######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006659 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمر بن علي بن موسى بن خليل البغدادي الأزجي البزار، سراج الدين أبو حفص (المتوفى: 749هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 749 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التراجم والطبقات #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006659 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6659 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6659 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: زهير الشاويش #META# 041.EdNUMBER :: الثالثة، 1400 #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتب الإسلامي - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | الفصل الأول # في ذكر منشأه وعمره ومدة عمره رضى الله عنه وأرضاه # أما مولده فكان كما اخبرني به غير واحد من الحفاظ انه ولد في حران في ~~عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة وبقي بها إلى أن بلغ سبع سنين ثم ~~انتقل به والده رحمه الله إلى دمشق المحروسة فنشأ بها أتم إنشاء وازكاه ~~وأنبته الله احسن النبات واوفاه وكانت مخايل النجابة عليه في صغره لائحة ~~ودلائل العناية فيه واضحة اخبرني من أثق به عن من حدثه # PageV01P016 # أن الشيخ رضي الله عنه في حال صغره كان إذا أراد المضي إلى المكتب يعترضه ~~يهودي كان منزله بطريقه بمسائل يسأله عنها لما كان يلوح عليه من الذكاء ~~والفطنة وكان يجيبه عنها سريعا حتى تعجب منه ثم انه صار كلما اجتاز به ~~يخبره بأشياء مما يدل على بطلان ما هو عليه فلم يلبث أن اسلم وحسن إسلامه ~~وكان ذلك ببركة الشيخ على صغر سنه # ولم يزل منذ أبان صغره مستغرق الأوقات في الجهد والاجتهاد وختم القران ~~صغيرا ثم اشتغل بحفظ الحديث والفقه والعربية حتى برع في ذلك مع ملازمة ~~مجالس الذكر وسماع الأحاديث # PageV01P017 # والآثار ولقد سمع غير كتاب على غير شيخ من ذوي الروايات الصحيحة العالية ~~أما دواوين الإسلام الكبار ك مسند احمد وصحيح البخاري ومسلم وجامع الترمذي ~~وسنن أبي داوود السجستاني والنسائي وابن ماجة والدارقطني فإنه رحمه الله ~~ورضي عنهم وعنه فإنه سمع كل واحد منها عدة مرات وأول كتاب حفظه في الحديث ~~الجمع بين الصحيحين للإمام الحميدي وقل كتاب من فنون العلم إلا وقف عليه ~~وكان الله قد خصه بسرعة الحفظ وإبطاء النسيان لم يكن يقف على شيء أو يستمع ~~لشيء غالبا الا ويبقى على خاطره أما بلفظه أو معناه وكان العلم كأنه قد ~~اختلط بلحمه ودمه وسائره فإنه لم يكن له مستعارا بل كان له شعارا ودثارا لم ~~يزل آباؤه أهل الدراية التامة والنقد والقدم الراسخة في الفضل لكن جمع الله ~~له ما خرق بمثله العادة ووفقه في ms01 جميع أمره لإعلام السعادة وجعل مآثره ~~لإمامته من اكبر شهادة حتى اتفق كل ذي عقل سليم انه # PageV01P018 # ممن عني نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله أن الله يبعث على رأس كل مئة سنة ~~من يجدد لهذه الأمة أمر دينها فلقد احيا الله به ما كان قد درس من شرائع ~~الدين وجعله حجة على أهل عصره أجمعين والحمد لله رب العالمين # PageV01P019 ### | الفصل الثاني # في غزارة علومه ومؤلفاته ومصنفاته # وسعة نقله في فتاويه ودروسه البديهية ومنصوصاته # أما غزارة علومه فمنها ذكر معرفته بعلوم القرآن المجيد واستنباطه لدقائقه ~~ونقله لأقوال العلماء في تفسيره واستشهاده بدلائله وما أودعه الله تعالى ~~فيه من عجائبه وفنون حكمه وغرائب نوادره وباهر فصاحته وظاهر ملاحته فإنه ~~فيه من الغاية التي ينتهى اليها والنهاية التي يعول عليها # ولقد كان إذا قريء في مجلسه آيات من القرآن العظيم يشرع في تفسيرها ~~فينقضي المجلس بجملته والدرس برمته وهو في تفسير بعض آية منها وكان مجلسه ~~في وقت مقدر بقدر ربع النهار يفعل ذلك بديهة من غير أن يكون له قارئ معين ~~يقرأ له شيئا معينا يبيته ليستعد لتفسيره بل كان من حضر يقرأ ما تيسر # PageV01P020 # ويأخذ هو في القول على تفسيره وكان غالبا لا يقطع إلا ويفهم السامعون أنه ~~لولا مضي الزمن المعتاد لاورد أشياء أخر في معنى ما هو فيه من التفسير لكن ~~يقطع نظرا في مصالح الحاضرين # ولقد أملى في تفسير {قل هو الله أحد} مجلدا كبيرا # وقوله تعالى {الرحمن على العرش استوى} نحو خمس وثلاثين كراسة # ولقد بلغني انه شرع في جمع تفسير لو أتمه لبلغ خمسين مجلدا # أما معرفته وبصره بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله ~~وقضاياه ووقائعه وغزواته وسراياه وبعوثه وما خصه الله تعالى من كراماته ~~ومعجزاته ومعرفته بصحيح المنقول عنه وسقيمه وبقية المنقول عن الصحابة رضي ~~الله عنهم في أقوالهم وأفعالهم وقضاياهم وفتاويهم واحوالهم وأحوال ~~مجاهداتهم في دين الله وما خصوا به من بين الامة فإنه كان رضي الله عنه من ~~أضبط ms02 الناس لذلك وأعرفهم فيه وأسرعهم استحضارا لما يريده منه فإنه قل أن ~~ذكر حديثا في مصنف أو فتوى أو استشهد به أو استدل به إلا وعزاه في أي ~~دواوين الإسلام هو ومن أي قسم # PageV01P021 # من الصحيح أو الحسن أو غيرهما وذكر اسم رواية من الصحابة وقل أن يسأل عن ~~اثر إلا وبين في الحال حاله وحال أمره وذاكره # ومن أعجب الأشياء في ذلك أنه في محنته الأولى بمصر لما أخذ وسجن وحيل ~~بينه وبين كتبه صنف عدة كتب صغارا وكبارا وذكر فيها ما احتاج إلى ذكره من ~~الأحاديث والآثار وأقوال العلماء وأسماء المحدثين والمؤلفين ومؤلفاتهم وعزا ~~كل شئ من ذلك إلى ناقليه وقائليه بأسمائهم وذكر أسماء الكتب التي ذكر فيها ~~وأي موضع هو منها كل ذلك بديهة من حفظه لأنه لم يكن عنده حينئذ كتاب يطالعه ~~ونقبت واختبرت واعتبرت فلم يوجد فيها بحمد الله خلل ولا تغير ومن جملتها ~~كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول # وهذا من الفضل الذي خصه الله تعالى به # ومنها ما منحه الله تعالى من معرفة اختلاف العلماء ونصوصهم وكثرة أقوالهم ~~واجتهادهم في المسائل وما روي عن كل منهم # PageV01P022 # من راجح ومرجوح ومقبول ومردود في كل زمان ومكان وبصره الصحيح الثاقب ~~الصائب للحق مما قالوه ونقلوه وعزوه ذلك إلى الأماكن التي بها أودعوه حتى ~~كان إذا سئل عن شئ من ذلك كأن جميع المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه والعلماء فيه من الاولين والآخرين متصور مسطور بإزائه يقول منه ما ~~شاء الله ويذر ما يشاء وهذا قد اتفق عليه كل من رآه أو وقف على شئ من علمه ~~ممن لا يغطي عقله الجهل والهوى # وأما مؤلفاته ومصنفاته فإنها اكثر من أن أقدر على إحصائها أو يحضرني جملة ~~أسمائها بل هذا لا يقدر عليه غالبا أحد لأنها كثيرة جدا كبارا وصغارا وهي ~~منشورة في البلدان فقل بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه # فمنها ما يبلغ إثني عشر مجلدا ك تلخيص التلبيس على أساس التقديس ms03 وغيره # ومنها ما يبلغ سبع مجلدات ك الجمع بين العقل والنقل # PageV01P023 # ومنها ما يبلغ خمس مجلدات ومنها منهاج الاستقامة والاعتدال ونحوه # ومنها ما يبلغ ثلاث مجلدات ك الرد على النصارى وشبهه # ومنها مجلدان ك نكاح المحلل وإبطال الحيل وشرح العقيدة الأصبهانية # ومنها مجلد ودون ذلك وهذان القسمان من مؤلفاته فهي كثيرة جدا لا يمكنني ~~استقصاؤها لكن اذكر بعضها إستئناسا # كتاب تفسير سورة الاخلاص مجلد # كتاب الكلام على قوله عز وجل الرحمن على العرش استوى # كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول مجلد # كتاب الفرقان المبين بين الطلاق واليمين # كتاب الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان # PageV01P024 # كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم # كتاب الكلم الطيب # كتاب إثبات الكمال # كتاب الرد على تأسيس التقديس # كتاب الجمع بين العقل والنقل # كتاب نقض أقوال المبتدعين # كتاب الرد على النصارى # كتاب منهاج