلى العبد. قوله: ما من منفعة إلا ويمكن تحصيلها ابتداء فلا حاجة إلى التكليف. قلنا: ~~المنافع على نوعين منها ما يحسن التفضل بها ابتداء، وهذه لا حاجة بها إلى التكليف، ومنها PageV00P431 ~~============================================================ ~~النسهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~ما لا يحسن التفضل بها ابتداء، وهذه هي المنافع التي في مقابلة التكليف؛ لأن التفضل بها ~~قبيح، ألا ترى أنه يقبح من أحدنا تعظيم الصبيان والجهال لعدم الاستحقاق، فلا بد من ~~سبق التكليف ليحسن اتصالها. # الشبهة الثانية: أن الذي يأتي به المدعي النبوة لا بد أن يحكم فيه العقل بحسن أو قبح، ~~واذا كان العقل مستقلا بمعرفة قبحه أو حسنه فحينئذ لا يكون لمجيء الرسول فائدة، وعند ~~هذا تكون البعثة قبيحة. # والجواب: أنا نقول في بعثة الأنبياء غرضان: ~~أحدهما العلم بحسن ما لا طريق للعقل إلى معرفة حسنه كالصلاة والزكاة والحج وسائر ~~العبادات، والعلم بقبح ما لا طريق للعقل إلى معرفة قبحه كالزنا والسرقة وسائر المقبحات. # وثانيهما: التقوية لما قرر في العقول من وجوب الواجبات وحسن المحسنات ms340 وقبح ~~المقبحات؛ لأنا تعلم من حال العقلاء أنهم مع بعثة الرسل أكثر مواظبة على فعل الواجبات ~~والانكفاف عن فعل المقبحات، فإذا كانت هذه الأغراض تحصل بالبعثة توجه فعلها، ~~ل وبطل قولهم بأن في العقل كفاية عنها. # الشبهة الثالثة: الخلق لا يجب عليهم متابعة المدعي للرسالة إلا بعد أن يعلموا صدقه، ~~ولا يمكنهم أن يعلموا صدقه إلا بعد العلم بحدوث العالم وإثبات الصانع وإثبات كونه ~~مختارا وعالما بكل المعلومات وأنه تعالى ليس بجسم، وبعد الفراغ من إثبات حكمته وأنه لا ~~يظهر المعجز على الكذابين، وكل هذه الأصول فيها مقامات صعبة ومباحث عسيرة لا ~~تحصل إلا في زمان طويل، فحينئذ لا يتمكن النبي من إلزام المدعو قبول قوله؛ لأن للمدعو ~~أن يقول: إني لم أفرغ بعد من العلم بهذه الأصول. ما من حالة إلا ويقول المدعو: إن نظري ~~ما تم أصلا. فيلزم ألا يكون النبي متمكنا من إلزام المدعو قبول دعوته في حالة من PageV00P432 ~~============================================================ ~~الشهبد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الحالات، وهذا يوجب بطلان الثبوة. # والجواب: أنا لا نسلم أنه لا يلزم المدعو قبول قول التبي عليه الصلاة والسلام إلا بعد ~~فراغه من العلم بهذه الأصول؛ لأنها أصل في العلم بصدق النبي، ولكن نقول: إن أدلة ~~الدين ظاهرة، وبراهين الإسلام جلية والحمد لله، والعلم يحصل عنها في أقل مدة وأهون ~~سعي، وتزداد النظر والتطويل في هذه الأصول إنما يقع في إزالة الشكوك وحل الشبهات ~~عنها، وذلك مما لا حاجة إليه في معرفة النبوة. # الشبهة الرابعة: إن الله تعالى إذا بعث إلينا رسلا فلا بد من تأييدهم بالمعجز ليحصل ~~والجواب أن الفرق بين المعجز والشعوذة يظهر من أوجه: ~~أما أولا فإن المعجز من فعل الله تعالى يظهره دلالة على صدق الرسول، والشعوذة من ~~فعل المشعوذ يظهرها دلالة على دقة حيلته. # وأما ثانيا فالشعوذة يقع فيها الاشتراك بين أهل الشعوذة، وأما المعجز فلا شركة فيه. # وأما ثالثا فالشعوذة تحتاج في تحصيلها إلى آلات وأدوات بخلاف المعجز. # وأما رابعا فالشعوذة يمكن إدراكها وتحصيلها بالتعليم، والمعجز لا ms341 يمكن فيه ذلك، ~~ومن ثم كان دلالة قاطعة على الصدق. # الشبهة الخامسة للبراهمة قالوا: إن فيما جاعت به الرسل أمورا تعد من السخف ومجانبة ~~المروءة، كنحو أفعال الحج خاصة من طواف وسعي وهرولة وحلق الرأس وترك المنظف PageV00P433 ~~============================================================ ~~النهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~ولباس الزينة، وهذا كله مخالف لما في العقول مجانب لعادات العقلاء، فيجب ردهم. # والجواب أن القول باطلاق القبح في هذه الأمور خطأ، لأن كل واحد منها قد يستحسنه ~~العقلاء إذا كان فيه نفع أو دفع مضرة، فنقول: الحكم بقبحه إذا لم يكن فيه غرض أو إذا كان ~~فيه غرض، فالأول مسلم ولا يضرنا، والثاني ممنوع، فإن العقلاء يعلمون حسنه إذا كان فيه ~~غرض كساثر الأفعال التي يفعلونها لغرض، لا يقال: إن كان فيها غرض فالعقل يستقل ~~بدركه، فلا حاجة إلى بعثه للرسل وإرسالهم، لأنا نقول: إن استقل العقل بدركه فالشرع ~~مؤكد له ومقرر، وإن عجز العقل عن بلوغه ولم يستقل بدركه فالشرع يرد مبينا له وممهدا ~~لأصله فيجب القول بصحة النبوة وقبول جميع ما جاعوا به من الشرائع، فهذه عمدة ~~شبههم في أصل النبوة. # الفصل الثاني في الشبه الواردة على الخصوص في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام. # ال وهي على أنواع: عقلية، وسمعية، ومركبة من الأمرين. # النوع الأول عقلية محضة. # وهي أربع: ~~الشبهة الأولى قولهم: إنا لا نسلم أنه عليه الصلاة والسلام ادعى النبوة ولا أنه ظهر عليه المعجز. # قلنا: إن ذلك معلوم بالتواتر. قالوا: الخبر المتواتر لا يوجب العلم؛ لأنه لو أوجبه لكان ~~الموجب له إما أن يكون قول كل واحد من المخبرين أو قول مجموعهم، والأول باطل؛ لأنا ~~نعلم بالضرورة أن خبر رجل من آحاد الناس لا يفيد العلم، والثاني باطل أيضا؛ لأن ~~المجموع هو نفس الآحاد، فإذا لم يكن الآحاد موجه للعلم فكذلك المجموع، فيبطل العلم ~~بأخبار التواتر. PageV00P434 # ============================================================ ~~الهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~والجواب أن حصول العلم عقيب الخبر المتواتر ضروري، كما أن حصول العلم عقيب ~~الإبصار بالعين ضروري، ثم ما يذكر من الشكوك في ms342 خبر التواتر ليس بأقوى مما يذكر من ~~الشكوك لأصحاب السفسطة في الأمور المحسوسة، فإذا كاتت شبه أصحاب السفسطة ~~غير مستحقة للجواب فهكذا ما يورد على خبر التواتر لا يستحق جوابا. # قوله: إن كل واحد من المخبرين إذا لم يكن مفيدا للعلم فيجب أن لا يكون قول الكل ~~مفيدا للعلم. قلنا: هذا فاسد لوجهين: ~~أما أولا فلأنا نجد من أنفسنا أنا إذا أخبرنا الإنسان بأن أمير البلد مات فإنه يحصل لنا ~~ظن ضعيف بذلك، فإذا أخبرنا رجل آخر بذلك ازدادت قوة الظن، فلا يزال تزداد قوة ~~الظن عند تزايد المخبرين إلى أن يحصل لنا القطع ويزول عن قلوبنا الاحتمال والتردد، ~~وذلك أمر يجده الانسان من نفسه ويعلمه كل عاقل من حاله، فكيف يقال بأن حال الواحد ~~كحال الجمع. # وأما ثانيا فلأن المجموعية هيثة حاصلة للمجموع وليست حاصلة للآحاد، يوضح هذا ~~أان مجموع المقدمتين سبب في تحصيل العلم بالنتيجة، وكل واحد منهما على الانفراد لا ~~ينتجها، وأن مجموع أجزاء من الجواهر يوصف بأنه جسم، وكل واحد منها لا يكون جسما. # وعلى الجملة فالعلم الضروري حاصل بمخالفة الحقائق المركبة للحقائق المفردة، وهذا ~~واضح ~~الشبهة الثانية قولهم: سلمنا أنه عليه الصلاة والسلام ادعى النبوة وظهر عليه المعجز، ~~ولكن لا نسلم أن من ظهر عليه المعجز فهو نبي، ولم لا يجوز أن يكون مبدأ حدوث هذه ~~المعجزات لأجل أمور ثلاثة: إما من جهة التحريكات الفلكية والتشكلات السماوية، فلا ~~يمتنع أن يحصل من تلك التشكلات ما يقتضي انخراق العادة. وإما أن يكون ذلك من جهة PageV00P435 ~~============================================================ ~~النهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~بعض الجن والشياطين والملائكة. وإما أن يكون هو شيء من خواص الأجسام كخاصية ~~حجر المغناطيس في جذب الحديد دون غيره. فأما إذا كان سبب حدوث المعجز يمكن آن ~~يكون أحد هذه الأمور الثلاثة بطل كونه دالا على النبوة. # والجواب أن هذه الاحتمالات ساقطة على مذهبنا؛ لأنا قد قررنا قواعد الحكمة ~~ال واستقصينا في الرد على منكريها استقصاء شافيا، فلا يتوجه على مذهبنا هذه الشبهة لأن ~~تجويز ms343 مثل هذا مفسدة لا تليق بالحكمة، فلا يمكن الله أحدا من فعل مثل هذا لما فيه من ~~التعمية والتلبيس بين النبي والساحر والصادق والكاذب، بل هو لازم لها ولأي الأشعرية، ~~وهم لا يتمكنون عمر الدهر من إقامة دلالة على بطلان هذا الاحتمال على مقتضى مذهبهم، ~~ولزومه من وجهين: ~~أما أولا فلأنه لا يمتنع في بعض الكذابين أن يدعي النبوة ويحصل المعجز مطابقا لدعواه ~~مضافا في الحصول إلى أحد هذه الاحتمالات الثلاثة، فإذا كان على أصوهم لا يقبح من الله ~~تعالى قبيح لم يمتنع فعل هذا، وحينثذ لا يبقى فرق بين الساحر والنبي. # و أما ثانيا فلأن الله تعالى إذا كان على مذهبهم لا يقبح منه قبيح بل كل ما فعله من أنواع ~~القبائح فهو حسن من جهته، فمع ذهابهم إلى هذا المذهب الشنيع ما يؤمنهم آن يدعي ~~بعض الكذابين النبوة ويؤيده الله تعالى بظهور المعجزة، وعند هذا لا يمتنع أن يكون جميع ~~من سلف من الأنبياء كلهم كذبة، فقد تقرر لزوم إظهار المعجز على الكذابين في الأول من ~~غير الله، وهو أحد الاحتمالات الثلاثة التي ذكرناها، والمانع عندنا منها هو الحكمة، وهم لا ~~يقولون بها. وفي الثاني إنما لزم إظهار المعجز على الكذابين من جهة الله تعالى؛ لأن عندهم لا ~~يقبح منه قبيح، فلزمهم ما ذكرناه وهذا لا محيص لهم عنه. # الشبهة الثالثة سلمنا أن من ظهر عليه المعجز فهو نبي، ولكن ها هنا ما يمنع من ذلك PageV00P436 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~وهو أن المعجز هو الفعل الخارق للعادة، وتجويز ذلك يجر إلى السفسطة، وذلك لأنا إذا ~~جوزنا تغير العادات عن مجاريها لم يمكنا القطع باستمرارها في شيء من الأحوال قطعا، ~~فحينئذ لا يمكنا القطع بأن الله تعالى لم يقلب ماء الأنهار دما عبيطا وأته لم يقلب الجبال ذهبا ~~ابريزا عند غيبتنا عنها، وأنا إذا غمضنا أعيننا فلعل الله جعل السماء ياقوتة حمراء ثم لما فتحنا ~~أعيننا عادت كما كانت، وأن الجبال التي لا نراها لا يمكننا القطع بكونها ms344 في أماكنها، بل لا ~~يمتنع تحويلها عن مواضعها، ومعلوم آن من التزم بتجويز هذه الأمور فقد خرج عن حد ~~العقلاء وعد من المجانين، فإذا كان القول بجواز تغير العادات يفضي إلى هذا كان باطلا، ~~ال وفي ذلك بطلان نبوته عليه الصلاة والسلام. # والجواب أنا لا ننكر أن المعجز هو الفعل الخارق للعادة، ولولا ذلك لما كان معجزا، فأما ~~تجويز انقلاب هذه الأمور عما كانت عليه فلا يمكن دفعه ببرهان قاطع، ولكني أعلم علما ~~ضروريا لا شك فيه أن هذه الأمور ما تغيرت عما كانت عليه مع أني أجوز تغيرها، ولكن ~~اقطع بأن هذا التغير ما حصل، ويجب أن يفعل الله تعالى هذا العلم ليكون حجة على الخلق ~~في تعريفهم صدق آنبيائه ورسله؛ لأن مع تجويزنا لخروج العادات عن مجاريها لا يمكنا ~~الوصول إلى معرفة الأنبياء، فيجب على الله تعالى فعله لذلك. # الشبهة الرابعة قولهم إن نبوته عليه الصلاة والسلام تقتضي نسخ شرع من كان قبله من ~~الأنبياء، والنسخ محال، وما يفضي إلى المحال فهو محال. وإنما قلنا إن نبوته تقتضي نسخ شرع ~~من كان قبله من الأنبياء فهذا ظاهر معلوم من ضرورة الدين أنه ناسخ لشرائع من كان ~~قبله. وإنما قلنا إن النسخ محال، فلأن من نهى عن شيء بعدما آمر به أو آمر بشييء بعدما نهى ~~عنه فإنما ذلك لأنه قد بدا له من قبحه أو حسنه ما كان خافيا عليه من قبل، وذلك محال على ~~الله تعالى. # والجواب أنا لا نسلم أن النسخ يلزمه البداء، قوله: لأن النهي عن الشيء بعد الأمر به أو PageV00P437 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~بالعكس يتضمن أنه قد بدا للناهي أو للآمر من قبحه أو حسنه ما كان خافيا عنه. قلنا: إن ~~الأمر والنهي إنما يحسنان لأجل المصلحة، فلم لا يجوز أن يقال إنه تعالى كان عالما بأن ذلك ~~الفعل يكون منشثا للمصلحة متى كان واقعا في ذلك الوقت وأنه يصير منشئا للمفسدة ~~خارجا عن ذلك الوقت، وكان عالما بأن مصلحة المكلف ألا ms345 يعلم بأنه سينهاه عن ذلك ~~الفعل بعد ذلك الوقت، فلا جرم يحسن منه أن يأمره مطلقا ثم ينهاه بعد ذلك فهذه هي ~~الشبه العقلية. # النوع الثاني: سمعية محضة. # ال وهي أن اليهود ادعوا النقل المتواتر عن موسى عليه الصلاة والسلام بأن شريعته لا ~~تصير مسوخة وأنه خاتم المرسلين، وقد توافقنا على صدق موسى عليه الصلاة والسلام، ~~فيجب أن يكون قوله حقا، وفي صحة ذلك بطلان نبوة محمد صلى الله عليه وآله. # والجواب أن هذا الخبر مردود لوجوه: ~~أما أولا فلأن هذا الخبر إما أن يكون منقولا بالتواتر أو بالآحاد، ومحال أن يكون متواترا ~~لأنه لو كان متواترا لما وقع فيه نزاع كالعلم بالبلدان العظيمة والعلم بوجود الملوك ~~والرؤساء؛ ولأن بعض اليهود أنكره، وإن كان آحاديا لم يوصل إلي العلم فلا حجة فيه. # وأما ثانيا فقول موسى إن كان حجة لظهور المعجز عليه فقد بينا ظهور المعجز على محمد ~~صلى الله عليه آله فليس القدح في أحدهما أولى من القدح في الآخر، اللهم إلا أن يقولوا إن ~~المعجز لم يظهر على نيينا فقد بينا ظهوره. # وأما ثالثا فنقول: إن معنى كلام موسى عليه الصلاة والسلام: شريعتي لا تنسخ أبدا ~~على يدي من لا معجزة له. وهذا مقبول على هذا الوجه. PageV00P438 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~النوع الثالث: مركبة من العقل والسمع جميعا. # وحاصلها أنه عليه الصلاة والسلام لو كان نبيا لدعا الناس إلى معرفة دينه بالدليل لكنه ~~لم يفعل ذلك، فيجب أن لا يكون نبيا. وإنما قلنا: إنه لو كان نبيا لدعا الناس إلى معرفة دينه ~~بالدليل، فلأن معرفة الحق إنما يتوصل إليها بالأدلة؛ لأن التقليد ليس طريقا إلى معرفة ~~الحق، وإلا لم تكن متابعة البعض أولى من البعض، وهذا عقلي. وإنما قلنا: إنه ما دعاهم إلى ~~معرفة دينه بالدليل فلأن صحة دينه موقوف على إثبات الصانع، وإثبات كونه مختارا وأنه ~~عالم بكل المعلومات، وبيان وجه دلالة المعجز على الصدق وكيفية إعجازه وفي كل واحد ~~من هذه الأصول شكوك كثيرة وشبهات ms346 عظيمة وبحث واسع، ثم إنه عليه الصلاة ~~والسلام ما تكلم في شيء من هذه المسائل ولا بين أدلتها ولا أجاب عن شيء من أسئلتها ~~والشبه الواقعة فيها، وهذا شرعي معلوم من دينه ضرورة، وهذا قلنا: إن هذه الشبهة مركبة ~~من الأمرين جميعا. # والجواب من وجهين أما أولا: فإن أكثر القرآن مشتمل على أدلة التوحيد والنبوة وذكر ~~الميعاد واثباته والرد على المنكرين لهذه الأمور، ولنذكر منها آية دالة على ما قلنا ليقاس عليها ~~نظائرها، وهي قوله تعالى: (يأيها الناس اغبدوا ربكم الذي خلقكم) (1)، إلى قوله تعالى: ~~(ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون)(2)، فأظهر الله تعالى الدلالة بهذه الآية أربع ~~قواعد من قواعد الدين: ~~الأولى إثبات الصانع، وإليه الإشارة فيها بأمور خمسة: ~~أحدها بأنفسهم كقوله تعالى: (الذي خلقكم). # ا- سورة البقرة: آية 21. # 2- سورة البقرة: آية 25. PageV00P439 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وثانيها: بأحوال آبائهم وأجدادهم، كقوله: (والذين من قبلكم). # وثالثها بأحوال الأرض، كقوله تعالى: (الذي جعل لكم الأزض فراشا)(1). # ورابعها بأحوال السماء، كقوله تعالى: (والسماء بناء). # ال وخامسها بالأمور الحادثة بين السماء والأرض، كقوله تعالى: (وأنزل من السماء ماء ~~فأخرج به من الثمرات رزقا لكم). # فدل بهذه الأمور على أنه لا بد هذه الآثار من مبدع وصانع. # القاعدة الثانية إثبات أنه تعالى واحد وإليه الإشارة بقوله تعالى: (فلا تجعلوا لله أندادا). # الآية، فلما دل بما تقدم على إثبات الصانع دل بهذه الآية على أنه واحد. # القاعدة الثالثة إثبات النبوة وإليه الإشارة بقوله تعالى: (وإن كنتم في رتب مما نزلنا على ~~عبدنا فأثوا بسورة من مثله)، فلما تقررت دلائل إثبات المؤثر وإثبات الوحدانية له أردف ~~ذلك بإثبات النبوة، وتحداهم بالإتيان بمثل القرآن على تلك المراتب الثلاث التي أسلفناها. # القاعدة الرابعة إثبات المعاد الأخروي، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (وبشر الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها) إلى آخر الآية، وأمثالها مما يدل على ما ~~قلناه فكيف يقال إن القرآن خال عن أدلة التوحيد والنبوة. # الوجه الثاني إن أدلة التوحيد والنبوة حاصلة على ms347 القرب بسهل النظر فيها لمن تأمل، ~~وذلك كاف في صحة الإسلام وإحراز الدين، فأما تقرير قواعد الأدلة وترتيب مقدماتها ~~وحل الشبه عنها فهو دأب العلماء، فإن الشكوك والشبهات إنما نشأت من زيغ الملاحدة ~~1- سورة البقرة: آية 22. PageV00P440 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والترحيل ~~وضلال أعداء الدين، وكان الإسلام في أوله غضا طريا، وبعد أن نشأت الضلالات ~~أحدث لها علماء الدين جوابا وكشفوا عن زيفهم بالدلائل القاطعة والإلزامات المفحمة ~~والحمد لله رب العالمين. # القول في إعجاز القرآن وتفاصيل الوجوه في إعجازه ~~أما إعجازه فهو ظاهر بما قررناه آنفا ونريد ها هنا أمرا واحدا وهو أن الإتيان بكل ~~واحدة من سور القرآن إما أن يكون معتادا أو لا يكون معتادا، فإن كان معتادا كان سكوت ~~العرب مع فصاحتهم وتوفر دواعيهم إلى إبطال آمره وشدة عداوتهم له حتى عرضوا ~~نفوسهم الحتف وأموالهم السحت من آبهر المعجزات وأظهر البينات. وإن لم يكن معتادا ~~كان لا محالة أدخل في الإعجاز، فثبت أن القرآن سواء كان خارقا للعادة أو لم يكن فإنه لا ~~بد أن يكون معجزا، وهذه نكتة قاطعة لشعب المنكرين. # وأما تفاصيل وجوه الاعجاز فللناس فيه مذاهب، ونحن نذكرها واحدا واحدا، ونردفه ~~ببيان المختار بعون الله. # المذهب الأول قول أهل الصرفة، وحاصل مذهبهم أن الله تعالى ما أنزل القرآن ليكون ~~حجة على النبوة بل هو كسائر الكتب السماوية لبيان الحلال والحرام وتعليم سائر الأحكام، ~~ال وانما لم يعارضه العرب؛ لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك وسلبهم علوم معارضته مع ~~قدرتهم عليها، وهذا المذهب يعزى إلى النظام، ويحكى أيضا عن الشريف المرتضى(1) وأبي ~~- الشريف المرتضى علي بن الحسين بن موسي بن محمد بن إبراهيم، أبو القاسم (436 ه(، من أحفاد الحسين بن ~~علي بن أبي طالب، نقيب الطالبيين، وأحد الأئمة في علم الكلام والأدب والشعر، وكان يقول بالاعتزال. الزركلي: ~~الأعلام 278/4، كحالة: معجم المؤلفين 81/7. PageV00P441 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~اسحاق النصيبي(1) من المعتزلة، وهو فاسد لوجوه: ~~أما أولا فلأن عجز العرب عن المعارضة لو كان لأن ms348 الله أعجزهم عنها بعد أن كانوا ~~قادرين عليها لما كانوا مستعظمين لفصاحة القرآن، بل يجب أن يكون تعجبهم من تعذر ~~ذلك عليهم بعد أن كان مقدورا لهم، كما أن نبيا لو قال: معجزتي أني أضع يدي على رأسي ~~هذه الساعة وأنتم يتعذر عليكم ذلك. ويكون الأمر كما قال، لم يكن تعجب القوم من ~~وضعه يده على رآسه بل من تعذر ذلك عليهم بعد إمكانه منهم، ولما علمنا بالضرورة أن ~~تعجب العرب ما كان إلا من أجل فصاحة القرآن نفسها، بطل قول أهل الصرفة. # وأما ثانيا فلو كان الصرفة هي وجه الإعجاز لوجب أن يكون كلامهم قبل التحدي ~~مقارنا في الفصاحة للقرآن، ولوجب أن يعارضوه بجميع تلك الكلمات المتقدمة، ولكان ~~جب ظهور الفرق بين كلامهم قبل التحدى وبعده، فلما لم يعلم ذلك دل على بطلانه. # وأما ثالثا فهو أنا نعلم بالضرورة أن العرب كافة كانوا يستعظمون فصاحة القرآن ~~ويعجبون بها عجبا عظيما، حتى قال الوليد بن المغيرة: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن ~~أعلاه لمورق وإن أسفله لمرتق(2)، كما حكى الله تعالى عنه في قوله: (إنه فكر وقدر (18) ~~فقتل كيف قدر)(3)، إلى أن قال: (إن هذا إلا سخر يؤثر)(4)، ومن المعلوم أن مسيلمة(3) قد ~~- ذكره الصفدي في"الوافي بالوفيات" في ترجمة قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد فقال: إن أستاذه أبا عبد الله ~~البصري أنفذ إلي الصاحب بن عباد أبا إسحاق النصيبي وكان حسن اللفظ والحفظ، وقد ذكره القاضي عبد الجبار ~~في الطبقة الحادية عشرة باسم أبي إسحاق النصيبيني أخذ عن أبي عبد الله البصري. الصفدي: الوافي بالوفيات ~~32/18، القاضي عبد الجبار: فرق وطبقات المعتزلة ص122. # 2-أخرجه الحاكم في مستدركه 2/ 550، حديث 3872.الألباني: صحيح السيرة النبوية ص158. # 3- سورة المدير: آية 19-18. # 4 - سورة المدثر: آية 24. # 6- جاءت في الأصل أيضا: مسيملة. وهو يقصد مسيلمة الكذاب، فيبدو آنه يتعمد كتابتها هكذا. PageV00P442 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~عارض بعض السور بما نقل من تلك الخرافات، وأن أمية بن خلف قال: لو شئنا لقلنا مثل ~~هذا ms349 وأن المعري حاول أيضا معارضته، وحاول بعضهم معارضته بأخبار الفرس، ولا ~~اشكال في بطلان هذه الأمور وخروجها عن حد المعارضة، وليس يكشف خروجها عن ~~المعارضة إلا ببيان وجه الفصاحة، فثبت أن القرآن ليس كونه معجزا دالا على الصدق ليس ~~لأجل عدم المعارضة فقط، بل لاختصاصه من وجوه الفصاحة بما ينتهي إليه حد الاعجاز، ~~وهذا يؤذن ببطلان كلامهم في الصرفة. # المذهب الثاني قول من جعل وجه إعجازه الأسلوب، وقال: إن أسلوبه مخالف لساثر ~~الأساليب الكلامية من الشعر والخطب والرسائل، وهذا باطل لوجوه: ~~أما أولا فلأن الفصاحة قد تظهر فيما ليس فيه أسلوب كالآية الواحدة، فإنها معجزة، ~~كقوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة)، ولا أسلوب هناك لقصرها وتقارب أطرافها. # وأما ثانيا فلأن وجه الإعجاز في الأسلوب كما زعموه إما أن يكون هو الفصاحة لكنها ~~مخالفة لسائر أساليب الكلمات الفصيحة، فهذا جيد، وإما أن يقال إن وجه إعجازه ليس إلا ~~أنه مخالف للشعر والخطب من غير اعتبار الفصاحة، فهذا خطأ. فإن الفصاحة هي الأصل ~~في الإعجاز. # وأما ثالثا فلو كان الأسلوب معجزا لكان أسلوب الشعر أيضا معجزا، فإنه لا فضل بين ~~اسلوب وأسلوب. # المذهب الثالث قول من زعم أن وجوه إعجازه اشتماله على الإخبار بالأمور الغيبية، ~~وهو فاسد لأمرين: ~~أما أولا فلأنه يلزم خلو بعض السور عن الإعجاز لعدم اشتمالها على الأمور الغيبية PageV00P443 ~~============================================================ ~~الشهيد شرح معالمر العدل والنرحل ~~كسورة الاخلاص وغيرها من السور، فليست خبرا عن أمر غيبي، والتحدي واقع بكل ~~سورة. # وأما ثانيا فلأنه عليه الصلاة والسلام أخبر عن الغيوب الكثيرة كقوله لعمار: ل"تقتلك ~~الفئة الباغية"(1). وقوله لأمير المؤمنين: "تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين"(2). وغير ~~ذلك مما ليس في القرآن، فلو لم يكن في القرآن وجه إعجاز سوى ما ذكرناه لم يكن القرآن ~~خاصا بالدلالة على صدقه. # المذهب الرابع قول من ذهب إلى أن وجه إعجازه سلامة ألفاظه عن التعقيد وبراءته عن ~~الثقل على الألسنة، كما يؤثر في مثل قول الشاعر: ~~وقحزب بمكان قفر وليس قرب قبرحرب قب(3) ~~- أخرجه البخاري (كتاب المساجد - باب ms350 التعاون في بناء المسجد) 97/1 حديث رقم 477، ونصه: "ويح ~~عمار تقتله الفثة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار". مسلم (كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب لا تقوم ~~الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء) 1226/2 حديث رقم 7507. # 2- أخرجه الحاكم في مستدركه 150/3، حديث رقم 4675، ونصه: اتقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ~~بالطرقات والنهروانات وبالشعفات، المتقي: كنز العمال 110/13، حديث رقم 36361، عن ابن مسعود قال: ~~خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى منزل أم سلمة، فجاء علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم ~~سلمة هذا والله قاتل القاسطين والناكثين والمارقين من بعدي. قال عنه الألباني: موضوع بهذا التمام، واقتصر ~~الذهبي على تضعيفه السلسلة الضعيفة 557/10، حديث رقم 4907. # و- البيت من بحر الرجز، وأورده الجاحظ للدلالة على تنافر الحروف والالفاظ وعلق عليه بقوله: ولما رأى من ~~لا علم له أن أحدا لا يستطيع أن يشد هذين البيتين ثلاث مرات في نسق واحد فلا يشعتع ولا يتلجلج وقيل لهم ~~إن ذلك إنما اعتراه إذ كان من أشعار الجن، صدقوا بذلك. وقيل: إن من الجن نوعا يقال له الهاتف، فصاح واحد ~~منهم على حرب بن أمية فمات، فقال ذلك الجني هذا البيت. انظر الجاحظ: البيان والتبيين 49/1. PageV00P444 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وقد قيل: إن هذا البيت لا ينشده أحد ثلاث مرات إلا غير فيه لسانه، وهذا المذهب ~~يحكى عن الجاحظ، وهو فاسد. لأمرين: ~~أما أولا فلأن أكثر ألفاظ الناس سليمة عن مثل هذا التعقيد، ولا يكاد يوجد مثله إلا ~~نادرا. # وأما ثانيا فلأن سلامته عن التعقيد إما أن يضم إليه وصف الفصاحة أم لا، فإن ضم إليه ~~الفصاحة فهي كافية في الإعجاز ولا حاجة إلى قولنا إنه سالم عن التعقيد، وإن لم يكن ~~مضموما لم يكن معجزا؛ لأن أكثر الخطب والقصائد الشعرية بريئة عن ذلك. # المذهب الخامس قول من جعل وجه إعجازه خلوه عن التناقض والاختلاف، وهر ~~فاسد لأمرين: ~~أما أولا فلأنا قد نرى كثيرا من ms351 الشعراء والخطباء يذكرون من خطبهم وأشعارهم ما لا ~~يوجد فيه شيء من التناقض والخلاف والتعارض، ومع ذلك لا يعد معجزا. # و أما ثانيا فلأن التحدي واقع بكل سورة من آحاد سوره، ومتى كان الأمر كذلك بطل ~~هذا المذهب، لأنا نعلم بالضرورة أنه قد يوجد من الكلام ما مقداره كمقدار سورة الكوثر ~~خاليا عن التناقض والخلاف، فبطل ما قالوه. # فإذا بطلت هذه المذاهب فاعلم أن المختار عندنا في وجه الاعجاز وقوعه بأمرين: ~~الفصاحة، والبلاغة. وذلك لأن الإعجاز إنما وقع بما وقع به التحدي، وآيات التحدي ~~مطلقة غير مخصوصة بأمر معين، بمعنى آنه لم يبين فيها أن التحدي هل وقع بالفصاحة أو ~~بالنظم أو بالمعاني، ثم إن العرب لم يستفهموه عما يطالبهم، فوجب أن يكون تركهم لذلك ~~الاستفهام؛ لأن عادة التحدي كانت مقررة بينهم، فيجب حمل التحدي المطلق على ذلك PageV00P445 ~~============================================================ ~~الهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~المعتاد فإن المعلوم أن الشعراء والخطباء إذا تحدى بعضهم بعضا بشعر أو خطبة فإنه لا ~~يتحداه إلا بمجموع أمرين: الفصاحة، والبلاغة. فإنه لم يعهد قط في زمانهم تحدي بعضهم ~~بعضا بدقة معاني شعرهم ولا باشتماله على الإخبار بالأمور الغيبية ولا بعدم التناقض، بل ~~التحدي ما كان فيما بينهم إلا بالبلاغة والفصاحة، فيجب أن يكون التحدي في القرآن واقعا ~~بمجموع هذين الأمرين، ويجب أن يكون وجه إعجازه مجموعها كما ذكرناه، وهذا هو ~~المعتمد عند أهل المعاني:. # لا يقال: لو كان وجه الاعجاز هو جمرع الفصاحة والبلاغة لوقعت معارضة من جهة ~~العرب، فلما عجزوا عن معارضته علمنا أن وجه الاعجاز ليس آمرا يختص الفصاحة ~~والبلاغة، وإنما هو أمر آخر. وإنما قلنا إنه لو كان وجه الإعجاز هو مجموع هذين الأمرين ~~لوقعت معارضته من العرب؛ فلأن المرجع بالفصاحة والبلاغة ليس إلا جزالة الألفاظ ~~وحسن النظم، وهما مقدوران للعرب؛ لأن مفردات الألفاظ مقدورة ومعلومة لهم ~~والتركيب والنظم مقدوران ومعلومان لهم، فثبت أن وجه الإعجاز لو كان هو الفصاحة ~~والبلاغة لوقعت معارضته من جهتهم مع توفر دواعيهم وإنما قلنا إنهم عجزوا عن ms352 ~~معارضته؛ فلما تقدم، فبطل أن يكون وجه إعجازه هو مجموع الفصاحة والبلاغة. # لأنا نقول: هذا فاسد؛ لأنه يقتضي أن كل من عرف مفردات اللغة وعلمها وقدر على ~~تركيبها وعلمه أن يكون متمكنا من الشعر مثل شعر امرئ القيس ومن الخطب مثل خطب ~~قس بن ساعدة، وفساد هذا معلوم بالضرورة، والتحقيق آن التفاوت هاهنا راجع إلى آمور ~~ثلاثة: فصاحة الألفاظ وبلاغة المعاني، ومراعاة أحوال النظم. # وتمام هذا البحث مقرر في علم البيان، ومقدار الغرض قد وفينا به. PageV00P446 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~القول في كيفية دلالة المعجز على صدق المدعي ~~اعلم أن الناس مختلفون في كيفية دلالة المعجز على الصدق بحسب اختلافهم في مسألة ~~الحسن والقبح والوجوب على طريقين: ~~أما الطريق الأول فمذهبنا وهو قول جمهور المعتزلة أن دلالة المعجز على الصدق ~~متوقفة على علوم الحكمة، فما لم يحصل العلم بالحكمة لا يمكننا القطع بكونه دالا على ~~الصدق، وذلك لأن الاستدلال بالمعجز على الصدق مبني على مقدمتين: ~~أحدهما أنه لا غرض لله تعالى في إظهار المعجز إلا التصديق. # والثانية أن من صدقه الله تعالى فهو صادق. # وكل واحدة من هاتين المقدمتين متوقفة على الحكمة، أما الأولى وهو أنه لا غرض لله ~~تعالى في إظهار المعجز إلا التصديق؛ فلأنه وإن كان إظهاره عليه محتملا لغير التصديق كأن ~~يكون مصلحة لمكلف أو معجزة لنبي أو إجابة لدعوة ولي، لكنه يوهم التصديق فيكون فيه ~~تعمية وتلبيس، وهذا لا يليق بالحكمة. وأما المقدمة الثانية وهو آن من صدقه الله فهو ~~صادق؛ فلأنه لو لم يكن صادقا لكان كاذبا، وتصديق الكاذب كذب، والكذب قبيح، وهو ~~تعالى لا يفعله. # فتقرر بما ذكرنا أن كل واحدة من هاتين المقدمتين متوقفة على علوم الحكمة وأنه لا ~~يمكن تصحيحها إلا بعد تقرير قاعدة الحكمة. # الطريق الثاني وهو الذي اعتمده المتأخرون من الأشعرية، وهو مبني على أمرين: ~~أحدهما أن المعجز يفيد العلم الضروري بكون المدعي صادقا. PageV00P447 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~والثاني أن تجويزنا إظهار الله المعجز على يد الكاذب لا ms353 يقدح في هذا العلم الضروري. # أما بيان الأول فلأن كل من قدح في المعجزات من الأمم الماضية إنما قدحوا فيها ~~لاعتقادهم أنها ليست من فعل الله تعالى وإنما هي من باب الحيل والطلسمات ومعرفة ~~الخواص، ولم ينقل عن واحد منهم أنه سلم كون المعجز من فعل الله ثم نازع بعد ذلك في ~~دلالته على الصدق، فإن من شاهد انقلاب العصا ثعبانا وفلق البحر ورفع الجبل وعرف ~~قطعا أن ذلك من فعل الله استحال أن يشك بعد ذلك في صدق المدعي:. # وأما بيان الثاني فلأنا نعلم بالضرورة أنا إذا أطبقنا أعيننا ساعة ثم فتحناها فإنا نجوز في ~~حال إطباقها أن الله قد قلب الجبال ذهبا والأحجار درا في تلك الحالة ثم إذا فتحنا أعيننا ~~جعلها كما كانت، وهذا التجويز لا يزيل عنا العلم بأنها ما كانت كذلك، فثبت أن تجويز ~~انقلاب الأشياء عن مجاريها العادة لا يقدح في حصول العلم الضروري ببقائها على حالتها ~~الأولى، فهكذا القول في مسألتنا، فإذا أظهر الله المعجز على هذا المدعي فهو دلالة على صدقه ~~بالضرورة، ولا يقدح في هذا العلم الضروري تجويزنا إظهار الله المعجز على يد الكاذب. # وهذه الطريقة ضعيفة جدا، أما الأول فنقول: قولكم إن أحدا من الأمم الماضية لم يقدح ~~في كون المعجز دالا على الصدق بعد تسليم كونه معجزا، وإنما كان كذلك قدحهم في كونه ~~مجزا: ~~قلنا: إنما لم يقدحوا في كونه دالا على الصدق بعد تسليم كونه معجزا لما كان العلم بكونه ~~صادقا مستندا إلى العلم بكونه تعالى حكيما، وهم قد علموا الحكمة، وأنه لا يظهر المعجز ~~على كذاب، فلا جرم حصل لهم العلم بكونه صادقا لما علموا الحكمة، فلو قدرنا أنهم لم ~~يعلموا الحكمة لم يمكنهم القطع بكونه صادقا مع تجويز إظهاره على كاذب. # وأما الثاني فنقول: إنما قطعنا على أن الله تعالى لم يقلب الجبال ذهبا عند إطباقنا على أعيننا PageV00P448 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~مع أنا نجوز قدرة الله تعالى على ذلك؛ لأن الله تعالى خلق فينا ms354 علما ضروريا بأنه لم يفعل ~~ذلك، وليس كذلك الأمر في مسألتنا، فإذا أظهر الله المعجز على يدي هذا الشخص فإنه لا ~~يمكن القطع بكونه صادقا إلا إذا علمنا أنه لا يظهر المعجز على كذاب، والعلم باستحالة ~~ذلك عليه متوقف على الحكمة، فإذا لم يعلموها لم يمكنهم القطع بكونه صادقا، فافترقا، ~~وظهر بمجموع ما ذكرناه أنه لا يمكنهم القطع بصدق الرسل، وإن بطلان الرسل متوجه ~~علهم من وجهين: ~~أحدهما بناء على أن العقل لا يقبح ولا يحسن فأنه تعالى لا يقبح منه قبيح، فلا يمتنع منه ~~اظهار المعجز على الكذابين، فتبطل الثقة بقولهم. # وثانيهما بناء على أن العقل لا يوجب واجبا فإذا كان الأمر كما زعموه لم يجب علينا النظر ~~في معجزاتهم؛ لأنه لا يجب علينا النظر في معجزتهم إلا بعد العلم بصدقهم، وصدقهم ~~يتوقف على النظر في معجزتهم، فيكون دورا. وهذا لا خلاص لهم عنه؛ لأن تصحيح النبوة ~~ال يبني على دلالة المعجز على الصدق، وهذا الأصل متوقف على العلم بالحكمة، ولا حكمة ~~مع القول بإضافة كل القبائح إليه، فيسد عليهم حينئذ معرفة النبوة. # لا يقال: ليس يخلو دلالة المعجز على الصدق إما أن يوقف على نفي المعارض أو لا ~~يتوقف، والقسمان باطلان، فيبطل القول بدلالته على الصدق. بيان استحالة توقفها على ~~نفي المعارض، وهو أنه إما أن يكفي عدم المعارضة في زمن واحد أو لا يكفي إلا عدم ~~المعارضة في كل الأزمنة، وباطل أن يكفي عدم المعارضة في زمن واحد؛ لأنه يجب على هذا ~~ان كل من تحدى بأمر معجز عن معارضته من كان خاطرا عنده أن يكون نبيا، وإنه محال. # ال وباطل أن يكفي عدم المعارضة في جميع الأزمنة؛ لأنه لا طريق لنا إلى العلم بأنه لا يوجد في ~~أي من الأزمنة المستقبلة من لا يكون قادرا على معارضته. PageV00P449 # ============================================================ ~~المهيد شرح معالم العدل والتوحيل ~~بيان استحالة كونها غير متوقفة هو آن بتقدير حصول المعارضة إما أن يقطع بهما جميعا، ~~وهو محال، أو بحصول أحدهما دون الآخر من دون ms355 مرجح، وهو محال، فيبطل القول ~~بدلالته على الصدق؛ لأنا نقول.0(1) خارقا للعادة، وما لا يكون خارقا أمر ضروري، فإذا ~~وقعت المعارضة فإما أن يكون الإتيان بها خارقا للعادة أم لا. فإن لم يكن خارقا للعادة لم ~~تكن معارضة، وإن كان خارقا للعادة لم يكن الخارق معارضة بل كان معجزا بائنا على يدي ~~من ظهر عليه، وهذا جائز، والذي يقطع به أنه لا يجوز ظهور المعجزة على وجه يكون فيه ~~تلبيس وتعمية، فهذا هو الكلام فيما يتعلق بمقاصد الباب. # القسم الثالث في توابعه ~~القول في جواز ظهور الكرامات على الأولياء والصالحين ~~اتفقت المعتزلة على منع ذلك إلا أبا الحسين، فإنه جوز ذلك واعترف به، وإلى جوازها ~~ذهب أكثر الأشعرية إلا الإسفرايني منهم، والدليل على جواز ظهورها عليهم مسلكان: ~~الأول ما علم من ظهور الخوارق على مريم عليها السلام، ولم تكن نبية، ولا نعني ~~بالكرامة إلا هذا. وإنما قلنا بظهور الخوارق على مريم فهذا مما لا نزاع فيه، كمجيء جبريل ~~اليها وصيرورتها حاملا من غير ذكر، وظهور الجني من الرطب لها من الشجرة اليابسة. # وانيما قلنا إنها ما كانت نبية فهو ظاهر. # المسلك الثاني ما ظهر على أصحاب الكهف، وهو بقاؤهم المدة الطويلة على السلامة، ~~وهذا خارق للعادة، ولم يكونوا أنبياء. وإنما قلنا ببقائهم المدة الطويلة فلما حكى الله تعالى ~~- بياض بالأصل. PageV00P450 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~عنهم بقوله: (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تشعا)(1)، والعادة جارية بتغير ~~الإنسان في المدة اليسيرة. وإنما قلنا إنهم ما كانوا أنبياء فذلك مما لا نزاع فيه. # لا يقال: لم لا يجوز أن يقال إن تلك الخوارق كانت معجزات لنبي آخر في ذلك الزمان، ~~أو لم تكن معجزات لنبي في ذلك الزمان، فلعلها كانت إرهاصا لنبي يجيء من بعد. # لأنا نقول: أما في حق مريم عليها السلام فهو باطل، لأمور: ~~أما أولا فلأن زكريا عليه الصلاة والسلام لم يكن عالما بتلك الكرامات، لقوله تعالى: ~~(كلما دخل عليها زكريا المخراب وجد عندها رزقا قال يا مزيم ms356 أنى لك هذا قالت هو من ~~عند الله إن الله يررق من يشاء بغير حساب)(2)، فظاهر هذه الآية يدل على أن زكريا ما كان ~~عالما بتلك الأشياء، وإذا كان الأمر كذلك استحال جعلها معجزة له عليه الصلاة والسلام. # وأما ثانيا فهو أن الله تعالى ذكر هذه الخوارق ولم يذكر زكريا في أثناء هذه القصة، ولو ~~كانت معجزة لزكريا لبين دلالتها على نبوته؛ لأن ذكر الدليل من غير بيان وجه دلالته ترك ~~لفائدته. # و أما ثالثا فهو أن المعجز لا بد من أن يكون بحيث يمكن أن يستدل به على النبوة، وتمثل ~~مجيء جبريل إلى مريم وصيرورتها حاملا من غير ذكر ليس أمرا ظاهرا يمكن أن يستدل به ~~على النبوق فلا يصلح أن يجعل معجزا لنبي؛ لأنه ما كان هناك أحد يشاهد ذلك، لقوله ~~تعالى: (فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذزت للرخمن صوما فلن أكلم اليؤم إنسيا)(3)، ~~- سورة الكهف: آية 25. # 2- سورة آل عمران: آية 37. # 3 سورة مريم: آية 26. PageV00P451 # ============================================================ ~~النمهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~و ذلك يدل على أنه ما كان معها أحد، فبطل أن يكون ظهور هذه الكرامات عليها معجزة ~~لنبي ~~وأما في حق أصحاب الكهف فالأمر فيه ظاهر أيضا؛ لأن بقاءهم على السلامة في تلك ~~المدة الطويلة أمر خارق للعادة، فلو كان معجزا لنبي لوجب إظهار ذلك وإشاعته عند ~~الناس حتى تقوم به الحجة، وقد حكى الله عنهم خلاف ذلك بقوله: (ولا يشعرن بكم ~~أحدا)(1)، فثبت أنه لا يمكن الاستدلال به على نبوة أحد. قوله: لم لا يجوز أن تكون ~~ارهاصا لنبوة نبي آخر. قلنا: الإرهاص هو أن يحضر الرسول قبل رسالته بالكرامات. # وتمام تقرير الدليل بايراد شبههم وابطالها ولهم شبه ~~الشبهة الأولى قالوا: لو جاز ظهور المعجز على الأولياء لوجب ظهوره عليهم كما وجب ~~ل ذلك في حق الأنبياء، فإنه لما جاز ظهور المعجز عليهم وجب ظهوره؛ لأن المعجز يدل ~~بطريق الإبانة والتخصيص، ونعني بالإبانة أنه يجب ظهوره على النبي، فباين غيره من ~~الأدلة، كدلالة الفعل المحكم ms357 على فاعله؛ لأنه قد يكون عالما ولا يظهر فيه الفعل. ونعني ~~بالتخصيص أنه إذا كثر وصار معتادا خرج عن كونه دليلا على النبوة، بخلاف دلالة الفعل ~~على فاعله، فإنه يدل على أنه لا بد له من فاعل، كثر أو قل، فلو جاز ظهوره عليهم لوجب، ~~فلما لم يجب دل على أنه لا يجوز ظهوره عليهم. # والجواب من وجهين: ~~أما أولا فلم قلتم إنه لما وجب ظهور الخوارق على الأنبياء عند جوازها وجب ظهورها ~~على الأولياء، فلا بد من دليل على هذه الدعوى، ولم يزيدوا على مجرد الدعوى من غير ~~- سورة الكهف: آية 19. PageV00P452 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~دليل. # وأما ثانيا فالفرق بينهما هو آنه إنما وجب ظهورها على الأنبياء عند جوازها؛ لأن الله ~~تعالى كلفنا أن نعلم صدقهم، وليس لنا طريق إلى معرفة صدقهم إلا المعجز، فلا جرم ~~وجب ظهوره. وليس كذلك الأولياء فإن الله تعالى ما كلفنا معرفة صدقهم، فلذلك لم ~~جب ظهورها عليهم فافترقا. # الشبهة الثانية لو جاز ظهور المعجز على الأولياء والصالحين لجاز ظهورها عليهم سرا؛ ~~لأن المقصود باظهارها عليهم إكرامهم، وذلك يحصل بالسر كما يحصل بالعلانية، ولو جاز ~~حصولها في السر لتكرر ذلك، ولو تكرر لم يكن ظهور المعجز خارقا للعادة، وذلك يقدح ~~في دلالة المعجز على النبوة لكونه دائما. # والجواب من وجهين: ~~أما أولا فلأنا وإن جوزنا ظهور الخوارق على الأولياء إلا أنا لا نجوز ذلك إلى حيث ~~يصير انخراق العادة عادة، لما ذكرتموه من بطلان دلالة المعجز على النبوة. # و أما ثانيا فلأنكم تجوزون ظهور المعجزات على الأنبياء ثم لا تجوزون أن ينتهي ظهورها ~~إلى حيث يصير انخراق العادة عادة، فهكذا في مسألتنا. # الشبهة الثالثة قالوا: إن ظهور الكرامات على الأولياء والصالحين يكون تنفيرا عن ~~الأنبياء لأنه قد شاركهم في ظهورها من لا يجب طاعته، وذلك يهون موقعهم في النفوس، ~~كما أن الرئيس إذا قام لكل أحد هان قيامه لمن يستحق القيام ولم يعتد به. # والجواب أن ذلك لا يقتضي التنفير، وكيف يقال ذلك ms358 مع أن الولي إنما ظهرت عليه ~~الكرامات لاعترافه بوجوب طاعة النبي في كل قليل وكثير، ومن المعلوم أن الملك إذا أكرم PageV00P453 ~~============================================================ ~~الهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~خدم وزيره؛ لأجل خدمتهم لوزيره فإن ذلك يكون مبالغة في تعظيم حال وزيره، فثبت أن ~~اكرام الأولياء لا يكون تنفيرا عن الرسول، بل يكون تعظيما لشأنه ورفعا لمنزلته. # الشبهة الرابعة معنى وصفنا للإنسان بأنه رسول ليس هو لأجل أن الله حمله أداء الرسالة ~~الى الخلق؛ لأنه تعالى حمل العلماء أداء العبادات إلى الناس وليسوا رسلا، فليس إلا أن معنى ~~كونه رسولا هو أنه ظهر عليه المعجز، وإذا كان الأمر كذلك كان ظهورها على من ليس ~~بنبي مناقضة. # و الجواب أن معنى كون الإنسان رسولا يجب أن يرجع إلى الرسالة؛ لأنه مشتق منها لا ~~من ظهور المعجز، ألا ترى أنا لو فرضنا ظهور المعجز على شخص ولم يكلف بأداء الرسالة ~~إلى الخلق فإنا لا نصفه بأنه رسول، فإذن مقتضى الوضع إطلاق اسم الرسول على كل من ~~حمله الله أداء الرسالة إلى الخلق، ولكن اختص في العرف بمن كلفه الله أداء الرسالة إلى ~~الناس من غير واسطة آدمي، وقد دخل في ذلك أتبياء بني آدم وخرج منهم سائر العلماء. # الشبهة الخامسة لو جاز ظهور الكرامة على الأولياء لما أمكننا أن نقطع باستمرار شيء من ~~العادات؛ لاحتمال انقلابها عن مجاريها كرامة للأولياء، فيلزم ألا نقطع بعدم كون الجبال ذهبا ~~وانقلاب الأنهار دما عبيطا وعدم انشار الكواكب، وهذا يجر إلى السفسطة ويطرق الشك في ~~الأمور الضرورية، وقد أدى إلى هذا تجويز إظهار الكرامات، فيجب أن يكون باطلا. # والجواب من وجهين: أما أولا فلأنه إن علمنا بعدم خروج هذه الأشياء عن حالتها ~~وانقلاب الأمور العادية إذا كان متوقفا على العلم بامتناع الكرامات على الأولياء فهو لا ~~يحصل إلا بالاستدلال، فيلزم في كل من لا يعلم تلك الأدلة ألا يعلم استمرار هذه الأمور ~~العادية، فيجب في العوام والصبيان ألا يعلموا استمرار هذه الأشياء، ويلزم قبل مبعث ~~النبي عليه الصلاة والسلام ms359 ألا نقطع باستمرار هذه الأمور. PageV00P454 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~وانما قلنا إن قبل البعثة؛ لجواز أن يكون تغير الأمور العادية معجزة له، ولما لم يكن الأمر ~~كذلك علمنا أنه وارد عليهم أيضا، فما أجابوا به فهو جوابنا. # فهذا آخر الكلام في النبوة. # الباب الثامن في المعاد الأخروي ~~وفيه قسمان: ~~القسم الأول في صحة الفناء على الأجسام وثبوت إفنائها. # أما صحة الفناء على الأجسام ~~فاعلم أن الأجسام لا تخلو إما أن لا تكون باقية أو لا. فإن كانت غير باقية فهو مذهب ~~النظام، فإنه زعم أن الله يحدث الجسم حالا بعد حال، ويجدده في الأوقات. والأشبه أن ~~مراده من ذلك ما تقوله الفلاسفة من أن الأجسام محتاجة إلى المؤثر في حال بقائها، وظن ~~الناقل لمذهبه أنه يذهب إلى تجدد الجسم حال بقائه، وليس الأمر كذلك. # واما أن تكون باقية، فالقائلون بصحة بقائها اختلفوا في صحة عدمها على ثلاثة مذاهب: ~~المذهب الأول مذهب المنكرين لهذه الصحة، وهم فريقان: ~~أحدهما الذين يقولون بأزليتها، وهؤلاء هم الفلاسفة، فإنهم اعتقدوا وجوب أزلية ~~العالم وأبديته، لكن لا لذاته بل لوجوب حصوله مع علته، وإلا فإمكانه لذاته. # وثانيهما: من لا يقول بأزليتها ويقر بأنها محدثة، ولكن يستحيل عدمها، وهذا هو مذهب ~~الجاحظ وجمع من الكرامية. PageV00P455 # ============================================================ ~~السهيل شح معالمر العدل والنوحيل ~~المذهب الثاني وهم المعترفون بصحة فنائها ولهم فيه قولان: ~~أحدهما أن في العقل طريقا إلى معرفة هذه الصحة، وهذا هو قول أكثر المتكلمين. # وثانيهما أنه لا طريق إلى معرفة هذه الصحة بالعقل، وإنما طريق معرفتها السمع، وهذا ~~هو قول أبي هاشم، فإنه ذكر أن السمع لما دل على عدم العالم عرفنا بذلك صحة عدمه. # المذهب الثالث قول المتوقفين في إثبات هذه الصحة ~~وهذا مذهب أصحاب أبي الحسين. # فهذا هو ضبط المذاهب في صحة عدم الأجسام، والمقصود من المسألة يحصل بالكلام في ~~موضعين: ~~الأول في بيان صحة عدم العالم، ويدل عليه أمران: ~~أحدهما أن العالم محدث، والمحدث يصح عليه العدم، فالعالم يصح عليه العدم. أما إن ~~العالم ms360 محدث فقد مر بيانه، وأما أن المحدث يصح عليه العدم؛ فلأن العدم لو استحال عليه ~~لكانت تلك الاستحالة لا تخلو إما أن تكون لعدمه السابق أو لوجود الحادث أو ~~لجموعهما، ومحال أن تكون لعدمه السابق؛ لأن العدم نفي محض، والعدم لا يكون جهة ~~للتأثير في شيء البتة؛ ولأنه لا فرق بين نفي المؤثر وبين مؤثر هو نفي، ومحال أن يكون ~~لوجود الحادث؛ لأن وجوده لو أحال عدمه ثانيا لأحال عدمه أولا؛ لأن العدم حقيقة ~~واحدة، ولو أحال عدمه أولا ما صح وجوده؛، لأن كل محدث فهو مسبوق بتقدم العدم ~~ليصح وجوده، ومحال أيضا أن تكون لمجموعهما؛ لأن الوجود والعدم نقيضان فلا يمكن ~~اجتماعهما على آمر واحد. PageV00P456 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~وأما ثانيهما: فلأنا لو فرضنا استمرار صارف القادر إلى هذا الوقت لجاز أن يكون ~~معدوما فيه، فإذا كان الأمر هكذا فتقدم حدوثه أولا لا يمنع من جواز عدمه ثانيا، فثبت بما ~~ذكرناه جواز عدم الأجسام. # الموضوع الثاني: وهو أن ما كان ممكنا فهو ثابت لا محالة. # فاعلم أنا قد ذكرنا أن المعترفين بصحة عدم العالم فريقان منهم من قطع على ثبوته ومنهم ~~من وقف، أما القاطعون فقد تمسكوا بأمور خمسة: ~~أولها قوله تعالى: (هو الأول والآخر)(1)، ولولا أنه تعالى يعدم العالم ويفنيه لما كان آخرا. # ل وثانيها قوله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده)(2)، وإعادة الخلق لا تتصور إلا بعد ~~وثالثها قوله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب(3) كما بدأنا أول خلق ~~بعيده)()، شبه الإعادة بالابتداء، ثم إن الابتداء لا يكون إلا بعد العدم، فهكذا الإعادة لا ~~تمكن إلا بعد العدم. # الاورابعها قوله تعالى: (كل من عليها فان)(3)، والفناء هو العدم، فإذن ظاهر الآية يدل ~~على إعدام من على الأرض، وهو المطلوب. # ا- سورة الحديد: آية 3. # 2- سورة الروم: آية 27. # و- جاءت في الأصل: الكتاب. وهي قراءة. # 4 - سورة الأنبياء: آية104. # 5- سورة الرحمن: آية 26. PageV00P457 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وخامسها قوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه)(1)، والهلاك يطلق ويراد ms361 به أمران: ~~أحدهما خروج الشيء عن كونه منتفعا به. وثانيهما على العدم. # ولا يجوز أن يكون المراد به الأول؛ لأنه لا يمكن خروج العالم عن كونه منتفعا به؛ لأنه ~~سواء بقي موجودا أو صار معدوما فإنه يمكن الاستدلال به على الصانع، وذلك من أعظم ~~المنافع، ولما تعذر حمل الهلاك على الأول وجب حمله على الثاني، فدل على فناء جميع ~~وأما المتوقفون فقد قالوا: يمكن أن يكون الله قادرا على أن يعدم العالم؛ لأن الإعدام ~~عبارة عن جعل الموجود معدوما، كما يجعل المعدوم موجودا، فلا يمتنع تعلقه بقدرة ~~الفاعل، ويمكن أن يقال إن الإعدام ليس بمتعلق للقدرة وإنما هو نفي محض، فلا يكون ~~مقدورا. والمختار عندنا أنه لا يمكن القطع بأنه تعالى يعدم العالم ولا بأنه تعالى لا يعدمه، ~~بل يجب التوقف في الأمرين كلاهما، فإذا أجبنا عن أدلة القاطعين صح ما ذكرناه من ~~الوقف. # أما الذين قطعوا بالإعدام، فالجواب عما ذكروه: ~~أولا إن الآية دالة على كونه آخرا على الإطلاق. وبأي اعتبار ما فإنه يصدق عليه قولنا ~~آخر، فإذن نحن نقول بموجبها ونحملها على آنه تعالى يبقى حيا بعد موت جميع الأحياء، ~~وإذا حملناها على هذا المعنى سقط ما استدلوا به من آنه يبقى موجودا بعد عدم الموجودات. # والجواب عما ذكروه ثانيا أن الخلق هو المخلوق، والخلق يطلق ويراد به الإيجاد، كما في ~~1 - سورة القصص: آية 88. PageV00P458 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والترحيد ~~قوله تعالى: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم)(1). ويطلق ويراد به التقدير، كما قال تعالى: ~~(وبدأ خلق الإنسان من طين)(2). وقوله تعالى: (خلقكم من ثراب)(3)، فلم قلتم إن المراد ~~بالخلق ها هنا هو الإيجاد دون التقدير، فيكون معنى الآية: وهو الذي ابتدأ بتقدير ~~المخلوقات أولا ثم يعيدها ثانيا إلى حالتها الأولى. # ل والجواب عما ذكروه ثالثا من قوله تعالى: (كما بدأنا أول خلق نويده) (4) يجري على مثل ~~هذا الوجه. والجواب عما ذكروه رابعا أنا لا نسلم أن الفناء حقيقة في العدم بل المراد بالفناء ~~خروج الشيء عن الصفة التي ينتفع ms362 بها، ألا ترى أنه يستعمل الفناء في الموت فيقال: أفنتهم ~~الحرب وأفناهم الدهر. والأصل في الإطلاق الحقيقة، وإذا ثبت كون الفناء حقيقة فيما ~~ذكرناه وجب أن لا يكون حقيقة في الإعدام دفعا للاشتراك؛ لأن الاشتراك على خلاف ~~الأصل، فيكون معنى الآية: كل من على وجه الأرض من الأحياء فهو ميت. # والجواب عما ذكروه خامسا أن الهلاك خروج الشيء عن كونه منتفعا به، والانتفاع ~~المخصوص بالإنسان من حيث هو إنسان ليس من حيث أنه يستدل به على إثبات الصانع ~~ال بل من أمور أخر، ولذلك فإن الثوب إذا بلي ومزق قيل إنه خرج عن أن ينتفع به، وإذا كان ~~الأمر كذلك كان معنى الهلاك ما ذكره الله تعالى في قوله تعالى: (إن امرؤ هلك)(3)، أي ~~مات، فيصير معنى الآية: كل شيء ميت إلا ما كان من حياته الدائمة. فسقط ما قالوه. # وأما الذين قطعوا باستحالة العدم فقد تمسكوا بأمرين: ~~- سورة الأعراف: آية 11. # 2سورة السجدة: آية لا. # 3- سورة فاطر: آية 11. # 4 - سورة الأنبياء: آية104. # 5- سورة النساء: آية 176. PageV00P459 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~أحدهما أن العالم لو عدم لكان إعدامه لا يخلو من وجوه ثلاثة: إما بإعدام معدم، أو ~~تطرق ضد، أو لانتفاء شرط بقائه، والأقسام كلها باطلة، فيبطل القول بصحة عدمه. أما ~~الفناء؛ فلأنه لا طريق إليه، وإثباته بحكم لا مستند له. وأما إعدام معدم؛ فلأن الإعدام ~~ليس بأثر فيقال إنه متعلق للقدرة، بل هو سلب محض. وأما انتفاء الشرط؛ فلأن البقاء ليس ~~بأمر زائد على استمرار وجود الجوهر حتى يقال إن الجوهر مفتقر في وجوده إليه، فيجب ~~القطع باستحالة عدمه. # وثانيهما أن العالم لو صح عدذمه لوجب القضاء بوجوب إعادته، ولو وجبت إعادته ~~لكان هو في حالة العدم محكوما عليه بوجوب الإعادة، وهذا محال. وإنما قلنا إن العالم لو ~~صح عدمه لوجبت إعادته؛ فلأنا متفقون على وجوب الاعادة. وإنما قلنا إنه لو وجبت ~~إعادته لكان هو محكوما عليه في حالة العدم بوجوب الاعادة؛ فلأن هذا الحكم مستند إليه ~~في حال عدمه. ms363 وإنما قلنا إنه محال؛ فلأن الحكم بالشيء على الشيء معناه اعتقاد ثبوت الصفة ~~لموصوف، وذلك يتوقف على ثبوت الموصوف في نفسه، ومعلوم أن الشيء في حال عدمه ~~لم يبق له ذات ولا حصوصية أصلا، فاستحال اتصافه بصحة الاعادة. # والجواب عما ذكروه أولا أنهم لم يأتوا بدلالة قاطعة تدل على استحالة تعلق الإعدام ~~بالفاعل، فيبقى الأمر موقوفا على التجويز. # والجواب عما ذكروه ثانيا أن الحكم بوجوب الاعادة متوقف على تصور الماهية في حالة ~~عدمها، وهو كاف في إسناد الحكم وإن لم