######OpenITI# #META# iso: العقود الدريه في ذكر بعض مناقب شيخ الاسلام ابن تيميه ويليه الاعلام العليه ابن عبد الهادي والبزار ت العمران ط عالم الفوائد #META# وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة: بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى #META# archive: 20 #META# digitization_comments: ((نسخة محولة بواسطة القارئ الآلي، وتم مراجعتها مراجعة مبدئية، وليست نهائية؛ ولذا وجب التنبيه وبخاصة في الآيات القرآنية والأرقام والجداول!)) #META# bkid: 38476 #META# تحقيق: علي بن محمد العمران #META# الكتاب: العقود الدرية في ذكر بعض مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية ويليه الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية #META# bkord: 12322 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: العقود الدرية في ذكر بعض مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية ويليه الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية ¶ منظمة المؤتمر الإسلامي - مجمع الفقه الإسلامي - جدة ¶ مطبوعات المجمع ¶ آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال (19 - 20) ¶ تأليف: الإمام الحافظ محمد بن أحمد عبد الهادي المقدسي (ت 744 ه) - الإمام أبو حفص عمر بن علي البزار (ت 749 ه) ¶ تحقيق: علي بن محمد العمران ¶ عدد المجلدات: 1 ¶ وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة: بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى ¶ تمويل: مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية ¶ الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع ¶ __________ ¶ ((نسخة محولة بواسطة القارئ الآلي، وتم مراجعتها مراجعة مبدئية، وليست نهائية؛ ولذا وجب التنبيه وبخاصة في الآيات القرآنية والأرقام والجداول!)) #META# الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع #META# Lng: شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن يوسف الدمشقي الحنبلي #META# comp: 1 #META# higrid: 744 #META# تمويل: مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية #META# تأليف: الإمام الحافظ محمد بن أحمد عبد الهادي المقدسي (ت 744 ه) - الإمام أبو حفص عمر بن علي البزار (ت 749 ه) #META# idx: 1 #META# عدد المجلدات: 1 #META# max: 879 #META# auth: ابن عبد الهادي #META# cat: كتب ابن تيمية #META# authno: 79 #META# authinf: ابن عبد الهادي (705 - 744 ه = 1305 - 1343 م) ¶ محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الأصل ثم الصالحي الدمشقي الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الحنبلي. ¶ حافظ للحديث، عارف بالأدب، من كبار الحنابلة. يقال له « ابن عبد الهادي » نسبة إلى جده الأعلى. ¶ أخذ عن ابن تيمية والذهبي وغيرهما. ¶ وصنف ما يزيد على سبعين كتبا، يربي ما أكمله منها على مئة مجلد، ومات قبل بلوغ الأربعين. ¶ من كتبه « العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - ط » و « المحرر - ط » في الحديث، مسند، و « فضائل الشام - خ » [كذا في الأعلام، وقد ذكر محقق «تنقيح التحقيق» أنه طبع بتحقيق : مجدي فتحي السيد ، وصدر عن دار الصحابة بمصر] و « قواعد أصول الفقه - خ » و « الصارم المنكي في الرد على ابن السبكي - ط » و « شرح التسهيل » و « العلل » في الحديث، على ترتيب كتب الفقه، و « الاحكام » في فقه الحنابلة، و « تراجم الحفاظ » وغير ذلك. ¶ توفي بظاهر دمشق ودفن بسفح قاسيون. ¶ وكانت جنازته حافلة ورؤيت له منامات حسنة. ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي ، بزيادة يسيرة #META# bk: العقود الدرية في ذكر بعض مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية ويليه الأعلام العلية - ابن عبد الهادي والبزار - ت العمران - ط عالم الفوائد #META# ad: 744 #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-02 #META#Header#End# # آثار شيخ الإسلام ابن تيمية ومالحقها من أعمال # (20) # منظمة المؤتمر الإسلامي - مجمع الفقه الإسلامي - جدة # مطبوعات المجمع ### | AUTO الأعلام العلية # في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية # تأليف الإمام أبي حفص عمر بن علي البزار # (ت 749 ه) # تحقيق # علي بن محمد العمران # وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة # بكر بن عبد الله أبو زيد # رحمه الله تعالى # تمويل # مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية # دار عالم الفوائد # للنشر والتوزيع PageV01P729 # ~~PageV01P730 # بسم الله الرحمن الرحيم ### || AUTO مقدمة التحقيق # الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: # فهذا كتاب " الاعلام العلية في مناقب شيخ الاسلام ابن تيمية " للامام # ابي حفص عمر بن علي البزار (ت 9 74)، وهو احد تلاميذ شيخ الاسلام # ابن تيمية رحمهما الله تعالى. # وقد رأينا ضمه إلى هذه السلسلة المباركة إن شاء الله تعالى من اثار # شيخ الاسلام ابن تيمية ومالحقها من اعمال، لتكون ضمن تراجم شيخ # الاسلام التي اضطلع المشروع بطباعتها، وهي: # 1 - الجامع لسيرة شيخ الاسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون. # 2 - تكملة ا لجامع .. # 3 - ترجمة شميخ الاسلام ابن تيمية لابن عبدالهادي، المعروف # ب " العقود الدرية من مناقب شيخ الاسلام ابن تيمية ". # 4 - ورابعها هذا الكتاب: الاعلام العلية في مناقب شيخ الاسلام ابن # تيمية. # فبهذه الاربعة يكتمل عقد التراجم المنثورة في كتب التواريخ # والتراجم ونحوها، مع أهم كتابين في التراجم المفردة لابن تيمية. # وقد كان بادئ الرأي أن تلتقط الفوائد والزوائد التي يضيفها البزار في ~~كتابه # هذا، وتضاف إلى حواشي " العقود الدرية "، أسوة بقية التراجم ا لمفردة # الاخرى، لكني رأيت ذلك قد يطيل ا لحواشي؛ إذ فيه معلومات جيدة، وزوائد # 1 3 7 PageV01P731 # ~~كثيرة، ومشاهدات مباشرة. فكان من صائب الرأي أن بطبع ملحقا بالعقود # الدرية، ليقف القارئ عليه بتمامه، ولا يفوت شيء من فوائده. # * ترجمة المؤلف (1): # قال الحافط ابن رجب: عمر بن علي بن موسى بن الخليل البغدادي، # الازجي، البزار، الفقيه، المحدث، سراج الدين، أبو حفصه # ولد سنة ثمان وثمانين وستمائة تقريبا. # وسمع من إسماعيل بن ms01 الطبال، وعلي بن ابي القاسم أخي الرشيد، # وابن الدواليبي، وجماعة، وعني بالحديث، وقرأ الكثير، ورحل إلى دمشق # وقرأ بها " صحيح البخار!،" على الحجار ب" الحنبلية "، وحضر قراءته # الشيخ تقي الدين ابن تيمية وحلق كثير (2)، وجالس الشيخ تقي الدين، # واخذ عنه (3). # وتلا ببغداد ختمة لابي عمرو، على شيخنا عبد الله بن عبد المؤمن # الواسطي، وقرأ عليه بعض تصانيفه في القراءات، وحج مرارا، وأعاد ~~PageV01P732 # ~~ب" المستنصرية ". وولي إمامة " جامع الخليفة " ببغداد مدة يسيرة، ~~ثم أقام # بدمشق مدة، وم بها ب" الضيائية ". # وكان حسن القراءة للقران والحديث، ذا عبادة وتهجد. # وصنف كثيرا في الحديث وعلومه، وفي الفقه والرقائق (1). # وقدم في اخر عمره إلى بغداد، فأقام بها يسيرا، ثم توجه إلى ا لحج # سنة تسع وربعين. وحججت أنا تلك السنة أيضعا مع والدي، فقرأت على # شيخنا أبي حفص عمر " ثلاثيات البخاري " با لحلة المزيدية. # ثم توفي رحمه الله قبل وصوله إلى مكة بمنزلة حاجر، صبيحة يوم # الثلاثاء حادي عشري ذي القعدة سنة تسع وربعين وسبعمائة، ويقال: إنه # كان نوبد الاحرام، وذلك قبل الوصول إلى الميقات. ودفن بتلك المنزلة، # ومعه نحو من خمسين نفسا بالطاعون، رحمهم الله تعالى. # ! لأ نبذة عن الكتاب: # 1 - إثبات نسبته للمؤلف: # ذكر هذا الكتاب ابن ناصر الدين الدمشقي (ت 842) في " الرد الوافر" # (ص 1 1 2) قال: " وجمع له ترجمة مفردة سماها: الاعلام العلية في مناقب ~~PageV01P733 # ~~الامام ابن تيمية " ثم نقل فقرة منه تتعلق برجوع بعض العلماء عن مذهب # المتكلمين بعد وقوفهم على بحوث الشيخ رحمه الله (1). # وذكره الشيخ مرعي الكرمي (ت 033 1) في كتابه "الكواكب الدرية" # (ص 51) وجعله من الكتب التي اعتمد عليها في كتابه، ونقل جل مباحثه. # وذكره أيضا في كتابه "الشهادة الزكية " (ص 68). # وأشار إليه إسماعيل البغدادي في " إيضاج المكنون ": (1/ 03 1)، # و"هدية العارفين ": (1/ 0 79). # 2 - نسخ الكتاب الخطية: # - النسخة الأولى: نسخة المنجد: # وهي نسخة خاصة من مقتنيات الدكتور صلاح الدين المنجد. قال في # وصفها: "وكنت اقتنيت من هذا الكتاب نسخة قديمة، ضمن مجموع قديم # من القرن الثامن الهجري، ms02 فيه رسائل كثيرة لشيخ الاسلام، بعضها غير # معروف ولا منشور. . . # ومخطوطتنا هي الرسالة السابعة في المجموع الذي أشرت إليه. وعدد # ورقا تها 23 ورقة. في كل ورقة عشرون سطرا. كتبت بخط نسخي مملوكي # جميل. وهي نسخة تغلب عليها الصحة، إلا ن ناسخها كان يهمل بعض # الاعجام. وقد جاء في الورقة الاولى منها: (كتاب الاعلام العلية في مناقب # شيخ الاسلام ابن تيمية للامام الحافط أبي حفص البزار رحمه الله). PageV01P734 # وجاء في اخرها: "علقه لنفسه فقير رحمة ربه محمد بن علي البعلي ثم # الدمشقي ا لحنبلي لظف الله تعالى به في الدارين، ووافق تمامه غرة المحرم # سنة ست وخمسين وسبعمئة بالمدرسة الحنبلية بباطن دمشق حرسها الله ". # يلي الكتاب بخط الناسخ نفسه هنيل في اسماء أصحاب شيخ الاسلام # ومحببيه وأعوانه. ويبدو أن الكاتب جعله تذكرة لنفسه ليجمع فيه في # ورقتين أسماء كثيرة، وترك بياضا ليضيف إليها، لكنه لم يستوف فيما ذكر # اسماء المحبين ولا المعترضين. # ولم أجد ترجمة لناسخ الكتاب. على أنه يبدو نه كان من فقهاء طلبة # المدرسة الحنبلية بدمشق ه وهي المدرسة التي وقفها شرف الاسلام عبد # الوهاب بن أبي الفرج ا لحنبلي سنة 536 بدمشق ". انتهى كلام المنجد (1). # - النسخة الثانية: نسخة ليدن: # نسخة في مكتبة جامعة ليدن في هولندا. رقمها 126 1، وهي نسخة # متأخرة، ليس عليها تاريخ ولا اسم الناسخ، ولعلها من مخطوطات القرن # العاشر، وهي مليئة بالاخطاء تصحيفا وتحريفا بخظ عادي. # على الورقة الاولى من النسخة: (كتاب الاعلام العلية في مناقب شيخ # الاسلام تقي الدين أحمد بن الحليم (كذا) بن عبد السلام ابن تيمية قدس # الله روحه ونور ضريحه تأليف الشيخ الامام العا لم العامل الفاضل الحافط # سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن موسى البزار رحمة الله تعالى عليه ~~PageV01P735 # ~~وغفر له بمنه وكرمه ولجميع المؤمنين آمين) (1). # وقد سقطت منها كلمات كثيرة، ووجد فيها عبارات الزائدة على نسخة # الاصل، مما يدل على أنها ليست منقولة منها، ون أصلهما مختلف. وقد # اشرنا إلى بعض ذلك في الحواشي، وقد رمزنا ms03 إليها بحرف ال). # - النسخة الثالثة: نسخة الكوبت: # نسخة محفوظة في مكتبة وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية # بالكويت رقم (2/ 317)، في 53 ورقة ضمن مجموع (ق 6 - 58)، وهي # نسخة متاخرة؟ صتبت سنة 377 أه. وليس عليها اسم الناسخ. # 3 - طبعات الكتاب: # 1 - طبعة دار الكتاب الجديد، تحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد، # ط. الاولى 396 أه، وقد اعتمد على نسختين، واحدة كان # يملكها وسبق وصفها من كلامه، والثانية نسخة ليدن ال). # 2 - طبعة المكتب الاسلامي ببيروب، تحقمق الشيخ محمد زهير # الشاويش، وقد طبع سنة 1394 هثم أعيد عدة مرات. # 3 - طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، تحقيق الدكتور يحيى مراد، # طبعت سنة 1426 ه، ضمن مجموع يضم خمسة كتب. وقد # سقطت منها مقدمة المؤلف بتمامها إ! ولعلها اخذت من بعض # مواقع الشبكة الالكترونية، إذ وجدته في بعضها بلا مقدمة! PageV01P736 # 4 - منهج التحقيق: # - اعتمدت في إثبات نص الكتاب على طبعتي المنجد والشاويش، # واستفدت من ذكر فروق الن! سخ في هوامشها. وكان من المفترض # أن تكون نسخ الكتاب بين أيدينا، ولكن عذرنا أن بعض نسخه # خاصة وليست في مكتبات عامة، ونسخة ليدن حاولت الحصعول # عليها جاهدا، ولكن لم أتمكن من ذلك، مع كونها متاخرة ومليئة # بالاخطاء. # - قارنت نصوص الكتاب بالمصادر الناقلة، وبكتب التاريخ، # وصححت كثيرا من الاوهام الواقعة في الطبعات. # - علقت على النص بما يزيل الاشكال، او بما فيه استدراك على # المؤلف في بعض ما ذكره، وذلك من مصادر ترجمة الشيخ، أو # كتب الشيخ نفسه. # وكتب # علي بن محمد العمران # 737 PageV01P737 # ~~PageV01P738 # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه أستعين # قال الشيخ الامام العالم الورع الفقيه المحدث سراج الدين أبو حفص # عمر بن علي لن موسى البغدادي البزار - رحمه الله وأثابه ا لجنة -. # لحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى. # واثهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمدا عبده # ورسوله صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم. # أما بعد، فإ ني لما بلغني خبر حبر الامة وربانيها، الامام المجتهد # المجاهد، ناصر الشريعة الحنيمية، والذاب عن ms04 السنة المحمدية، شيخ # الاسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن # تيمية، قدس الله روحه، قال لي جماعة من أهل العلم والدين، ومحبي # الخير لكافة المسلمين: إنك قد رأيت الشيخ وصحبته، ووقفت على # احواله وعرفته، فلو أمليت شيئا منها وسطرته، مما شاهدته وخبرته، لينتفع # به من يقف عليه من هذه الامة، إذ عند ذكر الصا لحين تنزل الرحمة. # فاجبتهم: أني إنما صحبته أياما معدودة قلائل، فليس ما عرفه بالنسبة # إلى مناقبه بطائل. لكن لما رأيت حسن قصدهم ونيتهم، وما دل من # ظاهرهم على صلاح طويتهم، وأن الذي طلبوه مني علي حقا واجبا، إ ذ # يلزم العالم بما فيه نصح المسلمين أن يكون على نشره مواظبا= فذكرت # 739 PageV01P739 # ~~نبذة مختصرة من مناقبه وطرفه (1)، تدل العاقل المنصف على فضائله # وشرفه. # وقد رتبتها فصولا، لتكون لمتأملها دليلا. وذكرت في كل فصل منها # ما حضرني مما يليق بذكره فيه؛ من ذكر مولده، ومنشئه، وتوفيق الله تعالى # له مدة عمره من أوله إلى اخره، وحرصه على العلوم واجتهاده، وكثرة # سماعه الاحاديث وازدياده، وغزارة علومه ومؤلفاته ومصنفاته، وسعة نقله # في فتاويه ودروسه البد يهية ومنصوصاته، وثاقب بصره بأنواع أجناس # المذكور والمقول والمنقول، والمتصور والمفهوم والمعقول، وذكر تعبده # وورعه، وزهده وتجرده، وخلوه عن الدنيا وتبعده، وايثاره مع فقره # وتواضعه، وكرامته وفراسته، وثباته وكرمه، وشجاعته وصبره في ذات الله # ومحنه، وحفط الله تعالى ورعايته له، مع تحاشد أعدائه وحسده، وذكر # وفاته، وكثرة من صلى عليه ومشيعي جنازته، وما لقى الله ت! عا لى في قلوب # الخاصة والعامة في حياته وبعد وفاته، وانتشار فضله وفضائله، وعلمه # ومسائله في البلاد والافاق. فأقول وبالله التوفيق والرشاد: # الفصل الاول: في ذكر مولده ومنشئه، ومدة عمره رضي الله عنه وأرضاه. # الفصل الثا ني: في غزارة علومه ومؤلفاته ومصنفاته، وسمعة نقله في # دروسه وعلومه البديهية ومنصوصاته. # الفصل الثالث: في ذكر معرفته أنواع أجناس المذكور والمقول # والمنقول، وا لمتصور والمفهوم والمعقول. PageV01P740 # الفصل الرابع: في ذكر تعبده. # الفصل الخامس: في ذكر ms05 بعض ورعه. # الفصل السادس: في ذكر بعض زهده وتجرده، وتقاعده عن الدنيا # وتبعده. # الفصل السابع: في إيثاره مع فقره وتواضعه. # الفصل الثامن: في هيئته ولباسه. # الفصل التاممع: في ذكر بعض كراماته وفراسته. # الفصل العاشر: في ذكر كرمه. # الفصل الحادي عشر: في ذكر قوة قلبه وشجاعته. # الفصل الثاني عشر: في ذكر قوته في مرضاة الله تعالى وصبره على # الشدائد واحتماله إياها دله، وثبوته على الحق إلى أن توفاه الله على ذلك. # الفصل الثالث عشر: في ذكر أن الله تعالى جعله حجة في عصره، # ومعيارا للحق والباطل، مريدا الاجل، وغير موثر العاجل. # الفصل الرابع عشر: في ذكر وفاته، وكثرة من صلى عليه وشيعه. رضي # الله عنه وأرضاه (1). # *** PageV01P741 ### || AUTO الفصل الأول # في ذكر منشئه وعمره ومدة عمره رضي الله عنه وأرضاه # أما مولده فكما أخبرني به غير واحد من ا لحفاظ أنه ولد بحران في # عاشر ربيع الاول سنة إحدى وستين وست مائة. وبقي بها إلى أن بلغ سبع # سنين، ثم انتقل به والده - رحمه الله - إلى دمشق المحروسة، فنشأ بها أتم # إنشاء وازكاه، وأنبته الله أحسن النبات وأوفاه. # وكانت مخايل النجابة عليه في صغره لائحة، ودلائل العناية فيه # واضحة. أخبرني من أثق به عن جدته أن الشيخ رصد الله عنه في حال # صغره، كان إذا أراد المضي إلى المكتب، يعترضه يهودي كان منزله # بطريقه، بمسائل يسأله عنها لما يلوح عليه من الذكاء والفطنة. وكان يجيبه # عنها سريعا، حتى تعجب منه. ثم إنه صار كلما اجتاز يخبره بأشياء مما # يدل على بطلان ما هو عليه، فلم يلبث أن اسلم وحسن إسلامه. وكان ذلك # ببركة الشيخ على صغر سنه. # ولم يزل منذ ايام صغره مستغرق الاوقات في ا لجد والاجتهاد. وختم # القران صغيرا، ثم اشتغل بحفظ الحديث والفقه والعربية حتى برع في # ذلك، مع ملازمته مجالس الذكر وسماع الاحاديث والاثار. ولقد سمع غير # كتاب على غير شيخ من ذوي الروايات الصحيحة العالية. # أما دواوين الاسلام الكبار،! " مسند أحمد"، و" صحبح البخاري "، # ومسلم، و" جامع ms06 الترمذي "، و"سنن أبي داود السجستا ني "، والنسائي، # 742 PageV01P742 # ~~وابن ماجه، والدارقطني؛ فانه سمع كل واحد منها مرات عدة. وأول كتاب # حفظه في الحديث " ا لجمع بين الصحيحين " للامام الحميدي. # وقل كتاب من فنون العلام إلا وقف عليه. كان الله قد خصه بسرعة # الحفظ وابطاء النسيان. لم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء غالبا إلا # ولبقى على خاطره، إما بلفظه او معناه ه # وكان العلم كانه قد اختلط بلحمه ودمه وسائره، فانه لم يكن له # مستعارا، بل كان له شعارا ودثارا. لم يزل اباو 5 هل الدراية التامة # ~~والنقد، # والقدم الراسخة في الفضل. لكن جمع الله له ما خرق بمثله العادة، ووفقه # في جميع عمره لاعلام السعادة، وجعل ماثره لامامته أكبر شهادة، حتى # اتفق كل ذي عقل سليم انه ممن عنى نبينا! سم! وبقوله: "ان الله يبعث على # راس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة امر دينها" (1). فلقد احيا الله به ما # كان قد درس من شرائع الدين، وجعله حجة على أهل عصره اجمعين. # والحمد لله رب العالمين. # *** PageV01P743 ### || AUTO الفصل الثاني # في غزارة علومه ومؤلفاته ومصنفاته، وسعة نقله في فتاويه ودروسه # البديهية ومنصوصاته # اما غزارة علومه فمنها: ذكر معرفته بعلوم القران المجيد واستنباطه # لدقائقه، ونقله لاقوال العلماء في تفسيره، واستشهاده بدلائله، وما أودعه # الله تعالى فيه من عجائبه، وفنون حكمه، وغرائب نوادره، وباهر فصاحته، # وظاهر ملاحته، فانه فيه الغاية التي ينتهى إليها، والنهاية التي يعول ~~عليها. # ولقد كان إذا قرئ في مجلسه ايات من القران العظيم يشرع في تفسيرها، # فينقضي المجلس بجملته، والدرس بزمنه، وهو في تفسير بعض اية منها. # وكان مجلسه في وقت مقدر بقدر ربع النهار. يفعل ذلك بديهة من غير # أن يكون له قارئ معين يقرأ له شيئا معينا يبيته (1) ليستعد لتفسيره، بل ~~كان من # حضر يقرأ ما تيسر، ويأخذ هو في القول على تفسيره. وكان غالبالا يقطع إلا # ويفهم السامعون أنه لولا مضي الزمن المعتاد لأورد أشياء أخر في معنى ما ~~هو # فيه من التفسير، ms07 لكن يقطع نظرا في مصالح الحاضرين. # ولقد أملى في تفسير <قل هوالله أحد) مجلدا كبيرا. وقوله تعالى: # ! الرحمق على اثعرش اشتوئ) نحو خمس وئلائين كراسة. # ولقد بلغني أنه شرع في جمع تفسير لو أتمه لبلغ خمسين مجلدا. PageV01P744 # أما معرفته وبصره بسنة رسول الله جمم وقواله وفعاله وقضاياه ووقائعه # وغزواته، وسراياه وبعوثه، وما خصه الله تعالى من كراماته ومعجزاته، # ومعرفته بصحيح المنقول عنه وسقيمه، والمنقول عن الصحابة رضي الله # عنهم في أقوا لهم وفعا لهم وقضاياهم