الاستقامة # كتاب إبطال الحيل ونكاح المحلل # كتاب شرح العقيدة الاصبهانية # كتاب الفتاوي # كتاب الدر الملتقط # كتاب أحكام الطلاق # كتاب الرسالة # كتاب اعتقاد الفرقة الناجية # PageV01P025 # كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام # كتاب تقرير مسائل التوحيد # كتاب الاستغاثة والتوسل # كتاب المسائل الحموية # كتاب المسائل الجزرية # كتاب المسائل المفردة # ولا يليق هذا المختصر بأكثر من هذا القدر من مؤلفاته وإلا فيمكن تعداد ما ~~ينيف على المأتين لكن لم نر الإطالة بذكره # وأما فتاويه ونصوصه وأجوبته على المسائل فهي اكثر من أن اقدر على إحصائها ~~لكن دون بمصر منها على أبواب الفقه سبعة عشر مجلدا وهذا ظاهر مشهور وجمع ~~أصحابه اكثر من أربعين ألف مسألة وقل أن وقعت واقعة وسئل عنها إلا وأجاب ~~فيها بديهة بما بهر واشتهر وصار ذلك الجواب كالمصنف الذي يحتاج فيه غيره ~~إلى زمن طويل ومطالعة كتب وقد لا يقدر مع ذلك على إبراز مثله # أخبرني الشيخ الصالح تاج الدين محمد المعروف بابن الدوري انه حضر مجلس ~~الشيخ رضى الله عنه وقد سأله # PageV01P026 # يهودي عن مسأله في القدر قد نظمها شعرا في ثمانية أبيات # فلما وقف عليها فكر لحظة يسيرة وانشأ يكتب جوابها ms04 وجعل يكتب ونحن نظن انه ~~يكتب نثرا فلما فرغ تأمله من حضر من أصحابه وإذا هو نظم في بحر أبيات ~~السؤال وقافيتها تقرب من مائة وأربعة وثمانين بيتا وقد ابرز فيها من العلوم ~~ما لو شرح بشرح لجاء شرحه مجلدين كبيرين هذا من جملة بواهره وكم من جواب ~~فتوى لم يسبق إلى مثله # وأما ذكر دروسه فقد كنت في حال إقامتي بدمشق لا أفوتها وكان لا يهييء ~~شيئا من العلم ليلقيه ويورده بل يجلس بعد أن يصلي ركعتين فيحمد الله ويثني ~~عليه ويصلي على رسوله صلى الله عليه وسلم على صفة مستحسنة مستعذبة لم ~~اسمعها من غيره ثم يشرع فيفتح الله عليه إيراد علوم وغوامض ولطائف ودقائق # PageV01P027 # وفنون ونقول واستدلالات بآيات وأحاديث وأقوال العلماء ونصر بعضها وتبين ~~صحته أو تزييف بعضها وإيضاح حجته واستشهاد بأشعار العرب وربما ذكر اسم ~~ناظمها وهو مع ذلك يجري كما يجري السيل ويفيض كما يفيض البحر ويصير منذ ~~يتكلم إلى أن يفرغ كالغائب عن الحاضرين مغمضا عينيه وذلك كله مع عدم فكر ~~فيه أو روية من غير تعجرف ولا توقف ولا لحن بل فيض الهي حتى يبهر كل سامع ~~وناظر فلا يزال كذلك إلى أن يصمت وكنت اراه حينئذ كأنه قد صار بحضرة من ~~يشغله عن غيره ويقع عليه إذ ذاك من المهابة ما يرعد القلوب ويحير الأبصار ~~والعقول # وكان لا يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قط الا ويصلي ويسلم عليه ولا ~~والله ما رأيت أحدا اشد تعظيما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا احرص على ~~أتباعه ونصر ما جاء به منه حتى إذا كان ورد شيئا من حديثه في مسألة ويرى ~~انه لم ينسخه شيء # PageV01P028 # غيره من حديثه يعمل به ويقضي ويفتي بمقتضاه ولا يلتفت الى قول غيره من ~~المخلوقين كائنا من كان وقال رضي الله عنه كل قائل إنما يحتج لقوله لا به ~~ألا الله ورسوله # وكان إذا فرغ من درسه يفتح عينيه ويقبل على الناس بوجه طلق بشيش وخلق ms05 دمث ~~كأنه قد لقيهم حينئذ وربما اعتذر إلى بعضهم من التقصير في المقال مع ذلك ~~الحال ولقد كان درسه الذي يورده حينئذ قدر عدة كراريس وهذا الذي ذكرته من ~~أحوال درسه أمر مشهور يوافقني عليه كل حاضر بها وهم بحمد الله خلق كثير لم ~~يحصر عددهم علماء ورؤساء وفضلاء من القراء والمحدثين والفقهاء والأدباء ~~وغيرهم من عوام المسلمين # PageV01P029 ### | الفصل الثالث # في ذكر معرفته بأنواع أجناس المذكور والمقول والمنقول والمتصور والمفهوم ~~والمعقول # أما معرفته بصحيح المنقول وسقيمه فإنه في ذلك من الجبال التي لا ترتقي ~~ذروتها ولا ينال سنامها قل أن ذكر له قول الا وقد احاط علمه بمبتكره وذاكره ~~وناقله واثره أو راو الا وقد عرف حاله من جرح وتعديل بإجمال وتفصيل # حكى من يوثق بنقله انه كان يوما بمجلس ومحدث يقرأ عليه بعض الكتب ~~الحديثية وكان سريع القراءة فعارضه الشيخ في اسم رجل في سند الحديث قد ذكره ~~القاريء بسرعة فذكر الشيخ ان اسمه فلان بخلاف ما قرأ فاعتبروه فوجدوه كما ~~قال الشيخ # فانظر الى هذا الادراك السريع والتنبيه الدقيق العجيب ولا يقدر على مثله ~~الا من اشتدت معرفته وقوي ضبطه # وأما ما وهبه الله تعالى ومنحه به من استنباط المعاني من الالفاظ النبوية ~~والاخبار المروية وابراز الدلائل منها على المسائل وتبين مفهوم اللفظ ~~ومنطوقه وايضاح المخصص للعام والمقيد للمطلق # PageV01P030 # والناسخ للمنسوخ وتبيين ضوابطها ولوازمها وملزوماتها وما يترتب عليها وما ~~يحتاج فيه اليها # حتى كان اذا ذكر آية او حديثا وبين معانيه وما اريد به اعجب العالم الفطن ~~من حسن استنباطه ويدهشه ما سمعه او وقف عليه منه # ولقد سئل يوما عن الحديث لعن الله المحلل والمحلل له فلم يزل يورد فيه ~~وعليه حتى بلغ كلامه فيه مجلدا كبيرا # وقل ان كان يذكر له حديث او حكم فيشاء ان يتكلم عليه يومه اجمع الا فعل ~~او يقرأ بحضرته اية من كتاب الله تعالى ويشرع في تفسيرها الا وقطع المجلس ~~كله فيها # واما ما خصة الله تعالى به من معارضة ms06 اهل البدع في بدعتهم واهل الاهواء ~~في اهوائهم وما الفه في ذلك من دحض اقوالهم وتزييف امثالهم واشكالهم واظهار ~~عوارهم وانتحالهم وتبديد شملهم وقطع اوصالهم واجوبته عن شبههم الشيطانية ~~ومعارضتهم النفسانية للشريعة الحنيفية المحمدية بما منحه الله تعالى به # PageV01P031 # من البصائر الرحمانية والدلائل النقلية والتوضيحات العقلية حتى ينكشف ~~قناع الحق وبان بما جمعه في ذلك والفه الكذب من الصدق حتى لو ان اصحابها ~~احياء ووفقوا لغير الشقاء لاذعنوا له بالتصديق ودخلوا في الدين العتيق # ولقد وجب على كل من وقف عليها وفهم ما لديها ان يحمد الله تعالى على حسن ~~توفيقه هذا الامام لنصر الحق بالبراهين الواضحة العظام # حدثني غير واحد من العلماء الفضلاء النبلاء الممعنين بالخوض في اقاويل ~~المتكلمين لاصابة الثواب وتمييز القشر من اللباب # ان كلا منهم لم يزل حائرا في تجاذب اقوال الاصوليين ومعقولاتهم وانه لم ~~يستقر في قلبه منها قول ولم يبن له من مضمونها حق بل رآها كلها موقعة في ~~الحيرة والتضليل وجلها ممعن بتكلف الادلة والتعليل وانه كان خائفا على نفسه ~~من الوقوع بسببها في التشكيك والتعطيل حتى من الله تعالى عليه بمطالعته ~~مؤلفات هذا الامام احمد ابن تيمية شيخ الاسلام وما اورده من النقليات ~~والعقليات في هذا النظام فما هو الا ان وقف عليها وفهمها فرآها موافقة ~~للعقل السليم وعلمها حتى انجلى ما كان قد غشيه من اقوال المتكلمين من ~~الظلام وزال عنه ما خاف ان # PageV01P032 # يقع فيه من الشك وظفر بالمرام # ومن اراد اختبار صحة ما قلته فليقف بعين الانصاف العرية عن الحسد ~~والانحراف ان شاء على مختصراته في هذا الشأن ك شرح الاصبهانية ونحوها وان ~~شاء على مطولاته ك تخليص التلبيس من تأسيس التقديس والموافقة بين العقل ~~والنقل ومنهاج الاستقامة والاعتدال فإنه والله يظفر بالحق والبيان ويستمسك ~~بأوضح برهان ويزن حينئذ في ذلك بأصح ميزان # ولقد اكثر رضي الله عنه التصنيف في الاصول فضلا عن غيره من بقية العلوم ~~فسألته عن سبب ذلك والتمست منه تأليف نص في الفقه يجمع اختياراته ms07 وترجيحاته ~~ليكون عمدة في الافتاء فقال لي ما معناه الفروع امرها قريب ومن قلد المسلم ~~فيها احد العلماء المقلدين جاز له العمل بقوله ما لم يتيقن خطأه واما ~~الاصول فإني رايت اهل البدع والضلالات والاهواء كالمتفلسفة والباطنية ~~والملاحدة والقائلين بوحدة الوجود والدهرية والقدرية والنصيرية والجهمية ~~والحلولية والمعطلة والمجسمة والمشبهة والراوندية والكلابية والسليمية ~~وغيرهم من اهل البدع # قد تجاذبوا فيها بأزمة الضلال وبان لي ان كثيرا منهم انما قصد ابطال ~~الشريعة المقدسة المحمدية الظاهرة العلية على كل دين وان