تكن الحقيقة موجودة ثابتة، فإذا بطل القطع من ~~كلا الجانبين وجب التوقف، وليس الوقف في الإعدام، والإعدام يخل بشيء من أمر الديانة؛ ~~لأنا نقطع بصحة الإعادة من غير إعدام، وهو الذي تناولته ظواهر الشريعة، كما سنحكي ~~القول في كيفية الافناء، ونقيم عليه الدلالة إن شاء الله تعالى. PageV00P460 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~القول في كيفية الإفناء للأجسام ~~اعلم أن الذين قطعوا بفناء العالم اختلفوا في كيفية إفنائه على ثلاثة مذاهب: ~~فاما أن يكون باعدام معدم، أو تطرق ضد، أو باستحالة شرط. # أما الأول وهم القائلون بأن فناءه بإعدام معدم فهم فريقان: ~~أحدهما يقول: إن الله يعدمه فيصير معدوما كما أنه لما أوجده في أول الأمر صار موجودا. # أو نقول: إن الإعدام متعلق بالقدرة كالايجاد. وهذا هو مذهب ابن الملاحمي من المعتزلة ~~وبعض الأشعرية. # وثانيهما قول من قال: إن الله تعالى يقول له: افن فيفنى كما أنه لما أراد إحداثه في الابتداء ~~قال له: كن. فكان، وهذه طريقة أبي الهذيل في الإفناء والايجاد. # وأما الثاني وهم القائلون بأن فناء العالم إنما يكون بحدوث ضذ فهم أصحاب أبي ~~هاشم، ويسمون ذلك الضد فناء، ثم اختلفوا في كيفية إعدامه للأجسام على وجوه ثلاثة: ~~أحدهما أن يحصل في الحيز على سبيل الاستقلال، وهذا هو مذهب الإخشيدية(1)، فإنهم ~~زعموا أن الفناء وإن لم يكن متحيزا إلا أنه يحصل في جهة معينة مستقلا فيها، فإذا أحدثه الله ~~تعالى في تلك الجهة عدمت الجواهر بأسرها. # - الاخشيدية هم ms364 اتباع أبي بكر أحمد بن علي بن يفجور المعروف بابن الإخشيد - ويقال: الإخشيذ والإخشاذ ~~(226ه( - وهو أحد أركان المعتزلة وزهادهم، كان فصيحا له معرفة بالعربية والفقه، وكان أبوه من أبناء ملوك ~~فرغانة من الأتراك وولى أبوه الثغور، ومن تصانيفه "الاجماع و" اختصار تفسير الطبري(1، وكان يقول في بعض ~~كتبه: إن التوبة هي الندم فقط وإن لم ينو مع ذلك ترك المراجعة لتلك الكبيرة . وهو أشنع مما تقوله المرجثة. # الزركلي: الأعلام 171/1، ابن حجر: لسان الميزان 1/ 231، ابن حزم: الفصل في الملل والنحل 107/4. PageV00P461 # ============================================================ ~~الشهيد ش معالمر العدل والنوحيل ~~وثانيها أن يكون قائما بالمتحيز، وهذا شييء يحكى عن ابن شبيب(1)، فإنه زعم أن الله ~~تعالى يحدث الفناء في كل جوهر، ثم إن ذلك الفناء يقتضي عدم الجوهر في الوقت الثاني. # وثالثها ألا يكون حاصلا في محل، وهذا هو قول أبي علي وأبي هاشم، فإنهما زعما أن الله ~~تعالى يحدث الفناء لا في محل، فيفني الجواهر كلها حال حدوث ذلك الفناء. ثم هذا المذهب ~~يمكن تنزيله على وجهين: ~~أحدهما أن يكون الفناء الواحد كافيا في عدم كل الجواهر، وهذا هو قول أبي هاشم ~~وقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد(2). # وثانيهما أن لا يكون الفناء الواحد كافيا في إفناء الجواهر بل لا بد لكل جوهر من فناء ~~يخصه، وهذا هو قول أبي علي ~~وأما الثالث وهم القائلون بأن فناء العالم إنما يكون لانقطاع شرط فذلك الشرط إما أن ~~يكون في محل أو لا في محل، والقسم الثاني هو قول بشر(5)، فإنه زعم أن الجوهر يبقى ببقاء ~~- أبو بكر محمد بن شبيب النجراني متكلم كان من المعتزلة من الطبقة العاشرة، وله كتاب جليل في التوحيد، ~~ولكنه قال بالإرجاء وزعم أن الايمان يتبعض ويتفاضل أهله، وأن الخصلة من الايمان قد تكون طاعة وبعض ايمان ~~ويكون صاحبها كافرا بترك بعض الايمان ولا يكون مؤمنا إلا باصابة الكل، وتنب إليه فرقة تسمى الشبيبية، ~~وذلك لأن شبيبا وقف في صالح بن أبي صالح وفي الراجعة، فبرثت الخوارج منهم وسموهم ms365 مرجثة الخوارج ~~انظر الأشعري: مقالات الإسلاميين 202/1، عبد الجبار بن أحمد: فرق وطبقات المعتزلة ص76. # 2- عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسدابادي، قاضي القضاة أبو الحسين (415 ه(: قاض أصولي، ~~كان شيخ المعتزلة في عصره، صاحب "شرح الأصول الخمسة". الزركلي: الأعلام 273/3، كحالة: معجم ~~المؤلفين 78/5. # 3- بشر بن المعتمر الهلالي البغدادي، أبو سهل: فقيه معتزلي مناظر متكلم وشاعر (210ه(، من أهل الكوفة. # تنسب إليه الطائفة البشرية. له مصنفات في الاعتزال منها قصيدة في آربعين آلف بيت رد فيها على جميع ~~المخالفين، ومات ببغداد. الزركلي: الأعلام55/2، كحالة:معجم المؤلفين 46/3. PageV00P462 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~موجود لا في محل، فإذا عدم ذلك البقاء عدم الجوهر. والقسم الأول وهو قول من يقول: ~~ان الجوهر إنما تنتفي لانتفاء الأعراض، ثم إما أن يكون لانتفاء كل الأعراض أو لانتفاء ~~بعضها، والأول هو قول بعض الأشعرية، فإنهم ذهبوا إلى أن الجوهر يجب اتصافه بنوع من ~~كل جنس من أجناس الأعراض إذا كان قابلا له وهي غير باقية، فإذا عدم واحد من هذه ~~الأجناس عدم الجوهر. والثاني فيه مذهبان: ~~أحدهما قول من يقول: إن الجواهر إنما تبقى ببقاء قائم فيها، وذلك البقاء غير باق، بل ~~يجدده الله حالا بعد حال، فإذا لم يجدده الله تعالى وجب انتفاء الجواهر آجمع. وهذا يحكى عن ~~البلخي من المعتزلة وبعض الأشعرية. # اال وثانيهما قول من قال: إن شرط استمرار الجوهر في الوجود حصول الأكوان فيه، ~~والأكوان غير باقية، فمتى لم يخلق الله الأكوان في الجواهر لزم عدمها، وهذا القول يحكى ~~عن بعض الأشعرية. # فهذا تفصيل مذاهب المعترفين بصحة فناء العالم، والمختار عندنا في كيفية فناء العالم أنه ~~يكون ببطلان نظامه وتفريقه وزوال بنيته، وهذا هو الذي تشير إليه ظواهر الشريعة، ~~و نقتصر من ذلك على خمس آيات: ~~الأولى قوله تعالى: (وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة (14) فيومئذ وقعت ~~الواقعه (15) وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16)(1). # الثانية قوله تعالى: (يوم مور السماء مؤرا (9) وتسير الجبال سيرا (10)2). # 1- سورة الحاقة: آية ms366 16-14. # 2- سورة الطور: آية10-9. PageV00P463 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~الثالثة قوله تعالى: (ويؤم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادز منهم ~~أحدا)(1). # الرابعة قوله تعالى: (يؤم نطوي السماء كطي السجل للكتب)(2). # - سورة الكهف: آية 47. # 2- سورة الأنبياء: آية104. وقد جاءت: كطي السجل للكتاب. وهي قراءة. PageV00P464 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~والخامسة قوله تعالى: (وسيرت الجبال فكانت سرابا)(1). وقوله: (وتكون الجبال ~~كالعهن المنفوش)(2). # فهذه الآيات وغيرها تشير إلى ما ذكرناه. ثم ما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم من ~~وصف السماء بالانفطار والشمس بالتكوير والكواكب بالانتثار والنجوم بالطمس والبحار ~~بالتفجر والأرض بالزلزلة والجبال بالنسف فيه دلاله قاطعة على صحة ما قلناه، والذي ~~يشتبه الحال فيه من هذه المذاهب ليس إلا أن إعدامه يتعلق بالفاعل كما أن إيجاده متعلق ~~بالفاعل، وهذا ضعيف؛ لأن الاعدام ليس أمرا محققا فيجعل متعلقا للقدرة، وإنما هو أمر ~~نفي كما ذكرناه بخلاف الايجاد. # فأما الكلام على أهل الفناء وكونه ضدا وعلى أهل الشرط فكلها تحكمات ضعيفة ~~وخيالات فاسدة، فهذا هو الكلام في القسم الأول في الفناء وما يتعلق به وكيفية الافناء. # القسم الثاني في صحة الإعادة ~~اعلم أنه لا خلاف بين أهل الإسلام في صحة إعادة الأجسام، وإن اختلفوا في كيفية ~~الاعادة وما يجب إعادته وما لا يجب، وإنما يحكى الخلاف في صحة الإعادة عن بعض ~~الفلاسفة أظنه جالينوس، فقد حكي عنه أنه كان متوقفا في أمر المعاد، ونحن الآن نشير إلى ~~تفاصيل القول في المعاد بعد إثباته على منكريه. # ا- سورة النبأ: آية 20. # 2سورة القارعة: آية5. PageV00P465 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~القول في إثبات المعاد على منكريه ~~اعلم أن الخلاف في الإعادة مترتب على الخلاف في الإفناء، فمن قطع بأن الإفناء هو ~~الإعدام قال: إن الإعادة هي إيجاد المعدوم. ومن ذهب إلى أن الإفناء هو زوال هذا النظام ~~وتفريقه قال: الإعادة هي تأليفه واجتماعه وعوده إلى حالته الأولى. وهذا هو المختار كما ~~حققنا فيه الكلام من قبل، وقد ذهب كثير من المتكلمين إلى جواز إعادة المعدوم ولكن ms367 ~~اختلفوا في وجه آخر، فعند المعتزلة أن المعدوم لو بطلت ذاته وحقيقته لاستحالت إعادته. # وأما الأشعرية فاتفقوا على أن صحة الإعادة لا تتوقف على إثبات الذات في حالة العدم، ~~ال ويدل على إثبات الإعادة مسالك ثلاثة: ~~الأول هو ما تقرر من كونه قادرا على كل الممكنات وعالما بكل المعلومات، فإذا ثبت ~~ذلك فإعادة الأجسام ممكنة وتمييز أجزائها ممكن أيضا، فلو لم نقطع بصحة الإعادة للزم أن ~~يكون الله تعالى ظالما بتكليفه إيانا الشاق من الأفعال وإنزال المشاق من الآلام وغيرها، فلا ~~بد من القضاء بوجوب الإعادة لتوفير ما يستحقه على هذين الأمرين، أعني إلزام الشاق ~~وانزال المشاق، فيجب القطع بصحة الاعادة. # المسلك الثالث النصوص الواردة في الكتاب والسنة. # أما نصوص الكتاب فهي كثيرة، ونشير منها إلى أمور أربعة: ~~أولها قوله تعالى: (كما بدأنا أول خلق نعيده وغدا علينا)(1). # وثانيها قوله تعالى: (كما بدأكم تعودون)(2). # - سورة الأنبياء: آية 104. # 2-سورة الأعراف: آية 29. PageV00P466 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالم العدل والتوحيد ~~وثالثها قوله تعالى: (يؤم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يؤم التغابن) (1). # ورابعها قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يؤم القيامة لا ريب فيه)(2). # وهذه النصوص دالة على وجوب الاعادة كما نرى: ~~وأما السنة فنصوصها كثيرة. # المسلك الثالث أنا نعلم بالضرورة إجماع الأنبياء صلوات الله عليهم على وجوب ~~الاعادة، ونعلم ضرورة أيضا أنهم يدينون به، ونعلم ذلك من مقاصدهم بالضرورة، وهو ~~معلوم باجماع المسلمين أيضا. # وتمام تقرير الدليل بإبطال شبه المنكرين للمعاد وهي خمس: ~~الشبهة الأولى لو وجبت الإعادة لكان لا يخلو إما أن يعيد الله تعالى جميع الأجزاء البدنية ~~التي حصلت في مدة العمر أو لا يعيد إلا الحاصلة عند الموت، فالأول باطل؛ لأنا لو قدرنا ~~في إنسان أنه صار غذاء لإنسان آخر لكان يلزم إعادة ذلك الجزء في الإنسانين في موضعين، ~~وإنه محال. والثاني باطل أيضا؛ لأنه كان يلزم أن يعيد الله تعالى أهل النقصان على نقصانهم ~~حتى يعيد الله الأعمى على عماه والمجذوم على شكله، وذلك مما لم يقل به أحد ms368 من القائلين ~~بالمعاد. # و الجواب أنا سنبين أن لكل إنسان أجزاء أصلية هي بالنسبة إلى الأجزاء الأصلية التي ~~لإنسان آخر أجزاء فاصلة، والواجب عندنا من الإعادة إعادة تلك الأجزاء الأصلية التي ~~- سورة التغابن: آية9. # 2 سورة النساء: آية 87. PageV00P467 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~لها، فسقط المحال الذي ذكروه. # الشبهة الثانية هو أن الإنسان المعين مشارك لسائر الناس في مجرد الجسمية ومتميز عنهم ~~في تشخصه وتعينه، فإذن الشخص كل واحد من الأشخاص يجب أن يكون زائدا على ما له ~~من الجسمية، فلو أعاد الله ذلك الشخص لكان لا يخلو إما أن يعيد تلك الصفات التي ~~لكانها تميز ذلك الشخص عن غيره أو لا يعيدها، فإن أعادها مع أنها قد عدمت كان ذلك ~~قولا باعادة المعدوم، وهو باطل. وإن لم يعيدها لم يكن الله معيدا من ذلك الشخص ما به ~~يتميز عن غيره، وهذا يبطل القول بالاعادة. # و الجواب أن من المحتمل أن يقال: إن الإنسان عندنا هو الأجزاء الأصلية التي وجدت ~~في أول الحياة إلى آخر الممات، ولا شك أن تلك الأجزاء قليلة جدا، وهي المسماة بالروح، ~~فعند حضور الموت يأمر الله الملائكة بقبض تلك الأجزاء التي هي الإنسان بالحقيقة من غير ~~ان يقع فيها تبديل وتغيير، وتفرق صفاتها، ثم هو عالم بكميتها وصفاتها فيعيدها على تلك ~~الصفة والكمية، ومع هذا التقدير يندفع الإشكال. # الشبهة الثالثة لمنكري المعاد، قالوا: إن صحة الاعادة متوقفة على تميز بدن أحد ~~الشخصين عن بدن الآخر، ولو صح ذلك لكان الفاعل هذه الأمور عالما بالجزئيات، وإنه ~~محال. فيبطل القول بالإعادة. # ال والجواب أنا قد قررنا فيما سلف أنه تعالى عالم وأنه عالم بكل المعلومات جزثياتها ~~وكلياتها، وأنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وإن ذلك لا ~~يؤدي إلى محال كما توهموه فبطل ما أوردوه. # الشبهة الرابعة قالوا: لو أعاد الله تعالى هذه الأجسام لكان موضع الإعادة إما أن يكون ~~في هذا العالم أو في عالم آخر، والأول باطل؛ لأن عندكم أنه ms369 لا بد من فنائه. والثاني باطل PageV00P468 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~أيضاب لأن القدرة على عالم آخر محال، وفي ذلك بطلان القول بوجوب الإعادة. # والجواب أنا قد دللنا على أن الله تعالى قادر على كل الممكنات، فيجب أن يكون قادرا ~~على عالم آخر غير هذا العالم، ونزيدها هنا أمرين: ~~أحدهما أن العالم الثاني لو استحال لكان مستحيلا لذاته، ولو استحال لذاته لاستحال ~~هذا العالم لذاته؛ لوجوب استواء المثلين في الأحكام اللازمة الواجبة، ولما كان هذا العالم ~~مكنا لذاته كان العالم الثاني ممكنا لذاته. # وثانيهما قوله تعالى: (أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ~~بلى وهو الخلاق العليم)(1). # وهذا نص صريح فيما قلناه، ولما لم يتوقف صحة السمع على هذه المسألة لا جرم صح ~~الاستدلال بالسمع عليها. # الشبهة الخامسة القول بالمعاد على ما جاءت به الرسل وأخبر به الأنبياء غير معقول من ~~وجوه ثلاثة، فيجب أن يكون باطلا. أولها أن تكوير الشمس وانتثار الكواكب محال. # ال وثانيها أن بقاء الحياة مع دوام الاحتراق محال. وثالثها أن القرآن والأخبار دالة على أن الله ~~تعالى يعظم أبدان المعذبين، وذلك ظلم. # والجواب أن الأنبياء إذا ظهرت عليهم المعجزات وأخبروا بشيء من الأمور الممكنة ~~وجب تصديقهم في كل ما أخبروا به. قوله: انتثار الكواكب محال. قلنا: لا نسلم، بل هو من ~~الأمور الجائزة، ولو كان مستحيلا لما أخبروا به. قوله: إن دوام الحياة مع دوام الاحتراق ~~غير معقول. قلنا: الحياة إنما تفتقر إلى البنية واعتدال المزاج، وهذان حاصلان، فيجب دوام ~~ا- سورة يس: آية 81. PageV00P469 # ============================================================ ~~الشهيد شرح معالمر العدل والتوحل ~~الحياة في كل وقت. # وقد حكي عن بعض الأذكياء أن إنسانا من منكري البعث أورد عليه هذا الإشكال، ~~فأجابه بأن قال: إن مثل هذه الحالة موجود فيما بيننا ونشاهده، وذلك أن الأطعمة الغليظة ~~تنطبخ بحرارة المعدة وتنهري فيها بحيث لا يحصل مثل ذلك الانطباخ إذا جعل في قدر ~~للطبخ، وليس ذلك إلا لمكان حرارة المعدة، وهذا يدل على أن حرارتها أقوى من حرارة ~~القدر ms370 أو تكون قريبا منها، ثم إنا لا نتألم بهذه الحرارة بل لو تناقصت هذه الحرارة لظهر من ~~الألم والضعف ما لا يخفى، فإذا جاز ألا تكون الحرارة القوية مؤلمة؛ فلأن نجوز بقاء الحياة ~~معها أولى. # وحكي أيضا عن جالينوس أنه شق بطن حيوان معاقصة(1) وأدخل يده فيه وجعل ~~اصبعه في قلبه فما قدر على إمساك الإصبع من شدة حرارة القلب. # وحكي أن السمندل(2) يعيش في النار. # ال وروي أيضا أن بعض الدود يتولد أبدا من مواضع الثلوج العظيمة، فدلت هذه الأشياء ~~على أن شدة الحر والبرد لا تنافي الحياة، ويجوز دوامها معه. # قوله: القرآن والأخبار دالة على تعظيم أبدان المعذبين، وهذا ظلم. قلنا: إن هذا التعذيب ~~مستحق، والمستحق ليس بظلم فبطل ما ذكروه، ووجب القطع بإثبات المعاد على ما ~~وردت به الشريعة. # - بمعنى المعازة وهي الحيوان العاجز عن الرعي ويحتش له. # 2 - السمندل: طائر بالهند لا يخترق بالنار. القاموس المحيط مادة سمل. PageV00P470 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنرحيل ~~القول في ذكر من يجب إعادته ومقدار المعاد ~~وقبل الخوض في ذلك نذكر حقيقة الإنسان، وهذه الحقيقة قدوقع فيها نزاع بين العلماء، ~~فذهب ذاهبون إلى أنها من قبيل الأجسام، وذهب آخرون إلى أنها من قبيل الأعراض حالة ~~في الجسم. وقال قائلون: إنها مركبة من الجسم والعرض. وصار آخرون إلى أنها ليست من ~~قبيل الجسم والعرض ولا مجموعهما، وإنما هي حقيقة مغايرة لهما، وهذا الأخير هو مذهب ~~الفلاسفة. ومن علماء المسلمين من ذهب إليه كالغزالي وأبي القاسم الراغب (1). # والمختار في حقيقة الإنسان أنها بنية مخصوصة مركبة من الجسم والعرض، ويدل على ~~ذلك أمران: ~~أحدهما أنا نعلم بالضرورة أن الإنسان هو اللامس الذائق المتألم الملتذ واللامس والذائق ~~والمتألم هو الذي حصل فيه الألم واللمس والذوق، وهذه الأمور لا تحصل إلا في هذه البنية، ~~ولا نعني بالإنسان إلا ذاك. # ال وثانيهما أنا نعلم ضرورة أن الخطاب متوجه بقوله: (إن الإنسان لفي خشر)(2)، ليس إلا ~~إلى هذه البنية، فيجب أن تكون حقيقة الإنسان ليس إلا ما ذكرناه ms371 من البنية. # فإذا عرفت هذا فنقول: أما من يجب إعادته فمن له حق على الله تعالى من ثواب آو ~~عوض مات وهو يستحقه يجب إعادته عقلا وشرعا؛ لأنه لا بد من توفير ما يستحقه عليه، ~~- الحسين بن محمد بن المفضل أبو القاسم الأصفهاني المعروف بالراغب (502ه(: أديب من الحكماء العلماء. من ~~أهل أصبهان سكن بغداد، واشتهر حتى كان يقرن بالامام الغزالي. وهو صاحب كتاب "الذريعة إلى مكارم ~~الشريعة". الزركلي: الأعلام 255/2، كحالة: معجم المؤلفين 59/4، السيوطي: بغية الوعاة ص396 وسماه ~~"المفضل بن محمد". # 2- سورة العصر: آية 2. PageV00P471 # ============================================================ ~~الشهيد شرح معالمر العدل والنوحيل ~~فإذا لم يتميز ذلك إلا بالإعادة وجبت الإعادة. فأما المعاقبون وسائر الحيوانات ممن لا ~~عوض له فإنما يجب إعادتهم شرعا. # وأما المقدار الذي يجب إعادته، فاختلف القائلون بصحة المعاد في ذلك على وجوه ثلاثة: ~~أولها قول من قال: إن المعاد ليس إلا هذه النفس الناطقة. وهذا هو قول الفلاسفة. # وثانيها قول من قال: إن المعاد هي النفس الناطقة مع الجسم. وقد ذهب إلى هذا طائفة ~~من المسلمين. # وثالثها قول من قال: إن المعاد هو هذا البدن، وهذا هو قول أكثر أهل الإسلام. # ثم اختلفوا فيما يعاد من البدن على قولين: فمنهم من ذهب إلى أنه لا يعاد من البدن إلا ~~ما لا يكون حيا إلا به دون سائر الأوصال والأبعاض، وهذا هو قول أبي هاشم. ومنهم من ~~قال: يعاد البدن كله وسائر أوصاله وأبعاضه، حتى أوجب إعادة المقطوع من سائر البدن، ~~وهذا هو قول أبي علي ~~واختلف المتكلمون في الأمور التي بها يتعين ذات كل شيء ويتميز عن غيرها، فزعم ~~بعضهم أن التميز يكون بالتخطيط والتشكيل، وقال بعضهم: يكون بالتأليف. وذهب ~~بعضهم إلى أن التميز يكون بالحياة وسائر الأعراض، وقال قوم: يكون بالأجزاء المعينة. # والمختار أن المقدار الذي يجب إعادته هو هذه الأجزاء التي لا يكون الإنسان إنسانا إلا ~~بها، وإن التميز إنما هو واقع بها، ويدل على ذلك أن الذي يجب إعادته هو المثاب والمعاقب، ~~والمثاب والمعاقب ليس ms372 إلا هذه الأجزاء، فيجب أن تكون هي المعادة دون ما سواها. PageV00P472 # ============================================================ ~~السهييد شح معالم العدل والترحيل ~~القول في كيفية الإعادة ~~اعلم أنا قد أسلفنا أن للناس في الإفناء مذهبين: أحدهما أن الإفناء هو الإعدام. وثانيهما ~~ان الإفناء هو التفريق. فمن ذهب إلى المذهب الأول اختلفوا في كيفيته على قولين: فمنهم ~~من قال: إن المعاد يكون معادا بقوله: عد. كما كان الايجاد بقوله: كن. وهذه هي طريقة أبي ~~الهذيل. ومنهم من قال: إن الإعادة تكون بالقدرة بغير وساطة كالابتداء،. ومن ذهب إلى ~~المذهب الثاني فطريق الإعادة على قوله ليس إلا جمع الأجزاء بعد تفريقها وضمها بعد ~~تشتيتها، وهذا هو المختار كما قررناه، وإليه تشير ظواهر الشريعة. # القول في الأمور السمعية من هذا الباب وفيه مسائل: ~~المسألة الأولى في إثبات عذاب القبر، أعاذنا الله منه برحمته، وأجارنا منه بكرمه. # والمعتمد في تقريره ثلاث آيات: ~~أحدها قوله تعالى في آل فرعون: ( النار يغرضون عليها غدوا وعشيا ويؤم تقوم الساعة ~~أذخلوا آل فرعؤن أشد العذاب)(1)، وهذا صريح في التعذيب بعد الموت. # الثانية قوله تعالى في قوم نوح: (مما خطيئاتهم أغرقوا فأذخلوا نارا)(2)، والفاء للتعقيب، ~~وهذا يدل على تعذيبهم بعد الإغراق، وليس ذلك إلا في القبر. # الثالثة قوله تعالى: (ربنا أمتنا اثنتين وأخييتنا اثنتين فاغترفنا بذنوبنا فهل إلى خحروج من ~~1- سورة غافر: آية 46. # 2- سورة نوح: آية25. PageV00P473 # ============================================================ ~~الشسهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~سبيل)(1)، فذكر تعالى موتتين، وهما لا يتحققان إلا بالحياة في القبر، حتى يكون إحدى ~~الموتتين قد حصلت عقيب الحياة في الدنيا، والأخرى قد حصلت عقيب الحياة التي في ~~القبر. # لا يقال: لو كان مرتين لكان الإحياءات ثلاثا، والآية لم تثبت إلا حياتين. # لأنا نقول: يحتمل أمرين: ~~أحدهما أنهم إنما ذكروا الأمور الماضية، والحياة الثالثة هي الحياة التي هم فيها، فلا حاجة ~~بهم إلى ذكرها. # وثانيها أنهم إنما ذكروا الإحياءين الذين عرفوا الله تعالى فيهما ضرورة، وهما الإحياء في ~~القبر والإحياء في الآخرة، ولهذا قالوا: فاعترفنا بذنوبنا. ولم يذكروا الإحياء الذي كان في ~~الدنيا؛ لأنهم ms373 ما كانوا معترفين فيها بذنوبهم. # وللمنكرين لعذاب القبر شبهتان: ~~الشبهة الأولى عقلية، وهي أن الإنسان إذا حرق وصار رمادا وضربت الريح ذلك ~~الرماد وفرقته في كل جهة، وكذلك القول فيمن افترسته السباع وتخطفته الطير وتفرقت ~~أجزاؤه فكيف يصح تعذيب من هذه حاله. # والجواب عن ما ذكروه أنا نقول: إن جمعا من الكرامية والصالحي قد ذهبوا إلى أن الحياة ~~ليست شرطا في الايلام، وهذا باطل بالضرورة، والحق أنه لا بد من الإحياء أولا، وطريقنا ~~في الجواب أحد أمرين: ~~ا- سورة غافر: آية 11. PageV00P474 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~إما أن نقول: إن الله تعالى يعيد البنية ويعذبها؛ لأن إعادتها ممكنة: ~~واما أن نقول بأنه تعالى يعذب الأرواح، أرواح الذين افترستهم السباع وفرقت ~~أجزاءهم إن كانوا من المعذبين، كما أنه ينبت أرواح الشهداء فيجعلها في أجواف طير ~~خضر، وكل هذا داخل في الإمكان فلا مانع منه. # الشبهة الثانية نقلية، ومتمسكهم فيها آيتان: ~~الأولى قوله: (لا يذوقون فيها المؤت إلا المؤتة الأولى) (1)، والمعنى سوى الموتة الأولى، ~~ولو صاروا أحياء في القبر لذاقوا موتتين لا موتة واحدة. # وجوابه أن الله تعالى وصف نعيم أهل الجنة وأنه لا ينقطع بالموت كما ينقطع نعيم الدنيا، ~~فيجب أن يكون معنى قوله: لا يذوقون فيها المؤت. أي لا ينقطع نعيمهم ولا تتنغص ~~عيشهم كما كان في الدنيا. # الآية الثانية قوله تعالى: (وما أنت بمسمع من في القبور)(2)، فدلت الآية على أنهم لا ~~يسمعون، وكل من قال بأنهم لا يسمعون قال إنهم ليسوا بأحياء. # وجوابه إن الغرض من سياق الآية تشبيه الكفرة في عدم الإصغاء والقبول للحق بحال ~~الموتى، ونحن نعترف بأن الذين في القبور لا يسمعون حال كونهم موتى، فسقط ما ذكروه. # المسألة الثانية في أن الجنة والنار مخلوقتان أم لا ~~ذهب أبو علي الجبائي وأبو الحسين البصري إلى أنهما مخلوقتان، وذهب أبو هاشم وقاضي ~~- سورة الدخان: آية 56. # 2- سورة فاطر: آية 22. PageV00P475 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~القضاة عبد الجبار إلى أنهما غير مخلوقتين: ~~والمختار هو الأول، والمعتمد فيه ثلاث آيات: ms374 ~~الأولى قوله تعالى: (سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض ~~أعدت للمتقين)(1)، وقال في النار: (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدث ~~للكافرين)(2)، ولا شك أن الإعداد صريح في ثبوت الشيء وتحققه ووجوده؛ لأن ما كان ~~معدوما لا يقال بأنه معد ومهيأ. # الآية الثانية قوله تعالى: (ولقذ رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة ~~المأوى)(3)، وجنة المأوى ليست إلا دار الثواب بإجماع الأمة، فصح أنها في السماء وأنها ~~موجودة مخلوقة. # الآية الثالثة قوله تعالى في قصة آدم وحواء وإسكانهما الجنة وإخراجهما منها، وهو نص ~~صريح في خلقها، ولا يجوز حمل ذلك على بعض بساتين الدنيا لأمرين: ~~أما أولا فلأن الأمة مجمعة قبل أبي هاشم على أن الجنة التي أهبط الله منها آدم هي الجنة ~~التي سيعود إليها يوم الجزاء، وإنكار ذلك يجري مجرى أن يقال إن الذي عصى ما كان هو ~~أبو البشر وإنما كان رجلا آخر يسمى آدم. # وأما ثانيا فلأن الجنة في عرف المسلمين اسم لدار الثواب، فصرفها عنها غير جائز. # ا- سورة آل عمران: آية 133. # 2-سورة البقرة: آية 24. وجاءت في الأصل: واتقوا النار. # 3 سورة النجم: آية 13 -15. PageV00P476 # ============================================================ ~~المهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~فثبت بظواهر هذه الآي أن الجنة والنار مخلوقتان، وللمنكرين لخلقهما شبهتان: ~~الشبهة الأولى قالوا: لو كانت الجنة مخلوقة لما هلكت، وقد ثبت أن الأشياء هالكة، ~~فيجب ألا تكون مخلوقة. وإنما قلنا إن الجنة لو خلقت لما كانت هالكة؛ لأن الله تعالى يقول: ~~(أكلها دائم)(1)، والدائم هو الذي لا يزول ولا يتغير. وإنما قلنا إن الأشياء هالكة؛ فلأن ~~الله تعالى قال: كل شييء هالك إلا وجهه. # والجواب من وجهين: ~~أما أولا فلأنا لا نسلم أنها لو كانت مخلوقة لما هلكت، بل لا يمتنع عليها البطلان ~~والعدم. فأما قوله: أكلها دائم. فإنه لا يمكن حمله على ظاهره؛ لأن الدائم هو الذي لا يفنى ~~ولا يتغير، ومعلوم ضرورة أن مأكولات أهل الجنة تفنى وتعدم عند أكلهم لها فإذن هي ~~غير دائمة، فثبت أنه لا يمكن ms375 إجراؤها على ظاهرها. فإذن لا بد من التأويل، فنقول: معنى ~~كونها دائمة أن الله تعالى يحدث أمثالها عقيب عدمها، والدوام بهذا التفسير لا ينافي زوالها ~~وتغيرها. # وأما ثانيا فهب أنا سلمنا أنه لا يجوز عليها الهلاك والتغير فلم قلتم إن الجنة مندرجة ~~تحت قوله: كل شيء هالك. ويؤيد هذا أنه ليس فيه إلا تخصيص العموم؛ وتخصيص ~~العموم جائز، فإذا قام دليل على خلقها خصصناها من هذا العموم لا غير. # الشبهة الثالثة أنه لا فائدة في خلقهما قبل دخول المكلفين فيهما، وما لا فائدة فيه وجب ~~تركه فيجب ألا يكونا مخلوقين. # والجواب أن في خلقهما لطفا ومصلحة للمكلفين وترغيبا لهم؛ لأنهم إذا علموا بكونهما ~~- سورة الرعد: آية 35. PageV00P477 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~مخلوقين، وما أعد في الجنة من النعيم المقيم، وما هيئ لأهل النار من العذاب الأليم، كانوا ~~عند ذلك أدخل في فعل الطاعة والانكفاف عن المعصية، أو نقول: لعل في خلقهما مصلحة ~~استأثر الله تعالى بعلمها، فسقط ما أوردوه. # المسألة الثالثة في الميزان والصراط ونشر الصحف وغير ذلك من الأمور التي تتعلق بيوم ~~القيامة ~~واعلم أن هذه الأشياء ممكنة وظاهر الكتاب والسنة دال عليها فوجب الاعتراف بها. لا ~~يقال: العقل يحيل وزن الأعمال ويحيل المرور على الصراط وهو أدق من الشعر وأحد من ~~السيف لأنا نقول: لم لا يجوز أن يقال: إن الموزون هي الصحف. ويستدل بتفاوتها على ~~تفاوت الأعمال. وأما المرور على الصراط فلما لم يستحل الطيران في الهوى والمشي على الماء لا ~~يستحيل المرور على الصراط. ومن نظر إلى كمال القدرة فلا يليق به استبعاد هذه الأمور. # فهذا هو الكلام في الإعادة وما يتعلق بها. # الباب التاسع في الاستحقاقات وما يتبعها، وهو كلام في الوعد بالثواب وتوابعه وفي ~~الوعيد بالعقاب وتوابعه. # ويشتمل على تمهيد وثلاثة أقسام: ~~أما التمهيد فالبحث فيه عن أمرين: ~~أحدهما تمييز ما يعرف منه عقلا عما يعرف سمعا. # وجملة الأمر أن له طرفين: ~~فالأول منهما معلوم بالعقل، وذلك نحو كون الثواب والمدح يستحقان على الطاعة، ms376 PageV00P478 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~والعقاب والذم يستحقان على المعصية، فهذه الأمور يدل عليها العقل من غير حاجة إلى ~~ورود أمر شرعي في تقريرها. # والطرف الثاني معلوم شرعا، نحو توفير العقاب على مستحقيه ووجوب الخلود في النار ~~لأهلها، وكذلك القول في صفة منافع الثواب ومضار العقاب وصفة الجنة والنار وما يتعلق ~~بذلك، فإن هذه الأمور كلها موردها الشرع، كما سنفصل القول فيها إن شاء الله تعالى. # وثانيهما الكلام في الوعيد. # هل هو وعيد بشرط آو هو وعيد بصفة، وهي مسألة خلاف بين الشيخين، فعند آبي علي ~~أن الوعيد وعيد بالشرط، وعند أبي هاشم أن الوعيد وعيد بالصفة، وثمرة الخلاف أن ~~الوعيد بالعقوبة على قول أبي علي متناول لأهل الطاعة إن عصوا ولأهل المعصية إن ~~استمروا على معصيتهم، والوعد بالثواب يتناولهم أيضا بهذا الشرط. وأما أبو هاشم فإنه ~~يقول: إن الوعيد وعيد بالمستحق، والوعد وعد بالمستحق فلا، يكونان متناولين إلا ما كان ~~بهذه الصفة دون ما عداها، فالوعيد بالعقوبة متناول لأهل المعصية دون ما عداهم، والوعد ~~بالثواب لأهل الطاعة دون غيرهم، وحقيقة الفرق بين القولين آيلة إلى أن الإرادة لكون ~~الخبر وعدا ووعيدا لا تتعلق ما لم يحصل صفة الاستحقاق عند أبي هاشم، فأما أبو علي فإنه ~~جعلها متعلقة بكون الخبر وعيدا ووعدا سواء حصل الشرط أو لم يحصل، فهذا هو التمهيد ~~للباب ونشرع الآن في ذكر الأقسام الثلاثة. # القسم الأول في مقدمات الباب ~~القول في أن استحقاق الثواب والعقاب وما يتبعهما إنما هو بالطاعة والمعصية. # وفيه نظران: PageV00P479 ~~============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~النظر الأول في أن السبب في استحقاق المدح وما يتبعه من الثواب هو الطاعة، اتفق ~~مشايخنا على ذلك إلا شيئا يحكى عن البلخي، فإنه زعم أن الثواب تفضل من الله تعالى ~~وجود من إحسانه وأنه يكفي في حسن تكليف الله تعالى إيانا بهذه الأفعال الشاقة سوابق ~~نعمه، والذي يدل على ما قلناه أمران: ~~أحدهما ما قد تقرر في العقول من أنه لا فرق بين إلزام الشاق وإنزال المشاق، ms377 وقد ثبت ~~في إنزال المشاق كالآلام والأمراض أنه لا بد من نفع يقابلها ويزيد عليها، فهكذا يجب أن ~~يكون الحال في إلزام الشاق من لزوم نفع يقابلها ويجبرها؛ لأنها لو خلت عن نفع يقابلها ~~لكانت ظلما، والظلم قبيح. # وثانيهما أنه قد حسن من الله تعالى أن يلزمنا المشاق، فنقول: حسن ذلك الإلزام لا يخلو ~~اما أن يكون لوجوبها أو لغير ذلك، والأول باطل، وإلا لكان يجب على الله تعالى ألا يجعلها ~~شاقة علينا، بأن يزيد في قوانا، فإن وجه وجوبها علينا لا يتوقف على كونها شاقة، فإن رد ~~الوديعة واجب سواء كان شاقا أو غير شاق، فلما جعل الله هذه الأفعال والتروك شاقة مع ~~امكان ألا يجعلها شاقة علمنا أنه لا يكفي في حسن إيجابها وجه وجوبها. وأما إن كان لأمر ~~اا وراء وجه وجوبها فذلك الأمر لا يخلو إما أن يكون دفع مضرة أو جلب منفعة، والأول ~~باطل؛ لأن الله تعالى قادر على دفع تلك المضرة من غير إلزام لهذه الأفعال الشاقة، فلا يحسن ~~ايجابها لدفع مضرة يمكن إزالتها من دونها، وإن كان يجلب منفعة فتلك المنفعة إما أن تكون ~~مدحا أو لا، والأول باطل؛ لأن استحقاق المدح حاصل لغير الشاقة، فإن الله تعالى يستحق ~~المدح وإن لم يشق عليه الفعل، فلا بد أن يكون حسن الإيجاب لمنفعة غير المدح، وتلك ~~المنفعة إما أن تكون هي المنافع السابقة كما يزعمه البلخي أو غيرها، والأول باطل لوجوه: ~~أاما أولا فلأن من أنعم على غيره نعما ثم أمكنه استخدامه على وجه لا يشق عليه فإنه ~~يقبح منه تكليفه بالأعمال الشاقة؛ لأجل نعمته، فإن من دفع إلى غيره ألف دينار ثم أخذ في PageV00P480 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل واللوحيد ~~استخدامه وتكليفه الأعمال الشاقة من غير نفع يحصل له عقيبها فإن العقلاء يستقبحون ~~فله وصعه: ~~و أما ثانيا فلأن من أنعم على غيره بنعم ثم كلفه لأجل ذلك مدحه فإن العقلاء يذمونه ~~ويقولون: أبطل ما فعله من النعم، وإنه لم يفعل ذلك لكونه إحسانا ms378 وإنما فعله رياء وسمعة ~~وطلبا للثناء. # وأما ثالثا فلو حسن من الله تعالى التكليف لمكان النعم السالفة ألزم أن يختلف تكليف ~~المكلفين لأجل اختلاف النعم عليهم، وقد وجدنا في المكلفين من هو أشق تكليفا مع أن ~~الإنعام عليه أقل. فإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا أن يكون الوجه في حسن الايجاب لهذه ~~الأفعال الشاقة هي منافع آجلة وهي الثواب كما قلناه. # النظر الثاني في أن السبب في استحقاق العقاب هو المعصية، ويدل عليه أمران: ~~أحدهما أن الله تعالى قد فعل في المكلف شهوة القبيح، فلو لم يعلم المكلف أنه يستحق ~~على مواقعة القبيح ضررا لكان الله تعالى قد أغراه بالقبيح؛ لأن ما يستحقه من الذم على فعل ~~القبيح لا يحتفل به، فلا يكون صارفا له عن ارتكابه، والثواب على ترك القبيح متأخر فلا ~~يترك لأجله الوصول إلى المنافع العاجلة. # و ثانيهما أن حسن إيجاب الفعل لا يخلو إما أن يكون لأجل حصول النفع عند الإتيان به ~~أو لحصول الضرر عند الإخلال به، فالأول باطل، وإلا لزم أن تكون النافلة واجبة، وهذا ~~باطل، فلم يبق إلا أن يكون لأجل حصول الضرر عند الإخلال به، وهو المطلوب. # فهذا ملخص ما وجدته للمعتزلة في تقرير ثبوت الاستحقاقين من جهة العقل، وفيه ~~نظر، والمعتمد في تقرير الاستحقاقين دلالة الشرع، وحاصلها أن الله تعالى وعد على فعل PageV00P481 ~~============================================================ ~~النهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الطاعة الثواب وأوعد على فعل المعصية العقاب بما ورد من النصوص القاطعة، فلولا أنهما ~~مستحقان وإلا لم يحسن ذلك. # لا يقال: لو كان فعل الطاعة والمعصية سببين لاستحقاق الثواب والعقاب لكان لا يخلو ~~اما أن يتوقف اقتضاؤهما لذلك الاستحقاق على الموافاة أو لا يتوقف، والأول باطل؛ لأن ~~اقتضاء العلة للمعلول إذا كان موقوفا على شرط لم يحصل ذلك الاقتضاء إلا عند ذلك ~~الشرط فيجب ذلك في مسألتنا، فعند تحقق الشرط لم يكن فعل الطاعة الذي هو علة ~~الاستحقاق موجودا، وما لا يكون موجودا يستحيل أن يكون موجبا لثبوت الحكم، ~~وعندما يوجد علة ms379 الاستحقاق وهو فعل الطاعة لا يثبت شرط الاستحقاق وهو الموافاة، ~~وهذا يقتضي ألا يثبت الاستحقاق أصلا، فثبت أن توقف اقتضاء فعل الطاعة لاستحقاق ~~الثواب على الموافاة يمنع من ثبوت الاستحقاق أصلا. # والثاني باطل أيضا؛ لأنه إذا وجب حصول الاستحقاق عند فعل الطاعة مطلقا فلو ارتد ~~أو كفر بعد ذلك فإما أن يزول ذلك الاستحقاق أو يبقى، والأول باطل؛ لأن أحد ~~الاستحقاقين لا يكون مزيلا للآخر، إذ لا يعقل بينهما تضاد كتضاد السواد والبياض: ~~والثاني باطل؛ لأن ذلك يوجب أن يكون المرتد بعد ردته وكفره مستحقا للثواب على الله ~~كثواب المؤمنين، وقد أجمعت الأمة على خلاف ذلك، فإذا عرفت ذلك في جاتب الثواب ~~فاعرفه في جوانب العقاب أيضا؛ لأن الاشكال فيها واحد فثبت بما قلناه أن الطاعة ~~والمعصية لا يكونان سببين في استحقاق الثواب والعقاب؛ لأنا نقول: هذا باطل لأمرين: ~~أما أولا فلأن قولكم إن اقتضاء فعل الطاعة لاستحقاق الثواب إما أن يكون متوقفا على ~~الموافاة أم لا يتوقف. هو قسمة قاصرة، بل لا يمتنع أن يكون هاهنا قسم آخر وهو أن يقال: ~~ان فعل الطاعة يكون موقوفا، فإن حصلت الموافاة علمنا أنه كان عند حدوثه مقتضيا ~~لاستحقاق الثواب، وإن لم تحصل الموافاة علمنا أنه كان عند حدوثه غير مقتض لاستحقاق PageV00P482 ~~============================================================ ~~السهيد شح عالمر العدل والنرحيد ~~الثواب. فهذا قسم معقول، فلا بد لكم من إبطاله ليتم مقصودكم. # وأما ثانيا فنقطع على أن اقتضاءه لاستحقاق الثواب لا يتوقف على الموافاة، بل نقول: ~~يستحق الثواب حال فعله للطاعة، ثم إذا قدرنا طروء الكفر والردة فإنه يزيل الاستحقاق ~~الأول، كما سنوضحه عند الكلام في الإحباط فثبت أن الطاعة والمعصية سببان في ~~استحقاق الثواب والعقاب. # القول في صفات الثواب والعقاب وفيه فصلان: ~~الفصل الأول في صفات الثواب ~~اعلم أن الذي يقضي به العقل من صفات الثواب أمور خمسة: ~~اولها أن يكون من قبيل المنافع، وإنما اعتبرنا أن يكون من المنافع لجبران مشقة التكليف، ~~والمدح لا يكون كافيا في ذلك؛ لأنا قد بينا أنه يستحق على ms380 غير المشاق كما قررناه في حقه ~~تعالى. # وثانيها كونها مستحقة، وإنما اشتر طنا ذلك لكي ينفصل عما لا يستحق كالتفضل. # وثالثها دوامها، وإنما اعتبرنا ذلك لوجهين: ~~أما أولا فلأن الثواب المستحق على الطاعة إما أن يكون الاعتبار فيه بمبلغ معين من ~~المنافع من غير أن يكون مقدرا بالأوقات، وإما أن يكون مقدرا بالأوقات، والأول باطل؛ ~~لأنه كان لا يمتنع أن يعطي المثاب كل ما يستحقه من الثواب دفعة واحدة ثم ينقطع عنه؛ ~~لأن الاعتبار بقدره دون الوقت، ونحن نعلم بالضرورة أن التعريض بمشقة التكليف لما ~~هذا حاله غير جائز. وإن كان مقدرا بالأوقات فلا وقت أولى من وقت، فيجب دوامه PageV00P483 ~~============================================================ ~~الشهيد ش معالمر العدل والنوحيل ~~واستمراره في جميع الأوقات، وهو المطلوب. # وأما ثانيا فلو كان الثواب منقطعا لكان التفضل أحسن حالا منه؛ لأنه ما من تفضل إلا ~~ويجوز دوامه، ولو كان التفضل أعلى حالا من الثواب لقبح التكليف. # ورابعها كونها خالية عن شوب التنغيص، وإنما وجب اعتبار هذه الصفة لأمرين: ~~أما أولا فلأن الله عرض الخلق بتكاليف المشاق؛ لأجل الثواب، فيجب أن يكون حاله ~~منفصلا عن حالة التكليف؛ لأنه لا يحسن في الحكمة أن ترغب إلى حالة مثل حالة ~~التكليف، ومن المعلوم أنه لا منفعة تفرض مشوبة بالمضرة إلا ويوجد مثلها في دار ~~التكليف، فوجب خلوها عن شوب التنغيص. # ال و أما ثانيا فهو أن التفضل بمنافع خالية عن الشوب ممكن حسن في العقل، فلو لم يكن ~~الثواب خاليا عن شوب التنغيص لكان التفضل أعلى حالا منه، وهذا يبطل حسن ~~التكليف؛ لأن تعريض المكلف هذه المشاق العظيمة لمكان نفع يمكن الابتداء به لا يليق ~~بالحكمة. # وخامسها كونها مفعولة على وجه الاعظام، وإنما وجب هذا الشرط لأمرين: ~~أما أولا فلكي ينفصل حال الثواب عن حال العوض؛ لأن انفصاله عن العوض لا ~~يكون إلا باعتبار هذا القيد. # وأما ثانيا فلأن الثواب إنما يستحق بما به يستحق المدح من فعل الواجب وترك القبيح، ~~فكما لا بد في المدح من الإعظام فكذلك الثواب. PageV00P484 # ============================================================ ~~السهيد ms381 شح معالم العدل والتوحيل ~~الفصل الثاني في صفات العقاب ~~والذي يقضي به العقل من صفاته أمور خمسة: ~~أولها أن يكون من قبيل المضار، وإنما وجب اعتبار هذه الصفة ليكون المكلف أسرع إلى ~~تأدية الواجب وأبعد عن مواقعة القبيح؛ لأن الذم لا يحتفل به ولا يكون زاجرا إذا لم يكن ~~معه مضرة: ~~وثانيها كونها مستحقة، لينفصل حالها عن الظلم، ولا فصل إلا بكونها مستحقة، وقد ~~تقرر في العقول حسن الإيلام إذا كان مستحقا. # وثالثها دوامها، وإنما اعتبرنا ذلك لأمرين: ~~أما أولا فلأن العقاب إنما يستحق بما به يستحق الذم من الإخلال بالواجبات وفعل ~~القبائح، ويسقط بما به يسقط الذم من التوبة، والثواب الموفى عليه، فيجب متى دام أحدهما ~~أن يدوم الآخر. # وأما ثانيا فلأن نعم الله أعظم من نعمة كل منعم، فيجب في معصيته أن تكون أعظم من ~~معصية كل من عصى؛ لأن العقاب على المعاصي يعظم حاله بحسب نعمة من عصى، وقد ~~ثبت أنه لا قدر من العقوبة المنقطعة إلا ويجوز آن تكون مستحقة بمعصية بعضنا لبعض، ~~فيجب أن يكون العقاب المستحق بمعصية الله تعالى دائما هذا الوجه. # ورابعها خلوها عن شوب الراحة، وإنما وجب اعتبار ذلك لوجهين: ~~أما أولا فلأن العقاب إنما شرع زاجرا للمكلف عن مواقعة الملاذ الحاضرة القبيحة، فلا ~~بد من انفصاله عن مضار الدنيا، ولا ينفصل حاله إلا بخلوصه عن شوب الراحة. PageV00P485 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~و أما ثانيا فلأن العقاب إذا كان خاليا عن شوب الراحة كان أدخل في الزجر عن فعل ~~القبيح وترك الواجب، فلا جرم وجب حصوله على هذه الصفة. # وخامسها كونه حاصلا على وجه الاهانة، فلأن العقاب يستحق بما به يستحق الذم من ~~الإخلال بالواجب وفعل القبيح، وكما أن الذم لا بد فيه من اعتبار الإهانة فكذلك العقاب. # فهذه جملة ما يقضي به العقل من صفات الثواب والعقاب، فأما ما عدا ذلك في جانب ~~الثواب من أنواع الملاذ واختلاف المشتهيات وتفاصيلها فمورده الشرع، وفي جانب العقاب ~~من أنواع النكال واختلاف الآلام ms382 - نعوذ بالله منها - فبابه السمع، فهذه جملة ما نقوله في ~~هذه المسألة. # القول في الإحباط والتكفير وسببهما ~~يوفيه بحثان: ~~البحث الأول في ثبوتهما ~~واعلم أن القول بإثبات الإحباط والتكفير مبني على القول بصفات الثواب والعقاب ~~واستحالة اجتماعهما، وقد تبين القول فيها، فإذا تقرر ذلك فالذي يدل على ثبوتهما مسالك: ~~الأول أن الثواب يستحق على سبيل الإعظام، والعقاب مستحق على طريق الإهانة ~~واستحالة تعظيم أحدنا لغيره مع الاستحقاق به في حالة واحدة معلوم بطلانه بالضرورة، ~~وانما يتعذر ذلك بشروط ثلاثة: ~~أحدها أن يكون المادح والذام واحدا. # وثانيها أن يكون الممدوح والمذموم واحدا. PageV00P486 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~وثالثها أن يكون الوقت واحدا. # وإذا بعد ذلك تعذر استحقاقه؛ لأن الاستحقاق مبني على صحة كون الفعل صحيحا. # المسلك الثاني أنا قد دللنا فيما مر على وجوب دوام الثواب والعقاب، والجمع بينهما ~~محال، فاستحقاقهما يكون محالا أيضا. لا يقال: إن من اجتمع له استحقاقان فإنه يثاب مرة ~~ويعاقب أخرى. لأنا نقول: إن المثاب حال كونه مثابا يخاف من انقطاع ثوابه، وذلك يورث ~~الحزن، والمعاقب حال كونه معاقبا يكون متوقعا لانقطاع عقابه، وذلك روح وسرور، فلا ~~يكون الثواب والعقاب خاليين عن الشوب، وقد قدمنا فساده. # المسلك الثالث قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السييات)(1)، وقوله تعالى: (لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى)(2)، وقوله تعالى: (ولا تجهروا له بالقؤل كجهر بعضكم لبغض أن ~~تخبط أغمالكم)(3)، وقوله تعالى: (لئن أشركت ليخبطن عملك) (4)، فهذه الآيات التي ~~تلوناها دالة على ثبوت الإحباط. # المسلك الرابع أنا قد علمنا بالضرورة أن من أحسن إلى غيره بالإحسانات العظيمة كأن ~~يكون قد نجاه من القتل واستخلص أولاده من الرق وأمنه من الخوف وأغناه من الفقرثم ~~كسر له رأس قلم، فإنا نعلم أن كسر القلم لو لم يكن مسبوقا بتلك النعم العظيمة لحسن منه ~~ذمه، فأما إذا كان مسبوقا بها فإنه يقبح منه ذمه على كسر قلمه، وفي ذلك ما نريده. # واحتج المنكرون للمحابطة بأن قالوا: الأمة مجمعة على أن الفاسق قبل فسقه يستحق ~~1- سورة هود: ms383 آية114. # 2- سورة البقرة: آية 264. # 3 سورة الحجرات: آية 2. # 4 - سورة الزمر: آية15. PageV00P487 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الثواب بإيمانه، سواء كان استحقاقه للثواب بحكم العقل والشرع كما تقولونه أو بحكم ~~الشرع كما تقوله الأشعرية. # فنقول: الفاسق إذا أتى بعد ذلك بكبيرة فلا يخلوا إما أن لا يستحق العقاب على تلك ~~الكبيرة أو يستحق، والأول هو المطلوب، وإن كان الثاني فاستحقاقه للعقاب يستحيل أن ~~يكون مزيلا ما كان حاصلا من استحقاقه للثواب، والدليل على ذلك أن الاستحقاق ~~الطارئ لو أنه أزال الاستحقاق السابق لكان لا يخلو إما أن لا يزيل السابق شيئا من ~~الطاري كما هو مذهب أبي علي، وهو باطل لما سيأي في الموازنة، فإنه لا يعتبرها. وإما أن ~~يزيل السابق شيئا من الطارئ كما هو مذهب أبي هاشم، فإنه يعتبر الموازنة، وهذا باطل ~~أيضاب لأن الباقي إما أن يمنع من دخول الطارى في الوجود أو لا يمنع منه، فإن منع منه ~~وجب ألا يوجد الطارئ، فإذا لم يوجد الطارى وجب ألا يزول الباقي. وأما إن لم يمنع من ~~دخول الطارى في الوجود فإما أن يفنى الباقي عند دخول الطارى في الوجود أو لا يفنى، ~~فإن فني استحال أن يؤثر في زوال شيء من الطارى؛ لأن الشيء بعد عدمه لا يمكن أن ~~يؤثر في زوال ضده؛ لأن المزيل لوجود الطاري هو وجود الاستحقاق الباقي لا عدمه؛ لأن ~~المنافاة بين وجودهما لا بين وجود أحدهما وعدم الثاني. وأما إن لم يفن الباقي عند وجدود ~~الطاري لم يكن بينهما منافاة، فلا يمكن أن يكون أحدهما مزيلا للآخر، ونفي استحقاقه ~~للثواب كما كان، وهذا يبطل القول بالمحابطة. # والجواب من وجهين: ~~أحدهما أن هذا الذي ذكرتموه إنما يلزم إذا كان الاستحقاقان أمرين وجوديين ثابتين ~~متضادين، وليس الأمر كما زعمتم، فإن الاستحقاق أمر إضافي لا يستقل بنفسه، والمرجع به ~~الى وجوب آمر أو حسنه، وليس ضدا حقيقيا حتى يلزم ما ذكرتموه. PageV00P488 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل واللرحيل ~~وثانيهما آنا لو سلمنا كونه أمرا حقيقيا فإنا نقول: ms384 إن حكمه حكم طروء الضد على ~~ضده، فكون الطارى أولى بالوجود من السابق فيجب انتفاء السابق عند وجود الطارئ كما ~~في السواد والبياض وسائر الأضداد، ولا يلزم من ذلك أمر محال. # البحث الثاني في سببهما ~~اعلم أن السبب في الإحباط والتكفير إنما هو الثواب والعقاب، وهذا هو قول أبي ~~هاشم، فأما أبو علي فذهب إلى أن وقوعهما إنما يكون بالطاعة والمعصية، وذهب غيره إلى أن ~~الإحباط والتكفير إنما يقعان بالطاعة والعقاب والمعصية والثواب. والمختار هو الأول؛ لأن ~~موضوع الإحباط والتكفير على التنافي، ولا تنافي إلا في الثواب والعقاب كما قدمنا تحقيقه، ~~فيجب ألا تقع المحابطة إلا بهما. # القول في الموازنة ~~واعلم أن المذاهب فيها ثلاثة: ~~فالمذهب الأول هو قول أبي علي وأصحابه، وهو أنه متى كان العقاب أعظم أزال ~~الثواب جملة، وليس لما كان استحقه من الثواب تأثير في تخفيف عقابه، ومتى كان الثواب ~~اكثر فإنه يسقط العقاب كله، وليس لما كان استحقه من العقاب تأثير في نقصان ثوابه، ~~وبالجملة فإن الأقل يسقط ويستحق الاكثر كاملا. وهذا يضعف من أوجه ثلاثة: ~~أولها أنه كان يجب أن يكون حال من عبد الله ألف سنة ثم شرب جرعة من خمر ثم مات ~~عقيبها كحال من لم يعبد الله عمره ولا أطاعه ساعة واحدة؛ لأن عقاب من شرب جرعة ~~الخمر قد أسقط ثواب طاعته، ولم تؤثر تلك الطاعات في شيء من عقابه، فيكون حاله ~~كحال من لم يعبد الله تعالى، وفساد هذا معلوم بالضرورة. PageV00P489 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~وثانيها قوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ~~)(1)، والمراد به يرى جزاءه، وهو إذا لم يخفف من عقابه ولا توفر عليه شيء من ثوابه لم يكن ~~للآية معنى: ~~وثالثها أنه قد أتى بالطاعة على الحد الذي يستحق عليها الثواب، والثواب حق على الله ~~تعالى للعبيد، فغير جائز ألا ينتفع المستحق بذلك، بل يجب أن يوصل إليه ذلك النفع أو ~~يفعل به ما يقوم مقام النفع، ومعلوم أن ms385 إزالة جزء من الضرر كإيصال جزء من النفع، فلا ~~بد من الموازنة وإلا كان عدمها نقضا للحكمة، وهذا باطل. # المذهب الثاني مذهب أبي هاشم وأصحابه وهو أن المكلف لا بد إذا كان عقابه أعظم من ~~ثوابه أن ينتفع بثوابه ضربا من الانتفاع، فإذا لم يجز توفيره عليه لتعذره أقيم نقصان جزء من ~~عقابه مقام توفير جزء من ثوابه، وهكذا نقول: لا بد من نقصان ثوابه بفعل المعصية إذا كان ~~ثوابه أعظم، ثم يستحق في كلا الجانبين ما زاد من ثواب أو عقاب. # المذهب الثالث أن المكلف إذا فعل طاعة استحق عليها الثواب ثم لا تزال تلك الطاعة ~~تولد على ممر الأوقات، ثم إذا فعل معصية كفتها تلك المعصية عن التوليد، فإذا تاب عادت ~~تلك الطاعة تولد ولم ينحبط أصلها، وهكذا القول في المعصية، وهذا المذهب يحكى عن ~~الخوارزمي. وبتمامه يتم القول في القسم الأول من المقدمات. # القسم الثاني في المقاصد من الباب في القول في إيصال العقاب إلى مستحقيه ~~اتفقت الأمة على أن من مات على الكفر فإن الله يعذبه أبدا، ثم اختلفوا في أصحاب ~~الكبائر من أهل الصلاة، ولا بد من ضبط المذاهب فيهم، وهي أربعة: ~~ا- سورة الزلزلة: آية 7-8. وقد جاءت في الأصل: ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. PageV00P490 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الأول قول من قطع على أن الله تعالى يعذب كل واحد من أصحاب الكبائر، ثم إما أن ~~يقال بأن الله يخلدهم في العذاب، وهذا هو مذهب أئمة الزيدية وقول جماهير المعتزلة، أو ~~عبهم ولا يخلدهم، وهذا هو مذهب الخالدي منهم. # المذهب الثاني قول من يقطع بأن الله لا يعذب أحدا منهم، وهذا هو مذهب خلص ~~المرجئة. # المذهب الثالث قول من يقطع بأن الله يعذب البعض ويعفو عن البعض، وهذا هو ~~مذهب اكثر المجبرة، واتفقوا على أن الله لا يخلد عقوبة أحد من هؤلاء واتفقوا أيضا على ~~أانه لا يعلم عن أي كبيرة يعفو الله تعالى عنه. # المذهب الرابع قول من يقول: لا نقطع بشيء ms386 من هذه الأقسام، ونتوقف فيها. وهذا هو ~~مذهب أكثر الإمامية. فهذا ضبط المذاهب في فساق أهل الصلاة. # وأما الوعيدية فاتفقوا على تعذيب أهل الكبائر من أصحاب الصلاة وتخليدهم في النار، ~~ثم اختلفوا بعد ذلك فأما البغداديون فقد منعوا العفو عقلا، وللبصرين في إبطال مذهبهم ~~مسلكان: ~~الأول أن العقاب حق لله تعالى على العبد، وفي إسقاطه له منفعة، وليس تابعا لغيره، ~~فوجب أن يسقط بإسقاطه، كالدين إذا أسقطه ربه عن المديون. واحترزنا بقولنا: حق لله ~~تعالى على العبد. عن الثواب، فإنه حق للعبد على الله، فلم يجز إسقاطه. واحترزنا بقولنا: ~~وفي إسقاطه له منفعة. عن إسقاط أحدنا لعوضه وثوابه عن الله تعالى، فإن الله لا ينتفع ~~بذلك. واحترزنا بقولنا: وليس تابعا لغيره. عن إسقاط حق الذم، فإن حسن الذم تابع ~~حسن العقاب الذي هو حق لله تعالى، فلا جرم لم يسقط باسقاطه. PageV00P491 # ============================================================ ~~النعهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~ويجوز أن نقول أيضا: إن الذم ليس يحق للعبد من كل الوجوه، فلهذا لم يصح منه ~~إسقاطه؛ لأنه كما هو حق للمساء إليه فهو حق للمسيء؛ لأن له في ذلك لطفا يزجره عن ~~مواقعة القبيح وارتكاب الفواحش، فلم يكن له إسقاطه. # المسلك الثاني إنا نعلم بالضرورة أن العفو إحسان، ونعلم أيضا بالضرورة أن كل ~~احسان حسن، فوجب أن يكون العفو حسنا. وإنما قلنا إن كل عفو إحسان؛ فلأن الإحسان ~~كما يكون بفعل الإحسان فقد يكون بترك العقوبة، ولا فرق في العقل بينهما، وإن كل واحد ~~منهما معدود في الإحسان. وإنما قلنا إن كل إحسان حسن، فهذا أيضا معلوم ضرورة لا ~~شك فيه، فثبت بما ذكرناه حسن العفو. # واحتج البغداديون بأن المكلف إذا علم أن العقاب واقع به لا محالة كان ذلك