وفتاويهم وحوا لهم، وأحوال # مجاهداتهم في دين الله، وما خصوا به من بين الأمة = فانه كان - رضي ~~الله # عنه - من أضبط الناس لذلك، وأعرفهم فيه، وسرعهم استحضارا لما # يريده منه. # فانه قل أن ذكر حديثا في مصنف وفتوى، أو استشهد به، أو استدل به، # إلا عزاه في أي دواوين الاسلام هو، ومن أي قسم من الصحيح أو الحسن # أو غيرهاه وذكر اسم راويه من الصحابة. وقل أن يسأل عن أثر إلا وبين في # لحال حاله، وحال أمره (1) وذكره. # ومن أعجب الاشياء في ذلك: أنه في محنته الاولى بمصر (2) لما أخذ # وسجن، وحيل بينه وبين كتبه، صنف عدة كتب صغارا وكبارا، وذكر فيها ما # احتاج إلى ذكره من الاحاديث والاثار وأقوال العلماء وسماء المحدثين # والمؤلفين ومؤلفا تهم، وعزا كل شيء من ذلك إلى ناقليه وقائليه بأسمائهم، # وذكر أسماء الكتب التي ذلك فيها، وفي أي موضع هو منها. كل ذلك # بديهة من حفظه؛ لانه لم يكن عنده حينئذ كتاب يطالعه. ونقبت (3) ~~PageV01P745 # ~~واعتبرت فلم يوجد فيها بحمد الله خلل ولا تغير. ومن جملتها كتاب # " الصارم المسلول على شاتم الرسول " (1)، وهذا من الفضل الذي خصه # الله تعالى به. # ومنها ما منحه الله تعالى من معرفة اختلاف العلماء ونصوصهم، وكثرة # أقوالهم واجتهادهم في المسائل، وما روي عن كل منهم من راجح # ومرجوح، ومقبول ومردود، في كل زمان ومكان وعصر، من الصحيح # الثاقب الصائب للحق مما قالوه ونقلوه، وعزوه ذلك إلى الاماكن التي بها # أودعوه، حتى كان إذا سئل عن شيء ms08 من ذلك كأن جميع المنقول عن # الرسول ء! ي! وصحابه والعلماء فيه من الأولين والاخرين متصور مسطور # بإزائه. يقول ما شاء الله، ويذكر (2) ما يشاء. وهذا قد اتفق عليه كل من ~~راه، # أو وقف على شيء من علمه، ممن لم يغلط عقله الجهل والهوى. # وما مؤلفاته ومصنفاته فانها كثر من ان أقدر على إحصائها، ا ويحضرني جملة # ~~اسمائها، بل هذالا يقدر عليه غالبا حد؛ لانها كثيرة جدا، # كبارا وصغارا. وهي منشورة قي البلدان. فقل بلد نزلته إلا ورأيت فيه من # تصانيفه. PageV01P746 # - فمنها ما يبلغ اثنى عشر مجلدا، كتخليص (1) التلبيس! على اساس # التقديس وغيره. # - ومنها ما يبلغ سبع مجلدات، كا لجمع بين العقل والنقل. # - ومنها ما يبلغ خمس مجلدات، ومنها منهاج الاستقامة والاعتدال # ونحوه. # - ومنها ما يبلغ ثلاث مجلدات، كالرد على النصارى وشبهه. # - ومنها مجلدان، كنكاح المحلل، وابطال الحيل (2)، وشرح # العقيدة الأصبهانية. # - ومنها مجلد ودون ذلك. وهذان القسمان من مؤلفاته فهي كثيرة # جدالا يمكنني استقصاؤها، لكن اذكر بعضها استئناسا: # - كتاب تفسير سورة الاخلاص، مجلد. # - كتاب الكلام على قوله عز وجل:! الرحمن على ائعرش آشتوى >. # - كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول، مجلد. # - كتاب الفرق المبين بين الطلاق واليمين. # - كتاب الفرق بين اولياء الرحمن وولياء الشيطان. # - كتاب اقتضاء الصراط المستقيم. # - كتاب الكلم الطيب. PageV01P747 # - كتاب إثبات الكمال (1). # - كتاب الرد على تاسيس التقديس (2). # - كتاب نقض أقوال المبتدعين. # - كتاب الرد على النصارى (3). # - كتاب إبطال ا لحيل ونكاح المحلل (4) # - كتاب شرح العقيدة الأصبهانية. # - كتاب الفتاوى. # - كتاب الدر ا لملتقط. # - كتاب احكام الطلاق. # - كتاب الرسالة (5). # - كتاب اعتقاد الفرقة الناجية. # - كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام. # - كتاب تقرير مسائل التوحيد. # - كتاب الاستغاثة والتوسل. PageV01P748 # - كتاب المسائل (1) الحموية. # - كتاب المسائل الجزرية. # - كتاب المسائل المفردة. # ولا يليق هذا المختصر بأكثر من هذا القدر من مؤلفاته، وإلا فيمكن # تعداد ما ينيف على المائتين، لكن لم نر الاطالة بذكره. # وما قتاويه ونصوصه وجوبته على المسائل، فهي أكثر من أن أقدر # على إحصائها، لكن دون بمصر منها على أبواب الفقه سبعة عشر مجلدا. # وهذا ظاهر ms09 مشهور. وجمع أصحابه أكثر من أربعين ألف مسألة. وقل أن # وقعت واقعة وسئل عنها، إلا وجاب فيها بديهة بما بهر واشتهر. وصار # ذلك ا لجواب كالمصنف الذي يحتاج فيه غيره إلى زمن طويل ومطالعة # كتب، وقد لا يقدر مع ذلك على إبراز مثله. # أخبرني الشيخ الصالح تاج الدين محمد المعروف بابن الدوري، انه # حضر مجلس الشيخ رضي الله عنه، وقد سأله يهودي عن مسألة في القدر # قد نظمها شعرا في ثمانية أبيات، فلما وقف عليها فكر لحظة يسيرة وأنشأ # يكتب جوابها، وجعل يكتب ونحن نظن أنه يكتب نثرا. فلما فرغ تأمله من # حضر من أصحابه، وإذا هو نظم في بحر أبيات السؤال وقافيتها، تقرب من # مائة وربعة وثمانين بيتا (2). وقد أبرز فيها من العلوم ما لو شرح بشرح ~~لجاء PageV01P749 # ~~شرحه مجلدين كبيرين. هذا من جملة بواهره. وكم من جواب فتوى لم # يسبق إلى مثله. # وما ذكر دروسه؛ فقد كنت في حال إفامتي بدمشق لا أفوتها. وكان لا # يهئ شيئا من العلم ليلقيه ويورده، بل يجلس بعد ن يصلي ركعتين فيحمد # الله ويثني عليه، ويصلي على رسوله جممرو، على صفة مستحسنة مستعذبة لم # أسمعها من غيره. ئم يشرع فيفتح الله عليه إيراد علوم وغوامض، ولظائف # ودفائق، وقنون ونقول، واستدلالات بايات وأحاديث، وقوال العلماء، # ونصر (1) بعضها وتبيين صحته، أو تزييف بعضها وإيضاح (2) حجته، # واستشهاد بأشعار العرب، وربما ذكر ناظمها. وهو مع ذلك يجري كما # يجري السيل، ويفيض كما يفيض البحر، ويصير منذ يتكلم إلى أن يفرغ، # كالغائب عن الحاضرين، مغمضا عينيه، وذلك كله مع عدم فكره فيه # ورويته (3)، من عير لعجرف ولا توقف ولا لحن، بل فيض إلهي، حتى يبهر # كل سامع وناظر، فلا يزال كذلك إلى أن يصمت. وكنت اراه حينئذ كانه قد # صار بحضرة من يشغله عن غيره، ويقع عليه إذ ذاك من المهابة ما يرعد # القلوب ويحير الابصار والعقول. PageV01P750 # وكان لا يذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قط إلا ويصلي ويسلم. ولا # ~~والله ما رأيت # أحدا أشد تعظيما ms10 لرسول الله جمب! و، ولا أحرص على اتباعه ونصر ما جاء به # منه. حتى إذا كان أورد شيئا من حديثه في مسألة، ويرى أنه لم ينسخه شيء # غيره من حديثه يعمل به ويقضي ويفتي بمقتضاه، ولا يلتفت إلى قول غيره # من المخلوقين كائنا من كان. وقال رضي الله عنه: كل قائل إنما يحتح لقوله # لا به، إلا الله ورسوله. # وكان إذا فرغ من درسه يفتح عينيه، ويقبل على الناس بوجه طلق # بشيش، وحلق دمث كأنه لقيهم حينئذ. وربما اعتذر إلى بعضهم من # التقصير في المقال مع ذلك الحال. ولقد كان درسه الذي يورده حينئذ ~~قدر # عدة كراريس. # وهذا الذي ذكرته من احوال درسه أمر مشهور يوافقني عليه كل # حاضربه، وهم بحمد الله خلق كثير، لم يحصر عددهم: علماء ورؤساء # وفضلاء من القراء والمحدثين والفقهاء والادباء وغيرهم من عوام # المسلمين. # *** # 751 PageV01P751 ### || AUTO الفصل الثالث # في ذكر معرفته بأنواع أجناس المذكور والمقول والمنقول، # والمتصور والمفهوم والمعقول # أما معرفته بصحيح المنقول وسقيمه فانه في ذلك من ا لجبال التي لا # يرتقى ذروتها، ولا ينال سنامها. قل أن ذكر له قول إلا وقد أحاط علمه # بمبتكره وذاكره وناقله واثره، أو راو إلا وقد عرف حاله من جرح وتعديل # با جمال وتفصيل. # حكى من يوئق بنقله أنه كان يوما بمجلس، ومحدلث يقرأ عليه بعض # الكتب الحديمية. وكان سريع القراءة. فعارضه الشيخ في اسم رجل من # سند الحديث قد ذكره القارئ بسرعة. فذكر الشيخ أن اسمه فلان، بخلاف # ما قرأ، فاعتبروه فوجدوه كما قال الشيخ، فانظر إلى هذا الادراك السريع # والتنبيه (1) الدقيق العجيب. ولا يقدر على مثله إلا من اشتدت معرفته، # وقوي ضبطه. # وأما ما وهبه الله تعالى ومنحه، من استنباط المعاني من الالفاظ النبوية # والاخبار المروية، وإبراز الدلائل منها على المسائل، وتبيين مفهوم اللفظ # ومنطوقه، وإيضاج المخصص للعام، والمقيد للمطلق، والناسخ # للمنسوخ، وتبيين ضوابطها ولوازمها وملزوما تها، وما يترتب عليها، وما # يحتاح فيه إليها، حتى إذا ذكر اية أو حديثا، وبين معانيه وما أريد به، ms11 ~~يعجب PageV01P752 # ~~العالم الفطن من حسن استنباطه، ويدهشه ما سمعه أو وقف عليه منه. # ولقد سئل يوما عن الحديث " لعن الله المحلل له. . ." (1) فلم يزل يورد # فيه وعليه حتى بلغ كلامه فيه مجلدا كبيرا. وقل ان كان يذكر له حديث # ~~وحكم فيشاء ان يتكلم عليه يومه ا جمع إلا فعل. أو يقرا بحضرته اية من # كتاب الله تعالى ويشرع في تفسيرها إلا وقطع المجلس كله فيها. # وما ما خصه الله تعالى به من معارضة أهل البدع في بدعتهم، وهل # الاهواء في أهوائهم، وما ألفه في ذلك من دحض أقوا لهم وتزيمف أمثا ~~لهم # وشكالهم، واظهار عوارهم وانتحا لهم، وتبديد شملهم، وقطع أوصالهم، # وأجوبته عن شبههم الشيظانية، ومعارضتهم النفسانية (2) للشريعة الحنيفية # المحمدية، بما منحه الله تعالى من البصائر الرحمانية والدلائل النقلية # والتوضيحات العقلية، حتى انكشف قناع الحق، وبان فيما جمعه في ذلك # ولفه الكذب من الصدق، حتى لو ن أصحابها أحياء ووفقوا (3) لغير # الشقاء؛ لاذعنوا له بالتصديق، ودحلوا في الدين العتيق. # ولقد وجب على كل من وقف عليها، وفهم ما فيها أن يحمد الله تعالى # على حسن توفيقه هذا الامام لنصر الحق بالبراهين الواضحة العظام. # حدثني غير واحد من العلماء الفصلاء النبلاء الممعنين بالخوض في ~~PageV01P753 # ~~أقاويل المتكلمين، لاصابة الثواب وتمييز القشر من اللباب: أن كلا منهم # لم يزل حائرا في تجاذب أقوال الاصوليين ومعقولاتهم، ونه لم يستقر في # قلبه منها قولى ولم يبن له من مضمونها حق. بل راها كلها موقعة في الحيرة # والتضليل، وجلها مذعن بتكافؤ الادلة والتعليل. ونه كان خائفا على نفسه # من الوقوع بسببها في التشكيك والتعظيل، حتى من الله تعالى عليه # بمطالعته مؤلفات هذا الامام أحمد ابن تيمية شيخ الاسلام، مما أورده من # النقليات والعقليات في هذا النظام. فما هو إلا أن وقف عليها وفهمها، # فراها موافقة للعقل السليم وعلمها، حتى انجلى ما كان قد غشيه من احوال # المتكلمين من الظلام، وزال عنه ما خاف أن يقع فيه من الشك وظفر # با لمرام (1). # ومن أراد اختبار صحة ما ms12 قلته، فليقف بعين الانصاف، العرية عن # الحسد والانحراف، إن شاء على مختصراته في هذا الشان،! " شرح # الاصبهانية " ونحوها، وان شاء على مطولاته،! " تخليص التلبيس من # تأسيس التقديس "، و"الموافقة بين العقل والنقل "، و"منهاج الاستقامة # والاعتدال "، فإنه والله يطفر بالحق والبيان، ويستمسك بأوضع برهان، # ويزن حينئذ ذلك باصح ميزان. # ولقد أكثر - رضي الله عنه - التصنيف في الاصول فصلا عن غيره من ~~PageV01P754 # ~~بقية العلوم، فسألته عن سبب ذلك، والتمست منه تأليف نص في الفقه # يجمع اختياراته وترجيحاته، ليكون عمدة في الافتاء، فقال لي ما معناه: # الفروع أمرها قريب، فاذا قلد المسلم فيها أحد العلماء المقلدين جاز ~~له # العمل بقوله، ما لم يتيقن خطأه. وما الاصول فإ ني رأيت أهل البدع # والصلالات والأهواء، كالمتفلسفة والباطنية والملاحدة، والقائلين بوحدة # الوجود، والدهريمة، والقدرية، والنصيرية، وا لجهمية، وا لحلولية، # وا لمعطلة، وا لمجسمة، وا لمشبهة، وا لر ا وندية، وا لكلا بية، وا لسا # ~~لمية (1)، # وغيرهم من أهل البدع قد تجاذبوا فيها بازمة الصلال، وبان لي أن كثيرا # منهم إنما قصد إبطال الشريعة المقدسة المحمدية، الظاهرة على كل دين، # العلية، ون جمهورهم أوقع الناس في التشكيك في أصول دينهم، ولهذا # قل أن سمدت أو رأيت معرضا عن الكتاب والسنة، مقبلا على مقولاتهم، # إلا وقد تزندق أو صار على غير يقين في دينه أو اعتقاده. # فلما رأيت الأمر على ذلك، بان لي أنه يجب على كل من يقدر على # دفع شبههم وأباطيلهم وقطع حجتهم وأضاليلهم، أن يبذل جهده ليكشف # رذائلهم، وزيف دلائلهم، ذبا عن الملة الحنيفية، والسنة الصحيحة الجلية. # ولا والله ما رأيت فيهم أحدا ممن صنف في هذا الشأن، وادعى علو # المقام، إلا وقد ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد دين الاسلام. وسبب # ذلك إعراضه عن الحق الواضح المبين، وعما جاءت به الرسل الكرام عن ~~PageV01P755 # ~~رب العالمين، واتباعه طرق الفلسفة في الاصطلاحات التي سموها # بزعمهم حكميات وعقليات، وانما هي جهالات وضلالات، وكونه التزمها # معرضا عن غيرها أصلا ورأسا، فغلبت عليه حتى غطت على عقله السليم، # فتخبط حتى ms13 خبط فيها خبط عشواء، ولم يفرق بين الحق والباطل، وإلا # فالله أعظم لطفا بعباده من أن لا يجعل لهم عقلا يقبل الحق ويثبته، ويبطل # الباطل وينفيه، لكن عدم التوفيق وغلبة الهوى أوقع من أوقع في الصلال. # وقد جعل الله تعالى العقل السليم من الشوائب ميزانا يزن به العبد # الواردات، فيفرق به بين ما هو من قبيل الحق، وما هو من قبيل الباطل، ولم # يبعث الله الرسل إلا إلى ذوي العقل، ولم يقع التكليف إلا مع وجوده، # فكيف يقال إنه مخالف لبعض ما جاءت به الرسل الكرام عن الله تعالى؟ # هذا باطل قطعا، يشهد له كل عقل سليم، لكن <ومنل مجعلادله له بؤرا ما له # من نور) [ا لنور: 0 4]. # قال الشيخ الامام قدس الله روحه: فهذا ونحوه هو الذي أوجب أني # صرفت جل همي إلى الاصول، وألزمني أن أوردت مقالاتهم وجبت عنها # بما أنعم الله تعالى به من الاجوبة العقلية والنقلية. # قلت: وقد أبان بحمد الله تعالى فيما ألف فيها لكل بصير الحق من # الباطل، وعانه بتوفيقه حتى رد عليهم بدعهم واراءهم، وخدعهم # وهواءهم، مع الدلائل النقلية بالطريقة العقلية (1)، حتى يجيب عن كل # شبهة من شبههم بعدة أجوبة جلية واضحة، يعقلها كل ذي عقل صحيح، ~~PageV01P756 # ~~ويشهد لصحتها كل عاقل رجيح. # فالحمد لله الذي من علينا برؤيته وصحبته، فلقد جعله الله حجة على # أهل هذا العصر، المعرض غالب أهله عن قليله وكثيره؛ لاشتغالهم بفا في # الدنيا عما يحصل به باقي الاخرة. فلا حول ولا قوة إلا بالله، لكن الله ذ # ~~والقوة المتين ضمن حفط هذا الدين إلى يوم الدين، وظهره على كل دين، # فالحمد لله رب العالمين. # *** # 757 PageV01P757 ### || AUTO الفصل الرابع # في ذكر تعبده # اما تعبده - رضي الله عنه - فانه قل ان مممع بمثله؛ لانه كان قد قطع جل # وقته وزمانه فيه، حتى إنه لم يجعل لنفسه شاغلة تشغله عن الله تعالى ما # يراد (1) له من أهل ولا من مال. # وكان في ليله متفردا عن الناس كلهم، خاليا بربه عز وجل، ms14 ضارعا، # مواظبا على تلاوة القران العظيم، مكررا لأنواع التعبدات الليلية # ~~والنهارية. # وكان إذا ذهب الليل وحضر مع الناس بدأ بصلاة الفجر، ياتي بسنتها # قبل إتيانه إليهم، وكان إذا أحرم بالصلاة يكاد يخلع القلوب لهيبة إتيانه # بتكبيرة الاحرام، فإذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاوه حتى يميد يمنة # ويسرة، وكان إذا قرأ يمد قراءته مدا كما صح في قراءة رسول الله لمجيم، ~~وكان # ركوعه وسجوده وانتصابه عنهما من أكمل ما ورد في صلاة الفرض، وكان # يخف جلوسه للتشهد الاول خفة شديدة، ويجهر بالتسليمة الاولى حتى # يسمع كل من حضر، فاذا فرغ من الصلاة اثنى على الله عز وجل هو و! ن # حضر بما ورد من قوله: " اللهم أنت السلام ومنك السلام. . ." (2) الحديث، # ثم يقبل على الجماعة، ثم ياتي بالتهليلات الواردات حينئذ، ثم يسبح الله # ويحمده ويكبره ثلاثا وثلاثين، ويختم المائة بالتهليل، كما ورد، وكذا ~~PageV01P758 # ~~الجماعة، ثم يدعو الله تعالى له ولهم وللمسلمين أجناس ما ورد (1). # وكان غالب دعائه: " اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر # علينا، واهدنا ويسر ا لهدى لنا، اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، # اليك راغبين، لك مخبتين، اليك راهبين، لك مطاويع، ربنا تقبل توباتنا، # واغسل حوباتنا، وثبت حججنا، واهد قلوبنا، واسلل سخيمة صدورنا" (2). PageV01P759 # يفتتحه ويختمه بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ثم يشرع في الذكر، وكان قد عرفت عادته لا يكلمه أحد بغير ضرورة # بعد صلاة الفجر، فلا يزال في الذكر يسممع نفسه، وربما يسمع ذكره من # الروحانية مع كونه في خلال ذلك يكثر من تقليب بصره نحو ال! سماء، هكذا # دأبه حتى ترتفع الشمس، ويزول وقت النهي عن الصلاة. # وكنت مدة إقامتي بدمشق ملازمه جل النهار وكثيرا من الليل، وكان # يدنيني منه حتى يجلسني إلى جانبه، وكنت أسمع ما يتلو وما يذكر حينئذ، # فرأيته يقرأ الفاتحة ويكررها، ويقطع ذلك الوقت كله، أعني من الفجر إلى # ارتفاع الشمس في تكرير تلاوتها، ففكرت في ذلك لم قد لزم هذه السورة # دون غيرها؟ فبان لي، والله أعلم، ms15 ان قصده بذلك أن يجمع بتلاوتها حينئذ # بين ما ورد في الاحاديث وما ذكره العلماء، هل يستحب تقديم الاذكار # الواردة على تلاوة القران أو العكس؟ فرأى رضي الله عنه أن في الفاتحة # وتكرارها حينئذ جمعا بين القولين وتحصيلا للفضيلتين، وهذا من قوة # فطنته وثاقب بصيرته. # ثم إنه كان يركع، فاذا أراد سماع حديث في مكان اخر سارع إليه من # فوره، مع من يصحبه، فقل أن يراه احد ممن له بصيرة إلا وانكب على يديه # فيقبلهما، حتى إنه كان إذا راه أرباب المعايش يتخطون (1) من حوانيتهم # للسلام عليه والتبرك به، وهو مع هذا يعظي كلا منهم نصيبا وافرا من # السلام وغيره، وإذا رأى منكرا في طريقه أزاله، أو سمع بجنازة سارع إلى ~~PageV01P760 # ~~الصلاة عليها، أو تأسف على فواتها، وربما ذهب إلى قبر صاحبها بعد # فراغه من سماع الحديث، فصلى عليه، ثم يعود إلى مسجده، فلا يزال تارة # في إفتاء الناس، وتارة في قضاء حوائجهم، حتى يصلي الظهر مع (1) # الجماعة، ثم كذلك بقية يومه. # وكان مجلسه عاما للكبير والصغير، وا لجليل والحقير، وا لحر والعبد، # والذكر والانثى، قد وسع كل من يرد عليه من الناس، يرى كل منهم في # نفسه أن لم يكرم أحدا بقدره. # ثم يصلي المغرب، ئم يتطوع بما يسره الله، ئم أقرأ عليه من مؤلفاته أنا # وغيري، فيفيدنا بالطرائف، ويمدنا باللطائف، حتى يصلي العشاء، ئم # بعدها كما كتا وكان من الاقبال على العلوم إلى أن يذهب هوي من الليل # طويل، وهو في خلال ذلك كله في النهار والليل، لا يزال يذكر الله تعالى # ويوحده ويستغفره. # وكان رضي الله عنه كثيرا ما يرفع طرفه إلى السماء، لا يكاد يفتر عن # ذلك، كانه يرى شيئا يثبته بنظره، فكان هذا دأبه مدة إقامتي بحضرته، # فسبحان الله ما أقصر ما كانت! يا ليتها كانت طالت. ما مر على عمري إلى # الان زمان كان أحب إ لي من ذلك الحين، ولا رأيتني في وقت أحسن حالا # مني حينئذ، وما كان إلا ببركة الشيخ رضي ms16 الله عنه. # وكان في كل أسبوع يعود المرضى، خصوصا الذين بالمارستان. # وأخبرني غير واحد ممن لا يشك في عدالته ان جميع زمن الشيخ ينقضي ~~PageV01P761 # ~~على ما رايته. فاي عبادة واجتهاد افضل من ذلك؟ فسبحان الموفق من # يشاء لما يشاء! # *** # 762 PageV01P762 ### || AUTO الفصل الخامس # في دكر بعض ورعه # كان رضي الله عنه في الغاية التي ينتهى إليها في الورع؛ لأن الله تعالى # أجراه مدة عمره كلها عليه، فانه ما خالط الناس في بيع ولا شراء ولا ~~معاملة # ولا تجارة ولا مشاركة ولا زراعة ولا عمارة، ولا كان ناظرا مباشرا لمال # وقف، ولم يكن يقبل جراية ولا صلة لنفسه من سلطان ولا امير ولا ~~تاجر، # ولا كان مدخرا دينارا ولا درهما ولا متاعا ولا طعاما، وانما كانت بضاعته # مدة حياته، وميراثه بعد وفاته - رضي الله عنه - العلم، اقتداء بسيد # ~~المرسلين # وخاتم النبيين محمد! سيم وعلى اله وصحبه ا جمعين، فانه قال: " ان العلماء # ورثة الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم فمن أخذ به # فقد أخذ بحظ وافر" (1). # وكان ينبه العاقل بحسن الملاطفة ورقيق المخاطبة ليختار لنفسه # طريقتهم، ويسلك سبيلهم، وان كان دونها من الطرائق من اتخاذ المباحات # جائز، لكن العاقل يدله عقله على طلب الاعلى. فانظر بعين الانصاف إلى # ما وفق الله له هذا الامام واجرى، مما اقعد عنه غيره وخذله عن طلبه، لكن # لكل شيء سبب، وعلامة عدم التوفيق سلب الاسباب، ومن اعظم # الاسباب: ترك فضول الدنيا [و] التخلي (2) عن غير الضروري منها. فلما ~~PageV01P763 # ~~وفق الله هذا الإمام لرفض غير الضروري منها انصبت عليه العواطف # الالهية، فحصل بها كل فضيلة جليلة، بخلاف غيره من علماء الدنيا، # مختار يها وطالبيها والساعين لتحصيلها، فانهم لما اختاروا ملاذها وزينتها # ورياستها= انسدت عليهم غالبا طرق الرشاد، فوقعوا في شركها يخبطون # خبط عشواء، ويحطبونها كحاطب ليل، لا يبالون ما ياكلون ولا ما يلبسون # ولا ما يتأولون (1) إلا ما يحصل لهم أغراضهم الدنيئة، ومقاصدهم الخبيثة # الخسيسة، فهم متعاضدون على طلبها، متحاسدون بسببها، أجسامهم ميتة، ms17 # وقلوبهم من غيرها فارغة، وظواهرهم مزخرفة معمورة، وقلوبهم خربة # مابورة. # ولم يكفهم ما هم عليه حتى أصبحوا قالين رافضها، معادين باغضها، # ولما ر وا هذا الامام عالم الاخرة، تاركا ما هم عليه من تحصيل الحطام من # المشتبه الحرام، رافضا الفضل المباج فصلا عن ا لحرام، تحققوا أن أحواله # تفضح أحوالهم، وتوضح خفي انفعالهم، وخذتهم الغيرة النفسانية على # صفاتهم الشيطانية، المباينة لصفاته الروحانية، فحرصوا على الفتك به أين ~~ما # وجدوا، وأننسوا أنهم ثعالب وهو أسد. فحماه الله تعالى منهم بحراسته، # وصنع له غير مرة كما صنع لخاصته، وحفظه مذة حياته وحماه، ونشر له ~~عند # وفاته علما في الاقظار بما والاه. # *** PageV01P764 ### || AUTO الفصل السادس # في ذكر بعض زهده وتجرده وتقاعده عن الدنيا وتبعده # أما زهده في الدنيا ومتاعها، فان الله تعالى جعل ذلك له شعارا من # صغره. حدثني من أثق به عن شيخه الذي علمه القران المجيد قال: قال لي # ابوه وهو صبي - يعني الشيخ -: احب إليك أن توصيه وتعده بانك إذا لم # تنقطع عن القراءة والتلقين ادفع إليك كل شهر أربعين درهما. قال: ودفع # إ لي أربعين درهما، وقال: أعطه إياها، فانه صغير وربما يفرح بها فيزداد # حرصه على الاشتغال بحفظ القران ودرسه، وقل له: لك في كل شهر # مثلها. فامتنع من قبولها وقال: يا سيدي، إني عاهدت الله تعالى أن لا اخذ # على القران أجرا، ولم يأخذها، فرأيت أن هذالا يقع من صبي إلا لما لله فيه # من العناية. # قلت: وصدق شيخه، فان عناية الله هي التي أوصلته إلى ما وصل من # كل خير من صغره، ولقد اتفق كل من راه - خصوصا من أطال ملازمته- # أنه ما رأى مثله في زهده في الدنيا، حتى لقد صار ذلك مشهورا، بحيث قد # استقر في قلب القريب والبعيد من كل من سمع بصفاته على وجهها، بل لو # سئل عامي من أهل بلد بعيد من الشيخ: من كان أزهد هل هذا العصر # وكملهم في رفض فضول الدنيا، وحرصهم على طلب الاخرة؟ لقال: ما # سمعت بمثل ms18 ابن تيمية. # وما اشتهر له ذلك إلا لمبالغته فيه، مع تم! محيح النية، والا فمر، رأينا # 765 PageV01P765 # ~~من العلماء قنع من الدنيا بمثل ما قنع هو منها، أو رضي بمثل حالته التي # كان عليها؟ لم يسمع انه رغب في زوجة حسناء ولا سرية حوراء، ولا دار # قوراء، ولا جوار، ولا بساتين ولا عقار، ولا شد على دينار ولا درهم، ولا # رغب في دواب ولا نعم، ولا ثياب ناعمة فاخرة ولا حشم، ولا زاحم في # طلب الرياسات، ولا راءى ساعيا في تحصيل المباحات، مع أن الملوك # والامراء والتجار والكبار كانوا طوع أمره، خاضعين لقوله وفعله، ~~وادين أن # يتقربوا إلى قلبه مهما أمكنهم، مظهرين لاجلاله، أو أن يؤهل كلا منهم (1) # في بذل ماله. # فأين حاله هذه من أحوال بعض المنتسبين إلى العلم وليسوا من أهله، # ممن قد أغراه الشيطان بالوقيعة فيه بقوله وفعله؟ آلرى ما نظرو ببصائرهم # إلى صفاتهم وصفاته، ولسماتهم وسماته، وتحاسدهم في طلب الدنيا # وفراغه عنها، وتحاشدهم في الاستكثار منها، ومبالغته في الهرب منها، # وخدمتهم الامراء واختلافهم إلى ابوا بهم، وذل الامراء بين يديه، وعدم # اكتراثه بكبرائهم وترابهم ومداجاتهم وتعبدا تهم، وصدعه إياهم بالحق، # وقوة جأشه في محاورتهم؟ بلى والله! ولكن قتلتهم الحالقة، حالقة الدين # لا حالقة الشعر، وغطى على أحلامهم حب الدنيا السارقة، سارقة العقل لا # سارقة البدن، حتى صبحوا قاطعين من باينهم (2) في طلبها، واصلين من # واصلهم في جلبها. PageV01P766 ### || AUTO الفصل السابع # في إيثاره مع فقره، وتواضعه # كان رضي الله عنه مع شدة تركه للدنيا ورفضه لها وفقره فيها وتقلله # منها= مؤثرا بما عساه يجده منها، قليلا كان أو كثيرا، جليلا او حقيرا، لا # يحتقر القليل فيمنعه ذلك عن التصدق به، ولا الكثير فيصرفه النظر إليه عن # الاسعاف به. فقد كان يتصدق حتى إذا لم يجد شيئا نزع بعض ثيابه مما # يحتاج إليه فيصل به الفقير، وكتان يستفضل من قوته القليل الرغيف # والرغيفين فيؤثر بذلك على نفسه، وربما خبأ هما في كمه ويمضي ونحن # معه لسماع الحديث، فيراه ms19 بعضنا وقد دفعه إلى الفقير مستخفيا، يحرص # أن لا يراه أحد، وكان إذا ورد عليه فقير، واثر المقام عنده يؤثره عند ~~الاكل # بالاكثر من قوته الذي جعل برسمه. # حدثني الشيخ الصالح العارف زين الدين علي الواسطي ما معناه: أنه # أقام بحضرة الشيخ مدة طويلة. قال: فكان قوتنا في غالبها أنه كان في بكرة # النهار يأتيني ومعه قدر نصف رطل خبزا بالعراقي، فيكسره بيده لقما ونأكل # منه أنا وهو جميعا، ثم يرفع يده قبلي، ولا يفرغ باقي القرص من بين يدي # حتى أشبع، بحيث أني لا حتاج إلى الطعام إلى الليل. وكنت أرى ذلك من # بركة الشيخ. ثم يبقى إلى بعد العشاء الاخرة حتى يفرغ من جميع عوائده # التي يفيد الناس بها في كل يوم من أصناف القرب. فيؤتى بعشائنا، فيأكل # هو معي لقيمات، ثم يؤثرني بالباقي. وكنت أسأله أن يزيد على أكله فلا # يفعل، حتى إني كنت في نفسي أتوجع له من قلة أكله. # 767 PageV01P767 # ~~وكان هذا دابنا (1) في غالب مدة إقامتي عنده، وما رأيت نفسي اغنى # منها في تلك المدة، ولا رأيتني ا جمع (2) هما مني فيها. # وحكى غير واحد ما اشتهر عنه من كثرة الايثار، وتفقد المحتاجين # والغرباء، ورقيقي ا لحال من الفقهاء والقراء، واجتهاده في مصا لحهم # وصلاتهم، ومساعدته لهم. بل لكل أحد من العامة والخاصة ممن يمكنه # فعل ا لخير معه، وإسداء ا لمعروف إليه بقوله وفعله، ووجهه وجاهه. # وما تواضعه؛ فما رأيت ولا سمعت باحد من أهل عصره مثله في # ذلك، كان يتواضع للكبير والصغير، وا لجليل والحقير، والغني الصالح # والفقير. وكان يد ني الفقير الصالح ويكرمه ويؤنسه ويباسطه بحديثه # المستحلى زيادة على مثله من الاغنياء، حتى إنه ربما خدمه بنفسه؛ وعانه # بحمل حاجته، جبرا لقلبه، وتقربا بذلك إلى ربه. # وكان لا يسام ممن يستفتيه او يساله، بل يقبل عليه ببشارة وجه ولين # عريكة، ويقف معه حتى يكون هو الذي يفارقه، كبيرا كان أو صغيرا، رجلا # أو امرأة، حرا أو عبدا، عالما أو عاميا، حاضرا ms20 أو باديا، ولا يجبهه ولا # يحرجه ولا ينفره بكلام يوحشه، بل يجيبه ويفهمه ويعرفه الخطا من # الصواب، بلطف وانبساط. # وكان يلزم التواضع في حضوره مع الناس ومغيبه عنهم، في قيامه # وقعوده ومشيه، ومجلسه ومجلس غيره. PageV01P768 # ولقد بالغ معي حال إقامتي بحضرته في التواضع والاكرام، حتى إنه لا # يذكرني باسمي، بل يلقبني بأحسن الالقاب، ويظهر لي خصوصا بين # أصحا بي من الاكرام والتبجيل والادناء منه، بحيث لا يتركني أجلس إلا # إلى جانبه، قصيرا كان مجلسه أو طويلا، خاصا أو عاما. ولازمني في حال # قراء تي " صحيح البخاري ". وكان قصدي قراءته على راويه منفردا، # لاستصغاري نفسي عن القراءة هناك بمحضر من الناس، ولقصدي تعجيل # فراغي منه انتهازا للفرصة، وخوفا من فوات ذلك الشيخ الراوي، لكونه # تفرد بروايته سماعا على أصحاب أبي الوقت السجزي. # فلما سمع الشيخ بذلك ألزمني قراءته بمجمع كثير من الناس رجالا # ونساء وصبيانا. وقال: ما ينبغي إلا على صفة يكون نفعها متعديا إلى # المسلمين. فتجرد لي بحيث حصل لي مرادي وفوقه من تحصيل قراءتي له # في عشرين مجلسا متوالية، لم يتخللها سوى ا لجمعة. ولازمني فيها، وحضر # القراءة كلها يضبطها بنسخة كانت بيده هي أصل ابن ناصر الحافظ يعارض # بها نسخة القراءة، وكانت أصل الشيخ المسمع (1). # وظهر لي من حسن الاخلاق والمبالغة في التواضع، بحيث إنه كان # إذا خرجنا من منزله بقصد القراءة يحمل هو بنفسه النسخة ولا يدع أحدا # منا يحملها عنه. وكنت أعتذر إليه من ذلك خوفا من سوء الادب، فيقول: # لو حملته على رأسي لكان ينبغيب. ألا أحمل ما فيه كلام رسول الله - صلى # ~~الله عليه وسلم - PageV01P769 # ~~وكان يجلس تحت الكرسي ويدع صدر المجالس، حتى إني لاستحي # من مجلسه هناك، وعجب من شدة تواضعه، ومبالغته في إكرامي بمالا # استحق وتقديمي عليه في المجلس. ولولا قراءتي حديث رسول الله لمجحر، # وعظم حرمتها لما كان ينبغي لي ذلك. وكان هذا حاله في التواضع # والتنازل والاكرام لكل من يرد عليه، أو يصحبه، أو يلقاه. حتى إن كل من # لقيه ms21 يحكي عنه من المبالغة في التواضع نحوا مما حكيته وأكثر من ذلك. # فسبحان من وفقه وعطاه، وأجراه على خلال الخير وأمضاه. # *** # 770 PageV01P770 ### || AUTO الفصل الثامن # في هيئته ولباسه # كان رضي الله عنه متوسطا في لباسه وهيئته، لا يلبس فاخر الثياب # بحيث يرمق ويمد إليه النظر فيها، ولا طمارا، ولا غليظة تشهر حال لابسها # ويميز من عامة الناس بصفة خاصة يراه الناس فيها (1). بل كان لباسه وهيئته # كغالب الناس ومتوسطهم. ولم يكن يلزم نوعا واحدا من اللباس فلا يلبس # غيره. كان يلبس ما اتفق وحصل ويأكل ما حضر. # وكانت بذاذة الايمان (2) عليه ظاهرة. لا يرى متصنعا في عمامة ولا # لباس ولا مشية ولا قيام ولا جلوس، ولا يتهيالاحد يلقاه، ولا لمن يرد # عليه من بلد. # ومن العجب أني كنت قد رأيته قبل لقيه بمدة فيما يرى النائم، ونحن # جلوس نأكل طعاما على صفة معينة. فحال لقائي له ودخو لي عليه وجدته # يأكل مئل ذلك الطعام على نحو من الصفة التي رأيت. فأجلسني، وأكلنا # جميعا كما رأيت في المنام. # وأخبرني غير واحد انه ما رآه ولا سمع انه طلب طعاما قط ولا غداء # ولا عشاء، ولو بقي مهما بقي؛ لشدة اشتغاله بما هو فيه من العلم والعمل، # بل كان يؤتى بالطعام، وربما يترك عنده زمانا حتى يلتفت إليه، واذا أكل ~~PageV01P771 # ~~أكل شيئا يسيرا. قال: وما رأيناه يذكر شيئا من ملاذ الدنيا ونعيمها، ~~ولا كان # يخوض في شيء من حديثها، ولا يسال عن شيء من معيشتها، بل جل همته # وحديثه في طلب الاخرة، وما يقرب إلى الله تعالى. # وهكذا كان في لباسه، لم يسمع أنه أمر أن يتخذ له ثوب بعينه، بل كان # أهله يأتون بلباسه وقت علمهم باحتياجه إلى بدل ئيابه التي عليه، وربما # بقيت عليه مدة حتى تتسخ ولا يامر بغسلها حتى يكون اهله هم الذين # يسألونه ذلك. # وأخبر أخوه (1) الذي كان ينظر في مصا لحه الدنيوية أن هذا حاله في # طعامه وشرابه ولباسه وما يحتاج إليه ممالا بد منه من ms22 أمور الدنيا، وما # رايت احدا كان أشد تعظيما للشيخ من اخيه هذا - أعني القائم باوده (2) - # وكان يجلس بحضرته كأن على رأسه الطير، وكان يهابه كما يهاب سلطانا، # وكنا نعجب منه في ذلك ونقول له: إن من العرف والعادة أن أهل الرجل لا # يحتشمونه كالاجانب، بل يكون انبساطهم معه فصلا عن الأجنبي، ونحن # نراك مع الشيخ كتلميذ مبالغ في احتشامه واحترامه، فيقول: إني أرى منه # شياء لا يراها غيري، اوجبت أن اكون معه ما ترون. وكان يسال عن ذلك # فلا يذكر منه شيئا لما يعلم من عدم إيثار الشيخ لذلك. # *** PageV01P772 ### || AUTO الفصل التاسع # في ذكر بعض كرامته وفراسته # أخبرني غير واحد من الثقات ببعض ما شاهده من كراماته، وأنا أذكر # بعضها على سبيل الاختصار، وبد من ذلك ببعض ما شاهدته. # فمنها: أنه جرى بيني وبين بعض الفصلاء منازعة في عدة مسائل، # وطال كلامنا فيها، وجعلنا نقطع الكلام في كل مسالة بان نرجع إلى الشيخ # وما يرجحه من القول فيها. # ئم إن الشيخ رضي الله عنه حضر، فلما هممنا بسؤاله عن ذلك لسئقنا # هو وشرع يذكر لنا مسألة مسألة كما كتا فيه، وجعل يذكر غالب ما وردناه # في كل مسألة، ويذكر أقوال العلماء، ثم يرجح منها ما يرجحه الدليل، حتى # أتى على اخر ما ردنا أن نسأل عنه، وبين لنا ما قصدنا ن نستعمله منه، # فبقيت أنا وصاحبي ومن حضرنا مبهوتين متعجبين مما كاشفنا به، وظهره # الله عليه مما كان في خواطرنا. # وكنت في خلال الايام التي صحبته فيها إذا بحث مسالة يحضر لي # إيرا؟، فما يستتم خاطري به، حتى يشرع فيورده ويذكر ا لجواب من عدة # وجوه. # وحدثني الشيخ الصالح المقرئ أحمد بن الحريمي أنه سافر إلى # دمشق، قال: فاتفق أني لما قدمتها لم يكن معي شيء من النفقة البتة، ونالا # أعرف أحدا من هلها، فجعلت أمشي في زقاق منها كالحائر، فاذا بشيخ قد # 773 PageV01P773 # ~~أقبل نحوي مسرعا فسلم، وهش في وجهي، ووضع في يدي صرة فيها # دراهم صالحة، وقال لي: ms23 أنفق هذه الان فيما أنت فيه، فإن الله لا يضيعك، # ثم رد على أثره كانه ما جاء الا من اجلي، فدعوت له وفرحت بذلك، وقلت # لبعض من رأيته من الناس: من هذا الشيخ؟ فقال: وكأنك لا تعرفه، هذا ابن # تيمية، لي مدة طويلة لم أره اجتاز بهذا الدرب. وكان جل قصدي من # سفري إلى دمشق لقاءه، فتحققت أن الله أظهره علي وعلى حا لي، فما # احتجت بعدها إلى أحد مدة إقامتي بدمشق، بل فتح الله علي من حيث لا # أحتسب، واستدللت فيما بعد عليه، وقصدت زيارته والسلام عليه، فكان # يكرمني ويسألني عن حا لي، فأحمد الله تعالى إليه. # وحدثني الشيخ العالم المقرئ تقي الدين عبد الله ابن الشيخ الصالح # المقرئ أحمد بن سعيد قال: سافرت إلى مصر حين كان الشيخ مقيما بها، # فاتفق أني قدمتها ليلا ونا مثقل مريض، فانزلت في بعض الأمكنة، فلم # ألبث أن سمعت من ينادي باسمي وكنيتي، فأجبته وأنا ضعيف، فدخل إ لي # جماعة من صحاب الشيخ ممن كنت قد اجتمعت ببعضهم في دمشق، # فقلت: كيف عرفتم بقدومي، وأنا قدمت هذه الساعة؟ فذكروا أن الشيخ # أخبرنا انك قدمت ونت مريض، ومرنا ن نسرع بنقلك، وما رأينا أحدا # جاء، ولا خبرنا بشيء، فعلمت أن ذلك من كرامات الشيخ رضي الله عنه. # وحدثني أيضا قال: مرضت بدمشق - إذ كنت بها - مرضة شديدة # منعتني حتى من الجلوس، فلم أشعر إلا والشيخ عند ر سي ونا مثقل # بالحمى والمرض، فدعا لي وقال: جاءت العافية، فما هو إلا ن فارقني # وجاءت العافية وشفيت من وقتي. # 774 PageV01P774 # ~~وحدثني أيضا: قد كنت أستكتب شعرا لبعض من انحرف عن الشيخ # قد تنقصه فيه. وكان سبب قوله ذلك الشعر أنه نسب إلى قائله شعر وكلام # يدل على الرفض، فأخذ الرجل وأثبت ذلك عليه في وجهه عند حاكم من # حكام الشرع المطهر، لمحأمر به فشهر حاله بين الناس، فتوهم أن الذي كان # سبب ذلك الشيخ، فحمله ذلك على أن قال فيه ذلك الشعر، وبقي عندي، # وكنت ms24 ربما اورد بعضه في بعض الاحيان، فوقعت في عدة اشياء من # المكروه والخوف متواترة، ولولا لطف الله تعالى بي فيها لأتت على نفسي، # فنظرت من أين دهيت، فلم ر لذلك سببا إلا إيرادي لبعض ذلك الشعر، # فعاهدت الله أن لا أنوه بشيء منه، فزال عني أكثر ما كنت فيه من المكاره، # وبقي بعضه، وكان ذلك الشعر عندي فأخذته وحرقته وغسلته، حتى لم يبق # له أئر، واستغفرت الله تعالى من ذلك، فأذهب الله عني جميع ما كنت فيه # من المكروه وا لخوف، وأبدلني الله به عكسه، ولم أزل بعد ذلك في خير # وعافية، ورأيت ذلك حالا من أحوال الشيخ ومن كرامته على الله. # وحدثني أيضا قال: أخبرني الشيخ ابن عماد الدين المقرئ المطرز # قال: قدمت على الشيخ ومعي حينئذ نفقة، فسلمت عليه، فرد علي ورحب # بي، وادناني ولم يسالني هل معك نفقة ام لا. فلما كان بعد ايام وقد نفدت # نفقتي أردت أن أخرج من مجلسه بعد أن صليت مع الناس وراءه، فمنعني # وجلسني دونهم، فلما خلا المجلس دفع إ لي جملة دراهم، وقال: أنت # الان بغير نفقة، فارتفق بهذه، فعجبت من ذلك، وعلمت أن الله كشفه على # حا لي أولا لما كان معي نفقة، واخرا لما نفدت واحتجت إلى نفقة. # وحدثني من لا أتهمه أن الشيخ - رضي الله عنه - حين نزل المغل # 775 PageV01P775 # ~~بالشام لأخذ دمشق وغيرها، رجف أهلها وخافوا خوفا شديدا، وجاء إليه # جماعة منهم وسألوه الدعاء للمسلمين، فتوجه إلى الله، ثم قال: أبشروا، # فان الله يأتيكم بالنصر في اليوم الفلاني بعد ثالثة، حتى ترون الرووس ~~معئأة # بعضها فوق بعض. قال الذي حدثني: فوالذي نفسي بيده - أو كما خلف- # ما مضى إلا ثلاث - مثل قوله - حتى رأينا رؤوسهم كما قال الشيخ، على # ظاهر دمشق، معبأة بعضها فوق بعض (1). # وحدثني الشيخ الصالح الورع عثمان بن أحمد بن عيسى النساج أن # الشيخ - رضي الله عنه - كان يعود المرضى بالبيمارستان بدمشق، في كل # يوم، فجاء على عادته فعادهم، فوصل إلى شاب منهم فدعا ms25 له، فشفي # سريعا، وجاء إلى الشيخ يقصد السلام عليه، فلما راه هش له ودنا 5، ثم # دفع إليه نفقة وقال: قد شفاك الله، فعاهد الله ان تعجل الرجوع إلى بلدك، # أيجوز أن تترلن زوجتك وبنات لك أربعا بلا نفقة وتقيم هاهنا، فقال الفتى: # فقبلت يده وقلت: يا سيدي أنا تائب إلى الله على يدلن، وعجبت مما # كاشفني به، وكنت قد تركتهم بلا نفقة، ولم يكن قد عرف بحا لي احد من # اهل دمشق. # وحدثني من أثق به: أن الشيخ - رضي الله عنه - خبر عن بعض القضاة # نه قد مضى متوجها إلى مصر المحروسة لمملد القضاء، وأنه سمعه يقول: # حالما صل إلى البلد قاضيا أحكم بقتل فلان، رجل معين من فصلاء أهل # العلم والدين، قد أجمح الناس على علمه وزهده وورعه، ولكن حصل في ~~PageV01P776 # ~~قلب القاضي منه من الشحناء والعداوة ما صوب له الحكم بقتله، فعظم # ذلك على من سمعه خوفا من وقوع ما عزم عليه من القتل بمثل هذا الرجل # الصالح، وحذرا على القاضي أن يوقعه الهوى والشيطان في ذلك، فيلقى # الله متلبسا بدم حرام، وفتك بمسلم معصوم الدم بيقين، وكرهوا وقوع مثل # ذلك لما فيه من عظيم المفاسده # فأبلغ الشيخ - رضي الله عنه - هذا الخبر بصفته، فقال: إن الله لا يمكنه # مما قصد، ولا يصل إلى مصر حيا، فبقي بين القاضي وبين مصر قدر يسير، # وأدركه الموت، فمات قبل وصولها، كما أجرى الله تعالى على لسان # الشيخ رضي الله عنه. # قلت: وكرامات الشيخ رضي الله عنه كثيرة جدا، لا يليق بهذا المختصر # أكثر من ذكر هذا القدر منها. ومن أظهر كراماته أنه ما سمع بأحد عاداه أو # غض منه إلا وابتلي بعدة بلايا غالبها في دينه، وهذا ظاهر مشهور لا يحتاج # فيه إلى شرح صفته. # *** # 777 PageV01P777 ### || AUTO الفصل العاشر # فى ذكر كرمه رضي الله عنه # كان - رضي الله عنه - مجبولا على الكرم، لا يتطبعه ولا يتصنعه، بل # هو له سجية، وقد ذكرت فيما تقدم أنه ما شد على دينار ولا ms26 درهم قط، بل # كان مهما قدر على شيء من ذلك يجود به كله، وكان لا يرد من يسأله شيئا # يقدر عليه من دراهم ولا دنانير، ولا ثياب ولا كتب، ولا غير ذلك، بل ربما # كان يسأله بعض الفقراء شيئا من النفقة، فإن كان حينئذ متعذرالا يدعه # يذهب بلا شيء، بل كان يعمد إلى شيء من لباسه فيدفعه إليه، وكان ذلك # المشهور عند الناس من حاله. # حدئني الشيخ العالم الفاضل المقرئ أبو محمد عبد الله ابن الشيخ # الصالح المقرئ أحمد بن سعيد قال: كنت يوما جالسا بحضرة شيخ # الاسلام ابن تيمية رضي الله عنه، فجاء إنسان فسلم عليه، فراه الشيخ # محتاجا إلى ما يعتم به، فنزع الشيخ عمامته من غير أن يسأله الرجل ~~ذلك، # فقطعها نصفين واعتم بنصمفها، ودفع النصف الاخر إلى ذلك الرجل، ولم # يحتشم للحاضرين عنده. # قلت: وربما توهم بعض من يحتاج إلى التفهيم أن هذا الفعل من # الشيخ فيه إضاعة المال، أو نوع من التبذل الذي يشين المروءة، وليس # الامر كذلك، فإنه لم يكن عنده حينئذ معلوم غير ئيابه، ورأى أن قطع # العمامة من بقية لباسه مما يفسده ولا يحصل به المقصود، ولم يكن عليه # ولا عنده حينئذ ثوب صحيح لا يحتاج إليه حتى يدفعه إليه، فسارع إلى # 778 PageV01P778 # ~~قطع ما يستغني ببعضه عن كله فيما وضع له، وهو العمامة، فنفع أخاه # المسلم وسد حاجته حينئذ ببعضها، واستغنى هو بباقيها. وهذا هو أكمل # التصرف الصالح والرشد التام، وا لجود المذكور المشهور، والايثار # بالميسور. وما التبذل الذي فيه نوع من إسقاط المروءة فليس من هذا # القبيل في شيء، بل هذا من المبالغة في التواضع، وعدم روية النفس في # محل الاحتشام، ورفض إرادة