جمهورهم اوقع ~~الناس في التشكيك في اصول دينهم ولهذا # PageV01P033 # قل ان سمعت او رأيت معرضا عن الكتاب والسنة مقبلا على مقالاتهم الا وقد ~~تزندق او صار على غير يقين في دينه واعتقاده # فلما رأيت الامر على ذلك بان لي انه يجب على كل من يقدر على دفع شبههم ~~واباطيلهم وقطع حجتهم واضاليلهم ان يبذل جهده ليكشف رذائلهم ويزيف دلائلهم ~~ذبا عن المللة الحنيفية والسنة الصحيحة الجلية # ولا والله ما رأيت فيهم احدا ممن صنف في هذا الشأن وادعى علوم المقام الا ~~وقد ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد دين الاسلام # وسبب ذلك اعراضه عن الحق الواضح المبين وعن ما جاءت به الرسل الكرام عن ~~رب العالمين واتباعه طرق الفلسفة في الاصطلاحات التي سموها بزعمهم حكميات ~~وعقليات وانما هي جهالات وضلالات وكونه التزمها معرضا عن غيرها اصلا ورأسا ~~فغلبت عليه حتى غطت على عقله السليم فتخبط حتى خبط فيها عشوا ولم يفرق بين ~~الحق والباطل والا فالله اعظم لطفا بعباده ان لا يجعل لهم عقلا يقبل الحق ~~ويثبته ويبطل الباطل وينفيه لكن عدم التوفيق وغلبة الهوى اوقع من اوقع في ~~الضلال وقد جعل الله تعالى العقل السليم من الشوائب ميزانا يزن به العبد ~~الواردات فيفرق به بين ما هو من قبيل الحق # PageV01P034 # وما هو من قبيل الباطل ولم يبعث الله الرسل الا الى ذوي العقل ولم يقع ~~التكليف الا مع وجوده فكيف يقال انه مخالف لبعض ما جاءت به الرسل الكرام عن ~~الله ms08 تعالى هذا باطل قطعا يشهد له كل عقل سليم لكن {ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما له من نور} # قال الشيخ الامام قدس الله روحه فهذا ونحوه هو الذي اوجب اني صرفت جل همي ~~الى الاصول والزمني ان اوردت مقالاتهم واجبت عنها بما انعم الله تعالى به ~~من الاجوبة النقلية والعقلية # قلت وقد ابان بحمد الله تعالى فيما الف فيها لكل بصير الحق من الباطل ~~واعانة بتوفيقه حتى رد عليهم بدعهم وآراءهم وخدعهم واهواءهم مع الدلائل ~~النقلية بالطريقة العقلية حتى يجيب عن كل شبهة من شبههم بعدة اجوبة جلية ~~واضحة يعقلها كل ذي عقل صحيح ويشهد لصحتها كل عاقل رجيح # فالحمد لله الذي من علينا برؤيته وصحبته فلقد جعله الله حجة على اهل هذا ~~العصر المعرض غالب اهله عن قليله وكثيره لاشتغالهم بفاني الدنيا عما يحصل ~~به باقي الاخرة فلا حول ولا قوة الا بالله # لكن الله ذو القوة المتين ضمن حفظ هذا الدين الى يوم الدين واظهره على كل ~~دين فالحمد لله رب العالمين # PageV01P035 ### | الفصل الرابع # في ذكر تعبده # اما تعبده رضي الله عنه فإنه قل ان سمع بمثله لانه كان قد قطع جل وقته ~~وزمانه فيه حتى انه لم يجعل لنفسه شاغلة تشغله عن الله تعالى ما يراد له لا ~~من اهل ولا من مال # وكان في ليلة متفردا عن الناس كلهم خاليا بربه عز وجل ضارعا مواظبا على ~~تلاوة القرآن العظيم مكررا لانواع التعبدات الليلية والنهارية وكان اذا ذهب ~~الليل وحضر مع الناس بدأ بصلاة الفجر يأتي بسنتها قبل اتيانه اليهم وكان ~~اذا احرم بالصلاة تكاد تتخلع القلوب لهيبة اتيانه بتكبيرة الاحرام فإذا دخل ~~في الصلاة ترتعد اعضاؤه حتى يميله يمنة ويسرة وكان اذا قرأ يمد قراءته مدا ~~كما صح في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ركوعه # PageV01P036 # وسجوده وانتصابه عنهما من اكمل ما ورد في صلاة الفرض وكان يخفف جلوسه ~~للتشهد الاول خفة شديدة ويجهر بالتسليمة الاولي حتى يسمع كل من حضر # فإذا ms09 فرغ من الصلاة اثنى على الله عز وجل هو ومن حضر بما ورد من قوله ~~اللهم انت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام ثم يقبل على ~~الجماعة ثم يأتي بالتهليلات الواردات حينئذ ثم يسبح الله ويحمده ويكبره ~~ثلاثا وثلاثين ويختم المائة بالتهليل كما ورد وكذا الجماعة ثم يدعو الله ~~تعالى له ولهم وللمسلمين اجناس ما ورد # وكان غالب دعائه # اللهم انصرنا ولا تنصر علينا وامكر لنا ولا تمكر علينا واهدنا ويسر الهدى ~~لنا اللهم اجعلنا لك شاكرين لك ذاكرين لك اواهين لك مخبتين اليك راغبين ~~اليك راهبين لك مطاويع ربنا تقبل توباتنا واغسل حوباتنا وثبت حججنا # PageV01P037 # واهد قلوبنا اسلل سخيمة صدورنا # يفتتحه ويختمه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يشرع في الذكر # وكان قد عرفت عادته لا يكلمه احد بغير ضرورة بعد صلاة الفجر فلا يزال في ~~الذكر يسمع نفسه وربما يسمع ذكره من الى جانبه مع كونه في خلال ذلك يكثر من ~~تقليب بصره نحو السماء هكذا دأبه حتى ترتفع الشمس ويزول وقت النهي عن ~~الصلاة # وكنت مدة اقامتي بدمشق ملازمه جل النهار وكثيرا من الليل وكان يدنيني منه ~~حتى يجلسني الى جانبه وكنت اسمع ما يتلو وما يذكر حينئذ فرأيته يقرأ ~~الفاتحة ويكررها ويقطع ذلك الوقت كله اعني من الفجر الى ارتفاع الشمس في ~~تكرير تلاوتها # ففكرت في ذلك لم قد لزم هذه السورة دون غيرها فبان لي والله اعلم ان قصده ~~بذلك ان يجمع بتلاوتها حينئذ بين ما ورد في الاحاديث وما ذكره العلماء هل ~~يستحب حينئذ تقديم الاذكار الواردة على تلاوة القرآن او العكس فراى رضي ~~الله عنه ان في الفاتحة وتكرارها حينئذ جمعا بين القولين وتحصيلا للفضيلتين ~~وهذا من قوة فطنته وثاقب بصيرته # PageV01P038 # ثم انه كان يركع فإذا اراد سماع حديث في مكان اخر سارع اليه من فوره مع ~~من يصحبه # فقل ان يراه احد ممن له بصيرة الا وانكب على يديه يقبلهما حتى انه كان ~~اذا راه ارباب المعايش يتخطون ms10 من حوانيتهم للسلام عليه والتبرك به وهو مع ~~هذا يعطي كلا منهم نصيبا وافرا من السلام وغيره # واذا رأى منكرا في طريقه ازاله او سمع بجنازة سارع الى الصلاة عليها او ~~تأسف على فواتها وربما ذهب الى قبر صاحبها بعد فراغه من سماع الحديث فصلي ~~عليه # ثم يعود الى مسجده فلا يزال تارة في افتاء الناس وتارة في قضاء حوائجهم ~~حتى يصلي الظهر مع الجماعة ثم كذلك بقية يومه # PageV01P039 # وكان مجلسه عاما للكبير والصغير والجليل والحقير والحر والعبد والذكر ~~والانثى قد وسع على كل من يرد عليه من الناس يرى كل منهم في نفسه ان لم ~~يكرم احدا بقدره # ثم يصلي المغرب ثم يتطوع بما يسره الله ثم اقرأ عليه من مؤلفاته او غيري ~~فيفيدنا بالطرائف ويمدنا باللطائف حتى يصلي العشاء ثم بعدها كما كنا وكان ~~من الاقبال على العلوم الى ان يذهب هوي من الليل طويل وهو في خلال ذلك كله ~~في النهار والليل لا يزال يذكر الله تعالى ويوحده ويستغفره # وكان رضي الله عنه كثيرا ما يرفع طرفه الى السماء لا يكاد يفتر من ذلك ~~كأنه يرى شيئا يثبته بنظره فكان هذا دابة مدة إقامتي بحضرته # PageV01P040 # فسبحان الله ما اقصر ما كانت يا ليتها كانت طالت ولا والله ما مر على ~~عمري الى الان زمان كان احب الي من ذلك الحين ولا رأيتني في وقت احسن حالا ~~مني حينئذ وما كان الا ببركة الشيخ رضي الله عنه # وكان في كل اسبوع يعود المرضى خصوصا الذين بالبمارستان # واخبرني غير واحد ممن لا يشك في عدالته ان جميع زمن الشيخ ينقضي على ما ~~رأيته فأي عبادة وجهاد افضل من ذلك فسبحان الموفق من يشاء لما يشاء # PageV01P041 ### | الفصل الخامس # في ذكر بعض ورعه # كان رضي الله عنه في الغاية التي ينتهي اليها في الورع لان الله تعالى ~~اجراه مدة عمره كلها عليه فإنه ما خالط الناس في بيع ولا شراء ولا معاملة ~~ولا تجارة ولا مشاركة ولا زراعة ولا عمارة ولا ms11 كان ناظرا مباشرا لمال وقف ~~ولم يكن يقبل جراية ولا صلة لنفسه من سلطان ولا امير ولا تاجر ولا كان ~~مدخرا دينارا ولا درهما ولا متاعا ولا طعاما وإنما كانت بضاعته مدة حياته ~~وميراثه بعد وفاته رضى الله عنه العلم اقتداء بسيد المرسلين وخاتم النبيين ~~محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين فإنه قال إن العلماء ورثة ~~الانبياء وإن الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن ~~أخذ به فقد اخذ بحظ وافر # PageV01P042 # وكان ينبه العاقل بحسن الملاطفة ودقيق