لطفا له في ~~الامتناع عن القبائح، ومتى جوز العفو لم يمتنع عن مواقعة القبيح اتكالا منه على العفو، ~~فيكون في ذلك إغراء بالقبيح، وإنه غير جائز. # والجواب من وجهين: ~~أاحدهما أنا نقول: متى يقطع بكون العقاب لطفا إذا كان فيه مفسدة أو إذا ms387 لم يكن فيه ~~مفسدة، فلم قلتم إنه لا مفسدة فيه حتى يمكنكم القطع بكونه لطفا من جهة العقل، ألا ~~ترى أن تعجيل الثواب والعقاب أدعى في العقل إلى فعل الطاعة وترك المعصية، ومع ذلك ~~لا يجب تعجيلهما؛ لأن فيه مفسدة. فهكذا هاهنا لا يقال: إن الله تعالى لما أخبر بأنه يعاقب ~~العصاة علمنا أنه ليس في العقوبة جهة قبح؛ لأنا نقول: هذا الآن اعتراف بأنه لا طريق في ~~العقل على القطع بالعقاب، وهذا بعينه خروج عن مذهبكم. # وثانيهما أن هذا منقوض بالتوبة، فإن المكلف إذا علم أنه لا تقبل توبته يكون أبعد عن ~~فعل القبيح، ومع ذلك قلتم بوجوبها. فإن قالوا: ليس يعلم العاصي أنه يمهل للتوبة، PageV00P492 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وتردده في ذلك يزجره. قلنا: وهكذا أيضا تردده في أن الله تعالى يعفو عنه أم لا يزجره ~~أيضا. # وأما البصريون فإنهم يجوزون العفو عقلا ويمنعونه شرعا، ولهم في الدلالة على منع ~~العفو بالشرع طريقان: ~~الطريقة الأولى سمعية محضة، وهي على وجهين: ~~أحدهما أن ترد خاصة في أهل الصلاة، كقوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين ~~كفروا زخفا فلا تولوهم الأذبار) إلى قوله (فقذ باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبنس ~~المصير)(1)، وقوله تعالى: (يأئها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) إلى قوله: ~~(ومن يفعل ذلك عذوانا وظلما فسوف نصليه نارا)(2)، وقوله تعالى في آخر آية المواريث: ~~(319 ~~(ومن يغص الله ورسوله ويتعد حدوده يذخله نارا خالدا فيها وله عذات مهين)(5). # ال وثانيها أن ترد عامة في أهل الصلاة وغيرهم، كقوله تعالى: (من يغمل سوءا يجز به ولا ~~يجذ له من دون الله) (3) إلى آخرها. وقوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره)(0). وقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا ~~فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما)(5). # ا- سورة الأنفال: آية 16-15. # 2-سورة النساء: آية 30-29. # 3- سورة النساء: آية14. وقد جاءت في الأصل: وله عذاب أليم. # 4 - سورة ms388 النساء: آية 123. # 5- سورة الزلزلة: آية 8-7. # 6- سورة النساء: آية 93. PageV00P493 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~واعلم أن الاستدلال بهذه الآي يمكن تنزيله على صورتين: ~~الصورة الأولى من حيث العموم، وذلك بأن ندل على أن صيغة لمن" في الشرط تفيد ~~العموم، وتقريره بوجهين: ~~أحدهما أن الرجل إذا قال: من دخل داري أكرمته. فإنه يحسن منه أن يستثني منه كل ~~عاقل، وحق الاستثناء أن يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته، وإنما قلنا إن ~~الاستثناء يحسن فهو ظاهر، وإنما قلنا إن حق الاستثناء أن يخرج من الكلام ما لولاه لوجب ~~دخوله تحته، فلوجوه ثلاثة: ~~أاما أولا فلأن أهل اللغة نصوا على أن الاستثناء جزء من كل، والجزء يجب وأن يكون ~~داخلا تحت الكل: ~~ال وأما ثانيا فلو كفى في صحة الاستثناء كون المستثنى يصح دخوله تحت المستثنى منه ~~لصح أن يقال: رأيت رجلا إلا زيدا، ولما لم يصح ذلك علمنا أنه يخرج ما لولاه لوجب ~~دخوله تحته. # وأما ثالثا فهو أن الاستثناء من العدد يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته، ~~فوجب أن يكون حكم الاستثناء كذلك في كل موضع لانعقاد الإجماع على أن حكم ~~الاستثناء في كل المواضع واحد، فإذا ثبت أن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب ~~دخوله تحته، وثبت آنه يصح استثناء كل واحد من العقلاء من هذه الصيغة ثبت آنها تفيد ~~العموم. # الوجه الثاني إن القائل إذا قال: من دخل داري أكرمته. فالسابق من هذا الكلام إلى ~~الفهم العموم لا الخصوص، وذلك أمارة كونه حقيقة في العموم دون الخصوص. PageV00P494 # ============================================================ ~~الهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الصورة الثانية من حيث الايماء، وذلك على وجهين: ~~أحدهما أن ترتب الحكم على الوصف المشتق يشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك ~~الحكم. # وثانيهما أن الوصف إنما يكون علة للحكم إذا كان مناسبا له، والمناسبة حاصلة ها هنا؛ ~~لأن هذه الآيات خرجت مخرج الزجر عن مواقعة المعاصي، فوجب ترتيب هذه الأحكام ~~كلها على هذه المعاصي أينما وجدت، فهذا هو الكلام على الاستدلال بهذه ms389 الطريقة ~~السمعية. # الطريقة الثانية مركبة من العقل والسمع، وحاصلها أن الفاسق مستحق للعقوبة بفسقه ~~بما تلونا من هذه الآيات، فلو عفا الله تعالى عنه لكان لا يخلو إما أن يدخل الجنة متفضلا ~~عليه، وهو باطل؛ لأن الأمة مجمعة على أن حال المكلفين متميزة عن حال الأطفال ~~والمجانين في الجنة، وإن يكون التميز إلا بالتعظيم، والتفضل بالتعظيم قبيح، وإلا لكان ~~التكليف قبيحا. أو يدخل الجنة مثابا، وهو باطل أيضا؛ لأن استحقاق الثواب والعقاب لا ~~يمكن اجتماعهما؛ لأن حصول العقاب قد أحبط استحقاق الثواب. وإما ألا يدخل الجنة ~~ولا النار، وهذا باطل أيضا؛ لانعقاد الإجماع على ألا دار ثالثة في الآخرة، والعفو عن أهل ~~الكبائر يؤدي إلى هذه الأقسام الفاسدة، فيجب بطلانه. # ثم ها هنا مقام آخر يؤذن ببطلان كلام المرجئة، وهو الاستدلال بقرينة الإجماع، ~~وتوجيهه أن نقول: أجمعت الأمة على أن العصاة مزجورون بهذه الآيات المصرحة بالوعيد، ~~فسواء قلنا بأن صيغة "من" إذا وقعت شرطا كانت مشتركة بين العموم والخصوص أو قلنا ~~انها حقيقة في الخصوص مجاز في العموم فإنه يجب حملها في هذه الآيات على العموم، وإلا PageV00P495 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والترحيل ~~لزم القول بأن العصاة غير مزجورين بهذه الآيات، وذلك على خلاف الإجماع، فهذا تقرير ~~وجه الاستدلال بهذه الآيات. # لا يقال: الفاسق كما دلت الأدلة على أنه من أهل العقوبة فقد دلت على أنه من أهل ~~الإثابة، فآيات الوعد معارضة لآيات الوعيد، فليس بأن يدخل المصر تحت الآيات الدالة ~~على استحقاقه للعقوبة بأولى من أن يدخل تحت الآيات الدالة على استحقاقه للاثابة، ~~فيجب الوقف في حالهم، وفي ذلك بطلان القطع على كونهم من أهل العذاب. # لأنا نقول: بل اندارجهم في عمومات الوعيد أولى لوجهين: ~~أاحدهما أن الأمة مجمعة على وجوب إقامة الحدود على الفساق على سبيل الاهانة ~~والنكال، وإذا ثبت كونهم مستحقين للعذاب واللعن في الدنيا والآخرة وجب ألا يكونوا ~~مستحقين للثواب؛ لاستحالة الجمع بين الاستحقاقين، وإذا ثبت أنهم مستحقون للعذاب ~~وغير مستحقين للثواب كان إدخالهم تحت الآيات الدالة ms390 على استحقاق العقوبة أولى من ~~ادخالهم تحت الآيات الدالة على استحقاق الثواب. # وثانيهما أنا نتمسك بالعمومات الواردة في كون المصرين مستحقين للعقوبة، كقوله ~~تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله) (1)، وقوله تعالى في ~~حد الزاني: (وليشهذ عذابهما طائفة من المؤمنين)(2)، وقوله تعالى في حد القاذف: (لعنوا في ~~الدنيا والآخرة ولهم عذابت عظيم)(3)، وقوله تعالى في حد قطاع الطرق بعدما أوجب ~~- سورة الماندة: آية 38. # 2- سورة النور: آية 2. # 3- سورة النور: آية 23. PageV00P496 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيد ~~عليهم من الحد ما أوجبه: (ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذابت عظيم)(1)، ~~فهذه العمومات كلها دالة على بطلان ثوابهم، وإذا بطل استحقاقهم للثواب كان اندراجهم ~~تحت عمومات الوعيد أولى وأحق، فسقط ماتوهموه. # القول في الشبه المرجئة في تجويز العفو وهي خمس: ~~الشبهة الأولى وهي أقواها قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~كمن يشاء)(2)، قالوا: فلا يخلو إما أن يكون المراد من الآية معصية يجب غفرانها أو معصية لا ~~يجب غفرانها، والأول باطل لوجهين: ~~أما أو لا فلأن قوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به . معناه أن الله لا يغفره تفضلا؛ لأنه ~~قد تقرر أن الله يغفره بالتوبة، وإذا لزم إضمار هذا الشرط في الجملة الأولى وجب إضماره في ~~الجملة الثانية، فيكون معنى قوله: ويغفر ما ذون ذلك. أي يغفره تفضلا؛ لأنا لو أضمرنا ~~هذا الشرط في الجملة الأولى ولم نضمره في الجملة الثانية خرج الكلام عن نظمه وأسلوبه. # وأما ثانيا فهو أن المغفرة في الآية معلقة على المشيئة، والفعل إنما يعلق بالمشيئة في وضع ~~اللسان إذا لم يكن واجبا، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال: فلان يقضي الدين من شاء من ~~المستحقين. ويحسن أن يقال: فلان يحسن إلى من شاء من أهل الدين. فثبت أن المراد من ~~الآية معصية لا يجب غفرانها، وكل من حمل الآية على ذلك لم يخصها بمعصية دون معصية، ~~فيجب حملها على مقتضاها وهو جواز ms391 المغفرة في كل المعاصيي سوى الشرك وهو المطلوب. # - سورة المائدة: آية 33. # 2- سورة النساء: آية 48. PageV00P497 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~ولنا معهم في الجواب عن تعلقهم بهذه الآية ثلاث مقالات: الرد، والتأويل، والمعارضة. # المقام الأول في الرد. # وحاصله وجهان: ~~أحدهما أنا نقول: مطلوبكم من هذه الآية إما أن يكون هو دلالتها على أن الله تعالى لا ~~يعاقب على ما دون الشرك من الكبائر أو عدم دلالتها على أنه يعاقب على الكبائر، والأول ~~باطل؛ لأنه إنما كان يحصل هذا المطلوب لو اقتصر على قوله: ويغفر ما دون ذلك. فلما قيد ~~مغفرة ما دون الشرك بالمشيئة ولم يبين من المغفور له فلا جرم لم تحصل من الآية هذه ~~الفائدة. والثاني باطل أيضا؛ لأنه لا يلزم من عدم دلالتها على أنه لا يعاقب على ما دون ~~الشرك من الكبائر عدم المعاقبة على الكبائر؛ لأنه لا يلزم من عدم دلالة شيء على شيء آخر ~~عدم ذلك المدلول، وإلا لزم عدم كل الأشياء؛ لأنه لا شيء إلا ويوجد شيء لا يكون دليلا ~~عليه، فيلزم ما ذكرناه. # ال وثانيهما أنا نقول: أخبرونا عن دلالة الآية على أنه تعالى يغفر ما دون ذلك الشرك من ~~الكبائر، إما أن يكون مطلقا أو مشروطا بالمشيثة، والأول باطل؛ لأنه تعالى علقه بالمشيثة في ~~الآية بقوله: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. والثاني مسلم، ولكن بينوا أن المراد بقوله تعالى: ~~لمن يشاء. هم أهل الكبائر؛ ليتم مقصودكم، وذلك لو حصل لكان أول المسألة. # المقام الثاني في التأويل. # وذلك أن الأدلة لما دلت على أن أهل الكبائر مستحقون للعقوبة، وكانت هذه الآية ~~مشعرة بنقص ذلك، وجب تأويلها على مقتضى تلك الأدلة توفقة بين الأدلة ودفعا ~~للتناقض، ولها تأويلان: PageV00P498 ~~============================================================ ~~السهيل شح معالمر العدل والتوحيل ~~أحدهما أن يكون معنى الآية: إن الله لا يغفر أن يشرك به ولا أكل أموال اليتامى ولا ~~الفرار من الزحف ولا قتل المؤمن ولا سائر الكبائر ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. وإنما ~~وجب حمل الآية على هذا التأويل؛ لأن ms392 الله قد توعد على ارتكاب هذه الكبائر في غير هذه ~~الآية، فوجب ألا يختلف الحكم في ذلك؛ لأن القرآن كالآية الواحدة في البعد عن التناقض ~~والخلاف، وهذا تأويل أبي الحسين. # ال وثانيهما أن يحمل الغفران في الآية على تأخير العقوبة، فيكون معنى الآية: إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به أي لا يؤخر عقوبة الشرك بل يعجلها على جهة الانتقام، ويغفر ما دون ذلك ~~أي يؤخر العقوبة عمن ليس بمشرك ولا يعاجلهم. وهذا التأويل مبني على أصلين: ~~أحدهما أن لفظ الغفران قدورد في كتاب الله بمعنى تأخير العقوبة. # والثاني أنه يجب حمله عليه. # فالذي يدل على الأول قوله تعالى: (ويستعجلونك بالسيثة قبل الحسنة وقد خلت من ~~قبلهم المثلاث وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) (1)، فليس المراد بالمغفرة ها هنا ~~ترك العقاب؛ لأن الآية وردت في شأن الكفار، فسياقها لا يقضي بحملها على ترك العقوبة، ~~فيجب حملها على تأخير العقوبة. وقال تعالى: (وربك الغفور ذو الرخمة لو يؤاخذهم بما ~~كسبوا لعجل لهم العذاب)(2)، وهذا تصريح بأن المغفرة ها هنا بمعنى تأخير العقوبة، ~~فثبت أن لفظ المغفرة قدورد بمعنى تأخير العقوبة. # - سورة الرعد: آية1. # 2 سورة الكهف: آية 58. PageV00P499 # ============================================================ ~~الشميد شح معالمر العدل واللوحيل ~~والذي يدل على الثاني وهو أنه يجب حمله عليه فهو أن الله تعالى ذكر هذه الآية في ~~موضعين من سورة النساء، كل واحدة منهما تدل على حملها على ما ذكرناه، فالموضع الأول ~~قوله تعالى: (يأيها الذين أوثوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس ~~وجوها فنردها على أذبارها أو نلعنهم كما لعنا أضحاب السبت وكان أمر الله مفعولا (47) ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)(1)، فلما حذرهم تعجيل العقوبة ~~على ترك الإيمان بالقرآن قرن ذلك بقوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به. أي لا يؤخر عقوبة ~~الشرك بل يعجلها، فلا تأمنوا أن يفعل بكم ما حذركم منه من طمس الوجوه وردها على ~~الأدبار، وهو المسح، كما مسح ms393 أصحاب السبت. ثم قال: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. أي ~~ويؤخر عقوبة غير الشرك ولا يعجلها كتعجيل عقوبة الشرك. # ل والموضع الثاني قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك)(2) الآية. فلما توعد على مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين ~~بتعجيل الخذلان وهو قوله تعالى: نوله ما تولى. تنبيها على عظم الشرك والكفر وأنه لا يدع ~~تعجيل الخذلان لمن أشرك وكفر، ثم قال بعد ذلك: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. أي ليس ~~يفعل هذا الخذلان لمن آمن ثم ارتكب ما دون الشرك والكفر، فإنه لا يخذله ولا يعجل ~~عقوبته. وهذا تأويل الخوارزمي: ~~المقام الثالث المعارضة. # وهي من وجهين: ~~سورة النساء: آية 48-47. # 2-سورة النساء: آية 116. PageV00P500 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيد ~~أاحدهما أن نقول: لا شك في إخراج الثابت عن العموم قوله تعالى: إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به. فبأي شيء أخرجتموه، هل بلفظ الآية أو بغير لفظها، ومحال أن يكون إخراجه ~~بلفظ الآية؛ لأنه يدل على نفي الغفران للشرك من جميع الوجوه، وإن قالوا: إنما أخرجناه ~~بدليل مفصل من غير لفظ الآية، وهو الإجماع والعقل. قلنا: وهكذا نقول: فإن قوله تعالى: ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. عمومه يقتضي غفران جميع الكبائر غير الشرك، فلما قامت ~~الأدلة من عمومات الوعيد وغيرها على أن الله لا يغفر الكبائر أخرجناه من عموم هذه ~~الآية، وبقي ما عداه تحت العموم. # وثانيهما أنا نقول: أليس قد زعمتم أنه يجب أن يضمر في الجملة الثانية ما أضمر في ~~الجملة الأولى ليتناسب الكلام، فيكون معنى الآية: إن الله لا يغفر أن يشرك به تفضلا، ~~ويغفر ما دون ذلك تفضلا. فنقول: إن كان ما ذكرتموه حقا فالجملة الأولى قد اشتملت على ~~نفي الغفران بالتفضل وإثباته بالتوبة، فيلزم أن تكون الجملة الثانية مشتملة على إثبات ~~الغفران بالتفضل ونفيه بالتوبة، حتى ms394 يكون معنى الآية: إن الله لا يغفر أن يشرك به تفضلا ~~ويغفره بالتوبة، ويغفر ما دون ذلك تفضلا ولا يغفره بالتوبة؛ ليتطابق النفي والاثبات، ~~وهذا لا يقوله مسلم. # فأما قوله في أول الشبهة: إنه لما وجب إضمار الفضل في الجملة الأولى وجب إضماره في ~~الجملة الثانية. # فجوابه أنه إنما كان يجب إضماره في الجملة الثانية لو كان ملفوظا به في الجملة الأولى، ~~فأما إذا علم بالدليل فلا يلزم إضماره؛ لأن ذلك إنما يجب رعاية لحق اللفظ، فأما إذا كان لا ~~ملفوظ هناك لم يلزم إضماره. PageV00P501 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~وأما قوله: إن الواجب لا يعلق بالمشيئة. فلا يصح حمل قوله تعالى: ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء. على الصغائر. # فجوابه أن هذا خطأ، فإن جميع أفعال الله واقعة بمشيئته، وكذلك قال تعالى: يعذب من ~~يشاء. مع أنه لا يصح التفضل بالتعذيب، وقال في شأن أهل الكتاب: (بل أنتم بشر يمن ~~خلق يغفر لمن يشاء ويعدب من يشاء) (1)، مع أن لا يتفضل بالغفران على الكفار، وقال في ~~شأن المنافقين: (ويعذب المنافقين إن شاء)(2). مع أنه لا يصح العفو عنهم بالاتفاق، فإذا ~~حسن تعلق هذه الأمور على المشيئة مع كونها واجبة فلم لا يحسن تعليق غفران الصغائر ~~على المشيئة مع أنها واجبة، فسقط تعلقهم بهذه الآية. # الشبهة الثانية قوله تعالى: وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم. قالوا: بين الله أنه ~~يغفر لهم حال ملابستهم للظلم ومباشرتهم له، كما إذا قيل: رأيت فلانا على طعامه. فإنه ~~يفيد أنه رآه في حال كونه طاعما، ومعلوم أن حال الاشتغال بالظلم لا يكون ثابتا، وفي ذلك ~~ما نريده، والجواب من وجهين: ~~أما أولا فنقول: الآية مبهمة، فليس فيها ما يدل على أنه يغفره لهم بالتفضل أو بالتوبة، ~~وكل واحد من الأمرين محتمل، ولا مرجح لأحدهما على الآخر، فيسقط التعلق بالآية. # وأما ثانيا فهو أن الغفران في هذه الآية محمول على تأخير العقوبة كما قررناه فيما سلف ~~دون إسقاطها، ويمكن حملها أيضا على أنه تعالى ms395 يغفر هم بالتوبة، جمعا بين هذه الآية وآيات ~~الوعيد، حذرا من المناقضة بين الآي. # 1- سورة المايدة: آية 18. # 2- سورة الأحزاب: آية24. PageV00P502 # ============================================================ ~~الشهيد ش معالمر العدل والنرحيد ~~الشبهة الثالثة قالوا: الفاسق كما هو من أهل الوعيد فهو من أهل الوعد، فليس إدخاله ~~تحت عمومات الوعيد آحق من إدخاله تحت عمومات الوعد، فيجب الوقف في حالهم، ~~وفي ذلك ما نريده من بطلان القطع على عقوبتهم وخلودهم في النار. # والجواب من أوجه: ~~أما أولا فلأنا قد قدمنا أن إدخاله في عمومات الوعيد أولى، فلا فائدة في إعادته. # وأما ثانيا فلأنا لا نسلم دخوله في عمومات الوعد؛ لأنه بارتكابه للكبيرة قد أحبط ~~ثواب طاعاته، فلا يستحق شيئا من ثوابه كما قررنا في الإحباط: ~~و أما ثالثا فلأن الكافر كما هو من أهل الوعيد فهو من أهل الوعد أيضا، فليس إدخاله في ~~عمومات الوعيد أولى من إدخاله في عمومات الوعد، فإن قالوا: الكافر قد خرج عن أن ~~يكون من أهل الوعد بدلالة خصته. # قلنا: والفاسق أيضا قد خرج بدلالة خصته، وهو عمومات الوعيد - فلم يأت له فيها ~~مقنع، فلا جرم كان ذلك سببا لتوقفه في وعيد أهل الصلاة. # وهذه الشبهة كما تكون للمرجنة كما ترى، فقد أوردها الشيخ أبو القاسم البستي(1) من ~~أصحابنا عن نفسه، وحكي أنه أوردها عن قاضي القضاة عبد الجبار - فبطل ما أوردوه. # - إسماعيل بن علي بن أحمد البستي الزيدي أبو القاسم (420 هل، متكلم فقيه. أخذ عن القاضي عبد الجبار، ~~وكان جدلا حاذقا، وقد ناظر الباقلاني فقطعه، ويميل إلى مذهب الزيدية، له من المؤلفات في علم الكلام: الموجز، ~~الإكفار، والتفسير. انظر القاضيي عبد الجبار: فرق وطبقات المعتزلة ص124، فضل الاعتزال: ص 485، كحالة: ~~معجم المؤلفين 279/2. PageV00P503 # ============================================================ ~~الشهيد شرح معالم العدل والتوحيل ~~الشبهة الرابعة قالوا: تناول هذه العمومات للفاسق إما أن يكون مشروطا بشرط ألا ~~يخرج عن استحقاق العقوبة أو لا يكون مشروطا، والأول مسلم، فإنا نقول: متى كان ~~الفاسق مستحقا للعقوبة عوقب، ولكن الله تعالى إذا عفا عنه بطل استحقاقه للعقوبة، فعلى ~~هذا ms396 التقدير لا يتم الاستدلال بهذه العمومات إلا بعد بيان ألا يوجد العفو من الله، ولو ~~ثبت ذلك لوقع الاستغناء عن هذه العمومات. # وأما الثاني فلا نسلم، لأنا نعلم قطعا أن الله لا يتوعد بالعقوبة من لا يكون مستحقا لها، ~~الا ترى أن هذه العمومات لا تتناول التائب وصاحب الصغيرة؛ لأن العقاب كما يسقط ~~بالتوبة يسقط أيضا بالعفو فلا فرق بين التوبة والعفو في إسقاط العقاب. # والجواب من وجهين: ~~أما أولا فنقول: أليس لو لم يعف الله عن الفاسق لكان مستحقا للعقوبة، فلا بد من ~~بلاء. قلنا: فعمومات الوعيد قد قطعنا عندها بعدم العفو، وإلا لكانت خلفا وكذبا، فيجب ~~حينثذ أن يكون الفاسق معاقبا، وهذا هو المطلوب. # وأما ثانيا فلأنا لو شرطنا هذه العمومات بعدم العفو لكان شرطا بالفاسق هو ألا يعفو ~~عنهه ومعنى قولنا: ألا يعفو عنه. هو معاقبته، وينزل منزلة من يقول: من لا يكون موجودا ~~يكون معدوما. وهذا لا فائدة فيه. # الشبهة الخامسة الشفاعة. # قالوا: أجمعت الأمة على وجود الشفاعة المقبولة لنبينا صلى الله عليه وآله، فلا يخلو ~~تأثيرها إما أن يكون في زيادة المنافع وإما أن يكون في إسقاط المضار، والأول باطل، وإلا ~~لزم أن نكون شافعين للنبي صلى الله عليه إذا سألنا الله أن يرفع من درجته وأن يزيد في PageV00P504 ~~============================================================ ~~السهيد ش معالمر العدل والتوحيل ~~كرامته، وهو باطل بالاتفاق، فوجب أن يكون تأثيرها في إسقاط المضار، وذلك يدل على ~~العفو، وهو المطلوب. # والجواب من وجهين: ~~أحدهما أنا لا نسلم أن الشفاعة موضوعها إسقاط المضار فقط، بل موضوعها لطلب ~~المنافع كما موضوعها لإسقاط المضار، ولهذا يقال: شفع فلان لفلان إلى الأمير ليعطيه ولاية ~~بلدة. كما يقال: شفع له ليطلقه عن السجن ويحله عن القيد. ويسمون الكتب لطلب المنفعة ~~قال الشاعر: ~~فذاك فتى إن جته لصنيعة إلى ماله لم تأته بشفيع(1) ~~فأما قوله: لو كانت الشفاعة لطلب المنفعة لكنا شافعين للنبي عليه الصلاة والسلام، ~~فهو فاسد. لوجهين: ~~أما أولا فلأن الرتبة معتبرة في حق الشفيع، فيجب أن يكون ms397 الشفيع أعلى حالا وأعظم ~~درجة من المشفوع له، فإذا ثبت ذلك فنحن وإن طلبنا من الله زيادة الإكرام للنبي عليه ~~الصلاة والسلام فإنا لا نكون شافعين له لما كان أعظم حالا منا عند الله وأعظم درجة. # وأما ثانيا فلأن طلب المنافع إنما يكون شفاعة إذا كانت تلك المنافع مفعولة لأجل ~~الشفاعة، والله تعالى يكرمه سواء سألناه إكرامه أو لم نسأله، فلهذا لا يكون سؤالنا لاكرامه ~~شفاعة له، ألا ترى أن السلطان إذا عزم أن يعقد لابنه ولاية بلدة ثم حثه بعض الخواص ~~من ورائه على ذلك، وكان السلطان يفعل ذلك لا محالة سواء حثه أو لم يحثه، وقصد ذلك ~~1- والبيت للحطيثة من بحر الطويل: PageV00P505 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~الوزير التقرب إلى السلطان فإنه لا يكون شفيعا لابنه في حصول تلك المنفعة فهكذا فيما ~~قلناه. # وثانيهما أنا وإن سلمنا أن الشفاعة لا تكون لجلب المنفعة، ولكن هاهنا ما يدل على آنها ~~لا تكون لإسقاط المضرة، وذلك أمور خمسة: ~~أولها قوله تعالى: (ما للظالمين من حميم ولا شفيع ئطاع)(1)، فالله تعالى نفى أن يكون ~~للظالمين شفيع يطاع على جهة الاستغراق. # لا يقال: إنا نقول بموجب الآية؛ لأنه ليس في الآخرة شفيع يطاع؛ لأن المطاع فوق ~~المطيع، والله تعالى ليس فوقه أحد. لأنا نقول: هذا فاسد لوجهين: ~~أما أولا فلأن المطيع في أصل اللغة من فعل ما أراده الغير، والرتبة غير معتبرة. # قال الشاعر(2): ~~ان أضجت غيظا صدره قدتتى لي موتا لم يط ع ~~و أما ثانيا فلأن حمل الآية على هذا التأويل إخلاء لها عن الفائدة؛ لأن كل أحد يعرف أنه ~~اال ليس في الوجود أحد يطيعه الله؛ لأن من عرف الله عرف بالضرورة أنه ليس فوقه أحد، ~~وكل من لا يعرف الله لا يمكنه أن يعرف هل فوقه أحد أم لا، فحمل الآية على هذا التأويل ~~اخراج لها عن فائدتها، فتبطل. # ا- سورة غافر: آية 18. # 2- هو سويد بن أبي كاهل PageV00P506 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وثانيها قوله تعالى: (وما للظالمين من ms398 أنصار)(1). ولو شفع النبي صلى الله عليه وآله ~~للفساق والظالمين لأنفسهم لكان ناصرالهم؛ لأن من يمنع من وصول المضرة إلى الغير فهو ~~ناصر له. # وثالثها قوله تعالى: (ما لهم من الله من عاصم)(2). # ورابعها قوله تعالى: (أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار)(5). # وخامسها قوله تعالى: (واتقوا يؤما لا تجزي نفس عن نفس شيئا) (4) إلى قوله: (ولا ~~تنفعها شفاعة)(3)، ولا يجوز أن يكون المراد بالشفاعة التي نفاها الله تعالى هي زيادة المنافع؛ ~~لأن الله تعالى حذر من ذلك اليوم بأنه لا تنفع فيه شفاعة، ولا يحصل التحذير بألا تحصل ~~المنافع الزائدة، يبين ذلك أن الله تعالى لو قال واتقوا يوما لا يسقط فيه عقاب من هو ~~مستحق اللعقاب بشفاعة الشفعاء لكان ذلك زاجرا عن ارتكاب المعاصي، ولو قال واتقوا ~~يوما لا أزيد فيه على منافع المستحق للعقاب بشفاعة أحد لم يحصل ذلك الزجر عن ~~المعاصي، فصح أن المراد من الآية الشفاعة في إسقاط العقاب، وهو المطلوب. # القول في الخلود ~~اعلم أن المرجئة على طبقاتهم متفقون على أن الله تعالى لا يخلد عقوبة أحد من فساق أهل ~~الصلاة وأن عقوبتهم منقطعة. # ا- سورة البقرة: آية 270. # 2- سورة يونس: آية 27. # 3- سورة الزمر: آية 19. # 4 - سورة البقرة: آية 48. # 5- سورة البقرة: آية 123. PageV00P507 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~والمعتمد في بطلان قولهم أن آيات الوعيد مشتملة على الخلود، والخلود هو الدوام ~~المؤبد. وإنما قلنا إن آيات الوعيد مشتملة على الخلود فظاهر، كقوله تعالى: (ومن يغص الله ~~ورسوله ويتعد حدوده يذخله نارا خالدا فيها). وقوله تعالى: ( بلى من كسب سيية ~~وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)(1)، وغير من الآيات ~~المشعرة بالخلود. وإنما قلنا إن الخلود هو الدوام المؤبد؛ فلوجوه ثلاثة: ~~أولها قوله تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون)(2). ولا ~~شبهة في أن من كان قبله عليه الصلاة والسلام وبعد موته قد لبث في الدنيا لبثا منقطعا، فلو ~~كان الخلود موضوعا للبث منقطع لم يكن للآية معنى، فلا ms399 بد من القول بأنه تعالى أراد: ما ~~جعلنا الخلد الذي هو الدوام المؤبد لأحد من قبلك. وهذاهو المطلوب. # وثانيها أنه يصح تأكيده بلفظ التأبيد، كما قال تعالى: خالدين فيها أبذا. ونص أهل اللغة ~~على أن قوله أبدا تأكيد بمعنى الخلود، فلولا أن الخلود يفيد الدوام لما صح تأكيده بما يفيد ~~الدوام. # وثالثها أنه يصح الاستثناء من الخلود أي مقدار أزيد من الوقت، فيقال: خالدين فيها ~~إلاسنة أو سنتين. فلولا أن لفظة الخلود مستغرقة وإلا لما صح ذلك، ويوضح ذلك أن هذه ~~الآيات دالة على خلود الكفار فيجب أن تكون دلالة على خلود الفساق أيضا. # - سورة البقرة: آية 81. # 2- سورة الأنبياء: آية 34. PageV00P508 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنرحيد ~~واحتج القائلون بالانقطاع بشبه ~~الشبهة الأولى قالوا: إن هذا بناء منكم على أن لفظة الخلود مستعملة في طول المكث مع ~~الدوام، ونحن نمنع من ذلك ونقول: هي مستعملة في طول المكث من غير دوام. # والجواب أن السابق إلى الفهم من الخلود في وضع اللسان هو الدوام المؤبد، بدليل قول ~~امري القيس: ~~وهل يعمن إلاسويد خا قليل الهموم مايبيث بأوجال(1) ~~وقال لبيد: ~~لو كان للنفس اللجوج خلود(") ~~وغرضهم في ذلك هو الدوام المؤبد، فإن استعمل في غير ذلك كان توسعا ومجازا، وحمل ~~اللفظ على حقيقته أولى من حمله على مجازه، ولا يعدل إلى المجاز إلا لدلالة ظاهرة. # الشبهة الثانية المعارضة بالآيات الواردة في الوعد، كقوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون)(3)، والفاسق ممن عمل الصالحات، ~~فيجب أن يكون ثوابه دائما لا ينقطع. # والجواب من وجهين: ~~- البيت من بحر الطويل. # 2- البيت من بحر الكامل. والشطر الأول فيه: وغنيث سبتا قبل مجري داحي: ~~3- سورة البقرة: آية 82. PageV00P509 # ============================================================ ~~الشهيد شرح معالمر العدل والنوحيل ~~أما أولا فقد دللنا فيما مر على أن الفاسق بارتكابه للكبيرة قد أحبط ثواب عمله وبقي ~~استحقاقه للعقوبة دائما. # وأما ثانيا فالآية إنما تدل على أنه لا يستحق العقوبة أبدا، وأنتم لا تقولون بذلك، ~~وليست دالة على انقطاع عقوبته، فكيف يصح ايرادها. ms400 # الشبهة الثالثة قوله تعالى: (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106) ~~خالدين فيها ما دامت السموات والأرض)(1)، قالوا: فالله تعالى علق عقوبتهم بدوام ~~السموات والأرض، وهما منقطعان، وهذا يدل على انقطاع عقوبتهم، وهو مطلوبنا. # والجواب من أوجه: ~~أما أولا فهو أن تعليق عقاب الأشقياء بدوام السماء والأرض إن دل على انقطاع ~~عقوبتهم ليدلن على انقطاع ثواب السعداء، لأن الله تعالى علق دوامها على دوام السماء ~~والأرض ولا قائل بانقطاع ثواب السعداء، فيجب مثله في عقوبة الأشقياء. # وأما ثانيا فلئن دل ذلك على انقطاع عقاب الفساق ليدلن على انقطاع عقاب الكفار، ولا ~~قائل بانقطاع عقوبة الكفار، وإنما يحكى الخلاف عن شذوذ لا يلتفت إليهم. # وأما ثالثا فالغرض بالتعليق بدوام السموات والأرض إنما هو التبعيد لا التوقيت، وقد ~~روي ذلك كثيرا في لسانهم نحو قوهم: ما خر كوكب وما لاح بارق. وغرضهم بذلك ~~التبعيد، فهذا هو الكلام على القسم الثاني من المقاصد. # ا- سورة هود: آية 106-107. وجاءت في الأصل: وأما الذين شقوا. PageV00P510 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيد ~~القسم الثالث في لواحق الباب وتكملاته وهو كلام في الأسماء والأحكام ~~القول في حقيقة الايمان والكفر ~~وفيه بحثان: ~~البحث الأول في حقيقة الإيمان ~~وقد اختلف الناس في معناه، ولا بد من ضبط المذاهب فيه، فنقول: لا يخلو إما أن يكون ~~اسما لعمل القلب أو لعمل الجوارح أو لمجموعهما، فإن كان اسما لعمل القلب ففيه ~~مذهبان: ~~أحدهما أن يكون اسما للمعرفة، وهو مذهب الإمامية والجهمية. # وثانيهما أن يكون اسما للتصديق النفساني، وهو مذهب الأشعرية. # واما أن يكون اسما لعمل الجوارح، وفيه ثلاثة مذاهب: ~~أحدها أن يكون اسما للقول فقط، وهذا هو مذهب الكرامية. # وثانيها أن يكون اسما لفعل الواجبات وترك المحظورات، وهو قول أبي علي وأبي هاشم. # وثالثها أن يكون اسما لفعل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة، وهذا هو قول أبي ~~الهذيل وقاضي القضاة. # واما أن يكون اسما لمجموع عمل القلب وعمل الجوارح، وهذا هو مذهب من قال: إن ~~الايمان تصديق بالقلب واقرار ms401 باللسان وعمل بالأركان. وهو مذهب أكثر السلف، وهذا ~~هو المختار. ويدل عليه أمور خمسة: PageV00P511 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~أولها أن فعل الطاعات هو الدين، والدين هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان. وإنما قلنا ~~إن فعل الطاعات هو الدين؛ لقوله تعالى: (وما أمروا إلا ليغبدوا الله مخلصين له الدين ~~حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤثوا الزكاة وذلك دين القيمة)(1)، فقوله تعالى: وذلك دين ~~القيمة. راجع إلى كل ما تقدم، فوجب أن يكون كل ما تقدم دينا، وإنما قلنا إن الدين هو ~~الإسلام؛ فلقوله تعالى: (إن الدين عند الله الإشلام)(2). وإنما قلنا إن الإسلام هو الإيمان؛ ~~فلقوله تعالى: (ومن يبتغ غير الإشلام دينا فلن يقبل منه)(2)، فلو كان الإسلام غير الإيمان ~~لما كان مقبولا ممن ابتغاه. # وثانيها قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله)(4) إلى آخر الآية، ثم إنه أمر ~~الرسول في آخر الآية أن يستغفر لهم، فإذا كان الفاسق لا يستغفر له وهو مصر على فسقه بل ~~يلعن ويذم، وهذا يدل على آنه غير مؤمن: ~~ال وثالثها قوله تعالى: (وما كان الله ليضيع إيمانكم)(3)، أي صلاتكم. فسمى فعل الصلاة ~~ايمانا. # ال ورابعها أن قاطع الطريق يخزى يوم القيامة، والمؤمن لا يخزى يوم القيامة، فقاطع ~~الطريق غير مؤمن وإنما قلنا إن قاطع الطريق يخزى يوم القيامة؛ فلأن الله تعالى يدخله النار ~~يوم القيامة، وكل من دخلها فقد أخزاه الله. وإنما قلنا إن الله يدخله النار فلقوله تعالى في ~~ا- سورة البينة: آية5. # 2- سورة آل عمران: آية19. # 3- سورة آل عمران: آية 85. # 4 - سورة النور: آية 12. # 5- سورة البقرة: آية 143. PageV00P512 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~(1)/ ~~صفتهم: (ولهم في الآخرة عذابت عظيم)(1). وإنما قلنا إن من دخل النار فقد أخزاه الله ~~فلقوله تعالى حكاية عن أهل النار: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) (2)، ولم يكذبهم ~~في ذلك، فدل على صدقهم فيما قالوه. وإنما قلنا إن المؤمن لا يخزى يوم القيامة؛ فلقوله ~~(3 ~~تعالى: (يوم لا تخزي الله النبي والذين آمنوا معه)(0). # وخامسها قوله صلى الله عليه وآله: ms402 "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"(2). وقوله: "لا ~~ايمان لمن لا أمانة له "(3). وقوله: "الإيمان بضع وسبعون بابا، أعلاه لا إله إلا الله وأدناه ~~إماطة الأذى عن الطريق"(0). # فهذه الوجوه الخمسة كلها دالة على أن الإيمان هو فعل الطاعات كما ذكرناه. # - سورة المائدة: آية 33. # 2 سورة آل عمران: آية 192. وقد وردت حاشية على هذه العبارة تقول: صوابه حكاية عن دعاء المؤمنين، لأن ~~هذه الآية أحد الآيات في آخر سورة آل عمران. # و- سورة التحريم: آية 8. # 4 - أخرجه البخاري (كتاب المظالم - باب التهبى بغير إذن صاحبه) 136/3 حديث رقم 2515، مسلم (كتاب ~~الايمان - باب بيان نقصان الايمان بالمعاصي) 44/1 حديث رقم 211، الترمذي (كتاب الإيمان باب لا يزني الزاني ~~وهو مؤمن) رقم 2627 بزيادة: " ولكن التوبة معروضة"1. # 5 - أخرجه أحمد في مسنده 376/19، حديث رقم 12383 بلفظ: ما خطبنا نبي الله صلى الله عليه وسلم إلا ~~قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له". المتقي: كنز العمال 61/3 رقم 5497، الألباني: صحيح ~~الجامع الصغير وزيادته 1205/2، حديث رقم 7179. # 6- أخرجه أحد في مسنده 212/15، رقم 9361، الترمذي (كتاب الايمان باب استكمال الايمان وزيادته ~~ونقصانه) حديث رقم 2617 وفيه: "أدناها إماطة الأذى عن الطريق وأرفعها قول لا إله إلا الله وقال: حسن ~~صحيح. الألباني: السلسلة الصحيحة 369/4حديث رقم 1769. PageV00P513 # ============================================================ ~~الشهيل شح معالر العدل والتوحيل ~~الأصل الثاني عن حقيقة الكفر. # ال وللناس في تعريفه أقوال ثلاثة: ~~الأول قول المعتزلة في الكفر أنه الذي يعظم عقابه. وهذا فاسد؛ لأن أنواع الكفر متفاوتة ~~في العظم، فمن جحد الله ليس كمن شبهه بخلقه، بل يجب أن يكون عقاب أحدهما أعظم ~~من عقاب الآخر، مع استوائهما في كونهما كفرا، اللهم إلا أن يريدوا أن الكفر هو الذي ~~يكون عقابه أعظم من عقاب الفسق، ولكنهم قد حدوا الفسق بأنه الذي يكون عقابه دون ~~عقاب الكفر، وهذا دور، فيجب أن يكون باطلا. # التعريف الثاني وهو محكي عن بعض الأشعرية بأنه الجحدان لله، وهذا خطأ لوجهين: ~~أما أولا فإن أراد بالجحدان ms403 عدم العلم بذاته تعالى فهذا فاسد؛ لأنه كان يلزم ممن لم يعلم ~~قدمه وعالميته وقادريته ألا يكون كفرا، وهو فاسد. وإن أراد بالجحود الجهل مطلقا سواء ~~كان جهلا بذاته أو بصفاته فهذا يلزم منه إكفار أكثر علماء الأمة؛ لاختلافهم في ذاته تعالى ~~وصفاته، وليست أقوالهم كلها حقا، فيلزم إكفارهم جميعا، وهذا باطل. # وأما ثانيا فلأن لبس الغيار وشد الزنار(1) ليس جحودا لله، وهو مع ذلك كفر. # التعريف الثالث ذكره بعض المتكلمين وهو أن يقال: الكفر هو تكذيب الرسول في شيء ~~ما جاء به مما يعلم ضرورة من دينه، ونعني بالتكذيب إما نفس التكذيب وإما ما يعلم من ~~الدين دلالته على التكذيب كلبس الغيار وشد الزنار. ولعل هذا هو الأقرب في تعريف ~~الكفر. لا يقال: لو كان الكفر هو التكذيب لكان يلزم فيمن لم يصدق النبي ولا يكذبه ألا ~~يكون كافرا، ومعلوم أنه كافر بالاجماع، فيبطل هذا التعريف. # - الغيار بالكسر علامة أفل الذمة. والأنار هو ما على وسط النصارى والمجوس. PageV00P514 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~لأنا نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما ادعى وجوب تصديقه على الكافة ~~وعلمنا وجوب تصديقه بالضرورة من دينه فلا جرم كان عدم تصديقه يككون كالتكذيب ~~له، فاندفع الإشكال وصح ما ذكرناه. # القول في طريق معرفة الكفر وفيه فصلان: ~~الأول هل يجب في كل كفر أن يكون معلوما أم لا. # اعلم أن كل ما علمناه كفرا قطعنا به وألحقنا به أحكامه، وما علمنا أنه ليس بكفر قطعنا ~~به، وما لم تعلم حاله توقفنا فيه، فإذا عرفت هذا فنقول: ذهب المتقدمون من المعتزلة إلى أن ~~كل كفر لا بد أن يكون معلوما، ومنعوا أن يكون ها هنا كفر يعلمه الله تعالى ونحن لا ~~نعلمه، وفرقوا بينه وبين الفسق، وقالوا: إن الكفر قد تعبدنا فيه بإجراء أحكام لا يمكن ~~اجراؤها إلا مع العلم به، كالقتل وانقطاع الموارثة والمناكحة، بخلاف الفسق فليس هناك ~~حكم يتعلق بالفسق. وقالوا: لا يمتنع أن يكون فسق عند الله ولا نعلمه، فإن تعلقت ~~مصلحة ms404 ببعض الأفعال بأن مرتكبها يكون فاسقا وجب على الله تعالى أن يعرفناها، وإلا ~~فلا، كما ورد في هذه الكبائر التي قد علمنا حالها لما تعلقت بها مصلحة. # وهذا فاسد لأنه لا يمتنع أن يكون حال الكفر كحال الفسق في عدم العلم، فإذا جاز في ~~بعض الأفعال أن يكون فسقا عند الله تعالى ولا نعلمه جاز في بعض الأفعال أن يكون كفرا ~~ولا نعلمه أيضا، ويدل على ذلك وجهان: ~~أاحدهما أنه لا يمتنع أن يكون في الذنوب ما يكون عقابه عقاب الكفر، ولا يكون في ~~تعليق هذه الأحكام بمرتكبه مصلحة، فلا جرم لم يجب على الله تعالى أن يعلمنا بأنه كفر، إذ ~~لا صلاح في الدين يتعلق بمعرفته، وإذا لم يكن في تعريفاته مصلحة جاز حصوله ولا ~~لمه: PageV00P515 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وثانيهما أنه لا يمتنع أن يكون في المكلفين من هو كافر وهو يكتم كفره فلا تتعلق به ~~أحكام الكفار؛ لأن الصلاح في الدين ألا تتعلق هذه الأحكام ولا تجرى إلا على من علمناه ~~كافرا بالظهور، فهكذا لا يمتنع أيضا أن يكون في الذنوب ما هو كفر عند الله ولا يلزمنا أن ~~نجري عليه أحكام الكفر، فكما جاز فسق وليس عليه دلالة فهكذا يجوز كفر وليس عليه ~~دلالة أيضا. # لا يقال: ليس للفسق حكم يختص به فيتعذر اجراؤه على مستحقه من دون العلم به ~~بخلاف الكافر فإن أحكامه لا يمكن إجراؤها إلا مع العلم به كالقتل والمنع من المناكحة ~~وغيرها. # لأنا نقول: هذا خطأ، فإن للفسق أحكاما يتعذر إجراؤها مع عدم العلم به، وهي التبري ~~واللعن وعدم الصلاحية للشهادة والقضاء والإمامة، فإن جاز أن يكون هنا فسق ولا ~~نعلمه جاز أن يكون كفر ولا نعلمه. # الأصل الثاني في طريق معرفة الكفر ~~اعلم أن الكفر لما كان كلاما في مقادير الثواب والعقاب ومعرفة أحكام مخصوصة لا ~~مجال للعقل فيها وجب الرجوع في معرفته إلى الشرع، والذي يجري فيه من الأدلة الشرعية ~~مسالك خمسة: ~~أاولها أن يكون معلوما من ضرورة الدين ms405 كانكار الصلاة والزكاة وتحليل ما علم ضرورة ~~من الدين تحريمه كالميتة ونحوها. # وثانيها أن يكون معلوما بنص قاطع من كتاب الله لا يحتمل التأويل. # وثالثها أن يكون معلوما بسنة متواترة مقطوع بظاهرها. PageV00P516 # ============================================================ ~~السهين شح معالمر العدل والتوحيل ~~ورابعها أن يكون معلوما باجماع قاطع متواتر. # وخامسها القياس وهو على وجهين: ~~أحدهما يجري فيه، وهو آن يعلم في بعض الأفعال أنه كفر ثم يكون ها هنا ما هو أعظم ~~منه وأكبر فيقضي بكونه كفرا بطريق الأولى، كما نقول في أن الاستخفاف بحق النبي عليه ~~الصلاة والسلام يكون كفرا فالاستخفاف بحق الله تعالى يجب أن يكون أدخل في كونه ~~كفرا. # والثاني لا يجري فيه، وذاك أن نعلم في بعض الأفعال أنه كفر لعلة مخصوصة، ثم توجد ~~مثل تلك العلة في فعل آخر، فلا نقضي بكونه كفرا، وهذا كما نقول إنما كفر المشبه؛ لأنه ~~جاهل بالله تعالى، فيجب في المقلد أن يكون كافرا مثله. فهذا النوع من القياس لا يجري فيه ~~إكفار ولا يقع به؛ لأنه لا يفيد إلا غلبة الظن، ولا مساغ للظن في أودية الإكفار. # القول في تفاصيل الكفار وحكم المخالف للحق من أهل القبلة ~~وفيه تظران: ~~النظر الأول في تفصيلهم، اعلم أن الذي نريد ذكره منهم في هذا الموضع هم قسمان: ~~القسم الأول هم الجاحدون لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله. # ثم لا يخلو حالهم إما أن يكونوا معترفين بشيء من النبوات وهم اليهود والنصارى، وإما ~~أن لا يكونوا معترفين بشيء منها فاما أن يكونوا معترفين بالفاعل المختار كالبراهمة، وإما ~~الا يعترفوا كالفلاسفة والدهرية والطبائعية على اختلاف أصنافهم. PageV00P517 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~فهؤلاء هم الجاحدون لنبوته عليه الصلاة والسلام ثم نقول: إنكارهم لنبوته إما أن ~~يكون على جهة العناد والميل، وإما أن لا يكون على جهة العناد، فالأولون قد أجمعت الأمة ~~على أن عقابهم يكون مخلدا وأن عقوبتهم تكون أشد وأبلغ من غيرهم، وأما الآخرون ~~الذين لم يعاندوا بل نظروا واجتهدوا بمبلغ وسعهم ومنتهى مقدورهم في البحث والنظر ~~فلم ms406 يعرفوا صحة نبوته عليه الصلاة والسلام فقد اختلف العلماء فيهم، فزعم الجاحظ أن ~~هؤلاء معذورون، وهو مذهب عبيد الله العنبري(1)، فإنه صوب جميع المجتهدين في ~~الأصول، وليس ذلك على معنى أنهم مصيبون في تلك الاعتقادات، فإن ذلك يجر إلى ~~السفسطة لأن حاصله اعتقاد المتناقضات، بل على معنى أن ذلك هو منتهى تكليفهم وغاية ~~بحثهم ونظرهم، واعتذروا عن حالهم ذلك بأن حالهم كحال العاجز، والله تعالى يقول: ~~(ليس على الأغمى حرج ولا على الأعرج حرج)(2)، وحالهم في التحير وتعذر بلوغ الغاية ~~أشد من حال العاجز والأعمى، فإن الأعمى يمكنه الاستعانة في الشيء بغيره، وأما المتحير ~~فقد استعان بكل أحد فما وجد ما يشفي غليله، فلا يليق بالحكمة أن يعذبه الله تعالى مع ~~استفراغ الوسع وبذل الممكن في طلب الحق. # وذهب سائر العلماء إلى أن أدلة النبوة قريبة وبراهينها عتيدة، فلا يكونون معذورين في ~~ترك العلم، والمعتمد في إيطال مذهبهم مسلكان: ~~الأول أن السلف والخلف مجمعون إجماعا ظاهرا على أن اليهود والنصارى مهما كانا ~~مصرين على اليهودية والنصرانية فإنهما غير معذورين في ترك التصديق بنبوة نبينا صلى الله ~~ا- عبيد الله بن الحسن بن الحصين بن مالك بن الخشخاش العنبري (100-168ه) ولي قضاء البصرة سنة سبع ~~وخمسين وماثة بعد سوار، وكان من المعتزلة ثقة كبير القدر محمودا في القضاء من عقلاء الرجال، روى له مسلم ~~حديثا وأبو داود في الناسخ والمنسوخ. الزركلي 282/4. # 2- سورة الفتح: آية 17. PageV00P518 # ============================================================ ~~الشهيد ش معالمر العدل والنوحيل ~~عليه وآله وأنهم معذبون ومعاقبون على تركها، سواء كان إصرارهم على تركها عنادا أو ~~لأجل الشبهة. # المسلك الثاني أن التشديدات الواردة بالزجر والوعيد العظيم بالعقوبة المخلدة بجميع ~~أصناف الكفار لم يفصل من أن يكون ذلك عن عناد منهم أو لأجل شبهة، فيجب ألا ~~يكونوا معذورين، فهؤلاءهم فرق منكري نبوته عليه الصلاة والسلام. # القسم الثاني هم المعترفون بصحة نبوته ~~فإما أن يكونوا مخطتين في بعض المسائل أم لا، أما الأول فسيأتي ذكر الخلاف فيهم، وأما ~~المصيبون في الاعتقاد فإما أن يكون اعتقادهم عن ms407 الدليل أو عن التقليد، فإن كان الأول ~~فهم ناجون باتفاق، وإن كان الثاني فالمتكلمون قديما وحديثا مختلفون في حالهم، والمختار ~~أنهم من أهل النجاة، لأمرين: ~~أاحدهما أنا لو لم نحكم بإسلام هؤلاء لزمنا تكفير أكثر الصحابة والتابعين، فإنا نعلم ~~ضرورة أن الأكثرين منهم ما كانوا عالمين بهذه الأدلة ولا بحثوا عن هذه الدقائق ~~والغوامض ~~وثانيهما أنه عليه الصلاة والسلام كان يحكم بإسلام كل من قبل دينه من غير آن يبحثه ~~عن أدلة الإسلام، ولو كان لا يصح الإسلام إلا بالعلم بالدليل لكان الواجب عليه ألا ~~يحكم بصحة إسلامهم إلا بعد أن يعلم منهم كونهم معتقدين للاسلام بالدليل، فلما حكم ~~باسلامهم علمنا أن العلم بالدليل ليس شرطا في صحة إسلامهم. # النظر الثاني في حكم المخالف للحق من أهل القبلة هل يكفر أم لا ~~وقد اختلف العلماء فيمن يكفر ومن لا يكفر PageV00P519 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وتمام المقصود منه يحصل بالكلام في فصول ثلاثة: ~~الفصل الأول في ذكر الخلاف في مخالف الحق من أهل القبلة هل يكفر أم لا ~~فأما المتكلمون فذهب الجماهير من الزيدية والمعتزلة إلى إكفار المشبهة، وذهب غيرهم ~~من سائر الفرق إلى ترك الإكفار. وقالوا: إن أهل القبلة اختلفوا بعد نبيهم في أشياء ضلل ~~بعضهم بعضا وتبرا بعضهم من بعض، فصاروا فرقا وأحزابا، لكن الاسلام يجمعهم ~~وه4 ~~وأما المجبرة فالأكثر من الزيدية والمعتزلة حكموا بإكفارهم، ولم يخالف في كفرهم من ~~أهل البيت إلا السيد المؤيد بالله(1) وأبا الحسين من المعتزلة، فإنهما صرحا بترك الإكفار ~~للمجبرة. # ال وأما الفقهاء فقد نقل عن الشافعي أنه قال: لا أرد شهادة أهل الأهواء كلهم إلا ~~الخطابية(2)، فإنهم يعتقدون حل الكذب. فهذا تصريح على قبول شهادتهم على اختلافهم ~~- رسمت في الأصل هكذا: "السيدم بالله. وأظن الصواب ما أثبته. # قال ابن الوزير: ذكر الإمام يحى في "التمهيد" أنهم - أي المشبهة والمجبرة - غير كفار، واحتج على ذلك بوجود ~~القول فيه. وذكر الشيخ مختار في كتابه "المجتبى" عن الشيخ أي الحسين من رؤوس المعتزلة وعن الرازي ms408 من ~~رووس الأشعرية أنهما معا لم يكفراهم قال: لأن حجة من كفرهم القياس على المشركين المصرحين، وهما قد قدحا ~~في صحة هذا القياس، وذلك القدح هو بوجود الفارق الذي يمنع مثله من صحة القياس وهو ايمان هؤلاء بجميع ~~كتب الله تعالى وجميع رسله بأعيانهم وأسماتهم إلا من جهلوه. كما رواه السيد أبو عبد الله الحسني في كتابه الجامع ~~الكافي عن محمد بن منصور الكوفي 290هوهو المرادي إمام التشيع عن سلف أهل البيت عليهم السلام وغيرهم، ~~وصنف فيه كتاب "الجملة والألفة في النهي عن تكفير المختلفين في أصول الدين، وهو قول الإمام السيد المؤيد ~~بالله في الجبرية نص عليه في آخر كتاب " الزيادات". ابن الوزير: إيثار الحق ص 377. # 2- الخطابية: فرقة من غلاة الشيعة أصحاب أبى الخطاب محمد بن أي زينب الأسدي الأجدع مولى بني أسد ~~وهو الذي عزا نفسه إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق رضيي الله عنه، فلما وقف الصادق على غلوه الباطل PageV00P520 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~وتباين أقوالهم كلها. وأما أبو حنيفة فقد حكى عنه الحاكم (1) صاحب المختصر أنه لم يكفر ~~أحدا من أهل القبلة. وحكى أبو بكر الرازي(2) عن الكرخي(3) وغيره مثل ذلك. # والمختار عندنا في ذلك تفصيل نورده، وحاصله أن صحة الاسلام متوقف على معرفة ~~أصلين: ~~أاحدهما العلم بالصانع. وثانيهما العلم بصدق صاحب الشريعة. # تبرأ منه ولعنه وأمر أصحابه بالبراءة منه، فلما اعتزل عنه ادعى الإمامة لنفسه. وزعم أن الأنمة أنبياء ثم آهة، وقال ~~بالهية جعفر بن محمد في زمانه: وليس هو المحسوس الذي يرونه ولكن لما نزل إلى هذا العالم لبس تلك الصورة ~~فرآه الناس فيها والاهية - عنده - نور في النبوة، والنبوة نور في الإمامة، ولا يخلو العالم من هذه الآثار والأنوار، ~~وهم يتدينون بشهادة الزور لموافقيهم، وزعموا أن الحينان ابتا الله والجنة نعيم الدنيا والنار آلامها، واستباحوا ~~المحرمات وترك الفرائض. انظر الايجي: المواقف ص420، الأشعري: مقالات الإسلاميين 76/1. # ا- أبو سعد المحسن بن محمد بن كرامة الجشمي البيهقي (494 ه( مفسر عالم بالأصول ms409 والكلام، حفي ثم ~~معتزلي فزيدي. وهو شيخ الزخشري. قرأ بنيسابور وغيرها. واشتهر بصنعاء اليمن وتوفي شهيدا مقتولا بمكة، ~~قيل: له رسالة ألفها اسمها" رسالة الشيخ إبليس إلى إخوانه المناحيس". وله اثنين وأربعون كتابا منها " شرح ~~عيون المسائل" واطبقات الزيدية الكبرى". الزركلي: الأعلام 289/5، كحالة: معجم المؤلفين 187/8. # 2 - العلامة أحمد بن علي أبو بكر الرازي الحتفي الجصاص ولد سنة (305 ه( صاحب التصانيف، وتلميذ أبي ~~الحسن الكرخي، وكان على طريقه من الزهد والورع ، انتهت إليه رثاسة الحنفية ببغداد وكان مشهورا بالزهد ~~والفقه، وتوفي سنة (370ه( وله من الكتب كتاب "شرح مختصر الطحاوي" وكتاب "أحكام القرآن" ثلاثة ~~مجلدات و"الأصول في الفقه(1 و"شرح مختصر الكرخي". الزركلي: الأعلام 171/1، كحالة: معجم المؤلفين ~~.712 ~~3- أبو الحسن عبيد الله بن الحين الكرخي العراقي (340 ه(: فقيه ممن يشار إليه ويؤخذ عنه، وعليه قرأ ~~المبرزون من فقهاء الزمان، وكان أوحد عصره غير مدافع ولا منازع، انتهت إليه رياسة الحنفية بالعراق. مولده في ~~الكرخ ووفاته ببغداد. له كتاب "المختصر في الفقه في الأصول عليه مدار فروع الحنفية و1) مسألة في الأشربة ~~وتحليل نبيذ التمر". فالكرخي إذن هو صاحب المختصر والمشهور به وليس الحاكم. الزركي: الاعلام 193/4، ~~كحالة: معجم المؤلفين 45/6. PageV00P521 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~فهذان الأصلان لا شك في صحة ابتناء الإسلام عليهما، فنقول: كل مقالة كانت مؤدية ~~إلى بطلان هذين الأصلين اللذين ذكرناهما فلا مرية في كونها كفرا، وهذا كمقالة أصحاب ~~السفسطة والمعطلة والدهرية وغيرهم، وهكذا القول فيما كان يؤدي إلى بطلان أحدهما، فما ~~كان يطرق خللا في حقيقة الذات كنفي الاختيار عن ذاته تعالى ونفي كونه تعالى عالما ~~بالجزثيات كما تزعمه الفلاسفة فلا مرية في كون هذا كفرا، وما كان يطرق خللا أيضا في ~~صدق صاحب الشريعة كمقالة البراهمة فهو كفر لا محالة، فأما تفاصيل المسائل الإلهية مع ~~الاعتقاد لصحة هذين الأصلين والإقرار بهما كتفصيل أحوال القادرية والعالمية من كونها ~~صفة أو حكما أو سلبا أو إيجابا وهكذا القول في سائر الصفات الذات وخصائصها ms410 مما وقع ~~فيه الخلاف بين أهل القبلة فهذه الأمور لا إكفار بها؛ لأن الخلاف إنما وقع بينهم في ~~تفاصيلها مع الاتفاق منهم على أصلها وحقيقتها. # والذي يدل على ما قلناه وجهان: ~~أاحدهما أن نقول: المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة مثل أنه تعالى هل له بكونه قادرا ~~وعالما صفة أم لا، وهل يستحقها لذاته أو لغير ذاته، وهل إرادته زائدة على داعيه أم لا، ~~ال وهل حقيقة ذاته معلومة للبشر أم لا، وهل هو مرني أو غير مرني، وغير ذلك من المسائل، ~~فلا يخلو حال هذه المسألة إما أن تتوقف صحة الاسلام على معرفة الحق فيها أو لا تتوقف، ~~والأول باطل؛ لأنها لو كانت صحة الإسلام متوقفة على معرفتها لكان الواجب على ~~الرسول