المرء تعظيم نفسه بحضرة ا لحاضرين، # وهذه خصال محمودة مطلوبة شرعا وعقلا. # وقد روي مثل ذلك عن سيد الأنام وكمل الخلق مروءة وعقلا وعلما # محمد المصطفى بص: أنه لبس يوما شملة سوداء لها حوالش بيض، وخرج # إلى المسجد، وجماعة من المسلمين حضور، فراه إنسان فقال: يا رسول ms27 # الله! أعطني هذه الشملة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع # ~~سائلا يسأله، فنزعها # لمجص عن كزيمه المكرم ودفعها إلى ذلك الرجل، وطفق الناس يلومون ذلك # الرجل على ما فعل، وكونه سال النبي! سيو وكان محتاجا إلى ما يلبس، وقد # علم أنه ءلمج! لا يمنع شيئا يساله، فقال الرجل معتذرا إليهم: إني لم ~~اطلبها # لالبسها، لكن لاجعلها لي كفنا عند موتي، قال الراوي: فأمسكها عنده # حتى كانت كفنه. وهذا حديث مشهور قد رواه غير واحد من ا لحفاظ # الثقات (1). وهو من أوضح الدليل على ما قلناه، بل أبلغ في ا لجود # والتواضع وكسر النفس وكرم الاخلاق. # وحدثني من أثق به أن الشيخ - رضي الله عنه - كان مارا يوما في بعض ~~PageV01P779 # ~~الازقة، فدعا له بعض الفقراء، وعرف الشيخ حاجته، ولم يكن مع الشيخ ما # يعطيه، فنزع ثوبا من على جلده ودفعه إليه وقال: بعه بما تيسر وأنفقه، # واعتذر إليه من كونه لم يكن معه شيء (1) من النفقة. # وهذا أيضا من المبالغة في عدم إكثاره بغير ما يقرب إلى الله تعالى، # وجوده بالميسور كائنا ما كان، وهذا من أبلغ إخلاص العمل لله سبحانه، # فسبحان الموفق من شاء لما شاء. # وحدثني من أثق به - أيضا - أن الشيخ رضي الله عحه كان لا يرد أحدا # يسأله شيئا من كتبه، بل يأمره أن يأخذ هو بنفسه ما شاء منها، وخبرني أنه # جاءه يوما إنسان فسأله كتابا ينتفع به، فأمره أن يأخذ كتابا يختاره (2)، ~~فرأى # ذلك الرجل بين كتب الشيخ مصحفا قد اشتري بدراهم كثيرة، فأخذه # ومضى، فلام بعضن الجماعة الشيخ في ذلك، فقال: لا يحسن بي أن أمنعه # بعدما سأله، دعه، فلينتفع به. # وكان الشيخ ينكر إنكارا شديدا على من يسأل شيئا من كتب العلم التي # يملكها ويمنعها من السائل، ويقول: ما ينبغي أن يمنع العلم ممن يظلبه. # ومن كرمه: أنه كان لا ينظر أبدا إلى جهة الملك والتمول. # وهذا القدر من كرمه يغني المقتدي. # *** PageV01P780 ### || AUTO الفصل الحادي عشر # في ذكر قوة قلبه ms28 وشجاعته # كان - رضي الله عنه - من أشجع الناس وقواهم قلبا، ما رأيت أحدا # أثبت جأشا منه، ولا عظم عناء في جهاد العدو منه، كان يجاهد في سبيل # الله بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف في الله لومة لائم. # أخبر غير واحد: أن الشيخ - رضي الله عنه -كان إذا حضر مع عسكر # المسلمين في جهاد يكون بي! هم واقيتهم (1) وقطب ثباتهم، إن رأى من # بعضهم هلعا أو رقة وجبانة، شجعه وثبته وبشره ووعده بالنصر والظفر # والغنيمة، وبين له فصل ا لجهاد والمجاهدين، وانزال الله عليهم السكينة. # وكان إذا ركب الخيل يتحنك ويجول في العدو كأعظم الشجعان، # ويقوم كأثبت الفرسان، ويكبر تكبيرا أنكى في العدو من كثير من الفتك # بهم، ويخوض فيهم خوض رجل لا يخاف الموت. # وحدثوا أنهم رأوا منه في فتح عكة امورا من الشجاعة يعجز الواصف # عن وصفها، قالوا: ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها بفعله # ومشورته وحسن نظره. # ولما ظهر السلطان غازان على دمشق المحروسة، جاءه ملك الكرج # وبذل له أموالا جزيلة على أن يمكنه من الفتك بالمسلمين من أهل دمشق، # ووصل الخبر إلى الشيخ، فقام من فوره وشجع المسلمين ورغبهم في PageV01P781 # ~~الشهادة، ووعدهم على قيامهم النصر والظفر والامن وزوال ا لخوف، # فانتدب منهم رجال من وجوههم وكبرائهم وذوي الاحلام منهم، فخرجوا # معه إلى حضرة السلطان غازان، فلما راهم السلطان قال: من هؤلاء؟ فقيل: # هم رؤساء دمشق، فأذن لهم، فحضروا بين يديه، فتقدم الشيخ رضي الله عنه # أولا، فلما أن راه أوقع الله له في قلبه هيبة عظيمة رضي الله عنه، حتى ~~أدناه # وجلسه، وخذ الشيخ في الكلام معه أولا في عكس رأيه عن تسليط # المخذول (1) ملك الكرج على المسلمين، وضمن له أموالا، وأخبره بحرمة # دماء ا لمسلمين، وذكره ووعظه. فاجابه! لى ذلك طائعا، وحقنت بسببه دماء # المسلمين، وحميت ذراريهم، وصين حريمهم. # وحدثني من اثق به عن الشيخ كمال الدين ابن المنجا (2) قدس الله # روحه قال: كنت حاضرا مع الشيخ حينئذ، فجعل - يعني الشيخ -، يحدث # السلطان بقول الله ms29 ورسوله في العدل وغيره، ويرفع صوته على السلطان # حتى جثا على ركبتيه، وجعل يقرب منه في أثناء حديثه، حتى لقد قرب أن # تلاصق ركبته ركبة السلطان، والسلطان مع ذلك مقبل عليه بكليته، مصغ # لما يقول، شاخص إليه لا يعرض عنه. ون السلطان من شدة ما وقع الله له # في قلبه من المحبة والهيبة سال من يخصه من أهل حضرته: من هذا # الشيخ؟ وقال ما معناه: إني لم ار مثله ولا أثبت قلبا منه، ولا أوقع من # حديثه في قلبي، ولا رأيتني اعظم انقيادا مني لاحد منه، فاخبر بحاله، وما # هو عليه من العلم والعمل، وساله إن احببت ان اعمر لك بلد ابائك حران ~~، PageV01P782 # ~~وتنتقل إليه، ويكون برسمك، فقال: لا والله، لا ارغب عن مهاجر إبراهيم، # وستبدل به غيره، فخرج من بين يديه مكرما معززا، قد صنع له الله بما # طوى عليه نيته الصالحة من بذله نفسه في طلب حقق دماء المسلمين، # فبلغه ما أراده، وكان ذلك أيضا سببا لتخليص غالب أسارى المسلمين من # أيد يهم، وردهم على أهلهم وحفط حريمهم، وهذا من أعظم الشجاعة # والثبات وقوة ا لجألثقه # وخبرني من لا أتهمه أن الشيخ - رضي الله عنه - حين وشي به إلى # السلطان المعظم الملك الناصر، أحضره بين يديه، فكان من جملة كلامه: # إنني أخبرت أنك قد أطاعك الناس، ون في نفسك أخذ الملك، فلم # يكترث به، بل قال له بنفس مطمئنة وقلب ثابت وصوت عال سمعه كثير # ممن حضر: أنا فعل ذلك؟ والله إن ملكك وملك المغل لا يساوي عندي # فلسين، فتبسم السلظان لذلك، وجابه في مقابلته بما أوقع الله له في قلبه # من الهيبة العظيمة: إنك والله لصادق، وان الذي وشى بك إ لي كاذب، # واستقر له في قلبه من المحبة الدينية ما لولاه لكان قد فتك به منذ دهر # طويل؛ من كثرة ما يلقى إليه في حقه من الاقاويل الزور والبهتان، ممن # ظاهر حاله للطعام العدالة، وباطنه مشحون بالفسق وا لجهالة. # ولم يزل المبتدعون أهل الاهواء واكلو الدنيا ms30 بالدين، متعاضدين # متناصرين في عدوانه، باذلين وسعهم بالسعي في الفتك به، متخرصين # عليه الكذب الصراح، مختلقين عليه، وناسبين إليه ما لم يقله ولم ينقله، # ولم يوجد له به خط، ولا وجد له في تصنيف ولا فتوى، ولا سمع منه في # مجلس. أتراهم ما علموا أن الله سائلهم عن ذلك ومحاسبهم عليه؟ أو ما # 783 PageV01P783 # ~~سمعوا قول الله تعالى: <ولقد خلقنا الأثنسن ونعدما توسوس به-نفسه - ~~ونحن أئرب # إليه من حبل الورلد! أيخلمقالمتلقيان عن اليمين وعن (لمحال قعي!! ما يلفظ # ~~من دولح # إلا لدئه رقيمث غيد) [ق:16 - 18]. بلى والله، ولكن غلب عليهم ما هم فيه ~~من # إيثار الدنيا على الاحرة، والعمل للعاجلة دون الاجلة، فلهذا حسدوه # وبغضوه، لكونه مبايمهم ومخالفهم، لبغضه ورفضه ما أحبوا، وطلبه # ومحبته ما باينوا ورفضوا. ولما علم الله نياته ونياتهم أبى أن يظفرهم فيه ~~بما # راموا، حتى إنه لم يحضر معه منهم أحد في عقد مجلس إلا وصنع الله له # ونصره عليهم بما يظهره على لسانه من دحض حججهم الواهية وكشف # مكيدتهم الداهية للخاصة والعامة. # *** # 784 PageV01P784 ### || AUTO الفصل الثاني عشر # من ذكر قوته في مرضاة الله وصبره على الشدائد، # واحتماله إياها وثبوته على الحق # كان - رضي الله عنه - من اعظم أهل عصره قوة ومقاما وثبوتا على # الحق، ولتحقيق توحيد الحق، لا يصده عن ذلك لوم لائم ولا قول قائل، # ولا يرجع عنه لحجة محتح، بل كان إذا وضح له الحق يعض عليه # بالنواجذ، ولا يلتفت إلى مباين معاند، فاتفق غالب الناس على معاداته، # وجل من عاداه قد تستروا باسم العلماء والزمرة الفاخرة، وهم أقبل الناس # في الاقبال على الدنيا والاعراض عن الاخرة. # وسبب عداوتهم له: أن مقصودهم الاكبر طلب ا لجاه والرياسة، # وإقبال الخلق وراءه، قد رقاه الله إلى ذروة السنام من ذلك بما أوقع له في # قلوب الخاصة والعامة من المواهب التي منحه بها، وهم عنها بمعزل، # فنصبوا عداوته، وامتلأت قلوبهم محاسدة، ورادوا ستر ذلك عن الناس، # حتى لا يفطن بهم، فعمدوا إلى اختلاق الباطل والبهتان عليه، ms31 والوقوع فيه # خصوصا عند الامراء وا لحكام، واظهارهم الانكار عليه فيما يفتي به من # لحلال وا لحرام، فشققوا قلوب الطغام بما اجترحوه (1) من زور الكلايم، # ونسوا أن لكل قول مقاما (2) بين يدي أحكم ا لحكام، يسأله هل قلته بحق ~~PageV01P785 # ~~أو بذام؟ فيجازي المحق دار السلام، والمبطل دار الانتقام. فبعضهم صبا # إلى أقوالهم تقليدا، وصار في حق هذا الامام جبارا عنيدا، وأحس بذلك # من العامة قوم قد أصبحوا للحكام عبيدا، وتصوروا أن أخذهم بزمام # حصول المال يكون شديدا، فاصبحوا وهم لهم مصدقين، وفي طاعتهم # سابقين (1)، فاجتمع من هذا التركيب العديد، بحيث عاداه أكئر السادات # والعبيد، كل بحسب غرضه الفاسد، وهو مع ذلك كلما رأى تحاشدهم في # مباينته وتعاضدهم في مناقضته، لا يزداد للحق إلا انتصارا، ولكثرة حججه # وبراهينه إلا إظهارا. # ولقد يسجن أزمانا وأعصارا، ولم يولهم دبره فرارا. ولقد قصد أعداوه # الفتك به مرارا، ووسعوا حيلهم عليه إعلانا وإسرارا، فجعل الله حفظه # منهم له شعارا ودثارا، ولقد ظنوا أن في حبسه مشينة، فجعله الله له فضيلة # وزينة، وظهر له يوم موته ما لو رآه واده أقر به عينيه، فإن الله تعالى ~~لعلمه # بقرب أجله، ألبسه من الفراغ عن الخلق للقدوم على الحق أجمل حلله، # كونه حبس على غير جريرة ولا جريمة، بل على قوة في الحق وعزيمة، هذا # مع ما نشر الله له من علومه في الافاق، وبهر بفنونه البصائر والاحداق، # وملأ بمحاسن مؤلفاته الصحف والاوراق، كبتا ورغما للأعداء اهل البدع # المضلة والأهواء. # *** PageV01P786 ### || AUTO الفصل الثالث عشر # في أن الله جعله حجة في عصره ومعيارا للحق والباطل # وهذا أمر قد اشتهر وظهر، فانه - رضي الله عنه - ليس له مصنف ولا # نص في مسألة ولا إفتاء إلا وقد اختار فيه ما رجحه الدليل النقلي والعقلي # على غيره، وتحرى قول الحق المحض فبرهن عليه بالبراهين القاطعة # الواضحة الظاهرة، بحيث إذا سمع ذلك ذو الفطرة السليمة يثلج قلبه بها، # ويجزم بأنها الحق المبين. وتراه في جميع مؤلفاته إذا صح الحديث عنده # يأخذ به ويعمل ms32 بمقتضاه، ويقدمه على قول كل قائل من عالم ومجتهد، # وإذا نظر المنصف إليه بعين العدل يراه واقفا مع الكتاب والسنة لا يميله # عنهما قول أحد كائنا من كان، ولا يرائي في الأخذ بعلومهما أحدا، ولا # يخاف في ذلك اميرا ولا سلطانا ولا سوطا ولا سيفا، ولا يرجع عنهما # لقول أحد، وهو متمسك بالعروة الوثقى، واليد الطولى، وعامل بقوله # تعالى: <فان شزعتم فى شئء فردوه إلىلئه والرسول نكنغ تؤمنون بالله واليؤم ~~الاخر # ذ لك خز وأحسن تاوللا) 1 النساء:59] وبقوله تعالى: < وما خنلفتئم فيه من # شئع فحكمه، إلى لله > 1 الشورى: 0 1]. # وما سمعت أنه اشتهر عن أحد منذ دهر طويل ما اشتهر عنه من كثرة # متابعته للكتاب والسنة، والإمعان في تتبع معانيهما، والعمل ~~بمقتضاهما. # ولهذالا يرى في مسالة اقوال العلماء إلا وقد افتى بأبلغها موافقة للكتاب # والسنة، وتحرى الاخذ بأقومها من جهة المنقول والمعقول. # 787 PageV01P787 # ~~ولما من الله عليه بذلك جعله حجة في عصره لاهله، حتى إن اهل # البلد البعيدة عنه كانوا يرسلون إليه بالاستفتاء عن وقائعهم، ويعولون ~~عليه # في كشف ما التبس عليهم حكمه، فيشفي غلتهم بأجوبته المسددة، ويبرهن # على الحق من أقوال العلماء المتعددة، حتى إذا وقف عليها كل محق ذ وبصيرة # ~~وقوى، ممن قد وفق لترك الهوى، أذعن بقبولها، وبان له حق # مدلولها، وان سمع عن أحد من أهل وقته مخالفته في حقه المشهور، # يكون ممن قد ظهر عليه عند الخاصة والعامة فعل الشرور، والاشتغال # بترهات الغرور. # ومن أراد تحقيق ما ذكرته فليمعن النظر ببصيرته، فانه حينئذ لا يرى # عالما من اهل أي بلد شاء موافقا لهذا الامام، معترفا بما منحه الله تعالى ~~من # صنوف الالهام، مثنيا عليه في كل محفل ومقام، إلا وراءه من اتبع من # علماء بلده الكتاب والسنة، واشتغل بطلب الاخرة ورغب فيها، وبالغ في # الاعراض عنها وأهملها. ولا يرى عالما مخالفا له، منحرفا عنه، ملتبسا # بالشحناء له، إلا وهو من أكبرهم نهما في جمع الدنيا، وأوسعهم حيلا في # تحصيلها، وأكثرهم رياء، وطلبهم سمعة، ms33 وأشهرهم عند ذي اللب أحوالا # ردية، وشدهم على ذوي ا لحكم والظلم دهاء ومكرا، وأبسطهم في # الكذب لسانا، وان نظر إلى محبيه ومبغضيه من العوام، راهم كما وصفت # من اختلاف القبيلين الاولين. # ولقد معنت فكري ونظري، فرأيته كما وصفته، لا والله ما أتحرج في # أحد منهما، ومن ارتاب في ذلك فليعتبر هو بنفسه فانه يراه كذلك، إن أزاح # عنه غطاء الهوى، وما كان ذلك كذلك إلا لما علم الله سبحانه من حسن # 788 PageV01P788 # ~~طوية هذا الامام، وإخلاص قصده، وبذل وسعه في طلب مرضاة ربه، # ومتابعة نبيه صلوات الله وسلامه عليه. # *** # 789 PageV01P789 ### || AUTO الفصل الرابع عشر # في ذكر وفاته وكثرة من صلى عليه وشيعه # أخبرني غير واحد ممن كان حاضرا بدمشق حين وفاته - رضي الله عنه # - قال: إن الشيخ - قدس الله روحه - مرض أياما يسيرة، وكان إذ ذاك # الكاتب شمس الدين الوزير (1) بدمشق المحروسة، فلما علم بمرضه # استأذن في الدخول عليه لعيادته، فأذن الشيخ له في ذلك، فلما جلس عنده # أخذ يعتذر له عن نفسه، ويلتمس منه أن يحله مما عساه أن يكون قد وقع # منه في حقه من تقصير أو غيره، فأجابه الشيخ - رضي الله عنه - بأ ني قد # أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق، وقال ما معناه: # إ ني قد أحللت السلطان المعظم الملك الناصر من حبسه إياي؛ كونه فعل # ذلك مقلدا غيره معذورا، ولم يفعله لحظ نفسه، بل لما بلغه مما ظنه حقا # من مبلغه، والله يعلم أنه بخلافه، وقد أحللت كل واحد مما بيني وبينه، إلا # من كان عدوا لله ورسوله. # قال: ئم إن الشيخ بقي إلى ليلة الاثنين، العشرين من ذي القعدة # الحرام، وتوفي إلى رحمة الله تعالى ورضوانه في بكرة ذلك اليوم، وذلك # من سنة ثمان وعشرين وسبع مائة، وهو على حاله، مجاهدا في ذات الله # تعالى، صابرا، محتسبا، لم يجبن، ولم يهلع، ولم يضعف، ولم يتتعتع، بل ~~PageV01P790 # ~~كان إلى حين وفاته مشتغلا بالله عن جميع ما سواه. # قال: فما هو ms34 إلا ن سمع الناس بموته حتى لم يبق في دمشق من # يستطيع المجيء إلى الصلاة عليه وراده إلا حضر لذلك وتفرغ له، حتى # غلقت الأسواق بدمشق، وعطلت معايمثمها حينئذ، وحصل للناس بمصابه # أمر شغلهم عن غالب أمورهم وسبابهم، وخرج الأمراء والروساء، # والعلماء والفقهاء، والاتراك والأجناد، والرجال والنساء والصبيان من # الخواص ولعوام. # قال: ولم يتخلف أحد من الناس فيما أعلم إلا ثلاثة انفس كانوا قد # اشتهروا بمعاندته (1)، فاختفوا من الناس خوفا على أنفسهم، بحيث غلب # على ظنهم أنهم متى خرجوا رجمهم الناس فأهلكوهم (2). # فغسل رضي الله عنه وكفن. قال: وازدحم من حضر غسله من الخاصة # والعامة على الماء المنفصل عن غسله، حتى حصل لكل واحد منهم شيء # قليل (3). # ثم أخرجت جنازته، فما هو إلا أن راها الناس حتى أكبوا عليها من كل # جانب، كل منهم يقصد التبرك بها، حتى خشي على النعش أن يحطم قبل # وصوله إلى القير، فأحدق بها الامراء والاجناد، واجتمع الاتراك فمنعوا ~~PageV01P791 # ~~الناس من الزحام عليها خشية من سقوطها عليهم (1) من اختناق بعضهم، # وجعلوا يردونهم عن ا لجنازة بكل ما يمكنهم، وهم لا يزدادون إلا ازدحاما # وكثرة، حتى أدخلت جامع بني أمية المحروس، ظنا منهم أنه يسع الناس، # فبقي كثير من الناس خارج ا لجامع، وصلي عليه - رضي الله عنه - في # الجامع، ثم حمل على ايدي الكبراء والاشراف ومن حصل له ذلك من # جميع الناس إلى ظاهر دمشق، ووضع بأرض فسيحة متسعة الأطراف، # وصلى عليه الناس. # قال: وكنت أنا قد صليت عليه في ا لجامع، وكان لي مستشرف على # المكان الذي صلي فيه عليه بطاهر دمشق، فأحمبت أن أنظر إلى الناس # وكثرتهم، فأشرفت عليهم حال الصلاة، وجعلت أنظر يمينا وشمالا ولا # أرى أواخرهم، بل رأيت الناس قد طبقوا تلك الارض كلها. # واتفق جماعة ممن حضر حينئذ وشاهد الناس والمصلين عليه، على # نهم يزيدون على خمسمائة الف، وقال العارفون بالنقل والتاريخ: لم # يسمع في جنازة بمثل هذا ا لجمع إلا جنازة الامام احمد بن حنبل رضي الله # عنه. # ثم ms35 حمل بعد ذلك إلى قبره فوضع، وقد جاء الكاتب (2) شمس الدين # الوزير، ولم يكن حاضرا قبل ذلك، فصلى عليه ايضا ومن معه من الامراء # والكبراء ومن شاء الله من الناس. PageV01P792 # ولم ير لجنازة أحد ما رئي لجنازته من الوقار والهيبة، والعظمة # وا لجلالة، وتعظيم الناس لها، وتوقيرهم إياها، وتفخيمهم أمر صاحبها، # وثنائهم عليه بما كان عليه من العلم والعمل، والزهادة والعبادة، # والاعراض عن الدنيا، والاشتغال بالاخرة، والفقر والايثار، والكرم # وا لمروءة، والصبر والبشارة (1)، والشجاعة والفروسية والاقدام، والصدع # بالحق، والاغلاظ على أعداء الله وعداء رسوله، والمنحرفين عن ديته، # والنصر لله ولرسوله ولدينه ولاهله، والتواضع لاولياء الله والتذلل لهم، # والاكرام والاعزاز والاحترام لجنابهم، وعدم الاكتراث بالدنيا وزخرفها # ونعيمها ولذاتها، وشدة الرغبة في الاخرة والمواظبة على طلبها، حتى # لتسمع ذلك ونحوه من الرجال والنساء والصبيان، وكل منهم يثني عليه بما # يعلمه من ذلك. # قال: ودفن في ذلك اليوم - رضي الله عنه وأعاد علينا من بركاته - ثم جعل # الناس ينتابون (2) قبره للصلاة عليه من القرى والاطراف والاماكن ولبلاد، # مشاة وركبانا، وما وصل خبر موته إلى بلد - فيما نعلام - إلا وصلي عليه في # جميع جوامعه ومجامعه، خصوصا أرض مصر والشام والعراق وتبريز # والبصرة وقراها وغيرها، وختمت له الختمات الكثيرة في الليا لي والايام، ~~في # أماكن كثيرة لم يضبط عددها، خصوصا بدمشق المحروسة ومصر والعراق # وتبريز والبصرة وغيرها، حتى جعل كثير من الناس القراءة له ديدنا لهم، # وأديرت الربعة الشريفة على الناس لقراءة القران المجيد وإهدائه له. PageV01P793 # وقد رثاه كثير من الفصلاء بقصائد متعددة، ولا يسع هذا المختصر # ذكرها، وذلك لما وجب للشيخ - رضي الله عنه - عليهم من الحق في # إرشادهم إلى الحق، والمنهح المستقيم لالادلة الواضحة الجلية النقلية # والعقلية، خصوصا في أصول الدين، فإن الله أنعم على الناس في هذا # الزمان الذي قد ظهرت فيه البدع وميتت السنن، وصار أغلب أهله # ممرجين في البدع وا لحرام من حيث لا يشعرون، ومن حيث لا يعلمون، # ومن الله عليهم بما وفقه له من إيضاح أصول الدين، وتبيين ms36 الحق المحض، # والاعتقاد العدل، وافراده عن غيره من البدع والصلالات بأمور لم جق # إلى مثلها، واظهارها على لسانه بما أورده من ذلك من مؤلفاته ومصنفاته # وقواعده المطابقة للحق، وتقريراته، وما أبرزه من الحجج والبراهين # الظاهرة، الموافقة للمعقول والمنقول، مما لم يتمكن أحد من المتكلمين # والمناظرين الاتيان بمثله، وما أظهره وأورده من كثرة الدلائل العقلية بعد # النقلية حتى قطع به جميع المبتدعين، وكشف به عوار حجج الشاكين # المشككين. # فجزاه الله أحسن الجزاء عن الاسلام والمسلمين، وسبحان من أعطاه # ما ولاه، ومده بحسن التوفيق إلى ما هداه، وأعانه بالصبر ا لجميل إلى أن # توفاه، ورضي عنه وأرضاه، ورزقنا والمسلمين كافة ا لحياة والموت على # الكتاب والسنة حتى نلقاه، والاعتصام بهما جميعا في جميع ما نلقاه. # والحمد لله أولا واحزا، وظاهرا وباطنا، حمدا كثيزا طيبا مباركا فيه، # كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام الاكملان الاطيبان على سيدنا # 794 PageV01P794 # ~~محمد المصطفى، خاتم الانبياء وصاحب اللواء، وعلى اله وصحبه # أجمعين امين (1). # *** PageV01P795 ms37