المخاطبة ليختار لنفسه طريقتهم ~~ويسلك سبيلهم وإن كان دونها من الطريق من اتخاذ المباحات جائز لكن العاقل ~~يدله عقله على طلب الاعلى # فأنظر بعين الانصاف إلى ما وفق له هذا الإمام واجرى عليه ما أقعد عنه ~~غيره وخذل عن طلبه لكن لكل شئ سبب وعلامة عدم التوفيق سلب الاسباب ومن أعظم ~~الاسباب لترك فضول الدنيا التخلي عن غير الضروري منها # فلما وفق الله هذا الامام لرفض غير الضروري منها انصبت عليه العواطف ~~الالهية فحصل بها كل فضيلة جليلة بخلاف غيره من علماء الدنيا مختاريها ~~وطالبيها والساعين لتحصيلها فانهم لما اختاروا ملاذها وزينتها ورئاستها ~~انسدت عليهم غالبا طرق الرشاد فوقعوا في شركها يخبطون خبط عشواء ويحطبونها ~~كحاطب ليل لا يبالون ما يأكلون ولا ما يلبسون ولا ما يتأولون ما يحصل لهم ~~أغراضهم الدنيئة ومقاصدهم الخبيثة الخسيسة فهم متعاضدون على طلبها يتحاسدون ~~بسببها اجسامهم مليئة وقلوبهم من غيرها فارغة وظواهرهم مزخرفة معمورة ~~وقلوبهم خربة مأسورة # PageV01P043 # ولم يكفهم ما هم عليه حتى اصبحوا قالين رافضها معادين باغضها # ولما رأوا هذا الإمام عالم الآخرة تاركا لما هم عليه من تحصيل الحطام من ~~الشبه الحرام رافضا الفضل المباح فضلا عن الحرام تحققوا ان احواله تفضح ~~احوالهم وتوضح خفى أفعالهم وأخذتهم الغيرة النفسانية على صفاتهم الشيطانية ~~المباينة لصفاته الروحانية # فحرصوا على الفتك به أين ما وجدوه وأنسوا انهم ثعالب وهو أسد فحماه الله ~~تعالى منهم بحراسته وصنع له غير مرة كما صنع لخاصته ms12 وحفظه مدة حياتة وحماه ~~ونشر له عند وفاته علما في الاقطار بما والاه # PageV01P044 ### | الفصل السادس # في ذكر بعض زهده وتجرده وتقاعده عن الدنيا وتبعده # أما زهده في الدنيا ومتاعها فإن الله تعالى جعل ذلك له شعارا من صغره ~~حدثني من اثق به عن شيخه الذي علمه القرآن المجيد قال قال لي أبوه وهو صبي ~~يعني الشيخ احب اليك أن توصيه وتعده بأنك إن لم تنقطع عن القرأءة والتلقين ~~ادفع اليك كل شهر أربعين درهما # قال ودفع إلي أربعين درهما # وقال أعطه إياها فإنه صغير وربما يفرح بها فيزداد حرصه في الاشتغال بحفظ ~~القرآن ودرسه وقل له لك في كل شهر مثلها فامتنع من قبولها وقال يا سيدي إني ~~عاهدت الله تعالى ان لا آخذ على القرآن اجرا ولم يأخذها # فرأيت ان هذا لا يقع من صبي إلا لما لله فيه من العناية # قلت وصدق شيخه فإن عناية الله هي التي أوصلته الى ما وصل من كل خير من ~~صغيره لا من كبر # ولقد اتفق كل من رآه خصوصا من أطال ملازمته أنه ما # PageV01P045 # رأى مثله في الزهد في الدنيا حتى لقد صار ذلك مشهورا بحيث قد استقر في ~~قلب القريب والبعيد من كل من سمع بصفاته على وجهها بل لو سئل عامي من أهل ~~بلد بعيد من الشيخ من كان أزهد أهل هذا العصر وأكملهم في رفض فضول الدنيا ~~واحرصهم على طلب الاخرة لقال ما سمعت بمثل ابن تيمية رحمة الله عليه # وما اشتهر له ذلك إلا لمبالغته فيه مع تصحيح النية وإلا فمن رأينا من ~~العلماء قنع من الدنيا بمثل ما قنع هو منها أو رضي بمثل حالته التي كان ~~عليها لم يسمع انه رغب في زوجة حسناء ولا سرية حوراء ولا دار قوراء ولا ~~مماليك جوار ولا بساتين ولا عقار ولا شد على دينار ولا درهم ولا رغب في ~~دواب ولا نعم ولا ثياب ناعمة فاخرة ولا حشم ولا زاحم في طلب الرئاسات ولا ~~رئي ساعيا في تحصيل ms13 المباحات مع أن الملوك والامراء والتجار والكبراء كانوا ~~طوع أمره خاضعين لقوله وفعله وادين ان يتقربوا الى قلبه مهما أمكنهم مظهرين ~~لإجلاله أو أن يؤهل كلا منهم في بذل ماله # فأين حاله هذه من أحوال بعض المنتسبين إلى العلم وليسوا من أهله ممن قد ~~أغراه الشيطان بالوقيعة فيه بقوله وفعله أترى ما نظروا ببصائرهم إلى صفاتهم ~~وصفاته وسماتهم وسماته وتحاسدهم # PageV01P046 # في طلب الدنيا وفراغه عنها وتحاشدهم في الاستكثار منها ومبالغته في الهرب ~~منها وخدمتهم الامراء واختلافهم إلى أبوابهم وذل الأمراء بين يديه وعدم ~~اكتراثه بكبرائهم وأترابهم ومداجاتهم وإظهار تعبداتهم وصدعه إياهم بالحق ~~وقوة جأشه في محاورتهم بلى والله ولكن قتلتهم الحالقة حالقة الدين لا حالقة ~~الشعر وغطى على أحلامهم حب الدنيا السارقة سارقة العقل لا سارقه البدن حتى ~~أصبحوا قاطعين من يأتيهم في طلبها واصلين من واصلهم في جلبها # PageV01P047 ### | الفصل السابع # في إيثاره مع فقره وتواضعه # كان رضي الله عنه مع شدة تركه للدنيا ورفضه لها وفقره فيها وتقلله منها ~~مؤثرا بما عساه يجده منها قليلا كان أو كثيرا جليلا او حقيرا لا يحتقر ~~القليل فيمنعه ذلك عن التصدق به ولا الكثير فيصرفه النظر اليه عن الاسعاف ~~به فقد كان يتصدق حتى إذا لم يجد شيئا نزع بعض ثيابه المحتاج إليه فيصل به ~~الفقير وكان يستفضل من قوته القليل الرغيف والرغيفين فيؤثر بذلك على نفسه ~~وربما خبأهما في كمه ويمضي ونحن معه لسماع الحديث فيراه بعضنا وقد دفعه الى ~~الفقير مستخفيا يحرص أن لا يراه أحد # وكان إذا ورد عليه فقير وآثر المقام عنده يؤثره عند الأكل بأكثر قوته ~~الذي جعل برسمه # PageV01P048 # حدثني الشيخ الصالح العارف زين الدين علي الواسطي ما معناه انه أقام ~~بحضرة الشيخ مدة طويلة قال فكان قوتنا في غالبها انه كان في بكرة النهار ~~يأتيني ومعه قرص قدره نصف رطل خبزا بالعراقي فيكسره بيده لقما ونأكل منه ~~أنا وهو جميعا ثم يرفع يده قبلي ولا يرفع باقي القرص من بين يدي حتى اشبع ~~بحيث أني لا ms14 أحتاج الى الطعام إلى الليل وكنت ارى ذلك من بركة الشيخ ثم ~~يبقى الى بعد العشاء الاخرة حتى يفرغ من جميع عوائده التي يفيد الناس بها ~~في كل يوم من اصناف القرب فيؤتيى بعشائنا فيأكل هو معي لقيمات ثم يؤثرني ~~بالباقي وكنت أسأله ان يزيد على أكله فلا يفعل حتى إني كنت في نفسي اتوجع ~~له من قلة اكله # وكان هذا دأبنا في غالب مدة إقامتي عنده وما رأيت نفسي # PageV01P049 # أغني منها في تلك المدة ولا رأيتني افقر هما مني فيها # وحكى غير واحد ما اشتهر عنه من كثرة الايثار وتفقد المحتاجين والغرباء ~~ورقيقي الحال من الفقهاء والقراء واجتهاده في مصالحهم وصلاتهم ومساعدته لهم ~~بل ولكل احد من العامة والخاصة ممن يمكنه فعل الخير معه وإسداء المعروف ~~اليه بقوله وفعله ووجهه وجاهه # وأما تواضعه فما رأيت ولا سمعت بأحد من أهل عصره مثله في ذلك كان يتواضع ~~للكبير والصغير والجليل والحقير والغنى الصالح والفقير وكان يدني الفقير ~~الصالح ويكرمه ويؤنسه ويباسطه بحديثه المستحلى زيادة على مثله من الاغنياء ~~حتى أنه ربما خدمه بنفسه وأعانه بحمل حاجته جبرا لقلبه وتقربا بذلك الى ربه # وكان لا يسأم ممن يستفتيه أو يسأله بل يقبل عليه ببشاشة وجه ولين عريكة ~~ويقف معه حتى يكون هو الذي يفارقه كبيرا كان أو صغيرا رجلا أو امرأة حرا أو ~~عبدا عالما أو عاميا حاضرا أو باديا ولا يجبهه ولا يحرجه ولا ينفره بكلام ~~يوحشه بل يجيبه ويفهمه ويعرفه الخطأ من الصواب بلطف وانبساط # وكان يلزم التواضع في حضوره من الناس ومغيبه عنهم في # PageV01P050 # قيامه وقعوده ومشيه ومجلسه ومجلس غيره # ولقد بالغ معي في حال إقامتي بحضرته في التواضع والإكرام حتى إنه لا ~~يذكرني باسمي بل يلقبني بأحسن الالقاب ويظهر لي خصوصا بين أصحابي من ~~الإكرام والتبجيل والإدناء منه بحيث لا يتركني اجلس الا الى جانبه قصيرا ~~كان مجلسه أو طويلا خاصا أو عاما ولازمني في حال قراءتي صحيح البخاري وكان ~~قصدي قراءته على رواية منفردا لاستصغاري نفسي ms15 عن القراءة هناك بمحضر من ~~الناس ولقصدي تعجيل فراغي منه انتهازا للفرصة وخوفا من فوات ذلك الشيخ ~~الراوي لكونه تفرد بروايته سماعا على اصحاب ابي الوقت السجزي # فلما سمع الشيخ بذلك ألزمني قراءته بمجمع كثير من الناس رجالا ونساء ~~وصبيانا وقال ما ينبغي إلا على صفة يكون نفعها # PageV01P051 # متعديا الى المسلمين فتجرد لي بحيث حصل لي مرادي وفوقه من تحصيل قراءتي ~~له في عشرين مجلسا متواليه لم يتخللها سوى الجمعة ولازمني فيها