صلى الله عليه وآله أن يكشفها هم كشفا ظاهرا ويطالبهم بمعرفة حقائقها، كما كان ~~يطاليهم بمعرفة صدقة ووجوب التزام حكمه، فلما لم يطالبهم بتفصيل هذه المسائل بل ما ~~جرى حديث شييء من هذه الأمور في زمانه ولا زمان أحد من الصحابة والتابعين علمنا أن ~~صحة الإسلام غير متوقفة على معرفة هذه الأصول، وإن لم تتوقف صحة الإسلام على ~~معرفة هذه المسائل لم يكن الجهل بها وبتفاصيلها مخلا بصحة الدين والإسلام وحقيقتهما. PageV00P522 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل واللوحيل ~~وثانيهما أنا تعلم ضرورة أنه إذا جاءه الأعرابي وأقر له بالشهادتين فإنه عليه الصلاة ~~والسلام لا يتمالك في أن يحكم بإيمانه، ولو توقفت صحة الايمان على معرفة هذه المسائل ~~لكان الواجب عليه ألا يحكم باسلامه إلا بعد إرشاده إلى الحق وتفهيمه هذه الأصول. # لا يقال: لعله عليه الصلاة والسلام كان يعلم من حال من جاءه مسلما إحاطته بمذهب ~~الحق في هذه المسائل فلهذا لم يبحثهم عن ذلك؛ لأنا نقول: هذه مكابرة؛ لأن من قال: إن ~~كل الأعراب وسائر الأجلاف كانوا يعلمون أنه تعالى عالم لذاته لا بعلم وأنه تعالى هل له ~~حالة بالعالمية والقادرية أم لا، فقد قال مانعلم بالضرورة فساده. # فإذا كان الأمر كذلك لم يكن الخطأ في هذه المسائل ms411 قادحا في حقيقة الدين والإسلام، ~~وهذا مقتضى المنع من الإكفار فيما ذكرناه. # الفصل الثاني في ذكر ما عول عليه أصحابنا والمعتزلة في كفر المشبهة. # وأقواها وجوه خمسة. # أولها: أنهم جاهلون بالله تعالى؛ لأنه قد تقرر ببرهان العقل أن الله تعالى ليس بجسم. # فنقول: من اعتقده تعالى جسما لم يكن عالما بالاله على ما هو عليه في نفسه، بل يكون جاهلا، ~~والجاهل بالله تعالى كافر بالاجماع. # وثانيها: أن عابد الصنم إنما يكفر؛ لأنه عابد لغير الله، والمجسم عابد لغير الله، فيجب أن ~~يكون كافرا. وقرروها بما روي عن آمير المؤمنين أنه قال لمن حلف بالذي احتجب بالسبع ~~لما سأله عن تكفير يمينه، فقال له: لا؛ لأنك حلفت بغير الله. وعلاه بالدرة. وهذا يدل على ~~ما قلناه من كون المشبه عابدا لغير الله: PageV00P523 ~~============================================================ ~~النهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~وثالثها: أن الله تعالى قال: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم)(1) فدلت ~~الآية على كفر من قال في غير الله أنه الله، ولا شك أن من قال في جسم أنه الله فقد قال في ~~غير الله أنه الله، فيجب كفره. وهذا حال المشبه. # ورابعها: أن الأمة مجمعة على أن المشبه كافر، ثم إن المشبه لا يخلو إما أن يكون هو الذي ~~يذهب إلى أن الله يشبه خلقه من كل الوجوه أو ليس كذلك، والأول باطل؛ لأن أحدا من ~~العقلاء لم يذهب إلى أن الله تعالى يشبه خلقه من كل الوجوه، فلا يجوز أن يصرف إجماعهم ~~إلى كفر لا وجود له على حال، فيجب أن يكون المشبه هو الذي يثبت الله تعالى على صفة ~~يشبهه فيها بخلقه، وهذه حال المجسم؛ لأنه إذا أثبت الله جسما خصوصا بحيز معين فإنه ~~يشبهه بالأجسام المحيزة، فثبت أن المجسم مشبه، وكل مشبه كافر بالاجماع، فالمجسم كافر. # وخامسها: أن المجسم لا يمكنه أن يقول: إن الله تعالى عالم لذاته، ولا يمكنه بيان كونه ~~تعالى عالما بكل المعلومات، ولا يتمكن من بيان كونه تعالى حكيما، ويلزمه ألا ms412 يكون قادرا ~~على خلق الأجسام، ولا يقدر على إقامة الدلالة على صدق صاحب الشريعة، وهذا كفر. # فهذه خلاصة ما عول عليه أصحابنا والمعتزلة في كفر المشبهة. # الفصل الثالث فيما عول عليه أصحابنا والمعتزلة في كفر المجبرة. # وأقوى ما اعتمده أصحابنا في كفر المجبرة وجوه خمسة أولها أن كل من أنكر كون العبد ~~موجدا لأفعاله لزمه الكفر لأمور أربعة. # ا- سورة الماندة: آية 72. PageV00P524 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~أما أولا: فلأنه لا يمكنه إثبات الصانع؛ لأن الطريق في حاجة العالم في حدوثه إلى ~~الفاعل هو قياسه على حاجة أفعالنا في حدوثها إلينا، فمن أنكر حاجة أفعالنا في حدوثها ~~الينا لم يمكنه هذا القياس، فحينئذ لا يمكنه إثبات الصانع، وذلك كفر. # وأما ثانيا: فلأنا متى جعلنا فعل العبد فعلا لله تعالى لزمنا تجويز أن يظهر المعجز على ~~الكذابين، فحينئذ لا تبقى للمعجزة دلالة على صدق صاحب الشريعة. # و أما ثالثا: فلأنه لا يمكن مع القول بأن أفعال العباد من جهة الله تعالى بشيء من الوثوق ~~بأخبار الله تعالى في وعده ووعيده؛ لأنه إذا كان فاعلا للقبيح لا نأمن أن تكون جميع أخباره ~~كلها كذبا. # ال و أما رابعا: فلأن إجماع الأمة على كفر من اعتقد كونه ظالما، ولا معنى للظالم إلا من كان ~~فاعلا للظلم، فمن اعتقد كون الله تعالى موجدا لأفعال العباد فقد اعتقد كونه ظالما، فوجب ~~أن يكون كافرا. # فهذه الوجوه الأربعة كلها يلزم عليها الكفر من حيث القول بأنه فاعل لأفعال العباد. # ال وثانيها إثبات المعاني القديمة يقتضي الكفر لأمور ثلاثة ~~أما أولا: فلأنه قول باثبات قدماء كثيرة سوى الله، وقد أجمعت الأمة على أن من أثبت ~~قديما مع الله فهو كافر. # وأما ثانيا: فهو أن القادر بالقدرة قد ثبت أنه لا يصح منه إيجاد الجسم، والعالم بالعلم لا ~~يصح أن يعلم أكثر من معلوم واحد، فإذن القول بأنه تعالى قادر بالقدرة عالم بالعلم يوجب ~~ألا يكون قادرا على الجسم وألا يكون عالما إلا بمعلوم واحد، وهذا كله كفر. PageV00P525 # ============================================================ ~~الشهيد ms413 شح معالمر العدل والتوحيل ~~وأما ثالثا: فهو أنه تعالى كفر النصارى في قولهم: إن الله تعالى ثالث ثلاثة. فمن أثبت ~~قدماء سبعة مع الذات يكون أدخل في الكفر، فهذه الوجوه الثلاثة يلزم عليها الكفر؛ لأجل ~~القول بالمعاني القديمة. # وثالثها: أن من قال: إن القرآن قديم. مع اعترافه بحدوث هذا القول المسموع فهو ~~كافر؛ لأنه يقتضي ألا يكون هذا القول المسموع قرآنا، وذلك كفر بإجماع الأمة. # اا ورابعها: أن القول بأنه تعالى مريد بإرادة قديمة لكل الكائنيات يقتضي كونه مريدا ~~للقبيح، وذلك يسد باب معرفة صدق الأنبياء، ويقتضي نسبة القبائح كلها إلى الله وهي ~~نقص، ونسبة النقص إلى الله تعالى كفر، فيجب أن يكون الجبر كفرا. # وخامسها: أنه لا خلاف بين المسلمين أن الله منعم على كل مخلوق مسلما كان أو كافرا، ~~وقد أكد ذلك بقوله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)(1) وقوله تعالى: (وما بكم من ~~نعمة فمن الله)(2) فمن أنكر ذلك كان إنكارا لما علم من الدين ضرورة، وعند المجبرة أن ~~الله ليس له نعمة على كافر في الدين ولا في الدنيا، فيجب القضاء بكفرهم لذلك. # فهذا زبدة ما ذكره أصحابنا والمعتزلة في إكفار المجبرة، وفي كل واحد من هذه الوجوه ~~نظر، وأقول: حقا على كل من تكلم في الإكفار أن ينعم النظر فيه ويتقي الله؛ فإن مورده ~~الشرع، والخطأ فيه عظيم، وإذا لم يتضح الدليل فيه فالوقوف له أولى. # ا- سورة ابراهيم: آية34. # 2- سورة النحل: آية 53. PageV00P526 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~القول في أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن كما تقوله المرجثة ولا هو كافر ~~كما تزعمه الخوارج ولا هو منافق كما يقوله الحسن البصري، وإنما يسمى فاسقا له منزلة بين ~~المنزلتين. # وقبل الخوض في إبطال مقالة هؤلاء نذكر الكلام في صحة نقل الأسماء. # واعلم أن بين الناس خلافا في صحة نقلها، فعندنا وهو مذهب المعتزلة أن في الأسماء ~~اللغوية أسماء منقولة بالشرع إلى معان ليست موضوعة لها في أصل وضعها، ثم هي منقسمة ~~إلى أسماء ms414 شرعية كالصلاة والزكاة والصوم وغيرها، وإلى أسماء دينية كقولنا مؤمن وفاسق ~~وكافر، والخلاف في ذلك محكي عن الأشعرية ثم هم فريقان، فذهب ذاهبون منهم إلى أنه ~~لا نقل بالشرع وأن هذه الأسماء باقية على إفادة معانيها اللغوية من غير تغيير، وصار ~~صائرون إلى إفادتها لمعانيها اللغوية مع نوع تصرف من جهة الشرع، والمختار عندنا أن الحق ~~في هذه المسألة أن هذه الأسماء مفيدة لمعانيها اللغوية مع زيادة أمور معتبرة من جهة الشرع ~~كالصلاة مثلا؛ فإنها مفيدة للدعاء مع زيادة، والصوم إمساك مع زيادة، والايمان هو تصديق ~~مع أمور معتبرة من فعل الواجبات والكف عن المحرمات، وهكذا القول في جميع الأسماء ~~الشرعية والدينية، فلا هي مقصورة على إفادة معانيها اللغوية فقط من غير زيادة كما يزعمه ~~هؤلاء الأشعرية، ولا هي منقولة بالكلية عن ما وضعت له فتصير معانيها اللغوية نسيا ~~منسيا، بل يجب إفادتها لمعانيها اللغوية مع أمور معتبرة وقيود اشترطها الشرع، فيكون فيه ~~تقرير لموضوعها اللغوى وإفادة لمعناها الشرعي، لا يقال: هذا الاختيار يضعف؛ لأنكم إذا ~~قلتم إن هذه الأسماء تفيد المعنيين اللغوي والشرعي جميعا فإفادتها لهما إما أن تكون بطريق ~~التواطؤ أو بطريق الاشتراك، والأول باطل؛ لأنا نعلم أنهما لم يشتركا في أمر يجمعهما كسائر ~~الألفاظ المتواطئة، والثاني باطل أيضا؛ لأن بالاشتراك يلزم أن يكون المعنيان مفهومين ~~بالحقيقة، وليس الأمر كذلك؛ لأنا نقول ليس غرضنا أن كل واحد من المعنيين مستقل PageV00P527 ~~============================================================ ~~التمهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~بالمفهومية حتى يقال إنها تفيدهما بطريق التواطؤ أو بطريق الاشتراك، وإنما الغرض أن ~~معناها اللغوى مفهوم من إطلاقها مع زيادة أمور قد اعتبرها الشرع وشرطها، ويصير حالها ~~كحال لفظ البلق؛ فإنه منقول على مجموع السواد والبياض بشرط أن يكون محله في الخيل، ~~فهكذا الأسماء الشرعية تكون مفيدة لمعانيها اللغوية مع ما قد شرط الشرع واعتبر، ولا ~~مزيد على هذا التلخيص. # فإذا عرفت هذا فالذي يدل على ما ذكرناه وجهان أحدهما: أنا نقول: الأصل أن هذه ~~الأسماء دالة على معانيها اللغوية، واستعمال الشرع لها ms415 في أمور أخر لا يفيد تغيير موضوعها، ~~فيجب أن يكون معناها اللغوي باقيا وإن أفاد الشرع معه غيره، كما ذكرناه. # ال وثانيهما: أنا وإن سلمنا أن هذه الأسماء أسماء شرعية فلا تخرج عن أن يكون من كلام ~~العرب ولن تكون من كلام العرب إلا وهي مفيدة لما وضعت له في أصل لغة العرب، وفي ~~ذلك حصول غرضنا من إفادتها لمعانيها اللغوية. # فإذا تقررت هذه القاعدة عدنا إلى المقصود. # واعلم أنه لا خلاف بين الأمة في تسمية صاحب الكبيرة بأنه فاسق، كالزاني والقاذف ~~والسارق، وإنما يتحصل الخلاف مع أقوام انقسموا فأضاف بعضهم إلى هذه التسمية قولنا ~~مؤمن كما ذهب إليه المرجئة، وأضاف بعضهم إليها قولنا كافر كما تزعمه الخوارج، وأضاف ~~بعضهم قولنا منافق كما قاله الحسن البصري، فلا جرم أفردنا على كل واحد من هؤلاء قسما ~~يخصه في بطلان قوله. # القسم الأول في إفساد كلام المرجئة في تسميته مؤمنا ~~ومعتمدنا في ذلك وجوه. PageV00P528 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~أولها: قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله) (1) إلى آخر الآية. ثم إنه تعالى ~~أمر الرسول في آخرها أن يستغفر لهم، وقد تقرر بالاجماع أن الفاسق لا يستغفر له وهو ~~مصر على فسقه بل يلعن ويذم، وهذا يدل على آنه غير مؤمن: ~~وثانيها: أن قاطع الطريق يخزى يوم القيامة؛ لأن الله تعالى يدخله النار يوم القيامة، فكل ~~من أدخل النار فقد أخزي، وإنما قلنا: إنه يدخل النار. فلما قدمنا من دخوله تحت آيات ~~الوعيد، وإنما قلنا: إن من أدخله الله النار فقد أخزاه فلقوله تعالى: (ربنا إنك من ثذخل النار ~~فقذ أخزيته)(2) وإنما قلنا: إن المؤمن لا يخزى. فلقوله تعالى:) يؤم لا يخزي الله النبي والذين ~~آمنوامعه)(3) ~~وثالثها: ما قد تقرر من آنه بارتكابه للكبيرة يستحق الذم واللعن والاستخفاف ~~والإهانة، وثبت أن المؤمن صار بالشرع اسما لمن يستحق التعظيم والمدح، فوجب ألا يسمى ~~مؤمنا. # القسم الثاني في بطلان كلام الخوارج في تسميته كافرا ~~وقد ظهر فساده من أوجه ~~أولها: أن قوهم هذا ms416 مخالف للاجماع؛ فإن الصحابة بأجمعهم كانوا يقيمون الحدود على ~~الفساق، ولم يقتلوهم ولا حكموا بردتهم، وكانوا ينكحونهم وينكحون منهم، ويدفنوهم ~~ا- سورة النور: آية 12. # 2 سورة آل عمران: آية 192. # 3 سورة التحريم: آية 8. PageV00P529 # ============================================================ ~~الشبيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~في مقابر المسلمين، مع إجماعهم على أن الكفار لا يعاملون هذه المعاملة، فيجب أن لا يسمى ~~كافرا. # وثانيها: أنه كان يلزم في الرامي لزوجته بالزنا أن تبين منه امرأته بنفس الرمي، وألا ~~يحتاج إلى الملاعنة وحكم الحاكم في التفريق بينهما؛ لأنه إن كان صادقا في رميها كانت امرأته ~~كافرة، فتبين منه بنفس الزنا، وإن كان كاذبا فإنه يصير كافرا بنفس القذف فتحصل البينونة ~~أيضا. # ال وثالثها: أنهم لم يعاملوا في القتل والسبي معاملة الكفار؛ فإن المعلوم من سيرة أمير ~~المؤمنين فيهم المخالفة لحكم الكفرة في قتلهم وأخذ أموالهم. وكل هذه الوجوه دالة على ~~مخالفتهم للكفار في اكثر أحكامهم فيجب ألا يسموا كفارا. # القسم الثالث في بطلان قول من زعم أن الفاسق منافق ~~وحاصله أمران أحدهما: أن المنافق صار بالشرع اسما لمن يستحق أحكاما مخصوصة، ~~وصاحب الكبيرة لا يستحق شيئا منها. وثانيهما: المناظرة التي جرت بين واصل بن عطاء(1) ~~وعمرو بن عبيد(2)، فإن واصلا قال له: أتقول بأن كل نفاق كفر؟ قال: نعم. قال: وتقول ~~1 - واصل بن عطاء المعتزلي، المعروف بالغزال آبو حذيفة (80-131ه(: متكلم أديب خطيب بليغ شاعر، ولد ~~بالمدينة، ونشأ بالبصرة، وإليه تنسب المعتزلة لاعتزاله حلقة درس الحسن البصري، ومنهم طائفة تنسب إليه ~~وتسمى الواصلية، وعمل على نشر مذهب الاعتزال فبعث من أصحابه عبد الله بن الحارث إلى المغرب وحفص ~~بن سالم إلى خراسان، والقاسم إلى اليمن، وأيوب إلى الجزيرة، والحسن بن ذكوان إلى الكوفة، وعشمان الطويل إلى ~~أرمينية. من آثاره: معاني القرآن(، "أصناف المرجئة(، "السبيل إلى معرفة الحق1، ")طبقات أهل العلم والجهل")، ~~"الخطب في التوحيد والعدل". الزركلي: الأعلام 108/8، كحالة: معجم المؤلفين 159/13. # 2عمرو بن عبيد بن باب البصري المعتزلي التيمي بالولاء، أبو عشمان البصري (144 ه(: شيخ المعتزلة في ms417 عصره ~~ومفتيها، وأحد الزهاد المشهورين، متكلم مفسر. كان جده من سبي فارس، وأبوه نساجا ثم شرطيا للحجاج في PageV00P530 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~بأن كل فسق نفاق؟ قال: نعم. قال: فيلزم في كل فسق أن يكون كفرا. وهو خلاف ~~الاجماع، فإذا بطل أن يسمى كافرا فيجب أن لا يسمى منافقا، وهذا هو المطلوب. فسقط ما ~~اوردوه. # القول في إيراد شبههم وهي أنواع ثلاثة: ~~فالنوع الأول يتعلق به المرجئة في تسميته مؤمنا وهي ثلاث: ~~الشبهة الأولى قولهم أن معنى الإيمان في اللغة هو التصديق؛ لاتفاق أهل اللغة على أن ~~معنى قول القائل: فلان يؤمن بكذا، أي يصدق به. قال الله تعالى: (وما أنت بمؤمن لنا ولو ~~كنا صادقين)(1) أي بمصدق، إذا قيل: فلان يؤمن بالحسن والسيء. لم يفهم منه إلا ~~التصديق والاعتراف به، والفاسق هذه صفته فيجب آن يسمى مؤمنا. # والجواب من أوجه ثلاثة: ~~أما أولا: فهذا يوجب عليكم أن تجعلوا الإيمان اسما للتصديق باللسان كما تقوله ~~الكرامية؛ فإن أهل اللغة لا يفهمون من التصديق إلا الإقرار باللسان، وأنتم لا تقولون به. # وأما ثانيا: فكان يجب فيمن علم الله واعترف به وتعدى الحدود وركب الفواحش ~~وأخل بالواجبات أن يكون مؤمنا؛ لأجل معرفته. وهذا خلاف الإجماع. # وأما ثالثا: فكان يلزم فيمن لم يقر بالله ولا برسوله أن يكون مؤمناء بأن يكون قد صدق ~~بقلبه وقد عرفنا خلافه. # البصرة. له أخبار مع المنصور وغيره، وتوفي بحران بقرب مكة، ورثاه المنصور. الزركلي: الأعلام 81/5، كحالة: ~~معجم المؤلفين 9/8. # 1- سورة يوسف: آية 17. PageV00P531 # ============================================================ ~~النهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الشبهة الثانية: قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأضلحوا بينهما فإن بغث ~~اخداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) (1) فسماهم الله مؤمنين مع ~~كونهم بغاقه وهذا يدل على ما قلناه. # والجواب من وجهين: ~~أما أولا: فلأن المراد بالايمان هاهنا بمعناه اللغوي دون ما زاده الشرع واعتبره من فعل ~~الطاعات والانكفاف عن المحرمات، ونحن لا نمنع من استعمال معناه اللغوي منفردا ~~مجازا، ونظير هذه ms418 الآية قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه )(2) ولا ~~خلاف أنه لا يسمى مؤمنا في حال الردة. # وأما ثانيا: فقد قيل: إن الآية نزلت في حيين تراميا بالحجارة، وجاز أن يكونا مجتهدين في ~~ذلك وليس ذلك مسقطا لعدالتهما، فلم يزل عنهما اسم الايمان. # الشبهة الثالثة: قوله تعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء)(3) قالوا: فأوجب الله تعالى أن ~~المقتول أخ للقاتل، وسماه أخا له، وذلك يوجب أن يكون القاتل مؤمنا؛ لأنه لا يجوز أن ~~يكون أخو المؤمن غير مؤمن؛ لأنه لم يرد أخوة النسب وإنما أراد أخوة الدين، كما قال تعالى: ~~(4 ~~(إنما المؤمنون إخوة)(9 ~~والجواب من وجهين: ~~ا- سورة الحجرات: آية 9. # 2 سورة المائدة: آية54. # 3- سورة البقرة: آية 178. # 4 - سورة الحجرات: آية 10. PageV00P532 # ============================================================ ~~الشهيل شح معالمر العدل والنوحيل ~~أحدهما: أنه لم يرد أن المقتول أخ للقاتل فيلزم ما ذكرتم، وإنما أراد أن المقتول أخ لولي ~~المقتول، فيكون معنى الآية: فمن عفى عنه أخوه الذي هو ولي الدم عن شيء من دية المقتول ~~قلنا: خذه. # ال وثانيهما: فلو سلمنا أن المراد أن المقتول أخ للقاتل، فالأخوة لا توجب كونه مؤمنا؛ لأن ~~الله تعالى قد جعل المسلم أخا للكافر، فقال تعالى: (وإلى ثمود أخاهم صالجا)(1) وهو نبي، ~~وقد جعله أخا لثمود وهم كفار، فسقط ما قالوه. # النوع الثاني يتعلق به الخوارج في تسميته كافرا. # وقد تمسكوا بشبه: ~~الشبهة الأولى: قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (2) قالوا: فعلل ~~تعالى كفرهم بأنهم لم يحكموا بما أنزل إليه، وذلك يقتضي أن من لم يحكم بما أنزل الله فهو ~~كافر، ولا شك أن الفاسق لم يحكم بما أنزل الله؛ لأن مما أنزل الله ألا ترتكب الكبائر، ~~والفاسق قد ارتكبها فلم يحكم بما أنزل الله، فيجب أن يكون كافرا. # والجواب من وجهين: ~~أما أولا: فليس يخلو إما أن يكون المراد من الآية: ومن لم يحكم بشيء مما أنزل الله، أو ~~يكون المراد: ومن لم يحكم بكل ما أنزل الله، فإن كان ms419 الأول فنحن نقول به؛ لأن من لم يحكم ~~ال بشيء ما أنزل الله فهو كافر، وإن كان الثاني فليس في الآية مايدل عليه. # ا- سورة الأعراف: آية 73. # 2 سورة المائدة: آية 44. PageV00P533 # ============================================================ ~~النمهيل شح معالر العدل والترحيل ~~و أما ثانيا: فلو سلمنا العموم في الآية لكنا نخصه بما قبل الآية وهو قوله تعالى: (إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور يخكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأخبار)1) ~~ثم قال: (ومن لم يخكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) فيجب رجوع الكلام إلى ~~المنزل المذكور قبله، وليس ذلك إلا التوراة، والذين وجب عليهم الحكم به هم اليهود ~~خاصة، وأما هذه الأمة فليسوا متعبدين بالحكم به، فتصير الآية خاصة في اليهود، ولا شك ~~في كفرهم. # الشبهة الثانية: قوله تعالى: (وهل نجازي إلا الكفور)(2) فصرح الله تعالى أنه لا يجازى ~~إلا الكفور من كفر، والفاسق من جملة من يجازى، فيجب أن يكون كافرا. # والجواب: أن ظاهر الآية متروك لا محالة؛ لأن غير الكفور مجازى، وهو المثاب. لقوله ~~تعالى: (اليؤم تجزى كل نفس بما كسبت)(3) وإذا بطل الظاهر وجب الحمل على جزاء ~~مخصوص وهو عذاب الاستئصال، وسياق الآية يدل عليه وهو قوله تعالى: (ذلك جزينافم ~~بما كفروا). # الشبهة الثالثة: قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ثم قال: ~~(ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) (4) قالوا: فحكم الله على من ترك الحج مع التمكن منه ~~بالكفر، وفي ذلك ما نريده. # - سورة المائدة: آية44. # 2- سورة سبأ: آية 17. # 3- سورة غافر: آية 17. # 4- سورة آل عمران: آية 97. PageV00P534 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحبل ~~والجواب: أن نقول: ليس في ظاهر الآية ما يدل على أن من ترك الحج فهو كافر، ولكن ~~قال: (ومن كفر) فيجب حمله على: ومن أنكر وجوب الحج فهو كافر. وهذا لا إشكال فيه. # الشبهة الرابعة: قوله تعالى: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اشودث ~~وجوههم أكفرتم بغد إيمانكم)(1). والفاسق تسود وجهه فيجب أن يكون كافرا. # والجواب من وجهين: ~~أما أولا: فلا نسلم ms420 أن الفاسق تسود وجهه، إذ ليس في الآية ما يشعر باسوداد وجه الفاسق. # و أما ثانيا: فالآية إنما وردت حكاية عن بعض الكفار، ولهذا قال: (أكفرثم بعد إيمانكم) ~~فبطل ما توهموه. # الشبهة الخامسة قوله تعالى: (والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة)(2). قالوا: ~~والفاسق من أصحاب المشأمة، فيلزم أن يكون مكذبا، والمكذب كافر، فالفاسق أيضا كافر. # والجواب أن هذا خطأ فإنا نعلم بالضرورة أن السارق والزاني ليسا مكذبين وإن كانا ~~من أصحاب المشأمة، فإذا بطل ذلك وجب حمل الآية على بعض الكفار. # الشبهة السابعة قوله تعالى إخبارا عن موسى وهارون أنهما قالا: (إنا قذ أوحي إلينا أن ~~العذاب على من كذب وتولى)(3) ولا شك أن الفاسق معذب بالاتفاق، فيجب أن يكون ~~مكذبا متوليا، والمكذب كافر، فالفاسق أيضا كافر. # ا- سورة آل عمران: آية 106. # 2- سورة البلد: آية19. # 3- سورة طه: آية 48. PageV00P535 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~والجواب كما مر في أمثاله فإنا على قطع ويقين من أن الزاني والقاذف ليسا مكذبين وإن ~~كانا معذبين، بل اليهودي والنصراني لا يكذبان بالله تعالى وإن كانا من جملة المعذبين، ~~فيجب أن يكون المراد بالعذاب في الآية عذابا مخصوصا للمكذب والمتولي لا يشاركهما فيه ~~غيرهما من المعذبين: ~~الشبهة الثامنة قوله تعالى: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا)(1) ثم قال: (وسيق ~~الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا)(2). ولم يذكر قسما ثالثا، فوجب أن يكون الإنسان إما متقيا ~~واما كافرا، لكن الفاسق بالاجماع أنه غير متقي، فيجب أن يكون كافرا، وهو المطلوب. # ال والجواب ليس في الآية دليل على الحصر فلا مانع من إثبات قسم ثالث غير الكافر ~~والمتقي وهو الفاسق الذي نريده، وإذا كان الكلام محتملا فسد تعلقهم بالآية. # الشبهة التاسعة قوله تعالى: (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها ~~أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون)(3). قالوا: فأخبر الله أن من ~~دخل النار فهو يكذب، والفاسق ممن يدخل النار، فهو مكذب، والمكذب كافر، فالفاسق ~~كافر. # والجواب أن مقصودهم إنما يتم إذا ms421 ثبت أن كل فاسق فإنه يكون مكذبا بالقيامة، وهذا ~~باطل قطعا، فإن حال الفاسق عندنا ليس كذلك. # - سورة الزمر:آية 71. # 2- سورة الزمر: آية 73. # 3-سورة السجدة: آية 20. PageV00P536 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنرحيل ~~الشبهة العاشرة قالوا: كل فاسق فإنه يدخل النار لا محالة للعمومات المذكورة، وكل من ~~دخل النار فقد أخزاه الله، وكل من أخزاه الله فهو كافر؛ لقوله تعالى: (إن الخزي اليوم ~~والسوء على الكافرين)(1). # والجواب من وجهين: ~~أما أولا: فلأن الألف واللام داخلتان على الاسم المفرد فلا يقتضي العموم، وإذا لم يكونا ~~عامين بطل احتجاجهم بالآية. # وأما ثانيا: فالغرض به خزي معهود مخصوص عند الله لا يستحقه إلا الكافر. وفي ~~شبههم كثرة ومن أحاط بما ذكرناه هان عليه إفساد ما يرد عليه من ذلك. # النوع الثالث يتعلق به من زعم أن الفاسق منافق ~~ولهم شبه ثلاث: ~~الشبهة الأولى عقلية وحاصلها أن العاقل إذا اعتقد أن في هذا الطعام سما فإنا نعلم أنه لا ~~يأكله، فمن ادعى أنه يعتقد أن في الطعام سما ثم أكله فإنا نستدل بذلك على كونه كاذبا في ~~تلك الدعوى، وأنه يظهر خلاف ما يعتقده، وهذا المعنى حاصل في من يرتكب الكبيرة، ~~فإنا نعلم قطعا أنه لو كان مصدقا بعقابها معتقدا له لما فعلها، وهذه حالة المنافق، فإنه يظهر ~~على لسانه ما لا يعتقده. # والجواب: أنا نقول: إن مضرة العقاب آجلة فإذا فعل الفاسق كبيرة فإنه إن كان من ~~الوعيدية فهو يجوز التوبة، وإن كان من المرجية فإنه يرجو العفو، وليس يشبه مضرة سم ~~سورة النحل: آية 27. PageV00P537 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~الطعام؛ فإنها عاجلة، والنفوس مجبولة على إيثار العاجل، فلهذا فإن من توعد بضرب العنق ~~بعد سنة فإنه يأكل ويشرب ويضحك، ويجوز وقوع الموت قبل القتل، ومن توعد بذلك ~~عاجلا فإنه يذهل عن ذلك كله، فلا جرم لم يكن الاحتراز عن المضرة العاجلة كالاحتراز ~~عن المضرة الآجلة. # الشبهة الثانية قولهم قد ثبت أن الفاسق مشارك للمنافق فيما يجري عليه من الأحكام من ~~الاستخفاف والذم واللعن فلا يمتنع ms422 إجراء هذه العبارة عليه؛ لأن الحكم أعظم حالا من ~~العبارة، فإذا جاز إجراء الحكم جاز إجراء العبارة. # والجواب من وجهين: ~~أما أولا فليس يلزم من إجراء الحكم إجراء العبارة، خاصة إذا كان في إطلاق العبارة ~~إيهام خطأ، ولاشك أن إطلاقها يوهم أن حكم الفاسق حكم الكافر، وليس الأمر كذلك. # وأما ثانيا فقد شارك الكافر في هذه الأحكام، ولم يلزم أن يسمى كافرا، فهكذا يجب ألا ~~يسمى منافقا، وإن شارك المنافق في هذه الأحكام. # الشبهة الثالثة احتجاجهم بقوله تعالى: (إن المنافقين هم الفاسقون) (1) فأخبر الله أن ~~المنافقين هم فاسقون، فيجب أيضا أن يكون الفاسق منافق؛ لأن المبتدأ هو الخبر، والخبر هو ~~المبتدأكما نقول: ربنا الله والله ربنا. وفي هذا ما نريده. # والجواب أن وضع الخبر شرطه أن يكون أعم من المبتدأ، فالفسق وصف عام للكافر ~~والمنافق، فكل كافر فاسق وكل منافق فاسق، ولا يلزم أن يكون كل فاسق كافرا ولا منافقا ~~لما ذكرناه، وهذا نقول كل إنسان حيوان ولا نقول كل حيوان إنسان، فسقط ما أورده ~~ا- سورة التوبة: آية 17. PageV00P538 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~هؤلاء، وتقرر أن الفاسق مخصوص بأحكام وأسماء يخالف بها غيره، فهذا أحسن الكلام في ~~الاستحقاقات وبتمامه يتم القول في الباب التاسع والحمد لله. # الباب العاشر في الإمامة ~~اعلم أن الكلام في الإمامة واسع، ولها فروع وفي مسائلها كثرة، ولكنا نورد في كتابنا هذا ~~الأهم من مسائلها، ونقتصر على معظم ما تمس إليه الحاجة من أحكامها بأوجز عبارة ~~وأخصرها، فلا جرم رتبنا الكلام في الإمامة على تمهيد وأقسام ثلاثة، ولعلنا نحيط بالبغية ~~ونجمع المقصود إن شاء الله. # وأما التمهيد ففيه بحثان: ~~البحث الأول عن حقيقة الإمامة وتفسيرها ~~وهي رثاسة عامة لشخص من الأشخاص، وقلنا: رثاسة عامة. احترازا عن الأمير ~~والرييس والقاضي؛ فإن رثاسة هؤلاء ليست على العموم على كل أحد، وقلنا: لشخص من ~~الأشخاص. احترازا عن النبي؛ فإن الوحدة فيه غير لازمة بل هو على قدر المصلحة في الاثنين ~~والثلاثة، وعن الأمة إذا عزلوا الإمام عند فسقه؛ فإن ms423 مجموع كل الأمة ليس شخصا واحدا. # البحث الثاني في وجوب معرفته عند ظهوره. # ولسنا نريد أن معرفته واجبة وإن لم يظهر، فهذا محال. وإنما نريد إذا ظهر وجب النظر في ~~معرفة إمامته، وإنما قلنا ذلك لأن الإمام تتعلق به أحكام دينيه ويناط بامامته أمور شرعية ~~يجب تنفيذها، فتجب معرفة إمامته ليتمكن من تحصيلها وامتثال أمر الشرع فيها، ومع ~~الإهمال للنظر في معرفة إمامته يكون إخلالا بها واطراحا لأحكامها فيجب النظر قطعا، ~~هذا هو التمهيد، ونشرع الآن في شرح الأقسام الثلاثة بعون الله تعالى. PageV00P539 # ============================================================ ~~الشهيل شح معالمر العدل والنوحيل ~~القسم الأول في المقدمات السابقة ~~القول في وجوب الإمامة ~~اتفق جمهور الأمة على وجوب نصب الإمام في كل وقت، وأنكر ذلك هشام الفوطي (1) ~~وأبو بكر الأصم(2) والنجدات أصحاب نجدة بن عامر(3) من الخوارج، وقالوا: لا يجب ~~صب الإمام. # ا- هشام ين عمرو الفوطي أبو محمد الكوفي، مولى بني شيبان: من متكلمي المعتزلة من أصحاب أبي الهذيل، ~~صاحب ذكاء وجدال وبدعة ووبال، أخذ عنه عباد بن سليمان، وانتسبت إليه فرقة قالت بآرائه تسمت بالفوطية أو ~~الهشامية، ومبالغته في القدر أشد وأكثر من مبالغة أصحابه . فكان يمتنع من إطلاق إضافات أفعال إلى الباري ~~تعالى وإن ورد بها التنزيل، ومن بدعه في الإمامة قوله: إنها لا تنعقد في أيام الفتنة واختلاف الناس وإنما يجوز ~~عقدها في حال الاتفاق والسلامة، ومن أشهر ما عرف به تحريمه على الناس أن يقولوا حسبنا الله ونعم الوكيل أو ~~أن الله ألف بين قلوب المؤمنين. انظر النديم: الفهرست214/1، عبد الجبار: فرق وطبقات المعتزلة (الطبقة ~~السادسة) ص69، الشهرستاني: الملل والنحل97/1، البغدادي: الفرق بين الفرق ص96. # 2عبد الرحمن بن كيسان أبو بكر الاصم (نحوه 22ه(. فقيه معتزلي مفسر، قال ابن المرتضى: كان من أفصح ~~الناس وأفقههم وأورعهم، خلا أنه كان يخطى عليا عليه السلام في كثير من أفعاله ويصوب معاوية في بعض ~~أفعاله، ومن بدعه أن الإمامة لا تنعقد إلا باجماع الأمة عن بكرة أبيهم، وإنما أراد بذلك الطعن في إمامة علي. وقد ms424 ~~زعم أن الجنة والنار ليستا مخلوقتين الآن إذ لا فائدة في وجودهما، وهما جميعا خاليتان ممن ينتفع ويتضرر بهما. # الزركلي: الأعلام 323/3، القاضي عبد الجبار: طبقات المعتزلة ص56. # 3- نجدة بن عامر الحروري الحنفي، من بني حنيفة، من بكر بن واثل (69ه(: رأس الفرقة النجدية نسبت إليه، ~~من الحرورية، ويعرف أصحابها بالنجدات. من كبار أصحاب الثورات في صدر الإسلام. كان أول أمره مع نافع ~~الأزرق، وفارقه لاحداثه في مذهبه. ثم خرج مستقلا باليمامة أيام عبد الله بن الزبير في جماعة كبيرةه فأتى البحرين ~~اا و استقر بها وتى بامير المؤمنين، ووجه إليه مصعب بن الزبير خيلا بعد خيل، وجيشا بعد جيش، فهزمهم. # وأقام نحو خمس سنين وعماله بالبحرين واليمامة وعمان. الزركلي: الأعلام 10/8، ابن حزم: الفصل في الملل ~~والنحل149/4. PageV00P540 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~أما القائلون بوجوب نصبه فهم ختلفون، فمنهم من جعل الطريق إليه العقل وحده، ~~اا ومنهم من جعل الطريق إليه السمع وحده، ومتهم من جعل الطريق إليه العقل والسمع ~~جيعا، فهذه فرق ثلاث. # أما الفريق الأول وهم القائلون بأنه لا طريق إليه إلا العقل وحده فهم السبعية(1) والاثنا ~~عشرية(ك) فإنهم زعموا أن الإمام من الألطاف العظيمة في أداء الطاعات والكف عن ~~المحرمات فيجب ألا يخلي الله الزمان عنه، ثم إن السبعية زعموا أن الحاجة إلى الإمام ~~- السبعية من فرق الشيعة الروافض، وهم أتباع الإمام السابع محمد بن إسماعيل وينهون الإمامة عنده، ويطلق ~~عليهم القرامطة والاسماعيلية، يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي بن أبي طالب وأن عليا نص ~~على إمامة ابنه الحسن وأن الحسن بن علي نص على إمامة أخيه الحسين بن علي وأن الحسين بن علي نص على إمامة ~~ابنه علي بن الحسين وأن علي بن الحسين نص على إمامة ابنه محمد بن علي ونص محمد بن علي على إمامة ابنه جعفر ~~ونص جعفر على امامة ابن ابنه محمد بن إسماعيل وهو الامام السابع (198هل، وكان يكنى عنه بالمكتوم حذرا ~~عليه من بطش العباسيين، ms425 والقرامطة تعده من أولي العزم، زعموا أنه حي إلى اليوم لم يمت ولا يموت حتى يملك ~~الأرض وأنه هو المهدي الذي تقدمت البشارة به، واحتجوا في ذلك بأخبار رووها عن أسلافهم يخبرون فيها أن ~~سابع الأئمة قائمهم . وقد لقب الإسماعيلية بالسبعية لأنهم زعموا أن النطقاء بالشرائع أي الرسل سبعة آدم ونوح ~~وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد ومحمد المهدى سابع النطقاء، وبين كل اثنين سبعة أثمة يتممون شريعته ولا بد ~~في كل عصر من سبعة بهم يقتدي وبهم يهتدي إمام يؤدي عن الله وحجة يؤدي عنه وذو مصة يمص العلم من ~~الحجة وأبواب وهم الدعاة فأكبر يرفع درجات المؤمنين ومأذون يأخذ العهود على الطالبين ومكلب يحتج ويرغب ~~إلى الداعي ككلب الصائد ومؤمن يتبعه، قالوا: ذلك كالسموات والأرضين وأيام الأسبوع والسيارة وهي ~~المدبرات أمرا كل منها سبعة. انظر الايجي: المواقف ص 422، ابن تيمية: منهاج السنة 228/1، الشهرستاني: ~~الملل والنحل 332/1، الزركلي: الأعلام 34/6. # 2- الاثنا عشرية من فرق الشيعة هم الذين ساقوا الامامة من علي الرضا إلى ابنه محمد ثم إلى ابنه علي ثم إلى ابنه ~~الحسن ثم إلى ابنه محمد القائم المنتظر الثاني عشر وقالوا: هو حي لم يمت ويرجع فيملا الدنيا عدلا كما ملئت ~~جورا. وغيرهم ساقوا الامامة إلى الحسن العكري ثم قالوا بامامة أخبه جعفر، وقالوا بالتوقف عليه أو قالوا ~~بالشك في حال محمد، ولهم خبط طويل في سوق الامامة والتوقف والقول بالرجعة بعد الموت والقول بالغيبة ثم ~~بالرجعة بعد الغيبة. الشهرستاني: الملل والنحل 280/1. PageV00P541 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~ليستفاد منه معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وما يجوز عليه وما يستحيل، وزعموا آن هذه ~~الأمور لا يمكن الوقوف على معرفة حقائقها إلا من الإمام، والاثنا عشرية فقالوا بأن ~~الامام لا يحتاج إليه في معرفة الله تعالى ولا في معرفة صفاته بل الحاجة إليه ليكون لطفا في ~~أداء الواجبات العقلية والشرعية والاجتناب للقبائح العقلية والشرعية. # ال و أما الفريق الثاني وهم القائلون بأنه لا طريق إلى وجوب الإمامة إلا بالشرع فهم ms426 أكثر ~~المعتزلة والأشعرية. # وأما الفريق الثالث وهم الذين قالوا بأن العقل والشرع طريقان لوجوب الإمامة فهؤلاء ~~هم الجاحظ والكعبي وأبو الحسين البصري وأصحابه، وهم لا يجعلونها لطفا في الدين ~~وهذا لم يقولوا بوجوب نصبه على الله، بل قالوا: إن وجوب نصبه يندفع به ضرر عظيم عن ~~الخلق فيجب عليهم نصبه لدفع هذا الضرر. # وأما القاثلون بعدم وجوب الامامة فاختلفوا، فزعم الأصم أنه لا يجب نصبه في كل ~~وقت، وإنما يجب نصبه عند ظهور الظلم ليدفع به، ويزول تنصيبه. وأما الفوطي فقد عكس ~~الأمر وقال: لا يجب نصبه عند ظهور الظلم وتقوى الظلمة؛ لأنهم ربما قتلوه لاستنكافهم ~~عن الدخول تحت طاعته، فيصير نصبه زيادة في الفتنة ويكون الضرر به أعظم، فأما عند ~~عدم الظلمة فإنه يجب نصبه لاظهار شعار الإسلام وإقامة واجباته. وأما النجدات(1) فلم ~~يوجبوا نصب الإمام في حالة من الحالات. فهذا تفصيل المذاهب في وجوب الإمامة. # - النجدات من فرق الخوارج أتباع نجدة بن عامر الحنفي، وقد كان السبب في رياسته وزعامته أن نافع بن ~~الأزرق لما أظهر البراءة من القعدة عن الهجرة له إن كانوا على راية وسماهم مشركين، واستحل قتل أطفال مخالفيه ~~ونسانهم، ففارقه جماعة من آتباعه وذهبوا إلى اليمامة، فاستقبلهم نجدة بن عامر في جند من الخوارج يريدون ~~اللحوق بعسكر نافع فأخبروهم بأحداث نافع وردوهم إلى اليمامة، فبايعوا بها نجدة بن عامر، واكفروا من قال ~~باكفار القعدة منهم عن الهجرة إليهم واكفروا من قال بامامة نافع، وأقاموا على إمامة نجدة إلى أن اختلفوا عليه في PageV00P542 ~~============================================================ ~~السهي شح معالم العدل والتوحيل ~~والمختار في إيجابها عندنا أن طريقه الشرع. # والمعتمد فيه مسالك ثلاثة: ~~الأول أنا نقول: أمر الله بإقامة الحدود في قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما)(1) وقوله تعالى: (الزانية والزاني فاخلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) (2) وقوله تعالى ~~في حد القاذف: (فاجلدوهم ثمانين جلدة) وكذلك سائر الحدود، وأجمعت الأمة على أنه لا ~~يتولى إقامة الحدود إلا الأنمة أو من يلي من جهتهم، فإذا كان لا يمكن إقامة الحدود ms427 إلا ~~بواسطة الأئمة كان الأمر باقامة الحدود أمرا بنصب الأئمة؛ لأن ما لا يتم الواجب المطلق ~~إلا به وكان مقدورا للمكلف فإنه يكون واجبا كوجوبه، فإذن نصب الأئمة واجب، وهذا ~~هو المطلوب. # لا يقال: الأمر بقطع يد السارق وسائر الحدود لا يخلو إما أن يكون مشروطا بنصب ~~الامام أو لا يكون مشروطا به، فإن كان مشروطا به لم يثبت وجوب قطع السارق إلا عند ~~وجود الإمام، ولا شك أن الأمر بالشيء إذا ورد مشروطا بشرط فإنه لا يجب على المأمور ~~تحصيل ذلك الشرط، فإن الأمر بالزكاة لما ورد مشروطا بشرط ملك النصاب لم يجب على ~~المكلف تحصيل النصاب ليجب فيه الزكاة وأما إن لم يكن مشروطا به لم يلزم من وجوب ~~أمور نقموها منه. والنجدات لا تقول كما يقول باقي الخوارج بكفر علي بن أبي طالب، ولم يقولوا إن كل كبيرة كفر ~~وإن الله سبحانه يعذب أصحاب الكبائر عذابا داثما وزعموا أنهم لا يحتاجون إلى إمام وانما عليهم أن يعلموا ~~كتاب الله سبحانه فيما بينهم وأن يتناصفوا فيما بينهم ، وقد أجازوا الاجتهاد والتقية. انظر الشهرستاني: الملل ~~والنحل 187/1، الأشعري: مقالات الإسلاميين 174/1. # - سورة المائدة: آية 38. # 2- سورة النور: آية 2. PageV00P543 # ============================================================ ~~النمهيد شرح معالمر العدل والنوحيل ~~قطع يد السارق نصب الإمام؛ لأنا نقول: بل هو مشروط بنصب الإمام، قوله: لا يجب ~~نصبه كما لا يجب تحصيل نصاب الزكاة. # قلنا: الجواب عن هذا يستدعي الفرق بين ورود الأمر مشروطا وبين وروده مطلقا مع ~~كون المأمور به موقوفا على الشرط، والأول هو الزكاة؛ فإن الأمر بها موقوف على حصول ~~الملك للنصاب، والثاني الصلاة؛ فإن الأمر بها مطلق غير مشروط بالطهارة، وإن كانت ~~الصلاة في نفسها متوقفة على الطهارة؛ فإنا نعلم بالضرورة الفرق بين ما إذا أمر بالصلاة ~~أمرا مطلقا جازما حتما مع علمنا بأن الصلاة تكون مشروطة بالطهارة وبين ما إذا أمر ~~بالصلاة أمرا مشروطا بالطهارة في وجوب تحصيل شرط الأول دون الثاني، فإذا عرفت هذا ~~الفرق فنقول: الأمر بالقطع ورد مطلقا غير مشروط بوجود ms428 الإمام، وقد أجمعوا على ~~وجوب اشتراطه، فوجب نصبه وصح ما قلناه، وظهر الفرق بينه وبين مسألة الزكاة. # المسلك الثاني أن الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله أجمعوا على وجوب ~~نصب الإمام، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام لما توفي خطب أبو بكر وقال: أيها الناس ~~من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت، لا بد هذا ~~الأمر من يقوم به، فانظروا - فهللوا - آراءكم رحمكم الله. فتبادروا من كل جانب يقولون: ~~صدقت صدقت.(1) ولم يقل أحد منهم إنه لا حاجة إلى الإمام، ثم بكروا للاشتوار إلى ~~سقيفة بني ساعدة، وتركوا أهم الأشياء وهو دفن رسول الله، ورأوا نصب الإمام والنظر ~~فيه أهم من ذلك، وبالجملة خيرهم واجتهادهم عقيب موته عليه الصلاة والسلام يدل على ~~اعتقادهم لوجوب ذلك. # ا- أخرجه البخاري (كتاب الجناثز - باب الدخول على الميت بعد الموت) 71/2 حديث رقم 1252. PageV00P544 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~المسلك الثالث تقرير الاجماع على وجه آخر وهو ما علمنا من تشددهم في العهد عند ~~موت كل إمام، كما كان من عهد أبي بكر إلى عمر وما كان من جعل عمر الأمر شورى، ثم ~~ما كان عند قتل عشمان من فزعهم إلى آمير المؤمنين وعقد البيعة له فاهتمامهم بذلك ~~ومسارعتهم إليه دليل قاطع على اعتقادهم لوجوبه، وما دل على أن إجماعهم حجة قاطعة ~~هو بعينه دال على صحة ما قلناه، فثبت بما ذكرنا وجوب نصب الامام شرعا. # وتمام تقرير الدليل بإيراد أسثلتهم والانفصال عنها، وهي خمسة: ~~السؤال الأول قالوا: لو وجب نصب الإمام لكان وجوبه لا يخلو إما أن يكون لفائدة أو ~~لغير فائدة، ومحال أن يكون نصبه لغير فائدة؛ لأنه يكون خطأ وعيبا، وإن كان نصبه لفائدة ~~فتلك الفائدة إما أن تكون دينية أو دنيوية، فإن كان لفائدة دينية فهي إما لأنه الأصل في ~~معرفة الله ومعرفة صفاته كما تقوله الملاحدة والسبعية لعنهم الله وأبادهم، وإما لغير ذلك ~~من كونه لطفا في أداء ms429 الواجبات والكف عن المحرمات كما تقوله الاثنا عشرية، والقسمان ~~عندكم باطلان، فبطل أن يكون نصبه لفائدة دينية، وإن كان نصبه لفائدة دنيوية فهي إما ~~جلب نفع، وجلب النفع غير واجب بالاتفاق، فلا يكون واجبا لأجله أو دفع ضرر، ~~ال و دفع ضرر المضرة مقرر في العقل، فلا يحتاج إلى الإمام. # والجواب أن نقول: إن وجوب نصب الإمام يكون لغرضين: ~~أحدهما ديني سوى ما تقوله الملاحدة من كونه أصلا في معرفة الله ومعرفة صفاته، ~~لوسوى ما تقوله الإمامية من كونه لطفا في الطاعات واجتناب المقبحات، بل لأجل إظهار ~~شعار الدين كالجهاد وحفظ الحوزة وإقامة الأحكام من الحدود ونصب الحكام وإقامة ~~الجمع والأعياد وغيرها. PageV00P545 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وثانيهما غرض دنيوي وهو دفع ضرر الخلق عن بعضهم بعض؛ فإن الخلق لا ينفكون ~~عن الايذاء والتأذي، وكف الظلم والتظالم، وفي هذا غرض عظيم ومقصد كلي، قوله: دفع ~~الضرر مقرر في العقل فلا يحتاج إلى الإمام، قلنا: نحن لا ننكر قبحه بالعقل ولكن قد لا ~~يلتفتون إلى المضرة الآجلة ويؤثرون النفع العاجل بالظلم والتظالم، فسقط ما ذكروه. # السؤال الثاني نصب الإمام يتضمن الإضرار بالخلق، فيجب ألا يكون واجبا، وإنما قلنا: ~~انه يتضمن الإضرار بالخلق؛ لأنه ربما يستنكف بعض الناس عن طاعته فيحاربونه، فربما ~~قتلهم وربما قتلوه، فتعظم الفتنة وتشتد البلوى، وفي هذا ضرر عظيم على الخلق، فوجب ألا ~~وجه نصبه. # والجواب أن ما ذكرتموه أمر موهوم لا أصل له ولا حقيقة لثبوته، بل الظاهر أن في ~~نصبه صلاحا للخلق وقطعا لشجارهم وكفا للمظالم فيما بينهم، بل لا يمتنع أن يكون عدمه ~~ضررا على الخلق وتركا لصلاحهم وإخلالا بأمورهم، فوجب ترجيح نصبه على عدم ~~نصبه كما قلناه. # السؤال الثالث قالوا: أجمعت الأمة على أن الطريق إلى الإمامة ليس إلا أحد أمور ثلاثة ~~النص والاختيار أو الدعوة، والدعوة والنص باطلان بما تذكره المعتزلة، والاختيار أيضا ~~باطل بما تذكرونه أنتم، فإذا كان لا طريق إلى الإمامة إلا أحد هذه الأمور الثلاثة، وكلها ~~فاسد وجب القول ببطلان ms430 وجوب نصب الامام. # والجواب أنا سنوضح القول في طريق الإمامة وبيان المختار من هذه الوجوه على أن فيما ~~ذكروه إبطالا لما أجمعت عليه الأمة وخروجا للحق عن أيديهم، فيجب أن يكون باطلا. # السؤال الرابع قالوا: شرط الإمامة الورع والاجتهاد، وضبط علوم الاجتهاد أمر ~~صعب، واحراز شروطه متعذر، وربما يستغرق الانسان في بعض علوم الاجتهاد معظم PageV00P546 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~عمره فلا يحصل منه على المطلوب، فكيف حاله إذا أراد إحراز جميعها، وإذا كان إحرازها ~~متعذرا كان نصب الإمام متعذرا أيضا، وهو المطلوب. # والجواب من وجهين: ~~أما أولا فإن قلنا: إن الاجتهاد ليس شرطا في الإمام، وإن إمامة المقلد صحيحة. لم يلزمنا ~~ما قلتم إذا كان محرزا لسائر الصفات من الورع وحسن السياسة والتدبير، كما سنقرره بعد ~~ان شاء الله تعالى، وإن قلنا: إن الاجتهاد شرط في الإمام. فإن إمامة المقلد ليست صحيحة، ~~فنقول: إن كان الاجتهاد ممكنا فنصب الإمام واجب، وإن كان غير ممكن لم يجب؛ لأنا إنما ~~توجب الإمامة مع الإمكان دون التعذر والاستحالة. # وأما ثانيا فسنوضح الكلام في عموم الاجتهاد ونبين مقدار الواجب منها وأن إحرازه ~~مكن على القرب فسقط ما ذكروه. # السؤال الخامس لو وجب نصب الأئمة لكان لا يخلو إما أن يجب نصب إمام واحد أو ~~أكثر، فالأول باطل؛ لأنه يستحيل أن يكون أمره نافذا في قضية واحدة في جهة المشرق ~~والمغرب جميعا، والثاني باطل أيضا؛ لأن الاجماع على بطلان إمامين في وقت واحد، فيجب ~~القضاء ببطلان نصب الأئمة. # والجواب أن المحال إنما يلزم إذا كان منفذا للقضية الواحدة في المشرق والمغرب بنفسه، ~~فأما إذا كان بنصب القضاة وإنفاذ الأمراء والولاة فإن ذلك غير متعذر كما كان حال الخلفاء ~~في جميع الأقطار، فثبت بمجموع ما ذكرناه وجوب نصب الأئمة، وسقط ما تعلقوا به. PageV00P547 # ============================================================ ~~الشهيل شح معالمر العدل والنرحيل ~~القول في بطلان قول الاثنا عشرية بوجوب الإمامة عقلا. # قالوا: الامامة لطف في أداء الطاعات واجتناب المقبحات، واللطف واجب، فيلزم أن ~~تكون الإمامة واجبة، وإنما قلنا: إن ms431 الإمامة لطف؛ فلأنا نعلم بالضرورة بعد استقرار ~~العادات أن الخلق إذا كان لهم رئيس قاهر يمنعهم عن المحظورات ويحثهم على فعل ~~الواجبات ويعلمهم معالم الدين فإن حالهم في أداء الواجبات والكف عن المحرمات أقرب ~~منهم إذا لم يكن لهم هذا الرثيس، ولا معنى للطف إلا ما ذكرناه. وإنما قلنا: إن اللطف ~~واجب. فلأمرين أما أولا فلأن اللطف كالتمكين، لما ثبت في الشاهد أن أحدنا إذا دعى ~~غيره إلى طعام وكان غرضه نفع ذلك الغير وبقي على هذا الغرض وقت التناول ولم يعرض ~~له ما يغير داعيه وعلم آنه متى استبشر في وجهه فإنه يتناول طعامه، ومتى لم يفعل ذلك فإنه ~~لا يتناوله، فإنا نعلم أن تركه للاستبشار والحال ما ذكرناه يجري مجرى رد الباب في وجهه ~~ومنعه، والعلم بذلك ضروري في مجرى العادة. # وأما ثانيا فهو أن المكلف لو لم يجب عليه اللطف لكان لا يقبح منه أيضا فعل المفسدة؛ ~~لأنه قد تقرر في العقول أنه لا فرق بين فعل يختار المكلف عنده القبيح وبين ترك فعل يخل ~~المكلف عند تركه بالواجب، والعلم بذلك ضروري، فيجب أن يكون اللطف واجبا، وإذا ~~ثبت وجوب اللطف ثبت أن الإمامة واجبة، وفي ذلك غرضنا. # والمعتمد في فساد كلامهم مسالك: ~~الأول أنا لا نسلم أن الإمامة لطف، قوله: إذا كان لهم رثيس يمنعهم عن القبائح ~~ويحثهم على الواجبات كان حالهم في فعل الواجبات وترك القبائح أقرب من حالهم إذا لم ~~يكن لهم ذلك الرئيس. قلنا: هذا القدر لا يكفي في الدلالة على كون الإمام لطفا، إلا بتقدير ~~خلو نصب الإمام عن جميع جهات القبح، وكون الفعل مصلحة من وجه لا ينافى كونه PageV00P548 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~مفسدة من وجه آخر، فعليكم الدلالة تقيمونها على أن نصب الإمام خال عن جميع جهات ~~القبح؛ لأنكم إذا لم تقيموا دلالة على ذلك كنتم تجوزون ما لو ثبت لقطعتم بكون الإمام ~~ليس بلطف، ومع هذا التجويز لا يمكن القطع بكون الإمام لطفا، فثبت أن ما ذكرتموه لا ms432 ~~يكفي في بيان كون الإمام لطفا إلا بعد أن تضموا إليه الدلالة على خلوه عن جميع جهات ~~القبح، وليس في استدلالكم ما يبطل هذا الاحتمال. # المسلك الثاني أنا لا نقتصر على تجويز المفسدة في نصب الإمام، بل نبين وقوعها وذلك ~~ظاهر بوجهين: ~~أما أولا فبأن يقال: إن نصب الإمام يقتضي أن يكون المكلف فاعلا للواجب وتاركا ~~للقبيح لا لوجهيهما الذين يقعان عليه ولكن للخوف من الإمام، وأما عند عدم نصب ~~الامام فالمكلف إنما يفعل الواجب لوجوبه ويترك القبيح لقبحه لا للخوف من الإمام، إذلا ~~إمام هناك وإذا كان الأمر هكذا فإذن نصب الإمام لا ينفك عن هذه المفسدة، فيجب ~~القول ببطلان نصبه. # وأما ثانيا فنقول: إن فعل الطاعة وترك المعصية عند عدم الامام أشق من فعلها وتركها ~~عند وجوده، فإذا كان الحال كما ذكرنا كان في نصب الامام مفسدة، وهو نقصان الثواب من ~~هذا الوجه، وبتقدير ما ذكرنا لا نسلم حسن نصبه فضلا عن وجوبه، لا يقال: ورود الشرع ~~لوجوب نصب الإمام قد دل على عدم هذه المفسدة لأنا نقول: هذا صحيح ولكن يصير ~~الاستدلال على وجوب نصب الامام أمرا شرعيا، وفيه بطلان مذهبكم بوجوب نصبه من ~~جهة العقل. # المسلك الثالث لو وجب نصب الإمام من جهة العقل لكونه لطفا لكان لا يخلو إما أن ~~يجب نصبه في كل الأزمنة أو في بعضها، والقسمان باطلان، فيبطل القول بوجوب نصب PageV00P549 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الإمام عقلا، وإنما قلنا باستحالة نصبه في كل الأزمنة؛ فلأن من الجائز أن يتفق في بعض ~~الأزمنة قوم يستنكفون عن الدخول تحت طاعة الغير، ويعلم الله تعالى من حالهم آنهم متى ~~ن صب هم رئيس طغوا وبغوا وقصدوه بالقتل وأثاروا الفتن العظيمة وإذا لم ينصب لهم ~~رثيس أصلا فإنهم لا يقدمون على قبيح، وهذا الاحتمال ممكن الوقوع، فيكون نصب الإمام ~~في ذلك الزمان قبيح لما فيه من المفسدة، ثم لا زمان يفرض على التعيين إلا ويمكن أن يكون ~~محتملا لوقوع هذا المقدر، فإذن يمتنع نصب الإمام ms433 في جميع الأزمنة، وإنما قلنا باستحالة ~~نصبه في بعض الأزمنة فلأن الغرض من نصب الإمام ليس إلا أن يكون لطفا في فعل ~~الواجب والكف عن القبيح، وليس يختص وقتا دون وقت، فإذا بطل هذان القسمان كما ~~ذكرنا بطل كونه واجبا. # المسلك الرابع وهو أن ما أوردتموه دلالة على كون الإمام لطفا هو منقوض، والدليل ~~المنقوض لا يمكن الاستدلال به، مثال كونه منقوضا أنا لو قدرنا في كل بلدة وفي كل محلة ~~رييسا يدعو الخلق إلى فعل الواجبات ويكفهم عن المحرمات لكان امتناع الخلق عن القبائح ~~أوفر وإقدامهم على فعل الطاعات اكثر مما إذا لم يكن لهم إلا رئيس واحد أو إمام واحد ~~وكذلك لو قدرنا الولاة والقضاة والأمراء معصومين لكان ذلك أبلغ في الزجر عن القبائح ~~وأكثر مواظبة على فعل الواجبات، وما ذكرتموه من الدليل المقتضي لوجوب الإمامة ونصب ~~الأئمة بالعقل قائم في هذه التفاصيل مع أن شيئا منها لم يجب عقلا عندكم، فبطل ما ~~ذكرتموه وانتقض ما جعلتموه دلالة على نصب الإمام. # المسلك الخامس هب أنا سلمنا كون الإمام لطفا فلا نسلم أن اللطف واجب، فأما قولهم ~~أولا: إن اللطف يجري مجرى التمكين. فلا نسلمه قوله: من قدم الطعام إلى إنسان وأراد منه ~~أن يتناول ذلك الطعام، وعلم أنه لا يتناوله إلا إذا تواضع له، فإن تركه للتواضع يقدح في PageV00P550 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيد ~~كونه مريدا من ذلك الإنسان أن يتناول ذلك الطعام. قلنا: لا نسلم أن تركه للتواضع ~~والحال هذه يقدح في كونه مريدا لأكله على الإطلاق. # بيانه: أن الإرادات مختلفة فقد يكون الإنسان مريدا من غيره أن يتناول طعامه إرادة إلى ~~كل غاية حتى يقدر أنه يفعل كل ما يعلم أن ذلك الضيف يتناول طعامه لأجله، وقد يكون ~~مريدا من غيره أن يتناول طعامه ولكن لا إلى هذا الحد، بل يقول: أريد منك أن تأكل ~~طعامي ولكن لا يجب علي أنك إذا وقفت أكلك علي أن أقبل رجلك، فإني لا أفعل ذلك، ~~بل أريد منك إرادة ms434 لا إلى هذا الحد، فإذا عرفت هذا التفصيل فنقول: الإرادة إذا كانت ~~واقعة على الوجه الأول كان ترك التواضع قادحا فيها، فأما إذا كانت واقعة على الوجه ~~الثاني فلا نسلم أن ترك التواضع قادحا فيها، والعلم بذلك ضروري بعد الخبرة والتجربة، ~~فإذا تقررت هذه القاعدة قلنا: فلم قلتم: إن الله تعالى أراد من المكلفين فعل الطاعات ~~واجتناب المقبحات على الوجه الأول حتى يلزمه فعل اللطف. وبيانه أن التكليف تفضل ~~من الله وإحسان، والمتفضل لا يجب عليه أن يأقي بأقصى مراتب الفضل، وإذا كان الأمر ~~هكذا حسن من الله أن يريد الطاعة وترك المعصية على الوجه الثاني، وعلى هذا التقدير لا ~~يلزم من ترك اللطف القدح في ترك الإرادة. # وأما قوله ثانيا: إن ترك اللطف كفعل المفسدة، وإذا جاز من الله تعالى ترك اللطف جاز ~~منه أن يفعل المفسدة. قلنا: إن عنيتم أن أحدهما يماثل الآخر في حقيقته فهو باطل قطعا؛ لأن ~~ترك فعل شيء لا يكون مثلا لفعل شيء آخر، وإن عنيتم أنه يماثله في كونه إضرارا بالغير، ~~وذلك هو علة القبح، فيجب اشتراكهما في القبح، فهو باطل أيضا؛ لأن الفرق ظاهر لأنه لا ~~معنى لكون ترك اللطف ضررا إلا لأنه ترك للانتفاع، ولا يلزم من قبح فعل الإضرار قبح ~~ترك الانتفاع، ألا ترى أنه يقبح منا أن نضر بالفقير ولا يقبح منا ترك نفعه، فبطل ما ذكروه ~~وصح أنه لا طريق إلى وجوب نصب الإمام إلا بالشرع. PageV00P551 # ============================================================ ~~النهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~لا يقال: لو جاز القدح في كون الإمامة من الله تعالى لطفا في جميع التكاليف فالاحتمال ~~الذي ذكرتموه وهو تجويز المفسدة لجاز القدح به في كون معرفة الله تعالى لطفا لنا؛ لأن الذي ~~يمكن في بيان كون المعرفة لطفا هو كونها باعثة على أداء الواجبات والاحتراز عن القبائح ~~العقلية، فأما خلوها عن جميع جهات القبح فذلك لا يمكن إثباته بالاتفاق، فيجب أن لا ~~تكون المعرفة لطفا؛ لتجويز أن تكون فيها مفسدة وهذا محال؛ لأنا نقول: إن معرفة ms435 الله تعالى ~~ليست من الألطاف التي يجب على الله تعالى فعلها، بل إنما يجب فعلها على العبد، فلا يلزم ~~ما ذكرتم، وإذا كان الأمر هكذا فنقول: متى دل الدليل على كون معرفة الله لطفا ومصلحة ~~ال ولم يدل دليل على كونها مفسدة بوجه من الوجوه، فحينئذ يغلب على ظننا كون المعرفة ~~لطفا، فيجب علينا فعلها؛ لأن الظن يقوم مقام العلم في اقتضاء وجوب الفعل علينا. # ألا ترى أن الجالس تحت جدار مائل إذا غلب على ظنه سقوطه عليه فإنه يجب عليه ~~الانتقال من ذلك الموضع، وإذا عرفت هذا فنقول: لا جرم يكفي ظن كون المعرفة لطفا في ~~وجوبها علينا، وأما الإمامة فأنتم توجبونها على الله تعالى فلا يكفي في إيجابها على الله ظن ~~كونها لطفا، فما لم يعلم بالدلالة القاطعة خلوها عن جميع جهات القبح ولا يمكن القطع ~~بكونها لطفا فلا يمكن إيجابها على الله، فظهر الفرق بينهما، فهذا محصول الكلام في هذه ~~المسألة. # القول في الصفات المعتبرة في حق الأئمة وما يجب اشتراطه منها وما لا يجب ~~وفيه نظران: ~~النظر الأول في الصفات التي يجب اعتبارها. # وهي تسع: PageV00P552 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~واعلم أن الصفات التي يجب حصول الإمام عليها قسمان: ~~القسم الأول أصول لغيرها وهي: الذكورة والحرية والبلوغ والعقل. # أما الذكورة فإنما وجب اشتراطها لأمرين: ~~أما أولا فلأن الغالب من حال النساء ألا تحصل بهن هذه الصفات التي سنذكر وجوب ~~كون الأئمة عليها من السياسة والتدبير وغيرهما. # وأما ثانيا فلأن النساء لا يحصل لهن من الهيبة ما يحصل للرجال لضعفهن، ومبنى أمر ~~الإمامة على إنفاذ الأمور والأحكام وتقرير السلطنة. # وهكذا الحال في البلوغ والعقل؛ فإن الغالب من حال الصبيان ضعف العقل وعدم ~~الاستقلال بتدبير أمر، وأما الحرية فلاستحقار الناس بالعبيد ونزول قدرهم وركة أمرهم، ~~وهذا مناقض لأمر الإمامة؛ فإن مبناها على الرفعة وعظم حال المنزلة عند الله تعالى؛ ولأن ~~أزمة العبيد مشغولة بخدمة السادات، فهذه الأمور الأربعة لا خلاف في وجوب اعتبارها ~~لماذكرنا. # القسم الثاني صفات متفرعة ms436 على هذه وهي أربع: ~~الأولى أن يكون عالما مجتهدا في أصول الدين وقواعد الشريعة وفروعها حتى يكون ~~متمكنا من إيراد الأدلة وحل الشبه في أصول الديانة ومن الفتوى في أحكام الشريعة، وفي ~~هذه الصفة بحثان: ~~البحث الأول في تفصيل العلوم: لا بد للامام منها ليحصل له منصب الاجتهاد، ~~ومجموعها علوم ثمانية، فأربعة منها أصول وهي العقل والكتاب والسنة والإجماع، ويتفرع PageV00P553 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~على هذه الأربعة علوم أربعة لا بد من إحرازها، وهي علم النحو وعلم اللغة وعلم الناسخ ~~ال و المنسوخ والعلم بأحوال الرواة ومن تقيل منهم ومن ترد، فهذه العلوم الثمانية يجب ~~تحصيلها لكل مجتهد؛ لأن الغرض بالاجتهاد هو تحصيل الحكم من هذه الأصول وكل ~~واحد من هذه العلوم على حظ وقدر من الحكم لا يحصل إلا بإحرازه فقد اشتمل قولنا: إن ~~الغرض بالاجتهاد تحصيل الأحكام من الأصول على معرفة الأصل والحكم وطريق ~~التحصيل. وهذه الأمور الثلاثة التي لا يمكن تحصيلها وإتقانها إلا بمعرفة هذه العلوم ~~الثمانية، فلهذا وجب تحصيلها على كل مجتهد. # البحث الثاني في مقدار الواجب منها: ~~واعلم أنا إذا أوجبنا على المجتهد أن يكون حاصلا على معرفة هذه العلوم الثمانية فلسنا ~~نريد أن يكون محيطا بأسرارها ودقائقها مستوليا على جميع أطرافها، فهذا لا محالة يتعذر ولا ~~يكاد يوجد، فلا بد من ضبط مقدار ذلك، ويحصره عندنا إجمال وتفصيل، أما الاجمال ~~فيجب أن يكون متمكنا من تحصيل الحكم في الحادثة؛ فإن لم يكن متمكنا من ذلك فهو ~~نقصان، وماعدا ذلك فهو زيادة وفضل وتبحر في العلوم. # وأما التفصيل فقد ذكرنا أن المشترط من العلوم أمور ثمانية، فلنذكرها واحدا واحدا وما ~~يلزم منها وما لا يلزم بكلام وجيز، فنقول: أما الكتاب فلا بد من العلم به؛ لأنه أصل من ~~اصول أحكام الشريعة، ولا يلزمه حفظ جميعه، بل الذي يتوجه من العلم به هو مقدار ~~خسمائة آية، ولا يلزم أن يكون حافظا له من ظاهر قلبه، بل يجب عليه العلم ليطلبها من ~~مكانها. وأما السنة فلا ms437 بد من معرفة الأحاديث التي هي متعلق الأحكام، فكم من حكم ~~ليس مستندنا فيه إلا أخبار الرسول وأفعاله وتقريراته، ولا يلزمه حفظها من ظاهر قلبه ولا ~~يلزمه أيضا الإحاطة بجميعها بل مقدار ما يتعلق بالأحكام الشرعية دون المواعظ والآداب ~~والحكم. وأما الإجماع فيجب عليه ألا يفتي بحكم قد وقع الإجماع على خلافه، ولا بد من PageV00P554 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~العلم بهذا القدر؛ لأن مخالفة الإجماع حرام محظور، ولا يلزم الإحاطة بجميع الإجماعات بل ~~يكفيه هذا القدر. وأما العقل فنريد به أن الأصل هو البقاء والبقاء على البراءة الأصلية، ولا ~~يحصل التغيير عن الأصل إلا بدليل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، فإذا لم يكن ~~شيء من هذه الأصول فالأصل هو البراءة الأصلية. # فهذه هي الأصول الأربعة ويتلوها علوم أربعة، فاثنان منها مقدمان وهما علم النحو ~~اللغةه ولا بد من الحصول عليهما ليتمكن من معرفة خطاب الله وخطاب رسوله، وحد ~~ذلك أن يكون متمكنا من فهم حقيقته ومجازه، ويفرق بين النضر والظاهر والمجمل والمبين ~~والمطلق والمقيد، ولا يشترط أن يكون محيطا بجميع أسرار اللغة والنحو ودقائقهما وأن يبلغ ~~مبلغ المبرد وسيبويه، وأما العلمان المتممان فأحدهما معرفة الناسخ والمنسوخ، ومقدار ذلك ~~و حده أن لا يفتي بحكم قد نسخ، ولا يلزم أن يكون محيطا بجميع الأمور والوقائع ~~المنسوخة. وأما الثاني فالعلم بأحوال الرواة ونقلة الأحاديث، ومن يقبل منهم ومن هو ~~مردود، ومقدار ذلك أن يعلم بكون الراوي عدلا ضابطا، ولا يلزم أن يكون عالما بجميع ~~طرائقهم وأحوالهم وأنسابهم وسيرهم، بل يكفي ما ذكرناه. فهذا محصول الكلام في معرفة ~~هذه الصفة ومقدار ما يتوجه من تحصيلها. # الثانية التدبير: وحاصلها أن يكون ذا رأي ومتانة فيدبر الحرب والسلم ويشتد في موضع ~~الشدة ويلين في موضع اللين، ولا يلزم أن يكون بالغا في الحلم والأناة كل غاية؛ فإن هذا ~~يتعذر، ولكن يكون بحيث لا يستفزه الطيش ولا يزعجه الفشل. # الثالثة الشجاعة: بحيث يكون مجمع القلب شديد البأس لا يضعف عن لقاء ms438 العدو ولا ~~يجبن عن الحرب، ولا يلزم أن يكون حاصلا في الرتبة العليا من الشجاعة بحيث يكون ~~فائقا على الشجعان. PageV00P555 # ============================================================ ~~النمهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الرابعة العدالة: ويجب أن يكون عدلا في الظاهر؛ لأن الفاسق لا يوثق به في جميع ما ~~يحاول من أمر الديانة؛ لأنه ربما أخل بأمر المسلمين في تدبير الحرب والسلم ووضع الحقوق ~~والأموال في مواضعها، ويندرج في ضمن هذه الصفة كونه مسلما بطريق الأولى؛ لأنه لا ~~يكون عدلا إلا مع مجانبة الكبائر من الكفر والفسق، ولا يشترط حصوله في أعلى مراتب ~~الكمال في الورع والزهد، ولكن مقدار الغرض يحصل بمجانبة الكبائر والتنزه عن الأمور ~~المستخفة. # فهذه الصفات لا بد من تحققها في الأثمة على هذا الاعتبار الذي أسلفناه في هذه الأمور ~~الثمانية، بقي ها هنا صفة تاسعة، وهي اعتبار النسب، فالذي عليه أئمة الزيدية ومن تابعهم ~~أنها محصورة في أولاد البطنين، وعند جماهير المعتزلة والأشعرية أنها محصورة في بطون ~~قريش، وحكى الجاحظ عن جل المعتزلة أنها في جميع الناس، وهذا قول الخوارج، وفيما نقله ~~الجاحظ ضعف، بل الظاهر من قولهم ما حكيناه عنهم من كونها قي جميع قريش، وقد حكي ~~عن أبي علي أنه قال: إن قدر خلو الزمان عن صالحي قريش جاز نصب الإمام من غيرهم؛ ~~لثلا تضيع الحدود وتتعطل الأحكام، لكن الظاهر من قول جماهيرهم ما قلناه، والمختار أنها ~~في قريش، ودليلنا على الخوارج في بطلان مذهبهم وجهان: ~~أحدهما الإجماع: فإنه قد ثبت بتواتر النقل أن الأنصار لما طلبوا الإمامة يوم السقيفة ~~لأنفسهم واعتقدوا صحتها فيهم منعهم آبو بكر لعدم كونهم من آهلها في مشهد من ~~الصحابة واشتهر قوله في ذلك ولم ينكر أحد ما ادعاه أبو بكر من وجوب كون الإمامة في ~~قريش، وهذا يدل على انعقاد الاجماع على رعاية هذا الشرط واختياره. PageV00P556 # ============================================================ ~~السهي ش معالم العدل والتوحيل ~~الوجه الثاني السنة: فإنه قد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "الأئمة من ~~قريش"(1). رواه أبو بكر وكثير من أكابر الصحابة، وحاصل الاستدلال به ms439 أن الألف ~~واللام للاستغراق، فيكون معنى الحديث أن كل الأئمة من قريش سواء كان سياق الحديث ~~يفهم منه الأمر أو الخبر؛ فإنه يمنع من كون الإمام غير قرشي، وقال عليه الصلاة والسلام: ~~"الولاة من قريش ما أطاعوا الله واستقاموا لأمره"(2). وقال عليه الصلاة والسلام: "قدموا ~~قريشا ولا تقدموها"(3). ولهم شبهتان: ~~الأولى نقليه وهي قوله عليه الصلاة والسلام: "أطيعوا السلطان ولو أمر عليكم عبد ~~حبشي أجدع"(4). قالوا: فظاهر الحديث يقتضي نفي اعتبار النسب في الأثمة والأمراء، ~~وهذا هو مطلوبنا. # - رواه أحمد في مسنده 318/19، حديث رقم 12307 بزيادة: "ان هم عليكم حقا ولكم عليهم حقا مثل ذلك ~~ما إن استرحموا فرحموا وإن عاهدوا وفوا وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين". والحاكم في المستدرك 85/4، حديث رقم 6962 بزيادة: "أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء ~~فجارها، ولكل حق، فأتوا كل ذي حق حقه وإن أمرت عليكم عبدا حبشيا مجدعا فاسمعوا له وأطيعوا ما لم يخير ~~أحدكم بين إسلامه وضرب عنقه، فإن خير بين إسلامه وضرب عنقه فليقدم عنقه فإنه لا دنيا له ولا آخرة بعد ~~اسلامه. وصححه الألباني في إرواء الغليل 299/2 رقم 520. # 2- رواه البخاري: التاريخ الكبير 485/3، رقم 1622 بلفظ : " الولاة من قريش" . والبيهقي: السنن الكبرى ~~143/8، المتقي: كنز العمال 596/5حديث رقم 14059. # 3 مسند الشافعي (كتاب الأشربة وفضائل قريش) ص94 ، بزيادة: "وتعلموا منها ولا تعلموها، الهيثمي: ~~جمع الزوائد (كتاب المناقب - باب فضائل قريش) 25/10، بزيادة: "ولولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند ~~الله" وصححه الألباني في إرواء الغليل 295/2، حديث رقم 519. # 4 أخرجه مسلم (كتاب الحج - باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا) 1/ 530 حديث رقم 3198 ~~بلفظ: "بن أمر عليكم عبد مجدع - أسود- يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا". ابن ماجه (كتاب الجهاد ~~-باب طاعة الامام) ص418 حديث رقم 2971. PageV00P557 # ============================================================ ~~الشبيد شح معالم العدل والتوحيل ~~والجواب من وجهين: ~~أما أولا فلأن المقصود بالحديث المبالغة في الانقياد لأمر الولاة والأئمة وترك الأنفة ~~وهضم ms440 النفوس وإزالة النخوة. # وأما ثانيا فليس في الحديث دلالة لكم، فإنا تقول: إن كل إمام سلطان وليس كل سلطان ~~اماما، فلا يلزم من دلالة الحديث على كون العبد الحبشي سلطانا دلالته على كونه إماما. # الشبهة الثانية عقلية قالوا: الغرض من الإمام القيام بمصالح الأمة في جميع الأمور ~~الدينية والدنيوية، وهذا حاصل من دون اعتبار النسب، فلا حاجة إلى اعتباره. # والجواب: قد دللنا على كون الشرع قد اعتبر هذه الصفة، فلا جرم وجب الاحتكام له ~~ووجب رعاية هذا الشرط، فسقط ما قالوه. فأما اعتبار كونه من أولاد فاطمة فهذا مذهبنا ~~خلافا للمعتزلة، والعمدة لأصحابنا في حصرها فيهم وجهان: ~~الأول إجماع أهل البيت عليهم السلام في حصرها فيهم، وإجماعهم حجة للآية والخبر. # الوجه الثاني أنا نقول: أليس قد دل الشرع على وجوب كون الإمام قرشيا كما قررناه، ~~فإذا ثبت ذلك فنقول: الاجماع ينعقد على صحة جوازها فيهم من جهة الأمة؛ لأن من ~~اشترط في الإمام كونه قرشيا فهم أوسط قريش، ومن لم يعتبر ذلك ما دخل؛ فإن الإجماع ~~ينعقد على ما قلناه، وإذا كان الجواز ثابتا بالاجماع ولا دلالة على ما خالف ذلك فيجب ~~القضاء بما دل عليه الاجماع دون ما سواه؛ ولأنه لا وجه يحصرها في قريش من بين سائر ~~الناس إلا لأجل شرفهم وقربهم من الرسول عليه الصلاة والسلام، وإذا كان الأمر هكذا ~~فلا شك أن أولاد فاطمة بهذه الصفة أخلق وهم بها أولى وأحق؛ لأن قربهم بالرسول أكثر ~~وشرفهم أعظم وأوفر، فيجب قصرها عليهم. PageV00P558 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيد ~~فهذه جملة الكلام في هذه الصفات التسعة المعتبرة في الأئمة، والإمامية يعتبرون صفات ~~اخر، ونحن لا نعتبرها ونحن الآن نوردها على إثر هذه الصفات، ونبطل ما زعموه بعون ~~الله تعالى ~~النظر الثاني في الصفات التي لا يجب اعتبارها. # وهي منقسمة باعتبار عدم اشتراطها في الامامة إلى أقسام أربعة: ~~القسم الأول في نفي العصمة. # ولم يشترط العصمة في الامام أحد إلا الإمامية والسبعية من الملاحدة، والمعتمد في ~~بطلان مذهبهم مسالك: ~~الأول ms441 أنا نقول: الإمامة عبارة عن مجموع أمرين: أحدهما ثبوتي وهو نفوذ حكمه على ~~غيره شرعا، والثاني عدمي وهو عدم نفوذ حكم شخص آخر عليه شرعا، فلو توقفت ~~الإمامة على العصمة لكان ذلك إما أن يكون للوصف الأول أو للثاني أو لمجموعهما، ~~والأقسام الثلاثة كلها باطلة، فيجب بطلان اشتراط العصمة، أما الأول فباطل بالأمير ~~والقاضي؛ فإن حكمهما نافذ على غيرهما شرعا، ولا عصمة هما باتفاق. والثاني باطل أيضا؛ ~~فإن الأمير والمتولي من جهة الإمام إذا كانا في أبعد الأقطار فإنهما في هذه الحالة لا ينفذ حكم ~~الإمام عليهما، ومع ذلك فلا عصمة لهما. والثالث باطل أيضا لمثل هذا؛ فإن الأمير الذي آلى ~~بالمشرق حال كون الإمام بالمغرب لا ينفذ عليه حكم أحد غير الإمام، والإمام غير نافذ ~~الحكم عليه في هذه الحالة، وحكم الأمير نافذ على غيره، والعصمة غير معتبرة، فإذا بطلت ~~هذه الأقسام الثلاثة كان اعتبار العصمة باطلا نصا في الإمام. PageV00P559 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~المسلك الثاني لو وجب على الله تعالى نصب الإمام المعصوم لفعله، ولو فعله لكان ~~ظاهرا موجودا، فلما لم يكن ظاهرا علمتا أنه غير واجب، وإنما قلنا: إنه لو كان واجبا لفعله؛ ~~فلأن الوجوب من أعظم الدواعي إلى وجود الفعل في حقه تعالى، وإنما قلنا: إنه لو فعله ~~لكان ظاهرا موجودا؛ فلأنا نعلم بالضرورة أنه لا وجه لايجاب ذلك على الله تعالى إلا ~~لينتفع به الخلق في جميع أمورهم الدينية والدنيوية، ثم نعلم قطعا بالضرورة أن هذا المقصود ~~لا يحصل إلا إذا كان ظاهرا متمكنا من الترغيب والترهيب ودعا الخلق إلى الدين، فأما إذا ~~كان مخفيا فإنه لا يحصل به شيء من المقصود. # المسلك الثالث أنا لو سلمنا لهم وجوب العصمة في الإمام فإنا نقول لهم: أين هذا الإمام ~~الذين تدعون عصمته ويستفاد منه علوم الدين وأحكام الشريعة، فحينئذ لا يمكنهم ~~الاشارة إلا إلى جلف جاهل لو حاولنا تفهيمه أظهر دليل يذكره المتكلمون لعجز عن فهمه ~~والاحاطة بعلمه فضلا عما وراء ذلك من معرفة أسرار ms442 الشريعة والإحاطة بدقائقها، وهكذا ~~إذا قلنا لهؤلاء الإمامية: أين إمامكم هذا الذي زعمتموه لطفا في أداء الطاعات واجتناب ~~المحرمات؟ لم يسيروا إلا إلى إمام لم نعرف له في الدنيا أثر ولا سمع له حس ولا خبر، ~~وظهر من ذلك أن كلام كل واحد من الفريقين يقرب بعضه من بعض في الضعف والركة، ~~وأن الإمام الذي يذكرونه أمر في الوهم لا أثر له في الوجود، وأنه لا غرض لهم في إثبات ~~هذا الإمام إلا القدح في أصول الديانة والهدم لقواعد الشريعة. # والعجب من هؤلاء الملاحدة حيث كانوا يطعنون في النظر، ويحكمون بأن اليقين في ~~معرفة الله تعالى وما يجب له وما يجوز عليه وما يستحيل لا يحصل إلا بقول الإمام المعصوم ~~بزعمهم، فإن صح ما قالوه فيجب آن يكون إمامهم هذا قد بين لهم ذلك بيانا شافيا لا ~~يعترضه الشك ولا يعتريه الريب، لكنا إذا نظرنا في أدلة مذاهبهم في ذات الله وصفاته ~~وكيفية فاعليته وبراهين حكمته وجدناها أرك المذاهب وأسخفها، مثل استدلالهم بكون PageV00P560 ~~============================================================ ~~السهي شح معالمر العدل والتوحيل ~~الأفلاك سبعة والسيارة سبعة على كون الأثمة سبعة، ثم قولهم: إنه تعالى لا يقال فيه إنه ~~موجود ولا لا موجود ولا معدوم ولا لا معدوم. ثم قوهم في السابق والتالي بذلك ~~المذاهب المحمقة والتزاييف المزورة، ورأيناهم يذكرون كلمات يضحك منها، وهم مع ذلك ~~يعولون في تلك الخرافات على الوجوه العقلية، ومن هذه حاله كيف يتأتى منه القدح في ~~النظر والعقل. # واحتجواعلى وجوب العصمة بشبه ركيكة ~~الشبهة الأولى قالوا: الشريعة لا بد لها من ناقل ثم ذلك النقل لا يخلو إما أن يكون ~~بالتواتر أو بالآحاد، والأول باطل إذ ليس يجب في كل ما نص الله عليه أن يكون معلوما ~~لأهل التواتر، والثاني باطل أيضا لأن الآحاد ليس أحدهم بموصل إلى العلم، وأصول ~~الشريعة لا بد فيها من الوصول إلى العلم، فإذا بطل هذان القسمان ثبت أنه لا بد من ~~معصوم ليكون حجة في نقل الشريعة، وإلا لما قطعنا بوصول كل الشريعة إلينا. ms443 # والجواب من وجهين: ~~أما أولا فنقول: إنكم لم تشاهدوا هذا الإمام الذي زعمتم عصمته، فالطريق الذي ~~وصلت إليكم الشريعة من جهته جاز وصولها إلينا من جهة الرسول، ولا حاجة بنا إلى ~~الإمام. # وأما ثانيا فما كان التعبد فيه بالعلم فلا بد من حصول التواتر به، وما كان تعبدنا فيه ~~بالعمل كفى فيه غلبة الظن بخبر الواحد على شرائطه. PageV00P561 # ============================================================ ~~الشهيل شح معالمر العدل والتوحيل ~~الشبهة الثانية قالوا: اختلفت الأمة في أحكام وليس في كتاب الله ولا في السنة المتواترة ما ~~يدل عليها، والقياس وأخبار الآحاد ليسا طريقا إلى الشريعة، فلا بد من معصوم يستفاد منه ~~معرفة الحق في هذه الأحكام. # و الجواب أنا لا نسلم أنه ليس في كتاب الله ولا في السنة المتواترة ما يدل عليها، فإن أكثر ~~عمومات الكتاب والسنة وافية بمعظم الأحكام الشرعية، وهذا نجد كثيرا من الفقهاء بنى ~~على قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"(1). أكثر المسائل الخلافية، ~~ثم ولو سلمنا أنه ليس في الكتاب ولا في السنة بيانها، لكن القياس وخبر الواحد طريقان ~~إلى الأحكام الشرعية، وبيانه مقرر في أصول الفقه، ثم تقول أيضا: هذا متوجه عليكم؛ فإن ~~الأحكام الشرعية كلها غير منقولة عن الإمام؛ لأنها غير متناهية، وما لا يتناهى لا يمكن ~~التنصيص عليه على كل قضية بعينها، فبالطريق التي اقتبستم هذه الأحكام من الإمام فنحن ~~نقتبسها من الرسول عليه الصلاة والسلام. # الشبهة الثالثة قولهم: إن الإمام يجب متابعته لمجرد قوله، وكل من كان كذلك وجب ~~عصمته وإنما قلنا: إن الإمام تجب متابعته لمجرد قوله؛ فلأن الاجماع منعقد على أن العامي ~~يجب عليه قبول حكمه وفتواه في جميع أموره من العزل والتولية والتزام أمره ونهيه في ~~الغزوات وإقامة الحدود والعقوبات وأمر السياسة والأبالة(2) من غير دليل يقيمه، وأن ~~- رواه مالك في الموطأ (كتاب الاقضية - باب القضاء في المرفق) ص286 حديث رقم 1435، الهيشمي: مجمع ~~الزوائد عن جابر (كتاب البيوع - باب لا ضرر ولا ضرار) 110/4، وقال عنه: رواه الطبراني في الأوسط ms444 وفيه ابن ~~اسحاق، وهو ثقة ولكنه مدلس وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ضرر ولا ضرار. رواه ~~الطبراني في الأوسط، وسمر بن أحمد بن رشدين وهو ابن محمد بن الحجاج بن رشدين، وقال ابن عدي: كذبوه. # الألباني: السلسلة الصحيحة 98/1) برقم 250. # 2- من أبل، كنصر وفرح، أبالة وأبلا، فهو آبل وأبل: حذق مضلحة الإبل والشاء. وإنه من آبل الناس: من ~~أشدهم تألقا في رغيتها. القاموس المحيط: مادة أبل. PageV00P562 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنترحيد ~~العالم يجب عليه متابعته في جميع السياسات لا لدليل يقيمه الإمام على صحة ما يقوله، وإنما ~~قلنا: إن كل من كان هذه حاله وجب عصمته فلأنا لو جوزنا عليه الخطأ لم يأمن أن يسوس ~~الناس بما فيه هلاكهم وفيه استحلال الدماء والفروج والأموال بغير بصيرة، وهذا غير ~~جائز. # والجواب من وجهين: ~~أما أولا فلا نسلم أنه يجب متابعته لمجرد قوله، بل نقول إنما وجبت متابعته لأمر وراء ~~قوله وهو أمر الشرع بامثال أمره، كقوله: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم)(1) وغير هذا. قوله: الإجماع على قبول قوله من غير دليل. قلنا: هذا خطأ على ~~مذهبكم؛ لأن الإجماع أمر سمعي ووجوب العصمة أمر عقلي، فلا يكون الإجماع دليلا ~~عليه. # وأما ثانيا فلا نسلم أيضا أن من كانت هذه حاله وجبت عصمته. قوله: لأنا لو جوزنا ~~عليه الخطأ لكنا مأمورين بفعل الخطأ. فهذا منقوض بأمور ثلاثة: ~~أ حدها أنه يجب على الرعية متابعة القاضي والأمير اللذين في أقصى الأقطار مع تباعدهما ~~عن الامام بألف يوم لمجرد قوهما مع انتفاء عصمتهما. # وثانيها أن المفتي يجب على العامي متابعته لمجرد قوله مع أن عصمته غير واجبة عندهم. # وثالثها أن إمام الصلاة يجب على المأموم متابعته في صلاته مع تجويزه أن تكون أفعال ~~الامام محظورة؛ بأن يقصد في ركوعه وسجوده غير الله. فحصل من هذا أنه لا تناقض في ~~أمر الله الرعية بامتثال أمر القاضي والإمام والمفتي مع تجويز الخطأ عليهم. # ا- سورة النساء: آية 59 . وجاء في ms445 الأصل: وأطيعوا الله. PageV00P563 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الشبهة الرابعة قالوا: معرفة الله تعالى غير حاصلة بالفطرة، وإلا لوجب حصولها لكل ~~أ حد فلا بد من اكتسابها، ونظر العقل لا يكفي في تحصيلها لأنا غير واثقين به لكثرة الزلل ~~ووقوع الخطأ فيه، فإذا بطل هذان القسمان لم يكن بد من مخبر يخبرنا بذلك، وذلك المخبر ~~جب أن يكون معصوما حتى يمكن الجزم بصحة ما أخبر به وفي هذا ما نريده. # والجواب عن هذه الشبهة قد سبق بما قدمنا على منكري النظر. وحاصله أن عندنا أن ~~النظر حقيقته آيلة إلى ترتيب المقدمات اليقينية، فإذا كان الأمر فيه هكذا وجب ما ترتب ~~عليه أن يكون حقا، وإلا كان الفاسد مرتبا على الصحيح، وهذا محال. فإذا كان النظر حاله ~~هكذا أمنا من وقوع الخطأ فيه والزلل كما حققناه من قبل. # الشبهة الخامسة قولهم: العقل لا يخلو إما أن يكون كافيا في تحصيل معرفة الله تعالى أو لا ~~يكون كافيا، فإن كفى وجب أن يفوض كل واحد منا إلى ما أرشده عقله من العقائد، وهذا ~~يجر إلى السفسطة وجمع العقائد المتناقضة وهو فاسد قطعا، وإن لم يكن كافيا فلا بد من معلم ~~يهدي إلى الحق ويرشد إلى الطريق. # والجواب أنا نقول: إن العقل هو الكافي في تحصيل معرفة الله تعالى بشرط حصول النظر ~~الصحيح، ثم نقلب عليهم ونقول: إن كان مجرد التعليم كافيا فلا فرق بين معلم ومعلم، ~~وهذا يؤدي إلى اعتقاد المتناقضات، وإن لم يكن كافيا فلا بد من المميز وهو النظر. # الشبهة السادسة أمر الله بطاعة الأئمة حيث قال: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم) وكل من أمر الله بطاعته وجب أن يكون محقا، فإذن يجب أن يكون أولو الأمر ~~محقين ولا نعني بالعصمة إلا هذا. # والجواب من وجهين: PageV00P564 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~أما أولا فقد نقضنا هذا بوجوب طاعة العبد للسيد ووجوب طاعة الزوجة لزوجها ~~وطاعة الابن لأبيه مع أن عصمة هؤلاء غير واجبة، فهكذاها هنا. # وأما ثانيا فلا ms446 يمتنع أن يعلم الله فساد باطن الإنسان في الحال والمستقبل ويعلم أن ~~المصلحة أن نطيعه لظننا إصلاحه في الظاهر، كما أمرنا بتعظيم من ظاهره الايمان والدين ~~بحسب ظنونا وإن كان باطنه الفسق والإقدام على الكبائر. # وخرافات الملاحدة كثيرة فلنقتصر على ما أوردناه وصح ما قلناه من أن العصمة للأثمة ~~غير واجبة. # القسم الثاني في نفي اشتراط الإحاطة ~~اتفقت الإمامية على أن الإمام يشترط فيه أن يكون محيطا بكل علوم الدين مستوليا على ~~جيع دقائق الشريعة وجزئياتها، وعمدتنا في بطلان مذهبهم مسلكان: ~~الأول أن دقائق الشريعة وغوامضها في كل باب من أبواب الفقه وكذلك القول في جميع ~~مسائل الاعتقادات والأسرار الإهية غير متناهية، والعلم بما لا نهاية له على التفصيل ~~يستحيل حصوله للإنسان، وما كان محالا استحال أن يكون شرطا في صحة الإمامة، نعم ~~إن كان غرضهم من ذلك أن يكون الإمام عالما بجميع أصول الشريعة وضوابطها وبكثير ~~من الفروع وأن يكون الإمام بحيث لو وقعت واقعة جديدة لا نعلم حكمها ظاهرا فإنه ~~يكون متمكنا من استنباط الحكم فيها على الوجه الصحيح فهذا مذهينا وذلك غرض ~~حسن لا ننكره، وإنما أنكرنا اشتراط علمه بما لا يتناهى كما حققناه. # المسلك الثاني إن العقلاء لا يعتبرون في حسن تفويض صنعة من الصنائع إلى إنسان ~~كونه عالما بدقائق تلك الصنعة محيطا بجميع جزئياتها التي يمكن وقوعها عليها، ألا ترى أن PageV00P565 ~~============================================================ ~~الشبيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~من قال: إني لا أستطب لدائي طبيبا إلا بعد أن أعرف أنه عالم بجميع دقائق الطب محيطا ~~بجميع فروعه. فإنه يضحك منه، وهكذا القول في جميع الصنائع، فإذا ثبت سقوط هذا ~~الشرط عن درجة الاعتبار في الحرف والصناعات كما ذكرنا وجب سقوطه في الإمامة. # واحتجواعلى وجوب الاحاطة بشبه: ~~الشبهة الأولى قولهم: الإمام متولي للحكم في كل أمور الدين، وكل من كان حاله هكذا ~~اال وجب أن يكون عالما بجميع أمور الدين، فأما المقدمة الأولى فمجمع عليها، وأما الثانية ~~فبيانها بالرجوع إلى العرف، فإن الملك لا يحسن منه أن يفوض ms447 أمور جنده ورعيته وسياسة ~~ملكته وأحكام أبالته لمن لا يعرف سياسة الجند ورعاية أمور الديوان، فهكذا الحال فيما ~~نحن فيه، فإنه لا يحسن من الله تعالى أن يكل أمور خلقه إلى من لا يعرف جميع أمورهم في ~~الدين ~~والجواب من وجهين: ~~أما أولا فنقول: ما تريدون بقولكم إنه يجب أن يكون عالما بجميع أمور الدين ؟ أتعنون ~~أنه يجب أن يكون عالما بأصول الشريعة مجتهدا في فروعها؟ فهذا مسلم، فإنا قد بينا فيما ~~سلف وجوب كون الإمام مجتهدا، أو تعنون به أنه يجب أن يكون عالما بجميع علوم الدين ~~محيطا بما لا نهاية له من فروعه وجزئياته، فهذا فاسد بما مر. # وأما ثانيا فهذا منقوض بالقاضي والأمير، فإن الإمام إذا فوض إليهما أحكام القضاء ~~والامارة في قطر من الأقطار فإنه لا يشترط فيهما كونهما عالمين بجميع علوم الدين في ذلك ~~القطر، فهكذا الإمام؛ لأن نسبة تصرفهما في هذا القطر كنسبة تصرف الإمامة إلى سائر ~~الاقطار لا يقال: تصرفهما ناقص بالإضافة إلى الإمام، وإنما الذي يستولى حكمه على الكل ~~هو الإمام، فلهذا لم يشترط علمهما بكل الدين؛ لأنا نقول: إنا نفرض الكلام في صورة لا PageV00P566 ~~============================================================ ~~الشسهيد شح معالمر العدل والنوحبل ~~يمكن الإمام أن يحكم فيها بحكم، وهو أنه لو رفع إلى حاكم الإمام خصومة في دم وكان ~~حاكم الإمام في أقصى المشرق والإمام في أقصى المغرب ولا يمكن مراجعته في حكم هذه ~~القضية ولا يحتمل الحال تأخير القضية؛ لأجل ثوران الفتنة، فإن حرمتم الحكم في هذه ~~الصورة قلتم بمقالة نعلم ضرورة فسادها، وإن جوزتم الحكم بطل ما ذكرتموه. # الشبهة الثانية لو لم يكن الإمام عالما بكل الدين لجاز أن تحدث حادثة لا يعرف حكمها ~~ولا يؤديه اجتهاده إليها ولا يتسع الزمان لمراجعته الاجتهاد، فإن لم يحكم في الحادثة بحكم ~~كان آجلا لها عن الحكم وهو غير سائغ، وإن كلفتموه حكما كان تكليفا لما لا يطيقه وهذا ~~محال: ~~والجواب أن المجتهد إذا نزلت به الحادثة فإنه ينظر في الأمارات وقوتها، فإن انقدح له ms448 ~~الظن بأحدها عمل به وإن تعارضت عنده عمل بالأرجح منها، فإن أخفر وقت الحاجة ولم ~~يتسع للاجتهاد رجع إلى البراءة الأصلية وحكم بما يقتضيه العقل، فعلى هذا يكون تداور ~~نظر المجتهد في كل ما يرد عليه من جميع أمور الدين من غير حاجة به إلى الإحاطة بدقائق ~~الشرع وتفاصيله. # الشبه الثانية الإمام حجة في الشريعة وحافظ لها فلو جوزنا أنه لا يعلم كل الشريعة لم ~~يأمن أن تترك الأمة تقل بعض الشريعة فلا يتصل التعبد به إلينا، وفي ذلك إخلال بالشريعة ~~ونقصان منها وهو محال. # والجواب أن الحافظ لأمر الشريعة هو الله تعالى لدوام التعبد بها ثم أهل الإجماع؛ فإنهم ~~صرمو. PageV00P567 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~الشبهة الرابعة عدم العلم بكل الشريعة وحكمها منفر، فلا يجوز نسبته إلى الإمام قياسا ~~على النبي، ونعني بكونه منفرا أن الناس إذا علموا أن إمامهم محيط بجميع العلوم بحيث لا ~~خفى عليه منها شييء كانت قلوبهم أسكن مما إذا جوزوا أن يخفى عليه بعض الأحكام. # والجواب من أوجه: ~~أما أولا فلا نسلم أن النفوس نافرة عن إمام يعرف قواعد الشريعة ويكون متمكنا من ~~استنباط فروعها ويخفى عليه اليسير منها. # وأما ثانيا فهب أنا سلمنا أن هذا منفر فلم لا يجوز عليه مثل هذا الجنس من الأمور ~~المنفرة إذ ليس فيه إخلالا بشيء من أحكام الإمامة. # وأما ثالثا فهذا منقوض بالأمير والقاضي؛ فإن هذا في حقهما منفر ولم يبطل أصل ~~ولايتهما، فهكذا الحال في الامام من غير فرق، فسقط ما ذكروه وبالله التوفيق. # القسم الثالث في نفي وجوب اشتراط الأفضلية في الإمام ~~أوجبت الإمامية وجوب اشتراط كون الإمام أفضل من رعيته في كل ما هو إمام فيه، ~~وليس الأمر هكذا عندنا، وليس يخلو مرادهم بالأفضلية إما أن يكون غرضهم أن الإمام لا ~~بدوأن يكون عالما بقواعد الشريعة حائزا لمنصب الاجتهاد متمكنا من إصدار الفتوى عن ~~رايه، فهذا غرض صحيح وهذا مذهبنا، وإن كان غرضهم بالأفضلية أن أحدا من رعيته لا ~~يتقدمه في الفضل ولا يساويه ms449 في العلم فليس الأمر كما زعموه، ويدل على فساده مسلكان: ~~الأول أن المعتمد في صحة إمامة كل إمام حصوله على تلك الأوصاف المتقدمة، فمتى ~~حصل عليها وجبت إمامته، ومتى استحال شرط منها لم تصح، قلنا: إن غيره قد زاد عليه PageV00P568 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيد ~~في الفضل أم لا ؟ فإن الأفضلية لا معنى لاشتراطها في صحة الإمامة بعد إحراز هذه ~~الصفات. # المسلك الثاني هو أنا لو قدرنا بلدة فيها ممن يصلح للإمامة ثلاثة نفر، أحدهم غاية في ~~النسك وثانيهم غاية في الفقه وثالثهم غاية في السياسة، وكل واحد منهم ناقص في الأمرين ~~الذين لصاحبيه، فإن ولينا الأعلم أو الأنسك عظمت المفسدة لفقد معرفة السياسة، وإن ~~ولينا السائس عظمت المفسدة في فقد مزية العلم والنسك، ولا مخلص من هذا إلا بالقول ~~بجواز إمامة المفضول. # وهم شبهتان: ~~الأولى أن الامام حجة فيما يؤديه كالرسول عليه الصلاة والسلام، وتجويز كونه مساويا ~~في الفضل لبعض رعيته أو أنقص فضلا منهم ينفر عن القبول منه، ومعلوم بالضرورة أنه ~~يحصل من السكون إلى قوله إذا كان هو الأفضل ما لا يحصل إذا كان مفضولا. # والجواب من وجهين: ~~أما أولا فلا نسلم أن الإمام حجة فيما يؤديه، بل هو كسائر المجتهدين والقضاة والأمراء ~~في استنباط أحكام الشريعة بالاجتهاد. # و أما ثانيا فلو سلمنا أن الأئمة مؤذون عن الله كالأنبياء، فلا يمتنع أن يخالف حال ~~الرسل حال الأئمة فيكون مما ينفر عن القبول عن الأنبياء أن يكونوا أنقص فضلا من ~~أمتهم، ولا ينفر ذلك عن الأثمة، فافترقا. # الشبهة الثانية قالوا: الإمام إذا كان إماما لرعيته في أحكام الدين وعلومه وعباداته وجب ~~أن يكون أفضل منهم وأكثر علما وعبادة، وإذا ثبت ذلك أنه يجب أن يكون أكثر علما وعبادة PageV00P569 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~ل وجب أن يكون أكثرهم ثوابا؛ لأنه لو لم يكن أكثرهم ثوابا مع أنه أكثرهم علما وعبادة لكان ~~ذلك لأن باطنه بخلاف ظاهره، ولكن عصمته تمنع من ذاك. # والجواب من وجهين: ~~أما أولا فهذا منقوض ms450 بالأمير والقاضي؛ فإنه لا يجب أن يكونا أفضل فيما يليانه ممن ~~يليان عليهم من الرعية. # و أما ثانيا فلا نسلم أن الإمام يجب أن يكون اكثر علما وعبادة من الرعية كما قدمنا، ثم لو ~~سلمنا أنه أكثر منهم علما وعبادة فلا نسلم أنه يجب أن يكون أكثر منهم ثوابا، لا يقال: لو ~~كان اكثر منهم علما وعبادة ولم يكن اكثر منهم ثوابا لكان باطنه بخلاف ظاهره، والعصمة ~~مانعة من ذلك. لأنا نقول العصمة إنما تكون مانعة عن الكفر والفسق، ولا تمنع من نقصان ~~الثواب، فلا يمنع أن يكون الشخصان متساويين في فعل الطاعات وثواب أحدهما أكثر ~~وأوفر من ثواب الآخر، فهكذا الحال في الرعية والإمام، فسقط ما قالوه. # القسم الرابع في نفي أمور اشترطها الرافضة ~~اعلم أن الروافض يعتبرون في الأثمة أمورا فاسدة منها أن يكون الإمام عالما بجميع ~~الأمور الغيبية، ومنها أن يكون محيطا بجميع الحرف والصناعات وبطبائع الأغذية والأدوية ~~وبعجائب البر والبحر وأحوال السماوات والأرض، وهذا هو مذهب الغلاة منهم، وفساد ~~هذا معلوم بالضرورة فلا حاجة إلى إيراد الدلالة على فساده. فهذا تمام القول في الصفات ~~التي لا يجب اشتراطها. PageV00P570 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~القول فيما يصير به الإمام إماما ~~اتفقت الأمة على أن الرجل لا يصير إماما بمجرد صلاحيته للإمامة بل لا بد من أمر ~~آخر، واتفقوا على أنه لا مقتضى للإمامة إلا أحد أمور ثلاثة: النص، أو الاختيار، أو ~~الدعوة. وهي أن يباين الظلمة من هو أهل للإمامة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ~~ويدعو إلى اتباعه. # فأما النص فقد اتفقوا على كونه طريقا إلى إمامة المنصوص عليه، واختلفوا في الطريقين ~~الآخرين، فالإمامية ذهبوا إلى بطلانهما جميعا وأنه لا طريق إلى الإمامة إلا النص فقط فأما ~~الاختيار فاتفقت المعتزلة والأشعرية والخوارج والزيدية الصالحية(1) إلى أنه طريق للإمامة، ~~وأما الدعوة فذهبت الزيدية غير الصالحية إلى آنها طريق إليها، وهو مذهب أبي علي من ~~المعتزلة، والمعتمد عند أئمتنا عليهم السلام أن الطريق إلى إمامة من قام بعد الرسول ms451 صلى ~~الله عليه وآله هو النص في الأئمة الثلاثة والدعوة والخروج فيمن عداهم، وأن الاختيار ~~ليس طريقا للامامة، ونحن إذا أفسدنا القول بالاختيار تعين الحق فيما عداه. # ال ولنا في فساد الاختيار ثلاث مقامات: ~~المقام الأول ما يقتضي القول بفساده عقلا ~~وذلك من وجوه: ~~- هم أتباع الحسن بن صالح بن حي، وقفوا في أمر عثمان أهو مؤمن أم كافر، وجوزوا إمامة المفضول وتأخير ~~الفاضل والأفضل إذا كان الفاضل راضيا بذلك، قالوا: من شهر سيفه من أولاد الحسن والحسين رضيي الله عنهما ~~وكان عالما زاهدا شجاعا فهو الامام الشهرستاني: الملل والنحل 250/1. PageV00P571 # ============================================================ ~~النعهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~أولها أن الإمامة لو ثبتت بالاختيار لكان لمن يثبتها باختياره أن يزيلها باختياره كما في ~~الأمير والقاضي، فلما كان الاختيار غير مؤثر في الإزالة وجب ألا يكون مؤثرا في التولية، ~~وهذا مطلوبنا. # وثانيها أن المعنى بنصب الإمام هو جعل الرجل المعين يرضي جماعة مخصوصين نافذ ~~الحكم على نفسه وعلى غيره، ثم لو أرادوا أن يجعلوه نافذ الحكم على نفسه وحده أو على ~~غير وحده لم يصح ذلك منهم بالاتفاق، وإذا لم يصح ذلك منهم فلأن لا يصح منهم جعل ~~غيرهم نافذ الحكم على نفسه وعلى غيره معا أولى وأحق. # وثالثها أن الإمامة هي أعظم الولايات خطرا، والعلم الضروري حاصل بأن من لا ~~يقدر على أسهل الأشياء فإنه لا يكون قادرا على أعظمها، فإذا لم يكن آحاد الأمة قادرين ~~على تولية المناصب النازلة نحو القضاء والإمارة والتولية فلأن لا يكونوا قادرين على تولية ~~أعظم المناصب وهي الإمامة أولى. # ال ورابعها أن الاختيار يؤدي إلى الفتنة؛ لأن الناس مختلفو المذاهب والأغراض، وكل ~~صاحب مذهب يدعي وجوب كون الإمام على مذهبه، وأهل كل بلد يريدون أن يكون ~~الإمام من بلدهم ومن أقاربهم، فيدعي كل واحد منهم أن الذي اختاره أولى بالإمامة ممن ~~اختاره غيره، وذلك يؤدي إلى المحاربة وإثارة الفتن، وفساد هذا معلوم فلا نحتاج إلى ~~شرحه، فما أدى إليه يجب أن يكون فاسدا فإذن الاختيار فاسد. ms452 # وخامسها أن الامام خليفة الله وخليفة رسوله فلو ثبتت الإمامة بالاختيار لما كان خليفة ~~هما؛ لأنهما لم يستخلفاه. فيجب القول ببطلان الاختيار لهذه الوجوه. PageV00P572 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيد ~~المقام الثاني ما يدل على بطلان القول به شرعا ~~وذلك من أوجه ثلاثة: ~~أولها هو أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يخرج من المدينة إلا ويستخلف فيها وفي ~~غيرها من البلاد، فلو كان الاستخلاف مما عنه بد لجرى مجرى كل ما منه بد في كونه غير ~~لازم لطريقة واحدة بل كان يلزم أن يقع تارة وألا يقع أخرى، ومن المعلوم أن السبب في ~~هذا الاستخلاف أنه عليه الصلاة والسلام لا يمكنه مع غيبته سياسة بلد غاب عنها، وهذا ~~المعنى فيما بعد الموت آكد؛ لأن الغائب قد يدبر آمر ما غاب عنه ويسوسه بعض السياسة، ~~فأما بعد الموت فذلك غير ممكن، فيجب الاستخلاف لما ذكرنا، وإذا وجب الاستخلاف ~~بطل الاختيار. # وثاتيها أنه قد علم من حاله عليه الصلاة والسلام أنه كان يسوس أمته كما يسوس الوالد ~~أولاده الصغار كما بينه عليه الصلاة والسلام بقوله: "إنما أنا لكم كالوالد لولده"(1). ثم إذا ~~كان الوالد يجب عليه الوصية بأولاده الصغار عند موته إلى من يقوم بأحوالهم، فلأن يجب ~~عليه أن يوصي بأمته إلى واحد منهم أولى وأحق. # وثالثها أنه قد تظاهرت منه عليه الصلاة والسلام مثابرته على بيان أحكام الشرع حتى ~~بين الفرائض والسنن وجميع الآداب والحكم، وشرح كيفية الاستنجاء والمسح على الخفين، ~~ولا شك أن أمر الإمامة أعظم وأهم من هذه الأشياء، وإذا كان النبي لم يخل ببيان شيء من ~~هذه الأحكام فكيف يجوز أن يقال إنه لم يبين أمر الإمام، فثبت بمجموع ما ذكرناه من هذه ~~ا- المتقي الهندي: كنز العمال 512/9، حديث رقم 27208، بزيادة: أعلمكم إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل ~~القبلة ولا يستدبرها، وإذا استطاب فلا يستطب بيمينه. وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة وهي ~~العظم. ابن عدي: الكامل في الضعفاء 2456/6. وقال عن راوي الحديث معدان ms453 بن عيسى الضبي: شيخ لا ~~أعرفه، حدث عن محمد بن عجلان بأحاديئه الكبار: PageV00P573 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الوجوه أنه عليه الصلاة والسلام لم يكل أمر الأمة إلى آرائهم، وإذا ثبت ذلك بطل القول ~~بالاختيار، وهو المطلوب. # المقام الثالث ما يدل على بطلان الاختيار لعدم طريقه. # وذلك لأن الذين عولوا على كون الاختيار طريقا للإمامة إنما عمدتهم في ذلك الاجماع ~~مع ما وقع من النزاع العظيم، ودعوى الإجماع فاسدة لوجهين: ~~أحدهما أنه لا يمكن دعوى الإجماع مع ما وقع من النزاع العظيم والشجار الطويل ~~والأحداث العظيمة، فلا يليق بمتدين أن يدعي الاجماع مع وقوع هذه الأمور العظيمة فيما ~~4 ~~وثانيهما أنا لو سلمنا عدم وقوع هذه الأمور العظيمة فكانوا بين ساكت ومبايع لا ينسب ~~إلى ساكت قول، فكيف يقال إنه قاثل بالإمامة وليس له قول، لا يقال: إنه وإن سكت ~~فسكوته إنما كان عن رضا وهذا معدود في الإجماع؛ لأنا نقول: إن سكوته متحمل لأمور ~~ال و أسباب غير الرضا، ومع الاحتمال يبطل القطع، فثبت بما ذكرناه بطلان الاختيار. وبتمامه ~~يتم القول في القسم الأول من الباب وهو الكلام في المقدمات السابقة، والحمد لله رب ~~العالمين. # القسم الثاني من الباب في المقاصد اللاحقة ~~القول في إثبات إمامة أمير المؤمنين بالطرق المنصوصة ~~اعلم أن لأصحابنا في تقرير إمامته طرق كثيرة، ولكنا نعول منها ها هنا على الأقوى، ~~وأقواها طرق أربع: PageV00P574 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الطريقة الأولى التمسك بقوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)(1) ولنا في الاستدلال بهذه الآية مقامان: ~~المقام الأول يحصل كمال المقصود منه ببيان أمور ثلاثة: ~~أحدها أن لفظة الولي محتملة للأولى بالتصرف. # وثانيها أن هذه اللفظة في هذه الآية متعينة هذه المعنى. # وثالثها أنه يلزم من هذه المقدمات أن يكون علي هو الأولى بتدبير الأمة والتصرف فيها، ~~وذلك معنى كونه إماما. # أما بيان الأول وهو أن لفظة الولي محتملة للأولى بالتصرف، فالنقل والعرف: أما النقل ~~فإن المبرد قال ms454 في تفسير الولي: إنه الأولى أي الأحق. وقال الكميت: ~~ونعم الولي الأنربعد وليه ومستخمع التقوى ونعم المؤدب(2) ~~أراد القائم بالتصرف، وأما العرف فإنه يوصف أخو المرأة بأنه وليها لما ملك العقد ~~عليها، ويقال: "السلطان ولي من لا ولي له" (3). وفلان ولي الدم إذا كان أحق بالتصرف ~~- سورة الماندة: آية55. # 2- البيت من بحر الطويل. # 3 رواه أبو داود في ستنه (كتاب النكاح - باب في الولي) 353/1 حديث رقم 2085. وابن ماجه (كتاب ~~النكاح - باب لا نكاح إلا بولي) ص274 حديث رقم 1953. وصححه الألباني في إرواء الغليل 243/6، ~~حديت رقم1820. PageV00P575 # ============================================================ ~~النهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وأما بيان الثاني وهو أن هذه اللفظة في هذه الآية متعينة لهذا المعنى فهو أنها تطلق على ~~الأولى والأحق كما ذكرنا وعلى الناصر، فإذا تبينا تعذر حملها على الناصر تعين حملها على ~~الأولى والأحق، أما بيان تعذر حملها على الناصر فلوجهين: ~~أ حدهما أن الولاية بمعنى النصرة عامة في حق المؤمنين لقوله تعالى: (والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)(1) والولاية المذكورة في الآية خاصة، فليست هذه الولاية ~~هي النصرة، وإنما قلنا: إن الولاية في الآية خاصة؛ فلأن الله حصر ذلك بإنما في قوله: (إنما ~~وليم الله ورسوله) في المؤمنين الموصوفين بهذه الصفات وليس كل المؤمنين موصوفين ~~بهذه الصفات، وإنما قلنا: إن "إنما" للحصر فللشعر والعرف: أما الشعر فقول الأعشى: ~~ولست بالأكتر منهم حضى وإنما العزة للكاي(2) ~~أراد نفي العزة عمن ليس بكاثر، وأما العرف فلأنك إذا قلت: إنما لقيت اليوم زيدا وإنما ~~أكلت الخبز. فإنه يفيد من جهة العرف أنك ما لقيت إلا زيدا وما أكلت إلا الخبز، وإنما قلنا: ~~انه ليس كل المؤمنين موصوفين بهذه الصفات المذكورة في الآية؛ فلأن قوله تعالى: (وهم ~~راكغون) إما أن يكون حالا أو استثنافا، والاستثناف باطل لوجهين: ~~أما أولا فلأنه لما جرى ذكر الصلاة وهي مشتملة على الركوع كان ذكر الركوع مرة ~~أخرى تكرارا لا فائدة فيه. # 1- سورة التوبة: آية 71. # 2- البيت من بحر السريع، وقد استشهد الجاحظ بهذا البيت على أنه شاذ ms455 في اجتماع الألف واللام مع "من" في ~~صيغة أفعل التفضيل، وقد رد عليه ابن جني بقوله: ورحم الله أبا عثمان أما إنه لو علم أن " من" في هذا البيت ~~ليست التي تصحب أفعل للمبالغة نحو: أحسن منك، وأكرم منك. لضرب عن هذا القول، وذلك أن من في بيت ~~الأعشى إنما هي كالتي في قولنا: أنت من الناس خر . وهذا الفرس من الخيل كريم. فكأنه قال: لست من بينهم ~~بالكثير الحضى ولست فيهم بالأكثر حصى، فاعرف ذلك. ابن جني: الخصائص 185/1. PageV00P576 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~و أما ثانيا فلأنك إذا قلت: رآيت زيدا وهو راكب. أفاد أنه رآه حال كونه راكبا، وهذا ~~يدل على أنه ليس للاستثناف، فيجب حمله على الحال، فثبت بما ذكرنا أن الولاية التي في ~~الآية غير عامة، وأن الولاية بمعنى النصرة عامة، وإحداهما مغايرة للأخرى: ~~ال وثانيهما وهو أن حمل الولي في قوله: (إنما وليكم الله ورسوله) على النصرة أمر ظاهر لا ~~يحتاج إلى البيان فحمل الآية على المعنى الآخر أولى، فثبت بما ذكرنا أنه لا يمكن حمل الولي ~~المذكور في الآية على الناصر، فوجب حمله على الأحق بالتصرف ضرورة أنه لا ثالث هذين ~~المعين ~~وأما بيان الثالث وهو أنه يلزم بما ذكرنا إمامته عليه السلام فلوجوه ثلاثة: ~~أولها أنه لما ثبت أن المراد من هذه الآية إثبات كون بعض متصرف في الأمة، ولا معنى ~~للامام إلا المتصرف، لزم دلالة هذه الآية على إمامة بعض الناس، وقد أجمعت الأمة على أن ~~هذه الآية لا تقتضي سوى إمامة علي بن أبي طالب، فلو لم تكن مقتضية لإمامته للزم تعطيل ~~الآية؛ فإنه غير جائز، فلا بد من الجزم بدلالة هذه الآية على إمامته. # ال وثانيها أن الأمة مجمعة على إرادة علي بن أبي طالب بهذه الآية، وإنما اختلفوا في أن غيره ~~مراد أم لا، ومتى ثبت اقتضاء الآية للإمامة ومتى ثبت بالاجماع اندراج علي تحتها ثبت أنه ~~امام؛ لأن غيره لو اندرج تحتها لكان إماما. # وثالثها أن المفسرين ms456 اتفقوا على نزول هذه الآية في علي بن أبي طالب، فوجب أن يكون ~~المراد بها إياه لا غير، فهذا وجه تمسه الدلالة في هذا المقام. # المقام الثاني في تقرير وجه الاستدلال بالآية على وجه آخر وهو أن نقول: لفظ الولي في ~~الآية لا يخلو إما أن يكون محتملا لمعنى آخر غير الأحق بالتصرف أم لا؛ فإن لم يحتمل ثبت PageV00P577 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~المقصود، وإن احتمل كان اللفظ مشتركا بين المعنيين ولم يبين الله تعالى مراده منهما، والحكم ~~اذا أطلق اللفظ المشترك ولم يبين مراده منه وجب لا محالة أن يكون مريدا لجميع، وإذا كان ~~الأمر هكذا كان الولي في الآية مفيدا لمعنى الأحق سواء أفاد معه غيره أو لم يفد، وإذا ثبت ~~دلالة الآية على الإمامة تعينت لعلي لما قررناه من قبل، فهذا وجه تقرير وجه الاستدلال ~~هذه الآية. # الطريقة الثانية التمسك بقوله عليه الصلاة والسلام يوم الغدير وقد أحضر القوم: ~~"ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا: بلى. فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال ~~من والاه وعاد من عاداه، واخذل من خذله وانصر من نصرهه(4). ولنا في الاستدلال بهذا ~~الحديث مقامان: ~~المقام الأول في تصحيح الحديث ولنا في تصحيح أصله وجهان: ~~أاحدهما أنه منقول بالتواتر إما من كل المسلمين عامة وإما من جهة من يستدل به على ~~إمامته، فإنه متظاهر النقل كما في سائر الأخبار المتواترة عندهم خاصة، وهذا كاف في ~~تصحيح أصله. # وثانيهما أنهم يقررون صحته بالحجة من وجهين: ~~أما أولا فلأن الأمة أجمعت على صحة هذا الحديث فيجب أن يكون صحيحا، وإنما قلنا: ~~إن الأمة مجمعة على صحته؛ فلأن الشيعة يثبتون به إمامته وسائر الفرق يثبتون به فضله على ~~- أخرجه الترمذي (باب مناقب علي بن أبي طالب رضيي الله عنه) حديث رقم 4 371، ونصه: " من كنت مولاه ~~فعلي مولاه". وقال: حن صحيح. وابن ماجه (المقدمة - باب فضل علي بن أبي طالب) ص21 حديث رقم ~~(12. والحاكم في مستدركه 118/4، حديث رقم 4577، وقال: حديث بريدة الأسلمي ms457 صحيح على شرط ~~الشيخين. PageV00P578 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~غيره، وليس في الأمة أحد ينكره ويرده، فإذا قبلته الأمة بأسرها وجب أن يكون صحيحا ~~وإلا كان إجماعهم خطأ، وهذا محال. # وأما ثانيا فهو أن عليه الصلاة والسلام ذكره في الشورى عند محاولته لذكر فضائله ولم ~~ينكره عليه أحد، فعدم إنكارهم لذلك مع ما علم من طريق العادة من توفر الدواعي على ~~القدح فيما يفتخر به الناس على غيرهم دليل على صحته، فثبت بما ذكرناه صحة أصل هذا ~~الحديث. # المقام الثاني في كيفية الاستدلال به على إمامته فالمقصود منه يحصل بتقرير أمور ثلاثة: ~~أولها أن لفظة المولى محتملة للأولى في الجملة. # وثانيها آنها متعينة له ها هنا. # وثالثها أنه يلزم من ذلك القول بإمامته عليه السلام. # أما بيان الأول وهو أن لفظة المولى محتملة للأولى في الجملة فيدل عليه الكتاب والسنة ~~والشعر والنقل، أما الكتاب فقوله تعالى: (مأواكم النار هي مؤلاكم)(1) قال أبو عبيدة: ~~معناه هي أولى بكم. وأيضا فلا خلاف بين المفسرين أن قوله تعالى: (ولكل جعلنا موالي)(2) ~~ان المراد به من كان أملك بالميراث وأحق. وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام: "أيما ~~1 سورة الحديد: آية15. # 2- سورة النساء: آية 34. PageV00P579 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~والسلام: "أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها"(1). في بعض الروايات، ولا يصح حمل المولى ~~ها هنا على غير المالك لتدبير أمرها والعقد عليها. وأما الشعر فقول الأخطل: ~~فأصبخت مؤلاها من الناس بعده(2) ~~أي أولى بها. وقال غيره: ~~كانواموالي حق يطلبون به فأذركوهوما فلوا ولاتعبوا(3) ~~أي أولى به. وقال غيره: ~~لم يأشروا فيه إن كانوا مواليه (4) ~~وقال لبيد: ~~ففدث كلا الفرجئن تحسب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها(5) ~~فظهر أن المولى في هذه الأبيات ليس إلا بمعنى الأولى والأحق. وأما النقل فما ذكرناه عن ~~أبي عبيدة، وقال الفراء: الولي والمولى واحد. وقال المبرد: تأويل الولي الأولى ومثله المولى ~~- أخرجه- بهذا اللفظ - البيهقي في سننه الكبرى 105/7، ونصه: "أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها ~~باطل". ثم علق عليه ms458 بقوله: أراد بالمولى الولي، وقال الله تعالى: (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا) أفترى إنما عني ~~ابن العم خاصة دون سائر أهل بيته. ابن عساكر: تاريخ دمشق 22/ 371، ولفظه: مواليها. # 2 - البيت من بحر الطويل وتكملته: وأخرى فريشي أن يهاب وتخمدا. # 3- والبيت من بحر البسيط، وهو للأخطل. # 4 - البيت من بحر البسيط، وهو للأخطل، وتكملته: ولو يكون لقوم غيرهم أشروا ~~6 - البيت من بحر الكامل. ورفع خلفها وأمامها لأنه جعلهما اسما، وهما حرفا الطريق. والفرج الثغر المخوف، ~~وهو موضع المخافة. انظر الخليل بن أحمد: الجمل في النحو 72/1. PageV00P580 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~والولي واحد وهو المتولي للأمور. وقال ابن الأنباري: المولى هو الأولى بالشيء. وقال أبو ~~عمرو في بيت الحارث بن حلزة: ~~زعوا أن كل من ضرب العير موال لنا وأنى الولاء(1) ~~إن المولى ينقسم أقساما منها الولي، فثبت بهذه الوجوه احتمال لفظة المولى للأولى. # و أما بيان الثاني وهو أن المراد بالولي في هذا الخبر الأولى فإنه متعين له فذلك لوجوه ~~ثلاثة: ~~أولها أنا نبني ذلك على مقدمة الحديث وهي قوله عليه الصلاة والسلام: "ألست أولى ~~بكم من أنفسكم ؟" وإذا ثبت ذلك فنقول: إن من عطف كلاما محتملا لأشياء على كلام ~~صريح لا يحتمل إلا معنى واحدا مما يحتمله المعطوف فإنه لا بد أن يريد بالمعطوف المعنى ~~قدم التصريح به وإلا لكان ملغزا معميا غير مبين، يوضح ذلك أن الإنسان لو قال لجماعة ~~وله عدة من العبيد زيد وعمرو وبكر وخالد: ألستم تعرفون عبدي زيدا؟ أشهدكم أن ~~عبدي حر. فإنه يفهم منه آنه أراد عبده زيدا دون غيره من عبيده، فهكذا هاهنا لما قدم ذكر ~~الأولى ثم أردفه بذكر المولى المحتمل للأولى وجب أن يكون المراد بالولي الأولى، وفي ذلك ما ~~نريده. # ال وثانيها ألا نبني الاستدلال على مقدمة الحديث، ولكن نقول: إن لفظة المولى تفيد أحد ~~أمور سبعة: المعتق، والمعتق، وابن العم، والجار، والحليف، والناصر، والأولى بالتصرف، ~~ولفظة المولى في هذا الحديث لا يمكن حملها على ما ms459 سوى الأولى بالتصرف، فوجب حملها ~~1 - البيت من بحر الخفيف. والعير: السيد. وإنما سمي عيرا على التشبيه؛ لأن العير قيم الاثن وقريعها. أو هو من ~~قبيل قوله تعالى: (ولما فصلت العير) أي الإبل التي تحمل الميرة، لا واحد لها من لفظها. أي كل من ركب الإبل ~~موال لنا، أي العرب كلهم موال لنا من أسفل لأنا أسزنا فيهم، وجمعها عيرات. لسان العرب مادة عير. PageV00P581 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~على الأولى، وإنما قلنا: إنها تفيد أحد أمور سبعة؛ فلأنها مشتركة، ومن حق المشترك وضعه ~~أن يفيد واحدا لا بعينه. وإنما قلنا: إنه يمتنع حمله على سائر المعاني؛ أما المعتق فلم يكن ذلك ~~من صفات النبي عليه السلام ولا من صفات أمير المؤمنين، ولا أراد أن من كنت معتقه ~~فعلي معتقه ولا من كنت مالكا لرقبته فعلي مالك لرقبته؛ لأن كل ذلك كذب، فلا يكون ~~مراد النبي، ولا أراد من كنت ابن عمه فعلي ابن عمه؛ لأن ذلك كذب أيضا؛ لأنه عليه ~~الصلاة والسلام ابن عمه هو جعفر وعقيل، وعلي لم يكن ابن عم لهما بل كان أخا لهما، ولا ~~أراد من كنت جارا له فعلي جار له؛ لأن هذا كذب، ولا أراد من كنت حليفا له فعلي حليف ~~له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن حليفا لأحد، ولا أراد الناصر أيضا؛ لأن كل أحد ~~يعلم من دينه باضطرار وجوب تولي المؤمنين بعضهم لبعض كما قال تعالى: (والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)(1) فجمع الناس لشرح هذا المعنى الظاهر الذي قد علم ~~ضرورة بما لا يليق به عليه الصلاة السلام، وإذا بطلت هذه المعاني تعين حمل المولى على ~~الأولى بالتصرف وهو المقصود. # وثالثها أن لفظة المولى إذا كانت محتملة هذه المعاني، والحكيم إذا خاطب عبده بكل أمر ~~محتمل لأشياء ولم يدل على أنه أراد واحدا منها على التعيين وجب آن يريد جميعها إلا ما ~~خرج بدلالة، وذلك يقتضي أنه أراد بقوله: فعلي مولاه. أنه أولى وأملك بالتصرف في الأمر. # ورابعها ms460 وهو أن لفظة المولى تحتمل هذه الأمور السبعة، وتفيد فيها فائدة واحدة وهي ~~الأولى والأحق، فيجب أن تجعل اللفظة حقيقة في هذا القدر دفعا للاشتراك اللفظي؛ لأن ~~الأصل في الألفاظ أن توضع لمعانيها المفردة من غير اشتراك. # 1- سورة التوبة: آية 71. PageV00P582 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وأما بيان الثالث وهو الثالث أنه لما كان المراد من لفظة المولى في الخبر هو الأولى كان ~~ذلك دليلا على الإمامة، فذلك لوجهين: ~~أ حدهما أن يدعي أن الأولى مطلقا لا يفيد إلا الأولى بالتصرف والقيام؛ لأن أهل اللغة لا ~~يستعملون لفظة الأولى إلا فيمن يملك تدبير من وصف أنه أولى بالتصرف والقيام عليه ~~ونفاذ الأمر، ألا تراهم يقولون: السلطان أولى بإقامة الحدود من الرعية، وولد الميت أولى ~~بميراثه من أقاربه، والزوج أولى بامرأته من غيره، والمولى أولى بعبده. ومرادهم في جميع ما ~~ذكرناه الأولى بالتصرف ونفاذ الأمر، ولا خلاف بين المفسرين في قوله تعالى: ( النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم)(1) أن المراد به أولى بتدبيرهم والقيام بأمرهم، وإذا ثبت أن المراد ~~بالمولى الأولى بالتصرف منهم ثبت كونه إماما لأنا لا نعني بالإمام إلا الشخص الذي هو ~~أولى بالناس بتدبير الخلق والتصرف فيهم. # وثانيها أنا نساعد على أن لفظة الأولى غير متعينة للأولى بالتصرف في هذا الموضع، ولكنا ~~نثبت أن المراد بالأولى في هذا الحديث هو الأولى بالتصرف؛ لأنه إذا وجب حمل قوله عليه ~~الصلاة والسلام: فعلي مولاه. على الأولى لأجل المقدمة وجب حينثذ أن يحمل الأولى على ~~الأولى بالتصرف بالأمر والنهي لأجل المقدمة أيضا؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام: ألست ~~أولى بكم من أنفسكم. معناه أولى بالتصرف فيكم بالأمر والنهي، فيجب أن يكون قوله ~~عليه الصلاة والسلام: فعلي مولاه. معناه أولى بهم في التصرف بالأمر والنهي، وذلك هر ~~معنى الإمامة، فثبت بما ذكرناه إمامته عليه والسلام. # 1 - سورة الأحزاب: آية 6. PageV00P583 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الطريقة الثالثة التمسك بقوله صلى الله عليه وسلم: "أنت مني بمنزلة هارون من ~~موسى، إلا أنه لا نبي بعدي"(1). وتقرير ms461 وجه الاستدلال بهذا الخبر مرتب على مقامين: ~~أحدهما أن هذا الحديث يقتضي أن يثبت لعلي جميع المنازل التي كانت لهارون من موسى. # وثانيهما أن من المنازل الثابتة لهارون استحقاقه للقيام مقامه بعد وفاته لو عاش بعده، ~~فيجب أن يثبت لعلي جميع ذلك، وهذا هو المطلوب. # أما المقام الأول فبيانه بأنا نساعدهم على آنه ليس في الحديث صيغة عموم تدل على ~~ذلك لكنا نثبت ذلك بوجوه ثلاثة: ~~الأول أن الحكيم إذا تكلم بكلام محتمل لأشياء ثم استثنى بعضها وهو يريد بكلامه ~~الافهام فإنه يجب أن يكون مريدا لما عدا المستثنى، فيكون الاستثناء قرينة دالة على أنه أراد ما ~~عدا المستثنى مما يحتمل اللفظ كما أن الإنسان إذا قال: من دخل داري فأكرمه إلا زيدا. # عرفنا من قصده أنه أراد إكرام من عدا زيد إذا كان مريدا للافهام؛ لأنه لو لم يرد إكرام ~~عمرو لاستثناه من الكلام كما استثنى زيدا، فلما لم يستثنه دل على إرادته لاكرامه. # وثانيها أن الحديث لو أراد منزلة واحدة فقط لما جاز أن يسثني منزلة النبوة؛ لأن الشيء ~~الواحد لا يمكن أن يستثنى منه، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول القائل ضربت غلامي زيدا ~~إلا عمرا. ويحسن أن يقول: ضربت غلماني إلا عمرا. فلولا عمومه لجميع المنازل لما صح ~~استثناء النبوة. # - أخرجه مسلم (كتاب فضائل الصحابة- باب فضائل علي رضي الله عنه) 1030/2 حديث رقم 6370. ابن ~~ماجه (المقدمة- باب فضل علي بن أبي طالب) ص21 حديث رقم 120، الألباني: صحيح الجامع 311/1، ~~حديث رقم 1484 PageV00P584 ~~============================================================ ~~الشهيد ش معالمر العدل والترحيل ~~وثالثها أن الأمة في هذا الخبر على قولين، منهم من قصره على منزلة واحدة وهي السبب ~~الذي يدعونه من خروج الكلام بسببه، وهو أنه عليه الصلاة والسلام لما لم يستصحب عليا ~~مع نفسه في غزاة تبوك أرجف المنافقون بأنه إنما تركه كراهة لمصاحبته وبغضا له، فشكا ~~ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله، فذكر النبي عليه الصلاة والسلام هذا الخبر إزالة ~~هذا الوهم، ومنهم من يقول بأنه متناول ms462 لجميع المنازل كلها إلا ما خرج بالدليل، والأول ~~باطل لثلاثة أمور: ~~أما أولا فلأن المرجف بأن النبي عليه الصلاة والسلام مبغض لأمير المؤمنين إن لم يكن ~~مسلما فلا معنى للتأذي بكلامه والرد عليه؛ لأن عداوته أبلغ من ذلك، وإن كان مسلما فلا ~~جوز آن يتوهم ذلك مع علمه بقربه منه ومنزلته عنده واعتداده به وأقواله فيه. # و أما ثانيا فلأن اكثر الروايات على أن هذا الخبر ورد في غير غزاة تبوك. # وأما ثالثا فلأن ما ذكرتموه من ورود هذا الخبر على هذا السبب إنما ثبت بطريق الآحاد ~~فلا يفيد العلم، وليس في لفظ الحديث ما يقتضيي قصره على هذا السبب، فإذن يمتنع القول ~~بصحة هذا السبب، فإذا كان باطلا وجب صحة القسم الآخر، وإلا لكان الحق خارجا عن ~~الأمة، وإنه غير جائز، فثبت بما ذكرناه تقرير جميع المنازل التي كانت ثابتة لهارون من ~~وأما المقام الثاني وهو آن من المنازل الثابتة لهارون استحقاقه للقيام مقامه بعد وفاته. # فبيانه بوجهين: ~~أحدهما أنه كان خليفة لموسى في حال حياته فوجب بقاء هذه الخلافة بعد وفاته، وإنما ~~قلنا: إنه كان خليفة لموسى حال حياته فلقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: PageV00P585 ~~============================================================ ~~الشهي شح معالر العدل والنوحيل ~~(هارون اخلفني في قومي)(1) وهذا يقتضي حصول الولاية لهارون بقول موسى على سبيل ~~النيابة، ولهذا فإن الإنسان منا لا يقول لغيره اخلفني في النفقة على عيالك وفي أداء فروضك ~~من صلاتك وصيامك، وإنما لم يحسن ذلك لما لم يكن نائبا فيما ذكرناه، وإنما قلنا بوجوب بقاء ~~هذه الخلافة لهارون بعد وفاته؛ فلأن استخلاف موسى له منزلة رفيعة وإزالة المنازل الرفيعة ~~عن أهلها يوهم آنهم ما كانوا مستحقين لها أو كانوا خاثبين فيها، وكلاهما محال موجب ~~للتنفير على الأنبياء، وإنه غير جائز. # وثانيهما أنا لا ندعي خلافة هارون لموسى بل نقول: إن هارون كان شريكا لموسى في ~~الرسالة ولا شك أنه لو بقي بعد وفاته لقام مقامه في كونه واجب الطاعة، وهذا القدر ~~كاف في تحصيل المقصود؛ لأنه ms463 لما دل الحديث على أن حال أمير المؤمنين كحال هارون في ~~جيع المنازل وكان من منازل هارون استحقاقه للقيام مقامه في وجوب الانقياد له والطاعة ~~له فوجب أن يكون أمير المؤمنين على هذه الصفة، ولا معنى للإمامة إلا ذاك لا يقال: ~~الحديث لا يتناول إلا المنازل الثابتة دون المقدرة وإمامة هارون بعد موسى عليه السلام ما ~~كانت حاصلة بل مقدرة فلا يتناولها الحديث. لأنا نقول: إن معنى استحقاقها في حق ~~هارون هو القيام مقام موسى بعد وفاته وهي منزلة ثابتة في الحال؛ لأن الاستحقاق قد ~~يكون حاصلا وإن كان المستحق متأخرا، وفي ذلك حصول غرضنا من استحقاقه للامامة ~~في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام، ونفاذ التصرف متوقفا على وفاته عليه الصلاة ~~والسلام. # سورة الأعراف: آية 142. PageV00P586 # ============================================================ ~~الشهيد شرح معالمر العدل والنوحيل ~~الطريقة الرابعة التمسك بأخبار رويت عن رسول الله صلى الله عليه وآله منها قوله عليه ~~الصلاة والسلام: لاسلموا على علي بأمير المؤمنين"(1). ومنها قوله عليه الصلاة والسلام ~~لعلي: "إنه سيد المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين"(2). وفيها قوله عليه الصلاة ~~والسلام: "هذا ولي كل مؤمن ومؤمنة"(3). وقوله لعلي: "أنت أخي ووصي وخليفتي من ~~بعدي وقاضي ديني"(3). وغير ذلك من الأخبار التي تدل على إمامته، فإذا عرفت ذلك ~~فنقول: هذه الأخبار بأسرها مشتركة في معنى واحد وهو دلالتها على إمامته، وإذا اشتركت ~~الأخبار الكثيرة في الدلالة على معنى واحد وكان كل واحد منقولا منها بالآحاد صار ذلك ~~المعنى مرويا بالتواتر من جهة المعنى، وفي ذلك حصول المقصود. # فهذه الطرق الأربع أقوى ما يستدل به أصحابنا على إمامته، فأما ما يورده المخالفون من ~~الأسئلة والشكوك علينا في إمامته بالنصر، فلم يقنع أصحابنا في الرد عليهم بما يوردونه في ~~- ابن عساكر: تاريخ دمشق 403/42 عن بريدة الأسلمي قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسلم ~~على علي بأمير المؤمنين ونحن سبعة وأنا أصغر القوم يومئذ. منكر وفيه مجاهيل: ~~2- الهيشمي: مجمع الزوائد (كتاب المناقب - باب جامع في مناقبه رضي الله عنه) 121/9، ms464 ونصه: "ان الله عز ~~وجل أوحى إلي في علي ثلاثة أشياء ليلة أسري بي أنه سيد المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين1). وعلق عليه ~~بقوله: رواه الطبراني في الصغير وفيه عيسى بن سوادة النخعي وهو كذاب. وقال الألباني: موضوع. تفرد به ~~مجاشع، قلت: وهو كذاب وكذا شيخه عيسى بن سوادة، وبه وحده أعله الهيثمي في المجمع، وقال شيخ الإسلام ~~ابن تيمية: هذا حديث موضوع ولا تحل نسبته إلى الرسول المعصوم، ولا نعلم أحدا هو سيد المسلمين وإمام المتقين ~~وقائد الغر المحجلين غير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وأقره الذهبي في مختصر المنهاج ص 473. الألباني: ~~السلسلة الضعيفة 528/1، حديث رقم 353. # 3- أخرجه أحمد في منده 30/ 430 حديث رفم 18479. وقد جاء كتكملة لحديث غدير خم: فلقيه عمر ~~بعد ذلك فقال: هنيئا يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة. المتقي: كنز العمال 134/13، ~~حديت رقم36420. # 4- انظر تخريج حديث: أنت أخي ووزيرى...... PageV00P587 # ============================================================ ~~الشسهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~معرض الاستدلال بل أفردوا كتبا في الرد، ونحن نقفوا أثرهم، فإن نفس الله في المهلة أفردنا ~~كتابا نذكر فيه مطاعنهم على هذه النصوص والجواب عنها وبشرح ذلك شرحا شافيا إن ~~شاء الله تعالى، وكما ذكرنا أن الطريق إلى إمامته النص فلنذكر كيفية التنصيص. # القول في كيفية التنصيص على إمامته عليه السلام ~~وقبل الخوض في ذلك لا بد من تفصيل المذاهب فنقول: ذهب جمهور المعتزلة ~~والأشعرية والخوارج والمرجئة إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام لم ينص على إمام بعده، ~~وقال غيرهم: قد نص. ثم اختلف القائلون بالنص في المنصوص عليه، فقال قوم: إنه نص ~~على إمامة أبي بكر. وقال قوم: إنه نص على إمامة علي. وقال قوم بالنص على إمامة العباس. # فأما القائلون بالنص على أبي بكر فاختلفوا، فالذي ذهب إليه الحسن البصري آنه نص ~~خفي، وهو تقديم النبي عليه الصلاة والسلام إياه في الصلاة، وذهب بعض أصحاب ~~الحديث إلى أنه نص جلي، وذكروا أنه عليه الصلاة والسلام قال: "اثتوني بدواة وقرطاس ~~أكتب لأبي بكر، ms465 كي لا يختلف عليه اثنان". ثم قال: ل"يأبى الله ذلك والمسلمون إلا أبا ~~بكر"(1). # وأما الذاهبون إلى إمامة العباس فإنهم لم يذكروا له نصا على الإمامة، وإنما ادعوا بأنه ~~عليه الصلاة والسلام أتى فيه بأفعال وأقوال تدل على أنه أحق بالخلافة من غيره. # وأما القائلون بالنص على أمير المؤمنين فأما النص الجلي وهو الذي يعلم المراد منه ~~بالضرورة فلم يثبته أحد من الزيدية إلا شواذ منهم، وآثبته الإمامية بأجمعهم ورووا أخبارا ~~1- أخرجه أحمد في مسنده 270/41، حديث رقم 24751، ونصه: "ادعوا لي آبا بكر وابنه فليكتب لكيلا ~~يطمع في أمر أي بكر طامع ولا يتمنى متمن". ثم قال: " يأبى الله ذلك والمسلمون". مرتين. والطبراني في المعجم ~~الاوسط 169/5، حديث رقم 4328. المتقي: كنز العمال 550/11، حديث رقم 32584. PageV00P588 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~مصرحة له بالإمامة نحو قوله عليه الصلاة والسلام: "سلموا على علي بأمير المؤمنين". # وقوله يشير إلى علي وأخذ بيده: "هذا خليفتي فيكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا"(1). # وغير ذلك من الأخبار، والحق أن الذي عليه أئمة الزيدية ومن تابعهم أن النصوص الدالة ~~على إمامة أمير المؤمنين خفية يعرف المراد منها بالنظر والاستدلال، فهذا تحقيق القول في ~~مذهبهم من لدن زيد بن عليك) إلى يومنا هذا، وهذا هو اللائق بالعلماء وأهل النظر، ويدل ~~على ذلك مسالك: ~~ا- المتقي: كنز العمال 133/13، حديث رقم 36419، وفيه: "هذا أخي ووصي وخليفتي فيكم فاسمعوا له ~~وأطيعوا. قال عنه الألباني: موضوع. السلسة الضعيفة 612/10، حديث رقم 4932 . وقد ذكر ابن حجر في ~~لسان الميزان 280/4 حديث رقم 802 متنا مشابها ولكنه عن أبي بكر: قال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: ~~يا عم إن الله جعل أبا بكر خليفتي علي دين الله فاسمعوا له وأطيعوا له تفلحوا. وهذا الحديث ليس بصحيح ~~ويبطله أن العباس قال لعلي: ألا تدخل بنا إلى رسول الله فنسأله.... الحديث. وهو في الصحيح ~~2- زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (79 - 122 ه(: الإمام، أبو الحسين العلوي الهاشمي القرشي. # ويقال ms466 له: زيد الشهيد. عده الجاحظ من خطباء بني هاشم. وقال أبو حنيفة: ما رأيت في زمانه أفقه منه ولا أسرع ~~جوابا ولا أبين قولا. كانت إقامته بالكوفة، وقرا على واصل بن عطاء واقتبس منه علم الاعتزال. وأشخص إلى ~~الشام، فضيق عليه هشام بن عبد الملك، وحبسه خسة أشهر، وعاد إلى العراق ثم إلى المدينة، فلحق به بعض أهل ~~الكوفة يحرضونه على قتال الأمويين، ورجعوا به إلى الكوفة سنة 120ه فبايعه أربعون ألفا على الدعوة إلى ~~الكتاب والسنة، وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين والعدل في قسمة الفيء ورد المظالم ~~ونصر أهل البيت. وكان العامل على العراق يومنذ يوسف بن عمر الثقفي، فكتب إلى الحكم بن الصلت وهو في ~~الكوفة أن يقاتل زيدا، ففعل، ونشبت معارك انتهت بمقتل زيد في الكوفة، وحمل رأسه إلى الشام فنصب على باب ~~دمشق، ثم أرسل إلى المدينة فنصب عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يوما وليلة، وحمل إلى مصر فتصب بالجامع، ~~فسرقه أهل مصر ودفنوه. له مجموع في الفقه وهو أول كتاب دون في الفقه الاسلامي، والتفير غريب القرآن". # الزركلي: الأعلام59/3، كحالة معجم المؤلفين190/4 PageV00P589 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~الأول أنا نقول: لو كان النص على أمير المؤمنين جليا يعرف المراد منه ضرورة من قصد ~~صاحب الشريعة لكان كل واحد من الصحابة لا يخلو حاله إما أن يكون قد علم ذلك ~~النص أو لم يعلمه، والقسمان باطلان، فيبطل القول بكونه جليا. # بيان فساد القسم الأول من وجهين: ~~أحدهما أنهم لو دفعوا هذا النص مع علمهم بمراده منه بالضرورة لحكمنا بردتهم وفساد ~~ايمانهم، وهذا باطل قطعا ويقينا؛ لأن القرآن ورد بالثناء عليهم وعلمنا أيضا بالضرورة منه ~~عليه الصلاة والسلام إكرامه لهم وتعظيمه إياهم، فكيف يقال: إنهم أنكروا ما عرفوا من ~~قصده ضرورة، وهذا لا محمل له. # أما ثانيهما أن كل واحد منهم لو علم المراد بهذا النص ضرورة لاستحالت مخالفتهم له؛ ~~لأنا نعلم بالضرورة شدة محبة الصحابة للرسول عليه الصلاة والسلام واستعظامهم ~~لأوامره ونواهيه، ms467 ولذلك صبروا لأجله على هجرة الأوطان وبذل المهج للقتل وقتل ~~الأقارب في نصرة دينه وتشددهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل ذلك يدل على ~~معرفتهم بصحة هذا الدين واعتقادهم أن الجنة في متابعته والنار في مخالفته، وإذا كان حالهم ~~هذه استحال من الجمع العظيم الذي حاهم ما وصفا مخالفة ما علموه من قصده ~~بالضرورة، فبطل القسم الأول وهو أن يكون كل واحد منهم عالما بظاهر النص ضرورة. # بيان فساد القسم الثاني وهو أن يقال: إن كل واحد من الصحابة لم يعلم مراده من ظاهر ~~النص ضرورة؛ لأنا نقول لو كان مفهوما من قصده لفهموه، فلما لم يفهموه دل على آنه غير ~~مفهوم من قصده بالضرورة، وإنما قلنا: إنه لو كان مفهوما من قصده لفهموه؛ فلأنا نعلم ~~بالضرورة أنهم قد قدروا على استنباط ما هو أدق منه من أسرار الشريعة وغوامضها، ~~فكيف يقصرون عن فهم ما هو معلوم بالضرورة من قصده، وإنما قلنا: إنهم ما فهموه؛ PageV00P590 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~فلأنهم لو فهموه لصرحوا به لاستحالة تواطنهم على كتمانه؛ لتصلبهم في الدين واستحكام ~~معرفتهم بالله والخوف منه، فلا نظن بهم كتمان أمر من أمور الدين، فإذا بطل هذان القسمان ~~ثبت أن المراد من النص ليس معلوما بالضرورة، وهو المطلوب. # المسلك الثاني لو كان المراد من النص معلوما بالضرورة كما تزعمه الإمامية لكان ذلك ~~النص الذي وصفنا لا يخلو إما أن يكون هو هذه النصوص التي قدمنا ذكرها أو غيرها، ~~والأول باطل؛ لأن المراد من هذه ليس معلوما بالضرورة؛ لأنه لو كان ضروريا لاستحال ~~من كل الصحابة إنكاره كما قدمنا، وإنما هو معلوم بالنظر والاستدلال، وقد ذكرنا كيفية ~~ترديد النظر فيه، وإن كان غيرها فلا يخلو إما أن يكون منقولا بالتواتر أو بالآحاد، فإن كان ~~منقولا بالآحاد بطل الاحتجاج به، وإن كان منقولا بالتواتر وجب اشتهاره كاشتهار سائر ~~الأمور المنقولة بالتواتر، فلما لم يشتهر دل على عدمه، وإنما قلنا: إنه لو كان منقولا بالتواتر ~~لوجب اشتهاره؛ فلأن التنصيص على إمامة ms468 شخص معين هو آمر عظيم يقع بمشهد من ~~أهل التواتر، وكل أمر عظيم يقع بمشهد من أهل التواتر فإنه لا بد من انتشاره في الخلق ~~وعلمهم به، لأنا نعلم بالضرورة أن الناس يوم الجمعة إذا انصر فوا عن المسجد وقد جرت ~~فيه قضية عظيمة فإنه يستحيل ألا يخبر الناس بذلك، وإنما قلنا: إنه إذا لم يشتهر كان ~~معدوما. فلأن علامة وقوعه اشتهاره لما قررنا، فإذا لم يشتهر دل على عدم الوقوع وهو ~~مقصودنا. # المسلك الثالث روي أن أبا بكر قال: وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه عن هذا ~~الأمر فيمن هو فكنا لا ننازعه أهله (1) ~~1 - الهيثمي: مجمع الزوائد (كتاب الخلافة - باب كراهة الولاية ولمن تستحب) 203/5، وعلق عليه بقوله: رواه ~~الطبراني وفيه علوان بن داود البجلي وهو ضعيف، وهذا الأثر مما أنكر عليه. والمتقي: كنز العمال 5/ 631، حديث ~~رقم 14114. PageV00P591 # ============================================================ ~~النهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وقال عمر وقد احتضر: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني- يعني آبا بكر- ~~ال وان أترك فقد ترك من هو خير مني - يعني بذلك النبي عليه الصلاة والسلام. (1) ~~ال وروي أن عبد الرحمن لما أراد مبايعة أمير المؤمنين قال: أبايعك على كتاب الله وسنة ~~رسوله وسيرة الشيخين.(3 ~~وقال عمر لأبي عبيدة: امدد يدك أبايعك. فقال أبو عبيدة: ما لك في الإسلام فهة (3) غير ~~هذا أتقول هذا وأبو بكر حاضر؟ وقال أبو بكر: بايعوا عمر أو أبا عبيدة(4) ~~فتقول: وجه الاستدلال بمجموع ما ذكرناه أن النص لو كان معلوما بالضرورة المراد ~~منه كما تزعمه هؤلاء الإمامية لكان إطلاق هذه الكلمات وأمثالها ممن يعلم النص تجري ~~مجرى الوقاحة وترك الاحتفال بصاحب الشريعة وإعراضا عنه، واجتماع الخلق على ~~الوقاحة وترك المبالاة محال، فاستحال أن يكونوا عالمين بالنص ضرورة كما قالوه. # المسلك الرابع أن زيد بن علي وجميع أتباعه وأكثر سادات أهل البيت عليهم السلام ~~أنكروا هذا النص مع فرط محبتهم لأمير المؤمنين واجتهادهم في نشر فضائله، ومن كان بهذه ~~الصفة استحال منه إنكار أعظم فضائل محبوبه، فظهر ms469 بمجموع ما ذكرناه بطلان هذا النص ~~- أخرجه البخاري (كتاب الأحكام - باب الاستخلاف) 9/ 81 حديث رقم، 730. ومسلم (كتاب الإمارة- ~~باب الاستخلاف وتركه) 802/2 حديث رقم 4817. # 2- أخرجه أحمد في مسنده 557/1، حديث رقم 557، وفيه: وسيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. الهيثمي: ~~جمع الزوائد (كتاب الخلافة - باب الخلفاء الأربعة) 185/5، وفيه: رواه عبد الله بن آحمد وفيه سفيان بن وكيع ~~وهو ضيف جدا. # 3 - الفهة: العي والسقطة والجهلة. من فهة كفرح: عيي. والشيء: نسيه. القاموس المحيط مادة فهه. # 4 - أخرجه البخاري (كتاب فضائل الصحابة - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت متخذا خليلا) 7/5 ~~حديث رقم 3712. وجاء في المخطوط: بايعوا عمر أو أبو عبيدة. وهو جائز لغويا. PageV00P592 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~الذي زعموا علم المراد منه بالضرورة، وأن ما غرضهم بدعوى هذا النص إلا الطعن ~~والعصبية وتفسيق الصحابة واكفارهم بسبتهم إياهم إلى رد ما علموه ضرورة من قصده، ~~وهذا باطل ففسد ما ظنوه. # لا يقال: ما أوردموه من هذه المسالك دلالة على بطلان قول الإمامية بالنص الجلي فهو ~~بعينه دلالة على بطلان قولكم بالنص على إمامته عليه والسلام مطلقا، وفيه بطلان ما قررتم ~~من إثبات إمامته بالنصوص التي ذكرتم؛ لأنا نقول: إنما أبطلنا بهذه المسالك ما تزعمه ~~الامامية من كون النصوص التي وردت دلالة على إمامته نعلم المراد منها بالضرورة من ~~قصد صاحب الشريعة كما قررنا، فأما النصوص التي يعلم المراد منها بالنظر والاستدلال ~~ال وتجويز دخول اللبس فيها فهي التي عليها التعويل، وعلى هذا يحمل كلام أئمتنا عليهم ~~السلام في استلالهم بهذه النصوص على إمامته عليه السلام، وعلى هذا يحمل ما كان من ~~اعراض الصحابة عن هذه النصوص وعدم التفاتهم إليهاء لأن مبناها على النظر ~~والاستدلال، وفي تحصيل المقصود منها في إثبات إمامته بها بعض غموض، فسقط ما ~~ذكروه: ~~القول في بيان الأفضلية له على غيره ~~ل وقبل الخوض في ذكر فضائله نشرح مذاهب العلماء في الأفضل ~~واعلم أن منهم من وقف في معرفة الأفضل، ومنهم من قطع، والقاطعون ms470 اختلفوا في ~~تعيين الأفضل، فذهب المتقدمون من المعتزلة والأشعرية إلى أن الأفضل بعد الرسول أبو ~~بكر ثم عمر ثم عثمان، والذي ذهب إليه أثمتنا عليهم السلام وهو قول الشيعة والمتأخرين ~~من المعتزلة أن الأفضل هو علي، وهذا هو الأقوى والأرجح، ورجحانه يظهر بإيراد PageV00P593 ~~============================================================ ~~النهيد شح معالر العدل والنوحيل ~~الدلائل على فضله، وهي كثيرة ولكنا نقتصر منها على الأشهر والأعرف فيما بين العلماء، ~~ونحصرها في عرضنا آنها باعتبار ماتدل عليه على مراتب خمس: ~~المرتبة الأولى آي القرآن، وهي خمس: ~~أولها آية المباهلة نحو قوله تعالى: (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناء كم ونساءنا ونساء كم) (1) ~~إلى آخر الآية، ووجه الاستدلال بها أن النبي عليه الصلاة والسلام دعا عليا إلى المباهلة، ~~وذلك يدل على غاية فضله، وإنما قلنا إنه عليه الصلاة والسلام دعا عليا إلى المباهلة ~~فلأمرين: ~~أما أولا فلأن الأخبار في ذلك قريبة من التواتر لتظاهرها في النقل. # و أما ثانيا فلأن المراد من قوله: (وأنفسنا وأنفسكم) ليس فاطمة والحسن والحسين؛ ~~لأنهم قد اندرجوا تحت قوله: (أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم) وليس المراد به نفسه؛ ~~لأنه لا يدعو نفسه ولا يأمرها ولا ينهاها، فدل على أنه عليه الصلاة والسلام دعا شخصا ~~آخر غير هؤلاء، ولم يقل أحد من الأمة أنه دعا أحدا غير علي، فدل على أن المدعو هو علي. # وانما قلنا: إن ذلك يدل على غاية فضله فلأمرين: ~~أما أولا فلأن العادة جارية بأنه لا يحضر في مثل هذه المواضع إلا من يكون في غاية ~~الشفقة عليه، وإلا لقال المنافقون: لو كان على بصيرة من أمره لدعا إلى موضع المباهلة ~~ال ونزول العذاب من يحبه ويحذر عليه لا الأجانب. فنقول: شفقة النبي عليه الصلاة والسلام ~~على الذين أحضرهم للمباهلة إما أن تكون لشدة قربهم أو لكمال فضلهم، والأول باطل، ~~- سورة آل عمران: آية 11. PageV00P594 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~وإلا لأحضر العباس وعقيلا كما أحضر عليا، فلما لم يكن ذلك دل على أن شفقته عليهم ~~لكمال فضلهم، فيلزم أن يكون علي أفضل الخلق ms471 بعده. # وأما ثانيا فلأنه عليه الصلاة والسلام جعل نفس علي نفسه فوجب أن تثبت لعلي جميع ~~ما تثبت له من صفات الفضائل، لكنا تركنا العمل فيما عرف بضرورة العقل من الإنسانية ~~والصفات التي استند كل واحد منهما بها، وفيما عرف بنظر العقل من النبوة فيجب العمل ~~به فيما عداه وفي ذلك غرضنا. # وثانيها قوله تعالى: (قل لا أشألكم عليه أجرا إلا المودة في القزبى)(1) ووجه الاستدلال ~~بهذه الآية أن الله تعالى جعل مودة القربى في مقابلة ما يحصل للخلق من النفع ببعثة الرسول ~~عليه الصلاة والسلام، فإذا كانت بعثة الرسول لا يوازيها شيء فيجب في ما يقابلها ألا ~~يوازيه شيء؛ لأن الآخرة على قدر العمل، ولا شك أن عليا داخل في هذه الآية، وأبو بكر ~~غير داخل فيها. # وثالثها قوله تعالى: (فإن الله هو مؤلاه وجنريل وصالح المؤمنين)(2) وهذه الآية نزلت ~~في أمير المؤمنين، ووجهها أن الله تعالى أخبر أنه مولاه فهو إما أولى به وإما ناصر له، وكل ~~واحد منهما فضيلة على من ليس كذلك. # ورابعها قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)(2) إلى آخر الآية وكما دلت ~~على إمامته فهي دلالة على فضله، وقد قدمنا تقريرها فلا نعيده. # ا- سورة الشورى: آية 23. # 2- سورة التحريم: آية4. # 3 سورة المائدة: آية55. PageV00P595 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وخامسها حكى صاحب الكشاف أنه لما نزل قوله تعالى: (وتعيها أذن واعية)(1) قال ~~النبي عليه الصلاة والسلام لعلي عليه السلام: "سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي". فقال ~~أمير المؤمنين: فما نسيت شيئا بعد ذلك، وما كان لي أن أنسى (3) ووجه دلالتها أن الله أخبر ~~انه أذن واعية، ولا شك أن من وعى عن الله وعقل فهو الأعظم حالا عند الله تعالى والأعلى ~~قدرا ومنزلة ممن ليس حاله هكذا، فهذه الفضائل حاصلة من جهة التنزيل. # المرتبة الثانية الأخبار وهي عشرة: ~~اولها قوله صلى الله عليه وآله في خبر الطير أنه أهدى إليه طير مشوي، فقال عليه الصلاة ~~والسلام: "اللهم اثتني بأحب خلقك إليك يأكل ms472 معي من هذا الطير". وفي رواية أخرى: ~~"اللهم أدخل علي أحب أهل الأرض إليك". فجاءه علي وأكل معه من ذلك الطير.(3) ~~سورة الحاقة: آية 12. # 2 المتقي: كنز العمال 177/13، حديث رقم 36526. ابن عساكر: تاريخ دمشق 349/38. أبو نعيم: حلية ~~الأولياء 67/1 ترجمة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ونصه: "يا علي إن الله أمرني أن أدنيك وأعلمك لتعي ~~وأنزلت هذه الآية (وتعيها أذن واعية) فأنت أذن واعية لعلمي. الفتني: تذكرة الموضوعات ص84. # و- أخرجه البخاري: التاريخ الكبير 2/4 من حديث أحمد عن الوليد التياس، حديث رقم 1488، والحاكم في ~~مستدر كه 3/ 141، حديث رقم 4650، الهيثمي: مجمع الزوائد (كتاب المناقب - باب فيمن يحبه أيضا ويبغضه أو ~~يبه رضيي الله عنه) 125/9، وقال: رواه البزار والطبراني باختصار، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير فطر ~~بن خليفة، وهو ثقة. ابن الجوزي: العلل المتناهية 229/1-236، وخلاصة كلامه عنه: فيه عن ابن عباس ~~وأنس، أما حديث ابن عباس فلا يصح ومحمد بن شعيب مجهول، وأما سليمان فقال يحى: ليس بشيء. وقال ابن ~~حبان: كان رافضيا غاليا يقلب الأخبار. وأما حديث أنس فله ستة عشر طريقا فقد ذكرها جميعا وقال ما فيها من ~~العلل ثم علق عليها جميعا بكلام محمد بن طاهر المقدسي: كل طرقه باطلة معلولة، وصنف الحاكم أبو عبد الله في ~~طرقه جزءا ضخما، وكان قد أدخله في المستدرك على الصحيحين، فبلغ الدارقطني فقال: يستدرك عليها حديث ~~الطائر. فيلغ الحاكم، فأخرجه من الكتاب، وكان يتهم بالتعصب للرافضة وكان يقول: هو حديث صحيح ولم ~~يخرج في الصحيح. وقال ابن طاهر: حديث الطائر موضوع، إنما يجيء من سقاط أهل الكوفة عن المشاهير. PageV00P596 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والترحيل ~~ل ووجه دلالته أن أحب الخلق إلى الله وإلى رسوله ليس إلا أكثرهم ثوابا، لا يقال: فهذا ~~يقتضي أن يكون أمير المؤمنين أفضل من النبي عليه الصلاة والسلام ومن الملائكة؛ لأنهم ~~من الخلق لأنا نقول: إنه لما قال: "اثتني" . خرج منه النبي، ولما قال: "يأكل معي" . خرج منه ~~الملائكة. # ال وثانيها قوله ms473 صلى الله عليه وآله في خبر الغدير: لامن كنت مولاه فعلي مولاه". وخبر ~~المنزلة وقد قدمنا دلالتهما على إمامته، وفيهما دلالة على فضله على غيره: ~~وثالثها خبر المؤاخاة، فإنه عليه الصلاة والسلام لما آخا بين الصحابة اتخذه أخا لنفسه، ~~ال روي أن عليا عليه السلام قال في مواضع كثيرة: أنا عبد الله وأنا أخ لرسول الله لا يقولها ~~أحد بعدي إلا كاذب، أنا الصديق الأكبر، أنا الفاروق الأعظم الذي يفرق بين الحق ~~والباطل.(1) ~~ووجه دلالة المؤاخاة على الأفضلية هو أن المؤاخاة مظنة المساواة في المنصب، وكون كل ~~واحد منهما قائم مقام الآخر، فلما كان محمد أفضل من الكل كان القائم مقامه أفضل الكل، ~~وفي ذلك ما نريده. # ال ورابعها خبر الراية، وهو ما روي أنه عليه الصلاة والسلام بعث أبا بكر إلى خيبر فرجع ~~ث م بعث عمر فرجع ولم يفتح على آيديهما، فبلغ ذلك من رسول الله كل مبلغ، فبات ليلته ~~مهموما، فلما أصبح خرج إلى الناس ومعه الراية فقال: "لأعطين الراية اليوم رجلا يحبه الله ~~ا- أخرجه ابن ماجه (المقدمة - باب فضل علي رضي الله عنه) ص21 حديث رقم 125، ونصه: "أنا عبد الله ~~وأخو رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كذاب، صليت قبل الناس بسبع ~~سنين. والنسائي في الخصائص ص3. والحاكم في المستدرك 120/3، حديث رقم 4584، الشوكاني: الفوائد ~~المجموعة 343/1، حديث رقم 42. قال عنه الألباني: موضوع. السلسلة الضعيفة 151/10، حديث رقم PageV00P597 ~~============================================================ ~~النمهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~ال ورسوله، ويحب الله ورسوله، كرارا غير فرار". فتعرض لها المهاجرون والأنصار، فقال ~~عليه الصلاة والسلام: "أين علي" ؟ فقالوا: إنه أرمد العين. فتفل في عينيه، ثم دفع الراية ~~إليه.(1) ~~وهذا الحديث وكيفية ما جرى فيه يدل على آن ما وصف النبي عليه الصلاة والسلام فيه ~~لم يكن ثابتا لأبي بكر وعمر؛ لأنهما رجعا منهزمين وغضب الرسول من ذلك وكرهه، وقال ~~لأعطين الراية رجلا صفته هكذا، فعلم أن تلك الصفات ما كانت حاصلة لأولئك الذين ~~غضب عليهم(5) ~~وخامسها ms474 قوله صلى الله عليه وآله في ذي الثدية: "يقتله خير الخلق والخليقة". وفي خبر ~~آخر: "ايقتله خير هذه الأمة". # ال وسادسها قوله صلى الله عليه لفاطمة رضي الله عنها: "إن الله اطلع على أهل الأرض ~~فاختار منهم أباك فجعله نبيا، ثم اطلع ثانية فاختار منهم بعلك" (3). # - أخرجه البخاري (كتاب الجهاد والسير- باب ما قيل في لواء النبي صلى الله عليه وسلم) 54/4، حديث رقم ~~3011، مسلم (كتاب فضائل الصحابة- باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه) 1031/2 رقم ~~1376، والترمذي (باب مناقب علي رضي الله عنه) حديث رقم 3726. وليس في أيها ذكر لمسألة ذهاب أبي بكر ~~وعمر رضي الله عنهماثم الرجوع بدون أن يفتح الله عليهما حصن خيبر. وإنما ذكرت تلك الحادثة في مصنف ابن ~~أبي شيبة (كتاب المغازي- غزوة خيبر) 439/20، حديث رقم 38034. # 2- وهذا الكلام موهم بأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يكونا من يحبهم الله ورسوله أو يحبون الله ورسوله ~~وأنهم كانوا فرارين عند اللقاء، وربما قصد الامام خصوص تعلق هذه الصفات بهذه الحادثة وليت هذه ~~الصفات متعلقة بالشيخين مطلقا. # 3- أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 205/4، حديث رقم 46 40. بزيادة: فأوحى إلي فأنكحته واتخذته وصيا، ~~الألباني: السلسلة الضعيفة 530/10، حديث رقم 4898: حديث موضوع. PageV00P598 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~وسابعها قالت عائشة: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله إذ أقبل علي فقال: "هذا سيد ~~العرب". قالت: فقلت: بأي وآمي يا رسول الله ألست سيد العرب؟ فقال: "أنا سيد ~~المرسلين وهو سيد العرب"(1). # وثامنها قوله صلى الله عليه وآله رواه أنس: "إن أخي ووزيري وخير من آتركه بعدي ~~يقضي ديني وينجز وعدي علي بن أبي طالب"(2). # ال و تاسعها روي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه قال: ل"علي خير البشر من أبى فقد ~~كفر"(5). # - رواه الحاكم في مستدركه 133/3، حديث رقم 4125، ونصه: "أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب". # الطبراني في المعجم الأوسط عن أنس بن مالك 279/2، حديث رقم 1491، وقال فيه: لم يرو هذا الحديث عن ms475 ~~حميد إلا خاقان ولا عن خاقان إلا عمر بن عبد العزيز، تفرد به عبيد الله الجبيري. وخاقان بن عبد الله بن الأهتم ~~ضعفه أبو داود، الهيثمي: مجمع الزوائد (كتاب المناقب - باب في أفضليته رضي الله عنه) 116/9. # 2- الهيثمي: مجمع الزوائد (كتاب المناقب - باب جامع في مناقبه رضيي الله عنه) 121/9، وفيه: "أنت أخي ~~ووزيري تقضيي ديني وتنجز موعدي وتبرى ذمتي. وقال: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه. الشوكاني: الفوائد ~~المجموعة 346/1، حديث رقم 46، وقال: رواه ابن حبان عن أنس مرفوعا، قال ابن الجوزي والذهبي: إنه ~~موضوع، والمتهم به مطر بن ميمرن الإسكاف، يروى الموضوعات عن الأثبات لا تحل الرواية عنه. ابن الجوزي: ~~الموضوعات 347/1، وضعفه الألباني السلسلة الضعيفة 141/10، حديث رقم 4944. # 3- المتقي: كنز العمال 925/11، حديث رقم 45 330، وقال: رواه الخطيب عن جابر، وقال: منكر. الشوكاني: ~~الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة 347/1، حديث رقم 49 نصه: من لم يقل: علي خير الناس. فقد كفر. # وفيه: رواه الخطيب عن علي مرفوعا وهو موضوع، والمتهم به محمد بن كثير الكوفي. ورواه الحاكم عن اين مسعود ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل أنه قال: يا محمد علي خير البشر من أبي فقد كفر. وفي إسناده محمد بن ~~على الجرجاني وهو المتهم به، وحمد بن شجاع الشلجي وهو كذاب، وعمر بن حفص الكوفي وليس بشيء. ورواه ~~الخطيب عن جابر مرفوعا بهذا اللفظ ولم يذكر جبريل، وفي إسناده كذاب، وقال في الميزان: إنه باطل. وقال ~~الألباني عنه: إنه موضوع. دفاع عن الحديث التبوي ص 112. PageV00P599 # ============================================================ ~~الهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~وعاشرها قوله صلى الله عليه وآله: "من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوح في تقواه ~~ال وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في هيبته وإلى عيسى في عبادته فلينظر إلى علي بن أبي ~~طالب"(1). # فظاهر هذا الحديث يدل على أن عليا مساو لهؤلاء الأنبياء في هذه الصفات، ولا شك أن ~~هؤلاء كانوا أفضل من أبي بكر، والمساوي للأفضل هو الأفضل فعلي ms476 أفضل من أبي بكر لا ~~محالة، فهذه الأخبار وغيرها دالة على أفضليته على غيره. # المرتبة الثالثة تتعلق الأفضلية فيها بالأمور النفسية ~~وهي نوعان: ~~علمية وعملية، أما العلمية فهو أن أمير المؤمنين كان أعلم الصحابة، والأعلم أفضل، ~~وانما قلنا: إنه عليه والسلام كان أعلم الصحابة، فللاجمال والتفصيل: ~~أما الإجمال فهو أنه لا نزاع أن عليا في أصل الخلقة كان في غاية الذكاء والفطنة ~~والاستعداد لقبول العلم، وكان النبي عليه الصلاة والسلام أفضل الفضلاء وأعلم العلماء، ~~ال وكان علي في غاية الحرص في طلب العلم وكان رسول الله في غاية الحرص في تربية علي ~~وارشاده إلى اكتساب الفضائل، ومن المعلوم أن التلميذ إذا كان في غاية الذكاء والحرص في ~~طلب العلم وكان الأستاذ أيضا في غاية الفضل وغاية الاجتهاد والحرص في تعليمه فإنه ~~1 - الشوكاني: الفوائد المجموعة 367/1، حديث رقم 59، وقال عنه: رواه الحاكم عن أبي الحمراء مرفوعا، قال ~~ابن الجوزي: موضوع. وفي إسناده أبو عمر الأزدي متروك. قال في اللآلىء: له طريق أخرى عند الديلمي ثم ~~ذكرها. ورواه ابن شاهين عن أبي سعيد مرفوعا. الالباني: السلسلة الضعيفة 545/10، حديث رقم 4903 قال: ~~حديث مرضوع PageV00P600 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنرحيد ~~يبلغ ذلك التلميذ في العلم مبلغا عظيما، فهذا بيان إجمال في علم أن عليا عليه السلام أعلم ~~من كل الصحابة، فأما أبو بكر فلم يكن بهذه الصفات، فثبت بهذا الوجه أنه أعلم. # وأما التفصيل فيدل عليه وجوه: ~~أولها قوله عليه الصلاة والسلام: "أقضاكم علي"(1). والقضاء يحتاج إلى جميع أنواع ~~العلوم كلها، فلما رجحه عليهم في القضاء لزم رجحانه عليهم في كل العلوم، وأما سائر ~~الصحابة فقد رجح كل واحد منهم على غيره في علم واحد، كقوله: "أفرضكم زيد، ~~وأقراكم أبي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل"(2) ~~ال وثانيها قوله عليه الصلاة والسلام: "أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتها ~~من بابها"(3). # وثالثها قوله عليه السلام: لو كسرت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم ~~وأهل الإنجيل بإنجيلهم وأهل الزبور بزبورهم ms477 وأهل الفرقان بفرقانهم، والله ما من آية ~~1 أخرجه الحاكم في مستدركه 345/3، حديث رقم 5448، الطبراني: المعجم الصغير 201/1، وفيه: ~~"وأقضى أمتي علي بن أبي طالب، المتقي: كنز العمال 641/11 حديث رقم 33121، وضعفه الألباني في ~~ضيف الجامع ص111، حديث رقم774. # 2 أخرجه الترمذي (باب مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبي وأبي عبيدة بن الجراح رضيي الله عنهم) ~~حديث رقم 3793، ونصه: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياء عشمان وأعلمهم ~~بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت وآقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، ألا وإن لكل أمة أمينا، ~~وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه (المقدمة- ~~باب فضاتل خباب) ص16، حديث رقم 159، السلسلة الصحيحة 223/3، حديث رقم 4 122. # 3- أخرجه الحاكم في مستدركه 138/3، حديث رقم 4639، الهيثمي: مجمع الزوائد (كتاب المناقب - باب في ~~علمه رضي الله عنه) 114/9 وقال: رواه الطبراني وفيه عبد السلام بن صالح الهروى وهو ضعيف. ابن الجوزي: ~~الموضوعات 352/1. قال عنه الألباني: موضوع. انظر السلسلة الضعيفة 518/6، حديث رقم 2955. PageV00P601 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~نزلت في بر ولا بحر ولا سهل ولا جبل ولا سماء ولا أرض ولا ليل ولا نهار إلا وأنا أعلم ~~فيمن نزلت، وفي أي شيء نزلت. (1) ~~ورابعها قوله عليه السلام: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله إني بطرق السماء لأعلم مني ~~بطرق الأرض.(3) ~~وخامسها الفحص عن أصناف العلوم، رأيت إذا فتشت عن ذلك حصلت على أن أكابر ~~كل أهل علم مستمدون من آمير المؤمنين وهو غايتهم ومعتمدهم. # منها علم الأصول ولا إشكال أنه أعظم العلوم وأشرفها، وقد جاء في خطب أمير ~~المؤمنين من أسرار التوحيد والعدل والنبوة والقدر وأحوال المعاد ما لم يأت في كلام أحد ~~من الخلق في إجماله وتفصيلاته، ومع ذلك فإن جميع فرق المتكلمين آخذون منه ينتهي ~~علمهم إليه. أما المعتزلة فهم ينسبون علمهم إليه والأشعرية أيضا ينسبون إلى الأشعري، ~~ال وهو كان ms478 تلميذا لأبي علي الجبائي، وهو ينسب في علمه إلى أمير المؤمنين. وأما الشيعة ~~فانتسابهم إليه ظاهر وأكثرهم الغلاة في حقه، وأما الخوارج فهم مع غاية البعد منه منتسبون ~~إلى أكابرهم، وأكابرهم كانوا تلامذة لعلي، فثبت أن جمهور المتكلمين كانوا تلامذة لأمير ~~المؤمنين: ~~ومنها علم التفسير وابن عباس هو رئيس المفسرين، وكان تلميذا لعلي بن أبي طالب. # ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب 341/1، ونصه: عن أبي الطفيل قال: شهدت عليا يخطب وهو يقول: ~~سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم ~~بنهار أم في سهل أم في جبل وابن حجر: الإصابة 4/ 270. وذكره المزي في تهذيب الكمال 20/ 487 . # 2 اخرجه الحاكم في المستدرك 383/2، حديث رقم 3342، المتقي: كنز العمال 165/13، حديث رقم ~~36502، وفيه: فإني لا أسأل عن شيء دون العرش إلا أخبرت عنه. وأورده ابن عدي في الكامل 843/2. PageV00P602 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~ل ومنها علم الفقه وكان له فيه اليد البيضاء، وكان في الدرجة العالية منه، وهذا قال: ~~"أقضاكم علي". كما مر. # ومنها علم الفصاحة ومعلوم أن الصحابة بل جميع الخلق لم يصلوا إلى أدنى درجة من ~~درجاته في الفصاحة والبلاغة. # ومنها علم النحو ومعلوم أنه إنما ظهر منه وحقق أصوله لأبي الأسود الدؤلي(1)، وقرر قواعده. # ومنها علم التصوف فإن مشايخ الطريق كالجنيد والشبلي(13 وآبي يزيد البسطامي كلهم ~~أخذ هذه العلوم عنه، ولهذا قال الجنيد(3): شغل الله من شغل عنا صاحبنا بالجمل وصفين؛ ~~ليخرج لنا من هذه العلوم، وهو الأصل والنهاية في علم الطريق. # - ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدؤلي الكناني (69ه(: واضع علم النحو. كان معدودا من الفقهاء ~~والاعيان والأمراء والشعراء والفرسان من التابعين. رسم له علي بن أبي طالب شيئا من أصول النحو، فكتب فيه ~~أبو الأسود. وأخذه عنه جماعة. وفي صبح الأعشى أن أبا الأسود وضع الحركات والتنوين لا غير. سكن البصرة ~~في خلافة عمر وولي إمارتها في أيام علي، ms479 ولم يزل في الإمارة إلى أن قتل علي، وكان قد شهد معه صفين، ولماتم الأمر ~~لمعاوية قصده فبالغ معاوية في إكرامه. وهو أول من نقط المصحف. وله شعر جيد. الزركلي: الاعلام 346/3، ~~كحالة: معجم المؤلفين 47/5. # 2- أبو بكر الشبلي دلف بن جحدر الشبلي (334ه(: ناسك، كان في مبدأ أمره واليا في دنباوند (من نواحي ~~رستاق الري) وولي الحجابة للموفق العباسي، وكان أبوه حاجب الحجاب، ثم ترك الولاية وعكف على العبادة، ~~فاشتهر بالصلاح له شعر جيد، سلك به مسالك المتصوفة. أصله من خراسان، ونسبته إلى قرية شبلة من قرى ما ~~وراء النهر، ومولده بسر من رأى، ووفاته ببغداد. الزركلي: الأعلام 341/2، ابن الجوزي: صفة الصفوة ~~25812، ابا نعيم: حلية الأولياء 366/10. # و- الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز، أبو القاسم (297ه(: صوفي. مولده ومنشأه ووفاته ببغداد. أصل ~~أبيه من نهاوند، وكان يعرف بالقواريري نسبة لعمل القوارير. وعرف الجنيد بالخزاز لأنه كان يعمل الخز. وعده ~~العلماء شيخ مذهب التصوف، لضبط مذهبه بقواعد الكتاب والسنة. الزركلى: الأعلام 141/2، أبا نعيم: حلية ~~الأولياء255/10، ابن الجوزي: صفة الصفوة 235/2. PageV00P603 # ============================================================ ~~النهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~ومنها علم الحرب وممارسة الأسلحة وليس لأحد فيه مثل ما له فيه، فثبت بما ذكرنا أنه ~~كان معلما للخلق وأستاذا للعالمين بعد الرسول عليه الصلاة والسلام في جميع الخصال ~~المرضية والمقامات الشريفة، وإذا كان أعلم الخلق كان أفضلهم بعد الرسول لقوله تعالى: ~~(قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يغلمون)(1) وقوله تعالى: (يزفع الله الذين آمنوا ~~منكم والذين أوثوا العلم درجات)(2). # وأما العملية فهي أمور خمسة: ~~أولها الايمان ولا شك أن إيمان أمير المؤمنين كان سابقا على إيمان غيره فيجب أن يكون ~~أفضل من غيره. وإنما قلنا: إن إيمان أمير المؤمنين كان سابقا على غيره فلوجوه ثلاثة: ~~أما أولا فلأن أنسا روى قال: بعث رسول الله يوم الاثنين، فأسلم علي يوم الثلاثاء. # و أما ثانيا فروى سليمان عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: "أولكم ورودا علي ~~الحوض أولكم إسلاما علي ms480 بن أبي طالب"(3). # 1- سورة الزمر: آية9. # 2- سورة المجادلة: آية 11. # 3 - أخرجه الحاكم في مستدركه 3/ 147، حديث رقم 4662، بلفظ: واردا على الحوض. كنز العمال 116/11، ~~حديث رقم 32991. الشوكاني: الفوائد المجموعة (باب مناقب الخلفاء الأربعة وأهل البيت ذكر علي رضيي الله ~~عنه) 446/1، حديث رقم 47. وقال عنه الشوكاني: رواه ابن عدي عن سلمان مرفوعا، وفي إسناده عبد الرحمن ~~بن قيس الزعفراني وهو وضاع، وتابعه سيف بن محمد وهو شر منه، وقد رواه الخطيب من طريقه وأخرجه الحاكم ~~في المستدرك من طريقه أيضا، وقد رواه الحارث بن أبي أسامة من طريق يحى بن هاشم السمسار متابعا لهما وهو ~~كذاب، وروى أبو بكر بن أبي عاصم من طريق عبد الرزاق متابعا لهم لكن موقوفا على سلمان، قال في اللآلي: ~~وهذه متابعة قوية جدا ولا يضر إيراده بصيغة الوقف؛ لأن له حكم الرفع. الفتني: تذكرة الموضوعات ص97. PageV00P604 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~وأما ثالثا فيما روي أن عليا عليه السلام قال على المنبر: أنا الصديق الأكبر، آمنت قبل أن ~~آمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن أسلم. فثبت بما ذكرناه أن إسلامه كان قبل إسلام غيره. (1) ~~وإنما قلنا: إنه بذلك أفضل من غيره لقوله تعالى: (والسابقون السابقون (10) أولئك ~~المقربون (11)(2) وقوله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)(3) وقال ~~تعالى في مدح الأنبياء: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات)(4). # وثانيها الجهاد ومعلوم أن أمير المؤمنين كان أكبر جهادا من غيره، فيجب أن يكون ~~أفضل من غيره، وإنما قلنا: إنه كان اكثر جهادا من غيره فهذا أظهر من أن يكشف، فإن له ~~عليه السلام في المقامات المشهودة من منازلة الشجعان ومبارزة الأقران ما ليس لغيره من ~~أكابر الصحابة، يشهد لذلك كله السير وأخبار الغزوات، كقصة عمرو في الخندق(1) ~~وغيرها، وإنما قلنا: إن من كان اكثر جهادا فهو أفضل فلقوله تعالى: (وفضل الله المجاهدين ~~على القاعدين أخرا عظيما)(6) وقوله تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي ~~الضرر والمجاهدون في سبيل الله) . # - ابن أي عاصم: الآحاد والمثاني 151/1، حديث رقم 186. المزي: ms481 تهذيب الكمال 18/12، حديث 2537. # 2- سورة الواقعة: آية 10- 11. # 3- سورة التوبة: آية 100. # 4- سورة الأنبياء: آية 90. # 6- أخرجه الحاكم في مستدركه 33/3، حديث رقم 4326، وقال عنه: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه. # وذكر بعدها حديثا يقول: "لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد وديوم الخندق أفضل من أعمال أمتي إلى يوم ~~القيامة". وهو كذب، قال عنه الذهبي: قبح الله رافضيا افتراه. السلسلة الضعيفة 576/1، حديث رقم 00). # 6- سورة النساء: آية95. PageV00P605 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وثالثها العبادة من الصلاة والصيام وأنواع القرب، فكان إذا شرع في صلاة التهجد ~~والدعوات وأنواع التضرعات إلى الله تعالى بلغ مبلغا لا يوازيه أحد ممن جاء بعده من العباد ~~والزهاد، وكانت وصائفه في العبادة لا يقدر عليها غيره. # ورابعها العفافة والزهد والرغبة عن الدنيا، وقد كان في الصحابة من الزهاد كأبي ذر ~~ال وسلمان وأبي الدرداء فلم يبلغوا مبلغا من أحواله، فأما رغبته عن الدنيا فأظهر من أن تحتاج ~~إلى كشف. # وخامسها السخاوة ولم يضن بشيء من الدنيا مع انفتاح أبوابها عليه بل كان أجود من ~~الريح العاصف. # المرتبة الرابعة تتعلق بالأمور البدنية وهي خمسة: ~~أولها النسب العالي ومعلوم أن أشرف الأنساب القرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، ~~ولقد كان أقرب الناس نسبا إلى رسول الله صلى الله عليه، أما العباس فإنه وإن كان عم رسول الله ~~الا أن العباس كان أخا لعبد الله والد رسول الله من الأب لا من الأم، وأما أبو طالب فإنه كان ~~أخا لعبد الله والدرسول الله من الأب والأم جميعا، وأيضا فإن عليا كان هاشميا من الأب والأم؛ ~~لأنه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم. # وثانيها أن عليا عليه السلام كان هاشميا، والهاشمي أفضل من غير الهاشمي، وإنما قلنا: ~~إنه كان هاشميا فللشهرة والتواتر، وإنما قلنا: إن الهاشمي أفضل من غيره فلقوله عليه ~~الصلاة والسلام: "إن الله اصطفى من ولد إسماعيل قريشا، واصطفى من قريش هاشما"(1). # 1- ورواه أحمد في مسنده 194/28، حديث ms482 رقم 16987، مسلم (كتاب الفضائل- باب فضل نسب النبي ~~صلى الله عليه وسلم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة) 983/2، حديث رقم 6077، ونصه: "إن الله اصطفى كنانة ~~من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم4. والترمذي PageV00P606 ~~============================================================ ~~النسهي شح معالم العدل والنوحيل ~~وثالثها الشجاعة ولقد كان في الصحابة جماعة من الشجعان كخالد بن الوليد وأبي ~~دجانة، ولكن لا يبلغون درجته، وهذا قال عليه الصلاة السلام يوم الأحزاب: "الضربة علي ~~خير من عبادة الثقلين". وقال علي بن أبي طالب: والله ما جبنت عن قتال عدو. # ورابعها حسن الخلق ولقد كان مع شجاعته حسن الخلق جدا، وقد بالغ في ذلك حتى ~~نسبه أعداؤه إلى الدعاية. # وخامسها القوة وقد قال عليه الصلاة والسلام: "المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن ~~الضعيف"(1). وروي عن أمير المؤمنين أنه قال: ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية لكن بقوة ~~الهية. وقد قيل: كانت ضربات أمير المؤمنين أبكارا إذا اعتلى قد وإذا اعترض قط.