وحضر ~~القراءة كلها يضبطها بنسخة كانت بيده هي أصل ابن ناصر الحافظ يعارض بها ~~نسخة القراءة وكانت اصل الشيخ المسمى # وأظهر لي من حسن الأخلاق والمبالغة في التواضع بحيث أنه كان إذا خرجنا من ~~منزله بقصد القراءة يحمل هو بنفسه النسخة ولا يدع أحدا منا يحملها عنه وكنت ~~أعتذر اليه من ذلك خوفا من سوء الأدب فيقول لو حملته على رأسي لكان ينبغي ~~ألا احمل ما فيه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم # وكان يجلس تحت الكرسي ويدع صدر المجالس حتى إني لأستحي من مجلسه هناك ~~وأعجب من شدة تواضعه ومبالغته في إكرامي بما لا استحق ورفعي عليه في المجلس ~~ولولا قراءتي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعظم حرمتها لما كان ينبغي ~~لي ذلك # وكان هذا حاله في التواضع والتنازل والاكرام لكل من يرد عليه او يصحبه أو ~~يلقاه حتى أن كل من لقيه يحكي عنه من المبالغة في التواضع نحوا مما حكيته ~~وأكثر من ذلك فسبحان من وفقه وأعطاه وأجراه على خلال الخير وحباه # PageV01P052 ### | الفصل الثامن # في هيئته ولباسه # كان رضي الله عنه متوسطا في لباسه وهيئته لا يلبس فاخر الثياب بحيث يرمق ~~ويمد النظر إليه ولا أطمارا ولا غليظة تشهر حال لا بسها ويميز من عامة ~~الناس بصفة خاصة يراه الناس فيها من عالم وعابد بل كان لباسه وهيئته كغالب ~~الناس ومتوسطهم ولم يكن يلزم نوعا واحدا من اللباس فلا يلبس غيره بل كان ~~يلبس ما اتفق وحصل ويأكل ما حضر وكانت بذاذة ms16 الايمان عليه ظاهرة لا يرى ~~متصنعا في عمامة ولا لباس ولا مشية ولا قيام ولا جلوس ولا يتهيأ لأحد يلقاه ~~ولا لمن يرد عليه من بلد # ومن العجب اني كنت قد رايته قبل لقيه بمدة فيما يرى النائم ونحن جلوس ~~نأكل طعاما على صفة معينة فحال لقيتي له ودخولي عليه وجدته يأكل مثل ذلك ~~الطعام على نحو من الصفة التي رأيت فأجلسني وأكلنا جميعا كما رأيت في ~~المنام # وأخبرني غير واحد أنه ما رآه ولا سمع أنه طلب طعاما قط ولا # PageV01P053 # غداء ولا عشاء ولو بقي مهما بقي لشدة اشتغاله بما هو فيه من العلم والعمل ~~بل كان يؤتي بالطعام وربما يترك عنده زمانا حتى يلتفت اليه وإذا أكل أكل ~~شيئا يسيرا # قال وما رأيناه يذكر شيئا من ملاذ الدنيا ونعيمها ولا كان يخوض في شيء من ~~حديثها ولا يسأل عن شيء من معيشتها بل جعل همته وحديثه في طلب الاخرة وما ~~يقرب الى الله تعالى # وهكذا كان في لباسه لم يسمع أنه أمر ان يتخذ له ثوب بعينه بل كان أهله ~~يأتون بلباسه وقت علمهم باحتياجه الى بدل ثيابه التي عليه وربما بقيت عليه ~~مدة حتى تتسخ ولا يأمر بغسلها حتى يكون أهله هم الذين يسألونه ذلك # وأخبر أخوه الذي كان ينظر في مصالحه الدنيوية أن هذا حاله في طعامه ~~وشرابه ولباسه وما يحتاج إليه مما لا بد منه من أمور الدنيا # وما رأيت احدا كان أشد تعظيما للشيخ من أخيه هذا أعني # PageV01P054 # القائم بأوده وكان يجلس بحضرته كأن على رأسه الطير وكان يهابه كما يهاب ~~سلطانا وكنا نعجب منه في ذلك ونقول من العرف والعادة أن اهل الرجل لا ~~يحتشمونه كالاجانب بل يكون انبساطهم معه فضلا عن الاجنبي ونحن نراك مع ~~الشيخ كتلميذ مبالغ في احتشامه واحترامه فيقول إني ارى منه اشياء لا يراها ~~غيري أوجبت علي ان أكون معه كما ترون # وكان يسأل عن ذلك فلا يذكر منه شيئا لما يعلم من عدم إيثار الشيخ لذلك # PageV01P055 ### | الفصل ms17 التاسع # في ذكر بعض كراماته وفراسته # أخبرني غير واحد من الثقات ببعض ما شاهده من كراماته وأنا أذكر بعضها على ~~سبيل الاختصار وأبدأ من ذلك ببعض ما شاهدته # فمنها اثنين جرى بيني وبين بعض الفضلاء منازعة في عدة مسائل وطال كلامنا ~~فيها وجعلنا نقطع الكلام في كل مسألة بأن نرجع الى الشيخ وما يرجحه من ~~القول فيها # ثم أن الشيخ رضي الله عنه حضر فلما هممنا بسؤاله عن ذلك سبقنا هو وشرع ~~يذكر لنا مسألة مسألة كما كنا فيه وجعل يذكر غالب ما أوردناه في كل مسأله ~~ويذكر اقوال العلماء ثم يرجح منها ما يرجحه الدليل حتى أتى على آخر ما ~~أردنا ان نسأله عنه وبين لنا ما قصدنا أن نستعلمه منه فبقيت أنا وصاحبي ومن ~~حضرنا أولا مبهوتين متعجبين مما كاشفنا به وأظهره الله عليه مما كان في ~~خواطرنا # PageV01P056 # وكنت في خلال الايام التي صحبته فيها إذا بحث مسأله يحضر لي إيراد فما ~~يستتم خاطري به حتى يشرع فيورده ويذكر الجواب من عدة وجوه # وحدثني الشيخ الصالح المقريء أحمد بن الحريمي أنه سافر الى دمشق قال ~~فاتفق اني لما قدمتها لم يكن معي شئ من النفقة البتة وانا لا اعرف احدا من ~~أهلها فجعلت أمشي في زقاق منها كالحائر فإذا بشيخ قد أقبل نحوي مسرعا فسلم ~~وهش في وجهي ووضع في يدي صرة فيها دراهم صالحة وقال لي انفق هذه الآن وخلي ~~خاطرك مما انت فيه فإن الله لا يضيعك ثم رد على أثره كأنه ما جاء إلا من ~~أجلي فدعوت له وفرحت بذلك # وقلت لبعض من رأيته من الناس من هذا الشيخ # فقال وكأنك لا تعرفه هذا ابن تيمية لي مدة طويلة لم أره اجتاز بهذا الدرب # وكان جل قصدي من سفري الى دمشق لقاءه فتحققت أن الله أظهره علي وعلى حالي ~~فما احتجت بعدها الى احد مدة إقامتي بدمشق بل فتح الله علي من حيث لا احتسب ~~واستدللت فيما بعد عليه وقصدت زيارته والسلام عليه فكان يكرمني ms18 ويسألني عن ~~حالي فاحمد الله تعالى اليه # PageV01P057 # وحدثني الشيخ العالم المقريء تقي الدين عبد الله ابن الشيخ الصالح ~~المقريء احمد بن سعيد قال سافرت إلى مصر حين كان الشيخ مقيما بها فاتفق أني ~~قدمتها ليلا وأنا مثقل مريض فأنزلت في بعض الامكنة فلم ألبث أن سمعت من ~~ينادي باسمي وكنيتي فاجبته وأنا ضعيف فدخل إلي جماعة من أصحاب الشيخ ممن ~~كنت قد اجتمعت ببعضهم في دمشق فقلت كيف عرفتم بقدومي وأنا قدمت هذه الساعة ~~فذكروا أن الشيخ أخبرنا بأنك قدمت وأنت مريض وأمرنا ان نسرع بنقلك وما ~~رأينا أحدا جاء ولا أخبرنا بشيء # فعلمت أن ذلك من كرامات الشيخ رضي الله عنه # وحدثني ايضا قال مرضت بدمشق اذ كنت فيها مرضة شديدة منعتني حتى من الجلوس ~~فلم اشعر إلا والشيخ عند رأسي وأنا مثقل مشتد بالحمى والمرض فدعا لي وقال ~~جاءت العافية # فما هو إلا أن فارقني وجاءت العافية وشفيت من وقتي # وحدثني قال كنت قد استكبت شعرا لبعض من انحرف عن الحق في الشيخ قد تنقصه ~~فيه وكان سبب قول ذلك الشعر أنه نسب إلي قائلة شعر وكلام يدل على الرفض ~~فأخذ الرجل وأثبت ذلك عليه في وجهه عند حاكم من حكام الشرع المطهر فامر به ~~فشهر حاله بين الناس فتوهم ان الذي كان سبب ذلك الشيخ فحمله ذلك على ان قال ~~فيه ذلك الشعر وبقي عندي وكنت ربما أورد بعضه في بعض الاحيان فوقعت في عدة ~~أشياء # PageV01P058 # من المكروه والخوف متواترة ولولا لطف الله تعالى بي فيها لأتت على نفسي ~~فنطرت من اين دهيت فلم أر لذلك سببا إلا إيرادي لبعض ذلك الشعر فعاهدت الله ~~ان لا اتفوه بشئ منه فزال عني أكثر ما كنت فيه من المكاره وبقي بعضه وكان ~~ذلك الشعر عندي فاخذته وحرقته وغسلته حتى لم يبق له أثر واستغفرت الله ~~تعالى من ذلك فأذهب الله عني جميع ما كنت فيه من المكروه والخوف وابدلني ~~الله به عكسه ولم أزل بعد ذلك في خير وعافية ms19 # ورأيت ذلك حالا من أحوال الشيخ ومن كرامته على الله تعالى # وحدثني أيضا قال أخبرني الشيخ ابن عماد الدين المقرئ المطرز قال قدمت على ~~الشيخ ومعي حينئذ نفقة فسلمت عليه فرد علي ورحب بي وأدناني ولم يسألني هل ~~معك نفقة ام لا # فلما كان بعد أيام ونفدت نفقتي أردت أن اخرج من مجلسه بعد ان صليت مع ~~الناس وراءه فمنعني وأجلسني دونهم فلما # PageV01P059 # خلا المجلس دفع الي جملة دراهم وقال انت الآن بغير نفقة فارتفق بهذه ~~فعجبت من ذلك # وعلمت ان الله كشفه على حالي أولا لما كان معي نفقة وآخرا لما نفدت ~~واحتجت الى نفقة # وحدثني من لا أتهمه ان الشيخ رضي الله عنه حين نزل المغل بالشام لاخذ ~~دمشق وغيرها رجف أهلها وخافوا خوفا شديدا # وجاء اليه جماعة منهم وسألوه الدعاء للمسلمين فتوجه الى الله ثم قال ~~أبشروا فإن الله يأتيكم بالنصر في اليوم الفلاني بعد ثالثة حتى ترون الرؤوس ~~معبأة بعضها فوق بعض # قال الذي حدثني فوالذي نفسي بيده او كما حلف ما مضى إلا ثلاث مثل قوله ~~حتى راينا رؤوسهم كما قال الشيخ على ظاهر دمشق معبأة بعضها فوق بعض # وحدثني الشيخ الصالح الورع عثمان بن احمد بن عيسى النساج أن الشيخ رضي ~~الله عنه كان يعود المرضى بالبيمارستان بدمشق في كل اسبوع فجاء على عادته ~~فعادهم فوصل الى شاب منهم فدعا له فشفي سريعا وجاء الى الشيخ يقصد السلام ~~عليه فلما رآه هش له وأدناه ثم دفع اليه نفقة وقال قد شفاك الله فعاهد الله ~~أن تعجل الرجوع الى بلدك أيجوز أن تترك زوجتك # PageV01P060 # وبناتيك أربعا ضيعة وتقيم ها هنا فقبل يده وقال يا سيدي أنا تائب الى ~~الله على يدك وقال الفتى وعجبت مما كاشفني به وكنت قد تركتهم بلا نفقة ولم ~~يكن قد عرف بحالي أحد من أهل دمشق # وحدثني من أثق به ان الشيخ رضي الله عنه أخبر عن بعض القضاة انه قد مضى ~~متوجها الى مصر المحروسة ليقلد القضاء وأنه سمعه ms20 يقول حال ما اصل الى البلد ~~قاضيا احكم بقتل فلان رجل معين من فضلاء اهل العلم والدين قد أجمع الناس ~~على علمه وزهده وورعه ولكن حصل في قلب القاضي منه من الشحناء والعداوة ما ~~صوب له الحكم بقتله فعظم ذلك على من سمعه خوفا من وقوع ما عزم عليه من ~~القتل لمثل هذا الرجل الصالح وحذرا على القاضي ان يوقعه الهوى والشيطان في ~~ذلك فيلقى الله متلبسا بدم حرام وفتك بمسلم معصوم الدم بيقين وكرهوا وقوع ~~مثل ذلك لما فيه من عظيم المفاسد فأبلغ الشيخ رضي الله عنه هذا الخبر بصفته # فقال إن الله لا يمكنه مما قصد ولا يصل الى مصر حيا فبقى بين القاضي وبين ~~مصر قدر يسير وأدركه الموت فمات قبل وصولها كما اجرى الله تعالى على لسان ~~الشيخ رضي الله عنه # PageV01P061 # قلت وكرامات الشيخ رضي الله عنه كثيرة جدا لا يليق بهذا المختصر اكثر من ~~ذكر هذا القدر منها ومن اظهر كراماته أنه ما سمع بأحد عاداه او غض منه إلا ~~وابتلي بعدة بلايا غالبها في دينه وهذا ظاهر مشهور لا يحتاج فيه الى شرح ~~صفته # PageV01P062 # الفصل العاشر ### | في ذكر كرمه رضي الله عنه # كان رضي الله عنه مجبولا على الكرم لا يتطبعه ولا يتصنعه بل هو له سجية ~~وقد ذكرت فيما تقدم أنه ما شد على دينار ولا درهم قط بل كان مهما قدر على ~~شيء من ذلك يجود به كله وكان لا يرد من يسأله شيئا يقدر عليه من دراهم ولا ~~دنانير ولا ثياب ولا كتب ولا غير ذلك # بل ربما كان يسأله بعض الفقراء شيئا من النفقة فإن كان حينئذ متعذرا لا ~~يدعه يذهب بلا شئ بل كان يعمد الى شئ من لباسه فيدفعه اليه وكان ذلك ~~المشهور عند الناس من حاله # حدثني الشيخ العالم الفاضل المقرئ ابو محمد عبد الله ابن الشيخ الصالح ~~المقرئ احمد بن سعيد قال كنت يوما جالسا بحضرة شيخ الاسلام ابن تيمية رضي ~~الله عنه فجاء انسان فسلم ms21 عليه فرآه الشيخ محتاجا الى ما يعتم به فنزع ~~الشيخ عمامته من غير ان يسأله الرجل ذلك فقطعها نصفين واعتم بنصفها ودفع ~~النصف الاخر الى ذلك الرجل ولم يحتشم للحاضرين عنده # قلت وربما توهم بعض من يحتاج الى التفهيم ان هذا # PageV01P063 # الفعل من الشيخ فيه إضاعة المال او نوع من التبذل الذي يشين المروءة وليس ~~الامر كذلك فإنه لم يكن عنده حينئذ معلوم غير ثيابه ورأى أن قطع غير ~~العمامة من بقية لباسه مما يفسده ولا يحصل به المقصود ولم يكن عليه ولا ~~عنده حينئذ ثوب صحيح لا يحتاج اليه حتى يدفعه اليه فسارع الى قطع ما يستغنى ~~ببعضه عن كله فيما وضع له وهو العمامة فنفع أخاه المسلم وسد حاجته حينئذ ~~ببعضها واستغنى هو بباقيها وهذا هو أكمل التصرف الصالح والرشد التام # والجود المذكور المشهور والايثار بالميسور وأما التبذل الذي فيه نوع ~~إسقاط المروءة فليس من هذا القبيل في شيء بل هذا من المبالغة في التواضع ~~وعدم رؤية النفس في محل الاحتشام ورفض أرادة المرء تعظيم نفسه بحضرة ~~الحاضرين وهذه خصال محمودة مطلوبة شرعا وعقلا # وقد روي مثل ذلك عن سيد الانام وأكمل الخلق مروءة وعقلا وعلما محمد ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم انه لبس يوما شملة سوداء لها حواش بيض وخرج إلى ~~المسجد وجماعة من المسلمين حضور فرآه إنسان فقال يا رسول الله أعطني هذه ~~الشملة وكان صلى الله عليه وسلم لا يمنع سائلا يسأله فنزعها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن كريمه المكرم ودفعها الى ذلك # PageV01P064 # الرجل وطفق الناس يلومون ذلك الرجل على ما فعل وكونه سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكان محتاجا الى ما لبسه وقد علم انه لا يمنع شيئا يسأله فقال ~~الرجل معتذرا اليهم إني لم أطلبها لألبسها لكن لأجعلها لي كفنا عند موتي # قال الراوي فامسكها عنده حتى كانت كفنه # وهذا حديث مشهور قد رواه غير واحد من الحفاظ النقلة الثقات وهو من اوضح ~~الدلائل على ما قلناه بل أبلغ في ms22 الجود والتواضع وكسر النفس وكرم الاخلاق # وحدثني من اثق به ان الشيخ رضي الله عنه كان مارا يوما في بعض الازقة ~~فدعا له بعض الفقراء وعرف الشيخ حاجته ولم يكن مع الشيخ ما يعطيه فنزع ثوبا ~~على جلده ودفعه اليه وقال بعه بما تيسر وأنفقه واعتذر اليه من كونه لم يحضر ~~عنده شئ من النفقة # وهذا ايضا من المبالغة في عدم اكتراثه في غير ما يقرب الى الله تعالى ~~وجوده بالميسور كائنا ما كان وهذا من أبلغ إخلاص العمل لله عز وجل فسبحان ~~الموفق من شاء لما شاء # وحدثني من اثق به أن الشيخ رضي الله عنه كان لا يرد أحدا يسأله شيئا كتبه ~~بل يأمره أن يأخذ هو بنفسه ما يشاء منها # PageV01P065 # وأخبرني أنه جاءه يوما إنسان يسأله كتابا ينتفع به فأمره ان يأخذ كتابا ~~يختاره فرأى ذلك الرجل بين كتب الشيخ مصحفا قد اشترى بدراهم كثيرة فأخذه ~~ومضى # فلام بعض الجماعة الشيخ في ذلك فقال ايحسن بي ان امنعه بعد ما سأله دعه ~~فلينتفع به # وكان الشيخ رضي الله عنه ينكر إنكارا شديدا على من يسأل شيئا من كتب ~~العلم التي يمكلها ويمنعها من السائل ويقول ما ينبغي ان يمنع العلم ممن ~~يطلبه # ومن كرمه انه كان لا ينظر مع ذلك الى جهة الملك والتمول # وهذا القدر من كرمه يغنى المقتدي به # PageV01P066 ### | الفصل الحادي عشر ### | في ذكر قوة قلبه وشجاعته # كان رضي الله عنه من أشجع الناس وأقواهم قلبا ما رأيت أحدا أثبت جأشا منه ~~ولا أعظم عناء في جهاد العدو منه كان يجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده ~~ولا يخاف في الله لؤمة لائم # وأخبر غير واحد أن الشيخ رضي الله عنه كان إذا حضر مع عسكر المسلمين في ~~جهاد يكون بينهم واقيتهم وقطب ثباتهم إن رأى من بعضهم هلعا أو رقة أو جبانة ~~شجعه وثبته وبشره ووعده بالنصر والظفر والغنيمة وبين له فضل الجهاد ~~والمجاهدين وإنزال الله عليهم السكينة # وكان إذا ركب الخيل يتحنك ويجول ms23 في العدو كأعظم الشجعان ويقوم كأثبت ~~الفرسان ويكبر تكبيرا انكى في العدو # PageV01P067 # من كثير من الفتك بهم ويخوض فيهم خوض رجل لا يخاف الموت # وحدثوا انهم رأوا منه في فتح عكة امورا من الشجاعة يعجز الواصف عن وصفها # قالوا ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها بفعله ومشورته وحسن نظره # PageV01P068 # ولما ظهر السلطان غازان على دمشق المحروسة جاءه ملك الكرج وبذل له أموالا ~~كثيرة جزيلة على ان يمكنه من الفتك بالمسلمين من اهل دمشق ووصل الخبر الى ~~الشيخ فقام من فوره وشجع المسلمين ورغبهم في الشهادة ووعدهم على قيامهم ~~بالنصر والظفر والامن وزوال الخوف # فانتدب منهم رجال من وجوههم وكبرائهم وذوي الاحلام منهم فخرجوا معه الى ~~حضرة السلطان غازان فلما رآهم السلطان قال من هؤلاء فقيل هم رؤساء دمشق ~~فأذن لهم فحضروا بين يديه # فتقدم الشيخ رضي الله عنه أولا فلما أن رآه أوقع الله له في قلبه هيبة ~~عظيمة حتى أدناه وأجلسه # وأخذ الشيخ في الكلام معه أولا في عكس رأيه عن تسليط المخزول ملك الكرج ~~على المسلمين وضمن له اموالا واخبره بحرمه دماء المسلمين وذكره ووعظه ~~فأجابه الى ذلك طائعا وحقنت بسببه دماء المسلمين وحميت ذراريهم وصين حريمهم # PageV01P069 # وحدثني من أثق به عن الشيخ وجيه الدين ابن المنجا قدس الله روحه قال كنت ~~حاضرا مع الشيخ حينئذ فجعل يعني الشيخ يحدث السلطان بقول الله ورسوله في ~~العدل وغيره ويرفع صوته على السلطان في اثناء حديثه حتى جثا على ركبتيه ~~وجعل يقرب منه في أثناء حديثه حتى لقد قرب ان تلاصق ركبته ركبة السلطان ~~والسلطان مع ذلك مقبل عليه بكليته مصغ لما يقول شاخص اليه لا يعرض عنه وأن ~~السلطان من شدة ما أوقع الله ما في قلبه من المحبة والهيبة سأل من يخصه من ~~أهل حضرته من هذا الشيخ وقال ما معناه إني لم أر مثله ولا أثبت قلبا منه ~~ولا أوقع من حديثه في قلبي ولا رأيتني أعظم انقيادا مني لاحد منه فأخبر ~~بحاله وما هو عليه ms24 من العلم والعمل فقال الشيخ للترجمان قل لغازان انت تزعم ~~انك مسلم ومعك قاضي وإمام وشيخ ومأذنون على ما بلغنا فغزوتنا وأبوك وجدك ~~كانا كافرين وما عملا الذي عملت عاهدا فوفيا وانت عاهدت فغدرت وقلت فما ~~وفيت وجرت # PageV01P070 # وسأله إن أحببت أن اعمر لك بلد آبائك حران وتنتقل اليه ويكون برسمك فقال ~~لا والله لا أرغب عن مهاجر إبراهيم صلى الله عليه وسلم استبدل به غيره # فخرج من بين يديه مكرما معززا قد صنع له الله بما طوى عليه نيته الصالحة ~~من بذله نفسه في طلب حقن دماء المسلمين فبلغه ما أراده # وكان ذلك ايضا سببا لتخليص غالب أسارى المسلمين من # PageV01P071 # أيديهم وردهم على أهلهم وحفظ حريمهم # وهذا من أعظم الشجاعة والثبات وقوة الجأش # وكان يقول لن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه فان رجلا شكى إلى ~~أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة فقال لو صححت لم تخف أحدا أي خوفك من أجل ~~زوال الصحة من قلبك # وأخبرني من لا اتهمه أن الشيخ رضي الله عنه حين وشي به الى السلطان ~~المعظم الملك الناصر محمد احضره بين يديه قال فكان من جملة كلامه # إنني اخبرت انك قد أطاعك الناس وأن في نفسك اخذ الملك فلم يكترث به بل ~~قال له بنفس مطمئنة وقلب ثابت وصوت عال سمعه كثير ممن حضر أنا أفعل ذلك ~~والله إن ملكك وملك المغل لا يساوي عندي فلسين # فتبسم السلطان لذلك وأجابة في مقابلته بما اوقع الله له في # PageV01P072 # قلبه من الهيبة العظيمة إنك والله لصادق وإن الذي وشيء بك إلي كاذب # واستقر له في قلبه من المحبة الدينية ما لولاه لكان قد فتك به منذ دهر ~~طويل من كثرة ما يلقى اليه في حقه من الاقاويل الزور والبهتان ممن ظاهر ~~حاله للطغام العدالة وباطنه مشحون بالفسق والجهالة # ولم يزل المبتدعون أهل الاهواء وآكلو الدنيا بالدين متعاضدين متناصرين في ~~عدوانه باذلين وسعهم بالسعي في الفتك به متخرصين عليه بالكذب الصراح ~~مختلقين عليه وناسبين ms25 اليه ما لم يقله ولم ينقله ولم يوجد له به خط ولا وجد ~~له في تصنيف ولا فتوى ولا سمع منه في مجلس # أتراهم ما علموا أن الله سائلهم عن ذلك ومحاسبهم عليه أو ما سمعوا قول ~~الله تعالى {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من ~~حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد} # بلى والله ولكن غلب عليهم ما هم فيه من إيثار الدنيا على الاخرة والعمل ~~للعاجلة دون الاجلة فلهذا حسدوه وابغضوه لكونه مباينهم ومخالفهم لبغضه ~~ورفضه ما احبوا وطلبوا ومحبته # PageV01P073 # ما باينوا ورفضوا ولما علم الله نياته ونياتهم أبى ان يظفرهم فيه بما ~~راموا حتى أنه لم يحضر معه منهم أحد في عقد مجلس إلا وصنع الله له ونصره ~~عليهم بما يظهره على لسانه من دحض حججهم الواهية وكشف مكيدتهم الداهية ~~للخاصة والعامة # PageV01P074 ### | الفصل الثاني عشر # من ذكر قوته في مرضاة الله وصبره على الشدائد واحتماله إياها وثبوته على ~~الحق الى أن توفاه الله تعالى على ذلك صابرا محتسبا راضيا شاكرا # كان رضي الله عنه من أعظم اهل عصره قوة ومقاما وثبوتا على الحق وتقريرا ~~لتحقيق توحيد الحق لا يصده عن ذلك لوم لائم ولا قول قائل ولا يرجع عنه لحجة ~~محتج بل كان إذا وضح له الحق يعض عليه بالنواجذ ولا يلتفت الى مباين معاند ~~فاتفق غالب الناس على معاداته وجعل من عاداه قد تستروا باسم العلماء ~~والزمرة الفاخرة وهم أبلغ الناس في الاقبال على الدنيا والاعراض عن الاخرة # وسبب عدواتهم له أن مقصودهم الاكبر طلب الجاه والرئاسة وإقبال الخلق ~~ورأوه قد رقاه الله الى ذروة السنام من ذلك بما أوقع له في قلوب الخاصة ~~والعامة من المواهب التي منحه بها وهم # PageV01P075 # عنها بمعزل فنصبوا عداوته وامتلأت قلوبهم بمحاسدته وأرادوا ستر ذلك عن ~~الناس حتى لا يفطن بهم فعمدوا الى اختلاق الباطل والبهتان عليه والوقوع فيه ~~خصوصا عند الامراء والحكام وإظهارهم ms26 الانكار عليه ما يفتي به من الحلال ~~والحرام فشققوا قلوب الطغام بما إجترحوه من زور الكلام ونسوا ان لكل قول ~~مقاما أي مقام بين يدي أحكم الحكام يسأله هل قلته بحق او بذام فيجازي المحق ~~دار السلام والمبطل دار الانتقام فبعضهم صبا الى اقولهم تقليدا وصار في حق ~~هذا الامام جبارا عنيدا واحس بذلك من العامة قوم قد أصبحوا للحكام عبيدا ~~وتصوروا أن أخذهم بزمام حصول المال يكون شديدا فأصبحوا وهم لهم مصدقين وفي ~~طاعتهم مستبقين # فاجتمع من هذا التركيب العتديد بحيث عاداه اكثر السادات والعبيد كل بحسب ~~غرضه الفاسد # وهو مع ذلك كلما رأى تحاشدهم في مباينته وتعاضدهم في مناقضته لا يزداد ~~إلا للحق انتصارا ولكثرة حججه وبراهينه إلا إظهارا # PageV01P076 # ولقد سجن أزمانا وأعصارا وسنين وشهورا ولم يولهم دبره فرارا ولقد قصد ~~أعداؤه الفتك به مرارا وأوسعوا حيلهم عليه إعلانا وإسرارا فجعل الله حفظه ~~منهم له شعارا ودثارا ولقد ظنوا ان في حبسه مشينة فجعله الله له فضيلة ~~وزينة وظهر له يوم موته ما لو رآه واده أقر به عينيه فإن الله تعالى لعلمه ~~بقرب اجله ألبسه الفراغ عن الخلق للقدوم على الحق اجمل حلله كونه حبس على ~~غير جريره ولا جريمة بل على قوة في الحق وعزيمة # هذا مع ما نشر الله له من علومه في الافاق وبهر بفنونه البصائر والاحداق ~~وملأ بمحاسن مؤلفاته الصحف والاوراق كبتا ورغما للاعداء أهل البدع المضلة ~~والاهواء وصنعا عظيمة من رب السماء لعوائده لخاصة الاولياء اهل المحبة ~~والولاء # PageV01P077 ### | الفصل الثالث عشر # في أن الله جعله حجة في عصره ومعيارا للحق والباطل ومريد الاجل وغير مؤثر ~~العاجل # وهذا امر قد اشتهر وظهر فإنه رضي الله عنه ليس له مصنف ولا نص في مسألة ~~ولا فتوى إلا وقد اختار فيه ما رجحه الدليل النقلي والعقلي على غيره وتحرى ~~قول الحق المحض فبرهن عليه بالبراهين القاطعة الواضحة الظاهرة بحيث إذا سمع ~~ذلك ذو الفطرة السليمة يثلج قلبه بها ويجزم بأنها الحق المبين وتراه في ~~جميع ms27 مؤلفاته إذا صح الحديث عنده يأخذ به ويعمل بمقتضاه ويقدمه على قول كل ~~قائل من عالم ومجتهد # وإذا نظر المنصف اليه بعين العدل يراه واقفا مع الكتاب والسنة لا يميله ~~عنهما قول أحد كائنا من كان ولا يراقب في الاخذ بعلومهما أحدا ولا يخاف في ~~ذلك اميرا ولا سلطانا ولا سوطا ولا سيفا ولا يرجع عنهما لقول أحد وهو متمسك ~~بالعروة الوثقى واليد الطولى وعامل بقوله تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه ~~إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} # PageV01P078 # وبقوله تعالى {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} # وما سمعنا انه اشتهر عن احد منذ دهر طويل ما أشتهر عنه من كثرة متابعته ~~للكتاب والسنة والامعان في تتبع معانيهما والعمل بمقتضاهما ولهذا لا يرى في ~~مسألة اقوالا للعلماء إلا وقد أفتى بأبلغها موافقة للكتاب والسنة وتحرى ~~الاخذ بأقومها من جهة المنقول والمعقول # ولما من الله عليه بذلك جعله حجة في عصره لاهله حتى ان اهل البلد البعيد ~~عنه كانوا يرسلون