(7) ~~المرتبة الخامسة أمور خارجة عما ذكرناه وهي ثلاثة: ~~أولها المصاهرة ولم يكن لأحد من الخلق من المصاهرة لرسول الله صلى الله عليه وآله مثل ~~ما كان لأمير المؤمنين، فأما عشمان فهو وإن شاركه في كونه ختنا(3) لرسول الله صلى الله عليه ~~لكن أشرف بنات الرسول فاطمة لأمرين: ~~(باب في فضل النبي صلى الله عليه وسلم) حديث رقم 3609، وقال أبو عيى: هذا حديث حسن صحيح ~~الالباني: السلسلة الصحيحة 610/1، حديث رقم 302. # ا- أخرجه مسلم (كتاب القدر- باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله) ~~1127/2 حديث رقم 6945، وبه زيادة: "وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن ~~أصابك شيء فلا تقل لو أي فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان". # ابن ماجه (المقدمة - باب القدر) ص15، حديث رقم 83 ~~2- القد: قطع الجلد وشق الثوب ونحو ذلك، وضربه بالسيف فقده نصفين. والقط: القطع عرضا. لسان العرب ~~مادة قد، ms483 وقط. # 3 - الختن: القطع، وبالتحريك: الصهر، او كل من كان من قبل المرأة كالأب والأخ (ج) أختان. القاموس ~~المحيط: مادة ختن. PageV00P607 # ============================================================ ~~النمهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~أما أولا فلقوله عليه الصلاة والسلام: "إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما ~~آذاها"(1) ~~وأما ثانيا فلقوله صلى الله عليه وآله: "فاطمة سيدة نساء عالمها". (2) وقوله: "كمل من ~~الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع."(3). وعد منهن فاطمة، ولم يحصل مثل هذا ~~الشرف لأختيها اللتين كانتا تحت عشمان. # وثانيها الوصاة ولا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام أوصاه والوصي أفضل من ~~غيره، وإنهما قلنا: إنه عليه الصلاة والسلام أوصاه فهو ظاهر لقوله صلى الله عليه وآله: ~~آخي ووزيري وخير من أتركه بعدي يقضي ديني وينجز وعدي علي بن أبي طالب". وإنما ~~قلنا: إن الوصي أفضل من غيره؛ فلأن الرسول عليه الصلاة والسلام اختاره على غيره ~~وأقامه مقام نفسه وهذا منصب سني: ~~أخرجه مسلم (كتاب فضائل الصحابة - باب فضاثل فاطمة بنت التبي عليه الصبلاة والسلام) 1046/2، ~~رقم 6460، والترمذى (باب فضل فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم) حديث رقم 3866، جزء من حديث ~~المسور بن مخرمة: "فإنها بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها". # 2- الحاكم في المستدرك 170/3 حديث رقم 4740 المتقي: كنز العمال 143/12، حديث رفم4 3440، ~~ونصه: خير نساء العالمين آربع: مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون. # وروى البخاري (كتاب فضائل الصحابة - باب مناقب فاطمة عليها السلام) 29/5، رقم 2813 ما نصه: ~~"فاطمة سيدة نساء أهل الجنة". # 3- جاء الحديث في المسند والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وفيه: "ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة ~~فرعون ومريم بنت عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام"1. وروى الطبري في ~~تفسيره: 398/6 وفيه: "الا مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد". وقد الهيثمي: ~~جمع الزوائد (كتاب المناقب - باب ما جاء من الفضل لمريم وآسية وغيرهما) 218/9 قال: وبقية الأحاديث التي ~~فيها:" ms484 كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربعة". في مواضعها مفرقة في فضل آدم وفاطمة وخديجة. PageV00P608 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والترحيل ~~وثالثها أنه لم يكن لأحد من الصحابة أولاد يشاركون أولاده في الفضل، والحسن ~~والحسين هما ريحانتا المصطفى وسيدا شباب أهل الجنة(1)، وهما ولدان له، ثم انظر إلى أولاد ~~الحسن مثل الحسن المثنى والمثلث، وعبد الله المثنى، ومحمد بن عبد الله النفس الزكية، ثم ~~أولاد الحسين مثل زين العابدين، والباقر، والصادق، والكاظم، والرضا، فإن هؤلاء ~~الأكابر قد أقر بفضلهم كل مسلم، ومما يؤكد فضلهم أن أفضل مشايخ التصوف وأعلاهم ~~درجة أبو يزيد البسطامي، وكان يبقى في دار جعفر الصادق(2) كما ذكره أهل الرواية. # وهذا أيضا معروف الكرخي فإنه أسلم على يدي علي بن موسى الرضا وكان بوابا على ~~داره وبقي على هذه الحالة إلى آخر عمره، ومعلوم أن مثل هؤلاء الأولاد لم تتفق لأحد من ~~الصحابة، وهذا يدل على أن الله تعالى قد خصه من الفضائل الشريفة والخصال العالية ما لم ~~يخص به أحدا غيره من العالمين، وفي ذلك دلالة على كونه أفضل الخلق بعد الرسول. # القول في إقامة الدلالة على إمامة الحسنين وأولادهما ~~وفيه فصلان: ~~1 أخرجه البخاري (كتاب فضائل الصحابة - باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما) 27/5، حديث ~~رقم 3798، ونصه: "هما ريحانتاي من الدنيا. الترمذي (باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما) حديث ~~رقم 3773: "ان الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا". وقال أبو عيسى: هذا حديث صحيح. وفي نفس ~~الباب حديث رقم 3771. 9 الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة". وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه ~~ابن ماجه (المقدمة- باب فضل علي رضي الله عنه) ص21 حديث رقم 123، بزيادة: "وأبوهما خير منهما1. # 2- أبو عبد الله جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين ابن الحسين السبط افهاشمي، القرشي، الملقب ~~بالصادق (148ه. سادس الأثمة الاثنى عشر عند الإمامية. الزركلي: الأعلام 126/2، أيا نعيم: حلية الأولياء ~~1923 PageV00P609 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الأول في إثبات إمامتهما ~~ولا خلاف بين ms485 أهل القبلة في ثبوت إمامتهما وصلاحيتهما وكونهما أهلا لها، وإنما الخلاف ~~في طريق إمامتهما، فعندنا أن طريق إمامتهما هو النص، وهو قوله عليه الصلاة السلام: ~~"الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا"(1). وهذا نص صريح فيما نحن بصدده، وهذا ~~الحديث مما قد ظهر واشتهر ولم ينكره أحد؛ فإن قلتا: إنه متواتر. لم يبعد لظهوره فجرى ~~جرى سائر الأمور المعلومة بالتواتر، وإن قلنا إنه ليس بمتواتر صححناه بالحجة، وقلنا: ~~اجمعت الأمة على صحة هذا الحديث فيجب أن يكون صحيحا. وإنما قلنا: إن الأمة مجمعة ~~على صحة هذا الحديث؛ فلأن الزيدية يثبتون به إمامتهما، وسائر الفرق يثبتون به فضلهما، ~~وليس أحد من الأمة أنكره ورده، وإذا قبلته الأمة بأسرها وجب آن يكون صحيحا، فثبت ~~بما ذكرنا ثبوت إمامتهما بالنص. # وأما المعتزلة فلا خلاف بينهم في صحة إمامتهما، وإنما خلافهم في أن طريق إمامتهما هو ~~الاختيار كغيرهما من سائر الخلفاء زعما منهم أنه لا إمام عندهم منصوص عليه وأن طريق ~~الامامة عندهم هو الاختيار، وقد أسلفنا عليهم في الاختيار قولا بالغا يؤذن ببطلانه، ولهم ~~شبهتان: ~~الأولى قولهم: إنا لا نسلم أصل الحديث؛ فإن ادعيتم فيه التواتر فهو باطل؛ لأنا نعلم أن ~~العلم بصحته ليس كالعلم بوجود مكة وبغداد ووجود محمد صلى الله عليه وآله وغير ذلك ~~من الأمور المتواترة، وإن صححتموه بالحجة فهو باطل أيضا؛ لأنه لا يلزم في كل ما صحته ~~غير يقينية أن الأمة لا تقبله، بل أكثر الأخبار التي قبلوها وعملوا عليها واجتهدوا في معرفة ~~- انظر الصنعاني: البحر الزخار 87/16، وليس فيه قاما أو قعدا. PageV00P610 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~معانيها غير مقطوع بصحتها، فثبت أنه لا يلزم من عدم رد الأمة هذا الحديث القطع ~~والجواب أن إنكار ظهوره مكابرة، وأن دعوى التواتر فيه ممكنة، قوله: ليس العلم به ~~كالعلم بوجود مكة وبغداد. قلنا: لا نسلم، ثم ولو سلمنا آن العلم بوجود مكة وبغداد ~~أظهر منه، فكونه أظهر لا يخرجه عن أن يكون متواترا، ألا ترى أن العلم بوجود محمد صلى ms486 ~~الله عليه وآله أظهر من العلم بسائر غزواته، ومع ذلك فإنه لا يخرجها عن كونها متواترة. # قوله: لا يلزم من عدم رد الأمة هذا الحديث القطع بصحته. قلنا: إن الذين استدلوا به على ~~الامامة أثبتوا أصلا عظيما مقطوعا به، والذين استدلوا به على الفضل قرروا به خصلة ~~عظيمة، فيستحيل في مطرد العادة سكوتهم عن رده لو كان غير مقطوع بصحته. # الشبهة الثانية قالوا: هب أنا سلمنا أن أصل الحديث مقطوع به، لكن نقول: معنى قوله ~~عليه الصلاة والسلام: "إنهما إمامان". أي إنهما سيصيران إمامين إذا عقد هما، وهذا لا ~~ننكره؛ لأن أصل إمامتهما عندنا إنما ثبت بالاختيار دون النص. # والجواب أن هذا عدول عن الظاهر وخروج عنه لغير دليل فلا نقبل، فإن الظاهر من ~~قولنا: فلان طويل. أنه حاصل على صفة الطول في الحال لا أنه سيصير طويلا في المستقبل، ~~فسقط ما ذكروه: ~~الفصل الثاني في امامة أولادهما ~~اعلم أنه لا خلاف يذكر عن أحد من الأمة أن أحدا من أو لادهما لو دعا إلى الإمامة ثم ~~عقد له وهو مستجمع لشرائطها حاصل على جميع أوصافها في آن إمامته صحيحة، وإنما ~~الخلاف في طريق إمامته، فعندنا أن طريق إمامته هو الدعوة والخروج، وحاصلها آن يدعو ~~إلى الإمامة من هو أهل لها ويباين الظلمة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فهذا هو معنى PageV00P611 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~الدعوة عندنا. وعند المعتزلة أن طريق إمامة كل إمام ليس إلا الاختيار، وراعوا في العقد ~~الموصل إلى الإمامة أمورا أربعة: منها ما يرجع إلى العاقد، وهو أن يكونوا من أهل الفضل ~~والمعرفة بشروط الإمامة وأحكامها. ومنها ما يرجع إلى المعقود له، وهو أن يكون حاصلا ~~على تلك الصفات المعتبرة التي قررناها. ومنها ما يرجع إلى العقد نفسه، وهو الاختيار ~~والرضا فقط ولا يشترط في ذلك لمس اليد ولا ضرب الكف على الكف. ومنها ما يرجع ~~إلى العدد، ويجب أن يكونوا خمسة يعقدون لسادسهم كما فعل الصحابة؛ فإنهم عقدوا لأبي ~~بكر خمسة، وجعلها عمر شورى ms487 بين ستة، وكذلك الحال في عشمان وغيره فهكذا يجب أن ~~يكون حال عقد الامامة الذي هو طريق إلى صحتها عندهم. # لا يقال: معنى الدعوة هو أن يباين الظلمة من هو أهل للإمامة وهذا من أحكام الإمامة ~~فكيف يكون طريقا لها؛ لأنا نقول: إنا متى جعلنا مباينته للظلمة طريقا للإمامة لم نجعله من ~~أحكامها؛ لافضائه إلى الدور، بل نقول: متى باين الظلمة انعقدت إمامته، وهكذا إذا قالوا: ~~لو ادعى إمامان في وقت واحد فأيهما يكون أحق بالإمامة. كان جوابنا لهم من وجهين: ~~أما أولا فتقول: إن علم سبق أحدهما بالدعوة فهو الأحق والأولى، وإن كانت دعوتهما ~~في وقت واحد ولم يعلم المتقدم منهما بطلا جميعا واستأنف أحدهما الدعوة. وقد قال أبو ~~علي: يقرع بينهما. وهذا بعيد لأن القرعة إنما يستفاد بها تميز الحق لمن كان مستحقا من قبل، ~~وها هنا لم يتعد بتقرير الاستحقاق فافترقا. # وأما ثانيا فيما ورد علينا في الدعوة فهو بعينه وارد عليهم في الاختيار لو عقد لهما في وقت ~~واحد، فما أجابوا فهو جوابنا من غير فرق، وبتمامه يتم القول في القسم الثاني من مقاصد ~~الباب، فلنشرح القسم الثالث ويتم الكتاب. PageV00P612 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~القسم الثالث من الباب في التكملات اللاحقة ~~اعلم أن القصد بايراد هذا القسم هو الكلام في أمور خرجت عن المقاصد فلم يمكن ~~ايرادها فيها لانحرافها عن معناها؛ لأنها كالتتمة لها والتكملة لفوائدها فلا جرم أفردناها ~~قسما آخر، وكمال الغرض منه وتمام المقصود ينحصر بالكلام في فصول ثلاثة نفصلها إن ~~شاء الله تعالى. # الفصل الأول في الأمور المنوطة بالأئمة. # والنظر في أمرين: ~~أحدهما فيما يختص به الأئمة، وثانيهما في بيان ما يزيل ذلك الاختصاص:. # النظر الأول فيما يختص به الأنمة من الأمور المهمة ~~اعلم أن الغرض الكلي والمقصود الأعظم هو دوام أمر الدين وبقاء أصل الشريعة؛ فإن ~~ببقاء هذه الأمور قوام المصلحة وباستمرارها ينتظم الأمر والنهي ويستمر التكليف وتحصل ~~الرغبة في الثواب والرهبة من العقاب، ودوام ذلك متوقف على أمور دينية وأمور ms488 دنيوية، ~~فأما الأمور الدينية فأصلان: ~~أحدهما الدعاء إلى العلم بالله ورسوله وكتبه واليوم الآخر بالبراهين النيرة والأدلة ~~الواضحة. وثانيهما الدعاء إلى القهر بالسيف وهو الجهاد. # فأما الأمور الدنيوية فكالبياعات والزراعة والمناكحة وغير ذلك من المنافع الدنيوية. # فهذه الأمور بدوامها وبقائها يدوم أصل الدين وتثبت قواعد الشريعة، فأما الأمور الدينية ~~فالاشتغال بتحصيلها واجب؛ لبقاء الغرض الكلي. وأما الأمور الدنيوية فلا جرم أنه PageV00P613 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~ال يوجبها الشرع، لكنه استكفى بما في جبلة الطبع واستحباب النفوس من المواظبة عليها ~~والقيام بها عن إيجابها، ووجوب ما يتعلق بأمر الدين لا شك هو على الكفاية؛ إذ ليس يمتنع ~~في العقل أن تكون المصلحة في وقوع فعل من بعض الأشخاص مصلحة له، فيجب عليه ~~تصيله من نفسه، كمعرفة الله تعالى وسائر العبادات ونحوها، وهذا هو الذي نريده ~~بالواجب المعين، وأن المصلحة في وقوع بعض الأفعال ممن وقعت لا باعتبار شخص معين ~~في ايقاعها، وهذا هو الذي نريد بالواجب على الكفاية. # فلا جرم انقسمت الواجبات إلى ما يكون وجوبه على الأعيان وإلى ما لا يكون كذلك، ~~ال وهو الواجب على الكفاية، فالأول مثاله الصلاة والزكاة وغير ذلك من سائر الأمور المعينة، ~~والثاني مثاله دفن الموتى وإصلاح الخلق والدعاء إلى الله وتعليم أمور الدين وغير ذلك مما ~~يحرج الكافة بتركه وإهماله. # لا يقال: فلو تعطل فرض من فروض الكفاية هل يعم الحرج الكافة أم لا يعم بل يكون ~~مختصا بالبعض دون البعض، لأنا نقول: ذهب ذاهبون إلى أنه يعم الحرج الكل. وفيه نظر ~~والحق أن يقال: إن هذا الأمر الذي فرضنا وجوبه على الكافة لا يخلو حاله إما أن يكون ~~بحيث يتمكن الكل من الإحاطة به وتمييزه، فبتركه لا جرم يحرج الكل، وإن كان لا يمكن ~~الاطلاع عليه من جهة الكل ولا يختص به الأفراد كان الحرج إنما يتوجه على من يمكنه ~~العلم والإحاطة بمعرفته دون غيره من لا يمكنه ذلك، فإذا عرفت هذا فنقول: الذي يخص ~~الأئمة من ذلك على اختلاف فيه هو ms489 أمور خمسة: ~~أولها ما يتعلق بجانب العقوبات نحو إقامة الحدود والقصاص وأنواع الآداب المفوضة ~~الى رأيه. # وثانيها ما يتعلق بالأموال وتعلقها به من وجهين: PageV00P614 ~~============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~أحدهما التمليك نحو قسمة الغنائم وصرف الأخماس إلى أهلها وأموال الفيء والخراج ~~وغير ذلك. # وثانيهما (1) الإزالة كأخذ الزكوات من أهلها، وكذلك أموال الخراج والجزية. # وثالثها ما يتعلق بإظهار شعار الدين والإسلام نحو إقامة الجمع وتعظيم شعائر البيت ~~وحث الخلق على القيام بالمناسك: ~~ورابعها ما يتعلق بجانب الجهاد نحو الغزو وتخميس الجيوش وحفظ الحوزة. # وخامسها وجوب الطاعة له والانقياد لأمره والالتزام بحكمه في جميع الأمور مما تقتضيه ~~السياسة وتقوم به الأبالة، فإن طاعته فيما ذكرنا واجبة، فهذه جملة ما يختص به الأئمة ولا ~~يتولاه غيرهم، وأما ما لا تختص به الأئمة فهو نحو إزالة المنكر وغير ذلك من القيام ~~بالمصالح والأمور الواجبة، فهذه الأمور للآحاد القيام بها، لكن الإمام إذا كان ظاهرا فهو ~~أحق بها وأولى؛ لأن أمره أوجب وولايته أعمر من غيره، فهذا القدر كاف في معرفة ما نحن ~~بصدده، وموضع الاستقصاء فيه كتب الفقه، فهذا هو الكلام فيما تختص به الإمامة. # النظر الثاني فيما به يزول هذا الاختصاص ويخرجه عن كونه إماما ~~واعلم أنا قد ذكرنا أن الإمام يراد لأمور دينية وأغراض مصلحية، ولا يمكن قيامه بهذه ~~الأمور إلا إذا كان حاصلا على أوصاف وشرائط لأجلها يتمكن من القيام بما ذكرنا، فما ~~كان أصلا في تحصيل هذه الأمور فلا بد من استمراره وبقاءه لثبوت إمامته، وما كان ليس ~~بأصل في تحصيل هذه الأمور وليس شرطا فيها فزواله ليس محلا في إمامته، فإذا تقررت ~~هذه الجملة فنقول: الأمور الطارثة بعد انعقاد إمامته منقسمة إلى أقسام ثلاثة: ~~- جاءت في الأصل:"وخامسها". والصواب ما أثبتناه. PageV00P615 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~فالقسم الأول مبطل لإمامته بكل حال، وهذا على وجهين: ~~أحدهما عقلي وهو ما كان متعلقا بفساد الأعضاء والحواس والإسكات ونحو فساد ~~العقل كالجنون ونحوه. # اا و ثانيهما أمر سمعي وهو ظهور الكفر والفسق من ms490 جهته، فإن هذه الأمور كلها مزيلة ~~لأحكام الإمامة، وإنما كان الوجه عقليا لأن ما كان ملاكه العقل فيستحيل من جهة العقل ~~التكليف به مع فقد شرطه. وأما الثاني فلأنه لا يستحيل التصرف في أحكام الإمامة مع ~~ظهور الكفر والفسق من جهة العقل وإنما عرفنا استحالته بالشرع. # والقسم الثاني ما لا يكون منعا بكل حال، وهذا على وجهين: ~~أحدهما الغلبة والقهر من الكفار والبغاة. # وثانيهما خذلان الخلق له وتقاعدهم عن نصرته. فهذان الأمران لا يكونان مزيلين ~~لامامته بعد انعقادها. # القسم الثالث ما يكون منعا في حال دون حال، وهذا نحو الأمراض والعلل، فإن ~~انتهت إلى حال الزمانة فهي مبطلة، وإلا فلا، وهكذا الكفر والفسق في الباطن، فإن ظهرا ~~منعا عن الامامة وإلا فلا يتعلق بهما حكم مع عدم ظهورهما. # بقي ها هنا بحث وهو أنه لو اتفق ظهور الفسق أو كفر من جهة الإمام ثم لم يعزل حتى ~~تاب وصلحت طريقته فهل يحتاج في دوام إمامته واستمرارها إلى تجديد أم لا. # فنقول: أما من يجعل طريقة الإمامة العقد فهم مختلفون في هذا، فبعضهم يقول: لا بد ~~من تجديد العقد له إذا تاب، وبعضهم يقول: لا يحتاج إلى ذلك. وأما من يجعل طريق PageV00P616 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~الامامة الدعوة فيقرب أنه لا يحتاج إلى تجديد الدعوة؛ لأن إمامته قد انعقدت بالدعوة ~~الأولى، وطروء الكفر والفسق إنما يكون مانعا له عن التصرف، فإذا تاب وأصلح عاد ~~التصرف كما كان من قبل من غير حاجة إلى تجديد دعوة، وإنما اعتبرنا في بطلان الإمامة أن ~~يكون الكفر والفسق ظاهرين لأن الإجماع منعقد على اشتراط عدالته، والعدالة إنما يجب ~~اعتبارها في الأمور الظاهرة دون ما يتعلق بالباطن فلا أثر له، كما شرطنا ذلك في الحكم ~~بشهادة الشهود وغيرهم، فأما أهل العقد فهم وإن اختلفوا على هذين القولين كما ذكرنا إلا ~~ان الأقرب على هذا الأصل الذي ذكروه افتقاره عند الفسق الظاهر إلى عقد جديد؛ لأن ~~العقد إنما كان مؤثرا عندهم في تقرير الإمامة وتمهيدها بشرط ms491 العدالة فإذا فسق بطل ~~العقد، فإذا تاب لم يكن إماما ولا ينفذ شيء من تصرفه حتى يعقد له ثانيا كما كان في مبدأ ~~الأمر، فهذا هو الكلام في الفصل الأول. # الفصل الثاني في الأحكام المتعلقة بالدار ~~اعلم أن للكلام في الدار وأحكامها تعلقا بما نحن فيه، وذلك أن حكم الدار متعلق ~~بالإمام أو بالكافة، فلهذا ذكرناه على إثر ما تقدم وأردفناه به لأجل خصوصية هذا التعلق، ~~ال وانما قلنا: إن حكم الدار متعلق بالإمام أو بالكافة؛ لأنه يلزمنا فيهم إجراء أحكام عليهم ~~تتصل بالعبادات والأموال، سواء كانوا أحياء أو أمواتا من المناكحة والموارثة والدفن في ~~المقابر والصلاة خلفهم والموالاة والمعاداة، فمن ثم ذكرناه: ~~فإذا عرفت هذا فاعلم أن الكلام في الدار وحكمها واسع وله شعب وأنحاء، ولكنا ~~نقتصر فيه على بيان الأهم من أحكامها وتفاصيل مسائلها، فيقع النظر أولا في بيان القول PageV00P617 ~~============================================================ ~~الهيد شرح معالمر العدل والتوحيل ~~في دار الإسلام ودار الكفر. وثانيا في معرفة دار الفسق وما يختص بها. وثالثا في دار الوقف ~~وما يتعلق بها. ونأتي في ذلك بقول وجيز وكلام مختصر فيه مقنع عما عداه وكفاية. # النظر الأول فيما يتعلق بدار الكفر والإسلام وفيه مباحث: ~~البحث الأول في معنى وصفنا للدار بأنها دار كفر أو إسلام ~~اعلم أن معنى وصفنا للدار بأنها دار كفر أو إسلام هو أن يحصل المقيمون بها على صفة ~~لأجلها ثبتت لهم أحكام شرعية على العموم بغالب الظن، فهذه الرابطة قد اشتملت على ~~هذه القيود فلا بد من تفسيرها. فقولنا: حصول المقيمين بها على صفة. وهو ما يؤخذ المقيم ~~فيها باظهاره كما سنذكره مفصلا على إثر هذا إن شاء الله تعالى. # فإن المعتبر في ذلك إنما هو بالمقيم في الدار وما يؤخذ باظهاره لا بنفس الدار والبقعة؛ ~~فإنه لا عبرة بها، وإنما التعويل على المقيمين بها، وهذا فإته لو انتقل عنها جميع المقيمين بها ~~لكان لا معنى لوصفنا لها بأنها دار كفر أو إسلام لعدم المقيم، فظهر بما حققناه أنه لا تعريج ~~على ms492 البقعة نفسها. # وقولنا: أحكام شرعية. يحترز به عن ثبوت أحكام عقلية كالغنى والفقر والصحة ~~والمرض، فلا نظر إلى هذه الأحكام في كونها دار كفر أو إسلام، وإنما الغرض ثبوت أحكام ~~شرعية من المناكحة والموارثة والدفن في المقابر والصلاة خلفه وعليه إذا مات والموالاة ~~والمعاداة وأكل الذبيحة وغيرها من الأحكام الكفرية أو الإسلامية. وقولنا: على العموم. # احتراز عن الآحاد والأشخاص المعينة؛ فإنه لا عبرة بهم في كون الدار دار كفر أو إسلام، ~~وانما الاعتبار بما ثبت للجملة دون الآحاد والأفراد؛ لأنه ما من شخص إلا ويقدر موته ~~وغيبته عنها وحكم الدار باق لا يتغير، وهذا من أقوى الأمارات على أنه لا اعتبار بشخص ~~دون شخص، وإنما التعويل على ما ثبت للجملة كما بيناه. PageV00P618 # ============================================================ ~~الشهيد ش معالمر العدل والنوحيد ~~وقولنا: بغالب الظن لأن حصول المقيمين على هذه الصفة أمارة لصحة إجراء هذه ~~الأحكام الشرعية على من فيها، وليس الغرض القطع بحصول هذه الصفة لأهل الدار؛ ~~لأن ذلك أمر لا يمكن القطع به، وإنما المعتبر في ذلك غلبة الظن في حصول هذه الصفة ~~ليصح إجراء هذه الأحكام عليهم، كما أن من ظهر منه الإقرار بالشهادتين فإن ذلك أمارة ~~كونه مسلما، ومن ظهر عليه آثار الكفر كالاقرار بالجحود وإظهار زي اليهودية والنصرانية ~~حكمنا عليه بكونه كافرا بغلبة الظن دون القطع، فهكذا يكون حكم الدار. # فإذا تقررت هذه الجملة فنقول: متى كانت الدار بهذه الصفة التي ذكرناها وصفناها ~~بكونها دار كفر أو إسلام، ومتى لم تكن بهذه الصفة فلا معنى لوصفنا لها بأنها دار كفر أو ~~اسلام، فكل من كان نظره مقصورا على هذا القدر فهو صحيح، ومتى انحرف عن هذا ~~المقصد فهو مجمل خارج عن المراد فحصل من مجموع ما ذكرناه غرضان: ~~أحدهما أنا إنما وصفنا الدار بكونها دار إسلام أو كفر لكونها على هذه الصفة. # وثانيهما أنا إنما أجرينا هذه الأحكام الشرعية على أهلها لكونها على هذه الصفة أيضا، ~~والدليل على ذلك أنا متى علمناها بهذه الصفة وصفناها بكونها دار كفر أو إسلام ms493 وأجرينا ~~هذه الأحكام على أهلها، ومتى لم نعلمها على هذه الصفة لم نصفها بكونها دار كفر أو إسلام ~~ولم نجز إجراء شيء من الأحكام على المقيمين بها، فلما دارت هذه الأحكام على هذه الصفة ~~اا وجودا وعدما كانت هي العلة في صحة إجراء هذه الأحكام، وأدنى درجات الطرد ~~والعكس إفادة غلبة الظن بالغلبة، وفي ذلك حصول غرضنا بكون هذه الصفة علة في ~~صحة إجراء هذه الأحكام. PageV00P619 # ============================================================ ~~النمهيل شح معالمر العدل والتوحيل ~~البحث الثاني في بيان الصفة التي لأجلها كانت الدار دار كفر وإسلام ~~وقد اختلف الناس في ذلك اختلافا شديدا، فمنهم من اعتبر الكثرة، ومنهم من اعتبر ~~زوال التقية، والقائلون بالكثرة اختلفوا، فذهب بعضهم إلى اعتبار الغلبة مع الكثرة، وهو ~~أنه إذا كان الأكثر من أهل الدار مع غلبتهم قائلين بالكفر فالدار دار كفر، وإن كان الأكثر ~~مع الغلبة قائلين بالإسلام فالدار دار إسلام، ومنهم من لم يعتبر إلا الكثرة فقط من غير ~~غلبة. والقائلون بزوال التقية اعتبروا ألا يكون أهل الحق في تقية من إظهار ما يدينون به من ~~التوحيد والعدل، فمتى كانوا في تقية من إظهار التوحيد والعدل فالدار دار كفر، ومتى لم ~~يكونوا في تقية من إظهار التوحيد والعدل فالدار دار إسلام، وقد ذهب بعض المتصوفة ~~المتشددون في ذلك إلى أن كل دار يظهر فيها الجبر والتشبيه من غير إنكار ولا قمع فهي دار ~~كفر، فأما الخوارج فقالوا: كل دار يظهر فيها الحكم بغير ما أنزل الله فهي دار كفر. إلا ~~الإباضية (1) منهم والبيهسية (5) ~~- الاباضية من فرق الخوارج أصحاب عبد الله بن إباض (86ه( والذي خرج في أيام مروان بن محمد، وقال: ~~ان مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين ومناكحتهم جائزة وموارثتهم حلال وغنيمة أموالهم من السلاح ~~والكراع عند الحرب حلال وما سواه حرام، وحرام قتلهم وسبيهم في السر غيلة إلا بعد نصب القتال وإقامة ~~الحجة. وقالوا : إن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار التوحيد إلا معكر السلطان فإنه دار بغي، وأجازوا شهادة ~~مخالفيهم على أوليائهم. ms494 وقالوا في مرتكبي الكبائر: إنهم موحدون لا مؤمنون. وافترقت الإباضية فيما بينهم أربع ~~فرق، هى الحفصية والحارثية واليزيدية وأصحاب طاعة لا يراد الله بها. انظر الشهرستاني: الملل ~~والنحل 212/1،الأشعري: المقالات 183/1. # 2 البيهية من فرق الخوارج أصحاب آبي بيه الهيصم بن جابر وهو آحد بني سعد بن ضبيعة، وقد آمر ~~الوليد بن عبد الملك بقطع يديه ورجليه وقتله (94 هل، وقد كان فقيها متكلما، من الأزارقة، ولكنه كفر نافع بن ~~الأزرق وعبد الله بن ااض فيما ذهبا إليه، وتبعته جماعته على ذلك، وقالت البيهسية: لا يطلق على المذنب أنه كافر ~~أو مؤمن حتى يدفع إلى السلطان ويقيم عليه الحد. وقال بعضهم: متى ما كفر الإمام كفرت رعيته أيضا. وقال قوم ~~منهم: إن السكر كفر إذا كان معه ترك الصلاة. انظر الزركلي: الاعلام 105/8، الشهرستاني: الملل والنحل ~~196/1، الأشعري: مقالات الإسلاميين: 191/1. PageV00P620 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~أما الاباضية فإنهم يجعلون هذه الدار دار توحيد لا دار إيمان. # وأما البيهسية فإنهم يجعلون الحكم في الدار للإمام والسلطان، ويزعمون أن الإمام إذا ~~كفر كفرت الرعية وإن لم يعلموا بكفره، وتكون الدار دار كفر أيضا لأجل كفره. # والذي عليه أئمة الزيدية وجماهير المعتزلة أن المعتبر في ذلك بما يظهر في الدار ويؤخذ ~~المقيم فيها، فإذا كانت الدار بحيث تظهر فيها الشهادتان ظهورا بحيث لا يمكن المقام فيها ~~إلا بإظهارهما أو يكون من مظهرهما على ذمة أو جوار ولم يؤخذ المقيم فيها بإظهار خصلة ~~من خصال الكفر فإن هذه الدار يحكم فيها بحكم الاسلام وحينئذ دار إسلام، وإن كانت ~~الدار بحيث يؤخذ المقيم فيها بإظهار خصلة من خصال الكفر أي كفر كان سواء تأويلا أو ~~تصريحا أو يكون من مظهرهما على ذمة أو جوار فالدار دار كفر، ولا معتبر عندهم بما عليه ~~أهل الدار من المذاهب المختلفة إذا كان حال الدار ما ذكرناه من حصولها على هذه الصفة، ~~فحصل من مذهبهم أن المعتبر عندهم في كون الدار دار كفر أو إسلام أمران: ~~أحدهما ظهور ms495 الشهادتين أو مايكون بدلا عنهما من التزام الذمة والجوار من مظهرهما. # وثانيهما أن يؤخذ المقيم فيها بإظهار خصلة من الخصال الكفرية سواء كان تأويلا أو ~~تصريحا، فلا عبرة عندهم باختلاف أنواع الكفر إذا كان المقيم لا يمكنه المقام إلا بإظهاره أو ~~يكون من مظهره على ذمة أو جوار، سواء كانت(1) تلك الخلة الكفرية جحدانا أو جبرا أو ~~تشبيها، فهذا ما يتحصل من مذهبهم في الصفة التي تكون بها الدار دار كفر أو إسلام. # وقد ذهب بعض أئمتنا عليهم السلام إلى أن المعتبر في الصفة التي تكون بها الدار دار ~~اسلام هو ظهور الشهادتين وإقام الصلاة فقط من دون اعتبار آمر سوى ما ذكرناه، فمتى ~~- في الأصل: كان. PageV00P621 # ============================================================ ~~النهيد شرح معالمر العدل والنوحيل ~~كانت الشهادتان ظاهرتين وأقيمت الصلاة في البلد فإنها تكون دار إسلام، وسواء ظهر ~~فيها بعد ذلك خصلة من خصال الكفر من الجبر والتشبيه أو لم يظهر، فإن ظهورها لا يغير ~~حكم الدار في كونها دار إسلام مع حصول ما ذكرناه من الإقرار بالشهادتين وإقام الصلاة، ~~وان المعتبر في كون الدار دار كفر هو ألا تظهر فيها الشهادتان ولا تقام فيها الصلاة، فمتى ~~كانت بهذه الصفة فهي دار كفر، وهذا هو المختار عندنا. ويدل عليه مسالك: ~~الأول قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنه ويكون الدين لله) (1) وهذا الخطاب ~~للمؤمنين، والضمير لأهل الحرب، ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الله تعالى أوجب قتلهم ~~وقتالهم بشرطين: ~~أحدهما ألا تقع فتنة لأحد عن دينه. # وثانيهما أن تكون العبادة خالصة لله وحده من غير مشاركة له فيها لشيء من صنم أو ~~وثن فنقول: متى ظهرت الشهادتان وأقيمت الصلاة في الدار فقد زال هذان الشرطان، ~~فيجب ترك قتلهم وقتالهم، وإذا بطل القتل والقتال بطلت سائر أحكام الحرب، وإذا بطلت ~~أحكام أهل الحرب فلا معنى لكونها دار حرب، وهذا هو المطلوب. # المسلك الثاني قوله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)(2). # وحاصل الاستدلال أن الله أمر بالكف عن قتلهم وأخذ أموالهم وسائر أنواع ms496 العذاب ~~النازلة بهم بشرط التزام التوبة وإقامة الصلاة ولم يعتبر أمرا وراءهما، فمتى حصل هذان ~~الأمران وجب سقوط جميع أحكام أهل الحرب عنهم، ومتى سقطت جميع الأحكام فلا ~~معنى لكون دارهم وبقعتهم دار كفر، وفي ذلك ما نريده من بطلان كونها دار كفر مع ظهور ~~1- سورة البقرة: آية 193. # 2- سورة التوبة: آية5. PageV00P622 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والتوحيد ~~الشهادتين وإقامة الصلاة، وثبت أنها دار إسلام إذ لا قائل بثالث، فإذا بطل كونها دار كفر ~~فهي دار إسلام لا محالة. # المسلك الثالث قوله صلى الله عليه وآله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"(1). فظاهر هذا ~~الخبر دال على أن الإقرار بكلمتي الشهادة موجب لحقن الدم وعصمة المال، ولم يشترط أمرا ~~آخر، وإذا وجب هذان الحكمان وجبت سائر الأحكام، وفي ذلك ما نريده فظهر بما ذكرناه ~~أنه لا عبرة في كون الدار دار إسلام أو كفر إلا بإظهار كلمتي الشهادة وإقام الصلاة أو ~~تركهما، وسواء ظهر فيها جبر أو تشبيه أو لم يظهر ~~لا يقال: إن قوله عليه الصلاة والسلام في الخبر: "أمرت أن أقاتل الناس". ثم قال: "إلا ~~بحقها". فقوله إلا بحقها كلام محتمل، فلا يصح الاحتجاج به؛ لأنه لا ظاهر له لاحتماله. # لأنا نقول: هب أنا سلمنا كونه محتملا لكن قد علمنا بالإجماع أن المراد بقوله إلا بحقها ما ~~يعرض من مظهري الشهادتين ما يستحق به القتل من قصاص أو حد أو دفع، ولم يرد ما ~~يتغير به حكم الإسلام فإذن القصد بالاستثناء في قوله إلا بحقها إنما دخل من أجل هذه ~~الأمور، فحينئذ يحتاج إلى بيان لا من جهة منع عصمة الدم بالإسلام، فهذا معلوم لا محالة، ~~فالاحتمال إنما دخله من أجل هذه الأمور لا من أجل منعه العصمة كما ذكرنا، وذلك لا ~~يقدح فيما أردناه. # المسلك الرابع إن المعيار الصادق والتفصيل الفارق فيما نحن بصدده هو حال مكة ~~والمدينة، فإن المعلوم من حال المدينة إظهار ms497 كلمتي الشهادة وإقامة الصلاة وإظهار جميع ~~- أخرجه البخاري (كتاب الابمان -باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) 14/1، حديث ~~رقم 25. مسلم (كتاب الإيمان - باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله) 1/ 31، ~~حديث رقم 134. الترمذي (كتاب تفسير القرآن باب من سورة الغاشية) حديث رقم 3338. PageV00P623 # ============================================================ ~~الشسهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~معالم الدين، والمعلوم من حال مكة أنه كان لا يمكن فيها إظهار كلمتي الشهادة ولا إقامة ~~الصلاة إلا في حال خفية أو التزام جوار، فعلمنا بذلك من حالهما أن العلامة الظاهرة في ~~كون الدار دار كفر أو إسلام هو ما ذكرناه من ظهور الشهادتين وإقام الصلاة أو تركها، ~~فيجب أن يكون التعويل عليه، فثبت بما ذكرناه إن الصفة التي تكون بها الدار دار كفر أو ~~البحث الثالث في الفائدة بكون الدار دار كفر أو إسلام ~~اعلم أنا قد بينا أن كون الدار دار إسلام أو دار كفر هو أمارة لظهور الأحكام الإسلامية ~~فيها، وأن كونها دار كفر أمارة لظهور الأحكام الكفرية فيها، فإذا ثبت هذا فنقول: الفائدة ~~بكونها دار كفر أو إسلام هو الحكم على مجهول العين بحكم الدار في جميع الأحكام من ~~المناكحة والموارثة والدفن وسائرها ممن لم يعلم حاله في نفسه، فأقوى الأمارات في حقه هو ~~حصوله في الدار، فلا جرم حكمنا عليه بحكمها من كفر آو إسلام، ومن علم حاله فحكم ~~نفسه أقوى من حكم الدار، فكان حكم نفسه أولى وأحق من حكم الدار؛ لأن حكم الدار ~~كالبدل عن معرفة حكم نفسه، فإذا علمنا حاله فلا وجه للدار؛ لأن الحكم إذا كان متعلقا ~~بالأمارات فغير ممتنع تقديم أمارة على أمارة لأجل قوة الظن، ويشهد لذلك العقل والشرع، ~~فلهذا قدمنا الحكم بحال نفسه على حال الدار لما ذكرنا. فهذه هي الفائدة بمعرفة دار الكفر ~~ودار الإسلام. PageV00P624 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والترحيل ~~البحث الرابع في كيفية المعاملة للكفار وهم صنفان: ~~الصنف الأول هم عباد الأوثان والأصنام والنيران ~~وهم الذين لا يتدينون بدين ولا يستندون ms498 إلى شريعة، وأهل الحرب من مشركي ~~العرب، وأحكامهم كثيرة واسعة الخطى، وقد أطنب العلماء في شرح أحوالهم وتفاصيل ~~القول في أحكامهم، لكنا نذكر هاهنا ما لا مندوحة عن ذكره، ونشير إلى المقاصد والتراجم، ~~ال ونوفي إلى المعاقد والمناظم. # فنقول: معاملة الإمام لهذا الصنف من الكفار إما أن تكون باعتبار جهادهم أو عقد ~~الأمان لهم، فهاتان مرتبتان، فيجب أن نقصر الكلام في أحكامهم عليها؛ لأن عليهما يدور ~~النظر في اكثر مسائلهم. # المرتبة الأولى في كيفية جهادهم بالقتل والقتال ~~ولنا فيه تصرفات أربعة: ~~التصرف الأول في قتالهم وقتلهم ~~وله أحكام خمسة: ~~الحكم الأول تقديم الدعوة لهم، وذلك لحديث معاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: "إنك ~~اا سترد على قوم معظمهم أهل الكتاب، فاعرض عليهم الإسلام؛ فإن امتنعوا فاعرض ~~عليهم الجزية، فإن امتنعوا فاقتلهم"(1). والإجماع منعقد على وجوب تقديم الدعاء لهم إذا لم ~~1- ابن حجر: تلخيص الحبير (كتاب الجزية) 328/2، وفيه: "وخذ من كل حالم دينارا، فإن امتنعوا فقاتلهم". # وقال: وسبق إلى إيراده هكذا الغزالي في"" الوسيط" وتعقبه ابن الصلاح قلت: والظاهر أنه ملفق من حديثين الأول PageV00P625 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~تكن بلغتهم الدعوة، فإن كانت الدعوة قد بلغتهم كان الدعاء حسنا تأكيدا في الإعذار ~~وابلاغا للحجة. # الحكم الثاني قتالهم، وهو على وجهين: إما بقصدهم لديار المسلمين أو بقصد المسلمين ~~إلى ديارهم، أما الأول فلا خلاف في وجوبه لدفع ضررهم وصرفا هم عن اجتياح ~~جرثومة(1) الإسلام. وأما الثاني فهل يكون بإمام أو من غير إمام، فيه خلاف، والقوي أنه ~~لا يشترط فيه الإمام؛ لأن المعتمد في وجوب قتالهم آية السيف، وهي قوله تعالى: (فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم)(2) والخطاب لجميع مشركي العرب، ولم يفصل بين وجود ~~الامام وعدمه. # الحكم الثالث يجوز نصب المجانيق عليهم ودق الأمراء وإحراقهم بالنيران إذا تحصنوا في ~~قلاعهم، وأن يفعل بهم من أنواع العذاب والنكال ما يؤدي إلى استنصال شأفتهم وقطع ~~دابرهم، ويجوز نصبها عليهم وإن علم أن فيهم النسوة والصبيان، لأن النبي عليه الصلاة ~~والسلام نصب المجانيق ms499 على الطائف وشن الغارات على بني المصطلق فقتل له في النساء ~~والصبيان، فقال: لهم منهم"(3. # في الصحيحين من حديث ابن عباس بأوله إلى قوله: "فادعهم إلى الإسلام". وفيه بعد ذلك زيادة ليست هنا، وأما ~~الجزية فرواه أحمد وأبو داود والنساني والترمذي والدارقطني وابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث مسروق ~~عن معاذ، صحيح مسلم (كتاب الجهاد والسير- باب تأمير الامام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب ~~الغزو وغيرها) 4/2 75، المتقي: كنز العمال 4/ 480 وفيه: وإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. # ا- جزثومة الشيء، بالضم: أضله. القاموس المحيط: مادة جرم. # 2- سورة التوبة: آية5. وقد جاء في الأصل: اقتلوا المشركين. # و- أخرجه البخاري (كتاب الجهاد والسير - باب أهل الدار يبيتون فيصاب الولدان والذراري) 61/4، حديث رقم ~~3049، مسلم (كتاب الجهاد والسير- باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد) 757/2، رفم ~~4647. ورواه ابن ماجه (كتاب الجهاد- باب الغارة والبيات وقتل النساء والصبيان) ص14، حديث رقم 2946. PageV00P626 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنرحيد ~~الحكم الرابع فيمن يمتنع من قتله، وهم المرآة والصبي والشيخ والعسيف، فإن هؤلاء لا ~~يقتلون لضعفهم وعجزهم عن القتال، ولما روي أنه عليه الصلاة والسلام رأى امرأة ~~مقتولة فتغير وأنكر، وقال: "الحقوا خالدا وقولوا له لا تقتل عسيفا ولا امرأة"(1). فإن كان ~~الشيخ ذا رأي وتدبير في الحرب وحضر الوقعة قتل؛ لأن دريد بن الصمة قتل في أوطاس ~~وكان ابن مائة وخمسين سنة، فإن لم يحضر لم يقتل. # الحكم الخامس لو تترس المشركون بأولادهم جاز رمي الترس وقتله باعتبار أمور ثلاثة: ~~أاحدها أن يكون رمي الترس عن ضرورة بحيث لا يمكننا قتلهم إلا بقتل الترس. # وثانيها أن قطعنا بحيث لو كففنا عن رمي الترس قطعنا بقتلهم للمسلمين. # وثالثها أن يكون كليا بحيث لو امتنعنا عن رمي الترس لحصلوا على جميع المسلمين قتلا ~~ال و أسرا. فاجتماع هذه الأمور الثلاثة تنقدح المصلحة في رمي الترس وتقطع بوجوبه. # فإذا اختل شرط من هذه لم يبعد أن يكون في موضع الاجتهاد، والله أعلم. # التصرف الثاني في أنفس الكفار بالرق ~~وهو جائز ms500 وينزل منزلة الاغتنام في الأموال، ويرتبط بالرق أحكام ثلاثة: ~~الحكم الأول علقة النكاح والمرأة الحربية إذا سبيت وهي منكوحة فنكاح الحربي منقطع ~~عندنا سواء سبيت معه او منفردة عنه. # - أخرجه أبو داود في سننه (كتاب الجهاد - باب في قتل النساء) 455/2، حديث رقم 2671، بلفظ:"قل ~~خالد، ورواه أحمد في المسند 25/ 370، حديث رقم 15992 بلفظ: "الحق خالدا فقل له لا تقتلوا ذرية ولا ~~عسيفا". ورواه الحاكم في المستدرك كتاب الجهاد 133/2، حديث رقم 2565 بلفظ : "الحق بخالد بن الوليد فلا ~~يقتلن ذرية ولا عسيفا". PageV00P627 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الحكم الثاني علقة الولاء وهو أن يعتق المسلم عبدا له كافرا ثم يلحق العبد بدار الحرب ~~فإذا ظهر المسلمون عليهم فالأقرب على المذهب أنه لا يسترق؛ لأن فيه قطعا لولاء المسلم ~~المعتق، وهو لازم لا يقبل القطع بخلاف النكاح. # الحكم الثالث علقة الدين وهو أن يكون لمسلم على حربي دين، فإذا ظهر عليهم ~~فالأقرب أنه يسترق ولا يسقط الدين عن ذمته بالرق. وفائدة لزومه له أن للمسلم أن ~~يطالبه به على بعض الحالات، وهو أن يعتق، فهكذا يجري التصرف في أنفسهم كما ذكرنا. # التصرف الثالث في أموال الكفار بالإتلاف ~~وذلك محرم؛ لأن فيه إضاعة المال، وقد نهي عن الأضاعة؛ ولأن فيه نفعا للمسلمين فلا ~~يجوز إتلافه، وعرج عما ذكرنا النظر في أمور ثلاثة: ~~الأول إحراق النخيل وقطع الأشجار غيظا لهم إن رأى الإمام ذلك، فإن النبي عليه ~~الصلاة والسلام قد قطع أشجار بني قريظة ونخيلهم نكاية هم وجزاء(1)، كما قال تعالى: (ما ~~قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين)(2). # 1 - أخرج البخاري (كتاب المغازي - باب حديث بني النضير وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم في دية ~~الرجلين وما أرادوا من الغدر برسول الله) 8/5، حديث رقم 4081: عن ابن عمر رضيي الله عنهما قال: حرق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع. وهي البويرة، فنزلت (ما قطعتم من لينة أو تركتموها ~~قائمة على أصوفا ms501 فبإذن الله). مسلم (كتاب الجهاد والسير - باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها) 757/2، ~~حديث رقم 4150. والترمذي (كتاب السير باب في التحريق والتخريب) حديث رقم 1552. كلها ذكرت ~~القطع والحرق لأشجار بني النضير دون بني قريظة. # 2- سورة الحشر: آية5. PageV00P628 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الثاني البهائم ولا يجوز قتلها إن أمكن سوقها والانتفاع بها، فإن تعذر سوقها ذبحت ~~غيظالهم وقطعا لهم عن الانتفاع بها، هذا كله فيما لا يؤكل، فأما ما يؤكل منها فذبحه سائغ ~~بكل حال، فأما فرس الكافر فلا بأس بقتلها؛ لأن في قتلها توصلا إلى قتله. # الحكم الثالث كتبهم المشتملة على الكفر وأنواع الإلحاد والهجو يجب إحراقها وإتلافها، ~~وهل يجوز إيقاؤها لأن يعرف منها مذاهبهم وتبطل بها شبههم، فيه تردد نظر، والأقرب ~~احراقها، لأن الغرض ببقاء كتبهم الاستعانة بها على إبطال مذاهبهم والرد عليهم، وفي ~~احراقها ومحوها راحة عنه وتعفية لأثارها. # التصرف الرابع في أموالهم بالاغتنام ~~ويتعلق النظر فيها بذكر طرفين: ~~الطرف الأول في جنس الأموال المغنومة ~~واعلم أن جميع ما أخذه المسلمون المجاهدون لأعداء الله على سبيل القهر والغلبة فهو ~~غنيمة، وهو أجناس آربعة: ~~الأول أنفسهم وذراريهم صغارهم وكبارهم وذكورهم وإناثهم وعبيدهم، فهذه كلها ~~فيء للمسلمين. # الثاني دورهم وعقارهم وضياعهم ~~الثالث الأمور المنقولة نحو السلاح والأثاث وسائر المنقولات. # الرابع الأمور المتاحة نحو الصيد والحشيش وما أشبهه، فكل هذه الأشياء فيء تجب ~~قسمته على الغانمين. PageV00P629 # ============================================================ ~~السهيد شح معالير العدل والتوحييل ~~الطرف الثاني في حكم المغنم، وله أحكام كلية: ~~الحكم الأول جواز البسط في الأطعمة الموجودة في دار الحرب ما داموا فيها، والضبط ~~في جنس المأخوذ أن يكون مما يتسارع إليه الفساد، ويلتحق به علف الدواب من الشعير ~~والتبن، فأما غيرها كالعسل والسكر فلا يلتحق، وإنما يلتحق بالأثواب والأمتعة، فلا يوجد ~~شيء منه حتى تجري فيه القسمة، فأما الفواكه ففيها تردد نظر والأقرب التحاقها بالأطعمة، ~~فيجوز التناول منها قبل القسمة؛ لأنها مما يتسارع إليها الفساد. # الحكم الثاني في الغنيمة متى تملك وفيه احتمال والأقرب ثبوت حق الغانمين فيها قبل ~~القسمة ms502 كما نقول في الشفعة، وثبوت الملك بغير القسمة. # الحكم الثالث تصرف آحاد الغانمين في الغنيمة بالبيع والصدقة والهبة والعتق باطل؛ ~~لأن قرار الملك غير حاصل، وهذه الأحكام إنما تتبع الملك المستقر دون ما ليس بمستقر. # الحكم الرابع أخذ الصفي(1) وهو للإمام يأخذ ما شاء من الغنيمة قبل القسمة مما يختار ~~من سيف أو فرس أو جارية. # الحكم الخامس جواز التنفيل على قدر ما يراه الإمام مصلحة. فهذه أحكام كلية للغانم ~~فأما أحكامها المفصلة فليس من غرضنا ذكرها، وهو بكتب الفقهاء أليق. # - الصفي هو ما اختاره الرئيس لنفسه قبل القشمة (ج) صفايا. وهي - عند المالكيه والحنفية والحنابلة - شيء ~~نفي كان يصطفيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفه من الغنيمة قبل القسمة، كسيف، أو فرس، أوأمة. وقد ~~اصطفى رسول الله سيف منبه بن الحجاج يوم بدر وهو ذو الفقار واصطفى صفية بنت حي. المصباح المنير مادة ~~ر PageV00P630 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~المرتبة الثانية عقد الأمان لهم ~~وهو عقد صحيح وهو من مصالح القتال، وهو عقد مشروع، وقد عقد رسول الله صلى ~~الله عليه صلح الحديبية بينه وبين قريش على وضع الحرب بينهم عشر سنين وكان صلحا ~~عظيم البركة على المسلمين أعطاهم الله بسببه النصر والظفر، وهو ينقسم إلى عام وخاص. # فأما العام فهو أمان أهل القطر والناحية وهذا منوط برأي الإمام لا سبيل للآحاد إلى ~~عقده إلا بأمره؛ لأنه من الأمور العامة ومقتضى الولاية. # وأما الخاص فما يتعلق بالآحاد والبحث فيه متعلق بأمور ثلاثة: ~~أحدها في أركان هذا العقد. وثانيها في شرائطه. وثالثها في أحكامه. # البحث الأول في أركان هذا العقد ~~وأركانه ثلاثة: العاقد والمعقود عليه، وصيغة العقد. # الركن الأول في العاقد، والذي يصح أمانه كل بالغ عاقل مستقل بالتصرف، فقولنا بالغ ~~احتراز عن الصبي؛ فإن أمانه غير صحيح، وقولنا عاقل احتراز عن المجنون فإن أمانه لا ~~يصح، وقولنا مستقل احتراز عن الأسير في أيدي الكفار إذا أمن أحدا منهم فإن أمانه لا ~~يعتد به، فمن استكمل هذه الأوصاف كان ms503 أمانه صحيحا رجلا كان أو امرأة؛ لأن زينب ~~بنت رسول الله صلى الله عليه وآله أمنت زوجها العاص بن الربيع. # الركن الثاني في المعقود عليه وهو كل واحد أو عدد محصور من الكفار، فلو أمن أحد ~~جمعا من الكفار غير محصورين كأهل ناحية فالأمان مردود، وكل أمان ينحسم به الجهاد ~~فهو مردود. PageV00P631 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~الركن الثالث صيغة العقد وهو كل لفظ مشعر بالأمان ومفيد له سواء أفاده تصريحه أو ~~كتابته، والإشارة المفهومة تقوم مقام اللفظ فلو أشار مسلم إلى كافر في الصف فانحاز ~~الكافر إلى المسلمين، فإن قال المسلم: ما أردت الأمان. وقال الكافر: فهمت الأمان. فهو ~~آمن لا يعترض له. # البحث الثاني في شرائط هذا العقد ~~وله شرطان: ~~أحدهما ألا يكون فيه إضرار بالمسلمين، فإنه لا خير في أمان لا تؤمن عاقبته، فلو أمن ~~أحد من المسلمين طليعة للكفار أو جاسوسا رد الأمان وجاز قتل هؤلاء؛ لأن في إدخالهم ~~الى دار الإسلام ضرر ظاهر. # وثانيهما أن يكون الأمان له مدة مقدرة، فلو كان متأبدا فسد، ويجوز في أربعة أشهر وما ~~دونها وما فوقها إلى مقدار السنة ولا يجوز الزيادة إلى ما فوق السنة إلا أن يكون بالمسلمين ~~ضعف جاز ذلك. # البحث الثالث عن أحكامه ~~وأحكامه أربعة: ~~الأول أن الأمان جائز من جهة الكفار، ومعنى جوازه أنهم مهما أحيوا نبذ العهد نبذوه، ~~وواجب من جهة المسلمين لا يجوز لهم رده ونبذه، فمن أمن كافرا لا يجوز له نبذ الأمان إليه ~~إلا أن يخشى من جهته خيانة فله أن ينبذ العهد إليه. # الحكم الثاني إن مسلما لو أمن كافرا فرد أمانه كان مردودا، وكان لا حكم هذا الأمان. PageV00P632 # ============================================================ ~~الهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~الحكم الثالث ألا يتعرض لنفسه ولا لماله الذي معه، ولا خلاف فيه هذا إذا تعرض ~~للمال في الأمان، فإن لم يتعرض للمال ففي سراية مطلق الأمان إلى المال نظر، والأقرب أنه لا ~~ال يسري إذا لم يتعرض له في الأمان. فأما أمواله الغائبة فلا خلاف ms504 أنه لا يسري الأمان إليها، ~~بل يجب أن تكون مغنومة. # الحكم الرابع مهما صح الأمان وجب ضمان ماله إذا تلف والكفارة على قاتله، فهذا هو ~~الكلام على الصنف الأول من الكفار الذين لا يتعلقون بكتاب ولا يتدينون بشريعة. # الصنف الثاني من أصناف الكفار وهم الذين دانوا بالشرائع وبعثت إليهم الرسل ~~بالكتب المنزلة كاليهود والنصارى. # فأما المجوس فالحق عندنا أنهم ليسوا من أهل الكتب لقوله عليه الصلاة والسلام: ~~لاسنوا بهم سنة أهل الكتاب"(1). ولو كان لهم كتاب لأقروا عليه كغيرهم، وكيفية المعاملة ~~لهؤلاء لا تخلو إما أن تكون في عقد الذمة أو أخذ الجزية، فهاتان مرتبتان: ~~المرتبة الأولى في عقد الذمة لهم وينحصر المقصود منه بذكر أركان هذا العقد وذكر ~~أحكامه ~~فهذان مطلبان: ~~المطلب الأول في أركان العقد وهي أربعة: العاقد والمعقود له، والمكان الذي يحل لهم ~~الوقوف فيه، وصيغة العقد. # - المتقي: كنز العمال 502/4حديث رقم 11490. والزيلعي: نصب الراية 3/ 170. وضعفه الألباني في إرواء ~~الغليل 88/5 حديث رقم 1248. PageV00P633 # ============================================================ ~~الشبيد شح معالم العدل والتوحيل ~~الركن الأول في العاقد، وهذا العقد من الأمور العامة التي لا تتولاها إلا الأئمة أو من ~~يلي من قبلهم، فإن تعاطاه أحد من الآحاد كان فاسدا ويجب رده. # الركن الثاني المعقود له والذي تعقد له الذمة كل كتابي عاقل بالغ ذكر متأهب للقتال ~~قادر على الجزية، ولا بد من اعتبار هذه القيود، فقولنا: كتابي. يندرج فيه اليهود والنصارى ~~على فرقهم وطوائفهم ويخرج عنه عبدة الأوثان والأصنام والشمس وسائر الفرق الكفرية ~~من ليس له كتاب، فهؤلاء لا يعقد لهم ذمة ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل كما ذكرنا في ~~مشركي العرب وأهل الحرب، ولو ظهر أقوام كفار وزعموا أنهم أهل كتب كالزبور ~~وصحف إبراهيم هل نقبل قولهم أم لا ؟ ففيه تردد فيحتمل وجهين: ~~أحدهما أن قولهم يقبل؛ لأنهم في معنى اليهود والنصارى وهم أهل الكتب، ونحن لا ~~نعول في كونهم أهل كتاب إلا على قولهم إذ لا سبيل إلى العلم بكونهم أهل كتاب إلا من ~~وثانيهما أن قولهم في ms505 ذلك غير مقبول لأنه لا ثقة بهم ولا تعويل على كلامهم. والحق أنه ~~لا تقبل أقوالهم لأن هذه الكتب قد اندرست وخفي أثرها، ونحن على قطع من السلف ~~أنهم لا يعلقون حكم أهل الكتاب على غير أهل التوراة والإنجيل. وقولنا: عاقل. يحترز ~~عن المجنون والمغمى عليه فلا يؤخذ من هذين جزية، فأما من يفيق تارة ويجن آخرى ففيه ~~تردد، والأولى الحكم بالأغلب في حقه، فإن استويا سقطت الجزية، وقولنا: بالغ، يحترز به ~~عن الصبي فإنه لا يؤخد منه جزية، وقولنا: ذكر، يحترز به عن الامرأة فلا تؤخذ من امرأة ~~جزية؛ لأنها لا تقاتل، وقولنا: متأهب للقتال، يحترز به عن الشيوخ والزمنى وأصحاب ~~الصوامع، فإن هؤلاء يتعذر عليه القتال لضعفهم فأعفوا عن الجزية، وقولنا: قادرا على أداء ~~الجزية، احتراز عن الفقير الذي لا يكتسب؛ فإن للفقر مدخلا في إسقاط الغرامات المالية، ~~فهذه القيود لا بد من مراعاتها في أخذ الجزية. PageV00P634 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالم العدل والترحيل ~~الركن الثالث في المكان الذي يؤذن لهم في استيطانه ~~واعلم أن تقريرهم سائغ في جميع النواحي إلا جزيرة العرب، فلا ينبغي تقريرهم فيها ~~ولا يسوغ لهم استيطانها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا يجتمع في جزيرة العرب ~~دينان"(1). وقال عليه الصلاة والسلام: "لو عشت أخرجت اليهود من جزيرة العرب"(2). # وقد أجلاهم عمر من جزيرة العرب، وقد ذكر العلماء في حد جزيرة العرب أنها مكة ~~والمدينة واليمامة والطائف وما يتعلق بهذه النواحي، فهذه الجهات لا سبيل لهم إلى الوقوف ~~فيها، ويؤذن لهم فيما عداها. # الركن الرابع في نفس العقد وصيغته أن يكون العقد مشتملا على ذكر أمرين: ~~أحدهما ذكر مقدار الجزية. والثاني ترك التعرض باللسان عن السوء في حق الله وحق ~~ال رسوله وسائر المسلمين، كما سنذكره في أحكام العقد. فهذه الأركان في العقد لا بد من ~~اعتبارها. # 1 - الهيئمي: مجمع الزوائد (كتاب الجهاد - باب في جزيرة العرب وإخراج الكفرة) 5/ 325، وفيه: لا ينزل. رواه ~~أحمد والطبراني في الأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد ms506 صرح بالسماع، البيهقي: السنن ~~الكبرى: 208/9. # 2- أخرجه مسلم (كتاب الجهاد والسير - باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب) 769/2، حديث ~~رقم 4693، الترمذي (كتاب السير باب ما جاء في إخراج اليهود والنصارى) حديث رقم 1606. كنز العمال ~~507/4 حديث رقم 11502 بزيادة: "حتى لا يبقى فيها إلا مسلم". السلسلة الصحيحة: 125/3 برقم 1134 ~~بلفظ: "لثن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أترك فيها إلا مسلما"". PageV00P635 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والتوحيل ~~المطلب الثاني في أحكام العقد بعد تمامه ~~وله أحكام: الأول الكف عنهم، فلا يتعرض لنفوسهم وأموالهم وذراريهم ونسوانهم، ~~ولا تراق خمورهم، ولا تقتل خنازيرهم، ولا يمنعون عن الوقوف في كنائسهم ومن ~~عبادتهم في آماكنهم. # الحكم الثاني الذب عنهم، ومعناه أنه إذا قصدهم الكفار وأرادوا قتلهم واصطلام(1) ~~أموالهم وهم مستوطنون لبلاد الإسلام، فلا خفاء بوجوب الدفاع عنهم لحرمة دار ~~الاسلام، فأما إذا كانوا في بلد قريبة من بلاد الكفر غير متصلة بديار الإسلام فإنه لا يجب ~~الدفاع عنهم؛ لأنها غير متصلة ببلاد المسلمين: ~~الحكم الثالث الوفاء بما عوهدوا عليه من الجزية كما سنذكره. # الحكم الرابع الانكفاف عن إظهار الخمور وإحداث الكنائس وترك المناكير كلها إلا ما ~~عوهدوا عليه مما آبيح لهم في شرعهم. # الحكم الخامس يحمل الزي الذي ينفصلون به عن المسلمين وترك المطاولة للمسلمين في ~~عمارات المساكن وترك ركوب الخيول، فهذه مجامع أحكام العقد بعد تمامه، فإن أخلوا بشيء ~~من هذه الأمور كلها كان نقضا للعهد، وهذا كاف في هذا الموضع. # المرتبة الثانية في أخذ الجزية منهم، والنظر فيمن تؤخذ منه الجزية ومن لا تؤخذ منه، ~~ومقدار المأخوذ، وكيفية الأخذ. # فهذه أطراف ثلاثة: ~~1 بمعنى استنصال. PageV00P636 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~الطرف الأول فيمن تؤخذ منه ومن لا تؤخذ، فتؤخذ من كل كتابي كما قدمنا ولا تؤخذ ~~من مشركي العرب، ويعرض عليهم الإسلام فإن أبوا قتلوا. # الطرف الثاني مقدار المأخوذ وتؤخذ منهم الجزية على طبقاتهم في الإيسار والإعسار، ~~ولهم ثلاثة أحوال: الحالة الأولى حالة فقرائهم ويؤخذ منهم اثنا عشر ms507 درهما، والحالة الثانية ~~حالة أوساطهم ويؤخذ منهم آربعة وعشرون درهما، الحالة الثالثة حالة الأغنياء منهم ~~ويؤخذ منهم ثمانية وأربعون درهما، وبعض العلماء يقول: يؤخذ من كل حالم دينار. # ال ويسوي بين الفقير والغني والمتوسط. # الطرف الثالث في كيفية الأخذ، وينبغي للإمام أن يعاملهم بالتحقير والإهانة عند أخذ ~~الجزية كما أشار إليه تعالى في قوله: (حتى يغطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)(1) والغرض ~~جريان الأحكام وهم في غاية الذلة والصغار، وكيفية تصغيرهم أن يطأطى الذمي رأسه ~~عند اعطاء الجزية، ويأخذ المستوفي بلحيته عند صبها في كفه، ويضرب بيده في لهازمه، فهذا ~~هو الكلام في مقاتلة الكفار، وبتمامه يتم الكلام في النظر الأول من الكلام في دار الإسلام ~~والكفر. # النظر الثاني في الكلام في دار الفسق ~~حكي عن الشيخ أبي علي أنه أثبت للفسق دارا إذا اختصت بالمذاهب كدار الخوارج، ~~وفائدتها الحكم على مجهول العين بالفسق كدار الكفر، فأما ما يتعلق بأفعال الخوارج فلم ~~يقل بأنها تصير دار فسق لأجلها، وقد حكي عن جعفر بن مبشر أنه جعل الدار دار فسق إذا ~~ظهر فيها المنكر وسائر الفسوق وأنواع الفواحش في الأسواق والطرق من غير إنكار ولا ~~1- سورة التوبة: آية 29. PageV00P637 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~قمع، وقال: إنها تصير دار فسق بما ذكرناه، وأما الشيخ أبو هاشم فلم يثبت للفسق دارا كما ~~أثبت للكفر دارا، فهذا هو المختار عندنا. ويدل عليه وجهان: ~~أحدهما أنا أثبتنا دار الكفر ودار الإسلام لدلالة قامت وحجة شهدت، فاعتبرنا في ذلك ~~أدلة الشرع وطرقه، وحكمنا في كل شيء بموجب دليله، فأما دار الفسق فلم تقم على ثبوتها ~~دلالة، ولا شهدت على حكمها أمارة، فلا معنى للحكم عليها بأنها دار فسق من غير دليل. # ال وثانيهما أن جميع أحكام الدار الإسلامية حاصلة في دار الفسق، فلا معنى لإثباتها دار ~~فسق من غير حكم تختص به وتتميز به من دار الإسلام؛ لأن ما يختص دار الإسلام من ~~المناكحة والموارثة والدفن وأكل الذبيحة حاصل في دار الفسق، فكيف يقال بأنها متميزة ms508 ~~عن دار الإسلام، لا يقال: أليس للفساق أحكام تختصهم من المعاداة لهم واللعن وترك ~~الصلاة عليهم وترك الانقياد لأوامرهم إذا كانوا أمراء أو حكاما وغير ذلك، وليس كذلك ~~حال من يوجد في دار الإسلام، فلهذا قلنا بثبوت دار الفسق؛ لأنا نقول: أما المعاداة واللعن ~~لهم فليس بحكم يختص الأعيان حتى لا يصح فعله إلا فيهم وفيمن يتميز لنا حاله، بل ~~ل يكفي في ذلك الموالاة لأولياء الله والمعاداة لأعدائه، وهكذا اللعن والذم، وأما الصلاة ~~خلفه وترك الانقياد لأمره فليس بحكم يختص الدار لوجود(1) هذا الحكم له في المؤمن على ~~بعض الوجوه، فإذا بطل أن يكون هذه الدار حكم تختص به وتتميز به عن غيرها وجب ~~بطلانها. # النظر الثالث فيما يتعلق بالكلام في دار الوقف ~~وقد ذهب ذاهبون إلى أنه لا يمتنع أن يكون هاهنا دار وقف، وذكروا في صورتها أنه إذا ~~كان فيها مؤمنون وكافرون ولا مزية لأحد الفريقين على الآخر في كثرة ولا شوكة ولا غلبة ~~ا- جاءت في الأصل: لوجودها. PageV00P638 # ============================================================ ~~السهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~فإنها دار وقف. وفائدتها أنا إذا وجدنا فيها ميتا أنا نتوقف فيه ولا نحكم فيه بحكم المؤمنين ~~ولا بحكم الكافرين، وهكذا القول في سائر الأحكام يجب التوقف فيها. # وذهب سائر الشيوخ إلى أنه لا معنى لهذه الدار ولا حكم لها وإنما الواجب أن يرجع في ~~كل أحد إلى ما يظهر فيه من الأمارات، فإن ظهرت فيه أمارات الإسلام حكمنا له ~~بالاسلام، وإن ظهرت فيه أمارات الكفر حكمنا عليه بالكفر، وإن لم يظهر فيه شيء وجب ~~الوقف في حاله، وإنما وجب التوقف في حاله لعدم الأمارة لا لأمر يختص الدار. # فإن أراد المريد بكونها دار وقف هذا المعنى فهو صحيح، وإن أراد أن التوقف إنما وجب ~~لأمر يختص الدار فهو خطأ لا وجه له؛ لأن التوقف إنما وجب لأجل عدم الأمارة كما ~~ل ذكرناه لا لأجل أمارة تختص بالدار، فهذا آخر الكلام على الفصل الثاني فيما يتعلق بأحكام ~~الدار. # الفصل الثالث فيما يتعلق بالإقامة في ms509 البلد والانتقال عنها. # اعلم أن للكلام في السكون في البلد واستيطانه تعلقا بما نحن فيه، وذلك لأنا لما ذكرنا ~~حكم الدور وانقسامها وما يختص بها من الأحكام فكان أخص أحكام الدور الوقوف ~~والاستيطان بها وما يحل من ذلك وما لا يحل، ذكرنا على إثر ذلك ما يحل المقام فيه من ~~البقاع وما لا يحل؛ ليحصل المقصود بتمامه. # واعلم أن خلاف الناس في البلد الذي يحل المقام فيه والذي لا يحل طويل، وخلافهم ~~وإن كثر لكنه لا يخرج عن ثلاثة أوجه: ~~الوجه الأول ذهب كثير من الناس إلى أنه لا يحل للمؤمن أن يقيم في البلد الذي يغلب ~~فيه مذهب التشبيه والجبر أو غيرهما من أنواع الكفر، ثم هؤلاء فريقان: منهم من يقول: إن PageV00P639 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~ذلك لا يحل إذا كانت الدار دار كفر، فأما إذا كانت الدار دار إسلام جاز المقام فيه. ومنهم ~~من يقول: إن ذلك لا يحل أيضا سواء كانت الدار دار كفر أو إسلام. # الوجه الثاني ذهب طوائف إلى أنه لا يحل لمؤمن أن يحل في بلد البغاة والخوارج، ~~واختلفوا في علة المنع من ذلك، وصاروا فرقا أربعا: فمنهم من قال: إنه حرم ذلك لأنه ~~يكون مكثرا لسوادهم ومقويا لحالهم، فلا يحل له المقام بينهم. ومنهم من قال: إنه بمقامه ~~معهم مع تمكنه من الخروج يصير في حكم الراضي بما هم عليه، فيلزمه الخروج لئلا يلزمه ~~الرضا. ومنهم من قال: يلزمه الخروج، لأنه إذا وقف بين أظهرهم فقد أعانهم على بغيهم بما ~~يؤخذ منه من خراج وغيره. ومنهم من قال: إنما حرم عليه المقام لاختلاط الأموال؛ لأنهم ~~يأخذون من غير وجهه ويضعونه في غير حقه، فإذا كان الأمر هكذا لم يحل له المقام. # الوجه الثالث ذهب ذاهبون إلى أنه لا يحل المقام في البلد الذي يغلب عليها السلطان ~~الجاثر، وهم فريقان: فمتهم من قال: لا يحل له المقام في بلد الظالم إذا كان متمكنا من المقام ~~في بلد الإمام العادل أو من يجري مجراه، ms510 فأما إذا كانت البلاد أجمع بهذه الصفة لم يحرم عليه ~~المقام معه. ومنهم من قال: إنما لم يحل له المقام مع الظالم؛ لأنه يشاهد المعاصي من ظلم ~~وجور وغيره ولا يمكنه التغيير، فلا يحل له الوقوف. # فهذا خلاف الناس كما ترى، وزعم هؤلاء أن الوقوف في هذه الأمكنة فتنة في الدين، ~~ل و تعلقوا بقوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) (1) ونحن إذا ~~أردنا إيضاح ذلك وبيان المختار فيه تكلمنا في مواضع البحث منها وهي ثلاثة: ~~1- سورة العنكبوت: آية56. PageV00P640 # ============================================================ ~~النسهيد شح معالمر العدل والنوحيد ~~البحث الأول فيما يحل من المقام في دار الكفر وما لا يحل ~~اعلم أنا قد بينا أن دار الكفر مختصة بأحكام: وهي المنع من المناكحة والموارثة والدفن ~~وغيرها، فنقول: من وقف من المسلمين في دار الكفر فلا يخلو حاله إما أن يكون متميزا عن ~~أهلها أو غير متميز، فإن كان غير متميز كان مقامه فيها حراما محضا لا يحل له ذلك؛ لأنه ~~بوقوفه في دار الكفر متعرضا لأحكام لا يجوز إجراء شيء منها عليه فضلا عن جميعها، فإذا ~~كان لا ينفصل حاله عن حال من فيها لم يحل له الوقوف فيها، وإن كان حاله متميزا عن ~~أهلها جاز له ذلك؛ لأنه بتميزه قد خرج عن إجراء شيء من هذه الأحكام عليه، والتميز ~~يكون على وجوه: إما بسبب شهرته، وإما بعلم يختص به، وإما برآي يتميز به عن غيره، آو ~~بغير هذه الأمور. # وعلى الجملة فإن المقصود هو التميز، فبأي وجه كان تميزه جاز له المقام فيها، ويدل على ~~ما قلناه من إباحة المقام له في دار الكفر مع التميز وجهان: ~~أحدهما أنه لا خلاف في جواز دخول دار الحرب للتجارة وعلى وجه الرسالة من الإمام ~~أو المسلمين، وإنما جاز ذلك لأنه يقصد التجارة ويحمل الرسالة، وكونه على قصد المفارقة ~~وعزيمة الخروج منهم قد تميز حاله عنهم، فهكذا نقول في حال من كان متميزا عنهم بوجه ~~مايسوغ له الوقوف. # وثانيهما أنا إنما منعنا ms511 من المقام في بلد الكفر لما يتعرض من إجراء الأحكام الكفرية عليه، ~~ومع التميز لا يجري عليه شيء منها، فلهذا سوغنا له الوقوف فيها على هذا الوجه. لا يقال: ~~فيلزم على قولكم هذا ألا يحل له المقام في بلد يغلب عليه مذهب الخوارج؛ لأنه يصير ~~متعرضا لإجراء أحكام الفساق على نفسه؛ لأنا نقول: ليس لدار الفسق حكم كما ذكرنا من ~~قبل فيقال: إنه بالمقام فيها قد تعرض له، فلا مانع من جواز مقامه هناك. لا يقال: فهب أنا PageV00P641 ~~============================================================ ~~الشهيد ش معالمر العدل والتوحيل ~~قلنا: إنه ليس للفسق دار كما زعمتم، أليس إذا كان واقفا معهم يعتقد فيه أنه فاسق مثلهم، ~~فيلزمه إزالة هذه التهمة عن نفسه، كما يلزمه ألا يتعرض لأجراء الأحكام الكفرية على ~~نفسه، فهلا حرم المقام عليه فيها. # لأنا نقول: إنا لا ننكر وجوب إزالة هذه التهمة عن نفسه، فإن أمكن إزالتها عنه مع ~~المقام حل له المقام. وإن انتهينا في التصوير إلى أنه لا يمكن إزالتها عن نفسه إلا بالخروج ~~اال وجب عليه الخروج لا محالة. # فحصل من مجموع ما ذكرناه أنه لا يمتنع المقام في دار الكفر إذا كان حال المقيم متميزا ~~عن حالهم، بل نقول: لا يبعد أن يجب الوقوف في دار الكفر على العلماء والأفاضل؛ لأن في ~~ال وقوفهم فيها دعاء إلى الله تعالى وإعزاز للدين وتقوية لكلمة الإسلام وحل الشبه عن ~~النفوس، وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وآله في مكة على الأذية صابرا لله محتسبا داعيا ~~إلى الله تعالى معزا لكلمة الدين هو وأصحابه، وما خرج منها إلا أنهم أخرجوه وأذن الله له ~~في الهجرة عنها. # فأما ما روي عنه صلى الله عليه وآله من قوله: "أنا بريء ممن أقام في دار الشرك" (1). # وقوله: "لا يحل لمسلم أن يقيم مع مشرك بحيث يترائى نيرانهما"(2). فإنه محمول عندنا ~~على المقام بحيث لا يقع بينهما تميز كما ذكرناه. # ا- المتقي: كنز العمال 384/4 حديث رقم 11030، ورد بلفظ: "برئت الذمة ممن أقام مع المشركين في ms512 ~~ديارهم. والألباني: السلسلة الصحيحة 398/2 حديث رقم 768 بلفظ: في بلادهم. وقال: حسن ~~2- أخرجه أبو داود في سننه (كتاب الجهاد - باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود) 450/2، رقم 2647 ~~بلفظ: " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قالوا: يا رسول الله لم ؟ قال: 9 لاتراءى ناراهما. # والترمذي (كتاب السير باب كراهية المقام بين أظهر المشركين) حديث رقم 1604. قال عنه الألباني: حديث ~~ن انظر صحيح الجامع الصغير 306/1 حديث رقم 1461. PageV00P642 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~البحث الثاني في حكم المقام في البلد الذي يظهر فيها بعض أنواع الكفر من التشبيه ~~وغيرهما من الخصال الكفرية. # اعلم أن في الناس من ذهب إلى أنه لا يحل المقام في البلد الذي يظهر فيه بعض خصال ~~الكفر كما قدمنا خلافهم، وهذا خطأ، فإنه يحل لكل مسلم المقام فيما هذا حاله كسائر البلاد، ~~ولا يحرم عليه المقام فيه إلا بحصول أحد أمرين: أحدهما أن يؤخذ فيه بترك شيء من ~~الواجبات. وثانيهما أن يؤخذ بالاقدام على بعض المحظورات، فمتى كان بالإقامة في هذا ~~البلد يؤخذ بأحد هذين الأمرين فلا يحل له المقام فيه، ومتى سلم من هذين الأمرين فلا ~~يمتنع عليه الإقامة فيه، وحل له الوقوف فيه، ويدل على جواز الوقوف أمران: ~~أحدهما أنه معذور في ترك النكير على هذه الخصال، ولم يؤخذ بالمقام في هذا البلد ~~باخلال بواجب ولا إقدام على محظور، فلا مانع يمنع من الوقوف فيه كسائر النواحي ~~المتاحة. # وثانيهما أنه لو منعنا من المقام في هذا البلد لأجل ظهور بعض أنواع الكفر لمنعناه من ~~الوقوف مع ظهور بعض المعاصي، وإن لم نشاهده، أو لأن في بعض الدور منكرا وإن لم ~~ي لزمه فيه تكليف، والجامع بينهما كونهما منكرين، وهو معذور في ترك النكير عليهما، وهذا ~~لا قائل به، فثبت بما ذكرناه أنه لا مانع من المقام في البلد الذي يظهر فيه بعض خصال الكفر ~~إذا كان الحال ما ذكرناه. # وتمام تقرير الدليل بايراد أسثلتهم ودفعها ~~ل وهي خمسة: السؤال الأول ms513 قالوا: إن في مقامه في البلد الذي يظهر بعض هذه الخصال ~~الكقرية فيه إظهار للرضا بالمنكر، فيجب أن يحرم عليه مقامه فيه، وأن يلزمه الخروج منه ~~والا كان راضيا بالمنكر وهو قبيح. PageV00P643 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والتوحيل ~~وجوابه أن السكوت عن إنكار المنكر والكف عن منعه ليس يكون دلالة على الرضا إذا ~~كان معذورا في ترك النكير عليه، فما المانع من مقامه في البلد الذي وصفنا حاله مع إظهار ~~الكراهة بقلبه ولسانه وبذل المجهود في كراهته بحسب الطاقة. # السؤال الثاني قالوا: إذا كان الغالب في هذه البلدة ظهور الكفر في الجوامع والأسواق ~~ل والطرق والمحافل ولا يمكنه المنع من ذلك ولا النكير مع ذلك(1)، ففي مقامه فيه إذلال ~~للدين وحط لقدره، فيجب عليه الانتقال عنه. # ال وجوابه أنا لا نسلم أن في مقامه إذلالا للدين، فإن المعلوم أن الرسول عليه الصلاة ~~والسلام كان مقيما بمكة، وكان الكفر فيها ظاهرا على رؤوس الأشهاد، ولم يحرم عليه المقام ~~فيها هو وأصحابه مهما كان مظهرا للدين في أصحابه، وفي موضعه وبحيث تمكنه، فهكذا ~~القول فيما نحن فيه إذا كان الأنسان مظهرا للدين في نفسه وفيمن يختصه حل له المقام، ولم ~~يضره ظهور الكفر إذا لم يقدر على منعه، ولا يكون في وقوعه إذلال للدين كما زعم، بل ~~نزيد ونقول: لا يمتنع أن نقول بوجوب الوقوف عليه فيما وصفنا حاله من البلاد؛ لأن أهل ~~الدين لو تركوا الوقوف على قول هذا المخالف فيما يظهر فيه الكفر من البلاد لم يظهر الدين ~~ولم تنحل الشبه، فيكون الناس إلى الفساد أقرب وإلى الدخول في المذاهب الردية أميل، فلو ~~جعلنا هذا وجها في وجوب المقام لكان أولى. # السؤال الثالث قالوا: إن خروجه ومفارقته هذه البلد الذي ذكرنا أقوى في الدلالة على ~~الكراهة وأبعد من التهمة، فيلزمه الخروج منه. # وجوابه ليس يلزمه أن يفعل ما هو الأقوى في دلالة الكراهة؛ لأن الأقوى في ذلك المنع ~~من وقوع الكفر، وهو معذور في تركه، وإنما الواجب عليه إظهار كراهية له ms514 بحسب وسعه. # ا- كلمة "ذلك" ليست بالأصل، ويقتضيها اكتمال السياق. PageV00P644 # ============================================================ ~~السهيد شح معالم العدل والنورحيل ~~السؤال الرابع لا شك أن كراهة الكفر واجبة، وفي خروجه عن هذه البلدة دلالة على ~~الكراهة فيجب أن يكون واجباء لأن الكفر إذا كان ظاهرا متكررا على السماع كان في وقوفه ~~دلالة على الرضا. # وجوابه أن المتوجه عليه إظهار الكراهة بقلبه وليس في مقامه دلالة على رضاه مع عجزه ~~عن إنكاره فإذا كرهه بقلبه وأظهر كراهته لم يعد راضيا بالمقام فيه مع ما ذكرناه، ولو عد ~~راضيا بالمقام فيه مع إظهاره للكراهة لعد راضيا بالخروج من البلد أيضا؛ لأنه قد يخرج مع ~~الرضاومع السخط له. # السؤال الخامس قالوا: إن في وقوفه في هذا البلد احتمالا للرضا بالكفر، وفي خروجه ~~زوال هذا الاحتمال، فيجب عليه الخروج لزوال هذا الاحتمال. # وجوابه أن هذا الاحتمال كما يزول بالخروج فإنه يزول أيضا بالمقام وإظهار الكراهة كما ~~قدمنا، وإذا كان يزول بالكراهة فلا معنى لايجاب الخروج، فسقط ما تعلقوا به. # البحث الثالث في حكم المقام في البلد الذي يظهر فيه بعض أنواع الفسق ويغلب عليها ~~السلطان ~~وفي الناس من منع من المقام في هذه البلدة كما قدمنا من ذكر الخلاف. # واعلم أنا قد بينا أن ظهور بعض خصال الكفر لا يمنع من المقام في البلد على تلك ~~الوجوه التي قدمناها، وظهور بعض خصال الفسق وغلبة السلطان بألا تكون مانعة أولى ~~وأحق؛ لأنه لا يظهر منهم إلا أنواع الظلم وفسق الخوارج الظاهرة وشيء من فسق المذاهب ~~كما نقوله في فسق هؤلاء الخوارج على أمير المؤمنين، فإذا أمكنه المقام من غير أن يؤخذ بشيء ~~من هذه الفسقيات ولا يؤخذ بشيء من الإخلال بالواجبات فما الذي يمنع من حسن PageV00P645 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~مقامه، بل نزيد ونقول: إذا كان في مقامه إفساد لمذهبهم وإنكار عليهم وكف لهم عما هم ~~عليه أو يقوى على ظنه أن بوقوفه يكون الفساد أقل وهم عن المحظورات أبعد فما المانع من ~~القول بأن المقام في هذه البلدة أفضل ms515 من المقام في غيرها لما ذكرناه، وحاصل الدلالة على ما ~~قلناه من جواز المقام في البلد أمران: ~~أاحدهما أنا لو منعناه من الوقوف في هذه البلدة التي وصفناها لم يكن المنع إلا لأجل ما ~~يظهر فيها من أنواع الفسق، وظهور ما يظهر فيها من ذلك ليس بمانع من المقام فيها إذا كان ~~معذورا في ترك النكير. # وثانيهما أن في مقامه في هذه البلد غرض له وقد يعزي عن سائر وجوه القبح، فيجب أن ~~يكون حسنا، وإنما قلنا: إن في مقامه غرضا له. فظاهر، وإنما قلنا: إنه متعز عن سائر وجوه ~~القبح؛ فلأن الذي يشار إليه هاهنا من وجوه القبح ليس إلا أن يقال: إنه يؤخذ بالمقام في ~~هذه البلد بإخلال شييء من واجبات دينه (1) أو بالإقدام على شيء من المحظورات، وكل ~~واحد من هذين الوجهين ليس حاصلا، فيجب القول بجواز المقام فيه كما قلناه. # وتمام تقرير الدليل بايراد أسيلتهم ودفعها وهي خمسة: ~~السؤال الأول قالوا: إن في المقام في هذه البلدة تكثيرا لسواد الظلمة والبغاة؛ لأن من ~~نعلمه مقيما بين آظهرهم يعتقد فيه ذلك فيجب إزالة هذا الاعتقاد عن نفسه بالخروج ~~وجوابه ما مرادكم بتكثير سواد الظلمة ؟ إن عنيتم به مقامه معهم فهذا هو نفس ما وقع ~~فيه النزاع، فما المانع منه. وإن عنيتم به آنه بوقوفه معهم يكون معينا لهم على ظلمهم ~~وبغيهم، فهذا لا يمنع من حسن المقام في البلدة، وإنما الواجب ترك معاونتهم على كل ظلم ~~- بالأصل: " الواجبات دينه". PageV00P646 # ============================================================ ~~الشهيد شح معالمر العدل والنرحيل ~~وبغي، فالواجب الحكم بجواز الإقامة والعدول عن معاونتهم على الظلم والجور، ويقصد ~~بالاقامة منافعه ودفع مضاره وسائر ما يحل له أن يتصرف فيه ويفعله، فأين هذا عما ذكروه. # السؤال الثاني قالوا: إنما يحرم المقام عليه لأنه ريما ينصرف في التجارة والزراعة وسائر ~~أنواع التصرفات فيكون معينا للظلمة بما يؤخذ منه من عشر وزكاة وخراج، فلا خلاص ~~عن كونه معينا إلا بخروجه، فلا جرم قلنا يتوجه الخروج عليه. # ل وجوابه أن الذي يقبح هو ms516 المعونة على الظلم، والمعونة هو التمكين مع القصد إلى ذلك، ~~ولم يمكنهم من هذه الأمور وإنما أخذوها كرها عليه ولا قصد بذلك نفعهم، وإنما قصد نفع ~~نفسه بها، فلهذا خرج من أن يكون معينا لهم. # السؤال الثالث قالوا: إن مقامه في بلد السلطان الظالم لا ينفك عن المحاربة معه ~~والدخول معه في سائر الأمور المحظورة، وإذا كان لا خلاص له عن هذه الأمور المحظورة ~~إلا بالخروج توجه عليه الخروج ~~ال وجوابه أنا نقول: إن كان يمكنه المقام في البلد من دون الدخول في أمر محظور لم يمتنع ~~عليه المقام لأجل ما يحصل من جهة السلطان من الأمور المحظورة، وإن كان لا يمكنه المقام ~~إلا بالدخول في الأمور المحظورة لم يحل له المقام فيه، وسواء كان من جهة السلطان أو من ~~هه غيره:. # السؤال الرابع قالوا: الوقوف في بلاد الظلمة والجورة إيناس لهم وتقوية لأحوالهم على ~~ظلمهم، والإعانة على الظلم حرام، والخلاص من ذلك لا يمكن إلا بالانتقال عن بلادهم ~~وتركها. PageV00P647 # ============================================================ ~~النهيد شح معالمر العدل والنوحيل ~~وجوابه أن الاعانة والتقوية للظلمة هل كانت بمجرد وقوفه في بلادهم أو كانت بأمر ~~آخر، فإن كانت حاصلة بمجرد وقوفه في بلادهم فهذا خطأ، لأن مجرد المقامة في بلادهم لا ~~تكون عونا لهم، وكيف لا ولم يصدر منه قول ولا فعل يكون به معينا لهم، فبطل كونه معينا ~~هم بمجرد مقامه معهم، وإن كان معينا لهم ومقويا بأمر آخر فالواجب عليه ترك الاعانة ~~لهم والتقوية، فمن أين يحرم عليهم المقام في بلادهم والحال ما ذكرناه. # السؤال الخامس قالوا: المقام بين أظهرهم يكون موالاة لهم وتعرضا لقبول الإحسان ~~منهم، وهذا يؤدى إلى محبتهم واعظامهم ونحن مأمورون بعداوتهم وبغضهم، ولا خلاص ~~عن عهده هذا كله إلا بالبعد عنهم وترك المقام معهم، فيجب الانتقال عنهم وفي ذلك ما ~~نريده. # وجوابه يجري على ما ذكرناه من قبل، وهو أن مجرد المقام بينهم لا يؤدي إلى هذه الأمور، ~~واذا كان لا يؤدي إليها لم يحرم المقام، على أنا وإن قدرنا ms517 أن هذه الأمور محظورة كما زعمتم ~~فالواجب تركها في حقهم دون المقام، فهو بمعزل عما ذكروه فسقط تعلقهم بهذه الأسئلة ~~وظهر أنه لا مانع من المقام في البلد الذي يظهر فيه بعض أنواع الكفر والفسق على الوجه ~~الذي ذكرناه، فهذا هو الكلام على هذا الفصل وبتمامه يتم الكتاب. # ولنختم كتابنا هذا بالابتهال إلى الله تعالى أن يجعل سعينا خالصا لوجهه وعملنا مطابقا ~~لرضاه، اللهم يا من لا يخفى عليه سراثر القلوب ولا يعزب عن علمه دقائق الغيوب ~~نسألك بمعاقد العز من جلال كبريائك ومواقع الإحسان من عظيم آلائك وشرائف ~~الدعوات في مناجاة ملائكتك وأنبيائك ومظان القبول في مواطن الرحمة من أرضك ~~وسمائك أن تصلي على عبدك ونبيك وخيرتك من خلقك وأن توفقنا لمراضيك وتلهمنا ~~لمحابك وتعصمنا عما تكره وتختم أمورنا بالحسنى وتهب لنا في هذا المقام رجاءك وتغنينا عن ~~مد الأيدي إلى سواك إنك على كل شيء قدير PageV00P648 ~~============================================================ ~~الشهيد شح معالم العدل والنوحيل ~~كمل كتاب التمهيد ~~فالحمد لله كثيرا وصلواته وسلامه وبركاته ~~ورحمته على النبي المصطفى وعلى آله وأصحابه المقربين الأخيار الطاهرين. PageV00P649 # ============================================================ ~~EMPTY PAGE? PageV00P650 ~~============================================================ ~~فهرس الموضوعات ~~00 ~~قهه0000000000 ~~التعريف بالإمام يحى:0000000. # 3000 ~~سخ المخطوط:000000000 ~~15000 ~~الصورة التي جاءت عليها صفحة الغلاف لنسخة دار الكتب0000000000. # 609 ~~ما وجدت على دفتي المخطوط المحقق:00000000 ~~صور من مخطوط التمهيد في شرح معالم العدل والتوحيد للامام يحبى بن حمزة العلوى .1800 ~~(النسخة التي اعتمد عليها المحقق).000000.. # 800 ~~0000 ~~متن المخطوط000000000 ~~الجزء الأول من كتاب التمهيد في شرح معالم العذل والتوحيد......... # 5000 ~~0 ~~الفصل الأول في تعريفات الحقائق وأقسامها.0000.. # الفصل الثاني في تقسيم الأدلة:..0000.. # 0 ~~الفصل الثالث في مسالك المتكلمين الفاسدة0000000. # الباب الأول في النظر.000.... # 100 ~~القول في الرد على منكري الحقائق من أهل السفسطة0000.... # 1000 ~~القول في جنس النظر وكونه مفيدا للعلم00000000. # 0 ~~القول في وجوب النظر وكونه أول واجب.00.0000. # 80 PageV00P651 ~~============================================================ ~~الباب الثاني في أن للأجسام محدثا وصانعا.000000. # الثاني حدوث الأكوان 00.0.... # القول في إثبات الصانع...... # القول في أنه تعالى موجود وأنه لا أول لوجوده0000000.. ms518 # 4000 ~~الباب الثالث في الرد على المخالفين وهم قسمان00000.... # القسم الأول في الرد على الخارجين عن الإسلام كالفلاسفة والصابئة والطبائعية وعبدة الأصنام ~~400 ~~والثنوية والمجوس والباطنية والنصارى.000000000 ~~الفصل الأول في الرد على الفلاسفة.0000000.. # الفصل الثاني في الرد على الصابئة.000.... # بطلان قدم هذه الكواكب. وبطلان كونها حية. وبطلان إسناد هذه الحوادث إلى حركتها.78 ~~400 ~~الفصل الثالث في الرد على عبدة الأصنام00000000.. # 8000 ~~الفصل الرابع في الرد على الثنوية.... # المقام الأول في مائية" النور والظلمة وحقيقتهما.00... # المقام الثاني في الخصائص التي اعتقدوها للنور والظلمة وقرروا عليها مذاهبهم وهي ستة87 ~~8800 ~~المقام الثالث في بطلان هذه الخصائص وإفسادها.00000000. # .000 ~~وأما المانوية فقد بطل مذهبهم من وجوه:0000000. # 3 .0 ~~وأما المزدقية فقد بطل قولهم من وجهين:000000. # 2000000 ~~الفصل الخامس في الرد على المجوس00000000. # 900 ~~الفصل السادس في الرد على الباطنية0000000000. # 90000000 ~~الثاني بيان المناقضة فيما ذهبوا إليه واعتقدوه00000000. PageV00P652 # ============================================================ ~~الثالث في افساد ما زعموه.0000000 ~~9900 ~~91 ~~الفصل السابع في الرد على النصارى...000... # المقالة الأولى فيما يختص ذات القديم تعالى وصفاته.00000000. # المقالة الثانية فيما زعموه في آمر عيسى عليه السلام وهو الاتحاد.0000000000 ~~94 ~~الأول في بطلان ما توهموه حاصلا لعيسى عليه السلام من جهة ذات الله تعالى.0000000. 107 ~~فالأول الاتحاد.000000 ~~9 ~~الثاني الحلول0000..... # الثالث التولد.000000000. # 90 ~~990 ~~الرابع الاختصاص0000000. # 150 ~~الخامس التشريف0000000000 ~~90 ~~الوجه الثاني فيما يختص كل فريق منهم:00000000. # 112000 ~~الوجه الثالث في الكلام على شبههم 000000000. # 1000 ~~الفصل الثامن في الرد على الطبائعية.00000.. # القسم الثاني في الرد على من خالفنا من أهل القبلة كالنظام() والكعبي" والصيمري() وغيرهم من ~~10 ~~فرق الإسلام.000000.. # 40 ~~الفصل الأول في القبح هل يصح أن يكون مقدورا لله تعالى.0000.... # 1100 ~~الفصل الثاني في خلاف معلومه تعالى هل يكون مقدورا له000000000. # 6 ~~الفصل الثالث في خلق الأعمال.000000... # المسلك الأول أنا ندعي العلم الضروري بكون العبد موجدا لفعله ومؤثرا فيه.12000000000 ~~2500 ~~المسلك الثاني الاستدلال على كون العبد موجدا لأفعال000000000 PageV00P653 ~~============================================================ ~~المسلك الثالث القول بأن الله تعالى خالق لأفعال العباد يسد باب معرفة إلهية الصانع ms519 والعلم ~~بصحة النبوة وكونه صادقا في إخباره ومعرفة صحة الشريعة ويفضي إلى خرق الاجماع. 128 ~~المسلك الرابع الأدلة النقلية وهي منقسمة إلى الكتاب والسنة والإجماع.00000... # 3900 ~~الفصل الرابع في أن الداعي هل هو شرط في وجود الفعل أم لا 0000000.. # 3800 ~~الفصل الخامس إن الله تعالى قادر على غير مقدور العبد00000000. # 149 ~~الفصل السادس في إبطال ما يزعمه الكعبي00000000 ~~142 0000000 ~~الفصل السابع في العلة والمعلول.00000000. # 53 000 ~~الفصل الثامن في أن المعدوم ليس بذات في حال عدمه0000000... # الباب الرابع في الصفات.00000. # 11400 ~~القسم الأول في صفات الذات000000000.. # 6400 ~~164000 ~~القول في كونه تعالى قادرا0000..... # المسألة الأولى في إقامة البرهان على أنه تعالى قادر.00..... # 1640000 ~~2 000 ~~المسالة الثانية في مفهوم القادرية000000. # المسألة الثالثة في أحكام القادرية00.... # 167 0000 ~~القول في كونه تعالى عالما000000000. # 19000000 ~~المسألة الأولى في إقامة الدلالة على أنه تعالى عالم..000... # 19000000 ~~73000 ~~المسألة الثالثة في مقهوم العالمية.00000000. # المسألة الثالثة في أحكام العالمية.000000000. # 17800 ~~الحكم الثالث أنه تعالى عالم بكل المعلومات00000000.. # القول في كونه تعالى حيا.0000000.. # 8 PageV00P654 ~~============================================================ ~~المسألة الأولى في الدلالة على أنه تعالى حي0000000... # المسألة الثانية في كونه تعالى سميعا بصيرا.0000000. # 1810000 ~~الأول منهما في فائدة وصفنا له تعالى بكونه سميعا بصيرا.0000000. # 1810000 ~~الأمر الثاني في الدلالة على كونه تعالى سميعا بصيرا.00... # 18 00 ~~182 00000 ~~القول في كونه تعالى مدركا.0000000.. # المسألة الأولى في ماهية الإدراك00000 ~~143 00 ~~المسألة الثانية في كيفية حصول هذه المدركية00000000. # 18 ~~المسألة الثالثة في أن الإدراك هل هو معنى أم لا.000...... # 1800 ~~192000 ~~المسألة الرابعة في إثبات المدركية في حقه تعالى، وهو المقصود.00000... # 17 0 ~~المسألة الخامسة في أنه تعالى مدرك لجميع المدركات 0000000. # القول في إضافة هذه الصفات إلى ذاته تعالى 000000000. # 14800000 ~~أما النوع الأول وهو ما يدل على نفيها مطلقا.00000000. # 2930 ~~وأما النوع الثاني وهو ما يدل على نفي كل واحد منها على الخصوص:000000.. # 9 ~~أما العلم000000000 ~~97 00 ~~وأما القدرة00000000. # 9 ~~وأما الحياة00000000 ~~القول في إيراد الشبه المتعلقة بإثبات المعاني00000000. ms520 # 1400 ~~القول في أن مخالفته لخلقه لذاته المخصوصة لا بصفة زائدة000000000 ~~القول في أن حقيقة ذاته غير معلومة لأحد من البشر أو يصح أن تكون معلومة217.0000000 ~~22100 ~~القول في البقاء وأنه تعالى موصوف به00000... PageV00P655 # ============================================================ ~~123 ~~القسم الثاني في الأوصاف الفعلية.00000.. # 12 ~~القول في كونه تعالى مريدا0.00000.. # المسألة الأولى في إثبات المريدية00... # 223 ~~30 ~~المسألة الثانية في كيفية حصول هذه المريدية.00000000. # 10 ~~المسألة الثالثة في إرادة الكائنات.0000000.. # القول في شبههم وهي نوعان: عقلية وسمعية.000000 ~~3 ~~238 ~~أما العقلية فهي أربع:0000... # 242 00000 ~~وأما الشبهة السمعية0000000 ~~243 ~~القول في كونه تعالى متكلما00..... # 245000 ~~الفصل الأول في حقيقة الكلام وإثبات كونه تعالى متكلما به.0000.... # 5 ~~وتمام تقرير الدليل بايراد معتمدهم في إثبات حقيقة الكلام 000.. # 252000 ~~الفصل الثاني في حدوث الكلام000000.. # 253 00 ~~الوجه الثالث أن كلامه تعالى يصح عليه النسخ0000000. # الوجه الرابع أن كلام الله تعالى هو القرآن، والقرآن محدث، فكلام الله أيضا محدث. ..254.0 ~~257000 ~~الفصل الثالث في كونه تعالى صادقا.00000000. # القول في الأمور المتعلقة بالحرف والصوت.0000000. # 25400 ~~272000 ~~الفصل الثاني في الحرف والنظر في ماهيته وقسمته وحكمه0000.. # النظر الأول في ماهيته.0000.... # 1200 ~~113 . # النظر الثاني في قسمته.0000000.. # النظر الثالث في أحكامها.00000. # 740 PageV00P656 ~~============================================================ ~~الباب الخامس فيما يصح على ذاته من الأوصاف السليية.00000000 ~~16400 ~~2400 ~~القول في أنه تعالى ليس بجسم.0000000. # القول في ما يستحيل عليه من توايع الجسمية والعرضية.00000000. # 90 ~~والدليل على بطلان كونه جوهرا وجوه:000000. # 00 ~~المسألة الثانية في أنه تعالى ليس في الجهة ولا في الحيز..00..... # 273.000 ~~والدليل على بطلان الجهة من وجوه:0000000 ~~المسألة الرابعة في أنه تعالى لا يكون في محل...00.... # 8 ~~المسألة الخامسة في أنه تعالى لا يجوز عليه الألم واللذة.0000000 ~~800 ~~القول في استحالة الرؤية عليه تعالى.000000000 ~~86000 ~~80 ~~والذي يدل على استحالة رؤيته تعالى مسالك:.0000000.. # الأول دلالة الموانع.000000 ~~400 ~~193 000 ~~المسلك الثاني دلالة المقابلة0000000. # المسلك الثالث التمسك بقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار)(0000.0.. # 240000 ~~المسلك الرابع أن الله ما ذكر سؤال رؤية في موضع إلا واستعظمه.00000000. ms521 # المسلك الخامس التمسك بقوله تعالى جوابا لموسى عليه الصلاة والسلام لما سأل الرؤية: (لن ~~99 ~~تراني)......... # 92200 ~~القول في المسالك الفاسدة وهي آربعة:000000 ~~90 ~~الأول طريق الأجناس.00000... # 93 ~~الثاني طريق الأخص.000000.. # 393 ~~الثالث طريق التمائل والخلاف.000000... PageV00P657 # ============================================================ ~~54 ~~الرابع لو جاز تعلق الرؤية بالله تعالى لجاز أن تتعلق به سائر الإدراكات. 000000. # واعلم أن التحقيق في هذه المسألة أن الخلاف فيها يقرب أن يكون لفظيا كما ذكره المتأخرون من ~~90 ~~00000000 ~~310 ~~القول في ما يجوز إطلاقه على الله من الأسماء وما لا يجوز...00..... # 40 ~~فالفصل الأول في تقسيم أسماء الله تعالى وصفاته.000000.. # الفصل الثاني في كيفية إجراء الأسماء والصفات على الله تعالى، هل تفتقر إلى التوقيف أم لا؟335 ~~2350 ~~الفصل الثالث في حصرها.000000000 ~~2 ~~القول في إقامة البرهان على أنه لا إله إلا الله 000000000. # 6800 ~~القول فيما يصح الاستدلال عليه بأدلة الشرع وما لا يصح.0000000. # القول في مراتب التوحيد وفي معنى وصفنا لله تعالى بأنه واحد00000000.. # 5 ~~25200 ~~القول في ما يجب تحصيله من علوم التوحيد00000000. # القول في متعلق العلم بأن لا قديم مع الله تعالى.0000... # 2550 ~~580 ~~الجزء الثاني من التمهيد.0000000. # 258 00 ~~في شرح معالم العدل والتوحيد00000.... # الباب السادس في أفعال الله سبحانه 000000000 ~~2590 ~~القول في التحسين والتقبيح..00000.. # 35 ~~الفصل الأول في ماهيات هذه الأمور.00000... # 9 ~~أولها الحسن والقبح.0000... # 0 ~~وثانيها حقيقة المدح والذم.00000.. # وثالثها البحث عن ماهية الظلم.00000.. PageV00P658 # ============================================================ ~~280 ~~الفصل الثاني في الاستدلال على تقبيح العقل وتحسينه....... # الفصل الثالث في الكلام عليهم ولهم في إنكار التقبيح والتحسين بالعقل طريقان: 374.00 ~~3 ~~الطريقة الأولى مجملة، ودلالتها من وجوه ثلاثة:000000. # 382000 ~~الطريقة الثانية لهم مفصلة.0000000. # الفصل الرابع في تقرير دلالة الحكمة.0000000.. # 3850 ~~الأصل الأول أنه تعالى لا يفعل القبيح.......... # الأصل الثاني وهو أنه تعالى لا يخل بما هو واجب عليه في الحكمة.0.... # 8 ~~الأصل الثالث أن أفعاله تعالى كلها حسنة....... # 3800 ~~99 ~~القول في ضبط علوم العدل وحصرها وضبطها على وجهين:000000 ~~292 0 ~~القول في بطلان مطاعنهم على الحكمة000000. ms522 # الباب السابع في النبوات..00.... # 219 ~~11 0000 ~~القسم الأول في مقدمات الباب: القول في حسن البعثة ووجوبها.0000... # 15000 ~~القول في الصفة التي يكون عليها المبعوث000... # 1700 ~~القول في العصمة وأحكامها0000000 ~~2180 ~~ذكر الخلاف في العصمة ودليل وجوبها ووقتها وفاعلها وكيفيتها.000000.. # 4180 ~~الفصل الأول في ذكر الخلاف في العصمة.0000000.. # 20000 ~~الفصل الثاني في الدليل على وجوب العصمة للأنبياء عليهم السلام .0000... # 622 000 ~~الفصل الثالث في وقت العصمة0000000000 ~~23 ~~الفصل الرابع في فاعل العصمة وكيفيتها.00000.. # القسم الثاني في المقاصد.000. # 2500 PageV00P659 ~~============================================================ ~~260000 ~~القول في نبوة المصطفى محمد صلى الله عليه وآله.00000000. # 6290000 ~~القول في شبه المنكرين للنبوة وفيه فصلان:00000000. # 290000 ~~الفصل الأول في الشبه التي تمنع من القول بالنبوة مطلقا.0000000... # الفصل الثاني في الشبه الواردة على الخصوص في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام.00000 432 ~~432 000 ~~النوع الأول عقلية محضة.0... # 433 0000 ~~النوع الثاني: سمعية محضة0000000.. # 437 0000 ~~النوع الثالث: مركبة من العقل والسمع جميعا.00000000. # 30000 ~~القول في إعجاز القرآن وتفاصيل الوجوه في إعجازه00000. # القول في كيفية دلالة المعجز على صدق المدعي00000000. # 4400 ~~453 00 ~~الباب الثامن في المعاد الأخروي.0000.. # 53 000 ~~القسم الأول في صحة الفناء على الأجسام وثبوت إفنائها.00000... # القول في كيفية الإفناء للأجسام00000.. # 580 ~~412 0000 ~~القسم الثاني في صحة الإعادة 00000 ~~413 000 ~~القول في إثبات المعاد على منكريه000.... # 440000 ~~وتمام تقرير الدليل بابطال شبه المنكرين للمعاد وهي خس:00000000. # القول في ذكر من يجب إعادته ومقدار المعاد0000000000 ~~1800 ~~القول في كيفية الإعادة .00000.. # 79 ~~القول في الأمور السمعية من هذا الباب وفيه مسائل:00000... # 479 ~~المسألة الأولى في إثبات عذاب القبر، أعاذنا الله منه برحمته، وأجارنا منه بكرمه. 47000000000 ~~477 0000 ~~وللمنكرين لعذاب القبر شبهتان:000000. PageV00P660 # ============================================================ ~~المسألة الثانية في أن الجنة والنار مخلوقتان أم لا..00.00. # 674 00 ~~المسألة الثالثة في الميزان والصراط ونشر الصحف وغير ذلك من الأمور التي تتعلق بيوم القيامة ~~750 ~~الباب التاسع في الاستحقاقات وما يتبعها، وهو كلام في الوعد بالثواب وتوابعه وفي الوعيد ~~75 ~~بالعقاب وتوابعه000000000 ~~7500 ~~أحدهما ms523 تمييز ما يعرف منه عقلا عما يعرف سمعا.00000000. # 477 00 ~~وثانيهما الكلام في الوعيد.000000. # 477 00 ~~القسم الأول في مقدمات الباب00000.. # القول في أن استحقاق الثواب والعقاب وما يتبعهما إنما هو بالطاعة والمعصية. 476000000000 ~~القول في صفات الثواب والعقاب وفيه فصلان:0000000. # 489 ~~8 ~~الفصل الأول في صفات الثواب.0000000. # 82 00 ~~الفصل الثاني في صفات العقاب.00000000 ~~القول في الإحباط والتكفير وسببهما00000.. # 483 0000 ~~483 0 ~~البحث الأول في ثبوتهما...... # 486 0000 ~~البحث الثاني في سببها.00000000 ~~487000 ~~القول في الموازنة0000000.. # القسم الثاني في المقاصد من الباب في القول في إيصال العقاب إلى مستحقيه .487000000000 ~~94000 ~~القول في الشبه المرجئة في تجويز العفو وهي خمس:0..... # ولنا معهم في الجواب عن تعلقهم بهذه الآية ثلاث مقالات: الرد، والتأويل، والمعارضة.495 ~~المقام الأول في الرد..0. # 95000 PageV00P661 ~~============================================================ ~~288000 ~~المقام الثاني في التأويل.......... # 287 000 ~~المقام الثالث المعارضة.000000000. # الشبهة الخامسة الشفاعة.0000 ~~القول في الخلود.000000. # 594 ~~واحتج القائلون بالانقطاع بشبه.0.000.. # القسم الثالث في لواحق الباب وتكملاته وهو كلام في الأسماء والأحكام 508.0000000000 ~~القول في حقيقة الإيمان والكفر.000000.. # البحث الأول في حقيقة الإيمان0000.... # الأصل الثاني عن حقيقة الكفر.00000... # القول في طريق معرفة الكفر وفيه فصلان: 00000000. # الأول هل يجب في كل كفر أن يكون معلوما أم لا.000000.. # 51 00 ~~570 ~~الأصل الثاني في طريق معرفة الكفر.0000000.. # القول في تفاصيل الكفار وحكم المخالف للحق من أهل القبلة 00000.. # 514 ~~القسم الأول هم الجاحدون لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله.00000000.. # 5140 ~~51 00 ~~القسم الثاني هم المعترفون بصحة نبوته 0000000000 ~~النظر الثاني في حكم المخالف للحق من أهل القيلة هل يكفر أم لا...0000.. # الفصل الأول في ذكر الخلاف في مخالف الحق من أهل القبلة هل يكفر أم لا.....517.0000.0 ~~الفصل الثاني في ذكر ما عول عليه أصحابنا والمعتزلة في كفر المشبهة.0000.. # وأقواها وجوه خمسة.000000000. # الفصل الثالث فيما عول عليه أصحابنا والمعتزلة في كفر المجبرة.00000... PageV00P662 # ============================================================ ~~القول في أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن كما تقوله المرجئة ولا هو كافر كما ~~تزعمه الخوارج ولا ms524 هو منافق كما يقوله الحسن البصري، وإنما يسمى فاسقا له منزلة بين المنزلتين. # 50 ~~525000 ~~القسم الأول في إفساد كلام المرجئة في تسميته مؤمنا.00.... # 527 00 ~~القسم الثاني في بطلان كلام الخوارج في تسميته كافرا.00000.. # 51 ~~القسم الثالث في بطلان قول من زعم أن الفاسق منافق.00000. # القول في إيراد شبههم وهي أنواع ثلاثة: 000.00. # 518 . # 518 ~~فالنوع الأول يتعلق به المرجثة في تسميته مؤمنا وهي ثلاث: 0000000. # 59 ~~النوع الثاني يتعلق به الخوارج في تسميته كافرا.0000.. # 53 ~~النوع الثالث يتعلق به من زعم أن الفاسق منافق00000.. # 534 00000 ~~الباب العاشر في الإمامة.0000000. # 537 00 ~~البحث الأول عن حقيقة الإمامة وتفسيرها0000000.. # 5 ~~البحث الثاني في وجوب معرفته عند ظهوره00000000. # 57 .0 ~~القول في وجوب الإمامة00000000. # 94900 ~~والمختار في إيجابها عندنا أن طريقه الشرع..000000.. # القول في بطلان قول الاثنا عشرية بوجوب الإمامة عقلا.000000000 ~~545000 ~~القول في الصفات المعتبرة في حق الأئمة وما يجب اشتراطه منها وما لا يجب.00000...54900 ~~549000 ~~النظر الأول في الصفات التي يجب اعتبارها.0000000. # النظر الثاني في الصفات التي لا يجب اعتبارها.00... # القسم الأول في نفي العصمة.00.... PageV00P663 # ============================================================ ~~واحتجوا على وجوب العصمة بشبه ركيكة000000000. # 55800 ~~القسم الثاني في نفي اشتراط الإحاطة0000000.. # 621 000000 ~~القسم الثالث في نفي وجوب اشتراط الأفضلية في الإمام.0000... # 5180000 ~~القسم الرابع في نفي أمور اشترطها الرافضة00000000.. # 517 0000 ~~القول فيما يصير به الإمام إماما000000000. # 548 00 ~~518 0000 ~~ولنا في فساد الاختيار ثلاث مقامات:000000000 ~~المقام الأول ما يقتضي القول بفساده عقلا0000000 ~~المقام الثاني ما يدل على بطلان القول به شرعا0000000.. # 6 ~~المقام الثالث مايدل على بطلان الاختيار لعدم طريقه.000000000 ~~67900 ~~القسم الثاني من الباب في المقاصد اللاحقة00000000.. # 6790 ~~القول في إثبات إمامة أمير المؤمنين بالطرق المنصوصة.00000000. # 87900 ~~678 ~~زعموا أن كل من ضرب.......... # القول في كيفية التنصيص على إمامته عليه السلام.0000000. # القول في بيان الأفضلية له على غيره..00000. # 69900 ~~5910000 ~~المرتبة الأولى آي القرآن، وهي خمس:00...... # 593 0000 ~~المرتبة الثانية الأخبار وهي عشرة:0000.. # 597 00 ~~المرتبة الثالثة تتعلق ms525 الأفضلية فيها بالأمور النفسية0.0.... # 19 ~~المرتبة الرابعة تتعلق بالأمور البدنية وهي خمسة:000.. # 94 ~~المرتبة الخامسة أمور خارجة عما ذكرناه وهي ثلاثة:.00000000 ~~القول في إقامة الدلالة على إمامة الحسنين وأولادهما0000 ~~19 0 PageV00P664 ~~============================================================ ~~الأول في إثبات إمامتهما.000. # 9 0 ~~198 ~~الفصل الثاني في إمامة أولادهما .000. # 14 ~~القسم الثالث من الباب في التكملات اللاحقة.00000. # 14 ~~الفصل الأول في الأمور المنوطة بالأئمة.000.. # 1 ~~النظر الأول فيما يختص به الأئمة من الأمور المهمة.0000.. # النظر الثاني فيما به يزول هذا الاختصاص ويخرجه عن كونه إماما00000000 ~~11200 ~~214000 ~~الفصل الثاني في الأحكام المتعلقة بالدار.000000. # 15000 ~~البحث الأول في معنى وصفنا للدار بأنها دار كفر أو إسلام000000... # 117 0000 ~~البحث الثاني في بيان الصفة التي لأجلها كانت الدار دار كفر وإسلام 0000000. # 22100 ~~البحث الثالث في الفائدة بكون الدار دار كفر أو إسلام0000..... # 122 000 ~~البحث الرابع في كيفية المعاملة للكفار وهم صنفان:000000. # 122 00000 ~~الصنف الأول هم عباد الأوثان والأصنام والنيران.0000000 ~~122000 ~~المرتبة الأولى في كيفية جهادهم بالقتل والقتال..000000 ~~122000 ~~التصرف الأول في قتالهم وقتلهم0000.. # 124000 ~~التصرف الثاني في أنفس الكفار بالرق......... # التصرف الثالث في أموال الكفار بالإتلاف..00... # 1280 ~~122 00000 ~~التصرف الرابع في أموالهم بالاغتنام 0000.. # 12800 ~~المرتبة الثانية عقد الأمان هم.000000. # 12800 ~~البحث الأول في أركان هذا العقد .00000... # 129000 ~~البحث الثاني في شرائط هذا العقد.0000000. PageV00P665 # ============================================================ ~~12000 ~~البحث الثالث عن أحكامه000000000 ~~الصنف الثاني من أصناف الكفار وهم الذين دانوا بالشرائع وبعثت إليهم الرسل بالكتب المنزلة ~~0 ~~كاليهود والتصارى.0000000 ~~المرتبة الأولى في عقد الذمة لهم وينحصر المقصود منه بذكر أركان هذا العقد وذكر أحكامه 130 ~~المرتبة الثانية في أخذ الجزية منهم، والنظر فيمن تؤخذ منه الجزية ومن لا تؤخذمنه، ومقدار ~~133 ~~المأخوذ، وكيفية الأخذ. 0000000. # 1400 ~~النظر الثاني في الكلام في دار الفسق.00000.. # النظر الثالث فيما يتعلق بالكلام في دار الوقف.000000.. # 135000 ~~13 00 ~~الفصل الثالث فيما يتعلق بالإقامة في البلد والانتقال عنها.0000.... # 138 ~~البحث الأول فيما يحل من المقام في دار الكفر وما لا يحل..0.00... # البحث الثاني في حكم ms526 المقام في البلد الذي يظهر فيها بعض أنواع الكفر من التشبيه وغيرهما من ~~149 ~~الخصال الكفرية.00000000 ~~البحث الثالث في حكم المقام في البلد الذي يظهر فيه بعض أنواع الفسق ويغلب عليها السلطان ~~142 0 ~~147 -000 ~~فهرس الآيات.0000. # 111 00 ~~فهرس الأحاديث.000000000 ~~فهرس الآثار.0000. # 117 00 ~~110 ~~فهرس المذاهب والفرق.0000000. # 11 ~~فهرس الموضوعات0000000000 PageV00P666 ~~============================================================ ~~EMPTY PAGE? PageV00P667 ~~============================================================ ms527