اليه بالاستفتاء عن وقائعهم ويعولون عليه في كشف ما التبس ~~عليهم حكمه فيشفى غلتهم بأجوبته المسددة ويبرهن على الحق من اقوال العلماء ~~المقيدة حتى إذا وقف عليها كل محق ذو بصيرة وتقوى ممن قد وفق لترك الهوى ~~اذعن بقبولها وبان له حق مدلولها وإن سمع عن أحد من أهل وقته مخالفته في ~~حقه المشهور يكون ممن قد ظهر عليه للخاصة وللعامة فعل الشرور والاشتغال ~~بترهات الغرور ومن اراد تحقيق ما ذكرته فليمعن النظر ببصيرته فإنه حينئذ لا ~~يرى عالما من أي أهل بلد شاء موافقا لهذا الامام معترفا بما منحه الله ~~تعالى من صنوف الالهام مثنيا عليه في كل محفل ومقام إلا وراءه من # PageV01P079 # اتبع علماء بلده للكتاب والسنة وأشغلهم بطلب الاخرة وارغبهم فيها وابلغهم ~~في الاعراض عنها وأهملهم لها ولا يرى عالما مخالفا له منحرفا عنه ملتبسا ~~بالشحناء له إلا وهو من أكبرهم نهمة في جمع الدنيا وأوسعهم حيلا في تحصيلها ~~وأكثرهم ms28 رياء وأطلبهم سمعة واشهرهم عند ذي اللب أحوالا ردية وأشدهم على ذوي ~~الحكم والظلم دهاء ومكرا وابسطهم في الكذب لسانا # وإن نظ الى محبيه ومبغضيه من العوام رآهم كما وصفت من اختلاف القبيلين ~~الاولين ولقد امعنت فكري ونظري فيما ذكرته فرأيته كما وصفته لا والله ما ~~اتحرج في احد منهما ومن ارتاب في ذلك فليعتبر هو بنفسه فإنه يراه كذلك إن ~~أزاح عنه غطاء الهوى وما كان ذلك كذلك إلا لما علم الله سبحانه من حسن طوية ~~هذا الامام وإخلاص قصده وبذل وسعه في طلب مرضاة ربه ومتابعة سنة نبيه صلوات ~~الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه # PageV01P080 ### | الفصل الرابع عشر # في ذكر وفاته وكثرة من صلى عليه وشيعه # أخبرني غير واحد ممن كان حاضرا بدمشق حين وفاته رضي الله عنه # قالوا إن الشيخ قدس الله روحه مرض أياما يسيرة وكان إذ ذاك الكاتب شمس ~~الدين الوزير بدمشق المحروسة # فلما علم بمرضه استأذن في الدخول عليه لعيادته فأذن الشيخ له في ذلك فلما ~~جلس عنده اخذ يعتذر له عن نفسه ويلتمس منه أن يحله مما عساه ان يكون قد وقع ~~منه في حقه من تقصير أو غيره # PageV01P081 # فأجابه الشيخ رضي الله عنه بأني قد احللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم ~~أني على الحق # وقال ما معناه إني قد أحللت السلطان الملك الناصر من حبسه إياي لكونه فعل ~~ذلك مقلدا غيره معذورا ولم يفعله لحظ نفسه بل لما بلغه مما ظنه حقا من ~~مبلغة والله يعلم انه بخلافه # وقد احللت كل واحد مما كان بيني وبينه إلا من كان عدوا لله ورسوله # قالوا ثم إن الشيخ رضي الله عنه بقي الى ليلة الاثنين العشرين من ذي ~~القعدة الحرام وتوفي الى رحمة الله تعالى ورضوانه في بكرة ذلك اليوم وذلك ~~من سنة ثمان وعشرين وسبع مئة وهو على حاله مجاهدا في ذات الله تعالى صابرا ~~محتسبا لم يجبن ولم يهلع ولم يضعف ولم يتتعتع بل كان رضي الله عنه الى حين ~~وفاته ms29 مشتغلا بالله عن جميع ما سواه # قالوا فما هو إلا أن سمع الناس بموته فلم يبق في دمشق من يستطيع المجئ ~~للصلاة عله وارادة إلا حضر لذلك وتفرغ له حتى غلقت الاسواق بدمشق وعطلت ~~معايشها حينئذ وحصل للناس بمصابه امر شغلهم عن غالب امورهم واسبابهم وخرج ~~الامراء والرؤساء والعلماء والفقهاء والاتراك والاجناد والرجال والنساء # PageV01P082 # والصبيان من الخواص والعوام # قالوا ولم يتخلف أحد من غالب الناس فيما اعلم إلا ثلاثة انفس كانوا قد ~~اشتهروا بمعاندته فاختفوا من الناس خوفا على انفسهم بحيث غلب على ظنهم انهم ~~متى خرجوا رجمهم الناس فاهلكوهم # فغسل رضي الله عنه وكفن # قالوا وازدحم من حضر غسله من الخاصة والعامة على الماء المنفصل عن غسله ~~حتى حصل لكل واحد منهم شيء قليل # ثم أخرجت جنازته فما هو إلا ان رآها الناس فأكبوا عليها من كل جانب كلا ~~منهم يقصد التبرك بها حتى خشي على النعش ان يحطم قبل وصوله إلى الى القبر ~~فاحدق بها الامراء والاجناد واجتمع الاتراك فمنعوا الناس من الزحام عليها ~~خشية من سقوطها وعليهم من اختناق بعضهم وجعلوا يردونهم عن الجنازة بكل ما ~~يمكنهم وهم لا يزدادون إلا إزدحاما وكثرة حتى ادخلت جامع بني أمية المحروس ~~ظنا منهم أنه يسع الناس فبقي كثير من الناس خارج الجامع وصلي عليه رضي الله ~~عنه في الجامع ثم حمل على ايدي الكبراء والاشراف ومن حصل له ذلك من جميع ~~الناس الى ظاهر # PageV01P083 # دمشق ووضع بأرض فسحة متسعة الاطراف وصلى عليه الناس # قال أحدهم وكنت أنا قد صليت عليه في الجامع وكان لي مستشرف على المكان ~~الذي صلى فيه عليه بظاهر دمشق فأحببت ان أنظر إلى الناس وكثرتهم فأشرفت ~~عليهم حال الصلاة وجعلت انظر يمينا وشمالا ولا ارى أواخرهم بل رأيت الناس ~~قد طبقوا تلك الارض كلها # واتفق جماعة من حضر حينئذ وشاهد الناس والمصلين عليه على انهم يزيدون على ~~خمسماية الف # وقال العارفون بالنقل والتاريخ لم يسمع بجنازة بمثل هذا الجمع إلا جنازة ~~الامام احمد بن حنيل ms30 رضي الله عنه # ثم حمل بعد ذلك الى قبره فوضع وقد جاء الكاتب شمس الدين الوزير ولم يكن ~~حاضرا قبل ذلك فصلى عليه ايضا ومن معه من الامراء والكبراء ومن شاء الله من ~~الناس # ولم ير لجنازة أحد ما رئي لجنازته من الوقار والهيبة والعظمة والجلالة ~~وتعظيم الناس لها وتوقيرهم إياها وتفخيمهم امر صاحبها وثنائهم عليه بما كان ~~عليه من العلم والعمل والزهادة والعبادة والاعراض عن الدنيا والاشتغال ~~بالاخرة والفقر والايثار والكرم والمروءة # PageV01P084 # والصبر والثبات والشجاعة والفراسة والاقدام والصدع بالحق والاغلاظ على ~~اعداء الله واعداء رسوله والمنحرفين عن دينه والنصر لله ولرسوله ولدينه ~~ولاهله والتواضع لاولياء الله والتذلل لهم والاكرام والاعزاز والاحترام ~~لجنابهم وعدم الاكتراث بالدنيا وزخرفها ونعيمها ولذاتها وشدة الرغبة في ~~الاخر والمواظبة على طلبها حتى لتسمع ذلك ونحوه من الرجال والنساء والصبيان # وكل منهم يثنى عليه بما يعلمه من ذلك # ودفن في ذلك اليوم رضي الله عنه واعاد علينا من بركاته # ثم جعل الناس يتناوبون قبره للصلاة عليه من القرى والاطراف والاماكن ~~والبلاد مشاة وركبانا # وما وصل خبر موته الى بلد فيما نعلم الا وصلي عليه في جميع جوامعه ~~ومجامعه خصوصا ارض مصر والشام والعراق وتبريز والبصرة وقراها وغيرها # وختمت له الختمات الكثيرة في الليالي والايام في اماكن كثيرة لم يضبط ~~عددها خصوصا بدمشق المحروسة ومصر والعراق وتبريز والبصرة وغيرها حتى جعل ~~كثير من الناس القراءة له ديدنا لهم واديرت الربعة الشريفة على الناس ~~لقراءة القران المجيد واهدائه له وظيفة معتادة # PageV01P085 # وقد رثاه كثير من الفضلاء بقصائد متعددة ولا يسع هذا المختصر ذكرها # وذلك لما وجب للشيخ رضي الله عنه عليهم من الحق في ارشادهم الى الحق ~~والمنهج المستقيم بالادلة الواضحة الجلية النقلية والعقلية خصوصا في اصول ~~الدين فإن الله انعم على الناس في هذا الزمان الذي قد ظهرت فيه البدع ~~واميتت السنن وصار اغلب اهله ممرجين في البدع والحرام من حيث لا يشعرون ومن ~~حيث لا يعلمون # ومن الله عليهم بما وفقه له من ايضاح اصول الدين ms31 وتبيين الحق المحض ~~والاعتقاد العدل وافراده عن غيره من البدع والضلالات بأمور لم يسبق الى ~~مثلها واظهارها على لسانه بما اورده من ذلك في مؤلفاته ومصنفاته وقواعده ~~المطابقة للحق وتقريراته وما ابرزه من الحجج والبراهين الظاهرة الموافقة ~~للمعقول والمنقول مما لم يتمكن احد من المتكلمين والمناظرين الاتيان بمثله ~~وما اظهره واورده من كثرة الدلائل العقلية بعد النقلية حتى قطع به جميع ~~المبتدعين وكشف به عوار حجج الشاكين المشككين # PageV01P086 # فجزاه الله احسن الجزاء عن الاسلام والمسلمين وسبحان من اعطاه ما اولاه ~~ومده بحسن التوفيق الى ما هداه واعانه بالصبر الجميل الى ان توفاه ورضي عنه ~~وارضاه ورزقنا وكافة المسلمين الحياة والموت على الكتاب والسنة حتى نلقاه ~~والاعتصام بهما في جميع ما نتلقاه PageV01P087 ms32