######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب :الإنتصار على علماء الأمصارج1 ¶ المؤلف : الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة بن إبراهيم بن علي الحسيني المتوفى سنة 749 ه ¶ المحقق : ¶ الناشر : ¶ الطبعة : ¶ عدد الأجزاء : ¶ مصدر الكتاب : ¶ [ الكتاب ] #META# auth: الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة الحسيني #META# seal: #META# bkid: 162 #META# authno: 123 #META# bkord: 58 #META# ad: 99999 #META# idx: 1 #META# iso: الانتصار علي علماء الامصار #META# cat: الفقه #META# bk: الإنتصار على علماء الأمصار #META# max: 2798 #META# المؤلف: الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة بن إبراهيم بن علي الحسيني المتوفى سنة 749 ه #META# digitization_comments: [ الكتاب ] #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### || AUTO مقدمات المؤلف # الحمد لله وصلاة على سيدنا محمد وآله، اللهم أعن يا كريم. # الحمد لله القيوم الذي لا تستولي على كنه جلاله عميقات مذاهب الفكر ~~والأفهام، المتعالي بكبريائه عن أن ترتقي إليه متاهات الظنون والأوهام، ~~المنزه في ذاته عن مشاكلة المكونات من الأعراض والأجسام، البعيد عن الحصول ~~في الأماكن والجهات على حد تحيز الأجرام، المقدس بالصفات الإلهية الشريفة ~~العظام، المسبح بالأسماء على ألسنة الملائكة الكرام، المنعم الذي ضرب علينا ~~من فضله سرادقات نعمه الجسام، وأرخى علينا من جوده سرابيل المنن والإنعام، ~~بما ألهمنا من معرفة معالم الدين والإسلام، وخصنا بما عرفنا من حقائق ~~الشرائع والأحكام، وتمييز الحلال من الحرام.. وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، شهادة تكون سببا لإحراز عفوه وغفرانه، وذريعة إلى الفوز ~~بثوابه وعظيم رضوانه. والصلاة على رسوله المؤيد بالواضحات من الأعلام، ~~الهادي إلى الرشد الداعي إلى دار السلام، محمد المحمود في طرائقه وآثاره، ~~وإمام من اهتدى بهديه وعلم مناره، وعلى آله الطيبين الذين أشرق بضياء ~~علومهم عن الدين كل ظلام، وانحسر بنور أنظارهم عنه كدورة كل قتام، حتى رسخت ~~عروقه وتقررت منه مواضع الأقدام، فتجلت أنواره عن حقائقها وأسرارها، وطلعت ~~شموسه واضحة فأسفر وجه نهارها. فجزاهم الله عن حميد سعيهم في دينه أعظم ~~رضوانه، وأحلهم أعلى الدرجات من فضله ومزيد إحسانه. # أما بعد: فإن أفضل ما شغل الإنسان به نفسه وأفنى فيه عمره، هو طلب العلم ~~وإعطاؤه، فإنه أفضل الأعمال وأشرفها، سواء وفق لإحرازه طالبه أو أخطأه. ثم ~~إن الباعث على هذا الإملاء غرضان: PageV01P134 # فالغرض الأول منهما هو: أن العلم لما كان من أعلى المراتب وأسناها وأشرف ~~المناقب وأرفعها وأحظاها، وأنفس الأعمال وأزكاها، وأشرف ما يخلفه الإنسان ~~بعد الموت، لشرفه وعلو فائدته في الدين .. فأحببت أن يكون لي بعد الموت ما ~~عسى أن يبقى ثوابه ولا ينفد أجره، تصديقا لقوله تعالى: {إنا نحن نحيي ~~الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم }[يس:12]. وفي الحديث عن صاحب الشريعة صلوات ~~الله عليه: (( إذا مات ابن آدم ms0001 انقطع عنه سائر عمله إلا ثلاثة : علم ينتفع ~~به، أو صدقة تجري، أو ولد صالح يدعو له ))(1). # والغرض الثاني: أن الله تعالى لما وفقني لإتمام كتاب (العمدة في المباحث ~~الفقهية)(2) وكنت قد اقتصرت فيه على ذكر المذهب ودليله، وذكر من خالف ~~مذهبنا أو وافق من علماء الأمة وفقهاء العامة، وألغيت ذكر أدلة المخالفين، ~~وذكر المختار من الأقاويل في المسألة، وتقرير الحجة عليه، ووعدت في صدر ~~الكتاب أن الله تعالى إن نفس لي في المهلة وتراخى الأجل ضممت إليه كتابا، ~~فلما أنجز الله العدة، وصدق الرجاء بتنفيس المدة، ابتدأت بتأليف هذا الكتاب ~~فأجعله كتبا، ثم أضمن الكتب أبوابا، ثم أحشو الأبواب فصولا، والفصول مسائل، ~~فأذكر في كل مسألة من خالف فيها، وأورد لكل مجتهد حجته من الأدلة، ولم آل ~~جهدا في تقرير كل مذهب من تلك المذاهب بدليله وإيراد أحسن ما أجده في نصرته ~~وتقرير مقالته، حتى إذا أكملت المذاهب بأدلتها في المسألة، ذكرت المختار من ~~تلك المذاهب وقررته بحجته، وأوردت الانتصار بإبطال ما خالفه، فصار في سياقه ~~مرتبا على مراتب ثلاث: PageV01P135 # المرتبة الأولى: أن تكون المسألة قد وقع فيها خوض من أئمة العترة وفقهاء ~~الأمة، وتكرر فيها النظر، وطالت فيها الخصومة، وحصل فيها النزاع بينهم. ~~وهذا هو الأكثر المطرد من جهة أن معظم المسائل قد خاضوا فيه، وأفتى كل واحد ~~منهم على حسب ما يعن له من النظر ويقوى من الدليل الشرعي، وما هذا حاله من ~~المسائل، أذكر لكل واحد منهم دليله وأوضحه، ثم أشفعه بذكر المختار من تلك ~~المذاهب، وأذكر ترجيحه على غيره من تلك المذاهب المذكورة. # المرتبة الثانية: أن لا يكون لأئمة العترة فيها قول وللفقهاء فيها خوض.. ~~وما هذا حاله فهو مغفور قليل ولا يعثر عليه إلا على جهة الندرة، بالإضافة ~~إلى ما قد خاضوا فيه، فأذكر المسألة وأوضحها ببراهينها الشرعية لكل واحد من ~~المخالفين، ثم أذكر المختار من تلك الأقاويل، وما أراه صالحا للمذهب منها ~~بمعونة الله، فأما ما كان مجمعا عليه فأذكره، ثم أوضحه بحجته ms0002 من غير زيادة. # المرتبة الثالثة: ما لا يكون لأئمة العترة ولا لعلماء الأمة فيها قول، ~~وما هذا حاله فإنما يعثر عليه في الندرة ويوجد على جهة القلة، وهو أدخل في ~~الندور من الذي قبله. وما هذه صفته، فأذكر المسألة وأوضحها بالحجة الشرعية ~~على حد ما أجده وأعثر عليه، فلما نزلته على هذه الهيئة، ورتبته على هذا ~~الترتيب، وصار معتمدا في معرفة المذاهب وحجج التأويل، ووسيلة إلى تمييز ~~الصحيح المختار من الأقاويل.. سميته بكتاب: # (الانتصار على علماء الأمصار في تقرير المختار من مذاهب الأئمة وأقاويل ~~علماء الأمة) # وأنا أسأل الله بجلاله وعلو شأنه وجبروت ملكوته وقاهر سلطانه، أن يوفق ~~فيه القصد ويخلص فيه النية، ويحقق فيه الأمل ويصدق الأمنية، ويجعله خالصا ~~لوجهه، مطابقا لرضاه بمنه وطوله، إنه قريب مجيب. PageV01P136 # --- ### ||| AUTO تمهيد # واعلم أنا قبل الخوض فيما نريده من مقاصد الكتاب، نذكر تمهيدا يشتمل على ~~مقدمات خمس تكون قاعدة لمهاده، وعونا على إحراز أسراره ومراده، ولا غنى ~~عنها لمن خاض في المسائل الفقهية، وتكرر نظره في المذاهب الخلافية، وأكثر ~~الكتب الفقهية خالية عنها، ونحن نوردها ونشرحها بمعونة الله تعالى. # وكتابي هذا متميز عن سائر الكتب المصنفة في هذا الفن بخصال لا تخفى على ~~الناقد البصير، ويدري بمواقعها كل ألمعي نحرير. PageV01P137 # --- ### ||| AUTO المقدمة الأولى: في بيان ماهية الحكم وصحة نقل الأسماء # اعلم أنه يتعذر أنا نتكلم في الأحكام الشرعية، كالقبح والحسن والوجوب ~~والندب والإباحة والكراهة، وتحصيلها بأدلتها الشرعية، ولم نفهم ماهية الحكم ~~وحقيقته؛ لأن الكلام على ثبوت الشيء ووجوده، فرع على الكلام على تصور ~~ماهيته وبيان معناه. ويتعذر أن نتكلم في أن الصلاة مقولة على هذه الأفعال ~~وغيرها من الأسماء الشرعية، ولم نقدم صحة نقل الأسماء، فهذان(1) مطلبان ~~تشتمل عليهما هذه المقدمة. والعجب من نظار الفقهاء حيث تكلموا على هذه ~~الأحكام ولم يظهروا هذه الأسرار، ولا أبرزوا خفاياها مع شدة الحاجة إليها. # المطلب الأول: في بيان ماهية الحكم ومعناه. PageV01P138 # والذي ذهب إليه نظار الأشعرية(1) والمحققون منهم، كالجويني (2) والغزالي ) ~~وابن الخطيب الرازي ) أن المرجع ms0003 لما(5) ذكرناه من هذه الأحكام ليس إلا مجرد ~~إيصال الخطاب بالفعل من غير أمر وراء هذا. # فالقبيح عندهم: ما قيل فيه: لا تفعلوه. # والواجب: ما قيل فيه: افعلوه، وحرام تركه. # والمندوب: ما قيل فيه: افعلوه، ولا حرج في تركه. # والمباح: ما قيل فيه: لا حرج عليكم في فعله ولا تركه. # والمكروه: ما قيل فيه: اتركوه، ولا حرج في فعله. # فهذه هي ماهية الحكم عندهم، ونفس معقوله من غير أمر وراءه(6). PageV01P139 # والذي عليه الجماهير من المعتزلة من أصحاب الشيخ ) وعليه علماء الزيدية، أن ~~هذه الأحكام أمور إضافية زائدة على ذات الأفعال، تتصف لها لأجل وقوعها على ~~أوجه مخصوصة. # فقبح الظلم والكذب حكمان زائدان على هذين الفعلين مؤثران عن وقوع الفعل ~~على صفة الظلمية والكذبية، وهكذا وجوب الصلاة والزكاة، فهي أمور إضافية إلى ~~هذه الأفعال زائدة عليها، وهكذا غيرها من سائر الأحكام. PageV01P140 # وذهب الشيخان أبو الحسين ) ومحمود الخوارزمي ) إلى أن هذه الأحكام ليست ~~أمرا زائدا على ذات الأفعال على حد ما يقوله الشيوخ من أصحاب أبي هاشم # فالحسن عندهما: ليس إلا أنه لا حرج على فاعله في فعله. # والقبيح: أمر يستحق عليه الذم. فقبح الظلم: ليس إلا أنه يستحق عليه الذم. # وحسن التفضل: ليس إلا أنه لا حرج على فاعله. # ووجوب شكر المنعم: ليس إلا أنه يستحق الذم(3) بتركه، وهكذا القول في سائر ~~الأحكام كلها. PageV01P141 # والمختار عندنا: ما عول عليه الشيخان: أبو الحسين والخوارزمي من المعتزلة (1). # ويدل على ما اخترناه: هو أن هذه الأحكام في الحقيقة راجعة إلى أمور سلبية ~~والسلب نفي، والنفي لا يكون أمرا ثبوتيا، فضلا عن أن يكون صفة زائدة على ~~الفعل، وحكما راجعا إليه. # وبيان ذلك: أن المرجع بالحسن ليس إلا أنه لا حرج على من فعله كالأكل ~~والشرب. # والمرجع بالقبح: هو أنه يحسن ذم فاعله ولا حرج على من ذمه عليه. # ويرجع بالوجوب على أنه لا حرج على من ذم تاركه. # وترجع حقيقة الندب: إلى أنه يحسن فعله ولا حرج على تاركه. # والمكروه: راجع إلى أنه لا ms0004 يستحق تاركه ولا فاعله مدحا. # والمباح: لا حرج على من فعله أيضا ولا على من تركه. # فإذا كانت هذه الأحكام راجعة إلى ما ذكرناه من هذه السلوب(2) فلا وجه ~~لجعلها أمورا ثبوتية وصفات راجعة إلى هذه الأفعال، وإنما تكون مزايا ~~وإضافات تختص بالأفعال من غير أن يكون هناك وصف زائد على الفعل يختص به ~~زائدا على ذاته لما أشرنا إليه. # فإذا تقرر أن الحكم المرجع به إلى ما ذكرناه، فالذي عليه أئمة الزيدية ~~والجماهير من المعتزلة البصرية والبغدادية، أن هذه الأحكام منقسمة إلى ما ~~يستقل العقل بدركه، وإلى ما لا يستقل العقل بدركه. PageV01P142 # فالذي يستقل به العقل ينقسم أيضا إلى ما يكون معلوما بالضرورة، فلا يفتقر ~~إلى نظر وتفكر، وهذا هو نحو قبح الظلم والعبث، ونحو وجوب شكر المنعم وحسن ~~الإنصاف، وغير ذلك من الأحكام التي تعلم ضرورة من جهة العقل. # وإلى: ما يكون معلوما بنظر العقل وتفكره، وهذا نحو قبح الكذب النافع، ~~وحسن الصدق الضار، فإن ما هذا حاله يحتاج إلى تأمل وفكر، فإن هذا الكذب ~~يكون قبيحا مع كونه نافعا؛ لأن الوجه في قبحه كونه كذبا، سواء كان معه نفع ~~أو لم يكن، وهكذا القول في حسن الصدق الضار، فإن الوجه في حسنه ليس إلا ~~كونه صدقا، سواء كان ضارا، أو لم يكن ضارا. فلا بد من تقرير البرهان على ما ~~ذكرناه من حسن هذا وقبح ذاك، والرد لهما إلى الأصل في قبح أحدهما وحسن الآخر. # وأما الذي لا يستقل العقل بدركه: فهو سائر المقبحات والمحسنات الشرعية، ~~فقبح الزنا والربا وشرب المسكر قبيح من جهة الشرع لا مجال للعقل فيه بحال، ~~وحسن الصلاة والصوم والحج معلوم من الشرع لا تصرف للعقل فيه، ولا له هداية ~~إليه، بل هو تحكم جامد للشرع لا يهتدي العقل إلى تفاصيل هذه المحسنات ~~والمقبحات الشرعية. # والذي عليه محققو الأشعرية وجميع فرق المجبرة(1): أن الأحكام كلها شرعية، ~~وأنه لا مجال للعقل في تقريرها وإثباتها، لا بضرورته ولا بنظره، وإنما ~~مستندها الأدلة الخطابية، والأمور النقلية ms0005 قطعيها وظنيها، وزعموا أنه لا ~~حكم للعقل أصلا، وإنما التصرف كله للشرع. # والمختار عندنا: ما عول عليه أصحابنا والمعتزلة. PageV01P143 # ويدل على ما اخترناه: هو أن هذه الأحكام لو كانت شرعية لكان لا يعلمها إلا ~~من علم طريقها، ونحن نعلم قطعا أن منكري النبوات والشرائع قاطعون بصحة هذه ~~الأحكام من استحسان الصدق، وتقبيح الكذب والظلم، ونعلم بالضرورة كونهم ~~عالمين بها ولو كان مستندها النقل لانسد عليهم العلم بها. # وفيما ذكرناه كفاية على التنبيه في تحسين العقل وتقبيحه، وهو المقدار ~~اللائق بالكتب الفقهية. وقد أودعنا الكتب العقلية ما فيه كفاية، ورددنا على ~~الشيخ أبي حامد الغزالي وغيره من نظار الأشعرية، وكشفنا عن غلطاته والحمد ~~لله تعالى. # المطلب الثاني: في صحة نقل الأسماء من اللغة إلى الشرع. # واعلم أنه لا خلاف بين أهل القبلة من علماء الأمة في جواز ذلك وصحته، وما ~~يحكى عن الصيمري ) من أن دلالة اللفظ على معناه لذاته، فلا يصح نقله، فلا ~~يلتفت إليه لضعفه؛ لأن حقيقته آيلة إلى تغير الدواعي وهو تابع للاختيار، ~~سواء قلنا: إن إفادة الألفاظ لمعانيها بالتوقيف أو بالمواضعة، فلا مانع من ~~مثل هذا، ولا حرج من جهة العقل أن يختار مختار نقل اسم من معناه إلى معنى ~~آخر لغرض من الأغراض، وإنما الخلاف في وقوعه سمعا. وقد وقع فيه تردد ونزاع ~~بين العلماء. PageV01P144 # فالذي ذهب إليه أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة أن في الشرع أسماء ~~منقولة عن معانيها اللغوية إلى معان أخر قد وقعت المواضعة الشرعية، وصار ~~نقلها تاما، حتى صارت معانيها اللغوية نسيا منسيا لا تفهم منها بحال، ثم ~~تنقسم إلى أسماء شرعية، نحو الصلاة والزكاة والحج والصوم .. وغير ذلك من ~~الأسماء المفيدة لمعان شرعية. وإلى دينية، نحو قولنا: مؤمن، كافر، فاسق، ~~منافق. ونعني بكونها دينية هو أنها قد صارت تفيد مدحا وذما بتصرف الشرع ونقله. # وحكي عن بعض فرق المرجئة(1): أنها باقية على معانيها اللغوية من غير أن ~~يكون للشرع تصرف فيها بحال، وعلى هذا قالوا: بأن الفاسق مؤمن لكونه مصدقا ~~بالله ms0006 ورسله، وإلى هذا ذهب بعض النظار من الأشعرية، كما هو محكي عن أبي بكر ~~الباقلاني ). PageV01P145 # وحكي عن الشيخ أبي حامد الغزالي أنه قال: لا سبيل إلى إنكار تصرف الشرع في ~~هذه الأسماء، ولا سبيل إلى دعوى كونها منقولة عن معانيها اللغوية بالكلية. ~~وحاصل هذه المقالة أنها دالة على معانيها اللغوية مع اشتراط أمور من جهة ~~الشرع، كالصلاة مثلا، فإنها كما هي دالة على الدعاء بوضعها اللغوي، فهي ~~دالة على هذه الأفعال من الركوع والسجود والأذكار وسائر معانيها. وحكي عن ~~ابن الخطيب الرازي من الأشعرية: أنها دالة على هذه المعاني الشرعية من جهة ~~المجاز، وعلى معانيها اللغوية على جهة الحقيقة. وحاصل هذه المقالة أنها ~~دالة على المعنيين جميعا: أحدهما بطريق الحقيقة، والآخر من طريق المجاز. ~~والتفرقة بين مذهبه ومذهب الغزالي، أن الغزالي يقول: بأنها مفيدة للمعنيين ~~جميعا على جهة الحقيقة ولا مجاز فيها، بخلاف مقالة ابن الخطيب كما ترى. # والمختار عندنا: تفصيل نشير إلى أسراره وهو: أن هذه الأسماء وإن أفادت ~~معاني شرعية قد دلت عليها بتقرير الشارع عليها، لكنها دالة على معانيها ~~اللغوية، وغير خارجة عن كونها دالة عليها. # ويدل على ما اخترناه من ذلك: هو أن دلالتها على معانيها اللغوية هو ~~الأصل، فمن يدعي إخراجها عنها فهو مدع خلاف الأصل، فلابد من دلالة على ذلك. ~~فإذا دل الشرع على إفادتها لمعان شرعية فليس بينهما تعارض ولا تدافع، فيجب ~~القضاء بحصولهما جميعا، فتكون دلالة الصلاة على الدعاء بالوضع اللغوي، ~~وتكون دلالتها على هذه الأفعال المفترضة فيها بالاصطلاح الشرعي، ولا معنى ~~للاقتصار على معناها اللغوي كما هو رأي بعض فرق المرجئة، ولا وجه للاقتصار ~~على معناها الشرعي كما هو رأي أصحابنا والمعتزلة. PageV01P146 # فأما من زعم أنها دالة على معناها اللغوي بطريق الحقيقة، وعلى معناها ~~الشرعي بطريق المجاز، فهو تحكم لا وجه له كما حكيناه عن ابن الخطيب الرازي؛ ~~لأن معناها الشرعي سابق إلى الفهم فلا وجه لعده في المجاز كما زعم، فلا غنى ~~للفقيه عن هذه المسألة، وقد اقتصرنا على ذكر ms0007 الوجه المختار بدليله، وأعرضنا ~~عن ذكر أدلة المخالفين ونقضها؛ لأنها مترددة بين المباحث الكلامية والأسرار ~~الأصولية، فهي بمعزل عن المباحث الفقهية التي تصدينا لكشفها وبيانها والله ~~تعالى الموفق للصواب. PageV01P147 # --- ### ||| AUTO المقدمة الثانية: في بيان المستند لنا في تقرير أحكام الشريعة ~~التى قدمنا ذكرها # واعلم أن الذي نذكره في هذه المقدمة، هو الكلام في بيان الأصل في تقرير ~~هذه الأحكام الفقهية، وفي بيان التفرقة بين المسائل الأصولية والمسائل ~~الفقهية، فهذان فصلان تحتهما فوائد جمة لابد للخائض في المسائل الخلافية من ~~إحرازها. PageV01P148 # --- ### ||| AUTO الفصل الأول: في بيان عمدتنا في تقرير الأحكام الفقهية # والمعتمد في تقريرها هو الرسول وما يصدر عنه. # والصادر عنه: إما خطاب، أو مفهوم الخطاب، أو معقول الخطاب، أو استصحاب، ~~فهذه مراتب أربع لا يخلو مستندنا في الأحكام الشرعية عن واحدة منها، نذكر ~~ما توجه في كل واحدة منها بمعونة الله تعالى. PageV01P149 # --- # المرتبة الأولى: في تقرير الأدلة الخطابية # ونعني بالخطاب: ما كان مأخوذا من لسان صاحب الشريعة، إما بنفسه كالكتاب ~~والسنة، أو ما يكون مستندا إليهما كالإجماع؛ فإنه وإن لم يكن من الخطاب، ~~لكنه معتمد على الكتاب والسنة في تقرير كونه حجة، فلهذا كان لاحقا بهما وإن ~~لم يكن خطابا. فهذه ضروب ثلاثة معتمدة في تقرير الأحكام. # الضرب الأول منها: أدلة الكتاب، ولا خلاف في كونه عمدة في تقريرها، ~~ودلالتنا عليها: إما من جهة النص، وإما من جهة الظهور، وإما من جهة ~~الإجمال، وقد أورد بعض الأصوليين دلالة العموم، وزادها على ما ذكرنا ولا ~~وجه له، فإن دلالة العموم إنما هي ظاهرة فهي مندرجة تحت الظاهر، فلا وجه ~~لإفرادها بالذكر من الظواهر. # فأما النص: فهو اللفظ الذي لا يحتمل التأويل بحال قريبا كان أو بعيدا، ~~وهذا كقوله تعالى: {وإلهكم إله واحد } [البقرة: 163] وغير ذلك مما لا يحتمل ~~سوى معناه الموضوع من أجله. PageV01P150 # وقد حكي عن بعض المتفقهة: إنكاره، وأنه لا يكاد يوجد، وأظنه أبا علي الطبري ~~) من أصحاب الشافعي، وهو فاسد(2)، فإنا لا نريد بالنص: ما كان الاحتمال ~~منتفيا عنه ms0008 من جميع الوجوه، وإنما نريد به: ما لا يحتمل التأويل في المعنى ~~الذي هو صريح فيه. وقد تكون الآية الواحدة مشتملة على النص والظاهر ~~والمجمل. ومثاله قوله تعالى:{أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة }(3).[البقرة:43، ~~83، 110] فإنهما نص في مطلق الطلب لما أمره به، وهما ظاهران في الوجوب؛ ~~لأنه يحتمل غيره، وهما مجملان في كيفية المأمور بها. # فما كان منصوصا عليه لا يجوز العدول عنه إلا بأمر ينسخه أو يعارضه. # وأما الظاهر: فهو ما كان محتملا لأمرين: أحدهما أسبق إلى الفهم من الآخر. # فما كان له ظاهر في اللغة فإنه يحمل على ظاهره إلا لدلالة، وهذا كقوله ~~تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء }[ البقرة: 228]. فإنه ظاهر ~~في كل مطلقة لغة، لكنا أخرجنا الآيسة من الحيض لصغر أو كبر، والحامل ~~والمرتدة. # وما كان ظاهرا بالشرع، فإنه يحمل على ظاهره شرعا إلا لدلالة، وهذا نحو ~~الصلاة، فإنها تحمل عند الإطلاق على ظاهرها الشرعي إلا لدلالة؛ لأنها صارت ~~ظاهرة في معناها الشرعي، فلا تصرف عنه إلا لأمر يقتضيه ويدل عليه، فلا تحمل ~~الصلاة على الدعاء إلا لدلالة خاصة، وهكذا القول في الصوم وغيره، تحمل على ~~معانيها الشرعية عند إطلاقها. PageV01P151 # وأما المجمل: فهو الذي لا يفهم المراد من لفظه ويفتقر في البيان إلى غيره. ~~ثم هو على وجهين: # أحدهما: لا عرف فيه من جهة اللغة، ومثاله قوله تعالى:{وآتوا حقه يوم ~~حصاده }[الأنعام: 141]. لاعرف فيه من جهة اللغة. فما(1) هذا حاله [فهو] ~~مجمل لا يمكن الاحتجاج به؛ لأنه لا يمكن فيه معرفة جنس الحق ولا قدره فلا ~~يمكن العمل عليه إلا لدلالة موضحة لقدره وجنسه وكيفية تأديته. # وثانيهما: أن يكون له عرف من جهة اللغة. وما هذا حاله يمكن العمل عليه ~~فيما كان متعارفا فيه. ومثاله قوله تعالى:{حرمت عليكم أمهاتكم }[ النساء: ~~23]. فإن ما هذا حاله يمكن العمل عليه؛ لأنه قد صار متعارفا في الاستمتاع ~~من كل الوجوه فيمكن امتثاله، ولا يكون مجملا لما ذكرناه، فهذه جملة أدلة ~~الكتاب التي تدل عليها. # فأما العموم فلا حاجة إلى إفراده بالذكر، لاندراجه ms0009 تحت ما ذكرناه من ~~الظاهر؛ لأن دلالة العموم من جهة الظهور، ولا يكون نصا إلا في صورة قد ~~ذكرناها في الكتب الأصولية، وهو : إذا كانت الاحتمالات منسدة إلا احتمالا واحدا. # الضرب الثاني: أدلة السنة. ودلالتها على ما تدل عليه إما من جهة القول، ~~وإما من جهة الفعل، وإما من جهة التقرير. # أما القول: فهو نص وظاهر ومجمل كما ذكرناه في دلالة الكتاب. # فالنص: كقوله : (( في كل أربعين من الغنم شاة ))(2). وكقوله : (( في أربع ~~وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة )) (3). فهذا وما أشبهه ~~نص في الحكم يجب المصير إليه ولا يجوز العدول عنه بتأويل؛ لأنه لا يحتمله ~~وإنما يجوز تغييره بناسخ أو معارض له. PageV01P152 # والظاهر من السنة: فهو جميع الأوامر الشرعية، فإن ظاهرها دال على الوجوب ~~وليس نصا في الوجوب، كقوله عليه السلام لأسماء: (( حتيه ثم اقرصيه ثم ~~اغسليه بالماء ))(1). وكقوله: (( إذا فضخت(2) الماء فاغتسل )). وهكذا جميع ~~المناهي الشرعية فإنها دالة بظاهرها على التحريم كقوله: (( لا يقرأ الجنب ~~ولا الحائض شيئا من القرآن )). مع احتماله لغيره. # والمجمل: كقوله عليه السلام: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)). فما هذا ~~حاله مجمل لا يمكن الاحتجاج به إلا بدلالة توضح ما ذكره من الحق الذي ~~استثناه. # وأما الفعل: فهو شرع لدلالة العصمة عليه(3)، ثم إما يرد مستقلا بنفسه، ~~وإما يرد بيانا لغيره. # فإن ورد على جهة الابتداء فإن لم يكن فيه قربة فهو دال على الجواز كالبيع ~~والشراء، والأكل والشرب؛ لأن أدنى درجاته الجواز، فأما الحظر فلا يجوز في ~~حقه لأجل العصمة. # وإن كان فيه قربة فقد وقع فيه تردد بين العلماء، فمنهم من حمله على ~~الوجوب، ومنهم من حمله على الندب، ومنهم من وقف في حاله وجوز الأمرين ~~جميعا. هذا كله إذا ورد على جهة الإبتداء والاستقلال. # وإن كان واردا على جهة البيان فحاله معتبر بالمبين في الوجوب والندب ~~والجواز عند قوم، ومنهم من قال بأنه ms0010 إذا كان بيانا فهو واجب بكل حال، سواء ~~كان بيانا لواجب أو مندوب أو جائز؛ لأن البيان لا بد منه على كل حال وإلا ~~كان الخطاب لغوا لا فائدة فيه. # وأما التقرير: فهو على وجهين: PageV01P153 # أحدهما: أن يرى رسول الله أمرا فيقر عليه، فما هذا حاله يكون جائزا؛ لأنه ~~لو كان قبيحا لم يجز أن يقره عليه، ومثاله: ما روي أن قيس ا(1) صلى ركعتين ~~بعد الفجر، فقال : (( ما هاتان الركعتان ))؟ فقال: هما ركعتا الفجر، فلم ~~ينكر عليه. # وثانيهما: أن يفعل بعهده لا بحضرته، فإن كان من الأمور الظاهرة التي لا ~~يخفى حالها، فيكون بمنزلة ما لو فعل بحضرته وسكت عليه؛ لأن الغرض هو علمه ~~به وتقريره عليه، وإن كان مما يجوز أن يخفى، لم يدل على جوازه، ومثاله: ما ~~روي عن بعض الصحابة أنهم قالوا: كنا نجامع ونكسل. [والإكسال: هو الإيلاج من ~~غير إنزال]. على عهد رسول الله ولا نغتسل. فما هذا حاله [فهو]مما لا يجوز ~~الاحتجاج به؛ لأنه من الأمور الخفية، ويجوز أن يكون الرسول لم يشعر به، ~~ولهذا لم يعمل به الصحابة ولم يرجعوا إليه. # فهذه وجوه أدلة الكتاب والسنة. # الضرب الثالث: دلالة الإجماع، وهو في دلالته على وجهين: # أحدهما: أن يكون إجماعا عاما، وهذا نحو إجماع الأمة كافة على وجوب الصلاة ~~والزكاة والصوم والحج، فما هذا حاله يجب المصير إليه والعمل به، ومن خالف ~~ذلك مع العلم به فإنه يحكم بكفره؛ لأن ذلك معلوم بالضرورة من دين صاحب ~~الشريعة صلوا ت الله عليه فمخالفه يجب الحكم بردته وخروجه عن الدين. # وثانيهما: إجماع خاص، وهو إجماع الأمة، أو العترة على حكم الحادثة، فما ~~هذا حاله يجب العمل به والمصير إليه عندنا. PageV01P154 # فأما إجماع الأمة فمتى حصل على حكم من الأحكام فإنها تحرم مخالفته؛ لكونه ~~قاطعا ويفسق المخالف له لما في ظاهر الآية من الوعيد على من خالفه(1). ~~وأدنى الدرجات في الوعيد الفسق، ويحرم وقوع الاجتهاد على مخالفة حكمه من ~~جهة أن الاجتهاد على مخالفة المقطوع ممنوع، كما ms0011 لو اجتهد على مخالفة النص ~~كان فاسدا فهكذا هاهنا. # وأما إجماع العترة فهو حق وصواب لظاهر الآية والخبر(2) ولا يفسق من خالفه ~~لعدم الدلالة على فسقه. والفسق إنما يكون بدلالة قاطعة شرعية، وليس في ظاهر ~~الآية والخبر ما يدل على فسق من خالفه(3). # وهل يكون قاطعا فيما تناوله أم لا؟ فيه نظر وتردد، والأقرب أن دلالته ~~ظنية كالظواهر القرآنية ونصوص السنة المنقولة بالآحاد، وكالإجماعات من جهة ~~الأمة التي نقلت على طريق الآحاد لما في ظاهر الآية والخبر - الدالين على ~~كونه حجة - من الاحتمال، وإذا كان مظنونا جاز مخالفته بالاجتهاد، ولهذا ~~فإنك ترى كثيرا من المسائل التي وقع فيها إجماع العترة، الخلاف من جهة ~~الفقهاء فيها ظاهر، والاجتهاد فيها مضطرب من غير نكير هنا في المخالفة ولا ~~تأثيم للمخالف ولا تحريج عليه، ولو كان إجماعهم قاطعا لحرم الاجتهاد ولكان ~~الخطأ مقطوعا به. وفي هذا دلالة على كونه ظنيا وأنه لا يحرم الاجتهاد. # وهذا ما أردنا ذكره في تقرير أدلة الخطاب من الكتاب والسنة والإجماع. # المرتبة الثانية: في بيان دلالة المفهوم من الخطاب PageV01P155 وهو أن يكون الحكم مستفادا من غير ظاهر اللفظ وصريحه، فما كان على هذه ~~الصفة فهو في لسان الأصوليين يقال له: المفهوم. ثم إنه يأتي على ثلاثة أضرب: # الضرب الأول منها: فحوى الخطاب. # وحقيقة هذا الضرب آيلة إلى أن المسكوت (عنه) يكون أقرب إلى الفهم من ~~المنطوق به، ودلالة اللفظ عليه من جهة التنبيه، ومثاله قوله تعالى في حق ~~الوالدين: {فلا تقل لهما أف }[الإسراء: 23]. فنص بتصريح اللفظ على المنع من ~~التأفيف، ونبه بطريق الفحوى على منع الضرب والشتم وسائر الإيذاء من طريق ~~الأولى، ومثله قوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ~~ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك }[آل عمران: 75]. فنص على القنطار ~~ونبه به على ما دونه من جهة الأحق والأولى، ونص على الدينار ونبه على ما ~~فوقه بطريقة الأولى. وكقوله عليه السلام: (( لا تضحوا بالعوراء ولا ~~بالعرجاء )) فنص على العور والعرج، ms0012 ونبه بذلك على ما فوقه من العمى وقطع ~~الرجلين من طريق الأولى، فما هذا حاله (فهو يفهم) عند الخطاب لا من جهة ~~الخطاب وصيغة لفظه.. ثم تردد الأصوليون، فمنهم من قال: إن المنع من الضرب ~~مستفاد من جهة عرف اللغة، ومنهم من زعم أنه مفهوم من جهة معنى اللفظ ~~وفحواه، وهل يسمى قياسا أم لا؟ فمنهم من جوز ذلك ومنهم من منعه، وحكي عن ~~الشافعي أنه سماه: القياس الجلي. PageV01P156 # والمختار عندنا: أن هذه المعاني كلها مفهومة من جهة فحوى اللفظ لا من جهة ~~صيغته؛ لأنه ليس هناك صيغة تدل عليها، وفي هذا دلالة على ما قلناه من أخذها ~~من جهة المعنى دون اللفظ، وأن ما هذا حاله يسمى قياسا أيضا؛ لأن حقيقة ~~القياس، فهم المسكوت (عنه) من شيء منطوق به، وهذا ها هنا حاصل على هذه ~~الصفة، ولا يضر في تسميته قياسا كونه مفهوما بطريق الأحق من المنطوق به؛ ~~لأن في بعض الأقيسة ما يكون جليا وبعضها يكون غامضا، فلا يمنع كونه جليا ~~سابقا إلى الفهم من تسميته قياسا. والله أعلم. PageV01P157 # الضرب الثاني منها: لحن الخطاب، وهو المضمر الذي لا يتم ويكون مفيدا إلا ~~به، ومثاله قوله تعالى: {أن اضرب بعصاك البحر فانفلق }(1)[ الشعراء: 63]. ~~ومعناه: فضرب فانفلق. فحذف قوله: فضرب لدلالة الكلام عليه من جهة لحنه. ~~ومنه قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر }[ ~~البقرة: 184]. والمعنى: فيه فأفطر. فحذفه لما كان الكلام لا يكون تاما إلا ~~بتقديره، وهذا من باب حذف المسبب لدلالة السبب عليه، ولهذا جاءت الفاء ~~منبهة على المسببية. ومنه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكثيرا ما ~~يقع في الكلام الفصيح كقوله تعالى: {واسأل ال قرية }(2)[يوسف:82]. المراد: ~~أهل القرية؛ لأن القرية يتعذر سؤالها وخطابها، فلو لم يقدر المضاف لم يكن ~~للكلام فائدة ولا أفاد معنى ولهذا كان تقديره واجبا، هذا كله إذا كان غير ~~تام(3) من دون تقديره وجب تقديره، فأما إذا كان الكلام يتم من دون إضماره ~~فلا وجه ms0013 لإضماره، وهذا كقوله تعالى: {قال من يحيي العظام وهي رميم ~~}[يس:78]. فلا يجوز أن نقول: المراد منه أهل العظام إلا بدلالة منفصلة من ~~جهة أن الكلام مستقل فصيح من دون إضمار، فلا حاجة إلى الإضمار من غير دلالة ~~تدل عليه. PageV01P158 # الضرب الثالث: دليل الخطاب، وهو أن يكون معلقا على شيء مذكور فيدل ذلك على ~~انتفائه عما عداه، وقد يكون الحكم معلقا إما على الصفة كقوله عليه السلام: ~~(( في سائمة الغنم زكاة )). فدل ذلك على نفيها عن المعلوفة. وإما على ~~العدد كقوله : (( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا )). فدل ذلك على أنه ~~إذا كان الماء دونهما فإنه يحمل الخبث، وإما على جهة الشرط كقوله تعالى: ~~{وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن }[الطلاق: 6]. فدل ذلك على ~~أن من كانت خلوا عن الولد فلا نفقة لها إذا طلقت. وبين الأصوليين نزاع فيما ~~هذا حاله، فحكي عن أبي العباس بن سريج أن تعليق الحكم بأحد الوضعين لا يدل ~~على انتفاء الحكم فيما عداه. وهو محكي عن أصحاب أبي حنيفة ) PageV01P159 . ومن أصحاب الشافعي (1) من زعم: أن الحكم المعلق على الاسم دال على نفي ما ~~عداه، والأكثر منهم على أنه غير دال. # والمختار عندنا: أن دلالة المفهوم مختلفة وأعلاها الشرط والغاية، فهذان ~~يدلان على نفي الحكم عما عداهما وأدناه الاسم واللقب، فإنهما غير دالين على ~~نفي الحكم عما عداهما، والمتوسط بينهما هو الصفة، فكل هذه درجات المفهوم ~~بعضها أقوى من بعض كما أشرنا إليه، وكلها مأخوذة من مفهوم اللفظ دون لفظه ~~وصريحه، وهذه الدرجات قد أشرنا إلى تفاوتها وحصرها في الكتب الأصولية بحمد الله. # المرتبة الثالثة: في بيان دلالة المعقول، وهو القياس في أنواعه وضروبه. PageV01P160 # وهو تحصيل مثل حكم الشيء أو نقيضه في غير محله باعتبار تعليل غيره، فهذه ~~الماهية جامعة لجميع أطراف القياس كله لا يشذ منها شيء، وقد أقر بكونه ~~طريقا من طرق أحكام الشريعة، كل محصل من علماء الأمة ، وإنما يحكى الخلاف ~~فيه عن شذوذ وطوائف من الأمة لا ms0014 عبرة بهم، جمدوا على الظواهر الشرعية ~~والنصوص النقلية، وأعرضوا عن محاسن الشريعة وأسرارها المأخوذة من القواعد ~~القياسية، وقد رددنا مقالتهم في الكتب الأصولية وأفسدنا ما جاءوا به والحمد لله. # وجملة ما يكون معتمدا عليه في تقرير الأحكام الشرعية من الأقيسة، ضروب ~~خمسة نفصلها ونشير إليها على جهة الإجمال: # الضرب الأول منها: قياس الطرد، وهو في لسان الأصوليين مقول على تحصيل، ~~مثل: حكم الشيء في غيره بجامع غير مخيل ولا مشتمل على مخيل، وما هذا حاله ~~فهل يكون معتمدا في تقرير الأحكام الشرعية أم لا؟ فأكثر أهل التحقيق من ~~الفقهاء والأصوليين على منعه، ورده على ترك استعماله في الجدل والنظر، ومن ~~الفقهاء من قبله، واستعمله في تقرير الأحكام الشرعية، وهذا شيء يحكى عن بعض ~~أصحاب أبي حنيفة، ومنهم من رده في النظر واستعمله في الجدل، وهو المحكي عن ~~أبي الحسن الكرخي ). PageV01P161 # والمختار عندنا: رده، وأنه لا يعول عليه في إثبات شيء من الأحكام الشرعية، ~~وإنما يعول في تقريرها على المعاني المخيلة والأقيسة الشبهية، فأما الأقيسة ~~الطردية فقد أنكرها المحققون ولم يعولوا عليها، ومثاله ما قاله أصحابنا ~~والحنفية في التكرير في مسح الرأس أصل يؤدى بالماء، فيكون التكرار فيه ~~مشروعا قياسا على سائر الأعضاء، ونحو قول الشافعي في عدم تكريره: مسح فلا ~~يسن بثلاث كالمسح على الخفين. فما هذا حاله من الأقيسة الطردية التي لا ~~يلوح فيها تخايل المعاني، ولا يرشد إليها خائض الأشباه، وكمن تعلل أن ~~النجاسة لا تزال بغير الماء كاللبن تعويلا على قوله: مائع لا يبنى القطرة ~~على حسه فلا تزال النجاسة به كالدهن. # الضرب الثاني: قياس العكس، وهو: تحصيل نقيض حكم الشيء باعتبار تعليل ~~غيره، وهو معتمد في تقرير الأحكام الشرعية، وهو عند التحقيق راجع إلى قياس ~~الدلالة، ومثاله ما قال أصحابنا والحنفية في شرطية الصوم في الاعتكاف: لو ~~لم يكن الصوم من شرط الاعتكاف لما كان من شرطه وإن نذر، قياسا على الصلاة ~~فإنه كما لم يكن من شرطها لم يكن من شرطها وإن نذر، وحاصل الأمر ms0015 فيه أنا ~~أخذنا وجوب شرط الصوم في الاعتكاف من عدم اشتراطه في الصلاة باعتبار ما ~~ذكرناه من التعليل، والغرض من ذكره هو الإشارة إلى أنه معتمد في تقرير ~~الأحكام الشرعية، وأنه من جملة المضطربات الاجتهادية، وأما تقرير كونه حجة ~~على منكريه فموضعه أصول الفقه (1). PageV01P162 # الضرب الثالث: قياس المعنى. وحاصله: التعويل في المعاني المختلفة والأوصاف ~~المناسبة للحكم، وهو مشتمل على أصل وفرع وعلة وحكم، ولن يكون معدودا في ~~المعاني إلا إذا كان الوصف الجامع بين الفرع والأصل مخيلا ووصفيا مناسبا، ~~ومثاله ما قاله أصحابنا والفقهاء، هو: أن العلة في قطع يد السارق، كونه أخذ ~~مال من حرز على جهة الخفية، وهذا حاصل في النباش للقبور فيجب قطع يده إذا ~~كان الكفن نصابا. ومثال آخر، وهو: أن العلة في ضمان الأعيان بالغصب إنما هو ~~إثبات يد عادية، وهذا حاصل في المنافع فيجب ضمانها بالغصب أيضا. فهذان ~~المثالان خاصان للقياس المعنوي، وأكثر الأقيسة الجارية في المعاوضات جارية ~~على نعت الإخالة وحاصلة على المناسبة، وهكذا القول في الإجارات والشفعة ~~والمغارسة والمساقاة تجري على جهة الإخالة، والله أعلم. # الضرب الرابع: قياس الشبه، وحقيقته آيلة إلى التعويل على الأوصاف ~~الشبهية، وقد عمل أكثر القياسيين به، وإنما أنكره أقوام حذرا من الطرد، ~~فإنهم لما ردوا الطرد لقبحه توهموا أن الشبه في معناه، وليس الأمر كما ~~ظنوه، وهو مشتمل على الأصل والفرع والعلة والحكم بجامع غير مخيل، ومثاله ما ~~قاله أصحابنا والشافعي في إيجاب النية في الوضوء أخذا له من التيمم: طهارة ~~حكمية فيجب فيها اشتراط النية كالتيمم. # فقولنا: حكمية. نحترز به عن طهارة النجاسة فإنها عينية. # فقولنا: طهارة حكمية. علة شبهية ليس فيها شيء من الإخالة وإنما هو تعويل ~~على أخص الأشباه، وأقربها إلى المعاني وأكثرها ملائمة للحكم، فكلما ازداد ~~الوصف خصوصية فهو أقوى ما يكون من الأشباه، وكلما بعد عن الإخالة فهو أضعف ~~ما يكون من الأشباه، فما قوي منها فهو لاحق بالمعاني المخيلة فيجب قبوله، ~~وكل ما ضعف منها فهو لاحق بالطرد فيجب رده. PageV01P163 # الضرب ms0016 الخامس: قياس الدلالة، وهو من جملة الأقيسة المعول عليها في اقتباس ~~الأحكام الشرعية، وحاصله: الاستدلال على الشيء بخاصيته ونتيجته ونظيره. ~~فالخاصية مثل: استدلال أصحابنا والشافعي على كون الوتر غير واجب، بأنها ~~صلاة تؤدى على الراحلة، فلو كانت فرضا لما جاز أداؤها على الراحلة كسائر ~~الفرائض، خلافا لأبي حنيفة وأصحابه حيث زعم أنها واجبة. وأما النظير ~~فكقولنا: من صح طلاقه صح ظهاره، استدلالا من الشافعي على صحة الظهار من ~~الذمي، خلافا لما ذهب إليه أصحابنا وأبو حنيفة وأصحابه، فالظهار والطلاق ~~نظيران في تعلقهما بالزوجة وكونهما يتعلقان بالأقوال، فإذا صح أحدهما صح ~~الآخر. وأما النتيجة فكما يقول الشافعي في البيع الفاسد في حق الجارية: فلو ~~كان منعقدا لجاز وطؤها، فلما لم يجز وطؤها دل على كونه غير منعقد؛ لأن حل ~~الاستمتاع من نتائج العقد، وقد تعذر وطؤها فدل على بطلانه. # فهذا ما أردنا ذكره في دلالة ما عقل من الخطاب على الأحكام الشرعية. # المرتبة الرابعة: في بيان دلالة الاستصحاب. # وهو عمدة في تقرير حكم الحادثة إذا عدم المغير الشرعي، وهو آخر قدم يخطو ~~به المجتهد إذا عدم مسلكا شرعيا استصحب البراءة الأصلية وحكم بها، وأكثر ~~العلماء على اتباعه وجعله حجة، وزعم قوم أنه لا يكون حجة وإنما هو صالح ~~للترجيح. # والمختار: ما ذكرناه وعليه أكثر الأصوليين من الزيدية(1) والمعتزلة ~~والأشعرية. ثم هو على وجهين: PageV01P164 # أحدهما: أن يكون الحال عقليا، فيستصحبه المجتهد، وذلك أن الأصل هو البراءة ~~العقلية عن كل ما كان يشغلها من جميع الإلزامات في الضمانات وغيرها من ~~العبادات، وفراغ الذمة معلوم عقلا، وطريق شغلها إنما يكون من جهة الشرع، ~~وقد طلبت المسالك الشرعية فلم أجد شيئا، فلا جرم حكمت بفراغها. وعلى هذه ~~القاعدة حكمنا بصلاة سادسة، فهذا مسلك صحيح لا عثار عليه، والاستدلال به جائز. # وثانيهما: أن يكون الحال شرعيا، فيجب استصحابه حتى يرد ما يغيره وينقله ~~عما كان عليه، وهذا نحو استصحاب العموم حتى يرد مخصص، ونحو استصحاب العقود ~~الثابتة حتى يرد ما ينقضها ويبطلها، ومثل استصحاب شغل الذمة ms0017 بالإتلاف حتى ~~يرد ما يزيله ويبطله من الغرامات المالية، إلى غير ذلك من الاستصحابات ~~الصحيحة الثابتة المستقرة. # فأما استصحاب الإجماع في موضع الخلاف ونحو استصحاب النص بعد ورود ما ~~ينسخه، فهو خطأ لا وجه له ولا تعويل عليه؛ لأن ما هذا حاله يكون استصحابا ~~للدليل بعد بطلانه؛ لأن الإجماع يرفعه الخلاف، والنص يرفعه ناسخه فلا معنى ~~لاستصحابهما على جهة الإجمال، وقد فصلنا هذه القواعد وأتينا فيها على الغرض ~~الشافي وأودعناه الكتب الأصولية، وما ذكرناه هاهنا فهو كاف للفقيه المجرد، ~~فأما الأصولي ففي فهمه أكثر من ذلك. PageV01P165 # --- ### ||| AUTO الفصل الثاني: في بيان التفرقة بين المسائل الأصولية والمسائل ~~الفقهية والميز بينها # اعلم أن هذا الفصل ينبغي الاهتمام بحاله والاعتناء بإيضاحه، لما يشتمل ~~عليه من الفوائد الغزيرة، والنكت الكثيرة. وجملة الأمر أن المسائل منقسمة ~~بالإضافة إلى ما يتعلق بأمور الديانة إلى عقلية ونقلية. # فأما العقلية: فهي ما كان متعلقا بالعقائد الإلهية، نحو العلم بالذات ~~وصفاتها وأحوال الحكمة والوعيد وأحوال المعاد وغير ذلك، وما هذا حاله فالحق ~~فيه واحد والتعبد فيها بالعلم القاطع وما عداه خطأ وجهل، وقد قررناه في ~~الكتب الكلامية. # وأما النقلية: فهي ما كان متعلقا بالسمع لا مجال للعقل فيه. ثم هي منقسمة ~~بالإضافة إلى قطعية وظنية. # فما كان مقطوعا به منها فهي المسائل الأصولية القطعية. PageV01P166 # وما كان غير مقطوع به فهي المسائل الظنية الاجتهادية. والمعيار الصادق ~~والفصل الفارق بين ما يكون مقطوعا به فيكون من فن الأصول، وبين ما يكون ~~ظنيا فيكون من الفقه. فما كان المعتمد في تقريره وإثباته مسلك قاطع، إما نص ~~الكتاب وإما نص السنة المتواترة أو الإجماع المقطوع المتواتر أو تصرف العقل ~~وحكمه، فهو قاطع وما هذا حاله فهو لاحق بالمسائل الأصولية والحق فيه واحد، ~~وما عداه محكوم عليه بالخطأ؛ لأن العلم ونقيضه لا يكونان صوابا، بل لا بد ~~من أن يكون أحدهما خطأ وجهلا، وما كان من المسائل مستند إثباته وتقريره ~~مسلك ظني نحو ظاهر الكتاب أو نص السنة الآحادية أو ظاهر نصها المتواتر، أو ms0018 ~~إجماع منقول بالآحاد أو غير ذلك من المسالك المظنونة، فهو لاحق بالمسائل ~~الظنية الاجتهادية، ولهذا فإن القياس وخبر الواحد وأن الأمر للوجوب والنهي ~~للتحريم كلها معدودة من المسائل الأصوليةح لأن المستند في تقريرها هو ~~الإجماع القاطع والنصوص الواردة الشرعية على إثباتها، ولم تستند إلى مسلك ~~ظني، وعلى هذا يكون ما يكون مستندا إلى الأخبار الآحادية، نحو مسائل ~~الصلاة، وأحوال العبادات والمعاملات من البيع والشراء والإجارات وغير ذلك ~~من المسائل الشرعية، كلها تكون ظنية اجتهادية، ومن ثم قضينا بأن في اللغة ~~لفظة موضوعة للعموم ولوقوع الاشتراك في اللغة بكونها أصولية لما كان ~~مستندها دليلا قاطعا وهو الإجماع، فيكون الحق فيها واحدا، وما لا قاطع فيه ~~فهو من فن الاجتهاد والكل فيه مصيب كما سنوضحه بعد هذا ونفرد له كلاما يخصه. PageV01P167 # وإن وقع الإجماع على مسألة من مسائل التحليل والتحريم وإن لم تعد من ~~المسائل الأصولية، نحو جواز الصلاة في الثوب الواحد، فإنه يكون قاطعا ولا ~~يعد من المسائل الاجتهادية لإسناده إلى الإجماع القاطع. فتنخل من مجموع ما ~~ذكرناه أن الحكم الاجتهادي هو ما كان مستندا إلى مسلك ظني من المسائل ~~الشرعية، فإذا أراد الناظر الوقوف على حقيقة التفرقة وإدراك ما هيتها ~~فليمتحن المسائل النقلية بنظره، فإن وجد هناك مسلكا قاطعا عرف أنه ليس ~~مجتهدا فيها بحال، وأنها ترده عن الاجتهاد مقطوعاتها، وأن الخطأ في خلافها، ~~سواء كان ذلك المسلك عقليا أو نقليا أو غير ذلك من القواطع المفردة أو ~~المركبة. فإذا تقرر فيها مسلك قاطع فإن كانت متعلقة بالأصول فهي من مسائله، ~~وإن كانت من المسائل العملية فهي قاطعة بكل حال، وإن لم يجد فيها مسلكا ~~قاطعا فهي من المسائل الاجتهادية التي لاحق فيها معينا، فأكثر المسائل ~~الخلافية مجتهد فيها ولا يمكن حصرها ولا ضبطها. وما كان منها قاطعا، فهو ~~محصور يؤثر في أمكنة معدودة، والمسائل الأصولية كلها قاطعة لاستنادها إلى ~~مسالك في تقريرها قاطعة، ولهذا فإنك ترى خوض من خاض فيها من الأصوليين خوض ~~قاطع، بأن الحق في جانبه وما ms0019 عداه خطأ، كما كان خوضهم في المسائل الدينية ~~عقليها ونقليها من غير تفرقة بينها في ذلك. ولنقتصر على هذا القدر في ~~التفرقة بين ما ذكرناه ففيه كفاية للفقيه، وما عدا ذلك نحيله على الكتب ~~الأصولية. PageV01P168 # --- ### ||| AUTO المقدمة الثالثة: في تصويب الآراء في المسائل الخلافية ~~والأنظار الاجتهادية # واعلم أن هذه المقدمة لابد للفقية الخالي من علم الأصول من إحرازها ~~والإحاطة بها لأوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن يعلم فضل هذا الرسول ، على غيره من الأنبياء بما خصه الله ~~تعالى بمالم يخص به غيره من الرسل، وفضل هذه الشريعة على غيرها من سائر ~~الشرائع المتقدمة باتساع طرقها وامتداد أطرافها، وفضل هذه الأمة على غيرها ~~من الأمم السابقة بأن جعلهم حاكمين في كل حادثة بأنظارهم الثاقبة، وفاصلين ~~في كل قضية بمواد فكرهم الصائبة. # وأما ثانيا: فلئلا (1) يستوحش الناظر لما يرى من كثرة الخلاف في كل مسألة ~~من المسائل الاجتهادية، فإذا تحقق أنها كلها صائبة هان عليه الأمر ولم يعظم ~~عليه الخطب فيبقى في حيرة من أمره، فإذا عرف أنها كلها على الحق زال عنه ~~الخوف وزاح عنه الطيش والفشل. # وأما ثالثا: فلئلا يستعجل إلى تخطئة من يخالفه في المسالك، فيحكم له بخطأ ~~أو بهلاك من غير بصيرة، ومع إدراك هذه الخصلة أعني معرفة التصويب لا يستعجل ~~بهلاك من يخالفه، وكيف يقع الهلاك والآراء كلها صائبة وكلها حق وصواب، وهذا ~~من فضل الله ورحمته وعظيم منته على الخلق وجزيل نعمته. # فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن كل مسألة ليس فيها دلالة قاطعة فالأمة ~~فيها فريقان: PageV01P169 # الفريق الأول: قائلون بأن الواقعة ليس فيها حق معين، وأن الآراء كلها حق ~~وصواب، فهؤلاء هم المصوبة، أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة والمحققون ~~من الأشعرية، وعليه جمهور الفقهاء أبوحنيفة والشافعي ومالك ) وأتباعهم. # ثم أهل التصويب لهم مذهبان: PageV01P170 # أحدهما: أن في المسألة أشبه، وهذا هو المحكي عن أصحاب أبي حنيفة: محمد بن ~~الحسن ) وأبي الحسن الكرخي، ويحكى عن قاضي القضاة ) والشافعي والمروزي ) ~~وغيرهم من الفقهاء. # ومعنى الأشبه: أن الله لو نص ms0020 لما نص إلا عليه. PageV01P171 # وثانيهما: إبطال الأشبه، وهذا هو المحكي عن أكابر الشيوخ من المعتزلة: ~~الشيخين أبي علي ) وأبي هاشم، وأبي الهذيل ) وقاضي القضاة، وهو قول بعض ~~أئمة الزيدية، ورأي أبي حامد العزالي، وهو رأي أكثر المصوبة. # الفريق الثاني: أن في الواقعة حكما لله تعالى معينا، وما عداه من الأقوال ~~فهو باطل، ثم اختلفوا بعد ذلك، فمنهم من قال: إنه لا دلالة عليه قطعا ولا ~~ظنا، وإنما هو كدفين يعثر عليه. # ومنهم من قال: عليه دلالة ظنية. # ومنهم من غلا، وقال: إن عليه دلالة قاطعة. PageV01P172 # فهذه أقوال المخطئة على ما ترى ، وهذه نبذة من الخلاف في الآراء في المسائل ~~الخلافية قد أشرنا إليها على جهة التنبيه والإجمال، وتفاصيلها تحال على ~~الكتب الأصولية. فلنذكر المختار في التصويب ثم نردفه بذكر المختار في حكم ~~الأشبه، فهذان تقريران نذكر ما يتوجه في كل واحد منهما بمعونة الله تعالى: # التقرير الأول: في بيان المختار في التصويب للآراء في الاجتهاد. # والذي نرتضيه هو ما قاله أصحابنا والمعتزلة وذهب إليه محققو الأشعرية ~~والفقهاء، وهو أن الواقعة ليس فيها لله حكم معين وإنما هو يكون على نظر ~~المجتهد ورأيه، فإذا نزلت به الحادثة وأعمل فيها نظره وأتعب فيها فكره وسأل ~~من الله تعالى توفيقا وتسديدا لإصابة الحق، وكان جامعا لعلوم الاجتهاد ~~محرزا لها على شروطها المعتبرة التي فصلناها في الكتب الأصولية، فإنه متى ~~أدى نظره إلى حكم من الأحكام من تحليل أو تحريم أو غيرهما من سائر الأحكام ~~الشرعية العملية، فإن ما هذا حاله يكون حقا وصوابا عند الله تعالى. # والبرهان على ما قلنا يتضح بمسلكين: # المسلك الأول منهما: أنا نقول لمن زعم أن في الواقعة حكما معينا هو مقصود ~~لله ومطلوب. لو كان الأمر كما زعموه من تعينه لكان لا يخلو الحال فيه، إما ~~أن ينصب الله عليه دلالة أو لا ينصب، والقسمان باطلان، فيجب القضاء ببطلان ~~كونه معينا. # وإنما قلنا: إنه لا يخلو من الوجهين، فلأنها قسمة دائرة بين النفي ~~والإثبات فلا واسطة بينهما، وهي ms0021 من العلوم العقلية التي لا يجوز خلافها، ~~فإثبات متوسط باطل بالضرورة. # وإنما قلنا: إنه يستحيل أن عليه من الله دلالة منصوبة؛ فلأنها لو نصبها ~~لكانت ظاهرة لكل من قصدها كسائر الأدلة الظاهرة العقلية والنقلية، والمعلوم ~~باطراد العادة وجريانها، أن مثل ذلك لم ينقل ولا له أثر، وفي هذا دلالة على ~~أنه ما كان، ولو كان لنقل كما نقل ما هو أخفى منه وأدق. PageV01P173 # وإنما قلنا: إنه يستحيل ألا ينصب الله عليه دلالة؛ فلأنه لو كلف به من غير ~~أن ينصب عليه دلالة، لكان تكليفا بما لا يعلم وهو قبيح. # فتقرر بما ذكرناه فساد القسمين اللذين فصلناهما، وهما نصب الأدلة عليها ~~وعدم نصبها، ويلزم من بطلانهما بطلان أن يكون هناك حكم معين في الحادثة وهو ~~المطلوب. # المسلك الثاني: أن الصحابة (رضي الله عنهم) ما زالوا مجتهدين في الحوادث ~~التي ليس عليها دلالة من جهة الكتاب، ولا من ظواهر السنة في الفتاوى ~~والأقضية، والوقائع غضة طرية على ممر الأزمنة وتكرر الأعصار، وما برحوا ~~مختلفين في الفتاوى والأحكام التي يصدرونها عن أنظارهم، وتفترق بهم المجالس ~~عن المخالفة في الآراء، وكل واحد منهم مصوب لما قاله الآخر غير منكر عليه ~~في رأيه واجتهاده، ولو كان في الواقعة حكم معين لطلبوه ولجدوا في طلبه ~~وتحصيله، وما سمع عن واحد منهم أنه قال لصاحبه: هذا خلاف حكم الله، وحكم ~~الله شيء آخر غير ما ذهبت إليه، بل من حكم بقضية وأبرمها فلا اعتراض عليه ~~بحال، ويتشددون في التحرز عن بعض القضايا الصادرة عن الأحكام مع مخالفة ~~الآراء، بل وربما يصدر من جهتهم التصريح بالتصويب في الأراء، وفي هذا دلالة ~~قاطعة من إجماعهم على أنه ليس هناك حكم معين، هو شوف(1) المجتهد ومقصده ~~ومقصد نظره، وإنما هي كلها آراء صائبة وظنون صادقة على تحصيل مراد الله في ~~الحادثة، وهذا المسلك يدريه من مارس طرفا من سير الصحابة رضي الله عنهم وما ~~كان منهم من الفتاوى في التحليل والتحريم وإصدار القضايا عن الآراء ~~الصائبة، فعند ذلك نعلم قطعا ms0022 ويقينا صحة ما ادعيناه من تصويب الآراء ~~الاجتهادية في جميع الحوادث التي لا نص فيها. ولنقتصر على هذا القدر من ~~الدلالة ففيه مقنع وكفاية. # التقرير الثاني: في بيان المختار في الأشبه من الاجتهاد. PageV01P174 # اعلم أن جماعة من المصوبة زعموا مع القول بكون الآراء صائبة في الاجتهاد، ~~أن فيها أشبه على معنى أن الله تعالى لو نص على الحادثة لما نص إلا عليه، ~~وعلى معنى أنه الأجزل ثوابا عند الله تعالى، وهو محكي عن جماعة من الحنفية، ~~منهم: أبو الحسن الكرخي، ومحمد بن الحسن الشيباني، ومروي عن الشافعي. # والمختار عندنا: أنه لا معنى للأشبه وأن جميع الآراء في تلك الحادثة كلها ~~أشبه إلى قائله، وأنها كلها مقصودة لله، وإنما تقوى وتضعف بحسب قوة الأمارة ~~وضعفها، وهذا هو رأي أهل التحقيق من المصوبة، أئمة الزيدية والجماهير من ~~المعتزلة: أبي علي وأبي هاشم وأبي الهذيل. وإلى بطلان الأشبه ذهب المحققون ~~من الأشعرية، كالباقلاني، وأبي حامد العزالي، وشيخه عبدالملك الجويني، فأما ~~الشيخ من المعتزلة، فليس له فيه تصريح بإثبات ولا نفي، وكلامه فيه احتمال. # والبرهان على ما اخترناه يظهر بتقرير حجتين: PageV01P175 # الحجة الأولى: هو أنا نقول: إن الشبه والأشبه سيان في تعليق الحكم بهما، ~~فيجب أن لا يكون للأشبه مزية على الشبه، وفي هذا ما نريده من بطلان القول ~~بالأشبه. وبيان ذلك: أنا نفرض الكلام في مسألة تعليل الربا في الفضل، ~~فالكيل على رأي أصحابنا وأبي حنيفة شبه وهو طرد عند القائلين بصحة الطرد، ~~والطعم شبه على رأي الشافعي وهو طرد عند من يقبل الطرد، فمن قبل الوصف الذي ~~لا يناسب الحكم، فهو شبه، ومن رده فهو طرد، فمن قبل الطرد قال: بأنه طرد، ~~ومن رد الطرد قال: بأنه شبه، ومن رد الشبه فقال إنه أشبه، فالطرد والشبه ~~والأشبه في مسألة كلها تعليلات وأوصاف غير مناسبة. لكنها تختلف الألقاب ~~عليها بالإضافة إلى ردها وقبولها من غير أن يكون هناك بينها تفرقة من جهة ~~الذات لعدم المناسبة فيها، وأن التعويل فيها إنما هو على أمر ms0023 غير مخيل من ~~جهة المشابهة الخاصة، فإذا كان لا تفرقة بينها من جهة الذات دل ذلك على أن ~~الطرد والشبه والأشبه في حكم واحد، وأن الشبه في حق القائلين هو الأشبه في ~~قول آخرين، وأنهما جميعا طردان عند القائلين بالطرد.. فإذا لا وجه لما قاله ~~هؤلاء في تقرير الأشبه بحال. # الحجة الثانية: في بطلان الأشبه، أن نقول للقائلين ونستنطقهم عما يرون من ~~إثباته فنقول: # ليس يخلو حال الأشبه عندكم إما أن يكون مكلفا به أو لا يكون مكلفا به. # فإن قالوا: إنه غير مكلف به. PageV01P176 # قلنا: فإذا كان غير مكلف به فلا حاجة إلى طلبه؛ لأنه على هذا لا يتناوله ~~التعبد ولا يعد في الأمور العملية، وإن كان مكلفا به فليس يخلو حاله إما أن ~~ينصب الله عليه دلالة أو لا، فإن لم ينصب عليه دلالة كان التكليف به تكليفا ~~بما لا يعلم وهو محال لا يجوز على الله تعالى لأجل حكمته، وإن نصب عليه ~~دلالة، فليس يخلو حالها، إما أن تكون علمية أو ظنية، ومحال أن تكون علمية؛ ~~لأنه كان يلزم أن يكون أمرا معينا وأنتم لا تقولون به، ويلزم أن يكون ~~مخالفه مخطئا وهو خلاف مذهبكم. # وإن كانت ظنية فهذا جيد، لكن نقول: إن كل واحد من المجتهدين يدعي فيما ~~قاله وغلب على ظنه أنه علة الحكم ووصفه أنه أشبه، فليت شعري بم يكون ~~التمييز بين وصف ووصف وأمارة وأمارة، وفي ذلك بطلان الأشبه، وأنه لا حقيقة ~~له ولا وجود. # فهذا ما أردنا تقريره في حكم الآراء في المسائل الاجتهادية، وأن المذهب ~~تصويبها لا محالة. PageV01P177 # --- ### ||| AUTO المقدمة الرابعة: في بيان ما يعرف به مذهب المجتهد وبيان ~~الطريق إليه # اعلم أن هذه المقدمة تمس إليها حاجة الخائض في الأبواب الفقهية؛ لأنه لا ~~يزال يردد نظره ويكرره في مذاهب المجتهدين ومعرفة مستنداتهم فيها. # وقبل الخوض فيما نريده من ذلك نذكر ماهية المذهب وحقيقته، وهو: كل اعتقاد ~~صادر عن دلالة أو أمارة أو شبهة أو تقليد، فمتى كان الاعتقاد صادرا عما ms0024 ~~ذكرناه فهو مذهب لصاحبه، ولهذا فإن اعتقاد حدوث العالم وإثبات صانعه، مذهب ~~الموحدة من أهل الإسلام، واعتقاد من خالفهم في ذلك مذهب الملاحدة والدهرية ~~وغيرهم من الفرق الكفرية لما كان صادرا عن شبهة فاعتقدوه لأجلها، واعتقادات ~~المجتهدين لما ذهبوا إليه من مذاهبهم في التحليل والتحريم، تصير مذاهب لهم ~~لما كانوا محصلين لها عن الأمارات. وهكذا حال المقلدة فإنها مذاهب لكونها ~~صادرة عن اعتقاد التقليد، فصار المذهب لا يكون مذهبا إلا بما ذكرناه من ~~الاعتقاد، ولهذا [ف]إن ما كان صادرا عن العلوم الضرورية لا يكون مذهبا، وإن ~~كان من جملة الاعتقادات لما لم يكن العلم الضروري من فعله، فصار المذهب ~~يكون مذهبا لاستناده إلى الاعتقاد من فعله، فلا بد من اعتبار هذين الوصفين ~~في كونه مذهبا. # فإذا عرفت هذا، فلنذكر الطريق إلى معرفة مذهب المجتهد، ثم نردفه بكيفية ~~التخريج على مذهبه، وحكم القولين في المسألة، فهذه مباحث ثلاثة تختص ما نحن ~~فيه وبعدها تفاصيل يليق ذكرها بالكتب الأصولية، ولكنا نورد ما يكون عونا ~~للفقيه على إحراز مذاهب المجتهدين وأقاويلهم وكيفية إحرازه لها بمعونة الله تعالى. PageV01P178 # --- ### ||| AUTO البحث الأول: في بيان الطريق إلى معرفة مذهب المجتهد. # وقد يدرك من جهة النطق، وقد يدرك من جهة الضرورة، وقد يكون معلوما من جهة ~~الاستدلال، فهذه طرق ثلاث نذكر ما يتوجه في كل واحدة منها بمعونة الله تعالى: # الطريق الأول: ما يكون معلوما من جهة النطق، وهذا كأن يصرح المجتهد بأن ~~يقول: هذا مذهبي، أو هذا الذي أقول به وهو اعتقادي في المسألة، من تحليل أو ~~تحريم أو غير ذلك، سواء كان في الاعتقادات الإلهية أو في المباحث الأصولية ~~أو كان في المسائل الفقهية، وأقوى ما يعرف به مذهب القائل، هو تصريحه من ~~لسانه؛ لأن ما عداه من الطرق لا يكاد يسلم عن الاحتمال. وقد يقول المؤيد ~~بالله ): هذا هو الذي أذهب إليه، وكما قال الشافعي: إذا تعارض الخبر ~~والقياس فمذهبي هو القول بالخبر، يعني أنه لا يذهب إلى القياس ولا يرى له ~~وزنا عند ms0025 وجود الخبر وثبوته، بخلاف غيره فإنه ربما قال بالقياس وأعرض عن ~~الخبر. وحكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: اجتمع رأيي ورأي عمر ~~في تحريم بيع أمهات الأولاد، وأنا أرى الآن بيعهن(2) PageV01P179 . وهذا تصريح منه بما يراه ويعمل به ويفتي، وهكذا القول في سائر المعتقدات. # الطريق الثاني: من جهة الضرورة. # وهذا ظاهر.. فإن كثيرا من المعتقدات [هو] مما يعلم بالضرورة، بالممارسة، ~~ويعلم الحب والبغض والموالاة والمعاداة وغير ذلك من المقاصد الضرورية، ~~ولهذا فإنا نعلم قطعا بالضرورة، بغض العباسية للمروانية، وبغض الفريقين ~~للفاطمية وعداوتهم، ونعلم أيضا انقطاع الموالاة بينهم، وهكذا حال العدلية ~~والجبرية في البغض وعدم الموالاة، ونضطر إلى قصودهم في الانقطاع وبطلان ~~مذهب كل واحد من الفريقين لصاحبه(1) وهكذا القول في غيره فإنا نضطر إلى أن ~~المجبرة يعتقدون تجوير الله ونسبته إلى فعل الظلم وسائر القبائح، كما نضطر ~~إلى أن المشبهة يعتقدون مشابهة الله للأجسام وإن لم ينطقوا بذلك، ولكنا ~~نضطر إلى مقاصدهم في الاعتقاد لذلك والعمل عليه وانطواء أفئدتهم على ~~التصميم على ذلك ولا يزعهم عن ذلك وازع ولا يصدهم صاد. وهكذا القول في حال ~~الإمامية من الشيعة فإنا نعلم بالضرورة إعظام أمير المؤمنين وموالاته، ~~وتفسيق من خالفه في الإمامة وإكفاره، وإن لم يصرحوا بهذا الاعتقاد لما يظهر ~~من أخلاقهم وشمائلهم، بل يصرحون بذلك ويدينون به. # الطريق الثالث: ما يعلم من جهة الاستدلال. # اعلم أن الاستدلال على مذهب المجتهد ينبني على انسداد الاحتمالات، فإذا ~~كان غير مصرح بمذهبه ولكنا نعلم من ضرورة قصده حكما لها، وكانت الاحتمالات ~~منسدة سوى احتمال واحد قوي على الظن، كون ذلك الاحتمال مذهبا له، وهذا يكون ~~على أوجه ثلاثة: PageV01P180 # أولها: أن يعلل الحكم المخصوص بعلة مخصوصة فيجب طرد(1) الحكم مع تلك العلة ~~أينما وجدت؛ لأنه قد نص على العلة، والحكم تابع للعلة سواء كان قائلا ~~بتخصيص العلة أو مانعا من تخصيصها؛ لأنه إذا كان مانعا من التخصيص كان ~~الحكم مساويا للعلة في كل محل من محالها، وهكذا إذا كان قائلا بالتخصيص؛ ~~لأنه ms0026 إنما يقول بالتخصيص لدلالة، فإذا لم توجد هناك دلالة، كان مذهبه ~~التعميم لا محالة، فهذا وجه في معرفة مذهب المجتهد وإن لم يكن ناصا عليه. # وثانيها: أن يعلم من جهته بتصريحه أنه لا يفرق بين المسألتين، أو ينعقد ~~الإجماع من جهة على أنه لا تفرقة بينهما، ثم إنه نص على إحدى المسألتين ~~فإنه يعلم بما ذكرنا أن حكم إحداهما حكم الأخرى، ومثاله أن يقول: الشفعة ~~للجار، فيندرج تحت ذلك جميع الصور في الجيرة؛ لأنه قد حكم بالشفعة للجار ~~على طريقة العموم فلا يجوز تخصيصه إلا لدلالة ولا دلالة ها هنا قائمة، ~~فلهذا كان مذهبه التعميم في جميع الصور، أو يحكم مثلا بالشفعة لجار الدار، ~~فيعلم بذلك أن مذهبه وجوب الشفعة في جار العقار والأراضي إذ لا أحد من ~~الأمة فصل بينهما، فعلمنا بمذهبه في شفعة الجار مع انضمام قرينة ألا أحد ~~فصل بينهما من الأمة.. وجوب كونه قائلا بالشفعة في كل جار من غير تفرقة ~~بينهما. PageV01P181 # وثالثها: أن يعلم له مذهب مقرر في الأصول، فيفرع على ما يذهب [إليه] من ذلك ~~وإن لم يصرح به، ومثاله: إذا كان يقول ويعرف من مذهبه القول بالعموم، وهو ~~أن في اللغة صيغة موضوعة له، فإذا ورد قوله عليه السلام: (( كل مسكر حرام ~~)). فنقول: مذهبه تحريم كل مسكر مما سوى الخمر؛ لأنه من القائلين بالعموم ~~ولا مخصص هناك، فنعلم مذهبه في ذلك. وهكذا إذا ورد قوله : (( الشفعة في كل ~~شيء )). فإنا نقول: يكون من مذهبه وجوب [الشفعة] في المنقولات؛ لأن هذا ~~عموم وهو من القائلين به فيجب القضاء بأنه من مذهبه وإن لم يكن مصرحا به، ~~فهذا جملة ما يعرف به مذهب المجتهد إما من جهة التصريح، أو من جهة الإضطرار ~~إلى قصده، أو بطريق الاستدلال على ما فصلناه لانسداد الاحتمالات فيها، وأنه ~~لا محمل له إلا أنه قائل به فيجب كونه مذهبا له. PageV01P182 ### ||| CHECK [البحث الثاني: في بيان حكم التخريج على مذهب المجتهد:] # --- # البحث الثاني: في بيان حكم التخريج على مذهب المجته # اعلم ms0027 أن من الأصوليين من زعم أنما عدا ما قدمناه من الأوجه الثلاثة فإنه ~~لا يعد مذهبا للمجتهد ولا ينسب إليه. # والمختار عندنا: تفصيل نشير إليه، وهو أن كل ما كان يقتضيه قياس قول ~~الإمام أو المجتهد في المسائل الفقهية والمضطربات الاجتهادية، فإنه يجوز أن ~~يجعل قولا له، وإن لم ينص عليه إذا كانت أصوله دالة عليه وتقريراته تشير ~~إليه وتفهم من تصرفاته. نعم .. إنما يكون منسوبا إليه على جهة التخريج ولا ~~بد من التصريح بذلك إذا عزي إليه لئلا يكون موهما للكذب، فيقول المخرج: هذا ~~يكون مذهبا له على جهة التخريج. وليكون تفرقة بين ما يكون صريحا من مذهبه ~~وبين ما يكون على جهة التخريج. والبرهان على صحة ما قلناه هو: أن الأمة ~~مجمعة على جواز ذلك وحسنه فيجب كونه معمولا عليه مقبولا. وإنما قلنا: إن ~~الأمة مجمعة على ذلك؛ فلأن جميع الفرق من الزيدية والحنفية والشافعية ~~مطبقون على تخريج المسائل التي هي غير منصوصة على ما يكون أصل واحد من ~~الأئمة مقتضيا له و[على] بيان ذلك. أما أئمة الزيدية فلأن أصحاب القاسم ) PageV01P183 ناقلون لمذهبه، مخرجون على ما تقتضيه أصوله مما لم ينص عليه ويصرحون بذلك، ~~وهكذا القول في حال الناصرية (1) فإنهم قد دونوا نصوصه في كتبه، وما زالوا ~~مخرجين على تلك النصوص ملحقين بمذهبه على جهة التخريج مالم يقل به وجعلوه ~~من جملة مذهبه في الصحة والعمل. وأما اليحيوية(2) فإنهم إيضا مخرجون على ~~رأيه محصلون له على ما يفهمون من تصرفه وعلى حد ما يعهدون من أدائه في ~~الحوادث المنصوص عليها من جهته، وأعظم من عني في التخريج على أصول هؤلاء ~~الأئمة وعنى في ذلك بجده ومبلغ جهده، السادة الثلاثة: المؤيد بالله وأبو طالب ) PageV01P184 وأبو العباس ). وغيرهم من أصحاب كل إمام من هؤلاء الأئمة الثلاثة، فإن ~~نصوصهم قليلة بالإضافة إلى المسائل المخرجة على أصولهم، وربما تختلف آراؤهم ~~في التخريجات على حسب ما يعن من فهم مراده في تلك الحادثة، ويأتي كل واحد ~~منهم بما يغلب على ظنه أنه غرضه ms0028 ومراده. PageV01P185 # وأما أصحاب أبي حنيفة، فنصوصه وإن كانت كثيرة في المسائل، لكن أبا يوسف ) ~~ومحمد بن الحسن الشيباني، في غاية الجد والجهد في تقرير مذهبه وتلخيص ~~مسائله وإلحاق غير المنصوص بالمنصوص، وهكذا حال الشيخ أبي الحسن الكرخي ~~والجصاص )، فإن هؤلاء هم العمدة في نقل مذهب أبي حنيفة والتخريج عليه، ~~وغيرهم من عظماء الحنفية وزعمائهم الذين أصلوا مذهبه وفصلوا مسائله وأظهروا ~~أسراره، وهكذا الطحاوي ) فإنه كان إماما في مذهب الرجل(4) وكلهم جاهد في ~~ضبط المذهب، وتقرير قواعده وتفريع مذهبه على حد ما يفهمون من آرائه وشيمه ~~وأخلاقه، وعلى فهم مذهب صاحبهم في الأصول. فيكون ذلك مفرعا عليه كما تراه ~~في تصرفاتهم الفقهية. PageV01P186 # وأما أصحاب الشافعي المتقدمون كالبويطي ) وحرملة ) والحسين الكرابيسي ) ~~والمزني ) وغيرهم ممن عاصره فإنهم إما مخرجون(5) على نصوصه مع كثرتها ~~وانتشارها، أو يستنبطون مسائل لم ينص عليها في أصوله المقررة، ومسائله ~~المدونة عندهم. وهكذا القول في المتأخرين من أصحابه كأبي بكر بن الحداد (6) PageV01P187 وابن الصباغ ) صاحب (الشامل) وأهل العراق أيضا، فما من واحد من هؤلاء إلا ~~وقد خرج على مذهبه، وألحق بالمسائل المنصوصة في (الأم)(2) أكثر منها، وما ~~يزالون في الأعصار الخالية والآماد المتمادية مخرجين على نصوصه لا يصرفهم ~~عن ذلك صارف. وأصحابه أدق الفقهاء نظرا، وأكثرهم خوضا، وأحكمهم في تقرير ~~القواعد وتحرير الضوابط. # وأما أصحاب مالك فأول من صنف في الحديث مالك؛ فإنه وضع (الموطأ)(3) وقرأ ~~عليه وسمعه الناس، وقد عني أصحابه بمذهبه أشد العناية، وخرجوا وأصلوا ~~وفصلوا وأكثر أهل المغرب على اتباع مذهبه؛ وكان مستوطنا المدينة ولكنه شاع ~~مذهبه في ناحية المغرب، وولع حذاق المغاربة به، ولهم تصانيف في الأصول ~~والفروع كلها على رأي مالك. # فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا، أن الأمة مجمعة على القول بالتخريج وعلى ~~جوازه وحسنه، وفي هذا دلالة على كونه معمولا به على رأي كل ذي مذهب من ~~المذاهب كما أشرنا إليه، وإذا كان الأمر كما قلناه، كان صحيحا وكيف لا؟ وقد ~~قال صاحب الشريعة (صلوات الله عليه): (( ما رآه المسلمون حسنا فهو ms0029 عند ~~الله حسن )). فهذه دلالة تقرر ما ادعيناه من صحة القول بالتخريج والعمل ~~عليه. لا يقال: فإذا خرج بعض أصحابه ذلك الإمام على مذهبه وخرج آخر ما ~~يخالفه، فعلى أي التخريجين يكون عمل العامي الذي يقلده، وما يكون حكم ~~الفتوى على رأيه، والحال ما ذكرناه؟ PageV01P188 # لأنا نقول(1): إذا كان هذان المخرجان عالمين بمذهبه مخلصين له، فتخريجهما ~~مقبول لا محالة، ويجب نقلهما للعامي ويخير في العمل بأحدهما كما لو كان له ~~في المسألة قولان والتبس التاريخ بينهما، فإنهما ينقلان للعامي يعمل بأيهما ~~شاء، فهكذا هذا من غير تفرقة بينهما، والله أعلم بالصواب. # ولابد أن يكون بين المسألة المخرجة والمخرج عليها قرب ومداناة، بحيث لا ~~يكون التخريج مباينا لما خرج عليه ولا مناقضا له، جاريا على نعت الملائمة ~~لنصوصه وتصرفاته. # نعم.. إذا قال المجتهد في الحادثة بقول، ثم قال بعد ذلك: ولو قال قائل ~~فيها كذا وكذا لكان مذهبا، فإن ما هذا حاله لا يكون مذهبا له بمجرد قوله ~~هذا، ومن أصحاب الشافعي من زعم أنه يكون مذهبا له، ولكن إنما يكون مذهبا له ~~إذا كان جاريا على أصوله ملائما لها جاز ذلك لا بمجرد قوله وحكايته بما ~~ذكرناه. وهكذا لو نص على واقعة بحكم معين، ونص في مثلها على نقيض ذلك ~~الحكم، لم يجز نقل أحد القولين إلى الآخر، ومثاله أن يقول: الوضوء يفتقر ~~إلى نية، ثم يقول: الغسل لا يفتقر إلى النية. فهذان قولان متنافيان في ~~هاتين المسألتين لا يجوز نقل أحدهما إلى الأخرى لما فيهما من المخالفة، ~~وحكي عن بعض أصحاب الشافعي جواز نقل حكم إحداهما إلى الأخرى وتخريجهما على ~~القولين، وهذا يكون على التفصيل الذي أشرنا إليه. PageV01P189 # --- ### ||| AUTO البحث الثالث: في كيفية القولين للمجتهد في المسألة ~~الاجتهادية وحكمهما # اعلم أن من الأصوليين من جوز أن يقال: للمجتهد في هذه الواقعة قولان، ~~ومنهم من منع ذلك على الإطلاق وقال: إنه لا معنى لذلك. # والمختار عندنا: تفصيل نشير إليه؛ إذ لا وجه للنفي أو للإثبات على ~~الإطلاق، والحق الذي نعول ms0030 عليه في القول بأن للمجتهد في المسألة قولين، هو ~~أنه إذا نظر في المسألة فحدث له فيها قول، ثم عاود النظر فيها مرة أخرى ~~فقال فيها بقول آخر، لكن جهل التاريخ بينهما ولم يعرف المتقدم منهما من ~~المتأخر، فلا جرم نحكي القولين جميعا عنه من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، ~~فهذا هو الوجه الصحيح الذي يحمل عليه قول العلماء: إن للمجتهد في المسألة ~~قولين، وعلى هذا ينقلان للعامي المقلد له في المسألة، ويخير بينهما إذ لا ~~ترجيح لأحدهما على الآخر. وإذا كان الأمر كما قلناه، وجب أن يحمل ما يحكى ~~عن المؤيد بالله وغيره من أصحابنا من اختلاف القولين أو الأقوال، ويحمل ما ~~يحكى عن الشافعي من اختلاف القولين أو الأقوال، فمتى عرف المتقدم منهما على ~~المتأخر(1) فإنه يكون العمل عليه واجبا ويكون ناسخا له، أو يعرف الصحيح ~~منهما من الفاسد، فيكون القول هو الصحيح دون غيره، فأما ما لا يعرف فيه ~~التاريخ ولا يعلم صحة أحدهما من فساد الآخر، فإنه يقال فيه: إن له قولين ~~على هذا الوجه، وأكثر أقوال الشافعي قد ميزها أصحابه، وعرفوا المتقدم منها ~~من المتأخر، وأوضحوا الصحيح منها من الفاسد، والذي اعتاص عليهم فيها تاريخ ~~تقدم أحدهما على الآخر هي مسائل قليلة حكاها أبو إسحاق الأسفرائيني ) PageV01P190 يرتقي عدها إلى سبع عشرة مسألة، فحكوا فيها قولين، وما عدا هذا الوجه فهو ~~خطأ، فلا يجوز أن يقال: إن للعالم المجتهد قولين، على معنى أنه يقول إن هذا ~~الشيء في نفسه حلال حرام على جهة الجمع بينهما؛ إذ لا يجوز أن تكون العين ~~الواحدة حلالا حراما في وقت واحد من جهة شخص واحد، ولا يجوز أن يقال: إن له ~~في المسألة قولين على جهة التخيير فيقول: بأن هذه العين حلال أو حرام، إذ ~~لا وجه للقولين على هذه الصفة، ولا على أن يقال: إن المسألة محتملة لأوجه ~~كثيرة فيبطل كل واحد منها سوى اثنين فعلى [القول] بأن له في هذه الحادثة ~~قولين، فإن مثل هذا قد صححه أبو ms0031 إسحاق الشيرازي ) من أصحاب الشافعي، وزعم ~~أن ذلك معنى صحيح في صحة حمل قول المجتهد في المسألة على وجهين وهذا فاسد ~~أيضا، فإنه إذا كانت محتملة لما ذكره من الاحتمالات ثم بطلت كلها إلا اثنين ~~منها، فإنه يكون شاكا فيما ورائهما، فكيف يقال بأنهما قولان له؟ فما هذا ~~حاله يكون خطأ، فإذا لا تعويل في أن للمجتهد في المسألة قولين إلا على ما ~~ذكرناه دون سائر الأوجه، والله أعلم بالصواب. # وهذا ما أردنا ذكره في التنبيه على ما اشتملت عليه هذه المقدمة مما لا ~~يتسع جهله للفقيه الخالي عن علم الأصول، والله الموفق للرشاد. PageV01P191 # --- ### ||| AUTO المقدمة الخامسة: في جواز التقليد للعوام في المسائل الخلافية ~~وذكر من هو أحق بذلك من العلماء # اعلم أن الذي عليه أهل التحقيق من أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة ~~ومحققي الأشعرية، أنه لا يجوز التقليد في المسائل الدينية نحو: العلم ~~بالصانع وصفاته، والعلم بحكمته ومعرفة صدق الرسول إلى غير ذلك من مسائل ~~الديانة، والواجب على كل مكلف الوصول فيها إلى العلم اليقين، بالنظر في ~~الأدلة القاطعة. # وذهب كثير من الفقهاء إلى جواز حصول هذه المعارف كلها بالتقليد لمن علمها ~~بالنظر والاستدلال، وهو محكي عن أبي إسحاق النصبي ) ويأتي على رأي عبدالله ~~بن الحسن العنبري ) وإلى هذه المقالة ذهب أهل الحشو والتعليمية(3) وزعموا ~~أن الطريق إلى معرفة الحق إنما تكون بالتقليد، وأما النظر فهو موضع حيرة. PageV01P192 # والمختار: هو الأول؛ لأن المقلد في هذه الأمور ليس يخلو حاله [إما] أن يكون ~~مقلدا لجميع الفرق المخالفة، أو يكون مقلدا لفريق دون فريق، وباطل أن يكون ~~مقلدا لجميع الفرق، لما يؤدي إليه ذلك من الإعتقادات المتناقضات، فإن منهم ~~من أثبت الصانع ومنهم من زعم نفيه، وما هذا حاله يستحيل الجمع بينهما، وإن ~~قلد بعضا دون بعض، فإما أن يكون ذلك التخصيص لمرجح أو لا لمرجح، وباطل أن ~~يكون ذلك من غير مرجح؛ لأن اعتقاد أحد الجائزين من غير مرجح يكون باطلا ~~عقلا، وإن كان لمرجح فليس ذلك يكون إلا بالنظر ms0032 لبطلان ما سواه من الطرق، إذ ~~لا يمكن الوقوف على حقيقة الأمر إلا به، وفيه بطلان التقليد بكل حال وهو ~~المقصود. # فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر جواز التقليد من جهة العوام للعلماء في ~~المسائل الخلافية، ثم نذكر من هو أحق بالتقليد في ذلك، فهذان مطلبان نذكر ~~ما يتوجه في كل واحد منهما بمعونة الله تعالى: PageV01P193 # --- ### ||| AUTO المطلب الأول: في بيان جواز التقليد من جهة العوام للعلماء في ~~المسائل الخلافية والأحكام العملية # زعم جماعة من معتزلة بغداد أنه لا يجوز للعامي التقليد في المسائل ~~الخلافية العملية، وقالوا: إن الواجب على العامي هو أن يعرف حكم الحادثة ~~بدليل الشرع الموضوع له، ويحرم عليه التقليد، وحاصل هذه المقالة: إلحاق ~~المسائل الفقهية بمسائل العقائد الدينية، وقالوا على أثر هذه المقالة: إنه ~~إنما يجب عليه الرجوع إلى قول المفتي إنما كان ليعرفه طريقة النظر لا من ~~أجل أنه يتبعه في قوله، إلى هذه المقالة ذهب الجعفران من المعتزلة: جعفر بن ~~حرب ) وجعفر بن مبشر )، وأما الشيخان: أبو علي الجبائي وأبو عبدالله البصري ~~) فقد فرقا بين المسائل الشرعية وقالا: إن كان في المسألة الشرعية دلالة قاطعة PageV01P194 فإنه لا يجوز للعامي التقليد فيها، ويجب عليه إمعان النظر في تحصيله، وإن ~~لم يكن فيها مسلك قاطع فإنه يجوز له التقليد فيها، وإلى هذه المقالة ذهب ~~الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من أصحاب الشافعي. # والذي عليه أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة والنظار من الأشعرية، هو ~~جواز التقليد في المسائل الشرعية مطلقا للعوام ومن هو قاصر عن النظر ~~كالنساء والعبيد، سواء كان فيها مسلك قاطع أو لم يكن. # وهذا هو المختار عندنا، والمعتمد فيه أنا نعلم قطعا بتواتر النقل من جهة ~~الصحابة والتابعين لهم إلى يومنا هذا والذي وقع فيه الخلاف أنهم كانوا ~~مسوغين للعوام العمل على أقوال المجتهدين من الصحابة، ولم يؤثر عن أحد منهم ~~أنه كلفهم طلب الأدلة الغامضة، ولا يفرقون في ذلك بين ما كان فيه دليل قاطع ~~وبين ما ليس فيه دلالة قاطعة في تسويغ العمل، وهذا ms0033 ظاهر من عادة الصحابة ~~ومن بعدهم من التابعين لا يختلفون فيه، وأيضا فإنا لو كلفنا العوام النظر ~~في المسائل ومعرفة أحكامها ومنعناهم عن التقليد، لاحتاج كل واحد منهم إلى ~~معرفة ذلك وإدراكه والوقوف على حقيقته، وفي ذلك تكليفهم ما ليس في وسعهم، ~~ويؤدي إلى اشتغالهم عن طلب المعاش وإبطال كل أعمالهم، وهذا ساقط لا يعول ~~عليه، فثبت بما ذكرناه جواز تقليد العوام للعلماء وبطلان كونهم ناظرين في ~~هذه الأدلة لما ذكرناه، وسواء كان من يقلدونه في المسائل العملية حيا أو ~~ميتا إذا كان بالغا درجة الاجتهاد، فإنه يجوز لهم ذلك، وحكي عن الجماهير من ~~العلماء أنه لا يجوز تقليد الميت ولا العمل على رأيه، وأن تقليد الحي أولى ~~وأحق، وزعموا أنه لا قول لميت، بدليل أن الإجماع ينعقد من دونه ولا ينعقد ~~مع كونه حيا. # ووجه آخر: وهو أن الميت لا يدرى حاله هل يكون مستمرا على اجتهاده لو كان ~~حيا أو يكون راجعا عنه، فالعمل عليه والحال هذه يكون عملا على الشك وهو باطل. PageV01P195 # والمختار عندنا: هو جواز العمل على رأي من مات من أهل الاجتهاد من علماء ~~العترة وفقهاء الأمة، كأبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه (رحمهم الله ~~تعالى) ومعتمدنا في الدلالة على ذلك أمران: # أحدهما: من جهة الضرورة، وحاصله أن الاجتهاد لما كان متعذرا في زماننا ~~هذا لقصور همم أهله عن بلوغ غايته، فلا جرم تحكم الضرورة بتقليد من سلف من ~~الأئمة والفقهاء، إذ لو لم نقلدهم لأدى ذلك إلى بطلان التقليد في حق ~~العوام، لشغور الزمان عمن يكون من أهل الاجتهاد، إذ لا خلاف في صلاحية من ~~سلف من علماء العترة وفقهاء الأمة للاجتهاد، وكونهم من أهله، وأن أحدا في ~~زماننا هذا لا يلحق بأدناهم درجة في ورع ولا تقوى ولا نفوذ بصيرة، فلهذا ~~كانوا أحق من غيرهم فضلا عن جواز ذلك. # وثانيهما: أن الإجماع منعقد من أهل العصر هذا على جواز ذلك، والإجماع حجة ~~في كل عصر من الأعصار، فلأجل هذا كانوا أحق وأولى بالتقليد، ووجه ms0034 آخر: وهو ~~قوله : (( من عام إلى عام ترذلون ))(1) فإذا كانوا على تكرار الأعصار وتخرم ~~الزمان لا يزدادون إلا نقصا في كل أحوالهم من جهة الدين والدنيا، كان من ~~سلف أكمل منهم درجة وأعلى همة في جميع الأمور، فلا جرم قضينا بكون من سبق ~~أحق بالتقليد وأولى بالمتابعة؛ لأن كمالهم في العلم أكثر، واختصاصهم ~~بالتقوى والورع أعظم وأوفر. # قوله: الميت لا يدرى حاله هل يرجع عن المسألة أم هو باق على القول بها؟ ~~قلنا: الظاهر هو استمراره على القول بها التي مات وهو قائل بها وقد انقطع ~~اجتهاده بموته. # قوله: الميت لا قول له في المسألة. PageV01P196 # قلنا: هذا خطأ، فإن قوله معتبر في المسألة ولهذا فإن القوي أنه لا ينعقد ~~إجماع مع مخالفته وإن كان ميتا، ولا تعد المسألة إجماعا مع خلافه، وفيه ~~خلاف ذكرناه في الكتب الأصولية، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن تقليد من سلف ~~جائز من الأئمة والفقهاء، بل يكون أحق لما ذكرناه. PageV01P197 # --- ### ||| AUTO المطلب الثاني: في بيان من هو أحق بالتقليد ومن يكون أولى ~~بالمتابعة ممن حاز منصب الاجتهاد من العلماء # اعلم أن العوام لما كانوا لا هداية لهم إلى القيام بهذه التكاليف الشرعية ~~وتأدية هذه العبادات العملية بأنفسهم فلا بد لهم من قدوة يعتمدونها وإمام ~~يهتدون بهديه، ثم هل يكون العامي مخيرا في تقليد من شاء من أهل الاجتهاد، ~~أو لابد له من مزيد نظر في طلب الأفضل؟ فيه تردد ونظر. # والمختار عندنا: أن عليه تكليفا في طلب الأفضل؛ لأن الذي دل على أنه واجب ~~عليه التقليد فهو بعينه دال على أن عليه مزيد تكليف من تعرف من يكون أحق ~~بالتقليد في الفضل وهذا ظاهر. # فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر ما يكون معتمد التقليد من المذاهب، فنقول: # أجمع العلماء واتفق رأي الفضلاء من أئمة الزيدية والجماهير من المعتزلة ~~والأشعرية وغيرهم من سائر فرق الأمة، على أن الصحابة (رضي الله عنهم ~~وأرضاهم) وإن كان فضلهم لا ينكر، ومزيد علمهم لا يجحد، لعلو منصبهم في ~~الدين، وإحراز المناقب، ms0035 واختصاصهم بالصحبة، فإنه ليس للعوام ولا من فرضه ~~التقليد من أنواع الخلق، تقليدهم لوجهين: # أما أولا: فلأنهم لم يكن من جهتهم اعتناء بتذليل مسالك الاجتهاد وترتيب ~~أبوابه وإيضاح طرقه وتأسيس أصول النظر فيه، وإنما كان همهم إحياء معالم ~~الدين وتقرير قواعد الإسلام بالذب عنه بالسيف. # وأما ثانيا: فلم يدونوا أبواب الفقه ولم يكن من جهتهم اهتمام [في] تقرير ~~مسائله، بل كان همهم من ذلك إرسال الاجتهاد وإيضاح الفتاوى في الأقضية ~~والأحكام على جهة الإجمال من غير نظر في التفاصيل. PageV01P198 # نعم.. إنما الذين خاضوا غمرات الاجتهاد، وسبروا مسالك الأدلة بالتفصيل ~~والتهذيب، وترتيب المسائل وتبويب الأبواب وسطرها في الكتب وإثباتها في ~~الصكوك، هم العلماء من بعدهم من زمن التابعين وتابعيهم إلى يومنا هذا من ~~أئمة العترة وفقهاء الأمة، فإن عنايتهم في ذلك غير خافية على من له في ذلك ~~أدنى مسكة من الفضل، وكفوا من بعدهم النظر في مذاهب الصحابة (رضي الله ~~عنهم) لأن السابق وإن كان له حق الوضع والتأصيل. فللمتأخر الناقد حق ~~التكملة والتنخيل والتفصيل فلأجل ذلك كان من بعدهم أحق بالاتباع. # فإذا وضحت هذه الجملة، فنحن الآن نعلوا ذروة لا ينال حضيضها في ترجيح ~~مذاهب أئمة العترة على غيرهم من فقهاء الأمة وعلماء العامة، ونوضح ~~بالبراهين الباهرة والأدلة القاهرة، أنهم أحق بالتقليد وأولى بالمتابعة، ~~وجملة ما نشير إليه من ذلك طرق ثلاث نذكر ما يتوجه في كل واحدة منها: # الطريقة الأولى منها: ورود الثناء من جهة الله تعالى ومن جهة رسوله . # أما من جهة الله تعالى: فقوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة ~~في القربى }[الشورى:23]. # ووجه الاستدلال بهذه الآية على فضلهم هو أن الله تعالى لما كان من أعظم ~~نعمه على الخلق وأجلها وأعلاها وأكملها هو بعثه الرسول لهداية الخلق ~~وإرشادهم إلى السعادة الأخروية وإزاحتهم عن العمى وهدايتهم إلى طرق الهداية ~~، فما يكون في مقابلة هذه النعمة يكون لا محالة جليل القدر عظيم المنزلة؛ ~~لكونه جعل في مقابلته هذه النعمة، والله تعالى قد جعل في مقابلة ms0036 النعمة ~~بالرسول والجزاء على عنايته في الخلق، هو المودة والمحبة لمن كان قريبا ~~إليه، وما هذا حاله فليس يخفى مزيد فضله، وعلو حاله وأمره من جهة كونها ~~واردة في معرض المدح والتنبيه على مزيد فضل القرابة وعلو قدرهم واهتمام أمر ~~الله تعالى بهم، حتى قال فيهم ما قاله. PageV01P199 # وقوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ~~}[الأحزاب:33]. فظاهر هذه الآية دال على إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم من سائر ~~الأدناس على جهة المبالغة، حيث صدر الآية بإنما وهي موضوعة للتحقيق في ~~الجملة؛ لأنها في معنى النفي والإثبات(1) كأنه قال: ما يريد الله إلا إذهاب ~~الرجس عنكم، ولأنه أكد الفعل بالمصدر حيث قال: {يطهركم تطهيرا} كأنه قال: ~~تطهيرا لا زيادة فوقه، ولا شك أن كل من أخبر الله عنه بإذهاب الرجس وتطهيره ~~عن كل مكروه، فلا مرية في اختصاصه بالفضل على غيره. # وأهل البيت هم: أمير المؤمنين (علي)، وفاطمة، والحسن والحسين(2)، ~~وأولادهما في كل عصر، بدليل خبر الكساء حيث خصهم به وقال: (( اللهم هؤلاء ~~أهل بيتي ))(3). فدل ذلك عل صحة ما قلناه، فهاتان الآيتان قد دلتا على ~~فضلهم وعلو مرتبتهم من الوجه الذي لخصناه وأشرنا إليه. # وأما من جهة السنة: فقد ورد في ذلك أحاديث نذكرها: PageV01P200 # أولها: قوله عليه السلام: (( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من ~~بعدي أبدا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن ~~يفترقا حتى يردا علي الحوض))(1). # وثانيها: قوله : (( أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل ~~السماء ، فإذا ذهبت نجوم السماء أتى أهل السماء ما يوعدون، وإذا ذهب أهل ~~بيتي من الأرض أتى أهل الأرض ما يوعدون))(2). PageV01P201 # وثالثها: قوله : (( مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ومن ~~تخلف عنها غرق وهوى))(1). # ورابعها: قوله : (( أهل بيتي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ))(2). # وخامسها: قوله : (( أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم، وأحبوني لحب ~~الله، وأحبوا أهل بيتي لحب ي))(3). # وسادسها: قوله : (( ما أحبنا أهل ms0037 البيت أحد فزلت به قدم إلا ثبتته أخرى ~~حتى تنجيه ))(4). # وسابعها: قوله : (( أهل بيتي باب حطة، فادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ~~نغفر لكم خطاياكم ، وهم كالكهف لأصحاب الكهف، وهم باب السلم فادخلوا في ~~السلم كافة))(5). PageV01P202 # وثامنها: قوله : (( اللهم اجعل شرائف صلواتك على محمد وعلى آل محمد، كما ~~جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد))(1). # وتاسعها: قوله عليه السلام: (( من أسبغ وضوءه، وأحسن صلاته، وأدى زكاة ~~ماله ، وكف غضبه، وسجن لسانه، وبذل معروفه، واستغفر لذنبه، وأدى النصيحة ~~لأهل بيتي. فقد استكمل حقائق الإيمان))(2). # وعاشرها: قوله : (( لا يبغض أحد أهل بيتي إلا كبه الله على وجهه في النار ))(3). # وحادي عشرها: قوله : (( نحن أهل بيت شجرة النبوة، ومعدن الرسالة، ليس ~~أحد من الخلائق يفضل أهل بيتي غيري))(4). # وثاني عشرها: قوله عليه السلام: (( احفظوني في عترتي أهل بيتي ))(5). # وثالث عشرها: قوله : (( أعطيت الكوثر. قيل يا رسول الله وما الكوثر؟ قال: ~~نهر في الجنة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب لا يشرب منه أحد فيظمأ، ~~ولا يتوضأ منه أحد فيسغب، لا يشرب منه إنسان خفر ذمتي وقتل(6) أهل ~~بيتي))(7). PageV01P203 # ورابع عشرها: قوله : (( ثلاثة أنا شفيع لهم يوم القيامة: الضارب بسيفه ~~أمام ذريتي، والقاضي لهم حوائجهم حين اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ~~ولسانه))(1). # وخامس عشرها: قوله : (( حرمات من حفظهن حفظ الله له أمر دينه، ومن ضيعهن ~~لم يحفظ الله له شيئا. قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: حرمة الإسلام، ~~وحرمتي، وحرمة رحمي))(2). # وسادس عشرها: قوله : (( حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وقاتلهم، وعلى ~~المعين عليهم ، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا يزكيهم ~~ولهم عذاب أليم))(3). # وسابع عشرها: قوله : (( لا تزول قدما العبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره ~~فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله ممن اكتسبه وفيم أنفقه، وعن ~~حبنا أهل البيت))(4). PageV01P204 # وثامن عشرها: قوله : (( من أحب أن يحيى حياتي ويموت ميتتي فليتول علي بن ~~أبي طالب وذريته الطاهرين أئمة الهدى، فإنهم لن يخرجوكم من باب ms0038 الهدى إلى ~~باب الضلالة))(1). # وتاسع عشرها: قوله : (( لما أسري بي رأيت على باب الجنة مكتوبا بالذهب ~~لا بماء الذهب: لا إله إلا الله محمد حبيب الله، علي ولي الله، فاطمة أمة ~~الله، الحسن والحسين صفوة الله، على باغضهم لعنة الله))(2). # العشرون: عنه أنه قال: (( إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني قد تركت فيكم ~~الثقلين ، كتاب الله ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي فإن اللطيف ~~الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا ما تخلفوني ~~فيهما))(3). PageV01P205 # فهاتان الآيتان اللتان تلوناهما والأخبار التي أوردنا، كلها دالة على فضلهم ~~وعلو درجتهم عند الله تعالى، وعلى كونهم أحق بالمتابعة لما ورد من الثناء ~~من الله تعالى، ومن جهة رسوله عليهم، وعلى التحذير عن مخالفتهم، وكما هي ~~دالة على ما ذكرناه، فهي دالة على كون إجماعهم حجة في الأحكام الشرعية. وقد ~~قررناه في الكتب الأصولية، فإذا تقرر هذا فوجه الاستدلال بما ذكرناه من ~~الآيات والأخبار هو ورود الثناء من جهة الله تعالى ومن جهة رسوله عليهم ~~وإبانة فضلهم، وفي هذا دلالة على تزكيتهم وإظهار عدالتهم، ولا تزكية أعظم ~~من تزكية الله تعالى، وتزكية رسوله، وأدنى الدرجات مما ذكرناه، كونهم أحق ~~بالمتابعة وأولى بالتقليد في أمور الدين من غيرهم من سائر الفرق بما ذكرناه ~~من هذه الشواهد الشرعية والأمور النقلية. # الطريقة الثانية: النظر في الخصال العالية والسير المحمودة وإحراز الشيم ~~الظاهرة في العلم والدين والورع، ولا شك أن ما هذا حاله من الخصال الدينية ~~يدور عليها معظم الترجيح لمن ينبغي تقليده من العلماء، ونحن نبين أنها في ~~حقهم حاصلة على الكمال والتمام أكمل منها في حق غيرهم من علماء الأمة. ~~وجملة ما نشير إليه من ذلك ضروب ثلاثة: # الضرب الأول منها: الفضل بإحراز العلم، وليس يخفى على منصف غوصهم في ~~العلوم الشرعية وتبحرهم في أسرارها واطلاعهم على حقائقها وإحاطتهم بأسرارها ~~ودقائقها، وينكشف غرضنا من هذه القاعدة بإيضاح مسلكين: # المسلك الأول منهما: على جهة الإجمال، وذلك من أوجه خمسة: # أما أولا: فلأن الآية ms0039 واردة بالثناء عليهم في التطهير، وهي عامة في ~~النزاهة لهم عن كل ما يسوء، ولا مساءة أعظم من الجهل وعدم البصيرة في الدين ~~فيجب تنزيههم عن ذلك، وهذا هو الغاية في إحراز العلم النافع في الآخرة ~~والسعادة الأبدية. PageV01P206 # وأما ثانيا: فلأن الرسول ، قرنهم بالكتاب حيث قال: (( إني تارك فيكم ما إن ~~تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ))، وأعظم ~~الهداية في الدين، والنفع مأخود من كتاب الله تعالى، وهكذا يكون حال العترة ~~ومن كان حاله على حد كتاب الله في النور والشفاء من العمى والبيان وإيضاح ~~كل ملتبس، فلا علم أنفع منه ولا شرف فوقه ولا مرتبة أعلى منه. # وأما ثالثا: فقوله : (( مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن ~~تخلف عنها غرق وهوى)). فاستعار لهم أسم السفينة وشبههم بها فصاروا لذلك ~~أمانا من الغرق في بحر الجهالات، كما أن سفينة نوح أمان من الغرق في بحر ~~الماء، ولن يكونوا كذلك إلا بإحراز العلم الشافي من الجهل وهذا هو المراد. # وأما رابعا: فقوله : (( إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي ، إنهما ~~لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)). وظاهر الخبر دال على أنهما متفقان غير ~~مفترقين فيما يدلان عليه، فإذا كان القرآن صحيحا دالا على كل العلوم ~~الدينية والدنيوية فيجب ذلك في حق العترة. PageV01P207 # وأما خامسا: فقوله: (( هم كالكهف وهم باب حطة )). وغير ذلك من الأحاديث ~~التي تدل من جهة ظاهرها على كونهم أئمة الخلق دعاة إلى الله هداة لخلقه، ~~فهي بعينها دالة على علو درجاتهم في العلم وإحرازه، وأقوى دلالة على جهة ~~الإجمال، على علمهم، قوله : (( الأئمة من قريش ))(1). فما هذا حاله يكفي في ~~الدلالة على إحرازهم للعلم من طريق الإجمال. # المسلك الثاني: من طريق التفصيل، وهذا إنما يكون بالوقوف على موضوعاتهم ~~والاطلاع على مصنفاتهم في علوم الشريعة والفتاوى النقلية والمضطربات ~~الاجتهادية، فالناظر متى وقف على ما ذكرنا، لاح له على القرب أنهم قد ~~أحاطوا بعلوم الشريعة وقادوها بأزمتها ودعوا بأهلها وأصحابها، وكانوا ms0040 سادة ~~لأئمتها، ويشهد لذلك تصرفهم في المسائل الاجتهادية ومكالمة الخصوم في ~~المضطربات الفقهية مع ما شغلوا [به] من عداوة أهل البغي في أزمانهم وإقصاء ~~أخدان الظلم في أوانهم، وإظهار حجة الله وإعلاء كلمته بالسيف، لأجل تقلدهم ~~للأمانة ونهوضهم بأحكام الزعامة، فكانوا لهم في غاية الطرد والإبعاد عن ~~الشغل بالتدريس وإظهار العلم خوفا على دنياهم ومحاذرة عن انثلام ظلمهم ~~للخلق، وإكبابهم على البغي وأنواع الفسوق، فهذا ما يتعلق بجانب العلم. PageV01P208 # الضرب الثاني: ما يتعلق بجانب الدين، وذلك أن كل من اطلع على أحوالهم وعرف ~~طرفا من سيرهم، عرف قطعا ويقينا مراقبتهم لله تعالى في الإقدام والإحجام، ~~وشدة تحرزهم في الأخذ والإعطاء، ووقوفهم على حدود الشريعة في التحليل ~~والتحريم، والجري على مراسمها والمحاذرة عن مخالفة شيء من أدلتها القاطعة، ~~وحصروا نفوسهم على التدوار في مواردها ومصادرها، ولم يطمح لأحد منهم نظر ~~إلى مخالفتها، ولا تشوقت قلوبهم إلى غيرها، شددوا على أنفسهم بأخذ العزائم ~~وأخذوا الخلق بما فهموا من الله رخصة فيه لخلقه، واقتحموا موارد الموت في ~~نصرة دين الله تعالى وإعلاء كلمة الحق بين مقتول ومصلوب ومأسور ومطرود، لا ~~يزيدهم ما يرون في أنفسهم وأهليهم من القتل والطرد إلا صبرا لله تعالى ~~واحتسابا في إعزاز دينه وعلو(1) كلمته وتصلبا على من خالف أمر الله وحكمه، ~~ومن كانت هذه حاله فقد تمسك بالدين بالعروة الوثقى التي ليس لها انفصام ولا ~~يخاف عليها نقض ولا يخشى لجانبها إهضام. # الضرب الثالث: الورع، ومن أراد الاطلاع على رفضهم للدنيا وإعراضهم عنها ~~وحرصهم على إيثار الآخرة وسلوكهم لجانب الحيطة في الأخذ والترك، وبعدهم عن ~~المآثم وازورارهم عن الوقوع في المحرمات والمكروهات، فليطالع سيرهم ~~وأخبارهم، فإنه يتحقق لا محالة أن تعويلهم ما كان إلا على رفض الدنيا ~~وإيثار رضوان الله، وإحراز طاعته، والعمل لوجهه وتحصيل مرضاته، فإن حصلت ~~الدنيا آثروا بها وإن زويت عنهم صبروا على ما أصابهم من مشقة لأوائها، علما ~~بما لهم عند الله من عظيم الزلفة، ورفيع الدرجة، فيزيدهم رغبة فيما عند ~~الله وشوقا إلى ms0041 لقائه، وهذه هي حقيقة الورع وغاية أمره وقصارى حاله وسره. PageV01P209 # الطريقة الثالثة: تشتمل على نظر كلي بالإضافة إلى صحة العقائد في أمور ~~الديانة، وفيه سلامة عن الزلل، وعصمة عن الخطأ في مجاري الأنظار الاجتهادية ~~في أحكام الشريعة. # واعلم أن الذين نصبوا أنفسهم للفتوى، واقتعدوا درس العلماء، واشتهروا ~~بالاجتهاد وطبقت مذاهبهم طبق الأرض ذات الطول والعرض، هم هؤلاء العلماء ~~الثلاثة: مالك وأبو حنيفة والشافعي، فأما أحمد بن حنبل ) وسفيان الثوري ) ~~فهما وإن بلغا درجة الاجتهاد، لكنهما لم يشتهرا كشهرة هؤلاء ولم يختصا ~~بكثرة الأتباع مثلهم، وكل واحد من هؤلاء الثلاثة قد نأى عن الصواب نظره، ~~وانمحى عن رسم الحق أثره، إما في عقيدته وإما في أثناء تصرفه في المسائل ~~الاجتهادية. PageV01P210 # فنقول: أما مالك بن أنس فإنه لا يشق غباره في ضبط الأخبار وتمييز صحيحها ~~ومعرفة قويها من ضعيفها، وكان شديد الاحتراز في الرواية والتصون في النقل ~~وحصر وقائع الصحابة (رضي الله عنهم). ولا تدرك آثاره في انتقاد الرواة ~~ومعرفة أحوالهم، وهو أول من عني في جمع الأحاديث وضبطها في كتابه (الموطأ) ~~وكان كثير التعظيم للعلم، شديد الورع، خلا أنه استرسل في القول بالاستصلاح ~~حتى أداه ذلك إلى إهدار الدماء، وإتلاف الأموال لمصالح إيالية(1) وانتهى ~~حاله إلى تقرير أمور منوطة بالسياسة، حتى آل نظره في ذلك إلى أن قال: (اقتل ~~ثلث الأمة في استصلاح ثلثيها)، وهذا يعد في الخطأ، فإنا نعلم بالضرورة من ~~حال الصدر الأول انكفافهم عن مثل هذا وتصونهم عن الفتوى بمثل هذا، ونعلم من ~~حالهم أنهم لا يتجاسرون على إراقة كف من دم إلا بحقها. # وأما الشافعي محمد بن إدريس، فنظره لا يجارى وفضله لا يبارى، في تقدير ~~أصول الأدلة وتنزيلها منازلها وترتيبها على أحسن هيئة، وفي ذلك دلالة على ~~سعة علمه وتبحره في علوم الشريعة مع حدة نظره وجودة ذكائه، وتشهد لفضله ~~مسائله التي أنشأها، وعلله التي قررها واستنبطها، ولقد كان عمره يقصر عن ~~إحراز مثل فضله، فاخترم وقد نيف على الخمسين، لكنه قال بالرؤية ونقلها عنه ~~البويطي ms0042 من أصحابه، وهذا خطأ في الاعتقاد. فإن كانت الرؤية مكيفة أدى ذلك ~~إلى التشبيه؛ لأن المرئي لا يعقل إلا متحيزا أو حاصلا في المتحيز، وكله ~~محال على الله تعالى، وإن كانت الرؤية غير مكيفة فهو لا يعقل على كلا ~~الوجهين فلا يخلو عن خطأ. PageV01P211 # وأما أبو حنيفة النعمان بن ثابت فلا ينكر فضله في اتقاد القريحة وجودة ~~الفطنة وإدراك الأسرار الشرعية واستنباط المسائل الدقيقة واستيلائه على ~~الإحاطة بأسرار الحكومات والأقضية، والتمكن من وضع المسائل والتصدي للأسئلة ~~والجوابات في المضطربات الاجتهادية، لكنه قد حكي عنه القول بإيجاب القدرة، ~~وهذا خطأ، فإن مثل هذا يجر إلى الجبر وبطلان الاختيار للعبد ويؤدي إلى ~~تكليف مالا يطاق، وهذا يطرق خللا في قاعدة الحكمة(1)، وحكي عنه بطلان ~~القصاص بالمثقل(2)، وهذه تهدم عصمة الدماء، وحكي عنه حل PageV01P212 المثلث والمنصف، وقد علم من جهة الشرع والعقل قطعا صيانة العقول عن الإهدار ~~والإفساد. # وإذا تأملت علوم العترة وجدتها مصونة عن مثل هذه الأشياء التي حكيناها عن ~~غيرهم، وفي هذا دلالة على عصمة الله لهم عن الوقوع في مثل هذه المواقع التي ~~يعلم خطؤها، وأنهم باقون على رسوم الشريعة غير خارجين عن حدودها في اعتقاد ~~ديني، ولا خطأ في مضطرب اجتهادي، وما ذاك إلا من لطف الله تعالى بهم ~~وتأييده لهم في كل إقدام وإحجام وقول وفعل. PageV01P213 # فحصل من مجموع ما ذكرناه صحة تقدمهم في هذه الخصال العالية في الدين والورع ~~والتقوى، ومناقب العترة أكثر من أن تحصى، وقد أفرد فيها العلماء كتبا على ~~حيالها ولكنا سمحنا من ذلك بمقدار ما يليق بترجيح تقليدهم على تقليد غيرهم ~~من علماء الأمة في الأمور العملية، وكيف لا يكون تقليدهم راجحا على تقليد ~~غيرهم من علماء الأمة؟ وقد قال : (( تعلموا من قريش ولا تعلموها ))(1) وفي ~~حديث آخر: (( ولا تعالموها)) وأراد: ولا تغالبوهم في علومهم، وقال عليه ~~السلام: (( عالم قريش يملأ الأرض علما ))(2)، وقال : (( الناس في هذا الشأن ~~تبع لقريش ، فمسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم))(3). فلا جرم كان ~~اتباعهم أحق من اتباع ms0043 غيرهم لما قررناه من الأدلة على فضلهم، وهم السر ~~والخلاصة واللباب من قريش، ولم نرد بما ذكرنا من حال فقهاء الأمة وعلمائها ~~في الاعتقادات الدينية وانحراف أنظارهم في المسائل المجتهدة حطا لما رفع ~~الله من منارهم، ولا وضعا لما أشاد الله من رفع أقدامهم(4)، ولكن غرضنا ~~الكشف عما اختص به علماء العترة من إصابة الحق والهداية لوجه الإصابة في ~~معتقداتهم ومجاري أنظارهم، مع علمي بأنهم الغواصون على علوم الشريعة ~~والخائضون في بحور أسرارها. # ولا يقال: فمن الآل والأهل من الذرية والعترة؟ وهل من تفرقة بين هذه ~~الألفاظ من جهة اللغة أو من جهة الشرع؟ PageV01P214 # لأنا نقول: أما الآل والأهل فهما سواء في صحة إطلاقهما على الزوجات ~~والعيال، والهاء مبدلة من ألف الآل، خلا أن الآل قد تطلق على الأتباع، قال ~~الله تعالى: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب }[غافر:46]. وأهل البيت وآل النبي ~~سواء لما ذكرناه، وهما عبارتان عن هذه البطون الأربعة: آل علي، وآل جعفر، ~~وآل عقيل، وآل العباس، لما روي عن النبي أنه لما قيل له: من أهل بيتك يا ~~رسول الله؟ قال: (( آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس ))(1). # وأما العترة والذرية فهما سواء، وهما عبارتان عن أولاد الرجل، خلا أن ~~العترة قد تطلق ويراد بها رهط الرجل الأدنون منه، وعترة الرسول وذريته هم ~~أولاد فاطمة، الحسن والحسين وأولادهما،لما روى جابر ) عن النبي أنه قال: ~~(( إن الله عزوجل جعل ذرية كل نبي من صلبه ، وذريتي من صلبك يا علي))(3). ~~فإذا كانت العترة والذرية هم الأولاد كما قررناه، فلا يعلم ولد للرسول إلا ~~من فاطمة، فلهذا كانوا هم العترة والذرية لا محالة، فأما لفظ العشيرة ~~فإطلاقه على القبيلة الأقرب والأبعد، لقوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين ~~}[الشعراء:214] فخص الأقربين لما لهم من الحق بالعلاقة بالنسب مع صحة ~~إطلاقه على الأبعد. PageV01P215 # تنبيه: نجعله خاتمة لهذه المقدمات، في معرفة ما يعتمد من الأدلة المتقدمة ~~في تقرير الأحكام الشرعية وإثبات الأمور العملية في المسائل الخلافية ~~ومواقع الأنظار في المضطربات الاجتهادية، وقد أسلفنا ms0044 ما يعتمد من الأدلة ~~الشرعية، ونردفه بما لا يعتمد منها بمعونة الله تعالى. # واعلم أن هاهنا أمورا قد وقع الخلاف فيها بين العلماء، هل تكون عمدة ~~لتقرير الأحكام الشرعية أم لا! فلا بد من ذكرها ليكون الناظر متمكنا من ~~معرفة ما وقع فيه الخلاف مما ليس فيه خلاف، وجملة ما نورده من ذلك مآخذ عشرة: # المأخذ الأول: يتعلق بالقرآن. # وحاصل الأمر أن كل ما كان منقولا بطريق الآحاد فإنه لا يعد قرآنا، ولا ~~يكفر من رده، ولا يكون متلوا مثل ما تواتر نقله. # وهل يعول عليه في تقرير الأحكام العملية أم لا؟ فيه تردد وخلاف بين ~~العلماء، ولنورد من ذلك ثلاثة أمثلة: # المثال الأول: ما روته عائشة ) في عدد الرضعات قالت: كان فيما أنزل الله، ~~عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس رضعات معلومات يحرمن. ومات رسول الله ~~وهي مما يتلى في القرآن. فاعتمده الشافعي في تقرير مذهبه في تحريم الرضاع ~~بخمس، وأباه أصحابنا وأبو حنيفة لأمرين: # أما أولا: فلأن القرآن إنما يثبت بطريق التواتر دون الآحاد. # وأما ثانيا: فلأنه لو كان قرآنا لكان متلوا من جملة القرآن مكتوبا في ~~المصاحف، فلما بطل ذلك تعذر كونه معدودا في القرآن. PageV01P216 # المثال الثاني: ما روي [عن] ابن مسعود ) رضي الله عنه: أنه كان يقرأ: ~~{فصيام ثلاثة أيام - متتابعات - }. فاعتمده أصحابنا وأبو حنيفة في إيجاب ~~التتابع في كفارة اليمين، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لولا أن يقال: ~~زاد عمر آية في كتاب الله، لكتبت آية الرجم: {الشيخ والشيخة إذا زنيا ~~فارجموهما البتة والله عزيز حكيم}. وقال: لا تتركوا آية الرجم فتهلكوا، أي ~~لا تتركوها عن العمل بها فتهلكوا، فأثبتها من طريق الحكم دون التلاوة. # المثال الثالث: ما روي عن أبي بن كعب ) أنه كان يقرأ في آية الإيلاء: ~~{فإن فاءوا - فيهن - فإن الله غفور رحيم}. فاستدل به أبو حنيفة وأصحابه على ~~أن الفيئة إنما تكون في مدة الإيلاء، وأباه أصحابنا والشافعي وأجازوا ~~الفيئة بعد تقضي مدة الإيلاء. # فما هذا حاله لا ms0045 خلاف في أنه غير معدود في القرآن لما ذكرناه، وإنما ~~الخلاف في أنه: هل يجوز تقرير الأحكام العملية به أم لا؟ فأما كونه قرآنا ~~فلا يثبت بحال. PageV01P217 # المأخذ الثاني: زعم بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي أن النافي لا دليل عليه، ~~وجعل هذه طريقة في الاستدلال بأن يقول: أنا ناف فلا يلزمني إقامة دليل على ~~ما نفيته، وإنما يتوجه الدليل على من كان مثبتا لشيء من الأحكام، وقرر هذا ~~بأن قال: من نفى نبوءة غيره لم يلزمه إقامة دليل على ذلك، وإنما يلزم من ~~كان مثبتا للنبوءة، وهذا فاسد في الاستدلال لا يعول عليه، فإن القطع بالنفي ~~لا يجوز التعويل عليه إلا بدلالة، كما أن القطع بالإثبات لا بد فيه من ~~دلالة، فهما مستويان في تقرير الدلالة عليهما، ولهذا فإن النفي قد يكون ~~معلوما بالضرورة، فإنا نقطع بأنا لسنا في لجة بحر ولا جناح نسر، ويعلم ~~بالنظر، فإنا قطعنا بأن المطلقة غير المدخول بها لا عدة عليها لقوله تعالى: ~~{من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها }[الأحزاب:49]. ويستدل ~~على أنه لا نفقة للمتوفى عنها زوجها بأن النفقة تكون في مقابلة الاستمتاع ~~وقد انقطع بالموت. # قوله: بأن النافي للنبوة لا دلالة عليه. # قلنا: هذا خطأ، فإن المنفي عليه دلالة، وهو عدم المعجز الدال عليها(1) ~~فإذا عدم كانت منتفية لا محالة، فبطل التعويل على مثل هذه الطريقة في تقرير ~~الأحكام كما زعموا. PageV01P218 # المأخذ الثالث: سكوت صاحب الشريعة وتقريره من غير أن يكون له شعور بالفعل ~~وتفطن به، ومثاله: ما يزعمه بعض أهل الظاهر (1) في إسقاط الغسل من الإيلاج ~~من غير إنزال، لما روي عن بعض الصحابة أنه قال: كنا نكسل على عهد رسول الله ~~ولا نغتسل، وفي هذا دلالة على أنه لا يجب الغسل منه، وما هذا حاله من ~~الاستدلال يضعف ولا يلتفت إليه؛ لأن هذا أمر يفعل على جهة الخفية ولم يشعر ~~به الرسول فيقر عليه أو ينكره، والأمر فيه محتمل، فلا يجوز تقرير الحكم ~~بما فيه احتمال، وعن ms0046 هذا قال عمر رضي الله عنه لمن احتج بهذا، وجرى الخوض ~~بحضرة الصحابة: هل علم رسول الله بذلك فأقركم عليه؟ فقالوا: لا. فرده. فدل ~~ذلك على أن هذه الطريقة غير معتمدة ولا تعويل عليها، ولأن الحجة بما يصدر ~~من جهة الشارع، وهاهنا لم يصدر من جهته شيء أصلا فيعول عليه في كونه شرعا. # المأخذ الرابع: استصحاب الإجماع في محل الخلاف. # فما هذا حاله من الاستدلال غير معتد به؛ لأن حاصل أمره عند التحقيق في ~~الصحة إبطاله، وما هذا حاله من الأدلة فلا عبرة به، وهذا نحو استدلال بعض ~~أصحاب الشافعي في المتيمم إذا رأى الماء وهو في الصلاة، فإنه زعم أنه يمضي ~~فيها ولا يخرج، محتجا بأنا أجمعنا على صحة إحرامه وانعقادها صلاة، فأنا ~~أستصحب هذا الإجماع في إثباتها، فمن زعم أنه برؤية الماء يبطل إحرامه فإنه ~~يفتقر إلى الدلالة. # وقد بطل ما عول عليه من الاستدلال، فإن أصحابنا وأبا حنيفة يبطلونه من ~~جهة أن الإجماع إنما كان منعقدا قبل رؤية الماء فأما مع رؤيته فلا إجماع ~~هناك؛ لأن الإجماع لا يمكن تقريره مع الخلاف، فكأنه أراد أن يصحح الإجماع ~~فأبطله لاستعماله في محل الخلاف، فلهذا قلنا: إن في تصحيحه إبطاله. PageV01P219 # المأخذ الخامس: استعمال العموم مع قيام المخصص، ومثاله: استدلال الشافعي ~~على وجوب المتعة في حق المدخول بها بقوله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف ~~}[البقرة:241] . فما هذا حاله يكون مردودا؛ لأنه استدلال بالعموم مع قيام ~~دلالة التخصيص وهو قوله : (( فلها المهر بما استحل من فرجها )) فأوجب ~~للمدخول بها المهر لا غير، فلا تكون مندرجة تحت قوله تعالى: {وللمطلقات ~~متاع بالمعروف} فلا يصح الاحتجاج به مع قيام ما ذكرناه من المخصص، وإنما ~~يكون دلالة فيما عداه، وهو المطلقة غير المدخول بها ممن لم يسم لها مهر، ~~ويبطل هذا الاستدلال بما ذكرناه من استصحاب الإجماع في محل الخلاف؛ لأنهما ~~سيان في الإبطال؛ وكمن يحتج بقتل المرتدة بقوله : (( من بدل دينه فاقتلوه ~~)). فما هذا حاله في الرجال والنساء على العموم، فيجب قتله بظاهر هذا ms0047 ~~العموم، وهذا غير صحيح، فإن قوله : (( نهيت عن قتل النساء )). قد أخرجه عن ~~العموم فلا يصح الاحتجاج بالعموم مع وجود هذا المخصص؛ لأنه يدل على خروجه ~~عنه فلا يكون مقصودا به. # المأخذ السادس: قول الواحد من الصحابة، هل يكون حجة أم لا؟ # فحكي عن الشافعي في القديم: أنه جعله حجة وقدمه على القياس، ومثاله: ما ~~روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال فيمن ظاهر من نسوة له أربع: إنه يلزمه ~~كفارة واحدة عن جميعهن، ورجع الشافعي في الجديد عن هذا وقال: إنه لا يكون ~~حجة بحال. PageV01P220 # وحكي عن أبي حنيفة: أنه إذا خالف القياس كان توقيفا من جهة الرسول ومثاله: ~~ما استدل به أصحاب أبي حنيفة فيمن اشترى شيئا بثمن ثم باعه بأقل من ذلك ~~الثمن قبل أن ينقد الثمن في البيع الأول، أن ذلك غير جائز، لما روي أن ~~عائشة (رضي الله عنها) أنكرت ذلك على زيد بن أرقم )، وقالت لأم ولده: أخبري ~~زيدا أنه أحبط جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب، فدل ذلك على أنها لم تغلظ ~~في القول بإحباط الجهاد والإثم إلا عن توقيف، وهذه تسمى العينة(2). # وحكي عن مالك: أنه حجة مع مخالفة القياس كمقالة الشافعي في القديم. # وقد عول أصحابنا على ما قاله أبو حنيفة من حجة أن قول الصحابي إذا كان ~~موافقا للقياس، فظاهر الحال أنه على رأي له فلا يكون فيه حجة، بخلاف ما إذا ~~كان مخالفا للقياس فلا تكون مخالفته للقياس إلا لأمر أحق من القياس وأولى ~~وهو التوقيف من جهة الشارع. # والمختار: أنه لا يكون حجة معتمدة؛ لأنه لا دلالة على كونه حجة من جهة ~~أدلة الشرع، وإنما يكون صالحا للترجيح لا غير، ولأنه كما لا تعويل عليه إذا ~~وافق القياس، فهكذا لا تعويل عليه مع مخالفة القياس أيضا، والجامع بينهما: ~~أنه قول من لا دلالة على كون قوله حجة. PageV01P221 # قولهم: إنه مع مخالفة [القياس] يدل على التوقيف لأجله خالف القياس. # قلنا: هذا فاسد، فإنه لو كان هناك توقيف ms0048 لوجب ذكره في ذلك الوقت أو في ~~وقت آخر. # قولهم: إن عائشة أغلظت عليه فيدل على التوقيف. # قلنا: هذا فاسد، فإنه قد يحصل التغليظ في الاجتهاد كما روي عن أمير ~~المؤمنين كرم الله وجهه: من أراد أن يقتحم جراثيم(1) جهنم فليقض بين الجد ~~والأخوة برأيه، أو كما قال ابن عباس(2): ألا يتقي الله زيد بن ثابت ) بأن ~~يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا. فالتغليظ قد PageV01P222 يرد على جهة المبالغة في مسائل الاجتهاد كما أوضحناه والله أعلم. # المأخذ السابع: في شرع من قبلنا من أهل الكتابين، التوراة والإنجيل، هل ~~يكون شرعا لنا إذا لم ينسخ عنا أم لا؟ فيه خلاف بين العلماء. # فالذي ذهب إليه أصحابنا والشافعي جواز ذلك، ولهذا سوغوا أن تكون المنافع ~~مهرا بما في قصة شعيب ، حيث قال لموسى صلى الله عليه وسلم: {إني أريد أن ~~أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج }[القصص:27]. وقالوا: إن ~~شرع من قبلنا لازم لنا ما لم ينسخ عنا وأستعملوه في كثير من المسائل ~~الفقهية. # وكما قال الشافعي في تسوية القصاص في الأطراف بين المرأة والرجل محتجا ~~بقوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ~~}..الآية[المائدة:45]، ولأنها كتب منزلة من السماء على ألسنة الرسل فما لم ~~ينسخ فهو شرع في حقنا كالقرآن. # وأبى ذلك أبو حنيفة وأصحابه محتجين بأن الرسول ، شريعته ناسخة لجميع ~~الشرائع وذلك معلوم من دينه بالضرورة. # والمختار عندنا: ما قاله أبو حنيفة وأصحابه ويدل على ذلك وجوه ثلاثة: # أما أولا: فلأن الرسول ، لم يعلم من حاله أنه كان يطالع شيئا من الكتب ~~المتقدمة في شيء من الحوادث، ولا كان يسألهم عن ذلك، فلو كان ذلك شرعا في ~~حقنا لكان يعرفنا ما هو المنسوخ من ذلك من غير ما يكون منسوخا، فلما علمنا ~~إعراضه عنها، دل على أنه لا يكون شرعا في حقنا. # وأما ثانيا: فلأنه رأى يوما في يد عمر كراسة من التوراة فاحمر وجهه وتغير ~~لونه وقال: (( والله لو كان أخي ms0049 موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي ))(1). PageV01P223 # وأما ثالثا: فلأن ما كان من شرعنا مطابقا لحكم التوراة وغيرها من الكتب ~~فإنما يكون بتقرير الشارع له وتنصيصه عليه لا بحكم التوراة على الإطلاق، ~~وفي هذا دلالة على أنها غير معتمدة في كونها شرعا لنا، وهذا هو مطلوبنا. # المأخذ الثامن: الاستدلال بالقرائن، وهو محكي عن المزني من أصحاب ~~الشافعي، ومثاله: استدلال أصحاب أبي حنيفة، وهو محكي عن بعض أصحابنا، في ~~نجاسة الماء المستعمل، بأن الرسول قال: (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ~~ولا يغتسل فيه ))(1). ففرق بين البول فيه والاغتسال فيه، لما كان البول فيه ~~ينجسه ويفسده، وهكذا حال الاغتسال. ومثل هذا لا يعد طريقا لتقرير الأحكام ~~الشرعية من جهة احتماله؛ لأن عطف الشيء على غيره لا يوجب أن يكون حكمه مثل ~~حكمه؛ لأن المعطوف يغاير المعطوف عليه، فقد يعطف المستحب على ما يكون محرما ~~كقولك: لا تظلم أخاك ولا تؤاخذه بذنبه. فإذا كان كما قلناه، لم تكن القرينة ~~وهي اتصال أحدهما بالآخر على جهة العطف، دالة على تساويهما في الحكم، بل ~~لابد هنالك من علة جامعة أو دلالة منفصلة تدل على تنجيس الماء بالاستعمال ~~من غير ما ذكروه، وقد عول أصحاب أبي حنيفة على هذه القرينة في غير هذه ~~المسألة، وزعموا أن عطف الخاص على العام يوجب تخصيصه، كما قالوا في قوله ~~عليه السلام: (( لا يقتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده))(2) فلما أوجب ~~أن يكون الثاني مخصوصا بالكافر الحربي لتساوي دماء أهل الذمة، وجب أن يكون ~~الأول مخصوصا أيضا بالكافر الحربي، وجوزوا على أثر هذا أن يقتل المسلم ~~بالذمي، وقد أوضحنا الرد عليهم في الكتب الأصولية وأبطلنا مقالتهم هذه. PageV01P224 # المأخذ التاسع: زعم بعض الأصوليين، أن نسخ بعض أحكام الآية يكون نسخا لها، ~~فلا يجوز الاحتجاج بها فيما وراء ذلك. وهذا فاسد. ومثال ذلك: استدلال ~~القاسمية(1) على وجوب النفقة للمتوفى عنها زوجها أخذا من قوله تعالى: ~~{والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج}[البقرة:240]. فنسخ الحول لا ms0050 يدل على نسخ المتاع، فإذا كان الحول ~~منسوخا بالأربعة الأشهر فلا وجه لنسخ النفقة، بل هي واجبة بنص الآية، ومن ~~أسقطها فإنما يسقطها بدليل آخر كما هو رأي الفقهاء والمؤيد بالله لا من جهة ~~أن بعض أحكام الآية منسوخ فيجب نسخ جميعها. وكاستدلال أصحابنا والشافعي على ~~كون المهر يجوز أن يكون منفعة الحر بقوله تعالى: {إني أريد أن أنكحك إحدى ~~ابنتي هاتين}[القصص:27]. فإذا نسخ كون المهر للأب كانت الآية الحجة فيما ~~وراءه ولم يكن نسخ بعضها نسخا لجميعها كما زعموه. PageV01P225 # المأخذ العاشر: تأخر البيان عن وقت الخطاب لا يكون دليلا على عدم الحكم ~~أصلا؛ لأن تأخر البيان عن وقت الخطاب جائز كما قررناه في الكتب الأصوليه، ~~ومثاله: استدلال أصحابنا والحنفية على إسقاط الكفارة في قتل العمد، بأن ~~الله تعالى ذكر العمد ولم يوجب فيه كفارة، فلو كانت واجبة لذكرها كما ذكرها ~~في قتل الخطأ، فلما لم يذكرها، دل على عدم الوجوب فيها، فما هذا حاله لا ~~يكون معتمدا في نفي وجوبها وإنما يؤخذ عدم وجوبها من دلالة أخرى غير هذه، ~~خلافا لرأي الشافعي في وجوبها، لأنه لا يمتنع كونها واجبة لكن بيان وجوبها ~~متأخر عن بيان قتل الخطأ انتظارا لوقوع الحاجة، وهذا يخالف الاستدلال على ~~أن المرأة لا يجب عليها كفارة الظهار، من جهة أن الرسول أوجبها على الرجل ~~ولم يوجبها على المرأة، فلو كانت واجبة لذكرها؛ لأنه لو لم يذكرها لكان في ~~ذلك تأخير للبيان عن وقت الحاجة وهو غير جائز، فظهرت التفرقة بينهما بما ~~ذكرناه. # ولا أورد من الأحاديث إلا ما صح بطريقة شرعية يعتمدها أهل الحديث ~~ويستقويها الأصوليون، ولا اعتمد من الأقيسة إلا ما كان ظاهر الإخالة قوي ~~المشابهة من غير تعريج على حديث ضعيف أو قياس طردي ركيك. # ولنقتصر على هذا القدر من التنبيه على مالا يعتمد من الأدلة في تقرير ~~الأحكام الاجتهادية ففيه كفاية، وبتمامه يتم الكلام على ما أردنا ذكره من ~~هذه المقدمات التي يحتاج إليها الفقيه الخائض في الفقه من غير أن يكون ms0051 له ~~حظوة وافرة في علم الأصول والحمد لله. PageV01P226 # --- ### || AUTO كتاب الطهارة # وهو مشتمل على مسائل خمس: # المسألة الأولى: في لفظ الطهارة # وهي مصدر من قولهم: طهر الشيء يطهر، نحو كتب يكتب، وطهر يطهر، نحو شرف ~~يشرف، طهارة. # والاسم: الطهر، وطهرت الشيء تطهيرا، وتطهرت بالماء تطهرا. # ومعناها: التنزه من الأدناس. # قال امرؤ القيس: # ثياب بني عوف طهارى نقية ... وأوجههم بيض المسافر غران(1) # وطهارى: جمع طاهر، على غير قياس كأنه جمع لطهران، نحو كسلان وكسالى، ~~وحيران وحيارى(2)، والمسافر: جمع مسفر، وهو ما ظهر من الوجه. # والتفرقة بين المصدر والاسم، هو أنك إذا قلت: طهارة، فإنها مشعرة بالفعل، ~~كأنك قلت: طهر الشيء طهارة، بخلاف قولك: الطهر، فإنه غير دال على الفعل ولا ~~مشعر به، فهو في إطلاقه كإطلاق الرجل في عدم إشعاره بالفعل ودلالته عليه، ~~فهذه هي التفرقة بين المصدر والاسم إذا أطلقه الفقهاء وأهل اللغة، وتحتها ~~أسرار وفوائد لا يخفى حالها على الأذكياء. # والطاهر في اللغة: هو الجاري على نعت الاشتقاق من غير أن يكون فيه مبالغة ~~كالضارب، فإنه الفاعل للضرب من غير مبالغة. # والطهور هو الجاري على جهة الاشتقاق مع اختصاصه بالمبالغة، كضروب وضحوك، ~~فهو في إفادة ما ذكرنا من المبالغة كفعال، نحو ضراب وقتال. # فالطاهر ما كان مختصا بالطهارة في نفسه لا غير. # والطهور هو: الطاهر في نفسه المطهر لغيره. PageV01P227 # فالطاهر: وصف لا زم غير متعد إلى غيره. # والطهور يتعدى إلى غيره، وهو أنه مطهر لغيره، ونعني بتعديته أمرين: # أحدهما: من طريق التأثير، وهو أنه مؤثر في غيره التطهير، كما أن الضارب، ~~مؤثر في غيره الضرب والقاتل مؤثر في غيره القتل، فتأثيره حاصل في جهة الغير ~~كما ذكرناه. # وثانيهما: من جهة اللفظ، وهو أنه متعد إلى مفعول بحرف جر، كقولك: مررت ~~بزيد، بخلاف قولنا: طاهر فإنه لا يفيد واحدا من هذين الوجهين فلهذا كان ~~لازما، فهذا هو مراد الفقهاء بقولهم: إن الطاهر لازم، والطهور متعد. وهل ~~يفترقان من جهة الحكم أم لا؟ فيهما مذهبان: # أحدهما: أنه لا تفرقة بينهما، وعن ms0052 هذا قالوا: إن كل شيء من المائعات كان ~~طاهرا فإنه يجوز التطهر به للجنب والنجس، دون الحدث(1) كالخل واللبن ~~وغيرهما، وهذا شيء يحكى عن أبي حنيفة وأصحابه وأبي بكر بن داود الأصم ). # والحجة لهم على ما زعموه: ما عرف من عادة العرب من عدم التفرقة بين فاعل ~~وفعول في الإطلاق، فما كان الفاعل منه لازما فالفعول مثله في اللزوم، ~~كالقاعد والقعود، والنائم والنؤوم، وما كان الفاعل منه متعديا فالفعول مثله ~~في التعدي، كالضارب والضروب والقاتل والقتول، وهكذا حال الطاهر والطهور لا ~~تفرقة بينهما، وإن كانا في اللزوم على سواء، فلهذا قضينا بأن كل ما كان ~~طاهرا فهو طهور من غير تفرقة. PageV01P228 # وثانيهما: وجوب التفرقة بينهما، فالطاهر ما كان طاهرا في نفسه كما مر ~~تقريره، والطهور ما كان مطهرا لغيره، وعن هذا قالوا بأن غير الماء من ~~المائعات لا يكون طهورا لما كان غير مطهر لغيره، وهذا هو رأي أئمة الزيدية ~~ومن تابعهم من فقهائهم، وهو مذهب الشافعي وأصحابه. # والحجة لهم على ذلك: قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا ~~}[الفرقان:48]. # ووجه الحجة من الآية: هو أن الآية واردة مورد الامتنان بما أنعم الله به ~~من نزول الماء للتطهير وخصه بالذكر وجعله من أعظم النعم، فلو كان الطاهر ~~والطهور على سواء لكان لا فائدة في تخصيصه بالذكر ووروده على جهة الامتنان، ~~وقوله تعالى:{وسقاهم ربهم شرابا طهورا }[الإنسان:21]. # ووجه الحجة للدلالة من هذه الآية هو: أنها واردة على جهة المدح والثناء ~~على شراب أهل الجنة وتميزه عن شرابات الدنيا، بأن شراب أهل الجنة طاهر في ~~نفسه مطهر لغيره كالماء، بخلاف شراب الدنيا فإنه ليس على هذه الصفة، فلو ~~كان الطاهر والطهور سواء لكان الشرابان مستويين في ذلك، وفي هذا دلالة في ~~حصول التفرقة بينهما. PageV01P229 # والمختار: ما عول عليه أصحابنا والشافعي لما رواه أبو هريرة ) قال: سأل رجل ~~رسول الله فقال: إنا نركب رماثا لنا في البحر - الرماث جمع رمث بالتحريك ~~وهو زورق صغير يركب عليه في البحر - ومعنا القليل من الماء إن ms0053 توضأنا به ~~عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال: (( هو الطهور ماؤه والحل ميتته ))(2). ~~فخص الماء باسم الطهور، وفي هذا دلالة على أن غيره لا يطلق عليه اسم ~~الطهور، وكما هو دلالة على ما ذكرناه من اختصاصه من اسم الطهور، ففيه دلالة ~~أيضا على أن الماء يتطهر به؛ لأنهم سألوه عما يتطهر به، فأجابهم بأنه طهور، ~~وما رواه أبو سعيد الخدري ) PageV01P230 عن النبي أنه قال: (( خلق الماء ط هورا لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو ~~لونه))(1). # ويدل على ذلك من جهة اللغة قول جرير: # عذاب الثنايا ريقهن طهور(2) # وأراد أن ريقها طاهر يتطهر به؛ لأنه قصد به المبالغة في مدحها، فلو كان ~~الطهور هو الطاهر لا غير، لكان لا مدح موجود لها في ذلك، فإن ريق البهائم ~~يشاركها في كونه طاهرا، وهذا هو المقصود، ثم إن الخلاف في هذه المسألة له ~~ثمرتان: # الأولى منهما: أنه لا يجوز إزالة الأشياء النجسة ولا رفع الأحداث بشيء من ~~المائعات سوى الماء لاختصاصه بالتطهير عندنا، وهو رأي الشافعي، وعندهم أن ~~ذلك جائز(3). PageV01P231 # الثانية: أنه إذا تغير الماء بشيء من الطاهرات فإنه لا يجوز الوضوء به ولا ~~الغسل ولا رفع النجاسات، وعندهم أن ذلك جائز كما [ذكرناه]. # فأما قولهم: إن العرب لم يفرقوا بين فاعل وفعول، وبنوهما من الفعل اللازم ~~والمتعدي جميعا، فهو فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنا نعلم قطعا تفرقتهم بينهما حيث جعلوا فعولا للمبالغة دون ~~فاعل، فإذا جاز أن يفرقوا بينهما فيما ذكرناه، جاز أن يفرقوا بينهما في كون ~~أحدهما وهو فعول، موضوعا للتعدي دون فاعل. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه تعويل على أمر لفظي في وضع الصيغة، وما ذكرناه ~~تعويل على أمر معنوي. ولا شك أن التعويل على المعاني أحق من التعويل على ~~الألفاظ، واسم الطهارة قد صار منقولا بالشرع عما كان عليه في اللغة؛ لأنه ~~موضوع في الأصل للتنزه عن الأنجاس ومفيد للنقاء، ثم صار مقولا في الشرع على ~~إفادة معان شرعية كالغسل والمسح والجفاف والنزح وغير ذلك من المعاني ~~الشرعية، فصار ms0054 فيما يفيده كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها من الأسماء ~~التي نقلها الشرع، وهل تكون مفيدة لمعانيها اللغوية ما أفادتها من معانيها ~~الشرعية أم لا؟ فيه تردد وخلاف قد ذكرناه من قبل، وأخبرنا فيما سبق أنه مع ~~إفادتها لما نقلت إليه من المعاني الشرعية، فلا تنفك عن إفادتها لما وضعت ~~له من معانيها اللغوية، لكن الشرع قد غيرها وزاد فيها زيادة غير مخلة ~~بمعانيها اللغوية كما أشرنا إليه، فهذا ما أردنا ذكره في بيان ما يفيده لفظ ~~الطهارة وشرح معانيه الدالة عليها. PageV01P232 # --- ### ||| AUTO المسألة الثانية: في بيان حقيقة الطهارة وشرح معانيها المفيدة ~~لها بوضع الشرع # قد وضح لك أن الطهارة اسم شرعي، واعلم أن الناس بالإضافة إلى شرح حقيقة ~~الطهارة وإبانة ماهيتها فريقان: # فالفريق الأول: تكلموا في بيان معناها وإبانة ماهيتها، بالإشارة إلى ~~تفاصيل مسائلها، وشرح أحكامها على جهة التفصيل من غير إشارة منهم إلى ضبطها ~~بالحدود والتعريفات الحقيقية والرسمية، وإنما كان همهم من ذلك ذكر المسائل ~~المشتملة عليها على جهة التفصيل، وهؤلاء هم أكثر الفقهاء، أبو حنيفة ~~والشافعي وأصحابهما، وزعموا أن ماهية الشيء وإدراك حقيقته كما يحصل ~~بالتعريفات الحقيقية واللوازم الرسمية، فإنها تحصل أيضا بحصر المسائل وضبط ~~الأحكام. # الفريق الثانى: وهم الذين رغبوا في حصرها بالحدود والتعريفات وصانوها عن ~~النقوص بالاحترازات. ثم هم حزبان: # الحزب الأول منهم: اقتصروا من مفهوم الطهارة على طهارة الماء من حدث أو ~~نجس ، وعلى طهارة التراب من الحدث من غير إشارة منهم إلى ما وراء هذين ~~النوعين من الطهارات كلها، وهذه هي طريقة السيد الإمام أبي طالب وغيره من ~~فقهاء المذهب، فإنهم قصروا أنظارهم فيما أوردوه من التعريفات على الطهارة ~~المائية والطهارة الترابية، ولم يخرجوا عن شيء سواهما من سائر أصناف ~~الطهارات مع أنها طهارة ، كالجفاف والاستحالة(1) وغيرهما، ثم إنهم ذكروا ~~لها تعريفات ثلاثة: # التعريف الأول : ذكره السيد أبو طالب فى (التذكرة)(2)، وحاصل ماقاله: # الطهارة هي: الشرعية المزيلة للأحداث. فقوله: الشرعية، يخرج منه مايفيد ~~التنقية وليس مشروعا كغسل الحائض ووضوئها فإن هذه طهارة، ولكنها غير ms0055 شرعية؛ ~~لأنها لاتفيد رفع الحدث ولا إزالة النجس. PageV01P233 # وما ذكره من التعريف ينتقض بأمور ثلاثة: # أما أولا: فلأن هذا تخرج منه الطهارة من النجس، وهي من جملة الطهارات ~~الشرعية. # وأما ثانيا: فلأن هذا تخرج عنه الطهارة بالتراب؛ لأنها غير مزيلة للحدث ~~على رأيه، وهي من جملة ما يتطهر به. # وأما ثالثا: فلأن هذا منقوض بالطهارة على الطهارة، فإنها من جملة ~~الطهارات وقد ورد بها الشرع كالوضوء على الوضوء وليس مزيلا للحدث فانتقض ~~هذا الحد. # التعريف الثاني: ذكره في (الشرح)(1)، وحاصل كلامه أنه قال: # الطهارة: هي الشرعية الواجبة لأجل الأحداث، وهذا وإن كان سالما من ~~الاعتراض بطهارة التراب كما ورد على الحد الأول، لكنه منقوض بالأمرين ~~الآخرين، إما بطهارة النجس فإنها من جملة الطهارات وليست واجبة لأجل ~~الأحداث، وإما بالطهارة على الطهارة فإنها من جملة الطهارات الشرعية وليست ~~واجبة مع كونها طهارة، فخرجت عنها، فلهذا كان ما ذكره منقوضا بما أشرنا إليه. # وذكر القاضي زيد ) أن الأولى أن يقال فيها: الطهارة هي: المفعولة ~~للأحداث، وهذا وإن كان سالما عن النقض بطهارة التيمم، لكنه منقوض بالطهارة ~~عن النجس والطهارة على الطهارة، فإن هاتين من جملة الطهارات وليستا ~~مفعولتين من أجل الحدث. PageV01P234 # التعريف الثالث: أن يقال: الطهارة عبارة عن مسح وغسل أو عن أحدهما بصفة ~~مشروعة، وهذا وإن كان سالما عن النقض بطهارة التيمم والطهارة على الطهارة، ~~لكنه منقوض بسائر أنواع الطهارات، كالجفاف والاستحالة وغيرهما مما يكون ~~طهارة وليس مسحا ولا غسلا، وهذه كلها تعريفات لمن قصر الطهارة على هذين ~~النوعين ولم يعرج على ما سواهما مما يكون طهارة. # الحزب الثاني: الذين أغرقوا في حصر أنواع الطهارات وراموا اندراجها تحت ~~حد واحد بإدخال جميع الصور، كما هو محكي عن الشيخ أبي عبدالله محمد بن أحمد ~~النجراني )، فإنه قال: # الطهارة عبارة عن: مسح وغسل وجفاف ونزح واستحالة، فما هذا حاله قد اندرج ~~تحته ما يقال: إنه طهارة في الشرع من الحدث والنجس، وطهارة التراب وجفاف ~~الأطفال عند الولادة، ونزح الآبار عند وقوع النجاسة فيها، ms0056 والأمور النجسة ~~إذا استحالت كالعذرة إذا صارت رمادا، والكلب إذا صار ملحا، وغير ذلك، وهذا ~~ما أردنا ذكره من مذاهب الفقهاء في سلوكهم طريق الضبط لماهية الطهارة، ~~والإشارة إلى تعريفها. PageV01P235 # والمختار في ذلك: تفصيل نشير إلى أسراره يلتفت إلى القواعد العدلية ويشم ~~رائحة من المباحث الكلامية. وحاصله أنا نقول: اسم الطهارة واقع على حقائق ~~مختلفة وأنواع متفاوتة لا يمكن اندراجها تحت حد واحد، وما هذا حاله من ~~الألفاظ المشتركة فلا تشملها ماهية واحدة ويستحيل ذلك في حقها، فلو قال ~~قائل: ما حقيقة الملك والجني والإنسان والحجر؟ فإنه لا يمكن أن يجاب بحقيقة ~~واحدة لاختلاف هذه الحقائق في أنفسها، وهكذا حال من يسأل عن ماهية الطهارة ~~فلا يمكن أن يجاب بماهية واحدة لإختلاف حقائقها في أنفسها وسائر أنواعها، ~~فإنها مقولة على طهارة الحدث وطهارة النجس وطهارة التراب وطهارة النزح ~~والجفاف والاستحالة، فصارت لفظة مشتركة واقعة على حقائق مختلفة يستحيل ~~اندراجها تحت ماهية واحدة، فإذا سأل السائل عن ماهية الطهارة لم يستحق ~~جوابا على الإطلاق، ولكن يقال له: عن أي أنواع الطهارة تسأل؟ # فإذا قال: عن طهارة الماء؟ # قيل له: هي استعمال الماء لحدث أو نجس. # وإن قال: عن طهارة التراب؟ # قيل له: هو استعمال التراب للحدث. # وهكذا القول في سائر أنواع الطهارة إذا كان سائلا عن كل واحد منها بعينه ~~فإنه يستحق جواب كل واحد منها بعينه، ويجري ما ذكرناه في جميع الألفاظ ~~المشتركة التي تندرج تحتها حقائق مختلفة، كالعين والإدراك وغيرهما مما لا ~~بد فيه من الاستفصال، فإن أنف آنف عما ذكرناه من هذا التقسيم وأراد ~~اندراجها تحت ماهية واحدة، فالأغوص أن يقال في ماهيتها: عبارة عن غسل ومسح، ~~أو عن أحدهما أو ما في حكمهما بصفة مشروعة، فلا يبعد أن يكون هذا ضابطا ~~لجميع مجاريها الشرعية. PageV01P236 # نعم هذا كله، إذا قلنا: بأن لفظ الطهارة يطلق على ما ذكرناه من هذه الحقائق ~~المختلفة من غير أن يكون تعارفا، فأما إذا قلنا: بأن لفظ الطهارة قد صار ~~متعارفا [عليه] في ألسنة ms0057 الفقهاء فيما كان من طهارة الماء وطهارة التراب، ~~فعلى هذا يقال في ماهية الطهارة: هي استعمال أحد المشروعين: الماء أو ~~التراب. وعلى هذا يكون الحد مطابقا لما كان التطهير قد صار متعارفا فيهما. # وإذ قد أتينا على المقصود من تعريف ماهية الطهارة وذكر خلاف الفقهاء ~~فيها، فلنردفه بذكر حقائق الألفاظ التي تمس الحاجة إليها عند الخوض في ~~المسائل الخلافية، والاستدلالات الخطابية، والاستنباطات القياسية، ويعظم ~~دورها في ألسنة الفقهاء، وجملة ما نذكر من ذلك أمور عشرة نفصلها بمعونة ~~الله تعالى: # أولها: النظر، وهو: ترتيب مقدمات علمية أو ظنية، ليتوصل [بها] إلى الوقوف ~~على الشيء بعلم أو ظن. # وثانيها: الدليل، وهو: ما كان النظر فيه مؤديا إلى العلم بالمطلوب. ~~والأمارة: ما كان النظر فيها مؤديا إلى تغليب الظن. # وثالثها: العلم، وهو: إدراك الشيء على ما هو به مع سكون النفس إليه. ~~والظن: تغليب بالقلب على أحد المجوزين ظاهري التجويز. # ورابعها: الحجة، وهو: ما يدل على صحة الدعوى. # وخامسها: الخبر، وهو: ما كان محتملا للصدق والكذب. والصدق: ما كان مخبره ~~على ما هو به، والكذب: ما كان غير مطابق لمخبره. # وسادسها: الظاهر، وهو: ما كان محتملا لأمرين، أحدهما أقوى من الآخر. ~~والتأويل: صرف الكلام عن ظاهره. والمطلق: اللفظ الصالح لما تناوله. ~~والمقيد، هو: الذي خصص ببعض صفاته. PageV01P237 # وسابعها: النسخ، وهو: بيان أن مثل الحكم الشرعي غير ثابت بدليل مثله مع ~~تراخيه عنه. والأمر: قول القائل لغيره: افعل. والنهي: قول القائل لغيره: لا ~~تفعل. والحقيقة: ما أفاد معنى مصطلحا عليه في غير ذلك الوضع. والواجب ~~والفرض: ما تعلق العقاب بتركهما. والعبادة هي: الطاعة. والطاعة: موافقة ~~الأمر. والمعصية: مخالفة الأمر. # وثامنها: الصحيح، وهو: ما كان معتدا به في مقصوده. والفاسد: ما خالف ~~الشرط المعتبر فيه. والمجزي من الأفعال: ما كان خارجا به من عهدة الأمر. ~~والمتواتر: ما حصل به العلم الضروري.والآحادي: ما أثمر الظن. والصحابي: من ~~خالط الرسول. والتابعي: من صحب الصحابة. # وتاسعها: المرسل، وهو: ما انقطع إسناده. والمسند: ما اتصل إسناده. ~~والموقوف من الأحاديث: ms0058 ما كان مقصورا على الصحابة. والمرفوع: ما كان إسناده ~~متصلا بالرسول . والاجتهاد: بذل الوسع في تحصيل الغرض. والرأي: استخراج ~~صواب العاقبة. # وعاشرها: القياس، وهو: حمل فرع على أصل بعلة جامعة بينهما. والأصل: ما ~~ثبت حكمه بنفسه. والعلة، هي: المقتضية للحكم. والمعلل، هو: الناصب للعلة. ~~والطرد، هو: وجود الحكم بوجود العلة.والعكس، هو: عدم الحكم بعدم العلة. ~~والنقص: وجود العلة من غير حكمها. والمعارضة: مدافعة الخصم بمثل دليله أو ~~بما هو أقوى منه. والترجيح: إثبات مزية توجب تقديم إحدى الأمارتين على ~~الأخرى. والانقطاع: هو العجز عن نصرة المذهب. ولنقتصر على هذا القدر ففيه ~~كفاية عن مقدار غرضنا من ذلك. والله الموفق. PageV01P238 # --- ### ||| AUTO المسألة الثالثة: في بيان تقسيم الطهارات # واعلم أن لها تقسيمات كثيرة باعتبارات متفاوتة، ولكنا نقتصر منها على ~~تقاسيم أربعة: PageV01P239 # --- ### ||| AUTO التقسيم الأول: باعتبار ذاتها إلى ما يفتقر إلى النية وإلى ما ~~لا يكون مفتقرا إليها # فالذي يفتقر إلى النية من الطهارات، هو التيمم والوضوء والغسل عندنا على ~~اختلاف فيه بين الفقهاء سنذكره فى موضعه ونوضح المختار بمعونة الله تعالى. # والذي لايفتقر إلى النية، هو غسل النجاسة. # وإنما كان تقسيمها باعتبار النية تقسيما راجعا إلى ذاتها ، من أجل أن ~~الطهارة [حكم] اسمي شرعي كما مر تقريره من قبل، فلما كان لاحكم للطهارة من ~~غير نية، لما كان الشرع قد اعتبر فيها النية، فلأجل هذا كانت من غير نية لا ~~صورة لها ولاتوجد حقيقتها، فمن ثم كان ذلك راجعا الى الذات. # واعلم أن النية هي العزم. يقال: نويت السفر إذا عزمت عليه. والنية القصد. ~~يقال: إلى أين نيتك؟ والغرض إلى أين قصدك. وعينها واو، واشتقاقها من النوى ~~وهو البعد؛ وإنما سميت بذلك لكونها غائبة عن الناس، ولكونها فى القلب ~~مستورة. وأنشد الجوهري ): # صرمت أميمة خلتي وصلاتي ... ونوت ولما تنتوي كنواتي PageV01P240 أي ولم يكن قصدها قصدي، ولا كانت عزيمتها مثل عزمي في المودة وحسن المواصلة ~~ولزوم الإخاء، ولها(1) موقع عظيم في العبادات الشرعية، لما روي عن عمر رضي ~~الله عنه عن النبي ، أنه ms0059 قال: (( إنما الأعمال بالنيات ))(2). ولايكون ~~العمل صالحا إلا بها ولا مقبولا إلا معها، لما روي عن النبي أنه قال: (( ~~لا عمل إلا بنية ))(3). فظاهر الخبر دال على أن ماليس معه نية من الأعمال ~~فهو مردود، وهي أفضل الأعمال لما روي عن النبي أنه قال: (( نية المؤمن خير ~~من عمله ، ونية الفاسق شر من عمله)) (4) وهذا الخبر له معان خمسة: PageV01P241 # المعنى الأول: أن العمل متناول للأفعال الظاهرة القولية والفعلية، ولا شك ~~أن ما هذا حاله فإنه يدخله الرياء، بخلاف النيات فإن محلها القلوب ولا يطلع ~~عليها الخلق ولا يكون فيها رياء، وعمل قليل بعلم أفضل عندالله من عمل كثير ~~بجهل ورياء، فلأجل هذا كانت النية أفضل من العمل. # المعنى الثاني: أن يكون مراده عليه السلام من ذلك أن العمل مفتقر إلى ~~النية، بحيث لو خلا عنها لكان لا وزن له عند الله تعالى، بخلاف النية فإنها ~~غير مفتقرة إلى العمل، فالنية يؤجر عليها بمجرد فعلها، بخلاف العمل فإنه لا ~~يؤجر عليه ولا يكون مستحقا للثواب عليه إلا بانضمام النية إليه، فلهذا كانت ~~خيرا من العمل لهذا الاعتبار. # المعنى الثالث: أن المراد من قوله: نية المؤمن خير من عمله، على معنى أن ~~المؤمن قد ينوي الفعل ولا يتفق له العمل، فيحصل له الثواب على مجرد النية ~~وهي أسهل من العمل، بخلاف العمل فإنه لا يحصل إلا بتكليف ومشقة في فعله، ~~فيكون المعنى بكونها خيرا أنها أسهل مؤنة وأخف محملا، بخلاف الفعل فإن فيه ~~من المشقة ما ليس فيها، ويؤيد هذا المعنى ما روي عن النبي أنه قال: (( إن ~~المؤمن إذا نوى خيرا كتبت له حسنة فإذا فعله كتب له عشر حسنات)). # المعنى الرابع: أن هذا الحديث وارد على سبب خاص، وهو أن الرسول ، ذكر له ~~صلاة بعض المنافقين وأنه طول فيها قنوته، فقال الرسول : (( نية المؤمن خير ~~من عمله))، أي من عمل الكافر، فالضمير في عمله راجع إلى الكافر؛ لأنه لا ~~ثواب له على صلاته، وأراد أن نية المؤمن على قلتها وصغر ms0060 قدرها وخفة مؤنتها، ~~خير من عمله وإن كان شاقا يحتاج إلى مؤونة كثيرة، كما روي عن النبي أنه ~~قال: (( إن الله خلق آدم على صورته ))، فالضمير في صورته راجع إلى آدم، وقد ~~غلط فيه بعض المجسمة الحشوية فأعاد الضمير إلى الله تعالى. PageV01P242 # المعنى الخامس: أن المراد من ذلك: أن نية المؤمن وإن كانت قليلة في عددها، ~~فهي خير من جملة عمله وإن كان كثيرا، فتكون الفائدة في ذلك أنها مساوية ~~للعمل في كونه عبادة وفي كونه مستحقا عليه الأجر والثواب، فهذه المعاني ~~كلها يحتملها الخبر ويدل عليها كما أشرنا إليه. PageV01P243 # --- ### ||| AUTO التقسيم الثاني: باعتبار ما يتطهر به # اعلم أنما يتطهر به ينقسم إلى: مائع وجامد. # فالمائع هو: الماء، لقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ~~}[الأنفال:11]. وما روي أنه عليه السلام قال: (( خلق الماء طهورا)). # والجامد هو: التراب، يكون طهورا عند عدم الماء في سفر أو حضر، لقوله ~~تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا }[النساء:43]. وقد يكون بالحجر ~~عند أثر الغائط والبول، لقوله : (( ثلاثة أحجار ينقين المؤمن ))(1). كما ~~سنوضحه بعد هذا بمعونة الله تعالى. # وهل يجوز التطهر بنبيذ التمر أم لا؟ فيه مذهبان: # الأول: أنه لا يجوز التطهر بشيء من الأنبذة بحال، وهذا هو رأي أئمة ~~العترة ومن تابعهم من فقهائهم، وبه قال الشافعي ومالك ومحكي عن أحمد بن ~~حنبل وأبي عبيد ) وداود (3). PageV01P244 # والحجة على ذلك: قوله تعالى في آية الوضوء: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~}[المائدة:6]. ثم قال: {فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا }. فنقلهم عند ~~عدم الماء إلى التراب، فلو كان غيره جائزا لم يقصرهم في النقل إليه ولكان ~~نقلهم إلى غيره أقرب من نقلهم إلى التراب؛ لأن النبيذ أقرب إلى صفة الماء ~~وخلقته من التراب. ولقوله : (( التراب طهور المؤمن مالم يجد الماء ))(1). # وتقرير الحجة فيه: ما ذكرناه في تقرير الآية، ولأن التطهر ورد من جهة ~~الشرع مقصورا على الماء والتراب، فلا يجوز نقله إلى غيرهما إلا بدلالة شرعية. # المذهب الثاني: أنه يجوز التطهر ms0061 بنبيذ التمر، وهذا هو رأي أبي حنيفة ~~وأصحابه، ثم اختلفت الرواية فيه عن أبي حنيفة، وله فيه ثلاث روايات: # الرواية الأولى: مثل مذهبنا، أنه لا يجوز التطهر به، إلا في كونه نجسا ~~[فإنه] قال بطهارته مع أنه لا يجوز التوضؤ به، وهو قول أبي يوسف، وعند ~~أصحابنا والشافعي: أن كلما انتبذ يكون نجسا. # الرواية الثانية: أنه يجوز التوضؤ به والتيمم بعده، وهذا هو المحكي عن ~~محمد بن الحسن. # الرواية الثالثة: أنه يجوز التوضؤ به إذا طبخ وانتبذ عند عدم الماء في ~~السفر، والحجة على ذلك حديث ابن مسعود ليلة الجن، فإنه قال: كان مع الرسول ~~في تلك الليلة، فلما أراد الصلاة لفرض الفجر، فقال له: (( أمعك وضوء))؟ ~~فقال: لا. معي إداوة(2) فيها نبيذ. فقال: (( تمرة طيبة وماء طهور ))، فتوضأ به. PageV01P245 # والمختار: ما عول عليه أصحابنا والشافعي، لما ذكرناه عنهم من الأدلة ~~الشرعية، ولأن الكتاب والسنة ظاهرهما دال على عدم النقل من الماء إلى غير ~~التراب، فلو كان التطهر بالنبيذ جائزا إذا لذكره؛ لأنه في موضع تعليم الشرع ~~وهو وقت الحاجة فلا يجوز تأخيره عن الذكر، والإعراض عنه. # الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه، أما ما ذكره من الاحتجاج بحديث ابن ~~مسعود، فعنه أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأن هذا الحديث، رواه أبو زيد )، عن ابن مسعود وهو مجهول عند ~~رواة الحديث، فلا يكون مقبولا. # وأما ثانيا: فلأن الرسول قال: (( تمرة طيبة وماء طهور))(2). فأطلق اسم ~~الماء عليه، فلو [كان] نبيذا لم يطلق عليه اسم الماء. # وأما ثالثا: فلأنه قال: (( تمرة طيبة)). فلو كان التمر قد صار نبيذا لم ~~يطلق عليه [اسم] التمر بعد تغيره، فأما قول ابن مسعود جوابا له، حيث قال ~~له: ما في إداوتك ؟ فقال: نبيذ تمر، فلا حجة فيه؛ لأنه كلام لصحابي، وقد ~~قررنا أنه لا حجة في قول الصحابي فأغنى عن تكريره. PageV01P246 # وله تأويل، وهو أنه إنما قال: نبيذ تمر. جريا على عادة العرب في نبذهم في ~~الأمواء تميرات تجتذب ملوحته وتطيبه؛ لأن الغالب الملوحة في أمواء الحجاز، ms0062 ~~فلهذا قال: نبيذ تمر، من أجل ذلك أجابه الرسول بقوله: (( تمرة طيبة)). جريا ~~على ما هو المألوف من عادات العرب في ذلك كما أشرنا إليه، فإطلاق اسم ~~التمرة والماء من جهة صاحب الشريعة صلوات الله عليه، فيه دلالة ظاهرة على ~~أنهما لم يتغيرا عما هما عليه من صفة المائية والتمرية؛ لأن إطلاق اسم ~~الماء والتمر على ما تفاحش تغيره وزال عن صفته يشابه إطلاق الماء على المرق ~~والعصيدة وهو محال لا وجه له. # ثم إنا نقول: إنه لم يجر من عادة العرب أنهم يستصحبون الأنبذة في أسفارهم ~~إذ لا حاجة لهم إليها، وإنما يستصحبون الأمواء لحاجتهم إليها في المفاوز، ~~فلا وجه لاستصحاب ابن مسعود النبيذ في السفر، وفيه دلالة وأمارة قوية علىأن ~~ما كان في إداواته إنما هو الماء المنبوذ فيه تمرات لا غير. # لا يقال: لو كان في إداوته ماء لم يكن لنفيه للوضوء [معنى] لما سأله ~~الرسول : ((هل معك وضوء))؟ فقال له: لا، لأنا نقول: هذا فاسد، لأن الحجة ~~إنما هي في كلام صاحب الشريعة دون كلام ابن مسعود، فلا حجة فيه، وقد قال: ~~(( تمرة طيبة وماء طهور)). ولعله إنما نفى الماء الذي يتوضأ به اعتقادا منه ~~أن كل ما خالطه الطاهر ولم يغير شيئا من أوصافه فإنه لا يجوز التوضؤ به، ~~فبطل ما توهموه. PageV01P247 # --- ### ||| AUTO التقسيم الثالث: باعتبار مايفعل التطهر من أجله # والذي يحدث التيمم له منقسم إلى: فريضة ونافلة. # فأما الفريضة، فمنقسمة إلى ما يكون واجبا على الأعيان كالصلوات الخمس، ~~وإلى ما يكون وجوبه على الكفاية كصلاة الجنازة، وهكذا صلاة العيدين على رأي ~~من يجعلهما فرضا، إما على الكفاية وإما على الأعيان كما سنقرر الخلاف فيهما ~~ونوضح المختار بمعونة الله تعالى. # ثم ما كان واجبا على العين، منقسم إلى ما يكون قضاء وهو الذي فات وقته ~~فأدي بالتطهر، وإلى ما يكون وقته باقيا، وهو المؤدى، هذا كله تقسيم في حق ~~ما يكون واجبا مما يكون مؤدى بالتيمم. # وأما النافلة: فهي على وجهين: # أحدهما: أن تكون تابعة، ms0063 وهذا نحو ركعتي الظهر وسائر الرواتب التي للصلاة ~~المفروضة. # وثانيهما: أن تكون مستقلة، إما متكررة بتكرير الأعوام كصلاة العيدين، ~~وإما بتكرر الحوادث كصلاة الكسوفين والاستسقاء، وإما غير ذلك، كسائر ~~النوافل المبتدأة في جميع الأوقات ما خلا الأوقات المكروهة، فهذه الصلوات ~~كلها تجوز(1) لأجلها الطهارة وتكون مشترطة فيها، وهذه الأمور كلها نذكر ~~أحكام أدائها بالطهارة، ونورد مسائلها باستقصاء بمعونة الله تعالى. PageV01P248 # --- ### ||| AUTO التقسيم الرابع: باعتبار كيفية استعمال الطهارات # (وينقسم) إلى: # ما يكون الواجب فيه المسح، وهو التيمم كما سنذكر كيفيته، وإلى ما يكون ~~الواجب فيه الغسل، وهو الطهارة من الجنابة وطهارة الميت وغير ذلك من ~~الاغتسالات الواجبة. # وإلى ما يجب فيه الأمران، وهو الوضوء، فالغسل في الأعضاء الخمسة والمسح ~~في الرأس. # ثم تنقسم الطهارات إلى: # ما يكون له بدل مشروع، وهذا نحو الوضوء والغسل عند تعذرهما أو عدم الماء، ~~فإن لهما بدلا وهو التيمم بالتراب. # وإلى مالا يكون له بدل، وهو الطهارات من النجاسات كما سنوضحه. # ثم للطهارات تقسيمات كثيرة باعتبارات مختلفة، ولكنا نقتصر من تقسيماتها ~~على ما أوردناه ففيه كفاية لقصدنا، والله أعلم. PageV01P249 # --- ### ||| AUTO المسألة الرابعة: في بيان حكم الطهارة من النجاسات هل تكون ~~معقولة المعنى أم لا؟ # اضطرب رأي الخائضين في علوم الاجتهاد في المسائل الخلافية، في أن الطهارة ~~من النجاسة هل يعقل معناها أم لا؟ # فالذي ذهب إليه الأكثر من أئمة العترة ومن تابعهم من العلماء من شيعتهم ~~أنها غير معقولة المعنى، ونعني بكونها غير معقولة المعنى، هو أنها مشروعة ~~على جهة التعبد من غير أن يفهم معناها، ومن أجل كون معناها غير معقول، تعين ~~الماء لها، فلا يجوز إزالتها بغير الماء، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد بن ~~حنبل وإسحاق بن راهويه ) وداود وزفر ) ومحمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة. PageV01P250 # والحجة لهم على ذلك: هو أن الطهارة لا تجب لغير الصلاة ولا يفهم من جهة ~~الشرع وجوب إزالة النجاسة إلا من أجلها، والمعنى الذي من أجله وجبت لأجل ~~الصلاة غير معقول ولا ترشد إليه مخائل المعاني ولا ms0064 تجري فيه مسالك الأشباه، ~~وفي هذا دلالة على أنها غير معقولة، ويؤيد كونها غير معقولة المعاني، وجوب ~~الاغتسال من المني دون البول والغائط، وهما أكبر وأقذر منه، فدل ذلك على ~~انسداد معانيها بكل حال، ولأن إزالة النجاسة طهارة تراد للصلاة وتقصد من ~~أجلها، فلا يجوز فهم معناها كالوضوء، وإذا كانت غير مفهومة المعنى تعين ~~الماء لها، فلا يجوز إزالتها بغير الماء، وهذه هي الفائدة في كونها غير ~~معقولة المعنى، وزعم أبو حنيفة وأصحابه أن طهارة النجاسة معقولة المعنى، ~~وأن مقصود الشرع منها إزالة عينها واستئصال أثرها، وهذا يحصل بما كان يرفع ~~ويقلع من المائعات كالخل واللبن، فقد حصل معناها المعقول، وإلى هذا ذهب أبو ~~عبدالله الداعي ). # والحجة لهم على ما قالوه: ما ذكرناه من تقرير معناها المعقول من الرفع ~~والقلع، وإذا كان معناها معقولا وهو حاصل بكل ما كان يرفع أثرها ويزيل ~~عينها من المائعات، فقد تقرر مقصود الشرع بفهم المعنى، وينوي على هذا ~~إزالتها بغير الماء من كل مائع رافع لها. PageV01P251 # والمختار: ما عول عليه أصحابنا والشافعي ومن وافقهم في كونها غير معقولة ~~المعنى، ومن أجل ذلك تعين لها الماء، ولم يجز إزالتها بغيره من سائر ~~المائعات. ويدل على ذلك أنها جارية على صرف التعبد والاحتكام، فلا تفهم ~~فيها مخائل المعاني وطرقها منسدة فيها، فلا يضطرب فيها بالخطوات الواسعة ~~لضيق مسلكها ودقة مجراها، وما هذا حاله فإنه يجب الجمود فيها على حكم الشرع ~~واقتراحه، لما كان معناها غير مفهم فيجب قصر الإزالة على الماء. # الانتصار: يكون بتزييف(1) ما اعتمدوه. # قالوا: الغرض والمقصود هو الإزالة، فتجب إزالتها بكل قالع للأثر. # قلنا: هذا فاسد فإنا لا نسلم أن المقصود هو الإزالة، فإنه قد تجوز الصلاة ~~مع الآثار النجسة وإن بقي أثرها بعد غسلها بالماء كما سنوضح الأمر فيه، ثم ~~إنا وإن سلمنا أن الغرض هو الإزالة، لكن لا نسلم أنه كل المقصود، بل هو ~~المقصود مع نوع تعبد، كما أن الغرض بالعدة هو براءة الرحم، لكن ليس كل ~~المقصود منها. وإذا ms0065 كان الأمر كما قلنا من كونها غير معقولة المعنى، وجب ~~تعين الماء لها، وهذه هي الفائدة بكونها غير معقولة المعنى. والذي يقطع ~~شجارهم ويحسم مادة سعيهم، أنا نقول لهم: إزالة النجاسة لا تجب لغير الصلاة، ~~فأخبرونا عن وجه وجوبها للصلاة. # فإن قالوا: المفهوم من جهة الشرع أن المصلي مأمور بأن يأخذ في الصلاة ~~أبهى زي وأحسن هيئة فهكذا يكون مأمورا بالتنقية من الأقذار والنجاسات أحق وأولى. # قلنا: هذا تكرير للسؤال، فلم تجب التنقية في الصلاة؟ وعنه نسأل. PageV01P252 # فحصل من مجموع ما ذكرناه أن اشتراط إزالة النجاسة في الصلاة لا يعقل معناه، ~~بل هو جار على صرف التعبد فهكذا حال النجاسة نفسها لا يعقل معناها. وإذا ~~كان أمرها جاريا على ما ذكرناه من التعبد، وجب تعين الماء لها كما قررناه ~~من قبل، لأجل إشارة ظواهر الشرع إلى قصره على الماء فلا وجه لإعادته، ~~وإزالة النجاسة ليس من قبيل العبادات فلا تكون مفتقرة إلى النية، وتصح ~~تأديتها ممن ليس من أهل العبادة كالكافر والصبي. وإن نوى التقرب بها كان ~~مثابا على فعلها؛ لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، كما جاء في ~~الحديث، وهو رأي أصحابنا والفقهاء لا يختلفون فيه، والوجه فيه ما أشرنا إليه. PageV01P253 # --- ### ||| AUTO المسألة الخامسة: في بيان حكم الطهارة من الحدث هل يعقل ~~معناها في ذلك أم لا؟ # ذهب علماء العترة ومتبعوهم إلى أن طهارة الحدث غير معقولة المعنى، ~~وأرادوا بما ذكروه من ذلك هو أنها جارية على صرف التعبد من جهة الله تعالى، ~~منسدة عنها مسالك المعاني ومنحسمة فيها طرق القياس، وعن هذا قالوا: إنها ~~مقصورة على الماء بحيث لايقوم غيره في تحصيلها من المائعات مقامه، وبه قال: ~~أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ولايختلفون في ذلك. # والحجة على ذلك: هو أن الطهارة من الأحداث مختصة بأوقات وجارية على ~~كيفيات مقررة من جهة الشرع، بحيث لاتهتدي العقول إلى معرفة أسرارها ~~ولاتنتهي إلى غاياتها، فخصها بوقت الحدث دون غيره، وأوجبها في أعضاء مخصوصة ~~عن موضع الحدث، ثم أوجب غسلها من غير ms0066 نجاسة فيها لأجل نجاسة خارجة من ~~غيرها، ثم أوجب غسل الأكثر منها، ومسح بعضها على هيئة مقدرة وكيفية مرتبة ~~لاتخفى، وكل ماذكرناه من هذه التصرفات الجارية من جهة الشرع، فيها دلالة ~~على أنها جارية على جهة التحكم من غير أن يكون للعقول إليها تطلع في فهم ~~معناها، ومن أجل ذلك احتكم فيها بأنه لايجرى غير الماء في تأدية المقصود ~~منها مجراه. PageV01P254 # وذهب بعض متبعي الشافعي إلى أن طهارة الحدث معقولة المعنى، وزعموا أن الغرض ~~هو تنقية هذه الأعضاء من القاذورات، وعن هذا قالوا: تجوز بغير الماء لما ~~كان المعنى فيها مفهوما، كماء الورد وغيره من الأمواء الطاهرة. وحكي عن ~~الأوزاعي ): جواز التوضؤ بجميع الأنبذة بخلاف ماقاله أبو حنيفة فإنه قصره ~~على نبيذ التمر دون غيره من سائر الأنبذة، وقد حكى عنه ابن أبي مريم ): ~~رجوعه عن جواز التوضؤ به. # وحكي عن الحسن بن حي ): جواز التوضؤ بالخل وماء الورد ونحوه. PageV01P255 # والحجة لهم على ما قالوه من كونها معقولة المعنى: هو أن الغرض من الطهارة ~~التنقي عن الأدران، والنظافة عن الأوضار وإزالة الغبرات، ولا شك أن الأعضاء ~~الظاهرة في المهن والتصرفات هي الوجه واليدان إلى المرفقين والقدمان، ~~والإنسان في تصرفاته في مهنه وتقلباته في قضاء مآربه، يصادم الغبرات وتعلق ~~به الأدران، فورد الشرع بغسل هذه الأعضاء على كيفيات مخصوصة وأوقات محددة ~~مقدرة، والرأس لما كان مستورا بالعمامة غالبا، خفف الشرع وظيفته فجعلها ~~مسحا. وقرروا هذا الاستدلال بقوله جل جلاله، في سياق آية الوضوء: {ولكن ~~يريد ليطهركم }[المائدة:6]. فأشار بذلك إلى التوقي عن القاذورات والبعد عن ~~مصادمة الغبرات. هذا ملخص ما قالوه في تقرير هذه المقالة. # والمختار: ما عول عليه أصحابنا والفريقان من الحنفية والشافعية: في أن ~~طهارة الحدث لا يعقل معناها، ويدل على ذلك أن الطهارات كما أشرنا إليه، ~~جارية على منهاج العبادات البدنية التي لا يلوح فيها معنى مخصوص ولكنها ~~مشتملة على أمور غيبية استأثر الله تعالى بعلمها وأحاط علمه بها. PageV01P256 # نعم.. قد يخيل منها معان كلية ومقاصد عامة تحمل ms0067 على المثابرة على وظائف ~~الخيرات ومجاذبة القلوب بذكر الله وصرف النفوس عن المطالب الدنيوية، والحض ~~على أخذ الأهبة لدار الآخرة، وقد أشار إليه بقوله تعالى: {إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين }[البقرة:222]. وقوله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر }[العنكبوت:45]. فهذه أمور مفهومة ولكنها ~~غير منحصرة في أنفسها فلا يمكن القياس، ويتعذر استنباط المعاني المختلفة ~~التي يتقرر القياس عليها. وإذا كانت المعاني منسدة طرقها ويصعب جريها فيها ~~بطل استعمال الأقيسة فيها فلا يلحق بها شيء، ويبطل أن يقوم مقام الماء غيره ~~في تأدية العبادات به لانحسام مسالك القياس وجريها على مرارة التعبد، وفي ~~ذلك بطلان ما قالوه. ويؤيد ما ذكرناه، هو أن أبا حنيفة لما لم يصف له ~~المعنى في طهارة الحدث وافقنا في كونها غير معقولة المعنى، وأن غير الماء ~~لا يقوم مقامه في تأديتها بخلاف طهارة النجس، فإنه قد زعم كونها معقولة ~~المعنى، وأن الغرض القلع للآثار والتنحية لها، وهذا حاصل بما يقلع من ~~المائعات كما أوضحناه من قبل. # الانتصار عليهم: يكون بإبطال ما توهموه. # فأما ما زعموه من المعنى الذي توهموه في إيجاب غسل هذه الأعضاء ومسحها، ~~فهو من الإقناعات التي يقبلها من ليس له قدم راسخة في علم الأصول، وحاصلها ~~خيال منقشع بأدنى مطالبة، ويبطل ما قالوه بما قررناه من قبل من كونها جارية ~~على مذاق التحكمات الجامدة، فلا ينقدح فيها معنى معقول فيقاس عليه، ثم نبطل ~~ما ذكروه بالمعارضة بأمرين: PageV01P257 # أحدهما: أنا نقول: لو استقام ما ذكرتموه في الوضوء وأن الغرض به التنقي عن ~~كل ما يعرض من القاذورات والتنزه عنها، لكان يلزم فيمن أسبغ وضوءه وأتمه ~~بكماله ثم عمد إلى تراب فتعفر به وتلطخ بالطين الطاهر ثم صلى وهو على تلك ~~الحالة، أن لا تكون صلاته صحيحة؛ لأن سر الوضوء ومعناه غير حاصل، فلو صح ~~المعنى الذي زعموه لما كانت صلاته صحيحة وهو مخالف للإجماع. # وثانيهما: أن التيمم هو تعفير الوجه بالتراب وإزالة رونقه بملابسته ومسحه ~~به، فلو صح ما ms0068 ذكرتموه من معنى الطهارة لكان لا وجه لكونه مشروعا عند عدم ~~الماء؛ لكونه مناقضا لمعنى الطهارة وسرها. # فهذان الأمران مبطلان لهذه القاعدة التي ذكروها، وتنخل من مجموع ما ~~ذكرناه، أن طهارة الحدث والنجس لا يعقل معناهما، وأن المعنى الذي ذكره أبو ~~حنيفة في طهارة النجاسة وهو القلع، يبطل بما سلمه في طهارة الحدث، فإن ~~التعميم حاصل فيها بماء الورد وقد منع منه، فهكذا يمنع مما كان مانعا ~~للأثر، ويجب قصرهما على التطهير بالماء كما أشرنا إليه، وممن قال معنا ~~بأنهما لا يعقل معناهما، الشيخ عبدالملك الجويني وتلميذه أبو حامد الغزالي. # فهذا ما أردنا ذكره من المسائل التي اشتمل عليها اللقب في قولنا: كتاب ~~الطهارة. # ونشرع الآن في الأبواب التي اشتمل عليها الكتاب مستعينين بالله وهو خير ~~معين، وجملة ما يشتمل عليه من الأبواب عشرة PageV01P258 --- ### || AUTO الباب الأول في المياه # واعلم أن أنظار الفقهاء مختلفة في تقديم الأسبق من أبواب الطهارة في ~~التصانيف، # فمنهم من يقدم الكلام في آداب قضاء الحاجة؛ # لأن الطهارة إنما تقصد للصلاة وأول ما يشتغل(1) به الإنسان هو قضاء ~~الحاجة ليحصل بعدها التطهير، وهذه طريقة المحدثين في كتب الأحاديث ويسمونه ~~باب التخلي، وباب الاستطابة، ويعنون به قضاء الحاجة. # ومنهم من يقدم الكلام في الاستنجاء؛ لأن أول التطهير هو الاستنجاء، وهو ~~غسل الفرجين، # وهذه هي طريقة السيد أبي طالب في التحرير(2) وشروحه. # ومنهم من يقدم الكلام في المياه؛ لأن أعظم ما يقع به التطهير هو الماء من ~~بين سائر المطهرات، وهذه هي طريقة أكثر الفقهاء، وهذا هو المختار، لأن ~~الاعتبار بذكر الطهارات المائية هو الذي تكون لأجله تأدية الصلوات في أغلب ~~الحالات، ولأنه أحق المطهرات بالتطهير وما عداه بدل منه، فلهذا كان أحق ~~بالتقديم، والأمر فيه قريب وليس فيه كبير فائدة. # ثم إن الطهارة مختصة بالماء من بين سائر المائعات، أما في طهارة الحدث ~~فهو رأي أصحابنا والفرق الثلاث الشافعية والحنفية والمالكية، خلافا ~~لشذوذ(3) من الفقهاء، وطوائف قد ذكرناهم من قبل، وأما في طهارة النجس كما ~~رأى أصحابنا ms0069 والشافعي ومالك خلافا لأبي حنيفة وأصحابه. # وجهة اختصاصه بذلك من وجهين: # أما أولا: فمن أجل كونه مختصا بنوع من اللطافة والرقة وتفرده بتركيب لا ~~يشاركه فيه غيره من الجوهرية والصقالة. PageV01P259 # وأما ثانيا: فلأنه تعبد في صفة لا يعقل معناه، وهذا هو الأقوى كما مر ~~تقريره، ودليله ماورد من الإشارات الشرعية بكونه مطهرا وانحصار التطهر به، ~~كقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به}[الأنفال:11]. # وقوله عليه السلام: (( خلق الماء طهورا )) # إلى غير ذلك من الظواهر الشرعية الدالة على التعبد في التطهير به من سائر ~~المائعات. # فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر تقسيم الأمواء، ثم نردفه بذكر ما يجوز ~~الوضوء به وما لا يجوز، ثم نذكر كيفية الاجتهاد عند الشك في طهارة الماء ~~ونجاسته، ثم نذكر حكم الآنية في الاستعمال، فهذه فصول أربعة: PageV01P260 # --- ### ||| AUTO الفصل الأول: في بيان تقسيم الأمواء # وهي منقسمة إلى طاهرة، ونجسة، ومستعملة، فهذه أقسام ثلاثة: PageV01P261 # --- ### ||| AUTO القسم الأول: في بيان الأمواء الطاهرة # مسألة: كلما بقي على الخلقة من سماء أو نهر أو بئر أو برد أو ثلج أو بركة ~~أو مستنقع للماء، فما لم تلاقه نجاسة أو تغلب عليه أو يكون مستعملا في ~~الطهارة، فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره عند أئمة العترة وفقهاء الأمة، ولا ~~يعلم خلاف في هذه الجملة. # أما ماء السماء فالحجة على طهارته: قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا}[الفرقان:48]. وقوله: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم ~~به}[الأنفال:11]. # وأما ماء الأنهار فالحجة عليها: ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي أنه ~~قال: (( الماء طهور لا ينجسه شيء )) ولأنه ماء لم يشبه شائب فجاز التطهر به ~~كماء السماء. # وأما ماء الأبار فالحجة فيه: ما روي عن النبي ، أنه توضأ من بئر بضاعة. # وأما البرد والثلج. فالحجة فيه: ما روى أبو هريرة، قال: كان رسول الله . ~~يقول في سكوته بين التكبير والقراءة: (( اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما ~~باعدت بين المشرق والمغرب، ونقني من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من ~~الدنس، اللهم اغسلني بماء البرد والثلج ms0070 )) (1). فلولا أنهما مطهران لما جاز ~~الغسل بهما(2). # وأما البرك والمستنقعات وغيرهما من الأمواء الطاهرة؛ فالحجة على طهارتها: ~~عموم الآية التي تلوناها، والخبر الذي رويناه، فأغنى عن إفرادهما بالذكر. PageV01P262 # فأما البرد والثلج والماء إذا صار صروفا جامدا، فإذا توضأ به متوضئ نظرت، ~~فإن كانت جامدة على حالها لم يكن التوضؤ بها؛ لأنها يستحيل جريها على ~~الأعضاء، فلا يكون فيها غسل، وإن مسح بها رأسه أجزأه في المسح من جهة أن ~~المسح يكفي به إصابة البلل وهو حاصل فيها، وإن كانت ذائبة أو رخوة بحيث ~~تكون جارية على الأعضاء، جاز التوضؤ بها؛ لأن المقصود من الغسل حاصل بها ~~كالماء. وحكي عن الأوزاعي: جواز التوضؤ بماء البرد والثلج والجامد وهي على ~~حالها في الجمود إذا أمرها على العضو المغسول، وما قاله فاسد بما قررناه، ~~ولأنها جامدة صلبة فلا يجوز التوضؤ بها كالأحجار والخشب، وما قلناه في هذه ~~القاعدة هو قول أئمة العترة والجماهير من الفقهاء لا يختلفون فيه. # مسألة: وهل يجوز التطهر بماء البحر أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه يجوز التطهر به، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الصدر ~~الأول من الصحابة رضي الله عنهم ورأي الفرق الثلاث: الحنفية والشافعية ~~والمالكية. # والحجة على ذلك: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه من الحديث الذي قدمنا ~~ذكره، وهو قوله: (( هو الطهور ماؤه والحل ميتته)) لما سئل عنه، وما رواه ~~أيضا أبو هريرة عن الرسول أنه قال: (( من لم يطهره البحر فلا طهره الله ))(1). PageV01P263 # وثانيهما: ما روي عن عبدالله بن عمر )، وعبدالله بن عمرو بن العاص )، أنهما ~~قالا في ماء البحر: التيمم أعجب إلينا منه. وحكي عن سعيد بن المسيب (3) أنه ~~قال: إذا ألجئت إليه فتوضأ منه. وروي عن عبدالله بن عمر أنه قال: تحت بحركم ~~هذا نار، وتحت النار بحر حتى عدد تسعة أبحر وتسعة أنور(4). وكلامهم هذا دال على PageV01P264 كراهة استعماله للطهارة، وعلى أنه لا يجوز التطهر به إلا عند الضرورة. # والمختار: ما قاله أصحابنا، وهو الذي عليه الجلة من الصدر ms0071 الأول من ~~الصحابة والتابعين، وتدل عليه الظواهر القرآنية والأخبار المروية في ~~الأمواء، فإنها دالة بظواهرها على جواز استعماله في التطهر، فأما ما روي عن ~~ابن عمر فإنه يحمل على أنه يصير يوم القيامة نارا، ويصدقه قوله تعالى: ~~{وإذا البحار سجرت }[التكوير:6]. أراد: أحميت، ومنه تسجير التنور إذا كانت ~~محماة(1)، أو يحمل على أن البحر مهلكة كما أن النار مهلكة. # فإن قال قائل: فهل ينعقد الإجماع بعد هؤلاء الثلاثة على جواز التطهر بماء ~~البحر فلا يجوز لأحد أن يذهب إلى قولهم، أو تكون المسألة خلافية فلا ينعقد ~~الإجماع مع مخالفتهم؟ # جوابه: أن قوما من الأصوليين زعموا أن الإجماع ينعقد بعدهم، وأنه لا يجوز ~~العمل على قول من خالف بعد إجماع من بعده على خلاف قوله، وهذا فاسد، فإن ~~الإجماع منعقد على جواز الأخذ بقول كل واحد ممن خالف في هذه المسألة، فلو ~~انعقد الإجماع من بعدهم لحرم اتباعهم، وفي ذلك تناقض الإجماعين فلهذا نقول: ~~فلو أجمع من بعدهم فلا يكون إجماعا؛ لأن الإجماع صادر عن بعض الأمة، ~~بالإضافة إلى هذه المسألة، فلا جرم كان الحق جواز العمل على قول من سبق ولا ~~ينعقد الإجماع على مخالفته. PageV01P265 # مسألة: ذهب علماء العترة وفقهاء الأمة: أبوحنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ~~وغيرهم من العلماء إلى أن الماء إذا خالطه شيء يتطهر به، وتغير به فإنه لا ~~يخرجه عن كونه طاهرا يتطهر به، وهذا نحو الملح البحري فإن أصله ماء، لكنه ~~انعقد فصار كالملح إذا ذاب، وكالماء الجامد إذا خالط ماء آخر، وكالتراب إذا ~~خالط الماء فإنه لا يخرجه عن كونه طهورا مع تغيره، فإن طرح التراب في الماء ~~لم يؤثر فيه وكان طهورا كما كان قبل اتصاله فيه؛ لأنه يوافق الماء في كونه طهورا. # والحجة على ذلك: ما ذكرناه من الظواهر الشرعية، من جهة الكتاب والسنة ~~فإنها دالة على جواز التطهر بما هذا حاله من الأمواء، ولا يعرف فيه خلاف ~~بين الأمة. # وإن خالطه طاهر لا يتطهر به ولم يكن مغيرا لشيء من أوصافه نظرت، فإن ms0072 كان ~~عدم تغيرها لأجل قلته(1)، لم يمنع التطهر به عند أئمة العترة وهو قول أبي ~~حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، ولا يعرف فيه خلاف، كقطرة ماء ورد وزعفران ~~لا يظهر عليه أثر لقلته، أو غير ذلك من المائعات الطاهرة التي هي غير مغيرة ~~له، من جهة أن الماء باق على إطلاقه فكان مندرجا تحت الظواهر الشرعية ~~الدالة على أن ما هذا حاله فإنه يكون طاهرا مطهرا. # وإن كان عدم تغيره لموافقته لما في طعمه ولونه ورائحته كماء ورد انقطعت ~~رائحته، فالذي عليه أئمة العترة وهو أحد قولي الشافعي وبه قال أبوحنيفة ~~وأصحابه: أنه إذا كانت الغلبة للماء جازت الطهارة به. # والحجة على ذلك: هو أن اسم الماء المطلق جار عليه فلأجل هذا جاز كونه ~~طاهرا يتطهر به. # وإن كانت الغلبة للمخالط لم تجز الطهارة به لزوال اسم الماء عنه. PageV01P266 # وللشافعي قول آخر، وحاصله: أنه إذا كان قدرا لو كان مخالفا للماء في صفاته ~~لم يغيره، لم يكن مانعا للتطهر به، وإن كان قدرا لو كان مخالفا له غيره، ~~فإنه يكون مانعا عن التطهر به؛ لأنه لما لم يكن اعتباره بنفسه لأجل مماثلته ~~للماء ومشاكلته له فيما ذكرناه من الأوصاف، اعتبر بغيره كما نقول في ~~الجناية التي ليس لها أرش مقدر على الحر لما لم يكن اعتبارها بنفسها، ~~اعتبرت بغيرها. إما بتقريبها من الموضحة وإما بحال الجناية على العبيد كما ~~سنقرره بمعونة الله في الجنايات. والتفرقة بين الضبطين في الوجهين ظاهرة، ~~فإن الأول اعتبار بحال نفس الماء من كونه غالبا أو غير غالب، بخلاف الثاني ~~فإنه يعتبر بخلاف غيره، وهو الأمر المخالف للماء. # والمختار: ما قاله أصحابنا في الضد بخلاف نفسه؛ لأن حال نفس الماء في ~~الغلبة وعدمها أخص من حال غيره وأمس للمقصود، فلهذا كان التعريج عليه أكثر. # مسألة: وإن تغير أحد أوصافه من طعم أو لون أو ريح نظرت، فإن كان من ~~الأمور التي لا يمكن صون الماء عنها كالتي تكون في أصله كالنورة والزرنيخ ~~والشب والكحل والطحلب وغير ذلك(1)، ms0073 فما هذا حاله يجوز التطهر به عند أئمة ~~العترة وهو قول الفقهاء ولا يعرف فيه خلاف. # والحجة عليه: أن مثل هذا يتعذر صون الماء عنه فرفع حكمه كالنجاسة اليسيرة ~~وكالعمل القليل في الصلاة، ولأن اجتناب هذا يكون فيه حرج ومشقة، وقد قال ~~تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج }[الحج:78]. ولأنه يعسر تجنبه، وقد ~~قال : (( بعثت بالحنيفية السمح ة ))(2). PageV01P267 # وإن كان المغير من الأشياء التي يمكن صون الماء عنها كالزعفران وماء الورد ~~الذكي في الرائحة والحنا والعصفر والأشنان(1) وغير ذلك من الأمور المغيرة ~~لأوصافه وإن لم تكن غالبة عليه، فهل يجوز التطهر به أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه لا يجوز التطهر به، وهذا هو قول بعض أئمة العترة ومحكي عن ~~الشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه زال عنه إطلاق اسم الماء بمخالطة ما ليس مطهرا مع ~~استغناء الماء عنه فلم يجز التطهر به كماء اللحم وماء الباقلا. # فقولنا: بالمخالطة. نحترز به عما ليس مخالطا ولكنه مجاور كالماء المبخر ~~بالعود والعنبر. # وقولنا: ما ليس مطهرا. نحترز به عما إذا خالطه التراب والملح البحري، ~~فإنه لا يمنعه من التطهير مع تغيره. # وقولنا: مع استغناء الماء عنه. نحترز به عما إذا تغير الماء بما في أصله ~~ومقره مما يتعذر صونه عنه، فإنه لا يمنع من تطهيره. # وثانيهما: أنه يجوز التطهر بما هذا حاله، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه ~~ومحكي عن الإمامين: القاسم بن إبراهيم والمنصور بالله عبدالله بن حمزة ). PageV01P268 # والحجة لهم على ذلك: هو أن المغير إذا لم يكن غالبا للماء فالحكم للماء ~~فصار كاليسير الذي لم يغيره من هذه الأشياء؛ لأن اليسير إنما لم يكن له حكم ~~لما كان الماء غالبا له فهكذا حال الماء إذا تغير وكان غالبا جاز به ~~التطهر. # والمختار: ما قاله أصحاب أبي حنيفة وما قاله الإمامان القاسم والمنصور ~~بالله، من أن الطاهر إذا كان مخالطا للماء غير غالب له، فإنه يجوز التطهر ~~به؛ لأنه إذا كان غير غالب له فإطلاق اسم الماء باق ms0074 عليه، ولأن الإجماع ~~منعقد في المخالط إذا لم يظهر له أثر فلا عبرة به، كاليسير من الزعفران ~~الذي لا يظهر له أثر في الأوصاف الثلاثة، فهكذا المخالطة وإن ظهر أثرها فلا ~~حكم له إلا أن يكون غالبا، فإن كان المغير الطاهر غالبا على الماء في ~~الكثرة لم يجز التطهر به عند أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ~~والشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أن التطهير إنما يكون متعلقا باسم الماء، وفي هذه ~~الصورة قد زال عنه اسم الماء لما كان غالبا عليه، فأما قول أصحابنا ~~والشافعي: أنه قد خالطه ما ليس مطهرا، فلا يجوز التطهر به كماء الباقلاء. # قلنا: هذا غير مسلم، فإنا ننكر أن يكون مطلق المخالطة مانعا من التطهر، ~~بدليل أن اليسير مما يكون مخالطا لا يمنع وإنما المانع هو الغلبة لغير ~~الماء فهي المانعة، ولهذا لم يجز التطهر بماء اللحم وماء الباقلاء لما كانا ~~غالبين للماء فافترقا، والباقلاء - هو حب الفول -، فإذا شددت لامه فهو ~~مقصور، وإذا خفف فهو ممدود، هكذا قاله الجوهري. PageV01P269 # مسألة: والماء إذا خالطه شيء من الأشياء الطاهرة فغير أوصافه أو بعضها ~~كالقرض(1) والحنا والأشنان والدقيق وغير ذلك، حتى صار غالبا عليه فإنه لا ~~يجوز التطهر به كما أسلفنا تقريره، لخروجه عن كونه ماء، ويجوز شربه ~~واستعماله في العجين وعقد الأدوية وغير ذلك، عند أئمة العترة وفقهاء الأمة: ~~أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك، ولا يعرف فيه خلاف. # والحجة على ذلك: هو أن المأخوذ فيما يجوز شربه ليس إلا كونه طاهرا لا يضر ~~من شربه. # وقولنا: طاهر. نحترز به عن سائر النجاسات فإنه لا يجوز شربها. # وقولنا: لا يضر [من شربه]. نحترز به عن السمومات فإنه يحرم(2) تناولها ~~كما نقرره في الأطعمة بمعونة الله تعالى، ولقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم ~~إن الله كان بكم رحيما }[النساء:29] وما ذكرناه ليس فيه واحد من هذين ~~الأمرين، فلهذا جوزنا شربه واستعماله فيما ذكرناه، بخلاف التوضؤ به والغسل، ~~فإن التعبد وارد في التطهير أن يكون بالماء منحصر فيه ms0075 كما مر تقريره ~~فافترقا. # وإن وقع في الماء مالا يختلط به فغير رائحته كالدهن المطيب والعود ~~والكافور، فهل يجوز التطهر به أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: يجوز التطهر به، وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة، ~~وأحد قولي الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن هذا التغير إنما كان بالمجاورة دون المخالطة فلهذا ~~لم يكن مانعا من التطهر به؛ لأن ما يعبق به من الرائحة إنما هو على جهة ~~الانفصال. # وثانيهما: أنه لا يجوز التطهر به، وهذا هو الذي حكاه البويطي عن الشافعي، ~~والأول حكاه المزني عنه. # والحجة فيه: هو أنه ماء متغير فلا يجوز الوضوء به كما لو تغير بما يخالطه ~~كالزعفران. PageV01P270 # والمختار: ما قاله أصحابنا وأبوحنيفة، وهو رواية المزني؛ لأن أصل الماء باق ~~على التطهير فهو الأصل فيه وما عرض فيه غير مغير لهذا الحكم وما علق به في ~~حكم المزايل له، فلهذا قضينا بكونه طاهرا مطهرا. # قال السيد المؤيد بالله: والقمقم إذا سخن فيه الماء فوجدت فيه رائحته ~~فإنه لا يضره؛ لأنه ليس مما يخالط أجزاءه الماء، وكذلك الكوز الذي توجد فيه ~~رائحة المثلث، فإنه لا يضر الماء بعدما غسل ولا بأس به لأن ذلك للمجاورة لا ~~للمخالطة. # وإن تغيرت رائحة الماء برائحة ميتة بقربه، فإن ذلك لا يخرجه عن كونه ~~مطهرا عند أئمة العترة وهو قول الفقهاء: أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ~~وأصحابه، ولا يعرف فيه خلاف، لأن تلك الرائحة إنما كانت على جهة المجاورة ~~دون المخالطة؛ لأنها غير متصلة به على جهة المخالطة فتكون مانعة عن تطهيره. # مسألة: وإذا أخذ الطحلب وجفف ثم دق ووضع في الماء فتغير به، وهكذا حال ~~الزرنيخ والشب والكحل، فإن هذا الأشياء إذا خالطت الماء وغيرته فإنه لا ~~يجوز التطهر به عند أئمة العترة وجميع الفقهاء؛ لأن تغييرها إنما يكون ~~مغتفرا إذا كانت حاصلة في المنابع بحيث لا يمكن الاحتراز منها، وهكذا يكون ~~حال الطحلب فإنه يغتفر تغير الماء به إذا كان نابتا فيه، وأما إذا كانت ~~منفصلة عنه ثم ms0076 خالطته، فإنما يصير كالزعفران والعصفر(1) في تغير الماء ~~وانفصالها عنه، بخلاف التراب فإنه سواء كان في مقره أو ممره أو حمل إليه ~~فتغير به فإنه لا يضر التطهر عند أئمة العترة وفقهاء الأمة. PageV01P271 # والحجة على ذلك: هو أن المعلوم من حال السلف أنهم كانوا لا يحترزون عن ~~الأمواء التي يختلط بها التراب ولا يتصونون عنها. # وقد حكي عن بعض الفقهاء أنه إذا حمل على الماء على جهة القصد فتغير به ~~أنه لا يجوز التطهر به، وهذا لا وجه له لما ذكرناه من عادة السلف؛ ولأن ~~اتصاله إنما يكون على جهة المجاورة دون المخالطة ولهذا فإنه يرسب في القرار ~~ويصفو الماء عليه. # والمختار: هو الأول من قول العترة وفقهاء الأمة؛ لأن التراب طهور في ~~نفسه، لقوله : (( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا )) (1). فاتصاله بالماء إن لم ~~يزده قوة في التطهير لم يزده ضعفا. # وإن تغير الماء بطول المكث فهو طاهر مطهر، هذا هو قول أئمة العترة وفقهاء ~~الأمة ، ولا يعرف فيه خلاف. # ووجهه: هو أن الماء باق على أصل التطهير والطهارة في نفسه ولم يعترض له ~~ما يخرجه عن ذلك بمخالطة ولا ممازجة يغير حكمه، فلهذا وجب الحكم عليه بما ~~ذكرناه من الطهارة. # مسألة: وإن تناثرت أوراق الشجر في الماء فتغير بها بعض أوصافه، ففيه ~~مذاهب ثلاثة: PageV01P272 # أحدها: أنه تصح الطهارة به، وهذا هو الذي رواه الفقيه محمد بن منصور الكوفي ~~) عن السلف، وارتضاه الإمام أبوطالب وهو أحد أقوال الشافعي. # والحجة على هذا: أن الأوراق [هي] مما لا يمكن صون الماء عنها ويتعذر ~~الاحتراز منها، فجرت مجرى أصول الأشجار والطحلب وغيره مما لا يمكن صون ~~الماء عنه، ومما يكون في مقره وممره. # الثاني: أنه لا يصح التطهر به، وهذا هو الذي ذكره السيد المؤيد بالله ~~وعول عليه الأكثر من أصحابنا، وأحد أقوال الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله مانع طاهر اختلط به فمنع كونه طهورا ~~كما لو خالطه الأشنان والصابون، وهذا إذا كانت مما ينعصر في الماء ~~لرطوبتها، فإنها ms0077 تكون مانعة، فإن كانت مما لا ينعصر كاليابسة لم يمنع ~~التطهر به. # المذهب الثالث: التفصيل، وهو أنه ينظر، فإن كانت من أوراق الربيع فإنه لا ~~يجوز التطهر به؛ لأنه قليل يمكن صون الماء عنه، وإن كان من ورق الخريف فلا ~~بأس؛ لأنه يكثر ويتعذر صون الماء عنه، وهذا ذكره بعض أصحاب الشافعي. PageV01P273 # والمختار في ذلك: أنه ينظر، فإن كان المتغير من الماء بمخالطة الأوراق هو ~~لونه وطعمه لم يجز التطهر به؛ لأن ما هذا حاله يكون مخالطا ممازجا للماء، ~~وإن تغير بالرائحة فما هذا حاله يكون مجاورا فيجوز التطهر به، فتغيره ~~باللون والطعم ينزل منزلة تغيره بالخل واللبن في المخالطة، وتغيره بالرائحة ~~بمنزلة تغيره بالعنبر والمسك في المجاورة دون المخالطة، وإلى ما اخترناه ~~يشير كلام المؤيد بالله حيث قال: إذا تغير لون الماء بعمى البيت(1) من ~~الدخان ونحوه فإنه لا يتطهر به، لأنه تغير باختلاط؛ لأن تغير اللون يبعد أن ~~يكون من غير اختلاط، ولأن أصل الماء على الطهارة والتطهير فلا يمكن قطع ~~كونه مطهرا إلا بخروجه عن كونه ماء، وهذا لا يمكن إلا لأجل المخالطة، فلا ~~جرم كانت التفرقة هي الوجه المختار. # مسألة: والملح إذا طرح في الماء فتغير به أحد أوصافه، ففيه احتمالات ثلاثة: # أحدها: أنه يصح التطهر به، والحجة أن كل ملح فهو منعقد من الماء في ~~الأصل، فلهذا لم يفترق الحال فيه بين أن يكون بحريا أو جبليا في أنه غير ~~مغير للماء. # وثانيها: أن كل واحد من الملحين مغير للماء؛ لأنه قد خرج عن صفة الماء ~~فصار كالزعفران والأشنان، فلهذا كان مغيرا بالمخالطة. PageV01P274 # وثالثها: التفرقة بين الملحين، فإن كان بحريا لم يمنع التطهر به، وإن كان ~~جبليا فهو مانع للتطهر به، وهذا هو المختار كما مر تقريره؛ لأن ما كان ~~بحريا فهو ماء في الأصل فينزل منزلة الثلج إذا ذاب(1)، وإن كان جبليا منع ~~من التطهر، لأنه بمنزلة الأشياء الطاهرة إذا كان الماء متغيرا بها في منع ~~التطهر به، وقال الشافعي في (الأم): والقطران(2) يجوز ms0078 التطهر به، ثم قال ~~بعد ذلك: إنه مانع من التطهر به. # والمختار فيه: تفصيل نشير إليه وهو أن ما كان اتصاله بالماء على جهة ~~المخالطة فإنه مانع من التطهير، وما كان اتصاله بالماء على جهة المجاورة ~~فإنه غير مانع للطهارة. # ووجه التفرقة التي ذكرناها: تكون إما باعتبار حالين: وهو أن القطران جنس ~~واحد خلا أنه ربما اشتد اتصاله بالماء حتى صار مخالطا فلهذا منع التطهر به، ~~وربما لم تشتد مخالطته فكان مجاورا فجاز التطهر به. # وإما باعتبار جنسين، وهو أن من القطران ما يرق فيخالط وربما غلظ فكان ~~مجاورا. PageV01P275 # والحجة في ذلك: هو أنه إذا صار مخالطا فالمخالطة مخرجة له عن اسم الماء، ~~وإذا صار مجاورا فالمجاورة لا تخرجه عن صفة الماء، فلهذا كان الاعتبار في ~~جواز التطهر وعدمه، إنما يكون بالمخالطة والمجاورة كما أوضحناه. # مسألة: كل ما جاز التطهر به من الأمواء جاز إزالة النجاسة به عندنا، وهو ~~قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، ودليله ما مر فلا نعيده. وكل ما ~~تزال به النجاسة من المياه فإنه يجوز التطهر به عند أئمة العترة، وهو محكي ~~عن الشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أن كل واحد منهما طهارة تراد للصلاة تعبدية لا يعقل ~~معناها فكانت مقصورة على الماء لما حكيناه من الظواهر الشرعية خلافا لأبي ~~حنيفة وأصحابه فإنهم زعموا إزالة النجاسة بغير الماء مما يكون قالعا مزيلا ~~لها كالخل واللبن، والتطهر بنبيذ التمر ليس من جهة كون طهارة الحدث معقولة ~~المعنى عندهم، كما زعموه في طهارة النجاسة، ولكنه جائز بتخصيص الخبر له، ~~ولهذا قصروه على نبيذ التمر دون غيره من الأنبذة، فصارت الأمواء الطاهرة ~~على ثلاثة أضرب نفصلها: # الضرب الأول منها: الماء القراح الباقي على أصل خلقته لم يشبه شائب ولا ~~غيره مغير في عينه ولا حكمه، كالمياه النازلة من السماء وماء العيون ~~والأنهار وأمواء البحار وغير ذلك مما يشاكلها في الصفاء والرقة، وقد قررنا ~~أدلة كونها طاهرة في نفسها مطهرة لغيرها فأغنى عن الإعادة. # الضرب الثاني: ما تغير وصفه ms0079 عن أصل خلقته ولكنه يعد يسيرا لا يوجب إزالة ~~اسم الماء المطلق عليه، فما هذا حاله فهو طاهر مطهر لغيره كالماء المتغير ~~بطول المكث والمتغير بزعفران يسير أو صابون أو أشنان، بحيث لا يظهر أثره ~~عليه، وهكذا حال ما تغير ريحه بالعود والعنبر والكافور، أو كان في مقره أو ~~ممره كالزرنيخ والكحل كما مر تفصيله. PageV01P276 # الضرب الثالث: ما تفاحش تغيره بمخالطة غيره من الأشياء الطاهرة بحيث لا ~~يطلق اسم الماء عليه، فإن استجد إطلاق اسم الماء عليه لم يجز التطهر به، ~~كالمرق والنيل والنقم(1) في طهارة الحدث ولا في طهارة النجس إجماعا بين ~~أئمة العترة وفقهاء الأمة لخروجه عن صفة المائية، وإن لم يستجد اسما منفردا ~~يطلق عليه ولكنه خالطه وسواء غلب عليه أو لم يغلب، فلا يجوز التطهر به عند ~~الأكثر من أئمة العترة والشافعي، خلافا لأبي حنيفة وأصحابه، فقالوا: يجوز ~~التطهر به إذا لم يكن غالبا عليه، وهو المختار كما أوضحناه من قبل، وقد ~~فصلنا هذه الجملة وأوردنا ما تحتمله من المسائل المفصلة والله الموفق ~~للصواب. PageV01P277 # --- ### ||| AUTO القسم الثاني: في بيان الأمواء النجسة # إذا وقعت النجاسة في الماء فغيرت ريحه أو لونه أو طعمه، فإنه يكون نجسا ~~قليلا كان أو كثيرا، عند أئمة العترة، وهو قول الفرق الثلاث: الحنفية ~~والشافعية والمالكية. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه كان يتوضأ من بئر بضاعة (بضم ~~الباء، فالضاد المعجمة والعين المهملة، بئر في المدينة)، فقيل: يا رسول ~~الله إنك تتوضأ من بئر بضاعة وإنه يطرح فيها المحايض ولحوم الكلاب وعذر ~~الناس. (والمحايض: خرق الحيض، والعذر: جمع عذرة، وهو ما يخرج من أدبار بني ~~آدم). فقال رسول الله : (( خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء، إلا ما غير ريحه ~~أو لونه أو طعمه )). فنص عليها جميعا فلا حاجة إلى القياس مع هذا. # ووجه الدلالة: أن الرسول ، أوجب للماء أنه خلق على الطهارة، وحصر نجاسته ~~على تغير أحد هذه الأوصاف الثلاثة، فدل ذلك على أن النجاسة متعلقة بها. # فإن قال قائل: كيف ms0080 يطرح ذلك في بئر يتوضأ منها رسول الله وحرمته أجل ~~وأعلى من أن يفعل ذلك في حقه؟ # وجوابه: من أوجه ثلاثة: # أما أولا: فيحمل [على] أن البئر كانت في موضع منخفض من الأرض، وكانت ~~السيول تحملها إليها لقربها من مجراها. # وأما ثانيا: فيحتمل أن يكونوا طرحوها قبل أن يتوضأ منها ولم يعلموا منه ~~نهيا في ذلك. # وأما ثالثا: فيحتمل أن الذي فعل ذلك أهل النفاق من اليهود وغيرهم لما ~~يحملون عليه من العداوة. PageV01P278 # دقيقة: اعلم أن اللون والطعم والرائحة أعراض مدركة موجودة بمحالها على جهة ~~الحلول، واتصالها بالماء لا يكون إلا على جهة المجاورة.. أجزاؤها لأجزاء ~~الماء لاستحالة الانتقال على الأعراض، وإذا كان الأمر فيها كلها على ما ~~ذكرناه من المجاورة ولا يعقل خلاف ذلك فيها، فلا معنى لكلام الفقهاء أن ~~الرائحة إذا كانت مجاورة فإنها لا تنجس كغدير بجنبه ميتة عبق بمائه منها ~~رائحة، بخلاف ما لو كانت فيه فإنها تنجسه لو كانت مخالطة له، وهكذا حال ~~الزعفران إذا ذيف(1) في الماء فإنه ينجسه إذا كان نجسا لما كان مخالطا، ~~فإذا لا تعقل في اتصالها بالماء إلا على جهة المجاورة، وإذا كان لا يعقل ~~فيها إلا المجاورة فلا وجه لتقسيمها إلى ما يجاور فلا ينجس ما كان مجاورا ~~له، وإلى مخالط ممازج، فينجس ما اتصل به. PageV01P279 # فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن غرض الفقهاء بما قالوه مع التسليم في أنه ~~لا يعقل في اتصاله بالماء إلا على جهة المجاورة ويستحيل عليها الانتقال، ~~فعلى هذا تكون التفرقة بين المجاورة والمخالطة، هو أن المجاورة عبارة عن ~~الاتصال بالماء مع حصول الخلل بين الأجزاء، ومن أجل ذلك قالوا: بأن اتصال ~~النجاسة بالماء على جهة المجاورة لايوجب تنجيسه بخلاف المخالطة فإن اتصال ~~أجزاء النجاسة بالماء على جهة المخالطة اتصال من غير أن يكون هناك خلل ~~بينهما، بل هو جار على جهة الالتصاق. وعن هذا قالوا: بأن المخالطة توجب ~~التنجيس، فإلى هذا يرجع وجه التفرقة عند الفقهاء بين المجاورة والمخالطة لا ~~غير، مع كون ms0081 المجاورة معتبرة فيهما لا محالة كما أوضحناه، فإذا حصلت ~~المجاورة مع حصول الخلل اغتفر الشرع النجاسة في الماء، وإذا حصلت على جهة ~~المخالطة من غير خلل لم يغتفرها، وكان محكوما عليه بالتنجيس، فهذا هو سر ~~التفرقة بين المجاورة والمخالطة في ألسنة الفقهاء، فأما ما يتعلق بالمباحث ~~العقلية فلا يقع هناك تفرقة بين المتكلمين بين ما يكون مخالطا ممازجا وبين ~~ما لا يكون كذلك في أنه كله مجاورة، وما قاله الفقهاء من التفرقة بين ما ~~يكون من النجاسة مخالطا وبين ما يكون مجاورا لكونه مأخوذا من جهة الظواهر ~~الشرعية ومتفرعا على الأقيسة المخيلة الظنية، فلهذا كان التعويل عليه وكان ~~أحق وأقيس. # مسألة: فإن كان الماء كثيرا وتغير بعضه بوقوع النجاسة، فالمتغير يكون ~~نجسا لا محالة لما ذكرناه في المسألة الأولى، عند أئمة العترة وفقهاء الأمة. # والحجة: ما رويناه من الخبر فإنه لم يفصل بين أن يكون متغيرا كله أو بعضه ~~من جهة أن الموجب للتنجيس إنما هو التغير، وهذا حاصل ها هنا. # وهل ينجس ما يكون متصلا به وإن لم يكن متغيرا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه لا يكون نجسا، وهذا هو قول أئمة العترة والفرق الثلاث: ~~الحنفية والشافعية والمالكية. PageV01P280 # والحجة على ذلك: ما رواه أبو سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله يقول: (( ~~إن الماء طهور لا ينجسه شيء)). وقوله : (( خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما ~~غير ريحه أو طعمه))، وهذا لم يتغير أحد أوصافه فيجب القضاء بطهارته، وما ~~رواه ابن عباس عن النبي أنه قال: (( إن الماء لا يجنب ))(1) فهذه ~~الأحاديث كلها دالة على أن مالم يتغير فهو طاهر لا محالة. # وثانيهما: أنه يكون نجسا وإن لم يتغير لما كان متصلا بالنجاسة، وهذا شيء ~~يحكى عن بعض أصحاب الشافعي، منهم: أبو إسحاق الإسفرائيني وابن الصباغ صاحب ~~(الشامل)، وعن صاحب (المهذب)، وصاحب (المقنع) أيضا. # وحجتهم على هذا: هو أن ما تغير فهو نجس بالاتفاق لظاهر الأحاديث، وإذا ~~كان نجسا كان ما اتصل به نجسا؛ لأنه ماء واحد فلا يجوز أن ينجس ms0082 بعضه دون ~~بعض فلأجل هذا حكمنا عليه بالنجاسة في جميعه. PageV01P281 # والمختار: ما عول عليه أصحابنا والفقهاء لما رويناه من الأخبار، فإنها كلها ~~دالة على أنه لا ينجس من الماء إلا ما تغيرت أوصافه، وما هذا حاله فإنه لم ~~يتغير إلا بعضه وما عداه باق على أصل التطهير وقد حمل بعضهم ما قالوه، على ~~أن الماء الذي لم يتغير دون القلتين، فأما إذا كان فوق القلتين فإنه لا ~~ينجس جميعه، وهذا فاسد لا وجه له، فإن ابن الصباغ نص على خلاف ذلك في كتابه ~~(الشامل)، فقال: إذا كان هاهنا ماء راكد متغير بالنجاسة وبجنبه قلتان ~~متصلتان بالراكد غير متغيرتين فقياس المذهب أنه كله ينجس؛ لأنه كالماء ~~الواحد فلهذا كان الكل نجسا وإن كثر، فلما نقلناه يضعف هذا الحمل. وحاصل ~~هذه المقالة أن كل ما كان متصلا بالنجس فإنه يكون نجسا مثله وإن لم يتغير ~~لكونه ماء واحدا، ويضعف ما قالوه من وجهين: # أما أولا: فيلزم هؤلاء إذا كانت بجانب البحر جيفة ميتة فتغير بعض البحر ~~بها أن ينجس جميعه، وهذا لا يلتزمه أحد، وغالب ظني أنهم يفرقون على قولهم ~~بهذه المقالة بين البحر والبرك فتنجس البرك وما شاكلها ولا ينجس البحر، ~~وكله فاسد. # وأما ثانيا: فلأنا إنما حكمنا بنجاسة ما تغيرت أوصافه لدلالة الخبر؛ فأما ~~ما لم يتغير فهو باق على أصل حكم الماء في الطهارة، ويزعمون أن البحر مخصوص ~~بقوله عليه السلام: (( من لم يطهره البحر فلا طهره الله ))، ولم يفصل بين ~~أن يكون متغيرا بالنجاسة أو غير متغير. # مسألة: وإن وقعت النجاسة في ماء كثير ولم تغير شيئا من أوصافه، فهل ينجس ~~ما لاقى النجاسة واتصل بها أم لا؟ فيه مذهبان: PageV01P282 # المذهب الأول: أن جميع الماء كله طاهر ولا ينجس الماء إلا بالتغير لأحد ~~أوصافه، وهذا هو المحكي عن جماعة من الصحابة، كابن عباس، وأبي هريرة، ~~وحذيفة بن اليمان )، ومروي عن جماعة من التابعين، كالحسن البصري )، وسعيد ~~بن المسيب، وعكرمة )، وابن أبي ليلى ) PageV01P283 ، وجابر بن زيد ) وغيرهم، وإليه يشير ms0083 كلام القاسم، فإنه روى محمد بن منصور ~~قال: حضرت القاسم بن إبراهيم، وكان يستسقى له من بئر كان يتوضأ منها، ~~فأصابوا يوما في البئر حمامة ميتة فأعلم القاسم بذلك فقال لغلمانه: انظروا ~~هل تغير منها ريح أو طعم أو لون؟ فنظروا فلم يروا تغيرا فتوضأ منها، ولم ~~يعتبر مجاورا للنجاسة أصلا، وإليه يشير كلام الهادي. فإنه قال: حدثني أبي ~~عن أبيه في البيار والغدران يقع فيها الشيء النجس فقال: لا تفسد إلا أن ~~تغلب النجاسة عليها ولا ينجسها ما وقع فيها من ميتة أو ما أشبهها إذا لم ~~يغلب عليها النجس في لون أو ريح أو طعم، وهذا محكي عن أبي يوسف. # والحجة على ذلك: ما رواه أبو سعيد الخدري من قوله : (( خلق الماء طهورا ~~لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه )). فظاهر الخبر دال على أن ~~الماء لا ينجس منه إلا ما تغير بأحد هذه الأوصاف الثلاثة أو بمجموعها، وما ~~ذكرنا ليس متغيرا فلهذا وجب الحكم عليه بالطهارة كله من غير أن يكون نجسا ~~بالمجاورة. # المذهب الثاني: أن ما يلي تلك النجاسة محكوم عليه بالتنجيس، ثم اختلفوا ~~في ذلك على أقوال ثلاثة: # أولها: أن المجاور الأول للنجاسة نجس، والمجاور الثاني مما جاورها نجس ~~أيضا، وهذا هو المحكي عن المؤيد بالله. PageV01P284 # وحجته على ما قاله: ما رواه أبو هريرة عن الرسول أنه قال: (( إذا استيقظ ~~أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا ))(1). فلولا أن ~~المجاور الثاني ينجس، وإلا لكان لا فائدة في الغسلة الثالثة والأمر بها، ~~والقياس في الغسالة الثالثة أن تكون نجسة لاتصالها بالنجس، لكنا قضينا فيها ~~بالطهارة لحديث أبي هريرة فإنه قصره على الثالثة، فلو كانت نجسة لم تكن ~~مطهرة لما قبلها، والتعبد في الطهارات وارد على خلاف الأقيسة المطردة في ~~الاتصال. # وثانيها: أنه لا ينجس إلا المجاور الأول وهو ما لاصق النجاسة وباشرها دون ~~غيره من المجاورات فإنها طاهرة، وهذا هو الذي يشير إليه كلام السيد أبي ~~طالب وهو قول ms0084 أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو أن السبب في التنجس للماء إنما هو عين النجاسة، ~~والمتصل بها ليس إلا المجاور الأول فإنه ملاصق لها بخلاف المجاور الثاني ~~فإنه غير ملاصق، فلأجل هذا قضينا بنجاسة الأول دون غيره لاتصاله بها ~~وملاصقته لها. # وثالثها: أنه ينظر في الماء المتصل بالنجاسة فإن كان دون قلتين فهو نجس ~~وإن لم يتغير، وإن كان قلتين فما فوقهما فهو طاهر، وهذا هو رأي الشافعي ~~وأصحابه. PageV01P285 # والحجة على ذلك: ما رواه عمر رضي الله عنه عن الرسول ، أنه قال: (( إذا كان ~~الماء قلتين لم ينجس ))(1). فالقلتان عنده كثير وهو غير متغير فلهذا لم ~~يكن نجسا لمجاورة النجاسة؛ لأنه كثير كما سنقرره من بعد، وإن كان دون ~~القلتين فهو قليل فيجب الحكم بنجاسته وإن لم يكن متغيرا لكونه قليلا. فهذا ~~تقرير المذاهب في هذه المسألة. # والمختار: ما عول عليه الإمامان: القاسم والهادي ومن وافقهما من علماء ~~الأمة الصحابة والتابعين. # والحجة على ذلك: من أوجه ثلاثة: # أما أولا: فحديث ابن عباس (( الماء لا يجنب )). # وأما ثانيا: فحديث أبي سعيد الخدري حيث قال: (( خلق الماء طهورا لا ينجسه ~~شيء )). أخرجنا ما تغير بعض أوصافه بالنجاسة أو كلها بدليل خاص غير ظاهر ~~هذين الخبرين، فبقي ما عداها مندرجا تحت ظاهرهما فيجب القضاء بطهارته إذ لا ~~تغير فيه. # وأما ثالثا: فلأن المجاور الثالث كالثاني والأول في عدم التغير بالنجاسة، ~~فلو قضينا بنجاسة الأول والثاني لوجب القضاء بنجاسة الثالث وما وراءه ~~لاشتراكها كلها في عدم تغيرها بالنجاسة؛ إذ لا فاصل هناك، فإذا لم يكن هناك ~~مخصص وجب القضاء بطهارة الكل من المجاورات وهذا هو المقصود. # وأما ما احتج به الإمام المؤيد بالله من حديث أبي هريرة، فعنه جوابان: # أما أولا: فلأنه ليس في ظاهر الحديث ما يدل على نجاسة شيء من المجاورات ~~بصريحه فلا تكون فيه حجة. PageV01P286 # وأما ثانيا: فلأنه إنما ذكر الثلاث مبالغة في التنظيف كما أشار في الغسلات ~~السبع من ولوغ الكلب والتعفير بالتراب مبالغة في التنظيف وإزالة الأثر، ~~فكما أن ms0085 الشيء لا يكون نجسا بالمجاورة فهكذا حال الغسالة الثالثة والأولى ~~لا تكونان نجستين لما ذكرناه. # وأما ما احتج به الإمام أبو طالب. فجوابه: أن مطلق الاتصال بالنجاسة لا ~~يوجب تنجيسه إلا بظهور أثرها فيه، فأما إذا لم يظهر أثرها عليه فلا وجه ~~للحكم بنجاسته، فإذا لا وجه لنجاسة المجاور الأول كما ذكر بحال، ولأنه يلزم ~~الحكم بنجاسة المجاور الثاني لاستوائهما جميعا في عدم التغير، وهو لا يقول ~~به، فليس إلا الحكم بطهارة الماء كله من غير حاجة إلى تنجيس شيء من ~~المجاورات. # وأما ما احتج به الشافعي، فهو مبني على أن القلتين كثير وما دونهما قليل، ~~ومبني على أن القليل ينجس عند ملاقاة النجاسة وإن لم يتغير، وسنقرر الكلام ~~عليه في هذين الأصلين بعد هذا بمعونة الله تعالى. # مسألة: الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغير أوصافه وكان قليلا، فهل ~~ينجس لوقوعها فيه أم لا؟ فيه مذهبان: PageV01P287 # المذهب الأول: أنه يكون نجسا وإن لم يتغير، وهذا هو قول الأكثر من أئمة ~~العترة، الهادي والناصر والأخوين(1) وغيرهم، ومحكي عن ابن عمر من الصحابة، ~~ومن التابعين عن سعيد بن جبير )، ومجاهد ) وأحمد وإسحاق بن راهويه، وهو ~~مروي عن الفريقين: الحنفية والشافعية. والحجة على ذلك: من جهة الكتاب ~~والسنة والقياس. PageV01P288 # الحجة الأولى: من جهة الكتاب، قوله تعالى: {والرجز فاهجر }[المدثر:5]. ~~وقوله تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث }[الأعراف:157]. وقوله تعالى: {إنما ~~الخمر والميسر }[المائدة:90]. إلى قوله تعالى: {فاجتنبوه}. فدلت هذه ~~الظواهر على المنع من استعمال النجاسة ووجوب تجنبها، واستعمال هذا الماء ~~يؤدي إلى استعمال النجاسة، فوجب المنع منه. # الحجة الثانية: من جهة السنة، قوله عليه السلام: (( إذا ولغ الكلب في ~~إناء أحدكم فليغسله .. ))(1)، وقوله عليه السلام: (( إذا استيقظ أحدكم من ~~منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا )). وقوله : (( لا يبولن ~~أحدكم في الماء الراكد ثم يتوضأ فيه ))(2). فجميع هذه الأخبار دالة [على ~~المنع] مما هذا حاله ولم يغير طعما ولا لونا ولا ريحا(3). PageV01P289 # الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنه ماء قليل خالطته النجاسة ms0086 فوجب أن ينجس كما ~~لو تغير، ولأنه ماء قد تيقن استعمال النجاسة باستعماله فكان نجسا كما إذا ~~ظهرت عليه النجاسة، ولأنه اجتمع فيه الحظر والإباحة فوجب تغليب الحظر ومنعه ~~على جانب الإباحة، كالجارية بين الرجلين في تحريم وطئها لأحدهما، والصيد ~~قتله مسلم وكافر، وهذه الأدلة الشرعية دالة على منعه وتنجيسه. # المذهب الثاني: أنه طاهر في نفسه ولا يحكم بنجاسته إلا إذا تغير، وهذا ~~محكي عن جلة من الصحابة كابن عباس وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان، وعن جماعة ~~من التابعين، الحسن البصري وسعيد ابن المسيب وعكرمة وابن أبي ليلى وجابر بن ~~زيد والأوزاعي وداود والثوري والنخعي )، واختاره مالك، وهو مروي عن الإمام ~~القاسم بن إبراهيم، حكاه النيروسي ) عنه، فإنه قال: كل ما لا تظهر فيه ~~النجاسة لا ينجس بما وقع فيه من النجس وإن كان قليلا. والحجة على ذلك تكون ~~من جهة الكتاب والسنة والقياس: # الحجة الأولى: من الكتاب، قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا}[الفرقان:48]. وقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم ~~به}[الأنفال:11]. فظاهر هاتين الآيتين دال على أن كل ما نزل من السماء فهو ~~طاهر يتطهر به من غير فصل بين قليله وكثيره، سواء اتصلت به النجاسة أو لم ~~تتصل، لكنه خرج ما تغير أحد أوصافه أو كلها بدلالة منفصلة. PageV01P290 # الحجة الثانية: من جهة السنة، وهو حديث ابن عباس (( الماء لا يجنب )). ~~وحديث أبي سعيد الخدري حيث قال: (( خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء )). فهذان ~~الخبران دالان على أن الماء كله طاهر إلا ما خرج بدليل خاص في نجاسته ~~بتغيره. # الحجة الثالثة: القياس، وهو أنه مالم يتغير بوقوع النجاسة عليه فيجب ~~القضاء بتطهيره كالماء الكثير، ولأنه باق على أصله في التطهير لم يعرض له ~~ما يغيره من لون أو طعم أو ريح فكان طاهرا كالماء الكثير، فهذا تمام تقرير ~~أدلة الفريقين قد أوضحناها. # والمختار: الحكم بتطهيره كما أشار إليه القاسم وغيره من علماء الصحابة ~~والتابعين، وإنما يتضح بتقويته بالدلالة وبالجواب، فهذان تقريران نفصلهما: # التقرير الأول: في إيراد البراهين ms0087 الشرعية على طهارته، وجملتها حجج خمس: # الحجة الأولى: هو أن المعلوم من حال الصدر الأولى من عصر النبي إلى آخر ~~عصر الصحابة رضي الله عنهم أنهم لم تنقل عنهم واقعة في الطهارة ولا سؤال عن ~~كيفية حفظ الماء عن النجاسات، وكانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء ~~والذين لا يحترزون عن النجاسات وتكثر ملابستهم لها، ولم يعلم تصونهم عن ~~مداخلة هؤلاء ولا نقل احترازهم عنهم وانقباضهم عن تأدية(1) المياه ~~ومعاناتهم لها في حملها ونقلها مع شدة الورع عن الوقوع في المناهي وبعدهم ~~عن ما حرم الله، وبلوغهم في العبادة الغاية القصوى، وكل ذلك دال على ~~اعتمادهم في تطهير الماء على عدم تغيره، فمهما كان على هذه الصفة فهو باق ~~على أصله في التطهير، وهذه حجة يدين بها كل منصف. PageV01P291 # الحجة الثانية: الحمامات، فإنها لم تزل في الأعصار الخالية والآماد ~~المتمادية مستعملة في جميع الأمصار والأقاليم، يدخلها العلماء والأفاضل من ~~غير نكير ولا مدافعة، ويتعاطاها الخاص والعام ويغمسون الأيدي في تلك الحياض ~~الخارجة والداخلة مع قلة الماء فيها، ومع العلم بأن الأيدي النجسة والطاهرة ~~كانت تتوارد عليها وهم ساكتون عن الكلام في نجاستها مكبون على استعمالها، ~~وما ذاك إلا لما يعلمون من أن الماء لا ينجسه إلا ما غير أحد أوصافه، وأنه ~~مخلوق على هذه الهيئة، وقد قال عليه السلام: (( ما رآه المسلمون حسنا فهو ~~عندالله حسن ))(1). فاستعمالهم مع علمهم بحالها واشتمالها على ما ذكرناه من ~~القلة وملابسة النجاسة، دلالة على ما ذكرناه. # الحجة الثالثة: ما علم من حال صاحب الشريعة (صلوات الله عليه)، أنه أصغى ~~الإناء للهرة حتى شربت، وعدم تغطيتهم للآنية منها بعد أن تراها(2) تفترس ~~الحيوانات من الفأرة وغيرها، والمعلوم من حالهم قطعا أنهم ما كانوا يجعلون ~~للسنانير(3) حياضا على انفرادها ولا كانت تنزل الآبار للشرب، فإرسالهم ~~إياها على ما في الآنية من الأمواء مع قلتها واستعمالهم لها بعد ولوغها ~~فيها، فيه أمارة ظاهرة ودلالة قوية على أن الماء لم يكن نجسا بعد ولوغها ~~فيه، وكل ذلك تعويل على ms0088 عدم تغيره مع كونه قليلا. PageV01P292 # الحجة الرابعة: ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه توضأ بماء في جرة نصرانية ~~مع العلم بقلة الماء، وملابسة النصرانية للنجاسة، وتعاطيها له في جميع ~~أحوالها، وفي هذا دلالة على أنه لم يعول إلا على عدم تغير الماء، ولا شك أن ~~نجاسة النصرانية تعلم بأدنى ظن قريب، فأعرض عما ذكرنا وعول على طهارة الماء ~~بما يظهر من حاله من عدم تغيره، وكانت هذه هي الأمارة القوية في طهارته ~~التي لا يعارضها معارض(1). # الحجة الخامسة: إذا وقع رطل من البول في ماء كثير، إما القلتان على رأي ~~من قال بهما، وإما الكثير عند من أعرض عنهما، ثم أخذ من ذلك الماء في صحاف ~~مختلفة، فكل واحدة منها ما فيها من الماء طاهر لا محالة باتفاق، فليت شعري ~~أتعليل طهارته لعدم تغيره أولى، أو بقوة كثرة الماء مع أنا قد فرضنا انقطاع ~~الكثرة بحصوله في صحاف كثيرة مع العلم بأن البول حاصل فيه لا محالة وإن خفي ~~أمره؟ وفي هذا دلالة على أن التعويل إنما كان على عدم تغيره، فهذه الحجج ~~كلها دالة على أن المراعى في طهارة الماء ونجاسته إنما هو على ما يظهر من ~~حاله من التغير وعدمه، والله أعلم. # وممن قال بطهارة الماء القليل عند وقوع النجاسة عليه، الشيخ أبو حامد ~~الغزالي فإنه اختاره مذهبا، وقال: كنت أود أن يكون مذهب الشافعي مثل مذهب ~~مالك، يعني أن الماء وإن قل لا ينجس إلا بالتغير من غير حاجة إلى تقدير ~~الكثرة بالقلتين كما هو رأيه. PageV01P293 # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه وهو التقرير الثاني في بيان الجواب عن ما ~~أوردوه من الأدلة على نجاسته، وقد تمسكوا بما حكيناه عنهم من الظواهر، الآي ~~القرآنية والأخبار المروية والأقيسة المستنبطة، وقد عارضناها بما تلوناه من ~~الآيات ورويناه من الأخبار وقررناه من علل الأقيسة، وليس بعد الانتهاء إلى ~~هذه الغاية إلا التصرف الأصولي، إما العمل على تساقطها لما كانت متعارضة، ~~والعمل على دليل آخر، وإما ترجيح أدلتنا على أدلتهم، ms0089 فهذان تصرفان: # التصرف الأول: وهو القول بالتساقط، فإذا حكمنا بتساقط الأدلة من الجانبين ~~جميعا وجب الرجوع إلى الأصل وهو طهارة الماء؛ لأنه هو الأصل، والحكم عليه ~~بالنجاسة إنما يكون بعارض يعرض له كما رجعنا إلى البراءة الأصلية عند تعارض ~~الأدلة الشرعية المعتبرة، وهكذا هاهنا يجب ما قلناه من الرجوع إلى طهارته، ~~وهو مطلوبنا. # التصرف الثاني: وهو الترجيح لأدلتنا على أدلتهم، فنقول: ما أوردوه من ~~الظواهر إنما سيقت لأغراض أخر غير ما نحن بصدده، كقوله تعالى: {إنما الخمر ~~والميسر}[المائدة:90]. وقوله تعالى: {والرجز فاهجر}[المدثر:5]. وهكذا ما ~~أوردوه من الأخبار مسوقة لمقاصد مخصوصة، فتناولها لهذا الماء يضعف من جهة ~~كونها مسوقة لبيان غيره، بخلاف ما ذكرناه من الآيات والأخبار فإنها مسوقة ~~لبيان غرض التطهير، كقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا}[الفرقان:48]. وقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ~~}[الأنفال:11]. وهكذا حال الأخبار التي رويناها فإنها مسوقة من أجل غرض ~~التطهي لا لغرض سواه، كقوله عليه السلام: (( خلق الماء طهورا))، وقوله: (( ~~الماء لا يجنب)). وقوله: (( الماء لا ينجس)). إلى غير ذلك من الأخبار ~~المؤدية بالتصريح بالمقصود، فلهذا كان التعويل على ما كان صريحا دون ما ليس صريحا. PageV01P294 # ثم نقول: الماء الجاري وإن كان قليلا فإنه يخالف الراكد كما هو محكي عن ~~المنصور بالله، وهو رأي الشافعي وأصحابه وغيرهم من جلة الفقهاء في أنه لا ~~ينجس بوقوع النجاسة فيه مع قلته، فإذا وقع بول في ماء جار ولم يتغير به ~~فإنه يجوز التطهر به وإن كان قليلا، فليت شعري أي فرق بين الراكد والجاري، ~~وهل تكون الحوالة على عدم التغير أم على قوة الماء بسبب الجريان، ثم ما حد ~~تلك القوة فإنها تكون مختلفة الأحوال في القوة والضعف؟ فالإحالة عليها يكون ~~ردا إلى عماية وجهالة، فإذا كان التعويل فيما كان جاريا وإن ضعفت جريته على ~~تغيره في التنجيس، فهكذا يكون في الراكد قليلا كان أم كثيرا من غير تفرقة ~~بينهما. # قولهم في القياس: إنه المردود إلى المتغير بجامع وقوع النجاسة فيه بأقيسة ~~مختلفة ms0090 في صورها. # قلنا: الجواب عن هذه الأقيسة وإن كانت مختلفة الصور بحرف واحد وهو الفرق ~~بوصف مخيل، وهو أقوى ما يعترض به على الأقيسة في الإبطال، وهو أنا نقول: ~~المعنى في الأصل أنه متغير وهذا غير حاصل فيما ذكرتموه من الماء القليل ~~فإنه لم يتغير بوقوع النجاسة، وهذا الفرق يبطل الجمع الذي ذكرتموه ويلحق ~~القياس بالعدم والبطلان. # فأما ما يحكى عن الناصر من تأويل مذهب القاسم في طهارته فلا وجه له ~~لأمرين: # أما أولا: فلأنهم لم ينقلوا عنه إلا ما قاله ولو تطرق إليهم الوهم في هذه ~~الحالة لتطرق إليهم الوهم في سائر ما ينقلونه في مذهبه كله، وأيضا فإنهم ~~وإن كانوا عجما لا تخفى عليهم مقاصده ومراداته خاصة مع الممارسة الكثيرة ~~وطول الإقامة معه. PageV01P295 # وأما ثانيا: فإنما كان يجب تأويل كلامه إذا كان هناك مخالفة لنص قاطع ~~وإجماع متواتر، أو غير ذلك من النصوص المقطوعة التي لا يمكن مخالفتها، فأما ~~وللنظر في المسألة مسرح وللاجتهاد فيها مضطرب فلا وجه للتأويل، بل ينقل ~~مذهبه على حد ما غلب على ظنه بعد توفية الاجتهاد حقه، فإذا كان قد نظر في ~~المسألة وأمعن فكل ما أتى به فهو حق وصواب كما مر تقريره، وهكذا ما يحكى عن ~~السيد الإمام أبي طالب من أن كلام القاسم لا يعول عليه وأن المأخوذ به ما ~~قاله الهادي والناصر وسائر أصحابنا، فإن لكل اجتهاده ولا ضير عليه في ~~المخالفة، ولقد أود أن يكون مذهبهما مثل ما يحكى عن القاسم في أنه لا ينجس ~~القليل إلا بالتغير، فضلا عن أن يقال: إنه لا يعول على مقالته في ذلك. # قالوا: قد تعارض فيه الحظر والإباحة فوجب حظره. # قلنا: إنا لا نسلم التعارض، بل ما ذكرناه من الإباحة الشرعية أرجح لما مر ~~بيانه، ثم إنا نقول: إذا تعارضا من غير ترجيح، وجب القضاء بالتساقط والعمل ~~على ما هو الأصل من طهارة الماء، وفي ذلك حصول غرضنا. # مسألة: حكم الماء الكثير لا ينجس بملاقاة النجاسة إذا لم يتغير، وحكم ~~الماء ms0091 القليل أنه ينجس بملاقاتها وإن لم يكن متغيرا على رأي من قال به، فلا ~~بد من بيان حد القليل والكثير ليعرف هذان الحكمان اللذان يتعلقان به، فأما ~~من لا يقول بالقليل فلا يفتقر إلى معرفة حد القليل والكثير، وإنما الضبط ~~عنده في التنجس وعدمه، إنما هو بما أشار إليه الشرع من التغير قليلا كان أم ~~كثيرا كما اخترناه فيما مضى. # وقد اختلف العلماء في حد القليل والكثير من الماء ولهم في ذلك مذاهب أربعة: PageV01P296 # المذهب الأول: أن ما كان من الماء قلتين فهو كثير وما كان دونهما فهو قليل، ~~وهذا هو قول الإمامين الناصر والمنصور بالله وهو رأي الشافعي وأصحابه، ثم ~~اختلف أصحاب الشافعي في حد القليل(1)، فمنهم من قال: هما خمسمائة منا(2) ~~وهو يأتي ألف رطل بالبغدادي، وقال أبو عبدالله الزبيري ): هما ثلاثمائة منا ~~وهما ستمائة رطل بالبغدادي، وهو محكي عن القفال )، واختاره المسعودي )، ~~وقال أبو حامد: PageV01P297 # وأكثر أصحاب الشافعي: هما خمسمائة رطل بالبغدادي وهو المنصوص. قال الشافعي: ~~والاحتياط أن يجعل كل قلة قربتين ونصفا، والقربة في الحجاز مقدار ما تسعه ~~مائة رطل، فصار ذلك خمسمائة رطل وهل يكون ذلك تقريبا أو تحديدا؟ فيه لهم وجهان: # أحدهما: أنه تقريب، وعلى هذا لو نقص منهما رطل أو رطلان أو ثلاثة لم يضر ذلك. # وثانيهما: أنه تحديد، فلو نقص منهما نصف رطل تنجس بوقوع النجاسة فيه ~~لكونه قليلا، فإذا تقرر هذا، فإذا وقع في القلتين نجاسة لم تنجس إلا أن ~~يتغير، وإن كان الماء دون القلتين تنجس بوقوع النجاسة وإن لم يتغير، فهذه ~~هي فائدة التحديد بالقلتين وما دونهما. # والحجة على ذلك: ما رواه عمر رضي الله عنه عن النبي ، أنه قال: (( إذا ~~كان الماء قلتين بقلال هجر(1) لم يحمل خبثا)). وفي حديث آخر: (( إذا بلغ ~~الماء قلتين لم ينجسه شيء ))(2). ومعنى قوله: لم يحمل خبثا: أي أنه لا ~~يقبله ولا يلتزمه بدليل الحديث الآخر. PageV01P298 # المذهب الثاني: أن حد الكثير من الماء هو الذي جرت العادة في مثله، أنه لا ~~يستوعب ms0092 شربا وتطهرا، كالأنهار الجارية والبيار النابعة والبرك العظيمة، وحد ~~القليل ما كان دونه وهو الذي يستوعب في مجرى العادة شربا وتطهرا، كالحفائر ~~الضيقة والأنهار النزرة والعيون الراكدة، وهذا حكاه السيد الإمام أبوطالب ~~والشيخ أبو جعفر ) من أصحابنا لمذهبهم كالقاسمية، ولم أعرفه قولا لأحد من ~~الفقهاء. # والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله من الأمواء إذا كان لا يستغرق في مطرد ~~العادة في الشرب والتطهر فإنه يوصف بكونه كثيرا، وإذا كان على خلاف ذلك ~~فإنه يوصف بكونه قليلا، وإنما جعلنا المعيار الضابط في القلة والكثرة بما ~~ذكرناه من اطراد العادة؛ لأن أكثر ما يحتاج الناس الماء في أغلب أحوالهم في ~~الشرب والتطهر، لأنهما هما اللازمان في أكثر الحالات وأغلبها، وما عداهما ~~فليس أمرا غالبا بل هو أمر نادر بالإضافة إليهما، فلهذا وجب ضبطه به. # المذهب الثالث: أن حد الكثير ما كان يغلب على الظن أن النجاسة غير ~~مستعملة باستعماله. والقليل ما كان يغلب على الظن أن النجاسة مستعملة ~~باستعماله، وهذا هو الذي حكاه الكرخي عن أبي حنيفة، واختاره الأخوان ~~الإمامان المؤيد بالله وأبوطالب للمذهب(2). PageV01P299 # والحجة على ذلك: هو أن المقصود من معرفة حد القليل [وهو] تنجيسه وإن لم ~~يتغير، والغرض من معرفة حد الكثير هو أن لا يحكم بنجاسته إلا إذا تغير، ~~وإذا كان الأمر كما قررناه وجب أن يكون للنجاسة مدخل في معرفة حد القليل ~~والكثير، فلأجل ذلك جعلناها أصلا في معرفتهما لما لهما بها من الاتصال، ~~وجعلنا الظن هو المعيار الفارق بين القليل والكثير في النجاسة؛ لأنه هو ~~المعتمد في الأكثر والمعول عليه في التكاليف العملية في العبادات وغيرها، ~~فإذا تقرر هذا فكل ما وقعت فيه نجاسة وغلب على ظن المستعمل له أنه مستعمل ~~لها باستعماله، فهو قليل ينجس بملاقاة النجاسة وإن لم يكن متغيرا، وكلما ~~وقعت به نجاسة وغلب على ظن من يلابسه ويستعمله أن النجاسة لا يستعملها عند ~~استعماله، فهو كثير لا ينجس بملاقاتها، فلا جرم جعلنا غلب ظنه في الاستعمال ~~وعدمه معيارا فارقا بين قليل ms0093 الماء وكثيره، هذا ملخص هذه المقالة وزبدتها ~~وثمرة ما عولوا عليه فيها. # المذهب الرابع: حكاه أبو يوسف عن أبي حنيفة في التفرقة بين قليل الماء ~~وكثيره، وحاصل ما قاله: هو أن الحوض والبركة إذا كانا بحيث إذا تحركت منه ~~ناحية لم تضطرب الناحية الأخرى، فما هذا حاله يكون من الكثير فلا ينجس ~~بوقوع النجاسة عليه، وإذا كان بحيث إذا تحرك منه جانب اضطرب الجانب الآخر ~~فهو قليل متنجس إذا لاقته النجاسة. # والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله من الأمواء إذا كان قليلا فإنه يضعف ~~عن احتمال المصاكة فلهذا يضطرب كله لقلته، بخلاف ما إذا كان كثيرا فإنه إذا ~~وقعت فيه المصاكة فإنه يحتملها، فلهذا لم يضطرب إلا ما قرب من الضرب دون ما ~~بعد منه، فلأجل ذلك جعل المعيار الفارق بين قليله وكثيره هو الاضطراب ~~والمصاكة التي حكيناها، فهذا تقرير هذه المذاهب بأدلتها بحسب الإمكان. PageV01P300 # والمختار: ما قررناه آنفا، من أن التعويل في نجاسة الماء وطهارته، إنما هو ~~على تغير أحد أوصافه بالنجاسة، أو كلها، فأما مالم تتغير أوصافه فهو باق ~~على أصل الطهارة كما تشير إليه الظواهر الشرعية. # وتأييد هذا الاختيار إنما يكون بتقريره بالحجة وإيراد الاعتراض على ما ~~يخالفه، فهذان مسلكان: # المسلك الأول: في تقريره بالحجة، وقد أوضحنا فيما سبق أن التعويل في ذلك ~~إنما هو على التغير بالنجاسة من غير أمر وراءه، وهذا هو الضابط الشرعي الذي ~~يسترسل على جميع الصور، وهو الذي تشير إليه الظواهر الشرعية من الكتاب ~~والسنة التي حكيناها، وإذا كان الأمر كما قلناه فلا حاجة بنا إلى ضبط ~~القليل والكثير من الأمواء؛ لأنهما إنما يرادان من أجل معرفة النجس والطاهر ~~من الأمواء، وهذا يمكن معرفته وإدراكه بالأمارة التي ذكرناها، وهي التغير ~~المشار إليه من جهة صاحب الشريعة، فلا حاجة بنا إلى تكلف غيره لضبط قليل ~~الماء من كثيره، إذ لا ثمرة هناك مع ما ذكرناه من أمارة التغير، فلا جرم ~~اكتفينا به وكان المعول عليه، ويؤيد ما ذكرناه أن جميع ما ms0094 عولوا عليه في ~~هذه الضوابط التي ذكروها بين قليل الماء وكثيره ما خلا القلتين، إنما عولوا ~~على عادات عرفية وأمور استنباطية وأقيسة خيالية، والباب باب تعبد، والأمور ~~التعبدية تنسد فيها طرق القياس وتضيق مسالكه وإنما تحكم فيه الأمور النقلية ~~والظواهر السمعية من جهة اشتماله على أسرار غيبية استأثر الله بها، كما ~~أشرنا إليه في طهارة الحدث والنجس فأغنى عن الإعادة. # المسلك الثاني: في إبطال ما اعتمدوه في تقريره فنقول: # أما الكلام على أهل القلتين فقد اعتمد السيد أبوطالب في إفساده على وجوه ~~كثيرة، وحاصل ما قاله من جهة الرد والمعارضة والتأويل، فهذه مقامات ثلاثة ~~نذكر ما يتوجه فيها: # المقام الأول: في الرد، وذلك حاصل من وجهين: PageV01P301 # أحدهما: من جهة الاضطراب في سنده، فإن بعضهم يقول: إنه مروي عن محمد بن ~~عباد )، وبعضهم يرويه عن محمد بن جعفر بن الزبير )، ومنهم من قال: عن ~~عبدالله بن عبدالله بن عمر، وبعضهم يقول: عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر )، ~~وهذا الاضطراب في سنده يدل على ضعفه وترجيح غيره عليه في هذا الوجه. # وثانيهما: من جهة متنه، فإنه يروى (( إذا بلغ الماء أربعين قلة لم يحمل ~~الخبث)) وفي بعض الروايات: (( إذا كان الماء قلة أو قلتين)). وفي بعضها: (( ~~إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا)). وفي بعضها: (( إذا بلغ الماء قلتين لم ~~ينجس)). فانظر إلى وقوع هذا الاختلاف في متنه باختلاف ألفاظه وعباراته، وكل ~~ما ذكرناه مما يطرق إليه الضعف ويكون غيره راجحا عليه إذا كان سالما عما ~~ورد على هذا، فلهذا لم يكن معتمدا. # المقام الثاني: من جهة المعارضة، وذلك من أوجه ثلاثة: PageV01P302 # أما أولا: فما روى ابن عباس عن الرسول أنه قال: (( إن الماء لا يجنب)). # وأما ثانيا: فما رواه أبو سعيد الخدري: (( الماء طهور لا ينجسه شيء)). # وأما ثالثا: فلأنه قد روي: (( إذا بلغ الماء أربعين قلة)) وروي: (( ثلاث ~~قلال)) إلى غير ذلك من الاختلافات، وهذه الأحاديث كلها معارضة لحديث ~~القلتين، من جهة أن ما دون القلتين عندهم ينجس بملاقاة النجاسة ms0095 وإن لم يكن ~~متغيرا، وظاهر حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري يدلان على أن القليل لا ينجس ~~إذا لم يكن متغيرا، وهكذا حديث الأربعين فإنه معارض لحديث القلتين من جهة ~~المعنى، فقد حصل لك بما ذكرناه أن حديث القلتين غير سالم عن المعارضة بما ~~أشرنا إليه وفي ذلك ضعفه وبطلانه. # المقام الثالث: في التأويل ويمكن تأويله على أوجه ثلاثة: # أما أولا: فلعل المراد من قوله عليه السلام: (( إذا بلغ الماء قلتين لم ~~يحمل خبثا)). المراد به أنه يضعف عن حمل الخبث والنجاسة، وهذا موافق لما ~~قلناه من ذلك؛ لأنه قليل فلهذا لم يقو على حملها. # وأما ثانيا: فلعل المراد بالقلة: اسم لرأس الجبل وقامة الرجل، فإن القلة ~~قد تطلق عليهما، وعلى هذا لا يمتنع أنه أراد إذا بلغ الماء قلة الجبل أو ~~قامة الرجل، وعلى هذا يتباعد إليه [الاحتمال] لأن ما هذا حاله يكون كثيرا ~~لا محالة؛ لأن المعتاد هو تقدير الماء بالقامات والأذرع أكثر من تقديره ~~بالأرطال والأمناء لكثرته. PageV01P303 # وأما ثالثا: فلأن قلة الشيء أعلاه، فيحتمل أن يكون مراده أعلى الشيء ورأسه، ~~ومتى كان على هذه الصفة فهو كثير وإنما بناه عملا على تثنية الأسماء ~~المشتركة باعتبار لفظها مع اختلاف معناها، ولهذا فإنه يقال: قرءان. للطهر ~~والحيض جميعا يكونان مرادين به، كما يقال: قرءان. لطهرين أو حيضين، فلا جرم ~~قال: قلتين. لأعلى الشيء ورأسه، وتثنية الأسماء المشتركة باعتبار لفظها دون ~~معناها يضعف، لكنه يحتمل أن يؤول عليه الحديث هاهنا، فهذا تقرير كلام السيد ~~أبي طالب على القائلين بالقلتين، مع تلخيص منا لكلامه و[تجاوز] تهذيب لم ~~نذكره، والله الموفق للصواب. # وأما الكلام على المعيار للمذهب الثاني في حد الكثير بما لا يستوعب في ~~مجرى العادة شربا وتطهرا والقليل بخلافه. فاعلم أنما قالوه يضعف لأمرين: # أما أولا: فإن ردوه إلى عدد مقدر فهو تحكم لا مستند له ولا دلالة عليه، ~~وإن ردوه إلى أمر مبهم فهو رد إلى عماية، فإن العادة فيما هذا حاله مختلفة ~~في السفر والحضر فلا يعول على ms0096 ما ذكروه. # وأما ثانيا: فإن الطرفين واضحان، فما يكفي مائة ألف يكون كثيرا لا محالة، ~~وما يكفي الواحد والاثنين قليل بلا مرية، وما بين هذين الطرفين وسائط كثيرة ~~ومراتب متفاوتة فلا يختص بعضها دون بعض إلا بدلالة ظاهرة وأمارة قوية، وما ~~قالوه ليس يرشد إليها، فيحصل من مجموع ما ذكرناه أن ماعولوا عليه معيار ~~مضطرب لا يعول عليه في إثبات المميز بين قليل الماء وكثيره. # وأما الكلام على المعيار للمذهب الثالث في حد الكثير بما لا يغلب على ~~الظن أن النجاسة مستعملة باستعماله، والقليل بخلافه، فاعلم أن ما قالوه وإن ~~كان أسد من الذي قبله وأدخل في الضبط والحصر وأكثر تأدية للمقصود، فإنه غير ~~منفك عن نظر من وجهين: PageV01P304 # أما أولا: فلأن طهارة الماء ونجاسته صفتان تختصان بالماء فلا يجوز تعليقهما ~~بظن المستعمل للماء، فأحدهما بمعزل عن الآخر، فلا يجوز أن يجعل ظن المستعمل ~~للماء سببا في المميز بين قليل الماء وكثيره؛ لمجانبته للغرض وميله عن ~~المقصود. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه من الظن يختلف باختلاف الظانين، ولهذا فإن من ~~الناس من ظن أن ما دون القلتين قليل والقلتان كثير، ومنهم من قال: إن ~~القلتين في أنفسهما قليل وما فوقهما قد يكون قليلا وقد يكون كثيرا، فمراتب ~~الظنون في مثل هذا مختلفة جدا فلا يجوز أن [تكونا] فاصلا بين قليل الماء ~~وكثيره. # ثم إنا نقول: ما تريدون بقولكم في القليل: إن النجاسة مستعملة باستعماله؟ ~~(هل) تعنون به أنه قد تحقق وصول جرم النجاسة إليه؟ فهذا خطأ، فإنا نعلم ~~قطعا أن قطرة خمر أو قطرة بول وقعتا في قدر القلتين خمسمائة رطل فإنه قليل ~~عندكم، ونحن نعلم قطعا أن جرم النجاسة غير متصل به، وإن أردتم أن جرم ~~النجاسة غير خال عما استعمل من الماء فهذا حاصل في الماء الكثير كالبركة، ~~فإنه لو بال فيها رجل فإنا نعلم أن أجزاء النجاسة فيها، ومع ذلك لم تمنعوا ~~الوضوء منها مع تحققنا لوقوع النجاسة ومخالطتها لها، وإن أردتم معنى ثالثا، ~~فاذكروه حتى ننظر ms0097 فيه بصحة أو فساد. فبطل ما توهموه. # وأما الكلام على المعيار للمذهب الرابع في حد الكثير بما كان لا تضطرب ~~جوانبه عند تحريك جانب منه والقليل بخلافه. فاعلم أن هذا أضعف مما قبله، ~~وفساده يظهر من وجهين: # أما أولا: فلأن ما قالوه مبني على التحريك والاضطراب والمصاكة لأجزاء ~~الماء، وما هذا حاله فلا مناسبة له بكونه قليلا أو كثيرا؛ إذ لا اختصاص ~~للحركة بالتطهير والتنجيس والقلة والكثرة. PageV01P305 # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه راجع إلى قوة الاصطكاك وضعفه وامتداد الماء ~~وقبضه، فكم من ماء يعظم قعره ويكون رأسه ضيقا يضطرب كله عند الضرب وتتحرك ~~أطرافه، ومع ذلك فإنه يعد في الكثرة والعظم، وكم من ماء قليل لا قعر له ~~لسعة أطرافه إذا حرك لم تصطك أطرافه، ومع ذلك فإنه معدود في القلة، فعرف ~~بما ذكرناه أنه لا أثر لهذا الضابط ولا تعويل عليه في قلة الماء وكثرته. # ثم إنا نقول لهم: هذا يختلف حاله باختلاف قوة الضارب، فإذا خف الضرب ضعف ~~الاصطكاك مع كونه قليلا، وإذا قوي الضرب عظم الاصطكاك وإن كان كثيرا فهذا ~~لا يعول عليه، فحصل من مجموع ما ذكرناه ضعف هذه الضوابط كلها، وإذا كانت ~~فاسدة كما قررناه وجب التعويل على ما أشرنا إليه من أنه لا قليل هناك نجس ~~إلا ما كان متغيرا بالنجاسة، فأما من غير تغير فلا وجه للحكم بنجاسته كما ~~أشار إليه القاسم. PageV01P306 # والعجب من الإمام الناصر حيث حمل كلام القاسم على أنه وقع فيه نجاسة ولم ~~يرها فليس عليه في ذلك شيء، وقال: إنه كان كثير الأخذ بالاحتياط فيما تعبد ~~الله به عباده، وهذا لا وجه له، فإن المقصود بلوغ الغاية في الاجتهاد ~~وتوفيته حقه فما أدى إليه فهو حق وصواب سواء كان في تحليل أو تحريم أو ~~إباحة، ثم لا فرق بين أن يبيح شيئا مما حرمه الله أو يحرم شيئا مما أباحه ~~الله، أو يضيق مسلكا فسحه الله علىعباده بالإباحة، أو يفسح مسلكا ضيقه الله ~~على عباده بالتحريم، فكلها مستوية في ms0098 ذلك، ثم إن الماء مخصوص من بين سائر ~~المائعات بالتطهير لغيره كما مر بيانه، ثم يختص بأنه لا ينجسه إلا ما غير ~~أحد أوصافه أو كلها سواء كان قليلا أو كثيرا، وهو مختص بالغلبة لكل شيء، ~~فإذا وقع فيه شيء من النجاسات وكان غالبا لها لم يسلبه اسم الماء، فهو باق ~~على الطهارة والتطهير لغيره، وهذه الخاصة لا تحصل في شيء من المائعات، ومن ~~أجل هذا فإنه لو وقع في لبن أو عسل أو خل أو غيرها من المائعات كثير قطرة ~~بول أو خمر فإنها تنجس الماء(1) لما لم يكن لها غلبة على النجاسة مثل غلبة ~~الماء لها، سواء كانت متغيرة بالقطرة أو غير متغيرة، ولم تكن مختصة بما ~~اختص به الماء من الصقالة والرقة، فلهذا لم تقدر على حمل النجاسة كقدرته ~~على حملها. # مسألة: في الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة. # اعلم أن جميع ما أسلفنا فيه الكلام إنما هو مختص بالماء الراكد، واعلم أن ~~كل من قال من العلماء من أئمة العترة وغيرهم من علماء الأمة، بأن القليل من ~~الماء لا ينجس إلا بالتغير، فإنه لا يفصل بين أن يكون الماء راكدا أو ~~جاريا، ويطرد هذا الحكم في جميع المياه راكدة كانت أو جارية، وعلى هذا إذا ~~وقعت ميتة في نهر جار فإنه ينظر، فإن تغير فهو نجس، وإن لم يتغير فهو طاهر ~~مطهر. وينشأ من ذلك فروع ثلاثة: PageV01P307 # الفرع الأول: إذا وقعت قطرة من خمر أو بول في قربة أو مشعل(1) أو جرة نظرت، ~~فإذا كان متغيرا بها فهو نجس، وإن لم يتغير بها فهو طاهر؛ لأن الاعتماد في ~~هذا المذهب على تغير الماء بوقوع النجاسة وعدم تغيره لا غير من غير أمر ~~ورائه، وإليه تشير ظواهر الأحاديث كما قررناه من قبل. # الفرع الثاني: إذا كان الماء راكدا في حفير أو بركة أو غيرهما ثم وقعت ~~فيه ميتة نظرت أيضا، فإن كان متغيرا بها فهو نجس لأنه قد تغير بها، وإن كان ~~غير متغير فهو طاهر كله ms0099 من غير حاجة إلى مجاور أول ولا إلى مجاور ثان كما ~~قررناه فيما سبق، فاتصالها بالماء لا يكون له حكم في التنجيس إلا مع ~~التغير. # الفرع الثالث: إذا وقعت ميتة في نهر جار فإنه ينظر في حالها، فإن غيرت ~~الماء فهو نجس كله ما انفصل منه وما لم ينفصل، وإن لم يكن متغيرا فهو طاهر ~~كله، حافة النهر ووسطه، والجرية التي تمر على النجاسة طاهرة أيضا إذا لم ~~تكن متغيرة سواء كان الجاري قليلا أو كثيرا. فهذه المسائل كلها متفرعة على ~~رأي من يذهب إلى أن الماء لا ينجس إلا مع التغير وهو المختار، وقد قررناه ~~بالأدلة فأغنى عن الإعادة والتكرير. # فأما القائلون بنجاسة الماء القليل وإن لم يكن متغيرا فقد اضطربت ~~أنظارهم، فمنهم من قال: إن الجاري مخالف للراكد، ومنهم من قال: بأنهما ~~مستويان. فهذان فريقان نذكر ما يختص كل فريق: # الفريق الأول: الذين ذهبوا إلى أن الجاري لا ينجس وإن كان قليلا بخلاف ~~مقالتهم في الراكد، وهذا هو المحكي عن الإمام المنصور بالله فإنه قال: إن ~~الجرية تلحقه بالكثير في الحكم، وهو أحد قولي الشافعي الذي حكاه الخراساني ~~عنه، وحكى عنه البغداديون من أصحابه قولا آخر: أنه ينجس. PageV01P308 # والحجة على ذلك: هو أن الجاري يخالف في طبعه الراكد من جهة أن الراكد ~~يتدافع بعضه على بعض من غير نفوذ بخلاف الجاري فإنه يدفع بعضه بعضا من غير ~~مرادة، فالنجاسة إذا وقعت في الجاري اندفعت على حسب الجرية فلم يكن له حكم ~~في البقاء بخلاف الراكد فإنه يرتد بعضه على بعض، فإذا وقعت فيه النجاسة كان ~~حكمها أقوى في البقاء بخلاف الجاري فافترقا. # الفريق الثاني: وهم الذين ذهبوا إلى أن الجاري مثل الراكد في أن القليل ~~منه ينجس، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ~~والقول المشهور عن الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن الأدلة التي دلت على تنجس القليل من الماء لم تفصل ~~بين الجاري والراكد، فإذا وقعت النجاسة في الماء الجاري فكل ms0100 على أصله في ~~القلة والكثرة فينظر في الماء، فإن كان متغيرا بوقوع النجاسة فيه فهو نجس ~~بكل حال قليلا كان أو كثيرا، وإن كان غير متغير، فعلى قول الناصر والمنصور ~~بالله والشافعي: أن الذي يمر بالنجاسة من الماء إن كان قلتين فما فوقهما ~~فهو طاهر، وإن كان دون القلتين فهو نجس. وعلى ما حكيناه عن الإمامين ~~والأخوين(1) تحصيلا للمذهب، أن الماء الذي يمر بالنجاسة إن كان يغلب على ~~الظن أن النجاسة مستعملة باستعماله فهو قليل فينجس، وإن كان لايغلب على ~~الظن أن النجاسة مستعملة باستعماله فهو كثير فلا يكون نجسا، وهكذا القول في ~~تلك الضوابط التي حكيناها في القليل والكثير، فما كان قليلا فهو نجس وإن لم ~~يتغير، وماكان كثيرا فهو طاهر إن لم يتغير كما مر تفصيله. # والحجة على ماقالوه: قد اسلفناها. PageV01P309 # والمختار: هو الحكم بطهارة الماء إذا لم يكن متغيرا سواء كان جاريا أو ~~راكدا قليلا كان أو كثيرا، بل هو في الجاري أحق من جهة أن الجرية تذهب ~~بالنجاسة، بخلاف الراكد فإنه يرتد بعضه على بعض، والعذر لمن قال بتنجيس ~~الماء القليل في الراكد أظهر منه في الجاري لما ذكرناه. # فأما على ما اخترناه فهما سيان، ويؤيد ذلك ما نعلم من حال السلف فإنهم ~~مازالوا يستنجون من الأنهار القليلة من غير نكير، وفي هذا دلالة على أن ~~الجاري يخالف الراكد وأنه لاينجس مع كونه قليلا. # فإذا تمهدت هذه القاعدة، فاعلم أن الماء الجاري إذا وقعت فيه النجاسة ~~يكون على أوجه ثلاثة، على رأي من يرى تنجيس الماء وإن لم يكن متغيرا: # الوجه الأول منها: أن تكون النجاسة جارية بجري الماء، فتكون معه لكونها ~~خفيفة لاتثقل عليه كالمنبذ مثلا، فالماء الذي [كان] قبل النجاسة يكون طاهرا ~~لامحالة من جهة أن النجاسة غير واصلة إليه، فهو كالماء الذي يصب من إبريق ~~على نجاسة، والماء الذي يكون بعدها طاهرا لأنها غير متصلة به، وأما مايختلط ~~بالنجاسة من تحتها ومن فوقها وعن يمينها وعن شمالها، فإنه ينظر فيه فإن ~~كانت الجرية ms0101 متغيرة بالنجاسة فهو نجس بلا مرية، وإن كانت غير متغيرة، فهل ~~تنجس أم لا؟ فيه أقوال ثلاثة: # فالقول الأول: يأتي على رأي الأكثر من أئمة العترة، وهو أنه يكون نجسا ~~إلا أن يكون كثيرا، واعتبار كثرته باعتبار الأوجه التي قررناها لهم اعتمادا ~~على أن الماء القليل ينجس وإن لم يكن متغيرا، قال المؤيد بالله: لو كان ~~هاهنا ميتة كبيرة وقعت في نهر حتى سدت جانبيه وعلم أن جميع الماء يمر عليها ~~ويجاورها، يجب تنجيسه(1) بخلاف ما إذا كان حال الجرية عظيما ولم يتغير فإنه ~~لا ينجس لأجل كثرته. PageV01P310 # القول الثاني: وهو الذي يأتي على رأي أهل القلتين، الناصر، والشافعي، وهو: ~~أنه ينظر في حاله، فإن كان الذي عن يمينها وشمالها ويجري فوقها يأتي قلتين، ~~فهو طاهر؛ لأنه صار مقدارا للكثرة، وإن كان دونهما فهو نجس لكونه قليلا ولا ~~يجوز التطهر به بعد انفصاله إلا أن يركد ويصير قلتين فما فوقهما، وهذا هو ~~المشهور عن الشافعي، وقد روي عنه قول آخر أنه يكون طاهرا إذا كان غير متغير ~~من غير اعتباره بالقلتين. # القول الثالث: أن الجرية وما فوق النجاسة وما تحتها وما عن يمينها ~~وشمالها يكون طاهرا من غير حاجة إلى اعتباره بالقلتين، وهذا هو المحكي عن ~~الإمام المنصور بالله، وهو أحد أقوال الشافعي من جهة: أن الجرية لها حكم ~~يخالف الركود فلأجل ذلك لم تقو النجاسة على تنجيس الماء من غير تغير. # الوجه الثاني: أن تكون النجاسة واقفة غير جارية بجرية الماء، فالماء الذي ~~قبلها يكون طاهرا، والماء الذي بعدها [يكون] طاهرا إذا لم يتصل بها ~~ويجاورها، فأما الجرية التي تكون فوق النجاسة ومن تحتها فإنه ينظر فيها، ~~فإن كانت متغيرة فهي نجسة، وإن كانت غير متغيرة فالأقوال الثلاثة التي ~~حكيناها في الوجه الأول حاصلة هاهنا، فمن اعتبر الكثرة قال: هو نجس إلا أن ~~يكون كثيرا، ومن اعتبر القلتين قال: هو نجس كله إلا أن يكون قلتين، ومن عول ~~على الجرية في الطهارة قال بكونه طاهرا على أية حال كان، ms0102 سواء كان قلتين أو ~~أكثر كما حكيناه عن المنصور بالله. PageV01P311 # الوجه الثالث: أن يكون هاهنا نهر جار فوسطه يجري على سنن جريته، وعن يمين ~~الجرية وشمالها ماء راكد متصل بجرية الوسط، فوقعت في الراكد نجاسة فينظر ~~فيه، فإن كان متغيرا بالنجاسة فهو نجس، وإن لم يتغير فيجب تخريجه على تلك ~~الأقوال الثلاثة، فعلى قول الأكثر من أصحابنا أنه ينظر فيما ركد، فإن كان ~~قليلا فهو نجس لملاصقته النجاسة ولا تنفعه الجرية المائلة عن سمته، وعلى ~~قول أهل القلتين إن كان الراكد قلتين فهو طاهر وإلا فهو نجس. وأما على رأي ~~الإمام المنصور بالله فإنه ينظر فيه، فإن دخل عليه الجاري وخرج منه فإنه ~~يكون له حكم الجاري فلا ينجس إلا بالتغير لا غير، وإن كان بحيث لا يتصل به ~~الجاري ولا يدخل عليه. فإنه ينظر فيه، فإن كان قلتين فهو طاهر وإن لم يجر، ~~وإن كان دونهما فهو نجس. # فهذه الأوجه الثلاثة كلها حادثة على رأي من ينجس القليل من غير تغير. # فأما على رأي القاسم والذي اخترناه، فكل ما ذكرناه في هذه الأوجه في هذه ~~الأمواء فإنها طاهرة مالم تكن متغيرة من غير اعتبار ضابط آخر على أي صفة ~~كانت، ومن أجل تنجيس القليل من غير تغير وقع الاختلاف في هذه الصور كما ~~أوضحناه، ومع اعتبار التغير لا يقع هناك اختلاف في الصور، وهذا يدلك على ~~أنه معيار لا تنثلم له حافة ولا تشذ عنه صورة دون صورة، ويسترسل على جميع ~~الصور ويحيط بكل الحالات. # مسألة: إذا حكم بنجاسة الماء لوقوع النجاسة فيه وأريد تطهيره جاز ذلك؛ ~~لأنه كالثوب إذا وقعت فيه نجاسة فإنه يجوز تطهيره بالغسل، وليس يخلو حاله ~~عند ذلك من أوجه ثلاثة: PageV01P312 # الوجه الأول: أن يكون الماء كثيرا، واعتبار كثرته إما أن يكون بحيث لا تكون ~~النجاسة مستعملة باستعماله كما رأى بعض أئمة العترة، وإما بحيث لا يستوعب ~~شربا وتطهرا في مطرد العادة ومجراها، وإما بأن يكون قلتين فما فوقهما على ~~رأي من يعتبر الكثرة بالقلتين ms0103 كما هو رأي الإمامين الناصر والمنصور بالله ~~والشافعي، فإذا كان كثيرا بهذه الاعتبارات وتغير بوقوع النجاسة عليه وأريد ~~تطهيره، فإنه يطهر بزوال تغيره؛ لأنه هو المؤثر في نجاسته، فإذا زال تغيره ~~وجب الحكم بطهارته لأنه خلق طهورا، وإنما عرض له عارض فبزوال ذلك العارض ~~تعود له الطهارة، وذلك يكون: إما بطول الإقامة والمكث، وإما بهبوب الريح، ~~وإما بطلوع الشمس عليه، وإما بأن يضاف إليه ما هو أعظم منه وأوسع في الكثرة ~~فيزول تغيره به، وإما بأن يؤخذ بعضه فيكون أخذه سببا في زوال تغيره، فما ~~هذا حاله يعود طاهرا عند أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي. # والحجة على ذلك: قوله : (( خلق الماء طهورا )). وفي حديث آخر: (( لا ~~ينجسه إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه )). فإذا كان التنجيس متعلقا ~~بالتغير فهو إذا زال بطل حكم النجاسة. # نعم.. إذا طرح فيه شيء فزال التغير لأجل طرحه، فإن كان المتغير هو الطعم ~~فطرح فيه ماله طعم فغلب طعمه طعم النجاسة، أو كان المتغير هو اللون فطرح ~~فيه ماله لون فغلب لونه لون الماء، أو كان المغير هو الريح فطرح فيه ماله ~~ريح فغلب ريحه ريح الماء، فما هذا حاله لا يحكم بطهارته(1) للماء عند أئمة ~~العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنه يجوز أن تكون صفة الماء المتغير بالنجاسة باقية، ~~وإنما لم تظهر لغلبة ما طرح فيه، وتحقيق ذلك أن النجاسة متحققة الحصول في ~~الماء، والشك حاصل في زوالها فلا وجه للحكم بزوالها بالشك. PageV01P313 # وإن طرح فيه تراب فأزال تغير الماء بالنجاسة، فهل يطهر أم لا؟ الأقرب على ~~المذهب أنه غير مطهر(1)، وهو أحد قولي الشافعي الذي اختاره المحاملي ) ~~لمذهبه. # والقول الثاني: أنه يطهر، حكاه الإسفرائيني من أصحابه. # والحجة للأول: هو أنه زال تغيره بوارد عليه غير مزيل للنجاسة، فأشبه ما ~~لو طرح فيه كافور أو مسك فزالت رائحته به. # والحجة للثاني: هو أنه قد زال التغير فأشبه ما لو زال بنفسه أو بماء. ms0104 # والمختار: هو الأول، وهو ما ذكرناه من قبل، أن النجاسة متحققة والتراب لا ~~يعلم حاله هل هو مزيل أو ساتر، فلا يجوز الحكم بطهارته مع الشك. # وإن طرح في الماء المتنجس غير التراب من الجوامد التي لا ريح لها ولا طعم ~~ولا لون كالأحجار الصلبة فزال تغيره بها، فهل يطهر أم لا؟ فيه لأصحاب ~~الشافعي وجهان: # أحدهما: أنه لا يطهر وهو محكي عن الشيخ أبي حامد من أصحابه. # وحجته: أنه زال تغيره بغير مطهر فأشبه الزعفران وماء الورد. # وثانيهما: أنه يطهر؛ لأنه قد زال التغير بطارئ عليه فأشبه ما لو زال ~~بالماء. # والمختار للمذهب: هو الثاني. # والحجة على ذلك: هو أن هذه الأحجار ليس لها طعم ولا ريح ولا لون، فإذا ~~زال تغير الماء بها كان طاهرا كما لو زال بهبوب الريح وطلوع الشمس. PageV01P314 # الوجه الثاني: أن يكون على قدر مخصوص من الكثرة، بحيث لا يزيد عليها ولا ~~ينقص منها على رأي أكثر العترة، أو يكون قلتين من غير زيادة عليهما فيكون ~~كثيرا(1) ولا ناقص عنهما فيكون قليلا، ومتى كان الأمر فيه على هذه الصفة ~~فأريد تطهيره فإنه يطهر بجميع ما ذكرناه، بهبوب الريح وجري الشمس، أو بأن ~~يزاد عليه من الماء ما هو أعظم منه ولا يخرج عن هذا إلا تطهيره بالنقصان ~~عنه؛ لأنه متى نقص عن حد الكثرة كما يقوله أصحابنا، أو عن القلتين عند من ~~يعتبرهما، كان نجسا، وتطهير الشيء النجس لا يكون بنقصان بعض أجزائه، وإنما ~~يكون هذا إذا كان موصوفا بالكثرة. # الوجه الثالث: أن يكون الماء ناقصا عن حد الكثير، إما بأن يكون يغلب على ~~الظن بأن النجاسة مستعملة باستعماله، أو بأن يكون ناقصا عن القلتين عند من ~~اعتبرهما في الكثرة، فإذا وقعت فيه نجاسة وغيرت أوصافه أو بعضها وأريد ~~تطهيره، فإذا كوثر الماء فصب عليه حتى بلغ حد الكثرة، فهل يطهر أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # أحدهما: أنه لا يطهر، وهذا هو رأي أكثر أئمة العترة، وهو محكي عن أبي ~~حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: ms0105 هو أن كل واحد من الزائد والمزيد عليه نجس لكونهما قليلا ~~بانفراد كون كل واحد منهما، فلا يطهران باجتماعهما، كالمتولد بين الكلب ~~والخنزير، فإنه يكون حراما مثلهما. # وثانيهما: أنه يطهر، وهذا هو رأي الشافعي وأصحابه. PageV01P315 # والحجة له على ذلك: هو أنها وقعت فيه نجاسة، وقد بلغ حد الكثرة بالقلتين من ~~غير تغير فيه، فكان طاهرا كما لو وقعت فيه نجاسة وهو قلتان ولم تغيره فإنه ~~يحكم بطهارته فهكذا هذا. قالوا: وهكذا لو كان هاهنا قلتان منفردتان في كل ~~واحدة منهما نجاسة قد غيرتها، فخلطا جميعا فزال التغير بالخلط حكم ~~بطهارتهما، وقالوا أيضا: إذا كان هاهنا قلتان فوقعت في كل واحدة منهما ~~نجاسة على انفراد كانت نجسة، فإذا اجتمعتا صارتا طاهرتين، فإذا تفرقتا ~~كانتا على أصل الطهارة، وإن طرأ عليهما نجاسة بعد افتراقهما تنجستا لا محالة. # والمختار: أن هذه التفاصيل التي قررناها إنما تليق على رأي من أثبت نجاسة ~~القليل من غير تغير، فأما على ما أصلنا من أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، ~~فجميع هذه الصور كلها طاهرة سواء كان قليلا أو كثيرا، أو كان قلتين أو ~~زائدا عليهما أو ناقصا عنهما فلا عبرة في طهارته ونجاسته بطرو النجاسة عليه ~~إلا بتغيره لا غير. # نعم.. إذا كان لا بد من إثبات القليل من الماء يكون نجسا وإن لم يتغير، ~~فحصره بالقلتين أولى من حصره بغيرهما(1) تفريعا على قول أهل القليل؛ لأن ~~القلتين قد دل الشرع على كونهما وما فوقهما معيارا للكثير من الماء، ودل ~~على أن ما دونهما فهو معيار للقليل، فلهذا كان القلتان فما فوقهما لا ~~ينجسان بوقوع النجاسة فيهما إذا لم تتغيرا وكان ما دون القلتين قليلا فينجس ~~بوقوع النجاسة وإن لم يتغير، بخلاف غيرهما من الضوابط للكثرة والقلة، فإنما ~~تقررت بالمقاييس والظنون والأمارات وذلك يكون من جهة القياس، ولا شك أن ~~منصب الشارع أعلى من منصب القائس؛ لأن عصمة الشارع معلومة مقطوع عليها، ~~بخلاف القائس فإنما يصدر قياسه عن ظنون وأمارات خيالية، فلهذا كان القلتان ~~أحق من ms0106 جهة التقدير لو قلنا به. والله أعلم. PageV01P316 # مسألة: وإذا وقع في الماء نجاسة ولم تغيره ووقع الشك في الماء، هل هو قليل ~~أو كثير، أو قلتان أو أقل منهما على رأي من قال بهما، حكم بنجاسته على رأي ~~أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي، من جهة أن الأصل فيه ~~القلة، والكثرة عارضة. فلهذا كان التعويل على كونه قليلا فينجس. # وإن تحقق كون الماء كثيرا، أو قلتان فما فوقهما، ثم أخذ [منه] مقدار فوقع ~~الشك في كونه قليلا أو كثيرا، ثم وقعت فيه نجاسة لم تغيره، كان طاهرا من ~~جهة أن الأصل هو الكثرة؛ لأنها هي المتحققة من قبل، والشك إنما وقع في ~~القلة فلهذا حكمنا بطهارته. # وإن كان الماء كثيرا فنقص منه مقدار قربة أو غرب(1)، أو كان قلتين فنقص ~~منهما مقدار كوز ثم أكمل بماء الورد ثم وقعت فيه نجاسة، كان الماء كله ~~نجسا، وإن لم يتغير، من جهة أنه نقص عن مقدار ما تحمل النجاسة وهو الكثرة، ~~وإن أكمل بماء قد تغير بالزعفران ثم وقعت نجاسة فيه، فإن الماء يكون طاهرا. # والتفرقة بينهما هو: أن ماء الورد عرق وليس بماء بخلاف ما تغير بالزعفران ~~فإنه ماء كان مطهرا، فإذا أكمل بماء الورد فقد أكمل بغير الماء، وإذا أكمل ~~بماء الزعفران فقد أكمل بالماء فإذا زال تغيره بالخلط صار طاهرا مطهرا ~~فافترقا. # وإن صب على القليل من الماء أو على ما دون القلتين خمرا أو بولا، حكم ~~بنجاسة الماء وإن لم يتغير، وهكذا إذا صب على القليل ماء نجسا حكم بنجاسة ~~الماء أيضا، وإن صب ما حكم بقلته من الماء أو كان دون القلتين على الخمر ~~والبول فاستهلك الخمر والبول بالماء، فهل يحكم بطهارة الماء أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # أحدهما: أنه يكون نجسا، وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه ماء قليل خالطته النجاسة فيجب القضاء بنجاسته ~~كماء لو ورد عليه البول والخمر. PageV01P317 # وثانيهما: أنه يكون طاهرا، وهذا هو ms0107 المحكي عن الشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: قوله : (( إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في ~~الإناء حتى يغسلها ثلاثا)). فنهى عن إيراد اليد النجسة على الماء وأمر ~~بإيراد الماء عليها، فدل ذلك على أن إيراد الماء على النجاسة يستهلكها ~~فلهذا طهرها بخلاف ما إذا أوردت عليه فإنها تكون مستهلكة له. # والمختار: هو الأول على رأي أهل القليل؛ لأنه إذا كان قليلا فإنه يغلب ~~على الظن أن النجاسة مستعملة باستعماله، فلهذا كان نجسا كما لو كانت ~~النجاسة واردة على الماء، فهذه التفاصيل إنما تليق بمن قال بالتقدير في ~~قليل الماء وكثيره كما فصلناه من تلك الضوابط لهم، فأما من جعل الضابط هو ~~التغير فلا يفتقر إلى هذه التفاصيل وإنما معياره هو التغير لا غير، سواء ~~كان الماء جاريا أو راكدا، فالتغير هو المعيار الذي لا يختلف حاله، وإنما ~~وقع الاضطراب في هذه المسائل التي ذكرناها من أجل الضبط بالقليل والكثير ~~بالقلتين وبغيرهما، فأما ضابط التغير فإنه لا اختلاف فيه. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه، فأما ما رواه أبو هريرة من قوله عليه ~~السلام: (( إذا استيقظ أحدكم من منامه)). الحديث، فقد احتج به الشافعي على ~~أن الماء إذا أورد على النجاسة طهرها بخلاف ما إذا وردت عليه، وجوابه من وجهين: # أما أولا: فلأنه إنما قال: (( فلا يدخلها الإناء حتى يغسلها ثلاثا)) ليس ~~من أجل التفرقة بين أن ترد النجاسة على الماء أو يكون واردا عليها، ولكن ~~الغرض هو التنزيه، وإدخالها الإناء يناقض التنزيه ويبطله فلهذا أمر بإيراد ~~الماء عليها من أجل ذلك. PageV01P318 # وأما ثانيا: فلأنه لا يؤمن أن تكون في يده نجاسة تفسد الماء، فلا جرم أمر ~~بإيراد الماء عليها، ولأن الماء إذا ورد عليها كانت الغسالات منفصلة عن ~~الماء بخلاف مالو كانت اليد واردة على الماء، فإنها تكون متصلة به، فحصل من ~~هذا أنه لم يأمر بإيراد الماء على النجاسة من جهة التفرقة، فهما سيان في ~~التنجيس على رأي من يفسد الماء بالقليل من النجاسة وإن لم تغيره. # وقد ms0108 احتج بالخبر من زعم أن الماء القليل ينجس من غير تغير؛ لأنه لولا أن ~~الماء ينجس بملاقاة النجاسة لما نهى عن إدخالها الإناء من غير غسل، لأنه ~~إذا كان إدخالها الأناء لا ينجس الماء فلا فائدة في نهيه عن إدخالها ~~الإناء، وجوابه من وجهين: # أما أولا: فليس في ظاهر الحديث ما يدل على أن في اليد نجاسة، وإنما ورد ~~التعبد في المنع من إدخالها الإناء وإن كانت طاهرة، وليس واردا على جهة ~~المنع وإنما ورد على جهة التنزيه والاستحباب، ولهذا قال ابن عباس لما روى ~~أبو هريرة هذا الحديث: فما نصنع بمهراسنا؟ يشير إلى أنه ليس واردا عل جهة ~~الحظر وإنما مقصوده التنزيه. # وأما ثانيا: فلأنا نقول: لعل النجاسة التي توهم اتصالها باليد كانت تغير ~~الماء وتنجسه بالتغيير له، وكلامنا إنما هو في نجاسة لا تغير الماء، فلا ~~جرم لم تكن منجسة له. والنزاع إنما وقع فيما كان من النجاسات غير مغير ~~للماء هل تنجسه أم لا؟ فأما ما كان مغيرا له، فهو منجس له لا محالة ~~فافترقا. # مسألة: إذا وقع في الماء القليل نجاسة لا يدركها الطرف أو في الثوب، فقد ~~حكي عن أصحاب الشافعي فيه طرق خمس: # الأولى منها: أنه يعفى عنها؛ لأنه يتعذر الاحتراز مما هذا حاله فلهذا عفي عنه. # الثانية: أنه لا يعفى عن شيء منها من جهة أنها نجاسة متيقنة فهي كالنجاسة ~~التي يدركها الطرف. # الثالثة: أن فيها قولين: # أحدهما: أنه يعفى عنها. # وثانيهما: أنه لا يعفى، ووجههما ما ذكرنا من قبل. PageV01P319 # الرابعة: التفرقة بين الماء والثوب، فيعفى عن الثوب ولا يعفى عن الماء. # ووجه التفرقة بينهما: هو أن الثوب أخف حكما في النجاسة ولهذا فإنه يعفى ~~عن قليل الدم والقيح فيه، بخلاف الماء فافترقا. # الخامسة: أنه يعفى عن الماء ولا يعفى عن الثوب. # ووجه التفرقة بينهما: هو أن الماء يزيل النجاسة عن غيره، فلهذا دفع ~~النجاسة عن نفسه بخلاف الثوب فافترقا. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من العفو عن ذلك، وهو أول هذه ms0109 الطرق. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}[الحج:78]. ~~فلو أوجبنا تنجيس الماء لكان في ذلك أعظم حرج، وأي حرج أعظم من المعاملة ~~بنجاسة ما لا تعلم نجاسته ويعلمها الله تعالى، والتكليف فيما هذه حاله، بما ~~يدرك بالحس ويعلم بالإدراك. وقوله : (( بعثت بالحنيفية السمحة ))(1). ولا ~~مسامحة فيما هذا حاله، إنما السموحة في إسقاط نجاسته والعفو عنها كما قلناه. # ومن جهة القياس، وهو أن ما هذه صفته فإنه يلحق بما لا نفع فيه؛ لأنه في ~~الحكم كأنه غير واقع من جهة أنه غير مدرك ولا مرئي، فهذا ما أردنا ذكره في ~~الأمواء النجسة وما تحتمله من المسائل، والله الموفق. # ا PageV01P320 --- ### ||| AUTO القسم الثالث: في بيان المياه المستعملة # اعلم أن الماء المستعمل الذي وقع فيه التردد بين العلماء في كونه مطهرا ~~أو غير مطهر، إنما يصير مستعملا باعتبار معنيين. # المعنى الأول منهما: تأدية العبادة به، فرضا كانت أو نفلا، فما كان [من ~~الماء] منفصلا عن أعضاء المحدث في فرض الطهارة ونفلها، وما كان منفصلا عن ~~بدن المحدث في غسل الجنابة، فإنه يصير مستعملا بما أوضحناه. # المعنى الثاني: ما أزيل به النجاسة، فهذا نحو الغسالة الثالثة على رأي ~~المؤيد بالله فإنها طاهرة، وقد صارت مستعملة في إزالة النجاسة بها، ونحو ~~الغسالة الثانية والثالثة على رأي الشافعي فإنهما طاهرتان، وقد حصل لهما ~~وصف الاستعمال بإزالة النجاسة بهما، فأما الغسالة الأولى على رأي المؤيد ~~بالله والشافعي فهي نجسة، فلا كلام عليها، وهكذا حال الغسالة الثانية على ~~رأي المؤيد بالله فإنها نجسة أيضا، وإنما كلامنا فيما كان طاهرا من الماء ~~وقد عرض [له] وصف الاستعمال. فمتى حصل هذان المعنيان صار الماء مستعملا، ~~وسيأتي تقريره، ومتى انتفيا جميعا فليس مستعملا، وإن حصل أحدهما دون الآخر ~~فالماء مستعمل لا محالة. ومثال حصولهما جميعا: هو أن المحدث لو كان على ~~أعضائه نجاسة فطهرها من النجاسة، ثم لما كان عند الغسلة الثالثة نوى رفع ~~الحدث فصار ما تساقط من الماء المستعمل يستعمل في رفع الحدث وإزالة ms0110 النجاسة جميعا. # ومثال ما انتفى عنه الأمران جميعا، فالغسالة الرابعة فإنها غير مستعملة ~~في رفع حدث ولا إزالة نجس، فلا جرم لم يتعلق بها حكم الاستعمال، فما هذا ~~حاله من الأمور يجوز فيه رفع الحدث وإزالة النجس؛ لأنه لم يتغير عن وصفه لا ~~بعارض حسي ولا بعارض حكمي يزيل وصف التطهر به، فلهذا جاز التطهر [به] ~~اتفاقا. ومثال ما حصل به رفع الحدث دون إزالة النجس، الماء الذي تؤدى به ~~العبادة من فرض أو نفل فإنه يكون مستعملا لما حصل به من تأدية العبادة. PageV01P321 # ومثال ما حصل به إزالة النجاسة، نحو الماء الذي تزال به النجاسة عن الثوب ~~مثلا، فإنه إنما كان مستعملا بإزالة النجاسة لا غير وليس هناك حدث. وهل ~~يصير الماء مستعملا بالتبرد أم لا؟ # والذي عليه أئمة العترة وهو قول الشافعي: أنه لا يصير مستعملا. وحكى ~~الطحاوي عن أبي حنيفة: أن الماء يصير مستعملا بالتبرد وأنكره الجصاص من ~~أصحابه. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة، واختاره الفريقان أبوحنيفة وأصحابه، ~~والشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه باق على أصل الطهارة لم يعرض ما يخرجه عن كونه ~~مطهرا من شائب في عينه ولا حكمه، فوجب الحكم عليه بكونه طاهرا مطهرا كالماء ~~الذي لم يخالطه شيء، ولأنه لم يعرض له إلا مباشرته للجسم من غير أن يتعلق ~~به حكم شرعي فلا يكون مغيرا له كما اتصل بمجراه وممره. # فإذا عرفت حقيقة الماء المستعمل وما المراد به في ألسنة العلماء، فلنذكر ~~مسائله المتعلقة بأحكامه. # مسألة: الماء المستعمل، هل يكون طاهرا أو نجسا أو موقوفا في حاله؟ فيه ~~ثلاثة مذاهب نفصلها: PageV01P322 # المذهب الأول: أنه طاهر، وهذا هو الذي عليه أكثر أئمة العترة وهو المنصوص ~~للشافعي والرواية المشهورة عن أبي حنيفة التي حكاها عنه محمد بن الحسن، وهو ~~محكي عن مالك، ومحكي عن زيد بن علي )، والناصر، والمؤيد بالله، وأبي PageV01P323 طالب. # والحجة على ذلك: الظواهر القرآنية كقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا}[الفرقان:48]. وقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم ~~به}[الأنفال:11]. ms0111 والماء المستعمل مندرج تحت هذه الظواهر فيجب القضاء ~~بطهارته. # والحجة الثانية: الأخبار المروية كقوله : (( خلق الماء طهورا لا ينجسه ~~إلا ما غير ريحه أو طعمه أو لونه)). وقوله : (( الماء لا يجنب)). وقوله : ~~(( الماء طهور )). فهذه الأخبار كلها دالة على كونه طاهرا، ويدل على ذلك: ~~ما روي أن الصحابة (رضي الله عنهم) كانوا لا يحترزون عنه، فلو كان نجسا ~~لكانوا يحترزون عنه كما يفعلون في سائر النجاسات. # المذهب الثاني: أنه نجس، وهذه هي الرواية الثانية عن أبي حنيفة التي ~~رواها أبو يوسف واختارها مذهبا لنفسه، وهو الذي حصله السيد أبوالعباس لمذهب ~~الهادي. # والحجة على ذلك: ما رواه أبو هريرة عن النبي أنه قال: (( لا يبولن أحدكم ~~في الماء الراكد ثم يغتسل فيه ))، فجمع بين الأمرين في النهي، فلما كان ~~البول في الراكد ينجسه فهكذا الاغتسال ينجسه، ولهذا عطف أحدهما على الأخر ~~لما كانا مستويين في تنجيس الماء جميعا. # الحجة الثانية: أن الأمة مجمعة على إراقته في السفر والحضر وإضاعته، ~~فلولا أنه نجس وإلا لما فعلوا ذلك فيه كسائر الأمواء النجسة كالأبوال ~~والأمواء التي خالطتها النجاسات. # والحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أنه ماء أزيل به مانع من الصلاة ~~كالحدث والنجس، فيجب أن ينتقل المنع إليه كالماء المتغير بالنجاسة، وهذه ~~الأمور كلها دالة على تنجيسه. # والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة وفقهاء الأمة ويدل على ~~طهارته حجتان: PageV01P324 # الحجة الأولى: ما علم من حال الصحابة (رضي الله عنهم) أنهم كانوا يبتدرون ~~إلى غسالة وضوء رسول الله فيغسلون بها وجوههم وأيديهم ويتمسحون بها ~~ويستشفون بمخالطتها، فلو كانت نجسا(1) لما فعلوا ذلك، ولأنكر عليهم رسول ~~الله ما فعلوه لما فيه من مخامرة النجاسة ومخالطتها. # الحجة الثانية: وهي أن الماء باق على أصل الطهارة بالظواهر الشرعية وليس ~~ينجس إلا بما يلاقيه، والماء المستعمل لم يعرض له ما يوجب تنجيسه من ~~المخالطة للنجاسات، فيجب القضاء بكونه طاهرا؛ ولأنه ماء طاهر لاقى محلا ~~طاهرا فوجب أن يكون طاهرا كما لو غسل به ثوب طاهر. # المذهب الثالث: ms0112 الوقف في حاله، وهذا شيء حكاه أبو ثور ) عن الشافعي. # ومن توقف في مسألة فليس له مذهب فيها من جهة أن المذهب ليس إلا الاعتقاد ~~أو الظن، ومن وقف فليس معتمده إلا تعارض الأدلة واستواؤها في حقه من غير ~~ترجيح، فلهذا توقف فهو لا يفتقر إلى إيضاح مذهبه بالدلالة، إذ لا مذهب له ~~كما قررناه، وغالب ظني أن توقف الشافعي في الماء المستعمل، إنما هو في كونه ~~مطهرا لا في طهارته، ولهذا فإن تردده إنما هو في كونه مطهرا رافعا للأحداث ~~ومزيلا للنجاسات في اختلاف أقواله كما سنحكيها، لا في كونه طاهرا فإنه لم ~~يحك عنه تنجيسه، وظاهر توقفه مطلقا، والأقرب أنه يجب حمله على ما قلناه. # مسألة: وإذا وجب الحكم بطهارته كما قلناه، فهل يكون مطهرا لغيره أم لا؟ ~~فيه مذهبان: PageV01P325 # المذهب الأول منهما: أنه طاهر مطهر، وهذا هو رأي المؤيد بالله أخيرا، ومحكي ~~عن الحسن البصري والزهري ) والنخعي وداود، وهو مروي عن الإمامية، وحكى عيسى ~~بن أبان )، عن الشافعي: أنه مطهر، ورواية عن مالك، ورواية عن أبي حنيفة. # والحجة [الأولى] على ذلك: ما روي عن النبي ، (( أنه اغتسل من الجنابة ~~فبقي في يديه لمعة فأخذ الماء الذي بقي في شعره فدلكها به))، وهذه هي صورة ~~الماء المستعمل فإن أصل ذلك قد كان أدى به غسل الجنابة ولا فائدة للمستعمل ~~إلا ما ذكرناه، فما هذا حاله نص لا احتمال فيه. # الحجة الثانية: ما ذكرناه من قبل، أن الصحابة كانوا يبتدرون وضوء رسول ~~الله ، فيغسلون به وجوههم وأيديهم، فكما هو دال على طهارته كما أسلفنا ~~تقريره، فهو دال على كونه مطهرا وهو مرادنا. # الحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أنه أحد ما يشترط في تأدية الفروض فلا ~~يخرج عن حكمه بتأدية الفرض به كالثوب فإنه يصلى به مرارا. PageV01P326 # المذهب الثاني: أنه غير مطهر لغيره، وهذا هو رأي أكثر العترة، الهادي ~~والناصر والمنصور بالله، وهو محكي في رواية عن أبي حنيفة، ورواية عن مالك، ~~والمشهور عن الشافعي، وبه قال الليث ) وأحمد ms0113 بن حنبل والأوزاعي. PageV01P327 # والحجة [الأولى] على ذلك: ما روي عن النبي أنه قال: (( لا يتوضأ أحدكم ~~بفضل وضوء المرأة ))(1). وقد تقرر أنه لم يرد مانع في الإناء؛ لأن ذلك مطهر ~~بالإجماع وليس مستعملا، وإنما يكون مستعملا إذا تساقط من أعضاء الوضوء، وقد ~~نهي عنه، فدل ذلك على أنه غير مطهر. وفي حديث آخر: (( لايتوضأ الرجل بفضل ~~وضوء المرأة ، ولا المرأة بفضل وضوء الرجل))(2). وكل ذلك دال على المنع من ~~التطهر والوضوء بالماء المستعمل في قربة من فرض أونفل. # الحجة الثانية: هو أن المعلوم من عادة الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ~~وتابعيهم إلى يومنا هذا، [أنهم] كانوا يسافرون ويعدمون الماء فيعدلون إلى ~~التيمم بعد عدمه، وما روي عن أحد منهم أنه توضأ بالماء المستعمل، فلو كان ~~جائزا لفعل على قلة الأمواء وضيقها في الأسفار. PageV01P328 # الحجة الثالثة: ما روي عن عمر أنه كان له مولى يقال له: أسلم ) كان يأكل ~~الصدقة، فقال له عمر: تأكل غسالة أوساخ الناس؟ أرأيت لو توضأ إنسان بماء ~~أكنت شاربه؟ فكره شربه، فلو كان استعماله جائزا لما كره شربه، فهذا تقرير ~~كلام الفريقين كما ترى. # والمختار: القول بطهارته كما مر تقريره، فأما من قال بنجاسته فقد أبعد في ~~نظره، ومن ادعى إجماعا في طهارته لم يكن مجازفا، فإنا نعلم من عادة السلف ~~والخلف من الصدر الأول إلى يومنا هذا، عدم تحرزهم عن الأمواء المستعملة وهم ~~يباشرونها مباشرة الأشياء الطاهرة وهم لا يخالفوننا في جواز شربه واستعماله ~~في غير التطهر، ولو كان نجسا لما جاز ذلك فيه، كما لا يجوز في الأشياء ~~المتنجسة من الأبوال والأرواث وغيرها. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: روى أبو هريرة: (( لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل فيه)). # قلنا: جوابه من وجهين: # أما أولا: فلأنا قد قررنا فيما سبق أن الاستدلال بهذه الطريقة تضعف من ~~جهة أنها تعويل على الاقتران من غير علة جامعة بينهما، فلا يقبل ما هذا ~~حاله، وهي طريقة لأصحاب أبي حنيفة؛ لأنهم عولوا فيها على أن البول ms0114 لما كان ~~منجسا للماء فهكذا الاستعمال لما كان معطوفا عليه؛ لأن من حق المعطوف أن ~~يكون مغايرا للمعطوف عليه، ولهذا استحال عطف الشيء على نفسه، فإذا كان من ~~حقهما التغاير فكيف يقال إن من حقهما الاستواء في الحكم!. # وأما ثانيا: فلأنه محمول على كون الماء قليلا قد تغير بمخالطة البول فلا ~~يجوز الاغتسال به ولا فيه؛ لأجل نجاسته بالبول لا من أجل كونه مستعملا، ~~فبطل ما توهموه. PageV01P329 # قالوا: الأمة مجمعة على تضييعه في السفر والحضر وإراقته، وفي هذا دلالة على ~~كونه نجسا. # قلنا: [هذا القول] فاسد لأوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن ما ذكروه من دعوى الإجماع فإنما هو إجماع مرسل لا يدرى ~~بقصد الأمة فيه، فإنهم لم يصرحوا بمرادهم فيه، وما هذا حاله من الإجماعات ~~فإنه لا حجة فيه. # وأما ثانيا: فهب أنهم أراقوه فلم يريقوه من أجل كونه نجسا، فما دليلكم ~~على نجاسته؟ وليس الكلام إلا في نجاسته. # وأما ثالثا: فلأنا نقول: لعلهم أراقوه من أجل استغنائهم بغيره، أو من أجل ~~كراهتهم واستقذارهم منه، فمطلق الإراقة له لا يكون حجة على تنجيسه. # قالوا: هو ماء أزيل به مانع من الصلاة، وهو الحدث والنجاسة، فانتقل المنع ~~إليه كالماء المتنجس. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن هذا القياس باطل بالفرق، لأنا نقول: المعنى في الأصل أن ~~الماء تغير بالنجاسة، والمستعمل لم يكن متغيرا بالاستعمال، فما هذا حاله من ~~الفرق يبطل فيه الجمع ويلحق الجامع بالفساد والبطلان من جهة كون الفرق ~~مخيلا والجامع أمر شبهي. # وأما ثانيا: فلأن هذا القياس معارض بمثله، فإنا نقول: شيء يؤدى به الفرض ~~فلا يخرج عن حكمه بتأدية الفرض، كالثوب يصلى فيه مرارا فبطل ما توهموه، ~~فإذا تقرر كونه طاهرا بما أوردنا من الأدلة وبإبطال ما جعلوه حجة لهم على ~~نجاسته. # والمختار أيضا: كونه مطهرا كما قاله المؤيد بالله كما سبق تقريره من ~~الأدلة ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: أنا نقول: إنه ماء طاهر لم يشبه شيء من النجاسات ولا ما ~~يخرجه عن كونه ماء، فجاز ms0115 التطهر به كالماء القراح. # فقولنا: ماء. نحترز به عن الخل واللبن [ونحوهما] فإنها غير مطهرة كما مر بيانه. # وقولنا: لم يشبه شيء من النجاسات. نحترز به عما غير أحد أوصافه أو كلها ~~فإنه لا يجوز التطهر به. # وقولنا: ولا ما يخرجه عن كونه ماء، نحترز به عما خالطه شيء من المائعات ~~الطاهرة فأزال عنه اسم الماء. PageV01P330 # والحجة الثانية: هو أنا قد أوضحنا أن الماء القليل لا ينجس بوقوع النجاسة ~~فيه إذا لم تكن مغيرة لأحد أوصافه، بالبراهين الشرعية الظاهرة، فإذا كان ما ~~هذا حاله من الأمواء يكون طاهرا مطهرا، فهكذا ما كان الشائب له أمرا حكميا ~~وهو الاستعمال يكون طاهرا مطهرا من جهة أن الشائب العيني أقوى وأظهر أمرا ~~من الشائب الحكمي، فإذا كان لا يخرجه عن التطهير، فالمستعمل لا يخرجه ~~الاستعمال عن التطهير أحق وأولى. # وإذا تقرر بما ذكرنا كونه مطهرا، جاز رفع الحدث به وجازت إزالة النجاسة ~~به؛ لأن كل ما يرفع الحدث فإنه يرفع النجس، كالماء القراح فإنه كما يرفع ~~الحدث عن أعضاء الطهارة وجب أن يكون رافعا للنجاسة. # وإذا قلنا: بأنه غير مطهر، لم يجز رفع الحدث به، وهل يجوز إزالة النجاسة ~~به أم لا؟ فيه لأصحاب الشافعي وجهان: # أحدهما: وهو المحكي عن أبي القاسم الأنماطي )، وعلي بن خيران )، أنه يجوز ~~إزالة النجاسة به ولا يجوز إزالة الحدث، من جهة أن للماء حكمين، رفع الحدث ~~وإزالة النجاسة، فإذا بطل رفعه للحدث بما ذكروه من الأدلة، بقي الحكم الآخر ~~وهو إزالة النجاسة. PageV01P331 # وثانيهما: وهو المعول عليه عند أبي إسحاق صاحب (المهذب)(1) وارتضاه صاحب ~~(البيان)(2) لأن ما لا يجوز رفع الحدث به فلا يجوز إزالة النجاسة به كالماء النجس. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: (( لا يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة ولا ~~المرأة بفضل وضوء الرجل)) وفي هذا دلالة على أنه غير مطهر. # قلنا: الكلام على هذا الخبر من أوجه [سبعة]: # أما أولا: فلأن هذا الحديث رواية داود بن عبدالله عن حميد الحميري ms0116 )، ~~وهما ضعيفان عند أئمة الحديث. # وأما ثانيا: فلأنه لم يروه عن رجل معين وإنما قال فيه: لقيت رجلا صحب ~~رسول الله أربع سنين كما صحبه أبو هريرة، فأضافه إلى مجهول أيضا لا يعرف ~~حاله، وما هذا حاله من الأحاديث يكون مرجوحا بغيره مما يكون رواية معلومين. # وأما ثالثا: فلأنه قال فيه: صحب رسول الله أربع سنين كما صحبه أبو هريرة، ~~ولا شك أن صحبة أبي هريرة لرسول الله كانت أكثر من أربع سنين. # وأما رابعا: فلأنه لا معنى لكون هذا الرجل صحب الرسول أربع سنين، فإن ~~الصحبة تثبت بدون هذه المدة فلا وجه لتحديدها بأربع سنين. # وأما خامسا: فلأنه إذا كان عدلا فهو مقبول الرواية سواء كانت صحبته مدة ~~كثيرة أو قليلة. PageV01P332 # وأما سادسا: فلأن هذا الحديث معارض بما روته عائشة رضي الله عنها قالت: (( ~~كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد ونحن جنبان)). # وأما سابعا: فلأنه معارض بحديث ابن عمر رضي الله عنه قال: (( كان الرجال ~~والنساء يتوضئون في زمان رسول الله ، من الإناء الواحد )). فهذه الأمور ~~كلها دالة على ضعف هذا الحديث وأن غيره راجح عليه. # قالوا: المعلوم من عادة الصحابة والتابعين أنهم كانوا يعدلون عند عدم ~~الماء إلى التيمم، وما روي عن أحد منهم أنه توضأ بالماء المستعمل، وفي هذا ~~دلالة على كونه غير مطهر. # قلنا: الكلام على ما ذكرتموه من وجهين: # أما أولا: فلأنهم إنما عدلوا إلى التيمم إذا عدم الماء أو تعذر استعماله، ~~ومهما عدم الماء المطلق عدم المستعمل، وحيثما تعذر استعمال المطلق تعذر ~~استعمال المستعمل، فلا حجة لكم في ذلك. # وأما ثانيا: فهو طاهر عندكم، والأمة قد عدلت عنه إلى التيمم، فيحمل أن ~~يكون عدولهم إلى التيمم لنجاسته ويحمل أن يكون عدولهم لأجل كونه غير مطهر ~~كما قلتموه، فما أجبتم به من قال بكونه نجسا فهو جوابنا لكم في كونه غير ~~مطهر، من جهة أن عدولهم إلى التيمم محتمل للوجهين جميعا على سواء. # فإن قال قائل: من وجد من الماء ما لا يكفيه ms0117 لكل أعضاء الوضوء، فالأمة ~~مختلفة فيه على قولين: # فمنهم من قال: يجب عليه العدول إلى التيمم ولا يلزم استعمال الماء في بعض ~~أعضاء الوضوء. PageV01P333 # ومنهم من قال: يتوضأ بما معه من الماء ثم يتيمم بعد ذلك(1)، ولم يقل أحد ~~منهم إنه يغسل بما معه من الماء ما قدر عليه من أعضائه إلى إناء ثم يغسل ~~سائر أعضائه بما قطر منه، فلو كان الماء المستعمل مطهرا لقالوا ذلك، فلما ~~لم يقولوه دل على كونه غير مطهر، وهذا سؤال واقع على من قال بكونه مطهرا، ~~وجوابه من أوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن المسألة اجتهادية لا محالة، وإذا كان الأمر فيها كما ~~قلنا، فلا مانع من إحداث قول ثالث فيها وهو استعمال الماء المستعمل؛ لأن ~~المحذور(2) من إحداث قول ثالث، هو إبطال ما في أيدي المسلمين من الحق، وما ~~هذا حاله لا يبطل ما قالوه فلهذا كان سائغا. # وأما ثانيا: فلعل هذا مفروض في حق من انتهى حاله في قلة الماء إلى أنه لم ~~يقطر من أعضائه شيء من الماء لقلته، فلهذا قالوا بعدوله إلى التيمم كما قلتم. # وأما ثالثا: فإنه يحتمل أن يكون عدولهم إلى التيمم، لنجاسته على رأي من ~~يقول بنجاسته، فما أجبتم به في بطلان كونه نجسا فهو جوابنا في كونه مطهرا ~~من غير فرق. # قالوا: إن عمر قال: أرأيت لو توضأت بماء أكنت شاربه؟ # قلنا: جوابه يكون من أوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن قول الصحابي ليس بحجة كما أسلفنا تقريره. # وأما ثانيا: فأقصى ما في الباب أن يكون مذهبا لعمر رضي الله عنه وهو من ~~جملة المخالفين في المسألة، فما أجبناكم به فهو جواب له(3). PageV01P334 # وأما ثالثا: فلأن كلامنا إنما هو في كونه مطهرا أو غير مطهر، وكلام عمر ~~إنما هو في شربه، وكم من شيء يستكره الإنسان شربه مع كونه طاهرا مطهرا، ~~فاستكراه شربه لا يدل على كونه غير مطهر، فحصل من مجموع ما ذكرنا صحة كون ~~الماء المستعمل طاهرا مطهرا بالأدلة التي ذكرناها وبالجواب عما أوردوه من ms0118 ~~الشكوك على هذ القاعدة، ولو عدمت الماء في سفر أو حضر ووجدت ماء مستعملا ~~لتوضأت به ولم أعدل إلى التيمم لوجهين: # أما أولا: فلأن الله تعالى يقول: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}[النساء:43]. ~~وهذا واجد للماء لا محالة. # وأما ثانيا: فلأنه طاهر، مطهر فلا حاجة إلى العدول إلى التراب مع وجوده ~~وإمكانه، ولم أستعمل الماء المستعمل في عمري في طهارة حدث ولا أزلت به ~~نجاسة، ولكن الغرض من تحقيق المسألة وتقريرها أمران: # أحدهما: إبانة الحق من المسألة فيما تؤدي إليه الأدلة الشرعية من الظواهر ~~النقلية والمقاييس النظرية في التصرفات الاجتهادية. # وثانيهما: لجواز أن يضطر إليها مضطر في سفر أو مرض أو عند إعواز الماء، ~~ولهذا فإنك ترى من برز في الاجتهاد وتبحر في علومه يفتي بالمسألة ولا يفعل ~~بما أفتى به، من الصحابة والتابعين وغيرهم، ولأجل ذلك فإن ابن عباس أفتى ~~بحل المتعة ورجع عنها، ومع ذلك فإنه لو حز رأسه ما تمتع، وأبوحنيفة أباح ~~شرب المنصف والمثلث ولو قطعت أوصاله ما شربها أبدا، والشافعي أباح قتل تارك ~~الصلاة، ولو حظي إلى مثله لم يحتز رأسه، ولكن الغرض إبانة ما يؤدي إليه ~~النظر الشرعي في المسائل كلها سواء عمل بها أو لم يعمل. # مسألة: تشتمل على تفريعات المذاهب التي أسلفناها في الأمواء وجملتها ستة: PageV01P335 # التفريع الأول: الماء إذا كان دون القلتين على رأي القاسم ومن وافقه من ~~العلماء الذين حكيناهم ووقعت فيه نجاسة ولم تغيره، فإنه يكون طاهرا مطهرا، ~~ولا يحتاج إلى مغالبة بكثرة الماء(1) في طهارته؛ لأنه في الأصل طاهر فلا ~~يحتاج إلى تطهير بغلبة الماء الطاهر عليه، فإذا ظهر عليه أثر النجاسة فغيرت ~~أحد أوصافه جاز إيراد الماء الكثير عليه، فإذا ذهب ما تغير من أوصافه لكثرة ~~الماء فإنه يعود طاهرا، وهكذا القول في الأمواء المستعملة فإنها تكون على ~~رأيه طاهرة مطهرة من جهة أن الماء إنما ينجس بظهور النجاسة عليه على رأيه، ~~فإذا كانت النجاسة لا تغير حكم الماء إلا مع الظهور، فيجب أن تكون الأمواء ~~المستعملة جارية على ms0119 حكم الطهارة؛ لأنها غير متغيرة بنجاسة ويلزمها حكم ~~التطهير لقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا}[الفرقان:48]. والطهور: ~~اسم موضوع للمبالغة كالضروب والصبور لمن تكرر منه ذلك، فهكذا يكون الطهور ~~واقعا على تكرير التطهير بالماء مرة بعد مرة، وهذا هو المراد بالاستعمال ~~بالماء، فإذا استعمل في الغسل جاز استعماله في الوضوء وفي إزالة النجاسة، ~~وهو الذي اخترناه من قبل، ويؤيده ما رواه أبو هريرة عن النبي ، أنه سئل عن ~~الحياض التي تكون بين مكة والمدينة وأن الكلاب والسباع تلغ فيها فقال ~~الرسول : ((لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور))(2). وهذا عام ~~فيما يعد من الأمواء مالم يتغير، وعام في الحياض الكثيرة والقليلة، لكنا ~~خصصنا ما تغير بالنجاسة من ظاهر هذا الحديث وعمومه، وبقي حجة في القليل ~~والكثير كما ترى من ظاهره. PageV01P336 # التفريع الثاني: على رأي من قال من العترة : بأن الماء المستعمل غير مطهر ~~كالناصر والمنصور بالله، وهو رأي الشافعي، فإذا اجتمع قلتان من الماء ~~المستعمل، فالذي يأتي على رأي الناصر والمنصور بالله وهو أحد قولي الشافعي ~~أنه يصير مطهرا كالماء النجس إذا بلغ قلتين، وحكي عن الشافعي قول آخر: ~~أنهما لا يصيران مطهرين لغيرهما؛ لأنه لا يقع عليهما اسم الماء المطلق، ~~وإنما يقال له: ماء مستعمل وإن كان كثيرا بخلاف الماء النجس فإنه بعد ~~اجتماعه قلتين يقال له: ماء على الإطلاق فافترقا. # والمختار على أصلهما: أنه يكون مطهرا من جهة أن القلتين ماء كثير، فإذا ~~كانا باجتماعهما يرفعان النجاسة لكثرتهما، فلأن يرفعا الاستعمال أحق وأولى؛ ~~لأن النجاسة عين والاستعمال حكم شرعي والعين أقوى تأثيرا من الحكم، فإذا ~~دفعا العين دفعا الحكم لامحالة. # وإذا كان الماء المستعمل على رأيهما لا يجوز التوضؤ به، فهل تجوز إزالة ~~النجاسة به أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه لا تجوز إزالته به، وهذا هو رأي الناصر وأحد قولي الشافعي ~~المعمول عليه عند أصحابه؛ لأنه ماء لا يرفع الحدث فلم تجز إزالة النجاسة به ~~كالماء النجس. # وثانيهما: أنه يجوز إزالة النجاسة به، وهذا ms0120 شيء يحكى عن المنصور بالله، ~~وهو محكي عن الشافعي في قول آخر من جهة أن للماء حكمين: رفع الحدث، وإزالة ~~النجاسة، فإذا بطل كونه رافعا للحدث بدليل شرعي، نفى كونه مزيلا للنجس، وقد ~~سبق الاختيار في الماء المستعمل فأغنى عن الإعادة. # التفريع الثالث: على رأي الناصر، والهادي، والمنصور بالله، والشافعي ~~وغيرهم، في كون الماء المستعمل غير مطهر فإذا انغمس الجنب في ماء كثير أو ~~غسل عضوا من أعضائه بنية رفع الجنابة عنه، لم يكن الماء مستعملا عندهم لا ~~محالة وهو الأصح من قولي الشافعي ويخرج عن جنابته. PageV01P337 # والحجة على ذلك: هو أن حكم النجاسة أقوى من حكم الاستعمال، فلو وقعت نجاسة ~~فيما هذا حاله من المياه الكثيرة لم يزل حكمه في كونه مطهرا إذا كان غير ~~متغير بها، فهكذا حال الاستعمال يكون أحق بذلك، وحكى صاحب (الشامل) عن ~~الشافعي قولا آخر، وهو أن الماء مع كونه كثيرا يكون مستعملا ويخرج به عن ~~جنابته، من جهة أن الاستعمال حاصل بجميعه وهو مانع من طريق الحكم فلا تؤثر ~~فيه الكثرة، وهذا فاسد فإن ما هذا حاله يلزم أن يكون ماء البحر مستعملا ~~وهذا لا قائل به، إذ لا فرق بين كثرة وكثرة، بعد ما كانت الكثرة معلومة. # وإذا أدخل الجنب يده في ماء قليل بنية الاغتراف منه والتبرد به، فإنه لا ~~يصير مستعملا؛ لأن الاستعمال إنما يحصل حكمه بشرط حصول نية القربة بالغسل ~~للجنابة وهي غير حاصلة فيما ذكرناه، وإن أدخلها بنية رفع الجنابة صار الماء ~~مستعملا وخرج عن جنابته باليد، كما لو أفاض الماء عليها بنية الجنابة، وإن ~~انغمس الجنب في ماء قليل صار الماء مستعملا وخرج عن جنابته وهو أحد قولي ~~الشافعي المنصوص له، ولا يصير مستعملا إلا بعد انفصاله عنه فلو توضأ منه ~~رجل أو اغتسل منه قبل انفصاله عنه صح وضوؤه وغسله، لأنه مالم ينفصل عنه ~~فليس مستعملا. # ووجه ذلك: أنا لو قلنا بأنه يصير الماء مستعملا بأول ملاقاته لجزء من ~~بدنه لوجب أن يكون الماء الذي يفيضه ms0121 على عضو من أعضاء الطهارة مستعملا بأول ~~ملاقاته لأول عضو، وهذا لا قائل به، فعلى هذا إذا صب الجنب على رأسه ماء ~~فإن نزل الماء عن رأسه متصلا على ظهره وعنقه من غير فصل، أجزأه النازل من ~~رأسه على ما مر عليه بعد رأسه لكونه متصلا به، وإن قدرنا أن له شعرا كثيرا ~~فوقع الماء على الشعر ثم تقاطر الماء من أعلى طبقات الشعر ومر في الهواء ~~إلى ظهره أو بطنه فإنه لا يجزيه عما وقع عليه بعد انفصاله من الرأس في ~~الهواء، لأن بنفس الانفصال عنه في الهواء قد صار مستعملا. PageV01P338 # وحكى الخضري ) من أصحاب الشافعي أن الماء يصير مستعملا ولا يخرج عن جنابته ~~من جهة أنه لما لاقى أول جزء من بدنه أول جزء من الماء صار الماء مستعملا ~~بأول الملاقاة فإذا انغمس فيه صار منغمسا في ماء مستعمل. # والمختار: ما قررناه أولا على رأي من منع من التطهر بالماء المستعمل، ~~والله أعلم بالصواب. # التفريع الرابع: إذا صلى الرجل بطهارة صلاة فرض، فإنه يستحب له أن يجدد ~~الطهارة لصلاة بعدها، لما روى أنس بن مالك عن النبي (( أنه كان يتوضأ لكل ~~صلاة طاهرا كان أو غير طاهر))(2). وروى ابن عمر (رضي الله عنهما) عن النبي ~~أنه قال: (( من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات))(3). # فإذا كان المصلي على طهارة ثم إنه جدد الطهارة ثانيا فهل يصير الماء ~~المجدد به مستعملا أم لا؟ والأقرب أنه يكون مستعملا على رأي أكثر أئمة ~~العترة، وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر: أنه لا يكون مستعملا. # والحجة على ما قاله أئمة العترة: هو أن هذا الماء قد تعلقت به القربة ~~لتأدية الصلاة المفروضة، فلهذا وجب كونه مستعملا كما لو توضأ للصلاة من غير طهارة. # وإن قام من النوم فغسل يده في ماء قليل فهل يصير الماء مستعملا أم لا؟ ~~والأقرب أنه يصير مستعملا على رأي أصحابنا، وهو أحد قولي الشافعي، وله قول ~~آخر: أنه لا يصير مستعملا. PageV01P339 # والحجة على ms0122 ذلك: هو أن غسلهما قد تعلقت به القربة فلهذا كان مستعملا ~~كالوضوء للنافلة. # وإن غسل رأسه مكان المسح فهل يصير الماء مستعملا أم لا؟ والأقرب أنه يصير ~~مستعملا من جهة أن هذا قد تعلقت القربة في تأدية وظيفة مسح الرأس من جهة أن ~~الغسل معظم(1) المسح كما أن المسح خفيف الغسل. # التفريع الخامس: إذا توضأ الحنفي أو اغتسل للجنابة بماء قليل، فهل يصير ~~الماء مستعملا بوضوئه أو غسله أم لا؟ من جهة أنه لم يقصد بالوضوء والغسل ~~قربة، إذ لا يعتبر النية في الطهارات ولا يشترطها. فيه على المذهب احتمالات ثلاثة: # أولها: أنه لا يصير مستعملا بحال؛ لأنه يتوضأ من غير نية، والماء إنما ~~يصير مستعملا بالنية، وإن أتى بالنية فإنه يعتقد أنها غير واجبة عنده فلهذا ~~لم يزل الماء عن حكمه في التطهير. # وثانيها: أنه يصير مستعملا بكل حال وإن لم ينو الطهارة به؛ لأنا نحكم ~~بصحة صلاته لا محالة، ولهذا فإنا لا نوجب عليه قضاءها ولا يحكم بفسقه ولا ~~يباح قتله. ولو كانت صلاته غير صحيحة لكان بمنزلة من لم يصل أو بمنزلة من ~~صلى بغير طهارة، في مؤاخذته بهذه الأحكام، وهذا لا قائل به، فلما حكمنا ~~بصحة صلاته دل على كون الماء مستعملا بوضوئه وغسله، كغيره ممن يوجب النية ~~في الوضوء والغسل. # وثالثها: أنه ينظر في حاله، فإن نوى به الطهارة كان مستعملا؛ لأنه قد ~~ارتفع به حدثه، وإن لم ينو به الطهارة لم يصر مستعملا، كما لو توضأ به ~~الشافعي من غير نية. # والمختار: على رأي القائلين بالاستعمال، أنه يصير مستعملا، لأنه قد ارتفع ~~به حدثه وأجزت صلاته، فأشبه وضوء غيره ممن يعتبر القربة فيه بالنية، فأما ~~من لا يرى خروج الماء بالوضوء والغسل عن الاستعمال وأنه باق على التطهير ~~لغيره كما قررناه من قبل، فلا كلام. PageV01P340 # التفريع السادس: إزالة النجاسة ليست عبادة، ولهذا فإنه لا يفتقر إلى النية، ~~لكن الماء يصير مستعملا بإزالة النجاسة؛ لأنه رفع بالماء مانع من الصلاة ~~فأشبه رفع الحدث بالوضوء والغسل، ms0123 فأما الغسالة الرابعة فهي طاهرة مطهرة ~~باتفاق بين أئمة العترة؛ لأنها لم يزل بها حكم شرعي، فلهذا لم تكن مستعملة ~~فهي كالماء المستعمل للتبرد، وأما الغسالة الثالثة، فهي طاهرة؛ لأنه حكم ~~بطهارة المحل بورودها عليه فوجب الحكم بطهارتها. # وهل تكون مستعملة فلا ترفع الحدث ولا النجس أو تكون رافعة لهما؟ والأقرب ~~على رأي أهل الاستعمال، أنها مستعملة؛ لأنها أثرت في زوال مانع من الصلاة ~~وهو النجاسة فأشبهت ما يرفع به الحدث. وعلى رأي السيد أبي طالب وهو قول أبي ~~حنيفة وأحد قولي الشافعي، أنها طاهرة مطهرة تستعمل في رفع الحدث وإزالة ~~النجاسة جميعا؛ لأنها كالرابعة على رأي المؤيد بالله، وأما الغسالة الثانية ~~فإنها نجسة على رأي المؤيد بالله، فلا يزال بها حدث ولا نجس، ويحكم عليها ~~بالطهارة على رأي السيد أبي طالب وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وهل تكون ~~مستعلمة أم لا؟ فعلى رأي السيد أبي طالب تكون مستعملة، وهو قول أبي حنيفة، ~~فلا يزال بها حدث ولا نجاسة، لأجل استعمالها. وعلى أحد قولي الشافعي أنها ~~طاهرة يجوز إزالة الحدث والنجاسة بها، لا يتصل بها حكم الاستعمال، وأما ~~الغسالة الأولى المتصلة بالنجاسة، فهي نجسة على رأي أئمة العترة ممن قال ~~بأن الماء ينجس وإن لم يكن متغيرا، وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي ~~وله قول آخر أنها لا تنجس إلا إذا تغيرت بالنجاسة. PageV01P341 # فهذه التفريعات كلها إنما تكون على رأي من قال بتغير حكمه بالاستعمال، إما ~~في كونه نجسا كما حكيناه عنهم، وإما في كونه غير مطهر ولا رافع للحدث ولا ~~للنجاسة، فأما من لا يرى بنجاسة الماء القليل إذا لم يتغير فلا رفع ~~للاستعمال على مذهبه كما هو رأي القاسم، وهو المختار كما مر بيانه؛ لأن ~~النجاسة إذا لم تكن مغيرة للماء فالاستعمال أضعف حكما منها فلهذا لم تكن ~~مغيرة لحكمه، وقد تم الكلام في الفصل الأول من باب المياه والله الموفق ~~للصواب بلطفه. PageV01P342 # --- ### ||| AUTO الفصل الثاني: في بيان ما يجوز الوضوء به، ومالا يجوز # رفع الحدث وإزالة ms0124 النجاسة، يجوز بالماء المطلق وهو ما نزل من السماء من ~~ماء المطر، أو كان ذائبا من الثلج والبرد، أو ما كان نابعا من الأرض، كماء ~~البحار والآبار والأنهار وغير ذلك مما يكون قراحا طيبا. وقد أوردنا الدليل ~~على كون كل واحد من هذه الأمواء يجوز التطهر به بالأدلة الشرعية، فأغنى عن ~~الإعادة. # مسألة: يجوز التطهر بالماء المشمس، ومعناها مالحقته حرارة لأجل(1) الشمس، ~~عند أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، ولا يعرف ~~خلاف بين الأمة في جوازه. # فإن قصد تشميسه بحر الشمس فهل يكره التوضؤ به أم لا؟ فعند أئمة العترة ~~أنه لا يكره، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ومحكي عن أحمد بن حنبل. # والحجة على ذلك: هو أنه ماء لحقته الحرارة لأجل الشمس، فلا يكره كما لا ~~يكره ماء البرك والأنهار، ولأنه ماء حصلت حرارته بعلاج، فلا يكره كما لو ~~كانت حرارته بالنار. # وحكي عن الشافعي أقوال: # أحدها: مثل قولنا. # والثاني: يكره بكل حال وهو المنصوص له. # وله قول ثالث: يكره إذا كان مسخنا في آنية الصفر في البلاد الحارة دون غيرها. # وقول رابع: يكره في البدن دون الثياب. # وقول خامس: أنه يرجع فيه إلى قول علماء الطب، فإن قالوا: إنه يورث البرص ~~كره، وإلا لم يكره. PageV01P343 # والمختار: أنه إذا سخن في آنية الصفر بالشمس، كره وإلا لم يكره، وعلى هذا ~~يحمل ما روت عائشة رضي الله عنها، أنها سخنت ماء في الشمس فقال لها الرسول ~~: (( لا تفعلي يا حميراء هذا فإنه يورث البرص))(1). وروي عن عمر أنه كان ~~ينهى عن الماء المشمس، وقال إنه يورث البرص، اعتمادا على ما روته عائشة. # وإنما كان هذا مختارا؛ لأن مسنده الخبر دون القياس، وليس هذا يختص هذا ~~الموضع، بل كل موضع تعارض فيه القياس والخبر، فالعمل على الخبر هو المختار ~~في كل موطن إلا أن يكون الخبر منسوخا أو يعرض له عارض يبطله، من جهة أن ~~كلام صاحب الشريعة لا يقاومه كلام القياس، وهو معصوم والقائس ليس معصوما، ~~فلهذا ms0125 كان مختارا. # وإذا قلنا بكراهته فبرد المشمس، فهل تبقى الكراهة فيه أم لا؟ والأقرب ~~أنها لا تبقى؛ لأن العلة هي حصول الحرارة بالشمس وقد زالت بالتبريد فلا ~~تبقى الكراهة، وهو أحد أقوال الشافعي، وحكي عنه قول آخر أنها لا تزول ~~الكراهة، والحق ما ذكرناه؛ لأنه قد زال العارض الموجب للكراهة فزالت في نفسها. # مسألة: وإن سخن الماء بالنار لم يكره التطهر به عند أئمة العترة، وهو ~~محكي عن الفرق الثلاث: الحنفية والشافعية والمالكية، سواء سخن بالوقود ~~الطاهر أو الوقود النجس. PageV01P344 # والحجة على ذلك: ما روى شريك ) أنه قال: (( اجتنبت وأنا مع رسول الله في ~~سفر فجمعت أحجارا وسخنت ماء فاغتسلت به، فأخبرت النبي فلم ينكر علي))(2). ~~فتقريره إياه على ذلك فيه دلالة على عدم الكراهة فيه. # وحكي عن مجاهد أنها تكره الطهارة بالماء المسخن بكل حال. # وقال أحمد بن حنبل: إن سخن بالوقود الطاهر جاز التطهر به، وإن سخن ~~بالوقود النجس كرهت الطهارة به. # والمختار: ما عليه علماء العترة وفقهاء الأمة، لما روى ابن عباس رضي الله ~~عنه (( أن الرسول دخل حماما في الجحفة(3) فاغتسل فيه ))(4)، ولأن الحرارة ~~صفة عارضة للماء فلا يكره التطهر به كالبرودة. # ولا يكره التطهر في الوضوء والغسل بماء زمزم عند أئمة العترة، وهو قول ~~أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك. # والحجة: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}[النساء:43]. فهو مأمور ~~بالتطهر به ولا يجوز التيمم مع وجوده، وما كان مأمورا به فليس مكروها. # وحكي عن أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه: أنه يكره. PageV01P345 # وحجته على هذا: ما روي عن العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه(1) أنه قال في ~~زمزم: ((لا أحلها لمغتسل، وهي لشارب حل وبل))(2). فإن هذا محمول على أنه ~~قال ذلك في وقت [قلة] الماء وكثرة من يطلب الشرب منها، فكرهه من أجل ذلك. # وقوله: حل. أي: حلال طيب. # وقوله: وبل بفتح الباء بنقطة من أسفلها، ومعناه: مباح، بلغة حمير. # وقال أبو عبيدة ): وبل أي شفاء، من قولهم: بل فلان من مرضه إذا ms0126 شفي منه وبرأ. PageV01P346 # والمختار: ما عول عليه علماء العترة وفقهاء الأمة، من أجل الظواهر الشرعية ~~التي ذكرناها في طهارة الأمواء من جهة الكتاب والسنة، فإنها عامة في جميع ~~الأمواء إلا ما خصته دلالة، وأيضا فإن الصدر الأول من الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم إلى يومنا هذا يتطهرون بها من غير نكير، وكونها في موضع شريف لا ~~يمنع من التطهر بها كما لو انصب المطر من ميزاب الكعبة والحرم. # مسألة: وما عدا ذلك من الأمواء، نحو ماء الورد وهو الذي يعتصر من الورد ~~وماء العصفر وماء الزعفران، وهذا هو الذي يكون معتصرا منهما، فلا يجوز ~~التطهر به عند أئمة العترة وهو قول الفريقين، وهو محكي عن مالك وهو مذهب ~~عامة العلماء إلا ما يحكى عن الإمامية، فإنهم جوزوا الوضوء بماء الورد، وهو ~~محكي عن الصادق )، وحكوا عنه أنه سئل عن التطهر به فجوزه وقال: ما زاد إلا ~~طيبا(2). وعن الأصم أنه جوز رفع الحدث بكل مائع طاهر، وعن بعض الفقهاء(3) ~~جواز التطهر بالخل. PageV01P347 # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا}[النساء:43]. فلم يجعل بين التيمم وعدم الماء مرتبة، وفي هذا دلالة ~~على أنه لا يجوز التطهر بغير الماء، ولأن الصحابة (رضي الله عنهم) وغيرهم ~~من التابعين وتابعيهم إلى يومنا هذا قد كانوا يسافرون ويعدمون الأمواء في ~~المفازة، ولم يعلم بأن أحدا منهم توضأ بغير الماء ولا عدل إليه(1). # فإن قال قائل: فهل يكون من قال بجواز التطهر بغير الماء، خارقا للإجماع ~~لما ذكرتموه من عمل الصحابة، والقياس على خلاف قوله؟ # قلنا: معاذ الله أن يعدوا خارقين للإجماع والمسألة اجتهادية، وما هذا ~~حاله من المسائل فلا يكون المخالف فيها خارقا؛ لأنهم وإن أجمعوا على جواز ~~التطهر بالماء فلم يجمعوا على منع التطهر بغيره، فلو صدر منهم هذا الإجماع ~~لكان من خالف يكون خارقا لإجماعهم، ولكنهم سكتوا عن تحريم التطهر بغيره ~~ولهذا جرى فيه الخلاف. # وهل يجوز التطهر بماء الزعفران أم لا؟ وقد قدمنا ذكر هذه المسألة وذكرنا ~~أن الزعفران إن كان ms0127 غالبا على الماء لم يجز التطهر به إجماعا من أئمة ~~العترة وفقهاء الأمة، وإن كان مخالطا غير غالب لم يجز التطهر عند أئمة ~~العترة، وهو قول الشافعي. # وقال أبوحنيفة وأصحابه: يجوز التطهر به، وهو المختار كما مر تفصيله ~~بأدلته فأغنى عن الإعادة. # وهل يجوز التطهر في رفع الحدث والنجاسة بالماء الذي يقطر من أعواد الشجر ~~عند كسرها أم لا؟ يحكى عن الإمام المنصور بالله: جواز التطهر بما هذا حاله. # والحجة على هذا: قوله : (( خلق الماء طهورا))، وما هذا حاله فإنه لم ~~يتغير بطاهر ولا بنجس يغير شيئا من أوصافه، فجاز التوضؤ به كالماء القراح، ~~وقال: لا فرق بين أن يجريه الله في عود أو حجر. # والذي عليه أكثر أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ~~وأصحابه، أنه لا يجوز التطهر به. PageV01P348 # والحجة على ذلك: من الظواهر القرآنية والأخبار الدالة على انحصار التطهر ~~بالماء فأغنى عن الإعادة. # والمختار: ما عول عليه أكثر أئمة العترة وأكثر الفقهاء وإن لم يزل عنه ~~اسم الماء، فقد زال عنه مطلق اسم الماء، فإنه لا يقال فيه: إنه ماء، ولكن ~~يقال: ماء عنب وماء شجر، وغير ذلك من الأوصاف، ولأنه إذا لبث في الإناء ~~فإنه يتغير ويستحيل عن كونه ماء فلو كان ماء لم يتغير مع الإقامة. # قوله: إنه قد اندرج تحت الظواهر الدالة على كونه مطهرا فوجب العمل عليها. # قلنا: قد دل الدليل على كونه مخصوصا منها فعملنا بالعمومات فيما تناولته ~~والمخصصات فيما تناولته، توفقة بين الأدلة وعملا بما دلت عليه بحسب الوسع. # قوله: لا فرق بين أن يجريه الله تعالى في الأعواد أو في الأحجار والصخور. # قلنا: الأحجار والصخور لا تكسبه تغيرا فلهذا جاز التطهر [به] و[هو] يخالف ~~ما يجري في الأعواد والشجر فإنه يخالطه، فلا جرم أذهب عنه اسم مطلق الماء، ~~فلم يجز التطهر به كماء اللحم وماء الباقلا فافترقا. # مسألة: النبيذ نجس فلا يجوز التطهر به ولا بشيء من الأنبذة، عند أئمة ~~العترة وهو قول الشافعي ومالك، وحكي عن أبي حنيفة: ms0128 جواز التطهر بنبيذ التمر ~~المطبوخ في السفر عند عدم الماء، وقد قدمنا هذه المسألة وحكينا فيها الخلاف ~~فأغنى عن التكرير، لكنا نزيد هاهنا إيراد ما تعلقوا به ونبطله. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه، وقد احتجوا بخبر ابن مسعود ليلة الجن. PageV01P349 # قلنا: قد أبطلناه من قبل ونزيد هاهنا فنقول: قد روى هذا الحديث أبو زيد ~~مولى عمرو بن حريث وهو ضعيف، وروى النخعي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: لم ~~أكن مع الرسول ليلة الجن ووددت أني كنت معه. وروى الشعبي ) عن علقمة ) ~~قال: قلت لابن مسعود: أكنت مع النبي ليلة الجن؟ فقال: لا، لم يصحبه أحد ~~منا. خرجهما مسلم (3) في كتابه. # وعلى أن الذي توضأ به لم يكن مطبوخا وإنما كان نيئا؛ لأن العرب لا تعرف ~~الطبخ، وعندكم أنه لا يجوز بالنيئ بحال. # ولأنه لم يكن نبيذا وإنما نبذ فيه تمرات لاجتداف ملوحته(4) . وإنما سماه ~~نبيذا لما كان يصير إليه، كما قال تعالى: {إني أراني أعصر خمرا }[يوسف:36]. ~~ولهذا قال: (( تمرة طيبة )). PageV01P350 # قالوا: روى ابن عباس أن النبي قال: (( النبيذ وضوء من لم يجد الماء ))(1). # قلنا: إن هذا الحديث رواه المسيب بن واضح وهو ضعيف، وقيل: إنه وهم فيه، ~~وإنما هو عن عكرمة وهو لم يشهد الرسول ، فيكون موقوفا عليه. # قالوا: روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: لا بأس بالوضوء ~~بالنبيذ، ولا يقول مثل هذا إلا عن توقيف من جهة الرسول . PageV01P351 # قلنا: هذا ليس مشهورا عن أمير المؤمنين وإنما يرويه الحارث الأعور )، وهو ~~ضعيف، وقد قال الشعبي: هو كذاب، ورواه أيضا مزيدة بن جابر )، وهو مجهول لا ~~يعول على حديثه. # قالوا: طهارة فلم تختص بجنس واحد، كالاستنجاء فإنه مخير فيه بين الحجر وغيره. PageV01P352 # قلنا: نعارضه بقياس مثله، وهو أنا نقول: مائع لا يجوز الوضوء به في الحضر ~~فلم يجز في السفر كالخل، أو مائع لا يجوز الوضوء به مع وجود الماء فلا يجوز ~~مع عدمه كالخل، ثم نقول: لو كان النبيذ كالاستنجاء لكان مخيرا بين النبيذ ms0129 ~~والماء كما يتخير في الاستنجاء وأنتم لا تقولون بذلك. # قالوا: الرجلان والرأس عضوان من أعضاء الوضوء فثبت فيهما بدل في الطهارة ~~كالوجه واليدين. # قلنا: هذا فاسد بالمعارضة، فإن الوجه واليدين عضوان من أعضاء الوضوء فلا ~~يثبت فيهما بدل كالرأس والرجلين، ثم نقول: لو كان الرأس والرجلان كالوجه ~~واليدين كما زعمتم لثبت فيهما مقصورا عليهما كما ثبت ذلك في الوجه واليدين، ~~فلما كان بدلهما عاما في جميع الأعضاء بطل القياس. على أن هذه الأقيسة التي ~~أوردتموها لنصرتكم إنما هي من الأقيسة الطرديه التي لا يعول عليها، وما ~~أوردناه من الأقيسة فهو مثلها، ولم نوردها اعتمادا عليها وإنما أوردنا ~~معارضة الفاسد بالفاسد، وهو مقصد في الجدل ينتحيه النظار من الفقهاء ~~ويجعلونه عمدة فيما هذا سبيله، فأما ما يعول عليه في تقرير الأحكام الفقهية ~~ويعتمد في مجاري المضطربات الاجتهادية، فهي الأقيسة المخيلة والشبهية، ~~وستراها مقررة في أثناء هذا الكتاب وغضونه بمعونة الله تعالى وحسن توفيقه. # مسألة: الماء إذا تنجس بأي نجاسة كانت، فلا يجوز التطهر به عند أئمة ~~العترة وفقهاء الأمة، على حد اختلافهم في كيفية تنجس الماء، ولا يعرف في ~~ذلك خلاف، وهم وإن اختلفوا في الصلاة في الثوب النجس كما سنقرره، فلم ~~يختلفوا في أنه لا يجوز التوضؤ بالماء النجس، والنبيذ وإن كان نجسا عندنا ~~لا يحل شربه ولا التطهر به فإنه طاهر عند أبي حنيفة يجوز التطهر به كما سبق ~~تقريره. PageV01P353 # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {والرجز فاهجر}[المدثر:5]. والرجز: هو القذر ~~والنجس، وعند مجاهد: هو الصنم. والأول هو المستعمل في اللغة، ومن استعمله ~~في التطهر فلم يهجره، وقوله تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث}[الأعراف:157]. ~~ولم يفصل، وهو من جملة الخبائث، ومن توضأ به فلم يحرمه. وقوله : (( لا ~~يبولن أحدكم في الماء الراكد )). ولم ينه عنه إلا من أجل تنجيسه به. وقوله ~~(عليه الصلاة والسلام): (( إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده الإناء ~~حتى يغسلها ثلاثا )). وما ذلك إلا من أجل النجاسة. # ومن طريق القياس، وهو قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة }[المائدة:3]. ms0130 ولم ~~تحرم إلا من أجل نجاستها، فهكذا ما شاركها في النجاسة مقيس عليها في ~~التحريم والمنع من استعماله، وقوله : (( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم ~~فليغسله سبعا ))، وما ذاك إلا من أجل نجاسته فيجب(1) في كل ما كان نجسا من ~~غير فصل. # وإذا حكمنا بنجاسة الماء لم يجز التطهر به في رفع الحدث ولا رفع النجاسة ~~عند أئمة العترة وفقهاء الأمة كما مر بيانه، للظواهر الشرعية الواردة في ~~منع ذلك، ولأنه نجس في نفسه فلا يجوز كونه مطهرا، وهل يجوز الانتفاع بهذا ~~الماء في غير الطهارة أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # أولها: أنه لا يجوز الانتفاع به، وتجب إراقته سواء كان متغيرا بالنجاسة ~~أو غير متغير بها، وهذا هو الذي ذكره الأخوان: السيد المؤيد بالله والسيد ~~أبو طالب، وهو محكي عن الشافعي ومالك وغيرهم من الفقهاء. PageV01P354 # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {والرجز فاهجر}[المدثر:5]. وقوله عليه السلام: ~~(( إذا وقع الحيوان في السمن أريق المائع وقور ما حولي الجامد))(1). وهذا ~~فيه دلالة على أنه لا يجوز الانتفاع به؛ لأنه لو كان طاهرا لم يقل بإراقة ~~المائع، لأنه في محل تعليم الشرع فلا يجوز فيها إغفال البيان عن موضع ~~الحاجة. # وثانيها: أنه يجوز الانتفاع به فيما يكون استهلاكا له، نحو سقي الزرع وبل ~~الطين وما أشبه ذلك مما يكون مغلوبا بالاستعمال فلا ترى له عين، وسواء كان ~~متغيرا أو غير متغير. # والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله فقد جرى به عرف المسلمين من غير نكير ~~في الأمصار والأقاليم، وقد قال عليه السلام: (( ما رآه المسلمون حسنا فهو ~~عند الله حسن )). ولأن في إضاعته من غير نفع يستهلك فيه، حرجا ومشقة، وهذا ~~شيء يحكى عن الإمام المنصور بالله. # وثالثها: فإنه ينظر فيه فإن كان متغيرا بالنجاسة فإنه لا يجوز الانتفاع ~~به في أمر من الأمور، وإن كان غير متغير بها جاز الانتفاع به في بل الطين ~~وسقي الدواب والطير. وهذا شيء يحكى عن أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه إذا ms0131 كان متغيرا بالنجاسة فهو نجس بالإجماع فلا ~~يجوز الانتفاع به ولا مساغ للاجتهاد فيه؛ لأنه مجمع على تنجيسه، فأما إذا ~~كان غير متغير بالنجاسة فهو في محل الاجتهاد كما قررناه من قبل، وإذا كان ~~مما قد وقع فيه خلاف الأمة، جاز الانتفاع به في الاستهلاكات التي ذكرناها، ~~لأنه متى كان مختلفا فيه فالأقوال فيه صائبة لكونها اجتهادية، فمن انتفع به ~~لم يكن هناك محذور يقع فيه فلهذا وقعت التفرقة بين ما يتغير وبين ما لا يتغير. # فأما بيعه فسيأتي الكلام عليه في البيوع بمعونة الله تعالى. PageV01P355 # والمختار: ما قاله الإمام المنصور بالله، من جواز الانتفاع به فيما ذكر. # والحجة على ذلك: هو أن الانتفاع به مع قيام المانع يكون رخصة من جهة الله ~~تعالى لعباده؛ لأنا لا نريد بالرخصة إلا أن سبب التحريم قائم مع الإباحة ~~كما نقول في إباحة أكل الميتة للمضطر في المخمصة، وكما نقول في بيع السلم ~~فإنه رخصة في بيع ما ليس عنده، وهاهنا سبب التحريم قائم وهو النجاسة، لكن ~~الشرع قد دل على الرخصة لما روي عن النبي : (( من لم يقبل الرخصة فعليه من ~~الأثم مثل جبال عرفات))(1). وفي حديث آخر: (( إن الله يحب أن تؤتى رخصه ~~كما يحب أن تؤتى عزائمه ))(2) فمن أجل ذلك انتحال الرخصة فيما هذا حاله هو ~~الأقرب، وكيف لا وفيه من تيسير الحال وتسهيل الأمر ما لا يخفى، وقد قال ~~الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }[البقرة:185]. # الانتصار: قال المانعون من جواز الانتفاع به: الآيات والأخبار دالة على ~~المنع منه في حالة من الحالات فيجب اتباعها. PageV01P356 # قلنا: إنما يندرج تحت هذه العمومات إذا كان نجسا ونحن لا نسلم نجاسته، بل ~~لما ذكرناه من عمل المسلمين زالت نجاسته وحكم بطهارته، ثم إنا وإن سلمنا أن ~~نجاسته باقية لكنا نقول: قد سقط حكمها لما قررناه من حديث الرخصة الذي أشار ~~إليه الشرع، فإذا إنما كان مندرجا تحت العموم، إما بثبوتها وتقرير حكمها ~~وهو الإثم، ونحن لا نسلمها في ms0132 هذه الصورة، ولو سلمناها فلا نسلم بقاء ~~حكمها، وإذا كان الأمر كما قلناه بطل اندراجه تحت ما ذكروه من العمومات ~~الدالة على منع الانتفاع به. # قالوا: أمر بإراقة السمن لما وقعت فيه النجاسة فيجب في الماء مثله. # قلنا: الماء مخالف لجميع المائعات كلها، ولهذا فإنها تنجس بملاقاة ~~النجاسة قليلة كانت أو كثيرة، تغيرت بالنجاسة أو لم تتغير، بخلاف الماء فإن ~~الخلاف فيه واقع في قليله هل ينجس إذا لم يكن متغيرا أم لا؟ كما قررناه من ~~قبل فافترقا، وأيضا فإن الحاجة إلى الماء ليس كالحاجة إلى السمن فلا يلزم ~~من اغتفار نجاسة ما تمس الحاجة إليه ويعظم الافتقار إلى الانتفاع به، ~~اغتفار نجاسة مالا تمس الحاجة إليه. # قالوا: نجس فلا يجوز الانتفاع به من غير ضرورة كالميتة. # قلنا: لا نسلم كونه نجسا فإنه لو كان نجسا لم يستعمله المسلمون في ~~الأمصار والأقاليم، ثم وإن سلمنا كونه نجسا فالمعنى في الأصل كونه نجسا ~~ينتفع به مع بقاء عينه، وما نحن فيه ليس له عين فلهذا جاز الانتفاع به، ~~ويؤيد ما قلناه أنه إذا كان ينتفع به مع بقاء عينه فهو مماثل للميتة في ~~التحريم والمنع؛ لأن بقاء عينها يكون لها قدر وارتفاع وزن في نظر الشرع، ~~ونحن مأمورون باستقذارها والبعد عنها لركتها ونزول قدرها، بخلاف ما لا عين ~~له مرئية، فإن استعماله في الاستهلاكات مطابق لنظر الشرع في إ زالتها ~~وإذهاب أعيانها، فلا جرم انقطعت عن الميتة لما ذكرناه وذلك يفسد القياس على ~~الميتة فافترقا. PageV01P357 # الانتصار على أبي حنيفة: قالوا: ما كان متغيرا بالنجاسة فهو ممنوع استعماله ~~بخلاف مالم يتغير بها. # قلنا: أهل الإجماع لم يفصلوا بين المتغير وغير المتغير في جواز الاستعمال ~~فلا معنى للتفرقة بينهما، والتفرقة بينهما تكون تحكما لا مستند له. # قالوا: ما كان متغيرا فهو نجس بالإجماع بخلاف ما لم يكن متغيرا فهو في ~~محل الاجتهاد ومخالفه يتناوله الوعيد، بخلاف ما كان مختلفا فيه فلا وعيد فيه. # قلنا: لا نسلم انعقاد الإجماع على نجاسة ما هذا حاله ms0133 ولو اعتقدوا النجاسة ~~لما استعملوه، ثم لو سلمنا انعقاد الإجماع على نجاسته فإنا نحمله على ~~الانتفاع به فيما ليس يعد استهلاكا في العادة، على أنا نقيس الجمع عليه على ~~ما كان مختلفا فيه بجامع كونه نجسا، فنقول: نجس فجاز الانتفاع به فيما يزيل ~~عينه كالمختلف فيه، فبطل ما توهموه. # مسألة: ذهب أئمة العترة إلى أن الوضوء بالماء المغصوب لا يجزي ولا تنعقد ~~الصلاة به، وهو محكي عن داود من أهل الظاهر. PageV01P358 # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~}[البقرة:188]. فنهى عن استهلاك مال الغير، ولا شك أن الوضوء به استهلاك ~~له، وقوله : (( لا يحل مال امرءئ مسلم إلا بطيبة من نفس ه ))(1). وهذا لم ~~توجد فيه طيبة في نفس مالكه، فظاهر الآية والخبر دال على المنع من ~~استعماله، فالآية ناهية، والنهي دال على الفساد فيما كان عبادة، والوضوء ~~عبادة لقوله : (( الوضوء شطر الإيمان ))(2). ولأنه يفتقر إلى النية فكان ~~عبادة كالصلاة، والخبر دال على تحريمه ومنعه بطريق النفي دون النهي، وهو ~~أبلغ في عدم الإجزاء من النهي فلهذا قضينا بكونه غير مجزئ للصلاة. # والحجة الثانية: من جهة القياس، وهو أنه ممنوع من استعماله فلم يجز ~~الوضوء به كالنجس. أو نقول: عبادة تؤدى بالمال فلا يجوز أداؤها بالمغصوب ~~كالكفارة، فهذه حجج ثلاث دالة على بطلان التوضؤ بما كان مغصوبا أو مسروقا ~~من الأمواء. # وذهب جميع الفرق الثلاث: الحنفية والشافعية والمالكية إلى جوازه مع كونه ~~مكروها، وهو قول المعتزلة. PageV01P359 # والحجة لهم على ذلك: الظواهر القرآنية كقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا}[الفرقان:48]. وقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم ~~به}[الأنفال:11]. فلم يعتبر في الماء شيئا سوى كونه طاهرا ولم يذكر كونه ~~حراما ولا حلالا، وفي هذا دلالة على أن كونه حلالا، لا يشترط في صحة التوضؤ به. # الحجة الثانية: الأخبار المروية، كقوله : (( خلق الماء طهورا لا ينجسه ~~إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه)). وقوله : (( الماء لا يجنب)) و(( الماء ~~لا ينجس))، فهذه الأخبار كلها دالة على صحة ms0134 التوضؤ بما كان طاهرا، ولم ~~يعترض لما عداه من كونه حراما، فدل ذلك على كونه مجزيا بظاهرها، فمن ادعى ~~إخراجه عن هذه الظواهر كان مدعيا لخلاف الظاهر فلا بد من إقامة الدلالة على ذلك. # الحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أنه ماء مطلق فجاز التوضؤ به كالماء ~~الحلال. # والمختار: ما عول عليه أئمة الآل من كونه غير مجز في تأدية الصلاة. # والحجة على ذلك: ما أوردوه من الآيات والأخبار والأقيسة، ونزيد هاهنا ~~حججا ثلاثا بعون الله تعالى: # الحجة الأولى: أنا نقول: الوضوء مأمور به بدليل قوله تعالى: {إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}[المائدة:6]. والغصب منهي عنه بدليل قوله تعالى: ~~{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}[البقرة:188]. فلو جوزنا فعل الوضوء ~~بالماء المغصوب لكان العبد مأمورا بفعله منهيا عنه، فيكون الوضوء مطلوبا ~~غير مقبول، وهذا محال. PageV01P360 # لا يقال: إن كونه مأمورا متعلق بفعل الوضوء، وكونه منهيا متعلقا بالغصب، ~~وهما وجهين للفعل متقاربين فلا يلزم فيه مناقضة؛ لأنا نقول: هذا فاسد لأنه ~~لا يعقل هناك تغاير بينهما من جهة اتحادهما، وبيانه أنا نقول: إن متعلق ~~الأمر على زعمكم هو فعل الوضوء بالماء المغصوب، وعلى قولنا متعلق النهي هو ~~فعل الوضوء بالماء المغصوب، فهما متحدان كما ترى، أعني متعلق الأمر والنهي، ~~فيلزم ما ذكرناه؛ لكونه مأمورا به منهيا عنه وأنه محال. # الحجة الثانية: فعل الوضوء طاعة لله تعالى؛ لأنه من جملة العبادات وكل ~~عبادة فهي طاعة، وفعل الغصب يكون معصية لله تعالى، فلو جوزنا التوضؤ بالماء ~~المغصوب على زعمكم لكان طاعة من حيث كونه عبادة، ومعصية من جهة كونه مغصوبا ~~لايحل فعله، فيلزم أن يكون العبد بالتوضؤ بالماء المغصوب، مطيعا عاصيا [في ~~وقت واحد]، وما هذا حاله فلا خفاء بفساده. # لايقال: إن كونه طاعة لم يلاق كونه معصية، وكونه معصية لايلاقي كونه طاعة ~~وإذا لم يتلاقيا لتغاير المتعلقين فيهما لم يكن ذلك مؤديا إلى فساد، فلا ~~جرم جاز أن يكون مطيعا بفعل الوضوء وعاصيا بكونه غاصبا، ومثل هذا جائز؛ ~~لأنا نقول: هذه عبارة فارغة لا ms0135 فائدة تحتها، وتكرير ألفاظ لا طائل وراءها، ~~فإنا قد قررنا اتحاد الوجهين في كونه طاعة معصية بما ذكرناه في كونه مأمورا ~~به منهيا عنه فأغنى عن الإعادة. # الحجة الثالثة: أنا نقول لهم: أليس قد تقرر كون الوضوء مرادا لله تعالى؟ ~~فلابد من قول بلى، وقد تقرر كون الغصب مكروها لله تعالى من جهة كونه منهيا ~~عنه، والنهي لا يكون نهيا إلا بالكراهة. فإذا تقرر ذلك فكيف يقال بجواز ~~التوضؤ بالماء المغصوب؟ وفي ذلك كونه مرادا مكروها بالتقرير الذي لخصناه ~~وهو محال. PageV01P361 # لا يقال: كيف يقال بأن الوضوء بالماء المغصوب مكروه وهو من جملة الواقعات؟ ~~والله تعالى مريد لكل واقع طاعة كان أو معصية، فإذا لا معنى لكونه مكروها ~~مع كونه مما يقع في العالم، وإذا بطل كونه مكروها ثبت كونه مرادا، سواء كان ~~طاعة أو معصية فلا وجه للإلزام بكونه مكروها كما قلتم؛ لأنا نقول: هذا ~~فاسد، فإنا إنما قررنا هذا الإلزام على الدليل وقد قام البرهان العقلي على ~~أن المعاصي غير مرادة لله تعالى سواء كانت واقعة أو غير واقعة، فإن سلموا ~~ذلك فالإلزام متوجه على لزوم كون الوضوء مرادا مكروها، وإن دفعوه نقلنا ~~معهم الكلام إلى تلك المسألة فإنها متعلقة بالمباحث العقلية الكلامية، وقد ~~قررناها في الكتب العقلية، فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا أن هذه الإلزامات ~~متوجهة على قول من زعم أن الوضوء بالماء المغصوب جائز. # الانتصار على من خالفنا في هذه المسألة بتزييف(1) أدلتهم فيها. # قالوا: الظواهر الشرعية دالة على صحة الوضوء بالماء المغصوب. # قلنا: هذا فاسد من وجهين: # أما أولا: فإنا لا نسلم اندراجه تحت العموم؛ لأن العمومات القرآنية ~~والأخبار النبوية، إنما تناولت اسم الطهور وهو متناول ما كان طاهرا في نفسه ~~مطهرا لغيره، والماء المغصوب ليس هكذا، فلهذا لم يكن مندرجا تحتها. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا اندارجه تحت العموم، لكنه خرج بأدلتنا المخصصة ~~من ظاهر العموم فيعمل بأدلتنا المخصصة فيما كانت متناولة له بظاهرها، وهو ~~خروج الماء المغصوب عن صلاحية كونه وضوءا، ثم ms0136 يعمل بالأدلة العامة فيما ~~وراء ذلك، فيكون فيما ذكرناه عمل بالعموم والخصوص جميعا، وما ذكرتموه إخراج ~~لأدلة الخصوص عن كونها دالة، وهذه طريقة مرضية بين علماء الأصول، أعني ~~الجمع بين الأدلة، لا يختلفون فيها فمن قال منهم بأن في اللغة لفظة موضوعة ~~للعموم. PageV01P362 # قالوا: ماء مطلق فجاز التطهر به كالماء الحلال. # قلنا: هذا القياس معترض من أوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن الجامع الذي ذكرتموه هو كونه ماء، وما هذا حاله وصف طردي ~~ليس مشتملا على إخالة ولا مشابهة خاصة، وما يكون على هذه الصفة فليس معتمدا ~~في تقرير حكم من الأحكام الشرعية. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل كونه حلالا، وهذا فرق فقهي يبطل الجمع ~~ويلحقه بالبطلان والفساد. # وأما ثالثا: فلأنا نعارضه بقياس مثله فنقول: ماء [مغصوب] فلم يجز التطهر ~~به كالماء النجس، أو نقول: شرط من شروط الصلاة المعتبرة في أدائها موصوفة ~~بصفة فلم تجز بما هو موصوف بضدها، كالماء الطاهر(1). # قالوا: طهارة بالماء تعتبر في صحة أداء الصلاة، فلم يكن الحلال من شرطها ~~كإزالة النجاسة، فلو غسل الثوب من النجاسة بماء مغصوب لكان مجزيا فهكذا حال ~~الوضوء من غير تفرقة بينهما. PageV01P363 # قلنا: هذا فاسد، وبيانه: أنه إن كان الغرض من هذا القياس هو استعمال الماء ~~المغصوب في إزالة النجاسة فهو باطل؛ لأنه محرم عقلا وشرعا ويؤيده قوله : (( ~~لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه )). وقوله : (( إذا أخذ أحدكم عصا ~~أخيه فليردها عليه ))(1). وإن كان الغرض من القياس هو بيان أن من غسل ~~النجاسة بماء مغصوب فإن الصلاة مجزية له، فهكذا حال الوضوء، فالفرق بينهما ~~ظاهر، فإن النجاسة ليست عبادة فلهذا كان تحصيلها على جهة الشرط دون ~~العبادة، بخلاف الوضوء فإنه عبادة فلا يجوز ملابسته للمعصية فافترقا. ثم ~~نقول: فرق آخر، وهو أن غسل الثوب بالمغصوب ليس ملاقيا للصلاة في حال أدائها ~~فلهذا كانت الصلاة مجزية بغسله، بخلاف الوضوء فإنه ملاق للصلاة مؤدى لها؛ ~~لأن غسل النجاسة يراد للصلاة ولغير الصلاة بدليل قوله تعالى: {والرجز ~~فاهجر}[المدثر:5]. ولم ms0137 يفصل بين الصلاة وغيرها بخلاف الوضوء، فإنه لا يراد ~~إلا للصلاة فافترقا. # فحصل من مجموع ما ذكرناه أن غسل النجاسة هو تأدية شرط لا تأدية عبادة، ~~بخلاف الوضوء فإنه عبادة تفتقر إلى النية، فلهذا جاز غسل النجاسة بالماء ~~المغصوب بخلاف الوضوء فبطل ما توهموه من الجمع بينهما. # قالوا: عبادة تدخلها النيابة، فلم يكن التلبس بالمغصوب مفسدا لها كالذبح ~~بالسكين المغصوبة والوقوف على جمل مغصوب. # قلنا: هذا القياس فاسد لأوجه ثلاثة: # أما أولا: فبالمنع من حصول العلة في الفرع، فإنه لا نسلم النيابة في ~~الوضوء، فإن حقيقة النيابة أن يتوضأ عنه غيره وهذا لا قائل به، فأما أن ~~غيره يوضيه فهذا ليس نيابة وإنما هو استعانة لا نيابة. PageV01P364 # وأما ثانيا: فبالفرق، وهو أن الوقوف على جمل ليس واجبا، بل لو وقف على ~~قدميه أجزأه، وهكذا لو ذبح بالمروة والسيف أجزأه وبكل ما يفري الأوداج ~~ويبهر الدم، فالذبح بالسكين غير واجب بخلاف الوضوء فإنه يجب عليه استعمال ~~عين الماء ولا يجزيه غيره فافترقا. # وأما ثالثا: فلأن ما ذكروه من القياس فاسد الاعتبار، فإن الوضوء بالماء ~~بعيد عن الذبح بالسكين المغصوب والوقوف على جمل حرام، فلا يقاس أحدهما على ~~الآخر لبعد أحدهما عن الآخر؛ لأن السكين آلة في الذبح كالقوس للرمي، والجمل ~~آلة في الوقوف راكبا كالقلم للكتابة، بخلاف الوضوء فإنه ليس بحقيقة الآلة ~~بل هو عبادة منفصلة على جهة الاستقلال، وإنما الآلة أن يغتصب دلوا وحبلا ~~فيستسقي بهما ماء حلالا ثم يتوضأ به، فهذا يكون نظيرا لمسألتنا ولا نخالف ~~فيه؛ لأنهما يتوصل بهما إلى تحصيل الماء فهما بحقيقة الآلة أشبه فبطل ما قالوه. # قالوا: الغصب لا يعقل في الماء؛ لأنه على أصل الإباحة بدليل قوله : (( ~~المؤمن أخو المؤمن يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتان))(1). يعني ~~الشيطان، وقوله : (( الناس شركاء في ثلاثة: في الماء والنار والكلأ))(2). PageV01P365 # قلنا: إن صح ما ذكرتموه، فالخلاف بيننا في المسألة مرتفع، إذ لا صورة له ~~على ما ذكرتموه، إنما يتصور في الأنهار والسيول فإنه لا يتصور فيه الغصب، ms0138 ~~فأما ما أحرز في القرب والكيزان والصحاف وغير ذلك من الآنية، فإنه يكون ~~مملوكا لصاحبه ولمن أحرزه، يعقل فيه الغصب ويجب فيه الضمان بالمثل، فلو ~~توضأ متوضئ بما هذا حاله من غير إذن مالكه، جاء الخلاف في المسألة. والله ~~أعلم بالصواب. # مسألة: في التفريع، واعلم أن هذه المسألة يتفرع عليها فروع أربعة: # الفرع الأول منها: من توضأ بماء وكان عنده أنه مغصوب، فكان مباحا أو ملكا ~~له، فهل يجزيه الوضوء أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه يكون مجزيا له، وهذا هو الذي ذكره السيدان: أبو الحسن ~~الحقيني )، وأبو عبدالله الجرجاني ). PageV01P366 # والحجة على ذلك: هو أن التعويل في الأمور على الحقائق دون الأمور العارضة، ~~ولا شك أن أصل هذا الماء هو على الإباحة فلا جرم كان مجزيا. # وثانيهما: أنه غير مجز له وهذا هو الذي ذكره المؤيد بالله، ومحكي عن ~~المنصور بالله. # والحجة على ذلك: هو أنه توضأ بماء وعنده أنه منهي عن استهلاكه، فإقدامه ~~على التوضؤ به وهو على هذه الصفة يؤثر في كونه قربة؛ لإقدامه واعتقاده ~~للمعصية، فلا يكون مجزيا له كما لو كان مغصوبا على جهة الحقيقة. # والمختار: ما عول عليه الإمامان: الحقيني والجرجاني، من جهة أن التعويل ~~إنما هو على حقائق الأمور وأصولها ولا تعويل على ما يعرض من الاعتقادات ~~التي لا حقيقة لها، ومن جهة أن الظواهر الشرعية كلها دالة على صحة التوضؤ ~~بما ذكرناه من هذا الماء، وعروض الاعتقاد من جملة الجهالات فلا يلتفت إليه، ~~ونهاية الأمر فيه أن يكون آثما باعتقاده لكونه معصية، ومعصيته بما هذا حاله ~~لا تطرق خللا في أصل وجوبه مع كونه جاريا على نعت الصحة. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. # قالا: الإقدام على التوضؤ به وهو على هذه الصفة يكون معصية فيؤثر في كونه ~~قربة، فلهذا قضينا بكون الوضوء غير مجزئ. # قلنا: الماء في نفسه طاهر حلال لا مرية فيه فلا أثر لاعتقاده وقد نوى به ~~القربة وقد صادفت القربة ماء حلالا فلا يؤثر في حاله الاعتقاد بكونه ~~مغصوبا، ويؤيد ms0139 ما ذكرناه: أن رجلا لو عظم رجلا هو أبوه وقد اعتقد أنه غير ~~أبيه فإن التعظيم منصرف إلى أبيه لا محالة، ولا أثر لاعتقاده كونه غير ~~أبيه، ولهذا قلنا: بأن عبادة المشبهة منصرفة إلى الله تعالى وإن اعتقدوه ~~بصفة الأجسام، فاعتقاد المتوضئ لكونه مغصوبا لا أثر له في تغيير حقيقته ولا ~~في كونه قربة. # الفرع الثاني: من توضأ بماء وعنده أنه مباح فكان مغصوبا فهل يجزيه وضوؤه ~~أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه يكون مجزيا له، وهذا هو الذي ذكره الإمامان المؤيد بالله ~~والمنصور بالله. PageV01P367 # والحجة لهما على ما قالاه: هو أنه توضأ بماء حلال عنده، وانكشاف العاقبة ~~بعد ذلك بكونه مغصوبا لا يطرق خللا فيما فعل من التوضؤ بماء هو عنده حلال، ~~وعليه غرامة مثله؛ لكونه مستهلكا مال الغير، وعلى اليد ما أخذت حتى ترد. # وثانيهما: أنه غير مجز له، وهذا هو الذي ذكره الإمامان الحقيني والجرجاني ~~رحمهما الله تعالى. # والحجة على ذلك: هو أن الاعتبار بالحقائق ولا أثر للاعتقادات في قلب ~~الحقائق عما هي عليه. فلما كان الماء مغصوبا في الحقيقة، كان وضوؤه واقعا ~~على خلل وفساد فلهذا بطل إجزاؤه كما لو تحقق كونه مغصوبا. # والمختار: ما عول عليه الحقيني والجرجاني. # والحجة على ذلك: ما ذكرناه في المسألة الأولى ونزيد هاهنا: وهو أن الأدلة ~~الدالة على بطلان التوضؤ بالماء المغصوب التي أسلفناها على الفقهاء، فهي ~~بعينها دالة على بطلان الوضوء في هذه المسألة، ولا ينفع اعتقاد كونه مباحا؛ ~~لأنه اعتقاد جهل والجهالات لا أثر لها ولا حقيقة، فمن اعتقد في رجل أجنبي ~~أنه أبوه ثم عظمه على حد تعظيم أبيه، لم يكن معظما لأبيه لاعتقاده كونه أبا ~~له، ولا يصير أبا له بالاعتقاد، فهكذا هاهنا لا يصير حلالا باعتقاده إذا ~~كان حراما في ذاته. # الانتصار: قالا: ليس عليه إلا التوضؤ بما يعتقد في نفسه كونه مباحا، وهذا ~~حاصل فيما نحن فيه. # قلنا: أليس اعتقاده جهلا؟ فلابد من بلى. # قلنا: فجهله لا يزيده إلا وبالا ولا يكون مسوغا ما ms0140 لا يسوغ شرعا، من جهة ~~أن الحقيقة مخالفة لإعتقاده فلا أثر لاعتقاده مع حقيقة الحال في كونه ~~مغصوبا. PageV01P368 # والعجب أن ما ذكره المؤيد بالله هاهنا مخالف لما تقتضيه أصوله في الصلاة، ~~إذ ليس هاهنا إلا فقد العلم بكون الماء مغصوبا، وقد تقرر من نصوصه أنه لا ~~تأثير للعلم والجهل في المفعول إذا لم يكن سائغا على اجتهاده، وقد نص على ~~أن من نسي شيئا مما طريقه الاجتهاد فكان مختلفا فيه فصلى ولم يذكره إلا بعد ~~مضي الوقت، فإنها تجب عليه الإعادة، فكيف يقال هاهنا بأن وضوءه يكون مجزيا ~~مع وقوعه على خلل وفساد لم يعلمه. وأعجب من هذا أن هذين الإمامين: المؤيد ~~بالله والمنصور بالله، لا يزالان معولين في أثناء كلامهما في ريب النظر ~~ومجاري الاجتهاد على حقائق الأشياء وأصولها في استصحاب العموم وإستصحاب ~~الأصل في الطهارة والنجاسة، واستصحاب براءة الذمة وغير ذلك مما يكون متمسكا ~~بالحقائق في أصول الأشياء، حتى إذا جاءا إلى هذه المسألة كان تعويلهما على ~~مطلق الاعتقاد من غير تعويل على الحقائق ولا التفات إليها، مع تبحرهما في ~~علم الشريعة وإحاطتهما بالمجاري الاجتهادية والمضطربات الفقهية، فما أدري ~~على ما أوجه عليه كلامهما في هذه المسألة. # الفرع الثالث: من توضأ من بئر في دار من غير إذن أهلها، فهل يكون وضوؤه ~~مجزيا له أم لا؟ فيه قولان للمؤيد بالله: # أحدهما: أنه لا يكون مجزيا، وهذا هو الذي ذكره بعض فقهاء المذهب. # والحجة على ذلك: هو أن البئر وماءها ملك لصاحبها فلا يجوز من غير إذنه ~~كما لو كان الماء في كوز أو قربة، فإذا كان أخذه معصية بالغصب كان مضادا ~~للقربة فلا جرم قضينا بفساد الوضوء لوقوعه غير عبادة. # وثانيهما: أن ذلك جائز وهذا هو الذي ذكره آخرا. # والحجة على ذلك: هو أن أصل الماء باق على الإباحة مالم يكن محرزا في ~~الكيزان والجرار، بدليل قوله : (( الناس شركاء في ثلاثة: في الماء والنار ~~والكلأ )). PageV01P369 # والمختار: ما قاله آخرا. وهو القول بإجزائه في الوضوء لما ذكره من التعليل ms0141 ~~فإنه لا عثار على وجهه، ونزيد هاهنا: وهو أن المعصية إنما تعلقت بنفس ~~الدخول لا بنفس الماء فلم تلاق القربة نفس المعصية فيكون مفسدا للوضوء ~~لتغايرهما، كما لو غصب مطهرة فتوضأ فيها فإن وضوءه يجزيه إذا كان أصل الماء ~~حلالا فافترقا. # الفرع الرابع: يجوز التوضؤ من النهر الذي حفر غصبا ومن ساقية المرأز(1) ~~إذا حفرت ظلما، ذكره بعض أصحابنا للمذهب، وهذا جيد لا عثار عليه؛ لأن أصل ~~الماء على الإباحة، والخلل إنما وقع في مجراه، والوضوء إنما هو بالماء دون ~~مجراه، فالمعصية لا تلاقي ما هو طاعة بل هي منحرفة عنها، فلهذا كان مجزيا. ~~والظاهر من كلام المؤيد بالله أن تردده إنما هو في ماء البئر إذا كان ~~مأخوذا من غير رضا صاحبها، فأما النهر فغالب ظني أن كلامه لا يختلف، وأنه ~~يجوز التوضؤ بماء النهر وإن حفر غصبا، والتفرقة بينهما ظاهرة، فإن البئر ~~يمكن إلحاقها بالكوز والقربة فلا يجوز التوضؤ منها إلا مع الرضا من صاحبها. ~~ويتعقل فيها الغصب، ويمكن إلحاقها بالنهر فلا يعقل فيها الغصب، فلهذا تردد ~~نظره في ذلك كما قررناه من قبل، بخلاف النهر فإنه على الأصل في الإباحة، ~~فهو مخالف للبئر كما ترى، وسيأتي لهذا مزيد تقرير في إحياء الموات بمعونة ~~الله تعالى. PageV01P370 # قال السيد الإمام المؤيد بالله: وإذا كانت البئر خارج الستر فتوضأ رجل ~~بمائها من غير إذن مالكها فلا بأس، إذا كان الظاهر من حال صاحبها أن لا ~~يمنع من استقاء مائها، فهذا عمل على القول الأول، وقد حكينا عنه قوله الآخر ~~وهو جواز التوضؤ والاستسقاء؛ لأن الظاهر من الأمواء كلها الإباحة، سواء كان ~~بئرا أو نهرا إلا ما خرج بدليل خاص في المنع. # دقيقة: اعلم أن هذه المسألة اجتهادية فالتصويب شامل لجميع القولين، وإنما ~~قضينا بكونها اجتهادية؛ لأن كل واحد من الفريقين ممن منع أو أجاز مشتمل من ~~الظواهر الظنية والأمارات الفقهية من غير إسناد إلى مانع، فلهذا وجب القطع ~~على كونها من مسائل الاجتهاد. # وليس العجب من الفقهاء فيما ذهبوا [إليه] ms0142 من جواز التوضؤ بالماء المغصوب، ~~لأن قصارى أنظارهم مستندة إلى الظواهر الشرعية، وإنما العجب من الإخوان ~~الفئة العدلية شيوخ المعتزلة، حيث زعموا صحة التوضؤ بالماء المغصوب مع ~~استطالة أيديهم في المباحث الكلامية وقوة أنظارهم في المسائل الدينية ~~وتحققهم أن القربة من شرط الوضوء وأن المعصية منافية لها، وأن الوضوء مأمور ~~به، فكيف ينهى عنه لكونه غصبا، وأنه مراد لكونه عبادة فكيف يكون مكروها لما ~~تضمن من المعصية من الغصب؟ وكل هذه الأسرار مأخوذة من الأسرار الكلامية وهم ~~أعلم بها وأكثر إحاطة بحقائقها من الفقهاء، فهم في التحقيق أحق بالقول بعدم ~~الجواز لما ذكرناه. # ويدل على التصويب فيها: أن خوض الفقهاء فيها كخوضهم في سائر المسائل ~~الخلافية من غير تخطئة ولا تأثيم لمن خالف قول صاحبه في المسألة، وهذه ~~أمارة قوية في كون المسألة اجتهادية؛ لأن الأدلة لو كانت قاطعة لكان الحق ~~واحدا فيها، ولكان من خالفه مخطئا كما في المسائل الدينية والمضطربات ~~الأصولية، وقد قررنا في مقدمة الكتاب الفرق بين المسائل القطعية والظنية ~~فلا وجه لتكريره. PageV01P371 # مسألة: في الآسار، السؤر مهموز وجمعه آسار وهو: عبارة عما يفضل من الطعام ~~والشراب في الإناء، وما فضل في الإناء من سؤر المؤمن من شرابه وغسله ووضوئه ~~فهو طاهر عند أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ~~ومالك، ولا يؤثر فيه خلاف بين الأمة. # والحجة على ذلك: هو ما مر من الظواهر الشرعية في طهارة الماء كقوله ~~تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا}[الفرقان:48]. وقوله : (( خلق الماء ~~طهورا لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو طعمه )). إلى غير ذلك من الأخبار ~~الواردة. # الحجة الثانية: قوله : (( المؤمن لا ينجس ))(1). ولم يفصل بين وضوئه ~~وغسله وعرقه ولعابه، ولا ينجس من ذلك إلا ما خصته دلالة، ولأنه لم يعرض له ~~ما يبطل التوضؤ به والاغتسال من غير نجاسة ولا استعمال، فيجب القضاء ~~بطهارته. PageV01P372 # ويجوز التطهر بسؤر الجنب والحائض لما روته عائشة (رضي الله عنها) قالت: (( ~~كنت أتعرق العظم وأنا حائض فأعطيه النبي فيضع فمه في الموضع ms0143 الذي وضعت ~~فمي فيه، وأشرب الشراب فأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه))(1). ~~وفي حديث حذيفة أنه لما قال: إني جنب (( أبرز ذراعيك إن المسلم لا ينجس ~~))(2). ثم وضع كفه على ذراعيه وإنها لرطبه. وروي عن النبي (( أنه خرج يوما ~~إلى المسجد فرأى في ثوبه دما فأمر به إلى عائشة وهي حائض لتغسله ~~فغسلته))(3)، وقال لها يوما: (( ناوليني الخمرة)). فقالت: إني حائض. فقال: ~~(( أحيضتك في يدك ))(4)؟ # وهل يكره سؤرهما أم لا؟ فالذي عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة أن سؤرهما ~~لا يكره. # والحجة على ذلك: ما رويناه من هذه الأحاديث، فإنها دالة على الجواز من ~~غير كراهة. # وحكي عن الحسن بن صالح كراهة سؤرهما، ولا أعرف له وجها في الدلالة على ~~الكراهة سوى أن الحائض متلوثة بالنجاسة في أغلب أوقاتها، فإذا باشرت شيئا ~~من هذه الأمور فإنه لا يؤمن منها تنجيسه، فلهذا كره مخالطتها لما ذكرناه. ~~والجنب مقيس عليها بجامع كون كل واحد منهما يجب عليه الغسل. PageV01P373 # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة من جواز استعمال آسارهما ~~من غير كراهة، وما قاله من توهم النجاسة لا وجه له، فإنه وهم لا يعول عليه ~~مع ما قررناه من الأدلة الشرعية التي حكيناها، ولأن ما ذكره الحسن يشبه أن ~~يكون مثل فعل اليهود، فيجب القضاء ببطلانه لما روى أنس بن مالك: أن اليهود ~~كانوا إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت فلم يؤاكلوها ولم يشاربوها ~~ولم يجامعوها في البيت، فسئل رسول الله عن ذلك فأنزل الله تعالى: ~~{ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض }[البقرة:222]. ~~إلى آخر الآية، فقال : (( جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء غير ~~النكاح))(1). فقالت اليهود: ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئا من أمرنا إلا ~~خالفنا فيه، ففي هذا دلالة على جواز مخالطتهن في المآكل والمشارب والتصرفات ~~من غير كراهة. # مسألة: سؤر الكافر، يكون طاهرا أو نجسا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن جميع آسار الكفار كلها نجسة، على جميع الأديان الكفرية ~~من ms0144 عبدة الأوثان والأصنام والملاحدة والزنادقة والمجوس، وأهل الكتابين ~~اليهود والنصارى، إلى غير ذلك من سائر الملل المخالفة لملة الإسلام. وهذا ~~هو رأي القاسم بن إبراهيم، ومحكي عن الهادي والناصر، وهو قول مالك. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إنما المشركون نجس }[التوبة:28].، فهذا نص ~~على ما قلناه من نجاستهم ولا حاجة إلى تأويله من غير ضرورة، فيجب الحكم ~~عليهم بالنجاسة في جميع ما تصرفوا فيه إلا ما خصته الدلالة الظاهرة؛ لأنها ~~عامة في رطوبتهم وأبدانهم فلا وجه لأن يقال: المراد به اعتقاداتهم ~~وأبدانهم. PageV01P374 # الحجة الثانية: ما روي أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله ضرب لهم قبة ~~في المسجد. فقالوا: يا رسول الله، قوم أنجاس. فقال الرسول : (( ليس على وجه ~~الأرض من نجاستهم شيء ، إنما نجاستهم على أنفسهم))(1). # ووجه الدلالة: هو أنهم لما قالوا: قوم أنجاس، أقرهم على ذلك، ومن جهة أن ~~الصحابة رضي الله عنهم فهموا من جهتهم النجاسة فقالوا: قوم أنجاس، فصرحوا ~~بذلك(2). # الحجة الثالثة: ما روي عن أبي ثعلبة الخشني ) قال: قلت: يا رسول الله إنا ~~بأرض أهل الكتاب فنسألهم آنيتهم، فقال: (( اغسلوها، ثم اطبخوا فيها ))(4). ~~فلولا أنها نجسة وإلا لكان لا وجه للأمر بغسلها، وليس الوجه في نجاستها إلا ~~من أجل مماستهم لها وشربهم فيها، وفي هذا دلالة على نجاسة الآسار كما ~~ذكرناه. PageV01P375 # المذهب الثاني: أن جميع آسار الكفار ورطوبتهم طاهرة، وهذا هو قول زيد بن ~~علي ومحكي عن المؤيد بالله، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه. ~~قال زيد بن علي: المشرك يتوضأ بسؤر شربه إلا أن يعلم أنه شرب خمرا، ولا ~~يتوضأ بسؤر وضوئه، وإنما خص التوضؤ بسؤر شربه دون سؤر وضوئه لأمرين: # أما أولا: فلأن الأصل هو النجاسة فيهم، ولكن خص الشرع آسارهم فبقي ما بقي ~~على أصل التنجيس. # وأما ثانيا: فلأنه يسيح عند الوضوء من ملابسة النجاسة مالا يسيح عند ~~الشرب، فمن أجل ذلك فرق بينهما، وإلى طهارة الآسار في حق الكفار وطهارة ~~رطوباتهم، ذهب الإمام المنصور بالله. # والحجة على ذلك: قوله ms0145 تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم ~~حل لهم }[المائدة:5]. فلو كانوا أنجاسا لما أباح ذلك، وهذا خاص في الدلالة ~~على طهارة الرطوبة في حقهم في الطعام والشراب وسائر الرطوبات. # الحجة الثانية: ما روى جابر بن عبدالله قال: (( كنا نغزوا مع رسول الله ~~فنشرب من آنية أهل الكتاب ونطبخ في قدورهم، ولم نؤمر بغسلها من مس ~~أيديهم))، وفي هذا دلالة على ما ذكرناه من طهارة ذلك. وروي عنه أنه استعار ~~أدرعا من صفوان بن أمية ) وكان مشركا ولم يأمر بغسلها لما أرادوا لبسها، ~~لما ذكرناه. PageV01P376 # الحجة الثالثة: ما روي أنه توضأ من مزادة مشركة ، ولم يؤثر أنه أمر ~~بغسلها(1)، وروي عن عمر مثل ذلك. ولأنه آدمي فوجب أن تكون رطوبته طاهرة ~~كالمسلم، فهذا تقرير أدلة الفريقين القائلين بالجواز وعدمه كما لخصناه، ~~والله الموفق للصواب. # والمختار: ما قاله الأئمة الثلاثة: زيد بن علي والمؤيد بالله والمنصور ~~بالله ومن تابعهم من فقهاء الأمة، من طهارة آسارهم ورطوباتهم على الجملة، ~~لكنا نذكر تفصيلا نشير إليه وحاصله، أن الكفار ضربان: PageV01P377 # فالضرب الأول منهم: لا يتدينون باستعمال النجاسات ولا يتلوثون بها، وهؤلاء ~~هم اليهود والنصارى وسائر أهل الشرك من عباد الأوثان والأصنام، فهؤلاء يجوز ~~التوضؤ بفضلة ما شربوه ولا بأس برطوباتهم، لما روي عن النبي ، (( أنه ألم ~~به رجل من عباد الأوثان فأضافه وأكرمه وسقاه لبنا فشربه، ولم يؤثر أن ~~الرسول غسل الإناء عقيب شربه)). وروي أن ثمامة بن أثال ) لما جاءوا به ~~أسيرا فربط في بعض سواري المسجد و(( كان يخرج إليه الطعام من بيوت رسول ~~الله وبيوت الصحابة ، وما أثر أنه غسلت الآنية من أثره))(2). # الضرب الثاني من الكفار: وهم الذي يتدينون باستعمال النجاسات ومخالطتها ~~ولا يزالون يتعاطونها ويخامرونها، وهؤلاء هم المجوس والصابئة؛ لأنهم ~~يتطهرون بالبول ويتقربون بالأرواث النجسة، فهؤلاء يكره استعمال آنيتهم قبل ~~غسلها لما ذكرناه، وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر حكاه أبو إسحاق: أنه ~~لا يجوز استعمال آنيتهم. وقال أبو حنيفة ومالك: إنها على أصل التطهير كآنية ~~أهل ms0146 الكتاب من اليهود والنصارى. PageV01P378 # والحجة على ما اخترناه من الكراهة فيمن ذكرناه: هو أنه إذا كان المعلوم من ~~حالهم ما ذكرناه من التدين باستعمال النجاسات، فهم لا محالة إلى مخالطتها ~~أقرب، فلهذا كره للوجه الذي لخصناه. فأما سراويلاتهم وما يختص أسافلهم من ~~الثياب كالمآزر ونحوها، فهي أشد كراهة من جهة أن النجاسة تسيح إليها وهي ~~بها ألصق من غيرها، فمن أجل ذلك كانت أشد كراهة، فلهذا قال أصحابنا: إن ~~الظن غالب على نجاسة سراويل المجوسي. وما ذاك إلا من أجل ما قررناه من عدم ~~احترازهم عنها. # الانتصار على من خالف هذه المقالة: إنما يكون بإيراد متمسكاتهم والجواب عنها. # فنقول: أما ما أوردوه من الأدلة على نجاستهم فجوابه من وجهين: # أما أولا: فأدلتنا معارضة لأدلتهم فيجب الرجوع إلى التساقط فيهما والرجوع ~~إلى دلالة أخرى غير معارضة، أو الرجوع إلى حكم العقل وهو القضاء بالتطهير ~~في كل شيء إلا لدلالة خاصة، وفيه حصول غرضنا بالطهارة في الرطوبة لهم. # وأما ثانيا: فلأنا لا نسلم التعارض في الأدلة، بل ما ذكرناه من الأدلة ~~راجح على ما ذكروه، أما الآية فلأنه ليس المقصود منها التنجيس وإنما سيقت ~~من أجل كفرهم وجحدانهم، فلهذا فإنه يقال: نجس إذا كان كثير الرداءة ويعظم ~~خبث باطنه. وأما ما رووه من وفد ثقيف وهو حجة لنا حيث قال: (( نجاستهم على ~~أنفسهم )). فدل ذلك على ما يعلق بنا من رطوباتهم فهو طاهر لا محالة، وإنما ~~قال: قوم أنجاس، يعني: كفار متمردون أو هم متنجسون خلا أن نجاستهم قد رفع ~~حكمها بالإضافة إلينا بدليل آخر الخبر. وأما ما رواه ثعلبة من قوله: (( ~~فاغسلوها ))، فالغسل على زعمهم لا نسلم أنه يدل على النجاسة، بل نقول: إنما ~~غسلت لما يعلق بها من مس أيديهم، لأجل أن النفوس تعافهم وتكرههم لأجل كفرهم ~~لا من أجل كونها نجسة. ثم إنما أمر بغسلها على جهة الاستحباب دون الوجوب ~~لما فيه من النظافة وإزالة العفونات لا من أجل نجاستها، فضعف ما أوردوه. PageV01P379 # قالوا: حيوان غير محقون الدم في ms0147 الأصل لا من أجل الضراوة والتذكية، وهو مما ~~يصح دخوله في ملك مالك فوجب أن يكون نجسا كالخنزير. # فقولنا: غير محقون الدم في الأصل، نحترز به عن المسلم. # وقولنا: من أجل الضراوة، نحترز به من سباع الطير فإن آسارها(1) طاهرة كما ~~سنوضحه. # وقولنا: والتذكية، نحترز به عما يذكى فإن سؤره طاهر. # وقولنا: وهو مما يصح دخوله في ملك مالك، نحترز به عن الحشرات كالحيات ~~والعقارب فإن آسارها طاهرة لما كانت لا يصح دخلوها في ملك مالك فقد حصل ~~بهذه القيود مشابهة الكافر للخنزير فيجب كونه نجسا. # قلنا: ما ذكرتموه من القياس يبطل بالمنع، وهو أنا نقول: ليس الكافر ~~مشابها للخنزير في النجاسة، ولو كان الأمر كما زعمتموه لكان شعره مثل شعر ~~الخنزير وقد حكمنا بطهارة شعر الكافر، وأيضا فإن المعنى في الخنزير هو أنه ~~نجس الذات، بخلاف الكافر فإن نجاسته ليست ذاتية، ولهذا فإنه يطهر بالإسلام. ~~فهذا فرق يبطل ما جمعتموه ويلحق جمعكم بالفساد والبطلان، وأيضا فإنه معارض ~~بقياس مثله على عكسه، فإنا نقول: إنسان كامل العقل حامل الأمانة فيجب الحكم ~~بطهارته كالمسلم، بل نقول: هذا القياس أحسن من قياسكم لما بينهما من ~~التفاوت، فإن الكافر إلى المسلم أقرب من الكافر إلى الخنزير، ومهما بعدت ~~المشابهة ضعف القياس. # قالوا: دم مباح إلا لعارض فأشبه الكلب في النجاسة. # فقولنا: إلا لعارض. وصف من أوصاف العلة من جهة أن الكلب دمه مباح إلا أن ~~يكون لزرع أو ماشية أو صيد، والكافر مباح الدم إلا للأمان، أو لقبول ~~الجزية. # قلنا: المعنى في الأصل كونه سبعا والكافر ليس سبعا، أو نقول: المعنى في ~~الأصل كونه نجسا في ذاته بحيث لا يطهر بحال، بخلاف الكافر فإنه يطهر ~~بالإسلام. ثم يعارض بأنه إنسان عاقل فكان سؤره طاهرا كالمسلم. PageV01P380 # قالوا: استوى الكافر والخنزير في نظر الشرع، ووصفه حيث وصف المشركين ~~بالنجاسة كما قال تعالى: {إنما المشركون نجس}[التوبة:28]. وفي وصف الخنزير ~~بالرجس حيث قال:{إنه رجس }[الأنعام:145]، فيجب استواؤهما في نجاسة الآسار ~~وفي ذلك حصول غرضنا بنجاسة الكافر. # قلنا: ms0148 لا نسلم أن النجس مثل الرجس فإن الرجس القذر، ولهذا جعله وصفا ~~للخنزير، بخلاف النجاسة فإنها لا نسلم كونها صريحة في القذر بل يمكن حملها ~~على نجاسة الأفعال بالخدع والمكر فافترقا، ثم لو سلمنا أنهما مستويان في ~~الوصف بالقذر فلا نسلم استواءهما في نظر الشرع، فإن الكافر آدمي قد شرف ~~بالعقل والتمييز والاهتمام بأمره في حفظ الملائكة وإرسال الرسل وإنزال ~~الكتب إليه فكيف يقال بأنهما مستويان في نظر الشرع! فقد انقطع عن الخنزير ~~بما ذكرناه، فلا جرم حكمنا بطهارته لبعده عن كونه مشابها للخنزير. # قالوا: مشرك فوجب أن يكون سؤره نجسا كما لو شرب بول ما لا يؤكل لحمه. # قلنا: هذه علة ركيكة مركبة، والعلل المركبة، أكثر النظار من الأصوليين لا ~~يعرج عليها ولا يجعلها عمدة في تقرير الأحكام الشرعية ولا ثمرة لها في ~~الجدل؛ لأن عندنا أن نجاسة سؤره في هذه الصورة إنما كان نجسا لنجاسة البول ~~واتصاله به، وعندهم إنما كان نجسا لكفره، فلا يستقل أحدهما بإسناد النجاسة ~~إليه، وما هذا حاله يكون باطلا لا أثر له، فسقط ما ذكروه وصح التوضؤ بسؤر ~~الكافر كما أشرنا إليه. # مسألة: وسؤر الكلب والخنزير هل يكون نجسا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه نجس لا يجوز التوضؤ به، وهذا هو رأي أكثر أئمة العترة ~~وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي. PageV01P381 # والحجة على ذلك: نوضحها عند الكلام في ذكر الأشياء النجسة، فإذا كان نجسا ~~كان سؤره نجسا أيضا لأجل اتصال ريقه بالماء إذا كان قليلا سواء تغير لونه ~~أو لم يتغير فلا يجوز التوضؤ به أصلا، وهؤلاء إنما قالوا بنجاسة الماء مع ~~كونه غير متغير لما ذهبوا إلى نجاسة الماء القليل وإن لم (يكن) متغيرا ~~بالنجاسة، وقد مر الكلام عليه فلا فائدة في إعادته، فلا جرم قالوا على أثر ~~هذا بنجاسة سؤر الكلب والخنزير إذا ولغا في ماء قليل. # المذهب الثاني: أن سؤرهما ليس نجسا إذا لم يكن الماء متغيرا به، وهذا هو ~~المحكي عن مالك، وهذا الذي يأتي على ظاهر ms0149 إطلاق القاسم في أن الماء القليل ~~لا ينجس بوقوع النجاسة عليه إذا لم يكن متغيرا بها. # والحجة على ذلك: هي ما تقدم من الظواهر الشرعية في طهارة الماء، وأنه لا ~~ينجس بوقوع النجاسة عليه إلا إذا غيرت أحد أوصافه قليلا كان أو كثيرا فإنها ~~لم تفصل في ذلك. # والمختار: قد أسلفنا الكلام عليه والانتصار له بالحجج الواضحة والبراهين ~~الباهرة. # مسألة: آسار السباع الوحشية كلها هل يكون [السؤر منها] طاهرا يتوضأ به أو ~~يكون نجسا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه طاهر يتطهر به وهذا هو قول القاسم والهادي، ومحكي عن ~~المؤيد بالله وأبي طالب وهو قول الشافعي ومالك. # والحجة على ذلك: ما روى جابر بن عبدالله أن الرسول سئل فقيل: أنتوضأ بما ~~أفضلت الحمر ، وبما أفضلت السباع كلها؟ فقال: (( نعم ))(1). فما هذا حاله ~~نص في موضع الخلاف. # الحجة الثانية: من طريق القياس، وهو أنه حيوان يجوز بيع جنسه فجاز التوضؤ ~~بسؤره، دليله سباع الطير كالباز والشاهين والصقر، فإن هذه قد وافقونا على ~~أن آسارها(2) طاهرة يجوز بها التوضؤ. PageV01P382 # المذهب الثاني: أن آسارها نجسة، وهذا هو رأي زيد بن علي والناصر وهو محكي ~~عن أبي حنيفة، وأصحابه. # والحجة لهم على ذلك: ما روي عن النبي أنه سئل عن المياه تكون بالفلاة ~~وما ينوبها من السباع. فقال: (( إذا كان الماء قلتين فإنها لا تنجسه )) فدل ~~ذلك على أنه إذا كان دونهما فإنه يكون نجسا؛ لأنه لو كانت آسارها طاهرة لم ~~يفترق الحال بين قليل الماء وكثيره. # الحجة الثانية: قياسية، وهي أنه حيوان يصطاد بجنسه فكان سؤره نجسا ~~كالكلب، فهذه زبدة ما ذكروه عمدة لهم. # والمختار: ما عول عليه القاسم والهادي ومن تابعهما، وهو رأي المنصور بالله. # والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه سئل عن الحياض ما بين مكة والمدينة ~~تردها السباع. فقال: (( ما أخذته في بطونها فهو لها وما بقي فهو شراب لنا ~~وطهور))(1). # الانتصار: قالوا: دليلنا على نجاستها الخبر المقيد بالقلتين. # قلنا: جوابه من وجهين: # أما أولا: فلأنه قد روي ms0150 (( الكلاب))(2)، ومن يقول بطهارة سؤر السباع ~~فلعله لا يقول بطهارة سؤر الكلاب كما مر بيانه. # وأما ثانيا: فلعله تغير [السؤر] ليطابق خبرنا فيكون جمعا بينهما. # قالوا: حيوان يصطاد بجنسه فكان سؤره نجسا كالكلب والخنزير. # قلنا: هذا منقوض بسباع الطير، فإنها تصطاد بجنسها وآسارها طاهرة كما مر، ~~وأيضا فإنا نمنع الأصل، بأن نقول: إنا لا نسلم بنجاسة الكلب؛ لأنه من جملة ~~السباع خلا أن الشرع أخرجه عنها بدلالة منفصلة فبطل قياسكم عليه. # قالوا: حيوان لا يؤكل لحمه لا من أجل حرمته، يستطاع الاحتراز منه فكان ~~سؤره نجسا كالكلب والخنزير. # فقولنا: لا لحرمته، نحترز به عن ابن آدم فإنه لا يؤكل؛ لأن الله حرم قتله ~~وأكله، بخلاف غيره فإنه يحرم أكله لا لحرمته، بل لدلالة أخرى. PageV01P383 # وقولنا: يستطاع الاحتراز، نحترز به عن سباع الطير فإن آسارها طاهرة؛ لأنه ~~يتعذر الاحتراز منها. # قلنا: هذا منقوض بسباع الطير. # قالوا: قد احترزنا في قياسنا بقولنا يستطاع الاحتراز منه. # قلنا: هذا فاسد لأنهما سيان في إمكان الاحتراز أو في تعذر الاحتراز منهما ~~فلا وجه للتفرقة بينهما، فإنه كما يتعذر من الطير فهو متعذر من السباع ليلا ~~ونهارا، وأيضا فإن تحريم الأكل لا يدل على النجاسة فإنه يطهر إذا ذكي وإن ~~لم يحل أكله. # قالوا: ألبانها نجسة فيجب الحكم بنجاستها كالكلب. # قلنا: هذا فاسد فإن الحيوان لا يعتبر باللبن لبعد أحدهما عن الآخر، وأيضا ~~فإن نجاسة ألبانها ممنوع بل هي طاهرة كألبان بني آدم فسقط ما أوردوه. # مسألة: سؤر الفرس طاهر يتطهر به عند أئمة العترة وهو قول الشافعي ومالك. ~~قال أبو حنيفة: هو مشكوك فيه لا يجوز التوضؤ به. وعرقه نجس عنده. # والحجة على ما قلناه: هي أنه حيوان سهم له في الغنيمة فكان سؤره طاهرا، ~~أو فلم يكن سؤره نجسا كابن آدم. # ويجوز التوضؤ بسؤر الحمار والبغل عند أئمة العترة، وهو قول الشافعي ~~ومالك، وعند أبي حنيفة يكره، وهو مشكوك فيه. # والحجة على ما قلناه: هي أنه حيوان لا يغسل الإناء من ولوغه سبعا فجاز ms0151 ~~التطهر بسؤره كالشاة، وعرقه طاهر عند أئمة العترة، وهو قول الشافعي ومالك، ~~وقال أبو حنيفة: هو نجس. # والحجة على ما قلناه: هي ما روي أن الرسول ((ركب حمارا من غير إكاف ~~))(1) وصلى، والظاهر أنه أصابه من عرقه لا محالة لأن الغالب أن ظهورها ترشح ~~إذا ركبت فيصيبه. # وسؤر الهرة طاهر يتطهر به عند أئمة العترة وهو محكي عن الشافعي ومالك، ~~وقال أبو حنيفة: يكره التوضؤ بسؤرها. PageV01P384 # والحجة على ما قلناه: ما روي أن رسول الله ، كان يصغي لها الإناء فتشرب ~~منه. وقال: (( إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات ))(1). # وسؤر الفيل طاهر عند أئمة العترة، وهو قول الشافعي ومالك، ومحكي عن ~~الكرخي أنه نجس. # والحجة على طهارته: أنه حيوان ذو خف يقتنى للجمال والزينة فأشبه الإبل. # وسؤر ما يؤكل لحمه طاهر كالإبل والبقر والغنم، عند أئمة العترة، وهو قول ~~أبي حنيفة وأصحابه والشافعي. ولا يعرف فيه خلاف. # والحجة على ذلك: لأن حل أكلها لا خلاف فيه، فلو كانت أفواهها نجسة لم يحل ~~أكل رؤوسها. # وسؤر المسلم طاهر عند أئمة العترة وهو قول فقهاء الأمة ولا يعرف فيه خلاف. # والحجة على ذلك: حديث عمار، وهو قوله : (( ما لعابك ودموع عينيك إلا ~~كالماء في ركوتك ))(2). # ولو كان نجسا لم يشبهه بالقراح من الماء. # وآسار الأطفال من الذكور والإناث طاهرة عند أئمة العترة وفقهاء الأمة. # والحجة على ذلك: هو أن هؤلاء من جملة الطوافين والطوافات. # وهكذا سائر الحشرات من الأفاعي والحيات وما يتعذر الاحتراز منه كالفأرة ~~وغيرها، كلها آسارها طاهرة بجامع الطوف، وهو تعذر الاحتراز. PageV01P385 # ويجوز التطهر بماء الحمة؛ لأنه باق على أصل الطهارة ولم يعرض له إلا ~~الحرارة وهي غير مانعة عند أئمة العترة وفقهاء الأمة، لقوله : (( خلق الماء ~~طهورا))، ولا يكره ، كما قلنا في المشمس؛ لأن ما كان خلقة لم يكره، ولأنه ~~أحد نوعي الماء فلم يكره كالماء البارد، وستأتي بقية المسائل المتعلقة بهذا ~~الفصل في باب النجاسات بمعونة الله تعالى. PageV01P386 # --- ### ||| AUTO الفصل الثالث: في كيفية الاجتهاد عند الشك في ms0152 طهارة الماء ~~ونجاسته # الواجب هو العمل على استصحاب ما كان هو المتحقق في الأصل من طهارة أو ~~نجاسة، فإذا تيقن طهارة الماء أو نجاسته وشك فيما يضاد ما تيقنه وعلمه، وجب ~~عليه استصحاب الحال لما تيقنه؛ لأن الأصل هو بقاؤه فلا يجوز إزالة ما تحققه ~~بالشك العارض، ولأن الشك هو الخلو عن الاعتقاد والظن فلا يجوز إزالة الأمر ~~الثابت بالأمر المنفي، وإن لم يتحقق في الماء طهارته ولا نجاسته فهو طاهر ~~بحكم الأصل؛ لأن الله تعالى خلق الماء طهورا، والأصل بقاؤه على خلقته إلا ~~لمغير طارئ، ويؤيده قوله : (( خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير ريحه ~~))(1). الخبر. وإن وجد الماء متغيرا ولم يعلم بأي شيء كان تغيره، جاز ~~التوضؤ به؛ لأنه باق على أصل التطهير، وتغيره يجوز أن يكون بطول المكث. # وإن رأى حيوانا يبول في ماء كثير فوجده متغيرا ولم يعلم بأي شيء كان ~~تغيره نظرت، فإن غلب ظن المتوضئ أن تغيره إنما كان من جهة البول لم يتوضأ ~~به، وإن كان الماء كثيرا وبول ذلك الحيوان قليلا مما لا يجوز أن يتغير به ~~الماء جاز التوضؤ به؛ لأن ذلك مما لا يتغير به الماء الكثير في العادة، ~~فيجوز أن يكون تغيره لطول المكث لا بالبول كما ذكرناه أولا، ولا خلاف في ~~هذه القاعدة بين أئمة العترة وفقهاء الأمة. # والحجة عليها: هو أن مبناها على الاستصحاب فيما كان أصلا حتى يرد ما ~~ينقضه ويزيل حكمه، فالعمل على استصحاب براءة الذمة حتى يرد مغير من جهة ~~الشرع، وهكذا القول في استصحاب الطهارة والنجاسة والعموم وغير ذلك مما يكون ~~أصلا كما هو مقرر في المباحث الأصولية. PageV01P387 # مسألة: إذا ورد على ماء فأخبره رجل بنجاسته، فهل يقبل خبره على الإطلاق أو ~~لابد من أن يسأل بأي شيء تنجس؟ والظاهر من قول أصحابنا هو القبول من غير ~~سؤال، ووجه ما قالوه: هو أن الأدلة الشرعية الدالة على قبول خبر الواحد لم ~~تفصل في ذلك، فلهذا وجب العمل عليه من غير فحص ولا ms0153 سؤال، والأقرب وجوب ~~السؤال؛ لأنه يجوز أن يكون قد رأى سبعا يلغ فيه، فاعتقده نجسا، فأخبر عن ~~نجاسته فيكون قد عدل إلى التيمم مع وجود الماء، فإن بين النجاسة قبل منه ~~ولم يجتهد، لأن الخبر مقدم على الاجتهاد كما في أخبار الآحاد مع القياس ~~فإنها مقدمة عليه، ويقبل فيه قول الرجل والمرأة والحر والعبد عند أئمة ~~العترة، وهو رأي الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما. # والحجة على ذلك: هو أن هؤلاء تقبل منهم أخبار الرسول في التحليل ~~والتحريم، فهكذا تقبل أخبارهم فيما ذكرناه من غير تفرقة؛ لأنها كلها مشتركة ~~في كونها أمورا عملية ينقدح لأجلها الظن. # ويقبل فيها قول الأعمى؛ لأن له طريقا إلى العلم به من جهة الحس والخبر، ~~ولأن خبره يغلب على الظن إذا كان ثقة، فلهذا وجب العمل على قوله. # ولا يقبل كافر ولا فاسق عند أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ ~~لأن أخبارهما غير مقبولة لما يلحقهما من التهمة في الدين فلا يزعهما وازع ~~عن الجرأة على الله تعالى في الكذب. # وهل يقبل قول الصبي أم لا؟ والأقرب على مذاهب أئمة العترة أنه غير مقبول ~~وهو أحد قولي الشافعي وله قول آخر أنه يقبل. # والحجة على ما قلناه: هو أنه ليس من أهل الشهادة فلهذا لم يقبل خبره. # مسألة: وإن كان معه إناءان فأخبره رجل أن كلبا ولغ في أحدهما بعينه فإنه ~~يقبل قوله ويترك الاجتهاد كما وجب ذلك في أخبار الآحاد، ويترك النظر ~~والقياس. PageV01P388 # وإن أخبره رجل أن كلبا ولغ في هذا دون هذا، وقال آخر: ولغ في ذاك دون هذا، ~~فإن لم يعينا وقتا بعينه وجب الحكم بنجاستهما جميعا لجواز أن يكون قد ولغ ~~فيهما في وقتين، فإن عينا وقتا واحدا فهما متعارضان فيحكم (1) بتساقطهما ~~عند أئمة العترة وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر أنه يجب استعمالهما إما ~~بالقرعة بينهما وإما بالوقف في حالهما وإما بالإراقة. # والحجة على ما قلناه: هو أنهما قد تعارضا ولا ترجيح لأحدهما على الآخر ~~فلهذا وجب التساقط فيهما، وإذا ms0154 حكمنا بتساقطهما وجب الرجوع إلى الأصل وهو ~~طهارة الماء فيتوضأ بأيهما شاء؛ لأنه لم يثبت نجاسة واحد منهما. # وهل يحتاج إلى ترجيح واجتهاد أم لا؟ والأقرب أنه لا يحتاج إلى اجتهاد في ~~الاستعمال، وحكي عن الصيدلاني ) من أصحاب الشافعي: أنه لابد من الاجتهاد في ~~التوضؤ بأحدهما ولا وجه له، لأنا قد حكمنا بطهارتهما جميعا فأغنى عن ~~الاجتهاد. # وإن قال رجل ثقة: إن هذا الكلب ولغ في هذا الإناء وقت الظهر، وقال آخر: ~~إن ذلك الكلب كان في ذلك الوقت في بلد آخر، فالأقرب على المذهب أنهما ~~متعارضان فيجب الحكم بتساقطهما والرجوع إلى أصل الطهارة في الماء، وهو أحد ~~قولي الشافعي، وله قول آخر أنه يحكم بنجاسته. PageV01P389 # والحجة على ما قلناه: هو أن الخبرين قد استويا من غير ترجيح لأحدهما على ~~الآخر، وليس محلا للتحري لتساوي العدة فلم يبق إلا الحكم بالتساقط والرجوع ~~إلى ما هو الأصل كالخبرين والأمارتين إذا تعارضا فإنه يجب الحكم بتساقطهما ~~والرجوع إلى حكم العقل والبراءة الأصلية. # وإن أخبر مخبر بأن هذا الكلب أدخل خرطومه أو رأسه في الإناء ولم يعلم ~~ولوغه فيه، لم يحكم بنجاسة الماء؛ لأن التنجيس إنما يتعلق بالولوغ دون ~~إدخال الرأس والخرطوم فلا حكم لهما، كما لو دخل الكلب دارا، قال: ورأيته ~~دخل هذه الدار، فإنه لا يحكم بنجاسة ما فيها من الماء فهكذا هاهنا. وإن ~~قال: إنه أدخل خرطومه وأخرجه وعلى فيه أثر من الرطوبة ولكني لم أعلم بولوغه ~~بالماء، فالأقرب على المذهب أنه يحكم بالنجاسة وهو أحد قولي الشافعي، وله ~~قول آخر أنه لا يحكم بالنجاسة؛ لأن الأصل هو عدم الولوغ، لكن هذه القرينة ~~وهي حصول الرطوبة على خرطومه تقوي الظن أنها من الولوغ لأن الغالب ذلك من ~~حالها فلهذا حكمنا فيه بالنجاسة. # مسألة: ذهب علماء العترة إلى أن التحري واجب عند الاشتباه في الأواني ~~والثياب على الجملة لا يختلفون فيه، وهو محكي عن الفريقين: أبي حنيفة ~~وأصحابه والشافعي وأصحابه، وذكر الناصر في (الأمالي)(1) أن التحري لا يجوز. PageV01P390 # والحجة على ما ms0155 قلناه: قوله : (( إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعت م ))(1) ~~ووجه الاستدلال بما ذكرناه من الخبر هو أن الصلاة ثابتة على الذمة بيقين، ~~فلابد من تأديتها بأمر متيقن فإذا تعذر أداؤها باليقين وجب العدول إلى غالب ~~الظن؛ لأن الظن معمول به عند تعذر العلم القاطع لا محالة، فإذا اشتبهت ~~الأواني الطاهرة بالأواني النجسة والأثواب النجسة بالأثواب الطاهرة فلابد ~~فيها من التحري ليحصل تغليب الظن بتأدية الصلاة، فيكون الظن غالبا عند ~~التحري بكونه أدى الصلاة في ثوب طاهر بماء طاهر، وهذا هو مقصود الشرع ~~ومطلوبه. # وحكي عن المزني من أصحاب الشافعي وأبي ثور، أنه لا معنى للتحري في ~~الأواني ولا في الثياب كما [هو] رأي الناصر ولكن يعدل إلى التيمم. # وحجتهما على ما قالاه: هو أنه قد وقع الاشتباه بين محظور ومباح فلم يجز ~~التحري فيهما كما لو اختلطت منكوحة بأجنبية وكما لو اختلطت [ميتة] بمذكاة. # وحكي عن ابن الماجشون ): أنه يتوضأ بكل واحد من الإنائين ويصلي وكذلك ~~الثياب يصلي في كل واحد منها. # وحجته على هذا: هو أنه إذا كان الفرض يمكنه أداؤه بيقين وجب عليه، ولن ~~يكون إلا بما ذكرناه فلهذا وجب عليه. # والمختار: ما قاله علماء العترة وفقهاء الأمة من وجوب التحري وكونه ~~مشروعا في الأواني والثياب. PageV01P391 # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا، وهو قوله عليه السلام: (( دع ~~ما يريبك إلى مالا يريبك ))(1). والشك(2) إذا اعترض فهو ما يريب ويؤلم ~~النفس ولا سبيل إلى إزالته فيما ذكرناه إلا بالتحري وتحصيل غالب الظن، ~~فلهذا كان واجبا لتحصيل العبادة على مطابقة الشرع ووفقه، وقوله : (( ~~المؤمنون وقافون عند الشبهات )). فإذا حصل التردد لأجل الشك فلا سبيل إلى ~~إزالة الشبهة إلا بما يحصل من الترجيح وتغليب الظن، ولهذا كان مقصودا ~~للشرع، ولأن الغرض بالتحري إنما هو إسقاط لزوم الصلاة عن الذمة وبراءتها ~~عنها، وهذا إنما يحصل على الكمال بالتحري والاجتهاد، فيجب أن يكون واجبا ~~فيما ذكرناه كما وجب ذلك في استعمال الماء للوضوء إذا كان صريحا. # الانتصار على ما قاله ms0156 المزني: بأنا نقول: القياس جواز التحري فيما ذكره ~~خلا أن الإجماع منع من ذلك، وإذا منع الإجماع في صورة فالقياس جار في غيرها ~~من الصور إذ لا مانع هناك. وعلى(3) ابن الماجشون أنا نقول: قد روي عن النبي ~~أنه قال: (( لا ظهران في يوم ))(4). وما قاله يؤدي إلى تكرير الصلاة مرتين ~~في الثوبين وفي الإناءين وهو ممنوع بما ذكرناه. # فإذا تقررت هذه القاعدة فاعلم أن هذه فروع تنشأ عنها نذكرها: PageV01P392 # الفرع الأول منها: ذهب علماء العترة ومن تابعهم إلى أن التحري في الأواني ~~والثياب عند الاشتباه في أحوالها نجسها بطاهرها، لا يكون إلا إذا [كان] عدد ~~الطاهر أكثر من عدد النجس، وإلى هذا ذهب أبوحنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أن الأواني إذا كان النجس والطاهر فيها مستويين في ~~العدة فقد استوى جانب الحظر والإباحة كما لو كان أحدهما بولا، وكما لو ~~اختلطت منكوحة بأجنبية أو ميتة بمذكاة، فإذا كان هاهنا إناءان أحدهما طاهر ~~والآخر نجس، لم يجز التحري فيهما، ووجب العدول إلى التيمم لما ذكرناه من ~~الاستواء وتغليب جانب الحظر. # وذهب الشافعي إلى أن التحري واقع عند الاشتباه فيما ذكرناه سواء كان عدد ~~الطاهر أكثر أو عدد النجس أو كانا سواء. # والحجة على ذلك: هو أن كل ما دخله التحري، إذا [كان] عدد المباح أكثر جاز ~~دخول التحري فيه وإن كانا مستويين، والجامع بينهما(1) وقوع الاشتباه فإنه ~~الأصل في وجوب التحري. # والمختار: ما قاله علماء العترة ومن تابعهم. # والحجة على ذلك: ما قدمناه، ونزيد هاهنا: وهو أن الطاهر إذا كان عدده ~~زائدا على النجس كان حكمه أغلب، فهو كالشاهد إذا كانت محاسنه غالبة على ~~مساوئه وحكم الحاكم بشهادته فهكذا هاهنا، ولأنه لما استوى جانب الحظر وجانب ~~الإباحة فلو تحرينا مع استوائهما لكان ذلك خلاف الورع والتقوى، وقد قال : ~~(( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك )). # الانتصار: قالوا: قد ورد الأمر بالاعتبار في قوله تعالى: {فاعتبروا يا ~~أولي الأبصار }[الحشر:2]. وهذه منه. PageV01P393 # قلنا: تدعون فيه عموما فليس فيه لفظة تدل ms0157 على عموم الاعتبار، وإنما هو أمر ~~مطلق تدعون أنه أطلق ولم يفصل، فنحن نقول: لفظة الاعتبار إلى الإجمال أقرب، ~~فلا يمكن الاستدلال بظاهره؛ إذ لا ظاهر للمجملات لاشتماله على الاعتبار ~~الفاسد والصحيح، وما يجري فيه القياس وما تنسد فيه مجاري القياس كالعبادات ~~فلا نسلم جري القياس فيما هذا حاله فلا بد من دلالة على جريه فيه وهو أول ~~المسألة؛ لأن الكلام إنما هو فيه، فإذا كان مجملا فلا حجة فيه إلا ببيان ~~لإجماله. # قالوا: شرط من شروط الصلاة فجاز دخول التحري عند دخول الاشتباه في اثنين ~~منه كالثياب. # قلنا: الثياب جارية على القياس في التحري فلا جرم كانت باقية على الأصل، ~~بخلاف الآنية فإنها خارجة على القياس بدليل خصها فلا يجري فيها التحري، إلا ~~إذا كان الطاهر أغلب كما قررناه، وأيضا فالثياب مفارقة للآنية، فإنه لو ~~توضأ بالإثنين كليهما، كان متلوثا بالنجاسة مستعملا لها بخلاف ما لو صلى في ~~الثوبين فإنه لا يكون مقدما هناك على محظور، فإذا افترقا من هذا الوجه جاز ~~افتراقهما في العدد كما أشرنا إليه. # قالوا: كلما دخله التحري إذا كان عدد المباح أكثر فإنه يدخله التحري وإن ~~كان عدد المحرم أكثر كالثياب. # قلنا: لا نسلم ما قالوه في الثياب، فإنه لو كان هاهنا خمسة أثواب، واحد ~~منها نجس والباقي طاهر، فإنه تجب عليه الصلاة في اثنين منها ليكون الفرض ~~ساقطا بيقين، ثم ولو سلمنا فالفرق بين الأثواب والآنية ظاهر بما ذكرناه من ~~جواز الاستعمال في الأثواب كلها دون الآنية فاقترقا. # الفرع الثاني: في كيفية التحري عند الاشتباه في الآنية والثياب. PageV01P394 # حكي عن جماعة من أهل خراسان أن المتحري لا يحتاج إلى نوع استدلال كما يحتاج ~~المجتهد في الأحكام، ولكن يكفيه أن يبني أمره على الطهارة لقوله : (( ظن ~~المؤمن لا يخطئ ))(1). # وهذا فاسد، فإنه إذا كان لابد من إفادة الظن وتحصيله ليزول به الاشتباه، ~~فلا بد من أمارة وهي لا تكون حاصلة إلا بنوع استدلال ونظر في الأمارات. # والذي عليه أئمة العترة وعليه أكثر فقهاء الأمة ms0158 أنه لابد من نظر واستدلال ~~في الآنية والثياب لتميز النجس منها عن الطاهر، وذلك يحصل بأمارات ينقدح ~~الظن لأجلها مختلفة، إما بتغير لون أو رائحة أو اضطراب في الماء أو لوقوع ~~الترشش حول الماء، أو بأن يرى أثر الكلب عند الماء، أو بنقصانه إذا كان ~~قليلا يؤثر فيه الولوغ بأن يكون الإناء ممتلئا، أو بغير ذلك من الأمارات ~~التي تكون محركة للظن في كونه قد صار نجسا، فإذا حصلت له نجاسته بأي ~~الأمارات التي ذكرناها لم يجز استعماله وجاز له استعمال غيره، وصار الذي ~~غلب على ظنه كونه نجسا حراما بالإضافة إلى ظنه لا بالإضافة إلى نفس الإناء، ~~فلهذا فإنه لو غلب على ظن غيره طهارته جاز له استعماله، فأما امتحان نجاسة ~~الماء بالذوق فلا وجه له؛ لأنه ربما كان نجسا فلا يحل له ذوقه قبل أن يغلب ~~على ظنه طهارته، وهكذا التحري في الأثواب إما بلون النجاسة وإما بريحها أو ~~وقوع عليها بأن تكون قريبة من النجاسة دون الثوب الآخر، أو غير ذلك من ~~الأمارات المثيرة للظنون فيجب استعماله. # الفرع الثالث: وإن وقعت النجاسة في أحد الإناءين فاشتبها ثم اهراق أحدهما ~~على الأرض قبل الاجتهاد في طهارة أحدهما، ففيه على المذهب احتمالات ثلاثة: PageV01P395 # الاحتمال الأول: أن يتحرى في الباقي ويعمل نظره في طهارته أو نجاسته؛ لأن ~~جواز الاجتهاد قد تقرر قبل الانقلاب فلا يسقط بالانقلاب. # الاحتمال الثاني: سقوط التحري، ويجب عليه التيمم للصلاة؛ لأن حقيقة ~~التحري والاجتهاد إنما تعقل بين أمرين. # الاحتمال الثالث: أنه يتوضأ بالباقي من غير اجتهاد، من جهة أن الأصل هو ~~بقاء الماء على الطهارة، وهذا هو أغربها وأعجبها؛ لأنه أصل على الطهارة ~~ولأنه قد انفرد فصار كما لو لم يوجد من أول الأمر غيره. # وإن اجتهد في الإناءين فلم يغلب على ظنه طهارة أحدهما فأراقهما على الأرض ~~ثم إنه تيمم وصلى صح، ولم تجب عليه إعادة لما صلى، لما روي عن النبي أنه ~~قال: (( لا ظهران في يوم)). فلو أوجبنا عليه الإعادة لكان ذلك مخالفة ms0159 لظاهر ~~الخبر، فإن صب أحدهما وترك الآخر جاز له أن يتوضأ بالآخر كما ذكرناه من ~~قبل؛ لأنه باق على أصل الطهارة كما لو لم يكن إلا هو. # الفرع الرابع: إذا كان معه إناءان فاشتبه عليه نجاسة أحدهما فتحرى فيهما ~~فأداه اجتهاده إلى طهارة أحدهما، فالمستحب له أن يريق الآخر مخافة أن يشتبه ~~عليه الأمر فيه مرة ثانية، فإن لم يرقه وبقيت من الأول بقية تكفي للطهارة، ~~ثم حضرت صلاة أخرى وهو محدث فهل يجب عليه إعادة التحري أم لا؟ PageV01P396 # والأقرب أنه لا تجب عليه إعادة التحري كما لو صلى إلى جهة بالاجتهاد، ثم ~~حضرت صلاة أخرى فإنه يجزيه التحري الأول ما لم يتغير، وهو أحد قولي ~~الشافعي، وحكى ابن الصباغ صاحب (الشامل)، والمحاملي: أنه يجب عليه إعادة ~~الاجتهاد ثانيا، ولا وجه له مهما كان الاجتهاد مستمرا على طهارة ما استعمله ~~وعلى تلك الجهة، فإن تغير اجتهاده قبل أن يصلي نظرت، فإن أداه اجتهاده إلى ~~طهارة الأول فلا كلام لمطابقة الاجتهاد الأول للثاني من غير مخالفة، وإن ~~تيقن أن الذي توضأ به هو الطاهر فإنه لا يستحب له إهراق النجس؛ لأنه ربما ~~احتاج إليه في حال عطشه، وإن تيقن أن الذي توضأ به هو النجس فإن الواجب ~~عليه غسل ما أصابه من الماء الأول في ثيابه وبدنه وإعادة ما صلى بالطهارة ~~الأولى، لأنه قد تحقق يقين الخطأ فيما فعله فهو كالمجتهد إذا أخطأ النص ثم ~~وجده، فإنه يبطل اجتهاده فهكذا هاهنا. # وإن أداه اجتهاده إلى أن ما توضأ به نجس وأن الثاني طاهر فكيف يكون الحكم ~~فيه؟ وقد حكي عن الشافعي في ذلك قولان: # فالقول الأول منهما: حكاه المزني وهو: أنه لا يتوضأ بالثاني ولكنه يتيمم ~~ويصلي ويعيد كل صلاة صلاها بالتيمم، وهذا الذي رواه عنه حرملة أيضا. # ووجهه: أنا لو أمرناه بأن يتوضأ بالثاني لكان لا يخلو إما أن نأمره بغسل ~~ما أصابه من الأول أولا، فإن لم نأمره بغسل ما أصابه منه فقد صلى وعليه ~~نجاسة بيقين؛ لأنا قد ms0160 حكمنا في النظر الأول بكونه نجسا، وإن أمرناه بغسل ما ~~أصابه منه كان نقضا للاجتهاد الأول بالاجتهاد الثاني، ومثل هذا غير جائز؛ ~~لأن هذا يؤدي إلى اضطراب الأحكام وتشويش القواعد. # وهل يلزمه إعادة ما صلى بالتيمم أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يعيد؛ لأنه قد تيمم ومعه ماء بيقين فالتيمم واقع على فساد، ~~وهذا هو قول العمراني صاحب (البيان). PageV01P397 # وثانيهما: أنه لا تجب عليه الإعادة؛ لأن تيممه وقع على نعت الصحة؛ لأنه ~~ممنوع عن هذا بالشرع، وهذا هو المحكي عن أبي الطيب بن سلمة ). # القول الثاني: حكاه أبو العباس بن سريج ) وأنكر ما نقله المزني، وقال: إن ~~الواجب عليه أن يتوضأ بالثاني. # ووجهه: أنه شرط من شروط الصلاة له مدخل في التحري، فإذا تحرى وغلب على ~~ظنه باجتهاد آخر خلاف الأول جاز العمل على الثاني كما لو صلى إلى جهة ثم ~~تغير اجتهاده فإنه يصلي إلى الجهة الأخرى فهكذا هاهنا، وإن لم يبق من الماء ~~الأول شيء فإنه يتيمم؛ لأن ما معه من الماء قد حكم بنجاسته من قبل فلا ~~ينقض، وهل يلزم إعادة ما صلى بالتيمم أم لا؟ فيه وجهان(3): # والمختار على المذهب: ما قاله المزني من جهة أنه قد حكم بنجاسته فلا يحكم ~~بطهارته فيلزمه التيمم، ولا تجب عليه [إعادة ما صلى] لقوله : (( لا ظهران ~~في يوم)) ولأنه ممنوع من استعمال هذا الماء الموجود بالشرع كما لو كانت ~~نجاسته متحققة. # الفرع الخامس: وإن اشتبه عليه ماءان طاهر ونجس، ومعه إناء ثالث طهارته ~~متحققة، فهل يجوز له الاجتهاد والتحري فيما اشتبه أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن ذلك جائز وهو قول الأكثر من أصحاب الشافعي. PageV01P398 # والحجة على ذلك: هو أنه ليس فيه أكثر من العدول عن الماء المتيقن طهارته ~~إلى الماء المحكوم بطهارته من جهة الظاهر، وذلك غير ممتنع في الطهارة ولهذا ~~فإنه يجوز التوضؤ من الماء القليل على شاطئ البحر. # وثانيهما: أن ذلك غير جائز، وهذا يحكى عن بعض أصحاب الشافعي، وهذا هو ~~الأقرب على المذهب والمختار. # والحجة ms0161 على ذلك: هو أنه يمكنه إسقاط الفرض بيقين بأن يتوضأ مما يتيقن ~~طهارته، فلم يجز الرجوع إلى غلبة الظن كما لا يجوز الاجتهاد في طلب القبلة ~~إذا كانت المعاينة ممكنة. # وإن اشتبه عليه ماء قراح وماء ورد انقطعت رائحته أو ماء شجر، فهل يتحرى ~~أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يتحرى، وهذا هو المحكي عن أهل خراسان من أصحاب الشافعي، وذلك ~~أنه قد اشتبه عليه ما يتطهر به بما لا يتطهر به فجاز فيه إعمال النظر ~~والاجتهاد بالتحري كالماء الطاهر والنجس. # وثانيهما: أنه لا يتحرى بل يستعملهما جميعا، وهذا هو قول البغداديين من ~~أصحاب الشافعي وهو رأي الإمام المنصور بالله وهو المختار. # والحجة على ذلك: هو أن ماء الورد وماء الشجر لا أصل لهما في التطهير، ~~فيرد إليهما بالاجتهاد، ولكن يتوضأ بكل واحد منهما ليسقط بيقين. # وإن اشتبه عليه ماء مطلق وبول قد انقطعت رائحته فهل يتحرى أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا وجه للتحري ولكن يتيمم، وهذا هو المحكي عن أهل بغداد من ~~أصحاب الشافعي، وذكره بعض أصحابنا للمذهب. # والحجة على ذلك: هو أن البول لا أصل له في الطهارة فيرد إليه الاجتهاد، ~~فلهذا وجب العدول إلى بدله وهو التيمم. # وثانيهما: أنه يجوز فيه التحري وهذا هو رأي أهل خراسان، وذكره القاضي زيد ~~من أصحابنا للمذهب. # والحجة على ذلك: هو أنه قد وقع الاشتباه بين الماء وغيره فجاز إعمال ~~الفكر بالتحري كالماء الطاهر عند التباسه بالنجس. PageV01P399 # والمختار: هو الأول؛ لأن التحري إنما يكون داخلا فيما يطلق عليه اسم الماء، ~~إما مطلقا كالماء المستعمل، وإما مضافا كماء الورد وماء الشجر، والبول لا ~~يطلق عليه اسم الماء لا على جهة الإطلاق ولا على جهة الإضافة، ولهذا بطل ~~التحري فيه، ودعوى الإجماع فيه لا وجه له، فإن المسألة خلافية لها مدخل في ~~الاجتهاد، فلا معنى لدعوى الإجماع على بطلان التحري في الماء والبول لما ~~ذكرناه. # الفرع السادس: إذا أخبر الأعمى بأن هذا الماء قد ولغ فيه كلب أو وقع فيه ~~بول، ms0162 قبل خبره كما يقبل خبر البصير؛ لأنه يحتمل أن يكون قد علم ذلك فيه ~~قطعا، أو قد أخبره به مخبر ثقة؛ فلهذا عمل عليه. وإذا كان مع رجل إناء طاهر ~~وتغير فغلب على ظنه أن تغيره بنجاسة لم يحكم بنجاسته، وإن كان معه إناء نجس ~~فغلب على ظنه طهارته لم يحكم بطهارته، وكان باقيا على نجاسته فيجب التعويل ~~على ما هو الأصل في الطهارة والنجاسة، ويفارق ذلك ما إذا علم النجاسة في ~~أحد الإناءين فغلب على ظنه طهارة أحدهما أو نجاسته فإنه يعمل عليه؛ لأنه لم ~~يحصل فيهما نجاسة معينة، والأصل في كل واحد منهما الطهارة، وإنما تجدد شك ~~في كل واحد منهما فلا جرم كان زائلا بالظن، وإذا اشتبه عليه طعام طاهر ~~وطعام نجس جاز التحري فيهما والعمل على غلبة الظن؛ لأن أصلهما على الإباحة، ~~فإذا طرأت النجاسة على أحدهما واشتبها عليه جاز إعمال الفكر في التحري ~~فيهما، كما لو اشتبه عليه ماء طاهر ونجس، وإذا اشتبه عليه طعام طاهر وطعام ~~نجس ومعه طعام طاهر ثالث من ذلك النجس متيقن طهارته فهل يجوز له التحري أم ~~لا؟ فيه الوجهان اللذان ذكرناهما، وقد ذكرنا توجيههما فأغنى عن الإعادة، ~~والله أعلم. # الفرع السابع: يشتمل على صور أربع: PageV01P400 # الصورة الأولى: إذا كان هاهنا رجلان معهما إناءان أحدهما نجس لزمهما ~~التحري، فإن تحريا فأدى اجتهاد كل واحد منهما إلى التوضؤ بكل واحد من ~~الإناءين، فإنه يلزمهما استعمالهما؛ لأنه إذا أدى اجتهادهما إلى ذلك، فإن ~~توضأ كل واحد منهما بما أدى إليه اجتهاده لم يجز لأحدهما أن يأتم بالآخر في ~~الصلاة عند أئمة العترة، وهو قول أكثر الفقهاء: أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك. # وحكي عن أبي ثور جواز ذلك. # والحجة على ذلك: هو أن كل واحد منهما لما أعمل فكره في التحري، فإنه ~~يعتقد أن الآخر قد توضأ بالماء النجس فلا يجوز له أن يأتم بمن يعتقد ويغلب ~~على ظنه أنه متلوث بالنجاسة وأنه في غير صلاة. # والحجة لأبي ثور، هو أن كل واحد ms0163 منهما صحيح الصلاة في نفسه لنفسه، فلم لا ~~يجوز أن يصلي خلف من صلاته صحيحة لنفسه؟ # والمختار: ما قاله أبو ثور. # والحجة على ذلك: هو أن الحق أن الآراء صائبة في الاجتهاد، وإذا كان الأمر ~~كما قلناه فصلاة كل واحد منهما صحيحة عند نفسه لنفسه لا محالة، فلهذا فإنا ~~لا نأمره بقضائها بعد تأديتها على هذه الصفة، ولا يعد تاركا للصلاة، ~~فالإمام صلاته مجزئة بالاتفاق، والمأموم يجب أن تكون صلاته مجزئة أيضا؛ ~~لأنه مصل خلف من صلاته صحيحة عند الله تعالى. # الانتصار: قالوا: المأموم يعتقد فساد صلاة الإمام فلا تجوز له الصلاة خلفه. PageV01P401 # قلنا: هذا فاسد؛ لأن اعتقاده بفساد صلاة الإمام لا يقطع الائتمام به من جهة ~~أن عنده أن صلاة الإمام صحيحة لنفسه فليس أحد الاعتقادين بالعمل عليه أحق ~~من الآخر، فلا يمتنع من الصلاة خلفه [لاعتقاده] لفسادها، بالإضافة إلى ~~المأموم بأولى من أن يقتدى بصحة صلاته، بالإضافة إليه في نفسه من غير ~~تفرقة، ثم إن ما ذكرتموه يؤدي إلى خرق الإجماع بتقدم المرضي للصلاة ورعا ~~ودينا، والتخلف عنه لغير موجب يمنع شرعا. وسيأتي لهذه المسألة مزيد تقرير ~~نكشف الغطاء فيه عن سرها وحقيقتها بمعونة الله تعالى. فإن صلى أحدهما ~~بالآخر على رأي من منع من ذلك، صحت صلاة الإمام لكونه مستقلا بنفسه من غير ~~متابعة، وبطلت صلاة المأموم لكونه متابعا. PageV01P402 # الصورة الثانية: إذا كانت الأواني ثلاثة نظرت، فإن كان الطاهر منها واحدا ~~وكانوا ثلاثة فتوضأ كل واحد منهم بواحد من الآنية الثلاثة، لم يجز لكل واحد ~~منهم أن يأتم بالآخر على رأي من منع من ذلك، من جهة أن كل واحد منهم يغلب ~~على ظنه أن غيره متوضئ بالماء النجس فلهذا لم تجز الصلاة خلفه. وإن كان ~~الطاهر منها اثنين، جاز أن يؤمهم أحدهم، فإذا صلى بهما الصبح صحت صلاتهم ~~جميعا، من جهة أن كل واحد منهم يظن أنه توضأ بالماء الطاهر، ولا يخطىء ~~إمامه في اجتهاده ولا يقول: إنه قد توضأ بالنجس، فلهذا صحت صلاتهم أجمع لما ms0164 ~~ذكرناه، لأنهم لما قدموا الإمام حكموا بصحة صلاته، وهما إناءان طاهران ~~فواحد استبد به الإمام وواحد كل واحد من الرجلين يظن في نفسه أن متطهر به، ~~فلأجل هذا التقرير حكمنا بصحة صلاتهم معا(1). وإن صلى بهم رجل منهم الظهر ~~صحت صلاة الإمام؛ لأنهم لما قدموه فقد حكموا بصحة صلاته وصحة صلاة إمام ~~الصبح؛ لأنها قد صحت من قبل فلا يتغير حكمها بعد ذلك، وتفسد صلاة الثالث ~~لأنهما إناءان طاهران وقد استبد كل واحد من إمام الصبح وإمام الظهر بكل ~~واحد منهما، وتعين حكم النجاسة على الثالث ففسدت صلاته، فإن صلى بهم الثالث ~~العصر صحت صلاته لنفسه؛ لأنهم لما قدموه حكموا بصحة صلاته؛ ولأنه مستقل ~~بنفسه غير مقيد بغيره، وبطلت صلاة الآخرين خلفه لأجل اقتدائهما بمن قد ~~تعينت النجاسة في وضوئه، فلهذا بطلت لأجل الاقتداء. PageV01P403 # الصورة الثالثة: أن تكون الأواني أربعة، فإذا كان كذلك نظرت، فإذا كان ~~الطاهر منها واحدا لم يجز لكل واحد منهم أن يأتم بالآخر من جهة أنه لا فسحة ~~للظن في صحة طهارة واحد منهم وتجويزها، إذ الطاهر ليس إلا واحدا منها كما ~~فرضناه على رأي المانعين من ذلك، وإن كان الطاهر منها اثنين وصلى كل واحد ~~منهم صلاة بالآخرين فصلاة الصبح صحيحة لهم جميعا، لأنهم لما قدموا الإمام ~~حكموا بصحة صلاته وأنه متوضئ بالماء الطاهر، وبقي إناء واحد، كل واحد منهم ~~يجوز أنه توضأ به فلا جرم كانت صحيحة في حقهم معا لظهور الاحتمال والتجويز ~~في الصحة، وصلاة الظهر صحيحة لإمام الصبح؛ لأنها لا تتغير عما هي عليه في ~~الصحة، وصلاة إمام الظهر صحيحة؛ لأنهم لما قدموه فقد حكموا بصحة صلاته، ~~وصلاة العصر والمغرب صحيحتان لإمامهما دون المقتديين، لأن الإناءين ~~الطاهرين قد استكملا في حق إمام الصبح والظهر وليس هناك طاهر سواهما، ~~فبطلان صلاة المأمومين حاصل لأجل الاقتداء؛ لأنهما مصليان خلف من يظنان ~~أنهما متلوثان بالنجاسة غير متوضئين فبطلا. وإن كان الطاهر منها ثلاثة وصلى ~~كل واحد منهم بأصحابه، فصلاة الصبح والظهر صحيحة لكل واحد منهم؛ ms0165 لأنهم لما ~~قدموهما فقد حكموا بصحة صلاتهما وبقي إناء واحد طاهرا، كل واحد من ~~المأمومين يمكن أن يتوضأ به فلأجل هذا حكمنا بصحة صلاتهم أجمعين. وأما صلاة ~~العصر فإنها صحيحة لإمامي الصبح والظهر ولإمام العصر أيضا، من جهة أنهم لما ~~قدموا فقد حكم بصحة صلاتهم واستكملت الآنية في الطهارة، وتبطل في حق ~~المؤتمين في صلاة العصر لأجل الاقتداء؛ لأنهم مؤتمون بمن عندهم أنه غير مطهر. PageV01P404 # الصورة الرابعة: إذا كانت الآنية خمسة نظرت، فإذا كان الطاهر منها واحدا ~~والباقي نجس، لم يجز أن يأتم كل واحد منهم بصاحبه؛ لأن كل واحد عنده أن ~~صاحبه متطهر بالماء النجس إذ لا طاهر منها سوى واحد، وإن كان الطاهر منها ~~اثنين فصلاة الصبح صحيحة في حق الجميع وصلاة الظهر صحيحة في حق إمامها ~~وإمام الصبح، وتبطل في حق الباقين من أجل الاقتداء، وأما صلاة العصر ~~والمغرب والعشاء فتصح لكل واحد ممن كان إماما فيما قبلها وتبطل في حق ~~المؤتمين لأجل الاقتداء. فإن كان الطاهر منها ثلاثة صحت صلاة الظهر والعصر ~~للجميع منهم، وتصح صلاة العصر لإمامها وإمام الظهر وإمام الصبح وتبطل في حق ~~المؤتمين في المغرب والعشاء. وإن كان الطاهر منها أربعة فصلاة الصبح والظهر ~~والعصر صحيحة في حق الجميع منهم وتبطل صلاة المؤتمين في المغرب والعشاء من ~~أجل الاقتداء. # فكلما كان الطاهر من الأواني واحدا فلا وجه للاقتداء بحال، وإن كان ~~الطاهر اثنين جاز لكل واحد أن يصلي خلف واحد لا غير، وإن كان الطاهر منها ~~ثلاثة جاز لكل واحد منهم أن يصلي خلف اثنين منهم وهلم جرا، وإن كثرت. # فالمعيار الضابط للمسألة: أن الطاهر إذا كان واحدا امتنع الائتمام مطلقا؛ ~~إذ لا مساغ للظن في طهارة من عدا هذا الواحد بخلاف ما إذا كان الطاهر ~~اثنين، فواحد يستبد به الإمام وواحد كل من المؤتمين يجوز أن يكون متطهرا ~~به، فلهذا صحت في حق الجميع، فصلاة من قدم للإمامة تكون صحيحة بكل حال؛ ~~لأنه لما قدم حكم على صلاته بالصحة، وأن النجاسة حاصلة ms0166 في حق غيره، وأما ~~المؤتمون فإن كان في عدة الأواني الطاهرة فسحة تكفي للإمام والمأمومين، صحت ~~صلاتهم جميعا وإن كانت غير كافية صحت صلاة المقتدى به وبطلت صلاة المقتدين. # مسألة: تشتمل تنبيهات ثلاثة: # التنبيه الأول: في بيان كيفية ورود التعبد في الأحكام. PageV01P405 # اعلم أن التعبد في الأحكام التكليفية ربما كان بالعلم اليقيني، وربما كان ~~بالظن، فهذان مجريان نذكر ما يتوجه في كل واحد منهما؛ لأن لهما تعلقا خاصا ~~بما نحن فيه: # المجرى الأول منهما: أن يكون التعبد واردا بطريق العلم دون الظن، وهذا ~~يكون تارة في المسائل الدينية وتارة في المسائل الأصولية، ومرة يكون في ~~المسائل الفقهية، فلا ينفك عن هذه الأمور الثلاثة: # فأما الدينية: فنحو العلم بالله تعالى وصفاته، وما يجب له وما يجوز له ~~وما يستحيل عليه من الصفات، ونحو العلم بصدق الأنبياء وأحوال المعاد ~~الأخروي، وغير ذلك من المسائل الدينية. فهذه الأمور كلها مستندها العلم ~~القطعي لا يقوم غيره مقامه. # وأما الأصولية: فنحو العلم بوجوب العمل على الأخبار الآحادية، وكون ~~الأقيسة النطرية معتمدة في تقرير الأحكام الشرعية، ونحو أن في اللغة لفظة ~~موضوعة للعموم، وأن الأمر للوجوب، إلى غير ذلك من المسائل الأصولية. # وأما الفقهية: فنحو الشهادات، فإن مستندها العلم القاطع فلا تجوز الشهادة ~~إلا بما يعلمه ويتحققه مشاهدة، أوغير ذلك من طريق العلم، ولا تجوز الشهادة ~~بالظنون إلا في بعض الصور سنقررها في باب الشهادات بمعونة الله تعالى. ونحو ~~النكاح فإنه لا يجوز الوطء إلا بعلم أنها غير محرمة عليه. # والأصل في هذه القاعدة أن كل ما كان الوصول فيه إلى العلم ممكنا وجب ~~تحصيل العلم به، وكل ما لا سبيل إلى العلم به فغلبة الظن كافية فيه. # قال المؤيد بالله: ومن كان معه عشرة أثواب وعلم أن فيها ثوبا نجسا فإنه ~~تجب عليه الصلاة في ثوبين منها ليكون الفرض ساقطا بيقين. وهكذا نقول فيمن ~~كان معه عشرة أثواب نجسة وفيها ثوب طاهر؛ فإنه يجب عليه أن يصلي فيها أجمع ~~ليكون الفرض ساقطا عن ذمته بيقين ms0167 وقطع، فهذه المسائل كلها، التعبد فيها ~~بالقطع والعلم دون الظن، وهي مستوية في ذلك كما أوضحناه. # المجرى الثاني: ما كان التعبد فيه واردا بالظن. PageV01P406 # وهذا هو معظم أحكام الشريعة فإنها جارية على الظنون في أكثر العبادات ~~والمعاملات. وهذا نحو الحكم بالشهادة فإن مستندها الظن بصدق الشاهدين، ونحو ~~مراعات الظنون في طهارة الأشياء ونجاستها، ونحو الأخبار المعول عليها في ~~جميع الأحكام الشرعية فإنها مثمرة للظن لا غير، في الصلوات والحج والصيام ~~وغير ذلك. # وهكذا الكلام في الأقيسة فإنها معمول بها في تقرير الأحكام الفقهية، ~~والعمل على الأخبار الآحادية والأقيسة قد قال به الأكثر من الأمة، ولم ينكر ~~العمل عليهما إلا شواذ من الأمة لا يلتفت إلى كلامهم، والمنكرون للأقيسة ~~أكثر من المنكرين لأخبار الآحاد؛ لأن الأخبار الآحادية مستندها الشارع، ~~والأقيسة النظرية مستندها نظر القائسين، وكلها معمول عليها عند أئمة العترة ~~والنظار من علماء الأمة، والكلام على هاتين القاعدتين قد قررناه في الكتب ~~الأصولية. # التنبيه الثاني: في بيان الظن المعمول عليه في الأحكام الشرعية. # واعلم أن ماهية الظن هو تغليب في القلب على أحد المجوزين ظاهري التجويز. # فقولنا: تغليب، نحترز به عن سائر الاعتقادات فإنها جزم وليست تغليبا. # وقولنا: في القلب؛ ليكون عاما لمن قال: إن الظن أمر يفعله الإنسان في ~~قلبه، ولقول من قال: إن الظن أمر يوجبه القلب عند حصول الأمارة. # فالأول: مذهب الشيخ أبي هاشم وأصحابه. # والثاني: مذهب أبي الحسين البصري وأصحابه. # فإذا قلنا فيه: تغليب في القلب، كان شاملا لهما جميعا. # وقولنا: على أحد المجوزين؛ لأن الظن إنما يكون متعلقا بصفات الشيء ~~وأحكامه ولا يكون متعلقا بأصل حقيقته أصلا، فالأمران المجوزان إنما يكونان ~~في الصفات والأحكام، ولهذا فإن زيدا يمكن أن يكون في الدار ويمكن أن يكون ~~في المسجد، فإذا أخبرك مخبر بكونه في أحدهما فقد غلب خاطرك على ما كان ممكن ~~الوقوع وهو كل واحد من الأمرين. PageV01P407 # وقولنا: ظاهري التجويز، نحترز به عن اعتقاد التقليد فإن المقلد وإن كان ~~يجوز خلاف ما هو عليه من التقليد، لكن ms0168 تجويزه ليس ظاهرا جليا، بل هو مصمم ~~على ما قد اعتقده من ذلك، وإن جوز خلافه فإنما هو من حيث كونه ممكنا في ~~ذاته لا أن المقلد يعتقده ويظهر اعتقاده، وإنما تجويزه يكون خفيا غامضا، ~~فهذه ماهية الظن. # فإذا تمهدت هذه القاعدة، فاعلم أن الظن المراعى في تقرير الأحكام الشرعية ~~والتكاليف العملية ضربان، نذكر ما يتعلق بحقائقهما بمعونة الله تعالى: # الضرب الأول منهما: الظن المطلق، وهو ما يكون تغليبا لأحد مجوزيه من غير ~~أن يكون فيه قوة تقارب العلم، وهذا نحو أن يخبر مخبر ثقة، بأن زيدا في ~~الدار، فإن ما هذا حاله من الأمارات محرك للقلب في إثارة الظن وإحداثه، ~~لمكان هذه الأمارة، وعلى مثل هذا تجري الأخبار المستعملة في أحكام الشريعة ~~في الإيجاب والندب والكراهة والإباحة وأنواع التحليلات والتحريمات في جميع ~~الفتاوى والأقضية والأحكام المستنبطة من تلك الأحكام. # الضرب الثاني: الظن الذي يقارب العلم، وهذا نحو أن يخبر مخبر ثقة بأن ~~زيدا في الدار، ثم يخبره بعده مخبر آخر بأنه فيها، فما هذا حاله قد حصل ~~الظن المطلق بخبر الثقة الأول، ثم إنه ازداد قوة بالخبر الثاني، فصار ~~مقاربا للعلم بهذا المعنى، ومعنى كونه مقاربا للعلم، هو أنه ربما تقوت هذه ~~الأخبار من جهة الثقات وبالقرائن حتى صار ذلك الظن علما، وخرج عن كونه ~~مظنونا؛ فالمخبر الأول يورث الظن المطلق ويبعث عليه، والمخبر الثاني يقوي ~~الظن ويزيده قوة، ولا تزال هذه القوة تزداد بحسب المخبرين حتى ترتقي إلى ~~درجة الذي لا يجوز خلافه، وربما ازداد قوة أيضا بعد حصول القطع بمخبره إلى ~~أنه يصير ضروريا لا يجوز ورود الشبهة فيه. فهكذا يكون حصول الظن في موارد ~~الشريعة ومصادرها لا محالة. PageV01P408 # وأما الشك: فهو عبارة عن تصور ماهية الشيء وحقيقته من غير أن نحكم عليها ~~بنفي أو إثبات، فمن تصور ماهية العالم وحقيقته من غير أن يحكم عليه بقدم ~~ولا حدوث، فهو شاك فلا تحصل له هذا الصفة إلا متى تصور الماهية وخلا عن ~~اعتقاد حكم من أحكامها، فمتى ms0169 علم حدوث العالم بالنظر أو بالضرورة أو ~~بالاعتقاد أو بالظن، فقد خرج عن كونه شاكا وكان عالما أو معتقدا أو ظانا، ~~وبطل الشك لانتفاء ماهيته. فقد وضح لك بما ذكرناه ماهية كل واحد من الظن ~~والشك ومعرفة الظن المطلق والظن المقارب. # التنبيه الثالث: في الكلام على الشيخ علي بن الخليل ) والقاضي أبي مضر ) ~~من أصحابنا. # واعلم أنهما قد ذكرا: أن الظن الوارد على المكلف على ثلاثة أقسام: # أحدها: الظن المطلق الذي ليس بغالب. # والثاني: هو الظن الغالب لكنه غير مقارب للعلم. # والثالث: الظن المقارب للعلم. PageV01P409 # فإذا كان التجويز الوارد على الشيء والاحتمال الواقع فيه يستوي طرفاه، فإن ~~كل واحد من الاحتمالين ظن، إلا أنه ليس بظن غالب، وإنما هو ظن مطلق، فإذا ~~وجد الرجحان في أحد الاحتمالين على الآخر فإن أرجح الاحتمالين ظن غالب ~~والاحتمال الآخر شك، فإن قوي الرجحان في أحد الاحتمالين وضعف الشك في ~~الاحتمال الآخر فهو ظن غالب مقارب للعلم. ثم جعلا مثال الظن المطلق وهو ~~الشك، الظن بنجاسة سراويل المجوسي. ومثال الظن الذي ليس مقاربا للعلم: أن ~~يخبر مخبر بنجاسة سراويل المجوسي وأنها قد أصابتها نجاسة. ومثال الظن الذي ~~يكون مقاربا للعلم: نحو أن يخبر مخبران وثالث بأن سراويل المجوسي قد ~~أصابتها نجاسة، فإذا اجتمع هذا الخبر إلى الخبر الأول قوي هذا الاحتمال ~~وضعف الاحتمال الآخر جدا، فصار هذا الاحتمال الأرجح والأقوى، ظنا غالبا ~~مقاربا للعلم إلى آخر ما ذكراه في تقرير هذه القاعدة. # واعلم [أن] كلامهما هاهنا، قد وقعت فيه استدراكات عليهما، ونحن نذكرها ~~ونفصل ما قالا فيه بمعونة الله تعالى: # الإستدارك الأول: قولهما: إن الشك من قبيل الظنون، وهذا فاسد لوجوه ثلاثة: # أما أولا: فلأن الشك من قبيل التصور وهو العلم بحقائق الأشياء وماهياتها ~~والكف عن اعتقاد شيء من أحكامها كما مر تقريره، والظن جنس برأسه ليس من ~~قبيل الاعتقاد والتصور. # وأما ثانيا: فلأن الظن لا حكم له في جلب النفع ودفع الضرر، إلا إذا كان ~~صادرا عن الأمارات، فإن لم يصدر عنها كان ms0170 لاحقا بالظنون السوداوية التي لا ~~يعول عليها عاقل، بخلاف الشك فإنه لا يفتقر إلى أمارة؛ لأنه في الحقيقة كف ~~عن الحكم على الشيء بنفي أو إثبات فلا يفتقر إلى أمارة من أجل ذلك. PageV01P410 # وأما ثالثا: فلأن الظنون الصادرة عن الأمارات يعول عليها في جميع التصرفات ~~العرفية في جلب المنافع ودفع المضار، وعليه تبتني أكثر الأحكام الشرعية في ~~العبادات والعادات والمعاملات، والشك لا يرد في هذه الموارد ولا يعول عليه ~~في شيء من الأحكام بحال. فحصل من مجموع ما ذكرناه مخالفة الشك للظن في حكمه ~~ولفظه، فكيف يقال: إنه من قبيل الظنون!. # الاستدراك الثاني: قولهما: إن الظنون منقسمة إلى ثلاثة. وهذا فاسد ~~لأمرين: # أما أولا: فلأن من حق مورد التقسيم أن يكون شاملا لجميع الأقسام ليصح ~~تقسيمها عليه، ولهذا فإنه يقال: الحيوان ينقسم إلى إنسان وفرس، ولا يقال: ~~الحيوان ينقسم إلى إنسان وحجر، لما كان مورد القسمة وهو قولنا: الحيوان، ~~ليس شاملا لقولنا: حجر ولا هي مندرجة تحته، فيبطل التقسيم لعدم اندراجها ~~تحته، فلما كان الشك غير داخل في حقيقة الظن ولا يطلق عليه اسمه، بطل ~~تقسيمه عليه لعدم اندراجه تحته، ونزل ذلك منزلة من يقول: العلم منقسم إلى: ~~نظري وظني، فلما كان هذا باطلا فهكذا ما ذكراه من التقسيم، ولكن يقال: ~~العلم منقسم إلى: نظري وضروري لا غير. # وأما ثانيا: فلأن الظن حقيقة مغايرة للشك ومخالفة له في لفظه ومعناه كما ~~أشرنا إليه، وما هذا حاله فلا يقال بأنه أحد أنواع الظن وقسم من أقسامه. ~~ومن العجب أنهما لقباه بالظن المطلق وجعلاه أول أقسام الظن الوارد على ~~المكلف، وبينهما من المغايرة والمخالفة في الحقائق واللوازم والألفاظ ما لا ~~يخفى، وفي ذلك ضعف ما قالاه وسقوطه. # الإستدراك الثالث: قولهما: فإذا كان التجويز الوارد على الشيء والاحتمال ~~الواقع فيه يستوي طرفاه، فإن كل واحد من الاحتمالين ظن، إلا أنه ليس بظن ~~غالب وإنما هو ظن مطلق، وهذا فاسد لأمرين: PageV01P411 # أما أولا: فلأن ظاهر كلامهما هذا يقتضي بأن التجويز هو الشك، وهذا فاسد، ms0171 ~~فإن حقيقة الشك مخالفة لحقيقة التجويز، فإن الشك كما ذكرناه تصور الحقائق ~~والماهيات مع الكف عن اعتقاد شيء من أحكامها اللازمة لها. # وأما التجويز: فهو العلم بأن ليس في العقول ما يحيل هذا الحكم في الثبوت ~~ولا نقيضه. فإذا علمنا العالم نفسه، وكففنا عن اعتقاد قدمه وحدوثه، فهذا هو ~~الشك، وأما إذا علمنا بأنه ليس في العقول ما يحيل إثبات قدمه وإثبات حدوثه، ~~فهذا هو التجويز. ثم إن التجويز هو مستند للشك فلا شك في الأمرين جميعا: ~~القدم والحدوث، إلا إذا كان مجوزا وكانا ممكنين، فأما الأمور المستحيلة فلا ~~يمكن تجويزها، وهو أيضا مستند للظن فإنه لا يمكن ظن حكم من الأحكام في ~~ثبوته ونفيه، إلا إذا كان مجوزا له، فعرفت بما ذكرناه مغايرة حقيقة الشك ~~للتجويز وأن الشك لا يكون تجويزا بحال. # وأما ثانيا: فقولهما: إن كل واحد من الاحتمالين ظن. # فظاهر هذا الكلام دال على أن محتملي التجويز ظن، وهذا فاسد، فإن التجويز ~~في نفسه ليس ظنا، فكيف يكون احتمالاه ظنين، وإنما التجويز لابد من مصاحبته ~~للظان، كما أنه يصاحب الشاك؛ لأن قاعدة التجويز هو العلم بإمكان تلك الصفة ~~في الثبوت والانتفاء، وإذا كان مصاحبا أعني التجويز للظن، فكيف يقال بأنه ~~نفس حقيقته!. # الاستدراك الرابع: قولهما: فإذا وجد الرجحان في أحد الاحتمالين على ~~الآخر، فإن أرجح الاحتمالين صار ظنا غالبا، والاحتمال الآخر شك، فإن قوي ~~الرجحان في أحد الاحتمالين وضعف الاحتمال في الآخر فهو ظن غالب مقارب للعلم. PageV01P412 # واعلم أن كلامهما دال هاهنا على أن الرجحان إذا كان حاصلا في أحد ~~الاحتمالين فإنه يكون ظنا غالبا، والاحتمال الآخر شك، فظاهر هذا الكلام ~~يشعر بأنه يطلق عليه اسم الشاك، مع كونه ظانا وهذا فاسد، فإنه إذا قوي ظنه ~~على أحد الاحتمالين فإنه بالظن يكون خارجا عن حقيقة الشك بكل حال، ولا يطلق ~~عليه اسمه بعد كونه ظانا، سواء كان ظنه غالبا أو مقاربا؛ لأن الشك كما ~~ذكرناه خلو عن كل ترجيح، فلا يكون مصاحبا للرجحان أصلا. # فأما التجويز: فإنه ms0172 مخالف لما ذكرنا من الشك، فإنه يكون مصاحبا للرجحان، ~~سواء كان ذلك الرجحان بعلم أو ظن أو اعتقاد؛ لأن حقيقتة لا تنافي هذه ~~الأمور بل تكون باقية معها، فلا جرم صاحبتها، بخلاف الشك فإن حقيقته منافية ~~للرجحان فلا تصاحبه، فتنخل من مجموع ما ذكرناه تباين هذه الأشياء في ~~الحقائق والأحكام، أعني الشك والظن والتجويز، وأنه لا سبب للوقوع في مثل ~~هذه المضائق إلا عدم الإحاطة بهذه الدقائق والميز بينها، وهو مسلك دقيق لا ~~يدرك إلا بالفكرة الصافية، والقريحة المتقدة، وما وقعا فيما وقعا فيه إلا ~~لعدم الوطأة في المباحث الكلامية، والإحاطة بدقائقها، والغوص على أسرارها ~~وغوامضها وحقائقها. # الاستدراك الخامس: قولهما: مثال الظن المطلق - الذي هو الشك على زعمهما ~~وتوهمهما - ما نقلاه عن المؤيد بالله فيمن صلى في سراويل المجوسي، فإنه ~~يحتمل أن يكون المجوسي قد نجسه لسبب من الأسباب، إما بترك الاستنجاء أو ~~بغيره، ويجوز خلاف ذلك وهو أن لا يكون أصابه شيء من النجاسات، وليس لأحد ~~الاحتمالين رجحان على الآخر، وكل واحد من الاحتمالين ظن. # واعلم أن ما ذكره المؤيد بالله إنما أورده لمقصدين: # المقصد الأول: لبيان أن الأصل في الأشياء كلها التطهير، ولا يقدم على ~~تنجيسها إلا بأمارة قوية تنقلها عن حكم أصلها، ومثله بسراويل المجوسي فإنه ~~باق على أصل الطهارة لا يقدم على القول بتنجيسه إلا بأمارة. PageV01P413 # المقصد الثاني: أن يكون غرضه بيان جواز الصلاة في سراويل المجوسي مع ~~الكراهة لها؛ لأنها باقية على أصل الطهارة، وكونه مستحلا للنجاسات متلوثا ~~بها في أكثر حالاته، لا تبطل الصلاة فيها ولكنه يكره لما ذكرناه، فهذا هو ~~مقصد الإمام بما أورده من المثال. فأما إيراده مثالا للشك وأن الشك من جملة ~~الظنون، فالمؤيد بريء من عهدته وإنما هو من كيسهما، وحاشا لفكرته الصافية ~~وذوقه المعتدل عن أن يلتبس عليه حكم الشك بالظن، والتجويز بالشك فلا يميز ~~بين حقائقها، فقدره أجل وأعلا من ذلك. وقد قال المؤيد بالله: والأقرب أنه ~~يحصل الظن بنجاسة سراويل المجوسي. ولكن لما لم يقارب العلم لم ms0173 يحكم ~~بنحاسته، وهذا يصدق ما ذكرناه من حمل كلامه على ما حملناه من إيراد المثال، ~~لا على ما ظناه وتوهماه. # الاستدراك السادس: قولهما: إن الظن المطلق وهو الشك على زعمهما، يجوز ~~العمل عليه بشرط أن تنضم إليه قرينة أخرى، وجعلا مثاله ما ذكره المؤيد ~~بالله في المتاعات، وهو: أنه إذا كان الشيء في يد إنسان فقال: هو لفلان ~~وكلني ببيعه أو رهنه، فإنه يجوز أن يشترى منه لمجرد هذا القول، وفي مثل ذلك ~~جاز العمل على مطلق الظن لأجل القرينة، وهي اليد القائمة، وهكذا حال المرأة ~~إذا قدمت من الغيبة، وقالت: طلقني زوجي وانقضت عدتي. جاز أن يؤخذ بقولها ~~ويعمل عليه. # واعلم أن ما ذكرناه [عنهما] هاهنا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن الشك لا يجوز العمل عليه أصلا، ولا يكون مستندا لشيء من ~~التكاليف العملية، ولا يعول عليه في أمر من الأمور الشرعية، والتعبد إنما ~~وقع مع غلبات الظنون، بقوة الأمارات والاعتماد عليها، فأما الشك فهو خلي ~~عما ذكرناه فلا تعويل عليه، ولهذا قالا في آخر المثال: فأما إذا لم تكن مع ~~الظن المطلق هذه الأمارة والقرينة، فإنه لا يجوز العمل عليه؛ لأنه يكون شكا صرفا. PageV01P414 # وأما ثانيا: فلأن ما ذكره المؤيد بالله في المثالين إنما أوردهما مثالا في ~~حصول الظن والعمل عليه، ولم يوردهما مثالا للشك كما زعماه وتوهماه، ~~فالأمارة للظن هو حصول اليد واستيلاؤها على ملك الشيء، فلهذا جاز العمل ~~عليها في كونه ملكا لمن هو في يده ويجوز الشراء منه، وهكذا حال المرأة ~~فإنها حاصلة في يد نفسها، فلهذا قبل قولها فيما تقول من نكاح، وطلاق، وعدة، ~~ووفاء العدة؛ لأنه لا مخاصم لها، فيجوز إنكاحها على هذه الأمارة، فإن قامت ~~بينة على خلاف ذلك عمل عليها. وقد عملنا أولا على ظاهر الحال، وله مساغ من ~~جهة الشرع، فما ذكره المؤيد بالله من المثال هو مطابق للممثول لكن الوهم ~~جاء من جهتهما حيث جعلاه مثالا للشك، وهو جعله مثالا للظن بالقرينة. ومن ~~العجب أنه قال: إنه يكون شكا؛ ms0174 لكنه يجوز العمل عليه للقرينية، فبطل ما ~~توهماه. # الاستدراك السابع: حكيا عن الإمام المؤيد بالله التفرقة بين الظن الغالب ~~وبين الظن المقارب، وهو أن انتقال الشيء عن حكم أصله لا يجوز العمل فيه إلا ~~على الظن المقارب دون الظن الغالب، وأوردا ما ذكره المؤيد بالله في المثال ~~لذلك، وهو أن كل من غلب على ظنه نجاسة الماء فإنه ينظر في ذلك الظن، فإن ~~كان الظن مقاربا للعلم وجب العمل به، وإن كان الظن غالبا لم يجز العمل ~~عليه؛ لأن الماء على الطهارة فلا ينتقل عن حكم هذا الأصل إلا بما يكون من ~~الظنون مقاربا للعلم دون غيره، وكمن غلب على ظنه أنه طلق امرأته وأعتق ~~عبده، فإنه لا يعمل فيه إلا بالظن المقارب؛ لأن الأصل هو استقرار عقد ~~النكاح وثبوت الرق، فلا ينتقل عنهما إلا بما يكون مقاربا دون ما كان غالبا. PageV01P415 # والحجة على ذلك: هو أن العمل على غلبة الظن قد تقرر كونه معولا عليه في ~~العمل على الشهادات والحكم بها، فلا وجه لدفعه وإنكاره، فإذا كان الشيء ~~معلوم الأصل فلا يجوز الانتقال عنه إلا بما يكون مقاربا له في التحقق، وهذا ~~إنما يكون في الظن المقارب للعلم لقوته، فلهذا وجب اشتراطه فيما يكون ~~انتقالا عن حكم الأصل. # والمختار في ذلك: تفصيل نشير إلى أسراره، وهو عدم التفرقة في الظنون بين ~~ما يكون منها غالبا وبين ما يكون مقاربا، والعمل عليهما على جهة الإطلاق من ~~غير تفرقة بينهما. # والحجة على ذلك: هو أن الأدلة الشرعية التي دلت على العمل على غلبات ~~الظنون في المواضع التي لا سبيل فيها إلى القطع بالعلم، لم تفصل بين ما ~~يكون غالبا، وبين ما يكون مقاربا، فلا وجه للتفرقة من غير دلالة عليها. # ومن وجه آخر: وهو أنه إذا جاز العمل على الظن الغالب في باب العبادات ~~كلها وأحوال المعاملات الدينية والدنيوية، جاز أيضا العمل عليه فيما يكون ~~انتقالا عن حكم الأصل إجراء للظن مجرى واحدا من غير تفرقة. # ومن وجه ثالث: وهو أنه ms0175 لا حقيقة للظن المقارب للعلم إلا قوة أمارته، إما ~~بتكرر المخبرين، وإما بغير ذلك من القرائن والأسباب المقوية له، والظن ~~الغالب لابد فيه من مزيد قوة في أمارته، فإذا كان كل واحد منهما يفتقر إلى ~~مزيد قوة في أمارته، فيجب استواؤهما في العمل من غير خصوصية المقارب على ~~الغالب وفي ذلك ما نريده. # قالوا: إن حكم الأصل معلوم فلا يجوز الانتقال عنه إلا بما يكون مقاربا له ~~في التحقق والقطع، وذلك لا يكون إلا في الظن المقارب. PageV01P416 # قلنا: قد أقررتم بجواز الانتقال عن حكم الأصل بالأمور المظنونة لكنكم ~~اشترطتم كونه مقاربا فلابد عليه من دلالة. فأما الانتقال بالظن فقد سلمتموه ~~فلا نحتاج فيه إلى دلالة. فأما الهادي فقد جرى على القياس في أنه لا يجوز ~~الانتقال عن حكم الأصل المعلوم إلا بدلالة علمية، ولم يراع في ذلك ظنا سواء ~~كان غالبا أو مقاربا، وسيأتي تقرير الكلام على ذلك في نواقض الوضوء بمعونة ~~الله تعالى. # الاستدراك الثامن: وقالا: الظن إذا كان غالبا فحكمه إذا وقع في تحريم أنه ~~لا يجب الأخذ به ولكن يستحب الأخذ به، ومثاله في الماء، وهو أنه إذا حصل ~~الظن الغالب بكونه نجسا ولم يكن مقاربا للعلم فإنه لا يجب التجنب له، ولكن ~~يستحب تجنبه، وهكذا الحكم في نظائره، كالطلاق والعتاق مما يكون له أصل ~~معلوم مستقر، فإن كان واقعا في تحليل فإنه إذا لم يكن مقاربا للعلم لم يجز ~~العمل عليه، ومثاله: أن يرد الظن على الصائم أنه قد دخل عليه الليل وحل له ~~الإفطار فإنه إن كان الظن مقاربا للعلم جاز الأخذ به، وإن كان دون ذلك لم ~~يجز الأخذ به. # قلنا:إن ما ذكرتموه فيه نظر من وجهين: # أما أولا: فلأن التفرقة بينهما تحكم من غير دلالة شرعية تشير إلى تفرقة ~~بينهما، فإن الظن إذا كان غالبا فهو العذر عندالله تعالى في جواز العمل ~~عليه سواء كان تحليلا أو تحريما. # وأما ثانيا: فلأن المراد باشتراط كون الظن مقاربا للعلم إنما [هو] مزيد ~~قوة، فالظن الغالب ms0176 لابد فيه من مزيد قوة. # وإن كان الغرض قوة مخصوصة تقارب العلم، قلنا: هذا رد إلى عماية، فإن تلك ~~الغاية غير معلومة فلا يجوز اشتراطها في التكليف؛ لأن من حق ما كان مكلفا ~~به أن يكون ظاهرا متحققا ممكنا تحصيله، واشتراط المقاربة لا وجه له، وإنما ~~الغلبة للظنون هي المشترطة الشاملة لجميع أساليب الظنون في جميع الأفعال ~~الشرعية. PageV01P417 # الاستدراك التاسع: قال الشيخ علي بن الخليل: قد ينتقل الإنسان من اليقين ~~إلى الشك في العقليات، ومثاله: إذا علم رجل بأن زيدا في الدار بطريق ~~المشاهدة ثم غاب عنه وتخلل هناك وقت وزمان، فإنه لا يجوز الاعتقاد على ~~القطع بأنه في الدار لجواز أن يكون قد غاب، ولا بأنه حي لجواز أن يكون قد ~~مات، وكما لا يجوز الاعتقاد فلا يجوز الإخبار. # واعلم أن ما ذكره في هذا الفصل ليس وراءه كثير فائدة ولا تحته جدوى ~~نافعة، فليس يخلو غرضه بما ذكره فيه، إما أن يريد أنه لا يجوز العمل على ~~الشك والانتقال إليه فهذا فاسد لا قائل به، فإنه لا يجوز العمل على الشك في ~~شيء من أحكام الشريعة مقطوعها ومظنونها، ولا ورد تعبد بالشك بحال، وإن كان ~~غرضه أن كل من علم بأن زيدا في الدار بطريق المشاهدة والإدراك ثم غاب عنه ~~ولم يشاهده فإنه لا يحصل العلم به من تلك الطريق فهذا صحيح، فإن كل من لم ~~يدرك لم يحصل العلم بالإدراك، وكل من لم يعلم فإنه جاهل به، وليس وراء هذا ~~مزيد فائدة، وإن كان الغرض أن الواحد لا يجوز له الاعتقاد لما لا يعلم ~~حقيقة حاله ولا يجوز له الإخبار عما لا يأمن كونه كذبا، فهو ظاهر لا مرية ~~فيه وليس مختصا بهذا الموضع ذكره، وموضعه كتب الكلام. # الاستدراك العاشر: قوله: إنه يجوز الانتقال من اليقين إلى الشك في ~~الشرعيات، ومثاله أنه لو كان معه إناء من ذهب موزون، ثم وقع فيه سبب يجوز ~~أن يكون قد نقص وزنه نحو أن يقع على الأرض أو يسرقه سارق ms0177 أو غير ذلك، فإنه ~~إذا أراد أن يبيعه بدينار لم يجز له أن يبيعه إلا بأن يعيد وزنه، وقام هذا ~~الشك الجائز مقام القطع بأنه قد نقص وزنه. PageV01P418 # قلنا: إن كان الغرض من هذا الكلام هو أن الشك قد عمل به فهذا فاسد، فإن ~~الشك لا يكون مستندا لحكم من أحكام الله تعالى على خلقه بحال، وإن كان ~~الغرض هو إبانة التعبد في الذهب بمثله والفضة بمثلها، أنه لا بد من اعتبار ~~المساواة فيهما علما فهذا مسلم، فمهما لم يحصل العلم لم تصح المعاوضة، فما ~~هذا حاله ليس عملا على الشك أصلا، وهكذا حال المكيل بمثله والموزون بمثله، ~~لا يجوز بيعه إلا بعد إعادة كيله أو وزنه للحديث الوارد، فهو تعبد لا يعقل ~~معناه، فإذا كان العلم مشترطا فيها وزال لم يجز العمل لبطلان الشرط، لا ~~لأجل العمل على الشك والجواز المحتمل، وهكذا لو كان لرجل عشرون بنتا ~~فارتضعت منهن واحدة لبن من لا يجوز له نكاح بنتها حرمن عليه، لأن التعبد في ~~حقه أن لا ينكح إلا من يعلم أنها تحل له، فإنما حرمن عليه لعدم العلم الذي ~~ذكرناه وهو الشرط في النكاح، لا من أجل حصول الشك والجواز، ولأجل كونه ~~واردا على جهة التعبد لم يجز الإلحاق بها إلا ما يكون في معناها، سواء كانت ~~العلة مظنونة أو مقطوعة، فإذا ورد في الذهب قسنا عليه الفضة، وإذا ورد في ~~المكيل قسنا عليه الموزون، وإذا ورد في الحرائر قسنا عليه الإماء. ولا يقاس ~~عليه ما يخالفه في جنسه إذ لا علة هناك تجمعهما، فحيث يكون مضطرب النظر هو ~~طلب الجامع فإنه غير جار فيه، وحيث يكون مضطرب النظر فيه التعرض للفارق ~~فإنه جار فيه. # فهذا ما أردنا من التنبية على كلام القاضي والشيخ، وليس الغرض نقصا من ~~فضلهما فهما الجوابان لأسرار المسائل والخريتان(1) في دقيق الأنظار، ولكن ~~الغرض التذرب في أساليب الأنظار الفقهية، وتكرير المحاورة في الأسرار ~~الشرعية؛ فإنها لم تعدم فائدة يدريها الأذكياء، ويتقاعد عن فهمها الأغمار ~~الأغبياء، ms0178 والله أعلم بالصواب. PageV01P419 # فحصل من خلاصة هذا التقرير الذي أطلنا فيه بعض الإطالة، أن الشك لا يطلق ~~عليه اسم الظن، وأنه لا يعمل على الشك، وأن الأمارتين إذا تعارضتا وجب ~~الحكم عليهما بالسقوط، ولا يقال بأن ما هذا حاله ظن مطلق، إذ لا ظن بعد ~~تساقط الأمارتين، وإن الظن الغالب والمقارب سواء في صحة العمل من غير تفرقة ~~بينهما كما مر بيانه، والله الموفق. PageV01P420 # --- ### ||| AUTO الفصل الرابع # في ذكر الآنية وما يجوز استعماله وما لا يجوز # وسبب ذكره في هذا الموضع لما له من التعلق بالطهارة في الوضوء والاغتسال. # مسألة: ولا يحل أكل الميتة ولا الانتفاع بها، وسيأتي تقريره في النجاسات. ~~والذي نذكره هاهنا هو ما يتعلق بالكلام فيما يجوز التوضؤ فيه عند دباغها. # واعلم أن هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء في جلود الميتة هل تطهر ~~بالدباغ أم لا؟ وخلافهم فيها على ستة مذاهب: # المذهب الأول: أنها نجسة وأنها لا تطهر بالدباغ، وهذا هو قول علماء ~~العترة لا يختلفون فيه، وهو محكي عن عمر وابن عمر وعائشة، وبه قال أحمد بن ~~حنبل في إحدى الروايتين عنه، وإحدى الروايتين عن مالك، وراية أخرى أنه يطهر ~~ظاهره دون باطنه، ويصلى عليه ولا يصلى فيه. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة}[المائدة:3]. # ووجه الاستدلال بهذه الآية: هو أن الله تعالى حرم الميتة، والسابق إلى ~~الفهم من هذا الكلام من طريق العرف في اللغة، إنما هو الانتفاع بالأكل ~~والوضوء وغير ذلك من سائر وجوه الإنتفاعات؛ لأن التحريم لا يتعلق بالأعيان ~~وإنما يتعلق التحريم بأفعالنا والنهي عنها، وهي عامة بالإضافة إليها، فيجب ~~القضاء بتحريمه إلا لدلالة خاصة تدل على حلها، وفيه حصول المقصود. PageV01P421 # الحجة الثانية: ما رواه زيد بن علي عن آبائه عن الرسول أنه قال: (( لا ~~تنتفعوا من الميتة بشيء ))(1). وهذا عام في جميعها لا يجوز تخصيصه إلا ~~بدلالة. وروى عبدالله بن عكيم ) قال: أتانا كتاب رسول الله قبل موته بشهر ~~ونحن في أرض جهينة قال: (( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا ms0179 عصب ))(3). وهذا عام. # الحجة الثالثة: من جهة القياس فنقول: جزء من ميتة فلا يتطهر بالدباغ ~~كاللحم، أو نقول: جلد ميتة فكان نجسا كما كان قبل الدباغ. # المذهب الثاني: أن جميع الجلود تطهر بالدباغ وجلد الكلب، فأما الخنزير ~~ففيه ثلاث روايات: PageV01P422 # الأولى منها: أنه يطهر بالدبغ. # والثانية: لا يطهر به. # والثالثة: بأنه لا جلد له، وإنما ينبت شعره على لحمه، وهذا هو رأي أبي ~~حنيفة، وهكذا جلد الإنسان عنده لا يطهر بالدباغ. # والحجة على ما قاله: ما روي عن النبي أنه مر بشاة ميمونة (1) وهي ميتة ~~فقال الرسول : (( هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ))؟ فقالوا: يا ~~رسول الله إنها ميتة. فقال: (( إنما حرم من الميتة أكلها ))(2). # الحجة الثانية: قوله : (( أيما إهاب دبغ فقد طهر ))(3). وهذا عام في جميع ~~الحيوانات كلها. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله ~~يقول: (( أيما إهاب دبغ فقد طهر )) وروت عائشة (رضي الله عنها) عن النبي ~~أنه قال: (( دباغ الميتة طهورها ))(4). PageV01P423 # الحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أن الدباغ فعل لا تصاحبه الحياة فكان ~~مؤثرا في التطهير كالذكاة الشرعية، فأما الخنزير وجلد الإنسان فهما خارجان ~~عن هذه العمومات التي أوردناها، وعلى رأيه: الكلب داخل فيها كما قلناه، ~~وخروج جلد الخنزير عنده؛ لأنه لا جلد له، وخروج جلد الإنسان لأنه لا نفع ~~فيه، والعمومات مشيرة إلى الانتفاع به. # المذهب الثالث: أن جلود الميتات كلها تطهر بالدباغ إلا جلد الكلب ~~والخنزير وما كان متولدا منهما أو من أحدهما، وهذا هو رأي الشافعي، وحكاه ~~ابن الصباغ، والعمراني صاحب (البيان) عن أمير المؤمنين، وابن مسعود، فأما ~~جلد الإنسان فلأصحاب الشافعي فيه وجهان. # والحجة على ذلك: ما رويناه من العمومات التي أوردناها حجة لأبي حنيفة، ~~فإنها حجة لهما فلا حاجة إلى تكريرها، وخروج الكلب على رأيه بالقياس، وهو ~~أنه حيوان نجس في حال حياته فأشبه الخنزير، أو لأنه حيوان مستقذر في نظر ~~الشرع فلم يطهر جلده بالدباغ كالخنزير، وأبوحنيفة يعارض هذا القياس بقوله: ~~حيوان ينتفع به حال ms0180 الحياة، فطهر جلده بالدباغ عند الموت كالشاة والبقرة. # المذهب الرابع: أن الجلود كلها تطهر بالدباغ إذا ماتت، وهذا هو المحكي عن ~~داود من أهل الظاهر، ويروى عن أبي يوسف أيضا. # والحجة على ذلك: ما رويناه من الأحاديث العامة في طهارة جلود الميتة؛ ~~فإنها لم تخص شيئا عن شيء، ولا شك أن العموم ظاهر فيما كان دالا عليه ولا ~~يخص إلا بدلالة منفصلة. # المذهب الخامس: أنه يطهر بالدباغ جلود ما يؤكل لحمه، ولا يطهر جلود ما لا ~~يؤكل لحمه، وهذا شيء يحكى عن الأوزاعي وأبي ثور. # والحجة على ذلك: هو أن حديث شاة ميمونة إنما كان فيما يؤكل لحمه دون مالا ~~يؤكل لحمه، فلا جرم قصرناه عليه، ولأنها أكثر ما ينتفع بأهبها في العادة. PageV01P424 # المذهب السادس: أنه يطهر ظاهر الجلد بالدباغ دون باطنه، وعلى هذا تجوز ~~الصلاة عليه ولا تجوز فيه، ويجوز الانتفاع به في الأشياء اليابسة دون ~~الأشياء الرطبة. وهذا شيء يحكى عن مالك. # والحجة على ذلك: هو أن باطن الجلد هو الملاقي للنجاسة والمباشر لها عند ~~الموت، فلهذا لم يؤثر الدباغ في طهارته بخلاف ظاهر الجلد فإنه لم يلاق ~~نجاسة الميتة، فلا جرم أثر فيه الدباغ. # وحكي عن الزهري: أنه أنكر الدباغ، وقال: بأنه يجوز الانتفاع بجلود ~~الميتات على كل حال. فهذا تقرير المذاهب بأدلتها بحسب الوسع. # والحجة للزهري: حديث ابن عباس رضي الله عنه وهو أنه عليه السلام مر بشاة ~~ميتة فقال: (( ما على أهل هذه لو أخذوا إهابها فانتفعوا به ))(1). ولم يذكر ~~الدباغ ولا شرطه. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم من الصحابة (رضي الله ~~عنهم) والتابعين، من نجاسة الجلود في الميتة دبغت أو لم تدبغ. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حجتين: PageV01P425 # الحجة الأولى: ما روى جابر بن عبدالله عن النبي أنه قال: (( لا ينتفع من ~~الميتة بشيء )). فلما كان من الغد خرج فإذا نحن بسخلة مطروحة على الطريق، ~~فقال عليه السلام: (( ما كان على أهل هذه أن ينتفعوا بإهابها )). فقلت: يا ms0181 ~~رسول الله أين قولك بالأمس؟! فقال: (( ينتفع منها بيسير )). وأراد باليسير: ~~ما لا تحله الحياة كالشعر والضلف والقرن، فإن ما هذا حاله يكون طاهرا كما ~~سنوضحه بعد هذا بمشيئة الله تعالى. فظاهر هذه الأحاديث دالة على بطلان ~~الانتفاع من الميتة بشيء لأجل عمومها؛ كالآية التي تلوناها في تحريم ~~الميتة، وكالأخبار التي أوردناها. # الحجة الثانية: قياسية، وتقريرها أنا نقول: الميتة صارت نجسة لمعنى لا ~~يرفعه الدباغ، فوجب أن لا يطهر كجلد الخنزير عند أبي حنيفة والشافعي، ونحو ~~جلد الكلب على رأي الشافعي، ونحو جلد الإنسان على رأي أبي حنيفة. # وقولنا: لمعنى لا يرفعه الدباغ، تقرير لقاعدة القياس وهو: انتفاء الحياة ~~عنه؛ لأن ذلك هو السبب في نجاسة الميتة، وهو ملازم لعينها، فلا يزال بأمر ~~عارض وهو الدباغ، ومهما بقي الجلد فهو باق على النجاسة كالخمر فإنها لا ~~تطهر مهما كانت خمرا، بخلاف ما إذا انقلبت خلا، وكالنجاسة مهما بقيت عينها ~~فإن نجاستها باقية حتى تزول العين، وعين الجلد باقية على النجاسة بالموت ~~فلا تزول بما ذكروه من عارض الدبغ. # ويؤيد ما ذكرناه: هو أن الماء ورد مطهرا لجميع النجاسات كلها، والدباغ ~~ليس له هذه المزية فإنه قاصر عنه ولا يكون مطهرا إلا للجلد لا غير(1) فإذا ~~كان الماء لا يطهر جلد الميتة مع استيلائه على التطهير لجميع الأقذار ~~والنجاسات فالدباغ أحق وأولى بأن لا يكون مطهرا. PageV01P426 # ثم نقول: الذكاة في التطهير أقوى من الدباغ، ولهذا فإنها تؤثر في طهارة ~~الجلد واللحم وتؤثر في محلها وغير محلها، والدباغ لا يؤثر إلا في طهارة ~~الجلد لا غيره، ولا يؤثر في غير محله، ثم إن الذكاة في حق الميتة لا تطهر ~~جلدها، فالدباغ أحق بأن لا يطهره لما قررناه، ولا جلد حيوان غير مذكى، فوجب ~~تحريم الانتفاع به كما كان قبل التذكية. فهذه الأقيسة كلها متطابقة على ~~نجاسة جلد الميتة وإن كان مدبوغا وأن دباغه لا يؤثر في طهارته. # الانتصار على من خالفنا في هذه القاعدة إنما يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: ms0182 والأخبار التي رويناها عن عائشة (رضي الله عنها) وعن ابن عباس وعن ~~جابر، كلها دالة بعمومها على أن الدباغ مطهر، وهي ظاهرة في العموم، وهو ~~أدنى متمسك في حق المجتهد حتى يدل دليل على خلافه. # قلنا: هذه الأخبار معارضة بمثلها، ومهما كانت الأمارات الظنية متعارضة، ~~فلابد من الرجوع إلى الترجيح؛ لأن الترجيح تغلب على الظن قوته، ويصير كأنه ~~غير معارض، وأخبارنا قد ظهر ترجيحها من أوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن أخبارنا دالة على الحظر، وما أوردوه من أخبارهم فهو دال ~~على الإباحة، ولا شك أن الحاظر أحق بالاتباع من المبيح من جهة ما في الحاظر ~~من الاحتياط في الدين، وقد قال عليه السلام: (( دع ما يريبك إلى ما لا ~~يريبك)). وفي حديث آخر: (( المؤمنون وقافون عند الشبهات)). # وأما ثانيا: فلأن أخبارنا مؤرخة؛ لأنه قال قبل موته بشهر أو شهرين: (( لا ~~تنتفعوا من الميتة بشيء)). فهي دالة على التأخر وأخباركم مطلقة وظاهرها ~~التقدم، فلهذا تطرق إليها ظن كونها منسوخة، وما يظن كونه ناسخا فهو أحق ~~بالعمل عليه مما يكون منسوخا. PageV01P427 # وأما ثالثا: فلأن أخبارنا لم يخرج من عمومها إلا ما كان لا ينجس بالموت ~~كالقرن والضلف والشعر والصوف، فهو طاهر في حال الحياة والموت، فكان كالخارج ~~عن الميتة بخلاف عمومات أخباركم، فإنه قد خرج منها جلد الكلب والخنزير ~~والإنسان، وما هذا حاله فإنه يضعف العموم؛ لأنه إذا خرج هذا الجنس من ~~الجلود عن العموم بأدلة منفصلة، جاز إخراج جلد كل ميتة بأدلتنا ويبقى ~~متناولا لجلد ما ذكي، فإذا دبغ طهر عن الدم والفرث وسائر الأقذار التي ~~تتعلق به. # قالوا: إن الله تعالى قال: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا }[النحل:80]. ~~فأورد هذه الآية على جهة الامتنان، ولم يفصل بين المذكى منها وغير المذكى، ~~بل هي عامة في الأمرين جميعا، وهذا هو مطلوبنا. # قلنا: هذا فاسد لأوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأنه كما لم يفصل بين المذكى منها وغير المذكى، فهكذا لم يفصل ~~بين المدبوغ منها وغير المدبوغ، فيلزم جواز تطهير ما ليس ms0183 مدبوغا عملا على ~~عمومها وأنتم لا تقولون به، فالذي به خرج عن المدبوغ من العموم على زعمكم ~~يخرج عن المذكى على مذهبنا. # وأما ثانيا: فلأن (من) هاهنا دالة على البعضية، وهذا مسلم في أن بعض ~~الجلود يكون كنا لنا وهو ما كان مذكى فلا يكون فيه حجة لكم على ما زعمتم. # وأما ثالثا: فهب أنا سلمنا عموم هذه الآية على ما ادعيتموه، لكن قوله ~~تعالى: {حرمت عليكم الميتة}[المائدة:3] خاصة، فتكون هذه حاكمة على تلك ~~فيخرج ما تناولته هذه وهو تحريم الميتة، وتبقى الآية الأولى دالة على ما ~~عدا هذه الخاصة، وفيه حصول غرضنا من تحريم الميتة كلها. # قالوا: روت عائشة عن النبي : (( دباغ الميتة طهورها)). وهذا ظاهره القضاء ~~بأن الدبغ يطهر الجلد فلا حاجة إلى تأويله. PageV01P428 # قلنا: لو دبغ بالأشياء النجسة، أو دبغ بالطاهرة لكنها وقعت عليها نجاسة، ~~أليس لابد من تأويله بأنه إنما يطهر إذا دبغ بالأشياء الطاهرة دون الأشياء ~~النجسة؟ فقد خرجت هذه الصورة عما قالوه من العموم، فهكذا نقول: إنما يطهر ~~بالدبغ ما كان ميتا بالذكاة دون ما مات حتف أنفه، لأجل الدلالة كما أخرجتم ~~الأول بالدلالة فلا تفرقة بينهما. # قالوا: روي عن النبي أنه قال: (( دباغ الأديم طهوره )). وفي رواية ~~أخرى: (( يطهرها الماء والقرض )). # ووجه الدلالة: هو أنه لم يفصل بين أديم مذكى وغير مذكى. # قلنا: إن ادعيتم فيه العموم وجب أن يكون مخصوصا بأدلتنا، وإن ادعيتم أنه ~~لم يفصل بين مذكى وغير مذكى وجب تأويله على المذكى جمعا بين الدلالتين، ~~وهذه طريقة مستقيمة، أعني أنه إذا أمكن الجمع بينهما كان مستحبا من غير ~~حاجة إلى الحكم بتعارضهما، وقد تناكد في قبولها أبو إسحاق الشيرازي صاحب ~~(المهذب)، وزعم أنه لا حاجة إلى الجمع بينهما بل يحكم بتعارضهما إذا لم يكن ~~هناك ترجيح، أو ترجيح أحدهما على الآخر من غير حاجة إلى الجمع بينهما. # والمختار: هو أنه إذا لم يكن الجمع بينهما وموضعه الكتب الأصولية. # قالوا: في الدباغ فعل لا تصاحبه الحياة، فيجب أن يكون مؤثرا في ms0184 التطهير ~~كالذكاة الشرعية. # قلنا: نفرق بينهما ونقول: التطهير حصل في المذكى بنفس التذكية الشرعية ~~بدليل قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم }[المائدة:3]. ولم تسبقه نجاسة، بخلاف ~~الدباغ فإنه مسبوق بالنجاسة فلهذا لم يكن رافعا لها فافترقا. وسيأتي بقية ~~الكلام على ما يكون نجسا في أبواب النجاسات، وإنما ذكرنا ما يتعلق بالآنية ~~في الوضوء لا غير. # فأما الزهري: فلا يبعد أن تكون مقالته هذه مخالفة للإجماع من جهة أن ~~الأمة فيها على أقوال: # فمنهم من قال بنجاسة جلود الميتة على كل حال دبغت أم لم تدبغ. # ومنهم من قال بطهارتها إذا دبغت. PageV01P429 # ومنهم من قال بطهارة بعضها دون بعض، كما فصلناه من الخلاف في ذلك. # ولم نعلم أن أحدا من الأمة ذهب إلى طهارتها أجمع على كل حال؛ لأن ما هذا ~~حاله يؤدي إلى فوات الحق عن أيديهم وإلى ذهابهم عنه؛ لأن القول بطهارة جلود ~~الميتات من دون دبغ لم يصر إليه صائر منهم، فلهذا كان مخالفا للإجماع خارجا ~~عنه، لأن الصحابة (رضي الله عنهم) قد خاضوا في المسألة ولم يقل أحد منهم ~~بهذه المقالة. فأما تردد الفقهاء في إخراج بعض الجلود عن العموم، وإدخال ~~بعضها في العموم كإخراج الشافعي جلد الكلب، وإدخال أبي حنيفة له تحت عموم ~~الطهارة بقوله: (( أيما إهاب دبغ فقد طهر)). وإخراجهما جميعا لجلد الخنزير، ~~وإخراج من أخرج جلود ما لا يؤكل لحمه، وإدخال جلود مايؤكل لحمه، وكإخراج ~~مالك لباطن الجلود دون ظاهرها، فإنها كلها تصرفات في العموم بالإدخال ~~والإخراج بالأقيسة المعنوية والأمور العرفية، وهم إنما بنوها على صحة هذه ~~الأحاديث العامة، وتصرفهم فيها بالإدخال والإخراج وقد أبطلناها، فلا وجه ~~لتكرير الإبطال، فإن إبطالها قد اندرج تحت ما ذكرناه. # مسألة: الحيوان المأكول إذا ذبح على شرط الشرع في الذكاة فإنه يحل أكله ~~ويطهر جلده، ويجوز جعله مطهرة للماء، سواء دبغ أو لم يدبغ، عند أئمة ~~العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ولا يعرف فيه خلاف. # والحجة على ذلك: قوله تعالى:{فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا ~~}[الحج:36]. ms0185 ومعنى قوله تعالى: {وجبت جنوبها}: سقوطها. وليس سقوطها إلا ~~بالذبح والذكاة الشرعية. # فأما غير المأكول من الحيوانات، كالكلب والحمار وسائر السباع والخيل، فإن ~~ذكاته لا تؤثر في طهارة جلده، وهي ميتة، وينجس عند أئمة العترة، ونص عليه ~~الشافعي في (الأم). PageV01P430 # والحجة على ذلك: هو أنها ذكاة لا تبيح اللحم، فلا تكون مطهرة للجلد، دليله ~~ذكاة المجوسي، ولأن(1) المقصود من الذكاة هو الأكل، والطهارة تابع لأنها هي ~~التابع فإذا لم يكن المقصود حاصلا فالتابع له أولى لعدم الحصول. # وذهب أبوحنيفة ومالك إلى أن الذكاة يطهر بها جلد جميع ما لا يؤكل لحمه ما ~~خلا الخنزير والإنسان. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم}[المائدة:3]. فظاهر الآية دال ~~على أن كل ما حصلت في حقه [الذكاة] فهو طاهر وحلال أكله؛ لكن قام الدليل ~~الشرعي على كون لحمه حراما فبقي الدليل على طهارة جلده؛ لأن أحدهما منفصل ~~عن الآخر. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة. # والحجة عليه: ما ذكرناه ونزيد ههنا وهو أنه حيوان لا يؤكل لحمه فلم تكن ~~الذكاة مؤثرة في تطهيره كالخنزير، ولا حل اللحم طهارة الجلد، لأنه قد يؤكل ~~مع اللحم في المسموط(2)، فهو تابع له وقد اتفقنا على تحريم اللحم ونجاسته. ~~فهكذا حال الجلد يكون نجسا لا محالة، فإذا عمل من هذا الجلد النجس مطهرة أو ~~حوض فإنه ينظر فيه(3)، فإن كان متغيرا بالجلد فهو نجس باتفاق، وإن لم يكن ~~متغيرا فمن قال بأن القليل لا ينجس إلا مع التغير فإن ما هذا حاله يكون ~~طاهرا كما هو رأي القاسم ومالك، وهو الذي اخترناه من قبل، ومن قال بأن ~~القليل ينجس من غير تغير فإن كان دون القلتين فهو نجس على رأي الناصر ~~والمنصور بالله والشافعي وإن كان فوقهما لم ينجس. فأما إذا كان كثيرا فهو ~~لا ينجس بحال. # الانتصار: قالوا: الآية دالة على طهارته. PageV01P431 # قلنا: هذا فاسد، فإن قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم}[المائدة:3]. ورد عقيب ذكر ~~الحيوانات التي يحل أكلها، وعرض الموت من غير ذكاة، فظاهر الآية دال ms0186 على ~~تحريمها إذا ماتت من أجل تلك الأسباب، الخنق والوقذ(1) والنطح والتردي، ~~فهذا يكون حراما إلا ما أدرك بالذكاة الشرعية فلا حجة لكم فيه. # قالوا: الذكاة أقوى من الدباغ، من جهة أنها تفيد الطهارة في الجلد، ثم إن ~~الجلد قد طهر بالدباغ فتكون طهارته بالذكاة أحق وأولى. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنا لا نقول بطهارة الجلد بالدبغ فلا يلزمنا ذلك وقد مر ~~بيانه فأغنى عن الإعادة. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا طهارته بالدباغ كما هو على رأي الشافعي، فله ~~أن يقول: بل طهارة الدباغ أقوى؛ لأنه يزيل نجاسة حالة، والذكاة تدفع نجاسة ~~غير حالة، فالتأثير في الموجود بدفعه أقوى من التأثير في دفع مالم يكن ~~موجودا، وأيضا فإن الدباغ أوسع مجالا وتصرفا لعمومه، من جهة أنه لا يختلف ~~حاله في كونه مطهرا باختلاف حال من يدبغه، فلهذا لم يختلف حاله فيما يؤكل ~~وما لا يؤكل، بخلاف الذكاة فإنها تختلف حالها باختلاف حال المذكي من كفر ~~وإسلام، فلا جرم اختلف حالها بالإضافة إلى ما يؤكل وما لا يؤكل. # قالوا: ما طهر جلده بالدباغ طهر بالذكاة كالشاة. # قلنا: هذا لا يلزمنا وإنما يلزم الشافعي، وله أن يجيب بأن الشاة صادفت ~~الذكاة محلها فأثرت في طهارة الجلد كالذبح في المذبح، وفي هذا لم تصادف ~~الذكاة محلها فلم تكن مؤثرة في طهارته كالذبح في غير المذبح فافترقا، ولأن ~~ذبح الشاة يفيد المقصود وهو حل الأكل؛ فلهذا كان مفيدا للطهارة، وهذا الذبح ~~لا يفيد المقصود فلا جرم لم يكن مفيدا للطهارة كذبح المجوسي. PageV01P432 # فأما جلد الكلب فهل يطهر بالدبغ أم لا؟ فالذي ذهب إليه علماء العترة: أنه ~~لا يطهر كسائر الجلود. وقد قدمنا الكلام عليه وهو رأي الشافعي، وذهب ~~أبوحنيفة إلى طهارته بالدبغ. # والحجة على ذلك: هو أنه حيوان نجس في حال حياته، فلم يطهر جلده بالدباغ ~~كالخنزير، أو نقول: حيوان يغسل الإناء من ولوغه، فأشبه الخنزير، ولأنه ينجس ~~الماء بولوغه فيه، فكيف نجعل جلده مطهرة يتوضأ فيها؟ هذه مناقضة، وقد مضى ~~الكلام ms0187 على أهل الدباغ فلا نعيده. # مسألة: نهى رسول الله عن استعمال الآنية الذهبية والفضية في الوضوء ~~والأكل والشرب وغير ذلك من الاستعمالات، واعتمد هذا الخبر أئمة العترة، وهو ~~قول الفرق الثلاث: الحنفية، والشافعية، والمالكية. # والحجة على ذلك: ما روى حذيفة، قال سمعت رسول الله يقول: (( لا تلبسوا ~~الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في ~~صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة))(1). فنص على هذه الاستعمالات، ~~ثم قسنا عليها ما عداها من سائر وجوه الاستعمالات. # وحكي عن داود: أنه لا يحرم إلا الشرب فيها، وهو إنما قال بهذه المقالة ~~لإنكاره الأقيسة المعنوية المخيلة منها والشبهية، وعول على ظواهر الأحاديث ~~وجمد عليها من غير تعرض لمعانيها الرائقة وأسرارها المفيدة الفائقة، ومنكرو ~~القياس جهال لمحاسن الشريعة، عتاة عن(2) التطلع إلى دقائقها وأسرارها، قد ~~جمدوا على ظواهر فما أحرزوها ولا وصلوا إلى غايتها، ولا رعوها حق رعايتها. # وقد حكي عن ابن سريج أنه ناظره يوما وقال له: أنت لا تقول إلا بالظواهر. # فقال: نعم. # فقال: ما تقول في قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره }[الزلزلة:7،8]. فما تقول فيمن يعمل مثقال ذرتين؟ PageV01P433 # فقال له: الذرتان ذرة وذرة، فقد اندرج تحت الظاهر. # فقال له ابن سريج: فما تقول فيمن يعمل مثقال ذرة ونصف؟ # فتبلد ولم يجب بحلوة ولا مرة، والذي أوقعه في ذلك هو إنكاره للقياس ~~و[عدم] الاطلاع على دقائقه، والاحتواء على مكنون أسراره. # وهل يكون النهي عنها نهي تنزيه أو تحريم؟ والأقرب أنه نهي تحريم، وهو ~~[القول] الجديد للشافعي، وقال في القديم: إنه نهي تنزيه. # والحجة على ما قلناه: ما روته أم سلمة )، عن الرسول أنه قال: (( الذي ~~يشرب في آنية الذهب والفضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم ))(2). ويروى: ~~يجرجر، بفتح الجيم على فعل ما لم يسم فاعله، وبكسرها على ما سمي فاعله، ~~يقال: جرجر فلان الماء في حلقه، إذا جرعه جرعا لها صوت، والجرجرة: حكاية ~~ذلك الصوت، وجرجر الجمل ms0188 في هديره: إذا رده في شقشقته، قال الشاعر: # وهو إذا جرجر بعد الهب ... جرجر في حنجرة كالجب(3) # والجب: هو دن الماء. # وهل كان تحريم استعمال الآنية الذهبية والفضية لأجل الزينة والفخر ~~والخيلاء، أو لعين الذهب والفضة؟ فيه وجهان: PageV01P434 # أحدهما: أن ذلك من أجل العين، وهذا هو الذي تشير إليه الظواهر الشرعية. # وثانيهما: أنه من أجل الفخر والخيلاء؛ لأن استعمالها في الأكثر إنما هو ~~من أجل ذلك، وفائدة التوجيه الذي ذكرناه أنه لو اتخذ إبريقا، أو طاسا من ~~ذهب أو فضة، ثم غشاه بالرصاص أو بالنحاس. # فإن قلنا: إنه للفخر والخيلاء جاز ذلك، إذ لا فخر هناك ولا خيلاء؛ لأن ~~الذي يبدو منه هو الرصاص والنحاس. # وإن قلنا: إنه لأجل العين لم يجز استعمال ذلك؛ لأن العين حاصلة فيه. # وإن خالف النهي وتوضأ في الآنية الذهبية والفضية كان عاصيا، ولم يحرم ~~المأكول ولا المشروب، وصح وضوؤه؛ لأن المنع إنما كان لمعنى يعود إلى الإناء ~~لا إلى ما فيه، بخلاف ما إذا توضأ بماء نجس أو بماء مغصوب، فإن ذلك لا يصح ~~من جهة أن النهي راجع إلى معنى في الماء. # وإذا كان استعمالها حراما فهل يجوز اقتناؤها أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: [أنه] يجوز، لأنه إحراز لمال(1)، والشرع إنما ورد بتحريم ~~الاستعمال، والقنية ليست استعمالا. # وثانيهما: أنه لا يجوز، وهو المختار؛ لأن فيه نوعا من الخيلاء والزينة، ~~ولأن كل ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه واقتناؤه، كالملاهي، كالطنبور ~~والمزمار والربط(2). # فأما الآنية المتخذة من غير الذهب والفضة، كالياقوت والزمرد والفيروزج ~~والبلور، فهي نوعان: نفيس، وغير نفيس. # فالنفيس: ما ذكرناه من هذه الأحجار، فهل يجوز استعمالها أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا يجوز؛ لأن فيه سرفا وخيلاء فأشبهت الذهب والفضة. # وثانيهما: أنه يجوز؛ لأن السرف فيها غير ظاهر ولا يكاد يعرفها إلا الخواص ~~من الناس، فلا يكون استعمالها مؤديا إلى الفتنة والفخر. # فالأول: حكاه حرملة عن الشافعي. # والثاني: حكاه المزني. والأقرب هو الأول، لأنها في القيمة أغلى من الذهب ~~والفضة، ms0189 والفخر والخيلاء بها أكثر لا محالة. PageV01P435 # وأما غير النفيس، فينظر فيه، فإن كانت صيغة نفيسة كالآنية المخروطة من ~~الزجاج، والخشب، وأواني الصفر المنقوش، فهل يجوز استعمالها أم لا؟ فيه ~~الوجهان اللذان ذكرناهما في الأحجار النفيسة. # وإن كانت صيغتها غير نفيسة، أو كان ذلك متخذا من المدر جاز استعمالها ~~واتخاذها إذا لا سرف فيها ولا خيلاء. # فأما الآنية المتخذة من العنبر والكافور والعود الرطب، ففيها الوجهان ~~اللذان ذكرناهما في الياقوت والزمرد. # وإذا قلنا بتحريم استعمالها فهل يجوز اقتناؤها أم لا؟ # والمختار: أنه لا يجوز لما فيها من الفخر والخيلاء والسرف، وكل هذه ~~الأمور منهي عنها، فلهذا كان مكروها حراما؛ لأن أصحابها والمقتنين لها ~~ينسبون إلى التكبر والفخر والخيلاء فلهذا منع. # ويكره استعمال الآنية من النحاس والرصاص المطعمة بالذهب والفضة والمموهة ~~بهما، والتوضؤ فيها كالإبريق، والطشت، والدواة، والمكحلة، وغير ذلك من ~~الآلات، لما في استعمالها من الفخر والخيلاء، والتشبه بالأعاجم، والذهب أشد ~~كراهة من الفضة، لما روي عن النبي أنه قال في الذهب والحرير: (( هذان ~~حرامان على ذكور أمتي حل لإناثها ))(1). والتنزه عن جميع ذلك أفضل لقوله ~~عليه السلام: (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)). ولأن أدنى ذلك الوقوع فيما ~~كره الله ورسوله، وأعلاه الوقوع فيما حرم الله ورسوله، فلا حاجة إلى ما هذا ~~حاله، ولقوله عليه السلام: (( من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ))(2). # ويكره التوضؤ من الإناء المضبب بالذهب؛ لأن الضبة تكون على شرف الإناء ~~وربما شرب منها فيكون شاربا في آنية الذهب، ويكره التوضؤ منه لما فيه من ~~استعماله آنية الذهب. PageV01P436 # فإن دعت الضرورة إلى استعماله جاز ذلك، لما روي أن عرفجة بن أسعد ) أصيب ~~أنفه يوم الكلاب، بضم الكاف مخففا، يوم كان للعرب، وهو ما وقعت فيه حرب ~~عظيمة، فاتخذ أنفا من فضة فأنتن عليه، (( فأمره الرسول أن يتخذ أنفا من ~~ذهب ))(2). # فأما التضبيب بالفضة فهو واقع على أربعة أوجه: # أولها: يكون مباحا غير مكروه، وهو أن يكون قليلا للحاجة تدعو إليه، وهذا ~~نحو حلقة القدح ms0190 والقصعة وضبة الشفرة، والضبة التي تكون في قائم السيف ~~وقبيعته، وهي رأس القلة منه، لما روي أن حلقة قصعة رسول الله كانت من فضة، ~~وقبيعة سيفه كانت من فضة. # ومعنى قولنا: لحاجة، أي أن الحاجة داعية إليها وإن كان غير الفضة يقوم ~~مقامها من جهة أن الحاجة ربما تدعو إلى الفضة نفسها. # وثانيها: كثير للحاجة إليها، فيكون مكروها لكثرته، ولا يكون محرما لأجل ~~الحاجة إليه. وحد الكثير: أن يكون جزءا من الإناء كاملا من الفضة، نحو أن ~~يكون كل أسفله أو جميع أطرافه من فضة، أو يكون جنبه من فضة، فإن كانت الفضة ~~مستولية عليه كله فهو محرم لكونه استعمالا لآنية الفضة فلا يجوز التوضؤ منه ~~ولا استعماله بحال. PageV01P437 # وثالثها: قليل لغير حاجة، فلا يحرم لقلته ويكون مكروها لعدم الحاجة إليه، ~~وهذا نحو ضبة القلم فإن ما هذا حاله قليل مستغنى عنه. # ورابعها: كثير لغير حاجة، وهذا يكون محرما لعدم الحاجة إليه، وهذا نحو أن ~~تكون الأعمدة التي على ظهر الدواة من فضة أو تكون الأقلام فضة، أو تكون ~~الدواة ملبسة كلها من الفضة، فما هذا حاله يكون محرما؛ لكونه كثيرا لا تدعو ~~إليه حاجة ولا ضرورة. # وإن اتخذ سنا من ذهب أو فضة جاز ذلك، والذهب أولى من الفضة لما ذكرناه من ~~حديث عرفجة، ولأنه لا يصدأ ولا يبلى، فإن قطعت أصبعه لم يجز أن يجعلها ذهبا ~~ولا فضة لا تعمل عمل الأصبع من القبض والبسط فلم يكن فيها إلا مجرد الزينة ~~لا غير بخلاف الأنف فإنه لا عمل لها في القبض والبسط فلهذا جاز اتخاذها، ~~وإن قطعت أنملته جاز أن يعملها ذهبا أو فضة؛ لأنها تعمل عمل الأصبع في ~~القبض والبسط، فافترقا. PageV01P438 # ويستحب تغطية الآنية وإيكاء الأسقية، وإغلاق الأبواب، وتطفئة السراج عند ~~النوم، لما روي عن النبي أنه قال: (( خمروا آنيتكم وأوكوا قربكم )). ~~والإيكاء: هو ربط أفواهها لئلا يهراق ما فيها من الماء أو يدخل فيه شيء من ~~الحشرات. (( وأغلقوا أبوابكم لأن الشياطين لا تفتح بابا مغلقا ، وأطفئوا ms0191 ~~سرجكم لأن الفويسقة(1). ربما جاءت فسحبت الذبالة فأحرقت البيت)). فإن وجد ~~غطاء على الإناء وإلا عرض عليه عودا لما روي عن النبي أنه قال: (( فإن لم ~~تجد غطاء فلتعرض عليه عودا ))(2). لأنه إذا كان كذلك هابت الحشرات أن تقربه. PageV01P439 # دقيقة: اعلم أن جميع ما أوردناه في هذا الباب من الكلام في تنجيس الماء، ~~وإن لم يكن متغيرا، وما يجوز الوضوء به من ذلك وما لا يجوز، والكلام في ~~تحري الآنية عند الاشتباه فيها بين النجس منها والطاهر، والكلام في الآنية ~~التي يحرم استعمالها من أجل تنجيسها للماء وإن لم تكن مغيرة له، إنما كان ~~على رأي كثير من أئمة العترة وأكثر فقهاء الأمة في تنجيسهم للماء وإن لم ~~يكن متغيرا إذا كان قليلا، فأما ما حكيناه من ظاهر كلام القاسم بن إبراهبم ~~وهو المحكي عن مالك، ورأي الشيخ أبي حامد الغزالي وهو الذي اخترناه كما مر ~~تقريره، فلا وجه لهذه التفريعات من جهة أن المعيار الضابط لنجاسته إنما هو ~~تغيره لا غير، كما هو الظاهر من نصوصات الشرع وعمومات الأخبار الواردة في ~~الماء وأنه لا يكون نجسا إلا بغلبة النجاسة عليه واستيلائها على تغيير ~~أوصافه أو بعضها، فأما اتصال المطهرات به فلا تؤثر في تطهيره إلا إذا أزالت ~~عنه اسم الماء كالمرق، أو كان مزيلا لمطلق الماء عنه، نحو ماء الورد وماء ~~الشجر وغير ذلك مما يزيل مطلق الاسم عنه، وقد فصلنا من قبل وأتينا على جميع ~~هذه المسائل كلها وفصلناها، والله الموفق للصواب. PageV01P440 # --- ### || AUTO الباب الثاني: في بيان الأعيان النجسة وبيان كيفية إزالتها ~~وحكم مجاري الاجتهاد فيها # يقال: نجس الشيء - بالكسر -. ينجس.- بالفتح - مثل: علم يعلم، والمصدر ~~منه: نجسا، والاسم: النجاسة، ويقال: شيء نجس، مثل: حسن، ونجس مثل حذر، قال ~~الله تعالى: {إنما المشركون نجس}[التوبة:28]. أي: ذوو نجس. فوصفهم بالمصدر ~~مبالغة في وصفهم بالنجاسة، وجمعه: أنجاس. # واعلم أن هذا الباب قد اشتمل على بيان أعيان هذه النجاسات وإيضاحها ~~بالدلالة، وعلى كيفية إزالتها عند وقوعها، وعلى التنبيه على حكم مجرى ~~الاجتهاد ms0192 فيها. فهذه فصول ثلاثة قد اشتمل عليها هذا الباب نفصلها بمعونة ~~الله تعالى. PageV01P441 # --- ### ||| AUTO الفصل الأول: في بيان أعيان هذه النجاسات # مسألة: رجيع بني آدم نجس، وهو عبارة عما يخرج من أدبارهم. والرجيع: اسم ~~لكل ما يكون متراجعا، وسمي المطر: رجعا لتراجعة مرة بعد أخرى، وسميت الجرة: ~~رجيعا؛ لأنها ترجع إلى فم البعير بعد نزولها عنه، والأصل في إطلاق الرجيع ~~أن يكون حقيقة في كل ما كان يتردد كالجرة، لكنه أطلق على ما يخرج من أدبار ~~بني آدم على جهة المجاز؛ لأنه غير متراجع، ثم غلب حتى صار حقيقة فيه؛ لكونه ~~سابقا الى الفهم عند إطلاقه، كما كان في الغائط فانه يطلق حقيقة على المكان ~~المطمئن، وعلى قضاء الحاجة على جهة المجاز، ثم غلب في قضاء الحاجة حتى صار ~~حقيقة لسبقه إلى الفهم عند إطلاقه. # ونجاسته معلومة عند أئمة العترة وفقهاء الأمة لا يعرف فيه خلاف بينهم. # والحجة على ذلك: قوله لعمار رضي الله عنه(1): (( إنما تغسل ثوبك من ~~البول والغائط )).وسيأتي تقرير ما يعفى وما لا يعفى عنه في باب الاستنجاء ~~نفصله هناك بمعونة الله تعالى. PageV01P442 # مسألة: أبوال بني آدم كلها نجسة عند أئمة العترة، صغارا كانوا أو كبارا، ~~طعموا الطعام أو لم يطعموه، وهو قول الكافة من الفقهاء، إلا ما حكي عن داود ~~فإنه قال: إن بول الغلام الذي لم يطعم طاهر، وهذا القول قد حكي عن الشافعي ~~في أحد قوليه، وقد بحثت عنه في كتب أصحابه فما وجدت أحدا حكاه عنه، وغالب ~~ظني أن خلافه إنما هو في كيفية التطهير منه، وهو أنه يرش على بول الغلام ~~ويغسل بول الجارية، وأما طهارة البول فلم يؤثر عنه بحال . # والحجة على نجاسته: قوله : (( تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه ~~))(1). وقوله لعمار: (( إنما تغسل ثوبك من البول)). # والحجة لداود: هو ما رواه أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) عن النبي أنه ~~قال: (( يغسل الثوب من بول الصبية وينضح من بول الغلام ))(2). والنجاسة ~~إنما تطهر بالغسل دون النضح، فلما فرق ms0193 بينهما دل ذلك على أن بول الغلام ~~مخالف لبول الصبية، وليس ذلك إلا بكونه طاهرا؛ لأنه لوكان نجسا لفعل به كما ~~فعل ببول الصبية، وفي ذلك صحة ماقاله من طهارته. PageV01P443 # والمختار: ماعول عليه علماء العترة وفقهاء الأمة من نجاسته، لما تقدم من ~~الحجة، ونزيد هاهنا، وهو ماروي عن النبي أنه مر بقبرين فقال: (( إنهما ~~ليعذبان وما يعذبان بكبير ، كان أحدهما يمشي بالنميمة والآخر كان لايستنزه ~~من بوله))(1). ولأنه خارج من أحد سبيلي ابن آدم فكان نجسا كالسبيل الآخر. # الانتصار: قالوا: لو كان نجسا لأمر بغسله كما أمر بغسل بول الجارية. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلو كان طاهرا لكان لا حاجة إلى نضحه كما في سائر الأمور ~~الطاهرة. # وأما ثانيا: فلأن النضح هو خفيف الغسل، فالتفرقة بينهما إنما هو في خفة ~~النجاسة وثقلها لا في كونه طاهرا، ويجوز أن يكونا متفقين في التنجيس، وإن ~~كان أحدهما أدخل في النجاسة من الآخر، فلاجرم نضح أحدهما وغسل الآخر. # لا يقال: فهل يمكن أن يكون داود مخالفا للإجماع أم لا؟ # لأنا نقول: إن كان الصحابة (رضي الله عنهم) قد خاضوا في هذه المسألة، ~~وأفتوا بعدم التفرقة بينهما، فلاشك في كونه مخالفا للإجماع، وإن لم يكن من ~~الصحابة ولا من جهة التابعين خوض فيها فلا وجه لكونه خارقا للإجماع. # لا يقال: فهل يكون معدودا من علماء الشريعة مع إنكاره للقياس، وجموده على ~~الظواهر أو لا ينعقد إجماع من دونه؟ # لأنا نقول: قد قال فريق من علماء الأمة بأن منكري القياس لايعدون من ~~علماء الشريعة، وهم عوام بالإضافة إلى القائلين بالقياس الخائضين لغماره، ~~المحرزين لأسراره، ولايعد خلافهم، وهذا فاسد، فإن الحق أنهم معدودون من ~~جملة العلماء، ولاينعقد الإجماع ممن في عصرهم مع مخالفتهم، وكيف لا وقد ~~بلغوا منصب الاجتهاد وأحرزوا علومه، ولم ينكروا إلا العمل على المعاني ~~والأشباه في مواضع، وهذا لا يخرجهم من عدهم من جملة العلماء. PageV01P444 # مسألة: أبوال ما لا يؤكل لحمه نجسة عند عامة العلماء العترة، وهو محكي عن ~~محمد بن ms0194 الحسن وزفر والثوري، ومالك والأوزاعي، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. # والحجة على ذلك: ماروي عن النبي أنه قال لعمار: (( إنما تغسل ثوبك من ~~البول)). ولم يفصل بين بول وبول، وما خرج عن ذلك فإنما يخرج بدليل، وهكذا ~~بول الفأرة وبول الأوزاغ، وبول الخفاش، وبول الهر، كلها نجسة؛ ولأنه بول ~~خارج من أحد سبيلي مالا يؤكل لحمه، فكان نجسا كبول بني آدم. # وذهب إبراهيم النخعي إلى أن جميع الأبوال كلها طاهرة في حق البهائم، وحكي ~~عن داود أنه قال: الأبوال كلها طاهرة إلا بول بني آدم. # والحجة لإبراهيم: أنه بول حيوان لعابه وعرقه طاهران فكان بوله طاهرا ~~كالحيوان الذي يؤكل لحمه. # وأما الحجة لداود: فهو أن جميع الأبوال كلها هي الأمواء التي تشربها، ولم ~~يعرض لها إلاحصولها في أجوافها، ولم تدل دلالة على تنجسها في أجوافها، ~~فلهذا كانت باقية على الطهارة كما لوكانت موضوعة في الآنية، وبول بني آدم ~~خرج بالدلالة، وبقي ما عداه على أصل هذا القياس الذي قررناه. # والمختار: ماقاله علماء العترة وفقهاء الأمة من الحكم بنجاسته. # والحجة عليه: ما ذكرناه من قبل، ونزيد هاهنا، وهو أنه بول مستحيل إلى نتن ~~خارج من حيوان لا يؤكل لحمه كالكلب والخنزير، هذا رد على إبراهيم، أو نقول: ~~إنه بول مالا يؤكل لحمه، فوجب الحكم بنجاسته كبول بني آدم، هذا على داود، ~~ولأن أصلها جميعا على التقذير، أعني بول ما يؤكل لحمه ومالا يؤكل لحمه، ~~لكنا خصصنا بول مايؤكل لحمه بدلالة شرعية نذكرها بعد هذا، فبقي ماعداه على ~~حكم التقذير والنجاسة. PageV01P445 # الانتصار: ليس معتمدكم فيما قلتموه سوى القياس، وقياسنا معارض لقياسكم، ~~وترجيح قياسنا من جهة كونه دالا على الحظر، وقياسكم دال على الإباحة، فلا ~~جرم كان قياسنا أحوط فوجب الاعتماد عليه، ثم إنا نؤيده بالفرق، وهو أن ~~المعنى في الأصل: أنه حيوان يؤكل لحمه فافترقا، هذا على إبراهيم، وعلى داود ~~قال: إن الأصل أنها أمواء ودخولها في بطونها لا تنجسها. # قلنا: هذا خطأ فإنها لا تكون أبوالا إلا بدخولها في البطون، فما ms0195 ذكرتموه ~~يؤيد الحجة ويقررها، ثم إن هذا باطل بأبوال بني آدم؛ فإنها في الأصل طاهرة؛ ~~لكونها أمواء فسقط ما قاله. # مسألة: أبوال ما يؤكل لحمه وأرواثها طاهرة عند أئمة العترة، ومحكي عن ~~محمد بن الحسن، وزفر، ومالك، والأوزاعي، والزهري، والنخعي. # والحجة على ذلك: ماروى زيد بن علي، عن آبائه عن النبي أنه قال: (( ولا ~~بأس بأبوال الإبل والبقر والغنم ))(1). ولايريد بالتطهير له، إلا أنه لا ~~حرج في استعماله وإصابة الأثواب له ولا معنى له سوى ذلك. PageV01P446 # والحجة الثانية: ما روى البراء بن عازب ) عن رسول الله أنه قال: (( ما أكل ~~لحمه فلا بأس ببوله ))(2). # الحجة الثالثة: ماروى عبدالله بن الحسن ) عن النبى أنه قال: (( كل شيء ~~يجتر فلحمه حلال ولعابه وسؤره وبوله حلال))(4). ومعنى كونه حلالا أنها طاهرة. # وحكي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف أنها نجسة، وهو محكي عن ابن عمر، فأما ~~الشافعي فالظاهر من قوله أنها كلها نجسة، وحكى بعض أصحابه: طهارتها. # والحجة لهم على ماقالوه: قوله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم ~~مما في بطونها من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين}[النحل:66]. # ووجه الحجة: هو أن الله تعالى امتن علينا بأن أخرج لبنا طاهرا من بين ~~نجسين، الفرث والدم. PageV01P447 # والمختار: ماقاله علماء العترة ومن وافقهم لما ذكروه من الحجج ونزيد ههنا ~~حججا [ثلاثا]: # الحجة الأولى: ماروي عن النبي (( أنه طاف على جمل بالبيت)) ، فلولا أن ~~بوله وروثه طاهران لما طاف عليه مخافة أن ينجس المسجد. # الحجة الثانية: ماروى أنس بن مالك أن أناسا من عرينة قدموا على الرسول ~~فقال لهم: (( اخرجوا إلى إبل الصدقة فاشربوا من أبوالها وألبانها ))(1). ~~لأجل ما أصابهم من الوباء، فلو كان نجسا لما أمرهم بشربه. # الحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أنه مائع خارج على جهة الاعتياد من ~~مخرج معتاد من حيوان يؤكل لحمه، فوجب الحكم بطهارته كاللبن، أو خارج من ~~حيوان يؤكل لحمه فوجب أن يكون طاهرا كاللعاب والعرق. # الانتصار: قالوا: الآية دالة على ما نقوله. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما ms0196 أولا: فلأنه ليس في الآية ما يشعر بالطهارة والتنجيس فضلا عن أن ~~يقال: إنها دالة على ما تدعونه من النجاسة، وإنما هي دالة على مطلق ~~الامتنان لا غير، فما برهانكم على ما تقولونه؟ # وأما ثانيا: فلأن الامتنان حاصل بأن الله أخرج لنا لبنا خالصا سائغا ~~للشاربين من بين أمرين كل واحد منهما لايصلح أن يكون شرابا، وهما الفرث والدم. PageV01P448 # ثم نقول: لو استدللنا بهذه الآية على الطهارة لكنا أسعد حالا منكم، وبيانه: ~~أن الله تعالى وسط اللبن، بين الفرث والدم، وساق الآية على جهة الامتنان، ~~وتعظيم القدرة الباهرة، بأن أخرج هذا اللبن الخالص من هذين الأمرين اللذين ~~هما في غاية البعد من الغذاء وقوام الأجسام، فاقتران اللبن بهما فيه دلالة ~~على طهارتهما؛ لأن الشيء إنما يقترن بمثله وجنسه، وهذه الطريقه لانرتضيها، ~~خلا أن فيها غرضا، وهو معارضة الركيك بمثله في الركة والضعف، وهذا مثل ~~استدلال الشافعي على وجوب الترتيب في الوضوء، أن الله تعالى قد وسط ممسوحا ~~بين مغسولين، فدل على مراعاة الترتيب، فهكذا نقول: وسط اللبن بين الفرث ~~والدم، فدل على كونهما مثله في الطهارة، ولم أعرف أحدا من أصحاب الشافعي ~~استدل بهذه الآية على ما ذكرناه سوى العمراني صاحب (البيان)، فلهذا ~~أوردناها. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: (( تنزهوا عن البول )). وقوله لعمار: (( ~~إنما تغسل ثوبك من البول)). وقوله : (( أكثر عذاب القبر من البول )). فلفظة ~~البول عامة لكونها جنسا فتكون مستغرقة لجميع الأبوال، وهذا هو مقصودنا. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن اللام هذه للجنس، وإنما هي منصرفة إلى العهد؛ ~~لأن المعهود في هذه الأحاديث إنما هو بول بني آدم فيجب صرفه إليه لأن ~~الواحد إذا قال: فلان لايستنزه من البول، فإنما يعني بول نفسه فهو السابق ~~إلى الفهم فيجب حمله عليه. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا كونه جنسا لكنا نبني العام فيه على الخاص ~~فيخرج بأحاديثنا بول ما يؤكل لحمه، وتبقى أبوال ما لا يؤكل لحمه داخلة تحت ~~هذا العموم؛ فيكون عملا بالعام ms0197 في عمومه، والخاص في خصوصه، وهذه طريقة ~~مرضية بين الفقهاء والأصوليين؛ لأن فيها عملا بالدليلين جميعا. # قالوا: أخبارنا حاظرة، وأخباركم مبيحة، فيجب العمل على أخبارنا لكونها ~~أحوط في المنع. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: PageV01P449 # أما أولا: فلأنه إنما يترجح الحاظر على المبيح إذا كانا مستويين في كونهما ~~عامين أو خاصين، فإذا اختص أحدهما بالحظر كان راجحا لا محالة، فإذا كان ~~أحدهما عاما، والآخر خاصا فإن الحكم للمخصص لا محالة؛ لأن في ذلك عملا ~~عليهما جميعا بهذه الطريقة، وفي العمل على الحاظر إسقاط المبيح بلا مزية، ~~فلهذا كان العمل على المخصص أحق وأولى. # وأما ثانيا: فلأن في العمل على المبيح تخفيفا وتيسيرا ورفع الجناح، وقد ~~قال الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}[البقرة:185]. # قالوا: بول مستحيل إلى نتن، وفساد وقذر فأشبه بول بني آدم. # قلنا: هذا فاسد لأمور ثلاثة: # أما أولا: فبالفرق وهو أن بول ما يؤكل لحمه إنما كان طاهرا من جهة أن ~~لبنه طاهر، وبول ما لا يؤكل لحمه نجس لما كان لبنه نجسا فافترقا. # وأما ثانيا: فبالنقض على أبي حنيفة بذرق الحمام وسباع الطير، فإنها طاهرة ~~مع كونها قذرة ومستحيلة إلى نتن وفساد، وعلى الشافعي بالمني، فإنه مستحيل ~~إلى نتن وفساد ومع ذلك فإنه قضى بطهارته. # وأما ثالثا: فمن جهة القلب للعلة، وهو أنا نقول: إذا قالوا: بول مستحيل ~~فكان نجسا. # قلنا: حيوان فاستوى بوله ولبنه، وهذا من القلب المبهم، وهو مفسد للعلة ~~فيبطل ماتوهموه. # فأما أبوال الضفادع ففيه ثلاثة أوجه: # أولها: أنه يكون نجسا، وهذا هو رأي المؤيد بالله. # والحجة على ذلك: هو أنه حيوان لا يؤكل لحمه فكان بوله نجسا كبول بني آدم، ~~وهذا رأي أكثر الفقهاء أبي حنيفة والشافعي. # وثانيها: أن بولها طاهر، وهذا هو الذي ذكره السيد أبوطالب. # والحجة على ذلك: هو أنه حيوان لايعيش إلا في الماء فأشبه السمك في ذلك. # وثالثها: أنه مكروه، وهذا هو الذى حصله السيد المؤيد بالله من مذهب ~~الهادي. # والحجة على ذلك: هو أن البول معتبر ms0198 باللحم عنده، فإذا كان يكره لحمه ~~فبوله مكروه، حملا لأحدهما على الآخر. PageV01P450 # والمختار: الحكم بنجاسة بولها؛ لأنها ليست سمكا لمخالفتها له في الهيئة ~~والصورة، وبولها وإن كان نجسا، فلاينجس به الماء إذا كان قليلا؛ لأنه مما ~~يتعذر الاحتراز منه فعفي عنه. هذا على رأي من ينجس القليل من غير تغيير، ~~فأما على ما اخترناه من عدم نجاسة الماء القليل بالنجاسة إذا لم تغيره فهو ~~غير مغير له، فلا ينجسه بحال. # مسألة: ما لا يؤكل لحمه إما لحرمته كابن آدم، وإما لنجاسته كالكلب ~~والخنزير، وإما لمنع الشرع منه كالسباع، فأما أرواث بني آدم فقد قدمنا ~~الحجة على نجاستها فلا وجه للاعادة، وأما غيرهم ممن ذكرنا فهي نجسة عند ~~أئمة العترة، وفقهاء الأمة: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: ماروى عبدالله بن مسعود (رضي الله عنه) أن الرسول التمس ~~منه أحجارا ليستجمر بها، فأتاه بحجرين وروثة، فألقى الرسول الروثة، وقال: ~~(( إنها ركس ))(1). والركس: النجس. # الحجه الثانية: من جهة القياس، وهو أنه روث ما لا يؤكل لحمه فكان نجسا ~~كروث بني آدم. أو نقول: هو أن كل ما خرج من الآدمى وجب القضاء بنجاسته؛ ~~فإنه اذا خرج من البهائم التي لا يؤكل لحمها فهو نجس كالدم، أو لأنه خارج ~~من مسلك معتاد في سبيل ما لا يؤكل لحمه فكان نجسا كالآدمى. # فأما إبراهيم النخعي فلم يعرف له قول في طهارة أرواث ما لا يؤكل لحمه، ~~وإنما يحكى الخلاف في طهارتها عن داود، وقد قدمنا الكلام جميعا في طهارة ~~الأبوال والأرواث فأغنى عن تكريره. # والمختار: ماقاله علماء العترة ومن تابعهم من الفقهاء. PageV01P451 # والحجة على ذلك: هو ما تضمن من الاستقذار والنتن فأشبه رجيع بني آدم، وقد ~~قررنا كل ما بهما في الانتصار في المسألة الأولى، فأغنى عن الإعادة. # وهل يكون ذرق الدجاج، والبط، والأوز، طاهرا أو نجسا ؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه نجس، وهذا هو الذي عول عليه أكثر علماء العترة: ~~الناصر، والهادى، والمؤيد بالله، وإحدى الروايتين عن القاسم، وهو قول ~~الشافعي. ms0199 # والحجة على ذلك: هو أنه طعام أحالته الطبيعه والمعدة، فيجب القضاء ~~بنجاسته كالذي يخرج من بني آدم، أو نقول: متغير اللون والرائحه، فيكون نجسا ~~كالعذرة. # المذهب الثاني: أنه يكون طاهرا في نفسه، إلا أن يكون مختلطا بشيء، فانه ~~يكون نجسا لما خالطه لا من جهة نفسه. # والحجة على ذلك: هو أن لحمه مأكول، فكان ما يخرج منه طاهرا كالبقر ~~والغنم؛ لأن الخارج معتبر باللحم كما أشار اليه الشرع بقوله: (( ما أكل ~~لحمه فسؤره وبوله حلال )). # والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العتره من القول بنجاسته لما في ~~الخارج من الديكة، والدجاج، والبط، والطاووس، والأوز من القذر المشبه في ~~لونه وريحه ورقته، لما يخرج من أدبار بني آدم، فلهذا قضينا بنجاسته. # الانتصار: قالوا: قد تقرر في قواعد الشرع وتمهد في مطالبه، أن الخارج ~~معتبر باللحم، فاذا كان اللحم حلالا فالخارج طاهر لا محالة كما في ~~الحيوانات المأكولة كلها، فإن جميع مايخرج منها طاهر، فلهذا وجب أن تكون ~~هذه الحيوانات مردودة إلى هذه القاعدة في طهارة ما يخرج منها. # قلنا: هذه القاعدة لا ننكرها، لكنه عرض ماهو أخص منها، وهي المشابهة لما ~~يخرج من هذا الحيوان لما يخرج من بني آدم في تلك الخصال التي ذكرناها، ~~فلاجرم كان العمل على حكم المشابهه، أخص وأولى لا محالة. PageV01P452 # ومن وجه آخر: وهو أن العمل على نجاستها هو الأحوط في الطهارة، وأبعد عن ~~التلوث بالقاذورات مع ما أشار إليه الشرع من البعد عن ذلك حيث قال عليه ~~السلام: (( إن الله نظيف يحب النظافة وجميل يحب الجمال ))(1). # قالوا: لو كان نجسا لنزه منه المسجد الحرام وسائر الجوامع العظام، فإن ~~ذرق الحمام وغيرها من الطيور المأكولة حاصلة في المساجد، ولم يحكم ~~بنجاستها، وفي ذلك دلالة على ما قلناه من كونها طاهرة. # قلنا: إنما لم تنزه منه المساجد والجوامع العظام لتعذر الاحتراز منها، ~~وما تعذرالاحتراز منه رفع حكمه فى النجاسة كالأفواه، وغبار السرقين(2) في ~~الطرقات وغير ذلك، وأيضا فإن لم تكن المساجد منزهة لما ذكرناه من التعذر، ms0200 ~~وجب تنزيه اللباس والأبدان عن ذرقها؛ لكونه ممكنا، وفي هذا دلالة على كونه نجسا. # قالوا: كل ما استحال إلى غير نتن وقذر وجب الحكم بطهارته كالذي يخرج من ~~النحل من العسل. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنا لانسلم قياسهم على النحل فإنه قد قيل: إنها تعسل من ~~أفواهها، وقيل: إن الأمر في أمرها مبهم من الله تعالى فلا ندري كنه حالها ~~في ذلك ولانعرف حقيقتة، ولهذا روي أن سليمان بن داود عليه السلام أراد أن ~~يعرف حقيقة أمرها في العسل هل يخرج من أفواهها أو من أدبارها، فاتخذ آنية ~~من زجاج، وجعلها فيها لرقتها فيعرف حقيقة الأمر فيها، فلطخت وجه الآنية ~~بطين حتى أنه لم يعرف كيف تعسل العسل، فلا يصح الرد إليها. PageV01P453 # وأما ثانيا: فلا نسلم أن ما يخرج منها لا يستحيل إلى غير نتن، بل القذر ~~والنتن ملازم لما يخرج منها، ويعرف ذلك من خبر حالها في أبراج الحمام ~~وأماكن الدجاج التي تبيت فيها، فإن القذر فيها مستحكم في الرائحة الخبيثة ~~والنتن الظاهر، وتقذيرها للأماكن الطاهرة مما لا يخفى حاله، فحصل من مجموع ~~ماذكرناه: أن قياسها على النحل غير صحيح لما ذكرناه من جهة أن العسل طيب ~~خروجه من أفواهها فهو كالريق في طهارته وطيبه، وهذه الذروق كلها خارجة من ~~الأدبار، فأشبهت رجيع بني آدم، فبطل ماتوهموه. # مسألة: ذرق سباع الطير كالبازي والشاهين والصقر وغير ذلك، نجس عند أئمة ~~العترة، وهو قول الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنها حيوانات لا يؤكل لحمها، فوجب أن تكون ذروقها ~~نجسة كالآدمي، أو نقول: حيوان يستحيل ذرقه الى قذر ونتن فكان نجسا كالرجيع، ~~أو خارج من سبيل ما لا يؤكل لحمه، فكان نجسا كالغائط، وإلى هذا ذهب محمد بن ~~الحسن من أصحاب أبي حنيفة. # وحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنها لاتفسد شيئا، ولو كان فاحشا كثيرا، ~~وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: من صلى وعلى ثوبه ذرق من سباع الطير التي لا ~~يؤكل لحمها وهو أكبر من قدر الدرهم فإنها ms0201 تجزئه ولاتلزمه إعادتها. # والحجه على ذلك: ما يعلم من مطرد العادة من حصول ذرقها في الأماكن ~~الطاهرة كالجوامع والمساجد، ولم يعلم أن أحدا من العلماء في الأمصار ~~والأقاليم أمر بتطهير المساجد والجوامع من ذرقها ولا أنكره، وفي هذا دلالة ~~على أنها طاهرة، وقد قال عليه السلام: (( مارآه المسلمون حسنا فهو عند الله ~~حسن )). وهذا كاف في كونها طاهرة. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة، ومن وافقهم من فقهاء الأمة من القول ~~بنجاسته. # والحجة على ذلك: هو أنها ذروق أحالتها الطبيعة في البطون، فوجب القضاء ~~بنجاستها، دليله: العذرة، أو نقول: ذروق خبيثة في اللون والرائحة فكانت ~~نجسة كالغائط الذي يخرج من بني آدم. PageV01P454 # الانتصار: قالوا: اطرد في العادة أن العلماء لم يأمروا بغسل المساجد من ~~ذرقها مع علمهم بوقوعها فيها. # قلنا: إنما لم يأمروا فيها بالغسل ليس من أجل ظنهم بطهارتها، ولكن من جهة ~~عموم البلوى بها؛ فإنها لا يمكن الاحتراز منها، فلما تعذر الاحتراز منها ~~اغتفر الشرع نجاستها، فهذا هو السبب المانع من أمرهم بغسلها لا من جهة ~~الحكم بكونها طاهرة، ثم نقول: إنا لا نسلم أيضا أنهم ساكتون عن غسل ما ~~تفاحش من ذلك، وإنما السكوت عما كان قليلا يتعذر الاحتراز منه، فأما ماكان ~~كثيرا فلا يسقط الشرع حكمه ويجب غسله فافترقا، والسيد أبوطالب وإن كان قد ~~قال في ذرق الدجاج والبط ما قال من طهارته إذا لم يكن مخالطا للنجاسة، فإنه ~~لا يخالف هاهنا في نجاسة ذرق سباع الطير، وهكذا إحدى الروايتين عن القاسم ~~في ذرق الحمام وغيرها، فإنه لا يخالف هاهنا أيضا في النجاسة؛ لأن لحومها ~~غير مأكولة عنده، فهما لا يخالفان في نجاسة ما يخرج منها. # والانتصار عليهم فيما يوردون من الكلمات الدالة على ذرق الدجاج، يعود ~~هاهنا، وقد أبطلناه فلا حاجة إلى تكريره، والله أعلم بالصواب. # مسألة: والدماء الخارجة من الكلب والخنزير والميتة والكافر، كلها نجسة ~~عند أئمة العترة وفقهاء الأمة: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ~~وغيرهم من العلماء قليله وكثيره، ولا يعرف فيه خلاف ms0202 من جهة الصدر الأول من ~~الصحابة والتابعين (رضي الله عنهم) وإنما يحكى الخلاف عن بعض الفقهاء سنذكر ~~مقالته، ونظهر فسادها بمعونة الله تعالى. PageV01P455 # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم}[المائدة:3]. فهذا ~~عام، وقوله في حديث عمار: (( إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والدم))، ~~ولم يفصل بين دم ودم، فيجب القضاء بنجاسة كل دم إلا ما خصته دلالة على ~~حياله، ولأن الدم كاف في كونه نجسا؛ فكيف إذا كان متصلا بهذه النجاسات، ~~أعني: كونه كلبا وخنزيرا وميتة وكفرا، فهذه كلها مزيدة قوة في النجاسة ~~لامحالة. # وهل يكون دم السمك طاهرا أو نجسا ؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه طاهر، وهذا هوا المحكي عن السيدين أبي العباس وأبي ~~طالب وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن. # والحجة على ذلك: هو أنه يؤكل بدمه، فوجب الحكم عليه بالطهارة كالدم الذي ~~يبقى في العروق بعد الذبح؛ فإنها لما كانت تؤكل بدمائها دل على طهارتها. # الحجة الثانية: أنه لاينجس الماء بموته فلو كان دمه نجسا لكان ينجس الماء ~~بموته كالشاة وغيرها. # المذهب الثاني: أنه يكون نجسا، وهذا هو رأى المؤيد بالله وهو قول (ف) ~~وأحد قولي الشافعي وقوله الآخر: أنه طاهر. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم }[المائدة:3]. ~~وحديث عمار: (( إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والدم)). فهاتان دلالتان ~~على العموم لا يخرج عنهما خارج إلا بدلالة. # والمختار: ماقاله المؤيد بالله ومن وافقه في كونه نجسا ويدل عليه ماقدمنا ~~ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: قوله تعالى:{أو دما مس فوحا }[الأنعام:145]. وهذا من جملة ~~الدماء المسفوحة؛ لأنا لا نريد بالمسفوح إلا ما كان سائلا، وهذا مختص ~~بالسيلان لا محالة فيجب الحكم بتنجيسه. # الحجة الثانية: أنا نقول حيوان له دم سائل، فوجب كونه نجسا كسائر ~~الحيوانات كلها، أو نقول: دم سائل، فأشبه ما يسيل من الدماء. PageV01P456 # الانتصار: قالوا: يؤكل بدمه، فكان طاهرا كالعروق الباقية(1). # قلنا: هذا فاسد، فإنا لا نسلم أن فيه دما عند موته، فيقال: إنه يؤكل ~~بدمه، ولكنه يذهب، ولو كان ms0203 فيه دم لكان نجسا كدم الميتة من الحيوانات، ولكن ~~لما دل الشرع على أنه لاذكاة له فلهذا حكمنا بطهارته، وإن كان ميتا لأجل نص ~~الشرع عليه، ولكن كلامنا في الدماء اذا كان سافحا منه، ما يكون حكمه؟ # قالوا: لا ينجس الماء بموته. # قلنا: إنما لم ينجس الماء بموته لما كان لا ذكاة له؛ فلهذا لم يكن ميتة ~~بخلاف غيره من الحيوانات فإن له ذكاة في الحلق والنحر، فاذا لم يحصل واحد ~~منهما فهو ميتة، فلا جرم نجس الماء بموته فافترقا. # قالوا: جزء من أجزاء السمك فكان طاهرا كاللحم. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن ما يحكم بطهارته من السمك فهو مأكول بدليل قوله : (( أحل ~~لنا ميتتان ودمان ))(2). فالميتتان: السمك والجراد، والذى يؤكل هو لحمه دون ~~دمه، فلهذا لم يكن طاهرا. # وأما ثانيا: فبالفرق، وهو أن المعنى في الأصل، هو كونه مما يدخر ويقتات ~~بخلاف الدم فإنه لا يدخر ولا يقتات فلا يكون طاهرا. # قالوا: لو كان دمه نجسا لم يحل حتى يسفحه سافح كالشاة، فلما لم يحتج في ~~حل أكله إلى سافح دل على طهارته. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن حاجة الشاة إلى ذبحها ليسفح دمها من أجل ~~نجاستة فيلزم ما قالوه، وإنما كان ذلك لأجل الاستعجال لإزهاق الروح، والسمك ~~يموت بإخراجه من الماء، فلهذا لم يكن محتاجا إلى سفح سافح. PageV01P457 # وأما ثانيا: فلو كان طهارتها من أجل سفح الدم، لكان يلزم أنه لو ذبحها من ~~غير منحرها أن تكون حلالا، والأمر على خلاف ذلك، فسقط ماتعلقوا به، وصح أن ~~دم السمك نجس؛ لكونه سافحا سواء كان سائلا قبل موته أو بعده. # مسألة: البق والبراغيث والكتان، حيوانات لداغة للجسم تقع على الأجسام ~~فتمص الدم بمناقيرها وتمتلي أكراشها منه، فأما ما يخرج من أدبارها، فلا يقع ~~خلاف بين العلماء في طهارته؛ لكونه ذرقا خارجا عن صفة الدم في لونه وغلظه، ~~وإنما تردد الفقهاء وخلافهم إذا قصعت بعد مصها [للدم]، فهل يكون ما يخرج ~~منها من ms0204 الدم طاهرا أو نجسا فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه طاهر، وهذا هو المحكي عن السيدين أبي العباس وأبي ~~طالب، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: من جهة القياس، وهو أنه ليس بدم سائل فوجب الحكم بطهارته ~~كالدم الذى يبقى في العروق بعد الذبح، أو نقول: إنه غير سافح، فوجب أن لا ~~يحكم بنجاسته كالكبد والطحال؛ فإنهما في الأصل دمان، بدليل قوله : (( أحل ~~لنا ميتتان ودمان)). فأما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد ~~والطحال، فسماهما دما؛ لأن أصلهما من الدم، لكنه انعقد وصار جامدا على هذه ~~الكيفية، أو نقول: قد إتفقنا على أن موته في الماء لاينجسه فلو كان دمه ~~نجسا لنجسه كالشاه لما كان دمها سائلا فإنها تنجس الماء بموتها فيه. فهذه ~~حجج مناسبة تدل على طهارته. # المذهب الثاني: أنها نجسة. وهذا هو المحكي عن الشافعي، فأما المؤيد بالله ~~فلم يختلف قوله في دم البق أنه نجس إذا كان سافحا، وأما دم البراغيث فقال ~~أولا: إنه يكون نجسا. وقال آخرا: إنه يكون طاهرا. PageV01P458 # والحجة للمؤيد بالله والشافعي في نجاسة البق قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة ~~والدم}[المائدة:3]. وهذا عام في جميع الدماء إلا ماخرج عنه بدلالة، ولأنه ~~دم سائل فوجب أن يكون نجسا، دليله: دم سائر الحيوانات السافحة، أو نقول: ~~حيوان له دم سائل فوجب القضاء بنجاسته، دليله: جميع الدماء السافحة. فأما ~~تردد المؤيد بالله في البراغيث فوجه الحكم بنجاسته: هو أنه دم فأشبه سائر ~~الدماء السائلة، ووجه كونه طاهرا: هو أنه قد خرج بكونه في أكراشها عن صفة ~~الدم، فلهذا لم يكن نجسا. # فأما الكتان فلم يذكروه وأظنه غير واقع في ديارهم، وهو في معنى البق؛ ~~لأنه يغرس منقاره في الجسم ويمص الدم حتى يملأ كرشه، وله لدغ شديد أشد من ~~لدغ البق والبراغيث، وضرره أعظم في الإيلام والأذية، فلهذا كان الخلاف فيها ~~واحدا، فهذا تقرير هذه المذاهب بأدلتها. PageV01P459 # والمختار هاهنا: تفصيل نشير إليه، وتقريره أنا نقول: إن الشرع قد ورد دالا ~~على نجاسة الدم على جهة العموم ms0205 والإطلاق كقوله تعالى:{إنما حرم عليكم ~~الميتة والدم }[النحل:115]. إلى غير ذلك من الآيات المطلقة. وكالحديث ~~الوارد من طريق عمار وهو قوله: (( إنما تغسل ثوبك من الدم )). إلى غير ذلك ~~من الأخبار، وورد أيضا نجاسته على جهة التقييد، كقوله تعالى: {أو دما ~~مسفوحا}[الأنعام:145]. فقيد نجاسته بالسفح ولم يطلقه، فإذا كان الأمر فيه ~~كما قررناه وجب الجمع بين الأدلة، وحمل المطلق على المقيد، فلا ينجس من ~~الدم إلا ما كان سافحا، والسفح: الصب، من قولهم: سفح الماء إذا صبه، وسفح ~~الدم إذا سفكه، وأقل السفح ما جاوز محله؛ لأنه يكون سافحا لا محالة، فخرج ~~من هذا ما كان على حد رؤوس الإبر وحب الخردل، ولا يحرم أكله إلا ماكان ~~كذلك(1). فيخرج عن هذا الدم الذى يبقى في العروق بعد الذبح وعلى الحلقوم ~~عند الذبح، وعلى هذا يكون المعيار الضابط في الطهارة والتنجيس وحل الأكل ~~وتحريمه، إنما هو السيلان كما أشار إليه الشرع، وفيه وفاء بالجمع بين ~~الأدلة والعمل بها، ويؤيد هذا الاختيار، ماروى زيد بن علي عن آبائه عن ~~أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) أنه قال: خرجت مع رسول الله (( وقد تطهر ~~للصلاة فأمس إبهامه أنفه فإذا هو قد رأى دما فأعادها أخرى فلم ير شيئا وجف ~~في إبهامه، فأهوى بيده إلى الأرض فمسحها ولم يحدث وضوء ا ومضى إلى ~~الصلاة))(2). فهذا فيه دلالة على أنه إذا كان غير سافح لم ينجس وأن ما دون ~~السفح يكون يسيرا يعفى عنه، ولهذا فإنه لم يغسل يده ولا أنفه من ذلك الدم ~~فدل على طهارته، ولأنه لما تعذر الاحتراز منه رفع الشرع حكمه كما رفع كثيرا ~~من النجاسات لما تعذر الاحتراز منها. PageV01P460 # الانتصار: يكون على من قال: إنه طاهر على الإطلاق، وعلى من قال: إنه نجس ~~على الإطلاق، فهذان فريقان: # الفريق الأول: من قال: بطهارته مطلقا، كالسيدين: أبي العباس وأبي طالب، ~~وأبي حنيفة. # قالوا: دم غير مسفوح فأشبه الكبد والطحال في طهارتهما. # قلنا: هذا هو الذي نرتضيه مذهبا، أعني اشتراط السفح لنجاسته كما مر ms0206 ~~تقريره، وهو يرد إبطالا لما ذهب إليه الشافعي من نجاسته وإن لم يكن سافحا. # قالوا: حيوان لا ينجس الماء بموته فكان دمه طاهرا كالسمك. # قلنا: إن عنيتم أنه طاهر وإن سفح فهذا لا نسلمه، وقد قررنا الكلام في ~~نجاسة دم السمك لما كان سافحا، وإن عنيتم أنه إذا كان غير سافح فهو طاهر، ~~فهذا هو مرادنا ولا ننكره. # قالوا: حيوان تعظم البلوى به فرفع الشرع حكمه في النجاسة كالهر. # قلنا: إنما تعظم البلوى بوقوعه في الطعام والشراب، فأما قصع دمه فى الثوب ~~فلا يرفع الشرع حكمه إذا كان سائلا، فحصل من ذلك أنه إذا كان سافحا وجب ~~غسله من الثوب؛ لأنه يكون نجسا، ولا يرفع الشرع حكمه، وإن كان غير سافح فقد ~~رفع الشرع حكمه بالقلة فبطل الحكم على دمه بالطهارة بالإطلاق كما أردناه، ~~والله أعلم. # الفريق الثاني: الذين قالوا: بنجاسته على الإطلاق كما [هو] محكي عن ~~الشافعي وأصحابه. # قالوا: حيوان فكان دمه نجسا كالشاة والبقرة. PageV01P461 # قلنا: تعنون بكونه نجسا إذا لم يسل أو إذا كان سائلا؟ فالأول: ممنوع ~~لانسلمه: لأنه إذا كان غير سائل فهو غير سافح، والتنجيس إنما يتعلق بنص ~~الشرع بالسافح، والثاني: مسلم ولا يضرنا؛ لأن ما دون السفح فهو طاهر عندنا، ~~وأيضا فإنه لا فرج لكم في التعلق بالشاة والبقرة، فإن دمهما سافح باتفاق ~~بيننا وبينكم وهو نجس باتفاق، وإنما كلامنا إنما هو في غير السافح كالبق ~~والبراغيث، فإذن الخلاف يرتد في كونها عند قصعها دماؤها سافحة أو غير ~~سافحة، فإن كانت سافحة فهي نجس بلا مرية ولا تردد منا ومنكم، وإن كانت غير ~~سافحة فهي طاهرة، لكنا نقول: إن دماء هذه الحيوانات غير سافحة فهي طاهرة، ~~وأنتم تزعمون أنها سافحة وأنها نجس، فإذن الخلاف مردود إلى ماذكرناه. والله أعلم. # قالوا: دم فوجب أن يكون نجسا كما لو كان سائلا. # قلنا : المعنى في الأصل كونه سائلا، فالسيلان وصف في العلة التي للنجاسة ~~فلا ينبغي إهمالها وهو الأصل في التنجيس كما سبق تقريره. فأما السيد الامام ~~المؤيد ms0207 بالله، فلم يختلف قوله في نجاسة دم البق لما كان سافحا، وإنما اختلف ~~كلامه في البراغيث، فمرة قال: بأنها طاهرة، ومرة قال: بأنها نجسة، وكلامه ~~في تردد نظره إنما تعويله على السفح وعدمه، فحيث كان السفح حاصلا فالنجاسة ~~متحققة، وحيث عدم السفح فالطهارة متيقنة، وحيث جاز عدمها ووجودها فالتردد ~~واقع، فعلى قدر ما يغلب من الظن عن الأمارة الشرعية يكون الحكم فيها كما في ~~غيرها من المسائل الخلافية والأنظار الفقهية. # مسألة: ودم الأوزاغ والحلم وما يكون في معناها في الخلقة والصورة، نجس ~~عند أئمة العترة، وفقهاء الأمة: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالك. PageV01P462 # والحجة على ذلك: هو أن هذه الحيوانات كلها دماؤها سافحة والسافح نجس. وإنما ~~قلنا: إن ما هذا حاله من الحيوانات فدماؤها سافحة فهذا ظاهر، فإنا لا نعني ~~بالسفح إلا ماكان سائلا ودماؤها سائلة عند قتلها وجرحها، وإنما قلنا: إن كل ~~ماكان سائلا فهو نجس، فهذا هو قول أئمة العترة وفقهاء الأمة لا يختلفون في ~~ذلك، أعني أن كل ماكان سائلا سافحا من الدماء فهو نجس، ويدل على ذلك حجج ~~[ثلاث]: # الحجة الأولى: قوله تعالى: {إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا}[الأنعام:145]. وأقل السفح هو السيلان كما مر تقريره. وقوله تعالى: ~~{حرمت عليكم الميتة والدم}[المائدة:3]. # الحجة الثانية: حديث عمار وهو قوله : (( إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول ~~والدم )). # والحجة الثالثة: القياس على دم الحيض بجامع كونه دما سائلا فوجب القضاء ~~بنجاسته كدم الحيض فإنه لا خلاف يؤثر في نجاسة دم الحيض وإنما يؤثر الخلاف ~~في غيره من الدماء مما يكون سائلا منها، هل يكون طاهرا أو نجسا؟ PageV01P463 # وحكي عن الحسن بن صالح: أن جميع الدماء السافحة كلها طاهرة إلا دم الحيض، ~~فلم يستثن من الدماء إلا ماذكرناه من دم الحيض لاغير، والحسن هذا كان له ~~تقدم وفهم وإليه تنسب فرقة من الزيدية يقال لها: الصالحية، وهم مخالفون ~~للجارودية من جهة أن الجارودية لا يحسنون الظن في أبي بكر وعمر، والصالحية ~~يتولو نهما ويقولون بإمامتهما، والحسن هذا هو صهر ms0208 عيسى بن زيد ). هربا من ~~المهدي ) وطلبهما فلم يقدر عليهما وماتا بالكوفة (رحمهما الله تعالى). # والحجة له على ما قاله، هو أن الدم خارج أعماق البدن، فلم يكن نجسا ~~كالريق والدمع والعرق، وغيرها من الفضلات. # والمختار: ماعول عليه أئمة العترة، وفقهاء الأمة من الصحابة والتابعين. # والحجة لهم: ما أوردناه لهم على نجاسته، ونزيده ههنا، وهو أن الاجماع ~~منعقد من جهة الصدر الأول ومن بعدهم من التابعين إلى زمن الحسن بن صالح، أن ~~ما كان من الدماء سائلا فإنه يكون نجسا لا محالة، فما خالف هذا الإجماع وجب ~~القضاء ببطلانه وفساده. PageV01P464 # الانتصار: قالوا: الدماء رطوبات حاصلة في البدن، فكانت طاهرة كالدمع ~~والبصاق وغيرهما. # قلنا: هذا فاسد، فإن المعنى في تلك الرطوبات أنها إنما كانت طاهرة من أجل ~~أنها غير مستحيلة، بخلاف الدماء فإنها رطوبات مستحيلة، فأشبهت في الاستحالة ~~البول والغائط، وغيرهما مما يكون مستحيلا. # قالوا: الآيات الدالة على تحريم الدماء إنما هي دالة على تحريم أكلها لا ~~أنها دالة على نجاستها، وأحدهما بمعزل عن الآخر، ولهذا عقب ذكر الدم ~~بالأشياء المأكولة كما في قوله [تعالى]: {حرمت عليكم الميتة ~~والدم}[المائدة:3]. وقوله تعالى: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا}[الأنعام:145]. # فنقول: إنه يحرم أكله، ولكنه طاهر؛ فإن المعنى بكونه نجسا هو أنه لا ~~يلابس الصلاة، وتحريم الأكل مخالف لهذا المعنى. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن لفظ الدم في الآيتين عام في جميع وجوه الاستعمال من أكل ~~وملابسة، فلا يجوز تخصيصه من غير دلالة تدل على ذلك. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا ماذكروه في الآية؛ لكن الأخبار دالة على كونها ~~نجسة كخبر عمار، وهو قوله: (( إنما تغسل ثوبك من البول والدم)). وهذا نص في ~~مقصودنا وغرضنا. # قالوا: دم سائل فكان طاهرا كدم السمك. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنا نمنع الأصل، ونقول: إن دم السمك السائل نجس وقد مر ولا نعيده. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا طهارة دم السمك كما هو ms0209 مذهب بعض الأئمة ~~والفقهاء، فالتفرقة بينهما ظاهرة؛ فإنه يؤكل بدمه ولا ينجس الماء بموته، ~~بخلاف ما سال من الدماء من الحيوانات، فإنه لا يكون له هذا الحكم بحال، ~~فافترقا، فتنخل من مجموع ما ذكرناه نجاسة كل ماسفح وسال من الدماء كلها. # مسألة: إذا تقرر هذا فهل يكون ما دون السافح طاهرا أو نجسا ؟ فيه مذهبان: PageV01P465 # المذهب الأول: أنه يكون طاهرا، وهذا هو رأى القاسم والهادي، ومحكي عن ~~السيدين: أبي العباس وأبي طالب، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {أو دما مسفوحا}[الأنعام:145]. فشرط الله في ~~تحريم أكله أن يكون مسفوحا، فدل على أن ماكان السفح [فيه] فهو مخالف له في ~~الحكم، وإذا لم يحرم أكله فهو طاهر لا محالة. # الحجة الثانية: حديث زيد بن علي (( أن الرسول أدخل يده في أنفه فأخرج ~~عليها دما ثم أعادها مرة أخرى فلم ير شيئا فمسح يده بالأرض ولم يعد وضوءا ~~ولم يغسل يده)). وفي هذا دلالة على كونه طاهرا؛ لأنه لو كان نجسا لغسل يده ~~ولتوضأ، وإنما لم يكن نجسا لما كان غير سائل. # الحجة الثالثة: هو أن ما هذا حاله لما كان الاحتراز منه متعذرا وتلحق ~~المشقة في قليله، فلأجل هذا حفف الشرع الأمر في نجاسته لعظم البلوى به كما ~~خفف الشرع حكم النجاسة في موضع النجو على رأي الفقهاء وكما رفع حكم ~~النجاسات في صور كثيرة، فتقرر بما ذكرناه كونه طاهرا. # المذهب الثاني: أنه نجس معفو عنه وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن ~~الشافعي. # والحجة [الأولى]: الآيتان اللتان ذكرناهما في التحريم حيث قال: {حرمت ~~عليكم الميتة}[المائدة:3]. وقوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة ~~والدم}[النحل:115]. ولم يفصل هاهنا بين قليله وكثيره، وخروج القليل بدليل ~~خاص لا يمنع من اندراجه تحت العموم لكنه خرج بدليل، وهذا هو مرادنا بكونه ~~نجسا لكنه عفي عنه. # الحجة الثانية: خبر عمار، وهو قوله : (( إنما تغسل ثوبك من الدم ~~والبول)). ولم يفصل بين قليله وكثيره، فدل ذلك على (أن) قليله موصوف ~~بالنجاسة كما كان في ms0210 الكثير. PageV01P466 # الحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أن كل ما كان كثيره نجسا فقليله مثله في ~~النجاسة كالبول والغائط والخمر وسائر النجاسات، ولأنه دم فوجب القضاء بكونه ~~نجسا كالكثير منه وهذا تقرير الدلالة على المذهبين جميعا. والله الموفق. # والمختار: ماقاله المؤيد بالله ومن تابعه عليه من العلماء. # والحجة على ذلك: ما أوردناه في الاستدلال لهم ونزيد ههنا، وهو أن الأدلة ~~الدالة على نجاسة الكثير منه مسترسلة على جميع الأجزاء وما خرج منه فإنما ~~خرج بدلالة منفصلة وليس يكون مندرجا تحت العموم إلا والنجاسة شاملة لجميع ~~أجزائه كما في قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين }[التوبة:5]. ثم قال:{وإن أحد ~~من المشركين استجارك }[التوبة:6]. فهو وإن خرج بدلالة فالشرك شامل له، ~~ولأنه مائع خرج من البدن يتعلق به نقض الطهارة فوجب أن يستوي فيه حكم قليله ~~وكثيره في النجاسة، دليله: البول. أو نقول: يجب غسل الثوب منه للصلاة، ~~فاستوى فيه القليل والكثير كدم الحيض والاستحاضة حيث قال عليه السلام: (( ~~حتيه ثم اقرصيه ولا يضرك بعد ذلك أثره )). ولم يفصل بين قليله وكثيره فهذه ~~الأدلة قاضية باستواء القليل والكثير فيه، والله أعلم. # الانتصار: قالوا: شرط الله في تنجيسه السفح، فقال: {أو دما ~~مسفوحا}[الأنعام:145]. فإذا لم يكن مسفوحا فلا نجاسة لعدم الصفة، وهذا هو ~~مرادنا بطهارة ما قل منه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكروه استدلال بمفهوم الصفة، ومفهوم الصفة كمفهوم ~~اللقب في عدم الدلالة، فإذا قلت: جاء زيد لم يدل هذا الكلام على عدم مجيء ~~عمرو، وهكذا إذا قلت: جاءني زيد الكريم، فليس دلالة على عدم مجيء البخيل، ~~وعلى ذلك يكون قوله تعالى: {أو دما مسفوحا}[الأنعام:145]. فإذا أطلق ~~النجاسة على السفح لم يكن دالا على التطهير عند عدم السفح، فما قالوه ليس ~~فيه دلالة على ماتوهموه. PageV01P467 # وأما ثانيا: فلأن الآية من أولها إنما سيقت من (أجل) بيان المأكولات لا من ~~أجل بيان التطهير والتنجيس، ولهذا قال الله تعالى في أولها: {قل لا أجد ~~فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه}[الأنعام:145]. وكلامنا إنما ms0211 هو في ما ~~يكون طاهرا من الدماء وما يكون منها نجسا فأحدهما بمعزل عن الآخر. فكونها ~~مسوقة من أجل بيان المأكولات يضعف الاستدلال الذي ذكرتموه. # قالوا: فعل الرسول في إدخال يده أنفه وإخراج الدم عليها ولم يعد لها غسلا ~~ولا وضوءا، فيه دلالة على طهارته. # قلنا: ليس في هذا الحديث إلا أنه لم يغسل يده ولا أعاد وضوء ا، وهذا لا ~~يدل على كطهارة مالم يسفح من الدم؛ لأن ما هذا حاله معفو عنه لقلته ، فلهذا ~~لم يغسل يده ولم يعد وضوء ا فهو نجس خلا أنه قليل معفو عنه، وهذا مسلم لا ~~ننكره، وأيضا فإنه لم يصرح بطهارته فيكون فيه دلالة لكم على ما تزعمون من ~~طهارة القليل، ثم إنا نقول: إن رد يده إلى أنفه مرة ثانية فيه دلالة لنا ~~على نجاسته؛ لأنه لو أعادها فخرج عليها دم كثير كان الكل سواء في التنجيس ~~ونقض الطهارة، وفي هذا دلالة على ما قلناه من نجاسة ما لم يسل منه لكنه عفي عنه. # قالوا: إن ما هذا حاله، لما كان تعظم البلوى به، خفف الشرع فجعله طاهرا ~~لتعذر الاحتراز منه. # قلنا: تخفيف الشرع فيه هو أنه أسقط حكمه في الغسل ونقض الطهارة به لا في ~~كونه نجسا، فهذا هو الذي وقع فيه النزاع، فد لوا عليه لتصح دعواكم فيه. PageV01P468 # واعلم أن التفرقة بين مذهب الإمامين: الهادي والمؤيد بالله في ذلك ظاهرة، ~~وهو أن الهادي لا يفتقر إلى تقدير مايعفى عنه من ذلك؛ لأنه طاهر عنده، ولا ~~عفو فيما كان طاهرا، وأما المؤيد بالله فإنه يفتقر إلى تقدير ما يعفى عنه ~~لما كان نجسا عنده فلابد من التفرقة بين مايعفى عنه منه وما لا يعفى، فهذه ~~هي ثمرة الخلاف بينهما في ذلك وهما متفقان على كونه غير ناقض للطهارة ولا ~~يجب غسله إذا لم يكن سائلا. # مسألة: الحيوان الذي له نفس سائلة، هو الذي إذا ذبح سال دمه عن موضع ~~الذبح كالشاة، والبقرة، والحمامة، والدجاجة، وما أشبهها، لأن النفس هي ~~الدم، ms0212 والحيوان الذي لا نفس له سائلة هو الذي إذا ذبح لم يسل دمه عن موضع ~~ذبحه كالذباب والزنبور والجراد وغير ذلك من الحيوانات التي لا نفوس لها، ~~فهذا هو مراد الفقهاء بقولهم في الحيوان: له نفس أو لا نفس له. # فإذا عرفت هذا فالذي ذهب إليه أئمة العترة، وأكثر الفقهاء: أبوحنيفة ~~وأصحابه، ومالك، والشافعي في أحد قوليه أن جميع هذه الحيوانات التى لا نفوس ~~لها سائلة لا تنجس بالموت ولا تكون منجسة للطعام بموتها فيه. # والحجة على ذلك: ماروى زيد بن علي، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (كرم الله ~~وجهه) أن الرسول ، أتي بجفنة قد أدمت فوجد فيها خنفساء وذبابا فأمر بهما ~~فطرحا ثم قال: (( سموا وكلوا فإن هذا لا يحرم شيئا ))(1). وهذا عام في جميع ~~الحيوانات كلها التى وصفناها، في كل المائعات. # الحجة الثانية: قوله : (( إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فامقلوه فإن في ~~أحد جناحيه داء والآخر شفاء، وإنه ليقدم الداء علىالشفاء )). ولم يفصل هناك ~~بين مقل متلف ومقل غير متلف فلو كان ينجس المائع بموتة لفصل بينهما. # الحجة الثالثة: من جهة القيا س، وهو أنه حيوان ليس له دم سائل ولا نفس ~~سائلة فلا ينجس الماء بموته فيه كدود الخل وكدود التفاح والسمك والجراد. PageV01P469 # وحكي عن الشافعي أنه ينجس بالموت، قولا واحدا، وهل يكون منجسا للطعام؟ فيه قولان. # والحجة له على ماقاله: هو أنه حيوان لا يؤكل بعد موته لا لحرمته، فيجب أن ~~يكون نجسا بالموت كما لو كانت له نفس سائلة. # وقولنا: لا لحرمته. نحترز به عن ابن آدم فإن عنده أنه لا ينجس بالموت. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم من علماء الأمة، ويدل على ~~ذلك ماحكيناه عنهم ونزيد ههنا، وهو مارواه سلمان الفارسي ) عن الرسول أنه ~~سئل عن إناء فيه طعام أو شراب فيموت فيه ماليس له نفس سائلة، فقال: ((هو ~~الحلال أكله وشربه والوضوء منه))(2) ولأن ما هذا حاله تعظم به البلوى ويشتد ~~به الحرج لوكان ينجس الطعام بموته، فيجب أن ms0213 يكون حكمه مرفوعا في التنجيس ~~لقوله تعالى: {وماجعل عليكم في الدين من حرج }[الحج:78]. وقوله تعالى: ~~{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}[البقرة:185]. واليسر ورفع الحرج ~~لا يكونان إلا بطهارته فيجب القضاء بها. PageV01P470 # الانتصار: قالوا: نتلوا الآية وهي قوله تعالى: {حرمت عليكم ~~الميتة}[المائدة:3]. وهذا عام في كل ميتة فيجب أن يكون نجسا في نفسه منجسا ~~لما وقع فيه. # قلنا: ليس في الآية إلا أنه يحرم أكلها ونحن نساعدكم على ذلك وليس كلامنا ~~فيه، وإنما كلامنا في أنه لا ينجس في نفسه، ولا ينجس ما وقع فيه من ~~المائعات، وما هذا حاله لانسلم تناول الآية له. # قالوا: حيوان محرم اللحم فموته في الماء مفسد له كالكلب والخنزير. # قلنا: قولكم محرم اللحم، وصف عديم التأثير؛ لأن الشاة لو ذبحت في الماء ~~لأفسدته بدمها ومع ذلك فإنه لايحرم أكلها فبطل جعله وصفا من أوصافها، ثم إن ~~التفرقة بينهما ظاهرة، فإن المعنى في الأصل هو أن لها دما مسفوحا بخلاف ما ~~نحن فيه فافترقا. # ثم إنا نقلب عليهم إذا قالوا: حيوان له دم سائل، فوجب أن لا يختلف حلاله ~~وحرامه في أن موته في الماء يفسده. # فنقول: حيوان لا دم له سائل فيجب أن لا يختلف حاله في كونه غير مفسد ~~للماء كالسمك والجراد، وكذلك ما حرم أكله مما لا دم له سائل لا يفسده أيضا ~~كالذباب والزنبور، وهذا من باب قلب التسوية، وهو مفسد للعلة؛ لأن أصلهم ~~الشاة والبقرة في استواء الحلال والحرام لهما في إفساد الماء،، وأصلنا ~~السمك والجراد فيما يؤكل لحمه والذباب والزنبور فيما لا يؤكل لحمه في كونها ~~غير مفسدة للماء. # قالوا: حيوان لا يؤكل بعد موته لا لحرمته فيجب كونه منجسا للماء كما لا ~~يؤكل لحمه. PageV01P471 # قلنا: قولكم: لا يؤكل بعد موته، تحترزون به عن السمك والجراد فإنهما يؤكلان ~~بعد موتهما وهذا جيد، ولكن قولكم: لا يؤكل لا لحرمته، وصف عديم التأثير؛ ~~لأنكم إنما ذكرتموه تحترزون به عن الآدمى فإنه لا يؤكل لحرمته ومع ذلك فإن ~~وقوعه في ms0214 الماء لاينجسه إذا مات فيه، لأن من مذهبكم أن الآدمي لا ينجس ~~بالموت فلأجل هذا قلنا: إن قولكم لا لحرمته عديم التأثير لا معنى له فإن ~~ذكره يفسد العلة ويبطلها، ثم إنا نقول: إن ما ذكره الشافعي في تعليل تنجيس ~~ماليس له دم سائل، قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه مخالف للإجماع، فإن ما هذا ~~حاله من الأقيسة فإنه لا يعول عليه لفساد وصفه واعتباره. قال ابن المنذر ): ~~ولا أعلم أحدا قال: إنه ينجس الماء بموته فيه إلا الشافعي، وعن أبي بكر ~~الرازي ) أنه قال: إن الشافعي قد خالف الإجماع في تنجيس الماء بموت ما لا ~~دم له سائل، وما هذا حاله من الأقيسة يكون باطلا لا جريان له في الأحكام ~~الشرعية والفتاوى الفقهية. قال العمراني في (البيان): وإذا قلنا: لا ينجس ~~الماء بموت ما لا دم له سائل فإنه قول عامة الفقهاء، وحكي عن أكثر أصحاب ~~الشافعي أنهم PageV01P472 قالوا: إنه الأصلح للناس. # مسألة: تشتمل على فروع على هذه القاعدة التي تقدمت وجملتها خمسة: # الفرع الأول منها: الحيوان الطاهر غير الكلب والخنزير إذا مات فإنه ينظر ~~فيه، فإن كان مما ليس له نفس سائلة فإنه طاهر كما مر بيانه لحديث سلمان: (( ~~كل طعام وشراب ماتت فيه دابة ليس لها نفس سائلة )).. الخبر، وقد قدمناه. # وإن كان له نفس سائلة كالحوت على اختلاف أنواعه فهو طاهر، لقوله عليه ~~السلام: (( أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: الحوت والجراد، والدمان: ~~الكبد والطحال)). فإن قطع من السمك قطعة وبقيت السمكة حية فهل يحكم بطهارة ~~تلك القطعة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها تكون نجسة لقوله عليه السلام: (( ما أبين من الحي فهو ميت ~~))(1). ولم يفصل. # وثانيهما: أنها تكون طاهرة؛ لأن ميتة السمك طاهرة، وهكذا حال الجراد إذا ~~قطع يكون فيه الوجهان. # والمختار: هو الحكم بطهارة تلك القطعة المبانة، لأن المحذور أن تكون ~~ميتة، وقد دل الشرع على جواز أكل ميتة هذين النوعين بجملته فضلا عن قطعة من ~~أبعاضه، فلهذا فارق غيره من سائر الحيوانات عند الإبانة، لما ms0215 ذكرناه. # وإن كان غير الحوت فهو نجس كسائر الحيوانات التي لها دم سائل، لقوله ~~تعالى: {حرمت عليكم الميتة}[المائدة:3]. PageV01P473 # الفرع الثاني: القيح والصديد والمدة(1)، نجسة؛ لأنها دماء استحالت إلى نتن ~~وفساد، فإذا كان الدم نجسا كما مر بيانه فهذه تكون أولى، وأما المكو(2) وهو ~~الذي يلحق الأيدي والأرجل عند شدة الاحتراك والاعتمال فتظهر نفخات منها ~~بماء غير متغير، فهل يكون ماؤها نجسا أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها نجسة؛ لأنها تلحق الجسم عن فساد وتغير فأشبهت القيح. # وثانيهما: أنها طاهرة؛ لأن ما فيها ماء غير متغير فأشبه العرق والدمع، ~~وهذا هو المختار، وهو الذي ذكره الإمام الحقيني وأبو مضر، والأول ذكره من ~~أصحابنا: الشيخ علي خليل، والقاضي أبو إسحاق. # والحجة على ما اخترناه: أن ماءها رقيق صاف حصل من فضلات الجسم، فهي ~~بالعرق أشبه. # وذرق الحوت والجراد طاهران عندنا، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي؛ ~~لأن ميتتهما طاهرة ولحمهما طاهر، فيجب أن يكون الذرق طاهرا إلحاقا له ~~باللحم من غير فرق. PageV01P474 # الفرع الثالث: البلة التي تكون في فروج النساء، ينظر فيها فإن كانت مختصة ~~بلون أبيض فهي نجسة، ويقال له: القذا، وفي الحديث: (( كل فحل يمذي، وكل ~~أنثى تقذي ))(1). أي: يخرج منها القذا، وإن لم يكن له لون نظرت، فإن كان ~~مختصا بريح خبيث فهو نجس أيضا على المذهب، وهو أحد قولي الشافعي، وله قول ~~آخر: أنه طاهر. # والمختار: هو الأول؛ لأنه صار متغير الريح فأشبه القيح، وإن كان لا لون ~~له ولا ريح فهل يكون طاهرا أو نجسا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها تكون نجسة؛ لأنها رطوبة خارجة من مخرج الحدث فأشبهت البول. # وثانيهما: أنها تكون طاهرة؛ لأنها بلة لا ريح لها فأشبهت العرق. # والمختار: طهارتها من أجل رقتها وصفائها وعدم تغيرها فهي بالريق والعرق ~~أشبه، ولأنها من فضلات البدن لا يلحقها تغير فأشبهت الدمع. # الفرع الرابع: العلقة والمضغة هل يكونان طاهرين أم لا؟ فيهما وجهان: # أحدهما: أنهما طاهران؛ لأنهما دمان غير مسفوحين فأشبها الكبد والطحال. # وثانيهما: أنهما دم خارج من ms0216 الرحم فهما كالحيض والاستحاضة. # والمختار: هو الأول، لأنهما قد خرجا عن صفة الدم، ولأنهما أحد أطوار ~~الخلقة الآدمية فصارا كالعظم واللحم. # والمشيمة، وهي التي تكون وعاء للولد في بطن أمه، نجسة إذا انفصلت لقوله ~~عليه السلام: (( ما أبين من الحي فهو ميت)). PageV01P475 # والدم الذي ينعقد على رأس الجرح طاهر؛ لأنه قد صار لتصلبه من جملة الجلد، ~~ولو قطع لتألم الحي؛ لأنه لاتصاله به أجري مجراه. # والدم الذي يبقى في العروق بعد ذبح البهائم طاهر يؤكل مع اللحم والمرق ~~لاتصاله به، فعفي عنه لما تعذر الاحتراز منه. # والماء الأصفر الخارج من الأنف طاهر؛ لأنه ليس دما فلهذا لم يكن نجسا كالدم. # الفرع الخامس: لما كان الدم معظم البلوى فيه لكثرة معالجته وعلاجه في بني ~~آدم والبهائم وسائر الحشرات، لا جرم خفف الشرع حكمه، وعفي عن قليله، وكان ~~يجري الرخصة فيه لما ذكرناه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر}[البقرة:185]. وقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج }[الحج:78]. # ومن هذه القاعدة نعلم أن مبنى الشرع وقاعدته على التساهل في الطهارات ~~وخفة الأمر فيها، وأن خلاف ذلك مجانب لأمر الشريعة وحكمها، ومن قرع سمعه ما ~~كان من ممارسة الرسول لأهل الشرك في الآنية والطعامات واللباس، وعرف سيرة ~~الصحابة (رضي الله عنهم) وغيرهم من التابعين وتابعيهم في حال من يعاشرون من ~~الأطفال والعبيد والنسوان وعوام الخلق، تحقق ما قلناه من سهولة أمر ~~الطهارة. # واختلف(1) في مقدار ما يعفى من الدم، فمرة قال: مثل رؤوس الإبر وحب ~~الخردل، وتارة قدر الدرهم. PageV01P476 # وأما الهادي فقد جعل العفو منه ما كان دون القطرة وهو الذي لا يسفح فإنه ~~طاهر، وهو المختار كما مر تقريره، وليس في الحقيقة عفو؛ لأنه طاهر عنده ~~بخلاف المؤيد بالله، فإن العفو متحقق فيه؛ لأنه نجس عنده فعفي عن ما ذكره، ~~فإن وقع الشك في هذا القدر وجب غلسله؛ لأن الأصل هو الحظر، والإباحة ~~والرخصة إنما تعلقا بهذا القدر لا غير، وإن وقع الشك في كونه ms0217 قطرة لم يجب ~~الغسل؛ لأن الأصل هو الطهارة على رأيه. والحظر إنما وقع فيما تحقق حاله من ~~القطرة. # وأما الشافعي فقد حكي عنه أقوال ثلاثة: # أما أولا: فيعفى عن دم القمل والبراغيث. # وأما ثانيا: فقال في القديم: يعفى عنه إذا كان دون ملء الكف. # وأما ثالثا: فحكي عنه: مثل الدراهم والدنانير. # فكله نجس عنده إلا ما ذكرناه من هذه المقادير، وجميع ما ذكرناه من العفو ~~في الدماء على اختلاف هذه المذاهب، فهو جار في القيح والصديد والمدة وما ~~جرى مجراها لاستوائها جميعا في عظم البلوى بها، وشدة علاجها في جميع ~~الحيوانات كلها. # والمختار من ذلك: ما قررناه من قبل، من أن تعليق النجاسة إنما هو بالسفح ~~كما أشار إليه الشرع بقوله: {أو دما مسفوحا}[الأنعام:145]. فأما ما عداه ~~فهو باق على حكم الطهارة كما هو رأي الهادي، فأما ما يعفى عنه من النجاسات ~~فسنذكره في آخر الباب. # مسألة: الآدمي غير الكافر، طاهر في حال الحياة؛ عرقه وسؤره ولعابه، وهل ~~ينجس في حال موته أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكون نجسا، وهذا هو رأي القاسم بن إبراهيم والهادي ~~وأولادهما، ومحكي عن السيدين الأخوين: المؤيد بالله وأبي طالب وغيرهم من ~~أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ومالك، وأحد قولي الشافعي، ولهم ~~على ذلك حجج [ثلاث]: PageV01P477 # الحجة الأولى: قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة}[المائدة:3]. ولم يفصل في ~~ذلك بين ميتة وميتة، في ترك الاستعمال والملابسة لها إلا ما قام عليه دليل، ~~والتحريم إنما يتعلق بالأفعال دون الأعيان. # الحجة الثانية: ما روي أن حبشيا وقع في بئر زمزم فأمر ابن عباس وابن ~~الزبير بنزح مائها، فلولا أنه نجس وإلا لكان الأمر بالنزح لا فائدة فيه. # الحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أنه ميتة غير مذكى له دم سائل، فوجب ~~كونه نجسا كسائر الميتات. # المذهب الثاني: أنه طاهر، وهذا شيء يحكى عن الشافعي في أحد قوليه، له قول ~~آخر مثل مذهب أصحابنا. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم }[الإسراء:70]. ومن ~~الكرامة ms0218 أن لا يكون نجسا بعد موته. # الحجة الثانية: قوله : (( المؤمن ليس ينجس حيا ولا ميتا )). # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن وافقهم على ذلك. # والحجة لهم: ما حكيناه عنهم؛ ونزيد ههنا: وهو أن حيوان فارقته الحياة على ~~جهة الابتداء من غير سبب، وله دم سائل فوجب كونه نجسا كسائر الميتين. # قولنا: فارقته الحياة ابتداء، نحترز به عن الشهيد فإنه طاهر محكوم عليه ~~بالطهارة ولهذا لم يحتج إلى غسل والشهادة في حقه قائمة مقام غسله. # وقولنا: وله دم سائل، نحترز به عما ليس له دم سائل فإنه طاهر كما مر ~~بيانه، ومن وجه آخر وهو أن الموت مؤثر في النجاسة، فلا يجوز رفع هذه ~~القاعدة إلا بدلالة، وما تذكرونه في طهارته معرض للاحتمال فلا ترفع به ~~القواعد المعلومة. # الانتصار: بإبطال ما جعلوه عمدة لهم في طهارته. # قالوا: قد كرم الله بني آدم كما أخبر ومن الكرامة طهارتهم بعد الموت وأن ~~لا يكونوا أنجاسا. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: PageV01P478 # أما أولا: فلأنه ليس في الآية لفظ عموم فيكون حجة لكم على ما ذكرتموه، ~~وإنما أخبر بأنه قد كرمهم، ومتى حصلت خصلة واحدة في الإكرام صدق عليه قوله ~~تعالى: {ولقد كرمنا}. فمن أين أن ما ذكرتموه هو المراد من الآية؟ # وأما ثانيا: فلأنا نقول: الكرامة إنما هي في الحقيقة بالعقل والتكليف ~~وإرسال الرسل، وحفظ الملائكة، والإجلال والتعظيم بالحمل في البر والبحر ~~والرزق كما أشار إليه في الآية، فأين هذه الخصال الكريمة عما ذكرتموه من ~~النجاسة بالموت؟ # وأما ثالثا: فلأن الغرض بالإكرام ما يكون في حال الحياة من تلك ~~الإكرامات؛ لأنها لا تكون إلا متعلقة بالحياة دون الموت، والإكرام بالطهارة ~~إنما يكون بعد الموت فلا يكون مرادا بالآية فبطل ما توهموه. # قالوا: روى ابن عباس: (( لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن ليس ينجس حيا ولا ~~ميتا)). وهذا نص فيما نريده. # قلنا: قد ذكرنا أن الموت مؤثر في النجاسة، وهذه قاعدة معلومة لا سبيل إلى ~~رفعها، فإذا ورد ما يعارضها من الظواهر الشرعية وجب تأويله، ms0219 وخبر ابن عباس ~~رضي الله عنه له تأويلان: # أحدهما: أن يكون المراد منه، لا تعرضوا موتاكم لمباشرة النجاسات، والتضمخ ~~بها، والتلبس بمخالطتها، فإن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا نجاسة لا تطهر ~~بالغسل، بل إذا غسلت عنه النجاسة المتصلة به كان طاهرا كما كان في حال ~~الحياة. # وثانيهما: أن يكون المراد من الخبر تفاوت حاله لحال الكافر، وتميزه عنه ~~بإن الكافر نجس في حال الحياة وحال الموت، كما قال تعالى: {إنما المشركون ~~نجس}[التوبة:28]. بخلاف المؤمنين فإنهم ليسوا أنجاسا، في حال الحياة وحال ~~الموت على مثل نجاسة الكفار، بل إذا غسلوا بعد الموت طهروا، بخلاف الكافر ~~فإن غسله لا يزيده إلا نجاسة بعد الموت؛ لأنه لا يصلى عليه، فأورد الحديث ~~تفرقة بين حال المؤمن وحال الكفار؛ لأن الغرض هو الحكم بطهارته بعد موته ~~فسقط ما قالوه. PageV01P479 # قالوا: آدمي فارقت جسمه الحياة فلا يكون نجسا كالشهيد. # قلنا: المعنى في الأصل هو مفارقة روحه لجسمه بسبب هو القتل شهيدا، فلهذا ~~كانت الشهادة قائمة مقام الغسل ففارق حاله حال الموت. # مسألة: مشتملة على فروع عشرة: # الفرع الأول: إذا غسل الميت فهل يطهر بالغسل أم لا؟ فالذي أشار إليه ~~السيد أبو طالب أنه يكون طاهرا، وهذا هو رأي أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحكي ~~عن مالك، والشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنه لا فائدة في التعبد بغسله إلا أنه يصير في حكم ~~الطاهر، ولهذا فإنه يصلى عليه، فلو كانت النجاسة بالموت باقية فيه لما جازت ~~الصلاة عليه. وذهب سائر العترة إلى أنه لا يعود طاهرا بالغسل. # والحجة على ذلك: هو أن النجاسة إنما حصلت فيه بالموت فهي أمر غير مفارق، ~~وليس يطهر بالغسل إلا ما يصح مزايلته كالنجاسة المنفصلة، فأما ما كانت ~~نجاسته ذاتية فلا تطهر بالغسل كالكلب والخنزير وغيرهما مما نجاسته عينية. # والمختار: ما قاله السيد أبو طالب، ويدل عليه ما ذكرناه عنه، ونزيد وهو ~~أن الطهارة والنجاسة إنما هما حكمان شرعيان متلقيان من جهة خطاب الشرع، ~~ويجب الاحتكام لما قاله في موارد الشرع ومصادره. ms0220 # فنقول: قد دل الشرع على نجاسة الميتة فلهذا قضينا بنجاسة الميت لأجل ~~الموت، فإذا ورد الشرع بوجوب غسله دل ذلك على أنه يعود طاهرا بالغسل، وإلا ~~فلا فائدة في الأمر به وإيجابه، فيكون في حكمنا بطهارته بالغسل عملا بموجب ~~الدليلين معا، وتوفيرا عليهما ما يقتضيه حكمهما من ذلك، فلأجل ذلك حكمنا ~~بطهارته بالغسل بعد الحكم بنجاسته بالموت. # الانتصار: قالوا: النجاسة فيه عينية فلا يعود طاهرا بالغسل كالكلب ~~والخنزير. # قلنا: ما تعنون بكون نجاسته عينية؟ تريدون أنه لا يطهر من غير غسل؟ فهذا ~~مسلم ولا نزاع فيه، أو تريدون أنه لا يطهر وإن غسل فهذا لا نسلمه وفيه وقع ~~النزاع، فلم لا يجوز أن يعود طاهرا بعد غسله؟ PageV01P480 # قالوا: لو عاد طاهرا بالغسل لجاز أن يعود الكلب والخنزير طاهرين إذا غسلا ~~ولا قائل بهذا القول، فبطل أن يكون غسله موجبا لطهارته. # قلنا: التفرقة بينهما ظاهرة، فإن نجاسة الكلب والخنزير لم يرد الشرع ~~بأنها تزول بالغسل ولا ورد الشرع بغسلهما بحال، فدل ذلك على أن النجاسة ~~باقية فيهما وأن الشرع لم يلحظ فيهما الطهارة أصلا بخلاف المسلم إذا غسل ~~بعد موته، فإنه لما ورد الشرع بغسله بان لنا أن الطهارة في حقه ملحوظة بنظر ~~الشرع وحكمه، وتحقق ما ذكرناه من كون الطهارة في حق المسلم ملحوظة شرعا ~~جواز الصلاة عليه، والصلاة من حكمها الطهارة فيما يصلى فيه وعليه وطهارة ~~الجسم والمكان والأثواب كما سنوضحه، فسقط ما قالوه، والله أعلم. # الفرع الثاني: إذا انفصل من جسم ابن آدم عضو من أعضائه في حال حياته فهل ~~يكون طاهرا أو نجسا؟ فالذي عليه علماء العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ~~ومالك، وأحد قولي الشافعي أنه نجس. # والحجة على ذلك: قوله : (( ما أبين من الحي فهو ميت) ). وحكي عن الشافعي ~~قول آخر: أنه يكون طاهرا، عملا على أنه لا ينجس بالموت فتصير ميتته طاهرة ~~كانفصال ما ينفصل من السمك والجراد في حال حياته. # والمختار: ما قاله علماء العترة ومن وافقهم، وهو الأصح من قولي الشافعي ~~لما ms0221 قررناه من أنه ينجس بالموت، ثم إنا لو سلمنا ما زعموه من طهارته عند ~~الموت فالحكم بالطهارة إنما تثبت لجملته دون أبعاضه. # الفرع الثالث: ذهب علماء العترة إلى أن لبن الميتة نجس، وهو محكي عن ~~الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنه مائع غير الماء لاقى نجاسة فوجب الحكم عليه ~~بالنجاسة، كما لو حلب في إناء لطخ بالبول والعذرة، وذهب أبو حنيفة وأصحابه ~~إلى أنه طاهر. PageV01P481 # والحجة لهم على ما قالوه: وهو أنه إنما يتصل بوعاء اللبن الحاصل في الضرع ~~وليس فيه حياة فينجس بملاقاة ما انفصلت عنه الحياة وإنما ينجس وعاء اللبن ~~بملاقاة الميتة فهو حائل بين الميتة واللبن فلهذا كان طاهرا. # والمختار في ذلك تفصيل: وهو أنه إن صح أن اللبن حاصل في إناء غير الضرع ~~الميت فهو طاهر كما قاله السيد أبو طالب؛ لأنه غير مجاور للميتة، وإنما ~~جاور ما جاور الميتة، وإن كان حاصلا في الضرع نفسه كما قال المؤيد بالله ~~بالمجاورة وهو رأي الشافعي وإذا كان الأمر كما قلناه، ارتفع النزاع في ~~المسألة وصارت وفاقية. # الانتصار: بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: مائع لاقى النجاسة فكان نجسا. # قلنا: إذا كان وعاء اللبن أمرا مخالفا للضرع فلا شك في طهارته، فلا نسلم ~~الملاقاة للنجس، وإن كان الملاقي هو الضرع نفسه من غير وعاء فهو نجس لا ~~محالة، فإذن الخلاف في المسألة ربما كان لفظيا على التفصيل الذي ذكرناه. # الفرع الرابع: إنفحة الميتة نجس عند أئمة العترة وهو قول الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن الإنفحة بكسر الهمزة وفتح الفاء بنقطة من أعلاها ~~وحاء مهملة: هو شيء أصفر يكون في كرش الجدي مالم يأكل الشجر واتصاله ~~بالنجاسة ظاهر، فلهذا كان نجسا، دليله سائر رطوبات الميتة من دمها وفرثها، ~~يؤخذ فيفت على الجبن فينعقد به، فما كان مأخوذا من الميتة فهو نجس لما ~~ذكرناه من الاتصال بها، وذهب أبو حنيفة إلى طهارته. PageV01P482 # والحجة له على ذلك: هو أن الرسول خرج إلى غزوة الطائف فأتوه بالجبن، فقال ~~عليه السلام: (( أين ms0222 يصنع هذا))؟ فقالوا له: بأرض فارس، فقال عليه السلام: ~~(( اذكروا اسم الله عليه ثم كلوا ))(1). ولا شك أن ذبائح المجوس نجسة؛ ~~لأنها ميتة، فظاهر الخبر دال على طهارة الإنفحة؛ لأن جبنهم لا ينعقد جبنا ~~إلا بها. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم على ذلك. # والحجة على ذلك: ما قدمناه؛ ونزيد ههنا وهو أن الإنفحة نازلة منزلة أعضاء ~~الميتة في كونها متصلة بالميتة، فلهذا حكمنا بنجاستها كنجاسة أعضاء الميتة. # الانتصار: قالوا: الحديث دال على طهارة الإنفحة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا الحديث منسوخ بقوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه }[الأنعام:121]. ولا شك أن المجوس ليسوا أهل كتاب عندنا، ~~فذبائحهم تكون ميتة لا محالة فلهذا كان منسوخا. # وأما ثانيا: فلأن المجوس قد قيل: إنهم لا يذبحون لأنفسهم، بل كان يذبح ~~لهم اليهود والنصارى وهم أهل كتاب، ومن منع من ذبائح المجوس لم يمنع من ~~ذبائح أهل الذمة، وهي مسألة خلاف بين أهل القبلة، كما سنوضحه في الذبائح ~~بمعونة الله تعالى. # قالوا: ما جاز أن يؤخذ من الحيوانات في حال حياته، فإنه لا ينجس بالموت ~~كالبيض. # قلنا: [هذا] فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن الإنفحة لا يمكن أخذها إلا بالذبح فهو مخالف للبيض؛ لأنها ~~من كرش الجدي. # وأما ثانيا: فالتفرقة بينهما ظاهرة، وهو أن للبيض قشرا يمنع من وصول ~~النجاسة إليه بخلاف الإنفحة فإنها متصلة برطوبة كرش الجدي فلهذا لم تفارقه ~~في النجاسة. PageV01P483 # الفرع الخامس: ألبان ما يؤكل لحمه طاهرة كالبقر والغنم والإبل؛ لأنها متاع ~~للخلق وفيها قوام لهم كاللحم والشحم عند أئمة العترة وفقهاء الأمة، وألبان ~~الآدميات المسلمات طاهرة عند أئمة العترة وفقهاء الأمة؛ لأنها قوام الأطفال ~~ومتاع لهم، ولو كانت نجسا لما جاز إطعامهم إياها، وإذا حل اللبن فالزبد ~~والجبن والسمن من ذلك طاهر حلال؛ لأن أصلها لبن، فإذا كان طاهرا فهذه ~~طاهرة، وألبان السباع والخيل والحمير نجسة عند أئمة العترة وهو قول فقهاء ~~الأمة، وحكي عن الحقيني أنها طاهرة. # والحجة على ذلك: ms0223 هو أنها رطوبة منفصلة من حيوان لا يؤكل لحمه فكانت طاهرة ~~كالدمع والعرق. # والمختار: أنها نجسة؛ لأنها فضلة مستحيلة من الدم، فكانت نجسة كالمني منه. # الانتصار: قالوا: فضلة تشبه العرق. # قلنا: إنها بالمني أشبه؛ لأنهما جميعا يستحيلان من الدم، فلهذا كان ~~إلحاقها بالمني أقرب، ولأنها ألبان ما لا يوكل لحمه فأشبه لبن الكلاب ~~والخنازير، وما كان لبنه نجسا كهذه الحيوانات، فالزبد والسمن والجبن نجس من ~~جميع ذلك كله. # الفرع السادس: شعر الكلب، وفيه مذاهب ثلاثة: # أولها: أن شعره نجس، وهذا هو مذهب الهادي وأجازه الأخوان السيدان، وهو ~~محكي عن الشافعي. # والحجة على ذلك: ما روي عن عبدالله بن المغفل ) أن الرسول قال: (( إذا ~~ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب)). ~~وإنما وجب ذلك فيه لنجاسته، فإذا تقررت نجاستة بما ذكرناه فشعره يجب أن ~~يكون نجسا؛ لأنه شعر حيوان نجس فأشبه شعر الخنزير. PageV01P484 # وثانيها: أنه طاهر، وهذا شيء يحكى عن الباقر )، والصادق، والناصر، وهو قول ~~أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه شعر نابت على أصل نجس فكان طاهرا كشعر الميتة ~~وصوفها، أو نقول: شعر لا تحله الحياة، فكان محكوما عليه بالطهارة، دليله: ~~شعر الميتة. # وثالثها: التفرقة بين شعر الكلب والخنزير، وهذا هو رأي أبي حنيفة، فإنه ~~قال بطهارة شعر الكلب، وقال: إن شعر الخنزير نجس. # والحجة له في التفرقة بينهما: هو أن الخنزير لا جلد له وإنما شعره نابت ~~على لحمه فكأنه بعضه فلهذا كان نجسا، بخلاف الكلب فإن له جلدا وشعره نابت ~~على جلده فلهذا كان طاهرا مثل شعر الميتة وصوفها. # والمختار: ما قاله الأخوان من نجاسته لكونه نابتا على محل نجس، فلهذا كان ~~نجسا كجلده ولحمه، ولما روي أن الرسول دعي إلى دار فلم يجب ودعي إلى دار ~~فأجاب، فقيل له في ذلك، فقال: (( إن في دار فلان كلبا)). فقيل له: وفي دار ~~فلان هرة. فقال: (( إن الهرة ليست بنجس ))(2). فدل ذلك على أن الكلب نجس، ~~ولم يفصل بين شعره ولحمه وعظمه. # الانتصار: ms0224 قالوا: شعر نبت على محل نجس، أو لا حياة فيه فكان طاهرا كشعر ~~الميتة. PageV01P485 # قلنا: المعنى في الأصل: أن النجاسة في الميتة طارئة بخلاف نجاسة الكلب ~~فإنها أصلية، ثم إنا نعلم أن أحدا من المسلمين لم يستعمل شعر الكلب في حالة ~~من الحالات، وفي هذه دلالة على استقذاره، وأنهم إنما تركوه من أجل نجاستة ~~وقذره، وقد قال عليه السلام: (( ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)). # الفرع السابع: شعر الخنزير، وفيه مذهبان: # أحدهما: أنه نجس لا يجوز الانتفاع به في الحرز ولا في غيره، وهذا هو رأي ~~أكثر أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه. # وحكي عن مالك: طهارة الخنزير كله، وحكي عنه: نجاسته. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {أو لحم خنزير فإنه رجس }[الأنعام:145]. ~~والرجس: هو النجس، فالضمير في قوله تعالى: {فإنه}. يرجع إلى الخنزير؛ لأنه ~~أقرب المذكورين ومن حق الكناية أن تكون راجعة إلى أقرب المذكورين، ولم يفصل ~~بين شعره ولحمه وجلده. # وثانيهما: أنه طاهر، وهذا هو المحكي عن الصادق والباقر والناصر. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم في الاستدلال على طهارة شعر الكلب فلا ~~وجه لتكريره. # والمختار: هو القول بنجاسة شعره؛ لأنه في نظر الشرع كالكلب فهو أدخل في ~~النجاسة والتقذير من الكلب، من جهة أن الكلب يقتنى للصيد والزرع والماشية ~~ويؤنس به، بخلاف الخنزير فإنه لا يراد لواحد من هذه المنافع، ولا يكاد يوجد ~~في اليمن، وإنما يوجد في بلاد الروم والصين والديار المصرية، وأكثر من يأكل ~~أولاده المغل(1) ومن لا يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وما قررناه في ~~الانتصار عليهم في نجاسة الكلب فهو بعينه هاهنا وارد في الخنزير. # وإذا قلنا بنجاسة شعره فهل يجوز الانتفاع به أم لا؟ فالذي عليه أكثر أئمة ~~العترة أنه لا يجوز الانتفاع به في الحرز ولا في غيره. PageV01P486 # والحجة على ذلك: هو أنا قد قررنا نجاسته وتحريم ملابسته ولم تفصل الأدلة، ~~في ذلك، هذا هو رأي الشافعي، وأبي يوسف، وحكي عن الناصر، والباقر، والصادق ~~جواز الانتفاع ms0225 به؛ لأنه على مذهبهم طاهر، كما قررناه من قبل، وحكي عن أبي ~~حنيفة جواز الانتفاع بشعر الخنزير للأساكفة، وحكي عن محمد طهارة شعره كما ~~حكيناه عن الباقر، والصادق، والناصر، وحكي عن القاسم أن ترك الانتفاع بشعره ~~أفضل، وفي هذا تنبيه من مذهبه على الجواز، وعلى كونه غير محرم الاستعمال. # والمختار: هو التنزه عنه؛ لأن الأدلة الشرعية لم تفصل في ذلك بين شعر ~~وعظم ولحم، ولأن شعره جزء من أجزائه فلم يجز الانتفاع به كغيره من أجزائه ~~المتصلة به، والله أعلم. # الفرع الثامن: في شعور بني آدم وأظافرهم، وفيها مذهبان: # أحدهما: أنها طاهرة كلها سواء أخذت في حال الحياة أو في حال الموت، وهذا ~~هو رأي أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه شعر طاهر نابت على محل طاهر فوجب الحكم عليه ~~بالطهارة كما إذا كان ذلك قبل الموت، وطرو الموت لا يوجب تنجيسه؛ لأن ~~الحياة غير حالة فيه فلهذا استوى حالاه قبل الموت وبعده. # وثانيهما: ما حكي عن الشافعي: أنه طاهر في حال الحياة ونجس بعد الموت، ~~وحكي ذلك عن محمد بن يحيى ) وخطأه السيد أبوطالب في ذلك. وقال: إن مذهب ~~القاسم، ويحيى [ابن الحسين]: أنه طاهر؛ لكونه نابتا على محل طاهر. PageV01P487 # والحجة لهم على ذلك: هو أن الأدلة الشرعيةلم تفصل في حق الميتة بين شعر ~~ولحم ودم، فلهذا قضينا بنجاسة ما كان متصلا بها. # والمختار: ما عليه أكثر أئمة العترة من طهارتها في الحياة والموت. # والحجة: ما ذكرناه؛ ونزيد ههنا، وهو أن هذه الشعور ليست من جملة الحي، ~~ولهذا فإنه لا يتألم بقطعها ولا تؤذيه مفارقتها، فوجب أن لا تكون من جملة ~~الميتة؛ لأن ما لا يلحقه حكم الحياة فلا يلحقه حكم الموت كالثوب والقميص. # وقد حكي عن الشافعي قول ثان: أنه نجس على الإطلاق، وقول ثالث: أنه طاهر ~~على الإطلاق، وحكي عنه: أنه يتبع الجلد، فإن كان الجلد طاهرا فهو طاهر، وإن ~~كان نجسا فهو نجس. # الانتصار: بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: ms0226 الأدلة الشرعية دالة على تحريم الميتة على جهة العموم، فلا وجه ~~لإخراج شعرها وظفرها من غير دلالة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم اندراج ما ذكرناه تحت العموم، فإن المقصود في تحريم ~~الميتة إنما هو أكلها، فما ذكرتموه دعوى غير مسلمة. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا العموم كما زعمتم لكنا نخرج ما ذكرناه بدلالة ~~القياس، والتخصيص بالقياس يكون عملا بالقياس والظاهر جميعا، فبقي الظاهر ~~على عمومه ويخرج بالقياس ما تناوله وفيه عمل بالدليلين جميعا، وما ذكرتموه ~~تعويل على الظواهر وإهمال للقياس وإلغاء، فلا يكون مقبولا. # الفرع التاسع: عظم الميتة وعصبها، ذهب علماء العترة إلى [أن] عظم الميتة ~~وعصبها نجسة كلها، وهو قول مالك والشافعي. PageV01P488 # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة}[المائدة:3]. ولا شك أن ~~العظم والعصب من جملة الميتة، وهو تعالى لم يفصل بين جزء منها وجزء، فيجب ~~أن تكون محرمة كلها إلا ما خصته دلالة كما سنقرره في الشعور والأصواف ~~والأوبار، وقد حكينا عن محمد بن يحيى ما قاله في نجاسة الأصواف وتخطئة أبي ~~طالب له، وهذا لا وجه له، فإنه لا وجه لإطلاق الخطأ في المسائل الاجتهادية؛ ~~لأنها كلها حق وصواب، وما هذا حاله فلا ينبغي إطلاق الخطأ فيه؛ لأنه يوهم ~~أن هناك حقا مطلوبا لله تعالى يخطئه بعض المجتهدين ويصيبه آخرون، وهذا لا ~~معنى له في المسائل الخلافية، وقد حققناه في صدر الكتاب فأغنى عن الإعادة، ~~اللهم إلا أن يريد السيد أبوطالب بالخطأ: هو أن ما قاله محمد بن يحيى ليس ~~مذهبا للقاسم ويحيى، فهذا يمكن أن يقال: أخطأ من نسب هذه المقالة إليهما، ~~فأما أن يقال: إن كل من ظن أن شعر الميتة وصوفها نجس فهو مخطئ، فإنه لا وجه ~~لهذه المقالة. # الحجة الثانية: قوله : (( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب )). وفي ~~حديث آخر: (( لا تنتفعوا من الميتة بشيء)). وهذا عام فلا وجه لمخالفته. # الحجة الثالثة: هو أن العظام فيها حياة بدليل قوله تعالى: {قال من يحيي ~~العظام وهي رميم }[يس:78]. وكل ms0227 ما كان من الميتة حي فإنه ينجس بالموت لا ~~محالة كالكبد والطحال واللحم وغيرها. # وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه: أنها كلها طاهرة. # والحجة لهم على ذلك: هو أن العظام فيها صلابة تمنع من وجود الحياة فيها، ~~وما لا تحله الحياة فلا ينجس بالموت؛ لأن بنية الحياة لا بد من حصولها على ~~كيفية مخصوصة من الرطوبة والاعتدال في البنية، والعظم والعصب فيهما، قساوة ~~فلا يجوز وجود الحياة فيهما. وإذا كان لا حياة فيهما فإنها لا تنجس بالموت. PageV01P489 # والمختار: ما عول عليه علماء العترة، من القول بنجاستها لما ذكروه. ونزيد ~~هاهنا ونقول: إن كان فيها حياة فهي نجسة بالموت، كالميتة وإن لم يكن فيها ~~حياة فإنها تنجس أيضا بالمجاورة لما يحتوي عليها من اللحم والدم والبشر ~~وغير ذلك، فلهذا وجب القضاء بنجاستها فإنها لا تنفك من الأمرين جميعا، ومتى ~~انفصلت وجب القضاء بنجاستها لكونها بعضا من أبعاض الميتة كاللحم والعروق. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: العظام فيها صلابة تبطل حلول الحياة فيها. # قلنا: قد دل الشرع على كونها حية بما تلوناه من ظاهر الآية، وإذا كان ~~ظاهر الآية يقضي بالحياة وجب العمل عليها؛ لأن الشرع يجب التعويل عليه في ~~كل المسائل الاجتهادية من غير تعويل على ما يدل عليه العقل ويقتضيه، فإن ~~تحكيم الشرع أحق في المسائل الاجتهادية الخلافية. # الفرع العاشر: في عظم الفيل: ذهب علماء العترة إلى أن عظام الفيل لا يجوز ~~استعمالها وعاء للأدهان الرطبة. # والحجة على ذلك: هو أنه حيوان لا يؤكل لحمه فلا تلحقه الذكاة الشرعية، ~~وعظم الميتة نجس فلأجل ما ذكرناه يكون عظمه نجسا لا محالة، وهو قول ~~الشافعي. # وحكي عن أبي حنيفة جوازه؛ لما سبق تقريره من أن عظم الميتة طاهر، ولأن من ~~أصله أن الذكاة تطهر اللحم والجلد فيما لا يؤكل لحمه، فلأجل هذين الأصلين ~~جاز استعمال عظمه في الأشياء الرطبة، وكان طاهرا لا محالة. # والمختار: ما قاله علماء العترة. # والحجة على ذلك: ما مهدنا من الأصول من كون الفيل غير مأكول اللحم، وأن ms0228 ~~الذكاة لا تكون مطهرة لما لا يؤكل لحمه، وأن العظام مما تحلها الحياة ~~بالأدلة الشرعية، وكل هذه الأصول قد مهدناها وقررنا قواعدها بالأدلة ~~النقلية فأغنى عن الإعادة، وما ذكرناه من الانتصار على عظام الميتة فهو ~~وارد ههنا. والله الموفق للصواب. # مسألة: في شعور الميتات وأصوافها وأوبارها والقرن والظفر والسن منها مما ~~لا تحله الحياة، وفيه مذهبان: PageV01P490 # المذهب الأول: أنها طاهرة قبل الموت وبعده، وهذا هو رأي القاسم ويحيى وهو ~~رأي أكثر أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ومحكي عن مالك. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ~~ومتاعا إلى حين }[النحل:80]. # ووجه الاستدلال بهذه الآية: هو أن الله تعالى أوردها على جهة الامتنان ~~علينا بما جعل فيها من المنافع لنا في الرزق واللباس وجميع أنواع المنافع ~~العظيمة فيها، ثم إنه لم يفصل في ذلك بين الميت منها والمذكى بحال، فلو ~~كانت نجسة لكان لا وجه للامتنان بهذا الإنعام، بل يجب تجنبها كما في غيرها ~~من سائر النجاسات التي ورد الشرع بالتنزه عنها وإبعادها. # الحجة الثانية: قول ، فيما روت أم سلمة، قالت: سمعت رسول الله يقول: (( ~~لا بأس بشعر الميتة وصوفها إذا غسل بالماء ))(1). وهذا نص في مرادنا. # وقوله: (( إذا غسل بالماء)). ليس شرطا في طهارته، وإنما أراد أنه لا يكاد ~~ينفك عن تلوثه بصديدها أو عرقها أو شيء من رطوباتها، فلهذا ندب إلى غسله، ~~ويحتمل أن يكون واجبا لما ذكرناه، وقوله : (( إنما حرم من الميتة ~~أكلها))(2). فيه دلالة على أن التحريم إنما يتناول ما يتأتى فيه الأكل، ~~والشعر، والصوف، والقرن، والضلف لا يتأتى فيه الأكل، فلهذا لم يكن التحريم ~~متناولا له. # الحجة الثالثة: قياسية، وهي أن جواز الانتفاع غير موقوف على حصول الذكاة، ~~فوجب أن يكون حكمه بعد الموت مثل حكمه قبله، دليله: البيض والولد. PageV01P491 # المذهب الثاني: أنها نجسة، وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة له على ذلك: الآية والخبر الدالان على تحريم الميتة، كقوله تعالى: ~~{حرمت عليكم الميتة}[المائدة:3]. وقوله : (( لا تنتفعوا من الميتة بشيء)). ~~فهذان دالان ms0229 على المنع من استعمال الميتة و[على] نجاستها وهذا هو مقصودنا. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن وافقهم من علماء الأمة لما حكيناه ~~عنهم في الاستدلال؛ ونزيد هاهنا وهو أن الشعر والوبر والصوف لو كانت نجسة ~~من الميتة لوجب الحكم عليها بالنجاسة ولو كان الحيوان حيا، لقوله : (( ما ~~أبين من الحي فهو ميت )). فلما توافقنا على أنها طاهرة وإن قطعت من الحيوان ~~في حال حياته، دل ذلك على طهارته وإن قطعت بعد موته. والجامع بينهما: هو ~~أنه لا حياة فيها فلهذا كانت طاهرة. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: الآية دالة على تحريم الميتة، ولم تفصل بين بعض وبعض منها، والصوف ~~والشعر والظفر والقرن من أبعاضها فيجب أن تكون نجسة. # قلنا: ليس في ظاهر الآية ما يدل على النجاسة وإنما هي نص في التحريم، وكم ~~من المحرمات ما هو ممنوع حرام وليس نجسا كالأنصاب والأزلام - وهي قداح ~~الميسر - فليس في ظاهر الآية إلا مطلق التحريم، وليس فيه دلالة على ~~النجاسة، وكلامنا إنما هو في نجاستها دون تحريمها. على أنا نقول: المقصود ~~هو تحريم أكلها، والأكل بمعزل عن النجاسة، فنحن نقول بأنه لا يجوز أكلها ~~ويجوز استعمال ما كان طاهرا منها مما لا تحله الحياة كالصوف والشعر والقرن، ~~ثم إنا وإن سلمنا العموم كما زعمتم، لكنا نخصها بما ذكرناه من الأدلة، ~~فنستعمل العموم فيما عدا ما ذكرناه، ونستعمل الخصوص فيما تناولته أدلتنا، ~~فيكون عملا بالدليلين جيمعا ولا حاجة إلى إبطال أحدهما، فيخرج ما لا تحله ~~الحياة من صوف أو شعر أو قرن أو غير ذلك، ويبقى ما عداها. # قالوا: الخبر دال على منع الانتفاع من الميتة. # قلنا: عنه جوابان: PageV01P492 # أما أولا: فلا نسلم اندارج هذه الأشياء تحت عموم الخبر؛ لأن الميتة إنما ~~تكون لما فارق الحياة وكان ميتا، وهذه الأشياء ليس فيها حياة قبل الموت ولا ~~بعده فلا يطلق عليها اسم الميتة لما ذكرناه. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا اندراجها تحت العموم لكنها خرجت بالأدلة التي ~~ذكرناها من أجل ms0230 الخصوص، فيكون الخبر معمولا به في غير ما تناولته أدلتنا ~~الخاصة، وفيه الوفاء على العمل بالدليلين كما أشرنا إليه. # قالوا: جزء متصل بذي روح ينمو بنمائه فوجب أن ينجس بالموت كالظهر والبطن. # فقولنا: جزء متصل، نحترز به عن الولد والجنين فانهما يكونان طاهرين عند ~~الانفصال. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # وأما أولا: فلأن المعنى في الأصل، أنه لا يجوز قطعها ولا يحل استعمالها ~~في حال حياته فلهذا كانت نجسة بالموت، بخلاف ما نحن بصدده فإنه يجوز قطعها ~~عن الحيوان في حال حياته، ويجوز الانتفاع بها فلا جرم لم تنجس بالموت. # وأما ثانيا: فهو أنها تحلها الحياة فلهذا تنجست بالموت، بخلاف مسألتنا ~~فإنها لا تحلها الحياة فلم تكن نجسة بالموت، فإذا وقع الفرق من هذين ~~الوجهين بطل الجمع بما ذكرتموه، والفرق أدخل ما يكون في إبطال ما ذكره ~~القائس لكونه إبطالا لفقه الجمع. # قالوا: جزء مضمون من الصيد بالجزاء، فوجب أن تكون فيه حياة كالعين ~~والأذن. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن المضمون من الصيد هو نقصان ما فات منه، سواء كان فيه حياة ~~كسائر أعضائه أو لم تكن فيه حياة كالبيض والريش. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه منقوض باللبن، فإنه مضمون من الصيد، وإن لم ~~تكن فيه حياة فعدم الحياة لا يؤثر في جبران النقص من الصيد؛ لأن المقصود هو ~~ضمان ما نقص بكل حال. # قالوا: قد أشار الرسول ، إلى غسله إذا أريد استعماله، فلولا أن فيه حياة ~~تنجس بالموت وإلا لما أمر بغسله. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: PageV01P493 # أما أولا: فلأن هذا يبطل عليكم ما قلتموه من نجاستها؛ لأنه لو كان من جملة ~~الميتة لم يأمر بغسله؛ لأنه لا يطهر بالغسل من جهة أن نجاسته عينية كنجاسة ~~الكلب والخنزير، فالأمر بالغسل يبطل كونه نجسا. # وأما ثانيا: فإنه إنما أمر بغسله لما كان طاهرا في ذاته كما قلناه، لكنه ~~ربما سنح له النجاسة لأجل اتصاله بالميتة، فلا يؤمن هناك اتصاله برطوبتها ~~من دم أو روث أو قيح أو صديد أو غير ذلك، ms0231 فلهذا كان غسلها مأمورا به لما ~~ذكرناه. # مسألة: ذهب أئمة العترة إلى أن مني بني آدم نجس، سواء كان خروجه على ~~طهارة أو غير طهارة، لا يختلفون فيه، وهذا هو قول أبي حنيفة وأصحابه، ومحكي ~~عن الأوزاعي ومالك، ومثله خرج صاحب (التلخيص) على رأي الشافعي، ويدل على ~~ذلك حجج [ثلاث]: # الحجة الأولى: خبر عمار، قال: مر بي رسول الله ، وأنا أسقي راحلتي فتنخمت ~~فأصابتني نخامتي فجعلت أغسل ثوبي، فقال رسول الله : (( ما نخامتك ودموع ~~عينيك إلا كالماء في ركوتك )) ثم قال: (( إنما تغسل ثوبك من البول والغائط ~~والدم والقيء والمني )). فأوجب غسل الثوب منه، فلولا أنه نجس لما أوجب غسل ~~الثوب منه، ولأنه أدرجه في ضمن هذه النجاسات فكان نجسا مثلها. PageV01P494 # الحجة الثانية: ما روي عن النبي ، أنه سأله رجل عن المني يصيب الثوب فقال: ~~(( أمطه عنك بإذخرة (1) فإنما هو كمخاط أو بصاق))(2). فأمره بإزالته فلو ~~كان طاهرا لما أمره بإزالته ولأنه قال: (( أمطه بإذخرة)) دل ذلك على مبالغة ~~في نجاسته، ولهذا فإنه زاد في إزالة أثره بالإذخرة، وإنما قال: (( فإنما هو ~~كمخاط أو بصاق)). لما فيه من المشابهة لهما في الغلظ واللزوجة والبياض وليس ~~الغرض مشابهته لهما في الطهارة، إذن لا فائدة في الإزالة. # الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنه مائع يجب الغسل بخروجه، فوجب كونه نجسا ~~كدم الحيض، أو نقول: خارج من الإحليل فوجب كونه نجسا كالبول والمذي. فهذه ~~الأدلة كلها دالة على نجاسته. # وذهب الشافعي في قوله المشهور غير ما حكاه صاحب (التلخيص): إلى أنه طاهر ~~ما لم تصبه نجاسة عارضة عليه. وإلى هذا ذهب ابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، ~~وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم. # والحجة لهم على ذلك: ما روته عائشة، أنه بلغها أن رجلا غسل ثوبه من ~~المني، فقالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله وهو يصلي. # قالوا: فلو كان نجسا لما انعقدت معه الصلاة، ولهم أدلة غير هذا نوردها ~~عند ذكر الانتصار عليهم في هذه المقالة. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ms0232 ومن وافقهم، في كونه نجسا لما ذكرناه ~~عنهم، ونزيد هاهنا حججا: # الحجة الأولى: ما روته عائشة (رضي الله عنها) قالت: (( كان رسول الله ، ~~يغسل المني من ثوبه ثم يخرج إلى الصلاة)). PageV01P495 # [الحجة الثانية]: وعن عمر رضي الله عنه: أنه غسل موضع الاحتلام من ثوبه. ~~وعن عبدالله بن مسعود أنه قال: إذا وجدت المني فاغسله. # [الحجة الثالثة]: وعن ابن عمر أنه كان يغسله من ثوبه، فهؤلاء الجلة من ~~الصحابة (رضي الله عنهم) روي عنهم غسله، فلولا كونه نجسا لما واظبوا على ~~غسله كسائر النجاسات. # ولأنه خارج من الإحليل لشهوة فوجب كونه نجسا كالمذي، ولأنه خارج من مخرج ~~الحدث، فوجب كونه نجسا كالبول والعذرة، فهذه المعاني كلها دالة على نجاسته. # الانتصار: يكون بإيراد ما جعلوه عمدة لهم وإبطاله. # احتجوا بقوله تعالى: {فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من ~~بين الصلب والترائب}[الطارق:5 - 7]. # ووجه الاحتجاج بهذه الآية: هو أن الله تعالى إنما أوردها على جهة ~~الامتنان وإظهار القدرة، وكمال الامتنان إنما يكون بأن يخلقه من الطاهر دون ~~النجس، فلهذا حكمنا بطهارته. # قلنا: هذا فاسد لأوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن الآية إنما سيقت لبيان افتقاره إلى الحفظ، لكونه مبنيا من ~~حالة ضعيفة. ولهذا قال تعالى(1):{إن كل نفس لما عليها حافظ }[الطارق:4]. # والمعنى: وإنما كان مفتقرا إلى حافظ لكونه مخلوقا من ماء رقيق، وأعظم ما ~~يحتاج إلى الحفظ، الماء لرقته وتفرق أجزائه ولكونه أيضا على صفة الدفق عن ~~مقره ومكانه، يفتقر إلى الحفظ؛ لأن أحوج ما يحتاج إلى الحفظ ما فارق محله ~~وزايله. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا أن الآية واردة على جهة الامتنان، فالغرض من ~~الامتنان إنما هو بالخلق وتقويمه وتسوية السمع والبصر وجميع أنواع المنافع ~~في الخلقة لا من أجل الطهارة، وكم بين الإمتنان بما ذكرناه وبين الإمتنان ~~بطهارة الماء. PageV01P496 # وأما ثالثا: فإنه ليس في ظاهر الآية ما يدل على نجاسة ولا طهارة، وإنما ~~تعرض لذكر كونه ماء دافقا، فلا يكون فيه حجة على ما طلبوه، اللهم إلا أن ~~يعضدوه بقوله ms0233 : (( خلق الماء طهورا)). وهو من جملة الأمواء، لكن هذه دلالة ~~مستقلة على حيالها سنجيب عنها، فلا يخلطان دلالة واحدة. # قالوا: ورد قوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم}[الإسراء:70]. فلو كانوا ~~مخلوقين من النجاسة لم تكن هناك كرامة، ثم إنها واردة على جهة الإمتنان، ~~ولن يكون ذلك إلا بأن يكون محكوما عليه بالطهارة. # قلنا: الكرامة إنما كانت بتسوية الخلقة وإكمال العقل، وتمكينه من المنافع ~~كلها، وما لا يكون لشيء من الحيوانات المخلوقة غيرهم، وأيضا، فكان من جملة ~~الكرامة ألا يجري في مجرى الحيض، ويخرج من مخرج البول، ويوضع في الأرحام، ~~وهي أسخف مكان، وهذا يبطل ما توهموه من الكرامة. # قالوا: روت عائشة قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ، في الصلاة. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأن هذا إنما هو كلام عائشة، وليس فيه عن رسول الله ، شيء، ~~والحجة إنما هي في كلام رسول الله ، لا في كلام عائشة، ولم تحك عنه شيئا في ~~طهارته. # وأما ثانيا: فنهاية الأمر، أنه مذهب لعائشة وأنها تقول به، فالرد عليها ~~كالرد على سائر المجتهدين في المسألة من غير تفرقة. # وأما ثالثا: فلعل الرسول لم يشعر بكونه متصلا بثوبه فيأمر بغسله أو ~~يقرها عليه، فلا تكون فيه حجة. # ثم إنا نقول: لو كان طاهرا، فأي حاجة إلى الفرك كما لا يحتاج اللعاب إلى ~~الفرك، فالفرك على نجاسته أدل منه على طهارته، ولهذا فإن أباحنيفة يذهب إلى ~~نجاسته، لكنه يكتفي بالفرك في طهارته، كما سنقرره في كيفية إزالة النجاسات. # قالوا: مبتدأ خلق بشر، فكان طاهرا كالطين. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن هذا منقوض بماء المرأة، فإنه مبتدأ خلق البشر، ثم إنه نجس ~~باتفاق منا ومنكم. PageV01P497 # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل كونه غير خارج من مخرج الحدث، فلهذا كان ~~طاهرا بخلاف المني فافترقا. # قالوا: خارج من حيوان طاهر تخلق منه مثل أصله فوجب كونه طاهرا كالبيض. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكروه يبطل بالسرقين(1) فإنه خارج من حيوان طاهر مثل ~~أصله ms0234 في كونه حيوانا، فيلزم أن يكون طاهرا، وأنتم لا تقولون به. # فإن قيل: قد احترزنا بقولنا: تخلق منه مثل أصله والدود الخارج من السرقين ~~ليس مثل ما خرج منه السرقين في الجنسية، فلا يلزم ما ذكرتموه. # فجوابه بالفرق، وهو أنا نقول: إن البيض يجوز أكله والانتفاع به، فلهذا ~~قلنا بطهارته، بخلاف المني فإنه لا يجوز أكله ولا يحل الانتفاع به فافترقا. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في البيض، أن له حجابا يحجزه عن اتصال النجاسة ~~به من مخرجه، بخلاف المني فإنه لا حجاب يحجبه عن اتصال النجاسة به في مخرجه. # قالوا: مائع يتعلق به التحريم، فكان طاهرا كاللبن. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن التحريم متعلق به، وإنما مستند التحريم هو ~~وطؤ المرأة، والتقاء الختانين فلا يلزم ما ذكروه. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في اللبن أن ما وقع به التحريم من جهة جواز شربه ~~وكونه غذاء ينبت اللحم وينشز العظم، فلأجل هذا كان مؤثرا في التحريم ~~كالنسب، بخلاف المني فإنه لا يجوز شربه ولا ينبت لحما ولا ينشز عظما ~~فافترقا. # قالوا: أصل لتكوين الخلقة الآدمية، فوجب كونه طاهرا كالتراب. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم كونه أصلا للتكوين، وإنما الأصل هو التراب في ~~الحقيقة، على أنما ذكروه منقوض بالعلقة والمضغة، فإنهما أصلان للتكوين، ومع ~~ذلك فإنهما نجسان. # وأما ثانيا: فنقلب عليهم، ونقول: أصل للتكوين، فكان نجسا كماء المرأة، ~~فبطل ما توهموه، ويتفرع على هذه المسألة فروع ستة: PageV01P498 # الفرع الأول: ذهب علماء العترة إلى أن مني الكلب والخنزير نجسان، وهو قول ~~أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه خارج من أحد السبيلين فكان نجسا في حقهما كالبول، ~~والخلاف في ذلك مع من قال بطهارة الأبوال إلا بول بني آدم، كالذي حكيناه عن ~~داود وقد مر فلا نعيده؛ لأنهم يجعلون منيه من جملة فضلاته فأشبه عرقهما ~~وسؤرهما. # الفرع الثاني: مني ما يؤكل لحمه كالبقر والغنم والإبل، طاهر عند أئمة ~~العترة، وهو أحد قولي الشافعي، وحكي ms0235 عنه قول آخر: أنه نجس. # والحجة على ما قلناه: هو ما ذكرناه من الدليل على طهارة أبوالها ~~وأرواثها، وقد تقدم الكلام عليه، وقد مر الاختيار والانتصار له فأغنى عن ~~الإعادة. # الفرع الثالث: مني ما لا يؤكل، كالحمار والفرس وسائر السباع، نجس عند ~~أئمة العترة، فأما الشافعي فله فيه أقوال ثلاثة: # أحدها: أنه نجس بكل حال. # وثانيها: أنه طاهر بكل حال. # وثالثها: التفرقة بين ما يؤكل لحمه وبين ما لا يؤكل لحمه مثل مذهبنا. # والحجة على ما قلناه: هو ما ذكرناه من الدليل على نجاسة أبوالها ~~وأرواثها، فما دل على ذلك فهو دليل على نجاسة ما يظهر منها من المني وقد مر ~~فلا وجه لتكريره. # الفرع الرابع: المني مثقل الحشو، لا يجوز تخفيفه، واشتقاقه من منى الماء ~~إذا صبه، قال الله تعالى: {ألم يك نطفة من مني يمنى }[القيامة:37]. أي يصب ~~في الأرحام. وهل يجوز شربه أم لا؟ فالذي عليه علماء العترة، أنه لا يجوز ~~شربه، وهو المشهور عن الشافعي، وحكى المروزي من أصحاب الشافعي: أنه يحل شربه. # والحجة على ما قلناه من تحريم شربه: هو أنا قد دللنا على نجاسته فلا يجوز ~~شربه، ولأنه خارج من مخرج الحدث فلا يجوز شربه ولا الانتفاع به كالبول. PageV01P499 # وبيض ما لا يؤكل لحمه، نحو سباع الطير والغراب والحدأة، ظاهرها نجس؛ لأنها ~~خارجة من الدبر، فأشبهت الروث والزبل(1) وقد قررنا نجاسة ذروقها، فإن غسلت ~~طهر ظاهرها، ولا يحل أكلها؛ لأنها بعض من أبعاضه فأشبهت سائر أعضائه. # الفرع الخامس: المذي، وهو بالتخفيف لا يجوز تثقيله(2)، وهو ماء رقيق يكون ~~عند تحرك الشهوة، روي عن النبي أنه قال: (( المذي رائد المني )). وأراد: ~~أنه لا يكون إلا لشهوة، كما أن المني كذلك، وهو نجس عند أئمة العترة وهو ~~قول عامة الفقهاء: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالك. # والحجة على ذلك: ما روي [عن] أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) أنه قال: كنت ~~رجلا مذاء فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، فذكرت ذلك لرسول الله فقال: (( لا ~~تفعل إذا رأيت ms0236 المذي فاغسل ذكرك ))(3). وقوله : (( كل فحل يمذي فإذا وجدت ~~الماء(4) فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة)). وعن عبدالله بن مسعود قال: سألت ~~رسول الله عن الماء يكون بعد الماء، فقال: (( ذلك المذي فاغسل فرجك ~~وأنثييك)). فهذه الأخبار كلها دالة على نجاسته. # ومن جهة القياس: وهو أنه خارج من مخرج المني فكان نجسا كالبول، وحكي عن ~~فريق من الإمامية، أنهم قالوا بطهارته. PageV01P500 # والحجة لهم على ذلك: ما حكيناه عن الشافعي في طهارة المني؛ لأنهما ~~متقاربان، وقد قال عليه السلام: (( المذي رائد المني)) فإذا كان المني ~~طاهرا فهكذا حال المذي من غير تفرقة بينهما. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة وفقهاء الأمة من نجاسته؛ لما ذكرناه ~~[من الرد] عليهم(1) في نجاسة المني فهو وارد هاهنا، ولأنه ناقض للوضوء ~~والصلاة فأشبه البول. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم في طهارته، وقد ذكرنا نجاسة ~~المني وهو أصلهم فيه، فالمذي يكون كذلك فلا حاجة بنا إلى تكريره. # الفرع السادس: الودي وهو بالدال المهملة والياء تشدد وتخفف، وهو ماء أبيض ~~يخرج بعد البول، وهو نجس عند أئمة العترة وهو قول فقهاء الأمة، ولا يحكى ~~الخلاف في نجاسته وكونه ناقضا للطهارة. # والحجة على ذلك: هو أنه خارج من مخرج معتاد فوجب كونه نجسا كالبول. # مسألة: ذهب أئمة العترة إلى أن الخمر نجسة، وصفة الخمر ومواضع الخلاف ~~والإجماع فيما يحل شربه ويحرم، يجيء مفصلا في كتاب الأشربة بمعونة الله ~~تعالى، وما قلناه من نجاستها هو قول عامة العلماء: أبي حنيفة وأصحابه، ~~والشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه}[المائدة:90]. فقد حصل من الآية دليلان: # أحدهما: قوله: {رجس}. والرجس: هو النجس. # وثانيهما: قوله: {فاجتنبوه}. فلو كانت طاهرة لم يأمر باجتنابها. PageV01P501 # الحجة الثانية: ما روى أبو طلحة، (( أن الرسول لما نزل تحريمها أمر ~~بإراقتها ))، فلو كانت طاهرة لما أمر بإراقتها(1). # الحجة الثالثة: قياسية. وهي أنها مائع محرم شربه، فأشبه البول في نجاسته، ~~ومن جهة أن العقد عليها محرم فكانت نجسة كالميتة. ms0237 # وحكي عن ربيعة )، وداود، والحسن البصري، وفريق من الإمامية: أنها طاهرة. PageV01P502 # والحجة لهم على ذلك: هو أن هذه الأدلة الذي ذكرتموها إنما دلت على تحريم ~~شربها وعلى النهي عنه، وأما طهارتها ونجاستها فليس في الآية والأخبار ما ~~يشعر بذلك. # الحجة الثانية: قياسية، وهو أنها شراب يؤخذ من العنب والتمر فأشبه ~~النقيع، وغير ذلك مما يكون مأخوذا من هاتين الشجرتين. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة وغيرهم من فقهاء الأمة من نجاستها، ~~ودليله ما سبق تقريره، ونزيد هاهنا، وهو أن الرسول ، أتي له بنقيع تمر وقد ~~طلع نشيشه، فقال لصاحبه: (( اضرب به هذا الحائط )). فكسر الإناء وأراقه. ~~وفي هذا دلالة على تحريم رطوبتها، وأنها نجسة كما قررناه. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: إن الأدلة إنما دلت على تحريم شربها دون نجاستها. # قلنا: هذا فاسد، فإن الخطابات كلها مطلقة على وجوب إراقتها والاجتناب ~~منها، وهذا عام في جميع التصرفات فيها، ومن جملة ذلك أنه لا تجوز رطوبتها ~~ومباشرتها، وهذا هو الذي نريده بكونها نجسة. # قالوا: معنى كونها محرمة، هو أنه لا يجوز شربها، وهذا مسلم، ومعنى كونها ~~نجسة، هو أنه لا تجوز مصاحبتها للصلاة، ومن أين أنه إذا حرم شربها لم تجز ~~مباشرتها للمصلي؟ فأحدهما مخالف للآخر. # قلنا: هذا فاسد، فإن قوله تعالى: {فاجتنبوه}. دال على المنع من المباشرة ~~في جميع الأحوال فلا يجوز تخصيصه من غير دلالة، وهكذا فإن قوله تعالى: ~~{رجس} دال على التصريح بالنجاسة وهذا هو مرادنا. # قالوا: حكي عن مالك أن من صلى وعلى ثوبه خمر لم يعلمها، فإنه يعيد في ~~الوقت ولا يعيد بعده، وعن الليث: أنه يعيد في رواية، وفي رواية أخرى: أنه ~~لا يعيد، وفي هذا دلالة على مخالفة الخمر لسائر المائعات النجسة. PageV01P503 # قلنا: إن كان قد سبق من جهة الصدر الأول وهم الصحابة (رضي الله عنهم) ~~والتابعون، إجماع على نجاستها، فهم محجوجون به وتحرم مخالفة الإجماع لكونه ~~قاطعا، ولا تجوز مخالفته. وإن لم يكن هناك إجماع من جهة الصدر الأول، ~~فالمسألة اجتهادية لا ms0238 محالة لا ختلاف العلماء فيها، وهذه هي أمارة كون ~~المسألة اجتهادية، فلهذا قال مالك: إنه يعيد في الوقت؛ لأن الخطاب عليه ~~متجدد في تأدية الصلاة من غير نجاسة، وإن كان الوقت فائتا لم تلزمه إعادة ~~الصلاة؛ لأن الوقت قد فات. وقد قال عليه السلام: (( لا ظهران في يوم )). ~~وسيأتي لهذا مزيد تقرير في كيفية الاجتهاد وحكمه في المسائل الخلافية، فما ~~قاله مالك، تقرير كونها نجسة، لكن نجاستها عنده مختلف فيها، فلهذا قال فيها ~~ما قال، وهكذا حكم من خالف من علماء الأمة في طهارتها. # قالوا: مائع شراب يؤخذ من العنب فأشبه النقيع. # قلنا: هذا خطأ، فإن قياسنا أرجح من جهة مطابقته للظواهر النقلية في ~~تحريمها ونجاستها، وما قلتموه لا يعضده نقل ولا يرشد إليه، فلهذا كان ~~باطلا،. وأيضا، فإن ما ذكرتموه من الأقيسة الطردية التي لا يعول عليها محصل ~~ولا يعتمد عليها محقق، وأمارة كونه طردا مهجورا، هو أن تعليق الحكم عليه ~~ليس أولى من تعليق نقيضه، ولهذا نقول: مائع محرم بيعه فكان نجسا كالبول، ~~على أن ما ذكرتموه من القياس معارض بما ذكرناه من الأقيسة، فيجب تساقط ~~الأقيسة والعمل على الظواهر، النقلية التي حكيناها. # ويتفرع على هذه المسألة فروع خمسة: # [الفرع] الأول: النبيذ نجس عند أئمة العترة وهو المشهور عن الشافعي، وهو ~~ما يتخذ من التمر والعنب مما يسكر كثيره دون قليله. # وحكي عن بعض أصحاب الشافعي طهارته، وهو قول أبي حنيفة. PageV01P504 # والحجة على ما قلناه: قوله : (( ما أسكر كثيره فقليله حرام ))(1). وقوله ~~عليه السلام: (( كل مسكر حرام)). # واحتج أبوحنيفة وبعض أصحاب الشافعي بحديث ابن مسعود ليلة الجن، حيث قال ~~له [الرسول]: (( ما في أداوتك))؟ فقال: نبيذ تمر، فتوضأ به، فلو كان نجسا ~~لما جاز التوضؤ به. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم. # والحجة على ذلك: ما ذكرناه عنهم، ونزيد هاهنا، وهو أن هذه الأخبار قد دلت ~~على تحريم جميع الأنبذة، والحرام هو ما كان ممنوعا منه، والأدلة الشرعية لم ~~تفصل في ذلك بين شرب واستعمال، وهذا ms0239 فيه دلالة على كونها نجسة لشمول ~~التحريم، وما ذكرناه من النجاسة فهو عام في جميع الأنبذة كلها من العنب ~~والتمر والزبيب والبر والشعير والذرة، فهي نجسة كلها لأجل شمول التحريم ~~لها، وسنقرر الكلام في هذه الأصناف وما يحل وما يحرم في كتاب الأشربة. # الانتصار: قالوا: توضأ به رسول الله ، ليلة الجن، فدل ذلك على طهارته. # قلنا: قد تكلمنا على هذه المسألة في المياه، وبينا أن المراد بذلك: هو ما ~~نبذ فيه تمرات لاجتذاب ملوحته، واسم الماء باق عليه في الإطلاق، فلو كان ~~نبيدا كما زعمتم، لم يقل الرسول : (( ماء طهور)). فبطل ما توهموه. # الفرع الثاني: ذهب أئمة العترة إلى أنه لا يجوز تخليل الخمر، ونعني ~~بالتخليل: هو علاجها حتى تزول عن كونها خمرا إما بطرح خل فيها أو ملح أو ~~خردل أو غير ذلك من الأمور التي تفسد خمريتها، وهو قول الشافعي. PageV01P505 # والحجة على ذلك: ما رواه أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل رسول الله ، عن أيتام ~~ورثوا خمرا فقال له: (( أهرقها )) . فقال: أولا أجعلها لهم خلا؟ قال: (( ~~لا))(1). # وذهب أبوحنيفة إلى أن ذلك جائز. # والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه قال: (( يطهر الدباغ الجلد كما ~~يطهر الخل الخمر ))(2). # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم من تحريم تخليلها، ويدل ~~على ذلك ما حكيناه عنهم، ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: ما روي عن النبي ، (( أنه لعن عاصر الخمر ومعتصرها ~~وبائعها ومشتريها وحاملها والمحمولة إليه، إلى تمام عشرة أشخاص))(3)، وكل ~~ذلك إنما كان لأجل تلبسهم وتعلقهم بها، ولا شك أن كل من عالجها وزاولها ~~بالتخليل والعلاج لها، فقد لابسها، فيجب أن يكون داخلا تحت لعنه . فلو كان ~~ذلك مباحا لما لعنهم. # الحجة الثانية: قياسية. وحاصلها، أنا نقول: فعل محظور بحق الله تعالى، ~~فلم يكن المقصود منه مباحا لفاعله كما لو ذبح المحرم صيدا لغيره. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: روي عن الرسول ، أنه قال: (( يطهر الدباغ الجلد كما يطهر الخل ~~الخمر)). فجعلهما سواء في ms0240 الإباحة والصحة، وهذا هو مرادنا. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: PageV01P506 # أما أولا: فالمطالبة بصحة نقل هذا الحديث. فعلى ناقله تصحيحه ليصح الاحتجاج به. # وأما ثانيا: فلأن ظاهره متروك العمل عليه باتفاق من جهة أن ظاهره دال على ~~أن الخل إذا خلط على الخمر، فإنه يطهرها، وهذا لا قائل به؛ لأن الخمر تنجس ~~الخل، فكيف يكون مطهرا لها؟ فلا بد من تأويله. # وأما ثالثا: فلأنا نقول: المراد إذا استحالت خلا بنفسها، فأما أنها تعالج ~~بفعل فاعل، فما هذا حاله محظور من جهة الشرع لما أوضحناه. # قالوا: إنما أمر الرسول بإهراق خمر الأيتام ولم يأمر بتخليلها، من جهة ~~أن ذلك كان واقعا في أول الإسلام وكانوا قد ألفوها، فمنع من ذلك لأجل ~~التشديد، ولهذا فإنه أمر بتمزيق الأزقاق وشقها من أجل ذلك، ثم لما استقر ~~تحريمها نسخ. # قلنا: هذا فاسد، لأوجه ثلاثة: # أما أولا: فإنا لا نسلم أن تحريمها لما ذكروه من الشدة والإعظام في ~~النكير، بل جعل من أحكام الخمر كما جعل إيجاب الحد وتحريم البيع، ولعن ~~البائع والمشتري والعاصر والمعتصر من أحكامها. # وأما ثانيا: فلأنه إن كان المنع من التخليل لما ذكروه من العلة، فلا شك ~~في كونها باقية، فإنها مألوفة مطربة تدعو إليها الهزة والطرب، فوجب أن يبقى ~~المنع كذلك. # وأما ثالثا: فلأنها مختصة بلذة، ولها رائحة فائحة، وهزة مستلذة، فلا يأمن ~~من أن يدعو تخليلها إلى شربها والمداومة عليه، فلا جرم كان ذلك محرما كما ~~حرمنا خطبة المعتدة في العدة مخافة الوقوع في المحظور. PageV01P507 # ثم نقول: إنه وإن كان المنع من التخليل لما ذكروه، خلا أنه ممنوع بخطاب ~~مطلق، فلا يجوز زوال حكمه بزوال العلة كما قلناه في الرمل والاضطباع في ~~الطواف(1)، فإنه إنما شرع لإظهار الجلد للكفار، ثم إنه بقي مع زوال العلة، ~~وكما شرع غسل يوم الجمعة لزوال الروائح، ثم بقي وإن لم تكن هناك رائحة. # الفرع الثالث: إذا تقرر تحريم تخليلها، فلو أقدم مقدم على هذا المحظور ~~فهل يكون حلالا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب ms0241 الأول: أنه يكون حراما، وهذا هو رأي الهادي والقاسم ومحكي عن ~~الشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: ما في حديث أبي طلحة ) حيث قال له: يخللها؟ فقال : (( ~~لا)). فلو كان التخليل لها يطهرها لأمره به، خاصة مع كونها مالا لأيتام يجب حفظه. # الحجة الثانية: قياسية، وهي أنه مائع لا يرفع الحدث، فإذا تنجس لم تؤثر ~~صنعة الآدمي في تطهيره كالخل، فإن الخل إذا تنجس لم يطهر بصنعة صانع فهكذا ~~حال الخمر. # المذهب الثاني: أنها تكون حلالا، وهذا هو الذي يحكى عن الناصر والمؤيد ~~بالله، وهو قول أبي حنيفة. PageV01P508 # والحجة على ذلك: هو أنها إنما حرمت لمعنى وهو الشدة المطربة التي تختص بها، ~~فإذا صارت خلا فقد زال المعنى الموجب لتحريمها، كما لو لم تكن خمرا من قبل، ~~ويؤيد ما ذكرناه، أن الماء إذا تنجس بنجاسة طارئة عليه، بأن غيرت أوصافه أو ~~بعضها ثم زال ذلك التغير، فكما أنه يصير طاهرا مطهرا فهكذا ما نحن فيه. # والمختار: ما قاله الناصر والمؤيد بالله. # والحجة عليه: هو أنها خمر زالت شدتها من غير نجاسة وقعت فيها من غيرها، ~~فوجب القضاء بطهارتها، وكونها حلالا كما لو انقلبت خلا بنفسها من غير تخليل. # ومن وجه آخر: وهو أن في تخليلها إصلاح فاسد وتطهير نجس، فكان مؤثرا في ~~العلاج والتطهير كوضع البيض تحت الدجاجة، ومكاثرة الماء النجس بماء طاهر. # الانتصار: يكون ببطلان ما أوردوه. # قالوا: حديث أبي طلحة مانع من التخليل. # قلنا: قد تكلمنا عليه فأغنى عن الإعادة بما فيه كفاية. # قالوا: مائع لا يرفع الحدث، فإذا تنجس لم تؤثر صنعة الآدمي في تطهيره كالخل. # قلنا: الخمر إذا صارت خلا طهرت بخروجها عن صفة الخمرية، بخلاف الخل فإنه ~~لا يخرج عن كونه خلا فلهذا لم يطهر بحال فافترقا. # الفرع الرابع: إذا صارت الخمر خلا بنفسها من غير معالجة، فهل تطهر وتصير ~~حلالا يحل شربها أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يحل شربها، وهذا هو الذي حكاه السيد أبوطالب عن ~~كثير من أصحابنا. # والحجة على ذلك: ms0242 هو أنها صارت خلا بعد أن كانت خمرا فلا يحل شربها كما لو ~~كان بالتخليل والمعالجة، وعلى منهاج هذه المقالة. قالوا: بأن العنب والتمر ~~إذا صارا في هذه الجواني، فلا بد أن يعالج بالملح والخردل مخافة أن يصير ~~خمرا، وأوجبوا ذلك؛ لأن العادة مطردة أن الخل لا يصير خلا إلا بعد صيرورته ~~خمرا، فلا جرم أوجبوا ما ذكرناه مخافة أن يكون خمرا فينجس ويحرم أكله. PageV01P509 # المذهب الثاني: أنها تكون طاهرة ويحل شربها، وهذا هو الذي دل عليه كلام ~~الهادي والقاسم، واختاره الأخوان، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي ~~وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنها إذا صارت خلا بنفسها، فقد استحالت عن الصفة التي ~~أوجبت تحريمها وهي الخمرية، فجاز شربها كاللبن إذا استحال من الدم، وهو ~~محكي عن الناصر. # والمختار: ما قاله الناصر والأخوان. # والحجة على ذلك: ما روى جابر بن عبدالله، أن الرسول ، قال: (( نعم الإدام ~~الخل ))(1). فأثنى عليه، وفي هذا دلالة على طهارته وعلى حل شربه، وقد عرف ~~في مطرد العادات واستمرارها، أنه يستحيل أن يكون خلا من غير أن يكون خمرا، ~~وفي هذه دلالة على أنها إذا صارت خلا بنفسها من غير معالجة جاز وحل شربها ~~وحكم بطهارتها. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه في تحريمها. # قالوا: صارت خلا بعد أن كانت خمرا فأشبه ما لو عولجت بذلك، وقد قررنا أن ~~علاجها لا يبيح ذلك. # قلنا: فرق بين أن يصير خلا بنفسه وبين أن يصير بفعل الآدمي، فمتى صار خلا ~~بفعل الآدمي فهو نجس، وإن كان بنفسه طهر وحل شربه كما تقدم، كما يكون ذلك ~~في الصيد إذا خرج من الحرم بنفسه، ولا يحل إذا أخرجه آدمي. # الفرع الخامس: وهل يطهر الدن الذي هي فيه أم لا؟ والأقرب: أنه يطهر، وهو ~~أحد قولي الشافعي، وله قول آخر: أنه لا يطهر إذا كان مما يقبل النجاسة ~~كالدنان والقصاع والفخارات، وإن كان مما لا يقبل النجاسة طهر، كالزجاج ~~وآنية البلور؛ لأنها إذا كانت مما يقبل النجاسة فإنه(2) لا يطهر إلا ~~بالغسل، ms0243 وإن كان مما لا يقبلها طهر بالحكم لأنه لا تنشب به. PageV01P510 # والحجة على ما قلناه: وهو الأصح من قولي الشافعي، هو أن نجاستها إنما كانت ~~لاتصالها بالخمر وكونها وعاء لها، فإذا حكمنا بطهارة الخمر لما استحالت خلا ~~وجب الحكم بطهارتها على جهة التبع، وهكذا حال المغرفة أيضا. # ولا يجوز إمساك الخمر لغرض أنها تصير خلا، لما روي (( أن الرسول ، لعن ~~عاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه)). ولا شك أن كل من أمسكها لغرض ~~التخليل فإنه مندرج تحت هؤلاء الملعونين لكونه متلبسا بها، فإن أمسكها حتى ~~تخللت بنفسها، فهل تطهر ويحل شربها أم لا؟ فيه الوجهان اللذان ذكرناهما في ~~حكمها إذا تخللت من غير فعل آدمي. # مسألة: القيء مهموز. وفي الحديث: (( الراجع في هبتة كالراجع في قيئه ~~))(1). والذي ذهب إليه أئمة العترة: أن القيء الخارج من أقصى المعدة نجس، ~~وهو قول فقهاء الأمة: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالك وغيرهم ~~من الفقهاء الصحابة والتابعين. # والحجة على ذلك: ما جاء في حديث عمار، حيث قال عليه السلام: (( إنما تغسل ~~ثوبك من البول والغائط والقيء والمني والمذي))(2). PageV01P511 # والحجة الثانية: قياسية، وهو أنه طعام استحال في الجوف إلى نتن وفساد فأشبه ~~الغائط، فأما نقضه للوضوء فسيأتي تقريره في باب الأحداث الناقضة للطهارة ~~بمعونة الله تعالى، ولا يفترق الحال في كونه نجسا إذا كان من أقصى المعدة، ~~لأن خبر عمار لم يفصل في ذلك بين جنس وجنس، ولأن المعدة هي موضع الحدث كما ~~لا يفترق الحال فيما يخرج من الدبر لما كان موضعا للحدث، وفيه تردد بين ~~العلماء نفصله في التفريع. # ويتفرع على ما ذكرناه فروع نذكرها: # الفرع الأول: هل يكون قليله مثل كثيره في كونه نجسا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن قليله مثل كثيره في النجاسة لا يفترقان، وهذا هو رأي ~~الإمام الشهيد زيد بن علي، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي. # والحجة على ذلك: أن الظواهر الشرعية الدالة على نجاسة القيء، نحو حديث ~~عمار، واردة على جهة العموم غير فاصلة بين قليله ms0244 وكثيره، والتخصيص إنما ~~يكون بدلالة منفصلة ولا دلالة هناك، فبقي على العموم وهو المطلوب. # الحجة الثانية: قياسية، وحاصلها أنا نقول: طعام استحال في المعدة إلى نتن ~~وفساد فكان قليله مثل كثيره في النجاسة كالعذرة. # المذهب الثاني: أن قليله مخالف لكثيره، فالكثير منه نجس وقليله غير نجس، ~~وحد القليل ما كان دون ملء الفم وهي الدسعة الواحدة، فما كان دونها فهو ~~طاهر وما جاوزها فهو نجس، وهذا هو الذي حصله السيدان: أبوالعباس وأبوطالب، ~~لمذهب الهادي والقاسم، وهو الظاهر من مذهب المؤيد بالله. # والحجة على ذلك: هو أنه خارج من أعماق البدن، فوجب أن يكون قليله مخالفا ~~لكثيره كالدم. PageV01P512 # الحجة الثانية: هي أن الدم والقيء متفقان في الحكم، من جهة أن كل من قال: ~~إن كثير الدم ناقض للوضوء، قال: إن كثير القيء ناقض له، ومن قال: بأن كثير ~~الدم غير ناقض، قال: إن كثير القيء غير ناقض، فإذا كانا مستويين فيما ~~ذكرناه وجب استواؤهما في العفو عن قليل القيء كما عفي عن قليل الدم، وفي ~~ذلك ما نريده من مخالفة قليله لكثيره. # والمختار: ما قاله الإمام زيد بن علي ومن وافقه من علماء الأمة، لما ~~حكيناه من الاستدلال لهم ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: أن تعويلهم في التفرقة بين قليله وكثيره إنما هو على ~~الأقيسة المعنوية من جهة القائس، وما ذكرناه من التسوية بينهما إنما هو ~~تعويل على الظواهر الشرعية من جهة صاحب الشريعة، ولا شك أن ما كان من جهة ~~الشارع، فإنه لا يساوي ما كان من جهة القائس، فإن الشارع معصوم عن الخطأ، ~~والقائس ليس معصوما عن الخطأ، فلا جرم كان التعويل على كلام الشارع أولى ~~وأحق من غيره. # الحجة الثانية: هي أن ما ذكرناه من حديث عمار، إنما سيق بيانا لأعيان ~~النجاسات حيث قال فيه عليه السلام: (( إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول ~~والقيء والدم )). وغيره من الأحاديث المذكور فيها (( الدسعة)) و(( ~~الذارع))، إنما سيقت من أجل بيان نواقض الوضوء لا من أجل بيان أعيان ~~النجاسات، ولا شك ms0245 أن كل ما سيق بيانا لمقصود معين، هو أقوى مما سيق لمقصود ~~آخر، فلهذا كان حديث عمار أقوى في الدلالة من غيره، وهو لم يفرق بين القليل ~~والكثير فلهذا كان التعويل عليه. # الانتصار: يكون بالجواب عما جعلوه عمدة لهم في ذلك. # قالوا: خارج من أعماق البدن فكان قليله مخالفا لكثيره في التنجيس كالدم. # قلنا: عنه جوابان: PageV01P513 # أما أولا: فلأن مسلك النجاسات ضيق فلا يضطرب فيه بالخطوات الوساع وإنما ~~قاعدته التقريرات الشرعية والتحكمات النقلية، فأما مسالك القياس فتكاد تكون ~~منسدة فيه لكونه متعلقا بأمر غيبي استأثر الله بعلمه، ولا شك أن الشرع قد ~~دل في الدم على مخالفة قليله لكثيره فقررناه حيث ورد، ولم تدل مثل تلك ~~الدلالة على قليل القيء، فمن أجل ذلك قضينا فيه بنجاسته كله من غير تفرقة ~~كسائر النجاسات كلها، فإن مبناها على موافقة قليلها لكثيرها في التنجيس، ~~فوجب مثله في القيء من غير مخالفة لغير دلالة. # وأما ثانيا: فلأن عموم البلوى في الدماء كثيرة من أجل ملابستها في كل ~~حيوان، بخلاف القيء فإنه مخصوص ببعض الحيوانات، فلما كان الأمر فيه كما ~~قلناه لا جرم خفف الشرع فيه الحكم في التفرقة بين قليله وكثيره، وبقي القيء ~~على أصل القياس في النجاسات فافترقا. # قالوا: سوت الأمة بين الدم والقيء في نقض الوضوء بهما وعدم النقض بهما ~~على قولين: فمن قائل يقول: بأنهما ناقضان كلاهما، وقائل يقول: إنهما غير ~~ناقضين كلاهما، فإذا كانا مستويين فيما ذكرناه، فيجب استواؤهما في مخالفة ~~القليل منهما جميعا للكثير. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنه لا يلزم من استوائهما في حكم استواؤهما في حكم آخر، فما ~~ذكرتموه دعوى لا برهان عليها من جهة دلالة شرعية. PageV01P514 # وأما ثانيا: فلأنه إنما وجب استواؤهما في النقض وعدمه لدلالة شرعية، أما في ~~النقض فلقوله عليه السلام: (( الوضوء مما خرج ))(1) ولم يفصل، وأما في عدم ~~النقض فلأنه عليه السلام احتجم وما زاد على غسل محاجمه ولم يعد وضوءا، ~~فهذان مستندان لمن نقض بالخارج ولمن منع من النقض به ms0246 قد استويا، فلأجل هذا ~~قضينا بالتسوية بينهما لمكان هذه الدلالة الشرعية، بخلاف ما نحن فيه فإن ~~الدلالة الشرعية إنما دلت على الفصل بين قليل الدم وكثيره، ولم يحصل مثل ~~ذلك في القيء، فلهذا افترقا في ذلك، فلا جرم حكمنا على كل شيء بموجب دليله ~~الشرعي، فلأجل هذا قضينا بمفارقة الدم للقيء في القليل، والله أعلم ~~بالصواب. # قالوا: أشار الشرع إلى كثير القيء، بقوله: (( أو دسعة تملأ الفم ))(2). ~~فدل على أن ما نقص عن الدسعة فإنه في حكم القليل، كما أن ما نقص عن السفح ~~في حق الدم، فإنه قليل، وفي ذلك ما نريده من التفرقة بين قليله وكثيره. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكره عليه السلام هاهنا، إنما ورد بيانا لحال نواقض ~~الوضوء دون الطهارة والتنجيس، وكلامنا إنما هو فيما ينجس من القيء وما لا ~~ينجس، فمن الجائز أن يكون غير ناقض وهو نجس، كما قاله الناصر والشافعي، ومن ~~المحتمل أن يكون كما هو ناقض فهو نجس أيضا، كما قالته القاسمية. فالنجاسة ~~شيء، والنقض شيء آخر، فأحدهما مخالف للآخر. PageV01P515 # وأما ثانيا: فلأنه إنما بين حكم الدسعة، وسكت عما دونها، فليس فيه دلالة ~~على أن ما دونها مخالف لها، اللهم إلا أن يقال: ما علق الحكم بالدسعة إلا ~~وما دونها مخالف لحكمها فيكون هذا تعلقا بدليل الخطاب ومفهومه، وهو متمسك ~~ضعيف المجرى في المسائل الفقهية، وقد قررنا حكمه فيما سبق فأغنى عن تكريره. # قالوا: روي عنه أنه قال: (( وقيء ذارع )). فدل على أن ما دون الذارع ~~مخالف لحكمه في النقض والتنجيس. والذارع: هو السابق؛ لأنه يسبق الإنسان ولا ~~يقف على إرادته، وسمي القيء: ذارعا لخفة خروجه عند تحرك النفس وتجشيها أخذا ~~من قولهم: امرأة ذارع. إذا كانت خفيفة الغزل. فلما علق الحكم بالذارع، دل ~~على أن ما عداه بخلافه في النجاسة. # قلنا: هذا من الطراز الأول، فإن الخبر إنما سيق من أجل نقضه للوضوء لا من ~~أجل بيان حكم النجاسة، فأحدهما مخالف للآخر، فنحن نسلم أنه ناقض وما دونه ms0247 ~~ليس ناقضا، لكنا لا نسلم أنه غير نجس، بل الذارع وما دونه نجسان، دليله، ~~سائر النجاسات كلها من البول والعذرة وغيرهما. # قالوا: ما دون الدسعة قيء لم يملأ الفم فوجب أن لا يكون نجسا كالجشاء ~~المتغير. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن القيء خارج من أعماق البدن، والجشاء ليس خارجا من أعماقه، ~~وإنما هو هواء يتردد في الحلق من المعدة إلى الفم. # وأما ثانيا: فلأن الأصل في الجشاء أن تكون رائحته طيبة؛ لأنه لا محالة ~~ينفصل من الغذاء الطيب، وإنما تعرض له الرائحة الكريهة من أجل تغير في ~~المعدة من أجل الامتلاء، بخلاف القيء فإنه متغير بكل حال فلهذا افترقا. # قالوا: مائع من طبعه الانحدار فإذا علا صار مستخرجا، فلهذا كان نجسا ~~كثيره دون قليله كالدم. # قلنا: نقض الوضوء متعلق بكثيره دون قليله كما فصل بينهما الشرع، بخلاف ~~النجاسة، فإن الشرع ما فصل بين قليله وكثيره فمن أجل ذلك قضينا بالتعميم في ~~قليله وكثيره بالتنجيس. PageV01P516 # الفرع الثاني: القلس وهو فعل بتحريك اللام بالفتح كفرس، وهو بالقاف والسين ~~بثلاث من أسفلها(1). قال الخليل بن أحمد ): والقلس ما خرج من الحلق ملء ~~الفم أو دونه، وليس بقيء، فإن عاد فهو القيء. وما يكون حكمه في النجاسة؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه إذا كان ملء الفم فما فوقه فهو نجس وإن كان دونه فهو ~~طاهر، وهذا هو الظاهر من مذهب الهادي والقاسم، وهو رأي الأخوين السيدين: ~~المؤيد بالله وأبي طالب والسيد أبي العباس. # والحجة على ما قالوه: قد ذكرناها من قبل فأغنى عن الإعادة. # المذهب الثاني: أنه يكون نجسا قليله وكثيره، وهذا هو الذي حكيناه عن زيد ~~بن علي، وأبي حنيفة وأصحابه، والشافعي. # والحجة على ذلك: قد ذكرناها وهو المختار كما مر بيانه. # الفرع الثالث: ما انحدر من الرأس كالبصاق والمخاط والدمع فهو طاهر عند ~~أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالك. PageV01P517 # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: (( إذا قام أحدكم في صلاته ~~فإنه يناجي ربه فلا ms0248 يبصق في قبلته ولكن عن يساره وتحت قدمه)) ثم إنه أخذ ~~طرف ردائه ثم بصق فيه ثم رد بعضه على بعض، ثم قال: (( إذا فعل فليفعل ~~هكذا))(1). # وهل يكره ذلك أم لا؟ فالذي عليه أئمة العترة وهو قول علماء الأمة، أن ذلك ~~لا يكره. # والحجة على ذلك: هو أن الرسول ، قد فعل ذلك، وأدنى درجات فعله عليه ~~السلام هو الحسن والإباحة، وأعلى درجات فعله هو الوجوب، فإذا فعل فعلا دل ~~ذلك على حسنه وعلى عدم الكراهة؛ لأنه معصوم فلا يجوز عليه فعل القبيح. # وحكي عن الحسن بن صالح: أنه يكره للرجل أن يبصق في ثوبه، وحكي عن ~~الأوزاعي: أنه يكره للرجل أن يدخل سواكه في [ماء] وضوئه. # والحجة على ما قالا: هو أن ما هذا حاله ربما تعافه النفوس وتستقذره، ~~فلهذا كان مكروها. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة وفقهاء الأمة، ويدل على ذلك ما روى ~~أنس بن مالك ) (( أن رسول الله بصق في ثوبه ورد بعضه على بعض))، فلو كان ~~مكروها لما فعله، وما ذكروه ليس معولا عليه؛ لأن الغرض إنما هو الكراهة ~~الشرعية، ولم تدل عليها دلالة، فأما الاستقذار فليس له وجه شرعي فلا يعول عليه. # الفرع الرابع: ذهب علماء العترة إلى أن البلغم المتصعد من المعدة نجس، ~~وهذا هو قول الشافعي ومحكي عن أبي يوسف. # والحجة على ذلك: هو أن الأخبار الواردة في نجاسة القيء كخبر عمار وغيره ~~من الأخبار، لم تفصل بين أن يكون بلغما أو غيره، فوجب أن يكون حكم النجاسة ~~متعلقا به. PageV01P518 # والحجة الثانية: قياسية، وهو أنه قيء خارج من المعدة، فوجب أن يكون نجسا ~~كالمرة الصفراء والسوداء. # وحكي عن أبي حنيفة ومحمد: أنه طاهر. # والحجة لهما على ذلك: هو أنه جنس من البلغم فأشبه ما ينزل من الرأس. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم. # والحجة على ذلك: هو أنه قيء خارج من المعدة فأشبه القلس، ولأنه طعام ~~استحال في المعدة فكان نجسا كالعذرة. # الانتصار: قالوا: جنس من البلغم فأشبه ما ينحدر ms0249 من الرأس. # قلنا: المعنى في الأصل أنه لم يتصل بالمعدة فلهذا كان طاهرا، بخلاف ~~البلغم فإنه متصل بالمعدة وهي محل للنجاسة فلهذا كان نجسا. # قال السيد المؤيد بالله: البلغم يكون طاهرا في نفسه، خلا أنه لما كان ~~خارجا من المعدة فإنه لا ينفك عن اتصاله بالنجاسة فلهذا وجب الحكم بتنجيسه؛ ~~لأجل الاتصال بالنجس كما لو خرج من الدبر، وكما لو شرب ماء ثم قاءه فإنه ~~ينجس لما ذكرناه من الاتصال، وهكذا حال الطعام إذا خرج بعينه فإنه يصير ~~نجسا للمجاورة للنجاسة. # قالوا: البلغم فيه صقالة ولزوجة فلا يقبل النجاسة، فلهذا كان طاهرا. # قلنا: إن صقالته ولزوجته لا تمنع من أن يكون متصلا بالنجاسة التي هي ~~السبب في نجاسته فإذا اتصل بها كان نجسا. # الفرع الخامس: البلغم المتصعد من أقصى الحلق، طاهر عند أئمة العترة وهو ~~رأي الفقهاء: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ولا يحكى الخلاف فيه ~~إلا عن أبي يوسف. # والحجة على ذلك: هو أنه مائع غير متصل بالمعدة فوجب القضاء بطهارته ~~كالدمع والبصاق، ولأن العلة في نجاسة البلغم ليس إلا اتصاله بالمعدة التي ~~هي محل النجاسة، وما هذا حاله غير متصل بها، فلهذا لم يكن نجسا، ويؤيد ما ~~ذكرناه هو أن ما يقع في المعدة من الطعام فإنه يتغير على القرب لأجل ~~الحرارة التي فيها فتطبخه فيتغير في لونه إلى الحمرة كحب الرمان وإلى ~~الصفرة وفي طعمه إلى الحموضة، بخلاف ما لا يكون متصلا بها فإنه لا يكون ~~متغيرا. PageV01P519 # قال السيد المؤيد بالله: والأقرب عندي أن الماء الخارج من الفم في حال ~~النوم أنه طاهر، والأظهر أنه غير خارج من المعدة؛ لأن الخارج منها لا بد أن ~~يكون متغيرا كماء حب الرمان وشبهه، ويتعذر خروجه إلا بقذف وتقيؤ، وهذا يؤيد ~~ما قلناه من ذلك ويوضحه. # الفرع السادس: من انكسرت يده فجبر بعظم نجس فانجبرت اليد والتحم عليها ~~العصب واللحم، فهل يجب كسره وإخراجه أم لا؟ فالذي عليه علماء العترة أنه لا ~~يجب كسره ولا يتوجه إخراجه، وهذا هو قول ms0250 أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هي أن النجاسة إذا حصلت في باطن الإنسان سقط حكمها كما ~~لو شرب خمرا أو أكل ميتة لخشية التلف. # وحكي عن الشافعي: أن السلطان يجبره على إخراجه إذا لم يخف التلف. # والحجة على ما قاله: هو أن ما هذا حاله لا يجوز استعماله من أجل نجاسته، ~~فإذا انجبر عليه اللحم لم يسقط حكم الإخراج. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}[الحج:78]. ~~ولا حرج أعظم من تقطيع الإنسان وكسر يده ورجله. وقوله تعالى: {يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}[البقرة:185]. ولا يسر مع ما ذكرناه. # الانتصار: قال: لا يحل استعمال النجس إلا لضرورة ولا ضرورة هاهنا. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن الله تعالى قد خفف حكم النجاسات في مواضع كثيرة، نحو أكل ~~الميتة للمضطر في مخمصة، ونحو إساغة الطعام بالخمر عند الضرورة لفقدان ~~الماء وإعوازه. PageV01P520 # وأما ثانيا: فلأنه إذا كان اللحم منجبرا عليه فليس بأعظم من النجاسات التي ~~اشتمل عليها باطنه كالبول والعذرة والدم، وإنما قال الشافعي: يجبره السلطان ~~لما كان منكرا تجب إزالته فيستعان بالسلطان على دفعه وإزالته إذا لم يكن ~~صاحبه دافعا له؛ لأن الولاية تقتضي ذلك وتوجبه كإزالة سائر المنكرات ~~الشرعية، وإنما خص الإخراج بالسلطان لما كان يتضمن من الإيلام بالقطع، ~~وإيلام الخلق لا يجوز إلا بالولاية، ولا ولاية أعظم من ولاية الذي بيده ~~سلطان الإسلام. # والعجب من تصميم الشافعي على هذا النظر مع علمه بتحقق رحمة الله للخلق ~~وأنه لا يكلف ما ليس في الوسع، وأن مبنى الطهارات على الخفة والسهولة. ~~ويؤيد ما ذكرناه ما سبق من أن عرفجة بن أسعد قطع أنفه يوم الكلاب فاتخذ ~~أنفا من فضة فأنتن عليه، فأمره الرسول باتخاذ أنف من ذهب، ولا فرق بين ~~العظم النجس وبين استعمال الذهب في التحريم، فإذا جاز ذلك جاز هذا من غير ~~تفرقة بينهما. وليت شعري أيما أعظم في نظر الشرع مع الإلتفات ms0251 إلى القواعد ~~العقلية والإستمرار على القوانين النقلية، هل تقطيع أوصال الإنسان وإيلامه ~~بأنواع الإيلام لغير موجب، أو اغتفار نجاسة عظم قد صار من جملة الأوصال ~~مغمورا باللحم والعصب مع ما تضمنه باطن الإنسان من أضعاف تلك النجاسة! فما ~~قاله الشافعي معوز النظير، فهذا ما أردنا ذكره في بيان الأعيان النجسة. # دقيقة تشتمل على بيان ما يعفى عنه من هذه النجاسات، وجملة ذلك أمور عشرة: # أولها: الطين الذي يكون في الشوارع النجسة الذي يعلق بالخفاف والنعال ~~وأسفل الأقدام بقدر ما يتعذر الاحتراز منه، والضابط لما يعفى منه: هو الذي ~~لا ينسب المتلطخ به إلى تفريط ولا إلى رثاثة الهمة وركتها. # وثانيها: الغبار المنفصل عن السرقين وسائر الأرواث النجسة في الطرقات، ~~فما هذا حاله يعفى [عنه] لكثرة التردد في الطرقات. PageV01P521 # وثالثها: دم البراغيث والبق ما قل منه، وهو ما يكون غير سافح كما تقدم ~~ضبطه، سواء كان في ثوبك الذي تلبسه أو ثوب غيرك فلبسته؛ لأن الرخصة حاصلة ~~في الأمرين جميعا. # ورابعها: دم البثرات التي تكون في الوجه في الوجنة والذقن والجبهة وما ~~ينفصل منها من قيح وصديد ودم. وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان في وجهه ~~بثرة فخرج منها دم فصلى ولم يغسل أثرها؛ لأنها ربما شق الاحتراز عنها. # وخامسها: أثر الفصد فإن تلك الشرطة أثرها يسير يعفى عنه، وهكذا حال أفواه ~~الدماميل عند عصرها، يغتفر حالها لعصرها وعموم البلوى بكثرتها في الأجسام. # وسادسها: ما تحمله الذبان بأرجلها من النجاسات في الأثواب والأجسام، ~~فإنها كثيرا ما تقع على الأجسام الرطبة ثم تطير فتقع على ما ذكرناه، فما ~~هذا حاله يتعذر الاحتراز منه لا محالة، فلهذا عفي عنه إذا كان يسيرا غير ~~متفاحش في الكثرة. # وسابعها: ما تحمله الريح من النجاسات أيضا سواء كانت النجاسة رطبة أو ~~يابسة، فإنها ربما حملت من غبار السرقين والأزبال النجسة، وتارة تطير ~~بالرشاشات من الرطوبات النجسة أيضا، فإنه يعفى عما هذا حاله مالم يكن ~~متفاحشا. # وثامنها: الحبة والحبتان من خرو الفأرة؛ لأن البلوى بهن ms0252 كثيرة في البيوت ~~والمساكن العامرة والخراب، ومثل ذلك جار في حق الحيات والأفاعي الساكنة في ~~البيوت أيضا، فإنه يعفى من ذروقهن وأزبالهن ما يغتفر في حق الفأرة؛ لأنهما ~~سواء في المخالطة والطوف، وقد قال الفقهاء مثل ذلك في البعرة والبعرتين عند ~~الحلب، لأن ذلك ربما وقع كثيرا، بناء منهم على ما زعموه من نجاسة أرواث ما ~~يؤكل لحمه، وقد مر الكلام عليهم في ذلك. PageV01P522 # وتاسعها: إذا طين البيت بالطين النجس بالأمواء النجسة والأزبال والسرقين، ~~فإن الطين يكون نجسا بما خالطه منها، فإذا دخلها الداخل ولا صق هذه الجدرات ~~فإنه ربما يعلق بالأثواب منها شيء من غبارها وترابها، فيغتفر ما هذا حاله ~~لما يلحق من توقيه من المشقة بالتحرز منه فتساهل الشرع فيه. # وعاشرها: الدماء التي تكون في العروق متصلة باللحم بعد الذبح، ودماء ~~المذابح ما بقي منها يغتفر، لأنه لم يعلم في الأمصار والأقاليم أن أحدا من ~~العلماء أوجب غسل تلك المواضع لما يلحق فيها من الصعوبة والحرج، وفي هذا ~~دلالة على كونها مغتفرة في الطهارات كما قررناه من قبل، ويلحق بهذا العفو: ~~موضع السبيلين، بترك الغسل اكتفاء بالحجارة على رأي الفقهاء، وهو عندنا غير ~~معفو عنه، ولابد من غسله وسنقرره في الاستنجاء بمعونة الله تعالى. # فهذه الأمور العشرة قد تسامح الشرع فيها وعفا عنها، وتسامحه فيه دلالة ~~ظاهر وقرينة معرفة على أن مبنى الطهارات كلها على التساهل، وأن كل ما زيد ~~فيه على خلاف قانون الشرع ووضعه فإنما هو بدعة نشأت من جهة الوسوسة لا أصل ~~لها. وبتمامه يتم الكلام على الفصل الأول من باب النجاسات، والله أعلم ~~بالصواب. PageV01P523 # --- ### ||| AUTO الفصل الثاني: في بيان الكيفية في إزالة هذه النجاسات # اعلم أن الذي ورد به الشرع هو التحرز من النجاسات والبعد عنها، كما قال ~~الله تعالى: {والرجز فاهجر}[المدثر:5]. والرجز: هو النجس، فأما الرجز في ~~قوله تعالى: {فأرسلنا عليهم رجزا من السماء }[الأعراف:162].فإنما هو ~~العذاب، وفي الحديث: (( إن الله نظيف يحب النظافة فتنظفوا )). ثم إن ~~الإزالة مختلفة باختلاف النجاسات نفسها، منها ms0253 ما لا يقبل النجاسة، ومنها ما ~~لا يمكن غسله فمنها ما يمكن غسله خلا أنه يتعذر من جهة المشقة، ومنها ما هو ~~ممكن الغسل، فهذه أمور أربعة نعقدها في نوعين لاندراجها تحتهما، ثم نذكر ما ~~يختص كل واحد منها من المسائل: # النوع الأول منها: ما لا يقبل النجاسة لصقالته، وهذا نحو: المرآة والسيف ~~والزجاج والذهب وغيرها من الأشياء الصقيلة، فإذا أصابتها نجاسة فهل تطهر ~~بالمسح أو لابد من الغسل؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها لا تطهر إلا بالغسل لا غير، وهذا الذي ذكره المؤيد ~~بالله، وأشار إلى أنه مذهب الهادي، وهو قول الشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه محل نجس فلا يطهر بالمسح كالثوب، أو نقول: محل ~~اتصلت به النجاسة فلا يطهر إلا بالغسل كالأثواب والآنية. # المذهب الثاني: أنه يطهر بالمسح فإذا داس(1) ما هو صقيل بالخرقة أو ~~بالخشن كان طاهرا، وهذا هو رأي زيد بن علي، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ومالك. # والحجة على ذلك: هو أن النجاسة إما أن تكون عينية أو حكمية، وكل واحد من ~~العين أو الحكم إنما تجب إزالته عن المحل إذا كان قابلا له، فأما إذا لم ~~يكن قابلا له فلا وجه لإزالته، فهذه الأشياء لصقالتها غير قابلة فلهذا لم ~~يجب غسلها بالماء، وهذا هو رأي السيد أبي طالب. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله وغيره. PageV01P524 # والحجة على ذلك: هو أنها طهارة تراد للصلاة فلا يجوز تحصيلها بغير الماء، ~~دليله: طهارة الحدث. # الانتصار: قالوا: إزالتها بالماء إنما تجب إذا كان المحل قابلا لها فأما ~~إذا لم يكن قابلا فلا وجه لإيجاب الماء. # قلنا: إن لم يكن المحل قابلا فلا حاجة إلى المسح كما قلتم، وإن كان المحل ~~قابلا فلا بد من الغسل، وأيضا فإنا نقول: ما تريدون بقولكم: إن الأشياء ~~الصقيلة غير قابلة للنجاسة، هل تعنون أنها لم تقع فيها النجاسة وتتصل بها؟ ~~فهذا لا وجه له، فإنا فرضنا أن النجاسة متصلة بها حسا بأن يقع البول ~~والعذرة على هذه الأشياء الصقيلة، وإن عنيتم ms0254 أنها وإن اتصلت بها النجاسة ~~لكن المسح يزيلها، فهذا فاسد، فإنه وإن أزال العين فالنجاسة الحكمية باقية ~~لا تزول إلا بالغسل وذلك لأن التعبد في إذهاب النجاسة حكمان: # أحدهما: إذهاب العين. # وثانيهما: إزالة الحكم. # فالعين وإن زالت حسا بالمسح لكن الحكم لا يكون زائلا إلا بالغسل، وأيضا ~~فإن البلة اللاحقة من جهة اتصال النجاسة بالمحل لا تزول بالمسح، وإنما يزول ~~حكمها بالغسل، فبطل ما قالوه. # قالوا: التطهير بالماء إنما يجب إذا كان هناك مرفوع كالبول والعذرة، ~~وههنا لا مرفوع فلهذا كان المسح كافيا عن الغسل. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الطهارة واردة على جهة التعبد لا يعقل معناها كما مر ~~بيانه، لاختصاصها بأوقات وكيفيات لا يعلم خصائصها إلا الله، ولهذا كانت ~~مفتقرة إلى النية لأجل كونها عبادة، فلهذا وجبت على حد ما يوجبه الشرع، ~~سواء كان هناك مرفوع أو لم يكن، ولهذا فإنا نوجب الطهارة في غير محل الحدث، ~~فنوجبها في غسل أعضاء الوضوء وإن لم تكن محلا للأحداث، ونوجب الطهارة من ~~التقاء الختانين، وإن لم يكن هناك إنزال يكون حدثا. # وأما ثانيا: فلا نسلم أنه ليس هناك مرفوع، بل المرفوع وإن لم يكن حسيا ~~فهو رفع حكمي، وهو إزالة البلة التي تلحق باتصال النجاسة بالمحال، فبطل ما ~~توهموه. PageV01P525 # قالوا: الأعيان من جملة الأشياء الصقيلة بل هي من أعظمها في الصقالة، فلو ~~أوجبنا غسلها عند وقوع النجاسة لأدى ذلك إلى الحرج والمشقة، وقد قال تعالى: ~~{وما جعل عليكم في الدين من حرج}[الحج:78]. فإذا سقط الغسل فيها سقط في ~~غيرها إذ لا قائل بالفرق. # قلنا: عما ذكرتموه جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن في غسلها حرجا ومشقة، ولهذا ذهب إلى إيجاب ~~غسلها في الوضوء ذاهبون كما سنوضحه؛ لأن الماء يجلوها. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا سقوط الغسل عن الأعيان للحرج والمشقة، فلا ~~يسقط عن غيرها إذ لا مشقة فيه ولا حرج، فالميسور لا يسقط بالمعسور، وغير ~~الممكن إذا سقط لم يلزم سقوط الممكن فافترقا. # مسألة: الأشياء النجسة إذا ms0255 استحالت عما كانت عليه، وهذا نحو أن تصير ~~العذرة رمادا، والميتة ترابا، والكلب والخنزير إذا صارا ملحا في الملاحة ~~إلى غير ذلك من الاستحالات، فهل تطهر أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها تكون طاهرة، وهذا هو رأي القاسم والمؤيد بالله أخيرا، ~~وهو محكي عن أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو أن هذه عين استحالت وخرجت عما كانت عليه من الصفة، ~~فوجب القضاء بطهارتها كالخمر إذا صارت خلا، أو نقول: إنها بالاستحالة ~~التامة خالفت ما كانت عليه من النجاسة في الاسم والصفة والتركيب، فوجب ~~القضاء عليها بالطهارة، كالنطفة إذا صارت آدميا. # المذهب الثاني: أنها تكون نجسة، وهذا هو رأي المؤيد بالله قديما، وهو قول ~~الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن طريق التطهير الشرع، ولم يرد الشرع بأن النار ~~مطهرة وهكذا القول في سائر الاستحالات، لا تكون مطهرة لما كانت عليه من ~~النجاسة؛ فلهذا وجب الحكم عليها ببقاء النجاسة حتى تغسل كسائر النجاسات. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله أخيرا، وأبوحنيفة. PageV01P526 # والحجة على ذلك: هو أن هذه استحالة تامة لم يبق لها أثر في الهيئة والطعم ~~والرائحة، فوجب الحكم عليها بالطهارة؛ كالدم إذا صار لبنا؛ لأن الموجب ~~لنجاسة العذرة والميتة إنما هو وجودها على ضرب من الاستحالة والتغير عما ~~كانت عليه من قبل، وقد زال ذلك بالاحتراق فمن أجل ذلك حكمنا عليها بالطهارة ~~كالدم إذا صار لبنا من غير فرق، أو نقول: إنما كانت العذرة والميتة نجسين ~~لأمر يصح لأجله إطلاق الاسم عليها، وبعد الاحتراق قد بطل إطلاق اسم العذرة ~~والميتة عليهما بكل حال، فلهذا حكمنا ببطلان النجاسة. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمده على بقاء حكم النجاسة. # قالوا: والمحكوم عليه بالتنجيس في العذرة والميتة إنما هو الجرم والبلة، ~~ولا شك أن الاستحالة في الجرم دون البلة فهي باقية فلا يطهرها إلا الغسل ~~بالماء دون الاستحالة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه إذا بطل حكم جرم النجاسة بالاستحالة وجب بطلان البلة ~~تبعا له؛ لأن الجرم أعظم في التنجيس من البلة فلأجل هذا ms0256 بطل حكمه تبعا لها. # وأما ثانيا: فهذا معارض بالدم فإن جرمه قد تغير بصيرورته لبنا، فإذا بطل ~~حكم بلة الدمية عند كونه لبنا فهكذا ما نحن فيه من غير تفرقة بينهما. # قالوا: مالم يكن نجسا بالاستحالة كالكلب والخنزير فإنه لا يطهر ~~بالاستحالة أيضا، فصار كسائر النجاسات التي لم يحصل فيها استحالة تامة ~~كالدم إذا صار صديدا وقيحا وكالبول إذا تغير عن حاله، بخلاف ما تنازعنا فيه ~~فإنه قد استحال استحالة تامة، فلهذا حكمنا عليه بالنجاسة عند استحالته لما ~~كانت نجاسته لم تكن باستحالة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكرتموه باطل بالعذرة، فإنها إنما تنجست باستحالة ~~الطعام ابتداء، ثم إنها لا تطهر عندكم بالاستحالة إذا صارت رمادا. PageV01P527 # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الدم والبول هو أنهما لم يستحيلا استحالة تامة، ~~فلهذا لم يكونا طاهرين بخلاف ما تنازعنا فيه، فإنه قد استحال استحالة تامة ~~في كل أوصافه، حتى صار غير ما كان من قبل في اسمه ولونه وطعمه ورائحته. # قالوا: المستند في تنجيس هذه الأشياء العينية كالكلب والخنزير والميتة ~~والعذرة إنما هو خطاب الشرع وأدلته، وهو لم يفصل بين هذه الأمور بين أن ~~تكون مستحيلة أو غير مستحيلة، فلهذا قضينا بنجاستها في كل أحوالها استحالت ~~أم لم تستحل. # قلنا: هذا فاسد لأوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأنا نقول: إنما تناولها الخطاب الشرعي بالتنجيس بشرط بقائها ~~على حالها، واستمرارها على حقائقها وصفاتها الكائنة عليها، نحو الكلبية ~~والخنزيرية وما عداها، وبعد استحالتها بالاحراق، فلا نسلم تناول الخطاب لها ~~بحال وهي على هذه الصفة. # وأما ثانيا: فهذا باطل بالدم، فإن اللبن مستحيل منه بظاهر الآية كقوله ~~تعالى: {من بين فرث ودم}[النحل:66]. فكان يلزم أن يكون نجسا إذا صار لبنا ~~ولا قائل به. # وأما ثالثا: فلأن الاحراق بالنار في الطهارة أبلغ من الدباغ في الجلد، ~~لأن الجلدية مع الدباغ باقية، وقد حكمتم عليه بالطهارة، والعذرة والميتة مع ~~الإحراق ليس حقيقتهما باقية؛ فإذا حكمتم هناك بالطهارة فهاهنا أحق. # قالوا: لو صارت العذرة والميتة وسائر النجاسات ms0257 طاهرة بالإحراق للزم أن ~~تكون النار مطهرة؛ لأنها هي السبب في الإحراق، فكان يلزم على هذا أن البول ~~لو وقع في آنية الفخار وأدخل النار أن يطهر من غير غسل وهذا لا قائل به؛ ~~لأنه لم يتجدد فيه إلا الحرارة فيلزم على هذا أن يطهر بوضعه في الشمس وهو محال. PageV01P528 # قلنا: هذا فاسد، فإنا لم نقل: إن النار مطهرة بنفسها فيلزم ما قلتموه، ~~وإنما قلنا: إن العذرة تطهر بالاحتراق، والاحتراق حاصل عن النار، فالتطهير ~~حاصل عن(1) النار لا بها فأين أحدهما عن الآخر؟ وأيضا فإن التطهير حاصل ~~بالاستحالة، وما ذكرتموه ليس من باب الاستحالة في شيء، وإنما هو جفاف، ~~والبول لا يطهر بالجفاف، وكلامنا إنما هو في الاستحالة فافترقا. # قالوا: تطهير فلا يقع إلا بمائع كالوضوء والغسل. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فهذا منقوض بالتيمم والاستجمار؛ فإنهما يطهران وليسا بمائع، ~~وإنما حصلا بجامد، وهو التراب والحجارة. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل إنما وجب(2) بالماء لما كان المقصود ~~بهما(3) تأدية العبادة، بخلاف طهارة العذرة والميتة بالإحراق فإنهما لا ~~تؤدى بهما عبادة فلهذا طهرا بالإحتراق من غير ماء فافترقا. # مسألة: الأرض إذا أصابتها نجاسة من بول أو عذرة أو غير ذلك من سائر ~~النجاسات، هل تطهر بطلوع الشمس وهبوب الريح أم لا تطهر إلا بالغسل؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنها لا تطهر إلا بالغسل، وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو ~~قول الشافعي في الجديد، ومحكي عن مالك، وزفر. # والحجة على ذلك: قوله تعالى:{أن طهرا بيتي للطائفين }[البقرة:125]. فظاهر ~~الآية الأمر لإبراهيم بتطهير البيت، فلا بد من جهته من العناية، فلو كان ~~يطهر بهبوب الريح وطلوع الشمس عليه لم يكن للأمر فائدة إذ لا عناية له ~~بهبوب الريح وطلوع الشمس. PageV01P529 # والحجة الثانية: قوله لما بال الأعرابي في ساحة المسجد: (( صبوا عليه ~~ذنوبا من ماء ))(1). فلو كان الأمر كما زعموه من طهارتها بما قالوا من ~~هبوب الريح وطلوع الشمس لما كان للأمر بالصب فائدة؛ لأن المقصود يحصل من دونه. # الحجة الثالثة: قياسية، ms0258 وحاصلها: أنها بقعة لا يجوز التيمم منها فلا تجوز ~~الصلاة فيها، كما إذا لم يذهب أثر النجاسة عنها. # المذهب الثاني: أنها تطهر بما ذكرناه من هبوب الريح وطلوع الشمس عليها، ~~وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي في القديم، وهذه المقالة ~~إنما تكون إذا كانت أجزاء النجاسة قد ذهب ريحها وعينها ولونها، فأما مع ~~بقاء شيء من ذلك فلا قائل به. # والحجة على ذلك: هو أن الأرض مع الريح والشمس تحيل الأشياء عن طباعها، ~~فمن أجل ذلك كان تأثيرها في النجاسة وإذهابها أعظم من تأثير الماء. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من أن نجاستها لا تزول إلا بالماء. PageV01P530 # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم، ونزيد هاهنا وهو أن الأرض محل نجس(1) فلا ~~تطهر عند وقوع النجاسة إلا بالماء كالثوب، ولأنها أرض لا يصح التيمم منها ~~فلا تصح الصلاة عليها كما إذا لم يذهب أثر النجاسة، وهذا القياس إنما هو ~~على إحدى الروايتين في أنه يصلي عليها ولا يتيمم منها، فأما على الرواية ~~الثانية أنه يصح فيها الأمران جميعا فلا وقع له. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: الأرض مع طلوع الشمس وهبوب الرياح تحيل الأشياء عن طباعها، ولهذا ~~قال الله تعالى: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا }[الكهف:8]. ومع ~~الاستحالة تحصل الطهارة لا محالة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا منقوض بالذهب والفضة وسائر الأحجار الجوهرية، فإن ~~الأرض لا تحيلها. # وأما ثانيا: فلأن الغرض بالآية إبطال هذا النظام وزوال هذا التأليف من ~~الجبال والآكام، وجعلها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، على أنه قد ~~حكي عن ابن عباس في تفسير الآية: أنه [تعالى]: أراد بذلك موت الأنبياء، ~~والخلفاء، والعلماء، والأمراء، ومن فيه صلاح للخلق. # قالوا: الشمس تقلل النجاسة، وقليل النجاسة لا يمنع من الصلاة كالأمور ~~التي عفا الشرع عنها، وقد مر بيانها. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن الشمس تقلل النجاسة كما زعموه، وإنما تنشفها ~~كما ينشفها ms0259 ما كان مهلهل النسيج؛ كالثوب الخلق والبساط، وما هذا حاله فلا ~~يعد تقليلا بحال. # وأما ثانيا: فإنا نقول: القليل عندكم معاشر أصحاب أبي حنيفة هو قدر ~~الدرهم قياسا على حلقة الدبر، وهذا أكبر من الدرهم فلا وجه لعده من جملة ~~القليل. PageV01P531 # قالوا: تأثير الأرض في إزالة النجاسة أعظم من تأثير الماء فإذا كان الماء ~~مطهرا فالأرض مثله في التطهير من غير فرق بينهما، وإنما كانت الأرض أبلغ من ~~الماء من جهة أن الأرض تحيل النجاسة وتذهبها بخلاف الماء، فإنه إنما يطهرها ~~ولا يحيلها، فلهذا قلنا: بأنها أبلغ من الماء في التطهير. # قلنا: إن كان الغرض أن جرم النجاسة قد أحالته الأرض حتى صار ترابا فقد ~~صار طاهرا بالاستحالة كما في رماد العذرة، لكنا نقول: إن مكان النجاسة قد ~~صار نجسا بالبلة التي تلحقه فهي باقية فلا بد من إزالتها بالماء، والأرض لا ~~تقدر على إزالة البلة، وإنما تطهيرها يكون بالماء، فالأرض وإن كانت أقوى في ~~الإحالة للنجاسة من الماء لكن الماء أقوى منها في كونه مزيلا للبلة ~~المتنجسة دون الأرض. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: (( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا )). ولفظة ~~الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وظاهرها يدل على أن الأرض كما تصلح ~~للسجود عليها بالصلاة فهو دال على كونها مطهرة للأنجاس، ولن يكون تطهيرها ~~لها إلا بما ذكرناه. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن هذا لا يتأتى على مذهبكم؛ لأن الطهور عندكم من الأسماء ~~اللازمة، والطاهر والطهور عندكم سواء، فلا يكون لكم فيه حجة؛ لأنه ليس ~~مطهرا لغيره، ولهذا عمموا التطهير بالماء وبغيره من الطاهرات كما مر ~~تقريره. PageV01P532 # وأما ثانيا: فلأن المراد بكون الأرض مطهرة هو أنها قائمة مقام الماء عند ~~عدمه في تأدية الصلاة، أو أنها مزيلة للنجاسات بالاستحالة فتطهر الميتة بأن ~~تجعلها ترابا كما تطهر النار العذرة بأن تجعلها رمادا، وهذا لا ننكره وعليه ~~يكون تأويل الخبر، وإنما الذي وقع فيه الخلاف والنزاع إنما هو طهارة بلة ~~النجاسة بالأرض، والخبر لم يتناول هذا فلا ms0260 يكون فيه حجة لكم، فإن ذهب لون ~~النجاسة وريحها بالظل فقد قال البغداديون من أصحاب الشافعي: أنه لا يطهر ~~قولا واحدا، وقال أهل خراسان من أصحابه أيضا: فيها قولان. # والمختار على رأي أئمة العترة: أنها لا تطهر بالظل، بل لا بد من غسلها ~~بالماء عند وقوع النجاسة عليها كما قاله أهل بغداد. # والحجة على ذلك: هو أن الأرض لا قوة لها على طهارة البلة اللاحقة بالأرض، ~~وأن الظل أضعف من الشمس، فإذا لم تكن مؤثرة فالظل أبعد من التأثير في ~~الطهارة. # مسألة: ذهب أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ~~إلى أن الخفاف والنعال إذا أصابت أسفلها نجاسة فدلكت على الأرض فأزال عينها ~~وبقي أثرها فإنه ينظر في حالها، فإن كانت رطبة لم تطهر؛ لأنها لرطوبتها ~~تزول بالدلك من جانب من الخف إلى جانب آخر بالحك والدلك فلا تطهر إلا ~~بالغسل، وإن أصابتها وهي رطبة فجفت عليها ثم دلكها عن الخف فأزال عينها ~~وبقي أثرها فإنه لا يحكم بطهارة الخف والنعل لاتصال النجاسة به، وهل يعفى ~~عن ذلك الأثر وتصح الصلاة فيه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يعفى عنه ولا تجوز الصلاة فيه، وهذا هو رأي أئمة ~~العترة لا يختلفون فيه، وهو قول محمد والشافعي في الجديد. # والحجة على ذلك: هو أنه محل نجس فوجب أن لا يطهر بالمسح والحك كالثوب، ~~ولأنه لو كان على الثوب لم يطهر إلا بالغسل، فهكذا إذا كان على الخف من غير ~~تفرقة بينهما. PageV01P533 # المذهب الثاني: أنها تطهر وتجوز الصلاة فيها، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأبي ~~يوسف، وهو قول الشافعي في القديم. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: (( إذا وطئ أحدكم الأذى ~~بنعله فإن طهورها التراب ))(1) رواه أبو هريرة. # الحجة الثانية: من جهة القياس، وهو أنه موضع تتكرر فيه النجاسة فأجزأ فيه ~~المسح كموضع الاستجمار. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم. # والحجة على ذلك: هو أن الخفاف والنعال ملبوسة فإذا أصابتها نجاسة فإنها ~~لا ms0261 تطهر إلا بالغسل، دليله: الأثواب، ولأنها نجاسة اتصلت بالخف وهي رطبة ~~فلا تجوز الصلاة فيها ولا يحكم بطهارتها إلا بالغسل كما لو اتصلت بالقدم من ~~غير خف ولا نعل. # الانتصار: يكون بتزييف ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: (( إذا وطئ أحدكم الأذى بنعله ~~فإن طهورها التراب)). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه يحتمل أن يكون مراده وطء المستقذرات الطاهرة، فإنه قد ~~يستعمل لفظ التطهير في ذلك كقوله عليه السلام: (( السواك مطهرة للفم ))(2). # وأما ثانيا: فلعله أراد الأذى الذي يكون جافا فلا يعلق بالخف، وما هذا ~~حاله فإنا نسلم أنه لا يحتاج إلى غسل؛ لأن ظاهر الحديث ليس فيه أن النجاسة ~~رطبة كما زعمتم، فإذا كان الخبر محتملا لما ذكرناه بطل تعلقهم به. PageV01P534 # قالوا: روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه قال: (( إذا جاء أحدكم إلى ~~المسجد فلينظر نعليه فإذا كان فيهما خبث فليمسحه بالتراب)). أو قال: (( ~~بالأرض ثم ليصل فيهما))(1). فظاهر الخبر دال على ما قلناه من طهارة الخف ~~إذا حكه بالتراب. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه ليس في الخبر إلا أنه يمسحه على الأرض، وليس فيه دلالة ~~على منع غسله، فلعله أراد بالمسح تخفيف النجاسة بالمسح أولا، ثم يغسله ثانيا. # وأما ثانيا: فلأنه يحتمل أن يكون ذلك الخبث جافا فلا ينجس الخف به، كغيره ~~من النجاسات الجافة وإنما وجب حمله على ما ذكرناه من أجل مخالفته للقياس؛ ~~لأن القياس في اتصال النجاسة الرطبة: أنه لا بد من غسلها للصلاة، وهذا ~~الخبر لما خالف هذا القياس وجب تأويله على ما ذكرناه. والاحتمال وإن بعد ~~فإنه يغتفر بعده مخافة ارتكاب ما هو أبعد منه، والله أعلم. # قالوا: محل تتكرر فيه النجاسة فزال حكمها بالمسح كمسح الاستجمار. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلا نسلم أنه تتكرر فيه النجاسة، فإن الغالب من حال الأرض هو ~~الطهارة، وهو مخالف لما قالوه في الاستجمار، فإن موضع الاستجمار تتكرر فيه ~~النجاسة، فلو ألزمناهم غسله لكان فيه ms0262 مشقة، هذا على رأيهم في أن وضع ~~الاستجمار معفو عنه، فأما على ما نختاره وهو رأي أئمة العترة، فإنه غير ~~معفو عنه، وسيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله. # وأما ثانيا: فلأن المسح بالأحجار في موضع الاستجمار يزيل البول والغائط ~~إذا كانا رطبين، وهاهنا لا يجوز إلا إذا كانت النجاسة قد جفت على الخف ~~والنعل فافترقا. # قالوا: جرم الخف مستحصف كثيف، وجرم النجاسة متخلخل سخيف، فإذا جفت ~~النجاسة على الخف والنعل فإنها تنشف الرطوبة إلى نفسها التي فيها، فإذا مسح ~~زال ما حصل فيه إلا الرطوبة، وتبقى في الخف نجاسة يسيرة يعفى عنها شرعا. PageV01P535 # قلنا: هذا فيه منع من وجهين: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن النجاسة تنشف نجاسة الخف إلى نفسها، لأنها لو ~~كانت كما زعموا لوجب إذا مسح الخف على الأرض أن يطهر عند اتصال النجاسة به، ~~من جهة أن الرطوبة قد حصلت في الجرم وقد زال الجرم. # وأما ثانيا: فلأنا لا نسلم أن ما يبقى معفو عنه؛ لأن ما يعفى عنه إنما هو ~~مما تعظم به البلوى، ويكثر فيه الحرج والمشقة في تلك الأمور العشرة، وليس ~~هذا منها فافترقا. # مسألة: مشتملة على فروع: # الفرع الأول منها: إذا ضرب اللبن من التراب وفيه نجاسة ذائبة كالخمر ~~والبول، فإن اللبن يكون نجسا لا محالة لاتصاله بالنجاسة الذائبة المتصلة ~~به، فإن أريد تطهيره قبل طبخه فإنه يكاثر بالماء فإذا كوثر بالماء طهر ~~ظاهره، ولا يطهر باطنه إلا بأن تفتت أجزاؤه ثم يصب عليه من الماء ما يغيره، ~~ويتهرأ(1) فيه فعند ذلك يطهر، وإن طبخ هذا اللبن فإذا صب الماء على ظاهره ~~طهر ظاهره وإن خرج الندى من الجانب الآخر طهر باطنه لاتصاله بالماء، وإن ~~خالط طينه نجاسة مستجسدة كالسرقين والعذرة، فإنه مهما دام لبنا لم يطبخ، ~~فإنه لا يطهر بحال؛ لأنه لا يطهر بالغسل فلا معنى للمكاثرة فيه بالماء من ~~جهة أن الأعيان النجسة لا تطهر بالغسل؛ لأن نجاستها عينية كما مر تقريره، ~~وإن طبخ هذا اللبن فهل يطهر بالنار ms0263 من غير غسل أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا يطهر؛ لأن بلة السرقين والعذرة نجسة، وقد اختلط بها ~~وامتزج ولم يعرض [له] إلا النار وهي غير مطهرة. # وثانيهما: أنه يكون طاهرا من جهة أنه قد استحجر واستحالت تلك الأجزاء ~~بالنار فصار كرماد العذرة والسرقين، وهذان الوجهان محكيان عن الشافعي. # والمختار: هو الثاني؛ لأن أجزاء السرقين قد ذهبت بالاحتراق بالنار، فإذا ~~زالت العين بالنار زال حكم البلة تبعا لها كما قلناه في الدم إذا صار لبنا، ~~والخمر إذا صارت خلا كما سبق. PageV01P536 # الفرع الثاني: قال القاسم: من مس كلبا جافا لم يجب عليه غسل يده، وهكذا ~~الحال فيمن مس عذرة [جافة] فإنه لا يتوجه عليه غسل يده لأجل مجاورتها ~~للنجاسة، وهذا هو رأي العترة وهو قول علماء الأمة. # والحجة على ذلك: هو أن الأشياء النجسة إنما تكون منجسة لما جاورها بأحد أمرين: # - إما بأن تكون مائعة بنفسها كالخمر ودم الميتة ورطوبتها. # - وإما بأن تكون في نفسها جافة، لكن الشيء الطاهر الذي جاورها يكون رطبا ~~فإنه يكون مخالطا لها بما فيه من الرطوبة فينجس من أجل ذلك، فمن غسل يده ~~وأمرها على كلب أو خنزير فإنها تكون نجسة؛ لأنها بما فيها من البلة لاقت ~~النجس فكانت نجسة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن جميع الأعيان الطاهرة لا ~~ينجس شيء منها بملاقاة [شيء] من النجاسات إلا إذا كان أحدهما رطبا. # الفرع الثالث: إذا وقعت في الأرض نجاسة ذائبة كالبول والخمر وكاثرها ~~بالماء، فهل تطهر على الإطلاق أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنها تطهر بالمكاثرة من غير نظر إلى حالها، وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على ذلك: ما روى أبو هريرة أن أعرابيا دخل مسجد الرسول فقال: ~~اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا. فقال الرسول : (( لقد تحجرت واسعا ~~)). فما لبث أن قام إلى زاوية المسجد فبال فيها فابتدره أصحاب النبي . فقال ~~النبي : (( دعوه )). ثم دعا بذنوب من ماء فأراقه عليه ثم قال: (( علموا ~~ويسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ))(1). والذنوب: هو الدلو ms0264 الكبيرة. PageV01P537 # وثانيهما: أنه ينظر فإن كانت الأرض رخوة ينزل فيها الماء، وصب عليها الماء ~~فإنها تطهر، وإن كانت صلبة لم يجز إلا حفرها ونقل التراب وهذا هو رأي أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو أنها إذا كانت رخوة ذهبت أجزاء النجاسة مع الماء ~~بخلاف ما إذا كانت صلبة فإنها تطهر على وجه الأرض والماء قليل ينجس بملاقاة ~~النجاسة، فلهذا وجب حفر ما اتصل بالنجاسة وإلقاؤه، فعند ذلك تطهر الأرض ~~بقلع التراب وإزالته. # والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، هو أن الأرض إن كانت رخوة فلا كلام في ~~طهارتها، فأما إذا كانت صلبة، فإنه ينظر في الماء الذي كوثرت به النجاسة، ~~فإن كان متغيرا بها لم يطهر إذا ظهر فيه ريح أو لون، وإن لم يظهر فيه تغير ~~بالنجاسة طهرت الأرض بالماء وإن لم تنشفه. # الانتصار على الشافعي: احتج بحديث أبي هريرة. # قلنا: أرض المسجد كانت رخوة؛ لأنه رمل وكلامنا إذا كانت صلبة لا ينزل ~~فيها الماء، فليس في حديث أبي هريرة حجة على ذلك. # وعلى أبي حنيفة نقول: إذا كان غير متغير بالنجاسة، فإنه بالمكاثرة قد ~~صارت الأرض طاهرة ولا معنى لحفرها، بخلاف ما إذا تغير الماء بالنجاسة، ~~فإنها تنجسه وعلى هذا تكون غالبة فلا تطهر. # الفرع الرابع: وإن وقعت نجاسة على الأرض فصب عليها الماء وكاثرها به، فهل ~~يحكم بطهارتها قبل أن ينشف الماء أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يحكم فيها بالطهارة وإن لم ينشف الماء؛ لأن الطهارة فيها ~~متعلقة بالمكاثرة وقد وجدت فلهذا طهرت. # وثانيهما: أنه لا يحكم لها بالطهارة حتى ينشف الماء؛ لأنه لا يتحقق ذهاب ~~النجاسة إلا بالتنشيف، وهذا هو الذي ذكره أصحابنا للمذهب. # والمختار: أن الماء إذا كان راكدا على الأرض ولم تبلعه فإنه ينظر فيه، ~~فإن تغير بالنجاسة التي وقع عليها فهو غير طاهر ولا مطهر لها، وإن لم يكن ~~متغيرا بالنجاسة فإنه يكون طاهرا مطهرا، من جهة أن العبرة هي المكاثرة من ~~غير تغير فيه. # الفرع الخامس: في قدر المكاثرة، وفيه وجهان: ms0265 PageV01P538 # أحدهما: أن يصب على النجاسة ما يكون غامرا لها مستهلكا لأجزائها مما يكون ~~ذاهبا بلونها وطعمها ورائحتها. # وثانيهما: أن النجاسة لا تطهر حتى يصب عليها من الماء سبعة أضعافها؛ ~~لأنها نجاسة فيجب إزالتها بسبعة أضعاف، دليله: ولوغ الكلب. # والمختار: هو الأول، وهو الذي نص عليه الشافعي في (الأم). # والحجة على ذلك: هو أن المقصود إنما هو إزالة النجاسة، وما ذكرناه يكون ~~مذهبا لها فلهذا وجب التعويل عليه، وما ذكروه من أخذه من ولوغ الكلب لا وجه ~~له لأمرين: # أما أولا: فلا نسلم أنه يغسل من ولوغه سبع مرات، وسنوضح القول فيه إن شاء الله. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمناه في الكلب، وأما في غيره فلا نسلمه(1) لأن ذلك ~~إنما كان تعبدا في حق الكلب على الخصوص، لكونه مختصا في نظر الشرع بتقذير ~~بالغ، فلهذا خصه بهذا العدد في الإزالة فلا يكون غيره في معناه، فلا يقاس ~~عليه غيره. # مسألة: ذهب أئمة العترة إلى أن فم الهر طاهر، وسؤره يجوز التطهر به، وهو ~~رأي فقهاء الأمة: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ولهم على تقرير هذه ~~المسألة حجتان: PageV01P539 # الحجة الأولى: من جهة القول، وهو ما روته كبشة بنت كعب بن مالك (1)، وكانت ~~تحت [عبدالله بن] أبي قتادة )، فجاءت هرة فشربت من وضوئه فأصغى لها الإناء ~~فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يابنة أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ~~قال: (( إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات)). # الحجة الثانية: من جهة الفعل، وهو ما روته عائشة رضي الله عنها أن الرسول ~~كان يتوضأ بفضلها(3)، وروي أنه أصغى لها الإناء فشربت منه، فوضح بما قررناه ~~هاهنا، أن الهرة فمها وسؤرها طاهران بما أوردناه من الأدلة الشرعية في حقها ~~قولا وفعلا، والله أعلم. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول منها: إذا ولغت هرة في ماء قليل ولم يرها قبل ذلك أكلت ~~نجاسة، جاز الوضوء به عند أئمة العترة، وهو قول الشافعي،. ولا يكره ذلك. # والحجة على ذلك: ما قررناه من قبل من جهة القول ms0266 والفعل فلا وجه لتكريره، ~~وكله دال على طهارتها من غير كراهة فلو كان فيه كراهة لنبه عليه؛ لأنه في ~~موضع الشرع فلا يجوز تأخير البيان عن موضع الحاجة إليه. PageV01P540 # وحكي عن أبي حنيفة: أن سؤرها يكره، وكذلك الخيل، وعنده أن سؤر بني آدم ~~وسائر ما يؤكل لحمه طاهر، وسؤر مشكوك فيه وهو سؤر البغال والحمير، وسؤر نجس ~~وهو سؤر السباع كلها. # والحجة على كراهة سؤر الهر: هو أنه من جملة السباع لكونه ذا ناب، لكن ~~القياس: أن يكون نجسا عنده كسائر السباع، فلما خفف الشرع حكمه بالمخالطة ~~والطوفان فيه، لا جرم كان مكروها ولم يكن محرما. # والمختار: ما عول عليه الجماهير من أئمة العترة والفقهاء من طهارتها ولا ~~مزيد على ما أوردناه في ذلك من الأدلة الشرعية، لكنا نقول: الكراهة حكم ~~شرعي فلا بد فيه من دلالة لكونه مقابلا للمندوب، من جهة أن المندوب: ما جاز ~~تركه والأفضل فعله، والمكروه: ما جاز [فعله] والأفضل تركه، والجنس شامل ~~لهما جميعا، فكما كان الندب لا بد فيه من دلالة، فهكذا حال المكروه من غير ~~فصل، ولا دلالة هناك على كراهة سؤر الهرة. # الانتصار على أبي حنيفة: قال: سؤر السباع نجس. # قلنا: لا نسلم، وقد مر الكلام فيه، وقد أوضحنا كونه طاهرا فأغنى عن ~~الإعادة، ثم إنا إن سلمنا كون السباع نجسة، فالهرة ليست من السباع بنص صاحب ~~الشريعة صلوات الله عليه وعلى آله وسلم، حيث قال: (( إنها ليست سبعا )). ثم ~~إن عموم المخالطة بالطوفان قد خفف أمرها في النجاسة فلا وجه لما ادعاه من ~~الكراهة. # الفرع الثاني: إذا افترست الهرة حيوانا فهل ينجس فمها أم لا؟ فالذي ذهب ~~إليه علماء العترة: أنه ينجس، وهذا هو أحد أقوال الشافعي، وله قول ثان: أنه ~~لا ينجس بالافتراس؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منها، وقول ثالث: أنها إن غابت ~~ثم رجعت لم ينجس، لجواز طريان الطهارة على فمها، وإن لم تغب فإنه يكون ~~نجسا؛ لأن الأصل هو بقاء نجاسته بالافتراس. # والحجة على ما قاله علماء العترة: ms0267 هو أن الافتراس متحقق في حقها والنجاسة ~~متحققة فلا معنى لإزالتها بالوهم الصرف. # والمختار: ما عولنا عليه من نجاسة فمها. PageV01P541 # والحجة على ذلك: هو أنه إما أن يقال: إنها لم تفترس شيئا، فقد فرضنا أنها ~~قد افترست، فلا وجه له، لفرض خلافه. # وإما أن يقال: إنها وإن افترست ففمها طاهر. فهذا لا وجه له، لأنا قد ~~تيقنا نجاسة فمها بأكل الميتة فإذا الحكم بنجاسة فمها هو الوجه، ولأنا لو ~~لم نحكم بنجاسة فمها لأدى إلى طهارة الميتة، ولا قائل بكونها طاهرة. # الانتصار على الشافعي: حيث قال: بأنها لا تنجس؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منها. # قلنا: إنكار كونها آكلة للميتة لا سبيل إليه، فبعد ذاك، إما أن يقال: إن ~~الميتة طاهرة، وهذا لا وجه له، وإما أن يقال: بأن فمها لم ينجس بأكل ~~الميتة، فهذا فاسد أيضا فإن الميتة نجس وما خالطها فهو نجس أيضا، وإما أن ~~يقال: بأن فمها قد تنجس خلا أنه يطهر بعد ذلك، فهذا جيد، وسنقرر كيفية ~~طهارته بعد تنجيسه بأكل النجاسة، وفيه تسليم ما قلناه من كون فمها نجسا. # قوله: ينظر، فإن غابت فهو طاهر، وإن لم تغب فهو نجس. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الأصل: هو تحقق النجاسة بالافتراس فلا يجوز رفع هذا ~~التحقق بالوهم والشك. # وأما ثانيا: فلأن فمها قد وجب كونه نجسا بالحضور، فيجب أيضا الحكم عليه ~~بالنجاسة مع الغيبة، والجامع بينهما: هو تحقق النجاسة، ولم يعرض ما يزيلها أصلا. # الفرع الثالث: إذا تقرر كونه نجسا بما قررناه، فبأي شيء تكون طهارته؟ إذ ~~لا سبيل إلى القول ببقاء نجاسته على الاستمرار؛ لأنها من الطوافين ~~والطوافات ولا تنقطع مخالطتها، وكون فمها نجسا بكل حال فيه حرج ومشقة فلا ~~وجه له. PageV01P542 # والذي عليه أئمة العترة: أنه يكون طاهرا بالريق؛ لأن ذلك هو الممكن في ~~حقها، وظاهر كلام الشافعي: أنه يطهر حكما، ولم أعلم أن أحدا من نظار أصحابه ~~ولا من حذاق محصلي مذهبه البغداديين، كالزعفراني الحسن ) والكرابيسي الحسين ~~وإبراهيم الكلبي، ولا من المصريين، ms0268 كالمزني وحرملة والبويطي. فالبغداديون ~~يروون أقواله القديمة، والمصريون يروون أقواله الجديدة، وما نقل أحد منهم ~~عنه أنه يطهر بالريق، ولا من أصحابه المتأخرين، كالصباغ والقفال وأبي بكر ~~الحداد، نقل ذلك عنه أيضا مع تحفظهم على نقل أقواله، وتشددهم في التخريج عليها. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من طهارته بالريق، ويدل على ذلك حجتان: # الحجة الأولى: أنا نقول: ليس يخلو الحال في فم الهرة، بعد تحقق النجاسة ~~عليه: إما أن يقال: إنه يطهر بغير سبب، وهذا لا قائل به، فإن أحدا من ~~الفقهاء لم يذهب إلى طهارة الشيء بعد نجاسته لا لأمر من الأمور، وإما أن ~~يقال: إنه يطهر بالغسل، وهذا أيضا لا قائل به، فإنه لا يعلم أن أحدا أوجب ~~غسل فم الهرة بعد نجاسته، وإما أن يقال: إنه يطهر بالمسح، وهذا إنما يقال ~~به في الأشياء الصقيلة كالسيف والمرآة، فأما ما عداها فلا، وقد مر بيانه، ~~فإذا بطل ما ذكرناه من هذه الأوجه لم يبق إلا أن يقال: إنه يطهر بالريق؛ ~~لأنه هو الذي يمكن أن يقال في حقها بعد بطلان ما ذكرناه. PageV01P543 # الحجة الثانية: هو أن الريق مائع فأشبه الماء، ولأن الريق في حقها وحق ~~غيرها من سائر الحيوانات مختص بنوع حدة، ولهذا فإنه يؤثر في زوال الآثار ~~بعض تأثير في تقليلها إذا علقت، فلأجل هذا كان مختصا بالتطهير في حقها، لما ~~لها في ذلك من مزية الاختصاص؛ ولأنه هو الممكن في حقها، وقد قال تعالى: {لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها }[البقرة:286]. ولأنه قد رآه الأفاضل من علماء ~~العترة وغيرهم من فقهاء الأمة، وقد قال عليه السلام: (( ما رآه المسلمون ~~حسنا فهو عند الله حسن )). # الانتصار على الشافعي: قال: روي عن الرسول أنه قال: (( إنها ليست بنجس ~~)). ولم يفصل بين أحوالها في حال افتراسها وعدم افتراسها، وفي هذا دلالة ~~على كونها طاهرة في جميع حالاتها بتقرير الشارع وتصريحه من غير حاجة إلى ~~التأويل. # قلنا: عما أوردوه جوابان: # أما أولا: فلأنه إنما قال ذلك لسبب، وهو أنه ms0269 لما دعي إلى دار فيها كلب ~~فلم يجب، ثم دعي إلى دار فيها هرة فأجاب فقيل له في ذلك، فقال: (( إنها ~~ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات)). يعني أنها ليست مثل الكلب ~~في السبعية، ولم يرد نفي النجاسة عنها على جهة الإطلاق. # وأما ثانيا: فلأنه إنما أراد أنها ليست نجسة الذات وإنما هي طاهرة، ولأجل ~~ما يعرض فيها من الطوفان، ولم يرد أنها إذا افترست لا ينجس فوها فبطل ما قاله. # قال الشافعي: قال الرسول : (( إنها من الطوافين عليكم والطوافات)). ~~والغرض من ذلك أنها لما كانت البلوى تعظم بها بالمخالطة والطوفان، وأنه لا ~~يمكن حجزها عن البيوت والحجرات والمساكن، فلأجل هذا حكم بطهارتها من أجل ~~ذلك، ولم يفصل فيها بين حال وحال، وفي هذا دلالة على طهارتها. PageV01P544 # قلنا: هذا فيه دلالة على ما قلناه من نجاستها؛ لكن الشرع عفا عن تلك ~~النجاسة، لأجل عظم الخلطة بها وملابستها لها في كل حال من حالاتها، فلو ~~استدللنا بهذا على ما يقوله من نجاستها لكنا أسعد حالا لما ذكرناه. # الفرع الرابع: وإذا قلنا بطهارتها بعد وقوع النجاسة، فهل تقدر طهارة فيها ~~بمدة أو لا تقدر بمدة؟ # ولا قائل بعدم المدة إلا من قال: إن فاها لا ينجس مطلقا، وهوالشافعي، وقد ~~رددنا عليه، ولأن القول بطهارة فمها عقيب الافتراس لا وجه له لأمرين: # أما أولا: فلا بد من تفرقة بين حال الطهارة، وحالة النجاسة، ولا تفرقة ~~إلا بعد مضي مدة بعد وقوع النجاسة في فمها. # وأما ثانيا: فكيف يقال: بأنه يطهر فوها من غير تقدير مدة؟ ولعل بعض أجزاء ~~الفريسة في فمها وبين أنيابها فكيف يحكم بطهارته من غير مدة تمضي؟ هذا لا ~~وجه له. # وإذا كان لا بد من مدة فكم تكون تلك المدة؟ فيه قولان: # أحدهما: أن تكون المدة ليلة، وهذا هو الذي ذكره المؤيد بالله في كتاب ~~(الزيادات). # ووجهه: هو أن الليلة زمان سكون ودعة واستراحة، ولعابها لا يزال جاريا في ~~هذه المدة، فلهذا كان موجبا لطهارته. # وثانيهما: أن تلك ms0270 المدة تكون يوما وليلة، وهذا هو الذي ذكره القاضي أبو ~~مضر، تحصيلا لمذهبه(1). # ووجهه: أنها في اليوم والليلة لا تصبر عن الماء فيهما أصلا، فإذا شربت ~~أزال الماء تلك العفونة عن فمها، ورحض ذلك التقذير الذي حصل من أجل ~~الافتراس، وكلا التقديرين لا عثار عليه، خلا أن الليلة هي نص الإمام، ~~واليوم والليلة مخرجان على مذهبه، والنص خير من التخريج وأقوى نفوذا، لكن ~~التخريج مختص بنوع من الحيطة فلهذا كان سائغا. # وهل يكون ما ذكرناه من الليلة على النص، أو على اليوم والليلة تخريجا على ~~مذهبه، تقريبا أو يكون تحديدا؟ # فيه احتمالان: PageV01P545 # الاحتمال الأول: أن يكون على جهة التحديد، وفائدته: إن نقص من الليلة ساعة ~~أو من اليوم والليلة تخريجا ساعتان، لم يطهر فمها؛ لأن هذا هو فائدة ~~التحديد بالوقوف على حده من غير نقصان كسائر الأمور المحدودة الشرعية. # الاحتمال الثاني: أن يكون ذلك على جهة التقريب، وفائدته: أنه لو نقص من ~~الليلة أو من اليوم والليلة، ساعة واحدة أو نصف ساعة، فإنه غير ضار في ~~الطهارة. والأجود أن ذلك على جهة التقريب؛ لأن الريق يجري من فمها من دون ~~ذلك، فيكون موجبا للطهارة، والله أعلم. # الفرع الخامس: وإذا قلنا بطهارة فم الهرة لأجل ما أوردنا من الأدلة ~~الشرعية قولا وفعلا، فهل يقاس عليها غيرها مما يشاركها في العلة التي نبه ~~الشرع فيها على أنها علة طهارتها وهي الطوفان حيث قال: ((بأنها من الطوافين ~~عليكم والطوافات)) في حديث أبي قتادة، أو يكون مقصورا عليها لا يتعداها؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه مقصور عليها لا يتعداها، وهذا المذهب له عندي توجيهان: PageV01P546 # التوجيه الأول: أن يكون صادرا من منكري القياس، إما على جهة الإطلاق كداود ~~وطبقته، وإما من جهة من اعترف بأطراف منه وصور قد عددها، ليس هذا منها، ~~كالشيخ أبي هاشم وأبي إسحاق النظام )، وأبي عبد الله البصري، فإن هؤلاء قد ~~أنكروا القياس كله إلا أطرافا منه، فهؤلاء يمكن أن يقولوا: يجب قصر الخطاب ~~على فم الهرة، ولا يقاس عليه غيره ms0271 من سائر الأفواه، وقد رددنا عليهم هذه ~~المقالة في الكتب الأصولية، من رده مطلقا ومن اعترف بصور منه، وأوضحنا أنهم ~~لم يصنعوا شيئا في رد القياس وإنكاره، والبحث في الأصول مخالف للأسرار ~~الفقهية، فلا يمزج أحدهما بالآخر. # التوجيه الثاني: أن يكون صادرا من جهة المعترفين بالقياس، لكنهم قالوا: ~~وإن كنا معترفين بالقياس لكن فيه مانعان: # أحدهما: أنه خارج عن القياس فلا يجوز القياس عليه كما في الخبر إذا خالف ~~القياس، فكان المانع هو خروجه. PageV01P547 # وثانيهما: أن يقال: ليس ببدع في المجاري الشرعية، أن يكون ملحوظا بحكم لبس ~~ومصلحة لا يشاركه فيه غيره ويكون مخصوصا به، وعلى هذا تكون معاني القياس ~~فيه غير معقولة ومسالكه مسدودة ومجاريه منحسمة، كما نقوله في العبادات ~~وغيرها مما لا تعقل فيها مخايل المعاني ولا تجري فيها طرق الأشباه، فمن أجل ~~ذلك يكون مقصورا على محله لأجل الخصوصية التي لا يشاركه فيها غيره، وهذا ~~فاسد فإن الأصل عند المعترفين بالقياس القائلين به: هو جري المعاني ~~المعقولة والأشباه الخاصة على التعدي من محالها إلا لمانع شرعي يمنع من ~~ذلك، ولا مانع هاهنا من قياس الأفواه على فم الهرة بجامع الطوفان فيهم ~~جميعا كما نقول في سائر المعاني الجارية في جميع معاني الشريعة كلها من ~~المعاوضات وغيرها، فهذا تقرير مذهب هؤلاء الذين قصروه على فم الهرة لا غير. # المذهب الثاني: مذهب المعدين له إلى سائر الأفواه، وهذا هو قول المعترفين ~~بالقياس السالكين لطرقه، وهم علماء الشريعة وأهل الحل والعقد من أئمة ~~العترة وأكثر علماء الأمة، فإنهم جازمون بالتعدية في كل معنى من المعاني ~~المخيلة والأوصاف الشبهية، لا يكيعون عن ذلك إلا لمانع شرعي من بعيد تظهر ~~فيه آثار التحكم التي لا يفهم معناها في الأعداد والتقديرات وغيرها مما ~~تنحسم فيه مسالك الأقيسة ولا تكون جارية فيه، وفم الهرة ليس من هذه ~~المجاري، فلهذا وجب القضاء بالتعدية كما أوضحناه، والله أعلم. # ثم نقول: لأي شيء منعتم من قياس سائر الأفواه على فم الهرة؟ هل كان ذلك ~~لعدم فهم المعنى؟ ms0272 فهذا خطأ فإن الشارع قد أشار إلى العلة في فم الهرة ونبه ~~عليها بقوله: (( إنها من الطوافين عليكم )). وإن كان من جهة أن العلة ~~مفهومة لكن منع من ذلك مانع فهذا خطأ أيضا، فإن المانع لا بد من أن يكون ~~ظاهرا [فأين] ظهوره حتى نتكلم عليه؟ وإلا كان تحكما فاسدا لا يعول عليه، ~~فبطل ما قالوه ووجب تعديته إلى سائر الأفواه بجامع الطوفان. PageV01P548 # الفرع السادس: إذا وجب تعديته إلى سائر الأفواه كما أوضحناه، فهل يكون ذلك ~~من جهة القياس بالجامع الذي ذكرناه أو يكون على جهة التنصيص؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: وهو الذي عليه أكثر العلماء من أئمة العترة وفقهاء الأمة، ~~وهو أن يكون إلحاق ما عداها من الأفواه بالقياس على الهرة بجامع الطوفان، ~~وذلك لأن فهم العلة قد يكون بالتنصيص كقول الشارع: (( حرمت الخمر لشدتها ~~أو لأجل شدتها )). وقد تكون بالإيماء كقوله عليه السلام: (( إنها من ~~الطوافين عليكم والطوافات)). وقوله: (( القاتل لا يرث ))(1). وغير ذلك من ~~أنواع التنبيهات على العلل الشرعية، وقد تكون من جهة الاستنباط، فلا تخلو ~~العلة عن إحدى هذه الطرق الثلاث، وطريق تقرير العلة في خبر الهرة قوله : (( ~~إنها ليست بنجس)) ثم علل عدم النجاسة فيها بأنها من الطوافين، فحصل من ذلك ~~أن عدم النجاسة لعلة الطوفان علينا، فمن شاركها في هذه العلة مما يكثر طوفه ~~علينا مثل كثرة تطوافها، فالنجاسة عنه منتفية، وهذا هو الأصل في تقرير كل ~~علة من العلل الشرعية يجري على ما ذكرناه من غير مخالفة، كالصبيان الصغار، ~~فإن أفواههم تطهر في هذه المدة إذا وقع منهم القيء، وكثيرا ما يسنح في ~~حقهم، وهكذا الحال في الفأرة إذا أكلت العذرة فإن هذه الأفواه تطهر بالريق، ~~إما بعد الليلة أو اليوم كما قاله المؤيد بالله، وإما بمجموعهما كما خرجه ~~أبومضر. PageV01P549 # نعم.. طهارة هذه الأفواه بالريق مخالف للقياس من جهة أن القياس أن النجاسة ~~لا تطهر بشيء سوى الماء؛ لأنه هو الأصل في إزالتها، وإن جاء شيء على خلاف ~~ذلك فهو مخالف للقياس، كما ms0273 أن الأصل في طهارة الحدث ألا يكون إلا بالماء، ~~وما خرج عن ذلك فعلى مخالفة القياس وقد مر بيانه، وإنما قضينا بطهارة ~~الأفواه بالريق على جهة الاستحسان لما ذكرناه من الأدلة الشرعية، ~~والاستحسان معمول به عندنا، وهو أخص من القياس وأقوى في الدلالة على الحكم، ~~وحكي عن الشافعي: إنكاره. والقول به هو قول أئمة العترة، وهو محكي عن أبي ~~حنيفة وأصحابه، وقد أقمنا على صحة القول به البرهان الأصولي، فحصل من مجموع ~~ما ذكرناه هاهنا: أن طهارة الأفواه وإن كان جاريا على مخالفة القياس، لكن ~~أفواه ما عدا الهرة مقيس عليها على جهة الاستحسان. # المذهب الثاني: إلحاق ما عدا فم الهرة من الأفواه ليس على جهة القياس، ~~وذلك يكون على أوجه ثلاثة: # الوجه الأول منها: أن يكون على جهة العموم، وحاصله: دلالة الظهور؛ لأن ~~الحق أن دلالة العموم ليست إلا من جهة الظاهر دون النص؛ لأن العموم ليس نصا ~~فيما تناوله وإنما هو ظاهر في الدلالة، وتقريره هو أن قوله: (( إنها من ~~الطوافين عليكم والطوافات)). ولفظ: الطوافين، لفظ العموم؛ لأنه مستغرق ~~بدخول اللام عليه كالمؤمنين والمسلمين، وما كان دلالته من جهة العموم الذي ~~يكون ظاهرا فليس دالا من جهة القياس وإنما دلالته لفظية، وليس من المعاني ~~في ورد ولا صدر. PageV01P550 # الوجه الثاني: أن تكون دلالته من جهة اللفظ بطريق الأولى، وتقريره: أنه قال ~~في لفظ الخبر: (( إنها من الطوافين)). و[كلمة] من هذه للتبعيض، فكأنه قال: ~~إن الطوافين عليكم أفواههم طاهرة والهرة منهم، فمن أجل ذلك حكمنا أن ما عدا ~~الهرة فأفواههم طاهرة من جهة الأولى؛ لأن ظاهر اللفظ أنهم هم المقصودون به، ~~والهرة إنما دخلت على جهة التبع لا على جهة القصد، وهذا هو مطلوبنا، وما ~~كان داخلا من جهة الأولى فليس حاصلا بالقياس، ولهذا فإنا قلنا: إن تحريم ~~الضرب في قوله:{فلا تقل لهما أف }[الإسراء:23]. ليس قياسا كما هو قول ~~الأكثر من الأصوليين لما كان مفهوما من جهة الأحق والأولى، وهكذا ما قلناه ~~إذا كان غير الهرة مفهوما بالمعنى ms0274 قبل الهرة، فهو من طريق الأحق والأولى. # الوجه الثالث: أن تكون دلالة العلة وطريق إثباتها من جهة التنصيص، وهو ~~قوله: (( إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم)). لأن من الأصوليين من ~~قال: إن (إن) المكسورة إذا وجهت على جهة التعليل فهي نص في تقرير التعليل، ~~كقوله عليه السلام: (( زملوهم بكلومهم فإنهم يبعثون يوم القيامة ))(1). فهي ~~في الخبر دالة على العلة من جهة النصوصية، وما كان هذا حاله في التنصيص على ~~العلة، فقد قال بعض الأصوليين: إنه لا يعد قياسا أصلا؛ لأجل النص على ~~العلة، فحصل من مجموع ما ذكرناه: أن الحكم بطهارة أفواه ما عدا الهرة ليس ~~من جهة القياس، على التلخيص الذي قررناه. PageV01P551 # الفرع السابع: في تقرير المختار من هذه الأقاويل، والحق أن الحكم بطهارة ~~أفواه ما عدا الهرة إنما حصل من جهة الدلالة اللفظية، وهي دلالة الظهور من ~~جهة العموم، إما على جهة الاستواء بينها وبين سائر الطوافين كما في مفردات ~~العموم، وإما على أن ما عداها هو أحق بالدلالة منها من جهة أن التقدير في ~~الخبر: ومن كان طائفا عليكم ففوه طاهر والهرة من جملتهم، وكلاهما مدلول ~~عليه من جهة اللفظ كما ترى دون القياس ويتأيد هذا الاختيار بإبطال ما سواه. # الانتصار لهذه القاعدة: إنما يكون بتزييف ما وراءها. # قالوا: أي مانع من أن يكون تطهير ما عدا فم الهرة إنما هو حاصل بطريق ~~النص على العلة بقوله: (( إنها من الطوافين عليكم )). وما كان نصا على ~~العلة فليس من القياس في شيء؟ # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا نقول: الحق عندنا، وهو قول الجماهير من الأصوليين، أن ~~التنصيص على العلة لا يخرجه عن كونه قياسا؛ لأن حقيقة القياس وفائدته أن ~~يكون حكم المسكوت عنه مفهوما من المنطوق به، وهذا حاصل مع كون العلة منصوصا ~~عليها، ولهذا فإنه لو قال الشارع (صلوات الله عليه وآله(: (( حرمت الخمر)). ~~فإن إلحاق النبيذ بها إنما هو من جهة القياس، وإن كانت العلة منصوصا عليها ~~لما كان أخذ المسكوت عنه من ms0275 منطوق به، فحصل من هذا أن التنصيص على العلة لا ~~يخرجه عن كونه قياسا لما قررناه. PageV01P552 # وأما ثانيا: فلا نسلم أن قوله: (( إنها من الطوافين عليكم والطوافات)). نص ~~في العلة، وإنما هو تنبيه عليها، وقد زعمه بعض الأصوليين [نصا] وليس سببا، ~~بل هو بيان التنبيه على العلة أحق من كونه نصا عليها، فإن النص على العلة ~~إنما يكون باللام، كقوله: نهيتكم عن هذا لكذا، أو من أجل كذا، أو لأجل كذا، ~~وبالباء كقوله تعالى: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله }[الإنفال:13]. فأما ما ~~عدا ذلك فإنه يكون دالا على العلة ومرشدا إليها وليس نصا على العلة، وإنما ~~هو من طريق التنبيه عليها. # قالوا: لم لا يجوز أن تكون العلة حاصلة من جهة التنبيه والإيماء بقوله: ~~(( إنها من الطوافين عليكم ))؟ # قلنا: ما كان طريق إثبات العلة فيه بالإيماء فهو قياس، وقد قررنا من قبل ~~أن طهارة أفواه ما عدا الهرة ليس من جهة القياس، وإنما هو من جهة الظهور ~~بالعموم. # قالوا: فلم لا يجوز أن تكون طريق إثبات العلة إنما كان من جهة الاستنباط ~~كما قاله أكثر العلماء، وقد حكيناه من قبل؟ # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما كان حاصلا بطريق الاستنباط فهو من فن الأقيسة، وقد ~~أوضحنا أن ذلك ليس مأخوذا من جهة القياس. PageV01P553 # وأما ثانيا: فلأنه إنما يصار إلى الاستنباط في الأقيسة إذا انسدت مسالك ~~التنبيهات، وها هنا يمكن أخذ العلة فيه من جهة التنبيه، فلا يجوز التعويل ~~على الاستنباط في ما هذا حاله، فتنخل من مجموع ما ذكرناه أن التعويل في ذلك ~~على العموم والظواهر دون الأقيسة، وهذا الذي اخترناه هو الظاهر من مذهب ~~المؤيد بالله؛ لأنه لم يعول في ذلك على الأقيسة وإنما عول على التنصيص في ~~طهارة ما عدا فم الهرة، فإن كان غرضه بالنصوصية هو الذي أردناه بالظهور من ~~جهة الدلالة اللفظية بطريق العموم فهو المراد، وإن كان غرضه التنصيص على ~~العلة بطريق التعليل فهو من الأقيسة فلا مدخل له هاهنا كما مر تقريره، ms0276 وإن ~~كان غرضه بالتنصيص أنه منصوص على ذلك بطريق التصريح الذي لا احتمال فيه، ~~فهذا غير حاصل ها هنا فلا يمكن دعواه، والله أعلم. # الفرع الثامن: وإذا افترس الهر حيوانا ثم ولغ في ماء قليل قبل ذهاب اليوم ~~أو الليلة أو مجموعهما، فهل يكون الماء نجسا أم لا؟ فعلى رأي الأكثر من ~~أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي: أنه يكون نجسا. # والحجة على ذلك: هو أن الماء القليل ينجس باتصال النجاسة به، وإن لم يكن ~~متغيرا بها. # فأما على رأي الإمام القاسم بن إبراهيم وهو المحكي عن مالك، وهو المختار، ~~فإنه ينظر في حال الماء، فإن تغير بالولوغ فإنه يكون نجسا، وإن لم يتغير ~~بالولوغ فإنه يكون طاهرا. # والحجة على ذلك: قوله عليه السلام (( خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما ~~غير ريحه أو لونه )). وقد قررنا هذه المسألة فيما سبق فأغنى عن التكرير. PageV01P554 # مسألة: والبئر إذا وقعت فيها نجاسة نظرت، فإن غيرت النجاسة أوصاف الماء من ~~طعم أو لون أو ريح، كانت نجسة، وإن لم تغير شيئا من أوصافه فهل يكون ماؤها ~~طاهرا أو نجسا؟ فيه تردد بين العلماء، وحاصل الأمر فيه أنه ينظر فيه، فإن ~~كان الماء قليلا فإنه يكون نجسا وإن كان كثيرا فهل يجب فيه النزح أم لا؟ ~~فيه نزاع، فمنهم من أوجب نزح البئر، ومنهم من لم يوجبه. # التفريع على هذه القاعدة: # واعلم أن ظهور أسرار هذه المسألة وبيان فوائدها لا تحصل إلا ببيان ~~فروعها، ونحن نذكرها ونفصل ما تشتمل عليه: # الفرع الأول منها: أن ماء البئر إذا كان كثيرا وتغيرت أوصافه أو بعضها ~~فإنه يكون نجسا، وهذا نحو أن تقع فيه فأرة فتموت ويتمعط(1) شعرها ويتمزق ~~فيه جلدها فيحصل فيه التغير بسبب ذلك. والذي ذهب إليه أئمة العترة وعلماء ~~الأمة وفقهاؤها، أن البئر متى ظهرت عليها النجاسة بتغير أوصاف الماء فإنها ~~تكون نجسة، وإن كان الماء كثيرا غامرا، ولا يعرف فيه خلاف. PageV01P555 # والحجة على ذلك: ما روى أبو سعيد الخدري في بئر ms0277 بضاعة، قال: سمعت رسول الله ~~يقول، وقد قيل له: إنه يستسقى لك من بئر بضاعة، وهي تلقى فيها لحوم الكلاب ~~والمحائض وعذر الناس، والعذر: جمع عذرة، وهو ما يخرج من بطون بني آدم، فقال ~~رسول الله : (( إن الماء طهور لا ينجسه شيء ))(1) وسمعت في سنن أبي داود، ~~قال أبو داود ) رحمه الله تعالى: سألت قيم بئر بضاعة: كم عمقها؟ فقلت له: ~~أكثر ما يكون فيها؟ قال: إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: إلى العورة. يعني ~~المغلظة من الرجل والمرأة، وذلك أسفل من العانة بقليل. قال أبوداود: وقدرت ~~بئر بضاعة برداء لي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي ~~فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غير بناؤها عما كانت عليه؟ فقال: لا. ~~ورأيت فيها ماء متغير اللون. وفي حديث آخر: (( خلق الماء طهورا لا ينجسه ~~إلا ما غير ريحه أو طعمه)). وأكثر الأحاديث التي سمعناها ليس فيها ذكر ~~اللون، وقد ذكر في بعضها، فإن ذكر فعلى جهة الإيضاح والبيان، وإن لم يذكر ~~فعلى إرادة التعبد بالقياس، فيكون PageV01P556 لا حقا بالطعم والرائحة في حكم التنجيس لكونه في معناها من جهة القياس ~~النظري، كما نقوله في سائر الأشياء المسكوت عنها من أجل ذلك، وما قاله ~~أبوداود في تغير لون بئر بضاعة، إنما كان لطول المكث لا من أجل النجاسة ~~المتصلة بها، فإن ذلك يكون منجسا لها بلا خلاف فيه. # فحصل من مجموع ما ذكرناه: أن جميع الأحاديث الواردة في الماء، فإنها دالة ~~ومشعرة على تنجيسه باتصال النجاسة به مهما غيرت أوصافه أو واحدا منها سواء ~~في ذلك كثيره وقليله، وقد قدمنا في باب المياه ما فيه كفاية، وكلامنا هاهنا ~~إنما هو في تطهير الآبار عند اتصال النجاسة بها. # الفرع الثاني: في كيفية تطهير البئر بنزحها عند تنجسها بوقوع الميتة ~~فيها، فالنزح لمائها مطهر لها لا محالة وهو مشروع، لما روي عن أمير ~~المؤمنين (كرم الله وجهه) أنه أمر بنزح الماء من بئر بضاعة لما وقعت فيها ~~الفأرة. PageV01P557 # وحجة أخرى: ms0278 وهو ما روي عن ابن عباس وابن الزبير ) (رضي الله عنهما) (( أن ~~رجلا حبشيا لما وقع في زمزم فمات فيها فأمرا بنزحها)). ووجوب النزح إنما ~~كان مشروعا من أجل كونه متغيرا بالنجاسة، فأما إذا لم يكن متغيرا فسنقرر ~~الخلاف فيه ونذكر حكمه، ولأن النجاسة إنما تعلقت بالماء لما كان متغيرا ~~فإذا نزح زال ما كان نجسا وخلفه ماء طاهر، فلأجل ذلك كان النزح مشروعا في ~~الآبار لما يرجى من طهارته بنبوع ماء طاهر غيره، بخلاف غيرها من الأمواء ~~الراكدة كامبرك، فإنها إذا تنجست فلا فائدة في نزحها لطهارتها إذ لا يخلفها ~~ما يطهرها كما في الآبار، ولكن يرجى زوال ذلك عنها بهبوب الريح أو بحصول ~~المكاثرة فيها بالسيول إذا وردت عليها، فالشرط المعتبر في طهارة البئر ~~بالنزح، هو تكرره بالدلاء والقصاع والكيزان وما شاكلها، حتى يذهب ما ظهر ~~عليه من تلك الأوصاف كلها؛ لأن ذلك هو الأمارة في نجاسته فلابد من نزحه حتى ~~تذهب كلها، فيكون طاهرا بعد ذلك لزوال النجاسة عنه، ويكرر النزح مرة ثانية ~~وثالثة، ولا سبيل إلى الحكم بطهارة البئر ومائها إلا بالنزح المذهب ~~للنجاسة، فإن لم تزل الرائحة، وما في حكمها من اللون والطعم مع بلوغ الغاية ~~والاستقصاء في نزحها، وجب العدول عنها إلى التيمم إذا لم يوجد ماء غيرها؛ ~~لأن النجاسة فيها باقية فلا وجه يبيح استعمالها مع تحقق بقاء النجاسة فيها، ~~ولأن للطهارة بالماء بدلا فلا حاجة إلى التضمخ بهذه النجاسة وبدلها ممكن، ~~ولأنه إذا وجب العدول إلى التيمم مع طهارته PageV01P558 فالعدول هاهنا أوجب مع كونه نجسا. # وهل يشترط في طهارة البئر أن يغلب الماء النازح لقوة نبعه أم لا؟ والظاهر ~~من كلام الشيخ علي بن الخليل والقاضي أبي مضر (رحمهما الله تعالى) اشتراطه؛ ~~لأنهما قالا: والبئر إذا ظهر على مائها ما غير ريحه أو لونه أوطعمه لم يطهر ~~إلا بمجموع شرطين: # أحدهما: ذهاب هذه الأوصاف كلها من الريح والطعم واللون. # الثاني: أن يغلب الماء النازح لقوة نبعه. # والمختار: أنه لا يحتاج إلى الشرط ms0279 الثاني، وأن التعويل إنما هو على الشرط ~~الأول، فبزوال الأوصاف يكون التطهير، وببقائها تكون النجاسة من غير حاجة ~~إلى غيره، وإليه تشير الظواهر الشرعية في نجاسة الماء وطهارته كما قررناه ~~من قبل. # الانتصار: يكون ببيان ضعف ما قالاه، وهو أن النزح واجب لا خلاف فيه بين ~~أئمة العترة وفقهاء الأمة لا خلاف فيه فيما ظهرت عليه النجاسة، لكن ما ~~ذكراه فيه نظر من جهة المعنى. # فنقول: أما الشرط الأول: وهو النزح حتى تذهب الأوصاف كلها، فهو جيد لا ~~عثار عليه. # وأما الشرط الثاني: وهو أن يغلب الماء النازح لقوة نبعه، فلا فائدة فيه؛ ~~لأن الاعتماد في تطهير البئر إنما هو على ذهاب هذه الأوصاف الثلاثة، فبعد ~~ذلك إما أن تكون زائلة بالنزح كلها، فالبئر تكون طاهرة، سواء غلب الماء ~~النازح أو لم يغلب، فلا عبرة به، وإما أن تكون باقية فالبئر نجس سواء غلب ~~الماء النازح أو لم يكن غالبا له، فإذا لا تعويل على الشرط الثاني لما ~~ذكرناه، وأيضا فلأنهما قد حققا في آخر كلامهما مع زوال التغير اشتراط غلبة ~~الماء النازح لأنهما قالا: فإن لم تزل الرائحة وما في حكمها فوجب نزح الماء ~~ثانية وثالثة أو أكثر حتى تزول، فإذا زالت وغلب الماء النازح أو لم يغلبه ~~ونزل إلى قرارها ونزح بالقصاع ونحوها، طهرت البئر وجوانبها. PageV01P559 # ثم نقول: إذا كنا قد فرضنا أن النجاسة ظاهرة على الماء بتغيير أحد أوصافه ~~أو كلها، فليت شعري ما فائدة اشتراط كون الماء غالبا للنازح أو غير غالب؟ ~~فإذا الاعتماد إنما هو على زوال الأوصاف أو بقائها في تنجيس ماء البئر ~~وتطهيره من غير أمر وراءه، وفي النزح إذا لم تظهر النجاسة على الماء، كلام ~~في اشتراطه وعدم اشتراطه، سنوضحه بعد هذا بمعونة الله تعالى، فإذا زالت ~~الأوصاف بالنزح وتجدد ماء طاهر في البئر وجب الحكم بطهارته؛ لأنه قد عاد ~~إلى أصل الخلقة في التطهير بزوال أثر النجاسة، لقول : (( الماء لا يجنب)). ~~وفي حديث آخر: (( الماء لا ينجس )). إلى غير ذلك من ms0280 الأحاديث الدالة على ~~طهارة الماء ما لم يتغير شيء من أوصافه، ولا يجب غسل الدلاء والقصاع ~~لانغماسها في الماء الطاهر وزوال أثر الماء النجس عنها، ولا ما لاقى الماء ~~النجس من أطراف الأرشية لزواله بالماء الطاهر، فأما وسط الرشا إذا كان قد ~~أصابه من الماء الأول شيء فإنه يجب غسله، لكونه صار نجسا ولم يخالط الماء ~~الطاهر لبعده عنه، فأما ما ترشش من رأس البئر من الماء النجس، فقد قال ~~أصحابنا: إنه يجب غسله؛ لأن الماء النجس قد لاقاه، والماء الطاهر لم يصبه، ~~فلهذا توجه غسله، وهذا يجب أن ينظر فيه، فإن كان باقيا على التغير فيما ~~ذكرناه من الأوصاف الثلاثة أو في بعضها، فإنه يجب غسله؛ لأنه باق على ~~النجاسة، وإن كان عند انفصاله من البئر زالت تلك الأوصاف كلها فهو طاهر لا ~~يحتاج إلى غسل؛ لأنه ربما كان التغير لازما له قبل الإنفصال من ماء البئر، ~~فلما انفصل عنها زالت عنه بالكلية، فلهذا كان طاهرا. وقد أسلفنا من قبل أن ~~الماء إذا تنجس بتغير أوصافه ثم زال تغيره بالريح فإنه يكون طاهرا، فهكذا ~~إذا زالت بالانفصال من غير تفرقة بينهما. # الفرع الثالث: في ماء البئر إذا كانت النجاسة غير ظاهرة عليه وكان قليلا، ~~فمتى كان على هذه الصفة، فهل ينجس ويجب نزحه أم لا؟ فيه مذهبان: PageV01P560 # المذهب الأول: أنه يجب نزحه وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة، كزيد بن ~~علي والناصر والهادي، والمنصور بالله، والمؤيد بالله، والسيدين: أبي العباس ~~وأبي طالب، وهو محكي عن أبي حنيفة والشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن الماء إذا كان قليلا في البئر، فالنجاسة إذا وقعت ~~عليه فإنه يصير نجسا لما كان قليلا، ومن مذهب هؤلاء أن القليل من الماء ~~يكون نجسا وإن لم يكن متغيرا كما مر بيانه في المياه، فإذا صار نجسا وجب ~~نزحه لنجاسته كالماء إذا ظهرت عليه النجاسة وغيرت أوصافه، فإذا صار كله ~~نجسا فإن البئر لا تطهر إلا بنزحه، فإن لم يكن الماء غالبا للنازح فإنه يجب ms0281 ~~النزول إلى قرار البئر لإحصائه لما كان نجسا كله، وإن غلب الماء النازح وجب ~~نزحه حتى يكون الماء غالبا، فصار النزح واجبا عند غلبة الماء النازح، ~~فلتحصل غلبة الظن بإزالة ما كان قد تنجس بوقوع النجاسة فيه، وعند عدم ~~الغلبة أيضا؛ لأنه صار نجسا كله لقلته، والنزح كما هو واجب هاهنا فهو في ~~الأول أوجب من جهة أن نجاسة البئر إذا لم تظهر على مائها النجاسة مختلف ~~فيه، وإذا ظهرت عليه فهو مجمع على نجاسته، إذ لا قائل بخلاف ذلك. واعتبار ~~كون الماء غالبا للنازح أو غير غالب هاهنا له وجه معقول؛ لأنا فرضنا هاهنا ~~أن الماء قليل فهو نجس، فإن لم يغلب الماء فلابد من إزالته كله؛ لأنه نجس ~~ولا مانع من زواله، وإن غلب فقد طهر ماء البئر بتجدد الماء الطاهر الذي ~~غلب، فلهذا لم يكن بد من اعتبار كون الماء غالبا أو غير غالب؛ إذ لا معيار ~~هاهنا للتطهير والتنجيس إلا النزح وعدمه، بخلاف ما ظهرت عليه آثار النجاسة ~~فإن معيار التطهير والتنجيس فيه هو ظهور الأوصاف وعدمها، من غير حاجة إلى ~~معرفة كون الماء غالبا أو غير غالب، فإذا حصل بالنزح معرفة ذهاب الأوصاف أو ~~ثبوتها كان كافيا، ولا حاجة إلى غيره فافترقا. وكما وجب ما ذكرناه في الماء ~~القليل الذي علمت قلته فهكذا الحال فيما لا يعلم حاله PageV01P561 في القلة والكثرة؛ لأن القلة هي الأصل والكثرة لا بد فيها من دليل منفصل، ~~ولأن إلحاق ما التبس حاله بحكم القليل، فيه نوع من الاحتياط، وهو الحكم ~~بنجاسته والامتناع منه، فلهذا جعلوا حكمه حكم القليل. # المذهب الثاني: أنه طاهر ولا يجب نزحه، وهذا هو المحكي عن الإمام القاسم ~~بن إبراهيم، وهو قول مالك. # والحجة على ذلك: ما حكيناه من ظواهر الأخبار الواردة في المياه كحديث أبي ~~سعيد الخدري بقوله عليه الصلاة السلام: (( خلق الماء طهورا )) وحديث ابن ~~عباس بقوله عليه الصلاة السلام: (( الماء لا يخبث )). وغير ذلك من الأخبار ~~الدالة على أن الماء لا ينجس إلا بأن ms0282 يكون متغيرا بالنجاسة. وروى محمد بن ~~منصور [المرادي] في جامعه(1) قال: حضرت القاسم بن إبراهيم وكان يستسقى له ~~من بئر كان يتوضأ منها، فأصابوا فيها حمامة ميتة. فأعلم بذلك القاسم فقال ~~لغلمانه: انظروا هل تغير منها طعم أو ريح؟ فنظروا فلم يروا تغيرا فتوضأ ~~منها ولم ينزح منها شيئا. # والمختار: ما عول عليه القاسم بن إبراهيم، وهو متفرع على أن الماء القليل ~~لا ينجس بوقوع النجاسة عليه إلا أن تكون مغيرة له. # والحجة على ذلك: ما أسلفناه من قبل من الأحاديث، فإنها دالة على أن الماء ~~لا يكون نجسا إلى بأن تغيره النجاسة، فإذا كان ماء البئر قليلا أو لا يعلم ~~حاله في القلة والكثرة ولم يكن متغيرا بوقوع النجاسة عليه فإنه يكون طاهرا ~~لا محالة إذ لا وجه يقتضي نجاسته، فإذا كان طاهرا فلا فائدة في نزح البئر؛ ~~لأن النزح إنما يكون لتطهير الماء بزوال ما ينجس من الماء بالتغير، فإذا ~~كان لا تظهر عليه نجاسة فلا فائدة عند ذلك في نزحه، فلا جرم قضينا بطهارته ~~وبطلان نزحه. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوا عليه. PageV01P562 # قالوا: قد أسلفنا في باب المياه أن الماء إذا كان قليلا فإنه ينجس بوقوع ~~النجاسة عليه وإن لم يكن متغيرا، وماء البئر منه عند قلته فيجب القضاء ~~بكونه نجسا وإن لم يتغير. # قلنا: وقد تكلمنا على ما ذكرتموه في باب المياه، وقررنا أن الماء لا ينجس ~~إلا بالتغير قليلا كان أو كثيرا، وإليه تشير ظواهر الأخبار، فأغنى عن ~~التكرير والإعادة. # قالوا: روي عن أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) أنه قال: إذا سقطت الفأرة ~~أو الدابة في البئر فإنك تنزحها حتى يغلبك الماء. # قلنا: هذا محمول على أن الماء قد تغير بوقوع الحيوان فيه، وهو الغالب من ~~حال أمواء الآبار وليس كلامنا فيما ظهرت عليه النجاسة فإنه محل اتفاق، ولكن ~~الخلاف والنزاع فيما لم تظهر عليه نجاسة فإنه لا فائدة في النزح ولا جدوى، ~~وأيضا فإنا نتأول أمره بالنزح على أنه قد بقي من شعر الحيوان ms0283 المتمعط وجلده ~~المتمزق على ظهر الماء من غير أن يكون مغيرا له، فلهذا أمر بنزحه لإزالته ~~عن البئر وتنزها عن عفونته لا أنه واجب، فإن الوجوب إنما يكون عند نجاسة ~~الماء، وإنما كان ذلك على جهة الاستحباب والتطهير. # قالوا: روي عن ابن الزبير وابن عباس (رضي الله عنهما) أن رجلا حبشيا وقع ~~في بئر زمزم فأمرا بنزح مائها، فجعل الماء لا ينقطع فنظرا فإذا هي عين تجري ~~من قبل الحجر الأسود. # قلنا: وكذلك نقول، فإنهما إنما أمرا بالنزح وأوجباه لما تغير الماء بوقوع ~~الآدمي عليه، وهذا هو الغالب فإنه إذا وقع [وظل] فيها حتى تقطعت أوصاله ~~بالماء، فإنه يؤثر في تنجيس الماء فلهذا أمرا بنزحه للتطهير مما ظهر عليه ~~من آثار الميتة، فلما تحققا زوال ما ظهر على الماء وأن الماء لا يمكن ~~إزالته بالكلية فقالا: حسبكم، يريدان من النزح، فإن فيه كفاية لما زالت ~~العفونة عن الماء بما قد استوعبوا من نزح مائها. PageV01P563 # قالوا: بم تنكرون على من يقول: النزح تعبد لا يعقل معناه من جهة الشرع ~~كسائر التعبدات التي لا تعقل معانيها، فلهذا وجب سواء كان الماء متغيرا أو ~~غير متغير؟ # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الأصل فيما ورد عن الله تعالى أو عن الرسول أن تكون ~~معانيه معقولة، ولهذا ورد التعبد بالقياس في ألفاظهما لما كانت معانيهما ~~معقولة مفهومة المقاصد والأغراض. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا أن ما ذكرتموه من النزح وارد على جهة التعبد ~~الذي لا يعقل معناه، فليت شعري ماهو الضابط لوجوبه؟ هل كل واقع في البئر؟ ~~فأوجبوه في الحجر والعود، أو كل حيوان؟ فأوجبوه في الزنبور والذبابة ~~والنحلة والخنفساة أو يكون الضابط للنزح: هو ما كان مغيرا للماء فيوجب ~~النزح لإزالة ما لحقه من التغير، فهذا جيد لا عثار عليه وعند هذا يكون ~~معقول المعنى، فلا وجه لقولكم: إنه وارد على جهة التعبد الذي لا يعقل ~~معناه. وعلى هذا يفترق الحال بين كونه مغيرا وغير مغير، فإن كان مغيرا وجب ~~النزح، وإن ms0284 كان غير مغير فلا فائدة في إيجاب النزح، وفي ذلك صحة ما نقوله ~~من أن الماء إذا كان قليلا لم ينجس ولا يجب نزحه إذا لم يتغير. # الفرع الرابع: في حكم ماء البئر إذا لم تكن النجاسة ظاهرة عليه وكان ~~كثيرا، فهل يجب الحكم بنجاسة ماء البئر إذا كان على هذه الصفة ويجب نزحه أم ~~لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكون طاهرا ولا يجب نزحه، وهذا هو رأي الإمام القاسم، ~~والناصر، والهادي، والمنصور بالله، وغيرهم من علماء العترة، وهو الأقوى على ~~رأي المؤيد بالله. # والحجة على ذلك: هو أن الماء إذا كان كثيرا فلا يفترق الحال بين ماء ~~البئر وغيرها من سائر الأمواء من البرك والمدود(1) في أنه لا ينجسه إلا ما ~~غير ريحه أو طعمه، وإليه تشير ظواهر الأحاديث التي رويناها. PageV01P564 # وهل ينجس المجاور أو لا ينجس؛ وإذا قلنا بنجاسة المجاورة فهل ينجس المجاور ~~الأول والثاني، أو لا يكون [نجسا] إلا المجاور الأول؟ فيه تردد ونزاع بين ~~العلماء وقد قدمناه في باب [المياه]، وقدمنا المختار في ذلك فأغنى عن ~~الإعادة. # المذهب الثاني: أن الماء وإن كان كثيرا في الآبار، فإنه يحكم بنجاسته ~~ويجب نزحه، وهذا هو رأي زيد بن علي، ومحكي عن أبي حنيفة، وحصله بعض فقهاء ~~المؤيد بالله على مذهبه. # والحجة على ذلك: هو أن ماء الآبار مخالف لغيرها مع الكثرة، والأدلة التي ~~دلت على وجوب النزح من جهة الصحابة والتابعين لم تفصل بين أن يكون متغيرا ~~بالنجاسة أو غير متغير، فإنه ينجس جميعه ويجب نزحه وإن لم تظهر عليه ~~النجاسة، بأحد أمور ثلاثة: # أحدها: أن يكون النجس الواقع عليه مائعا. # وثانيها: أن يكون جامدا خلا أنه تفسخ فيه. # وثالثها: أن يكون جامدا إلا أنه ثقيل يبلغ إلى أسفل البئر كالإنسان ونحوه. # فإن لم يوجد شيء من هذه الأمور الثلاثة وجب أن ينزح شيء من الماء على قدر ~~عظم النجاسة وخفتها، فإن كانت فأرة أو عصفورا أو ما أشبه ذلك مالم يبلغ حد ~~الحمامة والدجاجة، فإنه ينزح ms0285 منها عشرون دلوا، فإن بلغ حد الحمامة والدجاجة ~~فإنه ينزح منها أربعون .. خمسون .. ستون دلوا، وكذلك ما جاوز قليلا ما لم ~~يبلغ حد الجدي والإنسان، فإن بلغ حد الجدي والإنسان، نزح جميع ماء البئر. ~~ومن أوجب النزح فإنه يوجب نجاسة المجاور الأول دون الثاني أو هما جميعا، ~~ومن لا يوجب النزح، منهم من أوجب تنجيس المجاور ومنهم من منع ذلك. وقد ~~فصلنا حقيقة الكلام في المجاورة فيما مر. # والمختار: ما عول عليه الجماهير من علماء العترة، من أن الماء إذا كان ~~كثيرا فإنه محكوم عليه بالطهارة وأنه غير مفتقر إلى النزح. PageV01P565 # والحجة على ذلك: أما الحكم بطهارته، فلأن تعويل الشرع في ذلك إنما هو على ~~عدم تغيره، وما هذا حاله فليس متغيرا؛ لأن كلامنا إنما هو إذا لم يكن ~~متغيرا بالنجاسة، فلأجل هذا حكمنا عليه بكونه طاهرا، وأما النزح فلأن تعويل ~~الشرع عليه إنما هو لتطهير البئر، ولا شك أن الماء إذا كان غير متغير، فهو ~~طاهر. فإذا لا حاجة إلى النزح، وهذا الذي اخترناه، هو الذي يأتي على أصول ~~المؤيد بالله ويقتضيه مذهبه. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: الظاهر من عمل الصحابة وعلماء التابعين، إيجاب النزح كما حكيناه ~~عن أمير المؤمنين، وابن عمر، وابن الزبير، وليس وجوبه إلا لأجل نجاسة ماء ~~البئر وإن لم يكن متغيرا، وفي هذا دلالة على صحة ما نقول من الأمرين جميعا، ~~نجاسة الماء وإيجاب النزح. # قلنا: ليس من جهة الصحابة والتابعين تصريح بأنهم نزحوا من غير تغير فيكون ~~حجة لكم، وإنما الظاهر أنهم لا ينزحون إلا لأجل طهارة البئر والماء، وهذا ~~إنما يكون مع نجاسة الماء فيكون النزح مطهرا له، وأقوى أمارة في ذلك أنهم ~~لا محالة يقرع مسامعهم ما ورد من الأحاديث النبوية، على أن الماء لا ينجس ~~إلا مع التغير. فلأجل هذا قضينا بأن إيجابهم النزح إذا كان هناك تغير، فأما ~~إذا كان لا تغير هناك فلا وجه للنزح فبطل ما توهموه. # قالوا: تلك الأمور الثلاثة توجب نجاسة الماء ms0286 من غير تغير، فلأجل هذا ~~حكمنا بنجاسته وإن لم يكن متغيرا فأوجبنا النزح لذلك. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الحكم على الماء بكونه نجسا مع كثرته وأن النجاسة لم تكن ~~ظاهرة عليه تحكم لا مستند له ولا دلالة عليه، والشرع إنما دل على نجاسة ~~الماء إما بتغيره بالنجاسة إذا كان كثيرا أو قليلا، أو بوقوع النجاسة فيه ~~مع قلته وإن لم تظهر عليه، فأما إذا كان كثيرا ولم تظهر النجاسة عليه فلا ~~دلالة من جهة الشرع على نجاسته. PageV01P566 # وأما ثانيا: فلأنه إذا جاز الحكم على ماء البئر بالنجاسة وإن لم تكن ظاهرة ~~عليه، جاز الحكم على الماء في غير البئر، فيلزم في البحر إذا حصلت فيه أحد ~~هذه الأمور الثلاثة، أن يكون نجسا ولا قائل به. وهكذا القول في البركة ~~العظيمة، لأنكم إذا حكمتم بنجاسة الآبار من غير تغير في مائها لزم في البحر ~~مثله من غير تفرقة بينهما. # قالوا: كيف نحكم على ماء البئر بالطهارة مع وقوع أحد هذه الأمور الثلاثة ~~فيها وكل واحد منها مؤذن بالاختلاط والامتزاج؟ # قلنا: ليس التعجب من هذا، إنما التعجب من الحكم عليه بالنجاسة من غير ~~أمارة، لأن الأمارة التي أشار إليها الشرع إنما هي(1) التغير بالنجاسة، وها ~~هنا لا تغير، أو يكون الماء قليلا فلا يقوى على حمل النجاسة كما قال به ~~أكثر العلماء، فأما الحكم على النجاسة من غير هذين الأمرين فلا وجه له. # قالوا: فإن لم يوجد واحد من هذه الأشياء الثلاثة وجب أن ينزح شيء من ~~الماء على قدر عظم النجاسة وخفتها، فإن كانت فأرة أو عصفورا أو ما أشبه ذلك ~~إلى آخر ما ذكروه من تقديرات الحيوانات الواقعة، كما قررناه عنهم في ~~الاحتجاج لهم. # قلنا: عما ذكروه أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأن ما ذكروه مبني على وجوب النزح فيما لم يكن متغيرا ~~بالنجاسة، وهذا قد أفسدناه من قبل. PageV01P567 # وأما ثانيا: فلأن هذه التقديرات في الدلاء المنزوحة من العشرين والأربعين ~~والخمسين والستين دلوا، ليس يخلو الحال فيها، إما ms0287 أن توجبوها مع القول ~~بنجاسة الماء، أو مع القول بطهارته، أو مع القول بنجاسة بعضه دون بعض، فإن ~~كان مع القول بنجاسة الماء كله فلا وجه له؛ لأن نجاسة الماء كله إنما تكون ~~مع تلك الأمور الثلاثة التي ذكرتموها وليس هذا منها، وإما أن يكون مع القول ~~بطهارة الماء كله فهو فاسد أيضا، لأن الماء إذا كان طاهرا فلا حاجة إلى ~~إيجاب النزح منه؛ لأن النزح إنما يجب تطهيرا للماء فإذا كان طاهرا فلا حاجة ~~إلى التطهير، وإما أن يكون مع القول بأن بعضه طاهر دون بعض فهذا الحكم لا ~~أصل له؛ لأنه ماء واحد، فلا وجه لكون بعضه نجسا دون بعض مع ذهاب التغير عنه. PageV01P568 # وأما ثالثا: فلأنا لا نرى أكيس من دلوكم هذا، حيث ميز الطاهر عن النجس، ~~فأزال النجس وترك الطاهر، مع أنه ماء واحد في موضع واحد، ثم نقول: معاشر ~~فقهاء الحنفية، أخبرونا عن هذا التقديرات من الدلاء بالعشرين والخمسين ~~والأربعين إلى غير ذلك من العدديات التي اقترحتموها، هل كانت بنص من الله ~~تعالى أو من جهة رسوله؟ فأظهروها حتى نساعدكم عليها، فلا حاجة بنا إلى ~~مخالفة أمر الله تعالى وأمر رسوله، وإن كانت بنظر في أمارات شرعية فأوضحوا ~~تلك الأمارات لننظر فيها، فإن كانت صحيحة اتبعناها، وإن كانت فاسدة ~~أبطلناها ولم يكن عليها اعتماد، وإن كان ذلك على حسب هذه الحيوانات الواقعة ~~في البئر فهذا فاسد أيضا، فإنكم قدرتم في الفأرة والعصفورة عشرين دلوا، ~~والفأرة أكبر من العصفور وهما في النزح على سواء، ثم قدرتم في الحمامة ~~والدجاجة خمسين أو ستين، وهما مختلفان في الكبر والحجم. ثم إنكم سويتم بين ~~الجدي والإنسان وأحدهما مخالف للآخر في الكبر والصغر، ثم قلتم إنه ينزح ~~معهما ماء البئر كله لكونه صار نجسا بهما من دون تقدير في النزح وهما ~~متقاربان في القدر، ثم نقول: قد أوجبتم النزح بالدلاء واحتكمتم هذا ~~الاحتكام من غير أمارة ولا دلالة شرعية، فأخبرونا عن مقدار هذا الدلو، فإن ~~الدلاء في أنفسها متفاوته وبعضها ms0288 يسع رطلا من الماء، وبعضها عشرة، وبعضها ~~عشرين وخمسين ومائة، فعلى أيها تعولون وبأيها تقدرون ما قدرتم من النزح؟ ~~فما هذا حاله مع ما فيه من الاحتكام من غير دلالة، فهو رد إلى عماية وجهالة ~~في التقدير لا يعلم حالها. # فحصل من مجموع ما ذكرناه أنهم لم يصنعوا شيئا في هذه التحكمات من غير ~~أمارة يعتمد عليها، ولا تقرير دلالة يستند إليها، وأعرضوا عما ذكره الشارع ~~، وأشار إليه من تعليق نجاسة الماء بتغيره، وتعليق طهارته بعدم تغيره، ~~فلأجل هذا وقعوا في هذه التحكمات التي ليس عليها دلالة. والله أعلم. PageV01P569 # الفرع الخامس: في كيفية طهارة البئر بنضوب الماء عنها، إذا وقعت في البئر ~~نجاسة فلم تزل عنها حتى نضب ماؤها كالبول والخمر والسرقين وغير ذلك من ~~أنواع النجاسات العينية، ثم نبع بعده ماء آخر فهل يفتقر إلى النزح أم لا؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها تفتقر إلى النزح، وهذا شيء يحكى عن أبي يوسف. # والحجة على ذلك: هو أن البئر إذا وقعت فيها نجاسة فقد دل الشرع على أن ~~طهارتها متعلقة بالنزح، ولأن النجاسة قد اتصلت بماء البئر فيجب نزحها كما ~~لو لم ينضب ماؤها، فلا بد من النزح وتصير البئر طاهرة. # المذهب الثاني: أنها لا تفتقر إلى النزح، وهذا شيء محكي عن محمد بن الحسن ~~الشيباني. # والحجة على ذلك: هو أن طهارة البئر مشروطة بذهاب ما فيها من الماء النجس، ~~فإذا ذهب ذلك بالجفاف صار كأنه ذهب بالنزح. # والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه يكون صالحا لأن يكون مذهبا لأئمة ~~العترة، لما كانت المسألة غير منصوصة لهم، وحاصله أنا نقول: إذا نضب الماء ~~عن البئر وبقيت النجاسة ثم نبع الماء عقيب نضوبها وهي حاصلة في البئر، فليس ~~يخلو الحال عند نبوع الماء، إما أن يتغير بما بقي من النجاسة أو لا يتغير، ~~فإن كان متغيرا فهو نجس لقوله عليه السلام: (( خلق الماء طهورا لا ينجسه ~~إلا ما غير لونه أو ريحه أو طعمه)). وإن كان غير متغير بها فهو طاهر، ms0289 لقوله ~~عليه السلام: (( خلق الماء طهورا )). وسواء كان الماء قليلا أو كثيرا فإنه ~~طاهر إذا لم يتغير؛ لأن الخبر لم يفصل في ذلك، فأما على رأي من ينجس الماء ~~القليل كما هو رأي الأكثر من أئمة العترة وفقهاء الأمة فإنه ينظر، فإن كان ~~الماء قليلا وبقي أثر النجاسة في البئر فإنه ينجس، وإن لم يكن متغيرا، فأما ~~على ما اخترناه فهو طاهر مع القلة لظاهر الخبر، وقد ذكرناه غير مرة فأغنى ~~عن الإعادة. # الانتصار: يكون بتزييف ما عدا ما اخترناه مذهبا لنا. # قالوا: طهارة البئر مشروطة بالنزح. # قلنا: عنه جوابان: PageV01P570 # أما أولا: فلا نسلم وجوبه على الإطلاق وإنما يكون واجبا إذا كان ماؤها ~~متغيرا. # وأما ثانيا: فلأن النزح إنما يجب إذا كانت النجاسة واقعة فيه فينزحه ~~لتذهب النجاسة. فأما إذا كان الماء جديد النبع فهو طاهر لم تتعلق به نجاسة ~~فافترقا. # قالوا: ولأن النجاسة قد اتصلت بالبئر فيجب نزحها كما لو لم ينضب ماؤها. # قلنا: المعنى في الأصل: اتصاله بالنجاسة فتنجس، بخلاف النابع فإنه ليس ~~متصلا بالنجاسة فلم يفتقر إلى نزح فبطل ما توهموه. # الفرع السادس: في كيفية طهارة البئر بالمكاثرة بالماء لما فيها من الماء النجس. # اعلم أن الكلام في التطهير بالمكاثرة مترتب على الكلام في التنجيس ~~بالمجاورة، وقبل الخوض فيما نريده من طهارة الأرض بالمكاثرة نذكر مذاهب ~~العلماء في التنجيس بالمجاورة، ولهم في ذلك مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه لا نجاسة بالمجاورة أصلا، فإذا وقعت نجاسة في ماء راكد ~~أو جار، فإنه لا ينجس إلا عين النجاسة، ولا تنجس ما لاصقها من الماء ~~وجاورها إلا أن يكون متغيرا بها، وهذا هو رأي الإمام الناصر، ومحكي عن أبي ~~يوسف والشافعي في أحد قوليه. # والحجة على ذلك: قوله : (( خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو ~~طعمه )). وهذا عام في جميع المواضع كلها. # المذهب الثاني: أنه ينجس موضع النجاسة والمجاور الأول والمجاور الثاني، ~~وهذا هو رأي الإمام المؤيد بالله، والإمام الهادي وأولاده، ومحكي عن السيد ~~أبي العباس. # والحجة ms0290 على ذلك: قوله : (( إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في ~~الإناء حتى يغسلها ثلاثا)). فإذا كان الشك في النجاسة يشرع في غسلات ثلاث، ~~فهكذا يكون في النجاسات إذا كانت متحققة فلا يطهر المحل إلا بثلاثة أمواء: ~~فالأول: نجس لمجاورته عين النجاسة. والثاني: نجس لمجاورته الأول. والثالث: ~~تكون به الطهارة. فعلى رأي هؤلاء، فالمتنجس ليس إلا ماءين والثالث طاهر لا ~~تعرف نجاسة في طهارته. PageV01P571 # المذهب الثالث: أنه لا ينجس إلا عين النجاسة وما جاورها فقط، وهذا هو رأي ~~الإمام أبي طالب، ومحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو أن النجاسة ليس لها قوة إلا على ما جاورها دون ما بعد ~~عنها ما لم تغيره، ومع بعدها عنه يكون على أصل الطهارة إلا أن يتغير بها، ~~فمن أجل ذلك قلنا: إنه لا ينجس إلا ما جاورها لاتصاله بها، فهذا تقرير ~~المذاهب بأدلتها الشرعية. # والمختار: ما عول عليه الإمام الناصر ومن تابعه من علماء الأمة، وهو أنه ~~لا ينجس من الماء إلا نفس النجاسة دون ما جاورها إلا أن يكون متغيرا بها، ~~لما ذكرناه عنه ونزيد ههنا، وهو (( أن النبي، أمر أن يصب على بول الأعرابي ~~ذنوب من ماء)) فلو كان كما زعموه من نجاسة المجاور الأول والثاني، لكان قد ~~أمر بزيادة في النجاسة ومضاعفتها، ولأن الماء باق على أصل التطهير فلا ~~ينجسه إلا ما غيره. # الانتصار على تقرير ما اخترناه بالجواب عن ما يخالفه ممن قال بمجاورين أو ~~بمجاور واحد. # قالوا: إنما قضينا بنجاسة مجاورين لما رويناه من الخبر في حق من قام من ~~نومه، فالأمر بغسلها ثلاثا يدل على نجاسة مجاورين. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه ليس في ظاهر الخبر ما يدل على نجاسة مجاور أول ولا مجاور ~~ثان، وإنما ظاهره بالغسل ثلاث مرات، وليس فيه تعرض لما قلتموه. # وأما ثانيا: فلأنه إنما أمر بغسله ثلاث مرات على جهة التأكيد والاستحباب ~~كما أمر بالغسل من ولوغ الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب على رأي المؤيد ~~بالله، على ms0291 جهة التأكيد والاستحباب دون الوجوب فهكذا هاهنا، وإلا فالمرة ~~الواحدة كافية كما كان في الصب على بول الأعرابي من غير فرق. # قالوا: إنما أوجبنا نجاسة المجاور الأول من جهة أنه لا قوة لعين النجاسة ~~إلا على ما جاورها دون غيره، فلهذا كان المجاور الأول نجسا دون غيره. # قلنا: وعنه جوابان أيضا: PageV01P572 # أما أولا: فلأنه لا قوة للنجاسة على مجاور واحد، ولا على مجاور ثان من غير ~~تغيير الماء إلا إذا غيرته، فإن الشرع قد دل على غلبتها له مع التغيير، ~~فأما من غير تغيير فلا. # وأما ثانيا: فلأن ما أبطلتم به نجاسة المجاور الثاني على من قال به فهو ~~بعينه مبطل لنجاسة المجاور الأول من غير تفرقة بينهما، ولا مخلص من هذا إلا ~~القول ببطلان المجاورة كلها، والبقاء على حكم التطهير في الماء كله إلا أن ~~يكون متغيرا، فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنرجع إلى بيان كيفية التطهير ~~بالمكاثرة. # فنقول: أما على رأي السيد أبي طالب وأبي حنيفة، فإذا كان الواقع في البئر ~~هو عين النجاسة وما جاورها أو اختلط المجاور الأول والثاني، فإنه إذا ورد ~~عليه من الماء الطاهر ما هو أكثر منه في المقدار وجب أن يكون طاهرا. # ووجهه: هو أن التطهير إنما يقع بالمكاثرة وهي حاصلة هاهنا، ولأنه ماء ~~طاهر ورد على ماء نجس فكان مطهرا له كالغسالة الثانية على رأي الجميع ممن ~~اعتبر المجاورة في التنجيس. # وأما على طريقة السيد المؤيد بالله ومن وافقه، وهو أن المجاور الأول إذا ~~كان ينجس بملاقاة العين، والثاني ينجس أيضا بملاقاة المجاور الأول، فإذا ~~ورد عليه من الماء الطاهر ضعفان أو أكثر فإنه يعود طاهرا بالمكاثرة له ~~والمغالبة. # والمثال الكاشف عن حقيقة المسألة، وهو أنه لو كان هاهنا رطل من الماء ~~وقعت فيه قطرة من البول أو الخمر، فعلى قول أبي طالب إذا ورد عليه رطلان من ~~الماء كان طاهرا من غير زيادة؛ لأن هذا ماء نجس لمجاورة النجاسة، ولا ينجس ~~عنده إلا المجاور الأول، فإذا كوثر بما يكون غالبا أعاده ms0292 طاهرا كالغسالة ~~الثانية. PageV01P573 # وعلى قول السيد المؤيد بالله بنجاسة المجاور الأول والمجاور الثاني، إذا ~~كان هنا رطل فيه قطرة بول أو خمر فإنه ينجس بمجاورة العين، فإذا زيد عليه ~~رطلان فهما نجسان بمجاورة ما جاور النجاسة، فإذا أريد تطهيرهما فلا بد من ~~ستة أرطال لتكون مكاثرة للثلاثة الأولى، فتصير ثمانية تفريعا على قوله ~~بنجاسة المجاورين. وهذا المثال هو وارد على جهة التقدير دون التحقيق فإن ~~الأرطال الثلاثة والستة والعشرة والعشرين وما زاد عليها قليلة تنجس بوقوع ~~النجاسة فيها، وإن لم تكن متغيرة على رأي الأكثر من أئمة العترة كما مر ~~تقريره، ولكنهم أرادوا بيان حقيقة المكاثرة على جهة التقدير بما ذكرناه. # وأما على طريقة الناصر: وهو الذي اخترناه، وهو أن الماء لا ينجس ~~بالمجاورة إلا أن يكون متغيرا، فعلى هذا لا تعقل حقيقة التطهير بالمغالبة ~~إلا إذا كانت النجاسة مغيرة للماء، فإذا حصلت المكاثرة فإنها تزيل التغير ~~فيكون طاهرا، فأما إذا كانت النجاسة غير مغيرة للماء كأن تقع في رطل قطرة ~~من بول أو خمر ولم تغيره، فعلى رأي من نجس القليل من الماء من غير تغير ~~يطهر تقديرا إذا ورد عليه من الماء الطاهر ما هو أكثر منه، ويطهر تحقيقا ~~إذا كان الوارد عليه قلتان على رأي أصحابهما، أو كان كثيرا على رأي من لا ~~يعتبر بهما، فكله كثير يكون مطهرا على جهة التحقيق، فأما ما دون ذلك فهو ~~قليل الورود مثالا على جهة التقدير لا غير، وأما على رأي من لا ينجس الماء ~~إذا كان قليلا من غير تغير، فالقطرة لا تضر الرطل من الماء من خمر أو بول ~~وهو طاهر كما كان فلا يحتاج فيه إلى مكاثرة ولا مغالبة كما مر تقريره في ~~الماء القليل عند اتصال النجاسة به. # الفرع السابع: في قدر المكاثرة. PageV01P574 # اعلم: أن المكاثرة على الرأي الذي اخترناه من أن الماء لا ينجس إلا بتغيره ~~بالنجاسة قليلا كان أو كثيرا فلا يتصور التطهير بالمكاثرة إلا فيما كان ~~متغيرا بالنجاسة، وأما إذا كان غير متغير ms0293 بها فإنها لا تنجسه بحال، وقد مر ~~بيانه. وفي قدر المكاثرة مذهبان: # المذهب الأول: أنها لا تطهر إلا بأن يصب على النجاسة سبعة أضعافها من ~~الماء، وهذا هو المحكي عن الشافعي في أحد قوليه. # والحجة على ذلك: هو أنها نجاسة أريد تطهيرها فاعتبر فيها أضعاف سبعة، ~~دليله: ولوغ الكلب. وقد قال : (( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا ~~إحداهن بالتراب )). # المذهب الثاني: أن المكاثرة بأن يصب على النجاسة ما يغمرها من الماء ~~ويستهلكها، مما يكون مذهبا لجميع أوصافها من طعم أو ريح أو لون. # والحجة على ذلك: هو أن المقصود إنما هو إزالة النجاسة وإذهاب عينها وهذا ~~حاصل بما ذكرناه، وهذا هو رأي بعض أئمة العترة وهو القول الجديد للشافعي، ~~وهو المختار؛ لأن أصحابنا إنما ذكروا الأرطال الثمانية وغيرها من المقدرات ~~على جهة الفرض والكشف للإبانة لا على جهة الشرط لتحقيق العدد. # والحجة على ذلك: هو أن هذه الأمور العددية، إنما تؤخذ من جهة نص الشارع ~~وتوقيفاته ولا يجوز أخذها بالمقاييس؛ لأن القياس لا مدخل له فيها؛ لأنها ~~معلومة بأمر غيبي من جهة الله أو من جهة رسوله ، ولم يكن من جهة الله تعالى ~~ولا من جهة رسوله فيها نص بأمر مقدر، فلهذا لم يكن عليها تعويل وإنما ~~التعويل على إذهاب النجاسة من غير تقدير. # الانتصار لهذا المقالة: بإبطال ما سواها. # قالوا: روي عن الرسول في طهارة ولوغ الكلب سبع مرات. PageV01P575 # قلنا: هذه المقالة نذكرها في النوع الثاني ونبين كيفية الطهارة من ولوغ ~~الكلب، ونتكلم على ما قالوه من إبطال هذا العدد، وأنه وارد على جهة ~~الاستحباب دون الوجوب، وعلى هذا إذا بال رجلان على أرض وأريد تطهيرها فإنه ~~يكون بالمكاثرة على رأي أئمة العترة، وهو المختار، وحكي عن الشافعي أنه يصب ~~عليه ذنوبان لكل بول رجل ذنوب، والحق ما قلناه؛ لأن ما هذا حاله يؤدي إلى ~~التناقض بأن يطهر البول الكثير من الواحد بذنوب واحد، وما دون ذلك من ~~الاثنين بذنوبين، فلهذا كان التعويل على المكاثرة على قدر ms0294 البول من واحد أو ~~من اثنين، فهذا هو الكلام في كيفية تطهير الآبار. # مسألة: أولاد ما لا يؤكل لحمه من بني آدم وغيرهم من سائر الحيوانات ما ~~خلا الكلب والخنزير وما تولد منهما، فإنها تكون طاهرة بعد الجفاف من ~~الولادة، عند أئمة العترة وهو قول فقهاء الأمة. # والحجة على ذلك: دليل عام نقرره، وحاصله هو: أن الله تعالى من لطفه وعظيم ~~رحمته للخلق، جعل الأعيان التي أوجب على الخلق اجتنابها ونهاهم عن التلبس ~~بها، أمورا محصورة مقدرة قد أوضحها في كتابه وعلى لسان رسوله ، وما عداها ~~من جميع الأعيان فإنها طاهرة، وعند هذا نعلم أن الأعيان النجسة منحصرة، وما ~~عداها أمور طاهرة لا تتناهى، وهذا الدليل عام يسترسل على جميع الصور التي ~~لم تدل عليها دلالة معينة إذا التبس الأمر فيها. وأولاد ما لا يؤكل لحمه ~~تعرف طهارتها بما ذكرناه من هذه الدلالة، وإذا كان محكوما عليها بالطهارة ~~لما ذكرناه فبأي شيء تطهر؟ # فالذي ذكره الإمام المنصور بالله، أن طهارتها عقيب خروجها من بطون ~~أمهاتها هو بالجفاف، وهذا جيد لا عثار عليه وهو من جملة أنظاره التي تفرد ~~بها وأسرار فكرته التي لم يزاحم عليها. PageV01P576 # والحجة على ذلك: هو أنه لا سبب هنالك يشار إليه بالتطهير سوى ما ذكره، فيجب ~~أن يكون هو السبب في طهارتها، وإنما قلنا: أنه لا سبب هناك يعقل في ~~الطهارات إلا ما ذكره، فلأن الأمور التي يعقل أن تكون سببا: إما الغسل ولا ~~قائل به، وإما المسح وهو إنما يكون في الأشياء الصقيلة ولا قائل به في ~~غيرها، فإذا بطل هذان الأمران لما قررناه لم يبق إلا الجفاف بعد الولادة، ~~وإذا كان الأمر كما قلناه في طهارتها بالجفاف، فما بعد جفافها من مباشرتها ~~بالرطوبات يكون طاهرا لا محالة، إلا أن يعرض له عارض مما يوجب نجاستها ~~فتكون نجسة، وقبل الجفاف تكون تلك البلة التي حصلت من بطون أمهاتها نجسة لا ~~محالة من البلة والدم، وما يكون من آثار الرحم؛ لأنها مواضع الحدث، فما ~~يخرج منها ms0295 فهو نجس وما كان متصلا به، فأما أجواف ما يؤكل لحمه فسنذكر كيفية ~~تطهيره في الأطعمة عند ذكر الجلالة بمعونة الله تعالى. وهذا ما أردنا ذكره ~~من النوع الأول في كيفية تطهير ما لا يقبل الغسل وما تعذر غسله للحرج ~~والمشقة، فأما ما لا يغسل فليس فيه إلا مسألة واحدة نذكرها هاهنا. # مسألة: ذهب علماء العترة إلى أن الميتة من جميع الحيوانات، إذا وقعت في ~~شيء جامد كالسمن والعسل وغير ذلك من الأشياء الجامدة فإنه يقور ما حولها، ~~وإن كانت مائعة أريقت كالزيت والسليط وغير ذلك من المائعات. وهذا هو المحكي ~~عن فقهاء الأمة. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: (( إذا وقع الحيوان في السمن ~~أريق المائع وقور ما حولي الجامد))(1). PageV01P577 # وإن غسل الجامد جاز ذلك لأنه مما يمكن غسله لجموده، فأما المائع فلا سبيل ~~إلى غسله لأجل ميعانه فلأجل هذا يراق. # وحكي عن الإمام المنصور بالله: جواز غسل بعض المائعات، وهذا نحو السليط ~~والزيت وما كان من طبعه أن يطفو على ظهر الماء، فأما ما كان يرسب فلا يمكن ~~غسله بحال. وكيفية غسله أن يجعل الماء في إجانة أو طشت ثم يصب الزيت أو ~~السليط على الماء فيعلوان جميعا على الماء، يفعل ذلك مرة أو مرتين أو مرات ~~ثلاثا على حد الاختلاف في إذهاب النجاسة كما سنوضحه، فإن كان ما ينجس به له ~~رائحة وزال بما ذكرناه من هذه الغسلات فإنه يطهر، وإن لم تكن للنجاسة رائحة ~~أو غير ذلك من الصفات فإنه يطهر أيضا. # والحجة على ذلك: هو أن الماء جعل مطهرا للنجاسات كلها مما له أثر من ~~النجاسات ومما ليس له أثر، فإذا أمكن التوصل إلى غسله بما ذكرناه جاز ذلك ~~وطهر كسائر الأشياء النجسة إذا غسلت بالماء. وهكذا الحال فيما يرسب في ~~الماء، فإنه يمكن غسله بالماء بأن يطفو(1) فوقه حتى يطهر. وأما ما كان يماع ~~كاللبن والخل فإنه إذا تنجس أريق؛ إذ لا سبيل إلى طهارته بالماء، لأنه ~~يخالطه ويمازجه ولا يمكن ms0296 انفصاله عنه فيطهر به. # مسألة: قد ذكرنا فيما سلف أن أبوال ما لا يؤكل لحمه نجسة من الآدميين ~~وغيرهم، وأبوال الصبيان أيضا كلها نجسة ذكورا كانوا أوإناثا عند أئمة ~~العترة وفقهاء الأمة، خلافا لداود في بول الصبي إذا لم يطعم، وأقمنا ~~البرهان على ذلك فأغنى عن الإعادة. وإذا تقرر ما قلناه، فلا خلاف بيننا ~~وبين الشافعي في نجاسة بول الصبي والصبية، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ولكن ~~الخلاف إنما يقع في كيفية التطهير منهما، فالذي عليه أئمة العترة أنهما ~~مستويان في وجوب الغسل منهما ولا يختلفان في ذلك، وهو قول أبي حنيفة. PageV01P578 # والحجة على ذلك: ما قدمناه من حديث عمار، وهو قوله عليه السلام: (( إنما ~~تغسل ثوبك من البول والغائط)). ولم يفصل بين صغير وكبير، ولا فصل في كيفية ~~الغسل، وفي ذلك دلالة على استوائهما في الغسل والإزالة. # ومن وجه آخر: قياسي، وهو أن كل ما وجب غسله من الأنثى وجب غسله من الذكر ~~كالعذرة، ولأنه خارج من سبيلي بني آدم فلا يختلف الحال فيه بين الذكر ~~والأنثى كالشيخ والشيخة. # وعن الشافعي: أنه قال في بول الصبي الذي لم يطعم الطعام، أنه يجزئ في ~~بوله النضح، وهو: أن يبل موضعه بالماء وإن لم ينزل عنه، وفي بول الصبية وجهان: # أحدهما: أنه مثل الصبي في النضح. # وثانيهما: أنه يغسل بولها غسلا كسائر الأبوال. # والحجة له على ما قاله: هو أن الحسن بن علي بال على ثوب النبي ، فرشه ~~بالماء، فقيل له: ألا تغسل ثوبك؟ فقال: (( إنما يغسل بول الصبية ويرش على ~~بول الغلام )). # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من وجوب غسله دون نضحه. # والحجة على ذلك: ما ذكروه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن الصبي كالصبية وأنهما لم ~~يفترقا إلا في الذكورة والأنوثة، وهذا لا مدخل له في التفرقة، فنركب القياس ~~ونقول: صغيران فلا يختلفان في غسل أبوالهما كما قاله الشافعي في إيجاب نية ~~الوضوء بالرد إلى التيمم: طهارتان فكيف يفترقان!. ونقول أيضا: بول آدمي ذكر ~~فلا يختلف حاله في كيفية الغسل ms0297 كالكبير. # الانتصار: يكون بتزييف ما أوردوه حجة. # قالوا: حديث أمير المؤمنين دال على التفرقة بينهما فلا وجه لإنكاره. PageV01P579 # قلنا: إنا لم ننكر ما رواه أمير المؤمنين بل حديثه يوازي ظاهر آية من كتاب ~~الله في الصحة والثبات، ولكنا نقول ليس في ظاهر الحديث ما يدل على كيفية ~~الغسل ولكنه قال: يرش على بول الغلام، والرش هو خفيف الغسل، وأيضا فإنا لا ~~نمنع من أنهما يغسلان جميعا، ويشتركان في حقيقة الغسل، وإن كان غسل أحدهما ~~أخف من غسل الآخر، ولأن الرش هو صب الماء على الموضع المرشوش وهذا بعينه هو ~~خفيف الغسل. # قالوا: روي عن النبي أنه قال: (( يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام ~~)). فصرح بالنضح وليس غسلا، وفي هذا ما نريده من التفرقة بينهما. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فالحديث المشهور إنما ورد بالرش، فأما هذا الحديث بالنضح فعلى ~~ناقله التصحيح. # وأما ثانيا: فالنضح إذا كثر فهو مسيل الماء عنه وليس في ظاهر الحديث ما ~~يشعر بأن الماء لم يسل عنه، فلعله قد سال لما كثر نضحه، وفيه ما نريده من ~~سيلان الماء عنه، وذلك أقل ما يجري في غسل النجاسة. # قالوا: الغلام أمارة بلوغه بأمر طاهر وهو المني، والجارية أمارة بلوغها ~~بشيء نجس وهو الحيض، فلأجل ذلك اختلفا في تطهير بولهما. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن رد البول إلى البول أولى من رده إلى الحيض والمني لما في ~~ذلك من البعد والتفاوت. # وأما ثانيا: فلأنا نقول: أليس قد اتفق الحيض والمني في كونهما أمارة ~~للبلوغ مع اختلافهما في الحقائق والأحكام؟ فلا بد من بلى، فهكذا نقول: يجب ~~اتفاق بول الجارية وبول الغلام في كيفية الغسل، وإن اختلفا فيما وراء ذلك، ~~فبطل ما توهموه. PageV01P580 # قالوا: البول يختلف حاله في الإزالة والتطهير، فمنه ما يحتاج في تطهيره إلى ~~ماء كثير وهو بول المحرور(1)، فإن بوله ثخين أصفر له رائحة خبيثة فلا يزول ~~إلا بماء كثير. وبول من كانت الرطوبة غالبة عليه والبلغم، أبيض رقيق لا ~~رائحة له يزول ms0298 بماء قليل، وإذا كان الأمر كما قلناه، فنقول: إن بول الجارية ~~أصفر ثخين، وبول الغلام أبيض رقيق فلأجل هذا اختلفا في الإزالة كما قلناه. # قلنا: الموجب لغسل الثوب شرعا كونه بولا، وجميع الأبوال متفقة في كونها ~~أبوالا، فيجب اتفاقهما في الغسل من غير مخالفة بينهما. # ومن وجه آخر: وهو أن ما ذكرتموه إنما هو تعويل على اختلاف الأمزجة ~~والأمراض والعلل وليس من الأدلة الشرعية في ورد ولا صدر، وكلامنا إنما هو ~~في ما تناولته الأدلة الشرعية، وتدل عليه وتكون مرشدة إليه، فبطل الالتفات ~~إليها والتعويل عليها. # ومن وجه ثالث: وهو أنكم إذا زعمتم أن البول إذا اختلف وصفه اختلف غسله، ~~فتقولون: بأن بول المحرور يجب غسله لكونه أخبث وأقذر من بول المرطب، ~~فأوجبوا في بول المرطب النضح والرش كما قلتم في بول الغلام مع بول الجارية ~~لما اختلف حالهما، وأنتم لا تقولون به فبطل ما زعموه. # فهذا ما أردنا ذكره من المسائل الشرعية من النوع الأول، وبالله التوفيق. # النوع الثاني: في بيان كيفية الغسل لما يمكن غسله من النجاسات الشرعية ~~وفيه مسائل: # مسألة: ذهب علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة إلى أن النجاسات إذا ~~كانت غير مرئية فالمشروع في غسلها ثلاث مرات، لما روي عن النبي أنه قال: ~~(( إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا )). ~~فإذا شرع ذلك في حق النجاسة التي يشك فيها، فلأن يشرع في النجاسة المتحققة ~~أولى وأحق، وهل يجب العدد أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: PageV01P581 # المذهب الأول: أنه لا بد فيها من رعاية العدد في الثلاث، وهذا هو الذي نصره ~~السيدان المؤيد بالله وأبو العباس وهو المحكي عن المتقدمين من أصحاب أبي ~~حنيفة. فأما أبو حنيفة فالمحكي عنه: أن النجاسة إذا كانت غير مرئية غسلت ~~حتى يغلب على الظن زوالها، لكن التقدير من جهة أصحابه بالثلاث. # والحجة على ذلك: ما روينا من الخبر المتقدم، وهو قوله : (( إذا استيقظ ~~أحدكم من منامه فلا يغمس )). وظاهر النهي للتحريم، ولن يكون الغمس ms0299 محرما ~~إلا والغسل واجبا ثلاثا لظاهر الحديث، من غير حاجة إلى تأويله، والسبب في ~~ذلك أنهم كانوا ينامون على غير طهارة من البول والغائط، فأمرهم الرسول ~~بغسل الأيدي ثلاثا قبل أن يغمسوها في الإناء، لتكون طاهرة مما عسى أن تمس ~~أيديهم من تلك النجاسة. # المذهب الثاني: أنه لابد من رعاية العدد وهو سبع، وهذا هو المحكي عن ~~الحسن وأحمد بن حنبل. # والحجة لهما على ذلك: ما روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: (( إذا ولغ ~~الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا)). فنص على هذه العدة في حق الكلب، ثم ~~قسنا سائر النجاسات عليها والجامع بينهما، كونها نجاسة غير مرئية. # المذهب الثالث: أنه لا حاجة هناك إلى اعتبار العدة من ثلاث ولا من سبع، ~~وهذا هو الذي حصله السيد أبو طالب لمذهب الإمامين: القاسم والهادي وهو ~~رأيه، ومحكي عن الشافعي وأصحابه، ومحكي عن متأخري أصحاب أبي حنيفة كالكرخي، ~~والجصاص. # والحجة على ذلك: ما روى ابن عمر رضي الله عنه: أنه كتبت الصلاة خمسين ، ~~والغسل من الجنابة سبع مرات، وغسل الثوب من النجاسة سبع مرات، فلم يزل رسول ~~الله يسأل حتى جعلت الصلاة خمسا، والغسل من الجنابة مرة، وغسل الثوب مرة ~~واحدة(1). فهذا تقرير هذه المذاهب بأدلتها. PageV01P582 # والمختار: ما قاله الإمام أبو طالب من أن رعاية العدد غير معتبرة في ~~النجاسة، ويدل عليه ما قدمناه، ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: هو أن الغرض من التطهير إنما هو إزالة النجاسة وقلعها عن ~~الثوب وغلبه الظن في ذلك، ولا شك أن المرة الواحدة كافية في تحصيل غلبة ~~الظن، فيجب الاعتماد عليها إذ لا دلالة على ما وراءها من جهة الشرع كما ~~سنقرره بعد هذا. # الحجة الثانية: هو أنه تطهير بالماء من نجاسة فلا يعتبر فيه العدد، ~~دليله: ما له عين مرئية. # الانتصار لما قلناه: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا في إيجاب الثلاث: قوله : (( إذا استيقظ...)) الحديث. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فليس في ظاهر الحديث ما يدل على الإيجاب من لفظ ولا غيره، ms0300 فلا ~~يكون لكم في ظاهره دلالة. # قالوا: فيه النهي وهو دال على التحريم، فإذا كان الغمس محرما كان الغسل ~~الذي هو تركه واجبا. # قلنا: لا نسلم أن النهي دال على التحريم بل أقل مراتبه الكراهة، وهي أدنى ~~درجات المنع، والتحريم إنما يثبت بدلالة أخرى، كما أن أدنى درجات الأمر ~~الطلب، والوجوب معلوم بدلالة أخرى. # وأما ثانيا: فلأن الخبر إنما ورد على جهة الاستحباب دون الوجوب، وكلامنا ~~إنما هو في الوجوب، ويدل على الاستحباب أنه قال في آخر الخبر: (( فإنه لا ~~يدري أين باتت يده )). فدل ذلك على أن تعين النجاسة غير حاصل، وهذا مما ~~يؤكد الاستحباب. # قالوا في إيجاب السبع لكل نجاسة: ورد عن النبي أنه أوجب من ولوغ الكلب ~~أن يغسل سبع مرات فتجب في كل نجاسة بجامع النجاسة. # قلنا: عما ذكرتموه جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أن الكلب يغسل من ولوغه سبع مرات، وسنقرر عليهم مسألة ~~على حيالها تدل على بطلان العدد فيه بمعونة الله تعالى. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا ذلك في الكلب فلا نسلمه في غيره؛ لأن للكلب ~~زيادة في التقذير الذي ذكرناه فبطل ما توهموه. PageV01P583 # مسألة: قد ذكرنا فيما سلف أن الماء المستعمل في إزالة النجاسة بعد الحكم ~~عليه بالطهارة كالغسالة الثانية على رأي الإمام أبي طالب، والغسالة الثالثة ~~على رأي الإمام المؤيد بالله، يكون مستعملا لا محالة، فلا يجوز أن يزال به ~~الحدث، ولا يزال به النجس على رأي الأكثر من علماء العترة، وهو قول أبي ~~حنيفة وأصحابه والشافعي. # فأما على المختار وهو قول المؤيد بالله، فيجوز ذلك في حقه وقد مر الكلام ~~عليه باستيفاء فأغنى عن الإعادة. # والذي نريد ذكره هاهنا، إنما هو الكلام في نجاسة الغسالات وطهارتها وفيه ~~مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن الغسالة الأولى نجسة، وهذا هو رأي الإمام أبي طالب وهو ~~محكي عن أبي حنيفة. # والحجة لهما على ذلك: هو أن المقصود به(1) إزالة النجاسة فلما أزيلت به ~~كانت منتقلة إليه فوجب الحكم عليه بكونه نجسا. # المذهب الثاني: أن الغسالة ms0301 الأولى والثانية نجستان، وهذا هو رأي الإمام ~~المؤيد بالله. # والحجة له على ذلك: ما في ظاهر الخبر وهو قوله: (( فلا يغمس يده حتى ~~يغسلها ثلاثا )). فلولا أن الأولى والثانية نجستان وإلا لما أمر بالثلاث. # المذهب الثالث: رأي الشافعي، وقد حكي عنه قولان: # أحدهما: أن الغسالة الأولى تكون نجسة، وهو الذي حكاه الأنماطي. # وثانيهما: أنها تكون طاهرة إذا لم تكن متغيرة بالنجاسة، وهو الصحيح عند ~~أصحابه. # والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، وحاصله أنا نقول: الغسالة لا يخلو ~~حالها إما أن تكون متغيرة بالنجاسة أو لا، فإن تغيرت بالنجاسة فلا خلاف في ~~كونها نجسة، لقوله عليه السلام: (( خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير ~~ريحه أو طعمه)). ولأنها قد اكتسبت جزءا من النجاسة فيجب أن يكون حالها ~~كحالها في النجاسة. PageV01P584 # وإن لم تكن متغيرة بالنجاسة فهي طاهرة كما هو الأصح من قولي الشافعي كما ~~حكيناه عنه، وهو الذي يأتي على رأي الإمام القاسم بن إبراهيم في أن الماء ~~لا ينجس إلا بالتغير، وهذا عام في كل صورة. # والحجة على ذلك: ما قدمناه من الأصل والقاعدة، وهو قوله : (( خلق الماء ~~طهورا لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو طعمه)). وهذا لم يتغير شيء من أوصافه ~~فيجب الحكم عليه بالطهارة. # الحجة الثانية: حديث الأعرابي الذي بال في المسجد فأمر الرسول من صب عليه ~~ذنوبا، فلو كانت الغسالة تنجس لكان في ذلك تكثير للنجاسة في المسجد، فدل ~~ذلك على طهارتها. # واعلم بأن كل من قال بنجاسة الماء القليل وإن لم يتغير فإن قياس مذاهبهم: ~~هو نجاسة الغسالة لا محالة من جهة أن النجاسة قد اتصلت بها وإن لم تكن ~~مغيرة لها، والعجب من الشافعي حيث قال بطهارتها مع أنها قد اتصلت بالنجاسة، ~~وقياس قوله: نجاستها. # الحجة الثالثة: أن من جملة هذه الغسالة: البلل الباقي في الثوب، وهو طاهر ~~إجماعا بعد انفصالها عنه عند الحكم بطهارة المحل، فيجب أن تكون طاهرة أيضا ~~لكونه ماء واحدا. # فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا أن الواجب غسلة ms0302 واحدة، وأن ماء الغسالة ~~طاهر إذا لم يتغير بالنجاسة، وأن الغسلات الثلاث إنما هي على جهة الاستحباب ~~وقد قررناها بأدلتها. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم. # قالوا في نجاسة الغسالة الأولى: هو أن المقصود منها إزالة النجاسة، فيجب ~~أن تنتقل إليها فتكون نجسة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكرتموه مجرد دعوى ليس فيه إشارة إلى دلالة توجب ما ~~ذكرتموه فلا يعرج عليه. # وأما ثانيا: فلأنا نقول: غسالة قصد بها إزالة النجاسة فيجب الحكم عليها ~~بالطهارة كالغسالة الثالثة على جميع الأقوال. # قالوا: ماء غسلت به النجاسة فكان نجسا كما لو انفصل قبل تطهير المحل. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV01P585 # أما أولا: فلا نسلم ما ذكرتموه، بل ولو انفصل قبل تطهير المحل فإنه يكون ~~طاهرا؛ لأن التعويل في نجاسته إنما يكون على تغيره بالنجاسة، فإذا لم يتغير ~~فهو طاهر بكل حال، سواء انفصل قبل التطهير أو بعده. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا هذا الأصل، فالتفرقة بينهما ظاهرة من جهة أن ~~الباقي في المحل نجس، فلهذا كان المنفصل عنه نجسا بخلاف ما نحن فيه فإن ~~الباقي في المحل طاهر، فلهذا كان المنفصل مثله. # ووجه ثالث: وهو أن النجاسة إذا لم تظهر عليه صار مغلوبا بالطهارة فلهذا ~~كان طاهرا، وإذا ظهرت عليه صار مغلوبا بالنجاسة، فلهذا كان نجسا. # قالوا: النجاسة لا تخلو من محل فإذا انتقلت من الثوب وجب حصولها في ~~الماء، وفي ذلك كونه نجسا بالاتصال بها. # قلنا: هذا ساقط لأمرين: # أما أولا: فلابد من محل خلا أنه يسقط حكمها بالاستهلاك كما سقط حكم الخمر ~~بالانقلاب(1). # وأما ثانيا: فكما لا يخلو الماء من النجاسة على زعمكم، فالمحل المتنجس ~~غير خال عنها أيضا، ثم إنا قد حكمنا بطهارة المحل بعد انفصال الماء عنه ~~فهكذا حال الماء، فبطل ما ظنوه. # مسألة: إذا كانت النجاسة خمرا لها عين مرئية فهل يعتبر في غسلها عدد أم ~~لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجب اعتبار العدد فيها، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو ~~العباس وقرره ms0303 لمذهب الإمامين: القاسم والهادي، وهو الظاهر من مذهب المؤيد ~~بالله، ومعنى اعتبار العدد فيما عينه مرئية، هو أن غسله حتى تذهب عينه يعد ~~مرة واحدة، ويجب بعد ذلك مرتان اثنتان من جهة أن المرة الأولى لا معنى ~~لاعتبار العدد فيها، بل زوالها بعد مرة واحدة وإن تكرر فيه الغسل مرارا كثيرة. PageV01P586 # والحجة على ذلك: ما روي عن النبي ، أنه لما سألته أسماء بنت عميس ) عن دم ~~الحيض يكون في الثوب، فقال لها: (( حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء ثم لا ~~يضرك بعد ذلك أثره))(2). # ووجه الاحتجاج بهذا الخبر: هو أنه أمرها بالحت أولا وهو الفرك باليدين، ~~ثم أمرها ثانيا بالقرص، والفرصة: قطعة صوف يدلك بها الشيء(3)، ثم أمرها ~~ثالثا بالغسل بالماء، وهذه ثلاث دفعات، لأن المعنى: حتيه ثم اقرصيه بالماء ~~ثم اغسليه بالماء ، وهذا دليل على ما ذكرناه من اعتبار العدد في الغسلات. # المذهب الثاني: أنه لا يعتبر العدد إنما الاعتبار بزوال العين، فإذا زالت ~~فلا حاجة إلى غسلتين بعده. وهذا هو رأي الإمام أبي طالب، وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه والشافعي وأصحابه. PageV01P587 # والحجة على ذلك: ما في حديث عمار من قوله عليه السلام: (( إنما تغسل ثوبك ~~من الغائط والبول)). ولم يذكر العدد ولا فصل بين ما نجاسته مرئية أو غير ~~مرئية، وفي هذا دلالة على بطلان العدد في النوعين جميعا كما قدمنا. # والمختار: ما عول عليه السيد أبو طالب ومن تابعه من الفقهاء. # والحجة على ذلك: هو أن المقصود من النجاسة المرئية إنما هو عينها، فإذا ~~زالت العين فهي التي يتعلق بها حكم التنجيس، فلهذا قلنا ببطلان شرط العدد. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: حديث أسماء دال على اعتبار العدد. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأنه ليس في ظاهره ما يدل على تكرر الغسلات، وإنما قال: (( ~~حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه )). فالحت عبارة عن الحك باليدين من غير غسل، ~~والقرص عبارة عن استعمال الفرصة من غير غسل، ولم يذكر هناك إلا غسلة بالماء ~~لا غير، فلا ms0304 حجة لكم في ظاهره على تكرر الغسلات. # وأما ثانيا: فلأنه قال في آخره: (( ثم اغسليه بالماء )). ولم يذكر عددا، ~~فدل ذلك على بطلان العدد. # قالوا: إزالة النجاسة يتعلق بها حكمان: # أحدهما: إزالة العين. # وثانيهما: إزالة الحكم. فإذا زالت العين فلابد من إزالة الحكم، وليس ذلك ~~إلا بغسلتين، وهذا الذي نريده بإيجاب العدد في غسل النجاسة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فالذي يلزم من النجاسة، هو غسلها للصلاة فإذا كانت مرئية فلا ~~بد من إزالتها وإن كانت غير مرئية فلا بد من غسلها، فمن أين أنها إذا كانت ~~مرئية فلا بد من غسلها بعد إزالة عينها، ولم تدل على ذلك دلالة من جهة ~~الشرع؟ وفيه وقع النزاع. # وأما ثانيا: فلأن المفهوم من عناية الشرع في غسل النجاسة إنما هو بإزالة ~~عينها، ولهذا قال: (( حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء )). يقرر أن المقصود ~~إنما هو الإزالة للعين، فإذا زالت فلا عناية هناك في غسلها، فبطل ما توهموه ~~في ذلك. PageV01P588 # مسألة: إذا كانت النجاسة خمرا أو بول مبرسم أو محرور(1) أو غير ذلك من ~~النجاسات التي تغسل فتبقى آثارها، فهل يجب إبلاء العذر في إزالتها بشيء غير ~~الماء، من الصابون والأشنان والإذخر والسدر وغير ذلك مما يكون قالعا لأثرها ~~أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن ذلك واجب، وهذا هو رأي أئمة العترة لا يختلفون فيه، وهو ~~الذي نص عليه المؤيد بالله في كتابه (الزيادات)(2) وتخريج القاضي زيد ~~للقاسم وحكاه في (الزوائد)(3) عن القاسمية. # والحجة: ما رويناه من حديث أسماء، حيث سألته ، عن دم الحيض، فقال لها: (( ~~حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه)). فدل ظاهره على أنه أمرها باستعمال شيء غير ~~الماء مما يكون مزيلا لأثر الدم وهذا هو مطلوبنا. # المذهب الثاني: لا يجب استعمال غير [الماء]، وهذا هو [الذي] ذكره الناصر ~~والأخوان في الشرحين(4) والمنصور بالله. PageV01P589 # والحجة على ذلك: ما رواه أبو هريرة أن خولة بنت يسار ) أتت النبي ، فقالت: ~~يا رسول الله ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه فكيف ms0305 أصنع؟ قال: (( إذا ~~طهرت فاغسليه ثم صلي فيه )). قالت: فإن لم يخرج الدم؟ قال: (( يكفيك الماء ~~ولا يضرك أثره ))(2). فهذا نص في عدم الاستعمال في أثر النجاسة. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة. PageV01P590 # والحجة عليه: ما تقدم ونزيد ههنا قوله : (( أمطه عنه بإذخرة ))(1)، وقد ~~سأله عن أثر من النجاسة. وقوله عليه السلام لمن سألته عن دم الحيض: (( حكيه ~~بضلع ))(2). # ووجه الاحتجاج بما ذكرناه: هو أنه لم يقتصر على الماء بل أشار إلى غيره، ~~وفي هذا دلالة على ما قلناه من استعمال غير الماء مع الماء. # الانتصار: قالوا: حديث خولة بنت يسار فيه دلالة على عدم الاستعمال. # قلنا: قد وردت أحاديث دالة على استعمال غير الماء، ووردت أحاديث دالة على ~~عدم الاستعمال، فوجب الترجيح عند التعارض إذ لا وجه لإسقاطها مع إمكان ~~الترجيح، ولا شك أن الأخبار الدالة على استعمال غير الماء راجحة لوجهين: # أما أولا: فلأنها مشتملة على زيادة، والزيادة من جهة العدل مقبولة لكونها ~~مفيدة شرعا. # وأما ثانيا: فلأنها آكد في الدلالة على المقصود من الطهارة، من جهة أن ~~المقصود منها حصول المصلي على أحسن هيئة وأنقى ثوب، واستعمال الأمور ~~المزيلة للآثار فيه تأكيد لهذا المقصود الشرعي والغرض الديني، فيجب فعله ~~لما ذكرناه. # فإن غسلت النجاسة من غير استعمال [الماء] في قلع أثرها وبقي لونها لم ~~يحكم بطهارتها، وهو المحكي عن الشافعي وأصحابه، لأن بقاء اللون دال على ~~بقاء عين الخمر، وإن ذهب لونها وبقي ريحها لم يحكم أيضا بطهارته، وهو أحد ~~قولي الشافعي، وله قول آخر أنه يحكم بطهارته. PageV01P591 # والحجة على ما قلناه: هو أن الرائحة كاللون، فإذا بقي ريحها فأجزاؤها باقية ~~كما في اللون من غير تفرقة بينهما. # وإن استعمل الصابون في قلعه فلم يزل عفي عنه لما في حديث خولة: (( ولا ~~يضرك بعد ذلك أثره )). ولأنه هو الغاية، وبعد الاستعمال فلا حكم له، ولأنا ~~لو أوجبنا زواله بعد ذلك لم يكن إلا بالقطع، ولم يرد الشرع بالقطع للثياب ~~لبقاء الآثار فيها. وحكي عن ابن عمر أنه ms0306 كان يستدعي بالجلم فيقطعه. # وإن غسل دم الحيض فزال بالماء لم يجب استعمال غيره عند أئمة العترة وأكثر ~~فقهاء الأمة. وحكي عن داود وطبقته: أنه لا يجزيه ولا يحكم بطهارته إلا ~~باستعمال الحت والقرص، وهذا منهم تعويل على الظواهر من الأحاديث، وهو فاسد؛ ~~فإن التعويل على المعاني أحق، وذلك لأن المقصود هو إزالة النجاسة وقلعها، ~~فإذا حصل ذلك بالماء فلا حاجة إلى غيره، وإن بقي أثر الحيض بعد استعمال ما ~~ذكرناه فالمستحب أن يغير لونه، لما روي أن معاذة العدوية ) سألت عائشة عن ~~دم الحيض يبقى في الثوب، فقالت لها: (( اغسليه بالماء فإن لم يذهب فغيريه ~~بالصفرة، فلقد كنت أحيض عند رسول الله ثلاث حيض فيبقى لونه فنلطخه ~~بالحناء)). PageV01P592 # وإن غمس الثوب في إجانة أو طشت فيه ماء وفيه نجاسة، نظرت فإن غيرت النجاسة ~~الماء كان ذلك الماء نجسا لتغيره بالنجاسة، وإن لم تغيره النجاسة نظرت فإن ~~كان قليلا إما بأن يكون دون القلتين على قول من يعتبرهما، وإما أن يكون ~~يغلب على الظن استعمال النجاسة به على قول من يعتبره في كونه قليلا كما مضى ~~شرحه، فإنه يكون نجسا وإن لم يتغير ولا يطهر الثوب به، وأما على رأي الإمام ~~القاسم والمختار الذي اخترناه، فإنه إذا كان غير متغير بالنجاسة فإنه يكون ~~طاهرا، ويطهر الثوب. # وإن كان هناك ثوب نجس كله فغسل الغاسل نصفه، ثم عاد إلى ما بقي بعد ذلك ~~فغسله، طهر الثوب عند أئمة العترة، وهو قول الأكثر من أصحاب الشافعي، وحكي ~~عن بعض أصحاب الشافعي أنه لا يطهر. # والحجة على ما قلناه: هو أن الطهارة قد صارت مستولية على جميع أجزاء ~~الثوب، فلهذا كان طاهرا كله. # مسألة: إذا ولغ الكلب في الإناء وجب غسله من ولوغه فيه، والولوغ يكون ~~بلسانه، والكروع أبلغ منه، ويكون بإدخال خرطومه في الماء، وإنما يجب غسله ~~لكونه نجسا، وهل يعتبر فيه العدد أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يعتبر العدد فيه سبعا، وهذا هو رأي أئمة العترة، ~~وهو قول ms0307 أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: ما رواه أبو هريرة عن الرسول أنه قال في الكلب يلغ في ~~الإناء ( (يغسل ثلاثا أو خمسا أو سبعا )). # ووجه الاستدلال بالخبر: هو أنه عليه السلام خير في الغسل بين الثلاث ~~والخمس والسبع، وفي هذا دلالة على أن السبع غير واجبة؛ لأنها لو كانت واجبة ~~حتما لم يكن هناك وجه للتخيير. # المذهب الثاني: أن العدد فيه يجب اعتباره وهو السبع، وهذا هو رأي الشافعي ~~وأصحابه. # والحجة على ذلك: قوله عليه السلام: (( طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه ~~أن يغسل سبعا إحداهن بالتراب)). PageV01P593 # ووجه الاستدلال بذلك: هو أن ظاهر الخبر دال على أن التطهير يتعلق بالسبع، ~~فلا يجوز تعليقه بما دونه؛ لأن في ذلك مخالفة لظاهره من غير حاجة. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة لما ذكروه من الحجة، ونزيد هاهنا حجة ~~قياسية، وحاصلها: هو أنها نجاسة فلا تستحق الغسل سبعا كسائر النجاسات، ~~ولأنها طهارة فلا يكون العدد فيها واجبا كسائر طهارة الحدث، ولأنه حيوان ~~سؤره نجس فلا يشترط في التطهير منه عدد مخصوص كالكافر على رأي من يقول ~~بنجاسة سؤرهما وإن لم يتغير به الماء كما مر تقريره. # الانتصار: يكون بإبطال ما قالوه. # قالوا: حديث أبي هريرة دال بصريحه ونصه على اعتبار الغسلات السبع فلا ~~حاجة إلى تأويله. # قلنا: الكلام على ما أوردتموه من الخبر من أوجه: # أما أولا: فلأن أبا هريرة قد روى خبرا آخر رواه عنه عطا. وهو قوله (ص): ~~(( إذا ولغ الكلب في إناء أهريق وغسل ثلاث مرات )). فهذا الخبر يناقض خبركم ~~فيجب الحكم عليهما بالتعارض والتساقط. أو نقول: خبرنا أرجح؛ لأنه هو الأقل ~~المستيقن فيجب العمل [به]. # وأما ثانيا: فلأنه قد حكي أن أبا هريرة أفتى بالغسل من الكلب ثلاث مرات، ~~وهذا يدل على أنه فهم من الخبر المذكور فيه السبع، الندب والاستحباب، إذ لا ~~يجوز أن يحمل على مخالفة الرسول فيما قاله. # وأما ثالثا: فلأنا نقول: إن هذا منسوخ لأنه تكلم حين قال: غسل الثوب من ~~البول سبع ms0308 مرات، والغسل من الجنابة سبع مرات، والصلوات فرضت خمسين، ثم نسخ ~~جميع ذلك وهو من جملتها فلهذا كان منسوخا. PageV01P594 # وأما رابعا: فلأن في بعض الأخبار: (( والثامنة بالتراب))(1). وقد اتفقنا ~~على أن التعفير في الثامنة غير واجب، فهكذا في السبع يكون على جهة ~~الاستحباب وهذا هو مطلوبنا بكونه مستحبا. # وأما خامسا: فلعل هذا العدد إنما أمر به في الوقت الذي أمر بقتل الكلاب ~~حين قال: (( اقتلوا كل أسود بهيم ))(2). فجميع ما ذكرناه من هذه الأوجه ~~كلها، دال على اعتبار بطلان العدد سبعا. # قالوا: إحدى الطهارتين، فجاز أن يعتبر فيها العدد كالطهارة من الحدث. # قلنا: نقلب عليكم ما ذكرتموه من القياس. # إما بأن نقول: فوجب أن لا يعتبر فيها العدد سبعا كالطهارة من الحدث. # وإما بأن نقول: فوجب أن لا يتكرر فيها وجوب الغسل كالطهارة من الحدث. # وإما بأن نقول: فوجب أن يكون الوجوب متعلقا فيها بالمرة الواحدة، ~~كالطهارة من الحدث. # قالوا: حكم شرعي، فوجب أن يكون العدد في السبع واجبا فيه كرمي الجمرة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن رد الطهارة إلى طهارة مثلها أولى من ردها إلى الحج، ~~لاختلافهما وتباين أحكامهما وموضوعهما. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه من الوصف، من الأوصاف الطردية الذي يستوي ثبوت ~~الحكم ونفيه عليها، ولا يكون لأحدهما مزية على الآخر، وهذه أمارة كون الوصف ~~طردا لا تعويل عليه، ولهذا فإنك لو قلت: حكم فلا يتكرر عدده من جهة الوجوب كالحج. # التفريع على هذه القاعدة: PageV01P595 # الفرع الأول منها: إذا ولغت كلاب كثيرة في إناء واحد، أجزأه عندنا أن يغسله ~~مرة واحدة على رأي السيد أبي طالب وهو المختار. # فأما أصحاب الشافعي فلهم قولان: # أحدهما: أنه يغسل لكل كلب سبع مرات. # وثانيهما: وهو الذي ذكره حرملة، أن يغسل للكل منها سبع مرات، والصحيح عند ~~أصحاب الشافعي هو الثاني، لأن الغسلات السبع كافية في الإزالة، كما لو ~~اجتنب مرات كثيرة فإنه يكفيه غسل واحد، وكما لو تنجس الإناء ببول وعذرة ~~وخمر، فإنه يجزيه غسلة واحدة من غير تكرير. ms0309 # الفرع الثاني: إذا وقع الإناء الذي ولغ فيه الكلب في ماء قليل، تنجس ~~الماء ولم يطهر الإناء على رأي الأكثر من العترة وأكثر الفقهاء، فأما على ~~رأي الإمام القاسم بن إبراهيم، وهو المختار عندنا، فإنه ينظر في الماء، فإن ~~كان متغيرا بالنجاسة كان نجسا ولم يطهر الإناء، وإن كان الماء غير متغير ~~طهر الإناء والماء جميعا؛ لأن الماء غير نجس، والإناء لا ينجس أيضا. # وإن وقع الإناء في ماء كثير لم يكن الماء نجسا لكونه كثيرا. وكل على رأيه ~~من العلماء في حد القليل والكثير، كما قدمنا تفصيله. وهل يطهر الإناء مع ~~فرض كون الماء كثيرا، فيه خمسة أقوال محكية عن الشافعي. # أولها: أنه طاهر لأنه لو ولغ فيه الكلب وهو في هذه الحالة لم يكن نجسا، ~~فهكذا إذا ولغ فيه من قبل ثم وضع في ماء كثير. # وثانيها: أنه يحتسب ذلك مرة واحدة في طهارة الإناء ولابد من ست مرات بناء ~~على قوله: إنه لا بد من سبع في ولوغ الكلب في الإناء. # وثالثها: أنه يحتسب بذلك ست مرات؛ لأن ذلك أبلغ من ورود الماء عليه ست ~~مرات ولابد من غسلة سابعة بالتراب. # ورابعها: أنه ينظر فإن أصاب الكلب الإناء نفسه احتسب بذلك غسلة، وإن أصاب ~~الكلب الماء الذي في الإناء نجس الإناء تبعا للماء، احتسب به هاهنا سبعا. # وخامسها: أنه ينظر فإن كان الإناء ضيق الرأس لم يطهر، وإن كان واسعا طهر. PageV01P596 # والمختار: هو الأول على رأي أئمة العترة، لأنه إذا كان حاصلا في ماء كثير ~~فقد طهر؛ لأن النجاسة غير ظاهرة فيه فوجب القضاء بطهارته. # الفرع الثالث: إذا ولغ الكلب في إناء فغسل وانفصل الماء إلى إناء آخر وهو ~~غير متغير، فهل يحكم بطهارة الماء أم لا؟ فيه كلام، فعلى ما ذكره الإمام ~~أبو طالب ينجس المجاور الأول، وعلى كلام المؤيد بالله ينجس المجاور الأول ~~والثاني، والمجاور الثالث طاهر باتفاقهما جميعا، فإذا جمعت في إناء واحد ~~وجب الحكم عليه بكونه نجسا؛ لأنه ماء قليل وقد اتصلت به ms0310 النجاسة فنجسته ~~سواء كان متغيرا أو غير متغير، لأن الماء إذا كان قليلا ثم وقعت فيه نجاسة ~~فإنه يكون نجسا وإن لم يتغير كما مر تقريره. # وأما على رأي الإمام القاسم وهو المختار فإنه ينظر، فإن كانت هذه ~~الغسالات متغيرة بالنجاسة فهي نجسة، وإن كانت غير متغيرة بالنجاسة فهي ~~طاهرة لظواهر الأخبار التي قدمناها. # فأما الشافعي فله في ذلك ثلاثة أوجه: # أحدها: أن الغسالات السبع في ولوغ الكلب نجسة عند انفصالها. # وثانيها: أنها كلها طاهرة. # وثالثها: أن السابعة طاهرة وما قبلها نجس، وهو الصحيح عند أصحابه، فإذا ~~ضمت السابعة إلى ما قبلها كان الجميع منها نجسا؛ لأن الطاهر مغلوب بالنجس ~~فلهذا كان نجسا. # الفرع الرابع: في التراب، هل يكون واجبا في الغسل من ولوغ الكلب أم لا؟ ~~والذي عليه علماء العترة: أنه غير واجب، وهو قول أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو قياسه على سائر النجاسات بجامع كونها نجسة، ولأنه لا ~~أثر له فيحتاج إلى غير الماء كسائر النجاسات التي لا أثر لها. # وحكي عن الشافعي أنه واجب لقوله ، في حديث الغسل من الكلب: (( إذا ولغ في ~~الإناء اغسلوه سبعا إحداهن بالتراب ))، وفي حديث آخر: (( أولاهن بالتراب)). ~~وقد تكلمنا على ضعف الخبر، وإفساد التعلق به في إيجاب السبع فأغنى عن ~~الإعادة. PageV01P597 # ثم إنه محمول عندنا على الاستحباب في التنظيف عن ولوغه وتبعيدا عن مخالطته ~~ومخامرته بما ذكرناه من التغليظ في غسل ما ولغ فيه؛ لأنهم كانوا يعتادونها ~~ويألفون مخالطتها في أكثر أحوالهم، كما كان الجاهلية يفعلون، فورد الشرع في ~~أول الإسلام بالبعد منها والتقذير لأحوالها(1). # والغسل بالتراب هل يكون أحد السبع على رأي الشافعي، وهل يكون أولا أو ~~آخرا أو وسطا، فالأمر فيه قريب، وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أن الأفضل فيه ~~أن يكون قبل السابعة ليرد عليه ما ينظفة(2). وحكي عن الحسن البصري وأحمد بن ~~حنبل أن الثامنة تكون بالتراب. # الفرع الخامس: على رأي الشافعي في قدر التراب، وفي قدره وجهان: # أحدهما: ما يقع عليه اسم التراب؛ لأنه أطلق ms0311 في الحديث من غير تقدير له. # وثانيهما: أنه لا بد من أن يكون مستوعبا لمحل الولوغ؛ لأن النجاسة شاملة ~~له ومتصلة به. # وهل يقوم غير التراب مقامه أم لا؟ فيه عندهم وجهان: # أحدهما: أنه تعبد لا يعقل معناه فلا يقوم مقامه غيره من الصابون ~~والأشنان، وغيرهما من المنظفات. # وثانيهما: أنه يعقل معناه؛ لأن المقصود به التنظيف عن تقذير الكلب فيلحق ~~به ما هو مثله أو أبلغ منه. # وإن خلط التراب بغيره فهل يجزي أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يجزي؛ لأنه هو المقصود. # وثانيهما: أنه لا يجزي؛ لأنه غير مطهر. # وإن بال الكلب على الأرض فجرى عليه الماء سبع مرات، فهل يحتاج إلى تراب ~~أم لا؟ فيه وجهان؛ الأصح منها أنه لا يحتاج إلى تراب؛ لأن نفس الأرض كلها تراب. # مسألة: قد ذكرنا فيما سبق نجاسة المني ودللنا عليه، وإذا كان نجسا فهل ~~يجب غسله أو يجزي فيه الفرك؟ فيه مذهبان: PageV01P598 # المذهب الأول: أنه لا يطهر إلا بالغسل، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن مالك. # والحجة على ذلك: ما قدمناه من خبر عمار، وهو قوله : (( إنما تغسل ثوبك من ~~البول والغائط والمني)). فأخبر أنه يجب غسله كما في غيره من تلك النجاسات ~~التي ذكرها في الخبر. # الحجة الثانية: قياسية، وهي أنه مائع نجس فلا يجزي فيه إلا الغسل كالبول، ~~أو أنه نجس فلا يجزي فيه الفرك كسائر النجاسات، أو نقول: مني فلا يجزي فيه ~~إلا الغسل، كما لو كان رطبا، وعلى [رأي] أبي حنيفة فإنه قال بوجوب غسله إذا ~~كان رطبا. # فأما الشافعي فقد قدمنا أنه عنده طاهر فلا يحتاج إلى طهارة بفرك ولا غسل. # المذهب الثاني: أنه إذا كان رطبا وجب غسله، وإذا كان جافا فتطهيره يكون ~~بالفرك من غير غسل، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: ما في حديث عائشة رضي الله عنها وهو أنها قالت: (( كنت ~~أفرك المني من ثوب رسول الله وهو في الصلاة))(1). # ووجه الاحتجاج بالخبر: هو أنا قد دللنا على ms0312 نجاسته بما مر تقريره، ولكن ~~الخلاف في كيفية التطهير، فلو كان الغسل فيه واجبا لغسلته؛ لأنه أقرها على ~~تركه ولم ينكره عليها، فدل ذلك على أن التطهير في حقه إنما هو بالفرك لا غير. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من وجوب غسله. PageV01P599 # والحجة على ذلك: ما ذكرناه عنهم، ونزيد هاهنا وهو أن البول والمني يخرجان ~~من مخرج واحد وهو الإحليل، فوجب(1) تطهيرهما بالغسل على سواء كالحيض ~~والنفاس، ولأنه إذا تقرر كونه نجسا فالفرك لا ينقي النجاسة كما لا ينقي ~~البول من الثوب ودم الحيض، ولأن الفرك إنما يزيل ما كان غليظا منه، فأما ~~البلة فهي باقية لا يطهرها الفرك، كما أن الفرك في حق العذرة لا يطهرها لما ~~كان لا ينقي إلا غليظها دون بلتها. # الانتصار: قالوا: حديث عائشة صريح في تطهيره بالفرك. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأنه ليس في ظاهر الخبر إلا أنها فركته فمن أين أنها لم تغسله ~~كما يفعل في العادة، فإن من أراد غسل نجاسة غليظة فإنه يبدأ بفركها قبل ~~غسلها تقليلا من نجاستها لا أنه يكتفي بالفرك، فهكذا ما فعلته عائشة من ذلك. # وأما ثانيا: فإنا نقول: أخبرونا عن الفرك حين اشترطتموه في المني، هل هو ~~مزيل لنجاسته أو مخفف لها؟ فإن كان مزيلا لها فيجب أن يزيلها، وإن كان رطبا ~~وأنتم قد أوجبتم غسل ما كان منه رطبا، وإن كان مقللا للنجاسة حصل مرادنا من ~~بقاء النجاسة، فيجب إزالتها بالغسل؛ لأن قليل ما كان نجسا غير معفو عنه ~~فتجب إزالته كما تجب إزالة كثيره. # قالوا: روي عن رسول الله أنه قال لعائشة: (( إذا رأيت المني يابسا فحتيه ~~، وإن كان رطبا فاغسليه))(2). فظاهر الخبر دال على رطبه ويابسه، وفي هذا ~~دلالة على ما قلناه من أنه إذا كان يابسا فحته كاف في تطهيره. PageV01P600 # قلنا: المراد من هذا هو تقدمة الحت على الغسل، فمن أين أنها لم تغسله ~~بعد(1) حتها له؟ وفيه وقع النزاع، وهكذا إذا رووا عن عائشة أنها قالت: (( ~~أمرني رسول الله ms0313 أن أغسل المني من ثوبه إذا كان رطبا وأحته إذا كان ~~جافا)). فإن الغرض الجمع بين الحت والغسل، كما روي عن النبي ، أنه سأله رجل ~~عن المني يصيب الثوب. فقال: (( أمطه عنك بإذخرة)). والمراد تقديم الإماطة ~~بالإذخر، ثم يغسله بعد ذلك. # ثم نقول: إنما ذكرتموه من هذه الأحاديث إنما هي واردة في حق الرسول ، ولا ~~يبعد أن يكون منيه طاهرا، وكلامنا في مني غيره، فلا يلزم من طهارة منيه ~~طهارة سائر المنيات من جميع الحيوانات، وأنها يجب فيها الغسل إذا أصابت ~~الثوب دون الفرك، وهذا من جملة الخصائص والكرامات التي أكرمه الله تعالى ~~بها، ولنشر إلى ما تميز به من بني آدم فيما يختص بالنجاسات وجملتها خمس: # الخاصة الأولى: منيه فإنه طاهر، أشار إلى ذلك الإمام المنصور بالله، فإنه ~~قال: لا يمتنع أن يحكم الله بطهارة مائه حيا وميتا، كما كان له دخول المسجد جنبا. # والحجة على ذلك: ما رويناه من أحاديث عائشة، فإنها دالة على طهارة منيه، ~~ولهذا فإنها قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله . فلو كان نجسا لكان ~~مفسدا للصلاة. # والخاصة الثانية: نجوه، فإنه كان لا يرى على وجه الأرض، ولهذا قال: (( ~~فضلت بخصال، لا يرى لي نجو ، وولدت معذورا))(2)..أي مختونا. فلو رؤي فهل ~~يحكم بطهارته أم لا؟ والأقرب هو الحكم بطهارته كالبول. # الخاصة الثالثة: بوله، فإنه طاهر. PageV01P601 # والحجة على ذلك: ما روي أن أم أيمن شربت بوله فلم ينكره عليها، وقال لها: ~~(( إذا لا تلج بطنك النار ))(1) فكان في ذلك دليلان، ترك النكير عليها في ~~شربه، وكونه وقع سببا لنجاتها من النار. # الخاصة الرابعة: دمه، فإنه طاهر. # والحجة على ذلك: ما روي أن أبا طيبة حجم له، ثم شرب دمه، فقال له: (( إذا ~~لا تتجع بطنك ))(2) ففيه أيضا دليلان: ترك النكير له على شربه، ثم كونه ~~سببا لئلا يتألم لوجع البطن كما قال. # الخاصة الخامسة: مصله وقيحه: فإنهما طاهران منه. # والحجة على ذلك: هو أنهما جاريان مجرى الدم لكونهما مستحيلين منه، فما ~~طهر من الدم ms0314 أو عفي عنه أو كان نجسا منه فهما كذلك من غير تفرقة بينهما، ~~فإذا تقرر ذلك فجميع ما ذكرناه من هذه الأشياء نجسة من بني آدم ما خلا رسول ~~الله فإنها طاهرة في حقه لأجل الكرامة والخصوصية التي له من الله تعالى. PageV01P602 # مسألة: وأهل البلوى نعوذ بالله منها، الذين اتصلت بهم النجاسة فلم تزايلهم، ~~كمن به سلس البول وسيلان الجرح، وصاحب البواسير. والباسور: داء يحدث في ~~المقعدة وفي الأنف، وهو ورم يحصل فيهما ثم يعلو فينفجر، ولا يزال يسيل ~~وربما قتل صاحبه وأسقمه، فهؤلاء لا يلزمهم التحرز عن هذه النجاسات ولا غسل ~~أثوابهم ولا أجسامهم عما يصيبها منها. # والحجة على ذلك: ما في حديث فاطمة بنت أبي حبيش )، وهو أنها لما استحيضت ~~قالت: يا رسول الله إني أستحاض فلا أطهر ولا ينقطع الدم عني، فأمرها أن ~~تدع الصلاة أيام إقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي وإن قطر الدم على ~~الحصير قطرا(2)، فصار هذا أصلا لما عداه مما ذكرناه من أهل هذه البلاوي ~~التي ذكرناها، والجامع بينهما هو استرسال الحدث بحيث لا يرجى انقطاعه بحال. # الحجة الثانية: هو أنا لو كلفناهم ذلك لابد من الحرج والمشقة، والله ~~تعالى يقول: {وما جعل عليكم في الدين من حرج }[الحج:78]. وقال تعالى: {لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها}[البقرة:286]. وقوله عليه السلام: (( بعثت ~~بالحنيفية السمحة )). وقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر}[البقرة:185]. إلى غير ذلك من الأدلة الشرعية الدالة على تخفيف الأمر ~~على من هذه حاله. # ويستحب له أن يتعهد ثوبه بالتطهير والتنقية. PageV01P603 # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وثيابك فطهر }[المدثر:4]. وقوله عليه السلام: ~~(( إن الله نظيف يحب النظافة وجميل يحب الجمال)). # ويكره له أن يتركه حتى يصير فاحشا. # والحجة على ذلك: هو أن المأخوذ على الإنسان إذا أراد الصلاة أن يكون على ~~أحسن هيئة من الطهارة والنظافة في مكانه وملبسه وطهارة جسمه، وقد نبه الشرع ~~على ذلك باشتراط طهارة هذه الأمور كما سنقرره في شروط الصلاة، فلهذا كره له ~~ما ms0315 يضاد ذلك ويناقضه، وقد قدره الهادي في (الأحكام) بثلاثة أيام، من جهة أن ~~الثلاث قد صارت عددا متوسطا ليس فيه إفراط ولا تفريط، وهذه المسألة من ~~الأمور المفوضة إلى رأي أهل الاجتهاد بالآراء الصائبة والأنظار الموفقة في ~~فصل الخصومات الناشئة بين الخصوم، إذ ليس فيها إضرار على الخصمين عند ~~اقتضاء المصلحة الشرعية لتوقيتها. # وهل يكون التقدير بالثلاث في غسل أثواب هؤلاء بتقريب أو تحديد؟ والأحسن ~~أن يكون على جهة التقريب؛ لأن الحال في ذلك يختلف باختلاف أحوالهم في القلة ~~والكثرة، فربما كان اليومان كالثلاث في استحباب الغسل لأجل كثرته، وربما ~~كان العشر كاليومين في أنه لا يستحب الغسل لأجل قلته. # قال الإمام المؤيد بالله: فإن تعذر كانت الأيام الثلاثة كاليومين، وكانت ~~الأربعة كالثلاثة في أن الإنسان يكون معذورا حتى يتمكن ويزيل من جسمه وثوبه ~~ما أمكنه على قدر طاقته؛ لأنه وإن عذر في المعسور من ذلك فإنه غير معذور في ~~الميسور منه، والميسور لا يسقط بالمعسور، فإن وجد ثوبا طاهرا يعزله للصلاة ~~توجه ذلك عليه، فإذا فرغ من الصلاة غسل ما أصابه؛ لأنه مأخوذ عليه أن لا ~~يصلي إلا في ثوب طاهر على قدر الحال، لقوله تعالى: {وثيابك ~~فطهر}[المدثر:4]. PageV01P604 # وعلى الجملة فإن المأخوذ على هؤلاء الذين ذكرناهم من أهل هذه البلية، ~~الاجتهاد فيما كلفوه من أمر الصلاة على ما يمكنهم ويقدرون عليه، لقوله : (( ~~إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)). فهذا ما أردنا ذكره في بيان أعيان ~~النجاسات، وكيفية التطهير منها. PageV01P605 # --- ### ||| AUTO الفصل الثالث: في بيان حكم الاجتهاد في النجاسات في المسائل ~~الخلافية الفقهية # اعلم أن جميع الآراء الاجتهادية في المسائل الخلافية الواقعة بين علماء ~~العترة وفقهاء الأمة، كلها حق وصواب، وهذه قاعدة - أعني تصويب الآراء في ~~المضطربات الاجتهادية - قد فرغنا منها في الكتب الأصولية، فأظهرنا ما هو ~~الحق منها من التصويب، وذكرنا أن الإجماع منعقد من جهة الصحابة (رضي الله ~~عنهم) على ذلك من غير نكير منهم فيه، وأنهم ما زالوا مختلفين في الفتاوى ~~والأقضية والأحكام، وكل واحد منهم ms0316 مصوب لرأي مخالفه في تلك المسألة ولم ~~يسمع من أحد منهم تأثيم ولا تخطئة لصاحبه، ولا إلحاق حرج به فيما خالفه ~~فيه، وما ذاك إلا من أجل فهمهم التصويب وعملهم عليه، وإجماعهم حجة واجبة ~~الاتباع كما مهدناه. # فإذا تقرر هذا الأصل، فنقول: جميع المسائل الخلافية الواقعة في النجاسات ~~كلها حق وصواب إذا كانت صادرة ممن بلغ رتبة الاجتهاد من علماء العترة ~~وفقهاء الأمة، وكل واحد منهم مذهبه صحيح ومقالته فيما زعمه وذهب إليه صادقة ~~في جميع المسائل كلها مما ليس له فيه دلالة قاطعة. # ونحن الآن نعتبر المسائل التي وقع فيها الخلاف ونبين أنها صحيحة لا مقال ~~فيها وأنها لا تقطع الاقتداء في الصلاة، ولا توجب التحريم في ذلك. # فإذا توضأ القاسمي بما دون القلتين ولم يكن متغيرا بما وقع فيه من ~~النجاسة أو توضأ بركوة قد وقعت فيها قطرة من بول أو خمر لم يغيرها فإنه في ~~اجتهاده طاهر، وهو عند أكثر العترة وفقهاء الأمة نجس. PageV01P606 # وهكذا لو توضأ الناصري والمنصوري(1) في القلتين فإنهما عندهما طاهرتان وعند ~~الشافعي، وهما نجستان عند الهادي والمؤيد بالله وأبي طالب. وهكذا لو غسل ~~النجاسة التي لا ترى عينها مرة واحدة فإنها تكون طاهرة على رأي الإمام أبي ~~طالب، ولا تكون طاهرة على رأي المؤيد بالله، وغيره من العترة. ثم أيضا من ~~كان إزاره من جلد ميتة قد دبغ أو اتخذ خفا من ذلك، فإنه يكون طاهرا على رأي ~~الإمام الشهيد زيد بن علي، ورأي أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، وهو ~~نجس على رأي أكثر أئمة العترة، القاسمية والناصرية لا يختلفون فيه. # وهكذا فإنه لو فرك منيا يابسا ثم صلى به من دون غسله فإنه يكون طاهرا على ~~رأي أبي حنيفة وأصحابه، ويكون نجسا على رأي أئمة العترة. ولو صلى وعلى ثوبه ~~مني فإنه يكون طاهرا على رأي الشافعي، ويكون نجسا على رأي أئمة العترة، وهو ~~قول أبي حنيفة وأصحابه، وهلم جرا إلى سائر المسائل التي وقع فيها الخلاف ~~بين أهل القبلة في جميع ms0317 ما ذكرناه من النجاسات، فكلها حق وصواب، لا تقطع ~~الموالاة فيما بين الأمة، ولا توجب بطلان الاقتداء في الصلاة، ويدل على ما ~~قلناه حجج ثلاث: PageV01P607 # الحجة الأولى: هو أن هذه المسائل التي وقع فيها الخلاف لا يخلو حالها إما ~~أن يكون فيها حق معين هو مطلوب لله تعالى، أو لا يكون هناك حق معين، فإن ~~كان الأول فإما أن تكون عليه دلالة أو لا تكون عليه دلالة، فإن لم ينصب ~~الله عليه دلالة فلا معنى للتكليف به؛ لأن التكليف به من غير دلالة تكون ~~منصوبة عليه يكون تكليفا لما لا يعلم وهو محال، وإما أن تكون هناك عليه ~~دلالة فسواء كانت معلومة أو مظنونة، فلا بد أن تكون معلومة لنا معروفة حتى ~~يمكننا العمل بها. والذي في هذه المسائل ليس من الأدلة القطعية أصلا؛ لأن ~~القطع إنما هو النص المقطوع بأصله، ومعتمدنا في هذه المسائل ليس إلا أخبار ~~آحادية وأقيسة ظنية، كل واحد منها لا ينتهي إلى القطع ولا يترجح بعضها على ~~بعض في مطلق الظن إلا بالإضافة إلى آراء المجتهدين من غير أن تكون هناك ~~دلالة قاطعة، وما هذا حاله فليس فيه مطلوب معين لله تعالى، لاستوائها كلها ~~في كونها مطلوبة لا ترجيح لبعضها على بعض، بالإضافة إلى مراد الله تعالى، ~~وبالإضافة إلى ما كلفنا [به]، فصح بما ذكرناه أنه لا مطلوب لله تعالى في ~~هذه المسائل يكون معينا، وإذا لم يكن هناك مطلوب معين كانت كلها مطلوبة، ~~وهذا هو مرادنا بالتصويب في الآراء الاجتهادية. # الحجة الثانية: لو كان في هذه المسائل حكم معين لله تعالى للزم من ذلك ~~محال، وهو أنه يلزم من ذلك بطلان التولية مع المخالفة في الاجتهاد، ~~والمعلوم أن أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) ولى شريحا القضاء مع مخالفته له ~~في كثير من المسائل، وهكذا سائر الصحابة (رضي الله عنهم) كأبي بكر وعمر ~~وعثمان فإنهم ولوا الولاة مع اختلافهم في هذه المسائل، وكان يلزم التخطئة ~~والتضليل لبعضهم بعضا في هذه المسائل، لأن هناك - على رأي ms0318 الخصم - حقا لله ~~تعالى معينا، والمعلوم أنه لم يكن شيء من ذلك بينهم. PageV01P608 # الحجة الثالثة: هو أن الإجماع منعقد من جهة الصحابة (رضي الله عنهم) على أن ~~كل مجتهد فإنه مأمور بالعمل على وفق ظنه، ولا معنى للحكم إلا ما أمر الله ~~به، وإذا كان الأمر كما قلناه اتضح أنه لا حق معين في هذه المسائل، وأن كل ~~مجتهد إذا وفى الاجتهاد حقه فإنه مصيب فيما رآه وظنه، لا يفترق الحال في ~~ذلك بين مجتهد ومجتهد مع حيازة منصب الاجتهاد وإحراز علومه المشترطة فيه. # فإن قال قائل: فهل تفرقون بين من خالف في المسائل القطعية من الإلهية ~~والأصولية وبين من وافق فيها، وتقولون: بأن من خالف في مسألة قطعية فإنه لا ~~يعد من المجتهدين ولا يلتفت إلى خلافه؟ أو تقولون: بأنهم معدودون من الأمة ~~فيعتد بخلافهم، ولا تكون المسألة إجماعية من دونهم؟ # فجوابه: أنا نقول: بأن جميع أهل القبلة سواء في كونهم معدودين من أهل ~~الإجماع إذا كانوا مجتهدين، وأن خلافهم في هذه المسائل الإلهية وغيرها لا ~~يقطع الاجتهاد ولا يبطل كونهم معدودين من أهل الإجماع والاجتهاد في المسألة ~~بعد إحراز منصب الاجتهاد في كل واحد منهم، لأن كفر من كفر عند القائلين ~~بكفره كالمشبهة والمجبرة، إنما كان كفره من جهة تأويله، وأنه تأول فأخطأ، ~~وفسق من فسق كالخوارج، إنما كان فسقه من جهة التأويل، وهو أنه خالف الإمام ~~لشبهة طرأت عليه، فلهذا كان متأولا في فسقه، ومع فسقهم وكفرهم من جهة ~~التأويل لا يبطل ذلك كونهم معدودين من أهل الإجماع، لهم أهلية الاجتهاد لا ~~ينعقد الإجماع من دونهم بحال، وكيف لا، وهم من أهل التوحيد المصلين إلى ~~القبلة، المصدقين بتوحيد الله تعالى، وما جاءت به الرسل (صلوات الله عليهم) ~~ناكحين على السنة، مصدقين بالقرآن، فلهذا وجب كونهم معدودين من أهل ~~الاجتهاد. PageV01P609 # نعم.. ظاهر كلام الشيخ عبدالملك الجويني، أن داود وطبقته من أهل الظاهر لا ~~يعدون من علماء الأمة، وينعقد الإجماع من دونهم، وهذا فاسد لا أصل له، ~~والحق أنهم ms0319 وإن أخطأوا في إنكار القياس كله، فإن خطأهم في هذه المسألة لا ~~يخرجهم عن كونهم من جملة علماء الأمة، ومن جملة المجتهدين فيها، ولا ينعقد ~~إجماع مع مخالفتهم أصلا، وهذا غلو من هذا الشيخ وحدة نظر في كونه مخرجا لهم ~~عن أن يكونوا من جملة أهل الإجماع مع إحرازهم لعلوم الاجتهاد وكونهم من ~~أهله. وتمام هذه المسألة مذكور في الكتب الأصولية، وفيما ذكرناه مقنع ~~وكفاية، وبتمامه تم الكلام على الباب الثاني وهو الكلام في الأعيان النجسة. PageV01P610 # --- ### || AUTO الباب الثالث: في بيان آداب قضاء الحاجة # وهو في لسان الفقهاء يلقب بالاستطابة أخذا من قوله عليه السلام: # (( إذا استطاب أحدكم فلا يستطب بيمينه ))(1)، والمحدثون يسمونه التخلي ~~أخذا من قوله عليه السلام: (( إذا أراد أحدكم أن يدخل الخلاء فليقل: أعوذ ~~بالله من الخبث والخبائث ))(2). والأمر في ذلك قريب، # وهي مشتملة على حكم وأسرار وتعليمات من جهة صاحب الشريعة صلوات الله عليه ~~وعلى آله، وتنقسم إلى ما يكون قبل قضاء الحاجة، وإلى ما يكون في حال ~~الاشتغال بقضاء الحاجة، وإلى ما يكون بعد الفراغ من قضائها، فهذه أقسام ~~ثلاثة اشتمل عليها هذا الباب نفصلها بمعونة الله تعالى: PageV01P611 # --- ### ||| AUTO القسم الأول: في بيان الآداب قبل قضاء الحاجة وجملتها خمسة عشر # الأدب الأول: يستحب لمن أراد قضاء الحاجة في الصحراء أن يبعد المذهب(1)، ~~لما روي عن المغيرة بن شعبة ) أنه قال: (( كان رسول الله إذا ذهب إلى ~~الغائط أبعد في المذهب))، ويستحب أن لا تراه العيون، لما روى جابر قال: (( ~~كان رسول الله إذا ذهب إلى البراز انطلق حتى لا يراه أحد)). # الأدب الثاني: يستحب أن يرتاد لبوله، لما روى أبو موسى الأشعري ) قال: ~~كنت مع رسول الله ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دمثا في أصل جدار، والدمث ~~بتحريك الميم: ما كان مسترخيا من الأرض. ثم قال: (( إذا أراد أحدكم أن يبول ~~فليرتد لبوله موضعا ))(4). PageV01P612 # الأدب الثالث: يستحب لمن أراد دخول الخلا في العمران أن يقول: (( أعوذ ~~بالله من الخبث والخبائث )). لما روى أنس بن ms0320 مالك قال: كان رسول الله إذا ~~أراد دخول الخلاء قال ذلك..، والخبث بسكون العين، إما جمع خبيث سكنت عينه، ~~كما سكنت في نحو: رسل في رسول، وإما أراد الخبث نفسه وهو الشر، والخبائث ~~جمع خبيثة كشريفة وشرائف. # الأدب الرابع: يستحب له أن يقول أيضا عند دخول الخلاء في العمران: (( ~~اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ))(1). لما ~~روي عن النبي أنه كان يقول ذلك عند دخوله الخلاء. والخبيث: من كان مختصا ~~بالخبث في نفسه والرداءة. والمخبث: من كان مخبثا لغيره أي مفسدا له، هكذا ~~قاله أبو عبيد في غريبه(2). # الأدب الخامس: يستحب لمن أراد قضاء الحاجة وفي يده خاتم فيه ذكر الله أن ~~ينزعه، لما روى أنس بن مالك (( أن الرسول كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه ، ~~وإنما وضعه؛ لأنه كان عليه مكتوبا: (محمد رسول الله) ثلاثة أسطر))(3). وهل ~~يكون ذلك مختصا بالعمران أو يكون مشتركا بينهما؟ فمنهم من قال: يختص ~~بالعمران، ومنهم من قال: يكون مشتركا فيهما. PageV01P613 # والمختار: أنه يكون مشتركا بينهما؛ لأن المقصود من ذلك هو أنه لا يشتغل ~~بقضاء حاجة ومعه اسم الله، تشريفا له عن ملابسته وهو على هذه الحالة، فلهذا ~~استحب له نزعه قبل الاشتغال بها. # الأدب السادس: يستحب لمن أراد قضاء الحاجة في العمران أن يقدم رجله ~~اليسرى، وليس فيه أثر عن رسول الله ، وإنما استحسنه العلماء، وقد قال : (( ~~ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)). وإنما كان مستحبا؛ لأن الدخول ~~ليس فيه فضل، فلهذا قدمت فيه اليسرى بخلاف الخروج، فسيأتي الكلام فيه في ~~القسم الثالث، وهو أنه يختص بالرجل اليمنى لما فيه من الفضل بالخروج عن ~~الأماكن الخبيثة، وإنما كانت خبيثة لقوله : (( إن هذه الحشوش محتضرة ))(1). ~~فلهذا كان الخروج منها أعلى من الدخول إليها لما ذكرناه. # الأدب السابع: يستحب لمن أراد قضاء الحاجة في الصحراء أن يكون مستترا ~~بشجرة، لما روى جابر بن عبدالله قال: خرجت مع رسول الله في سفر فرأى ~~شجرتين بينهما أربعة أذرع، فقال: (( يا ms0321 جابر اذهب إلى تلك الشجرة فقل لها: ~~قال لك رسول الله : إلحقي بصاحبتك فإنه يريد أن يجلس وراءكما)). فقلت لها ~~ذلك، فلحقت بصاحبتها، فجلس رسول الله ، فلما قضى حاجته قام وعادت إلى ~~مكانها. وأراد بقوله يجلس، أن يقضي حاجته في التخلى؛ لأن الجلوس قد يعبر به ~~عن قضاء الحاجة ويكنى به عنه، كما يكنى بالغائط عما يخرج من الدبر، وإنما ~~قال ذلك في حق الشجرتين؛ لأن واحدة ربما كانت لا تكفيه على انفرادها، فلهذا ~~أمرهما بالانضمام من أجل ذلك. PageV01P614 # الأدب الثامن: الاستتار، كما رويناه من قبل، فإن لم يجد إلا كثيبا فليستتر ~~به ولتكن السترة من وراء ظهره، لما روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: (( من ~~أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا كثيبا من رمل فليستدبره فإن الشيطان ~~يلعب بمقاعد بني آدم))(1). # الأدب التاسع: يكره له إذا أراد أن يبول في الصحراء أن يستقبل الريح، لما ~~روي عن النبي أنه كان يتمخر الريح إذا أراد أن يبول، ولأنه ربما ردته عليه ~~فنجسته، واستمخر الريح: إذا قابلها بأنفه لينظر من أين مجراها، ويراد بقوله ~~فليتمخر: أي فلينظر من أين تجري فلا يستقبلها بالبول. # الأدب العاشر: يستحب له أن يعد الأحجار قبل اشتغاله بقضاء الحاجة إذا كان ~~في الصحراء؛ لأنه لو لم يعدها من قبل لاحتاج إلى أن ينتقل بنفسه لطلب ~~الأحجار فيؤدي ذلك إلى تلوثه بالنجاسة إذا كان لا أحجار بقربه. # الأدب الحادي عشر: يكره له أن يدخل الخلاء في العمران حاسرا من غير أن ~~يكون على رأسه شيء، لما روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: (( من أتى الغائط ~~فليستتر )) ولم يفصل في ذلك بين الرأس والعورة. # الأدب الثاني عشر: ويستحب له أن لا يكشف عورته حتى يهوي للجلوس، ولا يقدم ~~الكشف قبل الاشتغال بقضاء الحاجة، لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: (( ~~كان رسول الله إذا أراد حاجته لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض)) . # الأدب الثالث عشر: يستحب أن تكون السترة التي يستتر بها مغطية ms0322 له، لما في ~~حديث جابر من انضمام الشجرتين فإنه ما أراد بأمرهما بالانضمام إلا لأجل ~~أنهما يسترانه عن الأعين، وقدرها بعض أصحاب الشافعي أنها تكون بقدر مؤخر ~~الرجل، وهذا لا وجه له فإنه لا سترة فيما هذا حاله، فإن الغرض أنه لا يكون ~~مرئيا، ومع هذا القدر فإنه يرى لا محالة. PageV01P615 # الأدب الرابع عشر: [لم يوجد في الأصل، ولعل السهو وقع في عددها من الناسخ]. # الأدب الخامس عشر: ويستحب أن يكون القدر الذي بينه وبين الستر شبرا فما ~~دونه؛ لأن ما فوق ذلك يمكن أن يكون واسعا فيكون موضعا للشيطان، وما دونه لا ~~يمكن أن يكون مقعدا فلا يجول الشيطان بينه وبين السترة. فهذه خمسة عشر أدبا ~~كلها آثار منقولة من صاحب الشريعة صلوات الله عليه. ليس فيها نزاع فنورد ~~فيها الأدلة، وإنما هي سنن نبوية وآداب حكمية. PageV01P616 # --- ### ||| AUTO القسم الثاني: في بيان الآداب في حال الاشتغال بقضاء الحاجة، ~~وجملتها آداب عشرون نذكرها # الأدب الأول منها: استقبال القبلة واستدبارها، وفيه مسائل خمس: # المسألة الأولى: ذهب علماء العترة وفقهاء الأمة: أبو حنيفة وأصحابه، ~~والشافعي وأصحابه، ومالك ومن تقدمهم من علماء الصحابة والتابعين، إلى المنع ~~من استقبال القبلة بغائط أو بول. # والحجة لهم على ذلك: ما روى أبو هريرة أن النبي قال: (( إنما أنا لكم ~~كالوالد الشفيق فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا ~~يستدبرها بغائط ولا بول، وليستنج بثلاثة أحجار )). ونهى عن الروث والرمة، ~~قال: وكذلك في الصحارى. # الحجة الثانية: ما روى سلمان الفارسي حين قيل له: لقد علمكم نبيكم كل شيئ ~~حتى الخراءة. قال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وأن لا ~~نستنجي باليمين، وأن لا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو يستنجي برجيع ~~أو عظم. # وحكي عن عروة بن الزبير ) وربيعة وداود: جواز ذلك وإباحته. PageV01P617 # والحجة لهم على ذلك: ما رواه خالد الحذاء )، قال: كنا عند عمر بن عبدالغزيز ~~) فذكرنا استقبال القبلة بالفرج، فقال عروة بن الزبير: سمعت عائشة تقول: ~~ذكر ذلك لرسول ms0323 الله أن قوما يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال: (( أو ~~قد فعلوها ! استقبلوا بمقعدتي هذه إلى القبلة))(3) PageV01P618 وفي هذا دلالة على الإباحة. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة وفقهاء الأمة من المنع عن ذلك. # والحجة: ما ذكرناه عنهم من الأخبار؛ ونزيد هاهنا ما روى أبو أيوب ~~الأنصاري ) عن النبي أنه قال: (( لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولكن ~~شرقوا أو غربوا ))(2). وروى معقل بن أبي معقل قال: (نهى رسول الله أن ~~نستقبل القبلتين بغائط أو بول )(3). فهذه الأخبار كلها دالة على المنع من ذلك. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمده أهل الإباحة. # قالوا: حديث عروة عن خالته عائشة يدل على الإباحة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن كلامنا معكم إنما هو في المنع منه، وهذا حاصل في حديث ~~عائشة فإنه محمول على العمران، وإذا كان الأمر كما قلناه بقي المنع في ~~الصحاري كما رأى الشافعي، فلا يخرج الحديث عن كونه دالا على المنع منه، وإن ~~خص ببعض المواضع دون بعض فمطلق المنع منه قد حصل بما ذكرناه وهذا هو ~~مطلوبنا. # وأما ثانيا: فلأن الأحاديث الدالة على المنع من ذلك والواردة فيه كثيرة ~~كما روينا، فلهذا كانت راجحة على ما روته عائشة؛ لكونها جاءت على أوجه ~~مختلفة، وعبارات متباينة، وهي متفقة في المنع من ذلك، فلهذا كان التعويل ~~عليها أحق وأولى. # قالوا: روى جابر عن رسول الله أن لا تستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن ~~يقبض بعام يستقبلها، وفي هذا دلالة على الجواز كما قلناه. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: PageV01P619 # أما أولا: فلأن ما ذكرتموه من الخبر دال على المنع أولا، لكنه نسخ، وأنتم ~~قلتم بالجواز على الإطلاق، فلا يكون في الخبر دلالة على ما ذهبتم إليه. # وأما ثانيا: فلأن غيره من الأخبار راجح عليه من جهة دلالة الأخبار على ~~المنع، وما ذكرتموه من الخبر دال على الإباحة، وما دل على المنع أولى لما ~~فيه من الاحتياط؛ لأن الفعل إقدام على ما لا يؤمن كونه محظورا، وفيه التعرض ~~للخطر في الإثم بخلاف الانكفاف ms0324 فليس فيه إلا ترك الجائز، وهذا لا حرج فيه ~~بحال فافترقا. # قالوا: الأخبار كلها متعارضة، فيجب القضاء بتساقطها إذ لا ترجيح لبعضها ~~على بعض لاستوائها، وإذا كان الأمر فيها كما قلناه وجب الحكم بالتساقط ~~والرجوع إلى ما هو الأصل وهو الإباحة، فلهذا قضينا بإباحتهما جميعا. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV01P620 # الجواب الأول: أنا لا نسلم تعارض هذه الأدلة بل يمكن الجمع بينها، فهذه ~~الطريقة هي التي ارتضاها الإمام المؤيد بالله، واستقواها الشيخ أبو الطيب ~~الطبري ) من أصحاب الشافعي، ولم يناكر في قبولها إلا أبو إسحاق الشيرازي ~~صاحب (المهذب)، فإنه زعم أن القياسين إذا تعارضا فلا خلاف بين الأصوليين ~~أنه لا يجوز الجمع بينهما، فهكذا يكون حال الخبرين إذا كانا متعارضين فإنه ~~لا يجوز الجمع بينهما بطريقة واحدة، وهذا فاسد، فإن التفرقة بينهما ظاهرة ~~فإن كل واحد من القياسين له أصل على انفراده، والمعاني ليس لها جامع ~~يجمعها، فلهذا بطل الجمع بينهما، ووجب فيهما الترجيح عند تعارضهما لا غير، ~~بخلاف الأخبار فإنها ألفاظ يمكن دخول العموم والخصوص فيها، وإذا كان الأمر ~~كما قلناه لم يمكن الجمع بينهما إذا كان أحدهما عاما، والآخر خاصا فافترقا. # والحجة على ذلك: هو أن كل واحد من الخبرين دليل على حياله، مستقل بنفسه، ~~فإذا تعارضا وكان هناك طريقة تجمع بينهما وجب العمل عليها بواسطة تلك ~~الطريقة. فأما القياسان فلا خلاف بين الأصوليين أنه لا يجوز الجمع بينهما، ~~بل يكونان متعارضين و[لا] العمل فيهما إلا بالتساقط والرجوع إلى دلالة ~~أخرى، أو ترجيح أحدهما على الآخر بطريقة مقوية لأحدهما. # وطريقة الجمع بين الخبرين، أما على رأي أئمة العترة: فهو أن تحمل أخبار ~~النهي على الكراهة، ويحمل ما خالفها على الجواز فيجتمعان من هذه الجهة. PageV01P621 # وأما على رأي الشافعي: فهو أن تحمل أخبار المنع على الصحاري، وأخبار ~~الإباحة على العمران، فيجتمعان من هذه الجهة. # وأما على رأي أبي حنيفة في الرواية المشهورة عنه: فهو أن يحمل النهي على ~~الاستقبال فيهما جميعا، أعني العمران والصحاري، وتحمل الإباحة على ~~الاستدبار فيهما جميعا، ms0325 فتكون الأخبار مجتمعة بالإضافة إلى ما ذكرناه من ~~غير حاجة إلى القضاء بالتعارض فيها. # الجواب الثاني: أنها متعارضة ولكنا نرجح الأخبار الدالة على المنع من جهة ~~الاحتياط الذي هو أصل في الدين، وقد قال : (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ~~)). وقوله: (( المؤمنون وقافون عند الشبهات )). # المسألة الثانية: إذا تقرر أن الأخبار دالة على المنع كما لخصناه، فهل ~~يكون المنع حظرا أو كراهة؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن المنع في الاستقبال والاستدبار حاصل على جهة الكراهة، ~~وهذا هو الذي صرح به الإمام القاسم، وأشار إليه الإمام الهادي في (الأحكام) ~~بالكراهة دون التحريم، وهو الذي حصله الإمامان الأخوان: المؤيد بالله وأبو ~~طالب للمذهب، وهو رأي الإمام الناصر، ومحكي عن أبي أيوب من الصحابة، ومن ~~التابعين عن إبراهيم النخعي، ورواية لأبي حنيفة وأبي ثور وأحمد بن حنبل. # والحجة على ذلك: هو أن المعتمد في المنع ليس إلا النهي، وأدنى درجات ~~النهي هو الكراهة، فأما الحظر فإنما يعلم بدليل منفصل، فلا جرم أخذنا من ~~مطلق المنع الكراهة دون التحريم. PageV01P622 # المذهب الثاني: أن المنع على جهة الحظر في الفضاء في الاستقبال والاستدبار، ~~وأن الإباحة في العمران جارية فيهما جميعا، فإن فعل ذلك في الصحراء كان ~~آثما إذا كان ذاكرا للتحريم، وهذا الذي يشير إليه كلام الهادي في ~~(المنتخب)(1) أعني أنهما محظوران في الفضاء والعمران، والحظر في الفضاء هو ~~المحكي عن الشافعي، ومروي عن العباس بن عبدالمطلب، وابنه عبدالله بن ~~العباس، وابن عمر من الصحابة (رضي الله عنهم) وبه قال مالك، وإسحاق بن ~~راهويه. # والحجة على جواز ذلك في العمران: ما روته عائشة، قالت: ذكر لرسول الله ~~أن الناس يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال: (( أو قد فعلوا! استقبلوا ~~بمقعدتي هذه إلى القبلة )). وكان ذلك مخصوصا بالعمران. # والحجة على حظره في الفضاء: ما رواه أبو هريرة عن النبي أنه قال: (( ~~إنما أنا لكم كالوالد الشفيق فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ~~بغائط ولا بول)). فهذا نهي دال على المنع، ولا نعني بالحظر إلا أنه ms0326 منهي ~~عنه بكون النهي دالا على الحظر. # والحجة لما قاله الهادي في (المنتخب) من كون الحظر عاما في الاستقبال ~~والاستدبار في العمران والصحاري وهو رأي المنصور بالله، هو خبر أبي هريرة ~~فإنه لم يفصل في النهي بين العمران والصحارى، ولا بين الاستقبال ~~والاستدبار، فيجب بقاؤه على ظاهره من غير تأويل هناك. # والمختار: ما عول عليه الأكثر من أئمة العترة من كون النهي حاصلا على جهة ~~الكراهة دون التحريم. PageV01P623 # والحجة على ذلك: ما روى ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: اطلعت يوما على بيت ~~حفصة ) فرأيت رسول الله قاعدا على لبنتين مستدبرا القبلة مستقبل الشام، ~~فلولا أنه جائز وإلا لما فعله. # لا يقال: فكيف جاز لابن عمر أن ينظر الرسول وهو على تلك الحالة، وهي لا ~~تحل في حق الرسول لجلالة قدره وعظم محله عند الله تعالى؛ لأنا نقول: يحتمل ~~ذلك وجوها ثلاثة: # أما أولا: فلأن من كانت حاله مثل حال الرسول في تعليم الشرائع وتعريف ~~الأحكام، فلابد من الاطلاع عليه في كل أحواله ليعرف منه ذلك. # وأما ثانيا: فلأنه لم يقصد النظر فيأثم بذلك، ولكنه فاجأه على تلك ~~الحالة. # وأما ثالثا: فلأنه لم ير له عورة، ولكنه نظر ظهره وأعالي بدنه فلا حرج ~~عليه في رؤية ما هذا حاله. # والحجة لما ذكره الإمام المنصور بالله: ما رويناه من حديث أبي أيوب وهو ~~قوله عليه السلام: (( لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها)). ~~وهذا عام في الاستقبال والاستدبار، وعام في العمران والصحاري، وهو ظاهر في ~~النهي، وظاهر النهي للتحريم إلا لدلالة تدل على خلاف ذلك، كما أن ظاهر ~~الأمر للوجوب إلا لدلالة على خلاف ذلك. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، فأما ما يحكى عن الإمامين: الهادي ~~والمنصور بالله من أن الاستقبال والاستدبار على الحظر، ففيه نظر من وجهين: PageV01P624 # أما أولا: فلأن مطلق النهي إنما يدل على الكراهة لا غير؛ لأن حقيقته المنع، ~~وأدنى المنع إنما هو الكراهة لا غير؛ لأنه أقل مراتبه. فأما كون النهي دالا ~~على الحظر ومفيدا ms0327 للإثم والحرج، فإنما يعلم بدلالة منفصلة غير مطلقه، فأما ~~مطلقه فإنما هو دال على المنع مطلقا كما أشرنا إليه، ولا دلالة هاهنا من ~~جهة الشرع تدل على الحظر وتأثيم الفاعل وحرجه عند الله تعالى، كما أشارا إليه. # وأما ثانيا: فلأنا نقول: هل أخذ الحظر من مطلق النهي أو من دلالة أخرى؟ ~~فإن كان مأخوذا من مطلق النهي فلا يشمله؛ لأن مطلقه للمنع لا للحظر فأحدهما ~~مخالف للآخر في حكمه، وإن كان مأخوذا من دلالة منفصلة فلا بد من إيرادها ~~لننظر فيها هل تدل أم لا، وهما إنما اقتصرا على مطلق النهي من غير أمر ~~وراءه، فلا يكون فيه حجة على أن ما ادعياه من الحظر معارض بما رواه ابن عمر ~~من قعوده في بيت حفصة مستقبلا القبلة، وبما رواه عروة بن الزبير، حيث قال ~~: (( حولوا مقعدتي هذه إلى جهة القبلة )) فإذا كانا متعارضين فلابد من ~~التساقط، أو ترجيح أحدهما على الآخر، فقد حصل غرضنا من أن مطلق النهي غير ~~دال على الحظر بما ذكرناه. # فأما ما يحكى عن الشافعي حيث قال: بأنهما محظوران في الفضاء مباحان في ~~العمران، فما أوردناه على الإمامين: الهادي والمنصور بالله في الحظر فهو ~~وارد عليه. # وأما الكلام عليه(1) في التفرقة بين الأمر في الاستقبال والاستدبار حيث ~~جعل أحدهما على الحظر والآخر على الإباحة فسيأتي تقريره في المسألة الثالثة ~~بمعونة الله تعالى. # المسألة الثالثة: إذا تقرر كون النهي واردا على جهة الكراهة بما لخصناه، ~~فهل تكون الكراهة عامة فيهما أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن الكراهة عامة في الاستقبال والاستدبار، وهذا هو رأي ~~الأكثر من أئمة العترة كما قاله السيد الإمام أبو طالب. PageV01P625 # والحجة على ذلك: ما في حديث أبي هريرة من قوله عليه السلام: (( إنما أنا ~~لكم كالوالد الشفيق فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ~~ولا يستطب بيمينه)). وما في حديث أبي أيوب الأنصاري من قوله عليه السلام: ~~(( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا ولا تستدبروا بغائط ولا بول ولكن شرقوا ms0328 ~~أو غربوا)). فهذان الخبران دالان على استوائهما في النهي كما ترى من ظاهر ~~الحديث، فإنه لم يفصل في ذلك بين الاستقبال والاستدبار. # المذهب الثاني: أن الاستقبال غير مخالف للاستدبار وهذا هو رأي الشافعي ~~فإنه قال: الاستقبال محظور في الفضاء وهكذا حال الاستدبار أيضا، وهما ~~مباحان في العمران، فخالف في حكمهما بالإضافة إلى الأمكنة كما ترى، فجعل ~~الحظر متعلقا بهما في الفضاء وجعل الإباحة متعلقة بهما في العمران. # والحجة على ذلك: التفرقة التي ذكرها بينهما. # أما حجته على الحظر في الفضاء فيهما جميعا: فحديث أبي هريرة وقد رويناه ~~من قبل، وهو قوله: (( لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا بول )). ~~فحمل هذا الحديث على الحظر في الفضاء. # وأما حجته على الإباحة في العمران فيهما جميعا: فهو حديث عروة بن الزبير ~~عن عائشة وحديث ابن عمر، حيث قال: (( حولوا مقعدتي إلى جهة القبلة )) لما ~~قيل: إن قوما يكرهون استقبال القبلة، فقال ذلك رادا عليهم مقالتهم، فخص هذه ~~الإباحة بالعمران والأمكنة المحاط عليها بالأبنية كما ترى. PageV01P626 # المذهب الثالث: أن الاستقبال منهي عنه على جهة العموم فيهما، وأن الاستدبار ~~يباح على جهة العموم فيهما، وهذا هو رأي أبي حنيفة المشهور عنه، والتفرقة ~~بين مذهب الشافعي وأبي حنيفة، هو أن الشافعي يجعل العموم فيهما بالإضافة ~~إلى الأمكنة بين العمران والصحاري فيكون الحظر عاما فيهما في الفضاء، ~~والإباحة عامة فيهما في العمران، وأما أبو حنيفة فإنه يجعل العموم فيهما ~~بالإضافة إلى الأحوال، فالاستقبال منهي عنه فيهما، والاستدبار مباح فيهما جميعا. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة أن الكراهة عامة فيهما جميعا في ~~العمران والصحاري، وفي الاستقبال والاستدبار جميعا من غير تفرقة بينهما ~~بحالة ولا جهة كما قاله أبو حنيفة والشافعي (1). # والحجة على ذلك: ما قدمناه، وهو أن المعتمد في ذلك الخبران المرويان عن ~~أبي هريرة وأبي أيوب الأنصاري في حكم الاستقبال للقبلة والاستدبار لها، ~~والمعلوم من ظاهرهما أنهما لم يفصلا في ذلك بين جهة وجهة، ولا بين حالة ~~وحالة، فيجب إجراؤهما على ظاهرهما من غير تأويل، ms0329 فمن أراد تأويلا أقام عليه ~~حجة ودلالة غير معرضة للاحتمال والتأويل فالظاهر هو أدنى متمسك في حق ~~المجتهد حتى يرد ما يغيره وينقله عن ذلك الظاهر لدلالة شرعية، والله أعلم ~~بالصواب. # الانتصار لما ذكرناه في الاختيار إنما يكون بإبطال ما عداه. # قالت الشافعية: معتمدنا فيما ذكرناه من التفرقة بين العمران والصحاري ~~إنما هو حديث أبي هريرة، وحديث عروة بن الزبير، وحديث ابن عمر، فإنها ~~متعارضة ولا يمكن الجمع بينها إلا بما ذكرناه من التفرقة بين العمران ~~والصحاري، فيكون الحظر متعلقا بالفضاء فيهما جميعا، وتكون الإباحة فيهما ~~متعلقة بالعمرانات من غير حاجة إلى النسخ، من جهة أن النسخ يحتاج إلى ~~التأريخ ولا دلالة على التاريخ(2). # قلنا: عما ذكروه جوابان: PageV01P627 # أما أولا: فلأن ظاهر النهي: المنع، وأدناه: الكراهة، فلم حملتموه على الحظر ~~من غير دلالة في الفضاء فيهما جميعا؟ وظاهره أيضا دال على المنع من ~~الإستدبار، فلم قلتم: إنه على الإباحة؟ فالنهي شامل لهما جميعا. # قالوا: إنما حملنا الأحاديث على الحظر في الصحاري والإباحة في العمران ~~جمعا بين الأحاديث لئلا يؤدي إلى تناقضها، ولم نحملها على النسخ؛ لأنه لم ~~يعلم التاريخ بينها. # قلنا: الجمع بينها: بأن يحمل النهي على الكراهة، والإباحة على الجواز، ~~أولى من حملكم، من جهة أن دلالة النهي على الكراهة هو اليقين المتحقق في ~~حقه دون الحظر كما مر بيانه، وحمل حديث عروة وابن عمر على الجواز أيضا ~~فيهما جميعا من غير تخصيص. # وأما ثانيا: فلأن ما قلتموه تحكم لا مستند له، من جهة فرقكم في النهي بين ~~الصحاري والعمران من غير دلالة ومن جهة إباحتهما في العمران، والنهي متناول ~~لهما جميعا. وما هذا حاله، تفرقة من غير دلالة فلا وجه لها، وكان الحق ~~إبقاء النهي على عمومه فيهما جميعا. # قالت الحنفية: إنما حملنا النهي على الاستقبال فيهما جميعا؛ لأنه لم يفصل ~~فيه بينهما حيث قال: (( لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول))، وحملنا ~~الإباحة على الاستدبار فيهما جميعا، من جهة أن الاستقبال مخالف للاستدبار، ~~لما في الاستقبال من إسقاط ms0330 الحرمة بالمقابلة بالفروج بخلاف الاستدبار فإنه ~~لا مجاهرة فيه بهتك الحرمة وإسقاطها، فمن أجل ذلك حكمنا بالتفرقة بينهما. PageV01P628 # قلنا: العموم بالنهي شامل لهما في ظاهر الأحاديث، فلا حاجة إلى التفرقة ~~بينهما بما ذكروه من القياس؛ لأن هتك الحرمة حاصل بالاستدبار كحصوله ~~بالاستقبال من غير تفرقة، ولأنه قعود فيه إفضاء بالفرج نحو القبلة من غير ~~عذر، فوجب أن لا يكون مباحا كالاستقبال. فحصل من مجموع ما ذكرناه حمل النهي ~~على الكراهة فيهما جميعا من غير تفرقة، من جهة أن الكراهة هي الأصل خلافا ~~لما قاله الشافعي، وأن النهي شامل للاستقبال والاستدبار بعمومه، خلافا لما ~~قاله أبو حنيفة، وأنا أجرينا الأدلة الشرعية على ظاهرها من غير تحكم بتخصيص ~~من غير دلالة، فلهذا كان ما قلناه أرجح على(1) غيره. # قال الإمام القاسم بن إبراهيم: والفضاء أشد كراهة، وإنما كان أدخل في ~~الكراهة لأوجه خمسة: # أما أولا: فلأن الفضاء أعظم تكشفا وأظهر في إفضاء الفروج إلى القبلة من ~~العمران، لما يحصل في العمرانات من الستر بالجدرات بخلاف الفضاء. # وأما ثانيا: فلأن الفضاء كله يجوز أن يكون موضعا للصلاة والعبادة، وليس ~~كذلك حال هذه الكنف(2)، فإنها قد صارت مواضع لقضاء الحاجة من البول ~~والغائط، فلهذا عظمت الكراهة فيها. # وأما ثالثا: فلأن هذه الفضاءات ليست مخصوصة بكونها مقاعد للشياطين، بخلاف ~~هذه الكنف فإنها صارت مقاعد للشياطين، ولهذا قال عليه السلام: (( إن هذه ~~الحشوش محتضرة)). يعني أنها تحضرها الشياطين وتسكنها، وأكثر ما تكون واقفة ~~فيها، فلهذا كانت أدخل في الكراهة من أجل ذلك. PageV01P629 # وأما رابعا: فإن الفضاء أوضع، فالانحراف فيه عن القبلة أيسر على صاحبه ~~وأسهل بخلاف هذه الكنف فإن الانحراف فيها يكون فيه صعوبة لما كان محاطا ~~عليها بالأبنية وربما تعذر في بعض الحالات الانفتال عن جهة القبلة، لما كان ~~مبنيا مستقرا لا يمكن الانحراف عن القبلة إلا بهدمه وخرابه، فلهذا فارق ~~العمران بما ذكرناه. # وأما خامسا: فلأن الفضاء أشد اختصاصا بالنهي؛ لأن العرب لم يكونوا يتخذون ~~هذه الكنف، وإنما حدثت في الأمصار والأقاليم والمدن، فكان ms0331 الخطاب من جهة ~~الرسول مختصا بها؛ لأنها هي المألوفة المتعارف عليها، فلا جرم كان الفضاء ~~أشد كراهة لاختصاصه بالنهي لهذه الأوجه التي يحتملها كلام القاسم كما ~~أوضحناه. # المسألة الرابعة: إذا ثبت كون الكراهة عامة في الاستقبال والاستدبار كما ~~قررناه، فهل يكون ذلك خاصا في الكعبة، أو يكون عاما فيها وفي بيت المقدس؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول منهما: أن النهي عام على جهة الكراهة في القبلتين جميعا ~~استقبالا واستدبارا كما مر تقريره في حق الكعبة، وهذا هو الظاهر من مذهب ~~أئمة العترة، وقد صرح به الإمام المنصور بالله، وهو رأي أبي حامد الغزالي ~~من أصحاب الشافعي. # والحجة على ذلك: ما روى معقل بن أبي معقل الأسدي، عن رسول الله (( أنه ~~نهى عن استقبال القبلتين بغائط أو بول )). # المذهب الثاني: أن ما ذكرناه من كراهة الاستقبال والاستدبار إنما هو خاص ~~في الكعبة دون غيرها، وهذا هو الذي ذكره بعض أصحاب الشافعي كأبي نصر بن ~~الصباغ صاحب (الشامل) والعمراني صاحب (البيان). # والحجة على ذلك: هو أن معظم الأحاديث إنما هي واردة في شأن القبلة، ولا ~~شك أن القبلة المعهودة إنما هي الكعبة؛ لأنه السابق إلى الأفهام عند إطلاقه ~~فيجب أن يكون محمولا عليه، وتأولوا حديث معقل بن أبي معقل على أحد وجهين، ~~ووجهوا له تأويلين: PageV01P630 # التأويل الأول منهما: أن الرسول كان نهى عن استقبال بيت المقدس حين كان ~~قبلة، ثم إنه نهى عن الكعبة حيث صارت قبلة فجمع الراوي بينهما. # التأويل الثاني: أن هذا الحديث إنما ورد في حق أهل المدينة ومن كان في ~~جهتهم من البلدان؛ لأن من كان هناك إذا استقبل الكعبة فإنه يستدبر بيت ~~المقدس ومن استدبر بيت المقدس، فإنه يستقبل الكعبة، وسمي بيت المقدس قبلة؛ ~~لأنه كان قبلة قبل نسخه جريا على عادة العرب في استصحاب الاسم بعد زوال ~~معناه، فهذا تقرير ما عولوا عليه في كونه مخصوصا بالكعبة، الاستقبال ~~والاستدبار في العمران والصحارى كما أوضحنا فيه القول. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من كون الكراهة عامة في ms0332 القبلتين جميعا. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم، ونزيد ههنا حجتين: # الحجة الأولى: من طريق القياس، وهو أن الكعبة إنما كره استقبالها ~~واستدبارها عند قضاء الحاجة لما كانت قبلة يصلى إليها ويوجه أفضل الأعمال ~~إليها، وهذا حاصل في بيت المقدس فإنه كان قبل النسخ على هذه الصفة، وكثير ~~من أصحاب الرسول صلى القبلتين يعني وجه صلاته إلى بيت المقدس أولا ثم إلى ~~الكعبة آخرا، ثم استقرت الصلاة بعد النسخ إلى الكعبة، ولا يضر كونها ~~منسوخة؛ فإن الحرمة باقية، وإن كانت الصلاة قد نسخت بالتوجه إليها. PageV01P631 # الحجة الثانية: أنا نقول: إن التوارة التي أنزلت على موسى والإنجيل الذي ~~أنزل على عيسى، هما كتابان من عند الله تعالى ووحيه وتنزيله على هذين ~~النبيين، ولا خلاف في كونهما منسوخين بشريعة الرسول ، والمعلوم أن الحرمة ~~باقية فيهما بعد نسخهما، ولهذا فإن الرسول لما أراد أن يحكم بين اليهود في ~~الزنا بما في التوراة وقد أنكرت اليهود أن يكون فيها حكم الرجم، فقال لهم ~~الرسول : (( إئتوني بالتوراة أحكم بينكم بما فيها )) فجاءوا بها يحملون ~~أسفارها على كرسيها، فقام لها عند إقبالها وقال: (( آمنت بمن أنزلك))(1). ~~فهكذا نقول: حال قبلة بيت المقدس؛ حرمتها باقية في التعظيم والإجلال عن ~~استقبالها بالفروج وبالبول والعذرة، وفي ذلك صحة ما نريده. # الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه حجة لهم. # قالوا: جميع ما ورد من الأحاديث كلها في كراهة الاستقبال والاستدبار إنما ~~هو خاص في الكعبة، وظاهرها أنها مقصورة عليها؛ فلهذا لم يصح إدخال غيرها ~~معها في ذلك إلا بدلالة ولا دلالة هناك. # قلنا: عما ذكروه جوابان: # أما أولا: فلأن الأحاديث الواردة في كراهة استقبال القبلة مطلقة، كقوله ~~عليه السلام في خبر أبي هريرة: (( لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول )). ~~وفي حديث أبي أيوب الأنصاري مثله، ولفظ القبلة صالح للجهتين جميعا، فيجب أن ~~تكون صالحة لهما جميعا؛ لأن بيت المقدس يسمى قبلة استصحابا للاسم. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا أن اسم القبلة لا يصلح إلا للكعبة، فحديث معقل ~~بن أبي معقل دال ms0333 على ما ذكرناه فيجب الاعتماد عليه. # قالوا: لم يشرف بيت المقدس إلا من أجل كونه قبلة، والآن قد زال كونه قبلة ~~بالنسخ فلا حرمة له، فلم يكره استقباله واستدباره عند قضاء الحاجة. PageV01P632 # قلنا: الحرمة باقية وإن زالت مواجهته عند الصلاة كما كان ذلك في التوراة ~~والإنجيل، فإن حرمتهما باقية وإن زال التعبد بأحكامهما لكونهما كتابين من ~~السماء، ويؤيد ما ذكرناه من بقاء حرمته، قوله : (( لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد : المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد بيت المقدس)). وقوله : (( ~~مسجد بيت المقدس بارك فيه سبعون نبيا )). فهذا يدل على القضاء بفضله وحرمته ~~عندالله كالكعبة فلا ينبغي مقابلته بكشف العورة والبول والغائط . # المسألة الخامسة: إذا تقرر ما ذكرنا من إلحاق بيت المقدس بالكعبة في ~~كراهة الاستقبال والاستدبار، فهل يكره استقبال الشمس والقمر أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكره استقبالهما واستدبارهما عند قضاء الحاجة، وهذا هو ~~الذي ذكره المنصور بالله والناصر، وهو رأي الشيخ أبي حامد العزالي، ~~والصيمري من أصحاب الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنهما آيتان عظيمتان لهما شرف وحرمة، ولهذا أقسم الله ~~بهما في قوله: {والشمس وضحاها }[الشمس:1]. وقوله تعالى:{كلا والقمر ~~}[المدثر:32]. وما ذاك إلا لأجل شرفهما عند الله تعالى فأشبها الكعبة، ~~فلهذا كره استقبالهما عند قضاء الحاجة كما كره في القبلتين جميعا. # المذهب الثاني: أن ذلك غير مكروه وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة ~~كالقاسم، والهادي والمؤيد بالله، وأبي طالب، وهو رأي الأكثر من أصحاب ~~الشافعي، وإنما قلنا بأن هذا هو رأي أكثر أئمة العترة مع أنهم لم ينصوا ~~عليه ولا صرحوا به قطعا، من جهة أن هذا موضع ذكره لو كان موافقا للكعبة في ~~الحرمة، فلما لم يذكروه مع إحفاز الحاجة إلى ذكره، دل على كونه مخالفا لما ~~يكره استقباله من القبلتين، وأنه مخالف لهما في الحكم. PageV01P633 # والحجة على ذلك: هو أنا إنما قضينا بكراهة الاستقبال في الكعبة لما دل عليه ~~الشرع من ذلك بالأخبار التي رويناها، ولم تدل على غيرهما(1) دلالة فلهذا ~~كانا(2) باقيين ms0334 على أصل الإباحة. # والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة، وهو رأي الأكثر من ~~الفقهاء: أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حجتين نوضحهما: # الحجة الأولى: ربما نقول: إن المعتمد في تقرير هذه الآداب المتعلقة بقضاء ~~الحاجة إنما هو السنن المنقولة من جهة صاحب الشريعة (صلوات الله عليه وآله) ~~وأكثرها شرعيات بينها على لطائف من جهة الله تعالى، ولم يدل الشرع مما يكره ~~استقباله إلا على ما ذكرناه من القبلتين، وما هذا حاله فلم تدل عليه دلالة، ~~فلهذا وجب إبقاؤه على أصل الإباحة ولا معنى للقياس بجامع التعظيم؛ لأن ~~الأقيسة منسدة فيما هذا حاله لعدم فهم المعاني والاطلاع عليها؛ لأن مستندها ~~أكثره أمر غيبي استأثر الله بعلمه، وما هذا حاله فلا مجال للقياس فيه لدقة ~~معناه وكثرة التحكم فيه. # الحجة الثانية: هو أن قضاء الحاجة على التسهيل والتيسير والوسعة، وفي ~~الحكم بكراهة استقبال ما ذكرناه من هذين الكوكبين الشمس والقمر نوع تضييق ~~وعسرة تناقض ما فهم من قضاء الحاجة، وبيانه: أنا إذا كرهنا استقبال ~~القبلتين واستدبارهما وضممنا إلى ذلك استقبال ما ذكرناه من الشمس والقمر، ~~فمن الجائز أن تكون الشمس في المشرق والقمر في المغرب فلا تستقبل هذه ~~الجهات الأربع، وفي هذا صعوبة ونوع تعسير يضاد ما فهم من مقصود الشارع من ~~التوسعة والتيسير في قضاء الحاجة، فلهذا كان متروكا عن الكراهة لما ذكرناه. PageV01P634 # وحجة ثالثة: وهي قوله في حديث أبي أيوب: (( ولكن شرقوا أو غربوا )). ولم ~~يفصل في الإباحة في التوجه إلى جهة المشرق والمغرب بين مقابلة الكوكبين أو ~~غير مقابلتهما، فقد وضح لك بما ذكرناه أنه لا وجه لكراهة استقبالهما، والله أعلم. # الانتصار: يكون بالكلام على من خالفه. # قالوا: لهذين الكوكبين من الحرمة ما للقبلتين، فلهذا كره استقبالهما عند ~~قضاء الحاجة. # قلنا: عما ذكروه جوابان: # أما أولا: فبالفرق، وهو أن المعنى في القبلتين كونهما جهتين للعبادة ~~والصلاة بخلاف هذين الكوكبين فإنهما لا يوجهان للعبادة فافترقا. # وأما ثانيا: فلأنا قد ذكرنا أن مضظرب ms0335 النظر فيه بالأقيسة ضيق لا يتسع ~~للمقارعة بالأسلحة النظرية، ولا يجوز في ميدانه جياد الأقيسة المعنوية. # وهل يكره استقبال هذه الأفلاك نحو زحل والمريخ والمشتري وغيرها من الآيات ~~الباهرة الدالة على عظم القدرة؟ فيه تردد ونزاع بين العلماء، والخلاف فيها ~~وفي الشمس والقمر واحد، فمن قال: يجوز استقبال الشمس والقمر، قال: بجواز ~~استقبال هذه، ومن منع من تلك منع من هذه على جهة الكراهة، والكلام فيها ~~واحد فلا وجه لإفرادها بالذكر والاعتراض والجواب، فهذه المسائل قد اشتمل ~~عليها أدب الاستقبال والاستدبار. # الأدب الثاني: يكره الحديث في حال الاشتغال بقضاء الحاجة لما روى ابن عمر ~~رضي الله عنه، عن النبي (( أنه(1) مر رجل به عليه السلام وهو يبول فسلم ~~الرجل فلم يرد السلام عليه حتى تيمم ثم رد السلام عليه)). وفي حديث آخر حتى ~~توضأ ثم اعتذر إليه، فقال: (( إني كرهت أن أذكر اسم الله إلا على طهر )) أو ~~قال: (( على طهارة ))(2). PageV01P635 # الأدب الثالث: ويكره التكشف في حال الاشتغال بقضاء الحاجة، لما روى أبو ~~سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله يقول: (( لا يخرج الرجلان يضربان الغائط ~~كاشفين عورتيهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك))(1). # الأدب الرابع: ويستحب ألا يكشف ثوبه حتى يدنو من الأرض لما روى ابن عمر ~~قال: (( كان رسول الله إذا أراد قضاء الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من ~~الأرض)). # الأدب الخامس: ويكره للرجل أن يبول قائما لما روي عن النبي أنه قال: (( ~~إذا أراد أحدكم أن يبول فلا يطمح ببوله ))(2). والتطميح: العلو والارتفاع. ~~يقال: طمح الجدار إذا علاه. وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: ما بلت قائما ~~منذ أسلمت. وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: من الجفاء أن تبول ~~وأنت قائم، ولأنه لا يأمن مع القيام أن يترشش ببوله. # الأدب السادس: ويستحب أن يتفاج عند بوله، لما روي عن بعض أزواج الرسول ~~أنها قالت: (( كان النبي إذا أراد أن يبول تفاج حتى أنا لنأوي له))(3). ~~والتفاج: هو تباعد ما بين الفخذين لما في ms0336 ذلك من البعد عن الرشاش بالبول. PageV01P636 # الأدب السابع: ويكره للرجل أن يبول في جحر لما روي عن الرسول (( أنه نهى ~~عن البول في الجحر )) وقيل لعبادة: فما بال الجحر؟، فقال: (( إنها مساكن ~~الجن )). وقيل: إن سعد بن عبادة ) خرج إلى الشام فسمع أهله هاتفا يهتف في ~~داره وهو يقول: # قتلنا سيد الخز # رميناه بسه ... رج سعد بن عبادة # م فلم نخط فؤاده(2) # ففزع أهله من ذلك وتعرفوا خبره وكان في تلك الليلة قد مات، وحكي أنه كان ~~قد جلس يبول في جحر فاستلقى ميتا. ولأنه لا يؤمن أن يخرج من الجحر ما يلسعه ~~إذا ورد عليه البول. # الأدب الثامن: يكره للرجل أن يبول في الماء الراكد لما روي عن الرسول ، ~~أنه نهى عن أن يبول الرجل في الماء الراكد، ولأنه ربما أفسده بالبول إذا ~~كان قليلا. PageV01P637 # الأدب التاسع: يكره للرجل أن يبول في الظل والطريق والموارد للماء، لما روي ~~عن الرسول أنه قال: (( اتقوا الملاعن الثلاثة : البراز في الموارد، وقارعة ~~الطريق، والظل ))(1). # الأدب العاشر: ويكره للرجل أن يبول في مساقط الثمار؛ لأنه ربما وقع على ~~الثمرة فينجسها، ولأنه من جملة الملاعن أيضا، قال أبو عبيد: وإنما قيل لها ~~ملاعن؛ لأن من يأتي ذلك فإنه يقول: من فعل هذا فعليه لعنة الله(2). # الأدب الحادي عشر: ويكره للرجل أن يبول في موضع ثم يتوضأ فيه، لما روي عن ~~الرسول أنه قال: (( لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه وإن عامة ~~الوسواس منه ))(3). وسمي موضع التوضؤ مستحما؛ لأنه ربما توضأ فيه بالماء ~~الحار، فقيل له: مستحما أخذا من ذلك، والمستحم مكان التوضؤ بالماء الحار، ~~هكذا قاله ابن الأثير في نهايته(4)، وهذا إنما يكون إذا كان يتوضأ على ~~الأرض فيختلط الماء والبول فربما وقع على المتوضئ من ذلك البول ما ينجسه، ~~فأما إذا كان هناك مجار للماء والبول بحيث لا يظن الترشيش فإن البول جائز ~~في مواضع الوضوء؛ لزوال العلة التي نهي عنه من أجلها لما ذكرناه. PageV01P638 # الأدب الثاني عشر: ويجوز أن يبول ms0337 الرجل في الإناء لما روته أميمة بنت ~~رقيقة(1)، قالت: (( كان للرسول قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه ~~بالليل))(2). # الأدب الثالث عشر: إذا كان به علة جاز له البول قائما لما روى حذيفة بن ~~اليمان أنه قال: (( أتى رسول الله سباطة(3) قوم فبال قائما))(4). وذلك ~~إنما يكون من علة لما تقدم من نهيه عن البول قائما، ولا يمكن الجمع بينهما ~~إلا بما ذكرناه، وقد روي أن تلك العلة التي بال من أجلها قائما، وجع كان ~~بمأبضه فلم يمكنه القعود. والمأبض: ما تحت الركبة، والسباطة: بالسين ~~المهملة المضمومة: المزابل وأمكنة الأقذار. # الأدب الرابع عشر: ويستحب للرجل عند الاشتغال بقضاء الحاجة أن يتكيء على ~~رجله اليسرى، لما روي عن الرسول أنه قال: (( إذا قعد أحدكم لحاجته ~~فليعتمد على رجله اليسرى))(5). ولأنه يكون أوعب بخروج ما يخرج من المعدة من ~~جهة أن فتحتها مما يلي الجانب الأيسر. PageV01P639 # الأدب الخامس عشر: يكره للرجل أن يطيل القعود عند قضاء الحاجة لما حكي عن ~~لقمان أنه قال: لا تطل القعود فإن ذلك يلزم منه وجع الباسور، ولأن في ذلك ~~حصول الاسترخاء في المقاعد بطول الإقامة على قضاء الحاجة، وقيل: إنه يلزم ~~منه وجع الكبد. # الأدب السادس عشر: ويكره في حال اشتغاله بقضاء الحاجة أن يحمد الله إذا ~~عطس، وأن يجيب المؤذن إذا سمعه وأن يقول مثل قوله، لقول الرسول : (( أكره ~~أن أذكر اسم الله إلا على طهر )). # الأدب السابع عشر: ويستحب لمن قضى حاجته أن يتنحنح عند البول ويمسح ذكره ~~ثلاث مرات، لما روي عن الرسول أنه قال: (( إذا بال أحدكم فليمز ذكره ثلاث ~~مرات ))(1). ولأن ذلك يكون أقرب لخروج ما بقي من البول إن كان هناك بقية. # الأدب الثامن عشر: ويكره للرجل أن ينظر إلى ما يخرج منه عند قضاء حاجته، ~~من جهة أن إدمان النظر إلى الأشياء النجسة يضعف النظر كما أن إدمان الشم ~~للرائحة الخبيثة يضعف القوة(2). # الأدب التاسع عشر: يكره للرجل أن يبصق على ما يخرج منه فقد قيل: إنه يورث ~~الوسواس، ms0338 ولأنه يورث غثيانا، وعيفة في النفس. PageV01P640 # الأدب العشرون: ويستحب لمن أراد قضاء حاجته ومعه غيره أن ينحيه عنه، لما ~~روي عن النبي أنه خرج يوما لقضاء حاجة ومعه أنس بن مالك، فلما أراد ~~الاشتغال بقضاء الحاجة قال: (( تنح عني يا أنس ))(1). ولأن ذلك(2) يناقض ~~المروءة من جهة أنه لا يأمن عند قضاء الحاجة من صوت يسمع منه، وليس من ~~المروءة سماع الغير له واطلاعه عليه. فهذه الآداب كلها متعلقة بحال ~~الاشتغال بقضاء الحاجة. والله أعلم بالصواب. PageV01P641 # --- ### ||| AUTO القسم الثالث: في بيان ما يتعلق بالآداب بعد الفراغ منها # وجملة ما نذكره من ذلك آداب ستة: # الأدب الأول: يستحب لمن فرغ من قضاء حاجته [أن] يقول: الحمد لله الذي ~~أذهب عني ما يضرني وأبقى لي ما ينفعني. # الأدب الثاني: يستحب لمن فرغ من قضاء حاجته في العمران، أن يقدم رجله ~~اليمنى عند الخروج من الخلاء؛ لأن الخروج من الحشوش المحتضرة بالشياطين ~~فضيلة، فلهذا كانت اليمين مقدمة فيها على اليسار بخلاف الدخول فقد قدمنا ~~أنه على العكس من ذلك. # الأدب الثالث: يستحب لمن فرغ من قضاء حاجته أن يقول: غفرانك. لما روت ~~عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله إذا فرغ من قضاء حاجته يقول: (( ~~غفرانك))(1). # ووجه التخصيص في طلب المغفرة عقيب الخروج من قضاء الحاجة: إما لأنه لا ~~يأمن التفريط في كشف العورة في الزيادة على مقدار ما تدعو إليه الضرورة، ~~وكشفها لا محالة معصية، وإما من جهة أن هذه الحشوش محتضرة وهي أمكنة ~~الشياطين فلا يمتنع أن يكون قد زاد في الوقوف فيها على مقدار الحاجة، فيكون ~~ذلك وقوفا في أمكنة الشياطين لغير حاجة، فيكون محتاجا إلى مغفرة تلك ~~الخطيئة، فهذا هو الوجه في اختصاص الدعاء بالمغفرة عند الخروج من الخلاء. # الأدب الرابع: يستحب لمن فرغ من قضاء حاجته أن لا يلين معاطفه للنهوض إلا ~~بعد تستره وتلفعه بأثوابه، لما روي عن النبي أنه قال: (( احفظ عورتك إلا ~~عن زوجتك أو ما ملكت))(2). والكشف للعورة يعرض كثيرا عند قضاء الحاجة؛ ms0339 ~~فلهذا كان الاستحباب فيه أكثر من غيره لما ذكرناه. PageV01P642 # الأدب الخامس: يستحب لمن فرغ من قضاء الحاجة أن يستجمر بثلاثة أحجار، لما ~~روته عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : (( إذا ذهب أحدكم إلى ~~الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطب بها فإنها تجزئ))(1). وسنقرره في ~~باب الاستنجاء بمعونة الله تعالى. # الأدب السادس: يستحب لمن فرغ من قضاء حاجته أن يستنجي بالماء، لما روى ~~أنس بن مالك (( أن رسول الله دخل حائطا وتبعه غلام معه ميضاة، وهو أصغر ~~إناء، فوضعها عند السدرة فقضى حاجته فخرج إلينا وقد استنجى بالماء))، ولا ~~يجب ذلك لغير الصلاة. فأما وجوبه للصلاة فسنفرد فيه كلاما يخصه عند الكلام ~~في الاستنجاء بمعونة الله تعالى، فهذا ما أردنا ذكره في بيان الآداب ~~المتعلقة بقضاء الحاجة، ونندفع الآن في كيفية الاستجمار وذكر خصائصه، والله ~~الموفق. PageV01P643 # --- ### || AUTO الباب الرابع: في بيان حكم الاستجمار(1) # اعلم أن الاستجمار خاص في التطهير بالأحجار، والاستنجاء عام فيهما جميعا، ~~أعني: الاستجمار بالأحجار والاستنجاء بالماء. والاستجمار هو الاستجمار ~~بالأحجار، واشتقاقه من أحد وجهين: # أحدهما: أن يقال: الجمرة هي الحصاة الصغيرة، وعلى هذا يكون الاستجمار ~~استفعال من الجمرة، وهي استعمال الأحجار في تنقية النجاسة. # وثانيهما: أن يكون اشتقاقه من قولهم: جمرت النخلة إذا قطعت جمارها، فلما ~~كان الاستجمار بالأحجار يقطع أثر النجاسة ويزيلها سمي استجمارا أخذا له من ~~ذلك، وكلا الوجهين لا غبار عليه، خلا أن الوجه الأول أقرب لمطابقته في ~~لفظه، ومنه رمي الجمار أي رمي الأحجار الصغار من يدك إلى الجهة المعلومة. ~~والاستجمار بالأحجار بعد الفراغ من قضاء الحاجة مستحب عند أئمة العترة، ~~وفقهاء الأمة: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ولا يعرف خلاف في ~~استحبابه. # والحجة على ذلك: ما روى خزيمة بن ثابت (2) PageV01P644 قال: سئل رسول الله عن الاستطابة فقال: (( بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ~~))(1). وفي حديث آخر: (( ثلاثة أحجار ينقين المؤمن ))(2). وهذان الخبران ~~دالان على كونه ندبا، وروت عائشة رضي الله عنها عن الرسول أنه قال: (( إذا ~~ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه ms0340 بثلاثة أحجار يستطب بهن )). # وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله : (( إذا قضى أحدكم ~~حاجته فليستنج بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب)))) . # وتقرير الدلالة من هذه الأحاديث على الاستحباب من وجهين: # أحدهما: أن يقال: إن ظاهر الأمر وإن كان للوجوب لكن الإجماع منعقد على ~~كونه مستحبا، فيجب حمله على الاستحباب لأجل هذه القرينة، وهذا هو الذي ~~نصرناه في الكتب الأصولية بالأدلة، وقررنا قاعدة فهم الوجوب من ظاهره. # وثانيهما: أنا نقول: الأمر حقيقته الطلب لا غير، وهو نص فيه، فأما كون ~~ذلك الطلب مانعا من النقيض فيكون واجبا، أو غير مانع عن النقيض فيكون ~~مندوبا، فإنما يعلم بدلالة منفصلة غير ظاهرة، وإذا كان الأمر فيه كما ~~قلناه، فظاهر هذه الأخبار الأمر، فيجب أن يكون مطلوبا وأدنى درجات الطلب هو ~~الندب، فمن أجل ذلك قضينا بكونه مندوبا، فالحق أن مطلق الأمر نص في الطلب ~~لا محالة، فأما كون ذلك المطلوب مندوبا أو واجبا فيحتاج إلى دلالة منفصلة ~~لما يعرض من دلالته على الندب أو على الوجوب من الاحتمال(3)، فأما كونه ~~للطلب فلا يعرض فيه شيء من الاحتمال. PageV01P645 # مسألة: وهل يكون الاستجمار بالأحجار واجبا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه ليس واجبا، وهذا هو قول أئمة العترة لا يختلفون فيه ~~وهو رأي أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: ما قررناه من قبل من الأخبار فإنها دالة على الندب، إما ~~بطريق الإرشاد كقوله: (( ثلاثة أحجار ينقين المؤمن)). # وإما بطريق الأمر كما رويناه عن عائشة وابن عباس، والإجماع منعقد على ~~استحبابه، فلهذا وجب حمل الأمر عليه إذ لا دلالة على حمله على الوجوب. ولا ~~يكفي ظاهر الأمر في وجوبه فإن الأمر إنما يدل بظاهره على مطلق الطلب لا غير ~~وهو ساكت عن الوجوب والندب إلا بدلالة خارجة عن ظاهره. # والحجة الثانية: قياسية، وهو أنها نجاسة فلم تجب إزالتها بالأحجار، أو ~~نجاسة فعفي عنها لعدم الإيجاب كالدم اليسير. # المذهب الثاني: أن إزالتها واجب(1) بالأحجار، وهذا هو مذهب الشافعي. ms0341 # والحجة على ذلك: ظواهر تلك الأخبار التي رويناها فإنها موجهة بصيغة ~~الأمر، والأمر للوجوب بظاهره ومن ادعى خلاف ظاهره أقام دلالة على ذلك. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من عدم الوجوب فيه لما قالوه، ونزيد ~~هاهنا وهو أنا لو قدرنا وجوبه كما زعموه لم يكن إلا من أجل الصلاة، وكون ~~العبد مأخوذا بالتطهر لأدائها، والماء كاف عندنا في وجوب الإزالة، فلا حاجة ~~إلى إيجاب إزالته بالأحجار كما ظنوه، وسنقرر وجوب الإزالة بالماء عند ~~الكلام في إيجاب الاستنجاء بمعونة الله تعالى. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم في وجوبه. # قالوا: ظواهر الأوامر التي وردت في الاستجمار دالة على الوجوب فيجب ~~القضاء بظواهرها من غير حاجة إلى تأويلها. # قلنا: عما ذكروه جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أن ظاهر الأمر للوجوب وإنما ظاهره اقتضاء الطلب من ~~غير تعرض لوجوب ولا ندب، وإنما يعلمان من دلالة منفصلة على مطلقه. PageV01P646 # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا أن ظاهره دال على الوجوب لكنا نخصه بدلالة ~~القياس، وهو أن المقصود هو رفع النجاسة للصلاة، والماء هاهنا كاف عن ~~الأحجار فلا حاجة بنا إلى إيجابها، فبطل ما توهموه. # قالوا: نجاسة لا تلحق المشقة بإزالتها فتجب إزالتها كما لو كانت متفاحشة ~~في الكثرة والتقذير. # قلنا: إن هذه لها مزيل وهو الماء عندنا فلا تجب إزالتها بالإحجار، وما ~~ذكروه إنما يكون وجها في الوجوب إذا كان على رأيهم في عدم وجوب الاستنجاء ~~بالماء وسنقرر وجوبه. # التفريع على هذه المسألة: # الفرع الأول منها: لا يجوز الاستجمار بعظم ولا روث عند أئمة العترة، وهو ~~قول الشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: ما رواه أبو هريرة عن النبي ، (( أنه نهى عن الاستجمار ~~بالروث والرمة ))(1)، وفي حديث جابر: (( نهى النبي أن يستنجى بعظم أو بعر )). # وحكي عن أبي حنيفة أنه جوز ذلك خلا أنه قال: إنه يكره. # والحجة على ذلك: هو أن المقصود من ذلك التخفيف، وذلك يحصل بالعظم والروث. PageV01P647 # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من حظره ويدل عليه ما قالوه، ونزيد ~~ههنا، ms0342 وهو ما رواه عبدالله بن مسعود قال: قدم وفد من الجن على رسول الله ~~فقالوا: يا محمد انه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روث أو حممة فإن الله جعل ~~لنا فيها رزقا، فنهى عنه الرسول . وقوله عليه السلام حين ألقى الروثة: (( ~~إنها ركس ))(1)، وفي حديث آخر أنه قال: (( إنها رجس )) وفيه دلالة على أن ~~كل ما كان نجسا فلا يجوز الاستنجاء به، وروي عنه عليه السلام أنه نهى عن ~~الاستجمار بالعظام وقال: (( إن فيه طعاما لإخوانكم من الجن ))(2)، ومن جهة ~~أن الروثة نجس فلا تزال به النجاسة كالماء النجس، ومن جهة أن العظم من جنس ~~ما يتطعم به فلا يجوز الاستجمار به كاللحم، وفي حديث أبي هريرة أنه قال: (( ~~نهانا رسول الله أن نستنجي برجيع أو عظم ))(3)، وفي حديث سلمان: أنه نهى ~~عن الاستجمار بالروث والرمة(4). فهذه الأخبار كلها دالة على المنع من ~~الاستجمار بالروث والعظم، وما كان ممنوعا منه فلا وجه لجوازه. PageV01P648 # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم في ذلك. # قالوا: المقصود من الاستجمار هو تخفيف النجاسة عن القبل والدبر، وهو حاصل ~~بالعظم والروث، فيجب القضاء بجوازه مطلقا. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن ما ذكروه إنما كان صحيحا لو لم يرد الشرع بالمنع منه، ~~فأما مع كون الشرع قد منع منه بما ذكرناه من هذه الأخبار، فلا وجه لما ~~قالوه من أن المقصود منه التخفيف. # وأما ثانيا: فلأن ما قالوه يبطل بالماء النجس فإنه يحصل منه(1) التخفيف ~~من النجاسة، ولم يجز استعماله بحال. # قالوا: النهي عنه إنما كان من أجل حق الغير وهو أنه زاد للجن، وما هذا ~~حاله فإنه يجوز استعماله كالماء المغصوب فإنه يجوز التوضؤ به لما كان ~~متعلقا بحق الغير. # قلنا: عما ذكروه جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم صحة الوضوء بالماء المغصوب، وقد قدمنا المسألة ~~وذكرنا ما فيها فأغنى عن الإعادة. # وأما ثانيا: فلأنه لم ينه عنه لأجل تعلق حق الغير به، وإنما نهي عنه ~~لعينه وهو أنه طعام، والماء المغصوب نهي ms0343 عنه لحق الغير فافترقا، فبطل ~~الاستجمار بالعظم من جهة كونه طعاما، ولهذا فإنه لا يجوز الاستجمار به ~~للمالك له، ويبطل الاستجمار بالروث لما كان نجسا فأشبه الماء النجس. # الفرع الثاني: هل يعتبر العدد فيما يستجمر به أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه غير معتبر، وعلى هذا يجوز بالحجر الواحد والحجرين ولا ~~يجب ذلك، وهذا هو الظاهر من مذهب القاسم والهادي فإنهما لم يذكرا في ذلك ~~عددا منحصرا، وهو محكي عن أبي حنيفة ومالك. # والحجة على ذلك : ما رواه أبو هريرة عن الرسول أنه قال : (( من استجمر ~~فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ))(2). # فأطلق الوتر ولم يقيده بالثلاث، وفي ظاهره دلالة على جواز الاستجمار ~~بالحجر الواحد لكونها وترا. PageV01P649 # الحجة الثانية: من جهة القياس، وهو أنه إزالة النجاسة عن السبيلين فلا ~~يشترط فيه عدد كالماء. # المذهب الثاني: أنه لا بد من رعاية العدد وهو الثلاثة، وهذا هو الذي حصله ~~السيد أبو العباس من مذهب الهادي حيث قال: الاستجمار بالأحجار يستحب، وقال: ~~ثم يمسح بأحجار، والأحجار جمع، وأقل الجمع ثلاثة، وهذا هو رأي الشافعي ~~وأصحابه. # والحجة على ذلك: ما رواه سلمان الفارسي عن رسول الله أنه قال: (( ثلاثة ~~أحجار ينقين المؤمن)). وحديث خزيمة بن ثابت عن رسول الله قال: سئل رسول ~~الله عن الاستطابة فقال: (( بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع)). وإلى اعتبار ~~العدد في الاستجمار يشير كلام الناصر. # والمختار: ما قاله السيدان الأخوان من عدم اعتبار العدد في الاستجمار لما ~~قالوه، ونزيد ههنا، وهو خبر عبدالله بن مسعود ليلة الجن، أنه جاءه بحجرين ~~وروثة فألقى الروثة وقال : (( إنها ركس)). واقتصر على حجرين، فدل ذلك على ~~عدم اعتبار العدد. ومن جهة القياس، وهو أن المقصود بالاستجمار إنما هو ~~تنقية النجاسة فوجب أن لا يعتبر فيه العدد كالماء. # الانتصار: يكون باعتراض ما أوردوه من ذلك. # قالوا: الأخبار التي رويناها فيها دلالة على اعتبار العدد. # قلنا: عما ذكروه جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن لهذه الأحاديث التي رووها في اعتبار العدد ms0344 ~~ظاهرا معتمدا عليه في اختيار العدد، من جهة أن هذه الأخبار ظاهرها دال على ~~استعمال الأحجار الثلاثة في السبيلين جميعا وهم لا يقولون بذلك، وإنما ~~يستعمل لكل واحد منهما ثلاثة أحجار على الوجوب، ومن جهة أنهم قد قالوا: ~~بجواز الاستجمار بالحجر الواحد له ثلاثة أحرف وليس في ظواهر الأخبار ما ~~يشعر به، فبطل تعلقهم بظواهر هذه الأحاديث فيما زعموه من اعتبار العدد. PageV01P650 # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا أن لها ظاهرا في العدد فإن ذلك إنما كان معتبرا ~~على جهة العرف، وهو أن الثلاثة هي النهاية في التطهير، فذكر العدد من أجل ~~ذلك لا من جهة كونه مرعيا على جهة الوجوب. # قالوا: قد نص على العدد فيما رويناه من تلك الأخبار، ولا يجوز أن تكون ~~النصوصية فيها من جهة الإنقاء، فإن ذلك غير مختص بالثلاثة، وإذا بطل ذلك دل ~~على أن اعتبار العدد من جهة التعبد كالعدد في العدة، فلهذا وجب التزامه. # قلنا: ليس المقصود في العدة براءة الرحم، ولهذا فإنه لو قال: إن تيقنت ~~براءة رحمك فأنت طالق، وجبت عليها العدة، فلهذا كانت جارية على جهة التعبد ~~بخلاف ما ذكرناه في الاستجمار فإن المقصود هو التنقية والتطهير، وهما ~~حاصلان من غير اعتبار عدد، فبطل ما توهموه. # والاستجمار مشروع في السبيلين كليهما عند أئمة العترة وفقهاء الأمة لا ~~يختلفون في ذلك. # والحجة على ذلك: هو أن الظواهر من الأخبار الدالة على الاستجمار لم تفصل ~~بينهما كقوله : (( ثلاثة أحجار ينقين المؤمن )) # وهكذا حديث سلمان وحديث خزيمة بن ثابت، فدل ذلك على استوائهما. ومن جهة ~~القياس وهو أن الغرض بالاستجمار إنما هو تقليل النجاسة، وهذا عام فيهما ~~جميعا، ولأن النجاسة خارجة منهما جميعا فوجب استواؤهما في التطهير ~~بالأحجار، ولأنه لو وقع تردد فإنما يكون في القبل لما كانت النجاسة فيه ~~مائعة ليس لها أثر يلصق بمحلها، والقياس جامع بينهما من جهة أن القبل أحد ~~السبيلين خارج منه نجاسة لا يعفى عنها فاستويا في الحاجة إلى الأحجار ~~كالدبر. # الفرع الثالث: وهل يكون المدر وغيره ms0345 قائما مقام الحجر؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجوز بغير الحجر كالتراب والعود واللبن المطبوخ وغير ~~ذلك، وهذا هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي ~~وأصحابه، ومالك. PageV01P651 # والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه قال : (( إذا قضى أحدكم حاجته ~~فليستنج بثلاثة أحجار أو ثلاثة أعواد أو ثلاث حثيات من تراب)) . # رواه الدارقطني في مسنده ولم يذكره أبو داود. ومن جهة القياس وهو أن ~~المقصود تقليل النجاسة وهذا حاصل بغير الحجر كحصوله بالحجر، ولأنه جامد لم ~~يعرض فيه ما يوجب الكراهة من كونه طعاما ولا من جنس ما يتطعم فأشبه الحجر. # المذهب الثاني: أنه لا يجوز بغير الحجر، وهذا هو المحكي عن زفر، وأحمد بن ~~حنبل، وداود وطبقته من أهل الظاهر. # والحجة على ذلك: ما تكرر في لفظ الأحاديث من اعتبار الأحجار، كحديث أبي ~~هريرة وحديث خزيمة وغيرهما من الأحاديث فإنها دالة على تخصيص الحجر من بين ~~سائر الأشياء الجامدة، ولا يجوز أن يقال: إنما نص على الأحجار من أجل ~~التنقية؛ لأن ذلك غير مختص بها فلم يبق إلا أن يقال: قصد به التعبد كرمي ~~الجمار. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم من فقهاء الأمة، وذلك ~~لحديث ابن عباس الذي اختص به الدارقطني (1) في مسنده، والحديث وإن انفرد به ~~واحد من المحدثين فإنه مقبول باتفاق، ولأن ابن مسعود رضي الله عنه أتاه ~~بحجرين وروثة فرد الروثة ولم يردها إلا من أجل النجاسة، ولهذا قال : (( (( ~~إنها ركس)) )) ، # ولو كان عوضها عودا أو غير ذلك من الأمور الطاهرة المخالفة للحجر لقبله، ~~ولهذا علل الرد بالنجاسة فدل على ما قلناه. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. PageV01P652 # قالوا: أكثر الأحاديث على مراعاة الحجر، وفي هذا دلالة على أن المقصود إنما ~~هو التعبد دون التنقية؛ لأنها حاصلة بغير الحجر. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الاستجمار ليس من باب العبادة فيقال: إنه قصد به التعبد، ~~ولهذا فإنه يصح ممن ليس مكلفا كالمجنون والصبي بخلاف ما قالوه من رمي ~~الجمار فإنه ms0346 من باب العبادة، فأمكن أن يقال: فيه خصوصية الحجر لما كان ~~عبادة فافترقا. # وأما ثانيا: فلأن السابق إلى الفهم من كون الاستجمار مشروعا إنما هو من ~~أجل التنقية، وهذا حاصل بغير الأحجار كحصوله بها، وليس العجب من إنكار داود ~~وطبقته للاستجمار بغير الأحجار؛ لكونهم قد أصروا على إنكار القياس والتطلع ~~إلى محاسن الشريعة في استنباط المعاني الدقيقة واللطائف المخيلة، فلأجل هذا ~~جمدوا على النصوص والظواهر من غير تعرض لمعانيها، وإنما العجب ممن اعترف ~~معنا بالقياس من علماء القياسيين كزفر وأحمد بن حنبل حيث لم يفهموا المعنى ~~مع كونه سابقا إلى الأفهام، وأصروا على الجمود على هذه الظواهر مع اشتمال ~~المعاني على تسمير الأحكام بمسامير المصالح، وتضبيبها بضباب(1) المحاسن فلا ~~عذر لهم في ذلك. # الفرع الرابع: إذا تقرر جواز الاستجمار بغير الأحجار بما ذكرناه، فلا بد ~~من اعتبار كونه جامدا طاهرا منقيا غير مطعوم لا حرمة له ولا جزءا من حيوان. ~~فهذه شروط ستة لابد من إحرازها والإشارة إلى تفاصيلها: # الشرط الأول: أن يكون جامدا، فإن استجمر بمائع غير الماء كالخل واللبن ~~والعسل وغيرها لم يجز من جهة أن النجاسة لا تزول عندنا بغير الماء من سائر ~~المائعات، وقد قررناه من قبل فلا نعيده، ولأن ذلك يؤدي إلى التلوث بالنجاسة ~~وكثرتها، فلا يجوز استعماله للوجه الذي ذكرنا. PageV01P653 # الشرط الثاني: أن يكون ذلك الجامد طاهرا، فلا يجوز الاستجمار بالروثة ~~والعذرة لما قدمناه من قبل من نهي الرسول عن الاستجمار بالأشياء النجسة، ~~فإن استجمر بالآجر جاز ذلك؛ لأن النجاسة قد ذهبت أجزاؤها بالنار وصار ~~مستحجرا، وإن استجمر باللبن الذي لم يطبخ نظرت، فإن [كان] خلطه من الأمور ~~الطاهرة كالتبن وروث ما يؤكل لحمه جاز الاستجمار به، لكونه جامدا طاهرا، ~~وإن كان خلطه مما يكون نجسا أو كان مضروبا بالأمواء النجسة كأبوال بني آدم، ~~أو بالخمر أو غير ذلك، فلا يجوز الاستجمار به، فإن غسل ولم تكن النجاسة ~~مرئية فيه طهر وجاز الاستجمار به لطهارته. وإن استجمر بحجر قد استجمر بها ~~هو أو غيره ms0347 لم يجز ذلك لنجاستها فهي كالروثة والقطعة من العذرة، فإن ~~غسلت(1) جاز الاستجمار بها لطهارتها إذا غسلت بالماء القراح، فإن غسلت ~~بالخل وماء الورد لم يجز الاستجمار بها؛ لأن النجاسة لا تزول بغير الماء. ~~وحكي عن بعض أصحاب الشافعي جواز ذلك، لقوله : (((( الأرض تطهر بعضها ~~بعضا)). # ولأن المقصود إزالة عين النجاسة وقد زالت، فإن جفت النجاسة بالريح أو ~~بطلوع الشمس عليها لم يجز الاستجمار بها؛ لأن النجاسة باقية فيها كما مر ~~بيانه، وإن استجمر بحجر ثم وجده وشك هل جرى عليه ما يطهره أم لا؟ لم يجز له ~~أن يستجمر به لأن الأصل بقاء النجاسة فلا وجه لاستعماله، وإن رأى وشك هل قد ~~استجمر به أو غيره جاز له الاستجمار به؛ لأن الأصل هو الطهارة فلا تعويل ~~على الشك في ذلك، فإن استجمر بشيء نجس أو بمائع غير الماء كره له ذلك لما ~~ذكرناه من النهي عن استعمال النجس، وهل يجزيه عن الاستجمار أم لا؟ فيه ~~لأصحاب الشافعي وجهان: PageV01P654 # أحدهما: أنه لا يجزيه ولا بد من غسله بالماء، لأن هذه نجاسة من غير الخارج ~~من السبيلين فلم يجزه إلا الماء كما لو وقعت نجاسة على موضع من بدنه في غير ~~موضع الاستجمار. # وثانيهما: أنه يجزيه الأحجار، لأن هذه النجاسة تابعة للنجاسة التي على ~~المحل، فلهذا زالت بزوالها. وهذا التردد للشافعية لما كان عندهم أن ~~الاستجمار بالأحجار واجب، وأن الاستنجاء بالماء غير واجب في السبيلين كما ~~سنوضحه بعد هذا بمعونة الله تعالى، فأما على رأي أئمة العترة من وجوب ~~الاستنجاء بالماء، فإنه إذا استجمر بالحجر النجسة أو بمائع غير الماء كالخل ~~وماء الورد جاز ذلك؛ لأن المقصود بذلك هو تقليل النجاسة وتخفيفها من القبل ~~والدبر، وهذا حاصل بما ذكرناه. وإذا أراد الصلاة فلا بد من غسلها بالماء ~~لكون الموضع نجسا فلا تكون طهارته إلا بغسله بالماء من بين سائر المائعات ~~بخلاف تقليل النجاسات فإنه حاصل بما ذكرناه، فلا جرم حكمنا بجوازه مع تعلق ~~الكراهة به لكونه نجسا. # الشرط الثالث: أن يكون ms0348 الجامد منقيا، فإن كان غير منق كالزجاج والحديد ~~الصقيل وما أشبهه لم يجز الاستجمار به لبعده عن الإنقاء ويؤدي إلى تكثير ~~النجاسة وتلطخه بها، فإن استجمر بهذه الأمور الصقيلة عقيب الاستجمار ~~بالأحجار جاز ذلك، وهو أحد قولي الشافعي. وله قول آخر: أنه لا يجوز. # والحجة على ما قلناه: هو أن معظم النجاسة قد زال بجري الأحجار عليه فلهذا ~~جاز إزالة ما بقي من أثرها بالأشياء الصقيلة، ويفارق ذلك ما إذا كان ~~مستجمرا بالشيء الأملس من أول الأمر فإنه لا يجزيه ذلك؛ لأنه لا يحصل به ~~رفع النجاسة وقلعها فافترقا. ويكره الاستجمار بالفحم عند أئمة العترة، وهو ~~أحد قولي الشافعي وله قول آخر: أنه يجوز. # والحجة على ما قلناه: ما ورد في خبر عبدالله بن مسعود: (( انه أمتك أن ~~يستنجوا بعظم أو روث أو حممة )). # .إلى آخر الحديث، وقد مر فلا وجه لتكريره. PageV01P655 # الشرط الرابع: ألا يكون الجامد مطعوما، وهذا نحو الخبز واللحم فلا يجوز ~~الاستجمار بهما؛ وإنما لم يجز ذلك لأن الله تعالى رفع من قدرهما بأن جعلهما ~~غذاء لبني آدم وصلاحا لأجسامهم وقواما لها. ولا شك أن الاستجمار بهما إهانة ~~له(1) وحط من قدره، وتنجيسه يناقض هذه القاعدة، فمن أجل ذلك لم يجز ~~الاستجمار بهما فمن استجمر بهما فقد أتى محظورا ويأثم بما فعله وتجزيه ~~التوبة عن المأثم، ويكفي ذلك عن الاستجمار؛ لأن المقصود هو الرفع للنجاسة ~~والقلع لها، وهذا حاصل وإن فعل محظورا، كما قلناه في الوطء في زمان العدة ~~من غير رجعة فإنه وإن كان محظورا لأجل الطلاق لكنه موجب للحل والرجعة كما ~~سنوضحه. PageV01P656 # الشرط الخامس: أن لا يكون للجامد حرمة وتلك الحرمة، إما بالإضافة إلى كونه ~~صلاحا لمعاش بني آدم، وهذا نحو هذه البقول من الفجل والبصل والثوم وغير ~~ذلك، وسائر الحشائش التي [فيها] مصالح الأدوية، وصلاح الأغذية؛ فإنها وإن ~~لم تكن لها حرمة الخبز واللحم لكنها غير خالية عن حرمة لما لها من الاتصال ~~بالأغذية والتفكه لبني آدم؛ فلأجل هذا جرت مجرى السكر والسفرجل والرمان ms0349 فلا ~~يجوز الاستجمار بها لما قررناه، وإما بأن تكون حرمته لنفعه في الدين، وهذا ~~نحو أن يستجمر بما فيه من الكتب قرآن، أو من حديث رسول الله ، أو من علم ~~الفقه أو علم التفسير أو غير ذلك مما يكون له تعلق بالدين ونفع فيه، فإنه ~~لا يجوز الاستجمار به لما له من الحرمة التي رفع الله شأنها، وعظم قدرها ~~وأمرها، وإما أن يكون شرفه لنفاسة ثمنه وعلو قدره، وهذا نحو الاستجمار ~~بقطعة من ذهب أو فضة، أو نافجة مسك أو عنبر، أو قطعة ياقوت أو خرقة من ~~ديباج، أو غير ذلك من الأشياء الغالية في أثمانها، فما هذا شأنه يكره ~~الاستجمار به لما فيه من السرف والمخيلة، وقد نهي عن ذلك؛ فإن فعل ذلك كره ~~له لما ذكرناه، ولا يلزمه إعادة الاستجمار؛ لأن الغرض المطلوب حاصل بما ~~ذكرناه وهو قلع آثار النجاسة وقطعها. PageV01P657 # الشرط السادس: ألا يكون جزءا من حيوان متصلا به، وهذا نحو أن يستجمر بيده ~~أو بيد الغير أو بذنب حمار أو عصفورة حية، فما هذا حاله لا يجوز له ~~الاستجمار به لماله من الحرمة فأشبه العظم، وإن استجمر بقطعة من صوف نظرت ~~فإن نتفها من حيوان بالقرب منه كره له ذلك لما فيه من إيلام الحيوان ~~وإتعابه وإن حصلت في يده من غير إيلام للحيوان جاز ذلك؛ لأنها رافعة ~~للنجاسة قالعة لأثرها فجاز بها كالحجر، ولا يجوز الاستجمار بجلد الميتة قبل ~~الدبغ لكونه نجسا فأشبه الميتة والروثة، وإن دبغ لم يجز الاستجمار به عند ~~أئمة العترة خلافا للفقهاء فإنهم جوزوا ذلك لكونه طاهرا عندهم وقد قررنا ~~حكم هذه المسألة فأغنى عن الإعادة، وقد حكي عن الشافعي عن(1) حرملة ~~والبويطي أن الاستجمار به غير جائز، وإن كان طاهرا؛ لأنه في معنى الرمة وقد ~~نهي عنها، فما جمع هذه الشروط جاز الاستجمار به. # الفرع الخامس: في بيان ما يستجمر منه. ويستجمر من كل نجاسة خارجة من ~~السبيلين ملوثة بالنجاسة معتادة كانت أو غير معتادة، فهذه شروط ثلاثة لا بد ms0350 ~~من بيانها: # الشرط الأول: أن تكون خارجة من السبيلين، وهذا نحو البول والغائط. # أما الغائط فالحجة على الاستجمار منه: ما روى أبو هريرة، عن الرسول : (( ~~إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستنج بثلاث)). # وأما البول فالحجة عليه : # ما روى ابن عباس رضي الله عنه عن النبي أنه مر على قبرين فقال : (( ~~إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما ~~الآخر فكان لا يستنزه عن بوله)). # وفي رواية أخرى : (( لا يستبرئ )) . # فإن قال قائل : فكيف قال عليه السلام : (( وما يعذبان بكبير))؟ # والمعذب لا يعذب إلا على كبيرة إما كفرا وإما فسقا، وكل واحد منهما معدود ~~في الكبر، فكيف نفى عنه الكبر، وما كان صغيرا فلا عقاب عليه؟ # فجوابه: أن يقال فيه تأويلان: PageV01P658 # التأويل الأول: أن غرضه بقوله: (( وما يعذبان بكبير )) , # أي عندهما، بل هي كبيرة عند الله تعالى، وإن ظناها صغيرة، فرب معصية ~~يعتقدها العاصي صغيرة وهي عند الله كبيرة، ومثل هذا ربما يسنح في هذه ~~المعصية، فإنه ربما وقع فيها التساهل لكثرة اعتيادها وتساهل أكثر الخلق ~~فيما هذا حاله فيظنونه صغيرا وهو عند الله كبير، ويؤيد هذا أن مقادير ~~الثواب والعقاب مستندها أمر غيبي عند الله تعالى فلا يؤمن أن يعتقد في بعض ~~المعاصي الصغر وهو كبير عندالله تعالى. # التأويل الثاني: أن يقال: إن هذه المعصية صغيرة على ظاهرها، لكنه إنما ~~عذب عليها لما لم يكن لصاحبها ثواب تكون مكفرة في جنبه، فلا جرم عوقب ~~عليها؛ لأن المعاصي الصغائر مثل الكبائر في استحقاق العقوبة عليها، لكن دل ~~الشرع على كونها مكفرة في جنب الثواب الذي يكثر عليها، فإذا فرض(1) من لا ~~ثواب له يكفرها، استحق العقوبة عليها. # وتستجمر المرأة من دم الحيض؛ لأنه أدخل في التقذير من البول؛ ولأنه خارج ~~من مخرج الحدث فأشبه البول، وأما دم الاستحاضة فلا فائدة في الاستجمار عنه ~~لدوامه وتكرره. # وهل يستجمر من المني إذا خرج أم لا؟ فالذي يأتي على مذهب أئمة العترة أنه ~~يستجمر منه لكونه نجسا كما قررناه من ms0351 قبل فهو كالبول، فأما على رأي الشافعي ~~فلا وجه للإستجمار منه؛ لكونه طاهرا حكاه ابن الصباغ في (الشامل)، ولا ~~يستجمر من خروج الريح؛ لأنه لم يلحق المحل تلوث بالنجاسة لكونها طاهرة(2) ~~فلا وجه للاستجمار منها. PageV01P659 # وإن انفتحت نقبة(1) من تحت السرة وانسد المسلك المعتاد فهل يتوجه الاستجمار ~~أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه غير مشروع فيما هذا حاله؛ لأنها نجاسة خارجة من غير المعتاد ~~فلم يستجمر لأجلها، كما لو خرج الدم والقيء من مواضعهما. # وثانيهما: أنه يتوجه الاستجمار؛ لأنه موضع يخرج منه الغائط فأشبه الدبر، ~~وهذا هو الأقرب لأن الغرض المقصود في توجه الاستجمار إنما كان من أجل ~~النجاسة ولا عبرة بالمخرج، فلهذا توجه الاستجمار وإن لم يكن من مخرجه ~~المعتاد. # الشرط الثاني: أن يكون الخارج ملوثا بالنجاسة، فإن خرجت حصاة من الدبر أو ~~دودة أو بعرة نظرت، فإن كانت عليها رطوبة استحب الاستجمار؛ لأنها نجاسة ~~خارجة من الدبر فأشبهت الغائط، وإن لم يكن عليها رطوبة لم يستحب الاستجمار ~~على رأي أئمة العترة، وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر: أنه يجب من ذلك ~~الاستجمار. # والحجة على ما قلناه: هو أنه لا بلل يصحبها فلم يستحب منه الاستجمار ~~كالريح الخارجة، وهو الأصح من قولي الشافعي، ويستحب الاستجمار من المذي ~~والودي والدم الخارج من الذكر؛ لأن هذه الأمور كلها نجاسة خارجة من الإحليل ~~فأشبهت البول، وإن خرجت رائحة من الذكر فلا وجه لاستحباب الاستجمار منها؛ ~~لأنها طاهرة فأشبهت الريح الخارجة من الدبر. PageV01P660 # الشرط الثالث: [نجاسة](1) الخارج [من السبيلين] سواء كان معتادا أو غير ~~معتاد؛ لأن الاستحباب إنما هو معلق بالخارج النجس، وهذا حاصل في جميعها فلا ~~فصل بين العذرة والدم، والدود والحصاة والبعرة إذا كانت ملوثة بالنجاسة، ~~ولا فصل بين الدم والبول، والمذي والمني، فكل هذه الأشياء إذا كانت خارجة ~~من القبل والدبر ملوثة بالنجاسة، فإنها يستحب منها الاستجمار من غير تفصيل ~~بين أجناسها، والبحث عن النجاسات فيه صعوبة ويكفينا من ذلك تعليق الاستجمار ~~بالخارج النجس على أي وجه خرج. # الفرع السادس: ms0352 في كيفية الاستجمار بالأحجار. فليس فيه تقدير واجب على رأي ~~أئمة العترة، وإنما المقصود منه تخفيف النجاسة وتقليلها، وكيفية الاستحباب ~~في ذلك له وجهان: # أحدهما: أن يأخذ ثلاثة أحجار بيساره فيمر حجرا على صفحته اليمنى ثم يرمي ~~به، ثم يأخذ حجرا فيمره على صفحته اليسرى ثم يرمي به، ثم يأخذ حجرا فيمره ~~على المسربة ويرمي به. # والحجة على ذلك : ما روى سهل بن سعد الساعدي (2) أن النبي قال : (( يكفي ~~أحدكم إذا قضى حاجته أن يستنجي بثلاثة أحجار : حجرين للصفحتين وحجر للمسربة ~~)) (3). # وليس ذلك يكون إلا على ما ذكرناه . PageV01P661 # وثانيهما: أن يأخذ حجرا فيمره من مقدم صفحته اليمنى إلى مؤخرها ثم يديره ~~إلى اليسرى من مؤخرها إلى مقدمها، ثم يأخذ حجرا ثانيا فيمره من مقدم صفحته ~~اليسرى إلى مؤخرها ويديره من مؤخر صفحته اليمنى إلى مقدمها ثم يأخذ الحجر ~~الثالث فيمره على جميعها مع المسربة. # والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه قال: (( تقبل بحجر وتدبر بحجر ~~وتحلق بالثالثة ))(1). # وهذا هو الأحسن؛ لأنه مشتمل على استيعاب الأحجار الثلاثة في جميع مواضع ~~الاستجمار، # كما أشار إليه ظاهر الحديث بقوله : ((فليستنج بثلاث أحجار)) . ولم يفصل ~~في ذلك. # ويستحب أن لا يمس ذكره بيمينه، لما روى أبو قتادة عن النبي أنه قال: (( ~~إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه ))(2). # ويكره له أن يستجمر بيمينه لما روته عائشة قالت: (( كانت يد رسول الله ~~اليمنى لطعامه وشرابه، وكانت يده اليسرى للاستنجاء)) # وكان الرسول يجعل اليمنى لما علا من الأمور كلها، ويجعل شماله لما دنى ~~من الأمور كلها. ويكره له أن يستعين بيمينه على الاستجمار بالأحجار؛ لأن ~~الأحاديث لم تفصل في الكراهة بين الانفراد والإستعانة باليمين، فإذا كان ~~يريد الاستجمار من الغائط فإنه يأخذ الحجر بشماله ويستجمر بها وإن كان ~~استجماره من البول نظرت، فإن كان الحجر كبيرا أوكان قريبا من الحائط ~~والجدار فإنه يأخذ ذكره بشماله ويمسحه، وإن كان الحجر صغيرا أو أمكنه أن ~~يضعه بين عقبيه أو أصابع رجليه فعل ذلك، وإن لم يمكنه ms0353 ذلك جاز له إمساكه ~~بيمينه حذرا من التلوث بالنجاسة لو أرسله، فمن أجل ذلك جاز استعمال ~~يمينه(3). PageV01P662 # الفرع السابع: والنساء كالرجال في استحباب الاستجمار من البول والغائط، من ~~جهة أن التكليف واحد في حقهم وحقهن، وإنما وجه الخطاب إلى الرجال ليس من ~~أجل اختصاصهم للحكم؛ ولكن من أجل الشرف وعلو القدر عند الله تعالى، وما ~~ذكرناه في كيفية استجمار الرجل في الدبر فهو في حق المرأة على سواء من غير ~~مخالفة بينهما، وأما كيفية استجمارها [في القبل] فإنه مختلف لأجل اختلاف ~~المحلين فينظر في حالها، فإن كانت بكرا وأرادت الاستجمار بالأحجار من البول ~~فإنها تمسح بالحجر تلك الثقبة ولا تتعرض لموضع البكارة؛ لأنه مسدود تحت ~~ثقبة البول وقد لا يصل إليه البول، فإن قدر وصوله إليه فإنها تمسح بالحجر ~~مسحا رفيقا موضع البكارة وإن لم تفعل ذلك فلا حرج عليها؛ لأنه يخاف من جري ~~الأحجار عليه جرحه وانفتاحه لأجل التكرار، وإن كانت ثيبا فإنها إذا قعدت ~~للبول انفتح فرجها، فإذا بالت نزل البول إلى موضع البكارة. ومدخل الذكر ~~ومخرج الولد ومخرج الحيض فيستحب لها مسح موضع البول وموضع البكارة ~~بالأحجار، وإن استيقنت أنه لم ينزل البول إلى مخرج الحيض لم يستحب لها مسحه ~~واقتصرت على مسح مخرج البول لا غير. فأما الخنثى المشكل فإنه ينظر في حاله، ~~فإن خرج البول من كلا فرجيه استحب له أن يمسحهما جميعا بالأحجار؛ لأنهما في ~~حقه كالمخرج الواحد في حق الصريح، وإن كان البول خارجا من أحدهما فالمستحب ~~مسحه دون الآخر؛ لأن المسح إنما يتعلق بالخارج، فإذا لم يخرج منه شيء فلا ~~استحباب في مسحه، فأما استجماره بالأحجار في الدبر فهو سواء هو وغيره من ~~الرجال والنساء في ذلك، وأما الاستنجاء بالماء فسنفرد له بابا على حياله ~~نذكر فيه ما يتعلق به بمعونة الله تعالى. PageV01P663 # الفرع الثامن: فإن مسح دبره بثلاثة أحجار فلم يحصل النقاء زاد رابعا، لأن ~~المستحب هو الإنقاء، لقوله عليه السلام: (( فليستطب )) وهذه إشارة إلى ~~الاجتهاد في التنقية . فإن حصل النقاء ms0354 بالرابعة استحب له أن يزيد خامسة ~~ليحصل الوتر لقوله عليه السلام : (( من إستحجر فليوتر )) ، ويستحب له أن ~~يزيد في عدد الأحجار الأوتار حتى يستيقن أنه لم يبق إلا الأثر اللاصق الذي ~~لا يخرجه إلا الماء، فمتى انتهى إلى هذه الحالة فقد زال استحباب مسحه ~~بالأحجار وتوجه بالماء كما سنوضحه، فإن حصل الإنقاء بحجرين لم يلزمه ~~استيفاء الثلاث عند أئمة العترة، وهو محكي عن مالك وداود من أهل الظاهر، ~~وقال أصحاب الشافعي: يلزمه استيفاؤها. وعن بعضهم مثل قولنا. # والحجة على ذلك: هو أن المقصود بالاستجمار إنما هو التنقية، فإذا كانت ~~حاصلة بدون الثالثة فلا حاجة إلى الثالثة؛ لأن الحجرين بالإضافة إلى ~~الكفاية كالثلاث، فكما أنه لا حاجة إلى الرابعة مع الاكتفاء بالثالثة، ~~فهكذا لا حاجة إلى الثالثة مع الاكتفاء بالحجرين والله أعلم. وإنما قلنا: ~~لم يلزمه استيفاء الثلاث من جهة أن المقصود قد حصل بالثنتين فلا حاجة إلى ~~غيرهما، وتستحب له الثالثة لأجل الوتر كما قلنا في الخامسة إذا حصلت ~~التنقية بالرابعة، ولا يمتنع استحباب الشيء من وجه، وعدم استحبابه من وجه آخر. # الفرع التاسع: في بيان حكم الاستجمار بالأحجار، وقد ذكرنا في أول هذه ~~المسألة أنه واجب مطلقا على رأي الشافعي، وأنه ليس واجبا على الإطلاق على ~~رأي أئمة العترة وأبي حنيفة، ومهدناه بالأدلة فأغنى عن الإعادة، والذي ~~نذكره هاهنا، هو ما نعرض له من الأحكام باعتبار أحواله وذلك يقع على خمسة أوجه: # أولها: أن يكون واجبا، وهذا إنما يكون في حال عدم الماء، فيتطهر المحدث ~~بالأحجار على جهة الوجوب على رأي أئمة العترة. # والحجة على ذلك: ما في خبر عائشة (رضي الله عنها): (( فليستطب بثلاثة ~~أحجار ... )) PageV01P664 وقوله في خبر أبي هريرة : (( فليستنج بثلاثة أحجار )) والأمر هاهنا دال على ~~الوجوب بقرينة، وهو أنه إذا كان عادما للماء وأراد الصلاة بعد مجيئه من ~~قضاء الحاجة فإن المأخوذ عليه التنقي من النجاسات والأقذار، ولن يكون كذلك ~~إلا بما ذكرناه من الاستجمار بالأحجار الثلاثة، فلأجل هذا حملناه على ~~الوجوب في هذه الأخبار بهذه ms0355 القرينة. # وثانيها: أن يكون مستحبا، وهذا إنما يكون مع وجود الماء معه؛ لأن في ~~الماء كفاية عن التطهير بالأحجار، لكن الأخبار وردت بالاستجمار فحملناها ~~على الاستحباب، من جهة أن مطلق الأمر دال على الطلب، وأقل ما يطلب في ~~الأوامر الشرعية أن يكون مستحبا، فلا جرم حملناه على الاستحباب. # وثالثها: أن يكون محظورا، وهذا نحو أن يستجمر بالخبز أو باللحم أو غير ~~ذلك مما يكون له حرمة عند الله تعالى، فما هذا حاله يكون محرما يأثم فاعله، ~~وإن فعله عالما بقبحه استغفر الله تعالى من الإثم الذي واقعه. # ورابعها: أن يكون مكروها، وهذا نحو الاستجمار باليمنى لما رويناه من حديث ~~عائشة، وحديث أبي قتادة في نهيه عن الاستجمار باليمين، وأقل مراتب النهي ~~المنع، وأقل المنع الكراهة إلا لقرينة. # وخامسها: أن يكون مباحا، وهذا نحو أن يحصل النقاء بالحجر الواحدة فيزيد ~~الثانية أو يحصل بالثنتين فيزيد الثالثة(1) فإن كل ما زاد على مقدار ~~التنقية فهو مباح في حقه إن شاء فعله وإن شاء تركه. فهذه هي أحكام ~~الاستجمار بالإضافة إلى ما يعرض من أحواله. PageV01P665 # الفرع العاشر: ليس المقصود من الاستجمار هو إزالة الأثر بحيث تزول عنه ~~الرائحة، وإنما المقصود هو إزالة ما تناوله الأحجار من الآثار النجسة فأما ~~زوال الرائحة فإنما يكون بالماء، والاستقصاء في الاستجمار إنما يليق بمذاهب ~~الفقهاء، لأنهم لا يوجبون الاستنجاء بالماء، فأما على رأي أئمة العترة فإن ~~الاستنجاء بالماء واجب لمن أراد الصلاة، فهو وإن وقع تقصير في الاستجمار ~~فإن الماء يزيل ما كان متبقيا من تلك الآثار ويقطع مادة تلك الروائح. # مسألة: الذي عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة من الصحابة (رضي الله عنهم) ~~والتابعين الأكثر منهم، على أن البول يكره من الإنسان قائما. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول ، (( أنه نهى أن يبول الرجل قائما ))، # وقد ذكرناه من قبل إلا من علة، وقد ذكرنا وجه الرخصة في ذلك من أجل ~~العلة، وحكي عن أبي هريرة من الصحابة، وعن الشعبي (1) وابن سيرين (2) من ~~التابعين، الترخيص في ذلك ms0356 وإن لم يكن هناك علة. PageV01P666 # والحجة لهم على ذلك: ما روي عن النبي ، (( أنه أتى سباطة(1) قوم فبال فيها ~~قائما))، # وما روي عن أمير المؤمنين أنه بال قائما، وروي عن عمر أنه فعل ذلك، فكل ~~واحد من هؤلاء قد فعله وفيه دلالة على أنه غير مكروه؛ لأنه الظاهر فيما ~~يفعل أنه على جهة الاختيار، ولا يقدم على كونه مفعولا لعلة إلا لدلالة، ولا ~~دلالة هاهنا على اعتراض مرض أو غيره من العلل في إباحة ذلك. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة وغيرهم من فقهاء الأمة ويدل عليه ما ~~قالوه، ونزيد ههنا، وهو أنه قد ورد تأكيدان من جهة الشارع، وهو ما ذكرناه ~~من نهيه عنه غير مرة، وروت عائشة قالت: (( ما بال رسول الله قائما منذ ~~أنزل عليه القرآن)). # وعن عائشة أنها قالت: من حدثك أن رسول الله بال قائما فلا تصدقه. وفي بعض ~~الأحاديث: فكذبه(2). ومن جهة أن البول قاعدا أقرب إلى ستر العورة، ولأنه ~~إذا بال قائما لا يأمن من الترشيش ببوله، فهذه الأحاديث كلها دالة على ~~المنع منه وكراهته. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم في ذلك. # قالوا: روي عن الرسول أنه أتى سباطة قوم فبال فيها قائما، فظاهر هذا ~~الحديث دال على الإباحة والإطلاق من غير عذر، فمن ادعى عذرا فيه فعليه ~~إقامة الدلالة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فإن ما ذكروه دال على الإباحة والجواز، وما رويناه من الأحاديث ~~دال على المنع والكراهة فيتعارضان، فإذا تعارضا فلا بد من الترجيح، ولا شك ~~أن خبرنا قد عمل عليه أكثر الأمة من الصحابة والتابعين، فما هذا حاله فهو ~~راجح على غيره ممن ليس له هذه الخاصة. # ومن وجه آخر: وهو أن خبرنا دال على الكراهة والمنع، وخبركم دال على ~~الجواز، والعمل على الكراهة أحوط؛ فلهذا غلبنا جانب الكراهة، كما لو تعارض ~~حديثان وأحدهما دل على الحظر. والآخر دال على الإباحة، كان جانب الحظر أحق ~~كما مر غير مرة. PageV01P667 # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا أنه لا ms0357 تعارض بينهما، فإنه يمكن الجمع بينهما، ~~وهذه طريقة مستقيمة عند النظار من الأصوليين أنه مهما أمكن الجمع بين ~~الأخبار كان أحق من الحكم بالتعارض، لأن في الجمع بين الخبرين عملا بهما ~~معا، وفي الترجيح والتعارض إهمال أحدهما والعمل على الآخر. وبيان طريقة ~~الجمع بينهما هو أن نقول: إن خبرنا كان من غير علة بل كان مطلقا، وخبركم ~~كان من أجل علة كانت من وجع كان في مأبضه(1)، فلهذا بال قائما، وإذا كان ~~الأمر كما قلناه كنا قد عملنا على الحديثين جميعا من غير إبطال لأحدهما. # قالوا: روي عن أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) وعمر أنهما بالا قائمين، ~~والصحابي إذا فعل فعلا فليس للاجتهاد فيه مدخل، فإنما يفعله عن توقيف من ~~جهة الرسول . # قلنا: إن كان احتجاجكم بعمل الصحابة لكونهم ناقلين له عن الرسول فما ~~أجبنا به عن الخبر الأول أجبنا به عن الخبر الثاني من غير مخالفة، لأن ~~مستندهما هو الرسول فجوابنا عليه ما مر، وإن كان احتجاجكم على ذلك من جهة ~~كونه عملا من جهة الصحابة (رضي الله عنهم) فعنه جوابان: # أما أولا: فنقول: الصحابي ليس حجة معتمدة، وقد قررنا هذه المسألة في ~~الكتب الأصولية. # وأما ثانيا: فنهاية الأمر أن يكون مذهبا للصحابي، ومذاهب المجتهدين لا ~~تلزم بعضهم لبعض، وإنما المعتمد ما كان من جهة صاحب الشريعة صلوات الله عليه. # قالوا: خبرنا وافق حكم العقل، وخبركم ناقل عما قضى به العقل من الإباحة، ~~فخبرنا معتضد بحكم العقل فيجب أن يكون راجحا على غيره. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن العقل إنما دل على الإباحة بشرط أن لا يرد مغير لحكمه، ~~فليس دالا على الإباحة مع وجود المغير، فكيف يكون عضدا للخبر وقوة مع أنه ~~غير دال على ما دل عليه الخبر لما قررناه من كون دلالة العقل على الإباحة ~~مشروطة بعدم المغير لها. PageV01P668 # وأما ثانيا: فخبرنا ناقل عن حكم العقل، والعمل على الناقل أحق من العمل على ~~المبقي، من جهة أن أحكام الشريعة أكثرها على الانتقال عن حكم ms0358 العقل، والعمل ~~على الغالب من عادة الشرع أحق من العمل على النادر، من جهة أن النادر لا ~~حكم له لندوره وقلته. فهذا ما أردنا ذكره من حكم الاستجمار بالأحجار وما ~~يعرض من آدابه، وبالله التوفيق. PageV01P669 # --- ### || AUTO الباب الخامس: في بيان حكم الاستنجاء بالماء # اعلم أن النجو هو جعر السبع(1)، والنجو أيضا: ما يخرج من بطن ابن آدم، ~~والاستنجاء: استفعال، وفي اشتقاقه وجهان: # أحدهما: أن يكون مأخوذا من النجو. فيقال: نجا الغائط عن نفسه ينجوه نجوا، ~~واستنجى إذا مسح موضع الغائط ومكان النجو أو غسله(2). # وثانيهما: أن يكون مأخوذا من قولهم: نجوت الشجرة إذا قطعتها، وكأن الآدمي ~~لما كان يقطع عن نفسه آثار تلك النجاسات، قيل لفعله ذلك: استنجاء، وكلا ~~الوجهين لا غبار عليه خلا أن الوجه الأول أقرب إلى ملائمة الغرض ومطابقة ~~المقصود. وقد حكي عن العتبي(3) أنه قال: إنه مأخوذ من النجوة، وهي ما ارتفع ~~من الأرض؛ لأن من أراد قضاء الحاجة استتر بها، وهذا وإن كان محتملا لكن فيه ~~بعد، ويرى عليه أثر التكلف. # مسألة: الاستنجاء هو إزالة أثر الغائط والبول بالماء، ولا خلاف في أنه ~~غير واجب لمن لم يرد الصلاة. # والحجة على ذلك: ما روت عائشة (رضي الله عنها) أن الرسول بال يوما فقام ~~عمر خلفه بكوز من ماء فقال: (( ما هذا يا عمر))؟ فقال: ماء تتوضأ به، فقال: ~~(( ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ فلو فعلت ذلك لكان سنة))(4). فدلالته على ~~سقوط الوجوب من وجهين: PageV01P670 # أما أولا: فلأنه صرح أنه لو فعله لكان سنة، وهذا يدل على أنه لو فعل لكان ~~سنة فضلا عن كونه متروكا. # وأما ثانيا: فلأنه لو كان واجبا لم يتركه فلما تركه دل على عدم وجوبه. # فأما من أراد القيام إلى الصلاة فهل يكون واجبا في حقه أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنه واجب على الرجال والنساء عند القيام للصلاة، وهذا هو ~~رأي أئمة العترة لا يختلفون فيه، القاسمية والناصرية جميعا، وهو رأي ~~الإمامين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب. ومن ms0359 الفقهاء من ذهب إليه كالحسن ~~البصري، وأبي علي الجبائي، وابن أبي ليلى، وابن عللة، ومحكي عن الحسن بن صالح. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم ~~النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}[النساء:43]. # ووجه الاستدلال من هذه الآية: هو أن الله تعالى أوجب على من جاء من ~~الغائط ألا يعدل عن الماء مع تمكنه منه وقدرته عليه، ولم يفصل في ذلك بين ~~رجل وامرأة، ولا بين خارج وخارج، ولا بين قبل ودبر، وهذا يدل على صحة ما ~~قلناه من وجوب الاستنجاء بالماء على الرجال والنساء لمن أراد الصلاة منهم ~~وهو مطلوبنا. # الحجة الثانية: ما روى أبو أيوب الأنصاري، وجابر بن عبدالله، وأنس بن ~~مالك، وهو أنه لما نزل قوله تعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب ~~المطهرين }[التوبة:108]. فقال رسول الله : (( إن الله أثنى عليكم يا معشر ~~الأنصار في الطهور فما طهوركم؟ )) فقالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من ~~الجنابة، ونستنجي بالماء. فقال: (( هو ذلكم فعليكموه )). # ووجه تقرير الحجة من هذا الخبر: هو أنهم لما ذكروا له الاستنجاء في ~~الطهارة صوبه، وقال: (( هو ذلكم فعليكموه))(1). فكان دليلا على الوجوب من وجهين: PageV01P671 # أما أولا: فلأنه أدرج الاستنجاء مع الوضوء للصلاة والغسل من الجنابة، فلما ~~كانا واجبين باتفاق فهكذا حال الاستنجاء إذ لا فارق بينها فعدم التفرقة ~~بينها فيه دلالة على شمول الوجوب لها وهذا هو مرادنا. # وأما ثانيا: فلأنه قال: (( هو ذلكم فعليكموه)). فقوله: (( فعليكموه)). ~~اسم فعل دال على الإغراء فكأنه قال: الزموه. كما يقال: عليك زيدا، أي ~~الزمه. وعلي زيدا أي أولنيه، وإذا كان متضمنا للأمر كما أشرنا إليه؛ فظاهر ~~الأمر للوجوب عند أئمة العترة فحصل من ذلك: وجوب الاستنجاء. # الحجة الثالثة: ما روي عن أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) أنه قال: إن من ~~كان قبلكم يبعرون بعرا وأنتم تثلطون ثلطا(1) فأتبعوا الحجارة الماء(2). # ووجه تقرير هذه الحجة: هو أن الطهارات لا مجال للأقيسة فيها، ولا يضطرب ~~فيها بالخطوات الوساع؛ لأجل ضيق مسالك المعاني ms0360 والاشتباه فيها، وإنما ~~مستندها يكون أمرا غيبيا. وإذا كان الأمر كما قلناه فيها فكلام أمير ~~المؤمنين فيما ذكره إنما قاله عن توقيف من جهة الرسول . لما ذكرناه من ضيق ~~مسالك الأقيسة عن الجري فيها، فلما فهم من جهة صاحب الشريعة الوجوب في غسل ~~ما هذا حاله أطلق العبارة الدالة على الوجوب وهو الأمر، إذ لو لم يكن فاهما ~~للوجوب لما جاز له إطلاق ما يوهم الوجوب من غير دلالة، فهذا تقرير ما قاله ~~أصحابنا في الدلالة على الوجوب. PageV01P672 # المذهب الثاني: أن الاستنجاء بالماء غير واجب على الرجال والنساء، وهو ~~المحكي عن ابن الزبير، وحذيفة بن اليمان، وسعد بن أبي وقاص ) من عيون ~~الصحابة (رضي الله عنهم)، فإنهم لا يرون بوجوب الماء في غسل الفرجين، ومروي ~~عن جماعة من التابعين، قال عطاء ): غسل الدبر محدث. وقال سعيد بن المسيب: ~~ما يفعل ذلك إلا النساء، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه ~~فإنهم متفقون على أن استعمال الماء غير واجب. ثم اختلف الفريقان في كيفية ~~تقرير المسألة، فذهب أبو حنيفة وأصحابه، إلى أنها نجاسة معفو عنها إذا كانت ~~غير متعدية للشرج فإن تعدته نظرت فإن زادت على قدر الدرهم وجب غسلها بالماء ~~لا غير ولا يجزيه إزالتها بالحجر، وإن لم تكن متعدية للشرج وكانت في محلها ~~كان معفوا عنها ولا يلزمه استعمال الحجر ولا الماء، ولا يجب عليه بحال، فإن ~~فعل كان على طريق PageV01P673 الاستحباب لا غير، هذا ملخص مقالة أبي حنيفة وأصحابه، وأراد بالشرج هو ~~غضون(1) المقعدة ومعاطفها وهو [من] شرج بفتح الراء والجيم، والشين منقوطة ~~من أعلاها، واشتقاقه: إما من شرج العيبة وهو عراها ينضم مرة وينفتح أخرى، ~~وإما من شرج الوادي وهو منفسحه؛ لأن رأس المقعدة ضيق، والشرج ما كان منفسحا ~~منها إلى ما يلي الإلية، وإما من الشرج وهو اشتقاق في القوس؛ لأن المقعدة ~~تنشق وتنفتح عند قضاء الحاجة. فهذه الاشتقاقات ممكنة في تسمية الشرج شرجا ~~والغرض هو ما ذكرناه. وأراد بالدرهم الذي قدر به النجاسة التي ms0361 يعفى عنها في ~~البدن والأثواب بموضع الاستنجاء فلا تجب إزالتها، فإن زادت وجب، هو الدرهم ~~الأسود البغلي، وهو درهم يكون كحافر البغل مجوف الوسط ملفوف الطرفين، ~~والغرض من هذا التقدير إنما هو المساحة في الطول والعرض دون السمك فلو علت ~~مقدار شبر أو أكثر من ذلك ولم تكن زائدة في المساحة على ما ذكرناه من قدر ~~الدرهم لم تجب إزالتها. # فأما الشافعي رضي الله عنه فقد حكى عنه المزني: أن النجاسة إذا كانت دون ~~الشرج خير بين المجفف وهو الحجر، وبين المزيل وهو الماء، وإن كانت فوق ~~الشرج فلا تزال إلا بالماء. وذكر المروزي من أصحاب الشافعي أن الذي حكاه ~~المزني عن الشافعي، لا يحفظ عنه في أي شيء من كتبه، وزعم أن الشافعي قد رد ~~على من قال بهذه المقالة، والذي يتحصل من مذهب الشافعي (رحمه الله) أن له ~~في المسألة قولين: # فالقول الأول: أنه مخير بين المجفف والمزيل إذا كانت النجاسة حاصلة في ~~باطن الإليتين ولم تنتشر إلى خارجهما، فإن انتشرت إلى ظاهرهما فلا يجزئ إلا ~~غسلهما بالماء. PageV01P674 # القول الثاني: أن المرجع بذلك إلى ما يتعارف الناس من ذلك ويعتادونه، فإن ~~تجاوز ذلك وبلغ النادر لزمه غسله سواء لطخ الإليتين أم لم يلطخهما، وإن كان ~~الخارج من الدبر قيحا أو صديدا أو دما، فإن ذلك كله غير معتاد، اجزأه ~~الاستنجاء بالأحجار ولم يلزمه الغسل بالماء، والأول هو المعمول عليه على ~~رأي الشافعي فهذا تقرير مقالة الفقهاء فيما يجب غسله بالماء وما لا يجب. # والحجة لهم على ما قالوه: ما روي عن النبي أنه قال: (( ثلاثة أحجار ~~ينقين المؤمن )). وقوله : (( فليستنج بثلاثة أحجار)). # ووجه الاستدلال بذلك: هو أن الرسول ، إنما أرشد في الاستنجاء إلى الأحجار ~~ولم يذكر الماء، وهذا فيه دلالة على عدم وجوبه وأنه إنما يفعل على جهة ~~الاستحباب، لما روى أبوهريرة قال: نزلت هذه الآية، وهو قوله تعالى: {رجال ~~يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين }[التوبة:108]. إلى سائر التقدير الذي ~~ذكره أصحابنا دلالة على الوجوب، فجعلوه دلالة ms0362 على الاستحباب لأجل ما ورد ~~عنهم من الثناء بسببه وهو أقوى ما يؤخذ للفقهاء في الاحتجاج على بطلان وجوب ~~الاستنجاء بالماء، وسنورد ما يحتجون به في الانتصار. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة، من القول ~~بوجوبه لما ذكروه، ونزيد ههنا حججا ثلاثا: # الحجة الأولى: ما روى زيد بن علي، عن: آبائه، عن أمير المؤمنين كرم الله ~~وجهه عن: الرسول ، أنه جاءته امرأة فسألته: هل يجزئ امرأة أن تستنجي بشيء ~~سوى الماء؟ فقال: (( لا. إلا ألا تجد الماء ))(1). # ووجه الدلالة من هذا الخبر: من جهتين: PageV01P675 # الأولى منهما: أنها سألته بلفظ الإجزاء وقررها عليه وأجابها بما يوافقه، ~~ولفظ الإجزاء إنما يستعمل في الواجب ولهذا يقال: هل تجزئ صلاة الظهر مجموعة ~~إلى العصر أم لا؟ ولا يقال ذلك في النفل فلا يقال: هل تجزي صلاة الضحى أم ~~لا؟ لأن الإجزاء هو ما يخرج به عن عهدة الأمر فلا يتأتى إلا في الواجب، ~~وهذا يبطل كلام أبي حنيفة رحمه الله تعالى حيث قال: إن الاستنجاء بالماء ~~والحجر لا يجبان. # الثانية: أنه قال: (( لا. إلا ألا تجد الماء )). فمنع من استعمال غير ~~الماء مع وجود الماء، وفي هذا دلالة على أن الحجر لا يقوم مقامه لمن أراد ~~الصلاة وهذا هو مطلوبنا، ويبطل ما ذكرنا مذهب الشافعي حيث قال بوجوب ~~الأحجار دون الماء، من جهة أنه لم يجعل الحجر بدلا عن الماء إلا عند عدم الماء. # الحجة الثانية: ما روي عن عائشة (رضي الله عنها) أنها قالت لنساء ~~الأنصار: (( مرن أزواجكن أن يغسلوا أثر الغائط والبول فإن رسول الله كان ~~يفعله وأنا استحييهم))(1). PageV01P676 # ووجه الاستدلال من هذه الحجة: هو أن الأمر ظاهره الوجوب عند أئمة العترة ~~إلا لدلالة تخصه، والصحابي إذا أطلق فقال: مروا، فليس يطلق ذلك إلا لأنه قد ~~فهم الوجوب من صاحب الشريعة (صلوات الله عليه)، لأن إطلاقه لما يوهم الوجوب ~~فيما ليس واجبا يكون تلبيسا وجناية، فدل إطلاقها للأمر على فهم الوجوب لا ~~محالة، وفي هذا حصول غرضنا، ms0363 ويؤيد ما ذكرناه من فهمها للوجوب هو أنها قد ~~أبانت مستندها في إطلاق لفظ الأمر؛ وهو قولها: إن رسول الله كان يفعله، ~~لما فهمت الوجوب من الفعل بقرينة قد علمتها، هذا إذا قلنا: بأن مطلق الفعل ~~في حقه ليس دالا على الوجوب، فقد علمت بالقرينة وجوبه بفعله ولهذا أطلقت ~~الأمر، وذلك لا يحسن إلا عند فهم الوجوب كما قررناه. # الحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أنا نقول: نجاسة يمكن إزالتها بالماء ~~على من قام إلى الصلاة من غير مشقة تلحق بذلك فكانت إزالتها واجبة كما إذا ~~تعدت الشرج على رأي الشافعي، وكما لو زادت على قدر الدرهم على رأي أبي ~~حنيفة، ثم نقول: طهارة تعلق بالخارج من السبيل فوجب تعليقها بقليل الخارج ~~وكثيره كالطهارة من الحدث، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه؛ هو أن الخارج يوجب حكمين: # أحدهما: غسل الموضع من النجاسة. # وثانيهما: الطهارة من الأحداث، ثم إنا قد اتفقنا على أن الطهارة من الحدث ~~تجب من القليل والكثير، وهكذا غسل الموضع يجب أن يكون معلقا بالقليل ~~والكثير من غير فرق. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: (( ثلاثة أحجار ينقين المؤمن )). فذكر ~~الأحجار ولم يذكر الماء فدل على أنه غير واجب. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV01P677 # أما أولا: فلأنه إنما عرف بما ذكره ما يتعلق بأدب الاستجمار بالأحجار ولم ~~يتعرض للاستنجاء بالماء بنفي ولا إثبات، فلا دلالة لكم على ذلك، وليس يلزم ~~إذا ذكر شيئا بحكم أن يذكر ما لا تعلق للواقعة به، فقصده بيان الاستجمار لا ~~بيان الاستنجاء، فأحدهما مخالف للآخر. # وأما ثانيا: فلأن نفي وجوب الاستنجاء بالماء عند ذكر الاستجمار بالأحجار، ~~إنما يكون تعويلا على المفهوم، وقد قال بإبطال مفهوم اللقب كل محصل من ~~الأصوليين وهذا منه، فمن أين أنه إذا شرع الاستجمار بالأحجار يبطل حكم وجوب ~~الماء؟ فلا يؤخذ حكم هذا من هذا لعدم التعلق بينهما. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: (( فليستنج بثلاثة أحجار)). وهذا أمر، ~~وظاهر الأمر للوجوب إلا لدلالة خاصة. ms0364 # قلنا: ليس في هذا إلا أنه أمر بالاستجمار بالحجر، فمن أين أنه يدل على ~~عدم إيجاب الماء؟ وليس في الحديث تعرض لذكر الماء، اللهم إلا أن يقال: إن ~~دلالته عليه من جهة مفهومه، وقد مر الكلام عليه فأغنى عن الإعادة. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: (( عشر من سنن المرسلين)). وذكر فيها ~~الاستنجاء(1)، وهذا يدل على كونه سنة وليس واجبا؛ لأن إطلاق السنة فيما ~~يكون الأفضل فعله ويجوز تركه، ولو كان واجبا لما جاز تركه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن تسميته بكونه سنة لا يمنع كونه واجبا؛ لأن المسنون ما ~~تكرر فعله، والواجب يتكرر فعله ولا يجوز الإخلال به، فهو مسنون وزيادة. # وأما ثانيا: فقد يجوز إطلاق المسنون على الواجب، ولهذا ذكر من جملتها ~~الختان، وهو واجب في حق الرجال والنساء، ولهذا فإنه يقال: سن رسول الله ~~فيما سقت السماء العشر، على أنا نقول: المراد بالأمر الاستجمار بالأحجار ~~عند عدم الماء فإنه واجب كما مر بيانه. PageV01P678 # قالوا: إنما توجبون الاستنجاء لأجل الصلاة لكونه عضوا من أعضاء الوضوء، ~~والله تعالى يقول في آية الوضوء: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين}[المائدة:6]. فذكر الأعضاء ولم يذكر الاستنجاء، وهذا فيه دلالة على ~~أنه غير واجب ولا عضو من أعضاء الطهارة. # قلنا: عما ذكروه جوابان: # أما أولا: فلأن كونهما عضوين من أعضاء الطهارة، سنوضحه بكلام يخصه ونذكر ~~ما هو الأولى بمعونة الله تعالى. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا كونهما ليسا بعضوين من أعضاء الطهارة، فإيجاب ~~غسلهما إنما كان من أجل النجاسة التي هي لاحقة بهما، ثم نقول: قد يجب في ~~الوضوء مالم تدل عليه الآية كغسل اللحية، ومسح الأذنين، والمضمضة ~~والاستنشاق، فليس يلزم إذا لم يذكر في الآية ألا يكون واجبا بدليل غير ~~الآية فبطل ما توهموه. # قالوا: نجاسة يسن الاحتراز منها فلم تجب إزالتها كالدم اليسير. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنا لا نسلم نجاسته، بل هو طاهر فلا ms0365 يمكن القياس عليه بجامع ~~النجاسة فقد مر ما فيه فلا نعيده. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا نجاسته، فإنه إنما يعفى عنه لما فيه من المشقة ~~بالاحتراز عنه وكثرة البلوى به، بخلاف الاستنجاء فافترقا. # مسألة: في التفريع: # الفرع الأول: وإذا تقرر وجوب غسلهما بالأدلة النقلية التي ذكرناها، فهل ~~يجب غسلهما لكونهما نجسين، أو لأنهما عضوان من أعضاء الطهارة؟ فيه مذهبان: PageV01P679 # المذهب الأول: أن وجوب غسلهما إنما كان لأنهما عضوان من أعضاء الطهارة ~~كالوجه، وهذا هو رأي الهادي وأولاده، ولا أعرف أحدا قبل الهادي قال بهذه ~~المقالة(1). # والحجة على ذلك: قوله للأنصار: (( يا معشر الأنصار إن الله أثنى عليكم ~~في الطهور فما طهوركم ))؟ قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجي ~~بالماء. فقال: (( هو ذاكم فعليكموه )). # ووجه الاستدلال بما ذكرناه: هو أن اسم الطهور واقع على هذه الأعضاء كلها، ~~ومن جملتها الاستنجاء بالماء، فلما كان الوجه واليدان والرجلان من أعضاء ~~الوضوء وجب في الاستنجاء مثله، ويؤيد هذا التقرير هو أنه عليه السلام لما ~~قال: (( ما طهوركم ))؟ فسروه بما قالوه وجعلوا من جملته الاستنجاء، ثم حثهم ~~على فعله بقوله: (( هو ذاكم فعليكموه )) على جهة الإغراء لهم على فعله ~~والاهتمام به والحث عليه، وهذا يوضح كونه من أعضاء الوضوء. # الحجة الثانية: قياسية، وحاصلها أنا نقول(2): عضوان يؤديان بالماء فيجب ~~أن يكونا من أعضاء الوضوء كالوجه واليدين، أونقول: عضوان لا تكون الصلاة ~~مجزية من دون غسلهما مع التمكن، فيجب كونهما من أعضاء الوضوء كاليدين ~~والرجلين. # المذهب الثاني: وهو أن وجوب غسلهما إنما كان من أجل إزالة النجاسة لا من ~~جهة كونهما عضوين من أعضاء الطهارة، وهذا هو رأي المؤيد بالله وهو رأي أكثر ~~العترة. PageV01P680 # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {والرجز فاهجر}[المدثر:5]. والرجز: هو النجس. ~~فإذا كان مأمورا بهجران الرجز مطلقا فأمره بهجره عند الصلاة يكون أحق وأولى ~~من جهة أن المصلي مأمور بأن يكون على أحسن هيئة وأبعد عن القاذورات، وهكذا ~~حديث عائشة وهو قولها: مرن أزواجكن أن يغسلوا أثر الغائط والبول. فقد فهمت ~~الوجوب من ms0366 جهة الرسول ، ولهذا أطلقت الأمر، وكل ما ذكرناه دلالة على وجوب ~~غسلهما من أجل ما يلحقهما من النجاسة. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله وعليه أكثر العلماء وهو أنهما ليسا من ~~أعضاء الوضوء. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين}[المائدة:6]..الآية. # ووجه تقرير الحجة من هذه الآية: هو أن الله تعالى ذكر فيها أعضاء الوضوء ~~وبينها، ولم يذكر من جملتها غسل الفرجين، فلو كانا من جملتها لذكرهما فيها ~~لأنه في موضع التعليم، والخلاف بين الأصوليين وإن وقع في جواز تأخير البيان ~~عن وقت الخطاب، هل يجوز أو لا يجوز، فلم يقع بينهم خلاف في استحالة تأخير ~~البيان عن وقت الحاجة، ولا يجوز تأخير ذلك إلا على رأي من جوز تكليف ما لا ~~يعلم، من الأشعرية، وقد قررناه في الكتب الأصولية. # الحجة الثانية: قوله عليه السلام لمن أمره بالوضوء: (( توض كما أمرك الله ~~فاغسل وجهك ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك)). ولم يذكر له غسل الفرجين عند ~~تعليمه، فلو كانا واجبين لوجب أن لا يؤخر ذكرهما هاهنا. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم في كونهما من أعضاء الوضوء، ~~فأما وجوب غسلهما من أجل النجاسة فقد قررناه من قبل فأغنى عن التكرير. PageV01P681 # قالوا: إن الله تعالى أثنى على الأنصار لما قالوا له(1) إنهم يستنجون، ~~وجعله من جملة الذي هو عبارة عن غسل الأعضاء فلهذا كان من جملتها كما مر. # قلنا: ظاهر الحديث إنما دل على إيجاب غلسلهما ولم يدل على كونهما من ~~أعضاء الطهارة(2) وهذا لا نزاع فيه، إنما النزاع في أنهما عضوان من أعضاء ~~الوضوء وليس في الخبر ما يشعر بذلك. # قالوا: قد سماه طهورا، والطهور عبارة عما يجب غسله فيجب كونهما من أعضاء ~~الوضوء لما كان غسلهما واجبا. # قلنا: أما وجوب غسلهما فقد سلمناه ولكن من أين أنه إذا وجب غسلهما أنهما ~~من أعضاء الوضوء؟ ولم يقع النزاع إلا فيه، ولم لا يكونان مثل النجاسة على ms0367 ~~الأبدان والأثواب فإنه يجب غسلها ولا تكون معدودة في أعضاء الوضوء. على أنه ~~إذا كان مرادكم بكونهما من أعضاء الوضوء، وجوب غسلهما فقد ارتفع النزاع ~~المعنوي، فإنا نريد بكونهما عضوين من أعضاء الطهارة أنهما محلان للنية، ~~فإذا كانا غير محلين للنية فقد سلم المقصود. # قالوا: عضوان من أعضاء الطهارة يؤديان بالماء فكانا من أعضاء الوضوء ~~كالوجه واليدين. # قلنا: المعنى في الأصل كونهما تضمنتهما الآية فكانا من أعضاء الوضوء(3)، ~~بخلاف غسل الفرجين فلم يكونا في الآية، هذا من جهة الفرق، ثم نعارض ونقول: ~~شرطان من شروط الطهارة فلا يكونان من أعضاء الوضوء كطهارة الثوب والمكان. # قالوا: عضوان فلا تكون الصلاة مجزية من دون غسلهما كاليدين. PageV01P682 # قلنا: المعنى في الأصل هو أن غسلهما يفتقر إلى النية في الأصل، فلهذا كانا ~~من أعضاء الوضوء بخلاف غسل الفرجين فإنه لا يفتقر إلى النية، فلهذا لم يعدا ~~من أعضاء الوضوء، ثم نعارض ونقول: عضوان يغسلان للصلاة من أجل نجاستهما فلا ~~يكونان من أعضائه كما لو وقعت نجاسة على الظهر والبطن، فصح بما ذكرناه أن ~~وجوب غسلهما إنما كان من أجل ما يتصل بهما من النجاسة لا أنهما معدودان في ~~أعضاء الطهارة. والله أعلم. # الفرع الثاني: إعلم أن ثمرة الخلاف بين من عدهما من أعضاء الوضوء وبين من ~~لم يعدهما منها ظاهرة، وهو أنهما إذا كانا عضوين من أعضاء الطهارة فالنية ~~تكون واقعة عند غسلهما للوضوء بعد غسلهما للنجاسة وتطهيرهما منها على رأي ~~الهادي؛ لأن عنده لابد فيهما من غسلتين: الأولى منهما لتطهيرهما من ~~النجاسة؛ لأنهما محل الحدث، والثانية لكونهما عضوين من أعضاء الوضوء، ~~فالأولى تخالف الثانية عنده من جهة أن الأولى تحصيل شرط وهو الطهارة، ~~والثانية عبادة لأنه أول عضو من أعضاء الوضوء فلهذا افتقر إلى النية، وغسل ~~النجاسة ليس عبادة فلهذا لم يفتقر إلى النية، وعلى رأي المؤيد بالله ليسا ~~محلا للنية، وإنما محل النية هو غسل الوجه عنده فهما عنده في وجوب الغسل ~~للطهارة كغسل الثوب والبدن، فهذه فائدة. # الفائدة الثانية في التفرقة ms0368 بين المذهبين: هو أن من توضأ ثم انتقض وضوؤه ~~بأمر ليس خارجا من السبيلين مثل قيء أورعاف أو غير ذلك فإنه على رأي من ~~يقول: إنهما من أعضاء الوضوء، فلابد من غسلهما وإن لم تكن هناك فيهما ~~نجاسة؛ لأنهما عضوان من أعضاء الطهارة كالوجه واليدين، فأما على رأي من لا ~~يجعلهما من أعضاء الطهارة فإنه لا يلزم غسلهما؛ لأنهما في أنفسهما طاهران. PageV01P683 # الفائدة الثالثة: إذا وقع عليهما جرح فلم يمكن غسلهما ثم إنه غسل باقي ~~الأعضاء للصلاة، فإنه على رأي الهادي، يكون ناقص الوضوء، من جهة أنه تارك ~~لبعض أعضائه للعذر كما لو ترك الوجه واليدين، فأما على رأي المؤيد بالله ~~فإنه يكون ناقص الطهارة لا غير، والوضوء في حقه قد كمل بغسل سائر الأعضاء ~~كما لو كان الجرح على بطنه أو ظهره. # الفائدة الرابعة: إذا كان الفرجان طاهرين ثم انتقض الوضوء بناقض غير خارج ~~منهما واتفق أنه ليس معه إلا ما يكفي عضوين من أعضاء الوضوء من الماء فإنه ~~على رأي المؤيد بالله يغسل به الوجه واليدين، ويكون على هذا متوضيا إذ لا ~~وجه للتيمم مع كمال عضويه بالغسل، ولا يحتاج إلى غسل الفرجين لأنهما طاهران ~~من النجاسة، وليسا من أعضاء الوضوء. وأما على رأي الهادي، فإنه يغسل به ~~الفرجين لا غير؛ لأنهما من أعضاء الوضوء فلابد من غسلهما، ثم إنه ييمم ~~الوجه واليدين ويكون على هذا متيمما لكمال عضوي التيمم في حقه مسحا ~~بالتراب. # الفائدة الخامسة: إذا انتقض وضوؤه بخارج من السبيلين ثم إنه توضأ قبل ~~غسلهما وأيقن أنه لا خارج منهما، فإنه على رأي الهادي لا يصح وضوؤه، وإن ~~تحقق أنه لا خارج منهما لبطلان الترتيب في أعضاء الوضوء وهو مراعى على ~~الوجوب في حق المتوضئ كما سنوضحه، وأما على رأي المؤيد بالله فإن وضوءه ~~صحيح إذا تيقن أنه لا خارج منهما عند غسلهما؛ لأنهما ليسا عنده من أعضاء ~~الوضوء، وإنما هما يغسلان للنجاسة لا غير، فلا ترتيب بينهما وبين سائر ~~أعضاء الوضوء إذ ليسا منها كما ms0369 لوكانت النجاسة على ظهره أو بطنه، فإنه سواء ~~غسلها قبل الوضوء أوبعده، فإن وضوءه صحيح من غير مراعاة ترتيب بينهما. فهذه ~~الفوائد الخمس كلها تأتي للتفرقة بين مذهبي الإمامين: الهادي والمؤيد بالله ~~في غسل الفرجين، هل يعدان من أعضاء الوضوء أو لا يعدان كما قررناه، والله ~~أعلم بالصواب. PageV01P684 # الفرع الثالث: في بيان ما يستنجى منه، وهو كل نجاسة خارجة من السبيلين ~~معتادا كان أو غير معتاد. فهذه قيود ثلاثة لابد من بيانها: # القيد الأول منها: أن يكون خارجا من السبيلين، فيجب على من أراد الصلاة ~~أن يستنجي بالماء من الغائط والبول والمني، ويجب على المرأة أن تستنجي من ~~ذلك كله لاستوائهما فيما ذكرناه ويجب عليها أن تستنجي من الحيض، فأما دم ~~الاستحاضة فلا فائدة في الاستنجاء منه في حقها لدوامه واستمراره. # فإن أولج الرجل ذكره في قبل المرأة ثم نزعه من غير إمناء ولا صب الماء، ~~فهل يجب عليه الاستنجاء أم لا؟ فعلى رأي الهادي يجب عليه غسلهما جميعا؛ ~~لأنهما عنده من أعضاء الوضوء، وحين أولج وجب الغسل وبطلت الطهارة الصغرى؛ ~~لأنه يتعدى الحكم ببقاء الوضوء لو كان الرجل متوضيا مع الحكم عليه بوجوب ~~الاغتسال، فلهذا وجب عليه الاستنجاء على رأيه لما ذكرناه. وأما على رأي ~~المؤيد بالله فالغسل وإن وجب عليه لأجل الإيلاج لكن الاستنجاء إنما يتوجه ~~على قوله، لأجل النجاسة ولا نجاسة هناك، فلهذا توجه عليه الوضوء والاغتسال ~~من غير استنجاء. # وهل يكون الاستنجاء من الريح واجبا أو غير واجب؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكون واجبا، وهذا هو الذي ذكره القاسم بن إبراهيم في ~~كتاب الطهارة، وهو الذي أشار إليه الهادي في المنتخب، وهو محكي عن محمد بن ~~يحيى عليه السلام، وأبي العباس. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط }[المائدة:6]. # ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى أوجب على الجائي من الغائط ~~التطهر والاستنجاء، ولا شك أن الاستنجاء إزالة النجو، ولم يفصل بين نجو ~~ونجو، وفي هذا دلالة على إزالة الآثار ms0370 من مواضع النجاسة، وهذا هو مرادنا ~~بوجوب الاستنجاء من الريح؛ لأنها من جملة ما يخرج من الدبر. PageV01P685 # الحجة الثانية: قياسية، وهو أنها عين خارجة من الدبر مجاورة للنجاسة، فيجب ~~تطهير الموضع منها كما إذا خرج من ذلك ما يظهر أثره. # المذهب الثاني: أن الاستنجاء منها غير واجب، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة ~~العترة، وهو رواية محمد بن منصور، عن القاسم، والأصح من قول الهادي، وهو ~~محكي عن الصادق، والباقر، وأحمد بن عيسى )، والناصر، وأبي عبدالله الداعي، ~~واختيار الإمامين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب، ومحكي عن الإمام المنصور ~~بالله، وهو رأي علماء الأمة أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالك. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول ، أنه قال: (( ليس منا من استنجى من ~~الريح )). والغرض بقوله: (( ليس منا )). أي ليس من عملنا وشأننا، وليس ~~الغرض أنه على البرائة منه، ولكنه بالغ في نفي وجوبه كما ذكرناه. # الحجة الثانية: قياسية وحاصلها، هو أن الريح طاهرة في الأصل وما يجاورها ~~من النجاسة لا حكم له ويعفى عنه؛ لأنه لا يعلم له أثر ولا بلة تلحقها فلزم ~~منها تطهير المحل كما في غيرها مما فيه بلة ورطوبة. # والمختار: ما قاله الأكثر من أئمة العترة وعلماء الأمة من أنه غير واجب. PageV01P686 # والحجة عليه: ما نقلناه عنهم؛ ونزيد ههنا وهو أنا لو قضينا بوجوب تطهير ~~المحل عن الريح لكان يلزم أن تطهيره إنما كان من أجل اتصال النجاسة به، ~~فكان يلزم على هذا أن يكون ما جاورته من الأثواب نجسا كما كان في المحل ~~فيلزم غسله وهذا لا قائل به، فيجب القضاء عليها بالتطهير كما قلناه. # الانتصار: يكون بأن ما اعتمدوه غير لازم ولا يدل على نجاسة. # قالوا: الآية في قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط}. دالة على وجوب ~~التطهير على من جاء من الغائط وخرج منه شيء، ولا فصل بين خارج وخارج. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه ليس في ظاهر الآية لفظة عموم فتكون دالة على ما ذكرتموه، ~~وإنما ظاهرها ms0371 دال على وجوب الطهارة عقيب الجنابة، ودالة على أن من لا يجد ~~الماء مع مجيئه من الغائط أو لامس النساء، وجب عليه التيمم عند عدم الماء، ~~وليس فيها دلالة على وجوب الاستنجاء من الريح ولا تعرض لذكره. # وأما ثانيا: فلأن المقصود من سياق الآية، إنما هو إيجاب الطهارة على كل ~~من أحدث حدثا كبيرا أو صغيرا، إذا قام إلى الصلاة أن يتطهر من الحدث، ~~والريح لا زيادة فيها على نقض الوضوء؛ لأن النقض يتعلق بالخارج فمن أين أنه ~~إذا دل على تعلق نقض الطهارة يلزم تطهير محله ولا نجاسة فيه؟ فما قالوه ~~تحكم لا دليل عليه. # قولهم في الاستدلال: لم يفصل بين خارج وخارج. # قلنا: في نقض الوضوء أو في تطهير محله؟ # فالأول: مسلم ولا ينفعكم تسليمه في تقرير ما ذكرتم. # والثاني: ممنوع وهو نفس المسألة فأقيموا دلالة عليه. # قالوا: ولأنها عين خارجة من السبيلين تجاورها النجاسة كما لوظهر أثرها ~~وكانت مدركة بالحس. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلا نسلم أن هناك بلة توجب التطهير لما قررناه من قبل في ~~الاستدلال من أنه لو كان فيها بلة لوجب تنجيس الأثواب ولا قائل به. PageV01P687 # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا أن فيها بلة لكن اغتفر الشرع حكم هذه البلة ~~لعموم البلوى بها كما اغتفر عندكم ما تحمله الريح وما يحمله الذباب، بل ~~هاهنا أحق لما يظهر في الأحداث من الرخص على رأي أكثر العلماء كما قدمنا ~~الخلاف فيه. # قالوا: بقاء الريح فيه دلالة على بقاء الأجزاء الحالة فيها، ولم تكن ~~الريح من أجل اتصالها بالنجاسة، فيجب إذهاب الرائحة بالماء حتى تذهب تلك ~~الأجزاء على جهة التبع. # قلنا: فأوجبوا غسل الأثواب؛ لأنها متصلة، وغسل ما يتصل به من الإليتين، ~~من جهة أن السراويل والقميص وغيرهما من الأثواب متصل بها وهذا خلاف الإجماع ~~ولا قائل به. # قالوا: أدلتنا دالة على الحظر وما ذكرتموه من الخبر والقياس دال على ~~الإباحة، وقد تعارضا وتدافعا فيجب ترجيح أدلتنا لكونها حاظرة من جهة أن ~~الحظر أحوط للدين، ms0372 وأقرب إلى ملازمة التقوى، وقد قال عليه السلام: (( ~~المؤمنون وقافون عند الشبهات)). # قلنا: الخبر الذي روينا أصرح بنفي الاستنجاء من الريح من إثبات الآية له، ~~فإن خبرنا لا يحتمل تأويلا لتصريحه بالغرض، بخلاف الآية فإنه لا ظاهر لها ~~فضلا عن كونها صريحة بالمطلوب، ومن جهة التعارض إنما يكون بين الآية والخبر ~~إذا كان في الريح نجاسة يجب غسلها بالاستنجاء والخبر دال على نفي ~~الاستنجاء، فيتعارضان لتنافي موجبيهما، ولكنا أوضحنا في الدلالة أنه لا ~~نجاسة فيهما يجب لأجلها الغسل، فإذا لا تعارض، وإذا كان لا تعارض فلا ترجيح. # قالوا: إنما قلنا بوجوب غسلهما لما كانا عضوين من أعضاء الطهارة كما هو ~~رأي الهادي، ومحمد بن يحيى، وأبي العباس، وإحدى الروايتين عن القاسم، فيجب ~~غسلهما لما ذكرناه. PageV01P688 # قلنا: لوسلمنا لكم كونهما عضوين من أعضاء الطهارة لم نخالفكم في وجوب ~~غسلهما بحال، وإن سلمتم أنهما ليسا عضوين من أعضاء الوضوء فلا وجه لإيجاب ~~غسلهما على هذه المقالة، فإذا لا نزاع هناك قائم من جهة المعنى مع التفصيل ~~الذي ذكرناه، لكنا قد رمزنا إلى بطلان كونهما عضوين من أعضاء الوضوء فإذا ~~لا وجه لوجوب غسلهما، ولهذا فإننا لا ننازع الفقهاء في وجوب غسل الفرجين، ~~هل كان للنجاسة أوكان لأنهما عضوان من أعضاء الوضوء، لما كان هذا متفرعا ~~على حد القول بوجوب غسلهما وهم قد منعوه، وقد رددنا عليهم المقالة وأظهرنا ~~الوجه المختار والحمدلله، فبطل القضاء بوجوبهما لعدم الدلالة عليه، لا من ~~جهة المنطوق بأمر ولا ظاهر عموم ولا من المعقول مخيل ولا شبه. # مسألة: إذا(1) بطل وجوب غسلهما فهل يستحب تطهيرهما أم لا؟ والظاهر من ~~كلام أكثر الأئمة: استحباب تطهيرهما عن الريح الخارجة من الدبر. # والحجة على ذلك: هو أن الوجوب وإن كان ساقطا بالأدلة التي ذكرناها، ~~فالاستحباب باق فلهذا قضوا بالاستحباب، وهل يكون الاستحباب هو الغسل أو ~~المسح؟ فحكى الشيخ أبوجعفر عن أكثر أئمة العترة استحباب الغسل للمقعدة عن ~~الريح؛ لأن غسل ما تحقق من النجاسات واجب للصلاة، وهكذا يكون ما ظن من ms0373 ~~النجاسات يستحب غسله أيضا، وحكي عن القاسم: أن مسح الموضع بالماء يجزيه؛ ~~لأن النجاسة فيه غير متحققة فلهذا كان المسح كافيا، وحكى عنه محمد بن منصور ~~أنه قال: من لقيت من أهلنا كانوا يستنجون من الريح تنظيفا لا وجوبا. فهذا ~~تصريح بالاستحباب، وليس فيه تصريح على أن الوضيفة في التنظيف هل تكون مسحا ~~أو غسلا؟ # والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، وهو أن مسح المقعدة أو غسلها من خروج ~~الريح ليس واجبا ولا مستحبا بل يكون مكروها، وتدل على ذلك حجتان: PageV01P689 # الحجة الأولى منهما: قوله : (( ليس منا من استنجى من الريح ))(1). فظاهر ~~هذا الخبر دال على الحظر؛ لأن ظاهره التبرؤ ممن فعل هذا الفعل، كقوله : (( ~~ليس منا من غش )). وقوله: (( ليس منا من خان مسلما أوغره )). وقوله عليه ~~السلام: (( ليس منا من خبث امرأة على زوجها ولا عبدا على سيده)). لكنا ~~عدلنا عن كونه دالا على الحظر لدلالة، وهو أن الإجماع منعقد على أن كل من ~~مسح دبره من أثر الريح فإنه لا يستحق ذما ولا يكون فاعلا لفعل محظور، وإذا ~~لم يكن دالا على الحظر فلا أقل من الكراهة؛ لأنه قد تقرر كونه ممنوعا وأدنى ~~درجات المنع هو الكراهة، فلأجل ذلك قضينا بكونه مكروها. # الحجة الثانية: هو أن الوجوب والندب حكمان شرعيان فلابد لهما من دلالة ~~ولا دلالة له هاهنا تدل على وجوبه ولا على ندبه، وإنما قضينا بكونه مكروها؛ ~~لأنه نفي في ظاهر الخبر أنه ليس من عمله وشأنه، وأدنى ذلك: الكراهة. والعجب ~~ممن قال من أئمة العترة بوجوبه أو ندبه مع ما في الخبر من التعرض للوعيد ~~على فعله بقوله: (( ليس منا )) وما هذا حاله مما يتعرض فيه للوعيد فلا أقل ~~من كونه مكروها، إذا لم يكن محظورا. PageV01P690 # القيد الثاني: أن يكون الخارج معتادا أوغير معتاد إذا كان ملوثا بالنجاسة، ~~فلا فرق في ذلك بين أن يكون الخارج مما ألف أو يكون غير مألوف كالدم وغيره ~~من أنواع النجاسات الخارجة من المعدة، فإن الإيجاب في الاستنجاء واقع ms0374 فيها ~~لكل من أراد الصلاة، فإن خرج من المقعدة دود أوحصاة أونواة نظرت، فإن كان ~~ملوثا بالنجاسة وجب الاستنجاء بالماء؛ لأنها متصلة بها فأشبهت ما لو كانت ~~خالصة، وإن لم تكن ملوثة بالنجاسة فهل يجب الاستنجاء بالماء أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يجب عملا على الغالب؛ لأنه لا يخلو عن نجاسة وإن قلت، فلهذا ~~كان الوجوب شاملا. # وثانيهما: أنه لا يجب؛ لأن الوجوب إنما كان من أجل النجاسة وقد فرضنا أنه ~~لا نجاسة فيها. # والمختار: هو الأول؛ لأن الغالب هو المعول عليه ولا حكم لما يكون على جهة ~~الندرة والقلة. # القيد الثالث: أن يكون المخرج معتادا، وهو أن يكون من الإحليل والدبر فإن ~~انفتحت ثقبة نظرت، فإن كانت في أسفل السرة كان في معنى الدبر من جهة أن فم ~~المعدة يكون من أسفل السرة فلهذا وجب الاستنجاء بالماء لما كان في معناها، ~~وإن كان الفتح من فوق السرة كان جرحا ولم يكن في معنى المخرج المعتاد، ~~وسواء كان المسلك المعتاد منفتحا أو منسدا، فإن فيه هذا التفصيل الذي ~~ذكرناه في وجوب الاستنجاء منه. # نعم.. هل يكون ناقضا للطهارة إذا خرج من غير المخرج المعتاد أو انسد ~~المسلك المعتاد؟ فيه تردد بين الفقهاء وتفصيل، نوضحه في نواقض الوضوء ~~بمعونة الله تعالى. فهذا تفصيل ما اشتمل عليه هذا الفرع في بيان ما يستنجى منه. # الفرع الرابع: في بيان ما يستنجى به، وهو الماء الطاهر المطهر. PageV01P691 # فقولنا: الماء. نحترز به عن سائر المائعات كاللبن والخل وماء الورد، فكما ~~أنها غير رافعة للحدث(1) فلا تكون مزيلة للنجاسة وقد مر تقريره فأغنى عن ~~الإعادة، خلافا لأبي حنيفة حيث قال: تجوز إزالتها للنجاسة لأنها قالعة ~~ورافعة. # وقولنا: الطاهر. نحترز به عن الماء النجس فإنه لا تزال به النجاسة؛ لأنه ~~نجس فكيف يكون مزيلا لها؟ # وقولنا: المطهر لغيره. نحترز به عما كان مستعملا من الأمواء، فإنه مختلف ~~فيه كما قدمناه في إزالة الحدث به. فمن قال من العلماء من أئمة العترة ~~وغيرهم بكونه رافعا للحدث قال ms0375 بأنه مزيل للنجس، كالمؤيد بالله وغيره من ~~الفقهاء، ومن قال بأنه غير مزيل للحدث فإنه لا يكون رافعا لحكم النجاسة. # والسبيلان في وجوب الاستنجاء بالماء على سواء من غير تفرقة بينهما، من ~~جهة أن النجاسة متصلة بهما جميعا فلهذا توجه غسلهما، فيجب على من أراد ~~الاستنجاء للصلاة أن يغسل حلقة الدبر من خروج العذرة حتى تذهب جميع ~~الأجزاء، وإذهاب الرائحة أيضا من جهة أن بقاء الرائحة تدل على بقاء شيء من ~~الأجزاء ويستقصي في ذلك، ويجب عليه أن يغسل بقية الذكر وما حوله إذا كان ~~البول منتشرا إلى الكمرة، فإن انتشر حتى جاوز طرف الذكر وجب غسله بالماء ~~لمن أراد الصلاة، ولا فصل فيما يخرج من الذكر بين البول والقيح والصديد ~~والحصاة وغير ذلك إذا كان ملوثا بالنجاسة، كما أنه لا تفرقة بين ما يخرج من ~~الدبر من العذرة أو من القيح والصديد، والبعرة والنواة، والحصاة إذا كان ~~ملوثا بالنجاسة، فلهذا وجب استواء السبيلين واستواء ما يخرج منهما في وجوب ~~الاستنجاء عنه للطهارة للصلاة. # الفرع الخامس: في بيان كيفية الاستنجاء بالماء. PageV01P692 # يستحب لمن أراد الاستنجاء أن يتفحج تفحج الظليم، والتفحج: بجيم وحاء مقدمة ~~[على الجيم]: هو تباعد ما بين الرجلين. والفجج: بجيمين مثله خلا أن الفجج ~~بجيمين: أبلغ من الفحج، وأوسع وأقبح، لما روي عن النبي أنه قال: (( تفحج ~~تفحج الظليم ))(1). والظليم هو : ذكر النعام. لأن في مشيته تفككا واتساعا، ~~ولأن ذلك يكون أبلغ في استقصاء النجاسة وإزالتها، والأفضل لمن أراد ~~الاستنجاء وكان الخارج بولا أو غائطا، أن يستنجي بالأحجار أولا ثم يتبعه ~~الماء على جهة الوجوب لمن أراد الصلاة. PageV01P693 # والحجة على ذلك: ما رويناه من حديث أهل قبا، حيث قال تعالى فيهم: {فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين}[التوبة:108]. فلما نزلت هذه الآية ~~دعاهم الرسول فقال لهم: (( إن الله قد أثنى عليكم وأحسن الثناء فماذا ~~تصنعون ))؟ قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة. فقال: (( فهل غير هذا ~~))؟ فقالوا: إلا أن أحدنا إذا خرج إلى الخلاء أحب أن يستنجي بالماء. ms0376 فقال ~~الرسول : (( هو ذاك فعليكموه ))(1). وهذا يدل على أنهم كانوا يستعملون ~~الحجارة أولا ثم يستعملون الماء بعدها، وفيه دلالة على استحبابه بالماء من ~~غير صلاة، فأما الصلاة [فهو] على جهة الوجوب كما قررناه من قبل، والنساء ~~والرجال في ذلك سواء، فأما استنجاء المرأة بالماء في الدبر فهي كالرجل في ~~ذلك من غير مخالفة كما وصفناه، وأما استنجاؤها بالماء عن البول فإنه ينظر ~~هناك، فإن كانت بكرا فإنها تستنجي بالماء كالرجل، فأما موضع البكارة فلا ~~تعلق له بالبول؛ لأنه مسدود تحت ثقبة البول، فإن أصابه شيء من البول ونزل ~~عليه واتصل به فالواجب عليها إجراء الماء عليه ومسحه مسحا رفيقا بالماء. ~~وذكر العمراني صاحب (البيان) من أصحاب الشافعي: أنه يستحب لها أن تدخل ~~أصبعها في الثقب الذي يخرج منه البول فإن لم تفعل لم يلزمها شيء، وهذا لا ~~وجه له فإن السنة لم ترد به وهو أضيق من أن يكون مكانا لطرف الإصبع، وإمرار ~~اليد بالماء يجزئ في ذلك ويطهره فلا معنى لإدخال الأصبع. وإن كانت ثيبا ~~فإنها إذا قعدت للبول انفرج ذلك الموضع فربما نزل إليه البول، فإن تحققت ~~نزول البول إلى موضع الحيض ومدخل الذكر وخروج الولد والمني، وجب غسله ~~بالماء، وإن لم تتحقق وصول البول إليه استحب لها غسله عملا على غلبة وصوله، ~~وأنه لا يكاد ينفك البول عن PageV01P694 الاتصال به وأن النادر لا حكم له. # الفرع السادس: نص الإمام الهادي يحيى بن الحسين في الجامعين (الأحكام) ~~و(المنتخب)، على أن المستحب لمن أراد الاستنجاء بالماء أن يرفع رجله اليسرى ~~قليلا وينقي بأصبعه الوسطى من يده اليسرى ما يمكنه، من داخل فرجه من ~~الأقذار. # والحجة على ما قاله: ما روي عن النبي أنه كان يتفحج تفحج الظليم، وهذا ~~لا يكون إلا بما ذكرناه من التنقية للمقعدة بالأصبع وإزالة الأقذار عنها. # واعلم أن ما ذكره هاهنا في الجامعين، محمول على من كان في مقعدته يبس في ~~معاطفها وغضونها، وبواسير، فمن هذا حاله ربما لا يكاد ينقي مقعدته إلا ما ~~ذكره ms0377 من التنقية وإدخال الأصبع الوسطى، وإنما خص الوسطى تشريفا للمسبحة عن ~~استعمالها فيما ذكرناه؛ لأنها موضوعة لأعلى الأشياء وأشرفها فلا تكون ~~موضوعة لأنزلها وأدناها. # ووجه آخر: وهو أنها أمكن وأقوى في التنقية من غيرها لاختصاصها بالطول من ~~بين سائر الأصابع، فما قاله في الجامعين محمول على ما ذكرناه، فأما من كان ~~طبعه سلسا ومعدته صحيحة فلا يحتاج إلى ما ذكره من إدخال اليد في معاطف ~~المقعدة والتنقية بالأصبع الوسطى، ويدل على ما قلناه حجتان: # الحجة الأولى: أن الرسول ، قد ذكر محاسن الآداب في قضاء الحاجة وعند ~~الاستنجاء، ولم يشر إلى شيء مما ذكره مع كثرة شفقته على الأمة وحنوه عليها ~~وإرشادهم إلى معالم الدين، ولهذا قال: (( إنما أنا لكم كالوالد ))(1). PageV01P695 # الحجة الثانية: هو أنا قد أوجبنا الماء في الاستنجاء فليس يخلو حاله: إما ~~أن يكون واصلا إلى حيث تكون اليد واصلة، أو لا يكون واصلا فإن وصل أغنى عما ~~ذكره وكان كافيا لرقته واختصاصه بالتطهير ما لا يحصل من غيره من سائر ~~المطهرات الجامدة والمائعة، فمع وصول الماء لا حاجة إلى ما قاله، وإن لم ~~يكن الماء واصلا إلى حيث تصل اليد كان في ذلك حرج ومشقة وعسرة وصعوبة لا ~~وجه للتكليف بها، والله تعالى يقول: {وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج}[الحج:78]. وقال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر}[البقرة:185]. خصوصا فيما تعم به البلوى ويكثر استعماله في اليوم ~~والليلة مرة أومرتين أو أكثر من ذلك، ويؤيد ما ذكرناه من أن مقصود الشرع هو ~~التخفيف، هو اتفاق الفقهاء على العفو من غسل السبيلين والاكتفاء بالأحجار، ~~وما ذاك إلا لما فهموا من [أن] قصد الشرع تخفيف الأمر فيهما. # الفرع السابع: إذا أراد غسل الفرجين فبأيهما يبدأ؟ فالذي نص عليه الإمام ~~الهادي في الجامعين أنه يبدأ بالفرج الأعلى، وعليه تعويل أكثر علماء العترة ~~وهو قول الحنفية، وإنما كان الاستحباب في [ترتيب] غسلهما كما أشرنا إليه ~~لغرضين: # أحدهما: أن المتوضئ إذا بدأ بالفرج الأسفل ورد الماء على الأعلى فينجس ~~بما عليه ms0378 ثم يصل إلى الأسفل وهو نجس فينجسه فلا يطهر إلا بإهراق ماء كثير، ~~وإن صبه على الأسفل دون الأعلى كان في ذلك مشقة وتكليف وعسر. # وثانيهما: أنه إذا بدأ بالأسفل لم يسلم في أغلب الأحوال من أن تصيب يده ~~النجاسة التي تكون على الإحليل من أثر البول فينجس يده فيحتاج إلى صب الماء ~~الكثير وفيه سرف، وهو إذا بدأ بالأعلى لم يكن هناك مشقة وكان في الماء ~~اقتصاد. # وحكي عن الشافعي وأصحابه أنه مخير في البداية بأيهما شاء. PageV01P696 # والحجة لهم على ذلك: هو أن المقصود إنما هو الوصول إلى طهارة الفرجين من ~~النجاسة، وذلك حاصل سواء بدأ بالأعلى أوبالأسفل فلا يفترقان. ومنشؤ التردد ~~في هذا الخلاف بيننا وبين الشافعي وأصحابه هو أن عندنا، وهو رأي الحنفية: ~~أن النجاسة إذا ورد عليها الماء نجسته كما تنجسه إذا وردت عليه. فاقتضى ذلك ~~استحباب البداية بالفرج الأعلى، لما ذكرناه من أنه لو بدأ بالفرج الأسفل ~~وصب الماء على الأعلى فإنه ينجس بورود الماء عليه فينزل إلى الأسفل فينجسه ~~فيؤدي ذلك إلى السرف في إهراق الماء، وعلى رأي الشافعي يفترق الحال فإنه ~~يقول: إذا ورد الماء على النجاسة لم تنجسه فاقتضى ذلك عدم الترتيب في ~~غسلهما؛ لأنه إذا صب الماء على الإحليل فإنه لا ينجس بورود الماء عليه ~~فينزل إلى الأسفل وهو طاهر. # والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، وحاصله أنا نقول: إن السنة لم تشر إلى ~~ترتيب في الغسل بينهما، بل وردت الأحاديث مطلقة فيهما من غير ترتيب، ولهذا ~~فإنه ورد الثناء على أهل قبا بالثناء عليهم(1) بالغسل عقيب الاستجمار ~~بالأحجار ولم يفصل هناك في غسلهما. # نعم.. ما قاله أئمة العترة من استحباب الترتيب بينهما إنما هو أمر ~~استحساني ولم ترد به السنة، وحاصله راجع إلى أن خلافه يحصل منه تبذير ~~وإسراف وقد نهي عنه، وإن خالف في ذلك مخالف في غسلهما لم يكن مخالفا للسنة ~~كما ذكرناه. PageV01P697 # الفرع الثامن: ويستحب إذا فرغ من الاستنجاء أن يضرب بيده على الأرض ثم ~~يغسلها، لما ms0379 روى ابن عباس رضي الله عنه عن خالته ميمونة قالت: وضعت لرسول ~~الله غسلا يغتسل به من الجنابة، فأكفأ الإناء على يده اليمنى فغسلها، ثم ~~غسل فرجيه بشماله، ثم ضرب بيده على الأرض فغسلها، ولو شئت لأريتكم أثر يده ~~في الحائط(1). فإذا تقرر ذلك في غسل الجنابة كان مسحها بالتراب من العذرة ~~أولى وأحق؛ لأن العفونة من أثر الغائط أكثر من العفونة من أثر الجماع، فإذا ~~استحب في الأدنى فكيف لا يكون مستحبا في الأعلى؛ ولأن ذلك يكون أقرب إلى ~~إزالة الأثر والرائحة. فأما غسل السبيلين بالتراب والأشنان وما أشبههما ~~فليس من السنة ولا ورد فيه أثر، وإنما الوارد ما ذكرناه من غسل اليد ~~بالتراب عقيب الاستنجاء فأما غسل الذكر بالتراب من أثر الجماع، ففيه كلام ~~نذكره هناك بمعونة الله تعالى، ولأن في غسل المقعدة والإحليل من أثر البول ~~والغائط بالترات حرجا ومشقة فلا حاجة إليه وإنما السنة في غسل اليد بالتراب ~~لا غير كما أشرنا إليه. PageV01P698 # الفرع التاسع: يستحب الاستنجاء بشماله(1) لما روى أبوقتادة عن النبي أنه ~~قال: (( إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه ولا يمسح بيمينه))(2). فإذا ~~اقتضى ذلك في الاستعمال بالأحجار وجب مثله في الاستنجاء بالماء من غير ~~تفرقة بينهما، والجامع بينهما تنزيه اليمنى عن ملامسة النجاسات ومباشرتها، ~~وقد جاء(3)، في خبر عائشة الذي روته: (( كانت يمين رسول الله لطعامه ~~وشرابه ولباسه، وشماله لخلائه)). ولأن اليمين إنما تستعمل في الأفعال ~~الحسنة فلا ينبغي استعمالها في مباشرة الأقذار والنجاسات؛ لأن في ذلك ~~مناقضة لمقصودها. # الفرع العاشر: يكره له أن يستنجي وفي يده شيء فيه اسم الله تعالى من خاتم ~~أو درهم أو غير ذلك، لأن ما كان فيه اسم من أسماء الله تعالى فله شرف على ~~غيره فلا ينبغي مباشرته للنجاسة وينبغي إكرامه عن ذلك. قال الإمام الناصر ~~للحق: ولا أستنجي بخاتمي وفيه اسم الله تعالى ولا أجامع وفيه ذكر الله. ~~حكاه الوليدي في ألفاظه(4)، ولم يرد دليل على عدد الغسلات في الاستنجاء في ~~القبل والدبر في ms0380 حق الرجال والنساء، وإنما يكون حكمه حكم إزالة النجاسة، ~~وقد قدمنا الكلام فيمن اعتبر الغسلة الواحدة ومن اعتبر الثلاث، وقررنا حكم ~~الغسالة الأولى والثانية في التنجيس والطهارة فأغنى عن الإعادة، فهذا ما ~~أردنا ذكره في أحكام الاستنجاء بالماء. وبالله التوفيق. PageV01P699 # --- ### || AUTO الباب السادس: في الوضوء وذكر خصائصه # والوضوء مهموز، قال أبوالحسن سعيد الأخفش ) الوضوء بفتح الفاء، هو الماء، ~~وبضمها: المصدر، كالوقود والوقود: فبالفتح: ما يوقد، وبالضم: الاتقاد، ثم ~~قال: وزعموا أن فيهما لغتين، يعني أن الوقود بالفتح قد يقال لما يوقد ~~وللاتقاد، وأن الوقود بالضم قد يقال لهما جميعا، وهكذا حال الوضوء يقال ~~فيهما جميعا. وقال غيره: لم يرد الفعول بفتح الفاء مصدرا إلا في نحو القبول ~~والولوغ، وما عداهما فهو على الضم. وعن أبي عمرو بن العلاء ): الوضوء ~~بالضم، المصدر. PageV01P700 # والمختار: ما عول عليه الأخفش من أن المصدر بالضم، والاسم بالفتح في الفاء، ~~واشتقاقه من قولهم: وضئ الرجل إذا صار وضيئا، والوضاءة هي الحسن والنظافة، ~~فلما كان الوضوء للصلاة يحسن الإنسان ويزيد في جماله ووضاءته قيل له: وضوء، ~~ويزيل عنه سائر الأقذار ومصادمة الغبرات. وفي الحديث: (( الوضوء قبل الطعام ~~ينفي الفقر، والوضوء بعده ينفي اللمم ))(1). # فإذا تمهدت هذه القاعدة، فلنذكر الفروض الواجبة في الوضوء ثم نذكر سننه ~~ثم نردفه بذكر حكم الشك في تطهير الأعضاء ثم نذكر نواقضه، فهذه فصول أربعة ~~نذكر ما يختص كل واحد منها بمعونة الله تعالى. PageV01P701 # --- ### ||| AUTO الفصل الأول: في بيان الفروض الواجبة في الوضوء # اعلم أن الطهارة بالماء جارية في لسان حملة الشريعة على نوعين: طهارة عن ~~النجاسة، وطهارة عن الأحداث، فأما الطهارة عن النجس(1) فالذي عليه أئمة ~~العترة والجماهير من علماء الأمة والحنفية والشافعية وغيرهم من الفقهاء، ~~أنها غير مفتقرة إلى النية. # والحجة على ذلك: هو أن الأصل عدم النية ولا تفتقر إلى النية إلا بدلالة ~~ولا دلالة عليها لا من جهة النصوص ولا من جهة الظواهر، ولا من جهة الأقيسة. ~~فلما كان الأمر فيها كما قلناه لم يجز إثباتها إلا بدلالة شرعية ms0381 تدل عليها، ~~وحكى العمراني صاحب (البيان) عن صاحب (الإبانة)(2) منهم، أنه حكي عن أبي ~~العباس بن سريج: أن الطهارة من النجس لا تصح من غير نية كطهارة الحدث. # والحجة على ذلك: هو أنها طهارة بالماء لا يمكن تأدية الصلاة إلا بها ~~فافتقرت إلى النية كطهارة الحدث. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وعلماء الأمة من كونها غير واجبة. # والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا حجتين: PageV01P702 # الحجة الأولى: هو أن المرجع لحقيقة الإزالة للنجاسة إلى أمر عدمي، وهو ~~إزالة النجاسة وإعدامها وإذهابها، وما هذا حاله من التروك فلا يفتقر إلى ~~النية كما تقول في ترك الزنا والسرقة وشرب الخمر، فإن هذه الأمور لما كانت ~~حقائقها آيلة إلى الكف والترك عن الفعل لم تكن مفتقرة إلى النية، فهكذا ~~إزالة النجاسة لا تفتقر إلى النية أيضا؛ لأن النية غير متعلقة بالأمور ~~العدمية، وإنما يكون متعلقها الأمور الثابتة. لا يقال: أفليس الصائم حقيقته ~~آيلة إلى الكف عن المفطرات كالأكل والشرب والوقاع ومع ذلك فإنه مفتقر إلى ~~النية عندكم، فهكذا ما نحن فيه؛ لأنا نقول: إنه ليس مطلق ترك وعدم، وإنما ~~[هو] ترك شرعي يتعلق بالعبادة، فلهذا كان مفتقرا إلى النية وإن كان تركا ~~لما كان تركه مقررا من جهة الشرع؛ فكان شرعيا بخلاف ما نحن فيه فإنه عدم ~~محض فافترقا. # الحجة الثانية: هو أن طهارة النجاسة ليست من قبيل العبادات في شيء، ولهذا ~~فإنها تصح ممن ليس من أهل العبادة كالكافر والصبي، فإنه يتأتى منهما إزالة ~~النجاسة وإعدامها عن الأثواب والأماكن، ولو كانت عبادة لم يصح ذلك منهما ~~كما لا يصح منهما تأدية الصلاة والصوم وسائر العبادات. # الانتصار: يكون بإبطال ما يمكن أن يكون عمدة لهم ووسيلة في تقرير ذلك. # قالوا: طهارة بالماء فافتقرت إلى النية كالطهارة من الحدث. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المعنى في الأصل هو أنها عبادة فافتقرت إلى النية، بخلاف ~~طهارة النجس فإنها غير عبادة كما مر بيانه فافترقا. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بطهارة التبرد ms0382 فإنها طهارة بالماء، ومع ذلك ~~فإنها غير مفتقرة إلى النية فبطل ما قالوه. # قالوا: طهارة، صحة الصلاة مشروطة بها فوجب افتقارها إلى النية كطهارة ~~الأحداث. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV01P703 # أما أولا: فلأنه لا يلزم في كل ما كان شرطا أن يكون مفتقرا إلى النية، ~~ولهذا فإنها(1) مفتقرة إلى الزمان والمكان واللباس، ومع ذلك فإنها(2) غير ~~مفتقرة إلى النية. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل كونها عبادة مستقلة كما سنوضح القول ~~فيه، فلهذا افتقرت إلى النية بخلاف طهارة النجاسة فافترقا. # قالوا: قد قلتم إن طهارة الحدث مفتقرة إلى النية، فأخبرونا عن افتقارها ~~إلى النية، هل كان لأنها طهارة مطلقة؟ فطهارة النجاسة مثلها، وإن كان لأنها ~~مشترطة في الصلاة فطهارة النجاسة مثلها. وإن كان لكونها عبادة فلا نسلم ~~ذلك، فأقيموا برهانا عليه ليتم ما ذكرتموه. # قلنا: افتقرت إلى النية لكونها عبادة ومن حق ما يكون عبادة ألا يكون ~~عبادة من دون النية، كالصلاة والصوم وسائر العبادات. # قولهم: دلوا على ذلك. # قلنا: سنوضح الكلام على كونها عبادة وعلى افتقارها إلى النية بعد هذا ~~بمشيئة الله وعونه. # مسألة: النية في اللغة هي القصد، ولهذا يقال: أين نيتك؟ يعني أين قصدك ~~يكون إلى أي موضع؟ وقد تطلق على العزم يقال: نويت كذا أي عزمت عليه. قال ~~الشاعر: # صرمت أميمة خلتي وصلاتي ... ونوت ولما تنتوي كنواتي(3) PageV01P704 والنواة: الحاجة، وأراد: أنها لم تنتو كما نويت في المودة والمواصلة. ~~ويروى: تنتوي بنواتي، أي لم تقض حاجتي، يقال: نواه بنواته أي رده لحاجته، ~~وحقيقتها آيلة إلى أنها الإرادة المؤثرة في وقوع الأفعال على وجوه مخصوصة ~~كوقوع الفعل عبادة لله تعالى وعبادة للشيطان، فإن السجود واحد واختلاف ~~أحواله إنما يكون بالإرادة كما قررناه، واشتقاق النية من النوى، وهو البعد ~~والغيبة. فلما كانت النية غائبة عن الناس لكونها حالة في القلب، قيل لها: ~~نية. فإذا تمهدت هذه القاعدة، فاعلم أن الكلام في النية واسع لانتشارها ~~وسعة أطرافها، لكنا نقتصر منها على ما يختص بالمقاصد الفقهية فنذكر جنسها ~~ثم نذكر محلها ثم ms0383 نذكر وقت فعلها ثم نذكر قسمتها ثم نردفه بذكر كيفيتها في ~~الوجوب وغيره، فهذه مواقع النظر للكلام في النية نأتي على كل واحد منها ~~بمعونة الله تعالى: # النظر الأول: في بيان جنس النية: PageV01P705 # اعلم أن النية قصد مقارن للفعل وهي جنس برأسها مخالفة للاعتقاد والظن ~~والشهوة، والكلام في كل واحد من هذه الأجناس يميز الأمر فيه، فلا يجوز أن ~~تكون من قبيل الإعتقادات على أنواعها، من جهة أن الإرادة والقصد تابعان ~~للعلم، لأن الواحد منا لا ينوي بالعبادة وجه الله تعالى حتى يكون عالما ~~بكونه فاعلا لها، والتابع لا محالة غير المتبوع، فلهذا بطل كونها من قبيل ~~الاعتقادات، ولا يجوز أن تكون من قبيل الظنون؛ لأنه قد يكون ناويا بالعبادة ~~القربة إلى الله تعالى وليس ظانا لها، وإنما هو عالم بها، والظن لا يكون ~~مصاحبا للعلم في متعلقه، فبطل كونها من قبيل الظنون. ولا يجوز أن تكون من ~~قبيل الشهوات؛ لأن العبادات كلها غير مشتهاة بل منفور عنها، ولا تكون عبادة ~~إلا بأن يقصد بها وجه الله تعالى، ولا يجوز أن تكون من قبيل الكلام، ولهذا ~~فإنه لو اقتصر على التلفظ بلسانه من غير ضمير في قلبه لم تكن مجزية له، ولو ~~اقتصر على ما في قلبه وضميره كان مجزيا له، وإن جمع بينهما كان التعويل على ~~ما في القلب لا على اللسان، كما سنوضحه من بعد هذا. PageV01P706 # فحصل من مجموع ما ذكرناه، بيان جنسية النية وأنها من قبيل الإرادات دون ~~غيرها من سائر الأغراض المختصة بالقلوب، ولا يجوز أن تكون من قبيل العزوم؛ ~~لأن العزم وإن كان إرادة لكن النية مخالفة من جهة أن النية من حقها أن تكون ~~مقارنة لما هي نية فيه، بخلاف العزم فإنه من حقه التقدم على معزومه؛ لأن ~~العزم إنما يؤتى به من أجل أن يكون الفعل خفيفا على الفاعل؛ لأنه إذا أراده ~~من قبل فعله خف عليه تحمله، ولهذا منعنا في حق الله تعالى أن يكون موصوفا ~~بالعزم لما كان هذا المعنى غير ms0384 حاصل في حقه، فلا يجوز أن يكون من قبيل ~~المحبة والرضا وإن كانا جميعا من باب الإرادة، لأن الواحد منا قد يكون ~~راضيا للفعل ومحبا له، ولا يكون قاصدا به وجه الله تعالى ومطابقة مراده، ~~ولهذا فإنه إذا رضي الصلاة وأحبها ولم ينوبها وجه الله تعالى ولا أداها ~~بنية الفريضة لله تعالى، لم تكن مجزية، فبان لك أن النية مخالفة لما ذكرناه ~~من أجناس هذه الإرادات، فإن قال قائل: فإذا كانت النية من قبيل الإرادة كما ~~ذكرتم فالمتكلمون مختلفون في الإرادة على ثلاثة مذاهب، فالذي عليه أصحاب ~~الشيخ أبي هاشم من المعتزلة إثباتها شاهدا وغائبا، وذهب الشيخ محمود ~~الملاحمي ) إلى نفيها شاهدا وغائبا، وقال: إن الداعي كاف عنها فلا يحتاج ~~إلى تخصيص الإرادة. وذهب الشيخ أبوالحسين محمد بن علي البصري، [إلى] أنها ~~ثابتة في الشاهد ونفاها في الغائب، فعلى أي هذه المذاهب تعولون في الإرادة؟ PageV01P707 # فجوابه: أن الصحيح عندنا أن الحق ما قاله أبوالحسين وهو إثباتها في الشاهد، ~~من جهة أن الإرادة هي ميل القلب، وهذا إنما يكون في حق الشاهد دون الغائب، ~~وعلى هذا تكون النية أيضا في حق العبادات؛ لأنها إرادة مخصوصة مقارنة للفعل ~~المنوي، فأما في الغائب فلا حاجة إلى إثباتها؛ لأن الداعي كاف عن تخصيص بعض ~~الأفعال بوجه دون وجه، ولا حاجة إلى الإرادة، ولهم في ذلك شرح طويل قد ~~أودعناه الكتب العقلية لكونها أخص به. # ثم تنقسم إلى ما تكون كاملة وهو ما يحصل الإجزاء بدون ذلك(1). وهذا نحو ~~أن ينوي الظهر فرضا لله تعالى مصلحة في الدين وتقربا إلى الله تعالى ~~وامتثالا لأمره؛ ولكونه واجبا، ولأن الله تعالى أوجبه [فريضة] حاصلة على ~~جهة الخضوع والذلة، إلى غير ذلك من الوجوه التي تستحق تأديتها عليها من ~~طريق الاستحباب، وإلى ما تكون مجزية، وهذا هو القدر الذي لا تكون مجزية إلا ~~به من غير زيادة ولا نقصان، وهذا نحو أن ينوي الظهر لله فلابد من هذا، ~~فيذكر الظهر بذكر الفريضة وبالإضافة إلى الله تعالى تحصل القربة، ms0385 فلابد من ~~تأدية العبادة بالنية على أحد هذين الوجهين وسنوضح القول في ذلك في كيفية ~~الإرادة إذا تكلمنا فيه، والله الموفق. # النظر الثاني: في بيان محل النية. # اعلم أن محل النية تارة يكون باعتبار وجوبها وحلولها، وتارة يكون باعتبار ~~كيفية تأثيرها في منويها من المقارنة وعدمها، فهذان موقعان كلاهما مندرج ~~تحت مسمى قولنا: محل النية. فنذكر ما يتعلق بكل واحد منهما بمشيئة الله: # الموقع الأول: في بيان محلها باعتبار وجودها وحلولها. # واعلم أنها في وجودها مفتقرة إلى ثلاثة شروط: PageV01P708 # أولها: المحل، فلا يجوز وجودها في غير محل إلا في حق الله تعالى، على رأي ~~الشيخ أبي هاشم، فإن إرادته تعالى موجودة على حد وجوده ولا شك أن وجوده ليس ~~في محل ولا جهة لا على جهة الاستقلال كوجود الجواهر والأجسام، ولا جهة ~~التبعية كوجود العرض فإنه يوجد في الجهة تبعا لمحله، فإرادته بزعمهم حاصلة ~~على حد حصوله كما ذكرناه، فأما من نفى الإرادة عن الله تعالى كما هو ~~المختار، وهو رأي الشيخ أبي الحسين البصري، فإنه يجعلها نفس الداعي وهو ~~العلم بالمصالح، فإرادته لفعل نفسه هو كونه يفعله لأجل المصلحة الحكمية، ~~وكونه مريدا لفعل غيره على معنى أنه أمر به ومثيب له عليه. # وثانيها: أن المحل لابد أن يكون فيه حياة، فلا يجوز وجودها في الجمادات ~~كالحجر والشجر وغيرهما، وتشاركها القدرة في هذين الأمرين أعني في المحل ~~والحياة. # وثالثها: أن محلها القلب، فلا يقتصر فيها على محل فيه حياة بل لابد من ~~تنبه القلب وتحالف القدرة في ذلك وتوافق العلم، أعنى الإرادة. لأن كل واحد ~~منهما يفتقر في وجوده إلى هذه الشرائط الثلاث؛ لأنها من أعمال القلوب ~~وأفعالها، فإذا تقرر أن محلها القلب فبأي شيء يكون فعلها في القلب؟ # فعلى رأي الشيخ (1) وأصحابه من متكلمي البصريين، يكون فعلها بالقدرة ~~الحاصلة في القلب كما تفعل الحركة في الجوارح كلها بقدرة الجوارح كاليد ~~والرجل؛ لأن كل قدرة تختص بالفعل في محلها كما هو مقرر في كتبهم، وعلى رأي ~~الشيخ أبي الحسين وأصحابه، ms0386 حيث نفى القدرة التي هي جزء عرضي، يكون فعلها ~~بالقلب نفسه على جهة الإيجاب كما تفعل الحركة تنبه اليد والرجل من غير حاجة ~~إلى قدرة هي جزء عرضي. PageV01P709 # والمختار: هو نفي القدرة أن تكون جزءا عرضا كما هو رأي الشيخ أبي هاشم ~~وأصحابه، وإثبات القدرة بنية كما هو رأي الشيخ أبي الحسين البصري، وهذا ~~المذهب قد قررناه في الكتب العقلية فلا نطيل ذكره هاهنا، وعلى الجملة فإن ~~محلها القلب، سواء قلنا: إنها تفعل بالقدرة كمقالة أصحاب أبي هاشم، أو ~~قلنا: إنها بإيجاب القلب كما هو رأي الشيخ أبي الحسين، فقد تقرر بما لخصناه ~~أنه لابد من محل باعتبار وجودها وحلولها. # الموقع الثاني: في بيان محلها باعتبار كيفية تأثيرها فيما تؤثر فيه. # اعلم أن الأصل في النية أن تكون مقارنة لمنويها فتجب مقارنتها لأول جزء ~~منه، بحيث لا يجوز خلو جزء من الفعل عن النية فإذا قارنت الجزء الأول كانت ~~مسترسلة على جميع تلك الأفعال لما كانت مقارنة لأولها، وإنما وجب اعتبار ~~ذلك في النية من جهة أنها مؤثرة في كون هذه الأفعال عبادة وفي كونها قربة ~~وفي إيقاعها على وجوه مختلفة من الخضوع والتذلل والخشية والمراقبة، وأنها ~~خالصة لله تعالى دون غيره، وهذه الوجوه مستندها النية ومعتمدها عليها فمن ~~حقها أن تكون مقارنة لأول جزء من تلك العبادة بحيث لا تكون متأخرة عن أول ~~الفعل فيمضي بعضها من غير نية، فهذا هو الأصل في النية أعني المقارنة لما ~~ذكرناه، ولا تكون على خلاف ذلك إلا بدلالة منفصلة تدل على ذلك من مخالطة أو ~~تقديم أو تأخير، فصارت النية بالإضافة إلى الأفعال المفتقرة إلى النية ~~واقعة على أربعة أضرب نفصلها: PageV01P710 # الضرب الأول منها: يشترط فيها المقارنة لأول جزء من تلك العبادة، وهذا نحو ~~الوضوء والغسل من الجنابة و[من] الحيض و[من] النفاس، والتيمم والحج ~~والعمرة، وكفارات المناسك إذا ارتكب شيئا من محظورات الإحرام، فإن هذه ~~النيات كلها لابد من مقارنتها، وإنما وجبت النية لقوله : (( لا عمل إلا ~~بنية)) ولقوله عليه السلام: (( الأعمال ms0387 بالنيات ولكل امرئ ما نوى)). وإنما ~~وجب اعتبار المقارنة فيما ذكرناه؛ لأنها هي الأصل، وتأثيرها في الفعل إنما ~~يعقل مع المقارنة كما أشرنا إليه. # الضرب الثاني: يجب فيه المقارنة لما شرحناه، وهل يجوز تقديمها وتأخيرها أم لا؟ # فأما تقديم النية في الصيامات فهو جائز عند أئمة العترة وفقهاء الأمة ~~سواء كان فرضا أو نفلا، وسواء كان الفرض قضاء أوأداء، وإنما جاز فيها ~~التقديم لدليل خاص دل على ذلك، وهو قوله : (( لا صيام لمن لم يبيت الصيام ~~من الليل)). وقوله : (( لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل)). وهذا دليل ~~شرعي يدل على جواز تقديم النية فيجب لأجله أن ينسحب حكمها حتى يتصل بأول ~~جزء من المنوي شرعا. وأما جواز تأخرها(1) فهل يجوز أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه جائز، وهذا هو رأي الإمام الهادي، والسيدين: أبي طالب، وأبي ~~العباس، في صوم رمضان، فتجزي النية مهما صادفت جزءا من النهار سواء كان قبل ~~الزوال أو بعده، وهو محكي عن أبي حنيفة. # وثانيهما: أن ذلك غير جائز، وهذا رأي المؤيد بالله ومحكي عن الشافعي، فمن ~~جوز تأخيرها قال: إنها تنعطف على ما مضى من اليوم شرعا والغرض هو ضرب ~~المثال. وذكر هذه المسألة واستقصاء أدلتها وذكر المختار، نذكره في موضعه ~~بمعونة الله تعالى. # الضرب الثالث: ما تجوز فيه المقارنة ويجوز فيه التقديم بأوقات يسيرة، ~~وتجوز فيه المخالطة. PageV01P711 # وهذا نحو الصلاة على اختلاف أنواعها، وهذا نحو الصلوات المفروضة كالصلوات ~~الخمس، وصلاة الجنازة، وصلاة السفر، وصلاة الخوف، وهكذا سائر النوافل نحو: ~~صلاة الاستسقاء، والكسوفين، وصلاة العيدين، فأما المقارنة فيها فهو الأصل ~~كما مر تقريره، وأما التقديم بأوقات يسيرة فمغتفر في حقها، وأما المخالطة ~~فجائز فيها، وإنما جاز الأمران فيها من جهة أن التقديم في النية هو على شرف ~~الملاقاة لأول جزء منها، فكان في حكم المقارن، وأما المخالطة فهي مقارنة ~~وزيادة فإنها لا تشترط المقارنة إلا في أول جزء منها، ولا شك أن المخالطة ~~قد قارنت أول جزء منها واستمرت النية إلى آخر التكبيرة ms0388 فلهذا قلنا: بأن ~~المخالطة مقارنة وزيادة. # الضرب الرابع: ما تجب فيه المقارنة والتقديم ولا يجوز فيه التأخير. PageV01P712 # وهذا نحو صيام القضاء، والكفارات، والنذور غير المعينة، ونية الزكاة، وغير ~~ذلك، فالمقارنة هي الواجبة خلا أنه لما تعذر التفرقة بين الليل والنهار لا ~~جرم أوجبنا أن تكون حاصلة في جزء من الليل لأجل عدم القدرة في التمييز، فلو ~~أمكن التمييز لم نوجب إلا المقارنة دون التقديم، ولهذا فإنه لما تعذر الفصل ~~بين الوجه والرأس أوجبنا غسل جزء من الرأس ليحصل تعميم غسل الوجه، وهذا ~~إنما نوجبه في حق من عجز عن التمييز لا في حق من أمكنه التمييز، فلهذا وجب ~~تقدير النية في هذه الصيامات كما هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة، ولا ~~يختلفون فيه لقوله عليه السلام: (( لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ~~)). فحملنا الخبر على ما ذكرناه، ولا يجوز تأخير النية عن هذه الصيامات؛ ~~لأن النية إنما تنعطف على ما قبلها بدليل الشرع، وهو إنما دل في الصيامات ~~المعينة كرمضان دون ما عداه، وهكذا في النذور المعينة فإنها لاحقة بصوم ~~رمضان في جواز التأخير، وتحكيم الانعطاف على ما قبلها بحكم الشرع، فأما ما ~~عداه فلم تدل عليه دلالة في جواز الانعطاف، فبقي على حكم الأصل في المنع، ~~فبقي التقديم في حق هذه الصيامات متحتما لما قررناه. # النظر الثالث: باعتبار وقت فعلها. PageV01P713 # فاعلم أن لها وقتين: استحباب ووجوب، فأما وقت الاستحباب فيستحب للمتوضئ أن ~~ينوي التطهر للصلاة عند استعمال أول جزء من أجزاء الماء المستعمل في ~~الطهارة ليكون مستكملا الثواب والأجر عند الله، فإن استعمل ذلك من غير ~~تحريك نية لم يكن مستحقا للثواب لقوله : (( الأعمال بالنيات)). ولم يفصل ~~بين عمل وعمل قليل أو كثير، وسواء كان ذلك عند غسل الكفين، أو الاستنجاء، ~~أو عند المضمضة والاستنشاق، بل نقول: لو زاد على ذلك بأن ينوي عند مسيره ~~إلى المتوضى أو نقله الماء أو حمله أو أخذه للسواك، فإن هذه الأمور كلها ~~تستحب فيها النية لإحراز الثواب وتحصيله، فإن الله ms0389 تعالى لا يضيع عمل عامل ~~من ذكر أو أنثى، فتقديم النية في هذه الأمور وإن لم تكن واجبة من باب ما ~~يستحق عليه الثواب. PageV01P714 # وأما وقت الوجوب، فتقريره إنما يكون على حد الخلاف في أول واجب من واجبات ~~الوضوء بين أئمة العترة وفقهاء الأمة، فمن قال: بأن أول واجبات الوضوء هو ~~غسل الفرجين بعد إزالة النجاسة منهما كما هو رأي الإمام الهادي، وأولاده، ~~فإنه يقول على هذا: هو أول وقت فعل النية، لكونه أول عضو من أعضاء الوضوء. ~~ومن قال: بأن أول الواجبات هو غسل الكفين، كما هو المحكي عن الإمام القاسم ~~بن إبراهيم في كتاب الطهارة، وهو رأي أحمد بن يحيى )، والسيد أبي العباس، ~~فإن النية تكون عند غسلهما لأنهما أول أعضاء الوضوء، ومن قال من أصحابنا أن ~~المضمضة والاستنشاق سنتان، فإنه يقول: بأن محل النية هو غسل الوجه، كما هو ~~المحكي عن الإمام الشيهد زيد بن علي، ومروي عن الباقر، والناصر، ومن قال: ~~بأنهما واجبان فإنهما مع الوجه تكون كلها(2) محلا للنية؛ لأنها في حكم ~~العضو الواحد، فصار محل الوجوب لفعل النية مرتبا على ما ذكرناه من الخلاف ~~بين العلماء في أول عضو من أعضاء الطهارة. PageV01P715 # والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، وحاصله أنا نقول: أما محل الاستحباب ~~لفعل النية فهو الملابسة لفعل شيء من أمور الطهارة ليحصل الثواب ويستحق ~~الأجر بفعل النية، فإن النية هي التي تخلص الأعمال لوجه الله تعالى، وعلى ~~هذا تكون عند غسل الكفين؛ لأنهما أول ما يعاني من التطهير وما عدا ذلك فهو ~~من جملة المقدمات دون المقاصد، وأما محل الوجوب لفعل النية، فإنما يكون عند ~~أول عضو من أعضاء الطهارة، ولا شك أن أول عضو من أعضائها هو المضمضة ~~والاستنشاق لأنهما واجبان، أو غسل الوجه؛ لأنهما في حكم العضو الواحد، ~~لقوله : (( المضمضة والاستنشاق من الوضوء ولا يقبل الله الصلاة إلا ~~بهما))(1). وقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}[المائدة:6]. ~~فهما عضوان كالعضو الواحد فأيهما وقعت عليه النية كانت مجزية، فإذا نوى عند ms0390 ~~المضمضة والاستنشاق أجزأه ذلك، وإن عزبت نيته بعد ذلك أجزأه؛ لأنه قد نوى ~~الوضوء عند أول فرض من فروضه فلهذا كان مجزيا له، وسواء كان قد غسل عند ~~المضمضة جزءا من الوجه أولم يكن غاسلا في كونه مجزيا، وإن قدم غسل الوجه ثم ~~تمضمض بعد ذلك واستنشق فإنه يكون مجزيا في الوضوء وإن عزبت نيته قبل ~~المضمضة أجزأه ذلك. هذا على رأي أئمة العترة؛ لأنهما عضوان من أعضاء ~~الطهارة لا ترتيب بينهما فهما محلان لفعل النية كما ترى. # نعم.. لما ذهب الشافعي إلى أن المضمضة والاستنشاق غير واجبين، اختلف قوله ~~في أنه لو نوى عند غسلهما وعزبت نيته عند غسل الوجه أي انقطعت، فهل يجزيه ~~أم لا؟ فيه قولان: # أحدهما: يجزيه. PageV01P716 # والآخر: أنه لا يجزيه، ولهم فيه تفصيل يطول شرحه وهو مبني على عدم القول ~~بوجوبهما فلا حاجة إلى إيراده، وسنوضح القول في وجوبهما بمعونة الله. # النظر الرابع: في تقسيم النية: # واعلم أن لها تقسيمات منتشرة باعتبارات مختلفة ولكنا نذكر ما يختص ~~بالمباحث الفقهية ونشير إلى تقسيمات ثلاثة: # التقسيم الأول: باعتبار ذاتها إلى مطلقة ومشروطة: # فالمطلقة: هي الواقعة كثيرا في العبادات كالصلاة، والحج، وأنواع العبادات ~~كلها، فإن تدوارها كلها على الإطلاق من غير اعتبار شرط هناك، فالصلاة ~~نوقعها بالنية عبادة لله، والصوم والحج كذلك، ولا خلاف في المطلقة أعني في ~~إجزائها، وفي كونها شرطا في العبادة. # وأما المشروطة: فمن العلماء من جوزها مع الشرط ومنهم من منعها، وسنوضح ~~القول فيها عند الكلام في صوم يوم الشك، فإذا صام يوم الشك ونوى الوجوب ~~بشرط أن يكون من رمضان فهو صحيح، وإذا نوى تأدية هذه الصلاة قضاء بشرط أن ~~يكون الوقت فائتا أجزأ، فالنية من حقها أن تكون مؤثرة في وجوه الأفعال ~~المختلفة فيخصص بعضها عن بعض، ولا شك أن الشرط من جملة الأوجه التي تقع ~~عليها النية فلهذا سوغنا وقوعها ودخولها عليها، فكما يصح وقوعها مطلقة يصح ~~وقوعها مشروطة. # فإن قال قائل: إن من حق النية أن تكون أمرا جزما، والشرط ms0391 إنما يدخل في ~~الأمور المشكوكة، ومن حق العبادات أن لا يدخلها الشك فلا يجوز دخول الشرط فيها. # فجوابه: أنا نقول: هذا فاسد، فإن أصل العبادات لا يتطرق إليها الشك وإنما ~~يعترض التردد في بعض أحوالها فليس من قال: أنا أصوم هذا اليوم إن كان من ~~رمضان فهو واجب وإن كان من شعبان فهو نفل. يقال: إنه قد شك في العبادة، ~~فإنه قد جزم الصوم وتردد في كونه واجبا أوغير واجب، فلا جرم أدخل الشرط في ~~الوجوب وعدمه، فما هذا حاله لا يكون شكا في أصل العبادة كما زعموه. # التقسيم الثاني باعتبار حكمها: إلى ما تكون واجبة وغير واجبة: PageV01P717 # فغير الواجبة: هي النيات المؤثرة في النوافل من الطاعات كالصلاة، والحج، ~~والصوم، وغير ذلك من النوافل، لأنها إذا كانت نوافل فالإرادة في حقها نفل أيضا. # فأما الواجبة فهي على وجهين: أداء وقضاء. # فالأداء يكون عبارة عما يكون مفعولا في وقته كالصلاة والصوم، فإنها مؤداة ~~في أوقات مخصوصة مقدرة لها، ولا تكون كذلك إلا بالنيات والإرادات. # وأما القضاء فهو عبارة عما فات وقته، وأدي مثله في وقت آخر كالصلاة ~~والصوم، فإن ما هذا حاله من العبادات المؤقتة بالأوقات إذا فاتت من غير ~~تأدية لها فيها فإن ما فعل في وقت آخر يكون قضاء بالشرع، فأما نية الأداء ~~فهي غير معتبرة فلا يحتاج إلى نية؛ لأن ظاهر الحال يقضي بكونها أداء فلهذا ~~لم تحتج إلى نية، وأما القضاء فلابد فيه من نية مخصوصة توجب كونه قضاء؛ لأن ~~له مزية مخصوصة، وهو أنه قد فات وقته فلابد من تخصيصه بالنية ليكون واقعا ~~عما في ذمته من القضاء، وسيأتي لهذا مزيد تقرير عند الكلام في كيفية تقرير النية. # التقسيم الثالث: باعتبار كونها شرطا في الفعل وغير شرط: # فنقول: الأفعال التي يتناولها التكليف بالإضافة إلى النية على نوعين: # أحدهما: غير مفتقر إلى النية، وهذا نحو عقود المعاوضات كالبيع والشراء، ~~والإجارة والسلم، وغير ذلك؛ لأن ما هذا حاله ليس من قبيل العبادات، فلهذا ~~لم يكن مفتقرا إلى النية ms0392 بحال. # وثانيهما: أن تكون مفتقرة إلى النية. وهذا هو العبادات كلها على اختلاف ~~أنواعها فإنها لا تكون عبادة إلا باعتبار كونها قربة، ولا قربة إلا مع نية ~~التقرب إلى الله تعالى بها. # ثم تنقسم العبادات المفتقرة إلى النية: إلى ما تكون وصلة وإلى ما تكون ~~مقصودة. # فالتي تكون مقصودة كالصلاة والصيام والحج، وغير ذلك من العبادات ~~المقصودة. PageV01P718 # وأما التي تكون وصلة فهذا نحو الوضوء والغسل، فإن هذه لا تراد لنفسها بخلاف ~~الأمور الأولى فإنها تراد لنفسها. وإنما تراد هذه لغيرها، فالوضوء يراد ~~للصلاة، والغسل يراد للصلاة وغيرها مع كونها معدودة في القرب، ولهذا افتقرت ~~إلى النية كلها كما مضى تقريره. # ولنقتصر على هذا القدر من تقسيم النية ففيه كفاية في مقدار ما يليق ~~بالمقاصد الفقهية في المضطربات الاجتهادية والله الموفق. # النظر الخامس: في كيفية تأثير النية في منويها. # اعلم أن هذا النظر هو عمدة النيات وعليه التدوار في أكثر مسائلها، ومنه ~~تنشأ الفروع الكثيرة والمسائل المتشعبة، وهو مشتمل على [ستة عشر فرعا] (1)، ~~نفصلها بمشيئة الله تعالى: # الفرع الأولى: هل تشترط النية في الوضوء أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها واجبة وأنها شرط في الوضوء لا يصح من دونها، وهذا هو ~~رأي أئمة العترة، وهو محكي عن الشافعي، ومالك، والليث. وبه قال ربيعة، ~~وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وهو قول أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) ~~من الصحابة (رضي الله عنهم). # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين }[البينة:5]. # ووجه الاحتجاج بهذه الآية: من وجهين: # أما أولا: فلأن قوله:{وما أمروا إلا ليعبدوا الله}.ولا شك أن العبادة من ~~جملة الأفعال التي تقع على أوجه مختلفة، ولا يمكن تخصيصها إلا بالنية، ~~فلهذا أوجبنا اعتبار النية لأجل كونها عبادة، والعبادة من حقها القربة، ~~والقربة لا تكون قربة إلا باشتراط النية. PageV01P719 # وثانيهما: قوله تعالى:{مخلصين له الدين}. والإخلاص لله تعالى بالفعل لا ~~يكون إلا بالنية؛ لأن حقيقة الإخلاص هو أن يقصد بالفعل وجه الله تعالى لا ~~يراد سواه، وهذا ms0393 إنما يكون بالنية لا غير، فلهذا وجب اعتبارها في الوضوء ~~بظاهر الآية. # الحجة الثانية: قوله : (( لا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ~~ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة )). # ووجه الاحتجاج بالخبر: هو أنه صرح بنفي العمل إلا بالنية، والمعلوم أن ~~العمل يوجد وإن لم تكن هناك نية، فدل على أن المراد: لا حكم للعمل إلا ~~بالنية. وذلك الحكم هو الإجزاء فنفى الإجزاء عند عدم النية، وهذا هو مرادنا ~~بكونه شرطا في الوضوء. # الحجة الثالثة: من جهة القياس وحاصلها: أنها طهارة عن حدث فوجب أن تكون ~~من شرط صحتها النية كالتيمم، أو نقول: طهارة موجبها في غير محل موجبها فكان ~~من شرطها النية كالتيمم، ويؤيد ما ذكرناه من تقرير قاعدة القياس، قول من ~~قال من علماء القياس لما فهم كثرة الموافقة بينهما، فلهذا وجب اشتراط النية ~~في الوضوء. # المذهب الثاني: أن النية غير واجبة في الوضوء ولا تشترط في إجزائه، وهذا ~~هو رأي أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: من جهة القياس، وحاصل ما قالوه: أنه أصل تستباح به ~~الصلاة فلم يكن مفتقرا إلى النية، كإزالة النجاسة وستر العورة، أو نقول: ~~طهارة بالماء فلا تفتقر إلى النية كإزالة النجاسة، ولهم أقيسة غير هذا ~~نستقصيها في الانتصار عليهم، وهذا المذهب يحكى عن سفيان الثوري. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من علماء الأمة. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم ونزيد ههنا حجتين: # الحجة الأولى: قوله عليه السلام: (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ~~ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت ~~هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه )). PageV01P720 # ووجه الاحتجاج بالخبر: من أوجه أربعة: # أحدها: قوله عليه السلام: (( إنما الأعمال بالنيات )) فإنه لم يرد أن صور ~~الأعمال لا توجد إلا بالنية؛ لأن صورها قد توجد من غير نية، وإنما أراد أن ~~حكم الأعمال لا توجد إلا بنية ومن حكمها الإجزاء، فقد دل ظاهر ms0394 الخبر على أن ~~العمل لا يجزي من غير نية وهو المقصود. # وثانيها: قوله : (( وإنما لكل امرئ ما نوى)). وإنما ظاهرها الحصر؛ لأنها ~~في معنى النفي والإثبات، والتقدير فيها: ما الأعمال إلا بالنيات، كقولك: ~~إنما العالم زيد، أي: ما العالم إلا زيد. فحاصلها: نفي جميع أحكام الأعمال ~~إلا بالنية. # وثالثها: قوله: (( وإنما لكل امرئ ما نوى)). # وهذا من أقوى أدلة الخطاب أعني ما كان مترددا بين النفي والإثبات، فحاصل ~~خطابه: أن كل ما ليس فيه نية فليس له [وجود عملي] أي أنه غير مجز له ولا ~~ثواب له عليه. # ورابعها: أن الخطاب وارد على سبب خاص، وذلك أن رجلا هاجر من مكة إلى ~~المدينة بسبب امرأة يقال لها: أم قيس، فبلغ ذلك رسول الله فقال: (( إنما ~~الأعمال بالنيات )).. الخبر إلى آخره، فأخبر أن الأعمال لا تكون قربة وطاعة ~~إلا بالقصد إلى الطاعة والقربة. # الحجة الثانية: قياسية، وتقريرها أن الوضوء عبادة محضة طريقها الأفعال، ~~فلم تصح من غير نية كالصلاة. # قولنا: عبادة؛ لأنه من جملة العبادات لقوله : (( الوضوء شطر الإيمان )). ~~وأراد بهذا أن الصلاة يقال لها: الإيمان، بدليل قوله تعالى:{وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم }[البقرة:143]. أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فلما كانت الصلاة ~~هي الإيمان وهي لا تصح من دون الوضوء، فلا جرم قال: (( الوضوء شطر ~~الإيمان)). يعني شطر الصلاة؛ لأن فعلها نصف وفعل الوضوء نصف. PageV01P721 # وقولنا: محضة. نحترز به عن العدة فإنها وإن كانت عبادة لا يعقل معناها فليس ~~الغرض بها براءة الرحم [فحسب]، ولهذا فإنه لو قال: إذا تيقنت براءة رحمك ~~فأنت طالق، فإنها تجب عليها العدة، فدل ذلك على كونها عبادة لا يعقل معناها ~~لكنها غير محضة، فلهذا لم تكن مفتقرة إلى النية، فلو اعتدت من غير نية ~~أجزأها الاعتداد كما سنوضحه(1). # وقولنا: طريقها الأعمال، نحترز به عن الخطبة في الجمعة فإنها تصح من غير ~~نية لما كان طريقها الأقوال، فتقرر بما ذكرناه اشتراط النية في الوضوء بما ~~أشرنا إليه من الأدلة. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه في ذلك. ms0395 # قالوا: أصل تستباح به الصلاة فلم يفتقر إلى النية، كستر العورة، وإزالة ~~النجاسة. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأن قولكم: أصل تستباح [به] الصلاة باطل، فإن الأصول والأبدال ~~مستوية في الافتقار إلى النية، كالعتق، والصوم، والظهر، والجمعة، وغير ذلك ~~من الأصول والأبدال، فلا وجه لتقييد عدم النية لكونه أصلا لما ذكرناه. # وأما ثانيا: فلأن ستر العورة لا نسلم أنه لا يفتقر إلى النية بل نقول: ~~إنه يفتقر، لكن نية الصلاة تشتمل عليه؛ لأنه من جملة الصلاة، كما تشتمل على ~~سائر أفعال الصلاة، فلهذا لم يحتج إلى تخصيص بالنية، ثم لو سلمنا أنه لا ~~يفتقر إلى النية؛ فلأنه ليس مقصودا للصلاة على الخصوص، بل كما يجب للصلاة ~~فهو واجب لغيرها. # وأما ثالثا: فلأن أقرب ما تمسكوا به قياسهم على غسل النجاسة وهو فاسد من ~~أوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن إزالة النجاسة نقل عين غير مستحقة فلم تفتقر إلى النية ~~كرد الوديعة، والوضوء تطهير حكمي فهو كالزكاة والصيام. PageV01P722 # وأما ثانيا: فلأن إزالة النجاسة من جملة التروك فلم تفتقر إلى النية(1)، ~~والوضوء من جملة الأفعال فافتقر إلى النية، ولهذا فإن تروك الصلاة لا تفتقر ~~إلى النية، كالمشي والكلام والضحك، وتفتقر أفعالها إلى النية كالقيام ~~والقعود والركوع والسجود؛ لكنه لا يلزم مداومتها، بل قد اندرجت تحت النية ~~الأولى، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه أن جميع التروك الشرعية غير مفتقرة إلى ~~النية كالزنا والغصب والسرقة، بخلاف الأفعال الشرعية فإنها كلها مفتقرة إلى ~~النية كالصلاة والصوم والحج وجميع العبادات. # وأما ثالثا: فلأنه لا تأثير للنية في النجاسة فلهذا بطل كونها مشترطة ~~فيها بخلاف الوضوء فإن للنية فيه تأثيرا، ولهذا فإنه لوصب الماء النجس على ~~الماء الطاهر صار نجسا نوى أو لم ينو. ولو صب الماء على الحدث ونوى كان ~~مستعملا ولم يجز التوضؤ به، على رأي من زعم ذلك. ولولم يكن ناويا لم يصر ~~مستعملا وجاز التوضؤ به، فظهر بما ذكرناه أن للنية مدخلا في الوضوء، وليس ~~لها مدخل في غسل النجاسة، فبان أنها مفارقة ms0396 للوضوء من هذه الأوجه فبطل ~~قياسه عليها. # قالوا: التيمم بدل ضعيف فلا جرم افتقر [إلى النية] كالكناية، والوضوء أصل ~~قوي فلهذا لم يكن مفتقرا إلى النية كالصريح. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV01P723 # أما أولا: فلأن الكناية إنما افتقرت إلى النية من أجل أنها تحتمل الطلاق ~~وغيره احتمالا واحدا، فلهذا افتقرت إلى النية لتخصيص أحد الاحتمالين إلى ~~الآخر، بخلاف الصريح فإنه نص في الطلاق لا يحتمل غيره فلم يكن مفتقرا إلى ~~النية، وهاهنا هو الوضوء كالتيمم في الافتقار إلى النية من أجل كونهما ~~طهارتين، بل نقول: التيمم أظهر في القربة من جهة أنه لا يفعل إلا عبادة، ~~بخلاف الوضوء فإنه قد يفعل للتبرد، فإذا كان التيمم مفتقرا إلى النية ~~فالوضوء أحق بذلك وأولى. # وأما ثانيا: فلأن المسح على الخف والمسح على الجبيرة قد اشتركا في كونهما ~~مسحين، كما اشترك الوضوء والتيمم في كونهما طهارتين، ولا شك أن المسح على ~~الخف على رأيكم أقوى، والمسح على الجبيرة بدل ضعيف، ومع ذلك فإنه لا يفتقر ~~إلى النية، فبطل ما توهموه من أن كل ما كان بدلا ضعيفا افتقر إلى النية. # قالوا: التيمم يقع تارة بدلا عن الطهارة الصغرى وهو الوضوء، وتارة يقع ~~بدلا عن الطهارة الكبرى وهو الغسل، بخلاف الوضوء فإنه لا يقع بدلا عن غيره، ~~فلما كان التيمم مختصا بالأمرين جميعا احتاج إلى النية؛ لتكون إحداهما ~~متميزة عن الأخرى، ولما كان الوضوء لا يقع إلا عن نفسه لم يكن مفتقرا إلى النية. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فمن جهة الفرق، وحاصله هو أن الوضوء لما كان هو رافع للحدث لا ~~جرم لم يكن إلا للطهارة الصغرى وهي طهارة الحدث، وهكذا الغسل فإنه لما كان ~~رافعا للحدث [الأصغر] كان رافعا للحدث الأكبر وهو الجنابة بخلاف التيمم، ~~فإنه غير رافع للحدث، ثم يستباح به ما كان محظورا؛ فلأجل هذا جاز أن يكون ~~بدلا عن الطهارتين جميعا بصفة واحدة فافترقا. # وأما ثانيا: فلأنه إذا كان حاجة التيمم إلى نية ليكون مميزا لإحدى ~~الطهارتين عن الأخرى، ms0397 فيجب أن يشترطوا نية التمييز، وعند أبي حنيفة: أنه لا ~~يحتاج التيمم إلى نية التمييز فبطل ما ظنوه. PageV01P724 # قالوا: التيمم وردت فيه الأدلة الشرعية بالنص على اشتراط النية، فيه حيث ~~قال تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا}[النساء:43]. ولا شك أن التيمم هو القصد، ~~والوضوء لم يرد فيه نص يكون مقتضيا للنية، ومن حق المنصوصات أن لا يقاس ~~بعضها على بعض؛ لأن النصوصية تمنع من جري القياس. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم التنصيص على النية في التيمم، وبيانه: ما تريدون ~~بقولكم إن التيمم ورد فيه النص على النية؟ فإن أردتم أنه قال: تيمموا، ولا ~~شك أن التيمم هو القصد، فهذا خطأ فإن هذا ليس نصا على النية التي نريدها في ~~الإجزاء للصلاة، فإنه قال:{فتيمموا صعيدا طيبا} والقصد إلى الصعيد ليس نية ~~شرعية مقصودة للصلاة، وإن أردتم أن التنصيص من جهة الفاء حيث قال:{فتيمموا ~~صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم} فرتب الفاء على ما قبلها، فليس هذا من قبيل ~~التنصيص على العلة، وإنما هو من قبيل الإيماء، وقد حصل في الوضوء ما هو ~~أقوى منه حيث قال تعالى:{إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}[المائدة:6]. ~~والغرض إذا قصدتم إلى الصلاة فاقصدوا إلى الغسل فيكون حالهما على جهة ~~الاستواء من غير تفرقة. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا أنه نص على القصد في التيمم، وعلى اعتباره فيه ~~ولم ينص على اعتبار النية في الوضوء، فجائز أن يقاس أحدهما على الآخر ~~كونهما طهارتين تؤدى بهما الصلاة، فإذا افتقر أحدهما إلى النية وجب في ~~الآخر مثله، ومن جهة أن كل عبادة افتقر بدلها إلى النية وجب افتقارها إلى ~~النية أيضا كالعتق مع الصوم في الكفارة عن الظهار. PageV01P725 # قولهم: المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض، إنما لا يقاس المنصوص على المنصوص ~~في الحكم الذي نص عليه، إذ لا فائدة في ذلك لأنهما جميعا ثابتان بالنص ~~فاستغنيا عن القياس، ولا شك أن النية في الوضوء غير منصوص عليها، فلهذا جاز ~~قياسه على التيمم بالجامع الذي ذكرناه فسقط ما زعموه. # الفرع ms0398 الثاني: في صفة النية، فإن نوى المتوضئ بوضوئه رفع الحدث، فهل ~~تجزيه هذه النية أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يرتفع حدثه ويؤدي به ما شاء من الصلوات، وهذا هو رأي ~~المؤيد بالله، وهو قول الشافعي وأصحابه، وأبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه إذا نوى رفع الحدث على الإطلاق أو الطهارة عن ~~الحدث فقد نوى ما هو المقصود، فيجب أن يؤدي به ما شاء من الصلوات؛ لأن ~~الغرض هو رفع الأحداث وزوالها بالطهارة عنها. # المذهب الثاني: أنه لو نوى رفع الحدث لم يكن رافعا للحدث ولم يؤد به شيئا ~~من الصلوات، وهذا هو الذي ذكره محمد بن يحيى، وهو اختيار السيدين: أبي طالب ~~وأبي العباس. # والحجة على ذلك: هو أن الواجب في الوضوء أن يكون له تعلق بالصلاة ~~واختصاص، بدليل قوله تعالى:{إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم}[المائدة:6]. لأن المراد فاغسلوا وجوهكم للصلاة التي قمتم إليها، ~~ولا شك أن القيام إنما يكون إلى صلاة معينة؛ لأنه في حالة واحدة أو وقت ~~واحد يستحيل أن يكون قائما إلى جميعها، ومن توضأ ونوى به رفع الحدث، فإنه ~~لا تعلق له بالصلاة بحال كما لو نوى التبرد به، أو نوى الطهارة من النجس. # والمختار: ما عول عليه المؤيد بالله وهو رأي الأكثر من علماء الأمة، ويدل ~~عليه ما حكيناه عنه، ونزيد هاهنا وجوها من القياس: # أما أولا: فلأن امتناع الصلاة إنما كان من أجل الحدث، فإذا نوى رفع الحدث ~~فقد نوى رفع ما يكون مانعا من الصلاة، فلهذا كان ذلك مجزيا في تأدية كل ~~صلاة من فرض أو نفل. PageV01P726 # وأما ثانيا: فلأن الإجماع منعقد على أن الخطاب في قوله تعالى:{يا أيها ~~الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا}. إنما يتناول المحدث دون من كان ~~على طهارة، فهو مخصوص بالإجماع أنه لا يجب عليه الوضوء، وعلى هذا يكون ~~التقدير في الآية: يا أيها الذي آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون ~~فاغسلوا، فرتب الفاء على قوله: وأنتم محدثون، وهي دالة على السببية، ms0399 وهذا ~~يقتضي بأن الحدث [حامل] على الوضوء وسبب فيه، وهذا يصدق ما قاله المؤيد ~~بالله من أن الحدث إذا نوي رفعه جازت به الصلوات كلها لما ذكرناه من أن ~~الحدث لابد من اعتباره في الوضوء بالإجماع. # وأما ثالثا: فلأن الحدث لما كان مبطلا للصلاة ناقضا للطهارة، فيجب أن ~~يكون الوضوء والتطهير مؤثرا في الطهارة وسببا في صحة الصلاة، فكيف يقال ~~بأنه لا تعلق للوضوء بالصلاة كما زعموه؟ والعجب ممن قال بأن رفع الحدث لا ~~تعلق له بالصلاة مع إشارة الآية إلى ذلك كما قررناه من إيمائها ولا تعلق ~~أعظم من إشارة اللفظ إليه، ولهذا فإن الإيماءات الشرعية في تقرير العلة تلو ~~للنصوص الشرعية عليها، وهي في الرتبة الثانية من بيان العلة، وقد أشارت إلى ~~اعتبار الوضوء في الصلاة وتعلقها به مع ما ذكرناه من وجوه المقاييس الدالة ~~على تعلقه بالصلاة وكونه مختصا بها. # الانتصار: يكون بإبطال ما عداه. # قالوا: الواجب في الوضوء أن يكون له تعلق بالصلاة، بدليل الآية وهي قوله: ~~{إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا}[المائدة:6]. وليس الغرض القيام إليها أجمع ~~ولا إلى صلاة مبهمة وإنما الغرض إلى صلاة معينة؛ فلهذا وجب تعيينها. ورفع ~~الحدث لا تعلق له بالصلاة. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV01P727 # أما أولا: فلأن اسم الصلاة اسم جنس لكونه مستغرقا باللام، وعلى هذا يكون ~~معنى الآية وفائدتها: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة}[المائدة:6]. أي صلاة كانت، إما مؤداة في وقتها أو مقضية، أوكانت ~~فرضا أو نفلا، فلابد من أن تكونوا على صفة الطهارة وشرطها، بأن تغسلوا ~~وجوهكم، إلى آخرها، فهذا هو الذي تشير إليه الآية، فأين هذا عن قولهم: إن ~~الصلاة لابد أن تكون معينة ليصح القصد إليها؟ والقصد صحيح إلى جميعها ~~بالاعتبار الذي أشرنا إليه. وكان يصح ما ذكروه من اعتبار قصد الوضوء لصلاة ~~معينة لو قال: إذا قمتم إلى الصلاة، أي وغرضكم الصلاة، فكان ذلك ظاهرا في ~~تخصيص النية لفرض مخصوص، فأما إذا جعل الصلاة غاية كما في ظاهر الآية حيث ~~قال:{إذا قمتم إلى ms0400 الصلاة} كما تقول: قمت إلى عملي، وقمت إلى شغلي، فتجعله ~~غاية، وانتهاء للفعل كما جعل القيام إلى الصلاة غاية للقيام وانتهائه، وعلى ~~هذا يكون اعتبار القصد بالوضوء لفرض معين غير معتبر من ظاهرها، فبطل قولهم: ~~إنه إذا نوى به فرضا معينا لم يجز أن يؤدي به فرضا آخر. # وأما ثانيا: فكيف يصح ما زعموه(1) من أن رفع الحدث لا تعلق له بالصلاة؟ ~~وأي تعلق أعظم من أنها لا تكون صحيحة إلا بوجوده وثبوته على شرائطه الشرعية ~~المعتبرة فيه، فمتى ارتفع الحدث فالصلاة صحيحة، ومتى لم يكن مرتفعا فلا وجه ~~للصلاة، فقد اطرد صحة الصلاة، وانعكس بشرط ارتفاع الحدث ووقوعه كما قررناه، ~~ولا تعلق أعظم من ذلك. # قالوا: من نوى بوضوئه رفع الحدث فقد نوى أمرا غير مختص بالصلاة، فيجب أن ~~لا يكون صحيحا، ولا ينعقد كما لو نوى به التبرد؛ لأنهما قد اجتمعا في ~~كونهما غير مختصين بالصلاة. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV01P728 # أما أولا: فلأنا قد أوضحنا وجه اطراد صحة الصلاة وانعكاسها برفع الحدث ~~وثبوته فأغنى عن إعادته. # وأما ثانيا: فلأنا نقول: ما تعنون بقولكم إن رفع الحدث لا تعلق له ~~بالصلاة فهو كالتبرد؟ فإن أردتم أن رفع الحدث مباح كما أن التبرد بالماء ~~مباح فهذا خطأ، فإن رفع الحدث قربة تعتبر في الصلاة بخلاف التبرد فإنه مباح ~~لا تعلق له بالقربة، وإن أردتم أن كل واحد من رفع الحدث والتبرد لا تعلق ~~لهما بعين الصلاة المؤداة المفروضة، فهذا مسلم ولا يضرنا، فإنا نقول: إن ~~رفع الحدث وإن كان غير متعلق بصلاة معينة فإنه إذا نوى به رفع الحدث فإنه ~~يصلح أن يؤدي به جميع الصلوات، وإن كان لا تعلق له بصلاة معينة مفروضة ولا ~~نافلة، بخلاف التبرد فإن غايته أمر مباح لا تعلق له بالقرب، فلهذا لم يكن ~~الوضوء المقصود به التبرد يصلح لتأدية شيء من الصلوات لعدم القربة فيه ~~فافترقا. # قالوا: من ينوي بوضوئه رفع الحدث فقد يكون بنية متعلقة بنفس الطهارة دون ~~أداء الصلاة بها بأن يكون ms0401 ناويا رفع الحدث فيكون على طهارة فقط، فلهذا ~~قلنا: إنه لا يجوز تأدية شيء من الصلوات إذا كان ناويا بوضوئه ذلك. PageV01P729 # قلنا: ليس يخلوا لحال إما أن ينوي الطهارة مطلقا أو ينوي الطهارة عن الحدث، ~~فإذا نوى الطهارة مطلقا لم يكن مجزيا له أن يؤدي بهذا الوضوء شيئا من ~~الصلوات؛ لأن الطهارة المطلقة لا تعلق لها بالصلوات كما لو نوى به التبرد، ~~وقد حكى البويطي عن الشافعي: أنه إذا نوى الطهارة المطلقة بوضوئه أجزأه، ~~والصحيح عند الأكثر من أصحاب الشافعي أنه لا يجزيه. وقالوا: إنما ذكره في ~~(البويطي) محمول على أنه نوى به الطهارة عن الحدث لا مطلق الطهارة، وإن ~~أراد الثاني وهو أنه نوى به الطهارة عن الحدث أجزأه لا محالة كما مر ~~تقريره؛ لأنه مع نية رفع الحدث لا يحتمل إلا الصلاة، بخلاف ما إذا أطلقه ~~فإنه كما يحتمل الصلاة فإنه محتمل لغيرها فافترقا، فوضح بما لخصناه: أنه ~~مهما نوى بوضوئه رفع الحدث فإنه يكون مجزيا لتأدية جميع الصلوات، ولولا أن ~~الأمارات الشرعية مختلفة باختلاف قرائح المجتهدين في مواقع الأنظار الفقهية ~~والمضطربات الاجتهادية فحالها كحال المغناطيس يجذب الحديد ولا يجذب الرصاص ~~والنحاس، لكنت شديد التعجب من نظر الإمام أبي طالب مع ما خصه الله تعالى به ~~من اتقاد القريحة وجودة الفطنة والرأي الموفق حيث قال: بأن الوضوء المقصود ~~به رفع الحدث لا يكون مجزيا لتأدية الصلاة على الإطلاق. # الفرع الثالث: في تقرير مسائل صفة النية على رأي المؤيد بالله. # إذا نوى المتوضئ بوضوئه رفع الحدث أو الطهارة عن الحدث أوالطهارة من أجل ~~الحدث أجزأه ذلك؛ لأنه قد نوى به المقصود فلهذا كان مجزيا له، فإن نوى ~~الطهارة المطلقة ولم ينو رفع الحدث لم يجزه؛ لأن الطهارة قد تقع عن حدث ~~وتقع عن نجس، فلابد من النية ليحصل الميز بينهما، فقد حكينا ما كان في ~~(البويطي) عن الشافعي وتأويل أصحابه له، وإن نوى المحدث بوضوئه رفع الجنابة ~~لم يجزه على رأي المؤيد بالله وهو أحد قولي الشافعي، وله قول ms0402 آخر: أنه يجزيه. PageV01P730 # والحجة على ما قلناه: أنه نوى غير ما هو المقصود فلم يكن مجزيا له كما لو ~~نوى به التبرد، وإن نوى الجنب رفع الحدث عن جميع بدنه اجزأه ذلك، وإن نوى ~~الجنب رفع الحدث الأصغر فهل يجزيه أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا يجزيه وضوؤه؛ لأنه نوى به غير منويها فلا يجزيه إذ ليس ~~هناك حدث أصغر مع وجود الأكبر. # وثانيهما: أنه يجزيه وهذا هو الأصح، ويرتفع الحدث عن أعضاء الوضوء لا ~~غير، لأنه إذا كان جنبا فهو محدث أيضا، فإذا رفع الحدث الأصغر أجزأه لكونه ~~متحققا في حقه. وإذا نوى الطهارة لأمر يتعذر وقوعه من غير طهارة أجزأه ذلك، ~~كأن ينوي بوضوئه الصلاة على الإطلاق أو صلاة الجنازة أو صلاة الضحى أو ~~الطواف أو سجود التلاوة أو سجود الشكر، على رأي من يعتبر الطهارة في هذه ~~الأمور، فإنه يرتفع حدثه من جهة أن فعل هذه الأشياء لا يصح من غير طهارة، ~~فإذا نوى الطهارة لها فقد تضمنت رفع الحدث، وإن نوى الطهارة لفعل يصح من ~~غير طهارة ولا تستحب فيه الطهارة كالأكل والشرب واللباس والدخول على ~~السلطان ودخول الحمام، وغير ذلك، لم يرتفع حدثه لأنه يستبيح فعل هذه ~~الأشياء من غير طهارة، فلأجل هذا لم تكن نيته لها متضمنة لرفع الحدث، وإن ~~نوى الطهارة لأمر يصح من غير طهارة؛ لكنه يستحب فيه الطهارة كقراءة القرآن، ~~والاعتكاف، ورواية الحديث، وغير ذلك، فالأقرب على رأي المؤيد بالله: أنه لا ~~يرتفع حدثه وهو أحد قولي الشافعي؛ وله قول آخر: أنه يرتفع حدثه لأنه يستحب ~~له فعل هذه الأمور وهو طاهر، فلهذا كانت نيته لها متضمنة رفع الحدث. PageV01P731 # والحجة على ما قلنا: هو أن فعل هذه الأشياء يصح من غير طهارة فلم تتضمن ~~نيته لها رفع الحدث كما لو نوى بوضوئه أكل الطعام، وإن نوى بوضوئه غسل يوم ~~الجمعة أجزأه ذلك؛ لأن غسل يوم الجمعة إنما يراد للصلاة، لقوله : (( من ~~توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل))(1). ms0403 فدل على أن الغسل ~~قائم مقام الوضوء، وإن نوى رفع الحدث والتبرد ففيه تردد والأقرب صحته، كما ~~قال الهادي عليه السلام: إن توضأ معلما للغير أجزأه الوضوء، وهو أحد قولي ~~الشافعي، وله قول آخر أنه لا يجزيه من جهة أنه أشرك في النية بين القربة ~~وغيرها. # والحجة على ما قلناه: وهو المنصوص للهادي، والشافعي: هو أنه قد نوى رفع ~~الحدث وضم إليه مالولم ينوه لحصل مقصوده، فصار كالصلاة ينوي بها الصلاة، ~~وينوي دفع خصمه باشتغاله، فكما أن ذلك لا يؤثر في الصلاة فهكذا ما نحن فيه، ~~وما ذكرناه أنه قول الهادي هو أنه إذا نوى مع نية الصلاة تعليم الغير لا ~~إذا نوى رفع الحدث. # الفرع الرابع: في تقرير مسائل صفة النية على رأي الإمام أبي طالب. PageV01P732 # إذا نوى بوضوئه أن يؤدي به فرضا على الإطلاق جاز أن يؤدي به ما شاء من ~~الفرائض؛ لأنه إذا نوى به فرضا مطلقا فالفرض عام وهو متعلق للوضوء، لأنه ~~مفعول لأجله فلهذا كان مجزيا له، ويجوز تأدية النفل به؛ لأن ما صلح للفرض ~~[فهو] صالح [للنفل] من جهة أن الفرض نفل وزيادة؛ لأن الفرض هو: ما ~~الأولى(1) فعله ولا يجوز تركه، والنفل هو: ما الأولى فعله ولا يحرم تركه، ~~فلما كان الفرض نفلا وزيادة جاز أن يؤدي بالوضوء الذي نوى به الفرض النافلة ~~لما ذكرناه، وإن نوى به فرضا معينا لم يجز أن يؤدي به فرضا آخر من [جهة] أن ~~هذه صلاة مفروضة لم ينوها بوضوئه، فيجب أن لا تكون صحيحة كما لو نوى ~~للتبرد، ويجوز تأدية النفل بهذا الوضوء لما ذكرناه من أن ما صلح للفرض فهو ~~بعينه صالح للنفل، ومن أجل أن النفل في المرتبة دون مرتبة الفرض، فإذا صلح ~~لتأدية الفرض المعين كان صالحا لتأدية النفل من غير تفرقة بينهما، وإن توضأ ~~بنية النفل فإنه لا يجوز أن يؤدي الفرض، من جهة أن الوضوء طهارة تستباح بها ~~الصلاة، فالمفعول بنية النفل لا يقع عن الفرض كالتيمم، ويجوز أن يؤدي به ms0404 ~~النفل؛ لأن ما صلح لتأدية النفل جاز أن يؤدى به نفل آخر لاندراجهما جميعا ~~تحت النافلة. PageV01P733 # ووجه آخر يبطل أن الوضوء للنفل لا يؤدى به الفرض: وهو أن الوضوء عبادة يبطل ~~بالحدث، فالمفعول بنية النفل لا يقع عن الفرض كالتيمم، فحاصل الأمر على ما ~~ذكره السيد أبوطالب: من أن الوضوء لابد من أن يكون له تعلق بالصلاة لقوله ~~تعالى:{إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}[المائدة:6].فالمراد به فاغسلوا ~~وجوهكم للصلاة التي تقومون إليها، والقيام إنما يكون إلى صلاة معينة؛ لأنه ~~يستحيل القيام إليها أجمع ويستحيل القيام إلى صلاة غير معينة، وإذا كان ~~القيام مأمورا به إلى صلاة معينة وجب في الوضوء أن يكون مخصوصا بها موقوفا ~~في الصحة والثبوت عليها، وعلى هذا لا يجوز أن يؤدي به فرضا آخر، ويجوز ~~تأدية النافلة، وإن نوى وضوءه للنفل فإنه يجوز أن يؤدي [به] نافلة أخرى من ~~جهة أن النوافل متسعة وللشرع فيها تساهل، فهكذا يكون تقرير كلام السيد أبي ~~طالب فيما قاله. وقد أجبنا عن الكلمات التي أوردوها في تقرير هذه القاعدة ~~وأوضحنا الانتصار عليها فأغنى عن التكرير. # الفرع الخامس: في تفريق النية: # اعلم أن المراد بتفريق النية في ألسنة الفقهاء: هو إفراد النية لغسل كل ~~عضو من غير نية لغسل ما بعده، ومثاله: أن ينوي بالمضمضة والاستنشاق، ثم ~~ينوي غسل الوجه، ثم اليدين، ثم الرجلين، فهذا معنى تفريق النية على ~~اصطلاحهم. وهل يكون ذلك جائزا أم لا؟ فيه لأصحاب الشافعي وجهان: # أحدهما: أنه لا يجزيه ذلك من جهة أن الطهارة عبادة واحدة فلم يصح تفريق ~~النية [فيها] كالصلاة والصوم. # وثانيهما: أن ذلك صحيح ويكون مجزيا؛ لأن تفريق النية باعتبار أعضاء ~~الوضوء لا تبطل ما فعله أولا منها، فلهذا كان مجزيا، وهذا هو الذي عليه ~~أئمة العترة أن النية إذا حصلت أولا في أول أعضاء الوضوء فإنها تكون مجزية؛ ~~لأنها تكون مسترسلة بحكم الشرع على جميع أعضاء الطهارة، وأما إذا كرر النية ~~فذلك معنى الاستصحاب. PageV01P734 # والحجة على ذلك: هو أن المقصود من نية الوضوء ms0405 أن يكون مرادا به القربة ~~وتأدية الصلاة، وهذا حاصل بالنية في أوله فلا يفسدها تكريرها، ولأنه لا ~~يحصل بالإرادة الثانية إلا ما كان حاصلا بالأولى فلا مانع من تكريرها، وهذا ~~هو الذي عليه أكثر العلماء. # وما يحكى عن المتكلمين من المعتزلة البغدادية والبصرية: من أن المصلي ~~يحتاج إلى أن ينوي القربة لكل ركن من أركان الصلاة والصوم والوضوء والحج ~~وسائر العبادات، فليس ذلك منهم على جهة الاشتراط في الإجزاء، فهذا لا دليل ~~عليه، وإنما الغرض هو تكثير الثواب بتجديد النية في كل عضو من أعضاء ~~الطهارة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن تفريقها على الأعضاء جائز، وأن ذلك ~~ليس على جهة الشرط في الإجزاء فلا دليل عليه ولا برهان من جهة الشرع بحال. # نعم.. استدامتها وتكريرها في كل وقت تفعل فيه عند غسل كل عضو، يكون ~~مستحبا لقوله عليه السلام: (( نية المؤمن خير من عمله ونية الفاسق شر من ~~عمله)). وإنما كانت أحسن من العمل لما يحصل فيها من مضاعفة الثواب والأجر، ~~ومن أجل أن العمل يكون متصلحا بها، فمن أجل ذلك كانت خيرا من العمل لا من ~~أجل أن العبادة مفتقرة في صحتها وإجزائها إلى تكريرها ودوامها. # الفرع السادس: في عزوب النية: # العزوب: هو البعد والانقطاع يقال: عزبت الإبل: إذا بعدت عن مراحاتها، ~~وعزب فلان يعزب: إذا بعد وغاب، وعزب عن فلان حلمه: إذا بعد عنه. # واعلم أن كل من أحدث نية الوضوء في أول أعضائه على حد اختلافهم في الأول ~~منها كما مر تقريره، فإذا نوى عند غسل الوجه مثلا ثم عزبت نيته أي انقطعت ~~فلم يجددها مرة بعد مرة أجزأه ذلك؛ لأنه إذا نوى الوضوء في الابتداء ثم ~~عزبت نيته بعد إحداثها، ثم غسل باقي الأعضاء، فإن الوضوء يكون مجزيا له، ما ~~لم يصرفها عن منويها. PageV01P735 # والحجة على ذلك: هو أنه فاعل لغسل باقي الأعضاء، والفعل من الفاعل لا يقع ~~إلا لغرض، ولا شك أنه لم يحصل تجدد غرض آخر يكون مصروفا إليه، فلهذا وجب ~~اندراجه تحت ms0406 الغرض الأول بحكم الشرع. قال السيد أبو العباس: فإن عزبت نيته ~~أجزأه ذلك ما لم يصرفها عن منويها، يشير بكلامه إلى التلخيص الذي ذكرناه، ~~فإن كان عند عزوب النية وانقطاعها صرفها عن منويها بأن أحدث إرادة مخالفة ~~للأولى في متعلقها فسيأتي تقرير حكمه، وهو أنه يرجع إلى العضو الذي غير ~~عنده النية فيستأنف غسله مطابقة للنية السابقة من غير مخالفة لها. # فإن قال قائل: قد ذكرتم فيما سلف أنه إذا نوى الوضوء مع التبرد فإن النية ~~تكون مجزئة له في الوضوء ولا يضر مضامة النية ما ليس بقربة، فهلا كانت ~~النية الأولى كافية، وإن قطعها بنية التبرد في بعض أعضائه، فما التفرقة ~~بينهما؟ # قلنا: التفرقة ظاهرة، فإنه إذا ضم نية التبرد إلى نية رفع الحدث فقد ~~نواهما جميعا وفي ذلك تأدية غرضه من العبادة، فلهذا كان مجزيا له، بخلاف ما ~~إذا نوى الحدث في أعضاء الوضوء ثم إنه نوى التبرد في بعضها فإنه إذا نوى ~~التبرد فقد انتقل غرضه ولم تكن إضافته إلى الغرض الأول؛ لأجل كونه مستقلا ~~بنفسه لاستغنائه عنه، ويفارق ما إذا لم ينو فإنه يكون مندرجا تحت الأول، ~~ويفارق ما إذا نواهما كما قررناه فافترقا. # الفرع السابع: وإن غسل كفيه ونوى الوضوء عند غسلهما ثم عزبت نيته قبل ~~المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه، فهل يجزيه الوضوء أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه يجزيه ذلك، وهذا هو رأي أحمد بن يحيى، ورواية عن القاسم، فهو ~~إذا نوى عند غسلهما أجزأه ذلك لأنهما أول أعضاء الوضوء عنده، كما لو نوى ~~غسل الوجه وسنقرر حكمهما من بعد بمعونة الله تعالى. PageV01P736 # وثانيهما: أنه إذا نوى عند غسلهما ثم عزبت نيته عند غسل الوجه أو المضمضة ~~والاستنشاق لم تكن مجزية له هذه النية في وضوئه، وهذا هو رأي السيدين ~~الإمامين الأخوين، وغيرهما من علماء العترة. # والحجة على ذلك: هو أنه أحدث النية في غير موضعها ثم عزبت عنه عند ~~اشتغاله بأول أعضاء الطهارة، فلم يكن ذلك مجزيا له كما لو نوى عند خروجه ms0407 من ~~منزله ثم عزبت نيته عند اشتغاله بأول أعضاء الوضوء. # وإن أحدث نية وضوئه عند المضمضة والاستنشاق ثم عزبت نيته قبل غسل الوجه، ~~فهل تكون تلك النية مجزئة أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنها مجزئة سواء عزبت نيته قبل غسل جزء من أجزاء الوجه أو بعده، ~~وهذا هو رأي المؤيد بالله؛ وغيره من علماء العترة. # والحجة على ذلك: هو أنه قد أحدث النية في أول عضو من أعضاء الوضوء ثم ~~عزبت عنه بعد شروعه فيهما، فيجب أن يكون ذلك مجزيا في الوضوء كما لو أحدثها ~~عند غسل الوجه، ثم عزبت عنه قبل غسل اليدين، ولأن محل النية هو أول الأعضاء ~~ولا يلزم استمرارها، فانقطاعها وعزوبها لا يطرق خللا في النية الأولى كما ~~لو غسل الوجه وعزبت نيته بعد ذلك. # وثانيهما: أنه ينظر في ذلك، وهذا هو المحكي عن الشافعي، فإن كان قد نوى ~~الوضوء عند المضمضة والاستنشاق ثم عزبت نيته وانقطعت بعد غسل جزء من وجهه ~~نحو غسل رأس الأنف أو شق الشفة بنيته غسل الوجه، اجزأه ذلك ولم يؤثر انقطاع ~~النية بعد ذلك؛ لأنها وجدت مع أول فرض من فروض الطهارة، وإن غسل جزءا من ~~الوجه لا بهذه النية فهل يجزي أم لا؟ فيه لهم وجهان: # أحدهما: أنه يجزيه، لأنه فعل مشروع في الوضوء فإذا عزبت نيته عنده أجزأه ~~كغسل الوجه. # وثانيهما: أنه لا يجزيه، وهو الأصح من قولي الشافعي عند أصحابه؛ لأن نيته ~~عزبت قبل غسل المفروض فلم تجز كما لو عزبت نيته عند غسل الكف، ثم لو عزبت ~~نيته وانقطعت بعد غسل الكف فهل تكون مجزية أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها مجزية كما قاله أحمد بن يحيى. PageV01P737 # وثانيهما: أنها غير مجزية كما قاله المؤيد بالله، وقد قدمنا ذكر التوجيه في ~~الوجهين فلا حاجة إلى تكريره. # الفرع الثامن: في صرف النية: # اعلم أن كل من نوى في أول عضو من أعضاء الطهارة، رفع الحدث أو تأدية ~~الصلاة على الإطلاق، ثم صرف نيته عن هذه الجهة وغيرها عنها ms0408 نظرت، فإن كان ~~صرفه للنية من جهة العبادة إلى جهة المباح كأن يغسل بعض أعضائه بنية رفع ~~الحدث وبعضها بنية التبرد أو بنية التنظيف عن الأدران، فإذا فعل ذلك فإنه ~~يجب عليه أن يعود إلى الموضع الذي صرف النية فيه فيعيد غسله، وما بعده بنية ~~مستأنفة مطابقة للنية الأولى. # والحجة على ذلك: هو أن النية معتبرة في الوضوء كما أسلفنا تقريره فإذا ~~صرفها إلى ما ذكرناه فقد أخرجه عن نية القربة، فلهذا لم يكن مجزيا إلا ~~بالإعادة فيما صرف منه النية ليكون الوضوء كاملا على الوجه المشروع لتأدية ~~الصلاة، ولا يلزمه غسل ما قد كان غسله بالنية المتقدمة؛ لأنها مطابقة ~~للمقصود فلا وجه لإعادتها. # وإن كان صرفه للنية من جهة من العبادة إلى جهة أخرى نظرت، فإن صرفها من ~~فرض إلى نفل أومن فرض إلى فرض فهل تكون النية مجزية أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنها مجزية مع هذا النوع من الصرف، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ~~وهو محكي عن الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن ما ذكرناه لا يطرق خللا في أصل النية؛ لأنه لو نوى ~~هذه الأمور في أول أعضاء الوضوء كان مجزيا فهكذا إذا وقع الصرف والتغيير ~~إليها يكون مجزيا أيضا. # وثانيهما: أنه إن أراد بهذا الوضوء تأدية النوافل جاز ذلك وإن أراد به ~~تأدية الفرائض لم يجز ويلزمه العود إلى العضو الذي غير فيه النية، فيغسله ~~وما بعده بنية الفرض، وهذا هو رأي السيد أبي طالب. PageV01P738 # والحجة على ذلك: هو أن ما قررناه من قبل من أن للوضوء خصوصا بالصلاة ~~المفعولة فإذا عينه لفرض تعين له ولم يجز تأدية فرض آخر به، وإن عينه لفرض ~~جاز تأدية النفل به كما مر تقريره، فإن أراد الفرض الأول وجب أن يعود إلى ~~العضو الذي غير النية عنده ثم يستأنف غسله وما بعده بنية مستأنفة، وإن أراد ~~الفرض الثاني وجب إعادة الوضوء من الأصل ليكون الوضوء مؤدى على حالته ~~المشروعة. # الفرع التاسع: في قطع النية، وإذا فرغ من الوضوء ms0409 بنيته، ثم نوى قطعه فهل ~~تبطل الطهارة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: وهو المشهو ر لأصحاب الشافعي، أن الطهارة لا تبطل؛ لأنها عبادة ~~فلم تبطل بنية القطع لها كالصلاة بعد فراغه منها. # وثانيهما: أنها تبطل، وهذا هو الذي ذكره بعض أصحابه؛ لأنه نوى قطعها فوجب ~~أن تبطل كما لو ارتد. # والمختار على رأي أئمة العترة: أن الطهارة لا تبطل بهذه النية، لقوله ~~تعالى:{ولا تبطلوا أعمالكم}[محمد:33]. وقوله تعالى:{ولا تكونوا كالتي نقضت ~~غزلها من بعد قوة أنكاثا}[النحل:92]. ولأنه قد تقرر الوضوء بحكمه وإجزائه، ~~والنية لا تأثير لها في إبطال الأعمال الصحيحة؛ لأن النية لا تكون مؤثرة ~~إلا في الأعمال المستقبلة، ولا تكون مؤثرة بانعطافها على ما قبل إلا بدلالة ~~شرعية؛ ولا دلالة هاهنا تدل على ذلك، فبطل حكمه. # وإن غسل بعض أعضائه ثم نوى قطع الطهارة ففيه وجهان أيضا: # أحدهما: أنها تبطل، كما لو نوى قطعها بعد الفراغ منها. # وثانيهما: أنها لا تبطل، وهذا هو المختار على رأي أئمة العترة؛ لأن ما ~~مضى قد تم لاستكمال شرائطه، فورود القطع عليه لا يبطل حكمه بعد ثبوته ~~واستقراره ولا يبطل إلا بالحدث. PageV01P739 # فإن قال قائل: قد ذكرتم فيما سبق أنه لو نوى بوضوئه رفع الحدث والتبرد جاز ~~ذلك، وجاز تأدية الصلاة بهذا الوضوء، فلو نوى بصلاته الفرض والتطوع وفي ~~صومه كذلك [فيلزم] أن يكون مجزيا، وإن منعتم من ذلك فما التفرقة بينهما؟ # فجوابه: أنا نمنع من صحة ذلك في الصوم والصلاة، والتفرقة بينهما وبين ~~الوضوء ظاهرة، وهو أن التبرد لا يفتقر إلى نية فلو غسل أعضاءه حصل التبرد ~~وإن لم تكن هناك نية، فإذا أشرك بين الوضوء والتبرد لم يكن ذلك الاشتراك ~~مؤثرا في نيته بخلاف صلاة الفرض والنفل فإن كل واحد منهما يحتاج إلى نية ~~مستقلة بنفسها فكانا متغايرين، فلهذا كان الاشتراك مانعا فافترقا. ونظير ما ~~ذكرناه: أنه لو صلى وقصد بالصلاة دفع خصومة غيره فإن صلاته تكون صحيحة من ~~جهة أن قطع خصومة غيره لا تفتقر إلى نية، فلهذا لم يكن بينهما ms0410 تغاير فلهذا ~~كان جائزا. # الفرع العاشر: في حكم الأحداث إذا نوى رفع بعضها: # اعلم أن كل من أحدث أحداثا في بعض الطهارة ونوى عند وضوئه رفعها ارتفعت؛ ~~لأنه قد نوى رفعها فوجب ارتفاعها بحكم الشرع، وإن نوى رفع بعضها من غير ~~تعيين لواحد منها وإبقاء غيره فهل يصح هذا الوضوء أم لا؟ فيه أربعة أوجه ~~لأصحاب الشافعي: # أحدها: أنه لا يصح وضوؤه؛ لأنه لم ينو رفع الأحداث كلها، والأعمال ~~بالنيات ولكل امرئ ما نوى. # وثانيها: أنه إذا نوى رفع الحدث الأول ارتفع الجميع منها، وإن نوى غيره ~~لم يصح وضوؤه؛ لأن الذي أوجب الطهارة هو الأول فإذا نواه ارتفع الجميع. # وثالثها: أنه إذا نوى رفع الحدث الآخر ارتفع الجميع وإن نوى غيره لم يصح؛ ~~لأنها تتداخل فيكون الحكم في التأثير في بعض الوضوء لآخرها. # ورابعها: أنه يصح وضوؤه وهذا هو المختار على رأي أئمة العترة؛ لأن ~~الأحداث متداخلة فإذا نوى رفع واحد منها لا بعينه ارتفع الجميع. PageV01P740 # ومن وجه آخر: وهو أن الواحد منها لا بعينه لما كان مؤثرا في نقض الطهارة ~~فيجب أن تكون نية رفع واحد منها لا بعينه، مؤثرة في انعقاد الوضوء لا ~~محالة، وإن نوى رفع واحد منها بعينه كان مجزيا على رأي أئمة العترة؛ لأن ~~الوضوء غير مختص بنوع دون نوع مع صلاحيته وأهليته لرفع الحدث على جهة ~~الإطلاق، وإن صلى بوضوئه صلاة بعينها ولا يصلي به غيرها، ففيه ثلاثة أوجه ~~لأصحاب الشافعي: # أحدها: أنه يرتفع حدثه للصلاة التي عينها دون غيرها، وهذا هو الذي يأتي ~~على رأي الإمام أبي طالب. # والحجة على ذلك: قوله : (( الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى )). ونيته ~~قد قصرها على ما ذكرناه فيجب كونها مقصورة عليه. # وثانيها: أنه يرتفع حدثه في حق جميع الصلوات، وهذا هو الذي يأتي على رأي ~~الإمام المؤيد بالله. # والحجة على ذلك: هو أنه لما نوى صلاة بعينها ارتفع حدثه في حق الجميع من ~~الصلوات، ونيته أن لا يصلي غيرها لا حكم له فيصير كما لو ms0411 نوى قطع الصلاة ~~بعد الفراغ منها. # وثالثها: أنه لا يصح وضوؤه؛ لأنه لم ينو نية صحيحة وهذا لا وجه له؛ لأنه ~~مهما أمكن لهذه النية محمل على الصحة فلا حاجة إلى إبطالها مع إمكان صحتها. PageV01P741 # الفرع الحادي عشر: إذا نوى ليعلم غيره فهل يجزيه لتأدية الصلاة أم لا؟ ينظر ~~فيه، فإن لم يكن نوى رفع الحدث لم يكن مجزيا له للصلاة لما رواه عبد خير ) ~~عن أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) قال: صلى بنا [أمير المؤمنين] صلاة ~~الغداة ثم دخل الرحبة يعني ساحة المسجد فدعا بماء، فقلنا: ما يصنع بالطهور ~~وقد صلى، ما يريد إلا ليعلمنا، فأفرغ على يده من الإناء ثم غسل كفيه إلى ~~آخر الحديث(2). فظاهر الحديث أنه دال على أنه لم يرد بالوضوء إلا تعليم ~~الناس وضوء رسول الله ، ولهذا قال في آخر الحديث: من سره أن يعلم وضوء رسول ~~الله فهو هذا، ولهذا فإنه لم يرو أنه صلى بهذا الوضوء شيئا من الصلوات لما ~~نوى به التعليم لا غير، ولهذا جعله PageV01P742 بعد فراغه من تأدية المكتوبة ليكون خاصا للتعليم، وسنقرر الحديث في صفة ~~الوضوء بمعونة الله تعالى. # وإن قصد به رفع الحدث مع تعليم الغير أجزأ ذلك وجاز تأدية الصلاة به، لما ~~روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه سئل [عن] الوضوء فدعا بماء فمال إلى ~~الميضاة فأفرغ على يده اليمنى ثم غسل أعضاءه كلها حتى ختم بغسل رجله ~~اليسرى، ثم قال بعد ذلك: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله ~~يتوضأ، ثم قال(1): (( من توضأ وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه ~~غفر الله له ما تقدم من ذنبه ))(2). فدل ظاهر الحديث، أنه نوى مع تعليم ~~الغير رفع الحدث عن نفسه، ولهذا صلى بعده هذه الصلاة فمطلق التعليم لا يكفي ~~من غير نية، وإذا نوى به رفع الحدث أجزأ لتأدية الصلاة وإن اقترن به ~~التعليم. # الفرع الثاني عشر: إذا وضأ الرجل غيره صح وضوؤه عند أئمة العترة والأكثر ~~من فقهاء ms0412 الأمة، خلافا لداود فإنه منع من ذلك، وقال: إنه غير مجز له. # وحجته على ذلك: قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا}[المائدة:6]. ~~وهذا خطاب لهم بإيجاب الغسل عليهم دون غيرهم، وما ذكره فاسد لأمرين: PageV01P743 # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن قوله:{فاغسلوا}. خطاب للمتوضئين على الخصوص بل ~~هو خطاب للمتوضئ بنفسه، ولمن يكون آمرا بالوضوء، ولمن يكون له عناية ~~بتحصيله، فإنه عام فيهما جميعا(1) صالح لهما كما في قوله تعالى: {فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء }[النساء:3]. فإنه لا فرق بين أن يعقد وبين أن يوكل ~~من يعقد، في كونه ناكحا في الأمرين جميعا، وكقوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل ~~}[الطلاق:2]. فإنه لا فرق بين أن يشهد أو يأمر من يشهد في كونه مشهدا. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا أنه خطاب للمتوضئين بأنفسهم، لكنا نقول: إنما ~~جرى ذلك على جهة ما ألف من العادة واطرد على منهاج الكثرة، في أن المتوضئ ~~في الأغلب إنما هو الإنسان لنفسه دون غيره، فإنما يجري ذلك على جهة الندرة ~~لمرض أو غيره، وليس على جهة الاشتراط فلا يكون محرما إذا وضأه غيره. # والحجة على ما قلناه: هو أن فعل المتوضئ ليس مقصودا، ولهذا فإن الإجماع ~~منعقد على أن من قعد تحت ميزاب أو مرت به جرية الماء ثم نوى الغسل أو ~~الوضوء فإنه يكون مجزيا له لا محالة، فما ذكرناه من هذا الإجماع يبين أن ~~المقصود تحصيل الغسل والعناية فيه دون تعيين الفعل بنفسه، كما قاله داود. PageV01P744 # الفرع الثالث عشر: قال السيد الإمام أبو طالب: إذا توضأ بنية الفرض على ~~الإطلاق جاز أن يؤدي به النفل وإن لم ينوه، فإن كان الغسل واجبا عليه ~~فاغتسل بنية الواجب فإنه لا يجزي عن النفل إلا إذا نواه، وهذا نحو أن يغتسل ~~واجبا للجنابة يوم الجمعة أو يوم العيد فإنه إن نوى الجمعة أو العيد مع نية ~~الجنابة أجزأه عن الجميع، وإن لم ينولم يجزه إلا عن الجنابة لا غير، ~~والتفرقة بينهما ظاهرة، وحاصلها أن الوضوء سبب يتوصل به ms0413 إلى تأدية الفرض ~~والنفل جميعا، فإذا نوى به الفرض كان النفل مندرجا تحته؛ لأن الفرض نفل ~~وزيادة فلهذا لم يكن النفل مفتقرا إلى نية تخصه، فإذا نوى بوضوئه الفرض ~~مطلقا جاز تأدية النوافل به من غير نية بما ذكرناه، بخلاف واجب الغسل ~~ومسنونه فإنه إذا اغتسل للجنابة فلم تندرج تحته الجمعة والعيد إلا بنية ~~محدودة لما كان الغسلان طهارتين حاصلتين على جهة الاستقلال فلم يكن أحدهما ~~مندرجا تحت الآخر إلا بنية خاصة، فالغسلان يخالفان الوضوء للفرض والنفل بما ~~أشرنا إليه وليس الغسلان وزانا للوضوء(1) للفرض والنفل، وإنما وزانه أنه لو ~~اغتسل من الجنابة لتأدية فريضة من الفرائض جاز أن يؤدي ما شاء من النوافل ~~ويكون مندرجا تحتها كما ذكرناه في الوضوء للفرض والنفل. # الفرع الرابع عشر: طهارة الصبي هل تكون شرعية أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها غير شرعية، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة، ~~والرواية الصحيحة عن المؤيد بالله، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه. PageV01P745 # والحجة على ذلك: قوله عليه السلام: (( رفع القلم عن ثلاثة: ، عن الصبي حتى ~~يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق ))(1). ولا يعني برفع ~~القلم إلا أنه [لا] يثاب على فعلها ولا يعاقب على تركها، فلأجل هذا لم يكن ~~مخاطبا بها. # المذهب الثاني: أنها طهارة في حقه شرعية، وهذا هو المحكي عن المؤيد بالله ~~أولا، وهو رأي الشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: قوله : (( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم وهم أبناء عشر ))(2). # ووجه الاحتجاج بهذا الخبر: هو أنه عليه السلام أمر بأن يؤمروا وهم في سن ~~السبع ونضربهم وهم أبناء عشر، فلولا أن ما يفعلونه صلاة شرعية وإلا لما فعل ~~ذلك. ولا شك أن الصلاة من شرطها الطهارة، فإذا كانت صلاتهم شرعية كانت ~~طهارتهم أيضا شرعية من غير تفرقة بينهما؛ إذ لا قائل بالفرق(3). # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من أنهم غير مخاطبين بالطهارة. # والحجة: ما حكيناه عنهم؛ ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: هو أن الوضوء عبادة، ونية العبادة مشترطة في صحتها، ms0414 ولا ~~تصح من جهته العبادة؛ لأنه ناقص العقل فأشبه المجنون. # الحجة الثانية: هو أن الوضوء عبادة بدنية، فوجب أن لا تكون صحيحة من جهة ~~الصبي كالصوم والحج، ولأنه غير كامل العقل فوجب أن لا يصح منه فعل الطهارة ~~كالذي يكون في الحولين. PageV01P746 # الانتصار: يكون بإبطال ما عولوا عليه. # قالوا: روي عن رسول الله : (( مروهم وهم أبناء سبع واضربوهم وهم أبناء عشر)). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المراد بذلك المراهقون الذين يعقل منهم الاحتلام وكمال ~~العقل، ومن هذه حاله فلا مخالفة فيه؛ لأن من هذه حاله فيمكن أن يكون كامل ~~العقل مكلفا بالعلم بالله تعالى وتصديق رسله، فإذا لم يفعل ذلك ومات فإنه ~~يموت كافرا عندالله أو مؤمنا، وإنما الخلاف في من لا يعقل من حاله ذلك بأن ~~يكون ابن خمس أو سبع أو ما دون ذلك ممن لا يعقل منه الفعل ولا يتصور منه بحال. # وأما ثانيا: فلأنا نقول: المراد بالحديث المروي إنما هو على جهة التمرين ~~والتعويد كيلا يتساهلوا في ترك(1) الصلاة ويميلوا إلى اللعب، والمراد بذلك ~~أمر الأولياء وليس في الحقيقة أمرا لهم؛ لأنهم لا يعقلون الشرع ولا يفهمون ~~أوامره، ومن لا يكون صالحا للفهم فإنه لا يخاطب بالتفهيم ومن لا يكون عاقلا ~~فإنه لا يكون مخاطبا بالأمور الشرعية لأن العقل ملاكها وشرط فيها. # قالوا: روى ابن عباس قال: كنت بائتا عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله ~~من الليل فأطلق القربة فتوضأ ثم أوكأ القربة وقام إلى الصلاة، فقمت عن ~~يساره فأخذ بيميني وأدارني من ورائه فقمت عن يمينه(2)، فلولا أن طهارته ~~صحيحة وإلا لما كان هناك حاجة تحمل على إدارته؛ إذ لا طهارة له، وإذا كان ~~لا طهارة له فلا صلاة في حقه شرعية، فلما فعل ذلك دل على كون طهارته طهارة ~~شرعية وهو المقصود. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فمن أين أن ابن عباس لم يكن مراهقا في سن البلوغ؟ فإذا كان هذا ~~ممكنا في حقه لم يكن فيما ذكروه دلالة؛ لأن هذا ms0415 مسلم، وإنما الكلام فيمن ~~يكون صغيرا لا يعقل البلوغ في حقه، وعلى هذا لا تعقل منه الطهارة ولا ~~الصلاة. PageV01P747 # وأما ثانيا: فلأنا نقول: هل كان ابن عباس في ذلك اليوم مراهقا كامل العقل ~~أو غير ذلك؟ فإن كان بالغا كامل العقل فلا كلام، إذ لا حجة لهم فيه، وإن ~~كان غير بالغ ولا كامل العقل فإنما فعل في حقه مع تحقق صغره بيانا وتعريفا ~~لأحكام الشرع، وأن الأطفال يعاملون في هذه الأحكام معاملة البالغين ~~العقلاء، فلهذا عامل ابن عباس مع صغره هذه المعاملة، من أجل تعليم أحكام ~~الشرع لا من جهة أن طهارته طهارة شرعية، وأن صلاته صلاة شرعية، وإنما ~~المقصود أنه لو كان كبيرا لكان حاله على مثل تلك الحالة، ولا يمكن أن يقال ~~لهم: إن قضية ابن عباس لعلها كانت في صدر الإسلام، ثم نسخت بعد ذلك لأن ما ~~هذا حاله دأب العجزة، إذ لا يقدم على الدليل الشرعي بالنسخ إلا بدلالة ~~وبصيرة تدل على ذلك، فأما دعوى النسخ بالتجويز فهذا ما لا يلتفت إليه. # قالوا: رفع الحدث يمكن تأديته من جهة الصبي، وإذا كان الأمر كما قلناه ~~كانت طهارته صحيحة وهذا هو مرادنا، ولهذا قال الإمام المؤيد بالله: والصبي ~~إذا توضأ لإزالة الحدث صحت طهارته، فلو بلغ هذه الحالة جاز له أن يؤدي ~~الصلاة المفروضة بتلك الطهارة. PageV01P748 # قلنا: ما تريدون بقولكم إن رفع الحدث يمكن تأديته من جهة الصبي؟ فإن أردتم ~~أن غسل هذه الأعضاء من جهته ممكن فهذا مسلم ولا نزاع فيه، وإن أردتم أن ~~إثباتها من جهته على الشرط الشرعي ممكن فهذا غير مسلم، فإن من شرطها مقارنة ~~النية، والنية إنما تعقل من حق من كان مكلفا عاقلا يقصد بها القربة ويجعلها ~~خالصة لوجه الله تعالى، وهذا غير حاصل من جهة الصبي؛ لأنه لا يعرف الله ~~تعالى فضلا عن أن يقصد بها وجهه، ولا يمكنه تأدية المعارف العقلية من العلم ~~بالصانع وقادريته وعالميته، وغير ذلك من المعارف الدينية، فمن هذه حاله ~~فكيف يمكنه معرفة شيء ms0416 من المقاصد الشرعية ويؤديها على الوجه المطابق لمقصود ~~الشرع؟ فحصل من مجموع ما ذكرنا أن من ذكرناه من الصبيان لا معنى لإسلامه ~~ولا وجه لتكليفه شيئا من العلوم العقلية مع نقصان عقله ولا يعقل منه تأدية ~~شيء من الأحكام الشرعية مما تكون طريقه العبادة. # الفرع الخامس عشر: المستحاضة ومن به سلس البول ومن فيه جرح سائل، لا ينوي ~~في الوضوء رفع الحدث؛ لأن الحدث دائم غير مرتفع فلا معنى لرفعه وما يتوجه ~~عليه فيه وجهان: # أحدهما: أنه ينوي استباحة الصلاة؛ لأن الحدث وإن كان قائما في حقه لكنه ~~يستبيح الصلاة بوضوئه من جهة الشرع وهو الممكن في حقه. PageV01P749 # وثانيهما: أنه ينويهما جميعا، فينوي رفع الحدث واستباحة الصلاة، وهذا هو ~~الذي حكاه الشيخ أبوحامد الغزالي، عن الخضري من أصحاب الشافعي، فيكون رفع ~~الحدث للسابق، وتكون استباحة الصلاة من أجل اللاحق، والذي يأتي على رأي ~~الإمام أبي طالب: أنه ينوي من هذه حاله تأدية الصلاة على الإطلاق، وإن نوى ~~استباحة [صلاة معينة] جاز ذلك؛ لأن عنده أن الوضوء لابد فيه من نية تكون ~~متعلقة بالصلاة ولن تكون إلا بما ذكرناه، فأما على رأي الإمام المؤيد بالله ~~فإن نوى استباحة الصلاة أو تأدية فرض أو نفل أو نوى رفع الحدث، فكل هذه ~~الأمور مجزئة على مذهبه؛ لأن كل وضوء كان متعلقه القربة فإنه يكون مجزيا ~~للصلاة سواء كان متعلقا بالصلاة مطلقا أو بفرض معين أونفل معين أورفع الحدث ~~على الإطلاق أو رفعه على الخصوص، فكل هذه الأمور متعلقة بالقربة، فلهذا كان ~~صحيحا. فتنخل من مجموع ما ذكرناه، أن نية الوضوء واقعة على أوجه ثلاثة: # أولها: أن ينوي بوضوئه استباحة الصلاة، وما هذا حاله يكون مجزيا باتفاق ~~من جهة أن له تعلقا بالصلاة، فيصير كما لو نوى تأدية الصلاة على الإطلاق، ~~فما هذا حاله موافق لما قاله أبو طالب ولما قاله المؤيد بالله وهو رأي ~~الفقهاء. # وثانيها: أن ينوي بوضوئه رفع الحدث مطلقا، فيكون ما هذا حاله مجزيا على ~~رأي المؤيد بالله وهو قول ms0417 الفقهاء خلافا للسيد أبي طالب، فإنه لابد من أن ~~يكون الوضوء متعلقا بالصلاة كما مر تقريره، ورفع الحدث غير متعلق بالصلاة ~~فلهذا بطل على رأيه ولم يكن مجزيا. PageV01P750 # وثالثها: أن ينوي بوضوئه القربة بالوضوء أو أداء الوضوء أو فريضة الوضوء، ~~والأقرب على رأي المؤيد بالله أنه يكون مجزيا لاشتماله على القربة كما قاله ~~إذا نوى به رفع الحدث، وهو على رأي الشافعي، وأما على رأي السيد أبي طالب ~~فإنه لا يكون مجزيا؛ لأن الوضوء لابد من أن يكون متعلقا بالصلاة، وكونه ~~قربة لا تعلق له بالصلاة، كما أن رفع الحدث لا تعلق له بالصلاة، فلهذا لم ~~يكن مجزيا. # والحجة على كون الوضوء قربة: هو ورود الشرع بتجديد الطهارة وإن كان على ~~طهر، فلما تعلقت به القربة كان مجزيا. # الفرع السادس عشر: النية الواقعة في الطهارات على نوعين: # أحدهما: أن تكون واقعة على جهة الإجزاء بحيث لو نقص عنه لم يكن وضوؤه ~~مجزيا، وهذا نحو أن يقارن أول جزء من أجزاء الطهارة النية فينوي عنده رفع ~~الحدث أو نية تأدية الصلاة على ما مر تفصيله، فإن أخل بما ذكرناه لم تكن ~~نيته مجزية له. # وثانيهما: أن تكون حاصلة على جهة الكمال، وهذا نحو أن يستديمها إلى آخر ~~أعضاء الوضوء فيكون دوامها لكثرة الثواب، ونحو أن يضيفها إلى الله تعالى ~~فينوي بوضوئه لوجه الله تعالى، ونحو أن ينوي الإخلاص والتقرب إلى الله ~~تعالى، أو ينوي كونها مصلحة، وأن الله أمر بها إلى غير ذلك من الوجوه ~~الدالة على الفضيلة المقربة إلى الله تعالى، فهذه الوجوه كلها ليس [شيء ~~منها] شرطا في كون النية مجزية، وإنما اشتراطها لكثرة الثواب، والفضل، ~~وإعظام الأجر، فأما الكلام في صفة النية في الطهارات في غير الوضوء، كالغسل ~~والتيمم فسنقرر كل واحد منها في بابه، وهكذا القول في جميع أنواع العبادات ~~من الصلوات وغيرها بمعونة الله تعالى. PageV01P751 # مسألة: غسل الوجه(1) واجب؛ لقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم}..(الآية)[المائدة:6]. ولقوله : (( توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك ~~)).. الحديث. ولأنه ms0418 لا خلاف في وجوب غسل الوجه مطلقا، وإنما يتوجه الخلاف ~~بين العلماء في تفاصيل نذكرها بمعونة الله تعالى. والمستحب أن يأخذ الماء ~~بكفيه جميعا، ثم يضرب بما فيهما وجهه، لما روى ابن عباس، عن أمير المؤمنين ~~كرم الله وجهه أنه قال: قال لي أمير المؤمنين: ألا أريك وضوء رسول الله ~~كيف كان؟ قلت: بلى. فأصغى الإناء على يده فغسلها، ثم أدخل يده اليمنى فأفرغ ~~بها على الأخرى، ثم غسل كفيه، ثم تمضمض واستنشق ، ثم أدخل يديه في الإناء ~~جميعا فأخذ بهما حفنة فضرب بهما على وجهه(2). وحكى المزني عن الشافعي: أنه ~~يأخذ الماء بيد واحدة، ولأنه لا يتمكن من غسل وجهه على جهة الاستيعاب ~~والاستيفاء إلا بما ذكرناه، لهذا كان المسنون والمستحب في الوضوء الاشتنان ~~لما في حديث أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه لما فرغ من غسل وجهه وقبل ~~شروعه في يده اليمنى أخذ كفا من ماء فصبه على ناصيته فتركها تشنن على وجهه ~~ثم غسل ذراعيه، والمستحب أن يبدأ بأعلاه لأن ظواهر الأحاديث الواردة في صفة ~~وضوء رسول الله عن PageV01P752 أمير المؤمنين كرم الله وجهه وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه، دالة على ~~ذلك، ولأن أشرف كل شيء أعلاه، فلهذا كانت السنة البداية به. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول منها: في حد الوجه الذي يجب غسله. قال الشيخ أبوجعفر: وحد ~~الوجه من مقاص الشعر إلى أصول الأذنين، وما أقبل من الوجه إلى الذقن، وهذا ~~هو الذي حكاه المزني، عن الشافعي. وهذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنه قال: من مقاص الشعر، فظاهر هذا أن مقاص الشعر من الوجه ~~وليس الأمر كذلك فإن المقاص من الرأس فلا تكون من الوجه، والوجه ما دون ~~مقاص الشعر. # وأما ثانيا: فلأنه قال: وما أقبل من الوجه. فحد الوجه بالوجه وفي ذلك ~~تحديد الشيء بنفسه، وحد الشيء يكون مغايرا له، وعن بعض أصحابنا أنه قال في ~~حد الوجه: من مقاص الشعر إلى الأذنين إلى اللحيين والذقن، وهذا وإن سلم عن ~~أن يقال: ms0419 إنه حد الشيء بنفسه، لكنه لم يسلم عن كونه أدخل مقاص الشعر في ~~الوجه، وليست منه فسلم عن الاعتراض الأول ولم يكن سالما عن الثاني. والأقرب ~~في الحد الصالح للمذهب، أن يقال فيه: من مبتدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى ما ~~يقبل من الذقن في الطول ومن الأذن إلى الأذن عرضا، وإنما كان مختارا ~~لأمرين: # أما أولا: فلأنه سالم عما ورد على الحدين الأولين. # وأما ثانيا: فلأن فيه إشارة إلى تفصيل الحصر والضبط للوجه بالطول والعرض ~~بخلاف غيره، فلهذا كان هو الأقرب. # ومن وجه ثالث: وهو أنه حده بتسطيح الجبهة مبتدأه. لم يحده بمقاص الشعر ~~ولا بمنابته؛ لأنه ربما انحسر الشعر عن الناصية فيلزم عده من الوجه وهو ~~باطل إجماعا، وربما نبت الشعر على الجبهة فيلزم إخراجه من الوجه وهو باطل ~~إجماعا، فلا جرم وجب التعويل على ما قلناه. # الفرع الثاني: في بيان تفاصيل ما يدخل في حد الوجه. PageV01P753 # والذي عليه علماء العترة ومن وافقهم من علماء الأمة، أن الجبهة من الوجه ~~وهي موضع السجود، قال الله تعالى: {سيماهم في وجوههم من أثر السجود ~~}[الفتح:29]. والجبينان من الرأس أيضا، وهما: العظمان المشرفان على الجبهة ~~عن يمينها وشمالها. قال الله تعالى: {وتله للجبين }[الصافات:103]. أي اتكاه ~~لجبينه إلى الأرض. والعذاران من الوجه وهما عبارة عن الشعر الخفيف الذي ~~يكون على العظم الذي يحاذي وتد الأذن، وهما وتدان وهما عبارة عن الغضروفين ~~الشاخصين عند مفتح السمع. والعارضان من الوجه أيضا وهما عبارة عما نزل عن ~~العذارين من الشعر على اللحيين. والذقن من الوجه أيضا وهو: مجمع اللحيين ~~والعنفقة من الوجه، وهي عبارة عن الشعر الذي على ظاهر الشفة السفلى. ~~والفنيكان من الوجه وهما: عبارة عن البياض الحاصل من عن يمين العنفقة ~~ويسارها ويقال لهما: الإفنيكان أيضا، وفي الحديث: (( إذا توضأت فلا تنسين ~~الإفنيكين ))(1). وحكي عن الكسائي ) PageV01P754 : أنه لم يعرف هذه اللفظة أعني: الفنيك، والإفنيك. فهذه الأمور كلها يجب ~~غسلها لأنها من الوجه، وهو عبارة عما يواجه وهي مواجهة(1). # فأما ما لا يدخل في ms0420 الوجه فالنزعتان من الرأس، وهما عبارة عن البياض الذي ~~انحسر عنه شعر الرأس من جانبي مقدم الرأس، يقال: رجل أنزع. والناصية من ~~الرأس، وهي عبارة عن الشعر المشرف على الجبهة. والصدغان من الرأس، وهما ~~عبارة عن الشعر الذي يجاور موضع الأذن المتصل بشعر الرأس مما يلي طرف ~~الجبهة. وموضع التحذيف من الرأس في تعارف الناس، وهو عبارة عن الشعر الذي ~~بين أول العذار والنزعة. والصدغ من جانبي الوجه جميعا(2) [فيه] تردد، والذي ~~عليه أئمة العترة أنه من الرأس لاتصاله به وثبوت الشعر عليه، وهو أحد قولي ~~الشافعي، وحكى ابن سريج عنه قولا آخر: أنه من الوجه، واعتل بأن العادة قد ~~جرت بتحذيفه وإزالة الشعر عنه، فقد جعلوه وجها وهو فاسد، فإن الله تعالى قد ~~جعله رأسا وخلقه من جملة الرأس فلا يكون وجها بفعل الناس، وأيضا فإن ~~التحذيف ليس سنة وإنما اعتاده الناس بإزالة الشعر عن موضعه بمخالفة السنة، ~~فإزالة الشعر عنه لا يجعله وجها. # الفرع الثالث: وإذا كان لا شعر على لحيته وعارضيه بأن كان أمرد أو أثط(3) ~~وهو الذي لا تحلق له لحية فإنه يجب عليه غسل الوجه الذي تقدم حده بالمعيار ~~الذي ضبطناه به، لقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم}. وهذه المواضع تقع بها ~~المواجهة فيجب كونها من الوجه. # وهل يجب تخليل اللحية أم لا؟ فيه مذهبان: PageV01P755 # المذهب الأول: أن تخليلها واجب وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والناصر، ~~وهو رأي الأخوين وغيرهم من أئمة العترة، وهو محكي عن المزني، وأبي ثور من ~~أصحاب الشافعي، ومحكي عن أهل الظاهر، والحسن بن صالح. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم}. فالله تعالى أمر بغسل ~~الوجه وهذا منه؛ لأن التخليل عبارة عن إيصال الماء إلى البشرة، فلما كان ~~غسل البشرة واجبا من غير شعر فهكذا إذا وقع عليها الشعر؛ لأن المواجهة تقع ~~عليها فلهذا كانت من الوجه؛ ولأنها كانت من الوجه قبل نبات الشعر باتفاق، ~~فنبات الشعر لا يزيل عنها اسمه كالرأس. # الحجة الثانية: ما روي عن النبي أنه قال: (( أتاني ms0421 جبريل فقال: إذا ~~توضأت فخلل لحيتك))(1). ولأنه عضو مغسول فإيصال الماء إلى بشرته واجب كاليد ~~والرجل، ولأنه مأمور بغسل الوجه تعبدا لا للنجاسة فيجب إيصال الماء إلى ~~البشرة كغسل النجاسة. # المذهب الثاني: أنه لا يجب تخليلها، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه، ~~والشافعي وأصحابه، وحكي عن الشافعي: أنها إذا كانت خفيفة وجب تخليلها، وإذا ~~كانت كثيفة لم يجب تخليلها. واختلف أصحابه في حد الكثيف والخفيف، فمنهم من ~~قال: إن الكثيف هو الشعر الذي لا يصل الماء إلى باطنه إلا بمشقة، ومنهم من ~~قال: الكثيف هو الشعر الذي يستر بشرة اللحية أن ترى، وهذا هو المشهو ر ~~عندهم، والخفيف على عكس ذلك. # والحجة على ما قالوه: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي توضأ فغرف ~~غرفة فغسل بها وجهه، والمعلوم أن الغرفة الواحدة لا توصل الماء إلى باطن ~~الشعر في اللحية مع كثافتها، وقد كان الرسول كثيف اللحية. رواه أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) في صفة خلقة الرسول . # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من وجوب التخليل. PageV01P756 # والحجة عليه: ما نقلناه عنهم، ونزيد ههنا حجتين: # الحجة الأولى: ما روى أنس بن مالك عن الرسول أنه كان إذا توضأ أخذ كفا ~~من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته، ثم قال: (( هكذا أمرني ربي عز وجل ~~))(1). فإذا تقرر وجوبه على الرسول بما رويناه، وجب على الأمة إلا لدلالة ~~خاصة، من جهة أن التأسي واجب على الأمة إلا فيما دلت عليه دلالة في تخصيصه به. # الحجة الثانية: ما روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، أن أمير المؤمنين ~~(كرم الله وجهه) مر برجل يتوضأ فوقف عليه حتى نظر إليه ولم يخلل لحيته، ~~فقال: (ما بال أقوام يغسلون وجوههم قبل أن تنبت اللحى فإذا نبتت ضيعوا ~~الوضوء)(2) ولأن أمير المؤمنين مر برجل يتوضأ فقال له: (خلل لحيتك)، ومثل ~~هذا إنما يصدر عن توقيف؛ إذ لا مساغ للاجتهاد في العبادات والطهارات مما ~~تنسد فيه معاني الأقيسة، وتمام تقرير ms0422 هذه الدلالة تكون بإبطال ما اعتمدوا ~~عليه من الأدلة. # الانتصار عليهم: يكون بإبطال متمسكاتهم. # قالوا: روى ابن عباس أنه(3) أخذ كفا من [ماء]، والكف الواحد لا يوصل ~~الماء إلى اللحية الكثيفة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الأحاديث الواردة في صفة وضوء رسول الله التي رواها أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وغيرهما من جلة الصحابة (رضي الله ~~عنهم) كانت مطلقة، وما أوردناه من الأحاديث دال على التخصيص بالتخليل، فيجب ~~حمل ما أطلق على ما كان واضحا من هذه الأحاديث توفقة بين الأدلة وجمعا ~~بينها، وهذه طريقة ارتضاها كثير من علماء العترة وفقهاء الأمة. PageV01P757 # وأما ثانيا: فلأن لحيته عليه السلام وإن كانت كثيفة كما ورد في صفة خلقته ~~فإن ذلك غير مانع من إيصال الماء إليها، فإن الماء رقيق يدخل بسهولة، ~~فكثافتها لا تمنع من إيصال الماء إليها كما أشرنا إليه. # قالوا: اللحية إذا كانت كثيفة صعب إيصال الماء إليها فالتكليف بالإيصال ~~يكون فيه حرج ومشقة، وقد قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج}[الحج:78]. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن غسل الوجه أدخل في المشقة من تخليل اللحية. # وأما ثانيا: فلأن ما كان فيه مصلحة حسن التكليف به سواء كانت فيه مشقة ~~أولم تكن، والغرض بقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}. تعريفا ~~بأن هذه الأمة مرحومة عما كانت عليه الأمم السالفة من تكليف الآصار من جهة ~~الله تعالى(1). # الفرع الرابع: ما استرسل من اللحية ونزل عن حد الوجه، هل يجب غسله أم لا؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه غير واجب، وهذا هو الذي ذكره الإمامان الأخوان: المؤيد ~~بالله وأبو طالب، وهو محكي عن أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو أنه غير ملاق لمحل الفرض فلا يكون الفرض متعلقا به، ~~كالذؤابة. # والمذهب الثاني: أنه واجب، وهذا هو الذي ذكره أبو العباس في نصوصه حيث ~~قال: ويجمع لحيته في بطون كفيه فيغسلها لأنها من الوجه. وهو محكي عن ~~الشافعي. # والحجة على ذلك: ms0423 هو أنه شعر ظاهر نابت على بشرة الوجه، فكان غسله واجبا ~~كشعر الحاجب وأهداب العينين. PageV01P758 # والمختار: ما قاله الأخوان، وحاصل ما قالاه، هو: أن تخليل اللحية قد دللنا ~~على وجوبه بما ذكرناه، فإن أمكن تخليل اللحية من غير غسل ما استرسل من ~~اللحية فلا وجه لوجوبه؛ لأن الواجب إنما هو التخليل دون غسل ما استرسل ~~منها، وإن كان لا يمكن تخليل اللحية إلا بغسله فإن غسله واجب، فوجوبه ليس ~~قصدا لنفسه وإنما هو على جهة التبع لغيره كما أشرنا إليه. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: شعر فوجب غسله كشعر الحاجب. # قلنا: المعنى في الأصل، هو أنه من جملة الوجه فلهذا وجب غسله، وما طال من ~~اللحية فلا يعد من الوجه. # قالوا: الوجه عبارة عما كان مواجها وهذا مواجه فيجب كونه وجها. # قلنا: ليس الغرض أن كل ما واجه فإنه يجب غسله كالوجه، فإن الناصية والصدر ~~تواجهان وليسا من الوجه في وجوب الغسل، وإنما الغرض أن كل ما كان معدودا من ~~جملة أجزاء الوجه فهو من الوجه فافترقا. # قالوا: الآية دالة على وجوب غسل ما استرسل، بدليل قوله تعالى: {إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}[المائدة:6]. وهذا من الوجه فيجب غسله. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الآية إنما تتناول الحد الذي ذكرناه من الوجه، وليس ما ~~استرسل من اللحية داخلا فيه، ولهذا فإن اسم الوجه لا يختلف حاله بمن له ~~لحية وبمن لا لحية له، فلا نسلم أن إطلاق اسم الوجه مقول على طرف اللحية. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا كونه مندرجا تحت إطلاق اسم الوجه، لكنا نقول: ~~إنما يجب غسله إذا كان الشعر على بشرة الوجه كشعر الحاجب وأهداب العينين ~~فإذا كان مجانبا للبشرة فإنه لا يجب غسله. # الفرع الخامس: وهل يجب غسل ما تحت اللحية أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجب غسله، خفيفة كانت اللحية أو كثيفة، وهذا هو الظاهر ~~من مذهب أئمة العترة، وهو قول الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن ما ms0424 تحت الذقن بشرة ظاهرة من اللحية يثبت عليها شعر ~~اللحية فأشبه العذار. PageV01P759 # المذهب الثاني: أنه غير واجب، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أن ما تحت الذقن ليس من الوجه بدليل أنه غير مواجه، ~~فيجب أن لا يجب غسله كالناصية وغيرها مما لا يعد من الوجه. # والمختار: ما هو الظاهر من مذاهب علماء العترة من إيجابه. # والحجة على ذلك: ما روى أنس بن مالك أن النبي كان إذا توضأ أخذ كفا من ~~ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته، وقال: ((هكذا أمرني ربي عز وجل )). ~~فإذا تقرر وجوبه على الرسول بما ذكرناه وجب ذلك على أمته، من جهة أن التأسي ~~به واجب لقوله تعالى: {فاتبعوه}[الأعراف:158]. وقوله تعالى:{لقد كان لكم في ~~رسول الله أسوة حسنة }[الأحزاب:21]. ويحتمل عندي على رأي أئمة العترة مثل ~~ما قال أبو حنيفة، ولا وجه لإيراد الانتصار فيما هذه حاله؛ لأن الانتصار ~~إنما وضعناه حيث يكون الظن غالبا على أحد الاحتمالين في المسألة، فأما إذا ~~كانا في أنفسهما(1) غالبين لا ترجيح لأحدهما على الآخر فهما مستويان ~~بالإضافة إلى الأمارة الشرعية، وهذا إنما يأتي على جهة الندرة. # الفرع السادس: البياض الذي بين وتد الأذن وأول العذار من جانبي الوجه هل ~~يجب غسله أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجب غسله، وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه، والشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو ما ذكرناه في حد الوجه، فإنا ذكرنا أنه من الأذن إلى ~~الأذن عرضا، والعرض من هذا التحديد هو أن الوجه ما بين الوتدين عرضا، فلما ~~كان من الوجه وجب غسله لقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم}. فيجب حمل مطلق الآية ~~على ما هو المفهوم في اللغة، فإذا كان ما ذكرناه هو حد الوجه في اللغة وجب ~~حمله عليه. PageV01P760 # المذهب الثاني: أنه لا يجب غسله على أهل اللحى ويجب غسله على الأمرد، وهذا ~~شيء يحكى عن أبي يوسف، وحكي عن مالك: أنه لا يجب غسله لا في حق الأمرد ولا ms0425 ~~في حق الملتحي. # والحجة لأبي يوسف: هو أن الشعر في العذار حال دونه فصار بمنزلة البشرة ~~التي تحت الشعر في أنه لا يجب غسلها. # والحجة لمالك: هو أن البياض ليس مواجها فلا يكون من الوجه. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن وافقهم. # والحجة عليه: ما نقلناه عنهم؛ ونزيد ههنا، وهو أن حاله لا يخلو إما أن ~~يكون من الأذن أو يكون من الوجه، ومحال أن يكون من الأذن إذ لا قائل بهذا، ~~فإذا بطل كونه من الأذن فهو من الوجه لاندراجه في حده. # الانتصار: يكون بإبطال ما زعموه، فأما قول أبي يوسف: بأن الشعر حال دونه ~~فهو بمنزلة البشرة التي تحت الشعر، فهو فاسد لأنه من جملة الوجه، لكونه ~~حاصلا فيما بين الوتدين من جانبي الوجه فلم ينتقل الفرض إلى غيره فوجب أن ~~يكون من الوجه فيجب غسله، ويفارق ما نبت عليه الشعر؛ لأن الفرض انتقل إلى ~~الشعر وهذا ليس فيه شعر فلهذا كان غسله واجبا. # وأما قول مالك: أنه غير مواجه فلا يكون من الوجه، فهو فاسد، من جهة أن ~~منتهى الوجه في العرض هما الوتدان، فما وراءهما يكون من الوجه لا محالة، ~~فإذا أطلق على الوجه في الآية وجب حمله على ما يكون مطابقا للغة العرب. ~~فأما الوتدان في الأذن فليسا معدودين من جملة الوجه فلا يجب غسلهما؛ لأن حد ~~الوجه ينتهي بهما، والحد يجب أن يكون غير المحدود فلا يدخل في حكمه إلا ~~بدلالة منفصلة كما نقوله في المرافق، فإنها غير داخلة في حد اليد إلا ~~بدلالة منفصلة كما سنوضحها من بعد بمشيئة الله تعالى. وهذا هو الأصل في كل ~~غاية فإنها غير داخلة في حكم ذي الغاية إلا بأمر خارجي. # الفرع السابع: هل يجب إدخال الماء في العينين أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن إدخال الماء فيهما واجب، وهذا هو الذي اختاره المؤيد ~~بالله لمذهب الهادي. PageV01P761 # والحجة على ذلك: ظاهر الآية في قوله تعالى:{فاغسلوا وجوهكم}. ولا شك أن ~~العينين من الوجه، ولأن العينين إحدى ms0426 المحاسن المتعلقة بالوجه فوجب غسلها ~~كالوجنة والأنف. # وقولنا: المتعلقة بالوجه، نحترز به عن الأذن فإنها وإن كانت من جملة ~~المحاسن لكنها غير متعلقة بالوجه؛ لكونها غير داخلة في حده كما مر تقريره. # المذهب الثاني: أنه غير واجب، وهذا هو المحكي عن الناصر، والإمام أبي ~~طالب، وهو رأي الفرق الثلاث: الشافعية، والحنفية، والمالكية. # والحجة على ذلك: هو أن غسل الوجه إنما ورد مطلقا، ولا شك أن كل من غسل ~~وجهه وظاهر عينيه دون باطنهما فإنه لا محالة يسمى غاسلا لوجهه، فيجب حمله ~~على الإطلاق لما كان لغويا، وفي هذا دلالة على أن المطلق غير متناول لداخل ~~العينين فيجب أن لا يكون مرادا بالآية، وهذا هو المطلوب بكونه غير واجب. # والمختار: ما عول عليه الإمامان: الناصر وأبو طالب، ويدل على ذلك ما ~~حكيناه عنهما، ونزيد ههنا وهو: أن المعتمد فيما يكون واجبا من العبادات ~~كلها تأصيلا، وفيما يستحب منها ويكره تفصيلا إنما هو على ما ينقل من جهة ~~الرسول قولا وفعلا وتقريرا، والمعلوم أن إدخال الماء لم ينقل من جهة ~~الرسول لا من قوله ولا من فعله ولا من تقريره، فيجب القضاء بكونه غير ~~واجب؛ لأنا لو أوجبناه لكان واجبا من غير دلالة وهذا باطل لا يعول عليه. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: قوله تعالى:{فاغسلوا}. ظاهره الدلالة على وجوب غسل الوجه، ~~والعينان منه، فيجب القضاء بوجوب غسل باطنهما. # قلنا: هذا فاسد، فإنا نقول بموجب الآية ونحكم بظاهر إطلاقها، ومطلقها دال ~~على وجوب ما ظهر دون ما بطن فيهما فلا تكون دلالة الآية بظاهرها إلا ما ~~ذكرناه من ظاهر العينين دون باطنهما. # قالوا: إحدى محاسن الوجه فيجب غسلهما كالوجنة والأنف. PageV01P762 # قلنا: إن ما ذكرتموه من ظاهر الآية وتقرير هذا القياس، إنما يتناولان ~~المطلق من الوجه ونحن لا ننكر ذلك فأنتم مساعدون إليه، ولكنا نقول: إن ظاهر ~~الآية وظاهر ما قلتموه من القياس لا يدلان على غسل باطن العينين فلا يكون ~~فيهما دلالة على مرادكم، فبطل ما قالوه. # قالوا: روي عن ms0427 ابن عمر: أنه غسل عينيه حتى عمي، فلولا أنه واجب وإلا لما ~~واظب على فعله هذه المواظبة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما فعله ليس دالا على الوجوب، فلعله فعله على جهة ~~الاستحباب حتى أثر في بصره لما أكثر من فعله، فلا دلالة في فعله على ~~الوجوب. # وأما ثانيا: فليس فيه إلا فعل ابن عمر ولا دلالة في فعل الصحابي إلا بأن ~~ينقله من جهة الرسول، غاية الأمر أنه من جملة المجتهدين فلا حجة فيه، وإنما ~~الحجة المقبولة التي يجب الانقياد لها بالسمع والطاعة، هي كلام الله تعالى ~~وكلام رسوله وما عداهما ليس حجة من عالم أو صحابي. # الفرع الثامن: إذا بطل كونه واجبا، فهل يكون مستحبا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه وإن لم يكن واجبا فهو مستحب، وهذا هو المحكي عن ~~الناصر، وهو مروي عن بعض أصحاب الشافعي، حكاه صاحب (البيان) العمراني. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم}. فإذا بطل كونه واجبا فلا ~~أقل من حمل الأمر على الاستحباب؛ لأنه هو أدنى مراتبه. # قال الإمام الناصر: ويستحب أن يفتح عينيه عند غسل الوجه حتى يدخل الماء ~~فيهما وقال: إن ذلك يصح العين ويجلوها. # المذهب الثاني: أنه غير مستحب، وإنما هو هيئة في الوضوء وليس سنة. # والحجة على ذلك: هو أن السنة ما واظب الرسول على فعله، وهذا لم يكن من ~~جهة الرسول فيه فعل فضلا عن كونه مواظبا عليه. PageV01P763 # والمختار: أنه ليس مسنونا؛ لأنهما جوهران صقيلان لا يعلق بهما شيء من ~~المكدرات، فلهذا لم يستحب غسلهما وهما مخالفان للفم والأنف في المضمضة ~~والاستنشاق لأنهما يلحقهما من التغير ما لا يخفى، فلهذا شرع غسلهما ليزيل ~~الماء تغيرهما بخلاف العين فإنه لا تغير فيها فافترقا؛ ولأن غسلهما يؤدي ~~إلى المضرة العظيمة ويلحق في ذلك مشقة كبيرة، وقد قال تعالى: {وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج}[الحج:78]. وقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر}[البقرة:185]. ولا حرج ولا عسر أعظم من خشية العمى وإذهاب ~~البصر ms0428 وفساده، فكيف يقال: يكون مشروعا؟ # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم. # قالوا: إذا بطل وجوبه كان مستحبا. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنه لابد في الاستحباب من دلالة مستقلة ولا يكفي فيه بطلان ~~كونه واجبا، لأن حقيقة أحدهما أعني: الواجب والمستحب، مخالفة لحقيقة الآخر. # وأما ثانيا: فلأنا قد أوضحنا أنه لم ينقل عن الرسول فيه قول ولا فعل ولا ~~تقرير، فكيف يقال: يكون مستحبا؟ والمستحب ما واظب الرسول على فعله. # الفرع التاسع: المؤق والمآق والمآقي، مهموزات كلها، مؤخر العين مما يلي ~~جانب الأنف، فأما اللحاظ فهو ما يلي مؤخر العين من جانب الأذن، والذي عليه ~~أئمة العترة أنه يجب غسلهما. # والحجة على ذلك: هو أنهما من الوجه وما كان من الوجه وجب غسله لقوله ~~تعالى: {فاغسلوا وجوهكم}. ولأنه يلحقهما كحل ورمص(1) في العادة وعفونة من ~~رطوبة العين فيجب إزالته بالماء، وحكى ابن الصباغ صاحب (الشامل): أنه يستحب ~~مسحهما، وهذا تصريح منه بأنه لا يجب غسلهما. # والحجة له على ذلك: ما روي عن الرسول أنه كان يمسح المأقين. PageV01P764 # والمختار: ما عليه علماء العترة من وجوبهما. # والحجة على ذلك: أنهما من الوجه، وقد قال تعالى: {فاغسلوا وجوهكم}. فأما ~~ما قاله من أن الرسول كان يمسح المأقين فليس معارضا لما قلناه من وجوب ~~غسلهما؛ لأن المراد أنه كان يزيل ما علق بهما من العفونة من الرمص وغيره ~~وما ينعقد فيهما من رطوبة العين قبل الغسل ثم يغسلهما بعد ذلك، وأيضا فإن ~~المسح هو خفيف الغسل، فعبر بالمسح عن الغسل لما كان موضعا يرفق به لرقته ~~وكونه متصلا بالعين، ولم يرد حقيقة المسح وإنما أراد الغسل الخفيف لما ~~ذكرناه. # الفرع العاشر: والشعور التي يجب إيصال الماء إلى ما تحتها رقيقة كانت ~~أوكثيفة، هي خمسة: الحاجب، والشارب، والعنفقة، والعذار، واللحية؛ لأن هذه ~~الأمور كلها من الوجه، فلهذا وجب إيصال الماء إلى ما تحتها. وإن نبت له شعر ~~تحت محاجر عينيه وجب إيصال الماء إلى البشرة؛ لأنه من الوجه ولكونه نادرا ~~لا يوجد إلا ms0429 على الندرة، وإن نبتت للمرأة لحية وجب إيصال الماء إلى بشرتها ~~أيضا كثيفا كان الشعر أو رقيقا، وإن خرج سبالاه وهما طرفا الشارب عن حد ~~الوجه فهو مقرر على الخلاف في طرف اللحية، فعلى رأي أئمة العترة لا يجب ~~غسله إذا كان خارجا عن حد الوجه، وكان الماء واصلا إلى البشرة، فأما ما كان ~~حاصلا على جلدة الوجه فلابد من غسله. فأما على رأي الشافعي: فهو واجب كما ~~ذكرناه في طرف اللحية، وإن نبتت في وجهه سلعة وهي: لحم زائد على الوجه ~~وخرجت عن حده، لم يجب غسلها على رأي أئمة العترة، وعلى رأي الشافعي: يجب ~~غسلها، كما قلناه في غسل طرف اللحية لأنه ليس واقعا على الوجه، فلهذا لم ~~يجب غسله كما قررناه من قبل، والعنفقة إذا كانت منفصلة عن اللحية وجب إيصال ~~الماء إلى بشرتها، وإن كانت متصلة بها وجب تخليلها كما قلناه في اللحية؛ ~~لأنها منها، والله الموفق للصواب. PageV01P765 # مسألة: والمضمضة: أن يجعل الماء في فيه ويديره فيه ثم يمجه. والاستنشاق: أن ~~يجعل الماء في أنفه ثم يستطلعه بنفسه إلى خياشيمه ثم يدفعه بنفسه فذلك هو ~~الإستنثار، وهما كالعضو الواحد فلا ترتيب بينهما وبين الوجه، وإنما قدمنا ~~الكلام على الوجه لما صدره الله في أول آية الوضوء حيث قال تعالى: {إذا ~~قمتم إلى الصلاة فا غسلوا وجوهكم}. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: هل يكونان واجبين من أعضاء الوضوء أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنهما واجبان، وهذا هو الذي عليه أكثر أئمة العترة، نص ~~عليه القاسم في (النيروسي)(1)، والهادي في الجامعين: (الأحكام) و(المنتخب)، ~~وهو قول المؤيد بالله، وحكي عن أحمد بن حنبل، وأبي ثور، وإسحاق بن راهويه، ~~وعطاء وابن أبي ليلى: وجوبهما على اختلاف بين أقوالهم نفصله بمعونة الله تعالى. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم}[المائدة:6]. وهما من الوجه. # الحجة الثانية: حديث ابن عباس عن الرسول أنه قال: (( تمضمضوا واستنشقوا ~~والأذنان من الرأس))(2). # الحجة الثالثة: ما روي عن النبي أنه قال: ms0430 (( من توضأ فليتمضمض وليستنشق ~~والأذنان من الرأس)). # الحجة الرابعة: قياسية، وحاصلها أنا نقول: طهارة رفاهية فوجب أن تكون ~~بالفم والأنف كطهارة النجاسة. وقولنا: طهارة رفاهية، نحترز به عن طهارة ~~الضرورة كالطهارة بالتراب، ولأنهما عضوان يسقطان في التيمم فوجب إيصال ~~الماء إليهما كالرأس والرجلين. # المذهب الثاني: أنهما غير واجبين، وهذا هو قول زيد بن علي، والباقر، ~~والناصر، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالك. PageV01P766 # والحجة على ذلك: ما روت عائشة (رضي الله عنها) أن النبي قال: (( عشر من ~~الفطرة : قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والمضمضة والاستنشاق، وقص ~~الأظفار، وغسل البراجم(1)، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء))(2). ~~فجعل المضمضة والإستشاق من جملة هذه المسنونات فدل على أن الجميع أمر واحد ~~في السنة. # الحجة الثانية: قوله للأعرابي حين علمه الوضوء: (( توض كما أمرك الله، ~~فاغسل وجهك ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك))(3). ولم يذكر من جملة ذلك ~~المضمضة والاستنشاق، فدل ذلك على أنهما ليسا من الأمور الواجبة. # والمختار: ما قاله الإمام الهادي في جامعيه ومن تابعه من علماء العترة ~~وفقهاء الأمة، ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم في الاستدلال على وجوبه، ونزيد ~~ههنا حججا (خمسا): # الحجة الأولى: ما روى زيد بن علي، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (كرم الله ~~وجهه) أنه قال: جلست يوما أتوضأ فأقبل رسول الله حين ابتدأت بالوضوء فقال: ~~(( تمضمض واستنشق ثم استنثر))(4). وهذا أمر وظاهره للوجوب عند أصحابنا. # الحجة الثانية: ما روي عن النبي أنه قال: (( المضمضة والاستنشاق من ~~الوضوء فلا يقبل الله الصلاة من دونهما)). وفي رواية أخرى : (( إلا بهما)). PageV01P767 # الحجة الثالثة: ما روى عبيدالله بن عبدالله بن عتبة ) قال: توضأ رسول الله ~~ثم أتى مصلاه فقام في الصلاة فكبر ثم انفتل فقال: (( ذكرت شيئا في الوضوء ~~لابد منه فتمضمض واستنشق ثم استقبل الصلاة))(2) فلولم يكونا واجبين لما ~~فعل ذلك. # الحجة الرابعة: ما روى عاصم ) عن أبيه قال: قال رسول الله : (( إذا توضأت ~~فبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما))(4). PageV01P768 # الحجة الخامسة: قياسية، وهو أنهما عضوان يسن ms0431 تكرير تطهيرهما في الوضوء فكان ~~غسلهما مرة واحدة كالوجه واليدين، قال السيد الإمام أبو طالب: ولابد من ~~الاحتراز في هذا القياس بأن يقال: غير مقصود بهما التحرز من النجاسة لئلا ~~يرد في ذلك غسل الكفين في الابتداء فإنه يسن تكرير تطهيرهما في الوضوء، ~~وليس غسلهما واجبا كما سنوضحه في ابتداء الوضوء. قال القاضي زيد: وهذا غير ~~محتاج إليه، لأن اليدين لا خلاف في وجوب غسلهما في الوضوء، فالقياس غير ~~منقوض بهذه الصورة فلا يحترز عنه. والصحيح ما قاله الإمام أبو طالب، لأن ~~غسل الكفين في ابتداء الوضوء مسنون على رأيه فلولم نحترز بما ذكرناه لورد ~~نقضا على القياس، ولا ينفع كون غسل اليدين واجبا في الوضوء؛ إذ لا يرد نقضا ~~وإنما الوارد نقضا هو غسلهما في الابتداء فافترقا. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: خبر عائشة (( عشر من الفطرة))، وعد من جملتها المضمضة والاستنشاق، ~~وما كان سنة فليس واجبا. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن السنة قد تطلق على ما كان واجبا كقوله تعالى:{يريد الله ~~ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم }[النساء:26]. وأراد بذلك العلم ~~بالله تعالى وتوحيده وحكمته، فكل هذه الأمور واجبة وقد عبر عن هذه الأمور ~~بالسنن. # وأما ثانيا: فلأنه قد ذكر من جملتها الختان وهو واجب، فما أجابوا عنه ~~فجوابنا مثله في المضمضة والاستنشاق. # قالوا: جاء في قصة الأعرابي: (( توض كما أمرك الله فاغسل وجهك ويديك ~~وامسح رأسك واغسل رجليك)). ولم يذكر هاهنا مضمضة ولا استنشاقا. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنهما من جملة الوجه، وقد قال: (( اغسل وجهك )) فلا يحتاج ~~إلى إفرادهما بالذكر لاندراجهما تحت غسل الوجه. PageV01P769 # وأما ثانيا: فلأن قوله: (( اغسل وجهك )) فيه مضمضة واستنشاق، [و] إذا قلنا ~~بأنهما لا يندرجان تحت غسل الوجه كان المعني ذلك وعلى هذا لا يكون فيه حجة ~~لهم بحال. # قالوا: لو وجبت المضمضة والاستنشاق لكان إ يجابهما زيادة على النص، فيكون ~~نسخا والنسخ لا يكون بالأخبار الآحادية فيما يكون مقطوعا به. # قلنا: هذا بناء ms0432 على أصل فاسد، فإن الزيادة على النص لا تكون نسخا، فإن ما ~~هذا حاله لا يعد نسخا في لسان الأصوليين، ولهذا فإنه لو زيد ركعة خامسة على ~~صلاة الظهر لم يكن ذلك نسخا للأربع بل يكون مقررا لها، لأن إيجاب الأربع ~~ركعات لا يحيل إيجاب الخامسة، فلم يرتفع بإيجاب الخامسة إلا عدم وجوبها، ~~وعدم وجوبها كان حاصلا بالعقل فلم يرفع إيجابها إلا حكما عقليا وهو عدم ~~الوجوب الأصلي فلهذا لم يكن نسخا، وإذا لم يكن نسخا بالتقرير الذي لخصناه ~~جاز إثبات ما هذا حاله بالقياس والخبر الواحد، لأن البراءة الأصلية يجوز ~~تغييرها بما ذكرناه لكونهما مثمرين للظن؛ لأن البراءة الأصلية إنما يقطع ~~بها بشرط عدم المغير، ومتى ورد الخبر أو القياس كانا مغيرين لما ذكرناه من ~~حكم العقل. PageV01P770 # الفرع الثاني: والمستحب أن يأخذ من الإناء غرفة بيمينه، لما روى أمير ~~المؤمنين (كرم الله وجهه) في صفة وضوء رسول الله ، أنه أدخل كفه اليمنى في ~~الإناء فأخذ منه غرفة فتمضمض واستنشق. ولما روي عن النبي ، أنه يحب التيامن ~~في شربه ووضوئه وانتعاله(1)، ولأن اليمين مما يرجى أن يأخذ بها كتابه يوم ~~القيامة، فلهذا استحب تقديمها في أعمال البر. والغرفة بالضم، اسم للماء ~~المغروف، وبالفتح المصدر، وهي المرة من الفعل، تقول: غرفت غرفة، كضربت ~~ضربة، وإن مج الماء في فيه من غير إدارة لم يعتد به؛ لأن القصد قطع الرائحة ~~من الفم وإزالة تغيره، وهذا لا يوجد من دون إدارة، وإن استنشق فجذب الماء ~~بنفسه إلى خياشيمه ولم ينثره لم يعتد بما أتى به؛ لأن الغرض بما ذكرناه من ~~الاستنشاق، هو إزالة العفونة من الأنف، وهذا لا يوجد من غير استنثار، ~~والمستحب أن يبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائما لقوله عليه ~~السلام للقيط بن صبرة ): (( بالغ فيهما إلا أن تكون صائما )). فإن كان ~~صائما لم يبالغ لما رويناه من الخبر، وإنما لم يستحب للصائم المبالغة لما ~~كان لا يؤمن دخول الماء إلى خياشيمه فيكون ذلك سببا للإفطار. # الفرع الثالث: وهل ms0433 يستحب الجمع بين المضمضة والاستنشاق، أو يستحب الفصل ~~بينهما؟ فيه طريقان: PageV01P771 # إحداهما: أنه يستحب الجمع بينهما، وهذا هو الذي ذكره يحيى(1) في (الأحكام) ~~ونص عليه الشافعي في (الأم). # والحجة فيه: ما رواه أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) في صفة وضوء رسول ~~الله ، أنه تمضمض واستنشق بماء واحد. # وثانيتهما: أنه يستحب الفصل بينهما، وهذا هو الذي ذكره الناصر، وذكره ~~الشافعي في (البويطي). # والحجة على ذلك: ما روى طلحة بن مصرف ) عن أبيه عن جده أنه قال: رأيت ~~النبي يفصل بين المضمضة والاستنشاق(3)، وأراد بالفصل أنه يتمضمض بماء ثم ~~يستنشق بماء آخر، ولأنه أشبه بالطهارة وأبلغ في النظافة. ثم في كيفية الجمع ~~والفصل حالتان: # الحالة الأولى: أن يأخذ غرفة لفيه وأنفه فيجمع بينهما فيها، ثم غرفة ~~ثانية وثالثة، يجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، لما روى عبدالله ~~بن زيد ) في صفة وضوء رسول الله أنه فعل ذلك. PageV01P772 # الحالة الثانية: أن يأخذ غرفة لفيه وغرفة لأنفه، ثم غرفة ثانية وثالثة لكل ~~واحد منهما غرفة على التكرر، لما روي عن أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) ~~وعثمان رضي الله عنه في صفة وضوء رسول الله ، أنه فعل كذلك. # والمختار: ما رواه أمير المؤمنين (كرم الله وجهه)، وعثمان رضي الله عنه ~~لما فيه من الإكمال للطهارة والإتمام للنظافة(1)، وحكي عن الشافعي في الجمع ~~والفصل بينهما طريقتان: # الطريقة الأولى: حكاها أبو يعقوب الماوردي من أصحابه، قال: الجمع بينهما ~~أن يأخذ غرفة بيده فيتمضمض بها ويستنشق، ثم يأخذ غرفة ثانية يفعل بها كذلك ~~ثم يأخذ غرفة ثالثة يفعل بها كذلك مثل ما فعل في الثانية. وأما الفصل فهو ~~أن يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للإستنشاق، فهذه طريقة الجمع ~~والفصل على رأي الشافعي. # الطريقة الثانية: حكاها الشيخ أبوحامد المروزي ) من أصحابه فقال: الجمع: ~~أن يغرف غرفة فيتمضمض بها ثلاثا ويستنشق منها ثلاثا يجمع في غرفة واحدة ~~بينهما، وأما الفصل: فيغرف غرفة يتمضمض منها ثلاثا ثم يأخذ غرفة ثانية ~~فيستنشق منها ثلاثا فهذه طريقة هؤلاء. وأما العمراني صاحب (البيان) ms0434 فقال: ~~إن طريقة أبي يعقوب الماوردي أشبه بكلام الشافعي، ثم قال العمراني: وكلام ~~الشيخ أبي حامد أمكن وأثبت. PageV01P773 # والمختار: جواز الأمرين جميعا، أعني الجمع والفصل، فإن أريد الجمع فإنه ~~يجمعهما في غرفة واحدة ثلاث مرات، وإن أريد الفصل فإنه يفرد الفم بغرفة ~~والأنف بغرفة واحدة، ثم تكون الثالثة موكولة إلى رأيه، فإن شاء أفردها للفم ~~وإن شاء أفردها للأنف وإن شاء شرك بينهما لأجل إحراز الوتر في الوضوء، وهذا ~~هو الأسهل الأقرب الأعرف في الوضوء في الجمع والفصل فيجب التعويل عليه من ~~غير حاجة إلى أمر وراءه. # الفرع الرابع: الذي يتحصل من الخلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة في ~~المضمضة والاستنشاق، يقع على أربعة أوجه: # أولها: أنهما واجبان في جميع الطهارتين الكبرى والصغرى، وهذا هو رأي ~~القاسمية أجمع، وهو محكي عن عطاء، وطاووس ). # وثانيها: أنهما سيان في جميع الطهارتين كلتيهما، وهذا هو المحكي عن ~~الناصرية أجمع، وهو رأي الشافعي. وقد قررنا الحجة لكل واحد من هذين ~~المذهبين، وذكرنا المختار ونصرناه فأغنى عن تكريره. # وثالثها: أنهما إنما يجبان في الجنابة دون الوضوء، وهذا هو رأي الإمام ~~الشهيد زيد بن علي، ومحكي عن أبي حنيفة، والثوري. # والحجة لهم على ذلك: ما روى أبوهريرة عن النبي أنه قال: (( المضمضة ~~والاستنشاق للجنب ثلاثا فريضة)). # فنقول: عما ذكرتموه جوابان: # أما أولا: فلأن إيجابهما في الجنابة لا يناقض إيجابهما في الوضوء بالأدلة ~~التي ذكرناها. PageV01P774 # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه يؤكد ما قلناه من إيجابهما في الوضوء، فإنه إنما ~~خص الجنابة بالإيجاب ليس من أجل أنهما لا يجبان في الوضوء، وإنما غرضه أن ~~لا يقع فيهما تساهل، ويتكل على أن تعميم الجسم بالغسل لا يكفي عن تخصيصهما ~~بالإيجاب، فخصهما بالذكر تنبيها على ما قلناه. # ورابعها: أن الاستنشاق في الوضوء والجنابة واجب دون المضمضة، وهذا قول ~~يحكى عن داود وأبي ثور. # والحجة لهما على ذلك: ما روي عن النبي أنه قال: (( بالغ في الاستنشاق ~~إلا أن تكون صائما )). فخصه بالمبالغة ليدل على كونه واجبا دون غيره. # فنقول: عما ms0435 ذكروه جوابان: # أما أولا: فلأن الحديث الوارد (( بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن ~~تكون صائما)) بالجمع بينهما من غير تفريق، وفي هذا دلالة على استوائهما في ~~الإيجاب من غير تخصيص لأحدهما بالإيجاب دون الآخر. # وأما ثانيا: فلأن تخصيص الاستنشاق بالذكر لا يدل على كون المضمضة غير ~~واجبة، ثم إنا نقول: إن جميع الأحاديث التي رويناها في إيجابهما جميعا ~~ظاهرة في الوجوب بعيدة عن الاحتمال، وأخباركم هذه معرضة للاحتمال فلأجل هذا ~~كانت [أحاديثنا] أرجح من أحاديثكم. # الفرع الخامس: إذا تمضمض واستنشق ثم وجد بين أسنانه شيئا من أجزاء ~~المأكولات، فهل يجزيه أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه غير مجز له لحديث لقيط بن صبرة، حيث أمره رسول الله ، ~~بالمبالغة فيهما إلا أن يكون صائما، ولا مبالغة مع حصول الحاجز عن وصول الماء. # وثانيهما: أنه يكون مجزيا؛ لأن أحاديث المضمضة والاستنشاق وردت مطلقة ومع ~~الإطلاق يحصل الإجزاء، لأن من هذه حاله فقد حصل منه مطلق الاسم وصدق عليه ~~أنه قد تمضمض واستنشق. PageV01P775 # والمختار: هو الإجزاء، وهو الذي أشار إليه الإمام المنصور بالله؛ لأن ما ~~هذا حاله يصعب الاحتراز منه ويجزيه في المضمضة مج الماء في فمه وإدارته، ~~لحديث أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) وحديث عثمان رضي الله عنه فإنه ليس في ~~حديثهما إلا أنه مج الماء في فيه، من [غير] دلك بالأصبع فإنه ليس مسنونا ~~لما ذكرناه، فإن دلك بأصبعه فاه كان مبالغة في التنظيف، ويكفي في الاستنشاق ~~دفع الماء بنفسه عما كان استجذبه، لما في حديث علي (كرم الله وجهه) وحديث ~~عثمان، فإنه لم يزد في نثر الماء على دفعه بنفسه من غير إدخال لشيء من ~~أصابعه في منخريه، فإن [كان] في المنخرين شيء جامد استحب له دفعه لما فيه ~~من زيادة التنظيف وإيصال الماء إلى البشرة. # مسألة: ثم يغسل يديه لقوله تعالى:{فاغسلوا وجوهكم وأيديكم }[المائدة:6]. ~~وقوله لمن علمه الوضوء: (( فاغسل وجهك ويديك))، ولأنه لا خلاف بين الأمة ~~في وجوب غسلهما. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: المرفق فيه لغتان: # الأولى ms0436 منهما: مرفق بكسر الميم وفتح الفاء كأنه جعل على بناء الآلة، ~~كقولك: مقرض ومفتح. # الثانية: بفتح الميم وكسر الفاء كأنه لم يسلك به مسلك الآلة. ويجوز فيه: ~~مرفق بفتح الميم والفاء. وقرئ قوله تعالى:{ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ~~}[الكهف:16]. بكسر الميم وفتح الفاء جعله آلة كالمقرض والمخلب، ومن قرأه ~~بفتح الميم وكسر الفاء جعله من باب المسموع كالمسجد. ويجوز فيه مرفق بفتح ~~الميم والفاء جميعا كالمطلع، ولم يقرأ به ولكنه جائز من جهة القياس العربي، ~~وهو عبارة عن مجتمع عظم الساعد وعظم العضد. وهل يجب إدخال المرفقين في غسل ~~اليدين أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجب إدخالهما في غسل اليدين، وهذا هو رأي أئمة العترة ~~وهو قول أكثر الحنفية، والشافعية، والمالكية. PageV01P776 # والحجة على ذلك: هو أن (إلى) موضوعة في كلام العرب للحد، والحد قد يدخل ~~تارة وقد لا يدخل، فاستعماله في اللغة جائز على الوجهين جميعا، فأما دخوله ~~فقوله تعالى:{ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم }[النساء:2]. فالحد هاهنا ~~داخل في المحدود، وقد يستعمل غير داخل كقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل }[البقرة:187]. فالليل هاهنا غير داخل، فلما كان الحد جاريا على هذين ~~الوجهين وجب أن يكون مجملا في هذين الاستعمالين، فلا يمكن العمل على ظاهره ~~لإجماله فلابد من بيانه ليمكن العمل عليه، وقد بينه الله تعالى على لسان ~~رسوله بقول أو فعل، بما روى جابر بن عبدالله أن الرسول ، كان إذا توضأ أمر ~~الماء على مرفقيه، وهذا منه ، خارج مخرج البيان لما أجمل في الآية. # المذهب الثاني: أنه غير داخل، وهذا شيء يحكى عن أبي بكر بن داود ~~الأصبهاني، ومروي عن زفر. # والحجة لهما على ذلك: هو أن ظاهر الآية على أن المرفق غاية للغسل ~~ومنقطعه، ومن حق ما يجعل غاية بأصل الوضع أن لا يكون داخلا كقوله تعالى: ~~{ثم أتموا الصيام إلى الليل}[البقرة:187]. فلما كان الليل غاية لم يدخل. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة. # والحجة فيه: ما نقلناه عنهم؛ ونزيد هاهنا ms0437 حجتين: PageV01P777 # الحجة الأولى: ما قاله الزجاج ) في كتاب (معاني القرآن): أن (إلى) قد ترد ~~بمعنى مع، كقوله تعالى: {من أنصاري إلى الله }[آل عمران:52]. أي مع الله، ~~وقوله تعالى: {ويزدكم قوة إلى قوتكم }[هود:52]. أي مع قوتكم. وقوله تعالى: ~~{ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}[النساء:2]. أي مع أموالكم، فإذا كان ~~الأمر فيها كما قلنا، صار التقدير: وأيديكم مع المرافق، فصارت (إلى) دالة ~~على المعية وهو الاجتماع، ولا شك أن اليد اسم لجميع العضو إلى الآباط ~~والمناكب، ومع ما ذكرناه من التقرير يصير المعنى في الآية، غسل جميعها خلا ~~أنه اقتطع ما فوق المرفقين من اليد، وأدخلهما في الغسل بالدليل الذي ~~لخصناه. PageV01P778 # الحجة الثانية: ما حكي عن المبرد ) أنه قال: إذا كان الحد من جنس المحدود ~~كان داخلا فيه، في مثل قولك: بعت هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف. ~~فلما كان العضد من جنس الساعد وحد الساعد بالمرفق لا جرم كان داخلا فيه لما ~~كان من جنسه، فحصل من مجموع ما ذكرناه دخول الحد في المحدود لغة بما نقلناه ~~عن أئمة اللغة، فوجب حمل مطلق الآية عليه فصار المجمع على غسله هو عظم ~~الساعد كله، والذي وقع فيه الخلاف هو غسل طرف العضد مما يلي عظم الساعد؛ ~~لأن حده هو طرف العضد، فصار المرفق اسما واقعا على معنيين: # أحدهما: أنه مقول على مجمع العظمين: عظم الساعد وعظم العضد. # وثانيهما: أنه مقول على عظم الساعد لا غير، وإنما يجب غسل عظم العضد على ~~جهة التبع بالدلالة الشرعية. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم. # قالوا: جعل الله المرافق غاية لغسل اليد، فلا تكون داخلة، كقوله تعالى: ~~{ثم أتموا الصيام إلى الليل}.[البقرة:187] PageV01P779 قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فإنا قد قررنا أن (إلى) ليست في الآية غاية وإنما هي بمعنى ~~(مع) فالمعية دالة على الاجتماع فلهذا كانت داخلة فيه المرافق(1). # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا كونها دالة على الغاية لكونها أصلا فيها، لكنا ~~نقول: قد قررنا إجمال الآية وحاجتها إلى البيان، وقد ms0438 حصل بيانها بما نقلناه ~~عن جابر وبما رواه أمير المؤمنين، وعثمان بن عفان في صفة وضوء رسول الله ، ~~حيث كان يمر الماء على مرافقه. # قالوا: المفهوم من الغاية أنها منقطع الشيء وحده، وإذا كان هذا هو ~~المفهوم منها وجب أن لا تكون المرافق داخلة؛ لأنها صارت غاية ينتهي الغسل عندها. # قلنا: إن أردتم أن الحد غير داخل من جهة اللغة فهو فاسد؛ لأنا قد أوضحنا ~~استعماله في اللغة تارة مع الدخول وتارة مع الخروج، فلا دلالة لكم من جهة ~~اللغة على خروج الحد، وإن أردتم أنه غير داخل من جهة العقل فهذا وإن سلم ~~لكنه خرج بدليل الشرع الذي لخصناه فبطل ما توهموه. # قالوا: لابد من التفرقة بين الغاية وذي الغاية وبين الحد والمحدود، ولا ~~فرق هناك يعقل إلا بأن الحكم مقصور على المحدود دون حده وموقوف على ذي ~~الغاية دون غايته، فإذا كان الحكم شاملا لهما لم يقع هناك تفرقة بينهما. # قلنا: التفرقة بين الحد والمحدود ضرورية وبين الغاية وذي الغاية، فهما ~~وإن اتفقا في الحكم فلا يقدح في هذه التفرقة الضرورية، ألا ترى أنا نفصل ~~بين الليل والنهار في الصوم، وهكذا القول في كل حد ومحدود فإنهما يفترقان، ~~فلا وجه لقولكم إنهما إذا كانا متفقين في الدلالة أنها تبطل التفرقة ~~بينهما، فهما متميزان كما أشرنا إليه، لكن الدلالة الشرعية قاضية بإدخال ~~الحد في المحدود فبطل ما توهموه. PageV01P780 # الفرع الثاني: إذا كان للرجل أصبع زائدة أوكف زائدة في كفه أوفي ذراعه، وجب ~~عليه غسلها؛ لأنها في محل الفرض فوجب اندراجها تحت قوله تعالى: {وأيديكم}. ~~لأن التقدير فيه: واغسلوا أيديكم. وإن كان له يد زائدة على يديه نظرت، فإن ~~كان أصلها في محل الفرض وجب غسلها مع اليد لكونها في محل الفرض، وإن كان ~~أصلها في غير محل الفرض كأن يكون أصلها في منكبه أو عضده بعيدا عن محل ~~الفرض، نظرت فإن كانت قصيرة لم تحاذ محل الفرض فإنه لا يجب غسلها لكونها ~~بعيدة عن محل الفرض وغير محاذية له، ms0439 وإن كان منها شيء قد حاذى محل الفرض ~~فهل يجب غسل ما كان محاذيا لمحل الفرض مع اليد أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا يجب غسلها؛ لأن أصلها في غير محل الفرض وهي تابعة له. # وثانيهما: أنه يجب؛ لأنه يقع عليها اسم اليد. # والمختار على المذهب: هو الأول وهو أنه لا يجب غسلها لبعدها عن محل ~~الفرض، وما قيل من أنه يقع عليها اسم اليد يبطل بما إذا كانت قصيرة لم تحاذ ~~شيئا من محل الفرض فإنه يقع عليها اسم اليد، ومع ذلك فإنه لا يجب غسلها ~~فبطل ما قالوه. # الفرع الثالث: وإذا كان للرجل يدان متساويتان مبدأ خلقهما من المنكب أو ~~من المرفق وجب غسلهما جميعا لوقوع اسم اليد عليهما، فتكونان مندرجتين تحت ~~قوله تعالى: {وأيديكم إلى المرافق}. وإن كان له أظفار قد طالت وخرجت عن حد ~~اليد فهل يجب غسل ما خرج عن حد اليد أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن ذلك واجب؛ لأنه من جملة اليد ومتصل بها. PageV01P781 # وثانيهما: أنه غير واجب؛ لأنه خارج عن حد الفرض فأشبه اللحية المسترسلة، ~~فإن غسلها غير واجب كما مر بيانه، وإن انقشعت جلدة عن جانب ثم التحمت من ~~جانب آخر نظرت، فإن كان انقشاعها من الساعد والتحامها فيه وجب غسلها؛ لأن ~~ذلك كله في محل الفرض فلهذا وجب غسله، وإن كان انقشاعها من العضد والتحامها ~~فيه لم يجب غسلها؛ لأن ذلك بمعزل عن محل الفرض، كما مر تقريره، وإن كان ~~انقشاعها من الساعد والتحامها في العضد وجب غسل ما يحاذي المرفقين دون ما ~~عداه لكونه محلا للفرض، وإن كان انقشاعها من العضد وتدلت إلى الساعد ~~والتحمت به وجب غسل ما كان على المرفقين والساعد لكونه محلا للفرض، فلهذا ~~وجب غسله، وإن انقشعت من الساعد والتحمت بالمرفق وبقي ما تحتها مجوفا وجب ~~غسل ما تحتها؛ لأنه محل الفرض وهو الساعد، ووجب غسلها أيضا لكونها محاذية ~~لمحل الفرض. # الفرع الرابع: والأقطع إذا قطعت يداه أوإحداهما نظرت، فإن كان مقطوعا عند ~~الزند ms0440 وجب غسل ما بقي من الذراع لكونه محلا للفرض، وإن كان مقطوعا من العضد ~~فلا فرض عليه هناك في الغسل؛ لأن العضد ليس محلا للفرض فلا يجب غسله، ~~ويستحب أن يمس ما بقي من العضد ماء حتى لا يخلو العضو عن الطهارة، وإن كان ~~مقطوعا من المرفقين فهل يجب غسله أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجب غسله، وهذا هو الذي ذكره الإمام المؤيد بالله على ~~رأي القاسم، ونقله الربيع ) عن الشافعي. PageV01P782 # والحجة على ذلك: هو أن المرفق عبارة عما قررناه من قبل عن مجتمع العظمين، ~~عظم الساعد وعظم العضد، فلهذا وجب غسل عظم العضد لكونه مرادا بالآية: ~~{وأيديكم إلى المرافق}. وهي عبارة عما ذكرناه، وهذا هو المحكي عن أبي ~~حنيفة، وأبي يوسف. # المذهب الثاني: أنه لا يجب غسله وهذا هو رأي مالك، ومحكي عن زفر، ونقله ~~المزني عن الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن المرفق عند هؤلاء صار عبارة عن عظم الساعد فلأجل ~~هذا لم يجب غسله، وكل موضع قلنا بأن غسله غير واجب فإنه مستحب؛ لئلا يخلو ~~العضوعن وظيفة الطهارة فيه. # والمختار: ما قاله الإمامان: القاسم والمؤيد بالله ومن تابعهما من ~~العلماء. # والحجة على ذلك: ما نقلناه، ونزيد هاهنا فنقول: ليس يخلو الحال في ذلك ~~إما أن يكون المرفقان مقولين على مجتمع العظمين أو يكون [اللفظ] مقولا على ~~عظم الساعد لا غير، فإن كان الأول: فلا كلام في دخول عظم العضد لكونه من ~~مفهومها فلهذا كان واجبا غسله بإطلاق الآية، وإن كان الثاني: فهو وإن كان ~~الأمر فيه كما قالوه لكنا نقول: يدخل عظم العضد على جهة التبع لعظم الساعد، ~~فلهذا وجب غسله على كلا الأمرين جميعا. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: المرفق عبارة عن عظم الساعد وهو مفهومه اللغوي فلا يدخل عظم ~~العضد، وفي هذا دلالة على أنه لا يجب غسله. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أنه عبارة عما ذكروه، ولكنه عبارة عن مجتمع ~~العظمين عظم الساعد وعظم العضد، فيكون غسله ms0441 لاندراجه تحت الآية، وهو قوله ~~تعالى: {إلى المرافق}. PageV01P783 # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا ما قالوه من أنه عبارة عن طرف عظم الساعد، لكن ~~عظم العضد صار تابعا له، فهو وإن لم يجب غسله قصدا فإنه واجب على جهة ~~التبع، وأكثر البغداديين من أصحاب الشافعي على تخطئة المزني في نقله لهذه ~~المقالة عن الشافعي، وإنما العمدة لمذهبه ما نقله الربيع من القول بوجوب ~~غسل عظم العضد كما هو رأي أئمة العترة، فأما الخراسانيون من أصحاب الشافعي ~~فقد صححوا ما قاله المزني، وقالوا: إن له [رأيا] في المسلمين، والتردد منه ~~إنما كان في وجوب غسل عظم العضد، هل يكون على جهة القصد أو يكون على جهة ~~التبع؟، ويؤيد ما قلناه من وجوب غسله عند القطع هو، أن غسله كان واجبا قبل ~~القطع فهكذا حاله إذا قطع كالزند إذا كان بعضه مبانا. # قالوا: طرف عضو فلا يجب غسله كالطرف الآخر مما يلي المنكب. # قلنا: إنما لم يجب غسل طرفه الآخر لما كان ليس محلا للفرض ولا متصلا به، ~~بخلاف ما يلي الساعد فإنه محل للفرض فوجب غسله لما كان متصلا به فافترقا. # الفرع الخامس: وإن كان الأقطع لا يتمكن من الوضوء إلا ببذل الأجرة، وجب ~~عليه ذلك إذا كان متمكنا منها؛ لأن ذلك تسبيب إلى تحصيل الصلاة فلزمه ذلك، ~~كما نقوله في شراء الماء لتأدية الصلاة، فإن بذل له غيره أن يوضيه بغير ~~أجرة لم يلزمه ذلك لما فيه من احتمال المنة في تأدية العبادة كما لا يلزمه ~~قبول الهبة في المال ليكون مؤديا للزكاة. وحكي عن الصيدلاني من أصحاب ~~الشافعي: وجوب ذلك عليه، والوجه فيه ما قررناه. # وإن لم يجد من يوضيه بأجرة ولا بغير أجرة وجبت عليه الصلاة على حسب حاله ~~لأمرين: # أما أولا: فلأن الأمر بالصلاة ورد مطلقا وهو قوله تعالى: {وأقيموا ~~الصلاة}. وعلم بدليل الإجماع، الشرطية للوضوء، فإذا تعذر الوضوء لمانع لم ~~يبطل ما وجب من الأمر بالصلاة؛ لأن أحدهما مغاير للآخر، فالعذر في تأدية ~~الوضوء لا يكون مسقطا ms0442 للصلاة. PageV01P784 # وأما ثانيا: فلقوله عليه السلام: (( إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم ~~)). فلما كانت الاستطاعة في حق الوضوء مفقودة لم تبطل الاستطاعة في حق ~~الصلاة. # وهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها تلزمه الإعادة وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله نادر والنادر لا تعريج عليه، فألحق ~~بما لو صلى بغير وضوء مع تمكنه منه. # وثانيهما: أنها لا تلزمه الإعادة وهذا هو رأي الهادي. # والحجة على ذلك: هو أنه قد أدى الصلاة على الوجه الممكن في حقه وهي فرض ~~وقته، فلا يلزمه تأديتها مرة أخرى لقوله عليه السلام: (( لا ظهران في يوم)). # الفرع السادس: وإن توضأ ثم قطعت يده أو رجله فهل يجب عليه غسل ما ظهر ~~لأجل القطع أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه يلزمه غسله، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة، وهو محكي عن ~~أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أن الدم ناقض للوضوء كما سنقرره في نواقض الوضوء، ~~وإذا كان الأمر فيه كما قلناه فقد تعلقت الطهارة بموضع القطع كما لو أحدث، ~~فمن أجل ذلك وجب غسله. # وثانيهما: أنه لا يجب غسله، وهذا هو المحكي عن الإمام الناصر، وهو قول ~~الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن خروج الدم غير ناقض على رأيهما، وإذا كان الأمر ~~كذلك فالطهارة هاهنا غير متعلقة بموضع القطع، وإنما تتعلق بموضع ما ظهر من ~~اليد فقد غسله فلا يتوجه عليه سوى ذلك، فإن أحدث بعد ما قطعت يده أو رجله ~~فقد اتفق الفريقان على وجوب غسل موضع القطع، من جهة أن الطهارة قد تعلقت ~~بموضع القطع لأجل الحدث، وإن وقع في بعض أعضاء الطهارة جرح فتجوف وصار له ~~قعر بعد اندمال جرحه فلابد من غسله وجوبا؛ لأنه صار ظاهرا يمكن غسله لأنه ~~صار في محل الفرض. PageV01P785 # ويستحب للمتوضئ إذا كان في يده خاتم أن يحركه بأصبعه إذا كان يعلم بوصول ~~الماء إليه ودخوله تحته، فإن كان الخاتم واسعا فلا ms0443 يحتاج إلى التحريك لما ~~روى أبو رافع )، عن النبي أنه كان إذا توضأ حرك خاتمه في أصبعه(2)، فإذا ~~كان الخاتم منضغطا في الأصبع بحيث لا يدخل الماء تحته وجب عليه إخراجه وغسل ~~ما تحته؛ لأن ما تحته في محل الفرض فلابد من غسله. # الفرع السابع: وغسل البراجم واجب لكونه في محل الفرض فلابد من غسله(3). ~~والبرجمة: بضم الباء واحدة البراجم وهي عبارة عن [مفاصل] أصابع الكف، ~~وعلامتها أن الإنسان إذا قبض كفه شخصت. # فإن قال قائل: فكيف تقولون: إن غسل البراجم واجب وقد عد رسول الله غسل ~~البراجم والمضمضة والاستنشاق وانتقاص الماء من جملة المسنونات في حديث ~~عائشة وهي عندكم واجبة كلها؟ # قلنا: قد أوضحنا البرهان على وجوب هذه الأمور من قبل فلا مطمع في إعادته، ~~وإنما جاز إطلاق اسم السنة عليها على جهة الاستعارة والتجوز من جهة أن ~~المسنون في لسان حملة الشريعة، ما واظب الرسول على فعله وتكرر من جهته ~~تأديته، ولا شك أن الأمور الواجبة أحق الأفعال بالمواظبة والتكرير فلأجل ~~هذا حسن تسمية الواجب بكونه مسنونا، وأما الانتقاص بالماء فهو عبارة عن ~~الاستنجاء بالماء وقد قررنا وجوبه من قبل، وإنما سمي الاستنجاء بالانتقاص ~~لأمرين: PageV01P786 # أما أولا: فلأن المستنجي إذا استعمل الماء في غسل فرجيه فإنه ينقص لا محالة. # وأما ثانيا: فلأن الانتقاص هو انقطاع البول، فإذا استنجى بالماء انقطع ~~البول فلأجل هذا سمي ما يقطع البول انتقاصا. # مسألة: ثم يمسح رأسه لقوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم}. ولما روى أمير ~~المؤمنين وعثمان بن عفان من صفة وضوء الرسول أنه مسح رأسه، ولقوله عليه ~~السلام للأعرابي: (( توض كما أمرك الله تعالى )) ثم قال: (( وامسح رأسك )) ~~ولأنه لا خلاف بين الأمة في وجوب مسح الرأس. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: في بيان مقدار الواجب من مسح الرأس، وفيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن الواجب فيه التعميم مقبله ومدبره وجوانبه، وهذا هو رأي ~~الهادي نص عليه في الجامعين، والقاسم في (النيروسي)، ومحكي عن المؤيد ~~بالله، وهو رأي أكثر العترة، ومحكي عن ms0444 مالك، والمزني؛ من أصحاب الشافعي، ~~وأبي علي الجبائي، وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل. # والحجة على ذلك: ما روي [عن] أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) في صفة ~~تعليمه الناس لوضوء رسول الله ، فمسح رأسه مقبلا ومدبرا. # الحجة الثانية: ما روى طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله ~~مسح مقدم رأسه حتى بلغ القذال من مقدم عنقه. # الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنه عضو من أعضاء الطهارة فلا يكون فرضه ~~مقدرا بالربع كسائر أعضاء الطهارة، أو نقول: عضو من أعضاء الطهارة فرضه ~~المسح في إحدى الطهارتين فوجب فيه التعميم كالوجه واليدين في التيمم، فهذه ~~الحجج كلها دالة على وجوب التعميم في وظيفة الرأس. # المذهب الثاني: أنه لا يجب مسح الجميع وإنما يجب منه قدر معلوم، وهذا فيه ~~آراء أربعة: # أولها: أن الواجب هو مسح مقدم الرأس، وهذا هو رأي الإمامين زيد بن علي، ~~والناصر، ومحكي عن الباقر، والصادق. PageV01P787 # والحجة على ذلك: ما روى أنس بن مالك، قال: رأيت رسول الله أدخل يده تحت ~~العمامة ومسح على مقدم رأسه، وفي حديث آخر على ناصيته(1)، فالآية وردت ~~مطلقة، وهذا الحديث كالبيان له فوجب بظاهره مسح مقدم الرأس كما ذكرناه. # وثانيها: أن المقدم جزء من الرأس، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة، فإنه روي ~~عنه ثلاث روايات: # الأولى منها: أن الواجب مسح ربعه. # الثانية: أن الواجب مسح الناصية. # الثالثة: أن الواجب مسح مقدار ثلاث أصابع بثلاث أصابع. # والحجة على ما قاله: ما روي عن النبي أنه مسح مقدم رأسه، فظاهر الخبر ~~دال على مسح جزء من الرأس، وهو وارد على جهة البيان لما في الآية، فمرة ~~قدره بالربع؛ لأن مقدم الرأس ربع ومؤخره ربع وجانباه ربعان من عن يمين ~~وشمال، فهذا وجه تقدير الربع، ومرة قدر الناصية موافقة لظاهر الحديث فإن ~~المقدم هو الناصية، ومرة قال: مقدار ثلاث أصابع؛ لأن ذلك هو المفهوم من ~~إطلاق لفظ المقدم، فمن أجل ذلك اختلفت الروايات عنه عملا منه على هذا ~~التقدير والأخذ من ظاهر ms0445 الخبر. # وثالثها: أن الواجب من مسح الرأس هو الثلثان منه، وهذا هو المحكي عن محمد ~~بن مسلمة صاحب مالك، وإحدى الروايتين عن: أحمد بن حنبل، والرواية الثانية: ~~[مسحه] كله كمذهبنا. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم}. وظاهر الآية دال على ~~التعميم، فإذا مسح الأكثر من الرأس فإنه يكون قريبا من التعميم، ولن يكون ~~ذلك إلا بتقدير الثلثين، فإذا ترك ثلثا فما دون كان ذلك مجزيا له. # ورابعها: أن الواجب من الرأس مسح ثلاث شعرات، وهذا هو المحكي عن الشافعي ~~في بعض أقواله، وحكي عن عبدالله بن عمر: أنه لو مسح شعرة أجزأه، وهذا هو ~~المحكي عن أبي ثور أيضا، وروى داود مثل ذلك. PageV01P788 # والحجة على ذلك: هو قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم}. فظاهرالآية دال على ~~إجزاء ما يقع عليه الاسم، ولا شك أن الاسم؛ أقل ما يقع على ما ذكرناه، وعن ~~ابن الصباغ صاحب (الشامل)، أن ما هذا حاله ليس تقديرا من جهة الشافعي، ~~وإنما هو عمل على أقل ما يطلق عليه الاسم، فهذا تقرير من قال من الفقهاء: ~~بالتقدير في مسح الرأس. # المذهب الثالث: من قال إن الواجب من مسح الرأس ليس أمرا مقدرا وإنما ~~يكتفى عنه بأقل ما يقع عليه اسم المسح، وعلى هذا لو مسح بعض شعرات أجزأه. # والحجة على ذلك: هو أن الله تعالى أمر بالمسح في الآية ولم يقدره، وعدم ~~تقديره فيه دلالة على أن الله ما أراد شيئا مقدرا وإنما أراد ما يقع عليه ~~الاسم؛ لأن المقصود هو خفة الوضوء في مسح الرأس، وما ذكرناه من أن الظاهر ~~أقل ما يقع عليه الاسم هو مطابق لهذه الوظيفة التي فرضها الله عز وجل في ~~الآية، فهذا تقرير المذاهب كلها بحججها وأدلتها، والله أعلم بالصواب. # والمختار: ما عليه الأكثر من أئمة العترة وهو تعميم مسح الرأس. # والحجة: ما نقلناه عنهم ونزيد هاهنا حججا قوية ستا: # الحجة الأولى: قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم}. واعلم أن كل واحد من ~~مخالفينا في هذه المسألة قد استدل بهذه الآية على ما ms0446 يراه من مسح بعض الرأس ~~لكن استدلالنا بها على التعميم في المسح أحق من أوجه ثلاثة: PageV01P789 # أما أولا: فلأن الباء موضوعة في الأصل للإلصاق في مثل قولك: أمسكت بالحبل ~~أي الصقت يدي به حقيقة، ومجازا في مثل قولك: اعتصمت بحبل الله وتمسكت ~~بعروته، فالإلصاق هاهنا مجازي، وهي(1) وإن أفادت الاستعانة والمصاحبة ~~والمقابلة لكن معناها الأصلي هو الإلصاق وإليه يرجع سائر المعاني، وإذا كان ~~الأمر كما قلناه كانت فائدة الإلصاق في قوله تعالى:{وامسحوا برؤوسكم}. ~~إلصاق المسح بكل جزء من الرأس، فهذه هي فائدة الإلصاق، وفي هذا حصول غرضنا ~~من كونها دالة على تعميم المسح في الرأس خلافا لما يزعمه مخالفونا من ~~دلالتها على التبعيض. PageV01P790 # وأما ثانيا: فلأن الشيخ أبا الفتح بن جني ) قال: ومن زعم أن الباء للتبعيض ~~فشيء لا يعرفه أهل اللغة ولا ورد في شيء من كلام العرب منظومه ولا منثوره، ~~وفي هذا دلالة على ضعف هذه المقالة أعني دلالتها على البعضية. PageV01P791 # وأما ثالثا: فلأنا نقول: الفعل في حالة إذا كان متعديا بنفسه ثم عدي ~~بالباء، فلا وجه لتعديته بالباء إلا من جهة الإشعار بالتعميم؛ لأنه إذا كان ~~معدى بنفسه كان محتملا للتعميم وغيره في مثل قولك: مسحت رأسي، فهو محتمل ~~لأن يفيد الشمول في مسح الرأس، ويحتمل أن يكون مفيدا للتخصيص ببعضه، أما ~~إذا كان معدى بالباء وكان في الأصل معدى بنفسه فالباء لم تأت إلا دالة على ~~التعميم لا محالة، لأنها دالة على الإلصاق ومشعرة به فكأنها لإلصاق المسح ~~بكل جزء من أجزاء الرأس وهذا هو مطلوبنا، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى:{ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة }[البقرة:195]. وقوله تعالى:{واعتصموا بحبل الله ~~جميعا }[آل عمران:103]. وقوله تعالى:{بأيكم المفتون }[القلم:6]. فهي في ~~جميع مواردها في كتاب الله لا تفيد التبعيض بحال فكيف يقال بأنها هاهنا ~~دالة عليه مع أنها غير مستعملة فيه؟ فحصل من مجموع كلامنا هاهنا أنه لا ~~دلالة لمخالفينا في الآية على مسح بعض الرأس وأنا أحق بالاستدلال بها على ~~رأينا في تعميم مسح الرأس بالماء. والعجب ms0447 من نظار الفقهاء من أصحاب الشافعي ~~كابن الصباغ صاحب (الشامل)، وأبي إسحاق صاحب (المهذب)، والعمراني صاحب ~~(البيان) وغيرهم من محصلي مذهبه، كيف جعلوا الآية عمدة لهم في التبعيض مع ~~أنها غير موضوعة لإفادته ولا دالة عليه بحال، ومن أجل ذلك كان أئمة الأدب ~~من أهل اللغة والنحاة ما ذكروا دلالتها على التبعيض ولا عدوه من جملة ~~معانيها كالاستعانة والمصاحبة والمقابلة وغيرها، وما ذاك إلا لأنها لا ~~تفيده بحال. # الحجة الثانية: أن مخالفينا في هذه المسألة وإن كان قد رووا الأحاديث في ~~مسحه على الناصية ومقدم رأسه، لكن الحديث الذي رويناه في التعميم رواه أمير ~~المؤمنين (كرم الله وجهه) في تعليمه لوضوء رسول الله ، ولا شك أن خبره راجح ~~على خبر غيره لأوجه: PageV01P792 # أما أولا: فإنه لا خلاف بين أهل القبلة في أن أحدا من الأمة لم يذهب إلى ~~عصمة أحد من الصحابة بخلاف أمير المؤمنين فإن من الزيدية والإمامية من يذهب ~~إلى(1) عصمته، ولا شك أن رواية المعصوم الذي لا يجوز عليه الخطأ أرجح من ~~رواية غير المعصوم لا محالة. # وأما ثانيا: فلأن الله تعالى قد خصه بالخصال الشريفة في الدين من العلم، ~~والورع، والزهد، والتفقه، والعلم بالرواية، مالم يخص به أحدا من سائر ~~الصحابة، ومن هذه حاله فلا إشكال في أن روايته راجحة على غيره. # وأما ثالثا: فإنه لا منقبة لأحد من الصحابة بنص الرسول إلا وهي فيه على ~~أتم شيء وأكمله، فمن أجل ذلك كان ما يرويه في غاية القوة والوثاقة والرجحان ~~على غيره، فمن أجل هذه الأوجه وغيرها اعتمدنا روايته في تعميم مسح الرأس ~~وجعلناها أصلا في تقرير ما ذهبنا إليه. # الحجة الثالثة: ما روي عن النبي أنه توضأ مرة مرة ومسح على رأسه مقدمه ~~ومؤخره ثم قال بعد ذلك: ((هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة من دونه )). # ووجه الدلالة من هذا الخبر: هو أنه قال عقيب مسح رأسه وتوضيه مرة مرة: (( ~~هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة من دونه)). وهذه أمارة كون الشيء واجبا؛ لأنه ~~لولم ms0448 يكن واجبا كانت الصلاة مجزية من دونه كسائر السنن التي تختص الوضوء ~~كما سنقررها بمعونة الله تعالى. # الحجة الرابعة: ما روي عن عبدالله بن زيد أنه قيل له: هل تستطيع أن ترينا ~~وضوء رسول الله ؟ فقال: نعم، فدعا بوضوء فأفرغ الماء على يديه، ثم ساق صفة ~~وضوء رسول الله ثم كان بعد ذلك [أن] مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، ~~بدءا بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي ~~بدأ منه، ثم غسل رجليه(2)، فظاهر هذا الخبر دال على تعميم مسح الرأس كما قلناه. PageV01P793 # الحجة الخامسة: ما روت الربيع بنت معوذ بن عفراء ) قالت: كان رسول الله ~~يأتينا فقال يوما: (( اسكبي وضوءا )). فذكرت وضوء رسول الله بصفته ثم ~~قالت: ومسح رأسه يبدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه ثم بأذنيه بطونهما وظهورهما(2). # الحجة السادسة: ما روى المغيرة بن فروة ) عن الرسول ، أنه توضأ فلما بلغ ~~رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه، ثم مسح من ~~مقدمه إلى مؤخره ومن مؤخره إلى مقدمه، فهذه الحجج كلها دالة على ما ذهبنا ~~إليه من تعميم مسح الرأس. ثم نقول: الأحاديث الواردة في صفة وضوء رسول الله ~~، هي إما مطلقة في مسح الرأس وإما دالة على التعميم فيجب حمل مطلقها على ~~مقيدها؛ لأن التقييد صفة زائدة على الإطلاق، وهي مقبولة من جهة العدل(4)، ~~فلا جرم وجب التعويل عليها. # الانتصار: يكون على من خالفنا في التعميم. إما بإيجاب جزء من الرأس مقدر ~~أو غير ذلك، فهذان تقريران: PageV01P794 # التقرير الأول: في بيان الانتصار على من قال: بجزء مقدر من الرأس، فأما ما ~~يحكى عن الإمامين زيد بن علي، والناصر من إيجاب مسح مقدم الرأس أو الناصية ~~اعتمادا على حديث أنس، حيث روى أنه مسح على مقدم رأسه أو ناصيته، فنقول(1): ~~عن هذا أجوبة خمسة: # أما أولا: فلأنه ليس في الخبر إلا ذكر الناصية، وليس تخصيصها بالذكر يدل ~~على نفي الحكم عما عداها، إذ لا منافاة بين مسح ms0449 الناصية وغيرها، فيجوز أن ~~يكون قد مسح الرأس كله خلا أن الراوي لم يشاهد إلا مسح الناصية فنقله كما رآه. # وأما ثانيا: فلأنه يجوز أن يكون مسحه على ناصيته تسوية للناصية عن ~~الانقشاع، وتسوية للمفرق عن أن يكون مغطيا على العينين، ولم يقصد به وضوءا ~~ولا تعليم وضوء. # وأما ثالثا: فلأنه يجوز أن يكون مسحه على الناصية إنما كان لعذر يمنع من ~~مسح جميع الرأس وكلامنا إنما هو في حالة الرفاهية وزوال الأعذار. # وأما رابعا: فلأن الناصية قد يعبر بها عن أعلى الشيء وخياره، ولهذا يقال: ~~ناصية الجبل أي أعلاه، فعلى هذا يكون المعنى في قوله: مسح على ناصيته، أي ~~على أعلاه وهو الرأس، فلا يكون فيه حجة على انفراد الناصية بالمسح. # وأما خامسا: فلأن أخبارنا دالة على الزيادة وخبركم غير دال عليها، فلهذا ~~كانت أحق بالقبول لما ذكرناه. # وأما ما روي عن أبي حنيفة: من إيجاب جزء من الرأس على اختلاف الرواية عنه ~~اعتمادا منه على ما روي عن النبي أنه مسح على مقدم رأسه، ثم قدره تارة ~~بالربع وتارة بالناصية ومرة بثلاث أصابع، ففيه أجوبة: # أما أولا: فلأن الأحاديث على كثرتها وسعتها في مسح الرأس، لم تدل على ~~تقدير بالربع ولا بالأصابع الثلاث، فما ذكرتموه تحكم لا مستند له وشيء لا ~~دليل عليه. PageV01P795 # وأما ثانيا: فلأن الباب باب العبادات والطهارات، تنسد عنها طرق القياس، فلا ~~وجه لاستعمال الرأي فيها مع انسداده، ولا شك أنكم قد استعملتم الرأي في ~~تقدير الربع وثلاث أصابع، فلا وجه له. # وأما ثالثا: فلأن في هذه الروايات تدافعا، فإن مقدم الرأس يمنع من تقديره ~~بالربع؛ لأن المقدم هو الناصية، والربع عام في جميع الرأس فيكون فيه تدافع. # وأما رابعا: فلأن التقدير بالربع يمنع من تقديره بأصابع ثلاث؛ لأن الربع ~~أكثر من الأصابع الثلاث، فإذا لا وجه لما ذكروه من هذه التقديرات التي لا ~~دلالة عليها، فحصل من مجموع ما ذكرناه: أن الذي وقع في الأحاديث إنما هو ~~ذكر المقدم لا غير، فأما ما عداه ms0450 من تقدير الربع وثلاث أصابع فإنما هو ~~تعويل على الرأي فلا يكون مقبولا؛ لأن الباب باب العبادة. # وأما ما يحكى عن محمد بن مسلمة: من أن مسح ثلثي الرأس يكون مجزيا اعتمادا ~~على ظاهر الآية بكونها دالة على مسح أكثر الرأس فإذا ترك ثلثا كان مجزيا ~~له، فعنه جوابان: # أما أولا: فلأن إيجابكم المسح لثلثي الرأس تحكم لا مستند له وقول لا دليل ~~عليه، فإنه ليس في الأحاديث ذكر إيجاب الثلثين ولا رواه أحد عن الرسول . # وأما ثانيا: فلأن إيجابكم لهذا القدر من الرأس، إما أن يكون لأنه الأكثر ~~والآية دالة على الأكثر فهو فاسد، فإن الآية إنما دلت على التعميم من غير ~~تقدير بالثلث ولا بالثلثين، وإن كان ذلك لدلالة دلت عليه فالواجب ذكرها ~~لننظر فيها هل تكون دالة أو غير دالة فلابد من ذكرها لنعلم حالها. وأما ما ~~يحكى عن الشافعي من إيجاب ثلاث شعرات أو شعرة واحدة اعتمادا منه على أقل ما ~~يطلق عليه اسم المسح المأخوذ من ظاهر الآية، فعنه جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكرتموه بناء على أن الباء موضوعة للتبعيض وقد ذكرنا ~~من قبل أنها غير دالة عليه، ولا مشعرة به في كلام العرب، فكيف ندعي عليهم ~~خلاف لغتهم؟ PageV01P796 # وأما ثانيا: فلأنها لوكانت دالة على البعضية كما زعمتم لوجب إذا قال الواحد ~~منا: مسحت برأس اليتيم كله، ومسحت بالحائط كله، أن يعد تناقضا وهذا لا قائل ~~به، أو لو قال: مسحت ببعض رأس اليتيم أن يكون تكرارا لكلامه، والمعلوم خلاف ~~ذلك من الأدباء من أهل اللغة والإعراب، فبطل ما قالوه من دلالتها على ~~التبعيض. فهذا هو الكلام على من زعم أن الواجب مسح قدر من الرأس معلوم قد ~~أبطلناه على اختلاف القائلين به. # التقرير الثاني: في بيان الانتصار على من قال بجزء غير مقدر، وهو المشهور ~~من قولي الشافعي، اعتمادا منه على ظاهر الآية، فإن الله تعالى أوجب مسح ~~الرأس ولم يشر إلى جزء مقدر فيجب الاكتفاء فيه بأقل ما قيل، كما لو مسح ms0451 بعض ~~شعره، فعنه جوابان: # أما أولا: فلأنا قد قررنا دلالة الآية على التعميم، وأن دلالتها عليه ~~أظهر من دلالتها على أقل ما يطلق عليه اسم المسح، فلا وجه لتكريره. # وأما ثانيا: فلأنا نقول: إيجابكم لبعض الشعرة ليس يخلو حاله إما أن يكون ~~مأخوذا من ظاهر الآية، أو من دلالة منفصلة عن الآية، فإن [كان] الأول فهو ~~فاسد، فإنه ليس في ظاهرها ما يدل على شعرة، ولا على بعض شعرة فإن زعموا ~~أنهم لم يأخذوه من ظاهر الآية وإنما اكتفوا بأقل ما يطلق. # قلنا: فلم نعلم من صاحب الشريعة (صلوات الله عليه) أنه اكتفى بأقل ما ~~يطلق، وهو المعلم للأحكام والذي يؤخذ منه الشرع، بل تارة عمم جميع رأسه، ~~وتارة مسح مقدم رأسه، ومرة مسح على الناصية، فكيف يصح ما قلتموه من اكتفائه ~~بأقل ما يطلق عليه اسم المسح؟ # وإن قالوا: أخذنا ذلك من دلالة منفصلة. # قلنا: فاذكروا هذه الدلالة حتى ننظر فيها. # فقد وضح لك بما ذكرناه من تلك الأدلة أن وظيفة الرأس هي استيعابه بالمسح ~~خلافا لما زعمه أكثر الفقهاء من أن الواجب منه جزء مقدر، ثم إن لهم ~~[أقوالا] أخر غير هذه نجيب عنها بمعونة الله تعالى. PageV01P797 # قالت الحنفية: طهارة في عضو فلم يجز منها ما يقع عليه الاسم، كالغسل في ~~سائر الأعضاء وكالمسح في التيمم. # قلنا: هذا غير لازم لنا؛ لأنا قد قررنا أن مذهبنا فيه التعميم فهذا ~~القياس لا يتوجه علينا؛ لأن غرضكم منه إثبات جزء مقدر ونحن لا نقول به ~~كالربع والثلاث الأصابع ومقدم الناصية، وإنما يلزم إخوانكم الشافعية حيث ~~قالوا: بأن المفروض هو الاكتفاء بأقل ما يطلق عليه الاسم. وقد أجابوا عنه ~~بأمرين: # أما أولا: فلأنه لو كان كالأصل الذي قاسوا عليه من الغسل والتيمم لوجب ~~استيعاب محل الفرض فيه وأنتم لا تقولون به فبطل هذا القياس. # وأما ثانيا: فبأن قلبوا هذا القياس عليكم قائلين: طهارة في عضو فلا تكون ~~مقدرة بالربع كالغسل في الأعضاء والمسح في التيمم. # قالوا: قربة تتعلق بالرأس فلم يكن ms0452 ما يقع عليه الاسم مجزيا فيها ~~كالحلق(1). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا يبطل بكشف الرأس في حال الإحرام فإنه قربة تتعلق ~~بالرأس ومع ذلك فإنه يجب استيعابه. # وأما ثانيا: فلأن الحلق في حق المحرم محظور فلأجل ذلك كان الحكم متعلقا ~~بقليله وكثيره بخلاف ما نحن فيه من مسح الرأس فإنه عبادة تعلقت به، فلهذا ~~وجب فيه الاستيعاب، دليله الكشف في حال الإحرام فإنه لما كان محظورا تعلق ~~بقليله وكثيره. # قالوا: ما يقع عليه الاسم يدخل في الربع من جهة التبع فلم يكن فرضا في ~~غيره كموضع الإسباغ في العضد. # قلنا: هذا غير لازم لنا؛ لأننا نقول بوجوب مسحه كله، فإنما يلزم إخوانكم ~~الشافعية، وقد أجابوا بأن دية اليد تدخل في النفس على جهة التبع ومع ذلك ~~فإنها أصل بنفسها، والسجدة الواحدة تدخل في الصلاة على جهة التبع، ثم إنها ~~منفردة بنفسها، فحصل من هذا أن وجوبه ليس على جهة التبع وأنه يكتفى فيه ~~بأقل ما يطلق عليه الاسم على هذا القول. PageV01P798 # قالت الشافعية: مسح المتوضئ من الرأس ما يقع عليه اسم المسح فلا تلزمه ~~الزيادة كما لو مسح مقدار الربع. # قلنا: هذا غير لازم لنا، لأن مذهبنا وجوب التعميم فيه فلا يكتفى بأقل ما ~~يطلق عليه الاسم كما هو رأيكم، ولا يكتفى فيه بالربع كما هو رأي إخوانكم ~~الحنفية، وقد أجابوا على ذلك: بما قد روي أنه مسح على مقدم رأسه وعلى ~~الناصية وذلك يمكن تقديره بالربع، فلهذا أوجبنا قدر الربع من غير زيادة ولم ~~نكتف بأقل ما يطلق عليه الاسم؛ إذ لا دلالة عليه من جهة الآية ولا من جهة غيرها. # قالوا: هذا الذي ذكرتموه في الرأس تقدير، والتقديرات عندكم لا يمكن ~~أثباتها إلا بتوقيف من جهة الله تعالى، أومن جهة رسوله أواتفاق من جهة ~~الأمة، ولم تعتمدوا فيما ذكرتموه في هذه التقديرات على شيء من ذلك. # قلنا: هذا غير لازم لنا، لأنا لا نقول بتقدير الربع وإنما رأينا ~~الاستيعاب كما مر بيانه، وإنما يلزم إخوانكم ms0453 الحنفية وهم قد أجابوا عن ذلك ~~بأن التقدير بالربع إنما كان من جهة الرسول حيث مسح على الناصية وعلى مقدم ~~الرأس، فقدرنا ذلك بالربع بالرأي والمقاييس على ما يغلب به الظن وينقدح فيه ~~الرأي كسائر المجتهدات في المقادير. # قالوا: تقديره بالربع ليس أحق بالتقدير بالخمس والسدس، فإذا كان لا مخصص ~~هناك لمقدار دون مقدار وجب إبطال الجميع وهو مطلوبنا. # قلنا: وهذا أيضا غير لازم لنا كما مر بيانه؛ لأنا لا نقول بشيء من هذه ~~التقديرات وإنما يلزم إخوانكم من الحنفية، وهم قد أجابوا عن ذلك: بأن تقدير ~~الربع إنما كان بطريق شرعي وهو القياس دون غيره من سائر المقادير فلهذا ~~قدرناه به، فهذا ما أردنا ذكره من وجوب ما يمسح من الرأس، والله الموفق ~~للصواب. PageV01P799 # الفرع الثاني: وإذا تقرر وجوب التعميم في مسح الرأس كما أشرنا إليه، فاعلم ~~أن الرأس عبارة عن منابت الشعور المعتادة كالهامة والمقدم والقذال، ~~والنزعتان منه لأنهما في سمت الناصية، والصدغان من الرأس؛ لأنهما في منابت شعره. # والمستحب أن يأخذ الماء بكفيه ثم يرسله ثم يلصق إحدى المسبحتين بالمسبحة ~~الأخرى، ثم يضعهما على مقدم رأسه ويضع إبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بهما إلى ~~قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، لما روى عبدالله بن زيد في وصف ~~وضوء رسول الله ، أنه مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدءا بمقدم رأسه ثم ~~ذهب بهما إلى قفاه، ولأن منابت الشعور مختلفة ففي ذهابه يستقبل الشعر الذي ~~يلي مقدم رأسه فيقع المسح على باطن الشعر دون ظاهره، وعلى ظاهر مؤخره، وإذا ~~رد يديه يقع المسح على باطن مؤخر رأسه وظاهر مقدمه فيكون محيطا بالرأس عند ~~مسحه، فإن كان عليه شعر فمسح الشعر أجزأه، وإن لم يكن هناك شعر فمسح البشر ~~أجزأه المسح على البشرة؛ لأن الجميع يسمى رأسا، فإن وضع أصبعه على رأسه أو ~~كفه ولم يمرها على رأسه أو قطر على رأسه ماء لم يجزه؛ لأن ذلك لا يسمى ~~مسحا، ولا هو شامل لجميع الرأس، فلهذا بطل ms0454 إجزاؤه، وإن كان محلوقا أو أصلع ~~فمسح على البشرة أجزأه؛ لأنه مسح على ما يقع عليه اسم الرأس، وإن كانت له ~~ذؤابة قد نزلت عن حد الرأس فمسح على ما نزل منها عن حد الرأس لم يجزه؛ لأنه ~~لا يقع عليه اسم الرأس، وإن رد الشعر النازل عن حد الرأس إلى وسط الهامة ثم ~~مسح عليه لم يكن مجزيا له؛ لأنه صار بالرد كالعمامة، وإن كان له شعر مسترسل ~~عن منبته ولم ينزل عن حد الرأس فمسح على رأسه أجزأه ذلك عندنا وهو القوي من ~~قولي الشافعي، من جهة أن اسم الرأس متناول له، ومن أصحاب الشافعي من قال: ~~إنه لا يجزيه لأنه مسح على شعر في غير منبته، فهو كما لو مسح على طرف ~~الذؤابة، والصحيح هو الأول لما ذكرناه. PageV01P800 # الفرع الثالث: وإن غسل رأسه مكان مسحه فهل يكون مجزيا له أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا يجزيه، وهذا هو اختيار السيد أبي طالب، وهو رأي القفال من ~~أصحاب الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنه عدول عن المشروع في وظيفة الرأس فلم يكن مجزيا في ~~حقه كما لو مسح على وجهه ويديه. # وثانيهما: أنه يكون مجزيا له، وهذا هو رأي العمراني من أصحاب الشافعي، ~~واختيار الشيخ أبي حامد الغزالي، وهو قول الإمام الناصر للحق عليه السلام ~~وهو المختار لأمرين: # أما أولا: فلأن الغسل فيه المسح وزيادة، كل من غسل فقد أتى بحقيقة المسح ~~وزاد عليه، فلا يكون بالغسل خارجا عن الأمر المشروع في حق الرأس. # وأما ثانيا: فلأن الله تعالى بلطف حكمته وسعة رحمته جعل الوظيفة في حق ~~الرأس المسح، لما كان في أغلب الحالات مستورا بالعمامة فلا يلحقه من الغبار ~~والتصرفات في المهن ما يلحق سائر الأعضاء، وجعل الغسل هو المشروع فيما عداه ~~لما كان يلحقها من الأدران بالتصرفات كثيرا، فالمتوضئ إذا زاد على الوظيفة ~~لم يكن خارجا بذلك عن حد ما شرع فيه لما ذكرناه. # ومن توضأ ثم حلق رأسه أوحلقت لحيته فهل تبطل طهارته أم ms0455 لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن طهارته تبطل ولا يجوز له الصلاة إلا بإعادة وظيفة ذلك العضو ~~إما غسلا كاللحية أو مسحا كالرأس، وهذا هو المحكي عن ابن جرير )، وابن ~~خيران من أصحاب الشافعي. PageV01P801 # والحجة على ذلك: هو أن غسل شعر اللحية ومسح شعر الرأس إنما وجب غسل هذا ~~ومسح ذاك عوضا عن البشرة، فإذا أزيلا فالواجب بحكم الشرع إعادة الوظيفة في ~~الغسل والمسح فإذا لم يعد ما ذكرناه من الوظيفة كانت الطهارة مخرومة، فلهذا ~~قلنا ببطلان الطهارة. # و[ثانيهما] ذهب أئمة العترة، والفقهاء: أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي ~~وأصحابه، وغيرهم من علماء الأمة: إلى أن الطهارة لا تبطل بما ذكرناه من ~~إزالة الشعر. # والحجة على ذلك: هو أن الطهارة قد كملت بالمسح والغسل فإذا كملت لم تبطل ~~بإزالة الشعر، ولأن الطهارة إنما تبطل بعد انعقادها بشيء من النواقض، وحلق ~~الشعر لا يكون ناقضا. # فإذا تقرر أنه ليس مبطلا للطهارة فهل تعاد الوظيفة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن إعادة الماء فيما يغسل أو يمسح ليس مشروعا، وهذا هو رأي أبي ~~حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه لم ترد بذلك دلالة من كتاب ولا سنة، فلو كان ذلك ~~مشروعا لنقل، فلما لم ينقل دل على كونه غير مشروع. # وثانيهما: أنه مشروع وهذا هو الذي عليه علماء العترة. # والحجة على ذلك: هو أنه إذا أزال الشعر فقد بطلت تلك الوظيفة التي كانت ~~مستحقا لها فلولم تعد تلك الوظيفة لخلا العضو عما يستحقه من الطهارة من مسح ~~أو غسل، وإذا قلنا بكونه مشروعا فهل يكون واجبا أو مستحبا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه يكون على الوجوب وهذا هو الذي ذكره الإمام أبو طالب لمذهب ~~الهادي. # والحجة على ذلك: هو أن غسل اللحية هو الواجب ومسح الرأس كذلك، ولا شك أن ~~الشعر قائم مقام البشر وخلف عنه فإذا أزيل الشعر بوجه ما كان عليه واجبا من ~~تلك الوظيفة وإلا خلا العضو عما كان يستحقه من التطهير. # وثانيهما: أنه يكون مستحبا وهذا هو رأي الإمامين ms0456 زيد بن علي والمؤيد بالله. PageV01P802 # والحجة على ذلك: هو أن الوضوء قد صار منعقدا، وعروض ما عرض لا يبطل حكم ~~الطهارة المنعقدة، فإذا كان ليس مؤثرا في بطلانها كانت باقية على الانعقاد، ~~فإذا ظهر كونه غير واجب كان مستحبا تأكيدا للتطهير. # قال أبو خالد ): سألت زيد بن علي عمن قلم أظفاره بعد الوضوء، فقال: يمر ~~الماء على أظفاره. فظاهر هذا هو الاستحباب كما ذكرناه. # والمختار: ما عول عليه الإمامان زيد بن علي والمؤيد بالله من القول ~~باستحبابه وعليه دل كلام الإمام القاسم بن إبراهيم، ويدل على ذلك هو أن ~~موضع الحلق والتقصير صار خاليا عما يتوجه له من الوظيفة فلأجل ذلك استحب ~~مسحه لئلا يخلو عما كان له من التطهير. # الانتصار: يكون بإبطال ما عداه، فمن زعم أنه غير مشروع كما يحكى عن أكثر ~~الفقهاء فهو فاسد؛ لأن المقصود بما نريده من كونه مشروعا من أن الوظيفة في ~~حقه قد زالت بتنحية الشعر فلهذا استحب إمرار الماء عليه إكمالا للطهارة ~~ورغبة في إتمامها. PageV01P803 # وأما من قال: إنه واجب محتجا بأن المسح على الشعر إنما وجب من أجل كونه ~~بدلا عما [كان] تحته فلما زال توجه الأمر بالوجوب في تأدية الوظيفة، فهو ~~غير لازم، لأنا نقول: إن العبادة قد انعقدت لا محالة ولهذا جاز تأدية ~~الصلاة بها، فإزالة الشعر لا تبطل الطهارة ولا تنقضها كما مر بيانه. وأما ~~من زعم بطلان الطهارة فقد أبعد، فإن الشرع لم يدل على أن إزالة الشعر من ~~جملة النواقض، فلأجل هذا قضينا بصحة الطهارة وصحة الصلاة بها لانعقادها من ~~أول الأمر، والله أعلم. # الفرع الرابع: فإن كان على رأسه عمامة، فالواجب عليه تنحية العمامة ومسح ~~رأسه كله، عند أئمة العترة لما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وعثمان بن ~~عفان رضي الله عنه في صفة وضوئه أنه مسح رأسه، فإن اقتصر على مسح العمامة ~~لم يجزه عند أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي، ومالك. # والحجة على ذلك: قوله تعالى:{وامسحوا برؤوسكم}.والعمامة لا يقع عليها ms0457 اسم ~~الرأس، ولأنه عضو لا تلحق المشقة في إيصال الماء إليه فلم يجز المسح على ~~حائل منفصل عنه كالوجه واليدين. # فقولنا: لا تلحق المشقة في إيصال الماء إليه، نحترز به عن الجبائر فإن ~~حلها مما يلحق المشقة به. # وقولنا: حائل منفصل، نحترز به عن مسح الشعر النابت على الرأس. وحكي عن ~~الأوزاعي، والثوري، وأحمد، وداود: جواز المسح على العمامة والاقتصار عليه، ~~خلا أن أحمد والأوزاعي قالا: إنما يجوز ذلك على شرط، ثم اختلفا في الشرط، ~~فقال الأوزاعي: الشرط أن يكون قد لبسها على طهارة كالخف. وقال أحمد: الشرط ~~في ذلك أن يكون قد اختطم باللثام بأن وضعه على عذاريه وتحت حنكه. # والحجة على ذلك: ما روي عن النبي ، أنه أمر بالمسح على المشاوذ ~~والتساخين، والمشاوذ: بالشين بثلاث من أعلاها وذال بنقطة من أعلاها: هي ~~العمائم. والتساخين: بالتاء بنقطتين من أعلاها وسين مهملة وخاء منقوطة هي: ~~الخفاف. وهو فارسي معرب. PageV01P804 # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة، ودليلنا ما ~~ذكرناه، ولأن العمامة لباس الرأس فلو جاز المسح عليها لجاز المسح على ~~الكمين لما كانا لباسا لليدين، فلما لم يجز ذلك دل على بطلان ما زعموه. # الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه حجة لهم. # قالوا: مسح رسول الله على المشاوذ، وهي: العمائم جمع مشوذة. # قلنا: إن ما فعله رسول الله محمول على أنه مسح على العمامة مع مسحه على ~~الرأس، وإنما تأولناه على هذا التأويل جمعا بين ما ذكروه وما أوردناه من ~~الأخبار الدالة على مسحه على رأسه وظاهر الآية. وحكي عن الشافعي: أنه إذا ~~كان على رأسه عمامة ولم يرد نزعها فإنه يمسح على ناصيته وعلى العمامة. وهذا ~~الخبر فيه حجة على من جوز الاقتصار على العمامة، في المسح فإنه مانع من ~~ذلك، وهو ما رواه المغيرة بن شعبة عن النبي ، أنه مسح على عمامته وناصيته، ~~وفيه حجة للشافعي على جواز الاقتصار على بعضه، وقد قررناه من قبل وذكرنا ~~تأويله فأغنى عن الإعادة. # ويستحب أن يدخل بعض أصابعه ms0458 في صماخ أذنيه لما روى هشام ) عن النبي أنه ~~مسح رأسه فوضع كفيه على مقدم رأسه فأمرهما حتى بلغ القذال ثم ردهما إلى ~~المكان الذي بدأ منه ثم أدخل أصابعه في صماخي أذنيه. # الفرع الخامس: في التكرار في مسح الرأس، وفيه مذاهب ثلاثة: # الأول: أن السنة أن يمسحه ثلاثا، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن ~~الشافعي وهو قول عطاء. PageV01P805 # والحجة على ذلك: ما روى أبي بن كعب أن الرسول توضأ مرة مرة، وقال: (( هذا ~~وضوء لا يقبل الله الصلاة من دونه )) ثم توضأ مرتين مرتين وقال: (( من توضأ ~~مرتين أعطاه الله أجره مرتين)). ثم توضأ ثلاثا ثلاثا وقال: (( هذا وضوئي ~~ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء خليلي إبراهيم)). ولم يفصل بين الرأس وغيره. # والحجة الثانية: قياسية، وهو أنه أحد أعضاء الطهارة قيس فيه التكرار ~~كسائر الأعضاء. # المذهب الثاني: أن السنة فيه مرة واحدة، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي ~~عن أبي حنيفة، وبه قال الحسن، ومجاهد، ومالك، وسفيان الثوري، وأحمد، وأبو ~~ثور، ومروي عن الشيخ أبي نصر(1) من أصحاب الشافعي. # والحجة على ذلك: ما روي عن أمير المؤمنين وعثمان بن عفان في صفة وضوء ~~رسول الله ، فغسلا ثلاثا ثلاثا ثم مسحا الرأس مرة واحدة، فدل ذلك على أن ~~المسنون فيه عدم التكرار كما قلنا. # المذهب الثالث: أن المسنون فيه مرتان، وهذا هو المحكي عن ابن سيرين ~~والإمامية. # والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه توضأ مرتين وقال: (( هذا وضوئي ~~ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم)). وهذا يدل على أن المسنون فيه ~~مرتان، مرة فرضا، ومرة سنة، كما في سائر أعضاء الطهارة. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة، وهو أن ~~السنة في مسحه تكريره ثلاثا. # والحجة على ذلك: ما قالوه، ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: ما رواه أبو رافع وعبدالله بن أبي أوفى ) عن الرسول أنه ~~مسح رأسه ثلاثا. PageV01P806 # الحجة الثانية: ما روى ابن عباس رضي الله عنه عن النبي أنه مسح رأسه ~~ثلاثا، فهذه ms0459 الأحاديث كلها دالة على أن المسنون في مسحه التكرار كما ~~أوضحناه؛ ولأن الثلاث أحد الاستيعابين فسن في الرأس كاستيعاب المحل. # الانتصار: يكون بإبطال ما عداه. # قالت الحنفية: التكرار ليس مسنونا في الرأس، لحديث أمير المؤمنين وعثمان ~~فإنهما رويا التكرار في الوضوء دون مسح الرأس. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأن الرواية عن أمير المؤمنين وعثمان في التكرار قد رواه عدة ~~من الرواة عنهما، وإذا كان الأمر فيها كما قلناه فيجب الحكم بالتعارض في ~~الروايتين ويبقى حديث أبي بن كعب خاليا عن المعارضة فيجب الاعتماد عليه. # وأما ثانيا: فلأن روايتنا أحق بالعمل من جهة أنها تختص بزيادة وهي مقبولة ~~من الراوي، ومن جهة أن رواتها أكثر فلا جرم كانت أرجح وأحق بالعمل. # وأما ثالثا: فلأنه محتمل أنه إنما مسح مرة واحدة على رأسه ليبين كونه ~~مجزيا كما روي أنه توضأ فغسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين ليبين الجواز. # قالوا: مسح فلا يسن فيه التكرار كالمسح على الخف والتيمم. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن مسح الخف والتيمم بدلان عن غيرهما، فلأجل هذا ضعفا فلم ~~يسن فيهما تكرار، بخلاف مسح الرأس فإنه أصل ليس بدلا عن غيره فلهذا أكمل. # وأما ثانيا: فلأن مسح الخف والتيمم نقصا عن الأصل في المقدار فلهذا نقصا ~~عنه في الصفة، وهي التكرار، وهذا لم ينقص في المقدار فلم ينقص في التكرار، ~~على أن المسح على الخف ليس مذهبا لنا فلا يلزمنا الجواب عنه، وإنما هو رأي ~~الفقهاء وسنوضح القول فيه. # قالوا: لو تكرر المسح لخرج عن حقيقته؛ لأنه يكون غسلا فيكون في تصحيحه ~~إبطاله، وكل ما كان في تصحيحه إبطاله فهو باطل. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الغسل يكون بالجريان، والمسح لا جريان فيه للماء عليه؛ ~~لأنه بتكرر المسح لا يصير غسلا. PageV01P807 # وأما ثانيا: فلأن كل مسحة بنفسها ليست غسلا، ولا تكون محصلة للجريان، ~~والجريان إنما يحصل بالجريان بالمجموع وما تفضي إليه بمجموعها فلا اعتبار به. # قالوا: لو قلنا بأن المسح يتكرر لاجتمع ms0460 فيه شيئان: التكرار والاستيعاب. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن الاستيعاب سنة، وإنما هو فرض واجب كما مر ~~تقريره، فهذا لا يلزمنا وإنما يلزم إخوانكم من الشافعية حيث قالوا: بأن ~~الاستيعاب فيه سنة. # وأما ثانيا: فلأن مثل هذا غير ممتنع كما يجتمع ذلك في الوجه والرجل ~~واليد، فالوجه: تطويل الغرة والاستنان، وفي اليد والرجل: تطويل الغرة ~~والتكرار، فلا مانع من اجتماع السنتين. # قالوا: روت الربيع بنت معوذ أن الرسول مسح رأسه ما أقبل منه وما أدبر ~~وصدغيه مرة واحدة، وفي هذا دلالة على أن التكرير غير مسنون. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكرناه من حديث أبي في تكرير المسح أحق لكونه موافقا ~~للسنة في أعضاء الوضوء، ولأن الأخبار الواردة في تكرير المسح هي الأكثر كما ~~ورد في حديث أمير المؤمنين وحديث عثمان. # وأما ثانيا: فلأنه إنما أراد بالمسح مرة واحدة ليدل بها على جواز ~~الاقتصار فيه على مرة واحدة ولم يرد بيان المسنون، فلهذا مسح مرة واحدة. # قالوا: لوكان التكرار مسنونا لتواتر النقل به كما ورد في مسنون الغسل، ~~فلما لم يتواتر التكرار دل على كونه غير سنة. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن هذا ينقلب عليكم، فإنا نقول: لو كان المسنون مرة واحدة ~~لتواتر النقل به كما تواتر غيره، فلما لم يتواتر دل على بطلان ما ذكرتموه. # وأما ثانيا: فلأن الأحاديث قد وردت بالتكرير في مسح الرأس أكثر من ورودها ~~مرة واحدة. # الفرع السادس: إذا تقرر أن التكرار مسنون في مسح الرأس ثلاثا، فهل يكون ~~ذلك التكرير بماء واحد ثلاث مرات أو يكون لكل مرة ماء واحد؟ فيه مذهبان: PageV01P808 # المذهب الأول: أن تكرير مسحه يكون بأمواء مجددة مرة بعد أخرى حتى تستوفي ~~ثلاثا وهذا هو رأي الهادي. # والحجة على ذلك: ما روى أبي بن كعب عن رسول الله أنه توضأ مرة مرة ثم ~~قال: (( هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة من دونه)). ثم توضأ مرتين مرتين ثم ~~قال: (( من توضأ مرتين أعطاه الله أجره ms0461 مرتين )). ثم توضأ ثلاثا ثم قال: (( ~~هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم )). ثم إنه لم يفصل بين ~~ما كان مغسولا وبين ما كان ممسوحا في أن السنة تكرير غسله أو مسحه ثلاث ~~مرات بأمواء متجدد، وفي هذا دلالة على ما ذكرناه في ذلك. # المذهب الثاني: أن السنة في تكرير مسح الرأس يكون بماء واحد ثلاثا، وهذا ~~هو المحكي عن المؤيد بالله. # والحجة على ذلك: ما في حديث الربيع بنت معوذ قالت: رأيت رسول الله مسح ~~رأسه ومسح ما أقبل منه وأدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة، فأخذنا من ظاهر هذا ~~الحديث أن الماء واحد، وأخذنا من ظاهر حديث أبي بن كعب تكريره ثلاث مرات، ~~فحصل من مجموع ذلك: أنه مسح رأسه بماء واحد ثلاث مرات، وهذا هو المطلوب. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله لأوجه: # أما أولا: فلأن وظيفة الرأس خفيفة، فلو كان المسنون في حقه بأمواء جديدة ~~لكان ذلك مناقضا لما فهم من حقيقته في الخفة والسهولة. # وأما ثانيا: فلأن تكرير الأمواء في مسحه ثلاث مرات فيه تقريب من ماهية ~~الغسل وحقيقته، وفي ذلك مناقضة للمشروع في حقه. # وأما ثالثا: فلأن المفهوم من حاله عليه السلام هو التساهل في مسح الرأس، ~~ولهذا فإنه روي أنه كان معتما فحسر العمامة عن رأسه، وأدخل يده فمسح على ~~ناصيته، وروي عنه أنه مسح رأسه من فضل ما كان في يده. فهذه الأخبار كلها ~~دالة على سهولة الأمر في وظيفة الرأس، وهذا يؤيد ما قلناه من أن مسحه ثلاث ~~مرات بماء واحد يطابق ما ورد في هذه الأحاديث من التخفيفات. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. PageV01P809 # قالوا: حديث أبي فإنه لما توضأ ثلاثا قال: (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء ~~قبلي)). # قلنا: ليس في ظاهر هذا الحديث ما يدل على أنه مسح رأسه بأمواء ثلاثة ~~مجددة، وإنما ظاهره دال على مسح الرأس مطلقا، ولم يبين فيه هل كان بماء ~~واحد أو بثلاثة أمواء، فمن حقكم إيضاح ما قلتموه بدلالة غير محتملة. # قالوا: حديث عثمان ms0462 في صفة وضوء رسول الله أنه مسح رأسه ثلاثا، فدل ذلك ~~على صحة ما قلناه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فقد ورد في حديث أمير المؤمنين في صفة وضوء رسول الله أنه مسح ~~رأسه مرة واحدة فيتعارضان. # وأما ثانيا: فليس فيه دلالة على أنه كان ذلك المسح بأمواء مجددة والنزاع ~~إنما وقع في ذلك، وظاهر الحديث فيه على ما قلتم من اعتبار ثلاث بأمواء ~~مجددة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الأحاديث في صفة مسح رسول الله لرأسه ~~مختلفة اختلافا كثيرا، لكن في مسحه ثلاث مرات بماء واحد، جمع بين الأحاديث ~~فيكون فيه وفاء بالعدد تصديقا لقوله عليه السلام في بعض الأحاديث، إنه مسح ~~ثلاثا يريد به ذلك، وأنه مسح بماء واحد فيكون فيه تصديق لقوله(1) عليه ~~السلام إنه مسح مرة واحدة يعني بماء واحد، فلهذا كان المستحب في وظيفة ~~الرأس أن يكون ثلاثا بماء واحد على جهة التعميم. # الفرع السابع: ومن دهن رأسه نظرت، فإن كان ذلك الدهن مما يجمد على الرأس ~~فيكون مانعا من وصول الماء إليه لم يكن مجزيا له، كما لو قطر عليه الشمع أو ~~الشحم، فإنه إذا مسح على ذلك لم يكن ماسحا على الرأس ولا على شعره فلا ~~يجزيه، كما لو مسح على العمامة، وكما لو طين رأسه بطين ثم مسح عليه، وإن ~~كان الدهن مما لا يمنع وصول الماء جاز ذلك، ولم يكن مانعا من الإجزاء، كما ~~لو دهن رأسه بالزيت والسليط وغير ذلك من المائعات التي هي غير مانعة من ~~وصول الماء، والله أعلم. PageV01P810 # الفرع الثامن: المشروع هو المسح للأذنين لباطنهما وظاهرهما، فباطنهما مما ~~يلي الوجه وظاهرهما مما يلي الرأس، لما روى المقدام بن معدي كرب ) أن ~~الرسول توضأ فمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما وأدخل أصبعيه في صماخي أذنيه(2)، ~~وإذا كان المشروع هو المسح فيهما لما ذكرناه، فهل يكون واجبا أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: [أنه واجب] وهذا هو رأي القاسمية، واختيار السيدين ~~الإمامين المويد بالله، وأبي طالب. # والحجة على ذلك: ms0463 ما روي عن أبي أمامة الباهلي ) أن النبي توضأ فمسح ~~أذنيه مع رأسه وقال: (( الأذنان من الرأس )). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن قوله: (( الأذنان من الرأس )). لا يخلو ~~الحال فيهما إما أن يريد أنهما متصلتان بالرأس من جهة الخلقة والصورة فهذا ~~لا وجه له؛ لأن ما هذا حاله ظاهر لا يحتاج إلى بيان من جهة صاحب الشريعة ~~وإنما يراد منه بيان الأحكام الشرعية، فإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال: ~~إنهما من الرأس في وجوب مسحهما كالرأس فإنه واجب مسحه كما مر بيانه من قبل. PageV01P811 # المذهب الثاني: أن مسحهما مسنون، وهو هذا المحكي عن الناصر، وهو قول أبي ~~حنيفة وأصحابه، والشافعي. # والحجة على ذلك: قوله للأعرابي: (( توض كما أمرك الله فاغسل وجهك ويديك ~~وامسح رأسك واغسل رجليك )) ولم يذكر له مسحهما وهو في محل التعليم، وفي هذا ~~دلالة على كونه غير واجب. # والمختار: ما قاله الإمام الناصر ومن تابعه من فقهاء الأمة. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم؛ ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: قوله تعالى في آية الوضوء: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم}[المائدة:6].. إلى آخر الآية، فإنه ذكر مسح الرأس ولم يذكر مسح ~~الأذنين، وفي هذا دلالة على كونه غير واجب، إذ لو كان واجبا لذكره؛ إذ لا ~~يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. # الحجة الثانية: هو أنهما لو كان مسحهما واجبا لكان لابد عليه من دلالة ~~ولا دلالة هاهنا تدل على وجوبهما؛ لأن ما ورد من الأخبار في كونه مسح ~~أذنيه، ليس فيه دلالة على الوجوب وإنما هو دال على أن المسح مشروع في ~~حقهما، وأدنى الدرجات فيما يحمل عليه فعله في العبادات هو الندب، والوجوب ~~إنما يؤخذ من دلالة أخرى، وهذا يدلك على أن المسح في حقهما مشروع على جهة ~~الندب لا غير. # الانتصار: يكون بإبطال ما قالوه. # قالوا: روى أبو أمامة أنه ، مسح أذنيه ولم يرد إلا بيان الوجوب في حقهما. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فليس في قوله: (( الأذنان من الرأس )). ما ms0464 يدل على وجوب ~~مسحهما، وإنما قصد أنهما يمسحان كمسح الرأس لا غير، والوجوب يحتاج إلى ~~دلالة واضحة. # وأما ثانيا: فلأن أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) وعثمان بن عفان رضي الله ~~عنه في وصفهما لوضوء رسول الله ، لم يذكرا: أنه مسح أذنيه، وفي هذا دلالة ~~على أنه غير واجب؛ إذ لو كان واجبا لم يتركه كما في مسح الرأس. # قالوا: مسح لعضوين مغسولين فكان واجبا كمسح الرأس. PageV01P812 # قلنا: المعنى في الأصل أنه منصوص لا من جهة كونه ممسوحا بين مغسولين، على ~~أنا نقول: مسح بين مغسولين فلا يكون واجبا كمسح الرقبة، فهذا ينقلب، وما ~~انقلب من الأقيسة فهو باطل فبطل ما عولوا عليه. # الفرع التاسع: وإذا تقرر أن مسحهما ليس واجبا فهل يمسحان بفضلة ماء الرأس ~~أو يؤخذ لهما ماء جديد؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يؤخذ لهما ماء جديد، وهذا شيء يحكى عن المؤيد بالله، ~~ولم أعرف فيه قولا للإمام الناصر، وهو محكي عن الشافعي. # والحجة على ذلك: ما روى عبدالله بن زيد أن الرسول توضأ فمسح أذنيه بماء ~~غير الماء الذي مسح به رأسه وأدخل أصبعيه في صماخيه. وقال الشافعي في ~~(الأم) و(البويطي): إنه يأخذ لصماخيه ماء جديدا غير الماء الذي مسح به ظاهر ~~الأذنين وباطنهما، من جهة أن الصماخ في الأذن كالأنف والفم في الوجه، فكما ~~انفرد الأنف والفم عن الوجه بالماء فهكذا حال الصماخ. # المذهب الثاني: أنه يمسحهما بفضل ماء الرأس، وهذا هو رأي القاسمية، وهو ~~محكي عن أبي حنيفة مع أنه مخالف في أصل المسح فإنه عنده ليس واجبا. وعندهم ~~أنه واجب كما مر تقريره. # والحجة على ذلك: ما روى ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وعائشة وابن مسعود ~~ومعاذ ) وأبو موسى الأشعري وغيرهم من جلة الصحابة رضي الله عنهم عن النبي ، ~~أنه قال: (( الأذنان من الرأس )). PageV01P813 # ووجه الحجة من هذا الخبر: هو أنه ليس يريد أنهما متصلتان بالرأس؛ لأن ذلك ~~معلوم ولا يحتاج إلى بيان، وإنما أراد أنهما بعض من أبعاض الرأس ولهذا أتى ~~ب(من) ms0465 وهي دالة على التبعيض، وإذا كانا بعضا من أبعاضه كانا داخلين في حكم ~~مسحه فيمسحان بفضل مائه من غير إحداث ماء جديد. # والمختار: ما عول عليه الإمام المؤيد بالله ومن تابعه من علماء الأمة. # والحجة عليه: ما نقلناه عنهم؛ ونزيد هاهنا وهو أنهما عضوان مستقلان ~~بأنفسهما لا يجزئ مسح أحدهما عن مسح الآخر، فلا يكونان ممسوحين بفضل ماء ~~الرأس كالمسح على الجبائر وكالمسح على الرقبة. # ومن وجه آخر: وهو أن المسح أحد مسمي أفعال الوضوء فلا يؤدى المسنون فيه ~~في عضو تام بما أدى به الفرض كالغسل في غيره من الأعضاء. # الانتصار: [يكون] بإبطال ما اعتمدوه في تقرير مذهبهم. # قالوا محتجين بقوله : (( الأذنان من الرأس)). # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن ظاهر هذا الحديث متروك لأنهما ليسا من الرأس في ظاهر ~~الخلقة فلابد فيه من تأويل، فإذا أضمروا أنهما يمسحان مع الرأس أضمرنا ~~أنهما يمسحان كالرأس حتى لا يظن ظان أنهما يغسلان كالوجه لقربهما منه. # وأما ثانيا: فإن من جملة رواة هذا الحديث ابن عمر، وقد قال أبو زرعة ): ~~أنه موقوف عليه، وأيضا فإنه روى عنه مولاه نافع ) أنه كان يأخذ الماء ~~بأصبعيه لأذنيه. # قالوا: ممسوحان متصلان بالرأس فلا يؤخذ لهما ماء جديد كجوانب الرأس. PageV01P814 # قلنا: هذا فاسد، فإن جوانب الرأس من الرأس اسما وخلقة وحكما، والأذنان ليسا ~~من الرأس اسما وخلقة وحكما، فلهذا لم يكونا ممسوحين بفضلة ماء الرأس بل ~~يؤخذ لهما ماء جديد. # الفرع العاشر: هل يكون الغسل مشروعا فيهما أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن الواجب غسلهما مع الوجه، وهذا شيء يحكى عن الزهري. # والحجة على ذلك: قوله : (( سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره ~~))(1). فأضاف السمع والبصر إليه، فدل ذلك على أنهما من جملة أبعاضه؛ ولأن ~~السمع من جملة حواس الوجه فوجب غسلهما معه كالبصر والشم. # المذهب الثاني: أنه يجب غسلهما مع الوجه ويجب مسحهما مع الرأس، وهذا شيء ~~يحكى عن ابن سريج من أصحاب الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن مبنى العادة ms0466 على الأخذ بالاحتياط، وإذا كان الأمر ~~كما قلناه فليس يخلو الحال فيهما إما أن يكونا من جملة الرأس وجب مسحهما ~~كالرأس، وإما أن يكونا من جملة الوجه وجب مسحهما معه، فلهذا أوجبنا غسلهما ~~ومسحهما مع جهة التبع للوجه والرأس. # المذهب الثالث: أنه يجب غسلهما مع ما أقبل منهما مع الوجه، ويجب مسح ما ~~أدبر منهما مع الرأس، وهذا شيء يحكى عن الشعبي، والحسن بن صالح. # والحجة على ذلك: هو أن الدليل الشرعي قد قام على أن ما كان مواجها فحكمه ~~حكم الوجه في الغسل، وما أقبل منهما فهو من الوجه فلهذا وجب غسله، وما أدبر ~~فليس من الوجه، وأقرب ما يكون إليه الرأس فلهذا كان حكمه في وجوب المسح، ~~فلأجل هذا جمعنا بين المسح والغسل فيهما توفيرا على ما يقتضيه الدليل في ~~حقهما من الغسل لما أقبل منهما والمسح لما أدبر. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة بأنه لا ~~يشرع في حقهما غسل أصلا وأنهما ممسوحان كما مر تقريره. PageV01P815 # والحجة على ذلك: ما تقرر من الأحاديث المروية عن الرسول على لسان أمير ~~المؤمنين (كرم الله وجه) وعثمان بن عفان رضي الله عنه وغيرهما من جلة ~~الصحابة (رضي الله عنهم) الذين رووا صفة وضوء رسول الله ، فإنه لم يعرف غسل ~~الأذنين في شيء من تلك الأحاديث وإنما روي مسحهما، وفي هذا دلالة على أن ~~المشروع في حقهما إنما هو المسح دون الغسل. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # فأما ما قاله الزهري: من الاستدلال بدعاء الرسول حيث قال: (( سجد وجهي ~~للذي خلقه ))...إلخ. فهو فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن المراد بالوجه هو الذات كقوله تعالى:{ويبقى وجه ربك ~~}[الرحمن:27]. أي ذاته. # وأما ثانيا: فلأن المعلوم من حاله ، أنه كان يمسحهما مسحا، فدل ذلك على ~~أن المشروع فيهما المسح دون الغسل. # وأما ما قاله ابن سريج: من طريقة الإحتياط في إيجاب غسلهما مع الوجه ~~ووجوب مسحهما مع الرأس، فهو فاسد بما أوردنا على الزهري، وهو أن الغسل ms0467 غير ~~مشروع فيهما ولأن ما ذكره وإن كان فيه احتياط من الوجه الذي ذكره فهو خطأ ~~من وجه آخر، وهو مخالفة السنة في غسلهما، فلا وجه لما ذكره من الحيطة، وأما ~~ما قاله الشعبي والحسن بن صالح فهو فاسد بما أوردناه على الزهري، وابن ~~سريج، ثم هو باطل أيضا بأن أحدا لا يعدهما من الوجه فضلا عن أن يعد ما أقبل ~~منهما من الوجه وما أدبر منهما من الرأس، فإن ما هذا حاله تحكم لا مستند له ~~ولا برهان عليه فبطل ما قاله(1). فحصل من مجموع ما ذكرناه أن المشروع في ~~الأذنين فيه مذاهب ستة: # أولها: أنهما من الرأس في الاسم والحكم فيمسحان معه، وهذا هو الاسم، ~~فيمسحان بفضلة مائه وهذا هو الحكم وهو رأي القاسمية، وأبي حنيفة. PageV01P816 # وثانيها: أنهما ليسا من الوجه فلا يغسلان معه، ولا هما من الرأس فيمسحان ~~بفضلة مائه، ولكن يؤخذ لهما ماء جديد وهذا هو رأي الناصر، والشافعي. # والمختار: كما مر بيانه. # وثالثها: أنهما من الرأس خلا أنه يؤخذ لهما ماء جديد غير ماء الرأس، وهذا ~~هو رأي ابن عمر، وعطاء، ومالك؛ فقد وافقونا في الاسم دون الحكم. # ورابعها: أنهما من الوجه فيجب غسلهما كما هو محكي عن الزهري. # وخامسها: أنه يجب غسلهما ومسحهما كما رأى ابن سريج. # وسادسها: أنه يجب غسل ما أقبل منهما مع الوجه، ومسح ما أدبر مع الرأس، ~~كما هو رأي الشعبي، والحسن بن صالح، والله أعلم. # مسألة: في غسل الرجلين، وهما من جملة أعضاء الوضوء بلا خلاف بين الأمة، ~~ولكن الخلاف إنما وقع فيما هو الواجب في حقهما، هل يكون مسحا، أو غسلا، أو ~~جمعا بينهما، أو يكون مخيرا في ذلك كما سنوضح القول في ذلك بمعونه الله تعالى. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول منها: في بيان ما هو المشروع في الرجلين، وفيه مذاهب أربعة ~~نذكرها: # المذهب الأول: أن الفرض فيهما هو الغسل دون المسح فإن مسح عليهما لم ~~يجزه، وهذا هو قول أكثر أئمة العترة ومحكي عن الفريقين: ms0468 الحنفية، ~~والشافعية. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وأرجلكم}، ووجه تقرير الحجة من هذه الأية: ~~هو أن فيها قراءتين: # فالقراءة الأولى: بالنصب، ولا مقال في كونها معطوفة بظاهرها، [على: ~~وجوهكم وأيديكم]. ولهذا كانت منصوبة مثلها من غير حاجة إلى تأويل. # والقراءة الثانية: بالجر، وإنما كانت مجرورة بالمجاورة [لكلمة: برؤوسكم]، ~~لا بحكم العطف؛ لأنها غير ممسوحة، والجر على الجوار سائغ في لغة العرب. قال ~~امرؤ القيس ): # كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل(2) PageV01P817 فإنما جر (مزملا) على الجوار لبجاد وليس وصفا له وإنما هو وصف (كبير أناس)، ~~وكان القياس رفعه على أنه صفة لكبير أناس، ولكنه جره لما جاور بجادا. # الحجة الثانية: كل من وصف وضوء رسول الله كأمير المؤمنين وعثمان وغيرهما ~~من أكابر الصحابة (رضي الله عنهم) فإنهم قالوا: غسل رجليه، ولم يقل أحد ~~منهم إنه مسحهما، وهذا فيه دلالة على أن الفرض فيهما هو الغسل دون المسح. # المذهب الثاني: أن الفرض فيهما هو المسح ولا يجوز الغسل، وهذا هو المحكي ~~عن الإمامية وأهل الظاهر. # والحجة على ذلك: قوله تعالى:{وأرجلكم}. بالجر فإنها معطوفة على الرأس كما ~~عطف الأيدي بالنصب على الوجوه، وهذه القراءة بالجر محكية عن حمزة )، وأبي ~~عمرو، وغيرهما من القراء، ومن قرأ بالنصب من القراء السبعة كالكسائي، وابن عامر ) PageV01P818 ، ونافع، فإنما يكون منصوبا على محل الجار والمجرور لتتطابق القراءتان على ~~مقصود، وعلى هذا تكون ممسوحة على القرائتين جميعا. # المذهب الثالث: أن الواجب هو الجمع بين الغسل والمسح، وهذا هو المحكي عن ~~الإمامين: القاسم بن إبراهيم، والناصر، فالمسح بالكتاب والغسل بالسنة. # والحجة على ذلك: هو أن ظاهر الآية دال على المسح بدليل قراءة الجر، ولا ~~محمل لظاهرها إلا المسح، وقراءة النصب موافقة من جهة أنها عطف على محل ~~الجار والمجرور، فإذن المسح حاصل بالكتاب كما قررناه، وأما الغسل فإنما كان ~~بالسنة؛ لأن الرواة لصفة وضوء رسول الله لم يحكوا عنه أنه مسح، فلما كان ~~الأمر كما قلناه لا جرم جمعنا بينهما توفيرا على الأدلة الشرعية ما يقتضيه ms0469 ~~حكمها في الدلالة على ما يدل عليه. # المذهب الرابع: أن الواجب هو التخيير بين الغسل والمسح، وهذا هو المحكي ~~عن الحسن البصري، وأبي علي الجبائي، وابن جريج ). PageV01P819 # والحجة على ذلك: هو أن الكتاب دال على المسح كما هو ظاهر من الآية، والسنة ~~دالة على الغسل، فلما كان الأمر فيهما كما قلنا وجب التخيير بينهما؛ لأن كل ~~واحد منهما أصل في الاستدلال على الأحكام الشرعية يجب العمل بهما جميعا ولا ~~حاجة إلى النسخ من غير دلالة على التاريخ، فلما بطل النسخ والترجيح لم يبق ~~إلا أن يقال: الواجب هو التخيير إذ لا وجه هاهنا سواه. فهذه جملة ما يعتمده ~~كل فريق في تقرير مذهبه وتصحيح مقالته. # والمختار: ما عول عليه الأكثر من أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة ~~[وهو الغسل لا غير]. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حججا ثلاثا: # الحجة الأولى: ما روي عن النبي حين علم الأعرابي الوضوء: (( توض كما ~~أمرك الله فاغسل وجهك ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك)). فلو كان المسح في ~~الرجلين واجبا لذكره؛ لأنه في موضع التعليم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت ~~الحاجة باتفاق. # الحجة الثانية: ما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين (كرم الله ~~وجهه) أنه قال: جلست أتوضأ فأقبل علي رسول الله ، إلى أن قال: ثم غسلت قدمي ~~فقال النبي : (( يا علي خلل الأصابع لا تخلل بالنار))(1). والتخليل إنما ~~يكون في حق من غسل لا في حق من مسح فلو كان المسح واجبا لما قال ذلك. PageV01P820 # والحجة الثالثة: ما روي عن النبي أنه قال: (( ويل للأعقاب من النار ))(1). ~~وفي حديث آخر: (( ويل للعراقيب من النار )). فلو كان فرضهما المسح، إذن لم ~~يقل ذلك، فهذه الحجج كلها دالة على أن الفرض في الأرجل إنما هو الغسل دون ~~المسح، وحكي عن جابر بن عبدالله أنه قال: أمرنا رسول الله أن نغسل أرجلنا، ~~ولأنهما عضوان يقطعان في السرقة فيجب أن يكون فرضهما في الوضوء الغسل ~~كاليدين. # الانتصار: يكون بإبطال ما ms0470 سواه من المذاهب. # فأما تمسك الإمامية بقراءة الجر فهو فاسد. وجوابه: من أوجه ستة: # الجواب الأول: أنا نقول: الظاهر من قراءة النصب هو الغسل من غير تأويل، ~~والظاهر من قراءة الجر هو المسح من غير تأويل، ولا تعارض بين القراءتين إذ ~~لا تنافي بينهما، ولهذا جاز الجمع بينهما كما هو مذهب الناصر كما سنوضح ~~الكلام عليه بمعونة الله تعالى. PageV01P821 # فنقول: إذا كان لا تنافي بين القراءتين وكل واحدة منهما مقطوع بصحتها، ~~فطريقة الجمع بينهما هو أن النصب في الأرجل إنما كان على طريقة العطف على ~~الأيدي، والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه شائع كما قال تعالى:{يسألونك عن ~~الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد ~~الحرام}[البقرة:217]. وإنما عطف المسجد الحرام على الشهر الحرام لأن توجه ~~السؤال إنما كان عن القتال فيهما؛ لأن تحريم القتال في زمن الجاهلية ربما ~~كان بالإضافة إلى الزمان وهو تحريمه في الأشهر الحرم: ذي القعدة وذي الحجة ~~والمحرم ورجب، وربما كان في المكان وهو المسجد الحرام، فسألوا الرسول عن ~~ذلك، ولا يجوز عطفه على قوله: {عن سبيل الله} لما ذكرناه، ولا يجوز أن يكون ~~الواو فيه واو (مع) لأن هذه الواو إنما يصار إلى النصب بها إذا كان العطف ~~متعذرا فأما مع إمكان العطف فالعطف أحق، وهاهنا العطف ممكن فلا حاجة بنا ~~إلى تقدير المعية والنصب بها ولا يجوز عطفها على المحل في قوله:{برؤوسكم} ~~من جهة أن العطف على المحل لم يرد في كتاب الله تعالى، فلما تعذر نصبها على ~~هذه الوجوه لم يبق إلا نصبها [عطفا] على ما هو مغسول وهو الأيدي لكونه ~~أقرب، فلهذا وجب الحكم عليها بالغسل لعطفها عليه، ومن حق المعطوف أن يكون ~~مشاركا للمعطوف عليه في إعرابه وعامله. PageV01P822 # الجواب الثاني: روي عن أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) أنه قرأها بالنصب، ~~وقال: إن فيها تقديما وتأخيرا، يشير إلى ما ذكرناه من تقديمها على الرؤوس ~~وتفسير الصحابي يخالف غيره فضلا عن تفسير أمير المؤمنين فإنه الأمين على ms0471 ~~معاني التنزيل وله اليد الطولى في تقرير وجوه التأويل، وقرأ ابن عباس ~~بالنصب وقال: إنه راجع إلى الغسل، وذلك محكي عن: مجاهد، وعروة من علماء ~~التابعين، حكاه أبوعبيدة، فإذا كانت هذه القراءة أعني قراءة النصب محكية عن ~~من ذكرناه من علماء الصحابة والتابعين وجب العمل عليها على حد التفسير الذي ~~ذكروه من غير مخالفة، لا يقال: فأي مانع من أن يكون نصبها على العطف على ~~محل الرؤوس؛ لأنها في موضع المفعول، فيكون الجر عطفا على ظاهرها والنصب ~~يكون عطفا على محلها، وعلى كلا الوجهين والقراءتين تكون ممسوحة وهو ~~المطلوب، لأنا نقول: هذا فاسد، فإن القرآن الكريم كالآية الواحدة وهو مفسر ~~لبعضه بعضا ولم يرد العطف على المحل في القرآن، فلا يجوز تفسيره على ما لم ~~يرد نظيره فيه فبطل ما توهموه. PageV01P823 # الجواب الثالث: هو أن العمدة في تقرير [القواعد] اللغوية وتمييز الأسرار ~~الإعرابية تأصيلا وفيما يقبل ويرد من وجوه التأويلات تفصيلا، إنما هو على ~~كلام أئمة الأدب من أهل اللغة والنحاة، فما قالوه قلناه، ويجب الاحتكام ~~لأقوالهم والرجوع إليها، وقد قال سيبويه ) وتلميذه الأخفش وغيرهما من أئمة ~~اللغة والنحو: إن قراءة الجر إنما كانت على المجاورة لا بالعطف، وأنشدوا ما ~~حكيناه عن امرئ القيس البيت الذي أنشدناه، وحكوا أيضا: (هذا جحر ضب خرب). ~~فوصفوا الضب بالخراب وهو وصف للجحر، ولكن إنما كان ذلك على جهة المجاورة من ~~جهة اللفظ لا غير، فإذا كان هذان الرجلان هما العمدة في علم الأدب من النحو ~~واللغة قد فسروا الآية بما ذكرناه وجب الاعتماد عليه. PageV01P824 # الجواب الرابع: حكي عن الشيخ أبي علي الفارسي )، أنه قال: قراءة الجر وإن ~~كان ظاهرها عطفا على الرؤوس فالمراد بها الغسل هاهنا، من جهة أن العرب تسمي ~~خفيف الغسل مسحا، ولهذا فإنهم يقولون تمسحت للصلاة ويريدون به الغسل ~~للأعضاء في الوضوء والغسل من الجنابة. # الجواب الخامس: أنا نقول: ما كان من الأعضاء ممسوحا فإنه غير مفتقر إلى ~~التحديد كالرأس، وما كان مغسولا فإنه ورد محددا كاليدين، فلما ورد الرجلان ms0472 ~~محدودا غسلهما إلى الكعبين دل ذلك على وجوب غسلهما. لا يقال: فالوجه مغسول ~~ومع ذلك فإنه لم يرد محدودا فكيف قلتم بأن كل مغسول فإنه محدود؟ لأنا نقول: ~~إنما أطلق الوجه من غير حد لأن حد الوجه معلوم وهو ما واجه، فلهذا أغنى ذلك ~~عن تحديده بخلاف اليد والرجل فإنه لا حد لهما فلهذا وردا محدودين. PageV01P825 # الجواب السادس: أنا نقول: إن قراءة الجر ظاهرة في المسح كما زعمتم، ولكن ~~الذي حملنا على الغسل في الأرجل إنما هو عمل الرسول ، فإنه لم يؤثر عنه أنه ~~مسح رجليه، فلو كان مفهوما من ظاهر الآية وقد قرأه لفهمها الرسول لأنه ~~أعرف الخلق بمقاصد كتاب الله تعالى والإحاطة به. فهذا ما أردنا من الكلام ~~على الإمامية في إيجابهم المسح في الرجلين. # وأما ما يحكى عن الإمامين: القاسم، والناصر من الجمع بين المسح والغسل، ~~ففيه جوابان: # أما أولا: فإنا نقول: قد أقررتم بوجوب الغسل فلا منازعة فيه، فأخبرونا عن ~~إيجابكم المسح، هل كان بالآية أو من دليل آخر؟ فإن أخذتموه من الآية بقراءة ~~الجر فقد أفسدناه وأظهرنا البرهان الشرعي [على] أن جره إنما كان على ~~المجاورة لتطابق قراءة النصب، وأوردنا عليه الشواهد اللغوية فلا مطمع ~~لإعادته، وإن أخذتموه من دلالة أخرى غير الآية فلابد من إظهاره لننظر في ~~صحته وفساده. # وأما ثانيا: فلأنا نقول: هل توجبون المسح أو تستحبونه؟ # فإن قالوا: بالاستحباب فلا مقال عليه، لأن كلامنا في بيان ما يكون واجبا ~~في الوضوء. # وإن قالوا: بوجوبهما جميعا. # فنقول: فهل توجبونهما على جهة الجمع أو على جهة التخيير؟ # فإن قالوا: بوجوبهما على جهة التخيير، فسيأتي الكلام على مقالة من خير في ~~الوجوب بينهما. # وإن قالوا: بوجوبهما على جهة الجمع، وهي مقالتهم. # فنقول: مستند إيجابهما جميعا إن كان من جهة الكتاب فهو فاسد، لأن الآية ~~إنما تناولت المسح لا غير كما زعمتم، وإن كان من جهة السنة فهي إنما تناولت ~~الغسل لا غير، فكل واحد منهما ليس دالا إلا على المسح وحده أو على الغسل ~~وحده، ms0473 فمن أين أخذتم بدلالة الجمع بينهما؟ # فإن قالوا: أخذناها من مجموع الكتاب والسنة، ولم نأخذها من كل واحد منهما ~~على الإفراد. # قلنا: إنا قد أوضحنا أن الكتاب الكريم غير دال على المسح فلا وجه لضمه ~~إلى دلالة السنة، والسنة، إنما دلت على الغسل لا غير. PageV01P826 # فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا، أن دلالة الجمع بين المسح والغسل لا تؤخد ~~من الكتاب ولا من السنة فإذن آل الأمر إلى أنه لا دلالة على وجوب الجمع ~~بينهما، وما لا دليل عليه فلا وجه لإثباته، وأما ما يحكى عن الحسن البصري، ~~وأبي علي الجبائي من التخيير بين الغسل والمسح، فعنه جوابان: # أما أولا: فلأنا قد أوضحنا أن الآية غير دالة على وجوب المسح وأوردناه ~~على الإمامية، وإذا كان الأمر كما قلناه فلا وجه للتخيير بين ما هو واجب ~~وما ليس واجبا. # وأما ثانيا: فلأن المسح والغسل في الرجلين لو كان واجبا على التخيير كما ~~زعموا لكان رسول الله أحق من عمل به، فلما لم يعمل به دل على أنه غير ~~واجب، ولأن الصحابة (رضي الله عنهم) لو فهموا ذلك من الآية لعملوا على ~~المسح برهة، ولعملوا على الغسل برهة من الزمان، لأن هذا هو الأصل في ~~الواجبين المخيرين، أن يعمل على هذا مرة، ويعمل على هذا مرة فلما تحققنا أن ~~الصحابة لم يمسح أحد منهم على رجليه عوضا عن الغسل دل على بطلان التخيير ~~بينهما، فهذا ما أردنا ذكره على من خالفنا في هذه القاعدة. # الفرع الثاني: في بيان كيفية غسل الرجلين. # فإن كان المتوضئ هو الغاسل بنفسه فإنه يبدأ بصب الماء من أطراف أصابعه ~~إلى كعبيه، وإن كان غيره هو الغاسل له صب الماء من كعبه إلى أطراف أصابعه ~~لأن ذلك يكون أمكن في الغسل وأبلغ في الاستيعاب، فإن كانت أصابع رجليه ~~ملتصقة لا يصل الماء إلى باطنها إلا بالتخليل فإنه يجب عليه التخليل وإيصال ~~الماء إلى باطنها، لقوله : (( خللوا بين أصابعكم لا يخلل الله بينها ~~بالنار )). وإن كانت متفرقة بحيث يصل ms0474 الماء إليها من غير تخليل استحب ~~تخليلها لقوله للقيط بن صبرة: (( وخلل بين الأصابع )). PageV01P827 # وكيفية استحباب التخليل بين الأصابع أن يبدأ بخنصر رجله اليمنى ثم يختمها ~~بإبهامها، ويبدأ بإبهام رجله اليسرى ويختمها بخنصرها، فإن خلقت أصابعه ~~مرتقة فإنه لا يجب عليه فتقها لما في ذلك من الحرج والمشقة فلا يدخل تحت ~~تكليفه. # ويجب إدخال الكعبين في الغسل عند أئمة الآل وهو قول أكثر الفقهاء من ~~الشافعية والحنفية والمالكية خلافا لزفر بن الهذيل، ولأبي بكر بن داود. # والحجة لنا ولهم، وذكر المختار من ذلك والانتصار على من خالفنا ما قد ~~ذكرناه في اليدين فأغنى عن الإعادة، وقد قال تعالى: {وأرجلكم إلى الكعبين ~~}[المائدة:6]. وقد قال علماء التفسير: أي مع الكعبين، وقد قال : (( ويل ~~للأعقاب من النار)). أراد التي لا يصيبها الماء. # الفرع الثالث: الكعبان هما العظمان الناتئان في مفصل القدم والساق عند ~~أئمة العترة، وهو قول أكثر الفقهاء: أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالك. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وأرجلكم إلى الكعبين} ولم يرد حد جميعهما ~~لأنه لو أراد لقال: إلى الكعاب كما قال تعالى:{وأيديكم إلى المرافق} فدل ~~ذلك على أنه أراد الرجل الواحدة، وليس للرجل الواحدة كعبان إلا على ما ~~قلناه، وعلى قولهم ليس للرجل الواحدة إلا كعب واحد. PageV01P828 # الحجة الثانية: ما روى النعمان بن بشير ) قال: أقبل علينا رسول الله بوجهه ~~فقال: (( أقيموا صفوفكم وسدوا الخلل))(2). فلقد رأيت الرجل منا يلزق كعبه ~~بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه، وهذا لا يكون إلا على الاعتبار الذي اعتبرناه في ~~الكعب، وحكي عن محمد بن الحسن، والإمامية أنهم قالوا: معقد الشراك هو ~~الكعب، وأراد به الشراك العربي وهو ظهر الكف، وقد أنكر الأصمعي ) هذه ~~المقالة وتأوله أصحاب محمد بن الحسن على أن المراد بما قاله هو مقطع الخفين ~~إذا لبسها المحرم، وهذا التأويل يقرب لأنه كان PageV01P829 كثير الدرية بكلام العرب، وأخلق بمن كان شيخه أبو حنيفة أن يكون أديبا، ~~واحتج الإمامية لما زعموه بأن قالوا: إن قوله تعالى: {إلى الكعبين} غاية ~~للغسل وغاية الشيء ms0475 هي منقطعه ومن حق ما يكون غاية، أن يكون منقطعا عن ذي ~~الغاية؛ فلأجل ذلك حكمنا على أن الغسل ينتهي بالكعبين فلا يكونان داخلين، ~~وإذا لم يكونا داخلين كان غاية الغسل ما دونهما وليس ما دونهما إلا معقد ~~الشراك العربي، فلهذا كان هو الواجب لا غير. # وجوابه من وجهين: # أما أولا: فلأنا قد قررنا دخول الحد في المحدود فأغنى عن تكريره. # وأما ثانيا: فلأنا نقول: لم أوجبتم غسل معقد الشراك دون غيره، هل كان ذلك ~~بدلالة خاصة فلابد من ذكرها لننظر فيها، فإن كانت صحيحة اتبعناها وإن كانت ~~فاسدة اتبعتمونا، وإن كان إيجاب معقد الشراك من جهة أن الحد في الغسل هو ~~الكعبان، ومن حق أن الحد لا يكون داخلا في المحدود فهذا شيء قد فرغنا من ~~تقريره وأظهرنا بفعل الرسول وأدلة خطابه وجوب إدخال الحد في المحدود. # والمختار: ما عول عليه علماء أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة، ~~ودليله ما حكيناه عنهم؛ ونزيد هاهنا وهو ما روي عن أمير المؤمنين في تعليم ~~وضوء رسول الله ، عن ابن عباس قال: دخل علينا علي بن أبي طالب وقد اهراق ~~الماء فدعا بوضوء، فأتينا بتور(1) فيه ماء حتى وضعناه بين يديه فقال: يابن ~~عباس ألا أريك كيف كان رسول الله يتوضأ؟ فغسل جميع أعضائه إلى أن قال: ثم ~~غسل رجليه إلى الكعبين. فأفعال رسول الله دالة على إدخال الكعبين في غسل ~~الأرجل. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم وعند هذا يصح المختار. PageV01P830 # قالوا: الآية دالة على وجوب كون الكعبين غاية للغسل، ومن حق ما هو غاية أن ~~ينقطع به الحكم. # قلنا: قد مر الجواب على ما أوردتموه فلا حاجة إلى تكريره. # قالوا: عبادة تتعلق بالأرجل كقطع الخف في حق المحرم فوجب تعلقها بمعقد ~~الشراك. # قلنا: هذا فاسد، فإن ذلك إنما وجب في الأصل لما كان الإحرام متعلقا بالكف ~~من الرجل بخلاف الغسل في الأرجل فإنه متعلق بإدخال الكعبين بالآية. # قالوا: الكعب إنما سمي كعبا لظهوره، ومعقد الشراك شاخص من كف ms0476 الرجل فلهذا ~~وجب تسميته كعبا فيجب أن تتناوله الآية من غير زيادة. # قلنا: إنما سمي كعبا لشخوصه من جانبي مفصل القدم وهذا غير حاصل في كف ~~الرجل فلا يجوز تسميته كعبا فبطل ما توهموه. # مسألة: وكيفية التطهير لهذه الأعضاء فيها مذاهب ثلاثة: # الأول: أن الواجب في تطهيرها مرة واحدة، وهذا هو قول أئمة العترة ومحكي ~~عن الفريقين: الحنفية، والشافعية. # والحجة على ذلك: ما روى أبي بن كعب عن رسول الله أنه توضأ مرة واحدة ثم ~~قال: (( هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة بدونه )). والمرتان فضيلة لما روي ~~في خبر أبي أنه توضأ مرتين ثم قال: (( من توضأ مرتين أعطاه الله أجره ~~مرتين)). وفي هذا دلالة على كثرة الأجر بزيادة الثواب. والثلاث هي السنة ~~لما روي في خبر أبي أنه توضأ ثلاث مرات ثم قال: (( هذا وضوئي ووضوء ~~الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم )). (صلوات الله عليهما) فالخبر دال على ~~ما ذكرناه من الواجب والفضيلة والسنة. # المذهب الثاني: أن الواجب هو الثلاث، وهذا شيء يحكى عن بعض الناس هكذا ~~حكاه العلماء ولم أعلم قائله بعينه. PageV01P831 # والحجة لهم على ما قالوه: ما روى عمرو بن شعيب )، عن أبيه، عن جده، عن ~~الرسول أنه توضأ ثلاثا ثلاثا وقال: (( هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص ~~فقد أساء وظلم))(2). فمعنى قوله: (( فقد أساء)). لمخالفته ما وجب إذا نقص ~~عن الثلاث، ومعنى قوله: (( ظلم)). يعني إذا زاد عليها جاوز الحد؛ لأن الظلم ~~مجاوزة الحد. # ووجه الاستدلال بالخبر على الوجوب: هو أنه سمى النقصان إساءة والزيادة ~~ظلما، وهذا إنما يكون في الأمور الواجبة. # المذهب الثالث: أن الواحدة كما هي الفرض الواجب فهي السنة من غير زيادة، ~~وهذا هو المحكي عن مالك. # والحجة على ذلك: هو أنه لما قال: (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء ~~خليلي إبراهيم)). جميعا، فانصرف هذا إلى أول الخبر وهو أنه توضأ مرة ~~واحدة، لأنه المبدوء به، فلهذا كان قوله هذا وما تعلق به منصرفا إليه؛ لأنه ~~أحق بالإنصراف إليه لكونه صدرا فهذا ms0477 تقرير المذاهب بأدلتها. PageV01P832 # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من تقرير الواجب بالمرة ~~الواحدة والفضيلة بالمرتين والسنة بالثلاث لما ذكرناه من حديث أبي، فإنه ~~صريح في ذلك، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن النبي أنه قال: (( لا يقبل الله ~~صلاة امرىء حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ويغسل ~~رجليه))(1). ولا شك أن من غسل هذه الأعضاء مرة واحدة فإنه يصدق عليه أنه ~~غاسل لها، فلهذا كان الفرض غسلة واحدة وما عداها فهو على الفضيلة والسنة ~~كما شرحناه من قبل. # الانتصار: يكون بإبطال ما عدا ذلك، فأما قول من أوجب الثلاث فهو فاسد ~~لأمرين: # أما أولا: فلأنه لا دلالة لكم في ظاهر الحديث؛ لأنه قال: (( فمن زاد على ~~الثلاث أونقص)). ولم يبين حال الثلاث هل هي واجبة أو غير واجبة، فمعنى ~~إساءته على ما نقوله هو أنه أساء لمخالفته السنة في نقصانه عن هذه العدة، ~~ومعنى ظلمه بالزيادة هو أنه تجاوز الحد حتى خرج عن المسنون والواجب ~~والفضيلة، وهذه الإساءة بالزيادة والظلم بالنقصان لا يقتضيان الإثم ~~والمعصية وإنما يحملان على الكراهة لمخالفتهما للمشروع(2). # وأما ثانيا: فلأن قوله في حديث أبي لما غسل مرتين قال: (( ومن توضأ مرتين ~~أعطاه الله أجره مرتين )). وقوله لما غسل الثلاث: (( هذا وضوئي ووضوء ~~الأنبياء قبلي )). وقوله لما غسل الأولى: (( هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة ~~من دونه )). فهذا تصريح بحكم كل واحدة من هذه الغسلات وإيضاحه، فكيف يقال ~~بكونها واجبة؟ فأما الإساءة بالزيادة والظلم بالنقصان، فقد تأولناه على وجه ~~موافق لما نحن فيه فبطل ما توهموه. # وأما من قال: بأن الواحدة فرض وسنة. فعنه جوابان: PageV01P833 # أما أولا: فلأنا نستفسره عن هذه المقالة، فنقول: ما تريد بقولك: إن الغسلة ~~الواحدة تكون فرضا وسنة؟ أتريد أن الرسول ما مسح أعضاءه ولا غسلها إلا مرة ~~واحدة؟ فهذا فاسد، فإن أمير المؤمنين (كرم الله وجهه)، وعثمان بن عفان رضي ~~الله عنه وغيرهما من أكابر الصحابة رووا عنه: أنه غسل أعضاءه ومسحها ثلاث ~~مرات، وإن أراد ms0478 أن الرسول غسلها ثلاث مرات، لكن الغسلة الواحدة قائمة مقام ~~الثلاث، فهذا فاسد أيضا، فإن الفرض لا يقوم مقام السنة والفضيلة لتغاير هذه ~~الصفات فلا يقوم أحدها مقام الآخر، وإن أراد الغسلة الواحدة تكون فرضا ~~ونفلا ولعله مراده فهذا فاسد أيضا، فإن الفعل الواحد لا يكون موصوفا ~~بالفريضة والفضيلة(1) لما في ذلك من اجتماع النقيضين؛ لأنه إذا كان نفلا ~~جاز تركه وإن كان فرضا لم يجز تركه فيلزم أن يجوز تركه ولا يجوز تركه. # وأما ثانيا: فلأن الظاهر من حديث أبي أن الرسول غسل ثلاث غسلات وميز كل ~~واحدة منها بصفة في الوجوب والفضيلة والندب، فكيف يقال بأن الغسلة الواحدة ~~قائمة مقام الثلاث؟ فبطل ما توهمه مالك. # مسألة: إذا تقرر بما لخصناه وجوب غسل هذه الأعضاء، فمفهوم الغسل ما هو؟ # ولا يقع تردد في أن مفهومه ومعقوله: إمساسه الماء. وهل يعتبر فيه سيلان ~~الماء عنه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لابد من اعتبار السيلان فيه فلا يعقل الغسل إلا ~~بإمساسه الماء بحيث يسيل عنه، وهذا هو رأي القاسمية، ومحكي عن الفريقين: ~~الحنفية، والشافعية. # والحجة على ذلك: هو أن أهل اللغة يفرقون بين المسح والغسل ولا فرق هنا ~~يعقل بينهما إلا أن الغسل إمساس العضو الماء بحيث يسيل عنه والمسح إمساسه ~~الماء بحيث لا يسيل عنه فلو لم يجعل ما ذكرناه فرقا بينهما لم تعقل التفرقة ~~بينهما وهي معلومة لا محالة. PageV01P834 # المذهب الثاني: أنه لا يعتبر السيلان في الغسل، وهذا هو المحكي عن الناصر. ~~وهو قول محمد بن الحسن الشيباني. # والحجة على ذلك: هو أن مفهوم الغسل ليس السيلان وإنما مفهومه الاستيعاب ~~للمغسول سواء سال الماء عنه أولم يكن سائلا، فهذه هي التفرقة بينه وبين ~~المسح فإن حقيقة المسح، إمساس العضو الماء بحيث يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطأ ~~بخلاف الغسل فإنه لابد فيه من الاستيعاب، وفي ذلك ظهور التفرقة بينهما بذلك ~~دون السيلان فلا عبرة به في ماهية الغسل. # والمختار: ما قاله القاسمية، وهو رأي الإمامين الأخوين: المؤيد ms0479 بالله، ~~وأبي طالب. # والحجة عليه: ما قالوه؛ ونزيد هاهنا: وهو أن المعلوم من عادة أهل اللغة ~~التفرقة بين البلة الحاصلة بالمسح وبين الغسل، فإن البلل لا يعتبر فيه إلا ~~إيصالها بالمحل من غير مسيل بخلاف الغسل فإن حقيقتة السيلان عن محله لا ~~محالة، ويؤيد ما ذكرناه هو: أن الله تعالى أمر بغسل بعض أعضاء الوضوء وأمر ~~بمسح بعضها فقال تعالى: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا ~~برؤوسكم}[المائدة:6]. ولا فصل هناك يعقل بينهما إلا بما ذكرناه من سيلان ~~الماء؛ لأن الاستيعاب شامل لهما، فلولم تكن التفرقة بما ذكرنا لم يعقل ~~الفصل بينهما. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: المعتمد بالتفرقة بينهما إنما هو بما أشرنا إليه من الاستيعاب في ~~الغسل دون المسح، فأما سيلان الماء فلا عبرة به في واحد منهما. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن الاستيعاب في الآية شامل لهما فلو لم تكن التفرقة بما ~~ذكرنا لم يعقل الفصل بينهما. PageV01P835 # [وأما ثانيا: فلو](1) لم يعتبر السيلان الذي هو أصل ومفعول حقيقة الغسل ~~وجزء من ماهيته لبطل ما ذكرناه من التفرقة بينهما. # مسألة: وهل يكون الدلك من معقول الغسل أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الدلك من مفهوم حقيقته، وهذا هو رأي القاسمية، وهو محكي ~~عن مالك. # والحجة على ذلك: هو أن أهل اللغة لا يسمون إمساس العضو الماء بحيث يكون ~~سائلا عنه غسلا، إلا إذا قارنه الدلك، فإن لم يقارنه الدلك فإنهم لا يسمونه غسلا. # المذهب الثاني: أنه لا يعتبر في ماهية الغسل الدلك، وهذا هو رأي المؤيد ~~بالله؛ ومحكي عن الفريقين: الحنفية، والشافعية. # والحجة على ذلك: هو أن الأحاديث الواردة في صفة وضوء رسول الله على لسان ~~أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) وعثمان وغيرهما من الصحابة (رضي الله عنهم) ~~[أنهم] ذكروا الغسل لهذه الأعضاء والمسح لما يمسح منها ولم يذكروا الدلك في ~~الأعضاء، فلوكان الدلك معتبرا في الغسل لذكروه؛ لأنه لا تعقل حقيقة الغسل ~~عند من اعتبره إلا به، فلو كان شرطا في الغسل لذكروه في ms0480 حال ذكرهم للغسل؛ ~~لأنه جزء من ماهية الغسل ولم يذكر في حديث واحد من أحاديث الوضوء، وفي هذا ~~دلالة على عدم اشتراطه وأن حقيقة الغسل حاصلة من دونه. # والمختار: ما قاله الإمام المؤيد بالله ومن تابعه من علماء الأمة في عدم ~~اشتراطه. # والحجة على ذلك: هو أن حقيقة الدلك مخالفة لحقيقة الغسل، ولهذا يقال: غسل ~~جسمه وما دلكه، فلو كان جزءا من ماهية الغسل كما زعموه، إذن لم تعقل ماهية ~~الغسل من دونه، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن حقيقة الغسل على قول القاسمية ~~مركبة من وصفين: # أحدهما: سيلان الماء على المحل. PageV01P836 # وثانيهما: الدلك، فلا تفهم حقيقة الغسل إلا بمجموع هذين الأمرين. # وعند المؤيد بالله وسائر الفقهاء أن ماهية الغسل مفهومة عند سيلان الماء ~~عن المحل وأنها حقيقة مفردة غير مركبة، وأنه لا يحتاج فيها الدلك بحال. # ووجه آخر: وهو أن الدلك عبارة عن تكرير اليد على الجسم واشتقاقه من ~~قولهم: فلان يدالك غريمه بالدين إذا كان يطالبه مرة بعد مرة، ومنه الدلوك؛ ~~لأنه يدلك به الجسم مرة بعد أخرى، فلما كان الأمر فيه كما ذكرناه لا جرم ~~كانت حقيقته مخالفة لحقيقة الغسل(1). # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: أهل اللغة لا يسمون إمساس العضو الماء غسلا إلا إذا كان مقترنا ~~بالدلك. # قلنا: هذه دعوى فلابد من تصحيحها بنقل من جهة أهل اللغة وليس عنهم شيء ~~مأثور في ذلك، وأيضا فإنا قد أوضحنا مفارقة الدلك للغسل فلابد في اشتراطه ~~في الغسل من دليل شرعي أو لغوي. # قالوا: من طرح الثوب في الماء من غير عرك لا يقال بأنه غاسل له. # قلنا: لا ننكر كون الدلك قد يضام الغسل لتأكيد النظافة، ولكنا ننكر كونه ~~شرطا في الغسل بحيث لا يعقل الغسل من دونه، ولهذا يقال: غسل يده وما دلكها، ~~وغسل جسده وما دلكه، وغسل الثوب وما عركه، فدل ذلك على أن حقيقة أحدهما ~~مخالفة لحقيقة الآخر. # قالوا: طاهر عن حدث فيجب أن يكون من شرطها إمرار كالتيمم. # قلنا: عنه جوابان: PageV01P837 # أما ms0481 أولا: فإنا نقول بموجب هذا القياس، وهو أن الغسل طهارة عن حدث فيجب أن ~~يكون من شرطها إمرار اليد كالتيمم، ولكنا لا نقول بالدلك فإن الدلك عبارة ~~عن تكرير اليد مرة بعد أخرى والمتكرر مخالف لإمرار اليد، فأين أحدهما عن ~~الآخر؟ ولهذا فإنه يقال: أمر يده على جسمه فغسله ولم يدلكه، وفي هذا دلالة ~~على المغايرة بينهما. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكرتموه اعتبار للغسل بالمسح وأحدهما مخالف للآخر، ~~فطهارة التراب من شرطها المسح، وطهارة الماء من حكمها الغسل فلا يؤخذ ~~أحدهما من الآخر، ولأن المقصود من طهارة الماء هو رفع الحدث، والمقصود من ~~طهارة التراب هو استباحة ما كان محظورا فافترقا، ومن جهة أن التراب طهارة ~~ضرورية، والطهارة بالماء طهارة اختيارية، وأيضا فالطهارة بالماء تعم جميع ~~الأعضاء، والطهارة بالتراب تختص بعضها، فمع هذه المخالفة كيف يقاس أحدهما ~~على الآخر؟ # قالوا: روي عن النبي : (( بلوا الشعر وأنقوا البشر فإن تحت كل شعرة ~~جنابة))(1). والإنقاء لا يحصل إلا مع الدلك فلهذا وجب اعتباره. PageV01P838 # قلنا: ليس في ظاهر الخبر ما يدل على الدلك فلا وجه للتعلق به، وأما الإنقاء ~~فإنه كما يحصل بالدلك على زعمكم فإنه حاصل بالتعميم للمحل وإمساسه الماء ~~وسيلانه عنه، فإذا كان الإنقاء يحصل بما ذكرنا فلا حاجة إلى اعتبار الدلك. ~~فحصل من مجموع ما ذكرناه أنه لا يجب اعتبار الدلك، وأما سيلان الماء عن ~~محله فلابد منه لأن معقول الغسل ذلك، وأما قطره على الأرض فلا عبرة به، ~~وإنما المعتبر هو سيلانه عن محله وليس الغرض هو سيلانه وقطره على الأرض، ~~لما روي عن النبي ، أنه قال: (( وضوء المؤمن كدهنه ))(1). يعني في التعميم ~~والاستيعاب للعضو لا في الدلك وتقطيره على الأرض. # فإن قال قائل: قد أوضحتم بما ذكرتموه هاهنا أن الدلك غير واجب في الوضوء، ~~وأن الغسل إمساس العضو الماء بحيث يسيل عنه ولا يلزم تقطيره على الأرض، فما ~~ترون في حال من علق به الوسواس في وضوئه حتى أسرف في استعمال الماء وخرج عن ~~حد المشروع وجاوز عدة ms0482 الثلاث وأتى بأعداد مضاعفة وكرر ذلك في هذه الأعضاء ~~حتى خرج عن وقت الاختيار بفعله لهذه الأمور كلها، فما يقضي الشرع في أمره؟ PageV01P839 # فالجواب: أن الذي يظهر هو القطع بخطأه لمخالفته المألوف من عادة الشرع بما ~~ورد في الأخبار من التحذير من الزيادة على الثلاث، وأنه موصوف بالظلم ~~لخروجه عن الحد بالزيادة ويقطع بكونه أتى بدعة مضادة للسنة وأن السنة على ~~خلاف ما هو عليه، فهذا هو الذي يظهر من حكم الشرع في حاله، فأما الكفر أو ~~الفسق بما أتى من هذه البدعة ومخالفة السنة فمعاذ الله عن ذلك وحاشا وكلا ~~مع التزامه للأحكام الدينية واستمراره على الإتيان بالواجبات الشرعية ~~وانكفافه عن المحرمات؛ لأن التفسيق والإكفار إنما يكون بأدلة قاطعة شرعية ~~وبراهين يقينية، وليس في إتيانه لهذه البدعة ما يوجب ذلك بحال. وعن عبدالله ~~بن مغفل قال: سمعت رسول الله يقول: (( إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون ~~في الطهور والدعاء))(1). # قالوا: روى المستورد بن شداد ) قال: رأيت رسول الله إذا توضأ يدلك أصابع ~~رجليه بخنصره(3)، فهذا نص في وجوب اعتبار الدلك في الوضوء. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فإنا لا ننكر استعماله ووجوبه وليس فيما ذكرتموه دلالة على وجوبه. # وأما ثانيا: فلأن ذلك حكاية فعل لا يدرى حاله ولعل في رجله نجاسة، فلهذا ~~كان دلكه للتنقية والنظافة لا من أجل كونه واجبا، ويجوز حمله على أنه أراد ~~بيان الاستحباب في الدلك لا من أجل بيان وجوبه. # مسألة: وهل يتقدر ما يحتاج إليه من الماء في الوضوء والغسل أم لا؟ فيه ~~مذهبان: PageV01P840 # المذهب الأول: أنه لا معنى لتقديره وإنما يكون على مقدار الحاجة في التطهير ~~في الوضوء والغسل وغسل الأثواب ما لم يكن هناك إسراف، وهذا هو الذي ذكره ~~الهادي في (الأحكام) فإنه استقل الصاع في الغسل وقال: إن التحديد لم يتضمنه ~~الكتاب والسنة، وقال: إن المقصود هو الإتيان بالطهارتين على ما أوجبه ~~الشرع، وكلامه هذا يشير به إلى أن الغرض هو الكفاية من الماء من غير أن ~~يكون هناك ms0483 خروج عن الحد بالإسراف وتجاوز الحد في إهراق الماء من غير حاجة إليه. # المذهب الثاني: أنه مقدر وهذا هو المحكي عن زيد بن علي، وعليه أكثر ~~العلماء، وحكي عنه أنه قال: لا يجزي المرأة إذا أرادت الاغتسال أقل من صاع ~~ونصف الصاع، والصاع: خمسة أرطال وثلث. والمد: رطل وثلث، وقيل: رطلان، ~~والأول أصح، والصاع بالكيل أربعة أمداد. PageV01P841 # والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، وهو أن الرسول إنما أشار في التقدير ~~إلى ما لا يكون مجزيا دونه، فروى عبدالله بن زيد الأنصاري: أن الرسول ، ~~توضأ بثلثي المد(1). وهذه الرواية هي أقل ما روي في تقدير الماء في الوضوء، ~~وروت عائشة (رضي الله عنها) عن النبي أنه كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد، ~~وهكذا روى جابر: أن الرسول ، كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، وعن أنس بن ~~مالك: أن الرسول ، كان يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع(2)، وقد حكي: ~~عن أحمد بن حنبل: أن الصاع خمسة أرطال لا غير، ولعل هذه الرواية أعني رواية ~~أنس، على رأي من يقول: المد رطلان لتتفق الروايتان، وروت عائشة قالت: ~~اغتسلت أنا والرسول ، من إناء فيه قدر الفرق، والفرق ثلاثة أصواع، فعلى هذا ~~يكون الفرق ستة عشر رطلا، فالرسول إنما أشار بهذا التقدير إلى ما لا يكفي ~~دونه ولهذا قال محمد بن الحسن الشيباني: إنه لا يمكن المغتسل أن يعم جميع ~~بدنه بأقل من صاع ولا يكفي المتوضئ أن يسبغ وضوءه بأقل من مد، فالإشارة ~~بهذه التقديرات إنما هي لأقل ما يجزي لا غير ولم يشر إلى ما يكفي فيما فوق ~~ذلك؛ لأن الأمر في ذلك يختلف حاله باختلاف الشعور والأبدان والخرق والرفق ~~بالماء، فلهذا ترك الشارع الإشارة إلى ما فوق ذلك، وإلى ما اخترناه يشير ~~كلام الهادي في عدم التقدير وهو قول الشافعي فإنه قال: واجب ألا ينقص مما ~~روي عن الرسول أنه توضأ بالمد واغتسل بالصاع، وقد روي عن جابر: أنه سئل عن ~~الغسل فقال: يكفيك صاع، فقال رجل: ما يكفيني، فقال له جابر: فيكفي من ms0484 هو ~~خير وأوفر شعرا، يشير به إلى الرسول . PageV01P842 # فتنخل من مجموع ما ذكرناه هاهنا أنه لا ينقص في الوضوء والغسل مما ذكره ~~الرسول ، فأما الزيادة فلم يقدرها، وما ذاك إلا لأنها مباحة ما لم يقع فيها ~~إسراف وخروج عن الحد، وهو الذي يدل عليه كلام الهادي، والمؤيد بالله، ~~والشافعي، والله أعلم. # مسألة: وهل يجوز أن يمسح الخفاف عوضا عن غسل الرجلين أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن ذلك جائز، وهذا هو رأي الفريقين: الحنفية، والشافعية، ~~ومحكي عن أمير المؤمنين (كرم الله وجهه)، وعمر بن الخطاب، وابن مسعود، وسعد ~~بن أبي وقاص، وابن عباس؛ من الصحابة (رضي الله عنهم)، فأما مالك فعنه فيه ~~روايات خمس: # الأولى منها: يجوز المسح كمقاله أبي حنيفة، والشافعي، مؤقتا باليوم ~~والليلة في الحضر، وبالثلاث في السفر. # الثانية: المسح مطلقا، من غير توقيت كما هو رأي الشافعي في القديم. # الثالثة: تجويز المسح في الحضر دون السفر. # الرابعة: تجويز المسح في السفر دون الحضر رواها عنه ابن أبي ذؤيب ). # الخامسة: إبطال المسح مطلقا كما هو رأينا، والخف نعل من أدم(2) يغطي ~~الكعبين، والجرموق يلبس فوق الخف وهو خف كبير فوق خف صغير، والجورب يتخذ من ~~جلود تغطي الكعبين أيضا، وهو فوق الجرموق، ويمسح على هذه الأمور الثلاثة، ~~فأما النعال فهي وإن كانت من الجلود وهي تكون دون الكعاب فلا مسح عليها؛ ~~لأن نزعها يخف ولا يكون فيه مشقة مثل الخف، والنظر عند القائلين به يكون في ~~حكمه وفي شرطه وفي وقته وفي كيفيته وفي الحجة عليه. فهذه مواقع النظر ~~وجملتها خمسة: # الموقع الأول: في حكمه. PageV01P843 # وهو إباحته لمن لبس الخف وهو على طهارة في حضر كان أو في سفر، وهي رخصة من ~~الله تعالى لعباده لما في نزعهما من المشقة لأجل المطر والوحل والبرد ~~الشديد فلهذا اغتفر المسح عليهما، فإذا نزعهما بعد وفاء المدة المقدرة في ~~السفر والحضر وجب عليه غسل الرجلين. وهل يجب عليه استئناف الوضوء أم لا؟ ~~فيه قولان مبنيان على أن المسح هل يرفع ms0485 الحدث أم لا؟ # فإن قلنا: بأنه غير رافع للحدث فإنه يكفيه غسل الرجلين. # وإن قلنا: بكونه رافعا له فقد عاد الحدث بالنزع فلهذا وجب استئنافه، فلو ~~لبس فردة خف وكانت الرجل الأخرى سقط نصف كفها فلا يجوز المسح على ما بقي ~~منها إلا إذا كان عليها ساتر كالخف، فإن سقطت الرجل من مفصل القدم جاز ~~المسح مهما بقي منها بقية إذا كان مستورا، والمسح جائز على كل خف صحيح يمكن ~~متابعة المشي عليه لحوائجه. # فقولنا: صحيح، نحترز به عن الخف المخرق الذي لا يمكن المشي عليه لتخرقه؛ ~~لأن الحاجة لا تدعو إلى مثل ذلك. # وقولنا: يمكن المشي عليه، نحترز به عن الخف الذي لا يمكن المشي عليه إما ~~لرقتة كالخف الذي يكون من الخرق الرقيقة، وإما لثقله، فإن ما هذا حاله لا ~~يجوز المسح عليه فإن لبس خفا من زجاج جاز المسح عليه، وإن بدا منه لون ~~الرجل عندهم، وفرقوا بينه وبين ستر العورة بالزجاج فإن ذلك غير صحيح، لأن ~~القصد من ستر العورة هو أن لا يراها الناس بخلاف الخف فإن المقصود منه هو ~~إمكان المشي فيه فافترقا، والواجب في الخف الذي يمسح عليه أن يكون ساترا ~~للقدم مع الكعب من الجوانب كلها إلا من أعلى الكف فإنه غير لازم ستره. # الموقع الثاني: في شرطه، وله شرطان: # الشرط الأول: أن يكون لابسا للخف على طهارة تامة قوية. # فقولنا: على طهارة، نحترز به عما إذا لبسه على غير طهارة فإنه لا يجوز ~~المسح عليه بحال بل يجب غسله. PageV01P844 # وقولنا: تامة، نحترز به عما إذا غسل رجله اليمنى ثم أدخلها الخف قبل غسله ~~للثانية فإنه لا يجوز الاعتداد بهذا اللبس لما كانت الطهارة غير تامة بغسل ~~جميع الأعضاء كلها. # وقولنا: قوية، نحترز به عن طهارة المستحاضة فإنها لو طهرت ولبست الخف ولم ~~تصل بهذا الوضوء ثم أحدثت وأرادت أن توضأ وتمسح لتصلي به فريضة، فإن ما هذا ~~حاله غير جائز لكون طهارتها ضعيفة ناقصة. # الشرط الثاني: أن يكون الخف ساترا قويا ms0486 مانعا للماء عن النفوذ إلى الرجل، ~~حلالا(1). # فقولنا: أن يكون الخف قويا، نحترز به عما إذا كان الخف مخرقا قد بدا منه ~~محل الفرض فإنه لا يجوز المسح عليه لانخراقه. # وقولنا: ساترا، نحترز به عما إذا كان دون الكعبين فإنه لا يجوز المسح ~~عليه؛ لأن ما هذا حاله من سواتر الرجل لا يصعب مسحه. # وقولنا: مانعا من نفوذ الماء، نحترز به عن الخف المنسوج، فإنه وإن كان ~~ساترا فإنه لا يمنع من نفوذ الماء فيه، فإن ما هذا شأنه فإنه لا يجوز المسح عليه. # وقولنا: حلالا، نحترز به عن الخف المغصوب، فإنه مأمور بنزعه وإعطائه ~~مالكه والمسح مانع من الاستدامة فمتى حصلت هذه القيود كلها كان المسح جائزا. # الموقع الثالث: في وقته. PageV01P845 # حكى الزعفراني، عن الشافعي: جواز المسح على الخفين مطلقا من غير توقيت، ~~وهذا هو المحكي عن عمر، وابن عمر، وعائشة، وبه قال الليث، ثم رجع الشافعي ~~عن هذه المقالة في قوله الجديد، وقال: يمسح المقيم يوما وليلة ويمسح ~~المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وهذا هو قول أمير المؤمنين (كرم الله وجهه)، ~~وابن عباس، وابن مسعود من الصحابة (رضي الله عنهم)، ومروي عن عطاء، وشريح ~~)، والأوزاعي، وأبي يوسف، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. قال الشافعي في ~~(الأم): ولو مسح المسافر يوما وليلة ثم إنه دخل في الصلاة فنوى الإقامة في ~~حال الصلاة بطلت صلاته؛ لأنه قد استكمل مسح المقيم، فإذا نوى الإقامة بطل ~~مسحه فلهذا بطلت صلاته، وإن لبس الخف في الحضر ثم سافر قبل أن يحدث ثم إنه ~~أحدث في السفر فإنه يمسح مسح المسافر، وإن أحدث في السفر ومسح ثم أقام فإنه ~~يتم مسح المقيم لا غير، فإن أقام بعد استكمال مدة مسح المقيم نزع الخفين لا ~~محالة، وإن أقام قبل استكماله كان له أن يتم مسح المقيم لا غير. # الموقع الرابع: في كيفيته. PageV01P846 # قال الشافعي: وإذا أراد المتوضئ أن يمسح على الخفين فأحب إلي أن يغمس يديه ~~في الماء ثم يضع كفه اليسرى باطنها تحت عقب الخف ms0487 وكفه اليمنى على أطراف ~~أصابعه ثم إنه يمر اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى أطراف أصابعه، وهذا هو ~~المحكي عن ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعمر بن عبدالعزيز، والزهري ومالك، ~~وابن المبارك ). وقال الليث، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وأحمد: المستحب أن ~~يمسح على أعلى الخف دون أسفله وكيف ما أتى بالمسح على الخف سواء كان بيده ~~أو ببعضها أو بخشبة أو بخرقة وسواء مسح منه قليلا أو كثيرا فإنه يجزيه؛ على ~~رأي الشافعي، وحكي عن أبي حنيفة: أنه لا يجزيه إلا إذا مسح منه قدر ثلاث ~~أصابع بثلاث أصابع، وحكي عن زفر: أنه لا يجزيه إذا كان قدر ثلاث أصابع ~~بأصبع واحدة، وعن أحمد بن حنبل: أنه لا يجزيه إلا إذا مسح أكثر المقدم، وهل ~~يمسح على عقب الخف أم لا؟ # فحكى البويطي، عن الشافعي: أنه يمسح عليه، وقال المزني: إن ذلك غير مسنون. # الموقع الخامس: في ذكر الاحتجاج على جواز المسح على الخفين. PageV01P847 # والحجة على ذلك: ما روى بلال ) عن النبي أنه توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح ~~رأسه ومسح خفيه(2)، وروى المغيرة بن شعبة: أن النبي مسح على الخفين، فقلت: ~~يا رسول الله نسيت؟ قال: (( بل أنت نسيت ، بهذا أمرني ربي ))(3). وروى ~~الحسن البصري قال: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله أنه مسح على الخفين، ~~ولأن الحاجة تدعو إلى لبسه وتلحق المشقة في نزعه فجاز المسح عليه كالجبائر. # قالوا: ولا يجوز مسح الخفين في الغسل من الجنابة والغسل من الحيض، ولا ~~يجوز المسح على الخفين في الغسل المسنون كالغسل يوم الجمعة والعيدين، ولكن ~~يمسح من الغائط والبول والنوم، إن كان في حضر فيوما وليلة وإن كان في سفر ~~فثلاثة أيام بلياليها، فهذا ما أردنا ذكره في المسح على الخفين على رأي ~~الفقهاء، وإنما أوردته في كتابي هذا وإن كان مشتملا على أسرار ودقائق ~~وتفاصيل اشتملت عليه كتب الفقهاء ليكون الناظر متمكنا من الاطلاع على بعض ~~تفاصيله. PageV01P848 # المذهب الثاني: أنه لا يجوز المسح على الخفين، وهذا هو رأي أئمة العترة ~~القاسمية ms0488 والناصرية لا يختلفون في ذلك، ومحكي عن الإمامية، والخوارج، وأبي ~~بكر بن داود من أهل الظاهر، وإحدى الروايات عن مالك، وعن أبي نصر من أصحاب ~~الشافعي: أن غسل الرجلين أفضل من المسح على الخفين، على قياس قول الشافعي، ~~وحكي عن الشعبي، والحكم، وحماد: أن المسح على الخفين أفضل من غسل الرجلين ~~لقوله عليه السلام: (( إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ ~~بعزائمة))(1). # والحجة على بطلان المسح: قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين }[المائدة:6]. # ووجه الاستدلال بهذه الآية على بطلان المسح على الخفين: أن الله تعالى ~~أوجب بظاهر الآية إما غسل الرجلين على ما نقوله وإما مسحهما على رأي من قال ~~بالمسح فيهما، ولم يذكر المسح على الخفين، فلوكان واجبا كما زعموا لذكره؛ ~~لأنه في محل التعليم للوضوء، فلما لم يذكره دل على كونه غير واجب ولا مشروع. # الحجة الثانية: قوله لمن علمه الوضوء: (( توض كما أمرك الله فاغسل وجهك ~~ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك)). فلوكان واجبا لقال مع قوله: (( واغسل ~~رجليك )). وامسح خفيك، لأنه مشروع كما زعموا. # الحجة الثالثة: ما روي عنه أنه توضأ مرة فقال: (( هذا وضوء لا يقبل الله ~~الصلاة من دونه )). ثم توضأ مرتين إلى أن قال: ثم توضأ ثلاثا. # ووجه الاستدلال بهذا الخبر: هو أنه كرر الوضوء مرتين وثلاثا بالغسل ولم ~~يذكر مسح الخف مفردا ولا مكررا فدل ذلك على بطلان كونه مشروعا في الرجلين. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من علماء الأمة، من كونه ~~-أعنى المسح على الخفين- غير مشروع في الرجلين، ومعتمدنا في الدلالة على ~~ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حججا: PageV01P849 # الحجة الأولى: ما روي عن النبي أنه رأى قوما تلوح أعقابهم، فقال: (( ويل ~~للعراقيب من النار )). وفي حديث آخر: (( ويل للأعقاب من النار )). وفي حديث ~~آخر: (( أسبغوا الوضوء )). # ووجه الاحتجاج بهذه الأخبار: هو أن ظاهرها أمر بالغسل في الأعقاب فلوكان ~~المسح على الخف واجبا أو مندوبا أو مباحا لم يكن للوعيد وجه على ترك غسل ~~الأعقاب، ms0489 لأن له بدلا وهو ما ذكروه من مسح الخفين، فلما أطلق الوعيد على ~~ترك غسل الأعقاب دل على بطلانه. # الحجة الثانية: قوله : (( لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه ~~يغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ويغسل رجليه)). # ووجه تقرير الحجة من هذا الخبر: هو أنه عليه السلام لم يذكر مسح الخفين ~~من جملة مواضع الوضوء كما ذكر غسل الرجلين لما كانا من مواضع الوضوء كالوجه ~~واليدين، فلما لم يذكره دل على بطلانه. # الحجة الثالثة: قوله عليه السلام: (( خللوا أصابعكم لا يخللها الله ~~بالنار)). # ووجه تقرير الحجة من هذا الخبر: هو أنه توعد على ترك تخليل الأصابع، ~~فلوكان المسح على الخفين مشروعا إذن لذكره، فدل ظاهر الأخبار على بطلان ~~المسح على الخفين. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: قد وردت الأحاديث من طريق المغيرة بن شعبة ومن طريق ابن مسعود ومن ~~طريق بلال، على أن الرسول مسح على خفيه في الحضر والسفر، ففي الحضر يوما ~~وليلة وفي السفر ثلاثة أيام بلياليها، وفي هذا دلالة على كونه مشروعا من ~~جهة الرخصة. # قلنا: إنا لا ننكر رواية هذه الأخبار عمن ذكرتموه من الصحابة (رضي الله ~~عنهم) وغيرهم من الرواة، ولكنا نقول: إنها أخبار منسوخة بقوله تعالى: ~~{وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين}. ومهما كانت منسوخة فلا يعرج عليها ~~لبطلانها، والذي يدل على كونها منسوخة وجوه خمسة: PageV01P850 # أما أولا: فلأن المسح على الخفين كان سابقا في مكة، وآية المائدة، نزلت في ~~المدينة، ولا شك أن كل ما كان من الأحكام مدنيا فإنه متأخر عما كان ثابتا ~~في مكة. # وأما ثانيا: فلما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين (كرم الله ~~وجهه) قال: لما كان في ولاية عمر جاء سعد بن أبي وقاص فقال لعمر: يا أمير ~~المؤمنين ما لقيت من عمار؟ فقال له: وما ذاك؟ فقال: خرجت وأنا أريدك ومعي ~~الناس وأمرت مناديا ينادي بالصلاة ثم دعوت بطهور فتطهرت، ثم مسحت على خفي ~~وتقدمت أصلي فاعتزلني عمار، فلا هو صلى ms0490 ولا هو ترك، وجعل ينادي من خلفي: يا ~~سعد، صلاة من غير وضوء، فقال عمر: يا عمار أخرج مما قلت، فقال: نعم، كان ~~المسح قبل المائدة، فقال عمر: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: أقول كان المسح ~~من رسول الله في بيت عائشة والمائدة نزلت في بيتها، فأرسل عمر إلى عائشة، ~~فقالت: كان المسح قبل المائدة. فقل لعمر: والله لأن تقطع قدماي بعقبيهما ~~أحب إلي من أن أمسح عليهما. فقال عمر: لا نأخذ بقول امرأة. # وأما ثالثا: فلما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: أنشد الله امرءا شهد ~~المسح من رسول الله إلا قام، فقام ثمانية عشر رجلا كلهم رأى رسول الله ~~يمسح، وعليه جبة شامية ضيقة اليدين فأخرج يديه من تحتهما ثم مسح على خفيه، ~~فقال عمر: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: سلهم أقبل المائدة أم بعدها؟ فسألهم ~~فقالوا: لا ندري. PageV01P851 # وأما رابعا: فلما روي [عن] أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) [أنه] قال: أنشد ~~الله امرءا مسلما علم أن المسح كان قبل المائدة إلا قام، فقام اثنان وعشرون ~~رجلا فتفرق القوم وهؤلاء يقولون: لا نترك ما رأينا، وهولاء يقولون: لا نترك ~~ما رأينا(1). # وأما خامسا: فلما روي سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه أنه لما قيل ~~له: هل مسح رسول الله على الخفين؟ فقال: اسألوا الذين يزعمون ذلك هل كان ~~قبل المائدة أو بعدها؟ ما مسح رسول الله بعدها، ولأن أمسح على ظهر عير في ~~الفلاة أحب إلي من أن أمسح على الخفين(2). # وأما سادسا: فلما روى الصادق عن أمير المؤمنين أنه قال: سبق الكتاب ~~الخفين(3). # وأما سابعا: فلما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: سبق الكتاب الخفين. # وأما ثامنا: فلما روي عن عائشة أنها قالت: لأن أحزهما بالسكاكين أحب إلي ~~من أن أمسح عليهما(4). PageV01P852 # وأما تاسعا: فلما روي عن أبي هريرة: ما أبالي على ظهر خفي مسحت أو على ظهر ~~حماري(1). # وأما عاشرا: فلما روي عن ابن مسعود أنه لما قال: ms0491 رأيت رسول الله يمسح ~~على الخفين، فقال له أمير المؤمنين: أكان ذلك قبل نزول المائدة أو بعدها؟ ~~فسكت ابن مسعود ولم يعد شيئا ولم يقل: وما الغرض بذلك(2). # فتقرر بما ذكرناه من هذه الأوجه أن المسح كان قبل نزول آية المائدة ~~بشهادة من شهد من هؤلاء الصحابة ولم يرو عن أحد منهم أنه كان بعد نزول ~~المائدة، وفي هذا دلالة على كونها ناسخة له وهو المطلوب. # قالوا: دعواكم النسخ إنما تكون صحيحة إذا كان بين المسح والغسل تناف ~~فلهذا توجه نسخ أحدهما بالآخر، فأما ما يصح الجمع فيه بينهما فلا وجه ~~لتقدير النسخ فيه، ولهذا فإنه يغسلهما عند نزع الخفين ويمسحهما عند سترهما ~~بالخفين فيكون في [ذلك] جمع بين الآية والخبر، وفي ذلك استعمالهما جميعا ~~وفي المسح استعمال لأحدهما دون الآخر، ومهما أمكن الجمع بينهما كان أولى. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأن المعتبر في كون هذا ناسخا لذلك هو قيام الدلالة الشرعية ~~على ذلك سواء كان بينهما تناف، أولم يكن بينهما تناف، ولهذا فإن صوم رمضان ~~ناسخ لصوم عاشوراء وليس بينهما تناف؛ لأنه يمكن الجمع بينهما، وهكذا فإن ~~الصلاة إلى الكعبة ناسخة للصلاة إلى بيت المقدس ومع ذلك فإنه يمكن الجمع ~~بينهما، وكذلك الجلد والرجم يمكن الجمع بينهما في حق المحصن على قولكم ومع ~~ذلك فإن الرجم ناسخ للجلد على قولكم، إلى غير ذلك من المسائل التي يمكن ~~الجمع فيها بين ما هو ناسخ ومنسوخ. PageV01P853 # وأما ثانيا: فلأنا لا نسلم عدم المنافاة بينهما بل نقول: إنهما في الحقيقة ~~متنافيان، وبيانه: أن التضييق إذا كان واردا على أمر مخير فيه بين أمرين ~~فإنه يكون ناسخا للتخيير، وهذا قد ورد التضييق على التخيير [فيه] فيجب أن ~~يكون ناسخا له، ومثاله: أن كفارة اليمين مخير فيها بين العتق والكسوة ~~والإطعام، فلو قدرنا أنه تعالى قال: حتمت عليكم التكفير بالعتق لكان نسخا ~~لما تقرر من التخيير بينها، لأنه لم يمكن للمكلف من قبل الإخلال بالكسوة ~~والإطعام إلا إلى بدل هو: العتق، ms0492 فلما ضيقه بالعتق جاز له الإخلال بهما على ~~جهة الإطلاق، وهذه إزالة حكم شرعي بحكم مثله شرعي فيجب كونه نسخا. # وأما ثالثا: فلأن أمير المؤمنين وغيره من جلة الصحابة وأكابرهم قد صرحوا ~~بكون الآية ناسخة فيجب التعويل على أقوالهم في ذلك من غير مبالاة بالتنافي ~~وعدم التنافي، فبطل ما توهموه. # قالوا: روى جرير بن عبدالله البجلي ) إني رأيت رسول الله ، يمسح على ~~خفيه(2)، وكان جرير هذا إسلامه متأخرا عن نزول المائدة، وفي ذلك صحة ما ~~نريده من كون المسح رخصة عن الغسل. # قلنا: عن هذا أجوبة أربعة: PageV01P854 # أما أولا: فلأن ما ذكره جرير لا يعارض ما رواه أمير المؤمنين وابن عباس ~~وابن مسعود وعائشة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم بل نقول: لا وزن لرواية ~~جرير بالإضافة إلى رواية هؤلاء الجلة من الصحابة رضي الله عنهم، بل نقول: ~~روايتهم أرجح والعمل عليها أقوى، والتعارض إنما يكون حيث يكون التساوي فأما ~~ما لا تساوي فيه فلا تعارض في حقه. # وأما ثانيا: فلأن الذي رواه جرير حكاية فعل يمكن حمله على أوجه كثيرة فلا ~~يمكن الاحتجاج بظاهره لما فيه من الاحتمالات الكثيرة، فلعله مسح على الخفين ~~لعلة عارضة مانعة من غسل الرجلين، فليس في ظاهر الحديث أنه مسح على الخفين ~~وهو محدث ثم صلى، وهذا لا حجة فيه إلا إذا كان على هذه الصفة. # وأما ثالثا: فلعله رآه يمسح على خفيه قبل نزول آية المائدة فروى ذلك وكان ~~إسلامه بعد نزولها فإسلامه بعد نزولها لا يدل على تأخرها بعد المسح. # وأما رابعا: فجرير هذا ضعيف العدالة مطعون فيه، ويروى أنه كان في أيام ~~أمير المؤمنين وكان قد لحق بمعاوية ووالاه بعد ظهور عداوته وحربه لأمير ~~المؤمنين، ومن هذه حاله فأدنى درجاته سقوط عدالته وعدم قبول روايته؛ لأن من ~~شرط صحة الرواية الوثوق بالعدالة والتحرز من الأمور المكروهة في الدين، ~~فإذا لم يكن فاسقا بموالاة من ثبت فسقه وتمرده عن الدين وخروجه على أئمة ~~الحق فلا أقل من إسقاط روايته واطراحها. PageV01P855 # قالوا: روي ms0493 عن الحسن البصري أنه قال: حدثني سبعون رجلا من أصحاب رسول الله ~~أنه مسح على الخفين وفي هذا دلالة على قوته ووضوحه(1). # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأن رواية هؤلاء السبعين ربما كانت قبل نزول آية المائدة كما ~~رويناه من حديث أمير المؤمنين وحديث عمر فلا وجه لتكريره؛ لأن كثرة الرواة ~~لا تبطل ما ذكرناه من الاحتمال. # وأما ثانيا: فإنه وإن رواه سبعون رجلا من الصحابة فقد روى مثل هذه العدة ~~وأكثر أن المسح كان قبل نزول المائدة كما أشرنا إليه. # وأما ثالثا: فلأنا نقول: ما تريدون بذكر هذه العدة؟ هل تريدون أن المسألة ~~إجماعية؟ فهذا فاسد، فإن المسألة اجتهادية فلا وجه لذكر الإجماع فيما كان ~~معدودا في المسائل الاجتهادية، وإن أردتم الاستظهار بهذه العدة والتقوية ~~بها فقد ذكرنا أن مثلها بل أكثر في جانبنا، فإذا لا وجه لذكر هذه العدة. # قالوا: الحاجة تدعو إلى لبس الخفين، وتلحق المشقة في نزعهما فجاز المسح ~~عليهما كالجبائر. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أن مشقة نزع الخف بمنزلة حل الجبائر؛ لأن أحدهما ~~مخالف للأخر فلا مقايسة بينهما لظهور التفرقة؛ لأن الجبائر مشدودة على جرح ~~فمن أجل ذلك صعب حلها بخلاف الخف فإنه لا حرج هناك فيهما فافترقا. PageV01P856 # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه معارض بقياس مثله، وهو أنا نقول: عضو من أعضاء ~~الطهارة فلا يجوز المسح فيه على حائل منفصل كالبرقع والقفازين، أو نقول: ~~إحدى الطهارتين فلا يجوز المسح فيها على الخفين كالغسل من الجنابة، أو ~~يقال: مسح على الخفين فلا يكون جائزا كما لو أدخلهما من غير طهارة، أو ~~يقال: مسح على الخفين فلا يكون مجزيا عن غسل الرجلين كما لو مسح عليهما في ~~اليوم الرابع، إلى غير ذلك من القياسات المعارضة لما ذكروه، فبطل ما ~~توهموه، وقد نقل كثير من أصحاب الشافعي، كابن الصباغ صاحب (الشامل)، ~~والعمراني صاحب (البيان)، عن أمير المؤمنين: المسح على الخفين. ونقل ~~أصحابنا إنكار ذلك عنه عملا وفتوى، والحكايتان يمكن حملهما على الصحة؛ ms0494 لأن ~~ما نقلوه يمكن حمله على أنه كان قبل نزول آية المائدة، وما نقله أصحابنا ~~يمكن أن يكون بعد نزول المائدة، فلهذا كان القولان متفقين كما أشرنا إليه. # مسألة: وهل يجب الترتيب في أعضاء الوضوء أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الترتيب في أعضاء الوضوء واجب، فيغسل وجهه ثم يديه، ثم ~~يمسح رأسه، ثم يغسل رجليه، وهذا هو رأي أئمة العترة. قال المؤيد بالله: ولا ~~أحفظ عن أحد منهم خلافا فيه، وبه قال الشافعي، ومحكي عن أحمد بن حنبل، ~~وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وقتادة ). PageV01P857 # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم}[المائدة:6].. إلى آخر الآية، وتقدير الدلالة من هذه الآية يكون على ~~أوجه خمسة: # أولها: قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} والفاء للتعقيب، فعطف الغسل على ~~القيام معقبا، فمن قال إنه يبدأ بغسل اليد أو الرجل عقيب قيامه للصلاة فقد ~~خالف ما دل عليه ظاهر القرآن من غير دلالة تدل على تأويله. # وثانيها: أن الله تعالى بدأ بغسل الوجه ثم باليدين بعده، والرأس أقرب إلى ~~الوجه فلو كانت البداية به جائزة لذكره [تعالى] بعد الوجه لأنه أقرب إليه، ~~فلما جعل بعده غسل اليدين دل ذلك على أن الترتيب مستحق من جهة التعبد. # وثالثها: أن الله تعالى أدخل ممسوحا بين مغسولين، فأدخل مسح الرأس بين ~~غسل اليدين وغسل الرجلين، وقطع النظير عن النظير، وكان الترتيب اللائق ~~بالإعجاز عطف الشيء على ما يماثله(1)، فلا يقال: رأيت زيدا وضربت بكرا ~~ورأيت عمرا، فلما وسط بين المتماثلين ما يخالفهما دل ذلك على أنه لغرض ~~وفائدة، وليس ذلك إلا لأنه مقصود متعبد. # ورابعها: قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين}. # فقوله: {وأرجلكم}: يشتبه الأمر فيه لاحتماله أن يكون مغسولا عطفا على ~~المغسول بقراءة النصب، ويحتمل أن يكون ممسوحا عطفا على الممسوح بقراءة ~~الجر، ولو عدل عن هذا الترتيب فقال:فاغسلو وجوهكم وأيديكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين وامسحوا برؤوسكم. لكان الاحتمال زائلا، فلما عدل إلى هذا النظام في ~~الآية المورث للاحتمال دل ذلك على أنه ms0495 إنما عدل إليه لغرض وفائدة، وليس ذلك ~~إلا مراعاة للترتيب الواجب في الوضوء. PageV01P858 # وخامسها: أن الواو موضوعة للترتيب مستعملة في اللغة والشرع والاستعمال ~~والحكم، أما من جهة اللغة، فقد روي عن يحيى بن زياد الفراء )، وأحمد بن ~~يحيى ثعلب )، وأبي عبيد القاسم بن سلام ) PageV01P859 : أنها موضوعة للترتيب لغة، ورووا ذلك عن العرب، وليس عمدتنا في مثل هذه ~~الأمور إلا نقلهم عن أهل اللغة(1) PageV01P860 ، وأما من جهة الشرع، فلما روي عن ابن عباس أن رجلا سأله فقال: يابن عباس ~~هل أبدأ بالصفا أو بالمروة؟ فقال: ابدأ بما بدأه الله تعالى وخذ ذلك من ~~القرآن فإنه أجدر أن يحفظ قال الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر ~~الله}.[البقرة:158] فالصفا قبل المروة، ولما روى جابر أن الرسول لما دنا ~~من الصفا قرأ:{إن الصفا والمروة من شعائر الله }، وقال: (( أبدأ بما بدأ ~~الله به )). فبدأ بالصفا. # ووجه الاحتجاج بما ذكرناه من هذه الأخبار: هو أنه عليه السلام جعل المقدم ~~في اللفظ هو المقدم في الحكم، والمؤخر في اللفظ هو المؤخر في الحكم مع ~~الواو، وفي هذا دلالة على كونها مرتبة؛ لأنها لوكانت غير مرتبة لكان لا ~~معنى لقوله: (( أبدأ بما بدأ الله به)) لأنهما أعني: الصفا والمروة في ~~الحكم على سواء إذا كانت غير مرتبة، وأما من جهة الاستعمال فإنه يقال: دخلت ~~البصرة والكوفة، فإنه دال على أنه دخل إحداهما قبل الأخرى لأنه يستحيل أن ~~يدخلهما جميعا [في وقت واحد]، وأما من جهة الحكم فلأنه إذا قال لامرأته: ~~أنت طالق وطالق، فلو كانت الواو للجمع من غير ترتيب لوجب تطليقتان، كما إذا ~~قال: أنت طالق تطليقة معها أخرى، فإنه يقع على أصلهم ثنتان، وفي مسألتنا قد ~~أجمعنا على أنه يقع واحدة، فدل ذلك على أنها للترتيب لا للجمع، وقد احتج ~~القاضي زيد من أصحابنا على أن الواو مرتبة، بما روي عن الرسول أنه سمع ~~رجلا يخطب فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوي، فقال له ~~الرسول : (( بئس الخطيب أنت ، هلا ms0496 قلت: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى)) ~~فقال: لوكانت الواو للجمع لا للترتيب ما نهاه ولا أنكر عليه؛ لأنه قد جمع ~~بينهما، فلما نهى عن ذلك دل على أنها للترتيب، وهذه غفلة وإهمال للنظر ~~لأمرين: PageV01P861 # أما أولا: فلأن الواو غير مذكورة في الكلام فلا وجه لإيراده حجة فيها، ~~فالاحتجاج بما هو خال عن صورة المسألة وحقيقتها يكون غفلة وذهولا عن المراد ~~لا محالة. # وأما ثانيا: فلأن الإنكار إنما وقع من جهة جمعهما في ضمير واحد، وهو ~~قوله: ومن يعصهما فقد غوى، فقد ساوى بينهما في صورة الضمير، والله تعالى ~~أجل وأعلى عن المساواة لخلقه من جهة اللفظ ومن جهة الحقيقة، فحصل من هذا أن ~~الإنكار إنما وقع من أجل المساواة في الضمير وليس من الواو في إيراد ولا ~~إصدار ولا لها علقة في الكلام، فضعف ما قاله القاضي زيد (رحمه الله تعالى). ~~والعجب من غفلته عن هذا على جليته وظهو ره فهذا تقرير مقالة الترتيب. # المذهب الثاني: أنها غير مرتبة، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، ~~وهو قول مالك، والثوري، والأوزاعي، وابن مسعود من الصحابة، ومن التابعين: ~~الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والزهري، والنخعي، ومكحول، وحكي عن ~~داود من أهل الظاهر، والمزني من أصحاب الشافعي. # والحجة لهم على ذلك: ما روى ابن عباس أن الرسول توضأ ثم غسل وجهه ويديه، ~~ثم رجليه، ثم مسح رأسه ووجهه. # والحجة من هذا الخبر: هو أنه مسح رأسه بعد غسل رجليه، فلو كان الوضوء ~~مرتبا على ما هو في ظاهر الآية إذا لم يكن مجزيا؛ لأنه قد خالف ما في ظاهر ~~الآية، وفي هذا دلالة على [أن] الترتيب غير مراعى وهو المقصود. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة. # والحجة على ذلك: ما قلناه عنهم ونزيد هاهنا حجتين: PageV01P862 # الحجة الأولى: خبرية، وهو ما روي أنه لما فرغ من الوضوء مرة مرة قال: (( ~~هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة من دونه)). وفي رواية أخرى: (( لا يقبل الله ~~الصلاة إلا ms0497 به )). فليس يخلو الحال في ذلك إما بقوله في وضوء مرتب أو غير ~~مرتب، فإن قال ذلك في وضوء غير مرتب فهو باطل؛ لأنه لوكان كذلك لوجب أن ~~تكون الصلاة بوضوء مرتب غير مقبولة وهو خلاف الإجماع، فإذا بطل ذلك لم يبق ~~إلا أن يكون مراده بوضوء مرتب فيجب القضاء بوجوبه وهو المقصود. # الحجة الثانية: قياسية، وحاصلها أن الوضوء عبادة تشتمل على أفعال متغايرة ~~مرتبط بعضها ببعض، فيجب فيها الترتيب كالصلاة والحج، ولنفسر مقصودنا بهذه ~~القيود. # فقولنا: عبادة. نحترز به عن غسل النجاسة فإنه ليس عبادة. # وقولنا: تشتمل على أفعال، نحترز به عن الخطبة فإنها مشتملة على أقوال ~~متغايرة فلا يجب ترتيبها. # وقولنا: متغايرة يعني فرضا، ونفلا، ومسحا، وغسلا، نحترز به عن غسل ~~الجنابة والنجاسة والعضو الواحد من أعضاء الوضوء فإنها مشتملة على أفعال، ~~ولكنها غير متغايرة؛ لأنها مشتملة على فعل واجب وهو الغسل لا غير. # وقولنا: مرتبط بعضها ببعض، نحترز به، عن: فعل الصلاة والزكاة فإنهما ~~مشتملان على أفعال متغايرة لكن بعضها غير مرتبط بالبعض فلهذا لم يجب بينها ترتيب. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول توضأ فغسل وجهه ويديه، ثم ~~رجليه ثم مسح رأسه(1) وفي هذا بطلان الترتيب كما قلناه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا قد قررنا وجوب الترتيب بالأمور الشرعية قولا وفعلا فلا ~~يعارض بفعل لا ندري كيف كان وقوعه لما فيه من الاحتمالات. PageV01P863 # وأما ثانيا: فلأنه يمكن أن يحمل فعله هذا على أنه وقع في طهارة مجددة ولم ~~يكن في طهارة عن حدث، فلا تكون فيه حجة على ما زعموه. # قالوا: روت الربيع بنت معوذ بن عفراء عن الرسول أنه مسح رأسه بفضل ~~وضوئه، وفي هذا دلالة على عدم الترتيب؛ لأنه مسحه بعد فراغه من الوضوء. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الحديث الواقع في سنن أبي داود عن الربيع هو أنه مسح ~~رأسه بفضل ما في يده(1) فما ذكروه على ناقله تصحيحه، ms0498 وهي إنما روت أحاديث ~~في مسح قد ذكرناها من قبل فأغنى عن تكريرها. # وأما ثانيا: فلأن الغرض بما ذكره أنه إنما مسحه على جهة التبرك بأثر ~~العبادة، وهو الوضوء، لأن الغرض هو تأدية الفرض كما وردت السنة بترك ~~التنشيف عن أثر الوضوء لما كان أثر العبادة. # قالوا: ما سقط فرضه دفعة واحدة لم يجب فيه الترتيب، كالغسل واليمين ~~والشمال. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن الوضوء يسقط فرضه دفعة واحدة، بل يجب فيه ~~الترتيب مرة بعد أخرى. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الغسل أنه كالعضو الواحد، ولهذا فإنه يسقط ~~فرضه بماء واحد ويخالف ما ذكرناه في أعضاء الوضوء فإنها متغايرة ولهذا فإنه ~~لا يستعمل ماء عضو في عضو آخر فافترقا. # وأما ثالثا: فلأنا لا نسلم ما ذكروه في اليمين واليسار بل يجب الترتيب ~~بينهما كما سنوضح القول فيهما بمعونة الله تعالى، ثم لو سلمنا أنه لا ترتيب ~~بينهما كما زعموه وكما هو رأيهم فيهما، فلأنهما صارا كالعضو الواحد، ولهذا ~~جمع بينهما المسلمون وعدوهما عضوا واحدا حيث قالوا: أعضاء الطهارة أربعة: ~~اليدان، والرجلان، والوجه، والرأس. # ومن وجه آخر: وهو أن الماسح على الخف على مذهبكم إذا ظهرت عن الستر بالخف ~~إحداهما بطل المسح فيهما لما كانا كالعضو الواحد فلا جرم لم يجب الترتيب ~~بينهما بخلاف أعضاء الوضوء فإنها أعضاء متغايرة مرتبط بعضها ببعض فلهذا وجب ~~الترتيب بينها كالصلاة. PageV01P864 # قالوا: ما جاز أن ينفرد بعضه عن بعض لم يجب فيه الترتيب كإزالة النجاسة، ~~وتفرقة الزكاة، والقطع في المحاربة، لا يجب فيها الترتيب لما كان بعضها ~~منفصلا عن بعض. # قلنا: عما ذكروه جوابان: # أما أولا: فلأن الظهر والعصر ينفرد أحدهما عن الآخر، ثم إن الترتيب ~~بينهما واجب عند الاجتماع، فهكذا حال أعضاء الوضوء ينفرد بعضها عن بعض، ~~فإذا كانت مجتمعة وجب الترتيب بينها وهو المطلوب. # وأما ثانيا: فلأن إزالة النجاسة إنما بطل الترتيب بينها لما كان كل جزء ~~منها عبادة على الانفراد، فلهذا لم يشترط فيها الترتيب وهكذا ms0499 حال تفرقة ~~الزكاة والقطع في المحاربة فهما كالصلوات في تعددها وكونها متغايرة، وأعضاء ~~الوضوء عبادة واحدة يرتبط بعضها ببعض فصارت كالصلاة الواحدة في الاتصال ~~والترتيب بينها فافترقا. # ومن وجه ثالث: وهو أن القصد في إزالة النجاسة إنما هو تركها واجتنابها ~~والقصد بالزكاة إيصالها إلى الفقراء، والقصد في قطع المحارب وصلبه وقطع يده ~~إنما هو العقوبة، وذلك يحصل من غير ترتيب، بخلاف الوضوء فإن المقصود به ~~التعبد فلهذا اعتبر فيه جهة التعبد وهو الترتيب كالصلاة والحج. # دقيقة: اعلم أنا قد ذكرنا أن المختار هو الترتيب في أعضاء الوضوء ونصرناه ~~بالأدلة الشرعية التي أسلفناها وأجبنا عن شكوك المخالفين لنا في هذه ~~المسألة، فأما الدلالة على الترتيب من جهة أن الواو دالة على الترتيب ~~وموضوعة له كما ذكره بعض أصحابنا فهو ضعيف لأوجه خمسة: # أما أولا: فلأنها لو كانت للترتيب لما جاز ورودها في المساواة كقوله ~~تعالى: {سواء محياهم ومماتهم }[الجاثية:21]. وكقولك: تضارب زيد وعمر. فإن ~~ما هذه حاله لا يجوز ورود الفاء فيه لما كانت مرتبة؛ لأنه يزول حكم ~~الاستواء. PageV01P865 # وأما ثانيا: فلأنها قد وردت عاطفة للمتقدم على ما كان متأخرا كقوله تعالى: ~~{نموت ونحيى }[المؤمنون:37]. وكقوله تعالى:{وعيسى وأيوب }[النساء:163]. فلو ~~كانت موضوعة للترتيب كما زعموا لما جاز ذلك كما لا يجوز في الفاء. # وأما ثالثا: فقوله تعالى:{وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة }[البقرة:58]. ~~والقصة واحدة فلو كانت مرتبة لكان المعنى مختلا. # وأما رابعا: فلأن أكثر النحاة وأهل اللغة كالخليل، وسيبويه، والمبرد، ~~والمازني )، من نحاة البصرة وأكثر نحاة الكوفة كالكسائي وغيره، على أنها ~~غير مرتبة وهكذا المتكلمون وأكثر الفقهاء، ولم يخالف في ذلك إلا ما يحكى عن ~~الفراء يحيى بن زياد، وثعلب، وأبي عبيد، ومن الفقهاء: الشافعي، فإنهم زعموا ~~أنها مرتبة. # وأما خامسا: فقول الشاعر: # حتى إذا رجب تولى فانقضى ... وجماديان وجاء شهر مقبل # فعطف جمادى على رجب وهما قبله، وفي هذا دلالة على أنها غير مرتبة، فحصل ~~من مجموع ما ذكرناه أن دلالة الترتيب في الوضوء ليست مأخوذة من الواو، ~~وإنما هي ms0500 مأخوذة من أدلة خارجة كما قررناه من قبل، فأما وضع الواو فليس ~~دالا على الترتيب بحال، وترتيبها إنما يكون على جهة المجاز دون الحقيقة، ~~والله أعلم بالصواب. # مسألة: وهل يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى من اليد والرجل أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أن الترتيب بينهما واجب، فتقدم اليمنى على اليسرى في اليد ~~والرجل وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الإمامية. PageV01P866 # والحجة على ذلك: ما قدمناه من وجوب الترتيب بين الأعضاء في الوضوء، فإن ما ~~دل على وجوب ذلك فهو بعينه دال على وجوب الترتيب بين اليمنى واليسرى من ~~اليد والرجل، وهو قوله عليه السلام بعد توضيه مرة مرة: (( هذا وضوء لا يقبل ~~الله الصلاة من دونه )). # الحجة الثانية: ما رواه أبو هريرة عن الرسول ، وهو قوله: (( إذا توضأتم ~~فابدأوا بميامنكم ))(1). إلى غير ذلك من الأدلة على وجوب الترتيب بينهما. # المذهب الثاني: أن ذلك غير واجب وإنما هو مستحب، وهذا هو: رأي الشافعي، ~~فأما أبو حنيفة فإنه مخالف في الأمرين جميعا كما مر تقريره. # والحجة له على ذلك: قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم}. ولم يفصل بين ~~اليمنى واليسرى، وقوله تعالى: {وأرجلكم} ولم يفصل بينهما، وفي هذا دلالة ~~على أنه لا ترتيب بينهما بظاهر الآية. # والمختار: ما قاله أئمة العترة من وجوب الترتيب بينهما، ويدل على ذلك ما ~~حكيناه عنهم، ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: قوله عليه السلام: (( إذا لبستم أو توضأتم فابدأوا ~~بميامنكم))(2). فهذا أمر، والأمر بظاهره دال على الوجوب فلا يحمل على الندب ~~إلا لدلالة. # الحجة الثانية: قياسية، وهي أنهما عضوان منفصلان يؤخذ لكل واحد منهما ماء ~~جديد فوجب الترتيب بينهما كالوجه واليدين. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: ظاهر الآية دال على بطلان الترتيب بينهما كما قررناه. PageV01P867 # قلنا: الآية مجملة في كيفية الغسل باليد والرجل وبيانها موكول إلى فعل ~~الرسول ، وقد بينه بما فعله من الترتيب بينهما، ثم قال بعد ذلك: (( هذا ~~وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به )) والمعلوم أنه لم يتوض إلا مرتبا ms0501 لليمنى ~~على اليسرى من اليد والرجل فدل ذلك على وجوبه. # قالوا: روت عائشة (رضي الله عنها) أن النبي كان يحب التيامن في كل شيء ~~حتى في وضوئه وانتعاله، وما كان مستحبا فليس واجبا، فدل على أن البداية ~~باليمين في اليد والرجل إنما كان على جهة الندب. # قلنا: ليس في هذا إلا أنه بدأ بيمينه من يده ورجله، والبداية بهما لا تدل ~~على عدم وجوب الترتيب بينهما كما زعموا. # ومن وجه آخر: وهو أن المحبة قد ترد على جهة الوجوب كما قال تعالى: {إن ~~الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}[البقرة:222]. فالمحبة لا تدل على عدم ~~الوجوب؛ لأن قبول التوبة واجب، والتطهر واجب، فالمحبة لا تدل على عدم ~~ذلك(1). # قالوا: روي عن أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) أنه قال: ما أبالي بيميني ~~بدأت أو بشمالي إذا أكملت الوضوء(2)، وفي هذا دلالة على كونه غير واجب. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكروه محمول على أنه عليه السلام أراد غسل الكفين عند ~~إدخالهما الإناء؛ لأن الشرع لم يدل على ترتيب بينهما. PageV01P868 # وأما ثانيا: فلأنه عليه السلام أراد أن ذلك جائز من جهة العقل خلا أن الشرع ~~دل على وجوبه. # واعلم أن كثيرا من نظار فقهاء أصحاب الشافعي نقلوا عن أمير المؤمنين (كرم ~~الله وجهه)، القول: بأن الترتيب في أعضاء الوضوء غير واجب، ولم أعثر على ~~هذه الحكاية في شيء من كتب أصحابنا ولا حكوها عنه، بل المنقول خلافها وهو ~~وجوب الترتيب، ولا شك أن أولاد الرجل أعرف بمذهب أبيهم من غيرهم من ~~الأجانب، فلهذا كان ما نقله أصحابنا هو الأعرف والأشهر من مذهبه، ويمكن أن ~~يكونوا قد عثروا على ذلك بل يكون له في المسألة قولان، فالمسألة لا محالة ~~اجتهادية، وقد حكى هذه المقالة منهم ابن الصباغ صاحب (الشامل) والعمراني ~~صاحب (البيان)، ويجب حملها على ما ذكرناه. # فأما غسل الفرجين هل يعدان من أعضاء الوضوء أم لا؟ فقد قررناه في باب ~~الاستنجاء، وذكرنا المختار، والانتصار له، وقد نص على وجوبه الهادي وصرح ms0502 ~~بكونهما أعني الفرجين عضوين(1) من أعضاء الوضوء وأظهرنا الحق فيه فأغنى عن ~~الإعادة. # مسألة: وهل تعد الملة من فرائض الوضوء أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها غير معدودة من فروضه، وهذا هو قول الأكثر من أئمة ~~العترة، وهو قول الفقهاء الحنفية، والشافعية، والمالكية. # والحجة على ذلك: الآية والخبر، فأما الآية فقوله تعالى: {إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم}. ولم يذكر الملة، وأما الخبر، فقوله لمن علمه ~~الوضوء: (( توض كما أمرك الله فاغسل وجهك ويديك) ) ولم يذكر فيه الملة. # المذهب الثاني: أنها مشترطة في فروضه، وهذا شيء يحكى عن السيد أبي ~~العباس، حكاه عنه السيد أبو طالب حيث قال: ومن أصحابنا من عد من فرائضه الملة. PageV01P869 # والحجة له على ما ذكره: هو أن ما دل على وجوب التأسي فهو بعينه دال على ما ~~ذكرناه من اشتراطه الملة؛ لأنا لا نريد بالملة إلا ملة الرسول ، وهو قوله ~~تعالى: {واتبعوه}[الأحزاب:21]. وقوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة}[الأعراف:158]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجوب الاتباع ~~والتأسي به. # والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة ومن تابعهم من علماء الأمة ~~[من عدم اشتراط الملة في الوضوء]. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم؛ ونزيد هاهنا: وهو أن المعتمد في تقرير ~~الفروض في الوضوء إنما هو تقرير الشرع ودلالته من جهة الكتاب، أو من جهة ~~السنة، أو غير ذلك من الأدلة الشرعية، وهاهنا لم يدل دليل على الملة في شيء ~~من ذلك، فلهذا قضينا بكونها غير واجبة ولا مشترطة في الوضوء، فلو جوزنا ~~إثباتها من غير دلالة لأدى ذلك إلى اثبات أمور كثيرة وهذا لا قائل به. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: (( كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد ))(1). ~~يعني أن كل فعل من الأفعال ليس على ملته وشريعته فهو مردود على فاعله. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المراد بالخبر أن كل فعل من الأفعال ليس على شريعته وما ~~جاء ms0503 به من أمر التوحيد والاعتراف بالألهية، فمن ليس على هذه الصفة فعمله رد ~~عليه، لا يزن عند الله قلامة ظفر. # وأما ثانيا: فلأن المراد بالملة الدين والإسلام، وما هذا حاله فهو شرط في ~~جميع العبادات كلها؛ إذ لا يختص بالوضوء وحده وإنما هو عام في جميع ما ~~يفتقر إلى النية من الأفعال، ولهذا فإن ما هذا حاله فلا تكون تأديته من جهة ~~الكفار، فبطل ما توهموه من ذلك. والله أعلم. PageV01P870 # واعلم أن كلام السيد أبي العباس في اشتراط الملة يحتمل وجوها ثلاثة: # أولها: أن يكون مراده التأسي بالرسول واتباعه. # وثانيها: الدين والإسلام. # وثالثها: التوحيد والنبوة على الخصوص، وهذه الأمور وإن كانت واجبة فلا ~~وجه لعدها من فروض الوضوء؛ لأنها غير مختصة بها، فحصل من مجموع ما ذكرناه ~~أن فرائض الوضوء ضربان مجمع عليه ومختلف فيه: # فالضرب الأول منها: مجمع عليه بين علماء العترة وفقهاء الأمة لا يقع فيه ~~خلاف، وهو ما تضمنته الآية، وهو الأعضاء الأربعة: الوجه واليدان، والرجلان، ~~ومسح الرأس، وقد قررنا ذكر كل واحد من هذه الأعضاء، وما فيه من المسائل ~~الفقهية، وميزنا مواضع الإجماع عن مواضع الخلاف فيه. # الضرب الثاني: ما هو مختلف فيه بين أئمة العترة وفقهاء الأمة، وهذا نحو ~~غسل الفرجين، والنية، والترتيب، والملة والموالاة في أعضاء الوضوء، وقد ~~ذكرنا كل واحد منها، وأوضحنا الخلاف فيه، وقررنا المختار من ذلك، والانتصار له. # وقد تم الكلام على الفصل الأول وهو بيان المفروض في الوضوء وبالله ~~التوفيق. PageV01P871 # --- ### ||| AUTO الفصل الثاني في بيان السنن المشروعة في الوضوء # والسنة في اللغة: هي الطريقة والسيرة. قال أبو ذؤيب الهذل ي (1): # فلا تعجبن من سيرة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها # وفي مصطلح الفقهاء: عبارة عما ليس واجبا من الأفعال ويجوز تركه، واشتقاقه ~~مما يكون متكررا لأن المسنون ما واظب الرسول على فعله وتكرر منه وجوده، وهو ~~مخالف للمستحب من الأفعال فإنه لا يشترط فيه التكرر، ومنه قيل: سنن الطريق ~~لما كان السير يتكرر فيه، وقيل للحجر: مسن لما تكرر ms0504 فيها شحذ الشفرة، وجملة ~~ما نذكره من ذلك ثلاث وعشرون [سنة]: PageV01P872 # --- ### ||| AUTO السنة الأولى: السواك # لما روي في تفسير قوله تعالى:{وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ~~}[البقرة:124]. وتلك الكلمات عشر، خمس في الرأس، وخمس في الجسد، فالتي في ~~الرأس: السواك، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، وفرق الشعر، والتي في ~~الجسد: الختان، وحلق العانة، والاستنجاء، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: هل يكون السواك واجبا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه غير واجب وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه، والشافعي. # والحجة على ذلك: قوله : (( لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك))(1). ~~فلو كان واجبا لأمرهم به، شق عليهم أو لم يشق، كسائر الواجبات المكلف ~~بها(2). # المذهب الثاني: أنه واجب وهذا عن داود، وطبقته من أهل الظاهر. PageV01P873 # والحجة على ذلك: ما روى العباس عن النبي أنه قال: (( استاكوا))(1). والأمر ~~ظاهره الوجوب وقوله : (( استاكوا عرضا ))(2). إلى غير ذلك من الأحاديث التي ~~يذكر فيها الأمر. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة. # والحجة: ما حكيناه عنهم؛ ونزيد هاهنا أمورا تدل على كونه سنة. # الحجة الأولى: قوله (( ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خشيت أن يحفى ~~دردري))(3). والدردر من قعر الأسنان والإحفاء إزالة لحمها. # الحجة الثانية: ما روي عن النبي أنه قال: (( السواك مطهرة للفم))(4). # الحجة الثالثة: ما روي عن النبي أنه قال: (( السواك يزيد في الفصاحة ))(5). PageV01P874 # الحجة الرابعة: ما روي عن أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) أنه قال: (السواك ~~يجلب الرزق). وهذا من الأمور التوقيفية التي علمها من جهة الرسول . # الحجة الخامسة: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: في السواك عشر ~~خصال: مطهرة للفم، مرضاة للرب، مفرحة للملائكة، مسخطة للشيطان، مذهب للحفر: ~~(والحفر بالحاء المهملة والفاء والراء بسكون العين وهي اللغة الكثيرة(1) ~~وبفتحها لغة بني أسد، وهو فساد في أصول الأسنان)(2)، ويجلو البصر، ويشد ~~اللثة، ويقطع البلغم، ويطيب الفم، ويزيد في الحسنات، وهو من السنة. فهذه ~~الأمور كلها دالة على أنه ms0505 مستحب غير واجب. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. # قالوا: قد أمر به والأمر ظاهره الوجوب. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن ظاهر الأمر الوجوب فما برهانكم على ذلك؟ ~~وإنما هو نص في الطلب متردد بين الوجوب والندب فلا يحمل على أحدهما إلا ~~لدلالة ولا دلالة هاهنا على وجوبه فبطل ما عولوا عليه. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا كون ظاهر الأمر للوجوب، لكنا نخصه بهذه ~~الأحاديث التي ذكرناها، وأنها دالة على كونه مستحبا. # الفرع الثاني: إذا تقرر كونه سنة فهل يختص بالوضوء، أو يكون فيه وفي غيره ~~سنة؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه إنما يسن عند الوضوء، وهذا هو الظاهر من مذاهب أئمة العترة، ~~وهو أحد قولي الشافعي. PageV01P875 # والحجة على ذلك: ما روى زيد بن علي، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (كرم الله ~~وجهه) أنه قال: قال رسول الله : (( من أطاق السواك مع الطهور فلا ~~يدعه))(1). # وثانيهما: أنه لا يختص الوضوء بل يكون مسنونا عند كل صلاة، وهذا شيء يحكى ~~عن الشافعي في أحد قوليه. # والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه قال: (( أفواهكم طرق القرآن، ~~فطهروها بالسواك))(2). وهذا عام سواء كان متوضئا أو غير متوض. PageV01P876 # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من كونه مختصا بالوضوء، ويدل على ذلك ~~ما روي عن النبي أنه قال: (( يا علي عليك بتلاوة القرآن على كل حال وعليك ~~بالسواك لكل صلاة))(1). فخص الصلاة، والصلاة إنما تكون بالوضوء، فلهذا كان ~~مخصوصا بالوضوء، ومما يقوي الوجه الأول قوله : (( السواك مطهرة للفم مرضاة ~~للرب)). ولم يفصل بين الوضوء وغيره، وقوله عليه السلام لأمير المؤمنين: (( ~~يا علي في السواك اثنتا عشرة خصلة: هو من السنة، وهو مطهرة للفم، ويرضي ~~الرحمن، ويبيض الأسنان، ويذهب بالحفر، ويشد اللثة، ويشهي الطعام، ويذهب ~~بالبلغم، ويزيد في الحفظ، ويضاعف الحسنات، وتفرح به الملائكة، ويقرب ~~الملائكة)). ولم يفصل في ذلك بين أن يكون مع الوضوء أو من غير وضوء، وروي ~~عن أصحاب رسول الله ، أن السواك كان على أذن ms0506 أحدهم بمنزلة القلم من أذن ~~الكاتب، وقوله : (( صلاة بسواك خير من سبعين صلاة من غير سواك))(2). ~~والمعنى في هذا أن صلاة بسواك ثوابها أكثر من ثواب سبعين صلاة بغير سواك، ~~ولم يفصل هناك بين أن يكون عند الوضوء أو بعده. # الفرع الثالث: أن السواك يستحب عند خمسة أحوال: PageV01P877 # أولها: عند القيام إلى الصلاة، لما روى حنظلة بن أبي عامر ) أن الرسول أمر ~~بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل ~~صلاة، فكان ابن عمر يرى أن له قوة فكان لا يدع الوضوء لكل صلاة. قال أبو ~~سلمة ): رأيت زيدا يجلس في المسجد، وإن السواك لعلى أذنه موضع القلم من أذن ~~الكاتب فكلما قام إلى الصلاة استاك. # وثانيهما: عند اصفرار الأسنان، لما روي عن النبي أنه قال: (( استاكوا لا ~~تدخلوا علي قلحا )). والقلح: بالقاف والحاء المهملة هو اصفرار الأسنان ~~وعينه مفتوحة. # وثالثها: عند تغير الفم، وتغيره يكون بأكل الثوم والبصل والكراث وقد ~~يتغير بالأزم، والأزم: بالزاي قد يكون بطول إطباق الفم وقد يكون بالجوع، ~~ولهذا يقال: نعم الدواء الأزم، يريد الجوع. PageV01P878 # ورابعها: عند القيام للوضوء، وهذا هو الأكثر في العرف، لما روت عائشة (رضي ~~الله عنها) أن النبي كان إذا قام من النوم يشوص فمه بالسواك(1). # وخامسها: عند قراءة القرآن، لما روي عن النبي أنه قال: (( طهروا أفواهكم ~~بالسواك فإنها طرق القرآن))(2). PageV01P879 # الفرع الرابع: ويستوي الرجال والنساء في استحباب السواك؛ لأن الأدلة ~~الشرعية لم تفصل في ذلك بين الرجال والنساء، ويستحب أن يؤمر الصبيان ~~بالسواك تعويدا وتمرينا كما يؤمرون بالصلاة والوضوء، ويجوز للرجل أن يستاك ~~بسواك غيره، ويستحب له غسل السواك لما روت عائشة (رضي الله عنها) قالت كان ~~رسول الله يستاك فيعطيني السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك ثم أغسله وأدفعه ~~إليه (1)، فصار خبرها دليلا على ما ذكرناه من الأمرين جميعا، ويستحب للرجل ~~إذا دخل منزله للوضوء أن يكون أول ما يفعل أن يستاك، لما روى المقدام بن ~~شريح ) قال: قلت لعائشة: بأي شيء ms0507 كان يبدأ رسول الله إذا دخل بيته؟ قالت: ~~بالسواك (3)، ويجوز للرجل أن يستاك وهو يقرأ لما روى ابن عباس رضي الله عنه ~~قال: بيت عند رسول الله ليلة، فلما استيقظ من منامه أتى طهوره فأخذ سواكه ~~فاستاك وجعل يتلو هذه الآيات:{إن في خلق السموات والأرض }[آل عمران:190]. ~~حتى ختم السورة. # وهل يكره السواك للصائم بعد الزوال أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يكره وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة ~~وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أن جميع الظواهر الشرعية التي وردت في استحباب السواك ~~لم تفصل في ذلك بين وقت ووقت، فلا وجه للتخصيص من غير دلالة. # المذهب الثاني: أنه يكره بعد الزوال وهذا هو المحكي عن الشافعي وأصحابه. PageV01P880 # والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه قال: (( لخلوف فم الصائم أطيب عند ~~الله من ريح المسك)). والخلوف بضم الخاء بنقطة من أعلاها وضم اللام، هو ~~تغير فم الصائم. يقال: خلف فمه خلوفا إذا تغير، والمعنى أن الله إذا أدرك ~~خلوف فم الصائم فهو في حقه مما كان طاعة أطيب من رائحة المسك في حقنا، فيجب ~~تأويله على ما ذكرناه لأنهما يختلفان في حق الله تعالى في حقيقة الإدراك، ~~فيدرك هذا طيبا كما ندرك هذا كريها، لكون الخلوف لما كان مثابا عليه نازلا ~~منزلة المسك في حقنا في طيبه ومحبة رائحته. # والمختار: أنه غير مكروه للصائم بعد الزوال كما قاله أصحابنا لأمرين: # أما أولا: فلأنا لا نسلم زوال الخلوف بالسواك. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا زواله بالسواك، لكن المواظبة على السواك أفضل ~~وإن زال الخلوف، لكثرة ما ورد في السواك من الأحاديث وتكرر فعل الرسول له؛ ~~فلهذا كان التعويل عليه أحق، فالحديث في الصائم لا يناقض ما ذكرناه من ~~استحباب السواك للصائم بعد الزوال. # الفرع الخامس: في بيان ما يستاك به. PageV01P881 # ويحرم الاستياك بقضبان أشجار السمومات لما فيها من المضرة وإتلاف النفس، ~~وقد قال تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}[النساء:29]. ~~ويكره بما كان ms0508 يجرح اللثة كالعيدان اليابسة والحديد، وغير ذلك مما يكون ~~صلبا ليس فيه تنقية للقلح، ويستحب بقضبان الأراك، لما روت عائشة أن الرسول ~~استاك في مرضه بسواك من أراك(1)، ويجوز أن يستاك الرجل بقضبان الأشجار ~~الرطبة بما يكون فيه تنقية للفم وإزالة القلحة، وإن استاك بالخرقة الخشنة ~~أجزأه ذلك لمشاركتها للقضب في الإزالة، فإن أمر يده على أسنانه لم يجزه عن ~~السنة لعدم إطلاق اسم السواك عليها، وحكي عن مالك جوازه، لما روي عن النبي ~~أنه قال: (( يجزئ الرجل أن يستاك بأصبعه ))(2) PageV01P882 . والحق ما قلناه، وهو رأي أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي؛ لأن اليد غير ~~مزيلة لعفونة الفم من أجل لينها، فلهذا لم يكن سواكا. # ويكره للرجل إذا استاك أن يدخل سواكه في وضوئه؛ لأنه بمنزلة من يبصق في ~~وضوئه، ومثل هذا تعافه النفوس وتستقذره، ويستحب إذا أراد السواك مرة ثانية ~~أن يغسله، لما رويناه من حديث عائشة حيث استاكت بالسواك ثم غسلته وناولته ~~رسول الله ، ويستحب الخلال لما فيه من إزالة ما بين الأسنان فأشبه السواك ~~في إزالته لعفونة القلح، ويجوز اتخاذ عود الخلال مما يتخذ منه السواك؛ ~~لأنهما سيان في تطهير الفم، وإزالة ما كان فيه. # الفرع السادس: في كيفية الاستياك. # ويستحب لمن أراد السواك أن يبدأ بالجانب الأيمن من فيه، لما روي عن النبي ~~أنه كان يحب التيامن في كل شيء، ويستحب أن يستاك عرضا لقوله : (( استاكوا ~~عرضا وادهنوا غبا واكتحلوا وترا )). وادهان الغب أن يدهن يوما ويترك يوما ~~حتى يجف رأسه عن الدهن ثم يدهن، لما روي عن النبي أنه نهى عن الإرفاه، قال ~~أبو عبيدة: هو كثرة الدهن، واكتحال الوتر هو أن يكتحل لكل عين ثلاثة أطراف، ~~لما روي أنه كان للنبي مكحلة يكتحل في كل ليلة في كل عين ثلاثة أطراف، ~~والطول في الاستياك هو أن يكون في الفم إلى جهة الأنف والذقن، والعرض جانبا ~~الفم خلاف ذلك، وإنما كره الطول لما فيه من قلع لحم الأسنان وإزالته، هذا ~~كله إذا كان فاعلا لأحدهما كان العرض ms0509 أحق لما ذكرناه وإن جمع بينهما جاز ~~عرضا وطولا برفق لئلا يؤدي إلى ما ذكرناه من قلع لحم الأسنان، ويحتمل أن ~~يكون الطول منهيا في الاستياك سواء كان منفردا أو مضموما، لما روي عن النبي ~~أنه قال: (( استاكوا عرضا ولا تستاكوا طولا)). ولم يفصل في النهي عن الطول ~~بين أن يكون منفردا أو مضموما إلى العرض، والأول أقرب؛ لأن النبي ، قد روي ~~أنه كان يستاك عرضا وطولا. PageV01P883 # --- ### ||| AUTO السنة الثانية: أن يوالي بين غسل أعضائه ولا يفرق بينها # لما روي عن أمير المؤمنين وعثمان بن عفان أنهما توضيا على جهة الموالاة ~~والتتابع من غير تفريق، وقالا: هذا وضوء رسول الله ، وأدنى درجاته ~~الاستحباب. # وهل يكون ذلك واجبا أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه غير واجب وإنما هو مستحب كما أشرنا إليه، وهذا هو رأي ~~أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في الجديد، إذا كان الزمان كثيرا ~~بحيث يجف العضو، فأما إذا كان يسيرا فلم يختلف قوله في جواز التفريق. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم}. # وتقرير الحجة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر بغسل هذه الأعضاء على ~~جهة الإطلاق من غير تقييد ولا إشارة إلى التتابع، فإذا ورد الأمر مطلقا من ~~غير تفصيل دل على جوازه سواء كان متتابعا أو متفرقا، وظاهر الآية هو أدنى ~~متمسك في حق من جوز التفريق حتى تدل دلالة من جهة الخصم على وجوب اشتراط ~~التتابع كما زعموا. PageV01P884 # الحجة الثانية: ما روى خالد بن معدان )، عن الرسول أنه رأى رجلا على قدمه ~~لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره بإعادة الصلاة بعد أن قال: (( إن كنت ~~أمسسته الماء فامض في صلاتك وإن لم تكن أمسسته فاخرج من صلاتك)). فقال:يا ~~رسول الله كيف أصنع؟ استقبل الطهور؟ فقال: (( لا بل اغسل ما بقي ))(2). ~~وهذا نص صريح فيما ذهبنا إليه من جواز التفريق، وقد روي عن ابن عمر، ~~والثوري. PageV01P885 # المذهب الثاني: امتناع التفريق، وهذا هو قول الشافعي ms0510 في القديم ويحكى عن ~~أحمد بن حنبل، والأوزاعي، ثم اختلف أصحاب الشافعي في حد التفريق، فمنهم من ~~قال: حد الكثير منه الذي يفسد الوضوء هو جفاف العضو قبل أن يغسل ما بعده في ~~زمان معتدل مع استواء الحال. # فقولنا: في زمان معتدل، نحترز به عن شدة الحر والبرد والريح، فإن هذه ~~الأمور يتسارع فيها الجفاف. # وقولنا: واستواء الحال، نحترز به عما إذا كان المتوضئ محموما فإن الجفاف ~~يسرع إليه لأجل الحمى، فأما التفريق اليسير فلا عبرة به، ولا يكون مخلا ~~بالوضوء، ومنهم من قال: الاعتبار إنما هو بالتفريق الفاحش المتطاول زمانه. # والحجة على ذلك: قياسهم على الأذان، وتقرير قياسهم عليه هو قولهم: عبادة ~~ذات أركان مختلفة تتقدم على الصلاة فلا يجوز فيها التفريق كالأذان، وقياسهم ~~له على الصلاة، وتقرير ما قالوه: بأنها عبادة تبطل بالحدث أو ترد إلى ~~الشطر(1) في حال العذر، فكان التتابع شرطا فيها كالصلاة. فهذه زبدة ما ~~أوردوه في نظرية القول بامتناع التفريق. # المذهب الثالث: محكي عن مالك وله فيه روايتان: # الأولى منهما: أنه إن فرق بين أعضاء الوضوء لعذر لم يبطل وإن فرق بينها ~~من غير عذر بطل، وهذا مروي عن أبي ليلى، وعن الليث أيضا. # الثانية: أنه إن تعمد التفريق بطل وإن نسي لم يبطل. PageV01P886 # والحجة على ما قاله: هو أن الأصل في الوضوء التتابع؛ لأن الرسول لم يفعله ~~إلا كذلك، فلا يجوز العدول عن فعله؛ لأن التأسي به واجب، والتأسي لا يكون ~~إلا بأن يفعل مثل ما فعله؛ لأنه فعله على الوجه الذي فعله وقد فعله ~~متواليا، فيجب فعله متواليا وإذا كان الأمر فيه كما قلناه فلا يجوز العدول ~~عن هذا إلا لعذر، أما للنسيان فهو عذر لقوله عليه السلام: (( رفع عن أمتي ~~الخطأ والنسيان )). وأما لغيره كما فعل الرسول فيما فعل في الجنازة وغيرها ~~من الأعذار الموجبة لتفريق أعضاء الوضوء في الغسل. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم، من جواز التفريق وهو ~~الصحيح المعتمد لمذهب الشافعي، ومحكي عن الحسن البصري، وعطاء، ms0511 وطاووس، ~~وإبراهيم النخعي، وابن المسيب، وسفيان. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حججا ثلاثا: # الحجة الأولى: نقلية. وهي قوله تعالى:{وإن كنتم جنب ا فاطهروا } فأمر ~~بالتطهر مطلقا من غير تفصيل ولم يشترط التوالي وفي هذا دلالة على كونه غير مشترط. # الحجة الثانية: ما روى ابن عمر عن النبي ، أنه توضأ في السوق فغسل وجهه ~~ويديه، ومسح على رأسه، ثم دعي إلى جنازة فأتى المسجد فدعا بماء فمسح على ~~خفيه ثم صلى عليها، ولا شك أن ذهابه إلى المسجد فيه تفريق كثير وفي هذا ~~دلالة على جوازه مطلقا. # الحجة الثالثة: قياسية، وهي أن الوضوء عبادة ليس من شرطها الاشتغال فلا ~~يشترط فيها التوالي كالطواف، أو نقول: تفريق في الوضوء فوجب الحكم بإجزائه ~~كالتفريق اليسير، ولأنها عبادة يجوز تفريق النية عليها فجاز تفريقها ~~كالزكاة. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم، فأما قياس أصحاب الشافعي على ~~الأذان فعنه جوابان: # أما أولا: فبطريقة منع الحكم في الأصل، وهو أن الأذان لا يشترط فيه ~~التتابع والموالاة ويجوز فيه التفريق، وهذه طريقة مفسدة للقياس أعني منع ~~حكم الأصل. PageV01P887 # وأما ثانيا: فبطريقة الفرق، وهو أنا نسلم وجوب التتابع في الأذان لكن ~~التفرقة بينهما ظاهرة، وهو أن الأذان لما لم يكن شرطا في الصلاة ولا طريقا ~~إلى صحتها فلهذا لم يجز تضييق طريق تحصيله باشتراط الموالاة والتتابع فيه ~~فافترقا. وأما قياسهم على الصلاة فعنه جوابان: # أما أولا: فبالفرق، وهو أن يسير التفريق في الوضوء غير مفسد له بخلاف ~~يسير التفريق للصلاة فإنه مفسد لها، فافترقا. # وأما ثانيا: فبالمعارضة من الأقيسة فيجب اطراحها جميعا، أو الترجيح ~~لأقيستنا وهي راجحة بما أوردناه من الظواهر الشرعية التي أسلفناها، فأما ما ~~قاله مالك فهو فاسد، لأن اعتبار الموالاة لا تخلوا حالها: إما أن لا تكون ~~شرطا في الوضوء وهو الذي نقوله، وإما أن تكون شرطا فيه كما زعمه وجب ~~الإتيان بها، سواء كان هناك عذر أو لم يكن هناك عذر، وسواء كان ساهيا أو ~~متعمدا، كما نقول في النية، ms0512 فإذا لا وجه لكلام مالك في أن الموالاة شرط في ~~الوضوء لكنها تسقط عند العذر وفي حال السهو، وكما لا تشترط الموالاة في ~~الوضوء كما قررناه فلا تشترط الموالاة أيضا في الغسل والتيمم؛ لأن الأدلة ~~الشرعية في الأمر بالغسل والتيمم مطلقة غير مشترط فيها الموالاة كما ذكرناه ~~في الوضوء. PageV01P888 # فأما أصحاب الشافعي، فقد اختلفوا فيهما، فحكى ابن القاص ): أن التفريق لا ~~يبطلهما قولا واحدا، وأكثر أصحابه على أن فيهما قولين كالوضوء وهو الأصح ~~عندهم، فإذا فرق تفريقا فاحشا فعلى قوله القديم: يلزمه استئناف الطهارة. ~~وعلى قوله الجديد: لا يلزمه استئناف الطهارة مثل مذهبنا، والله أعلم. PageV01P889 # --- ### ||| AUTO السنة الثالثة: التسمية # وهي مشروعة في الوضوء لقوله : (( كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر ~~))(1). وقيل: أجذم، فظاهر الخبر دال على استحباب شرعها(2) في جميع الأفعال ~~كما ترى، فالطهارة تكون أحق بذلك؛ لأنها تعنى للصلاة وفيها محادثة القلوب ~~بذكر الله تعالى والوقوف بين يديه لأعظم الرغائب، وهو إحراز الثواب. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: هل تكون التسمية مع كونها مشروعة واجبة أو تكون مستحبة؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنها واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن داود ~~وطبقته من أهل الظاهر، وبه قال إسحاق بن راهويه، وإحدى الروايتين عن أحمد ~~بن حنبل. # والحجة على ذلك: ما روى أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) عن النبي ، أنه ~~قال: (( لا صلاة إلا بطهور ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ))(3). ~~وقوله : (( لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله ~~عليه))(4). # الحجة الثانية: قياسية، وهي أنها عبادة هي أصل يبطلها الحدث فكان من ~~شرطها الذكر كالصلاة. # وقولنا: هي أصل، نحترز به عن التيمم فإنها غير واجبة فيه، كما سنوضح ~~القول فيه فيخرج لما كان بدلا عن أصل. # المذهب الثاني: أنها مستحبة غير واجبة وهذا هو أحد القولين للهادي في ~~(الأحكام). فأما ما قاله في (المنتخب) فقد صرح بوجوبها فيه، وهو قول أبي ~~حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومحكي عن ms0513 مالك وربيعة، أعني: الاستحباب. PageV01P890 # والحجة على ذلك: ما روى ابن عمر عن النبي أنه قال: (( من توضأ وذكر اسم ~~الله كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر الله عليه كان طهورا لما مر ~~عليه الماء))(1). # ووجه تقرير هذه الدلالة: هو أن الرسول صحح الطهارتين جميعا، وإنما جعل ~~الطهارة التي ذكر اسم الله عليها طهارة لجميع بدنه من الذنوب، والتي لم ~~يذكر اسم الله عليها طهارة لما مر عليه الماء من الذنوب، لأن رفع الحدث لا ~~يتبعض، فهما رافعان للحدث جميعا خلا أن ما ذكر اسم الله عليه فهو أفضل ~~وأكمل في الرفع وكثرة الثواب، فهذا تقرير كلام العلماء في المذهبين جميعا. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة، ولقد كان ~~ينبغي منا إيرادها في الفروض الواجبة في الوضوء لما كانت واجبة، ولكنا ~~اخترنا إيرادها في السنن لما كانت ذكرا، وما تقدم من الفروض في الوضوء إنما ~~هي أفعال وليست أذكارا ولهذا تلائم إيرادها في السنن لما كان في السنن ~~أذكار مشروعة مستحبة كالأدعية عند غسل الأعضاء وغيرها كما سنوضحه، فهذا هو ~~الوجه في إيرادها في سنن الوضوء مع كونها واجبة. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ~~يقول: (( إذا تطهر أحدكم فليذكر اسم الله عليه فإنه يطهر جسده كله وإن لم ~~يذكر اسم الله عليه، فإنه لا يطهر من جسده إلا ما مر عليه الماء )). فهذا ~~أمر والأمر ظاهره الوجوب إلا لدلالة تدل عليه. # الحجة الثانية: قياسية، وهي أن الوضوء عبادة ذات أركان مختلفة تبطل ~~بالحدث فالذكر فيها يكون واجبا كالصلاة. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. PageV01P891 # قالوا: روى ابن عمر ما ذكرناه من الحديث وفيه دلالة على صحة الطهارتين ~~اللتين ذكر الله عليها والتي لم يذكر الله عليها، وفي هذه دلالة على أن ~~التسمية ليست فرضا واجبا. # قلنا: ليس في ظاهر الحديث ما يدل على بطلان التسمية، ونهاية ms0514 ما فيه هو ~~أنه حكم بكونها طهارة من غير تسمية لبعض العوارض وهذا لا ننكره، وسنوضح ~~القول في تركها عند النسيان، فالأخبار مصرحة ودالة على بطلان الوضوء عند ~~ترك التسمية(1) بقوله: (( لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه )) وفي هذا ~~دلالة على كونها فرضا خاصة على قولنا في تقرير الأسماء الشرعية، فأما على ~~رأي من أنكرها فالخبر يكون مجملا يحتاج إلى بيان. # قالوا: لو كانت التسمية واجبة لكان لا فرق في تركها بين العمد والنسيان ~~كغسل الوجه واليدين فلما افترق الحال في تركها بين العمد والنسيان دل ذلك ~~على كونها غير واجبة وهو مطلوبنا. # قلنا: عما ذكرتموه جوابان: # أما أولا: فلأن العمد مخالف للنسيان في العقوبة وانحطاط العذر فيه، وقد ~~أشار إليه الشرع بقوله: (( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان )). فإذا كان الأمر ~~فيه كما ذكرناه، لم يمتنع أن يكون حال ترك التسمية مع العمد مخالفا لحكمها ~~مع النسيان فبطل الجمع بينهما كما زعموه. PageV01P892 # وأما ثانيا: فإنا نعارض ما ذكروه بصورة على أبي حنيفة والشافعي، وهو أن من ~~أكل في رمضان ناسيا لا يفسد صومه وإن أكل عامدا أفسده، وبصورة على رأي أبي ~~حنيفة، وهو أن من ترك الترتيب في قضاء الفوائت ساهيا جاز، وإن تركه عامدا ~~لم يجز، وبصورة على الشافعي، وهو أن من تكلم في الصلاة على جهة السهو لم ~~تفسد صلاته وإن تكلم على جهة العمد فسدت، فإذا كنتم قد فرقتم في هذه ~~المسائل بين السهو والعمد فهكذا نفرق في ترك التسمية بين العمد والنسيان. # قالوا: عبادة لم يكن الذكر شرطا في المقام عليها والخروج منها، فلا يكون ~~شرطا في ابتدائها كالصوم. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن رد الوضوء إلى الصلاة أولى من رده إلى الصوم؛ لأن الصوم ~~أصله ومبناه على التروك، والوضوء أفعال متغايرة فرضا ونفلا فلأجل هذا كان ~~إلحاقه بالصلاة أحق، بجامع اشتماله على أفعال وأقوال متغايرة، فلهذا كان ~~الذكر من شرطه كالصلاة. # وأما ثانيا: فيبطل ما قالوه بالفرق، وهو أن الصوم لا ms0515 يرد إلى الشطر في ~~حال العذر ولا يبطله الحدث بخلاف الوضوء فإنه يبطل بالحدث ويرد إلى الشطر ~~عند العذر فأشبه الصلاة، فلا جرم كان رده إليها أحق، ثم إن هذا ينتقض على ~~أبي حنيفة بالحجج، فإن الذكر شرط في الابتداء فيه ولم يكن شرطا في المقام ~~عليه والخروج منه، فبطل ما توهموه. PageV01P893 # الفرع الثاني: إذا تقرر كونها فرضا فقد قال السيد أبو العباس: فإن نسيها ~~ناس أجزأه أن يؤدي بذلك الوضوء فرضا ثانيا كما جاز الأول، أما إجزاؤه مع ~~النسيان فالذي يدل على ذلك قوله عليه السلام: (( رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان)). فظاهر الخبر دال على إسقاط الإثم والغرامة مع النسيان إلا ~~لدلالة خاصة مخرجة لما تناولته، وأما جواز تأديته فرضا آخر بذلك الوضوء، ~~فالذي يدل على ذلك هو أن وضوؤه قد وقع على نعت الصحة رافعا للحدث فجاز أن ~~يؤدي به فرضا آخر كالفرض الأول فإن نسيها في ابتداء وضوئه وذكرها في أثنائه ~~وجبت عليه التسمية لما ذكرناه من قبل من أن التسمية فرض على ذاكرها فإذا ~~نسيها في الابتداء ثم ذكرها، توجهت عليه عند الذكر بالدلالة المتقدمة. # الفرع الثالث: في صفة التسمية. PageV01P894 # وصفتها أن يقول: بسم الله، لأن هذا هو العرف الجاري في ذكر اسم الله تعالى ~~على كل فعل من الأفعال. قال الهادي في (الأحكام): واليسير من ذكر الله ~~يجزيه(1) لقوله عليه السلام: (( ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)). ولم ~~يفصل بين قليله وكثيره، فإن قال: لا إله إلا الله، أو الله أكبر أو قال: ~~الحمد لله، كان ذاكرا لله وأجزأه في الوضوء، لأن الأدلة الشرعية لم تفصل في ~~ذلك بين ذكر وذكر لأن الأحاديث الواردة في الوضوء في التسمية: (( لا وضوء ~~لمن لم يذكر اسم الله ولا وضوء لمن لا يذكر اسم الله))(2). ومن هذه حاله ~~فهو ذاكر لله تعالى وذاكر لاسمه فلهذا كان مجزيا، فإن قال: اللهم اغفر لي، ~~لم يجزه في الوضوء، لأن ما هذا حاله فليس ذكرا لله تعالى وإنما هو ms0516 ذكر ~~لنفسه بالدعاء والمغفرة فافترقا. # ويستحب أن يكرر التسمية في أثناء وضوئه. قال الهادي في (الأحكام): ويستحب ~~أن يذكر الله تعالى عند مبتدأ طهوره وفي وسطه وآخره(3)، لأن الوضوء أفعال ~~مختلفة فمن أجل ذلك استحب أن يكون الذكر لله مقارنا لكل واحد من أعضائه ~~ليكثر ثوابه وفضله. PageV01P895 # --- ### ||| AUTO السنة الرابعة: غسل الكفين # وغسلهما مشروع في الوضوء، لما روى أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) أنه علم ~~الناس الوضوء فأتي له بإناء فيه ماء فأفرغ الماء على يمينه فغسل يديه ثلاثا ~~ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله فهو هذا، وروي عن عثمان مثله، أنه ~~توضأ فأفرغ الماء على يديه ثلاثا ثم قال: رأيت رسول الله توضأ وضوئي هذا. # وهل يكون مستحبا أو واجبا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه واجب، وهذا هو الذي ذكره الإمام القاسم في (كتاب ~~الطهارة)، وهو الذي يشير إليه كلام الهادي في (الأحكام)، ومحكي عن محمد بن ~~يحيى نص عليه في (المفرد)، واختاره أبوالعباس. قال الحسن البصري: إنما يجب ~~لأجل النجاسة، فإن غمس يده في الإناء قبل غسلها تنجس، وقال داود: هو واجب ~~على جهة التعبد، فإن غمس يده في الإناء قبل أن يغسلها صار الماء مجهورا(1) ~~وليس نجسا، وقال أحمد بن حنبل: إن كان قام من نوم النهار فهو مستحب غسلها، ~~وإن قام من نوم الليل فهو واجب. # والحجة لهم على الوجوب: ما روي عن النبي أنه قال: (( إذا استيقظ أحدكم ~~من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده ~~منه))(2). فهذا أمر والأمر ظاهره الوجوب إلا لدلالة. PageV01P896 # الحجة الثانية: ما روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: (( إذا استيقظ أحدكم ~~من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا))(1). فإذا تقرر ذلك في ~~الوضوء الذي يفعل للصلاة عقيب النوم، وجب أن يحكم بوجوبه كسائر الصلوات؛ ~~لأن كل ما كان شرطا في الوضوء لصلاة كان شرطا لغيرها، دليله غسل سائر ~~الأعضاء. # المذهب الثاني: أنه مستحب غير واجب، ms0517 وهذا هو الذي أشار إليه الهادي في ~~(المنتخب)، وهو رأي السيدين الإمامين الأخوين، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ~~والشافعي وأصحابه، قال أبو الحسن الكرخي: والمسنون في الوضوء غسل كفيه ثلاثا. # والحجة على ذلك: آية الوضوء، وهي قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم}[المائدة:6]. ولم يذكر فيه غسل اليدين. # الحجة الثانية: قوله ، لمن علمه الوضوء: (( توض كما أمرك الله فاغسل وجهك ~~ويديك )). ولم يأمره بغسل الكفين، إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على ~~استحبابه. # والمختار: ما عول عليه السيدان الإمامان وغيرهما من علماء الأمة، من ~~استحبابه. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم، ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: ما روي عن النبي ، أنه قال: (( لا يقبل الله صلاة امرئ حتى ~~يضع الوضوء مواضعه فيغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ويغسل رجليه))، ولم يأمره ~~بغسل كفيه. PageV01P897 # الحجة الثانية: قياسية، وهي أن اليدين من أعضاء الوضوء، فلو أوجبنا غسل ~~الكفين قبل الوجه لكنا قد أوجبنا غسلهما دفعتين وهذا لا قائل به، فعلى هذا ~~إذا قام إلى الصلاة نظرت، فإن قام من النوم وعلى يده نجاسة، وجب عليه ~~غسلهما لأجل النجاسة، وإن قام من النوم وشك في النجاسة استحب له غسلهما إذ ~~لا يتحقق الوجوب إلا بتحقق النجاسة، فإذا لم يتحقق فالاستحباب حاصل في ~~غسلهما، وإن لم يقم من النوم ولا كان شاكا في النجاسة فهو بالخيار فإن شاء ~~أدخلهما الإناء من غير غسل وإن شاء أفاض عليهما الماء قبل إدخالهما الإناء، ~~لأن ظاهر الأحاديث دال على أن الاستحباب متعلق بالقيام من النوم دون ما ~~عداه والله أعلم، كما ورد في حديث أبي هريرة: (( إذا استيقظ أحدكم من منامه ~~فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا)). فهذا الحديث مشتمل على فوائد خمس: # الأولى منهن: استحباب غسل اليد ابتداء ثلاثا قبل الطهارة، لأن القوم ~~كانوا يستنجون بالأحجار ويقتصرون عليها وبلادهم في الحجاز حارة، فإذا ناموا ~~لم يأمنوا أن تطوف أيديهم على تلك الآثار التي لم تفللها(1) الحجارة. # الثانية: أن ذلك ليس واجبا لأنه قال: (( لا ms0518 يدري أين باتت يده منه)). وفي ~~حديث آخر: (( أين طافت يده منه)). فبين أنه احتياط للنجاسة. # الثالثة: أن النجاسة إذا وردت على ماء قليل فإنها تنجسه، كما هو رأي ~~الأكثر من أصحابنا كما مر بيانه. # الرابعة: أن الماء القليل إذا ورد على النجاسة أزالها، لأنه حكم بطهارة ~~اليد بإيراد بعض ماء الإناء عليها. # الخامسة: أن النجاسة تجب إزالتها؛ لأنه إذا استحب الغسل فيما توهمت فيه، ~~فالوجوب متحقق فيما كان مقطوعا بنجاسته. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه في الوجوب. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: (( إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل ~~يده)) والأمر للوجوب. # قلنا: عنه جوابان: PageV01P898 # أما أولا: فلا نسلم أن الأمر للوجوب، وإنما حقيقته للطلب لا غير. # وأما ثانيا: فهب أننا سلمنا أن ظاهره للوجوب لكن حملناه هاهنا على الندب ~~لأجل أدلتنا، توفقة بين الأدلة وجمعا بينها لئلا تتناقض. # قالوا: روى أبو هريرة: (( فلا يدخل يده الإناء حتى يغسلها ثلاثا)). فنهى ~~عن ذلك والنهي ظاهره للتحريم فإذا كان ترك الغسل حراما كان فعله واجبا وهذا ~~هو مطلوبنا. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أن النهي للتحريم وإنما هو للمنع لا غير فلا دلالة لكم. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا دلالته على التحريم، لكنا نحمله على المنع ~~لأجل أدلتنا، لئلا يؤدي إلى تدافعها فيكون مكروها بدلالتكم، وفعله يكون ~~مستحبا بأدلتنا لأن ترك المستحب يكون مكروها. # قالوا: الأحاديث التي رواها أمير المؤمنين وعثمان بن عفان وعبدالله بن ~~زيد الأنصاري رضي الله عنهم في تعليم وضوء رسول الله وتعريفهم إياه، لم ~~يختلفوا في غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء، وهذه الأخبار التي رووها في ~~صفة وضوء رسول الله . وهي إنما وردت بيانا للآية، فما فعله فالظاهر وجوبه ~~إلا ما خصته دلالة وغسل الكفين من جملتها، فيجب القضاء بوجوبهما لما ~~ذكرناه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما رووه إنما هو صفة ما فعله رسول الله في الوضوء، وليس ~~في الفعل دلالة على وجوب ما قالوه، والفعل قد اشتمل على بيان المسنون ms0519 ~~والواجب فلا نقضي بالوجوب من غير دلالة(1). # وأما ثانيا: فلأنه ، قد كرر غسل أعضائه ثلاث غسلات فيجب القضاء بوجوبها ~~ومسح رقبته فيلزم أن تكون هذه الأمور واجبة وهم لا يقولون به، فحصل من ~~مجموع ما ذكرناه، أنه لا يقضى بوجوب الفعل من أجل أنه فعله مطلقا، بل لا بد ~~فيه من دلالة، فبطل ما توهموه. PageV01P899 # --- ### ||| AUTO السنة الخامسة: تكرير الوضوء ثانية وثالثة # فالثانية فضل والثالثة سنة، وقد قررنا فيما سبق التفرقة بين الغسلة ~~الثانية والغسلة الثالثة، وأظهرنا أن الواجب مرة واحدة، وزيفنا مقالة من ~~قال بوجوب الثلاث ووجوب السنن، فأغنى عن الإعادة. PageV01P900 # --- ### ||| AUTO السنة السادسة: أن يتولى فعل الوضوء بنفسه وأن لا يستعين بغيره # لقوله : (( أما أنا لا أستعين على الوضوء بأحد ))(1). وهذا هو قول أئمة ~~العترة والفريقين: الحنفية والشافعية، فإن استعان بغيره نظرت، فإن كان ~~بتحصيل مقدمات الوضوء نحو نزح الماء إن كان في بئر أو نقله من الجرة إلى ~~المتوضئ لم يكره ذلك بحال؛ لأن ما هذا حاله ينزل منزلة غسل الثوب لتأدية ~~الصلاة. # وإن استعان بغيره فيما سوى ذلك نظرت، فإن استعان بغيره لصب الماء جاز ~~ذلك، لما روي أن أسامة بن زيد )، والمغيرة بن شعبة، والربيع بنت معوذ، صبوا ~~على الرسول ، الماء وهو يتوضأ. وإن وضأه غيره ولم يوجد من جهة المتوضئ إلا ~~النية، فهل يجزيه ذلك أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكون مجزيا له، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن ~~الفريقين: الحنفية، والشافعية، ومحكي عن مالك. # والحجة على ذلك: هو أن فعل المتوضئ غير مستحق في الطهارة، ولهذا فإنه لو ~~وقف تحت مصب الماء أو مطر أو ميزاب، ونوى الطهارة ومر الماء على أعضاء ~~الطهارة، أجزأه. PageV01P901 # المذهب الثاني: أنه لا يجزيه، وهذا شيء يحكى عن داود وطبقته من أهل الظاهر. # والحجة على ذلك: قوله تعالى:{إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}. وهذا ~~خطاب للمؤمنين بفعل الغسل وتحصيله. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من علماء الأمة، من القول ~~بإجزائه، ويدل على ms0520 ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا، وهو أن المقصود، هو ~~حصول المصلي متوضئا وهذا حاصل سواء كان بفعله أو فعل غيره. # الانتصار: قالوا: الآية دالة على أن المتوضئين مخاطبون بفعل الوضوء. # قلنا: هذا فاسد، فإن المراد من الآية، هو تحصيل الغسل بدليل ما ذكرناه ~~وسواء كان حاصلا بفعله أو فعل غيره، فإنه لا تفرقة بينهما فبطل ما توهموه. PageV01P902 # --- ### ||| AUTO السنة السابعة: مسح الرقبة # وذلك سنة عند أئمة العترة ومحكي عن الفريقين: الشافعية، والحنفية، ومروي: ~~عن مالك. # والحجة على ذلك: ما روى زيد بن علي، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (كرم ~~الله وجهه)، عن رسول الله أنه قال: (( من توضأ ومسح سالفتيه بالماء وقفاه ~~أمن من الغل يوم القيامة))(1). وروي عن أمير المؤمنين، أنه لما مسح رأسه ~~مسح عنقه. # وفي كيفية مسحها مذهبان: # أحدهما: أنه يمسح بباقي ماء الرأس، وهذا هو رأي الهادي. # وحجته على هذا: هو أن المأثور عن أمير المؤمنين أنه كان يمسح رأسه ويجيل ~~يديه على عنقه، ولم يؤثر في مسح الرقبة أنه أخذ لها ماء جديدا(2). # وثانيهما: أنه يؤخذ لها ماء جديد، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن ~~الفريقين: الحنفية والشافعية. PageV01P903 # والحجة على ذلك: هو أن الماء الواحد لا يجتمع كونه فرضا ونفلا، فإذا أخذ ~~لهما ماء جديدا، كان قد فصل بين الفرض والنفل، وهذا هو المختار لما ذكرناه ~~في الاحتجاج ولأن ظاهر الأحاديث التي وردت في مسح الرقبة دالة على ~~استقلالها بالمسح وأنه يؤخذ لها ماء جديد، وإذا مسحت الرقبة فلا تكرير في ~~مسحها؛ لأنه لم يرد التكرير فيها من جهة الرسول ، قولا ولا فعلا كما ورد ~~التكرير في أعضاء الوضوء مغسولها وممسوحها، ومسح الرقبة أقل السنن الواردة ~~في الوضوء، لأن الأحاديث الواردة في الوضوء على لسان أمير المؤمنين وعثمان ~~وعبدالله بن زيد، وغيرهم من جلة الصحابة، ليس فيها ذكر تكرير مسح الرقبة، ~~وقد روى أمير المؤمنين عن رسول الله فيها ما حكيناه، وهو حديث منفرد عما ~~روي في الوضوء، وهو مصدق فيما قال ونقل، ms0521 والسنة في مسح الرقبة، هو ما تضمنه ~~الحديث الذي رواه أمير المؤمنين (كرم الله وجهه)، بأن يمسح القفى ~~والسالفتين، فالقفى مقصور يذكر ويؤنث، وهو مؤخر العنق والسالفتان، هما ~~جانبا الرقبة من عن يمينها وشمالها، إحداهما من ناحية مقدم العنق من لدن ~~معلق القرط إلى قلت الترقوة(1). والثانية كذلك من الجانب الآخر، وأما باطن ~~العنق فلا سنة في مسحه، وهو من ثغرة النحر إلى الحلقوم، وهو موضع الذبح، ~~فيأخذ غرفة من الماء ثم يرسلها، ويضع على قافيته يديه، ثم يسحبهما على ~~سالفتيه بباطنهما، فإذن هو قد مسح رقبته على السنة، فأما ما روي من أنه ~~يؤخذ بشيء من الماء فيوضع في الحلق ثم في مؤخر العنق، فلم أقف عليه في شيء ~~من كتب أصحابنا الفقهية ولا رأيته في كتب الأحاديث ولا عرفته لأحد من ~~الفقهاء، إلا شيئا حكاه العمراني من أصحاب الشافعي عن بعض الناس ولا أعرف قائله. PageV01P904 # --- ### ||| AUTO السنة الثامنة: التنشيف للأعضاء # من بلل الوضوء والغسل وأي شيء يكون في حكمه، فيه مذاهب أربعة: # أولها: أنه جائز في الغسل والوضوء جميعا، وهذا هو المحكي عن الحسن بن علي ~~وعثمان وأنس بن مالك وبشير بن أبي مسعود ) كلهم من الصحابة رضي الله عنهم ~~وهو مروي عن مالك، والثوري. # والحجة على ذلك: ما روى قيس بن سعد قال: أتانا رسول الله ، فوضعنا له ~~غسلا فاغتسل به ثم أتيناه بملحفة مورسة(2)، فالتحف بها فرأيت أثر الورس على ~~عكنه(3)، والعكنة: بالضم هي معاطف البطن تكون من شدة السمن. # وثانيها: أنه يكون مكروها، وهو المحكي عن عمر رضي الله عنه فإنه كرهه في ~~الوضوء، والغسل جميعا، وبه قال ابن أبي ليلى. PageV01P905 # والحجة على ذلك: ما روت ميمونة (رضي الله عنها) قالت: دخل علينا رسول الله ~~، فوضعت له غسلا فاغتسل به، فلما فرغ ناولته المنديل فلم يأخذه وأعرض ~~عنه(1). # وثالثها: ما حكي عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه جائز في الغسل دون ~~الوضوء. # والحجة على ذلك: هو أن البلل في الغسل يكثر فلهذا جاز التنشيف ms0522 فيه بخلاف ~~الوضوء فإن بلله قليل فلا حاجة إلى إزالته. # ورابعها: أنه مستحب، وهذا شيء حكاه الشيخ أبو حامد الغزالي عن بعض ~~الفقهاء. # والحجة على ذلك: هو أن في إزالة البلل في الوضوء والغسل جميعا التصاون عن ~~الغبار الذي يلصق من أجلهما فلهذا كان مستحبا ولا أعرف لأئمة العترة نصا فيه. # والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، والذي يقتضيه قياس المذهب أنه يكون ~~جائزا لحديث قيس بن سعد، وأن يكون المستحب تركه لما رويناه من حديث ميمونة، ~~ولأنه أثر عبادة فاستحب تركها كخلوف فم الصائم. PageV01P906 # --- ### ||| AUTO السنة التاسعة: الجمع بين المضمضة والاستنشاق من غرفة واحدة # اعلم أنا قد ذكرنا في بيان المفروض والمسنون فيهما، قولا بالغا يطلع على ~~الأسرار والفوائد، والذي نذكره هاهنا، هو إفراد المسنون عن المفروض منهما، ~~فالذي عليه أئمة العترة أن المسنون فيهما هو جمعهما في غرفة واحدة، وهو ~~الذي نقله المزني عن الشافعي. # والحجة على ذلك: ما رواه أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) في وصف وضوء رسول ~~الله ، أنه تمضمض واستنشق من غرفة واحدة جمعهما فيها(1). # ونقل البويطي عن الشافعي: أنه يفصل بينهما، هذا هو المسنون فيهما. # والحجة على ذلك: ما رواه طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت رسول ~~الله يفصل بينهما، قال المحاملي: وهو الأصح على رأي الشافعي، وقد سبق ذكر ~~المختار والانتصار له. PageV01P907 # --- ### ||| AUTO السنة العاشرة: الاشتنان # وصفته: ما رواه ابن عباس عن أمير المؤمنين في صفة وضوء رسول الله وهو ~~أنه لما فرغ من المضمضة والاستنشاق، وغسل وجهه، أخذ بكفه اليمين قبضة من ~~ماء فصبها على ناصيته فتركها تشنن على وجهه، ثم غسل ذراعيه بعد ذلك حتى أتم ~~وضوءه. فحديث الاشتنان إنما كان عن أمير المؤمنين دون غيره من الصحابة ممن ~~وصف وضوء رسول الله ، كعثمان وغيره من الصحابة فقد انفرد به كما ترى. PageV01P908 # --- ### ||| AUTO السنة الحادية عشرة: الموالاة في غسل الأعضاء # وقد قررنا بطلان وجوب الموالاة، وإذا تقرر بطلان وجوبها فهي من الأمور ~~المسنونة، وهو القول الأخير للشافعي، وحكي ms0523 عنه قول قديم في إيجابها، وقد ~~مضى تقريرها فلا معنى لإعادة الكلام فيه. PageV01P909 # --- ### ||| AUTO السنة الثانية عشرة: إذا فرغ من وضوئه فلا ينفض يديه # وهكذا إذا فرغ من غسل يديه فلا ينفضهما، لما روي عن النبي أنه قال: (( ~~إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم)). وفي حديث آخر: (( لا تنفضوها فإنها مراوح ~~الشيطان ))(1). وإنما شبهها بالمراواح؛ لأنها لا تزال تضطرب في جذب الهواء ~~فلهذا شبهها بها. PageV01P910 # --- ### ||| AUTO السنة الثالثة عشرة: تكرير المسح في الأذنين ظاهرهما وباطنهما # يستحب كما كان ذلك في الرأس. # وقد دللنا على وجوب مسحهما وذكرنا الانتصار له فأغنى عن الإعادة، لما روي ~~عن أمير المؤمنين في صفة وضوء رسول الله ، أنه ألقم بإبهاميه ما أقبل من ~~أذنيه، ثم الثانية، ثم الثالثة. # وكيفية المسح فيهما على السنة، أن يدخل مسبحتيه في صماخي أذنيه، ويدير ~~إبهاميه على ظاهر أذنيه، ثم يضع الكف على الأذنين استظهارا على تعميم ~~مسحهما. PageV01P911 # --- ### ||| AUTO السنة الرابعة عشرة: ويستحب إدخال الماء في العينين # قال الإمام الناصر: ويستحب أن يفتح عينيه عند غسل الوجه حتى يدخل الماء ~~فيهما، وقال: إن ذلك يصحح العين ويجلوها. # وقد ذكرنا قول من أوجب ذلك وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن تكريره. PageV01P912 # --- ### ||| AUTO السنة الخامسة عشرة: غسل ما استرسل من اللحية # لأنه ليس من الوجه وإنما يفعل زيادة في التنظيف. # وقد ذكرنا أنه ليس بواجب واخترناه وذكرنا الانتصار له. PageV01P913 # --- ### ||| AUTO السنة السادسة عشرة: مسح الذوائب من الرأس مستحب # لأن الواجب ما كان على تدوير الرأس، فأما ما نزل عن تدويره فإنما هو ~~مستحب غير واجب زيادة في التنظيف. PageV01P914 # --- ### ||| AUTO السنة السابعة عشرة: يستحب تطويل الغرة والحجلة # لما روي عن النبي [أنه] قال (( تحشر أمتي يوم القيامة غرا محجلين من ~~آثار الوضوء )) (1) فالغرة: ما كان في الوجه كغرة الفرس. والتحجيل: ما كان ~~في اليد والرجل أخذا له من تحجيل الفرس، وذلك إنما يكون فيما زاد على الفرض ~~من الوجه، واليدين، والرجلين، فأما الفرض فهو خارج عن ذلك بدليل آخر. PageV01P915 # --- ### ||| AUTO السنة الثامنة عشرة: ويستحب ms0524 إذا كان في يده خاتم بحيث يدخل ~~الماء تحته، أن يحركه # لما روى أبو رافع أن رسول الله ، كان يحرك خاتمه في يده، فإن كان واسعا ~~لم يستحب تحريكه وإن كان بحيث لا يمكن دخول الماء تحته وجب إخراجه وغسل ما ~~تحته، وقد قررنا موضع الوجوب منه ودللنا عليه. PageV01P916 # --- ### ||| AUTO السنة التاسعة عشرة: ويستحب أن يكون استعمال الوضوء بيمينه ~~دون يساره # لما روي عن النبي ، أنه كان يحب التيامن في كل أفعاله، وفي حديث آخر: ~~كانت يمين رسول الله لطعامه وشرابه ووضوئه، ويساره لما عدا ذلك، ولقوله ~~في حديث الخاتم: (( اليمين أحق بالزينة ))(1) فإذا كانت أحق بالزينة في ~~لبس الخاتم، كانت أحق بفضل الطاعة في الوضوء وغيره. PageV01P917 # --- ### ||| AUTO السنة العشرون: ويستحب تجديد الطهارة لكل صلاة # لما روى ابن عمر رضي الله عنه. قال: سمعت رسول الله ، يقول: (( من توضأ ~~على طهر كتب الله له بذلك عشر حسنات))(1) ، وفي حديث آخر عن النبي أنه ~~قال: (( الوضوء على الوضوء نور على نور ))(2). # وهل يجب أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه غير واجب، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الفريقين: ~~الحنفية، والشافعية، وهو قول مالك. # والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه كان يتوضأ لكل صلاة،. وكنا نصلي ~~الصلوات بوضوء واحد(3). ومثل هذا لا يخفى حاله عن الرسول ، فلو كان واجبا ~~لأنكر عليهم تركه فلما لم ينكره دل على عدم وجوبه. # المذهب الثاني: أنه واجب، وهو محكي عن أقوام، وهذا الخلاف يليق بأهل ~~الظاهر، وقد حكي عن غيرهم. # والحجة لهم على ذلك: قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم}[المائدة:6]..إلى آخر الآية. PageV01P918 # وتقرير وجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى أمر كل من قام إلى الصلاة ~~بالوضوء، ولم يفصل في ذلك بين أن يكون على طهارة أو غير طهارة في إيجاب ~~الوضوء عليه عند قيامه، ولهم حجج غير هذه الآية سنوضحها عند الكلام على ~~الانتصار عليهم. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة وفقهاء الأمة من كونه ms0525 غير واجب. # والحجة على ذلك: ما روي عن النبي ، أنه كان يتوضأ لكل صلاة فلما كان يوم ~~الفتح صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، فحملنا تكرير الوضوء لكل صلاة على ~~الأفضلية والندب، وحملنا ما خالف ذلك على الجواز توفقة بين الأدلة وعملا عليها. # الحجة الثانية: ما روى جابر بن عبدالله، قال: ذهب رسول الله إلى امرأة من ~~الأنصار ومعه أصحابه فقدمت له شاة مقلية فأكل وأكلنا، ثم حانت صلاة الظهر ~~فتوضأ وصلى ثم رجع إلى فضل طعامه، فأكل ثم حانت العصر فصلى ولم يتوضأ(1). # الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنه لم يقع من المتوضئ شيء بعد انعقاد وضوئه ~~إلا فعل المباحات، وفعل المباح لا يعد ناقضا في العادة ولا من جهة الشرع، ~~فلا يجوز نقض الوضوء بحال. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: آية الوضوء دالة على وجوب فعل الوضوء لكل صلاة. # قلنا: هذا فاسد لوجهين: # أما أولا: فلأن الآية إنما تناولت من كان غير متوضئ، فأما المتوضئ ~~فالإجماع منعقد على خروجه عن ظاهر الآية. # وأما ثانيا: فإنهم معارضون بما ذكرناه من الأخبار، ولن تكون طريقة ~~التوافق بينها إلا بما ذكرناه من حمل الأخبار على الاستحباب، وحمل ظاهر ~~الآية على من كان محدثا، وهذه طريقة مستقيمة، أعني الموافقة بين الأدلة ~~حذرا عن التعارض والإبطال لها. # قالوا: روي عن الرسول ، أنه قال لمن علمه الوضوء: (( توض كما أمرك الله ~~)). ولم يفصل بين أن يكون على طهارة أو غير طهارة. PageV01P919 # قلنا: أمره إنما يكون لمن كان محدثا دون من كان طاهرا كما وضح بالدلالة ~~التي ذكرناها في الآية، فبطل ما قالوه. # قالوا: روي عن النبي أنه كان يتوضأ لكل صلاة، ولم يؤثر أنه صلى بوضوء ~~واحد إلا يوم الفتح لأمر عارض، وفي هذا دلالة على وجوبه. # قلنا: قد نقلنا من الأخبار ما دل على أنه صلى صلوات عدة بوضوء واحد، وهذا ~~يبطل ما قالوه، وإنما كان ذلك من جهته عليه السلام إيثارا للفضل وعملا على ~~الاستحباب لكل صلاة بوضوء، فلو كان واجبا كما زعموه ms0526 لم يؤثر عنه خلاف ذلك، ~~كما لم يؤثر عنه أنه صلى بغير وضوء. # وهل يشترط في تجديد الطهارة لكل صلاة اشتغاله ببعض المباحات أم لا(1)؟ ~~فيه وجهان: # أحدهما: أن ذلك مشترط، وهذا هو الذي صرح به الإمامان: الهادي والمؤيد ~~بالله، قال الهادي: وأحب لمن توضأ ثم اشتغل بشيء من المباحات من أمور ~~الدنيا أن يعود لتطهيره فليتطهر. قال المؤيد بالله في (التجريد) وشرحه: ~~ويستحب تجديد الطهارة لمن اشتغل بسائر المباحات مصرحا بالاشتراط بالاشتغال. # وثانيهما: أنه لا يشترط ذلك في تجديدها بشيء من الإشتغال بالأمور ~~المباحة. # والحجة للإشتراط: هي أنه لم يرو عن أحد من السلف أنه جدد الطهارة مع ~~الجمع بين الفرضين أو اتباع فرض بنفل أو نفل بفرض، فدل ذلك على أنه شرط في ~~الاستحباب للتجديد. # والحجة لعدم الاشتراط وهو المختار: هو ما رويناه عن ابن عمر، وما رويناه ~~عن غيره من قوله: (( الوضوء على الوضوء نور على نور)). وقوله: (( من توضأ ~~على طهر كتب الله له بذلك عشر حسنات)). فهذان الخبران دالان على استحبابه ~~من غير شرط. # وإذا قلنا بأنه مشترط، فهل يكون ذلك الأمر المباح مقدرا أم لا؟ فيه وجهان: PageV01P920 # أحدهما: أنه لا بد من أن يكون مقدرا، وهذا هو رأي الإمام الهادي، فإنه قال: ~~وأحب لمن توضأ ثم اشتغل بشيء من أمور الدنيا فأطال في ذلك حتى نسي ماله ~~توضأ، من بيع أو شراء أو حديث. فقدره بالطول والنسيان. # وثانيهما: أنه غير مقدر، وهذا هو رأي المؤيد بالله، لأنه أطلق من غير ~~تقييد، والتفرقة بين المذهبين ظاهرة، فعلى هذا يستحب الوضوء إذا كان قد ~~اشتغل بالأمور المباحة مطلقا من غير تقييد على رأي المؤيد بالله، فأما على ~~رأي الهادي فلا يستحب إلا إذا كان جامعا بين الأمرين: الإطالة والنسيان. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله إذا قلنا بالاشتراط؛ لأنه إذا اشتغل ~~فكأنه قد صرفه عن مقصوده من العبادة، وهذا حاصل في كل فعل من الأمور ~~المباحة من غير تقدير. PageV01P921 ### ||| CHECK [السنة الحادية والعشرون( ): يستحب للمتوضئ أن يدعو ms0527 عند ~~اشتغاله بغسل أعضائه] # --- # السنة الحادية والعشرون(1): يستحب للمتوضئ أن يدعو عند اشتغاله بغسل أعضائه PageV01P922 لقوله تعالى:{أدعوني أستجب لكم }[غافر:60]. فيدعو عند كل عضو بما يكون ~~مختصا به، فيقول عند غسل فرجيه: اللهم استر عورتي في الدنيا وحصن فرجي من ~~النار، وعند المضمضة والاستنشاق: اللهم لقني الشهادة عند الموت وشممنا ~~روائح الجنة، وعند غسل وجهه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض الوجوه، وعند غسل ~~يديه: اللهم اعطني كتابي بيميني ولا تؤتنيه بيساري ولا من خلفي ولا من وراء ~~ظهري، وعند مسح رأسه: اللهم حرم شعري وبشري على النار، وعند مسح أذنيه: ~~اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وعند غسل قدميه: اللهم ~~ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام(1) PageV01P923 . PageV01P924 # --- ### ||| AUTO السنة الثانية والعشرون: والمستحب لمن فرغ من الوضوء أن ~~يستقبل القبلة # ويقول، ما روي عن عمر رضي الله عنه، أن النبي قال: (( من توضأ فأحسن ~~وضوءه ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ~~ورسوله -صادقا من قلبه-، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، ~~فتح الله له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء))(1) . أو يقول ما روى ~~أبو سعيد الخدري عن النبي قال: (( من توضأ فقال بعد فراغه من ضوئه: ~~سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ~~وطبع عليها بطابع فلم ينكسر إلى يوم القيامة))(2) PageV01P925 . أي ختم عليها بخاتم. PageV01P926 # --- ### ||| AUTO السنة الثالثة والعشرون: والمستحب لمن أحدث وضوءا أن يصلي ~~بعده ركعتين # ، لما روي عن النبي أنه قال: (( رأيت ليلة أسري بي جارية في الجنة، . ~~فقلت: لمن هذه يا جبريل؟ فقال: لبلال، فقلت لبلال: أي شيء تصنع؟ فقال: لا ~~شيء، إلا أني ما أحدثت وضوءا إلا صليت بعده ركعتين))(1). ويستحب الاجتهاد ~~في الإخلاص فيهما، وتفريغ القلب من أجلهما، لما روى عقبة بن عامر )، قال: ~~أدركت رسول الله ، يخطب الناس فسمعته يقول: (( ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن ~~الوضوء، ثم يقوم فيركع ركعتين يقبل عليهما ms0528 بقلبه وبوجهه إلا أوجب))(3) PageV01P927 . ومعنى قوله: أوجب أي: وجبت له الجنة. # دقيقة: اعلم أن هذه الأمور المشروعة في الوضوء مما ليس فرضا، يجمعها كلها ~~أنها ليست شرطا في صحة الصلاة، ثم إنها على ثلاثة أضرب: # فالضرب الأول: المسنونات التي تكرر فعلها من جهة الرسول ، وكان مجمعا على ~~كونها سنة يداوم على فعلها، وهذا نحو السواك، ومسح الرقبة، وإدخال الماء في ~~صماخيه، وتكرير الوضوء ثانية وثالثة، وتجديد الطهارة، وتطويل الغرة وأن ~~يستعمل يمينه في وضوئه، ونعني بالإجماع: كونها متفقا على كونها سنة عند ~~أئمة العترة وعلماء الأمة، الفرق الثلاث: الحنفية والشافعية والمالكية دون ~~من عداهم. # الضرب الثاني: ما وقع فيه خلاف في فرضيته وكونه مسنونا، وهذا نحو غسل ~~الكفين قبل إدخالهما الإناء، والمضمضة، والاستنشاق، وتخليل اللحية الكثيفة، ~~ومسح جميع الرأس، ومسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما، فهذه الأمور كلها قد وقع ~~فيها تردد، فعندنا أنها مفروضة وخالفنا في ذلك الشافعي وغيره من الفقهاء، ~~وزعموا أنها مسنونة وقد قررنا البرهان الشرعي على كونها مفروضة فأغنى عن ~~الإعادة. # الضرب الثالث: المستحبات، وهي التي لم تكثر مواظبة الرسول على فعلها، ~~وهذه في الرتبة دون رتبة المسنونات، لما ذكرناه من عدم تكرر فعلها من جهة ~~الرسول ، وهذا نحو الاشتنان والجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة ~~فإنه قد فعله وفعل خلافه، ولهذا عددناه في الأمور المستحبة، ونحو الدعاء ~~عند غسل الأعضاء فإنه يعد من المستحبات إلى غير ذلك من الأمور التي يكون ~~استعمالها دون استعمال غيرها من الأفعال المسنونة في الوضوء. # فأما الفقهاء فقد قالوا: إن جميع ما اشتملت عليه أعمال الوضوء منقسمة إلى ~~أقسام ثلاثة: واجبات ومسنونات وهيئات: PageV01P928 # فأما الواجبات: فهي ما كان شرطا في صحة الصلاة وكان معتبرا في صحة الوضوء ~~أيضا، وهي إما مجمع عليها وهو غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، ~~وإما مختلف فيها، نحو النية، وغسل الفرجين، والترتيب، والموالاة، فهذه هي ~~الفرائض الواجبة. # وأما المسنونات: فهي كل ما كان ليس شرطا في الصلاة ولا في صحة الطهارة، ~~وهذا نحو المضمضة، والاستنشاق، وتخليل ms0529 اللحية، واستيعاب مسح الرأس، ومسح ~~الأذنين والرقبة، وتكرير الوضوء ثانية وثالثة في الغسل، والمسح، والبداية ~~باليمين. # وأما الهيئات عندهم: فهي التي تعنى(1) بالمستحبات، وهي دون المرتبة في ~~المسنونات كما مر تقريره، وهذا نحو تخليل الأصابع، والمبالغة في المضمضة ~~والاستنشاق، وتطويل الغرة، والدعاء عند غسل الأعضاء، هذا كله تقرير أصحاب ~~الشافعي من الفقهاء، وقد وقع بينهم تردد في التسمية وغسل الكفين قبل ~~إدخالهما الإناء، هل يعدان من المسنونات أو يكونان معدودين من الهيئات؟ ~~ولهم فيهما وجهان، والأمر في ذلك قريب بعد إدراك المعنى المقصود من هذه ~~العبارات والوقوف على حقائقها، والله أعلم. PageV01P929 ### || AUTO الباب السابع في الغسل وبيان خواصه # الغسل بفتح الفاء(1) في اللغة- هو المصدر فنقول: غسل يغسل غسلا كما نقول: ~~ضرب يضرب ضربا،وبضمها الاسم من الاغتسال الذي يكون في مقابلة المصدر، ~~وبكسرها ما يغسل به من سدر أو أشنان أو صابون أو غير ذلك مما يغسل به ~~ويستعمل في النظافة. # وهو في لسان حملة الشريعة:عبارة عن إفاضة الماء على جميع البدن من قمة ~~الرأس إلى قرار القدم باطنا وظاهرا مع الدلك مقرونا بالنية. # فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر الأمور الموجبة للغسل ثم نذكر صفة الغسل ~~ثم نردفه بما يجوز للجنب فعله وما لا يجوز ثم نبين الغسلات المسنونة فهذه ~~فصول أربعة: PageV02P002 # --- ### ||| AUTO الفصل الأول في بيان الأمور الموجبة للغسل # المني إذا خرج لشهوة وجب الغسل عند أئمة العترة وفقهاء الأمة من الصحابة ~~والتابعين ولا يعرف فيه خلاف. # والحجة على ذلك: قوله : ((الماء من الماء ))(1). # لأن من خرج منه المني عن شهوة فهو جنب، وقد قال تعالى: {وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا}[المائدة:6] # والجنابة في اللغة:خروج المني على جهة الشهوة فإن خرج المني من غير شهوة ~~فإنه يكون ناقضا للوضوء عند أئمة العترة وفقهاء الأمة لا يعرف فيه خلاف، ~~لقوله : ((الوضوء مما خرج " )). ولم يفصل ولأنه خارج من أحد السبيلين فنقض ~~الوضوء كالبول. وهل يوجب الغسل أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يوجب الغسل سواء كان خروجه لشهوة أو من غير شهوة، ms0530 وهذا ~~هو الذي ذكره أبو العباس لمذهب الهادي، وهو محكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن النبي أنه قال: ((إذا كان ففيه الغسل " )). ~~ولم يفصل بين حالة وحالة في كونه موجبا للغسل. # الحجة الثانية: قياسية: وهو أنه مني فيجب أن يكون خروجه موجبا للغسل كما ~~إذا كان خارجا مع الشهوة. # المذهب الثاني: أنه لا يوجب الغسل إلا إذا كان خارجا لشهوة وهذا هو قول ~~أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة ومالك، وأحمد بن حنبل. # والحجة على ذلك: ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه حيث قال: أمرت ~~المقداد يسأل لي رسول الله عن المذي فقال: ((يا مقداد هي أمور ثلاث " إلى ~~أن قال: والمني الماء الدافق إذا كان مع الشهوة وجب الغسل)). وهذا نص يرفع ~~الخلاف. # الحجة الثانية: قياسية: وهو أنه خارج من قصبة الذكر متنوع نوعين: أعلى وأدني. # فأعلاه: ما كان خارجا بشهوة. # وأدناه: ما كان خارجا من غير شهوة. # فإذا وجب في أعلاه الغسل لم يجب في أدناه، دليله الحيض والاستحاضة فإن ~~الحيض موجب للغسل وهو أعلى والاستحاضة غير موجبة وهي أدناه. PageV02P003 # والمختار: ما قاله السيد أبو العباس أنه موجب للغسل بكل حال وهو رأي ~~الشافعي. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهما من الاحتجاج، ونزيد ههنا حجتين: # الحجة الأولى: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا فضخت الماء فاغتسل ))(1). # ولم يشترط كونه حاصلا عن شهوة، فالعموم في الخبر لجميع الحالات حاصل حتى ~~تدل دلالة، ولا دلالة هاهنا في ظاهر الخبر على قيد من القيود. # الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((الماء من الماء)). ولم يفصل ~~في ذلك، فوجب إبقاء هذه الأخبار على ظاهرها من غير تأويل. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: روي في حديث أمير المؤمنين عن النبي أنه قال: ((والمني الدافق إذا ~~كان مع شهوة " )). فاشترط الشهوة في وجوب الغسل. # قلنا: عما ذكروه جوابان: # أما أولا: فلأن ما قاله من تقييد الشهوة ليس واردا على جهة الاشتراط ~~فيلزم ما قالوه، وإنما أورده ms0531 على أنه على جهة الغلبة والكثرة لا أنه شرط في ~~وجوب الغسل وانتفائه مع عدمها. PageV02P004 # وأما ثانيا: فلأن حديث المقداد إنما ورد على جهة التفرقة بين الأنواع ~~الثلاثة: الودي والمذي والمني، فذكر الشهوة في المني ليس على جهة الاشتراط ~~ولكنه وارد على جهة التمييز والتفرقة بين هذه الأمور الثلاثة، وإذا كان ~~هناك محمل لذكرها ضعف الاحتجاج به، والأحاديث التي رويناها في إيجاب الغسل ~~من المني على الإطلاق في ورودها فلهذا كانت أرجح(1). # قالوا: متنوع إلى أعلى وأدنى فلا يكون الأدنى مؤثرا في وجوب الغسل كالحيض ~~والاستحاضة. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن المعنى في الأصل أن دم الحيض مخالف لدم الاستحاضة فلا جرم ~~كان الحيض موجبا للغسل دون الاستحاضة، ولهذا أشار صاحب الشريعة إلى التفرقة ~~بينهما بقوله في دم الاستحاضة ((إنه دم عرق " )) بخلاف المني فإنه شيء واحد ~~لا اختلاف فيه سواء كان عن شهوة أو غير شهوة. # وأما ثانيا: فلأنه في جنسه موجب للغسل فلا يختلف حاله بين أن يكون من ~~شهوة أو غير شهوة، كالبول فإنه موجب لنقض الوضوء لا يختلف حاله في ذلك. # قالوا: ولأنه يخرج من البدن لا على جهة الشهوة والدفق فلا يكون موجبا ~~للغسل كالمذي. # قلنا: المعنى في الأصل كونه غير مني فلا يوجب غسلا بخلاف المني الخارج من ~~غير شهوة فإنه مني كالخارج مع الشهوة فافترقا. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: إذا أمنت المرأة من فرجها وجب الغسل عليها عند أئمة العترة ~~وفقهاء الأمة أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه ومالك. # والحجة على ذلك: # ما روت أم سليم الأنصارية(2) PageV02P005 قالت: يارسول الله إن الله لا يستحي من الحق، # أرأيت المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل، أتغتسل أم لا؟ # فقال الرسول : ((فلتغتسل إذا وجدت الماء ))(1) # وللمرأة ماء كماء الرجل لما روت عائشة عن الرسول أنه قال: ((إن للمرأة ~~ماء كماء الرجل " ولكن الله أسر ماءها وأظهر ماء الرجل))(2) # والشبه بين الرجل(3) وأبويه أو أحدهما، يكون على حسب غلبة الماء لما روت ~~عائشة عن ms0532 النبي أنه اجتمع إليها نسوة من قريش ومن الأنصار فقالت عائشة: يا ~~رسول الله هؤلآء النسوة جئنك يسألنك عن أشياء يستحين عن ذكرها فقال: ((إن ~~الله لا يستحيي من الحق " )) فقالت: ترى المرأة في منامها ما يرى الرجل فهل ~~عليها غسل؟ فقال: ((عليها الغسل إن لها ماء كماء الرجل فإذا ظهر ماؤها على ~~ماء الرجل ذهب الشبه إليها وإذا ظهر ماء الرجل على مائها ذهب الشبه إليه ~~وإذا اختلط كان الشبه منه ومنها، فإذا ظهر منها ما يظهر من الرجل ~~فلتغتسل))(4). # وحكي عن إبراهيم النخعي: أنه لا يجب عليها الغسل. # والحجة له على ذلك: ما روي من حديث عائشة ((وأن الله أسر ماءها وأظهر ماء ~~الرجل)). PageV02P006 # ووجه تقرير الحجة: هو أن الغسل إنما يجب بظهور الماء كالرجل فإذا كان ~~مستترا فلا وجه لإيجاب الغسل عليها، وما ذكره النخعي فاسد فإنا لا ننكر أن ~~الأغلب في العادة استتار مائها ولكنا نقول: إذا برز وجب الغسل، فإذا الخلاف ~~مرتفع بيننا وبينه في المسألة فإنا نقول: إذا لم يخرج منها فلا وجه لإيجاب ~~الغسل، وهو لا يخالفنا في ذلك وهو يسلم لنا [أنه] إذا خرج وجب الغسل عليها، ~~اللهم إلا أن يقول: إنه لا يجب عليها سواء خرج أو لم يخرج كان هذا خطأ فإن ~~الرسول قال: ((الماء من الماء)) ولم يفصل بين الرجل والمرأة. ولأنه ماء خرج ~~لشهوة عند الوقاع فكان موجبا للغسل كالمني. # الفرع الثاني: المني الذي يوجب الغسل من الرجل، هو ماء أبيض غليظ له ريح ~~الطلع إذا كان رطبا وله ريح العجين إذا كان يابسا أو البيض، فهو متميز ~~بالريح واللون والغلظ، وقد يتغير عما ذكرناه لعلة تحدث فيخرج رقيقا أصفر ~~لمرض، وقد يخرج متلونا بالحمرة إذا أجهد [الرجل] نفسه في الجماع. وأما ماء ~~المرأة فهو أصفر رقيق فإذا خرج وعرفته بانقطاع شهوتها فإنه يجب عليها الغسل ~~كما أوضحناه، وإنما سمي منيا لأنه يراق ويصب في الأرحام ولهذا يسمى الموضع منا(1) # لما يراق فيه من الدماء ويصب،فأما المذي والودي ms0533 فليس فيهما غسل وإنما يجب ~~الوضوء منهما وقد مر الكلام على صفاتهما وعلى أنهما لا يوجبان الغسل فأغنى ~~عن الإعادة. # وإن استدخلت المرأة مني الرجل في فرجها ثم خرج فإنه يجب عليها الوضوء، ~~لقوله : ((الوضوء مما خرج)) ولم يفصل، ولا يجب عليها الغسل لأنه إنما يجب ~~إذا كان المني حاصلا عن الجماع ولا جماع هاهنا وإنما هو خارج كما لو أدخلت ~~في فرجها دم حيض، فإنما يجب عليها الوضوء عند خروجه منها ولا يجب عليها ~~الاغتسال. # وإن أمذى الرجل فهل يجب عليه مع غسل موضع المذي، [غسل] ذكره وأنثييه أم ~~لا؟ فيه مذهبان: PageV02P007 # أحدهما: أنه لا يجب عليه غسلهما، وهذا هو قول أئمة العترة، ومحكي عن أبي ~~حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه قال في بعض الأخبار: ((وينضح على ~~فرجه ويتوضأ ))(1) # يعني بالنضح: غسل ما أصابه المذي لاغير. # وثانيهما: أنه يجب عليه غسل ذكره وأنثييه، وهذا هو المحكي عن أحمد بن ~~حنبل، أو غسل ذكره وهذا هو رأي مالك. # والحجة على ما قالاه: ما روي عن المقداد بن عمرو(2) في حديث أمير ~~المؤمنين لما سأله عن المذي فقال: ((يغسل ذكره ويتوضأ " )). وفي حديث آخر: ~~((يغسل ذكره وأنثييه " )). # والمختار: ما قاله أصحابنا والفقهاء من جهة أنه خارج لا يوجب غسل جميع ~~البدن فلا يوجب غسل ما لم يصبه كالبول، وما قالوه محمول على الاستحباب لا غير. # الفرع الثالث: قال الهادي في الأحكام: من رأى في منامه أنه يجامع ثم ~~انتبه ولم ينزل فلا غسل عليه(3) ، لقوله : ((فإذا فضخت الماء فاغتسل " )). ~~وهذا لم يفضخ ماء فلم يجب عليه غسل. # وإن رأى في منامه أنه يجامع فاستيقظ فلمس رطوبة فنظره (4) # فوجده مذيا وأيقن أنه لم ينزل فإنه لا غسل عليه ;لأنه على يقين من ~~الطهارة ولم يتحقق ما يوجب الغسل من إنزال المني # وإن شك في الإمناء لم يجب عليه الغسل لأن الطهارة ثابتة بيقين فلا يزول ~~حكمها بالشك. PageV02P008 # قال المؤيد بالله: ومن استيقظ من نومه فوجد ms0534 بللا فلا غسل عليه ما لم يعلم ~~أنه مني، وهكذا إذا غسل البلل قبل أن يتحقق حاله لم يجب عليه الغسل وإن وجد ~~بللا مع ذكر الاحتلام. # والوجه في هذه المسائل كلها: أنه على يقين من الطهارة وشاك في الإمناء. # وحكي عن أبي حنيفة ومحمد: أنه إذا رأى بللا ولم يذكر الاحتلام فعليه ~~الغسل، وهو محكي عن الثوري ومالك؛ لأن الغالب من حال البلة عند النوم أنها مني. # وحكي عن أبي يوسف أنه لا غسل عليه كمقالتنا حتى يتيقن الاحتلام، وعندنا ~~لا بد من اعتبار تحقق الإنزال مع يقين الاحتلام ولا يغني أحدهما عن الآخر. # وحكي عن الحسن بن صالح: أنه إذا وجد البلة حين استيقظ وجب عليه الغسل. # وإن وجدها بعدما يقوم ويمشي فلا غسل عليه لأنه لا يحتمل البلل عقيب النوم ~~إلا أن يكون منيا بخلاف ما إذا وجده بعدما قام فإنه يحتمل أن يكون مذيا. # قال الشافعي: الأحب أن يغتسل، وظاهر كلامه دال على الاستحباب إذ لا وجوب ~~هناك لعدم التحقق للإمناء. # الفرع الرابع: قال الهادي في الأحكام: وإن وجد في ثوبه منيا ولم يذكر ~~جنابة وجب عليه الاغتسال(1). # لما روته عائشة أن الرسول سئل عن الرجل يجد بللا ولا يذكر احتلاما قال: ~~((يغتسل))(2). PageV02P009 # والظاهر من كلام الهادي هو الإطلاق وحمله السيد أبو طالب أنه لا يلبسه ~~سواه. فإن كان يلبسه غيره لم يجب عليه الاغتسال، وهذا جيد لأنه إذا كان ~~يلبسه غيره لم يتحقق كونه من جهته لأجل الاحتمال، وإذا كان مقصورا عليه ~~فالظاهر أنه منه وإن لم يكن ذاكرا له. # وإن رأى رجل في نومه أنه جامع ولم يجد البلل فإنه لا غسل عليه، لما روته ~~أم سليم: أن المرأة ترى ذلك هل عليها غسل؟ فقال الرسول : ((نعم إنما النساء ~~شقائق الرجال " ))(1). # ومن شك في الإمناء فلا غسل عليه من جهة أن الطهارة إذا كانت ثابتة بيقين ~~فلا يزول حكمها بالشك. # وإن خرج المني من رجل فاغتسل ثم خرج منه المني ثانيا فهل يجب عليه ms0535 الغسل ~~أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # أولها: أنه لا غسل عليه بحال سواء كان خارجا قبل البول أو بعده، وهذا هو ~~المحكي عن مالك والزهري والليث وعطاء وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وهذا ~~هو الذي يأتي على كلام الإمامين الهادي والمؤيد بالله وأكثر العترة. # والحجة على ذلك: هو أن المني عندهم ليس موجبا للغسل إلا إذا كان خارجا عن ~~شهوة على جهة الدفق فإذا خرج دفعة ثانية لم تكن الشهوة مقارنة له، ولهذا لم ~~يكن موجبا للغسل. # وثانيها: أن الغسل واجب عليه بكل حال سواء كان قبل البول أو بعده، وهذا ~~هو الذي يشير إليه كلام أبي العباس الحسني وهو رأي الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن المني موجب للغسل على أي وجه خرج فالدفعة الثانية ~~كالدفعة الأولى في إيجاب الغسل. # وثالثها: أنه ينظر فيه فإن كان قبل البول فإنه يوجب الغسل وإن كان بعد ~~البول فإنه غير موجب له، وهذا هو رأي أبي حنيفة. # والحجة له على ذلك: هو أنه إذا خرج قبل البول فهو من المني الأول الخارج ~~بالشهوة، فلهذا أوجب الغسل، وإن كان بعد البول لم يجب فيه الغسل لأنه لم ~~يخرج بدفق وشهوة. PageV02P010 # والمختار: إيجابه للغسل بكل حال لما قررناه من قبل من أن المني موجب للغسل ~~سواء خرج لشهوة أو من غير شهوة(1)، # وقد قررناه من قبل، ولأن الغالب من المني أنه لا يخرج إلا عن شهوة وخروجه ~~من غير شهوة إنما يكون على جهة الندرة والنادر لا حكم له وسيأتي لهذا مزيد ~~تقرير عند الكلام في تقديم البول على غسل الجنابة، ولأن ما هذا حاله مني ~~آدمي انفصل عن محله فأوجب الغسل كما لو خرج ابتداء. # الفرع الخامس: وإن أحس الرجل بانتقال المني منه ولم يخرج منه شيء فلا غسل ~~عليه عند أئمة العترة وهو قول أكثر فقهاء الأمة. # والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه سئل عن الرجل يرى أنه احتلم ولا يجد ~~البلل فقال: ((لا غسل عليه " ))(2). # وحكي عن أحمد ms0536 بن حنبل أنه قال: يجب عليه الاغتسال. # وحجته على ما قاله هو: أن إيجاب الغسل إنما هو معلق بانفصال المني ~~والغالب من حاله أنه إذا انفصل فهو خارج لا محالة فإذا تأخر خروجه في بعض ~~الأحوال فهو نادر. فلأجل هذا علقناه بالأمر الأكثري وهذا غلط، فإن كل ما ~~أوجب الطهارة فالاعتبار فيه بالظهور لا بالإنتقال كالحدث، ويؤيده كلام صاحب ~~الشريعة حيث قال: ((إذا فضخت الماء فاغتسل)). والفضخ إنما يكون عند الظهور ~~لا غير. # وإن وجد المني على فخذه أو في ثوب لا ينام فيه غيره ولم يتيقن خروجه منه، ~~وجب عليه الغسل عند أئمة العترة وهو قول الأكثر من أصحاب الشافعي. PageV02P011 # والحجة على ذلك: ما روته عائشة رضي الله عنها أن الرسول سئل عن الرجل يجد ~~البلل ولا يذكر الاحتلام فقال: ((يغتسل)) فإذا أوجب الغسل عند البلل مع ~~تجويز كونه غير مني فلأن يجب الغسل لمن تحقق كونه منيا أولى. # وحكي عن بعض أصحاب الشافعي: أنه لا يوجب الغسل لأنه لم يتحقق كونه منيا ~~ولأن الظاهر أنه خارج منه، فعلى هذا يجب عليه إعادة كل صلاة صلاها قبل ~~الاغتسال بعد أقرب نومة نامها لأنه هو المتحقق بيقين والمستحب أنه يعيد كل ~~صلاة صلاها من الوقت الذي تحقق أنه لم يكن معه المني إلى أن يراه. # وإن احتلم ولم يجد البلل أو شك هل خرج منه المني أم لا. فإنه لا يجب عليه ~~الاغتسال كما ذكرناه من حديث عائشة، وإن رأى المني على فراش أو ثوب يتبذله ~~هو وغيره لم يجب عليه الغسل لجواز أن يكون من غيره. والمستحب أن يغتسل ~~لجواز أن يكون من جهته. # وإن تحقق[أن] المني خرج منه في النوم ولا يعلم متى خرج منه وجب عليه أن ~~يغتسل لتحققه لما يوجب الاغتسال، ويجب عليه أن يعيد كل صلاة صلاها بعد أقرب ~~نومة نامها لأن ذلك هو المتيقن، ويستحب له أن يعيد ما صلى من الوقت الذي ~~تيقن أنه حدث بعضه(1). # ولا يجب الاغتسال من خروج المذي لحديث ms0537 المقداد بن عمرو وقد مر فلا نعيده. # ولا يجب الاغتسال من الودي أيضا وهو الذي يخرج بعد البول لأنه إذا لم يجب ~~الغسل من خروج المذي لكونه أقرب إلى صفة المني فلأن لايجب بخروج الودي وهو ~~أقرب إلى البول أولى وأحق. # الفرع السادس: وإن خرج من رجل شيء يشبه المني والمذي والودي ولم يتميز له ~~واحد منها ففيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه يجب عليه الوضوء لا غير لأن غسل أعضاء الوضوء متيقن على ~~الأحوال كلها، فلهذا كان واجبا، وما زاد على ذلك من وجوب الغسل فهو مشكوك ~~فلم يكن واجبا. PageV02P012 # وثانيها: أنه مخير بين أن يجعل حكمه حكم المني فيجب الغسل منه ولا يجب غسل ~~الثوب وبين أن يجعل حكمه حكم المذي فيجب الوضوء مرتبا ولا يجب غسل الثوب ~~منه لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر. # وثالثها: أن يجعل حكمه حكم المني وحكم المذي جميعا فيجب عليه غسل جميع ~~بدنه، ويجب عليه الترتيب في الوضوء، ويجب عليه غسل الثوب. # فهذه الأقوال كلها محكية عن الشافعي وأصحابه، وهذا هو المختار عندنا على ~~رأي أئمة العترة، فيجب عليه غسل بدنه وغسل الثوب جميعا ويجب عليه الوضوء ~~مرتبا لأنا إذا أوجبنا الغسل وجب عليه الوضوء لأن الصلاة ثبت وجوبها بيقين ~~فلا بد مما ذكرناه ليسقط فرضها بيقين. فلهذا وجب غسل بدنه وثوبه جميعا كما ~~ذكرناه. # وإن خرج من قبلي الخنثى المشكل وجب عليه الغسل لأن المني قد خرج من الفرج ~~الأصلي بيقين، وإن خرج من أحدهما فهل يجب عليه الغسل أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه غير واجب لجواز أن يكون ذكرا وقد خرج المني من عضو زائد غير ~~الذكر. أو يكون أنثى ويكون المني قد خرج من عضو زائد غير الفرج، فلما كان ~~الأمر فيه كما قلناه لم يجب الغسل مع الشك. # وثانيهما: أنه واجب بكل حال لحديث النبي مع أمير المؤمنين حيث قال له: ~~((يا علي إذا فضخت الماء فاغتسل " )). # وإن خرج المني من الدبر فهل يجب الغسل أم لا؟ فيحتمل ms0538 أن يقال: إنه واجب ~~كما يشير إليه كلام أبي العباس لأنه اعتبر خروج المني من غير شهوة موجبا للغسل. # وأما على كلام الهادي فلا غسل عليه لأنه قد اعتبر الشهوة ولا شهوة في ~~خروجه من غير الذكر. وعن الشافعي فيه وجهان(1). # والمختار: أنا إذا قدرنا وقوع هذه الصور النادرة وجب الغسل عند خروج ~~المني سواء قارن الشهوة أم لم يقارنها تعويلا على الظواهر الشرعية ~~والإطلاقات النقلية فإنها لم تفصل في ذلك بين محل ومحل في خروجه، ولا بين ~~حالة وحالة. والله أعلم بالصواب. PageV02P013 # مسألة: التقاء الختانين: هو إيلاج الحشفة في الفرج من غير إنزال، واعلم أن ~~الحشفة من الرجل هي موضع القطع عند ختانه المنحسر قليلا عن الحشفة، والكمرة ~~هي طرف الذكر وفيها ثقبة البول، فالحشفة متقدمة على قطع الختان، # والذكر والإحليل عبارتان(1) # عن مجموع العضو،وأما المرأة ففي فرجها ثقبتان، فالثقبة الأولى: في أعلى ~~فرجها وهي مخرج البول وفوقها جلدة تشبه عرف الديك مغطية لمخرج البول تقطع ~~عند ختانها. والثقبة الثانية: في أسفل فرجها هي مدخل ذكر الزوج ومخرج الولد ~~والحيض. والملاقاة هي المحاذاة. يقال: التقى الفارسان إذا تحاذيا. فإذا ~~لاقى ختان الرجل ختان المرأة فقد تقابلا وذلك لا يكون إلا بعد تواري الكمرة ~~وهي طرف الذكر وتواري الحشفة أيضا لأنها متقدمة على ختان الرجل وهو بعدها، ~~فإذا حصل الإيلاج على هذه الصفة من غير إنزال المني فهل يكون موجبا للغسل ~~أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه موجب له وهو قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه والخلفاء ~~أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من جلة الصحابة رضي الله عنهم وعائشة، وهو قول ~~أئمة العترة وفقهاء الأمة أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه وغيرهم من ~~جلة الفقهاء. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل " }[النساء:43]. ~~والجنابة إنما تقال لغة على الجماع سواء كان معه إنزال أو لم يكن. PageV02P014 # الحجة الثانية: ما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين عن النبي أنه ~~قال: ((إذا التقى الختانان وتوارت ms0539 الحشفة فقد وجب الغسل " أنزل أم لم ~~ينزل))(1). وهذا نص فيما ذهبنا إليه. # المذهب الثاني: أنه غير واجب، وهذا هو المحكي عن جماعة من الصحابة كأبي ~~سعيد الخدري وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وسعد بن أبي وقاص وزيد بن أرقم ومعاذ ~~بن جبل ورافع بن خديج " (2) # وأبي أيوب الأنصاري وبه قال عروة. وروي عن داود وطبقته من أهل الظاهر. ~~وقيل: إن أبي بن كعب وزيد بن أرقم رجعا عن ذلك وقالا بإيجاب الغسل عليه وإن ~~لم ينزل. # والحجة على ذلك: ما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه قال: ((من جامع ~~ولم يمن فلا غسل عليه " ))(3). # وفي حديث آخر أنه قال : ((من أقحط فلا غسل عليه " ))(4) # والمعنى في الإقحاط هو الإيلاج من غير إنزال أخذا له من القحط وهو إنقطاع المطر. PageV02P015 # الحجة الثانية: ما روي أنه جاء إلى بعض الأنصار فاستخرجه من بيته وكان ~~الرجل مخالطا لامرأته فلما سمع قرع الرسول خرج وزال عن مخالطتها فلما بصر ~~به الرسول قال له: ((عجلت عجلت ولم تنزل فلا تغتسل فإن الماء من الماء " ))(1). # وأراد أن الغسل بالماء لا يجب إلا على من أنزل المني وهو الماء. # المذهب الثالث: هو التوقف. وهذا هو المحكي عن الإمام القاسم بن إبراهيم ~~فإنه قد صحح فيه الفتوى، وفي كلامه احتمال للوجوب وعدمه فإنه قال: قد اختلف ~~فيما هذا حاله عن الرسول وعن أمير المؤمنين، واختلف فيه المهاجرون والأنصار ~~وكثرت فيه الأحاديث والروايات. وهذا فيه دلالة على أنه واقف في حكمه. وقال: ~~إن الإحتياط الغسل. وقال: ومن ترك الغسل منه وتوضأ وأخذ بما ذكر عن رجال من ~~الأنصار لم يكن كمن لم يغتسل بعد الإنزال. # وأقول: إن مثل هذا التوقف غير بدع فإنه لا يمتنع تعارض الأمارات الظنية ~~على المجتهد فيقف(2)، # ولا يكون له في المسألة قطع على أحد الاحتمالين. فأما السيد أبو طالب فقد ~~حمل كلامه(3) على موافقة كلام ولده(4) # الهادي من القول بإيجاب الغسل. وغلط من حمل كلامه على خلاف ذلك وهذا فيه ~~نظر، ms0540 فإن ظاهر كلامه ونصه على الوقف كما نقلناه عنه ورواه الناقلون لمذهبه ~~من أصحابه، وإذا كان الأمر كما قلناه فلا وجه لتخطئة من حمل كلامه على ~~ظاهره(5)، PageV02P016 ولا حرج عليه في ذلك خاصة مع قيام الاحتمال وتعارض الأدلة. فأما قوله: غير ~~أن الإحتياط هو الغسل(1)، # فهو مما يؤيد وقفه في المسألة لأنه لو صفا له دليل الوجوب قال به، فلما ~~لم يصف عن المعارض له وقف، وهذه هي أمارة التقوى حذرا من الهجوم على القطع ~~من غير بصيرة، وأمارة قوة الفهم حيث أحاط بالأدلة الشرعية وتحقق أنها ~~متعارضة. # والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة وفقهاء الأمة ويؤيد ذلك ما ~~حكيناه عنهم ونزيد ههنا حججا ثلاثا: # الحجة الأولى: ما روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: ((إذا قعد بين شعبها ~~الأربع وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل " أنزل أم لم ينزل))(2) PageV02P017 .والشعب الأربع : شعبتا رجليها وشعبتا شفريها وهما جانبا فرجها(1) هكذا ~~فسره الأزهري" (2)، # وروي عن أمير المؤمنين أنه قال: كيف يجب الحد ولا يجب الغسل. # الحجة الثانية: ما روي أن الصحابة لما اختلفوا في ذلك سألو أزواج رسول ~~الله فأخبرن أن رسول الله كان يغتسل منه، وروت عائشة قالت: فعلته أنا ورسول ~~الله فاغتسلنا. وعن محمد بن علي الباقر أنه قال: اجتمعت قريش والأنصار ~~فقالت الأنصار: ((الماء من الماء)). وقالت قريش: ((إذا التقى الختانان فقد ~~وجب الغسل " )) فتدافعوا إلى أمير المؤمنين فقال: يامعشر الأنصار أيوجب ~~الحد؟ قالوا: نعم. فقال لهم: فما بال ما يوجب الحد لا يوجب الغسل؟ فأبوا ~~إلا ما قالوه وأبى إلا ما قاله، وهذا فيه دلالة على أن مذهبه وجوب الغسل. # الحجة الثالثة: قياسية وهو أن كل حكم يتعلق بالإنزال فإنه لا محالة يتعلق ~~بالإيلاج كالحد والعدة والإحصان والإحلال للزوج الأول، ولأن الغسل حكم ~~يتعلق بالإنزال فوجب أن يكون متعلقا بالإيلاج، دليله: فساد الصوم. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. PageV02P018 # قالوا: الحديثان اللذان رويناهما(1) # دالان على أن وجوب الغسل لا يتعلق إلا بالإنزال فيجب الإعتماد عليه. # قلنا: ms0541 هذان الحديثان منسوخان فلا يعمل عليهما، وإنما قلنا إنهما منسوخان ~~فلما روى سهل بن سعد أنه أخبره أبي بن كعب أن رسول الله جعل: ((الماء من ~~الماء))(2). # رخصة في أول الإسلام من البرد لعدم الأثواب ثم نهاهم عن ذلك وأمرهم ~~بالاغتسال منه(3)، # وإنما قلنا: إن كل ما كان منسوخا فلا يعمل عليه فلأن الشرط في العمل عليه ~~هو أن لا يرد له ناسخ، ومن وجه آخر وهو أن الغسل منه فيه احتياط، خاصة في ~~أمور العبادات، فيجب التعويل على الأخبار الدالة على وجوب الاغتسال منه لما ~~ذكرناه، وقد قال : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " )) فإذا لم يكن ~~الإحتياط واجبا فلا أقل من كونه راجحا على غيره وهذا هو الغرض الأقصى في ~~الأحكام الاجتهادية. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول منها: وهل يعتبر تواري الحشفة في إيجاب الغسل أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا بد من تواريها في وجوب الغسل، وهذا هو رأي الأكثر ~~من أئمة العترة، ومحكي عن الفريقين أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما، وعلى هذا ~~يكون قوله : ((وتوارت الحشفة)) يفيد فائدة جديدة غير قوله: ((إذا التقى ~~الختانان)) وقوله: ((إذا لاصق الختان الختان)). من جهة أن الملاصقة لا توجب ~~الغسل إلا بشرط تواري الحشفة. # والحجة على ذلك: حديث زيد بن علي عن آبائه عن الرسول أنه قال: ((إذا ~~التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل)). فظاهر الحديث دال على ~~اعتبار تواريها في وجوب الغسل فلا يجوز إبطاله بالتأويل. PageV02P019 # المذهب الثاني: أن ذلك غير معتبر وإنما المعتبر هو المماسة والمجاوزة(1) # وهذا هو الذي يشير إليه كلام الهادي حيث قال: ولو دنى يقظان من يقظان حتى ~~مس ختان ختانا فالواجب الغسل، وذلك سواء في الرجال والنساء، وظاهر كلامه ~~دال على أنه لو مس ختان المرأة مثله أو ختان الرجل مثله أو ختان الرجل ~~[ختان] المرأة فإنه موجب للغسل في حقهما جميعا،وبه قال مالك، فإنه صرح بأنه ~~إذا تماس الختانان وجب الغسل وحمله ابن القاسم(2) # من أصحابه على تواري الحشفة، ms0542 وظاهر كلامه الإطلاق. # والحجة على ذلك: ما روي عن النبي أنه قال: ((إذا جاوز الختان الختان وجب ~~الغسل " ))(3). وقوله : ((إذا قعد بين شعبها الأربع فقد وجب الغسل " )). ~~وقوله : ((إذا ألصق الختان بالختان وجب الغسل " ))(4). وقوله : ((إذا ماس ~~الختان الختان فقد وجب الغسل " )). # ووجه تقرير الحجة من هذه الأخبار هو: أنه أوجب الغسل بالمماسة والمجاوزة ~~والملاصقة ولم يعتبر تواري الحشفة وفي هذا دلالة على أنه غير معتبر في وجوب ~~الغسل(5). PageV02P020 # والمختار: ما عليه الأكثر من أئمة العترة وفقهاء الأمة من اعتبار تواري ~~الحشفة وغيبوبتها في الفرج، وعلى هذا يكون ذكر التواري شرطا كما أشرنا إليه ~~من قبل، وعلى قول من لا يشترطه يكون ذكر التواري على جهة البيان والإيضاح ~~من غير أن يكون شرطا لأن الغسل واجب من دونه على رأي من لا يعتبره. # والحجة: ما حكيناه عنهم من الاحتجاج بخبر زيد بن علي، ونزيد ههنا وهو أن ~~جميع الأحكام المتعلقة بالوطء من الحد والإحصان وغيرها لا بد فيه من اشتراط ~~التواري دون الإمساس والملاقاة فهكذا الغسل من غير تفرقة بينهما. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: الأحاديث التي رويناها دالة على بطلان التواري فإنه لم يذكر فيها ~~إلا الملاقاة والإلصاق والإلزاق والمماسة ولم يعتبر تواريا، وفي هذا دلالة ~~على بطلان اعتبار التواري. # قلنا: قد روينا من حديث زيد بن علي وأبي هريرة في الخبرين اللذين ~~رويناهما ذكر التواري، وسكوته عن ذكره فيما رووه من الأحاديث لا يدل على ~~بطلان اعتباره بل إنما سكت عنه لأن يكون مردودا إليه بالقياس كغيره مما ~~يكون حكمه معلوما بالقياس على غيره. # ومن وجه آخر: وهو أن الأحاديث التي رووها من غير ذكره، نهاية أمرها أنها ~~مطلقة. وما ذكرناه من حديث زيد بن علي وأبي هريرة مقيد بما ذكرناه من ~~اشتراط التواري فيجب حملها عليهما جمعا بين الأدلة وحذرا عن المناقضة بينها. # الفرع الثاني: إذا أولج ذكره في دبر امرأة أو دبر رجل أو دبر خنثى مشكل ~~وجب عليه الغسل عند أئمة العترة، وهو قول ms0543 أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما. # والحجة على ذلك هو: أنه أحد السبيلين فوجب الغسل بتغييب الحشفة كالفرج. # فإن أولج ذكره في دبر بهيمة أو فرجها أو في فرج امرأة ميتة أو دبرها فهل ~~يجب عليه الغسل أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه يجب عليه، وهذا هو رأي الإمامين القاسم والهادي، وهو محكي عن ~~الشافعي. PageV02P021 # والحجة على ذلك هو: أنه يقع عليه اسم الفرج فوجب بتغييب الحشفة فيه الغسل ~~كفرج المرأة الحية، وهل يجب غسل المرأة الميتة أم لا؟ والأقرب أنه غير لازم ~~وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر أنه يلزم. # والحجة على ذلك هو: أن الإيلاج في الميتة ليس يخلو حاله إما أن يكون قبل ~~غسلها للموت أو بعده فإن كان قبل غسلها من الموت كان غسل الموت كافيا كما ~~لو ماتت وهي حائض أو جنبا، وإن كان الإيلاج بعد غسلها للموت فلا وجه لإعادة ~~غسلها لأن وجوبه إنما يكون للصلاة ولا صلاة في حقها لبطلان التكليف بالموت. # وثانيهما: أن الإيلاج في الميتة غير موجب للغسل في قبل كان أو دبر، وهذا ~~هو رأي المؤيد بالله، وهو قول أبي حنيفة. # والحجة على ذلك هو: أن هذا الإيلاج غير مقصود به التلذذ فلا يكون موجبا ~~للغسل كما لو أدخل أصبعه. # وهل يجب الحد على من أولج في فرج الميتة أم لا؟ فيه أوجه ثلاثة: # أحدها: أنه يجب الحد لأنه فرج محرم فوجب بالإيلاج فيه الحد كالمرأة ~~الأجنبية الحية. # وثانيها: لا يجب لأنه فرج غير مقصود كما لو أدخل الأصبع. # وثالثها: أنه ينظر فيه فإن كانت زوجته أو جاريته فلا حد عليه لأجل الشبهة ~~وإن كانت أجنبية وجب عليه الحد لأنه لا شبهة هناك. # والمختار: سقوط الحد عنه لأنه غير مقصود فأشبه ما لو أولج في فيها أو ~~أدخل يده في قبلها أو دبرها والله أعلم. # الفرع الثالث: قال الإمام المؤيد بالله: والصبية إذا جومعت وهي صغيرة لم ~~تحض فلا يجب عليها الغسل من جهة أن وجوب الغسل إنما يكون من أجل ms0544 وجوب ~~الصلاة والصلاة غير واجبة عليها لفقد البلوغ في حقها، وهكذا حال الصبي إذا ~~جامع فإنه لا يجب عليه الاغتسال لما ذكرناه في حق الصبية، ويستحب أن يؤمرا ~~بذلك أعني بالاغتسال لقوله : ((مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع " واضربوهم وهم ~~أبناء عشر))، والصلاة من شرطها الطهارة وهما جنبان لا محالة، فلهذا أمرا ~~بتقديم الغسل لما ذكرناه. PageV02P022 # وإن أرادا قراءة القرآن منعا عن قراءته وعن دخول المساجد لأن كونهما جنبا ~~متحقق في حقهما لقوله : ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)). ولم يفصل ~~هناك بين كبير وصغير وذكر وأنثى، فإن اغتسلا جاز لهما قراءة القرآن ودخول ~~المسجد لقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا}[المائدة:6]. # فإن جومعت الصغيرة أو جامع الصغير في حال صغرهما ثم بلغا فهل يجب عليهما ~~الاغتسال لما كانا من الجنابة في حال صغرهما أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن ذلك غير واجب لقوله : ((رفع القلم عن ثلاثة "))(1). # ومن جملتهم الصبي حتى يبلغ ولم يفصل بين حكم وحكم، وفي هذا دلالة على رفع ~~وجوب الاغتسال عنهما لأجل صغرهما، فإذا رفع في حال الصغر لم يرجع بعد ~~البلوغ إلا بجنابة طارئة بعده، وهذا محكي عن القاضي أبي يوسف " (2) من ~~أصحابنا. PageV02P023 # وثانيهما: أنه يجب عليهما الاغتسال بعد البلوغ لأن الجنابة في حقهما محققة ~~في التقاء الختانين وإن لم يكن هناك إنزال لكن عرضت حالة الصغر عن الأداء ~~فسقط فلما بلغا توجه الغسل عليهما بزوال العارض وهو الصغر كما لو اجتنب ~~العاقل ثم جن ثم ثاب إليه عقله فإنه يجب عليه الاغتسال فهكذا ههنا، وهذا هو ~~الذي ذكره القاضي أبو مضر من أصحابنا. وهذا هو المختار من جهة أن الموجب ~~للغسل حاصل في حقهما وهو الإيلاج، وعروض الصغر لا يبطل حكم الجنابة فلما ~~بلغا توجه الأمر عليهما بالغسل كسائر التكاليف الشرعية. والله اعلم. # الفرع الرابع: وإن أولج رجل ذكره في فرج خنثى مشكل لم يجب الغسل والوضوء ~~على واحد منهما لجواز أن يكون الخنثى رجلا والذي أدخل فيه ذكره خلقة زائدة، ~~فإذا كان هذا محتملا ms0545 فلا وجه لإيجاب الوضوء والغسل بحال لا بالإيلاج ولا ~~بالإخراج للإحتمال الذي ذكرناه، فإن أولج الخنثى ذكره في دبر رجل لم يجب ~~الغسل على واحد منهما لجواز أن يكون الخنثى امرأة والذي أولجه خلقة زائدة ~~فلا يجب بإيلاجها غسل. # فأما الوضوء فإنه واجب على الرجل المولج فيه بالإخراج لا بالإيلاج، وقد ~~قال : ((الوضوء مما خرج)). وأما الخنثى فلا وضوء عليه لما ذكرناه من احتمال ~~كونه امرأة والذكر عضو زائد فلا يجب بإيلاجه وضوء عليه. # وإن أولج خنثى ذكره في قبل خنثى مثله لم يجب على كل واحد منهما وضوء ولا ~~غسل لاحتمال أن يكونا رجلين والفرجان زائدان. # وإن أولج الخنثى ذكره في دبر خنثى مثله لم يجب على المولج غسل ولا وضوء ~~لجواز أن يكونا امرأتين، وأما المولج فيه فإنه يجب عليه الوضوء بالإخراج لا ~~بالإيلاج. PageV02P024 # وإن كان هاهنا خنثيان فأولج كل واحد منهما ذكره في فرج صاحبه لم يجب على ~~واحد منهما وضوء ولا غسل لجواز أن يكونا رجلين والفرجان عضوان زائدان فلا ~~يجب بإيلاجهما شيء، وإن أولج كل واحد منهما ذكره في دبر صاحبه وجب على كل ~~واحد منهما الوضوء لأنهما إن كانا رجلين أو كان أحدهما رجلا وجب الغسل ~~عليهما وإن كانا جميعا امرأتين صار الذكران كالميلين فيجب الوضوء بإخراجهما ~~لا بإيلاجهما، الوضوء على المولج فيه وكل واحد منهما مولج فيه، فلهذا وجب ~~عليهما الوضوء لأنه هو المستيقن. # مسألة: والحيض موجب للغسل عند أئمة العترة وهو قول فقهاء الأمة، ولا يعرف ~~فيه خلاف لقوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى " فاعتزلوا النساء في ~~المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم ~~الله}[البقرة:222]. # وتقرير وجه الحجة يكون من وجهين: # أحدهما: على قراءة التشديد في قوله تعالى: {حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن ~~من حيث أمركم الله " }[البقرة:222]. وليس المراد بالتطهير إلا استعمال ~~الماء للإغتسال. # وثانيهما: على قراءة من قرأها بالتخفيف(1)، # ومعناه انقطاع الحيض. وقوله تعالى: {فإذا تطهرن}. أراد فإذا استعملن ~~الماء للطهارة. فقد حصل مقصودنا ms0546 من الدلالة وهو وجوب الغسل من الحيض من ~~الآية، وسيأتي لهذا مزيد تقرير عند الكلام فيما يحل من الحائض وما لا يحل، ~~فهذا تقرير الحجة الأولى من الآية. # الحجة الثانية: قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: ((إذا أقبلت الحيضة فدعي ~~الصلاة " ، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي))(2). # وهل يجب الغسل برؤية الدم أو بانقطاعه؟ فيه وجهان: PageV02P025 # أحدهما: أنه واجب بانقطاع الدم لأنه لا فائدة للغسل قبل انقطاع الدم فلو ~~كان واجبا لجاز أداؤه وهو محال. # وثانيهما : أنه إنما يجب برؤية الدم لأن كل ما أوجب الطهارة فإنه يوجب ~~بالخروج لا بالإنقطاع كالمني (1). # والمختار: هو الأول. لقوله : ((فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي " )). ~~فأمر بالاغتسال والصلاة عند الإدبار فدل على أنه واجب بذلك، ويمكن نصره ~~[بما جاء في] الوجه الثاني: بأن الوجوب قد تقرر بخروج الدم وإنما أمر ~~بالغسل في الوقت الذي يصح فيه، فالوجوب سابق والفعل متأخر مقدر بانقطاع ~~الدم. والله أعلم. # التفريع على هذه القاعدة: وجملة ما نورده فروع ثلاثة: # أولها: إذا استدخلت المرأة دم الحيض ثم خرج من رحمها فإنه غير موجب للغسل ~~لأن دم الحيض عبارة عن الدم الذي ترخيه الرحم وهذا منفصل غير مرخي وهو ~~بمنزلة الجرح في الرحم. # وثانيها: إذا أصابتها جنابة ثم حاضت لم [يجب عليها] أن تغتسل، من جهة أن ~~غسلها غير صحيح فإذا انقطع دمها اغتسلت لهما غسلا واحدا. # وثالثها: إذا كان في باطن فرج المرأة جرح ثم خرج منها دم في وقت إمكان ~~الحيض فالتبس بدم الجرح فإنها ترجع في ذلك إلى الفصل بين الدمين، لأن دم ~~الجرح رقيق صاف ودم الحيض أسود خبيث الرائحة فإن حصل بما ذكرناه التمييز ~~بينهما عملت عليه، وإن لم يحصل ذلك لم يلزمها غسل لأن الطهارة متحققة في ~~حقها فلا يمكن إيجاب الغسل إلا بيقين، والواجب عليها الوضوء بخروج دم الجرح ~~لا غير. # مسألة: ودم النفاس موجب للغسل لما روي عن الرسول أنه قال : ((تقعد ~~النفساء أربعين يوما " ))(2)، PageV02P026 ولأنه دم حيض اجتمع واحتبس من أجل الولد، والحيض يسمى نفاسا، ms0547 لما روي عن ~~النبي أنه قال للمرأة التي أردفها خلفه فحاضت فقال: ((مالك نفست " ))(1). # فسمى الحيض نفاسا فلا جرم وجب الغسل على النفساء كما يجب على الحائض. # التفريع على هذه القاعدة: وجملة ما يختص هذا الموضع فروع ثلاثة: # أولها: الغسل على النفاس، هل يجب بخروج الدم أو بانقطاعه؟ فيه الوجهان ~~اللذان ذكرناهما في الحيض فقد قررناه فلا نعيده. # فإن ولدت المرأة ولم تر دما فهل يلزمها الغسل أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يجب عليها الغسل، وهذا هو الذي ذكره الشيخ علي بن الخليل من ~~أصحابنا، وهو أحد قولي الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن الولد مخلوق من مائها وماء الزوج فخروجه كخروجهما ~~فلهذا وجب عليها الغسل. # وثانيهما: أنه لا يجب عليها غسل وهذا هو الذي ذكره السيد أبو العباس، ~~وأحد قولي الشافعي. # والحجة على ذلك هي: أنه جامد فأشبه خروج الحصا والنواة من فرجها وهذا هو ~~المختار، لأن الولد لا يقع عليه اسم المني، وعلى هذا لا يجب عليها إلا ~~الوضوء لا غير كما لو خرج من فرجها ميل أو مسمار، ومن جهة أن النفاس حيض ~~فكما أنه لا يجب الغسل على الحائض إلا إذا رأت الدم فهكذا في النفساء. # وثانيها: أن الذمية إذا نفست أو حاضت ثم اغتسلت فهل يلزمها الغسل بعد ~~إسلامها؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يلزمها إعادة الغسل بعد الإسلام لأن غسلها قد تعلق به حقان: ~~حق الآدمي، وحق الله تعالى. PageV02P027 # فحق الآدمي: من أجل استباحة الوطء وهو صحيح من جهة أنه لا يفتقر إلى النية ~~فلا جرم حكمنا بصحته في حق الآدمي. # وحق الله تعالى: قربة تفتقر إلى النية، فلهذا لم يصح في حق الله تعالى ~~لافتقاره إلى النية، والنية لا تصح منها فإذا أسلمت لزمها إعادة الغسل من ~~أجل حق الله تعالى. # وثانيهما: أنه لا يلزمها إعادة الغسل بعد إسلامها بحق الله لأنه لا حق ~~للآدمي في غسلها، وإنما حقه متعلق بالوطء وشرط استباحة الوطء صحة الغسل بحق ~~الله تعالى فلو لم يصح غسلها ms0548 بحق الله لما جاز استباحة الوطء لأنه لو كان ~~حقا للآدمي لجاز سقوطه بإسقاط الزوج، وإنما صح غسلها في حال كفرها لأجل ~~الحاجة وهو الوطء، فلأجل هذا لم يلزمها إعادة الغسل بعد الإسلام. وهذان ~~الوجهان محكيان عن الشافعي. # والمختار: هو الأول على المذهب(1) ويصير هذا كمن وجبت عليه الزكاة فامتنع ~~من إظهارها فإن الإمام يكرهه على أخذها ويأخذها قهرا منه، فإذا أخذها على ~~هذا الوجه فقد سقط حق الآدمي وهو وجوب دفعها ثانيا فلا يتوجه ذلك عليه. ولا ~~يسقط حق القربة لما كان حقا لله تعالى، فقد تعلق بها حقان: # حق الآدمي: وهو مطلق الدفع وقد حصل بالإكراه. # وحق الله تعالى: وهو القربة لم يسقط بالدفع بالإكراه. # وثالثها: قال الهادي في الأحكام: إذا اجتنبت المرأة ثم حاضت قبل الاغتسال ~~فإن كان الدم مقصرا اغتسلت(2). # وهذا الكلام إذا اجتنبت ثم نفست. قال السيد أبو طالب: وهذا محمول على ~~الاستحباب من جهة أن رفع الحدث عنها محال مع بقاء الدم فيها. PageV02P028 # ووجه الاستحباب فيه: هو أن النظافة مستحبة في حقها من جهة أن تجديد الطهارة ~~مستحب وإن لم يكن هناك رفع للحدث، ومن أجل ذلك أمر رسول الله عائشة ~~بالاغتسال للإحرام وهي حائض، وهذا إذا كان الدم مقصرا، فأما إذا كان [الدم] ~~غالبا فلا وجه له كما قال أبو طالب؛ لأنه لا يؤثر في النظافة، والأقرب ~~استحباب الغسل من أجل التنظيف في حقها لأن الرسول أمرها بالغسل للإحرام ولم ~~يسأل عن كونه مقصرا أو غير مقصر فدل ذلك على أنه غير معتبر في استحباب ~~الغسل في حقها خاصة إذا كان لها زوج فالاستحباب يكون آكد. # مسألة: إذا أسلم الكافر ولم يكن قد وجب عليه الغسل في حال كفره إما ~~للجنابة إن كان رجلا أو امرأة، وإما بالحيض والنفاس إن كانت امرأة، فهل يجب ~~عليه الغسل أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه غير واجب عليه في هذه الحالة، وإنما يستحب له الاغتسال ~~وهو رأي الأكثر من أئمة العترة وهو قول أكثر الفقهاء ms0549 أبي حنيفة والشافعي ~~وأصحابهما. # والحجة على ذلك هو: أنه قد أسلم في زمانه خلق كثير ولم يأمرهم بالغسل فلو ~~أمرهم بذلك لكان منقولا نقلا ظاهرا لأنه قد نقل ما هو دونه من أحكام ~~الشريعة. # المذهب الثاني: أنه واجب، وهذا هو المحكي عن أحمد بن حنبل وأبي ثور وابن ~~المنذر. # وأقول: إنه ظاهر نص القاسم لأنه قال: المشرك نجس من وجهين: # أحدهما: شركه. # والآخر: ما هو منغمس فيه من رجسه في مأكله ومشربه. فإذا أسلم زالت نجاسة ~~شركه وبقي ما هو عليه من التضمخ(1) # بالنجاسات في كل أحواله فلهذا وجب عليه الغسل من أجل ذلك، وقد قال السيد ~~أبو طالب: إن هذا وجه في إيجاب الغسل على مذهبه يشير إلى ما قلناه من مذهبه ~~في الوجوب. PageV02P029 # والحجة على ذلك: ما روي أن الرسول أمر قيس بن عاصم المنقري " (1) بالاغتسال ~~لما أسلم، وثمامة بن أثال، وقال لقيس بن عاصم: ((اغتسل بماء وسدر " ))(2). ~~وظاهر الأمر للوجوب إلا لدلالة. # والمختار: ما عول عليه الأكثر من عدم الإيجاب في الغسل لمن هذه حاله. # والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهم، وهو أن الأصل هو عدم الإيجاب فلا يقدم ~~على الإيجاب إلا لدلالة ولا دلالة هاهنا تدل على وجوبه، وهذا دليل ظاهر ~~نستعمله في كثير من المسائل وحاصله: أن الأصل براءة الذمة عن الوجوب حتى ~~تدل دلالة شرعية على شغل الذمة بالواجب. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم في الوجوب. # قالوا: روي عن الرسول أنه أمر قيسا بالاغتسال بماء وسدر وأمر ثمامة، ~~والأمر ظاهره الوجوب إلا لدلالة. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV02P030 # أما أولا: فلأن ما ذكرناه من إسلام كثير من الخلق ولم يؤمروا بالغسل يعارض ~~ما ذكروه، وزوال التعارض بينهما يكون بحمل ما كان من الأمر في حق قيس ~~وثمامة [أنه] إنما كان على جهة الاستحباب دون الوجوب، وعلى هذا تتفق ~~الدلالتان على عدم الوجوب وهو مطلوبنا. # وأما ثانيا: فإنه محمول على أنه قد علم من حالهما أشياء موجبة للغسل وليس ~~كلامنا في هذا وإنما كلامنا ms0550 فيمن لم يعلم من حاله سبب يوجب الغسل فهل يجب ~~عليه الغسل أم لا؟ وسيأتي تقرير الكلام فيمن هذه حاله هل يجب عليه أم لا. # قالوا: الكافر نجس لقوله تعالى: {إنما المشركون نجس " }[التوبة:28]. ~~ولأنهم متلوثون بالنجاسات في كل أفعالهم من أكل وشرب، فلهذا قلنا بوجوب ~~الاغتسال عليهم بعد الإسلام. # قلنا:هذا لا ننكره ولكنا نقول: أما نجاسة الشرك فقد زالت بالإسلام لا ~~محالة وهو أقوى الأسباب، وأما تلوثهم بالنجاسات فهو زائل أيضا بالإسلام لأن ~~الإسلام إذا كان مزيلا لنجاسة الشرك فكيف لا يكون مزيلا لنجاسة الرطوبات ~~وهي أخف حكما منه. وقد قال : ((الإسلام يجب ما قبله " ))(1). ولم يفصل بين ~~حكم وحكم، وأيضا فإنا قد قررنا فيما سبق أن رطوبة المشركين وسائر أصناف ~~الكفار طاهرة فلا وجه لتكريره. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: أن الكافر والكافرة قد وجب عليهما الغسل في حال كفرهما ثم ~~إنهما أسلما قبل الاغتسال فهل يجب عليهما الغسل أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن الغسل عليهما واجب، وهذا هو الظاهر من مذهب العترة وهو ~~المشهور عن الشافعي. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون " ولا جنبا إلا عابري سبيل}[النساء:43]. PageV02P031 # وثانيهما: أنه غير واجب عليهما الغسل وهذا شيء حكاه الشاشي " (1) من أصحاب ~~الشافعي، وهو مروي عن المنصور بالله. # والحجة على ذلك: قوله : ((الإسلام يجب ما قبله " )). ولم يفصل بين حكم وحكم. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة لقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا}[المائدة:6] إلى غير ذلك من الأدلة. # الفرع الثاني: أن الكافر والكافرة إذا كانا قد اغتسلا من الأسباب الموجبة ~~للغسل كالجنابة والحيض والنفاس ثم أسلما فهل يجب عليهما إعادة الغسل أم لا؟ ~~فيه وجهان: # أحدهما: أنه يجب عليهما إعادة الغسل وهذا هو رأي أئمة العترة وهو أحد ~~قولي الشافعي. # والحجة على ذلك هو: أن الغسل عبادة بدنية تفتقر إلى النية فلم يصح من جهة ~~الكافر كالصلاة والصوم. # وثانيهما: أنه لا يجب عليهما إعادة الغسل وهذا هو قول أبي حنيفة ms0551 ومحكي عن ~~الشافعي. # والحجة على ذلك هو: أن غسل الكافر صحيح بدليل أن المسلم إذا تزوج ذمية ثم ~~اغتسلت من الحيض فإنه يحل وطئها، فلولا أن الغسل صحيح لم يحل وطئها. # والمختار: هو الأول لما قدمنا من أن وضوء الكافر غير صحيح فهكذا غسله، ~~وإذا كان غير صحيح وجب عليه إعادة الغسل كما قررناه. PageV02P032 # الفرع الثالث: الكفر المانع من صحة الغسل لأجل عدم القربة إنما هو الكفر ~~الصريح المعلوم من الدين كونه كفرا بالضرورة كالشرك بالله وعبادة غيره ونحو ~~اليهودية والنصرانية والمجوسية وغير ذلك من الأديان الكفرية، فأما كفر ~~التأويل نحو الجبر والتشبيه عند من قال بكونهما كفرا، فإنه ليس مانعا من ~~صحة الغسل فلو اغتسل من الجنابة وهو مجبر أو مشبه ثم تاب عن ذلك فإنه لا ~~يجب عليه إعادة الغسل إجماعا لأن من هذه حاله مصدق بالله وبرسله ومؤمن ~~بالشرع وناكح على القرآن ومصل إلى القبلة ولكنه اعتقد اعتقادا يوجب كفره ~~فلهذا لم يكن ما اعتقده مانعا من الغسل لما ذكرناه. # مسألة: ومن الأسباب الموجبة للغسل، الموت إذا لم يكن الميت شهيدا، عند ~~أئمة العترة، وهو(1) # قول فقهاء الأمة لا يعرف فيه خلاف لما روي عن النبي أنه قال في الرجل ~~الذي سقط من بعيره: ((اغسلوه بماء وسدر " ))(2). # وهو من فروض الكفايات التي إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين. وهل يغسل ~~الشهيد أم لا؟ فيه تردد وخلاف للفقهاء. # وإن غسل الميت ثم خرج من فيه أو أنفه أو دبره أو قبله شيء فهل يعاد غسله ~~أم لا؟ فيه كلام نستقصيه في كتاب الجنائز بمعونة الله تعالى. فهذا ما أردنا ~~ذكره في الأسباب الموجبة للغسل والله الموفق للصواب. PageV02P033 # --- ### ||| AUTO الفصل الثاني في بيان ما يجوز فعله للجنب وما لا يجوز وما ~~يستحب فعله وما يكره # مسألة: يجوز للجنب أن ينام قبل أن يغتسل عند أئمة العترة وفقهاء الأمة ~~لما روت عائشة قالت: كان النبي ينام وهو جنب لا يمس ماء(1)، # ويجوز له أن يصافح غيره لما روي عن ms0552 النبي أنه قال: ((تصافحوا ))(2). # ولم يفصل بين حالة وحالة، وروى أبو هريرة عن الرسول أنه لقيه ذات يوم ~~وأبو هريرة جنب، [قال] فانتجشت منه، يعني: تنحيت، فاغتسلت ثم جئت فقال: ~~((أين كنت))؟ فقال: كنت جنبا. فقال: ((المؤمن لا ينجس ))(3). # ويجوز للجنب أن يدهن وأن يخضب رأسه ولحيته بالحناء والكتم وغير ذلك مما ~~يكون فيه تغيير الشيب، وإن احتاج إلى خضاب يديه ورجليه بالحناء جاز له ذلك ~~لما روي عن الرسول أنه ما جاء أحد إليه يشكو وجع رأسه إلا أمره بالحجامة، ~~ولا أحد يشكو وجع رجليه إلا أمره بخضاب رجليه(4). # والوجه في جواز هذه الأمور للجنب هو: أنها باقية على أصل الإباحة ولم يرد ~~فيها نهي شرعي فيغير حكمها فبقيت على ما كانت عليه من الإباحة، ويجوز له أن ~~يعاود أهله وعدة منهن من غير أن يغتسل أو يتوضأ، وحكي عن ابن عمر وجوب ~~الوضوء على من أراد المعاودة. PageV02P034 # والحجة على ما عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة: ما روي عن النبي أنه طاف على ~~نسائه في غسل واحد(1)، # ولأن الوطء من جملة المباحات فلا يجب له الوضوء كالوطء الأول أو لأنه ~~مباح فجاز من غير وضوء كالأكل والشرب. # وحجة ابن عمر على وجوب الوضوء للوطء: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا ~~أتى أحدكم امرأته ثم بدا له أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءا ))(2). # فإن ما هذا حاله محمول على الاستحباب ليكون جمعا بين الأدلة فلا تناقض. # ويجوز للجنب أن يحمل المصحف بعلاقته وغلافه عند أئمة العترة، وهو قول أبي ~~حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أن العلاقة والغلاف ليسا من جملة المصحف لأنهما غير ~~داخلين في المصحف على جهة التبع في البيع، فلهذا جاز حمله بهما، وحكي عن ~~الشافعي المنع من ذلك وقد قررناه فيما سبق في مس المصحف للمحدث فأغنى عن ~~الإعادة. # ويجوز للجنب أن يذبح ما يجوز ذبحه وينحر ما يجوز نحره وأن يغسل الأثواب ~~لأن هذه الأمور كلها من جملة المباحات فجاز فعله لها كالأكل والشرب. PageV02P035 # مسألة: ms0553 يستحب للجنب إذا أراد الأكل والشرب أن يتوضأ، لما روي عن النبي أنه ~~كان إذا أراد أن ينام توضأ وضوءه للصلاة إذا كان جنبا(1)، # قال الإمامان القاسم والهادي: والجنب إذا أراد الأكل غسل فرجه ويديه ~~وتمضمض استحبابا لما روته عائشة رضي الله عنها عن النبي أنه كان إذا أراد ~~أن يأكل وهو جنب غسل يده وتمضمض(2)، PageV02P036 والمضمضة في معنى غسل اليدين لأن الغرض في غسلهما أن يكون العضو الذي ~~استعمله في الأكل مغسولا، ويستحب إذا أراد المعاودة لأهله أن يتوضأ لما روى ~~أبو سعيد الخدري عن النبي أنه قال: ((إذا أتى أحدكم أهله ثم بدا له أن ~~يعاود فليتوضأ بينهما وضوءا )). فالحاصل أن عائشة روت عن النبي فيما يستحب ~~للجنب المضمضة وغسل اليدين والفرجين، وروت أيضا استحباب الوضوء كوضوء ~~الصلاة، فيجب القضاء بالاستحباب في الأمرين جميعا، وأن أحدهما فاضل والآخر ~~أفضل، فالفاضل غسل اليدين والفرجين والمضمضة، والأفضل هو وضوء الصلاة، ~~وإنما كان أفضل لما روي عن الرسول أنه قال: ((من بات على طهر بات ومعه ملك ~~ومن بات على غير طهارة بات ومعه شيطان)). وإنما استحب غسل الفرجين للجنب ~~لما روى ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكر للرسول أنه تصيبه جنابة ~~من الليل، فقال له رسول الله :((إغسل ذكرك ثم نم ))(1)، # ويستحب الغسل فيما بين الوطئين لما روى أبو رافع أن النبي طاف على نسائه ~~يغتسل عند هذه وعند هذه، فقلت: يا رسول الله ألا جعلته غسلا واحدا؟ فقال: ~~((هذا أزكى وأطيب وأطهر ))(2). # وروى أنس بن مالك عن الرسول أنه طاف على نسائه في غسل واحد. قال أبو داود ~~في سننه حديث أنس أصح من هذا. # والمختار: أن كل واحد من الحديثين صحيح لاستكماله لشرائط الصحة، لكن ما ~~رواه أنس بن مالك بناء على تسهيل الأمر على الأمة وما قاله أبو رافع بناء ~~على الأفضل في الأمة من جهة أن تجديد الطهارة على الطهارة قد ورد الشرع ~~باستحبابه وهذا منه، ويستحب للجنب أن يتطيب ويكتحل لأن ms0554 ما [هذا] حاله قد ~~ورد الشرع باستحبابه في حق الطاهر، والجنابة غير مانعة منه فيجب بقاء ~~الاستحباب في حق الجنب. PageV02P037 # مسألة: ولا يجوز للجنب أن يصلي لقوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~} ثم قال: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا}[النساء:43]، ولا يجوز له ~~أن يطوف بالبيت لما روي عن النبي أنه قال: ((الطواف بالبيت صلاة ))(1). # وقد بينا تحريم الصلاة على الجنب فيجب أن يحرم الطواف. # وهل يحرم عليه قراءة القرآن أم لا؟ فيه مذاهب أربعة: # أولها: أنه لا يجوز له قراءة شيء من القرآن قل أو كثر، وهذا هو رأي ~~الأكثر من أئمة العترة نص عليه الإمامان القاسم والهادي وهذا هو قول ~~الشافعي. # والحجة على ذلك: ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه عن الرسول أنه كان ~~يخرج من الخلا فيقرئنا القرآن وكان لا يحجزه عن القرآن شيء سوى الجنابة(2). # الحجة الثانية: ما روي عن ابن عمر قال: قال رسول : ((لا يقرأ الجنب ولا ~~الحائض شيئا من القرآن ))(3). # وهذا عام في القليل والكثير. # وثانيها: أنه يجوز له قراءة ما دون الآية وهذا هو قول أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو أن القرآن إنما كان قرآنا لكونه معجزا والإعجاز إنما ~~يكون بالآية فما فوقها، فأما ما دون الآية فليس معجزا ولا يعد من القرآن. PageV02P038 # وثالثها: أنه يجوز له قراءة القرآن إذ لم يقصد به القرآن وهذا هو المحكي عن ~~المؤيد بالله وهو مروي عن بعض أصحاب أبي حنيفة وعلى هذا يجوز له أن يقرأ: ~~{يانوح اهبط }[هود:48]. و{يايحيى خذ الكتاب }[مريم:12]. و{يامريم اقنتي ~~لربك }[آل عمران:43]. إذا قصد به خطاب هؤلاء الأشخاص ولم يكن قاصدا به ~~القرآن. وهكذا يجوز له أن يقرأ ما جرى في ألسنة الناس من التحميد نحو قوله: ~~{الحمد لله رب العالمين }[الفاتحة:2]. وقوله تعالى: {فسبحان الله حين تمسون ~~وحين تصبحون }[الروم:14]. وقوله تعالى: {سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين}[الزخرف:13]. فهذه قد صارت معتادة في كلام الناس بغير تلاوة القرآن ~~وهكذا ما شاكلها ms0555 من العوذ والتحميدات والتسبيحات. # والحجة على ذلك: قوله ((الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)) فإذا نوى ~~بهذه الآيات ما ذكرناه لم يكن قارئا للقرآن. # ورابعها: ما حكي عن داود وطبقته من أهل الظاهر، وهو أنه يجوز للجنب قراءة ~~القرآن كله وما شاء منه، والجنابة غير مانعة من التلاوة. # والحجة على ذلك: ما حكي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يقرأ ورده من ~~القرآن وهو جنب. قال ابن المسيب: قلت لابن عباس: أيقرأ الجنب القرآن؟ قال: ~~نعم أليس هو في صدره. # وقال مالك: يقرأ الجنب الآية والآيتين على جهة التعوذ. وقال الأوزاعي: ~~يقرأ الجنب آية الركوب، قوله تعالى: {سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين }[الزخرف:13]. وآية النزول، قوله تعالى: {رب أنزلني منزلا مباركا ~~وأنت خير المنزلين }[المؤمنون:29]. PageV02P039 # والحجة لهما على ذلك: ما حكيناه عن المؤيد بالله من أن هذه الآيات جارية ~~على ألسنة الناس على جهة التعوذ والتسبيح والتهليل، وحاصل ما قالاه: أن ~~القرآن يخرج عندهما عن كونه قرآنا بالقصد والنية،فهذه مذاهب العلماء في ~~قراءة القرآن للجنب كما ترى. # والمختار: ما عول عليه الإمام المؤيد بالله من أن ماكان جاريا على جهة ~~العادة في ألسنة الناس فإنه يجوز للجنب قراءته، وحاصل ذلك أنه يكون بالقصد، ~~فما قصد به غير القرآن من الخطابات التي تصلح أن تكون خطابا لغير من هي له ~~كقوله: يا نوح، ويا يحيى إلى غير ذلك، وماكان جاريا على ألسنة الخلق في ~~الإستعاذة والتهليل والتسبيح فإنه يجوز للجنب ذكره، ويدل عليه ما ذكرناه ~~عنه ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: هو أن ما ذكرناه إذا كان جاريا على الألسنة على جهة ~~الاضطراد فإما اغتفر الشرع حكمه ورفعه وإما أنه يكون في الحكم كأنه خارج عن ~~القرآن جاريا مجرى العوذ والتسبيحات والتهليلات من غيره، فلهذا جاز فعله من ~~جهة الجنب لما ذكرناه. # الحجة الثانية: هو أن ما ذكره المؤيد بالله فيه جمع بين الأدلة الشرعية ~~فما ورد من الأخبار دالا على المنع من القرائة فإنه ms0556 محمول على ما كان خارجا ~~مما يعتاده الناس في تصرفاتهم، وما ورد دالا على الإباحة فإنه يكون محمولا ~~على ما جرى في ألسنة الناس من ذلك. وما كان جامعا بين الأدلة فلا شك في ~~كونه طريقا مستقيمة راجحة على غيرها من الطرق كما ذكرناه في أثناء الكتاب. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمده كل فريق، فأما من منع من ذلك على ~~الإطلاق فقد قالوا: روى أمير المؤمنين أنه كان لا يمنع الرسول من قراءة ~~القرآن إلا الجنابة وهذا عام في كل شيء منه. # قلنا: عن هذا جوا بان: # أما أولا: فلأن ما ذكروه مخصوص بالآيات الصريحة التي هي غير جارية على ~~ألسنة [الناس] وليس في هذا إلا تخصيص عموم وأكثر العمومات كلها مخصوصة، فلا ~~جرم كان مخصوصا بما ذكرناه. PageV02P040 # وأما ثانيا: فلأنه معارض بما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين أنه ~~قال: يقرأ الجنب الآية والآيتين، والحائض ويمسان الدرهم [الذي] فيه اسم ~~الله ويتناولان الشيء من المسجد(1). # قالوا: روى ابن عمر عن النبي أنه قال: ((لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا ~~من القرآن ))(2). # وهذا عام في القليل والكثير. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم اندراج ما ذكرناه في القرآن بل هو خارج عنه ~~بالطريقة التي ذكرناها من طريق الحكم. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا اندراجه تحت حقيقة القرآن لكنه عموم مخصوص ~~بالأدلة التي أشرنا إليها. # قالوا: روي عن أمير المؤمنين أنه قال: ((يقرأ أحدكم القرآن مالم يكن جنبا ~~فإن كان جنبا فلا ولا حرفا واحدا))(3). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه معارض بما روى زيد بن علي وقد قدمناه. PageV02P041 # وأما ثانيا: فلأن الغرض بذلك ما لم يكن معتادا في كلام الناس كآيات التعوذ ~~والإسترجاع عند المصيبة وغير ذلك، ومن جهة أن الجنابة تعرض كثيرا والتعوذ ~~والتسبيح والتهليل عند عروض العجائب في العالم فلا ينبغي تضييق ذكره بمانع ~~الجنابة، وأما أبو حنيفة فقد جوز قراءة ما دون [الآية] محتجا بأن القرآن ~~إنما كان قرآنا لكونه ms0557 معجزا والإعجاز إنما يتعلق بالآية فما فوقها فأما ما ~~دون ذلك فلا يتعلق به الإعجاز كالحرف الواحد والكلمة الواحدة. # قلنا:هذا فاسد لأوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن ما دون الآية وإن لم يكن معجزا لكنه من جنس المعجز فساواه ~~في المنع كالسجدة الواحدة ليست بصلاة لكنها لما كانت من جنسها منع منها الجنب. # وأما ثانيا: فلأن ما دون الآية جزء من القرآن فلا يجوز للجنب قراءته ~~كالآية التامة. # وأما ثالثا: فلأن قراءة القرآن عبادة تمنعها الجنابة فيستوي فيه حكم ~~القليل والكثير كالصلاة. # وأما مالك فإنه قد جوز للجنب قراءة الآية والآيتين على جهة التعوذ، وفي ~~معناه ما حكي عن الأوزاعي، فما ذكراه يقرب مما حكيناه عن المؤيد بالله وهو ~~المختار. # مسألة: ولا يجوز للجنب اللبث في المسجد عند أئمة العترة وفقهاء الأمة أبي ~~حنيفة والشافعي وأصحابهما. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا أحل المسجد لجنب ولا ~~حائض ))(1). # وحكي عن داود وطبقته من أهل الظاهر جواز اللبث في المسجد للجنب. PageV02P042 # والحجة له على ذلك: قوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } ثم قال: ~~{ولا جنبا إلا عابري سبيل}[النساء:43]. وذا جاز العبور للسبيل للجنب جاز ~~اللبث فيه لأنهما مستويان في الكون في المسجد والحصول فيه، وما ذكره فاسد ~~فإنا نمنع العبور ونمنع اللبث جميعا فلا يلزمنا ما قاله وإنما يلزم الشافعي ~~حيث جوز العبور دون اللبث كما سنحكيه عنه ونبطله، ومثل ما حكيناه عن داود ~~من جواز اللبث محكي عن المزني من أصحاب الشافعي. # وحكي عن أحمد وإسحاق بن راهويه جواز اللبث في المسجد للجنب أيضا إذا توضأ. # والحجة لهما على ذلك هو: أن المقصود من منع الجنب من المسجد ليس من أجل ~~تنجيسه فإن الجنب لا نجاسة فيه وليس مثل الحائض فإنها ممنوعة من المسجد من ~~أجل أنها تنجسه، وإذا كان الأمر كما قلناه دل على أنه إنما منع من أجل أنه ~~لا يلابس المسجد وهو محدث ويلاصقه بالأعضاء المحدثة فإذا توضأ زال الحدث من ~~الأعضاء التي تلاصق ms0558 المسجد وتتصل به. وهذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنه لو كان الأمر كما زعموه للزم أن لا يغسل وجهه لأنه لا ~~يلابس المسجد، ولا يمسح رأسه. # وأما ثانيا:فلأن المعنى في منعه أنه حدث أكبر بخلاف الحدث الأصغر فإنه ~~غير مانع لدخول المسجد، فبطل ما قالا. # وهل يجوز العبور فيه للجنب أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يجوز العبور فيه له، وهذا هو رأي أئمة العترة وهو ~~قول أبي حنيفة وأصحابه ومالك. # والحجة على ذلك: قوله : ((لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض )) ولم يفصل بين ~~العبور وغيره. # الحجة الثانية: قياسية، وهي: أن العبور كون في المسجد وحصول فيه للجنب من ~~غير ضرورة فلم يكن جائزا كاللبث. # المذهب الثاني: أن ذلك جائز، وهذا هو رأي الشافعي وأصحابه، ومحكي عن ابن ~~عباس وابن مسعود من الصحابة رضي الله عنهم. PageV02P043 # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى ~~تغتسلوا}[النساء:43]. # ووجه تقرير الحجة هو: أن المراد مواضع الصلاة، فعبر بالصلاة عن مواضعها ~~فحاصل معنى الآية على هذا: لا تقربوا المساجد التي هي مواضع الصلاة وأنتم ~~سكارى ولا جنبا إلا على جهة العبور ، فأباح العبور للجنب دون اللبث وهذا هو ~~المقصود. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم وهو المنع منه لما قالوه، ~~ونزيد هاهنا وهو أن كل حكم تعلق باللبث فإنه متعلق بالعبور كالتحريم على ~~الحائض وملك الغير وإدراك الحج بعرفة فإنه كما يحرم على الحائض اللبث يحرم ~~عليها العبور وهكذا ملك الغير أيضا وكما يكون مدركا للحج باللبث في عرفة ~~فهكذا يكون العبور أيضا، وإذا كان الأمر كما قلناه فكما حرم اللبث حرم ~~العبور من غير تفرقة بينهما. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالف ما قلناه في ذلك، فأما الشافعي وأصحابه ~~فقد قالوا: الآية دالة على جواز العبور بظاهرها فلهذا قضينا بجوازه. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV02P044 # أما أولا: فلأن المراد من الآية: {لا تقربوا} نفس الصلاة كما ms0559 هو مفهوم من ~~ظاهرها من غير حاجة إلى التأويل كما قال تعالى: {ولا تقربوا الزنى ~~}[الإسراء:32] والمراد بقوله: {إلا عابري سبيل} أي إلا مسافرا فإنه يقربها ~~وهو جنب بالتيمم من جهة أن انقطاع الماء في الأسفار يعرض كثيرا، فالمعنى: ~~لا تقربوا وأنتم أجناب في أي حالة من الحالات إلا في حال عبور السبول(1) # في الأسفار لانقطاع الماء بالتيمم. # وأما ثانيا: فيحتمل أن يكون المراد: لا تقربوا مواضع الصلاة التي هي ~~المساجد في حال الجنابة إلا أن تحتلموا في المساجد فتعبروا فيها للخروج ~~منها، ففي هاتين الحالتين(2) يحوز العبور في المساجد فأما من غيرهما فلا ~~وجه، فأما ما يحكى عن داود والأوزاعي فقد أفسدنا كلامهما فأغنى عن تكريره. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: قال الإمام المؤيد بالله: من اجتنب في المسجد تيمم إذا وجد ~~التراب ثم يخرج فإذا لم يجد فعليه الخروج، هذا إذا كان زمان التيمم أقصر من ~~زمان الخروج فإن كان أطول فليس عليه إلا الخروج. PageV02P045 # والمختار: أنه يجب عليه الخروج من المسجد مطلقا سواء كان زمان الخروج أضيق ~~أو أوسع ولا يحتاج إلى التيمم لخروجه، لقوله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري ~~سبيل}[النساء43]. ولأن التيمم إنما يتوجه لمن أراد اللبث وهذا تارك له فلا ~~يجب عليه التيمم لما هو تارك له. # الفرع الثاني: الذي ذهب إليه أئمة العترة أنه لا يجوز للمشركين دخول ~~المسجد الحرام، وهو محكي عن الشافعي. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام}[التوبة:28].وقوله : ((لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الجزية ولا لمشرك أن ~~يدخل المسجد الحرام))(1). # وحكي عن أبي حنيفة أن ذلك جائز. # والحجة له على ذلك: هو أن كل موضع جاز للمسلم دخوله فإنه يجوز للكافر ~~قياسا على سائر المواضع، وهذا فاسد فإن التفرقة بين المسلم والكافر ظاهرة، ~~من جهة أن المسلم معظم الحرمة، والكافر لا حرمة له، فلا يجوز قياس أحدهما ~~على الآخر لما بينهما من التفرقة، والحرم مخالف لسائر البقاع ولهذا فإنه ~~يجب التوجه إليه في الصلاة ويمتنع ms0560 القصاص ممن التجأ إليه عندهم فافترقا. # الفرع الثالث: هل يجوز للمشرك دخول ما سوى المسجد الحرام أم لا؟ وهذه ~~المسألة من فروع رطوبة الكفار وقد أسلفنا القول فيمن جوز رطوبتهم [أنه] جوز ~~لهم دخول المساجد لكونها طاهرة عنده وهذا هو رأي المؤيد بالله، وهو محكي عن ~~الفقهاء أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما، ومن قال بتنجيس رطوباتهم فإنه ~~يمنعهم من دخول المساجد، وهذا هو رأي القاسم والناصر والهادي ومحكي عن مالك ~~وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقد قررنا فيما سبق ذكر الاحتجاج للقولين ~~وبيان المختار والانتصار له فأغنى عن تكريره. # ويكره للجنب ضد ما يستحب له، وهو ترك غسل يديه وفمه عند الأكل. PageV02P046 # ويكره له معاودة الجماع من غير توضي ويكره له النوم من غير توضي، والمراد ~~بالكراهة هو التنزيه من غير تحريم، وأن خلاف ذلك(1) # هو الأفضل له كالشرب باليسار والإستنجاء باليمين إلى غير ذلك من الكراهات ~~المقصود بها التنزيه. # مسألة: ويستحب للجنب أن يبول قبل الاغتسال، قال الإمام زيد بن علي: أحب ~~للجنب أن يبول قبل الاغتسال لما روي عن النبي أنه قال: ((إذا جامع الرجل ~~فلا يغتسل حتى يبول " وإلا تردد بقية المني فكان منه داء لا دواء له))(2). # وهل يجب عليه ذلك أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن البول عليه واجب قبل أن يغتسل(3) # وهذا هو الذي نص عليه الهادي في الجامعين (الأحكام) و(المنتخب) وهو رأي ~~المؤيد بالله وهو مبني على أصل وهو أن بقية المني مقطوع به في الإحليل بعد ~~الإنزال ما لم يبل فمن أجل ذلك أو جبنا عليه البول ليكون دافعا لما بقي منه. # والحجة على ذلك: هي أن المني خروجه موجب للغسل فلا جرم كان بقاؤه مانعا ~~من صحة الغسل كدم الحيض. # المذهب الثاني: أنه غير واجب وهو رأي زيد بن علي وأحمد بن يحيى، وهو ~~اختيار السيد أبي طالب وهو مبني على أصل وهو أن بقية المني غير مقطوع به في ~~الإحليل، وهو محكي عن أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما. PageV02P047 # والحجة على ms0561 ذلك هي: أن موجب الطهارة إذا كان كامنا في البدن فإنه غير موجب ~~للطهارة إلا أن يخرج كسائر الأحداث فإذا اغتسل من غير بول ولم يتحقق بعده ~~خروج المني فإن الغسل غير لازم له من جهة أن الطهارة لا تزول إلا بحدث متيقن. # والمختار: ما قاله الإمام زيد بن علي والسيد أبو طالب ومن وافقهما من أن ~~البول غير واجب وإنما هو مستحب فإذا تعرض له الجنب استحب له أن يبول فإن لم ~~يبل اغتسل ولا حرج. # والحجة على ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا، وهو قوله تعالى: {وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا }[المائدة:6]. # وتقرير هذه الحجة من الآية هو أن الله تعالى أوجب الاغتسال للجنابة من ~~غير اشتراط أمر من الأمور وعقب الاغتسال بالفاء من غير فاصلة، وقوله لأمير ~~المؤمنين: ((فإذا فخضت الماء فاغتسل )). ولم يشترط بين الفضخ والاغتسال ~~أمرا من الأمور وفي هذا دلالة على أن البول قبل الاغتسال غير واجب. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: بقية المني مقطوع بها في الإحليل فكانت مانعة كبقية الحيض في الرحم. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن بقية المني مقطوع بها في الإحليل بل خروجه ~~يكون على وجه الدفق فلا يبقى له أثر. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا أن له بقية لكنه معفو عنه فلا يكون موجبا للغسل. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: هو أنا إذا قلنا بوجوب البول قبل الاغتسال كما هو رأي ~~الهادي والمؤيد بالله، فإن بال أجزأه الغسل سواء كان في أول الوقت أو في ~~آخره لأنه بالبول قد زال أثر المني المانع من صحة الغسل فلهذا كان مجزيا ~~له، وإن لم يبل بعد التعرض له فهل يلزمه تأخير الغسل إلى آخر الوقت أم لا؟ ~~فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول:أنه يجب عليه تأخير الاغتسال إلى آخر الوقت، وهذا هو رأي ~~الهادي. PageV02P048 # والحجة على ذلك هي: أن البول شرط في صحة اغتساله وما من وقت إلا وهو متوقع ~~لحصول البول [فيه] فلهذا وجب عليه ms0562 التأخير، لتكون صلاته كاملة كالمتيمم ~~فإنه يؤخر [الصلاة إلى آخر] الوقت لأنه مامن وقت إلا وهو يرجو وجود الماء ~~[فيه]، فإن تعذر البول اغتسل وصلى مخافة أن تفوته الصلاة لفوات وقتها، وتجب ~~عليه إعادة الغسل لهذا البول لأن بقية المني مقطوع به في الإحليل على ~~رأيه(1)، # فإذا زال اندفع بقية المني مع البول وبقاؤه يمنع من صحة الاغتسال. وهل ~~تجب عليه إعادة الصلاة على رأيه أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا تلزمه إعادة الصلاة وهذا هو الذي ذكره المؤيد بالله، لأنه ~~قد أداها كاملة وقد قال : ((لا ظهران في يوم ))، وهو الذي يأتي على رأي ~~الهادي من جهة أن المسألة اجتهادية بين العلماء، والمسائل الخلافية على ~~مذهبه لا يلزم فيها الإعادة مع فوات وقتها. # وثانيهما: أنه تلزمه الإعادة للصلاة، وهذا هو الذي ذكره الشيخ علي بن ~~الخليل وغيره من أصحابنا على رأي الهادي، ووجهه: أنه وقع غسله على فساد من ~~جهة أن بقية المني مانع من إجزاء الغسل فلم تكن الصلاة مجزية كما لو لم يغتسل. # المذهب الثاني: أنه يستحب له التأخير، وهذا هو الذي رآه المؤيد بالله، ~~ووجهه: محاذرة عن تكرر الغسل عليه إذا بال؛ لأن غسله يقع صحيحا لا محالة، ~~فلم يكن الاستحباب في التأخير إلا لما ذكرناه. # المذهب الثالث: أنه لا يلزمه التأخير ولا يستحب له، وهذا هو الذي ذكره ~~السيد أبو طالب مذهبا لأحمد بن يحيى(2)، PageV02P049 واختاره مذهبا لنفسه لأن الصلاة مؤقتة لقوله تعالى: {إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا }[النساء:103]. فلا وجه لتأخيرها عن وقتها المضروب ~~لها، ومن جهة أن المني غير مقطوع بأثره في الإحليل فإذا تعرض للبول ولم يبل ~~فعليه أن يغتسل للجنابة ويصلي ولا تلزمه إعادة الغسل والصلاة جميعا لأنهما ~~جميعا قد وقعا على نعت الصحة فلا وجه لإعادتهما. # والمختار: ما قاله الإمامان أبو طالب وأحمد بن يحيى لما ذكرناه من قبل، ~~وهو أن بقية المني غير مقطوع به في الإحليل وقد دللنا عليه بالآية والخبر ~~وإذا كان لا أثر ms0563 له صح الاغتسال والصلاة. # الفرع الثاني: إذا قلنا بأن بقية المني مقطوع به في قصبة الإحليل فهل ~~يكون مانعا من صحة الغسل أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه مانع من صحة الاغتسال، وهذا هو الذي يأتي على رأي ~~الهادي، وعلى هذا إذا اغتسل في آخر الوقت من غير بول جازت الصلاة مخافة ~~فواتها ويكون معذورا في تأديتها، ولا يجوز له دخول المسجد ولا قراءة القرآن ~~لأنه في الحقيقة جنب فلا يجوز له فعل هذه الأمور بحال. # المذهب الثاني: أن بقية المني وإن كان مقطوعا به في الإحليل لكنه إذا ~~اغتسل صح اغتساله وجاز له دخول المسجد وقراءة القرآن، لأن غسله وقع صحيحا ~~وزالت عنه الجنابة وذلك مستمر حتى يبول فإذا بال عاد عليه حكمها من جهة ~~اندفاع بقية المني عن الإحليل، وهذا هو رأي المؤيد بالله. ووجهه ما ذكرناه. # الفرع الثالث: إذا اغتسل في أول الوقت ولم يبل فإنه تجب عليه إعادة الغسل ~~والصلاة جميعا على رأي الهادي. PageV02P050 # ووجه ذلك: هو أنه قد أخل بشرط الصلاة وهو الطهارة فلهذا وجبت عليه الإعادة ~~لهما لوقوعهما على فساد، والتفرقة بين أول الوقت وآخره على رأيه حيث قال: ~~بوجوب إعادة الغسل والصلاة إذا وقعا في أول الوقت بخلاف ما إذا وقعا في آخر ~~الوقت فإنه لا يعيد إلا الغسل دون الصلاة، هو أنه إذا كان في آخر الوقت فهو ~~معذور في تأدية الصلاة فلهذا كانت مجزية بخلاف ما إذا وقعت في أول الوقت ~~فإنه غير معذور في تأديتها فلهذا وجبت عليه الإعادة لهما جميعا فافترقا. # الفرع الرابع: إذا اغتسل في أول الوقت ولم يبل ولم يتعرض للبول فإنه تجب ~~عليه إعادة الغسل والصلاة جميعا، وهذا هو الذي يأتي على رأي أحمد بن يحيى، ~~وظاهر كلامه أن التعرض للبول شرط في صحة الصلاة والغسل جميعا فكأنه قد أخل ~~بشرط، فلا جرم لم يكونا مجزئين في حقه، فأما على كلام السيد أبي طالب فلا ~~يجب عليه ذلك بل يلزمه أن يستقصي في إنزال بقية ms0564 المني، فإذا فعل ذلك واغتسل ~~وصلى في أول الوقت فقد أدى ما وجب عليه. # قال الإمام المؤيد بالله: ولا بأس للرجل أن يدخل المسجد وعلى ثوبه أو ~~بدنه نجاسة أو معه شيء نجس وهو لا ينجس المسجد، لما روي عن النبي أنه دخل ~~المسجد وعلى ثوبه نجاسة فأمر به إلى عائشة من المسجد فغسلته في بيتها ثم ~~أمرت به إليه(1)، # ولأنه لا يخشى منه نجاسة المسجد فجاز ذلك كما لو كان طاهرا، وإن كان يخشى ~~منه تنجيس المسجد لم يجز ذلك، لما روي عن النبي أنه أراد دخول المسجد فخلع ~~نعليه من رجليه فلما رآه أصحابه من بعده حلوا نعالهم فقال: ((ما بالكم))!؟ ~~فقالوا: رأيناك حللت فحللنا. فقال: ((إن جبريل أخبرني أن فيها قذرا ))(2)، # فدل ذلك على أنه لا يجوز الدخول بها المسجد مخافة تنجيسه. PageV02P051 # الفرع الخامس: ما ذكرناه من وجوب تقديم البول قبل الاغتسال من الجنابة، ~~إنما يكون شرطا في حق الرجال، فأما في حق النساء فلا يكون شرطا لأن مخرج ~~الحيض والمني في حقهن غير مخرج البول كما وصفناه من قبل، فلا يحصل لهن في ~~تقديم البول استنزال بقية المني لما كان المخرجان مختلفين. # قال السيد أبو العباس: فإن بال ثم خرج مني بعد الغسل فإنه لا يلزمه ~~[إعادة]الغسل إلا باستحداث شهوة، لأنه ليس بمني. وهذا يلائم ما ذكره الهادي ~~في (الإحكام)، فأما اختياره لنفسه فقد قررناه فيما تقدم أنه موجب للغسل ~~واخترناه وهو رأي الشافعي. # قال أبو حنيفة ومحمد: إذا جامع الرجل واغتسل من ساعته قبل أن يبول ثم خرج ~~بقية المني فعليه الغسل لأنه من آثار المني الأول. # قال أبو يوسف: لا غسل عليه. # وحكي أيضا: أنه لو احتلم الرجل فأمسك على ذكره فلم يخرج منيه على الفور ~~ثم خرج بعدما سكنت شهوته، ففي قول أبي حنيفة ومحمد: عليه الغسل كما لو خرج ~~على الفور. # قال أبو يوسف: لا غسل عليه. # قال الشافعي وزفر: يجب عليه الغسل متى خرج بال أو لم يبل. # قال أبو يوسف ms0565 ومالك: ليس عليه غسل بال أو لم يبل. وقد قدمنا الكلام في ~~هذه المسألة وذكرنا المختار من ذلك والانتصار لما ذكرناه فأغنى عن الإعادة. ~~والله الموفق. # الفرع السادس: إذا لف على ذكره خرقة ثم أولجه في فرج امرأته ولم ينزل ~~الماء فهل يجب عليه الغسل أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه محكية عن أصحاب الشافعي: # أحدها: أنه لا يجب عليهما غسل لأن كل ما أوجب الطهارة عندهم من الملامسة ~~من غير حائل فإنه لا يوجبها مع الحائل كالطهارة الصغرى. # وثانيها: أنه يجب عليهما الغسل لأنه يسمى مولجا كما لو كان من غير حائل. # وثالثها: أنه إذا كانت الخرقة رقيقة وجب عليهما الغسل لأن وجودها كعدمها ~~وإن كانت صفيقة لم يجب عليهما الغسل. PageV02P052 # والمختار عندنا على المذهب: وجوب الغسل عليهما جميعا لقوله : ((إذا التقى ~~الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل))، ولم يفصل بين أن يكون هناك حائل ~~أو لم يكن. وإذا قلنا بوجوب الغسل عليهما فهل يكونان جنبين(1) # محدثين فيتوجه عليهما الوضوء والغسل جميعا أو يكونان جنبا من غير حدث فلا ~~يجب عليهما إلا الغسل لا غير؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي: # أحدهما: أنهما يكونان جنبا من غير حدث، وهو محكي عن الشيخ أبي حامد ~~الإسفرائيني منهم، لأنه يقال له جنب ولا يقال له محدث. # وثانيهما: أنهما يكونان جنبين محدثين وهذا هو المحكي عن الشيخ أبي الطيب ~~الطبري، وهذا هو الذي نختاره للمذهب من جهة أن الحدث يكون بخروج الخارج من ~~السبيلين، وا لجنابة تكون بخروج المني فاجتمع فيه العلتان، ولأنه إذا وجب ~~الغسل استحال بقاء الطهارة الصغرى. وثمرة الخلاف في المسألة: هو أن كل من ~~أوجب الوضوء والغسل لكونه جنبا محدثا فإنه يوجب الوضوء مرتبا، ومن قال بأنه ~~لا يجب الوضوء، لكونه جنبا غير محدث فإنه لا يجب عليه الوضوء بحال. PageV02P053 # الفرع السابع: وإذا قلنا بأن الرجل إذا أولج ذكره مع الحائل فإنه يكون جنبا ~~من جهة أن الختانين قد التقيا وذلك موجب للغسل كما مر شرحه، ويكون محدثا ~~أيضا من جهة ms0566 أن الإيلاج مظنة الحدث وإن لم يحدث كما أن النوم مظنة بخروج ~~الناقض وكما أن الخلوة مظنة لشغل الرحم، وإن لم يكن هناك وطء فلما كان ~~الشرع يقيم مظنة الشيء مقامه لا جرم كان الإيلاج قائما مقام خروج الخارج، ~~فلأجل ذلك كان موجبا للوضوء. وإذا كان الرجل جنبا محدثا بأن جامع فأنزل أو ~~احتلم فأنزل أو أولج ذكره من غير إنزال فقد وجب عليه الوضوء والغسل جميعا، ~~فهل يجزيه الغسل فقط عن الوضوء أو لا بد من الوضوء؟ فيه كلام نستوفيه في ~~واجبات الغسل وصفته بمعونة الله تعالى. # مسألة: قال الإمام القاسم، في ثلاثة(1) # أنفس في بيت واحد، جنب وحائض وميت، وهناك ماء في كوز ولا يقدر(2) # على غيره. الأحق بالماء من كفاه، ومن لم يكفه فالتيمم بالصعيد الطيب، فإن ~~كان يكفي كل واحد منهم على الإنفراد ولا يكفي جماعتهم فالحائض أحق به. # واعلم أن هذه المسألة قد اشتملت على فروع خمسة نذكرها ونفصلها بمعونة ~~الله تعالى: # الفرع الأول: أن يكون الماء مباحا أو كان لغيرهم وأراد أن يجود به على ~~أحدهم وكان كافيا له فأي هؤلاء الثلاثة يكون أحق به؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن تكون الحائض أحق به وهذا هو رأي القاسم كما حكينا في ~~ظاهر المسألة وهو اختيار السيد أبي طالب. # والحجة على ذلك: هو أن الحائض إنما يراد من غسلها لحق الآدمي وهو الوطء ~~بخلاف الجنب والميت فإن المراد بغسلهما هو لحق الله تعالى وهو أداء العبادة ~~عليهما وإذا ازدحم حق الله تعالى وحق الآدمي، كان حق الآدمي أحق بالتقديم ~~كالدين والوصية. # المذهب الثاني: أن الميت أحق، وهذا هو المحكي عن الشافعي. PageV02P054 # والحجة على ذلك هي: ما قاله الشافعي: وهو أن هذه خاتمة أمر الميت ولا ترجى ~~له طهارة بعد هذا، والجنب والحائض ترجى لهما الطهارة بعد ذلك. # والمختار: أن الأحق بالماء الميت كما قال الشافعي، ليس لما قاله ولكن من ~~جهة أن غسله لا يراد به رفع الحدث للصلاة وإنما المقصود به التنظيف وذلك لا ms0567 ~~يحصل بالتراب، والقصد من طهارة الجنب والحائض إنما هو رفع الحدث واستباحة ~~الصلاة ولا شك أن التيمم يقوم مقام الماء في استباحة الصلاة فلهذا كان ~~[الميت] أحق بالماء لما ذكرناه. وأما ما ذكره الشافعي من التعليل فهو فاسد، ~~لأن ظاهره دال على أن وجوب الطهارة متعلق به وليس الأمر كما ظنه ولكن ~~التكليف بتطهيره متعلق بالأحياء إذ لا يعقل في حقه تكليف لانقطاعه بالموت، ~~والحي إذا اجتمع عليه حقان يتعلقان بالعبادة، يتعلق أحدهما بنفسه والآخر ~~يتعلق بغيره، قدم ما يختصه في نفسه كالصلاة في آخر الوقت والصلاة على ~~الجنازة إذا اجتمعا. وكالصحيح إذا تضيق عليه وقت الصلاة وهناك مريض مدنف ~~يحتاج إلى الوصية والوضوء إلى غير ذلك. # ويمكن الانتصار لما قاله القاسم وهو: أن الحائض قد بعد عهدها بالتنظيف ~~وتكاثفت نجاستها في بدنها وأثوابها فلا جرم كانت أحق بالماء لتطهيرها مما ~~هي [عليه]، وكلامه في ترجيحها بالأحقية إنما هو إذا كان لها زوج فأما إذا ~~لم يكن لها زوج فسيأتي الكلام فيه. # الفرع الثاني: إذا اجتمع هؤلاء الثلاثة وكان الماء ملكا لأحدهم نظرت، ~~فإذا كان الذي يملكه هو الميت فإنه يكون أحق به ولا يجوز بذله لمن كان حيا ~~إلا أن يخشى الحيان التلف من العطش فلهما أن يشتريا ذلك بقيمته من الورثة ~~لأنه ملك لهم، وييمم الميت بالتراب ويوارى في حفرته لأن حفظ مهجة الحي ~~وتدارك حشاشته أهم في مقصود الشرع من التطهر في حق الميت الذي له بدل يقوم ~~مقامه، وإن كان الماء للحائض فإنها تكون أحق به لكونه ملكا لها. # وهل يجوز بذله للميت؟ فيه وجهان: PageV02P055 # أحدهما: أن ذلك غير جائز، وهذا هو الذي يأتي على رأي أئمة العترة وهو الأصح ~~من قول الشافعي لأنها محتاجة إليه لأداء العبادة فلا يحل لها بذله. # وثانيهما: أن الميت يكون أحق به، وهذا شيء يحكى عن الشيخ أبي إسحاق من ~~أصحاب الشافعي وقد أنكره ابن الصباغ في (الشامل) وقال: هذا لا يعرف ~~للشافعي، لأنه محتاج إليه(1) # كما أشرنا إليه فلا ms0568 يحل له بذله(2)، # وإن كان الماء للجنب فهو أحق به ولا يجوز له بذله مع حاجته إليه فإن خالف ~~الجنب والحائض وبذلا الماء للميت مع حاجتهما إليه وأخذا ثمنه لهما من مال ~~الميت كانا مخطئين لما لهما فيه من الحاجة ولم يزل ملكهما عنه، فإن تيمما ~~وصليا نظرت فإن كان مع وجود الماء لم يصح تيممهما لكونه تيمما مع وجود ~~الماء وإن كان مع عدمه جاز ذلك، وهل تلزمهما الإعادة أم لا؟ والأقرب على ~~المذهب: أنه لا تلزمهما الإعادة لما صليا بالتيمم لقوله : ((لا ظهران في ~~يوم )) وحكي عن الشافعي قولان. PageV02P056 # الفرع الثالث: إذا اجتمع هؤلاء الثلاثة وكانت الحائض لا زوج لها، فالأقرب ~~على ما اخترناه من قبل، وعلى رأي القاسم: أن الميت يكون أحق بالماء لما ~~ذكرناه من أن المقصود بطهارة الميت هو التنظيف، ولا بدل له، بخلاف الحائض ~~فإن المقصود بطهارتها رفع الحدث وله بدل وهو التراب، وعلى رأي القاسم أيضا ~~لأنه إنما رجح الحائض لأجل حق الآدمي وهو الوطء وهذه لا بعل لها فلا وجه ~~للترجيح به، فلا جرم سلم المعنى المقصود في حق الميت فلهذا قضينا بكونه أحق ~~بالماء من غيره، وإن اجتمع حي على بدنه نجاسة وميت، والماء يكفي أحدهما، ~~فالذي يأتي على رأي الشافعي: أن الميت أحق، والأقرب: أن الحي أولى من جهة ~~أن طهارة الميت لها بدل بخلاف طهارة النجاسة فإنه لا بدل لها، وإن كان ~~الماء لا يكفي واحدا من هؤلاء الثلاثة فقد قال القاسم: ومن لم يكفه الماء ~~فالتيمم بالصعيد الطيب. وهذا ظاهر لأن كلامنا في الأحق بالماء إنما هو مع ~~كمال التطهير بالماء فأما مع أن الطهارة لا تكمل به فالواجب العدول إلى بدله. # الفرع الرابع: وإن اجتمع جنب وحائض قد طهرت وهناك من الماء ما يكفي ~~أحدهما، فأيهما يكون أحق به؟ فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن الحائض أحق، لأنها تستبيح بالغسل أكثر مما يستبيح به الجنب وهو ~~إباحة الوطء، وهذا هو الذي يأتي على رأي القاسم فيما إذا اجتمع ms0569 الثلاثة. # وثانيها: أن الجنب أحق من جهة أن غسل الجنابة معلوم بنص القرآن وغسل ~~الحيض مأخوذ من أخبار الآحاد وطرق الاجتهاد(1). # وثالثها: أنهما سواء من جهة أن كل واحد منهما مفتقر إلى الطهارة بالماء، ~~والتراب بدل عنهما(2) PageV02P057 جميعا فلهذا كانا مستويين. # والمختار: أنهما سواء من جهة أنه لا يشار إلى أحدهما بخصوصية إلا ويمكن ~~حصولها للآخر، ولهذا حكمنا عليهما بالإستواء. # وإن كان رجل على بدنه نجاسة وهو محدث ومعه من الماء ما يكفي أحدهما دون ~~جميعهما فإنه يغسل النجاسة بالماء ثم يتيمم للحدث، من جهة أن التيمم لا ~~يصلح لإزالة النجاسة ولا بدل لها(1) # والتيمم ينوب عن الحدث فلهذا وجب استعمال الماء فيما لا يقوم غيره مقامه. # الفرع الخامس: وإذا اجتمع جنب ومحدث وهناك ما يكفي أحدهما دون الآخر نظرت ~~فإن كان يكفي المحدث ولا يكفي الجنب فالمحدث أحق به لأنه يرفع حدثه ويسقط ~~فرضه، والجنب لا يرفع حدثه ولا يسقط فرضه على رأي بعض أهل الاجتهاد كما ~~سنوضحه بعد هذا بمعونة الله تعالى. # وإن كان الماء يكفي الجنب ويفضل عنه ما يغسل به المحدث بعض أعضائه، ويكفي ~~المحدث ويفضل عنه ما لا يكفي الجنب فالجنب أحق به، من جهة أن حدث الجنابة ~~أغلظ من حيث أنه لا يقدر على الحصول في المسجد ولا على قراءة القرآن، وإن ~~كان الماء يكفي الجنب ولا يفضل منه شيء ويكفي المحدث ويفضل عنه ما يغسل به ~~الجنب بعض أعضائه ففيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن الجنب أولى من جهة أن حدثه أغلظ. # وثانيها: أن المحدث أحق به لما فيه من التشريك بينهما(2). # وثالثها: أنهما سواء لأنه يرفع به حدث عن كل واحد منهما. # والمختار على المذهب: أن المحدث أحق به لما فيه من مزيد الفائدة وهو أن ~~كل واحد منهما يصلي وقد ارتفع عنه الحدث بالطهارة المائية، فهذا ما أردنا ~~ذكره في هذه المسألة وبتمامه يتم الكلام على الفصل الثاني وهو ما يجوز ~~للجنب فعله وما لا يجوز وبالله التوفيق. PageV02P058 # --- ### ||| AUTO الفصل الثالث في ms0570 بيان واجبات الغسل وذكر كيفيته # وقد أوضحنا أن الواجب من الغسل أنواع أربعة: الجنابة، والحيض، والنفاس، ~~والموت، وما يتعلق [بها]. والذي نذكره هاهنا هو الأمور الواجبة في الغسل ~~الذي لا يكون غسلا شرعيا مجزيا في العبادة إلا به(1) # فالنية في غسل الجنابة وغيره واجبة عند أئمة العترة لا يختلفون في ذلك، ~~وهو قول الشافعي ومالك وعند أبي حنيفة وأصحابه، ومحكي عن سفيان الثوري أنها ~~غير واجبة، والخلاف فيه وفي الوضوء واحد إذ لا قائل بالتفرقة بينهما، فمن ~~أوجب النية أوجبها فيهما جميعا، ومن منع النية منعها فيهما جميعا، والأدلة ~~التي أشرنا إليها في الوضوء في إيجاب النية جارية هاهنا، وذكر الإختيار ~~والانتصار له قد أسلفناه فأغنى عن تكريره. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: النية في الجنابة، يجب أن تكون لرفع الجنابة أو رفع الحيض ~~أو رفع النفاس أو غير ذلك من الأسباب الموجبة للغسل لأن ذلك السبب هو ~~المؤثر في وجوب الغسل فلأجل ذلك أثر تعيينه في كون الغسل مجزيا، وهكذا لو ~~نوى في غسله أنه للصلاة مطلقا أو لصلاة معينة أو لرفع الحدث الأكبر أجزأه ذلك. PageV02P059 # قال السيد الإمام أبو طالب: لأن نية الغسل لا تعلق لها بالصلاة بخلاف نية ~~الوضوء فإن لها تعلقا بالصلاة فلأجل ذلك أنه إذا نوى في الغسل ما ذكرناه من ~~تلك الأمور أجزأه بخلاف الوضوء كما مر بيانه، وإنما لم يكن للغسل تعلق ~~بالصلاة من جهة أنه لا تؤدى به الصلاة حتى ينضم إليه الوضوء، فمن أجل ذلك ~~افترقا. وهكذا لو نوى بغسله قراءة القرآن أو دخول المسجد اجزأه ذلك، أو غير ~~ذلك من الأفعال التي تمنع من فعله الجنابة، ولو نوى رفع الحدث الأصغر لم ~~يكن غسله مجزيا من جهة أن الجنابة لا ترتفع بارتفاع الحدث الأصغر، ولهذا ~~فإنه لو توضأ وهو جنب لم يكن حدث الجنابة مرتفعا بالوضوء وهذا على رأي ~~السيد أبي طالب وأبي العباس في التفرقة بين الوضوء وغسل الجنابة بالوجه ~~الذي ذكرناه. # فأما على رأي المؤيد بالله وهو ms0571 المختار عندنا، فإنه لا تفرقة بينهما في ~~أنه لو نوى رفع الحدث أو نوى صلاة معينة أنه يكون مجزيا له في الوضوء ~~والغسل جميعا كما قررناه في الوضوء. # الفرع الثاني: نية الغسل يجب أن تكون مقارنة لأول جزء من أجزائه كما ~~ذكرناه في الوضوء من جهة أن المقارنة في النية هي الأصل في كل فعل، وإنما ~~جوزنا التقديم والتأخير في بعض النيات لدليل دل عليه وأمر اقتضاه، فإن لم ~~تدل دلالة ظاهرة على جواز التقديم والتأخير وجب القضاء بالمقارنة لأنه هو ~~الأصل كما أشرنا إليه. # قال الإمام المؤيد بالله: ومن كان جنبا فاغتسل من غير أن ينوي رفع الحدث ~~أو أداء الصلاة لم يكن اغتساله صحيحا وإنما كان الأمر كما قلناه من جهة أن ~~النية شرط في صحة الاغتسال كما قررناه من قبل فإذا لم يأت بها فإنه يكون ~~مخلا بشرط من شروط الاغتسال فلهذا لم يكن غسله مجزيا له. # الفرع الثالث: قال الإمام المؤيد بالله: فإن صلى فعليه الإعادة إذا أعاد الغسل. # واعلم أن كل ما كان من المسائل الاجتهادية التي وقع فيها الخلاف بين ~~العلماء [في هذه المسألة] ففيه وجهان: PageV02P060 # أحدهما: أنه تلزمه الإعادة على رأيه ولا يراعى في ذلك بقاء الوقت وخروجه. # وثانيهما: أن يراعى في وجوب الإعادة بقاء الوقت فإن كان قد مضى الوقت لم ~~تجب عليه الإعادة، وهذا هو رأي الهادي، وقد قررنا هذه المسألة في باب ~~الوضوء وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن تكريره. # الفرع الرابع: قال المؤيد بالله: ومن اغتسل للعيد أو للجمعة ثم ذكر أنه ~~كان جنبا وجب عليه إعادة الاغتسال للجنابة من جهة أن النية واجبة كوجوبها ~~في الوضوء ولأنه اغتسل لغير الجنابة فلا يجزيه عن غسلها كما لو نواه ~~للتبرد. وقال أيضا: فإن اغتسل وهو شاك في جنابته ثم إنه تيقن بعد ذلك جنابة ~~أجزأه غسله لأنه قد نوى الجنابة عند الاغتسال فوجب أن يكون مجزيا له كما ~~إذا كان متيقنا لها عند الغسل. # مسألة: المضمضة والإستنشاق مشروعان في غسل ms0572 الجنابة عند أئمة العترة وهو ~~قول فقهاء الأمة لما روت عائشة عن النبي أنه كان إذا اغتسل من الجنابة ~~تمضمض واستنشق(1). # وروى ابن عباس عن خالته ميمونة أنها قالت: وضعت لرسول الله غسلا فتمضمض ~~واستنشق(2). PageV02P061 # وهل يكونان واجبين أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنهما واجبان، وهذا هو قول الأكثر من أئمة العترة، ومحكي ~~عن أبي حنيفة وأصحابه وعطاء وطاووس وابن أبي ليلى وإسحاق وسفيان الثوري. # والحجة على ذلك:قوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا}[المائدة:6]. # ووجه دلالة الآية هو:أنه تعالى أمر بالتطهير وظاهرها دال على وجوب ~~التطهير في كل عضو يلحقه التطهير من غير تخصيص، ولا شك أن الفم والأنف من ~~جملة الأعضاء التي يلحقها التطهير بالماء فيجب القضاء بوجوب تطهيرهما. # الحجة الثانية: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((تحت كل شعرة جنابة ~~" فبلوا الشعر وأنقوا البشر))(1). ولا شك أن في الأنف شعرا وفي الفم(2) ~~بشرا قال ثعلب: البشرة هي الجلدة التي تقي اللحم من الأذى. # المذهب الثاني: أنهما سنتان، وهذا هو رأي الإمام الناصر والشافعي ~~وأصحابه، ومحكي عن مالك. # والحجة على ذلك: قوله لأم سلمة لما سألته عن غسل الجنابة: ((إنما يكفيك ~~أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء " ثم تفيضي عليك الماء فإذا أنت قد ~~طهرت))(3). # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من القول بوجوبهما في غسل الجنابة ~~ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد ههنا حجتين: PageV02P062 # الحجة الأولى: قوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا}[المائدة:6]. فالآية ~~مجملة إذ لا يمكن امتثال الأمر من ظاهرها، وبيانها موكول إلى الرسول وقد ~~أوضحها عليه الصلاة والسلام بقوله: ((المضمضة والإستنشاق فريضة في غسل ~~الجنابة ثلاثا " ))(1). # وبفعله، فإنه كان إذا اغتسل من الجنابة تمضمض واستنشق. # الحجة الثانية: قياسية، وهي أن نقول: عضو من أعضاء الطهارة بدليل ما تقدم ~~أنه يجب إيصال الماء إليه في الوضوء ويجب غسله من النجاسة فوجب غسله من ~~الجنابة كالأذن وداخل اللحية ولأنهما عضوان يلحقهما حكم التطهير من النجاسة ~~فوجب غسلهما من الجنابة كالرأس والرجل، ولأنه يسن ms0573 تكرير غسلهما في الجنابة ~~فكان غسلهما مرة فرضا واجبا كسائر الأعضاء. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: الآية في قوله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا " ~~}[النساء:43]. فأمر بالغسل ولم يأمر فيه بالمضمضة والإستنشاق فدل ذلك على ~~أنهما غير واجبين. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الآية على ما قلناه أدل لأن ظاهرها لم يفصل بين عضو وعضو ~~فهي بأن تكون دلالة لنا أحق من أن تكون دلالة لكم. # وأما ثانيا: فلأنها تقتضي وجوب تطهير جميع ما يلحقه التطهير من البدن، ~~وهذان العضوان من جملة ما يلحقه التطهير فلا جرم قضينا بوجوب غسلهما. # قالوا: حديث أم سلمة دال على أنهما غير واجبين لأنه قال لها: ((إنما ~~يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات " فإذا أنت قد طهرت)) ولم يذكرهما. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ظاهر الحديث متروك لأنه دال على أن الوجه غير مغسول لأنه ~~لم يذكره في الحديث. # فإن قالوا: قد علم بالدلالة وجوب غسله. # قلنا: المضمضة والإستنشاق معلوم غسلهما بالدلالة. PageV02P063 # وأما ثانيا: فلأنا قد دللنا على وجوب غسلهما بما ذكرناه من الأخبار فيجب ~~الجمع بينها وبين ما أوردوه. وعلى هذا يكون التقدير فيما روته أم سلمة، أما ~~أنا فأتمضمض وأستنشق ثم أحثي على رأسي ثلاث حثيات، وإذا كان الأمر فيه كما ~~قلنا بطل ما توهموه. # قالوا: عضو باطن من أصل الخلقة دونه حائل معتاد فأشبه داخل العين. # قلنا: أما من قال بوجوب غسل داخل العين فلا يلزمه هذا القياس لأنه يمنع ~~من الحكم من الأصل فلا يمكن القياس عليه، وأما من قال بأن غسل داخلهما غير ~~واجب كما هو المختار عندنا وهو رأي أكثر العترة فالجواب عنه: أن في غسل ~~داخل العين مشقة وحرجا، وهذا غير حاصل في العضوين، ثم إنه معارض بما ذكرنا ~~من الأقيسة المذكورة فيجب القضاء بتساقط الأقيسة والرجوع إلى الأدلة ~~النقلية التي مهدناها. # قالوا: عضو ينطبق انطباق الخلقة أو عضو منطبق فلا يجب إيصال الماء إليه ~~كداخل العينين. # قلنا: ms0574 عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الطهارات كلها جارية على جهة التحكم من جهة الشارع، ~~والمعاني فيها منسدة فلا تلوح فيها مخايل المعاني ولا تنقدح فيها مسالك ~~الأشباه وإنما مستندها تحكمات الشارع في أقواله وأفعاله. PageV02P064 # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا جري الأقيسة فيها لكن ما ذكرتموه ليس من قبيل ~~المعاني ولا من قبيل الأشباه المعتمدة، وإنما هو من قبيل الأوصاف الطردية ~~التي لا يعول عليها محصل، ولهذا فإنه يعارض بأدنى معارضة على القرب، فيقال ~~فيه: عضوان لهما أثر في جمال الوجه وكمال الخلقة فيجب غسلهما في الجنابة ~~كالعين والشفة، أو عضوان تجب الدية الكاملة بقطعهما فيجب غسلهما في الجنابة ~~كالعينين والشفتين إلى غير ذلك من الهذيانات الركيكة والركاكات المتروكة ~~التي لا يعلق شيء من أحكام الشريعة عليها، ولولا أن القاضي زيد من أصحابنا ~~حكاه عنهم لما تكلمنا عليه بالإبطال لكونه من الطرديات المهجورة. ولم أعلم ~~أن أحدا من نظار أصحاب الشافعي أورده وما ذاك إلا لركته ونزول قدره وأنه ~~صار في حيز الهجران باتفاق الفقهاء الخائضين بحر القياس الممهدين لقواعده. # قالوا: غسل واجب فلا يجب غسلهما فيه كالغسل من الموت. # قلنا: عما ذكروه جوابان: # أما أولا: فنمنع الحكم في الأصل ونقول: بل يجب غسلهما في حق الميت لأنهما ~~من جملة جسمه وهذا إنما يلزم الحنفية حيث لم يوجبوه. # وأما ثانيا: فلأنهما عضوان يجب غسلهما من النجاسة ولا يبطل الصوم بترك ~~[بقايا من] الطعام فيهما فيجب غسلهما في الجنابة كسائر الأعضاء فبطل ما ~~توهموه. # مسألة: ويجب تخليل [شعر اللحية] وشعر الرأس وإيصال الماء إلى جميع البدن، ~~ظاهره وهو ما لا يكون مستورا بغيره، وغامضه وهو ما يكون مستورا بغيره ~~كالمعاطف والأرفاغ(1) PageV02P065 في البدن، نص الهادي على ذلك في المنتخب. وهو قول أئمة العترة وفقهاء الأمة ~~وذلك لما روي عن الرسول أنه قال: ((بلوا الشعر وأنقوا البشر " فإن تحت كل ~~شعرة جنابة)). وقوله : ((من ترك موضع شعرة في جسده من جنابة فعل به كذا ~~وكذا في النار " ))(1). # ويجب عليه غسل ظاهر أذنيه ms0575 وباطنهما لأنهما من الأعضاء الظاهرة. ويدخل ~~الماء فيما ظهر من صماخيه لما ذكرناه من الخبر، ولا يجب عليه غسل ما بطن ~~كالعين وداخل الأنف على الرأي المختار وهو قول أكثر الفقهاء وأكثر أئمة ~~العترة. # فأما على رأي المؤيد بالله فإنه يجب عليه غسل عينيه كما ذكره في الوضوء ~~وقد سبق تقريرها فيه، ولو كان داخل عينيه شعر فإنه لا يجب عليه غسله لما ~~ذكرناه من عدم وجوب غسلهما. # وهل يجب الدلك لما يمكن دلكه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجب دلك ما يمكن دلكه من الجسم في غسل الجنابة، وهو ~~رأي أئمة العترة وهو محكي عن مالك. # والحجة على ذلك: ما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين كرم الله ~~وجهه قال: لما كان في ولاية عمر قدم وفد من العراق عليه فقالوا: جئنا نسألك ~~عن أشياء. # فقال: هاتوا. # فقالوا: نسألك عن الغسل من الجنابة. PageV02P066 # فقال: ويلكم أسحرة أنتم! ما سألني عنهن أحد منذ سألت رسول الله . ثم قال: ~~ألست شاهدا يا أبا الحسن؟. قال: بلى. قال: فماذا أجابني رسول الله فإنك ~~أحفظ مني. فقال: سألته عن الجنابة فقال: ((تصب على يديك الماء قبل أن تدخل ~~يدك إناءك " ثم تضرب بيدك إلى مرافقك فتنقي ثم تضرب بيدك إلى الأرض ثم تصب ~~عليها من الماء ثم تتمضمض وتستنشق ثلاثا وتغسل وجهك وذراعيك وتمسح رأسك ~~وتغسل قدميك وتفيض الماء على جانبيك وتدلك من جسدك ما نالت يدك))(1). # فذلك أمر والأمر يقتضي الوجوب. # الحجة الثانية: قياسية وهو: أن الغسل إزالة مانع من الصلاة بماء فوجب أن ~~يكون من شرطه إمرار اليد أو ما يقوم مقامها كغسل النجاسة(2). # المذهب الثاني: أنه لا يجب الدلك وهذا هو رأي الناصر وهو محكي عن الفقهاء ~~أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: ما في حديث أم سلمة حين قال لها: ((أما أنا فأحثي على ~~رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت " )). ولم يشترط الدلك. # الحجة الثانية: قياسية وهي: أنها طهارة حكمية فكان ms0576 المسح مجزيا فيها ~~كالتيمم. # والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة من اشتراط الدلك. PageV02P067 # والحجة عليه: ما قالوه ونزيد ههنا وهو أن المفهوم من الغسل لغة وشرعا هو ~~إمرار اليد على الشيء المغسول ولهذا فإنه من طرح الثوب في الماء حتى جرى ~~عليه فإنه لا يوصف بكونه غاسلا له، وهكذا فإن من قعد بين الماء ولم يمر يده ~~على جسده فإنه لا يكون غاسلا له ولا يوصف بالغسل، ولأنه غسل مأمور به من ~~أجل أداء الصلاة فلا بد فيه من الدلك أو ما يقوم مقامه كغسل النجاسة. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: حديث أم سلمة لم يشترط فيه الدلك(1). # قلنا: إنما لم يذكره اتكالا في بيانه على ما هو المفهوم من الغسل في ~~اللغة والعرف فلهذا لم يشترطه. # قالوا: طهارة فكان المسح مجزيا فيها كالتيمم. # قلنا: المعنى في الأصل كونها طهارة بالماء فلهذا وجب اشتراط الدلك فيها ~~ثم إنا نعني بالدلك إمرار اليد مع جري الماء فإذا كان هذا مسلما منكم ارتفع ~~الخلاف. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: إذا قعد الغاسل من الجنابة تحت ميزاب يصب عليه ونوى عنده ~~[غسل الجنابة] أجزاه ذلك لأنه قد حصل ما هو أبلغ من إمرار اليد وهو قوة ~~الماء فلهذا كان كافيا، وهو الظاهر من كلام الإمامين القاسم والمؤيد بالله. ~~والخلاف في وجوب الدلك في الوضوء والغسل واحد وقد قررناه في باب الوضوء وأن ~~أهل اللغة يفرقون بين المسح والغسل فيقولون: # الغسل هو: إمساس العضو الماء حتى يسيل عنه مع الدلك. # والمسح: إمساسه الماء بحيث لا يسيل عنه. # وعلى رأي من لا يعتبر الدلك [شرطا] يجعل الغسل مسحا وتكون التفرقة عندهم ~~بين الغسل والمسح هو أن التعميم مشترط في الغسل دون المسح فلا يعتبر فيه بل ~~يصيب ما أصاب ويخطيء ما أخطأ، فصارت واجبات الجنابة خمسة عند أئمة العترة: ~~النية، والمضمضة والإستنشاق(2)، PageV02P068 وتخليل شعر اللحية والرأس ليصل الماء إلى مغارز الشعر، ودلك جميع البدن ~~كله، ونقص أبو حنيفة النية والدلك، ونقص ms0577 الشافعي المضمضة والإستنشاق ~~والدلك، وقد قررنا الأدلة على ما ذكرناه من هذه الأمور الواجبة فكان مغنيا ~~عن الإعادة. # الفرع الثاني: ومن كان جنبا ونسي الجنابة واغتسل عن الحدث أجزأه ذلك ~~الغسل في أعضاء الوضوء دون غيرها من سائر جسده، وهكذا إذا توضأ عن الحدث ~~أجزأه ما غسله من أعضاء الوضوء عن الجنابة. وكذلك لو غسل الجنب جميع بدنه ~~إلا رجليه ونسي الجنابة وغسلهما بنية الوضوء أجزأه عن الجنابة، لأن فرض ~~الطهارة في أعضاء الوضوء من الجنابة والحدث واحد، فلهذا أجزأه غسلهما. ~~وهكذا لو تيمم عن الحدث ونسي الجنابة أجزأه ذلك، لأنه لو ذكر الجنابة لم ~~يكن عليه أكثر مما فعل، وكذا لو توضأ ينوي أن حدثه ريح فكان بولا أو غائطا. ~~أو لو اغتسلت المرأة بنية الغسل عن الحيض أو كانت نفساء أو جنبا أجزأها ذلك ~~لما ذكرناه. # الفرع الثالث: إذا غسل الجنب جميع بدنه إلا أطراف شعره ثم إنه قطع ما بقي ~~من الشعر مما لم يغسله فهل يجب غسله أم لا؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي: # أحدهما: أنه يجب عليه غسل ما قطعه لقوله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل ~~حتى تغتسلوا}[النساء:43]. والقطع لا يسمى غسلا. # وثانيهما: أنه لا يجب عليه شيء، وهذا هو المختار للمذهب لأنه قد زال عنه ~~ما وجب عليه غسله فصار كما لو توضأ وترك غسل رجله ثم قطعت من نصف الساق ~~فإنه لا يجب عليه غسل ما قطع. فهكذا هاهنا ولأنه غير مخاطب بغسل الرجل ولا ~~مندرجا تحت الخطاب بعد القطع. # الفرع الرابع: في التسمية في الغسل هل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنها واجبة، وهذا هو المحكي عن الشيخ الأستاذ(1) # من أصحابنا. # والحجة على ذلك هو: أنها طهارة مفعولة من أجل الصلاة أو طهارة عن حدث ~~فكانت التسمية فيها واجبة كالوضوء. PageV02P069 # وثانيهما: أنها غير واجبة وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب، وهو محكي عن ~~الفريقين الحنفية والشافعية ، وهذا هو المختار، لأن الأصل هو عدم وجوبها ~~وإنما يقضى بوجوبها لدلالة خاصة ms0578 شرعية ولا دلالة هاهنا على الوجوب، ~~والتفرقة بينه وبين الوضوء هو أن التسمية في الوضوء إنما شرعت ليرتفع الحدث ~~عن سائر الجسد بغسل بعضه وقد دل على ذلك قوله : ((إذا تطهر أحدكم فليذكر ~~اسم الله فإنه يطهر جسده كله " ))(1). # بخلاف الاغتسال فإن الماء جار على الجسم كله فلهذا كان مستغنيا عن ~~التسمية. # الفرع الخامس: الترتيب في الغسل غير واجب عند أئمة العترة وفقهاء الأمة ~~ولا يعرف فيه خلاف لأنه فعل واحد مختص بجميع البدن فهو كالعضو الواحد في ~~الوضوء. PageV02P070 # مسألة: فإذا أراد الجنب أن يغتسل من الجنابة فالمستحب له أن يقول: بسم ~~الله. على جهة الذكر ولا ينوي بذلك التلاوة، ثم ينوي الاغتسال من الجنابة ~~أو الغسل لأمر لا يستباح إلا بالغسل كقراءة القرآن أو دخول المسجد أو ينوي ~~الصلاة أو غير ذلك، ثم يغسل كفيه ثلاثا قبل إدخالهما [الإناء] ثم يغسل ما ~~على من فرجه من الأذى ثم يضرب بيده على الأرض حتى تحمل التراب ثم يغسل فرجه ~~ثم يضرب الأرض بها ضربة أخرى فيغسلها بما تحمل من التراب ثم يتمضمض ويستنشق ~~ثلاثا ثم يتوضأ وضوء الصلاة إلا غسل الرجلين ثم يدخل أصابعه العشر في ~~الإناء فيحثي على رأسه ثلاث حثيات من ماء ثم يفيض الماء على سائر جسده ثم ~~يدلك ما قدر عليه من بدنه ثم يدخل الماء في أصول الشعر من رأسه ولحيته. ~~والأصل في هذه الكيفية ما روت عائشة وميمونة عن الرسول في كيفية الغسل من ~~الجنابة قالت ميمونة: وضعت لرسول الله غسلا يغتسل به من الجنابة فأكفأ ~~الإناء على يده اليمنى فغسلها مرتين أو ثلاثا ثم صب الماء على فرجه فغسله ~~بشماله ثم ضرب بيده الأرض فغسلها ثم ضرب بيده على الأرض فحمل بها من التراب ~~فغسل(1) به فرجه. # قالت عائشة: إن شئتم أريتكم أثر يد رسول الله في الحائط حيث كان يغتسل من ~~الجنابة ثم إنه تمضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه ثم صب على رأسه وجسده ثم ~~تنحى ناحية فغسل رجليه ثم ناولته المنديل ms0579 فلم يأخذه وجعل ينفض الماء عن ~~جسده(2). # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول منها: أن الرجل إذا كان جنبا إما جامع فأنزل أو أولج فلم ~~ينزل أو احتلم في ليل أو نهار فأنزل الماء فقد وجب عليه الوضوء والغسل ~~جميعا، فوجوب الوضوء لأجل الصلاة لقوله : ((لا صلاة إلا بوضوء " )). والغسل ~~من الجنابة لما روي عنه أنه قال: ((فإذا فضخت الماء فاغتسل)). فهما شيئان ~~مختلفان كما أوضحناه، وفيما يجزيه من ذلك مختلف فيه على مذاهب خمسه: PageV02P071 # المذهب الأول: أنه يجب عليه الوضوء والغسل جميعا ولا يتداخلان، وهذا هو رأي ~~الأكثر من أئمة العترة، الهادي، والمؤيد بالله وهو اختيار السيدين أبي ~~العباس وأبي طالب. # قال الهادي:والوضوء واجب على كل من أراد الصلاة. وهو أحد أقوال الشافعي. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا " ~~..}[المائدة:6] الآية إلى أخرها، وقال: {وإن كنتم جنبا فاطهروا}[المائدة: 6]. # ووجه تقرير هذه الدلالة هو: أن الله تعالى أوجب الوضوء على من أراد ~~الصلاة وهو عبارة عن مسح وغسل مرتبا، وأوجب الغسل على من كان جنبا من غير ~~ترتيب فيه، ولا شك أن إحدى الطهارتين مخالفة للأخرى فيجب أن لا تسقط ~~إحداهما بالأخرى كحد الزنى والسرقة. # المذهب الثاني: إذا اغتسل بنية الجنابة وأمر الماء على أعضاء الطهارة مرة ~~واحدة من غير ترتيب أجزأه ذلك عنهما جميعا فيتداخلان، وهذا هو الذي حكاه ~~بعض أصحاب الناصر عنه، وحكي عنه أيضا وجوب الوضوء. والمنصوص للشافعي أنهما ~~يتداخلان، وهو محكي عن أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا}[المائدة:6]. ولم ~~يفصل بينهما، وقوله لأمير المؤمنين: ((إذا فضخت الماء فاغتسل)) ولم يأمره ~~بشيء سواه ولأنهما طهارتان فتداخلتا كالحيض والجنابة. # المذهب الثالث: أنه يجب عليه الوضوء مرتبا ويجب عليه غسل سائر بدنه ما ~~خلا أعضاء الوضوء فلا يجب عليه تكرير غسلها لأنهما متفقان في الغسل مختلفان ~~في الترتيب فتداخلا فيما اتفقا فيه، وعلى هذا يجزيه إمرار الماء على أعضاء ~~الطهارة مرة واحدة لهما من غير تكرير وتجزيه نية الجنابة عن ms0580 نية الوضوء، ~~وهذا هو المحكي عن الشافعي في بعض أقواله. PageV02P072 # والحجة على ذلك هو:أنه إذا توضأ مرتبا فقد أدى فريضة الوضوء وقد ارتفعت ~~الجنابة بغسل هذه الأعضاء لأن المأخوذ عليه غسلها وقد غسلها بالتوضؤ فإذا ~~غسل باقي جسده كان طاهرا ولم يلزمه تكرير غسلها مرة ثانية. # المذهب الرابع: أنه يجب عليه أن ينويهما معا ولا يجب عليه إلا إمرار اليد ~~على سائر الأعضاء كلها من غير ترتيب، وهذا هو المحكي عن الشافعي في بعض ~~أقواله. # والحجة على ذلك هي: أنهما عبادتان مختلفتان فيجب أن ينويهما جميعا ويفصل ~~بينهما في نيته كالحج والعمرة فيمن جمع بينهما. # المذهب الخامس: وهو أنه ينظر فيه فإن أحدث ثم اجتنب فعليه الوضوء والغسل ~~جميعا وإن اجتنب ثم أحدث كفاه الغسل عن الوضوء، وهذا هو المحكي عن الشافعي ~~في بعض أقواله. # والحجة: هو أنه إذا أحدث ثم اجتنب كان فيه طرؤ الأكبر من الطهارتين على ~~الأصغر فلا يتداخلان، بخلاف ما إذا اجتنب ثم أحدث فإن فيه طرؤ الأصغر على ~~الأكبر فوجب الحكم عليهما بالتداخل. # والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة وهو وجوب الوضوء والغسل جميعا. PageV02P073 # والحجة عليه: ما حكيناه عنهم، ونزيد ههنا وهو أن الله تعالى ذكر حكم ~~الجنابة وبين ما يجب فيها وذكر حكم الحدث وبين ما يجب فيه فلو كانا ~~يتداخلان كان لا وجه لتخصيص كل واحد منهما بحكم يخصه، وما روي عن أمير ~~المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: من اغتسل من جنابة ثم حضرت صلاة فليتوضأ ~~لها(1)، روى زاذان(2) عن ميسرة(3) أنه كان يفعل ذلك، وفي هذا دلالة على وجوبه. # الفرع الثاني: إذا تقرر كونه واجبا بالأدلة التي ذكرناها فهل يكون وجوب ~~فعله قبل الغسل أو بعده؟ فيه مذهبان: PageV02P074 # المذهب الأول: أن فعله يجب أن يكون قبل الغسل، وهذا هو المحكي عن الناصر من ~~أئمة العترة، ومروي عن أبي ثور من الفقهاء. # والحجة على ذلك:قوله تعالى:{إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا " ~~}[المائدة:6]،الآية ولم يفصل بين أن يكون جنبا أو محدثا فالوضوء ms0581 قبل ~~الاغتسال واجب بظاهر الآية وفي هذا دلالة على أن الوضوء يقع وإن كان جنبا ~~وأن الجنابة غير منافية للقربة وأن بدن الجنب محل للقربة كالمحدث. # المذهب الثاني: أنه لا يجب إلا بعد فعل الغسل وهذا هو رأي الهادي. # والحجة على ذلك هو:أن الوضوء على رأيه لا يقع إلا على طاهر البدن، وإذا ~~كان الأمر عنده كما قلناه لم يجز الوضوء إلا بعد غسل الرجلين من الجنابة ~~لتكون الطهارة كاملة وعند هذا يقع الوضوء بعد ذلك لما كانت الجنابة زائلة ~~عنه. قال الهادي في (الأحكام) بعد ذكر الاغتسال. ثم يتوضأ للصلاة فإن ~~الوضوء لا يقع إلا على طاهر البدن، ونص أحمد بن يحيى في (المفرد) على أن ~~الرجل الجنب لا يتوضأ إلا بعد غسل قدميه أولا. # والمختار: أن الغاسل مخير في تقديم وضوءه قبل الغسل لما رويناه من حديث ~~ميمونة،وبين تأخيره بعد الغسل لما رويناه في حديث أمير المؤمنين وفعله وأن ~~الوضوء كما يقع على بدن المحدث فإنه يقع على بدن الجنب وأن الجنابة غير ~~منافية للوضوء وإنما الذي ينافيه هو الكفر فلا ينعقد الوضوء من جهة الكافر ~~لعدم القربة كما مر بيانه، وقد ذكر القاضي أبو مضر من أصحابنا:أن ظاهر مذهب ~~القاسم ويحيى يقتضي أن الجنابة غير منافية للقربة بالوضوء،وعلى هذا يصح ~~الوضوء قبل غسل الجنابة. PageV02P075 # وقال: وهو الذي يقتضيه رأي المؤيد بالله، فأما القاضي زيد من أصحابنا فقد ~~قال: إن رأي الإمامين الهادي والقاسم يقتضي أن الوضوء لا يقع إلا على طاهر ~~البدن، وما ذكره القاضي زيد هو الأقرب إلى بلاغة نصوص القاسم ويحيى لأن ~~الهادي قد نص على ذلك وصرح به فلا وجه لأن يقال: إن مذهبه خلاف ما نص عليه، ~~ولا يبعد أيضا أن يكون رأي المؤيد بالله مثل ما اخترناه من جواز تقديمه ~~وتأخيره وأن الوضوء يقع على بدن الجنب كوقوعه على بدن الطاهر، ويدل على ذلك ~~أيضا:هو أن الغرض الوصول إلى الصلاة بالوضوء، فهذا حاصل سواء كان قبل غسل ~~الجنابة أو بعده من جهة ms0582 أن قوله تعالى في آية الوضوء: {إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم}[المائدة:6]. ولم يفصل في ذلك بين تقدمه وتأخره عن الغسل ~~فلهذا كان الوجه التخيير بين تقديمه وتأخيره. # الفرع الثالث: إذا كان الإجماع منعقدا على استحباب الوضوء فإنما يكون ذلك ~~على رأي من أوجب الوضوء بعد الغسل كما هو رأي الهادي وابنه أحمد، ويحمل ~~حديث ميمونة على الاستحباب، ولهذا قال في (الأحكام): الوضوء قبل الاغتسال ~~مستحب وبعده فرض على من أراد الصلاة. # وقال في (المنتخب): وهو أحب إلينا، يريد به الوضوء بعد الاغتسال. فخفف ~~الأمر فيه، والرواية المعتمدة على رأيه هي رواية (الأحكام) وهو وجوبه بعد ~~الغسل، فأما على رأي من أوجب الوضوء قبل الاغتسال كما هو رأي الناصر وغيره ~~من الفقهاء فلا وجه لاستحبابه إذ لا قائل بتكرر الوضوء مرتين من غير فاصل ~~بينهما. # ويحمل حديث ميمونة على الوجوب في تقديمه. وأما على ما أخترناه من كونه ~~مخيرا بين تقديمه وتأخيره فإن أخر الوضوء بعد الغسل كان واجبا للصلاة ~~واستحب تقديم الوضوء قبل الاغتسال أيضا وإن قدم الوضوء فلا وجه لاستحباب ~~إعادة الوضوء لما ذكرناه من أنه لا قائل بتكرر الوضوء من غير فاصلة بين ~~الوضوئين. PageV02P076 # وأما من قال: بأن الوضوء يندرج تحت الغسل وتتداخل الطهارتان فلا مانع من ~~استحباب تقديم الوضوء قبل الاغتسال أيضا عندهم والمتداخل عندهم إنما هو ~~الوضوء الواجب دون المستحب فإن أتى به فقد أتى بما هو مسنون وإن تركه أجزأه ~~الوضوء الواجب للصلاة. # الفرع الرابع: والمرأة فيما ذكرناه كالرجل، فإن كان لها ظفائر نظرت فإن ~~كان الماء يصل إليها فيبلها لم يجب عليها نقضها لأن المقصود حاصل وهو بل ~~الطفائر والوصول إليها، وإن كان الماء لا يصل إليها إلا بنقضها وجب عليها ~~نقضها لقوله : ((بلوا الشعر)) وبله لا يمكن إلا بالنقض فلهذا وجب. # وحكي عن إبراهيم النخعي أنه قال: يجب عليها نقضها بكل حال. # وحجته على ما قاله قوله : ((بلوا الشعر)) والبل لا يمكن إلا بنقضها فلهذا وجب. # وحكي عن الحسن البصري وطاوس: أنه ms0583 يجب عليها نقضها في غسل الجنابة دون غسل ~~الحيض لأن غسل الجنابة ثابت بالكتاب والسنة، وغسل الحيض إنما تقرر بالسنة ~~لا غير، ولأن الرسول أكد الأمر في غسل الجنابة بقوله: ((بلوا الشعر وأنقوا ~~البشر)) ولم يذكر ذلك في غسل الحيض فلهذا قالا بالفرق بين الغسلين. PageV02P077 # والحجة على ما قلناه: ما روي عن أم سلمة أنها قالت: إني امرأة أشد ظفر رأسي ~~أفانقضه للغسل من الجنابة؟ فقال: ((لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث ~~حثيات من ماء " فإذا أنت قد طهرت)) وإنما لم يأمرها بنقضه لعلمه بأن شعرها ~~خفيف غير مانع من وصول الماء إلى أصوله من غير نقض لأن شعور العرب خفيفة ~~فإذا كان في رأسها حشو كما يفعلونه في حق العرائس من النساء ذوات البعول ~~نظرت في حاله، فإن كان رقيقا لا يمنع من وصول الماء إلى باطنه لم يلزمها ~~نقضه ولا حله ولا اعتبار بأن يصل الماء إلى باطنه صافيا غير متغير لأن تغير ~~الماء على العضو غير مؤثر، وإن كان الحشو غليظا يمنع من وصول الماء إلى ~~باطنه وجب إزالته ليصل الماء إلى باطن الشعر لقوله : ((تحت كل شعرة جنابة ~~فبلوا الشعر وأنقوا البشر)). وإن كان على الرجل شعر فحكمه حكم المرأة كما ~~فصلناه. # الفرع الخامس: وإذا اغتسلت المرأة من الحيض فعليها أن تنقض شعرها عند ~~أئمة العترة وفقهاء الأمة وهكذا القول في النفاس بخلاف الجنابة فإنه على ~~التفصيل الذي أسلفناه ولأن الحيض والنفاس أغلظ من الجنابة من جهة بعدهما عن ~~الماء وانقطاعهما عن ملابسته في أكثر أوقاتهما. # والحجة على ذلك: ما روته عائشة رضي الله عنها أن النبي قال لها في الحيض: ~~((انقضي شعرك واغتسلي))(1). وهل يجب عليها ذلك أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه واجب وهذا هو الظاهر من مذهب الهادي ورواه عن جده القاسم. # والحجة على ذلك: خبر عائشة وهو قوله: ((انقضي شعرك واغتسلي " )) وهذا أمر ~~منه والأمر ظاهره الوجوب إلا لدلالة. PageV02P078 # وثانيهما: أنه لا يجب وهذا هو الذي رواه النيروسي عن القاسم ms0584 وهو اختيار ~~السيدين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب وهذا هو المختار أيضا. # والحجة على [ذلك] هي: أنه غسل واجب على المرأة فلا يجب عليها فيه نقض ~~شعرها كالجنابة ولأن المقصود هو إيصال الماء إلى أصول الشعر وهذا حاصل من ~~غير حله فلهذا لم يكن واجبا، فأما ما روته عائشة من الخبر فإنه محمول على ~~الاستحباب لدليل القياس الذي ذكرناه. # الفرع السادس: ويستحب للمرأة إذا اغتسلت من حيضها أو نفاسها أن تأخذ قطعة ~~من مسك فتتبع بها آثار الدم، لما روته عائشة أن امرأة جاءت إلى الرسول ~~تسأله عن الغسل من الحيض فقال : ((خذي فرصة(1)من مسك فتطهري بها " ))(2) # فقالت: كيف أتطهر بها؟ قال: ((سبحان الله تطهري بها)). قالت عائشة: ~~فاجتذبتها وعرفتها الذي أراد. فقلت: تتبعي بها آثار الدم، وذلك لأن دم ~~الحيض والنفاس خبيث الرائحة يلحقه نتن وقذر فلهذا استحب تطييب المحل من أجل ~~ذلك، فإن لم تجد مسكا فطيبا غيره، لأن المقصود هو إزالة الريح وهذا حاصل ~~بغير المسك كحصوله به، فإن لم تجد طيبا فالمستحب أن تأخذ قطعة من طين تتبع ~~بها آثار الدم لأن رائحة الطين أطيب من رائحة الحيض(3)، # فإذا حصل الطين مع الماء فإنه يكون مزيلا للرائحة لا محالة. PageV02P079 # الفرع السابع: ويجوز أن يتوضأ الإثنان والثلاثة من إناء واحد، لما روى أنس ~~بن مالك قال: رأيت النبي أتي بوضوء في إناء فوضع يده في ذلك الإناء فرأيت ~~الماء ينبع من تحت أصابعه فأمر الناس أن يتوضأوا فتوضأ الناس من عند آخرهم، ~~وكانوا نحوا من سبعين رجلا، وهذا من جملة معجزات الرسول وهو أبلغ في ~~الإعجاز من انفجار الماء لموسى من الصخرة لأن العادة جرت بخروج الماء من ~~الأحجار ولم تجر العادة بخروجه من بين الأصابع فلهذا كانت أدخل في الإعجاز. # ويجوز أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد لما روت عائشة قالت: كنت ~~أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد(1)، # ويجوز أن يغتسل الرجل ويتوضأ بفضل غسل المرأة ووضوءها خلافا لأحمد بن حنبل. # والحجة على ذلك: ms0585 ما روت ميمونة أنها قالت: اجتنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت ~~منها فضلة فجاء رسول الله ليغتسل بها. فقلت له: إني اغتسلت منه. فقال: ~~((الماء ليس عليه جنابة " )) ثم اغتسل منه. # وحجة أحمد ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة ~~" )). وهذا عندنا محمول على الكراهة، أو محمول على أنه قد أصابته نجاسة ~~منها، ولأنه ماء فضل عن العبادة فجاز للرجل أن يتوضأ به كفضل الرجل، وعكسه ~~الماء النجس. وجملة الأمر أن الفاضل من الماء على وجهين: # أحدهما: ما نزل من أعضاء المتطهر في الغسل والوضوء وهذا هو الماء ~~المستعمل وقد مر بيانه في المياه فأغنى عن الإعادة. # وثانيهما: ما يفضل في الإناء، وقد حكي عن أحمد: أنه منع من الإجزاء فيما ~~يفضل من المرأة، وروي عنه الكراهة فيه لا غير. وحكيت الكراهة عن الحسن ~~البصري وابن المسيب وإسحاق بن راهويه. PageV02P080 # وحكي عن ابن عمر: أنه لا يكره فضل ما بقي منها إلا أن تكون جنبا أو حائضا. ~~وهذا كله لا وجه له. والوجه هو: الجواز كما هو رأي أئمة العترة وأكثر فقهاء ~~الأمة لما رويناه من حديث ميمونة وقد رواه أبو داود والبخاري في صحيحه ~~وصححه الدار قطني في مسنده وغيرهم. # الفرع الثامن: وإن أدخل الرجل الجنب أو المرأة الحائض أيديهما في الإناء ~~ولا نجاسة في أيديهما لم يضرهما ذلك، وحكي عن أبي يوسف أنه قال: إن ادخل ~~الجنب يده في الإناء لم يفسده، وإن ادخل رجله أفسده من جهة أنه زعم أن ~~الجنب نجس لكنه عفي عن يده لموضع الحاجة وبقيت رجله على الأصل في النجاسة، ~~وهذا فاسد لما روى أبو هريرة، قال: لقيني الرسول وأنا جنب فأخذ بيدي فمشيت ~~معه حتى قعد ثم انسللت فاغتسلت ثم جئت وهو قاعد فقال: ((أين كنت أبا هر " ~~))؟ فقلت: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا جنب. فقال: ((سبحان الله المؤمن ~~لا ينجس)). وفي حديث آخر: ((المؤمن ليس بنجس)). وما ذكره من التفرقة بين ~~اليد والرجل فهو خطأ لأن ms0586 يده وجميع بدنه سواء في أنه لو أصابته نجاسة ~~فأدخلها الماء فإنه يفسده كما لو أدخل رجله من غير فرق، فهذا ما أردنا ذكره ~~فيما يجوز للجنب وما لايجوز [له] و[ما]يجب عليه فعله وبالله التوفيق. PageV02P081 # --- ### ||| AUTO الفصل الرابع في بيان الغسلات المسنونة # مسألة: يستحب الغسل في يوم الجمعة عند أئمة العترة وفقهاء الأمة ولا يعرف ~~خلاف في استحبابه لما روي عن الرسول أنه قال: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ~~ونعمت " ، ومن اغتسل فالغسل أفضل))(1). # وهل يجب أم لا؟ فيها مذهبان: # أحدهما: أنه ليس واجبا وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو قول أكثر الفقهاء ~~أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: ما رويناه من الحديث ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ~~ومن اغتسل فالغسل أفضل)). # ووجه الحجة من الحديث هو: أنه جعل الغسل في يوم الجمعة فضيلة وفي هذا ~~دلالة على أنه غير واجب وفي بعض الأحاديث: ((فبها ونعمت فقد أدا الفرض)) ~~فصرح بأن الوضوء هو الفرض وغيره يكون فضيلة، والضمير في قوله: ((فبها)) ~~يعني فبالفريضة أخذ ونعمت الخلة الفريضة، وحكي عن الهروي أبي عبيد " (2) # أن الأصمعي فسره بقوله: فبالسنة أخذ. وقال بعض الأدباء: إنه راجع إلى ~~الرخصة أي بالرخصة أخذ(3). # والمختار هو: الأول. لأمرين: # أما أولا: فلأن كلامه إنما سبق من أجل تعريف الواجب والفرض، فمن أجل ذلك ~~كان عود الضمير إلى الفريضة أحق. PageV02P082 # وأما ثانيا: فلأن الثناء على من أتى بالفرض أحق من الثناء على غيره، فلأجل ~~ذلك كان أخلق بما ذكرناه من التفسير الأول. # المذهب الثاني: أنه واجب، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري وعن داؤد ~~وطبقته من أهل الظاهر، وروي عن بعض المحدثين. # والحجة لهم على ما قالوه: ما روي عن الرسول أنه قال: ((غسل يوم الجمعة ~~واجب على كل محتلم " ))(1). # الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((حق الله على كل مسلم أن ~~يغتسل في كل ثمانية أيام يوما " ))(2). # والمختار: ما عول عليه علماء العترة. # والحجة عليه: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا حجتين: # الحجة ms0587 الأولى: ما روي أن عثمان دخل المسجد وعمر يخطب على المنبر فقال: ~~أية ساعة هذه؟ فقال عثمان: كنت في السوق فلم أشعر أن سمعت النداء فما زدت ~~على أن توضأت وجئت، فقال عمر: والوضوء أيضا!؟ قد علمت أن الرسول كان يأمر ~~بالغسل، فأقره عمر على ترك الغسل بحضرة الصحابة رضي الله عنهم، فلو كان ~~واجبا لم يجز تركه ولا حسن إقراره عليه. # الحجة الثانية: قياسية. وهي أنه غسل مأمور به في يوم زينة واجتماع فيه ~~خطبة فلم يكن واجبا كغسل العيدين. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: روي أنه قال: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)). # قلنا: قد يعبر عن الأمر المسنون بالواجب تأكيدا لتحصيله والتزاما ~~للمواظبة على فعله وليس الغرض حقيقة الوجوب الذي يستحق الذم على تركه، وعلى ~~هذا يكون الوجوب اختيارا وليس الزاميا. PageV02P083 # قالوا: قد روي عن الرسول : ((حق على كل مسلم أن يغتسل في كل ثمانية أيام ~~يوما " )). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فليس في ظاهره ما يشعر بالوجوب فيحتاج إلى التأويل. # وأما ثانيا: فلأن الغرض بقوله: ((حق))، ترغيب في كثرة الثواب وإعظام لحق ~~هذا اليوم كما يقال: يحق على كل مسلم أن لا يدع ركعتين في آخر الليل، وليس ~~الغرض على جهة الوجوب. # وهل يتعلق الغسل باليوم أو بالصلاة؟ فيه تردد نستوفيه في صلاة الجمعة ~~بمعونة الله تعالى. # مسألة: ويستحب الغسل ويسن للعيدين الفطر والأضحى، عند أئمة العترة وفقهاء ~~الأمة، ولا يعرف في كونه مسنونا خلاف، لما روي عن الرسول أنه قال في جمعة ~~من الجمع للناس: ((إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين " ومن كان عنده طيب ~~فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك))(1). # وعن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: أمرنا رسول الله أن نغتسل ~~للعيدين، ومن جهة القياس وهو أنه يوم زينة واجتماع لصلاة مخصوصة في موضع ~~مخصوص فكان الغسل فيه مسنونا كيوم الجمعة. # وهل يكون واجبا أم لا؟ # والذي عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ms0588 ~~أنه غير واجب لما روى زاذان، قال: سألت أمير المؤمنين عن الغسل في يومي ~~العيد. فقال: ((اغتسل إذا شئت " ))(2) PageV02P084 فلو كان واجبا لم يكله إلى إرادته كسائر الواجبات. ولما روى زيد بن علي عن ~~آبائه عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: ((الغسل من الجنابة واجب ~~ومن غسل الميت سنة " وإن تطهرت اجزاك وغسل العيدين وما أحب أن أدعهما))(1). # ولم أقف على مذاهب الظاهرية وأصحاب الحديث في وجوبه، والأقرب أنهم يميلون ~~إلى وجوبه اعتمادا منهم على ظواهر الأحاديث وإعراضا عما في أيدي مخالفيهم ~~من آداب الشريعة، فلأجل ذلك قضوا بالوجوب من غير التفات على ما في أيدي ~~مخالفيهم، ونحن حملنا الأدلة التي دلت على الندب على ظاهرها وتأولنا ما ورد ~~من الأخبار الدالة على الأمر عليها فلا جرم جمعنا بين الدليلين، وهم أعرضوا ~~عن ادلتنا كل الإعراض وعولوا على ما نقل من الأوامر فكنا أسعد حالا لعملنا ~~على الدليلين جميعا وهم عملوا على أحدهما دون الآخر، فمن أجل ذلك كان ~~تصرفنا أسد. # مسألة: والسنة الاغتسال في يوم عرفة، لما روى أمير المؤمنين كرم الله ~~وجهه أنه قال: ((أمرنا رسول الله بغسل يوم عرفة " ))(2) PageV02P085 وعن زاذان قال: سألت أمير المؤمنين عن الغسل، فقال: اغتسل إذا شئت فقال: ~~إنما اسألك عن الغسل الذي هو الغسل. فقال: ((يوم عرفة ويوم الجمعة ويوم ~~الفطر ويوم الأضحى " ))، فظن أنه سأله عن الغسل المباح فأجابه بأن وكله إلى ~~خيرته، وذلك فائدة المباح. فقال: إنما سألتك عن الغسل الذي هو الغسل يعني ~~عن الغسل المستحب. فقال : إنما هو يوم الجمعة ويوم عرفة ويوم الفطر ويوم ~~الأضحى. # وهل يكون واجبا أم لا؟ ولم نعرف قائلا بوجوبه ولكن قياس قول أهل الظاهر ~~وأصحاب الحديث وجوبه لاعتمادهم على مجرد ظواهر الأخبار من غير جمع بينها ~~كما مر بيانه. # مسألة: ويستحب أن يغتسل للإحرام. لما روى جابر بن عبدالله في صفة حج رسول ~~الله أنه قال أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر " (1) # فأرسلت إلى رسول ms0589 الله كيف أصنع فقال: ((اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي " ))(2). PageV02P086 # ووجه تقرير الحجة من الخبر هو: أنه أمرها بالغسل وهي نفساء، وفي ذلك دلالة ~~على كونه مسنونا، وفي حديث آخر أنه قال لعائشة حين حاضت وكانت مهلة ~~بالعمرة: ((انقضي رأسك وامتشطي واغتسلي وأهلي بالحج " )). فدل ذلك على ما ~~قلناه، ولأن الإحرام بالحج عبادة لا تشترط الطهارة في البقاء عليها فلا ~~تكون شرطا في ابتدائها كالصيام، وعكسه الصلاة فإن الطهارة شرط في ابتدائها ~~فكانت شرطا في البقاء عليها. والله أعلم. # مسألة: ويستحب الغسل لدخول الحرم عند أئمة العترة، وهو محكي عن أكثر ~~الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك. # والحجة على ذلك: ما روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله لما ~~أتى ذا طوى، وهو موضع بمكة، بات به حتى صلى الصبح ثم اغتسل ودخل مكة من ~~أعلاها، وروت عائشة أنه لما أراد دخول مكة، اغتسل بذي طوى(1)، # ولما روي [عن] أمير المؤمنين وأولاده الحسن والحسين ومحمد بن علي، كانوا ~~يغتسلون بذي طوى، ومثل هذا لا يصدر إلا عن توقيف من جهة الرسول لانسداد ~~المعاني فيما هذا حاله فلا يؤخذ إلا توقيفا من جهة الله تعالى، وحكي عن ~~داؤد وطبقته من أهل الظاهر أنه غير مستحب. # وحجته على ذلك: أنه دخول مكان لأداء عبادة من فريضة أو نافلة فلا يستحب ~~فيه الغسل كدخول المسجد. # والمختار: ما عول عليه الأكثر من استحبابه. # والحجة على ذلك: ما نقلناه من فعل الرسول . # الانتصار: يكون بإبطال ما قاله وهو: أن ما ذكره إنما هو من جهة القياس ~~فلا يكون معارضا لما نقل من صاحب الشريعة صلوات الله عليه لأن ما ينقل من ~~الرسول أمور غيبية استأثر الله تعالى بالعلم بها ولا هداية للعقول إليها ~~فلا تعارض بالأقيسة الظنية ومنصب الشارع فيما قال لا يعارض بمنصب القايس ~~فيما قاس. PageV02P087 # مسألة: ويستحب الغسل من غسل الميت عند الأكثر من أئمة العترة، وهو محكي عن ~~مالك والشافعي في أحد قوليه، وهو إحدى الروايتين عن الناصر. # والحجة ms0590 على ذلك: ما روي عن الرسول أنه كان يأمر بغسل من غسل الميت(1)، # وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والليث: أنه غير مستحب. # والحجة على ذلك: ما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله :((لا غسل عليكم ~~من غسل ميتكم " حسبكم أن تغسلوا أيديكم))(2). # وفي هذا دلالة على أنه غير مستحب كما قلناه. # والمختار فيه: الاستحباب كما قاله أصحابنا. # والحجة على ذلك: ما روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: ((من غسل ميتا ~~فليغتسل ومن مسه فليتوضأ " ))(3). # وإلى ما اخترناه من الاستحباب ذهب ابن عباس وابن عمر وعائشة، وما ورد من ~~الأمر بالغسل فإنه محمول على الاستحباب جمعا بينه وبين رواية ابن عباس. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه من رواية ابن عباس فإنه إنما ذكر ذلك ~~ردا على من قال بالوجوب فأما الاستحباب فلم يدفعه. # وهل يكون واجبا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه غير واجب، وهذا هو رأي أكثر العترة وغيرهم كما قررناه ~~في الاستحباب. PageV02P088 # والحجة على ذلك: ما رويناه عن ابن عباس، ولما روي عن عائشة أنها قالت: ~~أأنجاس أمواتكم؟ تريد بذلك الإنكار على من قال بالوجوب للغسل من غسل الميت. # المذهب الثاني: أنه واجب، وهذا قول يحكى عن أمير المؤمنين وأبي هريرة من ~~الصحابة، ومحكي عن الناصر في أحد قوليه وهو رأي الإمامية وبعض المحدثين. # والحجة على ذلك: ما رويناه عن أبي هريرة أنه قال: ((من غسل ميتا ~~فليغتسل)). والأمر ظاهره الوجوب إلا لدلالة. # والمختار: أنه غير واجب لأن الميت طاهر فلو أوجبنا غسله لم يكن إلا لمس ~~الميت ومس الميت لا يوجب الغسل كما إذا مسه لا للغسل، وهكذا لو مس سائر ~~الحيوانات الميتة ولأن ابن آدم لا يكون حاله أسوأ من حال سائر الحيوانات ~~الميتة حيث كانت لا توجب الغسل ثم لما انعقد الإجماع على أن مس سائر ~~الحيوانات [الميتة] لا يوجب الغسل خاصة الكلب والخنزير فلأن لا يوجب مس ابن ~~آدم أحق وأولى. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: حديث أبي هريرة حيث ms0591 قال: من غسل ميتا فليغتسل)) والأمر للوجوب. # قلنا:عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه محمول على الندب والاستحباب بدليل ما رويناه عن ابن عباس. # وأما ثانيا: فلأنه قال: ((ومن مسه فليتوضأ)) وأنتم لا توجبون بمسه الوضوء ~~فهكذا لا يجب على فعله الاغتسال فيحمل الغسل على الاستحباب ويحمل مسه على ~~غسل اليد. # ووجه الاستحباب في غسله: هو أن من غسله فلا يكاد يسلم عما يتنضح عليه من ~~غسالة الميت ما ينجسه وفي رواية أخرى ((ومن حمله فليتوضأ)). وكل ذلك محمول ~~على غسل اليد لأنه لا يكاد يسلم عن النجاسة في أغلب الأوقات، خاصة من طال ~~مرضه، فإن الغالب من حاله تلوثه بالنجاسة فلهذا استحب الغسل لمن غسله، ~~والوضوء لمن حمله أو مسه. # مسألة: ويستحب الغسل من الحجامة لما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير ~~المؤمنين أنه قال: ((الغسل من الحجامة سنة وإن تطهرت أجزأك " ))(1)، PageV02P089 ويستحب الغسل لدخول الكعبة ولدخول المدينة لأن الكعبة مكان شريف له حرمة ~~لكونه قبلة للصلاة ولكونها قياما للخلق كما قال الله تعالى: {جعل الله ~~الكعبة البيت الحرام قياما للناس " }[المائدة:97] فاستحب الاغتسال لدخولها ~~كالحرم المحرم، والمدينة أيضا هي مهبط الوحي وموضع المهاجرة ومكان حفرة ~~الرسول وموضع أعظمه فلا جرم استحب الغسل من أجل دخولها كالحرم، ويستحب ~~الغسل من الحمام؛ لأن الحمامات مواضع الشياطين ولهذا كرهت الصلاة فيها، ~~فلهذا استحب الغسل من دخولها، ويستحب الغسل في أوتار النصف الأخر من رمضان ~~تسع عشرة وإحدى وعشرين وثلاثا وعشرين وخمسا وعشرين، لما روي أن الرسول كان ~~يعتزل النساء ويغتسل في هذه الأوتار، ولأنها تختص بفضل عظيم فاشبهت الجمعة ~~والعيدين. # ويستحب الغسل لمزدلفة لأنها مكان شريف اختص بعبادة فأشبه الحرم المحرم، ~~ويستحب الاغتسال في أيام التشريق لأنها أيام فاضلة تختص بأداء العبادة ~~وأعمال الحج فلا جرم استحب فيها الغسل كيوم الجمعة، ويستحب الاغتسال لطواف ~~الوداع لأن الطواف عبادة تختص بالقربة فاستحب الاغتسال لها كأداء فرض ~~الجمعة، ويستحب للمجنون الاغتسال إذا أفاق لأن الجنون هو فساد العقل وزواله ~~فلا يأمن عند ms0592 زواله من مباشرة النجاسات والتلوث بها فلا جرم كان الغسل ~~مستحبا له فصار جملة الغسلات الواجبة أربعا، غسل الجنابة والحيض والنفاس ~~والموت، وما عداها فهو مستحب غير واجب كما أوضحناه. ثم إنها واقعة على أضرب ثلاثة: # فالضرب الأول منها: يختص بالأزمنة كيوم الجمعة والعيدين وأوتار رمضان ~~ويوم عرفة وغيرها. # الضرب الثاني: يختص بالأمكنة وهذا نحو دخول الحرم، ودخول مكة، ودخول ~~المدينة، ومزدلفة وغيرها. # الضرب الثالث: ما يختص بالأحوال، وهذا نحو الحجامة والإحرام وزيارة قبر ~~الرسول وغيره من الأئمة والفضلاء وأهل الصلاح. PageV02P090 # قال الإمام القاسم : ولا بأس للرجل أن يقراء القرآن في الحمام(1) # إذا كان لا يجهر به، وهذا جيد لما روي عن النبي أنه قال: ((نعم البيت ~~الحمام ينفي الدرن ويذكر بالآخرة " ))(2) # ومن جهة أنها بيوت تستر من دخلها وتوقيه فجازت القراءة فيها كالدور ~~والخانات وإنما كره رفع الصوت فيها لما يحصل في ذلك من الأذية للقاريء ~~ولغيره، ويكره للنساء دخول الحمامات إلا لنفساء أو مريضة لما روي عن الرسول ~~أنه قال: ((يا علي من أطاع امرأته في أربع كبه الله على وجهه في النار " في ~~الذهاب إلى الحمامات والعرسات والمناحات ولبس الثياب الرقاق))(3). # وبتمامه يتم الكلام على باب الغسل وما يتعلق به وبالله التوفيق والحمدلله ~~رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وسلم. PageV02P091 # --- ### || AUTO الباب الثامن في الطهارة بالتراب # وهو التيمم، ومعناه في اللغة: القصد. تقول العرب: تيممت فلانا إذا قصدته ~~لحاجة. قال امرئ القيس الطائي: # تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طامي(1) # يعني بذلك: قصدتها. والعرمض: شجر يطفو على الماء، وضارج: إسم موضع. # وفي لسان حملة الشريعة: عبارة عن مسح الوجه واليدين بالتراب مرتبا مقرونا ~~بالنية. # فإذا تمهدت هذه القاعدة [فاعلم] أن هذا الباب قد اشتمل على معرفة الأسباب ~~الموجبة للتيمم وبيان ما يجوز به التيمم وما لا يجوز وما يستباح به وما لا ~~يستباح وبيان مفروضه ومسنونه وبيان وقته وصفته وبيان أحكامه، فهذه خمسة ~~فصول نذكر ما يتعلق بكل واحد منها ms0593 من المسائل والله الموفق. PageV02P092 # --- ### ||| AUTO الفصل الأول في بيان الأسباب الموجبة للتيمم # اعلم أن التيمم طهارة ضرورية بدلية، ونعني بكونها ضرورية: هو أنها لا ~~تباح إلا لضرورة من إعواز الماء أو تعذر استعماله، ونعني بكونها بدلية: هو ~~أنها لا تقصد إلا عند اليأس من الطهارة الأصلية بالماء، والأصل أن التيمم ~~لا يباح إلا عند العجز عن استعمال الماء لقوله تعالى: {فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا صعيدا طيبا }[النساء:43] # وقوله # لأبي ذر الغفاري((1)):((الصعيد الطيب طهور لمن لم يجد الماء ولو إلى عشر ~~حجج))(2) # . لكن العجز له ستةأسباب السبب الأول: عدم الماء قال السيد الإمام أبو ~~طالب: التيمم مشروط بعدم الماء في سفر كان أو حضر، والعدم يكون بعد الطلب ~~والإستقصاء بثمن أو بعين، إلا أن يكون الثمن يجحف بحاله ويجب أن يطلبه ممن ~~يجوز أنه يجده عنده. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول منها: التيمم لعدم الماء في حال السفر واجب للصلاة عند أئمة ~~العترة وفقهاء الأمة ولا يعرف فيه خلاف. PageV02P093 # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من ~~الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}[المائدة:6]. ~~وهل يجوز التيمم لعدم الماء في حال الحضر أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن ذلك جائز، وهذا هو قول أئمة العترة ومحكي عن الشافعي ~~ومالك وأبي يوسف ومحمد والأوزاعي. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم ~~من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}[المائدة:6]. ~~ولم يفصل هناك بين الحضر والسفر. # الحجة الثانية: من جهة القياس، وهو أنه عادم للماء فوجب أن ينتقل فرضه ~~إلى التيمم كالمسافر، أو نقول: محدث عادم للماء لزمه فرض الصلاة فوجب ~~انتقاله إلى التيممم كما لو كان مسافرا. # المذهب الثاني: أنه لا يجوز له التيمم ولا يصلي حتى يتمكن من الماء وهذا ~~هو قول أبي حنيفة ومحكي عن زفر من أصحابه. # والحجة على ذلك: أن الله تعالى حصر الآية ms0594 بالمسافرحيث قال: {وإن كنتم على ~~سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا} # (1) فرتب حكم التيمم على من كان عادما للماء في حال سفر وبقي حكم المقيم ~~على الأصل فلا يجوز له التيمم في حال حضره. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء من جوازه في حال الحضر ~~إذا عدم الماء. # والحجة عليه: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا حججا ثلاثا. # الحجة الأولى: ما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين أن النبي ~~قال: ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا )) ( PageV02P094 ( ) أخرجه النسائي. وجاء في مجموع زيد بن علي عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت ~~ثلاثا لم يعطهن نبي قبلي: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا...إلخ)). ) ولم يفصل ~~في ذلك بين حضروسفر. # الحجة الثانية: ما روى أبو ذر الغفاري عن الرسول أنه قال: ((الصعيد الطيب ~~طهور لمن لم يجد الماء ولو إلى عشر حجج))، ولم يفصل في ذلك بين الحضر ~~والسفر. # الحجة الثالثة: ما روي عن الرسول أنه قال: ((التراب كافيك ولو إلى عشر حجج )) # (1). فهذه الأمور كلها دالة على جواز التيمم عند عدم الماء من غير اشتراط السفر. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: الآية واردة في السفر فيجب قصرها عليه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: كما وردت في السفر فقد وردت أيضا في حال الحضر كما قال تعالى: ~~{أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا} [المائدة:6]. فأوجب على كل من جاء من الغائط التيمم إذا لم يكن واجدا للماء. # وأما ثانيا: فلأنه إنما ذكر السفر ليس من أجل أنه لا يجوز التيمم إلا معه ~~ولكن ذكره لما كان عدم الماء يسنح فيه كثيرا وإعواز الماء لا يكاد ينفك عنه ~~لا من أجل كونه شرطا في جواز التيمم، ولأنه قد أغفل كثيرا من الأعذار ~~المبيحة للتيمم لتقاس على عدم الماء فهكذا أغفل ذكر الحضر ليكون مردودا ~~بالقياس إلى السفر. # قالوا: التيمم وارد على جهة الرخصة والرخص لا تعقل معانيها فيجب إقرارها ms0595 ~~حيث وردت لا يقاس عليها. # قلنا: عما ذكرتموه جوابان: # أما أولا: فلأنا لم نثبت ما قلناه بالأقيسة وإنما قررناه بالظواهر ~~الشرعية كما مر بيانه وهي دالة على جواز التيمم في الحضر والسفر. PageV02P095 # وأما ثانيا: فالمعاني القياسية يجب اتباعها سواء كانت واقعة في رخصة أو غير ~~رخصة وههنا الجامع هو عدم الماء وهو حاصل في الحضر كحصوله في السفر فلهذا ~~قضينا به. # قالوا: ليس الحضر كالسفر ولهذا جاز قصر الصلاة في السفر ولم يجز قصرها في ~~الحضر ولو حصلت المشقة لم يجز القياس كما في المريض فإنه لا يجوز له القصر ~~بخلاف المسافر فافترقا. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن المعنى المقصود من إباحة التيمم إنما كان من أجل عدم ~~الماء وقد استوى الحاضر والمسافر في ذلك فلا جرم استويا في الإباحة. # وأما ثانيا: فلأنا لا نقيس إلا حيث تكون المعاني منقدحة والأوصاف الشبهية ~~ظاهرة، فنقول: عدم الماء هل هو حاصل في الحضر أم لا؟ فإن لم يكن حاصلا ~~فالآن ارتفع النزاع الأصولي، فإنا لا نقيس حيث لا علة جامعة. وإن كان حاصلا ~~فأي مانع عن القياس على السفر بواسطته فبطل ماتوهموه. # الفرع الثاني: إذا قلنا بأنه يجوز التيمم في الحضر، فهل يجب عليه الإعادة ~~لما صلى بالتيمم أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة ~~العترة وهو أحد قولي الشافعي ومحكي عن مالك والمزني والأوزاعي والليث. # والحجة على ذلك: هو أنه صلى بالتيمم حا ل اليأس من الماء فوجب أن لا ~~تلزمه الإعادة ولا القضاء كالمسافر، ولأنه أتى بالفرض على الوجه الذي أمر ~~به فلا يلزمه القضاء كما إذا كان مريضا أو مسافرا. # المذهب الثاني: أنه يلزمه القضاء إذا مضى الوقت، والإعادة إذا كان الوقت ~~باقيا وهذا هو المحكي عن أبي يوسف ومحمد، وهو أحد قولي الشافعي والذي يأتي ~~على رأي المؤيد بالله(1). PageV02P096 # والحجة على ذلك: هو أن عدم الماء في حال الحضر إنما يأتي على جهة الندرة ~~والقلة وما ms0596 هذا حاله لا يعرج عليه فيكون في الحقيقة كأنه صلى من غير طهارة ~~ويكون كمن صلى بغير ماء ولا تراب. # والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة ومن وافقهم من الفقهاء من ~~أنه لا يجب عليه القضاء. # والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا، وهو قوله : ((لا ظهران في ~~يوم)). فلو أوجبنا عليه الإعادة والقضاء لكان مناقضة لظاهر هذا الحديث. # الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه. # قالوا: العذر نادر فيصير كما لو صلى من غير طهارة. # قلنا: هذا فاسد، فإنه قد أتى بما أمر به من الطهارة البدلية فلا يجب عليه ~~القضاء كالمسافر. # قالوا: لو كانت طهارة صحيحة لما أمر بالإعادة فلما أمر بالإعادة دل على ~~فساد طهارته. # قلنا: ما تعنون بفساد طهارته؟ [هل] تعنون أن حدثه غير مرتفع؟ فهذا مسلم ~~كما سنقرره ولكنا نريد بصحة الطهارة أنه متيمم وهذا حاصل لا نزاع فيه، وإن ~~أردتم بعدم صحة طهارته أنه مأمور بالإعادة فلا نسلمه ولو سلمناه لكان أول ~~المسألة فإنه لم يقع النزاع إلا فيه. # الفرع الثالث: والمشروع طلب الماء قبل التيمم لأن تأدية الصلاة بالوضوء ~~أفضل ولأن الوضوء رافع للحدث بخلاف التيمم، ولا يعرف في ذلك خلاف. وهل يكون ~~واجبا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه واجب، وهذا هو قول أئمة العترة وهو محكي عن الشافعي، ~~وحكي عن أبي يوسف أنه إذا عرفه عند رفيقه وجب عليه طلبه عنده، وظاهر كلامه ~~وجوب الطلب كما قلناه. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا }[لمائدة:6] وهذا ~~الوصف وهو عدم الوجدان إنما يتناول من طلب فأما من لم يطلب فلا يقال إنه ~~غير واجد، ولهذا يقال لمن قال: لم أجد طعاما في بيتي، من غير طلب: لو طلبت ~~وجدت، وفي هذا دلالة على أنه لا يقال لم أجد إلا بعد طلب الماء. PageV02P097 # الحجة الثانية:ما روي عن أمير المؤمنين أنه قال: يتلوم الجنب ما بينه وبين ~~آخر الوقت(1) )؛ والتلوم: الإنتظار والمكث، وفي هذا دلالة على أنه لا وجه ~~للإنتظار ms0597 إلا توقع وجود الماء وذلك لا يكون إلا بعد الطلب له. # المذهب الثاني: أنه لا يجب الطلب، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك هو: أنه عادم للماء في الظاهر فلا يلزمه الطلب كالفقير ~~فإنه لا يلزمه طلب الرقبة في الكفارة. # والمختار: ما قاله علماء العترة من وجوب طلب الماء قبل التيمم. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم، ونزيد ههنا، وهو ما رواه ابن مسعود رضي ~~الله عنه عن النبي ليلة الجن، أنه قال له: ما في إداوتك؟ وسؤال الناس مكروه ~~إلا عن ضرورة ولا ضرورة بالرسول صلى الله عليه وسلم هناك، فدل ذلك على أن الداعي هو أمر ~~الشرع وإيجابه بالطلب، وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أمير المؤمنين في طلب ~~الماء(2) فلو لم يكن واجبا لكان لا وجه للطلب خاصة مع تحقق البدل عنه. # الحجة الثانية: قياسية، وهي أنه لم يثبت عنده عدم الماء فلم يجز تيممه ~~بحكم العدم المطلق كما لو طلع عليه ركب، ولأن من شرط عدمه في حقه عند ~~الإنتقال إلى غيره فإنه لا يجوز له الإنتقال قبل ثبوت عدمه كالنص في ~~الحادثة والرقبة في الكفارة. # الانتصار: يكون بإبطال ما زعموه. # قالوا: عادم للماء في ظاهر الأمر فلا يلزمه الطلب كالفقير فإنه لا يلزمه ~~طلب الرقبة في الكفارة. PageV02P098 # قلنا: العدم في الظاهر لا يكفي حتى يستبرئ بالطلب كما أن الحاكم عادم لفسق ~~الشاهد في الظاهر ولا يحكم بشهادته حتى يستبرئ بالسؤال عن حاله في العدالة، ~~وكذلك المرأة فإنها عادمة للحمل في الظاهر ثم إنها يجب عليها الإستبراء ~~بالعدة، ويخالف الفقير لأن في طلبه الرقبة ضررا في بذل الوجه والدخول تحت ~~منة الغير، ولا ضرر في طلب الماء خاصة بالقيمة فهو كالمؤسر في طلب الرقبة ~~في السوق، ويجب عليه أن يطلبه ممن يجوز وجوده معه لأنه لا فائدة للطلب إلا ~~إذا كان على هذه الصفة فلا يجوز أن يطلبه ممن هو طالب له ولا من طفل لا ~~يعقل ولا ms0598 من بهيمته(1) ) لأن من هذه حاله فلا يظن وجوده معه، فإن دخل قرية ~~لطلب الماء ثم إنه لم يسأل أو سأل من ذكرناه ثم تيمم وصلى ثم أخبر بالماء ~~أعاد صلاته لأن الطلب شرط وقد أخل به حيث لم يسأل عنه، فلهذا لم يكن في ~~الحقيقة طالبا له. # الفرع الرابع: في كيفية الطلب، وإذا كان معتبرا كما أوضحناه. فكيفيته ~~تكون بأن يبدأ يفتش رحله لأنه أقرب الأشياء إليه وأوفر ما يظن تحصيله، فإن ~~لم يجد شيئا من الماء نظر إلى الناحية التي هو فيها يمينا وشمالا وخلفا ~~وأماما هذا إذا كان في السهول والأرض المستوية التي لا يحول دون نظره من ~~أقصاها شيء، وإن كانت الأرض غير مستويه إما بالهبوط في الأودية وإما ~~بالصعود إلى موضع عال فإنه يلزمه الصعود والهبوط والنظر إلى ما حوالي تلك ~~الأمكنة فإذا نظر وتلفت ولم ير الماء فإنه يجب عليه أن يسأل ويستخبر من يظن ~~أن عنده علما من الماء فإذا دل على موضع يعلم أو يغلب على ظنه أن فيه ماء ~~وجب عليه وصوله باعتبار شرائط أربع: # الشريطة الأولى: أن لا يخاف على نفسه تلفا أو ضررا من سبع أو عدو، وأن ~~يكون آمنا على متاعه( PageV02P099 ( ) في الأصل: كلمة غير مفهومة أبدلناها بكلمة ((متاعه)) لأنها المقصودة ~~بحسب السياق، ولعلها (أدواته) للتشابه الكبير بينهما. ) وراحلته من اللصوص ~~لقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج }[الحج:78]. # الشريطة الثانية: أن لا ينقطع عن الرفقة والقافلة لما يلحقه من ذلك من ~~المشقة والحرج بتأخره عن الرفقة في الطريق. # الشريطة الثالثة: أن يعلم أو يغلب على ظنه إدراك المقصود بالماء وهو ~~الوضوء والصلاة جميعا في الوقت إذ لا فائدة في الوصول إليه إلا لهما، فإن ~~علم أو غلب على ظنه أنه يدرك الوضوء في الوقت دون الصلاة فهل يجب عليه ~~الوصول أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه يجب عليه، وهذا هو رأي المؤيد بالله، لأن من هذه حاله فهو ~~موصوف بوجود الماء في حقه، فلهذا وجب ms0599 عليه الوصول إليه والتوخي. # وثانيهما: أنه غير واجب عليه، وهذا هو رأي السيد أبي طالب لأن الوضوء ~~إنما تعين من أجل الصلاة لا لنفسه فإذا لم يكن مدركا للصلاة فلا وجه ~~لإيجابه. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله لأن الشرط في فعل التيمم إنما هو عدم ~~الماء وهذا غير عادم والأدلة الشرعية لم تفصل بين أن يكون مدركا للصلاة ~~والوضوء جميعا أو لأحدهما في أنه لا معنى لفعل التيمم مع وجود الماء، ~~والتعويل على الظواهر أحق من التعويل على المعاني. # الشريطة الرابعة: أن لا تكون المسافة التي بينه وبينها بعيدة طويلة، فما ~~هذا حاله لا يجب ويعدل إلى التيمم، لما فيه من المشقة وبطلان المقصود، فلا ~~يجب لقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر \s \c ~~1}[البقرة:185]. ولا قائل به. # فإن كان بحيث يمكنه إدراكهما معا ولكن لا بد من قطع مسافة فكم مقدار تلك ~~المسافة؟ فيه أربعة أوجه: # أولها: أن تكون تلك المسافة مقدار الميل فما دونه، فإن كان فوق ذلك لم ~~يلزم وجاز له العدول إلى التيمم، وهذا شيء يحكى عن الإمام المنصور بالله. PageV02P100 # وثانيها: أن حد المسافة مقدر بموضع محتطب القرية ومرعاها فهذه المسافة وما ~~دونها يلزمه الوصول إليها إذا كان عالما بوجود الماء فيها، وهذا محكي عن ~~بعض أصحاب الشافعي. # وثالثها: أن المسافة مقدرة بالمكان الذي يلحقه فيه الغوث إذا استصرخ من ~~عدو أو لص، وهذا هو الذي ذكره الشيخ أبو حامد الغزالي. # ورابعها: أن ذلك مقدر بالزمان دون المكان والجهة، فمن كان يعلم أنه يلحق ~~الماء ويبلغه قبل مغيب الشمس من النهار وقبل طلوع[الفجر] من الليل فإنه يجب ~~عليه طلبه في مقدار هذه المدة، وهذا هو الذي ذكره الهادي فإنه قال في ~~الأحكام: ومن أصابته جنابة في ليله أو نهاره والماء عنه على مسافة يعلم أنه ~~يلحقه أو يبلغه قبل طلوع الفجر أو في آخر النهار قبل مغيب الشمس وجب عليه ~~طلبه والمصير إليه إلا أن يمنعه عنه مانع أو يقطعه عن بلوغه ms0600 قاطع(1). PageV02P101 # والمختار: ما قاله الإمام المنصور بالله من تقدير المسافة بالميل من جهة أن ~~الميل معيار معلوم قد روعي في تقدير البريد لحد القصر وروعي في حد القصر من ~~الخروج من المنزل وغير ذلك، فمن أجل ذلك كان التقدير به أولى، وما ذكرناه ~~من المحتطب والمرعى والتقدير بموضع الإغاثة عن الفقهاء، فهو قريب مما ذكره ~~المنصور بالله مع أن المحتطب أبعد من موضع الإغاثة لكنها تختلف الحال فيها ~~بالإضافة إلى البلدان والقرى والأصقاع، وأما الميل فهو تقدير غير مختلف فلا ~~جرم كان أحق، وأغربها ما حكيناه عن الهادي وحاصله وجوب السعي للطلب من وقت ~~الزوال إلى قبل غروب الشمس ومن أول الليل[إلى] قبل طلوع الفجر، ولم أعرف ~~أحدا قال بهذه المقالة قبله وإنما المحكي عن العلماء ما نقلناه، والوجه له ~~فيما ذكره على غرابته هو أنه إذا دخل عليه وقت الزوال فإنه مخاطب بتأدية ~~الصلاة وجوبا موسعا بوضؤ، فإذا كان يعلم أنه يحصل الوضوء في مقدار هذه ~~المدة فإنه يجب عليه بحكم الأمر بالصلاة، السعي في تحصيله ليكون مؤديا ~~للصلاة الواجبة إلا أن يحول عنه حائل. # الفرع الخامس: اعلم أن حاصل الأمر فيما ذكرناه من إيجاب الطلب على من عدم ~~الماء أن له أربعة أحوال: # الحالة الأولى: أن يكون متحققا لعدم الماء حواليه فمن هذه حاله فإنه ~~يتيمم من غير طلب إذ لا فائدة للطلب ولا معنى له مع اليأس عنه وهذا إنما ~~يكون في الخبير بالمواضع السهلية والجبلية فيمكنه القطع بعدم الماء فيها. PageV02P102 # الحالة الثانية: أن يتوهم وجود الماء حواليه فيلزمه الطلب الحصر ومع الرفاق ~~ويصعد ويهبط كما شرحناه من قبل، ثم إن ذلك يختلف باختلاف الأراضي والبقاع ~~فليجتهد المكلف وليعمل رأيه في تحصيله بكل ممكن يجد إليه سبيلا. فإن صلى ~~صلاة بهذا الطلب ثم دخل وقت صلاة أخرى وأراد أداؤها بالتيمم فهل يلزمه ~~تجديد الطلب أم لا؟ والأقرب أن حالته إن كانت قد تغيرت بأن صعد جبلا أو هبط ~~واديا أو طلع ركب أو غير ذلك مما يظن ms0601 فيه وجود الماء وجب عليه إعادة الطلب ~~لأنه لا يأمن وجوده مع تغير الحال، وإن كانت حاله غير متغيرة فلا وجه ~~لإعادة الطلب لأن الأمارة باقية بعدمه. # الحالة الثالثة: أن يكون متيقنا لوجود الماء ويلزمه أن يسعى إليه إذا ~~يعلم أو يغلب على ظنه إدراك الوضوء والصلاة جميعا في الوقت، وحد المسافة ~~التي يجب السعي إليها هو الميل كما قررناه من قبل فما دونه، فأما ما فوقه ~~فلا يلزمه ذلك، وإن طلب الماء فلم يجد فتيمم ثم طلع عليه ركب قبل أن يدخل ~~في الصلاة لزمه أن يسألهم عن الماء فإن لم يجد معهم ماء أعاد التيمم لأنه ~~لما توجه عليه الطلب بطل تيممه لأن التيمم في صحته مشروط بتقديم الطلب ~~فلهذا بطل، فإن وجد معهم ماء واشتراه ثم اهراق أو تنجس أعاد التيمم والصلاة ~~جميعا لأن تيممه كان قد بطل بوجود الماء. # الحالة الرابعة: أن يكون الماء حاضرا كماء البئر إذا تنازع عليه النازحون ~~ثم غلب أن نوبته لا تنتهي إ ليه إلا بعد فوات وقت الصلاة فيكون على ما ~~حكيناه من الخلاف بين السيدين، فعلى رأي المؤيد بالله يجب عليه الوضوء وإن ~~فات وقت الصلاة لكونه واجدا للماء وهو منصوص الشافعي. وعلى رأي أبي طالب ~~يجوز له التيمم وهو القول المخرج على أصل الشافعي. # الفرع السادس: وإن وهب له الماء فهل يجب عليه [قبوله] أم لا؟ فالذي عليه ~~أئمة العترة أنه يجب عليه قبوله، وهو أحد قولي الشافعي. PageV02P103 # والحجة على ذلك: هي أنه لا منة في ذلك لأن العادة جارية في التسامح في ~~الماء وأن الفقير يبذله للغني، وحكي عن أبي حنيفة أنه لا تجب عليه قبوله ~~ولا يلزمه. # والحجة على ذلك: هو أنها عبادة لها بدل فلا تجب ببذل الغير لها كما لا ~~يلزمه قبول الرقبة في الكفارة. # والمختار: ما قاله علماء العترة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سأل ابن مسعود وضوءا وقال: ~~((ما في أدواتك)) وهو أجل وأعلى من الدخول تحت منة غيره، ولأنه صار ms0602 متمكنا ~~من الوضوء بطريق تلزمه فوجب عليه ذلك كما لو دله غيره على الماء. # وإن بذل له ثمن الماء لم يلزمه قبوله لما فيه من الدخول تحت منة الغير في ~~آداء عبادة لها بدل، وإن بذلل له الماء بثمن مثله وكان واجدا للثمن غير ~~محتاج إليه في سفره لزمه شراؤه، ولا يجوز له التيمم. وإن كان غير واجد لثمن ~~مثله، أو كان واجدا له إلا أنه يحتاج إليه لخاصته في سفره جاز له أن يتيمم ~~لأن الماء الذي معه محتاج إليه لإحياء نفسه فصار كما لو كان معه ماء وهو ~~محتاج إليه لأجل العطش. فإن كان بيع الماء بثمن المثل وأنظره البائع إلى ~~بلده وكان له في بلده مال وجب عليه شراؤه ولم يجز له التيمم لأنه لا ضرر ~~عليه في ذلك، وإن كان مع غيره ماء وهو غير محتاج إليه لنفسه ولم يبذله له ~~بقيمة ولا بغيرها لم يجز له أن يكرهه على أخذه(1) لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل مال ~~امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه \s " \c 2)). ولأن له بدلا فلا يجوز اكراهه ~~عليه، وإن وجد الماء بأكثر من ثمن مثله نظرت فإن كان يحجف بحاله لم يلزمه ~~شراؤه عند أئمة العترة وفقهاء الأمة ولا يعرف فيه خلاف لأنه يلحقه في ذلك ~~مضرة وحرج، وقد قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج \s \c ~~1}[الحج:78]. وإن كان لا يجحف بحاله فهل يجب عليه شراؤه أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه يجب عليه شراؤه وهذا هو رأي أئمة العترة. PageV02P104 # والحجة على ذلك: قوله تعالى:{فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا \s \c ~~1}[النساء:43]. ومن كان يمكنه شراء الماء بأكثر من ثمن مثله فإنه لا يوصف ~~بأنه غير واجد، ولأنه متمكن من الأصل فلا يجوز له العدول إلى البدل كما لو ~~كان بثمن مثله. # وثانيهما: أنه لا يلزمه ذلك، وهذا هو المحكي عن فقهاء الأمة أبي حنيفة ~~وأصحابه والشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه غير واجد ms0603 للماء بثمن مثله فلا يلزمه شراؤه كما لو ~~كان مجحفا به. # والمختار: ما قاله علماء العترة من وجوب شرائه بأكثر من ثمنه. # والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا، وهو أن الأدلة الشرعية من ~~الكتاب والسنة دالة على أن من هذا حاله فإنه يوصف بكونه واجدا للماء، ومن ~~وجه آخر، وهو أن الأموال بدل لا قيمة لها في نظر الشرع فإن كان متمكنا من ~~تحصيله بالقيمة وجب عليه ذلك سواء كان بثمن مثله أو بأكثر من ذلك مالم يكن ~~مجحفا بحاله فإن من هذا حاله فإنه مخرج بدليل شرعي وهو قوله تعالى: {لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها \s " \c 1}[البقرة:286]. وقوله تعالى: {وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج}[الحج:78] إلى غير ذلك من الأدلة الشرعية الدالة على ~~أن كل ما كان فيه ضرر على النفوس فإنه لا يتوجه تحمله في أداء العبادة. # الانتصار: يكون بإبطال ما زعموه حجة لهم. # قالوا: إذا لم يكن لازما له مع الإجحاف فلا يلزمه وإن عدم الإجحاف ~~والجامع بينهما هو أنه عادم للماء. # قلنا: هذا فاسد فإن مع الإجحاف ضررا على النفس لا يحصل من غير إجحاف ~~فافترقا، والفرق من أدخل ما توجه في إفساد العلة وإبطالها فبطل ما توهموه. # الفرع السابع: وفي كيفية اعتبار المثلية في الماء وجهان: PageV02P105 # أحدهما: أنه يعتبر مثله في موضعه الذي هو فيه دون غيره فإن كان ثمنه درهما ~~على مجرى العادة توجه شراءه، وإن زاد على قدر الدرهم كان ذلك على الخلاف ~~بيننا وبين الفقهاء فنحن نوجبه وهم لا يوجبونه. # وثانيهما: أن الماء لا قيمة له بحال ولكن يراعى في ذلك أجرة مثله فيمن ~~يحمله إلى موضعه لأن أصل الماء على الإباحة وهذا هو المحكي عن بعض أصحاب ~~الشافعي. # والمختار: جواز الأمرين جميعا، فحيث تكون له قيمة تعتبر قيمته في موضعه، ~~وإن كان لا قيمة له فإنه يعتبر أجرة من يحمله من موضعه فالأمران جائزان كما ~~ترى لأن المنافع لها قيمة كالأعيان، والمثلية جارية فيهما جميعا وسواء ms0604 كانت ~~القيمة زائدة على ثمن مثله أو مساوية فإنه يلزم تحصيله لما لم يكن مجحفا بحاله. # السبب الثاني: أن يكون الماء موجودا ويخاف من استعماله ضررا في نفسه فمن ~~هذا حاله يجوز له التيمم. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول منها: هو أن المريض إذا كان لا يخاف فيه من استعمال الماء ~~تلف نفسه ولا تلف عضو من أعضائه ولا حدوث مرض مخوف ولا إبطاء البرء ولا ~~زيادة في علته ومثل هذا كالصداع في الرأس ووجع الضرس والحمى فما هذا حاله ~~من الأمراض لا يجوز لأجله التيمم عند أئمة العترة وفقهاء الأمة الفريقين ~~الحنفية والشافعية. # والحجة على ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقبل الله صلاة امرء حتى يضع الوضوء مواضعه ~~\s \c 2)) فهذا عام في جميع الأحوال إلا ما قامت عليه دلالة، ويروى عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء \s \c 2)). وفي ~~حديث آخر: ((فاطفئوها بالماء)) فندب إلى إطفاء حرها بالماء فلا يجوز أن ~~تكون هي سببا في ترك الماء. # وحكي عن بعض أصحاب مالك وعن داؤد وطبقته: جواز ذلك. # والحجة لهم على ذلك: قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر \s " \c ~~1}[النساء:43]. وهذا عام في جميع أحوال المرض لأنه لم يخص مرضا من مرض فيجب ~~الإعتماد عليه. PageV02P106 # وا لمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من المنع من استعمال ~~التراب فيما ذكرناه، ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد ههنا وهو قوله ~~تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا \s " \c 1 وجوهكم}[المائدة:6]. وهذا ~~عام في كل مرض إلا ما دلت عليه دلالة تخرجه عنه. وما قلناه فيما هذا حاله ~~من المرض فإنه لاحق بالصحة فلا وجه لإخراجه عن عموم الآية لما ذكرناه. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: عموم الآية في قوله: {وإن كنتم مرضى} دال على إباحته في كل مرض. # قلنا: قد تعارضت هذه العمومات، ولنا عنها جوابان: # أما أولا: فلأن عموماتنا موافقة للقياس وهو ms0605 أن هذا واجد للماء لا يخاف ~~الضرر على نفسه من استعماله فأشبه الصحيح. # وأما ثانيا: فلأنا نقول المراد بقوله: {وإن كنتم مرضى}، المرض الذي يخاف ~~منه الضرر على الروح أو على بعض الأعضاء من استعماله. # الفرع الثاني: هو أن المرض إذا كان يخشى من الوضوء معه تلف النفس أو تلف ~~عضو من الأعضاء، فما هذا حاله يجب فيه التيمم عند أئمة العترة وأكثر فقهاء ~~الأمة الحنفية والشافعية والمالكية. # والحجة على ذلك: ما روي أن رجلا كان في بعض الغزوات فاجتنب فسأل الناس ~~فقالوا: ما نجد لك رخصة عن الغسل فاغتسل فمات، فبلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ~~((قتلوه قتلهم الله \s " \c 2 هلا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي ~~السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على رأسه خرقة ويمسع عليها ويغسل ~~سائر بدنه))(1) وهذا نص فيما نحن فيه. # وحكي عن الحسن البصري وعطاء أنهما قالا: لا يجوز له التيمم مع وجود الماء. PageV02P107 # وا لحجة على ما قالاه: قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر \s \c 1} إلى ~~قوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}[المائدة:6]. فأباح للمريض التيمم ~~عند عدم الماء وهذا واجد له فلا يكون مندرجا تحت الآية لما ذكرناه. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة. # والحجة عليه: ما حكيناه عنهم ونزيد ههنا حديث عمرو بن العاص \s \c 3(1) ~~وهو أنه تيمم لخوف التلف من البرد مع وجود الماء فعلم به رسول اللهصلى الله عليه وسلم فعاتبه ~~على ما فعل فقال له: إني سمعت الله تعالى يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله ~~كان بكم رحيما \s \c 1}[النساء:29] فسكت الرسول صلى الله عليه وسلم(2) فلو لم يكن جائزا لما ~~أقره عليه. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: الآية دالة على أنه لا يجوز التيمم إلا مع عدم الماء وهذا واجد له ~~فلا يجوز استعمال التراب. # قلنا: عما ذكروه جوابان: PageV02P108 # أما أولا: فلأن المراد من الآية أمر مضمر وأن ms0606 التقدير فيها: وإن كنتم مرضى ~~فلم تقدروا على استعمال الماء أو كنتم على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا، ~~وكثير ما يضمر في كتاب الله تعالى ما يدل عليه سياق الكلام كقوله تعالى: ~~{فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت \s " \c 1}[البقرة:60] فالتقدير: فضرب ~~فانفجرت. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا أنه لا إضمار فيها فالمراد به المرض الذي لا ~~يخشى منه التلف فإن من هذه حاله لا يجوز له التيمم كما مر تقريره. # الفرع الثالث: إذا كان المرض لا يخشى منه تلف النفس ولا تلف عضو من ~~أعضائه ولكن يخشى منه إبطاء البرء وزيادة الألم لا غير فهل يجوز له التيمم ~~أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجوز له التيمم وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو المحكي ~~عن الشافعي في القديم و(الإملاء)، وحكاه البويطي عنه وهو قول أبي حنيفة ومالك. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر \s " \c ~~1}[النساء:43]. وهذا عام لجميع الأمراض من غير تخصيص إلا بدلالة. # المذهب الثاني: أنه لا يجوز له التيمم وهذا هو المنصوص عليه للشافعي في ~~(الأم) و(المختصر). # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط \s " \c 1 أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}[النساء:43] فأباح التيمم ~~لمن لا يجد الماء، وهذا واجد فلهذا لم يبح له التيمم. # والمختار: ما عليه علماء العترة ومن وافقهم من فقهاء الأمة من جواز ~~التيمم لمن هذه حاله. # والحجة: ما قالوه ونزيد ههنا، وهو أن من هذه حاله فإنه يتضرر بالماء فجاز ~~له التيمم فأشبه من خاف التلف. # الانتصار على من خالفنا: يكون بإبطال ما اعتمدوه وإلى ما حكيناه عن ~~الشافعي في (الأم) و(المختصر) ذهب الحسن البصري واحمد بن حنبل وعطاء. PageV02P109 # قالو: ظاهر الآية دال على أن التيمم إنما يباح لمن لا يجد الماء وهذا واجد ~~فلا يباح له. # قلنا: الآية مشتملة على جمل كل واحدة منها مستقلة بنفسها، والتقدير فيها: ~~وإن كنتم مرضى ولم تقدروا على استعمال الماء ms0607 أو كنتم على سفر أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء فتعذر عليكم استعمال الماء فتيمموا، أو لم ~~تجدوا الماء بلا فرق بين عدم الماء وتعذر استعماله في جواز ما ذكرناه من ~~التيمم. # الفرع الرابع: إذا كان لا يخشى من استعما الماء زيادة علة ولاحدوثها ولا ~~استمرارها ولكن يخشى الشين وقبح المنظر في جسمه فهل يباح له التيمم من أجل ~~ذلك أم لا؟ فيه لأصحاب الشافعي قولان: # أحدهما: أن ذلك لا يجوز لأنه لا يخشى تلفا ولا إبطاء علة عن البرء فهو ~~كما لو خاف من البرد. # وثانيهما: أن ذلك جائز لأن قبح المنظر في الخلقة وتشويه الوجه ربما كان ~~ضرره أكثر من ضرر بعض الآلام وزيادتها واستمرارها. # والمختار عندنا في ذلك: تفصيل نشير إليه لأنها غير منصوصة لأصحابنا، وهو ~~أنه ينظر في حال ذلك الشين الذي يلحق المتوضي فإن كان شيئا يسيرا لا يشوه ~~خلقة الإنسان ولا يقبحها في المنظر كآثار الجرب وآثار الجدري أو قليل حمرة ~~أو خضرة فإنه لا يجوز له التيمم لأنه لا يتضرر بذلك ولا يكون له موقع، وإن ~~كان يحصل منه شين كثير وقبح عظيم في الوجه وغيره نحو أن يسود وجهه كله أو ~~بعضه أو يحصل فيه آثار تقبح المنظر، فمن هذه حاله يجوز له التيمم لأن ~~الإنسان يألم قلبه ويحصل عليه من الغم مثل ما يحصل من زيادة العلة ~~واستمرارها، بل ربما كان هذا أعظم من ذلك لا محالة. # الانتصار: يكون بإبطال ما زعموه. # قالوا: هو لا يخشى على نفسه ولا يؤدي إلى ضرر في أعضائه فلا يباح له ~~التيمم. # قلنا: ربما كان الشين أعظم ضررا من الألم كما أوضحناه فكما أبيح لأجل ~~الضرر أبيح لأجل ما يلحقه من الشين وقبح المنظر. PageV02P110 # السبب الثالث: تعذر الوصول إلى الماء وذلك يكون بعروض أمور تمنع منه وهذه ~~نحو عدو أو لص أو سبع عاد أو غير ذلك من الأمور العارضة عن استعماله مع ~~كونه موجودا، فما هذا حاله يجوز [معه] التيمم. # التفريع ms0608 لهذه القاعدة: # الفرع الأول منها: إذا كان الخوف من عدو أو لص أو سبع، فإن كان الخوف على ~~تلف الروح أو على قطع الأوصال أو حصول الضرر أو شين يلحقه جاز له التيمم ~~عند أئمة العترة، وهو قول جماهير الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ~~وأصحابه ومالك إلا ما يحكى عن الحسن البصري وعطاء فإنهم قالوا: لا يجوز له ~~التيمم، والاحتجاج عليهم والانتصار قد ذكرناه من قبل فأغنى عن الإعادة. # الفرع الثاني: أن لا يخاف ضررا في نفسه ولكنه خاف أخذ ماله وسلب أثوابه ~~كلها، فينظر فيه فإن كان أخذ المال مجحفا بحاله جاز له التيمم، وإن كان غير ~~مجحف بحاله لم يجز له التيمم. وفي اعتبار حال الإجحاف وجوه ثلاثة: # أولها: أن يكون بحيث لا يجد عوضا عما أخذ منه فمن هذه حاله يجوز له ~~التيمم. # وثانيها: أن يكون غمه بما أخذ منه مثل غمه لو أصابه ضرر في نفسه من جرح ~~أو قطع عضو من أعضائه. # وثالثها: أن يكون ما أخذ منه يبيح له السؤال لأجل فقره وضيق حاله، فهذا ~~هو حد الإجحاف. والأول أقواها وأحسنها لأن كل من لا يجد عوضا عما سلب عنه ~~من الأثواب وأخذ منه فذلك إجحاف بحاله، والإجحاف هو الذهاب يقال: سيل جحاف ~~إذا جرف كل شيء لاقاه وأصابه، وكل ما كان من الأمور مذهبا للمال وللنفوس ~~فهو مجحف. PageV02P111 # الفرع الثالث: أن يكون الماء في بئر وليس معه حبل ولا دلو يخاف إن نزل ~~إليها(1) على نفسه التلف، ونحو أن يكون الماء في حفرة أو مطهرة وعلى بدنه ~~نجاسة ولا يتمكن من الوضوء به إلا بتنجيسه، فإن من هذه حاله فإنه يجوز له ~~التيمم، وإن عجز عن تسخين الماء لبرده وكان يضره جاز له التيمم لقوله ~~تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر \s " \c 1}[المائدة:6]. # السبب الرابع: أن يكون محتاجا إلى الماء خوفا من العطش في الوقت أو يتوقع ~~الحاجة إليه في باقي الحال أو لعطش رفيقه أو لعطش حيوان محرم أكله، وكل ms0609 ما ~~ذكرناه يبيح له التيمم مع وجود الماء لما ذكرناه لأن تدارك الحشاشات عن ~~التلف أو الأضرار عمن ذكرناه أهم في مقصود الشرع من الوضوء بالماء، من جهة ~~أن الوضوء له بدل وهو التيمم فتسكين العطش بالماء لا بدل له، وأيضا فإنه لو ~~كان مع رجل ماء فمات ومعه رفقة يحتاجون إليه من أجل العطش جاز لهم أن ~~ييمموه ويشربوا الماء ويجب عليهم صرف ثمنه إلى ورثته إذا كان له قيمة في ~~مثل ذلك الموضع، ويكون صرف قيمته أحق لأن مثله حقير في غير ذلك الموضع، ~~فلأجل ذلك كان العدول إلى القيمة أولى، وهكذا لو كان معه رفيق ومات الرفيق ~~ومعه ماء جاز أخذه بالقيمة، ويعدل إلى التيمم لأجل المصلحة إلحاصلة بتدارك ~~حشاشة النفس عن العطش فمتى خشي تلف نفسه من أجل العطش وجب عليه التيمم ~~لقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما \s \c ~~1}[النساء:29]. ولا يعرف خلاف في ذلك [إلا] ما حكيناه عن الحسن وعطاء، وإن ~~خشي الضرر جاز له التيمم لأجل دفع الضرر. قال السيد أبو طالب: وكان أبو ~~العباس يقول: إذا خشي التلف وجب عليه التيمم وإن خشي الضرر بالعطش والتألم ~~جاز له التيمم، والوضوء أفضل، يشير به إلى ما فصلناه من أن صيانة النفس عن ~~التلف بالعطش أهم، وإن لم يكن هناك إلا الضرر والتألم فالوضوء أفضل، وهذا ~~جيد لأن PageV02P112 التكليف لا ينفك عن ضرارة(1) وثقل على النفوس فلا جرم كان الوضوء أفضل، وإن ~~كان في العطش مشقة. # السبب الخامس: العجز بسبب فقدان العلم وفيه صور خمس: # الصورة الأولى: النسيان، وهو أن ينسى الماء في رحله بعد ان كان علمه ~~فتيمم وصلى ثم يعلم بعد ذلك فهل تلزمه الإعادة مع بقاء الوقت أو يلزمه ~~القضاء بعد فواته أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه تلزمه الإعادة مع بقاء الوقت والقضاء بعد فواته، وهذا ~~هو رأي المؤيد بالله وهو المنصوص عن الشافعي في عامة كتبه، ومحكي عن أبي يوسف. # والحجة على ذلك: ms0610 هو أن الوضوء شرط في صحة الصلاة فلا يسقط بالنسيان ~~كالركوع والسجود وستر العورة ولأنها طهارة تستباح بها الصلاة فعدمها لأجل ~~النسيان يمنع من صحة الصلاة كما لو كان على بدنه نجاسة ونسيها وصلى فإنه ~~تلزمه الإعادة فهكذا هذا. # المذهب الثاني: أن لا تلزمه الإعادة ولا القضاء، وهذا هو المحكي عن أبي ~~حنيفة ومحمد. # والحجة على ذلك: هو أنه غير قادر على استعمال الماء لعذر من جهة الله ~~تعالى وسقط عنه الفرض بالتيمم كما لو حال بينه وبين الماء سبع أو مرض. # المذهب الثالث: أنه إن كان الوقت باقيا وجبت عليه الإعادة، وإن كان فائتا ~~فلا إعادة عليه، وهذا هو رأي الهادي والذي يأتي على أصل الناصر وهو قول ~~مالك من الفقهاء. # وا لحجة على ذلك: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا \s \c ~~1}[المائدة:6]. والناسي للشيء غير واجد له لأن الوجود عبارة عن التمكن من ~~استعمال الماء والقدرة عليه، وهذا غير متمكن من استعماله، هذا كله إذا كان ~~الوقت باقيا فإن كان فائتا لم تجب عليه الإعادة. # والحجة على ذلك: هو أن هذا مبني على أن التيمم إنما يجب في آخر الوقت كما ~~سنوضحه، فإذا صلى بالتيمم وبقي من الوقت بقية ثم علم بالماء في رحله فإنه ~~إنكشف الآن أن تيممه وقع على فساد فلهذا وجبت عليه الإعادة. PageV02P113 # والمختار: ما قاله الهادي والناصر من التفرقة بين بقاء الوقت وزواله. # والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهما ونزيد ههنا، وهو أن الوقت إذا كان فائتا ~~فلا وجه لإيجاب القضاء على من هذه حاله من جهة أن الناسي لا يعقل تكليفه في ~~حال نسيانه لفقد علمه وهو من شرائط التكليف لأنه يستحيل أن يقال له استعمل ~~الماء وأنت ناس له. وإذا تيمم وصلى فقد أدى الفرض على الوجه الذي أمر به ~~وخرج عن عهدة الأمر فلا يلزمه القضاء. # ووجه آخر وهو: أن القضاء إنما يجب بأمر جديد ودلالة منفصلة ولا دلالة ~~ههنا على وجوب القضاء عليه لأنا سنورد الجواب على ms0611 الشكوك التي يذكرونها ~~دلالة على وجوب القضاء عليه، وإنما توجب عليه الإعادة إذا كان الوقت باقيا ~~فلأن الخطاب متوجه نحوه بقوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا}[النساء:103]. يريد موقتا بوقت محدود لا تجوز مخالفته، فمهما كان في ~~وقت الصلاة فهو مخاطب بأدائها، فلا جرم كان أداؤها لازما له ولا ينفع ~~أداؤها بالتيمم لأنا قد بينا وقوعه على فساد بالعلم بوجود الماء. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. أما من قال بسقوط الإعادة عليه والقضاء ~~على الإطلاق كما هو المنصوص لأبي حنيفة وهو رأي محمد. # قالوا: روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا ظهران في يوم)). فلو قلنا بوجوب ~~الإعادة عليه لكان ذلك مدافعة لنص الحديث، وهو باطل. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا نقول بظاهر الحديث فإنا لا نوجب عليه إلا ظهرا واحدا، ~~وأما أداءه بالتيمم فليس في الحقيقة ظهرا عليه لكونه وقع فاسدا فقد وفينا ~~بما دل عليه ظاهر الحديث. PageV02P114 # وأما ثانيا: فلأنا قائلون بموجب الخبر فإنا نقول: لا ظهران في يوم على جهة ~~الأداء فأما أن يكون أحدهما معادا والآخر أداء فلا مانع من ذلك، ويؤيد ما ~~ذكرناه أنه إذا جاز أن يكون أحدهما مؤدى والأخر مقضيا لمن عليه فائتة فهكذا ~~لا يمتنع أن يكون أحدهما معادا لفوات شرطه والأخر مؤدى كما ذكرناه. # قالوا: إنه غير قادر على استعمال الماء لعذر من جهة الله تعالى فسقط ~~الفرض عنه بالتيمم فلا تلزمه الإعادة كما لو حال بينه وبين الماء مرض أو سبع. # قلنا: هذا فاسد فإنا لا نسلم عدم قدرته على استعمال الماء بل هو قادر على ~~استعماله لأنه يمكنه التوصل إليه من غير مشقة ولا ضرر عليه بأن يطلبه عند ~~توجه الفرض عليه ويشكك نفسه فيتذكر الماء و[هذا] يخالف السبع والمرض فإنه ~~لا يقدر على دفعهما، ولهذا فإنه لا يحسن أن يقال له: لا تمرض ولا يمنعك ~~السبع، ويحسن في العادة أن يقال له: لا تنس، ويلام على ما وقع منه من ~~النسيان، ms0612 فيقال: لم نسيت؟ ولا يقال له: لم مرضت ولم منعك السبع؟ # قالوا: فقد العلم بموضع يتيح له الصلاة بالتيمم ويمنع من وجوب القضاء كمن ~~بجنبه بئر وهو لا يعلمها. # قلنا: إن كان يعلم بها وجبت الإعادة والقضاء لوقوع تيممه على خلل وفساد، ~~وإن لم يعلم فلأن ذلك خارج من يده فاكتفي فيه بالظاهر، وليس هكذا حال الرجل ~~فإنه في يده فلم يكتف فيه بالظاهر فلأجل ما ذكرناه فارق مسألة الرجل مسألة ~~البئر، ويؤيد ما ذكرناه أنه يرجع فيما حكم به غيره إلى الظاهر بالشهادة ولا ~~يرجع فيما حكم به هو إلا إلى اليقين والإحاطة فهذا هو الكلام على أبي حنيفة ~~إذا قال بسقوط الإعادة عنه إذا كان الوقت باقيا وهو رأي محمد، فأما سقوط ~~القضاء عند تقضي الوقت فهو المختار عنه كما مر تقريره. # وأما من قال بلزوم الإعادة في الوقت والقضاء بعده كما هو رأي المؤيد ~~بالله والشافعي فقالوا: إن الوضوء. شرط من شرائط الصلاة فلا يسقط بالنسيان ~~كالركوع والسجود وستر العورة. PageV02P115 # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكروه معارض بالقياس الذي أوردناه، وهو أن عروض ~~النسيان عن استعمال الماء كعروض اللص والسبع، وإذا كان هذا مجزيا معه ~~التيمم فهكذا ما قلنا، فإما أن يتساقطا لتعارضهما وإما أن يرجح أحدهما على ~~الآخر، وقياسنا أرجح لأنه يشهد له قوله صلى الله عليه وسلم: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان \s ~~" \c 2)) فلو أوجبنا عليه القضاء مع فوات الوقت لم يكن النسيان مرفوعا كما ~~دل عليه ظاهر الخبر. # وأما ثانيا: فلأن هذه الأمور إنما وجبت الإعادة والقضاء مع نسيانها من ~~جهة أنه لا بدل لها بخلاف ما نحن فيه فإن الطهارة بالماء لها بدل وهو ~~التيمم فافترقا. # قالوا: ولأنه بدل لو أتى به مع العلم بحال المبدل لم يعتد به فإذا أتى به ~~مع النسيان لم يعتد به كالصوم في الكفارة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم الأصل المقيس عليه فإنه إذا نسي الرقبة وصام ~~أجزأه ذلك ms0613 وهو الذي حكاه الكرخي عن أبي حنيفة. قال السيد أبو طالب: ~~والمسألة غير منصوصة لنا فإن قلنا بأن الصوم يجزي مع نسيان الرقبة فإنه لا ~~يلزمنا قياسهم. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا أن الصوم غير مجز له فالتفرقة بينهما ظاهرة ~~فإن الاعتبار تملك الرقبة لا بالتمكن منها على كل وجه ولهذا فإن من لا يملك ~~الرقبة لو وهبت له لم يلزمه قبولها وأجزأه الصوم، وإذا كان الأمر كما قلنا ~~فالاعتبار في الماء بالتمكن لا بالملك ولهذا فإنه إذا وهب له وجب عليه ~~قبوله، ولم يجز له التيمم كما مر تقريره، ومع النسيان فهو غير متمكن فلهذا ~~كان التيمم مجزيا له فافترقا. # قالوا: ولأنه تطهير واجب فلم يسقط بالنسيان كما لو نسي بعض أعضائه. PageV02P116 # قلنا: المعنى في الأصل أنها طهارة أصلية بخلاف التيمم فإنها طهارة بدلية ~~فهذا فرق واضح يبطل فيه الجمع وأعظم فساد الأقيسة هو الفرق، فهذا كله دال ~~على بطلان مقالة من قال: إنه يتوجه عليه الإعادة والقضاء مع بقاء الوقت ~~وزواله، وبعد ذلك يصح ما قلناه من التفرقة بين بقاء الوقت وزواله، فإذا كان ~~[الوقت] باقيا توجهت الإعادة وإن كان فائتا بطل القضاء من جهة أن مع بقاء ~~الوقت يقوى أمر الخطاب بالصلاة كما مر بيانه. # الصورة الثانية: إذا أدرج في رحله ما يملكه ولم يكن شاعرا به فتيمم ثم ~~صلى هل تلزمه الإعادة أم لا؟ فإن قلنا: إنه في معنى الناسي جاء الخلاف الذي ~~ذكرناه في الناسي، فعلى رأي الهادي إن الوقت إن كان باقيا وجبت عليه ~~الإعادة وإن كان فائتا فلا إعادة، وعلى رأي المؤيد بالله والشافعي يتوجه ~~عليه الإعادة وعلى رأي أبي حنيفة لا إعادة عليه كما مر بيانه من قبل، وإن ~~قلنا بأنه يخالف الناسي فلا إعادة عليه ولا قضاء، وهذا هو المختار من جهة ~~أنه لا تقصير من جهته فلهذا لم يكن مشبها للناسي لأن الناسي قد يلام ويعد ~~مقصرا وهذا مخالف له فافترقا. # الصورة الثالثة: لو أضل الماء في رحله فالتبس بسائر ms0614 الأقمشة مع توهم ~~وجوده فتيمم ثم صلى، فإن لم يكن قد أمعن في طلبه وجب عليه القضاء لكونه قد ~~أخل بشرط التيمم وإن كان قد أمعن في طلبه فلم يجده وغلب على ظنه فقدانه فهل ~~يجب عليه القضاء أم لا؟ فيه احتمالان: # أحدهما: إلحاقه بالناسي فيكون على الخلاف. # وثانيهما: أنه بخلاف الناسي فلا تلزمه الإعادة. # الصورة الرابعة: لو ضل رحله في رحال القافلة فلم يدر به في جنح الليل ~~فتيمم ثم صلى فهل يلزمه القضاء أم لا؟ فيه احتمالان أيضا: PageV02P117 # الصورة الخامسة: إذا ضل الزمالة والرفقة الذين معهم متاعه ورحله فتيمم ثم ~~صلى فهل يتوجه عليه القضاء أم لا؟ فيه احتمالان كما ذكرنا في غيره. فهذه ~~صور متقاربة يقع فيها التردد بين الحاقها بالناسي ومفارقتها له فعلى الناظر ~~إمعان نظره على ما يوفق الله له من الصواب فيه. # السبب السادس: إذا خاف فوت صلاة العيدين بانقضاء وقتها وفوت صلاة الجنازة ~~لأجل الجماعة فهل يجوز التيمم مع وجود الماء أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز ذلك وهذا هو الذي نص عليه الهادي % في (الأحكام) ~~و(المنتخب) وهو رأي أبي حنيفة وأصحابه. # وا لحجة على ذلك: ما روي عن ابن عمر أنه قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول فسلم عليه فلم يرد السلام حتى إذا كاد ~~الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيده على الحائط ومسح بها على وجهه ثم ضرب ~~ضربة أخرى فمسح ذراعيه ثم رد السلام على الرجل وقال: ((إنه لم يمنعني ألا ~~أرد عليك السلام \s \c 2 إلا أني كنت على غير طهر فلم أحب أن أذكر اسم الله ~~إلا على طهارة))(1). # ووجه تقرير هذه الحجة هو أن رد السلام فرض على الكفاية على الفور فإذا ~~تراخى سقط، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما خشي الفوت جاز له التيمم فهكذا صلاة الجنازة إذا ~~خشي فوتها مع الجماعة جاز له التيمم لأدائها. # المذهب الثاني: أنه ms0615 لا يجوز له التيمم مع وجود الماء لهاتين الصلاتين ~~وهذا هو المحكي عن الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنها صلاة فلا يجوز التيمم لها مع القدرة على الماء ~~كسائر الصلوات. PageV02P118 # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من جواز التيمم لما ذكرناه من هاتين ~~الصلاتين للعذر الذي ذكرناه فيهما وهو فوات الجماعة في صلاة الجنازة وفوات ~~الوقت في صلاة العيدين. # والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا حججا ثلاثا: # الحجة الأولى: ما روى ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا ~~جاءتك الجنازة وأنت على غير طهر فتيمم وصل عليها \s " \c 2)) (1). وهذا نص ~~فيما نحن فيه وهو مقرر على أنها إذا فاتت فإنها لا تقضى كما سنوضحه من بعد ~~بمعونة الله تعالى. # الحجة الثانية: قياسية وهي أن هذه الصلاة تفوت إما بانقضاء وقتها كصلاة ~~العيدين وإما بفوات شرطها وهو الجماعة فإذا جاز التيممم لخوف فوات الوقت في ~~السفر فلأن يجوز لخوف فوات أصل الصلاة أولى وأحق، ولأنا لو أمرنا بالطهارة ~~لما ذكرناه من هاتين الصلاتين مع بطلانهما وفواتهما لكنا قد أمرنا بالطهارة ~~لا لصلاة وهذا محال فإن الطهارة لا تراد ولا تعنى إلا للصلاة لأنها غير ~~مقصودة لنفسها، فإذا كانت الصلاتان فائتتين بما ذكرناه فلا وجه لإيجاب ~~الطهارة، ولأن من لا صلاة له فلا وضوء عليه كالحائض والنفساء وهذا لو تطهر ~~بالماء لم يتمكن من أدائها بهذه الطهارة. PageV02P119 # الحجة الثالثة: هي أن صلاة الجنازة ليست صلاة على الإطلاق لأنه لا ركوع ~~فيها ولا سجود، ولهذا فإن الشعبي \s \c 3(1) وابن جرير زعما أنها تجوز من ~~غير طهارة(2) فلهذا جاز فيها التيمم مع وجود الماء. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: إنها صلاة فلا تجوز بالتيمم مع القدرة على الماء كسائر الصلوات. # قلنا: هذا فاسد فإن التفرقة بينها وبين سائر الصلوات ظاهرة فإن غيرهما من ~~الصلوات إذا استعمل الماء فإنه يمكنه الإتيان بها أو ببدل يقوم مقامها وفي ~~مسألتنا لو اشتغل بالتوضي فإنه ms0616 لا يمكنه الإتيان بهما ولا بما يقوم مقامهما ~~فافترقا. # قالوا: إذا لم يجز التيمم لخوف فوات صلاة ا لجمعة وفرضها أوكد فلأن لا ~~يجوز التيمم لخوف فوت صلاة الجنازة وصلاة العيدين أولى وأحق وفرضهما لا شك ~~أضعف وأبعد. # قلنا: الجمعة لها بدل وهو الظهر ولهذا لم يكن فرضها فائتا بخلاف ما ~~ذكرناه فإنه لا بدل لهما فافترقا. # قال السيد أبو العباس: وإذا حدث مع الإمام في صلاة العيدين لم يتيمم لها ~~لأنه يمكنه تأديتها منفردا ولا يجوز له التيمم إلا إذا خشي فوت وقتها. PageV02P120 # قال أبو حنيفة: إذا دخل الرجل في صلاة العيد في الجبان فسبقه الحدث جاز له ~~أن يتيمم، وقال صاحباه: لا يجوز له ذلك ولكن يعود إلى المصر فيتوضأ ~~ويصليها، والذي يأتي على القاعدة التي ذكرناها: أنه إذا كان يخشى فوت وقتها ~~جاز ذلك، فأما إذا خشي فوتها مع الإمام فإنه لا يباح له التيمم لأنها تصلى ~~منفردة عندنا من غير إمام وإنما جاز التيمم إذا كان يخشى فوات الوقت لأنها ~~غير مقضية عندنا كما سنقرره في كتاب الصلاة. # لا يقال: كيف تقولون بأن صلاة العيدين لا يجب قضاؤها وقد حكى أبو العباس ~~عن الإمام القاسم بن إبراهيم أن صلاة العيد تقضى من الغد وهذا تصريح بأنه ~~يجب قضاؤها. # لأنا نقول: هذا فاسد فإن ما ذكره محمول على أن الهلال غم ذلك اليوم ثم ~~أنه تحقق بعد الزوال برؤيته في الليلة الماضية فعلى هذا يصلي من الغد، فما ~~هذا حاله ليس قضاء وإنما هو أداء لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((فطركم يوم ~~تفطرون وعرفتكم يوم تعرفون \s \c 2))(1). فدل ذلك على أنه ليس قضاء وإنما ~~هو أداء. والمسألة مفروضة في حق من عرف أن ذلك اليوم هو يوم العيد فإنه لا ~~يقضيها بحال فافترقا بما ذكرناه. فهذه جملة الأسباب الموجبة للتيمم ويندرج ~~تحتها صور كثيرة لا حاجة بنا إلى إفرادها بالذكر لإندراجها بالذكر في أثناء ~~التفريع بمعونة الله وحسن توفيقه. # التفريع ms0617 لهذه القاعدة: # الفرع الأول: الجبائر عبارة عن الأخشاب التي توضع على الكسر ولا يشترط في ~~وضعها أن يكون المجبر على وضوء عند أئمة العترة، وحكي عن الشافعي اشتراط ~~كونه على وضوء. PageV02P121 # والحجة على ما قلناه: ما روي عن أمير المؤمنين أنه كسرت إحدى زنديه وجبرها ~~فاستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوضوء فأفتاه بالمسح على الجبائر(1). ولم يسأله عن ~~كونه واضعا لها على وضوء أو غير ذلك. # وتوضع الجبائر على[الموضع] الصحيح والعليل على قدر الحاجة عندنا وحكي عن ~~الشافعي أنها لا توضع إلا على العليل. # والحجة على ذلك: أن وضع الجبائر إنما يكون على قدر الحاجة في إصلاح الحال ~~في برء العضو وإصلاحه وشده ومده وهذا لا يكون إلا إذا دعت الحاجة إلى موضع ~~البرء والصحة فإن ذلك جائز وقد حمل أصحاب الشافعي كلامه على منع ذلك، أن ~~الحاجة غير داعية إلى شده على موضع الصحة وعلى هذا يكون كلامه موافقا لما قلناه. # فإذا وضع الجبيرة ثم أراد الواضع الوضوء أو الغسل فإن كان لا يخاف من ~~نزعها ضررا نزعها وغسل ما تحتها لقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~\s " \c 1} [المائدة:6] وقوله %: ((توضأ كما أمرك الله \s " \c 2)). وإن ~~خاف من نزعها تلفا للنفس أو تلف عضو أو إبطاء البرء أو الزيادة في العلة أو ~~في الألم لم يلزمه حلها، وما يلزمه من ذلك فيه وجهان: # أحدهما: غسل ما جاور الشد والمسح على الجبيرة، وهذا رأي المؤيد بالله وهو ~~مذهب الشافعي. # والحجة على ذلك: ما روي عن أمير المؤمنين أنه قال: إنكسرت إحدى زندي مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته كيف أفعل بالوضوء فأمرني أن أمسح على الجبائر. # وإذا قلنا بوجوب المسح كما هو المختار كما مر في الوضوء فيمن كسر وجبر ~~فهل يلزمه الإستيعاب أم لا؟ والأقرب على المذهب أنه يلزمه الإستيعاب وهو ~~أحد قولي الشافعي وله قول أخر أنه لا يلزمه الإستيعاب. # والحجة على ما قلناه: هو أنه لا ضرر عليه في ms0618 إستيعاب المسح فلزمه ~~كالتيمم. PageV02P122 # وهل يتعدد المسح بالأيام أم لا؟ والأقرب أنه لا وجه لتقديره بالأيام كالمسح ~~على الخفين إذ ليس مذهبا لنا، وهو أحد قولي الشافعي وله قول آخر أنه يتقدر ~~مسحه كما قررناه. # والحجة على ما قلناه من بطلان تقديره، وعليه الأكثر من أصحاب الشافعي، هو ~~أن الحاجة داعية إلى استدامة اللبس للجبائر والمسح عليها إلى البرء فلهذا ~~وجب استدامته ولا يكون مقدرا. # وثانيهما: أنه لا يلزمه المسح وهذا هو الذي ذكره السيدان أبو العباس وأبو ~~طالب لمذهب الهادي، وقد مر دليله فلا وجه لتكريره. # الفرع الثاني: إذا عدم الماء في سفر المعصية فهل يجوز له استباحة الصلاة ~~بالتيمم أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أن ذلك جائز وهذا هو رأي أئمة العترة وهو المشهور من قول ~~الشافعي. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر \s \c 1} إلى ~~قوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}[المائدة: 6]. ولم يفصل في ذلك ~~بين سفر وسفر وعلى هذا لا تلزمه إعادة ما صلى بالتيمم لأنه صلى صلاة صحيحة ~~بتيمم في سفر طويل ولا يلزمه الإعادة كما لو صلى في سفر مباح. # وثانيهما:أنه لا يجوز له استباحتها بالتيمم وهذا شيء محكي عن الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن التيمم إنما ورد على جهة الرخصة كما في أكل ~~الميتة، والوجه أن يقال له: تب إلى الله تعالى من هذه المعصية واستبح ~~الصلاة بالتيمم كما يقال: تب وكل الميتة إن كنت مضطرا. PageV02P123 # والمختار: ما عليه أئمة العترة للآية التي تلوناها، والخبر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ~~((الصعيد الطيب طهور لمن لم يجد الماء ولو إلى عشر حجج)). ولم يفصل هناك ~~بين سفر وسفر ولا بين حضر وسفر، وإذا قلنا إنه لا يجوز له استباحة الصلاة ~~بالتيمم في سفر المعصية كما نقل عن الشافعي فهو إذا صلاها والحال هذه فإنه ~~تجب عليه الإعادة لأن سقوط الفرض بالتيمم رخصة تختص بالسفر، والرخص إ نما ~~تكون مشروعة في الأمور الحسنة المباحة دونما كان معصية ms0619 لأنا لو سوغناها في ~~المعاصي لكان في ذلك إعانة على المعاصي وهو محظور شرعا. # الفرع الثالث: إذا كان مع الرجل ماء ومعه ثوب نجس والماء لا يكفي إلا ~~أحدهما فأيهما يكون به أحق؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أن الأحق به غسل الثوب ثم يتيمم للصلاة وهذه هو رأي أئمة العترة، ~~ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه ولشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: أن إزالة النجاسة عن الثوب ليس لها بدل والوضوء له بدل، ~~وقد تردد هذا الماء في الإستعمال بين ما له بدل وبين ما ليس له بدل فلأجل ~~هذا كان صرفه إلى ما ليس له بدل، كما إذا كان معه ماء وهو يخاف العطش على ~~نفسه فإنه يجب استعماله في النفس التي لا بدل لها. # وثانيهما: أنه يستعمله في الوضوء ويصلي في الثوب النجس وهذا شيء يحكى عن ~~أبي يوسف وحماد. # والحجة لهما على ذلك: هو أن من هذه حاله فهو واجد للماء ولا عذر له من ~~استعماله إذ لا سفر هناك ولا مرض ولا تعذر استعمال، فلهذا لم يجز له العدول ~~إلى التيمم كما لو لم يكن ثوبه نجسا. # والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة وفقهاء الأمة. # والحجة عليه: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا وهو أنه مدفوع إلى أمرين: # إما أن يتوضأ بالماء ويصلي في الثوب النجس. PageV02P124 # وإما أن يستعمل الماء في إزالة نجاسة الثوب ثم يتيمم، لكنا عدلنا إلى ~~التيمم ليكون جامعا بين الطهارتين طهارة النجس بإزالته بالماء وطهارة الحدث ~~باستباحتها بالتيمم بخلاف ما لو توضأ بالماء فإنه لا يكون آتيا إلا بواحدة ~~منهما وهي الطهارة للحدث فلهذا كان ما قلناه أولى لما قررناه. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: هذا واجد للماء فلا يجوز له التيمم كما لو كان ثوبه طاهرا. # قلنا: عن هذا جوبان: # أما أولا: فلأنه مأخوذ بتقديم طهارة الأثواب فإذا استعمل الماء في طهارة ~~الثوب كان مستعملا للتراب في حال عدم الماء، فمن أين أنه مستعمل للتراب مع ~~وجود الماء والحال ما ذكرناه؟. # وأما ms0620 ثانيا: فهب إنا سلمنا وجود الماء لكنا نقول: يجب عليه استعماله في ~~طهارة الثوب للترجيح الذي ذكرناه وهو أن طهارة الحدث لها بدل بخلاف طهارة ~~النجس فإنه لا بدل لها فبطل ما توهموه. # الفرع الرابع: إذا كان مع الرجل ماء فأراقه ثم تيمم وصلى نظرت فإن كان ~~أراقه قبل دخول وقت الصلاة لم تلزمه الإعادة لما صلى بالتيمم عند أئمة ~~العترة، وهو محكي عن الشافعي لأنه أراقه قبل توجه فرض الصلاة للطهارة، وإن ~~أراقه بعد دخول الوقت فهل تلزمه الإعادة للصلاة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا تلزمه الإعادة وهذا هو الذي يأتي على رأي أئمة العترة وهو ~~اختيار القاضي أبي الطيب من أصحاب الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنه بعد الإراقة عادم للماء وقد عصى بالإراقة فهو كمن ~~قطع رجله فإنه يعصي بالقطع ولا تلزمه الصلاة قائما فهكذا ههنا لا تجب عليه ~~الإعادة. # وثانيهما: أنه تجب عليه الإعادة وهو أحد قولي الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنه فرط في الإراقة بإتلاف الماء فكانه ترك الطهارة ~~بالماء مع القدرة عليها. PageV02P125 # الفرع الخامس: إذا كان على جراحات الرجل دم ويخشى من غسله زيادة في علته أو ~~حدوث علة أخرى أو استمرار تلك العلة الأولى، فإنه يصلي من غير غسل لها، وهل ~~يعيد ما صلى إذا كان الوقت باقيا أو يقضي مع فواته أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه لا تتوجه عليه الإعادة ولا القضاء، وهذا هو رأي أئمة العترة ~~ومحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو أنها نجاسة لا تمنع فعل الصلاة مع العلم بها فأشبه دم ~~الاستحاضة والبول إذا سلس. # وثانيهما: أنه تجب عليه الإعادة مع بقاء الوقت والقضاء بعد زواله وهذا هو ~~المحكي عن الشافعي. # والحجة له على ذلك: هو أن ما هذا حاله نجس نادر فأشبه ما إذا صلى وفيه ~~نجاسة فنسيها. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ظهران في يوم)). فلا ~~وجه للإعادة، ولا وجه للقضاء أيضا لأن هذه ms0621 صلاة صحيحة قد أديت على حكم فرض ~~الوقت فلا يلزم القضاء كما لو غسلها. # الانتصار: قالوا: هذا مشبه للناسي فيجب عليه القضاء. # قلنا: الناسي غير معذور لكونه تاركا لما وجب لكونه شرطا في الصلاة وهذا ~~معذور قد عذره الشرع في تأديته للصلاة على حالته التي هو عليها فافترقا. # الفرع السادس: إذا خاف الرجل التلف من شدة البرد فتيمم وصلى هل تلزمه ~~الإعادة أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه لا تلزمه الإعادة مع بقاء الوقت ولا القضاء بعد مضيه، وهذا ~~رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو أن هذا عذر من جهة الله تعالى يبيح التيمم له فسقط ~~معه الفرض فلا تلزمه الإعادة ولا القضاء كالمرض وعدم الماء. # وثانيهما: أنها تلزمه الإعادة وهذا هو المحكي عن الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله عذر نادر فلم يسقط معه الفرض كالمحبوس ~~في المصر إذا تيمم. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة لأن هذا قد أدى الصلاة على فرض وقته ~~فلا تلزمه الإعادة بحال. # الانتصار: قالوا: المحبوس في المصر يعيد لكونه نادرا فهكذا هذا. PageV02P126 # قلنا: برد الماء غير نادر فأشبه المرض فلا جرم لم تلزمه الإعادة. # الفرع السابع: إذا خاف الزيادة في مرضه من استعمال الماء فهل يجوز له ~~التيمم أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه يجوز له التيمم، وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه يخشى الضرر من استعمال الماء فجاز له التيمم كما ~~لو خشي التلف. # وثانيهما: أنه لا يحوز له التيمم، وهذا هو المحكي عن الشافعي في أحد ~~قوليه وله قول آخر مثل قولنا. # والحجة على ما قاله: هو أنه واجد للماء لا يخاف من استعماله التلف فلم ~~يجز له التيمم كما لو خاف جفاف الفم من العطش، وكما لو كان الألم يسيرا في ~~استعمال الماء. # والمختار: ما قاله أئمة العترة ومن وافقهم على ذلك. # والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا، وهو أن كل ms0622 عبادة جاز تركها ~~لخوف التلف جاز تركها لخوف المرض كالصيام والقيام في الصلاة. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: واجد للماء فلا يجوز له التيمم كما لو كان الضرر يسيرا. # قلنا: قال الله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر \s \c 1}[المائدة:6]. ~~فأباح التيمم عند المرض ولم يفصل بين مرض ومرض، ولا شك أن توقع الزيادة من ~~جملة الأمراض وتعد في العادة مرضا وتقع المشقة في الزيادة مثل ما يقع في ~~ابتداء المرض فلا جرم جاز التيمم مع توقع الزيادة لما ذكرناه. # الفرع الثامن: إذا كان أكثر بدنه صحيحا غسل الصحيح للوضوء والغسل جميعا، ~~وهو يجب عليه لأنه ممكن لا مانع منه وقد قال %: ((لا صلاة إلا بوضوء..)). ~~وهل يجب عليه التيمم لما كان مجروحا أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # أحدها: أنه لا يجب عليه أن يتيمم لما كان جريحا وهذا هو رأي الإمامين زيد ~~بن علي والناصر من العترة ويحكى عن أبي حنيفة وأصحابه. PageV02P127 # والحجة على ذلك: هو أن الأكثر يقوم مقام الجميع ولا حكم للأقل مع الأكثر، ~~وأمثلة هذا كثيرة في أصول الشريعة تطرد في جميع المذاهب. وعلى كل الآراء ~~فإن هذا الأصل معتبر في أنه لا تعويل على الأقل بالإضافة إلى الأكثر. # وثانيهما: أنه يغسل الصحيح ويتيمم للجريح وهذا هو المحكي للشافعي. # والحجة له على ذلك: ما ورى جابر أن رجلا أصابه حجر فشجه فاغتسل فمات، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما كان يكفيه أن يتيمم \s \c 2 ويعصب على رأسه خرقة ~~ويمسح عليها ويغسل سائر جسده)). فأوجب عليه غسل سائر جسده لأنه هو الأكثر ~~ويمسح عليها من حيث كان الماء يضره ثم أوجب عليه التيمم عوضا عما فات بترك ~~غسلها وهذا هو المقصود. # وثالثها: التفصيل في ذلك، وهو رأي الإمامين الأخوين المؤيد بالله وأبي ~~طالب وتحصيلهما على مذهب الهادي ويشير إليه كلام أبي العباس، وهو أنه يغسل ~~ما صح ويترك ما اعتل ولا يعول على الأكثر والأقل ولا يحتاج إلى التيمم(1). # والحجة على ms0623 ذلك: هو أن الله تعالى أمر بالوضوء للطهارة من الحدث وبالغسل ~~لطهارة الجنابة بالماء وجوز للمريض أن يعدل عن الطهارة الصغرى والكبرى إلى ~~التيمم فقال تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا \s " \c 1}[المائدة:6]. ولم ~~يفصل بين مرض ومرض، والمجروح مريض، فإذا تقرر هذا فالمأخوذ عليه أن يغسل ما ~~يمكنه غسله قليلا كان أو كثيرا لأنه هو الواجب عليه والإتيان ممكن، وقد قال ~~%: ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم \s \c 2)) فإذا كان الجرح في ~~أعضاء التيمم يممها وغسل الباقي قل أو كثر، وإن كان الجرح في غيرها فإنه ~~يغسلها ولا يتيمم لئلا يجمع بين البدل والمبدل جنبا كان أو محدثا. PageV02P128 # وحاصل هذه المقالة: أنه لا يسقط حكم الأقل بالأكثر كما قاله أبو حنيفة، ولا ~~يلزمه أن يتيمم للجريح كما قاله الشافعي وسيأتي لهذا مزيد تقرير وكشف عند ~~الكلام فيمن خشي ضررا من استعمال الماء. # والمختار في العضو المجروح: أنه إن كان يمكنه غسله وجب عليه غسله، وإن لم ~~يمكنه غسله وكان صب الماء لا يضره وجب عليه الصب وإن كان الصب يضره وجب ~~عليه مسحه بالماء وإن كان المسح يضره عصب عليه خرقة أو شد عليه ما يقيه من ~~رطوبة الماء ثم يتيمم لما فات من وجوب غسله قل أو كثر كما قاله الشافعي. # والحجة على ذلك: هي ما ذكرناه من حديث جابر في صاحب الشجة فإنه نص فيما ~~نحن فيه، فلا حاجة إلى مخالفته من غير دلالة، ومن جهة أن التيمم إنما شرع ~~من أجل جبران ما نقص من استعمال الماء في الطهارة، فلهذا وجب فعله عوضا عما ~~نقص من غسل الأعضاء المجروحة وإن لم تكن من أعضاء التيمم. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. PageV02P129 # فنقول: أما من قال بالتفصيل كالذي رويناه عن الإمامين الأخوين حيث أحبا ~~التيمم إذا كان الجرح في أعضاء التيمم دون غيره، ومن قال بإبطال التيمم من ~~غير تفصيل إذا كان الأكثر من بدنه صحيحا كالذي رويناه عن الإمامين زيد بن ~~علي والناصر وهو رأي ms0624 أبي حنيفة، فإنما كان تعويلهم على الأقيسة النظرية ~~والتشبيهات الفقهية وكان مضطرب أنظارهم ومجاري أفكارهم، إنما هو تقرير ~~قواعد القياس، لا جرم أداهم ذلك القياس إلى ما قالوه، ونحن نقول: الباب ~~ههنا باب العبادة وهو جار على مداق التحكمات الجامدة والأسرار الغيبية التي ~~لا يعلمها إلا الله فلا ينبغي أن نحكم فيه القياس لتعارض المعاني فيه ~~والأشباه ولكن الأحق فيه أن يتلقى من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يضطرب بالخطوات ~~الوساع لضيق مجاله وعدم السعة في مسالكه، فلهذا وجب الإحتكام لما ورد فيه ~~عن الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث صاحب الشجة فإنه نص في إيجاب التيمم عن غسل الرأس لما ~~كان مجروحا وغسل سائر جسمه لما كان صحيحا وعصب الخرقة عليه ومسحها بالماء، ~~وما هذا حاله فلا يصادم بالأقيسة التي هي معرضة للاحتمال ويعرض عن نص صاحب ~~الشريعة صلوات الله عليه، وإذا كان التعويل على الخبر حيث تنقدح المعاني ~~المخيلة ويقوى استنباط الأشباه القوية فالتعويل على الخبر في المواضع التي ~~تنسد فيها أبواب الأقيسة ويضيق مضطرب النظر أحق وأولى، فمهما وجدت الأخبار ~~النبويه فالعمل عليها أخلص. والأقيسة متهمة للتعريض للخطأ، والأخبار بريئة ~~عن التهمة في الخطأ بعصمة قائلها، والقياس غير معصوم. # قالوا: إنما ذكرتموه يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل منه ولا وجه له. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الجمع بين البدل والمبدل منه جائز إذا كانت الوجوه ~~والأسباب مختلفة وإنما المحذور اجتماعهما من غير أن يكون هناك مغايرة. PageV02P130 # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بمن كان بدنه مجروحا وهو جنب فإنه يتوضأ ثم ~~يتيمم للجنابة، وفي هذا جمع بين البدل والمبدل منه، فإذا جاز هذا فلم لا ~~يجوز مثله في مسألتنا؟. فهذا ملخص عما قالوه في نصرة هذه القاعدة، وهو ~~تعويل على الأقيسة ولا وقع لها في العبادات كما أوضحناه، وتنخل من مجموع ما ~~ذكرناه أن المجدور والمحترق بالنار إذا كان أكثر بدنه صحيحا فإنه يغسل ما ~~كان صحيحا للطهارة ثم يتيمم لما [كان] ms0625 معذورا بالجرح كما دل عليه خبر جابر ~~في صاحب الشجة. # الفرع التاسع: إذا كان الأكثر[من بدنه] جريحا كالجدري إذا كان عاما لأكثر ~~البدن والمحترق بالنار إذا كان شاملا لأكثره فإنه يتيمم إذا أراد الصلاة، ~~وكان الغسل والصب والمسح يضره فإنه يتيمم عند أئمة العترة وفقهاء الأمة أبي ~~حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه لأنه قد تعذر عليه استعمال الماء فجاز له ~~التيمم كالعادم له وقد قال تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر \s " \c 1 أو ~~جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا}[النساء:43]. وهل يجب عليه غسل الأقل من بدنه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجب عليه غسل ما سلم من الجرح وإن كان قليلا وهذا هو ~~رأي الأكثر من أئمة العترة وهو محكي عن الشافعي وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أن غسله شرط من شروط الصلاة والعجز عن بعضه لا يسقط ~~فرض ما قدر عليه كستر العورة. # المذهب الثاني: أنه لا يلزمه غسله بل يقتصر على التيمم لا غير. # والحجة على ذلك: هو أنا لو قلنا بأنه يجب عليه غسله لكنا قد أوجبنا عليه ~~البدل والمبدل منه فيكون جامعا بينهما وهو باطل لا وجه له كما لا يجب على ~~المكفر لليمين الجمع بين العتق والإطعام ولا الصوم والهدي على المتمتع، ~~وهذا هو رأي الإمام الناصر، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه. PageV02P131 # والمختار: ما عول عليه الأكثر من أئمة العترة من أنه يجب عليه غسل ما قل من ~~بدنه إذا كان صحيحا. # والحجة على ذلك: هو أنه مقدور على غسله من غير ضرر فلا يجوز له تركه كما ~~لو كان الأكثر صحيحا. # والحجة على ذلك والجامع بينهما: هو ما ذكرناه من القدرة على غسله. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: لو أوجبنا عليه الغسل لكان في ذلك الجمع بين البدل والمبدل منه ~~وهو باطل. # قلنا: التيمم ليس بدلا عما غسل وإنما هو بدل عما لم يغسل، فلهذا لم يكن ~~ما قلناه جمعا بين ms0626 البدل والمبدل منه. # الفرع العاشر: وإذا وجد جماعة من المسلمين ماء مباحا أو كان ملكا لرجل ~~فقال: قد أبحته لكم، نظرت فإن كان الماء لا يكفي واحدا منهم لم يبطل تيممهم ~~لأنهم غير واجدين للماء فلا يبطل ما فعلوه من الطهارة بالتراب، وإن كان ~~يكفي واحدا منهم بطل عليهم التيمم لأن كل واحد منهم بصدد أن يكون مستحقا له ~~وهو يكفيه، فصار كما لو قال: هو له على التعيين، وإن قال: قد جعلته لكم لم ~~ينتقض عليهم ما فعلوه من التيمم لأنه قد صار لكل واحد منهم جزء منه على جهة ~~التمليك وهو غير كاف له، فلأجل ذلك لم يبطل عليهم ما قد تلبسوا به من ~~الطهارة البدلية، فهذا ما أردنا ذكره في الأسباب الموجبة للتيمم وما يتعلق بها. # . PageV02P132 # --- ### ||| AUTO الفصل الثاني في بيان ما يجوز التيمم به وما لا يجوز وما ~~يستباح به من العبادات # قال الإمامان القاسم بن إبراهيم وولده الهادي يحيى بن الحسين: ولا يجوز ~~التيمم إلا بالتراب الطاهر ولا يجوز بالرمل والنورة والزرنيخ وما أشبهها. # واعلم أن الذي يجوز التيمم به هو التراب الطاهر الحلال المنبت الخالص ~~المطلق، فما هذا حاله من التراب لا يعرف خلاف في جواز التيمم به وإنما يقع ~~التردد فيما خالف هذه الأمور كما سنوضح القول فيه، والأصل في ذلك قوله ~~تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا }[المائدة:6] فذكر الصعيد تنبيها على جنسه وذكر ~~الطيب تنبيها على وصفه، وقد وقع الخلاف والنزاع بين العلماء من حملة ~~الشريعة فيما يعتبر من أجناسه وأوصافه وما لا يعتبر مع اتفاقهم على جواز ~~التيمم بما كان مختصا بهذه الصفات التي ذكرناها، ونحن نوردها واحدا واحدا ~~ونوضح المختار وننصره بمعونة الله تعالى. # مسألة: لا يجوز التيمم إلا بالتراب الذي له غبار كما [هو] مفهوم من ظاهر ~~الآية والخبر. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول منها: جنسية التراب لا بد من اعتبارها في جواز التيمم عند ~~أئمة العترة، القاسمية والناصرية، وهو محكي عن الشافعي وأحمد بن حنبل وداؤد ~~من أهل ms0627 الظاهر. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فتيمموا صعيدا}. والصعيد في اللغة هو ~~التراب لقوله تعالى: {فتصبح صعيدا زلقا }[الكهف:40]. يعني ترابا أملسا لا ~~نبات عليه وقوله تعالى: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرز }[الكهف:8]. أي: ~~ترابا لا نبت فيه، وحكي عن ثعلب أنه قال: يطلق على التراب وعلى وجه الأرض، ~~وعن غيره: أنه يقع أيضا على الطريق. وتقرير الدلالة من الآية: هو أن الله ~~تعالى قصر الإجزاء على ما كان ترابا طيبا وفي هذا دلالة على أن غيره لا ~~يجزي في التيمم. وهل يجوز بغيره أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: PageV02P133 # المذهب الأول: أنه يجوز التيمم بكل ما كان على وجه الأرض من شجر أو حجر أو ~~مدرمتصلا بها كان أو غير متصل، وهذا أعم المذاهب وأشملها، وهو محكي عن ~~الثوري والأوزاعي. # والحجة على ذلك: ما روى أبو هريرة عن الرسول أن رجلا أتاه فقال: يا رسول ~~الله إنا نكون بأرض رمل فتصيبنا الجنابة والحيض والنفاس ولا نجد الماء ~~أربعة أشهر، فقال: ((عليكم بالأرض فتمسحوا بها فإنها بكم برة ))(1) # ولم يفصل في ذلك بين جنس وجنس متصل أو غير متصل. # المذهب الثاني: أخص منه وهو أنه يجوز التيمم بالأرض وما كان متصلا بها ~~كالأشجار والملح وغيرهما، ولا يجوز بالذهب والفضة والرصاص والحديد والنحاس. # والحجة على ذلك: ما روى أبو ذر عن رسول الله أنه قال: ((جعلت لي الأرض ~~مسجدا وطهورا ))(2) # فما جاز أن يسجد عليه جاز أن يكون طهورا إلا ما خصه الدليل. # المذهب الثالث: أنه يجوز بكل ما كان من جنس الأرض كالرمل والجص والكحل ~~والزرنيخ والشب وغير ذلك من جميع الأجناس التربية ولا يشترط أن يكون فيه ~~غبار بل لو ضرب بيده على صخرة ملساء أو على حائط أملس أجزأه ذلك، وهذا هو ~~رأي أبي حنيفة وأصحابه ومالك إلا الذهب والفضة والأشجار كلها فإنها غير ~~مجزية عندهم. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((فضلت على الأنبياء من قبلي ~~بخصال )) (3) # وذكر من جملتها أن الأرض كانت له ms0628 مسجدا وطهورا ولم يفصل هناك بين جنس ~~وجنس إلا ما قامت عليه دلالة في المنع. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم. # والحجة لهم: ما ذكروه ونزيد ههنا حجتين: # الحجة الأولى: ما روى حذيفة عن الرسول قال: ((جعلت لي الأرض مسجدا ~~وترابها طهورا )) فخص التراب من بين سائر ما على وجهها من الأشجار ~~والأحجار، وفي هذا دلالة على أن التراب مقصود بالإجزاء من بين سائر الأجناس ~~الأرضية. PageV02P134 # والحجة: أن الله تعالى خص الصعيد بالإجزاء وأن ما سواه لا يسمى صعيدا، وروي ~~عن أمير المؤمنين وابن عباس أنهما قالا: الصعيد هو التراب. وروي عن النبي ~~أنه قال: ((التراب كافيك ولو إلى عشر حجج)) وقوله : ((الصعيد الطيب طهور ~~لمن لم يجد الماء )) فهذه الأمور كلها دالة على أنه لا بد من اعتبار التراب ~~في التيمم كما أشرنا إليه. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: الخبر الذي رواه أبو هريرة والخبر الذي رواه أبو ذر وغيره من ~~الأخبار كلها مشعرة بالعموم في جواز التيمم بما على الأرض فإنهالم تفصل بين ~~شجر ومدر سواء كان متصلا بالأرض أو منفصلا عنها فمن خص شيئا من ذلك فعليه ~~الدلالة، فظاهر هذه الأخبار متمسكنا حتى تقوم دلالة على خلاف ظاهرها. # قلنا: عما ذكروه أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأن الأخبار التي رويناها ظاهرة في النقل وما رووه أخبار ~~ضعيفة فخبر أبي هريرة يرويه المثنى بن الصباح (1) # وهو ضعيف الرواية عند أهل النقل يروي المناكير من الأحاديث عن عمرو بن ~~شعيب، فلا جرم ضعف التمسك به. PageV02P135 # وأما ثانيا: فلأن الأخبار التي رويناها فائدتها ظاهرة مكشوفة لا تفتقر إلى ~~تأويل لما فيها من التصريح بالمراد بخلاف الأخبار التي رووها فإنها مطلقة ~~معرضة للتأويل من حيث أن أخبارنا مصرحة بصفة التربية فيها وما نقلوه مطلقة ~~فيجب حملها على ما دلت عليه أخبارنا من أن المراد بها التراب حتى تتطابق ~~الأخبار وتكون مؤدية لفائدة واحدة. # وأما ثالثا: فلأن المراد بما ورد في خبر أبي هريرة من الرمل، إنما هو ~~الرمل الذي ms0629 يخالطه التراب لأن العرب إنما تقيم في الأرض التي تكون منبتة ~~للكلا ولا تكون في الرمل المستحجر الذي لا يخالطه شيء من التراب، وهكذا ~~تأويل خبر أبي ذر على ما قررناه فالمراد بالطهور: التراب، لتطابق ما ورد عن ~~الرسول أنه قال: ((فضلنا على الناس بخصال ثلاث : جعلت الأرض لنا مسجدا، ~~وجعل ترابها لنا طهورا، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة))(1). # فعلق الصلاة بجميع الأرض إلا ما خص بدلالة كما سنوضحه في الأماكن، وعلق ~~التيمم ببعضها، فلو كان التيمم بجميع الأرض جائزا لم يعدل من الأرض إلى بعضها. # قالوا: تطهير بجامد فلم يختص بجنس واحد كالإستنجاء. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكروه معارض بقياس مثله وهو أنها طهارة عن حدث أو ~~طهارة تفعل لأجل الصلاة، فوجب اختصاصها بجنس واحد لا يخير فيه بينه وبين ~~غيره كالوضوء. # وأما ثانيا: فلأن المقصود من الاستنجاء إنما هو القلع لأثر النجاسة فلم ~~يكن مختصا بجنس دون غيره مما يكون قالعا للآثار ومزيلا لها بخلاف التيمم ~~فإنه إنما يقصد لاستباحة الصلاة فلهذا كان مختصا بجنس دون غيره كالوضوء. # قالوا: كل بقعة جازت الصلاة عليها جاز التيمم بما عليها كالأرض التي ~~عليها تراب. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV02P136 # أما أولا: فلأن الشرع قد فرق بين الصلاة وبين التيمم باشتراط كونه ترابا ~~فلا يجوز الجمع بينهما من جهة أن المقصود من الصلاة هو وقوع الجبهة على ~~الأرض، وهذا عام في كل موضع إلا ما خصته دلالة بخلاف التيمم فإن المقصود هو ~~التواضع بتعفير الوجه واليدين وهذا إنما يكون فيما كان له غبار. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه باطل بالأرض إذا أصا بتها نجاسة وذهب أثرها ~~بالشمس فإنه تجوز الصلاة فيها على رأيكم ولا يجوز التيمم منها. # قالوا: جزء من الأرض فجاز التيمم منه كالتراب. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الزرع وا لكحل والشب والمرتك(1) # وغير ذلك من الأحجار المعدنية ليست من الأرض وإنما هي أحجار معدنية خلقها ~~الله لمنافع الخلق ولهذا قال تعالى: {ألم نجعل الأرض ms0630 مهادا ، والجبال ~~أوتادا}[النبأ:6،7] فأفردها بالذكر. # وأما ثانيا: فلأنا نعارض ما قالوه بأن هذه الأمور ليست ترابا فلا يجوز ~~التيمم بها دليله: سحالة(2) # الذهب والفضة. # الفرع الثاني: التراب المأكول كالطين الأرمني وغيره مما له ريح ويؤكل فهل ~~يجوز التيمم به أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يجوز التيمم به وهذا هو المشهور عن أصحاب الشافعي. # وثانيهما: أنه لا يجوز لأنه مأكول. # والمختار: على رأي أئمة العترة أنه يجوز التيمم به لأنه تراب فأشبه ~~الصعيد الطيب. # وهل يجوز التيمم بالرمل أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أن ذلك جائز على الإطلاق، وهذا هو الذي يأتي على رأي من جوز ~~التيمم بما كان من جنس الأرض، وهو المحكي عن أبي حنيفة وأصحابه ومالك. # وثانيهما: أنه لا يجوز التيمم به وهذا هو الذي نص عليه الشافعي في ~~(الأم). PageV02P137 # والمختار فيه: أنه يكون على حالين، وهذا هو الذي نص عليه الهادي في ~~(المنتخب) فإن كان ليس له غبار يعلق بالكف فإنه لا يجوز التيمم به لأنه ~~يشبه الأحجار الصغار، وإن كان فيه غبار جاز التيمم به لما روى أبو هريرة أن ~~رجلا جاء إلى رسول الله فقال: يا رسول الله إنا نكون بأرض الرمل وتصيبنا ~~الجنابة والحيض والنفاس ولا نجد الماء أربعة أشهر أو خمسة؟ فقال النبي : ~~((عليكم بالأرض)). فيجب أن يكون الرمل على ما ذكرناه من الوجهين، وهذا هو ~~الذي تأول عليه أصحاب الشافعي كلامه في (الأم) وفي (الإملاء)، فحملوا كلامه ~~في (الأم): على أنه لا غبار فيه، فلهذا لم يجز التيمم به، وحملوا كلامه في ~~(الإملاء): على أن فيه غبارا، ومنهم من زعم أن فيه قولين، والأقرب ما قلناه ~~من الفصل فيه، لأن الرمل له حالتان كما أشرنا إليه، فإذا اختلط بالتراب صار ~~مجزيا، وإن لم يختلط بالتراب صار كالحجارة المدقوقة. # الفرع الثالث: وإن دق الآجر والخزف وهو ما أحمي عليه في النار حتى صار ~~ترابا لم يجز التيمم به على رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، وهو محكي ~~عن الشافعي لأن الطبخ قد أحاله ms0631 وأخرجه عن أن يقع عليه اسم التراب، وإن نحت ~~الرخام حتى صار ترابا لم يجز التيمم به، والطين الأرمني(1) # إذا دق جاز التيمم به لأن دقه لا يخرجه عن صفة التراب، وإن أحرق الطين ~~الخرساني لم يجز التيمم به على رأي أئمة العترة وهو أحد قولي الشافعي وله ~~قول أخر أنه يجوز التيمم به لأنه يقع عليه اسم التراب. PageV02P138 # والحجة على ما قلناه: هو أنه إذا أحرق صار بالحريق خارجا عن صفة التراب، ~~كما لا يصح بالخزف المدقوق، وإن لطخ وجهه بالطين المبلول(1) # لم يكن مجزيا له عن التيمم عند أئمة العترة وهو الذي ذكره الشافعي في ~~(الأم) لأنه لا يقع عليه اسم التراب فصار كالدقيق والعجين، ولما روى عكرمة ~~عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن رجل واقف في طين لا يستطيع أن يخرج ~~منه، فقال: يأخذ من الطين فيطلي به بعض جسده فإذا جف تيمم به، ولا يعرف له ~~مخالف فلهذا كان إجماعا يعمل عليه، فإن خاف فوت الوقت قبل جفافه كان بمنزلة ~~من لم يجد الماء ولا ترابا وسيأتي حكمه إن شاء الله. # الفرع الرابع: ويجوز التيمم بالصلصال، وهو التراب الذي يقع عليه الماء ~~فيجف ويتقشع فيكون له صلصلة فإذا سحق صار ترابا فجاز التيمم به لأنه صعيد ~~طيب، ويجوز التيمم بالمدر وهو التراب الذي أصابه الماء فاستحجر وجف فإذا ~~فتت صار غبارا يجوز التيمم به، ويجوز التيمم بالبطحاء ولها تأويلات: # أحدها: أنه التراب المستحجر فيصير كالمدر فإذا سحق صار ترابا. # وثانيها: أنها أرض ذات حجارة صغار، وما هذا حاله فلا يجوز التيمم به ~~لأنها لا يقع عليها اسم التراب فصارت كالحجارة المدقوقة، ويجوز التيمم بما ~~يخرج من العين الحارة من التراب الأسود إذا جف وسحق لأن اسم التراب واقع ~~عليه فهو من جملة الصعيد الطيب، ولا اعتبار بألوان التراب من غبرة وبياض ~~وسواد وحمرة إذا كانت كلها يطلق عليها اسم التراب ولقوله تعالى: {فتيمموا ~~صعيدا طيبا}. ولم يفصل بين لون ولون. وقوله : ((التراب طهور ms0632 المؤمن ما لم ~~يجد الماء )) ولم يفصل بين ألوانه. PageV02P139 # الفرع الخامس: فأما السبخ من الأرض فهو المالح فينظر فيه فإن كان قد زاد ~~عليه الماء المالح وغلبه حتى صار معجونا به لم يجز التيمم به كما لا يجوز ~~بالطين العذب المبلول، وما هذا حاله فإنه يقال فيه: أرض ثرية إذا صارت ندية ~~بالماء المالح ولهذا تقول العرب: التقى الثريان، وأرادوا به إذا التقى ماء ~~الأرض وماء السماء، والثرية بالثاء المثلثة الفوقانية وبالياء المثناة ~~التحتانية. وإن كان سبخا لا نداة فيه جاز التيمم به، وحكي عن بعضهم أنه لا ~~يجوز التيمم به ولعل ما قاله محمول على ما كان فيه نداة وبلة. # والحجة على ذلك: هو أن أرض المدينة سبخة وقد تيمم منها رسول الله ، ولأن ~~التراب مطهر كالماء فكما انقسم الماء إلى مالح وعذب فهكذا التراب منقسم إلى ~~سبخ وعذب فجاز التيمم به كالماء، وقوله تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا} ~~فالمراد به الطاهر كما سنوضح القول فيه بمعونة الله تعالى. # ويجوز أن يتيمم جماعة من إناء واحد فيه تراب واحدا بعد واحد إذا كان ~~ضيقا، وإن وسع أيديهم جاز أن يتيمموا منه في وقت واحد كما يجوز ذلك في ~~الماء فيأخذون منه واحدا بعد واحد ومجتمعين لأن الأخذ لا يغير حاله ولا ~~يصير مستعملا بما ذكرناه وسنذكر المستعمل بعد هذا بمعونة الله تعالى. # مسألة: ولا بد من اشتراط كون التراب طاهرا لقوله تعالى: {فتيمموا صعيدا ~~طيبا} والطيب يقع على كل ما تستطيبه النفس، فيقال: هذا طعام طيب، ويقع على ~~الحلال كقوله تعالى:{ياأيها الرسل كلوا من الطيبات } [المؤمنون:51]. بمعنى ~~الحلال، ويقع على الطاهر. ولا يجوز أن يكون المراد من الآية ما تستطيبه ~~النفس ولا الحلال لأن التراب لا يوصف بما ذكرناه فثبت أنه واقع على الطاهر ~~ولأنها طهارة للصلاة فلا تصح بالنجس كالوضوء. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: هل يجوز التيمم بالتراب النجس أم لا؟ فيه مذهبان: PageV02P140 # المذهب الأول: أنه لا يجوز التيمم به وهذا هو رأي أئمة العترة الأكثر من ms0633 ~~القاسمية، وهو رأي الناصرية أجمع، ومحكي عن الفريقين الحنفية والشافعية، ~~وهو رأي مالك. # والحجة على ذلك: ما قررناه أولا من اشتراط الطيب وهو مقصود به الطهارة ~~دون غيره. # المذهب الثاني: أنه ينظر فيه فإن كانت النجاسة المتصلة به غالبة له في ~~الطعم والريح واللون فإنه لا يجوز التيمم به وإن كان التراب غالبا للنجاسة ~~جاز التيمم به وهذا شيء يحكى عن الإمام المنصور بالله وهو قول داؤد من أهل ~~الظاهر. # والحجة على ذلك: هو أنه أمر يشترط في تأدية الصلاة للمحدث فوجب أن يكون ~~ما يخالطه من النجاسة مغلوبا بالطاهر كالماء فهذا قياس على الماء وهذا إنما ~~يتحقق دلالة على رأي من اعترف بالقياس وهم أكثر علماء الأمة من أئمة العترة ~~والفقهاء القياسيين، فأما داؤد فلا يليق منه الإستدلال لأنه من منكري ~~القياس فلا يجوز له التعويل على القياس وإنما حجته على ما قاله ما نذكره من ~~الظواهر الشرعية في تقرير المختار من ذلك لأنه يعترف بها دون الأقيسة. # والمختار: ما قاله الإمام المنصور بالله وغيره من القول بجواز التيمم ~~بالتراب الذي خالطته نجاسة إذا كان غالبا لها. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنه. ونزيد ههنا حجتين: PageV02P141 # الحجة الأولى: قوله : ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا )). وفي حديث آخر: ~~((وترابها طهورا)) ولا شك أن اسم الفعول من الأسماء المتعدية على معنى أن ~~يستعمل فيما كان مطهرا لغيره كما مر تقريره في الماء كقوله تعالى: {وأنزلنا ~~من السماء ماء طهورا }[الفرقان:48]. فإذا كان الماء مطهرا لغيره فهكذا حال ~~التراب يكون مطهرا لغيره فإذا أصاب التراب البول أو غيره من سائر النجاسات ~~ثم كوثر بالتراب الطاهر حتى يغلبه فإنه يكون طاهرا كالماء إذا خالطته ~~النجاسة ثم كوثر بالماء الطاهر فزالت أوصاف النجاسة المتصلة به فإنه يعود ~~طاهرا فهكذا حال التراب لأنهما جميعا مطهران لغيرهما كما أشرنا إليه. # الحجة الثانية: قوله : ((التراب طهور المؤمن ما لم يجد الماء )). كما قال ~~تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به }[الأنفال:11]. فقد استويا ~~في التطهير فيجب ms0634 أن يكون حال التراب كالماء في اعتبار الغلبة للنجاسة. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: اشترط الله الطيب في الصعيد والمراد به الطهارة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا نقول بموجب الآية فإن التراب إذا كان غالبا للنجاسة فإنه ~~يوصف بالطيب لا محالة. # وأما ثانيا: فلأن الغرض باشتراطه حذرا عما يظهر من النجاسة فيكون غالبا ~~للتراب، ومثله يمنع من التيمم به لنجاسته، فأما ما كان من النجاسة مغلوبا ~~بالتراب فإنه يكون طاهرا. # قالوا: طهارة تراد للصلاة فلا يجوز فعلها بالنجس كالوضوء. # قلنا: نحن نقول بموجب هذا القياس، فإنه لا يجوز التيمم بالتراب النجس ~~ولكن كلامنا في تراب خالطته النجاسة وكان الطاهر غالبا لما هو نجس منه فإن ~~ما هذا حاله لا يعد نجسا. PageV02P142 # قالوا: الماء له قوة ترفع النجاسة عن نفسه بخلاف التراب فإنه لا قوة له على ~~دفعها فإذا تنجس بالمخالطة كان نجسا، بخلاف الماء فإن له قوة على دفع ما ~~وقع فيه من النجاسات إذا كان غالبا لها. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن ليس له قوة بل له قوة كقوة الماء، وأمارة ~~ذلك: أنه يغلب النجاسة الواقعة فيه كما كان الماء غالبا لها. # وأما ثانيا: فلأن الرسول سماه طهورا في قوله: ((التراب طهور المؤمن ما لم ~~يجد الماء )). واسم الفعول من الألفاظ المتعدية إلى غيرها كما مر تقريره في ~~أبواب الطهارة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن التراب طهور بنص صاحب الشريعة ~~صلوات الله عليه وإذا كان طهورا جاز أن يكون مبيحا لما منع منه الحدث وأن ~~يكون غالبا لما وقع فيه من النجاسة وأن تؤدى به الصلاة في أول وقتها وتؤدى ~~به أكثر من صلاة واحدة كما سنوضح القول في هذه المسائل بمعونة الله تعالى. # الفرع الثاني: وإن تيمم بتراب المقابر نظرت، فإن كانت تلك المقبرة على ~~حالها لم تنبش جاز التيمم منها لأنه صعيد طيب طاهر، فجاز كغيرها مما هو ~~طاهر، وإن كانت المقبرة قد نبشت حتى اختلط ما على ms0635 ظهرها بما قد اتصل به ~~الصديد والقيح والبلة النجسة نظرت فإن كان ما اتصل بالصديد والقيح منها ~~غالبا للطهار لم يجز التيمم به لما مر بيانه من أعتبار الطهارة في التراب. ~~وإن كان الطاهر هو الغالب حتى صار[النجس] مستهلكا بالطاهر، جاز التيمم به ~~لأنه بالغلبة صار طاهرا، وإن جهل الأمر في التراب فلم يعلم حاله بعد نبشها ~~هل هو الغالب أو هو النجس فهل يجوز التيمم بما هذا حاله أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا يجوز التيمم به لأن الظاهر نبشها ومع النبش يكون الأغلب ~~هو النجاسة. # وثانيهما: أنه يجوز لأن الظاهر من التراب الطهارة إلا لعارض ولا عارض ههنا. PageV02P143 # الفرع الثالث: وإن أصاب التراب بول أو كان ملوثا بماء السرقين أو غير ذلك ~~من الأمور المائعة النجسة ثم إنه جف بالشمس نظرت، فإن كان التراب قد ظهرت ~~عليه أحد أوصاف النجاسة لم يجز التيمم به لنجاسته وإن كانت النجاسة غير ~~ظاهرة عليه أوصافها بأن كان كثيرا فغلبها أو كان قليلا خلا أنه كوثر بتراب ~~طاهر جاز التيمم به لأنه بالمكاثرة صار طاهرا كالماء كما أوضحناه من قبل. # مسألة: ولا بد من اشتراط كون التراب حلالا(1) # فلا يجوز التيمم بالتراب المغصوب لأن التيمم قربة، ولهذا كان مفتقرا إلى ~~النية فلا تضام المعصية، ولأنه مأمور به لقوله تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا} ~~فلا يجوز أن يكون مغصوبا لأنه منهي عن متاع الغير لقوله :((لا يحل مال امرئ ~~مسلم إلا بطيبة من نفسه )). والشيء الواحد لا يكون مأمورا به منهيا عنه ~~للتضاد فيه. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول منها: الغصب في التراب يتصور وقوعه على أوجه ثلاثة: # أما أولا: فبأن يكون التراب له قيمة كالطين الأرمني والطين الخراساني فإن ~~هذا يباع في العادة وتكون له قيمة فيعقل غصبه بأخذه من مالكه على جهة ~~الإكراه. # وأما ثانيا: فبأن لا يكون مأكولا ولا له قيمة ولكن صاحبه أحرزه في جوالقه ~~وفي قفصه لغرض من الأغراض، فما هذا حاله يعقل أخذه من غير إذن ms0636 صاحبه ولا رضاه. # وأما ثالثا: فبأن يكون في أرضه ويكره أخذه. # الفرع الثاني: وإذا كان غصبه يعقل على هذه الأوجه فهل يجوز التيمم ~~بالتراب المغصوب أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يجوز التيمم به وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية ~~والناصرية. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~}[البقرة:188]. # ووجه تقرير الحجة من هذه الآية: هو أن الله تعالى نهى عن استهلاك مال ~~الغير وأكله والنهي دال على فساد المنهي عنه ومانع منه ومن اجزائه وهذا هو ~~مطلوبنا. PageV02P144 # المذهب الثاني: أنه يجزي وهذا هو رأي الفقهاء والمعتزلة. # والحجة على ذلك: قوله : ((التراب طهور المؤمن إذا لم يجد الماء )). ولم ~~يفصل في ذلك بين أن يكون مغصوبا أو حلالا. وقوله تعالى: {فتيمموا صعيدا ~~طيبا }. والمراد بالطيب: الطاهر وليس المراد به الحلال لأن الطيب لا يستعمل ~~في الحلال. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من فقهائهم، وهو محكي عن ~~داؤد من أصحاب الظاهر. # والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا حجتين: # الحجة الأولى: قوله : ((لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه)). وإذا ~~كان لا يحل استعماله لم يكن مجزيا له. # الحجة الثانية: أنه مأمور بالتيمم إذا كان عادما للماء ومنهي عن الغصب ~~فيلزم أن يكون مأمورا منهيا لوجوزنا التيمم به، وهو محال. # ومن وجه أخر: وهو أنه مطيع بالتيمم عاص بالغصب فلو جوزناه لكان مطيعا ~~عاصيا بأمر واحد وهو محال. # ومن وجه آخر: وهو أنه مراد لله تعالى من أجل ما فيه من تأدية العبادة ~~ومكروه من أجل [كونه] مغصوبا فلو سوغناه لكان مرادا مكروها وهذا فيه تناقض ~~فيجب القضاء ببطلانه وفساده. # الانتصار: يكون بإبطال ماجعلوه عمدة لهم. # قالوا: الظواهر الشرعية كلها الدالة على وجوب استعمال التيمم لم تفصل بين ~~أن يكون مغصوبا أو غير مغصوب. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكرتموه من هذه الظواهر لم يتناول ما قلناه بل قد خرج ~~بما أوردناه من الدلالة كما خرج التراب ms0637 النجس وغير ذلك مما لا يجوز التيمم به. # وأما ثانيا: فلأنه معارض بقياس مثله، وهو أن يقال: عبادة تقررت بأصل ~~الشرع فلا يجوز أن تؤدى بالمغصوب كالزكوات والكفارات. # قالوا: صعيد مطلق فجاز التيمم به كما لو لم [يكن] مغصوبا. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فبالفرق وهو أن المعنى في الأصل أنه غير ممنوع منه شرعا وهذا ~~قد منع منه الشرع. PageV02P145 # وأما ثانيا: فبالمعارضة وهو أن يقال: شرط من شروط الصلاة المشترطة في ~~أدائها فلا يجوز تأديته بما هو ممنوع منه كالصلاة في الثوب النجس، والوضوء ~~بالماء المغصوب. # قالوا: عبادة تدخلها النيابة فأشبه الذبح بالسكين المغصوب والطواف على ~~جمل مغصوب. # قلنا: عما ذكروه أجوبة أربعة: # أما أولا: فلأن ما ذكروه من القياس فاسد الوضع من جهة[أنه] وارد على ~~مخالفة نص الكتاب والله تعالى يقول: {فتيمموا صعيدا طيبا }[النساء:43] ~~والطيب هو الحلال، ولهذا قال تعالى: {ياأيها الرسل كلوا من الطيبات ~~}[المؤمنون:51]. يعني: المأكولات الحلالية، فلما كان مصادما لنص الكتاب على ~~المناقضة كان باطلا. # وأما ثانيا:فلأن ما ذكرتموه من الوصف الجامع ممنوع فلا نسلم جواز النيابة ~~فيه لأن حقيقة النيابة هو أن يتيمم عنه غيره ولا قائل بهذا. # وأما ثالثا: فبمنع الحكم في الأصل وهو أنا لا نسلم الإجزاء بالذبح ~~بالسكين المغصوب في الأضحية والهدايا(1) # ونمنع من الإجزاء في الطواف على جمل مغصوب. # وأما رابعا: فبالفرق وهو أن المعصية لم تضام القربة نفسها في الذبح ~~بالسكين والوقوف على الجمل. لأن القربة إنما هي بنفس الأضحية وبنفس الوقوف ~~والسكين والجمل وصلتان إليها فلهذا جازا لما كانا منحرفين عن مقصود القربة ~~بخلاف التيمم بالتراب المغصوب والمسروق فإن استعماله هو نفس القربة، وقد ~~ضام المعصية، فلهذا لم يكن مجزيا فافترقا، ونظير ما ذكروه من السكين والجمل ~~أنه لو غصب حبلا ودلوا واستقى بهما أو وضع التراب الحلال في إناء مغصوب ~~فإنه يكون مجزيا لا محالة فبطل ما توهموه. # الفرع الثالث: إذا تيمم بتراب من أرض مغصوبه فهل يجزيه أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # أحدهما: أنه يكون ms0638 مجزيا له وهذا هو رأي المنصور بالله. PageV02P146 # والحجة على ذلك: هو أن المقصود بالغصب إنما هو الضرار وما يكون هذا حاله ~~فليس فيه ضرر على المالك فلهذا كان باقيا على الإباحة كأخذ الخلا(1) # من الأرض المغصوبة. # وثانيهما: أن ذلك غير جائز وهذا هو رأي المؤيد بالله. # والحجة على ذلك: هو أن الأرض إذا كانت مغصوبة فكل ما فيها فهو ممنوع لحق ~~صاحبه فلا يجوز كما لو غصبه نفسه على صاحبه. # والمختار: ما قاله الإمام المنصور بالله أن المفهوم من الغصب هو منع صاحب ~~الأرض من الإنتفاع بها، وأخذ التراب غير ممنوع منه فلهذا لم يكن داخلا في ~~ماهية الغصب وحقيقته لما ذكرناه، فلا جرم جاز التيمم به ولأن الرسول دخل ~~أرض اليهودي مع كراهته لدخوله فيها وقال: ((ما ضررناك يا يهودي )) فعلل ~~المنع بالضرار دون الكراهة، فهكذا ههنا من غير فرق. # الفرع الرابع: لو تيمم بتراب مباح في الإناء المغصوب جاز التيمم لأن ~~العبادة إنما هي باستعمال التراب، ووضعه في الإناء المغصوب لا ينافي القربة ~~كما لو توضأ بماء مباح في إناء مغصوب جاز التوضي ولا يضره ذلك. # مسألة: ولابد من اشتراط كون التراب منبتا في جواز التيمم به، نحترز به ~~عما لا يكون منبتا كالنورة والزرنيخ والرماد والشب وغير ذلك مما ليس ترابا ~~ينبت، وعن الرمل الذي لا تراب فيه، والأحجار الصغار، فما هذا حاله لا يجوز ~~التيمم به لما كان لا ينبت شيئا. PageV02P147 # واعلم أن صفة الإنبات في التراب قد وقعت في بعض كتب المذهب، وظاهر أمرها: ~~أنه لابد من اعتبارها في جواز التيمم. والأقرب أنه لا حاجة بنا إلى ~~اعتبارها لأنه إن كان الغرض بإيرادها هو الإحتراز عن النورة والزرنيخ ~~والرماد والكحل وغير ذلك فقد خرج ما ذكرناه باعتبار صفة كونه ترابا لأن هذه ~~الأمور لا تعد ترابا، وإن كان الغرض باعتبارها الإحتراز عن الرمل والحصى ~~الصغار فقد اندرجت في ضمن التراب، وإن كان الغرض هو إخراج السبخ من التراب ~~فالتيمم جائز به إذا لم يكن ثريا ms0639 وأيضا فإنه منبت وإن ضعف نباته، وإن كان ~~الغرض من المنبت هو الإحتراز عن المخلوط بالذريره والنورة أو عن التراب ~~المستعمل فهو فاسد، لأن هذه الأمور سنذكرها بقيود تخصها ونفصل ما فيها من ~~المسائل فلا تكون مندرجة تحت قيد الإنبات، فظهر بما قررناه أنه لا حاجة إلى ~~اعتبار هذا القيد وأنه مستغنى عنه بصفة التربية، وإن أرادوا أنه مستقل ~~بالاعتبار في نفسه من غير أن يضاف إلى غيره فهو فاسد لأن التراب النجس ~~والتراب المسروق والتراب المستعمل كل هذه منبتة ومع ذلك فإنه لا يجوز ~~التيمم بها، فحصل من هذا أنه لا حاجة إلى ذكره سواء كان ذكره على جهة ~~الإستقلال أو على جهة الإنضمام إلى غيره من الأوصاف. # مسألة: ولابد من اعتبار كونه خالصا، نحترز به عما إذا خالطه ما يزيل حكم ~~التطهر به، وليس يخلو الحال فيما يخالطه إما أن يكون طاهرا أو يكون نجسا، ~~فإن كان المخالط له نجسا فقد قدمنا الكلام على التراب النجس وفصلنا ما فيه ~~فأغنى عن الإعادة، وإن كان المخالط له طاهرا فإما أن يكون مما يتطهر أو مما ~~لا يتطهر به فعنه تفصيل نشير إليه تفريعا. # التفريع لهذه القاعدة: PageV02P148 # الفرع الأول: إذا اختلط التراب الأرمني بالتراب الخرساني أو اختلط هاذان ~~الترابان بسائر أنواع التراب الطيبة جاز التيمم بها لأنها كلها مشتركة في ~~كونها ترابات طاهرة طيبة لا يعرض لها شيء سوى الإختلاط وهو غير مغير ~~لأجزائها، كما لو كانت الأمواء مختلطة عذبها بمالحها واختطلت العذبة بعضها ~~ببعض فإنها كلها مطهرة ولا يضرها الإختلاط. # الفرع الثاني: وإن خالطه ما ليس بمطهر نحو أن يخالطه الدقيق والنورة ~~والذريرة وغير ذلك مما يكون مخالطا للتراب نظرت، فإن كان المخالط للتراب هو ~~الغالب له لم يجز التيمم به لأنه يكون غير تراب فأشبه الدقيق والنورة ~~والذريرة وإن كان التراب هو الغالب فهل يجوز التيمم به أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن ذلك غير جائز وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول الأكثر من ~~أصحاب الشافعي. # والحجة ms0640 على ذلك: هو أن المخالط للتراب من الذريرة والنورة يمنع من وصول ~~التراب إلى العضو لكونه جامدا فلا يكون على [ذلك] متيمما بالتراب وحده، ~~فلهذا لم يكن مجزيا، ويفارق الماء إذا خالطه غيره وكان الغالب هو الماء ~~كماء الورد إذا خالط الماء من جهة أن الماء رقيق فيكون المخالط يستهلكه ~~الماء فلا يمنع من وصول الماء إلى الأعضاء لما فيه من الرقة بخلاف التراب ~~فإنه جامد كما أشرنا إليه فافترقا. # وثانيهما: أنه يجوز التيمم به إذا كان التراب هو الغالب وهذا هو المحكي ~~عن الشيخ أبي حامد من أصحاب الشافعي. PageV02P149 # والحجة على ذلك: هو أنه مطهر، فإذا كان غالبا لما خالطه جاز التيمم به ~~كالماء وهذا هو المختار، ويدل عليه قوله : ((التراب طهور المؤمن )). فسماه ~~طهورا كما قال تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا }[الفرقان:48] فنزله ~~منزلته في كونه مطهرا تطهير غيره، فإذا تقرر هذا فنقول: إذا صار ما خالطه ~~مخلوط به صار التراب مستهلكا له غالبا له، فلا جرم جاز التيمم كما كان ذلك ~~في حق الماء كما مر تقريره من أن الماء إذا خالطه شيء من المغيرات كمآء ورد ~~انقطعت رائحته أو قطرة من زعفران أو لبن أو خل وكان غالبا لها جاز التطهر ~~به، فهكذا يجب أن يكون حال التيمم. # الفرع الثالث: التراب إذا خالطه شيء من الأمور الطاهرة كالذريرة والزرنيخ ~~والنورة أو من الأمور النجسة، فالعلماء فيه فريقان: # الفريق الأول: لا يجيزون التيمم به على أي وجه سواء كان التراب غالبا أو ~~غير غالب ويفرقون بينه وبين الماء، وتلك التفرقة من وجهين: # أحدهما: أن التراب غير رافع للحدث عند هؤلاء بخلاف الماء فإنه رافع للحدث ~~الأكبر والأصغر جميعا بلا خلاف في ذلك. # وثانيهما: أن للماء خاصة في نفسه وقوة ورقة تمنع من أن تكون الأجزاء ~~المخالطة متصلة بالعضو بخلاف التراب فإنه لا يختص برقة وصقالة وصفاء جوهر ~~فلا يمتنع أن تكون تلك الأجزاء المخالطة غير متصلة بالعضو الميمم فلأجل هذا ~~بطل التيمم به عندهم. PageV02P150 # الفريق الثاني: ms0641 الذين جوزوا التيمم بالتراب الذي خالطه غيره إذا كان غالبا ~~له فإذا خالطه ما هو طاهر فالمعتبر عندهم بغلبة التراب له لأنه إذا كان ~~مستهلكا له جاز التيمم به كما مر شرحه فأما إذا خالطه النجس فمنهم من اعتبر ~~القلتين في التراب كما يعتبرهما في الماء إذا خالطه نجاسة، فكما كانت ~~القلتان من الماء لا تحملان خبثا فهكذا القلتان من التراب لا تحملان خبثا ~~لأنهما جميعا مطهران، ومنهم من لا يعتبرهما ولكن يعتبر بالغلبة واستهلاك ~~النجاسة بالتراب كما تكون مستهلكة بالماء عند تكاثره فيجريه مجرى الماء من ~~غير تفرقة بينهما. # والمختار: إلحاقه بالماء لما ذكرناه من الدليل على كون التراب مطهرا ~~بدلالة الخبر، فلا جرم كان حكمه حكمه. # مسألة: ولابد من اشتراط كون التراب مطلقا، نحترز[به] عما يكون مستعملا، ~~فإذا كان مستعملا فهل يجوز التيمم به أم لا؟ فيه نظر نذكره بمعونة الله تعالى. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: الإستعمال في التراب يكون على وجهين: # أحدهما: أن يبقى على أعضاء التيمم شيء من غبار التيمم فيتيمم به هو أو غيره. # وثانيهما: أن يتساقط من أعضاء التيمم غبار فيتيمم به أو غيره، فما هذا ~~حاله يكون مستعملا باستعمال الأول لأنه قد سقط به الفرض، واستعمال الثاني ~~من جهة أنه تساقط من التراب الذي وقع به التيمم فكان مستعملا كما لو تساقط ~~من الماء من أعضاء الطهارة، فأما ما يفضل في الإناء من أثر التيمم فلا يكون ~~مستعملا كما قررناه من قبل من جهة أن ما فضل لم يتغير حكمه في التطهير ولا ~~أسقط به فرض، فلهذا لم يكن مستعملا كالماء الذي يفضل في الإناء من أثر ~~المتوضي، ولا يقع التردد بين من أثبت الإستعمال بالتراب في الوجه الأول، ~~وإنما وقع التردد في الوجه الثاني هل يكون مستعملا أم لا؟ والذي يأتي على ~~رأي من أثبت الاستعمال من أئمة العترة، أنه يكون مستعملا وهو أحد قولي ~~الشافعي، وله قول آخر أنه لا يكون مستعملا. PageV02P151 # والحجة على كونه مستعملا: هو أنه لو ms0642 مسح يديه بالضربة التي مسح بها وجهه لم ~~يصح وإن كان قد بقي فيها غبار، فلأن لا يصح فيما تناثر من الوجه أولى من ~~جهة أن سقوطه من العضو إلى الأرض لا يزيل حكم الاستعمال عنه فلهذا وجب ~~الحكم عليه بكونه مستعملا. # الفرع الثاني: هل يجوز التيمم بالتراب المستعمل أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: المنع من ذلك، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة القاسمية ~~والناصرية كما قالوه في الطهارة بالماء المستعمل، وهو محكي عن أبي حنيفة ~~وأصحابه والشافعي، وإحدى الروايتين عن مالك. # والحجة على ذلك: هو أنه إحدى الطهارتين فلا تجوز بالمستعمل كالطهارة ~~الأخرى. # المذهب الثاني: أن ذلك جائز، وهذا هو رأي المؤيد بالله، وهو محكي عن ~~الحسن البصري والزهري وبه قال زفر، وإحدى الروايتين عن مالك. # والحجة على ذلك: قوله : ((التراب طهور المؤمن )) ولم يفصل بين كونه ~~مستعملا أو غير مستعمل، وقوله : ((الصعيد الطيب طهور المؤمن ما لم يجد ~~الماء )) ولم يفصل. # والمختار: جوازه كما قاله الإمام المؤيد بالله، ويدل عليه ما أوردناه ~~حكاية عنهم ولأن الأدلة الشرعية والظواهر النقلية الواردة في جواز التيمم ~~وإباحته لم تفصل في ذلك، ولقوله : ((جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا )). ~~ولم يفصل بين تراب وتراب إلا ما خصته دلالة، ولأنه باق على ما كان عليه قبل ~~الإستعمال فوجب القضاء بإجزائه كما لو لم يكن مستعملا. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: إحدى الطهارتين فلا تجوز بالمستعمل كالطهارة الأخرى، وطهارة تفعل ~~للصلاة فلا تجوز بالمستعمل كالوضوء. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا نمنع الأصل في الوضوء ونجيز التوضؤ بالماء المستعمل وقد ~~قدمنا دليله فأغنى عن الإعادة إذ لا وجه للتفرقة بينهما وقد أسلفنا أن ~~الماء المستعمل طاهر مطهر فهكذا حال التراب يكون طاهرا مطهرا مع الإستعمال. PageV02P152 # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأدلة الشرعية النقلية ~~فإنها دالة بظواهرها على ما قلناه. # الفرع الثالث: والغبار الذي يحصل في البرذعة والأثواب الخلقه والأهدام ~~المتقطعة، هل يجوز التيمم به أم لا؟ ms0643 فيه مذهبان: # أحدهما: أنه لا يجوز التيمم به وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية ~~والناصرية، وهو رأي الإمامين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب، ومحكي عن ~~محمد بن الحسن. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا }[النساء:43]. وما يحصل ~~من البراذع ليس طيبا ولا خالصا لأنه لا يؤمن أن يكون مجتمعا من العفونات ~~كالرماد والدقيق والزرنيخ والكحل والجص والتراب وما هذا [حاله] لا يكون ~~صعيدا فضلا عن أن يكون موصوفا بالطيب فلهذا لم يكن مجزيا. # وثانيهما: أنه جائز وهذا هو رأي أبي حنيفة، ومحكي عن الشافعي. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه ضرب بيده على حائط من حيطان ~~المدينة وتيمم؛ ولأن هذا تراب فجاز التيمم به كغيره من الترابات. # والمختار عندنا في ذلك: تفصيل. فإن كان الذي علق بالثياب تراب له غبار ~~يعلق بالأكف جاز التيمم به كما لو كان موضوعا على حصير، وإن كان الذي يعلق ~~بالثياب ليس ترابا خالصا لم يجز التيمم[به] كما قلناه في الرمل، ومع هذا ~~التفصيل ربما زال الخلاف في المسألة بيننا وبين الشافعي لأنه معنا في أنه ~~لا يجوز التيمم بغير التراب، فأما أبو حنيفة فإنه من القائلين بجواز التيمم ~~بغير التراب فلا وجه للكلام معه. وإن علق بثيابه غبار فضرب بيده عليها فعلق ~~منه غبار جاز التيمم به لأنه غبار يعلق بالكف فجاز التيمم به، وحكي عن أبي ~~يوسف: المنع منه، وحكاه ابن المنذر عن مالك. والحق: جوازه لما ذكرناه من ~~قبل من أنه صعيد طيب. # وحجتهما: أن ما هذا حاله ليس صعيدا طيبا فلا يجوز التيمم به، وهذا فاسد ~~فإن الصعيد هو التراب وهذا تراب فجاز التيمم به. # الفرع الرابع: استعمال التراب يدخل على وجهين: PageV02P153 # أحدهما: أن يستباح به الفرض ويؤدى به في الصلوات المفروضة. # وثانيهما: أن يؤدى به النفل كالقراءة ودخول المسجد وغير ذلك فمتى كان ~~الأمر فيه كما قلناه كان مستعملا كما قلناه في الطهارة بالماء فإنه لا يكون ~~مستعملا إلا بما ذكرناه من هذين الوجهين دون التبرد ms0644 وقد مضى شرحه. وقد حكى ~~الشيخ أبو حامد الغزالي عن الشافعي قولا آخر في جواز التيمم بالتراب ~~المستعمل، وحكى ابن الصباغ في (الشامل) عن بعض أصحاب أبي حنيفة ذلك، وفرقوا ~~بينه وبين الوضوء من جهة أن الوضوء بالماء يرفع الحدث بخلاف التراب فإنه لا ~~يرفع الحدث. # والمختار عندنا: هو جواز المستعمل في الطهارتين معا كما مر تقريره، فهذا ~~ما أردنا ذكره في الأوصاف المعتبرة في كون التراب مجزيا للتيمم. # مسألة: في بيان ما يستباح بالتيمم: واعلم أن التيمم جائز من الحدث الأصغر ~~وهو البول والغائط والريح وخروج الخارج كالدم والقيء لقوله تعالى: {ياأيها ~~الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة يعني من النوم- أو جاء أحد منكم من الغائط ~~أو لامستم النساء}[المائدة:6]. ومن الحدث الأكبر كالجنابة والحيض والنفاس ~~والموت لقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو ~~جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا}[المائدة:6]. وروى عمار بن ياسر، قال: اجتنبت فتمعكت بالتراب فقال ~~له الرسول : ((إنما يكفيك هذا وضرب بيديه على الأرض ومسح بهما وجهه ~~وذراعيه)). وروى أبو ذر رضي الله عنه أنه قال: اجتويت المدينة يعني: كرهت ~~المقام فيها فأمرني رسول الله بذود فيها وقال: ((أبد فيها))(1) PageV02P154 يعني أخرج إلى البادية، فخرجت بأهلي إلى الربذة فكنت أعدم الماء خمسة أيام ~~وستة وأنا جنب فأصلي بغير طهور ثم قدمت المدينة فأتيت النبي فقال: ((أبو ~~ذر؟)) فقلت: نعم هلكت فقال: ((وما أهلكك؟)). فقصصت عليه القصة وقلت: إني ~~كنت أصلي بغير طهور فأمر لي بماء فاستترت براحلتي واغتسلت ثم أتيته فقال: ~~((يا أبا ذر الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت ~~الماء فأمسسه بشرتك))(1). # فدل ما ذكرناه على جواز التيمم من الحدثين جميعا، فإذا حصل التيمم بما ~~ذكرناه فإنه يستبيح به ما كان محظورا عليه كالصلاة المؤداة والمقضية ودخول ~~المسجد وقراءة القرآن والوطء في حق الأزواج وغير ذلك. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: لا خلاف في كونه يستباح ms0645 به ما كان محظورا كما ذكرناه، وهل ~~يكون رافعا للحدث أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يكون رافعا للحدث، وهذا هو رأي أئمة العترة ~~القاسمية والناصرية والسادة الهارونيين الإمامين الأخوين وأبي العباس ~~الحسني، وهو قول الفريقين الحنفية والشافعية، ومروي عن جلة الفقهاء. PageV02P155 # والحجة على ذلك: ما روى عمرو بن العاص عن الرسول ، قال: كنت في عزوة ذات ~~السلاسل فاجتنبت في ليلة باردة فأشفقت على نفسي إن اغتسلت هلكت فتيممت ~~وصليت بأصحابي صلاة الصبح فذكر ذلك لرسول الله فقال: ((يا عمرو صليت ~~بأصحابك وأنت جنب ))؟ فقلت: سمعت الله يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله ~~كان بكم رحيما}[النساء:29]. فضحك رسول الله ولم يقل شيئا. # المذهب الثاني: أنه رافع للحدث، وهذا هو المحكي عن داؤد وطبقته من أهل ~~الظاهر، ومروي عن بعض أصحاب مالك، وحكي عن بعض الخراسانيين من أصحاب ~~الشافعي. # والحجة لهم على ذلك: هو أنها طهارة عن حدث تستباح بها الصلاة فوجب أن ~~تكون رافعة للحدث كالطهارة بالماء. # والمختار: ما عليه أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة وفقهاء العامة. ~~ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم، ونزيد ههنا حجتين: # الحجة الأولى: ما روى أبو ذر الغفاري عن الرسول أنه قال: ((الصعيد الطيب ~~وضوء المسلم ما لم يجد الماء عشر حجج فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك))(1) # فلو ارتفع حدثه لكان لا وجه لوجوب إمساس بشرته للماء بعد ارتفاع حدثه. # الحجة الثانية: قياسية، وحاصلها أنه لو كان رافعا للحدث كما زعموه لكان ~~لا وجه لانتقاض تيممه برؤية الماء ولأنه لو كان رافعا للحدث لوجب أن يكون ~~حكمه حكم الطهارة بالماء في تعلقه بجميع ما يتعلق به الحدث كالوضوء والغسل ~~فكان يلزمه استعماله في جميع الأعضاء وهو محال. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: طهارة تستباح بها الصلاة فوجب رفعها للحدث كالطهارة بالماء. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فبالفرق وهو أن المعنى في الأصل، طهارة الماء شاملة لمحل الحدث ~~وغيره كالوضوء والغسل بخلاف التيمم فإنه ليس واقعا إلا على بعض أعضاء ms0646 ~~الطهارة فلأجل هذا لم يكن رافعا للحدث. PageV02P156 # وأما ثانيا: فلأن الطهارة بالماء ليس ورآها غاية في رفع الحدث بخلاف التيمم ~~فإنه طهارة ضرورية صارت بدلا عن الطهارة بالماء عند عدم الماء أو تعذر ~~استعماله فلا يلزم أن يكون حكمها حكم الطهارة بالماء في رفع الحدث. # الفرع الثاني: في بيان الفوائد المستنبطة من خبر ذات السلاسل وجملتها ~~فوائد إحدى عشرة: # الأولى: أن التيمم جائز لخوف التلف من البرد خلافا للحسن وعطاء كما مر ~~تقريره. # الثانية:أن التيمم يجوز للجنب خلافا لأقوام. # الثالثة:أن الجنب إذا صلى بالتيمم في السفر فلا قضاء عليه خلافا لقوم. # الرابعة: أن كل من تيمم لأجل البرد في السفر فلا قضاء عليه. # الخامسة: أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأن الرسول سماه جنبا مع علمه أنه قد ~~تيمم، وفي هذا دلالة على أن حدث الجنابة باق. # السادسة: أن المتيمم إذا كان تيممه للجنابة جاز له أن يقرأ في غير الصلاة ~~القرآن. لأن عمرا قال: سمعت الله يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم ~~رحيما }[النساء:29]. ولم ينكر الرسول عليه القرائة. # السابعة: أنه يجوز للمتيمم أن يؤم المتوضين لأن أصحابه كانوا متوضين وقد ~~قال : ((صليت بأصحابك يا عمرو وأنت جنب ))؟ فأقره على ذلك ولم ينكره عليه، ~~على رأي من جوزه. # الثامنة: أن هذا المتلو هو كلام الله لأن عمرا قال سمعت الله يعني كلام ~~الله ولم يسمع إلا هذا المتلو. # التاسعة: أنه يجوز للصحابي أن يجتهد رأيه في زمن الرسول إذا لم يكن ~~بحضرته لأن عمرا كان غائبا عن الرسول فأداه اجتهاده إلى التيمم مع وجود ~~الماء للعذر. # العاشرة: أنه يجوز العمل على الرأي والاجتهاد لأن ما فعله عمرو غير منصوص ~~عليه ولكنه أخذه من جهة الرأي والاجتهاد. PageV02P157 # الحادية عشرة: أنه يستحب للإمام أن يأمر السرايا ويجهز المغازي في سبيل ~~الله تعالى؛ لأن عمرا كان في عزوة ذات السلاسل مجهزا في سرية من أجل الجهاد ~~ونصرة الدين وإعزاز الحوزة عن الكفر، وتحته فوائد غير هذه لا يليق ذكرها ~~بالمقاصد الفقهية. ms0647 # الفرع الثالث: وإذا تيمم عن الحدث الأصغر فإنه يستبيح به ما يستبيح ~~بالوضوء من الصلاة والطواف بالبيت ومس المصحف على رأي من يشترط الطهارة ~~فيهما؛لأن التيمم بمنزلة الوضوء فوجب فيه ما ذكرناه، فإن أحدث نظرت فإن كان ~~حدثه بالإيلاج وإنزال الماء فإنه يحرم عليه ما يحرم على الجنب من قراءة ~~القرآن ودخول المسجد والصلاة وغير ذلك لأن تيممه قد بطل كما يبطل وضوؤه، ~~وإن كان حدثه بخروج الخارج من السبيلين وغير ذلك من نواقض الوضوء فإنه ~~يمنعه من الصلاة والطواف ومس المصحف على رأي من أوجب الطهارة فيهما ولا ~~يمنعه من قراءة القرآن ودخول المسجد كما لا يمنع ذلك من انتقض وضوءه، وإن ~~كان تيممه عن الحدث الأكبر فإنه يستبيح به ما يستبيح بالغسل كالصلاة ودخول ~~المسجد وقراءة القرآن، فإن أحدث نظرت فإن كان بالجماع وإنزال الماء فإنه ~~يعود عليه حكم الجنابة لأنه قد بطل تيممه بما يوجب الغسل فيجب أن يمنع مما ~~كان ممنوعا منه قبل تيممه الأول، وإن كان حدثه بخروج الخارج من السبيلين ~~وهو الحدث الأصغر، فهل يعود عليه حكم الجنابة أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه يعود عليه حكم الجنابة بالحدث الأصغر، وهذا هو الذي يشير ~~إليه كلام المنصور بالله؛ لأنه لما بطل تيممه بالحدث صار في الحكم كأنه لم ~~يتيمم فلأجل هذا حرم عليه ما يحرم على الجنب من الصلاة وقراءة القرآن ودخول ~~المسجد وحمل المصحف ومسه. PageV02P158 # وثانيهما: أنه يستبيح به ما يستبيح بالغسل من الصلاة وقراءة القرآن وغير ~~ذلك فإذا أحدث منع من الصلاة ولم يمنع من قراءة القرآن ودخول المسجد، وهذا ~~هو الذي يظهر من رأي أئمة العترة وهو قول الشافعي وأصحابه من جهة أن التيمم ~~صار كالغسل في استباحة ما ذكرناه، ولا شك أن الحدث لا يبطل الغسل فهكذا لا ~~يبطل ما كان قائما مقامه، وهذا هو المختار، ويدل عليه هو أن الحائض إذا ~~تيممت لعدم الماء فإنه إذا باشرها قبل الإيلاج وإنزال المني فلا يعيده من ~~جهة العادة خروج المذي لأجل ms0648 المباشرة الفاحشة وذلك يوجب نقض الطهارة فلو ~~كان مبطلا للتيمم لحرم الوطء، لا يقال: فالإيلاج وإنزال الماء يوجبان الغسل ~~ويبطلان التيمم ولا يحرمان جماع الحائض فهكذا حال الحدث يبطل التيمم ولا ~~يحرم جماع الحائض لأنا نقول: هذا فاسد فإن التفرقة بينهما ظاهرة. فإن ~~الإيلاج وإنزال الماء إنما يوجبان غسل الجنابة فأما غسل الحائض لأجل الحيض ~~فلا يبطلانه ولا شك أن التيمم قائم مقامه فلهذا لم يكن باطلا فافترقا. # الفرع الرابع: إذا تيمم للنوافل جاز أن يؤدي به ما شاء منها عند أئمة ~~العترة وفقهاء الأمة لا يختلفون في ذلك من جهة أن النوافل يكثر وقوعها ~~ويستحب الترغيب فيها والإستكثار منها، فلو أوجبنا لكل نافلة تيمما لكان في ~~ذلك حرج ومشقة، وذلك يؤدي إلى قطعها والإقلال منها، وإن تيمم لأداء فريضة ~~قضاءا أو أداءا بانفرادها مع نافلتها جاز ذلك عند أئمة العترة وفقهاء الأمة ~~من غير خلاف فيه لأنها هي المقصودة فلو منعنا من تأدية فريضة واحدة مع ~~نافلتها بالتيمم لكان في ذلك إبطال للغرض به. # وهل يجوز أن يؤدى بالتيمم الواحد أكثر من فريضة واحدة؟ فيه مذاهب ثلاثة: PageV02P159 # المذهب الأول: المنع من ذلك قضاءا كان أو أداءا واجبة كانت على الأعيان أو ~~على الكفاية، وعلى هذا لا يجوز أن يؤدي بتيمم واحد مؤداتين أو فائتتين ولا ~~فائتة وفريضة الوقت ولا مكتوبة وصلاة جنازة، وهذا هو الذي نص عليه الإمامان ~~القاسم والهادي واختاره الإمامان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب وهو رأي ~~الصادق والباقر وزيد بن علي وهو قول الناصر في (الألفاظ) و(المختصر)، وهو ~~محكي عن أمير المؤمنين وابن عباس وعبدالله بن عمر(1) # من الصحابة رضي الله عنهم، وهو مروي عن قتادة والنخعي وربيعة، وهو مروي ~~عن الشافعي ومالك خلا أن مالك يقول: لو تيمم لركعتي الفجر فعليه أن يعيد ~~التيمم للفرض، وروي عن الشافعي في بعض كتبه مثل ما قاله مالك. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم }[المائدة: 6] ..الآية. # ووجه تقرير هذه الدلالة: ms0649 هو أن ظاهر الآية يقتضي أن كل من قام إلى الصلاة ~~فعليه الغسل لهذه الأعضاء إن كان واجدا للماء أو التيمم إذا كان عادما له ~~أو تعذر عليه استعماله كلما قام إليها، لكنا تركنا هذا الظاهر لما روي أن ~~الرسول جمع بين صلوات عدة يوم الفتح بطهارة واحدة فخرج هذا من مقتضى دليل ~~الآية وبقي التيمم على ما اقتضاه ظاهر الآية. # المذهب الثاني: أنه يجوز الجمع بين الفريضتين بالتيمم الواحد قضاء أو ~~أداء، فإذا تيمم الرجل جاز أن يؤدي ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يحدث ~~أو يتمكن من الماء، وهذا هو نص الإمام الناصر في الكبير وهو الأصح من ~~قوليه، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((التراب طهور المؤمن ما لم ~~يجد الماء )) ولم يفصل بين صلاة وصلاة ولأنها طهارة يجوز بها أداء النوافل ~~الكثيرة فهكذا حال الفرائض. PageV02P160 # المذهب الثالث: محكي عن أبي ثور، وهو أنه يجوز أن يجمع بين فريضتين في وقت ~~واحد بتيمم واحد ولا يجوز ذلك في وقتين. # والحجة على ذلك: هو أن الخطاب بتأدية الصلاة إنما يكون متوجها عند حضور ~~وقتها وقبل ذلك لا معنى له فإذا دخل وقت الصلاة الأولى فهو مخاطب بتأديتها ~~بوضوء عند إمكان الماء وبالتراب عند عدمه فإذا قام الدليل الشرعي على جواز ~~الصلاتين المفروضتين إما مؤداتين أو مقضيتين وإما أداءا أو قضاءا كانا في ~~حكم الفريضة الواحدة، فلهذا جاز تأديتهما بتيمم واحد بخلاف ما إذا كانا في ~~وقتين فإنهما متغايرتين من جهة أن خطاب أحدهما مخالف لخطاب الأخرى فلا جرم ~~افتقرت إلى تيمم آخر، فهذا تقرير هذه المذاهب بأدلتها. # والمختار: ما عول عليه الإمام الناصر ومن وافقه من جواز تأدية الفرائض ~~الكثيرة والسنن بتيمم واحد إلى [أن] تعرض رؤية الماء أو ما ينقضه. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنه ونزيد ههنا حجتين: # الحجة الأولى: الظواهر الشرعية من الكتاب والسنة كقوله تعالى: {فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا صعيدا طيبا }[المائدة:6]. وقوله في ms0650 خبر أبي ذر ((الصعيد الطيب ~~طهور المؤمن ما لم يجد الماء )). وقوله: ((التراب كافيك ولو إلى عشر حجج )) ~~فهذه الأدلة كلها لم تفصل في مطلق الإباحة للصلاة بين فرض وفرض فدل ذلك على ~~الجواز. # الحجة الثانية: قياسية، وهو أنها طهارة تؤدى بها فريضة فجاز أن تؤدى بها ~~فرائض كالوضوء، فحصل من مجموع ما ذكرناه أنه يجوز أن يؤدى بالتيمم الواحد ~~جميع الفرائض والنوافل ما لم يعرض فيه عارض يبطله. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: الآية دالة على وجوب تكرير الوضوء لمن قام إلى الصلاة لكن خصصنا ~~الوضوء بالإجماع فبقي التيمم على الأصل. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV02P161 # أما أولا: فلأنه إذا بطل تكرير الوضوء على من قام إلى الصلاة لأجل الإجماع ~~وجب ذلك في حق التيمم إما بالرد إليه بجامع كونهما طهارتين فلا يفترقان في ~~الحكم وإما لأنه لا فائدة في تكرير التيمم لأنه موضوع للإستباحة وفائدتها ~~أنه غير ممنوع من الصلاة بعد التيمم وهذا لا فائدة في تكريره ولا وجه ~~لتزايده لأنه سلب صرف والسلوب لا يعقل فيها تزايد. # وأما ثانيا: فلأنه إذا صلى بتيمم واحد فريضة واحدة ثم أراد صلاة العصر ~~بعد فراغه من صلاة الظهر فلأي وجه تلزمه إعادة التيمم، هل تكون لرفع الحدث؟ ~~فالتيمم غير رافع للحدث كما مر بيانه وأيضا فلو رفع الحدث لكان قد رفعه ~~بالأول فلا فائدة في تكريره مرة ثانية، وإن كان من أجل استباحة الصلاة فقد ~~استباحها بالتيمم الأول فلا فائدة في تكرير الإستباحة، أو لزيادة الفضل كما ~~وجب في الوضوء فهذا فاسد فإن الشرع قد ورد بتكرير الطهارة على الطهارة ولم ~~يرد في التيمم، ثم إن تكرير الوضوء إنما كان على جهة الاستحباب وأنتم ~~توجبونه في التيمم فلا يكون مثله، ثم نقول: لو استدللنا بالآية على ما ~~ذهبنا إليه من كفاية التيمم الواحد لجميع الفرائض لكنا أسعد حالا، وبيانه: ~~هو أن الله تعالى قال: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا }[المائدة:6] هذه ~~الأعضاء، والوضوء لأداء كل فريضة ونافلة كاف، ثم قال ms0651 عقيب ذلك: {فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا}. فعلى هذا يكون معناه: فتيمموا لأداء كل فريضة ونافلة، وهو ~~مقصودنا فإذا حملناه على ذلك اتسق نظام الآية وكانت جارية على جهة الإنتظام ~~في حكم الطهارتين جميعا في تأدية كل فريضة ونافلة بهما، ثم يقال لهم: ~~التيمم بدل عن الوضوء بلا منازعة في ذلك ومن حكم البدل أن يكون قائما مقام ~~المبدل منه قياسا على سائر الأبدال والمبدلات في ذلك الحكم كما نقوله في ~~كفارة اليمين من العتق والإطعام والكسوة، وكما نقول فيمن فعل محظورا في حجه ~~فإنه مخير بين النسك PageV02P162 والإطعام والصوم، وإذا كان الأمر كما قلنا وقد تقرر كون التيمم بدلا من ~~الوضوء فكما كان الوضوء يؤدى به أكثر من فريضة واحدة فهكذا حال التيمم يؤدى ~~به أكثر من فريضة واحدة إلا أن يعرض له ما يبطله. # قالوا: روي عن ابن عباس أنه قال: من السنة أن لا يصلى بتيمم واحد إلا ~~فريضة واحدة ثم يتيمم للفريضة الأخرى، والسنة إذا أطلقها الصحابي فالمفهوم ~~منها سنة الرسول . # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه ليس في كلام ابن عباس ما يشعر بالوجوب وإنما قال من ~~السنة ولا شك أن السنة ليست دالة على الوجوب، وكلامنا إنما هو فيما يجب من ذلك. # وأما ثانيا: فلأن مستند ابن عباس في هذا الإطلاق، إما أن يكون قولا أو ~~فعلا من جهة الرسول فما هذا حاله يكون مقبولا فلا بد من بيانه لينظر فيه، ~~ويحتمل أن يكون قوله ذلك من جهة الاجتهاد فهمه من جهة القول والفعل فلهذا ~~أساغ له إطلاق السنة بهذا الاعتبار وإذا كان هذا ممكنا لم يلزمنا قبوله ~~كسائر الآراء الاجتهادية من جهة الصحابة رضي الله عنهم وإنما يجب الإحتكام ~~لما كان من جهة صاحب الشريعة . # قالوا: روي عن أمير المؤمنين أنه تيمم لكل صلاة وروي مثله عن ابن عمر ولا ~~مخالف لهما في الصحابة فيجب قبوله وأن يكون حجة. # قلنا: عما ذكرتموه أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأن ما نقل عن أمير المؤمنين ليس ms0652 فيه دلالة على الوجوب وإنما ~~هو حكاية فعل فعله لا ندري كيف أوقعه، ونهاية الأمر فيه أنه تيمم لكل صلاة، ~~وما هذا حاله لا يشعر بالوجوب فلعله فعله على جهة الندب. # وأما ثانيا: فلأنه لم يحكه عن صاحب الشريعة فيكون حجة وإنما فعله على جهة ~~الاجتهاد، والصحابي إذا فعل فعلا لم يلزم اتباعه في الفعل، والمجتهد لا ~~يجوز له اتباع مجتهد آخر، وإنما عليه إعمال فكره وكد قريحته في تحصيل حكم ~~الواقعة من غير تقليد فيها لغيره. PageV02P163 # وأما ثالثا: فلأن كلام أمير المؤمنين إنما يعول عليه إذا روى خبرا كان خبره ~~راجحا على خبر غيره أو تأول تأويلا كان تأويله أحق بالقبول من تأويل غيره ~~من الصحابة رضي الله عنهم، ولا يلزم أن يكون حكمه حكم صاحب الشريعة في ~~الإحتكام لقوله خاصة مع عدم العصمة وإن دعواها غير ممكنة في حقه لما يعرض ~~في دلالتها من الاحتمال القوي، وعلى هذا لا يكون ما نقلوه عنه فيه حجة على ~~ما زعموه. # قالوا: طهارة لا ترفع الحدث فلا يجوز أن يؤدى بها أكثر من فريضة واحدة مع ~~نافلتها كطهارة المستحاضة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فنقلب عليهم ما أوردوه من القياس بأن نقول: طهارة فوجب أن يجوز ~~الجمع فيها بين الفريضتين أو فلا يجب تجديدها لكل صلاة كالمستحاضة. # وأما ثانيا: فلأنا لو أخذنا بهذا(1) # القياس لوجب في حق المستحاضة أن لا ينتقض وضؤها لكون طهارتها أصلية لكن ~~الشرع قد دل على انتقاض وضؤها بدخول الوقت كما سنوضح القول فيه، فلأجل هذا ~~جاز تأديتها الفريضتين في وقت واحد، وهكذا حال المتيمم فإنه يجوز له أن ~~يؤدي الفريضتين وأكثر في وقت واحد، وأيضا فإنا نقول: المستحاضة مخالفة في ~~حكمها لحكم المتيمم من وجهين: # أحدهما: أن التيمم لا يرفع الحدث بخلاف طهارة المستحاضة فإنها رافعة للحدث. # وثانيهما: أن صلاة المتيمم لا تكون إلا في آخر الوقت بخلاف المستحاضة ~~فإنها تكون في أوله وآخره، وإذا كان مفارقا لها لم يجز أن يقاس المتيمم على ~~المستحاضة ms0653 لافتراقهما فيما ذكرناه. # فأما ما يحكى عن أبي ثور أنه يجوز أن تؤدى بالتيمم فريضتان في وقت واحد ~~ولا يجوز ذلك في وقتين فهو فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنه تحكم لا مستند له. PageV02P164 # قوله: إنهما إذا كانا في وقت فهما كالفريضة الواحدة بخلاف ما إذا كانا في وقتين. # قلنا: الفريضتان في أنفسهما متغايرتان وتأديتهما في وقت واحد لا يبطل ~~تغايرهما. # وأما ثانيا: فلأن ما جاز التأدية به فريضتين في وقت واحد جاز تأديته ~~فريضتين في وقتين كالوضوء، فبطل ما قاله. # فأما [ما] يحكى عن الشافعي ومالك أنه إذا [أدى] بالتيمم نافلة فلا يجوز ~~أن يؤدي به الفريضة بعد ذلك بل لابد من تجديد التيمم للفريضة، فوجهه أن ~~التيمم عبادة فإذا وضعها على عبادة لم يجز أن يؤدي به عبادة أخرى، كالإحرام ~~إذا وضعه على العمرة فلا يجوز أن يؤدي به الحج الواجب. فهو فاسد، فإن ~~الإحرام جزء من أجزاء العبادة، بخلاف التيمم فإنه ليس جزء من أجزاء الصلاة ~~فافترقا، وسيأتي لهذا مزيد تقرير فيما نذكره على إثر هذا بمعونة الله تعالى. # الفرع الخامس: إذا تيمم للنافلة هل يجوز تأدية الفريضة به أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # أحدهما:أنه تجوز تأدية الفريضة به، وهذا هو الذي يأتي على رأي الإمام ~~المؤيد بالله وهو الذي يحكى عن أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو أنها طهارة عن حدث أو طهارة تراد للصلاة فلا تفتقر ~~إلى نية تعيين الفرض كالوضوء. # وثانيهما: أنه لا تجوز تأدية الفريضة [به]، وهذا هو الذي يأتي على كلام ~~الإمام أبي طالب وهو محكي عن الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنه لم ينو بتيممه الفرض فلا يصلي به الفرض كما لو لم ينو. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله وأبو حنيفة. # والحجة على ذلك: ما قالوه ونزيد: أنه إذا تيمم للفرض صلى به النفل فهو ~~إذا تيمم للنفل صلى به الفرض من غير مخالفة. # الانتصار: يكون بإبطال ما زعموه. # قالوا: لم ينو الفريضة بتيممه. فصار كما لو لم ينو. # قلنا: هذا فاسد لأن ms0654 المعنى في الأصل أنه خال عن النية مطلقا فلهذا لم يكن ~~مجزيا بخلاف ما لو نوى النفل فإنه ناو لا محالة، وسيأتي لهذا مزيد تقرير ~~عند الكلام في نية التيمم وكيفية ايقاعها بمعونة الله تعالى. PageV02P165 # الفرع السادس: إذا قلنا بجواز تأدية الفروض والنوافل الكثيرة بالتيمم ~~الواحد مالم يعرض ما يبطله، فعلى هذا يجوز الجمع بين فرضين مؤديين وبين ~~فرضين مقضيين وبين فرضين قضاء وأداء، ويجوز الجمع فيه بين صلاة واجبة وصلاة ~~منذورة وبين صلاتين منذورتين وبين طوافين واجبين ونفلين وبين صلاة مفروضة ~~وركعتي الطواف، وبين طواف واجب وركعتي الطواف وبين صلاة الجنازة والصلاة ~~المفروضة وبين صلاة العيد وصلاة الجنازة إلى غير ذلك من الفروض الواجبة ~~المعددة؛ لأن الدليل الذي ذكرناه في جواز الجمع لم يفصل بين صورة وصورة، ~~وقد منع من أبى تأدية الفروض الكثيرة بتيمم واحد هذه الصور كلها ولم يجوز ~~أداءها بتيمم واحد، وهم أكثر العترة والشافعي من الفقهاء، وقد تردد في ~~الصلاتين المنذورتين وفي تأدية ركعتي الطواف والطواف الواجب، فمرة أجازه ~~ومرة منعه حكاهما (المسعودي) من أصحابه. # والمختار: أنه لا تفرقة بين هذه الأمور كلها في جواز تأديتها بالتيمم ~~الواحد وقد قررنا دليله. # وإن أراد أن يصلي على جنائز متفرقة في أوقات مختلفة فإنه يصليها بتيمم ~~واحد كما قلناه في فرائض الأعيان، وحكي عن الشافعي أنه قال: ينظر فيها فإن ~~لم تكن الصلاة متعينة في حقه بل كانت فرض كفاية جاز له تأديتها بتيمم واحد؛ ~~لأنها كالنافلة في حقه، ولهذا فإنه يجوز له تركها، وإن تعينت عليه فله قولان: # أحدهما: لا يجوز لأنها قد صارت فرض عين فلا يجوز تأديتها بتيمم واحد. # وثانيهما: الجواز وهو المنصوص له حكاه (ابن الصباغ) في كتابه (الشامل) ~~وهو الصحيح على المذهب الذي اخترناه من جواز تأدية الفروض الكثيرة بتيمم وا ~~حد، فأما النوافل فمتفق على جواز تأديتها وإن كثرت بتيمم واحد لأن أمرها ~~على التخفيف وقد فسح الشرع في حالها بأن جوز أدائها على الراحلة وترك ~~القيام فيها مع القدرة عليه ms0655 بخلاف الفرائض. PageV02P166 # الفرع السابع: في حكم من نسي من صلوات اليوم والليلة وكان عادما للماء ~~وأراد أداءها بالتيمم أو كان زائدا على صلاة واحدة، وفي ذلك خمس صور نفصلها ~~بمعونة الله تعالى: # الصورة الأولى: أن يكون المنسي صلاة واحدة من خمس في يوم وليلة ولا ~~يعلمها بعينها فكم يلزمه من التيمم؟ فيه قولان: # القول الأول: أنه يلزمه تيمم واحد، وهذا هو الذي يأتي على رأي أئمة ~~العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأكثر أصحابه. # والحجة على ذلك: وهو الذي عليه التعويل لمذهب الشافعي، هو أن الفائت ليس ~~إلا صلاة واحدة فلا يجب أكثر من تيمم واحد لأن وجوب ما زاد على المنسية ~~إنما كان ليتوصل به إلى تأدية المنسية فهو كالتابع للمنسية، فلهذا لم يفتقر ~~إلى زيادة تيمم ينفرد به. # القول الثاني: أنه يفتقر إلى تيممات خمسة، وهذا هو المحكي عن بعض أصحاب ~~الشافعي. ووجهه: هو أن كل صلاة من الصلوات الخمس قد صارت فرضا فلهذا وجب ~~عليه تيممات خمسة. # والمختار: هو الأول، من أجل أن التيمم إنما يقصد من أجل الصلاة المؤداة، ~~والفائت ليس إلا واحدة فلا جرم لم يجب إلا تيمم واحد كما قررناه. # الصورة الثانية: إذا كان المنسي صلاتين مختلفتين من صلوات اليومين ~~والليلتين ولا يعرف أعيانهما فإذا أراد أداءها بالتيمم ففيه قولان أيضا: # فالقول الأول: أن يتيمم لكل صلاة كما قررناه من قبل، وهذا شيء يحكى عن ~~(الخضري) من أصحاب الشافعي. # والحجة له: ما ذكرناه أولا. PageV02P167 # القول الثاني: وهو الذي يأتي على رأي أئمة العترة وعليه التعويل لأكثر ~~أصحاب الشافعي وهو الذي ارتضاه (أبو بكر الحداد) وتقرير ذلك: هو أن الفائت ~~عليه فرضان مختلفان من يومين، وعليه ثماني صلوات مفروضات فإذا أراد الأخذ ~~باليقين فعليه أن يتيمم ويصلي الفجر والظهر والعصر والمغرب، ثم يتيمم مرة ~~ثانية فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء فإذا فعل ذلك فقد أدا ما عليه ~~باليقين والباقيات نوافل، فيكون قد صلى فرضين مختلفين بتيممين فعلى أي ~~تنزيل نزلت المنسيتان فإنه قد ms0656 أدى إحداهما بالتيمم الأول والثانية بالتيمم ~~الثاني، وهذا التقرير الذي لخصناه مبني على أصلين: # أحدهما: أن التيمم الواحد لا تؤدى به أكثر من فريضة واحدة. # وثانيهما: أن الصلاتين مختلفتان وعلى هذا يكون الأمر كما حققناه، ولا بد ~~من رعاية هذا الترتيب في تأدية الصلوات حتى يحصل تأدية المنسيتين بيقين، ~~فإن غير هذا الترتيب بأن صلى بالتيمم الأول الظهر والعصر والمغرب والعشاء ~~ثم صلى بالتيمم الثاني الصبح والظهر والعصر والمغرب لم يجز لاحتمال أن يكون ~~عليه العشاء مع الظهر أو مع العصر أو مع المغرب فلا تحصل للفائت بيقين. وقد ~~ذكر بعض أصحاب الشافعي أصلا في امتحان صحة هذه الطريقة، وهو أنك تضرب ~~المنسي في عدد المنسي منه ثم تزيد المنسي على ما صح لك من الضرب ثم تحفظ ~~مبلغ ذلك كله ثم إنك تضرب المنسي في نفسه فما بلغ من ضربه نزعته من الجملة ~~التي حفظتها، فما بقي من ذلك فهو عدد الصلوات التي يجب تأديتها وعدد التيمم ~~يكون على قدر عدد المنسي، مثال ذلك في مسئلتنا هذه أن تضرب اثنين وهما عدد ~~المنسي في خمسة وهو عدد المنسي منه فذلك يكون عشرة ثم تزيد عدد المنسي على ~~ذلك فيصير اثنى عشر ثم تضرب اثنين في اثنين وهو المنسي في نفسه فيصير أربعة ~~فإذا نزعت ذلك من اثني عشر بقي لك ثمانية وهي عدد ما تصلي بتيممين على قدر ~~المنسيتين. PageV02P168 # الصورة الثالثة: إذا كان المنسي ثلاث صلوات مختلفات من خمس صلوات، فعلى ~~القول الأول: يتيمم لكل صلاة كما مر تقريره، وعلى القول الثاني وهو المختار ~~للمذهب وعليه تعويل الأكثر من أصحاب الشافعي، فعلى هذا يتيمم أولا ثم يصلي ~~الفجر والظهر والعصر، ثم يتيمم ثانيا ويصلي الظهر والعصر والمغرب، ثم يتيمم ~~ثالثا فيصلي العصر والمغرب والعشاء، وإذا أردت امتحانه بتلك الطريقة فإنك ~~تضرب ثلاثة في خمسة فيكون خمسة عشر ثم تزيد عليها ثلاثة فذلك ثمانية عشر ثم ~~تضرب ثلاثة في ثلاثة فذلك يكون تسعة فتنزعه من ثمانية عشر فيبقى لك تسع ms0657 وهو ~~عدد ما تصلي بثلاثة تيممات. # الصورة الرابعة: أن يكون المنسي أربع صلوات مختلفات من صلاة يوم وليلة، ~~وذلك أن يتيمم ويصلي الصبح والظهر أولا ثم يتيمم ثانيا ويصلي الظهر والعصر ~~ثم يتيمم ثالثا فيصلي العصر والمغرب ثم يتيمم رابعا ويصلي المغرب والعشاء، ~~فإذا أردت امتحانه بما ذكرناه من تلك الطريقة فإنك تضرب أربعة في خمسة فذلك ~~عشرون ثم إنك تزيد عليه أربعة فيجتمع لك أربعة وعشرون ثم تضرب أربعة في ~~أربعة فذلك ستة عشر فتنزع ذلك من أربعة وعشرين فيبقى لك ثمانية وهو عدد ما ~~يصلى من الصلوات بأربعة تيممات هذا كله إذا كان الفائت صلاتين أو ثلاثا أو ~~أربعا مختلفات سواء كن من يوم وليلة أو من يومين وليلتين فهو يكون على ~~التقرير الذي لخصناه. # الصورة الخامسة: أن يكون المنسي صلاتين متفقتين بأن تكونا فجرين أو ظهرين ~~أو عصرين أو عشائين فإذا أراد التيمم لذلك ففيه قولان: # أحدهما: أن يتيمم عشرة تيممات على قدر الصلوات وهو المذكور عن بعض أصحاب ~~الشافعي. PageV02P169 # وثانيهما وهو المختار: وهو الذي عليه الأكثر من أصحاب الشافعي، هو أن ~~الفائت صلاتان متماثلتان فعلى هذا يتيمم أولا ثم يصلي أولا صلاة يوم وليلة ~~ثم يتيمم ثانيا ويصلي صلاة يوم وليلة، فإذا فعل ذلك فقد أدا ما عليه ~~باليقين، فإن شك هل هما متفقتان أو مختلفتان لزمه أن يأخذ بالأسد من حالهما ~~وهو أنهما متفقتان لأنه أغلظ حكما والتكليف شديد، وإن غلب على ظنه أحدهما ~~عمل عليه لأن لغلبة الظن مدخلا في الأمور العملية فلهذا وجب التعويل عليه، ~~فإذا لم تغلب على ظنه عمل على الأخذ بالأشق كما أشرنا إليه. # دقيقة: هذا كله ينزل على رأي من أوجب لكل فريضة من الصلوات تيمما ومنع من ~~تأدية الفروض الكثيرة بتيمم واحد، وهو الأكثر من أئمة العترة والشافعي فعلى ~~هذا يكون التيمم على مقدار الفائت واحدا واثنين وثلاثة وأربعة على ما ~~فصلنا، فأما على رأي الإمام الناصر وأبي حنيفة وهو المختار الذي قررناه ~~فإنه يكفي في ذلك تيمم ms0658 واحد سواء كان الفائت من الصلوات قليلا أو كثيرا، ~~ودليله قد مر فأغنى عن الإعادة. # الفرع الثامن: والسنن المضافة إلى الصلاة المفروضة نحو ركعتي الظهر ~~والفجر والمغرب، تؤدى بالتيمم المفعول للصلاة لأنها تابعة لها باتفاق ~~القائلين بأن التيمم لا يجوز أن يؤدى به أكثر من فريضة واحدة ولا يجوز أن ~~تؤدى به النوافل المستقلة؛ لأنها منفردة بنفسها فأشبهت الفرائض، فأما من ~~قال بأن التيمم يجوز أن يؤدى به أكثر من فريضة واحدة كما هو رأي الناصر ~~وأبي حنيفة [وهو] المختار عندنا: فإن النوافل يجوز أداءها به سواء كانت ~~تابعة أو مستقلة للدليل الذي أسلفناه، فأما الوتر فهل يجوز تأديته بالتيمم ~~المفعول للعشاء أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: الجواز وهذه هو رأي المؤيد بالله. # والحجة على ذلك: هو أن الوتر لا يخرج عن كونه سنة للعشاء وإن كان مؤكدا ~~فإذا جاز تأدية سنة الظهر بتيمم الفريضة فهكذا حال العشاء من غير تفرقة ~~بينهما. PageV02P170 # وثانيهما: أنه لا يجوز ذلك وهذا هو المحكي عن السيد أبي طالب. # والحجة على ذلك: هو أنها وإن كانت نافلة لكنها مستقلة بنفسها غير مضافة ~~فجرت مجرى الفرائض فلهذا كانت محتاجة إلى تيمم على حياله. # والمختار: تفريعا على رأي من زعم أن التيمم لا يؤدى به أكثر من فريضة ~~واحدة، أنها مخالفة للسنن المضافة لأمور ثلاثة: # أما أولا فلأنه قد وقع الخلاف في وجوبها بخلاف غيرها من سائر الرواتب. # وأما ثانيا: فلأنها مخالفة لها في العدد فإن الرواتب ثنائية وهذه ثلاثية. # وأما ثالثا: فلأجل عظم الإعتناء بحالها كانت على الرسول واجبة بخلاف غيره ~~فلما كانت مخالفة لسائر الرواتب في هذه الخصال لا جرم جرت مجرى الإستقلال ~~فلهذا احتاجت إلى تيمم آخر غير تيمم الفريضة، فأما من قال بجواز أداء ~~الفرائض الكثيرة بالتيمم الواحد فتأديتها أجوز لا محالة لأنه إذا جاز الفرض ~~جاز النفل كما مر بيانه. # الفرع التاسع: وإذا اجتنب الرجل ثم نسي جنابته في سفر كان أو حضر، فكان ~~يتيمم عند عدم الماء أو تعذر استعماله ويتوضأ ms0659 عند وجوده حتى أتى على ذلك ~~أيام ولم يذكر الجنابة فيها ثم ذكرها فاغتسل فإنه يعيد كل صلاة صلاها ~~بالوضوء ولا يعيد ما صلى بالتيمم. # والحجة على ذلك: هو أنه إذا كان ذاكرا للجنابة فإنه لا يلزمه أكثر من ~~التيمم فكذلك إذا كان ناسيا وليس كذلك حال الوضوء فإنه لو كان ذاكرا ~~للجنابة وجب عليه الاغتسال والوضوء جميعا، فيكون على هذا مخلا بشرط من ~~شرائط الصلاة في حال الوضوء وهو الاغتسال بخلاف التيمم فإنه لا يكون مخلا ~~بشيء من شرائطها فافترقا، هذا كله على رأي من أوجب عليه الإعادة مع نسيان ~~الجنابة فأما من لم يوجب عليه الإعادة مع النسيان فلا معنى للإعادة فيهما ~~جميعا، وسنذكر ما يوجب الإعادة وما لا يوجبها في الصلاة بمعونة الله ~~سبحانه. PageV02P171 # الفرع العاشر: والجنب إذا أراد فعل شيء من فعل العبادات المطلقة التي لا ~~وقت لها مقدر وعدم الماء وأراد التيمم لذلك نحو قراءة القرآن ودخول المسجد ~~فإنه يجب عليه أن يقدر ذلك من جهة أن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يستباح به ~~فعل ما كان محظورا عليه، وإذا كان الأمر فيه كما قلناه فلا بد فيه من ~~التقدير بتفرق الحال بين ما يكون رافعا للحدث وبين ما لا يكون رافعا له، ~~وتقدير ذلك يكون على وجهين: # أحدهما: أن يكون تقدير الفعل بالإضافة إليه في نفسه كأن ينوي استباحة جزء ~~من القرآن أو ربع أو نصف أو ثلث أو للبث في المسجد حتى يقضي سبحة الضحى أو ~~يصلي فيه ركعتين أو ركعات. # وثانيهما: أن يكون التقدير فيهما بالإضافة إلى الوقت فينوي اللبث في ~~المسجد حتى تطلع الشمس أو يقرأ القرآن حتى تزول الشمس أو تغيب فلا بد من ~~تقديره بما ذكرناه فإن لم يكن اللبث مقدرا بما ذكرناه، فهل يكون جائزا أم ~~لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أن ذلك غير جائز وهذا هو الذي يأتي على رأي من منع تأدية الفروض ~~الكثيرة بالتيمم الواحد. # والحجة على ذلك هي: أنه غير رافع للحدث، وإذا كان غير ms0660 رافع له كان قاصرا ~~فلأجل هذا وجب ما يستباح به مقدرا ليكون منحصرا. # قال الإمام القاسم بن إبراهيم: لا بأس للمتيمم أن يأخذ المصحف ويقرأ فيه ~~جزءا من القرآن، يعني به إذا تيمم لذلك، ولم يكن قد صلى بعد، فإن كان قد ~~صلى لم يجز له ذلك، وهذه إشارة إلى أن وجه المنع أنما كان من أجل كونه غير ~~رافع للحدث فمن أجل ذلك وجب قصره على أمر مقدر محدود لا يتجاوزه. # وثانيهما: أن ذلك جائز وهذا هو الذي يأتي على رأي من قال بجواز تأدية ~~الفروض الكثيرة والسنن بالتيمم الواحد كما هو رأي الناصر وهو قول أبي حنيفة ~~لأنه إذا جاز تأدية الفروض الكثيرة لم يكن منحصرا فلهذا جاز فيه ما ذكرناه. PageV02P172 # الفرع الحادي عشر: ومن حبس في موضع فلم يجد ماء ولا ترابا، أو وجد ترابا ~~نجسا، فهل يصلي على الحال التي هو عليها أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه تجب عليه الصلاة من غير ماء ولا تراب إذا كانا ~~متعذرين، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية لا يختلفون في ذلك ~~وهو محكي عن الشافعي وأبي يوسف. # قال الهادي في (الأحكام) و(المنتخب): ومن عدم الماء والتراب فإنه يصلي ~~على الحال التي هو عليها. # والحجة على ذلك: قوله تعالى:{أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ~~}[الإسراء:78]. وقال تعالى:{وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} ~~[هود:114]. وقوله تعالى:{إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ~~}[النساء:103]. فهذه الظواهر كلها دالة على وجوب تأدية الصلاة ولم يفصل بين ~~حالة وحالة، فيجب تناولها لما ذكرناه. # والحجة الثانية:ما روي عن الرسول أنه قال:((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما ~~استطعتم )) وما روي عن النبي أنه قال:((صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن ~~لم تستطع فعلى جنب تومئ إيماء)) ولم يفصل بين حال وحال فهذه الآيات ~~والأخبار كلها دالة على وجوب تأدية الصلاة على كل حال إلا ما خصته دلالة شرعية. # المذهب الثاني: أنه لا تجوز له الصلاة على هذه الحالة وهذا هو رأي ms0661 أبي ~~حنيفة ومحمد،ومحكي عن داؤد وطبقته من أهل الظاهر. # وعن مالك روايتان: # إحداهما:مثل مذهبنا. # والثانية:مثل رواية أبي حنيفة. # والحجة لهم على ذلك:هو أن هذه صلاة بغير طهارة فلا يكون مأمورا بها كصلاة ~~الحائض والنفساء. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة ويدل على ~~ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حجتين: PageV02P173 # الحجة الأولى: ما روي عن الرسول أنه أمر أسيد بن حضير (1) # وناسا معه في طلب قلادة أضلتها عائشة يوم المريسيع فلما حضرت الصلاة ولا ~~ماء معهم، فصلوا بغير طهارة فأتوا النبي فأخبروه بذلك فنزلت آية التيمم، ~~ولم ينكر عليهم الرسول ما فعلوه فدل ذلك على أنه هو المتوجه عليهم. # الحجة الثانية: قياسية، وهي أنه تطهير واجب فالعجز عنه لا يبيح ترك ~~الصلاة كما لو كان بعض أعضائه جريحا. # ووجه آخر: وهو أن الصلاة لا تسقط عن المكلف بتعذر شرط من شروطها كتعذر ~~ستر العورة وإزالة النجاسة وغيرهما من الشروط. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا:صلاة بغير طهارة فلا يكون مأمورا بها كصلاة الحائض. # قلنا:عن هذا جوابان: # أما أولا:فلأن حدث الحائض متصل ولانقطاعه غاية فلهذا لم تجز الصلاة منها ~~قبل انقطاعه. # وأما ثانيا:فهو أن التفرقة بينهما ظاهرة فإن الحائض ممنوعة من الصلاة ~~بدليل قوله:((دعي الصلاة أيام أقرائك)). بخلاف ما نحن فيه فإنه ليس ممنوعا ~~من الصلاة فافترقا. # قالوا: لو كان ما يأتي به صلاة لم يؤمر بإعادتها. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم كونه واجبا عليه الإعادة كما سنوضح القول فيه ~~بدليل قوله : ((لا ظهران في يوم )). # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا كونه مأمورا بالإعادة فهو منقوض بالحجة ~~الفاسدة، فإنه مأمور بإتمامها ومع ذلك فإنه تتوجه عليه الإعادة. PageV02P174 # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((لا يقبل الله صلاة من غير طهور )). # قلنا: إنا نقول بموجب الخبر، فإنا نقول: لا يقبل الله صلاة بغير طهور مع ~~التمكن منه فأما مع عدم البدل والمبدل منه فلا نتناوله، ولأن ظاهر الخبر ~~دال على أن الصلاة غير مقبولة ms0662 بالتيمم فإذا كان التيمم خارجا بدلالة فهكذا ~~يخرج من لا يجد ماء ولا ترابا بدلالة. # قالوا: ما يستباح بالبدل مرة وبالمبدل أخرى فلا يجوز استباحته مع عدمهما ~~كوطء المظاهر. # قلنا: التفرقة بينهما ظاهرة من وجهين: # أما أولا: فلأنه لا يوجد في شروط الوطء ما يستباح الوطئ مع عدمه، وفي ~~شروط الصلاة ما تستباح الصلاة مع عدمه وهذا نحو ستر العورة وإزالة النجاسة. # وأما ثانيا: فلأنه لو التبست امرأة بنساء وأمته بإماء، فإنه لا يحل له ~~الوطئ بخلاف الصلاة فإنه لو نسي صلاة من صلوات فإنه يجب عليه أن يصلي ~~جميعها، فقد افترقا فيما ذكرنا، وفي هذا دلالة على أن أحدهما لا يقاس على الآخر. # الفرع الثاني عشر: إذا قلنا بوجوب الصلاة عليه وهو على تلك الحالة فهل ~~توجه عليه الإعادة أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه إن تمكن من الماء والتراب في الوقت وجبت عليه الإعادة، وإن ~~فات الوقت وهو على حالة التعذر فلا إعادة عليه، وهذا هو رأي (الهادي) نص ~~عليه في (الجامعين) الأحكام والمنتخب. # والحجة له على ذلك هي: أنه إذا كان الوقت باقيا فالخطاب متوجه عليه ~~بتأدية الصلاة، وما صلى إنما كان بحكم الوقت لا غير، وأما إذا كان الوقت ~~فائتا فإنه لا يتوجه عليه القضاء لأن القضاء إنما يجب بخطاب جديد ولم تدل ~~دلالة على وجوب ما هذا حاله أصلا. # وثانيهما: أنه لا تتوجه عليه الإعادة على الإطلاق، وهذا هو رأي المؤيد ~~بالله والشافعي وهو محكي عن أبي يوسف. # والحجة على ذلك: قوله : ((لا ظهران في يوم )) فلو أوجبنا عليه الإعادة ~~لكان نقضا لهذا النص. PageV02P175 # والمختار: ما عول عليه الهادي لأنه مهما كان الوقت باقيا فالخطاب متوجه ~~فلهذا توجهت عليه الإعادة بخلاف ما لو كان الوقت ماضيا فإنه يضعف الحكم فلا ~~يكون مخاطبا وكيف لا وقد أدى الصلاة الواجبة عليه على حال هو معذور فيها ~~فأشبه ما لو أداها في حالة الصحة وعدم العذر، وإذا قلنا بأنه لا يصلي وتحرم ~~عليه الصلاة فهل يتوجه عليه القضاء ms0663 والإعادة أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه يجب عليه القضاء وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: قوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها )). ~~فإذا كان أداء الصلاة متوجها على النائم والناسي مع سقوط التكليف عنهما ~~فلأن يجب على من هذه حاله أحق وأولى، لأنه في الحكم كأنه قد تركها عامدا، ~~وإن كان معذورا في تركها. # وثانيهما:أنه لا تجب عليه الإعادة ولا القضاء، وهذا هو المحكي عن داؤد ~~وطبقته من أهل الظاهر. # والحجة لهم على ذلك: هو أنه لما كانت الصلاة من غير طهارة باطلة غير ~~مجزية فلما كان معذورا في ترك الطهارة لا جرم لم يكن مخاطبا بالصلاة، فلما ~~بطل خطابه بها لم تجب الإعادة ولا القضاء لأنهما إنما يجبان على من توجه ~~عليه الخطاب بالصلاة، وهي غير متوجهة كما قررناه. # هذا كله تفريع على رأي من منع من تأدية الصلاة لمن هذه حاله، ونحن قد ~~أبطلنا هذه المقالة فأغنى عن إبطال ما تفرع عليها والله أعلم. # الفرع الثالث عشر: وإن انقطع دم الحائض والنفساء ولم تجد ماء ولا ترابا ~~فحكمهما في الصلاة حكم غيرهما في وجوب الصلاة عليهما أو منعهما عنها وفي ~~وجوب الإعادة والقضاء كما مر بيانه من قبل. وهل يجوز وطئها أم لا؟ # أحدهما: أنه لا يجوز الوطئ لقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا ~~تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله}[البقرة:222] فشرط في جواز الإتيان الطهارة ~~والتطهر ولم يفصل هناك بين حالة وحالة. PageV02P176 # وثانيهما: جواز ذلك لأنه إذا جازت الصلاة جاز الوطئ لأن المانع من أحدهما ~~مانع من الآخر والمبيح لأحدهما هو المبيح للآخر فلما أوجبنا عليه الصلاة ~~على هذه الحالة ابحنا له الوطء من غير تفرقة بينهما. ويمكن نصرة الوجه ~~الأول: بأنها لم تأت في رفع حدثها بأصل ولا بدل، فلهذا لم يبح له الوطء، ~~ويمكن نصرة الوجه الثاني وهو الأقوى: بأن الأصل من الماء والبدل من التراب ~~إنما يؤمر بهما إذا كانا ممكنين فأما إذا تعذرا فلا وجه للأمر ms0664 بهما، والأصل ~~هو الإباحة للوطء في حق الأزواج إلا لمانع، ورفع المانع إنما يكون متوجها ~~مع الإمكان فلهذا جاز الوطء لها لا محالة من أجل احفاز(1) # حاجة الزوج. فهذا ما أردنا ذكره في صفة التراب الميمم به وما يستباح به ~~من العبادات المؤقتة والمطلقة والله الموفق للصواب. PageV02P177 # --- ### ||| AUTO الفصل الثالث في بيان وقته وكيفيته ### ||| AUTO وقت التيمم # أما وقته: فاعلم أن الصلاة التي يجب من أجلها التيمم لا يخلو حالها إما ~~أن تكون مؤداة أو مقضية، فإن كانت مؤداة فالواجب على المكلف بها أن يتحرى ~~وقتا يغلب على ظنه أنه إذا تيمم وصلى صلاة الظهر لم يبق من غروب الشمس إلا ~~ما يتسع لصلاة العصر وتيممها، وإذا أراد أن يصلي العصر فإنه يتحرى مرة أخرى ~~وقتا يغلب على ظنه أنه يصادف فراغه منها غروب الشمس، ثم إذا أراد أن يصلي ~~المغرب فإنه يتحرى وقتا يغلب على ظنه أنه إذا تيمم وصلى لم يبق من الوقت ~~إلى طلوع الفجر إلا ما يتسع لصلاة العشاء الآخرة وتيممها، وإذا أراد أن ~~يصلي العشاء الآخرة فإنه يتحرى وقتا يغلب على ظنه أنه يصادف طلوع الفجر عند ~~الفراغ منها، فإذا أراد أن يصلي الفجر فإنه يتحرى وقتا يغلب على ظنه أنه ~~يصادف فراغه منها طلوع الشمس. # وإن كانت الصلاة مقضية نحو أن تكون عليه صلوات عدة وأراد قضائها بالتيمم ~~فإنه يتحرى وقتا يغلب على ظنه أنه إذا تيمم وصلى الصلوات المقضية لم يبق من ~~الوقت إلا ما يتسع للصلاة المؤداة وتيممها. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول منها: هل يجوز التيمم للصلاة المؤداة قبل دخول الوقت أم لا؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يجوز التيمم للصلاة المفروضة قبل دخول وقتها وهذا ~~هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية والهارونية لا يختلفون في ذلك، وهو ~~محكي عن الشافعي ومالك وداؤد من أهل الظاهر وروي عن أحمد بن حنبل. # والحجة على ذلك: هو أنها طهارة ضرورية سبقت وقت الفريضة فأشهبت طهارة ~~المستحاضة للطهر قبل دخول وقته. # المذهب ms0665 الثاني: أن ذلك جائز وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنها طهارة فجاز أن تكون متقدمة على وقت الصلاة ~~كالوضوء. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من امتناع التيمم قبل ~~دخول وقت الصلاة. # والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم، ونزيد ههنا حجتين: PageV02P178 # الحجة الأولى: قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا " } إلى قوله: ~~{فتيمموا صعيدا طيبا}[المائدة:6]. # ووجه الحجة من الآية: هو أن الله تعالى أجاز التيمم للقائم إلى الصلاة، ~~وإنما يصح القيام إليها بعد دخول وقتها وأما الطهارة بالماء فظاهر الآية ~~دال على أنه غير جائز قبل دخول الوقت لكنا تركنا هذا الظاهر للسنة والإجماع ~~وبقي التيمم على ظاهر الآية في المنع من ذلك. # الحجة الثانية: قياسية، وهو أنه تيمم لصلاة في وقت هو مستغن عن التيمم ~~فيه فلم يكن صحيحا ولا منعقدا كما لو تيمم مع وجود الماء. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # قالوا: طهارة فجاز تقدمها على الوقت كالوضوء. # قلنا: عن هذا جوبان: # أما أولا: فلأن الوضوء طهارة كاملة تفعل على جهة الرفاهية، والتيمم طهارة ~~ناقصة ضرورية فلأجل هذا جاز الوضوء في كل وقت بخلاف التيمم، وإنما قلنا ~~أنها ضرورية فلأنها لا تجوز إلا عند عدم الماء أو تعذر استعماله ولا تجوز ~~من غير ضرورة كأكل الميتة. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل أنها طهارة رافعة للحدث بخلاف التيمم ~~فإنه غير رافع الحدث فلأجل هذا لم يجز قبل دخول وقت الصلاة. # قالوا: أوجب الله الطهارة بالماء على كل من قام إلى الصلاة محدثا، فإن لم ~~يكن واجدا للماء فإنه يتيمم، في قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~" } إلى قوله: {فتيمموا صعيدا طيبا}[المائدة:6] وهما طهارتان فإذا جاز فعل ~~طهارة الماء قبل دخول الوقت جاز في الثانية لاستوائهما جميعا في كونهما ~~مفعولين للصلاة وهذا هو مقصودنا. PageV02P179 # قلنا: تعويلكم في الدلالة هل كان على ظاهر الآية أو على القياس؟ فإن كان ~~مأخوذا من ظاهرها فهو فاسد لأنه يكون حجة لنا من جهة أن ظاهرها ms0666 يقضي بأن لا ~~يجب القيام إلى الصلاة إلا حين وقتها فبقي التيمم على الأصل وخرج الوضوء ~~بالدلالة كما مر بيانه، وإن كان مأخوذا من جهة القياس فهو باطل أيضا بجامع ~~كونهما طهارتين فإن التفرقة بينهما ظاهرة من جهة أن الوضوء يرفع الحدث ~~بخلاف التيمم فإنه غير رافع له فلهذا بطل فعله في غير وقت الصلاة. # الفرع الثاني: إذا كان الفعل للتيمم لا يجوز إلا بعد دخول وقتها، فهل ~~يجوز فعله في أول الوقت أو لا يفعل إلا في آخره؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يجوز فعله إلا في آخر وقت الصلاة، وهذا هو رأي أئمة ~~العترة القاسمية والناصرية وهو رأي السادة الهارونيين المؤيد بالله وأبي ~~طالب وأبي العباس، وهو محكي عن الحسن البصري وعطاء وابن سيرين. # والحجة على ذلك:قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا " } ثم قال: ~~{فتيمموا صعيدا طيبا}[المائدة:6]. # ووجه تقرير الدلالة من الآية، هو أن الله تعالى أمر بالوضوء للواجد ثم ~~بالتيمم للعادم بدلا منه، وقد تقرر أن الأمر إذا ورد بشيء على طريقة البدل ~~لأجل العجز عن مبدله فالعدول عنه إلى البدل لا يجوز إلا عند اليأس منه، ~~وهذا لا يكون إلا عند تضيق الوقت وخشية فوت الفرض فلأجل ذلك وجب أن يكون في ~~آخر الوقت. # الحجة الثانية: قياسية، وهو أن التيمم بدل لا قربة في الجمع بينه وبين ~~المبدل فوجب أن لا يجوز الإنتقال إليه إلا بعد اليأس من المبدل كالمعتدة ~~بالأشهر. # وقولنا: لا قربة في الجمع بينه وبين المبدل، نحترز به عن الكفارات فإنها ~~وإن كان كل واحد منها بدلا عن الأخر لكن القربة شاملة لها أجمع فلهذا جاز ~~الإتيان بكل واحد منها مع القدرة على الآخر وإمكانه. PageV02P180 # المذهب الثاني: أنه لا يجب تأخيره إلى آخر الوقت، وهذا هو قول الفريقين من ~~الحنفية والشافعية. # والحجة على ذلك: قوله تعالى في آية الوضوء: {إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا}. ثم قال: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}[المائدة:6]. والخطاب بهما واحد ~~فإذا جاز أن تكون الطهارة بالماء في أول ms0667 الوقت جاز ذلك في طهارة التيمم ~~لأنهما مستويتان في تأدية الصلاة فيجب استواؤهما في جواز تأديتها بهما في ~~أول وقتها وهذا هو مطلوبنا. # الحجة الثانية: قياسية. وهو أنها طهارة تراد من أجل الصلاة أو طهارة ~~موجبها في غير محل موجبها فجاز فعلها في أول الوقت كالطهارة بالماء. # وقولنا: موجبها في غير محل موجبها نحترز به عن طهارة النجاسة فإنها لا ~~توقيت فيها. # والمختار: جواز فعل التيمم في أول الوقت كما هو رأي الفقهاء، ويدل على ~~ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد ههنا حججا ثلاثا: # الحجة الأولى:قوله تعالى:{أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " ~~}[الإسراء:78]. # ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى أمرنا بإقامة الصلاة عند زوال ~~الشمس الذي هو الدلوك ولم يفصل هناك بين من يكون متطهرا بالماء أو متطهرا ~~بالتراب، فيجب حمل الآية على صلاحية الوقت كله من أوله إلى آخره للأداء ~~للمتيمم والمتوضي. # الحجة الثانية: قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا}[النساء:103]. # ووجه تقرير الدلالة من هذه الآية: هو أن الآية مصرحة على كونها مكتوبة أي ~~مفروضة وأنها مؤقتة أيضا بأوقات مخصوصة وقد دل الشرع على أن تلك الأوقات ~~موسعة ومضيقة ولها أول وآخر ولم يفصل هناك بين ما يكون من الصلاة مؤدى ~~بالماء وبين ما يكون مؤدى بالتيمم، فيجب القضاء بكونها شاملة للأمرين في ~~صحة تأديتهما جميعا بالتيمم والوضوء في أول الوقت إذ لا وجه للتخصيص من غير دلالة. PageV02P181 # الحجة الثالثة: هو ما ورد من الأخبار النبوية في التيمم كقوله : ((التراب ~~طهور المؤمن حتى يجد الماء " )). وقوله : ((الصعيد الطيب وضوء المؤمن ما لم ~~يجد الماء " )). وقوله : ((التراب كافيك ولو إلى عشر حجج)) إلى غير ذلك من ~~الأخبار الواردة في التيمم. # ووجه تقرير الدلالة منها: أنها وردت مطلقة في صحة تأدية الصلاة عند عدم ~~الماء بالتراب ولم تفصل بين أول الوقت وآخره، وفي هذا دلالة على جواز ~~التأدية بالتيمم في أول الوقت وآخره، ثم نقول: طهارة تقصد للصلاة، فكان أول ~~الوقت كآخره في جواز فعلها كالوضوء، ms0668 ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: أنه لو كان ~~الأمر كما زعموه من أن التيمم طهارة بدلية فلا يجوز الإتيان بها إلا بعد ~~اليأس من المبدل منه لوجب في حق العليل الذي لا يرجو زوال علته أن يتيمم في ~~أول الوقت لأنه حال الإياس(1) فهذا يبطل ما قالوه من تعليل التأخير باليأس ~~فإذا جاز التقديم للآيس من البرء جاز في العادم للماء، إذ لا قائل بالتفرقة ~~بينهما. # لا يقال: إنما ذكرتموه من جواز تقديم الفرض للعليل الأيس من البرء يكون ~~مخالفا لما انعقد عليه الإجماع من العترة على وجوب التأخير لمن هذه حاله ~~فيجب رده. # لأنا نقول: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنه لا نص لأئمة العترة فيما ذكرناه فلا يعقل إجماعهم فيما ~~لم يخوضوا فيه لأنه لا ينسب إلى ساكت قول فلا وجه لدعوى الإجماع. PageV02P182 # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا وقوع الإجماع منهم، لكنه منقول بالآحاد فلا يكون ~~قاطعا. والمسألة لا شك في كونها اجتهادية، وإ نما يجب إخراجها عن الاجتهاد ~~إذا كان الإجماع منقولا بالتواتر لأنا قد قررنا في الكتب الأصولية كونه ~~قاطعا بالبراهين الشرعية وإنما يكون محرما للإجتهاد بهذه الشريطة. # فحصل من مجموع ما ذكرناه: جواز تقديم الفرض في أول وقته بالتيمم في كل ~~أحواله. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالف هذه القاعدة. # قالوا: الآية في الوضوء دالة بظاهرها على وجوب الوضوء وبإيجاب التيمم على ~~جهة البدلية وما كان بدلا فلن يكون إلا عند الإياس من المبدل منه والإياس ~~لا يتحقق إلا في آخر الوقت. # قلنا: الآية دالة بظاهرها وملفوظها على جواز تقديم الصلاة المفروضة ~~المؤداة بالتيمم في أول وقتها وهي دالة بمفهومها ومعناها على وجوب تأخيرها ~~إلى آخر وقتها، فحاصل الأمر أن ظاهرها ومعناها المقتبس منها متعارضان ~~لكنهما إذا كانا متعارضين فالعمل على ما يحصل من ظاهرها أرجح لأمرين: # أما أولا: فلأن ظاهر الآية مقبول معمول عليه باتفاق المسلمين بخلاف ~~المعاني القياسية فإنه مختلف في قبولها فمنهم من قبلها ومنهم من ردها، ~~والعمل على ما كان متفقا عليه أولى ms0669 مما كان مختلفا فيه. # وأما ثانيا: فلأن المعاني القياسية يظهر فيها من الاحتمال ما لا يعرض في ~~الظواهر وما كان احتماله قليلا فهو أرجح بما كان احتماله كثيرا، فلأجل هذا ~~كان العمل على الحاصل من ظاهر الآية، وهو أن جواز التقديم اولى من العمل ~~على ما يحصل من معنى الآية وهو وجوب التأخير. # قالوا: التيمم بدل لا قربة في الجمع بينه وبين المبدل منه، فيجب ألا يجب ~~الإنتقال إلى المبدل منه إلا بعد اليأس من البدل كالإعتداد بالأشهر. # قلنا:عن هذا جوابان: PageV02P183 # أما أولا: فلأنا نسلم أن التيمم بدل وأن البدل لا يجوز فعله إلا بعد الإياس ~~من المبدل منه، ولكنا نقول قد حصل الإياس في أول الوقت فإنا لا نعني ~~بالإياس إلا أنه يغلب على الظن تعذر الماء في هذه الساعة وتعذر استعمال ~~الماء وهذا حاصل في أول الوقت فلا جرم جاز فعله في أول الوقت. # وأما ثانيا: فلأنه إذا حصل الإياس في آخر الوقت، أليس لا بد من فعل ~~الصلاة؟ فلا بد من بلى، وإذا كان الأمر هكذا فما قلتموه في آخر الوقت من ~~حصول الإياس بغلبة الظن فهو مقالتنا في أول الوقت من غير تفرقة بينهما خاصة ~~مع أن الظواهر الشرعية دالة على استحباب تأدية الصلاة في أول وقتها فإنه هو ~~الأفضل والأولى، ولم تفصل تلك الأدلة بين أن تكون الصلاة مؤداة بالوضوء أو ~~بالتيمم. # لا يقال: ولا سواء فإن في آخر الوقت قد حصل الإياس المحقق بحيث لو لم تؤد ~~الصلاة كانت فائتة بخروج وقتها بخلاف أول الوقت فإنه ما من وقت إلا ويمكن ~~برء العلة ووجود الماء[فيه] فلهذا لم يجز تأديتها في أول وقتها لما ذكرناه، ~~لأنا نقول هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فما برهانكم على أن الإياس إنما يكون بحيث لو لم تؤد الصلاة ~~وإلا فاتت، ولم لا يجوز أن يكون الإياس هو غلبة الظن على عدم [وجود] الماء ~~في الوقت وتعذر استعماله في الوقت وهذا كاف في جواز استعمال التيمم من غير ~~حاجة إلى ms0670 ما ذكروه لأنه لم تدل عليه دلالة شرعية. # وأما ثانيا: فكان يلزم علىتعليلكم هذا أنه إذا يئس من برء علته أو كان ~~يعلم أنه لا يجد الماء في آخر الوقت أنه يجوز له التقديم في أول الوقت ~~وأنتم لا تقولون به، فبطل ما قلتموه من التعليل. # قالوا: طهارة فلا يجوز أداؤها إلا في حال الضرورة كطهارة المستحاضة. # قلنا: نقلب هذا القياس عليهم، ونقول: طهارة فيجوز أداؤها في أول الوقت، ~~دليله: طهارة المستحاضة. # ومن وجه آخر: وهو أن طهارة المستحاضة طهارة أصلية وهذه طهارة بدلية على ~~زعمكم فلا يجوز قياس أحدهما على الآخر. PageV02P184 # قالوا: عبادة بدنية أبيحت لأجل الضرورة فلا يجوز فعلها إلا بعد الضرورة ~~كصلاة المريض. # قلنا: وهذا يبطل أيضا بالقلب المصرح به، فإنا نقول: عبادة بدنية فيجوز ~~أدائها في الأول من أوقاتها، دليله: صلاة المريض، وإنما كان قلبنا هذا قلبا ~~مصرحا به من جهة أنه تحصيل للمراد من ظاهره وما ذكروه من القياس ليس فيه ~~تصريح بالمراد. # قالوا:عبادة أبيحت للمعذور على وجه الرخصة وما أبيح على وجه الرخصة فلا ~~يجوز فعله إلا عند الضرورة كأكل الميتة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فمن جهة الفرق، وهو أن ما نحن فيه عبادة مؤقتة، وما قالوه ليس ~~من جهة العبادة فضلا عن أن يكون مؤقتا أو مطلقا. # وأما ثانيا: فلأنا نقول بموجب ما قالوه ونستمر على الخلاف فإن الضرورة في ~~حق المتيمم هي عدم الماء وهذا حاصل في أول الوقت فلهذا جاز تأديته في أوله، ~~والضرورة في حق الجائع إنما هو تدارك حشاشة نفسه عن التلف فقد قلنا بموجب ~~قياسكم مع استمرارنا على الخلاف، وهذا يبطل ما قررتموه من القياس. # قالوا: ولأنه تيمم في حال استغنائه عنه فلا يجوز كما إذا تيمم مع وجود الماء. # قلنا: ما تريدون بقولكم: في حال استغنائه عنه؟ هل تعنون به أنه واجد ~~للماء؟ فهذا لا نقول به وهو باطل فإن الإجماع منعقد على فساد التيمم مع ~~وجود الماء، أو تعنون به أنه يمكنه التيمم في ms0671 آخر الوقت فلا حاجة به إلى ~~إيقاعه في أوله؟ فهذا هو الذي وقع فيه النزاع، فلم منعتم منه وما حملكم على ~~منعه؟ ولو سلمناه لكان أول المسألة، وكيف وفيه إحراز فضيلة الوقت، أو تعنون ~~به معنى آخر فاذكروه حتى نتكلم عليه. # قالوا: روي عن أمير المؤمنين أنه قال: ((يتلوم الجنب إلى أخر الوقت " ، ~~فإن وجد الماء وإلا تيمم وصلى))(1) # فكلامه هذا دال على إيجاب التأخير على من فرضه التيمم والباب باب عبادة ~~فلا يقوله إلا من جهة التوقيف من جهة الرسول . # قلنا: عن هذا جوابان: PageV02P185 # أما أولا: فلأنه ليس في كلام أمير المؤمنين ما يدل على إيجاب التأخير فلا ~~يكون لكم في ظاهره دلالة أصلا. # وأما ثانيا: فلأنا نحمل كلامه على من غلب على ظنه وجود الماء في آخر ~~الوقت فلهذا استحب له التأخير ليكون محرزا لفضيلة الصلاة بالطهارة بالماء. # ومن وجه آخر: وهو أنه لم يقل ما قاله نقلا عن الرسول إذ لم يصرح بالنقل ~~عن الرسول فيلزمنا قبوله وإنما ظاهره أنه رأيه، والمسألة اجتهادية، الأراء ~~فيها كلها صائبة فيكون لنفسه ولا يلزم غيره. # قوله: إلا أن يغلب على ظنه وضوح دليله فيتبعه للدليل الشرعي لا من أجل ~~مقالته، ولهم أقيسة غير هذه أعرضنا عنها لقلة جدواها ومن أحاط علما بما ~~ذكرناه هان عليه الجواب عنها والله الموفق. # الفرع الثالث: وإذا قلنا بجواز التيمم للفريضة في أول الوقت، فهل الأفضل ~~أن يقدم الصلاة بالتيمم أو يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها؟ فيه ثلاث حالات: # الحالة الأولى: أن يكون على يقين من وجود الماء في آخر الوقت، فمن هذه ~~حاله فالأفضل له أن يؤخر الصلاة ليصليها بالوضوء في آخر وقتها. # ووجه ذلك: هو أن الصلاة في أول الوقت فضيلة قد دل عليها الشرع بقوله: ~~((من أداها في أول وقتها فكأنما أهدى بدنة " ))(1) والطهارة بالماء فريضة ~~لقوله : ((لا صلاة إلا بطهور " )). فلهذا كان مراعاة إحراز الفريضة أحق من ~~مراعاة إحراز الفضيلة. # الحالة الثانية: أن يكون على يأس من وجود الماء بيقين فمن ms0672 هذه حاله ~~فتقديم الصلاة بالتيمم أفضل من جهة أن الظاهر من حاله أنه لا يجد الماء، ~~وإذا كان الأمر فيه كما قلناه فإنه إذا صلى بالتيمم في أول الوقت كان محرزا ~~لفضيلة الوقت، وإذا صلاها في آخر وقتها بالتيمم كان قد فاته فضل الوقت وهو ~~في كلتا الحالتين مصل بالتيمم كما فرضناه. # الحالة الثالثة: أن يكون راجيا من غير يقين، فمن هذه حاله ففيه وجهان: PageV02P186 # أحدهما: أن التأخير أفضل له من جهة أن مراعاة الفريضة وهي الطهارة بالماء، ~~أحق من مراعاة الفضيلة وهي الصلاة في أول الوقت. # وثانيهما: وهو الأقرب، أن تقديم الصلاة في أول الوقت بالتيمم أفضل، من ~~جهة أنها فضيلة متيقنة فلا يتركها لأمر مشكوك[فيه] وهو إحراز الفريضة ~~بالماء لأنه ليس على يقين من وجوده. # فإن خاف فوات الجماعة لو أسبغ الوضوء، فأيهما أحق بالإيثار؟ والأقرب إن ~~إدراك الجماعة في الصلاة أولى من الإحتباس لإسباغ الوضوء وإكماله لأنهما ~~وإن كانا جميعا مستحبين لكن فضيلة الجماعة آكد في الاستحباب لا محالة لما ~~ورد فيها من التآكيد. العظيمة. # وإن حضر العشاء والصلاة فالأفضل تقديم الصلاة لأن المباح لا يساوي الأمور ~~الواجبة والمستحبة، ولا شك أن تأدية الصلاة في أول وقتها من الأمور ~~المؤكدة، وما روي عن الرسول من قوله: ((إذا حضر العشاء والعشاء فابدؤا ~~بالعشاء " ))(1) # فإنه محمول على الجوع المشوش للخشوع في الصلاة. فلهذا كان إيثاره أفضل، ~~فأما إذا كان الحال مستقيما فتقديم الصلاة أفضل لما ذكرناه. # الفرع الرابع: على رأي من أوجب تأخير الصلاة بالتيمم إلى آخر وقتها. # قال الهادي في الأحكام: وقت التيمم إذا كان في ليل لمغربه وعشائه قبل ~~طلوع الفجر أو في النهار فلظهره وعصره قبل غروب الشمس(2). # قال أبو العباس: ليس للصلاة بالتيمم إلا وقت واحد سواء كانت الصلاة مؤداة ~~أو مقضية فمن انتهى في آخر النهار إلى آخر وقت يكون الظهر مستحقا فيه فإن ~~وقت العصر بالتيمم لا يكون قد دخل. قال الهادي: التيمم لا يجوز إلا في آخر ~~الوقت. وهذا الكلام له تفسيران: ms0673 # التفسير الأول منهما: أنه لا يجوز إلا في آخر النهار للظهر والعصر وأنه ~~لا يجوز إلا في آخر الليل للمغرب والعشاء. # التفسير الثاني: أن المراد منه آخر وقت الصلاة لغير المتيمم. PageV02P187 # وهذان التفسيران متقاربان يؤديان فائدة واحدة، ومقصودهما أمر واحد وهو أن ~~الصلاة بالتيمم ليست كالصلاة المؤداة بالوضوء، فإن الصلاة بالوضوء لها أول ~~وآخر وفيها التوسيع والتضييق والكراهة والفضيلة كما سنوضحه في الأوقات ~~المشروعة للصلاة بمعونة الله تعالى، بخلاف الصلاة المؤداة بالتيمم فإنه ليس ~~لها هذه الأحوال وإنما تكون مؤداة في آخر وقتها بحيث لو أديت قبل ذلك لم ~~تكن مجزية. وهكذا لو كانت مقضية فإنه ليس لها إلا وقت واحد وهو أن تفعل قبل ~~الصلاة المؤداة، والتفسير الأول أدل على المقصود من التفسير الثاني لأن ~~الأول اعتبار بوقت الصلاة نفسها، والثاني اعتبار بوقت غيرها وهي المؤداة ~~بالوضوء. # قال أبو العباس: إذا توخا آخر الوقت ثم تيمم وصلى فإن صادف فراغه منها ~~بقية من الوقت اجزأه ذلك التيمم ولم تلزمه الإعادة إذا لم يجد الماء وإنما ~~لم تلزم الإعادة لأمرين: # أما أولا: فلأنه مأمور بطلب آخر الوقت على التحري وغالب الظن دون اليقين ~~إذ لا يكلف ما ليس في طوقه ووسعه. # وأما ثانيا: فلأنا لو أمرناه بالإعادة لم تكن تأدية المعاد إلا بتحر آخر، ~~والاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله إذ لا مزية لأحدهما على الآخر وإنما ينقض ~~الاجتهاد بالقطع كالنص إذا صادف الاجتهاد، وكالخبر إذا صادف القياس ~~المظنون، فأما نقض مظنون بمثله مظنون فلا وجه له وهذا الذي قررناه من بطلان ~~لزوم الإعادة إذا صادف المؤدي بالتيمم بقية من الوقت، هو قول الهادي ~~والناصر والمؤيد بالله وغيرهم من أئمة العترة ممن أوجب تأخير الصلاة ~~بالتيمم. # الفرع الخامس:اعلم أن كل ما يؤدى بالتيمم من العبادات فهو ضربان: PageV02P188 # فالضرب الأول منهما:عبادات مؤقتة بأوقات وهذا نحو الصلوات الخمس في اليوم ~~والليلة، ويجب تأديتها به في آخر وقتها كما قررناه من قبل ليلا كانت أو ~~نهارا، ونحو صلاة الجمعة إذا كانت مؤداة من جهة ms0674 الإمام والمؤتمين بالتيمم ~~فإن وقتها في آخر الوقت للظهر في غير الجمعة وهو عند أن يصير ظل كل شيء ~~مثله وهو أول وقت الإختيار للعصر وبعد ذلك فإنه ليس وقتا لها بحال كما ~~سنوضحه في صلاة الجمعة بمعونة الله تعالى. # فإن كان الإمام متوضئا والمؤتمون عادمون للماء فإنهم يتيممون للجمعة مع ~~الإمام لقوله تعالى:{إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله " ~~}[الجمعة:9] ولم يفصل بين من كان متيمما ومن كان متوضئا. وقوله : ((إن الله ~~فرض عليكم الجمعة " في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا))(1). وهو متناول ~~للمتيمم والمتوضي جميعا من غير تفرقة بينهما ولا يجوز لهم تأخيرها مخافة أن ~~يفوت عليهم فرضها لأن خشية الفوات لصلاة الجمعة تتيح أداؤها بالتيمم ~~كالمنفرد في آخر الوقت فإنه لما خشي فوات الصلاة أبيح له التيمم، وهذا يأتي ~~كالناقض لما ذهب إليه الهادي من إيجاب التأخير فيما كان مؤدى من العبادات ~~المؤقتة بالتيمم لأنه قد أوجب تقديم الصلاة للمتيمم في صلاة الجمعة إذا كان ~~الإمام متوضئا والمؤتمون متيممون. PageV02P189 # ولقد كان يمكنه الجري على ما أصله من هذه القاعدة بأن يقول ببطلان الجمعة ~~ويأتون بها ظهرا لأن الجمعة بدل منها من غير حاجة إلى نقض هذه القاعدة. كما ~~أن الإمام إذا كان متيمما وهم متوضئون فلا جمعة للإمام لأنه لا يرى إئتمام ~~المتوضئ بالمتيمم لنقصان حاله ولا جمعة لهم أيضا على رأيه لأن الإمام شرط ~~في الجمعة كما نوضحه من مذهبه، فهذا ملخص ما ذكره أبو العباس تخريجا على ~~رأي الهادي، ولعمري إنه تخريج مخالف لنصوصه على هذه القاعدة وقد ذكر أبو ~~العباس في التحرير هذه المسألة، وحاصل كلامه: أنه ليس لهم التيمم في أول ~~الوقت بل تأخيرها حتى يؤدوها ظهرا لأنها بدل من الجمعة وهذا جيد لا عثار ~~عليه جار على منهاج أصول مذهبه وقواعده، وهكذا القول في صلاة العيدين فإنها ~~تؤدى في آخر وقتها بالتيمم فتؤدى في يوم العيدين قبل الزوال بما يتسع ~~لركعتين لأن ذلك هو آخر وقتها ms0675 في الأداء، هذا كله على رأي من يوجب التأخير ~~في الصلاة المؤداة، فأما من لا يوجب التأخير كما هو المختار عندنا، فإنه ~~يجوز تأدية هذه الصلوات المؤقتة في أول الوقت وآخره كما يؤديها بالماء من ~~غير تفرقة بينهما للدليل الذي لخصناه. # الضرب الثاني: عبادات غير موقتة، وهذا نحو صلاة الجنازة والكسوفين ونحو ~~قراءة القرآن ودخول المسجد وغير ذلك من الأمور التي تفعل بالتيمم عند عدم ~~الماء فإنه لا يراعى في فعلها إلا وجود أسبابها من غير التفات إلى وقت هناك ~~إذ لا وقت من جهة الشرع كما كان للضرب الأول. # الفرع السادس: وإذا تيمم الرجل لفريضة ثم فات وقتها قبل فراغه منها قبل ~~أن يتيمم لصلاة العصر فلم يفرغ منها حتى دخل وقت المغرب أو تيمم لصلاة ~~العشاء فلم يفرغ منها حتى طلع الفجر، وهكذا القول في سائر الصلوات فهل يبطل ~~تيممه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن تيممه ينتقض وصلاته تبطل بفوات وقتها وهذا هو رأي ~~القاسمية والهارونية من أئمة العترة وهو رأي الشافعي. PageV02P190 # والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله مبني على أن التيمم لا يجوز أن يؤدى به ~~أكثر من فريضة، وإذا كان الأمر كما قلنا فإنه إذا فات وقت الصلاة بطلت ~~الصلاة لبطلان وقتها وبطل التيمم لأنه إنما عقد للفريضة المؤداة وبعد فوات ~~الوقت لا يجوز أداؤها به لأنها صارت مقضية والتيمم للقضاء مخالف للتيمم ~~للأداء فلأجل هذا وجب ما ذكرناه. # المذهب الثاني: أنه لا ينتقض تيممه، وهذا هو الذي يأتي على رأي الناصر ~~وأبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو أن من مذهبهما جواز التأدية بالتيمم أكثر من فريضة ~~واحدة فإذا فات الوقت وهو غير واجد للماء فإنه يجوز أن يؤدي به الفائتة ~~وعلى هذا إذا تيمم للعصر فلم يفرغ منها حتى دخل وقت المغرب جاز أن يؤدي به ~~المغرب لأن من مذهبهما أنه لا ينتقض إلا بوجود الماء أو غيره من النواقض، ~~وقد قررنا وجه الحجة لهذا المذهب واخترناه فأغنى عن الإعادة، وهل ms0676 تبطل تلك ~~الصلاة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها تكون باطلة كما حكيناه من مذهب الهادي خرجه على أصله بعض ~~فقهاء المذهب(1)، # من جهة أن الوقت شرط في آخر الصلاة فلما فات والمصلي لم يفرغ منها لا جرم ~~كانت باطلة لبطلان شرطها كما لو بطلت طهارته وهو في صلاته أو انكشفت عورته فيها. # وثانيهما: أنها لا تبطل وهذا هو رأي المنصور بالله وعلي بن الخليل. # والحجة على ذلك: قوله :((من أدرك ركعة من العصر فقد أدركها " ، ومن أدرك ~~ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدركها))(2). # وهذا هو الأقرب لأن التيمم طهارة تقصد للصلاة فلم يكن خروج الوقت مبطلا ~~لها كالوضوء. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. PageV02P191 # واعلم أنهم قد اعتمدوا في بطلان التيمم على أنه ينتقض بخروج الوقت ~~كالمستحاضة وعلى أن التيمم لا يجوز أن يؤدى به أكثر من فريضة واحدة وهذا ~~فاسد، فإن التيمم ليس رافعا للحدث وإنما هو مقصود للإستباحة فيما كان ~~محظورا قبله ودخول الوقت لا يبطل هذه الإستباحة بل هي مستمرة على ما كانت ~~عليه والوقت باق بخلاف المستحاضة فإن طهارتها رافعة للحدث فلا جرم انتقض ~~بدخول الوقت لقوله :((توضئي لكل صلاة " ))(1) # فافترقا، وإن بنوه على أن التيمم لا يجوز أن يؤدى به أكثر من فريضة واحدة ~~فهذا أصل قد مهدنا فساده وقررنا جوازه(2) # فلا مطمع في إعادته. # فتنخل من مجموع ما ذكرناه أن التيمم لا يبطل بدخول الوقت وأن الصلاة ~~صحيحة بتأدية بعضها في الوقت وبعضها في غير الوقت كالصلاة بالوضوء، وسيأتي ~~لهذا مزيد تقرير فيمن أدرك ركعة من الصلاة بمعونة الله تعالى. # الفرع السابع: اعلم أن التيمم كما أسلفنا غير رافع للحدث وإنما المقصود ~~به هو استباحة ما كان محظورا من دونه من العبادات التي اشترط فيها الطهارة، ~~وما ورد عليه من الأمور الناقضة له فليس حدثا في حقه وإ نما بطل من أجل ~~زوال شرط صحته وذلك[في] أمور خمسة: # أولها: انتقاضه بالحدث الأصغر، وإنما كان ناقضا له لأن التيمم إنما يراد ~~من أجله ms0677 فلهذا كان ناقضا له فإذا تيمم انتقض بخروج الغائط والبول لأنهما ~~لذاتهما مبطلان له لما وجب التيمم من أجلهما. PageV02P192 # وثانيها: الحدث الأكبر، وهو خروج المني لشهوة فإنه مبطل للتيمم فإنه إذا ~~تيمم ثم أنزل المني فإنه ناقض له كما ذكرناه في الوضوء لأن المني موجب ~~للتيمم عند عدم الماء للصلاة، فإذا طرأ كان موجبا لنقضه وإبطاله، فحصل من ~~هذا أن التيمم من الحدث الأصغر ينتقض بما ينتقض به الوضوء وأن التيمم من ~~الحدث الأكبر ينتقض بالحدث الأكبر والأصغر لكنه إذا انتقض بالحدث الأكبر لم ~~يجز له الصلاة ولا قراءة القرآن ولا دخول المسجد، وإذا انتقض بالحدث الأصغر ~~جاز له قراءة القرآن ودخول المسجد ولا يجوز له الصلاة لأن التيمم من الحدث ~~الأكبر بمنزلة الغسل، فلهذا كان الأمر فيه كما قررناه، والتيمم من الحدث ~~الأصغر بمنزلة الوضوء فلهذا نقضه ينقض الوضوء. # وثالثها: رؤية الماء، يكون مبطلا للتيمم لأن الشرط في انعقاد التيمم ~~والشرط في كونه مبيحا لما كان محظورا إنما هو عدم الماء كما هو من ظاهر ~~الآية في قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا " }[النساء:43]. # ورابعها: تجدد الطلب(1) # فإن الطلب شرط في إنعقاد التيمم فإذا تيمم من غير طلب لم يكن منعقدا ولم ~~يجز أن يستباح به شيء مما كان محظورا وإن طلب ثم تيمم ثم طلع عليه ركب قبل ~~الصلاة انتقض تيممه(2) PageV02P193 لأنه يجوز أن يكون معهم ماء ولم يطلبه منهم فلهذا كان منتقضا لما لم يجدد ~~الطلب الذي هو شرط في انعقاده، وإن تيمم ثم دخل في الصلاة المكتوبة ثم رعف ~~فإنه يجب عليه الإنصراف، فإن وجد الماء لزمه أن يغسل ما أصابه من الدم ثم ~~يتوضأ، وإن طلب الماء فلم يجد إلا ما يغسل به الدم عنه، فإنه يبدأ بغسله ~~عنه لأنه لا بدل له ويجب عليه أن يستأنف التيمم لأنه لما لزمه الطلب بطل ~~تيممه الأول فلأجل هذا وجب عليه استئنافه. # وخامسها: فوات وقت الصلاة التي أداها بالتيمم ولم يفرغ منها، فإن ما هذا ~~حاله يبطل ms0678 تيممه كما تبطل طهارة المستحاضة بدخول الوقت، وهذا [هو]الذي حصله ~~بعض فقهاء المذهب تخريجا على رأي الهادي وقد أوضحنا القول فيه فلا فائدة في ~~إعادته، فهذه الأمور كلها مبطلة للتيمم على رأي من لا يقول بكونه رافعا ~~للحدث، فأما على رأي من قال بكونه رافعا للحدث فإنه لا ينتقض إلا بما كان ~~ينقض الوضوء لا غير كخروج الخارج بولا كان أو غائطا أو منيا أو غير ذلك من ~~النواقض التي أسلفنا تحقيقها ولا ينتقض برؤية الماء ولا بتجدد الطلب كما لا ~~ينقض الوضوء. # الفرع الثامن: إذا تحرى وغلب على ظنه عند فعله التيمم، [أن] الوقت يتسع ~~للتيمم وأداء الفريضة ثم لما فرغ من التيمم غلب على ظنه أنه يتسع لأكثر من ~~ذلك قبل فعله للصلاة، فهل يصح تيممه أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن تيممه صحيح ولا يبطل بغلبة الظن بما ذكرناه. # والحجة على ذلك: هو أن التيمم عبادة فعلت على جهة التحري فلا تبطل ~~بمخالفة التحري كالصلاة. # وثانيهما: أنه يكون باطلا. # والحجة على ذلك: هو أن من شرط صحة التيمم أن يكون في آخر الوقت فإذا تحرى ~~وغلب على ظنه أنه يتسع لأكثر من أداء الفريضة كان التيمم واقعا على فساد ~~كما لو وقع في أول الوقت. PageV02P194 # والمختار: هو الأول لأن فعل التيمم إنما تكون تأديته بالتحري فلو أبطلناه ~~بتحر على مخالفته لكان في ذلك نقض للإجتهاد بمثله وهذا محال إذ ليس أحدهما ~~بأحق بالفساد من الآخر فيجب القضاء بصحة التحري الأول ولا ينقضه انكشافه ~~على مخالفته، وإذا قضينا بصحة التيمم أدى به الصلاة في آخر الوقت وكان عليه ~~التربص حتى يغلب على ظنه تأدية الصلاة في آخر وقتها كما مر بيانه، هذا كله ~~تفريع على رأي من يوجب تأخير التيمم للصلاة، فأما على رأي من يقضي بجواز ~~التيمم للصلاة في أول وقتها فإنه لا يفتقر إلى تحر لآخر الوقت فضلا عن أن ~~يكون تحريه موافقا أو غير موافق كما هو المختار، لا يقال: فإذا كان التيمم ~~صحيحا تفريعا ms0679 على رأي من أوجب تأخيره فلم لا يجوز فعل الصلاة ولأي شيء ~~ينتظر بالصلاة مع كونه صحيحا؟ لأنا نقول: التيمم ليس مقصودا لنفسه وإنما ~~يراد للصلاة والواجب تأخيرها في آخر وقت يغلب على ظنه، فلا جرم قضينا بصحة ~~التيمم ووجوب تأخير الصلاة لما ذكرناه. ويمكن نصرة جانب الإبطال للتيمم بأن ~~يقال: إنه بدل وفعل التيمم لا يكون إلا مع الإياس وبعد الإنكشاف إن في ~~الوقت بقية لا يكون آيسا عن وجود الماء فلأجل هذا قضينا ببطلانه واستئناف ~~تيمم آخرتؤدى به الصلاة. # الفرع التاسع: والجنب والمحدث إذا وجدا الماء وخافا أنهما لو استعملاه في ~~الوضوء والغسل فاتهما وقت الصلاة، أو كان هاهنا جماعة معهم دلو ينزحون به ~~الماء وخاف بعضهم فوت الوقت حتى تنتهي إليه النوبة، أو جماعة معهم حبل ~~يتداولونه للنزح فخاف بعضهم فوت الوقت لو صبر إلى نوبته، فهذه الصور كلها ~~وماشاكلها هل يجب عليه الصبر حتى تأتي نوبته فيصلي بالطهارة بالماء أو ~~يتيمم؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يصبر حتى تأتي نوبته ولا يجوز له التيمم، وهذا هو رأي ~~الإمامين الهادي والمؤيدم بالله. وهو الأصح من قول الشافعي. PageV02P195 # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا " }[النساء:43] ~~فالإباحة للتيمم إنما هي بشرط عدم الماء ومن هذه حاله فإنه واجد فلا يجوز ~~له التيمم بحال. # المذهب الثاني: أنه إذا خاف فوات الصلاة عند اشتغاله بالوضوء والغسل ~~تيمم، وهذا هو الذي كان يذهب إليه أحمد بن يحيى وهو محكي عن الشافعي في بعض ~~مسائله. قال أحمد بن يحيى: فإن استيقظ قرب طلوع الشمس جنبا تيمم وصلى ~~وأعادها بعد الغسل. # والحجة على ذلك: هو أن الوضوء والغسل ليسا مقصودين وإنما هما وصلتان إلى ~~العبادة والمقصود هو الصلاة فإذا كانت الصلاة فائتة عند الإشتغال بالوضوء ~~والغسل وكان المقصود يحصل بالتيمم، لا جرم وجب التيمم لما ذكرناه. # والمختار: ما عول عليه الإمامان الهادي والمؤيد بالله. # والحجة: ما قالاه، ونزيد ههنا وهو: أن الظواهر الشرعية والأحاديث النبوية ~~كلها مشعرة بأن التيمم لا يجوز ms0680 إلا عند عدم الماء فلأجل ذلك قضينا بأنه لا ~~يجوز التيمم مع وجود الماء. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. # قالوا: المقصود هو العبادة دون الوضوء والغسل وهي حاصلة بالتيمم دون ~~الطهارة بالماء فلهذا وجب التيمم. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أن المقصود هو العبادة وحدها وإنما المقصود الوضوء مع ~~الصلاة والغسل مع الصلاة فلا وجه لقولكم إن المقصود هو العبادة وحدها. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا أن العبادة هي المقصودة وحدها وأن الوضوء ~~والغسل وصلتان إليها لكنا نقول إن الشرع قد دل بظاهره على أن الشرط في ~~استعمال التراب إنما هو عدم الماء فأما مع وجوده فلا وجه له، وفي هذه ~~المسألة الماء موجود فلا وجه لكونه مجزيا معه فبطل ما توهموه. # الفرع العاشر: اعلم أن العلماء متفقون على أن التيمم طهارة ضرورية، وقال ~~الناصر: التيمم وضوء الضرورة، وأراد بكونه ضروريا مخالفته للطهارة. وذلك ~~يحصل من أوجه خمسة: # أولها: بالإضافة إلى اسمه وتسميته طهارة مجاز لأمرين: PageV02P196 # أما أولا: فمن جهة اللغة، فإن الطهارة هي النقاء عن مواقعة الغبرات ~~والإزالة عن التضمخ بالقاذورات وليس في استعمال التراب والتلوث به طهارة ~~ولا نقاء. # وأما ثانيا: فمن جهة الشرع، وهو عبارة عن غسل هذه الأعضاء تنظيفا لها ~~وتطهيرا، وهذا المعنى غير موجود في التيمم فلأجل هذا كان تسميته طهارة على ~~جهة المجاز والضرورة. # وثانيها: بالإضافة إلى وقته، فإن وقته ضيق إما بالإضافة إلى أوله فإنه لا ~~يجوز فعله قبل دخول الوقت بخلاف الوضوء، ولا في أوله بعد دخول الوقت على ~~رأي من قال بذلك، وإنما يتعين وقته في آخر الوقت كما قررناه، بخلاف الوضوء ~~فإنه يجوز فعله في كل هذه الأوقات كما مر بيانه، ولا خلاف في جواز فعل ~~الوضوء في هذه الأوقات إلا ما يحكى عن المهدي أحمد بن الحسين " (1) فإنه ~~ذهب إلى أنه لا يجوز فعل PageV02P197 الوضوء قبل دخول وقت الصلاة ولا يجوز فعله في الأوقات المكروهة وزعم أنه ~~عبادة كالصلاة، ولم أعرف أحدا قال بهذه المقالة قبله. ms0681 # وعمدته في ذلك قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا " }[المائدة:6] ~~ولا فائدة في القيام إلى الصلاة إلا في وقتها إذ لا حاجة في القيام إليها ~~في غير وقتها. # والمختار: جوازه قبل دخول الوقت لقوله لمن علمه الوضوء: ((توض كما أمرك ~~الله " )).ولم يخصه بوقت دون وقت كما خص الله الصلاة بالأوقات في قوله ~~تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا}[النساء:103]. وقوله ~~:((صلوا الصلاة لوقتها " فإن ترك الصلاة عن وقتها كفر)) (1). # فخص الصلاة بالتوقيت دون الوضوء فدل ذلك على جواز ذلك في كل الأوقات، ~~فأما قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة}. فليس الغرض بذلك القيام في وقتها ~~وإنما قصد بذلك إذا نهضتم لتأدية الصلاة وأردتم تحصيلها فاغسلوا وجوهكم. # وثالثها: بالإضافة إلى ما تؤدى به الفريضة الواحدة ونافلتها على رأي من ~~قال به، بخلاف الوضوء فإنه يؤدي به ما شاء من الفرائض والنوافل. # ورابعها: بالإضافة إلى ما ينقضه، فإن الطهارة الحقيقية إنما تنتقض بخروج ~~الخارج من السبيلين وما شاكله، بخلاف التيمم فإنه ينتقض برؤية الماء وتجدد ~~الطلب فلهذا قضينا بكونه ضروريا. # وخامسها: بالإضافة إلى كيفية تأثيره، فإنه إنما يراد لإباحة ما كان ~~محظورا ولا يكون رافعا للحدث، بخلاف غيره من الطهارات فإنه رافع للحدث. ~~فهذه الأمور الخمسة كلها دالة على كونه ضروريا في التطهير وقد تم غرضنا ~~فيما يتعلق بوقت التيمم بمعونة الله تعالى. PageV02P198 # --- ### ||| AUTO كيفية التيمم # وأما كيفية التيمم: فاعلم أن كل من أراد التيمم فإنه يقصد إلى التراب ~~الطاهر فيضرب بيديه عليه مصفوفتين ويفرج بين أصابعه ثم يرفعهما وينفضهما ثم ~~يمسح بهما وجهه مسحا غامرا ويدخل إبهاميه تحت غابته(1) # تخليلا للحية إن كانت، ثم يضرب بهما ضربة أخرى فيمسح يمينه من ظاهرها من ~~عند الأظفار بيده اليسرى فيمرها عليه إلى المرفق وراحته محفوظة لم يمسح بها ~~ثم يقلب راحته على باطنها فيمرها على إبهامه فيمسح جميع ذلك، ثم يمسح بيده ~~اليمنى يده اليسرى فيمرها عليها إلى المرفق وراحته محفوظة لم يمسح بها، ثم ~~يقلب راحته على باطنها فيمرها ms0682 إلى إبهامه ويمسح جميع ذلك. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول منها: إذا بقيت لمعة من الوجه أو من اليدين لم يمر عليها ~~التراب فهل يجزيه التيمم أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يجزيه وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية ~~والهارونية، وهو محكي عن الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنها طهارة تراد للصلاة فيجب فيها إتمام وظيفتها ~~كالوضوء. # المذهب الثاني: أنه إذا مسح أكثر وجهه أجزأه، وهذا هو الذي حكاه الحسن بن ~~زياد (2) عن أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو أنه إذا مسح أكثر العضو كان مندرجا تحت قوله تعالى: ~~{فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه }[المائدة: 6]. من جهة أن الباء تقتضي ~~التبعيض فإذا مسح بعض الوجه الأكثر منه كان ماسحا. PageV02P199 # والمختار: ما عول عليه علماء العترة والشافعي من وجوب التعميم في المسح في ~~العضوين لقوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه " }[المائدة:6]. والباء ~~للإلصاق، وظاهره دال على وجوب الإلصاق بالتراب في جميع العضو. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمده أبو حنيفة وأصحابه. # قالوا: إذا مسح أكثر العضو كان ماسحا له. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن أكثر العضو لا يقوم مقام جميعه كما قلناه في الوضوء. # وأما ثانيا: فلأن معنى الباء للإلصاق وهذا فيه دلالة على وجوب اتصال كل ~~العضوين جميعا. # قولهم: الباء للتبعيض. # قلنا: هذا فاسد فإن هذا غير مأثور عن أئمة العربية أعني: كونها للبعضية، ~~وإنما المأثور عنهم كونها للإلصاق ولم ترد للتبعيض مشعرة بالبعضية لا في ~~منظوم ولا منثور، وإنما يؤخذ معنى البعضية من دلالة أخرى كقولهم: مسحت يدي ~~بالمنديل. فإن القرينة دالة على البعضية وهو أن الغرض[وهو] إزالة ما في ~~اليد من الأثر حاصل ببعض المنديل لا بكله فلهذا كان مأخوذا من القرينة لا غير. # قال أبو الفتح ابن جني: وكون الباء دالة على البعضية فشيء لا يعرفه أهل ~~اللغة. وقد مر الكلام على شيء من استدلاله(1) # بالآية على مسح بعض الرأس فأغنى عن تكريره. # الفرع الثاني: وإذا أمر غيره فيممه ونوى عند ذلك أجزأه ms0683 عند أئمة العترة ~~وهو المنصوص عن الشافعي، ونقل البغداديون عن ابن القاص من أصحابه: أنه لا ~~يجزيه لأن قوله تعالى: {فامسحوا} خطاب للمكلفين بفعل التيمم، وقال ~~المسعودي: إذا يممه غيره فإن كان لعجز صح ذلك لأجل العذر وإن كان لغير عجز ~~فوجهان. # والحجة على ما قاله علماء العترة، وهو المختار: هو أنه طهارة تقصد للصلاة ~~فجاز فيها دخول النيابة كالوضوء. PageV02P200 # وإذا تمخر الريح فعمد إلى بعض مهابها فسفت عليه ترابا ناعما فأمر يده ونوى ~~به التيمم أجزأه ذلك عند أئمة العترة، وهو محكي عن أبي حامد الإسفرائيني من ~~أصحاب الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنه قد أتى بصفة التيمم فيجب الحكم بإجزائه كما لو ~~قعد تحت المطر وغسل أعضاءه للوضوء. ونص الشافعي في (الأم) على أنه لا ~~يجزيه، وحمله بعض أصحابه على أن التراب غير واصل إلى جميع أعضاء الوضوء، ~~فإن أدنى بوجهه من الأرض وتمعك في التراب فحصل الغبار في أعضاء التيمم ونوى ~~به التيمم أجزأه ذلك، وعن بعض أصحاب الشافعي أنه لا يجزيه. # والحجة على ذلك: هو أن المقصود من التيمم هو حصول الغبار في وجهه ويديه ~~وهذا حاصل بما ذكرناه فيجب كونه مجزيا. # الفرع الثالث: وهل يضرب بيده على التراب أو يضعهما عليه؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يضرب بيديه على التراب ضربا رفيقا، وهذا هو الذي أشار إليه ~~الإمامان الهادي في (الأحكام) والناصر في (الإبانة) لأنهما قالا: ويضرب على ~~التراب بيديه، وهو الذي حكاه المزني عن الشافعي. # والحجة على ذلك: ما في حديث عمار أنه قال: أصابتني جنابة فتمعكت فأتيت ~~رسول الله فذكرت ذلك له فقال: ((إنما يكفيك أن تفعل هكذا وضرب بيده الأرض " ))(1). PageV02P201 # وثانيهما: أن يضعهما على التراب من غير ضرب وهذا هو المأثور عن الشافعي في ~~بعض كتبه. # والحجة على ذلك: ما روى ابن عمر رضي الله عنهما عن الرسول أنه أقبل من ~~الغائط فلقيه رجل عند بئر جمل(1) # فسلم عليه فلم يرد عليه رسول الله حتى أقبل على الحائط فوضع يده على ~~الحائط ثم ms0684 مسح بهما وجهه ويديه ثم رد على الرجل السلام ثم قال: ((إنه لم ~~يمنعني من رد السلام عليك إلا أني لم أكن على طهر " )) (2). # فقال: وضع يديه ولم يقل: ضرب بهما(3). # والمختار: فيه تفصيل، وهو أن يقال: إن كان التراب ناعما دقيقا فإنه لا ~~يحتاج إلى الضرب بهما بل يضعهما على التراب وضعا رفيقا من جهة أن التراب ~~إذا كان دقيقا ناعما فإنه يعلق بالكفين من غير ضرب، وأما إذا كان غير ناعم ~~فإنه يفتقر إلى الضرب بهما ليطلع الغبار ويعلق، والأمر في ذلك قريب وقد ورد ~~الأمران عن الرسول وأكثر الأخبار كلها واردة في التيمم بالضرب باليدين ولم ~~يرد بالوضع من غير ضرب إلا ما حكيناه من حديث ابن عمر، ولهذا عول عليه ~~الإمامان كما رويناه. # الفرع الرابع: وهل يفرج بين أصابعه عند الضرب أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يفرج بين الأصابع، وهذا هو الذي نص عليه الإمامان الهادي ~~والناصر لأنهما قالا في صفة التيمم: ويفرج بين أصابعه. # والحجة على ذلك: هو أنه إذا فرج بين أصابعه كان أقرب إلى دخول التراب في ~~خللهما لئلا يخلو موضع من يديه من الغبار وهو المذكور عن الشافعي. # وثانيهما: أنه لا يحتاج التفريج بين أصابعه، وهو الذي حكاه المسعودي من ~~أصحاب الشافعي. PageV02P202 # والحجة على ذلك:هو أنه إذا فرجهما دخل الغبار بين أصابعه فيكون ماسحا لجزء ~~من يديه قبل وجهه فلهذا ترك حذرا من ذلك. # والمختار عندنا: أنه لا يحتاج إلى التفريج بين أصابعه لأنه لم يذكر في ~~شيء من الأحاديث الواردة في التيمم تفريج الأصابع، فلهذا كان الأحق وضعهما ~~على التراب على شكل الحلقة من غير ضم الأصابع ولا تفريق بينهما لأن الغرض ~~المقصود حاصل بما ذكرناه من غير ضم ولا تفريج، وهو أن يعلق الغبار بهما. # الفرع الخامس: وهل ينفخ يديه عند رفعهما قبل أن يمسح بهما وجهه أم لا؟ ~~فيه وجهان: # أحدهما: أنه ينفخ، وهو الذي أشار إليه الإمام الهادي في (الأحكام). # والحجة على ذلك: ما في حديث عمار ms0685 حين علمه التيمم فقال له: ((إنما يكفيك ~~هكذا )) وضرب بيديه على الأرض ونفخهما ثم مسح بهما وجهه. # وثانيهما:أنه لا يحتاج إلى النفخ، وهذا هو الذي أشار إليه الإمام الناصر ~~في (الإبانة) فإنه لم يذكر النفخ. # والحجة على ذلك: ما في حديث عمار، أنه لما أنزل الله الرخصة التطهير ~~بالصعيد الطيب فأمر المسلمين فضربوا بأيديهم الأرض ورفعوا أيديهم إلى ~~وجوههم ولم ينفضوا من التراب شيئا(1). PageV02P203 # والمختار عندنا: تفصيل نشير إليه، وهو الجمع بين الروايتين عن عمار بن ~~ياسر، فحيث نفض فإنه محمول على كثرة ما علق بهما من التراب وفيما ذكرناه ~~خلاص عما وقع من التعارض في حديث عمار فيجب حملهما عليه. # الفرع السادس: ثم يمسح بهما وجهه مسحا غامرا لما روى أسلع (1) # قال: قلت يا رسول الله أنا جنب. فنزلت آية التيمم. فقال: ((يكفيك هكذا ~~فضرب بكفيه على الأرض ومسح بهما وجهه))(2). # وهل يجب إمرارهما على الشعور التي في الوجه؟ فيه تفصيل نذكره في الفروض ~~بمعونة الله. ثم يمرهما على لحيته إن كانت لما في حديث أسلع: ثم أمرهما على ~~اللحية. ويدخل إبهاميه تحت غابته يفعل ذلك تخليلا للحية والغابة: بالغين ~~المعجمة والباء الموحدة التحتية، هي الأجمة، وجمعها غاب على حد تمره وتمر، ~~وهي الكظائم وهي اسم لباطن طرف الذقن ويقال: أسد الغاب أيضا، هذا إذا كانت ~~له لحية فأما إذا كان أمرد فإنه يكتفي بإجراء يديه على خده إلى أسفل ذقنه. PageV02P204 # الفرع السابع: ثم يضرب بيديه ضربة أخرى فيضع بطون أصابع يده اليسرى على ~~ظهور أصابع يده اليمنى ويمرها على ظهور الكف فإذا بلغ الكوع جعل أطراف ~~أصابع يده على حرف الذراع ثم يمر ذلك إلى المرفق ثم يدير بطن كفه إلى بطن ~~الذراع ويمره عليه ويحفظ إبهاميه فإذا بلغ الكوع أمر إبهام يده اليسرى على ~~إبهام يده اليمنى ثم يمسح بكفه اليمنى يده اليسرى مثل ذلك ثم يمسح إحدى ~~الراحتين بالأخرى ويخلل بين أصابعهما. # والحجة على ما قلناه: ما روى أسلع أنه قال: قلت يا رسول الله أنا ms0686 جنب، ~~فنزلت آية التيمم فقال: ((يكفيك هكذا وضرب بيديه الأرض ثم نفضهما ثم مسح ~~بهما وجهه ثم أمرهما على لحيته ثم أعادهما إلى الأرض فمسح بهما الأرض ثم ~~دلك إحداهما بالأخرى ثم مسح ذراعيه باطنهما وظاهرهما)). كما أشرنا في ~~تفصيله، فإذا فعل ذلك فقد سقط الفرض عن الراحتين بدلك إحداهما بالأخرى وعما ~~بين الأصابع بالتخليل لوصول التراب إلى ما بينهما. # لا يقال: فإذا كان الفرض ساقطا عن الراحتين بدلك إحداهما بالأخرى فقد صار ~~التراب مستعملا، فكيف جاز مسح الذراعين به؟ وعند القاسمية وأصحاب الشافعي ~~أنه لا يجوز نقل الماء من إحدى اليدين إلى الأخرى. # لأنا نقول:عن هذا جوابان: # أحدهما: على رأي من يجوز الوضوء بالماء المستعمل كما هو رأي المؤيد بالله ~~ومن وافقه، وإذا جاز الوضوء بالماء المستعمل جاز بالتراب المستعمل كما مر ~~تقريره، وعلى هذا لا كلام في الجواز لذلك إذ ليس فيه إلا كونه مستعملا وهذا ~~لا مانع منه على رأي هؤلاء. # وثانيهما: على رأي من منع من الإستعمال في الوضوء والتيمم كما هو المحكي ~~عن (القاسمية) و(الناصرية)، والفريقين (الحنفية) و(الشافعية) لأنهم يمنعون ~~من غسل اليدين بما فضل من ماء الوجه فهكذا حال التراب أيضا، فعلى هذا تحصل ~~التفرقة بين الماء والتراب من جهة أن الماء ينفصل من إحدى اليدين إلى ~~الأخرى بخلاف التراب فإنه لا ينفصل من إحداهما إلى الأخرى فافترقا. PageV02P205 # الفرع الثامن: إذا كان في يده خاتم فإنه ينزعه قبل الضربة الثانية لليدين ~~لئلا يمنع من وصول التراب إلى ما تحته. وقد حكي عن الشافعي أنه ذكر في ~~(الأم) ترتيبا آخر فقال: يضع باطن كفه اليسرى على ظاهر أصابعه اليمنى ثم ~~يضم إبهامه إلى أصابعه ثم يمر يده فإذا بلغ الكوع أدار إبهامه على ذراعه ~~وقبض بإبهامه وأصابعه على باطن ذراعه ثم يمر ذلك إلى المرفق فإن بقي شيء من ~~ذراعه لم يمر التراب عليه أدار يده عليه حتى يصل التراب إلى جميعه، وما ~~حكيناه عن أئمة العترة في صفة التيمم أحق لأمرين: # أما أولا: فلأنه ms0687 أشمل وأعم لمسح اليدين بحيث لا يحتاج إلى تتبع بخلاف ما ~~ذكره في (الأم) فإنه يحتاح إلى تتبع وزيادة كلفة. # وأما ثانيا: فلأن الأصابع جعلناها مسحا لظاهر الكف والساعد، والراحة ~~محفوظة لباطن الساعد، وما ذكره في (الأم) ليس حاصلا على هذه الصفة، بل قال: ~~يقبض الأصابع بالإبهام ثم يمر يده إلى المرفق فلا تكون الراحة محفوظة، ~~فلأجل ذلك كان ما ذكرناه أولى، وقد حكاه المزني عنه في ترتيب هيئة التيمم. # الفرع التاسع:هل تكون اليدان مصفوفتين أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنهما يكونان مصفوفتين وهذا هو الذي أشار إليه الهادي في ~~(الأحكام) فإنه قال: يضرب بيديه على التراب مصفوفتين. # والحجة على ذلك: هو أن المراد بالصف الإستواء أخذا من قولهم: ناقة صفوف، ~~إذا كانت تصف يديها عند الحلب، يريد أنها تجعلهما مستويتين من غير مخالفة ~~بينهما، لما في حديث أسلع فإنه قال فيه: يضرب بكفيه الأرض فالظاهر منه أنه ~~سوى بينهما في الضرب على الأرض، ولا نريد بالصف إلا أنه سوى بينهما في ~~وضعهما على الأرض من غير مخالفة في الوضع بينهما. # وثانيهما: أنه لا يحتاج إلى الصف فيهما، وهذا هو الذي أشار إليه الناصر ~~في (الإبانة) فإنه لم يذكر صفهما، والظاهر أنه غير مشترط لأنه قال: يضرب ~~بيديه على الأرض لا غير. PageV02P206 # والمختار: ما قاله الناصر، فإن الأحاديث كلها في التيمم ليس فيها تصريح ~~بالصف أعني كونهما على جهة الإستواء فإن صف فلا بأس وإن خالف بينهما فلا حرج. # الفرع العاشر: ويستحب للرجل أن تكون أعماله في التيمم متصلة في مسح الوجه ~~واليدين من غير تفريق بين الوجه واليدين ولا بين اليدين أنفسهما بل تكون ~~الأعمال حاصلة على جهة الإتصال في مسحها إلى أن يفرغ منها لما في حديث ~~أسلع، فإنه قال: يكفيك [أن تفعل] هكذا وضرب بيديه الأرض ومسح بهما وجهه ~~ويديه على جهة الولاء من غير تفريق بينهما، ولأنها طهارة تراد للصلاة ~~فاستحب فيها الموالاة من غير تفريق كالوضوء وقد مر بيانه فأغنى عن الإعادة. # الفرع الحادي عشر: ms0688 أن المرأة في هذه الصفة كالرجل من غير مخالفة لأن ~~الخطابات الواردة في التيمم لم تفصل في ذلك بين الرجال والنساء فلهذا وجب ~~الحكم بعمومها. # قاعدة: اعلم أن الخطابات الواردة في الشريعة بالإضافة إلى الرجال والنساء ~~واقعة على ثلاثة أضرب: # فالضرب الأول منها: ما يكون عاما لا يقع خلاف بين الأصوليين في كونه عاما ~~في حق الرجال والنساء وهذا نحو الخطاب ب (من) و(أي) في قوله تعالى:{فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}[الزلزلة:7،8].وقوله : ~~((من باع نخلة مؤبرة فثمرتها للبائع )) وهكذا الخطاب ب (أي). # الضرب الثاني: ما يكون خاصا في أحد الجنسين دون الآخر، وهذا نحو الخطاب ~~بقوله: يا أيها الرجال. فإنه خاص في الرجال لا تدخل النساء فيه ونحو الخطاب ~~بلفظ النساء في قولك: ياأيها النساء. فإنه خاص لهن دون الرجال. PageV02P207 # الضرب الثالث: ما وقع فيه تردد بين الأصوليين، وهذا نحو قولنا: المؤمنون، ~~المسلمون، فهل يكون عاما في الرجال النساء أو يكون خاصا للرجال دون النساء؟ ~~فيه خلاف، فزعم قوم أنه عام لهما جميعا وأن اندراج النساء تحت هذا الخطاب ~~على جهة التغليب للذكور على الإناث ومنهم من أبى ذلك وقال إنه خاص في ~~الرجال دون النساء. # والمختار: أنه يحتمل أن يكون خاصا للرجال من جهة أن الظاهر في استعمال ~~جمع السلامة إنما هو في الذكور بنص أئمة الأدب، ويحتمل أن يكون حاصلا على ~~جهة التغليب لأن من عادة العرب تغليب خطاب المذكر على خطاب المؤنث لما له ~~من الفضل على المؤنت. # نعم، الظاهر من قولنا: المؤمنين والمسلمين، أنه خطاب للمذكرين فمن ادعى ~~تغليبا ويزعم أنه عام فيهما جميعا فإنه يفتقر إلى الدلالة للتغليب، فهذا ما ~~أردنا ذكره في وقت التيمم وكيفيته. # . PageV02P208 # --- ### ||| AUTO الفصل الرابع في بيان المفروض والمسنون منه # اعلم أن التيمم مشتمل على أمور بعضها مفروض وبعضها مسنون، ونحن نشير إلى ~~كل واحد من النوعين ونقرره بدليله، وقد أشار الله تعالى إلى فروضه بقوله ~~تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} ثم قال: {فلم تجدوا ms0689 ماء فتيمموا صعيدا طيبا " ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه}[المائدة:6]. ونورد الفروض في صور المسائل ~~ليتضح الكلام فيها. # مسألة: التسمية عند التيمم مشروعة عند أئمة العترة وفقهاء الأمة؛ لأن ~~التسمية بذكر الله تعالى مستحبة في سائر الأفعال كلها فضلا عن العبادات، ~~لقوله : ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر " )) (1). # وهل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها واجبة وهذا هو الذي ذكره السيد الإمام أبو طالب ~~للمذهب. # والحجة على ذلك هو: أنها طهارة تستباح بها الصلاة فالتسمية فيها واجبة ~~كالوضوء كما مر بيانه. # المذهب الثاني: أنها غير واجبة وهذا هو رأي الفرق الثلاث من الحنفية ~~والشافعية والمالكية. # والحجة على ذلك: هو أن الوجوب حكم فلا يجوز إثباته إلا بدلالة ولا دلالة ~~هاهنا تدل على وجوب التسمية، فلهذا قضينا بأنها مستحبة كما مر بيانه. # والمختار: أنها غير واجبة. # والحجة على ذلك: ما حكيناه ونزيد ههنا حجتين: # الحجة الأولى: قوله: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم " }[المائدة:6] ~~فذكر ما هو واجب ولم يذكر التسمية، وفي هذا دلالة على أنها غير واجبة لأنها ~~لو كانت واجبة لذكرها لأنه في موضع تعليم الشرع. # الحجة الثانية: قوله لأسلع ولعمار حين علمهما كيف صفة التيمم، فضرب بيديه ~~على الأرض ومسح وجهه وذراعيه ولم يذكر لهما التسمية فلو كانت واجبة لنطق بها. PageV02P209 # الانتصار: يكون بإبطال ما قالوه. # قالوا: طهارة تستباح بها الصلاة فكانت التسمية فيها واجبة كالوضوء. # قلنا: التيمم مفارق للوضوء من جهة أن الوضوء يرفع الحدث بخلاف التيمم ~~فإنه غير رافع له فلا يلزم من وجوب التسمية في الوضوء لدلالة خاصة، وجوبها ~~في التيمم من غير دلالة تدل عليها فافترقا. # ومن وجه آخر: وهو أن التيمم طهارة تستباح بها الصلاة فلا تجب فيه التسمية ~~كالغسل، ولأن التسمية إذا لم تكن واجبة في الغسل مع كونه أقرب إلى الوضوء ~~فلأن لا تكون واجبة في التيمم أحق وأولى. # مسألة: النية مشروعة في التيمم لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين " }[البينة:5]. والإخلاص ms0690 في العمل بأن يقصد به وجه الله ~~تعالى دون غيره، وقوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى " )). وقوله : ~~((إنما الأعمال بالنيات)). فهذه الأدلة كلها دالة على أن التيمم تشرع فيه ~~النية ويستحب أداؤه بها فلا خلاف في ذلك لأن من خالف في الوجوب لا ينكر ~~كونها مشروعة في التيمم وأنه يكون أداؤه أفضل مع النية. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول منها: النية قصد تقارن منويها كما مر تقريره في الوضوء، وهي ~~مخالفة للإعتقاد في جنسها فإنها في ذاتها مخالفة للإعتقادات والظنون وتخالف ~~العزم في وقتها دون حقيقتها؛ لأن العزم من جنس الإرادات والنية من جنسها ~~أيضا ولا تخالف العزم إلا في مقارنتها لمنويها بخلاف العزم فإنه يجب تقدمه ~~على معزومه، ومن حقها أن تكون مقارنة لأول جزء من الفعل المنوي، ولا يجوز ~~تقديمها ولا تأخيرها إلا لدلالة شرعية، والتيمم يجب مقارنته لها كما في ~~الوضوء، وقد قدمنا تحقيق تقسيمها في الوضوء فأغنى عن إعادة أكثر تلك ~~المسائل. # الفرع الثاني: هل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان: PageV02P210 # المذهب الأول: أنها واجبة فيه وهذا هو قول أئمة العترة القاسمية والناصرية ~~والهارونية لا يختلفون في ذلك، وهو محكي عن الفرق الثلاث الحنفية والشافعية ~~والمالكية. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا " ~~}[المائدة:6] والتيمم هو القصد إلى الشيء. # قال الشاعر: # سل الربع أنى يممت أم مالك ... وهل عادة للربع أن يتكلما(1) # ونحن لا نريد بالنية إلا القصد كما شرحناه من قبل. # الحجة الثانية: قياسية، وهو أنه عبادة تبطل بالحدث فكان من شرط صحتها ~~النية كالصلاة. # المذهب الثاني: أنها غير واجبة، وهذا شيء يحكى عن الحسن بن صالح ~~والأوزاعي وزفر. # والحجة لهم على ما زعموه: قوله : ((التراب كافيك ولو إلى عشر حجج)) وقوله ~~: ((التراب وضوء المؤمن ما لم يجد الماء " )). فهذه الأخبار كلها دالة على ~~أن النية غير معتبرة في التيمم لأنه لم يشترطها في كونه مجزيا للصلاة. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وارتضاه الجلة من فقهاء الأمة وهو ms0691 أنه ~~لابد من اعتبار النية فيه، ويدل عليه ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا وهو أن ~~التيمم عبادة يترتب عليها أذكار وأفعال فوجب اعتبار النية فيها كالإحرام. # الانتصار: يكون بإبطال ما زعموه. # قالوا: الظواهر الشرعية من الأحاديث واردة في إيجاب التيمم من غير اشتراط ~~النية فيه. # قلنا:عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الآية قد أشارت بظاهرها إلى اشتراط النية وهي مقطوع ~~بأصلها والأخبار مظنونة فكان الإعتماد على الآية أحق وأولى. PageV02P211 # وأما ثانيا: فلأن الأخبار مطلقة والآية وردت مقيدة بالنية، والمطلق من حقه ~~حمله على المقيد؛ لأنا إذا حملناه على المقيد كان فيه عمل بالدليلين جميعا، ~~وإذا عملنا على أحدهما دون الآخر كان فيه إبطال لأحدهما، فلا جرم حملنا ~~الأخبار مع إطلاقها على كونها دالة على النية بمعناها حملا لها على الآية ~~لكونها دالة على النية بصريحها جمعا بينهما. # قالوا: طهارة. فوجب أن لا تعتبر فيها النية كالطهارة من النجاسة والجامع ~~بينهما كونهما طهارتين تقصدان من أجل الصلاة. # قلنا: المعنى في الأصل كونها طهارة بالماء بخلاف التيمم فإنه ليس طهارة ~~بالماء فافترقا. # وأبطل ما يكون لقاعدة القياس الفرق، فإنه مهما كان مبطلا للجامع بطل ~~القياس ومن أجل ذلك كان العذر لأبي حنيفة في إبطال النية في الوضوء أدخل من ~~عذر هؤلاء في إبطال النية قياسا على طهارة النجس لما كان الوضوء مشاركا ~~للنجاسة في كونها طهارة بالماء بخلاف التيمم فإنه ليس طهارة بالماء، فلهذا ~~كان ما قالوه باطلا لما بينهما من المخالفة في جنس الطهارة. # قالوا: وصلة إلى الصلاة فلا تعتبر فيها النية كستر العورة. # قلنا: المعنى في الأصل هو أن ستر العورة واجب في الصلاة وفي غيرها، بخلاف ~~التيمم فإنه لا يقصد إلا للعبادة فقط فافترقا، على أن هذا معارض بقياس ~~مثله، وهو أن التيمم عبادة فوجب اعتبار النية فيها كالصلاة والحج، وما ~~ذكرناه من الأقيسة فهي راحجة على ما قالوه من جهة أن النية معتبرة في أصل ~~العبادات كلها والتيمم منها وما ذكروه من سقوط النية فيه توجب مخالفته ~~كسائر ms0692 العبادات. فمن أجل ذلك [كانت] اقيستنا أحق بالقبول، وممن قال بإسقاط ~~النية في التيمم الشيخ أبو علي الجبائي وقد فسد بما أوردناه. # الفرع الثالث: في كيفية النية في التيمم للصلاة، وفيه مذاهب ثلاثة نفصلها ~~بمعونة الله تعالى: # المذهب الأول: أن النية تكون فيه من أجل رفع الحدث، وهذا هو الذي حكيناه ~~عن داؤد وطبقته من أهل الظاهر. PageV02P212 # والحجة لهم على ذلك: هو أنها طهارة تقصد من أجل الصلاة فوجب أن تكون رافعة ~~للحدث كالوضوء، وعلى هذا إذا تيمم فإنه يؤدي به ما شاء من الفرائض والنوافل ~~من غير تقييد ولا تبطل إلا بما يبطل الوضوء ولا تنتقض برؤية الماء كالطهارة ~~بالماء. # المذهب الثاني: أن النية لابد من أن تكون متعلقة بالصلاة وهو أن ينوي ~~بالتيمم الفرض بعينه ولا يجوز أن ينوي به استباحة الصلاة ولا رفع الحدث ولا ~~ينوي به الفرض على الإطلاق، وهذا هو رأي الهادي، وهو محكي عن الشافعي. # والحجة على ذلك قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة " }[المائدة:6] ثم قال: ~~{فلم تجدوا ماء فتيمموا " }[المائدة:6] وتقرير هذه الدلالة هو أن الله ~~تعالى اعتبر غسل هذه الأعضاء التي يكون القصد بها القيام إلى تلك الصلاة ~~المعينة ثم عطف عليها حكم التيمم عند عدم الماء. فدل ظاهر الآية على أن ~~النية لابد من أن تكون متعلقة بالصلاة التي قيم إليها على جهة التعيين في ~~الوضوء والتيمم جميعا وهذا هو المطلوب. # الحجة [الثانية]: ما روي عن ابن عباس أنه قال: من السنة أن لا تصلي ~~بالتيمم إلا صلاة واحدة ثم تيمم للصلاة الأخرى(1). # وهذا فيه دلالة على أن النية لابد من أن تكون متعلقة بتلك الصلاة وليس ~~ذلك إلا على الوجه الذي لخصناه. # المذهب الثالث: أن تكون النية فيه من أجل استباحة الصلاة، وهذا هو رأي ~~الإمامين الناصر والمؤيد بالله وهو قول أبي حنيفة وأصحابه إلا ما حكاه ~~الجصاص من أصحابه فإنه قال: يحتاج إلى التعيين للصلاة، مثل مذهب الشافعي. PageV02P213 # والحجة على ما قاله الإمامان ومن وافقهما، هو أن الوضوء ms0693 طهارة كاملة تفعل ~~في حال الرفاهية، والتيمم طهارة ناقصة تفعل في حال العذر والضرورة، فالوضوء ~~لا محالة رافع للحدث بخلاف التيمم فإنه غير رافع للحدث، فلما كان الأمر فيه ~~كما قلناه وجب أن تكون النية فيه من أجل استباحة ما كان محظورا قبله ليكون ~~ذلك تفرقة بين الطهارتين، فهذا تقرير هذه المذاهب بأدلتها. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله والناصر وهو أن النية تكون فيه من أجل ~~استباحة الصلاة، ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم، ونزيد ههنا وهو أن الوضوء ~~والتيمم واجبان في سياق الآية التي تلوناها، وظاهر الآية دال على كونهما ~~موضوعين لاستباحة الصلاة إذ ليس في ظاهر الآية ما يشعر بكونهما رافعين ~~للحدث، لكن قام البرهان الشرعي على أن الوضوء رافع للحدث وبقيت الآية دالة ~~بظاهرها على ان التيمم موضوع لإستباحة الصلاة، وهكذا حال الأخبار فإن ~~ظاهرها دال على كون التيمم وضع بالشرع للإستباحة، فلا جرم قلنا إنه يجب أن ~~ينوي به الإستباحة. # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه. # فأما من زعم أنه رافع للحدث وأنه يجب أن ينوي رفع الحدث لتكون النية ~~مطابقة للمقصود منه فقد أفسدناه من قبل فأغنى عن الإعادة، وأما ما حكي عن ~~الهادي والشافعي من أنه لا بد في النية من اعتبار تلك الصلاة بعينها ولا ~~يجوز أن ينوي رفع الحدث اعتمادا على أن آية الوضوء دالة على أنه لا بد من ~~تعيين تلك الصلاة كما في الوضوء. # فعنه جوابان: # أما أولا: فلانا لا نسلم أن الصلاة في الآية معينة وإنما المراد جنس ~~الصلاة كأنه قال: إذا قمتم إلى ما يسمى صلاة. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا ما ذكرتموه في الوضوء لظاهر الآية فإنه دال ~~عليه لكن لا نسلمه في التيمم لأن الوضوء رافع للحدث بخلاف التيمم فافترقا. PageV02P214 # قالوا: روي عن ابن عباس أنه قال: من السنة أن لا يصلى بالتيمم إلا فريضة ~~واحدة، وفي هذا دلالة على أن النية في التيمم متعلقة بالصلاة كما قلناه. # قلنا: هذا فاسد، فإن مراد ابن عباس إنما هو ms0694 كلام فيما تؤدى به وما لا ~~تؤدى وليس في كلامه ما يشعر بأن قصده تعلق النية بالصلاة المعينة، فأين ~~أحدهما عن الآخر؟ على أنه يحتمل أن يكون مذهبا لابن عباس فلا يكون فيه ~~دلالة على ما نحن فيه. فتقرر بما لخصناه أن تعلق النية في التيمم إنما هو ~~استباحة الصلاة والله أعلم. # الفرع الرابع: الذي يأتي على رأي الهادي أنه لا يجزيه التيمم إلا إذا نوى ~~صلاة بعينها فريضة كانت أو نافلة لأنه عنده غير رافع للحدث، ولا يجوز أن ~~تؤدى به أكثر من فريضة واحدة ولم يخرج عن هذا إلا نافلة الصلاة فإنها ~~مندرجة تحت الفريضة سواء تقدمت قبلها أو تأخرت عنها، والوتر في حكم النافلة ~~للعشاء كما مر بيانه، فإن نوى استباحة الصلاة لم يكن التيمم مجزيا له. # والذي يأتي على رأي المؤيد بالله أنه إذا نوى بالتيمم استباحة الصلاة ~~أجزأه ذلك لكنه لا يؤدي به أكثر من فريضة واحدة ونافلتها لكن نية الإستباحة ~~للصلاة كافية في كونه مجزيا لأي صلاة على الإنفراد أداها. # والذي يأتي على رأي الناصر أنه إذا نوى استباحة الصلاة أجزأه لكنه على ~~رأيه يجوز أن يؤدي به أكثر من فريضة واحدة ما لم ينتقض بنواقض الوضوء أو ~~برؤية الماء وتجدد طلبه، فرأيه في كيفية النية كرأي المؤيد بالله خلا أنه ~~يخالفه في جواز تأدية الفروض والسنن من الصلاة بتيمم واحد كما مر شرحه، ~~والمؤيد بالله لا يرى ذلك. # فتنخل من مجموع ما ذكرناه أن المختار ما قاله الناصر في المسألتين جميعا: # إحداهما: جواز تأدية الصلوات الكثيرة بالتيمم الواحد فرضا كانت أو نفلا ~~أو غير ذلك من أنواع القرب. # والثانية:أن المجزي من النية هو أن ينوي استباحة الصلاة. PageV02P215 # الفرع الخامس: في بيان وقت النية، وإذا كانت النية واجبة فمتى يجب فعلها؟ ~~فيه وجهان: # أحدهما: أن وقتها هو عند مسح الوجه، وهذا هو الذي يأتي على رأي الهادي ~~والناصر والمؤيد بالله؛ لأنه أول عضو من أعضاء الوضوء فلأجل ذلك كان محلا ~~للنية كما قلناه في ms0695 الوضوء أن وقت النية هو غسل الوجه، فنحرر ونقول: أول ~~عضو من أعضاء الطهارة فوجب أن يكون محلا للنية كالوضوء. فهذا تقرير كلام ~~الناصر والمؤيد بالله. # وأما الهادي فليس يقيسه على الوضوء لأن أول أعضاء الطهارة عنده في الوضوء ~~هو غسل الفرجين كما مر تفصيله لكنه يأخذه من ظاهر الآية وهو قوله ~~تعالى:{فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا " }[المائدة:6]. فإذا كان ~~ظاهر الآية لابد من اعتبار النية فيه فيجب أن يكون محلها هو مسح الوجه إذ ~~ليس قبله شيء من أعضاء الطهارة فيكون محلا لها. # وثانيهما: أن يكون محل النية هو عند الضرب باليدين على التراب وهو الذي ~~يأتي على كلام أحمد بن يحيى وأبي العباس؛ لأنهما يوجبان غسل اليدين عند ~~إدخالهما الإناء وعلى هذه يكون محل النية عندهما في التيمم هو عند ضرب ~~اليدين على التراب من جهة أن الضرب بالكفين على التراب بمنزلة غسل الدين ~~قبل غسل الوجه فلهذا اقتضى ذلك على رأيهما. # والمختار: هو الأول لأمرين: # أما أولا: فلأن مسح الوجه هو أول العبادة فلأجل ذلك كانت النية متعلقة بها. # وأما ثانيا: فلأن وضع اليدين على التراب ليس جزءا من العبادة ولا بعضا من ~~أبعاضها وإنما هو وصلة إلى العبادة ينزل منزلة نقل المطهرة ووضعها للوضوء ~~فكما أن ما هذا حاله ليس محلا للنية فهكذا وضع اليدين على التراب. # الفرع السادس: في تغيير النية وصرفها. # اعلم أنا قد ذكرنا فيما سلف حكم تغيير النية وصرفها في الوضوء. والذي ~~نذكره ههنا هو صرفها وتغييرها في التيمم من جهة أنهما طهارتان تتفقان في ~~أكثر أحكامهما. PageV02P216 # فنقول: النية إذا وقعت في أول الفعل المنوي فمن حقها أن تكون جارية على جهة ~~الموافقة من غير مخالفة فإذا نوى عند مسحه لوجهه استباحة الصلاة كما هو رأي ~~المؤيد بالله والناصر، أو نوى الصلاة المعينة كما هو رأي الهادي والشافعي ~~ثم غير نيته عند مسح اليدين نظرت، فإن كان مسحهما بنية التعفير بطلت لأنه ~~لابد من اعتبار القربة في مسحهما فإذا مسحهما ms0696 بنية التعفير كان مباحا وفي ~~ذلك بطلان القربة والواجب عليه أن يعود إلى مسحهما بنية القربة وهو استباحة ~~الصلاة ولا يجب عليه العود إلى مسح الوجه لأنه قد مسحه بنية استباحة ~~الصلاة، وإن كان مسحه لهما بنية قربة أخرى كأن يمسح الوجه بنية استباحة ~~الصلاة ويمسح اليدين بنية استباحة قراءة القرآن أو دخول المسجد أو غير ذلك ~~من القرب أو بنية صلاة أخرى، فعلى رأي الهادي والمؤيد بالله والشافعي أنه ~~يعود إلى الموضع الذي غير فيه النية فيمسحه بالنية المطابقة لنية الوجه من ~~جهة أن التيمم عند هؤلاء لا يجوز أن يؤدى به أكثر من فريضة واحدة بعينها، ~~فلهذا وجب عليه العود إلى موضع التغيير لتكون النية واحدة في جميع أعضاء ~~التيمم لتكون مجزية فيه، ويوضح ذلك أن تغيير النية إذا كان مبطلا للوضوء مع ~~كونه رافعا للحدث فلأن يكون تغييرها مبطلا للتيمم مع أنه غير رافع للحدث ~~أولى وأحق. # وأما على رأي الناصر وهو قول أبي حنيفة، والمختار عندنا: فإنه إذا مسح ~~الوجه بنية استباحة الصلاة ومسح اليدين بنية فرض معين أو مسح الوجه بنية ~~فرض مطلق ومسح اليدين بنية فرض معين ففيه احتمالان: # أحدهما: أنه لا يجزي لنقصان التيمم وكونه طهارة ضرورية فلا بد من أن تكون ~~النية فيه على جهة الإطراد من غير مخالفة؛ لأن الوضوء إذا كانت النية مؤثرة ~~في صحته إذا كانت متغيرة فلأن تكون مؤثرة في صحة التيمم بالزوال والإبطال أحق. PageV02P217 # وثانيهما: أنه يكون مجزيا لأن التيمم الواحد يجوز أن تؤدى به أكثر من فريضة ~~واحدة فإذا غيرت فيه النية مع استكمال القربة كان مجزيا كالوضوء كما مر ~~شرحه فإنه إذا غيرت فيه النية مع استكمال القربة فإنه يكون مجزيا كما لو ~~غير من فرض إلى فرض أو من فرض إلى نفل. وقلنا: مع استكمال القربة، نحترز به ~~عما لو غيره من فرض إلى مباح فإنه يبطله لعدم القربة في ذلك. # الفرع السابع:في حكم النية في التيمم، ولها بالإضافة إلى الإجزاء أحوال ~~سبعة(1): # الأولى: ms0697 أن ينوي رفع الحدث فلا يصح التيمم؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، ~~ولهذا فإنه يجب الوضوء أو الغسل على المحدث والجنب إذا رأيا الماء، وحكي عن ~~أبي العباس بن سريج من أصحاب الشافعي أنه يرفع الحدث في فريضة واحدة، وقد ~~قررنا دليله فأغنى عن الإعادة. # الثانية: إذا نوى استباحة الصلاة جاز وهو المختار على ما أوضحناه آنفا، ~~وإن نوى به الإستباحة عن الحدث وهو جنب أو عن الجنابة وهو محدث لم يضره ~~لأنه غلط وذكر ما يستغنى عن ذكره. # الثالثة: أن ينوي بتيممه الفرض والنفل جميعا على الإطلاق. # فالمختار: صحة تيممه، وقيل: يقتصر على النفل، وهو بعيد. # الرابعة: إذا نوى الفرض مطلقا جاز له أن يؤدي به النفل على جهة التبعية. # الخامسة: إذا نوى النفل مطلقا فهل يؤدي به الفرض؟ فيه تردد. # والمختار: جوازه ويجوز تأدية النفل به إذا كان معينا. # السادسة: إذا نوى النفل المعين جاز له تأدية الفرض به والنفل جميعا. # السابعة: إذا نوى به تأدية فرضين جاز ذلك على ما اخترناه من جواز تأدية ~~أكثر من فرض واحد بتيمم واحد. # مسألة: ويجب مسح الوجه ولا خلاف فيه لقوله تعالى: {فامسحوا ~~بوجوهكم}..الآية. ولأنه مسح وجهه، وفعله بيان لما أجملته الآية لحديث أسلع ~~حين مسح وجهه بيانا له وتعريفا له كيف يتيمم. PageV02P218 # وهل يجب الإستيعاب للوجه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجب استيعاب الوجه مسحا وهذا هو رأي القاسم، ومحكي عن ~~المؤيد بالله وأبي طالب وهو رأي الشافعي. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم}. وظاهره دال على ~~الإستيعاب، ولأنه صلى الله عليه وآله مسح وجهه بكفيه، وظاهره دال على ~~التعميم، ولأنها طهارة تفعل للصلاة فكان من شرطها تعميم وظيفتها كغسل الوجه. # المذهب الثاني: أنه لا يجب الإستيعاب، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة فإنه ~~قال: لو اقتصر على ربع الوجه في المسح جاز وهو ظاهر كلامه فإنه قال: يمسح ~~وجهه أصاب ما أصاب وبقي ما بقي. # والحجة على ذلك: هو أن الخطاب بالمسح وفعله فيهما دلالة ms0698 على ما قلناه من ~~بطلان التعميم والإستيعاب لأن المسح خفيف الغسل وهو مفارقه إلا أن المسح ~~يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطأ لأنها طهارة يتوصل بها إلى الصلاة فلا يكون من ~~شرطها التعميم، كالمسح على الرأس. # والمختار عندنا: أن الإستيعاب غير مشروط في مسح الوجه. # والحجة على ذلك: هو أنها طهارة ضرورية شرعت عند إعواز الماء وعدمه، ~~والمقصود هو الوفاء بالتعبد، فهذه الوظيفة في الخضوع والذلة بالصاق كرائم ~~الوجوه بالتراب فإنها أعز الأعضاء والتراب أوضع ما يكون فلا جرم كان ~~المقصود حاصلا من غير استيعاب ولا تعميم في العضو كما أشرنا إليه. # الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه. # قالوا: ظاهر الآية دال على الإستيعاب. # قلنا: لا نسلم بل هي دالة على مطلق المسح من غير إشارة إلى قيد من قيوده ~~وهو حاصل من غير تعميم. # قالوا: إنه مسح وجهه بكفيه وفيه دلالة على الإستيعاب. # قلنا: هذا من الطراز الأول فلعله دال على مطلق المسح وليس فيه دلالة على ~~الإستيعاب كما قلتم. # قالوا: طهارة تفعل للصلاة فكان من شرطها التعميم كغسل الوجه. PageV02P219 # قلنا: نحن نقول بموجب قياسكم هذا فإنا لا نسلم الإستيعاب لما أصاب الكف دون ~~مالم يصب وننكر ما قلتموه من وجوب التعميم لجميع الوجه والقول بالموجب يبطل ~~القياس مع الإستمرار على الخلاف. # مسألة: وهل يجب تخليل اللحية وإيصال التراب إلى منابت الشعور كالحاجبين ~~وأهداب العينين أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول:تخليل اللحية بالتراب واجب، وهذا هو رأي الهادي والمؤيد ~~بالله. والتخليل:هو إ دخال أصابع اليدين في شعر اللحية. # والحجة على ذلك:هو أن ما في أثناء تخليل اللحية من الشعر من الوجه وستره ~~لا يوجب خروجه من الوجه فلهذا وجب إمساسه التراب بالتخليل ولأنها طهارة ~~تقصد للصلاة فكان من شرطها تخليل اللحية كالوضوء. # المذهب الثاني: أن التخليل في اللحية بالتراب غير واجب وهو الذي يشير ~~إليه كلام الناصر وهو قول أبي حنيفة والشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن المشقة حاصلة بتخليل اللحية بالتراب فلهذا لم تكن ~~مشروعة في التيمم، لقوله تعالى: ms0699 {وما جعل عليكم في الدين من حرج " ~~}[الحج:78]. وقوله : ((بعثت بالحنفية السمحة " ))(1). PageV02P220 # والمختار عندنا: ما حكيناه عن الناصر وغيره من أن تخليل اللحية غير واجب ~~بالتراب لما ذكرناه من أن الطهارة بالتراب طهارة بدلية عن الماء قصد بها ~~التخفيف عند عدم الماء وإعوازه وتعذر استعماله، وتخليل اللحية ينافي ~~التخفيف في هذه الوظيفة، فلا جرم لم يكن مشروعا ولأنه قد ذكرنا من قبل أن ~~الإستيعاب في المسح غير واجب فهكذا تخليل اللحية أدخل في عدم الوجوب لأن ~~عدم التعميم ترك جزء من أجزاء الوجه واليدين، وتخليل اللحية ليس فيه ترك ~~جزء من أجزاء العضوين فلهذا كان أظهر في ترك الوجوب. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه دلالة. # قالوا: تخليل اللحية من الوجه. # قلنا: لا نسلم لأن التخليل تفريق الشعر وليس جزءا من الوجه، ثم إنا لو ~~سلمنا كونه جزءا فإجراء اليد بالمسح كاف عن التخليل فلا حاجة إليه. # قالوا: طهارة يقصد بها الصلاة فكان من شرطها التخليل كالوضوء. PageV02P221 # قلنا: الوضوء طهارة أصلية، وطهارة التراب طهارة بدلية يقصد بها التخفيف، ~~والتخليل ينافي التخفيف والتفرقة بينهما ظاهرة، على أن هذا الذي ذكرتموه ~~قياس والأقيسة في العبادات منسدة لا تعقل معانيها لأنها أمور غيبية استأثر ~~الله بأسرارها ودقائقها فتتعذر الأقيسة في تقرير أحكامها، فأما إيصال ~~التراب إلى منابت الشعور كالحاجبين وأشعار أهداب العينين فلا أعلم قائلا ~~بوجوبه. أعني: أن يقصد المسح بالتراب، بل يكفي مسح الوجه العام، أما إيصال ~~التراب إلى بادي العذارين والعنفقة والشارب، فالظاهر من كلام الهادي ~~والمؤيد بالله وجوب ذلك كما ذكرناه، فأما إيصال التراب إلى باطن العذارين ~~والعنفقة والشارب فالظاهر من كلام الهادي والمؤيد بالله وجوب ذلك كما ~~ذكرناه في تخليل اللحية، وأما كلام الناصر وأبي حنيفة وعلى المختار الذي ~~ذكرناه فلا يجب ذلك وهو القوي من قول الشافعي وله قول آخر بوجوبه، والمعتمد ~~لنا ما ذكرناه من أن التيمم رخصة موضوعها التخفيف فلا يجب فيها ما فيه حرج ~~ومشقة لأنه ينافي موضوعها. # مسألة: ويجب مسح اليدين لقوله تعالى: {وأيديكم منه}. ms0700 ولا خلاف في وجوب ~~مسحهما وإنما الخلاف في مقدار المسح من اليدين وفيه مذاهب خمسة: # المذهب الأول: أن مقدار مسح اليدين إلى المرفقين، والمرفقان قد فسرناهما ~~في أعضاء الوضوء فلا نعيده، وهذا هو رأي الهادي ورواه عن جده القاسم ورأي ~~الإمامين المؤيد بالله وأبي طالب، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ~~وأصحابه. PageV02P222 # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم " }[المائدة:6] ~~فالآية مجملة في مقدار اليد لكنها مبينة بخبر جابر وابن عمر وابن عباس وأبي ~~أمامة أنه قال: ((التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين " إلى ~~المرفقين))(1) # ويجوز بيان مجمل الكتاب بالسنة الواضحة لأن ظواهر الآي والأخبار كلها ~~مرشدة إلى غلبات الظنون في الأحكام الشرعية كلها. # الحجة الثانية: قياسية، وهو أنها طهارة بدلية يؤتى بها في محل مبدلها ~~فكان حده فيهما واحدا كحد الوجه. # المذهب الثاني: أن مقداره في اليدين إلى الزندين، وهذا هو المحكي عن ~~الصادق والناصر ومروي عن علي وعطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحاق. # والحجة على ذلك: هو أن اسم اليد في عرف اللغة موضوع على الزند لأن ما ~~قبله يقال فيه الكف وما بعده يقال الذراع والعضد، فيجب حمل الآية عليه، ~~والزندان هما العظمان المتصلان بمفصل الكف ويقال له الرسغ أيضا، والكوع هو ~~العظم الشاخص تحت الإبهام، والكرسوع هو العظم المقابل للكوع تحت البنصر(2). # الحجة الثانية: ما روي أن عمارا سأل رسول الله كيف يتيمم، فأمره بأن يمسح ~~وجهه وكفيه(3) # وهو المقدار الذي ذكرناه فيجب الإعتماد عليه، والكفان حدهما الزندان فلا ~~جرم كان التحديد بالزندين. # المذهب الثالث: أن حد التيمم في اليدين: المنكبان وهما العظمان اللذان ~~تتصل بهما الترقوتان، وهذا هو المحكي عن الزهري ولم يحك عن غيره. PageV02P223 # والحجة على ذلك: هو أن الآية دالة على مسح اليدين مطلقا واليدان مقولتان في ~~اللغة على الكف والذراع والعضد إلى المنكب فوجب حمل اليد على ما ذكرناه. # المذهب الرابع: أن المسح يكون إلى الذراعين وهذا هو المحكي عن ابن سيرين ~~وابن المسيب. # والحجة على ذلك: ما روى ابن عباس رضي ms0701 الله عنه أن الرسول فرغ من قضاء ~~حاجته فمر به رجل فسلم عليه فلم يسلم، ثم ضرب بيديه على الجدار ومسح كفيه ~~وذراعيه ثم رد . # المذهب الخامس: حكاه بعض أصحابنا في شرحه ولم أعلم قائله؛ أن الواجب من ~~مسح اليدين أربع أصابع. # والحجة على ذلك: هو أن الآية واردة بمطلق المسح فيجب حملها على أقل ما ~~يطلق عليه المسح ومطلقه إنما يكون بالأنامل الأربع دون الإبهامين لأن مسح ~~الأشياء إنما يكون بما ذكرناه، فلا جرم اكتفى بأقل ما يطلق عليه عملا ~~بالمتحقق من المفهوم من المسح كما يقال: مسحت ناصيته، ومسحت على رأسه وعلى ~~وجهه، فهذه أقاويل العلماء في مقدار المسح من اليدين. # والمختار عندنا: ما قاله الهادي في الأحكام ومن تابعه، وهو محكي عن علي ~~في إحدى الروايتين وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم كابن عمر وجابر وعن ~~جماعة من التابعين كالحسن البصري والشعبي وسفيان الثوري. # والحجة عليه: ما أسلفناه آنفا ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: ما روي عن علي أنه قال في تعليم التيمم ((الوجه واليدان ~~إلى المرفقين " ))(1) # وهذا لا يقوله عن رأي واجتهاد وإنما ينقله عن صاحب الشريعة صلوات الله ~~عليه لأن الباب باب عبادة. PageV02P224 # الحجة الثانية: أن التيمم طهارة عن حدث فيجب فيها استيعاب الوجه واليدين ~~إلى المرفقين. # الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه حججا على مخالفة ما اخترناه، أما من زعم ~~أن مقداره إلى الزند فقد قالوا: الآية دالة على ما قلناه لأن عرف اللغة ~~موضوع على الزند. # قلنا: عما أوردوه أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلا نسلم أن اليد موضوعة على الزند وإنما هي موضوعة إلى المنكب ~~على جهة الحقيقة وإن استعملت في الزند فإنما هو على جهة المجاز وعلى المرفق ~~مجاز لكنا حملناها على مجاز المرافق لدلالة قامت وحجة وضحت فلهذا كان ~~مجازنا أحق من حملها على مجازكم. # وأما ثانيا: فلأنه لامستروح لكم في الآية لإجمالها وإنما المعتمد على ما ~~أوضحها من الأخبار التي ذكرناها فيجب حملها عليه. # وأما ثالثا: فلأن اسم اليد باق ms0702 وإن قطعت من الكوع ولا يبقى اسم اليد إذا ~~قطعت من المرفق وفي هذا دلالة على أن إطلاق إسم اليد على المرفق أصدق من ~~إطلاق اسم اليد على الكوع والزند فبطل ما قالوه. # قالوا:روي أن عمارا أمره [الرسول] أن يمسح وجهه وكفيه. # قلنا:عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه قد روي أنه أمر عمارا بأن يضرب ضربتين، ضربة للوجه وضربة ~~لليدين إلى المرفقين، وخبرنا دال على الزيادة فلهذا كان أحق بالقبول من ~~خبركم الذي ليس فيه زيادة. # وأما ثانيا: فلأن عمارا لما تمرغ بالتراب حين نزلت أية التيمم أمره بما ~~يقتضي التخفيف لما حمل نفسه المشاق بالتمرغ على جهة الاستحباب ثم أمره ~~ثانيا بالقدر الواجب وهو المرفقان. # وأما من زعم أن القدر في اليدين هو المنكبان فقد قالوا: الآية موضوعة على ~~اليد، واليد إلى المنكب فيجب حملها عليه. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: PageV02P225 # أما أولا: فلأنه لا قائل بهذه المقالة قبل الزهري، من الصحابة رضي الله ~~عنهم ولا من جهة التابعين بعدهم وما هذا حاله يبطل لأن الصحابة والتابعين ~~هم الغواصون في علوم الشريعة والمتبحرون في البحث عن أسرارها ولم يعهد عن ~~أحد منهم هذه المقالة فلا جرم حكمنا ببطلانها. # وأما ثانيا: فلأن الطهارة بالتراب طهارة ضرورية شرعت على جهة التخفيف ~~وإيجابها إلى المناكب يخالف مقصودها في التخفيف فلا جرم قضينا ببطلان هذه ~~المقالة. # وأما من زعم أن مقدار المسح في الكف والذراعين فقد زعموا أن ابن عباس روى ~~أن الرسول فرغ من قضاء حاجته ومسح كفيه وذراعيه. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن ما ذكروه إنما كان على جهة الاستحباب في التيمم لرد ~~السلام وكلامنا إنما هو على جهة الوجوب لتأدية الصلاة المفروضة، فأحدهما ~~بمعزل عن الآخر. # وأما ثانيا: فلأنه أطلق مسح الذراع ولم يقدره بالنصف والربع والثلث، ~~فظاهره التعميم إلى المرفق، وهذا هو مقصودنا، فإذا لا فرح لهم فيما أوردوه ~~لمطابقته لما قلناه. # وأما من زعم أن مقدار المسح من اليدين أربع أصابع فقد قالوا: إن الآية ~~واردة بمطلق ms0703 المسح فيجب حمله على أقل ما يطلق عليه المسح وأقله بالأنامل ~~الأربع. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنه إذا كان المقصود هو الاقتصار على الأقل فالأصبع الواحدة ~~كافية في المسح فلا حاجة إلى التقدير بالأربع فتقديره بالأربع تحكم لا ~~مستند له من جهة الشرع. # وأما ثانيا: فلأن هذه المقالة لم تحك عن أحد من الصحابة والتابعين، فلا ~~جرم حكمنا ببطلانها لمخالفتها لأقاويل العلماء من غير أن تكون عليها دلالة شرعية. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: لو لطخ على وجهه ويديه بالطين المبلول لم يجزه؛ لأنه لا يقع ~~عليه اسم التراب كما مر. PageV02P226 # والحجة على ذلك: ما رواه عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن رجل في طين لا يمكنه ~~الخروج منه، فقال: يأخذ من الطين فيطلي به بعض جسده فيتركه حتى يجف فإذا جف ~~تيمم به، ولا يعرف له مخالف. # وإن خاف فوات الوقت قبل جفافه كان بمنزلة من لم يجد ماء ولا ترابا، فهل ~~يصلي على هذه الحالة أم لا؟ فيه تردد. # فحكي عن أبي حنيفة أنه تحرم عليه الصلاة ويقضي، وعن الشافعي أنه يصلي على ~~هذه الحالة ويقضي، وعن مالك لا يصلي ولا يقضي. # والمختار عندنا: أنه يصلي ولا يقضي. # والحجة على ما قلناه: خبر أسيد بن حضير أنه أمره رسول الله في طلب قلادة ~~لعائشة فحضرت الصلاة ولا ماء معهم فصلوا بغير طهارة فأتوا الرسول فسألوه عن ~~ذلك فنزلت آية التيمم ولم ينكر عليهم ولا أمرهم بالقضاء، ويحتمل وجوب ~~الإعادة لان ما هذا حاله نادر وإنما لم يأمرهم الرسول بالإعادة لأن الإعادة ~~على التراخي ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وقد تقدم في الفرع الحادي ~~عشر من مسألة ما يستباح بالتيمم وهي آخر الفصل الثاني في فصول التيمم. # الفرع الثاني: وإن ألصق رجل على يديه ووجهه لصوقا فإن كان نزع اللصوق ~~يضره وأراد التيمم فإنه يمسح على اللصوق بالتراب وإن كان لا يضره نزعها ~~وتيمم، وهكذا الحكم في العصابة والجبيرة. # والحجة على ذلك:هو أن إزالة ms0704 اللصوق فيه حرج ومشقة كما ذكرناه فلهذا سقط ~~حكمه لقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}[الحج:78]. # وهل تجب عليه الإعادة إذا برأ؟ فيه تردد. # والمختار: أنه لا تجب عليه الإعادة وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر ~~أنها تجب. # والحجة على ما قلناه: قوله : ((لا ظهران في يوم)) ولأنه قد أدى الفرض على ~~حكم الخطاب فلا تلزمه الإعادة كما لو كان صحيحا. PageV02P227 # الفرع الثالث: وإن قطعت يده من الكوع وجب مسح الذراع إلى المرفق لأن الباقي ~~موضع للفرض فلا يسقط بزوال الكف، وهكذا إذا قطع من وسط الذراع يجب مسح ~~الباقي لما ذكرناه، وإن قطع من المرفق هل يتوجه مسح الباقي أم لا؟ فيه ~~تردد، وظاهر مذهب أصحابنا وجوب مسحه إذا تيمم وهو محكي عن أكثر الحنفية. # والمختار: أنه لا يجب مسحه لأن مسحه إنما كان بإدخال الحد في المحدود، ~~وهذا إنما يكون مع الإيصال للمحدود بالحد فأما مع القطع فلا وجه، وهو محكي ~~عن زفر من أصحاب أبي حنيفة، ولأن المرفق اسم لطرف الذراع مما يلي العضد ~~فإذا قطع بطل المرفق فلا وجه لمسح طرف العضد من غير دلالة. # الفرع الرابع:اليد الشلاء التي لا حراك بها سواء كان فيها حياة أو لم ~~تكن، يجب غسلها في الوضوء ومسحها في التيمم للآية والخبر فإنهما جميعا ~~متناولان لها ولا أعرف قائلا بخلاف ذلك، ولأنها كاملة في الخلقة وإن نقصت ~~الحياة والقدرة فيجب مسحها كاليد الصحيحة، والأصبع السادسة يجب مسحها لأنها ~~من جملة أصابع اليد لما ذكرناه من الأدلة الشرعية. # مسألة: والترتيب مشروع في عضوي التيمم للآية والفعل، أما الآية فقوله ~~تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه " }[المائدة: 6]. وأما الفعل فلما روي ~~عنه أنه مسح وجهه ويديه، فظاهر الآية والفعل يدلان على أنه مشروع كما أشرنا ~~إليه، وهل يكون واجبا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الترتيب واجب فيبدأ بالوجه ثم يردفه باليدين وهذا هو ~~المحكي عن أئمة العترة ومروي عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وقتادة وأبي ~~ثور وأبي ms0705 عبيدة. PageV02P228 # والحجة على ذلك: هو أنه تعالى قال عقيب قوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا فامسحوا بوجوهكم " }[المائدة:6]. فأوجب البداية بمسح الوجه لأن الفاء ~~موضوعة للترتيب والتعقيب جميعا عند أئمة الآدب من النحاة وأهل اللغة، وإذا ~~وجبت البداية بالوجه دل على ما قلناه من وجوب الترتيب. # الحجة الثانية: فعله ، فإنه بيان لما أجملته الآية في المقدار فإنه بدأ ~~بمسح وجهه وثنى بمسح يديه، والبيان يجب أن يكون مطابقا للمبين فإذا كان ~~الترتيب مرعيا بالوجوب في المبين وجب في بيانه أن يكون كذلك من غير تفرقة ~~بينهما. # المذهب الثاني:أنه غير واجب، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة ومروي عن مالك ~~والثوري والأوزاعي. # والحجة على ذلك: هو أن نظام الآية مسوق بالواو، والواو موضوعة للجمع من ~~غير ترتيب، وهو محكي عن سيبويه وغيره من النحاة كالمبرد والمازني. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وغيرهم من فقهاء العامة، والبرهان ~~عليه ما حكيناه عنهم من الدلالة ونزيد هاهنا، وهو أن الطهارات أمور غيبية ~~استأثر الله بأسرارها وقد بدأ رسول الله بمسح وجهه وثنى بمسح ذراعيه، وما ~~فعله فلا يجوز تغييره خاصة في أسرار الطهارات فلا يجوز العدول عنه من غير دلالة. # الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه حجة لهم. # قالوا: الواو موضوعة بالحقيقة للعطف من غير ترتيب فلا يجوز العدول عن ~~الحقيقة من غير دلالة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أحدهما: أنه قد نقل أنها حقيقة في الترتيب عن جماعة من أهل الأدب والنحاة ~~فهو يعارض ما ذكرتموه. # وثانيهما: أنا لو سلمنا كونها مجازا في الترتيب فإنما عدلنا إلى المجاز ~~لما ذكرناه من الدلالة فلهذا عدلنا إلى القول بمجازها توفقة بين الأدلة، ~~والمجازات في كتاب الله تعالى أكثر من أن تحصى واستعمال المجازات في القرآن ~~أكثر من استعمال الحقائق فإذا حملنا الواو على مجازها في عدم الترتيب لم ~~يكن بدعا. PageV02P229 # مسألة: والترتيب مشروع أيضا بين اليمنى واليسرى لما قررناه من الأدلة ~~الشرعية من الأقوال والأفعال فلا وجه لتكريره. وهل يكون واجبا أم لا؟ فيه ~~مذهبان: ms0706 # المذهب الأول: أنه واجب، وهذا هو قول أئمة العترة لا يختلفون فيه وهو رأي ~~الإمامية. # والحجة على ذلك: هو ما دل على وجوب الترتيب بين الوجه واليدين فهو بعينه ~~دال على وجوب الترتيب بين اليمنى واليسرى، وقد أسلفناه فلا وجه لتكريره. # المذهب الثاني: أنه مستحب وليس وا جبا، وهذا هو رأي الشافعي وأصحابه فأما ~~أبو حنيفة فإنه مخالف لوجوب الترتيب في الطهارتين جميعا بين الأعضاء كلها. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه " ~~}[المائدة:6] ولم يفصل في المسح بين اليمنى واليسرى. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة. # والحجة على ذلك: هو أنه مسح يده اليمنى قبل اليسرى فيجب التأسي بفعله ~~لقوله تعالى: {واتبعوه}[الأعراف:158] وقوله: {لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة " }[الأحزاب:21]. ولن يكون التأسي إلا بأن يفعل مثل فعله على ~~الوجه الذي فعله لأنه فعله، فعلى هذا يكون التأسي به، وقد قدم اليمنى على ~~اليسرى في تيممه فلهذا وجب اتباعه فيه. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. # قالوا:الآية دالة على بطلان الترتيب بين اليمنى واليسرى لقوله: {فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم " }[المائدة: 6]. ولم يفصل في مسحهما. # قلنا: الآية مجملة في مقدار المسح وكيفيته، والفعل يكون بيانا للخطابات ~~المجملة كالبيان بالخطاب فإنهما سيان في البيان، وقد أوضح التيمم بفعله ~~بتقديم اليمنى على اليسرى فوجب الإنقياد لفعله كالإنقياد لأمره من غير فرق، ~~فهذه جملة الفروض في التيمم قد ذكرناها بأدلتها وتفاصيلها وجملتها أمور سبعة: # أولها: إحضار التراب المطلق. # وثانيها: القصد إلى الصعيد. # وثالثها: نقل التراب إلى أعضاء التيمم. PageV02P230 # ورابعها: النية للصلاة التي استباح بها. # وخامسها: مسح الوجه. # وسادسها: مسح اليدين. # وسابعها: الترتيب. PageV02P231 # --- ### ||| AUTO القول في بيان السنن الواردة في التيمم # وجملتها عشر. # السنة الأولى: التسمية وهي مشروعة قبل الشروع في هذه الطهارة وهي مستحبة ~~في سائر الأمور المباحة للتبرك وهي في العبادات أحق وأولى لما فيها من مزيد ~~القربة فذكر الله فيها يكون أحق وأولى، وهل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها واجبة وهو رأي السيد أبي طالب. ms0707 # والحجة على ذلك: هو أنها طهارة تستباح بها الصلاة فكانت التسمية فيها ~~واجبة كالوضوء. # المذهب الثاني: أنها غير واجبة، وهذا هو الظاهر من مذهب الأئمة الهادي ~~والناصر والمؤيد بالله ورأي الفريقين الشافعية والحنفية، ومحكي عن مالك. # والحجة على ذلك:هو أن المقصود من التسمية التبرك وتزكية الأعمال ولم تدل ~~على الوجوب دلالة فلا جرم قضينا بالاستحباب لقوله : ((أفضل الأعمال ذكر ~~الله ))(1) # كما قال تعالى:{ولذكر الله أكبر }[العنبكوت:45]. # والمختار: ما عليه الأكثر من الأئمة والفقهاء من كونها مستحبة. # والحجة على ذلك:هو أن الأصل براءة الذمة عن الملزوم بالإيجاب فلا يمكن ~~شغل الذمة بالوجوب إلا بدلالة واضحة. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعل عمدة لهم في الوجوب. # قالوا: طهارة تستباح بها الصلاة فكانت [التسمية فيها] واجبة كالوضوء. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV02P232 # أما أولا: فلأنه لا مجرى للأقيسة في العبادات؛ لأنها أمور لا تعقل معانيها ~~ولا تفهم أسرارها، وحيث أوردنا شيئا من الأقيسة في العبادات فليس على جهة ~~الإعتماد عليها وإنما هو على جهة المعارضة لمن خالفنا في تلك المسألة أو ~~على جهة الإستظهار مع إيراد المعتمد من الأدلة الشرعية. # وأما ثانيا: فإنا نقلب عليهم هذا القياس ونقول: طهارة تستباح بها الصلاة ~~فلا تكون التسمية فيها واجبة كالطهارة من النجس. ولا شك إن قلب العلة ~~وتعليق علتها بنقيض الحكم مفسد للقياس. # السنة الثانية:تجديد النية واستصحابها عند مسح كل عضو من أعضاء التيمم ~~وصورتها: أن ينوي عند مسح الوجه استباحة الصلاة وينوي عند مسح اليد اليمنى ~~استباحة الصلاة وهكذا عند مسح اليد اليسرى ولا خلاف في استحباب تجديدها. # والحجة على ذلك: قوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى )). وفي حديث ~~آخر: ((نية المؤمن خير من عمله )). وإنما كانت خيرا لأن الأعمال تزكو بها ~~وتحصل بها مضاعفة الأجر والثواب. # السنة الثالثة: تفريق النية والتفرقة بين التجديد في النية والتفريق لها، ~~هو أن التجديد أن ينوي في كل عضو ما ينوي في جملة أعضاء التيمم ويكررها حتى ~~يفرغ من مسح الأعضاء، بخلاف التفريق فإنه يفرق النية على الأعضاء ms0708 على ~~الخصوص فينوي عند مسح الوجه للصلاة وينوي عند مسح اليد اليمنى للصلاة وهكذا ~~يفعل عند مسح اليد اليسرى. فإذا فرقها على الأعضاء على الخصوص فهل تكون ~~مجزية أم لا؟ فيه وجهان عن أصحاب الشافعي ذكرناهما في الوضوء عند تفريق ~~النية، فمنهم من قال إن التفريق يفسدها، ومنهم من قال بأنها تجزيه مع ~~التفريق. PageV02P233 # والمختار: هو الإجزاء مع التفريق لأن التفريق إعمالها في كل عضو مع الخصوص، ~~ومثل هذا لا يطرق خللا فيها لاتصالها بالعبادة وتخصصها بكل عضو وهذا يزيدها ~~تأكيدا في مضاعفة الثواب وزيادة في الفضل، وليس تفريقها واجبا ولكنه إن فعل ~~هذا لم يكن مفسدا لها، وهذا كان السبب في إيرادها في السنن لكونه خليقا ~~بها، والله أعلم. # السنة الرابعة:الموالاة في مسح أعضاء التيمم من غير تفريق بينها، وهل ~~تكون واجبة أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنها غير واجبة وإنما هي مستحبة. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه}[المائدة:6]. ~~والواو للجمع من غير تفريق فإن فرق حتى زال غبار التراب من الوجه كان ~~مكروها ولم يدخل زواله بهبوب الرياح خللا في الإجزاء وقد رمزنا إلى ما في ~~التفريق في أعضاء الوضوء من الخلاف ونصرنا القوي من ذلك بمعونة الله تعالى. # السنة الخامسة: المستحب أن يضرب بيديه على التراب سواء كان التراب ناعما ~~أو غير ناعم لما في حديث عمار قال: أصابتني جنابة فتمرغت على الأرض فأتيت ~~رسول الله فذكرت له ذلك فقال: ((يكفيك أن تفعل هكذا وضرب بيديه على الأرض ~~)). وحكي عن الشافعي في أحد أقواله أنه إن كان التراب ناعما فلا ضرب وإن ~~كان غير ناعم ضرب. # والحجة عليه: ما رويناه من حديث عمار وأسلع ولأن فيه مبالغة في إتصال ~~غبار التراب باليدين فلهذا كان مستحبا. # السنة السادسة: نفخ التراب عن اليدين فإنه مستحب لما في حديث عمار وأسلع؛ ~~لأنه % رفع يديه من الأرض ثم نفخهما لتقليل التراب لأن كثير الغبار غير ~~محتاج إليه في مقصود العبادة فلهذا خففهما بالنفخ. PageV02P234 # السنة السابعة: تفريق الأصابع وتفريجها، ms0709 والمستحب أن لا يفرج أصابعه في ~~الضربة الأولى مخافة أن يحصل التراب بين أصابعه فيكون ماسحا لها قبل الوجه ~~وفي ذلك مسح جزء من أجزاء اليد قبل مسحه لوجهه، فيبطل الترتيب وهو واجب، ~~والمستحب أن يفرج أصابعه في الضربة الثانية لأنها مشروعة في اليدين ولا ~~ترتيب في مسحهما. # السنة الثامنة: ويستحب نزع الخاتم من الخنصر قبل الضربة الثانية باليدين ~~لئلا يمنع من وصول التراب إلى ما تحته، فإن ترك نزعه وكان واسعا كره وأجزأه المسح. # السنة التاسعة: ويستحب صف اليدين في الضرب للوجه وفي الضربة الثانية ~~لليدين. # والحجة على ذلك: هو أن الظاهر من حديث عمار وحديث أسلع أنه ضرب بيديه على ~~الأرض على جهة الإستواء في حالهما من غير مخالفة فإن خالف فيهما كره ~~وأجزأه. # السنة العاشرة: الضربة الثالثة وهي سنة وهي محكية عن القاسم ومروية عن ~~ابن المسيب وابن سيرين وأصحاب الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن الضربتين للوجه واليدين قد تقرر وجوبهما بما ~~ذكرناه من الأدلة بالأحاديث التي رويناها، والضربة الثالثة مستحبة بالقياس ~~على غسلات الوضوء في الوجه واليدين بجامع كونهما طهارة مقصودة للصلاة فلهذا ~~كانت الثالثة مستحبة لما ذكرناه. # تنبيه: اعلم أن المذاهب في عدد الضربات أربعة: # المذهب الأول: أن الواجب ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين وهذا هو المحكي ~~عن الإمامين الهادي والناصر ورأي السيدين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب، ~~ومروي عن فقهاء الأمصار الشافعي وأصحابه وأبي حنيفة ومالك. # والحجة لهم على ذلك: ما رويناه عن عمار بن ياسر وحديث أسلع وقد قدمناه ~~فلا نعيده، وهو المختار عندنا وقد مضى تقريره بأدلته الواضحة. # المذهب الثاني: أن الواجب ضربة واحدة للوجه واليدين، وهذا هو قول الصادق ~~والإمامية، ومحكي عن الأوزاعي وأحمد بن حنبل. PageV02P235 # والحجة على ما قالوه: ما رواه البخاري في صحيحه عن عمار أنه قال: إجتنبت ~~فتمرغت كما تتمرغ الدابة فأتيت الرسول فقال: ((يكفيك هكذا وضرب ضربة بيديه ~~ومسح وجهه وكفيه واحدة))(1). # المذهب الثالث: أن الواجب ضربتان كل واحدة من الضربتين تستعمل في العضوين ~~جميعا وهذا ms0710 هو المحكي عن ابن أبي ليلى. # والحجة له على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((التيمم ضربتان)). ولما ~~في حديث عمار وأسلع فقد تقرر وجوب الضربتين من جهة الرسول قولا وفعلا، ~~والآية ظاهرها دال على مسح العضوين فأخذنا من الأخبار العدد ومن الآية مسح ~~العضوين بالضربتين جمعا بين الأدلة وتوفقة بينها، ولن يكون الجمع بين الآية ~~والأخبار إلا بما ذكرناه. # المذهب الرابع: أن الواجب ثلاث ضربات ضربة بالكفين للوجه وضربة بالكفين ~~لليد اليمنى وضربة بالكفين لليد اليسرى، فضربتان واجبتان والثالثة سنة، وهو ~~الذي حكيناه عن القاسم وابن المسيب وابن سيرين، وظاهر كلامهما وجوب الثلاث، ~~ضربة للوجه وضربة للكفين وضربة للذراعين فأما القاسم فقد صرح بأن الثالثة سنة. # وحجته: ما ذكرناه من قياسه على الغسلة الثالثة في الوضوء. # والمختار: ما حققناه من قبل في العدد والكيفية، فالعدد: ضربتان، ~~والكيفية: أن واحدة للوجه وواحدة لليدين. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، فأما من زعم أن الواجب ضربة واحدة محتجا ~~بما روى البخاري عن الرسول في خبر عمار فعنه جوابان: # أما أولا: فلأن ما رواه عمار من الضربتين راجح لحديث أسلع وغيره من ~~الأحاديث فإنها مطابقة له فلهذا كان أرجح من رواية البخاري. # وأما ثانيا: فلأنها مشتملة على الزيادة والزيادة مقبولة من الراوي لما ~~فيها من الفائدة دون غيرها، وأما من زعم أن الواجب ضربتان مستعملتان في ~~العضوين توفقة بين الأخبار والآية كما حكيناه عنهم، فعنه أجوبة ثلاثة: PageV02P236 # أما أولا: فلأن الآية مجملة والأخبار صريحة فيما تناولته وكل واحد على ~~حياله دال على ما يدل عليه فلا وجه للجمع بينهما فيما لا يتفقان فيه. # وأما ثانيا: فلأن ما دل من الأخبار على وجوب الضربتين فهو بعينه دال على ~~استعمال كل واحدة فيهما في كل عضو على انفراده. # وأما ثالثا:فلأنا إذا استعملنا كل واحدة من الضربتين في عضو على انفراده ~~كان أدخل في الفائدة وأزيد في المعنى، فوجهه أن ما ذكروه تكرار لا فائدة ~~فيه، وما قلناه ليس فيه تكرار فلهذا كان أحق بالقبول ms0711 وأدخل في المقصود مما ~~قالوه، فأما ما حكيناه عن الإمام القاسم بن إبراهيم من أن الواجب ضربتان ~~والثالثة سنة ففيه نظر، من جهة أن الطهارات كلها لا تجري فيها الأقيسة ~~وإنما هي أمور غيبية استأثر الله بأسرارها فلا جريان للمعاني فيها وجري ~~الأشباه فيها عسير، وقياسه على الوضوء فيه بعد من جهة أن تكرار الغسلات فيه ~~زيادة للتطهير فلهذا شرع فيه الفرض والسنة، بخلاف الطهارة بالتراب فإن ~~زيادة الثالثة فيه تكثير للتعفير بالتراب فإذا حصل الفرق بطل القياس، ووجه ~~ثالث: وهو أن صاحب الشريعة قد أشار إلى السر الذي ذكرناه في طهارة التراب ~~ولم يذكر السنة في الثالثة وهو في محل التعليم، فظهر بما حققناه أن تحكيم ~~الآراء النظرية في العبادات يضيق مسلكه ويدق مجراه فيجب الإقتصار فيها على ~~الآي القرآنية والأخبار النبوية وتكون الأقيسة بمعزل. PageV02P237 # --- ### ||| AUTO خاتمة لمفروض التيمم ومسنونه # اعلم أن جميع ما اشتملت عليه أعمال الطهارة بالتراب فهي منقسمة إلى ~~مفروضات ومسنونات وهيئات فهذه أقسام ثلاثة: # القسم الأول: المفروضات، ونعني: ما لا تكون الطهارة والصلاة مجزيتين إلا ~~بفعله وهذا نحو النية ونقل التراب ومسح الوجه واليدين إلى المرفقين وغير ~~ذلك فهذه الأمور كلها لا تتم الطهارة وإجزاء الصلاة إلا بها. # القسم الثاني: المسنونات، وهو كل ما كان ليس شرطا في الطهارة وتكون ~~الصلاة مجزية من دونه، وهذا نحو تجديد النية والموالاة في مسح الأعضاء ~~والضرب باليدين وغير ذلك من السنن التي حصرناها. # القسم الثالث: الهيئات، وهذا نحو الصف في اليدين ونفخهما من التراب ~~وتفريق الأصابع وضمها وغير ذلك من المستحبات. # وتنقسم الأعمال قسمة أخرى إلى ما يكون مجمعا على كونه فرضا، وإلى ما يكون ~~مجمعا على كونه سنة، وإلى ما وقع فيه الخلاف والتردد في كونه فرضا أو سنة، ~~فهذه ضروب ثلاثة: # فالضرب الأول: وقع الإجماع على كونه فرضا وهو ما تضمنته الآية من مسح ~~الوجه واليدين ولا خلاف في هذا. # الضرب الثاني: ما وقع الإجماع على كونه سنة وهذا نحو صف اليدين ونفخهما ~~وتفريق الأصابع وضمها. ms0712 # الضرب الثالث: ما وقع فيه التردد والخلاف، وهذا نحو النية واعتبار التراب ~~وطهارته والترتيب. # وقد تم غرضنا من بيان المفروض والمسنون من طهارة التراب. PageV02P238 # --- ### ||| AUTO الفصل الخامس في بيان أحكام التيمم # اعلم أنا قد اسلفنا نبذا في أحكامه فيما قدمناه في الفصول السابقة ونحن ~~الآن نذكر ما لم نذكره من قبل، وجملة ما نذكره من ذلك أحكام خمسة: # الحكم الأول: المأثور من كلام الأئمة وإطلاقات علماء الأمة أن الطهارة ~~بالتراب طهارة ضرورية فيستخرج من هذا قواعد عشر: # أولها: أن الطهارات كلها إنما تقصد لإزالة الأحداث الموجبة للغسل نحو ~~الجنابة والحيض والنفاس أو الأحداث الموجبة للوضوء كالبول والغائط فإنها ~~رافعة لها، بخلاف الطهارة بالتراب فإنها غير رافعة لهذه الأحداث وإنما هي ~~مبيحة لما كان محظورا. # وثانيها: أنها إنما تكون عند عدم الماء وتعذر استعماله، ولا يجوز فعلها ~~مع وجود الماء والتمكن من استعماله كما مر بيانه. # وثالثها: أنها إنما تفعل في آخر الوقت لأنها طهارة بدلية وإنما يجوز ~~فعلها عند الإياس من المبدل. # ورابعها: أنها مقصورة على عضوين بخلاف طهارة الغسل فإنها موضوعة لطهارة ~~البدن كله والوضوء موضوع للأعضاء. # وخامسها: أن المقصود منها هو مسح العضوين بالتراب بخلاف الطهارة بالماء ~~فإن المقصود منها هو الغسل، والمسح يفارق الغسل في حقيقته وحكمه. # وسادسها: أن موضوعها وإن كان المسح فليس المقصود منه الإستيعاب فلا يلزم ~~فيه إدخاله تحت الشعور كالحاجبين وأهداب العينين بل يمسح فيصيب ما أصاب ~~ويخطئ ما أخطأ. # وسابعها: أنه مقصور على أداء الفريضة الواحدة مع نافلتها بخلاف الوضوء ~~فإنه يؤدى به كل فريضة ونافلة. # وثامنها: أن الطهارة بالتراب تنتقض برؤية الماء لما كانت بدلية بخلاف ~~الطهارات بالماء فإنها إنما تنتقض بالأحداث الشرعية لا غير. # وتاسعها: أن كل ما أدي من العبادات بالطهارة المائية فإنه لا يعاد سواء ~~كان الوقت باقيا أو زائلا بخلاف ما أدي بالطهارة بالتراب من العبادات فإنه ~~يعاد إذا كان الوقت باقيا وما ذاك إلا لنقصانها وكونها ضرورية. PageV02P239 # وعاشرها: أن الطهارة كلها بالماء مشروعة للتطهير والتنظيف وإزالة ms0713 العفونات ~~من الفم والأنف والعين وسائر الأعضاء وتنحية الغبرات عنها، ولهذا جعل وظيفة ~~الرأس المسح لما كان الغالب ستره بالعمامة والقلنسوة، بخلاف الطهارة ~~بالتراب فإنها مشروعة لتعفير أعضائه بالتراب وإلصاق الغبرات به. وفيه فوائد ~~غير ما ذكرناه وأشرنا إليه لا تخفى على من له خوض وممارسة لعلم الفقه، ~~وفيما أوردناه عينة وكفاية في التنبيه على مقاصد العلماء في كون هذه ~~الطهارة ضرورية. # الحكم الثاني: أجمع العلماء واتفق الفضلاء من أئمة العترة وفقهاء الأمة ~~على أن الطهارة بالتراب إنما تراد لتأدية الأمور التي تشترط فيها الطهارة ~~وذلك أنواع ثلاثة: # أولها: تأدية الصلوات المفروضة نحو [الصلوات] الخمس وصلاة الجنازة. # وثانيها: القرب المندوبة، وهذا نحو صلاة النافلة ودخول المسجد وقراءة ~~القرآن. # وثالثها: الأمور المباحة، نحو الوطء بعد انقضاء النفاس والحيض، فالطهارة ~~بالتراب تراد لهذه الأمور الثلاثة عند عدم الماء وتعذر استعماله. # وهل يزال حكم النجاسة بالتراب أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن التراب لا يقوم مقام الماء في إزالة النجاسة، وهذا هو ~~قول أئمة العترة وفقهاء الأمة أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك. # والحجة على ذلك: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أن امرأة سألت ~~رسول الله ، هل يجزي المرأة أن تستنجي بشيء غير الماء؟ فقال: ((لا إلا أن ~~لاتجد الماء " )) (1). # فنص على أن النجاسة من موضع الإستنجاء لا تزول إلا بالماء، ولم يفصل أحد ~~بين ذلك الموضع وبين سائر المواضع من الأجسام والثياب. PageV02P240 # والحجة الثانية: ما روي عن الرسول أن أعرابيا بال في المسجد فقال: ((صبوا ~~عليه ذنوبا من ماء " )). فلو كان شيء يقوم مقام الماء في إزالة النجاسة ~~لذكره أو لخير بينه وبين الماء فلما لم يذكره وهو في محل التعليم للشريعة ~~دل على بطلانه. # المذهب الثاني: محكي عن أحمد بن حنبل، أن التراب يقوم مقام الماء عند ~~عدمه في إزالة النجاسة ولم أعرف أحدا قال بهذه المقالة قبله ولا بعده. # والحجة له على ما قاله: هو أن إزالة النجاسة طهارة يتوصل بها إلى إصلاح ms0714 ~~الصلاة وصحتها فقام التراب فيها مقام الماء كالوضوء والغسل ولا أعرف له ~~دلالة على ما ذكر سوى القياس لا غير. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ويدل عليه ما ذكرناه ونزيد حججا ثلاثا: # الحجة الأولى: قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا " ~~}[الفرقان:48]. وقوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به " ~~}[الأنفال:11] ووجه الإستدلال من هاتين الآيتين هو أن الله تعالى امتن ~~علينا بأن جعل الماء لنا طهورا ومطهرا وخص التطهير به، فلو قلنا: إن غير ~~الماء يقوم مقامه ويشاركه لبطل الإمتنان بالتخصيص. PageV02P241 # الحجة الثانية: ما روي أن أسماء بنت أبي بكر " (1) # رضي الله عنها سألت رسول الله عن دم الحيض يصيب الثوب فقال : ((حتيه ثم ~~اقرصيه ثم اغسليه بالماء " )). وهذا نص فيما اختلفنا فيه، ولأنه أمر بالحت ~~أولا ثم بالقرص ثانيا ثم بالغسل ثالثا، فلو كان غير الماء يقوم مقامه في ~~التطهير لذكره وهو في موضع التعليم فدل على بطلانه. PageV02P242 # الحجة الثالثة: هو أن الطهارات أمر شرعي فلا يمكن إثبات ما يتطهر به إلا ~~بالأمور الشرعية والشرع إنما ورد بالماء دون غيره فلهذا لم يجز التطهر إلا ~~به، وقد أعرضنا عن ذكر الأقيسة في الطهارات من جهة كونها أمورا غيبية لا ~~يعلمها إلا الله فهو المستأثر بعلمها فلا وجه لإيراد الأقيسة في تقريرها ~~وإبطالها لإنسداد جريانها فيها. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعله حجة من القياس وهو فاسد لأوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأنا قد ذكرنا غير مرة، تعذر جري الأقيسة في الطهارات لإنسداد ~~المعاني والأشباه المثمرة للأحكام فلا مطمع في إعادتها. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل: كونها طهارة بمائع، وما ذكرتموه: ~~طهارة بجامد فلا جرم افترقا والفرق مبطل للقياس. # وأما ثالثا: فلأنا نعارض قياسه بما يكون مبطلا له. فنقول: طهارة بجامد ~~فلا تكون من شرط صحة الصلاة كالإستجمار بالأحجار، فبطل ما عول عليه، وصح ~~بما ذكرناه أنه لا مستروح له فيما قاله. # الحكم الثالث: في رؤية المتيمم للماء، واعلم أن المتيمم إذا تيمم وفرغ من ~~تيممه على الصفة ms0715 المشروعة فله ثلاث حالات(1): # الحالة الأولى: أن تكون رؤيته للماء قبل دخوله في الصلاة وفيه مذهبان: # المذهب الأول: أن تيممه يبطل وهذا هو قول أئمة العترة وفقهاء الأمة ~~الشافعي وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه ومالك. # والحجة على ذلك: قوله : ((الصعيد الطيب وضوء المسلم ما لم يجد الماء " ~~فإذا وجده فليمسسه بشرته)) (2). # الحجة الثانية: وهو أن التيمم إنما يراد لإستباحة الصلاة، فإذا قدر على ~~الأصل قبل الشروع في المقصود لزمه العود كالحاكم إذا حكم بالاجتهاد ثم وجد ~~النص في الواقعة قبل التنفيذ. PageV02P243 # المذهب الثاني: أنه يصلي بتيممه ولا ينتقض، وهذا شيء حكاه العمراني صاحب ~~البيان عن سلمة بن عبدالرحمن(1) من أصحاب الشافعي. # والحجة له على ما قاله: قوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم " }[محمد:33]. ~~ولا شك أن التيمم من جملة أعمال العبادات وهو إذا عدل عنه إلى الوضوء فقد ~~أبطله إذا لم يصل به. # الحجة الثانية: قوله هو أن التيمم قد انعقد على الصحة فلا يبطل برؤية ~~الماء كما لو رآه بعد فراغه من الصلاة. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة. # والحجة عليه: ما رويناه عنهم ونزيد ههنا حججا ثلاثا: # الحجة الأولى: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا " }[المائدة: 6] وهذا ~~واجد للماء. # الحجة الثانية: قوله : ((التراب كافيك حتى تجد الماء " )) وهذا واجد للماء. # الحجة الثالثة: قوله: ((فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك " )). ولم يفصل بين ~~أن يكون قد فعل الصلاة أو لم يفعل، فهذه الحجج كلها دالة على ما ذكرناه. # الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه. # قوله تعالى: {لا تبطلوا أعمالكم " }[محمد:33]. # قلنا: هذه الآية مجملة لأحتمالها لمعان، فيحتمل أن يراد بها لا تبطلوا ~~أعمالكم لعدم القصد فيها وجه الله تعالى، ويحتمل أن يراد بها لا تبطلوا ~~أعمالكم باقتحام الكبائر المحبطة لثوابها، ويحتمل أن يراد لا تبطلوا ~~أعمالكم بإخلال شروطها، فهذه الآية محتملة لهذه المعاني فلا تحمل على بعضها ~~دون بعض إلا بدلالة ولا دلالة هاهنا. PageV02P244 # قوله: هو أن التيمم قد انعقد من أول وهلة على الصحة فلا وجه لإبطاله. # قلنا:هذا فاسد فإنا ms0716 نقول: ما تريد بكون التيمم قد انعقد على الصحة، تريد ~~مع رؤية الماء أو من غير رؤيته فممنوع مسلم(1)، # فإن صحة انعقاده على الصحة مشروطة بعدم رؤية الماء. # الحالة الثانية: أن تكون رويته للماء بعد دخوله في الصلاة، فهل تبطل ~~صلاته ويلزمه الخروج منها أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنها تنتقض طهارته وتبطل صلاته ويلزمه الخروج للوضوء ~~والصلاة، وهذا هو رأي الهادي والناصر واختاره السيدان الأخوان المؤيد بالله ~~وأبو طالب، ومحكي عن أبي حنيفة والثوري والأوزاعي، ومحكي عن المزني وابن ~~شريح من أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا " ~~}[المائدة:6]. فظاهر الآية دال على فساد التيمم مع وجود الماء ولم يفصل بين ~~حالة وحالة في الفساد. # الحجة الثانية: قوله : ((فإذا وجدت الماء فامسسه بشرتك " )) فأمرنا ~~باستعمال الماء ولم يفصل بين أن يكون قبل الدخول في الصلاة أو في أثنائها. # المذهب الثاني: أن صلاته صحيحة ولا يجوز له الخروج عنها وهو رأي مالك، ~~ومحكي عن داؤد من أهل الظاهر. # والحجة على هذا: هو أنه قد تلبس بصلاة صحيحة فلا يجوز له الخروج عنها كما ~~لو رأى الماء بعد الفراغ منها. # المذهب الثالث: التفصيل، وهو أنه إن كان في الحضر أو في سفر قصير بطلت ~~صلاته ووجبت عليه الإعادة وإن كان في سفر طويل لم تبطل صلاته ولم تجب عليه ~~الإعادة وهذا هو رأي الشافعي. PageV02P245 # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو ~~في صلاته " فينفخ بين اليتيه ويقول له: أحدثت أحدثت فلا ينصرف حتى يسمع ~~صوتا أو يجد ريحا)) (1). # فمن قال بأنه ينصرف في هذه الحالة وهي رؤية الماء فقد خالف ظاهر هذا ~~الحديث، ثم قال أصحاب الشافعي: فإذا تقرر هذا فهل له الخروج منها أم لا؟ ~~فيه وجهان: # أحدهما: أن الأفضل أن يخرج منها كما إذا وجد الرقبة في أثناء الصوم ~~فالأفضل أن يرجع إلى العتق. # وثانيهما: أنه لا يجوز له الخروج منها لأنها صلاة مفروضة ms0717 صحيحة فلا ينصرف عنها. # قالوا: والأصح هو الأول وهو الخروج منها. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من فقهاء العامة. # والحجة على ذلك: هو أن الظواهر الشرعية من الآية والأخبار دالة على بطلان ~~التيمم عند رؤية الماء ولم يفصل، ولأنه رأى الماء بعد تلبسه بطهارة التراب ~~فكان مبطلا لها كما لو رأى الماء قبل دخوله في الصلاة. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. أما من زعم أن صلاته صحيحة وأنه لا يجوز ~~له الخروج منها. # قالوا: صلاة صحيحة قد تلبس بها فلا يجوز له الخروج منها. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنها طهارة بدلية فلا يحكم بصحتها مع وجود مبدلها وهو الماء. PageV02P246 # وأما ثانيا: فلأن صحتها مشروطة بعدم رؤية الماء والآن فهو موجود فلهذا ~~حكمنا ببطلانها، فأما ما حكيناه عن الشافعي من التفصيل فقد حكى صاحب البيان ~~أن الأصح من القولين هو بطلان الصلاة ووجوب الإعادة مثل قولنا، فأما ~~احتجاجهم بالخبر فهو حجة لنا عليهم؛ لأنه قال: ((فلا ينصرف حتى يسمع صوتا ~~أو يجد ريحا)). فظاهره دال على أنه يحكم ببطلان الطهارة عند تحقق الناقض ~~ونحن قد حكمنا ببطلان الطهارة وأوجبنا عليه الإعادة لما تحققننا الناقض لها ~~وهو رؤية الماء فبطلت دلالة الخبر على ما قالوه. # الحالة الثالثة: في المتيمم إذا وجد الماء بعد فراغه من الصلاة. اعلم أن ~~المتيمم إذا فرغ من الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء بعد مضي الوقت للعبادة ~~وتقضيه فلا خلاف بين العلماء [في] أنه لا يجب عليه القضاء لما صلى بالتيمم. # والحجة على ذلك: هو أنه قد خرج عن عهدة الأمر بتأدية الصلاة بالتيمم ~~بشرائطه فلا يجب عليه القضاء، ولأن القضاء إنما يجب بأمر جديد ولا دلالة ~~تدل على وجوب القضاء. # التفريع على هذه القاعدة وجملتها فروع خمسة: # الفرع الأول: إذا فرغ الرجل من صلاته بالتيمم وقد بقي من الوقت ما يسع ~~لتأدية ما صلى بالتيمم على الكمال، فهل تتوجه عليه الإعادة أم لا؟ فيه ~~مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه يجب عليه الوضوء ms0718 ويعيد الصلاة، وهذا هو الذي اختاره ~~السيدان الإمامان(1) # لمذهب الهادي والناصر وهو رأيهما ومحكي عن طاؤوس من الفقهاء. # والحجة على ذلك: هو أن الطهارة بالتراب طهارة بدلية ومهما كان الوقت ~~باقيا فالخطاب متوجه بتأدية الصلاة بالماء. # المذهب الثاني: أنه لا يلزمه استئناف الوضوء ولا الصلاة بحال لا في الوقت ~~ولا بعده، وهذا هو قول زيد بن علي ورأي أبي حنيفة وأصحابه. # وحجتهم: قوله : ((لا ظهران في يوم)). # المذهب الثالث: أن السفر إذا كان طويلا لم تجب عليه الإعادة، وإن كان ~~قصيرا وجبت عليه الإعادة وهذا هو رأي الشافعي. PageV02P247 # والحجة على ذلك: ما روي أن رجلين كانا في سفر فعدما الماء فتيمما وصليا ثم ~~وجدا الماء فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر، فأتيا الرسول فأخبراه بذلك، فقال ~~للذي لم يعد: ((أصبت السنة " )). وقال للذي أعاد: ((لك أجران)) (1). # والمختار: أن إعادة الصلاة بعد تأديتها بالتيمم غير واجبة وإنما هي ~~مستحبة. # والحجة على ما قلناه: هو أنه قد خرج عن عهدة الأمر بتأدية الصلاة بالتيمم ~~وأسقط الوجوب عن ذمته فلا وجه لتوجه الإعادة. # الحجة الثانية: قوله في خبر الرجلين للذي لم يعد: ((أصبت السنة " )). أي ~~حكم الشريعة. كما قال : ((من رغب عن سنتي فليس مني " )) أراد: شرعي الواجب؛ ~~لأن البراءة منه(2) # لا تكون إلا على الإخلال بما هو واجب على الإنسان، وأما استحباب، الإعادة ~~فدليله خبر الرجلين حين قال للذي أعاد: ((لك أجران)). أراد أجر الوجوب وأجر ~~الاستحباب فأجر الوجوب بالأولى وأجر الاستحباب بالثانية. # الانتصار: يكون بإيراد الإعتراض على ما أوردوه حجة. # قالوا: مهما كان الوقت باقيا فالخطاب متوجه عليه بالإعادة لما كانت ~~الأولى طهارة بدلية. # قلنا: إن الوجوب قد سقط بتأدية الصلاة بالتيمم فلا وجه لتأدية صلاة غير ~~واجبة عن صلاة واجبة من جهة أن النفل لا يقوم مقام الفرض. # ثم نقول: هذه الصلاة المؤداة بالوضوء، واجبة أو غير واجبة؟ فإن كانت غير ~~واجبة فكيف يقولون بوجوب ما ليس واجبا على المكلف؟ وإن كانت واجبة فقد سقط ~~الفرض بالتيمم فكيف تكون واجبة مع ms0719 وجوب الأولى؟ وقد قال : ((لا ظهران في ~~يوم)). ((ولا عصران في يوم)). وإن كانت مستحبة فهو المراد وقد سقط الوجوب. PageV02P248 # ثم نقول: إذا فرغ من الصلاة بالتيمم وفي الوقت بقية يدرك بها الفرضين فهل ~~قد سقط الفرض بالتيمم أو لم يسقط؟ فإن كان قد سقط بالتيمم فلا وجه لإيجاب ~~الإعادة لما ليس واجبا، وإن كان لم يسقط الفرض بالتيمم فكيف أوجبتم ما ليس ~~واجبا، وأما ما حكيناه عن الشافعي من أن السفر إذا كان قصيرا وجبت الإعادة، ~~وإن كان طويلا فلا إعادة فإنما هو مبني على أن التيمم إنما يجب في السفر ~~دون الحضر، فإذا كان قصيرا فلا سفر فيبطل التيمم وتجب الإعادة، وإن كان ~~طويلا صح فعل التيمم فلا تجب الإعادة، وقد قررنا فيما سبق الكلام عليه وصحة ~~التيمم في السفر والحضر إذا كان العذر خارجا، والله اعلم. # الفرع الثاني: إذا فرغ المتيمم من الصلاة وقد بقي من الوقت ما يتسع لركعة ~~فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها لا تلزمه الإعادة وهذا هو رأي المؤيد بالله. # والحجة على هذا: هو أنه قد أداها على الكمال بالتيمم والخطاب بالإعادة ~~إنما يكون متوجها إذا كان المعاد كاملا فأما مع النقصان فلا. # المذهب الثاني: أنه يتوجه عليه الإعادة. # والحجة على هذا هو أنه بإدراك ركعة من الفريضة قد أدركها، لما روي عنه ~~أنه قال: ((من أدرك ركعة من العصر فقد أدركها " ومن أدرك ركعة من الفجر فقد ~~أدركها)) (1) # وإذا كان الأمر هكذا وجبت عليه الإعادة كما لو أدرك الكل من الفريضة في ~~الوقت، وهذا هو رأي السيد أبي طالب. # والمختار: أنه لا تلزمه الإعادة. # والحجة على ذلك: ما قررناه آنفا، وهو أنه إذا لم تلزمه الإعادة مع إدراك ~~الفريضة كلها في الوقت فلأن لا تلزمه الإعادة مع إدراك الركعة ~~الواحدة[أولى]، فلا وجه لتكريره. PageV02P249 # والانتصار: على ما ذكره الإمام المؤيد بالله قد أسلفناه فلا نعيده. وأما ما ~~ذكره الإمام أبو طالب فعنه جوابان: # أما أولا: فلأن في الخبر إجمالا ms0720 من جهة أنه يحتمل أن يكون المراد من ~~الخبر أنه إذا أدرك الركعة أو أدرك الصلاة، وإذا كان محتملا لما ذكرناه كان ~~مجملا وبطل الاحتجاج به. # وأما ثانيا: فلأنا نقول: إذا بطلت الإعادة مع إدراكه لكل العبادة في ~~الوقت بالأدلة التي ذكرناها فلأن تبطل مع إدراك بعض العبادة [أولى]. # الفرع الثالث: وإن كان معه ماء فأراقه وتيمم فإن كان قد أراقه قبل دخول ~~الوقت لم تلزمه إعادة ما صلى بالتيمم لأنه عادم للماء قبل توجه الخطاب له ~~بالتيمم وإن كان قد أراقه بعد دخول الوقت فهل يلزمه إعادة ما صلى بالتيمم ~~أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أن الإعادة غير لازمة له لأنه بعد الإراقة عادم للماء وإن كان ~~قد عصى بالإراقة فهو كمن قطع رجله فإنه يعصي بالقطع ولكنه إذا صلى قاعدا أجزأه. # الفرع الرابع: وإن دخل في صلاة نافلة بالتيمم ثم رأى الماء في أثنائها ~~فإن كان قد نوى عددا من الأربع والإثنتين أتم ما نواه وإن لم ينو عددا سلم ~~على ركعتين لأنهما هما الأقل من النوافل. # والحجة على ذلك: هو أن الشرع يغتفر في النوافل ما لا يغتفر في الفرائض ~~ولهذا فإنه يجوز أداء النافلة على الراحلة دون الفريضة ويصح تأديتها عن ~~قعود مع القدرة على القيام، فلهذا ساغ ما ذكرناه من إتمام العدد الذي نواه ~~بخلاف الفريضة، والإقتصار على ركعتين. PageV02P250 # الفرع الخامس: قد ذكرنا فيما مر أن طلب الماء شرط في صحة انعقاد التيمم ~~فإذا تيمم الرجل لعدم الماء بعد طلبه ثم رأى الماء ودونه حائل من سبع أو ~~عدو أو لص، فإن رأهما معا فتيممه باق على الصحة وإن رأى الماء أولا ثم عرف ~~ثانيا أنه محول دونه بالحوائل المانعة عنه فإنه يعيد الطلب ويعيد التيمم ~~لما كان شرطا فيه، وإن وجد الماء بعد ما تيمم وهو محتاج إليه لعطشه، أو ~~لبهائمه لم يبطل تيممه لأنه لو كان معه قبل تيممه لم يلزمه استعماله للحاجة ~~التي ذكرناها. # الحكم الرابع: في الناسي، واعلم أن الإعادة اسم ms0721 لما أدي من العبادة لضرب ~~من الخلل في المفعول والوقت باق، والقضاء إسم لما أدي من العبادات لضرب من ~~الخلل والفساد في المفعول مع زوال الوقت وتقضيه، فمن تيمم وصلى ناسيا للماء ~~في رحله، فهل تلزمه الإعادة في الوقت أو يلزمه القضاء بعد مضي الوقت؟ فيه ~~مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه تلزمه الإعادة في الوقت ولا يلزمه القضاء بعد فوات ~~الوقت، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب لمذهب الإمامين الهادي والناصر ~~وهو محكي عن مالك. # والحجة على ذلك:أما أنه لا يلزمه القضاء بعد مضي الوقت فالذي يدل عليه هو ~~أنه قد أدى الطهارة بالتراب على الشروط المعتبرة وصلى فلا يلزمه القضاء بعد ~~فوات الوقت كما لو لم يذكر الماء، وأما أنه يلزمه الإعادة مع بقاء الوقت ~~فالذي يدل عليه هو أن الوقت مهما كان باقيا فالخطاب متوجه عليه في تأدية ~~العبادة، وعلمه بالماء مع بقاء الوقت مبطل للتيمم فلهذا وجبت عليه الإعادة. # المذهب الثاني: أن الإعادة لازمة له في الوقت أو القضاء لازم له بعد تقضي ~~الوقت، وهذا هو رأي السيد المؤيد بالله ومحكي عن أبي يوسف وأحد قولي ~~الشافعي. PageV02P251 # والحجة على ذلك: هو أن الطهارة من شرطها تمام صحتها في الإبتداء والعاقبة ~~فلما علم بوجود الماء كان مبطلا لتيممه فلهذا توجهت عليه الإعادة في الوقت ~~والقضاء بعده ويؤيده قوله تعالى:{فلم تجدوا ماء فتيمموا " } [المائدة:6]. ~~وهذا واجد لكنه غير ذاكر. # المذهب الثالث: أنه لا يعيد في الوقت ولا يقضي بعده، وهذا هو المحكي عن ~~أبي حنيفة ومحمد وأحد قولي الشافعي. # والحجة على ذلك: قوله : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)). فظاهر الخبر دال ~~على رفع الإعادة عنه في الوقت ورفع القضاء عنه بعد زواله وتقضيه. # والمختار: في الناسي ما قاله الإمامان الهادي والناصر من وجوب الإعادة في ~~الوقت ولا يجب عليه القضاء بعد زواله. # والحجة لهما: ما ذكرناه من قبل ونزيد هاهنا، وهو أنه إنما وجبت عليه ~~الإعادة مع بقاء الوقت فلأن تيممه مع علمه بالماء وقع على فساد لكونه ms0722 واجدا ~~للماء في الوقت فلا بد من خروجه عن عهدة الأمر بالعبادة، فلهذا وجبت عليه ~~الإعادة في الوقت، وأما أنه لا يجب عليه القضاء بعد تقضي الوقت فلأن القضاء ~~إنما يجب بأمر جديد، ومع تقضي الوقت فلا دلالة تدل على وجوب القضاء في حقه ~~مع كونه قد أدى العبادة بالشروط المعتبرة فيها. # الانتصار: يكون بإبطال ما عداه، أما من زعم أن القضاء متوجه عليه بعد مضي ~~الوقت فقد قالوا إن علمه بوجود الماء مبطل لتيممه فلهذا توجه القضاء. # قلنا: إن تيممه قد انعقد على الصحة فلابد من دليل خاص يدل على القضاء بعد ~~إنقضاء الوقت. # وأما من زعم أنه لا تجب عليه الإعادة في الوقت كما هو رأي أبي حنيفة ~~وغيره فقد احتجوا بظاهر الخبر. # قلنا: ظاهر الخبر غير معمول عليه لأن الغرامات المالية خارجة عنه، فإن من ~~أتلف مالا لغيره وجب عليه غرامته ولا يسقط بالنسيان فلابد من تأويله. ~~فنقول: الخبر محمول على ما إذا كان الوقت باقيا فأما مع تقضيه فلا. # التفريع على هذه القاعدة: PageV02P252 # الفرع الأول: إذا كان في رحله ماء فحال العدو بينه وبين رحله أو حال بينهما ~~سبع أو لصوص حتى لا يمكنه الوصول إليه ثم تيمم وصلى فهذا لا إعادة عليه ولا ~~قضاء فإنه في حكم العادم للماء. # الفرع الثاني: إن كان في رحله ماء فضل عنه ولم يجده فحضرت الصلاة وطلبه ~~ولم يجده ثم تيمم وصلى فإنه لا تجب عليه الإعادة والقضاء لأنه غير منسوب ~~إلى التفريط في طلب الماء. # الفرع الثالث: وإن ضل عن القافلة أو عن الماء فلم يجده بعد الطلب وتيمم ~~وصلى فلا إعادة عليه ولا قضاء. # الحكم الخامس: في المريض إذا كان به قروح ولها غور عظيم ويخاف إذا مسها ~~الماء أن يكون فيها تلف النفس أو تلف عضو، وجملة الأمر أن المرض يقع على ~~أوجه ثلاثة: # الوجه الأول: أن لا يخاف من استعمال الماء تلف نفس ولا فساد عضو ولا حدوث ~~مرض مخوف ولا إبطاء برء العلة وهذا ms0723 نحو صداع الرأس ووجع الضرس والدمل ~~والحمى الخفيفة، فما هذا حاله فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يجوز التيمم، وهذا هو قول أئمة العترة وأكثر فقهاء ~~العامة. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا يقبل الله صلاة امرء حتى ~~يضع الوضوء مواضعه)). # المذهب الثاني: أنه يجوز له، وهذا هو المحكي عن داؤد وبعض أصحاب مالك. # والحجة على ما قالوه: قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر " } إلى أن ~~قال: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}[المائدة: 6]. فظاهر الآية يقضي بجواز التيمم ~~للمريض من غير فصل بين مرض [ومرض]. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة. # والحجة لهم: ما قررناه من قبل ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: قوله: ((مفتاح الصلاة الطهور " ))(1). PageV02P253 # الحجة الثانية: قوله : ((الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء)). وروي ~~((فأطفئوها بالماء)) فندب إلى إطفاء حرها بالماء فلا يجوز أن تكون سببا ~~يزيل استعمال الماء ولأن هذا واجد للماء لا يخاف من استعماله تلف نفس ولا ~~تلف عضو فلا يجوز له التيمم كالصحيح. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة. # قالوا: الآية دالة على جواز التيمم للمريض. # قلنا: الآية محمولة على مرض يخاف منه تلف النفس أو تلف عضو وإنما وجب ~~تأويلها حذرا من تعارض الأدلة وتناقضها. # الوجه الثاني من الأمراض: هو أن يخاف منه تلف النفس أو يخاف منه حدوث مرض ~~يخاف منه تلف النفس أو تلف عضو أو يخاف منه استمرار علة تؤدي إلى التلف لما ~~ذكرنا أو إبطاء البرء الذي يخشى منه التلف فما هذا حاله، هل يجوز له التيمم ~~أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجوز له التيمم في هذا المرض، وهذا هو رأي أئمة العترة ~~والأكثر من فقهاء العامة أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك. # والحجة على ما قلناه: ما روي أن عمرو بن العاص تيمم مع وجود الماء لخوف ~~التلف فعلم به الرسول فقال له: ((يا عمرو صيلت بأصحابك وأنت جنب " ؟)). ~~فقال: يارسول الله إني سمعت الله يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم إن ms0724 الله كان بكم ~~رحيما}[النساء:29] فعذره الرسول ولم ينكر عليه. # المذهب الثاني: أنه لا يجوز له التيمم وهذا شيء يحكى عن الحسن البصري وعطاء. # والحجة لهما على ذلك: قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر " } إلى أن ~~قال: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}[المائدة: 6]. فأباح التيمم عند عدم الماء ~~وهذا واجد للماء فلا يجوز له التيمم. # والمختار: ما عول عليه الأئمة وفقهاء العامة. PageV02P254 # والحجة: ما أسلفناه ونزيد هاهنا، وهو ما روي أن رجلا أصابته شجة في رأسه في ~~بعض العزوات فاجتنب فسأل الناس فقالوا: لا بد من الغسل فاغتسل فمات فبلغ ~~ذلك الرسول فقال: ((قتلوه قتلهم الله " هل لا سألوا إذا لم يعلموا فإنما ~~شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على رأسه خرقة ويمسح عليها ~~ويغسل سائر بدنه)). وهذا نص لا تجوز مخالفته. # الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه دلالة لهم. # قالوا: الآية دالة على ما قلناه. # قلنا: الآية فيها حذف والتقدير فيها، وإن كنتم مرضى فلم تقدروا على ~~استعمال الماء، أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا، ثم ولو سلمنا أنه لا حذف ~~في الآية فالمراد منها المرض الذي يخشى منه تلف النفس أو تلف الأعضاء من ~~استعمال الماء بدليل ما رويناه وإنما وجب هذا التأويل حذرا من تعارض الأدلة ~~الشرعية. # الوجه الثالث من الأمراض: وهو الذي لا يخاف منه تلف نفس ولا عضو من ~~الأعضاء ولكن يخاف منه إبطاء البرء أو زيادة الألم لا غير، فهل يجوز له ~~التيمم أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجوز له التيمم، وهذا هو قول أئمة العترة والمروي عن ~~أبي حنيفة ومالك وهو أحد قولي الشافعي والأصح منهما. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر " } إلى أن قال: ~~{فتيمموا}[المائدة:6]. # المذهب الثاني: أنه لا يجوز له التيمم وهذا هو المحكي عن الحسن البصري ~~وعطاء وأحمد بن حنبل وأحد قولي الشافعي. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا " }[المائدة:6]. ~~وهذا واجد للماء فلا يجوز له التيمم. # والمختار: ms0725 ما عول عليه الأئمة، واختاره ابن الصباغ الذي ذكره في الإملاء ~~والبويطي(1). # والحجة: هو أنه يستضر باستعمال الماء فأشبه ما إذا خشي التلف. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه عمدة لهم. PageV02P255 # قالوا: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا " }[المائدة: 6]. وهذا واجد ~~للماء فلا يجوز له أن يتيمم. # قلنا: ليس لكم في الآية حجة؛ لأن المعنى: وإن كنتم مرضى فلم تقدروا على ~~استعمال الماء أو كنتم على سفر فتيمموا، وإذا كان الأمر كما قلناه بطل ~~تعلقهم بالآية. # وقد نجز غرضنا من كتاب التيمم وربما وقع تكرار في شيء من مسائله من أجل ~~تراخي المدة بين تعليق أوله وآخره قدر اثنتي عشرة سنة لاشتغالنا في هذه ~~المدة بأمر الجهاد للظلمة وإشادة معالم الدين ثم عاودنا إتمامه بعد هذه ~~المدة. والرجوى في الله عز سلطانه أن يعيننا على ما نرومه من إيضاح مسألة ~~أو إرشاد متعلم أو جهاد في سبيله أو إتيان شيء من القربات الموصلة إلى ~~ثوابه وإحراز كرمه ورضوانه. PageV02P256 # --- ### || AUTO الباب التاسع في الحيض # والحيض مصدر من قولهم: حاضت المرأة تحيض حيضا، مثل: ضرب يضرب ضربا، وأما ~~المحيض فهو مفعل بكسر العين كالمسير والمقيل، هذا لفظه، واختلف في معناه ~~على ثلاثة أقوال: # فالقول الأول: أنه للمكان كالمبيت، والغرض به مكان الحيض وهو الفرج. # والقول الثاني: أنه زمان الحيض كما يقال: منتج الناقة أي زمان نتاجها. # والقول الثالث: أنه مصدر كلفظ الحيض والعبارة في كتاب الله تعالى بلفظ: ~~المحيض، والعبارة في السنة بلفظ: الحيض، وهما عبارتان تقعان على معنى واحد، ~~هذا معناه اللغوي، وهل يكون باقيا على أصل اللغة أو يكون منقولا بالشرع، ~~فيه تردد. # والمختار: أنه قد صار مفيدا لمعان شرعية دلالة على أحكام البلوغ في حق ~~المرأة وعلة في أحكام نحو تحريم الوطئ وتحريم العبادات الشرعية فصار في وضع ~~لفظه كوضع لفظ الصلاة والزكاة في كونها شرعية. # والمختار: أنه إسم مشترك بين زمان الحيض ومكان الحيض وإسم الحيض لأنه ~~مفيد لهذه المعاني على جهة الإشتراك مستعمل فيها أجمع على جهة البدلية ms0726 ~~كسائر الأسماء المشتركة. والأصل في تقرير قاعدة الحيض الكتاب والسنة ~~والإجماع. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى \s " \c 1 ~~فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث ~~أمركم الله}[البقرة:222]. PageV02P257 # وأما السنة: فقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد خرجت تريد الحج معه صلى الله عليه وسلم، فلما كانت بسرف(1) ~~حاضت فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال لها: ((مالك أنفست \s " \c 2؟)) ~~فقالت: نعم. فقال: ((إن هذا أمر كتبه الله تعالى على بنات آدم فأقضي ما ~~يقضي الحاج غير أنك لا تطوفين بالبيت))(2). # وأما الإجماع: فمنعقد على تحريم الوطء وسائر العبادات، وسنقرر تفاصيل ~~أحكامه بمعونة الله تعالى. # فإذا تقررت هذه القاعدة، فاعلم أن مقصودنا من هذا الباب يحصل بأن نرسم ~~فيه فصولا خمسة بها نحصل الغرض من حصر مسآئله ونحن نوضحها بلطف الله تعالى ومنه. PageV02P258 # --- ### || AUTO الفصل الأول # في ماهية الحيض وبيان معناه # اعلم أن الحيض عبارة عن الدم الذي ترخيه الرحم، وما في حكمه، في زمان ~~الإمكان. # فقولنا: هو الدم الذي ترخيه الرحم، نحترز به عن دم البكارة ودم الجرح ~~فإنها دماء لا ترخيها الرحم وإنما هي جروح تلحق الرحم ولهذا يلحقها الألم، ~~ودم الحيض حاصل من جهة اللحم من غير ألم يلحق بخروجه في غالب الأحوال. # وقولنا: وما في حكمه نحترز عن الصفرة والكدرة وعن النقاء المتوسط بين ~~الدمين، فإن هذه الأمور كلها معدودة في الحيض كما سنوضحه فيما بعد بمشيئة ~~الله تعالى. # وقولنا: في زمان الإمكان، نحترز به عما يحصل في زمان الصغر والكبر ~~الخارجين عن حد المعتاد فإنه لا يعد من الحيض، ومن أصحابنا من جعل في تتمة ~~الحد: جعل دلالة على أحكام وعلة في أحكام. وهذا لا حاجة إليه لأن الحد قد ~~تم بما ذكرناه فلا حاجة إلى الزيادة بهذه الأمور لأن المعنى مفهوم من دونها ~~كما أشرنا إليه، والتفرقة بين ما يكون دلالة على الحكم وعلة فيه هو أن من ~~حق ms0727 العلة أن تكون مناسبة للحكم وملائمة له، وهذا نحو تحريم الوطئ وتحريم ~~قراءة القرآن وتحريم دخول المسجد ونحو تحريم الصلاة والطواف إلى غير ذلك، ~~فالحيض جعلناه علة في هذه الأحكام لما كان مناسبا لها وملائما، فلما كان ~~أذى كان مانعا من هذه الأمور، فأما ما جعلناه دلالة على الحكم فلا يحتاج ~~فيه إلى المناسبة والملائمة بحال وهذا نحو جعل الحيض أمارة للبلوغ وعلامة ~~لإنقضاء العدة فلا يحتاج في هذا إلى مناسبة وإنما هو أمارة ودلالة وعلامة، ~~فافترقا بما أشرنا إليه. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: قال الإمامان الهادي والناصر ×: الحيض هو الدم الخالص الذي ~~تراه المرأة فتصير بالغة عند ابتدائه بها وتعتاده النساء الوقت بعدى الوقت. PageV02P259 # والحجة على هذا: قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى}[البقرة:222]. ~~وقوله: (( إذا أقبلت الحيضة فأمسكي وإذا أدبرت فاغتسلي ))(1). # والإجماع منعقد على ما ذكرناه. ودم الحيض أسود محتدم(2) # بحراني ذو دفقات له رائحة خبيثة تعرف. والمحتدم: بحاء مهملة ودال منقوطة ~~من أسفلها، هو اللذاع للبشرة لحدته وله الرائحة الكريهة. والبحراني: بباء ~~بنقطة من أسفلها وحاء مهملة، هو الناصع في سواده وفيه ثخن وغلظ، والاعتبار ~~في كونه حيضا بالسواد دون سائر صفاته من الإحتدام والرائحة. # وهل يكون التعويل في علامة الحيض على السواد أو على الوقت؟ فيه مذهبان: PageV02P260 # المذهب الأول: أن التعويل على اللون دون الوقت وهذا هو المحكي عن الناصر في ~~الكبير(1) ورواية عن مالك وهو رأي الشافعي. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا ~~النساء في المحيض "}[البقرة:222]. # ويعني بكونه أذى: ما كان جامعا لتلك الأوصاف التي ذكرناها، ولم يذكر الوقت. # الحجة الثانية: قوله تعالى: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى " وما تغيض ~~الأرحام وما تزداد}[الرعد:8]. فخص معرفته بنفسه ولو كان بالوقت والعدد ~~لعرفناه فلما وكله إلى نفسه دل ذلك إلى ما قلناه من تعلقه بالدم وأوصافه لا غير. # المذهب الثاني: أن التعويل في التمييز [هو] على الوقت والعدد دون لون ~~الدم وصفته، وهذا هو قول الهادي ms0728 والقاسم وأحد قولي الناصر ذكره في ~~الألفاظ(2) ومحكي عن زيد بن علي وأبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال لحمنة " (3) PageV02P261 : ((تحيضي في علم الله تعالى ستا أو سبعا " كما تحيض النساء في كل شهر)) ~~(1) وفي حديث أنس بن مالك عن النبي أنه قال: ((الحيض ثلاث أربع خمس ست " ~~سبع ثمان تسع عشر وما زاد فهو استحاضة)) (2). # والمختار: أن الحيض متميز باللون والوقت جميعا والعدد، وأن الأدلة ~~الشرعية مشيرة في تمييزه إلى ما ذكرناه من هذه الأمور الثلاثة. PageV02P262 # والحجة على ما قلناه من تميزه باللون: ما روي عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها ~~استحيضت فسألت الرسول فقال لها: ((إذا رأيت الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة " ~~وإذا كان أحمر فتوضائي وصلي فإنه دم عرق)) وقوله : ((دعي الصلاة أيام ~~أقرائك " ))(1) وقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن}[البقرة:222]. وقال ~~الله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن " ~~}[البقرة:228]. فجميع الآي القرآنية والأخبار النبوية كلها دالة على ما ~~ذكرناه من [اعتبار] اللون والوقت والعدد وأن الحيض متميز بما ذكرناه، وهذه ~~طريقة مرضية أعني: الجمع بين الأدلة الشرعية والعمل بها أجمع فما كان دالا ~~على اللون من الأحاديث عملنا به وما كان يدل على العدد والوقت من الأحاديث ~~وجب العمل عليه ولا معنى لتمييز الحيض بواحد من هذه الأمور الثلاثة دون ~~سائرها. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، فأما من زعم أنه متميز باللون[وحده] فلا ~~وجه[له]، كما حكي عن الناصر ومن وافقه. # قلنا: الآية دالة على مطلق الأذى ولم يذكر لونا، والأحاديث دالة على ~~اللون والوقت والعدد. # وما حكي عن الهادي والقاسم أنه لا اعتماد على اللون فإنما يريدان أنه لا ~~يعتد به وحده وإنما يقع التمييز بما ذكرناه من الأمور الثلاثة ولهذا فإن ~~الوقت إذا بطل كأن يكون في وقت الإمتناع بطل كونه حيضا، وإن بطل العدد كأن ~~ينقطع في يوم واحد بطل كونه حيضا، وهكذا فإنه لو بطل اللون في أول الحيض ~~بطل كونه حيضا، فحصل من ms0729 مجموع ما ذكرناه: أنه لابد مما أشرنا إليه من ~~اعتبار الوقت والعدد واللون في كونه حيضا شرعيا. PageV02P263 # نعم إذا وقعت الاستحاضة واتصل الدم وعبر على العشر فإنه يجب مراعاة صفة ~~الدم في المبتدأة، وذات العادة فإن كان أسود في عشر المبتدأة فكله حيض، وإن ~~كان أسود في الزائد على العادة في ذات العادة فكله حيض، فأما دم الاستحاضة ~~فإنه رقيق أحمر مشرق له رائحة الدم لا غير بخلاف دم الحيض كما أوضحنا ~~أوصافه، وعلى هذا يكون التميز بين الدمين يظهر عند الاستحاضة، ويؤيد ما ~~ذكرناه من اعتبار حال الدم الأسود في الاستحاضة أنها كما ترجع عادة النساء ~~في المبتدأة فهكذا ترجع إلى عاداتها في ذات العادة والباقي يكون استحاضة، ~~فهكذا يرجع قبل عادة النساء وقبل عادتها إلى حال الدم في سواده فيكون حيضا ~~وإلى إشراقه فيكون دم استحاضة، كما أشار إليه صاحب الشريعة صلوات الله عليه ~~حيث قال: ((إذا رأيت الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة " فإذا كان أحمر فتوضائي ~~وصلي فإنه دم عرق)). وهذا هو رأي الشافعي في أحد قوليه قد اخترناه وأوضحناه ~~بالدلالة كما مر بيانه. # الفرع الثاني: في حكم الصفرة والحمرة والكدرة والغبرة. # اعلم أن هذه الأمور من جملة الأذى وقد قال تعالى: {قل هو أذى فاعتزلوا ~~النساء في المحيض " }[البقرة:222]. ولا خلاف بين علماء الأمة أن الأذى ~~الحاصل في رحم المرأة كالبول والمني والودي والمذي والمصل والمدة والقيح ~~ليست حيضا ولا تتعلق بها أحكام الحيض، وإنما الخلاف في الصفرة والكدرة ~~والغبرة، ولا خلاف أيضا في أن هذه الأمور لا تكون حيضا إذا كانت حاصلة في ~~أيام الإمتناع وإنما الخلاف إذا حصلت في أيام الإمكان وفيها مذهبان: # المذهب الأول: القائلون بالتعميم، وهو إذا حصلت في أيام الإمكان فهي حيض ~~سواء حصلت في المبتدأة وفي ذات العادة أو كانت حاصلة في أول الحيض أو في ~~آخره أو بين الدفقات، وهذا هو رأي الإمامين زيد بن علي والهادي ورأي ~~الإمامين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب ومحكي عن أبي حنيفة ومحمد ms0730 ومالك ~~والليث وعبدالله بن الحسن. PageV02P264 # والحجة على ذلك، قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا ~~النساء في المحيض " }[البقرة: 222]. ولم يفصل في الآية بين أذى وأذى وهذه ~~الأمور كلها من جملة الأذى. # الحجة الثانية: قوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن " }[البقرة: 222] ~~وظاهر الآية دال على تحريم القرب إلا بعد الطهارة من كل ما يتعلق بالأذى، ~~وهذه الأمور من جملة الأذى. # الحجة الثالثة: قوله لحمنة بنت جحش لما استفتته: ((إذا رأيت أنك قد طهرت ~~واستنقأت فصلي " )) فدل كلامه هذا على أن حكم الحيض لا يرتفع بيقين ما دامت ~~ترى شيئا من هذه الأمور. # المذهب الثاني: القائلون بالتفصيل ولهم أقوال أربعة: # فالقول الأول: محكي عن القاسم وعنه روايتان: # الرواية الأولى: ما حكاه عنه ولده الهادي، ورواية: محمد بن منصور عنه في ~~كتاب الطهارة أنهما(1) # في أيام الإمكان حيض بكل حال وفي أيام الإمتناع ليسا حيضا(2) # وهو رأي الهادي وغيره. # والحجة فيه: ما حكيناه حجة للهادي فلا فائدة في تكريره. # الرواية الثانية: أنه قال إن المرأة لا تترك الصلاة إذا رأت الصفرة ~~والكدرة ابتداء وتغتسل إذا رأت الدم الأسود وإن بقيت الصفرة فظاهر هذه ~~الرواية أنهما لا تكونان حيضا إذا توسط بينهما الدم الأسود. # والحجة على هذه الرواية: ما روي عن الرسول أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: ~~((إذا رأيتي الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة " فإذا كان أحمر فتوضائي وصلي ~~فإنه دم عرق)). فاعتباره دم الحيض بأنه أسود دال على أنهما ليسا من الحيض. # والحجة الثانية: ما روي عن أم عطية الأنصارية أنها قالت: ما كنا نعد ~~الصفرة والكدرة بعد الحيض شيئا(3). ومثل هذا القول لا يصدر إلا عن توقيف من ~~صاحب الشريعة إذ لا مدخل للإجتهاد فيه. # القول الثاني:محكي عن الناصر وعنه روايتان: PageV02P265 # الرواية الأولى: ما قاله في (الكبير) وحصله الشيخ أبو جعفر لمذهبه أنهما ~~إذا كانا في أيام الإمكان فهما حيض بعد الدم وقبله، وإذا كانا في أيام ~~الإمتناع فليسا حيضا مثل ما حكيناه عن الهادي. # والحجة على هذه ms0731 الرواية: ما حكيناه حجة للهادي فلا نعيده. # الرواية الثانية: أنهما إذا حصلا قبل مجيء الدم الأسود فليسا حيضا، وإن ~~كانا بعده فهما حيض إلى العشر فإن زاد فهما استحاضة. # والحجة على هذه الرواية: ما حكيناه عن فاطمة بنت أبي حبيش من أن دم الحيض ~~أسود يخالف دم الاستحاضة فإذا حصلا قبل السواد فليسا من آثاره وإذا حصلا ~~بعد السواد فهما من جملة آثاره فلا جرم حصلت التفرقة بين الحالين. # القول الثالث: محكي عن الشافعي وعنه روايتان: # الرواية الأولى: أنهما حيض في الأزمنة الممكنة وليسا حيضا في الأزمنة ~~المستحيلة مثل ما حكيناه عن الهادي. # والحجة له: ما حكيناه حجة للهادي من دون فرق. # الرواية الثانية:أنهما إذا حصلتا قبل مجيء الدم الأسود فليستا حيضا وإن ~~كانتا بعده فهما حيض. # والحجة له على هذه الرواية: هو أن الاعتبار عنده بصفة الدم وهو السواد ~~فما ليس بسواد فلا يكونان حيضا خلا أنهما إذا وقعتا بعده فهما من آثاره. # القول الرابع: محكي عن أبي يوسف وقد قال: ما كان منهما قبل الدم فحكمه ~~حكم الطهر فلا يكون حيضا وما كان منهما بعد الدم فهو حيض، ولم يعتبر ما ~~اعتبره القاسم في الرواية الثانية من توسط الدم بينهما في أنهما لا يكونان حيضا. # والحجة له على ذلك: هو أن التعويل في دم الحيض على صفته وسواده كما أشار ~~الرسول في حديث بنت أبي حبيش فإذا تقدمه الطهر فليستا حيضا لأنهما لاحقتان ~~به وإن تأخرتا بعد الحيض فهما لاحقتان به في كونهما حيضا. فهذه جملة ~~الأقاويل في الكدرة والصفرة قد فصلناها كما ترى. # والمختار منها: ما قاله الإمامان زيد بن علي والهادي واختاره الإمامان ~~الأخوان، وهو قول الأكثر من علماء الأمة. PageV02P266 # وحجتهم: ما أشرنا إليه ونزيد هاهنا حججا ثلاثا: # الحجة الأولى: قوله لعائشة: ((لا تصلي حتى تري القصة البيضاء " ))(1) ~~والقصة فيها روايتان: # الرواية الأولى: بالقاف والصاد المهملة ولها معنيان: # أحدهما: أنه يريد بها الخرقة من القطن تستدخلها المرأة في رحمها فإذا ~~رأتها نقية من الكدرة والصفرة فقد ms0732 حصل الطهر فوجب الاغتسال. # والثاني: أنه يريد بالقصة ترابا شديد البياض يستخرج من معادنه وأراد أنها ~~لا تغتسل حتى ترى النقاء مثل القصة في البياض، وكلا المعنيين لا غبار عليه ~~وهما جميعا يفيدان تنقية الرحم من الحيض والمبالغة في ذلك. # الرواية الثانية:بالفاء والضاد بنقطة من أعلاها، والغرض أنها لا تغتسل ~~حتى ترى النقاء مثل بياض الفضة في الصفاء والتنقية. # الحجة الثانية: ما روي عن عائشة قالت: كنا نعد الصفرة والكدرة في أيام ~~الحيض حيضا(2) وظاهر هذا التوقيف من صاحب الشريعة؛ لأن الطهارات وسائر ~~المقادير لا مدخل للإجتهاد فيها. PageV02P267 # الحجة الثالثة: هو أن ما هذا حاله من الصفرة والكدرة أذى يرخيه الرحم في ~~زمان الحيض فلا جرم عددناه من جملة الحيض كالدم الأسود، أو نقول: صفرة أو ~~كدرة خارجة من الرحم في أوقات الحيض فوجب الحكم عليهما بكونهما حيضا ~~كالصفرة والكدرة بين دفقات الدم، أو نقول: إن الأصل في الكدرة والصفرة ~~أنهما دمان خالصان لكن شابهما شائب غير لونهما، فحصول الشوب فيهما لا ~~يخرجهما عن كونهما حيضا، فحصل بما حققناه أنهما حيض في أزمنة الحيض. # فأما ما حكي عن أبي العباس من التلفيق والجمع بين مذهب الهادي والقاسم ~~وبجعل قولهما واحدا، وزعم أن مراد الهادي بأن الصفرة والكدرة حيض إذا كانتا ~~بين دفقات الدم ليكون موافقا لكلام القاسم، وهذا فيه تعد من ثلاثة أوجه: # أولها: أن الهادي صرح بكونهما حيضا إذا حصلتا في أزمنة الإمكان ولم يفصل ~~بين حالة وحالة ولا بوقت دون وقت، والقاسم إنما قال بكونهما حيضا إذا كانتا ~~بين دفقات الدم في أحدى الروايتين وهاذان القولان لا يمكن الجمع بينهما لما ~~فيهما من البعد والتفاوت. # وثانيها: أن كل واحد من الإمامين قد حاز منصب الاجتهاد وأحرز علومه فكل ~~ما أفتى به وذهب إليه فهو حق وصواب فلا معنى لجمع القولين قولا واحدا، ~~فأقاويل المجتهدين ومذاهبهم في المسائل الفقهية لاخطأ فيها فلا معنى ~~للتلفيق حذرا من الخطأ إذ لا خطأ، وأظن أن ما حمله على ذلك هو أن مذهبه ms0733 أن ~~المسائل الاجتهادية فيها حق معين وليس الأمر كما زعم وإنما هي صواب كلها ~~وقد قررناه في الكتب الأصولية. # وثالثها: أنهما مختلفان في غير هذه المسائل الاجتهادية، فإذا كان لا ~~تلفيق هناك فهكذا لا حاجة إلى التلفيق هاهنا. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. فأما ما احتج به الناصر من حديث بنت أبي ~~حبيش في التفرقة بين حصولهما قبل الدم الأسود فلا يكونان حيضا وبعده يكونان ~~حيضا، فعنه جوابان: PageV02P268 # أما أولا: فلأن التفرقة التي ذكروها بين الدم الأسود وبعده تحكم لا مستند ~~له من جهة الشرع. # وأما ثانيا: فلأن حاله بعد الدم كحاله قبله، فإذا كان حيضا قبله فهكذا ~~يكون حيضا بعده. # وأما ما حكي عن القاسم من أن المرأة لا تترك الصلاة إذا رأت الصفرة ~~والكدرة وتغتسل إذا انقطع الدم الأسود وإن بقيت الصفرة لما روي من حديث بنت ~~أبي حبيش، فعنه جوابان: # أما أولا: فلأن الخبر محمول على الدم الذي عبر على العشر فإنه إذا كان ~~مجاوزا للعشر فهو استحاضة. # وأما ثانيا: فإنه معارض بما ذكرناه من الأدلة من الآي والأخبار فإنها ~~دالة على كونهما حيضا. # وأما ما حكيناه عن الشافعي في الرواية الثانية من أن التعويل على صفة ~~الدم في الحيض فإذا وقعت قبله لم تعد من الحيض وإذا وقعت بعده فهي حيض ~~فالجواب عنه مثل ما أوردناه على كلام الناصر من غير فرق بينهما وبمثل هذا ~~يبطل ما حكيناه عن أبي يوسف فقد حصل تقرير الإختيار بما أوردناه من الأدلة ~~الشرعية وبما أوردناه من الإعتراضات على ما يخالفه والحمد لله. # الفرع الثالث: الدم الذي تراه الحبلى هل يكون حيضا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنهما لا يجتمعان(1) وهذا هو المحكي عن زيد بن علي وهو رأي ~~الهادي والناصر وأحمد بن عيسى وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي ~~وعبدالله بن الحسن(2). # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " ~~}[الطلاق:4]. فجعل عدتها بالوضع فلو كانت من ذوات الأقراء لكانت عدتها ~~منقضية بها لا ms0734 بالوضع كالحامل(3). PageV02P269 # الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال في سبايا أوطاس(1): ((ألا لا توطأ ~~حامل حتى تضع " ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة))(2) فجعل الحيض علامة لبراءة ~~الرحم من الحبل. فلو كان يجامعه الحبل لكان لا يجوز أن يجعل وجوده علما ~~لانتفاء الحبل. # الحجة الثالثة: ما روي عن علي % أنه قال: رفع الحيض عن الحبلى وجعل الدم ~~رزقا للولد(3). # الحجة الرابعة: روي عن عائشة أنها قالت: الحامل لا تحيض(4). وما هذا حاله ~~فإنه لا يجوز صدوره من جهة الصحابي إلا عن توقيف من جهة الرسول لأن هذه ~~أمور غيبية لا يمكن علمها إلا من جهة الوحي لأنه لا مدخل للاجتهاد فيها. # المذهب الثاني: جواز اجتماعهما وهذا هو الأصح من قولي الشافعي، وله قول ~~آخر مثل قولنا، ومحكي عن مالك والليث. # والحجة على ما قالوه: ما روي عن الرسول أنه قال لبنت أبي حبيش: ((إذا كان ~~دم الحيض أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة " وإن كان الأحمر فاغتسلي وصلي)). ولم ~~يفصل بين أن تكون حاملا أو حائلا. PageV02P270 # الحجة الثانية: ما روي عن عائشة أنها قالت: رأيت رسول الله يخصف نعله ~~وأسارير وجهه تبرق فقلت يا رسول الله أنت أحق بما قاله أبو كبير الهذلي(1) " : # ومبرأ من كل غبر حيضة # وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... وفساد مرضعة وداء معيل # برقت كبرق العارض المتهلل # فقال صلى الله عليه وسلم: ((وأنت مبرأة من أن تكون أمك حملت بك في غبر الحيض " )) والغبر ~~بغين بنقطة من أعلاها وباء بنقطة من أسفلها مضاعفة، هي البقايا. # الحجة الثالثة: قالوا: وإذا ثبت أن المرأة تحمل على الحيض ثبت أنها تحيض ~~على الحمل. # والمختار: ما عول عليه الإمامان الهادي والناصر والمؤيد بالله ومن وافقهم ~~من علماء الأمة. # والحجة عليه: ما قررناه ونزيد هاهنا أدلة: # الحجة الأولى: ما روي عن الرسول أنه قال لابن عمر لما أراد أن يطلق ~~امرأته للسنة: ((طلقها طاهرا أو حاملا " )) (2). فجعل الحمل وقتا لإيقاع ~~الطلاق للسنة فلو كانت ممن تحيض لم تكن مدة الحمل كمدة ms0735 الطهر وفي هذا دلالة ~~على أنهما لا يجتمعان. # الحجة الثانية: هو أن الزوج لو طلقها وهي حامل جاز له أن يطلقها عقيب ~~الوطئ فلو كانت ممن تحيض لوجب أن يفصل بين وطئها وطلاقها بحيضة كالحائل ~~التي لا حمل معها. PageV02P271 # الحجة الثالثة: لو كانت ممن تحيض لوجب انقطاع عدتها بالأقراء كالحائل فلما ~~اتفقنا على أن انقضاء عدتها بالوضع ثبت أنها لا تحيض أصلا، ويؤيد ما ذكرناه ~~من هذه الأدلة أنها تعتد من الطلاق بغير الحيض وهو الوضع، فوجب أن لا مساغ ~~للحيض فيها كالآيسة ولأن المعهود في مطرد العادة أنها لا تحيض وأن الدم ~~منقطع عنها في أغلب أحوالها مع السلامة فوجب الحكم بأنها لا تحيض في تلك ~~الحالة كالصغيرة والكبيرة ولأن المعهود من عادات النساء في أغلب أحوالهن أن ~~ذات العادة إذا تأخر حيضها عن وجوده وحصوله يومين أو ثلاثا فإنه يغلب على ~~ظنها وقوع الحمل بتأخر الحيض عنها، فلو كان الحيض جائزا وقوعه لم تكن هذه ~~أمارة قوية بحصول الحمل في بطنها. # الانتصار لما قلناه: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم. # قالوا: حديث بنت أبي حبيش يدل على ما قلناه. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأنه إنما أورده تعريفا للمستحاضة الحائل في التفرقة بين ~~الدمين لأجل الصلاة ولم يخطر بباله الحبلى عند صدور هذا الكلام. # وأما ثانيا: فلأنا نحمله على الحائل ليطابق ما ذكرناه من الأدلة السابقة. # قالوا: حديث عائشة دال على جواز الحمل في غبر الحيض وهي البقايا وفيه ~~دلالة على ما قلناه من اجتماعهما. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المراد بالغبر: الآثار بعد إنقضاء الحيض وانقطاعه لأن ~~الغالب العلوق بعد تقضي الحيض وانقطاعه بخلو الرحم وفراغها، ويؤيد ما ~~ذكرناه ما قاله تعليما لمن طهرت من الحيض: ((خذي فرصة من مسك فاستدخليها ~~وتتبعي بها آثار الدم # )) ( ( ) تقدم في الغسل. ). وفي هذا دلالة على أن الآثار تكون بعد إنقضاء ~~الحيض وانصرامه. # وأما ثانيا: فلأنا نحمله على المستحاضة التي تقضى حيضها واتصل الدم فكان ~~استحاضة ووطأها زوجها فحملت ms0736 على أثر الحيض، فأين هذا عما ذكروه من اجتماع ~~الحيض والحبل؟ وإنما حملناه على ذلك توفقة بين الأدلة حذرا من تناقضها. PageV02P272 # قالوا: إذا ثبت أن المرأة تحمل على الحيض ثبت أنها تحيض على الحمل. # قلنا: عما أوردوه جوابان: # أما أولا: فلأن هذه مجازفة وقياس من أمر جامع بينهما وما هذا حاله فلا ~~يكون طريقا إلى تحصيل الأحكام الشرعية ولا مثمرا لثبوتها، وهل هذا إلا ~~بمنزلة من يقول: إذا ثبت في حق الصغيرة أنها تبول ثبت أنها تحيض، فكما ان ~~مثل هذا لا يعول عليه في الأقيسة فهكذا ما قالوه، ولولا أن صاحب (البيان) ~~احتج به لما أوردناه لضعفه تنزيها لكتابنا هذا عن إيراد الأقيسة الركيكة. # وأما ثانيا: فلأن التفرقة بينهما حاصلة، فلأنه إنما جاز حمل الحائض لخلو ~~الرحم عن الحوائل وتطهيرها عن جميع الشواغل التي تمنع وقوع النطفة في ~~قرارها التي استأثر الله بعلمها ولهذا فإن عدم الحيض قد جعله الله تعالى ~~مظنة لحصول العلوق بالولد كما ذكرناه بخلاف الحامل فإنها قد صارت رحمها ~~مشغولة بالولد فلا وجه لاتصال الحيض بها فبطل ما توهموه. # الفرع الرابع: دم الحيض ينقطع لأجل الإياس لا خلاف فيه لقوله تعالى: {ومن ~~نعمره ننكسه في الخلق }[يس:68]. فإذا كانت في حال صغرها حيضها منقطع فهكذا ~~ينقطع حيضها في حال كبرها تصديقا للآية في نكس الخلقة بالكبر والشيخوخة في ~~كل الأحوال ولأنها بالكبر والشيخوخة تبطل الرطوبات وينحل الجسم وتذهب ~~الماوية وذلك يكون سببا لانقطاع الحيض. ولكن التردد والخلاف في وقته، وفيه ~~مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أن حد الإياس: بلوغ المرأة ستين سنة وهذا هو رأي القاسمية ~~نص عليه في (الأحكام)، واختيار السيدين الإمامين المؤيد بالله وأبي طالب، ~~ولم يحك عن الناصر في حال الإياس شيء. PageV02P273 # والحجة على ذلك: هو أن من العلماء من لم يقدره بتقدير، ومنهم من قدره ~~فبعضهم قال هو خمسون سنة وبعضهم خمس وخمسون، ولم يحك عن أحد الزيادة على ~~الستين فأخذنا بأكثر ما قيل لأنه قد روي أن كثيرا من النساء حضن ms0737 بعد خمسين ~~سنة ولم يعلم في الغالب من العادة أن واحدة منهن حاضت فوق الستين، فلهذا ~~قضينا بأن الستين أصدق المقادير. # المذهب الثاني: أن حد الإياس خمسون سنة وهو المحكي عن زيد بن علي، وهو ~~محكي عن محمد من أصحاب أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: هو أن هذه التقديرات لا مجال للإجتهاد فيها وإنما هو على ~~حسب الإعتياد من حال النساء وقد اطردت العادة على هذا القدر من غير زيادة ~~فلهذا وجب التعويل عليه والله اعلم. # المذهب الثالث: أن حد الإياس: خمس وخمسون وهذا هو رأي الحنفية غير محمد. # والحجة لهم على هذا: أن هذا هو الأغلب من عادة النساء خاصة الروميات ~~فإنهن أرق طبعا، فذكروا أنهن لا يزدن على هذا القدر وأن المرأة لا تزيد على ~~الخمسين إلا أن تكون قرشية لصلابة أبدانهن وشدة لحومهن. # المذهب الرابع: أنه لا تقدير في حد الإياس وإنما يرجع به إلى عادة النساء ~~وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة له: أن هذه المقدرات لا يجري فيها شيء من الأقيسة لانسداد مسالك ~~القياس فيها، وإنما يرجع فيها إلى ما كان من جهة الله تعالى ومن جهة رسوله، ~~فإذا لم يكن من الله فيها شيء ولا من جهة الرسول فالمرجوع فيها إلى عادة ~~النساء لأن هذا أمر يختص النساء ويعرف من جهتهن فلهذا كان التعويل فيه على ~~عادتهن في القلة والكثرة لأنهن به أخص وبه أعرف. # والمختار: ما قاله الهادي في الأحكام. PageV02P274 # والحجة لهم: ما أسلفناه ونزيد هاهنا وهو أن الإجماع منعقد على المنع من ~~الزيادة على ما قلناه فالأخذ بالأكثر هو الأولى والأحوط ولأنه لا مانع منه ~~إلا بدلالة شرعية ولا دلالة هناك، ويؤيد هذا أنهم اختلفوا في مقدار الجذعة ~~فقال بعضهم: ما تمت لها ستة أشهر، وعن بعضهم: ثمانية، وقال بعضهم: أكثر ~~الحول. وقلنا: ما تمت لها سنة لأنه متفق بهذا القدر على كونها جذعة وفيما ~~دونها الخلاف فأخذنا بما اتفقوا عليه، وهكذا هاهنا فإنهم اتفقوا على أن حد ~~الإياس الستون واختلفوا فيما دونه، ms0738 وكما قلنا إن أكثر الحمل أربع سنين ~~وفيما دونها وقع الخلاف فالأخذ بالأكثر يكون إجماعا على أن لا زيادة على ~~ذلك المقدار بحال. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. # اعلم أن الحاجة ماسة إلى تقدير حد الإياس في المطلقة حتى تنتقل إلى العدة ~~بالأشهر بعد أن كانت معتدة بالأقراء ليصح حلها للأزواج، فأما من زعم ~~تقديرها بالخمسين والخمسة والخمسين فهو تحكم لا مستند له من جهة الكتاب ولا ~~من جهة السنة وقد أوضحنا أن هذه المقدرات لا مدخل للإجتهاد فيها وإنما ~~حكمنا لها بالستين من جهة أن الإجماع منعقد على عدم الزيادة عليها، وفائدة ~~تقديرها بالستين هو انتقالها من عدة الأقراء إلى عدة الأشهر كما أشار تعالى ~~إلى ذلك بقوله: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم " إن ارتبتم فعدتهن ~~ثلاثة أشهر}[الطلاق:4]. فصارت عدة الآيسات لصغر أو كبر ثلاثة أشهر بالنص. PageV02P275 # نعم لو اعتدت بالأشهر للإياس ثم حاضت قبل انقضائها فإنها تنتقل إلى ~~الإعتداد بالحيض كما سنوضحه بمشيئة الله تعالى، فأما من زعم الرجوع في ذلك ~~إلى عادة النساء كما هو محكي عن الشافعي فهو رد إلى عماية؛ لأنه لا عادة ~~هناك فيردها إليها، ولأن العادة إنما تستقر بدليل شرعي ولا دلالة هناك ثم ~~لو قدرنا أن هناك دلالة شرعية على تقدير العادة فقد علمت بالشرع فلا حاجة ~~إلى تحكيم العادة مع الدلالة الشرعية. # الفرع الخامس: الدم إذا عبر على العشر، فهل تكون التفرقة بين الحيض ~~والاستحاضة هي الرجوع إلى صفة الدم في السواد والحمرة أو يكون التعويل على ~~الرجوع إلى عادتها في ذات العادة وإلى عادة نسائها في المبتدأة؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أن التعويل إنما هو إلى الرجوع إلى العادة، وهذا هو رأي ~~الهادي والقاسم والمؤيد بالله ومن وافقهم فإن عندهم أنه لا تعريج في ~~التفرقة على صفة الدم. # والحجة على ذلك: هو قوله : ((دعي الصلاة أيام أقرائك " )). وقوله : ~~((تحيضي في علم الله كما تحيض النساء " )) ولم يذكر صفة الدم. # المذهب الثاني: أن الاعتبار في ذلك بصفة الدم، وهذا هو ms0739 رأي الناصر ومحكي ~~عن الشافعي. # والحجة على ذلك: قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: ((إذا رأيت الدم الأسود ~~فأمسكي عن الصلاة " وإذا رأيت الأحمر فتوضئي وصلي فإنما هو دم عرق)). # والمختار: ما ذكره الإمام الناصر ورآه الشافعي، والحجة له: ما رويناه من ~~خبر بنت أبي حبيش فإنه نص في الرجوع في الميز إلى صفة الدم. # نزيد هاهنا وهو أن الدم إذا كان أسود فهو أمارة قوية في كونه حيضا وإن ~~تغير عن صفة السواد فهو أمارة قوية في كونه استحاضة ولأنه أخص وأقوى من ~~الرجوع إلى عادتها في ذات العادة وعادة نسائها في المبتدأة، ومن جهة أن ~~التعويل في الحيض والاستحاضة إنما هو على الأمارات. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. PageV02P276 # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((اعتدي بالأقراء " )) وقوله: ((دعي الصلاة ~~أيام أقرائك " )). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المراد بالخبرين: اعتدي بالدم الحاصل في الأقراء ويكون ~~على حذف مضاف كأنه قال: بدم الأقراء كما قال تعالى: {واسأل القرية " ~~}[يوسف:82]. أي أهلها، وحذف المضاف إليه كثير في كلام الله تعالى وكلام ~~رسوله . # وأما ثانيا: فلأنا نحمله على أن المراد: اعتدي بالدم الذي يكون مقدرا ~~بالأقراء، وإذا كان الأمر كما قلناه لم تكن فيما أوردوه حجة على عدم ~~الاعتبار بصفة الدم. فهذه الفروع الخمسة نشأت عن ماهية الحيض أثرناها ~~وحركناها، وكما ذكرنا ما هيته فلنذكر على أثره أحكام الحيض. PageV02P277 # --- ### || AUTO الفصل الثاني # في بيان الأحكام المتعلقة بالحيض # اعلم أن المرأة إذا ورد عليها الحيض تعلقت بها أحكام شرعية وجملتها أربعة ~~عشر حكما: # الحكم الأول: أنه تحرم عليها الصلاة والدخول فيها والتلبس بها لقوله : ~~((دعي الصلاة أيام أقرائك " )). وقوله : ((إذا رأيت الدم الأسود فأمسكي عن ~~الصلاة " وإذا رأيت الدم الأحمر فتوضئي وصلي)). ولا خلاف في هذا الحكم بين ~~الأئمة وعلماء الأمة، وروى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أنه قال: ~~((الحائض تقضي الصوم دون الصلاة " ))(1). # وفي هذا دلالة على أنها غير واجبة عليها لأنها لو وجبت عليها وفات الوقت ms0740 ~~وجب قضاؤها، ومثل هذا لا يطلقه الصحابي إلا عن توقيف من جهة الرسول إذ لا ~~مجرى للإجتهاد في العبادات الشرعية. # الحكم الثاني:سقوط وجوبها، لما روت عائشة قالت كنا نحيض عند رسول الله ~~فلا نقضي الصلاة ولا نؤمر بقضائها(2) # وهذا أيضا مما لا خلاف فيه بين الأئمة وفقهاء العامة، ولما رويناه من خبر ~~زيد بن علي. # الحكم الثالث: أنه يحرم عليها الصوم والدخول فيه والتلبس به والتشبه ~~بالصائمين، لما روى أبو سعيد الخدري أن الرسول قال: ((إذا حاضت المرأة لم ~~تصل ولم تصم " ))(3) # ولا يسقط وجوبه عليها فإذا طهرت وجب عليها القضاء لما روت عائشة أنها ~~قالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة(4). PageV02P278 # ولما روينا من حديث زيد بن علي، والظاهر أنه لا خلاف في هذا الحكم بين ~~الأئمة وفقهاء الأمة، ولأن إيجاب قضاء الصلاة فيه حرج ومشقة لتكرره في كل ~~شهر بخلاف الصوم فإنه لا يتكرر في السنة إلا مرة واحدة، وقد قال تعالى: ~~{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}[البقرة: 185]. ولا عسر أعظم من ~~إيجاب العبادات المتكررة في الأوقات، وقد ذكرنا من قبل أن الإجماع منعقد ~~على سقوط قضاء الصلاة وإيجاب قضاء الصيام مجمع عليه، وقد حكي الخلاف في ~~إيجاب قضائهما جميعا عن الخوارج. # ويحكى أن امرأة دخلت على عائشة فقالت لها: نقضي الصلاة والصوم؟ فقالت: يا ~~هذه أحرورية أنت؟ إن فعلتها فإن هذا مذهب الخوارج. وحرورا قرية الخوارج ~~بالحاء المهملة والراء [المضمومة والراء] المفتوحة المهملة بألف تأنيث ~~مقصورة(1) # وخلافهم هذا خلاف ساقط لا يعتد به والإجماع السابق من الصدر الأول ~~والتابعين على فساد ما قالوه فهم خارقون للإجماع فلا يلتفت إليه بحال. # الحكم الرابع: وهل يجوز لها قراءة القرآن أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يجوز لها قراءة القرآن ويحرم عليها النطق به وهذا ~~هو رأي أئمة العترة وأكثر فقهاء الأمة. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا يقرأ الجنب ولا الحائض ~~شيئا من القرآن))(2). # المذهب الثاني: أنه يجوز لها ms0741 قراءة القرآن وهذا هو المحكي عن مالك وقول ~~قديم للشافعي. PageV02P279 # والحجة على ذلك: هو أنها إذا لم تقرأ القرآن أدى ذلك إلى نسيانها للقرآن. # والمختار: ما عول عليه الأئمة ومن وافقهم من علماء الأمة. # والحجة على ما قلناه: قوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون " ~~}[الواقعة:79]. فإذا كان المس ممنوعا بظاهر الآية فالقراءة ممنوعة أحق ~~وأولى بكل حال. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه(1). # وهو قول قديم حكاه المسعودي عن الشافعي وهو غير معمول عليه عند أصحابه، ~~ويدل على بطلان هذه الحجة، هو أنا نقول: إنها تقرأ القرآن بقلبها وتتذكره ~~دون التلفظ بلسانها وفيه حصول الغرض من عدم النسيان كما قالوه. # الحكم الخامس: يحرم عليها الطواف لقوله : ((الطواف بالبيت صلاة))(2). # وقد دللنا على أنها ممنوعة من الصلاة فهكذا حال الطواف، ولقوله لعائشة، ~~لما حاضت: ((اصنعي ما يصنع الحاج " غير أنك لا تطوفين بالبيت)) ولأن الطواف ~~لا بد[له] من دخول المسجد وهي ممنوعة منه، ولا خلاف في تحريم الطواف عليها ~~بين الأئمة وفقهاء الأمة. # الحكم السادس: ويحرم عليها مس المصحف وحمله لقوله تعالى: {لا يمسه إلا ~~المطهرون " }[الواقعة:79]. ويجوز لها حمل المصحف بعلاقته لأنها ليست مباشرة ~~له ويجوز لها مس الجلد أيضا ويجوز لها مس حواشيه. وهل يجوز لها أن تقرب ~~أوراق القرآن بقلم أو عود؟ فيه وجهان: # أحدهما: الجوار. لأنها غير حاملة ولا ماسة. # وثانيهما: المنع لأن ما كان بيدها من عود أو غيره فالفعل منسوب إليها. # وإن حملت متاعا فيه القرآن فهل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: الجواز لأن المقصود إنما هو المتاع دون القرآن. # وثانيهما: المنع لأنها حاملة للقرآن، ويجوز لها حمل كتب التفسير وإن كان ~~فيها القرآن لأن الإطلاق عليها أنها من كتب التفاسير دون القرآن. PageV02P280 # الحكم السابع: يحرم عليها اللبث في المسجد لقوله : ((لا أحل المسجد لحائض ~~ولا جنب " ))(1). # وأما العبور في ساحة المسجد فهو ممنوع عندنا لظاهر الحديث الذي رويناه، ~~وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر بجوازه، لحديث عائشة لما قال لها الرسول ~~: ((ناوليني الخمرة ms0742 " )).فقالت له: إني حائض. فقال: ((حيضتك ليست في ~~يدك))(2) # والخمرة: حصير صغير. وهذا الخلاف في العبور في المسجد إذا كانت مستوثقة ~~بالشد فأما إذا لم توثق بالشد فإنه يحرم العبور لأنه لا يؤمن فيها أن تلوث ~~المسجد بالنجاسة. # الحكم الثامن: والحيض يمنع من صحة الإعتكاف لأنه إذا حرم عليها اللبث في ~~المسجد من غير عبادة كما أوضحناه فلأن يحرم عليها ذلك مع نية العبادة ~~والتلبس بها[أولى]، ومن جهة أن الإعتكاف يفتقر إلى الصوم وهو مستحيل في حق ~~الحائض فلهذا بطل الإعتكاف منها. # الحكم التاسع: وجوب الغسل عليها عند انقطاع الدم، وهل يجب الغسل عليها ~~برؤية الدم أو بانقطاعه؟ # والمختار: أنه لا يجب عليها الغسل إلا بانقطاع الدم وهو القول الجديد ~~للشافعي، وله قول آخر قديم [أنه] يجب برؤية الدم، وعلى هذا إذا اجتنبت ~~المرأة ثم حاضت قبل أن تغتسل فلا غسل عليها للجنابة من جهة أن الدم غير ~~منقطع ولأن ما أوجب الطهارة فهو مانع من صحتها كالبول. # الحكم العاشر: الحكم ببلوغ المرأة عند حيضها ولا خلاف في كونه أمارة ~~للبلوغ في حق النساء، بين الأئمة وفقهاء الأمة. # الحكم الحادي عشر: أنها إذا حاضت ثم طلقت امتنع اعتدادها بالشهور لقوله ~~تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " }[البقرة:228] ولا خلاف في ~~ذوات الحيض أن العدة في حقهن بالأقراء. PageV02P281 # الحكم الثاني عشر: أنها إذا طلقت وهي حائض فإنه يأثم لحديث ابن عمر، ولا ~~تعتد بتلك الحيضة في العدة بل تستأنف كما سنوضحه في العدد بمعونة الله تعالى. # الحكم الثالث عشر: أنه يحرم طلاق المدخول بها في حال حيضها لقوله تعالى: ~~{فطلقوهن لعدتهن}. والغرض: مستقبلات للعدة. # الحكم الرابع عشر: أنه يحرم وطؤها في فرجها لقوله تعالى: {فاعتزلوا ~~النساء في المحيض " ولا تقربوهن حتى يطهرن}[البقرة:222]. ولما روى أبو ~~هريرة عن الرسول أنه قال: ((من أتى كاهنا أو عرافا أو منجما " يصدقه فيما ~~يقول أو أتى امرأة في دبرها أو حائضا فقد كفر بما أنزل على محمد))(1). # فهذه الأحكام كلها متعلقة بالحائض. # التفريع على هذه ms0743 القاعدة: # الفرع الأول: لا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة في تحريم وطئ الحائض ~~في فرجها لقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن " } [البقرة:222]. مع علمه ~~بحيضها وعلمه بتحريمه وذكره للحيض، فإن خالف النهي ووطأ والحال ما ذكرناه ~~فإنه يأثم لمخالفة النهي، وهل يكفر أو يفسق بالوطئ المحرم أم لا؟ فيه نظر. # والمختار: أنه لا يكفر ولا يفسق لأن الكفر والفسق إنما يكونان بأدلة ~~قطعية ولا دلالة تدل على ما قلناه من كفره وفسقه، ولأنا لا نقطع بكونه ~~كبيرة. والإكفار أو التفسيق إنما يكون بإرتكاب الكبائر. فأما ما روي عن ~~الرسول :((من أتى امرأة وهي حائض فقد كفر بما أنزل على محمد " )) فلا يلزم ~~لأمرين: # أما أولا: فلأنه خبر واحد فلا يقع به إكفار ولا تفسيق لأنه لا يثمر ~~اليقين ولا القطع. PageV02P282 # وأما ثانيا: فلأنه محمول على استحلال الوطئ لأن استحلاله يكون ردة لأن ~~تحريمه معلوم بضرورة الدين. وتلزمه التوبة من هذه المعصية والاستغفار إلى ~~الله تعالى لقوله: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون " }[النور:31]. # وهل يلزمه مع التوبة غرم مال أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه إن أتاها في أول الدم لزمه أن يتصدق بدينار، وإن أتاها في ~~آخره تصدق بنصف دينار وهذا قول قديم للشافعي، ومحكي عن الأوزاعي وإسحاق. # والحجة على هذا: ما روى ابن عباس عن الرسول أنه قال: ((من أتى امرأة وهي ~~حائض فليتصدق بدينار ومن أتاها وقد أدبر الدم فليتصدق بنصف دينار)). وفي ~~حديث آخر: ((من أتى امرأته وهي حائض فليتصدق بدينار أو نصف دينار))(1). # وثانيهما: أنه لا يلزمه شيء، وهذا هو قول أئمة العترة، ومحكي عن أبي ~~حنيفة وأصحابه والقول الجديد للشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن علي أن رجلا أتاه فقال: يا أمير المؤمنين إني ~~وطأت امرأتي على غير طهر. فقال: ((اذهب فما أنت بصبور ولا قذور " واستغفر ~~الله من ذنبك ولا تعد إلى مثلها ولا حول ولا قوة إلا بالله))(2) # ولم يأمره بالكفارة. # والمختار: ما قاله أصحابنا لما ذكرناه من الحجة لهم ms0744 ونزيد فنقول: وطء ~~محرم للأذى، فلا تتعلق به الكفارة كالوطء في الدبر، واحترزنا بقولنا: محرم ~~للأذى عن الوطئ في الحج وفي شهر رمضان على رأي من يوجب الكفارة. PageV02P283 # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، أما حديث ابن عباس فعنه جوابان: # أما أولا: فلأن الرواية مضطربة فيضعف. # وأما ثانيا: فلأنه محمول على الاستحباب. # وقد حكي عن الحسن البصري وعطاء أنه من وطأ امرأته وهي حائض وجب عليه ما ~~يجب على المجامع في شهر رمضان. # وحجتهما على ذلك: هو أنه وطء محرم فأشبه الوطء في نهار رمضان، وعنه ~~جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم وجوب الكفارة على الواطئ في نهار رمضان لما ~~سنقرره في كتاب الصوم. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل: هو أنه وطء محرم في زمان لا يحل فيه ~~الوطء فافترقا. # وإن وطأها من غير علم بالحيض ولا علم بتحريمه ومع نسيان الحيض فلا إثم ~~عليه، لقوله : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) والجهل وعدم العلم سواء في ~~سقوط الإثم. # الفرع الثاني: في الإستمتاع من غير جماع وله ثلاثة أحوال: # الحالة الأولى: الإستمتاع بها بما فوق السرة وبما دون الركبة فهل يجوز أم ~~لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: الجواز وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر فقهاء الأمة. # والحجة على هذا: ما روت عائشة قالت: كان رسول الله يباشر نساءه وهن حيض ~~في إزار واحد(1). # الحجة الثانية: ما روي عنها أيضا قالت: كان رسول الله يأمرنا في وقت ~~حيضنا أن نأتزر ثم يباشرنا، وأيكم يملك من إربه(2) # ما كان رسول الله يملك(3). PageV02P284 # المذهب الثاني: المنع من ذلك وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن " }[البقرة:222]. # والمختار: ما عول عليه الأكثر من الأئمة والفقهاء. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد ما روي عن عمر أنه قال، سألت رسول الله ما يحل ~~للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: ((ما فوق الإزار)) (1). # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. # قالوا: الآية تدل على المنع من الإستمتاع ms0745 من جميع الوجوه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المراد بالمحيض هو دم الحيض وليس المراد منه لا الزمان ~~ولا المكان لأن الله تعالى قال: {ويسألونك عن المحيض " }[البقرة:222]. ~~وفسره بأنه الأذى وفي هذا دلالة على أن المراد منه الدم فالمراد هو اعتزال ~~الدم فلا تقربوا الدم. # وأما ثانيا: فتحمل الآية على ما يوافق الأخبار لئلا يؤدي إلى مناقضة ~~الكتاب والسنة وهما متوافقان. # نعم، فإن كان على هذه المواضع دم الحيض فهل يجوز مباشرتها أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما المنع لأنه دم الحيض فأشبه الفرج. # والثاني: الجواز لحديث عمر وعائشة وقد ذكرناه. # والمختار: الجواز لأنها مجانبة للفرج فأشبه سائر الأعضاء الخارجة فإن لم ~~يصبها شيء من الدم جاز ولا خلاف فيه بين أئمة العترة وأكثر فقهاء العامة. # الحالة الثانية: في الإستمتاع بما فوق الركبة ودون السرة، فهل يجوز أم ~~لا؟ فيه مذهبان: PageV02P285 # المذهب الأول: جواز ذلك وهذا هو رأي الإمامين الهادي والناصر ومحكي عن ~~القاسم وحكي عنه الكراهة وهو رأي الإمامين الأخوين ، ومروي عن محمد ومالك، ~~والقول الأصح للشافعي. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح " ))(1) # وفي هذا دلالة على أنه لا يجتنب إلا الفرج لا غير. # المذهب الثاني: المنع من ذلك وهذا هو قول مالك وأحد قولي الشافعي، ومحكي ~~عن أبي حنيفة وأبي يوسف. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لك ما فوق الإزار وليس لك ~~ما تحته " )). وهذا نص فيما نريده ولأنه استمتاع في الحائض بما تحت الإزار ~~فأشبه الوطء في الفرج. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن وافقهم من فقهاء العامة. # والحجة على ذلك: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو أنه استمتاع بالحائض فيما ~~دون الفرج فأشبه التلذذ بما بين الفخذين والساقين. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. # قالوا: الخبر دال على إباحة ما فوق الإزار دون ما تحته. # قلنا: الخبر محمول على أنه تلوث بالدم وما هذا حاله فنحن نمنع منه، أو ~~نقول: إن الخبر محمول ms0746 على من [لا] يملك نفسه عن الوقوع في المحظور، وإنما ~~وجب حمله على ما ذكرناه لتكون الأدلة متطابقة. # قالوا: استمتاع بما تحت الإزار فيحرم كما لو وطأ في الفرج. # قلنا: هذا معارض بما ذكرناه من القياس فيبطل القياسان ويجب الرجوع إلى ~~الأدلة الشرعية، وممن قال بالجواز الأوزاعي وأحمد وإسحاق والمروزي من أصحاب ~~الشافعي. PageV02P286 # الحالة الثالثة: الإستمتاع بالتلذذ بالفرج إذا كان الدم مقصرا أو غسلته، ~~فهل ذلك جائز أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: المنع، وهذا هو الظاهر من مذهب العترة وفقهاء الأمة. # والحجة لهم على ذلك: هو أن ظاهر الأخبار التي رويناها عن عائشة وعن غيرها ~~دالة على اجتناب الفرج ومصرحة بالمنع منه، ثم ظاهر الآية دال على المنع منه ~~فإنه علل الإعتزال ومنع من القرب لأجل الأذى والأذى في زمان الحيض فيه دائم ~~فلهذا قضينا بامتناعه. # المذهب الثاني: الجواز وهو المختار. ويدل عليه حجج ثلاث: # الحجة الأولى: هو أن الآي والأخبار إنما منعت من الإستمتاع لما فيه من ~~التلوث بالنجاسة وقد فرضنا الجواز في حال كون الدم مقصرا أو كان مغسولا، ~~وإذا كان الأمر هكذا زال المنع بزوال التلوث فلا مانع من التلذذ به في هذه ~~الحالة إذ لا نجاسة ظاهرة فيه كما قررناه. # الحجة الثانية: قوله : ((اصنعوا بالحائض كل شيء ما خلا الجماع " )) وهذا ~~فيه دلالة ظاهرة على جواز التلذذ به من غير إيلاج فيه وهو المقصود. # الحجة الثالثة: ما روى أنس بن مالك عن الرسول أنه قال: ((يتجنب منها ~~زوجها مكان الدم وله ما رواءه " ))(1). # وظاهر هذا الخبر دال على أن الفرج تلوث بالدم ونحن نمنع منه في هذه ~~الحالة ولكن إذا فرضنا إقصار الدم أو غسله جاز ذلك، فقد وضح لك بما أوردناه ~~جواز ذلك. # الفرع الثالث: إذا انقطع دم الحائض بحصول الطهر حل لها أن تصوم لأن ~~تحريمه إنما كان بالحيض وقد زال ولا يحل لها الصلاة والطواف واللبث في ~~المسجد والإعتكاف وقراءة القرآن لأن المنع من هذه الأمور إنما هو للحدث، ~~ولا شك أن ms0747 الحدث باق. # وهل يجوز وطؤها قبل الاغتسال أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: المنع من ذلك، وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم ~~والناصر وزيد بن علي والسيدين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب وهو رأي ~~الشافعي ومالك. PageV02P287 # والحجة على ذلك:قوله تعالى:{ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن " } [البقرة: ~~222]. فجعل لحل الوطء والقرب غايتين: # إحداهما: الطهر وهو النقاء بقوله: {حتى يطهرن}. يقال: طهر من النجاسة ~~يطهر إذا نقى. # وثانيتهما: التطهر بالماء بقوله تعالى: {فإذا تطهرن} يقال: تطهر بالماء ~~إذا اغتسل به، فهذه القراءة مفيدة لهذين المعنيين المختلفين فقد أفادت ~~الطهر من الحيض والطهارة بالماء فيجب حملها عليهما كما أوضحناه. # والقراءة الثانية: بالتشديد في قوله: {ولا تقربوهن حتى يطهرن}. وهي مفيدة ~~للتطهير بالماء لأن المعنى ولا تقربوهن حتى يطهرن بالماء فإذا تطهرن بالماء ~~فأتوهن، لكنا أخذنا اشتراط الطهر بالنقاء من دليل آخر ومن جهة أن الطهارة ~~بالماء غير مفيدة حتى يحصل الطهر بالنقاء، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن ~~القراءتين متطابقتان على المنع من وطئها حتى تغتسل وهذا هو المطلوب. # المذهب الثاني: أنها إن طهرت لأكثر الحيض وهو عشر جاز وطؤها وإن لم تغتسل ~~وإن طهرت لأقل من عشر لم يجز وطؤها حتى تغتسل أو تيمم إن لم تجد الماء وهذا ~~هو قول زيد بن علي وهو رأي أبي حنيفة. # والحجة على ما قاله، قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " ~~}[البقرة:223] ولم يفصل. وقوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون " ، إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}[المؤمنون:56]. من غير فصل بين حالة وحالة، ~~وفي هذا دلالة على ما قلناه. # الحجة الثانية: قولهم: لو كان ثم مانع عن وطئها لكان لأجل بقاء الاغتسال ~~عليها وبقاء الاغتسال عليها لا يمنع من وطئها كما لو كانت جنبا. # الحجة الثالثة: قالوا: ولأن هذا سبب يتعلق به تحريم وطئها وقد علمنا ~~زواله بدليل الإحرام والصوم فوجب أن يزول التحريم. PageV02P288 # المذهب الثالث: أنها إذا غسلت فرجها جاز لزوجها وطؤها بعد العشر، وهذا شيء ~~يحكى عن الأوزاعي ms0748 وداؤد من أهل الظاهر. # والحجة لهما على ما قالاه: هو أنها قد أمنت من معاودة الحيض في هذه ~~الحالة فجاز له وطؤها كما إذا اغتسلت أو تيممت، وما ذكرناه حجة لأبي حنيفة ~~فهو حجة لهما لأنهما يعتبران انقضاء مدة الحيض وكمالها كما يعتبره إذ لا ~~قائل بجواز وطئها قبل تمام حيضها وإنما أوجبا غسل الفرج من أجل ما يلحقه من ~~آثار الدم والعفونة. وذكرهما غسل الفرج يحتمل الوجوب ويحتمل الاستحباب. # والمختار: ما قاله أصحابنا. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: ((إذا ~~أقبلت الحيضة فأمسكي عن الصلاة " وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي)). فأوجب عليها ~~الاغتسال عند الإدبار وهو نص فيما قلناه. # الانتصار: يكون بإبطال ما يخالفه. # قالوا: الآيتان تدلان على ما قلناه. # قلنا: ظاهرهما متروك بالإجماع لأنهما متناولتان للحيض والنفاس فلابد من ~~تأويلهما فنحملهما على حل الوطء بعد الاغتسال، كما حملتموها على حل الوطء ~~بعد الانقطاع. # قالوا: بقاء الاغتسال لا يكون مانعا عن الوطء كالجنابة. # قلنا: ليس المانع هو بقاء حكم الاغتسال كما زعمتم وإنما المانع من الوطء ~~بقاء حكم الحيض الذي يذهب بالاغتسال. # قالوا:قد علمنا زوال السبب الذي يتعلق به تحريم وطئها بدليل الإحرام ~~والصوم. # قلنا: بقاء حكم الحيض لا يمنع من الإحرام والصوم لأن الصوم إمساك. ~~والإحرام لا يمنع منه الحيض فضلا عن الاغتسال، بخلاف الوطء والصلاة فإن ~~بقاء حكم الاغتسال مانع منهما فافترقا. # وأما من زعم أنها تغسل فرجها لا غير فالكلام عليه كالكلام على أبي حنيفة ~~إلا أنهما اشترطا غسل الفرج للنظافة عن سائر العفونات التي في الفرج عقيب الحيض. PageV02P289 # الفرع الرابع: فإن لم تجد الماء جاز لها التيمم للصلاة لأنها عادمة للماء. ~~وهل تؤدي الصلاة بالتيمم في أول الوقت أو في آخره؟ يكون على الخلاف الذي ~~ذكرناه في باب التيمم. # ويجوز لها أن تتيمم للوطء لأن التيمم طهارة تستباح بها الصلاة فأباحت ~~الوطء كطهارة الماء. وهل يشترط في التيمم للوطء شرط آخر أم لا؟ فالذي عليه ~~أئمة العترة أن التيمم كاف في ms0749 صحة الوطئ وهو رأي الشافعي، وحكي عن أبي ~~حنيفة أنه لا يجزي التيمم للوطء حتى تؤدي به فريضة، وله في هذه المقالة نظر دقيق. # والحجة على ذلك: هو أن التيمم إنما شرع لتأدية العبادات ولما فيه قربة ~~ولم يشرع لتأدية الأمور المباحة كالوطء، ولهذا فإن سبب نزوله عدم الماء ~~لتأدية الصلاة، فقال تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا " }[المائدة:6]. فلما ~~كان مشروعا لما ذكرناه من العبادة لم يجز تأدية الأمور المباحة حتى يؤدى به ~~المقصود من العبادة فلهذا كانت العبادة مقصودة وتأدية المباح على جهة ~~التبع، وعنه رواية أخرى أنه يستباح به الوطء من غير صلاة وهو مروي عن محمد وزفر. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة لأن الطهارة بالتراب نازلة منزلة ~~الماء عند عدمه فلهذا استبيح به الوطء كالطهارة بالماء. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، فأما ما قاله أبو حنيفة من أنه شرع من ~~أجل تأدية العبادات فلا ننكره لكنه قد نزل منزلة الماء عند عدمه وهو بدل ~~عنه وليس يكون أعلى حالا من الماء، فإذا جاز تأدية الأمور المباحة بالماء ~~جاز تأديتها بالتراب من غير تفرقة بينهما. # الفرع الخامس: إذا أراد وطء امرأته فقالت: أنا حائض، فهل يقبل قولها أم ~~لا؟ فيه تردد، منهم من قال: ينظر في حالها فإن كانت مسلمة قبل قولها لأن ~~الغالب من حالها الصدق لأجل الإسلام. وإن كانت فاسقة فإنه لا يلتفت إلى ~~قولها لفقد العدالة. PageV02P290 # والمختار في ذلك: التعويل على شمائلها وأحوالها، والمعتمد في ذلك هو غلبة ~~ظنه فإن غلب ظنه صدقها لم يجز له وطؤها، وإن غلب على ظنه كذبها جاز له ~~وطؤها من غير التفات إلى الإسلام والفسق لأنه ربما يغلب على الظن صدقها ولو ~~كانت فاسقة لقرائن أحوالها وما يظهر من شمائلها. # الفرع السادس: إذا تيممت وصلت بهذا التيمم فريضة أو نافلة فهل يحل وطؤها ~~أم لا؟ فعلى ما اخترناه من جواز تأدية الفرائض الكثيرة بالتيمم الواحد يحل ~~وطؤها ولو صلت، فأما من يمنع من تأدية الفروض الكثيرة بالتيمم الواحد، ms0750 ~~فمنهم من منعه حتى تعيد التيمم للوطء، ومنهم من أجازه لأنه نازل منزلة ~~الغسل وهو القوي على أصلهم. # الفرع السابع: ويستحب للنساء الحيض ذوات الأزواج وغير ذوات الأزواج أن ~~يتعهدن أنفسهن في أوقات الصلاة بالتطهر والتنظيف إذا كان الدم مقصرا، وذكر ~~الله تعالى في أوقات الصلوات يكون ذلك على جهة التمرين لئلا يقع التساهل في ~~تأدية الصلوات في حال الطهارة من الحيض كما ورد به الشرع في أمر الصبيان ~~بالصلاة قبل البلوغ تمرينا لهم على فعلها بعد البلوغ، ويستحب لذوات الأزواج ~~منهن التعهد لأنفسهن بالتطهير والتنظيف واستعمال الطيب لإزالة الروائح ~~الكريهة بالحيض لأجل المباشرة التي فصلناها للأزواج في حال الحيض. # الفرع الثامن:الحيض له سن مخصوص وقدر مخصوص فإذا وجد ذلك تعلقت به أحكام ~~الحيض، والمرجع في إثباته وتقريره على الوجود وهو ما يوجد عادة مستمرة فإذا ~~وجد ذلك صار أصلا. # قال الإمامان الناصر والهادي: وأقل السن الذي ترى فيه المرأة الحيض تسع ~~سنين وما زاد على ذلك فهو عادة مستمرة وهذا هو المحكي عن الشافعي. PageV02P291 # والحجة لنا على ذلك: هو أن كل ما ورد به الشرع مؤقتا فالإعتماد فيه على ~~التوقيت، وما ورد مطلقا فلا بد من تقديره، و[إن] لم يكن لتقديره أصل في ~~الشرع ولا في اللغة فإنه يرجع فيه إلى العرف والعادة، وهذا كما نقول في قبض ~~المقبوضات في البياعات، والحرز في السرقة، والأيمان فإن هذه الأمور كلها ~~التعويل فيها على مجرى العادة والعرف. # قال الشافعي في الأم: أعجل من سمعت في الحيض من النساء نساء تهامة يحضن ~~لتسع سنين، وقال: رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة. وقال أصحابه: يجيء على ~~أصله أن تكون جدة لها تسع عشرة سنة لأنها تحمل لتسع سنين وتضع لستة أشهر ثم ~~تحمل ابنتها لتسع سنين وتضع لستة اشهر فذلك يكون تسع عشرة سنة وهذا كله ~~يأتي على مذهبنا. PageV02P292 # --- ### || AUTO الفصل الثالث # في بيان الأقل والأكثر من الطهر والحيض # اعلم أن الذي عليه الأكثر من أئمة العترة والأكثر من فقهاء الأمة هو ~~تقدير ms0751 أقل الحيض وأكثره وأقل الطهر دون أكثره، وخالف الناصر في هذه القاعدة ~~وقال: إنه لا تقدير فيه وهو محكي عن مالك، فهذان مذهبان نذكر ما يتوجه في ~~كل واحد منهما بمعونة الله: # المذهب الأول: قال الإمام الناصر في كتابه (الكبير)، لا وقت للحيض عن ~~الله ولا عن رسوله لا لقليله ولا لكثيره لأنه يزيد وينقص وإنما الاعتبار في ~~ذلك بلون دم الحيض ودم الاستحاضة دون وقتها وعادتها لا غير. # والحجة له على ما قاله: قوله تعالى: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض ~~الأرحام " وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار}[الرعد:8]. # ووجه الدلالة من هذه الآية، هو أن الله تعالى أورد هذه الآية على جهة ~~التمدح بأنه مختص بالعلم بهذه الأمور فلو علمنا قليله وكثيره وزيادته ~~ونقصانه لبطل تمدحه باختصاصه وانفراده به. # الحجة الثانية: قوله تعالى:{ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ~~" } [البقرة:228]. # ووجه الحجة من هذه الآية:هو أن الله تعالى نهاهن عن كتمان ما خلق في ~~أرحامهن من الحيض فلو كان الحيض مقدرا بالوقت والعدد لكان ظاهرا مكشوفا لا ~~يمكن كتمانه فلما نهاهن عن الكتمان دل ذلك على أن الغرض ما يعلمه الله ~~تعالى من الولد والحيض دون الوقت والعدد فإنهما معلومان. # الحجة الثالثة: قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: ((إذا أقبلت الحيضة فدعي " ~~وإذا أدبرت فتوضائي وصلي)). وفي هذا دلالة على أن الاعتبار إنما هو باللون ~~دون الوقت والعدد. # الحجة الرابعة: قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا ~~النساء في المحيض}[البقرة:222]. PageV02P293 # ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر باعتزالهن في حال المحيض ~~في قليله وكثيره يدل ذلك على أن الاعتبار باللون دون الوقت والعدد، فهذا ~~جملة ما أوردوه نصرة لمذهبه. # المذهب الثاني: أن الحيض مقدر أقله وأكثره، والطهر مقدر أقله دون أكثره، ~~وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة الهادي والقاسم ورأي السيدين الأخوين ~~وهو قول الأكثر من فقهاء الأمة أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه على ~~اختلاف بينهم فيه، وهو القول ms0752 الآخر للناصر ذكره في (الألفاظ) وفي (المختصر) ~~وفي كتاب (أصول الدين). # والحجة على هذه المقالة:هي أن الأخبار المأثورة من جهة الرسول دالة على ~~هذه المقادير في الطهر والحيض ومصرحة بها تصريحا لا يمكن دفعه ولا يسع ~~إنكاره، وسنقررها ونوضح دلالتها على ما يذهب إليه كل واحد منهم فيما رآه من ~~المقدار في الطهر والحيض. # والمختار: ما عليه الأكثر من علماء العترة وفقهاء الأمة من تعريف الأوقات ~~والمقادير في الطهر والحيض. # والحجة لهم: ما قدمناه ونزيد هاهنا، وهو أن الإجماع منعقد من جهة العترة ~~وأكابر أهل البيت بعد عودة الناصر إلى مقالتهم، ومن جهة علماء الأمة من يوم ~~نشأ الخلاف في المسائل الفقهية، على أن الحيض مقدر بالوقت والعدد وهذا ~~الاحتجاج إنما نقيمه على مالك فأما الناصر فقد رجع إلى مقالة آبائه في ~~تقديره بوقته وعدده. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، وهو قول الناصر القديم. # قوله تعالى: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام " وما ~~تزداد}[الرعد:8]. # قلنا: المراد به الولد في كونه ذكرا أو أنثى وما ينقص وما يزيد من اللبث ~~في بطن أمه وما يذهب ويصير غيضا في الأرحام، فهذا هو المراد بالآية وليس ~~فيها ذكر الحيض في قدره ووقته. # وقوله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن " ~~}[البقرة:228]. PageV02P294 # قلنا: مقداره من الثلاثة إلى العشرة ووقته من التسع إلى ما فوقها فالله ~~تعالى خوفهن أن يكتمن مقداره ووقته لأغراض فاسدة، فتقول: حيضي عشر وهو خمس ~~أو تقول: قد انقطع دمي، ولم ينقطع، إلى غير ذلك مما يتعلق بأغراضهن. # قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: ((إذا أقبلت الحيضة فأمسكي " وإذا أدبرت ~~فاغتسلي وصلي)). # قلنا: الغرض أنها في أيام الحيض، والخبر دال على وجوب ترك الصلاة عند ~~الحيض فلابد من تقديرها بالأيام ليعرف الحيض مما يكون استحاضة، وفي ذلك ما نريده. # وقوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى}[البقرة:222]. ولم يذكر ~~المقدار ولا الوقت. # قلنا: قد أمر باجتناب الأذى في المحيض فلابد من تقدير وقته وعدده ليعرف ms0753 ~~ما يجتنب وما لا يجتنب، فليس كل أذى يجب اجتنابه وإنما يجب اجتنابه مع ~~العلم بوقته وعدده، فقد ظهر لك بما قررناه ضعف هذه المقالة. فأما التعويل ~~على صفة الدم مع القول بالمقدار والوقت فسنوضحه بمعونة الله تعالى. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول منها: في مقدار أقل الحيض، وللعلماء فيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول:أن أقله ثلاثة وهذا هو المروي عن زيد بن علي والصادق وأحمد ~~بن عيسى ونصه الهادي في (الأحكام) واختيار السيد المؤيد بالله وهو قول أبي ~~حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري. PageV02P295 # والحجة على هذا: ما روى واثلة بن الأسقع " (1) عن الرسول أنه قال: ((أقل ~~الحيض للجارية البكر ثلاثة أيام " وأكثره عشرة))(2). وروي عن الرسول أنه ~~قال: ((أقل الحيض ثلاث وأكثره عشر " ))(3) وهذا رواه أبو أمامة ((وما زاد ~~على عشرة أيام فهو استحاضة)). وروى أنس بن مالك عن الرسول أنه قال: ((أقل ~~الحيض يكون ثلاثا إلى خمس " وإلى عشر وما زاد فهو استحاضة)). وروي عنه ~~أيضا: أنه قال: الحيض ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة ثمانية تسعة عشرة " وما ~~زاد فهو استحاضة. ومثل هذا لا مساغ للإجتهاد فيه ولا يقوله الصحابي إلا عن ~~توقيف من جهة الرسول ، وروى معاذ عن الرسول أنه قال: ((أقل الحيض ثلاثة ~~أيام " وأكثره عشرة أيام)). فهذه الأخبار كلها دالة بصريحها على أن أقله ~~ثلاث وأكثره عشر فيجب التعويل عليها والله PageV02P296 أعلم. # المذهب الثاني: محكي عن الشافعي وهو أن أقله يوم وليلة، وحكي عنه يوم ~~واحد. قال الشيخ أبو حامد من أصحابه: والصحيح من قوله أنه يوم وليلة وهو ~~الذي يفرع عليه ويفتي به ويناظر عليه ولا أعرف له ولا أصحابه حجة على ما ~~قالوه إلا الوجود ولم يوردوا كتابا ولا سنة. # قال الشافعي: رأيت امرأة ثبت لي عنها أنها لا تحيض أكثر من يوم واحد وثبت ~~لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاثة أيام، هكذا في (البيان). ونقلوا ~~صورا عن عدة من النساء من تحيض يوما ومن تحيض أقل من ثلاثة أيام ms0754 وما زادوا ~~على النقل من أحوال النساء شيئا. # المذهب الثالث: أن أقله يومان وأكثر الثالث، وهذا هو المحكي عن أبي يوسف ~~ولا أعرف له حجة يدلي بها في نصرة مذهبه هذا إلا الوجود كما حكيناه عن ~~الشافعي. # المذهب الرابع: محكي عن مالك أنه قال: لا حد لقليله. # وحجته على هذا: ما حكيناه عنه آنفا من أن الاعتبار بوجود الدم وصفته من ~~غير حاجة إلى تقدير وقته وعدده، وعمدته في هذا خبر بنت أبي حبيش حين قال ~~لها الرسول : ((إذا رأيت الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة " وإذا رأيت الدم ~~الأحمر فتوضائي وصلي)). فعول على الصفة ولم يجعل له حدا في القلة. # والمختار: ما عول عليه الأكابر من أهل البيت ومن وافقهم. # وحجتهم:ما قررناه،ونزيد هاهنا:وهو أن الله تعالى قال في كتابه الكريم: ~~{ويسألونك عن المحيض قل هو أذئ فاعتزلوا النساء في المحيض}[البقرة:222] ولم ~~يقدر في الكتاب قليله وكثيره ولكنه أشار إلى مطلق الأذى وأمر باجتنابه، ثم ~~وجدنا الأخبار من جهة السنة مصرحة بحده ومقداره في قليله وكثيره فقضينا بها ~~جمعا بين الكتاب والسنة وعملا بهما، وهذه طريقة مرضية في جمع الأدلة ~~واتفاقها على المقصود من غير معارضة ولا تناقض. PageV02P297 # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، أما ما زعمه الشافعي من أن أقله يوم وليلة ~~فتعويله في ذلك على الوجود وهذا مردود، فإن المعتمد في هذه المقدرات ليس ~~على الوجود فإنه معيار مضطرب لا يعول عليه لاختلافه فإنه لا يستقر على ~~قاعدة واحدة وإنما التعويل على ما كان من جهة الشارع لأنها أمور غيبية قد ~~استأثر الله بعلمها ووكلها إلى لسان الرسول ، وبهذا يبطل ما حكيناه عن أبي ~~يوسف فإنه عول على الوجود ولم يأت بدلالة شرعية. # وأما ما حكي عن مالك من أنه لا حد لأقله فإنه بنى ذلك على بطلان وقت ~~الحيض ومقدراه وقد أوضحنا فساده بما مر من الأدلة. # وقد حكي عن القاسم أنه لا حد لأقله قال المؤيد بالله: ولا أحفظ له في ~~أقله نصا وليس مذهبه مثل مذهب مالك ms0755 في بطلان حده وقدره فإنه قد صرح بأن له ~~وقتا وعددا وليس معرجا على صفة الدم مثل قول مالك ولكنه حد أكثره ولم يحد أقله. # الفرع الثاني: في مقدار أكثره. وفيه مذاهب خمسة: # المذهب الأول: أن أكثره عشرة أيام، وهذا هو رأي القاسم والهادي والأكثر ~~من أئمة أهل البيت زيد بن علي والصادق وأحمد بن عيسى والمؤيد بالله والأقوى ~~من قولي الناصر، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري. # والحجة لهم على ذلك: ما قررناه في قليله، فإن الأخبار التي رويناها متصل ~~بها الكثير بالقليل من غير فصل فلا حاجة إلى تكرير الكلام بإعادتها. # المذهب الثاني: أن أكثره خمسة عشر وهذا هو المحكي عن الشافعي ويحكى عن ~~أحمد بن حنبل. PageV02P298 # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب ~~لعقول ذوي الألباب منهن " )) قيل: وما نقصان عقولهن؟ قال: ((شهادة امرأتين ~~كشهادة رجل ونقصان دينهن أن إحداهن تمكث نصف دهرها فلا تصلي))(1). وفي هذا ~~دلالة على أن من النساء من تكون حائضا نصف عمرها وذلك يوجب أن يكون حيضها ~~خمسة عشر يوما. # المذهب الثالث: أن أكثره سبعة عشر يوما، وهذا هو المحكي عن مكحول والشعبي ~~وطاووس والحسن بن صالح. # والحجة على هذا: الإستقراء والعادة المألوفة في حيض النساء، وأظن أن ~~هؤلاء إنما عولوا على الوجود كما حكيناه عن الشافعي في تعويله على الوجود ~~في مقدار أقله وقد عثروا على بعض النساء تحيض سبعة عشر يوما فجعلوه أصلا في ~~مقدار أكثره. PageV02P299 # المذهب الرابع: وروي عن سعيد بن جبير أن أكثره ثلاثة عشر يوما. # والحجة على هذا: هو التعويل على الوجود فإنه روى أن بعض النساء تحيض هذه ~~المدة فلا جرم عول عليها. # المذهب الخامس: حكي عن مالك ثلاث روايات: # أولاها: يوم وليله. # وثانيتها:سبعة عشر يوما. # والثالثة:لا حد لأكثره. # والحجة على هذا: أما يوم وليلة فحجته حجة الشافعي، وأما سبعة عشر يوما ~~فمقالته مقالة الشعبي وتعويله على الوجود والإستقراء، وأما أنه لا حد ~~لأكثره فقد قررنا وجهها ms0756 فيما سبق فأغنى عن الإعادة. # والمختار: ما عول عليه الأكابر من أهل البيت من أن أكثره عشرة أيام وهي ~~محكية عن علي . # والحجة على ذلك: ما رويناه من تلك الأخبار فإنها نصوص في مقدار أقله ~~وأكثره فلا وجه لتكريرها. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، فأما ما أورده الشافعي من الاحتجاج ~~بالخبر فعنه جوابان: # أما أولا: فإنا نقول بموجب الخبر مع الإستمرار على الخلاف لأن عندنا أن ~~أقل الطهر عشر وأكثر الحيض عشر وإذا كان طهرها عشرا وحيضها عشرا فقد مكثت ~~نصف عمرها لا تصوم ولا تصلي. PageV02P300 # وأما ثانيا: فلأن قوله نصف دهرها، ليس ثابتا في الأخبار وإنما الثابت في ~~الرواية شطر دهرها، والشطر عبارة عن بعض الشيء لأنه يقال: جعلت لك شطر مالي ~~أي بعضه. وقال تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام " }[البقرة:144،149،150] ~~أي بعضه. ولا شك أنها تقعد بعض عمرها لا تصوم ولا تصلي، فأما ما يحكى عن ~~الشعبي والحسن بن صالح أنه سبعة عشر، ويحكى عن سعيد بن جبير أنه ثلاثة عشر، ~~وعن مالك أنه سبعة عشر أو يوم وليلة، فكله تعويل على الإستقراء والعادة ~~المألوفة والوجود وما هذا حاله فليس معولا عليه في هذه الأمور العددية ~~والأحكام المقدرة فإنه لا تعويل فيها على العادات واستقراء الوجود لكونها ~~غير مستقرة وتضطرب أحوالها ولا تطرد مجاريها ولم يلتفت إليها الشرع، وإنما ~~يعول على ما كان من جهة الرسول في كل ما تكلم به ونطق، فأما رواية مالك أنه ~~لا حد لأكثره فقد أوضحنا الكلام عليه. # الفرع الثالث: في مقدار أقل الطهر. # وقد اختلف العلماء في مقدار أقله ولهم في ذلك مذاهب ستة: # المذهب الأول: أن أقل ما يكون الطهر في الحائضات من النساء عشرة أيام ~~وهذا هو رأي أئمة العترة لا يختلفون فيه. # والحجة على ذلك: قوله : ((النساء ناقصات الحظوظ ناقصات العقول ناقصات ~~الأديان " ، فأما نقصان حظوظهن فلهن نصف ما للذكر من الميرات كما قال ~~تعالى: {للذكر مثل حظ الأنثيين " }[النساء:11]، وأما نقصان عقولهن فشهادة ~~امرأتين بمنزلة شهادة رجل ms0757 واحد، وأما نقصان دينهن فتمكث إحداهن نصف دهرها ~~لا تصلي)) وفي هذا دلالة على أن أقل طهرها عشر وأكثر حيضها عشر وهو ~~المقصود. # المذهب الثاني: محكي عن الشافعي وأقله عنده خمسة عشرة يوما. # والحجة له على ما قاله: ما روي عن الرسول أنه قال في النساء: ((ناقصات ~~الأديان)). وأوضح بقوله: ((إن إحداهن تمكث شطر دهرها لا تصلي)). PageV02P301 # وثالثها: أن أقله تسعة عشر يوما، وهذا شيء يحكى عن يحيى بن أكثم " (1). # ورابعها: أن أقله ثمانية أيام. # وخامسها: أن أقله خمسة أيام، وهذا شيء يحكى عن عبدالملك الماجشون. # وسادسها: أن أقله ثلاثة أيام، وهذا إنما يحكى عن أحمد بن حنبل. # والحجة لهؤلاء فيما قالوه: هي الإعتماد على ما يحصل من الإستقراء والعادة ~~المألوفة من النساء، فكل واحد من هؤلاء عول فيما ذهب إليه على ما يجده من ~~نساء أهل زمانه وبلده فلا جرم اختلفت مذاهبهم في القلة والكثرة. PageV02P302 # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة، فإنهم قد اجمعوا على ذلك وإجماعهم حجة ~~للآية والخبر(1) وقد نصرناه في الكتب الأصولية وأجبنا عن الأسئلة الواردة ~~عليه، ونزيد هاهنا: وهو أن الله تعالى أوجب على المعتدة بالأقراء ثلاث حيض ~~وأوجب على المعتدة الآيسة لصغر أو كبر ثلاثة أشهر فأقامها مقام أكثر الحيض ~~وأقل الطهر، وفي هذا دلالة على أن أقله عشرة أيام كما قلناه ولم نقمه مقام ~~أكثر الطهر لأنه لا حد له والإعتماد عندنا في العدة إنما هو بالحيض دون ~~الأطهار كما سنوضحه في كتاب العدة بمشيئة الله تعالى. # فحصل من مجموع ما ذكرناه أن إيجاب العدة بالأشهر قائمة مقام العدة ~~بالأقراء وكما هي دالة على أقل الطهر فهي دالة على أكثر الحيض. فإن قلنا: ~~إن العدة بالأطهار فهي دالة على أقله وإن قلنا: إن العدة بالحيض فهي دالة ~~على أكثره وهي ثلاثون يوما إما للأقراء بالطهر أو بالحيض. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، أما حجة الشافعي بالخبر فقد أوضحنا أن ~~المراد به في الخبر شطر دهرها وأنه كما هو دال على ما يقوله فهو ms0758 دال على ما ~~نذهب إليه، وأما سائر المذاهب التي نقلناها في بيان أقل الطهر فإنها كلها ~~مبنية على الوجود والإستقراء وليس على كل واحد منها دلالة شرعية من كتاب ~~ولا سنة ولكنها مقررة على العرف والعادة ولا مدخل للعرف والعادة في هذه ~~المقدرات والأمور العددية فإن مستندها أمر غيبي وليس فيها إلا ما كان من ~~جهة الله أو من جهة رسوله، وأيضا فإنها متدافعة مضطربة لا تعويل على مقدار ~~فيها بحجة واضحة. PageV02P303 # الفرع الرابع: في مقدار أكثر الطهر، وأكثره لا حد له، لا خلاف فيه بين ~~الأئمة وفقهاء الأمة لأن الطهر هو الأصل سواء كان قبل الحيض أو بعده فلا حد ~~له ولا منتهى لقدره، فإذا تمهدت هذه القاعدة من بيان هذه المقادير من أقل ~~الحيض وأكثره وأقل الطهر وأكثره كما أوضحناه، فإنما تظهر ثمرة هذه المقادير ~~في المستحاضات وعبر الدم على أكثر الحيض. فما كان من الدم في الثلاث فهو ~~حيض بيقين تتعلق به أحكام الحيض من ترك الصلاة والصوم، وما كان زائدا على ~~العشر فهو طهر بيقين فتلحقه أحكام الطهارة من جواز الصلاة والصوم وما كان ~~فوق الثلاث إلى اليوم العاشر فهو مشكوك في حاله لكونه محتملا للحيض ~~والاستحاضة، فذات العادة ترد إلى عادتها والمبتدأة ترد إلى عادة نسائها أو ~~إلى صفة الدم ولونه كما سنوضحه بمعونة الله تعالى. # الفرع الخامس: في بيان التقسيمات المتعلقة بالحيض وأيامه. # وهو ينقسم إلى أقسام كثيرة باعتبارات مختلفة ولكنا نشير إلى ما يتعلق ~~بالمقاصد الفقهية والأحكام الشرعية وجملتها تقسيمات أربعة: # التقسيم الأول: باعتبار ماهية الحيض وحقيقته، إلى أسود ثخين محتدم بحراني ~~له رائحة كريهة، وإلى ما يكون أحمر مشرق اللون رقيقا له رائحة الدم. # فالضرب الأول: هو الذي يعول عليه في الحيض، فالأسود والثخين ظاهران لا ~~يحتاجان إلى تفسير، والمحتدم: الحار الذي يلذع البشرة بحرارته أخذا من ~~قولهم احتدم الماء إذا حر، وأما البحراني فقد قال ابن عباس: هو شديد الحمرة ~~الذي يضرب إلى سواد ويقال له: القاني، وقيل: البحراني الذي يخرج ms0759 من قعر ~~الرحم وأعماقها لأنها تخرج من لحمها. # الضرب الثاني: هو دم الاستحاضة وهو دم مشرق اللون رقيق له رائحة الدم وهو ~~من عرق ينفتق، وهل يعول على صفة الدم في كونه حيضا أو استحاضة؟ فيه تردد ~~نذكره على أثر هذا بمعونة الله. PageV02P304 # التقسيم الثاني: باعتبار حكمه، إلى ما يكون ممكنا وإلى ما يكون ممتنعا، ~~فالممكن في الأيام هي التي بين أيام العادة وبين أكثر الحيض إذا كانت ~~عادتها دون أكثر الحيض من الخمس إلى السبع وكذلك الأيام التي تكون بعد مضي ~~أقل الطهر إلى مجيء أيام العادة، فهذه هي الأيام الممكنة ليكون الدم حيضا ~~وأما الأيام الممتنعة فهي أقل أيام الطهر وأيام الحمل وفي حال الصغر لدون ~~التسع وفي حال الكبر لما بعد الستين كما مر بيانه. # التقسيم الثالث: باعتبار وقت وروده، إلى أيام الإبتداء وإلى أيام العادة، ~~فأما أيام الإبتداء فهي الأيام التي يطرق المرأة الحيض بها في سن الحيض ولم ~~تسبقها لها عادة، وأما أيام العادة فهي عبارة عن الأيام التي تحيض المرأة ~~فيها في كل شهر على الاستمرار، وينقسم إلى: عادة وقت، وإلى عادة عدد، فعادة ~~الوقت من أول الشهر وآخره ووسطه، وعادة العدد من خمس إلى ست إلى سبع إلى ~~عشر. قال الإمام المؤيد بالله: والأيام أربعة، أيام العادة، وأيام ~~الإبتداء، وأيام الإمكان، وأيام الإمتناع، وقد فسرنا هذه الأيام فأغنى عن ~~تكريره. # التقسيم الرابع: باعتبار العلم به، إلى ما يكون حيضا بيقين، وهو الثلاث. ~~وإلى ما يكون طهرا بيقين، وهو ما زاد على العشر. وإلى ما يكون مشكوكا، وهو ~~ما فوق الثلاث إلى العشر. ونقتصر على هذا القدر من التقسيمات ففيه مقنع ~~وكفاية لقصدنا. # الفرع السادس: في كيفية انتقال العادة. قال السيد أبو العباس: وانتقال ~~العادة يكون على أوجه ثلاثة: # انتقال العدد دون الوقت، وانتقال الوقت دون العدد، وانتقال الوقت والعدد جميعا. PageV02P305 # فإذا حاضت المرأة في أول الشهر أربعا وطهرت إحدى عشرة ثم حاضت في النصف ~~الثاني أربعا وطهرت إحدى عشرة فقد تقرر بها الوقت ms0760 والعدد جميعا في الطهر ~~والحيض لأنها رأت عددا واحدا مرتين واتحد الوقت مرتين أيضا في الأولية، أول ~~النصف الأول وأول النصف الآخر فصارالوقت والعدد متحدين كما أوضحناه، فإن ~~استحيضت في الشهر الثاني عملت في الحيض والطهر عليهما فيكون حيضها في كل ~~شهر أربعا وطهرها إحدى عشرة فهكذا يكون استقرار العادة وثبوتها. # ومثال انتقالها عن الوقت والعدد جميعا، هو أن هذه المرأة من عادتها أنها ~~تطهر في أول الشهر عشرا وتحيض خمسا ثم طهرت بعد ذلك عشرا، وحاضت خمسا فقد ~~تغيرت عادتها فيهما جميعا، إلى ما ذكرنا، فقد انتقلت عادتها في الوقت ~~والعدد جميعا لأن عادتها في أول الشهر كان طهرا فصار حيضا وعدد حيضها كان ~~أربعا فصار خمسا وكان طهرها عشرا فصار إحدى عشرة. # ومثال انتقال الوقت دون العدد أن تكون العادة واحدة طهرا عشرا وحيضا سبعا ~~مرة في أوله ومرة في وسطه. # ومثال انتقال العدد دون الوقت هو أن يكون الوقت واحدا في أول كل شهر لكن ~~العدة مختلفة طهرا خمس عشرة وحيضا خمسا وسبعا فقد وضح الإنتقال على هذه ~~الأوجه. # الفرع السابع: في بيان ما تستقر به العادة وتثبت عليه. # اعلم أن الحاجة ماسة إلى بيان ما تثبت به العادة في الحيض لترجع إليه ~~المستحاضة إذ عبر الدم على العشر في حقها وفي حق نسائها لأنها ترجع إلى ~~العادتين جميعا، فإذا تكررت العادة الأخيرة من غير زيادة ولا نقصان فلا يقع ~~خلاف بين الفقهاء في وجوب الرجوع إليها وإنما الخلاف فيما تثبت به العادة ~~مع الإختلاف وفيه مذهبان: # المذهب الأول: أن العادة تثبت بقرأين عند تغيرها وهذا هو الظاهر من مذهب ~~أصحابنا وحصله أبو العباس لمذهب الهادي، وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي ~~الشافعي. PageV02P306 # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: ((أقعدي عن ~~الصلاة أيام أقرائك " )) فعلق الحكم بالأقراء وليست الأقراء عبارة عن قرء ~~واحد لا حقيقة ولا مجازا والثلاثة غير معتبرة بالإجماع فوجب أن يكون المراد قرئين. # المذهب الثاني: أن المعتبر ms0761 في تقرير العادة قرء واحد، وهذا هو المحكي عن ~~أبي يوسف وأحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((دعي الصلاة أيام أقرائك " )). والأقراء: جمع ~~قرء. ولا خلاف أن أقل الجمع ثلاثة ولا قائل بالثلاثة فيجب حمله على الواحد ~~لأنه هو المستيقن وما عداه لا دلالة عليه. # والمختار: ما قاله أصحابنا. # والحجة لهم ما قررناه، ونزيد هاهنا وهو أنه لا فرق بين النادر والمعتاد ~~إلا أن النادر يكون بالمرة الواحدة والمعتاد يكون بالتكرر ولا يعقل أقل ~~التكرر إلا مرتين فلهذا قلنا بأن العادة لا يمكن تحققها إلا بقرأين. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. # قالوا: الأقراء تحمل على الواحد دون الإثنين والثلاثة. # قلنا: هذا فاسد فإن الأقراء جمع فلا يجوز حملها على الواحد حقيقة ولا ~~مجازا وحملها على الإثنين أحق لأن حقيقة الجمع وهو الضم، حاصلة فيهما، ولأن ~~من العلماء من قال: أقل الجمع اثنان، فلا جرم كان حمل الأقراء على الإثنين ~~هو المعتمد. # الفرع الثامن: الدم إذا كان أسود ثخينا أو كان أحمر رقيقا فهل يعول على ~~الأسود الثخين في كونه حيضا أو على الأحمر الرقيق في كونه استحاضة أو لا ~~يعول إلا على الوقت والقدر؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يعول على صفة الدم في الحيض والاستحاضة وإنما ~~التعويل على وقته وقدره. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال لحمنة بنت جحش: ((تحيضي في علم ~~الله ستا أو سبعا " كما تحيض النساء في كل شهر)). فأحالها على قدره بالوقت ~~دون الصفة. PageV02P307 # الحجة الثانية: ما روى أنس بن مالك عن رسول الله أنه قال: ((الحيض ثلاث ~~أربع خمس ست سبع ثمان تسع عشر " وما زاد فهو استحاضة)). فوقته دون الصفة. # الحجة الثالثة: ما روى أسامة عن الرسول أنه قال: ((أقل ما يكون الحيض ~~للبكر ثلاثة أيام وأكثره عشرة " ))(1). # الحجة الرابعة: ما روي عن الرسول أنه قال: ((تقعد المستحاضة أيام أقرائها ~~لا تصلي ولا تصوم " ))(2). فهذه الأخبار كلها دالة على توقيته بالوقت ~~والقدر دون الصفة. وهذا هو رأي القاسم ms0762 والهادي وأحد قولي الناصر والقول ~~المشهور عن أبي حنيفة. # المذهب الثاني: أن التعويل في الحيض على الصفة التي ذكرناها وهذا هو قول ~~الناصر الثاني(3) والقول الصحيح عن الشافعي. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال لفاطمة " (4): ((إذا كان دم ~~الحيض فإنه أسود يعرف فامسكي عن الصلاة " ، وإذا كان الآخر فاغتسلي وصلي)). ~~فذكر الصفة ولم يعرج على الوقت والقدر في كونه حيضا. # الحجة الثانية: وروي عنه أنه قال: ((للحيض أمارات وعلامات " فدم الحيض ~~محتدم أسود بحراني ثخين)). ولم يقدر ولا فصل بين يوم وبين ثلاثة ايام وإنما ~~عول على صفته لا غير. PageV02P308 # والمختار عندنا: تفصيل نشير إلى أسراره وهو أن صفة الدم أمارة قوة يعتمد ~~عليها في أحكام الحيض ويجب الرجوع إليها في أحكام المستحاضات، فكما جاز رد ~~المستحاضة إلى عادتها في حق ذات العادة وردها إلى عادة نسائها في حق ~~المبتدأة فهكذا يجب ردها إلى التمييز بين الدمين وهو أقوى من ردها إلى ~~العادتين لما فيه من الإختصاص ومزيد القوة، ولا بد فيه من اعتبار الوقت ~~والعدد فإن أراد الناصر انفراده عن الوقت والعدد في كونه أمارة للحيض فهذا ~~يضعف لأن الوقت والعدد في حق الحيض لا بد من اعتبارهما لما قررناه من ~~الأدلة في بيان أقله وأكثره وإن كان مراده أن صفة الدم معتبرة مضمومة إلى ~~الوقت والعدد فهذا جيد لا غبار عليه في كونه أمارة قوية في الميز بين دم ~~الحيض ودم الاستحاضة كما سنقرر ثمرته في حكم ورود الدم على المرأة. # ويدل على ما اخترناه من مراعاة صفة الدم حديث فاطمة وما روينا من الحديث ~~الدال على اعتبار صفات الدم، ونزيد هاهنا وهو أن الأحكام الشرعية معلقة ~~بخروج الدم في وقت إمكانه فإذا كان التعويل على خروجه فصفته تابعة له في ~~التمييز وجري الأحكام فالصفة بالذات أخص وبها أمس من جهة أن الصفة تابعة ~~للذات، ويؤيد ما ذكرناه أن التعويل في وجوب الغسل بخروج المني ويعتمد على ~~صفاته التي تختص به فهكذا حال الحيض كما ms0763 يجب التعويل على خروج الدم فيجب ~~التعويل على صفته وهو المقصود. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. # قالوا: الأحاديث التي رويناها، حديث فاطمة وحديث أنس وحديث أسامة كلها ~~دالة على الوقت والعدد دون صفة الحيض. PageV02P309 # قلنا: الجواب عنها بحرف واحد، وهو أن أخبارنا دالة على اعتبار الصفة ~~وأخباركم دالة على اعتبار الوقت والعدد فيجب الجمع بين الأخبار في الدلالة ~~فيجب القضاء باعتبار الأمور الثلاثة الصفة والوقت والعدد وتكون هذه طريقة ~~قوية على مراعاة الجمع بين الأخبار في الدلالة، وهي(1) إنما تتناول إبطال ~~قول من قال باعتبار الصفة مجردة من الوقت والعدد فأما إذا قلنا باعتبارهما ~~أجمع فهي موافقة في الدلالة لأخبارنا، والله اعلم بالصواب. # الفرع السابع: في حكم النقاء المتوسط بين الدمين. # ومثاله أن ترى المرأة يوما دما وثماني نقاء ويوما دما، فهل يكون هذا ~~النقاء حيضا أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن النقاء إذا لم يبلغ طهرا كاملا وأقله عشرة أيام فهو حيض ~~كله، وهكذا حالها إذا رأت يوما دما وخمسة أيام نقاء ويومين دما فهو كله ~~حيض، وهكذا في جميع الصور التي لا يبلغ النقاء كمال أقل الطهر. وهذا هو ~~المحصل للمذهب تفريعا على ما قررناه من قبل في أقل الطهر وأقل الحيض، وهو ~~قول أبي حنيفة وأبي يوسف وأحد قولي الشافعي وهو الذي قرره أبو العباس وحصله ~~لمذهب الهادي. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض " ~~}[البقرة:222] وقد حصل الأذى محفوفا بطرفي أقل الطهر فوجب القضاء بكونه ~~حيضا لما لم تكمل فيه مدة الطهر سواء كملت مدة أقل الحيض أو لم تكمل. # المذهب الثاني: أن كل دمين تخلل بينهما طهر أقل منهما في العدد أو مثلهما ~~في العدد أو كان الطهر بينهما أقل من ثلاثة أيام فحكمه حكم الدم وهو كالدم ~~المتصل. وإن تخلل بين الدمين طهر أكبر منهما في العدد لم يكن ذلك الطهر في ~~حكم الدم وكان في حكم الطهر، وهذا شيء يحكى عن محمد بن الحسن صاحب أبي ms0764 حنيفة. PageV02P310 # والحجة على ذلك: هي أن الطهر إذا كان أقل منهما في العدد أو مثلهما فهو ~~مغلوب بالأذى فلهذا كان حيضا كله اعتمادا على الإعتزال في الأذى، وإن كان ~~أكثر منهما في العدد كان غالبا لهما فلهذا كان طهرا. # المذهب الثالث: أن النقاء كله طهر من غير حاجة إلى هذا التفصيل الذي ~~حكيناه عن محمد بن الحسن، وهذا محكي عن مالك وهو الصحيح من قول الشافعي. # والحجة على ذلك: هي أنه ليس هناك ما يدل على وجود الحيض إلا الدم ولا ما ~~يدل على وجود الطهر إلا النقاء فلا جرم كان التعويل على وجود الطهر في هذا ~~النقاء لبطلان أمارة الحيض فيه. # والمختار: ما عول عليه أصحابنا تحصيلا للمذهب من كون الطهر محكوما عليه ~~بالحيض إذا لم يكمل. # والحجة: ما قررناه من قبل ونزيد هاهنا، وهو أن الطهر إنما يحكم عليه ~~بالنقاء إذا كاملا في العدة فأما إذا قصر عن العدة كان لاحقا باليوم الأول ~~واليوم الآخر في كونه حيضا. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. # أما ما قاله محمد من التفصيل فهو تعويل منه على الغلبة وليس عليه دلالة ~~شرعية خاصة في الطهارات والأمور التقديريه فإن مستندها الشرع وكلام صاحب ~~الشريعة فأما المقاييس فلا تعويل عليها في إثباتها. # وأما ما قاله مالك وأحد قولي الشافعي فهو تعويل على أنه ليس هناك دلالة ~~شرعية على كون النقاء حيضا فلا نسلمه بل قد قررنا من قبل أن أقل الطهر عشر ~~فإذا لم يكمل عشرا كان محكوما عليه بكونه حيضا. PageV02P311 # الفرع العاشر: فأما ما روي عن الهادي في (المنتخب) من أن المرأة إذا رأت ~~يومين دما ويومين نقاء أو يوما دما ويوما نقاء فإنها تترك الصلاة إذا رأت ~~الدم وتصلي إذا رأت النقاء، فإنه محمول على ما تدل عليه العاقبة، فإن كمل ~~الطهر فاليومان ليسا حيضا وإنما استحاضة وتغير، وإن لم يكمل الطهر عشرا ~~فكله حيض، وهذا الذي ذكرناه هو الذي تقتضيه أصوله ونصوصه، وأما ما حكي عن ~~القاسم من أن المرأة إذا ms0765 رأت يومين أو أربعا أو خمسا دما ومثلها نقاء صلت ~~في أيام النقاء وليس له في قليل الحيض نص وإنما نصه في مقدار كثيره، فإنه ~~قال لا يزيد كثيره على عشر، فيحتمل أن يقال بأنها تصلي في مقدار النقاء إذا ~~كمل طهرا فإذا لم يكمل الطهر كان النقاء مضافا إلى الحيض، وأما أيام الدم ~~فظاهرها أنها حيض لأن فيها أمارة الحيض على ما تدل عليه العاقبة في إكمالها ~~من الطهر إذا نقص عن كمال الطهر أو يكون حيضا برأسه سواء نقص عن الثلاث أو ~~زاد عليها لأنه لم ينص على قليله فلهذا احتمل ما ذكرناه، وبتمامه يتم ~~الكلام على الفصل الثالث في بيان الأقل والأكثر من الطهر والحيض. PageV02P312 # --- ### || AUTO الفصل الرابع # في حكم المرأة إذا ورد عليها الدم # اعلم أن المرأة إذا رأت الدم في سن الحيض التي يجوز أن تحيض فيها فإنها ~~تمسك عما تمسك الحائض لأن الظاهر أنه حيض لأنه أذى حصل في وقت إمكانه فوجب ~~الحكم بكونه حيضا حتى تدل العاقبة على خلافه، فإن انقطع دون ثلاث علم أنه ~~دم فساد ولم تأثم بخروج وقت الصلاة عنها لأنها معذورة في تركها لأن الشرع ~~قد أمرها بالترك ويجب عليها قضاؤها لأنا بينا أنه لم يكن حيضا هذا كله إذا ~~كان بلوغها بغير الحيض من الإنبات والسنين فعند هذا يتحقق وجوب القضاء وإن ~~كان بلوغها بالحيض فلا وجه للقضاء على من ليست بالغة، وإن انقطع للثلاث أو ~~لما دون العشر أو للعشر وكان أسود أو أحمر أو كان صفرة أو كدرة فهو حيض ~~لقوله تعالى: { قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض " }[البقرة:222]. ولم ~~يفصل بين أذى وأذى كما مر تفصيله، وإن رأت الدم قد عبر على العشر فقد أختلط ~~الحيض بالاستحاضة لأنا حكمنا بأن أكثر الدم حيض ولا يزيد أكثر الحيض على ~~عشرة أيام فيجوز أن تكون الاستحاضة واردة على الحيض ويجوز أن يكون الحيض ~~واردا على الاستحاضة لأن الحيض جبلة في النساء وعادة وصحة ولا ينقطع إلا ms0766 من ~~علة ومرض أو كبر، والاستحاضة مرض وسقم وتغير والمرض يطرأ على الصحة والصحة ~~تطرأ على المرض فهكذا الحيض يطرأ على الاستحاضة والاستحاضة تطرأ على الحيض ~~فلابد من التمييز بينهما عند الاختلاط، فإذا تقررت هذه القاعدة فلنذكر من ~~المستحاضات ثلاثا مبتدأة وذات عادة ومميزة، وقد ورد فيهن ثلاثة أحاديث ~~نجعلها أصلا للكلام فيهن ونذكر في كل واحدة منهن ما يخصها من الكلام بمعونة ~~الله ونرتبها على ثلاث مراتب: PageV02P313 # --- ### || AUTO المرتبة الأولى: في المستحاضة المبتدأة # وصفتها أن ترى المرأة أول ما طرقها الحيض دما بصفة واحدة عبر على العشر، ~~والمستند فيها الخبر الذي روته حمنة بنت جحش، وقيل أختها أم حبيبة بنت جحش(1) # قالت: كنت أحيض حيضة كثيرة شديدة. فقد قيل إنها استحيضت سبع سنين، قالت: ~~فأتيت الرسول فوجدته في بيت اختي زينب فقلت: يارسول الله إن لي حاجة وإنه ~~لحديث لابد منه وإني لأستحي، فقال الرسول :((ما هو ياهناه ))(2). # فقالت: إني أحيض حيضة كثيرة شديدة وقد منعتني الصلاة والصوم فما ترى؟ ~~فقال : ((أنعت لك الكرسف وهو القطن فإنه يذهب الدم فاحتشي به)). فقالت: هو ~~أشد من ذلك: فقال لها: ((تلجمي)) قالت: هو أشد من ذلك. فقال لها: ((اتخذي ~~ثوبا)) فقالت: هو أشد من ذلك إنما أثج ثجا، فقال لها الرسول :((إنها ركضة ~~من ركضات الشيطان تحيضي في علم الله ستا أو سبعا ثم اغتسلي حتى إذا رأيت ~~أنك قد طهرت واستيقنت وفي بعض الروايات واستنقأت فالأول من اليقين والثاني ~~من النقاء فصلي أربعا وعشرين ليلة أو ثلاثا وعشرين وأيامها وصومي فإن ذلك ~~يجزئك وهكذا فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن ~~وطهرهن))(3). # واعلم أن هذا الحديث قد اشتمل على حكم وآداب وأحكام شرعية نفصلها ونضمنها ~~فوائد عشرين: PageV02P314 # الفائدة الأولى: أن السؤال عن أحكام الشريعة وأنواع التكاليف واجب على ~~المكلفين في أحكام الحيض وفي غيرها من أمور الدين ولهذا فإن الرسول أقبل ~~على تعليمها وعرفها ما تصنع في أمور استحاضتها وحيضتها على جهة البيان وشرح ~~الأحكام لأن أحكام ms0767 الشريعة مأخوذة من جهته ولا تعرف إلا منه قولا وفعلا. # الفائدة الثانية: أنه يستحب التداوي ولهذا فإنه وصف لها الكرسف وهو القطن ~~وأمرها باستعماله وفي هذا دلالة على استحباب الأدوية واستعمالها. # الفائدة الثالثة: هو أن القطن يقطع الدم ولهذا قال : ((فإنه يذهب بالدم ~~)) فنبه على هذه الخاصية في القطن فيستعمل في الجراحات كما نبه على ~~استعماله في الاستحاضة لأنها جرح وفتق في العروق. # الفائدة الرابعة: أنه يستحب التلجم إذا غلب الدم وكثر على المرأة كما ~~أشار إليه لما قالت له: إنه غالب وكثير فقال لها: ((تلجمي)) والتلجم أن ~~تأخذ المرأة خرقة مشقوقة بنصفين من أعلاها وأسفلها فيكون وسط الخرقة في فم ~~الفرج والطرف الأعلى يخرج طرفه إلى الخاصرة اليمنى وطرفه إلى الخاصرة ~~اليسرى والطرف الأسفل يخرج بين الإليتين إلى ناحية الظهر ثم يلتقي الطرفان ~~في الخاصرتين وتوثق ربطا لتكون حابسا للدم عن الظهور والخروج، وهو مأخوذ من ~~لجام الفرس لأنه يقحم في فم الفرج كما يقحم اللجام في فم الفرس فيدخل فيه. # الفائدة الخامسة: يستحب اتخاذ الثوب وقاية من كثرة الدم، لقوله : ((اتخذي ~~ثوبا)) فيحتمل أن يكون اتخاذ الثوب على جهة الإستثفار كما أشار إليه في ~~حديث المرأة(1) PageV02P315 التي استفتت لها أم سلمة، واستوضحت الاستثفار هناك، ويحتمل أن يكون اتخاذ ~~الثوب على وجه الوقاية للدم عن التلوث منه. # الفائدة السادسة: أنه لما أمرها بالتلجم واتخاذ الثوب قالت: إنه أكبر من ~~ذلك، قال: ((هذه ركضة من ركضات الشيطان)) وفيها احتمالان: # الاحتمال الأول: أن تكون الركضة على جهة الحقيقة مضافة إلى الشيطان، وأن ~~الله تعالى مكنه من الركض في الرحم وتغييرها كما مكنه من الإغواء للخلق ~~بالوسوسة والدعاء، ويؤيد هذا الاحتمال قوله تعالى: {الذي يتخبطه الشيطان من ~~المس}[البقرة:275] فأضاف التخبط إلى الشيطان. # والاحتمال الثاني: أن تكون إضافة الركضة إلى الشيطان على جهة المجاز، ~~والله تعالى هو الفاعل لها كسائر أمراض الفروج، لكنه أضافها إلى الشيطان ~~لما كانت بسبب عقوبة دعا إليها الشيطان وسول فيها، فلا جرم أضيفت إلى ~~الشيطان. # الفائدة السابعة: قوله ms0768 : ((تحيضي))،أمرها عند رؤية الدم والتباس الحيض ~~بالاستحاضة بأن تفعل ما تفعله الحائض؛ لأن الظاهر أنه حيض، كما يقال: تصبر ~~وتحلم، أي افعل فعل أهل الصبر والحلم. # الفائدة الثامنة: قوله : ((في علم الله)) ليس الغرض فيما استأثر الله ~~بعلمه من أمر الحيض، فإن الله تعالى لا يتعبدنا بعلمه؛ لأن علمه مطوي عنا، ~~فلا يمكنا الإحاطة به، وإنما الغرض منه أمران: # أحدهما: فيما علمك الله تعالى به من أمر الحيض، وجاء على لسان صاحب ~~الشريعة صلوات الله عليه. # وثانيهما: في علم الله، أي فيما علم ودل عليه من الأمارات من الحيض ~~والاستحاضة. # الفائدة التاسعة: قوله : ((ستا أو سبعا)) وإنما خص هذين العددين؛ لأنهما ~~هما الغالب من عادات النساء في الحيض، فلهذا أمرها بكف الصلاة والصيام في ~~هذه الأيام لما كانت هي المطردة في العادة للنساء في الحيض. # الفائدة العاشرة: اعلم أنه لما أمرها بأن تتحيض ستا أو سبعا اتجه في حال ~~حمنة وجهان: PageV02P316 # أحدهما: أن تكون ذات عادة، فردها في الست والسبع إلى عادتها. # وثانيهما: أن تكون مبتدأة وهذا هو الأقوى؛ لأنه لم يسألها عن عادتها، ولو ~~كانت معتادة لسألها عن عادتها وردها إليها، وعلى هذا يكون لها أربعة أحوال: ~~حيض يقين وهو الثلاث فما دونها، وطهر بيقين وهو ما فوق العشر، وحيض مشكوك ~~فيه وهو ما زاد على الثلاث إلى الست والسبع، وطهر مشكوك فيه وهو ما زاد على ~~الست والسبع إلى تمام العشر وهو أقل الطهر. # الفائدة الحادية عشرة: أن الرسول إنما خيرها بين الست والسبع لأمرين: # أحدهما: أنه إنما خيرها في ذلك من جهة أن الست والسبع غالبة في النساء، ~~ويؤيد ما ذكرناه أنه قد روي أنه قد قال لها: ((أيهما قعدت فلا حرج لأنك لم ~~تخرجي عن عادة النساء)). # وثانيهما: أنه شك في العادة الغالبة فردها إلى اجتهاد نفسها في ذلك. # الفائدة الثانية عشرة: إذا قضينا بكون حمنة مبتدأة على القول الذي ~~اخترناه، فهل لها في التمييز بين دم الحيض ودم الاستحاضة. فإن كانت تميز ~~بينهما على الصفة ms0769 التي ذكرناها فيه، فإن ميزت بينهما كان الرجوع إلى ~~التمييز قبل الرجوع إلى عادة النساء؛ لأن التمييز بينهما أقوى أمارة وأخص ~~حكما بها، فلهذا رددناها إليه لما فيه من القوة والاختصاص، فإن عبر الدم ~~على العشر وكان كله أسود فالعشر كلها حيض، وإن اسود الدم خمسا وكان أحمر ~~خمسا كان الأسود حيضا والباقي استحاضة مع العبور إلى العشر. # وإن كانت غير مميزة بين الدمين فإنها ترجع إلى عادة نساءها من قبل أبيها ~~لما لها من الاختصاص بهن، فتأخذ بإحداهن مع الاستواء، وإن اختلفت عادتهن ~~اخذت بأكثرهن عادة لما في ذلك من الاحتياط. PageV02P317 # الفائدة الثالثة عشرة: قوله : ((حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستيقنت )) أراد ~~أن الاغتسال إنما يقع بالتحقيق للبرائة من الحيض وليس ذلك إلا بالعمل على ~~من قال بالتمييز أو بالرجوع ولم يذكر التمييز بين الدمين في حديث حمنة ~~وإنما ذكره في حديث فاطمة بنت أبي حبيش وسنقرره هنا بمعونة الله تعالى، ~~فلهذا كان قوله: ((حتى إذا رأيت أنك قد طهرت )). معناه بوصول غاية التطهير ~~من الحيض بالعلامات التي ذكر لها. واستيقنت، أراد حصل اليقين بزوال الحيض، ~~وفي حديث آخر: ((استنقأت)) أراد حصل النقاء عن دم الحيض ببلوغ غايته ~~وقصاراه، وفي هذا دلالة على الاجتهاد في بلوغ الغاية في التمييز بين دم ~~الحيض ودم الاستحاضة بالأمارات القوية التي تغلب على الظن صحتها وقوتها. # الفائدة الرابعة عشرة: قوله : ((فصلي أربعا وعشرين ليلة أو ثلاثا وعشرين ~~ليلة وأيامها )). وإنما خير في الصلاة هاهنا كما خير في الحيض هناك، فإذا ~~كان تربصها في الحيض ستا كانت صلاتها بالطهارة أربعة وعشرين وإن كان تربصها ~~في الحيض سبعا كانت صلاتها ثلاثا وعشرين وأيامها؛ لأن الاعتبار بالليالي ~~والأيام جميعا ليكمل الحيض. # الفائدة الخامسة عشرة: أمرها بالصوم في هذه الأيام التي حصلت فيها الصلاة ~~لأن الصلاة والصوم سيان في افتقارهما إلى الطهارة من الحيض فحيث جازت جاز ~~الصوم من غير فرق بينهما، فلهذا قال: ((وصومي)) ثم قال: ((فإنها تجزئك)) ~~أراد فإن الصلاة والصيام تجزي في هذه ms0770 العدة من الأيام لما فيها من يقين ~~الطهارة عن الحيض وتميز الحيض عن الاستحاضة كما أوضحناه. PageV02P318 # الفائدة السادسة عشرة: قوله : ((وكذلك فافعلي في كل شهر )) أراد إذا كانت ~~الاستحاضة متصلة والدم جاريا غير منقطع كما وصفنا حالها، فمهما عبر الدم ~~على العشر وكانت مبتدأة فهكذا تفعل بالتمييز بين الدمين أو بالرجوع إلى ~~عادة النساء إن فقدت التمييز فإذا فعلت ذلك كان ذلك المقدار حيضا والباقي ~~استحاضة يحكم عليها بالتطهير فيها والصلاة والصوم لأن هذا هو منتهى النظر ~~في حقها بتعريف صاحب الشريعة صلوات الله عليه. # الفائدة السابعة عشرة: قوله: ((كما تحيض النساء )) فيحتمل أن تكون اللام ~~للعموم وهو الظاهر، والغرض نساء العالم فإن الغالب من عادتهن ما ذكره من ~~الست والسبع، ويحتمل أن تكون اللام للعهد والغرض نساء أهلها أو أقاربها من ~~قبل آبائها من جهة أن وشائج القرابات وتقارب الأنساب تدل على تماثل الجبلات ~~والطبائع. # الفائدة الثامنة عشرة: قوله: ((ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهن )). فأشار في ~~كلامه هذا إلى الإعتماد على ما ذكرناه من عادة نسائها والعمل عليها في ~~ميقات الحيض والطهارة من غير مخالفة لأن هذا هو الممكن في حقها في التمييز ~~بين الحيض والاستحاضة ولا مزيد على ما ذكره من البيان بحال هذه المستحاضة. # الفائدة التاسعة عشرة: إذا رددنا المبتدأة إلى عادة النساء فإذا كانت ~~عادتهن دون الست وفوق السبع، فهل ترد إلى الست والسبع أو تتبع النساء في ~~العادة؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها ترد إلى هذين العددين لأن الرسول عينهما في حقها فلا تغير ~~تعيينه بحال. # وثانيهما: أن الغرض اتباع العادة كما أشار إليه بقوله: ((تحيضي في علم ~~الله كما تحيض النساء )). # والمختار: هو الأول لأن التخيير لم يجر وفاقا وإنما جرى على جهة التعيين ~~لما تعلم من حالهن في العادة فلا تعدل عن تخييره لغير موجب شرعي. PageV02P319 # الفائدة العشرون:في بيان حال هذه المستحاضة، واعلم أنا نأمرها في الشهر ~~الأول بالإمساك عن الصلاة والصوم من حين رأت الدم فإذا جاوز العشر فإنا ~~نأمرها بالاغتسال وبالصوم والصلاة وتقضي ms0771 ما تركت من الصلاة مما زاد على ~~الست والسبع إلى العشر؛ لأنا بينا أن ما زاد على الست والسبع ليس حيضا وأما ~~الشهر الثاني فإنا نأمرها بالاغتسال والصوم والصلاة عند انقضاء الأيام الست ~~أو السبع؛ لأن الظاهر أنها مستحاضة في هذا الشهر كالشهر الأول فإنا نقطع ~~دمها في هذا الشهر لدون عشرة أيام أو للعشر فما دونها علمنا أنها إنما كانت ~~مستحاضة في الشهر الأول دون الثاني وعلى هذا لا يلزمها إعادة ما صلت وصامت ~~ولا إثم عليها بفعل الصلاة والصوم والوطء فيما زاد على الست والسبع لأنا قد ~~حكمنا لها بالطهر، فإذا انقطع الدم لدون العشر تيقنا أنه كان حيضا وإن زاد ~~الدم في هذا الشهر على العشر فإنها لا تقضي ما أتت به من الصلاة والوصوم ~~بعد العشر لأنه طهر بيقين. فهذا ما أردنا ذكره في المبتدأة التي ليست لها ~~عادة ولا لها قوة في التمييز بين الدمين وهي محتملة لأكثر مما ذكرنا ولكن ~~فيما قررناه مقنع وكفاية في المقصود بمعونة الله. PageV02P320 # --- ### || AUTO المرتبة الثانية: في المستحاضة المعتادة # وصفتها أن يثبت لها حيض صحيح ثم عبر الدم على عادتها وعلى العشر، وحكمها ~~أنها لا تغتسل في الشهر الأول عند مجاوزة الدم على عادتها إذا كانت عادتها ~~دون العشر لجواز أن ينقطع للعشر فإذا جاوز الدم العشر علمنا أنها مستحاضة ~~فتغتسل عند ذلك وتقضي ما زاد على أيام عادتها، وأما الشهر الثاني فتغتسل ~~عند مجاوزة الدم أيام عادتها ويكون حيضها أيام عادتها، والأصل في هذه ما ~~روي أن أمراة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله فاستفتت لها أم سلمة ~~الرسول فقال : ((لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر قبل ~~أن يصيبها الذي أصابها فلتدع الصلاة قدر ذلك فإذا خلفت ذلك فلتغتسل وتستثفر ~~بثوب تصلي)). # واعلم أن هذه المستحاضة قد اشتملت على أحكام نفصلها بمعونة الله وجملتها عشرة: # الحكم الأول: أنه أمرها بالرجوع إلى عادتها وجعلها أصلا للفصل بين الحيض ~~والاستحاضة وهي أمارة قوية في حقها عند ms0772 اختلاط الحيض بالاستحاضة فلهذا قال: ~~((لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها ما ~~أصابها)) فردها إليها لأنها أقرب أمارة في حقها. # الحكم الثاني: أنه أمرها بترك الصلاة في هذه الأيام والليالي لما كانت ~~حيضا في حقها والحيض قاطع لسائر العبادات وهكذا حال الصوم أيضا مثلها، ~~ودخول المسجد وقراءة القرآن. # الحكم الثالث: قوله: ((فإذا خلفت ذلك فلتغتسل )). أراد فإذا خرجت عن أيام ~~العادة مع إتصال الدم وعبوره على العشر فلتغتسل لأن الحيض قد انقضت أيامه، ~~فالواجب عليها الغسل والتطهر للصلاة والصوم والوطء وسائر العبادات لأن ~~الحيض مانع من هذه وبعد الغسل صار الحيض مرتفعا. # الحكم الرابع:أنه ندبها إلى الإستثفار وهو ثوب يجعل من تحت الفرج يقي ~~[من] الدم عن التلوث به مأخوذ من ثفر الدابة وهو حبل يجعل من تحت الذيل. PageV02P321 # الحكم الخامس: أنه قد مر أن العادة تثبت بقرئين وقد دللنا عليه وحكينا فيه ~~الخلاف ونصرناه وهو الأصح من قولي الشافعي، وحكي عنه قول آخر، أنه يثبت ~~بقرء واحد واحتج بما روي عن النبي أنه قال: ((لتنظر عدد الأيام والليالي ~~التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها ما أصابها))(1). # فأمرها بالرجوع إلى عادتها ولم يفصل بين الحيض مرة أو مرتين. # والجواب أن العادة مأخوذة من العود والتكرر وذلك لا يستعمل في أقل من ~~مرتين وهي عادة معروفة ولهذا لم يسألها لظهور الحال فيها فإذا رأت الدم في ~~خمسة أيام من شهر مرتين ثم استحيضت في الشهر الثالث فإنها ترد إلى الخمس لا ~~محالة، وإن رأت الدم خمسة أيام مرة، وأربعة أيام مرة، كانت عادتها أربعة ~~أيام؛ لأن الأربع قد تكررت مرتين مرة وقفت عليها ومرة جاوزتها إلى الخمسة ~~فصارت العادة لها أربعة أيام. # الحكم السادس: في المستحاضة الذاكرة لوقتها وعددها ثم عبر الدم على ~~عادتها وعلى العشر فإنها لا تغتسل في الشهر الأول عند مجاوزة الدم عادتها ~~إذا كانت عادتها دون العشر لجواز أن ينقطع الدم للعشر، فإذا جاوز الدم ~~العشر وعبرها علمنا أنها مستحاضة فتغتسل ms0773 عند ذلك وتقضي صلاة ما زاد على ~~أيام عادتها، وفي الشهر الثاني تغتسل عند مجاوزة الدم أيام عادتها ويكون ~~حيضها أيام عادتها. # الحكم السابع: وكما ثبتت العادة في ذات العادة والمبتدأة بانقطاع[الدم] ~~فإنها تثبت بالتمييز بين الدمين فإن كانت عادتها أن ترى الدم ثلاثة أيام أو ~~أربعا أو خمسا من أول الشهر وهو الأسود وترى باقي الشهر الدم الأحمر ويستمر ~~ذلك شهورا كثيرة فلما كان في بعض الشهور رأت دما واستبهم عليها أمره في ~~السواد والحمرة وعبر العشر فإنه يجعل حيضا أيام السواد. # ووجهه أنا قد أوضحنا من قبل أن الدم الأسود أقوى في كونه أمارة للحيض من ~~الوقت والعدد لما له من مزية القوة والإختصاص. PageV02P322 # الحكم الثامن: وإن كان هاهنا امرأة معتادة مميزة بين الدمين وكانت عادتها ~~أن تحيض خمسة أيام من أول الشهر فلما كان في بعض الشهور رأت من أول الشهر ~~عشرة أيام دما أسود ثم احمر الدم إلى آخر الشهر فهل ترجع إلى عادتها وهي ~~الخمسة الأيام؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن الرجوع إلى عادتها أحق فيكون حيضها الخمس الأولى لأنها قد ثبت ~~أنها عادتها فلا تنتقل عنها إلا بحيض صحيح. # وثانيهما: وهو الأقوى، أن التمييز بين الدمين، فيكون حيضها هاهنا العشرة ~~الأولى من جهة أن التمييز كما أشرنا إليه علامة قائمة في شهر الاستحاضة، ~~فلا جرم كان الرد إليها هو الأولى من رده إلى عادة قد نقضت. # الحكم التاسع: هو أن ذات العادة إذا رأت الدم في أيام عادتها كان الدم ~~حيضا فإن استقر الدم على العشر فهو حيض كله وإن عبر الدم على العشر واتصل ~~بالحادي عشر فما فوقه، فهل ما زاد على عادتها كله استحاضة أو يكون الإعتماد ~~على صفة الدم؟ فيه مذهبان: # أحدهما:أن الزائد على عادتها يكون استحاضة وهذا هو رأي القاسمية. # والحجة على هذا:هو أن التعويل على العادة أمارة قوية في كون الدم حيضا ~~وقد وقع الدم في أيام العادة فلهذا قضينا بكونه حيضا، وما زاد عليه يكون ~~استحاضة لخروجه عن العادة ms0774 واتصاله بالاستحاضة. # وثانيهما: أن التعويل في ذلك على صفة الدم ولونه الأسود فإذا أتى في أيام ~~العادة فهو حيض وما زاد عليه فهو استحاضة، وهذا هو رأي الناصر في أحد قوليه. # والحجة على هذا: هو أن اتصاف الدم بالسواد أمارة قوية يعول عليها في كون ~~الدم حيضا، فإذا كان الدم خارجا عن(1) # صفة السواد حكمنا عليه بكونه استحاضة، وهذا يخالف المبتدأة فإن المبتدأة ~~إذا رأت الدم في العشر فما دونها فهو حيض فإذا عبر الدم على العشر فهل يكون ~~الزائد على العشر استحاضة وحده أو يكون الدم كله استحاضة؟ فيه مذهبان: PageV02P323 # أحدهما: أن الدم إذا جاوز العشر في المبتدأة فهو حيض كله وهذا هو رأي ~~المؤيد بالله وأحد قولي الناصر. # والحجة على هذا: هو أن المبتدأة ليست لها عادة فترجع إليها في نفسها ~~فلهذا قضينا بأن الدم كله استحاضة. # وثانيهما: أن الزائد على العشر يكون استحاضة لا غير، وهذا هو رأي الإمام ~~أبي طالب. # والحجة على هذا: هو أن الحيض واقع في زمان الإمكان وهو العشر فيصير ~~بمنزلة العادة، إذا عبر على العشر كان الزائد استحاضة كما في ذات لعادة. # والمختار: ما قاله الإمام المؤيد بالله لأنا إنما نعول في كون العشر حيضا ~~لو لم تتصل بها الاستحاضة فأما مع اتصال الحيض بالاستحاضة لم يتخصص بعضه من ~~بعض فيكون بعضه حيضا وبعضه استحاضة، فلهذا كان الكل ستحاضة. # الحكم العاشر: في المعتادة التي نسيت عادتها وقتا وعددا وهي المتحيرة ~~التي خفي عليها جميع معاني حيضها وطهرها وأطبق عليها الدم فلا تعرف ~~الإبتداء ولا الإنتهاء، وصورة وجود ذلك أن يصيبها الجنون سنين كثيرة ثم ~~أفاقت من جنونها وقد استحيضت فلا تذكر وقتا ولا عددا ثم يستوضح أمرها بأن ~~يقال لها: هل تذكرين ابتداء حيضك؟ فإن ذكرته كان ابتداء حيضها من ذلك ~~الوقت. وإن قالت: لا أذكره. قيل لها: فهل تذكرين وقتا كنت فيه طاهرة؟ فإن ~~ذكرته جعل ابتداء حيضها من ذلك الوقت. وإن قالت: لا أذكره، فالمختار عندنا: ~~فيمن بلغت حالها إلى ms0775 هذه الحالة واستبهم أمرها هذا الإستبهام أن يرجع بها ~~إلى أصلين: # الأصل الأول: أن يكون حالها كحال الطاهرات في إيجاب العبادات من الصلاة ~~والصوم ويحرم عليها ما يحرم على الحائضات وتؤمر بالإحتياط والأخذ بأسوأ ~~الأحوال في أمور سبعة: # أولها: أنها لا تدخل المسجد ولا تقرأ القرآن ولا تصلي صلاة نافلة. PageV02P324 # وثانيها: أنها إذا طلقت فعدتها تكون بثلاثة أشهر ولا تقدر [بالحيض] لتباعد ~~حيضها وتعذره إلى سن اليأس أخذا بأسوأ الاحتمالات، فإن ما هذا حاله فيه حرج ~~عظيم وتشديد كثير في حقها وإضرار بها في ذهاب شبابها وزوال غضارتها بالتربص ~~إلى ستين سنة في انقضاء عدتها. # وثالثها: أنها تؤدي الصلوات المكتوبات لإحتمال الطهر في أول أوقاتها ولا ~~تقرأ القرآن إلا في الصلوات المفروضة. # ورابعها: أنها تغتسل لكل صلاة لإحتمال انقطاع الدم ولا تغتسل لكل صلاة ~~إلا بعد دخول وقتها. # وخامسها: أنها يجب عليها صوم رمضان جميعه لإحتمال دوام الطهر. # وسادسها: أنه لا يلزمها قضاء الصلاة والصوم لأنها إن كانت طاهرة وقت ~~الصلاة والصوم فقد صحت صلاتها وإن كانت حائضا فلا صلاة على حائض. # وسابعها: أنها لا يأتيها زوجها لإحتمال الحيض. فهذه الوظائف السبع يحب ~~عليها الأخذ بها والعمل عليها. # الأصل الثاني: أنها ترد إلى المبتدأة في العمل على الطهر والحيض بالرجوع ~~إلى عادة نسائها والأخذ بأكثرهن عادة وتعمل [بذلك]في وظائف العبادات من ~~الصلاة والصوم، وإن كانت تميز بين الدمين عملت على التمييز عند اتصال ~~الاستحاضة والتباسها، فهذان الأصلان يمكن الرجوع إليهما فيمن هذه حالها من ~~النساء، لكن التعويل على الأصل الأول أعجب وأقرب، لأن المبتدأة قد عرف ~~حالها من ابتداء الحيض وهذه لم يعرف حالها في الإبتداء ولا في الإنتهاء ~~فلهذا كان التعويل على ما ذكرناه في حالها من مراعاة الأمور السبعة والله ~~اعلم بالصواب. # وللعلماء الخائضين في تفاصيل الفقه تردد في أحكام حيضها وطهرها وأمرها ~~بالصلاة والصوم والقضاء، وأمرها بالقضاء فيما يتحقق من طهرها على حد ما ~~يغلب على الظن من الطهر والحيض في كل حالاتها، ولنقتصر على هذا القدر ms0776 في ~~المعتادة. PageV02P325 # --- ### || AUTO المرتبة الثالثة: في المميزة بين الدمين # فهذه المرأة إذا ابتدأها الحيض وعبر على العشر خلا أن الدم على لونين قوي ~~وضعيف بأن يكون الدم في بعض الأيام ثخينا أسود محتدما قانيا وفي بعضها أحمر ~~مشرقا رقيقا، فالقوي هاهنا هو الأسود. والضعيف هو الأحمر والأصفر، فإذا ~~تقرر هذا فإنها لا تغتسل عند تغير صفة الدم لجواز أن لا يعبر على العشر ~~لأنه إذا لم يعبر على العشر كان الدم كله حيضا على اختلاف أحواله كما مر ~~بيانه في الصفرة والكدرة أنها حيض، فإذا عبر الدم على العشر تحققنا أنها ~~استحاضة فيكون حيضها أيام السواد، وأيام الأحمر يكون استحاضة، والرجوع إلى ~~التمييز في الصفات المتعلقة بالدم هو أحد قولي الناصر والقول الصحيح ~~للشافعي وبه قال مالك. # وأما القاسمية وأحد قولي الناصر وهو قول أبي حنيفة فلا يعرجون على صفة ~~الدم وإنما الاعتبار عندهم بالوقت والعدد في الحيض والاستحاضة، وقد قررنا ~~فيما سبق الحجة للمذهبين وأوضحنا المختار والانتصار له فلا وجه لتكريره. # والأصل في هذه المميزة ما روي أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت يارسول الله ~~إني استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال : ((إنما ذلك دم عرق وليس حيضا إن ~~دم الحيض أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الأحمر فتوضائي ~~وصلي)). وهذا الخبر قد اشتمل على فوائد ثلاث عشرة: # الفائدة الأولى: أنها لما قالت: أفأدع الصلاة؟ أجابها بأن ذلك دم عرق ~~فأفاد ظاهر الخبر أن دم الحيض يخالف دم الاستحاضة، وأن لكل واحد منهما ~~مخرجا معروفا معتادا فدم الاستحاضة دم عرق ينفتق ويكون جرحا وقد قيل إن دم ~~الحيض يخرج من قعر الرحم وأنه ينفصل من لحمها. # الفائدة الثانية: قوله ((وليس حيضة)) فأكد بذلك قوله إنه دم عرق ونفى أن ~~يكون من الحيض في شيء فلا تتعلق به أحكام الحيض ولأن أمرها بالصلاة لما كان ~~ليس من الحيض في ورد ولا صدر. PageV02P326 # الفائدة الثالثة: قوله : ((إن دم الحيض أسود يعرف )). فكلامه هذا دال على ~~أن صفة ms0777 دم الحيض هو السواد بصريح كلامه هاهنا وأنه معروف للنساء ولكل واحدة ~~منهن لا لبس فيه على واحدة منهن لكثرة ملابسته وعلاجه فلهذا أضاف معرفته إليهن. # الفائدة الرابعة: قوله : ((فإذا كان ذلك يعني الدم الأسود فأمسكي عن ~~الصلاة )). فأمرها بالإمساك عند رؤية الدم الأسود فيه دلالة قوية وأمارة ~~شرعية على التعويل على صفة الدم ولونه وأنه أمارة في الحيض يجب الإعتماد ~~عليها وأن عدمه أمارة في الاستحاضة عند مجاوزة الدم لأكثر الحيض لا محالة. # الفائدة الخامسة: قوله ((وإذا كان الأحمر فصلي )) فدل ظاهر كلامه هذا على ~~أن وجود الأحمر أمارة الاستحاضة مع تقدم الأسود ولهذا فإنه أمرها بالصلاة ~~عند رؤيته، فدل ذلك على ما قلناه من اعتبار التمييز بين الدمين من الحيض ~~والاستحاضة وهذا هو مطلوبنا. # الفائدة السادسة: أن المرأة إذا رأت الدم الأسود أقل من ثلاثة أيام أو ~~أكثر من عشرة أيام لم يكن حيضا لأن الحيض لا ينقص عن ثلاثة أيام ولا يزيد ~~على عشرة أيام، وإنما [هو] تغير وفساد فلا تعريج عليه. # الفائدة السابعة: إذا رأت الدم ثلاثة أيام دما أسود وثلاثة أيام دما أحمر ~~وثلاثة أيام صفرة ويوما كدرة ثم انقطع فالكل حيض لأنه لم يزد على أكثر ~~الحيض فلا جرم حكمنا بكونه حيضا لما كان حاصلا في مدة الإمكان ولم يجاوز ~~أكثر الحيض. # الفائدة الثامنة: إذا رأت المرأة يوما دما أسود ثم احمر الدم أو اصفر ~~وجاوز العشر مع السواد فإنا نأمرها بالغسل عند انقضاء العشر وبالصلاة ~~والصوم لأنه لا يجوز أن يكون حيضا مع المجاوزة فأما دون العشر فتعمل على ما ~~تعهد من حالها في المبتدأة وذات العادة. PageV02P327 # الفائدة التاسعة: فإذا رأت السواد في الشهر الثاني يوما وليلة أو ثلاثا أو ~~أربعا ثم أحمر الدم أو اصفر فإنا نأمرها بالاغتسال عند تغير الدم وبالصلاة ~~والصوم لأن الظاهر أنها استحاضة في هذا الشهر كالأول مع مجاوزة العشر فإن ~~لم يجاوز الدم العشر في هذا الشهر علمنا أن الكل حيض وأنها إنما استحيضت في ~~الشهر الأول ms0778 دون الثاني. # الفائدة العاشرة: وإن رأت المرأة خمسة أيام دما أسود وخمسة أيام طهرا ~~وعشرة أيام دما أحمر فالأسود مع الطهر يكون حيضا كله وعشرة الأيام يكون ~~استحاضة لأن الطهر ما لم يستكمل العشر فهو حيض مع ما قبله. # الفائدة الحادية عشرة: وإن رأت نصف يوم دما أسود ونصف يوم دما أحمر وكذلك ~~فيما بعده أربعة أيام فلما كان في اليوم الخامس رأت في جميعه دما أسود ثم ~~احمر الدم وعبر العشر، فالدم الأسود الذي وجد في الخامس يكون حيضا لا محالة ~~مع ما قبله من الأنصاف الأربعة. # الفائدة الثانية عشرة: وإن رأت ثلاثة أيام دما أحمر وثلاثة أيام دما أسود ~~ثم احمر الدم وعبر على العشر فإن حيضها يكون أيام السواد مع ما قبله، وما ~~بعده يكون استحاضة لأن السواد هو صفة الحيض فكان حيضا كما لو تقدم. # الفائدة الثالثة عشرة: وإن رأت ثلاثة عشر يوما دما أسود وثلاثة عشر دما ~~أحمر فإنه يحكم بحيضها ستا أو سبعا والباقي يكون استحاضة لأنه لما أناف على ~~أكثر الحيض كانت هذه الأيام حيضا والباقي استحاضة، وأما الأحمر فكله ~~استحاضة ولا نحيضها من الأحمر شيئا لأنها قد بطلت دلالته لما زاد على أكثر ~~الحيض، ونختصر على ما ذكرناه في حال المميزة بين الدمين، ومن عرف ما ~~أوردناه هاهنا هان عليه معرفة ما لم نورده قياسا عليه. فهذا هو الكلام على ~~الأحاديث الثلاثة الواردة في أحكام المستحاضات قد أوردنا ما يتعلق به من ~~الأحكام، فما ورائها من تفاصيل المستحاضات مميز مردود إليها ويؤخذ منها ~~والله أعلم. PageV02P328 # --- ### || AUTO الفصل الخامس # في ذكر أحكام المستحاضة # اعلم أن المستحاضة مختصة بأحكام ونحن نذكر كل واحد منها نوضح ما فيه ~~بمعونة الله تعالى: # الحكم الأول: أن المستحاضة يستحب لها الطهارة لقوله : ((مفتاح الصلاة ~~الطهور " )). وهل تجب عليها الطهارة للصلاة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه تلزمها الطهارة للصلاة ويجب عليها الوضوء وهذا هو قول ~~أئمة العترة القاسمية والناصرية، ومحكي عن زيد بن علي، وهو قول أبي ms0779 حنيفة ~~وأصحابه والشافعي وأصحابه والأوزاعي وهو مذهب الإمامية. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط " }[النساء:43] ~~وهذا صالح لكل ما يخرج من السبيلين وهذا وإن لم يكن فيه صيغة من صيغ العموم ~~لكن المعنى مفهوم فإنه أوجب الوضوء على كل من جاء من الغائط ولم يفصل بين ~~شخص وشخص، وفي هذا دلالة على أن كل ما خرج من السبيلين فإنه موجب للوضوء ~~وهذا هو مطلوبنا. # الحجة الثانية:قوله لفاطمة بنت أبي حبيش: ((إذا كان دم الحيض فإنه دم ~~أسود يعرف " فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضائي وصلي فإنما هو دم عرق)). # المذهب الثاني: أنها لا تجب عليها الطهارة للصلاة وهذا هو المحكي عن مالك ~~وربيعة. # والحجة على ذلك: هو أن الطهارة في حقها لا معنى لوجوبها لا لغة ولا شرعا. # أما لغة: فهي النقاء من سائر الأنجاس وهذا غير حاصل في حقها. # وأما الشرع: فلأن الطهارة شرعا إنما تنعقد إذا لم يكن هناك حدث فأما إذا ~~كان الحدث متصلا غير منقطع فلا وجه لطهارتها ولا لإيجابها عليها بحال. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم من فقهاء الأمة. # وحجتهم: ما أوردناه ونزيد هاهنا، وهو ما روى جعفر بن محمد عن رسول الله ~~أنه أمر المستحاضة إذا مضت أيام أقرائها أن تغتسل وتوضأ وهذا نص فيما ذهبنا ~~إليه، وفي ذلك أخبار كثيرة لا حاجة إلى إيرادها وفيما ذكرناه كفاية. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعله حجة له. PageV02P329 # قوله: إيجاب الطهارة عليها إما أن يكون لغة أو شرعا وكلاهما لا وجه له. # قلنا: إن الطهارات ونواقضها غير معقولة المعاني لا يمكن جري الأقيسة فيها ~~لانسداد المعاني وأنها أمور غيبية استأثر الله بالإحاطة بعلمها وإذا كان ~~الأمر فيها كما قلناه فلا معنى لقول مالك إن طهارتها غير متعقلة لغة ولا ~~شرعا فإن صاحب الشريعة لما أمرها بالوضوء علمنا أن حدثها غير ناقض لطهارتها ~~وأنها منعقدة في حقها مع جري الحدث منها. # الحكم الثاني: المستحاضة التي قد تحقق كونها مستحاضة ms0780 بعبور دمها على أكثر ~~الحيض يستحب لها الطهارة بالغسل لدلالة أكثر الأحاديث على ذلك وهي محمولة ~~على الاستحباب، وهل يجب عليها الغسل أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الغسل عليها غير واجب وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية ~~والناصرية وهو قول الفرق الثلاث الحنفية والشافعية والمالكية. # والحجة على ذلك: حديث فاطمة بنت أبي حبيش حين قال لها الرسول : ((إذا كان ~~دم الحيض فإنه دم أسود يعرف " فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الأحمر فتوضائي ~~وصلي فإنه دم عرق)). فأمرها بالوضوء لا غير ولم يأمرها بالاغتسال. # الحجة الثانية: هو أنه دم عرق سائل فلا يكون فيه إلا الوضوء كالفصد ~~والحجامة. # المذهب الثاني: أن الغسل واجب عليها وهذا شيء يحكى عن الإمامية. # والحجة لهم على ما قالوه: الأحاديث الواردة فإنها دالة على وجوب الغسل عليها. # أولها: حديث علي أنه قال للمستحاضة: ((تدع الصلاة أيام حيضها " ثم تغتسل ~~وتتوضأ لكل صلاة))(1). PageV02P330 # وثانيها: حديث عائشة أن أم حبيبة بنت جحش كانت تحت عبدالرحمن بن عوف " (1) # فاستحيضت حتى لا تطهر فذكر شأنها للرسول فقال: ((إنها ليست بالحيضة لكنها ~~ركضة في الرحم " لتنظر قدر قرئها التي تحيض فلتترك الصلاة ثم لتنظر ما بعد ~~ذلك فلتغتسل عند كل صلاة وتصلي))(2). # وثالثها: حديث عائشة أن سهلة بنت سهيل "(3) # استحيضت على عهد رسول الله فأمرها رسول الله بالغسل عند كل صلاة فلما ~~جهدها ذلك أمرها بأن تجمع بين الظهر والعصر في غسل واحد والمغرب والعشاء في ~~غسل واحد وتغتسل للصبح(4). # ورابعها: حديث زينب بنت جحش " (5) PageV02P331 أنها قالت: سألت رسول الله عن أختي حمنة وقد استحيضت فقال: ((لتجلس أيام ~~أقرائها " ثم تغتسل وتؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل وتصلي وتؤخر المغرب ~~وتعجل العشاء وتغتسل وتصلي، وتغتسل للفجر)). # خامسها: حديث عدي بن ثابت " (1) # عن الرسول أنه قال: ((تدع المستحاضة الصلاة أيام حيضها " وتغتسل وتتوضأ ~~لكل صلاة وتصوم))(2). # فهذه الأحاديث كلها دالة على وجوب الاغتسال للمستحاضة. # والمختار: ما قاله أئمة العترة وجماهير فقهاء الأمة. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا ما روى زيد بن ms0781 علي عن أبيه عن جده علي أن ~~الرسول لما أمر المستحاضة بالاغتسال للظهر والعصر والمغرب والعشاء، فلما ~~فارقته ولت وهي تبكي وتقول: يا رسول الله لا أطيق ذلك، فرق لها رسول الله ~~ثم قال: ((اغتسلي لكل طهر كما كنت تفعلين " واجعليه بمنزلة الجرح في جسدك ~~كلما حدث دم أحدثت طهورا))، فهذا الخبر دال على أنه إنما أمرها بالغسل من ~~الحيض، والوضوء من دم الاستحاضة وهو مقصودنا ويؤيد هذا من جهة القياس: وهو ~~أنه حدث خارج من أحد السبيلين فلا يجب فيه إلا الوضوء كالبول. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم. # فنقول: أما الأحاديث التي رووها في إيجاب الغسل على المستحاضة فلا ~~ننكرها، ولها تأويلات ثلاثة: PageV02P332 # التأويل الأول: أن إيجاب الرسول عليها الغسل إنما كان من أجل الحيض وليس من ~~جهة الاستحاضة من جهة أن الاستحاضة إنما تتحقق إذا جاوز دمها العشر فأما ~~إذا استقر على العشر فهي حيض لا محالة فإذا عبر الدم على العشر تحققنا ~~الاستحاضة لاتصالها بدم الحيض ووجب عليها الغسل لأجل تقدم الحيض في أيامه ~~ولا يتوجه عليها الغسل بعد تحقق الاستحاضة. # التأويل الثاني: أن هذه الأخبار محمولة على من لها عادة فنسيتها فصارت ~~إلى حال يجوز عندها في كل وقت أن تكون حائضة وخارجة من الحيض إلى الطهر ~~فعليها أن تغتسل في كل وقت لكل صلاة وذلك يتحقق بعد خروجها من أقل الحيض ~~لأنها بعد خروجها من أقل الحيض المتحقق يجوز أنه حيض وأنه أول الطهر فلهذا ~~وجب عليها ما ذكرناه، والغسل واجب عليها لكل صلاة لدليل خاص دل على ذلك، ~~فمن أين يلزم الغسل لكل صلاة في كل مستحاضة كما زعموه؟. # التأويل الثالث: أن كلما أوردوه من الأحاديث فإنها محمولة على الاستحباب ~~للطهارة والنظافة لأن الغالب من حالها هو التلوث بالدم في كل أحوالها فلهذا ~~استحب لها الغسل لإزالة عفونة الدم. # فأما من حمل هذه الأخبار على أنها منسوخة فيضعف لأمور ثلاثة: # أما أولا: فلأن النسخ في الأخبار وفي غيرها من الأدلة النقلية لابد ms0782 عليه ~~من حجة واضحة وبرهان قائم يرفع حكمه ويزيل أمره فأما بمجرد الدعوى فلا ~~يلتفت إليه. # وأما ثانيا: فلأنه لابد من إقامة البرهان على تقدم المنسوخ وتأخر الناسخ ~~حتى يكون رافعا له وهذا أمر يجب اعتماده فيما نسخ من القرآن والسنة. PageV02P333 # وأما ثالثا: فلأن هذه الأحاديث معتمدة في غير موضع فكيف يقال بأنها منسوخة؟ ~~ويرجع إليها في أحكام المبتدأة وذات العادة وذات التمييز بين الدمين فبطل ~~تأويل نسخها بما ذكرناه، ثم هاهنا مقام آخر جد لي: وهو أن الأصل براءة ~~الذمة عن الوجوب فلا يمكن شغلها إلا بدليل شرعي يدل على الوجوب عليها في ~~الاغتسال: وما ذكروه من الأحاديث فهي غير دالة، لما ذكرناه من الاحتمالات ~~والتأويلات التي أوردناها عليها، ثم إنها معارضة بما ذكرناه من الأحاديث ~~الدالة على عدم الاغتسال، ثم إنها راجحة على أحاديثهم لمطابقتها للبراءة ~~الأصلية فلهذا وجب التعويل عليها. # قالوا: روي عن أمير المؤمنين علي وابن عباس وابن الزبير أنهم كانوا يرون ~~وجوب الاغتسال على المستحاضة. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن الإعتماد إنما هو على قول صاحب الشريعة صلوات الله عليه ~~في الأمور العملية والتعبدات الشرعية. # وأما ثانيا: فلأن المأثور عنهم إنما هو الاجتهاد وليس هذا من مواطن ~~الاجتهاد وإنما تتلقى أحكامه من جهة الكتاب والسنة وليس من مضطربات ~~الاجتهاد في ورد ولا صدر. فتنخل من مجموع ما ذكرناه بطلان كلام الإمامية. # الحكم الثالث: أنا إذا قلنا بأن الواجب عليها هو الوضوء لا غير فهل تجمع ~~بين الصلاتين بوضوء واحد أو يلزمها الوضوء لكل صلاة فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها يجوز لها الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد وهذا هو رأي ~~أئمة العترة من القاسمية والناصرية وهو رأي الحنفية وغيرهم من فقهاء الأمة. # والحجة على ما قالوه: حديث سهلة بنت سهيل أن رسول الله أمرها أن تجمع بين ~~الظهر والعصر في غسل واحد والمغرب والعشاء في غسل واحد. وحديث زينب بنت جحش ~~قالت: سألت رسول الله عن مستحاضة فقال: ((لتجلس أيام أقرائها ثم تغتسل " ~~وتؤخر ms0783 الظهر وتعجل العصر وتغتسل وتصلي وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل ~~وتصلي وتغتسل للفجر)). PageV02P334 # ووجه الدلالة من هذين الخبرين هو أنه أمرها بأن تؤدي فرضين بطهارة واحدة ~~وقد بطل وجوب الغسل بما قررناه من قبل وبقي الوضوء على الوجوب والغسل صار ~~مستحبا في حقها وفي هذا حصول مقصودنا. # المذهب الثاني: أنه لا يجوز لها أن تؤدي بضوء واحد إلا فريضة واحدة وما ~~شاءت من النوافل وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة له على ذلك: حديث بنت أبي حبيش فإنه قال: ((إذا أقبلت الحيضة فدعي ~~الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وتوضائي لوقت كل صلاة)). # الثانية: قولهم: إن طهارتها طهارة ضرورية لأنها منعقدة تؤدى بها الصلاة ~~مع جري الحدث في كل ساعة منها فلو جوزنا لها أن تصلي فرضين بطهارة واحدة ~~كنا قد ألحقنا حكمها بحكم من كانت طهارته في حال الرفاهية وذلك ممنوع من ~~جهة الشرع. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم. # وحجتهم: ما أوردناه، ونزيد هاهنا حديث فاطمة بنت أبي حبيش قالت: إني ~~استحاض فلا أطهر فقال لها الرسول : ((إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا ~~أدبرت فاغتسلي وتوضائي لوقت كلا صلاة)). وهذا تصريح بما قلناه فإنه يدل على ~~أنها تتوضأ لوقت كل صلاة، ومن مذهبنا أن وقتا واحدا يجمع الصلاتين كما ~~سنقرره في الأوقات بمعونة الله فيكون وقتا لهما وفي ذلك حصول غرضنا. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم، أما حديث فاطمة فعنه جوابان: # أما أولا: فإنما أراد الأفضلية بالوضوء لكل صلاة، وأما الإجزاء فهو حاصل ~~بوضوء واحد لصلاتين. # وأما ثانيا: فلأنه إذا جاز تأدية النفل مع الفرض بوضوء جاز تأدية الفرض ~~مع الفرض بوضوء واحد، لأن كل واحد منهما يشترط فيه الطهارة، فلما جاز أن ~~يكون مجزيا في حق النفل جاز إجزاؤه في حق الفرض من غير فرق بينهما. # قالوا: طهارة المستحاضة طهارة ضرورية فلا تؤدي بوضوئها إلا فرض واحد. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن كونها ضرورية لا تمنع من الجمع بين الفرضين كما لا تمنع ~~من ms0784 الجمع بين الفرض والنفل. PageV02P335 # وأما ثانيا: فلأنا لا نريد بكونها ضرورية إلا أنها منعقدة تؤدى بها الصلاة ~~مع جري الحدث وهذا غير مانع من تأدية الفرضين بوضوء واحد. # الحكم الرابع: إذا سوغنا لها الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد. فهل يجوز ~~لها أن تجمع بين فرضي الوقت بوضوء واحد أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن ذلك جائز وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، ~~والأوزاعي والفقهاء. # والحجة على هذا: ما في حديث زينب بنت جحش، وسهلة بنت سهيل بن عمرو فإن ~~الرسول أمرها بتأخير الظهر وتعجيل العصر وأن تجمع بينهما بطهارة واحدة ~~وهكذا المغرب والعشاء، وهذا نص فيما ذهنبا إليه. # الحجة الثانية: هو أنها طهارة أصلية فجاز أن تؤدي بها فرضا الوقت ~~كالسليمة. # وقولنا: طهارة أصلية. نحترز بها عن الطهارة البدلية وهي التيمم فإنه لا ~~يؤدى بها إلا فريضة واحدة على رأي القاسمية، وأما على ما اخترناه فإنه يجوز ~~أن تؤدى بها الفرائض والنوافل. # المذهب الثاني: أنه لا يجوز أن تؤدي به من فروض الوقت إلا فريضة واحدة ~~ويجوز أن تجمع به بين فريضة الوقت وما شاءت من الفوائت وهذا هو رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا ما روى أبو حنيفة عن الرسول أنه قال لبنت أبي حبيش: ~~((توضأي لكل صلاة " )). فظاهر هذا الحديث يدل على إحداث الوضوء لكل صلاة، ~~فعمومه دال على إدخال الفوائت مع فرض [الوقت]، لأنه لم يفصل بخلاف فرض ~~الوقت فإنه لم يتناول إلا فريضة واحدة لأن المعنى توضائي لكل صلاة واحدة من ~~فروض الوقت. # والمختار: ما قاله علماء العترة ومن وافقهم من جواز تأدية فرضي الوقت ~~بوضوء واحد. PageV02P336 # والحجة على ذلك: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي قال: أتت الرسول ~~امرأة فزعمت أنها تستفرغ الدم فقال : ((هذه ركضة من الشيطان في رحمك " فلا ~~تدعي الصلاة إلى أن قال لها ثم أخري الظهر إلى أول وقت العصر واغتسلي ~~واستدخلي الكرسف ثم صلي المغرب وقد دخل وقت العشاء ثم صلي الفجر)). فهذا ms0785 نص ~~صريح فيما قلناه من جواز تأدية فرضي الوقت بوضوء واحد. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم. # قالوا: حديث فاطمة يدل على ما قلناه. # قلنا: ظاهره حجة لنا لأنه قال: ((توضائي لكل صلاة " )). فظاهره يقضي ~~بجواز تأدية كل صلاة من فروض الوقت ومن الفوائت والنوافل فلا وجه لإبطال ~~عمومه من غير دلالة. # الحكم الخامس: إذا كانت طهارة المستحاضة منعقدة لتأدية الصلوات كما ~~شرحناه فهل تنتقض طهارتها بدخول الوقت أو بخروجه أو بمجموعهما؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن طهارتها تنتقض بدخول الوقت لا بخروجه، وهذا هو قول ~~الإمامين الهادي والناصر ونصره السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبي طالب، ~~ومحكي عن الأوزاعي وزفر. # والحجة على هذا: قوله للمستحاضة: ((توضائي لوقت كل صلاة " )). ومفهوم هذا ~~الحديث يقتضي وجوب التوضي عند دخول وقت كل صلاة وفيه دلالة على أن طهارتها ~~تنتقض بدخوله ولولا أن طهارتها تنتقض بدخول الوقت لما أمرها بتأخير الظهر ~~إلى وقت العصر وتأخير المغرب إلى دخول وقت العشاء ولم يأمرها بتقديم العصر ~~إلى وقت الظهر لأنه ليس وقتا للعصر ولا وقت المغرب وقتا للعشاء، فلما أمرها ~~بالتأخير دل ذلك على أن وقت العصر يدخل مع بقاء وقت الظهر وكذلك وقت العتمة ~~يدخل مع بقاء وقت المغرب وأنه وقت واحد يجمعهما، فدل ذلك على أن المفسد ~~لطهارتها هو دخول الوقت. # المذهب الثاني: أن المفسد لطهارتها هو خروج الوقت وهذا هو رأي أبي حنيفة ~~وأصحابه والصحيح من قول الشافعي. PageV02P337 # والحجة على هذا: هو أن تعليق بطلان الطهارة بخروج الوقت في حق المستحاضة ~~أولى من تعليقه بدخول الوقت لأن الوقت أصل في توجه الخطاب بتأدية العبادات ~~المؤقتة بالأوقات فإذا كان دخول وقت العبادة مبطلا لطهارتها كان خروجه في ~~إبطال الطهارة أحق وأولى، ويؤيد هذا أن خروج الأوقات في حق العبادات ~~المؤقتة مبطل لها لكون الوقت شرطا في صحة تأديتها فإذا كان مبطلا لها كان ~~مبطلا لشرطها من جهة الأولى. # المذهب الثالث: أن طهارتها تبطل بدخول الوقت وخروجه وهذا هو المحكي عن ~~أبي يوسف. ms0786 # والحجة له على هذا:هو أن كل ما أوردناه نصرة للمذهبين في بطلان الطهارة ~~بدخول الوقت وخروجه فهو حجة له لكونه قائلا بهما فلا وجه لإيراد حجة له على ~~انفرادها. # والمختار عندنا: تفصيل نشير إليه، وتقريره هو أن هذه الطهارات ثبوت ~~أصولها وتقرير شروطها ونواقضها إنما هي أسرار غيبية وتعبدات دينية وأمور ~~مصلحية لا تؤخذ أدلتها إلا من جهة الآي القرآنية والأخبار النبوية لكونها ~~غيوبا استأثر الله بعلمها ووكل بيانها على لسان نبيه ، والأخبار كلها ليس ~~فيها إشارة إلى نقض الطهارة بخروج الوقت ولا بدخوله ولكنها مشيرة إلى ~~الفراغ من العبادة، ولهذا قال :((توضائي لكل صلاة " )). من غير إشارة منه ~~إلى بطلان طهارتها بخروج وقت ولا بدخوله، وإذا كان الأمر كما قررنا كان ~~تعليق نقض الطهارة بالفراغ من العبادة أولى وأحق كما هو المفهوم من ظاهر ~~الأخبار الواردة في حق المستحاضة من غير حاجة إلى تكلف أمر لم يدل عليه شيء ~~من الأدلة النقلية. # لا يقال: هذا قول يخالف أقوال الأمة فإن أحدا لم يذهب إلى هذه المقالة من ~~علماء العترة وفقهاء الأمة، وما هذا حاله فلا يعتمد عليه بحال. # لأنا نقول: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأنهم لم ينصوا على فساد ما زاد على أقوالهم فيقضي ببطلانه ~~فإذا كان الأمر هكذا جاز إحداث قول يخالف أقوالهم. PageV02P338 # وأما ثانيا: فلأن الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة لا يزال الإستنباط منها ~~للأحكام الشرعية غضا طريا على مر الدهور والأزمان وتكرر الحوادث فأي حرج ~~على من استنبط حكما من دلالة شرعية وأيده بالدلالات النقلية، فما هذا حاله ~~يجب التعويل عليه. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه ، فنقول: إن تعويلهم في نقض الطهارة ~~بدخول الوقت وخروجه إنما هو على ما يفهم من ظاهر الأخبار في حق المستحاضة، ~~ونحن لا نسلم أن شيئا من الأخبار دال على تعليق نقض الطهارة بالدخول ولا ~~بالخروج وإنما ظاهرها دال على نقضها بالفراغ من العبادة كما أوضحناه، فقد ~~استقر بما ذكرناه حكم المسألة واتضح بيانها والحمد لله، فإذا توضأت للظهر ~~في ms0787 آخر وقته وفرغت من تأديته توضأت للعصر في أول وقته وهكذا تفعل في المغرب ~~والعشاء والفجر أنها تتوضأ لكل صلاة بعد الفراغ من الأولى من غير حاجة إلى ~~التعليق في نقض الطهارة بخروج الوقت ولا دخوله. # نعم، يظهر الخلاف بين القائلين بنقض الطهارة في حق المستحاضة بدخول الوقت ~~وخروجه في مسألتين: # الأولى منهما: إذا توضأت بعد طلوع الفجر فلها أن تصلي، عند القائلين ~~بانتقاضه بالدخول، إلى أن تزول الشمس، وعند القائلين بالخروج، إلى أن تطلع الشمس. # والثانية: إذا توضأت بعد طلوع الشمس فلها أن تصلي، عند القائلين بانتقاضه ~~بالدخول، إلى وقت الزوال، وعند القائلين بالخروج، إلى دخول وقت المثل، وأما ~~على ما اخترناه فإنما يكون نقضها بالفراغ منها لا غير. PageV02P339 # تنبيه: اعلم أنا حيث سوغنا لها الجمع بين الصلاتين فيما مر وتأدية فرضي ~~الوقت بوضوء واحد واخترناه، فإنما كان قبل الإنتهاء إلى هذه المسألة فيما ~~تنتقض به طهارتها وتحقيق النظر فيها، فإذا فرغت من صلاة فإنها تجدد الوضوء ~~للصلاة الثانية سواء كانت تلك الصلاة مؤداة أو مقضية وعلى هذا إذا أدت ~~الظهر في آخر وقتها فإنها تستأنف وضوءا لصلاة العصر وهكذا تفعل في صلاة ~~المغرب والعشاء والفجر وصلاة القضاء وصلاة الجنازة والطواف، بخلاف النوافل ~~فإنه لا يحتاج إلى استئناف الوضوء لتأديتها لما كانت متسعا في حالها ولهذا ~~فإنه يجوز تأديتها على الراحلة مع التمكن من القرار ويجوز تأديتها من قعود ~~مع القدرة على القيام. # الحكم السادس: ويجب على المستحاضة إذا أرادت أن تصلي أن تغسل فرجها ~~وتحتشي بالقطن لترد به الدم فإن كان يسيرا فإنها تدخل قطنة أو خرقة تحبسه ~~عن الخروج بفعل ذلك فإن لم ينقطع وكان كثيرا غزيرا تلجمت وقد قدمنا صفة ~~التلجم فأغنى عن الإعادة وهو الإستثفار أيضا، ولا يجب على المستحاضة إلا ~~غسل واحد عند أن يحكم بانقطاع الحيض وإنما يجب عليها الوضوء لكل صلاة كما ~~دل عليه ظاهر الخبر، وإن استوثقت المستحاضة بالشد على ما وصفنا وتوضأت ثم ~~خرج منها الدم قبل الدخول في الصلاة ms0788 أو في حال الصلاة فإن كان لرخاوة الشد ~~وجب عليها إعادة الشد وإعادة الطهارة، وإن كان ذلك لغلبة الدم وقوته لم تجب ~~عليها إعادة الشد والطهارة لأنه لا تقصير من جهتها. # الحكم السابع في إنقطاع الدم عن المستحاضة: واعلم أن لإنقطاعه عنها ثلاث حالات: PageV02P340 # الحالة الأولى: أن يكون انقطاعه قبل الدخول في الصلاة فإذا كان منقطعا قبل ~~دخولها في الصلاة نظرت فإن كان انقطاعه غير معتاد بأن يكون أول ما استحيضت ~~فتوضأت ودمها سائل ثم انقطع فإنه يجب عليها إعادة الوضوء إذا أرادت أن تصلي ~~لأن هذا الإنقطاع يجوز أن يكون كزوال الاستحاضة فيبطل ذلك طهارتها ويجوز أن ~~يكون ليعود فلا يبطل خلا أن الظاهر أنه لا يعود فإن خالفت ودخلت في الصلاة ~~من غير تجديد طهارة فإن اتصل الطهر لم تصح صلاتها، وإن عاودها الدم نظرت ~~فإن كان بين معاودة الدم وانقطاعه مدة يمكن فيها فعل الصلاة لم تصح صلاتها ~~لأنها قد أمكنها فعل الصلاة من غير نجاسة وإن [كان] بينهما مدة لا يمكن ~~فيها فعل الصلاة فإنها لا تجب عليها الإعادة لأنا تيقنا بعود الدم أن ~~الإنقطاع لا حكم له، وإن كان إنقطاع الدم معتادا قبل أن تستمر عادتها بأن ~~ينقطع دمها ساعة ثم يعود ثم ينقطع فإن كانت مدة الإنقطاع في عادتها مما ~~يمكن فيها فعل الطهارة والصلاة فعليها أن تعيد الصلاة والطهارة لأنها قد ~~أمكنها فعل الطهارة والصلاة من غير نجاسة وإن كانت مدة الإنقطاع يسيرة بحيث ~~لا تتمكن فيها من فعل الطهارة والصلاة فهو كما لو كان الدم متصلا فلا ~~تلزمها الإعادة لهما. # الحالة الثانية: أن يكون انقطاع الدم بعد دخولها في الصلاة فينظر في ذلك، ~~فإن كان قد جرت عادتها بأن دمها ينقطع ثم يعود وبين وقت انقطاعه وعودته مدة ~~لا تتمكن فيها من فعل الطهارة والصلاة أو كان هذا الإنقطاع لم تجر لها به ~~عادة فالظاهر أنه لا يعود فلا تبطل صلاتها فهي كالمسافر إذا عدم الماء ثم ~~تيمم ثم وجد الماء بعد ms0789 الدخول في الصلاة. # الحالة الثالثة: أن يكون إنقطاع الدم بعد خروجها من الصلاة، فإنه لا ~~يلزمها شيء لأنها قدفعلت الصلاة على الوجه المأمور به فلا يلزمها سواء عاد ~~الدم أو لم يعد وقد قال : ((لا ظهران في يوم)). PageV02P341 # الحكم الثامن: وإذا توضأت المستحاضة بعد دخول الوقت فالأولى أن تصلي عقيب ~~الطهارة، فإن أخرت الصلاة إلى آخر الوقت أو وسطه فإن كان ذلك لمصلحة الصلاة ~~كانتظار ستر العورة جاز ذلك وإن كان التأخير لغير ذلك جاز مع الكراهة، وإن ~~خرج الوقت قبل أن تصلي الفرض بتلك الطهارة كان لها أن تصليه لأن طهارتها لا ~~تبطل بخروج الوقت كما مضى تقريره، وإذا توضأت المستحاضة ارتفع حدثها السابق ~~لأنه لو انقطع الدم أجزأها الوضوء لتأدية الصلاة وأما حدثها الموجود حال ~~الطهارة والطارئ فلا يرتفع ولكن يعفى عنه لأنه لا يمكن الإحتراز منه. وهل ~~يرتفع حدثها بالطهارة أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنه لا يرتفع، وإذا قلنا بأنه لا يرتفع فكيف تكون نية الطهارة؟ ~~فيه وجهان: # أحدهما: أنها تنوي استباحة الصلاة ولا تنوي رفع الحدث لأنه لا يرتفع. # وثانيهما: أن تجمع بينهما فتنوي رفع الحدث واستباحة الصلاة. # الحكم التاسع: هل يجوز لزوج المستحاضة أن يأتيها أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: الجواز، وهذا هو قول أئمة العترة والحنفية والشافعية ~~والمالكية. # والحجة على ذلك: قوله تعال: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله " ~~}[البقرة:222]. ولم يفصل بين حالة وحالة، ولما روي عن الرسول أنه قال: ~~((إنه دم عرق)). وفي حديث آخر في دم الاستحاضة: ((إنها ليست بحيضة " )). ~~لأن حكمها حكم الطاهرة في دخول المسجد وقراءة القرآن وغير ذلك من الأحكام. # المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو المحكي عن عائشة وابن سيرين والحكم ~~والنخعي وأحمد بن حنبل. # والحجة على ما قالوه: قوله تعالى: {قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ~~" }[البقرة:222]. فأمر بالإعتزال لأجل ملابسة الأذى والتلوث به في حال ~~الحيض، والمستحاضة مثل الحائض في ملابسة النجاسة والأذى فلهذا وجب الإمتناع منه. # والمختار: ما عليه ms0790 الأكثر من العلماء من الأئمة وفقهاء الأمة. PageV02P342 # وحجتهم: ما أسلفناه، ونزيد هاهنا وهو أن حمنة بنت جحش كانت تحت طلحة بن ~~عبيدالله(1)، # وأم حبيبة كانت تحت عبدالرحمن بن عوف وكانتا مستحاضتين وكانا يجامعانهما ~~والظاهر أن مثل ذلك لا يخفى على الرسول لأنه قد بين أحكامها ولم يذكر الوطء ~~فدل على جوازه. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم. # قالوا: هو أذى فاعتزلوا النساء. # قلنا: النهي إنما ورد في الحيض وزمانه، وما هذا حاله فليس حيضا ولهذا ~~يجوز لها ما يجوز للطاهرة من النساء من الصلوات وقراءة القرآن. PageV02P343 # الحكم العاشر: وحكم من به سلسل البول والمذي واتصال الودي حكم المستحاضة في ~~التحشي والوضوء لكل صلاة لأن ذلك من نواقض الوضوء فهو كالاستحاضة، وأما من ~~به جرح لا ينقطع منه الدم والقيح فإنه بمنزلة المستحاضة في وجوب غسله لكل ~~صلاة وشده بالعصابة، فأما نقض الوضوء فهل يكون ناقضا للطهارة أم لا؟ فيه ~~تردد قد ذكرناه من قبل وذكرنا المختار فأغنى عن تكريره. # الحكم الحادي عشر: قال الإمام المؤيد بالله: والمستحاضة إذا خرج منها حدث ~~آخر غير دم الاستحاضة فإنه يكون ناقضا لطهارتها ويجب عليها تجديد الوضوء ~~لأنه يمكنها أن تصلي رافعة لذلك الحدث فلا تصح صلاتها معه كما لو لم تكن ~~مستحاضة. # الحكم الثاني عشر: ويجب على المستحاضة التوقي عن سائر النجاسات غير دم ~~الاستحاضة فإنها معذورة فيه فأما غيره من سائر النجاسات فيلزمها التحرز منه ~~ولا تجزيها الصلاة مع ملابسته، وهكذا حال من به سلس البول وسيلان الجرح ~~فإنه يلزمه التوقي عن سائر النجاسات لأنه غير معذور في ذلك. فهذا ما أردنا ~~ذكره في أحكام المستحاضة. وبتمامه يتم الكلام في باب الحيض وقد أعرضنا عن ~~أكثر مسائل المستحاضات لأمرين: # أما أولا: فلأنا قد اكتفينا بإيراد الأخبار التي هي أصل في قاعدة الحيض ~~وتتفرع عليها مسائله. # وأما ثانيا: فلأنه ليس ورائها كثير فائدة ومن عرف الأصول التي أوردناها ~~في باب الحيض هان عليه تنزيل تلك المسائل والإحاطة بتفاصيلها. # . PageV02P344 ### || CHECK [في_النفاس_و_هو_آخر_أبواب_الطهارة] # --- # الباب العاشر ms0791 # في النفاس وهو آخر أبواب الطهارة # والنفاس مصدر نفست(1) المرأة نفاسا # وفعله مبني لما لم يسم فاعله كقوله: جن وحم. ولا يجوز بناؤه لما سمي ~~فاعله، وإنما سمي نفاسا لتنفس المرأة بالولد والدم، والحيض يقال له نفاسا ~~لتنفسها بدم الحيض، ويقال للنفاس حيضا لما روي أن صفية بنت ملحان استأذنت ~~الرسول في الخروج للجهاد تداوي الجرحى وتسقي الماء فأذن لها وأردفها خلفه ~~على ناقته فحاضت وهي خلفه فجمعت عليها ثيابها فقال لها الرسول لما شعر ~~بحالها: ((مالك نفست))؟ يعني حضت فقالت: نعم يا رسول الله فسماه نفاسا فقال ~~لها: ((إنزلي وأصلحي حالك واغسلي ما أصاب الحقيبة بماء فيه ملح وعودي ~~لمركبك))(2). # والنفاس اسم شرعي وهو عبارة عن الدم الذي تراه المرأة عقيب الولادة فيكون ~~دلالة على انقضاء العدة وعلة في تحريم الوطء ودخول المساجد وقراءة القرآن، ~~والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ~~}[الطلاق:4]. فجعل انقضاء العدة بوضع الحمل. # وأما السنة: فما روي عن النبي أنه قال: ((تقعد النفساء أربعين يوما إلا ~~أن ترى الطهر قبل ذلك))(3). # وأما الإجماع: فلا خلاف على أن المرأة تكون نفسآء بخروج الدم بعد ~~الولادة. # هذا تمهيد الباب وينحصر المقصود بأن نرسم فيه فصولا ثلاثة هي وافية ~~بالغرض المطلوب من مسائله والله الموفق. PageV02P345 # --- ### || AUTO الفصل الأول # في بيان أقل النفاس وأكثره وأقل الطهر منه وأكثره # اعلم أن دم النفاس يحرم ما يحرم الحيض من الوطء والصلاة والطواف، ويسقط ~~ما يسقطه الحيض من العدة وغير ذلك. وهو دم الحيض يجتمع لأجل الحمل فإذا ~~ولدت المرأة وخرج منها دم بعد الولادة فلا خلاف في كونها نفساء. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: في بيان أكثره وفيه مذاهب [أربعة]: # المذهب الأول: أن أكثره أربعون يوما وهذا هو رأي القاسمية والناصرية من ~~أئمة العترة وأحد قولي الشافعي، ومحكي عن أبي حنيفة في رواية عنه، ومحكي عن ~~الثوري والمزني وأحمد بن حنبل، وقد قال الشافعي: إن الغالب من حاله في ~~الكثرة أربعون ms0792 يوما. وهو قول عطاء ومالك والشعبي وداود. # والحجة على ما قلناه ما روى ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تنتظر ~~النفساء أربعين ليلة \s " \c 2 مالم تر الطهر قبل ذلك وإن جاوزت الأربعين ~~فهو بمنزلة الاستحاضة تغتسل وتصلي فإن غلبها الدم توضأت لكل صلاة)) (1). # الحجة الثانية: ما روت أم سلمة قالت: كانت النفساء تجلس على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوما وكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف(2). ومثل هذا إذا صدر ~~من جهة الصحابي فلا يصدر إلا عن توقيف لأنه لا مجال للأقيسة فيه لأنه أمر ~~مقدر لا يصدر إلا عن الرسول صلى الله عليه وسلم. # الحجة الثالثة: ما روى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تقعد ~~النفساء أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك)) (3). فهذه الأخبار كلها ~~دالة على صحة تقدير أكثره بالأربعين وهو الذي ارتضاه السيدان الأخوان ~~المؤيد بالله وأبو طالب. # المذهب الثاني: أن أكثره سبعون يوما وهذا شيء حكي عن بعض الناس. # والحجة على هذا: إنما هو الوجود فإنهم زعموا أنه قد وجد من النساء من ~~تقعد سبعين يوما نفاسا. ولا أعرف أحدا قال بما فوق هذه العدة من العلماء. PageV02P346 # المذهب الثالث: أن أكثره ستون يوما وهذا هو المحكي عن الشافعي في أحد قوليه ~~ومروي عن مالك ثم رجع عنه إلى عادة النساء فيسألن عنه، ومحكي عن عبدالله بن ~~الحسن. وحكاه الشيخ أبو جعفر عن الإمامين إسماعيل بن جعفر \s " \c 3(1) ~~وموسى بن جعفر \s " \c 3(2) PageV02P347 . # والحجة لهم على ذلك: هو تعويلهم على الوجود فإنه قد وجد في النساء من ~~يكون نفاسها ستين يوما. # المذهب الرابع: أن أكثره خمسون يوما، وهذا هو المروي عن الحسن البصري، ~~وعن الإمامية أن أكثره نيف وعشرون يوما. # والمختار: ما قاله الأكثر من أئمة العترة وهو اختيار الإمام زيد بن علي. # وحجتهم ما نقلناه من الأخبار ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: ما روى زيد بن ms0793 علي عن أبيه عن جده عن علي % عن امرأة من ~~بني أسد قالت: قلت لأم سلمة: هل كنتم سألتم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النفساء كم تجلس ~~في نفاسها؟ قالت: نعم. سألنا رسول الله عن ذلك فقال: ((تجلس أربعين ليلة ~~إلا أن ترى الطهر قبل ذلك \s " \c 2)). # الحجة الثانية: ما روى عثمان بن أبي العاص \s " \c 3(1) وأم سلمة قالا ~~وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوما [للنفساء](2). PageV02P348 # الانتصار عليهم: يكون بإبطال ما أوردوه حجة، أما من قال بأن أكثره سبعون ~~يوما وستون وخمسون ونيف وعشرون، فكله اعتماد منهم على الوجود وليس لهم فيه ~~حجة شرعية معتمدة، ويدل على بطلان هذه التحكمات أن هذه الأمور التقديرية ~~والأحكام العددية إنما تثبت من جهة الشارع لا مجال للعقل والأقيسة[فيها] ~~بحال، وما جعلناه حجة لنا فإنما مستنده من جهة الشارع فلهذا وجب التعويل ~~عليه. ومن وجه آخر وهو أن هذه المذاهب كلها متدافعة فليس بعضها أولى من بعض ~~لأنهم لم يسندوها إلى توقيف من جهة الشارع فيجب اطراحها والإعتماد على ما ~~أثر من جهة صاحب الشريعة صلوات الله عليه. # الفرع الثاني: في بيان أقله وفيه مذاهب ثلاثة نفصلها: # المذهب الأول: أن أقله لا حد له وهذا هو قول أئمة العترة القاسمية ~~والناصرية، ومحكي عن الشافعي ومحمد بن الحسن وهو رأي السيدين الأخوين أبي ~~طالب والمؤيد بالله. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تنتظر المرأة أربعين يوما ~~\s " \c 2 فإذا رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر)). # ووجه الحجة من هذا الحديث: هو أنه صلى الله عليه وسلم أطلق بأنها إذا رأت الطهر قبل ذلك ~~ولم يفصل بين وقت ووقت، وفي هذا دلالة على أنها إذا رأته بعد الولادة فهي ~~طاهرة محكوم عليها بإنقضاء النفاس بلا مرية، وفي هذا دلالة على أنه لا حد ~~له. وقد روي أن امرأة ولدت ولم تر دما عقيب الولادة فكانت تسمى ذات ~~الجفاف(1). # المذهب الثاني: أن ms0794 أقله ثلاثة قروء فإن كانت عادتها ستا فثمانية عشر ~~يوما، وإن كانت عادتها سبعا فأحد وعشرون يوما، وإن كانت عادتها عشرا ~~فثلاثون يوما،وهذا هو المحكي عن زيد بن علي. PageV02P349 # والحجة على ذلك: أنه قد تقرر أن عدة الحامل بالوضع وعدة الحائل بثلاثة قروء ~~فجعل الشرع الوضع بمنزلة الأقراء، فلهذا قلنا بأن أقله يكون معتبرا ~~بالأقراء على اختلاف أحوالها في عدد الأقراء. # المذهب الثالث: أن أقله أحد عشر يوما وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة وأبي ~~يوسف، وحكي عن الثوري: أن أقله ثلاثة أيام. # والحجة على ما قالوه: هو التعويل على الوجود على ما يعهد في أزمنتهم فكل ~~واحد منهم يعتمد على ما جرى في زمنه من التقدير بهذه الأعداد. # والمختار: ما عليه علماء العترة من أن أقله لا حد له. # والحجة لهم: ما قررناه ونزيد هاهنا، وهو ما روى أبو أمامة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: ((إذا طهرت المرأة حين تضع صلت \s " \c 2))(1) فهذا نص صريح في ~~أنه لا حد لأقله، ولهذا قال الإمام(2) في (التحرير)، والاعتبار في زواله ~~بحصول النقاء ولو ساعة واحدة. وأراد بهذا أن الاعتبار بزوال النفاس إنما ~~يكون بحصول النقاء من الدم ولو ساعة واحدة فإذا طهرت ساعة واحدة فقد زال ~~النفاس على ما تدل عليه العاقبة في إستمرار النقاء وبطلانه. # الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه حجة لهم، فأما ما حكي عن زيد بن علي من ~~جعله الوضع بمنزلة الأقراء واعتباره بها، فكل واحد منهما أصل برأسه في ~~العدة وبراءة الرحم فالحائل لها ثلاثة أقراء والحامل عدتها بالوضع فلا وجه ~~لقياس أحدهما على الآخر فإن كل واحد منهما منصوص عليه في كتاب الله فلا وجه ~~للرد والمقايسة بينهما. PageV02P350 # وأما من زعم أن أقله أحد عشر يوما و[من قال]ثلاثة أيام فكله تحكم لا مستند ~~له من جهة الشارع فلا تعويل عليه إذ ليس هذا العدد أحق من غيره من الزيادة ~~والنقصان، فأما الإمام زيد بن علي فلم يخالف في أكثره أنه أربعون ms0795 ولهذا ~~قال: ولا يكون النفاس أكثر من أربعين يوما(1)، وهو المأثور عن عدة من ~~الصحابة رضي الله عنهم، أمير المؤمنين وعمر وعثمان وابن عباس وابن عمر ~~وعائشة وأم سلمة. # الفرع الثالث: أقل الطهر من النفاس، وفيه مذهبان: # أحدهما: أن أقله مثل أقل الطهر من الحيض وهو عشرة أيام وهذا هو رأي أئمة ~~العترة. # وثانيهما: أن أقله خمسة عشر يوما، وهذا هو المحكي عن الشافعي وقد قدمنا ~~وجه الحجة لكل واحد من المذهبين وذكرنا الإختيار والانتصار له فلا وجه ~~لتكريره. فعلى هذا إذا رأت المرأة الدم في النفاس ثم رأت النقاء فإن استمر ~~النفاس عشرة أيام فهو طهر، وإن رأت الدم بعد ذلك فهو حيض، وإن رأت الدم ~~لدون العشر فهو نفاس من جملة الأربعين. # الفرع الرابع: في بيان أكثر الطهر من النفاس. # وأكثره لا حد له كما مضى تقريره في الحيض. # وإن رأت المرأة الحامل دما قبل الولادة فهل يكون دم حيض أو دم فساد؟ فيه ~~مذهبان: # أحدهما: أنه دم حيض وهو المحكي عن الشافعي في أحد قوليه. # وثانيهما: أنه دم فساد، وهذا هو رأي أئمة العترة وسواء كان ذلك الدم ~~مقدار أكثر الحيض أو دونه أو فوقه في كونه محكوما عليه بدم الفساد والتغير. ~~وهذا هو المختار وقد قررنا وجه المذهبين وأوضحنا أن الحبلى لا تحيض فأغنى ~~عن تكريره. # الفرع الخامس: إذا ولدت المرأة ولم تر دما عقيب الولادة لم تكن نفساء ~~لأمرين: # أما أولا: فلأن النفاس دم مسقط للصلاة فصار كدم الحيض والحائض إذا لم ترى ~~دما لم يحكم لها بالحيض. PageV02P351 # وأما ثانيا: فلأن النفاس اسم لما تنفس به المرأة من الدم عند الولادة فإذا ~~لم يوجد بطل نفاسها. وهل يجب عليها الغسل لخروج الولد أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يجب بخروج الولد وإن لم يكن معه دم لأنه بمنزلة الإيلاج من ~~غير إنزال ولأن الولد منعقد من ماء الرجل وماء المرأة وهما موجبان للغسل ~~فهكذا ما ينعقد منهما. # وثانيهما: أن الغسل غير واجب بخروج الولد من ms0796 غير دم لأن الموجب للغسل ~~إنما هو التنفس بالدم وهاهنا لا دم فلا وجه لإيجابه. # والمختار: أن الغسل غير واجب عليها لما روى أبو أمامة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: ((إذا طهرت المرأة حين تضع صلت \s " \c 2)). فأوجب الصلاة عليها ~~بالوضع ولم يوجب عليها غسلا ولو كان واجبا لذكره لأن هذا موضع الحاجة ~~والتعليم. وهل يجب عليها الوضوء أم لا؟ فيه التردد الذي ذكرناه في نواقض ~~الوضوء فإن كان فيه بلل فهو ناقض وإن لم يكن هناك بلل لخروجه من فرج المرأة ~~فهو لاحق بخروج الدود والحصاة والنواة في كونه ناقضا أو غير ناقض، وقد ~~ذكرنا الخلاف فيه وذكرنا المختار والانتصار له فلا حاجة بنا إلى تكريره. # الفرع السادس: وإذا ولدت المرأة توأمين(1) فإن لم يكن بينهما دم وكان ~~خروج الدم عند ولادة الثاني فهو نفاس واحد بإتفاق لأن التنفس إنما حصل بوضع ~~الثاني فصار النفاس متحققا بوضعه كما لو كان الولد واحدا، وإن كان الدم ~~خارجا بوضع الأول ففيه مذاهب ثلاثة نوضحها بمعونة الله تعالى: # المذهب الأول: أنه لا يحكم عليها بحكم النفاس إلا بوضع جميع ما في بطنها ~~سواء كانا ولدين أو أكثر وعلى هذا يعتبر أول النفاس وآخره بوضع الثاني، ~~وهذا هو الذي حصله السيدان أبو العباس وأبو طالب للمذهب. # ووجهه: أن الولدين في حكم الولد الواحد فلهذا لم ينقطع النفاس إلا ~~بوضعهما جميعا. PageV02P352 # المذهب الثاني: أنه يعتبر أول النفاس وآخره بوضع الأول وهذا هو المحكي عن ~~أبي حنيفة وأبي يوسف وهو أحد أقوال الشافعي. # ووجهه: أن اسم النفاس يقع بوضع الولد الأول فأشبه ما إذا كان وحده. # المذهب الثالث: أنه يعتبر ابتداء مدة النفاس من الأول ثم تستأنف المدة من ~~الثاني. # ووجهه: هو أن كل واحد منهما سبب في تقرير حكم النفاس واثباته إذا انفرد ~~فإذا اجتمعا ثبت لكل واحد منهما نفاس وتداخلا فيما اجتمعا فيه، وهذا شيء ~~يحكى عن بعض أصحاب الشافعي. # والمختار: ما قاله أصحابنا وهو الأصح من أقوال الشافعي ms0797 ويؤيد ما ذكرناه ~~من كونهما في حكم الولد الواحد هو أن الزوج لا يملك نفي أحدهما دون الآخر ~~وإذا أقر بأحدهما لزمه الآخر وأيضا فإن العدة لا تنتقض إلا بوضعهما جميعا ~~فلهذا كان نفاسهما واحدا. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، أما من زعم أنه ينقضي النفاس بوضع الأول ~~لأن اسم النفاس يقع عليه فلا نسلم بل يجب أن يضاف حكم النفاس إلى جميع ~~الخارج كما يضاف نقض الوضوء إلى جميع أجزاء البول عند خروجه. # وأما من زعم أنه ثبت لكل واحد منهما حكم النفاس ثم يتداخلان فيما اجتمعا فيه. # قلنا: إن[الأخذ] بإعتبار التداخل في المدة الموضوعة لحكم النفاس فيه ~~دلالة على أن النفاس واحد فلولا أنه واحد لما وجب التداخل وإلا لوجب أن ~~يكون لكل واحد كمال مدة النفاس وأنتم لا تقولون به. # نعم، الذي اخترناه صالحا للمذهب وهو أن يكون النفاس بولادة التوأمين إنما ~~هو بشرط أن لا ترى المرأة الدم عند الولادة أو تراه لكنه أقصر دون الأربعين ~~فعلى هذا يكون النفاس واحدا ويتم بولادة الثاني، فأما إذا كان بين الولدين ~~أكثر مدة النفاس والدم متصل بولادة الثاني فهما نفاسان لا محالة وينفصل ~~الأول بالولادة ثم تستأنف نفاسا ثانيا بولادة الثاني. PageV02P353 # الفرع السابع: والسقط إذا تنفست به المرأة فحالها كحال الولادة للتمام في ~~كونها نفاسا إذا تبين فيه أثر الخلقة والتخطيط(1) فإن لم يكن كذلك لم يكن نفاسا. # واعلم أن ما تلقيه المرأة من رحمها فله حالات أربع: # الحالة الأولى: أن يكون الخارج نطفة إما منيا خالصا أو منيا مختلطا بماء ~~المرأة تعلوه صفرة، وإما منيا مختلطا بدم الحيض تعلوه حمرة، فما هذا حاله ~~لا تكون به المرأة نفساء وهو أول أطوار خلقة الإنسان في الرحم كما أشار ~~الله تعالى إليه في غير آية من كتابه، ولا خلاف في أنها لا يتعلق بها حكم ~~النفاس. # الحالة الثانية: العلقة، وهي الطور الثاني من خلقة الإنسان في الرحم كما ~~أشار الله تعالى بقوله: {ثم من علقة}[الحج:5]. وهل تكون المرأة بإلقاء ms0798 ~~العلقة نفساء أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنها لا تكون به نفساء وهذا هو رأي أئمة العترة وقول أكثر ~~الفقهاء. # ووجهه: أنه أمر لم يتبين فيه أثر خلقة الإنسان فأشبه ما إذا كان نطفة. # وثانيهما: أنها تكون بإلقائها نفساء وهو أحد قولي الشافعي. # ووجهه: أنها صورة ناقصة تتكون منها خلقة الإنسان فأشبهت ما ظهر فيه صورة ~~الخلقة. # والمختار: ما قاله أصحابنا؛ لأن إطلاق إسم النفاس إنما يكون على ما ظهر ~~فيه التخطيط والتشكيل في خلقة الآدمي. # الحالة الثالثة: المضغة، وهي الطور الثالث من خلقة الآدمي كما أشار إليه ~~تعالى بقوله: {فخلقنا العلقة مضغة \s " \c 1}[المؤمنون14]. وهل تكون المرأة ~~بإلقائها نفساء أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها تكون بإلقائها نفساء وهو الذي يأتي على قول الشافعي في أحد ~~قوليه لأنه إذا قال: تكون نفساء بإلقاء العلقة فبإلقاء المضغة أحق وأولى. # وثانيهما: أنها لا تكون بإلقائها نفساء وهذا هو الظاهر من مذهب العترة؛ ~~لأن المضغة قطعة من اللحم لا يظهر فيها شيء من التخطيط والتشكيل اللذين ~~يظهران في خلقة الآدمي. PageV02P354 # الحالة الرابعة: وهي الطور الرابع الذي أشار الله تعالى إليه بقوله: ~~{فخلقنا المضغة عظاما \s " \c 1}[المؤمنون:14] ولا شك أن تخلق العظام ~~واللحم قد تظهر فيه صورة خلقة الآدمي فإذا ألقت المرأة ما هذا حاله فإنها ~~تكون به نفساء كالخلقة التامة فصارت الرحم مشتملة على ما ذكرناه، فما تيقنا ~~فيه خلقة الآدمي حكمنا عليها بالنفاس ولحقها أحكامه. وما شككنا فيه في كونه ~~آدميا لم يثبت لها حكم النفاس لأن الظاهر لزوم الصلاة والصيام وسائر أحكام ~~العبادات عليها فلا نسقطها عنها إلا بيقين. # . PageV02P355 # --- ### || AUTO الفصل الثاني # في حكم المرأة عند الولادة # واعلم أن المرأة إذا تنفست بالولد فلا يخلو حالها إما أن ترى الدم أو لا ~~تراه، فإن لم تر دما لم يكن نفاسا وكان حكمها حكم الطاهرة في التلبس ~~بالعبادات كلها من الصلاة والطهارة والصيام والإعتكاف والطواف وسائر ~~العبادات. وإن رأت الدم فلا يخلو من ثلاث حالات: # الحالة الأولى: أن ينقطع ms0799 دون الأربعين، فإما أن يتلوه طهر صحيح أم لا، ~~والطهر الصحيح عشرة أيام فإن تبعه طهر صحيح كان ما قبله من الدم نفاسا وما ~~بعده حيضا إذا عاود الدم فالأول يتبعه حكم النفاس والثاني يتبعه حكم الحيض، ~~وإن لم يتبعه طهر صحيح فهو نفاس إلى الأربعين لأنه زمان إمكان النفاس وحده ~~ومقداره الشرعي كما قررناه من قبل. # الحالة الثانية: أن يستقر الدم على رأس الأربعين من غير زيادة وما هذا ~~حاله فهو نفاس كله لأنه أكثر النفاس كما قلناه في الدم إذا استقر على العشر ~~من غير زيادة فهو حيض لأنه زمان إمكان الحيض فلا وجه لخروجه عن حكم الحيض. # الحالة الثالثة: أن يعبر الدم على الأربعين فإذا كان كذلك فهو استحاضة ~~وخرج عن حد النفاس. # التفريع على هذه القاعدة وتتصل بها فروع: PageV02P356 # الفرع الأول: الدم إذا جاوز الأربعين في النفاس فليس يخلو حال المرأة إما ~~أن تكون متبدأة أو ذات عادة فإن كانت مبتدأة بأن يكون هذا أول نفاس طرقها ~~فالواجب عليها الرجوع إلى عادة نسائها فإن اختلفت عاداتهن في النفاس رجعت ~~إلى أكثرهن عادة لأن الظاهر من الدم أنه نفاس لأنه في زمان الإمكان وإن لم ~~يمكن الرجوع إلى عادة نسائها من قبل أبيها فإنها ترجع إلى أكثر النفاس وهو ~~الأربع، فإذا اتصل دم النفاس بدم الاستحاضة وجاوز الأربعين فهل يكون كله ~~استحاضة أو يكون الزائد على الأربعين استحاضة لا غير، فيه تردد. فذكر ~~المؤيد بالله أن الكل يكون استحاضة لاتصال دم النفاس بدم الاستحاضة وذكر ~~السيد أبو طالب أن الزائد على حد النفاس يكون استحاضة لا غير لأنه في زمان ~~الإمكان. ولا خلاف أن الزائد على الأربعين يكون استحاضة بكل حال لكونه قد ~~جاوز أكثر النفاس، وإن كانت المرأة ذات عادة فعادتها إنما تثبت بولادتين ~~مرة يقف عليها ومرة يزيد عليها، وهذا نحو أن يكون نفاسها مرة عشرين يوما ثم ~~مرة خمسة وعشرين يوما فتكون عادتها على هذا عشرين، وإذا كان الأمر فيها ~~هكذا كانت أيام عادتها ms0800 نفاسا والباقي يكون استحاضة. # الفرع الثاني: إذا انقطع دم النفاس لدون أربعين يوما فهل يكره وطؤها في ~~هذه المدة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكره، وهذا شيء يحكى عن علي وابن عباس وهو رأي زيد بن ~~علي والإمامين الهادي والناصر ومروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف. قال الهادي: ~~ولا ترتفع الكراهة إلا أن يكمل طهرها عشرة أيام(1). PageV02P357 # والحجة على هذا: هو أن زمان الأربعين زمان إمكان النفاس فلا يأمن الواطئ أن ~~يعود الدم فيكون قد وطأها في حال النفاس، وقد قال : ((المؤمنون وقافون عند ~~الشبهات " ))(1). # المذهب الثاني: أنه لا يكره وهذا هو رأي الشافعي وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أنها مأمورة بالصلاة والصيام وإذا جاز لها تأدية ~~الواجبات من العبادات جاز المباح وهو الوطء. # والمختار: أن امتناع وطئها إنما هو على جهة الاستحباب دون الوجوب لأن ~~الظاهر الإباحة بحصول النقاء في هذه الأيام وهو أمارة الإباحة ونحن على شك ~~من عودة الدم فلا نترك اليقين لعروض الشك. # الانتصار: فإن قيل: الزمان زمان الإمكان فلا يأمن الواطئ أن يعود الدم ~~فيقع الواطء في زمان النفاس. # قلنا: اليقين حاصل بالنقاء ونحن على شك من عودة الدم والشك لا يعارض ~~اليقين بحال. # الفرع الثالث: قال الإمام المؤيد بالله: ولو أن امرأة نفست وزاد الدم على ~~الأربعين وكان ما بعدها من الأيام أيام عادتها في الحيض ولم يتخلل بينهما ~~طهر صحيح كان عليها الصلاة بعد انقضاء الأربعين لأن الحيض والنفاس في ~~المعنى واحد فيما يتعلق بالعبادات فكما لابد بين دمي الحيض من طهر صحيح ~~فهكذا بين الحيض والنفاس، وهكذا حال المبتدأة إذا نفست وزاد دمها على ~~الأربعين لأن أكثر النفاس أربعون فالزائد لا يكون نفاسا لا خلاف فيه بين ~~الأئمة. # الفرع الرابع: في المرأة إذا نفست بالولد وخرج منها دم فخروجه يكون على ~~ثلاثة أوجه. PageV02P358 # أولها: أن يكون خارجا بعد الولد وما هذا حاله يكون نفاسا باتفاق بين الأئمة ~~وفقهاء الأمة، وهكذا لو كان صفرة أو غبرة أو كدرة فإنه يكون نفاسا ms0801 كما قلنا ~~إن الصفرة والغبرة والكدرة في أيام الحيض حيض، فهكذا يكون حالها في أيام ~~النفاس نفاسا من غير فرق، فإن خرج ماء صاف فهل يكون نفاسا أم لا؟ # والمختار: أن ما هذا حاله يبعد تصوره وأنه لابد فيه من الغبرة والكدرة ~~فيلحق بالنفاس فإن قدرناه صافيا مع بعده، كان فيه الوضوء لا غير. # وثانيها: أن يكون الدم خارجا مع الولد، وفيه وجهان: # أحدهما: أن يحكم عليه بكونه نفاسا لأنه دم خرج بخروج الولد فأشبه ما لو ~~خرج بعده. # وثانيهما: أنه لا يكون نفاسا لأنه دم انفصل قبل خروج الولد فأشبه الدم ~~الخارج قبل خروجه. # والمختار: أنه يكون نفاسا لأن المرأة تكون نفساء بخروج الدم بعد الولد ~~فهكذا حال ما يكون متصلا به من الدم. # وثالثها: أن يكون الدم خارجا قبل خروج الولد، وهل تكون به نفساء أم لا؟ ~~فظاهر كلام أصحابنا والفقهاء(1) # أنه ليس حيضا من جهة أن الحبلى لا تحيض وأنه ليس نفاسا لأن النفاس ما كان ~~بعد خروج الولد. # والمختار: أنه يكون نفاسا في تحريم العبادات كالصلاة والصوم لأنه دم حصل ~~في زمان الإمكان فأشبه ما لو كان خارجا بعد الولد ولأن المرأة قد تنفست به ~~على حد تنفسها بالدم بعد خروج الولد فأما انقضاء العدة وبطلان الرجعة عليها ~~فلا يكونان إلا بعد خروج الولد لقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن}[الطلاق:4]. وقوله في سبايا أوطاس: ((لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل ~~حتى تستبرئ بحيضة " ))(2). PageV02P359 # فلو خرج نصف الولد لم تكن عدتها منقضية والرجعة عليها[ممكنة] حتى ينفصل ~~الولد كله بخلاف العبادات فإنها ممنوعة منها حتى يحصل الطهر ولا طهر مع ~~وجود الدم واتصاله. # الفرع الخامس: النقاء المتوسط في زمان الأربعين إذا بلغ أقل الطهر هل ~~يحكم بكونه طهرا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكون طهرا شرعيا وهذا هو رأي الهادي واختاره الإمامان ~~الأخوان. # والحجة على ذلك: قوله : ((تقعد النفساء أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ~~ذلك)). فظاهره الحكم بارتفاع النفاس بدون الطهر ms0802 في الأربعين وهذا هو ~~مطلوبنا. # المذهب الثاني: أنه لا يكون طهرا وهذا هو رأي أبي حنيفة فإنه زعم أن كل ~~دم تراه المرأة في الأربعين فهو دم نفاس وإن رأت بعده فهو طهر صحيح. # والحجة على هذا: هو أن النفاس حيض لقوله لعائشة: ((مالك أنفست " ))؟. ~~فسماه نفاسا. وإذا تقرر كونه حيضا فكما أن معاودة الدم في مدة أكثر الحيض ~~يكون حيضا فهكذا يجب أن تكون معاودة الدم في أكثر النفاس يجب أن يكون نفاسا كله. # والمختار: ما نص عليه في (المنتخب)(1) # ويدل عليه ما حكيناه ونزيد هاهنا وهو خبر الإمرأة الأسدية: ((تجلس ~~النفساء أربعين ليلة " إلا أن ترى الطهر قبل ذلك)). # الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه. # قوله: معاودة الدم في مدة أكثر الحيض تكون حيضا. # قلنا: هذا فاسد فإن مدة أكثر الحيض لا تسع لأقل من الطهر الشرعي من جهة ~~أن أكثر الحيض عشر وأقل الطهر عشر فلا ينعقد توسط الطهر الشرعي في أكثر مدة ~~الحيض لما ذكرناه، وإذا كان الأمر كما قلناه كان معاودة الدم فيه يكون حيضا ~~لا محالة فافترقا. # الفرع السادس: في الحيض هل يتعقب النفاس أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: الجواز، وهذا هو الظاهر من مذهب العترة وهو أحد قولي ~~الشافعي. PageV02P360 # والحجة على ذلك: هو ما ذكرناه من حصول الطهر المتوسط في أيام النفاس فإذا ~~كمل كان ما بعده حيضا كما أشرنا إليه هاهنا. # والمذهب الثاني: المنع وهذا هو المحكي عن أصحاب الشافعي تفريعا على ما ~~ذهبوا إليه من أنه لا يجوز توسط الطهر في أيام النفاس فإذا عاد الدم في ~~أيام النفاس كان كله نفاسا. # والمختار: ما قاله أصحابنا ويدل عليه حديث الإمرأة الأسدية، وقد قدمناه ~~فلا نعيده. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. # قالوا:عودة الدم في أيام النفاس تكون نفاسا. # قلنا:لا نسلم ما قلتموه بل إنما يكون نفاسا ما لم يتوسط الطهر الشرعي، ~~فأما إذا كان متوسطا كان ابتداء حيض سواء كان في حق المبتدأة أو ذات العادة ~~لأنه زمان إمكان في الحيض فلهذا ms0803 قضينا بكونه حيضا. # الفرع السابع: قال السيد أبو العباس: وإذا قال الرجل لامرأته: إذا ولدت ~~فأنت طالق، فإذا ولدت وادعت انقضاء عدتها ففي أي قدر من الأيام تصدق ~~مقالتها؟ ففي هذا روايات كل واحدة منها مبنية على الأصول المقررة في حد ~~النفاس في أكثره وأقله ونحن نوردها وجملتها أربع: # الرواية الأولى: عن السيد أبي العباس قررها على أصول المذهب، قال: لا ~~تصدق إلا في تسعة وثلاثين يوما بعد الولادة لأن هذه المدة وإن لم تكن ~~معتادة فهي ممكنة محتملة وإذا كانت محتملة صدق قولها لإمكانها، وبيانه: أنا ~~نقدر أنها طهرت من النفاس عقيب الولادة وكان طهرها من النفاس عشرة أيام ثم ~~أنها حاضت ثلاثة أيام ثم طهرت عشرة أيام ثم حاضت ثلاثة أيام ثم طهرت عشرة ~~أيام ثم حاضت ثلاثة أيام فتكون أطهارها ثلاثون يوما وحيضها تسعة أيام وذلك ~~تسعة وثلاثون يوما. PageV02P361 # قال الإمام أبو طالب: والأولى أن لا تصدق إلا في تسعة وثلاثين يوما وساعة؛ ~~لأنه يبعد أن لا ترى شيئا من الدم عقيب الولادة، وهذا لا وجه له فإنه ليس ~~القصد إلا الأمور الممكنة وإن لم تكن معتادة ومقدار الإمكان يحصل بما ~~ذكرناه ولأنه كما يستبعد ألا ترى الدم عقيب الولادة فيبعد أيضا أن ترى الدم ~~ساعة واحدة. # الرواية الثانية: تحكى عن أبي حنيفة قال: تصدق في خمسة وثمانين يوما. ~~لأنه يجعل نفاسها خمسة وعشرين يوما ويجعل خمسة عشر طهرا هذه أربعون يوما ~~وخمسة حيضا نصف أكثر الحيض، وخمسة عشر طهرا وخمسة حيضا وخمسة عشرة طهرا ~~وخمسة حيضا تم الكل خمسة وثمانين يوما فهذا يأتي تقريرا على أصوله. # الرواية الثالثة: عن أبي يوسف قال: لا تصدق في أقل من خمسة وستين يوما؛ ~~لأنه يجعل نفاسها أحد عشر يوما وهو أكثر من أكثر مدة الحيض وثلاثة أطهار ~~خمسة عشر وثلاث حيض ثلاثة ثلاثة كملت خمسة وستين يوما. # الرواية الرابعة: عن محمد بن الحسن فإنه قال: تصدق في أربعة وخمسين يوما ~~وساعة؛ لأنه يجعل النفاس ساعة ثم الطهر خمسة عشرة ms0804 يوما والأقراء يجعلها ~~تسعة أيام ثلاثة ثلاثة والطهران ثلاثون كملت أربعة وخمسين يوما. فقد عرفت ~~بما أوردناه أن هذه الإختلافات بينهم على ما يذهب إليه كل واحد منهم في ~~مقدار النفاس والطهر منه، وقد قررنا المختار فيما سبق والانتصار له فلا وجه ~~لتكريره. # الفرع الثامن: اعلم أن المرأة إذا تمت ولادتها بوضع جميع ما في بطنها ~~فإنها تتعلق بها أحكام شرعية محرمات وواجبات ومستحبات ومكروهات ومباحات، ~~فهذه ضروب خمسة نذكر ما يتعلق بكل واحد منها. # الضرب الأول منها: المحرمات، تحرم عليها الصلاة والتلبس بها والدخول فيها ~~ويحرم عليها الصوم ويحرم عليها الإعتكاف والطواف ويحرم عليها اللبث في ~~المسجد وتحرم عليها قراءة القرآن ويحرم عليها مس المصحف ويحرم طلاقها في ~~نفاسها ويحرم وطؤها في فرجها. PageV02P362 # الضرب الثاني: في المستحبات. ويستحب للنفساء أن تتطهر في أوقات العبادات ~~وتسبح الله تعالى وتهلله وتكبره ليكون فرقا بينها وبين نساء الذميات في ~~أوقات الصلاة، ويستحب لها أن تكحل عينيها وتمشط شعرها ولا تعطل نفسها من ~~الطيب إذا كانت مزوجه لأن للزوج الإستمتاع بها فيما دون الجماع لأن الرسول ~~كان يأمر نساءه بجميع ما ذكرناه. # الضرب الثالث: في الواجبات. ويجب عليها الاغتسال عند انقطاع نفاسها ~~لتأدية العبادات من الصلاة والصوم ويجب عليها قضاء ما فاتها بالولادة من ~~الصوم دون الصلاة. # الضرب الرابع: في المباحات. ويباح لها الفصد والحجامة ويباح لزوجها ~~تقبيلها ومباشرتها ما فوق الإزار وما تحته ما خلا الإيلاج في الفرج كما ~~قررناه ويباح لها الأكل في نهار شهر رمضان والشرب إذا وقع نفاسها فيه كما ~~يباح في حق الحائض، ويباح لها دخول الحمام. # الضرب الخامس: المكروهات يكره لها ضد ما وقع فيه الاستحباب من الأمور ~~التي ذكرناها في الاستحباب. # الفرع التاسع: في بيان ما يتفقان ويختلفان فيه، أعني الحيض والنفاس، ~~وأكثر أحكامهما على الموافقة كما أسلفنا تقريره وإنما نذكر المخالفة بينهما ~~وذلك من أوجه سبعة: # أما أولا: فلأن أقل الحيض ثلاثة أيام وأقل النفاس ساعة(1). # وأما ثانيا: فلأن أكثر الحيض عشرة أيام وأكثر النفاس ms0805 أربعون يوما. # وأما ثالثا: فلأن انقضاء العدة في حق أيام النفاس بالوضع وانقضاء العدة ~~في حق الحائض بثلاثة أقراء. # وأما رابعا: فلأن المراة يحكم ببلوغها بالحيض بخلاف النفساء فإنه لا يحكم ~~ببلوغها بنفاسها وإنما يحكم بالبلوغ بالحمل. PageV02P363 # وأما خامسا: فلأن النفساء إنما يحكم بنفاسها إذا قد وضعت ما ظهر فيه أثر ~~الخلقة دون النطفة والعلقة والمضغة التي لم تخلق بخلاف الحائض فإنه يحكم ~~لها بالحيض إذا حصل الدم في أيام الإمكان من غير نظر إلى صفات ما يخرج ~~ولهذا قضينا بالصفرة والكدرة والغبرة أنها حيض. # وأما سادسا: فلأن النفساء إذا استحيضت فابتداء النفاس معلوم من أوله ~~بخلاف الحائض المتحيرة التي نسيت ابتداء حيضها وانتهائه ووقته وعدده فالأمر ~~فيها كما قررناه. # وأما سابعا: فلأن توسط الطهر بين أكثر النفاس معلوم ممكن بخلاف الحائض ~~فإن توسط الطهر في أكثر الحيض غير ممكن لأن أقل الطهر عشر وأكثر الحيض عشر ~~فلا يمكن توسطه. ولنقتصر على هذا القدر من المخالفة ففيه كفاية. # الفرع العاشر: إذا نفست المرأة بولد ثم طلقت فهل تربص إلى سن اليأس في ~~إنكاحها وتعتد بالأشهر إذا انقطع حيضها أو نردها إلى عدة الوفاة؟ فليس ~~المقصود بالتربص إلا براءة رحمها وهذا حاصل بردها إلى عدة الوفاة. فيه تردد ~~وغموض في مخالفة ظاهر قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " ~~c 1}[البقرة:228] لمعارضة المصلحة في نكاحها سنذكره في العدد ونوضح الكلام ~~فيه بمعونة الله تعالى. PageV02P364 # --- ### || AUTO الفصل الثالث # في بيان المستحاضات في النفاس # اعلم أن الاستحاضة كما هي واردة في الحيض فهي واردة في النفاس لأن ~~المقصود بالاستحاضة إنما هو إنافتها على الحد المعتاد في النفاس واختلاط دم ~~النفاس بدم الاستحاضة وعند هذا يقع النظر في التمييز بين الدمين بالإضافة ~~إلى المتبدأة وذات العادة والمميز ة والمتحيرة. فهذه أربع نذكرها في ~~المستحاضات وما عداها مردود إليها بمعونة الله تعالى. # المستحاضة الأولى: المتبدأة وهي التي لم يسبق لها عادة في مقدار التنفس ~~بالدم فإن المعيار الصادق والفيصل الفارض بين كونها مستحاضة أو غير ms0806 مستحاضة ~~إنما هو عبور الدم ومجاوزته على الأربعين فهو نفاس كله، فإذا كانت متبدأة ~~فإنا نردها إلى عادة نسائها من قبل أبيها لأنه هو الممكن في حقها والأخص في ~~أمرها. والبرهان الشرعي على صحة ما قلناه من ردها إلى عادة نسائها هو أن ~~الاحتمالات هاهنا أربعة: # الاحتمال الأول: أن ترد إلى لحظة واحدة وهو أقل النفاس وهذا قول للشافعي ~~حكاه الغزالي وغيره ولا وجه له لقلته وندوره وخروجه عن الإعتياد. # الاحتمال الثاني: أن تكون مرودودة إلى الأغلب والأكثر من النفاس وهو ~~الأربعون، وهذا قول يحكى عن الشافعي أيضا وهذا وإن كان له وجه في الاحتمال ~~لكن الباب باب العبادة فيجب فيه الإحتياط فلهذا وجب الرجوع إلى دون ~~الأربعين لما ذكرناه. # الاحتمال الثالث: الرجوع إلى أكثر النفاس وهو الستون وهذا شيء يحكى عن ~~المزنى من أصحاب الشافعي وهذا أيضا مردود لما حققناه من [أن] أكثر النفاس ~~هو أربعون لا غير وأن التعويل على الستين إنما هو أمر وجودي لا دلالة عليه ~~من جهة الشرع ويعارضه غيره من سائر الأمور الوجودية النادرة. # الاحتمال الرابع: أن تكون مرودودة إلى عادة نسائها، وهذا هو المحكي عن ~~الإمام القاسم بن إبراهيم ومحكي عن أبي حنيفة. # والمختار: ما عول عليه أصحابنا واختاروه للمذهب من رد المبتدأة إلى عادة ~~النساء في النفاس. PageV02P365 # والحجة على هذا: ما في حديث حمنة بنت جحش أنها لما استحيضت قال لها الرسول ~~: ((تحيضي في علم الله تعالى كما تحيض النساء " ستا أو سبعا وكما يطهرن ~~لميقات حيضهن وطهرهن))(1). # فردها الرسول إلى عادة النساء. وإذا تقرر ذلك في الحيض ثبت مثله في ~~النفاس لأنهما سيان من جهة اللفظ والمعنى. # أما اللفظ فقد سماه الرسول نفاسا كما قررناه وأما من جهة المعنى فلأنه ~~ترخية الرحم يوافق الحيض في أكثر أحكامه فلهذا كان حكمهما واحدا إلا أن ~~يخالفه دليل شرعي يدل عليه وقد أشرنا إليه. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه، وقد أشرنا إلى بطلان هذه الاحتمالات، ~~وأن أكثرها تحكم لا دليل عليه، فإذا تقرر بما ms0807 أشرنا إليه وجوب رجوعها إلى ~~عادة نسائها فإن اتفقت العادات فالمأخوذ بواحدة منهن، وإن اختلفت عاداتهن ~~فإنها تأخذ بأكثرهن عادة احتياطا في حق العبادة من أجل مخامرة الأذى ~~ومخالطته. وإن لم يكن هناك لها نساء أو كان لها نساء لكن جهلت عادتهن ~~فالواجب الرجوع إلى أكثر النفاس وهو أربعون. فإذا رجعت إلى عادة النساء قضت ~~ما زاد على عادتهن أو عادة أكثرهن؛ لأنها معذورة في ترك العبادات لأجل ~~اتصال الدم وإنافته على الغاية، فأما ما زاد على الأربعين فهو استحاضة بكل ~~حال فيجب عليها تأدية العبادات بعد الخروج من الأربعين واتصال الدم به. وإن ~~ولدت امرأة متبدأة وكانت ذات جفاف فينظر في حالها فإن استمر بها الجفاف أقل ~~الطهر وهو عشرة أيام كان ما بعده يكون حيضا ويبطل حكم الأربعين لتوسط الطهر ~~وكما عولنا على خبر حمنه في حق الاستحاضة والحيض فهو معولنا في حق المبتدأة ~~واستحاضتها بالنفاس لأنهما مثلان في حق الإبتداء. # المستحاضة الثانية: المعتادة. وإذا جاوز دمها الأربعين فإنها ترد إلى ~~عادتها التي قد تقررت مرتين كما ذكرناه في الحيض. وهل تقضي ما زاد على ~~عادتها أو يكون الدم في الأربعين كله استحاضة؟ فيه وجهان: PageV02P366 # أحدهما: أنها تقضي ما زاد على عادتها لأن رجوعها إلى عادتها هو الواجب مهما ~~كان ممكنا في حقها كما أشار إليه % بقوله: ((لتنظر عدد الأيام والليالي " ~~التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها ما أصابها)) وهذا هو القوي لدلالة الخبر عليه. # وثانيهما: أن الدم كله استحاضة؛ لأن الدم لما عبر على الأربعين دل ذلك ~~على كونه استحاضة، إذ لا اختصاص لبعضه من بعضه بالنفاس، فلهذا كان الكل ~~استحاضة، وهنا الوجهان حاصلان في حق المتبدأة لكن الأقوى في ذات العادة ~~رجوعها إلى عادتها والزائد استحاضة، والأقوى في حق المبتدأة أن الكل يكون ~~استحاضة. فأما الزائد على الأربعين فإنه يكون استحاضة بكل حال بخروجه عن حد ~~النفاس والشأن كله والتردد إنما هو فيما دون الأربعين إذا كان متصلا بما ~~فوقها فإنه يقع فيه التردد والنظر كما ms0808 قررناه. # دقيقة: اعلم أن التردد الذي أشرنا إليه من الرجوع إلى العادة في حق ذات ~~العادة وأن الدم كله استحضاة في حق المبتدأة وإن كان محتملا لخلافه كما ~~أشرنا إليه، فإنما هو في حق الحيض فأما في النفاس فالقوي أن الدم كله ~~استحاضة إذا كان مجاوزا لحد الأربعين ومنيفا عليها، والتفرقة بين الحيض ~~والنفاس هو أن النفاس وجوده معلوم قطعا ويقينا لأنه يخرج عقيب الولد وهو ~~نفاس لا محالة فلم يجز أن ينتقل عن النفاس إلى الاستحاضة إلا باليقين وهو ~~مجاوزة الأربعين باتصال الدم، بخلاف الحيض فإنا لا نحكم بكونه حيضا من جهة ~~الظاهر لا بالقطع واليقين فجاز أن ينتقل عنه من غير قطع فافترقا. فهذا ما ~~أردنا ذكره في النفاس المعتاد في المرأة إذا استحيضت فيه. PageV02P367 # المستحاضة الثالثة: المميزة. فإذا ابتدأها دم النفاس وعبر على أربعين يوما ~~فيجري فيها ما يجري في الحائض. والأربعون يوما بمنزلة العشر في الحيض ~~والتمييز بين الدمين إنما يكون معتبرا إذا كان مجاوزا للأربعين، وأما إذا ~~كان دون الأربعين فكله نفاس لا محالة فإذا رأت النفاس عشرة أيام دما أسود ~~محتدما قانيا، وعشرة أيام صفرة، وعشرة أيام غبرة. فالعشر الأولى كلها نفاس، ~~وأما العشرون الثانية فكلها استحاضة إذا عبرت على الأربعين لأجل التمييز ~~بين العشر الأولى والثانية والثالثة، واعتمدنا في التمييز بين الدمين على ~~حديث فاطمة بنت أبي حبيش لما استحيضت حيضة شديدة فقال الرسول : ((إنها ليست ~~حيضة إنما هو دم عرق " فإن دم الحيض أسود يعرف)). وأراد بكونه معروفا إنما ~~يكون في حق النساء لكثرة علاجه ومباشرتهن له. # ووجه آخر: وهو أن اعتمادنا على التمييز عند اتصال الاستحاضة أقوى وأخص من ~~عودها إلى عادة نسائها لأن ما هذا حاله فهو أمارة قوية بين دم النفاس ودم ~~الاستحاضة. وإن نفست المرأة بدم أحمر وتلاه الغبرة والصفرة فإن الأحمر نفاس ~~والغبرة والصفرة استحاضة عند عبورها الأربعين من جهة أن الأحمر يقوم مقام ~~الأسود عند عدمه فلهذا كان قائما مقامه في التمييز بين الدمين، وإن اسود ms0809 ~~الدم أو إحمر أو كان غبرة أو صفرة في الأربعين فما دونها فكله نفاس لأنه في ~~مدة إمكان النفاس فلا تغير عن حاله، وإن رأت المرأة عند نفاسها عشرة أيام ~~دما أحمر وعشرة أيام دما أسود ثم اتصلت الاستحاضة بالأسود وعبر على ~~الأربعين ففيه وجهان: # أحدهما: أن نفاسها من أول الأحمر لأن له قوة بالسبق على الأسود ولا حكم ~~للأسود لاتصاله بالاستحاضة بالزيادة على الأربعين. PageV02P368 # وثانيهما: أن الأسود يرفع حكم الأحمر، ومعنى قولنا: أنه يرفعه[أي] أنه يسقط ~~حكمه ويكون ابتداء نفاسها من أول الأسود عشرا أو سبعا أو خمسا، والباقي ~~استحاضة والأول أصح؛ لأنه لا وجه لإسقاط الأحمر عن الاعتبار، وعلى هذا يكون ~~الأحمر نفاسا والأسود وما بعده استحاضة. فهذا ما أردنا ذكره في المميزة بين ~~الدمين وهي مشتملة على أسرار وتفاصيل، ومن أحاط بما ذكرناه هان عليه إدراك ~~ذلك وتمييزه. # المستحاضة الرابعة: وهي المتحيرة التي لم يعرف لها عادة في النفاس لأجل ~~النسيان، ولا عرفت عدد نفاسها وأطبق عليها دم النفاس فلا تعرف شيئا من ~~معانيه إلا ابتداء الولادة لا غير. فهذه تكون كالناسية لوقتها وعددها في ~~الحيض. وقد قررنا فيها أصلين: إما بالرد إلى المبتدأة، وإما العمل على ~~الطهارات في الصلاة والصوم وسائر العبادات والعمل على تحريم ما يحرم على ~~الحائضات وتؤمر هذه النفساء بالأخذ بالإحتياط في الأمور السبعة التي أسلفنا ذكرها. # وقد تم غرضنا من باب الحيض وبتمامه يتم الكلام على أبواب الطهارة. ونشرع ~~الآن في بيان أسرار الصلاة مستعينين بالله وهو خير معين. PageV02P369 ### || CHECK [كتاب_الصلاة] # --- # كتاب الصلاة # اعلم أن الذي أسلفناه من كتاب الطهارات إنما هو وصلة إلى تأدية الصلاة ~~وشرط في صحتها والكلام فيها يطول لإشتمالها على أسرار وتفاصيل، وهي أصل ~~العبادات وقاعدتها، وهي أطول الكتب وأوسعها. # وقبل الخوض في مقاصدها وحصر مسائلها نذكر مقدمة تشتمل على مباحث خمسة ~~مشتملة على: لفظ الصلاة، ومعناها، ووجوبها، وعلى من وجبت، وبيان فضلها ~~والله الموفق . PageV02P370 # --- ### || AUTO المبحث الأول: في لفظ الصلاة واشتقاقه # اعلم أن لفظ الصلاة مقول على ms0810 معان ثلاثة: # أولها: الدعاء، قال الله تعالى: {وصل عليهم}[التوبة:103] أي: أدع لهم. ~~وقال الشاعر: # عليك مثل الذي صليت فاعتمضي(1) # وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه " }[الأحزاب: 56]. # وثانيها: الرحمة من الله تعالى، كما قال تعالى: {إن الله وملائكته يصلون ~~على النبي " }[الأحزاب:56]. لأن التقدير: إن الله يصلي وملائكته يصلون. # وثالثها: بمعنى الاستغفار وهي صلاة الملائكة. فصار إطلاق لفظ الصلاة على ~~هذه المعاني الثلاثة الدعاء والرحمة والاستغفار. وهل يكون إطلاقها عليها ~~على جهة الإشتراك أو على جهة التواطؤ؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن إطلاقها عليهما إنما هو على جهة الإشتراك؛ لأن هذه المعاني ~~مختلفة وكل لفظ أطلق على معان مختلفة فهو مشترك كلفظ القرء ولفظ الشفق. # وثانيهما: أن يكون إطلاقه على جهة التواطؤ لأنه يجمعها جامع معنوي كإطلاق ~~لفظ الإنسان والفرس، فإطلاق لفظ الإنسان على أفراد متعددة كزيد وعمرو وبكر ~~وخالد تجمعها الإنسانية، وهكذا لفظ الفرس فإنه يطلق على أفراد متعددة ~~يجمعها جامع الفرسية. فالصلاة من الله تعالى ومن ملائكته ومن المؤمنين ~~يجمعها جامع معنوي وهو الإهتمام بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم. # والمختار: هو الأول، من جهة أن هذه الأمور الثلاثة مختلفة في أنفسها لا ~~يجمعها جامع معنوي على حال ولو سوغنا هذا الجامع المعنوي الذي ذكروه وهو ~~الإهتمام بأمر الرسول فما يعجز عن تقدير أمر معنوي في الألفاظ المشتركة ~~فيلزم ألا يوجد لفظ مشترك وهذا فاسد. فصح إفادته لهذه المعاني بالإشتراك ~~وهو مطلوبنا. PageV02P371 # --- ### || AUTO المبحث الثاني: في بيان معنى الصلاة وحقيقتها بالشرع # اعلم أن لفظ الصلاة صار منقولا بالشرع لإفادة معان شرعية تخالف موضوعها ~~اللغوي، ويوضح ما قلناه ويؤيده أن القائل إذا قال: فلان يصلي فلا يسبق إلى الفهم # الدعاء وإنما يفيد اشتغاله بأفعال مخصوصة شرعية تخالف الدعاء فصارت حقيقة ~~في إفادة تلك المعاني الشرعية وحقيقة فيها لسبقها إلى الفهم عند الإطلاق، ~~وصارت المعاني اللغوية مجازا لا تفهم إلا بقرينة وهذه أمارة كون اللفظ مجازا. # فإن قال قائل: إذا كان لفظ الصلاة منقولا بالشرع لإفادة معان شرعية فهل ~~يفيد الدعاء ms0811 أو يصير الدعاء غير مستفاد منه ويكون نسيا منسيا. # قلنا: المقصود أنه قد حصل تغيير المعنى اللغوي بإفادة معان شرعية وسواء ~~كان الدعاء مفهوما منه أو غير مفهوم، بل نقول: لا يمتنع أن يكون مفهوما مع ~~تعبيرات من جهة الشرع قد صار اللفظ مفيدا لها عند الإطلاق وهو مطلوبنا. ~~وهكذا القول في جميع الألفاظ الشرعية من الزكاة والحج والصوم لا تمتنع ~~إفادتها لمعانيها اللغوية مع تحكمات من جهة الشرع بأمور مخصوصة، قد أعتبرها ~~وشرطها. فإذا تمهدت هذه القاعدة من كونه منقولا بالشرع لإفادة معان شرعية ~~مختلفة. # فنقول: ما هذا حاله لا يجوز أن يحد بحقيقة واحدة فلا يجوز أن يقال في ~~تعريف ماهيتها: هي عبارة عن أقوال وأفعال وركوع وسجود مؤقتة بأوقات مخصوصة ~~على كيفية مخصوصة؛ لأنا نجد كثيرا من الصلوات خاليا عما ذكرتموه مع كونها ~~صلاة، ولهذا فإن صلاة الجنازة خالية عن الركوع والسجود وكلها صلاة فلما كان ~~الأمر كما قلناه بطل إدخالها في ماهية واحدة. # نعم.. يمكن أن يقال في تعريفها على جهة التقريب: إنها عبادة مؤقتة مؤداة ~~على حسب الحال وحكم الشرع. # فقولنا: عبادة، يخرج عنه ما ليس بعبادة كالبيع والإجارة وسائر عقود ~~المعاوضات. # وقولنا: مؤقتة، يخرج منها ما ليس مؤقتا من العبادات كالزكاة والحج. PageV02P372 # وقولنا: مؤداة على حسب الحال، يدخل فيه جميع ما نقص منها لأجل العذر من ~~قيام وقعود وسائر الأمور المعتبرة في حقها. # وقولنا: وحكم الشرع، يدخل فيه صلاة الجنازة فإنها مؤداة من غير ركوع ~~وسجود لأجل حكم الشرع وأمره في ذلك. PageV02P373 # --- ### || AUTO المبحث الثالث: في بيان وجوبها # اعلم أنه لا خلاف بين أهل القبلة والمعترفين بأحكام الشريعة في وجوب خمس ~~صلوات مكتوبات في اليوم والليلة، ووجوبها معلوم بالضرورة من دين صاحب ~~الشريعة صلوات الله عليه. فإنكار وجوبها يكون ردة وكفرا لما كانت معلومة ~~بالضرورة من دينه، فمنكرها غير معترف بالنبوة لرده ما لا يمكن جحده، ولا ~~يحكى الخلاف إلا عن ناس من الزنادقة وسفاسف الملاحدة وأهل الغلو من ~~الحشوية، فإنهم زعموا أبادهم الله ms0812 وقطع دابرهم، أنها غير واجبة وأن الأمر ~~إلى المصلي ما شاء أن يفعل فعل. وبعضهم قال: ليس الواجب إلا صلاتين صلاة ~~بالليل وصلاة بالنهار إلى غير ذلك من الأقاويل المحرقة والمذاهب الردية. # والمعتمد في وجوبها: الكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {أقيموا الصلاة}[النور:56]. وقوله تعالى: {إن ~~الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا}[النساء:103]. وقوله تعالى: {وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا ~~الصلاة}[البينة:5].وقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ~~وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا}[الإسراء:78]. وقوله تعالى: {فسبحان ~~الله حين تمسون ""يعني به صلاة المغرب وصلاة العشاء وحين تصبحون ""أراد به ~~صلاة الفجر"" وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا""أراد به العصر"" وحين ~~تظهرون}[الروم:17،18] أراد به الظهر، وقوله تعالى: {أقم الصلاة طرفي النهار ~~وزلفا من الليل }[هود:114]. وطرفا النهار هما الفجر والعصر، زلفا من الليل ~~يريد به العشاء والمغرب. وقوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~وقوموا لله قانتين}[البقرة:238]. PageV02P374 # وأما السنة: فما روي عن إبن عمر عن الرسول أنه قال: ((بني الإسلام على خمس، ~~شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء ~~الزكاة، وصوم شهر رمضان، والحج إلى بيت الله الحرام من استطاع إليه ~~سبيلا))(1). # وجاء رجل إلى الرسول ، يسأله عما فرض الله عليه فقال له: ((خمس صلوات في ~~اليوم والليلة إلا أن تطوع )) (2). # وفي حديث ضمام بن ثعلبه " (3) PageV02P375 أنه سأل الرسول عن فرائض الإسلام وعددها، حتى قال له: آلله أمرك أن تصلي ~~هذه الصلوات الخمس فقال له الرسول: ((نعم))(1). # وقال الرسول يوما لأصحابه: ((أنتم رعاة الشمس والقمر )) فمراعاة الشمس ~~لمعرفة أوقات الصلاة ومراعاة القمر للصيام والفرائض والنوافل. وفي حديث: ~~((إن لله عبادا يراعون حركة الشمس لذكر الله )). وما ورى عبادة بن الصامت (2) # أن الرسول قال: ((افترض الله على عباده خمس صلوات فمن جاء بهن وأحسن ~~وضوءهن وأتم ركوعهن وخضوعهن وخشوعهن كان عهدا عند الله أن يدخله الجنة، ومن ~~لم يأت بهن وضيع حقوقهن لم يكن له عندالله عهد فإن شاء ms0813 عذبه وإن شاء غفر ~~له))(3). PageV02P376 # وروى أبو هريرة أن رسول الله قال: ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ~~كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر )) (1). # وروى ابن هشام في سيرته في حديث المعراج أن الرسول لما عرج به إلى ~~السموات وكان ابتداء فرض الصلوات هنالك، فقال الرسول : ((فرض الله على أمتي ~~خمسين صلاة فلما لقيت موسى بن عمران فقال: ما فعل معك ربك فقال: فرض الله ~~على أمتي خمسين صلاة. فقال: إرجع فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق على ذلك، ~~فراجعه فنقص خمسا وفي رواية أخرى فنقص شطرها فما زلت أتردد بين ربي وبين ~~موسى حتى جعلها خمس صلوات. فقال: موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن ~~أمتك لا تطيق على ذلك. فقلت: أستحي، فإذا النداء من عندالله: ((ألا إني قد ~~أمضيت فريضتي وخففت على عبادي وجعلت الحسنة بعشرة أمثالها، هي خمس وهن ~~خمسون {ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد}[ق:29])). # وأما الإجماع: فمنعقد من جهة الأمة قولا وفعلا على وجوب هذه الصلوات ~~الخمس من الصدر الأول إلى يومنا هذا، لا مخالف لهم في ذلك إلا من جهة من ~~حكيناه من الملاحدة، وخلافهم لا يعول عليه وهو مردود لأنهم غير معدودين من ~~الأمة لكفرهم وردتهم. # فإذا تقررت هذه القاعدة من وجوبها بهذه الأدلة التي أوردناها، فاعلم أن ~~أول ما فرض الله تعالى من الصلوات قيام الليل أو نصفه أو دونه لقول تعالى: ~~{ياأيها المزمل ، قم الليل إلا قليلا، نصفه أو انقص منه قليلا، أو زد عليه ~~ورتل القرآن ترتيلا}[المزمل:1""4]. ثم نسخ ذلك وخففه الله تعالى بقوله: ~~{فاقرءوا ما تيسر منه }[المزمل:20]. PageV02P377 # قال ابن عباس: كان بين أول السورة وآخرها سنة، وقيل: نسخ بالصلوات الخمس، ~~وقيل: نسخ بقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس}[الإسراء:78]. ثم أول ما ~~فرض الله من هذه الصلوات الخمس صلاة الظهر، لحديث جابر: (( صلى بي جبريل ~~[الظهر] عند باب البيت حين زالت الشمس ثم صلى بي العصر حين صار ظل كل شيء ~~مثله)) كما سنقرره في باب المواقيت ms0814 بمعونة الله تعالى. PageV02P378 # --- ### || AUTO المبحث الرابع: في بيان من وجبت عليه الصلاة # واعلم أن الصلاة إنما تجب على من كان مسلما بالغا عاقلا طاهرا، فنذكر كل ~~ما يتوجه في كل واحد من هذه، ونذكر حكم تاركها بعد وجوبها عليه، فهذه مراتب ~~خمس نفصلها بمعونة الله تعالى: PageV02P379 # --- ### || AUTO المرتبة الأولى: في اشتراط الإسلام في وجوبها # ولا بد من تقدم الإسلام لتكون الصلاة صحيحة من جهته، فأما الكافر إذا كان ~~أصليا فلا خلاف في كونه مكلفا بتأدية المسائل الإلهية والأحكام العقلية نحو ~~العلم بالله تعالى وصفاته، ومعرفة ما يجوز عليه وما لا يجوز، والعلم ~~بالحكمة والعلم بالنبوءة، إلى غير ذلك من أمور الديانة لأن مستندها إنما هو ~~العقل لا غير. والكفار فعقولهم حاصلة فلهذا كلفوا بما ذكرناه، وهل يكون ~~الكفار مخاطبين بالأحكام الشرعية نحو الصلاة والزكاة والحج والصوم؟ فيه ~~مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنهم مخاطبون بهذه الشرائع ومعاقبون على تركها في الآخرة ~~إذا ماتوا على الكفر، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين، ~~ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين}[المدثر:42-45]. ونحو قوله: ~~{وويل للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة}[فصلت:6،7]. # المذهب الثاني: أنهم غير مخاطبين بهذه الأعمال الشرعية ولا يأثمون بتركها ~~ولا يعاقبون على تركها وهذا هو رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن فعلها لا يصح منهم قبل الإسلام ولو كانت واجبة ~~عليهم لوجب عليهم قضاؤها(1). # المذهب الثالث: أنهم مخاطبون بترك المنهيات نحو ترك الزنا والقتل وسائر ~~المناهي وغير مخاطبين بالمأمورات نحو الصلاة والصيام والحج. # والحجة على هذا: هو أن المقصود من المنهيات إنما هو الترك والإنكفاف عن ~~فعلها، وهذا يمكن تأتيه من الكفار، بخلاف المأمورات فإنها عبادات يقصد بها ~~وجه المعبود، وما هذا حاله فلا يعقل من كافر بل لا بد من تقدمة الإسلام ~~ليمكن أن يقصد بها وجه الله تعالى. PageV02P380 # والمختار: أنهم معاقبون على ترك هذه الأعمال كما يعاقبون على ترك الإسلام ~~الذي هو ms0815 شرط في صحتها، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه، أن الواحد منا يعاقب على ~~ترك رد الوديعة مع المطالبة كما يأثم ويعاقب على ترك السير لرد الوديعة ~~لأنه وصلة إليها فكذلك هاهنا. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. # قالوا: إنه لا يصح منهم فعلها مع الكفر فكيف يقال بأنهم يعاقبون على تركها. # قلنا: كما يعاقبون على ترك الإسلام فهم يعاقبون على تركها أيضا لما كانت ~~واجبة عليهم بشرط تقدم الإسلام، وأما من زعم الفرق بين المأمورات والمنهيات ~~فهو فاسد أيضا؛ لأنها كلها أمور شرعية لا يمكن معرفة قبح تركها وفعلها إلا ~~بتقدم الإسلام فلا وجه للتفرقة بينهما. # وإن أسلم الكافر الأصلي لم يتوجه عليه قضاء ما تركه من الصلوات في حال ~~الكفر سواء قلنا إنه مخاطب بفعلها أو غير مخاطب، لقوله تعالى: {قل للذين ~~كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف }[الأنفال:38]. وقوله : ((الإسلام يجب ~~ما قبله))(1) # ولا خلاف في هذا، ومن جهة أن إيجاب القضاء على الكفار فيه تنفير عن ~~الإسلام. # وأما الكافر المرتد فإنه مخاطب بهذه العبادات من الصلاة والصيام لأنه قد ~~التزم الإسلام ولا يصح منه فعلها في حال الردة من جهة أن الردة، تنافي ~~الإسلام فإذا أسلم المرتد فهل يجب عليه قضاء ما فاته في حال الردة أم لا؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يلزمه القضاء، وهذا هو مذهب الهادي وارتضاه السيدان ~~الأخوان، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. PageV02P381 # والحجة على هذا: قوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ~~}[الأنفال:38] وهذا عام في جميع الكفار. وهذا يقتضي أنه بعد الإنتهاء لا ~~تبعة عليه فلو أوجبنا عليه القضاء لكان بمجرد إنتهائه عن الكفر غير مغفور ~~له لأنه يكون مستحقا للعقوبة بترك القضاء، والظاهر يمنع منه. # المذهب الثاني: أنه يتوجه عليه القضاء وهذا هو المحكي عن الشافعي. # والحجة على ما قالوه: هو أنه قد التزم العبادة بالإسلام فيجب أن لا يسقط ~~عنه بالردة، دليله حقوق الآدميين ولأنه تركها بعد التزام وجوبها فصار ~~كالمسلم. # والمختار: ما ms0816 قاله السيدان الأخوان تحصيلا للمذهب. ويدل عليه ما قررناه ~~ونزيد هاهنا وهو قوله لعمرو بن العاص: ((الإسلام يجب ما قبله ))، وهذا ~~يقتضي أن الإسلام قاطع لما قبله من التبعات إلا لدلالة قائمة على خلافه، ~~ولأنه أرتكب معصية توجب إحباط العمل على وجه الجحود فوجب ألا يلزمه القضاء ~~كالكافر الأصلي، ولأنه ترك الصلاة في حال الكفر فوجب ألا يتوجه عليه قضاؤها ~~كالحربي، ولأنه بالردة قد حبطت جميع أعماله لقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن ~~عملك }[الزمر:65]. وقوله تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ~~}[المائدة:5]. فوجب أن لا يتوجه عليه القضاء كسائر الكفار من أهل الشرك. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم. # قالوا:إنه قد التزم العبادةفيجب أن لا تسقط عنه بالردة كحقوق الآدميين. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا:فلأن المعنى في الأصل:كونه حقا لآدمي،والعبادة حق لله تعالى. # وأما ثانيا: فلأن الله تعالى أغنى الأغنياء عن كل حق يجب له، والخلق فهم ~~فقراء إلى حقوقهم. فلا جرم كان حق الآدميين آكد من حق الله لما ذكرناه، ~~ولهذا سقط حق الله لأجل إحباطه بالكفر دون حق الآدمي كالدين والوصية. # قالوا: ولأنه تركها بعد التزامها فصار كالمسلم. PageV02P382 # قلنا: المعنى في الأصل أنه لم يعرض ما يسقط العبادة في حقه فلهذا وجب عليه ~~قضاؤها بخلاف المرتد فإنه عرض في حقه ما يبطل العبادة وهي الردة فافترقا. PageV02P383 # --- ### || AUTO المرتبة الثانية: الصبا # ووجوب الصلاة إنما يتعلق بالبلوغ بأحد الأمارات إما بالاحتلام أو الإنبات ~~أو بلوغ خمس عشرة سنة، فأما قبل ذلك فهل تجب عليه الصلاة أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنها غير واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة لا يختلفون فيه، ~~ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والقول الصحيح للشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((رفع القلم عن ثلاثة عن ~~الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق))(1). # المذهب الثاني: أن الصلاة واجبة على الصبي وإن لم يبلغ بأحد تلك العلامات ~~الثلاث. وهذا هو المحكي عن أحمد بن حنبل، وحكي ms0817 عن الطبري أنه وجده في بعض ~~كتب الشافعي، وأنكره أكثر أصحابه. # والحجة له على ما قاله: قوله : ((مروهم وهم أبناء سبع واضربوهم وهم أبناء ~~عشر))(2). # فظاهر الأمر للوجوب. # والمختار: ما عليه الأكثر من الأئمة والفقهاء. # وحجتهم: ما ذكرناه. ونزيد هاهنا وهو أن الصبا فيه نقصان العقل فلم يجز أن ~~يخاطب الصبي بالصلاة كالمجنون. # الانتصار: يكون بإبطال ما قالوه. وما أوردوه من الخبر فإنه محمول على ~~الاستحباب. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: إذا صلى الصبي في حال صباه فهل تكون صلاته شرعية أو غير ~~شرعية؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن صلاته ليست شرعية، وهذا هو المحكي عن أئمة العترة وهو ~~رأي أبي حنيفة وأصحابه. PageV02P384 # والحجة على ذلك: هو أن الصلاة الشرعية إنما تكون شرعية إذا تناولها الخطاب، ~~ولا شك أن الخطاب غير متناول للصبي في حال صباه لأنه غير كامل العقل فأشبه ~~المجنون فلهذا قضينا بأن صلاته غير شرعية. # المذهب الثاني: أنها شرعية، وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة له على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((مروهم وهم أبناء سبع ~~واضربوهم وهم أبناء عشر)). فلولا أنها صلاة شرعية في حقهم وأن ما فعلوه ~~عبادة وإلا لما أمر بضربهم، ولأنها عبادة يرجع إلى شرطها العذر فجاز أن ~~يتعبد بها في حال الصغر كالطهارة. # والمختار: ما قاله الأئمة ومن وافقهم من الفقهاء، ويدل عليه ما رويناه من ~~الخبر، ونزيد هاهنا وهو أنها لو كانت شرعية لاستحق عليها ثوابا ولكان ~~مستحقا للعقاب على تركها، ولو مات في حال صغره من غير صلاة لكان مستحقا ~~للعقاب. والإجماع على خلاف ذلك. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة. # قالوا: لولا أنها شرعية لما أمر بها وأمر بالضرب عليها. # قلنا: إنه لم يأمرهم بها وإنما أمر الأولياء على جهة التمرين والإرهاص ~~بفعلها ليخف عليهم الإتيان بها عند البلوغ. # قالوا: ولأنها عبادة ترجع إلى شرطها في حال العذر كالطهارة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أن الطهارة تصح منه لأن الطهارة عبادة فلا تصح منه ms0818 ~~لافتقارها إلى النية وليس الصبي من أهل النية. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل أنها وصلة وليست مقصودة كالصلاة ويغتفر ~~في الشروط ما لا يغتفر في الأمور المعتمدة. # الفرع الثاني: إسلام الصبي هل يكون صحيحا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: إسلامه غير صحيح، وهذا هو الذي يأتي على رأي أئمة العترة، ~~ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: ما رويناه من الخبر: ((رفع القلم عن ثلاثة )). وقد ~~قدمناه فلا وجه لتكريره. # المذهب الثاني: أن إسلامه صحيح، وهذا هو رأي السيد أبي العباس، وهو قول ~~الشافعي. PageV02P385 # والحجة على ذلك: هو أنه مأمور بالعبادات من الصلاة والصوم والحج وأن يكون ~~إماما للجماعة والجمعة وهذه لا يصح شيء منها إلا مع سبق الإسلام منه فلهذا ~~قضينا بكونه مسلما. # والمختار عندنا: تفصيل نشير إليه، وهو أن الشرع قد دل على أنه غير مأخوذ ~~بفعل شيء من العبادات كالصلاة والصيام والحج لكونه غير مكلف بها حتى يبلغ ~~بأحد تلك الأمارات الثلاث، فإذا بلغ واحدة منها فإنه يؤخذ بجميع العبادات ~~كلها. فأما من جهة الدين فلا يمتنع من جهة الدين والعقل(1) # أن يكون هاهنا صبي له كياسة وفطنة وجودة في الذكاء يكون عمره ثماني أو ~~تسعا أو عشرا من السنين يكمل الله له عقله فينظر في ذات الله تعالى وصفاته ~~وحكمته وتصديق الرسول في كل ما جاء به، فما هذا حاله غير مانع من وجوده. # فإن نظر وحصلت له هذه المعارف الدينية كان مؤمنا عند الله تعالى، وإن ~~أعرض عن النظر وتركه كان كافرا عند الله تعالى، فأما الأمور الشرعية ~~والعبادات البدنية فلا نؤاخذه بتركها لأن الشرع قد عذره عن تأديتها إذ من ~~المستبعد أن يكون كمال عقله عند بروز الفطنة أو بلوغ خمس عشرة أو إنبات الشعر. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. # قالوا: هو مأمور بالعبادات كما قررناه من قبل. # قلنا: إن كان الغرض الحكم بإسلامه عند الله لما كمل عقله في الصورة التي ~~ذكرناها فهذا جيد لا غبار عليه، وإن كان غرضكم ms0819 أنه مكلف بالأمور الشرعية ~~ولم يبلغ أحد هذه الحالات التي هي أمارة في بلوغه فلا نسلم ذلك، فإن الشرع ~~قد منع من تكليفه كما شرحناه. # الفرع الثالث: وإذا صلى الصبي في أول الوقت ثم بلغ في آخره فهل يلزمه ~~الإعادة لما صلى أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الإعادة لازمة له وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة. PageV02P386 # والحجة على ذلك:هو أنا قد قررنا أن العبادات لا تصح من جهة الصبي إلا بعد ~~بلوغه فإذا أداها قبل بلوغه لم تكن واجبة(1) # فلهذا توجهت عليه الإعادة مع بقاء الوقت وسيأتي لهذا مزيد تقرير في ~~الأعذار إذا زالت، وهذا هو أحد قولي الشافعي. # المذهب الثاني: أنه لا إعادة عليه وهذا هو المحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن صلاته صحيحة وقد أدركه الوجوب وهو فيها فلهذا لزمه ~~إتمامها كمن دخل في صوم تطوعا ثم نذر إتمامه، وحكي عن الشافعي أنه قال: ~~تستحب له الإعادة، واستحاب الإعادة دال من كلامه على أن عدم الإعادة معلوم ~~لا محالة. # والمختار: ما قاله أئمة العترة ومن وافقهم. # والحجة على هذا: هو أن العبادات وجوبها ساقط عن الصبي فإذا فعل الصلاة ~~قبل بلوغه لم يكن مؤديا لها بنية الوجوب فلهذا توجهت الإعادة عليه. # الانتصار: قالوا: صلاته صحيحة. # قلنا: قد قررنا فيما سبق أن الصبي غير مخاطب بالعبادات، وأوضحنا الدلالة ~~عليه من قبل. # الفرع الرابع: قد قررنا من قبل أن تأديتها من جهته غير صحيحة وهل تصح ~~عقوده في المعاوضات من البيع والإجارة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن عقوده صحيحة بإذن وليه وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي ~~عن أبي حنيفة، فأما من غير إذن وليه فلا يجوز. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وأحل الله البيع }[البقرة:275] ولم يفصل ~~بين صغير وكبير، وقوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ~~}[النساء:29]. وهذا صادر على جهة التراضي فيجب القضاء بجوازه. # المذهب الثاني: أن عقوده غير جائزة، سواء كانت صادرة عن إذن وليه ms0820 أو من ~~غير إذنه، وهذا هو قول الشافعي. # والحجة على هذا: هو أنه غير كامل العقل فأشبه المجنون، أو نقول شخص لا ~~تصح منه العبادات فلا تصح عقوده كالمجنون. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن وافقهم. PageV02P387 # والحجة لهم: ما أوردناه، ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى ~~إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم}[النساء:6] ~~والآية فيها دلالة على ما قلناه من وجهين: # أحدهما: أن الإبتلاء هو الإمتحان والإختبار وهما مترتبان على البيع ~~والشراء ومتوقفان عليه فلا يحصلان إلا بعد حصولهما. # وثانيهما: أنهما علامتان للإبتلاء والإختبار، ليعرف حاله في الرشد. فإذا ~~الآية دالة على ما قلناه. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. # قالوا: هو غير كامل العقل فأشبه المجنون. # قلنا: نقصان العقل في المجنون إنما هو فساد وتغير، وزوال العقل في الصغير ~~ليس فسادا وإنما نقصان فيكمل تصرفه بإذن الولي. # قالوا: شخص لا تصح عباداته فلا تصح عقوده. # قلنا: المقصود من العقود إنما هي المعاوضات وليس المحذور منها إلا الغبن ~~وهذا يرتفع بإذن الولي، بخلاف العبادات فإن المقصود منها القربة والصبي ليس ~~من أهل القربة فافترقا، فلا يلزم من بطلان عباداته بطلان عقوده. # الفرع الخامس: ينبغي لولي الصبي أن يأمره بفعل الطهارة والصلاة إذا صار ~~ابن سبع وكان مميزا ويضربه على ترك ذلك إذا كان ابن عشر، لما روي عن الرسول ~~أنه قال: ((مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم وهم أبناء عشر وفرقوا ~~بينهم في المضاجع))(1). # والخطاب بالأمر بالصلاة والضرب عليها إنما هو للآباء ويجب عليهم ذلك ~~لظاهر الأمر ويأثمون بتركه كما يأثمون بترك المنع لهم عن شرب المسكر وسائر ~~المنكرات، والأمر لهم بالطهارة والصلاة إنما هو على جهة التعويد والتمرين، ~~حتى إذا بلغوا خف عليهم ذلك، وليس المقصود أن تأدية الصلاة منهم على جهة ~~النفل إذا لكانوا مثابين عليها وهو ممنوع، وإنما الغرض ما ذكرناه. PageV02P388 # --- ### || AUTO المرتبة الثالثة: العقل # فإنه يشترط في صحة تأدية الصلاة، فمن زال عقله بجنون أو إغماء أو شرب ~~دواء يزيل العقل، ms0821 فإن الصلاة غير واجبة عليه. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: أن كل من زال عقله بالجنون لم يجب عليه فعل الصلاة لقوله ~~:((وعن المجنون حتى يفيق)) فإن كان الجنون مستوليا على فساد [العقل] ~~وتغييره سقط عنه وجوب الصلاة في كل الأحوال؛ لأن من هذه حاله فلا يرجى في ~~حقه زوال ولا إقلاع، وإن كان يصرع أحيانا ويفيق أحيانا لم يسقط عنه فرض ~~الصلاة عند إفاقته، لأن الجنون مرض فكما جاز في حق المريض أن تعتريه القوة ~~والضعف، فهكذا في حق المجنون يعتريه الصرع والإفاقة. # الفرع الثاني: ومن زال عقله بشرب داوء ولم يكن الغالب منه ذهاب العقل ثم ~~زال عقله فإنه لا يجب عليه فرض الصلاة لأنه زال عقله بسبب مباح فهو كما لو ~~زال بالجنون، وإن تناول دواء فيه سم نظرت، فإن كان الغالب فيه أن يسلم منه ~~جاز له تناوله، وإن لم يكن الغالب من حاله السلامة فإنه يحرم عليه تناوله. ~~وأقل زوال العقل أن يزول أحيانا ويثوب أحيانا، وأكثره ما كان مستوليا على ~~إفساد العقل وتغيره. # الفرع الثالث: وإن شرب مسكرا أو دواء لا حاجة له إليه فزال عقله، فإن فرض ~~الصلاة بالخطاب متوجه عليه لأنه مفرط فيما فعل لكن لا يصح منه فعل الصلاة ~~لأنه لا يمكنه فعلها في حال سكره لقوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون}[النساء: 43]. فإذا أفاق لزمه قضاء ما فاته في ~~حال السكر لأنه غير معذور بزوال عقله، وأقل السكر أن يغلب عليه الخمر فيذهب ~~عنه بعض ما كان لا يذهب عنه في حال صحوه. وأكثر السكر أن يصير متخبطا ~~ثرثارا وقحا، لا يفهم أكثر أحواله. وسيأتي لهذا مزيد تقرير في طلاق ~~السكران. PageV02P389 # الفرع الرابع: ومن سكر ثم جن في حال سكره ثم أفاق وجب عليه قضاء ما فاته في ~~حال السكر، وإن سكرت المرأة ثم حاضت ثم طهرت فإنه لا يجب عليها قضاء ما ~~فاتها في حال حيضها. والتفرقة بينهما ظاهرة فإن سقوط الصلاة عن المجنون ms0822 ~~إنما كان من أجل التخفيف. والسكران ليس من أهل التخفيف بخلاف الحائض فإن ~~سقوط الصلاة عنها عزيمة واجبة، والسكران من أهل العزائم فافترقا. وكم العدد ~~الذي يجب قضاؤه على المجنون في حال سكره من الصلوات إذا أفاق، فيه وجهان: # أحدهما: قدر ما يدوم به السكر ويستمر به لأنه السابق. # وثانيهما: ما فاته في حال جنونه لأن الجنون مرض وتغير وفساد في العقل ~~ربما زال وربما استمر بخلاف السكر فإنما هو تغطية العقل وعن قريب يزول، ~~فلهذا كان القضاء قدر جنونه لكونه مرضا، والمريض من أهل العزائم والوجوب. ~~والأول هو الوجه. # الفرع الخامس: اعلم أن العقل ملاك التكليف ومستند الأحكام العقلية من ~~الحسن والقبح والوجوب وغيرها من الأحكام، وهو أصل التكرمة التي خص الله بها ~~بني آدم حيث قال: {ولقد كرمنا بني آدم}[الإسراء: 70] وبه يستحق الثواب ~~والعقاب من جهة الله تعالى، وفي زواله وتغيره بطلان التكاليف. لكن زواله ~~يختلف فتارة يكون بفساد وتغير من غير مرض كالجنون، وتارة يكون بمرض ~~كالإغماء، وتارة يكون بالتغطية والستر كما في الخمر فإنه يطفح على العقل ~~ويغطيه، ومرة يكون بعدم تحديد علومه كما نقوله في النوم، فإن الإنسان إذا ~~نام ذهبت عنه علوم العقل بترك تحديد الله تعالى لها، فإذا انتبه عاد ~~تحديدها فصار عاقلا، وإذا أفاق المجنون المغمى عليه أو من زال عقله لم يجب ~~عليهم قضاء ما فاتهم من الصلوات في حال زوال العقل. # وحكي عن أبي حنيفة أنه إ ذا أغمي عليه يوما وليلة وجب عليه قضاؤها، ~~وسيأتي تفصيل الخلاف في قضاء الفوائت بمعونة الله تعالى. PageV02P390 # --- ### || AUTO المرتبة الرابعة: الطهارة # ولابد من اشتراطها في وجوب الصلاة فلا تجب الصلاة على الحائض والنفساء ~~لعدم الطهارة كما مر بيانه في باب الحيض والنفاس، وحدثهما يخالف حدث الجنب، ~~وإن كان الغسل واجبا على الكل لكن حدث الجنب يزول بالاغتسال وحدثهما إنما ~~يزول بالطهر لميقاته، ولا يذهب بالغسل قبل إنقضائه. فهذه الأمور الأربعة ~~كلها شرط في وجوب الصلاة. PageV02P391 # --- ### || AUTO المرتبة الخامسة: في بيان حكم تاركها # واعلم ms0823 أن من وجبت عليه الصلاة فلم يصل حتى خرج وقتها فإنه يسأل عن تركها ~~فيقال له: لم تركتها؟ فإن قال: لأني أعتقد بأنها غير واجبة علي فإنه ينظر ~~في حاله، فإن كان ناشئا في بلد نائية عن المسلمين بعيدة عن الإختلاط بهم أو ~~أسلم ولم يختلط بأهل الإسلام، فإنه يقال[له]: إنها واجبة عليك فيجب عليك ~~أداؤها، وإن كان ممن تقدم إسلامه وهو مخالط للمسلمين حكم بكفره لا محالة؛ ~~لأن وجوبها معلوم ضرورة من دين صاحب الشريعة صلوات الله عليه، فالمنكر ~~لوجوبها يكون ردة ورجوعا عن الإسلام شكا في الدين، ويجب قتله لقوله : ((من ~~بدل دينه فاقتلوه ))(1)، # والمرتد مبدل لأنه غير معترف بالوجوب، ويتولى قتله الإمام لأنه أعظم ~~الحدود وهي مفوضة إليه، ويجب استتابته ثلاثة أيام لما روى زيد بن علي، عن ~~علي أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثة أيام. ولا يدفن في مقابر المسلمين لكونه ~~كافرا بالردة، ولمن يكون ماله هل يكون فيئا لبيت المال، أو يكون لورثته؟ ~~فيه تردد نذكره في الحدود بمعونة الله. وإن قال التارك للصلاة: نسيتها، قيل ~~له: فاقضها؛ لأن قضاءها واجب؛ لقوله :((من نام عن صلاته أو نسيها فوقتها ~~حين يذكرها ))(2) PageV02P392 فإن قال: لا أستطيع، قيل له: صل كيف ما استطعت لقوله : ((إذا أمرتم بأمر ~~فأتوا به ماستطعتم ))(1) # وهل يكون قضاءها على الفور أو على التراخي؟ فيه تردد نذكره في قضاء ~~الفوائت. # وإن قال: أنا أعتقد وجوبها ولكني لا أصلي تكاسلا وتمردا عن أدائها وميلا ~~إلى الراحة والدعة، فهل يحكم بكفره أم لا؟ وإذا لم يحكم بكفره فهل يقتل أم ~~لا؟ وإذا لم يقتل فهل يحكم بفسقه أم لا؟ فهذه مسائل ثلاث نذكر ما يتعلق بكل ~~واحدة منها بمشيئة الله تعالى. # المسألة الأولى: هل يحكم بكفره أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن تارك الصلاة ليس كافرا، ولا يحكم عليه بالكفر. وهذا هو ~~رأي أئمة العترة وجماهير المعتزلة البغدادية والبصرية، ومحكي عن جلة ~~الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه وهو رأي مالك. # والحجة على هذا: هو ms0824 أن إطلاق إسم الكفر والحكم عليه بالكفر لا بد فيه من ~~دلالة شرعية لأنه لا مستند للإكفار إلا من جهة الشرع لأن العقل لا مجال له ~~في الإكفار بحال ولا دلالة من جهة الكتاب ولا من جهة السنة المتواترة على ~~إكفار الفاسق فيجب القضاء بفساده. # المذهب الثاني: أنه محكوم عليه بالكفر وهذا هو رأي الخوارج، ومحكي عن ~~أحمد بن حنبل وطائفة من أصحاب الحديث. # والحجة على هذا قوله : ((بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة ))(2) # وفي حديث آخر: ((تارك الصلاة ثلاثة أيام لا حظ له في الإسلام ))(3). PageV02P393 # والمختار: ما عليه أئمة العترة ومن وافقهم من علماء الأمة. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو قوله : ((بني الإسلام على خمس شهادة ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده وروسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~وصيام شهر رمضان والحج إلى بيت الله))(1) # ولا شك أن الفاسق قائل بهذه الأمور كلها فيجب القضاء بإسلامه، وإذا كان ~~مسلما بطل إكفاره. # الانتصار لما ذكرناه: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم. # قالوا: قد صرح الرسول بإكفار تارك الصلاة فيما رويناه من الحديث. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن الخبرين محمولان على أنه إنما تركها استحلالا لتركها، وما ~~هذا حاله فلا مقال في كفره وردته، كما أوضحناه من قبل. # وأما ثانيا: فلأن هذين الخبرين من أخبار الآحاد وهما لا يرشدان إلا إلى ~~الظن، والإكفار فإنما طريقه القطع بالأدلة الشرعية دون الأمور المظنونة. # المسألة الثانية: إذا بطل إكفار تارك الصلاة بما ذكرناه، فهل يجب قتله أم ~~لا إذا لم يتب؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه غير مستحق للقتل بترك الصلاة، وهذا هو رأي المؤيد ~~بالله، ومحكي عن الثوري وأبي حنيفة وأصحابه، والمزني من أصحاب الشافعي. # الانتصار: والحجة على هذا: قوله : ((لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث ~~: كفر بعد إسلام، وزنى بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق))(2). # وقتل تارك الصلاة ليس بواحد من هذه، فيجب القضاء ببطلانه. # المختار: المذهب الثاني: أنه يقتل، وهذا هو المحكي عن الهادي وأولاده، ~~وهو ms0825 رأي الشافعي، ولهم على هذا حجج. PageV02P394 # الحجة الأولى: قوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم }[التوبة: 5]. # ووجه الحجة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر بالكف عن قتلهم بالتزام ~~التوبة وإقامة الصلاة فمن قال: إنه إذا تاب ولم يقم الصلاة سقط عنه القتل ~~فقد ترك أحد الشرطين المذكورين في القرآن. # الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((من ترك الصلاة فقد برئت منه ~~الذمة ))(1) # وفي هذا دلالة على إباحة دمه. # وروي عن النبي أنه قال: ((نهيت عن قتل المصلين ))(2) # فدل مفهومه على أنه لم ينه عن قتل غير المصلين. # الحجة الثالثة: من جهة القياس، وهو أن الصلاة عبادة محضة تجب لا بقوله، ~~لا تدخلها النيابة ببدل ولا مال فوجب أن يقتل تاركها كالشهادتين. # فقولنا: عبادة محضه. نحترز بها عن العدة، فإن تركها لا يوجب القتل لما ~~كانت غير محضة، ولهذا فإنها لا تفتقر إلى النية. # وقولنا: تجب لا بقوله. نحترز به عن الصلاة المنذورة. # وقولنا: لا تدخلها النيابة ببدل، نحترز به عن الحج، فإنها تجوز فيه ~~النيابة ببدل المال في الإجارة عنه. PageV02P395 # وقولنا: ولا بمال: نحترز به عن الزكاة، فإنها تؤخذ من مالكها كرها، ونحترز ~~به من الصوم أيضا، فإن الشيخ الهم إذا عجز عنه أفطر وفدى. فتقرر بما ذكرناه ~~وجوب قتله. # فإذا تقرر فمتى يقتل؟ وهل يستتاب أم لا؟ وعلى أي حالة يكون قتله؟ فهذه ~~أحكام ثلاثة: # الحكم الأول: في أي وقت يكون قتله. وللشافعي في ذلك أقوال ثلاثة: # أولها: أنه يقتل إذا ضاق وقت الصلاة الرابعة لا بما مضى؛ لأنه إذا ترك ~~ثلاث صلوات علم تهاونه بها وإذا ترك دونها جاز أن يكون ذلك لعذر أو تأويل، ~~وهذا هو رأي الأصطخرى(1) # من أصحابه. # وثانيها: أنه يقتل إذا ضاق وقت الصلاة الثانية، وهذا هو قول الشيخ أبي ~~حامد؛ لأن الأولى مختلف في جواز تأخيرها فإذا ترك الثانية علم أنه قد عزم ~~على الترك مداومة عليه. # وثالثها: أنه يقتل إذا خرج وقت الأولى، وهذا هو ms0826 الظاهر من مذهب الشافعي، ~~والقولان الأولان مخرجان على مذهبه. # الحكم الثاني: أنها تجب استتابته كالمرتد، وإذا قلنا بوجوب الإستتابة، ~~فهل تكون ثلاثة أيام أو في الحال؟ فيه تردد. وإذا قلنا بوجوب الإستتابة في ~~الثلاث فقتله قاتل في الثلاث فقد أساء ولا ضمان عليه من دية ولا قصاص لأن ~~دمه هدر لمن قتله، وقتله إلى الإمام لأنه حد من الحدود بل هو أعظمها. PageV02P396 # الحكم الثالث: في كيفية قتله، واختلفوا في ذلك فالمنصوص للشافعي أنها تحز ~~رقبته، ومنهم من قال يضرب بالخشب حتى يصلي أو يموت، ومنهم من قال يسوى عليه ~~التراب بحيث لا يعلم أن هناك قبرا عقوبة له. وإذا وجب قتله فإن قتله يكون ~~حدا كما يقتل الزاني المحصن فيدفن في مقابر الإسلام، وترثه ورثته من ~~المسلمين. فهذا تقرير مذهبهم في قتل تارك الصلاة. # والمختار: عندنا ما قاله المؤيد بالله ومن وافقه من علماء الأمة. # والحجة لهم: قد حكيناها عنهم ونزيد هاهنا وهو قوله : ((أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فإذا قالوها عصموا ~~مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله))(1). # فظاهر الخبر دال على عصمة الدماء بالشهادتين واحرازهما إلا ما قامت عليه ~~دلالة ظاهرة، وتارك الصلاة لم تدل دلالة على إهدار دمه، ولأن تارك الصلاة ~~مقر بالله تعالى وبرسوله وبالشريعة مصدق بالقرآن خلا أنه ترك الصلاة تمردا ~~وتكاسلا من غير تكذيب ولا استحلال واستخفاف بموجبها، ولا إنكار لوجوبها ~~ومثل هذا لا يوجب إهدار دمه. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم. # قالوا: الآية دالة على وجوب قتله. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: # الجواب الأول: أن ظاهر الآية متروك لأن ظاهرها دال على وجوب قتل مانعي ~~الزكاة وهو غير جائز لأن للإمام أن يأخذها منهم كرها فلا وجه لقتلهم عليها. PageV02P397 # الجواب الثاني: أن كل من لم يصل في زمن الرسول ويؤت الزكاة فهو كافر لا ~~محالة باق على الشرك، فلهذا قال تعالى: {فإن تابوا} عن تكذيب الرسول، ورد ~~ما جاء به من ms0827 الشر يعة {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ~~}[التوبة:5] لأن من هذه حاله فهو مؤمن بالله مصدق بالرسول في كل ما جاء به، ~~وفي أول الإسلام لم يكن الفسق ظاهرا، وما كان إلا كفر أو إسلام لا غير، ~~بخلاف حال تارك الصلاة فإنه مقر بما جاء به الرسول وما عليه إلا أنه ترك ~~الصلاة لعارض الكسل. # الجواب الثالث: هو أن ما ذكرتموه معارض بما أوردناه من الأدلة على عصمة ~~دمه فأدنى أحوالها أنها تورث الشك والوقف فلا يمكن أهدار دمه وهو معصوم بالشك. # قالوا: ورد عن الرسول : ((تارك الصلاة)) أو ((من ترك الصلاة فقد برئت منه ~~الذمة )). # قلنا عن هذا أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأن الخبر من جملة أخبار الآحاد وليس دالا على القطع فيما ~~تناوله، وطريق الإكفار وإهدار الدماء إنما هو القطع. # وأما ثانيا: فلأنه محمول على أنه تركها استحلالا وتهاونا بحقها، ومثل هذا ~~لا شك يوجب الإكفار والردة. # وأما ثالثا: فلأن قوله: برئت منه الذمة، إنما أراد خذلانه بترك الألطاف ~~الخفيه لما أعرض وعصى الله بترك الصلاة. # قالوا: روي عنه أنه قال: ((نهيت عن قتل المصلين )). فمفهومه أن كل من لا ~~يصلي جاز قتله. # قلنا: هذا فاسد فإن كل من كان في زمن الرسول ليس مصليا فهو كافر، فنحن ~~نقول بموجب الخبر ومفهومه. ومن وجه آخر وهو أن هذا من مفهوم الصفة فإذا ~~قلت: أكرمت العلماء فليس فيه دلالة على أنك لم تكرم الفقهاء بل إكرام ~~العلماء حاصل ونفي الإكرام عن الفقهاء موقوف على الدلالة لا يؤخذ من ~~المفهوم. # قالوا: الصلاة عبادة محضة لا تدخلها النيابة، فيجب أن يكفر تاركها ~~كالشهادتين. PageV02P398 # قلنا: عن هذا جوابان: أما أولا: فلأن المعنى في الأصل أنهما أصلان في حقن ~~الدماء وعصمة الأموال كما دل الخبر على ذلك بخلاف الصلاة فإن الدماء معصومة ~~بتركها كالزكاة. # وأما ثانيا: فلأن هذا القياس معارض بمثله، فإنا نقول: عبادة واجبة على ~~الأعيان فلا يقتل بتركها كالزكاة، أو نقول: شخص مقر بالله تعالى وكتبه ~~ورسله وناكح على القرآن ms0828 ومعترف بالشريعة، فلا يجوز استحلال دمه كالمسلم. ~~فقد وضح لك بما ذكرناه بطلان قتل تارك الصلاة بما ذكرناه من الأدلة وبما ~~أجبنا عما أوردوه دلالة لهم. # فإذا لم يتوجه عليه القتل فأي شيء يفعل [به]؟ فحكي عن الإمام المؤيد ~~بالله أنه يكره على فعل الصلاة ولا يمنع الإكراه صحة الصلاة لأن الإكراه ~~فعل المكره وهو لا ينافي الإرادة، وإنما ينافي الكراهة فيحبس ويضيق عليه ~~ويؤدب ولا يقتل، ومنهم من قال: لا يعترض له لأنها أمانة في رقبته. وصاحب ~~هذه المقالة يلزمه ترك النكير على ترك الواجبات وهو باطل قطعا ويقينا. # والمختار عندنا: تعزيره بأنواع التعزيرات بالضرب والحبس والإستخفاف ~~والإهانة والطرد والإبعاد على حد ما يراه الإمام من المصلحة في ردعه وزجره؛ ~~لأنه مستحق لذلك وأهل لما أصابه من النكال والتعزير. # المسألة الثالثة: إذا بطل كفره بما ذكرناه فهل يحكم عليه بالفسق أم لا؟ ~~وهل يستحق العذاب من الله تعالى أم لا فهذان تقريران: # التقرير الأول: في أنه هل يحكم عليه بالفسق أم لا؟ اعلم أن الإجماع منعقد ~~على أن من ترك خمس صلوات من اليوم والليلة فإن تركه لذلك يكون كبيرة في حقه ~~ثم اختلف العلماء فيما يطلق عليه من الأسماء لأجل ملابسته لهذه الكبيرة على ~~مذاهب أربعة: # أولها: أنه يسمى فاسقا مجرما ملعونا منهمكا ولا يجوز تسميته كافرا ولا ~~مؤمنا، وعلى هذا يكون له اسم بين الإسمين وحكم بين الحكمين، وهذا هو مذهب ~~أئمة العترة والجماهير من الزيدية والمعتزلة. PageV02P399 # وثانيها: أنه يسمى كافرا ولا يجوز تسميته مؤمنا، وهو شيء يحكى عن الخوارج. # وثالثها: أنه يسمى مؤمنا ولا يجوز تسميته كافرا، وهذا هو رأي المرجئة ~~فإنهم زعموا أنه مؤمن بالله مصدق برسله. # ورابعها: أنه يسمى منافقا، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من الزيدية والمعتزلة، ~~والأدلة لهذه المذاهب وذكر المختار بأدلته والانتصار لما اخترناه. مذكور في ~~الكتب الكلامية فإنه أليق بالمسائل والمباحث العقلية. واللائق هاهنا ما ~~يتوجه بالمباحث الفقهيه والأسرار الشرعية والله ms0829 الموفق. # التقرير الثاني: هل يستحق العذاب من الله تعالى على إرتكاب الكبيرة أم ~~لا؟ فنقول: اختلف أهل القبلة في من مات مصرا على كبيرة ليست كفرا، على ~~مذاهب أربعة: # أولها:أن الله يعذبه بالنار مهما مات مصرا على الكبيرة من غير توبة، وهذا ~~هو رأي أئمة العترة والمعتزلة والزيدية. # وثانيها: أن الله تعالى لا يعذبه بالنار لأجل إيمانه، وهذا هو مذهب ~~المرجئة الخالصه. # وثالثها: مذهب من قال بأنا نقطع على أن الله يعذبه ويعفو عنه، ولكن لا ~~ندري على أي كبيرة[يعذبه] ولا على أي كبيرة يعفو عنه، وهذا هو المحكي عن ~~الأشعريه. # ورابعها: مذهب الواقفيه، فإنهم قالوا: نتوقف في فساق أهل القبلة فلا ندري ~~يعذبهم الله أو يعفو عنهم أو يخلدهم أو لا يخلدهم، فهذه مذاهب أهل القبلة ~~فيمن فعل كبيرة ومات مصرا عليها. وذكر المختار والانتصار له قد بيناه في ~~الكتب العقلية فلا حاجة بنا إلى التطويل بذكره هاهنا، وانجر بنا الكلام في ~~إسمه وحكمه لما ذكرنا حكم تركه للصلاة وهل يجب قتله أم لا؟. وقد نجز غرضنا ~~في ذكر من تجب عليه الصلاة ونذكر الآن فضل الصلاة والله الموفق. PageV02P400 # --- ### || AUTO المبحث الخامس: في بيان فضل الصلاة # والحث على فعلها والوعيد الشديد على من تركها # أما من جهة الكتاب: فقوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى}[البقرة: 238]. وقال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ~~ولذكر الله أكبر}[العنبكوت: 45]. وقال تعالى: {قد أفلح المؤمنون الذين هم ~~في صلاتهم خاشعون}[المؤمنون:1-2]. وقال تعالى: {هدى للمتقين الذين يؤمنون ~~بالغيب ويقيمون الصلاة}[البقرة:2،3]. وقال تعالى: {قل لعبادي الذين آمنوا ~~يقيموا الصلاة}[إبراهيم:31]. وقال تعالى: {ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ~~ساهون}[الماعون: 4،5] أي تاركون لها. فهذه الآي كلها دالة على فضلها فأما ~~الآي الدالة على وجوبها فقد تقدم ذكرها. # وأما من جهة السنة: فقوله : ((الصلاة عماد الدين فمن هدمها فقد هدم ~~الدين))(1). # وقوله : ((الصلاة من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد))(2). # وقوله :((الصلاة خير موضوع فمن شاء فليقلل ومن شاء فليكثر ))(3). PageV02P401 # وقال :((تدرون ما مثل هذه الصلوات مثلها كمثل ms0830 نهر جار على باب أحدكم يغتمس ~~فيه كل يوم خمس مرات ما عسى أن يبقى عليه من الدرن))(1). # وقال : ((الصلاة مكيال فمن أوفى استوفى))(2). # وقال :((مثل من لا يتم صلاته كمثل الحامل حملت حتى إذا دنا نفاسها ~~أملصت(3) # فلا هي ذات حمل ولا هي ذات ولد))(4). # وقال : ((إذا ترك الرجل صلاة الفجر نادى مناد من السماء يا فاسق، وإذا ~~ترك صلاة الظهر نادى مناد من السماء يا فاجر، وإذا ترك صلاة العصر نادى ~~مناد من السماء يا خاسر، وإذا ترك صلاة المغرب نادى مناد من السماء يا ~~كافر، وإذا ترك صلاة العشاء الآخرة نادى مناد من السماء أطلب لك ربا فلست ~~لك برب)). # وقال :((من ترك صلاة العصر فكأنما وتر أهله، وماله))(5) # أراد: نقص. # وقال : ((بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة " ))(6). PageV02P402 # وقال : ((صلاة العشاء الآخرة في جماعة تعدل قيام نصف ليلة وصلاة الفجر في ~~جماعة تعدل قيام ليلة))(1). # وقال : ((لا خير في دين لا صلاة فيه))(2). # فهذه الأخبار كلها دالة على فضلها وعلى الحث على فعلها وعلى بيان الوعيد ~~الشديد على تركها.وبتمامه يتم الكلام على هذه المقدمة التي أردنا تقديمها ~~ونشرع الآن في شرح أسرار الصلاة وبيان معانيها. ويحصل مقصودنا بأن نرسم ~~فيها عشرة أبواب تحيط بالغرض المقصود وبالله التوفيق. PageV02P403 ### || CHECK [في_بيان_الأوقات_المضروبة_للصلاة] # --- # الباب الأول # في بيان الأوقات المضروبة للصلاة # [توقيت] الصلاة بأوقات مخصوصة لتأديتها لا خلاف فيه، والدلالة على ما ~~قلناه من التوقيت قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا}[النساء:103] أي: موقتا. وقوله تعالى: {فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون، وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون}[الروم:17-18]. ~~قال إبن عباس رضي الله عنه: المراد بالتسبيح هاهنا هو الصلاة، والمراد ~~بقوله: حين تمسون، المغرب والعشاء، وحين تصبحون، الفجر، وعشيا، العصر، وحين ~~تظهرون، الظهر. # وقوله تعالى:{أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن ~~الفجر}[الإسراء:78] فالدلوك الزوال،والغسق الظلام، فتضمن ذلك: الظهر والعصر ~~والمغرب والعشاء، وقرآن الفجر أراد به الصبح. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: لا خلاف بين أئمة العترة ms0831 " في أن الوقت المضروب للظهر ~~والعصر من زوال الشمس إلى غروبها، وأن الوقت المضروب للمغرب والعشاء هو من ~~غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وأن الوقت المضروب للفجر هو من طلوع الفجر إلى ~~طلوع الشمس، ويدل على ذلك قوله تعالى: {أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل " }[هود:114] فالطرف الأول صلاة الفجر، والطرف الثاني صلاة العصر، ~~والظهر صار متوسطا فيمكن إدخاله في الطرف الأول ويمكن إدخاله في الطرف ~~الثاني وزلفا من الليل أراد به المغرب والعشاء. والزلف جمع زلفة وهي عبارة ~~عن الوقت الواحد، ولكن الخلاف في متعلق الوجوب هل يكون معلقا بأوله أو ~~بآخره. وفيه مذاهب ثلاثة: PageV02P404 # المذهب الأول: أن متعلق الوجوب هو أول الوقت على جهة التوسيع وآخره على جهة ~~التضييق. فأول الوقت هو وقت الفضيلة وآخر الوقت هو وقت الجواز. وهذا هو ~~الذي حصله السيدان الأخوان للمذهب لأن الهادي والقاسم ليس لهما نص صريح في ~~متعلق الوجوب من الوقت، وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق ~~الليل}[الإسراء: 78]. # ووجه الحجة: هو أن الله تعالى أمره بإقامة الصلاة من أول الوقت إلى آخره، ~~وظاهر الأمر للوجوب إلا لدلالة على خلافه، وفي هذا دلالة على أن الوقت ~~متعلق الوجوب بالتوسعة من أوله والتضييق من آخره، ويؤيد ما قلناه ويوضحه، ~~أن دلالة الوجوب هو لفظ الأمر وقد اقتضى فعله في أول الوقت كما اقتضى فعله ~~في آخره، فكما أن آخر الوقت وقت للوجوب فهكذا يكون أوله من غير فرق بينهما ~~فصار أوله كآخره في الإجزاء من غير حاجة إلى بدل. # المذهب الثاني: أن متعلق الوجوب هو آخر الوقت، وهذا هو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه. # وإنما ضرب أول الوقت لجواز فعل الصلاة فيه ثم اختلفوا في وقت الوجوب من ~~آخر الوقت، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن الصلاة إنما تجب إذا بقي من ~~آخر الوقت قدر تكبيرة، وذهب زفر إلى أنها إنما تجب إذا بقي مقدار ما يصلي ~~فيه صلاة الوقت ثم اختلفوا إذا ms0832 صلى في أول الوقت، فذهب أكثرهم إلى أنه ~~موقوف مراعى فإن جاء آخر الوقت وهو من أهل الصلاة في آخر الوقت تبين أنها ~~كانت فرضا فإن خرج عن أن يكون من أهل الصلاة في آخر الوقت تبين أنها كانت ~~نفلا، فأما الكرخي منهم فعنه ثلاث روايات: # الأولى: أن يكون في أول الوقت واجبا موسعا. # الثانية: أن وقت الظهر كله وقت لأداء الفرض، والوجوب فيه بأحد المعنيين ~~إما بفعل الصلاة من أول الوقت إلى آخره، وإما بمجيء آخر الوقت. PageV02P405 # الثالثة: أنه موقوف مراعى إلى أخر الوقت فإن كان بصفة المكلفين فهي فرض، ~~وإن خرج عن صفة المكلفين فهي نفل كما حكيناه من قبل عن غيره. # والحجة على هذا: هو أنه إذا كان مخيرا بين فعلها وبين تركها لا إلى بدل ~~لزم أن لا تكون واجبة كالنفل، ومن وجه آخر، وهو أن كلما جاز للإنسان تركه ~~من غير عذر ولا بدل لم يكن واجبا. وفي هذا دلالة على أن الوجوب غير متعلق ~~بأول الوقت. # المذهب الثالث: أن الوجوب يتعلق بأول الوقت موسع فيه، وبآخره مضيق. وهذا ~~هو المحكي عن الشيخين أبي علي وأبي هاشم من المعتزلة، قالا: والمصلي في أول ~~الوقت مخير بين فعل الصلاة وتركها إلى آخر الوقت فإذا لم يؤدها في أول ~~الوقت فلا بد من العزم ليكون بدلا عنها. # والحجة على هذا: هو أن المكلف إذا لم يكن مؤديا للصلاة في أول الوقت وأخر ~~فعلها ولم يعزم على تأديتها كان إلحاقا لها بالنفل لأنه قد تخلى عن الأداء ~~وعن العزم فلا يفترق الحال بين الفعل الموسع إذا لم يفعل في أول الوقت إلا ~~بالعزم؛ لأن النفل يجوز تركه من غير بدل، فالواجب الموسع لا يجوز تركه إلا ~~مع البدل. وظاهر كلام الحنفيه أنهم لا يوجبون العزم بدلا من جهة أن الوجوب ~~متعلق بآخر الوقت بكل حال، وإنما يوجب العزم بدلا من قال بأن الوجوب متعلق ~~بأول الوقت موسعا، فأما الشيخان فقد صرحا بوجوب العزم بدلا عن تأخير الصلاة ~~إلى ms0833 آخر الوقت. # والمختار: ما عول عليه السيدان الأخوان ومن وافقهما من العلماء. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا حجتين: PageV02P406 # الحجة الأولى: ما روى عبدالله بن عمرو بن العاص، عن الرسول أنه قال: ((إن ~~للصلاة أولا وآخرا وأول وقت الظهر حين زوال الشمس وإن آخر وقتها حين يدخل ~~وقت العصر))(1). # ووجه الدلالة من هذا الخبر: أنه أثبت للصلاة وقتا لأولها ولا يعني بوجوب ~~التوسيع إلا أن لها أولا وآخرا فإن أداها في أوله فهو وقت للوجوب وإن أداها ~~في آخره فهو وقت للوجوب أيضا. # الحجة الثانية: قوله في آخر حديث جابر: ((أمني جبريل عند باب البيت )) ~~إلى أن قال: ((الوقت ما بين هذين هذا وقت الأنبياء قبلك ))(2). # ووجه الحجة من هذا الخبر: أنه % أثبت للظهر في اليوم الأول وقتا، وأثبت ~~لها في اليوم الثاني وقتا، ثم قال: ((وقتها فيما بين هذين الوقتين " ))، ~~وهكذا سائر الصلوات، ولا نعني بالتوسيع إلا هذا، وفي هذا دلالة على أن ~~تعليق الوجوب إنما هو بأول الوقت كما قررناه. # الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. # قالوا: لو جاز تأخير الصلاة عن أول الوقت لكانت نفلا. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV02P407 # أحدهما: أنا نقول: إن النفل ما جاز تركه على الإطلاق. والصلاة في أول الوقت ~~فإنا لا نجوز تأخيرها على الإطلاق ولكن نجوز تأخيرها إلى آخر الوقت، وأوله ~~وآخره وقتان للوجوب كما شرحناه من قبل. # وثانيهما: أنا نوجب فعل العزم في أول الوقت بخلاف النفل، فإنا لا نوجب ~~بتركه العزم، وإيجابنا العزم في أول الوقت ليس لكونه بدلا عن الصلاة في أول ~~وقتها فإنه لو كان بدلا عنها وقائما مقام المصلحة لها لم يكن لإيجاب الصلاة ~~في آخر وقتها وجه لأن البدل قائم مقام المبدل كسائر الأبدال والمبدلات، ~~والعزم لا يقوم مقام الصلاة بحال فبطل كونه بدلا وإنما نوجب فعله لئلا يكون ~~معرضا عن خطاب الشرع ولا مستهينا به بل إذا كان تاركا لتأدية الصلاة في أول ~~وقتها انقض نفسه بتجديد العزم في كل وقت. # قالوا: كل ما جاز تركه من ms0834 غير بدل ولا عذر فليس واجبا. # قلنا: الواجب إنما يبطل وجوبه إذا جاز تركه على الإطلاق، فأما إذا جاز ~~تركه على بعض الوجوه لم يبطل وجوبه، والصلاة لا يبطل وجوبها إذا أخرت إلى ~~آخر الوقت مع توجه وجوبها في أوله. # وأما ما زعمه الشيخان من إيجاب العزم بدلا عن ترك الصلاة في أول الوقت، ~~فعنه جوابان: # أما أولا: فلأن العزم لو كان بدلا عن الصلاة في أول الوقت لبطل وجوبها ~~وفعلها في آخر الوقت من جهة أن البدل يقوم مقام المبدل في كل أحواله ~~كالتراب مع عدم الماء فإنه يقوم مقامه في تأدية الصلاة حتى يجد الماء، ~~وهكذا القول في الأبدال كلها. # وأما ثانيا: فلأنه كان يلزم فيمن دخل عليه وقت الزوال وهو نائم أن يجب ~~إيقاظه لفعل العزم مخافة أن يخلو عن الصلاة وبدلها، والإجماع منعقد على ~~بطلان ذلك. فحصل من مجموع ما ذكرناه أنا وإن أوجبنا العزم فإنا لا نوجبه ~~لكونه بدلا ولكن للوجه الذي أشرنا إليه. PageV02P408 # الفرع الثاني:اعلم أن الزوال عبارة عن زوال الشمس من الإرتفاع إلى الإنحطاط ~~لأن السماء مثل القبة وسطها عال وأطرافها نازلة والشمس تطلع من أطرافها ~~فيكون ظل الشمس عند الطلوع طويلا إلى قدام الشخص لدنو الشمس من الأرض، ~~وكلما ارتعفت الشمس تناقص ظل الشخص ودار حتى إذا حصلت الشمس في كبد السماء ~~تناهى نقصانه، فيعلم حينئذ على ظل الشخص بعلامة فإذا أخذت الشمس في ~~الإنحطاط زاد الظل، فذلك هو الزوال. وظل الشخص الذي يكون عند الزوال يختلف ~~باختلاف الأزمان والبلدان، فأما الأزمان فإنه يكون في الصيف قليلا وفي ~~الشتاء أكثر منه لأن الشمس في الصيف سيرها يكون في وسط السماء حتى تقابل ~~ماء البئر فإذا حصلت في وسط الفلك لم يبق للشخص إلا ظل قليل، ثم تسير في ~~الشتاء في جانب الفلك وعرض السماء ولا تبلغ إلى وسطها لميلها إلى الجانب ~~اليماني فلهذا كانت أقرب إلى الأرض فيطول الظل بذلك قبل الزوال. وأما ~~اختلاف ذلك بالبلدان فإذا كانت بلد قريبة من المشرق ms0835 أو من المغرب فإنها ~~تبعد عن وسط الفلك فيكون ظل الشخص عند الزوال أكثر منه في البلاد التي تحت ~~وسط الفلك، وربما ينتهي الشخص إلى أن لا يكون [له] عند الزوال ظل أصلا، ~~وهذا إنما يكون عند حلول الشمس في الجوزاء(1). # الفرع الثالث: والدلوك علامة لأوقات الصلاة كما قال تعالى: {أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس إلى غسق الليل }[الإسراء: 78] وهل يكون الدلوك هو الزوال أو ~~الغروب؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الدلوك هو الزوال وهذا هو رأي القاسمية واختاره السيدان ~~الأخوان وهو قول الشافعي، ومحكي عن ابن عمر، وابن عباس وعائشة. PageV02P409 # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((صلى بي جبريل الظهر حين دلكت ~~الشمس )). # المذهب الثاني: أن الدلوك هو الغروب وهذا هو رأي علي % وابن مسعود وهو ~~قول أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أنه يقال: دلكت الشمس إذا مالت للغروب. # والمختار: هو الأول من جهة أن الشمس إذا توسطت في الفلك ومالت للزوال ~~وطلع(1) # إليها الرائي فإنه يدلك عينه لشدة ضوءها وحرارتها عند زوالها فلهذا سمي ~~دلوكا(2)، # وإذا كان الدلوك هو الزوال فإنا نستفيد منه وقتا لأربع صلوات، وإذا كان ~~هو الغروب فإنما نستفيد وقتا لصلاتين، فلهذا كان الزوال أحق. ولنقتصر على ~~هذا القدر ونرجع إلى المقصود من بيان مواقيت الصلاة، فنذكر أوقات الفضيلة ~~ثم نذكر أوقات الكراهة ثم نردفه بذكر أهل الأعذار. فهذه فصول ثلاثة. PageV02P410 # --- ### || AUTO الفصل الأول # في بيان أوقات الفضيلة للصلوات الخمس # والأصل فيه ما روى ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((أمني ~~جبريل عند باب البيت فصلى بي الظهر حين زالت الشمس " وصلى بي العصر حين صار ~~ظل كل شيء مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم وصلى بي العشاء حين ذهب ~~الشفق الأحمر وصلى بي الصبح حين حرم الطعام والشراب على الصائم، ثم عاد ~~فصلى بي الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء ~~مثليه وصلى بي المغرب كصلاته بالأمس وصلى ms0836 بي العشاء حين ذهب ثلث الليل وصلي ~~بي الصبح حين كاد حاجب الشمس يطلع، ثم قال: يامحمد الوقت ما بين هذين))(1) ~~وهكذا خبر جابر وخبر أبي مسعود البدري(2) # فإنها متفقة على بيان ما ذكرناه من هذه الأوقات. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: أول وقت الظهر يدخل بالزوال، وإنما بدأنا بها تأسيا بجبريل ~~وهي أول ما فرض على الرسول من الصلوات. # والزوال: عبارة عن ظهور زيادة الظل في ناحية المشرق بعد تراخيه من ناحية ~~المغرب، ولا يجوز افتتاحها قبل الزوال عند أئمة العترة وفقهاء الأمة، ولا ~~يعرف فيه خلاف بينهم. PageV02P411 # وحكي عن ابن عباس جواز افتتاحها قبل الزوال وهي رواية ضعيفه لا أعرف لها ~~وجها في الجواز. ويستحب إقامتها عند زوال الشمس لما روي عن الرسول أنه قال: ~~((وقت الظهر حين تزول الشمس " )) (1)وروي أن جبريل نزل حين زالت الشمس ~~فقال: ((يا محمد قم فصل الظهر " ))(2). # وهل ينتظر بها حتى يصير الفيء قدر الشراك أم لا. فيه تردد. # والمختار: أنه لا يستحب فيها الإنتظار لأن جبريل وقتها للرسول بالزوال لا ~~غير، فأما ما روي عن النبي أنه صلى به جبريل حين زالت الشمس والفيء مثل ~~الشراك، فله تأويلان: # أحدهما: أنه صلى حين زالت الشمس والفيء كان مثل الشراك، وليس الغرض أنه ~~أخر إلى أن صار الظل مثل الشراك. # وثانيهما: أن ذلك إنما كان لغرض في انتظار الجماعة لا غير، وقد روي عن ~~علي أنه قال للأشتر # (3) لما ولاه مصر: صل بهم الظهر حين يصير الظل مثل مربض العنز لغرض ~~استكمال الجماعة. والشراك من النعل وهما شراكان أحدهما سير مستطيل على ظاهر ~~الكعب إلى الأصابع والآخر سير مستطيل من أسفل العقب يعقدان في وسط الكعب ~~قدر السير. PageV02P412 # وآخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله من عند الزيادة لا من أصل ظل الشخص، ~~وإن لم يكن للشخص ظل عند الزوال فمن أصل الشخص. # الفرع الثاني: الظهر له أربعة أوقات وقت الفضيله وهو مقدار صلاة الظهر ~~ونافلتها من أول الزوال، ووقت ms0837 الإختيار وهو ما بعد ذلك إلى المثل، ووقت ~~الجواز وهو ما بعد المثل إلى الإصفرار، ووقت الكراهة وهو عند الإصفرار، ~~ويخرج وقت الظهر بدخول المثل. وهل يحتاج في خروجه إلى فاصلة في ذهابه، فيه ~~مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه غير محتاج في ذهابه إلى فاصلة وهذا هو قول القاسمية ~~واختاره الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب، ومحكي عن مالك والمزني من أصحاب ~~الشافعي، وإبن جرير الطبري، وإحدى الروايات عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال : ((أول وقت الظهر ~~حين تزول الشمس " وآخره حين يدخل وقت العصر))(1) # فظاهر الخبر دال على أن خروج وقت الظهر وذهابه إنما هو دخول المثل لا غير. # المذهب الثاني: أن العصر يدخل بالمثل لكن لا يذهب وقت الظهر إلا بمجاوزة ~~أقل زيادة فيعلم بذلك ذهاب وقت الظهر وتقضيه، وهذا هو قول الشافعي والليث، ~~والأوزاعي. # قال الشافعي في الأم: إذا جاوز في المثل بأقل زيادة فقد خرج وقت الظهر ~~وذلك حين ينفصل وقت الظهر من وقت العصر. # والحجة على هذا: هو أن الأوقات ممزوجة بعضها ببعض فلا بد من فاصلة بين ~~ذهاب الظهر ودخول العصر ولا يتم التمييز بينهما إلا بما ذكرناه من دخول ~~الزيادة ألا ترى أنا أوجبنا غسل جزء من الرأس ليكمل غسل الوجه فهكذا هاهنا ~~لا يتميز خروج الظهر إلا بدخول الزيادة في المثل. # المذهب الثالث: أنه يدخل وقت العصر بالمثل ولا يذهب وقت الظهر بل يمتزج ~~الوقتان إلى غروب الشمس، وهذا هو المحكي عن عطاء وطاووس ومالك. PageV02P413 # والحجة على هذا: حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وآله صلى به جبريل الظهر ~~في اليوم الأول عند الزوال وصلى العصر في المثل ثم صلى الظهر في اليوم ~~الثاني في المثل، فدل ذلك على امتزاجهما في هذا الوقت، ولم يفصل بين وقت ~~ووقت، فدل هذا على امتزاجهما إلى غروب الشمس وصلاحية الوقت لهما إلى غروب الشمس. # والمختار: ما عول عليه أصحابنا. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو: ما رواه ms0838 أبو هريرة عن الرسول أنه ~~قال: ((إن أول وقت الظهر حين تزول الشمس " وآخره حين يدخل وقت العصر))(1) ~~وفي هذا بطلان هذه الواسطة وأن خروج الظهر بدخول المثل من غير زيادة. # فأما أبو حنيفة فعنه روايات ثلاث: # الأولى: وعليها الإعتماد للحنفيه، أن وقت الظهر باق إلى أن يصير ظل كل ~~شيء مثله. # الثانية: أن آخره إذا صار ظل كل شيء مثله وهو الذي يأتي على كلام أصحابنا ~~كما مر بيانه. # الثالثة: أن وقت الظهر باق حتى يصير ظل كل شيء دون مثله. # قالوا: ويدخل وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه ويكون ما بينهما فصلا ~~بين الوقتين. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم، وهو أن ما أوردوه تحكم لا مستند ~~له لأن جميع الأخبار كلها تشهد لما ذكرناه بالصحة وأنه لا واسطة بين ~~الوقتين، ويؤيد ما ذهبنا إليه ما روى عبدالله بن عمرو بن العاص عن رسول ~~الله أنه قال: ((إن للصلاة أولا وآخرا " وإن أول وقت الظهر حين زوال الشمس ~~وآخر وقتها حين يدخل العصر))(2) وفي هذا دلالة على بطلان الوسائط والفصول ~~التي ذكروها. # الفرع الثالث: هل يشترك الظهر والعصر في مقدار معلوم، والمغرب والعشاء أم ~~لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنهما يشتركان في مقدار أربع ركعات من حين يصير ظل كل شيء ~~مثله ثم يصير الوقت بعد ذلك متمحضا للعصر. وهذا هو رأي أئمة العترة ومن ~~وافقهم من أتباعهم، وهو محكي عن المزني من أصحاب الشافعي، وابن جرير ~~الطبري، وأبي ثور، وإسحاق بن راهويه. PageV02P414 # والحجة على ذلك: ما روى ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال: ((صلى ~~بي جبريل الظهر في المرة الأولى حين زالت الشمس " ثم صلى بي الظهر في اليوم ~~الثاني حين كان ظل كل شيء بقدر ظله وقت العصر بالأمس))(1). # فظاهر الحديث دال على أن وقتا واحدا مشتركا يجمعهما. # المذهب الثاني: أنه لا وقت يجمعهما وأن الشركة غير حاصلة، وهذا هو رأي ~~الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول ms0839 أنه قال: ((أول وقت الظهر حين تزول ~~الشمس " وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر))(2). # فظاهر هذا الحديث دال على بطلان الشركة بينهما. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من حصول الإشتراك بينهما ويدل على ذلك ~~ما روينا من حديث ابن عباس وجابر وأبي مسعود البدري، فإنها كلها دالة على ~~الإشتراك في مقدار أربع ركعات كما دلت عليه صلاته[مع جبريل] في اليوم الأول ~~والثاني. # الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه حجة. # قالوا: خبرنا دال على ألا شركة بينهما. # قلنا: ليس في الخبر إلا بيان أول وقت الظهر وآخره بدخول وقت العصر وليس ~~في ظاهره ما يدل على بطلان المشاركة وحديث ابن عباس دال عليها فلهذا كان ~~أحق بالدلالة لتصريحه بالمقصود. # الفرع الرابع: وأول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله غير الظل الذي يكون ~~له وقت الزوال، وآخر وقتها حين يصير ظل كل شيء مثليه، فصار العصر له أربعة ~~أوقات: وقت الفضيلة وهو مقدار أربع ركعات من أول الوقت، ووقت الإختيار إلى ~~مصير الظل مثليه، ووقت الجواز بعده إلى الإضطرار، ووقت الكراهة عند ~~الإصفرار. PageV02P415 # فالذي عليه أئمة العترة ومن وافقهم أن أول وقت العصر معتبر بالمثل وآخره ~~معتبر بالمثلين. وقد حكي عن الشافعي أن أول العصر لا يعتبر بالمثل بل لابد ~~من أدنا زيادة فيه ليكون أوله متحققا بالزيادة، وحكي عن أبي حنيفة أن أول ~~وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه ولم يقع بالمثل الواحد في أوله وآخره ~~إذا كانت الشمس مصفرة، وحكي عن أبي سعيد الأصطخري أنه إذا صار ظل كل شيء ~~مثليه فقد ذهب وقت العصر بالمثلين وكان ما بعده وقت القضاء. # والمختار: ما قاله أئمة العترة ومن تابعهم لما رويناه من حديث أبي هريرة ~~أن أول وقت الظهر حين تزول الشمس وآخره حين يدخل وقت العصر، فظاهر الخبر ~~دال على خروج وقت الظهر بدخول وقت العصر، وحديث ابن عباس دال على أن دخول ~~وقت العصر بالمثل من غير زيادة، يدل على أنه لا يدخل إلا بأدنا ms0840 زيادة، وما ~~قاله أبو حنيفة من اعتبار المثلين في دخول وقت العصر فهو محجوج بحديث ابن ~~عباس فإنه لم يعتبر في دخوله إلا المثل لا غير، وفي هذا دلالة على بطلان ~~اعتبار المثلين في دخوله. فأما الأصطخري فقد بطل كلامه من أن ما بعد ~~المثلين وقت للقضاء للعصر، بما روي عن الرسول من قوله: ((من أدرك ركعة من ~~العصر قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر " ))(1) فسماه مدركا بإدراك ركعة فكيف ~~يقال بأنه قاض لها والوقت متسع بعد المثلين. # والانتصار عليهم بما قررناه فأغنى عن الإعادة. PageV02P416 # الفرع الخامس: الأوقات ثلاثة: وقت يختص الظهر وهو الزوال إلى المثل ~~اختيارا، ووقت يختص العصر وهو من المثل إلى المثلين اختيارا، ووقت مشترك ~~بينهما اضطرارا وهو ما بعد المثلين إلى قبل غروب الشمس بما يتسع للعصر. ~~فإذا عرفت هذا فنقول: الظهر بعد المثل والعصر بعد المثلين هل يكونان قضاء ~~أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنهما أداء وهذا هو قول أئمة العترة، ومحكي عن مالك. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق ~~الليل}[الإسراء: 78] فظاهر الآية دال على جواز تأدية الفرضين وأنه وقت لهما ~~جميعا على جهة الإشتراك. # المذهب الثاني: أنه لا اشتراك بينهما في هذا الوقت وإنما يكونان قضاء، ~~وهذا هو المحكي عن الأصطخري من أصحاب الشافعي. PageV02P417 # والحجة لهم على هذا: ما روى أبو فزارة(1) عن الرسول أنه قال: ((ليس في ~~النوم تفريط " إنما التفريط في اليقظة وهو أن تؤخر صلاة إلى وقت صلاة ~~أخرى))(2) وظاهر الخبر دال على بطلان الإشتراك وأن الوقت الواحد لا يكون ~~وقتا لهما. # والمختار: ما عول عليه أصحابنا ومن وافقهم. # وحجتهم ما ذكرناه ونزيد هاهنا حديث جابر وابن عباس أنه صلى الظهر في ~~اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس فدل ذلك على أن الوقت ~~صالح لهما جميعا، وقوله : ((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد ~~أدركها " ))(3). وفي هذا دلالة على ما ذكرناه. # الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه. # قالوا: حديث أبي فزارة ms0841 يدل على بطلان الإشتراك. # قلنا: عنه جوابان: # أما أولا: فلأن خبرنا قوي تلقته الأمة بالقبول وكان معمولا عليه عند كافة ~~العلماء. PageV02P418 # وأما ثانيا: فلأن المراد تأخير الظهر إلى وقت يختص العصر وهو الإصفرار وهو ~~التفريط المحرم. # الفرع السادس: اعلم أن الترتيب على وجهين: # أحدهما: ترتيب في الوقت وهذا نحو تقديم وقت الظهر على وقت العصر ونحو ~~تقديم وقت المغرب على وقت العشاء. # وثانيهما: تقديم في الفعل وهذا نحو تقديم فعل الظهر على فعل العصر وتقديم ~~فعل المغرب على فعل العشاء. فإذا عرفت هذا فنقول: الترتيب في الصلاة ~~المؤداة يكون على أوجه ثلاثة: # أولها: المسافر إذا جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في أول الوقت ~~فإنه يجب فيها مراعاة الترتيب في تقديم الظهر على العصر والمغرب على العشاء ~~من جهة أن الوقت ليس صالحا للعصر ولا للعشاء وإنما هو وقت للظهر والمغرب ~~فلهذا وجب التقديم. # وثانيها: إذا أخر الظهر والعصر بعد تقضي المثلين، وأخر المغرب والعشاء ~~بعد انقضاء الشفق الأحمر فهل يجب الترتيب بينهما أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يسقط الترتيب بينهما لأن الوقت قد صار مستحقا لهما جميعا ~~بطريق الجواز. # وثانيهما: أنه يجب الترتيب بينهما كما لو كان في غير حال السفر. # وثالثها: أنه إذا أخر الظهر والعصر حتى لم يبق من الوقت إلا مقدار ثلاث ~~ركعات أو أربع فهل يسقط الترتيب بينهما ويكون مخيرا في الإتيان بأيهما شاء ~~أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه مخير في تأدية أيهما شاء، ويكون الترتيب ساقطا بينهما من جهة ~~أن الوقت صالح لهما جميعا. # وثانيهما: أن الوقت قد صار مستحقا للعصر لا غير، لقوله :((من أدرك ركعة ~~من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها " )) (1). # فلهذا خص الوقت بتأدية العصر لما ضاق الأمر فيه وعلى هذا لو أدى فيه ~~الظهر كان قاضيا لهما جميعا، ولو أدى فيه العصر كان قاضيا للظهر لا غير ~~فلهذا كان الوقت أحق بتأدية العصر على الخصوص. PageV02P419 # الفرع السابع: أول وقت المغرب هو غروب الشمس وآخره ذهاب الشفق الأحمر، ms0842 فصار ~~المغرب له ثلاثة أوقات، وقت الفضيله وهو مقدار ثلاث ركعات بعد غروب الشمس، ~~ووقت الإختيار وهو بعد الفضيلة إلى غروب الشفق الأحمر، ووقت الجواز وهو ما ~~بعد الشفق الأحمر إلى قبل طلوع الفجر بما يتسع لتأدية العشاء الآخرة. ولا ~~خلاف في تعليق أول وقتها بغروب الشمس لما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه ~~قال : ((وصلى بي المغرب حين غابت الشمس حين أفطر الصائم " )) وإنما الخلاف ~~في الأمارة التي يعرف بها غروب الشمس وفيها مذهبان: # المذهب الأول: أن علامة غروبها هو إقبال الظلام وانهزام الضوء وسقوطها من ~~الجبال العالية وهذا هو رأي زيد بن علي وأحمد بن عيسى وعبدالله بن موسى بن ~~جعفر " (1)، وأحد قولي الناصر، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ~~وأصحابه. PageV02P420 # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا أقبل الليل من هاهنا " ~~(وأشار إلى المشرق) وأدبر النهار من هاهنا (وأشار إلى المغرب) فقد أفطر ~~الصائم))(1) وأراد انقضاء صومه بدخول الليل سواء أكل أو لم يأكل ولم يذكر ~~رؤية الكوكب. # المذهب الثاني: أن علامة غروبها إنما يكون بظهور الكوكب، وعلامته أن يكون ~~صغيرا يتلألأ. وكواكب النهار هي الكواكب المضيئة التي ترى ضحوة ونهارا، ~~وهذا هو رأي القاسمية واختاره السيد المؤيد بالله. # والحجة على هذا: ما روى أبو بصرة الغفاري " (2) PageV02P421 عن رسول الله أنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه المغرب فقال: ((إن ~~هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها " فمن حافظ عليها منكم أوتي أجره ~~مرتين ولا صلاة حتى يطلع الشهاب)) وفي رواية أخرى: ((حتى يطلع الشاهد))(1). # الحجة الثانية: قوله تعالى: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا " ~~}[الأنعام:76] فجعل علامة دخول الليل هو رؤية الكوكب وما كان علامة للشيء ~~فلا يجوز تأخيره عنه. # والمختار: ما قاله الإمامان زيد بن علي والناصر ومن تابعهما. # والحجة لهم: ما أسلفناه ونزيد هاهنا حجتين: PageV02P422 # الحجة الأولى: روي عن رسول الله ، أنه صلى المغرب حين غابت الشمس بالحجب ~~وكنا نصلي معه على ذلك حتى فارق الدنيا(1). # الحجة ms0843 الثانية: روي عن الرسول أنه صلى المغرب حين أفطر الصائم وحين سقط ~~حاجب الشمس(2). . # فهذه الأخبار كلها ليس فيها شيء من مراعاة الكوكب. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن رسول الله أنه قال: ((لا تصلوا حتى يطلع الشاهد " )). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ظاهر ما قالوه متروك لأنه يفيد جواز الصلاة عند رؤية ~~الكواكب النهارية وهم لا يقولون به، فإن تأولوه وحملوه على رؤية الكواكب ~~الليلية تأولناه وحملناه على رؤية الكواكب بعد مغيب الشمس. # وأما ثانيا: فلأن رؤية الشاهد لا تكون إلا بعد غيبوبة الشمس فإذا غابت ~~ظهرت الكواكب، فلاجل هذا كان مغيب الشمس سابقا على رؤية الشاهد وهو ~~المطلوب. # قالوا: قوله تعالى: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا " }[الأنعام:76] فجعل ~~علامة دخول الليل رؤية الكوكب. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه أخبر بأن الليل قد جن عليه ثم رأى بعد ذلك كوكبا، فظاهره ~~دال على سبق اجتنان الليل على رؤية الكواكب، وفي ذلك حصول غرضنا. PageV02P423 # وأما ثانيا: فلأنه لا يجوز أن يحصل غروب الشمس وظهور الكواكب معا لأن الحكم ~~معلق بغروبها لا بظهور الكواكب كما أن الفجر إذا طلع فإن الحكم معلق به لا ~~بما يرى عنده من الكواكب. # وهذه الصلاة في لسان الشرع تسمى المغرب، ويكره تسميتها بالعشاء لما روى ~~البخاري في صحيحه عن الرسول أنه قال: ((لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ~~إنها المغرب " ))(1) والعرب يسمونها العشاء. # الفرع الثامن: إذا تقرر أن أول وقت المغرب هو ذهاب كوكب الشمس كما قررناه ~~فهل يمتد ويكون له آخر أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه ليس لها إلا وقت واحد، فإذا غابت الشمس وأخذ المصلي في ~~الأهبة بالتطهر وستر العورة وأذن وأقام ودخل في الصلاة فهو مؤد للمغرب، وإن ~~تراخا عما ذكرناه أثم وكان قاضيا لها. وهذا هو أحد قولي الشافعي، ومحكي عن ~~الأوزاعي، وحكي عنه قول آخر، أن آخرها ذهاب الشفق الأحمر، وأنكره أبو حامد ~~من أصحابه، وقال إن هذا لا يعرف ms0844 قولا للشافعي، وقال: إن عبارة أصحابنا أن ~~للمغرب وقتا واحدا ولسائر الصلوات وقتين خطأ بل الصلوات كلها لها وقت واحد، ~~وإنما سائر الصلوات أوقاتها ممتدة وتطول بخلاف وقت المغرب فإنه قصير غير ممتد. PageV02P424 # والحجة على هذا: ما في حديث ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول قال: ((صلى بي ~~جبريل المغرب في المرة الثانية لوقتها الأول " )) من غير مخالفة وفي هذا ~~دلالة على أنه ليس لها إلا وقت واحد. # المذهب الثاني: أن آخر وقتها هو سقوط الشفق الأحمر، وهذا هو رأي الإمامين ~~القاسم والهادي، ومحكي عن داؤد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور. # والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إن للصلاة أولا ~~وآخرا " وإن أول المغرب حين تغيب الشمس وآخره حين يغيب الشفق))(1). # الحجة الثانية: ما روى عبدالله بن عمر عن الرسول أنه قال: ((إن وقت الظهر ~~ما لم يحضر العصر " ، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط ~~الشفق))(2). # الحجة الثالثة: ما في حديث جابر عن رسول الله أنه قال: ((صلى بي جبريل في ~~الليلة الثانية قبل غيبوبة الشفق " )) فهذه الأخبار كلها دالة على أن آخر ~~المغرب هو ذهاب الشفق الأحمر. # المذهب الثالث: أن وقتها ممتد إلى طلوع الفجر وهو أحد قولي الناصر، ومحكي ~~عن أبي حنيفة، ومالك. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه سئل فقيل يا رسول الله هل في الليل ~~ساعة ينهى عن الصلاة فيها؟ فقال: ((صلاة الليل مقبولة مشهودة " ))(3) ولا ~~شك أن صلاة المغرب من صلاة الليل فيجب أن تكون مقبولة. # والمختار: ما قررناه أولا من أن لها ثلاثة أوقات، الفضيله وهو مقدار ثلاث ~~ركعات ونافلتها بعد غروب الشمس، ووقت الإختيار وهو إلى ذهاب الشفق الأحمر، ~~ووقت الجواز وهو من ذهاب الشفق إلى طلوع الفجر. PageV02P425 # والحجة على هذا هو أن الأخبار كلها متفقة على الدلالة على تأديتها في هذه ~~الأوقات ومشيرة إليها، فتارة تدل على الفضيلة وهو تأديتها عند غروب الشمس ~~ومرة تدل على ms0845 تأديتها قبل غروب الشفق الأحمر، وأخرى تدل على جواز تأديتها ~~قبل طلوع الفجر، فلأجل هذا قضينا بأن لها هذه الأوقات الثلاثة. # الانتصار: اعلم أنه لا وجه لإبطال شيء من هذه المذاهب بل نقول بها أجمع ~~ونحمل كل خبر من هذه الأخبار على موافقة أوقاتها التي أشرنا إليها، والله أعلم. # الفرع التاسع: وإذا دخل المصلي في وقت صلاة المغرب فكم القدر الذي يجوز ~~له استدامتها. فيه احتمالات ثلاثة: # الاحتمال الأول: أنه يجوز استدامتها إلى غيبوبة الشفق لما روي عن الرسول ~~من قراءة سورة الأعراف في صلاة المغرب(1). وهو لا يفرغ منها إلا بعد غيبوبة الشفق. # الاحتمال الثاني: أنه يجوز له أن يستديمها قدر ثلاث ركعات لا طويلة ولا ~~قصيرة لأن الرسول صلاها ثلاث ركعات على الحد المعتاد من غير تكثير في ~~قرائتها. # الاحتمال الثالث: أن يستديمها بمقدار أول الوقت من سائر الصلوات وذلك ما ~~لا يبلغ مقدار نصف وقتها كما في غيرها من سائر الصلوات. PageV02P426 # والمختار: أن الأمر في ذلك إلى المصلي فتارة يطول القراءة، وتارة يقصرها، ~~ومرة يتوسط في القراءة، وكأن يقرأ في المغرب بسورة[من] المفصل(1) # وهي مختلفة في الطول والقصر، وفي هذا دلالة على أن استدامة القراءة فيها ~~غير مقدرة. ويكره تأخير المغرب حتى تشتبك النجوم لما روي عن الرسول أنه ~~قال: ((لن تزال أمتي بخير مالم تؤخر صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم " ))(2)، ~~ويستحب تعجيلها لما روي عن الرسول أنه قال: ((بادروا صلاة المغرب قبل طلوع ~~النجم " ))(3). PageV02P427 # الفرع العاشر: وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق لا خلاف فيه بين أئمة العترة ~~وفقهاء الأمة لما روى ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((صلى بي ~~جبريل العشاء حين غاب الشفق " )). وروى أبو هريرة أن الرسول قال: ((أول وقت ~~العشاء إذا غاب الشفق " ))(1). # وهل يكون الشفق الحمرة أو البياض؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه الحمرة وهذا هو قول ابن عمر، وابن عباس وأبي هريرة ~~وعبادة بن الصامت من الصحابة، ومن أئمة العترة: زيد بن علي والهادي والقاسم ~~والناصر والأخوان ms0846 المؤيد بالله وأبو طالب، ومن الفقهاء: مالك والشافعي، ~~وابن أبي ليلى، والثوري وأبو يوسف، ومحمد. # والحجة على هذا: ما روى جابر أن رجلا سأل الرسول عن مواقيت الصلاة فقال ~~له: ((لو صليت معنا " ))(2) # ثم ساق الحديث، ثم إنه صلى المغرب معلما له حتى غابت الشمس، وصلى العشاء ~~قبل غيبوبة الشفق، ولا يجوز أن يريد به الأحمر(3) # لأن ذلك ليس وقتا بالإجماع فثبت أنه أراد الأبيض. PageV02P428 # الحجة الثانية: روى النعمان بن بشير أن النبي كان يصلي العشاء لسقوط القمر ~~لثالثة الشهر(1). # وهذا إنما يكون قبل غيبوبة الشفق الأبيض. # وحكي عن أحمد بن حنبل أنه إن كان في الصحاري فحين يغيب الأحمر وإن كان في ~~البنيان فحين يغيب الأبيض. # المذهب الثاني: أنه البياض وهذا هو المحكي عن الباقر، وهو قول أبي حنيفة ~~والأوزاعي، والمزني من أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق ~~الليل}[الإسراء:78]. والدلوك عبارة عن الزوال والغروب، فاقتضى ظاهر الآية ~~أن له أن يصلى المغرب والعشاء إلى غسق الليل وهو اجتماع الظلمة، واجتماعها ~~لا يكون إلا بعد سقوط البياض. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة والأكثر من الفقهاء، وهو أن المراد ~~بالشفق الحمرة. # والحجة: ما حكيناه عنهم، ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: ما روى ابن عمر عن رسول الله أنه قال: ((الشفق الحمرة " ، ~~فإذا غابت وجبت الصلاة))(2). # وهذا نص صريح فيما قلناه. PageV02P429 # الحجة الثانية: ما روي عن أئمة اللغة أن الشفق هو الحمرة، قال الخليل في ~~كتاب العين: الشفق هو الحمرة التي هي من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، ~~وعن الفراء أنه قال: سمعت بعض العرب تقول: عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق، من ~~أجل حمرته، قال الشاعر: # كالشمس غابت في حمرة الشفق # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم. # قالوا: الآية دالة على جواز الصلاة في غسق الليل وهو اجتماع الظلمة وهذا ~~إنما يكون بعد سقوط البياض. # قلنا: قد تحصل الظلمة من غير سقوط البياض لأن بقاء البياض لا يمنع من ~~اجتماع الظلمة والبياض ms0847 كما أن ضوء الكواكب لا يمنع من اجتماعها. فأما ما ~~حكي عن أحمد بن حنبل من الفرق بين البنيان والصحاري فهو تحكم لا مستند له، ~~وقد قررنا من قبل أن المراد هو الشفق الأحمر سواء كان في عمران أو صحارى. # الفرع الحادي عشر: وآخر وقت العشاء فيه مذهبان: # المذهب الأول: آخر وقتها هو ذهاب ثلث الليل وهذا هو رأي الهادي والقاسم ~~والشافعي، ومحكي عن عمر بن الخطاب، وأبي هريرة، وعمر بن عبدالعزيز. # والحجة على هذا: ما في حديث ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول قال: ((ثم ~~صلى بي العشاء الآخرة في الليلة الثانية حين ذهب ثلث الليل " )). # المذهب الثاني: أن آخره هو ذهاب نصف الليل وهذا هو قول الشافعي في القديم ~~و(الإملاء). # والحجة على هذا: ما روى عبدالله بن عمرو بن العاص عن الرسول أنه قال: ~~((وقت العشاء ما بينك وبين نصف الليل " )) (1). # والمختار: أن لها ثلاثة أوقات، وقت الفضيلة وهو بعد الشفق الأحمر بمقدار ~~أربع ركعات مع نافلتها، ووقت الإختيار وهو ما بعد ذلك إلى ثلث الليل، ووقت ~~الجواز وهو ما بعد ثلث الليل إلى طلوع الفجر. PageV02P430 # وإذا قلنا: بأن وقتها للإختيار إلى ثلث الليل فهل تكون بعده قضاء أو أداء؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها تكون أداء بعد النصف والثلث إلى طلوع الفجر وهذا هو ~~رأي أئمة العترة وأحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى أبو سعيد الخدري قال: أعتم رسول الله ذات ليلة ~~حين ابهار الليل(1). # أي: تهور وذهب، وعن بعض الصحابة أنه قال: إنتظرنا رسول الله ذات ليلة حتى ~~خشينا أن يفوتنا الفلاح(2). # وأراد بالفلاح: السحور. ويكره أن تسمى صلاة العشاء العتمه لما روى ابن ~~عمر رضي الله عنه أن النبي قال: ((لا تغلبنكم الأعراب على صلاتكم هي العشاء ~~" )) لأنهم كان يعتمون بالإبل أي يؤخرون حلب الإبل إلى أن يعتم الليل ~~ويسمون الحلبة العتمة. PageV02P431 # ويكره النوم قبلها والحديث بعدها لما روي عن النبي أنه نهى عن النوم قبلها ~~والحديث بعدها(1). # المذهب الثاني: أنه يكون ms0848 قضاء بعد انقضاء ثلث الليل أو نصفه وهذا هو ~~المحكي عن الشافعي، قال: وإذا ذهب ثلث الليل فلا أراها إلا فائتة. # والحجة على هذا: هو أنا قد قررنا أن وقتها للإختيار هو النصف والثلث، ~~فإذا ذهبا فقد فات وقتها فلا جرم كانت قضاء بعد الوقت الذي ذكرناه. # والمختار: ما ذكرناه من كونه أداء إلى طلوع الفجر لأنا قد أوضحنا أن وقت ~~الجواز إلى طلوع الفجر فإذا كانت مؤداة في وقت هي جائزة تأديتها فيه فلا ~~وجه لكونها قضاء. وما قاله الشافعي من كونها قضاء بعد مضي الثلث والنصف فلا ~~وجه له لأن وقت أدائها آخره طلوع الفجر فبطل القضاء. # الفرع الثاني عشر: وأول وقت الصبح فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه بطلوع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق المنتشر عرضا ~~وسمي صادقا لأنه صدقك بمعرفة الفجر، وأما الفجر الأول المستدق المتنفس ~~صعداء كذنب السرحان وهو الذئب، ويقال له: الفجر الكاذب لأنه يضيء ثم يسود ~~بعد ذلك، ويقال له الخيط الأسود، ولا يتعلق به شيء من الأحكام. وهذا هو رأي ~~أئمة العترة، ومحكي عن الفريقين الحنفية والشافعية. PageV02P432 # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((الفجر فجران فأما الذي هو ~~كذنب السرحان فلا يحل الصلاة " ولا يحرم الطعام والشراب على الصائم، وأما ~~المستطير في الأفق فإنه يحرم الطعام والشراب على الصائم ويحل الصلاة))(1). # المذهب الثاني: أن أول وقت الفجر هو إذا كانت النجوم مشتبكة، وهذا هو ~~المحكي عن مالك، وهذا الخلاف ليس ورآءه كثير فائدة لأنه إن أراد بالإشتباك ~~للنجوم قبل طلوع الفجر فهو باطل لا وجه له، وإن إراد بالإشتباك بعد طلوع ~~الفجر فلا معنى لإشتباكها بعد طلوعه، فإذن لا وجه على الإعتماد على ما ذكره ~~من الإشتباك. # والمختار: ما عليه أئمة العترة وعلماء الأمة، ويدل على ذلك ما روى سمرة ~~بن جندب عن رسول الله أنه قال: ((لا يمنعنكم)) وفي حديث آخر: ((لا يهيدنكم ~~أذان بلال عن السحور " ولكن الفجر المستطير في الأفق))(2). وكلام مالك فقد ~~بطل بما أوردناه. # الفرع ms0849 الثالث عشر: وآخر وقت الفجر هو أن يبقى قدر ركعة قبل طلوع الشمس ~~للإختيار عند أئمة العترة. PageV02P433 # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((من أدرك ركعة من الفجر " قبل ~~أن تطلع الشمس فقد أدركها)) (1). وعند الشافعي إلى الإسفار لما روى ابن ~~عباس رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((صلى بي جبريل الفجر في اليوم الأول ~~حين طلع الفجر " وصلى بي في اليوم الثاني حين أسفر، وقال فيما بين هذين ~~الوقتين وقت)). ثم يذهب عنده وقت الإختيار ويبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس. # وجملة الأمر أن لصلاة الفجر ثلاثة أوقات: وقت الفضيلة وهو مقدار الفريضة ~~ونافلتها، ووقت الإختيار وهو ما بعد ذلك، ووقت الجواز وهو قبل طلوع الشمس بركعة. # واعلم أن الغوارب ثلاثة: كوكب الشمس، ثم حمرتها وهو الشفق الأحمر، ثم ~~البياض. # والطوالع ثلاثة: الفجر الأول وهو ذنب السرحان، والفجر الثاني وهو الصادق، ~~ثم كوكب الشمس. # ثم إذا أسفر الفجر فهل تكون الصلاة بعده قضاء أو أداء؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها أداء وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر الفقهاء. # والحجة على هذا: ما روي عن رسول الله أنه قال: ((من أدرك ركعة من الفجر ~~قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها " )) فكيف إذا كان مدركا لها على الكمال. # المذهب الثاني: أنه يكون قاضيا لها بعد الإسفار وهو رأي الأصطخري من ~~أصحاب الشافعي. # وحجته على هذا: هو أن وقت الأداء إنما هو الإسفار فما بعده يكون قضاء كما ~~لو كان الأداء بعد طلوع الشمس، وهذا لا وجه له فإن وقت الإجزاء باق فلا وجه ~~بعده في القضاء بعد بقائه. # ويكره أن تسمى صلاة الصبح صلاة الغداة لأن الرسول سماها صلاة الصبح في ~~قوله: ((وصلى بي جبريل صلاة الصبح)) وسماها الله تعالى صلاة الفجر في قوله: ~~{وقرآن الفجر}. # الفرع الرابع عشر: ذهب أئمة العترة وفقهاء الأمة إلى أن صلاة الصبح من ~~صلاة النهار، وزعم قوم لا عبرة بأقوالهم، أن من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ~~ليس من الليل ولا ms0850 من النهار. PageV02P434 # والحجة على ما قلناه قوله تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار " }[هود:114] ~~وقد قال أهل التفسير: أراد به الصبح والعصر، وفي هذا دلالة على أنها من ~~صلاة النهار، ويدل على بطلان قول من قال: إن من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ~~ليس من الليل ولا من النهار، قوله تعالى: {يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل " }[الحج:61] فلم يثبت واسطة بين الليل والنهار. # ومن أين يكون حد الليل؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن حد الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وهذا هو رأي ~~أئمة العترة وأكثر فقهاء الأمة، وعلى هذا تكون صلاة الصبح من صلاة النهار ~~ويحرم الطعام والشراب على الصائم بطلوع الفجر. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود من الفجر " }[البقرة: 187]. وأراد بالخيط الأبيض بياض ~~الفجر، وبالخيط الأسود سواد الليل. # المذهب الثاني: أن حد الليل من غروب الشمس إلى طلوعها، وهذا هو المحكي عن ~~حذيفة(1) PageV02P435 والأعمش " (1)، # وعلى هذا تكون صلاة الصبح من صلاة الليل ولا يحرم الطعام والشراب على ~~الصائم إلا بطلوع الشمس. # والحجة على هذا: ما رووا عن الرسول أنه قال: ((صلاة النهار عجماء " ))(2) # ولا شك أن صلاة الصبح مما يجهر فدل ذلك على أنها من صلاة الليل. # والمختار: ما قاله علماء العترة وفقهاء الأمة. # والحجة على ذلك: أن الإجماع منعقد على تحريم الطعام والشراب على الصائم ~~بطلوع الفجر وخلافهم هذا مسبوق بالإجماع على خلافه. # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم. # قالوا: صلاة النهار عجماء. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أن هذا من كلام الرسول فعلى ناقله التصحيح. # وأما ثانيا: فلو سلمنا أنه من كلام الرسول فالمراد معظم صلاة النهار عجما ~~ولهذا فإن الجمعة والعيدين من صلاة النهار وهو يجهر بها فبطل ما قالوه. PageV02P436 # الفرع الخامس عشر: وإن كان في السماء غيم راعى المصلي ظهور الشمس من فرج ~~السحاب فإن ظهرت عمل على ما يدله على الوقت منها، وإن استدام الغيم استدل ms0851 ~~على الوقت بما كان يعتاده من قراءة أو درس أو تدريس أو عمل مباح، فإذا غلب ~~على ظنه دخول الوقت عمل عليه بتلك الأمارة. وإنما جاز له أن يصلي بغلبة ~~الظن لأن السماء لو كانت مصحية وغلب على ظنه دخول الوقت من غير أن يراعي ~~أحوال الشمس جاز له أن يصلي، فبأن يجوز أن يصلي في يوم الغيم أحق وأولى، ~~ولأن غلبات الظنون معتمد عليها في أكثر العبادات والعادات والمعاملات فإذا ~~صلى بالاجتهاد وبان له أنه صلى في الوقت أو بعده أجزأه، وإن بان له أنه صلى ~~قبل الوقت لم يجزه كالحاكم إذا حكم باجتهاده ثم وجد النص بخلافه. # الفرع السادس عشر: وأما الأعمى والمحبوس في ظلمة إذا اخبرهما غيرهما عن ~~الوقت نظرت فإن كان أخبرهما عن مشاهدة وكان مصدقا في قوله لزمهما قبول قوله ~~كما يلزم المجتهد قبول الخبر عن الرسول والعمل عليه، وإذا أخبرهما عن ~~اجتهاد نظرت فإن كان لهما طريق إلى الاجتهاد في إدراك الوقت بورد من ~~الأوراد من قراءة أو درس أو تدريس أو عمل مباح لم يجز لهما العمل بقول من ~~يجتهد لهما كما لا يجوز للحاكم أن يحكم باجتهاد غيره، وإن لم يكن لهما طريق ~~إلى الاجتهاد في الوقت، فهل يجوز لهما تقليد من يجتهد لهما أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: جواز ذلك؛ لأن في أمارات الوقت وعلاماته ما يدرك بالنظر فيعمل ~~على نظره وفيها ما يدرك بالعمل في حصول غالب الظن فإذا تعذر عليه الأمران ~~لم يبق إلا الرجوع إلى إجتهاد غيره فيعمل عليه. فإن صلى الأعمى والمحبوس في ~~ظلمة أو البصير من غير إعمال في تحصيل غلبة الظن فوافقوا الوقت أعادوا ~~الصلاة لأنهم صلوا من غير خبر ولا غلبة ظن. PageV02P437 # والمؤذن إذا أذن للصلاة جاز الرجوع إلى قوله للبصير والأعمى إذا كان ثقة ~~عارفا بالأوقات في حال الصحو؛ لأن لا يؤذن في الصحو إلا بعد العلم بدخول ~~الوقت من طريق المشاهدة فيكون ذلك خبرا ويعمل على خبره، وإن كان غيما جاز ~~للأعمى ms0852 تقليده إذا كان لا يغلب على ظنه دخول الوقت لأن ظن نفسه أولى من ظن ~~غيره، ولا يجوز للبصير لأنه يحتمل أن يكون تأذينه بالاجتهاد، والبصير من ~~أهل الاجتهاد، وإذا كان المؤذن منجما عارفا بسير الفلك ومجاري الشمس والقمر ~~في منازلهما، فهل يقبل قوله في الوقت أو في شهر رمضان بانفصال القمر عن ~~الشمس أولا يقبل منه؟ # والمختار: أنه إذا غلب على ظنه دخول الوقت بمعرفة في سيرهما وإدراك في ~~إنفصال القمر جاز له العمل بغالب ظنه لنفسه فأما لغيره فلا يجوز له العمل ~~عليه لأن ذلك ليس أمارة شرعية فلا يلتفت إليه بحال. # الفرع السابع عشر: ويجب المحافظة على الصلوات في أوقاتها، وإتمام ركوعها ~~وسجودها وخشوعها لقوله تعالى:{حافظوا على الصلوات " }[البقرة:238] ولم يفصل ~~في ذلك، فدل على المحافظة عليها في كل أحوالها {والصلاة الوسطى} فقد خصها ~~بالذكر من بينهن لفضلها. واحتلف في تعيينها على مذاهب خمسة: # المذهب الأول: أنها الظهر، وهذا هو المحكي عن علي في رواية، وهو رأي ~~الإمامين القاسم والهادي وأبي طالب وأبي العباس، وهو قول عائشة وزيد بن ~~ثابت وأسامه بن زيد. # والحجة على هذا: هو أن صلاة الليل صلاتان من غير واسطة، وصلاة النهار ~~ثلاث صلوات وواسطهن الظهر فيجب أن تكون هي الوسطى. # الحجة الثانية: هو أنها تصلى وسط النهار وليس شيء من الصلوات تصلى وسط ~~النهار إلا هذه، فيجب أن تكون هي الوسطى. # المذهب الثاني: أنها هي العصر وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن أبي ~~حنيفة، ورواية ثانية عن علي ، وهو مروي عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ~~وأبي أيوب. PageV02P438 # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه شغل في قتال أهل الشرك عن صلاة ~~العصر، فقال : ((شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله قبورهم نارا " ))(1) ومن ~~وجه آخر وهو أنها متوسطة بين صلاة الليل وصلاة النهار فصلاة النهار الفجر ~~والظهر وصلاة الليل المغرب والعشاء. # المذهب الثالث: أنها هي الصبح وهذا قول الشافعي ورواه مالك عن علي ، وهو ~~محكي عن ابن عباس وابن عمر ms0853 وجابر. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا ~~لله قانتين " }[البقرة: 238]. قال الشافعي فقوله: {وقوموا لله قانتين}. ~~دلالة على أنها هي الفجر لأن في سياق الآية ذكر القنوت وليس القنوت مشروعا ~~من الصلاة إلا في صلاة الفجر. # الحجة الثانية: روي عن أبي يونس(2) PageV02P439 مولى لعائشة، قال: أمرتني عائشة أن أكتب مصحفا لها وقالت إذا بلغت هذه ~~الآية فآذني فلما بلغتها أذنتها فأملت علي: {حافظوا على الصلوات وصلاة ~~العصر والصلاة الوسطى}(1) # ثم قالت: سمعتها من رسول الله . ولأن صلاة الفجر يدخل وقتها والناس في ~~أطيب نوم فخصت بالذكر كي لا يتغافل الناس عنها. # المذهب الرابع: يحكى عن قبيصة بن ذؤيب " (2) # أنها هي المغرب. PageV02P440 # والحجة على هذا: هو أن صلاة المغرب من أضيق الصلوات وقتا ولهذا فإن جبريل ~~صلاها في اليوم الثاني في الوقت الذي صلاها [فيه] في اليوم الأول، وما ذاك ~~إلا من أجل ضيق وقتها فلأجل ذلك كانت المواضبة عليها أحق من غيرها من ~~الصلوات، وسميت وسطى لفضلها من جهة أن وسط الشيء خياره وأفضله، قال الله ~~تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس " }[البقرة:143]. # المذهب الخامس: أنها هي العشاء الآخرة وهذا شيء يحكى عن الإمامية. # والحجة لهم على ذلك: هو أن العشاء صارت متوسطة بين صلاة الليل وهي المغرب ~~وبين صلاة النهار وهي الفجر فلهذا كانت وسطى مع ما فيها من الصعوبة ومكابدة ~~النوم ومشقة أدائها. فهذه مذاهب العلماء في الصلاة الوسطى وهو خلاف غريب ~~ولم أعرف قائلا به إلا إياهم ولا أعرف لهم دليلا شرعيا على ما زعموه، وأغرب ~~من خلافهم هذا قولهم إن الشمس إذا زالت دخل وقت الظهر والعصر جميعا. وهو ~~وإن كان له وجه في النظر من جهة الخطاب لكن لا قائل به. # والمختار: أنها صلاة العصر كما قاله المؤيد بالله وأبو حنيفة، لما ورد من ~~الترغيب في فعلها والوعيدات الشديدة على تركها، كقوله : ((من ترك صلاة ~~العصر فكأنما وتر أهله " وماله))(1). وقيل: إنها هي الصلاة التي شغل عنها ms0854 ~~سليمان حتى توارت بالحجاب، ولما روي عن حفصه أنها قالت لمن كتب لها المصحف: ~~إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت من رسول الله ~~يقرؤها، فأملت عليه: {والصلاة الوسطى صلاة العصر}(2) فهذه الأدلة ظاهرة ~~فيها كما ترى. PageV02P441 # الفرع الثامن عشر: والأفضل تأدية الصلوات على أوقاتها لما روي عن الرسول ~~أنه قال: ((أفضل الأعمال الصلاة لوقتها " )) (1) وفي حديث آخر ((صلوا ~~الصلاة لوقتها فإن تأخيرها عن وقتها كفر " )). ونحن نذكرها واحدة واحدة ~~ونذكر ما تحتمله كل واحدة من التقديم والتأخير ونرسم في كل صلاة من الصلوات ~~المكتوبة مسألة. # المسألة الأولى: في صلاة الفجر، والأفضل أن تصلى الصبح في أول وقتها إذا ~~تحقق طلوع الفجر، وهل الأفضل الإسفار أو التغليس؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الأفضل هو التغليس وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية ~~والناصريه، وهو محكي عن عمر وعثمان وابن الزبير وأنس بن مالك وأبي موسى ~~الأشعري وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة، ومن الفقهاء: مالك والشافعي وأحمد ~~بن حنبل وإسحق بن راهويه. # والحجة: قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات " }[البقرة: 238] ومن المحافظة ~~عليها تأديتها في أول وقتها. # الحجة الثانية: ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان نساء من ~~المؤمنات ينصرفن من صلاة الصبح مع رسول الله متلفعات بمروطهن لا يعرفن من ~~الغلس(2) وهذا إخبار عن المداومة. PageV02P442 # المذهب الثاني: أن الأفضل هو الإسفار، وهذا محكي عن ابن مسعود وهو رأي أبي ~~حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((صلى بي جبريل حين أسفر ~~الفجر " ))(1). # والمختار: ما عول عليه أكابر الصحابة وأئمة العترة من أن الأفضل فيها ~~التغليس لما روى أبو مسعود البدري قال: صلى بنا رسول الله صلاة الصبح مرة ~~بغلس ثم صلاها بعدما أسفر ثم لم يزل يصليها بغلس إلى أن مات ولم يعد إلى ~~الإسفار(2). # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: صلى جبريل برسول الله حين أسفر الفجر. # قلنا: إن جبريل صلى به في اليوم الثاني حين إسفار الفجر بيانا لآخر وقتها ms0855 ~~وكلامنا هاهنا إنما هو في الأفضل وليس كلامنا في الجواز. # المسألة الثانية: في صلاة الظهر وفيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أن الأفضل هو تعجيلها على الإطلاق وهذا هو رأي أئمة ~~العترة. # والحجة: ما روي عن الرسول أنه قال: ((أفضل الأعمال عند الله الصلاة ~~لوقتها " )). # المذهب الثاني: أن [الأفضل] تأخيرها حتى يصير الظل قدر ذراع بعد الزوال ~~لانتظار الجماعة، وهذا هو قول مالك. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((أبردوا عن الصلاة فإن شدة ~~الحر من فيح جهنم " )) (3) فإذا جاز تأخيرها لأجل الإبراد جاز تأخيرها ~~لانتظار الجماعة ولغير ذلك من الأغراض، فلا جرم كان التأخير في كل الأوقات ~~إلى قدر الذراع لأن فيه وفاء بأغراض دينية في الصلاة. # المذهب الثالث: أن تعجيلها في الشتاء أفضل، وتأخيرها في الصيف أفضل، من ~~غير مراعاة الإبراد. وهذا هو رأي أبي حنيفة. PageV02P443 # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((اشتكت النار إلى الله تعالى ~~فقالت " : يارب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في ~~الصيف))(1). فالتعجيل في الشتاء لينكسر البرد، والتأخير في الصيف لقتر الحر. # والمختار: تفصيل نشير إليه، وهو أن تعجيلها في غير وقت الحر هو الأفضل ~~لقوله : ((أفضل الأعمال الصلاة لوقتها " ))، فإن كان وقت الحر فتأخيرها ~~أفضل باعتبار أربع شرائط: # الأولى: أن تكون الصلاة تؤدى في جماعة في مسجد الجماعات. # الثانية: أن يكون ذلك من شدة الحر. # الثالثة: أن يكون فعلها في البلاد الحارة. # الرابعة: أن يقصد الناس المسجد للصلاة من الأمكنة البعيدة. # والحجة على ما قلناه: ما روي عن النبي أنه قال: ((إذا اشتد الحر فأبردوا ~~عن الصلاة " ))(2). وهكذا حال الجمعة يبرد عنها كما يبرد عن الظهر باعتبار ~~تلك الشرائط الأربع، وهل يكون التأخير للإبراد رخصة أو سنة؟ فيه تردد. # والمختار: أنه سنة لأن شدة الحر تذهب بالخشوع وتشوش الخواطر وتشغل عن ~~الإقبال إلى الصلاة. # المسألة الثالثة: صلاة العصر. وفيها مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن تعجيلها هو الأفضل. وهذا هو رأي الهادي والقاسم، ومحكي ms0856 ~~عن الشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق. PageV02P444 # والحجة عليه، ما روى أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله يقول في حق من أخر ~~صلاة العصر: ((تلك صلاة المنافق " يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني ~~الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا))(1). # المذهب الثاني: تأخيرها يسيرا، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن مالك. # والحجة على ذلك: ما روت أم سلمة قالت: ((كان رسول الله أشد تعجيلا للظهر ~~منكم " وأنتم أشد تعجيلا للعصر منه))(2). فظاهر هذا الحديث دال على أنه كان ~~يؤخرها قليلا. # المذهب الثالث: أن الأفضل هو تأخيرها إلى آخر الوقت، وهذا هو قول أبي حنيفة. # والحجة عليه: ما روى رافع بن خديج عن رسول الله أنه كان يؤخر العصر، وهذا ~~الحديث استضعفه الترمذي من أهل الحديث. PageV02P445 # والمختار: ما قاله الإمامان الهادي والقاسم: أن الأفضل هو تعجيلها لما روى ~~أنس بن مالك، قال: ((كان رسول الله يصلي العصر والشمس بيضاء نقية " ثم يذهب ~~أحدنا إلى العوالي فيأتيها والشمس مرتفعة بيضاء))(1) وبين المدينة والعوالي ~~ستة أميال قاله الترمذي. وقيل: أربعة أميال قاله البخاري، وروت عائشة رضي ~~الله عنها أن رسول الله ((صلى العصر والشمس في حجرتها " لم يظهر الفيئ من ~~حجرتها))(2). # المسألة الرابعة: صلاة المغرب وفيها مذهبان: # المذهب الأول: أن تعجيلها لوقتها [أفضل] وهذا هو رأي أئمة العترة وفقهاء ~~الأمة لا يختلفون في ذلك. # والحجة على ذلك: ما روى جابر قال: ((كنا نصلي مع رسول الله صلاة المغرب ~~فنتناضل " حتى نبلغ دور بني سلمة وننظر مواضع النبل من الإسفار))(3) ~~والمناضلة هي الرشق بالسهام. # المذهب الثاني: محكي عن الروافض، وهو أن الأفضل تأخيرها حتى تشتبك ~~النجوم، وهؤلاء فرقة من أصحاب زيد بن علي راودوه على التبرء من الشيخين رضي ~~الله عنهما وعداوتهما فأبا عن ذلك فرفضوه لما لم يوافقهم على [ذلك]، فلهذا ~~سموا روافض، وهم قوم بدعية لا يلتفت إلى أقوالهم ولا أعلم لهم وجها فيما ~~ذهبوا إليه من كتاب ولا سنة. # والمختار: ما عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة ms0857 من أن الأفضل تعجيلها. PageV02P446 # والحجة على ذلك: ما روى أنس بن مالك عن رسول الله أنه قال: ((لن تزال أمتي ~~بخير مالم يؤخروا صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم " ))(1) وفي حديث آخر: ((لن ~~تزال أمتي على الفطرة مالم تؤخر صلاة المغرب " )) وفي حديث آخر: ((بادروا ~~صلاة المغرب قبل طلوع النجم " )) (2). # وعن عمر رضي الله عنه: صلوا هذه الصلاة، يعني المغرب، والفجاج مسفرة، ~~يعني مضيئة(3). # المسألة الخامسة: صلاة العشاء الآخرة وفيها مذهبان: # المذهب الأول: أن تعجليها هو الأفضل، وهذا هو قول الهادي والقاسم ~~والشافعي في القديم. # والحجة على هذا: ما روي [عن] النعمان بن بشير أنه قال: أنا أعلمكم بوقت ~~هذه الصلاة صلاة العشاء الآخرة كان رسول الله يصليها لسقوط القمر لثلاث، ~~وهذا إخبار عن دوام فعله لذلك. # المذهب الثاني: أن تأخيرها هو الأفضل، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي ~~عن أبي حنيفة وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم كابن عمر وابن عباس وأبي ~~هريرة وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبدالله. # والحجة على ذلك: قوله : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير هذه ~~الصلاة إلى ثلث الليل " ))(4). # والمختار: هو تأخير وقتها. PageV02P447 # والحجة على ذلك: ما روى أنس بن مالك أن رسول الله أخر صلاة العشاء إلى نصف ~~الليل ثم صلى ثم قال: ((قد صلى الناس وناموا إنكم في صلاة ما انتظرتموها " ))(1). # الفرع التاسع عشر: أنه يجوز تأخير الصلاة عن أول وقتها مهما كان وقت ~~الإختيار باقيا؛ لأن جبريل صلى بالرسول صلى الله عليهما الصلوات في المرة ~~الأولى في أول وقتها، وصلى به في المرة الثانية في آخر وقتها، وفي هذا ~~دلالة على جواز التأخير. وروي عن الرسول أنه قال: ((أول الوقت رضوان الله ~~وأوسطه رحمة الله وآخره عفو الله "))(2) # والرضوان إنما يكون للمحسنين والرحمة تكون للمجتهدين والعفو يكون ~~للمقصرين. وله تأويلان: # التأويل الأول: أنه أراد أنه مقصر بالإضافة إلى من صلى في أول الوقت وإن ~~لم يكن مقصرا في نفسه، كما أن من تنفل بعشر ركعات فهو مقصر بالإضافة إلى من ms0858 ~~تنفل بعشرين ركعة. # التأويل الثاني: أنه أراد أنه مقصر في تأخير الصلاة عن أول وقتها وليس ~~آثما بالتأخير؛ لأن الله وسع عليه في ذلك، ويحتمل أن يكون المراد بالمقصر ~~من آخر الصلاة إلى وقت الجواز وهو آخر وقتها قبل دخول وقت الكراهة. # الفرع العشرون: ومن صلى ركعة في الوقت ثم خرج الوقت ففيه وجهان: PageV02P448 # أحدهما: أنه مدرك لتلك الصلاة كاملة لما روي عن الرسول أنه قال: ((من أدرك ~~ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر " ))(1). # وقوله :((من أدرك ركعة من الفجر فقد أدرك الفجر " ))(2) # فصرح بإدراك الصلاة كلها بإدراك ركعة منها. # وثانيهما: أنه مدرك لما صلى في الوقت قاضيا لما صلى بعد خروجه كما لو صلى ~~جميع الصلاة بعد خروج الوقت، لقوله : ((من أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع ~~الشمس فقد أدركها " ومن أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها)). ~~فيحتمل أن يكون أراد بالإدراك الركعة وحدها، ويحتمل أن يكون أراد بالإدراك ~~الصلاة كلها وقد تم غرضنا من بيان مواقيت الصلاة. PageV02P449 # --- ### || AUTO الفصل الثاني # في بيان الأوقات المكروهة # وهي في ذلك ضربان: # فالضرب الأول: تعلق الكراهة بالفعل وهو ما بعد صلاة الفجر وصلاة العصر، ~~ولا تتعلق الكراهة إلا بعد فعل الفرضين الفجر والعصر، فأما ما قبلهما فلا ~~وجه للكراهة، وذلك لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله أنه ~~((نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس " ، وعن الصلاة بعد العصر حتى ~~تغرب الشمس))(1)، # فهذان وقتان يتعلقان بكراهة الفعل كما قررناه. # الضرب الثاني: يتعلق بالوقت نفسه، وجملتها(2) # ثلاثة: وقت الطلوع، ووقت الغروب، ووقت الإستواء، # ولهذا قال ((إن الشمس إذا طلعت فإنها تطلع بين قرني شيطان "، فإذا ارتفعت ~~فارقها فإذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها وإذا دنت للغروب قارنها فإذا ~~غربت فارقها))(3) PageV02P450 فلهذا نهى عن الصلاة في هذه الأوقات، فأما متعلق الكراهة بالطلوع فهو من ~~أول إشراق الشمس إلى أن يستوي سلطانها بالإرتفاع. وقيل: حتى تبيض ويصفو ~~لونها، وقيل: ارتفاعها ثلاثة أرماح. وأما الإستواء فهو ms0859 عبارة عن وقت وقوف ~~الظل قبل ظهور الزيادة وأما الغروب فتدخل الكراهة باصفرار الشمس إلى تمام ~~الغروب. # والأصل في هذه الأوقات خبر عقبه بن عامر قال: ((ثلاثة أوقات نهانا رسول ~~الله أن نصلي فيهن " أو ندفن فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، ~~وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف للغروب حتى تغرب))(1). # وروي أنه سئل فقيل يا رسول الله هل في الليل والنهار ساعة نهي عن الصلاة ~~فيها؟ فقال: ((أما الليل فالصلاة فيه مقبولة مشهودة حتى تصلي الفجر ثم ~~اجتنب الصلاة حتى ترتفع الشمس وتبيض فإذا ابيضت فالصلاة مقبولة مشهودة حتى ~~تنتصف فإذا مالت فالصلاة مقبولة مشهودة حتى تضيف للغروب))(2). # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: لا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة أنه لا يجوز تأدية ~~شيء من النوافل المبتدأة في هذه الأوقات الثلاثة، ولا صلاة جنازة، ولا دفن ~~الموتى، ولا صلاة كسوف ولا يسجد فيها سجدة التلاوة ولا سجدة شكر، وعمدتنا ~~في ذلك ما ذكرناه من حديث عقبه بن عامر فإنه دال على المنع من هذه الأمور ~~في هذه الأوقات؟ وهل تقضى فيها الصلوات أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز تأدية القضاء في هذه الأوقات الثلاثة لما فات من ~~الصلوات المكتوبة، وهذا هو رأي الإمامين القاسم والهادي والناصر، ومحكي عن ~~الشافعي ومالك. PageV02P451 # وا لحجة على ذلك: ما روى أنس بن مالك عن رسول الله ، أنه قال: ((من نام عن ~~صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها " ))(1). # وفي بعض الأحاديث، ((لا وقت لها غيره)) فاقتضى عموم هذا القول جواز فعل ~~الفوائت في كل وقت تذكر فيه وأن النهي خاص في ما عدا ما ذكرناه. # المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو رأي زيد بن علي والمؤيد بالله وأبي ~~عبدالله الداعي، والحنفية. # والحجة على هذا: ما في حديث عقبه بن عامر من المنع من تأدية الصلوات في ~~هذه الأوقات الثلاثة سواء كانت قضاء أو أداء إلا فجر يومه وعصر يومه لا غير. # والمختار: ما قاله الإمامان ms0860 زيد بن علي والمؤيد بالله ومن تابعهما. # والحجة لهم ما ذكرناه، ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: ما روي عن الرسول ، أنه ((لما نام عن صلاة الفجر هو ~~وأصحابه " فاستيقظ وقد طلعت الشمس فانتظر حتى استقلت في طلوعها))، وفي بعض ~~الأخبار ((هنيهة)) يعني وقتا يسيرا، فاقتضى ظاهر ما ذكرناه من هذه الأخبار ~~المنع من تأدية القضاء في هذه الأوقات. # الحجة الثانية: قوله : ((أما الليل فالصلاة فيه مقبولة مشهودة " حتى تصلي ~~الفجر ثم اجتنب الصلاة حتى ترتفع الشمس وتبيض)). إلى آخر الحديث الذي مر ~~بيانه فاقتضى بظاهره المنع من تأدية الصلوات في هذه الأوقات إلا ما استثناه ~~من عصر يومه وفجر يومه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه مما يخالف ما ذكرناه. # قالوا: قوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها " )) فظاهره ~~وعمومه يقتضيان جواز القضاء في هذه الأوقات الثلاثة. # قلنا: عما ذكرتموه أجوبة ثلاثة: # الجواب الأول: أنه ليس في خبركم هذا لفظ عموم لا في قوله صلاة ولا في ~~قوله فوقتها لأن الفاظ العموم محصورة، وهاتان اللفظتان ليستا من ألفاظ ~~العموم في ورد ولا صدر، فبطل احتجاجكم بالعموم. PageV02P452 # الجواب الثاني: أن خبرنا خاص في الأوقات عام في القضاء والأداء وخبركم عام ~~في الوقت خاص في القضاء، فصار كل واحد من خبرنا وخبركم خاصا من وجه عاما من ~~وجه، فخبرنا خاص فيما خبركم عام فيه، وخبركم خاص فيما خبرنا عام فيه، وإذا ~~كان الأمر فيهما كما ذكرناه كان خبرنا أرجح لأنه خاص في الوقت وكلامنا إنما ~~هو في الوقت وما نجوزه وما نمنع منه، فلا جرم قضينا بما دل عليه على جهة ~~الخصوص. # الجواب الثالث: هو أنا نجمع بين أخبارنا وأخباركم ونستعمل الكل فيما تدل ~~عليه، فنحمل أخبارنا على المنع من الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة سواء كانت ~~مؤداة أو مقضية ونحمل أخباركم على جواز تأدية القضاء في غير هذه الأوقات ~~الثلاثة فيكون جمعا بين الأدلة الشرعية فيما تناولته حذرا من التناقض فيها ~~والتدافع، وهذه طريقة مرضيه. # قالوا: روي عن رسول ms0861 الله أنه قال: ((من أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع ~~الشمس فقد أدركها " ومن أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها))، ~~فإذا جاز الأداء في هذين الوقتين جاز القضاء من غير فرق. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما هذا حاله قد خصه الشرع بدلالة ظاهرة فخرج عن القاعدة ~~وبقي ما عداه على أصل المنع. # وأما ثانيا: فلأن ما هذا حاله هو فرض الوقت، فأدي فيه لأجل ضرورة التفريط ~~بخلاف وقت القضاء فإنه حال الرفاهيه، فلهذا كانت تأديتها في غير هذه ~~الأوقات الثلاثة. # الفرع الثاني: لا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة فيمن له أوراد في ~~العبادات من الصلوات والصيامات في أوقات مخصوصة وفاتت عليه لشاغل من ~~الشواغل، فإنه لا يعقل فيها القضاء؛ لأن القضاء إنما يكون في عبادات مؤقتة ~~من جهة الشرع فأما النوافل المبتدأة فلا قضاء فيها. وهل يستحب قضاء النوافل ~~المؤقتة بأوقات من جهة الشرع نحو راتبة الظهر والمغرب والفجر والوتر أم لا؟ ~~فيه مذهبان: PageV02P453 # المذهب الأول: أنه يستحب قضاؤها، وهذا هو رأي القاسم والهادي والمؤيد ~~بالله، ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها " ~~)) ولم يفصل بين الواجب والنفل فيما كان مؤقتا بوقت. # الحجة الثانية: ما روى أبو هريرة عن رسول الله أنه قال: ((من لم يصل ~~ركعتي الفجر حتى تطلع الشمس فليصلهما " ))(1). # المذهب الثاني: المنع من قضاء هذه الرواتب، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة ~~وأبي يوسف. # والحجة على هذا: أن هذه الصلوات تطوع فلا تقضى بعد فواتها عن وقتها كصلاة ~~الكسوف والخسوف والإستسقاء. # الحجة الثانية: هو أنها صلاة مؤقتة مسنونة فسقطت بفوات محلها كالتشهد ~~الأول إذا تركه الإمام. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن وافقهم. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: روي عن رسول الله أنه رأى قيسا يصلي بعد صلاة الصبح، فقال ~~له: ((ما هاتان الركعتان " ؟ فقال: ركعتا الفجر)) فلم ينهه ولم ينكر ~~عليه(2). PageV02P454 # الحجة الثانية: روت عائشة عن ms0862 أم سلمة [قالت]: ((إن الرسول صلى في بيتي ~~ركعتين بعد العصر " فقلت: ماهاتان الركعتان؟ فقال: كنت أصليهما بعد الظهر ~~فشغلني عنهما مال فصليتهما الآن))(1). # الانتصار: يكون بإبطال ما جعلوه حجة لهم. # قالوا: إن هذه الصلوات تطوع فلا تقضى بعد فوات وقتها كصلاة الكسوف ~~والخسوف. # قلنا: المعنى في الأصل أن هذه الصلوات ليست مؤقتة بوقت لكن لها أسباب ~~تبطل ببطلان أسبابها. # قالوا: المسنون يسقط بسقوط محله كالتشهد الأوسط. # قلنا: إنه لم يسقط بفوات محله وإنما سقط بالإنتقال إلى الفرض المقصود ~~بعده لا لفوات محله، ألا ترى أنه إذا نهض إلى القيام ولم يستكمله فقد انتقل ~~عن المحل ومع ذلك فإنه يرجع إليه لما لم يستتم الغرض المقصود فافترقا. # الفرع الثالث: إذا قلنا: باستحباب قضاء النوافل المؤقتة فهل يكون قضاؤها ~~في هذه الأوقات الثلاثة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز ذلك، وهذا هو رأي القاسم والهادي. # والحجة على ذلك: ما ذكرناه في قضاء الصلوات الواجبة إذا فاتت فلا وجه ~~لتكريره. # المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو رأي زيد بن علي والمؤيد بالله وأبي ~~عبدالله الداعي. # والحجة لهم: ما أسلفناه. # والمختار: وذكر الانتصار قد قررناه في المنع من القضاء في هذه الأوقات ~~فأغنى عن تكريره. # نعم. وإذا منعنا من تأدية النوافل المبتداة في هذه الأوقات فهل يستثنى ~~شيء أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يستثنى شيء، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي ~~حنيفة وأصحابه. PageV02P455 # والحجة على هذا: ما في حديث عقبة بن عامر من قوله: ثلاثة أوقات نهانا رسول ~~الله ، الخبر الذي قدمناه. وحديث عمرو بن عبسه(1) # ((صلاة الليل مقبولة مشهودة وصلاة النهار مقبولة مشهودة " )) الخبر. وقد ~~قدمناه فإنهما دالان على تحريم النوافل في هذه الأوقات الثلاثة من غير فصل ~~بين وقت ووقت ولا بين مكان ومكان. # المذهب الثاني: أنه يستثنى عن ذلك من الزمان الجمعة ومن المكان مكة، وهذا ~~هو رأي الشافعي. أما استثناء الجمعة فلما روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله ~~((أنه نهى عن ms0863 الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة " ))(2) # وقد قيل: إن ذلك مختص بمن يغشاه النوم فيقصد طرده بركعتين. وقيل: إنه لا ~~يختص به بل هو خاصة يوم الجمعة، هذا تقرير أصحابه لمذهبه. PageV02P456 # وأما استثناء مكة فلما روي عن أبي ذر الغفاري ((أنه أخذ بعضادتي الكعبة ~~وقال: من عرفني فقد عرفني " ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جناده سمعت رسول ~~الله يقول: ((لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس " ولا بعد العصر حتى تغرب ~~الشمس إلا بمكه))(1). # وكذلك لا يكره الطواف في سائر الأوقات لقوله :((يابني عبد مناف من ولي من ~~أمور المسلمين شيئا فلا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت في ساعة من ليل ولا ~~نهار " ))(2). # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة والحنفيه. # وا لحجة لهم: ما قررناه من قبل من الأخبار فلا وجه لتكريره، ونزيد هاهنا ~~وهو أن مكه مسجد من المساجد فلا يجوز أن يصلى فيه في الأوقات الثلاثة، ~~دليله سائر المساجد، وهكذا حال يوم الجمعة لأنه فعل صلاة نافلة حال ~~الإستواء والطلوع والغروب فوجب أن يكون ممنوعا كسائر الأيام. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: خبر أبي سعيد الخدري وخبر أبي ذر الغفاري يدلان على ما قلناه. # قلنا: عما ذكرتموه أجوبة ثلاثة: # الجواب الأول: أن أخبارنا منقولة مشهورة عند أهل العلم لا يختلفون في صحة ~~نقلها ومتفقون على العمل عليها، وهي دالة بظواهرها على المنع من الصلاة في ~~الأوقات الثلاثة، وما أوردتموه من هذه الأخبار مختلف فيه فلا جرم كانت ~~أخبارنا أحق بالقبول. PageV02P457 # الجواب الثاني: أخبارنا دالة على الحظر والمنع من العبادة في هذه الأوقات ~~وأخباركم دالة على الإباحة، والخبران إذا تعارضا وكان أحدهما حاظرا والآخر ~~مبيحا كان العمل على الحاظر أولى من العمل على المبيح لما فيه من الإحتياط ~~خاصة في العبادات فإن مبناها على الإحتياط والبعد عن الآثام، فلهذا كانت ~~أحق بالقبول. # الجواب الثالث: إن ما ذكرتموه معارض بما أوردناه من الأخبار فيجب تأويلها ~~على وفق ما دلت عليه أخبارنا، وهو أن المراد بقوله: ms0864 إلا مكة، وإلا يوم ~~الجمعة فإنهما أحق بالمنع والتحريم في تأدية العبادة في هذه الأوقات ~~الثلاثة دفعا لوهم من يتوهم أنهما مخالفان لسائر الأزمنة وسائر البقاع. ~~فإذا حملنا هذين الخبرين اللذين أوردوهما على ما ذكرناه كانت أخبارنا ~~وأخبارهم متفقة على المطلوب. # الفرع الرابع: اختلف السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب في تحصيل ~~مذهب الهادي في قضاء هذه النوافل، فالذي حصله السيد أبو طالب من مذهبه: ~~استحباب قضائها في غير هذه الأوقات الثلاثة، وكراهة قضائها فيها، وحصل ~~المؤيد بالله: جواز ذلك من غير كراهة. وكلا التحصيلين لا غبار عليه على ما ~~فهما من كلامه في مصنفاته، خلا أن ما قاله المؤيد بالله هو الأحرى على ~~أصوله والأقيس على رأيه، من جهة أن الفرائض آكد من النوافل وأعلى حالا ~~منها، فإذا جاز ذلك في الفرائض جاز في النوافل من طريق الأولى والأحق. نعم ~~النوافل التي لها أساب نحو تحية المسجد وركعتي الطواف وغيرهما مما لها ~~أسباب تضاف إليها، هل يجوز قضاؤها في هذه الأوقات الثلاثة أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: جواز ذلك، وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على ذلك قوله : ((من نام عن صلاته أو نسيها فوقتها حين يذكرها " ~~))، ولم يفصل بين وقت ووقت ولا بين فرض ونفل. # الحجة الثانية: ولأنها صلاة لها وقت معلوم فأشبهت الفرائض. PageV02P458 # المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو الظاهر من قول الهادي والمؤيد بالله، ~~ومحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: خبر عقبه بن عامر فإن ظاهره المنع من تأديتها في هذه ~~الأوقات الثلاثة. # الحجة الثانية: ما في خبر عمرو بن عبسة فإنه دال على المنع من تأديتها في ~~هذه الأوقات الثلاثة. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله لأنها نافلة فكره فعلها في هذه الأوقات ~~كسائر النوافل التي لا سبب لها. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه، وهو أن الخبر الذي رووه ليس فيه عموم ~~ولا فيه شيء من ألفاظ العموم، والقياس الذي ذكروه فهو معارض بمثله من ~~الأقيسة، ثم إنه لا مجرى للأقيسة في العبادات فإنها ms0865 أمور غيبية مستندها ما ~~كان من جهة الله تعالى ومن جهة رسوله فأما الأقيسة فهي بمعزل عنها، وإنما ~~نوردها للفقهاء على جهة التقوية لما دلت عليه الآي والأخبار. # الفرع الخامس: إذا صلى ركعة من الفجر ثم طلعت الشمس أو صلى ركعة من العصر ~~ثم غربت الشمس، فهل يتمها أو يقطعها أو يتوقف؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه يتمها وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الشافعي. # والحجة على ذلك: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((من أدرك ركعة من ~~الصبح فقد أدرك الفجر " )) و((من أدرك ركعة من صلاة الغداة قبل طلوع الشمس ~~فقد أدرك الفجر " )) إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على إدراكه للصلاتين. # المذهب الثاني: أن الركعة تفسد عليه ويعيدها، وهذا هو رأي أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: حديث عقبه بن عامر وهو قوله: ((ثلاثة أوقات نهانا رسول ~~الله عن أن نصلي فيهن " )) ولم يفصل بين أن يكون قد شرع فيهن أو لم يشرع. # المذهب الثالث: أنه يمكث على حالته حتى ترتفع الشمس ثم يتم صلاته بتلك ~~التحريمة، وهذا هو المحكي عن أبي يوسف. PageV02P459 # والحجة على ذلك: هو أن الشروع صحيح فلا يجوز إبطاله بعروض المفسد، لقوله ~~تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم}[محمد:33] وأما الإتمام فمحظور لدخول الوقت ~~المفسد للعبادة وهو الطلوع، فلأجل هذا قضينا بالوقف على حاله حتى يزول ~~الوقت المحظور ويمضي في صلاته. # والمختار: ما عليه أئمة العترة ومن وافقهم. # وحجتهم: ما حكيناه ونزيد هاهنا وهو قوله : ((من أدرك من صلاة الغداة ركعة ~~قبل طلوع الشمس فليصل إليها أخرى " ))(1)، # ويروى: ((فليضف إليها أخرى)) فهذه الأخبار كلها دالة بصريحهاعلى الإتمام ~~للعبادة والإجزاء. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه، فأما احتجاج أبي حنيفة بحديث عقبه بن ~~عامر فعنه جوابان: # أما أولا: فلأنه محمول على الشروع في العبادة فأما بعد الدخول فيها فلا ~~نسلم أنه متناول لها. # وأما ثانيا: فلأنه معارض بما ذكرناه من الأخبار التي رويناها فإنها صريحة ~~في الإتمام. وأما إحتجاج أبي يوسف على التوقف فعنه جوابان: # أما ms0866 أولا: فلأن الأخبار دالة على الإتمام ولا وجه للوقف. # وأما ثانيا: فلأن وقوفه لا يخلو حاله في حال وقفه إما أن يكون مصليا أو ~~غير مصل، فإن كان مصليا أتم صلاته ولا فائدة في الوقف، وإن كان غير مصل فقد ~~بطلت صلاته، فكيف يقال بأنه يتمها بعد ذهاب وقت الفساد وقد خرج عن كونه ~~مصليا. ومن وجه آخر وهو أن الأخبار قد دلت بصراحتها على صحتها وثباتها فلا ~~يمكن معارضة كلام صاحب الشريعة بالرأي والاجتهاد. PageV02P460 # الفرع السادس: إذا قلنا: بأن إدراك ركعة قبل غروب الشمس يكون إدراكا للعصر ~~وإن إدراك ركعة قبل طلوع الشمس يكون إدراكا للفجر، فلو أدرك دون الركعة هل ~~تلزمه تلك الصلاة أم لا؟ فيه مذاهبان: # المذهب الأول: أن إدراك دون الركعة لا يلزم تلك الصلاة وهذا هو رأي أئمة ~~العترة، وأحد قولي الشافعي ومحكي عن مالك، وهو رأي المزني، والمروزي من ~~أصحاب الشافعي. # والحجة على ذلك: هو الخبر: ((من أدرك ركعة من العصر أو من الفجر فقد ~~أدركهما " )) فجعل الإدراك للصلاة بإدراك ركعة كاملة، فإذا أدرك دون الركعة ~~لم يكن مدركا لها وهو مرادنا. # المذهب الثاني: أنه يكون مدركا بتكبيرة الإفتتاح وهذا هو قول أبي حنيفة، ~~وقول آخر للشافعي، واختيار القاضي أبي حامد من أصحاب الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن إدراك يسير الوقت يتعلق به وجوب الصلاة كما أن ~~إدراك المسافر من صلاة المقيم يتعلق به وجوب الركعتين الأخيرتين عليه، ثم ~~لا فرق بين أن يدرك المسافر من صلاة المقيم ركعة كاملة أو قدر الإفتتاح ~~فإنه يلزمه الإتمام. # والمختار: ما عليه علماء العترة ومن تابعهم. # والحجة لهم: ما أسلفناه، ونزيد هاهنا، وهو أنه قد حد الإدراك في الخبر ~~بالركعة الواحدة الكاملة فلو كان دونها يكون إدراكا لذكره لأنه في موضع ~~التعليم فلا يجوز تأخير التعليم عن موضع الحاجة، فلما لم يذكر دل على أن ما ~~دونها لا يكون إدراكا للصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إدراك يسير الوقت يتعلق به وجوب الصلاة كما أن ms0867 إدراك المسافر من ~~صلاة المقيم يتعلق به وجوب الركعتين عليه إلى آخر ما قرروه. # قلنا: عن هذا جوابان: # الجواب الأول: يأتي على كلام القاسميه القائلين بأن القصر عزيمة وأن ~~المسافر لا يقتدي بالمقيم فيما يختلف فرضاهما فيه كالظهر والعصر والعشاء ~~ولا يلزمه فرضه ويجوز له الإقتداء به فيما يتفق فرضاهما فيه كالمغرب والفجر ~~ولا يلزمه شيء للإقتداء ولا يتغير فرضه فهذا غير لازم لهم. PageV02P461 # الجواب الثاني: يأتي على كلام الناصرية القائلين بأن القصر رخصة وأنه يلزمه ~~فرضه بالإقتداء به وقد أجابوا عن ذلك بوجهين: # أما أولا: فلأن إدراكه صلاة المقيم لا يوجب عليه شيئا لأن فرضه أربع كفرض ~~المقيم لكن رخص له القصر بشرط أن لا يكون مقتديا بالمقيم، فإذا اقتدى به ~~بقي على أصل فرضه. # وأما ثانيا: فلأن من شرط جواز القصر وجوب نية القصر، فلما لم تصح نية ~~القصر لم يجز له القصر، فالإتمام إنما وجب لعدم نية القصر لا من جهة إدراكه ~~صلاته والدخول فيها فافترقا. وسيأتي لهذا مزيد تقرير عند الكلام في إمامة ~~الصلاة ونذكر المختار والانتصار له بمعونة الله تعالى. # الفرع السابع: وإذا أدرك أحد من المعذورين الظهر وركعة معها قبل غروب ~~الشمس أو أدرك المغرب وركعة معها قبل طلوع الفجر، هل يكون مدركا للصلاتين ~~جميعا أو لا يكون مدركا إلا لما تأخر وقته كالعصر والعشاء؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكون مدركا للصلاتين جميعا، وهذا هو رأي القاسمية ~~والناصريه وأحد قولي الشافعي، والأصل في الباب أنه إذا أدرك خمس ركعات قبل ~~الغروب كان مدركا للصلاتين جميعا، وإن أدرك أربع ركعات قبل طلوع الفجر كان ~~مدركا لهما معا. # والحجة على هذا: هو أنه صلى الله عليه جعل مدرك الركعة مدركا للعصر قبل ~~الغروب وهكذا مدرك الركعة مدركا للعشاء قبل الطلوع، وإذا كان الأمر كما ~~قلناه وقد بقي قبل ذلك مدة يمكنه أن يصلي فيها أربع ركعات فلا ينبغي إهماله ~~وإذهابها هدرا فلهذا جعلناها وقتا لإيجاب الظهر وأدائه، وإذا صح ذلك في ~~الظهر والعصر فهكذا الحال ms0868 في المغرب والعشاء لأن كل من قال [به] في الظهر ~~والعصر قال به في المغرب والعشاء. # المذهب الثاني: أنه لا يجب عليه إلا الأخيرة من الصلاتين، ففي المسألة ~~الأولى لا يجب عليه إلا العصر، وفي الثانية لا يجب عليه إلا العشاء، وهذا ~~هو قول أبي حنيفة. PageV02P462 # والحجة على ذلك: هو أن متعلق الوجوب للصلاة هو آخر الوقت عنده فإذا لم يكن ~~الوقت متسعا لهما جميعا كان الوقت متعينا للفريضة الآخرة، كما لو لم يتسع ~~إلا لأداء فريضة واحدة. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن وافقهم. # والحجة لهم: ما قررناه، ونزيد هاهنا وهو أن هذا الوقت وقت للظهر والعصر ~~جميعا، وصالح لهما فإدراك أربع ركعات يكون مدركا للظهر بها وركعة واحدة ~~يدرك بها العصر كما دل عليه الخبر، فلهذا توجه وجوبهما جميعا. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: متعلق الوجوب آخر الوقت فإذا لم يكن الوقت متسعا لهما على الكمال ~~كان الوقت متعينا للفرض الآخر وتبطل الأولى كما لو لم يتسع إلا لركعة واحدة. # قلنا: لا نسلم أن متعلق الوجوب آخر الوقت وقد مر بيانه، ولكن بعد المثل ~~يكون وقتا لهما جميعا فيؤدى الظهر لاتساعه له، ويؤدى العصر لاتساعه بركعة ~~واحدة فيكون مدركا لهما لا محالة، وكل ما ذكرناه في وجوب تأدية الفرضين ~~إنما هو مع اتساع الوقت للطهارة الكبرى أو الطهارة الصغرى في حق الحائض أو ~~المحدث، فأما إذا كان الوقت متسعا لخمس ركعات من غير طهارة كان الوقت فائتا ~~لا محالة إذا كانت الطهارة تستوعب الوقت. # الفرع الثامن: إذا كان الوقت لا يتسع إلا لفريضة واحدة فهل تجب الصلاة ~~التي قبلها تبعا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن إدراك الثانية لا يلزم فعل الأولى وأن الأولى غير ~~واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية ومحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن الوقت هذا لم يكن متسعا إلا لفريضة واحدة سواء كان ~~بعضها أو كلها فلا وجه لإيجاب الأولى كما لو لم يتسع لواحدة منهما. ms0869 # المذهب الثاني: أنه ينظر في ذلك فإن كان وقت الصبح أو الظهر أو المغرب لم ~~يلزم وجوب ما قبلها لأنه ليس وقتا لها بحال، وإن كان في وقت العصر أو ~~العشاء لزمت الصلاة الأولى بإدراك الثانية، وهذا هو رأي الشافعي وأصحابه. PageV02P463 # والحجة على ذلك: ما روي عن ابن عباس وعبدالرحمن بن عوف أنهما أوجبا على ~~الحائض تطهر قبل الفجر بركعة واحدة، المغرب والعشاء ولا مخالف لهما من ~~الصحابة. # والمختار: ما قاله أئمة العترة ومن وافقهم. # والحجة على هذا: هو أن الخطاب إنما يتوجه بأداء العبادة إذا كان الوقت ~~متسعا لأدائها فأما إذا كان لا يتسع لأدائها فلا وجه لإيجابها. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روي عن ابن عباس وعبدالرحمن بن عوف أنهما أوجبا على الحائض تطهر ~~قبل الفجر بما يتسع لركعة واحدة المغرب والعشاء. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما أوردوه ليس حجة وإنما الحجة ما كان عن صاحب الشريعة ~~صلوات الله عليه، ونهايه الأمر أن يكون هذا اجتهادا لهما، وقول المجتهد ليس ~~حجة على غيره وإنما يلزم اجتهاده لنفسه لا غير. # قولهم:لا مخالف لهما في الصحابة. # قلنا: ليس ينسب إلى ساكت قول، فسكوتهم ليس دلالة على رضاهم بهذا القول ~~وربما سكت الساكت لعوارض كبيرة من جملتها الرضا، فلعلهم إنما سكتوا من جهة ~~أن المسألة اجتهادية وكل مجتهد مصيب في إجتهاده وهذا لا يكون إجماعا. # وأما ثانيا: فإن هذا محمول على أنهما قالا: إذا أدركت ركعة قبل طلوع ~~الفجر فهي مخيرة بين تأدية المغرب أو العشاء على جهة التخيير لما كان الوقت ~~صالحا لها، فظن السامع أنهما قالا: يجب الفرضان عليها جميعا، والغرض إيجاب ~~أحدهما على جهة البدل فالتبس على السامع. # قاعدة: اعلم أن الشافعي إنما يلزم تأدية الفريضة الأولى بإدراك فرض ~~الثانية بشرط أن يكون مدركا من الثانية جزءا منها أو كلها، فأما إذا لم ~~يدرك شيئا منها فلا وجه لإيجاب الأولى، ثم لهم(1) # في ذلك أقوال ستة: # أولها: أنه يلزمه الظهر إذا أدرك من العصر ms0870 قدر تكبيرة واحدة ويلزمه ~~المغرب إذا أدرك من العشاء قدر تكبيرة. # وثانيها: أنه لا تلزم الصلاة الأولى إلا إذا أدرك من وقت الصلاة الثانية ~~قدر ركعة واحدة. PageV02P464 # وثالثها: أنه لا تلزمه الصلاة الأولى إلا إذا أدرك من وقت الثانية قدر ركعة ~~وطهارة. # ورابعها:أن الظهر لا يلزمه إلا إذا أدرك من وقت العصر قدر خمس ركعات. # وخامسها: أن الظهر يلزمه إذا أدرك من وقت العصر قدر أربع ركعات وتكبيرة ~~ويلزمه المغرب مع العشاء إذا أدرك من وقت العشاء قدر ثلاث ركعات وتكبيرة. # وسادسها: أن الظهر يلزمه إذا أدرك من وقت العصر قدر أربع ركعات ويلزمه ~~المغرب إذا أدرك من وقت العشاء قدر أربع ركعات. فهذه الأوجه كلها متفقة على ~~أن الأولى لا تجب إلا إذا أدرك من الثانية كلها أو بعضها كما أشرنا إليه ~~وبعضها مخرج على مذهبه لأصحابه وبعضها منصوص له. # الفرع التاسع:في الصلاة بعد صلاة الفجر وصلاة العصر. # اعلم أن جميع ما أسلفناه إنما هو كلام في الأوقات المكروهة لنفسها وهي ~~الأوقات الثلاثة،وهذا الكلام في الكراهة المتعلقة بالفعل، فهل تجوز الصلاة ~~بعد صلاة العصر والفجر أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: جواز الصلاة في هذين الوقتين للقضاء وللنافلة المبتدأة ~~والنافلة التي لها سبب، وهذا هو رأي الأئمة القاسم والهادي والناصر، ومحكي ~~عن مالك. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه ((رأى قيسا يصلي بعد صلاة الفجر ~~فقال له ما هتان الركعتان " ؟ فقال هما ركعتا الفجر فأقره على ذلك ولم ~~ينهه)). # الحجة الثانية: ما روت عائشة عن أم سلمه رضي الله عنهما [أنها قالت] ((إن ~~رسول الله صلى في بيتي ركعتين بعد العصر " فقلت: ما هاتان الركعتان؟ فقال: ~~هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني عنهما الوفد فصليتهما الآن))، وفي ~~رواية أخرى ((فشغلني عنهما مال)). # المذهب الثاني: كراهة فعل النوافل في هذين الوقتين وهو رأي أبي حنيفة. PageV02P465 # والحجة على هذا: ما روي عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري، ومعاذ بن عفراء " (1) # وأبي هريرة عن الرسول أنه ((نهى عن ms0871 الصلاة في هذين الوقتين بعد العصر ~~والفجر " ))(2). # الحجة الثانية: عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: حدثني رجال مرضيون ~~وأرضاهم عمر رضي الله عنه أن الرسول ((نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع ~~الشمس " وبعد العصر حتى تغرب الشمس)) فهذان الخبران دالان على كراهة الصلاة ~~في هذين الوقتين. # المذهب الثالث: أن كل ما كان له سبب من الصلوات جاز فعله في هذين الوقتين ~~وما ليس له سبب كالنوافل المبتدأة فلا يجوز فعله فيهما فصلاة الجنازة وتحية ~~المسجد وركعتا الفجر وقضاء السنن الراتبة وقضاء الصلوات المفروضة يجوز فعل ~~هذه لأن لها أسبابا، فأما النافلة المبتدأة فمكروه فعلها وهذا هو رأي ~~الإمام المؤيد بالله وهو قول الشافعي. # والحجة على ذلك: ما روى أبو سعيد أنه رأى الحسن والحسين رضي الله عنهما ~~طافا بعد الفجر وصليا(3)، # ومثل هذا لا يصدر عن اجتهاد وإنما يصدر عن توقيف من جهة الرسول لأن الباب ~~هو باب العبادة لا مجال للاجتهاد فيه. PageV02P466 # الحجة الثانية: قوله تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار " }[هود:114] فظاهر ~~هذه الآية جواز الصلاة في هذين الوقتين لأنهما طرفا النهار، وروي عن ابن ~~عمر وابن الزبير أنهما طافا بالبيت بعد العصر وصليا، فهذا كله دال على جواز ~~الصلاة في هذين الوقتين لأن لها أسبابا فدل ذلك على أن الصلاة إنما جازت ~~لما اختصت به من هذه الأسباب. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله. # والحجة له: ما أسلفناه ونزيد هاهنا تقريرا نشير إليه، وهو أن هذه الأخبار ~~كلها دالة ومشيرة إلى أن الصلاة التي وقعت في هذين الوقتين إنما كانت ~~لأسباب عارضه وأنت إذا تصفحتها وجدتها مثل ما ذكرناه دالة على أسباب ~~كالقضاء للفرض والنفل والطواف وركعتيه وصلاة الجنازة وركعتي الفجر وركعتي ~~الظهر وتحية المسجد، فكلها مفعولة لهذه الأسباب ولم يمنع إلا ما كان من ~~النوافل المبتدأة فما دل من الأخبار على المنع حملناه على النوافل المبتدأة ~~وما دل على الوقوع والجواز حملناه على أنه فعل لأسباب عارضة، فهذه طريقة ~~جامعة بين الأخبار وهي طريقة مستحسنة ms0872 لما فيها من الجمع بين الأدلة حذرا من ~~التناقض والله أعلم. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: خبر قيس وعائشة وأم سلمه يدل على جواز الصلاة في هذين الوقتين. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن أخبارنا حاظرة وأخباركم مبيحة والحاظر في العبادات أولى ~~من المبيح لأن الباب فيها باب الإحتياط فلهذا كانت أحق بالقبول. # وأما ثانيا: فلأنا نحملها على النوافل المبتداة جمعا بين الأخبار وحذرا ~~من التناقض بين الأدلة، فكل ما كان من الأخبار والآثار دال على المنع فهو ~~محمول على ابتداء النوافل وكل ما كان دالا على الجواز فهو محمول على ما له ~~سبب وبهذا تتفق الأدلة وتتناصر على مقصود واحد. # الفرع العاشر: مشتمل على أحكام في الجمع: # الحكم الأول: اعلم أن الصلاة لها ثلاثة أوقات: PageV02P467 # فالوقت الأول: حال المقام والرفاهية وهو للذي ليس بمضطر ولا مسافر، والمقام ~~بضم الميم هو الإقامه والمقام يفتح الميم هو المكان. والرفاهية هي الخفض ~~والدعة. # والوقت الثاني: هو وقت العذر نحو السفر والمطر. # والوقت الثالث: هو وقت الإضطرار كالكافر يسلم والصبي يبلغ والمجنون ~~والمغمى عليه يفيقان، والحائض والنفساء يطهران، فإذا تقررت هذه القاعدة ~~فالذي استقر عليه رأي أئمة العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة مالك وعطاء أن ~~ما بين زوال الشمس إلى غروبها وقت للظهر والعصر وما بين غروب الشمس إلى ~~طلوع الفجر وقت للمغرب والعشاء، وذهب الفريقان الحنفية والشافعية إلى أن ~~ذلك لا يكون وقتا للصلاتين، وهذا الخلاف في الحقيقة ليس ورائه كبير فائدة ~~فإنهم يسلمون لنا جواز تأدية العصر في وقت الظهر لمن كان له عذر كالمسافر ~~والممطور ويسلمون لنا جواز تأخير الظهر عن المثل في الجواز. وإذا كان هذا ~~مسلما فلا معنى لقولهم إنه ليس وقتا للصلاتين فإنا لا نريد بكونه وقتا ~~للصلاتين إلا ما قررناه. # نعم، يمكن أن يقال: ليس وقتا للإختيار وإنما هو وقت للعذر والإضطرار فعلى ~~هذا يمكن تقرير الخلاف ونحن وإن قلنا بأن ما بين زوال الشمس إلى غروبها وقت ~~للظهر والعصر فلسنا نقول بمقالة ms0873 الإمامية أنها إذا زالت الشمس دخل وقت ~~الصلاتين جميعا الظهر والعصر ولكن يجب تقديم الظهر على العصر لأن وقت الظهر ~~لا يتسع لهما فكيف يقال بدخول الزوال يدخل وقت العصر. # ووجهه: أن وقت الظهر ليس وقتا للعصر على جهة الإختيار كما سنقرر الكلام ~~عليهم بمعونة الله تعالى. PageV02P468 # والحجة على ما قلناه من صلاحية الوقت للصلاتين الظهر والعصر: قوله تعالى: ~~{أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل}[الإسراء:78]. فظاهر الآية دال على ~~أن من وقت الزوال إلى غسق الليل صالح لكل صلاة إلا ما خرج بدلالة أنه ليس ~~وقتا لها كالمغرب والعشاء، وليس وقتا للإختيار كالزوال إلى المثل فيبقى ما ~~ذكرناه مندرجا تحت ظاهرها. # الحجة الثانية: ما روى ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله : أنه جمع بين ~~الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر(1) PageV02P469 ، # وفي رواية أخرى: من غير مطر ولا سفر. وفي هذا دلالة على ما قلناه من ~~صلاحية الوقت الذي ذكرناه لهذه الصلوات. # ولهم حجتان: # الحجة الأولى: ما في خبر ابن العاص عن الرسول أنه قال: ((وقت الظهر مالم ~~يدخل وقت العصر " ووقت العصر مالم تصفر الشمس))(1) # فخص كل صلاة بوقت وفيه دلالة على ما قلناه. # الحجة الثانية: ما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ~~((للصلاة أول وآخر " فأول وقت المغرب إذا غابت الشمس وأخره حين يغيب ~~الشفق))(2) # فجعل لكل صلاة وقتا يخصها. # والمختار: ما قررناه آنفا من أن الخلاف مرتفع بيننا وبينهم لأنا نريد ~~الجواز وهو متسع عام وهم يريدون الإختيار وهو ضيق خاص، فإن كان الغرض ~~العموم فالوقت صالح للصلاتين من الزوال إلى الغروب وإن كان الغرض الخصوص ~~فليس صالحا إلا لجزء منه كما أوضحنا وقت كل صلاة على الخصوص في اختيارها ~~وبيان الأفضلية في حق كل صلاة فيها فأغنى عن تكريره. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه من الأخبار. # قالوا: حديث عبدالله بن عمرو بن العاص وحديث أبي هريرة يدلان على خصوصية ~~الوقت لكل صلاة كما هو مفهوم من ظاهرهما ms0874 وفي هذا دلالة على ما قلناه من ~~اختصاص كل صلاة بوقتها الخاص. # قلنا: الخبران محمولان على وقت الإختيار وهذا لا نزاع فيه فإن لكل صلاة ~~وقتا في الفضيله وفي الإختيار لا يشاركها غيرها من سائر الصلوات وإنما ~~كلامنا في وقت الجواز والإجزاء وهو عام من وقت الزوال إلى الغروب للظهر ~~والعصر، ومن الغروب إلى طلوع الفجر للمغرب والعشاء. # الحكم الثاني: في جواز الجمع بين الصلاتين. PageV02P470 # اتفق العلماء(1) # أئمة العترة وفقهاء الأمة الحنفية والشافعية والمالكية وغيرهم على أنه لا ~~يجوز الجمع بين الصلاتين في وقت أحدهما في حال الإقامة من غير عذر ولا سبب ~~يبيح الجمع لما روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا الصلاة لوقتها " ))(2). # وهل يجوز الجمع بينهما في وقت أحدهما في حال السفر أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز الجمع للمسافر، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن ابن ~~عمر وابن عباس ومعاذ بن جبل وسعد بن أبي وقاص وأبي موسى الأشعري وسعيد بن ~~زيد " (3) # من الصحابة رضي الله عنهم، وبه قال: مالك والشافعي وعليه حجتان: # الحجة الأولى: ما روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان إذا زاغت ~~الشمس وهو بمنزله جمع بين الظهر والعصر وإذا لم تزع حتى ارتحل فصار إلى وقت ~~العصر نزل فجمع بينهما، وإذا غربت الشمس وهو في منزل جمع بين المغرب ~~والعشاء. PageV02P471 # الحجة الثانية: ما روى معاذ بن جبل أن رسول الله كان في غزوة تبوك فإذا زغت ~~الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، فإن ارتحل قبل أن ترتفع الشمس ~~أخر الظهر حتى ينزل وجمع بينهما في وقت العصر، وإن غابت الشمس قبل أن يرتحل ~~جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس جمع بين المغرب ~~والعشاء في وقت العشاء، ففي هذين الخبرين تصريح بأنه صلى العصر في وقت ~~الظهر والعشاء في وقت المغرب وأنه صلى الظهر في وقت العصر والمغرب في وقت ~~العشاء. # المذهب الثاني: أنه لا يجوز الجمع في حال السفر، وهذا هو قول ms0875 أبي حنيفة، ~~ومحكي عن الحسن البصري وابن سيرين ومكحول والنخعي، فمنعوا الجمع بين ~~الصلاتين في وقت إحداهما وأجازوه لأجل النسك في عرفة ومزدلفة. # والحجة على ذلك: أخبار المواقيت كالذي روى عبدالله بن عمرو بن العاص عن ~~رسول الله أنه قال: ((وقت الظهر مالم يدخل وقت العصر " ووقت العصر مالم ~~تصفر الشمس)) وما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إن للصلاة أولا ~~وآخرا، " وإن أول وقت المغرب إذا غابت الشمس وآخره حين يغيب الشفق)). فهذان ~~الخبران دالان على أن لكل صلاة وقتا لا يشاركها فيه غيرها وفي هذا دلالة ~~على المنع من الجمع لإحداهما في وقت الثانية وهو المطلوب. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من جواز الجمع بين الصلاتين في وقت ~~إحداهما. # وحجتهم: ما ذكرنا ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: ما روت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله في السفر، قالت: ~~كان يؤخر الظهر ويقدم العصر ويؤخر المغرب ويعجل العشاء(1). PageV02P472 # الحجة الثانية: ما روى[عن] عبدالله بن دينار " (1) # أنه قال: غربت الشمس ونحن مع ابن عمر في سفر فسار حتى أمسى فقلنا: ~~الصلاة، فسار حتى غاب الشفق وتصوبت(2) # النجوم، فجمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء وقال: كان رسول الله إذا ~~جد به السير صلى صلاتي هذه(3). # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: أخبار المواقيت كلها كالذي رواه عبدالله بن عمرو بن العاص ورواية ~~أبي هريرة كلها دالة على اختصاص كل صلاة بوقتها فلهذا لم يجز الجمع بين ~~الصلاتين إلا ما ذكرناه في عرفة ومزدلفة فإنهما نسكان فلا يجوز تغييرهما عن ~~النسك وهو الجمع بينهما. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا معارض بما رويناه من الأخبار الدالة على صحة الجمع ~~التي لا مدفع لها إلا بالمكابرة فإنها دالة بصرائحها على جواز الجمع بين ~~الصلاتين. PageV02P473 # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه محمول على بيان وقت الإختيار وليس كلامنا فيه ~~فإنه ظاهر لا مرية فيه، وإنما كلامنا في جواز الجمع للمسافر فإن السفر عذر ~~في تأخير الأولى إلى وقت الثانية ms0876 أو تقديم الثانية إلى وقت الأولى وما هذا ~~حاله فليس وقتا للإختيار وإنما هو من رخص السفر بالتقديم والتأخير. # الحكم الثالث: وإذا قلنا بجواز جمع التقديم للمسافر فهل يجوز لمن له عذر ~~في نفسه كالمريض المتوضئ والخائف ومن به سلس البول وسيلان الجرح والمستحاضة ~~والحائض(1) # ولمن كان مشغولا بالطاعات بتعلم أو تعليم أو مشغولا بحوائج الإمام وحوائج ~~المسلمين أو كان مشغولا ببعض المباحات كإصلاح المعيشة أو مشغولا بطلب مال ~~يحصله أو غير ذلك من الأمور المباحة، فهل يجوز لهؤلاء جمع الصلاتين في أول ~~الوقت أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز ذلك لمن ذكرناه وهذا هو رأي الهادي والقاسم، وارتضاه ~~السيدان أبو طالب وأبو العباس، ولهم على ذلك حجتان: # الحجة الأولى: ما روى ابن عباس عن الرسول أنه جمع بين الظهر والعصر في ~~وقت الظهر وجمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء من غير خوف ولا سفر، وروي ~~من غير سفر ولا مطر. # وروى ابن عباس أنه ربما جمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب ~~بالمدينة(2) PageV02P474 . # فدل هذان الخبران على أن الجمع غير مقصور على السفر فقط.الحجة الثانية: ~~القياس، فنقول: إنه مشتغل بغير معصية فجاز له الجمع كالمسافر. أو معذور ~~بالإشتغال بالطاعات والمباحات، فجاز له الجمع بين الصلاتين أول الوقت ~~كالمسافر. # المذهب الثاني: أنه لا يجوز جمع التقديم لأحد إلا للمسافر وهذا هو رأي ~~الإمامين الناصر والمؤيد بالله ولهما على ذلك حجتان: # الحجة الأولى: ما روى ابن عباس وجابر في أحاديث مواقيت الصلاة فإن ظاهرها ~~يقضي باختصاص كل صلاة بوقتها المعين فلا يجوز الخروج عن ظاهرها من غير ~~دلالة، والمسافر فهو خارج بدلالة قامت عليه فبقي ما عداه على المنع. # الحجة الثانية: من جهة القياس، وهو أن هؤلاء الذين ذكرناهم ليسوا مسافرين ~~فلا يجوز لهم جمع التقديم فأما الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ~~في وقت المغرب في عرفة ومزدلفة فإنه خارج بدلالة وهو تحصيل النسك فلهذا كان ~~جائزا، فأما ما عداهما فهو باق على أصل المنع. # والمختار: ما ms0877 قاله الإمامان الناصر والمؤيد بالله. # وحجتهما: ما أسلفناه ونزيد هاهنا حجتين: # الحجة الأولى: ما روى عبدالله بن مسعود أنه قال: ما رأيت رسول الله صلى ~~صلاة إلا لوقتها ما خلا عرفة ومزدلفة، فلو كان الرسول يجمع بينهما في أول ~~وقت الأولى من أجل المرض والخوف والجهاد وسائر الأعذار لما خفي على عبدالله ~~مع صحبته للرسول في حضره وسفره. # الحجة الثانية: قياسية، وهو أنها صلاة لها وقت معين مخصوص فلا يجوز ترك ~~وقتها المشروع لها إلا لدلالة خاصة قياسا على صلاة الفجر. PageV02P475 # قال المؤيد بالله: والمريض لا أرى له تقديم العصر إلى أول وقت الظهر بل ~~يصليه في وقته إن أمكنه وإن فاتته لشدة علته فقضاؤه أولى من تقديمه على ~~وقته(1). # واعلم أن كلامه هذا قد اشتمل على شدة ومبالغة في المنع من جمع التقديم ~~وذلك من أوجه ستة: # أولها: قوله: والمريض. فإذا كان لا يجوز في حق المريض فالمنع في حق غيره ~~أحق لعجزه وتخاذل قواه كالحائض ومن به سلس البول والمستحاضة والخائف ~~والمشغول ببعض الطاعات والمباحات. # وثانيها: قوله: لا أرى له جمع التقديم. أراد في نظره واجتهاده وأنه لا ~~يشارك المسافر غيره في هذه الرخصة. # وثالثها: قوله: بل يصليه لوقته. أراد أن الشرع قد حد لها حدا فلا يجوز ~~خروجها عن حدها المشروع لها إلا لدلالة شرعية مبيحة. # ورابعها: قوله: إن أمكنه. أراد مهما كان مطيقا لتأديتها في وقتها فلا عذر ~~له في جمع التقديم بل يكون فرضه العزم على تأخيرها كصلاة العصر حتى يؤديها ~~لوقتها من غير تقديم. # وخامسها: قوله: وإن فاتت لشدة علته فقضاؤها أولى من تقديمها على وقتها. ~~أراد أن تأخير العصر وإن كان المريض يغلب على ظنه أنه إذا أخرها فاتت لشدة ~~علته فهو معذور في التأخير وليس معذورا في التقديم فلهذا كان التأخير أولى، ~~وكلامه هذا محمول على مريض يغلب على ظنه أنه إذا أخرها يغمى عليه ثم يفيق ~~وفي الوقت بقية فتأديتها بعد الإفاقة أحق من تقديمها على وقتها. PageV02P476 # وسادسها: أن تقديمها إلى ms0878 وقت الظهر ليس وقتا لها بحال ولا يعذر في ذلك كما ~~لو أداها قبل الزوال بخلاف ما لو أخرها لشدة العلة فهو معذور، فإذا أخرها ~~فقد أداها في وقتها قضاء أوأداء، فكلامه هذا دال على المبالغة والشدة من ~~هذه الأوجة. # واعلم أن المؤيد بالله وإن بالغ في هذه المسألة وشدد فيها فهي غير خارجة ~~عن المسائل الاجتهادية والآراء النظريه. والرأي المقطوع به والحق الذي لا ~~مراء فيه تصويب الأراء في المسائل الاجتهادية، وأن كل مجتهد مصيب كما ~~قررناه في الكتب الأصوليه، وهي كغيرها من المسائل الخلافيه والمضطربات ~~الفقهيه في العبادات والمعاملات فلا وجه للتشديد في هذه دون غيرها من مسائل ~~التحليل والتحريم. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روى ابن عباس أنه ( ) جمع بين المغرب والعشاء من غير سفر ولا مطر، ~~وروي: من غير خوف ولا سفر. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأن هذه حكاية فعل مجملة ولا ندري كيف وقعت وما كان مجملا فلا ~~حجة فيه فلا بد من بيانها بدلالة منفصلة. # وأما ثانيا: فلأن ظاهر هذا الحديث يقضي بجواز جمع التقديم من غير عذر ~~وأنتم لا تقولون به. # وأما ثالثا: فلأن ما ذكرتموه معارض بحديث ابن مسعود وهو أرجح والعمل عليه ~~أقرب لأنه حاظر وأحاديثكم مبيحة والعمل على الحاظر أولى من العمل على ~~المبيح عند التعارض، فلهذا كان أرجح خاصة في أبواب العبادات والطهارات. # قالوا: إنه مشتغل بأمر ليس فيه معصية فجاز له الجمع في أول الوقت ~~كالمسافر. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه لا جريان للأقيسة في العبادات خاصة في رخص السفر فإنها ~~غير معقولة المعاني فالأقيسة فيها منسدة. # وأما ثانيا: فلأنه معارض بقياس مثله قد قررناه فيجب القضاء ببطلان جريان ~~الأقيسه، والإعتماد على الأخبار المروية التي أوضحناها. PageV02P477 # الحكم الرابع: زعمت الإمامية أن الشمس إذا زالت دخل وقت الصلاتين معا خلا ~~أن الظهر يؤدى قبل العصر، وهذه المقالة فاسدة لأوجه أربعة: # أما أولا: فلأن الإجماع منعقد قبل خلافكم هذا من الصدر الأول على أن ms0879 وقت ~~الزوال لا يصلح إلا للظهر وأنه وقت لاختياره إلى المثل وإنما سوغنا للمسافر ~~ومن في حكمه على ما قررناه من الخلاف لدلالة قامت وحجة وضحت بخلاف ما ~~ذكرتموه فإنه لا دلالة عليه. # وأما ثانيا: فلأن أخبار المواقيت إنما تؤخذ من جهة الشرع وهي دالة على أن ~~كل صلاة مختصة بوقت لا يشاركها فيه غيرها، وإن دلت دلالة على المشاركة ~~قضينا بها، وما ذكرتموه فلا دلالة عليه. # وأما ثالثا: فلأن قولكم دخل وقت الصلاتين بالزوال، إما أن يكون على جهة ~~الجمع أو يكون على جهة البدل، ومحال أن يكون على جهة الجمع فإنه لا يتسع ~~لهما جميعا. وإما أن يقال أنه على جهة البدل إما هذه وإما هذه على جهة ~~الإشتراك، فما هذا حاله لا دلالة عليه ولو قامت عليه دلالة قضينا بها كما ~~قضينا بالإشتراك في آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية، وقامت عليه دلالة. # وأما رابعا: فيلزم مثله إذا غربت الشمس، فإذا دخل الغروب دخل وقت المغرب ~~والعشاء خلا أن المغرب يجب تقديمه وأنتم لا تقولون به فبطل ما ذكروه ، ~~والله أعلم. # الحكم الخامس: في جمع التأخير. واعلم أن جمع التأخير لا يخلو حاله إما أن ~~يكون لعذر أو من غير عذر فهاتان حالتان: PageV02P478 # الحالة الأولى: أن يكون من غير عذر، وهو ممنوع لا يجوز فعله لما روى زيد بن ~~علي عن علي قال: قال رسول الله : ((سيأتي على الناس أئمة بعدي يميتون ~~الصلاة كميتة الأبدان " فإذا أدركتم ذلك فصلوا الصلاة لوقتها ولتكن صلاتكم ~~مع القوم نافلة فإن ترك الصلاة عن وقتها كفر))(1) # ثم إن هذا الحديث قد اشتمل على فوائد خمس: # الأولى منها: قوله: ((سيأتي على الناس أئمة بعدي يميتون الصلاة كميتة ~~الأبدان " )) فيحتمل أن يكون هذا الزمان قد سبق وتقدم وهو ما كان في زمان ~~الدولتين دولة بني أميه وبني العباس فإنهم غيروا الأحكام وتلبسوا بالأثام ~~وأماتوا كل سنة وأحيوا كل بدعة وطغوا وبغوا وظلموا الأمه وقتلوا الأئمة لما ~~أرادوا تغيير ما هم عليه من الظلم ms0880 والفسوق، ويحتمل أن هذا زمان سيأتي ~~فالناس من عام إلى عام يرذلون. # الثانية: تحريم تأخير الصلاة من غير عذر عن وقتها ولهذا سماه إماتة. # الثالثة: وجوب تأدية الصلاة في أول وقتها ولهذا قال: ((فصلوا الصلاة ~~لوقتها " )). # الرابعة: أنه أمر بالصلاة معهم لإدراك فضل الجماعة ولهذا قال: ((ولتكن ~~صلاتكم مع القوم نافلة " )) لأنه ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم)). # الخامسة: قوله: ((فإن ترك الصلاة عن وقتها كفر " )) فيحتمل وجوها ثلاثة: PageV02P479 # أما أولا: فبأن يكون تركها على وجه الإستحلال فيكون ردة وكفرا كما قررناه ~~من قبل. # وأما ثانيا: فبأن يكون محمولا على أن تركها من أفعال الكافرين. # وأما ثالثا: فبان يقال بأنه كفر لنعمة الله تعالى في مخالفة أمره، ~~ومعصيته بترك الصلاة. فهذه الفوائد يحتملها الحديث كما ترى وهو محتمل لأكثر ~~من هذه الفوائد ولكنا اقتصرنا على هذه لمقدار غرضنا، ولله در كلام صاحب ~~الشريعة صلوات الله عليه فما أكثر غرائبه وأحسن عجائبه وأدق أسراره وأعجب ~~غوامضه وأغواره، ونحن الآن نشير إلى كلام الأئمة في حكم المؤخر للصلاة. # قال الإمام القاسم : ليس للناس تأخير الصلاة متعمدين، ولسنا لمن فعل ذلك ~~إذا لم يكن معتلا بحامدين(1). # وكلامه هذا فقد اشتمل على فوائد: # الأولى: كراهة تأخير الصلاة وتأثيم من أخرها على جهة العمد من غير عذر. # الثانية: جواز التأخير للعذر وعلى جهة السهو والنسيان. # الثالثة: توجه النكير عليه إذا لم يكن هناك عذر يعذره في التأخير. # الرابعة: إذا كان عليلا جاز له التأخير. # قال المؤيد بالله : والأقرب أن المختار إذا ترك الصلاة حتى أخر الظهر عن ~~المثل والعشاء عن وقته والمغرب عن وقته في الإختيار وهو ذهاب الحمرة فإنه ~~يأثم ولا تكون كبيرة لأنه آخر الوقت عن مثله(2). # وكلامه هذا مشتمل على فوائد: # الأولى: أنه إذا أخر من غير عمد كالساهي والناسي والعليل فلا إثم عليه للعذر. # الثانية: أنه إذا أخر عن وقت الاختيار فإنه يأثم. # الثالثة: أن تأخيره لا يكون كبيرة ولا يفسق بها. # قال الإمام أبو طالب رضي الله عنه: ms0881 ومن لا يكون معذورا وأخر الصلاة ~~فالظاهر أنها تجزيه وإن كان مسيئا(3). PageV02P480 # والمختار عندنا: تفصيل نشير إليه وهو أن المصلي إذا أخر الظهر عن المثل ~~والعصر عن المثلين أو صلى عند اصفرار الشمس، فإن كان ذلك لعذر على جهة ~~الندرة لشاغل عرض، لم يكن آثما وأجزته الصلاة، وإن كان متخذا لذلك عادة على ~~جهة الإستمرار فإنه يكون آثما عاصيا يستحق النكير لتهاونه بتأدية الصلاة ~~على وجهها، ولتركه لما أوجب الله عليه من المحافظة على أوقاتها. # وهل يكون تأخيره كبيرة يفسق بها أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: التردد في كونها كبيرة والاحتمال من غير صرم، وهذا هو رأي ~~الإمامين القاسم والهادي، فقد قطعا على الإثم والعصيان، ووقع التردد في ~~الفسق وهو لا يقدم عليه إلا بدلالة قاطعة ولم تحصل فلهذا كان الاحتمال ~~منهما. وناهيك بما هذه حاله في القبح في وقوع التردد في كونه فسقا أو غير فسق. # المذهب الثاني: القطع بعدم الفسق، وهذا هو رأي المؤيد بالله. # والمختار عندنا: [المذهب الأول] وهو الأصح من كلام الهادي والقاسم ×. # والحجة على ذلك: هو أن الإكفار والتفسيق لا يقدم عليهما إلا بدلالة قاطعة ~~شرعية لا احتمال فيها ولا تردد، ومن هذه حاله فلم تدل في حقه دلالة شرعية ~~على فسقه فلهذا قضينا بإثمه ومعصيته من غير كبر في المعصية يدل على الفسق. ~~فقد أوردنا كلام الأئمة هاهنا لنطلع على ما فيه من الأسرار والفوائد،والله ~~الموفق. # الحالة الثانية:إذا كان التأخير لعذر وهذا نحو المتيمم العادم للماء، ~~والأمي الذي يتعلم الصلاة، والموميء الذي لا يستطيع قياما ولا قعودا، ~~والقاعد والعريان والواقف في الماء الذي لا يتمكن من الخروج منه، وراكب ~~الراحلة الذي لا يستطيع النزول ومن في حكمهم. فأما المتيمم فقد قدمنا ~~الكلام فيه وهل يلزمه التأخير أم لا؟ فلا مطمع في إعادته، وأما سائر هؤلاء ~~الذين ذكرناهم فهل تكون صلاتهم بدلية فيلزمهم التأخير أو تكون صلاتهم أصلية ~~فيؤدونها في وقتها للإختيار؟ فيه مذهبان: PageV02P481 # المذهب الأول: أن صلاة هؤلاء بدلية عن صلاة من ليس ms0882 معذورا فيلزمه تأخير ~~الصلاة حتى يحصل الإياس عن صلاة الصحة، وهذا هو المحصل على رأي الهادي ~~والقاسم وذكره أبو العباس في (النصوص)(1) # وفصل بين هؤلاء وبين المستحاضة ومن به سلس البول وسيلان الجرح، فقال: إن ~~صلاة هؤلاء بدلية عن صلاة الأصحاء فلهذا وجب عليهم التأخير في الوقت حتى ~~يحصل الإياس بخلاف المستحاضة ومن كان في حكمها فإن صلاتهم أصلية فلا يلزمهم ~~التأخير. # والحجة على هذا: هو أن صلاة هؤلاء بدل عن صلاة الصحيح فتقرير القياس أن ~~نقول: بدل عن مبدول لا مرية في فعله معه فلا يجوز فعله إلا عند الإياس من ~~البدل كالإعتداد بالأشهر ولا إياس إلا في آخر الوقت. # المذهب الثاني: أن صلاة هؤلاء أصلية فلا يجب عليهم التأخير كصلاة الصحيح. # والحجة على هذا قوله لرجل من الأنصار وقد دخل يزوره وقد شبكته الريح: ~~((صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب " ))(2) # ولم يأمره بتأخير الصلاة عن وقتها ولو كان شرطا لذكره لأنه في موضع ~~التعليم والبيان، وهذا هو رأي المؤيد بالله والفريقين الحنفية والشافعية. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله والفريقان. PageV02P482 # وحجتهم: ما أسلفناه ونزيد هاهنا، وهو قوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبهم " }[آل عمران: 191] فأثنى عليهم بفعل الذكر على هذه ~~الأحوال ولم يأمرهم بالتأخير. ولأن فضيلة الوقت مما يجب الإعتناء به ~~وإحرازه فلا يجوز إهماله وتركه وقد قال تعالى مشيرا إلى هذا: {رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " }[النور:37] وأراد: الصلوات في ~~أوقاتها. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: بدل عن مبدول لا قربة في فعله معه فلا يجوز فعله إلا عند الإياس ~~كالمعتدة. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلا جريان للأقيسة في باب العبادات ولا يسوغ استعمالها بحال. # وأما ثانيا: فعمدتنا فيما ذهبنا إليه الآية والخبر فلا يمكن معارضتهما ~~بالقياس لأن رأي القائس لا يساوي كلام الله ولا كلام رسول الله . # وأما ثالثا: فنعارضه بقياس مثله فنقول: صلاة مؤداة على حكم صاحبها في ~~توجه الخطاب ms0883 فلا تؤخر عن وقتها كصلاة الصحيح. PageV02P483 # الحكم السادس: في حكم جمع المشاركة: اعلم أن جمع التقديم والتأخير إنما ~~شرعا في حق المسافر رخصة ورفقا به وتسهيلا لحاله وليسا من أوقات الفضيلة، ~~بخلاف جمع المشاركة فإنه محرز للفضيلة فإن جمع الفرضين بالمشاركة يكون في ~~آخر اختيار الأولى وهي الظهر وإدراك فضيلة الثانية وهي العصر وهكذا حال ~~المغرب والعشاء تكون في آخر اختيار المغرب وإحراز فضيلة العشاء وهو أول ~~وقتها، وليس معدودا في التقصير ولا يحتاج إلى العذر في جواز فعله، وإنما ~~ذكرناه بيانا لحاله وأنه غير معدود في رخصة الجمع بالتقديم والتأخير. فإذا ~~تقرر هذا فالأفضل في [حال] المسافر إذا كان نازلا في وقت الأولى أن يجمع ~~بين الصلاتين في وقت الأولى وإن كان سائرا فالأفضل أن يجمع بينهما في وقت ~~الثانية لما ذكرناه من حديث ابن عباس ومعاذ بن جبل ولأن ما ذكرناه أرفق ~~بالمسافر وأيسر لحاله وأسهل في أمره. # الحكم السابع:وإن أراد المسافر الجمع بينهما في أول وقت الأولى فلا بد من ~~اعتبار شروط ثلاثة: # الشرط الأول: نية الجمع لأنه رخصة وقد قال : ((الأعمال بالنيات ولكل امرء ~~ما نوى " )) وأي وقت تكون النية فيه؟ فإن نوى الجمع عند الإحرام بالأولى صح ~~ذلك، وإن نوى عند الإحرام بالثانية جمعها إلى الأولى جاز ذلك. # الشرط الثاني: الترتيب بينهما إذا كان جامعا في وقت الأولى. # قال السيد أبو طالب: ذكر أصحابنا أنه إذا جمع بينهما في أول الوقت فلا بد ~~من تقديم الأولى على الثانية لأن الوقت لها والثانية تابعة لها فلهذا وجب ~~تقديمها، وإن جمع بينهما في وقت الأخرى فهو مخير في تقديم إحداهما على ~~الأخرى(1). # الشرط الثالث: المتابعة بينهما، فإن فصل بينهما بفصل يسير جاز ذلك لأن ~~ذلك لا يمكن الإحتراز منه، وإن كان الفصل بفعل كثير طويل خارج عن الحد ~~والعرف منع الجمع. PageV02P484 # وهل يسبح بينهما ويفعل نافلة أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: المنع من ذلك، وهذا هو رأي المؤيد بالله وأحد قولي الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن ms0884 الرسول أمر بالإقامة ولم ينتفل بينهما(1). # وثانيهما: جواز ذلك، وهو رأي الهادي وقول آخر للشافعي. # والحجة على هذا: هو أن هذه السبحة من سنن الصلاة فلا يمنع منها. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله لأن ذلك أخلق بحقيقة الجمع لأن مع الفصل ~~لا وجه للجمع، وإن أراد المسافر الجمع بينهما في وقت هذه الثانية فلا بد من ~~اعتبار هذه الشرائط التي ذكرناها لأنهما مستويان في وقوع الرخصة فما ~~اعتبرناه في احدهما اعتبرناه في الآخر. # الحكم الثامن: هل يجوز الجمع في سفر المعصية أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز الجمع وهذا هو الذي رآه المزني وهو قول أبي حنيفة، ~~واختاره السيدان أبو العباس وأبو طالب لمذهب الهادي. # والحجة على ذلك: هو أن الجمع رخصة في السفر كما أن القصر رخصة فيه فإذا ~~جاز القصر في سفر المعصية جاز الجمع من غير فرق بينهما. # المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو رأي الناصر واختاره السيد أبو طالب ~~في (التذكرة) وهو قول الشافعي. # والحجة على هذا: هو ان الجمع رخصة في السفر والرخصة مأخوذة من فعل الرسول ~~، وأفعاله كلها حسنة لا يدخلها محظور لأجل العصمة. فلهذا لم يجز فعله في ~~سفر المعصية. # والمختار: ما قاله الناصر. # والحجة على ذلك: هو أن الجمع رفق وتسهيل على المسافر فلو شرعناه في سفر ~~المعصية لكان ذلك إعانة على المعصية، والعاصي لا يعان على فعل معصية لأن ~~المعين يكون شريكا له. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: الجمع رخصة فيجوز في السفر كما يجوز القصر لأنهما كليهما من رخص ~~السفر فإذا جاز أحدهما جاز الآخر من غير فرق. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV02P485 # أما أولا: فلا نسلم جواز القصر في سفر المعصية وسيأتي تقريره في صلاة السفر. # وأما ثانيا: فلئن سلمنا فالفرق ظاهر فالقصر مأخوذ من الآية ولم يفصل بين ~~حالة وحالة وليس كذلك الجمع فإنه مأخوذ من فعل الرسول وأفعاله كلها موصوفة ~~بالحسن والوجوب، فافترقا، فهذا ما أردنا ذكره في الأحكام المتعلقة بالجمع ~~ونرجع إلى تمام التفريع ms0885 في الأوقات. # الفرع الحادي عشر: ومن وجبت عليه الصلاة فلم يصلها حتى خرج وقتها وجب ~~عليه قضاؤها، لقوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها " ))(1) # فإذا وجب القضاء على الساهي والناسي فوجوب القضاء على العامد أحق وأولى. ~~وإذا وجب قضاؤها فهل يكون على الفور أو على التراخي فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الأوامر المطلقة كلها على الفور وهذا نحو الحج وقضاء ~~الفوائت، وهذا هو رأي الإمامين الهادي والمؤيد بالله، وروي عن الناصر، ~~ومروي عن الكرخي، وأبي يوسف وأبي حنيفة والمزني من أصحاب الشافعي. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا " ومن كفر فإن الله غني عن العالمين}[آل عمران:97] . فأوجب الحج ~~وتوعد على تركه وفي هذا دلالة على المسارعة إلى أدائه ونحن لا نعني بالفور ~~إلا ذلك. # الحجة الثانية: قوله : ((من مات ولم يحج مات ميتة جاهليه " )) وفي حديث ~~آخر: ((فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا))(2). # ووجه الحجة من هذين الخبرين: هو أنه لم يرد عصيانه بالموت فإنه من فعل ~~الله فلا يلام على ما فعله الله وإنما الغرض عصيانه بالتأخر عن أدائه عند ~~إمكانه وهذا هو حقيقة الفور. # الحجة الثالثة: قياسية، وهي أنه واجب غير مؤقت فوجب أن يكون أداؤه على ~~الفور، دليله: حقوق بني آدم. # المذهب الثاني: أن وجوبه على التراخي وهذا هو المروي عن القاسم، واختاره ~~السيد أبو طالب، وهو قول الشافعي. PageV02P486 # والحجة على ذلك: هي أن فرض الحج نزل سنة ست وحج الرسول سنة عشر(1)، # وفي هذا دلالة على التراخي. # الحجة الثانية: هو أن الأوامر المطلقة كلها تقتضي وجوب تحصيل الفعل وليس ~~فيها دلالة على تخصيص الفعل بالوقت الأول ولا بالثاني ولا بالثالث لا من ~~جهة لفظ الأمر ولا من جهة معناه، وفي هذا دلالة على وجوبها على التراخي. # والمختار عندنا: تفصيل نشير إلى أسراره، وهو أن الأوامر المطلقة لا نعني ~~بكونها مطلقة إلا أنها غير مقيدة بشيء من القيود المتعلقة بها، فلو قلنا ~~إنها للفور أو ms0886 للتراخي لبطل كونها مطلقة. لأنا لا نعني بكونها مطلقة إلا ~~أنها خاليةعن القيود الشرعيه. فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الأوامر المطلقة ~~ساكته عن الفور والتراخي لا دلالة عليها لا من لفظها ولا من معناها وإنما ~~يؤخذ الفور والتراخي من دلالة منفصلة لا من مطلق الأمر المطلق، فالمقصود من ~~الأوامر المطلقة إنما هو تحصيل الفعل من غير إشارة فيها إلى قيد من هذه ~~القيود. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه من الحجج. # قالوا: الآية دالة على الفور بقوله: {ومن كفر}(2) # وهذا الوعيد إنما يتناول التراخي. # قلنا: لا ننكر وجوب تحصيله عند كمال شرائطه بمطلق الأمر لا من جهة دلالته ~~على الفور. # قالوا: الخبران يدلان على الفور لاشتمالهما على الوعيد الشديد بتركه. # قلنا: الوعيد إنما تناول على تركه عند استكمال شرائطه لا من جهة فوره ~~فليس فيه دلالة على فور في تحصيله. PageV02P487 # قالوا: واجب غير مؤقت فوجب القضاء بفوره، دليله: ديون بني آدم. # قلنا: ديون بني آدم إن كانت مؤجلة وجب أداؤها عند انقضاء الأجل، وإن كانت ~~غير مؤجلة فوجوب أدائها إنما كان بالمطالبة، فإنه يتضيق أداؤها عندها، ~~بخلاف الأوامر المطلقة فإنه لم يرد فيها إلا مطلق الأمر لا غير وليس فيه ~~دلالة على الفور. # وأما من قال بالتراخي فهو أبعد. # قالوا: ورد الأمر بالحج سنة ست وحج الرسول في سنة عشر، وفي هذا دلالة على ~~التراخي. # قلنا: التراخي إنما أخذ من فعله، لا من جهة مطلق الأمر فلا دلالة فيه على ~~التراخي، ومثل هذا لا ننكره أن تدل دلالة على التعجيل فيكون فورا أو على ~~الإمهال فيكون تراخيا وكلاهما إنما هو في مطلق الأمر. # قالوا: الأوامر المطلقة تقتضي وجوب تحصيل الفعل وليس فيها دلالة على ~~تخصيص الفعل بالوقت الأول ولا بالثاني ولا بالثالث، فدل على أنها على ~~التراخي. # قلنا: إذا لم تكن دالة على تحصيل الفعل في وقت بعينه فليس فيها أيضا ~~دلالة على تحصيل الفعل في أوقات متراخيه. فخصل من مجموع ما ذكرناه أن ~~الأوامر المطلقة لا دلالة فيها على ms0887 قيد من القيود لا بالفور ولا بالتراخي ~~وهو المطلوب. # الفرع الثاني عشر: إذا وجب القضاء للفائتة فهل يجب الترتيب بين المؤداة ~~والفائتة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجب الترتيب بين الفائتة وفرض الوقت، وهذا هو رأي ~~الناصر وزيد بن علي وأبي حنيفة وأحمد وأبي يوسف ومحمد، ومحكي عن مالك وزفر ~~والزهري، والنخعي وربيعة، ثم اختلف هؤلاء في كيفية الترتيب بين الفائتة ~~وفرض الوقت. PageV02P488 # فقال أبو حنيفة وأصحابه: إنه إذا نسي المصلي صلاته حتى دخل وقت صلاة أخرى ~~ثم ذكرها، فإن ذكرها بعد فراغه من الحاضرة أجزته، ويقضى الفائتة سواء كان ~~الوقت واسعا أو ضيقا وإن ذكرها وقد أحرم بصلاة وقته، فإن كان الوقت واسعا ~~بطلت المؤداة، فعليه أن يصلي الفائتة ويصلى الحاضرة، وإن كان الوقت ضيقا ~~مضى عليها ولم تبطل ثم يقضي الفائتة، وإن كانت الفوائت ستا سقط الترتيب وإن ~~كن أربعا لم يسقط الترتيب، وإن كن خمسا ففيها روايتان: # إحداهما: أنها كالست. والثانية: أنها كالأربع. # وذهب مالك والليث: أنه إذا نسي صلاة حتى دخل وقت صلاة أخرى فإن ذكر ذلك ~~وقد أحرم بالحاضرة فيستحب له أن يتم التي هو فيها ثم يقضي الفائتة ثم يجب ~~عليه أن يصلي الحاضرة ويعيدها إلا أن تكون الفوائت ستا سقط الترتيب. # وذهب الزهري والنخعي وربيعة، إلى أن من نسي صلاة فذكرها وقد دخل وقت ~~غيرها وأحرم بالحاضرة أن صلاته تبطل وعليه أن يصلي الفائتة ثم يصلي الحاضرة ~~بعد ذلك. # وذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه إلى أنه إن ذكر الفائتة وهو مع ~~الإمام في الحاضرة مضى فيها على الوجوب ثم يقضي الفائتة ثم يعيد الحاضرة، ~~وحكي عن أحمد بن حنبل أيضا أنه قال: إذا ترك الرجل صلاة في شبابه إلى أن ~~شاخ فعليه أن يقضي الفائتة ثم يعيد كل صلاة صلاها قبل قضائها، فهذه أقاويل ~~الفقهاء في كيفيه الترتيب بين الفائتة وفرض الوقت وهم متفقون على وجوب ~~تقديم الفائتة على الحاضرة على ما حققناه من أقاويلهم. # والحجة لهم: [على] ما ms0888 قالوه: هو أن صفة الصلاة مجملة في كتاب الله فيراعى ~~في عددها وكيفية فعلها في الأداء والقضاء فعل رسول الله وقد روي أنه فاتته ~~أربع صلوات في يوم الخندق فلما كان هوى من الليل قام فقضاهن قبل فرض الوقت، ~~وفعله وارد مورد البيان في الوجوب والإمتثال فظاهره الوجوب إلا إذا خشي فوت ~~فرض الوقت لتضايقه فإنه يسقط ويؤثر المؤداة للدلالة(1). PageV02P489 # الحجة الثانية: هو أن الصلاة المؤداة والفائتة صلاتان واجبتان مفعولتان مع ~~الذكر في وقت متسع لفعلهما فيجب الترتيب بينهما، كصلاة المغرب والعشاء في ~~مزدلفه فلا يلزم عليه إذا ذكر الفائتة وصلاة الوقت قد بلغت آخرها وتضايقت ~~فإنه يبدأ بها لدلالة خاصة. # المذهب الثاني: أنه لا ترتيب بين المؤداة والفائتة وهذا هو رأي القاسم ~~والهادي، ومحكي عن الشافعي وحكي عنه أنه قال: فإن ذكر الفائتة في وقت صلاة ~~حاضرة فإن كان قد ضاق وقت الحاضرة لزمه أن يبدأ بالحاضرة ثم يصلي الفائتة ~~وإن كان وقت الحاضرة واسعا فإنه يستحب له أن يبدأ بالفائتة ثم بالحاضرة وإن ~~بدأ بالحاضرة قبل الفائتة أجزأه ذلك. وظاهر كلامه أنه لا يوجب الترتيب بين ~~الفائتة والمؤداة كما ترى. # والحجة على ذلك: قوله : ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " ))(1) # وفي هذا دلالة على سقوط الترتيب بينها وبين فرض الوقت لأنه خص المكتوبة ~~بالأداء ولم يفصل بين أن تكون عليه فائتة أولا. # الحجة الثانية: ما روى إبن عباس رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((إذا ~~نسى أحدكم صلاة وهو في مكتوبة فليبدأ بالتي هو فيها " فإذا فرغ منها صلى ~~التي نسيها))(2) # وهذا نص صريح في سقوط الترتيب بينها وبين فرض الوقت. فهذه حجج الفريقين ~~قد أشرنا إليها ولهم حجج غير هذه أعرضنا عنها لضعفها. PageV02P490 # والمختار: ما قاله الإمامان القاسم والهادي. # والحجة: ما أسلفناه، ونزيد هاهنا وهو أنا لو أمرناه بالقضاء للفائتة قبل ~~فرض الوقت لكنا قد منعناه عن أداء الفرض في الوقت، وأنه غير جائز لقوله ~~تعالى: {أرأيت الذي ينهى " ، عبدا إذا صلى}[العلق: 9،10] وقال تعالى: ms0889 {أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل}[الإسراء:78]. وظاهر الآية دال على وجوب ~~فعله عند الدلوك من غير اشتغال بالفائتة قبلها، وفي هذا ما نريده من سقوط ~~الترتيب بينها وبين فرض الوقت فهذا تقرير كلام الإختيار. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: بيان الأوقات للصلاة وكيفيتها وأعدادها موكول إلى بيان الرسول وقد ~~فات عليه أربع صلوات في الخندق فقضاهن قبل فرض الوقت. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فإن هذا حكاية فعل لا ندري كيف وقعت فهي مجملة تحتاج إلى ~~البيان. # وأما ثانيا: ففرض الوقت المتأخر لم يحضر فليس فيما ذكرتموه دلالة على ~~تقديم الفائتة على فرض الوقت. # قالوا:هما صلاتان واجبتان فيجب الترتيب بينهما، دليله: صلاة المغرب ~~والعشاء بعرفة(1). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فإن المعنى في الأصل كونهما صلاتين مؤداتين وهذه مقضية فلا ~~تقاس إحداهما على الأخرى. # وأما ثانيا: فإنما وجب الترتيب بينهما لأجل النسك فافترقا. # الفرع الثالث عشر: إذا بطل الترتيب بين الفائتة وفرض الوقت بما أوضحناه ~~فهل يجب الترتيب بين الفوائت أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: وجوب الترتيب بينها، وهذا هو رأي الناصر، ومحكي عن زيد بن ~~علي وأبي حنيفة. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول ، أنه فاته أربع صلوات في الخندق ~~وقضاهن على الترتيب. وفي هذا دلالة على مراعاة الترتيب بين الفوائت. وحكي ~~عن الشافعي: استحباب الترتيب بين الفوائت في أنفسها. # المذهب الثاني: أنه لا ترتيب بينها، وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن ~~الشافعي. PageV02P491 # والحجة على هذا: هو أن الترتيب إنما يستحق لأجل الوقت وقد فات الوقت فلهذا ~~سقط الترتيب. # والمختار: ما قاله [الهادي]. # والحجة على ذلك: هو أن الوقت لما بطل بالفوات صارت مستوية في البداية ~~بأيها شاء، ومن وجه آخر: وهو أن الغرض الإتيان بالصلاة المقضيه سواء كانت ~~مرتبة أو غير مرتبة، فمن أدعى الترتيب افتقر إلى دلالة شرعية ولا دلالة ~~هاهنا تدل على مراعاة الترتيب بينها. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن الرسول أنه فاته أربع صلوات فأداهن مرتبات. ms0890 # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فهذه حكاية فعل لا ندري كيف كانت، والفعل مجمل فيما دل عليه ~~حتى يحصل بيانه. # وأما ثانيا: فلو سلمناه دالا على ما ذكرتموه فإنما هو محمول على ~~الاستحباب دون الوجوب، وهذا الخبر قد أوردوه دلالة على وجوب الترتيب بين ~~الفائتة وفرض الوقت وأوردوه دلالة على وجوب الترتيب بين الفوائت في أنفسها ~~وقد أجبنا عنه فبطل تعلقهم به. # الفرع الرابع عشر: في كيفية قضاء الفوائت. قال الهادي في (المنتخب): إن ~~شاء قضى مع كل صلاة صلاة مثلها وإن شاء قضاها متتابعة في يوم أو أيام ~~ويقضيها كما كان يصليها أداء إذ لا فرق بينهما إلا في النية، فالقضاء لا بد ~~فيه من نية القضاء، والأولى أن يقول: من آخر ما عليه، وإنما كان أولى لقربه ~~من المؤداة. ولو قال: من أول ما عليه لكان جائزا لإستوائهما جميعا في بطلان ~~الوقت فصارت مستحقة معا. وقال في (الأحكام): في الناسي صلاة حتى فات وقتها ~~أن عليه إعادتها عند أن يذكرها. فظاهر كلامه في الجامعين(1) # بطلان [شرط] الترتيب في قضائها. ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه، أن من استدان ~~دراهم مرارا كثيرة ثم قضاها فإنه لا يفترق الحال بين أن يقضي من أول ما ~~عليه أو من آخر ما عليه أو من وسطه لأنها كلها مستوية في الإستحقاق فلهذا ~~سقط الترتيب في القضاء. PageV02P492 # قاعدة: اعلم أن كل من كان عليه صلوات فائتة وأراد قضاءها واختلف حاله في ~~الفوات والقضاء، نظرت فإن كان الإختلاف بالإضافة إلى حال المرض والصحة ~~فإنها تؤدى كحال فرض الوقت فإن فاتت في المرض وقضاها في حال الصحة فهي كفرض ~~الوقت وإن فاتت في حال الصحة فقضاها في حال المرض قضاها كما يؤدي فرض الوقت ~~من قعود وإن كان الإختلاف بالإضافة إلى حالة القصر والإتمام كان اعتبارها ~~بحال الفائتة نفسها فإن فاتت في حال السفر وأراد قضاءها في الحضر قضاها ~~قصرا لأنه عزيمة وإن كان القصر عنده رخصة قضاها تماما لأن الرخصة كانت ~~متعلقة بالوقت وقد فات، ms0891 والخطاب متوجه إليه بقضائها على الكمال من غير نقص، ~~وإن كان فواتها في حال الحضر وأراد قضاءها في حال السفر قضاها تماما ~~كالفائتة. # نعم، وإن فاتته في حال السفر، وكان يرى أن القصر رخصة أو عزيمة ثم تغير ~~اجتهاده فإنه يقضيها على رأيه يوم القضاء لأن الخطاب متوجه إليه عند القضاء ~~ولا اعتبار بما تقدم من تغير الاجتهاد. # الفرع الخامس عشر: في بيان أوقات رواتب الصلاة، وهي تابعة للفرائض، فإذا ~~دخل وقت هذه الفرائض دخل وقتها وتؤدى بعدها لأنها تابعة لها إلا راتبة ~~الفجر فإنها قبلها وأداؤها في وقت الأفضليه ثم في وقت الإختيار فإذا خرج ~~وقت الإختيار بقي وقت الجواز ونحن نذكرها واحدة واحدة. PageV02P493 # الراتبة الأولى: سنة الفجر. والسنة فيها أن تصلى قبل المكتوبة لما روت حفصة ~~عن رسول الله قالت: كان إذا سكت المؤذن من أذان الفجر صلى ركعتين خفيفتين ~~قبل أن يقام للصلاة(1) # وروت عائشة عن الرسول [أنه] كان يصلي بين أذان الفجر وإقامته ركعتين. ~~وروي عنها، قالت: كان رسول الله يصلي في بيتي ركعتين بعد طلوع الفجر ثم ~~يخرج فيصلي بالناس الفجر(2). # وهل تكونان من صلاة الليل أو من صلاة النهار فيه مذهبان: PageV02P494 # المذهب الأول: أنهما من صلاة الليل وتصليان عند طلوع الفجر الكاذب، وهذا هو ~~رأي الناصر، ومحكي عن الباقر والصادق وعلي بن موسى الرضا(1) # والإمامية. # والحجة على هذا: ما روي عن رسول الله أنه قال: ((احشوهما في الليل حشوا " ~~)) وفي حديث آخر: ((دسوهما في الليل دسا))(2). # فظاهر هذين الخبرين يدل على أن وقتهما في الليل كما ذكرناه. # المذهب الثاني: أنهما من صلاة النهار، وهذا هو رأي الإمامين الهادي ~~والقاسم، ومحكي عن الفريقين الشافعية والحنفية. PageV02P495 # والحجة على هذا: ما روينا عن عائشة وحفصة من الأحاديث فإنها دالة على أنه ~~كان يصليهما بعد طلوع الفجر، وروى أمير المؤمنين كرم الله وجهه عن رسول ~~الله ، أنه كان يوتر عند الأذان ويصلي ركعتي الفجر عند الإقامة(1). # والمختار: ما قاله الإمامان الهادي والقاسم. # والحجة ما قدمناه: ونزيد هاهنا وهو ms0892 ما روى زيد بن علي عن رسول الله أنه ~~كان لا يصليهما يعني ركعتي الفجر، حتى يطلع الفجر(2). # ويعتضد ما نقلناه من الأخبار بالقياس، وهو أنها نافلة تختص فرضا فلا تفعل ~~إلا في وقتها كنوافل سائر الفرائض. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. PageV02P496 # قالوا: روي عن رسول الله أنه قال: ((دسوهما في الليل دسا واحشوهما في الليل ~~حشوا " )). وفي هذا دلالة على أنهما من صلاة الليل. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه كان يسفر بالفجر في أول الأمر ثم عاد إلى التغليس وقبض ~~عليه(1) # فالغرض: صلوهما في وقت يلي الليل. وهذا التأويل يجب قبوله لما فيه من ~~الجمع بين الأخبار وتوفقة بين الأدلة حذرا عن التناقض. # وأما ثانيا: فالأخبار التي رويناها راجحة على ما ذكروه لكثرتها ولتصريحها ~~بالمقصود فلهذا كانت أحق بالقبول. # قالوا: هذه الأخبار التي رويتموها محمولة على الفجر الأول، وهو الفجر ~~الكاذب، وعلى هذا تكون موافقة لما قلناه. # قلنا: هذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن السابق إلى الفهم عند إطلاق إسم الفجر إنما هو الفجر ~~الصادق المنتشر عرضا وبه تتعلق الأحكام الشرعية، دون الفجر الكاذب المستطيل ~~فلا يجوز حمله عليه. # وأما ثانيا: فلأنه لا يطلق اسم الفجر على الفجر الأول لا لغة ولا شرعا ~~ولا عرفا، وقد بين الفجر وحده فيجب حمل خطابه الشرعي على ما بينه من جهة الشرع. # الراتبة الثانية: الوتر. وهو سنة وليس واجبا ولا فرضا عند أئمة العترة، ~~ومحكي عن الشافعي وأصحابه ومحمد وأبو يوسف، وبه قال مالك والأوزاعي ~~والثوري، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إنه واجب وليس فرضا لأن الفرض ما ثبت ~~بدليل مقطوع والواجب ما كان وجوبه بدليل مظنون وليس من همنا ذكر حكمه ~~فسنوضحه في باب التطوعات، وإنما نذكر هاهنا وقته ومتى يكون. فيه مذهبان: PageV02P497 # المذهب الأول: أن وقته [من] بعد العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر وهذا هو رأي ~~القاسمية، ومحكي عن أكثر الفقهاء. # والحجة على ذلك: ما روى خارجة " (1) # قال: خرج علينا رسول الله لصلاة الغداة فقال: ((لقد أمدكم ms0893 الله الليلة ~~بصلاة هي خير لكم من حمر النعم " قلنا: وماهي يا رسول الله قال: الوتر ~~جعلها الله لكم من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر)) (2). # وعن علي قال: كان رسول الله يوتر في أول الليل وفي وسطه وفي آخره ثم ثبت ~~الوتر في آخره(3). PageV02P498 # وعن مسروق " (1) # قال: قلت لعائشة: متى كان رسول الله يوتر قالت: كل ذلك قد فعل أوتر أول ~~الليل وآخره ووسطه، ولكن انتهى وتره حتى مات إلى السحر(2). # المذهب الثاني: أن وقته بعد ثلث الليل وهذا شيء يحكى عن الناصر ~~والإمامية. # والحجة على هذا: ما روت عائشة رضي الله عنها أن الرسول كان يوتر في وقت ~~السحر. ووقت السحر: آخر الليل، وفي هذا دلالة على ما قلناه من فعله بعد ثلث الليل. # والمختار: أن وقته بعد العشاء فإذا فعله قبله لم يجزه وأعاده كما لو صلى ~~على ظن أن وقت الفريضة قد دخل ثم بان أنه لم يدخل فإنها تلزمه الإعادة لا ~~محالة(3). PageV02P499 # والحجة على ذلك: ما نقلناه من الأخبار الدالة على أن وقته من بعد العشاء ~~إلى طلوع الفجر، فإن كان المصلي ممن لا يتهجد فالأفضل أن يوتر بعد العشاء، ~~وإن كان ممن يتهجد فالأفضل أن يوتر في آخر الليل، لما روى جابر أن الرسول ~~قال: ((من خاف منكم أن لا يستيقظ من آخر الليل فليوتر من أول الليل " ثم ~~ليرقد ومن طمع منكم أن يقوم آخر الليل فليوتر آخر الليل))(1). # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن رسول الله أنه مات على الوتر في السحر. فدل على ما قلناه ~~من أن وقته بعد ثلث الليل. # قلنا: الأخبار كلها مصرحة بأنه أوتر في أول الليل وآخره ووسطه كل هذا ~~توسعة على الأمة ورحمة لهم فلا وجه لقصر وقته على ما بعد ثلث الليل. # الراتبة الثالثة: سنة المغرب. وهي بعد صلاة المغرب وقتها وهو وقت ~~الفضيله، ووقتها في الإختيار إلى غيبوبة الشفق الأحمر، ومن بعد الشفق ~~الأحمر إلى طلوع الفجر وقت للجواز، ولا تصلى قبل المغرب ms0894 ومن صلاها قبلها ~~أخطا وأعادها، ويدخل وقتها بالفراغ من المغرب، فأما الركعتان قبل المغرب ~~فهما نافلة غير الراتبة، وقد روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا قبل المغرب ~~ركعتين لمن شاء " ))(2) PageV02P500 خشية أن يتخذها الناس سنة. فدل ذلك على الجواز، وروي عن أنس بن مالك أنه ~~قال: صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله ، فقيل لأنس: هل رآكم ~~رسول الله ؟ قال: نعم رآنا فلم يأمرنا ولم ينهنا(1)، # وسئل إبن عمر عن الركعتين قبل المغرب فقال: ما رأيت أحدا صلاهما على عهد ~~رسول الله (2). PageV02P501 # الراتبة الرابعة: سنة الظهر. ويدخل وقتها بالفراغ من الظهر، وهو وقت ~~الفضيلة، ووقتها في الإختيار إلى عند المثل، وبعد المثل وقت جوازها إلى ~~غروب الشمس، فأما العصر والعشاء فليس لهما راتبتان واضب الرسول على فعلهما ~~بعد هاتين الفريضتين مثل غيرهما من الفروض، فأما الأربع قبل العصر ~~والركعتان بعد العشاء فهي من جملة النوافل المبتدأة، وسنوضح الكلام في ~~الأفضل من هذه الرواتب، ونذكر النوافل ما يتكرر منها بحسب الأعوام، وما ~~يتكرر بحسب الأسابيع، عند الكلام في صلاة التطوع بمعونة الله تعالى. # الفرع السادس عشر: يكره النوم قبل العشاء لما روى أبو برزة " (1) # عن رسول الله قال: كان يكره [النوم قبل العشاء] والحديث بعدها(2). # ويكره السمر. لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا سمر إلا لمصل أو مسافر " ))(3). PageV02P502 # ويستحب إذا كان في مصلحة من مصالح الدين وأمر الجهاد وحوائج المسلمين. لما ~~روى عمر بن الخطاب قال: كان رسول الله يسمر في الأمر من أمور المسلمين. # وإن أحرم الرجل بالصلاة في هذه الأوقات المكروهة الثلاثة(1) # فهل يقطع الصلاة ويخرج منها أم لا؟ فيه تردد في انعقادها. # والمختار: قطعها ويأثم إن أتمها ولا تنعقد صلاته كما لو صلى بغير وضوء ~~لأن اشتراط صحة الوقت للصلاة كاشتراط الوضوء للصلاة ولأنه قد نهي عن الصلاة ~~في هذه الأوقات الثلاثة والنهي يقتضي فساد المنهي عنه خاصة في العبادات، ~~فإنه لا يقع فيه تردد بخلاف عقود المعاوضات فإن فيها ترددا هل يكون النهي ~~مفسدا لها ms0895 أم لا؟ # ومن اشتبه عليه الوقت صلى بالاجتهاد، ويظهر ذلك بالوظائف والأوراد ~~بالقرآءة فإن وقع في الوقت أو بعده فلا قضاء عليه، وإن كان قبل الوقت فإن ~~أدرك الوقت أعاد لأن الخطاب متوجه إليه في تأدية الصلاة وإن لم يدرك الوقت ~~فلا قضاء عليه، لقوله : ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم)). فهذا ما ~~أردنا ذكره في بيان الأوقات المكروهة وما يتعلق بها من تفاصيل المسائل ~~والله الموفق للصواب. PageV02P503 # --- ### || AUTO الفصل الثالث # في بيان صلاة العليل وأرباب العذر # اعلم أن الذي يتعلق بما نحن فيه من بيان الأوقات إنما هو الكلام في أرباب ~~الأعذار فأما الكلام في صلاة العليل فلا تعلق لها بالأوقات وإنما مواضعها ~~باب الصلاة ولكنا أوردناها هاهنا لغرضين: # أحدهما: أن المرض نوع من العذر، كالجنون والإغماء. # وثانيهما: أنا جمعناهما هاهنا تبركا بكلام السيد أبي طالب وتيمنا بإيراده ~~فإنه جمعهما في (التحرير) في باب واحد فتابعناه، فنجعل الكلام في قسمين: ~~قسم في العليل، وقسم في أرباب الأعذار. # القسم الأول: في بيان صلاة العليل. # العليل يصلي على الحالة التي يقدر عليها فإن كان عاجزا عن القيام صلى ~~قاعدا فإن لم يقدر على القعود صلى على جنب، لقوله تعالى: {الذين يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم}[آل عمران:191] وقيل في تفسير الآية: قياما ~~إذا قدروا عليه وقعودا إذا لم يطيقوا القيام، وعلى جنوبهم إ ذا لم يطيقوا ~~القعود. # وروي عن عمران بن الحصين أنه قال: كان بي بواسير، والباسور: ورم يقع في ~~باطن المقعدة ينفجر وربما قتل(1). # فسألت رسول الله عن الصلاة فقال: ((صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم ~~تستطع فعلى جنب " ))(2). # وقال أنس بن مالك: سقط رسول الله من راحلته فجحش شقه الأيمن فصلى قاعدا ~~وصلى الناس معه قعودا. فهذا تمهيد الباب. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: العاجز الذي يجوز له ترك القيام لا يخلو حاله إما أن يكون ~~زمنا(3) PageV02P504 لا يستطيع القيام بحال أو يكون صحيحا خلا أنه لا يستطيع القيام إلا بتحمل ~~مشقة شديدة ms0896 أو يخاف إن قام تأثيرا ظاهرا في العلة إما بزيادتها أو ~~استمرارها أو حدوث علة أخرى بالقيام، جاز له ترك القيام لأن كل عبادة لم ~~يقدر على أدائها إلا بتحمل مشقة شديدة جاز تركها إلى بدلها كالمسافر في شهر ~~رمضان فإنه يجوز له الإفطار(1) # وإن كان قادرا على الصيام لتحمل المشقة، لما روى جابر أن رسول الله ، سقط ~~من فرس فانفكت قدمه فدخلنا عليه نعوده وهو يصلي قاعدا وصلينا قياما بصلاته ~~فأومى إلينا أن اجلسوا، فلما فرغ من صلاته قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به ~~" فإذا صلى قائما فصلوا قياما وإذا صلى جالسا فاجلسوا))(2). # فإذا ثبت هذا فكيف يكون الاستحباب في القعود؟ فيه مذاهب ثلاثة: PageV02P505 # المذهب الأول: أنه يقعد متربعا، وهذا هو الذي نص عليه الإمامان القاسم ~~والهادي وهو قول المؤيد بالله وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روت عائشة قالت: رأيت رسول الله يصلي متربعا. (1).وقد ~~قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي " )). # الحجة الثانية: هو أن التربع بدل عن القيام وقد أخذ في القيام الإستواء ~~والتمكن، فبدله يكون على حاله في الإستواء والتمكن في الصلاة. وصورة ~~التربع: أن يجعل باطن قدمه اليمنى تحت فخذه اليسرى وباطن قدمه اليسرى تحت ~~فخذه اليمنى حتى يكون مطمئنا للقعود، ويضع كفيه على ركبتيه مفتوحة أنامله ~~كما يصنع في الركوع. # المذهب الثاني: أن يقعد مفترشا، وهو أحد قولي الشافعي، ومحكي عن زفر. # والحجة على هذا: هو أن الإفتراش قعود العبادة وهو المشروع في قعود الصحة ~~للصلاة، والتربع هو قعود العادة. فلهذا كان الإفتراش أدخل في الاستحباب من ~~التربع، وصورة الإفتراش وهو التورك: أن يفترش وركه اليسرى وينصب قدمه ~~اليمنى ويبسط يديه على فخذيه كما يفعل ذلك في التشهد الأخير. # المذهب الثالث: أن العاجز عن القيام يقعد كيف شاء، وهذا هو رأي محمد بن ~~الحسن وحكاه عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا هو أن هذه حالة ضرورة فلهذا جعلناها موكولة إلى رأي ~~المريض يفعل كيف شاء من التربع والإفتراش. # والمختار: ما قاله الإمامان ms0897 الهادي والقاسم لما قررناه، ونزيد هاهنا وهو ~~أن التعويل على ما دلت عليه الأخبار أحق من التعويل على ما يحصل من الأراء ~~خاصة في العبادات، فإذا أثر عن صاحب الشريعة قول فهو أحق بالقبول من غيره ~~لأنه لا ينطق عن الهوى وإنما ينطق عن الوحي بتأييد العصمة. PageV02P506 # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: التربع هو فعل العادة، والإفتراش هو فعل العبادة فلهذا كان أدخل ~~في الاستحباب. # قلنا: تلك حالة الرفاهية، وهذه حالة الضرورة بالعجر والمرض فأحدهما مخالف للآخر. # قالوا: يفعل المريض لنفسه ما شاء وإليه الخيرة في ذلك من التربع ~~والإفتراش على قدر حاله في التمكن. # قلنا: لا ننكر ما قلتموه ولكن إذا أشار صاحب الشريعة صلوات الله عليه إلى ~~شيء في العبادات فكلامه أحق بالقبول من تحكيم الأراء القياسيه. فكلامه أصدق ~~وفعله أوفق وهذه الأقاويل كلها إنما هي في الاستحباب لكن ما اخترناه أحق ~~لإشارة صاحب الشرع إليه. # الفرع الثاني: وإذا قعد المريض نظرت فإن أمكنه الركوع والسجود فعل ذلك ~~لأنه قادر عليه لكنه ينحني في الركوع حتى يصير بالإضافة إلى القاعد كالراكع ~~بالإضافة إلى القائم، وإن لم يقدر أن يسجد على الأرض لعلة في جبهته وظهره ~~إنحنى أكثر ما يقدر عليه وإن أمكنه أن يسجد على صدغه الأيمن أو الأيسر فعل ~~ذلك لأنه يكون أقرب إلى هيئة السجود على الجبهة. والصدغ ما يلي العين لأن ~~كل ما كانت الجبهة أقرب إلى الأرض فهو أولى. وإن كان يمكنه السجود على عظم ~~الرأس وهو ما فوق الجبهة كان أولى لأن الرسول سجد على قصاص رأسه، فإذا جاز ~~ذلك في حال الصحة كان جوازه في حال المرض أجوز، وإن سجد على حجر أو مخدة أو ~~وسادة نظرت فإن كان يحملها بين يديه ليسجد عليها لم يجز لأنه يكون ساجدا ~~على ما يحمل، وإن وضعها على الأرض وسجد عليها جاز ذلك، لأنه سجد على الأرض، ~~وهكذا لو سجد على شيء مرتفع وهو صحيح أجزأه ما لم يكن خارجا عن هيئة ~~السجود، وإذا ms0898 كان قادرا على أن يصلي قائما منفردا ويخفف الصلاة وحده، وإذا ~~صلى خلف الإمام احتاج إلى أن يقعد في بعضها، فالأولى له أن يصلي منفردا ~~وكان هذا عذرا في ترك الجماعة. فإن صلى مع الإمام وجلس فيما عجز عنه كانت ~~صلاته صحيحة. PageV02P507 # الفرع الثالث: وإذا كانت به علة يقدر معها على القيام، وتمنعه من الركوع ~~والسجود، وجب عليه القيام فيقوم ويقرأ في حالة القيام. وكيف يفعل بالركوع ~~والسجود؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يومئ للركوع من قيام ثم يقعد ويومئ للسجود من قعود وهذا هو ~~رأي أبي طالب، ومحكي عن الشافعي. # وثانيهما: أنه يفعل ما شاء وهو بالخيار إن شاء صلى قائما وإن شاء صلى ~~جالسا، وهذا هو رأي أبي حنيفة. # والمختار: ما قاله الشافعي لقوله لعمران بن حصين: ((صل قائما فإن لم ~~تستطع فجالسا " )) ولأنه إذا أومأ للركوع من قيام كان أقرب إلى هيئة ~~الركوع، وإذا أومأ للسجود من قعود كان أقرب إلى هيئة السجود، فلهذا كان ~~أولى، وإذا بلغ إلى الركوع وعجز عن أن ينحني حنى رقبته، فإن لم يقدر إلا ~~بأن يعتمد على عكاز أو عصا إعتمد عليها وانحنى. وإن تقوس ظهره من الكبر أو ~~انحدب حتى صار كالراكع ولا يقدر على الإستواء فعليه أن يصلي على حالته فإذا ~~بلغ الركوع انحنى وإن كان يسيرا ليقع الفصل بين القيام والركوع. # وإن كان بعينيه رمد وكان يقدر على الصلاة قائما فقيل له: إن صليت مستلقيا ~~على قفاك كان أقرب إلى عافيتك وأسرع إلى برئك، فهل يجوز له ذلك أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: جواز ذلك وهو رأي المنصور بالله ودل عليه كلام المؤيد ~~بالله، والمحكي عن بعض أصحاب الشافعي، وهو رأي أبي حنيفة والثوري. # والحجة على هذا: هو أنه لو كان صائما ورمدت عيناه واحتاج إلى الفطر لسرعة ~~العافية جاز له ذلك، فهكذا هاهنا يجوز له ترك القيام لأجل العافيه. # المذهب الثاني: المنع من ذلك وهذا هو المحكي عن مالك والأوزاعي، وهو رأي ~~أكثر أصحاب الشافعي. PageV02P508 # والحجة على ms0899 هذا: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه لما نزل في عينيه ~~الماء كف بصره فقال له الطبيب: إن صبرت على سبعة أيام تصلي مستلقيا على ~~قفاك داويتك ورجوت لك العافية، فأرسل إلى عائشة وأم سلمه وأبي هريرة وغيرهم ~~من الصحابة يسألهم عن ذلك، فقالوا له: إن مت في هذه الأيام ما تفعل بصلاتك؟ ~~فترك مداواة عينيه، وفي هذا دلالة على المنع من ذلك، ولله در العلماء وأهل ~~الفضل والمراقبة لخوف الله ما أشد مراقبتهم وأخوفهم لله وأقومهم بما وجب ~~عليهم وأعظم تواضعهم، أنظر إلى ابن عباس مع علمه الباهر وتبحره في علوم ~~الشريعه ما اكتفى بنظره حتى أرسل إلى الصحابة ولم يقبل الرخصة واعتمد على ~~ما قالوا لما فيه من الحيطة للدين وآثر الضرر بنفسه على ترك الصلاة(1). # والمختار: الجواز لأمرين: # أما أولا: فلقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} # [الحج: 78] وأي حرج أعظم من ذهاب البصر وفساده، وفي صحته قوام أمر الدين ~~وتأدية العبادات على أكمل حالة وأتمها فلهذا جاز فعل الصلاة على الوجه ~~الممكن حتى يتم هذا الغرض من الصحة. # وأما ثانيا: فلأنه إذا جاز الإفطار بعروض المرض والسفر ميلا إلى التخفيف، ~~فإذا جاز ترك هذه العبادة أعني الصوم لعارض المرض والسفر جاز مثله في ~~الصلاة. بل هاهنا أجوز لأن الصوم في السنة مرة والصلاة في كل يوم وليلة ~~فالرخصة فيها أقرب مع أنه يأتي بالصلاة بالممكن بما هو بدل عن صلاة الصحة. ~~اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا أبدا ما أبقيتنا واجعله الوارث منا. # فأما ما حكي عن فتوى الصحابة بالمنع فله تأويلان: # أحدهما: أنهم عملوا في ذلك على الإحتياط والورع دون الشرع فلهذا أفتوه ~~بالإمتناع. # وثانيهما: أنه لم يغلب على ظنهم العافية والبرؤ لاستحكام العلة، فلهذا ~~كان جوابهم: منع ذلك. PageV02P509 # الفرع الرابع: إذا عجز المريض عن الركوع والسجود وهو قادر على القعود فإنه ~~يصلي بالإيماء يكون إيماؤه لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه لما روي عن ابن ~~عمر أنه قال: إذا لم يستطع المريض ms0900 السجود أومأ إيماءا. # وقلنا: يكون إيماؤه لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه، لما روى زيد بن علي عن ~~علي قال: دخل رسول الله على رجل يعوده فقال: يا رسول الله كيف [أصلي]؟ ~~فقال: ((إن استطعتم أن تجلسوه فأجلسوه " وإلا فوجهوه إلى القبلة ومروه ~~فليومئ إيماء ويجعل السجود أخفض من الركوع وإن كان لا يستطيع أن يقرأ ~~فاقرأوا عنه))(1). # قال الهادي في (الأحكام): ولا يقرب شيئا من وجهه فيسجد عليه ولا يقرب ~~وجهه إليه. وقد قال به غيرنا، وليس له عندنا معنى ولم أعرف قائلا به من أهل ~~العلم. وكلامه هذا محمول على أنه لا يحمل شيئا بيديه فيسجد عليه ليطابق ما ~~قاله القاسم في (النيروسي)، وإن أطاق السجود سجد على الأرض وإلا فعلى ما ~~يمكنه من وسادة أو غيرها على ما فصلناه من قبل لأنه يكون ساجدا على الأرض. # الفرع الخامس: إذا عجز المريض عن الصلاة قاعدا فإنه يصلي مضطجعا لقوله ~~تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم}[آل عمران:191] ولما ~~رويناه من حديث عمران بن حصين. وكيف يكون الإضطجاع، فيه ثلاثة أوجه: PageV02P510 # الأول: أن يعترض على جنبه بين يدي القبلة كما يفعل في لحده، وهذا هو رأي ~~المؤيد بالله، ومحكي عن الشافعي وأحمد بن حنبل، وروي عن عمر أيضا. # والحجة على هذا ما روي عن الرسول أنه قال: ((يصلي المريض قائما فإن لم ~~يستطع صلى قاعدا " فإن لم يستطع صلى على جنبه مستقبل القبلة))(1). # الوجه الثاني: أن يستلقي على قفاه ويستقبل القبلة برجليه وهذا هو رأي ~~الهادي، ومحكي عن إبن عمر، والثوري، والأوزاعي وأبي حنيفة. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول حيث دخل على المريض فقال: ((وجهوه إلى ~~القبلة " ))(2). # وهو إذا كان مستلقيا على ظهره كان متوجها بجميع بدنه إليها. # الوجه الثالث: أن يكون مضطجعا على جنبه الأيمن ويستقبل القبلة برجليه ~~ويكون وجهه إلى جهة المشرق أو المغرب، وهذا شيء حكاه بعض أصحاب الشافعي، ~~ولم يحك أن أحدا قال به ولم أعرف له قائلا، وإنما حكيناه لكونه ممكنا من ms0901 ~~جملة أحوال الإضطجاع. # والمختار في الإضطجاع: أن يكون لجنبه كما يكون في اللحد. وتعضده الآية في ~~قوله تعالى: {وعلى جنوبهم} وهذا نص صريح في إضطجاعه على جنبه، وأما الخبر ~~فقوله: ((فإن لم يستطع فعلى جنب مستقبل القبلة " )). # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روينا عن الرسول أنه قال: ((وجهوه إلى القبلة " )). وهو إذا كان ~~على ظهره كان متوجها بجميع بدنه إلى القبلة. # قلنا: خبرنا يعارض خبركم وتبقى الآية لا معارض لها فيجب العمل على ~~ظاهرها. PageV02P511 # قالوا: إذا كان مسلقيا على قفاه كان متوجها بجميع بدنه إلى القبلة فيكون أولى. # قلنا: لا نسلم ما ذكرتموه بل إذا كان على جنبه فهو مستقبل القبلة بجميع ~~بدنه، وإذا كان على قفاه كان رأسه مستدبرا للقبلة ورجلاه نحو القبلة لا غير ~~والإستقبال للقبلة بالوجه أفضل من استدبارها بالرأس، والإستقبال بالوجه ~~للقبلة أفضل من استقبالها بالرجلين، فلهذا كان الأفضل هو الإضطجاع على جنب. # الفرع السادس: وإذا صلى على جنبه كما أشرنا إليه فإنه يومي برأسه للركوع ~~والسجود ويكون إيماؤه لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه لما روينا من حديث ابن ~~عمر، فإن لم يستطع المريض السجود أومأ إيماءا فإن عجز عن الإيماء برأسه فهل ~~يسقط عنه فرض الصلاة أو يتوجه عليه تكليف آخر؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن المريض إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقط عنه فرض الصلاة. ~~وهذا هو الذي حصله السيدان أبو طالب وأبو العباس لمذهب الهادي وهو قول أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن الصلاة إنما هي أعمال هذه الجوارح اليدان والرجلان ~~والرأس، وكل واحد من هذه الأعضاء له عمل في الصلاة فإذا عجز المريض عن هذه ~~الأمور الثلاثة سقط عنه فرضها لأن ما عداها لا يقال له صلاة. # المذهب الثاني: أن المريض إذا عجز عن الإيماء بالرأس توجه عليه الإيماء ~~بعينيه وحاجبيه ولا يسقط عنه فرض الصلاة، وهذا هو الذي حصله الشيخ علي بن ~~الخليل من مذهب المؤيد بالله، وهو قول الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن علي عن ms0902 الرسول أنه قال: ((يصلي المريض قائما ~~فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جنب " مستقبل القبلة فإن لم يستطع ~~صلى على قفاه وأومأ بطرفه))(1). PageV02P512 # فهذا فيه دلالة على أنه لا يسقط عنه فرض الصلاة مهما قدر على الإيماء بطرفه. # المذهب الثالث: أنه إذا عجز عن الإيماء بالعينين والحاجبين سقط عنه فرض ~~الصلاة، وهذا هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ~~وأصحابه ومالك، وحكي عن زفر والغزالي: أنه يتوجه الإيماء بالقلب إذا عجز عن ~~الإيماء بطرفه. # والحجة على هذا قوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم " )) وهذا ~~يستطيع ما ذكرناه فوجب الإتيان به. # والمختار: ما حصل على رأي الهادي واختاره السيدان أبو طالب وأبو العباس ~~لمذهبه. # والحجة له: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو أن الآية اقتصر فيها على القيام ~~والقعود والجنب ولم يزد على ذلك، وفي هذا دلالة على أن التكليف بالصلاة ~~مقصور على ما ذكرناه من غير زيادة. وهكذا حال الخبر فإنه دال على ما ذكرناه ~~من الإقتصار على هذه الأمور الثلاثة فلو كان شيئا واجبا تكون صلاة لذكرها ~~لأنه في موضع التعليم فلا يجوز تأخيره عن البيان في وقت الحاجة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن أمير المؤمنين [ما] رواه عن الرسول أنه إذا عجز عن الإيماء ~~بالرأس أومأ بطرفه، وفي هذا دلالة على أن الإيماء ليس مقصورا على الرأس. # قلنا: إنما كان ذلك على جهة الاستحباب حتى لا يخلو المريض من ذكر الله ~~فأما أنه يعد صلاة فلا يعد صلاة، فأما ما روي عن زفر أنه يتوجه على المريض ~~الإيماء بالقلب. # قلنا: الإجماع منعقد على بطلان هذه المقالة من جهة الصدر الأول وإن ما ~~هذا حاله لا يعد من الصلاة. # قوله: روي عن الرسول : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم " )). # قلنا: إنما يعني ما كان من المأمورات الداخلة تحت القدرة والإمكان، وما ~~هذا حاله فلا يعد صلاة، وأيضا فإن المقصود هو إيقاظ المريض عن الغفلة عن ~~ذكر الله وأنه مأمور ms0903 بذلك فأما أنه مكلف بالصلاة إذا انتهى إلى هذه الحالة ~~فلا قائل به، فيجب أن يكون باطلا. PageV02P513 # الفرع السابع: وإن افتتح الصلاة قائما ثم عجز عن القيام فله أن يجلس ويبني ~~على صلاته، وهذا قول أئمة العترة وفقهاء الأمة لا يعرف فيه خلاف بينهم، ولو ~~قرأ الفاتحة في حال الإنحطاط إلى آخر الجلوس أجزأه لأن الإنحطاط أعلى من ~~حال الجلوس، فإذا كانت القراءة مجزية له في حال الجلوس فلأن تجزيه في حال ~~الإنحطاط أحق وأولى، وهكذا لو افتتح الصلاة جالسا ثم عجز عن الجلوس واضطجع ~~في صلاته بنى عليها كما قلناه في التي قبلها، وإن افتتح الصلاة جالسا عند ~~العجز عن القيام ثم قدر على القيام في أثناء الصلاة وجب عليه القيام. وهل ~~يبني على صلاته أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يستأنف الصلاة ولا يبني وهذا هو رأي أئمة العترة، ~~ومحكي عن محمد بن الحسن. # والحجة على ذلك هو: أنه قد عاد بعد زوال العذر إلى الحال التي لو كان ~~عليها في الإبتداء لم يجز الدخول فيها وهو عليها(1) فلهذا لزمه الإستئناف ~~كالمستحاضة إذا زال عذرها بانقطاع الدم في الصلاة وكالمتيمم إذا وجد الماء ~~في خلالها. # المذهب الثاني: أنه يجوز له البناء ولا يلزمه الإستئناف وهذا هو قول ~~الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأبي يوسف. # والححة على ذلك هو: أن زوال العذر لا يورث عملا طويلا فلا تبطل الصلاة ~~لأجله كالأمة إذا صلت بغير الخمار ثم اعتقت فإنه لا يلزمها استئناف الصلاة ~~لأنه لا يورث عملا طويلا. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة. # والحجة لهم: ما نقلناه ونزيد هاهنا، وهو أن صلاة القاعد بدل عن صلاة ~~القائم لأجل العذر فإذا وجد المبدل منه بدل البدل وجب عليه الإستئناف ~~كالمتيمم إذا رأى الماء. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: زوال العذر لا يورث عملا طويلا فلا يلزم الإستئناف كالأمة إذا أعتقت. PageV02P514 # قلنا: المقصود: هو بطلان الصلاة ووجوب استئنافها مع وجود المبدل سواء كان ~~بعمل قليل أو كثير ولا تلزم عليه ms0904 الأمة إذا أعتقت لأن صلاتها ليست بدلا ~~وإنما وجب عليها الستر من عند العتق بأمر جديد لا من أول الصلاة ولهذا فإنه ~~يجوز لها الصلاة من غير خمار من أول الصلاة فجاز لها البناء بخلاف القاعد ~~فإنه إنما وجب عليه القعود بدلا عن القيام فإذا وجد القيام استأنف الصلاة ~~فافترقا. # قاعدة:اعلم أن المصلي إذا تغير حاله في الصلاة نظرت فإن تغير حاله من ~~الأعلى إلى الأدنى جاز له البناء على ما فعله في حال العذر كالقائم يقعد ~~والقادر إذا عجز عن القيام واللابس إذا عدم ستر العورة، فمن هذه حاله يبني ~~على صلاته ولا يستأنفها لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم " }[محمد:33] ~~ولأنه إذا بنى عليها فقد أدى بعضها على التمام وبعضها على النقصان، وإذا ~~استأنفها أداها كلها على النقصان فلهذا كان البناء أحق وأولى. # وإن انتقلت حاله من الأدنى إلى الأعلى استأنف الصلاة لأنه قد قدر على ~~البدل فلا يجوز البقاء عليه مع وجود مبدله وتمكنه منه، كالمستحاضة إذا زال ~~عذرها والمتيمم إ ذا وجد الماء في الصلاة. ولا يستثنى من هذه القاعدة إلا ~~الأمة إذا صلت من غير خمار ثم أعتقت فإنه لا يلزمها الإستئناف لأن الخطاب ~~بالستر إنما توجه عليها في الحال ولهذا فإنه يجوز لها الصلاة من غير خمار ~~مع القدرة عليه. # الفرع الثامن: قال المؤيد بالله: يفسق المريض إذا ترك الصلاة وهو يقدر ~~عليها بالإيماء والطهارة لا خلاف فيه. PageV02P515 # واعلم أن الإكفار والتفسيق لا يكون إلا بالأدلة الشرعية؛ لأن العقل لا مجال ~~له فيهما، وإنما مستندهما هو القطع بأدلة الشرع، إما بآيات منصوصة لا يتطرق ~~إليها التأويل، وإما بسنة منصوصة متواترة، وإما بإجماع قاطع منقول ~~بالتواتر، وما عدا هذه من الأمور الظنية فلا مدخل له في الإكفار والتفسيق ~~والإجماع منعقد على ما قلناه. فإذا عرفت هذا فاعلم أن كلام الإمام محمول ~~على أن تارك الصلاة لا يفسق إلا بصلاة يوم وليلة إذا تركها وهو قادر على ~~الإيماء والطهارة؛ لأن مستندنا في التفسيق بما ذكرناه إنما هو ms0905 الإجماع ولم ~~ينعقد الإجماع إلا على ما قلناه. لأن من الفقهاء من قال: يفسق بصلاة واحدة ~~ومنهم من قال: يفسق بصلاتين ومنهم من قال: بثلاث، والإجماع إنما انعقد ~~بصلاة يوم وليلة وهو مستند التفسيق بالترك. فأما ما حكي عن الهادي من تفسيق ~~تارك الصلاة إذا لم يجد ماء ولا ترابا ففيه نظر، لأنا قد قررنا أن التفسيق ~~والإكفار إنما يكون بالأدلة القاطعة الشرعية، وأن التفسيق بمسائل الخلاف ~~ومسالك الظنون فلا وجه له، اللهم إلا أن يحمل على أنه يجوز أن يكون فاسقا ~~عند الله دون ظاهر الشرع، وهذا وإن كان محتملا لكن لا وجه للتكليف بما كان ~~عندالله. # الفرع التاسع: قال المؤيد بالله: وإذا كان بالإنسان سيلان جرح كلما قام ~~أو سجد سال منه الدم، ولو كان قاعدا لم يسل وبقيت له الطهارة، فالأصح عندي ~~أن يترك القيام لضبط الطهارة وهذا جيد مطابق للأصول والقواعد، ويقوى لأمور ثلاثة: # أما أولا: فلأن الطهارة لازمة في جميع الصلاة والقيام بعض أركان الصلاة ~~فلهذا كانت الطهارة أحق بالمراعاة. # وأما ثانيا: فلأن الطهارة لا بدل لها، والقيام له بدل وهو الإيماء فلهذا ~~كانت أحق بالمواظبة. PageV02P516 # وأما ثالثا: فلأن مراعاة جانب الطهارة أحق في نظر الشرع ولهذا فإن المتنفل ~~يجوز له ترك القيام مع القدرة عليه بخلاف الطهارة فلا يجوز له تركها، وقال ~~أيضا: والمجروح إذا كان يغشى عليه متى أخذ في التوضي للصلاة في حال وضوءه ~~أو صلاته بحيث لا يستمر له من الصحة وكمال العقل في وقت الصلاة قدر ما ~~يتمكن من أدائها إلا ويغمى عليه، فالأقرب أنه لا صلاة عليه. وهذا صحيح أيضا ~~من وجهين: # أما أولا: فلأن العقل ملاك التكليف فلا يعقل تكليف إلا مع كماله وبقائه. # وأما ثانيا: فلأن الإغماء يبطل الطهارة وينقضها. فهذان أصلان في سقوط ~~الصلاة، فإذا كان المريض يغمى عليه ولا يتمكن من تأدية الوضوء والصلاة مع ~~ملازمة الإغماء فمن هذه حاله فلا يتوجه وجوبها عليه لما ذكرناه. وقال أيضا: ~~والمجروح إذا اضطربت عليه الفتيلة في جرحه ms0906 ولا تأخذ قرارها إذا ركع أو سجد ~~جاز له تركهما أعني الركوع والسجود، و[كفاه]الإيماء لهما. وهذا صحيح أيضا ~~لما ذكرناه عنه في مسألة من به سيلان الجرح. ويجوز له الإفطار إذا كان جرحه ~~لا يلتئم إلا مع الإفطار من جهة أن المرض يبيح الإفطار كما قال تعالى: {فمن ~~كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " }[البقرة: 184] فهذه المسائل ~~كلها صحيحة لجريها على قواعد الأدلة الشرعية. # الفرع العاشر: قال الإمام زيد بن علي: يصلي الأخرس راكعا وساجدا ويجزيه ~~ما في قلبه. والأمي يسبح الله ويذكره. PageV02P517 # اعلم أن الأخرس الذي لا يسمع ومختوم على لسانه فلا ينطق، والأصم الذي لا ~~يسمع وهو ينطق بلسانه، والأبكم الذي يسمع ولا ينطق بلسانه، والأمي هو الذي ~~لا يحسن القراءة وهو ينطق ويسمع، والواجب عليه أن يتعلم من القرآن ما لا بد ~~له منه في الصلاة فإن لم يمكنه وتعذر ذلك عليه فإنه يسبح الله تعالى ويهلله ~~ويكون ذلك بدلا عن القرآن لما روى عبدالله بن أبي أوفا قال: جاء رجل إلى ~~الرسول فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزيني؟ قال: ~~((قل سبحان الله والحمد لله " ولا إله إلا الله والله اكبر ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم)) قال: يا رسول الله هذا لله فما لي؟ قال: ((قل ~~اللهم ارحمني وعافني وارزقني " )) (1) # ويجب تعليمه من القرآن ما تصح به الصلاة على سبيل الكفاية لما روى رفاعة ~~بن رافع " (2) PageV02P518 أن الرسول كان جالسا في المسجد ورجل يصلي فقال: ((إذا قمت في الصلاة فكبر " ~~واقرأ إن كان معك قرآن فإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وهلل ثم اركع))(1). # فجعل الرسول التهليل بدلا عن القرآن. # وأما الأبكم الذي يسمع ولا يمكنه النطق فالواجب عليه الركوع والسجود ولا ~~يتوجه عليه شيء من أذكار الصلاة، وإذا سقط الذكر لتعذره واستحالته منه فلا ~~تسقط أفعال الصلاة لأنها ممكنة في حقه، لما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا ~~أمرتم بأمر فأتوا به ms0907 ما استطعتم " )) وهذا مستطيع للأفعال فلا تسقط عنه ~~ولأن الميسور وهو الفعل لا يسقط بالمعسور وهو الذكر. PageV02P519 # وأما الأخرس والأصم وهما اللذان لا يتأتى منهما سماع الكلام فظاهر كلام ~~الإمام إيجاب الركوع والسجود عليهما، وقال في الأخرس: يجزيه ما في قلبه ~~وهما سواء في تعذر السماع منهما. وهذا فيه نظر لأن مستند الوجوب في الشرائع ~~كلها وجميع التكاليف الشرعية إنما هو قول الشارع صلوات الله عليه ولا بد من ~~العلم بأنه كان في الدنيا وأنه ادعى النبوة ودعا الخلق إلى طاعته وجاء ~~بالقرآن وأمر ونهى وبلغ هذه التكاليف كلها بأمره ونهيه وهذا كله مستنده ~~السماع، والأصم والأخرس يستحيل منهما ذلك، فإذا لا وجه لإيجاب شيء من ~~التكاليف الشرعية عليهما لما ذكرناه. # فأما العلم بالصانع وصفاته وما يجب له ويستحيل عليه فمستنده العقل، ~~وهما(1) # كاملان في العقل فلا تسقط عنهما التكاليف العقلية، فأما التكاليف الشرعية ~~فلا مذهب لصحتها في حقهما بحال. # فأما قول الإمام: يصلي[الأخرس] راكعا وساجدا فهو محمول على الاستحباب لما ~~رأى المسلمين يفعلون ذلك فعل مثلهم إذ لا وجه لوجوب الصلاة في حقه، وقوله: ~~يجزيه ما في قلبه. فيحتمل أن يريد العلم به تعالى وصفاته وسائر المعارف ~~الدينية، ويحتمل أن يريد تعظيم الله تعالى في قلبه لما يرى من خلق هذه ~~المكونات وعظمها فيعظم خالقها. فأما قول الإمام أبي طالب: أن كلامه محمول ~~على النية وعلى إمرار الفاتحة وسورة معها على قلبه فلا وجه لوجوب ما ذكره ~~في حقه كما حققناه بحال. # قال القاسم في من يشتكي بطنه أو ظهره أو شيئا من جسده في صلاته: فلا بأس ~~بأن يضع يده عليه ليسكنه، وهذا جيد أيضا لما روى أنس بن مالك أن رسول الله ~~اتخذ عودا يعتمد عليه إذا قام من السجود(2) PageV02P520 ولأن في هذا صلاحا للصلاة ومحافظة على خشوعها. فهذا ما أردنا ذكره في صلاة ~~العليل ونذكر الآن ما يتعلق بأرباب العذر. PageV02P521 # --- ### || AUTO القسم الثاني # في بيان حكم أرباب الأعذار # وهم: الصبي إذا بلغ، والمجنون والمغمى عليه إذا ms0908 أفاقا، والحائض والنفساء ~~إذا طهرتا، وإنما سموا بهذا الإسم لأنهم معذورون عن الفرض مضطرون إلى تركه. ~~وفي معناهم: الكافر إذا أسلم، وإنما جعلناه من المعذورين لأنه إذا أسلم ~~سقطت عنه المؤاخذة بما تركه في حال كفره. وإذا زالت أعذارهم أو عذر واحد ~~منهم أو حصل العذر وفي الوقت بقية تعلقت بهم أحكام بالزوال والحصول على حسب ~~ما تقتضيه الحال، وسنوضحه في هذه الفروع بمعونة الله تعالى. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: في ابتداء العذر في الحائض إذا أتاها الحيض أو نفست المرأة ~~أو جن الرجل أو أغمي عليه في آخر الوقت نظرت، فإن [كان] ذلك قبل فراغهم من ~~الصلاة فإذا كان قد بقي من الوقت في النهار إلى غروب الشمس ما يتسع للطهارة ~~وخمس ركعات لم يجب عليهم قضاء الصلاة لأنهم معذورون في الترك بالإدراك كما ~~لو كان بعد الزوال، وإن كان قد بقي ما يتسع لركعة واحدة أو لأربع مع ~~الطهارة وجب عليهم قضاء الظهر دون العصر لأن الظهر فائت بالتقصير فلهذا وجب ~~قضاؤه، والعصر مدرك بالركعة، فلهذا لم يجب قضاؤه. وإن كانت هذه الأعذار ~~حاصلة في آخر الليل قبل الصلاة للمغرب والعشاء الآخرة نظرت، فإن كان قد بقي ~~من الوقت إلى طلوع الفجر ما يتسع للطهارة وركعة أو ثلاث وجب عليهم قضاء ~~المغرب دون العشاء لما ذكرناه من أن وقت المغرب فائت بالتقصير فلهذا وجب ~~قضاؤه، فإن كان قد بقي للطهارة وأربع ركعات لم يجب قضاء واحدة من الصلاتين ~~لأنه قد أدرك المغرب بكمالها وركعة من العشاء الآخرة فلهذا لم يتوجه القضاء ~~لإدراكهما، وإن كان ما بقي لا يتسع للطهارة وركعة وجب قضاء الصلاتين جميعا ~~لأنهما فائتتان بالتقصير، وإن كان العذر حاصلا قبل طلوع الشمس بما يتسع ~~لركعة واحدة مع الطهارة لم يجب قضاء الصلاة لأجل الإدراك، وإن كان دون ذلك ~~وجب القضاء لفوات الوقت بالتقصير. PageV02P522 # والأصل في هذا ما روي عن الرسول أنه قال: ((من أدرك ركعة من العصر فقد ~~أدركها " ومن أدرك ركعة من الفجر ms0909 فقد أدركها))(1). # فظاهر الخبر دال على [أن] الإدراك بالركعة يكون إدراكا للصلاة كلها فلما ~~كان الأمر كما قلناه دل على أن هؤلاء إذا أدركوا من الصلاة ركعة لم يلزمهم ~~القضاء كما فصلناه. # الفرع الثاني: في حكم زوال العذر عن هؤلاء في آخر الوقت كالحائض والنفساء ~~إذا طهرت أو المجنون والصبي المغمى عليه إذا أفاقوا والكافر يسلم، فالعذر ~~زائل عنهم كما فرضناه.. نظرت فإن زال وقد بقي من النهار إلى غروب الشمس ما ~~يتسع للطهارة وخمس ركعات فالصلاتان واجبتان عليهم لأن الظهر مدرك على ~~الكمال والعصر مدرك بركعة واحدة، فلهذا وجبا بالأداء، وإن لم تحصل الصلاة ~~حتى خرج الوقت وجب قضاء الصلاتين معا لأجل التقصير بفوات الوقت. وإن بقي ما ~~يتسع لركعة واحدة أو لأربع مع الطهارة لم يجب قضاء الظهر لأن العذر حاصل ~~بتركه ووجب العصر لإدراك وقته، فإن لم يصل وفاتت وجب قضاؤها لأجل التقصير ~~في الأداء، وإن بقي من الوقت ما لا يتسع للطهارة وركعة لم يجب قضاء ~~الصلاتين جميعا لأجل العذر فلا تقصير هناك. وإن زال العذر في آخر الليل ~~نظرت، فإن كان قد بقي من الوقت ما يتسع لأربع ركعات مع الطهارة وجب المغرب ~~والعشاء بالأداء لإدراك وقتهما فإن خرج الوقت من غير صلاة وجب قضاؤهما ~~جميعا لأجل التقصير وإن بقي من الوقت ما يتسع للطهارة وركعة أو ثلاث وجب ~~تأدية العشاء لإدراك وقته ولم يلزم المغرب لأجل العذر. فإن خرج الوقت بطلوع ~~الفجر وجب قضاء العشاء. وإن طلع الفجر وبقي من الوقت ما يتسع لركعة واحدة ~~من الفجر وجب عليه الصلاة بالأداء لإدراك وقتها وإن لم يصلها حتى خرج الوقت ~~فعليه فعلها بالقضاء، وإن أدرك دون الركعة لم يكن مدركا وقد مضى تقريره. PageV02P523 # الفرع الثالث: واعلم أن المنهيات في نظر الشرع آكد من المأمورات، ولهذا فإن ~~من شرب المسكر و[فعل] غيره من المنكرات يقتل إذا لم يتركها، بخلاف تارك ~~الصلاة وغيرها من المأمورات فإنه لا يقتل على فعلها(1) # كما مر بيانه، وفي هذا دلالة على ms0910 أن ملابسة المنكرات أدخل في فساد الدين ~~من ترك المأمورات. فإذا ثبت هذا فنقول: من دخل عليه وقت الصلاة ورأى منكرا ~~فإنه تجب عليه إزالته إذا كان قادرا على إزالته وحصلت في حقه شروطه ثم إما ~~أن يكون في الوقت سعة. أو لا يكون فيه سعة فإن كان في الوقت سعة اشتغل ~~بإزالة المنكر؛ لأن فعله يتضيق فلا يجوز التراخي في فعله، وإن كان في آخر ~~الوقت نظرت في المنكر فإن كان مما لا يمكن تأخيره كالقتل والغرق والحرق ~~فإنه يشتغل بإزالة المنكر لأنه لا يمكن تداركه ثم يرجع لتأدية الصلاة، وإن ~~كان مما يمكن تأخيره فإنه يشتغل بالصلاة لأنها مؤقتة فيلاحظ اداءها في وقت ~~الفضيلة ثم يأخذ في إزالة المنكر، فيكون جامعا بين تأدية الواجبين فعل ~~الصلاة وإزالة المنكر. فإن صلى في أول الوقت وكان هناك منكر يتضيق وقته ~~ومضى في صلاته والحال هذه، فالقوي بطلان صلاته لأنه يكون عاصيا بالدخول ~~فيها لأنه ترك بفعلها منكرا يتضيق وقته. وإن كان في آخر الوقت نظرت، فإن ~~كان المنكر لا يمكن تأخيره اشتغل بإزالته وقضى الصلاة بعد فوات وقتها لأن ~~المنكر حق لآدمي والصلاة حق لله تعالى فإذا تعارضا وضاق الوقت عن تأديتهما ~~فتقديم حق الآدمي أولى، كالدين والوصية. PageV02P524 # الفرع الرابع: والعذر إذا عم جميع الوقت سقط القضاء بالحيض والنفاس والجنون ~~والكفر والصبا،والسكران لا يخاطب بالصلاة في حال سكره لقوله تعالى:{ياأيها ~~الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما ~~تقولون}[النساء:43] وهكذا حال من زال عقله بسبب محرم نحو شرب البنج، ومن ~~تردا فزال عقله فهؤلاء لا يخاطبون بالصلاة لأنها زائلة عقولهم كالسكران، ~~وهل يجب عليهم قضاء الصلاة الفائتة بالسكر أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا يجب عليهم لأنه زائل العقل فأشبه المجنون والمغمى عليه ~~وهذا هو رأي الناصريه. # وثانيهما: أنه يتوجه عليهم القضاء، وهذا هو رأي القاسمية، وهذا إنما ~~يتوجه في حق من زال عقله بالسكر وشرب البنج والأفيون حتى لا يدري ما يقول، ~~فأما من لم يزل ms0911 عقله بشرب الخمر ولكن بدا منه أوائل النشاط والطرب، فطلاقه ~~وعقوده صحيحه وجميع تصرفاته حاصلة [على] نعت الصحة لبقاء العقل وصحته. # والمختار: أنه إذا زال عقله بالسكر فلا يصح طلاقه ولا بيعه ولا شراؤه ولا ~~ردته؛ لأن ملاك الأمور العقل وقد زال فلا تكليف عليه بشيء من التكاليف ~~الشرعية والعقليه ولو أخطأ وأثم بشرب المسكر فلا يكلف بما لا يعقله ولا ~~يفهمه كمن كسر رجله فإنه لا يكلف بالصلاة قائما. وسيأتي لهذا مزيد تقرير ~~عند الكلام في طلاق السكران ونذكر الخلاف والإختيار والانتصار له، وقد تم ~~غرضنا من الباب الأول وهو باب مواقيت الصلاة وما يتعلق بها وبالله التوفيق. PageV02P525 ### || CHECK [في_الأذان_و_الإقامة] # --- # الباب الثاني # في الأذان والإقامة # والأذان هو الإعلام بدخول وقت الصلاة يقال: أذن يؤذن تأذينا. وهو قياسه ~~في الصحيح، كما يقال: كرمه تكريما، وجرحه تجريحا، وهو التفعيل وقياسه من ~~المعتل بفعله يقال: عزى تعزية وروى تروية. والأذان الإسم من التأذين فعلى ~~هذا يقال: أذن بالصلاة تأذينا وأذانا أي أعلم الناس، قال الله تعالى: ~~{وأذان من الله ورسوله }[التوبة: 3]. أي إعلام. وإنما قيل: أذن بالتشديد ~~مبالغة في تكثير الفعل كما يقال: علم وخبر إذا أكثر منهما، وإنما سمي ~~الإعلام بالصلاة أذانا اشتقاقا من الآذن لأن بهذه الآلة يسمع الأذان هكذا ~~حكي عن الزجاج. والأصل في الأذان الكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله }[الجمعة:9]. وقوله تعالى: {وإذا ناديتم إلى ~~الصلاة اتخذوها هزوا }[المائدة: 58]. # وأما السنة: فما روى ابن عمر رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال: ((من ~~أذن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة وكتب الله له بكل أذان ستين حسنة وبكل ~~إقامة ثلاثين حسنة))(1). # وعن ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((من أذن سبع سنين محتسبا ~~كتب له برآة من النار ))(2). PageV02P526 # فهذه الأخبار كلها دالة على فضله(1). # وأما الإجماع: فقد انعقد من الصدر الأول إلى يومنا هذا على كونه مشروعا ~~للصلاة. # فهذا ms0912 تمهيد الباب فلنذكر بدأ الأذان وحكمه ومحله ثم نردفه بصفة الأذان ~~وصفة المؤذنين فهذه فصول خمسة تنحصر فيها مسائل الباب. PageV02P527 # --- ### || AUTO الفصل الأول # في بيان ابتداء الأذان # وللعلماء في إثبات ابتدائه طريقان: # الطريق الأول: يعتمدها أئمة العترة وأكابر أهل البيت " ولهم في إثباتها ~~تقريران: # التقرير الأول: تسلكه القاسمية، وهو أن ابتداء الأذان إنما كان في ليلة ~~المعراج. وهو أن الرسول لما جاءه جبريل بالبراق وهو دابة ما بين الحمار ~~والبغل فركبه الرسول ثم انتهى إلى السموات ومر على الأنبياء وسلم عليهم ~~وسلموا عليه واستبشروا به واستروا ببعثته، آدم وإبراهيم وإدريس وعيسى وموسى ~~وغيرهم من الأنبياء، ثم انتهى إلى البيت المعمور وصلى بالملائكة والنبيين ~~وأكمل الله له الشرف، وجبريل بجنبه لا يفارقه ثم انتهى إلى سرادقات الحجب ~~والأنوار فخرج ملك من تلك الحجب وهو ينادي بصوته: الله اكبر الله اكبر. ~~فأجابه مجيب من خلف تلك الأنوار: صدق عبدي أنا الكبير وأنا الأكبر، فقال ~~الملك: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال الملك: صدق عبدي لا إله إلا أنا. ~~فقال الملك: أشهد أن محمدا رسول الله. فقال الملك: صدق عبدي هو رسولي وأنا ~~أرسلته. ..إلى آخر الأذان، ثم قال بعد ذلك: الله اكبر لاإله إلا الله(1) PageV02P528 . # التقرير الثاني: تعتمده الناصرية، وهو أن ابتداء الأذان ما كان إلا من ~~جهة جبريل نزل به على الرسول وعلمه إياه كما علمه مواقيت الصلاة وغيرها من ~~أصول الشريعة لأن الأذان من جملة الأصول والمصالح الغيبية التي استأثر الله ~~بعلمها فلا يكون إلا بالتوقيف من جهة جبريل صلوات الله عليه. # فهذان التقريران هما المعتمدان في ابتداء الأذان عند أهل البيت " وكل ~~واحد منهما مرشد إلى تقريره وإثباته ولا يفترقان إلا أن الأول كان في ليلة ~~المعراج والثاني كان تعليما من جبريل كسائر الشرائع التي نزل بها وأوضحها ~~للرسول . PageV02P529 # الطريق الثاني: يعتمده الفقهاء الفرق الثلاث الشافعيه والحنفيه والمالكيه ~~وهو: ما رواه أبو عمير \s " \c 3(1) عن عمومته من الأنصار قال: اهتم رسول ~~الله في أمر الصلاة كيف ms0913 يجمع الناس لها واستشار المسلمين في ذلك فقيل له ~~انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رآها الناس آذن بعضهم بعضا، فلم يعجبه ذلك، ~~فذكروا له البوق فقال: ((هو مزمار اليهود)) فذكروا له الناقوس فقال: ((هو ~~مزمار النصارى)) فذكروا له النار فقال: ((ذلك من شأن المجوس \s " \c 2)). ~~فانصرف عبدالله بن زيد وهو مهتم لاهتمام رسول الله ، فأري الأذان في منامه ~~فغدا إلى الرسول فأخبره بذلك فقال: يا رسول الله إني لبين نائم ويقظان إذ ~~أتاني آت فأراني الأذان قال: وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك فكتمه ~~عشرين يوما ثم أخبر به الرسول فقال له: ((ما منعك أن تخبرنا به \s " \c ~~2)). فقال: سبقني عبدالله بن زيد فاستحييت فقال الرسول : ((قم يا بلال ~~فانظر ماذا يأمرك به عبدالله بن زيد فافعله))(2) PageV02P530 قال: فأذن بلال. قال أبو عمير عن عمومته من الأنصار، وإنما لم يأمر عبدالله ~~بن زيد بالأذان لأنه كان يومئذ مريضا. فهذه طريقة الفقهاء في ابتداء ~~الأذان. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من أن طريق ابتداء الأذان وحي من ~~الله تعالى على رسوله إما بما كان من طريق خبر المعراج كما نقلناه لأن ~~ابتداء فرض الصلاة كان في ليلة المعراج أيضا وأنها فرضت خمسين صلاة وما زال ~~موسى صلى الله عليه يردد الرسول في الرجوع إلى ربه وأن أمته لا تطيق عليها ~~حتى بلغت خمسا، وإما من طريق الإبتداء من جبريل على طريق الوحي كما في سائر ~~الأصول الشرعية المتلقاة من جهة جبريل، فهذا هو الأصح في طريق ابتداء ~~الأذان. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روينا عن عبدالله بن زيد أنه أري ذلك في المنام فحكاه للرسول لما ~~اهتم بأمر الإجتماع للصلاة فأقره الرسول على هذه الرؤيا وأمر بلالا فأذن ~~به، والشرع متلقى من جهة الرسول إما بقوله وإما بفعله وإما بتقريره، كما ~~كان منه هاهنا، وإما بإشارته وقد قرر ما رآه عبدالله بن زيد فدل ذلك على ~~كونه شرعا. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: # الجواب ms0914 الأول: إنا لا ننكر ما ذكرتموه إذا حمل على وجه مستقيم وإنما ~~أنكرنا أن يكون أصل من أصول الشريعة والإشعارات المفعولة من أجل الصلاة ~~مبنيا على المنامات التي أكثرها أضغاث أحلام وإن مثل هذا لا يعهد له نظير ~~فلهذا كان مستبعدا لما ذكرناه. # الجواب الثاني: أن ما عولتم عليه محمول على أن جبريل صلوات الله عليه قد ~~كان نزل به على الرسول وأخبره به وقص عليه صفته ولكن اتفق أن رآه عبدالله ~~بن زيد فكانت الرؤيا مطابقة لما نزل به جبريل من غير حاجة إلى تقريره على ~~المنام على انفراده. PageV02P531 # الجواب الثالث: أن الرواية فيه مضطربة، فمرة رأى الرجل على ظهر الكعبة في ~~المنام، ومرة قالوا: على حرم من أحرام المدينة، وتارة عليه بردان أخضران ~~وجثا مستقبل القبلة، ومرة مستدبرا بيت المقدس، وهذا الإضطراب يضعف الرواية ~~مع ما فيها من الضعف في النقل وبنائها على الأحلام. # قالوا: لو كان الأمر كما قلتموه لما كان لتعليمه بلالا بالأذان [فائدة] ~~إذا كان معلوما من قبل. # قلنا: عن هذا جوابان: # الأول: أن يكون جبريل قد نزل به على الرسول وأعلمه أصحابه بما نزل عليه ~~من أمر الأذان فطابق ما رأوه وكان بلال لم يعلمه فلما رأيا(1) ذلك أمرهما ~~أن يعلماه بلالا فيكون لهما في ذلك فضيلة وأجر وثواب. # الجواب الثاني: أن هذا معارض بما ذكرناه من الرواية في ابتدائه فإذا ~~حملنا ما نقوله على هذه التأويلات كانت الأدلة متوافقة من غير مناقضة بينها ~~والله أعلم بالصواب. # قالوا: هذه الرواية قد نقلها المحدثون في كتب الحديث كالبخاري والترمذي ~~ومسلم وغيرها من كتب الصحاح، يدل ذلك على صحتها وثبوتها. # قلنا: عن هذا جوابان: # الأول: أنا لم ننكر ما نقلتموه على جهة التكذيب للرواية وإنما قلنا: إنها ~~ضعيفة لما قررناه. # الجواب الثاني: أنا قبلناها وتأولناها على ما حكيناه من التأويلات لتكون ~~مطابقة لروايتنا، وهذا هو دأب العلماء في مضطرباتهم الاجتهاديه في الأخبار ~~المروية والقياسات المعنوية في ترجيح بعضها على بعض ليتسع منهاج الاجتهاد ~~ويعظم أمره وتتضح ms0915 مسالك الشريعة. # التفريع على هذه القاعدة: PageV02P532 # الفرع الأول: لا يجوز الأذان قبل دخول وقت الصلاة؛ لأن الأذان إنما شرع ~~للإعلام بدخول الوقت فلا معنى له قبل دخول وقتها. فإن أذن أعاد لأن الأول ~~ليس مشروعا ولا مجزيا للصلاة. ولو افتتح الأذان قبل الوقت ثم دخل الوقت ~~استأنفه لأنه مشروع على فساد فلا يعتد به ولا يكون مجزيا كما لو صلى قبل ~~الزوال ثم دخل وقت الزوال فإنه يستأنف فهكذا في الأذان. # وهل يؤذن لصلاة الفجر قبل طلوعه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: المنع من ذلك وهذا هو رأي الإمامين القاسم والهادي ومحكي ~~عن الناصر وزيد بن علي والمؤيد بالله وأبي حنيفة ومحمد والثوري. # والحجة على ذلك: ما روي أن بلالا أذن بليل فدعاه الرسول فقال: ((ما حملك ~~على أن تجعل صلاة الليل في النهار وصلاة النهار في صلاة الليل \s " \c 2، ~~عد فناد: ألا إن العبد قد نام)) فصعد بلال وهو يقول: # ليت بلالا لم تلده أمه ... وابتل من نضح دم جبينه # فنادى بلال: ألا إن العبد قد نام، وأعاد الأذان(1). # الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال لبلال: ((لا تؤذن حتى ترى الفجر ~~هكذا \s " \c 2)) (2) ومد يده عرضا. # الحجة الثالثة: ما روى أنس بن مالك الأنصاري عن النبي أنه قال لبلال: ~~((لاتؤذن حتى يكون الفجر هكذا \s " \c 2)) ومد يده. فهذه الأخبار كلها دالة ~~على النهي عن التأذين قبل الفجر، والنهي في العبادات يقتضي فسادها. # المذهب الثاني: جواز الأذان قبل الفجر لصلاة الفجر وهذا هو رأي الشافعي ~~ومالك وأبي يوسف. PageV02P533 # والحجة على ذلك: ما روى ابن عمر عن رسول الله أنه قال: ((إن بلالا يؤذن ~~بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم \s " \c 2))(1). # والحجة الثانية: ما روى زياد بن الحرث الصدائي(2) قال: لما كان أول الفجر ~~أمرني رسول الله أن أؤذن فأذنت فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر ~~إلى ناحية المشرق فيقول: ((لا)) حتى إذا طلع الفجر نزل وتوضأ وصلى(3). فدل ms0916 ~~هذا الخبر على جواز الأذان قبل طلوع الفجر. PageV02P534 # الحجة الثالثة، قياسية: وهي أنها عبادة تجب بطلوع الفجر فوجب أن يجوز تقديم ~~سببها المنفصل عنها على طلوع الفجر قياسا على نية الصوم. # فإن كان للمسجد مؤذنان فالمستحب أن يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر والثاني ~~بعد طلوعه، لأن بلالا كان يؤذن قبل طلوع الفجر وابن أم مكتوم كان يؤذن بعد ~~طلوعه. وذكر أصحاب الشافعي لمذهبه أن كل من كان في بلدة قد جرت عادتهم ~~بالأذان بعد طلوع الفجر لم يسع أحد أن يؤذن لها في ذلك البلد قبل طلوع ~~الفجر لئلا يغرهم بأذانه، واختلف أصحاب الشافعي في أول وقت الأذان للفجر ~~على خمسة أقوال: # أولها: وهو المشهور: أنه يكون بعد نصف الليل كالدفع من مزدلفة. # وثانيها: أنه إذا كان في الشتاء فلسبع يبقى من الليل، وإن كان في الصيف ~~فلنصف سبع يبقى من الليل وهو رأي الجويني عبدالملك قال: وتلك سنة رسول الله . # وثالثها: ما ذكره المسعودي أنه يكون لوقت السحر قبل الفجر. # ورابعها: ما قاله صاحب (العدة)(1) أن الليل كله وقت لأذان الصبح، واستضعف ~~هذا القول. # وخامسها: أن ذلك يبنى على آخر وقت العشاء المختار، فإن قلنا: إنه يكون ~~إلى ثلث الليل، أذن للفجر إذا ذهب ثلث الليل، وإن قلنا: إنه إلى نصف الليل، ~~أذن للفجر إذا ذهب نصف الليل. هذا كله تفريع على قولهم بأن الأذان للفجر ~~قبل طلوع الفجر كما حكيناه عنهم. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة. # وحجتهم: ما حكيناه عنهم ونزيد هاهنا حججا ثلاثا: PageV02P535 # الحجة الأولى: ما روى سنان(1) قال: دخلت على رسول الله وهو يتغدا فقلت: يا ~~رسول الله إني أريد الصوم؟ فقال: ((وأنا أريد الصوم إن مؤذننا في بصره سوء ~~\s " \c 2 أذن قبل طلوع الفجر وقدمه على أذانه في الليل))(2) وهذا هو ~~مرادنا. # الحجة الثانية: ما روي عن علي % أنه قال: من أذن قبل الفجر أعاد ومن أذن ~~قبل الوقت أعاد. PageV02P536 # الحجة الثالثة: ما روي عن علقمة \s " \c 3(1): أنه شيع إلى ms0917 مكة فخرج بليل ~~فسمع مؤذنا يؤذن قبل الفجر فقال: أما هذا فقد خالف سنة رسول الله ولو كان ~~نائما لكان خيرا له. فهذه الأخبار كلها دالة على أن الأذان قبل الفجر خلاف ~~السنة وأنه غير مجزي. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روى ابن عمر عن الرسول أنه قال: ((إن بلالا يؤذن بليل فكلوا ~~واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم \s " \c 2)). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن أذان بلال ليس أذانا للصلاة وإنما هو تذكير، وكلامنا إنما ~~هو في أذان الصلاة المكتوبة ولهذا قال %: ((لا يهيدنكم(2) أذان بلال عن ~~السحور)). # وأما ثانيا: فلأن أخبارنا دالة على المنع وأخباركم دالة على الإباحة ~~والباب باب العبادة فلهذا كانت أخبارنا أحق بالقبول لما فيها من الإحتياط ~~للعبادة. # قالوا: روى زياد بن الحرث الصدائي أنه لما كان أول الفجر أمرني رسول الله ~~بالأذان فأذنت فأردت أن أقيم فجعل ينظر إلى ناحية المشرق فيقول: ((لا)) حتى ~~إذا طلع الفجر نزل وتوضأ وصلى. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن قوله: لما كان أول الفجر. ليس من كلام الرسول وإنما هو من ~~كلام زياد فلا حجة فيه ولعله ظن أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع. # وأما ثانيا: فيحتمل أنه يريد بقوله: حتى إذا طلع الفجر انتشر الضوء وكثر ~~وانكشف الظلام وكل ذلك كان بعد طلوع الفجر. PageV02P537 # قالوا: عبادة تجب بطلوع الفجر فيجب(1) تقديم سببها المنفصل عنها على طلوع ~~الفجر كنية الصوم. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا يوجب عليكم جواز الإقامة قبل طلوع الفجر على منهاج ~~هذا التعليل ولا قائل به. # وأما ثانيا: فعلى هذا لا يختلف الحال قبل نصف الليل أو بعده، وأنتم لا ~~تجوزون التأذين إلا في الثلث الأخير. فبطل ما عولوا عليه. # الفرع الثاني: لا تخلو بلدة في الغالب عن متطوع بالأذان لما فيه من الأجر ~~وإحراز الفضل ويؤيد ذلك قوله : ((المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة ~~\s " \c 2))(2). وهذا الحديث له تأويلات خمسة: # التأويل الأول: أن ms0918 يكون مراده أطول الناس رجاء لأنه يقال: طال عنقي إلى ~~رجائك، أي: إلى وعدك. # التأويل الثاني: أن يكون المراد منه، المؤذنون أكثر الناس أتباعا يوم ~~القيامة لأنهم يتبعهم كل من صلى بأذانهم يقال: جاءني عنق(3) من الناس، أي: جماعة. # التأويل الثالث: أن يكون مراده أن تكون أعناقهم تطول يوم القيامة حتى لا ~~ينالهم العرق في ذلك اليوم لأنه قد روي أن العرق يلجم الناس. # التأويل الرابع: أن يكون الغرض أطول الناس أصواتا، وعبر بالعنق عن الصوت ~~لأنه منه يخرج. # التأويل الخامس: أن تكون الرواية في الخبر: إعناقا بكسر الهمزة، أي: أشد ~~الناس في السير إسراعا ومنه العنق وهو ضرب من السير بين الإرقال والخبب. # فإن لم يوجد من يؤذن إلا بأخذ الجعل نظرت في حال الجعل. فإن كان حاصلا من ~~غير شرط جاز ذلك على جهة البر والصلة والمواساة، هكذا قاله الإمامان القاسم ~~والهادي لقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى \s " \c 1}[المائدة:2] ~~وإن كان على جهة الشرط لم يجز. PageV02P538 # قال الإمام أبو طالب: التفرقة بين ما يكون على جهة البر وبين ما يكون على ~~جهة الشرط هو أن ما كان على جهة الشرط فإن الأذان ينقطع بإنقطاعه وما كان ~~على جهة البر فإنه لا ينقطع بإنقطاعه. # دقيقة: ثم هاهنا صور يقع التردد في أخذ الأجرة عليها مفارقة للأذان. # الصورة الأولى: القاضي. ولا خلاف في جواز أخذ الرزق له من بيت المال لأنه ~~من جملة المصالح الدينيه فيرزقه الإمام منه، والتفرقة بينه وبين المؤذن هو ~~أن القاضي لا يلزمه التصرف في القضاء لا على وجه الكفاية ولا على وجه ~~التعيين وإنما يلزم الإمام لقيامه بمصالح الدين، فإذا لم يمكن الإمام ~~القيام بالخصومات استعان بالحاكم وتوجه عليه رزقه مفوضا إلى رأي الإمام ونظره. # الصورة الثانية: ولا خلاف في جواز أخذ الأجرة على حفر الآبار وبناء ~~المساجد والمناهل والقناطر والخانكات(1) وحفر القبور. والتفرقة بينها وبين ~~الأذان ظاهرة فإن هذه الأشياء قد تكون واقعة لغير القربة كمن يبنى بناء ~~لنفسه، وحفر القبر يجوز ms0919 أن يجعل لغيره فلهذا لم يمنع أخذ الأجرة عليها ~~فصارت القربة غير متعلقة بها وإنما تتعلق القربة بجعله مسجدا أو منهلا. PageV02P539 # الصورة الثالثة: الجهاد، ولا خلاف في أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأنه من ~~أعظم قواعد الدين كالصلاة والصيام والحج وهو من مهمات الإسلام لما فيه من ~~إشادة معالمه وتقوية أمره، والإمام إنما يعطي المجاهدين والمرتزقة من أموال ~~الله فليس يعطيهم على الجهاد وإنما يعطيهم ما يتقوون به من السلاح ~~والكراع(1) والآلات التي لا تصلح أمورهم إلا بها على قدر كفاياتهم وعلى ما ~~يراه من المصلحة في التوسعة. # الصورة الرابعة: الختان، وهو وإن كان واجبا ولكن وجوبه على المختون في ~~ماله لأن الوجوب متعين عليه، فإن أمر به غيره جاز دفع الأجرة منه، وإن كان ~~المختون فقيرا لا يقدر على دفع الأجرة من نفسه، توجه على الإمام ذلك لأنه ~~من جملة ما يقوم به الإمام ويكون مفوضا إليه لقوله : ((من ترك مالا فلأهله ~~ومن ترك كلا أو عيالا فإلي \s " \c 2))(2). والإمام قائم مقامه. # الصورة الخامسة: تردد الإمامان المؤيد بالله وأبو طالب في غسل الميت هل ~~يكون لاحقا بالأذان أو بحفر القبور فقال المؤيد بالله: لا يجوز أخذ الأجرة ~~عليه لأنه مؤد للواجب عن نفسه فيكون كالأذان والجهاد. وقال أبو طالب: هو ~~غير متعين عليه فلهذا كان لاحقا بحفر الآبار وبناء المساجد. وكلا المذهبين ~~جيد لا غبار عليه خلا أن ما قاله المؤيد بالله أقرب؛ لأنه يفتقر إلى النية ~~كافتقار العبادات إلى النية وإن لم ينو أجزأ لأن المقصود هو التطهير. PageV02P540 # الفرع الثالث: فإن لم يوجد من يقوم بالأذان إلا بشرط الأجرة فهل يجوز ذلك ~~أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليه بالشرط، وهذا هو الذي رآه ~~الإمامان القاسم والهادي، ومحكي عن الناصر وأبي حنيفة. # والحجة على ذلك: ما روى عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه قال: يا رسول الله ~~اجعلني إمام قومي قال: ((أنت إمام قومك فاقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ ms0920 ~~على أذانه أجرا \s " \c 2))(1). # الحجة الثانية: ما روي عنه أنه قال لرجل: ((إنه مؤذنك لا يأخذ على أذانه ~~أجرة \s " \c 2))(2). فهذان الخبران دالان على ما نريده من المنع عن أخذ ~~الأجرة على الأذان. # الحجة الثالثة: قياسية، وحاصلها هو أن الأذان قربة محضة واجبة لا يصح ~~دخول النيابة فيها فلا يجوز أخذ الأجرة عليها كالصلاة والصيام. # فقوله: قربة، يحترز به عمن لا قربة في أذانه كالصبي والمجنون والحربي ~~والذمي فإن هؤلاء لا يصح أذانهم لعدم القربة. # وقوله: محضة، يحترز عن حفر القبور وبناء المساجد فإنها ليست قربة محضة ~~ولهذا يصح أخذ الأجرة عليها. # المذهب الثاني: جواز أخذ الأجرة على الأذان وهذا هو رأي الشافعي. PageV02P541 # والحجة على هذا قولهم: نفع الأذان مما يعود إلى الغير من غير أن يودي فرض ~~نفسه فجاز له أخذ الأجرة عليه، دليله كتابة المصاحف وبناء القناطر وحفر ~~الآبار. # والمختار: ما قاله أئمة العترة من المنع من أخذ الأجرة عليه. # وحجتهم: ما قدمناه ونزيد هاهنا وهو ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن ~~علي % أنه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني أحبك في الله. فقال: وأنا ~~أبغضك في الله قال: ولم؟ قال: لأنك تتغنى في أذانك وتأخذ على القرآن أجرا ~~وقد سمعت رسول الله يقول: ((من أخذ على تعليم القرآن أجرا كان حظه يوم ~~القيامة \s " \c 2))(1). PageV02P542 # الحجة الثانية: هي أن الأذان واجب على الكفاية كما سنقرره، فالقيام به قيام ~~بعبادة فيحرم أخذ الأجرة عليه قياسا على سائر العبادات من الصلاة والصيام. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إن نفعه راجع إلى الغير من غير أن يؤدي فرض نفسه فجاز أخذ الأجرة ~~عليه قياسا على كتابة القرآن وعمارة المساجد. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم قولكم أنه يؤدي غير فرض نفسه بل هو مؤد فرضا عن نفسه ~~لكونه واجبا على الكفاية كما سنوضحه، فإذا قام به فقد أدا فرضا عن نفسه. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل ms0921 أنه ليس بقربة محضة لأنه يصلح ممن ليس ~~من أهل القرب كالذمي والحربي ويصح وقوعه على وجه لا تتعلق به القربة وليس ~~كذلك الأذان فإنه قربة محضة فصار كالصلاة والصيام. # الفرع الرابع: وإذا أقام المؤذن فأي وقت يفتتح الإمام الصلاة؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنه يفتتحها عند فراغ المؤذن من الإقامة وهذا هو رأي ~~الهادي في (المنتخب)(1)، ومحكي عن الشافعي ومالك وأبي يوسف. PageV02P543 # والحجة على ذلك: ما روى أبو داؤد في سننه أن بلالا أخذ في الإقامة فلما ~~قال: قد قامت الصلاة. قال الرسول : ((أقامها الله وأدامها سووا صفوفكم \s " ~~\c 2))(1) فدل هذا على أن الرسول لم يفتتح الصلاة إلا بعد الفراغ من ~~الإقامة. # المذهب الثاني: أن المؤذن إذا قال: حي على الصلاة، قام الإمام والمسلمون، ~~فإذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، كبر الإمام والمسلمون بعده، وهذا هو الذي ~~ذكره الهادي في (الأحكام)(2) ومحكي عن زيد بن علي والباقر وأحمد بن عيسى ~~وأبي حنيفة ومحمد. # والحجة على هذا: هو أن قول المؤذن: حي على الصلاة، دعاء إلى الصلاة ~~وتصديقه: التأهب للصلاة بالقيام إليها والإشتغال بفعلها، فإذا قال المؤذن: ~~قد قامت الصلاة، فتصديقه: الدخول فيها والشروع في أولها بالإحرام بتكبيرة ~~الإفتتاح ليكون ذلك تصديقا للحال. # والمختار: ما قاله الهادي في الأحكام وهو رأي زيد بن علي والباقر وغيرهم. # والحجة على ذلك: ما أسلفناه، ونزيد هاهنا وهو أن المؤذن إذا قال: قد قامت ~~الصلاة، ولم يقم الإمام والمسلمون إلا بعد الفراغ من الإقامة لا يطابق قول ~~المؤذن: قد قامت الصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. PageV02P544 # قالوا: إن بلالا لما أخذ في الإقامة قال الرسول: ((أقامها الله ..إلى آخر ~~الحديث))، فدل على أن قيامه إلى الصلاة كان بعد الإقامة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فإنا لا ننكر الجواز في الإفتتاح بعد الفراغ من الإقامة وقبلها ~~ولكن كلامنا في الأفضل. # وأما ثانيا: فلأن الدعاء في حال الإقامة وأمرهم بتسويه الصفوف إنما هي ~~حالة عارضة، فلعله رأى في بعض الصفوف ميلا وازورارا واضطرابا ms0922 فأمرهم ~~بتسويتها وسد الخلل فيها فهذه حالة عارضة والأصل هو ما ذكرناه. # الفرع الخامس: هل الأذان أفضل أو الإمامة؟ فيه أقوال أربعة: # فالقول الأول: أن الأذان أفضل من الإمامة لقوله : ((الأئمة ضمناء ~~والمؤذنون أمناء، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين \s " \c 2)) والأمين ~~أحسن حالا من الضمين. ومن وجه آخر، وهو أنه دعا للأئمة بالرشد وللمؤذنين ~~بالمغفرة. والغفران أفضل من الرشد من جهة أن الرشد تحصيل الألطاف في تحصيل ~~الطاعات والتكاليف، والمغفرة يكون بها استحقاق الجنة. # ومعنى قوله: المؤذنون أمناء، فوصفهم بالأمانة، فيه احتمالات أربعة: # الاحتمال الأول: أنهم أمناء على الأوقات فلا يؤذنون إلا بعد دخول الوقت ~~ولا يؤذنون قبله لما فيه من الغرر والخيانة. # الاحتمال الثاني: أنهم يؤذنون على المنازل والأمكنة العالية فيكونون ~~أمناء على الإطلاع على المحارم وعلى عورات المسلمين في بيوتهم. # الاحتمال الثالث: أنهم أمناء في تبرعهم بالقيام بالأذان من دون غيرهم. # الاحتمال الرابع: وإذا كانوا أمناء فإنه يسقط عنهم بالأذان فرض الكفايه. # وأما الأئمة فهم ضمناء إذا قاموا بفروض الصلاة وواجباتها؛ لأنهم يتحملون ~~سهو المأمومين إذا وقع عليهم ويتحملون القراءة والقيام إذا أدركهم ~~المأمومون في الركوع. PageV02P545 # القول الثاني: أن الإمامة أفضل من الأذان لأن الرسول والخلفاء الراشدين ~~والأئمة السابقين والمقتصدين، كانوا أئمة في الصلاة ولم يكونوا مؤذنين، وفي ~~هذا دلالة على فضل الإمامة ولهذا اختصوا بها. # القول الثالث: أنهما سواء في الفضل لأن الأئمة والمؤذنين قد خص الشرع كل ~~واحد منهما بفضيلة ودرجة في الفضل ومنزلة في الثواب والأجر. # القول الرابع: أن الإمام إذا كان يعلم من نفسه القيام بحقوق الإمامة في ~~الصلاة وما يتوجه عليه فيها فالإمامة أفضل، وإن كان يعلم من نفسه أنه لا ~~يقوم بما يتوجه عليه من حقوقها ولوازمها فالأذان أفضل؛ لأنه أقل خطرا وأسهل ~~حالا في التكليف. فهذه الأقاويل كلها كما ترى في أيهما الأفضل؟ ولم أعلم ~~لأئمة العترة في هذه المسألة قولا في ترجيح أحدهما على الآخر. # والمختار: أن الإمامة أفضل لما روي عن الرسول أنه قال: ((الإمام وافد ~~فقدموا أفضلكم ms0923 \s " \c 2))(1). وما روي عن النبي أنه قال: ((كن إمام قومك ~~تدخل الجنة \s " \c 2))(2). وقوله : ((أول ما تفاض الرحمة على الإمام ثم ~~على من يليه \s " \c 2 ثم على الصف الأيمن ثم على الصف الأيسر ثم على سائر ~~الصفوف))(3) فهذه الأخبار كلها دالة على فضل الإمامة على الأذان. # الفرع السادس: ومن جمع بين الصلاتين ممن يجوز له الجمع بينهما نظرت، فإن ~~جمع بينهما في أول وقت الأولى منهما فإنه يؤذن للأولى ويقيم لأنها مؤداة في ~~وقتها ثم يقيم للثانية من غير أذان، وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي ~~والقاسم والناصر والمؤيد بالله وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ويجب تقديم ~~الأولى على الثانية. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه جمع بين الظهر والعصر في عرفة. # وإن جمع بينهما في وقت الثانية فإنه يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين كما ~~في الأولى عند أئمة العترة. PageV02P546 # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه جمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة في ~~أول وقت الثانية بأذان واحد وإقامتين. # وحكي عن الشافعي: أنه لا يؤذن للثانية قولا واحدا، فأما الأولى ففيها قولان. # وحكي عن أبي حنيفة: أنه لا يؤذن للعشاء الآخرة ولا يقيم في مزدلفة. # الفرع السابع: ذهب أئمة العترة والفريقان الشافعية والحنفية ومالك إلى ~~أنه ليس على النساء أذان للرجال ولا إقامة لهم(1). # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((ليس على النساء جمعة ولا ~~جماعة \s " \c 2 ولا أذان ولا إقامة))(2). PageV02P547 # الحجة الثانية: ما روى زيد بن علي عن علي % عن رسول أنه قال: ((ليس على ~~النساء أذان ولا إقامة \s " \c 2))(1). # الحجة الثالثة: هو أن الأذان والإقامة أمور شرعية مستندها صاحب الشريعة ~~صلوات الله عليه وهي مفوضة إلى رأيه وموكولة إلى أمره ولم يثبت أنه أمرهن ~~بذلك، وفي هذا دلالة على عدم الوجوب. # وهل يؤذن لأنفسهن أو يقمن؟ فيه أقوال ثلاثة: # القول الأول: أنه ليس لها أن تؤذن لنفسها ولها أن تقيم، وهذا ms0924 هو رأي ~~الشافعي ذكره في (الأم) واختير لمذهبه. # القول الثاني: يحكى عن المروزي من أصحاب الشافعي: أنه يكره لها أن تؤذن ~~لنفسها ولها أن تقيم لنفسها استحبابا. # القول الثالث: أن الأذان غير مسنون في حق المرأة سواء صلت بانفرادها أو ~~كن جماعات، فإن أذنت كان ذكرا. وهذا هو المحكي عن ابن الصباغ صاحب ~~(الشامل). # والمختار: جواز الأذان والإقامة للنساء في أنفسهن في خفية. # والحجة على ذلك: ما روى ابن عباس رضي الله عنه عن النبي أنه قال: ((ليس ~~على النساء أذان فإن أذن كان ذكرا \s " \c 2))(2). وإذا جاز الأذان جازت ~~الإقامة في حقهن لأنها أولى وأحق. # الحجة الثانية: هو أن الأذان والإقامة مشروعان في حق المصلين والنساء من ~~جملة أهل الصلاة فلهذا استحب لهن الأذان والإقامة. # الحجة الثالثة: هو أن المحذور من ذلك إنما هو رفع الصوت خوفا من الإفتتان ~~بسماع أصواتهن، فإذا أذن وأقمن في أنفسهن فلا يكره ذلك لأنه ذكر لله تعالى ~~سواء كن منفردات أو جماعات. # الفرع الثامن: إذا أذن لصلاة المغرب فما المستحب له؟ فيه ثلاثة أقوال: # أولها: أنه يبقى قائما حتى يقيم ولا يقعد، وهذا هو رأي أبي حنيفة. # وثانيها: أنه يقف مقدار ثلاث آيات ثم يقيم، وهذه أيضا رواية عن أبي حنيفة. # وثالثها: أنه يجلس جلسة خفيفة ثم يقيم، وهذا هو قول أبي يوسف ومحمد. # والمختار: ما قاله أبو حنيفة أولا. PageV02P548 # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لن تزال أمتي بخير مالم ~~يؤخروا صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم \s " \c 2)) وفي حديث آخر: ((لن تزال ~~أمتي على الفطرة مالم يؤخروا صلاة المغرب \s " \c 2))(1). # ويستحب أن يكون المؤذن غير الإمام وعلى هذا جرت عادة السلف الصالح من ~~الصدر الأول إلى يومنا هذا، ويحكى عن عمر أنه قال: لولا الخليفى(2) لكنت ~~مؤذنا. فهذا يؤيد ما ذكرناه. # ويستحب أن لا يصلي المصلي منفردا أو بجماعة إلا بأذان وإقامة. # قال القاسم بن إبراهيم: ومن نسي الأذن حتى دخل في صلاته مضى ms0925 في صلاته ولا ~~نقص عليه. ولا يعرف في هذا خلاف لأن الأذان فرض من فروض الكفايات كما ~~سنوضحه فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، فمن تركه من آحاد الناس أجزته ~~صلاته وكان مسيئا لترك السنة. # وسئل الإمام أبو طالب عمن ترك الأذان هل تبطل صلاته إن كان في قرية يعلم ~~أنه لم يؤذن فيها؟ فقال: لا تبطل لأن الأذان ليس من شروط الصلاة. قال: ~~ويحتمل أنها تبطل لأنه ترك الذكر المفروض المفعول للصلاة متقدما عليها في ~~وقتها فمنع من صحتها كالخطبة في صلاة الجمعة. # وجوابه الأول هو الصحيح المعمول عليه؛ لأن المعنى في الأصل: أن الخطبتين ~~بدلا عن ركعتي الظهر بخلاف الأذان فافترقا. فهذه الفروع الثمانية نشأت من ~~ابتداء الأذان ولم تدخل في الفصول الخاصة كصفة الأذان وصفة المؤذنين فلا ~~جرم أفردناها بالذكر لما كانت غير مندرجة فيما يأتي مما نريد ذكره وبالله ~~التوفيق. PageV02P549 # . PageV02P550 # --- ### || AUTO الفصل الثاني # في حكم الأذان # اتفق أهل القبلة على أن الأذان مشروع للصلوات في مساجد الجماعات وأنه ~~شعار للدين وسنة من سنن سيد المرسلين معتمد عليه في جميع الأمصار والأقاليم ~~بين المسلمين، ويؤيد ذلك ما روى أبو هريرة عن رسول الله في صحيح البخاري، ~~قال: ((إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط " حتى لا يسمع الأذان فإذا ~~قضي الأذان أقبل حتى إذا ثوب للصلاة أدبر حتى إذا مضى التثويب أقبل حتى ~~يخطر بين المرء ونفسه. فيقول: أذكر كذا أذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظل ~~الإنسان لا يدري كم يصلي))(1). # ورفع الصوت به مستحب أيضا لما روى أبو سعيد الخدري في صحيح البخاري عن ~~الرسول ، قال: قال لي رسول الله : ((إني أراك تحب الغنم والبادية " فإذا ~~كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى ~~صوت المؤذن جن ولاإنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة)) (2). # قال أبو سعيد: هكذا سمعته من رسول الله . فهذا أمر وادنى درجات الأمر هو ~~الندب والاستحباب، هذا تمهيد الفصل. # التفريع على هذه ms0926 القاعدة: # الفرع الأول: هل يكون [الأذان] واجبا؟ # اعلم أن الأذان قد تقرر كونه مشروعا وسنة بالأدلة التي ذكرناها ويبقى ~~الكلام في كونه واجبا أم لا؟ وفيه مذاهب أربعة: PageV02P551 # المذهب الأول: أنه واجب، وهذا هو رأي أئمة العترة وسادات أهل البيت ~~القاسمية والناصرية، ومحكي عن السيدين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب وهو ~~قول مالك والأوزاعي وعطاء، وهو قول الأصطخري من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله " }[الجمعة:9]. # ووجه الإستدلال من هذه الآية، هو: أن الله تعالى أوجب السعي عقيب النداء ~~بقوله: {فاسعوا} والأمر ظاهره الوجوب إلا بدلالة، وهو مرتب على النداء من ~~جهة أن الفاء موضوعة للتعقيب والترتيب فإذا كان السعي مرتبا على النداء وهو ~~واجب فيجب القضاء بكون النداء واجبا لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ~~مثله، ألا ترى أن غسل الوجه لما لم يتم استيعابه إلا بجزء من الرأس وجب غسل ~~جزء من الرأس تبعا لوجوب غسل الوجه. # الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا نزلتم الغيطان فأذنوا " ))(1)، # وقوله لبلال: ((قم فأذن))(2)، PageV02P552 وقوله : ((ألقه على أبي محذورة فإنه أندا منك صوتا))(1)، # وقوله لمالك بن الحويرت " (2) # وإبن عمه: ((إذا سافرتما فأذنا وليؤمكماوأقرؤكما " )). فهذه الأخبار كلها ~~مشتملة على الأوامر بالأذان. وظاهر الأمر للوجوب إلا لدلالة تدل على خلافه. # المذهب الثاني: أن الأذان سنة، وهذا قول الفريقين أبي حنيفة وأصحابه ~~والشافعي وأصحابه والأصطخري(3) # وابن خيران. # والحجة على ذلك: قوله لمن أساء في صلاته: ((إذا أردت الصلاة فأحسن وضوءك ~~ثم استقبل القبلة وكبر " ))(4) # ولم يأمره بالأذان وفي هذا دلالة على كونه سنة غير واجب. PageV02P553 # الحجة الثانية: قوله : ((المؤذنون أمناء " ))(1). والأمين هو المتطوع. # المذهب الثالث: أن الأذان سنة إلا في صلاة الجمعة فإنه من فروض الكفايات، ~~وهذا شيء محكي عن بعض أصحاب الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن الجمعة لما كانت مختصة بوجوب الجماعة اختصت بوجوب ~~الدعاء إليها. # المذهب الرابع: أن الأذان ms0927 ليس واجبا والإقامة واجبة فإن تركها المصلي ~~نظرت، فإن كان الوقت باقيا أعاد الصلاة، وإن كان الوقت خارجا لم يعدها، ~~وهذا محكي عن الأوزاعي. # والحجة على هذا هي: أن الإقامة تختص الصلاة فلما كانت الصلاة واجبة وجبت ~~تبعا لها بخلاف الأذان فإنه شعار للدين وسنة للمسلمين. # والمختار: ما اعتمده علماء العترة والأكابر من أهل البيت من كونه واجبا. # وحجتهم على وجوبه: ما أسلفناه، ونزيد هاهنا وهو اهتمامه بأمر الأذان حتى ~~بات مهموما بالنظر الذي يكون سببا لاجتماع المسلمين للصلاة، ففرج الله عنه ~~بما أنزل من امر الأذان وبما كان منه من أمر المسلمين بالأذان في السفر ~~والحضر وبما كان منه من أمر بلال وأبي محذورة وابن أم مكتوم بالأمر ~~بالأذان، فاهتمامه بما ذكرناه من الأذان من هذه الأوجه فيه دلالة على وجوبه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: أمر من أساء في صلاته بالوضوء ولم يذكر الأذان فدل ذلك على أنه ~~غير واجب. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV02P554 # أما أولا: فإنما لم يذكر الأذان في تلك الساعة لإحتمال أن يكون قد أذن في ~~المدينة، فلهذا لم يأمره به. # قالوا: روي عنه أنه قال: ((المؤذنون أمناء " )) والأمين: هو المتطوع. ~~لأنه لا حرج على الأمين فيما فعله وهذا لا يتأتى إلا في السنة والنفل. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المراد بالأمين: المؤتمن على الأوقات في أن المؤذن لا ~~يؤذن قبل دخولها وأنه يكون أمينا في أنه لا يكون مشرفا على عورات المسلمين ~~وهذا هو المراد بالأمين. # وأما ثانيا: فلأن الأمين كما يكون في المتطوع كما زعمتم فقد يكون في ~~المؤدي للواجب لأن الأمانة يحتاج إليها في الواجبات والمندوبات لأن المقصود ~~هو الإتيان بها على الوجه الذي أمر بها، وهذا إنما يكون في حق الأمين دون ~~الخائن فإنه لا يوثق به في صحة أدائها على ما أمر بها. # وأما من زعم أنه سنة إلا في صلاة الجمعة فهو تحكم لا مستند له فقد وافقنا ~~في الجمعة وخالفنا في كونه سنة وبما اجبنا ms0928 به الفريقين فهو جواب له لإفراده ~~بالحجة. # وأما من زعم أن الأذان ليس واجبا وأن الإقامة واجبة فقد وافقنا في ~~الإقامة وخالفنا في الأذان وقد دخل جوابه في جواب الفقهاء. # الفرع الثاني: إذا تقرر وجوبه بما ذكرناه فهل يكون الوجوب على الكفاية أو ~~يكون على الأعيان، فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الوجوب يكون على الكفاية، على معنى أنه إذا قام به ~~البعض سقط عن الباقين وبهذا يفارق الواجب على الكفاية الواجب على الأعيان، ~~وهذا كما نقوله في دفن الموتى وحفر القبور وإصلاح الطرقات والتعلم والتعليم ~~وإحياء معالم الشريعة بالجهاد بالسيف، فكل هذه الأمور من فروض الكفايات، ~~وهذا هو رأي أئمة العترة القاسم والهادي والناصر وهو رأي الأخوين المؤيد ~~بالله وأبي طالب. # والحجة على ذلك هو: أن الأذان أمر شرعي يشتمل على التكبير ليس فيه ركوع ~~ولا سجود لا يختص الأعيان فوجب أن يكون فرضا على الكفاية كصلاة الجنازة. PageV02P555 # فقولنا: أمر شرعي، نحترز به عما يكون من الأمور العقلية كقضاء الدين ورد ~~الوديعة فإنهما عقليان ومن فروض الأعيان أيضا. # وقولنا: يشتمل على التكبير، نحترز به عن الصوم. # وقولنا: ليس فيه ركوع ولا سجود، نحترز به عن سجود التلاوة. # وقولنا: لا يختص الأعيان، نحترز به عن الصلاة المفروضة. # المذهب الثاني: أنه فرض على الأعيان، وهذا هو قول أهل الظاهر، داؤد ~~وطبقته، ثم منهم من قال: إنه من شروط الصلاة، ومنهم من قال: ليس شرطا في ~~الصلاة، وكلهم متفقون على أنه لا بد لكل مصل منه وهذا هو فائدة فرض العين. # والحجة على ذلك هي: أنه ذكر يتقدم الصلاة ليس فيه تكبير فيجب أن يكون ~~شرطا في صحة الصلاة كالخطبة في صلاة الجمعة. # فقولنا: ذكر يتقدم، نحترز به عن أذكار الصلاة. # وقولنا: ليس فيه تكبير، نحترز به عن الإفتتاح للصلاة. فهذا تقرير حجتهم ~~فيما زعموه. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة. # وحجتهم: ما حكيناه، ونزيد هاهنا وهو قوله : (( إذا نزلتم الغيطان فأذنوا ~~" )) وهذا خطاب شامل لكل أحد لا يختص به واحد دون واحد ms0929 وهو الذي نريده ~~بكونه واجبا على الكفاية. # ووجه آخر: وهو أنه فعل شرعي جعل شعارا للإسلام من غير أن يكون مختصا ~~بالأعيان فوجب القضاء بكونه واجبا على الكفاية كالجهاد. # فقولنا: فعل شرعي، نحترز به عما يكون عقليا نحو الإنصاف وشكر المنعم. # وقولنا: جعل شعارا للإسلام، نحترز به عن النوافل. # وقولنا: من غير أن يكون مختصا بالأعيان [نحترز به عن ما يكون مختصا ~~بالأعيان] كالصلاة المفروضة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: ذكر يتقدم الصلاة ليس فيه تكبير فيجب أن يكون شرطا في صحة الصلاة ~~كالخطبة في صلاة الجمعة. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV02P556 # أما أولا: فلأن اعتمادكم فيما قررتموه إنما هو على القياس والأقيسة الشرعيه ~~لا جريان لها في تقرير العبادات والصلوات لأنها أمور غيبية استأثر الله ~~بالعلم بمقاديرها وأحوالها وشرائطها وحيث اعتمدنا الأقيسة فإنما هو على جهة ~~المعارضة لما يذكره المخالف وعلى وجه الإستظهار والإعتضاد بالأدلة ~~وتناصرها. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل [هو أن الخطبتين] إنما كانتا واجبتين ~~لكونهما بدلا عن ركعتي الظهر فافترقا بخلاف الأذان فإنه ليس بدلا عن غيره. # الفرع الثالث: إذا تقرر كونه واجبا على الكفاية بما أوضحناه فإذا وقع ~~الإخلال به والترك له، فهل يتوجه الحرج والإثم عن الكل أم لا؟ # والمختار فيه: تفصيل نشير إلى حقائقه فنقول: المراد بقولنا في الشيء: إنه ~~واجب على الكفاية، هو أنه إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهذا نحو ~~الجهاد بالسيف والجهاد بالحجة بالعلم والتعليم وحفر الآبار وبناء القناطر ~~والمساجد والخانكات وحفر القبور ودفن الموتى وإصلاح الطرقات وغيرها مما لا ~~يختص به الآحاد من فروض الأعيان فمتى حصل القيام بهذه الأمور من جهة شخص من ~~الأشخاص فإنه يسقط وجوبها عن الباقين لأنه ليس المقصود إلا فعله ووجوده، ~~وهذا حاصل بقيام الواحد بها. فإذا لم تحصل هذه الأمور، فإلى من يكون الحرج ~~والإثم متوجهين والعقوبة من الله تعالى؟. PageV02P557 # فنقول: إذا اتفق الكل على تركها وإهمالها والإخلال بها والإعراض عنها، ~~فالحرج والإثم يلزم من كان متمكنا من فعلها ولم ms0930 يفعلها، ومن لا يكون متمكنا ~~من فعلها فلا إثم عليه ولا حرج، فإن كان الواجب على الكفاية من باب ما يختص ~~العلماء وأهل الفضل وممارسة العلوم نحو حل الشبه والتدريس في العلوم وجواب ~~المسائل، فمتى وقع الإخلال بهذه فالإثم إنما يتعلق بالعلماء دون العوام، ~~فإن الوجوب غير متوجه إليهم، وإن كان مما يمكن الكل فعله نحو حفر القبور ~~ودفن الموتى وأخلوا به فإن الإثم لاحق بالكل لتركهم الواجب مع القدرة عليه ~~والتمكن من فعله، وهكذا القول في واجبات الكفاية فإنه ينظر في حاله ولا ~~يحكم بالإثم على تاركه على الإطلاق بل لابد من التفصيل الذي أشرنا إليه. # الفرع الرابع: إذا قلنا بأن الأذان واجب على الكفاية، فلو كان هاهنا قرية ~~من القرى وأقليم من الأقاليم وصقع من الأصقاع تمالوا على تركه وإهماله، فهل ~~يحاربهم الإمام على تركه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز حربهم على تركه وهذا هو رأي المؤيد بالله وأحد قولي ~~الشافعي، ومحكي عن محمد بن الحسن. # والحجة على هذا: هو أن الأذان ركن من أركان الدين فرض شعارا للإسلام فيجب ~~على الإمام قتالهم على تركه كالصلاة والزكاة والصوم. # المذهب الثاني:المنع من قتالهم على تركه، وهذا هو قول أبي يوسف وأحد قولي ~~الشافعي. # والحجة على هذا: هو أنه سنة من السنن فلا يقاتلون عليه ولا تباح دماؤهم ~~على تركه كسائر السنن إذا تركوها. # والمختار: أنهم لا يقاتلون على تركه. # والحجة على هذا: قوله : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله " فإذا قالوها منعوا دمائهم وأموالهم إلا بحقها))(1). PageV02P558 # الحجة الثانية: قوله : ((لايحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث: " كفر بعد ~~إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل النفس بغير حق))(1) # وترك الأذان ليس واحدا من هذه الأمور فلهذا لم يكن قتلهم مباحا. # والعجب من الإمام المؤيد بالله حيث منع من قتل تاركي الصلاة وأباح قتل(2) # تارك الأذان مع أن الصلاة من فروض الأعيان، والأذان من فروض الكفايات ومع ~~أن وجوب الصلاة آكد من وجوب الأذان ms0931 فلا خلاف في وجوب الصلاة والخلاف حاصل ~~في وجوب الأذان. والقوي عندنا أن كلامه محمول في جواز قتل الإمام لهم على ~~أنهم تركوه على جهة الإستحلال والإنكار دون التمرد، وعلى هذا يجوز قتلهم ~~لأن استحلال تركه وإنكار كونه مشروعا يكون كفرا أو ردة لأن كونه مشروعا ~~معلوم من ضرورة الدين فإنكاره يكون ردة وجحدا للنبوة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قوله: إنه فرض جعل شعارا للإسلام فإذا أطبقوا على تركه قوتلوا كالصلاة ~~والصوم. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن على مذهبكما أنهم لا يقتلون على ترك الصلاة والصوم، وإنما ~~يؤدبون كما مضى تقريره ولا على أخذ الزكاة؛ لأنها تؤخذ منهم كرها. PageV02P559 # وأما ثانيا: فلأن الصوم والصلاة من فروض الأعيان، والأذان من فروض الكفايات ~~فهما مفترقان فلا يقاس أحدهما على الأخر. # الفرع الخامس: ويستحب استدعاء الأمراء إلى الصلاة عند الفراغ من الأذان، ~~لما روي أن بلالا كان إذا فرغ من الأذان دخل على الرسول وهو في بيته يؤذنه ~~بالصلاة فيقول: السلام عليك يا رسول الله، الصلاة يرحمك الله، فيقوم الرسول ~~للصلاة، وهكذا روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه وأبي بكر وعمر وعثمان ~~يفعلون هكذا اهتماما بأمر الصلاة. # فإن دخل رجل مسجدا من المساجد قد أذن فيه وأقيم فالمستحب أن يؤذن ويقيم ~~في نفسه، ولايجهر بالأذان لئلا يظن السامع أن هذه الصلاة هي المجزية وأن ~~الصلاة كانت غير مجزية؛ لأنها كانت قبل دخول الوقت، فيفسد قلب الإمام ~~ويوغر(1) صدره. # ويستحب إذا كان الناس في السفر في اليوم المطير والليلة المطيرة، وفرغ ~~المؤذن من الأذان أن يقول بعده: الصلاة في الرحال، لما روى البخاري أن ابن ~~عباس رضي الله عنه خطب يوم رزغ فلما فرغ المؤذن من الأذان أمره أن يقول: ~~الصلاة في الرحال , والرزغ براء وزاي وغين منقوطة , هو الوحل، فنظر القوم ~~إلى بعضهم بعض. فقال: فعل هذا من هو خير مني أراد الرسول صلى الله عليه. # وروى البخاري عن ابن عمر مثلة في الليلة البادرة والمطيرة كل هذا في ms0932 السفر. # وروي عن الرسول صلى الله عليه أنه كان يأمر مناديا بعد أذان المؤذن يقول: ~~((إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال )) وربما أمر رسولا بعد المؤذن يقول: ~~((صلوا في رحالكم)) يفعل هذا تخفيفا على المسلمين ورفقا بهم في السفر. PageV02P560 # --- ### || AUTO الفصل الثالث # في بيان محل الأذان # ومحله الصلوات الخمس، وهو رأي أئمة العترة والناصرية، ومتفق عليه بين ~~الفقهاء. # قال الإمام زيد بن علي : الأذان للصلوات الخمس. # والحجة على هذا ما روى عبادة بن الصامت عن رسول الله أنه قال: ((فرض الله ~~علىعباده خمس صلوات من حافظ عليهن حين ينادى لهن وأحسن وضوءهن وأتم ركوعهن ~~وخضوعهن وخشوعهن كان له عند الله عهدا أن يدخله الجنة، وإن لم يأت بهن وضيع ~~حقوقهن لم يكن له عند الله عهدا، فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له))(1). # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: ومن كانت عليه فوائت فأراد قضاءها في وقت واحد، فالذي عليه ~~أئمة العترة والفريقان الشافعية والحنفية أن المسنون أن يقيم لكل واحدة ~~منهن إقامة، لما روى أبو سعيد الخدري قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى ~~كان بعد المغرب بهوى من الليل فدعى رسول الله بلالا فأقام لصلاة الظهر ~~فصلاها، ثم أقام للعصر فصلاها، ثم أقام للعشاء الآخرة فصلاها(2). # وهل يسن فيها الأذان أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الأذان فيها مسنون، وهذا قول أئمة العترة الهادي ~~والقاسم والناصر، وهو قول أبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأبي ثور. # والحجة على هذا ما روى عمران بن حصين قال: سرنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه غزوة أو قال سرية فلما كان آخر الليل عرسنا(3) PageV02P561 فما أيقظنا إلا حر الشمس فأمرنا[رسول الله] فارتحلنا ثم سرنا حتى ارتفعت ~~الشمس، ثم نزلنا فقضى القوم حوائجهم، ثم أمر بلالا فأذن فصلينا ركعتين، ثم ~~أمر بلالا فأقام فصلى صلاة الغداة(1). # المذهب الثاني: أن الأذان غير مسنون، وهذا قول الشافعي في الجديد، وقال ~~في القديم: ثم يؤذن لها، وهو قول أحمد وأبي ثور. # وقال في الإملاء(2): # إن ms0933 رجا اجتماع الناس أذن، وإن لم يرج اجتماعهم لم يؤذن. والكلام على ~~الشافعي إنما يتوجه على قوله الجديد، وهو قول مالك والأوزاعي، وأما على ~~قوله القديم فهو موافق لقولنا. # والحجة على ما قاله(3): PageV02P562 # ما روى أبو سعيد الخدري عن النبي ، فإنه لم يذكر الأذان في قصة الخندق، فدل ~~على أنه غير مسنون. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من كون الأذان مسنونا. # والحجة على ذلك: ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه: أن المشركين شغلوا ~~الرسول عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالا فأذن وأقام ~~للظهر، ثم أقام للصلوات التي بعدها. # ومن وجه آخر، وهو ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي قال: كنا مع ~~رسول الله فلما نزلنا قال رسول الله : ((فمن يكلأنا هذه الليلة " )) فقال ~~بلال: أنا يا رسول الله، قال: فبات بلال مرة قائما ومرة جالسا حتى إذا كان ~~قبل الفجر غلبته عيناه، فنام فلم يستيقظ رسول الله إلا بحر الشمس، فأمر ~~رسول الله صلى الله عليه الناس فتوضأوا وأمر بلالا فأذن ثم صلى ركعتين، ثم ~~أمر بلالا فأقام ثم صلى بهم الفجر، وهذا الخبر كما دل على الأذان فهو بعينه ~~دال على قضاء الفوائت في جماعة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: خبر أبي سعيد الخدري ليس فيه ذكر الأذان، فدل على كونه غير مسنون. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه قد روي عن أبي سعيد الخدري في رواية أخرى تدل على ثبوت ~~الأذان، وأنه أمر بلالا فأذن وأقام للظهر فسقط التعلق به. # وأما ثانيا: فلأنه محمول على أنه إنما ترك الأذن خوفا من اللبس لا لكونه ~~غير مسنون. # وأما ما ذكره الشافعي في الإملاء من أنه إذا رجا اجتماع الناس أذن وإن لم ~~يرج اجتماعهم لم يؤذن، فهذا شرط لم تقم عليه دلالة، وليس كلامنا في الجواز، ~~وإنما كلامنا في المسنون الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد ~~دللنا على أن السنة واردة ms0934 على الأذان في الفائتة، وقد أنكر ابن الصباغ صاحب ~~الشامل هذه، وقال: لعل الشرط لم يصح عند الشافعي. PageV02P563 # الفرع الثاني في النوافل: ثم إنها متفقة في أنها لا يسن فيها الأذان ولا ~~يشرع، ثم فيها ما يسن في الاجتماع، ولا يسن فيه الأذان ولا الصلاة جامعة(1) # ، # ومنها ما لا يشرع فيه واحد من هذه الأمور الثلاثة فصارت على ثلاثة أضرب: # الضرب الأول منها: يسن فيه الجماعة ولا يشرع الأذان، ولكن يشرع فيه: ~~الصلاة جامعة، وهذا نحو صلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء، وهذا هو رأي ~~أئمة العترة القاسمية والناصرية، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ~~وأصحابه وهو مما لا يعرف فيه خلاف. # والحجة على هذا ما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: خرج رسول لله صلى الله ~~عليه وآله يوم العيد فصلى من غير أذان ولا إقامة. # الحجة الثانية: ما روى جابر أن النبي خرج يوم العيد فصلى من غير أذان ولا إقامة. # الحجة الثالثة: عن جابر بن سمرة " (2) قال: صليت مع رسول الله صلى الله ~~عليه يوم العيد مرة أو مرتين من غير أذان ولا إقامة(3). # وإنما قلنا: أن هذه الأمور يسن فيها الإجتماع، فلأنه قد جرى عمل المسلمين ~~بذلك، وتوارثوه خلفا عن سلف من لدن الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا ~~باستحباب الإجتماع فيها. PageV02P564 # وإنما قلنا: إنه يسن فيها: الصلاة جامعة، فلما روى الزهري عن الرسول أنه ~~كان ينادي في الإستسقاء: الصلاة جامعة، وهكذا يفعل في الكسوفين، وهذا يدل ~~على كونه سنة. # نعم. يحكى عن عبد الله بن الزبير وعمر بن العزيز ومعاوية " (1) # أنهم أمروا بالأذان الشرعي في صلاة العيدين. # والحجة على ذلك: أنها صلاة يسن فيها الإجتماع والطيب ولباس الزينة، فيسن ~~فيها الأذان الشرعي كصلاة الجمعة. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة وفقهاء الأمة من منع الأذان الشرعي ~~فيهما، وإنما يقال: الصلاة جامعة. # والحجة على ذلك: هو أن هذه السنن الشرعية وجميع الآداب التعبدية مستندها ~~صاحب الشريعة في أفعاله وأقواله وهي أمور غيبية وليس للأقيسة فيها مجرى، ~~ولم يكن ms0935 من جهته فيها إلا ما ذكرناه فيجب الإقتصار عليه من غير زيادة. # الضرب الثاني: ما يسن فيه الإجتماع ولا يسن فيه الأذان، ولا قولنا: ~~الصلاة جامعة، وهذا نحو صلاة الجنازة. فإن عمل المسلمين قد دل فيها على ~~الإجتماع، وفعله دال على ذلك ولم يؤثر فيها الأذان ولا قولنا: الصلاة ~~جامعة، فيجب الإعتماد عليه. ومن وجه آخر وهو أنها في نفسها ليست من فرائض ~~الأعيان فيسن فيها الأذان الشرعي ولا من صلاة النوافل فيسن فيها الصلاة جامعة. PageV02P565 # قال الإمام زيد بن علي ، الأذان المشروع للصلوات الخمس ولصلاة الجمعة وليس ~~للعيدين ولا للوتر أذان ولا إقامة، فكلامه هذا قد وضح فيه ما يسن فيه ~~الأذان الشرعي وهو الجمعة والصلوات المكتوبة، وأشار إلى ما يسن فيه: الصلاة ~~جامعة، ولا يؤذن فيه الأذان الشرعي وهو صلاة العيدين، وإلى ما لا يسن فيه ~~واحد من الأمرين وهو الوتر. # الضرب الثالث: ما لا يسن فيه الأذان الشرعي ولا يسن فيه الإجتماع ولا يسن ~~فيه: الصلاة جامعة، وما هذا حاله فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: # القسم الأول منها: ما يتكرر بتكرر الأعوام والسنين وهذا نحو صلاة ~~الشعبانية وصلاة الرغائب في أول جمعة من رجب. # والقسم الثاني: ما يتكرر بتكرر الأيام والليالي، وهذا نحو الصلوات في ~~أيام الأسبوع ولياليه. # والقسم الثالث: ما ليس له وقت مخصوص، وهذا نحو صلاة التسبيح وغيرها من ~~الصلوات التي لا تختص وقتا دون وقت مهما اجتنبت الأوقات الثلاثة(1). فهذا ~~حكم الأذان يجري في النوافل على ما ذكرناه. # الفرع الثالث: ويستحب إذا أذن المؤذن والرجل في غير المسجد أن يمشي على ~~التؤده والإرواد دون الفشل والعجلة، لما روى قتادة قال: بينما نحن نصلي مع ~~الرسول [إذ سمع] جلبة فلما فرغ من صلاته قال: ((ما شأنكم))؟ قالوا: ~~استعجلنا للصلاة يا رسول الله. قال: ((فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم ~~بالسكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا))(2). PageV02P566 # ويستحب إذا كان المسجد واسعا وسمع الرجل الإقامة أن يمشي رويدا وعليه ~~السكينة والوقار لما روى أبو هريرة ms0936 عن رسول الله أنه قال: ((إذا أقيمت ~~الصلاة)) أو قال: ((إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة " ~~ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا)). ويستحب أن لا يقوم ~~المسلمون حتى يقوم الإمام، لما روى أبو قتاده قال: قال رسول الله : ((إذا ~~أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني " )) (1). # ويجوز للإمام إذا عرضت له حاجة بعد الإقامة أن يقف لها، لما روى أنس بن ~~مالك قال: أقيمت الصلاة فعرض للرسول رجل فحبسه بعدما أقيمت الصلاة(2). # الفرع الرابع: ويجوز للإمام إذا عرض له عارض بعد الإقامة أن يخرج من ~~الصف. لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال أقيمت الصلاة فسوى الناس صفوفهم ~~وتقدم وهو جنب فقال: ((على مكانكم)) فخرج واغتسل ورجع ورأسه يقطر ماء فصلى ~~بهم. وفي حديث آخر أن الرسول خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف، حتى إذا ~~قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر، فانصرف فقال: ((على مكانكم)) فمكثنا على ~~هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماء وقد اغتسل(3). PageV02P567 # الفرع الخامس: ويستحب للإمام إذا سمع المؤذن في صلاة الفجر وهو في بيته، أن ~~يصلي ركعتي الفجر ثم يضطجع حتى يأتيه المؤذن لما روت عائشة رضي الله عنها، ~~قالت: كان رسول الله إذا سكت المؤذن في صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ~~قبل صلاة الفجر قبل أن يستبين الفجر ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه ~~المؤذن للإقامة(1). # وتستحب الصلاة بين كل أذانين، لما روى عبدالله بن مغفل عن الرسول قال: (( ~~" بين كل أذانين صلاة)) مرتين ثم قال في الثالثة ((لمن شاء))(2). وعن أنس ~~بن مالك قال: كان المؤذن إذا أذن للمغرب قام ناس من أصحاب الرسول يبتدرون ~~السواري حتى يخرج الرسول يصلون الركعتين قبل المغرب ولم يكن بين الأذان ~~والإقامة إلا شيء يسير(3). PageV02P568 # --- ### || AUTO الفصل الرابع # في صفة الأذان # وصفته ظاهرة، وهي: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد ألا ~~إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن ~~محمدا رسول ms0937 الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على ~~الفلاح، حي على خير العمل، حي على خير العمل، الله أكبر، الله أكبر، لا إله ~~إلا الله. هذا تمهيد الفصل. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: في عدد كلمات الأذان وفيه مذاهب ستة: # المذهب الأول: عدد كلماته خمس عشرة كلمة، تكبيران في أوله والشهادتان ~~أربع كلمات والحيعلات ست كلمات والتكبيرتان في آخره والشهادة كلمة كملت خمس ~~عشرة وهذا هو رأي الهادي والقاسم والصادق. # والحجة على هذا ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي عن رسول الله ~~أنه قال: ((الأذان مثنى مثنى " ..إلخ))(1). # وما روى أبو محذوره أنه قال: علمني رسول الله أقول في الأذان: الله أكبر ~~الله أكبر، مثنى مثنى إلى آخره(2). PageV02P569 # وعن بلال أنه قال: أذنت خلف رسول الله مثنى مرتين مرتين(1). # المذهب الثاني: أن عدد كلماته سبع عشرة كلمة زاد على ما ذكره الهادي ~~تكبيرتين في أوله وهذا هو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي ~~حنيفة ومحمد. # والحجة على هذا: ما روي عن أبي محذورة " (2) PageV02P570 أنه القى عليه الأذان الرسول بنفسه، وقال: الله أكبر، الله أكبر، الله ~~أكبر.. أربعا، أشهد ألا إله إلا الله مرتين أشهد أن محمدا رسول الله مرتين ~~إلى آخره(1). PageV02P571 # المذهب الثالث: أن الأذان تسع عشرة كلمة، التكبير في أوله أربع مرات، ~~وابتداء الشهادتين أربع كلمات والترجيع فيهما أربع كلمات والحيعلتان أربع ~~كلمات والتكبير في آخره كلمتان والتهليل في آخره كلمة واحدة كملت تسع عشرة ~~كلمة، هذا كله في غير الفجر فأما في الفجر فتكون عدة كلماته إحدى وعشرين ~~كلمة لأن التثويب كلمتان وهذا هو المحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى أبو داود في سننه عن أبي محذورة قال: قلت يا رسول ~~الله علمني سنة الأذان، قال: فمسح مقدم رأسي وقال: ((قل: الله أكبر)) وذكر ~~ما قلناه إلى آخر. # المذهب الرابع: أن عدد كلماته سبع عشرة كلمة التكبير في أوله كلمتان ~~وابتداء الشهادتين أربع كلمات ms0938 والترجيع فيهما أربع كلمات والتكبير في آخره ~~كلمتان والشهادة كلمة واحدة والحيعلتان (1) # أربع كلمات كملت سبع عشرة كلمة وهذا هو رأي مالك. # والحجة على هذا: أما حجته على تثنية التكبير فما حكيناه عن الهادي ~~والقاسم. وحجته على باقي كلمات الأذان ما حكيناه عن الشافعي. # المذهب الخامس: أن الأذان خمس عشرة، التكبير في أوله أربع مرات ~~والشهادتان أربع كلمات والحيعلتان أربع كلمات والتكبير في آخره كلمتان ~~والشهادة كلمة واحدة فهذه خمس عشرة كلمة، وهذا هو رأي أبي حنيفة، وأسقط ~~الترجيع من الأذان وهو أربع كلمات فإذا سقط من تسع عشرة أربع بقي خمس عشرة كلمة. # المذهب السادس: أن الأذان ثلاث عشرة كلمة، التكبير في أوله كلمتان؛ لأنه ~~لا يقول بالتربيع، والشهادتان أربع كلمات، والحيعلتان أربع كلمات، والتكبير ~~في آخره كلمتان والشهادة كلمة واحدة، وأسقط الترجيع من الشهادتين وأسقط ~~تكبيرتين من أوله وإذا سقط ست كلمات من تسع عشرة بقي ثلاث عشرة، وهذا هو ~~رأي أبي يوسف. فهذا تقرير الخلاف في أعداد كلمات الأذان. PageV02P572 # الفرع الثاني: في بيان أحكام الأذان وجملتها عشرة: # الحكم الأول: في التربيع وفيه مذهبان: # المذهب الأول: أن التكبير في أول الأذان مرتين، وهذا هو رأي الإمامين ~~الهادي والقاسم ومحكي عن الصادق وعبدالله بن الحسن وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. # والحجة على هذا: ما قدمناه عن زيد بن علي وعن أبي محذورة وعن بلال، فإن ~~أخبارهم كلها دالة على كون الأذان مثنى مثنى، ونزيد هاهنا وهو ما رواه ~~عبدالله بن زيد الأنصاري قال: رأيت شخصا نزل من السماء فاستقبل القبلة ~~وقال: الله أكبر الله أكبر، وروى عمار بن سعد القرظي " (1) # عن سعد وكان مؤذنا لرسول الله بقبا أنه سمعه يقول: هذا أذان بلال الذي ~~أمره به رسول الله، وهو: الله أكبر الله أكبر مرتين(2). # المذهب الثاني: أن التكبير في أوله أربع تكبيرات وهذا هو رأي الإمامين ~~الناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن الصادق في رواية ومروي عن الباقر وقول ~~الفريقين الشافعية والحنفية(3). PageV02P573 # والحجة على ذلك: ما روي عن أبي ms0939 محذورة أنه قال: ألقى علي رسول الله الأذان ~~بنفسه فقال: ((قل: الله أكبر " ، الله أكبر أربع مرات)). # والمختار: ما قاله الإمامان الناصر والمؤيد بالله. # وحجتهم: ما ذكرناه عنهم، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن علي أنه قال: الأذان ~~هكذا الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر الله أكبر أربعا. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه من خبر زيد بن علي وأبي محذورة وبلال ~~أن الأذان مثنى مثنى في تكبيره. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن خبرنا مشتمل على الزيادة فكان مختصا بفائدة فلهذا كان ~~راجحا على غيره مما لم يفد تلك الفائدة. # وأما ثانيا: فلأن خبرنا رواه أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وما رواه فهو ~~في نهاية القوة والوثاقة،والأخبار إنما تكون راجحة تارة بالإضافة إلى متنها ~~باشتمالها على الزيادة والفائدة ومرة بالإضافة إلى قوة الراوي ووثاقته، ولا ~~شك أن أخبارنا قد جمعت هذين الوجهين اشتمالها على الزيادة وقوة الراوي ~~وصلابته في الدين، فما يرويه أمير المؤمنين كرم الله وجهه لا تساويه رواية ~~غيره لما خصه الله تعالى به من القوة والضبط في الرواية والورع والصلابة في ~~الدين وهي راجحة على غيرها من كل الوجوه. # الحكم الثاني: في الترجيع. ومحله الشهادتان، وصورته: أن ينطق بالشهادتين ~~أولا يخفض بهما صوته ثم يرجع يمد بهما صوته. وهل يكون الترجيع مشروعا في ~~الأذان أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه غير مشروع في الأذان، وهذا هو رأي أئمة العترة ~~القاسمية والناصرية وهو قول الحنفية. PageV02P574 # والحجة على هذا: ما روي أن الرسول لما همه أمر الإعلام بالصلاة فطلب شيئا ~~يدعو به المسلمين للصلاة فذكروا النار فقيل إنها من عادة المجوس، ثم ذكر ~~الشبور وهو البوق، فقيل إنه من عادة اليهود، ثم ذكروا الناقوس فقيل إنه من ~~عادة النصارى، حتى كان ما كان من أمر الله بالمعراج به إلى السماء أو ما ~~كان من ليلة الإسراء ففرض عليه الأذان فأمر بلالا وسائر مؤذنيه من غير ~~ترجيع(1). # المذهب الثاني: أن الترجيع مشروع وهذا هو رأي الشافعي ومالك. # والحجة ms0940 على ذلك: ما رواه أبو سعيد القرظي(2) # أن الرسول أمره بالترجيع وأن سعدا أول من رجع. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة. # والحجة عليه ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو ما رواه أصحاب الشافعي عن عمر ~~وعبدالله بن زيد في الرؤيا التي رأياها في ابتداء الأذان وأمرهما رسول الله ~~، ولم يذكر فيهما ترجيعا في الشهادتين فدل ذلك على أنه غير مشروع. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روى أبو سعد القرظي أنه أذن بالترجيع. # قلنا: هذه رواية شاذة لا يعمل عليها والمشهور من الرواية هو ما ذكرناه. # قالوا: عمل أهل الحرمين على الترجيع فيجب قبوله. # قلنا: الحجة إنما هو كلام الرسول وإجماع الأمة، فأما أهل الحرمين ~~فأقوالهم ليست حجة بحال، فبطل ما عولوا عليه وصح أنه غير مشروع. # الحكم الثالث: في التأذين بحي على خير العمل، هل هو مشروع في الأذان أم ~~لا؟ فيه مذهبان: PageV02P575 # المذهب الأول: أنه مشروع في الأذان معمول عليه، وهذا هو رأي أئمة العترة ~~القاسمية والناصرية لايختلفون فيه وأنه كان ثابتا في زمن الرسول إلى يومنا ~~هذا، وهو رأي فرق الزيدية متفقون عليه. # والحجة على ذلك: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: سمعت ~~رسول الله يقول: ((اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة " ))(1) # وأمر بلالا أن يؤذن بحي على خير العمل، وهذا خبر قوي لا يوازيه في صحة ~~العمل به إلا آية من كتاب الله تعالى لصحة سنده ومتنه. # الحجة الثانية: ما رواه القاسم عن الرسول ، أنه أمر بالتأذين بحي على خير ~~العمل وكان القاسم يعمل به ويجعله في أذانه، وفي هذا دلالة على صحة نقله ~~ولهذا عمل به واختاره لنفسه كما يعمل على سائر الأخبار المنقولة من جهة ~~الرسول . # الحجة الثالثة: ما روى محمد بن منصور في كتابه (الجامع) (2) # بإسناده عن رجال مرضيين عن أبي محذورة أحد مؤذني رسول الله ، أنه قال: ~~أمرني رسول الله أن أقول في الأذان: حي على خير العمل(3). # فهذا نص صريح في صحة التأذين به. PageV02P576 # الحجة الرابعة: ما روى ms0941 نافع عن إبن عمر رضي الله عنه، أنه زاد في أذانه: حي ~~على خير العمل، ومثل هذا لا يقوله عن نظر واجتهاد وإنما يقوله عن توقيف من ~~جهة الرسول لا مساغ للإجتهاد فيه بحال. # الحجة الخامسة: ما روى أبو بكر بن أبي شيبة " (1) # عن علي بن الحسين " (2) PageV02P577 أنه كان يؤذن فإذا بلغ حي على الفلاح قال: حي على خير العمل(1). # ومثل هذه لا يصدر إلا من جهة الرسول لأنه أمر توقيفي لا مساغ للاجتهاد فيه. # الحجة السادسة: ما روى زيد بن علي عن أبيه علي بن الحسين أنه كان يقول في ~~أذانه: حي على خير العمل. ولنكتف بما أوردناه من هذه الأخبار ففيها كفاية ~~وفيها تصريح بما نريده من كونه مشروعا في الأذان. # المذهب الثاني: أنه غير مشروع في الأذان، وهذا هو رأي الفقهاء عن آخرهم ~~لا يختلفون في إنكاره ورده. # والحجة لهم على ما قالوه: هو أن خبر عبدالله بن زيد وخبر عمر فيما رويا ~~في ابتداء الأذان في تلك الرؤيا، لم يذكرا حي على خير العمل. وفي هذا دلالة ~~على كونه غير مشروع. # الحجة الثانية: روي عن علي بن الحسين أنه كان يؤذن في صلاته، فإذا ~~بلغه(2) # قال: حي على خير العمل مرتين، وقال لأصحابه هذا هو الأذان الأول، وفي ~~كلامه هذا دلالة على كونه منسوخا. # الحجة الثالثة: أن عمر أمر بكفه عن التأذين به ولو كان مشروعا من جهة ~~الرسول لم يكن له أن يكفه ويأمر بتركه؛ لأن كل ما كان من جهة الرسول فلا ~~يجوز لأحد تركه برأيه واجتهاده. فهذه الأمور كلها دالة على كونه غير مشروع ~~في الأذان. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وعمل عليه الأكابر من أهل البيت ~~واختاروه قولا وعملا. # وحجتهم على ذلك: ما نقلناه عنهم من الاحتجاج، ونزيد هاهنا وهو أن التأذين ~~بحي على خير العمل، إجماع أهل البيت، وإجماعهم حجة. PageV02P578 # وإنما قلنا: إنهم أجمعوا فهذا ظاهر فإنه لم ينقل عن أحد منهم إنكاره وإنهم ~~عاملون عليه معترفون بصحته ولو أنكره ms0942 منهم منكر لنقل كما في سائر المسائل ~~الخلافية، فلما لم ينقل دل على اتفاقهم عليه. # وأما أن إجماعهم حجة فللآية والخبر، أما الآية فقوله تعالى: {إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " } [الأحزاب:33]. فظاهر ~~هذه الآية دال على تطهيرهم من جميع الأرجاس كلها، والمعاصي من جملة الرجس ~~فيجب تبرئتهم عنها، ولا نريد بكون إجماعهم حجة إلا أنهم لا يجمعون على خطأ. ~~وأما الخبر فقوله : ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا " كتاب الله ~~وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي ~~الحوض))(1) # فظاهر هذا الخبر دال على وجوب التمسك بالكتاب والعترة، ولن يكون الأمر ~~هكذا إلا وهم معصومون فيما أجمعوا عليه عن الخطأ والزلل، وقد دللنا في ~~كتبنا الأصولية على أن إجماعهم حجة وأجبنا عن الأسئلة الواردة على الآية ~~والخبر فمن أرادها فليأخذها من كتاب (الحاوي)(2) # فإنه يجد فيه ما يشفي ويكفي من ذلك، ووضحنا أن الأدلة الشرعية الدالة على ~~كون إجماع العترة حجة أصرح وأقوى من الأدلة الدالة على أن إجماع الأمة حجة ~~لما فيها من التصريح بالغرض المقصود. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه حجة لهم. # قالوا: خبر عمر وعبدالله بن زيد في الرؤيا التي قررها الرسول في ابتداء ~~الأذان ليس فيها ذكر التأذين بحي على خير العمل. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV02P579 # أما أولا: فلأنا قد قررنا أن الإعتماد في إبتداء الأذان إنما هو على ما ~~أوضحناه من حديث المعراج وحديث الإسراء وأن إبتداءه ما كان إلا في هاتين ~~الحالتين فأغنى عن التكرير والإعادة. # وأما ثانيا: فلأنه ولو لم يذكر في حديث عمر وعبدالله بن زيد فهو مذكور في ~~غيرهما كما قررناه في تلك الأحاديث التي رويناها. # قالوا: روي عن علي بن الحسين انه كان يؤذن في صلاته فإذا بلغ إلى حي على ~~خير العمل، قال لأصحابه هذا هو الأذان الأول، وفي هذا دلالة على كونه ~~منسوخا بما بعده من صفة الأذان. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فالأصل ms0943 هو الثبوت ولا يقدم على نسخ الآي والأخبار إلا بدلالة ~~تزيل حكمه ولا دلالة تدل على نسخه، ومجرد الدعوى لا يعمل عليها ولا يلتفت إليها. # وأما ثانيا: فلأنه محمول على أنه لم يكن من الأذان الأول الذي نزل به ~~جبريل يوم المعراج أو ليلة الإسراء ولكن الرسول أوضحه من بعد وليس على ~~الرسول فيما أوضحه من أمور الشريعة في التقدم والتأخر حرج، فإليه الأمر في ~~ذلك على قدر ما يراه من المصلحة الشرعية. # قالوا: إن عمر أمر بتركه ولو كان من جهة الرسول لم يكن له أن يأمر بتركه ~~لأن ما كان من جهة الرسول وجب امتثاله والمسارعة إلى فعله. # قلنا: عما ذكروه أجوبة ثلاثة: # الجواب الأول: أن إسقاطه من الأذان فيه دلالة على أنه كان ثابتا في أيام ~~الرسول وفي خلافة أبي بكر، ولولا ثبوته في هذه الأزمنة ما أمر بإسقاطه. PageV02P580 # الجواب الثاني: أن إسقاطه إنما كان لغرض ديني قد رآه عمر واستصلحه للمسلمين ~~خوفا من الإتكال على الصلاة لما كانت خير الأعمال(1) # فيقع التساهل في الجهاد والإعتماد على الصلاة فأراد إحياء أمر الجهاد بما ~~فعله، وإذا رأى من يلي أمر المسلمين منعهم عن بعض المسائل الاجتهادية ~~لمصلحة رآها جاز له ذلك، ولم يكن لأحد الإعتراض عليه. PageV02P581 # الجواب الثالث: أن عمر لما رأى اتساع ملك الإسلام وانفتحت الأقطار ~~والأقاليم وقوي الأمر، خشي أن الناس يتكاسلون عن الجهاد ويتكلون على الصلاة ~~والصيام وأنواع القربات ويتركون الجهاد، فلهذا أمر بقصره من أجل ما ذكرناه، ~~وهذا توهم لا وجه له وإن الله تعالى قد خص المجاهدين بما خص فقال تعالى: ~~{وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما " } [النساء:95]. فأخبر الله ~~تعالى أن ثواب المجاهد أعظم من ثواب القاعد الذي ليس بمجاهد وإن كان يصلي ~~ويصوم ويحج ويعتمر فدل ما ذكرناه على ضعف هذا التوهم. فأما ما حكاه ~~النيروسي عن الإمام القاسم من إسقاط هذه الكلمة حي على خير العمل من الأذان ~~فهو وهم وخطأ من النيروسي لأمرين: # أحدهما: أن الإمام إنما حكى ms0944 قول المخالفين في إسقاطها من الأذان وليس ~~مذهبا له وإنما وهم النيروسي في اضافته إليه على أنه مذهب له وهو غير قائل ~~به وإنما نقل مذهب المخالفين ليرد عليهم ما زعموه. # وثانيهما: أن أخباره التي رواها عن الرسول وأقواله ورده على من خالف ~~مؤذنه بخلاف ما قاله النيروسي فإذن لا وجه لما قاله. # قاعدة: اعلم أنا لا ننكر فضل الفقهاء ولا إحرازهم لمنصب الاجتهاد وهم ~~الغواصون في أسرار الشريعة والمتبحرون في علومها، لكنا نقول إنهم ما ~~أنصفونا في إنكار هذه الكلمة وإسقاطها من الأذان وقوتها ظاهرة من جهات ثلاث: # الجهة الأولى: ما نقلناه من الأخبار المروية عن الرسول من الرواة الذين ~~يوثق بهم وبرواياتهم كأمير المؤمنين وزيد بن علي وعلي بن الحسين وابن عمر ~~وأبي محذورة وبلال وغيرهم من جلة الصحابة والتابعين، فإنها دالة على ~~إثباتها في ألفاظ الأذان. PageV02P582 # الجهة الثانية: ما قررناه وأوضحناه من إجماع أهل البيت عن آخرهم على ثبوتها ~~واتفاقهم على ذلك، وأن إجماعهم حجة قاطعة كإجماع الأمة ولا يفترقان في ~~كونهما قاطعين فيما دلا عليه خلا أن إجماع الأمة مخالفه يفسق بظاهر الآية ~~بخلاف المخالف لإجماع العترة فإنه لا يفسق ولكن يأثم ويخطئ لمخالفة القاطع. # الجهة الثالثة: المعارضة بالتثويب وهو قولهم: ((الصلاة خير من النوم " )) ~~فإذا كانوا قد قبلوا هذه الكلمة وليس فيها نص من جهة الرسول ولا دل عليها ~~دليل شرعي، ولكن مستندها أمران: إما استصلاح عمر من نفسه من غير نقل من جهة ~~الرسول مخافة أن يترك الناس الجهاد ويتكلوا على الصلاة(1). PageV02P583 # وإما كلام بلال لما أراد أن يؤذن الرسول للصلاة قالوا: إنه نائم. فقال: ~~الصلاة خير من النوم(1)، # فإذا قبلوا التثويب مع ما فيه من الضعف في تقريره وثبوته، كيف لا يقبلون ~~هذه الكلمة مع ما فيها من مزيد القوة كما أوضحناه، فلينظر الناظر فيما ~~ذكرناه وليحقق ما بين الكلمتين من الضعف والقوة وما بينهما من التفرقة في ~~الرد والقبول، وغاية ما نقول: تحسين الظن بأحوالهم وأن المسألة اجتهادية ~~وكل مجتهد فيها مصيب ms0945 كما في غيرها من المسائل الفقهية. PageV02P584 # الحكم الرابع:في التثويب في الأذان، والتثويب في اللغة هو الرجوع إلى الشيء ~~بعد الخروج عنه، قال الله تعالى: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " } ~~[البقرة: 145] أي: يرجعون إليه مرة بعد أخرى، وقال الشاعر: # وكل حي وإن طالت سلامته ... يوما له من دواعي الموت تثويب # وفي صفته ثلاثة أقوال: # فالقول الأول: تثويب أهل العراق، وهو أن يقول بعد الأذان: حي على الصلاة ~~حي على الفلاح. # القول الثاني: أن يقول بعد الإقامة للصلاة: يرحمكم الله، وهو محكي عن أهل ~~العراق أيضا. # القول الثالث: أن يقول: الصلاة خير من النوم(1)، # وهو المحكي عن الشافعي وأين يكون محله؟ فيه ثلاثة أقوال: # القول الأول: أنه مخصوص بأذان الفجر بعد قوله حي على الفلاح، وهذا هو قول ~~الشافعي. # القول الثاني: أنه يكون في جميع الصلوات، وهذا هو قول أبي يوسف. # القول الثالث: أنه يكون في صلاة العتمة، وهذا هو قول الحسن بن صالح. وهل ~~يكون مشروعا في الأذان أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه غير مشروع، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الشافعي ~~في الجديد. PageV02P585 # والحجة على هذا: ما روى سعد القرظي أن أول من قال: الصلاة خير من النوم في ~~صلاته عمر بن الخطاب بعد وفاة أبي بكر، فقال ابن عمر: هذه بدعة، وعن أمير ~~المؤمنين كرم الله وجهه أنه سمع مؤذنا في أذان الفجر يقول: الصلاة خير من ~~النوم. فقال: لا تزيدوا في الأذان ما ليس منه. قال القاسم : الصلاة خير من ~~النوم، محدث ضعيف أحدثوه في زمان عمر. # قال السيد أبو طالب: التأذين به عندنا بدعة(1). # الحجة الثانية: روى ابن أبي شيبة قال جاء رجل يؤذن عمر بصلاة الفجر فقال: ~~الصلاة خير من النوم، فأعجب عمر بذلك فأمره أن يجعلها في أذانه. وموضع ~~الدلالة من هذا الخبر يكون من أوجه ثلاثة: # أولها: أنه لم يكن في أذان رسول الله وأن الرجل تفرد بها وأمره عمر. # وثانيها: أنه لو كان مشروعا في الأذان لم يعجب به عمر ms0946 لأن الأذان الشرعي ~~كان معهودا لعمر. # وثالثها: أن عمر أمره بها، وفيه دلالة على أنه لم يؤذن بها من قبل. # المذهب الثاني: أنها مشروعة في الأذان، وهو أن يقول: الصلاة خير من ~~النوم، الصلاة خير من النوم، بعد قوله: حي على الفلاح، وهذا هو قول الشافعي ~~في القديم، ومحكي عن مالك والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ~~ثور، فأما أبو حنيفة فعنه في التثويب خمس روايات: # الرواية الأولى: حكاها الجصاص من أصحابه، وهو أن يقول: الصلاة خير من ~~النوم، بعد قوله حي على الفلاح مرتين كما هو رأي الشافعي. # الرواية الثانية: حكاها الطحاوي، وفيها تثويبان، الأول بعد قول المؤذن: ~~حي على الفلاح، والثاني: بعد الأذان والإقامة. PageV02P586 # الرواية الثالثة: عن محمد بن شجاع " (1) # تثويبان أيضا، الأول في نفس الأذان والثاني بعد الأذان والإقامة. # الرواية الرابعة: تثويبان أيضا الأول بعد الأذان والإقامة والثاني حي على ~~الصلاة حي على الفلاح بين الأذان والإقامة. # الرواية الخامسة: عن الحسن بن زياد، أنه ينتظر بعد الأذان بقدر عشرين ~~آية، ثم يقول حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين. فهذا تقرير الخلاف في ~~التثويب. # والحجة على ذلك: ما روى أبو محذورة عن الرسول أنه قال له: ((حي على ~~الفلاح " وإن كان في صلاة الفجر قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من ~~النوم))(2). # الحجة الثانية: روي أن بلالا جاء إلى الرسول يؤذنه بالصلاة فقيل له إنه ~~نائم، فقال بلال: الصلاة خير من النوم، فقال له رسول الله : ((إجعلها في ~~أذانك " ))(3) # فهذا تقرير ما جعلوه عمدة لهم. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة. # وحجتهم على هذا: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن ابن عمر أنه دخل ~~المسجد فسمع المؤذن يثوب للصلاة فقال: أخرجنا عن هذه البدعة(4)، # وروي أن رجلا سأل طاووس فقال: يا أبا عبدالرحمن متى كان الصلاة خير من ~~النوم؟ فقال طاووس: أما إنه لم تكن على عهد رسول الله . # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إن رسول الله علم أبا محذورة أن ms0947 يؤذن بالتثويب في صلاة الفجر. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV02P587 # أما أولا: فإنما كان على جهة التنبيه للناس عن النوم لا أنه مشروع في ~~الأذان. # وأما ثانيا: فلأنه لو كان مشروعا لما أنكره الأفاضل من الصحابة ~~والتابعين. # قالوا: روي أن بلالا قال له: الصلاة خير من النوم لما آذنه بالخروج ~~للصلاة. # قلنا: عن هذان جوابان: # أما أولا: فإنما قاله على جهة التنبيه والإشعار بالصلاة، ولم يجعله من ~~كلمة الأذان، كقولنا: الصلاة جامعة. # وأما ثانيا: فلأنه معارض بما ذكرناه من الأدلة الدالة على كونه غير مأثور ~~في الأذان. # الحكم الخامس: في التهليل. وهو مشروع في الأذان، وقد أمر رسول الله ~~مؤذنيه بالتهليل في آخر الأذان، وهل يكون مفردا أو مثنى؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن التهليل في آخره مرة واحدة، وهذا هو رأي القاسمية وعامة ~~الفقهاء. # والحجة على هذا: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان يؤذن ~~بالتهليل في آخر أذانه مرة واحدة(1)، # ومثل هذا لا يصدر عن نظر واجتهاد وإنما يصدر عن توقيف من جهة صاحب ~~الشريعة صلوات الله عليه إذ لا مجرى للاجتهاد فيه. # الحجة الثانية: ما كان من مؤذني رسول الله ، بلال وأبي محذورة وغيرهما ~~ممن كان مختصا بالأذان، فإنه لم يرو عن أحد منهم تكرير التهليل في آخره، ~~وفي هذا دلالة على إفراده وتوحيده. # المذهب الثاني: أن التهليل في آخره مثنى، وهذا هو رأي الناصر والباقر ~~والصادق وموسى بن جعفر وإسماعيل بن جعفر وعلى بن موسى الرضا. # والحجة على هذا: ما رووه عن أمير المؤمنين أنه كان يجعل التهليل في أذانه ~~مرتين ويجعل التكبير في أوله أربعا، وهذا إنما يكون عن شيء سمعه من رسول ~~الله لأنه من جملة العبادات التي لاتعلم إلا من جهة الرسول . # والمختار: ما اعتمده أئمة القاسمية من إفراده. PageV02P588 # وحجتهم: ما نقلناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن أبي محذورة أنه قال: لقنني ~~رسول الله الأذان سبع عشرة كلمة(1) # ولن يكون هذا إلا والتهليل في آخره مرة واحدة. # الانتصار: يكون بالجواب ms0948 عما ذكروه. # قالوا: روي عن أمير المؤمنين أنه كان يجعل التهليل في آخر أذانه مرتين. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه لم يقل أنه من جملة الأذان المشروع وإنما هو على جهة ~~الذكر لاسم الله كما في التسبيح والتهليل. # وأما ثانيا: فلأنه معارض بما ذكرناه برواية أخرى عنه دالة على إفراده. # الحكم السادس: الترتيب في الأذان. ومعنى الترتيب أن يؤتى به على الصفة ~~المشروعة من تقديم التكبير ويتلوه كلمة التوحيد وبعدها كلمة الرسالة ~~والشهادة بهما، والحيعلات الثلاث إلى آخر الأذان، وترتيبه واجب فإن نكسه ~~وخالف ترتيبه لم يجزه وأعاده مرتبا، لا يعرف فيه خلاف. ويؤيد ما ذكرناه ما ~~روي عن الرسول أنه علم أبا محذورة الأذان مرتبا، ولأن الأذان متميز عن سائر ~~الأذكار بترتيبه فإذا نكس بطل ترتيبه ولم يعلم السامع أن ذلك من الأذان وما ~~كان فيه بطلان الحقيقة فرعايته واجبة. # الحكم السابع: ويستحب رفع الصوت بالأذان لأن المقصود به الإشعار ولا يحصل ~~إلا برفع الصوت إذا كان يؤذن للجماعة، ولقوله : ((يغفر الله للمؤذن مدى ~~صوته " ويشهد له كل رطب ويابس))(2). # والمدى هو المدد لكنه أبدل من أحد حرفي التضعيف ألفا، والمدد: هو الغاية ~~والمنتهى وله معنيان: PageV02P589 # أحدهما: أن يريد أن الله يغفر له مدى صوته، أي يرفع له درجات عالية في ~~الجنة فوضع المغفرة مكان جزائها لأنها سبب فيه. # وثانيهما: أن يريد أن الله تعالى يكرر عليه العفو والمغفرة بمقدار تقطيع ~~صوته في الأذان. وكلاهما لا غبار عليه. # ويكره رفع الصوت بحيث يخشى انشقاق حلقه لما روي أن عمر قال لأبي محذورة ~~وقد بالغ في رفع صوته: أما خشيت أن تنشق مريطآؤك والمريطأ ما بين السرة ~~والعانة ويجوز فيها المد والقصر والغالب هو المد فيها. وإن أذن في نفسه لم ~~يرفع صوته لأنه لا يحتاج فيه إلى الإعلام(1). # الحكم الثامن: ويستحب التطريب في الأذان، والتطريب هو حسن الصوت مع ~~البيان لما روي عن الرسول أنه قال: ((زينوا القرآن بحسن أصواتكم " فإن حسن ~~الصوت يزيد القرآن حسنا)) (2) # وإذا ms0949 جاز ذلك في القرآن جاز في الأذان؛ لأن المقصود هو خشوع القلب ~~بالإقبال إلى الصلاة، ولما روي أنه قال لأسيد بن حضير(3) PageV02P590 وقد قرأ عنده وكان حسن الصوت: ((لقد أوتيت من مزامير آل داود " ))، ويكره ~~تمطيط الأذان وهو تطويل الصوت وتمديده، ويقال: مط حاجبه إذا مده. ويكره ~~البغي في الأذان، وله معنيان: # أحدهما: أن يمد صوته حتى يجاوز المقدار ويخرج عن الحد. # وثانيهما: أن يراد التشدق في الكلام يتكلم بملء فيه كما يفعله الجبارون. ~~ويكره التغني في الأذان أيضا، والتغني هو: سلوك طريق ألحان الغناء وتقطيع ~~الكلمات، لما روي عن علي أنه كره مؤذنا كان يتغنى في أذانه(1). # الحكم التاسع: وإن جهر في شيء من الأذان وخافت بالباقي نظرت، فإن كان ~~يؤذن لنفسه لم تضره المخافتة لأنه قد أتى بلفظ الأذان كاملا، وإن كان ~~الأذان في مساجد الجماعات فإنه يجهر به ولا يخافت في شيء منه لأن المقصود ~~منه الإشعار والإعلام، فإن خافت في جميعه أعاده، وإن خافت في بعضه فإن شاء ~~أعاد ما خافت فيه وإن شاء استأنف في الكل. # ويستحب الترتيل في كلمات الأذان لأنها عبادة تتعلق بالقول فاستحب فيها ~~الترتيل كقراءة القرآن ولأنه لا يؤمن مع الإدراج والعجلة نقصان الأحرف ~~والكلمات في الأذان، فلهذا كان الترتيل فيه مستحبا لما ذكرناه. PageV02P591 # الحكم العاشر: ويستحب الموالاة في كلمات الأذان من غير فاصلة فإن وقع فصل ~~بالكلام نظرت، فإن كان يسيرا لم يكره لأنه في حكم المتصل كما لو عطس أو ~~سعل، والمستحب أن لا يتكلم في أذانه لا لمصلحته ولا لمصلحة غيره، فإن تكلم ~~كره ولا يبطل أذانه، لما روي عن سليمان بن صرد " (1) # أنه كان يتكلم في أذانه بحوائجه وكانت [له] صحبة، وعن نافع عن ابن عمر أن ~~الرسول أمر مؤذنه في ليلة باردة أن يقول: ألا صلوا في رحالكم. والظاهر أنه ~~كان كلامه في حال الأذان. وإن كان الكلام كثيرا أو سكت سكوتا طويلا فهل ~~يبطل أذانه أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يبطل أذانه لأنه باستطالة ms0950 الكلام والسكوت يخرج عن حد الأذان ~~كما لو أكل وشرب. # وثانيهما: أنه لا يبطل لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم " }(2). # فإن قلنا: بأنه يبطل لم يبن عليه غيره، وإن قلنا: إنه لا يبطل جاز البناء ~~عليه، والله أعلم بالصواب. # فهذا ما أردنا ذكره في أحكام الأذان ونرجع الآن إلى تمام التفريع بمعونة ~~الله تعالى ولطفه. PageV02P592 # الفرع الثالث: في الإقامة، وأصلها: إقوامة. فقلبت الواو ألفا والتقى ألفان ~~ساكنان فحذف أحدهما، وهي مشروعة كالأذان، لما روي من مؤذني رسول الله بلال ~~وأبي محذورة وأبي سامعة [أنهم] كانوا يؤذنون للصلاة ويقيمون لها، ولا خلاف ~~بين المسلمين في كونها مشروعة للصلوات الخمس المكتوبات، وتتعلق بها أحكام: # الحكم الأول: اعلم أن الخلاف في الإقامة مترتب على الخلاف في الأذان، فمن ~~قال: بأن الأذان سنة. قال: إن الإقامة سنة كما هو رأي الفريقين، ومن قال: ~~بأن الأذان واجب على الأعيان، قال: بأن الإقامة واجبة على الأعيان كما هو ~~رأي أهل الظاهر. والذي عليه أئمة العترة وسادات أهل البيت: أنهما واجبان ~~على الكفاية وأن الأذان إذا وقع في بلدة أو محلة أو قرية أو مدينة فإنه ~~يسقط الوجوب عن أهل تلك القرية والمدينة بخلاف الإقامة فإنه لا يسقط فرضها ~~إلا عن أهل ذلك المسجد لا غير. والتفرقة بينهما ظاهرة فإن وجوب الأذان إنما ~~كان من أجل أنه شعار الإسلام ومن قواعد الدين ومن سيماء المسلمين بخلاف ~~الإقامة فإنها أمر يختص الصلاة، فلا جرم لم يسقط فرضها إلا عن أهل ذلك ~~المسجد بخلاف الأذان فإنه يسقط الفرض بفعله عن أهل تلك القرية والمدينة. # الحكم الثاني: في بيان عدد كلمات الإقامة. وهو تابع للخلاف في عدد كلمات ~~الأذان، فمن قال: بأن الأذان خمس عشرة كلمة كما هو رأي القاسمية والحنفية ~~قال: إن الإقامة سبع عشرة كلمة لأنها تزداد على الأذان بكلمتي الإقامة(1)، # ومن قال: بأن عدد كلمات الأذان سبع عشرة كلمة قال: بأن الإقامة تسع عشرة ~~كما هو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله. PageV02P593 # نعم، يمكن أن يقال: إن على رأي ms0951 الناصر تكون الإقامة ثماني عشرة كلمة، لأنه ~~يقول: بأن التهليل في آخر الأذان مرتين، فلهذا كان عدتها ثماني عشرة كلمة ~~فإذا أضاف إليها الإقامة كانت عدة الإقامة عشرين كلمة على رأيه، فأما على ~~رأي المؤيد بالله فإن الأذان سبع عشرة كلمة ويضاف إليها كلمتا الإقامة ~~فتكون تسع عشرة كلمة. # فأما على رأي الشافعي فالإقامة له فيها قولان: # فالقول الأول: وهو الجديد فإنها إحدى عشرة كلمة، التكبيرتان والشهادة ~~بالتوحيد والرسالة مرتان(1) # والدعاء إلى الصلاة والدعاء إلى الفلاح مرة ولفظ الإقامة مرتان والتكبير ~~في آخرها مرتان والتهليل مرة، وإلى هذا ذهب الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق ~~بن راهويه وأبي ثور. # القول الثاني: القديم، وهو كما ذكره في الجديد إلا الإقامة فإنها تكون ~~مرة واحدة، فعلى هذا يكون عدد كلمات الإقامة في القديم عشر كلمات وفي ~~الجديد إحدى عشرة كلمة.ورأي مالك مثل ما قاله في القديم تكون عشر كلمات. ~~ومن قال: بأن الأذان ثلاث عشرة كلمة. قال: الإقامة تكون خمس عشرة كلمة كما ~~هو رأي أبي يوسف. فهكذا يكون تقرير الخلاف في كلماتها. # الحكم الثالث: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة لما روي عن الرسول ~~أنه قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " ))(2) # بخلاف الأذان فإنه يستحب بين الأذان والإقامة صلوات النوافل، وذلك لما ~~روي عن الرسول أنه قال: ((بين كل أذانين صلاة))(3). # يعني صلاة النافلة، وكما أنه لا أذان لصلاة الجنازة وصلاة العيدين ~~والإستسقاء والكسوف وجميع النوافل المبتدأة فلا إقامة أيضا لها كما مر بيانه. PageV02P594 # ومن أذن فهو الذي يقيم وإن أذن جماعة كان السابق أحق بالإقامة لما روي عن ~~الرسول أنه قال: ((إن أخا صداء هو الذي أذن فهو يقيم " )) (1). # وحكي عن أصحاب أبي حنيفة: أنه يجوز أن يتولى الإقامة من لم يؤذن في حال ~~الإختيار. ودليلنا عليهم: ما ذكرناه من الخبر. # قالوا: يحتمل أن يكون بلال لما غاب عند الأذان أراد الرسول أن يقصره عن ~~فضيلة الإقامة عقوبة له على غيبته وتقصيره. # قلنا: هذا الاحتمال لا وجه له ms0952 فإنه قد أوضح السبب بقوله: ((إن أخا صداء ~~هو الذي أذن فهو يقيم " ))، ومع ذكر السبب لا معنى لتقدير هذا الاحتمال. # قالوا: إذا جاز أن يخطب إحدى الخطبتين خطيب ويخطب الأخرى خطيب آخر فهكذا ~~حال الأذان والإقامة يجوز أن يتولاهما شخصان. # قلنا: كلامنا إنما هو في الأفضل لا في الجائز وعلى أنه يجوز أن يؤذن رجل ~~ويقيم آخر لعذر وضرورة لكن كلامنا إنما هو في الأفضل والمسنون. # الحكم الرابع: ولا تجوز الإقامة على الراحله كما لا يجوز أداء الفريضة ~~على الراحلة، لما روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا على رواحلكم فإذا كانت ~~المكتوبة فالقرار " ))(2)، # ويجوز الأذان على الراحلة كما يجوز أداء النوافل على الراحلة. PageV02P595 # ولا تجوز الإقامة من قعود لأن المعلوم من حال المؤذنين من زمن الرسول ~~والصحابة والتابعين إلى يومنا هذا، أنهم لا يقيمون للصلاة إلا قياما، ويجوز ~~الأذان من قعود إذا كان هناك عذر من مرض أو غيره لأن المقصود بالأذان هو ~~الإشعار وهذا حاصل سواء كان المؤذن قائما أو قاعدا. # والسنة في الإقامة الحدر والإدراج لأن المقصود هو الإستعجال للصلاة ~~والدخول فيها، بخلاف الأذان فإن السنة فيه الترتيل كما مر بيانه لأن ~~المقصود منه الإشعار، ومن جهة أن المقصود من الأذان هو الإشعار بدخول وقت ~~الصلاة والتأهب لها والدعاء إليها فلهذا كان مرتلا واضحا بينا بخلاف ~~الإقامة فإن المقصود منها الدخول في الصلاة والإشتغال بها فلهذا كانت حدرا. # الحكم الخامس: وإذا أراد المؤذن أن يقيم فالمستحب أن يتحول من موضع ~~الأذان إلى غيره، لما روى عبدالله بن زيد في الرجل الذي رآه يؤذن أنه ~~استأخر عن موضع الأذان غير كثير ثم قال مثل ما قال في الأذان(1)، # والمستحب في الإقامة ألا يقيمها المؤذن حتى يرى الإمام، لما روي عن ~~الرسول أنه قال: ((لا تقيموا الصلاة حتى تروني " )) (2). PageV02P596 # ويؤذن المؤذن عند دخول الوقت من غير أمر بخلاف الإقامة فإنه لا يقيم إلا ~~بأمر، لما روى جابر بن سمرة قال كان مؤذن رسول الله يمهل فلا يقيم حتى إذا ms0953 ~~رأى رسول الله قد خرج أقام الصلاة حين يراه(1)، # والمستحب لمن سمع الإقامة أن يقول مثل قوله إلا في الحيعلات فإنه يقول: ~~لا حول ولا قوة إلا بالله، وفي لفظ الإقامة يقول: أقامها الله وأدامها(2) # لما روي أن رسول الله قال ذلك عند الإقامة(3). # الحكم السادس: وإن تكلم في الإقامة بالكلام الخفيف لم تبطل إقامته عند ~~أئمة العترة وفقهاء الأمة، وحكي عن الزهري: أنها تبطل. PageV02P597 # والحجة على ذلك هو: أن الخطبة أعلى حالا من الإقامة لأنها عوض عن بعض الظهر ~~وشرط في صحة الجمعة فإذا لم تبطل بالكلام فهكذا حال الإقامة تكون بذلك أحق وأولى. # ويستحب الدعاء بين الأذان والإقامة، لما روى أنس بن مالك عن الرسول أنه ~~قال: ((بين الأذان والإقامة دعوة لا ترد " ))(1). # وإذا أذن المؤذن وهو في المسجد كره له الخروج منه إلا لعذر، لما روى أبو ~~الشعثاء " (2) # قال: خرج رجل من المسلمين بعد الأذان فقال أبو هريرة: أما هذا فقد [عصى] ~~أبا القاسم، فإن خرج بعد الإقامة كان أشد كراهة سواء كان لعذر أو غير عذر ~~لأنه يصير كالمعرض عن تأدية الصلاة والقيام بأمرها، وفي الحديث عن الرسول ~~أنه قال: ((من أراد البلاء عاجلا غير آجل فليول عند الدعاء وليغن عند ~~الأذان " )). PageV02P598 # الحكم السابع: وإذا أراد أن يقيم للصلاة فإنه يخفض صوته ويجعله دون أذانه ~~لأن المقصود بالإقامة إعلام أهل المسجد بالصلاة وهذا حاصل، بخلاف الأذان ~~فإن المقصود منه إشعار أهل القرية والمدينة فافترقا. ويستحب أن تكون ~~الإقامة في موضع الصلاة ولا تصعد لها الأمكنة العالية، بخلاف الأذان فإنه ~~يكون على المنارات والسطوح لأن فيه تمام الإعلان به فافترقا. فهذا ما أردنا ~~ذكره في الأحكام المختصة بالإقامة والله الموفق. # قاعدة: اعلم أن الأذان والإقامة يشتركان في أحكام ويفترقان في أحكام، ~~ونحن نورد ما يختص كل واحد من الأمرين في تقريرين: # التقرير الأول: في بيان ما يشتركان فيه، فيشتركان في كونهما من الأذكار ~~المشروعة للصلاة، ويشتركان في أنهما واجبان على الكفاية، ويشتركان في ~~كونهما ذكرين يتقدمان الصلاة، ms0954 ويشتركان في الجهر بهما، ويشتركان في كونهما ~~موضوعين للإشعار بالصلاة، ويشتركان في نية التقرب بهما، ويشتركان في أنهما ~~لا يفعلان إلا بعد دخول وقت الصلاة، ويشتركان في أن كل واحد منهما مثنى ~~مثنى، ويشتركان في أن التارك لهما يقاتل حتى يأتي بهما، ويشتركان في ~~الترتيب بين كلماتهما، ويشتركان في الموالاة بين كلماتهما، فهذه أحد عشر ~~حكما يشتركان فيها. PageV02P599 # التقرير الثاني: في بيان ما يفترقان فيه، فيفترقان في أن عدد كلمات الإقامة ~~زائدة على عدد كلمات الأذان بكلمتي الإقامة، ويفترقان في الحدر والترتيل ~~فإن الحدر يختص بالإقامة والترتيل مختص بالأذان، ويفترقان في أن الإقامة لا ~~تصلح بعدها إلا المكتوبة بخلاف الأذان فإنه تصلح بعده النوافل، ويفترقان في ~~أن الأذان يتولاه أكثر من واحد بخلاف الإقامة فإنه لا يتولاها إلا واحد، ~~ويفترقان في أن الإقامة لا تكون إلا بأمر بخلاف الأذان فإنه لا يحتاج إلى ~~أمر، ويفترقان في أن الإقامة تستحب أن يقال عندها: أقامها الله وأدامها، ~~بخلاف الأذان فإن هذا لا يقال عنده، ويجوز عنده ذكر آخر، ويفترقان في أن ~~الأذان دعاء إلى الإشعار بوقت الصلاة بخلاف الإقامة فإنها إشعار بفعل ~~الصلاة والدخول فيها، ويفترقان في أن الأذان يكون في المسجد وغيره بخلاف ~~الإقامة فإنها لا تكون إلا في موضع الصلاة، ويفترقان في جواز الخروج من ~~المسجد بعد الأذان لعذر بخلاف الإقامة فإنه لا يجوز الخروج من المسجد ~~بعدها(1)، # فهذه جملة ما يشتركان فيه ويفترقان جمعناها هاهنا لأنها لا تخلو عن فائدة ~~بالجمع وقد تقدم ذكر هذه الأحكام في أثناء التفريع بحمد الله، ونرجع إلى ~~تمام التفريع بمعونة الله. # الفرع الرابع: والسنة في الأذان أن يقف المؤذن على آخر الكلمات بالسكون؛ ~~لأنه روي موقوفا. # قال أبو عبيد الهروي صاحب الغريب: وعوام الناس يضمون الراء من قوله: الله ~~أكبر، ويعربون باقي الأذان بما يقتضيه الإعراب من الرفع والجر في كلماته ~~وهو خلاف السنة لأن السنة وقفه. # وأقول: إن وقف المؤذن على الأواخر فهو السنة وإن وصله أعربه بما يقتضيه ~~إعرابه من رفع ms0955 أو جر ولا يضره إعرابه مع الوصل لأن وصله من غير إعراب يكون ~~لحنا والأفضل اتباع السنة في الوقف. PageV02P600 # قال أبو العباس المبرد: السنة الوقف. وكان يفتح الراء ويقول: الله أكبر ~~الله أكبر، فيفتحها في الكلمة الأولى ويقف [في] الثانية بالسكون، واحتج بأن ~~الأذان سمع موقوفا وغير معرب في مقاطعه كقولهم حي على الصلاة حي على ~~الفلاح، وكان الأصل أن يقول: الله أكبر الله أكبر بتسكين الراء فيهما لكن ~~حولت فتحة الهمزة من اسم الله من اللفظة الثانية على الراء قبلها، وهذا نظر ~~حسن من أبي العباس. ونظيره فتحة الميم فيمن قرأها مفتوحة في قوله تعالى: ~~{الم الله} لأن الوقف على الميم هو الأصل لأجل البناء لكنها فتحت الميم ~~لأجل إلقاء حركة الهمزة من إسم الله على الميم. # الفرع الخامس: والمستحب لغير المؤذن إذا سمع الأذان أن يقول مثل ما يقول ~~إلا في الحيعلات الثلاث فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، لما روى عمر ~~رضي الله عنه أن الرسول قال: ((من قال حين يسمع ذلك خالصا من قلبه دخل ~~الجنة " ))(1). # وروي عن عبدالله بن علقمه " (2) PageV02P601 قال: إني لعند معاوية إذ أذن مؤذنه فقال: معاوية كما قال مؤذنه حتى إذا ~~قال: حي على الصلاة، حي على الفلاح ثم قال بعد ذلك مثل ما قال المؤذن ثم ~~قال معاوية: سمعت رسول الله يقول ذاك. وإنما كان المسنون أن يقول كما يقول ~~المؤذن في غير الحيعلات ليدل على رضاه لقوله، وأما الحيعلة فمعناها الدعاء ~~لأن معنى حي على الصلاة أي: هلموا إلى الصلاة، ومعنى حي على الفلاح أي: ~~هلموا إلى العمل الذي يوجب الفلاح وهو البقاء ومعنى حي على خير العمل: ~~هلموا إلى خير الأعمال وهو الصلاة، وهذا المعنى لا يصلح لغير المؤذن فلهذا ~~استحب للسامع أن يأتي بذكر لله غيره وخص قوله: لا حول ولا قوة إلا بالله ~~عند ذكر الحيعلة لأن معناها: لا حول عن معصية الله ولا قوة على طاعة الله ~~إلا بالله أي بإقداره وتمكينه وحسن ألطافه ms0956 الخفية في فعل الطاعة والإنكفاف ~~عن المعصية، والصلاة من أعمال الطاعات. # الفرع السادس: يستحب لمن سمع النداء أن يدعو بالدعاء المأثور الذي رواه ~~جابر عن رسول الله أنه قال: ((من قال حين يسمع النداء: (اللهم رب هذه ~~الدعوة التامة والصلاة القائمة " آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام ~~المحمود الذي وعدته) حلت له شفاعتي يوم القيامة))(1). # وروى سعد بن أبي وقاص أن الرسول قال: ((من قال حين يسمع النداء " : وأنا ~~أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ~~ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا، غفر الله له ما تقدم من ذنبه)) (2). PageV02P602 # وهذا يدل على أنه يقول ذلك في أثناء الأذان، وروى عبدالله بن عمرو بن ~~العاص، أن النبي قال: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول " ثم صلوا علي ~~فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الفضيلة ~~والوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن ~~يكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة)) (1) # وهذا يدل على أنه يقول ذلك بعد الأذان. ويحتمل أن يقول مثل ما يقول ~~المؤذن ثم يدعو في حال تطويل المؤذن صوته وأي ذلك فعل كان جائزا، وإن كان ~~في أذان المغرب فالمستحب أن يقول: ((اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك ~~" وحين أوان صلواتك وأصوات دعاتك فاغفر لي))(2) # لأن الرسول أمر أم سلمة أن تقول ذاك عند أذان المغرب. وإن كان في أذان ~~الصبح فالمستحب أن يقول: ((اللهم إن هذا إقبال نهارك وإدبار ليلك " وأصوات ~~دعاتك فاغفر لي)). PageV02P603 # الفرع السابع: والمستحب إذا سمع المؤذن وهو في قراءة أو ذكر لله تعالى قطع ~~القراءة والذكر وتابع المؤذن فيما يقول لأن الأذان يفوت والقراءة والذكر لا ~~يفوتان، وهكذا إذا سمع المؤذن وهو مشتغل بشيء من المباحات فإنه يقطعه أحق ~~وأولى. وإن سمعه وهو في الصلاة فهل يتابعه أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنه لا يتابعه ويشتغل ms0957 بالصلاة فإذا فرغ قال مثل ما يقوله لأن ~~ذلك يقطعه عن إتمام الصلاة ويشتغل بغيرها، فإن خالف المصلي وتابع المؤذن ~~فيما يقوله في حال صلاته وقال مثل ما يقول وقال في الحيعلة: لا حول ولا قوة ~~إلا بالله، لم تبطل صلاته لأن هذا ذكر لله وذكر الله لا يبطل الصلاة. # الفرع الثامن: والمستحب إذا أذن المؤذن أن ينتظر حضور الجماعة في غير ~~المغرب، لما روي عن الرسول أنه قال: ((بين كل أذانين صلاة " )). ولأنه إذا ~~وصل الأذان بالإقامة لم يحصل المقصود بانتظار الجماعة بزيادة الفضل بها. ~~وإذا أذن الأول خرج الإمام ولم ينتظر أذان غيره فإذا خرج الإمام قطع أذان ~~المؤذنين لأنه إذا صلى في ذلك الوقت أدرك الناس فضيلة أول الوقت وإذا أخره ~~وانتظر فضيلة الأذان للباقين فاتت فضيلة أول الوقت، فلا جرم كان تحصيل ~~فضيلة أول الوقت أولى وأحق. # الفرع التاسع: والمستحب أن يؤذن للجمعة أذانا واحدا عند المنبر، لما روى ~~السائب بن يزيد " (1) PageV02P604 قال: كان الأذان على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر إذا جلس الإمام على ~~المنبر أذانا واحدا، فلما كان في زمن عثمان وكثر الناس أمر بالأذان الثاني ~~فأذن به فكان يؤذن به على الدور ولأهل الأسواق وجموع الناس(1). # والأفضل مراعاة ما كان يفعل على عهد رسول الله فإن فعل ذلك لمصلحة يراها ~~الإمام فلا بأس. ويستحب أن يكون المؤذن واحدا لأنه لم يكن يؤذن يوم الجمعة ~~إلا بلال على انفراده. # الفرع العاشر: قال الإمام المؤيد بالله: ولو أحدث المقيم بعد الإقامة ~~للجماعة كانت مجزية لهم وبطل إجزآؤها له كالإمام إذا دخل في الصلاة على ~~الطهارة ثم أحدث فالحدث يبطل إجزآؤها له وصح إجزآؤها للجماعة، وعلى هذا لو ~~أحدث المؤذن بعد أذانه كان أذانه مجزيا للجماعة ويتوضأ للإقامة للصلاة ولا ~~يلزمه إعادة الأذان لأن الإقامة إذا كانت مجزية بعد الحدث فالأذان أحق ~~وأولى بذلك، فهذا ما أردنا ذكره فيما يتعلق بصفة الأذان وأحكامه والله أعلم. # . PageV02P605 # --- ### || AUTO الفصل الخامس # في بيان صفة المؤذنين # اعلم أن الصفات ms0958 المعتادة في الإجزاء أربع، الإسلام والذكورة والعقل ~~والبلوغ. # والصفات المسنونة ثلاث: الطهارة والعدالة وحسن الصوت. هذا تمهيد الفصل. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: الكافر لا يصح أذانه. واعلم أن الكفار صنفان: # الصنف الأول: كفار التصريح، وهؤلاء هم الملاحدة والمعطلة والدهرية ~~والفلاسفة والزنادقة والطبائعية وعبدة الأوثان والأصنام والنجوم وسائر ~~الكواكب، فهؤلاء كفار لا دين لهم ولا كتاب منزل عليهم، وهكذا حال أهل الكتب ~~المنزلة كاليهود والنصارى والمجوس على اختلاف في حالهم. فهؤلاء هم كفار ~~التصريح، ونعني بالتصريح: أنه لا خلاف في كفرهم بين أهل القبلة وأهل ~~الإسلام، ولا يصح أذانهم لأنهم ليسوا من أهل العبادة فلا يكونون أهلا ~~للقيام بشيء من أمورها، وإن أذن واحد من هؤلاء فهل يكون أذانه إسلاما منه ~~أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا يكون إسلاما لجواز أن يأتي بالشهادتين على جهة الحكاية ~~ولهذا فإن أبا محذورة وأبا سامعة كانا يؤذنان قبل إسلامهما على جهة الحكاية ~~والإستهزاء بأذان المسلمين. # وثانيهما: أنه يكون إسلاما ويحكم بصحة إسلامه وهذا هو المختار والصحيح؛ ~~لأنه قد أتى بصريح الإسلام وهما الشهادتان فهو كالآتي بالشهادتين باستدعاء ~~غيره منه. # الصنف الثاني: كفار التأويل، وهؤلاء هم المجبرة والمشبهة والروافض ~~والخوارج، فهؤلاء اختلف أهل القبلة في إكفارهم فبعضهم كفرهم وبعضهم حكم ~~بإسلامهم، فالذين ذهبوا إلى إكفار المجبرة والمشبهة أئمة العترة وجماهير ~~المعتزلة والزيدية، ونعني بإكفار التأويل، هو أن هؤلاء مقرون بالله تعالى ~~وبصفاته وبحكمته وبالنبوة ويعترفون بالشريعة ويصلون إلى القبلة وينكحون على ~~السنة ومقرون بصدق الرسول وصدق القرآن، خلا أنهم اعتقدوا اعتقادا يوجب ~~إكفارهم مع كونهم على هذه الصفة. PageV02P606 # والمختار: أنهم ليسوا كفارا لأن الأدلة التي تذكر في إكفارهم، فيها ~~احتمالات كثيرة، وعلى الجملة فإن من قضى بكفرهم ومن حكم بإسلامهم فإنه يقضي ~~بصحة أذانهم وقبول أخبارهم وشهاداتهم ولا يضرهم ما اعتقدوه من الجبر ~~والتشبيه في صحة إسلامهم وإيمانهم، وقد ذكرنا ما يتعلق بإكفار الفرق في ~~الكتب العقلية فمن أراده باستيفاء فليطالعه من كتاب (التحقيق في الإكفار ~~والتفسيق) فإنه يجد فيه ما يكفي ms0959 ويشفي بمعونة الله تعالى. # الفرع الثاني: الصبي، اعلم أن الصبي إذا كان لدون خمس عشرة سنة نظرت في ~~حاله، فإن كان مختلا ضعيف العقل مشوش الذهن فإنه لا يصح أذانه اتفاقا بين ~~الأئمة والفقهاء، وإن كان كيسا فطنا له تمييز وجودة في الذكاء والفطنة فهل ~~يصح أذانه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يصح أذانه، وهذا هو رأي الإمام زيد بن علي ومذهب ~~القاسمية، ومحكي عن داؤد من أهل الظاهر. # والحجة على هذا: قوله : ((رفع القلم عن ثلاثة)) وذكر من جملتهم الصبي حتى ~~يبلغ، والمعنى بالحديث أنه مرفوع عنه جميع التكاليف كلها فلا تعقل في حقه، ~~وإذا كان الأمر كما قلناه كان الإجزاء مرفوعا من أذانه، وهذا هو الذي نريده ~~من كون أذانه غير مجز ولا مسقط لوجوب الأذان. # المذهب الثاني: أنه يصح أذانه وهذا هو قول الفريقين من الفقهاء(1). # والحجة على ذلك: ما روى عبدالله بن أبي بكر " (2) # أنه قال: أمرني عمومتي أن أوذن وأنا غلام لم أحتلم وأنس بن مالك شاهد لم ~~ينكر ذلك، فدل ذلك على جواز أذانه. PageV02P607 # والمختار: أن أذانه مبني على صحة إسلامه وقد قررنا في بيان من تجب عليه ~~الصلاة صحة إسلامه قبل بلوغه الحلم، وأنه مؤاخذ عند الله تعالى بصحة ~~الإيمان والإسلام لكنا لا نؤاخذه في ظاهر الشرع بالأحكام الشرعية إلا بظهور ~~أمارات البلوغ، وعلى هذا لا يحكم بصحة أذانه لأن صحته من جملة الأحكام ~~الشرعية فلا يصح وقوعها من جهته حتى يظهر أمر البلوغ بأحد الأمارات ~~الثلاث(1). # والحجة على هذا هو أنه غير مخاطب بالصلاة فلا يصح أذانه كابن الخمس. ~~ولأنه غير كامل العقل فلا يصح أذانه كالمجنون. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: خبر عبدالله بن أبي بكر، أنه أذن ولم يحتلم ولم ينكر عليه أنس بن ~~مالك فدل على الجواز. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فسكوت أنس بن مالك لا يدل على جوازه فلعله كان غافلا أو لأنه ~~قد سقط الوجوب بأذان غيره أو لأنه كان في ms0960 مهلة النظر(2) # ومع هذا الاحتمال لا حجة فيه. # وأما ثانيا:فهب أنا سلمنا أن سكوته سكوت رضى، فكلام الصحابي ليس حجة ~~وإنما الحجة فيما يروي من كلام الرسول دون كلامه. # الفرع الثالث: الذكورة، اعلم أنا قد أسلفنا فيما تقدم صحة أذان النساء ~~وإقامتهن لأنفسهن فلا مطمع في إعادته، فأما صحة أذانهن للرجال فهل يصح أم ~~لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه ممنوع، وهذا هو رأي الإمام زيد بن علي والقاسمية، ~~ومحكي عن الشافعي قال الإمام زيد بن علي: ولا يجوز أذان المرأة للرجال. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من ~~زينتهن " }[النور:31]. # ووجه الإستدلال من الآية هو: أن الله تعالى نهاهن عن ضرب أرجلهن حذرا من ~~ظهور أصوات الخلاخيل، فإذا ورد النهي عن سماع صوت الخلخال من الزينة فكيف ~~يجوز سماع الصوت؟ فالنهي عنه أولى وأحق. PageV02P608 # الحجة الثانية: هو أن الأذان حكم شرعي وأمر ديني لا يقوم به إلا من ورد ~~عليه الشرع بإقامته، ومن زمن الرسول إلى يومنا هذا لم يعلم أن أحدا من ~~النساء قام بالأذان ولا تلبس به، وفي هذا دلالة على منعهن من الأذان. # الحجة الثالثة: أنه لا يؤمن وقوع الفتنة بسماع أصواتهن وما كان يؤدي إلى ~~الفتنة فهو محظور لا يجوز فعله. # المذهب الثاني: جواز أذانهن للرجال مع الكراهة وهذا هو رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن المرأة من أهل الصلاة لهذا اعتد بأذانها كالرجل، ~~وأما الكراهة فإنما كانت لأمر عارض وهو أن المأخوذ عليها التستر والخفارة، ~~وما هذا حاله فليس يخل بالإجزاء. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من امتناع الإجزاء في الأذان. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((النساء ~~عي وعورات فاستروا عيهن بالسكوت وعوراتهن بالبيوت " )). # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: المرأة من أهل الصلاة فلهذا جاز أذانها كالرجل. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما هذا حاله مورده الشرع ولا مدخل للأقيسة فيه لإشتماله ~~على الأمور الغيبية التي ms0961 لا تعلم إلا من جهة الله تعالى ومن جهة رسوله . # وأما ثانيا: فلأنا قد أوردنا من أدلة الشرع في المنع من ذلك ما فيه كفاية ~~فلا حاجة إلى التعويل على القياس، وهكذا حال الإقامة فإنه لا يجوز توليها ~~للرجال ولم أعرف لأبي حنيفة في الإقامة للنساء جوازا ولا منعا، وكلامه ~~محتمل في الإقامة للجواز والمنع. # والحجة على ما قلناه: قوله : ((من أذن فهو الذي يقيم " ))(1) # فإذا كانت ممنوعة من الأذان فهي أيضا ممنوعة من الإقامة بظاهر الخبر. PageV02P609 # ومن وجه آخر: وهو أنها ليست من أهل الأذان فلا تكون من أهل الإقامة ~~كالمجنون ولأنها ممنوعة من حضور مساجد الجماعات فوجب ألا يعتد بأذانها ~~كالصبي والمجنون ولأن المأخوذ عليها هو التستر والعفاف والخفارة، وحضورها ~~للإقامة للرجال يناقض ذلك فبطل. # الفرع الرابع: العقل، ولا يصح أذان المجنون ولا يعتد به، واعلم أن الجنون ~~فساد في العقل من غير مرض ويختلف حال الجنون فربما كان يعرض أحيانا كالصرع ~~فما هذا حاله يجوز أذانه وسائر تصرفاته إذا صحى عن الصرع لأنه يكون عاقلا ~~وعلى هذا يجوز أذانه وعقوده ونكاحه إذا زال الصرع، وربما كان دائما لا ينفك ~~عنه ومن هذه حاله فإنه لا يصح شيء من عقوده ولا أذانه ويكون مولى عليه في ~~كل أحواله لضلال العقل وفساده، والعقل فهو ملاك هذه الأمور كلها، ويزيد ما ~~ذكرناه وضوحا قوله : ((رفع القلم عن ثلاثة)) وذكر من جملتهم المجنون، وفي ~~هذا دلالة على صحة ما قلناه من أذانه(1). # الفرع الخامس: السكران، وهو الذي زال عقله بشرب المسكر. # واعلم أن السكران ليس يخلو حاله إما أن يكون مميزا للأمور ولم يبد منه ~~إلا النشاط والطرب والهزة التي تكون من الخمر، فمن هذه حاله فهو عاقل ~~وعقوده صحيحة وجميع تصرفاته جارية على نعت الصحة لأن عقله صحيح وأذانه ~~وصلاته صحيحان، وإن كان قد شرب حتى صار ثملا طائحا لا يدري ما يقول وما ~~يفعل ثرثارا وقحا فإذا انتهى إلى هذه الحالة فلا يصح شيء من عقوده لاختلال ~~عقله فصار ms0962 كالمجنون، قال الشيخ عبدالملك الجويني: وإن نظم الشارب للخمر ~~كلمات الأذان على جهة الإستقامة فليس بسكران. وهذا جيد لأن السكران إذا ~~استحكم سكره لم يدر ما يقول فضلا عن نظم الأذان واستقامة كلماته، فأما شرب ~~المزران(2) PageV02P610 من الذرة والعسل والبر والشعير فليس مسكرا، وإنما هو مفتر للعقل من غير ~~اختلال في العقل، وهكذا هذه الحشائش التي تغير العقل ولا تفسده، وأما البنج ~~فإنه يفسد العقل ويخبل الجسم ويلحق بالخمر في فساد العقل، وسيأتي لهذا مزيد ~~تحقيق في الأشربة بمعونة الله تعالى. # الفرع السادس: في الصفات المسنونة، وهي ثلاث: الطهارة والعدالة وحسن الصوت. # الصفة الأولى: الطهارة من الحدث الأكبر وهي الجنابة. وهل يجوز أذان الجنب ~~أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه غير مجز، وهذا هو الذي ذكره الإمامان القاسم والناصر، ~~وهو محكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أنه ذكر يتقدم الصلاة فلم يصح مع الجنابة كالخطبة. أو ~~نقول: ذكر يختص بنظام مخصوص فوجب أن تكون الجنابة مانعة منه كقراءة القرآن. # المذهب الثاني: أنه يكره ويجزي، وهذا هو رأي المؤيد بالله والشافعي، فإن ~~كان خارج المسجد صح أذانه ولم يأثم وإن كان في المسجد أو في حجرته أثم ~~وأجزى أذانه. # والحجة على ما قالاه: هو أن الأذان ذكر تتعلق به القربة فجاز فعله من جهة ~~المحدث، دليله التسبيح. # والمختار: ما عول عليه الإمامان القاسم والناصر من أنه لا يعتد بأذان ~~الجنب كما قال أبو حنيفة، وهو محكي عن مجاهد والأوزاعي وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق بن راهويه. # والحجة: ما ذكرناه عنهم، ونزيد هاهنا ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا ~~يؤذن الرجل إلا وهو طاهر " )) (1) PageV02P611 فظاهر هذا الحديث دال على أن الطهارة من الجنابة معتبرة في صحة الأذان كما ~~قلناه، وطهارة المحدث وصحة أذانه تخرج بدليل منفصل. # الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه. # قالوا: يرد إلى التسبيح بجامع كونه قربة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن القياس لا يعارض ما ذكرناه من الخبر فإن القياس يشترط في ~~العمل به ألا ms0963 يعارض شيئا من الأخبار المروية لأن كلام الرسول لا يعارضه ~~كلام المجتهد. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكرناه من القياس يعارض قياسكم فيجب القضاء ببطلان ~~الأقيسة والرجوع إلى الخبر الذي رويناه. # وهكذا حال الإقامة فإنها لا تصح من الجنب أيضا، وظاهر كلام الشافعي: ~~المنع من إقامة الجنب وأنها لا يعتد بها لأنه قال: وإذا كرهت الأذان على ~~غير طهارة فأنا للإقامة أكره. ولا معنى للمبالغة في الكراهة إلا لأن الأذان ~~مكروه والإقامة لا يعتد بها. # قال الشافعي: لأنه إذا لم يكن على طهارة فأقل ما في ذلك أنه عرض نفسه ~~للتهمة ويستهزئ به الناس ويسخرون منه في أنه يكون مقيما للصلاة لغيره ولا ~~يكون مصليا فيصير هزأة وضحكة، ويصدق ذلك قوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر ~~وتنسون أنفسكم " }[البقرة:44]. # ومن وجه آخر: وهو أن الإقامة إنما تراد لاستفتاح الصلاة فلهذا احتاج إلى ~~أن يكون على صفة يستفتح بها الصلاة. # وأما الطهارة من الحدث الأصغر فهل يجوز أذان المحدث وإقامته أم لا؟ فيه ~~مذاهب أربعة: # المذهب الأول: الجواز من غير كراهة، وهذا هو رأي أئمة العترة في الأذان ~~وحده، قال زيد بن علي: لا بأس بأن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء، وعن الناصر ~~أنه قال: ويجوز أن يؤذن الرجل وهو محدث، وحكي عن الهادي أنه قال: ولا بأس ~~بأن يؤذن المحدث، فأما الإقامة فاتفق هؤلاء الأئمة على أن الرجل لا يقيم ~~إلا وهو على طهارة. فظاهر كلامهم هاهنا أن الإقامة غير مجزية ولا معتد بها. PageV02P612 # قال الهادي: ولا يقيم إلا وهو على طهارة لأنه ليس بعد الإقامة إلا الصلاة. # والحجة على جواز أذان المحدث: هي أن الأذان ذكر يقصد به القربة فلم يكن ~~الحدث مانعا منه كقراءة القرآن. ويدل على المنع من إقامة المحدث هو أن ~~المعهود من مؤذني رسول الله أنهم ما كانوا يقيمون إلا على طهارة ولم يعلم ~~أن أحدا أقام ثم توضأ بعد ذلك. وفي هذا دلالة على جواز أذان المحدث والمنع ~~من الإقامة وهو المطلوب. # المذهب الثاني: كراهة ms0964 أذان المحدث وإقامته، وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((لا يؤذن إلا ~~متوضئ " )) (1) PageV02P613 . # ولأنه إذا لم يكن متوضيا انصرف لأجل الطهارة فإذا جاء غيره لا يرى أحدا ~~فيظن أن ذلك ليس أذانا. فإن أذن وهو محدث صح ذلك مع الكراهة لأنه قد أتى ~~بالمقصود، وهكذا حال الإقامة. # المذهب الثالث: عن أبي حنيفة وعنه روايتان: # الرواية الأولى: أنه يكرههما جميعا. # والرواية الثانية: جوازهما من غير كراهة. # المذهب الرابع:أنه لا يعتد بهما بحال، وهذا هو المحكي عن الأوزاعي ومجاهد ~~وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه. # والحجة على هذا هو أنهما ذكر يتقدم الصلاة فكان الحدث مانعا منهما ~~كالخطبة في الجمعة. # والمختار: هو الكراهة في الأذان والإجزاء، والمنع في الإقامة. # والحجة على الكراهة في الأذان ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((لا ~~يؤذن إلا متوضي " )) فهذا نهي وأقل درجاته الكراهة. ويدل على أن إقامته غير ~~معتد بها، هو أن المعلوم من حال مؤذني رسول الله أنه لم يعلم من أحدهم أنه ~~أقام ثم خرج يتوضأ، وفي هذا دلالة على عدم الإعتداد بها إذا كان فاعلها على ~~غير وضوء. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: ذكر يراد به القربة فلا يكون الحدث مانعا منه، دليله قراءة ~~القرآن. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن القياس لا يكون معارضا للخبر الذي رويناه، ورأي المجتهد ~~لا يساوي منصب الشارع. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل: هو أنه ليس وصلة إلى الصلاة بخلاف ~~الأذان فافترقا. # وأما من زعم أنه لا يعتد بأذان المحدث فقالوا: إنه ذكر يتقدم الصلاة فكان ~~الحدث مانعا من إجزائه كالخطبة في صلاة الجمعة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا نعارضه بقياس مثله وهو أن نقول: ذكر تقصد به القربة فلا ~~يكون الحدث مانعا منه كالتهليل والتسبيح. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل: كونهما بدلا عن الركعتين في الظهر ~~فاشترطت الطهارة فيهما كمبدلهما فافترقا. # الصفة الثانية: [العدالة] واعلم أن اعتبار العدالة لها ms0965 معنيان: PageV02P614 # المعنى الأول: أن يراد بالعدل من تقبل شهادته وعلى هذا يعتد بأذان من لم ~~تقبل شهادته لأمرين: # أما أولا: فلأن الشهادة أغلظ حكما من الأذان لأن الشهادة تقتطع بها ~~الأموال وتستحل بها الفروج. # وأما ثانيا: فلأن الشهادة قد ترد بملابسة ما ليس فسقا كالبول في الشوارع ~~وإفراط المزاح وسرقة بصلة وغير ذلك مما يجانب المروءة ويسقط العدالة(1) ~~والأذان لا يرد بهذه الأمور لكونه أخف حكما منها. # المعنى الثاني: أن يراد بالعدالة أن لا يكون فاسقا، وعلى هذا هل يعتد ~~بأذان الفاسق المجاهر بملابسة الكبائر كالزنا والسرقة وشرب المسكر وغير ذلك ~~من الكبائر الفسقية؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يعتد بأذانه مع احتمال جوازه، وهذا هو المحكي عن ~~الإمام المؤيد بالله فإنه تردد فيه ولم يمض على صرم في المسألة. # والحجة على عدم الإعتداد بأذانه قوله : ((يؤذن لكم خياركم " ))(2) # والفاسق ليس من الخيار. # المذهب الثاني: جواز أذانه مع الكراهة وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا هو: أن الفاسق من أهل الإسلام ومن المصلين إلى القبلة ~~والمقرين بالشريعة فلهذا جاز أذانه كالتقي وإنما كره لمكان تهتكه وملابسته ~~للكبائر الفسقية. # والمختار: أن من هذه حاله في التهتك وملابسة الكبائر والولوع بفعلها ~~والإكباب عليها في ليله ونهاره أنه لا يعتد بأذانه. # والحجة: ما ذكرناه من الخبر فإنه مانع من الإعتداد بأذانه، ونزيد هاهنا حجتين: PageV02P615 # الحجة الأولى: هو أن المعلوم من مؤذني رسول الله أنهم كانوا في غاية الصلاح ~~والوثاقة في الدين والتلبس بالورع والديانة وكانوا على أحسن هيئة في الدين ~~وقد قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " }[الأحزاب:21]. فيجب ~~الإقتداء بمؤذنيه فمن خالف حالهم لم يعتد بأذانه. # الحجة الثانية: هو أن الفاسق المجاهر بالكبائر يفعلها فلا يبالي بالخيانة ~~ولا بما يفعله من القبائح والمعاصي فإذن لا يؤتمن على الأوقات في تغييرها ~~بالزيادة والنقصان فيها ولا يؤتمن على الإطلاع على عورات المسلمين في ~~المئذنة لجرأته على الله تعالى وخروجه بالفسق عن طاعة الله وولايته. # الانتصار: يكون بالجواب عما ms0966 أوردوه. # قالوا: إنه من أهل القبلة ومن المقرين بالشريعة فلهذا اعتد بأذنه كالتقي. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا نعارض قياسكم بمثله وهو أن الفاسق قد صار من أهل العداوة ~~لله تعالى وانقطاع الولاية عنه فلا يعتد بأذانه كالكافر. # وأما ثانيا: فلانا نسلم ما ذكرتموه لكنه يبطل المقصود بملابسته الكبائر ~~والخيانة فإنه لا يؤمن على أداء هذه العبادة بالخيانة فيما ذكرتموه، فتقرر ~~بما لخصناه أنه غير معتد بأذان الفاسق فلا يمكن من أداء عبادة الأذان بحال، ~~والله أعلم. # الصفة الثالثة: حسن الصوت، والمستحب في المؤذن أن يكون صيتا ونعني ~~بالصيت: أن يكون صوته عاليا مرتفعا، لما روي عن الرسول أنه أمر عبدالله بن ~~زيد بالقاء الأذان على بلال وقال: ((إنه اندى منك صوتا " ))(1)، # واختار أبا محذورة للأذان لعلو صوته، وندا الصوت: علوه وظهوره. قال ~~الشاعر: # فقلت ادعي وأدعو إن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان(2) PageV02P616 ولأن المقصود بالأذان إنما هو الإشعار والإعلام بوقت الصلاة فلهذا استحب أن ~~يكون صوته عاليا مرتفعا، والمستحب مع علوه وظهوره أن يكون حسنا لاشتماله ~~على ذكر الله تعالى وذكر رسوله، فإذا كان صوته حسنا رطبا رقت القلوب إليه ~~وأصغت الأسماع إلى قبوله وكان أقرب إلى خشوع القلب في الصلاة وإلى رقة ~~القلب فيها والإقبال عليها، فهذا ما أردنا ذكره في الصفات المسنونة ونرجع ~~إلى التفريع. # الفرع السابع: ويستحب في المؤذن أن يكون حرا لقوله : ((يؤذن لكم خياركم " ~~)) والعبد ليس من أهل الخيار(1) # فإن منعه مولاه عن الأذان كان له منعه عن أذان النافلة لأنه مستغرق لخدمة ~~سيده. وإن لم يكن هناك من يسقط فرض الكفاية إلا العبد، جاز من غير إذن ~~سيده، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإسقاط فرض الكفاية متوجه على ~~الأحرار والعبيد. فإن أعتق جاز أذانه ولم يكره لأن بلالا كان عبدا لأبي بكر ~~فاعتقه، واختاره رسول الله للأذان فكان مؤذنا له لاختصاصه بالجهاد والدين ~~والورع، ولهذا قال : ((بلال أول من يقرع باب الجنة من الحبشة " )). ويستحب ~~في المؤذن أن يكون ms0967 عارفا بالمواقيت لئلا يغتر الناس بأذانه، فيعرف الزوال ~~في الشتاء والصيف ويتحقق علامة الغروب في صلاة المغرب وغيبوبة الشفق الأحمر ~~للعشاء الآخرة ويفرق بين الفجرين الصادق والكاذب ليكون على حقيقة في أذانه. PageV02P617 # الفرع الثامن: ويستحب أن يجعل الأذان في أولاد من جعل الرسول الأذان فيهم، ~~مثل أولاد بلال لأن الرسول قال: ((الأذان في الحبشة)) " (1) # إكراما لبلال وتخصيصا لعقبه بهذه الخصلة، ومثل أولاد أبي محذورة لأن ~~الرسول جعل إليه الأذان بمكة وجعل الأذان إلى بلال في المدينة، وهكذا أولاد ~~سعد القرظي؛ لأن عمر جعل الأذان إليه بعد بلال، فإن انقرض أولاد هؤلاء أو ~~لم يكونوا عدولا فيستحب أن يجعل في أولاد الصحابة رضي الله عنهم تشريفا لهم ~~وإكراما لما اختصوا به، فإن لم يوجدوا جعله الإمام إلى من يراه من خيار ~~المسلمين فإن تنازع جماعة فيه مع تساويهم في الفضل والدين، أقرع بينهم ~~لقوله : ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه " ))(2) PageV02P618 وروي أن الناس تشاجروا يوم القادسية في الأذان فاختصموا إلى سعد بن أبي ~~وقاص فأقرع بينهم، وروي أنه اختصم جماعة إلى عمر في الأذان فقضى بينهم لكل ~~واحد بأذان صلاة(1). # الفرع التاسع: ويعتد بأذان الأعمى لأن إبن أم مكتوم "(2) # كان يؤذن وهو أعمى فدل ذلك على جوازه، وهل يكره أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه غير مكروه، وهذا هو رأي الهادي والقاسم واختاره ~~السيدان المؤيد بالله وأبو طالب. # قال الهادي في (الأحكام): ولا بأس بأذان الأعمى إذا كان من أهل المعرفة ~~والأمانة. # والحجة على هذا: ما ذكرناه من أذان إبن أم مكتوم ومعرفة الرسول بحاله ولم ~~ينكر عليه أذانه وفي هذا دلالة على جوازه. # قال الإمام أبو طالب: ولا يمتنع أن يقال: إنه أولى بالأذان من غيره لأنه ~~لا يقع بصره على عورات المسلمين وحرمهم في دورهم إذا صعد المنارة بخلاف ~~المبصر فلهذا كان أحق من غيره. PageV02P619 # المذهب الثاني: أنه يكره، وهذا هو المحكي عن ابن مسعود وارتضاه الشافعي. # والحجة على هذا: هو أنه إذا كان ms0968 أعمى فربما غر المسلمين بأذانه ولهذا قال ~~ابن مسعود: لا أحب أن يكون مؤذنوكم عميانكم(1)، # ومثل هذا إذا صدر من جهة الصحابي كان مقبولا لأنه إنما يقوله عن توقيف ~~لتعذر الاجتهاد فيه. قال الشافعي: إذا وجد بصير يكون معه لم يكره أذانه؛ ~~لأن ابن أم مكتوم كان أعمى وكان يؤذن مع بلال. # والمختار: ما عليه أئمة العترة من الجواز؛ لأن ابن أم مكتوم كان مؤذنا ~~والرسول عالم بأذانه فلو كان مكروها لنهاه عن ذلك، ثم إذا كان موثوقا ~~بديانته وصلاحه وأمانته لم يؤذن إلا عن بصيرة وتحقق. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن ابن مسعود كراهة أذان الأعمى. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكره محمول على أذانه إذا لم يعرف الأوقات حتى تتفق ~~الأدلة على الصحة والثبات. # وأما ثانيا: فلأن ما قاله ابن مسعود ليس فيه حجة لأن الظاهر أنه أخبر عن ~~رأيه فلا يكون مقبولا لأن الحجة اللازمة ما كان عن الله وعن رسوله فأما ما ~~كان عن نظر واجتهاد فكل ورأيه فيما قال به. # الفرع العاشر: ويعتد بأذان ولد الزنا ومن ليس لرشده. PageV02P620 # قال الهادي: ولا بأس بأذان ولد الزنا إذا كان من أهل المعرفة والأمانة، وما ~~هذا حاله فلا يعرف فيه خلاف بين العلماء فإذا كان بهذه [الصفات] جاز أذانه ~~ولا يضر فجور والديه فلا تزر وازرة وزر أخرى وقد قال تعالى: {إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم " }[الحجرات:13].ولم يفصل بين شخص وشخص، وما عاب الله أحدا ~~بنسب إلا ما كان من الوليد بن المغيرة " (1) والأخنس بن شريق " (2) PageV02P621 فإن الله عابهما بتلك الخصال القبيحة، ومن جملتها قوله تعالى: {عتل بعد ذلك ~~زنيم " }[القلم:13] والزنيم: الذي تداعاه الرجال وما ذاك إلا لما كان منهما ~~من شدة العداوة للرسول وإغراقهما في أذيته وعداوته والمكر به، فتولى الله ~~تعالى لنبيه الكريم المثوبة وأنزل في [مبغضه](1) # قرآنا يتلى إلى يوم القيامة. # قال الإمام المؤيد بالله: ومن لم يكن بصفة العدالة والأمانة فلسنا نمنع ~~من الإعتداد بأذانه إذا كان ms0969 من أهل الملة، لكن الأولى ما ذكرناه. وكلامه ~~هذا دال على أن المؤذن وإن لم يكن من أهل العدالة والأمانة بأن يكون فاسقا ~~بفسق الجوارح أو بفسق التأويل، فإن أذانه جائز لكونه من أهل الملة وإن كان ~~غير موثوق به في ديانته وأمانته وإن كان مكروها، والأولى خلافه لمن كان على ~~خلاف صفته، وفي هذا دلالة على أن الشرع وإن دل على الإجزاء فالأولى من جهة ~~الدين المواضبة على مراعاة أحوال الديانة. # الفرع الحادي عشر: ويستحب أن يؤذن المؤذن على موضع عال، لما روى عبدالله ~~بن زيد أنه رأى رجلا عليه ثوبان أخضران على جدر حائط يؤذن. وجدر الحائط ~~أعلاه. وقالت عائشة ما كان بين أذان بلال وأذان ابن أم مكتوم إلا قدر ما ~~ينزل هذا ويرقى هذا، فأخبرت أنهما كانا يرقيان إلى موضع عند أذانهما، ولأن ~~ذلك يكون أبلغ في الإعلام وأعظم في الإشهار. # قال الإمام المؤيد بالله: ويجوز تقليد المؤذن في أذانه والعمل عليه إذا ~~كان أمينا عارفا بالأوقات مع إمكان البروز من المسجد ومراعاة زوال الشمس ~~لقوله : ((المؤذنون أمناء " ))(2) PageV02P622 ولا يعني بذلك إلا أمانتهم في دخول الأوقات وهذا محمول على أن السماء مصحية ~~فمتى كان الصحو فأذانه كاف في العمل عليه فأما إذا كانت السماء (ملبدة)(1) ~~بالغيم فإنه مأمور بالتحري والعمل على غالب ظنه ولا يجوز تقليده. # نعم اختلف رأي السيدين الأخوين في المؤذن إذا أقام من غير وضوء فهل تجب ~~عليه إعادة الإقامة أم لا؟ فقال السيد أبو طالب: لا إعادة عليه، وهذا هو ~~قول أبي حنيفة والشافعي. # والحجة على هذا: هو أنه ممن يعتد بأذانه فوجب أن يعتد بإقامته كالمتطهر. ~~أو نقول: دعاء إلى الصلاة فصح من المحدث كالأذان. # وقال المؤيد بالله: تجب عليه الإعادة(2). # والحجة على هذا: هو أن المعلوم من حال مؤذني رسول الله ومن الجلة من ~~الصحابة والتابعين أنهم ما أقاموا على غير وضوء ولا اشتغلوا بعد الإقامة ~~بالطهارة، وفي هذا دلالة على أنه لا يقيم إلا على الطهارة. # والمختار: ما قاله ms0970 المؤيد بالله. # وحجته: ما نقلناه عنه ونزيد هاهنا وهو قوله : ((إذا أقيمت الصلاة فلا ~~صلاة إلا المكتوبة " )) (3). # وموضع الدلالة من الخبر هو أنه عقب الصلاة بالفاء عقيب الإقامة فلو سوغنا ~~له الطهارة بعد الإقامة لكان فيه إبطال ظاهر الخبر وما دلت عليه الفاء من ~~التعقيب. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: إنه ممن يعتد بأذانه فوجب أن يعتد بإقامته كالمتطهر. # قلنا: موضوع الأذان بخلاف الإقامة فإنه لا يشتغل بعدها إلا بفعل الصلاة ~~فافترقا. # قالوا: الإقامة دعاء إلى الصلاة فصحت من المحدث كالأذان. PageV02P623 # قلنا: المعنى في الأصل أن وقته فيه فسحة لفعل التطهر بخلاف الإقامة فإنه لا ~~فسحة بعدها لفعل الطهارة فلهذا لم تكن جائزة من المحدث. # الفرع الثاني عشر: والمستحب للمؤذن أن يؤذن قائما لقوله لبلال: ((قم ~~فأذن))(1) # ولأنه إذا كان قائما كان أظهر لصوته وأقصى لسماعه، ويستحب(2) # أن يستقبل القبلة لأن عمل المسلمين قد جرى بذلك وتوارثوه خلفا عن سلف وقد ~~قال : ((ما رآه المسلمون حسنا فهو عندالله حسن " )). وهل يكون القيام ~~واستقبال القبلة شرطين في صحة الأذان أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنهما لا يشترطان لصحة الأذان، وهذا هو رأي أئمة العترة، ~~ومحكي عن فقهاء الأمة. # والحجة على هذا: هو أن المقصود إنما [هو] الإعلان والإشهار وتعريف الغائب ~~والحاضر بدخول وقت الصلاة، وهذا حاصل سواء كان قائما أو قاعدا أو مستقبل ~~القبلة أو غير مستقبل. # المذهب الثاني: أنهما شرطان في صحة الأذان، وهذا شيء يحكى عن عبدالملك ~~الجويني. # والحجة على هذا: هو أن مؤذني رسول الله وعادة الصدر الأول من الصحابة ~~والتابعين جارية على الأذان قياما مستقبلي القبلة فلما واظبوا عليه أشد ~~المواظبة دل ذلك على وجوبه. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة. PageV02P624 # وحجتهم ما نقلناه عنهم، ونزيد هاهنا أن القيام واستقبال القبلة هيئتان في ~~الأذان وتركهما لا يخرجه عن موضوعه وهو الإعلان والإشهار فلا يمنع ذلك من ~~الإعتداد به، ولا يلزم على هذا [عدم] استقبال الإمام الناس عند الخطبة لأن ~~تركه يخرجه عن موضوعه ms0971 لأن الغرض مخاطبة الناس فلهذا لم تجز إذا تركها(1) ~~فافترقا. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: علمنا من حال مؤذني الرسول وعادة الصحابة والتابعين، مواظبتهم على ~~القيام في الأذان واستقبال القبلة فدل ذلك على وجوبه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المواظبة لا تدل على الوجوب فكم من سنة كثرت المواظبة ~~عليها ولا يخرجها ذلك عن كونها سنة. # وأما ثانيا: فلأن استمرار الداعي على القيام واستقبال القبلة في الأذان ~~ليس من جهة الوجوب كما زعمتم إنما كان من أجل أن المقصود هو الإعلان ~~والإشهار وهذا حاصل من دونهما فبطل أن يقال أن الأذان لا يعتد به من ~~دونهما. # الفرع الثالث عشر: ويستحب أن يجعل أصبعيه وهما المسبحتان في صماخي أذنيه ~~لما روى أبو جحيفة " (2) PageV02P625 أن بلالا خرج يؤذن واصبعاه في صماخي أذنيه، ومن جهة أن الصوت إذا خرج من ~~الحلق انتفش من منافذ الأذنين فإذا سدهما فإن الصوت يجتمع في الفم ويشتد ~~حاله ويقوى جرسه ويخرج عاليا، ولأنه قد يكون هناك من لا يسمع صوته فيحصل له ~~العلم بالأذان بمشاهدة حاله بالبصر وإن لم يسمع. ويستحب أن يترسل في الأذان ~~وهو الترتيل ويدرج في الإقامة وهو القطع لما روى جابر أن رسول الله قال ~~لبلال: ((يا بلال إذا أذنت فرسل " وإذا أقمت فاحدر واجعل بين أذانك وإقامتك ~~قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته ~~ولا تقوموا حتى تروني))(1). # ذكره الترمذي في صحيحه. والمعتصر هو الذي يجد في بطنه عصرا لخروج ما فيه ~~من الطعام، وروي أن عمر قال للمؤذن: إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر. # قال أبو عبيد الهروي: والرواية في الحدر بالحاء المهملة والذال بنقطة من ~~أعلاها(2) # وكذلك الجذم أيضا بالجيم والذال بنقطة هو القطع أيضا. ومن جهة أن الأذان ~~للغائبين فكان الترسل فيه أبلغ والإقامة للحاضرين فكان الجذم فيها أولى. PageV02P626 # الفرع الرابع عشر: وإذا أذن المؤذن وهو قائم مستقبل القبلة فبلغ الحيعلة ~~لوى عنقه ورأسه يمينا وشمالا دون سائر بدنه ms0972 وقدميه فلا يلتوي سواء كان ~~أذانه على الأرض أو على المنارة، فإذا تقرر هذا فلنذكر الخلاف ثم نردفه ~~بذكر كيفية الإلتواء فهذان تقريران: # التقرير الأول: في ذكر الخلاف وفيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أنه يستدير في أذانه يمنة ويسرة ويحول وجهه عن يمينه ~~وشماله إذا قال حي على الصلاة حي على الفلاح، وهذا هو رأي القاسم، ومحكي عن ~~الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن عبدالله بن زيد أنه لما رأى الأذان في منامه ~~فقال الرسول : ((القه على بلال فإنه أندى منك صوتا " )) قال ويستدير في ~~أذانه يمنة ويسرة ويحول وجهه عن يمينه وعن شماله عند ذكر الحيعلتين. # المذهب الثاني: أنه إن كان أذانه على المنارة إستدار بجميع بدنه وإن كان ~~على الأرض لوى عنقه لا غير وهذا هو رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أنه إذا كان على المنارة كانت المنارة مانعة عن نفوذ ~~الصوت وظهوره فلهذا استحب له الإستدارة ببدنه وإذا كان على الأرض لم يحتج ~~إلا إلى إدارة العنق لا غير. # المذهب الثالث: أنه إن كان فوق المنارة لوى عنقه دون سائر بدنه وقدميه ~~وإن كان على الأرض لم يحتج إلى شيء من ذلك، وهذا هو المحكي عن أحمد بن حنبل. # والحجة على ذلك: هو أنه إذا كان فوق المنارة ولوى عنقه كان أبلغ في إبلاغ ~~الصوت ونفوذه فأما إذا كان على الأرض فالصوت فيه كفاية. # المذهب الرابع: أنه لا يستحب له شيء من ذلك سواء كان على المنارة أو على ~~الأرض وهذا هو المحكي عن إبن سيرين. # والحجة على هذا: هو أن المقصود هو الصوت في الإبلاغ والإشهار، وهذه ~~كيفيات لا حاجة إليها، واستقبال القبلة في جميع الأذان هو الأحق والأولى ~~لما فيه من الفضل من غير حاجة إلى تحويل الوجه والعنق عنها. # والمختار: ما عول عليه الإمام القاسم. PageV02P627 # وحجته: ما ذكرناه ونزيد هاهنا ما رواه أبو جحيفة قال: أتيت الرسول وهو في ~~قبة حمراء من أدم فأمر بلالا فخرج فأذن فلما بلغ حي على ms0973 الصلاة حي على ~~الفلاح لوى عنقه يمينا وشمالا ولم يستدر واصبعاه في أذنيه وخرج بلال بين ~~يديه بالعنزة وهي عصا فركزها بالبطحاء فصلى إليها رسول الله حتى لا يمر بين ~~يديه الكلب والحمار وعليه حلة حمراء وكأني أنظر إلى بريق ساقيه(1). PageV02P628 # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. واعلم أنهم لم يذكروا فيما ذهبوا إليه ~~من هذه الأقوال قولا عن رسول الله ولا اعتمدوا شيئا من جهة الصحابة وإنما ~~عولوا فيما ذهبوا [إليه] على آرائهم واستحسنوه بأنظارهم على حسب ما يعن لكل ~~واحد منهم في ظهور الصوت وخفائه وفي بلوغه وتراخيه فوق المنارة وعلى الأرض، ~~وما ذكرناه فهو أخبار منقولة عن الرسول فلهذا كان راجحا على غيره خاصة في ~~أمور العبادات وأحوالها فإنها أمور غيبية لا مدخل للآراء فيها ولا مجال ~~للنظر في أحكامها. # التقرير الثاني: في كيفية الإلتواء وفيه حالتان: # الحالة الأولى: أن يكمل كل واحدة من الحيعلتين في كل واحد من الجانبين من ~~غير فصل بينهما ثم هي على وجهين: # الوجه الأول منهما: أن يلوي عنقه ورأسه إلى الجانب الأيمن فيقول: حي على ~~الصلاة حي على الصلاة، ويلوي عنقه ورأسه إلى الجانب الأيسر ويقول: حي على ~~الفلاح حي على الفلاح. # الوجه الثاني: هو الوجه الأول خلا أنه يرد وجهه إلى القبلة متوسطا بين ~~الحيعلتين، فعلى هذا يلوي عنقه ورأسه فيقول: حي على الصلاة حي على الصلاة ~~ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيسر ويقول: حي على ~~الفلاح حي على الفلاح. # الحالة الثانية: أن يفصل بين كل حيعلة برد الوجه إلى القبلة ثم ذلك يكون ~~على وجهين: # الوجه الأول: أن تكون كل واحدة من الحيعلتين كاملة في الجانبين جميعا ~~فيلوي عنقه إلى الجانب الأيمن فيقول: حي على الصلاة ثم يرد وجهه إلى القبلة ~~ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيمن ويقول: حي على الصلاة ثم يرد وجهه إلى ~~القبلة ثم يلوي عنقه إلى الجانب الأيسر فيقول: حي على الفلاح ثم يرد وجهه ~~إلى القبلة ثم يلوي عنقه إلى ms0974 الجانب الأيسر ويقول: حي على الفلاح ثم يرد ~~وجهه إلى القبلة ويتم أذانه على الكمال. PageV02P629 # الوجه الثاني: أن يقسم كل واحدة من الحيعلتين على الجانبين فيلوي عنقه إلى ~~الجانب الأيمن فيقول: حي على الصلاة ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلوي عنقه ~~إلى الجانب الأيسر فيقول: حي على الصلاة ثم يرد وجهه إل القبلة ثم يلوي ~~عنقه إلى الجانب الأيمن فيقول: حي على الفلاح ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم ~~يلوي عنقه إلى الجانب الأيسر ويقول: حي على الفلاح، وإنما خصت الحيعلة ~~بالإلتواء دون سائر ألفاظ الأذان، من جهة أن ألفاظ سائر الأذان ذكر لله ~~تعالى ولرسوله فلهذا كان استقبال القبلة بها أولى والحيعلة إنما تراد ~~للإعلام والإشهار بدخول الوقت فلا جرم كان الإلتواء بها أشبه. # وهل يلتوي في الإقامة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يلتوي لأنها إشعار بالصلاة كالأذان. # وثانيهما: أنه لا يلتوي لأن الإقامة للحاضرين فلا تحتاج إلى التواء بخلاف ~~الأذان فإنه دعاء للغائبين، فلهذا استحب فيه الإلتواء ليحصل الإعلام لجميع ~~الجهات، وهذا هو المختار لأن بلالا وسائر المؤذنين لم يكن من جهتهم التواء ~~لأعناقهم في الإقامة فافترقا. # الفرع الخامس عشر: وإن أراد المؤذن الأذان فارتد قبل أذانه منع من الأذان ~~لأنه قربة فلا يصح أداءه من كافر وقد قال : ((لا قربة لكافر " )) وإن أذن ~~ثم أرتد فهل يعتد به أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنه لا يعتد به(1) # لأن الردة تحبط الطاعات. # وإن ارتد في حال أذانه لم يصح منه إتمامه في حال ردته لأن الكافر لا يعتد ~~بأذانه ولا يجوز لغيره أن يبني عليه لأنه قد انحبط بالردة. فإن رجع إلى ~~الإسلام عن قريب، فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا يجوز البناء عليه لأنه قد بطل بالردة. PageV02P630 # والثاني: أنه يجوز البناء لأنه تدارك نفسه بالإسلام على القرب كما لو لم يرتد. # والمختار: هو الأول لأنه قد بطل بالردة وقد قال تعالى: {وقدمنا إلى ما ~~عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " }[الفرقان:23]. # وإن إرتد بعد أذانه منع ms0975 من الإقامة لأنه ليس من أهل الإقامة بردته ويقيم ~~غيره ويعتد بأذانه لأنه قد وقع على نعت الصحة والمقصود به الإعلام وقد حصل ~~ولو بطل ثوابه بالردة فقد حصل مقصود الأذان وإن مات بعد الأذان أقام غيره، ~~وإن مات في وسط الأذان بنى على أذانه غيره، وإن أغمي عليه في حال الأذان ~~بنى على أذانه وأتمه غيره. # وقد نجز غرضنا من باب الأذان وبتمامه يتم الكلام في الجزء الثاني من كتاب ~~الانتصار ويتلوه في السفر الثالث باب استقبال القبلة. PageV02P631 ### || CHECK [في_إستقبال_القبلة] # --- # ا # الباب الثالث # في إستقبال القبلة # قال الإمامان القاسم والهادي : يجب على كل مصل أن يستقبل الكعبة إن أمكنه ~~وإن لم يتهيأ تحرى جهتها. # اعلم أن القبلة كانت في أول الإسلام إلى بيت المقدس وقد استقبلها الرسول ~~مدة إقامته بمكة قبل الهجرة وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة لأنها قبلة آبائه ~~إبراهيم وإسماعيل، وبيت المقدس هي قبلة اليهود، وكان من شدة حبه لذلك يصلي ~~من ناحية الصفا ليستقبل الكعبة وبيت المقدس، يجعلها بينه وبين بيت المقدس، ~~فلما هاجر إلى المدينة تعذر عليه استقبالهما جميعا لأن من استقبل بيت ~~المقدس فيها استدبر الكعبة فأقام بالمدينة يصلي إلى بيت المقدس سبعة عشر ~~شهرا وقيل ستة عشر فعيرته اليهود فقالوا: إنه على ديننا ويصلي إلى قبلتنا، ~~فسأل الله أن يحول قبلته إلى الكعبة فنزل جبريل فأخبره أنه يجب إستقبال ~~الكعبة فعرج جبريل صلى الله عليه وسلم والرسول يتبعه نظره ويقلب طرفه نحو ~~السماء ينتظر نزول جبريل، فنزل عليه بقوله تعالى:{قد نرى تقلب وجهك في ~~السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره} [البقرة:144] والمسجد الحرام هاهنا هو الكعبة قال الله ~~تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس }[المائدة:97]. يعني: ~~مقاما لهم ولصلاتهم. وقال تعالى: {وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع ~~السجود }[الحج:26]. يعني: المصلين. وقوله تعالى: {شطر المسجد الحرام} أي: ~~نحوه. قال الشاعر: # ألا من مبلغ عمرا رسولا ... وما تغني الرسالة شطر عمرو # أي: نحو ms0976 عمرو، فإذا تقرر هذا فاعلم أن هذا الباب موضوع للإستقبال فلابد ~~من بيان القبلة المستقبلة، ثم المصلي إليها يستقبلها، ثم الصلاة التي ~~تستقبل لها، فهذه فصول ثلاثة تشتمل عليها. PageV02P632 # --- ### || AUTO الفصل الأول # في بيان القبلة في الصلاة إليها # قال الناصر في كتابه الكبير: على المصلي أن يستقبل القبلة حضرها أو غاب ~~عنها، فمن صلى بالمدينة فعليه استقبال بيت الله الحرام بالنية والإرادة. ~~وأراد بالنية والإرادة: الصلاة؛ لأن استقبال القبلة لا تأثير للنية فيه كما ~~سنوضحه. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: اعلم أنه لا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة في أن النية ~~للتوجه إلى القبلة غير واجبة إلا السيد أبا العباس فإنه أوجبها مرة واحدة، ~~وإنما تكون النية واجبة للصلاة وسائر العبادات دون الإستقبال. PageV02P633 # والحجة على ذلك: هو أن النية إنما تكون مؤثرة في وقوع الأفعال على وجوه ~~مختلفة نحو كونها طاعة ومعصية وقربة وعبادة لله تعالى، فأما ما كان يتعلق ~~بوجود الأفعال ووقوعها فلا تأثير للنية فيه نحو إستقبال القبلة ودخول وقت ~~الصلاة وأعداد الركعات نحو كون الظهر أربعا والمغرب ثلاثا فهذه الأمور لا ~~تأثير للإرادة فيها، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه أن كل أمر لا تأثير للنية فيه ~~فلا يصح أن تجعل النية شرطا في صحته كالصلاة إذا دخل وقتها لم تكن النية ~~شرطا في دخوله. لأنه لو قصد إلى أن الوقت لم يدخل لم يكن لقصده تأثير، ~~وهكذا لو أزال النجاسة وقصد إلى أنها غير زائلة لم يؤثر قصده فيه، وهكذا ~~الحال فيمن توضأ بماء طاهر أو صلى في ثوب طاهر أو صلى على موضع طاهر فنوى ~~أنه توضأ بماء نجس أو صلى على ثوب نجس أو موضع نجس فإنه لا يخرج عما كان ~~عليه بهذه النية، وهكذا في قضاء الدين ورد الوديعة فإنه لا تأثير للنية ~~فيها فإذا كان لا تأثير فيه فما كان من الأفعال واقعا على وجه دون وجه وقف ~~وجوبه على الدليل فإن قامت دلالة على وجوبها فيه قبل به وإلا فهو باق ms0977 على ~~جوازه من غير نية. وعلى هذا جميع أصول الشريعة من الوضوء والصلاة والزكاة ~~والحج والصيام والإحرام بالحج والعمرة، فالقدرة يحتاج إليه في وقوع الفعل ~~ووجوده، والعلم يحتاج إليه في أحكام الفعل وانتظامه والإرادة يحتاج إليها ~~في وقوع الأفعال على وجه دون وجه. # الفرع الثاني: في بيان المعاين للقبلة. اعلم أنه لا خلاف بين أئمة العترة ~~وفقهاء الأمة أن كل من كان معاينا للقبلة فإنه يجب عليه التوجه إلى عينها. PageV02P634 # والحجة على هذا قوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره }[البقرة:144]. وشطر الشيء: بعضه يقال: شطر المال وشطر ~~الدار. وقوله : ((الوضوء شطر الإيمان )) أي: بعضه. وجملة المقامات التي يجب ~~فيها التوجه إلى العين، خمسة نفصلها بمعونة الله تعالى: # المقام الأول: جوف الكعبة، فالمصلي فيها له أن يستقبل أي جدار شاء ويجوز ~~لهم عقد الجماعة متدابرين مستقبلين للجدرات، ولو استقبل الباب وهو مردود(1) ~~صح لأنه من أجزاء البيت، فإن كان مفتوحا والعتبة(2) مرتفعة قدر مؤخرة ~~الرحل(3) جاز ذلك وإن كانت أقل فهل يجزي أم لا يجزي؟ فيه تردد. # والمختار: أنه إذا كان قدامه جزء من البيت أجزأه، وإلا فلا يجزي لأنه ليس ~~مقابلا للبيت ولا لجزء من أجزائه، ولو انهدمت الكعبة والعياذ بالله فصلى في ~~وسط العرصة فهل تجزيه الصلاة أم لا؟ فيه تردد، فحكي عن بعض أصحاب الشافعي منعه. # والمختار: جوازه لأن بين يديه أرض الكعبة وساحتها فهو مستقبل لها. # المقام الثاني: سطح الكعبة، فإن صلى على ظهرها نظرت فإن كان قدامه شيء من ~~أجزائها صحت صلاته لأنه مقابل لجزء من أجزائها فصحت صلاته كما لو كان ~~مواجها له، وإن لم يكن قدامه شيء من أجزائها فهل تجزيه الصلاة أم لا؟ فيه ~~مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن صلاته غير مجزية، وهذا هو الذي ذكره الأخوان الإمامان ~~أبو طالب والمؤيد بالله للمذهب. PageV02P635 # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام " }[البقرة:144] ~~وإذا كان قدامه جزء منها كان متوجها إلى شطر منها فوجب أن ms0978 يجزيه ذلك. # المذهب الثاني: أنه لا يجزيه إلا إذا كان قدامه شيء شاخص يصلي إليه ~~مغروزا فيصلي إليه وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: أنه لا يسمى مستقبلا إلا إذا كان بين يديه سترة، ويخالف ~~ما إذا كان على رأس [جبل] أبي قبيس والكعبة تحته فإنه يسمى مستقبلا لها ~~لخروجه منها. # المذهب الثالث: جواز الصلاة وإن لم يكن قدامه شيء منها وهذا هو رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {أينما تولوا فثم وجه الله " }[البقرة:115] ~~ولم يفصل. فهذه المذاهب على ما ترى، وسيأتي لهذا مزيد تقرير عند الكلام في ~~أماكن المصلي، والانتصار له بمعونة الله تعالى. # المقام الثالث: الواقف في المسجد فإنه تلزمه محاذاة الكعبة فإن وقف على ~~طرف وبعض بدنه في محاذاة ركن من أركانه فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنها غير مجزية لأنه ليس مواجها للبيت بكل بدنه، وإن أمتد صف ~~مستطيل قريب من البيت فالخارجون عن سمت البيت ومحاذاته لا صلاة لهم لبطلان ~~مواجهتهم له. # المقام الرابع: الواقف خارج المسجد أو في بيت من بيوت مكة أو يكون بينه ~~وبينها حائل يمنعه من النظر إلى عينها فمن هذه حاله ففرضه التوجه إلى عين ~~الكعبة لأنه في حكم المعاين لها فلا يسقط عنه فرض المعاينة لعارض يمكن زواله. # المقام الخامس: الواقف في مسجد الرسول للصلاة فإن محرابه ينزل منزلة ~~الكعبة في حقه إذ لا يمكن الخطأ فيه ولا يجوز الاجتهاد من أجله لا بالتيامن ~~ولا بالتياسر. PageV02P636 # قال الإمام المؤيد بالله: وهذا الاعتبار إنما يصح إذا علم أن المحراب لم ~~يغير عما وضعه الرسول لا بزيادة ولا نقصان، فأما إذا حول عما كان عليه فإنه ~~لا يتحقق أنه متوجه إليها. وهذا نظر حسن جار على القواعد والأصول. فهذه ~~المقامات كلها دالة على اعتبار المعاينة للكعبة، والعمارة هذه في حرم رسول ~~الله قد غيرت عن عمارته وهي من عمارة المستعصم " (1) # آخر خلفاء الدولة الجائرة الظالمة الذين غيروا الأحكام الإسلامية وتلبسوا ~~بالمعاصي والآثام الفسقية، وقد ms0979 قطع الله دابرهم وعفا آثارهم فبعدا لقوم لا ~~يؤمنون. # دقيقة: اعلم أن الذي في حكم المعاين للكعبة ممن يكون من أهل مكة في بعض ~~بيوتها ودورها التي لا تشاهد منها الكعبة ويكون بينه وبينها حائل يمنعه عن ~~المشاهدة لها، ففرضه التوجه إلى عينها فإذا كان لا يمكنه الإطلاع عليها إلا ~~بقطع مسافة بعيدة بطلوع جبل أو صعود هضبة فما المتوجه عليه؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: وجوب ذلك وتأخير الصلاة إلى أن يخشى فوتها فحينئذ يجوز له ~~التحري في هذه الحالة وهذا هو رأي القاسمية واختيار السيدين أبي طالب ~~والمؤيد بالله. # والحجة على هذا: هو أن هذه الصلاة بالتحري بدل عن صلاة المعاينة فلا يجوز ~~التلبس بها إلا بعد الإياس من المشاهدة في آخر وقتها كالمتيمم. # المذهب الثاني: أنه إن كان يمكنه الإطلاع والمشاهدة في أول الوقت وإلا ~~صلى بالتحري ولا ينتظر آخر الوقت، وهذا هو رأي المنصور بالله والفقهاء. PageV02P637 # والحجة على هذا: هو أنه مخاطب بالصلاة في أول وقتها وهو معذور بترك ~~المعاينة لأنها ليست بدلا عن غيرها. # وهذا هو المختار. # والحجة عليه: هو أن هاهنا فضيلتين إحداهما معاينة الكعبة، والأخرى تأديته ~~الصلاة في أول وقتها للإختيار، فإذا قامت فضيلة المعاينة بالبعد لم تغب ~~فضيلة الوقت فلأجل هذا وجب عليه تأديتها في أول وقتها من غير انتظار ~~للمعاينة، ولأنه لا قائل بأن أهل منى يؤخرون الصلاة إلى آخر الوقت. # الفرع الثالث: في بيان من ليس معاينا ولا في حكم المعاين فإنه يرجع إلى ~~خبر غيره ويترك إجتهاد نفسه. # والحجة على ذلك: هو أن الأخبار المروية عن الرسول مبطلة للاجتهاد فهكذا ~~خبر العدل الموثوق بصدقه يقبل خبره في مراعاة أحوال القبلة قبل إجتهاد نفسه ~~فإن أخبره مخبر عن علم بأن يكون على رأس جبل وهو يشاهد الكعبة وجب عليه ~~قبول خبره فإن أخبرته امرأة أو عبد عن مشاهدة وجب قبول خبرهما كما يقبل ~~خبرهما في رواية أخبار الرسول لأنهما من أهل الإسلام والعدالة فلهذا كان ~~خبرهما مقبولا، وإن أخبره صبي عن ms0980 القبلة فهل يقبل خبره أم لا؟ فيه تردد بين ~~أصحاب الشافعي. PageV02P638 # والمختار: أن خبره غير مقبول لأنه متهم ولا يعرف قبح الكذب فلا يمتنع من ~~الإقدام عليه، وإن أخبره كافر لم يقبل خبره لأنه ليس من أهل الإسلام فلا ~~يقبل قوله في شيء من أحكامه، وإن أخبره فاسق لم يقبل خبره لأنه متهم في ~~دينه فلا يمتنع إقدامه على الكذب لجرأته على الله تعالى بملابسته الكبيرة، ~~فمتى حصلت هذه الأمور الثلاثة المعاينة للكعبة ومن هو في حكم المعاين لها، ~~والخبر عنها بخبر الثقة كان مبطلا للإجتهاد فيها لأن ما ذكرناه من هذه ~~الأمور الثلاثة أقوى من الاجتهاد نفسه فلهذا كانت سابقة عليها لقوتها ~~وإرشادها إلى المقصود من طلب القبلة. ويؤيد ما ذكرناه هاهنا أن الأخبار ~~المروية عن الرسول في أحكام الشريعة في التحليل والتحريم مبطلة للإجتهاد ~~فهكذا خبر العدل الموثوق بصدقه مبطل للإجتهاد نفسه لأن طريق الاجتهاد مظنون ~~بالنظر في الأمارات الموصلة إلى الظن بخلاف المخبر فإنه يخبر عن مشاهدة ~~فلهذا كان أقوى من اجتهاده. # الفرع الرابع: إذا لم يكن المصلي معاينا ولا في حكم المعاين ولا أخبره ~~مخبر فإلى ماذا يرجع وما يكون فرضه؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن فرضه الرجوع إلى الاجتهاد وطلب الأمارات في جهة القبلة، ~~وهذا هو رأي علماء الشريعة وأهل الحل والعقد من أئمة العترة وفقهاء الأمة ~~وهم القائلون بالقياس والمتبحرون في علومه والمظهرون لعجائبه وأسراره ~~والمتعمقون في غوائله وأغواره. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره " }[البقرة:144]. PageV02P639 # ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر نبيه وأمته بالتولية لشطر ~~المسجد الحرام، والشطر: هو البعض أو الجهة. وعلى كلا التفسيرين فإما أن ~~يكون المراد هو العلم أو الظن والعلم إنما يحصل بالمعاينة أو لمن هو في حكم ~~المعاين لمن كان قريبا من مكة، فأما من بعد عنها من أهل الأقاليم والأمصار ~~في المشرق والمغرب والشام واليمن فلا يحصل لهم العلم وإنما يحصل الظن ~~بالنظر ms0981 في الأمارات وهو مرادنا بالتحري، والأمارات هي: مطالع الشمس والقمر ~~والنجوم كما قال تعالى: {وبالنجم هم يهتدون " }[النحل:16] ومهاب الريح، ~~فالنظر في هذه الأمارات به يقتدح الظن في جهة الكعبة. # الحجة الثانية: قوله تعالى: {أينما تولوا فثم وجه الله " }[البقرة:115]. # ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أخبر وخبره صدق وقوله حق، ~~أن أينما تولينا فهو المقصود للعبادة في جهة القبلة فليس يخلو الحال فيه ~~إما أن يريد أن المصلي يصلي إلى أي جهة شاء فهذا باطل لأن المعاين للكعبة ~~ليس له أن يصلي إلا إليها ولا خيرة له في ذلك، وإما أن يريد الصلاة إلى ~~الجهات الأربع فهذا باطل أيضا لأنه ليس في الآية ما يدل على ذلك ثم إن ~~الإجماع منعقد على خلاف ذلك، فلم يبق إلا أن يكون مراده الصلاة إلى أي جهة ~~أوصل إليها التحري والنظر في الأمارات وفي هذا حصول المقصود من العمل على ~~التحري في طلب القبلة. # المذهب الثاني: مذهب نفاة القياس كالأصم والإمامية وغيرهم من منكري ~~القياس، فهؤلاء قد أنكروا القياس وعولوا على الظواهر القرآنية والأخبار ~~المروية وأنجر بهم الحال إلى إنكار التحري والعمل على الأمارات. وهم فرق ~~كثيرة قد فصلناها في الكتب الأصولية ورددنا مقالتهم هذه. PageV02P640 # والحجة لهم فيما زعموه هو: أنهم أعرضوا عن محاسن القياس وعجائبه وأعرضوا ~~صفحا عن اقتباس معانيه وإحراز غرائبه وعولوا على الظواهر وزعموا أن القياس ~~لا يؤمن فيه الزلل إلى غير ذلك من الأوهام التي ليس لها حاصل ولا ثمرة ~~وراءها ولا طائل، وموضع الرد عليهم الكتب الأصولية وقد أنهينا القول عليهم ~~فيها نهايته. # والمختار: ما عول عليه علماء الشريعة أهل الرأي والاجتهاد من التعويل على ~~القياس فإنه مناط الاجتهاد وأصل الرأي وفيه معظم النظر في مجاري الاجتهاد ~~في أساليب الشريعة وهو المفضي إلى الإستقلال بجميع أحكام الوقائع في ~~المسائل الاجتهادية والمضطربات النظرية. # الانتصار: يكون بإبطال ما عولوا عليه في إنكار القياس والتعويل على ~~الظواهر. وهم قد أشاروا في إنكاره إلى أمور موهومة وتزاييف مزخرفة ms0982 وإنكارهم ~~للقياس الذي عول عليه العلماء الراسخون فيه دلالة على الفهاهة وضيق الحواصل ~~وأنهم فيما أتوا به على غير قرار وبنوه على شفا جرف هار فانهار. # الفرع الخامس: وإذا كان المطلوب هو التحري فهل يكون الفرض هو العين أو الجهة؟ # اعلم أن الكعبة شرفها الله تعالى وأعلاها عبارة عن المكان الذي استقرت ~~عليه قواعد إبراهيم وإسماعيل فصارت الحرمة متعلقة بالأمرين جميعا والقواعد ~~تابعة للقرار، فلو زالت القواعد والعياذ بالله والبناء الذي عليها بقيت ~~الحرمة للمكان فصارت الكعبة كالنقطة في مركز الدائرة فما قرب منها فهو ~~مسامت للعين وما بعد منها فهو مسامت للجهة، فإذا عرفت هذا فاختلف العلماء ~~القائلون بالتحري هل يكون فرض المصلي العين أو الجهة؟ على مذهبين: # المذهب الأول: أن الفرض هو الجهة، وهذا هو رأي القاسمية ومحكي عن أبي ~~حنيفة وعن الكرخي والجصاص من أصحابه وأحد قولي الشافعي. PageV02P641 # والحجة على هذا: قوله : ((ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المشرق " ))(1). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن المراد بالخبر الجهة لا العين لأنه يستحيل ~~أن تكون عين الجهة تحاذي ما بين المشرق والمغرب، وحكي عن أبي حنيفة أنه ~~قال: قبلة العراق ما بين مشرق الشمس ومغربها، فهذا تصريح بأن الفرض هو الجهة. # الحجة الثانية: هو أنه لو كان الفرض هو العين لما صحت صلاة الصف الطويل ~~لأن بعضهم لا محالة يخرج عن العين. # قال الإمام أبو طالب: والمراد بالتحري هو أن تطلب بالأمارات الجهة التي ~~يغلب على الظن أنها جهة الكعبة. PageV02P642 # وحكي عن السيد أبي العباس أنه قال: يقصدون العين التي هي فرضهم إذا حضروا ~~والجهة إذا غابوا، وكل هذا تصريح من هؤلاء بأن الفرض هو الجهة لا غير. # المذهب الثاني: أن الفرض هو العين حضر أو غاب عنها، وهذا هو رأي الإمامين ~~زيد بن علي والناصر والمروزي وأحد قولي الشافعي، وحكى الشيخ أبو جعفر أن ~~أبا عبدالله البصري حصل من مذهب أبي حنيفة أن الفرض هو العين في الحالين جميعا. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {فول وجهك شطر ms0983 المسجد الحرام وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره " }[البقرة:144] وشطر الشيء بعضه، يقال: شطر المال، وشطر ~~الدار أي بعضها وهذا هو مرادنا بالعين. # الحجة الثانية: قياسية، وحاصلها هو أن من لزمه فرض التوجه إلى الكعبة ~~لزمه إصابة العين كالمشاهد لها، فثبت بما ذكرناه أن الواجب بتحريه قصد ~~عينها لا جهتها، فهذا تقرير كلام الفريقين في إعتبار العين والجهة كما ترى. # والمختار: تفصيل نشير إليه فيه كشف الغطاء عن المسألة، وحاصله أن نقول: ~~إعتبار الجهة لايكفي بدليل أن القريب من الكعبة إذا خرج عن محاذاة الركن ~~فإن صلاته غير صحيحة مع استقبال الجهة، ومحاذاة العين أيضا ليست شرطا فإن ~~الصف الطويل في آخر المسجد إذا تزاحفوا إلى جهة الكعبة يخرج بعضهم عن ~~محاذاة العين وصلاتهم لا شك في صحتها فكيف بالصف الطويل في أقصى المشرق ~~والصف الطويل في أقصى المغرب؟ فلعل الأقرب بما قاله العلماء من الأئمة ~~والفقهاء من العين والجهة، هو أن بين موقف المحاذي الذي يقول فيه الناظر ~~المحقق: إنه على غاية السداد، وبين موقفه الذي يقول فيه: إنه قد خرج فيه عن ~~اسم الإستقبال بالكلية، مواقف يقال فيها: إن بعضها أسد من بعض فإذا كان ~~الكل سديدا فمن طلب الأسد عنى به العين، ومن طلب السديد عنى به الجهة. فهل ~~يجب طلب الأسد أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما:أنه يجب لأنه ممكن. PageV02P643 # وثانيهما:أنه غير واجب لأن حقيقة المحاذاة في المسجد ممكنة مع أنها غير ~~واجبة، فإلى هذا ترجع حقيقة الخلاف في المسألة في العين والجهة والله أعلم ~~بالصواب، وربما كان الخلاف راجعا إلى عبارة من أراد الجهة فلابد له من ~~مراعاة العين ومن أراد العين فلابد له من مراعاة الجهة، فإذا كان لابد من ~~مراعاتهما جميعا كان الخلاف لفظيا. # الانتصار: يكون بتصفح كلام الفريقين وانتقاد أدلتهم، وأنت إذا نظرت فيها ~~وجدتها آيلة إلى ما ذكرناه وحققناه فلا جرم استغنت عن النظر في كل واحد ~~منها وما يرد عليه من الاحتمال. # الفرع السادس: في بيان المعذورين من التوجه إلى القبلة، ms0984 وهم في ذلك على ~~ضروب خمسة: # الضرب الأول: الأعمى، وفرضه الرجوع إلى غيره لقوله تعالى: {فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون " }[النحل:43] فإن وجد من يقلده عمل على قوله من ~~حر أو عبد أو امرأة لأن كل واحد من هؤلاء من أهل الاجتهاد فجاز له تقليده ~~فإن اتفقوا على جهة واحدة كان له أن يقلد من شاء منهم لاستوائهم في صحة ~~القبلة، وإن اختلفوا في الجهات استحب له أن يقلد أفقههم وأعرفهم بحدود ~~الشرع وبالأمارات فأيهم قلده جاز، ولأنه قلد من يجوز تقليده، فإن لم يجد من ~~يقلد صلى على حسب حاله، وهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنها لا تلزمه الإعادة لقوله : ((لا ظهران في يوم)). وإن عرف ~~القبلة باللمس للمحاريب المنصوبة التي نصبها العلماء وأهل الفضل أجزأه ذلك ~~لأنها بمنزلة الخبر، وإن دخل الأعمى بالتقليد ثم أبصر في حال الصلاة بأن ~~بان له حين أبصر أنه على جهة القبلة أتم الصلاة، وإن احتاج إلى الاجتهاد ~~بطلت صلاته لأنه صار من أهل الاجتهاد، وإن دخل البصير باجتهاد في الصلاة ثم ~~عمي في أثنائها مضى في صلاته لأن اجتهاده أولى من اجتهاد غيره، فإن تحول ~~عنها بطلت صلاته لأنه لا يمكنه الرجوع إليها ويحتاج إلى أن يقلد وذلك لا ~~يمكنه في حال الصلاة. PageV02P644 # الضرب الثاني: الذي لا يعرف الدلائل على القبلة وإن عرف بها لم يعرف. فمن ~~هذه حاله فهو كالأعمى وفرضه التقليد. فإن دخل المقلد في الصلاة بالتقليد ~~وفرغ منها ثم قال له من قلده، القبلة في غير الجهة التي صليت إليها فإن بان ~~له ذلك باجتهاد لم تجب على المصلي الإعادة لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله، وإن ~~بان له بيقين فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنه لا تلزمه الإعادة لقوله : ((لا ظهران في يوم، ولا فجران في ~~يوم، ولا عصران في يوم)). # وإن قال له آخر وهو في أثناء الصلاة: قد أاخطأتك القبلة والقبلة في جهة ~~أخرى، فإن كان قول الثاني على ms0985 اجتهاد لم يلزمه قبول قوله من جهة أن ~~الاجتهاد لا ينقض بمثله، وإن كان الثاني كاذبا عنده لم يجب عليه الرجوع إلى ~~قوله، وإن كان الثاني أصدق من الأول عنده فعليه أن ينحرف إلى الجهة الثانية ~~لأن الثاني أحق من الأول عنده، وإن كان الثاني عنده مثل الأول في الصدق ~~فعليه أن يمضي في صلاته ولا ينحرف لاستوائهما في الصدق، وقد تلبس بالصلاة ~~فلا وجه لخروجه منها، وإن قال الثاني ذلك القول على جهة الإخبار عن مشاهدة ~~من غير اجتهاد لزمه الإنحراف إلى الجهة الثانية ولا يلزمه الإستئناف لأن ~~دخوله فيها كان باجتهاد والخبر كان عن مشاهدة فلهذا وجب قبوله من غير تغيير ~~لما فعله من قبل. PageV02P645 # الضرب الثالث: الذي لا يعرف الدلائل ولكنه إذا عرف بها عرفها. فإن كان ~~الوقت واسعا لزمه أن يتعرفها ولا يقال: إن هذا تقليد. كما أن العامي إذا ~~أخبره العالم بخبر عن الرسول واستدل به لا يقال: إنه قد قلده فيما يحكم به ~~لأنه متابع للرسول دون العالم، وإن أمكنه التعلم وأخره حتى ضاق الوقت عن ~~التعلم والاجتهاد صلى بالتقليد، فإن لم يجد من يتعلم منه إلى أخر الوقت ~~وضاق عن التعلم والاجتهاد جاز له التقليد. وإنما قررنا هذا التقرير لتعلم ~~بأن ما يكفي من دلائل القبلة فرض من فروض الأعيان لا يمكنه أداء الصلاة إلا ~~به من جهة أن استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، لما روى أسامة عن الرسول ~~أنه دخل الكعبة فلم يصل فيها ثم خرج منها وصلى إليها وقال: ((هذه هي القبلة " )). # الضرب الرابع: الذي يعرف الدلائل ولكن خفيت عليه لظلمة أو غيم فهل يقلد ~~أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يقلد لأنها قد خفيت عليه الدلائل والأمارات فصار كالأعمى. # وثانيهما:أنه لا يجوز له التقليد لأنه صار من أهل الاجتهاد. # والمختار: هو الأول لأنه وإن كان من أهل الاجتهاد فقد انسد عليه الاجتهاد ~~لعروض هذا العارض فلهذا كان معذورا في التقليد كالأعمى. # الضرب الخامس: المسايف(1) والمربوط على خشبة والمريض الذي ms0986 لا يجد من ~~يوجهه نحو القبلة وراكب السفينة يتحرى جهده إلى القبلة ويدور بدورانها فإن ~~لم يمكنه لاضطرابها صلى إلى أي جهة توجهت، والخائف سواء كان الخوف من آدمي ~~أو سبع أو حية والأصل في هذا قوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله " ~~}[البقرة:115]. وقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم " )). PageV02P646 # ومن كان من أهل العذر يمكن زوال عذره ويرجى، فهل ينتظر آخر الوقت أو يصلي ~~في أول الوقت؟. فمن قال: صلاته بدلية وجب عليه انتظار آخر الوقت كالمتيمم، ~~ومن قال: صلاته أصلية جازت له الصلاة في أول الوقت وقد مضى تقريره في أوقات ~~الصلاة وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن الإعادة وبالله التوفيق. PageV02P647 # --- ### || AUTO الفصل الثاني # في بيان الصلوات التي تستقبل لها القبلة # اعلم أن الصلوات التي يشرع فيها استقبال القبلة على نوعين: واجبة، ~~ونافلة. فالواجبة: نحو الصلوات المكتوبة والصلاة المنذورة وصلاة الجنازة. ~~والنافلة: نحو صلاة الكسوف والسنن الرواتب للصلاة ونحو سجود الشكر وسجود ~~التلاوة. فما كان من الصلوات الواجبة فإنه يجب فيه مواجهة القبلة ولا تؤدى ~~على الراحلة، وما كان نافلة فإنه يجوز تأديته على الراحلة ولا يشترط فيه ~~مواجهة القبلة، هذا تمهيد الفصل. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: الصلوات المكتوبة يجب فيها مواجهة القبلة إلا لعذر كما مر ~~بيانه، ولا يجوز تأديتها على الراحلة لما روى زيد بن علي عن أبيه عن علي " ~~أن رجلا سأل الرسول فقال له: يا رسول الله هل تصلي على ظهر بعيرك؟ فقال: ~~((نعم صل حيث توجه بك بعيرك " إنما يكون إيماؤك لسجودك أخفض من إيمائك ~~لركوعك فإذا كانت المكتوبة فالقرار))(1). # فإن كان راكبا لسفينة واسعة أو عمارية يمكنه أن يدور ويركع ويسجد ويستقبل ~~القبلة ويقوم، فهل يجوز أن يصلي فيها الفريضة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: المنع من ذلك لأن البهيمة لها اختيار في نفسها ولا تكاد تثبت على ~~حالة واحدة فيؤدي ذلك إلى تغير القبلة بخلاف السفينة فإنها لا تسير بنفسها ~~وإنما يسيرها الملاح فهي واقفة على اختياره ms0987 فافترقا. # وثانيهما: الجواز كما لو صلى على سرير يحمله أربعة. # والمختار: هو الأول وهو المنصوص للشافعي في كتاب (الأم)، فأما إذا كان ~~راكبا في محمل ضيق أو سرج أو على قتب فلا يجوز تأدية الفريضة عليه بحال. # الفرع الثاني: صلاة الجنازة هل تجوز تأديتها على الراحلة أم لا؟ فليس ~~يخلو حالها إما أن تكون متعينة عليه أم لا؟ فإن كانت متعينة عليه لم يجز ~~تأديتها عليها لأنها من فروض الأعيان، وإن لم تتعين عليه فهل يجوز تأديتها ~~على الراحلة أم لا؟ فيه وجهان: PageV02P648 # أحدهما: أنها غير واجبة في حقه فهي كسائر النوافل. # وثانيهما: المنع لأنها وإن لم تتعين عليه فهي واجبة في نفسها، وهذا هو ~~المختار وهو المنصوص للشافعي. # وأما صلاة النذر الواجبة فهل يجوز تأديتها على الراحلة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما:المنع لأنها واجبة فأشبهت المكتوبة. # وثانيهما: الجواز لأنه ليس لها وقت معين فاشبهت المبتدأة. # والمختار: هو الأول، من جهة أنها لاحقة بالمفروضة من الصلاة في الوجوب. ~~وهكذا الكلام في ركعتي الطواف فيهما الوجهان الجواز والمنع. # والمختار: هو الجواز لأنهما لاحقتان فلهذا جاز تأديتهما على الراحلة. # فأما رواتب الصلوات المكتوبة وصلاة الكسوفين وسجود الشكر والتلاوة فيجوز ~~تأديتها على الراحلة، وهكذا حال صلاة العيدين عند من قال إنها سنة؛ لأن هذه ~~الصلوات كلها نافلة فلا جرم قضينا بجواز تأديتها على الراحلة. وإنما جاز ~~ذلك من جهة أن النوافل يستحب الإكثار منها فلم يضيق الشرع مسلكها فلهذا خفف ~~الأمر فيها بالأداء على الراحلة وقائما وقاعدا لما روي عن الرسول أنه قال: ~~((من صلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء من أعمال الدنيا غفر الله له " )). # الفرع الثالث: النوافل المبتدأة. يجوز أداؤها على الراحلة لقوله تعالى: ~~{ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله " }[البقرة:115]. ويتوجه ~~إلى جهة مقصده لما روي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في التطوع في السفر. # وروى ابن عمر قال: رأيت الرسول يصلي على حماره متوجها إلى خيبر ومن توجه ~~إلى خيبر من المدينة فإنه يستدبر ms0988 القبلة. قال الإمام القاسم: ويجوز اداء ~~الوتر على الراحلة لأنها سنة وليست واجبة ويجوز ذلك في السفر الطويل لأن ما ~~هذا حاله من تسهيلات السفر ورخصه فلهذا كان مختصا بالطويل من الأسفار، وهل ~~يجوز في القصير أم لا؟ فيه مذهبان: PageV02P649 # المذهب الأول: جواز الأداء على الراحلة في النوافل في القصير من الأسفار ~~وهذا هو رأي أئمة العترة وهو أحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن الرسول كان يصلي حيث توجهت به راحلته ولم يفصل بين ~~طويله وقصيره. # المذهب الثاني: اختصاص ذلك بالسفر الطويل دون القصير، وهذا هو رأي مالك ~~وأحد قولي الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن هذا تغيير ظاهر لهذه الصلاة فلهذا كان مختصا ~~بالسفر الطويل كالقصر. # والمختار: ما قاله الأئمة لما روى جابر عن الرسول أنه كان يصلي على ~~راحلته حيث توجهت، وعن علي % أنه كان يصلي على راحلته التطوع حيث توجهت، ~~وعن ابن عمر أنه كان يصلي على راحلته ويوتر، وقال: كان الرسول يفعله(1). # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قوله: إنه تغيير هيئة في الصلاة فلا يجوز إلا في السفر الطويل كالقصر. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه معارض بما ذكرناه من الأخبار فإنها لم تفصل بين الطويل ~~والقصير والأخبار أحق بالقبول من القياس خاصة مع أن الباب باب عبادة فلا ~~تحكم فيه إلا الأخبار المروية عن الرسول . # وأما ثانيا: فلأنه معارض بقياس مثله وتقريره: أنه مسافر فجاز له فعل ~~النوافل على الراحلة كالسفر الطويل فضعف ما عول عليه. PageV02P650 # الفرع الرابع: وإذا دخل الراكب بلدا وهو في الصلاة نظرت فإن كان بلد إقامته ~~أو نوى فيه الإقامة فعليه أن ينزل ويتم صلاته إلى القبلة ولا يكون النزول ~~مفسدا للصلاة لأنه عمل قليل عمل لإصلاح الصلاة، وإن كان مجتازا عن البلد ~~فإنه يتم صلاته راكبا إلى جهة مقصده ولا تأثير للعمارة والبنيان، وإن دخله ~~لينزل ثم يرتحل فإنه يمضي في صلاته ما دام سائرا فإذا نزل صلى إلى القبلة، ~~وإن كان له في البلد أهل ومال ms0989 نظرت فإن نوى الإقامة نزل وأتم صلاته إلى ~~القبلة وإن لم ينو الإقامة ففيه وجهان: # أحدهما: أن يلحقه حكم المقيم تغليبا لأهله وماله. # وثانيهما: أنها في حكم الصحراء لأنه مسافر فيها. # والمختار: هو الأول لأن المال والأهل تزيل عنه حكم السفر والغربة فلهذا ~~لحقه حكم الإقامة وإن لم يكن ناويا لها فلهذا لزمه استقبال القبلة لما ~~ذكرناه. # الفرع الخامس: وإذا كان المسافر ماشيا فهل يجوز له ترك القبلة والتوجه ~~إلى جهة مقصده أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز ذلك وهذا هو الذي يأتي على رأي أئمة العترة وهو قول ~~الشافعي. # والحجة على هذا: هو أنه أحد حالتي السفر فجاز له التنفل في غير جهة ~~القبلة كحالة الركوب. # المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو قول أبي حنيفة ومحكي عن أحمد بن حنبل. # والحجة على ذلك: هو أن الأدلة الشرعية دالة على الرخصة في ترك القبلة لمن ~~أراد النافلة في حال الركوب فلهذا وجب قصرها عليه دون المشي. # والمختار: جواز ذلك في حالة المشي كما جاز في حال الركوب. # والحجة على هذا: هو أن المقصود التساهل في حال النوافل واتساع مسلكها ~~فإذا جاز ذلك في حال الركوب جاز في حال المشي من غير تفرقة بينهما بل ربما ~~تكون الرخصة في حال المشي أدخل منها في حال الركوب. # الانتصار: قالوا: يجب قصر الرخصة حيث وردت في حالة الركوب. PageV02P651 # قلنا: لا نسلم قصرها على الركوب وإنما وردت في حال الركوب لأن الغالب في ~~الأسفار هو الركوب على الرواحل وليس من جهة كونه شرطا وإنما جاز تعويلا على ~~مطرد العادة فلهذا سوغناه للماشي لما كان المقصود هو الترفه في حق النوافل ~~واتساع نطاقها في حق من أرادها. # الفرع السادس: وإذا كان المتنفل حاضرا في غير سفر نظرت، فإن كان واقفا من ~~غير سير لم يجز له التنفل إلا مع استقبال القبلة لأنه لا عذر له في ترك ~~الاستقبال مع الوقوف عن السير وأما إذا كان سائرا فهل يجوز له ترك ~~الاستقبال في صلاة ms0990 النفل أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما:الجواز لأن عادة الناس في الحضر هو المشي في حوائجهم أكثر النهار ~~فلهذا جوز لهم ترك الإستقبال في النافلة مخافة أن ينقطعوا عن النوافل كما ~~قلنا في حال السفر. # وثانيهما: المنع من ذلك لأن الغالب من حال الحضر اللبث والإقامة، وهذا هو ~~المختار؛ لأنه ممكن فلا وجه لتركه مع المسير لسهولة الأمر فيه، والله أعلم. # الفرع السابع: في كيفية استقبال المتنفل للقبلة في حال صلاته. وليس يخلو ~~الحال في إشتراط الإستقبال إما أن يكون في إبتداء الصلاة أو في حال ~~الإشتغال بها أو الخروج منها فهذه حالات ثلاث: # الحالة الأولى: في إبتداء الصلاة وفيه وجوه أربعة: # أولها: أنه يجب الإستقبال عند التحريم لأنه لا حرج فيه ولا عسرة بخلاف ~~الدوام فأشبه النية. # وثانيها: أنه لا يجب لأن هذه الحالة تعم جميع الصلاة فإذا لم يلزم في ~~جميعها لم يلزم الإبتداء به. # وثالثها: أن العنان والزمام إن كان في يديه وجب الإستقبال لسهولته ~~وتيسره، وهكذا حالها إن كانت مقطورة إلى غيرها، وإن كانت مرسلة لم يلزم؛ ~~لأنه لا يملكها. # ورابعها: إن وجه الدابة إن كان في جهة القبلة فلا يجوز تحريفها وإن كان ~~وجهها في غير القبلة لم يلزمه تحريفها إلى القبلة. PageV02P652 # الحالة [الثانية]: في دوام الصلاة وحال الإشتغال بها، فلا يجب الإستقبال ~~فيها لكن تلزمه الإستقامة على وجه الطريق لا يدل على القبلة(1) فلو كان ~~راكبا للتعاسيف(2) # فلا يتنفل أصلا لما كان غير مستقيم على صوب واحد(3). # الحالة الثالثة: في الخروج عن الصلاة، ولا يلزمه الإستقبال عند الخروج من ~~الصلاة النافلة لأنه تارك للصلاة فلا يلزمه الإستقبال كما لو لم يتلبس بها. # الفرع الثامن: والمستحب لمن يصلي في الصحراء أن يجعل بين يديه سترة فلا ~~يبالي بما مر من ورائها لما روى أبو هريرة وعائشة وابن عمر وغيرهم من جلة ~~الصحابة رضي الله عنهم عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم ووضع بين يديه ~~سترة " مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبالي من من مر وراء ms0991 ذلك))(4). PageV02P653 # وقال هؤلاء من الصحابة: سترة الإمام سترة لمن وراءه. # ويستحب لمن يصلي إلى السترة أن يدنو منها لقوله : ((إذا صلى أحدكم إلى ~~السترة فليدن منها " )) (1). # ويستحب أن يكون بينه وبين السترة قدر ذراع، لما روي عن الرسول أنه كان ~~بينه وبين قبلته قدر ممر الشاة(2). # قال الشافعي: ويستحب أن يكون بينه وبين السترة قدر ثلاثة أذرع. وهذا ~~التقدير فيه زيادة على الحد ولم يذكر المحدثون البخاري والترمذي وغيرهما ~~إلا مقدار ممر العنز وهذا حاصل بقدر الذراع من غير زيادة. ويكره التباعد عن ~~السترة بأكثر من قدر الذراع لما روى ابن المنذر " (3) أن مالكا كان يصلي ~~مباينا للسترة فمر به رجل لا يعرفه فقال له: أيها المصلي أدن من سترتك فجعل ~~مالك يتقدم ويقول: {وعلمك ما لم تكن تعلم " وكان فضل الله عليك ~~عظيما}[النساء:113]. PageV02P654 # فإن كان المصلي في البنيان فالمستحب أن يدنو من الجدار، وإن كان في الصحراء ~~فالمستحب أن يجعل سترة بين يديه، لما روي عن الرسول أنه كان إذا خرج للعيد ~~تنصب له الحربة فيصلي إليها(1). # وهكذا كان يفعل في السفر تركز له العنزة. # ولا يستتر بامرأة ولا دابة، ويكره له ذلك لما روي عن الرسول أنه قال: ~~((لا صلاة إلى امرأة " )) (2) PageV02P655 ويستحب للمصلي أن يداري في صلاته مخافة أن يمر بين يديه مار لما روي عن ~~النبي أنه كان يصلي ذات يوم إلى الجدار فأراد تيس أن يمر بين يديه فجعل ~~يداريه عن المرور وهو يزحف إلى الجدار حتى لصق بالجدار ومر التيس من ~~ورائه(1). # الفرع التاسع: والمستحب إذا لم يجد المصلي عودا يغرزه أن يخط بين يديه ~~خطا، لما روي عن الرسول أنه قال: ((فإن لم يكن معه عصا فليخط خطا " ))(2) # قال أبو داود في سننه، وليكن الخط مثل الهلال، أراد: يكون معوجا كهيئة ~~المحراب. PageV02P656 # ويكره المرور بين يدي المصلي إذا كان يصلي إلى سترة من عصا أو حربة أو خط ~~بين يديه، لما روى أبو هريرة وابن عمر وعبدالله بن عمرو وأبو سعيد الخدري ~~عن ms0992 الرسول أنه قال: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ما عليه " لكان أن يقف ~~أربعين خير له من أن يمر بين يديه)) (1). # وحكى أبو عيسى الترمذي " (2) # عن النضر راوي الحديث له قال: لا أدري أربعين يوما أو شهرا أو سنة. ~~والقريب: أنه أراد أربعين سنة، لما روي عن الرسول أنه قال: ((لأن يقف أحدكم ~~مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي " )) فإن لم يجعل المصلي ~~تلقائه شيئا لم يكره المرور بين يديه لأنه فرط في نفسه بترك الستر فبطل ~~حقه(3). PageV02P657 # الفرع العاشر: والمستحب للمصلي إذا صلى إلى سترة قدامه من جدار أو أسطوانة ~~وغيرهما أن لا يصمد إليها صمدا كليا بل يكسر بحاجبيه شيئا قليلا، لما روي ~~عن الرسول أنه كان إذا صلى إلى السترة قدامه لم يصمد إليها صمدا ولكني ~~رأيته يكسر بحاجبيه شيئا قليلا فإن مر مار بين المصلي وبين السترة عمدا جاز ~~له مخاصمته، لما روي عن الرسول أنه قال: ((فإن شاء أن يخاصمه فليخاصمه " )) ~~وفي حديث آخر: ((فإن شاء أن يقاتله فليقاتله))(1). # وهل يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي وليس بين يديه سترة أم لا؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يقطع صلاة المصلي ما يمر بين يديه كالكلب والمرأة ~~والحمار، وهذا هو رأي أئمة العترة والفقهاء. PageV02P658 # والحجة على ذلك: ما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: كنت رديف الفضل بن عباس " (1) # على أتان لنا فجئنا والرسول يصلي بأصحابه في منى، قال: فنزلنا عنها ~~فوصلنا الصف ومرت بين أيديهم فلم تقطع صلاتهم(2). # المذهب الثاني: أنه يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة، وهذا يحكى عن بعض ~~الفقهاء. # قال أحمد بن حنبل: لا أشك أن الكلب الأسود يقطع الصلاة وفي نفسي من ~~الحمار والمرأة شيء. # قال إسحاق بن راهويه: لا يقطعها إلا الكلب الأسود. PageV02P659 # والحجة على ذلك: ما روى أبو ذر عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى الرجل وليس ~~بين يديه كواسطة الرحل " قطع صلاته الكلب الأسود والمرأة والحمار)) قال ~~الراوي: ms0993 فقلت لأبي ذر ما بال الأسود من الأحمر والأبيض؟ فقال: يا ابن أخي ~~سألتني عما سألت رسول الله فقال: ((الكلب الأسود شيطان " ))(1). # والمختار: ما عليه علماء العترة. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو ما روى أبو سعيد الخدري أن النبي ~~قال: ((لا يقطع صلاة المرء شيء " وادرأوا ما استطعتم))(2). PageV02P660 # ويكره أن يجلس رجل مستقبلا للمصلي لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا صلاة ~~إلى متحدث " )) فإن فعل رجلان ذلك عمدا أدبا. لما روي عن عمر رضي الله عنه ~~أنه رأى رجلين فعلا ذلك فضربهما(1). # الانتصار: يكون بالجواب عما رووه من حديث أبي ذر وعنه جوابان: # أما أولا: فيحتمل أن يكون منسوخا بحديث أبي سعيد لاتفاق العلماء على ذلك ~~من أئمة العترة وفقهاء الأمة. # وأما ثانيا: فلأنه متأول على أنه قطع الصف عن الإتصال لا أنه قطع الصلاة ~~عن الإجزاء وهذا التأويل وإن كان فيه بعد لكنه مغتفر في جنب مخالفة ~~الأحاديث الدالة على صحة الصلاة واتفاق العلماء عليها، فهذا ما أردنا ذكره ~~في بيان الصلاة التي يستقبل بها القبلة. PageV02P661 # --- ### || AUTO الفصل الثالث # في بيان حال المستقبل للصلاة # اعلم أن المستقبل للصلاة نحو الكعبة لا يخلو حاله إما أن يكون قادرا على ~~معرفة القبلة باليقين جزم عليه التحري وإن عجز عن التحري بالعمى قلد غيره ~~وإن عجز عن اليقين وجب عليه التحري فإن صلى من غير تحر أو تحرى وأخطأ أو ~~صلى إلى جهة غير متحراة أو غلب على ظنه الإصابة أو صلى من غير تحر وعلم ~~الإصابة أو كان الوقت باقيا أو فائتا إلى غير ذلك من اختلاف أحواله في طلب ~~القبلة فلابد من إيراد هذه المسائل واستقصاء الكلام فيها بمعونة الله ~~تعالى، هذا تقرير قاعدة الفصل. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: استقبال القبلة هل هو شرط من شروط الصلاة أو يكون ركنا من ~~أركانها؟. # حكى المسعودي من أصحاب الشافعي فيها وجهين. # فإن قلنا بكونه ركنا من أركان الصلاة افتقر إلى النية كالقيام والقراءة. # وإن قلنا بأنه شرط لم ms0994 يفتقر إلى النية كالطهارة في المكان والثياب وستر ~~العورة. # والمختار: أنه بحقيقة الشرط أشبه لأنه لا يفتقر إلى النية كما أوضحناه من ~~قبل من جهة أن النية غير مؤثرة فيه وما لا تكون النية مؤثرة فيه فلا تشترط ~~فيه النية فإذا دخل في الصلاة من غير تحر وهو من أهل التحري فقد أخل بشرط ~~من شروطها فإن كان الوقت باقيا وجب عليه الإعادة لأن المعاد اسم لما أدي ~~على نوع من الخلل مع بقاء الوقت، وإن كان الوقت فائتا وجب عليه القضاء لأن ~~القضاء اسم لما أعيد مع فوات وقته فلهذا توجه عليه القضاء لإخلاله بشرط من ~~شروط العبادة مع التمكن منه. # نعم، لو دخل مسجدا من المساجد فصلى فيه المكتوبة من غير تحر ولا نظر في ~~شيء من الأمارات خلى أنه نظر إلى هذه المحاريب المنصوبة في المساجد فصلى ~~إليها فمن هذه حاله لا يقال بأنه لم يتحر لأنه قد عول عليها في صلاته وهي ~~أقوى من تحريه لوجهين: # أما أولا: فلأنها بمنزلة الخبر والخبر أقوى من التحري كما مر بيانه. PageV02P662 # وأما ثانيا: فلأنه إنما نصبها أهل البصر والمعرفة والفضل من أهل الدين ~~باجتماع فهلذا صار التعويل عليها في الإستقبال للصلاة. # الفرع الثاني: إذا تحرى المصلي جهة القبلة وصلى ثم علم أنه أخطأها وصلى ~~إلى غيرها. # قال السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب: والاعتبار في حكم المسألة ~~بالعلم دون الظن. # واعلم أنه لا سبيل إلى العلم بإصابة القبلة أو بالخطأ فيها إلا لمن ~~عاينها وشاهدها فأما من لم يشاهدها بالحاسة فالغرض بالعلم بأنه أخطأ: هو ~~أنه صلى إلى جهة لا يصلي إليها أحد من أهل التحري. وإذا كان الأمر كما ~~قلناه فما المتوجه عليه والحال هذه، فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن الإعادة واجبة عليه في الوقت ولا يجب عليه القضاء بعد ~~فوات الوقت، وهذا هو رأي الأئمة الهادي والقاسم والناصر وهو قول مالك. # والحجة على وجوب الإعادة في الوقت وهو أحد قولي الشافعي،قوله تعالى:{فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام ms0995 " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة:144] ~~والشطر هو الجانب والجهة، فإذا تيقن أنه لم يتوجه إلى شطره لم تكن صلاته ~~مجزية، وما بعد مضي الوقت مخصوص من الظاهر بدلالة خارجة. # الحجة الثانية: قياسية وتقريرها: هو أنه تعين له يقين الخطأ فيما يأمن ~~مثله في القضاء فوجب أن لا يعيد بما فعله كالحاكم إذا حكم بحكم ثم وجد النص ~~بخلافه. # فقولنا: تعين له، نحترز به عما إذا صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين فإنه ~~تعين الخطأ في أحدهما ولا إعادة عليه؛ لأنه لم يتعين الخطأ في أحدهما (أي ~~لم يتحدد في أي منهما). # وقولنا: يقضي الخطأ، نحترز به عما إذا صلى إلى جهة ثم أداه اجتهاده إلى ~~أن القبلة في جهة أخرى فإنه قد تعين له الخطأ ولا تلزمه الإعادة لأنه لم ~~يتيقن ذلك وإنما كان ذلك من طريق الاجتهاد. PageV02P663 # وقولنا: فيما يأمن مثله في القضاء، نحترز به عن الأكل في الصوم ناسيا، ومن ~~الوقوف بعرفة في اليوم الثامن أو اليوم العاشر على وجه الخطأ فإنه لا يأمن ~~مثله في القضاء فلهذا لم تتوجه عليه الإعادة. # وإنما قلنا: إن القضاء غير متوجه عليه بعد الوقت وفواته، فالذي يدل عليه حجتان: # الحجة الأولى: ماروى جابر قال: بعث رسول الله سرية وكنت فيها فأصابتنا ~~ظلمة فلم نبصر معها القبلة فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة قبل الشمال. ~~فصلوا إليها وخطوا خطا. وقال بعضهم: القبلة نحو الجنوب. وصلوا إليها وخطوا ~~خطا. فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط إلى غيرجهة القبلة، فلما ~~قفلنا من السفر سألنا رسول الله فسكت ولم يقل شيئا فنزل قوله تعالى: ~~{فأينما تولوا فثم وجه الله " }[البقرة:115]. وفي بعض الروايات أنه قال ~~لهم: ((قد أجزأتكم صلاتكم)). # الحجة الثانية: قياسية، وتقريرها هو: أنها جهة مأمور بالصلاة إليها كما ~~لو صلى إلى غير جهة القبلة في شدة الخوف. # المذهب الثاني: أن الإعادة متوجهة عليه مع بقاء الوقت، والقضاء بعد ~~إنقضائه. وهذا هو رأي المؤيد بالله وله في المسائل الخلافية والمجتهدات ~~الفقهية إذا ms0996 وقع الخطا فيها أقوال مختلفة وآراء مضطربة بعضها على جهة ~~التنصيص، وبعضها على جهة التخريج، فهذان تقريران في الضبط لأقواله. # التقرير الأول: ماكان على جهة التنصيص وجملتها أقوال ثلاثة: # فالقول الأول: ذكره في (المسائل)(1) # وحاصل ماقاله هو: أن المصلي إذا نسي شيئا مما طريقه الاجتهاد في وضوءه ثم ~~ذكره بعد مضي الوقت وجبت عليه الإعادة فهذا تصريح بأنه تجب عليه الإعادة في ~~الوقت والقضاء بعد انقضائه. PageV02P664 # القول الثاني: هو أن المصلي إذا نسي شيئا أوتركه من فروض وضوءه جاهلا ~~بوجوبه أياما كثيرة ثم علم بعد ذلك نظر، فإن كان المتروك مما طريق وجوبه ~~الاجتهاد لم تجب عليه إعادة ماصلى في هذه الحالة، وإن لم يكن من مسائل ~~الاجتهاد وجبت عليه الإعادة على كل حال. # القول الثالث: ذكره في (الإفادة)(1) # .قال: إذا صلى بالتحري ثم علم خطأه في الوقت أعاد. ولم يذكر إذا علم بعد ~~فوات الوقت، فهذه أقواله المنصوصة التي أشار إليها في كتبه. # التقرير الثاني: ما ذكر على وجه التخريج على أقواله المنصوصة، والمذكور ~~له تخريجان: # التخريج الأول: أنه إذا ترك ما طريقه الاجتهاد فإنه تلزمه الإعادة في ~~الوقت، ولا يجب القضاء عليه بعد فوات الوقت كما هو رأي الهادي والقاسم ~~والناصر ". # التخريج الثاني: التفرقة بين الجاهل والناسي، فقال في الجاهل: لا تلزمه ~~الإعادة بعد مضي الوقت فيما طريقه الاجتهاد. وقال في الناسي: تلزمه الإعادة ~~في الوقت والقضاء بعد فواته، فهذه أقواله كما ترى بالنص والتخريج، ولعل ~~الأقوى من مذهبه ماصرح به في المسائل. # والحجة عليه: أما وجوب الإعادة في الوقت فلقوله تعالى{فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام " }[البقرة:144] وهذا الذي أخطأ القبلة لم يول وجهه شطر ~~المسجد الحرام لأجل خطأه. # وأما الحجة على وجوب القضاء بعد مضي الوقت: فلأن استقبال القبلة شرط من ~~شروط[الصلاة] فإذا تعين له يقين الخطأ لزمه القضاء بعد فوات الوقت كما لو ~~كان مشاهد اللقبلة. PageV02P665 # المذهب الثالث: أن الإعادة غير لازمة له في الوقت ولا يلزمه القضاء بعد ~~فوات الوقت، وهذا هو المحكي عن أبي ms0997 حنيفة، والحجة على ماقاله: هو أنه قد ~~أدى فرضه على الوجه المأمور به فلا تلزمه الإعادة ولا القضاء لخروجه بذلك ~~عن عهدة الأمر، ولقوله : ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم ولا فجران في ~~يوم)). ومن جهة المعنى أن المعاد اسم لما فعل لخلل في المأمور به في الوقت. ~~والقضاء اسم لما فعل لخلل في المأمور به بعد تقضي الوقت وزواله. والإعادة ~~والقضاء إنما تجبان بدلالة منفصلة ولا دلالة تدل على ذلك، فهذا تقرير ~~المذاهب كما ترى. # والمختار ماقاله الأئمة من وجوب الإعادة في الوقت وسقوط القضاء بعد فوات ~~الوقت، وإنما اخترناه لما كان أعدل المذاهب وأقواها. # والحجة على [ذلك]: ماحكيناه عنهم آنفا ونزيد هاهنا: وهو أن الخلل إذا حصل ~~فيما طريقه الاجتهاد فالأمر فيه أخف لأجل الخلاف فإذا كان الوقت باقيا ~~فالخطاب متوجه إليه في سقوط العبادة عن ذمته فلهذا وجبت عليه الإعادة، ~~بخلاف ما إذا كان الوقت فائتا فإن الخطاب غير متوجه لفوات وقت العبادة، ~~والقضاء إنما يجب بأمر جديد ولا دلالة تدل على وجوب القضاء فلاجرم كان ~~الأمر به كما قلناه، ويؤيد ماذكرناه من التفرقة بين مضي الوقت وبقائه، في ~~هذه المسألة مسائل أوردها الفقهاء نحن نوردها: # الأولى منها: إذا صلى ثم بان له أنه كان في ثوبه نجاسة لم يعلم بها حتى ~~فرغ من الصلاة . # الثانية: إذا صلت الأمة مكشوفة الرأس ثم أعتقت في أثناء الصلاة وبقربها ~~سترة ولم تعلم بالعتق والسترة حتى فرغت من صلاتها. # الثالثة: إذا ترك قراءة الفاتحة ناسيا لها، هل تلزمه الإعادة أم لا؟ # الرابعة: إذا دفع الزكوة إلى من ظاهره الفقر ثم بان له أنه غني، هل يلزمه ~~الضمان والإعادة أم لا؟ # الخامسة: إذاصام الأسير شهرا بالاجتهاد ثم بان بعد رمضان أنه صام شعبان ~~هل يجزيه أم لا؟ PageV02P666 # السادسة: إذا توضأ بسؤر الدجاجة المخلاة، فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ # السابعة: إذا توضأ بسؤر الطيور التي تأكل الجيف، هل تلزمه الإعادة أم لا؟ # الثامنة: إذا صلى في ثوب أصابه خمر . فهل ms0998 تجب عليه الإعادة في الوقت ~~أوبعده؟ # التاسعة: إذا اشتبه عليه يوم عرفة فتحرى ثم وقف قبله، إن علم بذلك يوم ~~عرفة فعليه إعادة الوقوف، وإن علم بعد مضيه فلا إعادة عليه. # العاشرة: إذا توضأ بماء وقعت فيه نجاسة مما قد وقع في نجاسته الخلاف. فهل ~~تلزمه الإعادة أم لا؟ # فهذه المسائل وقع فيها التردد والخلاف بين العلماء الأئمة وفقهاء الأمة، ~~في وجوب الإعادة في بقاء الوقت ومضيه على حد ماذكرناه من الخلاف، وقد ذكرنا ~~أن المختار في هذه المسائل الاجتهادية، التفرقة بين مضي الوقت وبقائه، فإن ~~كان الوقت باقيا توجهت الإعادة، لأن الخطاب متوجه مع بقاء الوقت، وإن كان ~~الوقت فائتا فلا إعادة هناك. فهكذا يجري القول في هذه المسائل الخلافية. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه، والخلاف مع الإمام المؤيد بالله في ~~أحد شقي المسألة وهو قوله: بلزوم القضاء بعد الوقت للعبادة على ما نص عليه ~~في (المسائل) وهو المعمول عليه. # وحجته على هذا: هو أن استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، ومن هذه حاله ~~فقد خالفها بتحقق الخطأ في الإستقبال لجهتها فلهذا وجبت عليه الإعادة ولو ~~فات وقتها. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا قد أدى الفرض كما أمر، وتحقق الخطأ بعد ذلك لا يطرق ~~خللا في المؤدى، وهو معذور في الأداء على جهة القضاء بعد فوات الوقت ~~فالخطاب عنه ساقط. # وأما ثانيا: فلأن بعد فوات الوقت تكون العبادة مقضية لا محالة لفوات ~~وقتها، والقضاء إنما يتحقق بأمر جديد يشغل الذمة ولم تدل دلالة عليه فلهذا ~~قضينا بسقوط القضاء بعد فوات الوقت. # والخلاف مع أبي حنيفة في أحد شقي المسألة وهو أنه أسقط عنه الإعادة مع ~~بقاء الوقت. PageV02P667 # وحجته على هذا: قوله : ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم)). وهذا فقد أدى ~~العبادة على كمالها فلا جرم قضينا بسقوط الإعادة عنه في الوقت. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا الحديث غير معمول عليه لأن من صلى صلاة من ظهر أو عصر ~~ثم انكشف له ms0999 بعد ذلك بطلان وضوءه فقد أبطل صلاته الأولى ووجب عليه ظهر أو ~~عصر فقد حصل ظهران في يوم. # وأما ثانيا: فلأن الوقت مهما كان باقيا فإن الخطاب متوجه إليه في تأدية ~~العبادة، والخطاب بشغل الذمة في الوقت حاصل فلهذا وجبت عليه الإعادة مع ~~بقاء وقت العبادة. # الفرع الثالث: إذا صلى إلى جهة بغير تحر فلما فرغ من صلاته استيقن أنها ~~جهة القبلة، فهل تجزيه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: الإجزاء وهذا هو رأي الأكثر من القاسمية، ومحكي عن أبي يوسف. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره " }[البقرة:144] وهذا فقد توجه إلى حيث أمر فلهذا قضينا ~~بإجزاء صلاته. # الحجة الثانية: قياسية، وحاصلها هو: أن هذا قد صلى إلى القبلة المتيقنة ~~فوجب أن تجزيه صلاته كما إذا تحققها قبل دخوله في صلاته، وقد قررنا ما نريد ~~بقولنا: إنه قد تحقق القبلة في حق من ليس مشاهدا لها فلا نعيده. # المذهب الثاني: المنع من الإجزاء، وهذا هو رأي السيد المؤيد بالله ~~والشافعي ومحمد بن الحسن. # والحجة على هذا: هو أن استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، ومن هذه حاله ~~فقد أخل بترك التحري في أول الأمر، وعلمه بصحة الإستقبال بعد ذلك لا يوجب ~~القضاء بالصحة لأن من حق الشرط أن يكون متقدما على مشروطه. # والمختار: ما عول عليه الأكثر من أئمة العترة من القضاء بالإجزاء. PageV02P668 # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم}[البقرة:144]. وهذا فقد ولى وجهه جهة ~~الكعبة فوجب القضاء بإجزاء صلاته، ولأنه قد تحقق باليقين أداء العبادة على ~~الشرط المأمور به، ومن جهة أنه قد صار حاله فيما ذكرناه كمن صلى صلاة ظن ~~أنها عليه ثم تحقق بعد ذلك أنها عليه. # الفرع الرابع: إذا صلى إلى غير متحراه. وصورة المسألة: أن يغلب على ظنه ~~أن جهة القبلة نحو الشجرة ثم خالف بأن صلى إلى غير جهتها، فهل تجزيه أم لا؟ ms1000 ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: الإجزاء، وهذا هو المحكي عن القاسمية، إذا تحقق كونها قبلة. # والحجة على هذا:قوله تعالى:{فول وجهك شطر المسجد الحرام " }[البقرة:144]. ~~ومن هذه حاله فقد ولى وجهه القبلة بيقين لجهة القبلة فوجب القضاء له بإجزاء صلاته. # المذهب الثاني: المنع من الإجزاء، وهذا هو رأي المؤيد بالله. # والحجة على هذا: هو أنه إذا خالف متحراه الذي أدى إليه نظره واجتهاده صار ~~كأنه دخل في الصلاة بغير تحر فلهذا يصير كأنه قد أخل بشرط الصلاة في عدم ~~التحري فوجب القضاء بكونها غير مجزية. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله. # والحجة على ذلك: ما ذكرناه عنه ونزيد هاهنا، وهو أنه بمخالفته لمتحراه قد ~~أخل بما وجب عليه من شرط العبادة الذي وجب عليه فلهذا لم تكن مجزية له ~~وتحققه للقبلة بعد ذلك لا يصحح إخلاله بالشرط المعتبر في العبادة. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: الآية دالة على الإجزاء وهي قوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام}[البقرة:144] وهذا قد تحقق التولية فلهذا حكمنا بإجزائها. PageV02P669 # قلنا: إن المراد بقوله: {فول وجهك شطر المسجد الحرام}[البقرة:144] أي فول ~~وجهك الشطر الذي يغلب على ظنك أنه شطره، وهذا فبمخالفته لمتحراه لم يول ~~وجهه الشطر الذي أمر بمواجهته فلهذا لم تكن مجزية له. # الفرع الخامس: وإذا اجتهد جماعة في القبلة فأداهم اجتهادهم إلى جهة ~~واحدة، وإمامهم واحد منهم ثم تغير اجتهاد بعضهم في الصلاة نظرت، فإن تغير ~~اجتهاد الإمام وجب عليه أن ينحرف إلى الجهة الثانية التي اجتهدها ولا يلزم ~~المأمومين اتباعه بل يجب عليهم أن ينووا مفارقته في الصلاة لاعتقادهم بطلان ~~اجتهاده، وإن تغير اجتهاد المأمومين وجب عليهم أن ينووا مفارقته وينحرفوا ~~إلى الجهة الثانية، ويبنون على صلاتهم لأنها لم تبطل لأنهم فارقوه لعذر. ~~ومن صلى إلى جهة بغير تحر فلما فرغ من صلاته كان الأغلب من حاله إصابة ~~القبلة، لم تجزه صلاته وهذا هو قول أئمة العترة والفقهاء وهو مما لا خلاف فيه. # وا لحجة على هذا: هو أنه أخل بما هو واجب عليه من ms1001 التحري فلهذا لم تكن ~~صلاته مجزية، وغلبة ظنه على إصابة القبلة لا تكفي لإخلاله بالتحري من أول أمره. # الفرع السادس: وإذا دخل المصلي في الصلاة باجتهاد ثم شك في أثناء الصلاة ~~هل تلك الجهة التي هو فيها جهة القبلة أم لا؟ فالواجب عليه أن يمضي في ~~صلاته ولا ينحرف لأنه دخل في الصلاة باجتهاد والاجتهاد إنما يتغير باجتهاد ~~آخر أو يقين، فأما الشك فلا يؤثر في بطلان الاجتهاد بحال. # وإن صلى المصلي إلى جهة باجتهاد ثم حضرت صلاة أخرى ولم يتغير اجتهاده ~~الأول فهل يعيد الاجتهاد الأول أم لا؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي: # أحدهما: أنه لا تلزمه الإعادة بل له أن يصلي إلى الجهة الأولى من غير ~~اجتهاد لأنه قد عرف القبلة بالاجتهاد الأول، وهذا هو رأي السيد أبي طالب. # وثانيهما: أنه يعيد الاجتهاد الأول للصلاة الثانية كما لو حكم الحاكم في ~~قضية بحكم ثم حضرت تلك القضية بعينها مرة أخرى فإنه يعيد الاجتهاد لها. PageV02P670 # والمختار: هو الأول لأنه قد وفى الاجتهاد حقه ولم يعرض ما ينقضه فلهذا وجب ~~البقاء عليه ويخالف الحاكم فإن القضية الثانية لا تنفك عن أدنى مخالفة ~~فلهذا وجب على الحاكم إعادة نظره في الثانية فإن لم تكن بينهما مخالفة ~~اكتفى بالنظر الأول من غير حاجة إلى إعادة نظر ثان. # الفرع الثامن: وإن اجتهد رجلان في القبلة نظرت، فإن أداهما اجتهادهما إلى ~~أن القبلة واحدة استحب لأحدهما أن يصلي بالآخر لأن صلاة الجماعة مندوب ~~إليها، وإن اختلف اجتهادهما فأدى اجتهاد أحدهما إلى أن القبلة في غير الجهة ~~التي أدى اجتهاد الآخر إليها فإن كل واحد منهما يصلي إلى الجهة التي أداه ~~اجتهاده إليها ولا يأتم أحدهما بالآخر. وحكي عن أبي ثور جواز ائتمام أحدهما ~~بالآخر مع اختلاف الاجتهاد لهما في القبلة ويصلي كل واحد منهما إلى الجهة ~~التي أداه اجتهاده إلى الصلاة إليها. # والحجة على ما قلناه: هو أن كل واحد منهما يعتقد بطلان اجتهاد صاحبه فلا ~~يجوز أن يعلق صلاته بمن يعتقد بطلان صلاته. # الفرع ms1002 التاسع: إذا صلى المصلي أربع صلوات بأربعة اجتهادات في القبلة، فهل ~~يتوجه عليه القضاء أم لا؟ # فالذي عليه أئمة العترة أنه لا قضاء عليه لأن الخطأ لم يتعين في واحد ~~منها وهو الأصح من قولي الشافعي، وحكي عن بعض أصحابه أنه يقضي الكل. # والمختار: هو الأول لأن القضاء اسم لما فات وقته مع حصول خلل فيه يمنع من ~~إجزائه وهذا غير حاصل فيما نحن فيه فإن الاجتهادات كلها صائبة فلا وجه ~~لإيجاب القضاء. PageV02P671 # الفرع العاشر: وإذا دخل بلدا فوجد فيها محاريب منصوبة نظرت، فإن لم يعرف ~~أنها مما بناها المسلمون فلا يجوز استقبالها لأنه لا حرمة لما عمله الكفار ~~ولا يعرج عليه، وإن عرف أنها من بناء المسلمين وأهل الدين فإن كانت تلك ~~البلدة من البلاد التي صلى فيها رسول الله وجب اتباعه لأنه لا يجوز عليه ~~الخطأ، وإن كانت مما صلى فيها أكابر الصحابة رضي الله عنهم وجب اتباعهم لأن ~~ذلك بمنزلة أخبارهم التي رووها فلهذا وجب العمل عليها، وإن كانوا لم يصلوا ~~إليها نظرت فإن كان القوم الذين بنوها بحيث يقع العلم بخبرهم ويصير إجماعهم ~~قاطعا لوجود الاجتهاد جازت الصلاة إليها، وإن كان عددهم قليلا أو كان في ~~بلد تختلف فيها أحوال المحاريب وجب على المصلي الاجتهاد لصلاته. # والقوي في هذه المحاريب المنصوبة في الجوامع العظيمة والمشاهد المشهورة ~~في الأمصار والأقاليم نحو بغداد والبصرة والكوفة وغيرها من المدن العظيمة ~~تجوز الصلاة إليها من غير اجتهاد لأن ما هذا حاله لا يعمل إلا بنظر واجتهاد ~~من جهة أهل الفضل والدين، ثم سكوت العلماء وأهل الفضل في دخول هذه الجوامع ~~والمشاهد فيه دلالة على صحتها واستقامتها على الصحة والثبات ومطابقة الشرع ~~وأنها أقوى من خبر من يخبر عن مشاهدة الكعبة، فإذا جاز التعويل على الخبر ~~وهو أقوى من الاجتهاد من غير أمارة فهكذا ما نحن فيه من غير فرق. PageV02P672 ### || AUTO الباب الرابع في بيان شروط الصلاة # اعلم أن الشروط في صحة الصلاة أربعة: # الشرط الأول: في الطهارة من النجاسات، الشرط ms1003 الثاني: في الطهارة من ~~الأحداث، الشرط الثالث:في إستقبال القبلة، الشرط الرابع: في ستر العورة. ~~فهذه هي الشرائط المعتبرة في كون الصلاة مجزية نخرج بها عن عهدة الأمر. ~~فأما الطهارة من الأحداث، واستقبال القبلة فقد مضى تقريرهما بما فيه مقنع ~~وكفاية فلا حاجة إلى تكريرهما، والذي نذكره هاهنا هو الطهارة من النجاسات ~~في الأثواب والأمكنة والأبدان، وستر العورة، فهذه فصول أربعة بالكلام عليها ~~يتم المقصود في الباب بمعونة الله. PageV03P002 # --- ### ||| AUTO الفصل الأول طهارة الأثواب # اعلم أن الذي عليه أئمة العترة وأكثر علماء الأمة على أن الطهارة عن ~~النجاسة في الأبدان والأثواب والبقاع شرط في صحة الصلاة، وحكي عن مالك أنه ~~إذا صلى وعليه نجاسة أعاد في الوقت، وفي هذا دلالة على أن رأيه الاستحباب ~~في ذلك، وروي عن ابن عباس أنه قال: ليس على الثوب جنابة وأراد أنه لا يجب ~~غسله من النجاسة كما يجب الغسل عن الجنابة، وروي أن رجلا سأل سعيد بن جبير ~~عمن صلى وفي ثوبه نجاسة فقال: اقرأ علي الآية التي فيها غسل الثوب من ~~النجس، وفي كلامه هذا دلالة على أنها غير واجبة، وروي عن ابن مسعود أنه نحر ~~جزورا فأصاب ثوبه من دمه وفرثه فصلى ولم يغسله. هذا تمهيد الفصل. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: النجاسات غير الدم والقيء كالخمر والبول والعذرة هل يعفى عن ~~شيء منها أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يعفى عن شيء منها إلا ما كان لا يدركه الطرف فإنه ~~يعفى عنه، وهذا هو رأي أئمة العترة وهو محكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه }[المائدة:90]. # ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى أمر باجتناب هذه الأمور وسماها ~~رجسا والرجس هو النجس ومن جملتها الخمر فيجب القضاء بنجاسته. # الحجة الثانية: ما روى عمار بن ياسر قال مر بي رسول الله وأنا أغسل ثوبي ~~من نخامة فقال: ((إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والودي والدم والقيء " ))(1). # الحجة ms1004 الثالثة: قوله لعائشة في دم الحيض: ((حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه ~~بالماء " )) فهذه الأدلة كلها دالة على وجوب إزالة النجاسة وأنه لا يعفى عن ~~شيء منها. # المذهب الثاني:أنه إذا كان على ثوب المصلي من النجاسة غير الدم مقدار ~~الدرهم فلا بأس به وإن غسله فأحسن، وهذا هو رأي أبي حنيفة. PageV03P003 # والحجة على هذا: هو أنها نجاسة لا تزيد على قدر الدرهم فيجب القضاء بأنها ~~معفو عنها، دليله موضع الإستنجاء. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة وأكثر الفقهاء. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا ما روي عن الرسول أنه قال: ((تنزهوا عن ~~البول فإن عامة عذاب القبر منه ))(1). # الحجة الثانية: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول مر بقبرين يعذبان ~~فقال: ((إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير كان أحدهما يمشي بالنميمة والآخر ~~كان لا يستنزه من بوله))(2). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الإنسان لا يعذب على ترك شيء إلا إذا كان ~~واجبا وترك ذلك لا يجب لغير الصلاة فيجب أن يكون واجبا لأجل الصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: نجاسة لا تزيد على قدر الدرهم فيجب العفو عنها كموضع الإستنجاء. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أنه لا يجب غسل موضع الإستنجاء وقد قدمنا ~~الدلالة عليه في باب الوضوء فلا نعيده. # وأما ثانيا: فلأنا لو سلمنا أنه لا يجب غسله فإنما كان ذلك لعموم البلوى ~~به وتكرره فخفف الشرع حكمه بخلاف ما نحن فيه فافترقا. ومن وجه آخر: وهو أن ~~الطهارات أمور غيبية وتعبدات شرعية لا تعقل معانيها فلا تجري فيها الأقيسة ~~لانسداد معانيها. # الفرع الثاني: اختلف العلماء في الدم على قولين: # فالقول الأول: أن جميع الدماء طاهرة إلا دم الحيض والنفاس، وهذا شيء يحكى ~~عن الحسن بن صالح. # والحجة على هذا: هو أنه خارج من أعماق البدن فيجب القضاء بطهارته كاللبن. # القول الثاني: أن كثير الدماء نجسة، وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر ~~الفقهاء لا يختلفون في ذلك، ولا يحكى الخلاف في نجاسة الكثير إلا ms1005 عن الحسن ~~بن صالح. # والحجة على ذلك: قوله لعمار: ((إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والدم ~~والقيء )) ولم يفصل بين قليله وكثيره. # وهل يكون قليله نجسا أو طاهرا؟ فيه مذهبان: PageV03P004 # المذهب الأول: أنه يكون نجسا، وهذا هو رأي الإمام زيد بن علي والباقر ~~والناصر والصادق والمؤيدبالله وأبي حنيفة وأصحابه والشافعي. # والحجة على هذا: هو أن الأدلة الشرعية الدالة على كون الدماء نجسة لم ~~تفصل بين قليلها وكثيرها فلهذا قضينا بكونها نجسة، فإذا تقرر كونها نحسة ~~كلها فهل يعفا عن قليلها أم لا؟ فيه رأيان: # فالرأي الأول: أنه لا يعفا عن قليلها، وهذا شيء حكاه المروزي عن الشافعي. # والرأي الثاني: يعفا عن قليله، وهذا هو قول من قال بكون القليل نجسا كزيد ~~بن علي والصادق والباقر والمؤيد بالله وهو قول الفقهاء ولكن اختلفوا في ~~مقدار القليل المعفو عنه بعد اتفاقهم على أن العفو إنما يتعلق بالقليل منه ~~لنجاسته وعنهم فيه روايات خمس: # الرواية الأولى: عن الإمام زيد بن علي والحنفية، وهي أن القليل من الدم ~~مقدر بالدرهم البغلي وهو أكبر ما يكون من الدراهم عندهم على ما ذكره هشام ~~بن عبدالله الرازي(1) # فإن زاد على قدر الدرهم فهو كثير لا يعفى عنه. # الرواية الثانية: محكية عن الناصر والمؤيد بالله، وهي أن القليل من الدم ~~مقدر بحب الخردل وهو حب أسود صغير القدر، ورؤس الإبر ومقدار اللمعة، ومرة ~~قدره المؤيد بالله بدم البراغيث وقال: لا يجوز عندي إلا ذلك. # الرواية الثالثة: محكية عن الإمام القاسم، فإنه قال: إذا كان الدم في ~~الصغر والقلة شبيها بالخردلة أو زاد قليلا كقدر نصف الدرهم فلا حكم له في ~~النجاسة. PageV03P005 # الرواية الرابعة: عن الشافعي فإنه قال: الدم مماله نفس سائلة من الحيوان ~~غير الكلب والخنزير وما يولد منهما أو من واحد منهما فله فيه ثلاثة أقوال، ~~فقال في (الإملاء) لا يعفى عن قليله ولا عن كثيره كالبول والعذرة. وقال في ~~القديم: يعفى عما دون الكف ولا يعفى عن الكف فما فوقه لأن ما دون الكف قليل ms1006 ~~فلهذا عفي عنه والكف فما زاد عليه كثير فلا يعفى عنه. وقال في (الأم): يعفى ~~عن القليل منه وهو ما يتعافاه الناس في العادة. وهذا هو الأصح على مذهبه، ~~وقدره بعض أصحابه بمقدار اللمعة لأنه يشق الإحتراز منه ولا يشق الإحتراز ~~عما زاد عليه. # الرواية الخامسة: محكية عن مالك قال في الدم والقيح: تصح الصلاة معهما ~~إلا أن يكون فاحشا، وحكي عنه في الكثير الفاحش: أنه يكون نصف نصف الثوب. ~~وأراد الربع وإنما قال نصف نصف الثوب ولم يقل الربع مبالغة في تفاحشه، فذكر ~~النصف وما دون ذلك يعفا عنه. # فهذه الروايات كلها على قول القائلين بالتنجيس، واستثنى القليل لأجل ~~العفو عنه. # والحجة على ذلك: ما ذكر في خبر عمار عن الرسول أنه قال: ((إنما تغسل ثوبك ~~من البول والغائط والدم والقيء )). وهذا عام في قليله وكثيره، فلهذا حكمنا به. # الحجة الثانية: قياسية، وهو أنه مائع خارج من البدن يتعلق نقض ~~الطهارة[به] فوجب أن يستوي حكم قليله وكثيره في التنجيس كالبول والعذرة. أو ~~نقول: ما كان كثيره نجسا فقليله مثله في النجاسة كالبول والخمر وسائر ~~النجاسات. # المذهب الثاني: أن قليل الدم طاهر، وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن السيدين ~~أبي طالب وأبي العباس، وقدره الهادي بما دون السفح مرة، وتارة بما دون ~~القطرة، فإن سفح أو قطر فهو نجس. # وقال في (الأحكام): ما كان من الثياب قد أصابه شيء من الدم مما كان مثله ~~لو كان على رأس الجرح لقطر لا تجوز فيه الصلاة، فدل ذلك من مذهبه على أن ما ~~دون التقطير وما دون السيلان فهو طاهر. PageV03P006 # والحجة على هذا: قوله تعالى: {أو دما مسفوحا} فعلق التحريم بالسفح، فدل ~~خطابه على أن ما دون السفح لا يتعلق به التنجيس. # الحجة الثانية: ما روي عن علي ، قال: خرجت مع رسول الله وقد تطهر للصلاة ~~فأمس إبهامه أنفه فرأى عليه دما فأعاد مرة أخرى فلم ير شيئا وجف الدم في ~~إبهامه فأهوى به إلى الأرض فمسحه ولم يحدث وضوءا ومضى للصلاة. ms1007 فدل ذلك على ~~أنه ليس نجسا. # الحجة الثالثة: أنه لما تعذر الإحتراز منه خفف الشرع حكمه لما فيه من ~~الحرج والمشقة والله تعالى يقول: {وما جعل عليكم في الدين من حرج " ~~}[الحج:78]. والتفرقة بين مذهبي الإمامين الهادي والمؤيد بالله هو أن ما ~~دون القطرة أو ما دون السافح(1) # إذا وقع في مائع فإنه لا ينجسه على رأي الهادي لأنه طاهر، وعلى رأي ~~المؤيد بالله ينجسه لأنه نجس يعفى عنه في غير المائعات فلهذا نجسها، فهذا ~~تقرير الكلام على المذهبين جميعا. # والمختار: تفصيل نشير إليه، وحاصله: هو أن ظواهر الأخبار كلها دالة على ~~نجاسة [الدماء] وعلى التنزه عن ملابستها ومخالطتها وكل هذا دال على تنجيسها ~~والبعد عن تقذيرها، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير " }[المائدة:3] ولم يفصل في التحريم بين أكلها ~~وملابستها واستعمالها في الثياب وغيرها ولا يستثنى من ذلك إلا ما يتعذر ~~الإحتراز منه وما يتعلق بمماسته الحرج والمشقة فإن هذا مرفوع بحكم الشرع ~~لقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}[البقرة:185]. وقوله ~~: ((بعثت بالحنيفية السمحة )). # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه كما حكيناه عن الهادي ومن وافقه. # قالوا: قوله تعالى: {أو دما مسفوحا} فعلق النجاسة بالسفح فدل على أن ما ~~عدا المسفوح يكون طاهرا بظاهر الخطاب. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV03P007 # أما أولا: فلأن ما ذكروه استدلال بدليل الخطاب ونحن لا نقول به. # وأما ثانيا: فقد دل الخطاب على أن ما فوق السفح نجس، ونحن ندلل بالخبر ~~على أن ما دون السفح فهو نجس أيضا، ومن وجه آخر وهو أن قوله: {مسفوحا} إنما ~~ذكر على جهة التأكيد كما يقال: أمس الدابر. لأن الغالب من الدم هو السفح ~~والسيلان فذكر الصفة تأكيد والغرض بالتحريم مطلق الدم. # قالوا: روي عن الرسول أنه أدخل إبهامه في أنفه فظهر عليها شيء من الدم ثم ~~مسحها بالأرض ولم يعد وضوءا. وفي هذا دلالة على طهارة القليل من الدم. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ظاهر الخبر دال ms1008 على العفو عنه وليس فيه دلالة على طهارته ~~لكونه قليلا فنحن أحق بالإستدلال به على ما نذهب إليه. # وأما ثانيا: فلعله لم يجد في تلك الحالة ما يغسله به وقد حضر وقت الصلاة ~~فدعت الضرورة الشرعية إلى فعل الصلاة على تلك الحالة، ومن وجه آخر: وهو أن ~~إسراعه إلى مسحه بالأرض فيه دلالة على نجاسته وإزالته عما كان ملاصقا له. # قاعدة: اعلم أن البق هو الكتان بلسان أهل اليمن، والبراغيث هي القمل. ~~وتردد العلما في دم البق والبراغيث إنما هو إذا قصعت فأما ما يخرج من ~~أدبارها فهو طاهر لخروجه عن صفة الدم واستحالته في بطونها لكونه غذاء لها ~~فأما عند قتلها فهو باق على صفة الدم فيقع التردد في كونه طاهرا أو نجسا ~~عفي عنه، فالذي ذكره السيدان أبو طالب وأبو العباس: أنه طاهر، وهو محكي عن ~~الكرخي. وعن السيد المؤيد بالله: أنه يجب إزالته عن الثوب إذا كان فاحشا ~~وهو محكي عن الشافعي. PageV03P008 # والمختار: أنه معفو عنه إلا إذا كثر كثرة يندر وقوعه فيجب غسله والتنزه ~~عنه، وربما يختلف ذلك باختلاف الأوقات والأماكن فإن الحاجة تختلف به، ~~والاجتهاد فيه موكول إلى المكلف وإلى نظره فإن رآه مجاوزا لحد الحاجة وجب ~~عليه غسله وإن رآه قاصرا عن حد الحاجة فليصل معه، وإن تردد احتمل أن يقال: ~~الأصل هو العفو إلا فيما علم كثرته، أو يقال: الأصل المنع إلا فيما تحققت ~~الحاجة إليه، وطريق الإحتياط لا يخفى والميل إلى الرخصة هاهنا هو الأليق ~~بالفتاوى الفقهية، وطريق الحيطة أحق بالعبادات البدنية. وفيما قدمناه في ~~ذكر الأعيان النجسة كفاية. # الفرع الثالث: قد ذكرنا أن طهارة الثوب شرط في صحة الصلاة وذكرنا الخلاف ~~فيه، وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر الفقهاء(1). # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وثيابك فطهر " }[المدثر:4] والمراد: عن ~~النجاسات لأن الثوب لا تتأتى فيه الطهارة عن الأحداث ولا يجب ذلك إلا ~~للصلاة لأن ما عداها ليس واجبا. # الحجة الثانية: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((تعاد الصلاة من ms1009 ~~قدر الدرهم من الدم " ))(2) # وقوله : ((تنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه " )). # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو قوله لعائشة في دم الحيض: ((حتيه ثم ~~اقرصيه ثم اغسليه بالماء " )). # الانتصار: يكون بالجواب عما زعموا أنه حجة لهم. PageV03P009 # قالوا: قوله تعالى: {يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد " }[الأعراف:31]. # ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر بأخذ الزينة وهي اللباس ~~ولا معنى لأخذها إلا للصلاة في المساجد ولم يفصل بين أن تكون طاهرة أو نجسة ~~وفي هذا ما نريده. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فليس في الآية لفظة للعموم فيحتج بها وإذا لم يكن هناك عموم في ~~الآية بطل الاحتجاج بها فإنه لا يمتنع أن يكون أراد الزينة التي تجزي فيها ~~الصلاة من الأثواب الطاهرة دون النجسة. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأدلة التي تدل على طهارة ~~الأثواب فيجب تأويل هذه الآية على ما يوافق دلالة الأخبار حذرا من تناقض ~~الأدلة. # قالوا: قوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده " ~~}[الأعراف:32] ولم يفصل في هذا بين الطاهر من الأثواب وبين الأثواب النجسة، ~~وفي هذا دلالة على أن الطهارة في الأثواب غير معتبرة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلم تعرض الآية لمقصود اللباس في الصلاة فيكون فيها دلالة على ~~ما قلتموه وإنما أراد أخذ الزينة لغير الصلاة ونحن لا نمنع من جواز لبس غير ~~الطاهر في غير الصلاة. # وأما ثانيا: فلأن ما أوردناه من الأدلة على اشتراط الطهارة في الأثواب ~~صريحة فيما ذكرناه بخلاف هذه الآية فإنها غير دالة، فلهذا كان ما قلناه ~~أرجح فيجب التعويل عليه. فهاتان الآيتان يحتج بهما من لم يشترط الطهارة في ~~الأثواب في الصلاة كابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومالك، وقد أجبنا ~~عنها فبطل تعلقهم بها، والحمد لله. # الفرع الرابع: إذا كان مع المصلي ثوب عليه نجاسة غير معفو عنها ولا يجد ~~ما يغسله به ولا يجد سترة ms1010 سواه، فهل يصلي فيه أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه يصلي عريانا. وهذا هو رأي الإمامين الهادي والقاسم(1) PageV03P010 والأصح من قولي الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن طهارة ما يصلي فيه شرط في صحة الصلاة كطهارة ~~الماء، وأجمعنا على أنه لو لم يجد إلا ماء نجسا لم يجز استعماله للصلاة ~~فهكذا إذا لم يجد إلا ثوبا نجسا فإنه لا تصح صلاته فيه. # المذهب الثاني: جواز الصلاة فيه. وهذا هو رأي المؤيد بالله وهو أحد قولي ~~الشافعي، ومحكي عن محمد [بن الحسن الشيباني]. # والحجة على هذا: هو أنه إذا صلى فيه استفاد ستر العورة والقيام الذي هو ~~ركن من أركان الصلاة وكل واحد من هذين شرط في صحة الصلاة فكان أولى. # المذهب الثالث: أنه مخير بين الصلاة عريانا وبين الصلاة فيه، وهذا هو رأي ~~أبي حنيفة وأبي يوسف. # والحجة على هذا: هو أنه قد تعارض محظوران في هذه المسألة: الصلاة عريانا ~~والصلاة في الثوب النجس وكل واحد منهما لا يجوز فعله في حال الرفاهية وإنما ~~يجوز في حال الضرورة ولا ترجيح لأحدهما على الآخر بوجه شرعي، فلهذا كان ~~مخيرا بين هذين الأمرين. # والمختار: ما ذكره المؤيد بالله(1). # وحجته: ما ذكرناه عنه ونزيد هاهنا: أنه إذا صلى فيه فقد أحرز ستر العورة ~~وهي من أهم مقاصد الشرع وهي واجبة في الصلاة وفي غير الصلاة، وأحرز القيام ~~وهو فرض من فروض الصلاة ولم يبق هناك إلا أنه صلى في الثوب النجس، وللشرع ~~تسامح في مباشرة النجاسات وتوسع فيها ولهذا فإن الإجماع منعقد على جواز ~~ملابسة شيء من النجاسات ولكن اختلفوا في قدره كما قررناه في الأشياء ~~النجسة، فلهذا كانت الصلاة فيه أحق وأولى. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: أجمعنا على أنه إذا لم يجد إلا ماء نجسا فإنه لا يجوز له استعماله ~~للصلاة فهكذا إذا لم يجد إلا ثوبا نجسا لم يجز له استعماله. # قلنا: الفرق بينهما ظاهر، فإنه إذا لم يجد إلا ماء نجسا لم يجز استعماله ~~لأن له ms1011 بدلا وهو التيمم بخلاف الصلاة في الثوب النجس فإنه لا بدل له ~~فافترقا. PageV03P011 # قالوا: تعارض محظوران، الصلاة عريانا والصلاة في الثوب النجس ولا ترجيح ~~فلهذا وجب التخيير يفعل المصلي ما شاء. # قلنا: لا ننكر التعارض، ولكن ما ذكرناه أرجح لما فيه من الوفاء بما ~~ذكرناه من الغرضين، وهما إحراز القيام وإحراز ستر العورة، فلأنه كان أرجح ~~من التخيير. # الفرع الخامس: وإن وجد من الماء ما يغسله نظرت فإن كان الثوب نجسا كله ~~وجب عليه غسله وإن كانت النجاسة في بعضه نظرت، فإن عرف موضع النجاسة لزمه ~~غسله دون غيره وإن خفي عليه موضع النجاسة من الثوب لم يجز له أن يتحرى موضع ~~النجاسة لأن التحري إنما يكون في عينين وهذه عين واحدة، وما الذي يلزمه؟ ~~فيه وجهان: # أحدهما: أنه يغسل موضعا منه فإذا غسل موضعا منه فإنه يتحقق طهارة ما غسله ~~وصار يشك في باقيه هل هو نجس أم لا؟ والأصل بقاؤه على الطهارة. # وثانيهما: أنه يلزمه غسل جميع الثوب كما لو نسي صلاة من خمس صلوات فإنه ~~يلزمه أن يصلي الخمس ليسقط عنه الفرض بيقين، وهذا هو الأصح والأقوى لما فيه ~~من التحقق واليقين في إسقاط الفرض وهو لا يسقط بغسل بعضه؛ لأنه قد تحقق ~~حصول النجاسة فيه وهو يشك هل ارتفعت بغسل بعضه ولا شك أن الأصل بقاؤها فإن ~~شقه نصفين وأراد أن يتحرى في أحد الشقين لم يجز له ذلك لجواز أن تكون ~~النجاسة في وسط الشق فتكون القطعتان نجستين. # وإن صلى وعلى رأسه عمامة وطرفها على نجاسة نظرت فإن كانت النجاسة تتحرك ~~بتحرك العمامة بطلت صلاته؛ لأنه يصير كأنه بتحريكها ملابسا لها، وإن لم ~~تتحرك بتحركه جازت صلاته، وهذا هو المختار؛ لأنه ليس ملابسا لها، وحكي عن ~~أصحاب الشافعي أن صلاته تبطل على كل حال سواء تحركت بحركته أم لا. PageV03P012 # الفرع السادس: وإن كان معه ثوب بعضه طاهر وبعضه نجس، فلبسه وصلى فيه وموضع ~~النجاسة على الأرض نظرت، فإن كان موضع النجاسة يتحرك بحركة المصلي لم ms1012 تصح ~~صلاته، وإن كان لا يتحرك بتحركه صحت صلاته على المختار(1) # لأن موضع النحاسة إذا كان يتحرك بحركته صار ملابسا له وإذا كان غير متحرك ~~بحركته صار كالمنفصل عنه، وعن أصحاب الشافعي أن صلاته باطلة في هذه الصورة ~~بكل حال من غير مراعاة للحركة وعدمها. # وإن كان معه ثوبان وفي أحدهما نجاسة واشتبها عليه جاز التحري وإعمال ~~النظر للصلاة في أحدهما فأيها غلب على ظنه عمل عليه وهو قول أبي حنيفة. ~~وفرق أبو حنيفة بين الثياب والآنية فقال في الثياب: يتحرى في الثوبين. وقال ~~في الآنية: إن كان عدد الطاهر أكثر تحرى وإن كانا سواء أو كان عدد النجس ~~أكثر لم يتحر، وقد مضى تقريره في باب الوضوء، وإن كان معه ثوب طاهر يتحقق ~~طهارته لم يتحر في الثوبين المشتبهين لأنه قد تمكن من إسقاط الفرض بيقين ~~فلا وجه للتحري. PageV03P013 # الفرع السابع: اعلم أن ظاهر مذهب أصحابنا هو التفرقة في محل التحري بين ~~الآنية والأثواب، فإذا وقع الشك في ثوبين أحدهما طاهر والآخر نجس صلى فيهما ~~جميعا، وهكذا لو كانت ثلاثة، إثنان طاهران وواحد نجس فإنه يصلي في اثنين، ~~ولو كان إثنان نجسين وواحد طاهر صلى في الثلاثة من غير حاجة إلى التحري لأن ~~إسقاط الفرض بيقين ممكن فلهذا وجب فعله بخلاف الآنية فإن وقع الشك في واحد ~~من اثنين فإنه يعدل إلى التيمم ولا يتحرى وإن كان إثنان نجسين والثالث ~~طاهرا فإنه لا يتحرى ويعدل إلى التيمم وإن كان إثنان طاهرين وواحد نجسا ~~فإنه يتحرى لأن هاهنا تعارض جانب الحظر وجانب الإباحة فإن استويا غلب جانب ~~الحظر لأجل الإحتياط وإن غلب جانب الحظر فلا تحري وإن غلب جانب الإباحة ~~فالتحري. # قال الإمام المؤيد بالله: فإن وجد ثوبين وعلم أن أحدهما طاهر ولم يتميز ~~له الطاهر عن النجس صلى في كل واحد منهما وكان الوجه ما ذكرناه من سقوط ~~الفرض بيقين فلهذا وجب التفرقة بين الآنية والأثواب. # وإن حمل المصلي حيوانا نجسا كالكلب والخنزير لم تصح صلاته لأنه حامل ~~لنجاسة ms1013 غير معفو عنها، وإن كان الحيوان طاهرا ولا نجاسة عليه صحت صلاته لأن ~~الرسول حمل أمامة بنت أبي العاص وهو يصلي، ومن جهة أن النجاسة في جوف ~~الحيوان لا حكم لها كالنجاسة التي في جوف المصلي، وإن حمل صرة من الدنانير ~~أو من الدراهم والفلوس في كمه أو في جيبه أو في منطقته وصلى صحت صلاته ~~لأنها أعيان طاهرة، فإن اتصل بها نجاسة وحملها بطلت صلاته، وإن حمل المصلي ~~حيوانا طاهرا مذبوحا وقد غسل الدم عن موضع الذبح لم تصح صلاته؛ لأن في بطنه ~~دما غير دم الذبح يظهر عند نحره فيكون حاملا للنجاسة، وإن حمل المصلي ~~قارورة فيها نجاسة وسد على فمها بالنحاس والرصاص ففيها وجهان لأصحاب ~~الشافعي. PageV03P014 # والمختار: فساد الصلاة لأنه حامل للنجاسة وهكذا لو شد على فمها بشمع أو طين ~~وحملها بطلت صلاته قولا واحدا لأصحاب الشافعي لأنه حامل للنجاسة. # الفرع الثامن: وإن شد المصلي حبلا في كلب أو خنزير ووضعه تحت رجله وصلى ~~صحت صلاته؛ لأنه ليس حاملا للنجاسة ولا لما هو متصل بها، وإن كان الحبل ~~مشدودا في يديه أو في وسطه أو في عنقه، فيه وجهان لأصحاب الشافعي. # والمختار: بطلان الصلاة لأنه حامل للنجاسة ولا يفترق الحال بين أن يكون ~~صغيرا أو كبيرا. # وإن شد حبلا في سفينة فيها نجاسة نظرت فإن كان الشد في موضع نجس من ~~السفينة وكان الحبل في يده أو وسطه بطلت صلاته، وإن كان تحت قدمه لم تبطل ~~صلاته، وإن كان شد الحبل في موضع طاهر من السفينة لم تبطل صلاته لأنه ليس ~~حاملا للنجاسة. # وتجوز الصلاة في ثوب الحائض إذا لم تتصل به نجاسة لها ولغيرها، لما روي ~~عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنت أحيض عند رسول الله ثلاث حيض ولا ~~أغسل ثوبي(1). # وإنما أرادت أنه لم يصبه شيء من دمها. وروي أن رسول الله قال لعائشة: ~~((ناوليني الخمرة من المسجد " ، فقالت إني حائض، فقال: ليست الحيضة في يدك ~~ولا المؤمن ينجس)) (2). # فأشار بهذا الكلام إلى ms1014 أنها وإن كانت حائضا فإن عرقها ولعابها طاهران ~~وعلى أن الحيض إذا لم يكن متصلا بشيء من أعضائها فهي طاهرة. # وتجوز الصلاة في الثوب الذي يجامع الرجل فيه امرأته لما روي عن أم حبيبة ~~زوج الرسول أنها قالت: كان يصلي في الثوب الذي يجامع فيه إذا لم تصبه ~~نجاسة(3). # وتجوز الصلاة في ثوب الصبي الصغير إذا لم تعلم فيه نجاسة لأن الرسول كان ~~يحمل أمامة بنت أبي العاص وعليها ثيابها. PageV03P015 # ولا تجوز الصلاة في جلود الميتة دبغت أو لم تدبغ لأنها تنجس بالموت فلا ~~تجوز الصلاة فيها وقد قررناه في كتاب الطهارة فأغنى عن تكريره. # الفرع التاسع: الصلاة في الثوب المغصوب والمسروق محرمة لقوله : ((لا يحل ~~مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه)) (1). # وهل تكون مجزية ومسقطة للفرض أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: المنع من الإجزاء، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسم والهادي ~~والناصر والمؤيد بالله لا يختلفون فيه. # والحجة على هذا: ما روى ابن عمر عن الرسول أنه قال: ((لو أن رجلا كان معه ~~تسعة دراهم من حلال " وضم إليها درهما من حرام فاشترى بالعشرة ثوبا فصلى ~~فيه لم يقبل الله فيه صلاته))(2). # فقيل له: سمعت هذا من رسول الله ؟ فقال: سمعت رسول الله يقول ذلك ثلاث مرات. # المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو قول أبي حنيفة والشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن المحذور أن يكون المصلي مطيعا بنفس ما هو عاص به ~~والأمر هاهنا ليس كذلك فإن المصلي مطيع بالقيام والقعود والذكر والخشوع ~~والخضوع، وعاص باللباس للثوب المغصوب وهو بمعزل عن نفس الصلاة، فلما كان ~~الأمر هكذا من حصول التغاير بين الأمرين كانت الصلاة مجزية وإن كان لابسا ~~للثوب المغصوب لأجل ما ذكرناه من حصول التغاير. PageV03P016 # المذهب الثالث: التفصيل في ذلك، وهو أنه إذا عليه ما يستره من الحلال جازت ~~صلاته، وإن كان ليس عليه إلا الثوب المغصوب لم تصح صلاته، وهذا هو المحكي ~~عن الشيخ أبي هاشم من المتكلمين حكاه عنه قاضي القضاه عبدالجبار بن ms1015 أحمد. # والحجة على هذا هو أنه إذا كان ساترا لجسمه بالثوب المغصوب كان عاصيا به، ~~وإن كان قد ستر جسمه بالثوب الحلال لم يضره ذلك لأنه فضلة لا يحتاج إليه في ~~العبادة. وهذا تقرير الخلاف والحجة لكل واحد من هذه المذاهب الثلاثة. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من عدم الإجزاء. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو أن المصلي منهي عن لباس الثوب المغصوب ~~واستعماله والنهي يقتضي فساد المنهي عنه خاصة في العبادات فلهذا قضينا ~~ببطلان صلاته. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إنا معاشر الفقهاء إنما جوزنا الصلاة في الثوب المغصوب لأن ~~المغايرة حاصلة في حق المصلي فإنه صلى به بمعزل عن لباسه فلهذا جازت صلاته ~~ولهذا يعقل كونه لابسا من غير صلاة ويعقل كونه مصليا من غير لباس فلما حصل ~~التغاير حصل الإجزاء. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه منهي عن الصلاة في الثوب لا محالة، ولا شك في أن النهي ~~يقتضي الفساد في العبادات سواء فرضنا هناك مغايرة أو لم نفرض. # وأما ثانيا: فلأنه إذا كان مطيعا بالصلاة لابسا للحلال كان عاصيا لا ~~محالة بالصلاة لابسا للثوب المغصوب فالنهي[أنه كان] لا محالة ملابسا للصلاة ~~في حال اللبس وفي هذا حصول غرضنا فبطل ما قالوه، فأما ما يحكى عن الشيخ أبي ~~هاشم من التفصيل الذي ذكره عنه قاضي القضاة وهو أنه إذا كان عليه ما يستره ~~من الحلال جازت صلاته، وإن لم يكن عليه ما يستره من الحلال بطلت صلاته. # فالجواب عنه من وجهين: # أما أولا: فلأنه منهي عن لبسه في حال الصلاة، والنهي مقتض للفساد، وهذا ~~هو مرادنا ببطلان الصلاة لأجل كونها منهيا عنها. PageV03P017 # وأما ثانيا: فلأن النهي إنما ورد عن ملابسته واستعماله في الصلاة وهذا حاصل ~~سواء كان الثوب وحده أو معه غيره فبطل ما قاله. # الفرع العاشر: في لبس الحرير واستعمال غيره(1) # وتتعلق به أحكام عشرة: # الحكم الأول: ويباح لبس الحرير للنساء والصلاة فيه بجميع أنواعه من ~~الديباج والأطلس وغيرهما، لما روي عن الرسول ms1016 أنه خرج يوما وفي إحدى يديه ~~ذهب وفي الأخرى حرير فقال: ((هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإناثها " )) (2). # فظاهره دال على الإباحة لهن في الذهب والحرير، ولا يحرم عليهن من الذهب ~~والفضة إلا ما كان على جهة الآلة نحو المكحلة والميل والمرآة المفضضة ~~والمذهبة والمحك من الذهب والفضة، ويفسق الرجال والنساء باستعماله لإنعقاد ~~الإجماع على تحريمه كسائر المحرمات الفسقية، فأما الحرير فلا يستثنى في ~~حقهن شيء منه في اللباس والصلاة فيه وعليه والتكفين لهن به. PageV03P018 # الحكم الثاني: ويحرم على الرجال لبس الحرير والديباح الصرف من غير ضرورة ~~فإن لبسه أحد من الرجال من غير ضرورة فإنه يحكم بفسقه لإنعقاد الإجماع على ~~تحريمه كسائر المحرمات من الزنا والسرقة وشرب المسكر، ويباح القليل منه نحو ~~علم الثوب ورأس التكة وحاشية الأثواب، وقد جرى عمل المسلمين على ذلك ~~وتوارثوه خلفا عن سلف من غير نكير، لقوله : ((ما رأه المسلمون حسنا فهو عند ~~الله حسن " )). ولا تباح الجبة من الديباج ولا القلنسوة من الحرير الخالص ~~لظاهر الخبر المحرم، ويباح الزر في القميص والأزرار في الجبة من الحرير لقلته. # ويباح للعذر لما روي عن الرسول أنه أباح لبس الحرير لعبدالرحمن بن عوف ~~حين كثر عليه القمل والحكة في جسمه(1). # وهل يكون مخصوصا به أو يقاس عليه غيره ممن كان على صفته؟ فيه تردد، ~~والقوي: إلحاق غيره به لجامع الرخصة لأجل الاستواء. # الحكم الثالث: ويباح استعمال الذهب والحرير في الجهاد مع الإمام، وتباح ~~حلية السيف رأسه وصدره لما روي عن الرسول أنه كانت قبيعة سيفه محلاة ~~بالفضة، وتباح حلية السكين والركب(2) # الفضية والذهبية ونحو الأبازيم(3) PageV03P019 الفضية وروؤس البراشم(1) # لمحلاة بالفضة والذهب وحلية اللبب(2) # والسرج(3) # المذهب والخياصة(4) # الذهبية والفضية وزيج(5) # البيضة وحلية المغفر(6) # كل ذلك في قتال الحق والحرب مع إمام المسلمين ما دامت الحرب قائمة ولم ~~تضع أوزارها. # والحجة على جواز ذلك وإباحته: ما ورد في الأثر أن أصحاب الرسول كانوا ~~يلبسون الديباج بين يديه لقتال المشركين، ولما يظهر في ذلك من الهيبة ~~والرعب وإظهار القوة ms1017 بالمسلمين لقلوب أهل الشرك رجالا وفرسانا، وكانوا ~~يتخذون الذهب والفضة في جميع مراكبهم وآلات الحرب ولم يظهر من جهته نكير في ~~ذلك بل أقرهم(7) # عليه وهكذا جميع الخلفاء بعده، وجرت سنة المسلمين على هذا في مقاتلة أهل ~~الشرك والبغي. # الحكم الرابع: في المخلوط من الحرير بالقطن والكتان والصوف فينظر فيه فإن ~~كان الغالب هو الحرير حرم لبسه لأن الخلط صار مستهلكا بالقلة واسم الحرير ~~ينطلق عليه، وإن كان الخلط هو الغالب جاز لبسه لأن الحرير يصير مستهلكا ~~بكثرة غيره فلا يطلق عليه اسم الحرير، وإن كان الخلط هو النصف فهو الذي ~~يقال له المنصف(8) PageV03P020 فاختلف كلام الهادي في الجامعين فقال في (المنتخب): يجوز لبسه؛ لأن الحرير ~~يصير مستهلكا بما خلط به فيباح لبسه، وقال في (الأحكام): يحرم لبسه وهذا هو ~~الأقوى وهو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله. قال العلماء من الأئمة ~~والفقهاء: # والحجة على ذلك: هو أن الحاظر والمبيح اجتمعا فيجب أن يكون الحكم للحاظر ~~دون المبيح، ويؤيد ذلك قوله : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك )). ومن جهة ~~أن الخبر الوارد في تحريم الحرير لم يفصل بين الجميع وبين المنصف فإن وقع ~~الشك في كون الخلط أقل من النصف أو النصف فالأولى الترك عملا على التحريم ~~لقوله : ((المؤمنون وقافون عند الشبهات " )). # الحكم الخامس: في الصلاة في الحرير وهل يكون مكروها أو حراما؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها محظورة حرام، وهو رأي الشافعي لظاهر الخبر ولأن لباسه إذا ~~كان محظورا كانت الصلاة أولى بالحظر. # وثانيهما: أنه يكون مكروها، وهذا هو رأي المؤيد بالله؛ لأن الحرير إنما ~~حرم من أجل الخيلاء، والصلاة هي موضع خضوع وذلة فلهذا جاز مع الكراهة فإن ~~صلى جاز لأن النهي كما ذكرناه لا يختص الصلاة، فإن لم يجد العريان إلا ~~الثوب الحرير جازت الصلاة فيه ولا يصلي عريانا ويخالف الثوب النجس؛ لأنه ~~أخف حكما باتفاق من القائلين بالمنع من الصلاة في الثوب النجس فإن صلى ~~عريانا مع تمكنه من الثوب الحرير بطلت صلاته لأنه يصير كأنه صلى ms1018 عريانا مع ~~تمكنه من غير عذر. # وحكي عن أحمد بن حنبل: صحة صلاته عريانا مع تمكنه من الحرير، ولا وجه له ~~لأن معه سترة طاهرة فلا يعذر في الصلاة عريانا. # الحكم السادس: وتكره الصلاة في الأثواب المشبعة صبغا. واعلم أن الإصباغ ~~على ضربين: PageV03P021 # فالضرب الأول منهما: مكروهة، وهذا نحو المعصفر والمزعفر والمورس، المصبوغة ~~بالعصفر والورس والزعفران، فما هذا حاله يكره لبسه للرجال وتكره فيه الصلاة ~~للرجال أيضا، ويباح لبسه للنساء ولصلاتهن أيضا لما روي عن الرسول أنه رأى ~~رجلا عليه ثوب مصبوغ فقال: ((لو وضعت هذا في تنور أهلك لكان خيرا لك " )). ~~فلما سمع الرجل كلامه وضعه في التنور فرآه الرسول فقال له: ((ما صنعت؟)). ~~فقال يارسول الله الذي قلت لي، وضعته في التنور، فقال: ((لو شققته على أهلك ~~لكان خيرا لك " ))(1). فدل ذلك على إباحته للنساء وعلى كراهته للرجال. # الضرب الثاني: ما يباح من الأصباغ، وهذا نحو النيل والبقم والفوه(2) PageV03P022 وغير ذلك من الأصباغ التي لا زينة فيها بخلاف الأصباغ التي ظاهرها الزينة ~~كالذي ذكرناه فإنه لايتعاطا لبسها إلا الأرذال والذين لا ورع لهم ولا تمسك ~~بالديانة والصلاح، فلهذا كانت مكروهة، وتكره الصلاة واللبس في الثوب الذي ~~فيه صور الحيوان لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان لي ثوب فيه صورة ~~وكنت أبسطه لرسول الله فقال لي: ((أخريه عني " ))(1). # فجعلت منه وسادتين. # الحكم السابع: وتستحب الصلاة في النعال إذا كانت طاهرة ولم يصبها قذر لما ~~روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا في نعالكم وخالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في ~~نعالهم " ))(2). # فإن كان فيها قذر نزعها وحلها لما روى أبو سعيد الخدري قال: بينا رسول ~~الله يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما على يساره فلما رآه القوم خلعوا ~~نعالهم فلما قضى رسول الله صلاته قال لهم: ((ما حملكم على إلقاء نعالكم " ~~؟)). فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فألقينا نعالنا فقال: ((إن جبريل أتاني ~~فقال إن فيهما قذرا))(3). ويستحب افتقاد النعال عند دخول المسجد لما روي عن ~~الرسول أنه قال: ((إذا جاء ms1019 أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو ~~أذى " فليمسحه وليصل فيهما))(4). # وهذه حجة لأبي حنيفة حيث قال: بأن المسح كاف في إزالة النجاسة عن الكف من ~~غير غسل. PageV03P023 # نعم، إنما تستحب الصلاة في النعال إذا كان الذابح لها(1) # من جملة المسلمين فأما إذا كان الذابح لها من الكفار أهل الشرك وعبدة ~~الأصنام والأوثان والنجوم والمرتدين فلا تجوز الصلاة فيها، فأما ذبائح أهل ~~الكتابين فمخالفة لغيرهم من الكفار، وسيأتي تقرير ذلك في الذبائح بمعونة ~~الله تعالى. # وتجوز الصلاة في الثوب الواحد والقميص الواحد، لما روي عن الرسول أنه سئل ~~عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: ((أوكلكم يملك ثوبين " ؟)) فإن صلى في ~~القميص وكان فتحه ضيقا جازت الصلاة وإن كان واسعا فليزره بزرار فإن لم يكن ~~رزار فليزره بشوكة، وإن صلى في الثوب الواحد فليعقد طرفيه في قفاه لما روي ~~عن الرسول أنه صلى بالناس في مرضه الذي قبض فيه في شملة خيبرية عاقدا ~~لطرفيها في قفاه(2) # فإن كان القميص رقيقا يصف البدن أو كان مهلهل النسيج كرهت الصلاة فيه ~~لرقته وهلهلة نسجه فيرى كأنه عريان. # الحكم الثامن: قال الهادي في (الأحكام): وتكره الصلاة في الفراء إذا لم ~~يكن معه غيره. قال السيد أبو طالب: وأصحابنا يختلفون في نقل هذه اللفظة ~~ولها تأويلان: # التأويل الأول: أنها الفراء بالفاء والراء وهو جمع فروة يقال: فروة وفراء ~~كقرية وقراء(3). # وهو شيء يتخذ من الجلود المدبوغة يستعمله أهل اليمن مفتوح من قدام، وإنما ~~كرهت الصلاة [فيه] لأنه إذا كان وحده تجافى عن بدن المصلي ولم يقع عليه ~~فيكون إذا ارتفع عن بدنه كالعريان. PageV03P024 # التأويل الثاني: أنه القز بالقاف والزاي، وهو الأبريسم من الحرير، فإنها ~~تكره فيه الصلاة كما أوضحناه من قبل ومعناه إذا لم يكن معه غيره من الثياب ~~المباحة فإنه أدخل في الكراهة أو نعني إذا لم يكن معه غيره منسوجا فيه ~~مخلوطا معه والأول هو المعتمد عليه. # فالتأويل الأول: محكي عن السيد أبي طالب، والتأويل الثاني: محكي عن السيد ~~المؤيد بالله، ms1020 وكلاهما جيد لا غبار عليه خلا أن الأول أجرى على أصول الهادي ~~ومسائله. # الحكم التاسع: والخز حيوان يستعمل جلده ووبره، فأما وبره فيجوز لبسه في ~~الصلاة وفي غيرها لما روي عن الرسول أنه كان يعتم بعمامة سوداء من خز وكان ~~يقال لها (السحاب) أعطاها عليا وكان يعتم بها ويقال: طلع علينا أمير ~~المؤمنين وعلى رأسه (السحاب)(1)، # وروي أن الحسين بن علي رضي الله عنه استشهد وعليه جبة من خز، وروي أن ~~الحسن البصري رأى علي بن الحسين وعليه جبة من خز. رؤية متعجب من لباسه لها ~~فقال له علي بن الحسين: مه يا أبا سعيد قلب كقلب عيسى ولباس كلباس كسرى. ~~وعن الناصر: أنه كان يلبس الخز ويقول: لا بأس بلباسه، وأما جلده فقال ~~الهادي في (الأحكام): وأكره الصلاة في الخز لأني لا أدري ما هو ولا ما ذكاة ~~دوابه ولا ما أمانة عماله، وقد أشار في هذا الكلام إلى مداخل الشك وجملتها ثلاثة: # المدخل الأول: قوله: لا أدري ما هو. فما هذا حاله يحتمل وجهين: PageV03P025 # أحدهما: أن يريد: هل هو مما يؤكل أو مما لا يؤكل؟ وهل الأصل التحريم بالعقل ~~إلا ما دل الشرع على تحليله أو الأصل هو التحليل بالشرع لعموماته إلا ما دل ~~الشرع على تحريمه؟ # وثانيهما: أن يريد: هل هو من حيوان البر فلابد له من ذكاة أو من حيوان ~~البحر فتكون ذكاته صيده، فقوله يحتمل ما ذكرناه. # المدخل الثاني: قوله: ولا ما ذكاة دوابه. وهذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يريد: هل ذكي أو لم يذك. # وثانيهما: أن يريد: هل ذكاته النحر أو الذبح على قانون الشرع في الذبح ~~والنحر لأنهما إذا لم يكونا على ما شرطه الشرع لم يحل المذبوح وكان ميتة. # المدخل الثالث: قوله: ولا ما أمانة عماله. فهو محتمل لوجهين: # أحدهما: هل هم كفار أو مسلمون؟ فإذا كانوا كفارا لم تحل ذبائحهم. # وثانيهما: أنهم وإن كانوا مسلمين فلا يدرى بحال عدالتهم فلا يؤمن أن ~~يخلطوا فيه الميت والمذكى؛ لأن ما هذا حاله إنما ms1021 يحجزه الورع والعدالة فإذا ~~لم يكن هناك عدالة لم يؤمن ما ذكرناه، فهذه مداخل الشكوك التي أوجبت ~~الكراهة. # دقيقة: اعلم أن السيد أبا طالب ذكر في شرحه: أن من أصحابنا من ذكر وجها ~~ثالثا في الاحتمال: وهو أنه يجوز أن يكون قد ذهب إلى أنه وإن كان مما لا ~~يؤكل لحمه فإنه يصير طاهرا بالذبح ولكن لم يعلم حال الذابح فيجيء على هذا ~~أن السباع التي هي طاهرة في حال الحياة إذا ذبحت فإنه يجوز الإنتفاع ~~بجلودها والصلاة فيها، إلا أن الظاهر من المذهب: أن كل ما حرم الله أكل ~~لحمه فلا يجوز لبس جلوده فهذا التخريج يضعف، فإذا عرفت هذا فاعلم أن هذا ~~الاحتمال في التخريج من كلام الهادي جيد لا غبار عليه لأمرين: # أما أولا: فلقوله تعالى عقيب ذكر المحرمات: {إلا ما ذكيتم}. فظاهر الآية ~~التحليل لكل ما ذكيتم لعمومه ولم يفصل بين أن يكون مما يحل أكل لحمه أو مما ~~لا يحل. PageV03P026 # وأما ثانيا: فلأن فائدة التذكية الشرعية، هو طهارة الجلد ويبقى حال الأكل ~~موقوفا على الدلالة الشرعية، فإن دلت على حل أكله أكل، وإن لم تدل على حل ~~أكله انتفع بجلده وكان طاهرا، فهذا الاحتمال لا مانع منه. ولا أدري من يعني ~~بقوله: بعض أصحابنا، أخاه السيد المؤيد بالله أو غيره من أهل التخريج لمذهب ~~الهادي؟ فحصل من مجموع ما ذكرناه طهارة شعر الخز ووبره ذكي أو لم يذك. # وعن الشعبي أنه قال: رأيت الحسن بن علي يلبس الخز، وعن جماعة رضي الله ~~عنهم من الصحابة سعد بن أبي وقاص وجابر بن عبدالله وأنس بن مالك وأبي ~~هريرة، أنهم كان يلبسون الخز وأن جلده يطهر بالذكاة الشرعية سواء حل أكل ~~لحمه أو لم يحل على ما قررناه. # الحكم العاشر: اعلم أن لبس الحرير الصرف مع العلم بتحريمه في حال ~~الرفاهية من غير عذر، معصية لله تعالى ومخالفة لما عليه المسلمون، وتحصل ~~منه ثمرتان: # الثمرة الأولى: إجماعية، وهي فسق اللابس لأن الإجماع منعقد على فسق من ~~لبسه ms1022 من غير عذر. # الثمرة الثانية: خلافية، وهي نقض الوضوء بلبسه فإنا قد قدمنا أن الكبائر ~~الفسقية والكفرية هل تكون ناقضة للوضوء أم لا؟ وذكرنا الخلاف والمختار ~~والانتصار فأغنى عن تكريره، فأما لبسه في حال الصلاة فلا سبيل إلى الفسق ~~بالمسائل الخلافية، وهل يكون محرما أو مكروها؟ فيه روايتان: # الرواية الأولى: التحريم، وهي رواية (المنتخب) تقتضي بطلان الصلاة، وهو ~~محكي عن الناصر واختيار السيد أبي طالب. # والحجة على ذلك: هو أنه منهي عن لبسه والنهي يقتضي فساد المنهي عنه وهو ~~إذا كان مصليا فيه فهو لابس له، فوجب أن يكون النهي متناولا له في حال ~~الصلاة كحاله في اللباس. # الرواية الثانية: رواية (الأحكام)، وهي الكراهة، وهذا هو رأي المؤيد ~~بالله وهو رأي أكثر الفقهاء. PageV03P027 # والحجة على ذلك: هو أنه ثوب طاهر غير مغصوب فصحت الصلاة فيه كما لو كان ~~الغالب هو القطن، أو نقول: ولأنه ثوب تصح صلاة المرأة فيه فجازت صلاة الرجل فيه. # والمختار: جواز الصلاة فيه؛ لأن النهي إنما تعلق به لما يختص به من ~~الخيلاء، والصلاة تنافي الخيلاء لما فيها من الخضوع والذلة للمعبود. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: النهي يقتضي الفساد. # قلنا: النهي ليس مختصا بالصلاة لعينها وإنما كان لما ذكرناه من الخيلاء ~~فلهذا جازت الصلاة فيه، فهذا ما أردنا ذكره في الأحكام المختصة بلبس الحرير ~~وما يتعلق به، ونرجع إلى الفصول والله الموفق للصواب PageV03P028 --- ### ||| AUTO الفصل الثاني في بيان الأمكنة التي يصلى عليها # طهارة الموضع الذي يصلى عليه شرط في صحة الصلاة. # قال الإمامان القاسم والناصر: وعلى كل مصل فريضة أو نافلة ألا يصلي [في ~~أي] من البقاع إلا في بقعة نقية. وحكي عن الهادي مثل ذلك، وهو رأي سائر ~~أئمة العترة، ومحكي عن الفريقين الشافعية والحنفية. فأما أبو حنيفة فقد ~~قال: إذا كان موضع قدمي المصلي طاهرا صحت صلاته، وإن كان موضع ركبتيه نجسا. ~~وفي موضع الجبهة روايتان. # وحكي عن مالك: أن من صلى في موضع نجس استحسن له أن يقضي، وفي هذا دلالة ms1023 ~~على جواز الصلاة عليه. # والحجة على ما قاله القاسم: وهو قوله تعالى: {وعهدنا إلى إبراهيم ~~وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود}[البقرة:145]. # ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل ~~بتطهير البيت لكل طائف وعاكف، وشرع من قبلنا لازم لنا ما لم ينسخ عنا، هذا ~~هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة. # والمختار: أن كتابنا ناسخ لما قبله من الكتب السالفة وأن شريعتنا ناسخة ~~لما تقدمها من الشرائع. # والحجة على ما قلناه: هو أن الإجماع على ما ذكرناه من نسخ كتابنا لكل ~~كتاب وشريعتنا لكل شريعة، وإذا كان الأمر هكذا فكيف يصح الاحتجاج بالمنسوخ ~~وقد رفع حكمه. # الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه رأى كراسة من التوراة في يد عمر ~~ينظر فيها فاغتاظ واحمر وجهه وقال: ((والله لو كان أخي موسى حيا ما وسعه ~~إلا اتباعي " )) . وفي هذا دلالة على أن الكتب المتقدمة لا يلتفت إليها في ~~تقرير حكم من أحكام الشريعة بل ما أثر عن الرسول ونطق به كتابنا فهو كاف عن ~~طلب حكم الحادثة من غيرهما من الكتب السابقة. # التفريع على هذه القاعدة: PageV03P029 # الفرع الأول: المواطن التي نهي عن الصلاة فيها سبعة، لما روى عمر رضي الله ~~عنه عن الرسول أنه قال: ((سبعة مواطن لا تجوز الصلاة فيها: المزبلة ~~والمجزرة والمقبرة ومعاطن الإبل والحمام وقارعة الطريق وفوق بيت الله ~~العتيق))(1) . # وإنما منع من الصلاة في المجزرة والمزبلة لنجاستهما فدل ذلك على أن كل ~~بقعة فيها نجاسة فلا تجوز الصلاة فيها، وإنما منع من الصلاة في قارعة ~~الطريق والكعبة لمعان أخر غير النجاسة وسيأتي تقريره بمعونة الله. # ومن صلى على الأرض أو على بساط وكان بحذائه(2) # على الأرض أو على البساط نجاسة ولم تصبها ثيابه ولا بدنه فهل تصح صلاته ~~أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: جواز الصلاة وهو الأصح من مذهب الشافعي؛ لأنه غير مباشر ~~للنجاسة ولا حامل لها ولما هو متصل بها فوجب القضاء بجوازها، وإن صلى على ~~موضع طاهر من ms1024 البساط وفي موضع منه نجاسة لا تحاذيه صحت صلاته، وحكي عن أبي ~~حنيفة: أنه إن كان البساط لا يتحرك بتحركه صحت صلاته وإن كان يتحرك بتحركه ~~بطلت صلاته. PageV03P030 # والحجة على ما قلناه: هو أنه غير حامل ولا مباشر للنجاسة ولا لما هو متصل ~~بها فصار كما لو صلى على أرض طاهرة وفي طرف منها نجاسة، وإن أصابت الأرض ~~نجاسة فإن عرف موقعها تجنبها وصلى في موضع آخر غير ذاك، وإن فرش فوقها ~~بساطا طاهرا وصلى عليها صحت صلاته. وحكي عن أبي حنيفة: أن البساط إن كان ~~يتحرك بتحركه لم تصح صلاته. # والمختار: ما قلناه وقد مضى الدليل عليه فلا وجه لتكريره. # وإن خفي عليه موضع النجاسة وجب عليه أن يتباعد إلى موضع يتحقق أن النجاسة ~~لا تبلغ إليه، وإن كانت النجاسة تحت قدميه بطلت صلاته عندنا، وهو قول أبي ~~حنيفة لكونه مباشرا للنجاسة، وإن كانت النجاسة في موضع ركبتيه أو موضع ~~سجوده بطلت صلاته عندنا، وحكي عن أبي حنيفة: أنه إذا كان موضع قدميه طاهرا ~~صحت صلاته ولو وقعت ركبتاه على النجاسة، وفي جبهته روايتان. # والحجة على ما قلنا: هو أنه موضع يلاقيه بدن المصلي فلم تصح صلاته كما لو ~~كانت النجاسة تحت قدميه. # الفرع الثاني: والمصلي إذا كان مربوطا إلى خشبة أو كان محبوسا في حش، ~~والحش: موضع إلقاء العذرة بالحاء المهملة والشين بثلاث من أعلاها، أو كان ~~في موضع نجس وهو متوضىء، فإذا كان على هذه الحالة فهل تلزم الصلاة ويؤديها ~~على حالته هذه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يؤديها على حالته هذه، وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر ~~علماء الأمة. # والحجة على هذا: قوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم )) . # الحجة الثانية: قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا}[النساء:103]. والمعنى أنها موقتة بأوقاتها فيجب تأديتها على حد ~~حالته ولا يجوز إسقاطها من غير عذر في سقوطها. # المذهب الثاني: أن الصلاة ساقطة عنه في هذه الحالة، وهذا هو الذي حكاه ~~الطحاوي عن أبي ms1025 حنيفة. PageV03P031 # والحجة على هذا: هو أنه مأمور بالصلاة في الأثواب الطاهرة والأمكنة الطاهرة ~~فإذا لم يتمكن من ذلك سقط عنه وجوب الصلاة كما لو كان زائل العقل أو أغمي ~~عليه لأن [المكان] الطاهر شرط في الصحة كما أن العقل شرط في التكليف بها. # والمختار: ما قاله الأئمة والعلماء. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {فاذكروا الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم }[النساء:103]. ومع هذه فهو متمكن من أداء الصلاة ولم ~~يتأخر عنه إلا بنجاسة الموضع، وهو معذور فيه، فلهذا توجه عليه أداء الصلاة، ~~ولعل هذه الرواية محمولة على أنه لا يلزمه السجود على القذر ولا التلوث ~~بالنجاسة وإنما يلزمه الإيماء كما سنوضح ما يتوجه عليه، فأما سقوط الصلاة ~~عنه بالكلية فقدره(1) # أعلى من إنكار ما هذا حاله لكونه مخالفا للإجماع المنعقد على وجوب تأدية ~~الصلاة على هذه الحالة، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه هو أن من لزمه فرض الوقت ~~فإنه يلزمه الإتيان به على حسب حاله كالمريض فإنه يصلي على قدر ما يمكنه من ~~غير سقوط الفرض عنه فهكذا هاهنا. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكره. # قال: إنه مأمور بتأدية الصلاة في أمكنة طاهرة وأثواب طاهرة فإذا لم يتمكن ~~منها سقط عنه فرضها كما لو زال عقله. # قلنا: إن العقل ملاك التكليف وهو شرط في جميع التكاليف العقلية والشرعية ~~وهذا فإنه كامل العقل [ولم يتعذر عليه من شروطها](2) PageV03P032 إلا الأمكنة الطاهرة فلا تسقط عنه الصلاة كما لو لم يتمكن من القيام لزمه ~~القعود وكما لو لم يتمكن من ستر العورة صلى عريانا. فإذا تقرر لزومها له ~~فإنه يحرم للصلام ويأتي بالقيام إن قدر عليه، والقراءة والركوع فإذا أراد ~~أن يسجد فإنه يدني رأسه من الأرض إلى القدر الذي لو زاد عليه لاقى النجاسة ~~ولا يضع جبهته وأنفه ولا يديه ولا ركبتيه على موضع النجاسة. ولا يفترق ~~الحال في الإمتناع عن ملاقاة النجاسة بين أن تكون رطبة أو يابسة لأنه إذا ~~سجد على النجاسة حصلت على جبهته وكفيه وأنفه فلهذا كانت مباشرته ms1026 للنجاسة ~~بقدميه أهون من مباشرته لها بجبهته وأنفه وكفيه، ومهما أمكن تقليل المخالطة ~~للنجاسة فهو أولى، فإذا صلى على هذه الحالة ثم قدر فهل تلزمه الإعادة أم ~~لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها لا تلزمه الإعادة لأنه صلى على حسب حاله فهو كالمريض. # وثانيهما: أنها تلزمه الإعادة لأن ما هذا حاله فهو عذر نادر فلا يسقط عنه الفرض. # والمختار: هو الأول لقوله : ((لا ظهران في يوم)) . ولكن تستحب له الإعادة ~~لأنه قد تمكن من أدائها على الوجه الذي كلف [به] من غير مانع، فأما الشافعي ~~فقد أوجب عليه الإعادة وهو الأصح من قوليه واختلف قوله في المعاد فقال في ~~(الأم): الفرض هو الثانية لأنا إنما أمرناه بالأولى ففعلها لحرمة الوقت. ~~وقال في القديم: الفرض هو الأولى لأنها هي التي أسقطت الفرض. وقال في ~~(الإملاء): الجميع فرض عليه لأنه يجب عليه فعل الجميع وهو اختيار إبن ~~الصباغ في كتابه (الشامل) . فإن صلى الأولى من غير طهارة لا بالتراب ولا ~~بالماء فالفرض هو الثانية لندور العذر وقلته. # الفرع الثالث: والمصلي إذا فرغ من صلاته فرأى على بدنه أو ثوبه أو البقعة ~~التي صلى عليها نجاسة غير معفو عنها نظرت، فإن كان قد علم قبل الصلاة لكنه ~~نسيها فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أن صلاته صحيحة لقوله : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " ))(1) . PageV03P033 # وإن لم يعلم نظرت، فإن جوز وغلب على ظنه أنها وقعت بعد الصلاة لم تلزمه ~~الإعادة لأن الأصل عدم مصاحبته لها في الصلاة خلا أن المستحب أن يعيدها ~~لجواز أن تكون مصاحبة له في حال صلاته. وإن كانت مما لا يجوز حدوثه بعد ~~الصلاة فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه تردد. # والمختار فيه تفصيل: وهو أن هذه النجاسة إن كانت مما وقع فيه الخلاف ~~والاجتهاد وجبت عليه الإعادة في الوقت ولا يلزمه القضاء بعد فوات الوقت، ~~وإن كانت النجاسة مما وقع الإجماع عليها وجبت عليه الإعادة في الوقت، ~~والقضاء بعد فوات الوقت كما قررناه من قبل. فهذا أصل يجب ms1027 اطراده في مسائل ~~الخلاف ومسائل الإجماع يجب أن يكون الحكم فيها ما ذكرناه وهو أعدل المذاهب ~~وأولاها. # الفرع الرابع: قال الإمامان القاسم والهادي: وتكره الصلاة في المقابر ~~لكرامة أهلها إن كانوا مؤمنين وإيثارا لتجنب قذرهم إن كانوا فاسقين. # واعلم أن المقابر لها ثلاث حالات: # الحالة الأولى: المقبرة التي قد تحقق أنها قد نبشت وجعل أسفلها أعلاها، ~~فهذه لا تصح الصلاة فوقها لما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه قال: ~~((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام " ))(1) . # ولأنه قد اختلط بها صديد الموتى وبقيت(2) # فيها عظامهم ولحومهم فصارت نجسة. # الحالة الثانية: المقبرة التي لم يتحقق أنها نبشت، فهذه تكره الصلاة ~~بينها وعليها لنهي عن الصلاة في المقبرة ولم يفصل بين حالة وحالة، فإن صلى ~~صحت الصلاة مع الكراهة، وحكي عن أحمد بن حنبل: بطلان الصلاة. وإنما صحت ~~الصلاة لأن النجاسة مندفنة فيها فصار(3) # كبساط على نجاسة. وحكي عن داود: بطلان الصلاة. PageV03P034 # والحجة على صحتها: ما روى أبو ذر عن الرسول قال: سألت النبي عن أول مسجد ~~وضع على الأرض " ؟ فقال: ((المسجد الحرام)) . قلت: ثم أي؟ قال: ((المسجد ~~الأقصى)) . فقلت: كم بينهما؟ قال: ((أربعون عاما وحيث ما أدركتك الصلاة ~~فصل))(1) . # ويكره استقبال القبر عند الصلاة لما روي عن الرسول أنه قال: ((لعن الله ~~اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ))(2) . # الحالة الثالثة: المقبرة التي لم يقع الشك فيها هل هي جديدة أو دارسة، ~~فهل تصح الصلاة فيها أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: جواز الصلاة فيها مع الكراهة لأن الأصل هو عدم النبش وبقاء ~~الأرض على الطهارة. # الفرع الخامس: الصلاة في الحمام. وقد نهى رسول الله عن الصلاة في ~~الحمامات، لما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه قال: ((الأرض كلها مسجد ~~وطهور إلا الحش والحمام " )) . ثم اختلف العلماء في الوجه الذي وقع [فيه] ~~النهي عن الصلاة في الحمامات على قولين: # فالقول الأول: أنه إنما نهى عن الصلاة فيها لأجل ما يهراق من النجاسات ~~فيها فعلى هذا تكون على أوجه ثلاثة: # الوجه الأول: أن يتحقق ms1028 أن جميع بيوتها نجسة، فعلى هذا لا تجوز الصلاة ~~فيها لأجل النجاسة. # الوجه الثاني: أن يتحقق أنها ليس فيها شيء من النجاسة، فعلى هذا تجوز ~~الصلاة فيها مع الكراهة. PageV03P035 # الوجه الثالث: أن يقع الشك في طهارتها ونجاستها، وعلى هذا تصح الصلاة فيها ~~لأن الأصل في الأرض هو الطهارة وعدم النجاسة. فأما المخلع(1) # فلا يدخل في النهي لأنه بمعزل عن النجاسة التي تهراق في البيوت الداخلة. # القول الثاني: أنه إنما نهى عن الصلاة فيها لأنها مأوى الشياطين لما يكشف ~~فيها من العورات ويحصل بالإجتماع فيها من الرفث بالكلام، كما روي عن النبي ~~أنه عرس(2) # هو وأصحابه في موضع في واد فناموا فيه فلم يوقضهم إلا حر الشمس فقال لهم ~~الرسول : ((ارتفعوا عن هذا الوادي فإن فيه شيطانا " ))(3) . # ولم يصل فيه فعلى هذا تكره الصلاة في بيوتها وإن تحققت طهارتها. وحكي عن ~~أحمد بن حنبل: بطلان الصلاة فيها وفي سطوحها. # والحجة على صحة الصلاة فيها، ما روى أبو ذر: ((وحيث أدركتك الصلاة فصل " ~~)) . ولم يفصل، ولأنها أمكنة طاهرة فصحت الصلاة فيها كالمساجد. # الفرع السادس: قال الإمام الهادي: وأكره الصلاة في الطرق السابلة، لحديث ~~ابن عمر. ثم اختلف العلماء في النهي ومتعلقه في الطرق السابلة على قولين: # فالقول الأول: أنه إنما نهى عن الصلاة فيها لما يقع فيها من النجاسات ~~لأجل المارة لأنها تداس بالنعال فعلى هذا تكون على ثلاثة أوجه كما ذكرناه ~~في الحمامات والمقابر، فإن تحقق النجاسة لم تجز الصلاة، وإن تحقق الطهارة ~~جازت الصلاة، وإن وقع الشك جازت الصلاة لأن الأصل طهارة الأرض إلا أن تطرأ ~~النجاسة. # المذهب الثاني: أنه إنما نهي عن الصلاة في قارعة الطريق لأجل حق الغير ~~وهو الضرر بالمارة وعلى هذا يتصل(4) # فيها رأيان للإمامين الأخوين أبي طالب والمؤيد بالله: PageV03P036 # فالرأي الأول رأي السيد أبي طالب: أنها لا تجوز الصلاة فيها واسعة كانت أو ~~ضيقة. والظاهر من كلامه هو منع الإجزاء وبطلان الصلاة. # وحجته على هذا: قوله : ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام " ))(1) . # مع نهيه عن ms1029 الصلاة في الطريق، والنهي يقتضي الفساد خاصة في العبادات. # الراي الثاني ما قاله المؤيد بالله: وهو أن الطريق إذا كانت واسعة فلا ~~ضرر على أحد فيها فلهذا جازت الصلاة [فيها]، والظاهر أنه لا كراهة مع ~~سعتها. فإن كانت ضيقة كانت الصلاة مكروهة مع الإجزاء. هذا كله إذا لم يكن ~~المصلي مانعا بصلاته عن المرور، فأما إذا كان مانعا بصلاته عن المرور بطلت ~~صلاته لأنه يصير مانعا بصلاته عن حق الغير كما لو صلى في دار مغصوبة. فحصل ~~من مجموع ما ذكرناه أن المختار هو: رفع الكراهة مع السعة، وحصول الكراهة مع ~~الضيق والإجزاء، والبطلان مع منع المارة. # الفرع السابع: في الصلاة في الدار المغصوبة. قال الإمام القاسم: ولا تجوز ~~الصلاة في الدار المغصوبة. # واعلم أن الكلام في هذا الفرع تتعلق به أحكام ثلاثة نفصلها بمعونة الله تعالى. # الحكم الأول: تكره الصلاة في الدار المغصوبة، لا خلاف فيه بين أئمة ~~العترة وفقهاء الأمة وذلك لقوله : ((لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من ~~نفسه)) . وهل تكون مجزية مسقطة للفرض أم لا؟ فيه مذهبان: PageV03P037 # المذهب الأول: أنها غير مجزية، وهذا هو رأي أئمة العترة لا يختلفون فيه ~~ومحكي عن الشيخين أبي على وأبي هاشم وغيرهما من المتكلمين المعتزلة البصرية ~~والبغدادية وهو قول أبي سمرة(1) # من فقهاء البصرة، وداود من أهل الظاهر. # والحجة على ذلك: هو أن الصلاة في الدار المغصوبة منهي عنها، والصلاة ~~مأمور بها فلو قضينا بكونها مجزية لمن فعلها لأدى إلى أن يكون الفعل الواحد ~~مأمورا به منهيا عنه، وهذا محال. ومن وجه آخر وهو: أن الفعل إذا كان مأمورا ~~به وجب أن يكون مرادا، وإذا كان منهيا عنه وجب أن يكون مكروها، ومحال في ~~الشيء أن يكون مرادا مكروها لما في ذلك من إجتماع الضدين وما هذا حاله فهو محال. # والحجة الثانية: أنا نقول: الكون في الدار المغصوبة مع التمكن من الخروج ~~منها معصية، والصلاة في نفسها قربة وعبادة وطاعة، ومحال في الفعل الواحد أن ~~يكون طاعة معصية لما ms1030 في ذلك من التناقض والتضاد. # الحجة الثالثة: وهي أن نقول: القيام ركن من أركان الصلاة لا تتم الصلاة ~~من القادر إلا به وهو فعل واحد والفعل الواحد لا يكون طاعة معصية، حسنا ~~قبيحا، مثابا معاقبا عليه، ولا شك أن القول بصحة الصلاة في الدار المغصوبة ~~يقضي بما ذكرناه فيجب القضاء بفساده وبطلانه. PageV03P038 # المذهب الثاني: أن الصلاة في الدار المغصوبة مكروهة لكنها مجزية مسقطة ~~للفرض فلا يلزم قضاؤها، وهذا هو رأي الفريقين الشافعية والحنفية. # والحجة على ذلك: هو أنها أرض طاهرة والمنع منها ليس راجعا إليها وإنما هو ~~لحق المالك وما هذا حاله فليس مانعا لأنه بمعزل عن كونها صلاة فلهذا لم يعد ~~مانعا عن الإجزاء. # الحجة الثانية: قالوا: الإيمان من أعظم القرب وأولاها وهو أصلها وقاعدتها ~~فإذا كان جائزا في الدار المغصوبة فهكذا الصلاة من غير فرق بينهما. # الحجة الثالثة: قالوا: الصلاة عبادة وقربة وطاعة، وايقاعها على وجه الحظر ~~لا يكون مانعا من إجزائها إذا لم يكن الحظر مما يخل بشرط من شرائطها فأما ~~إذا كان يخل فإنه يكون مانعا من الإجزاء. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو أن القول بإجزاء الصلاة في الدار ~~المغصوبة يفضي إلى المحال وما أفضى إلى المحال فهو محال. فالقول بإجزائها ~~محال، وإنما قلنا: أن القول بإجزائها يفضي إلى المحال فلأنه يؤدي إلى ~~إجتماع الأمور المتضادة فتكون العين الواحدة مأمورا بها منهيا عنها ومرادة ~~مكروهة وطاعة معصية وحسنة قبيحة وقربة وغير قربة، وهذه الأمور المتضادة قد ~~اجتمعت في الصلاة في الدار المغصوبة واجتماعها من أعظم المحال، وإنما قلنا: ~~إن ما أفضى إلى المحال فهو محال، فما هذا حاله معلوم بضرورة العقل فإنه لو ~~كان صحيحا لم يكن مؤديا إلى المحال. فهذا مسلك قوي يجمع جملة الإلزامات ~~التي يوردها الفقهاء متفرقة جمعناها هاهنا. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: هي أرض طاهرة والمنع منها ليس راجعا إليها وإنما هو لحق المالك ~~وهو بمعزل عن كونها ms1031 صلاة. # قلنا: إن ما هذا حاله فليس وجها في التغاير لأن الذي وقع به منع حق الغير ~~هو نفس كونها صلاة وفي هذا دلالة على أنه مطيع بنفس ما هو عاص به وهو محال. PageV03P039 # قالوا: الإيمان جائز في الدار المغصوبة فهكذا حال الصلاة من غير فرق. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فإن عنيتم بالإيمان مجرد التصديق فلا نسلمه وإنما الإيمان ما ~~عليه السلف الصالح وهو أنه اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان ~~والصلاة من جملته وفيها وقع النزاع. # وأما ثانيا: فلو سلمنا أن الإيمان هو التصديق فلا تعلق له بالمكان ~~فافترقا. # قالوا: الصلاة عبادة وقربة وإيقاعها على وجه الحظر لا يكون مانعا من ~~إجزائها إذا لم يكن الحظر مما يخل بشرط من شرائطها. # قلنا: وأي إخلال أعظم من بطلان القيام في الصلاة فإنه ركن من أركانها ~~لأنه عاص به فلهذا بطل، ومن وجه آخر وهو أنه إذا كان الشرط مبطلا للصلاة ~~فبطلانها ببطلان ركن من أركانها أحق وأولى. # الحكم الثاني: هل تكون هذه المسألة قطعية أو اجتهادية، وفيها تقريران: # التقرير الأول: أنها قطعية، ونعني بكونها قطعية: أن الحق فيها واحد، وهذا ~~هو رأي الشيخين أبي علي وأبي هاشم وغيرهما من شيوخ المعتزلة وعلماء الكلام. # والحجة على هذا: هو أن المختلفين في المسألة كل واحد منهم أخذ بحجته من ~~مسلك قاطع، وفي هذا دلالة قطعية لا مجال للإجتهاد فيها، وبيانه: هو أن من ~~قال بكون الصلاة في الدار المغصوبة غير مجزية فإنه يأخذ حجته من دليل العقل ~~وهو أن هذه الصلاة غير مجزية لكونها معصية لله تعالى لكونه حائلا بينها ~~وبين مالكها وما يكون معصية فلا قربة فيه والصلاة من شرطها القربة لكونها ~~عبادة لله تعالى، ومن قال بكونها مجزية كما هو رأي الفريقين من الفقهاء، ~~فإنه يأخذ مذهبه من الإجماع، وهو أن الإجماع منعقد على أن أحدا من العلماء ~~لم يأمر الظلمة بإعادة ما صلوا في هذه الدور المغصوبة، وفي هذا دلالة على ~~كونها مجزية مسقطة للفرض عن ذممهم. ms1032 فقد عرفت بما ذكرناه أن كل واحد من ~~المذهبين يأخذ مذهبه من مسلك قاطع، وفي هذا دلالة على كونها قاطعة خارجة عن ~~مسائل الاجتهاد. PageV03P040 # التقرير الثاني: أنها إجتهادية، وهذا هو الذي قرره السيد أبو طالب وهو ~~المختار. # والحجة على هذا: هو أن كلا من الفريقين غير منكر على صاحبه مذهبه ورأيه، ~~وهذه أمارة كون المسألة إجتهادية لأن الرأي المقطوع به والحق الذي لا معدل ~~عنه هو تصويب الآراء في المسائل الاجتهادية والمضطربات النظرية. # ومن وجه آخر: وهو أن الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم ما زالت ~~الحوادث في أيامهم غضة طرية وكل واحد منهم يجتهد رأيه ويخالف صاحبه ولم ~~يعلم من أحد منهم إنكار لمذهب صاحبه ولا تحريج عليه فيما يذهب إليه وهذا ~~مسلك قاطع في التصويب يعقله الأكياس ويغفل عنه الأكثر من طبقات الناس. # الحكم الثالث: هل تكون الصلاة في الأرض المغصوبة كالصلاة في الدار ~~المغصوبة أم لا؟ # والمختار: التفرقة بينهما لدلالة المنع في الدار دون الأرض. # ولتحريم الصلاة فيها وجهان: # أحدهما: أن التحريم إنما يكون لأجل الكراهة من مالكها، وهذا هو رأي ~~المؤيد بالله، فإنه قال: إن من صلى في أرض مغصوبة جازت صلاته إلا أن تظهر ~~منهم الكراهة في ذلك فحينئذ لا يجوز الدخول ولا الصلاة لأن المصلي يكون في ~~حكم الغاصب لأجل ما يظهر من الكراهية، فإذا لم يعلم منهم الكراهة جاز ~~الدخول والصلاة، وهي مخالفة للدور لأن الغالب من حال الأرض أن أربابها لا ~~يكرهون الصلاة فيها. # وثانيهما: أن الاعتبار في التحريم إنما هو بالضرر فإذا لم يكن هناك ضرر ~~جاز الدخول والصلاة، وهذا هو المختار لما روي أن الرسول دخل أرضا ليهودي ~~فكره دخوله فيها فقال الرسول : ((ما ضررناك يا يهودي " )) . فعلق التحريم ~~بالضرر فدل على أن الاعتبار به لا غير. # الفرع الثامن: قال الإمامان القاسم والهادي: وتجوز الصلاة في مرابض الغنم ~~لما روى عبدالله بن المغفل أن الرسول قال: ((إذا أدركت الصلاة وأنت في مراح ~~الغنم فصل فيه فإنها سكينة وبركة))(1) . PageV03P041 # ومراح ms1033 الغنم: هو الموضع الذي تأوي إليه. [و] لما روي عن الرسول أنه قال: ~~((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " )) (1) . # ولم يفصل، ولأنه موضع طاهر لا نجاسة فيه فليس مغصوبا فلهذا جازت الصلاة. ~~دليله: المساجد. # وتكره الصلاة في أعطان الإبل لما روي عن الرسول أنه قال لعبدالله بن ~~المغفل: ((إذا أدركتك الصلاة في أعطان الإبل فاخرج منها " وصل فإنها جن من ~~جن خلقت ألا تراها إذا نفرت كيف تشمخ بآنافها))(2) . # والعطن بوزن الوطن، واختلف أهل الأدب في معناها على وجهين: # أحدهما: أن أعطان الإبل هي مواضع قرب الحوض الذي تشرب منه تنحى إليه ~~الإبل حتى يرد غيرها للشرب. # وثانيهما: أن أعطان الإبل هي المواضع التي تناخ فيها الإبل في الصيف إذا ~~شربت المرة الأولى ثم يملأ الحوض مرة أخرى ثم ترد إليه فتعل، والشرب الأول ~~يسمى: النهل، والشرب الثاني يسمى: العلل. قال لبيد:(3) PageV03P042 تكره الشرب فلا يعطنها ... إنما يعطن من يرجو العلل(1) # فجعل ذلك عطنا لما كانت ترجو أن تشرب مرة ثانية. # واختلف العلماء في وجه التفرقة بين مراحات الغنم وأعطان الإبل من جهة ~~المعنى فقال بعضهم: لأنها جن من جن خلقت، والصلاة بقرب الشياطين مكروهة، ~~والغنم فيها سكينة وبركة. وقيل: إن الغنم من دواب الجنة دون الإبل، وقيل: ~~إنما نهى عن الصلاة في أعطان الإبل لما يخاف من نفورها وذلك يقطع الخشوع ~~ولا يخاف ذلك في الغنم، وقيل: إنما نهى عن الصلاة في أعطان الإبل لأنها ~~مأوى الجن والشياطين بخلاف الغنم. وقيل: إنما نهى عن ذلك لأن أعطان الإبل ~~يكثر فيها القذر في العادة من جربها ومن عفونتها، ومراحات الغنم طيبة في ~~العادة لأن الغنم إنما تراح إلى كل موضع استعلت أرضه وطابت تربته ولا تصلح ~~إلا على ذلك. والإبل لا تراح إلا [إلى] الدقعاء من الأرض والأراضي الرخوة ~~ولا تصلح إلا على ذلك، والدقعاء من الأرض هي كثيرة الترب. # ولا بأس أن يجعل البعير سترة عند الصلاة لما روى نافع عن ابن عمر أن ~~الرسول كان يصلي إلى بعيره، وروى ms1034 عبادة بن الصامت أن الرسول صلى إلى بعير ~~من المغنم. # الفرع التاسع: وتكره الصلاة خلف النائم والمتحدث والحائض والجنب، لما روي ~~عن الرسول أنه قال: ((لاصلاة إلى نائم " لا صلاة إلى متحدث لا صلاة إلى ~~حائض لا صلاة إلى ميت)) (2) . PageV03P043 # فهذا كله محمول على الكراهة. وإن صلى إليها أجزت الصلاة إذ لا وجه يقتضي ~~فسادها فلهذا حملنا هذه الأخبار على الكراهة، وتكره الصلاة على بساط أو ~~حصير فيه تماثيل الحيوانات، لما روي أن الرسول دخل الكعبة فوجد فيها حمامة ~~مصورة فكسرها، فإذا كان هذا في غير حال الصلاة كان أدخل في الكراهة في ~~الصلاة، وإن قطعت رؤوسها حتى صارت كالأشجار لم تكره لما روي عن علي أنه ~~قال: ما بقاء الجسد بعد ذهاب الرأس، ولما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ~~((أتاني جبريل فقال " : يا محمد جئتك البارحة فلم استطع أن أدخل البيت لأنه ~~كان في البيت تمثال رجل فمر بالتمثال فليقطع رأسه حتى يكون كهيئة ~~الشجرة))(1) . # فتقرر بهذا الخبر على أنه لا كراهة في تصوير ما ليس بحيوان وإن ما قطع ~~رأسه فلا كراهة فيه، وإن جعلت الصورة تحت القدمين فلا كراهة لما روت عائشة. ~~قالت: جعلت سترا فيه تصاوير الحيوان إلى القبلة فأمرني رسول الله فنزعته ~~وجعلت منه وسادتين، وكان يقعد عليهما. وإن كانت التصاوير [بين] يديه ~~وركبتيه أو موضع جبهته كرهت لحديث عائشة؛ لأن التصوير كان بحذاء القبلة ~~فأمرها بإزالته، فإذا كانت مكروهة في القبلة فكراهتها في مواضع السجود أدخل ~~في الكراهة، وإن كانت الصورة فوق القامة لم تكره لحديث عائشة لأنه غير ~~مستقبل لها، وإن كانت الصورة في موضع منخفض وبينه وبينها حائل لم تكره، وإن ~~لم يكن هناك حائل كره. PageV03P044 # قاعدة: اعلم أن تصوير الحيوانات مستوية في الكراهة، ويؤيد ذلك ما روي أن ~~الرسول دخل الكعبة فرأى إبراهيم مصورا يستقسم بالأزلام فقال: ((قاتلهم الله ~~جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام " ))(1) . # لكنها تختلف باختلاف مجالها في صورها وأشكالها فمنها ماله شبح قائم يتخذ ~~من النحاس والرصاص والخشب ms1035 والأحجار وهذا أدخلها في الكراهة. وأحقها ~~بالتغيير والإزالة، ومنها ما يكون بالرقوم والطرز على الوسائد والثياب ~~بخيوط الذهب والفضة والحرير، ومنها ما يعمل بألوان الأصابيغ المموهة في ~~الجدرات والألواح والسقوف، ومنها ما يكون بالحفر على الجدر والخشب وكلها ~~مستوية في الكراهة والتنزه عنها أفضل، وبعضها أدخل في الكراهة من بعض كما ~~أوضحناه. # الفرع العاشر: أفضل البقاع المساجد لما روي عن الرسول أنه قال: ((ألا ~~أخبركم بما يمحو الله به الخطايا " ويرفع به الدرجات، إسباغ الوضوء على ~~المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة))(2) . # والغرض من الإكثار والتردد إليها من أجل الصلاة فيها. وروي عنه أنه قال: ~~((إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه " ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا ~~كتب الله له حسنة ولم يضع قدمه اليسرى إلا حطت عنه سيئة))(3) . # وروي عن الرسول أنه قال: ((يا جبريل فيم يختصم الملأ الأعلى " ؟ فقال ~~جبريل: في ثلاث: نقل الخطا إلى مساجد الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات(4) # وإنتظار الصلاة بعد الصلاة))(5) . # ويتعلق بالمسجد أحكام [عشرة]: # الحكم الأول: المسجد لا يكون مسجدا إلا باجتماع شروط أربعة: PageV03P045 # أولها: أن تكون البقعة لمالكها(1) # حتى يصح وقفها وتسبيلها للصلاة. # وثانيها: أن يخرجها من ملكه بالوقف للصلاة فإن لم يسبلها لم تكن خارجة عن ~~ملكه ولا تكون مسجدا. # وثالثها: أن يكون بابها مشروعا إلى سكة أو شارع من شوارع المسلمين ليكون ~~الناس فيها على سواء من غير مانع عنها لمصل. # ورابعها: أن يكون العلو والسفل(2) مسجدا. # قال الإمام القاسم: من بنى مسجدا ولم يشرع بابه إلى الطريق فليس بمسجد ~~ويورث بعده ولا يكون مسجدا حتى يشرع بابه إلى شارع أو إلى سكة وإنما وجب ~~ذلك ليكون المسلمون متمكنين من دخوله والصلاة فيه من غير إذن أحد، ويكون ~~الناس فيه شرعا، فإذا كانت الطريق إليه مملوكة لم يكن مسجدا وهكذا إذا لم ~~يشرع بابه إلى سكة أو شارع. # قال الإمام المؤيد بالله: وإذا بنى رجل مسجدا على طريق أو جعل سفله ~~حانوتا والعلو مسجدا فالأقرب ms1036 عندي أنه لا يصير مسجدا إذا لم يكن القرار ~~مسجدا وإذا كان لرجل سفل بيت وعلوه فجعل السفل مسجدا دون العلو فإنه يصير ~~السفل مسجدا ويرفع عنه العلو فإن جعل العلو مسجدا دون السفل لم يصر واحد ~~منهما مسجدا أما السفل فلبقائه على ملك صاحبه وأما العلو فإنما لم يصر ~~مسجدا لما كان قراره غير مسجدفلهذا بطلا جميعا. # الحكم الثاني: أنه إذا كان لرجل سفل بيت وعليه علو لرجل آخر فجعل صاحب ~~السفل حقه مسجدا فهل يصح أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: المنع من ذلك وهذا هو رأي الإمامين القاسم والمؤيد بالله، ~~وهو قول أبي حنيفة ومحمد. # والحجة على ذلك: هو أن البقعة ليست خالصة لله تعالى لوقوع الشركة فيها ~~وذلك يبطل كونه مسجدا لقوله تعالى: {وأن المساجد لله }[الجن:18]. فظاهر ~~الآية دال على خلوصها لله تعالى من الحقوق والأملاك. # المذهب الثاني: الجواز، وهذا شيء يحكى عن أبي يوسف. PageV03P046 # والحجة: هي أن السفل قد صار ملكا له وجعله مسجدا فانعقد مسجدا ولا يضره ما ~~فوقه من ملك الغير كما لو بنى على ظهر المسجد بيتا لم يبطل فهكذا هاهنا. # والمختار: ما قاله الإمامان لما فيه من إبطال حق الغير فلهذا بطل كونه مسجدا. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قوله: إن السفل صار ملكا له. # قلنا: لا ننكره ولكنه يبطل حق الغير بجعله مسجدا. # قوله: كما لو بنى على ظهر مسجد. # قلنا: إنه إذا بنى على ظهر مسجد فإنه يؤمر بخرابه بخلاف ما نحن فيه فإنه ~~حق للغير فلا يؤمر بخرابه فافترقا. # الحكم الثالث: وأفضل المساجد أربعة: # مسجد الرسول لأنه مهبط الوحي ومقام التنزيل ومحط الملائكة ومدارس الآيات ~~والسور ومهاجر الرسول ومغرس الدين ومكان الشريعة وقرار الصالحين ومحل ~~البركة ومكان الأعظم الشريفة. # وبيت الكعبة فإنه بيت الله المعظم المكرم وقبلة المسلمين وبه يتعلق الحج ~~والعمرة وقد روي أنه زاره الأنبياء وحجوا إليه من لدن آدم إلى زمان الرسول ~~، ومهبط الوحي ومبدأ النبوة. # ثم مسجد بيت المقدس فإنه مسجد الخليل وموضع ms1037 البركة حيث قال الله تعالى: ~~{الذي باركنا حوله " }[الإسراء: 1]. وهو موضع الإسراء حيث قال تعالى: ~~{سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى " ~~}[الإسراء:1]. # ثم مسجد الكوفة، ففي الحديث أنه صلى فيه سبعون نبيا، فهذه المساجد ~~الأربعة هي أفضل من جميع مساجد الدنيا # لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى أربعة(1) PageV03P047 مساجد " مسجدي هذا الذي أسس على التقوى من أول يوم، والمسجد الحرام، ومسجد ~~بيت المقدس، ومسجد الكوفة))(1) . # الحكم الرابع: وأفضل هذه المساجد الأربعة، الكعبة ومسجد الرسول ، لما روى ~~أبو ذر أنه قال: ((يا أبا ذر صلاة في مسجدي تعدل مائة صلاة في غيره من ~~المساجد إلا المسجد الحرام " ، وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة ~~في غيره من المساجد))(2) . PageV03P048 # وفي حديث آخر: ((صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد إلا ~~المسجد الحرام " ، وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في غيره من ~~المساجد وأفضل من هذا كله صلاة يصليها الرجل في بيت مظلم حيث لا يراه إلا ~~الله عز وجل يطلب بها وجه الله تعالى)) . # والصلوات المكتوبة في المساجد أفضل لما يحصل فيها من جماعات المسلمين ~~ونزول الرحمة وكونها مبنية لهذه العبادات مقصودة لأجلها ولما يحصل باجتماع ~~أهل الصلاح والدين بمعرفة فروضها وسننها. # وأما النوافل فالذي عليه أئمة العترة أنها كالفرائض وأن تأديتها في ~~المساجد أفضل. # والحجة على هذا: هو أن الأخبار الدالة على أن الصلوات في المساجد أفضل لم ~~تفصل بين الفريضة والنافلة ولأن النافلة يكثر فضلها في المساجد كما يكثر ~~فضل الفريضة. # وحكي عن أصحاب أبي حنيفة: أن تأدية النوافل في البيوت أفضل لما روي عن ~~الرسول أنه قال: ((إذا فرغ من الفرض فالنوافل في البيوت أفضل " )) . فإنما ~~أراد أن إخفاءها في البيوت يكون أبعد من الرياء، ولما روي عن الرسول أنه ~~قال: ((إجعل في بيتك قسطا من صلاتك " ))(1) . # وفي هذا دلالة على أن أكثر تأديتها في المساجد. # الحكم الخامس: والأفضل من هذين المسجدين ms1038 هو المسجد الحرام لما رويناه من ~~الحديث الدال على فضله على مسجد الرسول فلا نعيده، ثم ما المراد بالمسجد ~~الحرام؟ فيه أقوال [ثلاثة]: PageV03P049 # فالقول الأول: أن المراد هو الكعبة وما حولها من المسجد وسائر بقاع الحرم. # والحجة على هذا قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى " }[الإسراء: 1]. والمعلوم أنه أسري به من بيت ~~خديجة، وكل موضع أطلق عليه المسجد الحرام فالمراد به جميع الحرم المحرم وله ~~أعلام منصوبة معلومة من كل جهة في مكة. # القول الثاني: أن المراد بالمسجد الحرام إنما هو الكعبة وما في الحجر من ~~البيت لما روت عائشة قالت: يا رسول الله إني نذرت أن أصلي في البيت؟ فقال: ~~((صلي في الحجر فإنه من البيت " ))(1) . # فلو كان المسجد وسائر بقاع الحرم يساوي الكعبة في الفضل لم يكن لتخصيصها ~~بالبيت معنى بالنذر ولأمرها رسول الله أن تصلي في سائر بقاع الحرم، وإذا ~~تقرر أن البيت الحرام إنما هو الكعبة فهكذا الكعبة فهكذا المسجد الحرام، ~~وهذان القولان محكيان عن الفقهاء. # القول الثالث: أن المسجد الحرام: الكعبة والحرم وما وراء ذلك إلى ~~المواقيت، وهذا هو رأي أئمة العترة ذكروه في تأويل قوله تعالى: {ذلك لمن لم ~~يكن أهله حاضري المسجد الحرام " }[البقرة:169]. PageV03P050 # والمختار: أن المراد بالمسجد الحرام هو الكعبة لأنه الظاهر والأشهر عند ~~الإطلاق لقوله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس " ~~}[المائدة:97]. ولا فصل بين البيت الحرام والمسجد الحرام، فأما الآية(1) # فإنما سمي بيت خديجة المسجد الحرام على جهة المجاورة لما كان متصلا به. # الحكم السادس: ويجب النهي عن البيع والشراء في المساجد وذلك مما لا يحفظ ~~فيه الخلاف من زمن الرسول إلى يومنا هذا لقوله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ~~ترفع ويذكر فيها اسمه " }[النور:36]. والبيع والشراء ليسا من ذكر الله ~~تعالى في شيء، وقوله تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها ~~اسمه " }[البقرة:114] وإذا شغلت بالبيع والشراء فقد منعت عن ذكر الله وذكر ~~اسمه، وقوله تعالى: ms1039 {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله " }[التوبة:18]. ~~ولم يقل: إنما يعمر مساجد الله من باع فيها واشترى. وهكذا القول في سائر ~~الأمور المباحة من الخياطة والنساجة والوراقة، ولما روي عن الرسول أنه قال ~~لمن سأله عما يجوز فعله في المساجد فقال: ((إنما المساجد لذكر الله تعالى ~~وللعبادة " ))(2) PageV03P051 . # ولأن عمل المسلمين قد جرى على المنع من ذلك وتوارثوه خلفا عن سلف وفي هذا ~~دلالة على كراهته. فإن باع واشترى فلا خلاف في انعقاد البيع مع الكراهة(1) . # الحكم السابع: قال الإمام الناصر : ولا تغلق أبواب المساجد في أوقات ~~الصلوات ليلا ولا نهارا لأنها إذا أغلقت في أوقات الصلوات ليلا أو نهارا ~~كان منعا للمسلمين عن الصلاة والذكر والعبادة فيها، وهذا هو الظلم الذي ~~أراده الله تعالى بقوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ~~وسعى في خرابها " }[البقرة:114]. فقوله: {وسعى في خرابها}: يحتمل أن يكون ~~المراد به منعها عن الصلاة والعبادة والذكر لأن هذا هو عمارتها، ويحتمل أن ~~يراد به هدمها وإزالة عمارتها. ولا بأس بإغلاق أبوابها لحفظ بسطها وحصرها ~~وقناديلها وسرجها من اللصوص والسراق، ويعهد إلى السرادار في فتح أبوابها ~~للصلاة ليلا ونهارا فإذا خرج المسلمون بفراغهم من الصلوات أغلق الأبواب ~~وأطفأ القناديل إذا لم يكن هناك من يدرس عليها أو يطالع في العلوم، ~~ويتعهدها بالكنس والتنظيف وإزالة العفونات عنها والإنكار على من في بدنه أو ~~ثوبه نجاسة تؤدي إلى تنجيس المسجد، ويتعهدها بالروائح الطيبة من أموالها، ~~ولا بأس بدخول الصبيان إذا كان لا يخشى منهم تنجيس المساجد، يشهدون الصلوات ~~ويكون تمرينا لهم على المحافظة عليها عند دخولهم. وينهى الداخلون عن رفع ~~الأصوات والأحاديث المباحة التي لا مصلحة فيها ولا يكون اشتغالهم إلا بما ~~فيه طاعة الله تعالى، لما روي عن الرسول أنه قال: ((من دخل المسجد فحظه لما ~~دخل " ))(2) . # الحكم الثامن: ويكره نقش المساجد بالذهب والفضة وألوان الصباغات، سقوفها ~~ومحاريبها، وإنما كره لأمرين: PageV03P052 # أما أولا: فلأن ما هذا حاله يشغل المصلي عن التفكر في الصلاة ويشوش ms1040 قلبه عن ~~الخشوع. # وأما ثانيا: فلأن هذا إضاعة للمال وسرف من غير فائدة تعود على المسلمين، ~~والمساجد فلا حاجة إليه، فأما نقش الكعبة ومسجد الرسول فلم يكن بإذن من أحد ~~من الأئمة ولا من أحد من العلماء وإنما فعله أهل الدول الجائرة من غير ~~مؤاذنة لأحد من أهل الفضل، وسكت المسلمون والعلماء على ذلك من غير رضا، ~~وكرهوا خراب ذلك لما فيه من التبذير بالخراب، وتكره الستور على جدرات ~~المساجد لأنه لا مصلحة فيه لا للمسلمين ولا للمساجد ولأن فيه تشبيها ~~بالبيوت في وضع الستور على جدراتها، فأما أستار الكعبة فهي مخصوصة بالإجماع ~~على ذلك فلهذا كانت خارجة عن حكم المساجد؛ لأن ذلك كان مشروعا في حقها في ~~الأزمنة الماضية قبل الإسلام وأقرها الإسلام على ذلك. ويستحب بياضها، لما ~~روى ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((أمرنا أن نبني مساجدنا ~~بيضاء " ))(1) . # يعني من غير نقش وزينة. # وروي أن الأنصار جاؤا إلى الرسول فقالوا له: زين مسجدك. فقال: ((إنما ~~الزينة للكنائس والبيع بيضوا مساجدكم " )) (2) . # وعن علي أنه قال: من علامات القيامة، زخرفة المساجد، وتطويل المنارات، ~~وإضاعة الجماعات. PageV03P053 # الحكم التاسع: في المنارات والصوامع. والمنارات: أبنية على شكل الصوامع وهي ~~دونها في السمك والطول تجعل على سطوح المساجد يصعد عليها المؤذنون تكون فوق ~~القامة. وأما الصوامع فهي أعظم حالا منها في السمك والإرتفاع للتأذين أيضا، ~~فالصوامع تكون في الجوامع العظيمة، والمنارات تكون في سائر المساجد. وهل ~~تكره عمارتها ويؤمر بهدمها أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها مكروهة ويؤمر بهدمها وهذا هو رأي أئمة العترة. وروي ~~عن علي أنه قال: رفع المنارات من البدع، وذم من فعله على فعله. # وحكي عن الهادي: أنه أمر بهدم الصوامع المشرفة على دور المسلمين [لمنع] ~~التطلع على عوراتهم لمن يرتقي عليها، وهكذا حكي عن الناصر أنه قال: لا ترفع ~~المنارات فوق سطوح المساجد، وهكذا الصوامع لإشرافها على دور المسلمين. # والحجة على هذا: هي أن رفع هذه المنارات والصوامع إنما تعمر لمصالح ~~المسلمين في التأذين ms1041 فإذا كان لا يؤمن فيها الإشراف على عورات المسلمين ~~والإطلاع على حرمهم وجب هدمها لأنها من جملة المنكرات، ويخالف رفع ~~الرواشن(1) # والأبنية للمالكين لها فإنه لا يجوز هدمها لأنها ملك لمن ملكها فلا يمنع ~~عن رفعها وإشادتها ويؤمر الجيران بالستر عليهم إذا أضر عليهم ذلك بخلاف هذه ~~الصوامع والمنارات فإنها عمرت لمصالح المسلمين، فإذا كانت فيها مفسدة بطلت ~~لأن من حق المصلحة الدينية ألا يعارضها شيء من المفاسد. # المذهب الثاني: أنه لا بأس بها ولا يؤمر بهدمها وهذا هو رأي الفقهاء. # والحجة على هذا: هي أن عمل المسلمين قد جرى بها وسكت العلماء في كل وقت ~~على عملها وعمارتها وفي هذا دلالة على جوازها. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من كراهة العمارة للمنارات والصوامع. # والحجة لهم: ما ذكرناه. ونزيد هاهنا حجتين: PageV03P054 # الحجة الأولى: أنها لم تعمر في زمن الرسول ، فإحداثها يكون بدعة فلو كانت ~~المنارات سنة لأمر بعمارتها كما أمر بعمارة المساجد ولفعلها لمسجده نفسه ~~كما أمر برفع حيطانه وسقفه ومحرابه. # الحجة الثانية: هو أن المقصود منها إنما هو ظهور أصوات المؤذنين ~~وارتفاعها وهذا حاصل بالأذان في سطوح المسجد وحجراته المرتفعة، وكيف لا وما ~~يحصل في عمارتها من المفسدة بالإطلاع على عورات المسلمين وحرمهم كاف في هدم ~~ما عمر منها والكف عما يعمر منها. # الانتصار: يكون بإبطال ما يوردونه حجة لهم. # قالوا: حرم مكة فيه أربع منارات وما علم من أحد من العلماء وأهل الفضل ~~إنكارها وفي هذا دلالة على الجواز. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنهم عمروها بغير إذن من جهة أهل العلم والفضل بالدول ~~الجائرة، وسكت العلما بعد ذلك ولم يروا خرابها بعد عمارتها مصلحة. # وأما ثانيا: فلأن كلامنا إنما هو في الكراهة وطلب الأفضل دون التحريم ~~وربما كانت هذه المنارات بحيث لا يطلع منها على عورات المسلمين بسد الطاقات ~~التي فيها وعند هذا تسلم من المفسدة التي ذكرناها. # قالوا: هذه المنارات والصوامع فيها إشادة بذكر الله وذكر رسوله ~~بالشهادتين، وجمال للمسلمين فيجوز عمارتها لهذه المصلحة ms1042 كعمارة المساجد. # قلنا: هذا المقصود حاصل من دون عمارتها، وإشادة ذكر الله وذكر الرسول ~~بالشهادتين حاصل من سطوح المساجد كما كان في زمن الرسول فإن جميع المؤذنين ~~في زمانه ما كانوا يؤذنون إلا على السطوح المرتفعة كبلال وأبي محذورة وفي ~~ذلك كفاية عن إحداث الصوامع والمنارات التي لا تؤمن منها المفسدة. # الحكم العاشر: في بيان ما يفعل في المساجد. فتارة تكون محظورة، ومرة تكون ~~مكروهة وتارة تكون مستحبة. فهذه ضروب ثلاثة: PageV03P055 # الضرب الأول: الأمور المحظورة، فلا يجوز البول في المسجد لما روي أن ~~أعرابيا بال في المسجد فأمر رسول الله بأن يصب عليه ذنوب من الماء. فلولا ~~أنه ينجس المسجد لما أمر بتطهيره عنه، ويحرم التغوط في المسجد لأنه أقذر من ~~البول وأشد عفونة منه فإذا حرم البول فحرمة الغائط أولى وأحق. ويحرم الجماع ~~في المسجد لأنه يؤدي إلى تنجيس المسجد بما ينفصل من المني ولأن الجنب ممنوع ~~من دخول المسجد فكيف يجتنب فيه، ويحرم البقاص والمخاط في المسجد لما روي أن ~~الرسول قال: ((إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة من النار " ~~))(1) . # ويحرم غرس الأشجار المثمرة وغير المثمرة في داخل المسجد وفي عرصته لأن ما ~~هذا حاله يبطل الغرض من المسجد لأن المسجد إنما عمر من أجل الصلاة والعبادة ~~وهذا يبطلها ولأن عرصة المسجد منه فلا يجوز شيء من ذلك فيها. ويحرم أيضا ~~حفر الآبار في المسجد لأن ذلك يكون مانعا للصلاة وسواء كانت تلك البئر ~~للشرب والوضوء والغسل أو كانت للخلاء(2) أ PageV03P056 وكانت بئرا يحفظ فيها الحب ويدفن. أما الشرب والوضوء فإنها تكون مانعة من ~~الصلاة، وأما بئر الخلاء فلأنها تؤدي إلى تنجيس المسجد. أو كانت بئرا للحب ~~يحفظ فيه لأن حفره لما ذكرناه يبطل الغرض به من الصلاة والعبادة. # وهل يحرم دخول المشركين وأهل الذمة وسائر أصناف الكفار المساجد أم لا؟ ~~فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: تحريم ذلك على جميع المشركين وأهل الكفر من أهل الذمة ~~وغيرهم وهذا هو قول الإمامين الناصر والهادي ومحكي عن مالك. ms1043 # والحجة على هذا قوله تعالى: {إنما المشركون نجس " فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا}[التوبة:28]. # ووجه الدلالة: أن الله تعالى منعهم من أن يقربوا المسجد الحرام لنجاستهم ~~وهذا المعنى موجود في سائر المساجد. # الحجة الثانية: قوله تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها ~~اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا ~~خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم}[البقرة:114]. وجميع أصناف الكفار يريدون ~~قتالنا ويمنعوننا عن ذكر الله في مساجدنا فيجب أن يكونوا ممنوعين عن دخولها ~~إلا خائفين أن نوقع بهم بالقتل والإهانة. # المذهب الثاني: جواز ذلك وإباحته، وهو رأي الإمام المؤيد بالله، ومحكي عن ~~أبي حنيفة. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قدم إليه وفد ثقيف فأنزلهم المسجد ~~وصرف لهم فيه خيمة PageV03P057 فقالوا له(1):يا رسول الله إنهم قوم مشركون أنجاس. فقال: ((إنما نجاستهم ~~على أنفسهم " ))(2) . # الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه اسرى سرية فوجدوا ثمامة بن أثال ~~فأتوا به أسيرا فربطه الرسول إلى سارية من سواري المسجد وكان يمر عليه في ~~أوقات الصلاة، ثم أسلم بعد ذلك(3) ففي هذا دلالة على جواز دخول أهل الشرك ~~المسجد. # المذهب الثالث: أن الكفار يمنعون عن دخول المسجد الحرام فأما سائر ~~المساجد فإن عوهدوا على الإمتناع منه لم يدخلوه وإن لم يعاهدوا على ~~الإمتناع منه جاز دخولهم، وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على منعهم من دخول المسجد الحرام، ظاهر الآية فإنها صريحة في ~~منعهم عن دخوله وأما سائر المساجد فهي موقوفة فإن وقع العهد على منعهم عنها ~~وجب امتناعهم وإن لم يعاهدوا جاز دخولهم لما ذكرناه من وفد ثقيف ولما ~~رويناه من قصة ثمامه فإنها دالة على جواز دخولهم، فهذا تفصيل المذاهب كما ترى. PageV03P058 # والمختار: ما عول عليه الإمامان الهادي والناصر ومن تابعهما، وتقرير حجتهم ~~هو أن الآية صريحة في منع الكفار وأهل الشرك عن دخول المسجد الحرام فلا ~~حاجة إلى تأويلها ومن جهة أنهم قوم أنجاس لا يتنزهون عن ملابسة النجاسات ms1044 ~~فيجب تنزيه المسجد عن دخولهم لأنه لا فرق بين تنجيس المسجد وبين إدخال من ~~ينجسه، ويؤيد ذلك ويوضحه ما روي عن الرسول أنه قال: ((المؤمن والكافر ~~تتراءى نيرانهما " )) والغرض من الخبر هو التباعد وقطع العلائق بين الكافر ~~والمؤمن، وإذا كان الأمر هكذا فلا وجه لإيناسهم بدخولهم مساجدنا وتحكيمهم ~~فيها، ومع ذلك فإنه لا حاجة لهم إليها لأنها إنما تدخل للعبادة والصلاة ~~وليسوا من أهل الصلاة والعبادة فلهذا وجب القضاء بامتناعهم عنها. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # فأما ما روي عن الإمام المؤيد بالله من احتجاجه بوفد ثقيف وبما كان من ~~قصة ثمامة بن أثال فعنه جوابان: # أما أولا: فلأن هذه حكاية فعل مجملة لا يدرى على أي وجه وقعت وهي مجملة ~~فلا يصح الاحتجاج بها إلا بما يوضحها ويبينها. # وأما ثانيا: فلعلها واردة قبل وقوع النهي وإذا كان هذا محتملا لم يصح ~~الإعتراض به على ما استدللنا به من صريح الآية الدالة على المنع والتحريم. # وأما ما روي عن الشافعي فقد سلم منعهم عن دخول المسجد الحرام وقال: إن ~~عوهدوا جاز وإن لم يعاهدوا لم يجز. # قلنا: ليس للإمام أن يعاهدهم على مخالفة نص الكتاب ولا يباح له ذلك. # الضرب الثاني: في بيان الأمور المكروهة، فقد قدمنا كراهة النقوش لها ~~وكراهة الستور على جدرانها، وتكره النخامة في المسجد ويكره إنشاد الضالة في ~~المسجد لما روي عن الرسول أنه سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فقال له: ((لا ~~وجدتها إنما بنيت المساجد لذكر الله " )) (1) . # ويكره النوم في المسجد إلا لمن كان معتكفا، ليلا ونهارا لأمرين: PageV03P059 # أما أولا: فلأنه من الأعمال المباحة والمساجد إنما عمرت للصلاة والعبادة ~~وذكر الله تعالى. # وأما ثانيا: فلأنه لا يؤمن أن يتنجس المسجد بالاحتلام، فإن وقع اضطرار ~~إلى ذلك ارتفعت الكراهة إما لخوف أو مطر أو مسلم لا يجد أين يأوي لغربته، ~~ويكره دخول المجانين والصبيان وسل الأسلحة وارتفاع الأصوات في الخصومات، ~~والبيع والشراء لما روى واثلة بن الأسقع عن الرسول أنه قال: ((جنبوا ~~مساجدكم صبيانكم ومجانيكم ms1045 وشرائكم وبيعكم " وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة ~~حدودكم وسل سيوفكم، وجمروها في الجمع واعدوا على أبوابها المطاهر)) . # الضرب الثالث: في بيان الأمور المستحبة. فيستحب خلاف ما يكره، ويستحب إذا ~~رأى نخامة أن يحكها ويجعل مكانها شيئا من الطيب لما روي عن الرسول أنه رأى ~~نخامة في جدار المسجد فقال لمن كان حوله: ((أروني عبيرا " ))(1) . PageV03P060 # والعبير: أخلاط الطيب من الزعفران وغيره، وكان في يده عرجون من النخل فحكها ~~به وحضر العبير فلطخها به، ويستحب أن يجعل في المحاريب شيء من الطيب لأن ~~عمل المسلمين قد جرى عليه وعمدتهم في ذلك هو هذا الحديث الذي حكيناه، ~~ويستحب عقد الأنكحة في المساجد، ويستحب إذا جرت على الإمام والمسلمين نائبة ~~أن يجتمعوا للإشتوار في المسجد؛ لأن ما هذا حاله من الأمور المرضية لله ~~تعالى والمقربة إليه فجرت مجرى سائر النوافل، ويستحب التدريس في المساجد ~~وأخذ العلم وإعطائه لأنه لا يخلو إما أن يكون واجبا فهو كالواجبات من ~~الصلوات، وإما أن يكون مندوبا فهو كالنوافل من العبادات فلهذا استحب فعله ~~في المساجد لما قررناه، وتستحب المناظرة في العلوم في المساجد لطلب الصواب ~~سواء كانت المناظرة في العلوم العقلية أو في العلوم الشرعية إذا كان فيها ~~إنصاف بالوصول إلى الحق من غير أن يكون هناك طول أصوات ولغط وعدم إنصاف ~~فربما يكره ذلك لما فيه من إيغار الصدور وجرح القلوب لعدم الإنصاف، ويستحب ~~للمسلمين إذا لم يكن في بقعتهم مسجد أن يشتروا عرصة ويعمروها؛ لأن الرسول ~~لما دخل المدينة اشترى مسجده وكان مربدا(1) # لابني أخ لأبي أيوب فباعاه منه وشراه وجعله مسجدا له(2)، PageV03P061 ويستحب إذا كان ضيقا أن يوسعه المسلمون فيكون فسيحا للصلاة وإجتماع ~~المسلمين فيه، ويستحب إذا كان في أمواله سعة أن يتخذ منه بركة أو يحفر بئر ~~للوضوء(1) # لما في ذلك من تمهيد قاعدة الوضوء للصلاة وتسهيل أحوالها، ويستحب إيضا ~~إذا كان في أمواله فضلة أن ينفق على من يشتغل بالقراءة والذكر والصلاة في ~~المسجد، والتدريس لأن ذلك من أعظم القرب عند الله وأزكى الأعمال، ms1046 وإن أوصي ~~للمسجد بعمارة، كانت العمارة بالذكر واجتماع المسلمين من أعظم العمارات ~~لقوله [تعالى]: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر " وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين}[التوبة:18]. ولنقتصر على هذا القدر مما يتعلق بالمساجد ففيه ~~كفاية لمقدار غرضنا ونرجع إلى التفريع. # الفرع الحادي عشر: والمصلي في السفينة إذا كان لا يمكنه القيام لشدة ~~جريها، صلى قاعدا وأجزأه لقوله : ((صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا " ))(2) . # وإذا أمكنه(3) فصلى قاعدا فهل تلزمه الإعادة في الوقت أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: الإعادة لازمة، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي ~~ومالك ومحكي عن أبي يوسف ومحمد. PageV03P062 # والحجة على هذا: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول بعث جعفر(1) PageV03P063 إلى الحبشة فقال له: ((صل في السفينة قائما إلا أن تخشى الغرق " ))(1) . # الحجة الثانية: ما روى ابن عمر أن الرسول سئل عن الصلاة في السفينة فقال ~~للسائل: ((صل قائما إلا أن تخشى الغرق " )) . # المذهب الثاني: جواز ذلك(2) وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على ذلك: ما روى ابن سيرين(3) # قال: صلى بنا أنس بن مالك في السفينة قاعدا على شاطئ السفينة وإنها لتخر ~~بنا خرا من شدة جريها. # الحجة الثانية: قالوا: كل صلاة جاز أداؤها في حال السفر فإن فرض القيام ~~يسقط فيها كالصلاة على الراحلة. PageV03P064 # والمختار: ما اعتمده علماء العترة من منع ذلك(1) . # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو قوله لعمران بن حصين: ((صل قائما فإن ~~لم تستطع فقاعدا " )) . وروي عن علي أنه قال: يصلي صاحب السفينة قائما إلا ~~أن لا يستطيع ذلك صلى قاعدا وإن توجهت به السفينة كل جهة(2) . # وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: صل في المركب قائما. ومثل هذا إذا صدر ~~من جهة الصحابي فلا يقوله إلا عن توقيف من جهة الرسول لأن ما هذا حاله من ~~جملة العبادات فلا يعرف من طريق الاجتهاد والمقاييس النظرية وإنما بابها ~~التوقيف من جهة صاحب الشريعة صلوات ms1047 الله عليه. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: روي عن أنس بن مالك أنه صلى في سفينة قاعدا. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا نهاية الأمر فيه أن يكون مذهبا لأنس فلا يلزمنا ~~اجتهاده. # وأما ثانيا: فلعله محمول على عدم القدرة على القيام لشدة جريها وسعيها. # قالوا: كل صلاة جاز أداؤها في حال السفر فإن فرض القيام يسقط كالصلاة على ~~الراحلة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن القيام على الراحلة وظهر الدابة مما يتعذر ويشق فلهذا ~~قلنا بأنه لا يلزمه، بخلاف مسألتنا فإنه مستطيع للقيام من غير مشقة فلهذا ~~لزمه فرضه. # وأما ثانيا: فلأن الراحلة لو كانت واقفة لا يلزمه القيام فهكذا إذا كانت ~~سائرة بخلاف مسألتنا فإن القيام لازم في الحالين جميعا فافترقا. PageV03P065 # الفرع الثاني عشر: قال الإمام الهادي في (الأحكام): ولا تجزي الصلاة في ~~البيع والكنائس التي لأهل الكتابين، فالبيع للنصارى والكنائس لليهود. وإنما ~~لم تكن الصلاة مجزية في هذه الأماكن لما يظهر فيها من النجاسات بأقذارهم ~~وخمورهم وما يتعلق بها من العفونات برطوباتهم فلأجل ذلك كانت الصلاة غير ~~مجزية، فإذا طهرت عما ذكرناه جازت الصلاة كسائر المواضع التي تطهر عن ~~النجاسة بعد وقوعها فيها، ولا تجوز الصلاة في الحشوش لأنها موضع الأقذار ~~والنجاسات وملتقاها فلهذا لم تكن الصلاة فيها مجزية كسائر المواضع النجسة ~~وإذا كانت بالوعة وقد ردمت جازت الصلاة عليها لأنها بإلقاء الطين الطاهر ~~عليها قد تغيرت عن النجاسة وصار ما يلاقي المصلي طاهرا، وما تحتها فلا يضر ~~المصلي ولو كان نجسا لملاقاته الطاهر. # قال الهادي في (الأحكام): والمصلي إذا كان مضطرا إلى الوقوف في الماء ~~نظرت فإن كان الماء ذا كدر يستر عورته فإنه يصلي قائما لأن القيام فرض فلا ~~يجوز سقوطه مع إمكان الإتيان به ويؤمي للركوع والسجود ويكون إيماؤه لسجوده ~~أخفض من إيمائه لركوعه إذا لم يستطع خلاف ذلك، وإن كان الماء صافيا لا يستر ~~عورته في حال قيامه فإنه يصلي قاعدا إلا أن يكون الماء غمرا فلا يتمكن من ms1048 ~~القعود لكثرته فإنه يومي لركوعه وسجوده لقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ~~ما استطعتم " )) . ومن هذه حاله فلا يستطيع إلا ما ذكرناه وينزل منزلة ~~العليل في الإتيان بالممكن من حاله. # الفرع الثالث عشر: نجعله خاتمة لما يصلى عليه يشتمل على ما يحرم وما يكره ~~وما يستحب، فهذه ضروب ثلاثة: # الضرب الأول: في بيان ما تحرم الصلاة فيه. # قال الإمام المؤيد بالله: ومن صلى على سطح جذوعه مغصوبة أو فراديجه(1) PageV03P066 والطين غير مغصوب، فالأقرب أن لا تجوز صلاته. وإن كان البيت على قواعد ~~مغصوبة لا يمتنع أن تصح الصلاة، والتفرقة بينهما هو: أن القواعد قد بعدت عن ~~الغصب، والسقوف والجلال(1) # مستقلة حائلة من دونها بخلاف الخشب فإن الفراديج غير مستقلة فلهذا جازت ~~الصلاة في مسألة القواعد ولم تجز في مسألة الفراديج لما ذكرناه. # قاعدة: اعلم أن المصلي إذا لاقى الغصب في حال صلاته فصلاته غير مجزية ~~سواء كانت الملاقاة في دار أو سرير أو عريش أو ثوب أو بساط أو غير ذلك من ~~الآلات سواء كانت موضوعة على حلال أو غصب، لكونه ملاقيا لها، تقريرا على ما ~~أصلنا من بطلان الصلاة في الدار المغصوبة وعلى الثوب المغصوب والثوب ~~المسروق، فأما إذا لم يكن الغصب ملاصقا للمصلي فإن المسائل النظرية ~~والمضطربات الاجتهادية تختلف فيه، وعلى هذا لو صلى على سرير مباح في دار ~~مغصوبة، أو صلى على عريش في سفينة مغصوبة فما هذا حاله يقع فيه التردد ~~والنظر في الصحة والفساد. # وإن أراد المصلي أن يصلي في بيتين وكان أحدهما نجسا واشتبها عليه نظرت ~~فإن كان هناك بيت ثالث طاهر صلى فيه لأن طهارته متيقنة وإن لم يكن هناك بيت ~~ثالث فهل يتحرى ويعمل على غالب ظنه أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنه لا وجه لتحريه لأن الحظر والإباحة قد تعارضا فوجب التعويل ~~على جانب الحظر والإمتناع عن التحري لما ذكرناه. PageV03P067 # الضرب الثاني: في بيان ما تكره الصلاة إليه، وتكره الصلاة إلى الأقذار لأن ~~المأخوذ على المصلي أن يكون خالصا في حال ms1049 صلاته على أحسن هيئة في الثياب ~~النقية والبقعة الطاهرة، وإذا كان الأمر كما قلناه من كراهة استقبال ~~الأقذار نظرت، فإن كان بين المصلي وبين القذر مثل ما بين الإمام والمأموم ~~كره ذلك، وإن كان فوق ذلك لم تكره، ومن صلى على نشز من الأرض وتحته قذر كره ~~له استقباله إذا كان بينه وبين النجاسة مثل ما بين الإمام والمأموم، فإن ~~كانت النجاسة في موضع مرتفع نظرت، فإن كانت فوق قدر القامة فلا كراهة لعدم ~~المواجهة لها، وإن كانت دونها كره ذلك ولا يفترق الحال بين أن تكون النجاسة ~~في الموضع المنخفض أو المستوي في زوال الكراهة إن كان بينها وبين المصلي ~~أكثر مما بين الإمام والمأموم، وإن كان دون ذلك كره، وإن كانت النجاسة في ~~موضع مرتفع اعتبر في زوال الكراهة أن تكون فوق قدر القامة، فإن كان دونها ~~كره. [والمصلي إذا كان مضطرا إلى الوقوف في الماء نظرت فإن كان الماء كدرا ~~يستر عورته فإنه يصلي قائما ويؤمي للركوع والسجود إنما يكون إيماؤه لسجوده ~~أخفض من إيمائه لركوعه إذا لم يكن مستطيعا لأكثر من ذلك، وإن كان الماء ~~صافيا لا يستر عورته فإنه يصلي قاعدا إلا أن يكون الماء غمرا فلا يتمكن من ~~القعود فيه لكثرته فإنه يؤمي للركوع والسجود. والوجه في ذلك: قوله : ((إذا ~~أمرتم بأمر فأتوا به ما ستطعتم )) . ومن هذه حاله فلا يستطيع إلا ما ذكرناه ~~وينزل منزلة العليل في الإتيان بالصلاة بالممكن من حاله](1) . # وهل تكره الصلاة في السرير المعلق بالحبال إلى السقف أو تكون باطلة؟ فيه تردد. # والمختار: بطلانها لأنه غير مستقر على الأرض كما لو صلى على الأرجوحة، ~~ولا تشبه السفينة لأن قرارها على الماء فافترقا. PageV03P068 # قال الإمام القاسم في الطهارات: ومن شاق الله تعالى بكبيرة فواجب ألا يتخذ ~~سترة ولا قبلة في الصلاة(1) # وواجب إعادتها. # قال الإمام أبو طالب: وهذا محمول على الاستحباب يعني في وجوب الإعادة، ~~فأما وجوب العدول عن إتخاذه سترة فهو على ظاهره لأن التبرؤ من أصحاب ~~الكبائر الكفرية ms1050 والفسقية والبعد عنهم واجب على المسلمين، ولله در هذا ~~الإمام ما أقومه بأمر الله وأشد شكيمته على أعداء الله بالبعد عنهم والطرد ~~لهم والإيحاش حتى آل أمره إلى أن من ارتكب كبيرة من الكفر والفسق فواجب أن ~~يتجنب ولا يخالط المسلمين في مساجدهم ولا يكون قبلة لأحد في المساجد، ~~ومصداق ما قاله القاسم قوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله " ولو كانوا آباءهم}[المجادلة:22]. إلى آخر ~~الآية، فهذه الآية أعظم آية في كتاب الله تعالى، في انقطاع الموالاة ~~والمودة والمحبة، لمن حاد الله ورسوله بارتكاب الكبائر الفسقية والكفرية. # قال القاسم: وأحب ألا أصلى إلا في موضع مستو. وأراد: أنه يكره ما خالف ~~ذلك لأن المكان إذا كان منحدرا فإن المصلي ينكس رأسه ويرفع عجيزته ~~وإرتفاعها مكروه، وإن كان المصلي متصعدا فإن المصلي يرفع رأسه وفيه نقص ~~لهيئة السجود فلهذا كره. # قال الهادي: ولا تسجد على كور العمامة، واعلم أن الكور بضم الكاف: هو كور ~~الناقة وهو سرجها، والكور بفتحها: طاقات العمامة، ويطلق على الزيادة أيضا ~~ومنه الحديث: ((أعوذ بك من الحور بعد الكور " ))(2) . # أراد النقصان بعد الزيادة. وهل يكون السجود على العمامة مفسدا للصلاة أو ~~يكون مكروها؟ فيه مذهبان: PageV03P069 # المذهب الأول: أنه يكون مفسدا للصلاة، وهذا هو المحكي عن محمد بن يحيى، ~~ورأي السيدين أبي طالب وأبي العباس إذا لم يخش حرا أو بردا فإن خشي ذلك جاز ~~له ولم يكن مفسدا. # والحجة على ذلك: ما روى رفاعة عن الرسول أنه قال لمن علمه الصلاة: ((ثم ~~تستقبل القبلة ثم تكبر)) إلى أن قال: ((ثم تسجد فتمكن جبهتك من الأرض))(1) . # وإذا كان على الأرض شيء مبسوط فهو مخصوص بالدلالة وليس كلامنا في هذا ~~وإنما كلامنا في كور العمامة. # الحجة الثانية: قياسية: وهي أن هذا فرض يتعلق بالجبهة فوجب مباشرة الجبهة ~~له من غير عذر. دليله: الطهارة عن الحدث. # المذهب الثاني: جوازه مع العذر وكراهته من غير عذر، وهذا هو رأي المؤيد ~~بالله، وحكي عن أبي ms1051 حنيفة. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه سجد على كور العمامة. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة القاسم والهادي والناصر ومحمد بن يحيى ~~وأبو طالب وأبو العباس وهو رأي الشافعي. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا: وهو ما روى خباب بن الأرت(2) # قال شكونا إلى رسول الله حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا(3) # فدل ذلك على وجوب السجود على الجبة من غير حائل. # الانتصار: يكون بالجواب عما قالوه. PageV03P070 # قالوا: روي عن الرسول أنه سجد على كور العمامة. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأن الخبر محمول على أن هناك عذرا من حر أو برد ولا خلاف ~~بيننا إذا كان مع العذر. # وأما ثانيا: فلعله سجد على كور العمامة وبعض الجبهة، ومثل هذا فهو مجز ~~فإنه ليس الواجب السجود على كل الجبهة. # وأما ثالثا: فلأن ما أوردناه من الأخبار أظهر من هذا الخبر فلهذا كان ما ~~قلناه أرجح لأن الرواية فيه أشهر وأظهر. # قالوا: إن الرسول أمر الأعرابي بالسجود، وهذا فقد سجد على الكور وهو يسمى ساجدا. # قلنا: أمره بالسجود الشرعي لأنه إنما يتكلم بشرعه، والظاهر أن السجود ~~الشرعي إنما هو بكشف الجبهة كما قال لمن علمه: ((مكن جبهتك من الأرض )) . # قالوا: إذا جاز السجود مع الحائل المنفصل جاز مع الحائل المتصل والكور ~~متصل والبساط والحصير منفصلان. # قلنا: ولاسواء فإن الحصير والبساط مما لا خلاف في السجود عليهما مع ~~الإنفصال بخلاف كور العمامة فإن فيه النزاع، وهي مسألة الخلاف فافترقا ~~بدليل خبر خباب بن الأرت. # الضرب الثالث: في بيان ما يستحب، ويستحب خلاف ما يكره. # قال الإمامان القاسم والهادي: ويستحب السجود على حضيض الأرض وهو التراب ~~لما روى زيد بن علي عن علي عن الرسول أنه قال: ((جعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا )) . فتبين بهذا الحديث أن الله خص رسول الله بأن جعل له الأرض ~~موضعا للسجود. وفي هذا دلالة على الترغيب في السجود عليها، ويستحب السجود ~~على الرمل والحصى والرضراض(1) PageV03P071 لما روي عن الرسول أنه رأى أصحابه يدخلون ms1052 [إلىالمسجد] شيئا من الرمل والحصى ~~والرضراض فقال: ((ما أحسن هذا))(1) . # فدل ذلك على استحبابه. ويستحب لكل مصل تعفير الوجه بالسجود لله تعالى وأن ~~يضع جبهته على التراب والحضيض لما روي عن الرسول أنه قال لأعرابي: ((عفر ~~جبينك بالتراب " ))(2) . # وروي عن علي بن الحسين أنه كان يقوم على البساط ويسجد على التربة، وروي ~~عن عمر بن عبدالعزيز أنه كان لا يسجد إلى على التراب. فإذا كان يصلي على ~~حصير في المسجد أو في غيره أدخل له تراب يسجد عليه. ويستحب أن يسجد على ما ~~أنبتت الأرض من حصير أو قطن أو كتان، لقوله : ((جعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا)) . وهذا من الأرض فلهذا كان مستحبا. # وروى ابن عباس عن رسول الله أنه كان يسجد على الحصير، وروي عن الهادي أنه ~~كان يقوم على الحصير ويسجد على التراب. وتستحب الصلاة في البساتين لما روى ~~معاذ بن جبل أن النبي كان يستحب الصلاة في البساتين. حكاه الترمذي. # وتجوز الصلاة على الثلج والجليد إذا كانا ملبدين؛ لأنهما عين طاهرة صالحة ~~للسجود ولا يعرف فيه خلاف. # قال الإمام المؤيد بالله: وتجوز الصلاة على الفرش المرتفعة إذا كانت جبهة ~~المصلي مستقرة على موضع سجوده لأنها عين طاهرة تصلح للسجود فأشبه الصلاة ~~على الحصير والبساط. # وهل تكره الصلاة على الشعر والوبر والصوف والمسوح واللبود؟ فالصوف من ~~الغنم والشعر من المعز والوبر من الإبل واللبد: هو الصوف الملبد، والمسح: ~~هو ثوب من شعر، فيه مذهبان: PageV03P072 # المذهب الأول: أن ذلك يكره، وهذا هو المحكي عن الإمامين القاسم والهادي. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((جعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا)) . وما روي عن الرسول أنه صلى على حصير. # ووجه الدلالة من هذين الخبرين: هو أنهما دالان على السجود على الأرض وعلى ~~ما أنبتته الأرض، والتعفير بالأرض فيه نهاية الخضوع فيجب أن يكون مستحبا ~~وما عدا ذلك يجب أن يكون خارجا عن حكم الاستحباب. ولا نعني بالكراهة إلا ~~ذلك فهذا معنى قولنا: أنه مكروه. فإن صلى على ما ذكرناه ms1053 كان مجزيا لأنه صلى ~~على موضع طاهر فصار كما لو صلى على ما أنبتت الأرض، وحكى بعض أصحاب الشافعي ~~عن الرافضة: أنه لا يجزئ، وهذا قول خارق للإجماع فلا يلتفت إليه، فإن ~~الإجماع منعقد على أن الصلاة [على ما ذكرناه] مجزية ومسقطة للفرض. # المذهب الثاني: أن الصلاة غير مكروهة على الصوف والوبر والشعر والمسوح ~~واللبود، وهذا هو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله وهو قول كافة العلماء. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه كان يصلي على نمرة، والنمرة: كساء ~~من صوف فيه خطوط. وهذا هو المختار، ويدل عليه ما روى ابن عباس أن الرسول ~~كان يصلي على الخمرة، والخمرة: ثوب من صوف. وحكى الترمذي في صحيحه أن أكثر ~~أهل العلم من الصحابة رضي الله عنهم لم يروا بالصلاة على البسط والطنافس(1) بأسا. PageV03P073 # ويؤيد ذلك ما روي عن الرسول أنه كان له كساء يصلي عليه من صوف وكان فيه ~~خطوط فشغلته تلك الخطوط في الصلاة فقال: ((أرسلوا به إلى أبي جهم (1) # وائتوني بانبجانية))(2) . # والإنبجاني: كساء أبيض ليس فيه خطوط. # ومن وجه آخر: وهو أن لباس الصوف فيه خشوع وتذلل وهو لباس الصالحين وأهل ~~الدين والنسك فإذا جاز لباسه جازت الصلاة عليه من غير كراهة، ولأنه ثوب ~~حلال طاهر فجازت الصلاة عليه كالحصير وما أنبتت الأرض. # والمصلي إذا صلى على حصير غليظ وكانت النجاسة متصلة به أو صلى على ثوبين ~~قد خيط أحدهما إلى الآخر وكان ما يلي الأرض نجسا فهل تجوز الصلاة في الحصير ~~وفي الثوبين أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أن الصلاة غير مجزية فيما ذكرناه وهو اختيار السيد المؤيد بالله ~~ورأي الحنفية؛ لأن الحصير وإن غلظ فهو كالشي [الواحد] والثوبان قد صارا ~~بالخياط كالثوب الواحد فلهذا لم تجز الصلاة لأجل الإتصال. # وثانيهما: أن الصلاة جائزة، وهذا هو رأي الإمام المنصور بالله ~~والحقيني(3) PageV03P074 ومحكي عن الشافعي؛ لأن غلظ الحصير يبعده عن مباشرة النجاسة كما لو ردمت ~~الأرض بالتراب لم يضر المصلي ما في باطنها من النجاسة، وهكذا حال الثوبين ms1054 ~~ولو خيطا وكان أحدهما نجسا فإنه ينزل منزلة ما لو بسط ثوبا على بساط نجس ~~فكما أن هذا يصح فهكذا ما ذكرناه وهذا هو المختار، لأن المقصود أن يكون ما ~~يلاقي المصلي طاهرا وهذا حاصل في الحصير الغليظ وفي الثوبين المخيط أحدهما ~~إلى الآخر فإنه يلاقي الطاهر فلهذا كانت صلاته مجزية. فهذا ما أردنا ذكره ~~فيما يتعلق بطهارة الأثواب PageV03P075 --- ### ||| AUTO الفصل الثالث في بيان ما يتعلق بطهارة الأبدان # اعلم أن الأثواب كما يجب تطهيرها للصلاة فهكذا حال الأبدان. ويتعلق ~~بالبدن طهارتان، طهارة الحدث، وطهارة النجاسة. # فأما طهارة الحدث: فقد مضى الكلام عليها. # وأما طهارة البدن من النجاسة: فهي واجبة على كل مصل لقوله تعالى: {والرجز ~~فاهجر }[المدثر:5]. ولم يفصل، ولأنه إذا وجب تطهير البقعة والثوب عن ~~النجاسة للصلاة فتطهير البدن أولى وأحق لأن طهارته أخص بالصلاة وأكثر ~~ملابسة لها من الثوب والبقعة ولأنا قد دللنا على وجوب إزالة النجاسة من ~~البول والغائط من البدن فهكذا سائر النجاسات يجب إزالتها من الأبدان، هذا ~~تمهيد الفصل. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: وإذا كان على بدن المصلي نجاسة غير معفو عنها نظرت، فإن وجد ~~ما يغسلها به وجب عليه غسلها لأنه ممكن فلهذا لم يسقط وجوبه، وإن لم يجد ما ~~يغسلها به صلى على حالته كمن لم يجد ماء ولا ترابا، وهل يعيد الصلاة أم لا؟ ~~فيه وجهان: # أحدهما: أنها تلزمه الإعادة لأن ما هذا حاله فهو عذر نادر فلا يعتد به ~~فصار كأنه ترك الصلاة من غير عذر. # وثانيهما: لا تلزمه الإعادة، وهذا هو المختار لقوله : ((لا ظهران في يوم ~~ولا عصران في يوم)). # فإن كان على جرحه دم يخاف من غسله تلف النفس أو تلف عضو من أعضائه أو خشي ~~زيادة في علته أو حدوث علة أخرى أو خشي إبطاء العلة، فإنه يغسل ما أمكنه ~~غسله ويتيمم لأجل الجراحة إن كان جنبا. وإن كان محدثا والجراحة في أعضاء ~~الوضوء. فهل تلزمه الإعادة إذا قدر على الغسل أم لا؟ فيه وجهان: ms1055 # أحدهما: أن الإعادة غير لازمة وهذا هو قول أبي حنيفة واختيار المزني من ~~أصحاب الشافعي؛ لأنه صلى على حسب حاله وعلى ما أوجب عليه الشرع فلا إعادة ~~عليه كما لو كان صحيحا. # وثانيهما: أنها تلزمه الإعادة لأن ما هذا حاله فهو عذر نادر. # والمختار: هو الأول لما ذكرناه من الخبر في قوله: ((لا ظهران في يوم)). PageV03P076 # الفرع الثاني: في من انكسر عظمه أو سقطت ثنيته فأراد أن يبدلهما عظما آخر ~~نظرت، فإن كان المبدل [به] عظما طاهرا كعظم الحيوان المأكول بعد الذكاة جاز ~~ذلك لأن فيه منفعة ولم يمنع منه مانع، وإن كان عظما نجسا نحو عظم الكلب ~~والخنزير والميتة إذا قلنا بأنها تحلها الحياة فهي نجسة، فإن ما هذا حاله ~~لا يجوز له فعله لأجل النجاسة فإن فعل جرأة على الله تعالى في استعمال ~~النجاسة أو كان لا ينفعه غيره فهل يجب عليه كسره وإخراجه أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يلزمه إخراجه، وهذا هو رأي المؤيد بالله، وهو قول ~~أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله ليس بأكثر من نجاسة الدم الذي في ~~باطنه لأنه صار في اتصاله واندمال اللحم عليه بمنزلة الدم الحاصل في ~~العروق. # المذهب الثاني: وهو رأي الشافعي، أنه يلزمه قلعه إذا لم يخش التلف فإن ~~امتنع أجبره السلطان على قلعه فإن مات قبل قلعه لم يلزم قلعه لأن الجميع قد ~~صار نجسا بالموت والله تعالى حسبه فيما فعل من الصلاة مع النجاسة في حال ~~حياته. فإن خيف من قلعه التلف فقد اختلف فيه أصحابه، فمنهم من قال: لا يقلع ~~لأن حكم النجاسة قد سقط لأجل الضرورة كما يقول في دم المستحاضة وسلس البول، ~~ومنهم من قال: يقلع فإن مات بالقلع فالحق قتله كما يقول فيمن قطعت يده ~~بالسرقة ثم مات. # والحجة للشافعي فيما ذهب إليه، ما حكيناه عنه، وهو قوله تعالى: {والرجز ~~فاهجر " }[المدثر:5]. والعظم النجس من جملة الرجز فوجب هجرانه. # والمختار: ما قاله الإمام المؤيد بالله. PageV03P077 # والحجة ms1056 عليه: ما أسلفناه ونزيد هاهنا، وهو أن هذه النجاسة لا يمكن إزالتها ~~إلا بحرج ومشقة واحتمال ألم فلهذا سقط حكمها في الإزالة لقوله تعالى: {وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج}[الحج:78]. وقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر}[البقرة:185]. ولا حرج ولا عسر أعظم من تقطيع الجسم ~~لإزالة هذه النجاسة، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: هو أن النجاسة في الفرجين سقط ~~غسلهما عند الفقهاء وما ذاك إلا من أجل عموم البلوى فإذا كان غسلهما ساقطا ~~لعموم البلوى فكيف لا يسقط ما هذا حاله لأجل ما فيه من الحرج والمشقة ~~بالتقطيع للجسم. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إن الله تعالى يقول: {والرجز فاهجر}[المدثر:5] فيجب القضاء ~~بهجرانه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه ليس في الآية ما يقتضي العموم لأن الإسم المفرد لا دلالة ~~فيه على العموم إلا بقرينة ولا قرينة هاهنا تقتضي عمومه. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا كونه دالا على العموم فهو مخصوص بالدلالة بصور ~~كثيرة وما ذكرناه من الأدلة يعارض عمومه ويقضي بخلافه. # قالوا: العروق لا تنفك عن اتصال الدم بها فسقط حكمه فلا يلزم إخراجها ~~منها للضرورة وليس كذلك في مسألتنا فإنه لا ضرورة تدعو إلى ترك العظم النجس ~~في بدنه. # قلنا: إذا انجبر العظم ونبت اللحم عليه كانت الضرورة داعية إلى تركه من ~~حيث يخشى الضرورة والتلف بتقطيع جسده. # ومن وجه آخر: وهو أنها نجاسة حاصلة في باطن بدنه فلم يجب إخراجها كما لو ~~شرب الخمر وتناول الميتة فإنه لا يلزمه إخراجها بالتقيء. # قالوا: نجاسة وصلت إلى موضع لا يحتملها فوجب أن يلزمه قلعها عند عدم ~~الضرورة كما لو ألصقها بظاهر البدن. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المعنى في الأصل: هو أن النجاسة لم تحصل في باطن البدن ~~بخلاف مسألتنا. PageV03P078 # وأما ثانيا: فلأن مقصود المسألة والذي عليه التعويل هو ما يلزم من الحرج ~~والمشقة بتقطيع الجسم وإتلافه بإخراج العظم وهو خلاف لمقصود الشرع في رفع ~~المشاق والآلام عن الخلق بالتيسير والتسهيل المعروفين ms1057 من قصد صاحب الشريعة ~~صلوات الله عليه. # الفرع الثالث: فإن شرب خمرا أو أكل ميتة من غير ضرورة فهل يلزمه التقيؤ ~~أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يلزمه التقيؤ، وهو المنصوص للشافعي. # وحجته على هذا: ما ذكرناه في العظم فإنه أوجب نزعه بكل حال. # وثانيهما: أنه لا يلزمه التقيؤ لأن المعدة معدن النجاسات وقد صار متصلا ~~بها فلا يلزم إخراجه منها، وهذا هو المختار على المذهب لأن المعلوم من حال ~~الشربة للخمر وأكلة الأموال الحرامية من الربا وسائر المظالم، أنهم لم ~~يؤمروا بالتقيؤ لما شربوه وأكلوه بل تجري عليهم الحدود في شرب الخمر ولا ~~يؤمرون بإخراجها من بطونهم، وهذا معلوم من حال السلف والخلف فوجب التعويل عليه. # قالوا: أكل الميتة وشرب الخمر محرمان، واستدامتهما في المعدة محرم أيضا؛ ~~فلهذا أوجبنا التقيؤ لإزالتهما عن المعدة. # قلنا: إن الله تعالى يريد من الخلق اليسر في جميع الأحوال، والتقيؤ فيه ~~حرج ومشقة؛ فلهذا كان مرفوعا برحمة الله ولطفه؛ ولهذا فإن من كسر رجله وجنى ~~عليها فإنه لا يكلف أن يصلي قائما؛ فهكذا ما نحن فيه من شرب الخمر وأكل ~~السحت فإنه لا يلزمه التقيؤ لها. # قالوا: روي أن أبا بكر رضي الله عنه أكل من أجرة غلام له رقى عليه برقى ~~الجاهلية، فلما أخبره بذلك أدخل يده في فيه وتقيأه ثم قال بعد ذلك: اللهم ~~لا تؤاخذني بما في العروق. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه شرب لبنا فقيل له: ~~إنه من إبل الصدقة فتقيأه. وفي هذا دلالة على ما ذكرناه من إخراجه من ~~المعدة. # قلنا: إن كلامنا في فتوى الشرع وما هو المتوجه من جهة أوامر الشرع ~~ونواهيه وليس كلامنا في أبواب الورع فإن له طريقة تخالف فتوى الشرع. PageV03P079 # ومن وجه آخر: وهو أن هذا نهاية الأمر فيه أن يكون مذهبا لأبي بكر وعمر ~~واجتهادا لهما فلا يلزمنا قبوله، ومذهب الصحابي ليس حجة وإنما الحجة فيما ~~قاله صاحب الشريعة صلوات الله عليه. # الفرع الرابع: ومن أدخل تحت جلده دما زائدا على ms1058 مقدار ما يعفى عنه ونبت ~~عليه اللحم فإنه لا يلزمه إخراجه ولا قلعه، كما ذكرناه في مسألة العظم لما ~~في ذلك من الحرج والمشقة، وهما مرفوعان من جهة الشرع. # وحكي عن الشافعي أنه قال في (الأم): يجب عليه أن يخرجه ويقلعه من جلده ~~ويعيد كل صلاة صلاها مع ذلك الدم. # والمختار:ما قررناه في حكم العظم؛ لأنهما مستويان في الحرج والمشقة. # والعجب من الشافعي رضي الله عنه في تهالكه في إيجاب إخراج العظم والدم ~~اللذين انجبر عليهما اللحم وصارا من جملة الجسد ولم يغتفر نجاستهما مع ~~الاتصال، مع علمه بقول الرسول : ((بعثت بالحنيفية السمحة)). وبالتساهل ~~والمسامحة في شيء من النجاسات واغتفارها في صور متعددة كالعفو عن محل النجو ~~بعد الاستجمار على رأيه في السبيلين جميعا وبالعفو عن طين الشوارع وزبلها ~~المتحقق نجاسته وبالعفو عن دم البراغيث والبق وبالمسامحة عن القيح والصديد ~~في البثرات التي تبدو في الوجه، فكيف أصر على نزع العظم والدم مع الاتصال ~~والإقدام على الحرج والمشقة، ولم يغتفره كما اغتفرها في هذه الصور. # الفرع الخامس: قال الإمام الهادي: ولا يجوز للمرأة أن تصل شعرها بشعر ~~النساء. # اعلم أن الشعور في تحليلها وتحريمها تجري على ضروب أربعة: # الضرب الأول منها: شعر طاهر لا خلاف في طهارته، وهو شعر ما يؤكل لحمه بعد ~~الذكاة أو الجز في حال الحياة فما هذا حاله فلا خلاف في طهارته إذا لم يتصل ~~به شيء من النجاسات. # الضرب الثاني: شعر نجس ولا خلاف بين أئمة العترة في نجاسته إلا الناصر، ~~وهذا [هو] شعر الكلب والخنزير فإنه [لا] يستثنى شيء منهما سواء كان مما ~~تحله الحياة أو لا تحله. PageV03P080 # الضرب الثالث: شعر طاهر في حال الحياة والممات عند أئمة العترة وهذا هو ~~شعور بني آدم سواء أخذ في حال الحياة أو في حال الموت. # الضرب [الرابع]: شعر طاهر في حال الحياة والموت، وهذا نحو شعر ما لا يؤكل ~~لحمه ونحو شعر الميتة والكافر. # فإذا عرفت هذا وأرادت المرأة أن تصل شعرها بشعر طاهر من أحد ms1059 الشعور التي ~~ذكرناها نظرت في حالها، فإن كانت غير ذات زوج ولا سيد في حق الأمة فهل يحرم ~~أو يكره؟ فيه احتمالان: # الاحتمال الأول: أنه يحرم عليها الوصل بالشعور الطاهرة أو بالخرق. # والحجة على هذا: ما روت أسما بنت أبي بكر أن امرأة أتت الرسو فقالت: يا ~~رسول الله إن ابنتي أصابتها حصبة فتمزق شعرها أو أصله؟ فقال الرسول : ((لعن ~~الله الواصلة والمستوصلة " والواشمة والمتشمة والنامصة والمنتمصة والمفلجة ~~للحسن المغيرة خلق الله، والمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من ~~النساء بالرجال))(1). # فأما الواصلة: فهي التي تصل شعرها بغيره، وأما المستوصلة: فهي التي يوصل ~~لها الشعر، وقيل: إن الواصلة هي التي تصل بين الرجال والنساء لفعل الفاحشة، ~~والأول أظهر، وأما الواشمة: فهي المرأة التي تجعل في وجه غيرها من النساء ~~وكفيها ويديها خالا للحسن بغرزه بالإبرة وبدفنه بالنؤور(2) # وهو الصدأ، والموشومة: هي الطالبة للوشم أن يفعل بها هكذا. هذا هو تفسير ~~أئمة اللغة والمذكور في غريب الهروي(3) وغيره. PageV03P081 # وأما في العرف في ديارنا هذه فالواشمة هي التي تغرز حنك المرأة بالأبرة ~~وتدفنه بالنؤور، والمستوشمة هي الطالبة لأن يفعل بها هكذا، وكل هذا إنما ~~يفعل لطلب الحسن، وأما النامصة من النساء فهي التي تزيل الشعر من وجه غيرها ~~وتدقق حاجبها مأخوذ من المنماص وهو الملقاط الذي يزال به الشوك، وأما ~~المنتمصة فهي [التي] يفعل بها ما ذكرنا، وأما الواشرة من النساء فهي التي ~~تشر أسنانها وتدققها تفعل ذلك الكبار من النساء تشبها بالصغار، وأما ~~الموشرة فهي التي يفعل بها ذلك، وأما المتفلجات في قوله : ((لعن الله ~~المتفلجات من النساء " )). فهن اللواتي يفرقن بين الأسنان عن الإتصال. فهذا ~~الخبر دال على التحريم لما فيه من الوعيد باللعن ومثل هذا إنما يكون على ~~الأفعال المحرمة. # الاحتمال الثاني: أن يكون مكروها لأنها تغر غيرها بكثرة الشعر وبما ~~ذكرناه من هذه الأفعال وقد نهى رسول الله عن الغرر والتدليس وفي الحديث: ~~((ليس منا من غش " )). ولا يحرم ذلك عليها لأنه من الزينة بالأمور الطاهرة. # والمختار: هو الأول ms1060 لما دل عليه ظاهر الحديث وهو دال على التحريم، ولأنها ~~إذا كانت لا زوج لها ولا سيد فالإشتغال بهذه الأفعال يوجب الريبة ويدعو إلى ~~فعل الفاحشة فلهذا كان محرما. # وإن كان للمرأة زوج أو سيد في حق الجارية فهل يجوز ولا يكره أو لا يجوز؟ ~~فيه احتمالان: # الاحتمال الأول: أنه يجوز ولا يكره. # والحجة على هذا: هو أن لها أن تزين وهذا من الزينة المباحة. # الاحتمال الثاني: أنه لا يجوز، والدليل عليه هو ظاهر الخبر الذي رويناه ~~فإنه لم يفصل بين أن يكون لها زوج أو لم يكن. # والمختار: في ذوات الأزواج وفي الإماء الموطوءات بالملك: تفصيل نشير إليه ~~وحاصله أنا نقول: المأخوذ على من ذكرناه هو استعمال الزينة في كل الأحوال ~~لأجل الدعاء إلى الوطء والاستمتاع. PageV03P082 # والحجة على هذا: قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن}[النور:31]. ~~فقدم البعولة على غيرهم، لما كان استعمال الزينة إنما هو لأجلهم، ولأن ~~غيرهم من سائر الأرحام المحارم لا ثمرة للزينة في حقهن وإنما الغرض ذكر ما ~~يباح من إظهار الزينة. وقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر ~~منها}[النور:31]. وفي هذا دلالة على استعمال الزينة وأنه لا يبدو فيها لغير ~~الأزواج من الأرحام المحارم إلا ما ظهر وهو موضع الكحل والخاتم والخلخال. ~~وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها لبست فتخا(1) # في أصابعها فرآها رسول الله فقال لها: ((ما هذا يا عائشة " )). قالت: هذه ~~فتخ أتجمل بهن لك. فقال: ((أحسنت يا عائشة)). # ومن وجه آخر: وهو أن المأخوذ على ذوات البعول من النساء التجمل بالحلية ~~واستعمال الطيب والتنظف، وكل ما كان داعيا إلى الوطء، وهذا معلوم لا يقع ~~فيه نكير بين المسلمين في جميع ما ذكرناه. فإذا تمهدت هذه القاعدة فنقول: ~~الزينة في الوجه هي تحميره وتصفيف الطرة وترحيج(2) # الحواجب وتدقيقها وتفليج الأسنان(3) # ووشم الحنك بغرز الإبرة ودفنه بالنؤور ليكون أسود في مقابلة بياض ~~الأسنان، وإزالة الشعر عن الوجه ليظهر رونقه وبهاؤه فإزالته من ملتقى ~~الحاجبين وهو البلج. وثقب الأذن لتعليق الأخراس(4) PageV03P083 ونقش ms1061 الوجه بالحبر، والزينة في اليدين يكون بالخضاب بالحناء وتسويدهما ~~بالحبر وهكذا الرجلان. فهذه الأمور كلها تكون مستحبة في حق ذوات البعول من ~~النساء ومن كان لها سيد من الإماء، وهكذا القول في استحباب استعمال الطيب ~~ولبس الثياب الغالية، وكل ما يكون داعيا إلى الوطء والإستمتاع فإنه يكون ~~مستحبا لما ذكرناه. فأما الخبر الذي رويناه عن أسما بنت أبي بكر فإنه محمول ~~على وجهين: # أحدهما: أن ذلك إنما ورد في حق من لا زوج لها لأن استعمال هذه الأمور في ~~حق من لا زوج لها لا وجه يدعو إليه ولا ثمرة له فلهذا كان محرما. # وثانيهما: أنه محمول على من تفعل ذلك لغير الأزواج وهذه عادة الزواني ~~والمومسات، وعلى الجملة فإن هذه الأفعال جارية في حق نساء المسلمين من غير ~~نكير، وفي هذا دلالة على إباحته وعلى كونه مستحبا لقوله : ((ما رآه ~~المسلمون حسنا فهو عند الله حسن " )). وبتمامه يتم الكلام على [ما] يتعلق ~~بطهارة الأبدان والله الموفق للصواب PageV03P084 --- ### ||| AUTO الفصل الرابع في بيان العورة ووجوب سترها للصلاة # ستر العورة واجب في غير الصلاة لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا تبرز ~~فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت ))(1)، # فإن اضطر إلى كشفها للمداواة جاز ذلك؛ لأنه موضع حاجة وضرورة، وهل يجب ~~ستر العورة في حال الخلوة في غير الصلاة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن ذلك غير واجب لأنه ليس هناك من ينظر إليها، ولم يحرم إلا ~~النظر إليها. # وثانيهما: أنه يجب لقوله : ((لا تبرز فخذك )). ولم يفصل بين أن يكون هناك ~~من ينظر إليها أو لا يكون. وهذا هو المختار لقوله لما سأله رجل فقال: يا ~~رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال له: ((احفظ عورتك إلا على ~~امرأتك أو ما ملكت يمينك)). فقال الرجل: أرأيت لو كان أحدنا في خلوة؟ قال: ~~((فالله أحق أن يستحيى منه))(2). # فدل ذلك على المنع في الخلوة. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: في بيان عورة الرجل وفيها مذهبان: # المذهب ms1062 الأول: أن عورة الرجل ما بين السرة والركبة، وهذا هو رأي أئمة ~~العترة وهو قول الفريقين ومحكي عن مالك. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((ما بين السرة والركبة عورة ))(3). # المذهب الثاني: أن العورة من الرجل ليست إلا القبل والدبر، وهذا هو رأي ~~داود وطبقته من أهل الظاهر. # والحجة على هذا: قوله : ((احفظ عورتك إلا على امرأتك أو ما ملكت يمينك )). PageV03P085 # ووجه الدلالة من هذا الخبر: هو أن السابق إلى الفهم من اسم العورة إنما هو ~~القبل والدبر فلهذا وجب قصرها عليهما. # والمختار: ما قاله علماء العترة وفقهاء الأمة. # وحجتهم: ما ذكرناه. ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((الفخذ ~~عورة ياعلي لاتنظر إلى فخذ حي ولا ميت))(1). # فأثبت بما ذكرناه أن غير القبل والدبر عورة وفي هذا دلالة على بطلان ما ~~قالوه من قصر العورة على القبل والدبر. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: السابق إلى الفهم من العورة هو القبل والدبر فلهذا حملنا ما ورد ~~من الأخبار عليه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أنه مقصور على إفادة القبل والدبر فما قلتموه لابد ~~عليه من دلالة ولا دلالة على ما قالوه. # وأما ثانيا: فلو سلمنا ما ذكروه من أن السابق[إلى الفهم] عند الإطلاق من ~~اسم العورة القبل والدبر لكنا نأخذ ما سوى القبل والدبر من دلالة ثانية ~~فبطل ما قالوه. # الفرع الثاني: في السرة والركبة، هل تكونان عورة كلتاهما أو إحداهما؟ فيه ~~مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أن الركبة عورة والسرة ليست بعورة، وهذا هو رأي الإمامين ~~الهادي والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وعطاء. # والحجة على هذا: ما نقرره، فأما الركبة فالذي يدل على كونها[عورة] قوله : ~~((كل شيء أسفل من سرته إلى ركبته فهو عورة " ))(2). # ووجه الحجة من هذا الخبر: وهو أن ظاهره دال على أن ما تحت السرة عورة ثم ~~قال: ((إلى الركبة)). فدل ظاهره على أن ما دونهما ليس عورة فبقيت الركبة في ~~الجملة التي هي عورة. # ومن وجه ms1063 آخر: وهو أن الحد قد يدخل في المحدود وقد لا يدخل فهو موقوف على ~~الدلالة الشرعية وكلا الأمرين محتمل، لكنا نغلب جانب الحظر على جانب ~~الإباحة من جهة أن الحظر أحوط للدين خاصة فيما يتعلق بجانب العبادات فهو لا ~~محالة أرجح من الإباحة. PageV03P086 # وأما السرة فالذي يدل على أنها ليست من العورة، أمران: # أما أولا: فقوله في هذا الخبر: ((كل شيء أسفل من سرته إلى ركبته فهو عورة ~~" )) فعلق العورة على ما كان أسفل من السرة فبقيت السرة على حكم الأصل في ~~أنها ليس عورة. # وأما ثانيا: فلما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال للحسن بن علي: ~~أرني الموضع الذي كان رسول الله يقبله منك: فكشف عن ثوبه فقبل أبو هريرة ~~سرته، فدل ذلك على أنها ليست عورة. # المذهب الثاني: أن السرة والركبة جميعا ليستا من العورة، وهذا هو الأصح ~~من أقوال الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((عورة الرجل ما بين سرته إلى ~~ركبته " ))(1). # ووجه الدلالة من هذا الخبر: هو أنه جعل عورة الرجل ما بين السرة والركبة ~~ولفظ البين يستعمل في الوسط بين الشيئين، فيقال: فلان بيني وبينك. فإذن ~~العورة ما بينهما وهما غير داخلين في العورة. # المذهب الثالث: أنهما جميعا من العورة وهذا هو أحد أقوال الشافعي. # والحجة على هذا: أما عورة الركبة فقد ذكرنا دليله وأما عورة السرة فالحجة ~~عليه ما روى أبو أيوب الأنصاري عن رسول الله أنه قال: ((ما فوق الركبتين ~~عورة " )). وأجمعنا على أن ما فوق السرة ليس بعورة فبقيت السرة تحت العموم ~~في كونها عورة. # المذهب الرابع: أن السرة عورة والركبة ليست بعورة وهذا هو أحد أقوال ~~الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((ما بين السرة إلى الركبة عورة )). # ووجه الدلالة من هذا: هو أنه جعل الركبة غاية للتحريم وحدا له فيجب ألا ~~يدخل الحد في المحدود لأن غاية الشيء حده ومنقطعه. PageV03P087 # والحجة على أن السرة عورة: ما ذكرناه من حديث أبي أيوب الأنصاري وهو قوله ms1064 : ~~((ما فوق الركبة عورة )). ولم يفصل فدل على دخوله في العورة. فهذه هي ~~المذاهب في بيان عورة الرجل قد ذكرنا وجوهها. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من علماء الأمة من كون ~~الركبة عورة والسرة غير عورة. # والحجة: ما ذكرناه عنهم، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن علي أنه قال: سمعت ~~رسول الله يقول: ((الركبة عورة))(1). # وهذا نص في كونها عورة لا يحتمل التأويل. # فأما الدلالة على أن السرة غير عورة فهي أن الأدلة إنما تناولت الركبة في ~~التحريم فبقي ما عداها على أصل الإباحة إلا ما دلت عليه دلالة شرعية. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # واعلم أن معتمدنا فيما ذهبنا إليه إنما هو سنن منقولة عن الرسول ، وما ~~ذكروه أقيسة ضعيفة والأقيسة لا تعارض الأخبار خاصة في باب العبادات في ~~الطهارة وستر العورة فإنه لا مجرى للأقيسة فيها. # قالوا: روي عن رسول الله أنه قال: ((ما بين السرة إلى الركبة عورة " ~~)).فجعل الركبة غاية للتحريم وقد تدخل الغاية كقوله [تعالى]: {وأيديكم إلى ~~المرافق }[المائدة:6]. وقد لا تدخل كقوله[تعالى]: {أتموا الصيام إلى الليل ~~}[البقرة:187]. وإذا كان الأمر هكذا بطل الاحتجاج لأجل ما ذكرناه من ~~الاحتمال. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا قد أجمعنا على تحريم الفخذ وأنه من العورة. والفخذ: ~~عبارة عن العظم من عند الورك إلى ملتقى الساق، وقد علمنا أن بعضه داخل في ~~الركبة، وبعض الساق أيضا داخل فيه من جهة أن المفصل يجمعهما فلهذا وجب ~~دخولها؛ لأنه لا يتم تحريم الفخذ إلا بدخول جزء من الركبة، ومن قال بتحريم ~~البعض قال بتحريم الكل فلهذا وجب دخولها في التحريم. PageV03P088 # وأما ثانيا: فلو سلمنا أن الركبة حد وأن الحد ربما دخل في المحدود وربما لم ~~يدخل، لكن الدلالة التي ذكرناها وروينا فيها الأخبار دالة على دخولها فوجب ~~القضاء بدخولها للدلالة وبطل الاحتمال لما ذكرناه. # قالوا: روى أبو أيوب الأنصاري عن الرسول أنه قال: ((ما فوق الركبتين عورة ~~)). وفي هذا دلالة على خروج الركبة من العورة. # قلنا: ms1065 عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن قوله: ((ما فوق الركبتين )). أن الفوق إنما ذكر على جهة ~~الصلة والتأكيد. والغرض: الركبتان فما فوقهما عورة كما قال تعالى: {فاضربوا ~~فوق الأعناق }[الأنفال:14]. أي: الأعناق. # وأما ثانيا: فهب أنه محتمل هاهنا، لكن الأخبار التي رويناها ترفع هذا ~~الاحتمال لكونها صريحة في المقصود فلهذا حمل هذا عليها وفيه حصول الغرض. # الفرع الثالث: في بيان عورة المرأة، وفيها مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أن جميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين، وهذا هو رأي الهادي ~~في (الأحكام) والذي حصله السيدان الأخوان للمذهب، وهو قول مالك وأحد قولي ~~الشافعي، ورواية عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر ~~منها}[النور:31]. وقيل في تفسيرها: إنه موضع الكحل والخاتم. وهو الذي ~~اختاره القاسم في رواية النيروسي وهو أن القدمين من المرأة عورة كرأي ~~الهادي وما عدا ذلك من شعرها وبشرها فهو عورة لقوله : ((النساء عي وعورات ))(1). # ولم يخرج عن هذا إلا ما قام الدليل على كونه [غير] عورة ولم يقم إلا على ~~ما ذكرناه، فبقي ما عدا الوجه والكفين على المنع والتحريم. PageV03P089 # المذهب الثاني: أن جميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين، وهذا هو ~~رأي الإمام القاسم الذي حكاه عنه أبو العباس، وهو محكي عن الثوري ورواية ~~ثانية عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر ~~منها}[النور:31]. وقد قيل في تفسيره: موضع الكحل والخاتم والخلخال. # المذهب الثالث: أن جميع بدنها عورة إلا الوجه، وهو الذي حصله السيدان ~~الأخوان لمذهب الهادي، وهو محكي عن أحمد بن حنبل وداود من أهل الظاهر. # والحجة على هذا: هو أن الشرع قد دل على أن جميع بدنها عورة إلا ما استثني ~~ولم يقع الإستثناء بالشرع إلا وجهها من جهة أن الإجماع منعقد على كشفه ~~للإحرام وعلى كشفه للنظر عند تحمل الشهادة، فبقي ما عدا الوجه على الحظر ~~الشرعي. # المذهب الرابع: أن جميع بدنها عورة حتى ظفرها، وهذا شيء يحكى عن بعض ~~أصحاب الشافعي. # والحجة ms1066 على هذا: قوله : ((النساء عي وعورات )). فظاهره دال على أن جميعها ~~عورة ولم يفصل بين عضو وعضو ولا بين شعر وبشر، وفي هذا دلالة على ما قلناه ~~من عموم العورة في كلها. # والمختار: ما قاله الإمامان القاسم والهادي في (الأحكام) و(النيروسي) ~~واختاره السيدان الأخوان من [أن جميع بدنها](1) # عورة ما خلا الكحل والخاتم. PageV03P090 # والحجة لهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا تفصيلا نشير إليه. وحاصله أن الله ~~تعالى أعظم الأمر وشدد في حفظ العورات فقال تعالى: {ياأيها النبي قل ~~لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن}[الأحزاب:59]. وقال ~~تعالى: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن }[النور:31]. وقال تعالى: {ولا يضربن ~~بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن }[النور:31]. وقال تعالى: {ولا يبدين ~~زينتهن إلا ما ظهر منها}[النور:31]. وقال تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن}[النور:31]..إلى آخر الآية. وفي الحديث عن الرسول أنه قال: ~~((أغروا النساء يلزمن الحجال )). # وقوله : ((صلاة المرأة في مخدعها أفضل من الصلاة في حجرتها ))(1). # وظواهر الكتاب والسنة دالة على حفظ عورات النساء والتأكيد في ذلك ~~والمبالغة في البعد عن الإطلاع عليها، فإذا عرفت هذا فالظاهر أن جميع بدن ~~المرأة عورة إلا ما أباحه الشرع ولم نجد الإباحة إلا في هذين العضوين وجهها ~~وكفيها فيجب الإقتصار عليه والباقي داخل تحت الحظر كما قررناه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: القدمان لاحقان بالوجه والكفين في كونهما ليسا من العورة لما ~~ذكرناه من تفسير الآية بموضع الكحل والخاتم والخلخال. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فالتفسير المشهور عن ابن عباس في قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا ~~ما ظهر منها}[النور:31]. إنما عنى الكحل والخاتم ولم يزد عليه ولا شك أن ~~تفسير الصحابي أرجح من تفسير غيره فلهذا كان التعويل عليه. PageV03P091 # وأما ثانيا: فلأنه معارض بالأحاديث الدالة على كونهما من العورة وإذا تعارض ~~جانب الحظر وجانب الإباحة كان الميل إلى جانب الحظر أحق لما فيه من الحيطة ~~للدين لقوله : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)). # قالوا: روي عن ابن مسعود أنه فسر قوله[تعالى]: {ولا يبدين زينتهن إلا ms1067 ما ~~ظهر منها}[النور:31]. بالثياب والقرط والدملج والخلخال والقلادة، فذكر ~~الخلخال والمقصود موضعه، وفي هذا دلالة على أنه ليس عورة. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فنهاية الأمر أن هذا مذهب لابن مسعود ولا يلزمنا قبوله لأن قول ~~الصحابي ليس حجة وإنما الحجة كلام صاحب الشريعة صلوات الله عليه. # وأما ثانيا: فلأنه أراد هذه الحلية ولم يرد مواضعها ليكون أدخل في النهي ~~وأبعد عن الريبة لأنه إذا كان النهي متناولا لهذه الحلية فكيف حال محالها ~~يكون أبعد لا محالة. # وأما ثالثا: فلأنه لو أراد بذكر الخلخال موضعه للزم مثله في القلادة ~~والقرط فيجوز الإطلاع عليه ولا قائل به. # والذي يدل على كونهما عورة ما روت أم سلمة قالت سألت رسول الله : هل تصلي ~~المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: ((نعم إذا خمرت الذراعين ~~والقدمين)). وفي حديث آخر: ((إذا كان سابغا يغطي ظهور قدميها))(1). # وفي هذا دلالة على كونهما من العورة، ولأنه عضو سقط في التيمم فوجب أن ~~يكون عورة من المرأة كالرأس. # قالوا: جميع بدنها عورة إلا الوجه. PageV03P092 # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلقوله تعالى: {إلا ما ظهر منها}. وأراد الكحل والخاتم هكذا ~~جاء في التفسير. # وأما ثانيا: فلقوله : ((إذا أراد أحدكم أن يتزوج امرأة فلينظر إلى وجهها ~~وكفيها ))(1). # وفي هذا دلالة على أنهما ليسا عورة كما قلناه. # قالوا: جميع بدنها عورة حتى ظفرها محتجين بقوله : ((النساء عي وعورات )). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا نقول بموجبه وهو أن النساء كلهن عورات إلا ما خرج عن ~~كونه عورة بدليل شرعي. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأدلة المبيحة لما ~~تناولته فيجب العمل بموجب الأخبار فيما تناولته حذرا من تناقضها وتدافعها، ~~وهذه طريقة مرضية أعني الجمع بين الأدلة الشرعية. # الفرع الرابع: في الأمة. # قال الإمام القاسم: ولها أن تصلي بغير قناع لما روي أن عمر رضي الله عنه ~~رأى أمة لآل أنس بن مالك قد قنعت رأسها فجذب قناعها وضربها بالدرة وقال: ~~يالكاع ms1068 اكشفي رأسك ولا تشبهي بالحرائر. فإذا عرفت هذا فما حد العورة من ~~الأمة؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن عورتها ما بين السرة والركبة وهذا هو رأي أئمة العترة ~~وهو الأصح من أقوال الشافعي. # قال الإمام أبو طالب: والأمة كالرجل في العورة. # والحجة على ذلك: ما روي أن أبا موسى الأشعري تكلم على المنبر وقال: لا ~~أعرف أحدا أراد أن يشتري أمة فينظر ما بين السرة والركبة لا يفعل ذلك أحد ~~إلا عاقبته. ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فجرى مجرى الإجماع على حكم ~~المسلمة لسكوتهم عن النكير عليه وفي هذا دلالة على كونه حجة. PageV03P093 # المذهب الثاني: أن جميع بدنها عورة إلا مواضع التقليب عند شرائها وهو ما ~~يبدو عند مباشرة الخدمة مثل الكفين والذراعين والساقين والرأس، لأن ذلك ~~تدعو الحاجة إليه وتمس إلى كشفه وما سواه لا تدعو الحاجة إليه ولا إلى كشفه ~~فهو ممنوع منه، وهذا محكي عن بعض أصحاب الشافعي. # المذهب الثالث: أن عورتها كعورة الحرة خلا أنها تكشف رأسها لحديث عمر ~~وهذا أيضا يحكى عن الطبري من أصحاب الشافعي. # والمختار: ما قاله علماء العترة لما ذكرناه من حديث عمر وحديث أبي موسى ~~وسكوت الصحابة رضي الله عنهم عليه وفي هذا دلالة على صحته. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: جميع بدنها عورة إلا مواضع التقليب. # قلنا: قد قررنا أن عورتها ما بين السرة إلى الركبة فإن كان مواضع التقليب ~~تدخل فيما بين السرة إلى الركبة فلا وجه له لحديث أبي موسى، وإن كان مواضع ~~التقليب ما وراء ما بين السرة والركبة فهذا مسلم ولا ننكره وهو موضع اتفاق. # قالوا: إن عورتها عورة الحرة خلا أنه لابد من كشف رأسها. # قلنا: هذا فاسد فإن المعلوم من حال الخلف والسلف من المسلمين بل الإجماع ~~منعقد على أن حال الإماء مخالف لحال الحرائر من النساء في العورة وأن أحدا ~~من العلماء لم ينكر تقليب الأمة في حال شرائها لما ذكرناه من أعضائها، وفي ~~هذا دلالة على جواز الإطلاع على ms1069 ما ذكرناه من الإماء بخلاف عورة الحرائر ~~فافترقا. # الفرع الخامس: الأمة المدبرة والمكاتبة وأم الولد. فنذكر ما يتعلق بهن ثم ~~نذكر ما يتعلق بعورة الخناثى ثم نردفه بعورة غير البالغين، فهذه أحكام ~~ثلاثة نذكر ما فيها بمعونة الله: # الحكم الأول: في المدبرة والمكاتبة. وحكمهما حكم المملوكة في العورة لأن ~~كل واحدة من هاتين بصدد الرق على تقدير العجز في المكاتبة وتقدير إفلاس ~~السيد في حق المدبرة. # فأما أم الولد فهل تكون لاحقة بالمملوكة أم لا؟ فيه وجهان: PageV03P094 # أحدهما: أنها لاحقة بالمملوكة في حق العورة وهذا هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة. # ووجهه: أنها مضمونة بالقيمة فأشبهت المملوكة. # وثانيهما: أنه يجب عليها التقنع، وهذا محكي عن مالك وابن سيرين. # ووجهه: أنها قد ثبت فيها سبب الحرية بمطلق الإستيلاد على رأي من يمنع من ~~بيعها، وإما بموت السيد على رأي من جوز بيعها. # والمختار: هو الأول: لأنها بصدد الرق ولهذا يجوز بيعها كما سنوضحه في ~~التدبير بمعونة الله تعالى. # الحكم الثاني: في الخناثى الذين التبس حالهم في الذكورة والأنوثة. فينظر ~~في حاله فإن كان رقيقا كانت عورته كعورة الأمة من السرة إلى الركبة، وإن ~~كان حرا فإنا نأمره بستر جميع بدنه إلا الوجه والكفين لجواز أن يكون امرأة ~~فإن خالف وستر ما بين السرة والركبة ثم صلى فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها غير لازمة لاحتمال أن يكون رجلا. # وثانيهما: أنها لازمة له الإعادة لأن ذمته قد اشتغلت بفرض الصلاة وهو شاك ~~في إسقاطها والأصل بقاؤها في ذمته. # والمختار: هو الأول لقوله : ((لا ظهران في يوم)). # الحكم الثالث: في عورة الصبي والصبية. فينظر في حالهما فإن كانا في حال ~~التربية جاز الإطلاع على عورتهما؛ لأنهما غير مستقلين بأنفسهما ومحتاجان ~~إلى المعالجة لأحوالهما والتعهد لمصالحهما، وفي الستر مشقة وحرج فلهذا سقط، ~~وإن كانا قبل التسع وجب الستر للقبل والدبر لأن ذلك ممكن في حقهما فلهذا لم ~~يكن ساقطا، وإن كانا بعد التسع كانت عورتهما عورة البالغين من الرجال ~~والنساء لأن ms1070 ذلك زمان البلوغ فلهذا وجب الستر كالبالغين. # الفرع السادس: اعلم أنا قد ذكرنا وجوب ستر العورة في غير الصلاة، وأوضحنا ~~أحوال العورة في الرجال والنساء والمماليك واللبس والأطفال، ونحن الآن نذكر ~~وجوب ستر العورة في الصلاة وما يتعلق بها، ويتم المقصود بذكر أحكام: # الحكم الأول: هل يجب ستر العورة في الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان: PageV03P095 # المذهب الأول: أن سترها واجب في الصلاة وهذا هو رأي أئمة العترة وهو محكي ~~عن الفريقين. # والحجة على ذلك قوله تعالى:{يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد } ~~[الأعراف:31]. وظاهر الأمر للوجوب وأدنا الزينة: ستر العورة في الصلاة، ~~وليس يتعلق بالمساجد إلا الصلاة والعبادة فلهذا كانت واجبة. # الحجة الثانية: قوله تعالى: {وثيابك فطهر }[المدثر:4]. وإذا وجب تطهيرها ~~للصلاة وجب لبسها لستر العورة لأنه لا فائدة في تطهيره للصلاة إلا بلباسه. # الحجة الثالثة: ما روت عائشة عن الرسول أنه قال: ((لا يقبل الله صلاة ~~حائض إلا بخمار ))(1). # ومعناه: التي بلغت المحيض، وإذا وجب ذلك في حق النساء وجب في حق الرجال ~~إذ لا قائل بالفصل. # المذهب الثاني: أنه لا يجب ستر العورة في الصلاة. وهذا هو المحكي عن مالك ~~وعنه في ذلك ثلاث روايات: # الرواية الأولى منها: حكي عنه أنه من صلى مكشوف العورة لم تجب عليه ~~الإعادة وفي هذا دلالة على أن الستر للعورة غير واجب. # الرواية الثانية: أنه إن قصد أن يصلي مكشوف العورة بطلت صلاته. # الرواية الثالثة: أن ستر العورة غير واجب في الصلاة وإنما هو مستحب. # والحجة على هذا: هو أن شروط الصلاة إنما تجب بأمر شرعي فما ورد من الأدلة ~~على اشتراط الستر في الصلاة بلفظ الأمر فإنه محمول على الاستحباب وما رود ~~من ذلك بغير لفظ الأمر فليس فيه دلالة على الوجوب فلما كان الأمر هكذا ~~قضينا بامتناع اشتراط ستر العورة في الصلاة. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة من وجوب اشتراط ستر ~~العورة. # وحجتهم: ما ذكرناه. ونزيد هاهنا، وهو ما رواه القاسم عن الرسول أنه قال: ~~((لا يقبل ms1071 الله صلاة امرأة بلغت بغير خمار ))(2). PageV03P096 # وما روى ابن عمر عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم فليستتر بثوبه )). ~~فهذه الأخبار كلها دالة على وجوب سترة العورة في الصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكره مالك. # قوله: إن شروط الصلاة إنما تجب بأمر شرعي، ولا دلالة شرعية على وجوب ستر ~~العورة في الصلاة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن نهاية الأمر في هذه الحجة هو عدم الدلالة على هذا الشرط ~~ولسنا ننكر ذلك فإنا لا نوجب شرطا في الصلاة من غير دلالة، فإذن النزاع ~~بيننا وبين مالك مرتفع فهو يسلم إذا كانت هناك دلالة شرعية وجب قبولها ونحن ~~نسلم أنه إذا لم يكن هناك دلالة شرعية فلا معنى لإيجابه، فقد ارتفع النزاع ~~على هذه الصورة. # وأما ثانيا: فلأنا قد دللنا على وجوبه بما أوردنا من الآيات والأخبار ~~الدالة على وجوب اشتراطه في الصلاة بما لا مدفع له إلا بالمكابرة والجحود. # ومن وجه آخر: قياسي، وهو أن الصلاة عبادة لها تعلق بالكعبة فوجب اشتراط ~~ستر العورة فيها كالطواف. # الحكم الثاني: إذا انكشفت عورة المصلي في الصلاة فهل تبطل أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنه إذا انكشف شيء من العورة مع القدرة على الستر بطلت ~~الصلاة، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن هذا حكم يتعلق بالعورة فاستوى فيه القليل والكثير ~~كالنظر. # المذهب الثاني: أنه إن انكشف من العورة المغلظة قدر الدرهم لم تفسد ~~صلاته، وإن انكشف أكثر من ذلك بطلت صلاته، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. # والحجة على هذا: قولهم: كلما صحت الصلاة مع كثيره حال العذر فرق بين ~~قليله وكثيره في غير حال العذر كالمشي والعمل. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من علماء الأمة. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه أن ~~رسول الله قال: ((لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت )). PageV03P097 # ووجه الدلالة من هذا: هو أنه نهى ms1072 عن كشف الفخذ والنظر إليها ولم يفصل بين ~~أن يكون في الصلاة أو في غيرها ولا بين قليل العورة وكثيرها والنهي يقتضي ~~الفساد خاصة في العبادات. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: كلما صحت الصلاة مع كثيره للعذر فرق بين قليله وكثيره في غير حال ~~العذر كالمشي والعمل. # قلنا: عن هذا جوابان: # أحدهما: من جهة الفرق. وحاصله: أن العمل اليسير إنما لم يكن مبطلا للصلاة ~~لأنه لا يمكن الإحتراز منه وتلحق به المشقة بخلاف ستر القليل من العورة ~~فإنه يمكن التحرز منه ولا يلحق به مشقة، فلهذا لم يعف عنه فافترقا. # وثانيهما: من جهة المعارضة، وهو أن ما ذكروه يبطل بترك غسل أعضاء الطهارة ~~فإنه يجوز ترك جميعها حال العذر عند عدم الماء ثم لا يفرق بين ترك القليل ~~والكثير في غير حال العذر. # الحكم الثالث: اعلم أن الذي عليه أئمة العترة القاسمية والناصرية، أن ~~العورات كلها مستوية من الرجال والنساء في أنه إذا انكشف شيء منها مقدور ~~على ستره في ركن من أركان الصلاة بطلت عليه صلاته ووجب عليه استئنافها. وهو ~~رأي الشافعي، ولا ينفعه أن يعيد بعد ذلك سترها لأنها قد بطلت كما لو ~~ابتدأها مكشوفة أو انتقض وضوءه فإنه يجب استئنافها. # وقال أبو حنيفة وصاحباه: العورة ضربان: مغلظة ومخففة، فإذا انكشف من ~~المغلظة وهي السوءتان القبل والدبر من الرجال والنساء وما بين السرة ~~والركبة من النساء، أكثر من قدر الدرهم بطلت الصلاة فأما مقدار الدرهم فما ~~دونه فمعفو عنه لا يبطلها. وأما المخففة منها كالفخذ من الرجال وكالرأس ~~والشعر والبطن والظهر والعضد والشعر من الحرائر، فإذا انكشف شيء منها فإنه ~~لا يبطلها عند أبي حنيفة ومحمد إلا أن يكون المنكشف ربع العضو أو أكثر فإنه ~~يبطلها. وقال: ولا يبطلها إلا أن يكون المنكشف من كل عضو كله أو نصفه، ذكره ~~في (الجامع الصغير)(1). PageV03P098 # وحكي عنه أيضا: أنها لا تبطل الصلاة إلا أن يظهر العضو الكامل أو أكثر من ~~نصفه، وهذا كله إذا [لم] يسارع إلى سترها وصلى ms1073 عاريا، فإن سترها على الفور ~~صحت صلاته ومضى عليها ولهم على ما زعموه حجتان: # الحجة الأولى: قولهم: إن كشف العورة جار مجرى النجاسة، وقد تقرر أن ~~النجاسة يختلف قليلها وكثيرها فيعفا عن قليلها دون كثيرها فهكذا حال العورة ~~والجامع بينهما هو: أن كل واحدة منهما شرط في صحة الصلاة. # الحجة الثانية: قالوا: العورة لا يتعدى حكمها عن محلها وموضع كشفها فصارت ~~كالنجاسة في أنها لا يتعدى حكمها عن محلها إلى غيره، وثمرة هذا: أن النجاسة ~~يجب غسلها عن محلها ولا تجب فيها إعادة الوضوء فهكذا حال العورة يجب سترها ~~ولا يجب لأجلها إعادة الصلاة. # والمختار: ما قاله علماء العترة ومن وافقهم. # والحجة على ما قالوه: قوله : ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار )). ولم ~~يفصل بين يسير الرأس وكثيره، وقال للذي رآه مكشوف الفخذ: ((غط فخذك))(1) # ولم يخص موضعا دون موضع، وإذا ثبت أن تغطية الجميع واحدة فمن ترك تغطية ~~شيء منها مع القدرة على ستره بطلت صلاته كما لو ترك أكثر من قدر الدرهم أو ~~ترك أكثر من النصف والربع. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: كشف العورة جار مجرى النجاسة فيجب أن يفترق الحال بين قليلها ~~وكثيرها فهكذا حال العورة. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV03P099 # أما أولا: فمن جهة الفرق، وهو أنا لا نسلم أن ستر العورة كالنجاسة بل هما ~~مختلفتان من جميع الوجوه، وبيانه: أن الإنسان إذا كان معه ثوب جميعه نجس ~~وهو لا يجد ثوبا غيره فإنه يصلي فيه ولا يصلي عاريا لأن حكم العورة آكد من ~~حكم النجاسة على ما قررناه من قبل، وهكذا فيمن وجد ثوبا ديباجا ولم يجد ~~غيره فإنه يصلي فيه ولا يصلي عاريا لأن تحريم كشف العورة أشد من تحريم لبس ~~الديباج على الرجال. وإذا تقرر هذا فلا يمتنع أن يعفى عن يسير النجاسة، ولا ~~يعفى عن يسير العورة فافترقا. # وأما ثانيا: فمن جهة الجمع، وهو أنا لو خلينا والقياس لسوينا بينهما ولم ~~نعف عن يسيرهما جميعا لأنهما من شرط صحة الصلاة ms1074 خلا أن الدلالة الشرعية ~~وردت بتخصيص يسير النجاسة، فلا جرم استحسنا جوازه لعموم البلوى فيه وشدة ~~الحاجة، ولم تقم دلالة على العفو عن يسير العورة فلهذا بقي على أصل القياس ~~في التحريم. # قالوا: العورة لا يتعدى حكمها عن موضع كشفها فصارت كالنجاسة فإنه لا ~~يتعدى حكمها عن محلها إلى غيره. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أن النجاسة لا يتعدى حكمها عن محله، ولهذا فإن من بال ~~وجب عليه تجديد الوضوء في غير محل النجاسة وهكذا خروج المني فإنه يوجب ~~الغسل في غير محل النجاسة ونحو قطرات الحيض والنفاس فإنهما يوجبان الغسل في ~~غير محل النجاسة. # وأما ثانيا: فلأنا لا نقول: بأن النجاسة نجاستان مغلظة ومخففة. ولا نقول ~~في العورة: عورتان مغلظة ومخففة. بل نقول: إن جميعها عورة يجب سترها بكل ~~حال وجميع النجاسات يجب إزالتها من غير تفصيل كما ذكروه، وإذا تقرر هذا وجب ~~أن يكون حال العورة كحال النجاسة في مساواة القليل للكثير. PageV03P100 # الحكم الرابع: ذكر السيد أبو العباس، أن المصلي إذا انكشفت عورته وقد أدى ~~من الركن مقدار الفرض ثم أعاد سترها قبل أن يأخذ في ركن آخر أجزته صلاته، ~~وإن لم يكن قد أدى من الركن قدر الفرض أو لم يعده حتى أخذ في ركن آخر لم ~~تجزه الصلاة وعليه الإعادة، وما ذكره محكي عن أصحاب أبي حنيفة وهو نظر دقيق ~~حسن وحملوا ما حكي أن أبا جهل(1) # القى جيفة على الرسول وهو يصلي فجاءت فاطمة فأزالتها عنه ومر في صلاته ~~ولم يقطعها على هذا التفصيل(2). # وحاصل ما قالوه، وهو أن النجاسة وقعت بعد إكمال الركن فلا يؤثر طريانها ~~بعد كماله وقبل الشروع في الركن الثاني حتى لا يقع من أوله على فساد، فإن ~~وقعت على خلاف هذين الوجهين إما قبل تمام الأول وإما بعد الشروع في الثاني ~~كانت مفسدة للصلاة لا محالة. # فأما الإمامان الأخوان، فلم يفصلا هذا التفصيل بل قالا: إن إنكشاف العورة ~~مبطل للصلاة قليلها وكثيرها(3) PageV03P101 على أي وجه وقعت وهذا ms1075 هو الأقيس والأحسن. وما قاله أبو العباس هو الأدق ~~والأغوص. فهذا ما أردنا ذكره في الأحكام المتعلقة بالعورة ونرجع إلى ~~التفريع. # الفرع السابع: وأقل ما يجزي المرأة في ستر العورة من الثياب: الدرع ~~والخمار إذا كان الدرع سابغا لما روت أم سلمة قالت: يا رسول الله فالمرأة، ~~لما ذكر الإزار، قال: ((ترخي شبرا لا تزيد عليه " )). قالت: إذا ينكشف ~~عنها. قال: ((فذراع))(1). # ولما ذكرناه من حديث عائشة: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " )). # والمستحب أن تصلي المرأة في ثلاثة أثواب قميص سابغ يغطي بدنها وقدميها، ~~وخمار يغطي رأسها وعنقها، وإزار غليظ فوق القميص والخمار. # روي ذلك عن عمر وابن عمر وعائشة ومثل هذا لا يقال إلا عن توقيف من جهة ~~الرسول ، ويستحب أخذ الجلباب فوق الدرع والخمار لما فيه من زيادة الستر ~~والحفظ على العورة ولقوله تعالى: {ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن}[الأحزاب:59]. # قال أبو عبيد: الجلباب: هو الخمار والإزار. # وعن الخليل بن أحمد: الجلباب أوسع من الخمار وألطف من الإزار، وهذا هو ~~الأصح؛ لأنه زيادة عليهما فيجب أن يكون مغايرا لهما. # ويستحب أن يكون الجلباب كتافا أي موضوعا على كتفيها أو يكون كفاتا أي ~~جامعا لثيابها أخذا من قوله تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتا " ~~}[المرسلات:25]. أي: تكفت الأحياء في البيوت وتكفت الأموات في القبور. PageV03P102 # الفرع الثامن: وأقل ما يجزي الرجل أن يصلي فيه ثوب واحد فإذا صلى فيه وحده ~~فالمستحب أن يستر منكبيه وهما رأسا الكتف وهما من الإنسان المنكب ومن الفرس ~~المنسج ومن الجمل الجارك(1) والغارب. ويستر هبريتيه. والهبرية: هي القطعة ~~من اللحم، وهما عبارة عن اللحمتين اللتين على لوح الإنسان. ويستر ظهره ~~والظهر معروف لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((لا يصلين أحدكم في ~~الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء " ))(2). # ويروى: ((على منكبه)). والقميص الواحد يجزي، فإن كان فتحه واسعا فإنه ~~يزره بشوكة وإن كان ضيقا لم يزره لما روى سلمة بن الأكوع(3) # قال: قلت يا رسول الله ms1076 إنا نكون في الصيد أفيصلي أحدنا في القميص الواحد؟ ~~قال: ((نعم وليزره ولو لم يكن إلا أن يخله بشوكة )). وإن كان في القميص خرق ~~وستره بيده جاز ذلك لأنه ستر طاهر فأشبه الثوب فإن لم يجد إلا الإزار فإنه ~~يأتزر به على حقويه، ويستحب أن يجعل على عاتقه شيئا فإن لم يجد طرح عليه ~~حبلا فإن لم يجد إلا السراويل فإنه يصلي فيه ويجعل على عاتقه شيئا لما ~~ذكرناه. هذا كله كلام في أقل ما يجزي. PageV03P103 # وأما ما يستحب، فالمستحب للرجل أن يصلي في قميص ورداء أو قميص وإزار أو ~~قميص وسراويل أو إزار ورداء. لما روى ابن عمر عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى ~~أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله أحق من تزين له))(1). # فإن اجتمع قميص وثوب وأراد أن يصلي في أحدهما فأيهما يكون أولى؟ فالقميص ~~أولى لما روي أنه كان أحب الثياب إلى الرسول القميص، ولأنه أعم في الستر ~~وأصون للعورة، فإن لم يكن هناك قميص واجتمع إزار ورداء وأراد الصلاة في ~~أحدهما فأيهما يكون أولى؟ فالرداء أولى لسعته فليحتف ويخالف بين طرفيه على ~~عاتقيه. وإن اجتمع إزار وسراويل فأيهما يكون أولى؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن الإزار أحق لأن السراويل تصف العورة بخلاف الإزار. # وثانيهما: أن السراويل أحق لأنها أجمع للستر. # والمختار: أنهما سواء. # ويكره اشتمال الصماء لما روي عن الرسول أنه نهى عن اشتمال الصماء. واختلف ~~في صفتها على تفسيرين: # فالتفسير الأول: رأي أهل اللغة، وصفتها: أن يشتمل الرجل في ثوب واحد ~~فيجلل به جسده ويدخل يديه من داخل الثوب ولا يترك ليديه منفذا من أحد ~~الجانبين يخرجهما منه. وإنما سميت صماء؛ لأنه سد على يديه المنافذ مأخوذ من ~~الصخرة الصماء التي ليس فيها صدع. ولم يذكر ابن الصباغ في تفسيرها في كتابه ~~الشامل إلا هذا الوجه. # التفسير الثاني: حكاه أبو عبيد عن الفقهاء. وصفتها: هو أن يشتمل الرجل ~~بالثوب الواحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه ~~فيبدو منه فرجة. # قال أبو ms1077 عبيد: والفقهاء اعلم بالتأويل. # والمختار: أن ما قاله أهل اللغة أحسن من جهة الإشتقاق، وما قاله الفقهاء ~~أجود من جهة الفتوى لمطابقته للنهي من جهة الرسول لما فيه من ظهور العورة. # ويكره السدل وأن يغطي فاه في الصلاة لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه نهى ~~عن السدل وأن يغطي فاه في الصلاة. PageV03P104 # قال أبو عبيد: والسدل أن يرخي الرجل إزاره من جانبيه ولا يضم طرفيه بيده. ~~ويقال لإرخاء الستر: سدل. # ويكره للمرأة أن تتنقب في الصلاة لأن وجهها ليس عورة، والنقاب: هو شيء من ~~الثياب ترخيه المرأة على وجهها فيه ثقبان لموضع العينين، ويكره البرقع ~~للمرأة في الصلاة لمثل ما ذكرناه في النقاب. والبرقع: هو شيء رقيق ترخيه ~~المرأة على وجهها تبصر من ورائه لرقته. # الفرع التاسع: فإن لم يجد ما يستر عورته إلا ورق الأشجار والحشيش فإنه ~~يلزمه أن يستتر بذلك لأنها سترة طاهرة يمكنه الستر بها فوجب عليه استعمالها ~~في ستر العورة كالأثواب، فإن لم يجد إلا طينا طاهرا فهل يلزمه أن يستتر به ~~أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: وجوبه، وهو الأصح من قولي الشافعي؛ لأنها سترة طاهرة فأشبه ~~الثوب. ذكره المحاملي من أصحاب الشافعي، وعلى هذا يلزم استعماله سواء كان ~~غليظا أو رقيقا إذا كان ساترا للعورة ويلصق بجسمه، فإن لم يجد من الأثواب ~~إلا ما يستر بعض العورة فإنه يستر القبل والدبر لأنهما أغلظ من غيرهما ~~وأفحش في الإنكشاف، فإن لم يجد إلا ما يستر به أحدهما فأيهما يكون به أحق؟ ~~فيه وجهان: # أحدهما: أن القبل أحق لأنه لا يستتر بغيره والدبر مستور بالإليتين ولأنه ~~يستقبل به القبلة. # وثانيهما: أن الدبر أحق لأنه أفحش في العورة في حال الركوع والسجود. # والمختار: أنهما سواء فيكون مخيرا في ستر أيهما شاء، ويؤيد هذا ما روي عن ~~الرسول أنه قال: ((احفظ عورتك إلا عن زوجتك )) ولم يفصل بينهما، فإن خالف ~~وستر بذلك فخذه أو سائر عورته غير الفرجين جاز ذلك لأن حكم الجميع واحد في ~~وجوب الستر ولكنه ms1078 قد خالف المستحب من ذلك. PageV03P105 # الفرع العاشر: قال الإمام الهادي في الأحكام: ومن ابتلي بالعري صلى قاعدا ~~متربعا ويضع على عورته ما أمكن وقدر عليه من الحشيش وغيره فإن لم يجد ذلك ~~ستر عورته بيده اليسرى ويومئ كإيماء المريض ولا يستقل من الأرض، واعلم أن ~~هذا الفرع قد اشتمل على أحكام تتعلق بالعورة نفصلها بمعونة الله تعالى: # الحكم الأول: إذا كان عاريا فهل يصلي قائما أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه يصلي قاعدا متربعا، وهو رأي الإمامين الهادي والمؤيد ~~بالله ومحكي عن مالك والأوزاعي والمزني من أصحاب الشافعي وحكاه المسعودي عن ~~الشافعي. # والحجة على هذا، هو أن القيام والقعود والركوع والسجود لها أبدال يرجع ~~إليها عند تعذر الإتيان بها بخلاف ستر العورة فإنه لا بدل له فلهذا كان أحق ~~بالتقديم. # ومن وجه آخر: وهو أنه قادر على ستر العورة المغلظة بالقعود فلا يجوز له ~~تركه كما إذا وجد ثوبا. # المذهب الثاني: أنه يصلي قائما وهذا هو رأي الشافعي ومحكي عن زفر. # والحجة على هذا: قوله : ((صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا )). ولم يفصل بين ~~العريان وغيره. # ومن وجه آخر: وهو أنه قادر على القيام فلا يجوز له تركه كما لو كان لابسا. # المذهب الثالث: أنه مخير بين أن يصلي قائما أو يصلي قاعدا، وهذا هو رأي ~~أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن ستر العورة فرض واجب على المصلي والقيام فرض من ~~فروض الصلاة وقد دفع العريان إلى ترك أحدهما ولا مزية لأحدهما على الآخر ~~فلهذا كان مخيرا بينهما ولا ترجيح لأحدهما على الآخر. # والمختار: ما عول عليه الإمامان الهادي والمؤيد بالله ومن تابعهما على ~~هذه المقالة. # والحجة لهم ما ذكرناه من قبل. ونزيد هاهنا وهو أنا وجدنا نظر الشرع إلى ~~تأكيد المحافظة على ستر العورة وصيانتها عن الظهور والإطلاع عليها شديد وأن ~~الوعيد على إبرازها عظيم ولو لم يكن إلا ما نزل في سورة (النور)(1) # وما ورد في الأخبار من التأكيد على حفظها. PageV03P106 # ومن وجه آخر: وهو ms1079 أنا نرى الشرع قد واضب على ستر العورة وأسقط القيام، ~~فلهذا فإنه يجوز تأدية النوافل على الراحلة مع القدرة على القيام ولم يرخص ~~في سترة العورة في سفر ولا حضر ولا نافلة ولا فريضة مع القدرة عليها. # ومن وجه آخر: وهو أن ستر العورة يحتاج إليه في جميع الصلاة بخلاف القيام، ~~فإنه إخلال بركن من أركانها وفرض من فروضها للعذر. # ومن وجه آخر: وهو أن القيام له بدل يقوم مقامه بخلاف ستر العورة فإنه لا ~~بدل له. فهذه الأوجه كلها دالة على أن ستر العورة أحق بالمحافظة من القيام. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي أنه قال لعمران بن حصين: ((صل قائما)). فأمره بالقيام فدل على ~~وجوبه إذا كان عاريا. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا محمول على ما إذا كان مستور العورة. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من التفات الشرع إلى المحافظة على ~~ستر العورة بما لا مطمع في إنكاره. # قالوا: العاري مستطيع للقيام والقعود والركوع والسجود فيجب الإتيان بها ~~ولا يعذر في تركها. # قلنا: العاري لا يمكنه الإتيان بجميع الفروض ولا بد له من ترك بعضها لأجل ~~العذر والإتيان بالبعض، فيجب أن يأتي بآكدها ووجدنا ستر العورة آكد من ~~الجميع فلهذا وجب الإتيان به كما قررناه من قبل. # قالوا: القيام والقعود والركوع والسجود أركان الصلاة فلا يجوز إسقاطها ~~بالعجز عن ستر العورة كسائر الأركان. # قلنا: إنما لا يجوز الإخلال بهذه الأركان مع كون العورة مستورة، فأما مع ~~العذر في كشفها فيجوز الإخلال بها لما ذكرناه من الترجيح الذي أوضحناه من قبل. # قالوا: إذا صلى قائما فقد حصل له الوفاء بثلاثة أركان، القيام والركوع ~~والسجود. وإذا صلى قاعدا فإنما يحصل له سترة العورة لا غير. # قلنا: إذا صلى قاعدا حصل له ستر العورة المغلظة التي يحتاج إليه في جميع ~~أفعال الصلاة وما عداها فحكمه أخف فلهذا كانت المحافظة عليها أحق من غيرها. PageV03P107 # وأما من قال بالتخيير كما حكي عن أبي حنيفة فقد قال: هما ms1080 فرضان واجبان لا ~~تصح الصلاة إلا بفعلهما فلا ترجيح لأحدهما على الآخر. # قلنا: إنه لا مقال في كونهما واجبين وفرضين من فروض الصلاة لكنا قد دللنا ~~على أن ستر العورة أحق بالمحافظة وأولى بالمواضبة فلهذا كان أحق. # الحكم الثاني: أن الواجب أن يصلي قاعدا متربعا، وقد قررنا صفة التربيع في ~~صلاة العليل والمعذور فأغنى عن الإعادة، ويضع على عورته شيئا من حشائش ~~الأرض لأن الواجب ستر العورة بكل ممكن، فإذا تعذر اللباس لم تتعذر الحشائش ~~ويومئ للركوع والسجود، يكون إيماؤه لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه لما ورد ~~في الخبر عن الرسول فيمن علمه ممن لا يقدر على القيام. فإن صلى عريانا ~~قاعدا فهل تجب عليه الإعادة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها تجب عليه الإعادة لأن ما هذا حاله فهو عذر نادر كما لو لم ~~يكن له عذر. # وثانيهما: أن الإعادة غير واجبة عليه وهذا هو المختار. لقوله : ((لاظهران ~~في يوم )). ولأن العري عذر عام وربما اتصل ودام وقد يعدم اللباس في السفر ~~والحضر فلو ألزمناه الإعادة لكان في ذلك مشقة وحرج. # الحكم الثالث: في المصلي إذا لم يجد سترة فدخل في الصلاة وهو عريان ثم ~~وجد السترة في أثناء الصلاة. أوصلت الأمة مكشوفة الرأس فأعتقت في أثناء ~~الصلاة ثم وجدت ما تستر به رأسها، فإن كانت السترة قريبة منهما فالواجب ~~عليهما تناولها واستتارهما بها ويتمان صلاتهما لأن ذلك عمل قليل يفعل ~~لإصلاح الصلاة، وإن كانت السترة بعيدة منهما تحتاج إلى أن يمشي إليها خطوات ~~فإن كان هناك من يناولهما السترة فإن ناولهما سريعا صحت صلاتهما، وإن طال ~~الإنتظار فصبرا إلى أن ناولهما الغير فهل تبطل صلاتهما أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها لا تبطل الصلاة لأنه انتظار واحد فلم تبطل به الصلاة ~~كالإمام إذا انتظر المأموم في الركوع. # وثانيهما: أنها تبطل لأنهما تركا السترة مع القدرة عليها. PageV03P108 # وإن لم يكن هناك من يناولهما السترة فهل تبطل صلاتهما أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: بطلان الصلاة لأنهما يحتاجان إلى عمل كبير ms1081 وذلك ينافي أعمال ~~الصلاة. # وثانيهما: أنها لا تبطل ويلزمهما المسير إلى السترة ويستتران لأن هذه ~~أفعال يقصد بها إصلاح(1) # الصلاة فلا تكون مفسدة لها. # وإن اعتقت الأمة ولم تعلم بالعتق حتى فرغت من الصلاة أو علمت بالعتق ~~وجهلت وجوب السترة عليها فهل تلزمها الإعادة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها تجب عليها الإعادة لأنها قد أخلت بشرط من شروط الصلاة وهو ~~السترة. # وثانيهما: أنها لا تجب عليها الإعادة لأنها معذورة بالجهل وقد قال : ((لا ~~ظهران في يوم)). # والمختار في مثل هذه المسائل التي وقع فيها الخلاف: أن الوقت إذا كان ~~باقيا وجب عليها الإعادة لأن الخطاب مع بقاء الوقت متوجه إليها، وإن كان ~~الوقت فائتا لم يجب عليها القضاء، وقد قررناه من قبل فلا وجه للإعادة. # الحكم الرابع: وإذا اجتمع جماعة عراة رجال ونساء فإن النساء لا يصلين مع ~~الرجال لأنا إن قلنا: يقفن مع الرجال في صف خلفهم فإنهن يبصرن عورات الرجال ~~لأنهن لا يمكنهن غض أبصارهن، وإن كان هناك حائل بينهن وبين الرجال وقفن فيه ~~وصلى الرجال وحدهم وصلى النساء وحدهن وكان أحق لما فيه من غض البصر عن ~~العورات. وإن لم يكن هناك حائل فهل يصلي الرجال جماعة أو فرادى؟ فيه طريقان ~~نذكرهما: # الطريق الأول: التخيير بين أن يصلوا جماعة أو فرادى، ووجهه أنه قد تقابل ~~هاهنا أمران فضيلة الجماعة وترك نظر بعضهم إلى عورة بعض فلهذا حصل التخيير، ~~والأولى إحراز فضيلة الجماعة لأنه لا مندوحة عنها، وترك نظر بعضهم إلى عورة ~~بعض يمكن إحرازه بغض البصر عن ذلك. # الطريق الثاني: استحباب الإنفراد، ووجهه أن الجماعة فضيلة وترك النظر إلى ~~العورة واجب، فلا جرم قدمنا الواجب على ما هو فضيلة. PageV03P109 # فإذا صلى الرجال جماعة فإن الإمام يقف وسطهم ويكونون صفا واحدا لأن ذلك ~~يكون أغض لأبصارهم، فإن لم يمكن إلا صفين فلا بأس في صلاتهم صفين ويغضون ~~أبصارهم. # فأما النساء فإنهن يصلين جماعة لأن سنة الموقف في حقهن لا تتغير بالعري ~~كما سنوضحه في صلاة الجماعة بمعونة ms1082 الله. # الحكم الخامس: وإن كان مع الرجال رجل يصلح للإمامة معه سترة، فالأولى أن ~~يصلوا جماعة لأنه يمكنهم الجمع بين فضيلة الجماعة وسنة الموقف بأن يكون ~~الإمام متقدما عليهم، وإن كان مع رجل سترة يزيد على ستر عورته استحب له أن ~~يعير العراة لأنها إعانة على تأدية الواجب لقوله : ((الله في عون العبد ما ~~كان العبد في عون أخيه )). فإن أعار واحدا منهم فهل يلزمه قبول العارية أم ~~لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنه لا يلزمه قبول العارية لما فيه من الدخول تحت منة الغير. ~~وإن وهبت له السترة لم يلزمه قبولها لما فيه من المنة والمنة لله في قبول ~~الصلاة عاريا. # وإن اجتمع رجل وامرأة عاريين، ومع رجل سترة تكفي أحدهما وأراد الصدقة بها ~~على أحدهما، كانت المرأة أحق لأن عورتها أغلظ فسترها يكون أحق. وإن أعار ~~صاحب السترة جميع العراة أو أباحها لهم فإنهم يصلون فيها واحدا واحدا فإن ~~كانت النوبة لا تفضي إلى أحدهم إلا وقد فات الوقت جاز انتظارها وإن فات ~~الوقت لأنه لا تجوز الصلاة عاريا مع وجود السترة كما لو وجد الماء وخاف من ~~استعماله في الوضوء فوات الوقت فإنه يستعمله وإن فات الوقت لأنه واجد للماء ~~فلا يجوز له العدول إلى غيره كما مر بيانه في التيمم. PageV03P110 # الحكم السادس: قال الإمام الناصر: ولا يجوز للعبد أن ينظر إلى شعر مولاته ~~ولا إلى شعر الحرة لأن رأس الحرة وشعرها عورة بالإجماع وليس بينها وبين ~~مملوكها نكاح ولا ملك يبيح الوطء، والنظر إلى العورة إنما يجوز للضرورة ~~والعذر، ويجوز النظر إلى وجه الحرة وكفيها له ولسائر الأجانب لقوله تعالى: ~~{ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}[النور:31]. # وهل يشترط في النظر إلى الوجه والكفين للأجانب ألا تقترن به شهوة؟ فيه ~~تردد. فظاهر الآية دال على الإباحة من غير شرط، وعدم اقتران الشهوة لابد ~~فيه من دلالة ولا دلالة هاهنا تدل على ذلك فبقي ما ذكرناه على الإباحة من ~~غير شرط. # ويجوز للمولى أن ينظر إلى جميع مملوكته ms1083 ومدبرته وأم ولده، ويجوز له وطئهن ~~بملك اليمين، ولا يجوز له وطء المكاتبة ولا النظر إلى عورتها ما دامت على ~~كتابتها لأنها قد صارت أملك بنفسها لأجل كتابتها. # والمملوكة إذا زوجها من مملوكه أو من غيره لا يجوز له الإطلاع على عورتها ~~ولا وطئها لأن زوجها قد صار أملك بها كالأجنبية. # ويجوز لكل واحد من الزوجين أن ينظر إلى عورة صاحبه، وهكذا حال الخصيان من ~~العبيد الذين هم قد ذهبت مذاكيرهم لا يجوز لهم الإطلاع على عورات النساء ~~ولا الدخول عليهن من غير إذن لأنهم قد صاروا أجانب من جملة الرجال الأجانب ~~في العورات، والمثلة التي حصلت فيهم بإذهاب آلة النكاح في حقهم لا تبيح لهم ~~الإطلاع على عورات النساء لأن الرجولية والأجنبية والشهوة حاصلة في حقهم ~~فلا وجه لإباحة الإطلاع. PageV03P111 # الحكم السابع: في مسألة ذكرها ابن الصباغ في كتابه (الشامل) قال: إذا قال ~~لأمته: إن صليت مكشوفة الرأس فأنت حرة الآن. فإنها إذا صلت مكشوفة الرأس ~~صحت صلاتها ولم تعتق قبل الصلاة لأن هذه صفة باطلة من جهة أن تقدم المشروط ~~على الشرط محال فيكون بمنزلة إيقاع العتق في الزمان الماضي. هذه ألفاظه، ~~وأراد أن قوله: فأنت حرة الآن. لا معنى للعتق في الحال لأنه جواب للشرط فلا ~~تعتق إلا بحصول الصلاة مكشوفة الرأس فلو قضينا بعتقها في الحال لبطل ~~التعليق وكان المشروط متقدما على الشرط. # قاعدة: اعلم أن جميع ما أسلفناه من الشرائط المعتبرة في صحة الصلاة ~~كالطهارة من الحدث والطهارة من النجس في الثوب والمكان والبدن وستر العورة ~~واستقبال القبلة ودخول الوقت فهو عام في الرجال والنساء ولا يخرج عن ذلك ~~إلا ما استثني في حق النساء ودلت دلالة على خروجهن عنه، كلبس الحرير والذهب ~~وغير ذلك مما قامت عليه الدلالة الشرعية ونحو المنع من دخول المساجد لما ~~يلحق من التهمة وظهور الريبة. وما ورد عن الرسول : ((لا تمنعوا إماء الله ~~مساجد الله )). فإنه محمول على ما كان في زمنه فأما بعد زمانه فقد وقع ~~الإختلاط وحصلت ms1084 الجرأة وكثر الفسوق، ويؤيد ما ذكرناه ما روي أن عمر رضي ~~الله عنه لما روى هذا الحديث وكان رأيه جواز دخولهن المساجد وتسويغه، قال ~~له ولده عبيدالله بن عمر(1) PageV03P112 : والله لنمنعهن. فقال: يالكع أحدثك عن رسول الله وتحدثني عن رأيك؟ فقال: ~~إنه لم يدر ما أحدثن بعده. فدل ذلك على جواز المنع لما يحصل فيه. وقد تم ~~غرضنا فيما نريده من شروط الصلاة والحمدلله. PageV03P113 # --- ### || AUTO الباب الخامس في بيان صفة الصلاة # واعلم أن الصلاة الشرعية مشتملة على أركان ومسنونات وهيئات وشرائط. # فالشرائط:عبارة عن الأمور الواجبة وجملتها خمس: الطهارة من الحدث، ~~والطهارة من النجس في الثوب والمكان والبدن، وستر العورة، واستقبال القبلة، ~~ودخول وقت الصلاة. # فأما الأركان: فهي عبارة عما كان واجبا داخل الصلاة فكل ركن فهو شرط وكل ~~شرط فليس ركنا. وإنما قلنا: كل ركن فهو شرط من جهة أن الصلاة لا تصح إلا ~~به. وإنما قلنا: وكل شرط فليس ركنا من جهة أن الشرط ما كان واجبا خارج ~~الصلاة. # وأما الأركان التي تشتمل عليها الصلاة ففي كل ركعة من كل صلاة واجبة ~~أركان مفروضة ففي الركعة الأولى خمسة عشر ركنا: تكبيرة الافتتاح، والنية، ~~والقيام، وقراءة الفاتحة والسورة معها، والركوع والطمأنينة، والرفع من ~~الركوع والطمأنينة فيه، والسجدة الأولى والطمأنينة فيها، والجلوس بين ~~السجدتين والطمأنينة فيه، والسجدة الثانية والطمأنينة فيها، والترتيب في ~~أفعال هذه الركعة. PageV03P114 # وأما الركعة الثانية: ففيها اثنا عشر ركنا نقص عنها مما كان في الأولى ~~ثلاثة: النية، وتكبيرة الافتتاح والقراءة، وكذلك الثالثة والرابعة في كل ~~واحدة منهما اثنا عشر ركنا، وفي الجلوس الأخير خمسة أركان: الجلوس والتشهد ~~فيه والصلاة على الرسول وعلى آله والتسليمة الأولى والتسليمة الثانية. فعلى ~~[هذا] يكون في الصلاة الرباعية ستة وخمسون ركنا، وفي الصلاة الثلاثية وهي ~~المغرب أربعة وأربعون ركنا: في الأولى خمسة عشرة وفي الثانية والثالثة ~~أربعة وعشرون ركنا، وخمسة في القعدة. الجملة أربعة واربعون ركنا، وفي الفجر ~~اثنان وثلاثون ركنا: في الأولى خمسة عشر ركنا وفي الثانية اثنا عشر ركنا ~~وفي القعدة ms1085 خمسة. الجملة اثنان وثلاثون ركنا. وتختلف هذه الأعداد في ~~زيادتها ونقصانها بحسب الإختلاف في الأركان، فهل يكون التسليم ركنا أو ~~ركنين وهل تكون الصلاة على الرسول وعلى الآل ركنا أو ركنين، وعلى من يرى ~~الطمأنينة في الركوع والسجود ركنا واحدا أو ركنين. والأمر في ذلك قريب مع ~~الإتفاق في المقاصد والإحاطة بها. # وأما المسنونات: فقد يقال لها: الأبعاض كما يقال للأركان: الفروض، وهذا ~~نحو الجلوس الأول والتشهد فيه والصلاة على الرسول، والقنوت في الفجر. # وأما الهيئات: فهي ما عدا ذلك، وهذا نحو وضع اليدين حذاء الخدين في ~~السجود ونحو تفريق الأصابع عند الركوع وضمها عند السجود ونحو الجهر ~~والمخافتة على رأي من يقول أنهما هيئتان. والتفرقة بين ما يكون سنة وما ~~يكون هيئة هو أنه إذا أتى بالهيئات فقد أكمل صلاته وإذا تركها لم يلزمه ~~سجود السهو لأنها ليست سنة مستقلة وإنما هي أمور إضافية، بخلاف السنن ~~المستقلة فإنه إذا أتى بها فقد أكمل صلاته وإذا تركها توجه عليه سجود السهو ~~جبرانا لما نقص بتركها.فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر مقدمات الصلاة ثم ~~نردفه بذكر مقاصدها ثم نذكر لواحقها، فهذه فصول ثلاثة اشتمل عليها هذا الباب. PageV03P115 # --- ### ||| AUTO الفصل الأول في بيان مقدمات الصلاة # واعلم أن أول ما يبتدئ به المصلي من الأذكار في الصلوات، الاستفتاح فيقول ~~بعد الإقامة: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من ~~المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك ~~أمرت وأنا من المسلمين. وأما المنقول في الخبر عن الرسول فيقول: ((وأنا أول ~~المسلمين)). وهذا لا يقوله إلا الرسول لأنه أول المسلمين من هذه الأمة، هذا ~~تمهيد الفصل. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: في حكم الاستفتاح وهل يكون مشروعا للصلاة أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنه مشروع لأجل الصلاة، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية ~~والناصرية وهو قول الفريقين. # والحجة على هذا: ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: كان الرسول ~~إذا افتتح الصلاة كبر ms1086 ثم قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا ~~مسلما وما أنا من المشركين، إلى قوله: وأنا من المسلمين)). فهذا نص صريح ~~فيما قلنا برواية أمير المؤمنين وهي أوثق الروايات وأوضحها. # المذهب الثاني: أن الاستفتاح للصلاة غير مشروع وهذا هو المحكي عن مالك ~~فإنه قال: لا وجه له في الصلاة. # والحجة على هذا: هو أن الاستفتاح لا يخلو حاله إما أن يكون قبل الدخول في ~~الصلاة أو بعده فإن كان قبل الدخول في الصلاة فلا وجه له لأنه ليس بعد ~~الإقامة إلا التلبس بالصلاة، وإن كان بعد الدخول في الصلاة فلا معنى له لأن ~~الله تعالى يقول: {وذكر اسم ربه فصلى }[الأعلى:15]. والمعنى أنه كبر ودخل ~~في الصلاة. فحصل من هذا أن الافتتاح بالتوجه ليس مشروعا. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وعلماء الأمة. PageV03P116 # وحجتهم: ما نقلناه، ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن الرسول أنه كان إذا افتتح ~~الصلاة قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما -إلى ~~قوله- وأنا من المسلمين)). وروت عائشة عن الرسول أنه كان يقول عند ~~الافتتاح: ((سبحانك اللهم وبحمدك ))(1). # وفي هذا دلالة على كونه مشروعا لأنه لا معنى لكون الفعل مشروعا إلا أن ~~الرسول فعله غير مرة فدل ذلك على كونه مشروعا ومسنونا. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: لو كان الافتتاح مشروعا لكان لا يخلو فعله إما أن يكون قبل الدخول ~~في الصلاة أو بعده، وقد بطلا بما ذكرناه. # قلنا:عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه قد ورد فعله قبل التحريم بالتكبير وبعده كما سنوضحه، ~~واختلاف العلماء في وقته لا يبطل كونه مشروعا. # وأما ثانيا: فلأنه قد كثر النقل فيه وتناقله الخلف والسلف من جهة الصدر ~~الأول من الصحابة والتابعين قولا وفعلا فلا وجه لإنكار كونه مشروعا عند ~~افتتاح الصلاة. # الفرع الثاني: في بيان صفة الافتتاح، وفيه اختيارات لأكابر أهل البيت ~~وغيرهم من علماء الأمة ونحن نذكرها بمعونة الله: # الاختيار الأول: محكي عن الهادي وهو رأي زيد بن علي والصادق والباقر. وهو ~~الاستفتاح بقوله ms1087 تعالى:{وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما ~~وما أنا من المشركين}[الأنعام:79] {إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}[الأنعام: 162،163]. # والحجة على هذا الاختيار: ما رواه علي عن الرسول أنه كان إذا افتتح ~~الصلاة قال:((وجهت وجهي -إلى قوله- ولم يكن له ولي من الذل )). PageV03P117 # الاختيار الثاني: محكي عن القاسم أنه مخير بين افتتاحات ثلاثة: # أولها: أن يقول المصلي: {الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في ~~الملك ولم يكن له ولي من الذل}[الإسراء:111]. وهذا هو الذي اختاره السيد ~~أبو طالب في الافتتاح. # وثانيها: أن يقول: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما ~~أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ~~وبذلك أمرت وأنا من المسلمين). # وثالثها: أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت تبارك اسمك وتعالى ~~جدك ولا إله غيرك. فرأيه التخيير بين هذه الأذكار في الافتتاح للصلاة. # الاختيار الثالث: محكي عن الناصر، وتقريره هو: أن المؤذن إذا فرغ من ~~الإقامة استقبل المصلي القبلة ثم يستفتح بثلاث تكبيرات يقول: الله أكبر ~~اللهم بك آمنت وبك أسلمت وعليك توكلت أنت ربي وأنا عبدك عملت سوءا وظلمت ~~نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله بيديك ~~والشر ليس إليك والمهدي من هديت لا منجا منك إلا إليك سبحانك وحنانيك، ~~تباركت ربي وتعاليت، ثم يقول: الله أكبر ويقرأ: وجهت وجهي للذي فطر السموات ~~والأرض حنيفا مسلما وأما أنا من المشركين، ثم يقول: أعوذ بالله السميع ~~العليم من الشيطان الرجيم، ثم يكبر الثالثة للإفتتاح للصلاة. # والحجة على هذا: ما روي عن علي أنه كان يستفتح الصلاة على هذه الصفة، ~~ومثل هذا إنما يصدر عن توقيف من جهة الرسول لأن ما هذا حاله لا مجال ~~للاجتهاد فيه. # وروي عن الناصر أيضا أنه يبتدئ فيقرأ: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ~~إلى قوله وأنا من المسلمين، ثم يقول: الحمد لله ms1088 الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن ~~له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل. ثم يتعوذ ثم يكبر ويقرأ. PageV03P118 # الاختيار الرابع: محكي عن المؤيد بالله. وهو أن المصلي إذا قام للصلاة يكبر ~~للإفتتاح للصلاة ثم يقرأ: وجهت وجهي -إلى قوله- وأنا من المسلمين، ثم يتعوذ ~~ثم يبتدئ {بسم الله الرحمن الرحيم} ويقرأ فاتحة الكتاب. # والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي أنه كان إذا افتتح الصلاة كبر وقال: ~~وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض إلى قوله وما أنا من المشركين، ثم ~~يتعوذ ثم يبتدئ القراءة. # الاختيار الخامس: محكي عن أبي حنيفة فإنه قال: يستحب إذا كبر المصلي أن ~~يقول عقيب التكبيرة: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ~~وتقدست أسماؤك ولا إله غيرك. # والحجة على هذا: ما روت عائشة رضي الله عنها أن الرسول كان يقول ذاك إذا ~~كبر وافتتح الصلاة. # الاختيار السادس: محكي عن الشافعي، وهو الذي استحسنه ورآه، وهو أن يقول ~~المصلي إذا استفتح الصلاة: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما ~~وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك ~~له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، ثم يقول: اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ~~سبحانك وبحمدك أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفرلي ذنوبي ~~جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدني لأحسنها ~~إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله ~~بيديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت أنا بك وإليك لا منجا ولا ملجأ منك ~~إلا إليك تباركت وتعاليت استغفرك وأتوب إليك. # قال ابن الصباغ صاحب (الشامل): فإن كان المصلي منفردا أتى بذلك كله وإن ~~كان إماما أتى به إلا أن يكون في ذلك مشقة على المأمومين. # الاختيار السابع: محكي عن الطبري من أصحاب الشافعي قال: والمستحب للمصلي ~~أن يقول: الله أكبر كبيرا والحمدلله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وجهت ~~وجهي -إلى ms1089 قوله- وما أنا من المشركين. PageV03P119 # والحجة: ما روي عن الرسول أنه كان يقول ذاك. فهذه أقاويل العلماء في اختيار ~~الافتتاح للصلاة وكلها منقولة عن الرسول . # والمختار: ما ذكره الهادي واستحسنه لأوجه: # أما أولا: فلأن هذا من ألفاظ القرآن وما كان من ألفاظ القرآن فهو أرجح ~~على غيره من سائر الأدعية؛ لأن القرآن أفضل الأذكار؛ لأنه كلام رب العزة. # وأما ثانيا: فلأن أمير المؤمنين كرم الله وجهه نقله عن الرسول وخبره لا ~~يوازيه خبر غيره لما خصه الله تعالى من الورع والثقة في الرواية والثقة في ~~الدين، إلى غير ذلك من الخصال التي خصه الله بها. # وأما ثالثا:فلأنه فعله ودعا به، واستفتح الصلاة بفعله، واختاره لنفسه، ~~فلهذا كان راجحا على غيره. # وأما رابعا: فلكونه مشاكلا لحالة المصلي التي هو عليها من كونه مقبلا إلى ~~الله تعالى متوجها نحو القبلة راجيا للمغفرة من الله تعالى بتوجهه بالعبادة ~~إليه بقوله: وجهت وجهي. # وأما خامسا: فلأنه مختص بزيادة بينة على العظمة والكبرياء بما أشار إليه ~~من خلق السموات والأرض وفطرها، بخلاف سائر أذكار الصلاة فإنها ليست فيها ~~إشارة إلى ما قلناه. # وأما سادسا: فلما فيه من الإشارة بالتحنف إلى الله تعالى والتقرب إليه ~~بطاعته التي هي العبادة والخضوع والتذلل لجلاله. # وأما سابعا: فلما فيه من ذكر الإسلام الذي هو أعظم الوسائل إلى الله ~~تعالى في التقرب إليه وأقوى الأسباب في إحراز الرقبة عن القتل والمال عن السحت. # وأما ثامنا: فلما فيه من البرآءة عن الشرك والبعد عنه لقوله: وما أنا من ~~المشركين. # وأما تاسعا: فبما فيه من ذكر الإخلاص بالعبادة لوجه الله تعالى بقوله: إن ~~صلاتي ونسكي. PageV03P120 # وأما عاشرا: فبما فيه من الإشارة بالتسلم إلى الله تعالى في المحيا والممات ~~بقوله: ومحياي ومماتي لله، فإنه مفوض أمره إلى الله تعالى في حياته ومماته ~~لا تصرف له في نفسه وأنه متسلم منقاد. فهذه الوجوه كلها دالة على ترجيح هذا ~~الاستفتاح على غيره من سائر الاستفتاحات التي أشرنا إليها. # الفرع الثالث: اعلم أن بعض المتفقهة من أصحاب ms1090 الشافعي زعم أن قوله في ~~الخبر المأثور عن رسول الله وهو قوله: ((والخير كله بيديك والشر ليس إليك ~~)). يقتضي أن الخير من فعل الله وأن الشر ليس من فعل الله، وزعم أن أحدا من ~~الأمة لم يفرق بينهما لأن أصحاب الحديث يقولون: إن الخير والشر من فعل ~~الله، والمعتزلة يقولون: إنهما من فعل العبد. لكن الخبر له تأويلان: # التأويل الأول: ذكره المزني وحاصل كلامه أن معنى قوله: والشر ليس إليك ~~أي: لا يضاف إليك وإن كنت خلقته لأنه لا يضاف إليه إلا الحسن من أفعاله، ~~فيقال: ياخالق النور والشمس والقمر، ولا يقال: يا خالق القردة والخنازير ~~وإن كان خالقا لها، ولا يضاف إليه الشر وإن كان خالقا له. # التأويل الثاني: محكي عن ابن خزيمة(1) # من أصحاب الشافعي أيضا، وأراد: أن الشر لا نتقرب به إليك وإنما نتقرب ~~إليك بالخير. هذا تقرير كلامه في تأويل الخبر. PageV03P121 # واعلم أن ما ذكروه رمز منهم وإشارة إلى ما يهذون به في نصرة الخبر وإيضاح ~~منهاجه وتقويم زيغه وأوده وإعوجاجه، يالها والله من عقيدة كاذبة ونحلة ~~خبيثة وفرية على الله ما فيها مرية عنوانها الإنكار المحض وثمرتها العناد ~~الصرف، يا لله لقد عموا عن طريق الحق واتباع مسالكه وتاهوا في غمرات الباطل ~~فوقعوا في مهالكه {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ~~بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون}[المؤمنون:71]، ولنا معهم في إبطال ~~هذه المقالة مقامات ثلاثة: المطالبة والرد والإلزام. # المقام الأول: في المطالبة، فنقول: ما حملكم على هذا التأويل الذي ~~لفقتموه والإحتمال الذي اخترصتموه من غير دلالة عليه ولا عليه علم قائم ~~يستند إليه. # قالوا: لا قائل بالتفرقة وظاهر الخبر دال على التفرقة. PageV03P122 # قلنا: إن المقصود من الخبر هو أن ما كان من الخيرات من أفعال الله فإنها ~~حاصلة من عنده ومضافة إليه وإفاضة الخيرات بيده، وأفعاله كلها حسنة وحكمة ~~ومصلحة لا يتطرق إليها شيء من الخلل والنقصان والفساد والقبح، فالخيرات ~~كلها بيده والشر من أفعال العباد من الكفر والفسق وسائر أنواع ms1091 المعاصي من ~~الشرك وعبادة الأوثان والأصنام وتكذيب الرسل وغير ذلك من المعاصي الكفرية ~~والفسقية لاتضاف إليه ولا تكون متعلقة بقدره ولا منسوبة إليه، وإذا كان ~~الأمر هكذا فلا حاجة به إلى التأويلات التي ليس لها حاصل ولا ثمرة لها ولا ~~طائل، فأما قول المزني: إن الله تعالى خلق الشر ولكنه لا يضاف إليه. فهذا ~~كلام من لم يغمس يده في أصابيغ المباحث الكلامية ولا شم رائحة منها، فكيف ~~يقال بأنه خلقها ولكنها لا تضاف إليه؟ وليت شعري أيهما أبلغ خلقها وإيجادها ~~أو إضافتها؟ فعرفت أنه لم يتحاش عن التصريح بهذه المناقضة، ولا نزه نفسه عن ~~إطلاع النظار على خطئها وعوارها وما درى ولا أشعر نفسه أن بضاعة الفقهاء ~~والإطلاع على أسرار الحيض والنفاس لا تكفي في الإحاطة بالمباحث الإلهية ~~والأسرار الدينية، ولقد صدق من قال: ربما كان العمى خيرا من بصيرة حولا. # وأما قول صاحبه ابن خزيمة: إن الشر لا نتقرب به إليه وإن كان خالقا له ~~فقد ظهر فساده لأمرين: # أما أولا: فلأن الله تعالى إذا كان خالقا للشر من أفعال العباد فلا يعقل ~~في حقه نفي القربة بها ولا إثباتها لأن القربة إنما يعقل ثبوتها ونفيها ~~فيما كان فاعلا له. PageV03P123 # وأما ثانيا: فلأن هذا إنما يعقل على قول أهل العدل من الزيدية والمعتزلة ~~لأن أفعال العباد إذا كانت موجودة بقدرهم وفاعلين لها، انعقل انتفاء التقرب ~~بما كان شرا منها، فأما إذا كانت بقدرة الله تعالى وفاعليتها مضافة إليه لم ~~يعرف نفي التقرب بهذه، فعرفت بما ذكرناه هاهنا ضعف كلام هذين الرجلين ~~وبطلان ما ذكراه في تأويل هذا الحديث وأنهما لم يصنعا شيئا في الإقدام على ~~ما لا يحيطان بمعرفته، رمي في العمى وخبط في العشواء. PageV03P124 # المقام الثاني: في الرد عليهم فيما زعموه وحاصله أن نقول: إن هذا التأويل ~~مبني على أصل منهار وهو أن أفعال العباد كلها طاعاتها ومعاصيها مخلوقة ~~بقدرة الله تعالى وأنه لا تعلق لقدرة العبد بها. وهذا له من الفساد غرر ~~وحجول فإن البراهين العقلية ms1092 والسمعية قد دلت على اختصاص العبد بفعله وأنه ~~قادر على إيجاده ومتعلق بقدرته وواقف على قصده وداعيته والأمر والنهي ~~متوجهان إليه والمدح والذم متعلقان به وكل هذه الأمور دالة على تعلق أفعال ~~العباد تعلق إيجاد وتحصيل، وعلى الجملة فالعلم بكون العبد موجدا وفاعلا هو ~~علم ضروري وإنكاره يكون عنادا وميلا عن الحق. والمجبرة فهم متفقون على تعلق ~~قادرية العبد بأفعاله ولكن اختلفوا في وجة التعلق فمنهم من تعلق بالكسب كما ~~يحكى عن ابن أبي بشر الأشعري ومنهم من قال: التعلق بالقدرة لكونه طاعة ~~ومعصية كما هو محكي عن القاضي أبي بكر الباقلاني وهو من حذاقهم، ومنهم من ~~قال: التعلق بالعبد من جهة الوجود كما هو محكي عن عبدالملك الجويني. فهؤلاء ~~قد أثبتوا هذه التعلقات حتى تكون مستندا للأمر والنهي والمدح والذم وتكون ~~واقعة على القصد والداعية، ويجوز في حق بعضهم أن يجعل وجه التعلق هو ~~الوجود، وهذا لا مانع منه. فحصل من مجموع ما ذكرناه أن دعوى الضرورة في ~~تعلق أفعال العباد بهم صحيح لا يمكن دفعه ولا يسع إنكاره، وإذا كانت أفعال ~~العباد متعلقة بهم بطل ما قالوه من إضافتها إلى قادرية الله تعالى. # المقام الثالث: في بيان ما يتوجه عليهم من الإلزامات. اعلم أن الإلزامات ~~المتوجهة عليهم على القول بخلق الله تعالى لأفعال العباد كثيرة شنيعة. PageV03P125 # فقولهم هذا يؤدي إلى بطلان المدح والذم والأمر والنهي؛ لأن هذه الأمور إنما ~~تكون متوجهة على من له فعل تضاف إليه هذه الأحكام فأما من ليس له فعل فلا ~~وجه لتوجهها إليه، ويؤدي إلى بطلان بعثة الأنبياء لأن الله تعالى إذا كان ~~هو المتولي لفعلها فلا وجه لبعثة الرسل وإرسالهم لأن بعثتهم إنما تكون لطلب ~~الطاعات من العباد والإنتهاء عن المعاصي فإذا كانت هذه الأفعال حاصلة بقدرة ~~الله تعالى بطل الغرض بالبعثة لأن الله تعالى لا يبعث الرسل لأن يفعل فعلا ~~من الأفعال من جهته. # ويؤدي إلى بطلان الشرائع لأن حاصل الشريعة هو الأمر والنهي وهذا لا يتأتى ~~إلا ممن يقدر على ms1093 الفعل حتى يتعقل كونه مأمورا منهيا، فإذا كانت حاصلة من ~~جهة الله تعالى بطل الشرع وكان لامعنى له. # ويؤدي إلى إفحام الرسول. وبيانه أن الله تعالى إذا بعث الأنبياء إلى ~~الخلق كان للخلق أن يقولوا: إنا لا نصدقكم فيما قلتموه ولا ننقاد لكم فيما ~~أمرتموه لأن الله تعالى لم يخلق فينا قدرة التصديق ولا قدرة الإنقياد لكم ~~فلا وجه لدعائكم لنا. فهذا ما أردنا ذكره على ما قالوه في تأويل الخبر وهو ~~أمر عارض وإنما أحوج إليه كلامهم في المخلوق وقد أودعنا الكتب العقلية ما ~~يكفي ويشفي في إبطال مقالاتهم وما يتوجه عليهم من الإلزامات. # الفرع الرابع: في وقت الافتتاح وهل يكون قبل التكبير للصلاة أو بعده؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أن وقت الافتتاح يكون قبل التكبير وهذا هو رأي الإمامين ~~القاسم والهادي ومحكي عن السيدين أبي طالب وأبي العباس. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ~~ذلك سبيلا، وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم ~~يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا}[الإسراء:110،111]. PageV03P126 # ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر عقيب هذا الافتتاح ~~بالتكبير، وفي هذا ما نريده من أن الافتتاح مشروع وقته قبل التكبير وإلى ~~هذا ذهب الناصر. # المذهب الثاني: أن وقت الافتتاح إنما هو بعد التكبير، وهذا هو رأي زيد بن ~~علي والباقر والصادق والمؤيد بالله، ومحكي عن الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه ~~والشافعي وأصحابه. # والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أنه كان إذا ~~افتتح الصلاة بالتكبير قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما ~~وما أنا المشركين. وفي هذا دلالة على أن وقته بعد التكبير. # والمختار: هو التخيير بين الافتتاح قبل التكبير أو بعده، فقد ورد في ~~تقدمه على التكبير أحاديث، منها ما روت عائشة رضي الله عنها أن الرسول كان ~~يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمدلله رب العالمين(1)، # وفي هذا دلالة على أن ms1094 الافتتاح قبل التكبير، ومنها ما روي في سنن أبي ~~داود أن الرسول قال: ((إذا قمت إلى الصلاة فارفع يديك وكبر واقرأ ما ~~بدالك))(2). # فدل ظاهره على تقديم الافتتاح، ومنها ما روى أبو رفاعة(3) # عن الرسول أنه كان جالسا في المسجد فقال له الرسول : ((إذا قمت في صلاتك ~~فكبر ثم اقراء ما بدالك)). فهذه الأخبار كلها دالة على أن الافتتاح مشروع ~~قبل التكبير كما ذكره الهادي. PageV03P127 # ووردت أحاديث دالة على كونه مشروعا بعد التكبير، منها ما روى عبدالله بن ~~رافع(1) # عن علي قال: كان الرسول إذا قام إلى الصلاة كبر ثم قال: ((وجهت وجهي للذي ~~فطر السموات والإرض )). ومنها ما روى زيد بن علي عن علي أنه كان إذا افتتح ~~الصلاة قال: الله أكبر وجهت وجهي. ومنها ما روي من طريق أبي رافع أن رسول ~~الله كان إذا افتتح الصلاة قال: ((وجهت وجهي)). وظاهره دال على أن افتتاحه ~~بعد التكبير وفيه دلالة على أن الافتتاح بعد التكبير. فهذه الأحاديث كلها ~~متعارضة فيما دلت عليه وهي متقاربة في ترجيحها بالإضافة إلى المتن والسند ~~فلهذا كان الأقرب التخيير. نعم يمكن أن يقال: إنما ذكره الهادي من ~~الإستدلال بالآية الدالة على أن الافتتاح قبل التكبير راجح على ما ذكره ~~المؤيد بالله ومن كان معه لأن الآية لا يوازيها شيء من الأخبار في القوة؛ ~~لأنها مقطوع بأصلها ودالة على المقصود بظاهرها، فلا جرم كان ما ذكره الهادي ~~راجحا على غيره. # الفرع الخامس: في بيان محله. ومحله الفرض والنفل لأن الأدلة الشرعية لم ~~تفصل في الافتتاح بين الفرض والنفل لكنه في الفرض آكد في الاستحباب من ~~النفل لأمرين: # أما أولا: فلأن الإهتمام بالفرض أكثر وآكد في نظر الشرع من الإهتمام ~~بالنفل لأن الشرع قد خفف في النوافل كثيرا من التخفيفات كالأداء على ~~الراحلة وترك القيام في النافلة مع القدرة عليه. # وأما ثانيا: فلأن النوافل كثيرة يتسع فيها، فربما شق الافتتاح فيها مع ~~كثرتها واتساعها، وسواء كان إماما أو مؤتما أو منفردا في إستحباب الافتتاح، ~~والإجماع منعقد ms1095 على ذلك، وسواء في ذلك الرجال والنساء لأن الأدلة ما فصلت. PageV03P128 # الفرع السادس: في التعوذ. ويقع النظر في حكمه وصفته ووقته والجهر به ومحله، ~~فهذه أحكام خمسة نذكر ما يتعلق بكل واحد منها بمعونة الله: # الحكم الأول: في حكمه. وهل يكون مشروعا في الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه مشروع في الصلاة وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية ~~والناصرية، وهو محكي عن الفريقين. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم}[النحل:98]. # الحجة الثانية: ما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه كان يتعوذ إذا أراد ~~الصلاة فيقول: ((أعوذ بالله من الشيطان الرحيم )) (1). # المذهب الثاني: أن التعوذ غير مشروع في الصلاة وإنما يكون مشروعا في قيام ~~شهر رمضان وهذا هو المحكي عن مالك حكاه الأبهري(2) # عنه في شرح المختصر. # والحجة على هذا: هو أن التعوذ إنما كان مشروعا في قراءة القرآن بدليل ~~قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله}[النحل:98]. ولم تدل دلالة على ~~كونه مشروعا في غير القراءة، ولا شك أن الصلاة غير القراءة فلهذا لم يكن ~~مشروعا فيها، وأما رمضان فإنما كان مشروعا فيه لدلالة قامت عليه. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وفقهاء الأمة من كونه مشروعا في ~~الصلاة كما شرع الاستفتاح. # والحجة: ما ذكرناه عنهم. ونزيد هاهنا وهو أن الرسول كان يتعوذ قبل ~~القراءة وما كان من الأخبار دالا على الاستفتاح فهو دال عليه. PageV03P129 # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قوله: إن التعوذ لم يشرع إلا في القرآن بدليل الآية. # قلنا: عن هذا جوبان: # أما أولا: فلا نسلم أنه لم يشرع إلا في القراءة فإنه قد ورد عن الرسول ~~أنه كان يتعوذ في الاستفتاح للصلاة. # وأما ثانيا: فهب أنه لم يرد التعوذ إلا في حال القراءة فالاستفتاح هو نوع ~~من القراءة فإنه آية من كتاب الله تعالى وهو قوله: {وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض }[الأنعام:79]..إلى آخره، فلهذا قضينا بكونه مشروعا. # الحكم الثاني: في صفته. وفيه اختيارات أربعة: # الاختيار الأول: أن يقول ms1096 فيه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وهذا هو رأي ~~المؤيد بالله، وهو محكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم}[النحل:98].وما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه كان يقول في ~~تعوذه: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم )). # الاختيار الثاني: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. وهذا هو ~~رأي الإمام الناصر، ومحكي عن الحسن بن صالح. # والحجة على هذا هو أن ما ذكرناه جمع بين الآيتين الواردتين في التعوذ وهو ~~قوله تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع ~~العليم}[فصلت:36]. وقوله: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم} [النحل:98]. فما ذكرنا هو جمع بينهما. # الاختيار الثالث: محكي عن الإمام الهادي وهو قوله:أعوذ بالله السميع ~~العليم. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم}[النحل:98]. فخص هذه العوذة بقوله:{السميع العليم}. ولم يذكر فيها ~~الشيطان الرجيم. PageV03P130 # الاختيار الرابع: محكي عن سفيان الثوري وهو قوله: أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم إن الله هو السميع العليم. فهذه الاختيارات كلها واردة في صفة ~~التعوذ. # والمختار من هذه العوذ: ما عول عليه الناصر وإنما اخترناه لأن فيه الجمع ~~بين ما ورد في الكتاب وما ورد في السنة فلهذا كان مختارا وغير تعويل على ~~أحدهما دون الآخر ولا شك أن الجمع بينهما أقوى وآكد وكلها مرشدة إلى ~~المطلوب لكن هذا راجح على غيره. # الحكم الثالث: في بيان وقته. وفيه مذاهب: # أولها: أن وقت التعوذ قبل الاستفتاح وهذا هو رأي الهادي والقاسم في رواية ~~أبي العباس. # والحجة على هذا قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم}[النحل:98]. أراد فإذا أردت القراءة. كقوله تعالى:{إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم }[المائدة:6]. والمعنى إذا أردتم. # وثانيها: أن وقته بعد الاستفتاح وقبل التكبير، وهذا هو رأي الناصر. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ}. والفاء دلالة ~~التعقيب، والتوجه من القرآن، فلهذا كان التوجه بعده لظاهر الآية. # وثالثها: أن وقته بعد الاستفتاح وبعد التكبير، ms1097 وهذا هو رأي الإمامين ~~القاسم في النيروسي والمؤيد بالله وهو محكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه كان يكبر للصلاة ثم يستفتح ثم يتعوذ. # ورابعها: أنه يتعوذ بعد القراءة وهذا شيء يحكى عن أبي هريرة وابن سيرين ~~والنخعي. # وخامسها:أنه يتعوذ قبل القراءة وهذا محكي عن سفيان الثوري. # وسادسها: أنه لا يتعوذ [إلا في] قيام رمضان وهذا هو رأي مالك، يفعله بعد ~~القراءة. PageV03P131 # والمختار من هذه المذاهب: هو أن التعوذ يكون بعد الاستفتاح لقوله تعالى: ~~{فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله }. والفاء للتعقيب والترتيب فظاهر الآية ~~دال على أن التعوذ عقيب الاستفتاح من غير فصل وأنه مرتب عليه لا يفعل قبله. # الحكم الرابع: الجهر والمخافتة فيه، وحكي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه ~~كان يجهر به وحكي عن ابن عمر أنه كان يسر به. وعلى هذا أيهما فعل كان مجزيا ~~في السنة، والذي يأتي على كلام الهادي: أن صفة القراءة كالقراءة، وعلى هذا ~~إذا كانت الصلاة سرا كان التعوذ سرا وإن كانت الصلاة مجهورة كان التعوذ جهرا. # وأما الشافعي فله قولان: قال في (الإملاء): أنه مخير بين الجهر والإسرار. ~~وقال في (الأم): أن السنة أن يجهر بالتعوذ، وهذا هو الصحيح من مذهبه لما ~~روي أن الرسول كان يتعوذ قبل القراءة فلولا أنه يجهر به لما سمع منه، وحكي ~~عن أبي علي الطبري من أصحاب الشافعي أن السنة أن يسر بالتعوذ لأن السنة هو ~~الجهر بالتأمين والقراءة دون غيرهما من الأذكار. # الحكم الخامس: في بيان محله، يستحب عند أئمة العترة أن يكون محله في ~~الركعة الأولى، وهو أحد قولي الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أنه ذكر مشروع قبل القراءة وقبل الاستفتاح فلم يكن ~~مسنونا في غير الركعة الأولى كدعاء الافتتاح، وهل يستحب فيما سواها من ~~الركعات أم لا؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي: # أحدهما: أنه يستحب الإتيان [به]في كل الركعات لقوله تعالى: {{فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}[النحل:98]. ولم يفصل بين ركعة ~~وركعة لأن في كل ركعة ms1098 واحدة قرآنا. # وثانيهما: أنه لا يستحب لما ذكرناه أولا، وإذا قلنا بأنه يستحب في ~~الركعة[الأولى] لا غير فإذا تركه ناسيا أو جاهلا أو عامدا لم يكن عليه ~~الإعادة ولا يلزمه سجود السهو. وقد تمت المقدمات بما ذكرناه والحمد لله. PageV03P132 # --- ### ||| AUTO الفصل الثاني في بيان المقاصد للصلاة # ونعني بالمقاصد: فروضها وأركانها، وجملتها فروض عشرة: النية والتكبيرة ~~والقراءة والقيام والركوع والإعتدال منه مع الطمأنينة فيهما والسجود ~~والقعدة بين السجدتين مع الطمأنية والتشهد الأخير والقعود فيه والصلاة على ~~الرسول والتسليمتان. ونحن نذكر كل واحد من هذه الفروض ونذكر ما يختص كل ~~واحد منها بمعونة الله. # القول في النية: والإجماع منعقد على وجوبها في الصلاة إلا عن شذوذ نذكرهم ~~في الفرع الثالث، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين " }[البينة:5]. والإخلاص هو نية العبادة خالصة لله تعالى. ~~وقوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى " )). وفي حديث آخر: ((لا قول ~~إلا بعمل " ولا قول ولا عمل إلا بنية ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة ~~السنة)). # واعلم أنه قد أشار في هذا الحديث إلى قواعد الإيمان وهي ثلاثة: # القاعدة الأولى: إحراز الاعتقادات الدينية بتحصيل المعارف الإلهية وهذا ~~نحو العلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما يجب له وما يستحيل عليه، ونحو ~~العلم بصدق الرسول فيما جاء به من أمور الديانة. # القاعدة الثانية: الإقرار بالشهادتين وبصحة ما جاء به الرسول من أمور ~~الدين وأحكام الآخرة فإن هذه الإقرارات أصل في كمال الإيمان؛ لأن في ~~الإقرار بها إحراز الرقبة عن القتل وإحراز الأموال عن الأخذ والسحت. # القاعدة الثالثة: العمل بتأدية هذه الأفعال التي ورد بها الشرع ودل على ~~وجوبها العقل من العبادات وغيرها فمتى حصلت هذه القواعد فقد كمل الإيمان، ~~فأشار إلى أن القول غير نافع إلا بانضمام العمل إليه وأن القول والعمل غير ~~نافعين إلا بانضمام النية إليهما وأن الأقوال والأفعال والنيات غير مجزية ~~إلا بإصابة السنة. والغرض بإصابة السنة: هو اعتقاد(1) PageV03P133 أن كل ما جاء به الرسول فهو ms1099 حق وصدق. وهذا تمهيد الفصل. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: في حقيقة النية وجنسها. # أما حقيقتها فهي: الإرادة المقارنة التي تؤثر في وقوعه على وجه دون وجه. # فقولنا: هي الإرادة، عام في سائر الإرادات. # وقولنا: المقارنة، نحترز عما تقدم من الفعل من الإرادات فإنه يكون عزما ~~ولا يكون نينة، والعزم مخالف للنية. # وقولنا: التي تؤثر في وقوعه على وجه دون وجه، لأن هذا هو حكم النية ~~وثمرتها والذي يؤتى بها لأجله ولهذا فإن السجدة الواحدة يمكن إيقاعها للصنم ~~ويمكن إيقاعها لله تعالى ولا تميزها لأحدهما إلا النية، وهكذا حال الصلاة ~~وجميع العبادات فإنه لا يمكن إيقاعها على جهة القربة والإخلاص لله تعالى ~~إلا النية، ولهذا أشار إلى ما قلناه بقوله:((لا قول ولا عمل إلا بنية)) ~~فنفى على جهة العموم أنه لا ثمرة للقول والعمل إلا بواسطة النية، وإعمالها ~~في الأقوال والأعمال وأنها هي العمدة في إيقاع الأفعال على الوجوه ~~المختلفة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن تأثير مطلق الإرادة في وجوه الأفعال ~~من كونها حسنة وقبيحة وكون الكلام أمرا ونهيا وخبرا. وأن النية مختصة من ~~بين سائر الإرادات بالتأثير في كون الأفعال عبادة وقربة وخالصة لوجه الله تعالى. # وأما جنسها: فهي نوع مخصوص مخالف للعلم والظن والاعتقاد؛ لأن الاعتقاد ~~ربط القلب على معتقده سواء كان معتقده مطابقا أو غير مطابق فلا بد من الجزم ~~بالاعتقاد. # وأما الظن فهو تغليب بالقلب على أحد المجوزين ظاهري التجويز. # فقولنا: ظاهري التجويز: نحترز به عن اعتقاد التقليد فإن المقلد وإن كان ~~يعتقد خلاف ما هو عليه لكنه ليس ظاهرا لأجل التصميم على ما هو عليه وإنما ~~هو أمر خفي، يخلاف محتملي الظن فإنهما ظاهران، والظن ترجيح أحدهما على ~~الآخر مع ظهورهما. PageV03P134 # وأما العلم فهو اعتقاد مع سكون النفس واطمئنان القلب على معتقده، فحاصله ~~أنه جزم مع سكون لا يتطرق إليه تجويز ولا احتمال بحال. # وأما الإرادة فهي مخالفة لهذه الأجناس الثلاثة في حقيقتها وفي تأثيرها ~~كما أشرنا إليه. # قال الإمام المؤيد بالله: ولو ms1100 صلى الظهر وهو عالم بأنه ظهر فإنه لا يجوز ~~أن يقال إن ذلك نية لأن العلم من جنس الاعتقاد. وهذا الكلام نشير به إلى ما ~~لخصناه من كون النية مخالفة للعلم والظن والاعتقاد وأنه لا يؤثر في كون ~~العبادة عبادة وقربة وخالصة لله تعالى إلا النية، وذكر الصلاة ليس نية ~~فيها. وحكى المؤيد بالله أن بعض الناس(1) # قال: إذا كان ذاكرا لما يفعله فهو نية. ذكره في (الزيادات). قال: وهذا ~~غير صحيح وإنما كان فاسدا لأن الذكر هو تجدد العلوم بما كان غافلا عنه، وقد ~~قررنا أن النية مخالفة للعلوم والاعتقادات. والنية مخالفة للكلام، وعلى هذا ~~فاللفظ باللسان مجردا لا يكون نية، فإن نوى بقلبه وتلفظ بالنية بلسانه ~~أجزأه، وإن نوى بقلبه ولم يلفظ بلسانه كان مجزيا له وكان أفضل من الأول لأن ~~الكلام بين الإقامة والتكبير يكره وإن لفظ بلسانه بالنية دون قلبه لم يكن ~~مجزيا له لفقد النية التي اعتبرناها وكما أن النطق بالنية غير معتبر فهكذا ~~تصور الحروف بالقلب وترتيبها في الذهن غير معتبر أيضا من جهة أن النطق ~~بالحروف لما كان غير معتبر في النية بصريحه، فهكذا حال تصور الحروف غير ~~معتبر أيضا لأنها تابع للنطق، ومحل النية القلب لأنه من جملة أفعال القلوب ~~كالعلوم والاعتقادات والظنون ولأنها مؤثرة في الإخلاص والإخلاص إنما يكون ~~بالقلب. # الفرع الثاني: النية هل تكون ركنا من أركان الصلاة أو تكون شرطا كاستقبال ~~القبلة وستر العورة؟ فيه لأصحاب الشافعي طريقان: # الطريق الأول: أنها ركن من أركان الصلاة وهذه طريقة أهل بغداد. PageV03P135 # الطريق الثاني: أنها شرط من شروط الصلاة وهذه طريقة أهل خراسان لأنها لو ~~كانت ركنا لافتقرت إلى النية كسائر الأركان. # والمختار على مذهبنا وعليه الجلة من أصحاب الشافعي: أنها ركن بل هي أجلها ~~وأعظمها ولا تنصلح الصلاة إلا بها وإنما لم تكن النية مفتقرة إلى نية ~~لأمرين: # أما أولا: فلانعقاد الإجماع على أنها غير مفتقرة إلى النية. # وأما ثانيا: فلأن النية إرادة مخصوصة تقصد لايقاع الأفعال على أوجه ~~مخصوصة، والإرادة ms1101 لا تراد، إذ لا فائدة في إرادتها، والصلاة إنما تكون ~~مفتقرة إلى نية في ابتدائها ولا يضر عزوبها بعد انعقادها في أولها، فلو نوى ~~المصلي في صلاته قطعها والخروج منها مع كونه متلبسا بها فهل تبطل صلاته ~~بهذه النية أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن صلاته لا تبطل بمجرد نية الخروج إذا لم يفعل فعلا ~~يفسدها ويبطلها لكنه يبطل ثوابها عند الله تعالى، وهذا هو رأي الهادي ~~والناصر والمؤيد بالله ومحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن حقائق هذه الأفعال موجودة وصورها ثابتة مع وجود ~~نية الخروج منها، ولهذا فإن من قرأ القرآن ونوى به أنه غير قارئ، وهكذا من ~~حج وصام وصلى وجاهد ونوى أنه غير فاعل لهذه العبادات فإنه لا يكون خارجا عن ~~فعلها بمجرد هذه النية، فهكذا في الصلاة لا يكون خارجا عنها ولا مبطلا ~~بمجرد نية الخروج عنها. # المذهب الثاني: أن مجرد نية الخروج يكون مبطلا لها، وهذا هو الذي ذكره ~~السيد أبو العباس ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن الصلاة عبادة تفتفر إلى النية فيجب أن تكون نية ~~الخروج منها مبطلا لها كالوضوء. # والمختار: ما عول عليه الأئمة. # وحجتهم: ما ذكرناه. ونزيد هاهنا وهو قوله : ((لا يقطع الصلاة شيء " )). ~~فيجب بحكم العموم أن لا تكون منقطعة بهذه النية. PageV03P136 # ومن وجه آخر: وهو أن المصلي غير داخل في الصلاة بمجرد النية فيجب أن لا ~~يكون خارجا عنها بمجرد نية الخروج عنها، وقد وافقنا الشافعي على أن نية ~~الخروج من الصوم لا تكون مبطلة له والتفرقة بينه وبين الصلاة هو أن حقيقة ~~الصوم راجعة إلى الكف عن المفطرات وليس له عقد وتحلل ولكنه ينتهي بغروب ~~الشمس مع الكف عما يفطر. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: الصلاة عبادة تفتقر إلى النية فنية الخروج منها يجب أن تكون مبطلة ~~لها كالوضوء. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الوضوء وصلة، والصلاة هي المقصود فلا يلزم إذا كانت نية ~~الخروج مبطلة للوضوء أن تكون ms1102 مبطلة للصلاة لافتراقهما. # وأما ثانيا: فإن الوضوء يتعين فعله لأجل الصلاة بدليل قوله تعالى: {إذا ~~قمتم إلى الصلاة " }[المائدة:6]. فلهذا كان صرفه عما عين له مبطلا له بخلاف ~~سائر العبادات من الصلاة والصوم والحج فافترقا. نعم لو علق نية الخروج من ~~الصلاة بدخول شخص أو خروجه فهل تبطل الصلاة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: البطلان لأن هذا الشرط يبطل الجزم بالصلاة ويقطع الاستمرار عليها. # وثانيهما: أنها لا تبطل، وهذا [هو] المختار لأنه مستمر في الصلاة ولسنا ~~على قطع في وقوع الدخول والخروج فلهذا لم تكن باطلة بهذه النية. # الفرع الثالث: قد ذكرنا من قبل أن النية جنس الإرادات وأنها إذا تقدمت ~~فهي عزم، وإن قارنت الفعل فهي قصد، وإن أثرت في وجوه الأفعال فهي نية، فإذا ~~تقرر ذلك فهل تكون واجبة في الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية ~~ومحكي عن فقهاء الأمة الشافعية والحنفية والمالكية لا يختلفون في ذلك ولم ~~يحك الخلاف في وجوب النية في الصلاة عن أحد من العلماء من الصدر الأول من ~~الصحابة والتابعين رضي الله عنهم إلى أن نبغ الخلاف من هؤلاء المخالفين(1). PageV03P137 # والحجة على ذلك: ما قررناه من الآية والأخبار التي رويناها فإنها دالة على ~~وجوبها، ثم [إن] الإجماع في كل وقت من جهة العلماء فيه دلالة كافية على ~~الوجوب وهي من الأدلة الشرعية المعتبرة في تقرير الأحكام الشرعية. # المذهب الثاني: محكي عن الأصم وإسماعيل بن عليه(1) فإنهما زعما أن النية ~~غير واجبة وأن الذكر في الصلاة غير واجب وإنما الواجب ليس إلا الأفعال ~~كالقيام والقعود والركوع والسجود. # والحجة على ما زعموه قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا " " ~~}[الحج:77]. # ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر بهذه الأفعال الشرعية ~~في العبادة ولم يوجب غيرها من النية وسائر الأذكار في الصلاة فلهذا كان ~~الوجوب مقصورا عليها. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وعلماء الأمة من إيجاب النية والذكر ~~في الصلاة. وسنقرر وجوب ms1103 الأذكار في الصلاة في مواضعها اللائقة بها، وأما ~~النية فقد دللنا عليها بالآية والخبر فلا فائدة في تكريره. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه من أوجه ثلاثة: # الجواب الأول: أن هذه الآية(2) # وإن دلت على وجوب هذه الأفعال فقد دلت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ~~على وجوب النية وسائر الأذكار فليس في الآية ما يدل على أنه لا واجب في ~~الصلاة إلا ما دلت عليه الآية فيلزم ما قالوه. PageV03P138 # الجواب الثاني: أن الإجماع منعقد من جهة علماء الشريعة أهل الحل والعقد من ~~أئمة العترة وفقهاء الأمة، على بطلان هذه المقالة وأن خلافهم ساقط ~~للإجماعات السابقة لهم من الصدر الأول إلى أن نبغ الخلاف منهم ثم الإجماعات ~~اللاحقة بعدهم على سقوط مقالتهم وبطلانها. # الجواب الثالث: أن من هذه حاله في الغباوة والجهل بمقاصد الشريعة وعلومها ~~لا يعتد بخلافه بل يكون من جملة العوام الذين لا عبرة بكلامهم ولا يعتد ~~كلامهم، وإذا كان نفاة القياس لا يعدون من علماء الشريعة المطلعين على ~~أسرارها والمتبحرون في علومها لإنكارهم القياس وإنما تعويلهم على الظواهر ~~القرآنية والأخبار المروية فهؤلاء الذين نفوا الأذكار أدخل منهم في الغباوة ~~وأكثر جرأة في الإنكار لما ظهر أمره في الصلاة واشتهر حاله. # الفرع الرابع: في وقت النية، وهو وقت التكبير وفيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: جواز المخالطة بالنية للتكبير، وجواز التقديم على التكبير ~~إما بأوقات يسيرة كما ذكره المؤيد بالله، وتقديره: إما بقدر عطاس أو سعال ~~يعرض قبل التكبير، وإما بأوقات كثيرة كما ذكره السيد أبو طالب، ومقداره: ~~ألا يحول بينها وبين التكبير قول أو فعل ليس من الصلاة فلا بأس بقدر ~~التوجه، وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله ~~والسيد أبي طالب. فأما أبو حنيفة فقد حكى عنه الطحاوي وجوب المقارنة ~~للتكبيرة وكان الجصاص ينكر ذلك ويقول: أن مذهبه جواز التقديم؛ فإذن الظاهر ~~أن مذهبه كمذهبنا في جواز التقديم والمقارنة. # والحجة على ذلك: قوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى " )). فاقتضى ~~ظاهر هذا الخبر أن النية متى ms1104 وقعت على منويها كانت مطابقة ولم يفصل بين أن ~~تكون مقارنة له أو متقدمة عليه. # المذهب الثاني: أن تكون النية مع التكبير لا قبله ولا بعده ولكن تكون ~~مخالطة للتكبير، وهذا هو رأي الشافعي ويقع على أوجه ثلاثة: PageV03P139 # أولها: أن يبسط النية على التكبير بحيث ينطبق أولها على أوله وآخرها على آخره. # وثانيها: أن تقترن النية بالهمزة. وهل يشترط استدامتها إلى آخر التكبير ~~أم لا؟ فيه وجهان. # وثالثها: أن يكون المصلي مخيرا بين البسط للنية على التكبير وبين تقديم النية. # والحجة على هذا: هو أن النية من حقها أن تكون مطابقة لمنويها ولا تعقل ~~المطابقة إلا إذا كانت على وفق منويها من غير تقدم لأوله ولا تأخر عن آخره. # المذهب الثالث: وجوب تقديم النية على المنوي، وهذا هو المحكي عن داود. # والحجة على هذا: هو أن النية إذا كانت متقدمة على منويها كان محرزا لأن ~~لا يمضي شيء من التكبير من غير نية. فهذا تقرير المذاهب. # والمختار: تفصيل نشرحه ونشير إليه، وحاصله: أن النية حضرة في القلب يحصل ~~فعلها على القرب تؤثر في كون المنوي قربة وعبادة وظهرا وأداء. وهذا أمر ~~يحصل على القرب والسهولة، ولقد عرفنا من حال صاحب الشريعة صلوات الله عليه، ~~ودأب الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم، التساهل في أمرها حذرا عن ~~المشقة وميلا عن استدعاء الشكوك وبعدا عن الوسوسة، وكان من عادتهم أن ~~المؤذن إذا قال: قد قامت الصلاة. أمرهم بتسوية الصفوف ثم أقبل إلى محرابه ~~وكبر على الخفة وكبر المسلمون خلفه على أسرع ما يكون وأقرب، وفي هذا دلالة ~~على التساهل في حال أمر النية وبناء الأمر على الخفة فيها، سواء كانت ~~مخالطة للتكبير أو متقدمة عليه، فالأمر فيها مبني على التيسير والسهولة. ~~وإلى ما ذكرناه يشير كلام أئمة العترة إذا تصفحت كلامهم في مصنفاتهم وجدتها ~~مبنية على الإنشراح من غير اشتراط مشقة. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالف ما ذكرناه. PageV03P140 # فنقول: اشترط الشافعي أن تكون النية مع التكبير لا قبله ولا بعده وتكون ms1105 ~~مخالطة للتكبير بحيث ينطبق أولها على أوله وآخرها على آخره أو تكون النية ~~مقترنة بالهمزة ويشترط إدامتها إلى آخر التكبير أو يكون المصلي مخيرا بين ~~البسط وبين التقديم على ما أثر من اختلاف أقواله في وقت النية. # قلنا: النية من أعمال القلب وفعلها يحصل على القرب والسهولة وتأثيرها ~~فيما ذكرناه في كون الصلاة عبادة وقربة وظهرا وأداء. وهذا أمر يسهل تحصيله ~~بالتقدم والمخالطة من غير حاجة إلى اشتراط ما ذكره من انطباق أولها على أول ~~التكبير وآخرها على آخره وأنها لا تكون قبل التكبير ولا بعده، فما هذا حاله ~~فيه صعوبة وعسرة وربما أورث الوسوسة وحصول الشك وتغير الحالة وكان شاغلا ~~للقلب عن الإقبال والخشوع، ولقد رأينا من أغرق في ملاحظة الإنطباق وأن ~~النية لا تتقدم ولا تتأخر حتى خرج إلى البدعة في تكرير التكبيرات الكثيرة ~~والخروج إلى اللحن بمدها وتطويلها حتى أخرجها عن قانونها الشرعي الذي أشار ~~إليه صاحب الشريعة صلوات الله عليه بقوله: ((التكبير جزم والتسليم جزم " ~~)). وأراد: أنه يكون قطعا وحتما من غير مد فيه ولا تطويل. # وما قاله داود أيضا من اشتراط التقدم للنية على التكبير لا وجه له ~~ومقصوده المحاذرة عن أن يمضي جزء من التكبير من غير مصادفة النية فلا تكون ~~الصلاة مجزية. # قلنا: الأمر كما يحصل بالتقدم بأوقات يسيرة فهو حاصل بالمخالطة فلا وجه ~~لإيجاب التقدم فالإجزاء حاصل بهما جميعا فيبطل اشتراط التقدم كما زعم. ~~فتنخل من مجموع ما ذكرناه: أن وقت النية التكبير، وأن الإجزاء يحصل بتقدمها ~~ومخالطتها على أيسر حال وأسهله من غير تعمق ولا تعسير كما لخصناه. # الفرع الخامس: في بيان كيفية النية، ويشتمل على أحكام [عشرة] نفصلها: PageV03P141 # الحكم الأول: اعلم أن النية تتعلق بالفرض والنفل. فأما الفرض فالنية ~~المجزية في إسقاطه عن الذمة: أن ينوي المصلي بالصلاة ظهرا أو عصرا فيخرج ~~بنية الظهر عن العصر وعن النفل، ولا يحتاج في كونه مجزيا إلى نية الفرضية ~~ولا إلى نية الإضافة إلى الله تعالى ولا إلى نية عدد الركعات. وأما النفل ms1106 ~~فرواتب الصلاة لا بد فيها من التعيين نحو سنة الظهر وسنة المغرب، وأما غير ~~الرواتب فلا بد من الإضافة إلى أسبابها نحو صلاة الكسوف وصلاة الإستسقاء ~~وصلاة الرغائب وصلاة شعبان، فإذا كانت مبتدأة لا سبب لها فإنه يكفي فيها ~~نية الصلاة مطلقا. # قال الإمام المؤيد بالله: النية ضربان: # نية تسقط بها العبادة عن الذمة وهي التي لا يحفظ الخلاف في أن القدر ~~الكافي منها أن ينوي الصلاة ظهرا أو عصرا. # ونية يحرز بها الفضل وزيادة الأجر نحو أن ينوي بالصلاة مصلحة في الدين ~~وقربة إلى الله تعالى واعترافا بعظمته وجلاله. # ثم اختلف أصحاب الشافعي فيما يجب اشتراطه في النية وما لا يشترط على ~~مذاهب خمسة: # أولها: أنه لابد من اشتراط نية الأداء في كون الصلاة مجزية، وهذا هو رأي ~~الشيخ أبي حامد الغزالي. وهو غير لازم لأمرين: # أما أولا: فلأن ما هذا حاله فلا تأثير للنية فيه فإنه إذا أدى الفريضة في ~~وقتها نوى أو لم ينو. # وأما ثانيا: فلأن قرينة التأدية في الوقت كافية في الأداء فلا يحتاج إلى شرطه. # وثانيها: نية الفريضة، وهذا هو رأي المروزي. وهذا أيضا غير لازم لأن نية ~~كونها ظهرا كافية في الفرضية لأن الظهر لا يكون إلا فرضا فلهذا لم يكن ~~مفتقرا إلى نية الفرضية. # وثالثها: نية عدد الركعات، وما هذا حاله فهو غير لازم فإنه إذا أدى الظهر ~~أربع ركعات فإنه يكون أربعا، نوى أو لم ينو، وإن صلاها ثلاثا ونواها أربعا ~~لم تكن أربعا، وفي هذا دلالة على أنه لا تأثير للنية في عدد الركعات. PageV03P142 # ورابعها: نية استقبال القبلة. فمنهم من اشترطه، وهو غير لازم أيضا فإن ما ~~هذا حاله لا تأثير للنية فيه. # وخامسها: إضافة العبادة إلى الله تعالى، فمنهم من اشترطها [وهو] غير لازم ~~أيضا فإن الإيمان بالله كاف في هذا الشرط فإن المصلي إذا كان مؤمنا فصلاته ~~لله وعبادته له فلا وجه لاشتراطه. # وذكر الشيخ يحيى بن أبي الخير العمراني في كتابه (البيان): أن الإرادة ~~ليست من قبيل ms1107 الكلام وإنما هي من قبيل الاعتقاد، وهذا خطأ فإنا قد أوضحنا ~~فيما سبق أن النية من قبيل الإرادات وأنها مخالفة في حقيقتها للاعتقاد ~~والظن والعلم. وإنما أتي في هذه المقالة من جهة أنه لم يأنس بشيء من ~~المباحث الكلامية فلهذا لم يميز بين الاعتقاد والإرادة. # الحكم الثاني: والمصلي إذا أراد أن يصلي الفائتة فهل تلزمه نية القضاء أم لا؟ # فحكي عن بعض أصحاب الشافعي: أن نية القضاء غير لازمة، والذي اختاره ~~السيدان الأخوان: أنه لابد من نية القضاء، وهو الأصح من قولي الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن الصلاة منقسمة إلى قضاء وأداء لكن الأداء غير ~~مفتقر إلى النية لما قدمنا من أن قرينة الوقت كافية عن نية الأداء بخلاف ~~القضاء فإنه صفة زائدة لا تتقرر ولا تنفصل عن الإحتمال إلا بالنية. قال ~~الإمام المؤيد بالله: والأصح أن ينوي في القضاء من أول ما عليه أو من آخر ~~ما عليه أيهما شاء فعل. وهذا جيد لأن وقت الأداء قد سقط بالفوات فصارت في ~~الذمة على جهة الإستواء كمن إدان دراهم على ذمته شيئا بعد شيء ثم قضاها فإن ~~شاء قضى من أول ما عليه أو من آخر ما عليه. PageV03P143 # الحكم الثالث: ولو فاته الظهر والعصر جميعا فدخل في الصلاة ينويهما جميعا ~~لم يجزه لأن التعيين واجب في العبادة، وتشريكه بين الصلاتين يمنع وقوعها ~~لأحدهما. ولو دخل بنية أحدهما ثم شك ولم يدر أيهما نوى لم تجزه هذه ~~المفعولة عن أحدهما حتى يتيقن أيهما نوى، وإن قيد النية بمشيئة الله. بأن ~~يقول: أصلي هذه الصلاة إن شاء الله نظرت؛ فإن قصد به الاستثناء بطلت الصلاة ~~لأنه أدخل في النية ما ينافيها ويرفعها فلهذا كانت باطلة؛ وإن أراد إيقاعها ~~بمشيئة الله أجزأه ذلك؛ لأن أفعال الطاعات كلها مرادة لله تعالى واقعة ~~بمشيئته. وإن نوى الفرض والنفل جميعا لم تنعقد صلاته، وحكي عن أبي حنيفة: ~~أنه ينعقد الفرض ويبطل النفل. # والحجة على ما قلناه: هو أنه نوى صلاتين مختلفتين فلا تصح كما لو ms1108 نوى ~~الظهر والعصر جميعا. # الحكم الرابع: وإن نوى ظهر وقته نظرت، فإن لم يكن عليه ظهر فائت أجزأه ~~لأن الوقت هو وقت الأداء، وإن كان عليه ظهر فائت فهل يجزيه ذلك أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا يجزيه إلا أن يكون صلى في آخر الوقت بحيث لم يبق من الوقت ~~إلى غروب [الشمس] إلا ما يتسع للعصر فحينئذ تجزيه وهذا هو الذي ذكره السيد ~~أبو طالب. # والحجة على هذا: هو أن هذا الوقت كما هو صالح للأداء فهو صالح للقضاء فلا ~~ينصرف إلى أحدهما دون الآخر فلهذا لم تكن مجزية مع الإحتمال إلا أن يكون لم ~~يبق من الوقت إلا ما يتسع للعصر فعند هذا قد تعين الوقت للظهر فلهذا كانت ~~مجزية فأما قبل ذلك فالإحتمال قائم. # وثانيهما: أنه يجزيه وإن كان في أول الوقت وهذا هو رأي المؤيد بالله. # والحجة على هذا: هو أن الوقت هو وقت الأداء ولا ينصرف إلى القضاء إلا ~~بالنية فإذا أطلق انصرف إلى المؤداة بكل حال. # هذا هو المختار من جهة أن الوقت هو وقت للظهر بدليل الشرع وليس وقتا ~~للمقضية إلا بالنية لأنه صالح لهما فلا ينصرف إلى المقضية إلا بالنية. PageV03P144 # الحكم الخامس: قال المؤيد بالله: ومن كان عليه ظهر فائت، وهو في وقت الظهر ~~نظرت فإن نوى ظهر يومه صح ذلك وانصرف إلى المؤداة؛ لأنها ظهر اليوم، وإن ~~نوى ظهر وقته فعلى رأي المؤيد بالله يصح ذلك وتنصرف إلى المؤداة، وعلى رأي ~~السيد أبي طالب يجزيه ذلك، كما مر بيانه من قبل، فلا وجه لتكريره، وإن نوى ~~الظهر مطلقا فذكر المؤيد بالله أنه لا يصح؛ لأنه كما يصح عن المؤداة فهو ~~صحيح على المقضية، ومع الإحتمال تبطل إلا أن يخص بالنية أحدهما دون الآخر، ~~وهذا فيه نظر فإنه إذا كان لا ينصرف إلى القضاء إذا قيدنا بالوقت مع أن ~~الوقت صالح للمؤداة والمقضية كما أشار إليه الرسول بقوله: ((فوقتها حين ~~يذكرها " )). فهكذا نية الظهر مطلقا لا تنصرف إلى المقضية؛ لأن قرينة ms1109 الوقت ~~[أقرب] فلهذا انصرف إلى المؤداة مع الإطلاق. # الحكم السادس: قال المؤيد بالله: إذا اشتبه عليه بقاء الوقت وخروجه نوى ~~عصر يومه أو فجر يومه، وهذا محمول على أن المصلي غلب على ظنه بقاء الوقت ~~فلهذا أجزأه نية فرض اليوم، فأما إذا غلب على ظنه خروج الوقت لم يكفه نية ~~عصر اليوم وفجر اليوم بل لابد من نية القضاء لما أوضحناه من وجوب نية ~~القضاء في كل ما فات وقته، وقال أيضا: ومن صلى خلف إمام أدركه في صلاته ولم ~~يعلم أنه يصلي الجمعة أو الظهر فنوى أنه يصلي ما يصلي الإمام صحت صلاته؛ ~~لأنها تختص بوجه واحد وهذا محمول على جمعة ليس لها شعار ولا ظهور ولا علو ~~شنار، فإن أمر الجمعة لا يخفى فإنها متميزة عن سائر الأيام بما يظهر فيها ~~من الأحكام الشرعية، فإذا كانت هذه الصورة ممكنة أو مقدرة صح ما قاله ~~الإمام. # فأما قوله: أنها تختص بوجه واحد فإنه يحتمل أوجها ثلاثة: # أولها: أن المصلحة هي الجمعة عند تكامل شروطها فإن لم تكن كاملة فالمصلحة ~~هي الظهر فأحدهما ساد مساد(1) # الآخر في المصلحة على جهة البدلية. PageV03P145 # وثانيها: أن يقال: الأصل في يوم الجمعة هو الظهر أو الجمعة على اختلاف بين ~~العلماء، فمنهم من قال الأصل هو الظهر والجمعة طارئة، ومنهم من قال الأصل ~~في يوم الجمعة هو الجمعة إلا أن يختل شرط من شروطها كانت ظهرا. # وثالثها: أن يقال الخطاب في يوم الجمعة هل يكون متعلقا بالجمعة أو الظهر؟ ~~فهذه الأوجه كلها دالة على اختصاصها بوجه واحد، ويزيد ما ذكره المؤيد بالله ~~في أصل المسألة وضوحا ما روي أن الرسول لما حج حجة الوداع وكان علي غائبا ~~في اليمن فلما وصل قال له الرسول: ((بأي شيء أهللت " ))؟ فقال: أهللت بما ~~أهل به رسول الله. فقال: ((إني سقت الهدي " ))(1) # فأشركه في هديه. # الحكم السابع: قال المؤيد بالله: ومن صلى فرض وقته ثم اعترضه الشك فأراد ~~أن يعيدها احتياطا فإنه ينوي آخر ما عليه من تلك الصلاة ms1110 فإن لم تصح صلاته ~~المفعولة أولا فالثانية تكون لوقته وإلا فهي آخر ما عليه من فائتة وهذا جيد ~~أيضا، فإن قوله: آخر ما عليه إذا كانت الصلاة المفعولة أولا صحيحة تكون ~~واقعة عن القضاء وإن لم ينو كونها قضاء، ولهذا فإنه لو صلى بعد صلاة الأداء ~~ونوى فيها آخر ما عليه فإنها تكون واقعة عن القضاء؛ لأنه لا معنى لكونها ~~آخر ما عليه إلا القضاء. وهذه المسألة مبنية على دخول الشرط في النية هل ~~تكون صحيحة أم لا؟ فالذي عليه أئمة العترة القاسمية والناصرية، صحة دخول ~~الشرط في النية. # والحجة على هذا هو أن النية إرادة ومن حقها أن تكون مؤثرة في وجوه ~~الأفعال وفي وقوعها على وجه دون وجه ومن جملة الوجوه كونها مشروطة، فلهذا ~~جاز دخول الشرط في متعلقها ويحكى عن السيد أحمد بن عيسى وأبي عبدالله ~~الداعي، وهو رأي أبي حنيفة ومالك أنه لا يجوز دخول الشرط في النية؛ لأن ~~النية جزم والشرط يورث الشك. # والمختار: ما قاله أئمة العترة، وهو رأي الشافعي. PageV03P146 # والحجة على ذلك: هو أن النية تابعة للعلم والاعتقاد والظن فلا تفعل إلا ~~تبعا لهذه الأمور فإذا جاز دخول الشرط في المتبوع جاز دخولها في التابع أحق وأولى. # الحكم الثامن: قال المؤيد بالله: ومن كان عليه قضاء صلاة المغرب واحدة أو ~~أكثر فصلى ثلاث ركعات ينوي بها قضاء ما عليه جاز وإن لم ينو المغرب لأن ~~ثلاث ركعات فريضة لا يكون غيرها، وفي سائر الصلوات لا يصح ذلك ما لم ينو ما ~~عليه من الفريضة بعينها وهكذا الكلام في صلاة الفجر فإنه لو صلى ركعتين ~~ينوي بهما قضاء ما عليه جاز وإن لم ينو الفجر؛ لأن ركعتين فريضة لا تكون ~~إلا إياها. قال أيضا: ولو كان شاكا هل عليه فائتة فقضاها بنية مشروطة ثم ~~ذكر أنها كانت فائتة عليه صح القضاء ولا إعادة عليه مع التحقق وهذا مبني ~~على صحة النية المشروطة وقد قررناه. # وقوله بعد ذلك: ويقصد في ذلك أنه يقضي الصلاة التي ms1111 شك فواتها زيادة إيضاح ~~وبيان؛ لأن المقصود أنه أدى القضاء بنية مشروطة وتحققه بعد ذلك لا يطرق ~~خللا فيما شرطه في نيته. # الحكم التاسع: ويستحب إذا كان إماما أن ينوي الإمامة فإن لم ينو لم يحصل ~~له فضيلة الإمامة لأن الأعمال بالنيات، وتجوز نية الإمامة بعد التكبير ~~وقبله لأن المقصود هو إحراز فضيلة الإمامة وهذا حاصل قبل التكبير وبعده، ~~وإن كان مأموما فعليه أن ينوي الإقتداء لإحراز فضيلة الجماعة. وهل يجب على ~~الإمام أن يكون إماما لغيره، أو يجب على المأموم أن يكون مقتديا بغيره أم ~~لا؟ فيه تفصيل نذكره في صلاة الجماعة ونذكر المختار بمعونة الله تعالى. PageV03P147 # الحكم العاشر: قال السيد أبو طالب وإن نوى المصلي القضاء في الصلاة المؤداة ~~لم تكن مجزية وإن نوى الأداء في الصلاة المقضية لم تكن مجزية أيضا كما لو ~~صلى الظهر بنية العصر وصلى العصر بنية الظهر، والوجه في هذا هو أن الإشتراك ~~موجب للفساد في العبادة بل يجب أن تكون كل صلاة واجبة كانت أو نفلا قضاء ~~كانت أو أداء مخصوصة بنية على حيالها وانفرادها حتى تكون مطابقة للوجه الذي ~~شرعت من أجله، وليكون الإخلاص متحققا في العبادة، وقد تم غرضنا من الكلام ~~في النية. PageV03P148 # --- ### ||| AUTO القول في التكبير # وهو المشروع في الصلاة لقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي )). ولقوله : ~~((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)). ولا خلاف في كون التكبير مشروعا في ~~الصلاة بيننا وبين نفاة الأذكار فإنهم لا يخالفون في كونه مشروعا وإنما ~~خلافهم في أنه غير واجب في الصلاة كما سبق تقرير الكلام عليهم. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: إذا تقرر كونه مشروعا فهل يكون واجبا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن التكبير واجب وأنه فرض مفروض وهذا هو رأي أئمة العترة ~~ومحكي عن فقهاء الأمة. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وربك فكبر }[المدثر:3]. وهذا أمر والأمر ~~للوجوب. # الحجة الثانية: قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي )). والمعلوم أنه كان ~~يكبر في أول الصلاة ولا يفتتح الصلاة إلا بالتكبير. # المذهب الثاني: أن ms1112 التكبير غير واجب في الصلاة، وهكذا سائر الأذكار، وهذا ~~هو رأي نفاة الأذكار في الصلاة وهو معزو إلى الأصم وإسماعيل بن علية وهؤلاء ~~محجوجون بالإجماع كما أسلفنا الكلام عليهم في النية. # والمختار: هو ما اعتمده علماء العترة وفقهاء الأمة من القول بوجوب ~~التكبير. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وكبره تكبيرا}[الإسراء:111]. ولا خلاف أنه ~~لايجب التكبير إلا في الصلاة. وقوله للأعرابي:((توض كما أمرك الله تعالى)). ~~ثم قال له: ((ثم استقبل القبلة وكبر)). # الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه في بطلان الذكر في الصلاة وقد مر ~~احتجاجهم وإبطاله فلا حاجة إلى تكرير الكلام على من بلغ في العناد هذا ~~المبلغ في إنكاره على السلف الصالح من أكابر أهل البيت وعلماء الأمة. # الفرع الثاني: إذا تقرر وجوب التكبير بما ذكرناه من الأدلة الشرعية فهل ~~يكون انعقاد الصلاة بالتكبير مع النية أو يكون انعقادها بالنية؟ فيه ~~مذهبان: PageV03P149 # المذهب الأول: أن انعقادها إنما يكون بمجموع الأمرين، التكبير مع النية، ~~وهذا هو رأي أئمة العترة وعلماء الأمة لا يختلفون فيه. أما النية فقد تقدم ~~الدليل على وجوبها، وأما التكبيرة فالدليل على وجوبها قوله : ((مفتاح ~~الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم)). # والحجة الثانية: قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي )). وفعله بيان لما ~~أجمل من خطابه، والمعلوم من حاله أنه كان لا يفتتح الصلاة إلا بالتكبير، ~~وفي هذا دلالة على أنها لا تنعقد إلا به مع النية. # المذهب الثاني: أن انعقاد الصلاة إنما يكون بالنية لا غير، وهذا شيء يحكى ~~عن الزهري. # والحجة على ذلك: قوله : ((الأعمال بالنيات )). وقوله: ((لا عمل إلا ~~بنية)). وظاهر هذين الخبرين دال على أن النية كافية في كل عمل وهذا هو ~~المراد. # والمختار: ما عليه علماء العترة وفقهاء الأمة من أن انعقاد الصلاة إنما ~~يكون بمجموع الأمرين التكبير مع النية. # وحجتهم: ما ذكرناه،ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى في تعليم الاستفتاح ~~للصلاة: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا } إلى قوله: {وكبره تكبيرا} ~~[الإسراء:111]. # ووجه الدلالة: هو أنه تعالى أمر بالتكبير عقيب التوجه والأمر ظاهره ~~الوجوب ms1113 إلا لدلالة تدل على خلافه ولأن التكبير أمر يتوصل به إلى صحة الصلاة ~~فيجب القضاء بوجوبه كالطهارة وستر العورة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)). فظاهره دال على أن النية ~~كافية في الأعمال للصلاة من غير حاجة إلى التكبير. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فإن هذا إنما يدل على وجوب النية ونحن نقول بموجبه فإن النية ~~أصل في العبادات كلها وليس في الخبرين دلالة على أنه لا يشترط إلا النية لا ~~غير، فأوجبنا النية لدلالة وأوجبنا التكبير لدلالة أخرى شرعية. PageV03P150 # وأما ثانيا: فلأن ما ذكره من الإستدلال يبطل عليه بالقراءة فإنه يقول بوجوب ~~الأذكار كلها والزهري ممن لا يقول بإبطال أذكار الصلاة، فكان يلزم أن لا ~~تجب القراءة وتكون النية كافية، وأيضا فإن قوله هذا مخالف لما قد وقع من ~~الإجماع السابق قبله واللاحق بعده على بطلان مقالته هذه فلا يعتد بها فبطل ~~ما قاله الزهري. ونحن لا ننكر روايته لحديث رسول الله وتفقهه في الحديث لكن ~~إن صح ما روي عنه أنه كان ممن حرس خشبة زيد بن علي فما هذا حاله يحط من ~~مرتبته ويوقع التهمة في روايته ويسقط فضله؛ لأن ما هذا حاله من الأفعال ~~الركيكة والهمم النازلة لا ينسب إلى من له أدنى مسكة في الدين وتعلق بفضل ~~الرواية لحديث رسول الله . # الفرع الثالث: هل يكون التكبير من الصلاة أو يكون خارجا عنها؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنه معدود من جملة فروض الصلاة وركن من أركانها وهذا هو ~~رأي الإمامين الهادي والناصر والسيد أبي طالب ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا:حديث الأسلمي(1) # لما فعل في الصلاة ما ليس منها[فقال الرسول ] (( إن صلاتنا هذه لا يصلح ~~فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)). فظاهر ~~الخبر دال على أن التكبير فيها كالقراءة. # الحجة الثانية: من جهة القياس، وهي أن التكبير ذكر من أذكار الصلاة متصل ~~بها فوجب أن يكون منها كالقراءة. # المذهب الثاني: أن التكبير ليس من ms1114 الصلاة وإنما يدخل به فيها، وهذا هو ~~رأي الإمام المؤيد بالله ومحكي عن أبي حنيفة والكرخي من أصحابه، وما حكيناه ~~عن أبي حنيفة فقد رواه الثقاة من أصحاب الشافعي عنه. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وذكر اسم ربه فصلى}[الأعلى:15]. فظاهره دال ~~على أنه جعله مصليا عقيب الذكر والذكر الذي يكون عقيبه الصلاة هو تكبيرة ~~الافتتاح فلو كان التكبير منها لكان مصليا معها. PageV03P151 # الحجة الثانية: قياسية، وهي أنه ذكر يتقدم أذكار الصلاة فوجب أن لا يكون ~~منها كالخطبة والأذان والإقامة. # والمختار: ما قاله الهادي والناصر. # والحجة:ما ذكرناه عنهما، ونزيد هاهنا وهو أن التكبير ركن من أركان الصلاة ~~فوجب أن يكون منها كالقراءة والقيام. # ومن وجه آخر: وهو أن الصلاة عبادة فيجب أن يكون الشروع فيها بجزء من ~~أجزائها كالصوم. # ومن وجه آخر: وهو أنها عبادة ذات تحليل وتحريم فوجب أن يكون التحريم جزءا ~~من أجزائها كالإحرام في الحج. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: الآية في قوله: {وذكر اسم ربه فصلى}[الأعلى:15]. دالة على أنه ~~يكون مصليا بعد الذكر وهو التكبير وفيه دلالة على ما قلناه من أن التكبير ~~ليس من الصلاة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذه الآية إنما ذكرها عقيب قوله: {قد أفلح من تزكى ، وذكر ~~اسم ربه فصلى}[الأعلى:14،15]. والمعنى أنه قد أفلح من زكى بالدين والإسلام ~~والإقرار بالتوحيد وذكر اسم ربه بالشهادة لله بالوحدانية ثم عقبه بالصلاة ~~التي هي ركن من أركان الإسلام فهذا هو المراد دون ما قالوه. # وأما ثانيا: فلأنا نحمله على الأذكار المتقدمة قبل الصلاة من الخطبة ~~والأذان والإقامة فإن كلها أذكار متقدمة على الصلاة. # قالوا: ليس يخلو الحال إما أن يدخل في الصلاة بابتداء التكبير أو بالفراغ ~~منها ولا يصح أن يكون بابتدائه؛ لأن الإجماع منعقد على أنه لا يكون داخلا ~~في الصلاة إلا بمجموعها وكمالها وإن دخل في الصلاة بالفراغ منها فابتداء ~~التكبير يكون واقعا خارج الصلاة فلا يصير ما بعده من الصلاة. PageV03P152 # قلنا: إنه لا يمتنع ألا تنعقد صلاته بأول جزء ms1115 من التكبير؛ لأنه لا يكون له ~~حكم على انفراده، ثم إذا انضاف إليه غيره من أجزائها يصير له حكم وتنعقد ~~صلاته بكماله كما أن المصلي لا يخرج بأول جزء من التسليم من الصلاة، فإذا ~~كمل التسليم كان خارجا به ولهذا نظائر كثيرة في الطلاق والعتاق والأنكحة ~~وسائر العقود مما يكون مفتقرا إلى العقود فإنه لا يتم ولا يثمر الحكم إلا ~~إذا كمل بأجزائه، وهذا عام في الحقائق المفردة والمركبة فإنه يحصل في ~~المركبات ما لا يحصل في المفردات من الأحكام العقلية والشرعية. # قالوا: لو كان التكبير من الصلاة لوجب أن يتحمل عنه الإمام إذا أدركه في ~~حال الركوع. # قلنا: إن الإمام إنما يتحمل عن المأموم سائر أجزاء الركعة بعد شروعه فيها ~~وهو لا يدخل فيها إلا بتكبيرة الافتتاح فلا يتحمل عنه شيئا ما لم يدخل ~~فيها، وفائدة الخلاف بين الإمامين هو أن المصلي لو وقعت عليه نجاسة أو وضع ~~رجله على نحاسة ثم طرحها أو طرحت عنه أو رفع رجله عن النجاسة في تلك الحالة ~~فعلى قول المؤيد بالله تصح صلاته؛ لأنها ليست من الصلاة، وعلى قول الهادي ~~والناصر تفسد الصلاة، وهكذا الحال لو عمل عملا في تلك الحالة ليس من الصلاة ~~فالحكم فيه يكون على ما ذكرناه من الخلاف، وهكذا لو انكشفت عورته في تلك ~~الحالة كان جاريا على ما ذكرناه من الخلاف بينهما. # الفرع الرابع: في بيان صفة التكبير. وفيه أحكام: # الحكم الأول: في بيان الصيغة التي تنعقد بها الصلاة، وفيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أن الصلاة إنما تنعقد بقولنا: الله أكبر. فهذا هو رأي ~~الهادي والناصر والمؤيد بالله ومحكي عن أبي يوسف. # والحجة على هذا: قوله : ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم )). فظاهر ~~هذا الخبر دال على أن الصلاة لا تنعقد إلا بهذه اللفظة دون ما سواها كما أن ~~لفظة التسليم تختص دون ما سواها. PageV03P153 # الحجة الثانية: قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي )). وقد بين قوله بفعله ~~والمعلوم من حاله [أنه] طول عمره لا يفتتح الصلاة إلا بقوله: الله أكبر. ms1116 ~~دون غيرها من سائر الألفاظ الدالة على التعظيم والتمجيد. # المذهب الثاني: أن الصلاة تنعقد بكل اسم لله تعالى دال على التعظيم ~~والتمجيد، كقولنا: الله أكبر والله الكبير والله العظيم والله الجليل. ~~وتنعقد بقولنا: الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله إلى غير ذلك من ~~الألفاظ الدالة على تمجيد الله وتعظيمه بأسمائه الحسنى وتقديسه بأوصاف ~~العظمة والكبريا،فأما الألفاظ الدالة على الدعاء نحو قولك: اللهم اغفر لي ~~اللهم ارحمني، فلا تنعقد الصلاة بها وهذا هو رأي الإمام زيد بن علي، ومحكي ~~عن أبي حنيفة ومحمد. # والحجة على هذا: هو أن التكبير معناه التعظيم بدليل قوله تعالى: {فلما ~~رأينه أكبرنه}[يوسف:31]. أي عظمنه فكل واحد من اللفظين قائم مقام صاحبه، ~~وإذا كان الأمر كما قلناه فإذا انعقدت الصلاة بقوله: الله أكبر انعقدت ~~الصلاة بقولنا: الله الأجل والله الأعظم، والجامع بينهما أن كل واحد منهما ~~دال على التمجيد والتعظيم. # الحجة الثانية: هي أن التكبير جعل شرطا في صحة الصلاة والإعتبار إنما هو ~~بمعناه دون لفظه وإذا كان الأمر كما قلناه فكلما شاركه في معناه جاز افتتاح ~~الصلاة به وهذا هو مطلوبنا فهذه حجج الفريقين كما ترى. # المذهب الثالث: أنه إنما ينعقد بما فيه أفعل التفضيل فقط نحو الله أعظم ~~وأجل وأعز وهذا هو رأي أحمد بن يحيى وأبي العباس. # المذهب الرابع: أنه ينعقد بالتهليل دون التسبيح، وهذا هو رأي السيد أبي ~~طالب فعنده أنها تنعقد بما فيه أفعل التفضيل وبالتهليل دون التسبيح. PageV03P154 # والمختار: تفصيل نشير إليه، وحاصله أن المصلي إذا أتى بالأسم معرفة والخبر ~~نكرة فقال: الله أكبر على صورة أفعل التفضيل فإن الصلاة تنعقد به بلا خلاف ~~فيه، فإن قال: الله الأكبر انعقدت الصلاة أيضا؛ لأنه زاد فيه زيادة لا تخل ~~بالمعنى، فإن قال: الله العظيم الخالق أكبر، أجزاه ذلك؛ لأن زيادة هذه ~~الأوصاف لا تخل بالمعنى فلهذا كان جائزا، وإن قال: الله أكبر وأجل وأعظم ~~أجزاه ذلك لأنه زاد زيادة لا تخل بالمعنى وإن قال: الله أكبر كبيرا أجزاه؛ ~~لأن هذه الزيادة ms1117 غير مخلة بالمعنى وإن قال: الله أكبر من كل شيء وأعظم، ~~ونوى به التكبير دخل به في الصلاة بقوله: الله أكبر، وكان ما زاد على جهة ~~النافلة غير مغير للمعنى، وإن قال: الله الكبير والكبير الله لم تجزه ولم ~~تنعقد به الصلاة لأنه لا يعد تكبيرا على الصفة المشروعة، وإن قال: أكبر ~~الله أو الأكبر الله فهل يكون مجزيا أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنه غير مجز لأنه غير ترتيبه فلم يكن مجزيا للصلاة كما لو غير ~~ترتيب الفاتحة، ومن جهة أن للنظم حظا في تقرير المعنى والمبالغة فيه فلا ~~يجوز إسقاطه خاصة في العبادات وإنما اخترنا ما قررناه لما فيه من ملاحظة ~~المعاني وما يحصل فيه من التغيير بالزيادة غير مخل بالمعاني، فلهذا كان ~~مغتفرا وليس فيه خروج عن مراسم الشرع في اعتبار صيغة التكبير ولفظه كما ذهب ~~إليه من خالف وعول على اعتبار المعاني. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: التكبير معناه التعظيم بدليل قوله تعالى: {فلما رأينه أكبرنه ~~}[يوسف:31]. أي عظمنه. # قلنا: لا ننكر ما قلتموه من المعاني اللغوية وإنما الشرع قد غيره فيجب ~~الإحتكام لمعاني الشرع ومراسمه خاصة في العبادات فإن مبناها على التحكمات ~~الجامدة التي لا تعقل معانيها، وقد أشار إليه صلى الله عليه وآله بقوله: ~~((صلوا كما رأيتموني أصلي )). PageV03P155 # قالوا: التكبير جعل شرطا في الصلاة والإعتبار إنما هو بمعناه دون لفظه ~~فكلما شاركه في معناه جاز افتتاح الصلاة به. # قلنا: لا نسلم أن الإعتبار بالمعاني وحدها في هذه العبادة بل نقول لا ~~يمتنع أن يكون الشرع قد قصد اجتماع اللفظ والمعنى مع أن المعاني منسدة في ~~العبادات فلا تجري الأقيسة فيها، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الأولى والأحق ~~هو الجمود على تقريرات الشرع وأوضاعه في اعتبار صيغة التكبير من غير تغيير ~~لصيغته ولفظه، ثم أقول قولا كليا: إن لله سرا ومصلحة استأثر بعلمها في ~~افتتاح الصلاة بالتكبير، وإن كل من قال إن غيره قائم مقامه في تحصيل هذه ~~المصلحة فقد أهمل رعاية النظر ms1118 في تحكمات الشرع وتعداته ورام الإطلاع على ~~أسرار غيبية استأثر الله بالإطلاع عليها والإحاطة بعلمها وسد على الخلق ~~الإطلاع على فجها والاقتحام على سددها(1) # ويتأيد ما ذكرناه بوجهين: # أحدهما: هب أنا سلمنا أن قولنا: سبحان الله ولا إله إلا الله يشارك ~~قولنا: الله أكبر في التعظيم والتمجيد فما برهانكم على أن افتتاح الصلاة ~~يشترط فيه التعظيم والتمجيد فهذا أمر غيبي لا يعلمه إلا الله. # وثانيهما: أن كل من قال لعبده إن كبرت فأنت حر فقال العبد: لا إله إلا ~~الله وسبحان الله. فإنه لا يعتق وهكذا لو قال لامرأته: إن كبرت فأنت طالق ~~فقالت هذا القول(2) # فإنها لا تطلق، وفي هذا دلالة على أن هذه الألفاظ الدالة على التمجيد ~~والتعظيم لا تقوم مقام التكبير في إفتتاح الصلاة والدخول فيها وانعقادها ~~وما ذاك إلا لما حققناه من السر والمصلحة التي لا يطلع عليها إلا الله. PageV03P156 # الحكم الثاني: وإن كبر بالفارسية نظرت فإن كان لا يحسن العربية أجزاه لقوله ~~: ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم )). وإن كان يحسن العربية وكبر ~~بالفارسية فهل يجزيه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يجزيه لقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) والمعلوم ~~من حاله أنه ما افتتح الصلاة إلا بالتكبير بالعربية دون الفارسية، وهذا هو ~~رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي ومحمد وأبي يوسف. # والحجة: ما رويناه من الخبر فإنه دال على عدم الإجزاء بالفارسية. # المذهب الثاني: أنه يجزيه مع القدرة بالعربية وهذا هو رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن التعويل إنما هو على المعاني دون الألفاظ ولا شك ~~أن من كبر بالفارسية فقد أتى بمقصود المعاني وإنما خالف في العبارة لا غير. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من أنه لا يجزي مع القدرة ~~على التكبير بالعربية؛ لأن الرسول عربي اللسان، وقد قال: ((صلوا كما ~~رأيتموني أصلي)). # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قوله: التعويل إنما هو على المعاني دون الألفاظ ولا شك أن المعاني متفقة ~~بالعربية والفارسية. PageV03P157 # قلنا: المقصود من ms1119 هذه العبادة هو اتفاق اللفظ والمعنى فيجب الإتيان باللفظ ~~المعتبر في الشرع ويجب على القاريء أن يتعلم كلمة التكبير؛ لأنها من فروض ~~الصلاة الواجبة على الأعيان فإن اتسع الوقت للتعلم فلم يفعل وكبر بالفارسية ~~لم يجزه؛ لأنه ترك الفرض مع القدرة عليه وإن لم يتسع الوقت للتعلم وكبر ~~بالفارسية أجزاه لضيق الوقت، فإن لم يمكنه التعلم إلا بأن يقصد بلدة لإحكام ~~كلمة التكبير وجب أن يقصدها ولا يلزمه ذلك لقصد الماء لأجل الوضوء، ~~والتفرقة بينهما هو أن التعلم يبقى وحاله والوضوء معرض للإنتقاض فافترقا، ~~وإن كان المصلي عربيا وكان في لسانه اضطراب والتواء يمنعه عن أن يفصح ~~بالتكبير أو كان مقطوع اللسان فإنه يجب عليه أن ينوي التكبير وأن يحرك ~~لسانه وشفتيه بقدر ما يمكنه، وكذلك في جميع الأذكار الواجبة لقوله : ((إذا ~~أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)). # الحكم الثالث: وينبغي مراعاة خصال في التكبير: # الأولى منها: الجهر بالتكبير في حق الإمام والمأموم؛ لأن الرسول كان يجهر ~~به في صلاته والمسلمون بعده وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وأقل ~~الجهر في حق الإمام [أن] يسمع المسلمين تكبيره ليقع الإقتداء به، وأقل ~~الجهر في حق المأموم أن يسمع من بجنبه لأنه يقتدي به، ولا حاجة إلى الزيادة ~~في الجهر على ما ذكرناه؛ لأنه يكون أعتداء وخروجا عن الحد المشروع في ~~الصلاة برفع الصوت والإعتداء من غير حاجة إليه. PageV03P158 # الثانية: يجب بيانه وجزمه، أما بيانه فيكون بفتح الهمزتين في الإسم والصفة ~~ولا يجوز كسر همزة الجلالة ولا ضمها ولا يجوز إسقاط همزة أكبر بالتخفيف ~~والقاء حركتها على ما قبلها بل يجب إيضاحها وقطعها ويجب رفع الجلالة وخلافه ~~لحن بالفتح والكسر، والوقف على الراء في أكبر من غير إعراب فيها، وأما جزمه ~~فلقوله : ((التكبير جزم " )). وأراد بالجزم القطع فلا يغيره بالزيادة عليه ~~والنقصان منه، إما الزيادة بالتمطيط(1) # وزيادة المد فيه كأن يمد همزة الجلالة ولا يجزيه؛ لأنه يصير استفهاما ~~ونحو أن يمد الصوت في ألف إلاه حتى يخرجه عن الحد فإنما هو لين ms1120 لا غير فإذا ~~تجاوز الحد بطل ونحو أن يزيد ألفا في نحو أكبر فيقول: أكبار لأن الأكبار ~~جمع كبر وهو الطبل(2) # وما هذا حاله يفسد التكبير، وأما النقصان فنحو أن يقصر الصوت عن بيان ألف ~~إلاه أو ينقص بعض حروف الإسم والصفة فالنقصان مفسد لها لا محالة. # الثالثة: محله القيام فإن كبر قائما وبقي من التكبير حرف فأتى به وهو ~~منحن للركوع لم يكن داخلا في الصلاة المفروضة فإن كان في نافلة جاز لأنها ~~قد علم من دأب الشرع الخفة والتساهل فيها. # الرابعة: ويجب التفخيم في اسم الله تعالى فلا يجوز ترقيقه فإن رققه فقد ~~نقص من حروفه حرفا فيجب الحكم بفسادها وقد جرت عادة الرسول والمسلمين ~~بالتفخيم وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وإذا كبر المصلي وقف على ~~الراء بالسكون ولا يقف عليها بالحركة فإن حرك كان لاحنا، ولا ينبغي أن يصل ~~التكبير بالقراءة لقوله : ((التكبير جزم)) ولم يفصل في الجزم بين ترك ~~التمطيط فيه وبين الوقف في آخره فكله جزم، وإن أبدل من هاء الجلالة واوا ~~كان لاحنا ولا تبطل به الصلاة؛ لأنها زيادة لا تغير المعنى كما لو قال الله ~~هو أكبر. PageV03P159 # الحكم الرابع: في رفع اليدين عند التكبير ووضعهما وفيه مسائل: # المسألة الأولى: في حكمه، وهل يستحب رفع اليدين عند التكبير أم لا؟ وفيه ~~مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أنه يستحب رفع اليدين عند افتتاح الصلاة بالتكبير في كل ~~صلاة فريضة كانت أو نافلة وفي صلاة الجنازة، وهذا هو رأي الإمام زيد بن ~~علي، وإحدى الروايتين عن القاسم ومحكي عن المؤيد بالله وأبي حنيفة والثوري ~~وأبي ليلى ولا يستحب في غير ذلك من ركوع ولا الرفع منه. # والحجة على هذا: ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه عن الرسول أنه كان ~~يرفع يديه عند افتتاح الصلاة بالتكبير ولا يعود إلى رفعهما بعد ذلك. # المذهب الثاني: أنه لا يستحب رفع اليدين في شيء من الصلوات، وهذا هو رأي ~~الهادي، وإحدى الروايتين عن القاسم، وعن مالك روايتان أيضا. # والحجة ms1121 على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((مالي أراكم رافعي أيديكم ~~كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة))(1). # المذهب الثالث: أنه يستحب رفع اليدين عند افتتاح الصلاة في كل صلاة فريضة ~~كانت أو نافلة إلا صلاة الجنازة، وهذا هو المحكي عن الناصر. # والحجة على هذا: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، فأما صلاة ~~الجنازة فلا يستحب فيها رفع اليدين لأن المقصود منها الدعاء للميت وليس ~~فيها ركوع ولا سجود ولا قعود ولا تشهد فلهذا لم يسن فيها رفع اليدين؛ لأنها ~~تكبيرات متوالية فأشبهت تكبيرات العيد. PageV03P160 # المذهب الرابع: أنه يستحب رفع اليدين عند الافتتاح للصلاة وعند الركوع ~~والرفع منه ولا يستحب في غير ذلك وهذا هو المحكي عن الشافعي والأوزاعي ~~وأحمد وإسحاق والليث ورواه ابن وهب(1) # عن مالك. # والحجة على هذا ما روى ابن عمر عن الرسول أنه قال رأيت الرسول إذا افتتح ~~الصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا أراد أن يركع رفع وإذا رفع رأسه من الركوع ~~رفع ولا يرفع بين السجدتين. # والمختار: ما قاله الإمامان زيد بن علي والمؤيد بالله ومن تابعهما على ~~هذه المقالة. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان ~~رسول الله يرفع يديه قبل النطق بتكبيرة الافتتاح ثم يرسلهما ويقول: ((الله ~~أكبر)). وزعم الشيخ يحيى بن أبي الخير العمراني أن أحدا من الزيدية لا يقول ~~برفع يديه في شيء من الصلوات وهذا خطأ في هذا الإطلاق فإنا قد حكينا على ~~أئمة الزيدية زيد بن علي والناصر والمؤيد بالله ما حكيناه عنهم من استحباب ~~رفع اليدين عند الافتتاح ولم يحك منع الإستحباب في الرفع إلا عن الهادي من ~~أئمة أهل البيت، فهذا الإطلاق خطأ لا ينبغي من مثله لما عهد من حاله من ~~التحرز في نقل المذاهب ونخل المقالات وانتقاد الأخبار والسبب في ذلك عدم ~~الإحاطة بمذاهبهم وعلى الجملة فهي هفوة لو صدرت من غيره لفوقت إليها سهام ~~التقريع. PageV03P161 # الانتصار: يكون بالجواب عما خالف ما اخترناه، أما مقالة ms1122 الهادي من كونه غير ~~مستحب في شيء من الصلوات محتجا بقوله : ((مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها ~~أذناب خيل شمس)). فظاهره الإنكار على من رفع يديه في الصلاة فعنه جوابان: # أما أولا: فلأن هذا محمول على من يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من ~~الركوع. # وأما ثانيا: فلأنهم كانوا إذا سلموا في الصلاة على اليمين واليسار أشاروا ~~بالمسبحة عن اليمن واليسار فنهاهم الرسول عن ذلك وقال: ((اسكنوا في الصلاة ~~)). أراد عن الإشارة بالأصبع، وأما ما قاله الناصر من أن الرفع إنما يكون ~~في جميع الصلوات الفرض والنفل إلا في صلاة الجنازة فعنه جوابان: # أما أولا: فلأن هذه صلاة واجبة فيجب أن يسن فها الرفع كالصلاة المفروضة ~~على الأعيان. # وأما ثانيا: فلأنها وإن لم يكن فيها ركوع وسجود وتشهد وقعود فقد فرض فيها ~~القيام، ورفع اليدين إنما يستحب في حال القيام فلهذا كان مستحبا فيها كسائر ~~الصلوات، وأما ما قاله الشافعي من كونه يسن في الركوع وفي القيام من الركوع ~~فعنه جوابان: # أما أولا: فلما روى البراء بن عازب عن الرسول أنه رفع يديه عند التكبير ~~للصلاة في افتتاحها ثم أنه لم يعد إلى رفع اليدين بعد ذلك. # وأما ثانيا: فلأن ما رويناه من الأخبار أكثر وأشهر ورواياتها ظاهرة بين ~~أهل الحديث فلهذا كانت أحق بالقبول، ويؤيد ما ذكرناه أن القياس يقتضي ألا ~~ترفع الأيدي في شيء من الصلوات لقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم ~~كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة " }[النساء:77].(1) PageV03P162 ولقوله : ((أسكنوا في الصلاة )). لكنا قضينا باستحباب رفع اليد عند تكبيرة ~~الافتتاح دون ما سواها جمعا بين الآي والأخبار فما ورد من الأخبار في الرفع ~~فهو محمول على تكبيرة الافتتاح وما ورد من المنع عن ذلك فهو محمول على ما ~~عداه توفقة بين الأدلة الشرعية. # المسألة الثانية: في بيان مقدار الرفع وفيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أنه يرفع إلى حذاء أذنيه، وهذا هو رأي أئمة العترة زيد بن ~~علي والناصر والمؤيد بالله ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ms1123 هذا: ما روى وائل بن حجر(1) PageV03P163 قال: رأيت النبي افتتح الصلاة ورفع يديه إلى حذاء أذنيه حتى بلغ بهما فروع أذنيه. # المذهب الثاني: أنه يرفع يديه حتى تجاري كفاه منكبيه، وهذا هو قول ~~الشافعي ومحكي عن مالك، وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. # والحجة على هذا: ما روى البراء بن عازب عن الرسول أنه افتتح الصلاة وكبر ~~ورفع يديه حذاء منكبيه(1). # المذهب الثالث: أنه يستحب رفع اليدين إلى الهامة وهذا شيء حكاه الشيخ أبو ~~جعفر من المحصلين لمذهب الناصر عن قوم لم أعرف أسماءهم، ولعل الحجة لهم ~~[ما] حكاه الترمذي عن أبي هريرة أن الرسول كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه ~~مدا، وفي حديث آخر عن أبي هريرة عن الرسول [أنه] كان إذا قام إلى الصلاة ~~رفع يديه مدا. # المذهب الرابع: استحباب رفع الدين إلى الصدر وهذا مذهب قوم لما روى وائل ~~بن حجر في خبر فرجعت إليهم يعني الصحابة فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم. # والمختار: تفصيل نشير إليه يكون جامعا لهذه الأحاديث التي رويناها، ~~وتقريره هو أنه إذا كان رافعا ليديه حتى يحاذي بهما أذنيه كان مطابقا لما ~~رواه وائل بن حجر وعلى هذا تكون كفاه محاذيتين لمنكبيه فيكون مطابقا لما ~~رواه ابن عمر. والرواية الثانية: عن وائل بن حجر أنه رجع إليهم وهم يرفعون ~~أيديهم إلى صدورهم فإنما كان رجوعه إليهم في الشتاء وكانت عليهم برانس(2) PageV03P164 والثياب من الصوف الثقال فلم يمكنهم رفع أيديهم إلى حذاء الآذان ولا إلى حد ~~المناكب لثقل ما عليهم من الثياب فلهذا رفعوها إلى صدورهم، فظهر بما حققناه ~~اتفاق هذه الأحاديث على مقصود واحد وهذه طريقة سديدة لما فيها من الجمع بين ~~الأحاديث واتفاقها على الصحة والكمال، ويزيد ما ذكرناه وضوحا وبيانا أن ~~الشافعي رضي الله عنه لما دخل العراق جاءه أبو ثور والكرابيسي وكانا شيخي ~~العراق والعالمين فيه فأرادا أن يستعلما ما عنده من الفضل فقالا له: تكلم. ~~فقال: تكلما. فقالا له: ما تقول في رجلين اصطدما ومع كل واحد منهما ms1124 بيضة ~~فانكسرت البيضتان؟ فقال الشافعي هذا سهل على كل واحد منهما نصف قيمة بيضة ~~صاحبه، ولكن ما تقولان في رفع اليدين عند الافتتاح؟ فقالا: نرفع اليدين إلى ~~المنكبين؛ لما روى ابن عمر أن النبي رفع يديه حذو منكبيه. فقال: ما تقولان ~~فيما روى وائل بن حجر أن الرسول رفع يديه حتى حاذى بهما أذنيه؟فقالا: نرفع ~~اليدين إلى الأذنين، فقال: فما تقولان فيما روى وائل بن حجر في خبر فرجعت ~~إليهم يعني الصحابة رضي الله عنهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم؟ ~~فقالا: لا نعلم شيئا. فقال الشافعي لهما: أما رواية وائل بن حجر فأراد به ~~رفع أطراف الأصابع إلى أذنيه. وأما رواية ابن عمر فأراد به رفع الكفين إلى ~~المنكبين، وأما الرواية الأخرى عن وائل بن حجر فلأنه كان في زمن الشتاء ~~وكان يلبسون الثياب الغليظة من الصوف البرانس والجباب وكان يثقل عليهم ~~رفعها إلى الأذان والمناكب فلا جرم رفعوها إلى صدورهم. فأعجبهما ما رأيا من ~~فضله وجمعه بين هذه الأحاديث المروية واستحسنا ما ذكره. PageV03P165 # فأما ما روي عن قوم أنهم يرفعون أيديهم إلى الهامة، فقد أورد الترمذي في ~~صحيحه هذه المقالة، وذكر أن الراوي لها أبو هريرة، ولا مشروح لهم فيها، فإن ~~القصد أنه لم يكن ينشر أصابعه وإما يمدها، أو يكون المراد أنه كان يمد يديه ~~حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا كان الأمر كما قلناه بطل ما حملوا عليه من أنه ~~كان يرفعهما إلى الهامة. # الانتصار: قد ذكرنا أن هذه الأحاديث دالة على مقصود واحد وأنه لا اختلاف ~~فيها كما أوضحناه فلا حاجة بنا إلى تأويلها لأجل اتفاقها ورددنا مقالة من ~~زعم أنه كان يمد يديه فوق الهامة. # المسألة الثالثة: في بيان وقت الرفع وله حالتان نذكرهما: # الحالة الأولى: أن يرفع يديه حذو منكبيه غير مكبر ويرسلهما غير مكبر ~~ويكون تكبيره ويداه حذو منكبيه قارتان، وهذه رواية ابن عمر. # الحالة الثانية: أن يرفع يديه غير مكبر ثم يرسلهما مكبرا فيكون انتهاء ~~التكبير مع انتهاء اليدين إلى مقرهما، وهذه رواية ms1125 وائل بن حجر، وهذا هو ~~المختار؛ لأن رفع اليدين هو هيئة للتكبير فلهذا يرفع عند [أن] يكبر، فإذا ~~كبر كان الفراغ من التكبير بانتهاء اليدين إلى مقرهما ثم إن التحقق أن هذا ~~ليس اختلافا بين العلماء؛ لأنه يمكن العمل على صحة الروايات كلها فنقبل ~~الكل ونجوزها على نسق واحد كما أشرنا إليه من قبل. # وحكي عن الشيخين إبي إسحاق المروزي وأبي علي الطبري من أصحاب الشافعي أنه ~~يبتدئ بالرفع مع ابتداء التكبير ويفرغ بفراغه منه وهذا فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن من سنة التكبير أن يأتي به مبينا مرتلا ولا يمكنه أن يأتي ~~به على هذه الصفة في حال رفع اليدين؛ لأن رفعهما يحصل في وقت يسير لا يتمكن ~~فيه من بيان التكبير وترتيله. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكراه مخالف لما رواه ابن عمر ووائل بن حجر فإن ~~روايتهما متفقة على أن يرفع يديه غير مكبر فلا وجه لما قالاه. PageV03P166 # المسألة الرابعة: والمستحب أن يرفع يديه في كل فريضة ونافلة، ولا فرق بين ~~الإمام والمأموم، ولا فرق بين أن يصلي قائما أو قاعدا في استحباب الرفع، ~~فإن ترك رفع اليدين حيث أمر به كره له ذلك ولا إعادة عليه ولا يلزمه سجود ~~السهو، وينشر أصابعه عند التكبير لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه كان إذا ~~كبر للصلاة نشر أصابع يديه(1) # فإن نسي الرفع حتى فرغ من التكبير لم يسن له الإتيان به؛ لأن محله قد فات ~~وإن ذكره في أثناء التكبير أتى به؛ لأن محله باق فيستحب له الإتيان به وإن ~~كان بيديه علة لا يمكنه رفعهما إلى المنكبين فإنه يرفعهما إلى حيث أمكنه ~~لقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما ستطعتم)). وإن كانتا قائمتين لا ~~يمكنه رفعهما إلى المنكبين إلا بأن يعلوا على المنكبين رفعهما إلى أعلى ~~المنكبين وإن كان يتعذر عليه الرفع إلى المنكبين ويمكنه الرفع إلى ما ~~دونهما وإلى ما فوقهما فإنه يرفع يديه إلى ما فوقهما أولى، لأنه أتى بزيادة ~~هو مغلوب عليها، وهو أتى ms1126 بالمسنون وزاد زيادة هو معذور فيها، وإن كانت إحد ~~ىيديه صحيحة والأخرى عليلة فإنه يرفع الصحيحة إلى المنكب ويرفع العليلة إلى ~~حيث يمكنه؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور. # المسألة الخامسة: وإذا فرغ من التكبير وحط يديه فهل يستحب وضع اليد على ~~اليد في الصلاة أو يكره؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكره، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية. PageV03P167 # والحجة على ما قلناه: من الكراهة قوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون، الذين هم ~~في صلاتهم خاشعون}[المؤمنون:1،2]. ولا شك أن رفع اليد على اليد ينافي ~~الخشوع، وقوله : ((اسكنوا في الصلاة )). ومن وضع اليد على اليد فليس ساكنا ~~في الصلاة، فظاهر هذه الأدلة المنع من ذلك، وأدنى المنع هو الكراهة ~~الشرعية(1)، # وإذا حكمنا عليه بالكراهة لما ذكرناه، فإذا فعل فهل تبطل الصلاة أو لا؟ ~~فظاهر كلام الهادي والقاسم فساد الصلاة بفعله، وهو اختيار السيد أبي طالب، ~~وحكي عن المؤيد بالله أنه يكره ولا تبطل الصلاة بفعله، وحكي عن الناصر أنه ~~إذا رفع يديه ثم أرسلهما، ثم وضعهما بطلت صلاته في المرة الثالثة؛ لأنه ~~يكون فعلا كثيرا، وحكي عن الباقر أنه قال: إن فعله فلا يعود إليه، ولم يذكر ~~حديث الصلاة هل تبطل أو لا تبطل؟ # والحجة على بطلان الصلاة بفعله قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم ~~كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة}[النساء:77]. ومن رفع يديه ثم وضعهما في كل ~~ركعة فلم يكفهما فصار [ما يفعل] منهيا عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه ~~لأن القربة معتبرة فيها والنهي يضاد القربة. # الحجة الثانية: هو أن وضع اليد على اليد مرة بعد مرة في كل ركعة عمل ~~كثير، وما كان من الأفعال الكثيرة فإنه يكون مبطلا للصلاة كالأكل والشرب. PageV03P168 # المذهب الثاني: أنه مستحب فإذا أرسل يديه بعد التكبير وضع إحداهما على ~~الأخرى تحت صدره وفوق سرته ويأخذ الكوع من يده اليسرى بيمناه ويبسط أصابع ~~اليمنى في عرض المفصل أو في طول ساعده، واليمنى مكرمة بكونها عالية، وهذا ~~هو رأي الفقهاء الحنفية والشافعية، ثم اختلفوا بعد ذلك ms1127 فقال الشافعي في ~~(الأم): القصد هو سكون يدي المصلي فإن أرسل يديه ولم يعبث بهما فلا بأس(1)، # وحكي ذلك عن ابن الزبير وقال الليث إن اشتغل في الصلاة فعله وإلا فلا يفعله. # وقال الأوزاعي: من شاء فعله ومن شاء تركه. وقال أبو إسحاق المروزي: يضع ~~إحدى يديه على الأخرى تحت السرة. وعن أبي حنيفة وإسحاق بن راهويه مثله. # والحجة على هذا: ما رووه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في قوله ~~تعالى: {فصل لربك وانحر }[الكوثر:2]. قال وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة ~~تحت النحر(2)، # ومثل هذا لا يقوله عن توقيف من جهة الرسول . # الحجة الثانية: روى ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((أمرنا ~~معاشر الأنبياء أن نعجل الفطور ونؤخر السحور ونأخذ بأيماننا على شمائلنا في ~~الصلاة)) (3). # وروى وائل بن حجر أنه رأى رسول الله فعل ذلك. PageV03P169 # والمختار: أنه مكروه غير مفسد للصلاة، وإنما قلنا أنه مكروه فلقوله لما رأى ~~رجلا يعبث بلحيته فقال: ((أما هذا فلو خشع قلبه لخشعت جوارحه " ))(1). # والمعلوم من حال من يرفع يديه ويرسلهما في كل ركعة أنه ليس خاشعا؛ لأنه ~~مشتغل بهذه الأفعال فإذا كان العبث باللحية يخرجه عن الخشوع مع أنه يفعله ~~مرة واحدة فلأن يكون من يرفع يديه ويضعهما مرارا في كل الركعات يكون أحق ~~بترك الخشوع. وفي هذا دلالة على ما ذكرناه من الكراهة، وإنما قلنا: إنه ليس ~~مفسدا للصلاة فلأنه لا يمكن الإقدام على فساد الصلاة وبطلانها إلا بدلالة؛ ~~لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم }[محمد:33]. وهو الذي يشير إليه كلام ~~المؤيد بالله. # ومن وجه آخر: وهو أنهم قد رووا فيه أخبارا وأفعالا من جهة الصحابة رضي ~~الله عنهم ولو ضعفت في الرواية والنقل فقد أوردوها وتعلقوا بها، فلأجل هذا ~~قضينا بكونه مكروها لضعف الرواية ولم نقطع بالفساد لعدم ما يدل عليه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. PageV03P170 # قالوا: روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجه في تفسير قوله تعالى: {فصل لربك ~~وانحر }[الكوثر:2]. أنه وضع اليمنى على اليسرى ms1128 في الصلاة تحت النحر، وروى ~~جرير الضبي(1) قال: رأيت عليا يمسك شماله بيمينه في صلاته فوق السرة(2). # قلنا:عن هذا أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأنه لا يظن بأمير المؤمنين مخالفة قوله تعالى:{ قد أفلح ~~المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم خاشعون}[المؤمنون1،2] وليس من الخشوع أن ~~يرفع يديه أربع مرات في الصلاة الرباعية ثم يشد ويمسك ثم يرسل، ولا يخالف ~~قوله : ((مالي أرى أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة)). ~~فالمظنون بحاله مع تفقهه في الدين وإحاطته بعلوم الشريعة أنه لا يخالف خبرا ~~واحدا من هذه الأخبار فكيف يخالف مجموعها وظواهر الآي أيضا. # وأما ثانيا: فلأن المراد بقوله: {فصل لربك وانحر}[الكوثر:2]. هو الأمر ~~بالذبح للحيوان الذي ينحر كالأبل فأمر بالصلاة في عيد الأضحى ثم بالنحر ~~بعدها، فأما تفسير الآية بقوله: ((اجعل يديك تحت نحرك " )) فتأويل بعيد لا ~~تدل عليه دلالة لغوية ولا شرعية. PageV03P171 # وأما ثالثا: فيمكن أن يقال: إن المراد بقوله: {فصل لربك وانحر}[الكوثر:2]. ~~أي قابل صدرك نحو القبلة تشبها باستقبال ما ينحر إلى القبلة من الحيوان ~~أخذا من قولهم دور متناحرة(1) # أي متقابلة متواجهة. # ومن وجه آخر: هو أن هذا لو كان مذهبا لأمير المؤمنين كرم الله وجهه لم ~~تجتمع العترة على خلافه، وهم قد أجمعوا على كراهة هذا الفعل وفساده ~~للصلاة(2). # قالوا: روى ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((أمرنا معاشر ~~الأنبياء أن نعجل الإفطار ونؤخر السحور ونضع أيماننا على شمائلنا في ~~الصلاة)). # قلنا:عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا محمول على وضع الأيمان على الشمائل قبل افتتاح الصلاة ~~وهذا فلا مانع منه. # وأما ثانيا: فلأنه معارض بما ذكرناه من الأدلة الدالة على كراهة ذلك في ~~الصلاة وعند التعارض فلابد من الترجيح وأخبارنا راجحة على ما ذكروه لقوتها ~~وكثرتها ولكونها موافقة للقياس فإن الأصل والقياس هو المنع من حدوث الأفعال ~~في الصلاة وأخبارنا موافقة لهذا القياس فلهذا كانت راحجة. # قالوا: روينا عن الرسول من طريق وائل بن حجر أنه وضع يمينه على شماله ~~فجعلها تحت صدره. # قلنا: ms1129 عن هذا أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأنه محمول على أنه وضع يمينه على يساره تحت صدره لوجع أصابه ~~ليسكنه من التألم. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه حكاية فعل مجملة لا ندري على أي وجه وقعت، ~~وإذا كانت مجملة لم يحصل لهم منها غرض في الاحتجاج لأجل الإجمال فيحتاج إلى ~~البيان. PageV03P172 # وأما ثالثا: فلأن ما ذكروه خبر واحد وخبر الواحد إذا ورد بخلاف الكتاب ~~والسنة والإجماع وجب رده، أما مخالفته للكتاب فلأن الله تعالى أمر بالخشوع ~~في الصلاة وهذا مناف للخشوع والسكون فيها مضاد لهما، وأما مخالفة السنة ~~فلقوله : ((أسكنوا في الصلاة )). وهذه أفعال تضاد السكون، وأما مخالفة ~~الإجماع فلأن الأمة مجمعة على تحريم الأفعال في الصلاة والنهي عنها وهذا ~~عمل كثير فيجب منعه. # ومن وجه آخر: وهو أن القائلين بهذه المقالة أقاويلهم فيها مضطربة ~~ومذاهبهم فيما زعموه مختلفة، فحكي عن الشافعي أنه قال: القصد هو سكون يدي ~~المصلي فإن أرسل يديه ولم يعبث بهما فلا بأس(1). # فكلامه هذا مشعر بأنه غير مسنون ولا مستحب، وعن مالك: أنه مسنون في ~~النافلة دون الفريضة. # وقال الأوزاعي: من شاء فعله ومن شاء تركه، وما كان مسنونا فليس هذا حاله. ~~وقال الليث: إن اشتغل في الصلاة فعله وإلا لم يفعله، فهذه كلها في غاية ~~الاضطراب لا تثبت على حالة واحدة ولا هي جارية على قياس واحد، وما هذا حاله ~~فلا يكون معدودا من السنن ولا يقال أنه من المستحبات في الصلاة. # المسألة السادسة: في المرأة هل ترفع يديها في تكبيرة الافتتاح أم لا؟ فيه ~~مذاهب ثلاثة نذكرها: # المذهب الأول: أن رفع يديها عند التكبير غير مشروع في حق النساء ولا يكون ~~مستحبا، وهذا هو رأي الإمامين الهادي والقاسم. # والحجة على هذا هو أنه غير مشروع في حق الرجال فتركه في حق النساء أحق ~~وأولى؛ لأنهن مأمورات في جميع أحوالهن بالتستر والخفارة في جميع أحوال ~~الصلاة ورفع اليد مخالف لما ذكرناه. # المذهب الثاني: أنها ترفع كرفع الرجل، وهذا هو رأي المؤيد بالله ومحكي عن ~~الفريقين ms1130 الشافعية والحنفية. PageV03P173 # والحجة على هذا: هو أن الرجال والنساء مستوون في أحوال العبادات كلها إلا ~~ما خرج بدلالة، ورفع اليد في حال التكبير لم تدل دلالة على إخراجهن عنه ~~فيجب أن يكون مشروعا في حقهن. # المذهب الثالث: محكي عن بعض الفقهاء من أصحابنا(1) # وهو أنها ترفع يديها إلى صدرها ولا ترفع كرفع الرجل. # والحجة على هذا: هو أن ركوعها وسجودها وقعودها للتشهد مخالف لما ذكرناه ~~في حق الرجال من الستر والانضمام، فيجب أن يكون حالها في الرفع للتكبير إلى ~~الصدر دون رفع الرجال، فيكون فيما ذكرناه وفاء بالغرضين بالخفارة في حقها ~~وبالمشروع في حق التكبير. # والمختار: ما قاله الإمام المؤيد بالله والفقهاء. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا، وهو أن سنن الصلاة كلها مشروعة في حق ~~النساء إلا ما خرج بدلالة، ورفع اليدين من جملة السنن الواردة في التكبير ~~فلهذا كان مشروعا في حقهن. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: رفع اليدين في التكبير غير مشروع في حق الرجال فيجب أن لا يكون ~~مشروعا في حق النساء. # قلنا: قد أقمنا البرهان الشرعي على كونه مشروعا في حق الرجال فيلزم ألا ~~يفترق الحال في ذلك بين الرجال والنساء إلا لدلالة خاصة ولا دلالة هناك على ~~التخصيص. # قالوا: لا ترفع كرفع الرجال ولكن يكون رفعها إلى صدرها. # قلنا: الرفع إلى الصدر لا يكون إلا لعذر في حق الرجال فإذا قامت الدلالة ~~على الرفع في حقهن كان على ما هو في حق الرجال إما إلى المنكب أو إلى فروع ~~الأذن كما قررناه من قبل. وقد تم غرضنا في الرفع في التكبير. PageV03P174 # الفرع الخامس: إذا [كبر] المصلي مع نية الصلاة ثم كبر ثانيا من غير نية لم ~~تبطل الأولى لأن زيادة التكبير في الصلاة لا تفسدها، وإن كبر أولا من غير ~~نية ثم كبر ثانيا مع النية كانت الأولى لغوا وانعقدت الصلاة بالثانية وإذا ~~كبر أولا ينوي به إفتتاح صلاة الأداء ثم كبر ثانيا ينوي به افتتاح صلاة ~~القضاء، فهل يكون داخلا في الثانية وخارجا ms1131 عن الأولى أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكون خارجا عن الأولى وداخلا في الثانية بالنية مع ~~التكبير، وهذا هو رأي المؤيد بالله فإنه قال: لو افتتح صلاة الظهر وكبر لها ~~ثم ذكر أن عليه فائتة العصر فكبر تكبيرة أخرى ونوى بها الدخول في العصر كان ~~خارجا بهذه التكبيرة من الظهر وداخلا في العصر. # المذهب الثاني: أنه لا يكون داخلا في الثانية وخارجا في الأولى بالتكبير ~~مع نية الخروج بل لابد من إنضمام شيء آخر يكون خارجا به، ومنشأ الخلاف في ~~المسألة هو أن الشيء الواحد هل يكون خارجا به عن الأولى وداخلا في الثانية ~~أم لا؟ فعلى رأي المؤيد بالله يصح ذلك، وعلى رأي أصحاب الشافعي يمتنع ذلك، ~~ثم اختلفوا فيما يزاد على قولين: # فالقول الأول: محكي عن ابن القاص فإنه قال: تبطل الأولى ولا تصح الثانية؛ ~~لأن الشيء الواحد لا يكون صالحا للدخول في الثانية والخروج من الأولى فلابد ~~من تكبيرة ثالثة حتى تصح صلاته. # القول الثاني: محكي عن الصيدلاني، فإنه قال: إن الأولى لا تبطل بالثانية ~~بل لابد أن ينوي بطلان الأولى حتى تصح الثانية. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله لأمرين: # أما أولا: فلقوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)). فإذا انضمت ~~النية مع التكبير كان خارجا عن الأولى وداخلا به في الثانية. # وأما ثانيا: فلأنه إذا كان داخلا في الصلاة بالنية مع تكبيرة الافتتاح ~~جاز أن يكون خارجا عنها بالنية مع التكبير من غير فرق بينهما. وبتمامه يتم ~~الكلام على ركن التكبير. PageV03P175 # القول في القيام: وهو ركن من أركان الصلاة واجب والدلالة على وجوبه قوله ~~تعالى: {وقوموا لله قانتين }[البقرة:238]. والأمر للوجوب والإجماع على أنه ~~لا يجب القيام إلا في الصلاة. وقوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة}[النساء:102]. وقوله تعالى: {أقم الصلاة}. وقوله تعالى: {أقم الصلاة ~~طرفي النهار " }[هود:114]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجوب القيام ~~في الصلاة والإجماع منعقد على وجوبه في الصلاة، وهو معلوم ضرورة من دين ~~صاحب الشريعة صلوات ms1132 الله عليه، وقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة}. وهذا خطاب ~~مجمل وبيانه على لسان الرسول قولا وفعلا وقد كان يقوم في الصلاة وقد قال: ~~((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فتقرر وجوبه بما ذكرناه. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: الحد المجزي من القيام في حق الصحيح هو الإنتصاب مع ~~الاستقلال فلو انحنى لم يعتد به ولو اتكى على شيء لم يجزه أيضا، فإن عجز عن ~~الإستقلال لعلة انتصب متكئا، وإن عجز عن الانتصاب قام منحنيا، فإن عجز عن ~~القيام قعد، وإن عجز عن القعود اضطجع وأومأ برأسه، وإن عجز عن الإيماء ~~بالرأس أومأ بالحاجبين، وإذا قعد فليتجنب الإقعاء، وهو أن يقعد على وركيه ~~وينصب فخذيه وركبتيه وساقيه؛ لقوله : ((لا تقعوا إقعاء الكلب " ))(1) PageV03P176 . # وهل يكون القعود بالافتراش أو بالتورك؟ قد ذكرنا في صلاة المعذورين فأغنى ~~عن الإعادة. # وعن بعض أصحاب الشافعي: أن القعود يكون بأن يضع ركبته اليسرى على الأرض ~~وينصب اليمنى ويفضي بمقعدته إلى الأرض كما يفعله القارئ بين يدي استاذه ~~للقراءة. # الفرع الثاني: في بيان أقله. اعلم أن أقل المفروض من القيام في الصلاة هو ~~مقدار ما يؤدي فيه فاتحة الكتاب وثلاث آيات كما سنقرره في مفروض القراءة ~~على أثر هذا بمعونة الله تعالى، فإن فرقها على الركعات فهو المعيار في أقله ~~وإن قرأها في الركعة الأولى كما هو المسنون كان أقل القيام في باقي الركعات ~~الانتصاب فلا ينحني، والاستقلال فلا يعتمد على شيء. # الفرع الثالث: هذه الأحوال مرتبة فلا يصل قاعدا إلا إذا عجز عن القيام ~~ولا يصل مضطجعا إلا إذا عجز عن القعود كما في حديث عمران بن حصين: ((صل ~~قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب " )). ولقوله : ((إذا ~~أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " )). فالخبران دالان على أنه لا يجوز ~~العدول إلى الأدنى إلا عند تعذر الإتيان بالأعلى فإن فعل ذلك المصلي لم ~~تجزه الصلاة لاخلاف فيه. # الفرع الرابع: رعاية الترتيب بين القيام وفاتحة الكتاب وتكبيرة الافتتاح ~~هل يكون واجبا أم لا؟ فيه تفصيل. فإن قلنا: ms1133 إن التكبيرة ليست من الصلاة كما ~~هو رأي المؤيد بالله فلا ترتيب بينهما فيجوز على هذا أن يكبر قاعدا ويمد ~~التكبير حال قيامه حتى يتصل آخر التكبير بالقيام ويجوز أن يقوم ثم يكبر، ~~وإن قلنا: إنها من الصلاة كما يقوله الهادي والناصر، وهو المختار، فالترتيب ~~بينها وبين القيام واجب، وعلى هذا فالواجب الإتيان بالقيام ثم التكبير بعده ~~لقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وهذا خطاب مجمل وبيانه بفعله والمعلوم ~~من حاله أنه كان لا يكبر إلا بعد القيام. PageV03P177 # الفرع الخامس: الموالاة بين القيام وتكبيرة الافتتاح هل يجب أم لا؟ ولا تجب ~~الموالاة على رأي الإمامين، أما على رأي الهادي فلأن التوجه قبل التكبير ~~بعد القيام، وأما على رأي المؤيد بالله فلأنه إذا قام للصلاة جاز أن يشتغل ~~بتسبيح أو تهليل قبل التكبير فإذا لا تجب الموالاة، وفائدة الترتيب أن يكون ~~هذا بعد هذا، وفائدة الموالاة ألا يفصل بين الشيئين فاصل. # القول في القراءة: وهي ركن من أركان الصلاة ولا خلاف في وجوبها بين أئمة ~~العترة وفقهاء الأمة، وإنما يحكى الخلاف فيها عن نفاة الأذكار الحسن بن ~~صالح والأصم وإسماعيل بن علية فإنهم نفوا الوجوب في أذكار الصلاة وزعموا أن ~~الواجب إنما هي الأفعال من القيام والقعود والركوع والسجود، وقد أوضحنا أن ~~خلافهم ساقط وأنهم مخالفون للإجماع السابق لهم واللاحق بعدهم، والدلالة على ~~وجوبها قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر منه " }[المزمل:20]. ولا خلاف أن ~~القراءة لاتجب إلا في الصلاة، وقوله : ((لا صلاة إلا بفات " حة الكتاب ~~وقرآن معها " )) (1). # وقوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها " )) (2). # وما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: أمرني رسول الله أن أنادي أنه لا ~~صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد(3) # والإجماع منعقد على وجوب الذكر في الصلاة. # التفريع على هذه القاعدة: PageV03P178 # الفرع الأول: القراءة مشروعة في الصلاة لا خلاف فيه وإنما الخلاف في ~~وجوبها، فنفاة الأذكار نفوا جميع أذكار الصلاة كلها القراءة وغيرها عن ~~الوجوب وقد مضى الكلام في إبطال هذه الخارجة عن الإجماع. والذي ms1134 نذكره هاهنا ~~هو وجوب القراءة على الخصوص فهل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية ~~وهو محكي عن علماء الأمصار لا يختلفون فيه. # والحجة على هذا قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر منه}[المزمل:20]. وقوله ~~تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا}[الإسراء:110]. ~~وقوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها )). إلى غير ذلك من ~~الأخبار الدالة على وجوب القراءة. # المذهب الثاني: أن القراءة في الصلاة غير واجبة، وهذا شيء يحكى عن ابن ~~عباس رضي الله عنه. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ~~}[النساء:103]. ولم يفصل بين أن يكون فيها ذكر أو لا يكون فيها، وقوله: ~~{وأقيموا الصلاة}. ولم يفصل بين أن تكون فيها قراءة أو لا، وقوله : ((صلوا ~~الصلاة لوقتها)) (1). # فذكر الوقت لما كان شرطا ولم يذكر القراءة، وفي هذا دلالة على أنها غير واجبة. # والمختار: ما عليه أئمة العترة وعلماء الأمة من وجوب القراءة. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري ~~}[طه:14]. والمعنى لأن تذكرني فيها، وفي هذا دلالة على وجوب الذكر فيها ولم ~~يفصل بين القراءة وغيرها من سائر أذكار الصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. PageV03P179 # قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا }[النساء:103]. ولم ~~يفصل بين أن يكون فيها ذكر أم لا. وقوله: {أقيموا الصلاة}. وقوله: ((صلوا ~~الصلاة لوقتها )). ولم يوجب فيها قراءة فدل ذلك على أنها غير واجبة. # قلنا: عن هذا جوابان: # الجواب الأول: أن اسم الصلاة قد صار منقولا بالشرع عن الأوضاع اللغوية ~~إلى معان شرعية حتى صارت المعاني الشرعية حقائق في حقها سابقة إلى الفهم ~~عند إطلاقها فإذا صدر اسم الصلاة من جهة الله تعالى ومن جهة رسوله وجب ~~حملها على ما تقتضيه المعاني الشرعية. والمعلوم أن هذه الصلاة عبارة عن هذه ~~الأفعال المخصوصة من الأقوال والأفعال والهيئات المخصوصة، وإذا كان الأمر ~~كما قلنا وجب حمل قوله تعالى: {إن الصلاة ms1135 كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا}[النساء:103]. وقوله: {وأقيموا الصلاة}. وقوله : ((صلوا الصلاة ~~لوقتها)). على موضوعاتها الشرعية المشتملة على الذكر والفعل فكيف يصح إخراج ~~الذكر منها، وهو من جملة ما يطلق عليه اسمها عند إطلاقها. # الجواب الثاني: أن هذا معارض بما أوردناه من الآي والأخبار فإنها دالة ~~على وجوب الذكر في الصلاة بظواهرها وصرائحها، وإذا تعارض الدليلان الشرعيان ~~وجب العدول إلى الترجيح بينهما، ولا شك أن أدلتنا أرجح لظهورها وتصريحها ~~بالغرض؛ ولأنها دالة على الزيادة والزيادة مقبولة فإن قال قائل: فهل يكون ~~ابن عباس خارقا للإجماع السابق من جهة الصدر الأول من الصحابة رضي الله ~~عنهم؟ أو للإجماع اللاحق من جهة التابعين وتابعيهم؟ فإنهم مجمعون على وجوب ~~القراءة في الصلاة لا يختلفون في ذلك بحال. PageV03P180 # قلنا: أما الصحابة فلم يؤثر عنهم خوض في المسألة ولا تصريح بوجوب القراءة ~~فيكون خارقا لإجماعهم، وإنما يعد خارقا لو صرحوا بالوجوب، وأما الإجماع ~~اللاحق من جهة التابعين وتابعيهم فإجماعهم بعد خلاف ابن عباس لا يعد ~~إجماعا؛ لأن التابعين ومن بعدهم [هم] بعض الأمة بالإضافة إلى هذه المسألة ~~التي خالف فيها ابن عباس. # وهل يقال بأن حاله كحال نفاة الأذكار؟ # قلنا: حاشا لفكرته الصافية وقريحته المتقدة أن يكون حاله مشبها لحالهم، ~~فإنهم نفوا جميع أذكار الصلاة، وهو إنما خالف في جوب القراءة مع اعترافه ~~بكونها مشروعة في الصلاة، وكيف لا وهو الغواص على أسرار الشريعة والمتبحر ~~في علومها. # الفرع الثاني: هل تكون سورة الفاتحة متعينة في الصلاة بحيث لا تجزي إلا ~~بقراءتها أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها متعينة، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي ومالك. # والحجة على هذا: ما روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله أنه قال: ((لا صلاة ~~مجزية إلا بقراءة فاتحة الكتاب )) (1). # وروى عبادة بن الصامت عن رسول الله أنه قال: ((لاصلاة لمن لم يقرأ فاتحة ~~الكتاب " )) (2). # وفي حديث آخر: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن )) (3). # وروى أبو هريرة عن رسول الله أنه قال: أمرني أن أنادي ((أنه لا ms1136 صلاة إلا ~~بفاتحة الكتاب )). PageV03P181 # المذهب الثاني: أن القراءة واجبة لكنها غير متعينة، وهذا هو رأي أبي حنيفة ~~وأصحابه، ثم اختلفوا بعد ذلك فيما يجزي منها، فالمشهور عن أبي حنيفة أن ~~المجزي آية طويلة أو قصيرة، وفي رواية أخرى: أنه يجزي ما يقع عليه اسم ~~القراءة. # وقال أبو يوسف ومحمد: إن قرأ آية طويلة كآية الكرسي أو آية الدين أجزأه، ~~وإن كانت قصيرة أجزأه ثلاث آيات. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن }[المزمل:20]. # ووجه الدلالة من الآية: هو أن قوله: {ما تيسر}. عام في جميع القرآن فيجب ~~أن يكون ما قرئ منه إجزاء في الصلاة من غير تعيين للفاتحة كما قلناه. # الحجة الثانية: قولهم: الفاتحة سورة من القرآن فيجب أن لا يتعين قراءتها ~~في الصلاة كسائر السور. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن رسول الله أنه قال: ((كل ~~صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج )) (1). # وناقة خداج: وهي التي لم يتم حملها وما لم يتم فهو باطل، وعن الخليل: ~~أخدجت الناقة إذا بطلت عن الولد فهي مخدج والولد خديج إذا ألقته ميتا، ~~وأخدجت إذا ألقت دما فهي خداج، والغرض من هذا أن الصلاة باطلة من غير قراءة ~~سورة الفاتحة شبهها بالناقة المخدج التي بطل ولدها. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر منه}[المزمل:20]. عام في جميع ~~القرآن فيجب أن يكون ما قرئ منه في الصلاة إجزاء من غير تعيين لشيء منه. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: PageV03P182 # الجواب الأول: أن هذه الآية عامة، وما رويناه من الأخبار خاص، ومن مذهبنا ~~بناء العام على الخاص وتنزيله عليه فيجب أن يكون المراد بالآية ما ذكر في ~~الأخبار، وهذه هي فائدة بناء العام على الخاص، لا يقال: فلا حاجة بنا إلى ~~بناء العام على الخاص. واجعلوه نسخا؛ لأن الآية تقتضي التخيير في القراءة ~~والأخبار مانعة من التخيير فإذا تناقضا كان نسخا؛ لأنا ms1137 نقول: هذا فاسد ~~لأمرين: # أما أولا: فلأن القرآن لا ينسخ بالأخبار الآحاد وما ذكرتموه يؤدي إلى ذلك. # وأما ثانيا: فلأن النسخ لابد فيه من المناقضة ولا مناقضة هاهنا فإن حكم ~~التخيير باق فلا مناقضة هناك فكأنه قال: اقرأوا سورة الفاتحة واقرأوا ما ~~تيسر منه بعد قراءتها. # الجواب الثاني: أن يكون المراد {فاقرءوا ما تيسر منه}[المزمل:20] بعد ~~الفراغ من الفاتحة فإن القراءة فيها مشروعة فله أن يقرأ بعدها ما شاء من ~~القرآن. # الجواب الثالث: أن الآية محمولة على من لا يحسن قراءة الفاتحة فله أن ~~يقرأ غيرها لأجل العذر. # قالوا: الفاتحة سورة من القرآن فيجب ألا تتعين قراءتها في الصلاة كسائر السور. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فكان هذا هو القياس لكن الآثار وردت على تخصيص الفاتحة ~~بالقراءة في الصلاة فلم يمكن إبطالها. # وأما ثانيا: فلأن السور متفاوتة في الفضل وهكذا الآيات، ولهذا فإن الآيات ~~الدالة على التوحيد ليست في الفضل كالآيات الدالة على الأحكام الشرعية من ~~البيع والإجارة والطلاق والنكاح فلأجل ما اختصت به من الفضل جعلت شرطا في ~~صحة الصلاة ولأمر ما يسود من يسود. # قالو: قوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب )). يحتمل نفي الإجزاء، ويحتمل ~~نفي الكمال كقوله: ((لا صلاة لجار المسجد إلا فيه " ))(1). # لكن لا يمكن حمله على نفي الإجزاء؛ لأنه يؤدي إلى نسخ التخيير في الآية. # قلنا:عن هذا جوابان: PageV03P183 # أما أولا: فلأنه كما يحتمل نفي الكمال فهو محتمل لنفي الإجزاء فيصير مع ~~الإحتمال مجملا فلا يمكن الإحتجاج به لإجماله وافتقاره إلى بيان. # وأما ثانيا: فنحمله على نفي الإجزاء خاصة مع صحة نقل الأسماء بالشرع وإذا ~~انتفى الإجزاء انتفى الكمال لأن ما لا يكون مجزيا فلا يكون كاملا. # قوله: يؤدي إلى نسخ التخيير في الآية. # قلنا: الآية عامة والخبر خاص فيجب بناء العام على الخاص كما أشرنا إليه ~~من غير حاجة إلى النسخ. # الفرع الثالث: هل يجب مع الفاتحة قراءة شيء من القرآن أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجب مع الفاتحة قراءة شيء من ms1138 القرآن إما سورة وإما ~~ثلاث آيات، وهذا هو رأي الهادي والمؤيد بالله خلا أن المؤيد بالله ربما ~~اشترط ثلاث آيات وربما اشترط آية طويلة، وإلى وجوب قراءة شيء من القرآن ذهب ~~عمر بن الخطاب وابن عمر وعثمان بن أبي العاص. # والحجة على هذا: ما في خبر أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ورفاعة فإنها كلها ~~نصوص في وجوب ما زاد على قراءة الفاتحة. # الحجة الثانية قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) والمعلوم من حاله أنه ~~يقرأ في صلاته بالفاتحة وسورة أخرى. # المذهب الثاني: أن قراءة ما عدا الفاتحة سنة وليس واجبا، وهذا هو رأي ~~الشافعي. # والحجة على هذا قوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب )). فنفى الصلاة ~~بعدمها وأثبتها بوجودها، وفي هذا دلالة على أنه لا واجب سواها. وقوله : ~~((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج " )). # والمختار: ما قاله الإمام القاسم فإنه قال: وليس للقراءة عندي حد محدود ~~من سورة أو غيرها، أراد بعد قراءة الفاتحة . وإلى هذا يشير كلام المؤيد ~~بالله حيث قال: وإن قرأ آية طويلة أجزاه. PageV03P184 # والحجة على هذا: هو أن الآية في قوله: {فاقرءوا ما تيسر منه}[المزمل:20]. ~~وقوله: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن " }[المزمل:20]. وظواهر الأخبار كقوله : ~~((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها)). وقوله: ((لا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب وشيء معها)). فهذه الآية والأخبار دالة على اعتبار شيء من القرآن قل ~~أو كثر فيه كفاية وإسقاط لواجب القراءة في الصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكره الشافعي وأصحابه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)). ولم يعتبر ~~شيئا آخر فدل ذلك على أنه لا يجب سواها من سور القرآن. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ظاهر هذا الخبر دال على اشتراط قراءة الفاتحة لا غير وليس ~~فيه نفي لما عداها فلا يلزم مما ذكرتموه نفي لغيرها في الوجوب، كما أنه إذا ~~قال: لا صلاة إلا بركوع،لاتدل على نفي السجود فهكذا هاهنا. # وأما ثانيا: فلأن ما رويناه من الأخبار دال على وجوب قرآن ms1139 مع الفاتحة فلا ~~وجه لردها وإسقاطها، فقد تقرر بما ذكرناه وجوب قرآن مع الفاتحة، وهو ~~المطلوب. # الفرع الرابع: هل تجب القراءة في ركعة واحدة أو في أكثر؟ فيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أن القراءة إنما تجب في ركعة واحدة لا بعينها، وهذا هو رأي ~~الإمامين الهادي والمؤيد بالله. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن}[المزمل:20]. ~~فهذا أمر والأمر إنما يقتضي الفعل مرة واحدة وما زاد احتاج إلى دلالة. # المذهب الثاني: أن الواجب القراءة في الركعتين الأوليين وهذا هو رأي ~~الإمام الناصر ومحكي عن الإمام زيد بن علي، وهو رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن القراءة إنما تجب في الركعتين الأولين على رأي ~~هؤلاء فأما الركعتان الأخريان فالقراءة فيهما غير واجبة بل هو بالخيار إن ~~شاء قرأ وإن شاء سبح؛ وقد قال : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)). PageV03P185 # ووجه الدلالة من ظاهر الخبر: هو أنه نفى أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة ~~الكتاب(1) # وقد تقرر أن موضع القراءة هما الركعتان الأوليان فيجب حمل وجوب القراءة ~~عليهما من غير زيادة. # المذهب الثالث: أن القراءة واجبة في كل ركعة، وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي ~~عن الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. # والحجة على هذا: ما روى أبو سعيد الخدري وعبادة بن الصامت عن رسول الله ~~قالا: أمرنا رسول الله أن نقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة. # الحجة الثانية: ما روى رفاعة بن مالك(2) # أنه قال دخل رجل المسجد، فصلى بقرب الرسول فلما فرغ جاء فسلم على الرسول ~~فقال له الرسول: ((أعد صلاتك فإنك لم تصل " )). فصلى مثل ما صلى من قبل ~~فقال له الرسول : ((أعد صلاتك فإنك لم تصل " )). فقال: يارسول الله علمني ~~كيف أصلي؟ فقال له: ((إذا أقمت الصلاة فكبر " ثم اقرأ فاتحة الكتاب ثم اركع ~~حتى تطمئن)) وذكر الخبر إلى أن قال: ((وهكذا تفعل في كل ركعة))(3). # المذهب الرابع: أن القراءة إنما تجب في معظم الصلاة فإن كانت رباعية قرأ ~~في ثلاث منها وإن كانت ثلاثية ms1140 قرأ في اثنتين وإن كانت ركعتين قرأ فيهما؛ ~~وهو المحكي عن مالك. # والحجة على هذا: هو أن الأدلة الشرعية من الآي والأخبار بعضها دال على ~~وجوب القراءة في كل ركعة وبعضها دال على وجوبها في ركعة أو ركعتين فأوجبنا ~~القراءة في الأكثر من الصلاة عملا بمقتضى الأدلة الشرعية فهذا تقرير مذاهب ~~العلماء في هذه المسألة. PageV03P186 # والمختار: ما قاله الإمامان الهادي والمؤيد بالله من وجوب القراءة في ركعة ~~واحدة، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري وداود من أهل الظاهر. # والحجة لهم: ما قررناه من قبل، ونزيد هاهنا وهو أن الأدلة الشرعية دالة ~~على وجوب القراءة والمعلوم أنه يخرج من عهدتها بفعل القراءة مرة واحدة فيجب ~~الاقتصار[عليها] حتى تدل دلالة على وجوب التكرار. # ومن وجه آخر: قياسي، وهو أن القراءة ذكر هو من شرط الصلاة فوجب أن يكون ~~الفرض منه مرة واحدة كالتكبير والتشهد. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # فأما ما ذكره من أن القراءة واجبة في الركعتين الأوليين محتجا بأن محل ~~القراءة هو الركعتان الأوليان والأخريان هو بالخيار إن شاء قرأ وإن شاء سبح ~~فعنه جوابان: # أما أولا: فلأنه لا دلالة تدل على ما قاله من وجوب القراءة في الركعتين ~~الأوليين، وإنما الواجب هو في ركعة واحدة. # وأما ثانيا: فلأن القراءة وإن كانت واجبة فإنما تجب في ركعة واحدة لا ~~بعينها؛ لأن الأدلة الدالة على وجوب القراءة لم تخص ركعة دون ركعة فلهذا ~~أوجبناها في ركعة واحدة على جهة البدلية. # وأما ما قاله الشافعي: من أن القراءة واجبة في كل ركعة محتجا بما روي أنه ~~أمر بالقراءة في كل ركعة فعنه جوابان: # أما أولا: فلأن ذلك إنما كان على جهة الاستحباب دون الوجوب ونحن لا ننكر ~~ذلك، وإنما كلامنا فيما يكون واجبا لا يجوز الإخلال به. # وأما ثانيا:فلأن المقصود بالأمر في كل ركعة على جهة البدل لا على جهة ~~الجمع ونحن لا ننكر ذلك، وإنما الشأن كله في كونها واجبة في كل ركعة على ~~جهة الجمع ولا دلالة تدل على ذلك. ms1141 # وأما ما قاله مالك: من أن الواجب في أكثر الركعات، ففي الرباعية ثلاث ~~ركعات تجب فيهن القراءة، وفي الثلاثية في ركعتين. فعنه جوابان: # أما أولا:فلأن ما ذكره تحكم لا مستند له. PageV03P187 # وأما ثانيا: فلأنه إذا فعل ذلك عملا بمقتضى الأدلة الشرعية فنحن نوجبها في ~~ركعة واحدة عملا بأقل ما قيل في الأدلة الشرعية، والأقل إنما هو إيجاب ~~القراءة في ركعة واحدة، وهو المطلوب. # الفرع الخامس في وجوب الإبتداء في القراءة ب{بسم الله الرحمن الرحيم}. ~~وهو يشتمل على مسائل: # المسألة الأولى: الذي عليه أئمة العترة القاسمية والناصرية أن قولنا: ~~{بسم الله الرحمن الرحيم} أنها مشروعة في الصلاة. وهل هي من كتاب الله أم ~~لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها آية من القرآن؛ وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن ~~الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن الصحابة رضي الله عنهم أثبتوها في المصاحف في أول ~~كل سورة إلا في سورة برآءة فلم يثبتوها فيها وهم لا يثبتون إلا ما كان من ~~القرآن مقطوعا بكونه قرآنا، ويؤيد هذا ويوضحه أن هذه المصاحف نقلت إليها ~~بالنقل المستفيض المتواتر من جهة الصحابة رضي الله عنهم ولم يكونوا يثبتون ~~إلا ما تواتر نقله وقطع بأنه قرآن ولهذا فإن عمر رضي الله عنه قال: لولا أن ~~يقال إن عمر زاد في كتاب الله آية لكتبت آية الرجم في حاشية المصحف ((الشيخ ~~والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله)). وإنما لم تكتب البسملة ~~في أول سورة برآءة لأمرين: # أما أولا: فلأنها لما نزلت قال الرسول : ((اثبتوها في آخر سورة الأنفال " ~~)) فأثبتوها اتباعا لأمره. # وأما ثانيا: فلأنها سورة غضب والبسملة آية رحمة فلهذا لم تكتب في أولها. # المذهب الثاني: أنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل فإنها بعض آية ~~منها وفي سائر السور إنما ذكرت تبركا بها ولا تقرأ في الصلاة إلا في قيام ~~رمضان فإنها تقرأ في ابتداء السورة بعد الفاتحة ولا تقرأ في إبتداء ~~الفاتحة؛ وهذا هو رأي الأوزاعي ومحكي عن مالك، ورواية عن أبي ms1142 حنيفة رحمه الله. PageV03P188 # والحجة على هذا: هو أن القرآن عبارة عما كان بين الدفتين وكان منقولا ~~بالتواتر مقطوعا به وهذه البسملة قد وقع فيها الخلاف والنزاع، فلو كانت من ~~القرآن لم يقع فيها النزاع كسائر آيات المصحف وسوره. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من أنها آية من كتاب الله. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا، وهو أن القرآن الذي يقطع بكونه قرآنا ~~ويكفر من رده أو رد آية منه هو ما جمع صفات ثلاثا: # الصفة الأولى: أن يكون منقولا بالتواتر مقطوعا بنقله. # والثانية: أن يكون مطابقا لاصطلاح أهل الأدب من النحو واللغة. # والثالثة: أن يكون مطابقا لخط المصحف الذي وضعه عثمان باتفاق الصحابة ~~عليه، فما جمع هذه الخلال الثلاث كان قرآنا وكفر من رده، وهذه البسلمة ~~فحالها ما ذكرناه فإنها منقولة بالتواتر ومطابقة للأوضاع اللغوية والمعاني ~~الإعرابية وموافقة لما وضع بخط المصحف، فلا جرم قطعنا بكونها من جملة آي ~~القرآن. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: لو كانت من جملة آي القرآن لما وقع فيها خلاف كما لم يقع في غيرها ~~من السور والآيات. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه لم يقع [تردد] في كونها مكتوبة في المصاحف كلها، وأن ~~عثمان كتبها في مصحفه في كل السور إلا في براءة، وأن جبريل: نزل بها وإنها ~~مقروءة في المحاريب على ألسنة الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا، وإنما وقع ~~التردد هل تكون آية منفردة أو تكون آية مع أول كل سورة وهذا التردد لا يبطل ~~كونها من القرآن فمثل هذا يقع فيه اللبس. # وأما ثانيا: فلأن خلاف ابن مسعود لا يبطل كون المعوذتين من القرآن، وخلاف ~~أبي في أن الفاتحة لا تكتب في المصحف لا يبطل كونها من القرآن فتقرر بما ~~ذكرناه أنها آية من كتاب الله. # المسألة الثانية: إذا تقرر أنها من كتاب الله فهل تكون آية منفردة برأسها ~~أو تكون آية مع أول كل سورة؟ فيه مذهبان: PageV03P189 # المذهب الأول: أنها آية مستقلة من كل سورة، وهذا هو رأي أئمة ms1143 العترة وأحد ~~قولي الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن الإجماع منعقد على إثباتها في كل سورة ما خلا سورة ~~براءة ويشهد له كتبة المصاحف كلها فإنها ثابتة في أول كل سورة، فلولا أنها ~~آية من كل سورة وإلا لما أتفقت المصاحف على ذلك. ويؤيد ما ذكرناه ما روى ~~أنس بن مالك أن معاوية لما قدم المدينة فصلى صلاة فقرأ {بسم الله الرحمن ~~الرحيم} في أول الفاتحة ثم تركها لما قرأ السورة الثانية، فلما فرغ نادى ~~المهاجرون والأنصار من كل مكان أسرقت الصلاة يا معاوية أم نسيت؟ أين بسم ~~الله الرحمن الرحيم؟ وفي هذا دلالة على أنها آية مستقلة من كل سورة. # المذهب الثاني: أنها آية مع أول كل سورة، وهذا شيء يحكى عن الشافعي في ~~بعض أقواله، واختاره بعض أصحابه. # والرواية لثانية: عن أبي حنيفة التي اختارها أصحابه التي عليها يعتمدون ~~وبها يناظرون، أنها آية في كل موضع ذكرت إلا أنها ليست آية من السورة. # والحجة على هذا هو أنها لم تنفرد عن أول كل سورة لا في قراءتها ولا في ~~كتبة المصاحف، وفي هذا دلالة على أنها غير مستقلة بنفسها وإنما هي آية مع ~~أول كل سورة. # والمختار: أنها مستقلة بنفسها في القراءة وفي كتبة المصاحف. # والحجة: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((سورة ~~ثلاثون آية شفعت لقارئها وهي سورة الملك " ))(1) # ومعلوم أنها ثلاثون من غير البسملة، فهذا فيه دلالة على استقلالها من أول ~~كل سورة. PageV03P190 # ومن وجه آخر: وهو أن اتصالها بما بعدها ليس يخلو إما أن يكون من جهة اللفظ ~~أو من جهة المعنى، أما اللفظ فبأن تكون أوائل السور منخرمة لا تكمل إلا ~~بذكر البسملة. وإما من جهة المعنى فبأن تكون فواتح السور لا تستقيم معانيها ~~ولا تكون مفهومة إلا بذكر البسملة، وكل واحد من هذين الوجهين لا وجه له فإن ~~فواتح السور مستقلة ومفهومة المعاني من غير ذكر البسملة غير مفتقرة في ~~لفظها ومعناها إليها، وفي هذا دلالة على ما ms1144 قلناه من انفرادها وأنها غير ~~مضافة إلى أول كل سورة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: اتصالها في القراءة بأول كل سورة وكتبتها في أول كل سوة تدل على ~~أنها غير مستقلة بنفسها. # قلنا: الظاهر استقلالها بنفسها من جهة الكتبة ومن جهة القراءة، وإنما لم ~~يجز انفصالها تنبيها على أنها آية من كل سورة فلهذا وجب دوام الاتصال. # المسألة الثالثة: البسملة هل تكون آية من الفاتحة أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنها آية من سورة الفاتحة على جهة القطع، وهذا هو رأي أئمة ~~العترة القاسمية والناصرية، وهو محكي عن الشافعي في أحد أقواله وهؤلاء لا ~~يقبلون في إثباتها خبر الواحد وإنما يثبتونها بالنقل المتواتر. PageV03P191 # والحجة على هذا: هو أن الصحابة رضي الله عنهم أثبتوها فيها خطأ في المصاحف ~~ونطقا بالألسنة وتواتر النقل عنهم بعدها آية من سورة الفاتحة، وفي هذا ~~دلالة على أنها مقطوع بها. ويتأيد ما ذكرناه بما ورد فيه من أخبار الآحاد، ~~وهو ما روى جابر قال: قال لي رسول الله : ((كيف تقول إذا أقمت صلاتك ))؟. ~~قال: أقول الحمدلله رب العالمين. قال: ((قل: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد ~~لله رب العالمين)) (1). # وعن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: فاتحة الكتاب كم آية؟ قال: سبع. ~~قلت: فأين سابعتها؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم(2). PageV03P192 # وعن أمير المؤمنين كرم الله وجهه وعن أم سلمة وعن أبي بن كعب، أن الرسول عد ~~بسم الله الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب وقال: ((هي السبع المثاني ))(1). # المذهب الثاني: أنها آية من الفاتحة على جهة الحكم على معنى أنه يجب ~~قراءتها في الصلاة ولا تصح الصلاة إلا بها ويقبل فيها خبر الواحد ولا يقطع ~~بكونها آية من الفاتحة؛ لأن خبر الواحد يوجب العمل ولا يوجب العلم، وهذا هو ~~قول بعض أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن هذا القائل قد جعلها من باب العمل ولم يجعلها ~~مقطوعا بها لأجل ما وقع فيها من الخلاف فلأجل هذا يوجب قراءتها في الصلاة ~~ولا تكون ms1145 الصلاة صحيحة إلا بقراءتها. # المذهب الثالث: أنها ليست آية من الفاتحة ولا تكون شرطا في صحة الصلاة ~~خلا أنه يستحب قراءتها في الصلاة سرا ومن تركها فقد أساء ولا تبطل صلاته، ~~وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((يقول الله تبارك ~~وتعالى: قسمت هذه السورة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي فإذا ~~قال: الحمدلله رب العالمين. يقول الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قال: الرحمن ~~الرحيم. يقول الله تعالى: أثنى علي عبدي. فإذا قال: ملك يوم الدين. قال: ~~مجدني عبدي إلى هاهنا لي؛ ولعبدي ما سأل))(2). # ولم يذكر بسم الله الرحمن الرحيم ولو كانت منها لذكرها. # والمختار: ما عليه أئمة العترة من أنها آية من فاتحة الكتاب خلا أن من ~~ردها لا يكفر ومن تركها في الصلاة لا يفسق لأجل ما وقع فيها من الخلاف، ~~والكفر والفسوق إنما يكونان بالأدلة القاطعة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. PageV03P193 # قالوا: روى أبو هريرة أن الفاتحة نصفين لله تعالى وللعبد ولم يذكر فيها ~~البسملة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أنه لم يذكرها، فقد قيل: إنه ذكرها من طريق أبي ~~السائب(1) # عن أبي هريرة. # وأما ثانيا: فلأنه إنما لم يذكرها اكتفاء بعلم العبد بما فيها من التمجيد ~~لله تعالى والاعتراف له بالإلهية واختصاصه بالرحمة. # قالوا: لو كانت آية من الفاتحة لوجب الحكم على من أنكرها وردها بالكفر ~~والمعلوم خلافه وفي هذا دلالة على أنها ليست آية منها. # قلنا: إنما لم يكفر من ردها لأمرين: # أما أولا: فلأجل ما وقع فيها من الخلاف. # وأما ثانيا: فإنما يكفر من ردها بعد اعترافه بكونها آية منها فأما من لم ~~يثبتها فليس يكون رادا، كما أن ابن مسعود لم نكفره لرده المعوذتين؛ لأنه لم ~~يعترف بكونهما من القرآن(2). PageV03P194 # المسألة الرابعة: قد أوضحنا أن البسملة آية من سورة الفاتحة فإن تركها ~~المصلي عامدا بطلت صلاته، وإن تركها ناسيا نظرت فإن كان الوقت باقيا وجبت ~~عليه الإعادة ms1146 لأن ما كان واجبا في الصلاة لم يسقط وجوبه بالنسيان مع بقاء ~~الوقت، وإن كان الوقت فائتا لم يلزمه القضاء لما ذكرناه من قبل من أن ~~المسائل الإجتهادية التي وقع فيها خلاف العلماء لا يلزم فيها قضاء بعد فوات ~~الوقت وانقضائه كما قررناه من قبل، فهذه المسائل كلها نشأت من البسملة ~~ونرجع الآن إلى التفريع في مسائل القراءة. PageV03P195 # الفرع السادس: قال الإمام المؤيد بالله: يجب على كل مكلف معرفة فاتحة ~~الكتاب وسورة معها مع سائر ما تصح به الصلاة من الركوع والسجود لقوله ~~تعالى: {اركعوا واسجدوا }[الحج:77]. ولا خلاف في وجوب ذلك، وهو معلوم من ~~دين صاحب الشريعة ضرورة. قال أصحاب الشافعي: إذا ترك المصلي بعض التشديدات ~~التي في صورة الفاتحة لم تصح صلاته، ولم ينص الشافعي على هذا كما حكاه ~~أصحابنا عنه، وإنما ذكره أصحابه؛ لأن أهل اللغة والعربية قالوا: التشديد ~~يقوم مقام حرف؛ لأن كل موضع ذكر فيه التشديد فإنه مدغم حرف في حرف مثله أو ~~مقاربه فإذا ترك التشديد فكأنه قد ترك حرفا من حروف الفاتحة، والذي نص عليه ~~الشافعي هو قوله: فإن أخل المصلي ببعض الفاتحة أو بحرف من حروفها إما بألف ~~ولام أو غير ذلك لم تجزه صلاته، وفي الفاتحة أربع عشرة تشديدة [الأولى] ~~اللام من الجلالة في بسم الله، الثانية: تشديدة الراء من الرحمن، الثالثة: ~~تشديدة الراء من الرحيم، الرابعة: تشديدة اللام في لله، الخامسة: تشديدة ~~الباء في رب، السادسة: تشديدة الراء من الرحمن، السابعة: تسديدة الراء من ~~الرحيم، الثامنة: تشديدة الدال من الدين، التاسعة: تشديدة الياء من إياك، ~~العاشرة: تشديدة الياء من وإياك، الحادية عشرة: تشديدة الصاد من الصراط، ~~الثانية عشرة: تشديده اللام من الذين، الثالثة عشرة: تشديدة الضاد من ~~الضالين، الرابعة عشرة: تشديدة اللام من الضالين. PageV03P196 # الفرع السابع: ويجب على المصلي أن يقرأ الفاتحة كما أنزلت؛ لأن القرآن معجز ~~وإنما كان معجزا لما اشتمل عليه من النظم والتأليف فإذا غير نظامه بطل ~~إعجازه فإن بدأ فقرأ {الحمد لله رب العالمين }[الفاتحة:2] لم ms1147 تجزه حتى ~~يبتدئ ب{بسم الله الرحمن الرحيم} لقوله : ((اقرأوا كما علمتم " )) (1). # فإن قدم آية على آية أو حرفا على حرف فإن فعل ذلك عامدا بطلت صلاته وإن ~~فعله ساهيا لم تبطل صلاته وبطلت قراءته واستأنفها فحصل من مجموع هذا الفرع ~~أحكام خمسة: # الحكم الأول: رعاية الترتيب بين حروف الفاتحة وكلماتها فإن غير ذلك ~~بتقديم مؤخر أو تأخير مقدم بطلت قراءته وصلاته؛ لأن ذلك يبطل الإعجاز ~~ويلحقه بكلام الناس. # الحكم الثاني: رعاية الموالاة بين كلماتها فإن فصل بين الكلمات بسكوت ~~بسير لم يضره، وإن كان كثيرا بطلت قراءته والأولى أن يستأنفها، وإن فصل بين ~~كلماتها بتسبيح أو تهليل كره له ولم يضر قراءته. # الحكم الثالث:وإذا كرر قراءة الفاتحة أو كرر بعض كلماتها في أولها أو ~~آخرها أو وسطها كره له ذلك ولم يضر قراءته ولا يلزم استئنافها. # الحكم الرابع: ولا يجب الترتيب بين الفاتحة والسورة لأنهما فرضان واجبان ~~لا ترتيب بينهما ولا تجب الموالاة بينهما، فإن فصل بينهما بسكوت يسير لم ~~يضر، وإن كان طويلا لم يستأنفها وإن فصل بتسبيح أو تهليل لم يضر القراءة. # الحكم الخامس: وإن فرق كلمات الفاتحة والسورة على الركعات كره له ذلك؛ ~~لأنه خلاف المشروع، وأجزأه ذلك لأنه يكون آتيا بها كما هو المفروض. # الفرع الثامن: في الجهر والمخافتة، ويشتمل على أحكام أربعة: # الحكم الأول: في حد الجهر والمخافتة. PageV03P197 # قال الإمام المؤيد بالله: حد الجهر إذا قرأت أن يسمع من بجنبك، والمخافتة ~~أن تحرك لسانك وتثبت في الحروف وإن لم يسمع، وعن زيد بن علي: ما خافت من ~~أسمع أذنيه. واستضعف المؤيد بالله ذلك وقال: إنه مخافت وإن سمع، فحاصل ~~الأمر أن أقل الجهر أن تسمع من بجنبك، وأقل المخافتة أن تحرك لسانك ~~بالقراءة وإيضاح الأحرف وإن لم يكن المصلي سامعا لها، ولهذا قيل لابن عباس ~~بم كنتم تعرفون قراءة رسول الله في صلاة النهار؟ قال: نعرفها باضطراب ~~لحيته. وفي هذا دلالة على أنهم كانوا لا يسمعون قراءته ولو سمعها المصلي لم ~~يخرج عن المخافتة، ولهذا ms1148 قال تعالى: {فانطلقوا وهم يتخافتون }[القلم:23]. ~~فسماها مخافتة وإن سمعوها، وفي هذا دلالة على أن سماعها لا يخرجها عن حد ~~المخافتة. # الحكم الثاني: الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة هي صلاة الفجر والركعتان ~~الأوليان من المغرب والعشاء، والتي تشرع المخافتة فيها هي صلاة النهار ~~والركعة الثالثة من المغرب والركعتان الأخريان من العشاء؛ لقوله تعالى: ~~{ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا}[الإسراء:110]. ~~والسبيل هو ما ذكرناه من الجهر والمخافتة في هذه الصلوات، وقد روي عن أمير ~~المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان يجهر ويخافت في الصلوات كما أشرنا إليه وقد ~~تظاهرت الأخبار بما ذكرناه وتوارثه الخلف عن السلف قولا وفعلا وروي ذلك عن ~~الرسول أنه كان يجهر في صلاة الفجر ويجهر في الركعتين الأوليين من المغرب ~~والعشاء، والأصل أن صلاة النهار عجماء لقوله : ((صلاة النهار عجماء " ))(1). PageV03P198 # إلا ما خصته دلالة نحو صلاة الفجر وصلاة الجمعة وصلاة العيدين، وصلاة الليل ~~مجهورة إلا ما خصته دلالة نحو الركعة الثالثة من المغرب والركعتين الأخريين ~~من العشاء. # الحكم الثالث: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، هل هو مشروع في الصلاة ~~التي يجهر بها أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الجهر بها مشروع في هذه الصلوات المجهورة والقائل بهذا ~~طائفتان: # الطائفة الأولى: من الصحابة رضي الله عنهم، وهي إحدى الروايتين عن أمير ~~المؤمنين كرم الله وجهه، وإحدى الروايتين عن عمر، وهو محكي عن ابن عباس، ~~فهؤلاء من أكابر الصحابة رضي الله عنهم روي عنهم الجهر في الصلوات المجهورة ~~قولا وفعلا. # الطائفة الثانية:التابعون، وهو محكي عن زيد بن علي ومحمد بن علي وجعفر بن ~~محمد، ومروي عن محمد(1) PageV03P199 وإبراهيم(1) # ابني عبدالله بن الحسن وأبيهما وعبدالله بن موسى بن عبدالله(2) PageV03P200 وأحمد بن عيسى؛ وهو محكي عن الناصر والهادي والقاسم والمؤيد بالله وعلى ~~الجملة فإنه إجماع من أهل البيت. # والحجة على هذا:ما روى النعمان بن بشير عن رسول الله أنه قال: ((أمني ~~جبريل عند باب الكعبة فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " )) (1). # وروي عن ابن عباس رضي الله ms1149 عنه عن الرسول أنه جهر ببسم الله الرحمن ~~الرحيم، وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله : ((كل صلاة ~~لا يجهر فيها ببسم الله الرحمن الرحيم فهي أية اختلسها الشيطان " )) (2). # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يجهر ببسم الله الرحمن ~~الرحيم. وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: صليت خلف رسول الله فجهر ببسم ~~الله الرحمن الرحيم في كلتا السورتين حتى قبض، وصليت خلف أبي بكر فلم يزل ~~يجهر بها حتى قبض، وصليت خلف عمر فجهر بها حتى قبض، ولن أدعها حتى أموت، ~~فهذه الأخبار كلها دالة على ما ذكرناه من الجهر فيهما- أعني السورتين- ~~بالبسملة. # المذهب الثاني: أنه يسر بها في كل صلاة والقائل بهذا طائفتان: PageV03P201 # الطائفة الأولى: من الصحابة رضي الله عنهم، وهو إحدى الروايتين عن علي وابن ~~مسعود، وإحدى الروايتين عن عمر. # الطائفة الثانية:من التابعين، وهو مروي عن سفيان الثوري وأحمد بن حنبل ~~فإنه قال: إنها من الصلاة ولكن يسر بها، فأما أبو حنيفة ومالك والأوزاعي ~~فإنهم ذهبوا إلى أنها ليست من القرآن عندهم. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك " }[الأعراف:205]. وروي ~~أنها نزلت في بسم الله الرحمن الرحيم، وروي عن قتادة عن أنس بن مالك قال ~~صليت خلف الرسول وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن ~~الرحيم(1). # وروى عبدالله بن المغفل أنه رأى أمة تجهر بها فقال لها: إياك والحدث في ~~الإسلام فإني صليت خلف النبي وأبي بكر وعمر ولم أسمع أحدا منهم يقولها(2). # وروى ابن مسعود رضي الله عنه: ما جهر رسول الله في صلاة مكتوبة ببسم الله ~~الرحمن الرحيم. PageV03P202 # وروي عن ابن عباس أنه قال: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم من قراءة ~~الأعراب. وروى أبو وائل(1) # عن علي وعمار أنهم كانوا لا يجهرون بها فهذه الأخبار كلها دالة على ترك ~~الجهر بها. # والمختار: ما عول عليه الأكابر من أهل البيت والصحابة والتابعين، وهو قول ~~الشافعي ومحكي عن عطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن ms1150 جبير من الجهر بها في الصلاة ~~المجهورة والإسرار بها في الصلاة التي يسر بها. # والحجة: ما رويناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن أمير المؤمنين أنه قال: من ~~لم يجهر في صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم فقد أخدج صلاته(2). # وعن عمار بن ياسر أنه قال: صلينا خلف رسول الله فجهر ببسم الله الرحمن ~~الرحيم. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # واعلم أن ألأخبار قد تعارضت في هذه المسألة والناس فيها فريقان من ~~الصحابة والتابعين والفقهاء؛ والأخبار إذا تعارضت وجب الترجيح إذ لا يمكن ~~إهمالها أجمع، ولا القول بها أجمع فلم يبق إلا ما ذكرناه من ترجيح بعضها ~~على بعض، وهذه هي طريقة الأصوليين والحذاق من العلماء لكن الأخبار التي ~~رويناها راجحة على غيرها من أوجه أربعة: PageV03P203 # أولها: أن كل ما رويناه من الأخبار يفيد زيادة حكم شرعي وهو الجهر بها ~~والخبران إذا تعارضا وأحدهما مختص بزيادة حكم شرعي كان المصير إليه أحق ~~وأولى وكان راجحا على غيره. # وثانيها: أن ما رويناه من الأخبار مستند إلى المشاهدة والعلم وما رووه ~~يستند إلى نفي العلم، والخبران إذا تعارضا وكان أحدهما دالا على الإثبات ~~والآخر دال على النفي فالذي يكون دالا على الإثبات أحق بالقبول؛ لأن التحقق ~~فيه أكثر والقطع به أعظم وأوثق. # وثالثها: أن بعض أحاديثهم قد وقع فيه الإنكار كما حكينا في قصة معاوية ~~لما صلى وترك البسملة في أول السورة الثانية فبادروه: أسرقت الصلاة يا ~~معاوية أم نسيت؟ وأخبارنا لم يقع فيها شيء من الإنكار فدل ذلك على كونها صادقة. # ورابعها: أن ما رووه محمول على أنه لم يجهر بالبسملة على حد ما يجهر ~~بالسورتين على حسب العادة فإن الإنسان إذا جهر بشيء من [القرآن] في أول ~~قراءته فإنه لا يكون جهره في أول الأمر كجهره في آخره فيجب القضاء بكونها ~~مجهورا [بها] كالسورتين وإن كان الجهر مختلفا، وهذا لا يبطل كونها مجهورا ~~بها. فحصل من مجموع ما ذكرناه رجحان أخبارنا على أخبارهم فيجب القضاء بها ~~والحكم عليها. # الحكم الرابع: وإذا ms1151 تقرركون الجهر بها مشروعا فهل يكون واجبا أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أن الجهر بها واجب وأن صفة القراءة كالقراءة في الوجوب ~~وبطلان الصلاة بتركه، وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن محمد بن يحيى ومن ~~الفقهاء من ذهب إليه كابن أبي ليلي. PageV03P204 # والحجة على هذا: قوله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك ~~سبيلا}[الإسراء:110]. والأمر بابتغاء السبيل بين الجهر والمخافتة يقتضي أن ~~يكون على الصفة المشروعة التي ذكرناها في الصلاة الرباعية والثلاثية وحمله ~~على صلاة النهار في ترك الجهر وعلى صلاة الليل في ترك المخافتة لا يمنع من ~~صحة حمله على ما ذكرناه لأن أحد الإحتمالين لا يمنع من الإحتمال الآخر ~~فلهذا وجب حمله عليهما جميعا وفيه حصول المقصود. # الحجة الثانية: قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وفعله بيان للمجمل ~~وقد كان يجهر ويخافت في صلاته فيجب أن يكون واجبا. # المذهب الثاني: أن الجهر غير واجب في البسملة، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ~~ومحكي عن الفريقين الشافعية والحنفية. # والحجة على هذا: هو أن الجهر والمخافتة هيئتان لركن من أركان الصلاة، وهو ~~القراءة فلا يكونان واجبين، دليله ترك التجافي في الركوع والسجود وتفريق ~~الأصابع عند الركوع وضمها عند السجود إلى غير ذلك من الهيئات. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله؛ لأن المقصود من هذا الركن هو حصول الذكر ~~وكونه مجهورا به أو مخافتا صفة تابعة فلا يكون الإخلال بها إخلالا بالقراءة ~~كسائر صفات الأذكار كلها. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وفعله يكون ~~بيانا لما أجمل في هذا الخبر والمعلوم من حاله أنه كان يجهر بالبسملة فيجب ~~القضاء بوجوبها. # قلنا: لا ننكر أنه كان يجهر في الصلاة ويخافت وأنه كان يجهر بالبسملة ~~ولكنا نقول ليس كل ما كان يفعله في الصلاة فهو واجب فإن أفعال الصلاة ~~منقسمة إلى واجب ومسنون والجهر والمخافتة قد دل الدليل على كونهما صفتين ~~ليستا بواجبتين ولا يتعلق بهما سجود السهو كما سنوضحه في بابه بمعونة ms1152 الله تعالى. PageV03P205 # قالوا: قال تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها }[الإسراء:110]. ولا شك ~~أن السبيل وجوب الجهر والمخافتة على الصفة المشروعة والبسملة من جملة ما ~~يجب فيه الجهر؛ فلهذا كان واجبا فيها. # قلنا: ليس في الآية ما يدل على الوجوب، وإنما الآية [دالة] على كونهما ~~مشروعين، فأما وجوب الجهر فلا يؤخذ من الآية بحال ولكنها تقتضي فعلها، فأما ~~الوجوب فيؤخذ من دلالة آخرى غير الآية فبطل التعلق بظاهر الآية، وقد نجز ~~غرضنا من أحكام البسلمة ونرجع إلى التفريع. # الفرع التاسع: المعوذتان من القرآن فمن قرأهما في صلاته أجزأه ذلك، ولم ~~ينكر ابن مسعود أن جبريل نزل بهما ولا أنهما من القرأن وإنما أنكر كتبهما ~~في المصحف وزعم أنهما عوذتان للحسن والحسين نزل بهما جبريل كما أنكر أبي ~~كتبة الفاتحة في المصحف لظهورها واشتهارها، وفي الحديث عن الرسول أنه قال: ~~((تعوذوا بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما " )) (1). # ومن قرأ القرآن بالفارسية في صلاته لم تكن مجزية له سواء أحسن العربية أو ~~لم يحسن؛ لأن القرآن إنما كان قرآنا لإعجازه ولم يكن معجزا إلا لما اشتمل ~~عليه من الفصاحة في ألفاظه وللبلاغة في معانية وإذا حولت ألفاظه إلى ~~الفارسية بطل أعجازه وبطل كونه قرآنا، وإذا قرأ المصلي من وسط السورة فهل ~~تستحب له البسملة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها تستحب بعد قراءة الفاتحة، وهذا هو رأي أئمة العترة ~~ومحكي عن الفقهاء. # والحجة على هذا: هو أن هذه الآيات قائمة مقام السورة التي يجب قرأتها بعد ~~الفاتحة ولابد فيها من البسملة، فهكذا هذه الآيات لابد فيها من ذكر البسملة ~~لأنها قائمة مقامها في الوجوب. # المذهب الثاني: أنه لا يحتاج إلى ذكر البسملة إذا قرأ من وسط السورة وهذا ~~هو رأي القراء وأهل الأداء. PageV03P206 # والحجة على هذا: ما روي من جهة الصحابة رضي الله عنهم أنهم قالوا: ما كنا ~~نفرق بين أوائل السور إلا بذكر البسملة، وفي هذا دلالة على أنه إذا قرأ من ~~وسط السورة فلا بسملة هناك. # والمختار: ما قاله ms1153 القراء؛ لأن الفقهاء هم أهل الفتوى والقراء فهم أهل ~~الأداء وكلامهم فيما يتعلق بالقرآن وتأدية القرآن أرجح من غيرهم لاختصاصهم ~~بالقرآن ومعرفة سننه وآدابه في القرآءات. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: الآيات قائمة مقام السورة فتستحب فيها البسملة. # قلنا: إنما قامت مقامها في وجوب إجزاء القراءة في الصلاة، فأما في ~~استحباب البسملة فلا، وإذا قرأ في صلاته من المصحف فذلك يكون على أوجه ثلاثة: # أولها: أن يكون محتاجا إلى أن يرفع المصحف ويضعه في صلاته ويعد سطوره فهل ~~تبطل صلاته أم لا؟ فالذي عليه أئمة العترة أنها تبطل؛ وحكي عن الشافعي وأبي ~~يوسف ومحمد أنها لا تبطل. # والحجة على ما قلناه: هو أن ما هذا حاله عمل كثير فلهذا قضينا ببطلانها. # وثانيها: أن يكون حافظا للقرآن والمصحف موضوع في مسجده، وهو ينظره ويقرأ ~~منه لم تبطل صلاته، وهذا هو رأي أئمة العترة؛ ومحكي عن الشافعي ومحمد وأبي ~~حنيفة، وهو الذي حصله الجصاص من مذهب أبي حنيفة. # والحجة على ما قلناه: هو أن ما هذا حاله عمل قليل، والنظر بمجرده لا يكون ~~مفسدا للصلاة. PageV03P207 # وثالثها: أن يكون القرآن مكتوبا في المحراب فينظر إلى آياته ويصلي بها فهل ~~تصح صلاته أم لا؟ فالذي يأتي على رأي الأكثر من أئمة العترة أن صلاته لا ~~تبطل، وهو محكي عن أبي الحسن الكرخي، وحكي عن السيد أبي طالب وأبي سعيد ~~البرذعي(1) # أنها تبطل. # والحجة على ما قلناه: هو أن ما هذا حاله عمل قليل وهو مجرد النظر فلهذا ~~قضينا بصحتها، ومن صلى بالتلقين من غيره بطلت صلاته؛ لأنه إنما قرأ تبعا ~~لغيره ولم يقرأه لصلاته فلهذا بطلت صلاته. # الفرع العاشر: في التأمين، وهو تفعيل واشتقاقه من قولهم أمن إذا قال: ~~آمين. ويحكى فيه المد والقصر فإذا مد فهو بزيادة ألف وإذا قصر كان بحذفها ~~وشاهد المقصور قوله: # تباعد مني فطحل وابن أمه ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا # وشاهد الممدود قوله: # يارب لا تسلبني حبها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا # فأما تشديد الميم ms1154 فليس منه؛ لأنه بمعنى قاصدين قال الله تعالى: {ولا آمين ~~البيت الحرام " }[المائدة:2]. ومعناه: اللهم استجب، وهل يكون سنة أو بدعة ~~أو جائزا؟ فيه مذاهب ثلاثة: PageV03P208 # المذهب الأول: أنه بدعة تفسد الصلاة، وهذا هو قول أئمة العترة القاسمية ومن ~~تابعهم. # والحجة على هذا: ما روى معاوية السلمي(1) # عن رسول الله قال: صليت معه صلاة فعطس رجل فقلت: يرحمك الله؛ فرماني ~~القوم بأبصارهم، فقلت: وآثكل أماه أراكم تنظرون إلي، فجعلوا يضربون بأيديهم ~~على أفخاذهم يصمتوني، فلما قضى رسول الله صلاته بأبي وأمي ما رأيت قبله ولا ~~بعده أحسن تعليما منه والله ما كهرني ولا سبني ولكنه قال: ((إن صلاتنا هذه ~~لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتحميد وقراءة القرآن)). # والمذهب الثاني: أن التأمين جائز، وهذا هو شيء يحكى عن أحمد بن عيسى بن زيد. # والحجة على هذا: هو أن قولنا: آمين دعاء؛ لأن معناه: اللهم استجب. ~~والدعاء غير ممنوع منه في الصلاة ولا في غيرها وقد قال تعالى: {ادعوني ~~أستجب لكم}[غافر:60]. وقال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية}[الأعراف:55] ~~ولم يفصل بين أن يكون في الصلاة أو خارج الصلاة، وفي هذا دلالة على جواز ~~التأمين. # المذهب الثالث: أنه سنة يستحب فعله في الصلاة، وهذا هو رأي الفريقين ~~الشافعية والحنفية. PageV03P209 # والحجة على هذا: ما روى وائل بن حجر عن رسول الله أنه لما فرغ من قراءة ~~الفاتحة رفع بآمين صوته حتى سمع من يليه من الصف الأول، والسنة فيه عند ~~الشافعي أن يجهر به إن كانت الصلاة مجهورة ويسر به إن كانت الصلاة إسرارا؛ ~~لأنه تابع للقراءة فحاله يكون كحالها، وعن أبي حنيفة وأصحابه يؤمن الإمام ~~والمأموم جميعا ولكن يسران به وعن مالك روايتان: # الأولى منهما: لا يؤمن الإمام ولكن يؤمن المأموم. # والثانية: يخفيها الإمام ويكون تأمين الإمام سابقا على تأمين المأموم؛ ~~لقوله : ((إذا أمن الإمام فأمنوا )) (1). # فالفاء للتعقيب من غير مهلة، والسنة عندهم أن يكون التأمين بعد الفراغ من ~~قراءة الفاتحة في الصلاة وغيرها لاشتمالها على طلب الهداية التي ms1155 هي سبب في ~~نيل السعادة الأخروية؛ ولقوله : ((إذا أمن الإمام فأمنوا فإن الملائكة تؤمن ~~بتأمين الإمام فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)). # قال الشافعي: فإن آخر التأمين عن موضعه لم يأت به فيما بعد لأنه سنة ~~مرتبة بعد قوله: {ولا الضالين}. فإذا لم يأت بعدها ودخل في غيره فقد فات ~~موضعه فلا وجه لقضائه كالتشهد الأول إذا فات موضعه لم يقض بعده، وحكي عن ~~الشافعي رحمه الله أنه قال: الأخبار الدالة على الإذن بالتأمين فيها دلالة ~~قوية على أن لكل مصل أن يدعو في صلاته بما شاء وأحب من المنافع الدينية ~~والدنيوية مع ما ورد فيه من الأخبار الخاصة؛ لأن معنى التأمين اللهم افعل ~~لي ما سألتك. فدل ذلك على جواز الدعاء فيها، والمستحب عندهم أن لا يصل ~~التأمين بقوله: {ولا الضالين} بل يفصل بينهما بسكتة يسيرة ليعلم بها أن ~~التأمين ليس من كلام الله. PageV03P210 # والمختار تفصيل نشير إليه، وهو جواز فعله في الصلاة لما ورد فيه من ~~الأخبار، وكراهة فعله لما وقع عليه الإجماع من أكابر أهل البيت على منعه في ~~الصلاة، وإن فعله المصلي لم يكن مفسدا للصلاة؛ لأنه مفعول لإصلاحها وما فعل ~~لإصلاحها، فلا يكون مفسدا لها، والمنع من إفساد الصلاة بالتأمين محكي عن ~~الناصر، وما ذكرناه من هذه الأخبار فهو توفقه بين الأدلة وجمع بينها كما ترى. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذهبوا إليه من استحبابه، فإذا حملنا الأخبار ~~التي رووها على جواز فعله وحملنا ما وقع من إجماع الأكابر من أهل البيت على ~~كراهة فعله وأنه إذا فعل لم يكن مفسدا للصلاة بطل ما زعموه من الإستحباب ~~ولم يكن لهم مستروح إليه؛ لأن إجماعهم حجة مقبولة معمول عليه في المسائل ~~القطعية فضلا عن المسائل الإجتهادية، والأخبار تتطرق إليها الاحتمالات ~~ومعرضة للتأويلات بخلاف الإجماع فإنه بعيد عن الاحتمال، وهذه الطريقة التي ~~أشرنا إليها كافية في المنع من استحباب التأمين من غير حاجة إلى إيراد ~~الطعن على عدالة الرواة الذين رووا أخبار التأمين؛ ms1156 لأنهم كما رووه فقد رووا ~~غيره من أخبار الشريعة فالوجه قبولها وحملها على ما ذكرناه. # الفرع الحادي عشر: والمستحب في قراءة القرآن أن يكون قراءة مرتلة من غير ~~عجلة ولا تمطيط لكل قارئ في الصلاة وفي غيرها لقوله تعالى: {ورتل القرآن ~~ترتيلا}[المزمل:4]. والاستحباب في الصلاة أكثر؛ لأن القراءة واجبة في ~~الصلاة دون غيرها، ويكره للإمام القراءة بالسور الطوال؛ لما روى أن معاذ بن ~~جبل قرأ في صلاة مكتوبة سورة البقرة فقال له الرسول : ((أفتان أنت يامعاذ ~~صل بهم صلاة أضعفهم )) (1). PageV03P211 # ولا يكره ذلك في النوافل ولا في الصلاة المفروضة إذا كان منفردا؛ لما روي ~~عن الرسول أنه قال: ((طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه )) والمئنة: ~~القوة. ويستحب في الفرائض أن يقرأ فيها بسور المفصل، والمفصل من سورة محمد ~~إلى سورة الناس؛ لأن الرسول كان يقرأ بها في صلواته. ويكره الجمع بين ~~السورتين في الصلاة المكتوبة في ركعة واحدة لما ذكرناه من كراهة التطويل ~~إذا كان إماما. ويستحب للمصلي إذا كان في صلاة الفجر تطويل القراءة لقوله ~~تعالى: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " }[الإسراء:78]. وأراد أن ~~ملائكة النهار وملائكة الليل يشهدونه فيقرأ بطوال المفصل، وهو السبع الأخر ~~من القرآن مثل قاف والحجرات وسورة الذاريات والطور والقمر. وإن كان في يوم ~~الجمعة قرأ في الأولى: {الم تنزيل} السجدة وفي الثانية: {هل أتى على ~~الإنسان }[الإنسان:1]؛ لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه كان يقرأ ذلك فيها ~~يوم الجمعة(1)، PageV03P212 فإن قرأ فيها أوساط المفصل وقصاره جاز ذلك نحو سورة كورت والبروج، لما روى ~~عمرو بن حريث أنه قال كأني أسمع صوت رسول الله في صلاة الغداة: {فلا أقسم ~~بالخنس }[التكوير:14]. وروى رجل من جهينة أنه سمع رسول الله يقرأ في صلاة ~~الصبح: {إذا زلزلت الأرض}[الزلزلة:1]. وإن كان المصلي في صلاة الظهر فيستحب ~~أن يقرأ شبها مما يقرأ في صلاة الصبح؛ لما روى أبو سعيد الخدري قال: حزرنا ~~صلاة رسول الله فوجدنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين ms1157 آية ~~على قدر سورة (الجرز)(1) وحزرنا قيامه في الركعتين الأخريين منها على النصف ~~من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر الأخريين من ~~الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك(2)، # ومعنى قوله: حزرنا أي قدرنا، ويستحب أن يقرأ في صلاة المغرب بقصار ~~المفصل؛ لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل، ~~ويستحب أن يقرأ في صلاة العشاء بطوال المفصل مثل ما فعل في صلاة الظهر؛ لما ~~روي عن الرسول أنه قرأ في صلاة العشاء الآخرة بسورة (الجمعة) و(المنافقين) ~~فإن قرأ غيرهما جاز؛ لما روي عن الرسول أنه قرأ في العشاء الآخرة ب{والشمس ~~وضحاها}. {والتين والزيتون}(3). PageV03P213 # وتجوز القراءة بغير هذه السور لما روي عن الرسول أنه قرأ في المغرب بسورة ~~(الأعراف)(1) # وروى جبير بن مطعم(2) # أنه قرأ في صلاة المغرب بالطور(3) # وروت أم الفضل(4) PageV03P214 وروى ابن مسعود أنه قرأ فيها ب{قل هو الله أحد}(1). # وروي عن رسول الله أنه خرج يوما وهو عاصب رأسه في مرضه فصلى المغرب فقرأ ~~فيها ب(المرسلات) فما صلاها حتى قبضه الله(2). # الفرع الثاني عشر: في حكم من يتعذر عليه قراءة القرآن. # اعلم أن كل من تتعذر عليه قراءة القرآن فله أحوال أربعة: # الحالة الأولى: أن تتعذر عليه قراءة الفاتحة وقراءة شيء من القرآن؛ فمن ~~هذه حاله فهل يلزمه الإتيان بالذكر أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه يلزمه الإتيان بالذكر وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى رفاعة بن مالك عن رسول الله أنه قال: ((إذا قام ~~أحدكم إلى الصلاة فليتوضأ كما أمره الله وليكبر فإن كان معه شيء من القرآن ~~قرأ به وإن لم يكن معه شيء من القرآن فليحمد الله وليكبره)) (3). # المذهب الثاني: أنه لا يلزمه الإتيان بالذكر ويقوم ساكتا وهذا رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أنه معذور في الإتيان بالفاتحة وقرآن معها لأنه لا ~~يحسنها وقد قال : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها)). فأوجبها ولم ~~يوجب الذكر عند ms1158 تعذرهما فدل ذلك على أنهما غير واجبين أعني التكبير ~~والتحميد،وأما القيام فهو فرض واجب لابد من الإتيان به فلهذا قلنا:يقوم ساكتا. PageV03P215 # المذهب الثالث: أنه لا يلزمه الذكر ولا القيام، وهذا هو المحكي عن مالك. # والحجة على هذا: هو أن الذكر لا دلالة على وجوبه وقد عذر عن الإتيان ~~بالذكر لما كان لا يحسنه، والقيام إنما يجب لأجل القراءة، فلما سقطت ~~القراءة لا جرم كان القيام غير واجب لأجل تعذر القراءة. # والمختار: أن هذه المسألة غير منصوصة لأحد من أئمة العترة لكن الذي يأتي ~~على أصولهم وجوب الإتيان بالذكر عند تعذر القراءة. # والحجة على هذا: ما روى عبدالله بن أبي أوفى أن رجلا أتى الرسول فقال: ~~إني لا أستطيع أن أحفظ شيئا من القرآن فعلمني ما يجزيني في الصلاة! فقال: ~~((قل سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله))(1) # فهذه الكلمات الخمس قائمات مقام الفاتحة والسورة. وهل يلزم إتمامها بذكر ~~آخر حتى تكمل عدتها بعدة الفاتحة سبع آيات أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنه لا يلزم إتمامها بذكر آخر؛ لأن الرجل لما قال: علمني ما ~~يجزيني في الصلاة؟ فعلمه الرسول هذه الكلمات ولم يأمره بالزيادة فدل ذلك ~~على أن الزيادة غير واجبة، وقد روي أن الرسول لما فرغ من تعليمه هذه ~~الكلمات قال الرجل: هذا لله فمالي؟ فقال الرسول قل: ((اللهم ارحمني وعافني ~~وارزقني ))(2). # فإن لم يحسن شيئا من القرآن ولا من الذكر وجب عليه القيام بقدر قراءة ~~الفاتحة ويجب عليه أن يتعلم. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قال أبو حنيفة: يقوم ساكتا. # قلنا: قد دللنا على وجوب الذكر عوضا عن القراءة بما لا مدفع له فلا وجه ~~للقيام بالسكوت لما ذكرناه. PageV03P216 # قال مالك: لا يجب الذكر ولا القيام. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا قد دللنا على وجوب الذكر عند تعذر القراءة فلا وجه ~~لإعادته. # وأما ثانيا: فلأنه إذا تعذرت القراءة لأنها غير ممكنة فلم يتعذر الذكر ~~لإمكانه فإذا كان الذكر ms1159 غير واجب كما زعمت فلم يسقط وجوب القيام وهما فرضان ~~أحدهما مخالف للآخر. # الحالة الثانية: أن يكون محسنا لنصف الفاتحة وإذا كان كذلك نظرت، فإن كان ~~محسنا للنصف الأول منها فإنه يأتي بقراءته أولا ثم يأتي بالبدل من الذكر ~~بعده، وإن كان يحسن النصف الآخر منها فإنه يأتي بالبدل أولا ثم يأتي بالنصف ~~الآخر الذي يحسنه؛ لأن الترتيب شرط في القراءة، ولو تعلم الفاتحة في حالة ~~إتيانه بالبدل فإنه يترك البدل ويشتغل بقراءة الفاتحة، ولو تعلم الفاتحة ~~بعد فراغه من البدل فإنه لا يلزمه قراءة الفاتحة لأنه قد أتى ببدلها. # الحالة الثالثة: أن يكون محسنا لآية من الفاتحة فيلزمه الإتيان بها لأنه ~~قادر عليها ويأتي بعدها من القرآن بقدر عددها إن كان يحسنه فإن لم يحسنه ~~أتى بقدرها من الذكر الذي ذكرناه؛ لأن هذه الآية قد سقط فرضها بقراءتها ~~ويأتي بغيرها بدلا منها كما لو فقد بعض الماء فإنه يغتسل به(1) # ثم يتيمم. # الحالة الرابعة: ألا يحسن قراءة الفاتحة فإذا كان الأمر كذلك نظرت فإن ~~كان يحسن غيرها من القرآن فإنه يقرأ سبع آيات من غيرها بقدر عددها سواء ~~كانت من سورة واحدة أو سور وإن لم يحسن شيئا من القرآن فليأت بالذكر الذي ~~وصفناه عوضا عن القرآن. فحصل من مجموع ما ذكرناه أنه إن كان يحسن الفاتحة ~~وجب عليه قراءتها وإن لم يحسن الفاتحة وأحسن شيئا من القرآن وجب عليه ~~[قراءته] وإن لم يحسن شيئا من القرآن وجب عليه الذكر عوضا عن القرآن. PageV03P217 # الفرع الثالث عشر: وهل يقوم تفسير القرآن بالعربية أو بالفارسية مقام ~~القراءة ويكون مجزيا في الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن ذلك لا يجزي، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي ~~ومالك وعامة الفقهاء. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن}[المزمل:20] ~~وقوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها)). # المذهب الثاني: أن المصلي بالخيار إن شاء قرأ القرآن وإن شاء قرأ معنى ~~القرآن وتفسيره بالعربية إن شاء أو بالفارسية أو ms1160 غير ذلك سواء كان يحسن ~~قراءة القرآن أو لا يحسنها، وهذا هو قول أي حنيفة، واختلف أصحابه في المصلي ~~إذا قرأ معنى القرآن وتفسيره هل يكون قارئا للقرآم أم لا؟ فمنهم من قال: ~~إذا قرأ معنى القرآن فقد قرأ القرآن وعلى هذا يناظرون ويحتجون. ومنهم من ~~قال: إذا قرأ معنى القرآن فلم يقرأ القرآن وإنما يكون في الحكم يقوم مقامه، ~~وقال محمد وأبو يوسف: إن كان المصلي يحسن القرآن لم يجز له أن يقرأ معنى ~~القرآن وإن كان لا يحسن القرآن جاز أن يقرأ معنى القرآن ويعتبر عن القرآن ~~بعبارة كما قالا في التكبير. # والحجة على هذا: هو أن المقصود من القرآن معانية دون ألفاظه فلا عبرة ~~بها، فإذا حصل المصلي معاني القرآن وتفسيره سواء كانت بالعربية أو بغيرها ~~جازت صلاته. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من علماء الأمة. # وحجتهم: ما ذكرناه عنهم؛ ونزيد هاهنا وهو قوله : ((كل صلاة لا يقرأ فيها ~~بفاتحة الكتاب فهي خداج)). وقوله : ((لا صلاة إلا بقرآن )). # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: المقصود من القرآن معانيه فإذا قرأ القرآن بمعناه كانت صلاته مجزية. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا قد دللنا على وجوب قراءة القرآن في الصلاة بالأخبار التي ~~رويناها فلا وجه لإعادتها. PageV03P218 # وأما ثانيا: فلأنه لا يمتنع أن يكون المقصود من القرآن هو المعنى والعبارة ~~خاصة والباب باب العبادة فلا يجوز الإخلال باللفظ. # ومن وجه آخر: وهو أن المقصود بالقرآن إنما هو بيان إعجازه والإعجاز إنما ~~يتعلق بألفاظه ومعانيه فيحصل من الألفاظ الفصاحة ويحصل من المعاني البلاغة؛ ~~لأن الإعجاز حاصل بهما فلهذا لم يكن بد من إحراز لفظه ومعناه، وإذا كان ~~الأمر هكذا بطل التعويل على المعاني بانفرادها كما قاله أصحاب أبي حنيفة، ~~والله أعلم. # الفرع الرابع عشر: الركعتان الأخريان من الظهر والعصر والعشاء والركعة ~~الثالثة من المغرب لا خلاف بين علماء العترة في كون قراءة الفاتحة والتسبيح ~~مشروعة فيهما، خلافا للشافعي فإنه أوجب القراءة فيهما وقد قدمنا الكلام ~~عليه ms1161 فيقرأ الفاتحة فيهما على الانفراد. والتسبيح أن يقال فيهما: سبحان ~~الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر. ولكن الخلاف في أن القراءة ~~فيهما أفضل أو التسبيح؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن التسبيح فيهما هو الأفضل، وهذا هو رأي الإمامين القاسم ~~والهادي. # والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أنه كان يسبح ~~فيما ذكرناه من هذه الركعات، وما هذا حاله فليس للاجتهاد فيه مجرى وإنما ~~طريقه الأخذ من رسول الله . # المذهب الثاني: أن القراءة أفضل، وهذا هو رأي الإمامين الناصر والمؤيد ~~بالله؛ ومحكي عن أبي حنيفة. فأما الشافعي فإنه يقول بوجوب القراءة في ~~الركعتين الأخريين. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه كان يقرأ في الركعتين الأوليين ~~بفاتحة الكتاب وسورة معها وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب لا غير. # والمختار: ما قاله الناصر والمؤيد بالله من أفضلية القراءة في الركعتين. # والحجة: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن القرآن فضله ظاهر في كل موضع على ~~غيره من سائر الكلامات(1) PageV03P219 وسائر أنواع الذكر فلهذا كان أفضل من التسبيح هاهنا. # ومن وجه آخر: وهو أن التسبيح إذا كان مسنونا فيهما كانت القراءة أفضل بأن ~~تكون مسنونة فيهما. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روي ذلك عن زيد بن علي عن علي" أنه كان يسبح في الركعتين الأخريين ~~فدل ذلك على الأفضلية فيهما؛ لأنه لا يفعل لنفسه إلا ما كان أفضل وأدخل في ~~الثواب والأجر. # قلنا: ليس كلامنا في الجواز فإنهما أعني القراءة والتسبيح مستويان في ~~الجواز وإنما كلامنا في طلب الأفضل؛ والمعلوم أن القرآن أفضل من كل كلام؛ ~~لأنه كلام الله وله من الشرف على غيره من سائر التسابيح والتهاليل[ما لا ~~يخفى] فلهذا كان مستبدا بالأفضلية. فأما الشافعي فله قولان، والأصح منهما ~~أنه يقرأ فيهما فاتحة الكتاب وشيئا من القرآن فيكونان كالأوليين في تمام ~~الذكر، وهذا قول لم يؤثر عن غيره ولا قال به قائل من الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم إلى أيامه وزمنه. # دقيقة: اعلم أن القراءة ms1162 عبارة عن هذه الأحرف المسموعة والأصوات المقطعة، ~~فمتى حصلت على هذا التأليف والنظام المخصوص فهي قراءة وأجزت في الصلاة، فإن ~~قرأ بقلبه أو أمر الأحرف على فكرته من غير نطق بها لم تكن مجزية له، وإن ~~أمرها على لسانه ولم يسمعها لشغل في قلبه كانت مجزية. وقد نجز غرضنا من ~~الكلام في القراءة. PageV03P220 # --- ### ||| AUTO القول في الركوع # وهو واجب بنص الكتاب كقوله تعالى: {اركعوا واسجدوا }[الحج:77]. ومن جهة ~~السنة: كقوله : ((ثم اركع حتى تطمئن راكعا )). والإجماع منعقد على وجوبه، ~~وهو معلوم بالضرورة من دين صاحب الشريعة صلوات الله عليه. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: وأقل ما يجزئ من الركوع أن ينحني المصلي إلى حد لو أراد أن ~~يقبض بيديه على ركبتيه أمكنه ذلك ويطمئن بحيث ينفصل هوية من ارتفاعه، ~~وتحقيقه أن يلبث بعد أن بلغ حد الإجزاء لبثا ما هذا أقله، وأما الأكمل من ~~الركوع فهو أن يقبض على ركبتيه ويفرق بين أصابعه ويجافي مرفقيه عن جنبيه ~~ويمد ظهره وعنقه ولا يقبع رأسه ولا يخفضه ولا يطبق يديه بين ركبتيه فإن رفع ~~رأسه من الركوع وشك هل بلغ ركوعه إلى حد الإجزاء لم يجزه وعليه الرجوع إلى ~~حد الإجزاء لأن الأصل هو بقاء الفرض في ذمته فلا يسقط إلا بيقين أو غالب ~~ظن. وهل تجب الطمأنينة في الركوع أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها واجبة، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي في خبر الأعرابي الذي أساء في صلاته فقال له ~~الرسول : ((ثم اركع حتى تطمئن راكعا)) إلى أن قال في آخر صلاته: ((فإذا ~~قعدت فقد تمت صلاتك)). # المذهب الثاني: أنها غير واجبة، وهذا هو رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن الواجب إنما هو الانحناء لا غير بدليل قوله تعالى: ~~{اركعوا واسجدوا " }. ومهما حصل الانحناء فإنه يسمى راكعا وفي هذا حصول ~~المقصود الشرعي. # والمختار: ما اعتمده علماء العترة ومن تابعهم، وهو وجوب الطمأنينة. PageV03P221 # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما ms1163 روى أبو مسعود البدري عنه أنه قال: ~~((لا يقبل الله صلاة رجل حتى يقيم صلبه في ركوعه " وسجوده)) (1)؛ # ولأن الرسول كان إذا ركع اطمأن في ركوعه، وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني ~~أصلي)). # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: الواجب إنما هو الانحناء بدليل قوله: {اركعوا}. وهو يسمى راكعا ~~بانحنائه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه إنما يأمر بالركوع الشرعي، والركوع الشرعي هو ما بيناه ~~بدليل قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). # وأما ثانيا: فلأن الطمأنينة غير الإنحناء، والأمر إنما وقع بالطمأنينة؛ ~~لأنه قال: ((ثم اركع حتى تطمئن راكعا)). فالأمر خاص بالطمأنينة فيجب حصولها ~~وهو مطلوبنا. # الفرع الثاني: هل يستحب تسبيح الركوع أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه مستحب غير واجب، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي ~~حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، وهو قول عامة الفقهاء. # والحجة على هذا: قوله: {اركعوا واسجدوا} ولم يأمر بتسبيح في الركوع؛ ولأن ~~الأصل هو عدم الوجوب فلا يشغل الذمة بالوجوب إلا بدليل شرعي ولا دلالة على ذلك. # المذهب الثاني: أنه واجب وهذا هو المحكي عن إسحاق ومحمد بن خزيمة وداود ~~وطبقته من أهل الظاهر، ومحكي عن أحمد بن حنبل. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وسبحوه بكرة وأصيلا " }[الأحزاب:42]. ولا ~~خلاف أن التسبيح لا يجب في غير الصلاة فيجب أن يكون المراد به فيها. # والمختار: ما قاله علماء العترة ومن تابعهم. PageV03P222 # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال للذي علمه ~~الصلاة: ((ثم اركع واسجد )). ولم يأمر بالتسبيح، وفي هذا دلالة على كونه ~~غير واجب، لأنه في محل التعليم ولو جاز تأخير الخطاب بالبيان عن وقت الخطاب ~~بالمجمل فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وهذا موضع الحاجة ولو كان ~~واجبا لذكره. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: قوله تعالى: {وسبحوه} وهذا أمر وظاهر الأمر للوجوب. # قلنا: لا ننكر أن ظاهر الأمر للوجوب ولكنا نخصه بالأدلة التي ذكرناها ~~جمعا بين الأدلة وتوفقة بينها لئلا تتاقض وهذه طريقة مرضية. # الفرع الثالث: ms1164 في بيان أحكام الركوع. ويشتمل على أحكام: # الحكم الأول: هل يستحب التكبير في كل رفع وخفض أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يستحب التكبير في كل خفض ورفع وهذا هو رأي أئمة العترة ~~وفقهاء الأمة. # والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي عن الرسول أنه ~~كان يكبر في كل رفع وخفض. # المذهب الثاني: أنه لا يستحب التكبير في كل ركوع ولا سجود، وهذا هو ~~المحكي عن عمر بن عبدالعزيز وسعيد بن جبير. # والحجة على هذا: هو أن جميع ما ورد من الأمر بالتكبير فإنه محمول على ~~تكبيرة الافتتاح فأما ما عداها فلم تدل عليه دلالة فلهذا قصرنا التكبير عليه. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة وعامة الفقهاء من استحباب التكبير في ~~الرفع والخفض. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه[ ~~] كان يكبر في كل رفع وخفض وكذلك أمير المؤمنين وأبو بكر وعمر، وروى عكرمة ~~قال: صليت خلف شيخ بمكة فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة فأتيت ابن عباس فقلت: ~~إني صليت خلف شيخ أحمق فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة! فقال: ثكلتك أمك تلك ~~صلاة أبي القاسم . # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: كلما ورد من الأخبار دال على التكبير فإنه محمول على تكبيرة ~~الافتتاح من غير زيادة. PageV03P223 # قلنا: ما رواه زيد بن علي وابن مسعود من أنه كان يكبر في كل رفع وخفض يبطل ~~ما قالوه، وقد تكررت الأخبار على استحبابها فلهذا قضينا بها. # الحكم الثاني: التطبيق في الركوع ليس مشروعا في الركوع وصفته أن يطبق ~~يديه ويجعلهما بين ركبتيه عند الركوع وفيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه غير مشروع في الركوع، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي ~~عن فقهاء الأمة. # والحجة على هذا: ما روى أبو حميد(1) # في وصف صلاة رسول الله بمحضر من الصحابة فذكر فيها وضع اليدين على ~~الركبتين في حال الركوع فقالوا له: صدقت، وأقروه على ذلك(2). PageV03P224 # المذهب الثاني: أن التطبيق مشروع في الركوع وهذا ms1165 هو رأي ابن مسعود؛ وروى ~~عنه صاحباه الأسود بن يزيد(1) # وعبدالرحمن بن الأسود(2) # قالا: كان يطبق يديه ويجعلهما بين ركبتيه. # والحجة على هذا: هو أن الصحابي إذا فعل فعلا لا مدخل للاجتهاد فيه، ففيه ~~دلالة على أنه سمعه من جهة الرسول ورءاه يفعله، فلما فعل ابن مسعود ما ~~ذكرناه دل على أنه فعله الرسول . # والمختار: ما عليه علماء العترة من كراهة ذلك في الركوع وأنه غير مشروع فيه. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روي عن مصعب بن سعد بن أبي ~~وقاص(3) PageV03P225 قال: صليت إلى جنب أبي فطبقت يدي وجعلتهما بين ركبتي فضرب أبي في يده فلما ~~انصرف قال: يابني إنا كنا نفعل هذا فنهينا عنه وأمرنا بأن نضرب بالأكف على ~~الركب. وفي هذا دلالة على كونه منسوخا. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: إذا فعل الصحابي فعلا دل على كونه من جهة الرسول في باب العبادات ~~وفي هذا دلالة على أن التطبيق سنة لما فعله ابن مسعود. # قلنا: لا ننكر أن ابن مسعود قد فعله، ولكنا دللنا على كونه منسوخا كما ~~روى مصعب عن أبيه ففيه دلالة على ما قلناه من نسخه. # الحكم الثالث: في صفة التسبيح في الركوع، وفيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أن الأفضل في صفة تسبيح الركوع (سبحان الله العظيم وبحمده) ~~وهذا هو رأي الصادق والقاسم والهادي. # والحجة على هذا: ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه عن رسول الله أنه ~~قال: ((من صلى ركعتين يقرأ في إحداهما {تبارك الذي جعل في السماء ~~بروجا}[الفرقان:61] إلى آخر السورة، ويقرأ في الثانية صدر سورة المؤمنين ~~إلى قوله: {أحسن الخالقين} ويقول في ركوعه: سبحان الله العظيم وبحمده أعطاه ~~الله كذا وكذا)) (1). # فصح بهذا أن لهذا التسبيح مزية على غيره في الفضل والكمال. # المذهب الثاني: أن الأفضل أن يقال فيه: (سبحان ربي العظيم) وهذا هو رأي ~~زيد بن علي وأحمد بن عيسى والمؤيد بالله؛ وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ~~والشافعي وأصحابه. # والحجة على هذا: ما روى عقبة بن عامر ms1166 الجهني أنه لما نزل قوله تعالى: ~~{فسبح باسم ربك العظيم }[الواقعة:74] قال الرسول : ((اجعلوها في ~~ركوعكم))(2). PageV03P226 # وهذا تصريح بما ذكرناه في صفة تسبيح الركوع، وكل من قال: سبحان الله العظيم ~~في الركوع زاد قوله وبحمده، وكل من قال: سبحان ربي العظيم حذف هذه الزيادة. # المذهب الثالث: مروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان يقول في ~~ركوعه مع تسبيح الركوع الذي رويناه عنه: اللهم لك ركعت ولك أسلمت وبك آمنت، ~~أنت ربي خشع لك سمعي وبصري وعظامي وشعري وبشري وما استقلت به قدمي لله رب ~~العالمين(1). # المذهب الرابع: مروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يقول في ~~ركوعه: ((سبوح قدوس رب الملائكة والروح )) (2). # فهذه المذاهب كلها قد نقلت عن الرسول لكن الأفضل منها ما هو، والمختار من ~~هذه الأقاويل: وهو أن الأكمل والأفضل ما حكي عن أمير المؤمنين كرم الله ~~وجهه في الركوع فإنه لا مجال للاجتهاد فيما ذكره وإنما أخذه من عين صافية ~~من جهة الرسول فإنه روي عنه أنه قال:علمني رسول الله ألف باب فانفتح لي من ~~كل باب ألف باب؛ ولأنه كان في حجر رسول الله وكان يعلمه العلم، وهم يقولون: ~~العلم في حال الصغر كالنقش في الحجر، وكان الرسول في غاية الحرص على تعليمه ~~وكان في غاية القبول لما ألقي إليه من جهة الرسول. # الانتصار: وهذه المذاهب كلها منقولة من جهة الرسول ولا خلاف في جوازها ~~ولكن الشأن كله في طلب الأفضل منها وقد أوضحناه. # الحكم الرابع: في عدد تسبيحات الركوع وفيه ثلاثة مذاهب: # المذهب الأول: أن أدناه في الكمال ثلاث مرات وتجوز الزيادة على الثلاث ~~فتكون خمسا أو سبعا أو تسعا ولا يزاد على ذلك، وهذا هو رأي الصادق والباقر ~~والناصر ولا يزاد على هذه الأوتار الثلاثة. PageV03P227 # المذهب الثاني: أنه لا يتجاوز على الخمسة، وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن ~~سفيان الثوري وحكي عن الحسن البصري أنه لا يجاوز الخمسة والسبعة. # المذهب الثالث: أنه لا يزاد على الثلاثة، وهذا هو رأي ms1167 زيد بن علي ومحكي ~~عن القاسم. # والمختار في الاستحباب: هو الاقتصار على الثلاث من غير حاجة إلى الزيادة ~~بهذه الأوتار التي رويناها عن الأئمة والفقهاء؛ لما روى ابن مسعود رضي الله ~~عنه عن رسول الله أنه قال: ((إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم ~~ثلاث مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه))(1). # الانتصار: اعلم أن الذي وردت به الأحاديث عن الرسول أنه لا يزاد في تسبيح ~~الركوع على ثلاث مرات وإنما زاد من زاد في هذه الأوتار التي ذكرناها من ~~الخمس والسبع والتسع لأغراض تعرض إما لإدراك الرجل للإمام في حال الركوع ~~وإما لأن يستوفي المأموم إكمال الثلاث خلف الإمام إلى غير ذلك من الأغراض ~~ولا يستحب النقصان من الثلاث من غير عذر. PageV03P228 # الحكم الخامس: في بيان معنى تسبيح الركوع، ومعنى قولنا: سبحان الله: ~~البراءة والتنزيه عما لا يليق بذاته من العجز والجهل وعما لا يليق بأفعاله ~~من الظلم والكذب والجور وإخلاف الوعد وعقوبة من لا يستحق العقوبة وترك ~~الثواب لمن يستحقه. ومعنى الرب هو المالك، ولهذا رب الدار ورب العبد ورب ~~الإبل لمن يملكها؛ لأن الله تعالى هو المالك للخلق والمدبر لأمورهم كلها. ~~ومعنى العظيم: المختص بالكبرياء والعظمة على الإطلاق حتى لا قدر من العظمة ~~إلا وهو مستحق له في السموات والأرض. ومعنى قولنا: الله -على الرواية ~~الثانية- أن هذا الإسم هو المختص بذات الله تعالى، وباقي الصفات كلها تابعة ~~لها من قولنا: الخالق البارئ المصور القدوس الحكيم، وهو الدال على ~~الوحدانية والمنفرد بالإلهية واشتقاقه من قولهم إله إذا تحير؛ لأن العقول ~~والأحلام كلها متحيرة في كنه ذاته؛ أو من قولهم لأهل العروش إذا احتجبت؛ ~~لأن الله تعالى محتجب عن جميع الإدراكات كلها فهذه فائدة قولنا في الركوع: ~~سبحان الله العظيم أو سبحان ربي العظيم، ومعنى قولنا: وبحمده في الرواية ~~الثانية: أي أنه تعالى يستحق البراءة والتنزه والحمد والمدح كما قال تعالى: ~~{يسبحون بحمد ربهم }[غافر:7]. وقوله: {ونحن نسبح بحمدك }[البقرة:30]. أي ~~نمدحك بما تستحق من الممادح ونحمدك على ms1168 ما تستحق من النعم. # الحكم السادس: والمستحب في حال القيام سكتتان: # فالسكتة الأولى: إذا فرغ من تكبيرة الافتتاح سكت سكتة خفيفة قبل القراءة. PageV03P229 # والسكتة الثانية: بعد القراءة قبل تكبير الركوع لما روى سمرة بن جندب أن ~~الرسول كان يسكت سكتة إذا افتتح الصلاة بالتكبير قبل القراءة وسكتة أخرى ~~إذا فرغ من القراءة فأنكر عليه عمران بن حصين هذه الرواية فكتبوا بذلك إلى ~~أبي بن كعب فقال: صدق سمرة بن جندب، ويستحب أن يكبر للركوع فيبتدي بالتكبير ~~قائما ويمذ تكبيره حتى يكون انقضاؤه مع تمام ركوعه؛ لأن التكبير هيئة للركن ~~فلهذا كان متصلا به. # الحكم السابع: وإذا أراد الرجل أن يركع فركع حتى بلغت يداه إلى ركبتيه ~~فأراد أن يرفع رأسه فسقط على وجهه أجزأه ركوعه؛ لأنه قد وفاه إلى حده وكان ~~عليه أن ينتصب قائما ثم يهوي ساجدا من غير استئناف ركوع، وتكره القراءة في ~~حال الركوع لما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه أن الرسول : ((نهى عن لبس ~~القسي والمعصفر وعن التختم بالذهب وعن القراءة في الركوع))(1). # القول في الاعتدال من الركوع: ثم يرفع رأسه من الركوع ويعتدل، وهل يكون ~~الاعتدال واجبا أو مستحبا مسنونا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه واجب، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي وأحد ~~الروايتين عن مالك. # والحجة على هذا: قوله لمن علمه الصلاة: ((ثم ارفع حتى تعتدل قائما )). # المذهب الثاني:أن الاعتدال غير واجب، وهذا هو رأي أبي حنيفة إحدى ~~الروايتين عن مالك. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اركعوا ~~واسجدوا}[الحج:77]. ولم يأمر بالاعتدال وإنما أمر بمطلق الركوع والسجود. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم. PageV03P230 # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى أبو مسعود البدري عن النبي أنه ~~قال: ((لا تجزئ صلاة لا يقيم فيها الرجل صلبه " )) (1). # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا}[الحج:77] ولم ~~يأمر بالاعتدال. # قلنا: الآية دالة على وجوب الركوع والسجود على الإطلاق واحد، وأخذنا وجوب ~~الاعتدال من جهة ms1169 الخبر. وإذا كان الأمر كما قلناه وجب العمل على ما دلا ~~عليه من غير مخالفة بينهما. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: اعلم أن الاعتدال رجوع كل عضو إلى مستقره عند القيام من ~~الركوع وأكمله الطمأنينة ورجوع كل عضو إلى محله ومستقره وروي عن حذيفة بن ~~اليمان [أنه] رأى رجلا يصلي ولم يرفع رأسه من الركوع بل انحط من ركوعه ~~فقال: مذ كم تصلي هذه الصلاة؟ فقال: منذ ثلاثين سنة. فقال: ما صليت منذ ~~ثلاثين سنة. ولا مخالف له من الصحابة فجرى مجرى الإجماع، فإذا ثبت هذا ~~[فما] الذكر الذي يستحب له عند رفع رأسه من الركوع فيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أن يقول: إذا كان إماما أو منفردا سمع الله لمن حمده. ~~والمأموم يقول: ربنا لك الحمد. وهذا هو رأي القاسم والهادي وإحدى الروايتين ~~عن الناصر ومحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إذا قال الإمام: ~~سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد فإن من وافق قوله قول الملائكة ~~غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)) (2). PageV03P231 # ووجه الاستدلال من الخبر: هو أن الرسول جعل لكل واحد من الإمام والمأموم ~~وظيفة من الذكر ينفرد بها أحدهما دون الآخر والباب باب عبادة فيجب الاحتكام ~~لقوله وهو في موضع التعليم. # المذهب الثاني: أن الإمام والمنفرد يجمعان بينهما والمأموم يقتصر على ~~قوله: سمع الله لمن حمده. وهذا هو القول المشهور عن الناصر وهو محكي عن زيد ~~بن علي وأبي يوسف ومحمد. # والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن الرسول أنه كان يقول ~~إذا رفع رأسه من الركوع: ((سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد " )) ~~(1). وكان أبو هريرة يقول والذي نفسي بيده إن صلاة رسول الله كانت هكذا حتى ~~فارق الدنيا، وعن عبدالله بن أبي أوفى، كان رسول الله إذا رفع رأسه من ~~الركوع يقول: ((سمع الله لمن حمده " اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء ~~الأرض وملء ms1170 ما شئت من شيء بعد))(2). # وعن أمير المؤمنين أنه كان يقول: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد. # المذهب الثالث: أن الإمام يجمع بينهما والمأموم يقتصر على قوله: ربنا لك ~~الحمد. وحده من غير زيادة، وهذا محكي عن الأوزاعي وسفيان الثوري. # والحجة على أن الإمام يجمع بينهما: ما جاء في حديث أبي هريرة أن الرسول ~~كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: ((سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد)). ~~وروي: ((اللهم ربنا لك الحمد)). وروي بالواو أيضا: ((ربنا ولك الحمد)) (3). PageV03P232 # والحجة على أن المأموم يقتصر على قوله ربنا لك الحمد: ما روي عن الرسول أنه ~~قال: ((إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده " فقولوا ربنا ولك الحمد)) (1). # المذهب الرابع: أن كل مصل فإنه يجمع بين قولنا: سمع الله لمن حمده. وبين ~~قولنا: ربنا لك الحمد. إماما كان أو مأموما أو منفردا وهذا هو رأي الشافعي ~~فإن المستحب عنده إذا استوى المصلي قائما من ركوعه أن يقول: سمع الله لمن ~~حمده ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من ~~شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد لا مانع لما ~~أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. وإن قال:ربنا ولك ~~الحمد ما يقوله العبد حق وكلنا لك عبد. وإن قال: اللهم ربنا لك الحمد ~~والحمد لربنا. أو قال: من حمدالله سمع له، جاز ذلك لأن معنى الجميع واحد ~~إلا أن الأولى أن يأتي بالأول لما روى أبو سعيد الخدري أن الرسول كان يقول ~~ذاك، ومعنى قوله سمع الله لمن حمده أي تقبل الله منه حمده وأجاب حمده ومعنى ~~قوله: لا ينفع ذا الجد منك الجد أي لا ينفع ذا العظمة منك العظمة لأن ~~العظمة يعبر عنها بالجد كما قال تعالى: {وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ~~}[الجن:3]. أي عظمته. وقيل في معناه: لا ينفع ذا الغنى منك غناه والأول ~~أقرب وأحق. # والحجة على هذا: ما ms1171 روي عن الرسول أنه كان يقول ذلك وقد قال: ((صلوا كما ~~رأيتموني أصلي)). # والمختار: ما رواه الترمذي في صحيحه عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه ~~كان يقول بعد فراغه من تسبيح الركوع في حال قيامه بعد قوله: سمع الله لمن ~~حمده ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد. وإنما ~~كان هذا مختارا لأن أمير المؤمنين رواه عن الرسول وروايته لا يشابهها في ~~القوة رواية غيره لما فيها من مزيد القوة والوثاقة. PageV03P233 # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه وما جعلوه عمدة لهم فيما ذهبوا إليه، ~~فإنما قرروه على سنن منقولة وأخبار مروية عن الرسول لكنها أخبار معرضة ~~للإحتمال يمكن تأويلها على ما خترناه لكن ما اخترناه أصرح بالغرض وأتم ~~للمطلوب. # قالوا: روى أبو هريرة عن الرسول : ((إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده ~~فقولوا ربنا لك الحمد)) فجعل لكل واحد من الإمام والمأموم ذكرا ينفرد به من ~~غير زيادة على ذلك. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا نقول بموجب الخبر فإنا نستحب للإمام أن يقول: سمع الله ~~لمن حمده ويضم إليه ربنا لك الحمد، كما هو ظاهر الخبر من غير مخالفة. # وأما ثانيا: فلأن خبرنا دال على الزيادة وهي مقبولة من العدل لما فيها من ~~مزيد التعظيم وملازمة الحال فلهذا كانت أحق بالقبول. # قالوا: الإمام والمنفرد يجمعان بينهما؛ والمأموم يقتصر على قوله: سمع ~~الله لمن حمده. # قلنا: المشهور أن المشروع في التسميع إنما هو في حق الإمام والمنفرد فأما ~~المؤتم فإن المستحب في حقه إنما هو التحميد لا غير والزيادة التي ذكرناها ~~مشروعة في [حق] الإمام فيأتي بالتسميع والتحميد معا. ويزيد تلك الزيادة ~~التي رويناها. # قالوا: كل مصل فإنه يجمع بين التحميد والتسميع إماما كان أو منفردا أو ~~مأموما كما أثر عن الشافعي. # قلنا: لسنا ننكر الجواز وإنما كلامنا في طلب الأفضل ولم يرد الجمع بين ~~التحميد والتسميع إلا في الإمام فأما المأموم فإن المشروع في حقه التحميد ~~لا غير، فحصل من مجموع ما ms1172 ذكرناه أن التسميع والتحميد والزيادة في الدعاء ~~المأثور إنما يكون مشروعا في حق الإمام فأما المأموم فيقتصر على التحميد ~~واستماع الدعاء كما دلت عليه ظواهر الأخبار المنقوله عن الرسول والرواية ~~المأثورة عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه. PageV03P234 # الفرع الثاني: وإذا كانت الطمأنينة واجبة كما ذكرناه فلو سجد المصلي ثم شك ~~هل رفع رأسه من الركوع أم لا؟ فإنه يجب عليه أن ينتصب فإذا انتصب سجد وإن ~~أتى بقدر الركوع الواجب فاعترضته علة منعته عن الانتصاب فإنه يسجد عن ركوعه ~~ويسقط عنه الرفع لتعذره فإن زالت العلة قبل أن يبلغ بجبهته إلى الأرض فإنه ~~يرتفع وينتصب للإعتدال ثم يسجد لأن العلة قد زالت قبل فعله لركن وفعل مقصود ~~وإن زالت العلة بعدما حصلت جبهته على الأرض ساجدا فإنه لا ينتصب ويسقط عنه ~~الانتصاب لأن السجود قد صح فسقط ما قبله(1) فإن خالف فانتصب من السجود قبل ~~تمامه نظرت، فإن كان عالما بتحريمه بطلت صلاته وإن كان جاهلا لم تبطل ويسجد ~~للسهو، والمستحب إذا رفع رأسه من الركوع الأول والثاني والثالث والرابع في ~~صلاة الخسوف والكسوف أن يكبر إماما كان أو منفردا وإن رفع رأسه من الركوع ~~في الخامس فالمستحب أن يقول: سمع الله لمن حمده، إن كان إماما أو منفردا ~~وإن كان مأموما فيقول: ربنا لك الحمد، والوجه في ذلك هو أن التسميع إنما ~~يكون مستحبا في ركوع يتبعه سجود من غير فصل فأما إذا كان رفعا من ركوع لا ~~يتبعه سجود لم يكن التسميع مستحبا في حق الإمام والمنفرد والمأموم ولا ~~يستحب له التحميد إلا في القيام من الركوع الخامس لأنه الركوع الذي يتبعه ~~السجود. # الفرع الثالث: في القنوت، وإذا رفع المصلي رأسه من الركوع الثاني في صلاة ~~الفجر وفي الثالثة من الوتر فالمستحب له أن يقنت. # واعلم أن القنوت مشتمل على أحكام عشرة نذكرها ونفصلها بمعونة الله تعالى: # الحكم الأول: في القنوت في صلاة الفجر ولا قائل بوجوبه في شيء من ~~الصلوات. وهل يكون مسنونا في صلاة الفجر أم ms1173 لا؟ فيه مذهبان: PageV03P235 # المذهب الأول: أنه مسنون فيها وهذا هو رأي طوائف من أهل العلم من الصحابة ~~والأئمة والفقهاء: # الطائفة الأولى: الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم أمير المؤمنين ~~وأبو بكر وعمر وعثمان وأنس بن مالك ذهبوا إلى كونه مشروعا في صلاة الفجر. # الطائفة الثانية: الأئمة من العترة القاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله ~~وزيد بن علي وغيرهم من أئمة العترة[ذهبوا] إلى كونه مسنونا. # الطائفة الثالثة: الفقهاء وهو محكي عن الشافعي ومالك والأوزاعي وابن أبي ~~ليلى والحسن بن صالح. # والحجة على هذا: ما روى أنس بن مالك قال: صليت خلف رسول الله فلم يزل ~~يقنت في صلاة الفجر حتى فارقته، وصليت خلف أبي بكر فلم يزل يقنت في صلاة ~~الغداة حتى فارقته، وصليت خلف عمر فلم يزل يقنت في صلاة الغداة حتى ~~فارقته(1). # الحجة الثانية: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أنه كان يقنت في ~~صلاة الفجر وهذا إنما يكون تلقاه من جهة الرسول لأنه لا مدخل للإجتهاد فيه. # الحجة الثالثة:ما روى سويد بن غفلة(2) PageV03P236 أنه قال صليت خلف أمير المؤمنين فقنت وخلف أبي بكر فقنت وخلف عمر فقنت وخلف ~~عثمان فقنت. فهذه الحجج كلها دالة على كونه مشروعا في صلاة الفجر. # المذهب الثاني: أنه غير مشروع فيها وهذا هو المأثور عن طائفتين: # الطائفة الأولى: الصحابة العبادلة ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبو ~~الدرداء فهؤلاء ذهبوا إلى أنه غير مشروع في صلاة الفجر. # الطائفة الثانية: من الفقهاء وهم أبو حنيفة وأبو يوسف، وقيل لأبي يوسف: ~~إذا قنت الإمام؟ قال: فاقنت معه. وقال أحمد بن حنبل: القنوت للأئمة يدعون ~~للجيوش فإن ذهب إليه ذاهب فلا بأس. # والحجة على هذا: ما روت أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: نهى رسول الله ~~عن القنوت في صلاة الفجر(1). # الحجة الثانية: ما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قنت رسول الله ~~شهرا لم يقنت قبله ولا بعده(2). # الحجة الثالثة: قياسية وهو أنها صلاة مفروضة فلم يسن ms1174 فيها القنوت كسائر ~~الصلوات. # والمختار: ما عليه الصحابة رضي الله عنهم وأئمة العترة ومن تابعهم من ~~كونه مشروعا في صلاة الفجر. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن ~~علي أنه كان يقنت في الركعة الثانية من الفجر وفي الركعة الثالثة من الوتر ~~حين يرفع رأسه من الركوع وما روي أيضا أنه قيل لأنس بن مالك: إنما قنت رسول ~~الله شهرا؟ فقال: ما زال يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روت أم سلمة أن الرسول نهى عن القنوت في صلاة الفجر. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: PageV03P237 # الجواب الأول: أن هذا الخبر غير مشهور لمخالفته ما عليه الصدر الأول من ~~الصحابة وما عليه التابعون من الأئمة والفقهاء وما كان هكذا فهو غير مقبول. # الجواب الثاني: أنه محمول على أنه كان يدعو لناس من المسلمين غابوا بأمره ~~فيقول: ((اللهم أنج الوليد بن الوليد " (1) # وسلمة بن هشام(2) PageV03P238 وعياش بن أبي ربيعة(1)، # اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم، ~~اجعلها عليهم سنين كسني يوسف)) (2). # وروي أنه كان يلعن قبائل من العرب خالفوه: رعل وذكوان وعصية وبني هودة ~~وجديم فترك الدعاء للمؤمنين فقيل له في ذلك فقال: ((أما تراهم قد قدموا)). ~~وفي هذا دلالة على أنه ترك الدعاء لما ذكرناه. # الجواب الثالث: أنه إنما نهى عن القنوت في صلاة الفجر إما في الركعة ~~الأولى وإما قبل الركوع في الثانية. # قالوا: روى ابن مسعود أنه قنت شهرا لا غير. PageV03P239 # قلنا: هذا محمول على أنه قنت بالدعاء على من خالف أمره فتركه بعد ذلك أو ~~على أنه دعاء لجماعة من المؤمنين بالسلامة فترك الدعاء بعد قدومهم، ويؤيد ~~هذا أنه كان لا يحزنه شيء إلا ذكره في الصلاة ودعا به مما يصيبه من المشقة ~~وضيق صدره بالمخالفة لأمره وقد فعل هذا أمير المؤمنين كرم الله وجهه تأسيا ~~به ومتابعة له على فعله حيث كان يقول في قنوته: ((اللهم العن ms1175 معاوية بن أبي ~~سفيان، وعمرو بن العاص، وأبا الأعور السلمي(1)، # وأبا موسى الأشعري)). لما خالفوا أمره وكان هواهم إلى قبول أمر معاوية ~~والإصغاء إليه. # قالوا: إنها صلاة مفروضة فلم يسن فيها القنوت كسائر الصلوات. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه لا مدخل للأقيسة في العبادات فإنها أمور غيبية أحكامها ~~على لسان صاحب الشريعة موقوفة على أمره. # وأما ثانيا: فلأنا نعارضهم بقياس يناقضه؛ وهو أنا نقول: صلاة يجهر فيها ~~بالقراءة لا تتقدمها خطبة فيسن فيها القنوت كصلاة الوتر. # فقولنا: لاتتقدمها خطبة: نحترز به عن صلاة الجمعة والعيدين. وللفقهاء في ~~هذه المسألة في الرد والقبول أقيسة كثيرة أعرضنا عن ذكرها لكونها من ~~الأقيسة الطردية التي لا تثمر الظن وتصلح لمعارضة الفاسد بالفاسد. # الحكم الثاني: في وقت قنوت الوتر؛ وهو مشروع في النصف الأخير من رمضان ~~بلا خلاف فيه بين الأئمة والفقهاء، وهل يكون مشروعا في باقي السنة أم لا؟ ~~فيه مذهبان: PageV03P240 # المذهب الأول: أنه مشروع في باقي السنة وهذا هو رأي أئمة االعترة القاسمية ~~والناصرية، ومحكي عن أبي حنيفة وأحمد بن حنبل ومحكي عن اليزيدي(1) # من أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن علي أنه قال: راعيت صلاة رسول الله فكان يقنت ~~في صلاة الوتر ولم يخص شهرا دون شهر ولا زمانا دون زمان، وفي هذا دلالة على ~~كونه مشروعا في كل الأزمنة. # الحجة الثانية: [ما روى] أبي بن كعب عن رسول الله أنه كان يوتر بثلاث لا ~~يسلم إلا في آخرهن، ويقنت في الثالثة قبل ركوعه وظاهره دال على أنه يقنت في ~~رمضان وفي غيره. # الحجة الثالثة: قياسية، وحاصلها أن القنوت ذكر مسنون فوجب أن لا يختص ~~بزمان دون زمان، دليله سائر الأذكار ولأنها صلاة قد شرع فيها القنوت فوجب ~~ألا تختص بوقت دون وقت دليله قنوت الفجر. # المذهب الثاني: أنه مختص بالنصف الأخير من رمضان وهذا هو رأي الشافعي، ~~ومحكي عن مالك. # والحجة على هذا: ما روي عن عمر أنه كان إذا انتصف الشهر من رمضان لعن ~~الكفرة ms1176 في الوتر بعد ما يرفع رأسه من الركوع. # الحجة الثانية: ما روي عن أبي بن كعب أنه كان يصلي بالناس التراويح في كل ~~ليلة عشرين ركعة ولا يقنت في الوتر إلا في النصف الأخير من رمضان ثم ينفرد ~~في بيته بعد ذلك فكانوا يقولون: أبق أبي. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من كونه مشروعا في جميع ~~الأزمنة. PageV03P241 # وحجتهم: ما نقلناه؛ نزيد هاهنا وهو ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه ~~قال: كلمات علمهن جبريل رسول الله يقولهن في الوتر وهو قوله: ((اللهم اهدني ~~فيمن هديت إلى آخرهن)) (1). # ولم يفصل بين وقت ووقت، وما روى الحسن بن علي أن رسول الله علمه كلمات ~~يقنت بهن في الوتر وهو قوله: ((اللهم اهدني [إلى آخره])). فهذه الأدلة كلها ~~دالة على كون القنوت مشروعا في صلاة الوتر في جميع الأوقات والأزمنة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن عمر أنه كان إذا انتصف الشهر من رمضان لعن الكفرة في صلاة الوتر. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن عمر لم ينقل عن الرسول كلاما ولا حديثا؛ والحجة: إنما هي ~~فيما نقل عن الرسول دون غيره. # وأما ثانيا: فلأن عمر أخبر عن رأيه واجتهاده ولسنا ننكر عليه اجتهاده ~~ولكنه لا يلزمنا قوله لأنه ليس حجة علينا. # قالوا: روي عن أبي بن كعب أنه كان لا يوتر إلا في النصف الأخير من رمضان. # قلنا: وما ذكرناه من حديث عمر فهو بعينة وارد في حديث أبي بن كعب فإن ~~عندنا أن مذهب الصحابي ليس حجة على غيره وإنما هو من جملة المجتهدين. # والحجة إنما هو فيما نقل عن صاحب الشريعة صلوات الله عليه من أقواله ~~وأفعاله. # الحكم الثالث: في محل القنوت، وهل يكون قبل الركوع أو بعده؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن محله بعد الركوع وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي ~~والقاسم والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي بكر وعمر والمنصوص للشافعي في ~~[رواية] حرملة. # والحجة على هذا: ما روى ابن عمر ms1177 وأبو هريرة والبراء بن عازب وأنس بن مالك ~~أن الرسول كان يقنت بعد الركوع. # الحجة الثانية: ما روي عن علي أنه كان يقنت في صلاة الصبح وفي الوتر بعد ~~الركوع في الركعة الأخيرة منها. # المذهب الثاني: أن محله فيهما قبل الركوع، وهذا هو رأي زيد بن علي، ومحكي ~~عن أبي حنيفة ومالك وابن أبي ليلى والأوزاعي. PageV03P242 # والحجة على هذا: ما روى ابن عباس وابن مسعود عن الرسول أنه قنت قبل الركوع. # والمختار: ما عليه أئمة العترة. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ لأن القنوت إذا كان بعد الركوع حصل الفصل بين القراءة ~~والقنوت إذا كان القنوت بآي القرآن وإذا كان قبل الركوع لم يكن هناك فصل، ~~وعلى الجملة فالكل جائز لكن الغرض في طلب الأفضل، وقد روي عن الرسول أنه ~~قنت في صلاة الصبح بعد الركوع وقنت في الوتر قبل الركوع، وروي أن أمير ~~المؤمنين وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقنتون بعد الركوع إلا أن عثمان لما ~~كان في آخر عمره قدمه على الركوع طلبا للتخفيف على الناس ليدركوا معه ~~الصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: قنت رسول الله قبل الركوع في رواية ابن عباس وابن مسعود. # قلنا: قد ذكرنا أن الأمرين جائزان وإنما كلامنا في طلب الأفضل وما قلناه ~~هو الذي عمل عليه أكثر الصحابة وكثرت فيه الأخبار فلهذا كان التعويل عليه ~~وما نقل عن ابن عباس وابن مسعود فإن ذلك كان محمول على أن ذلك كان في مبدأ ~~الأمر فلا يبعد كونه منسوخا. # قالوا: القنوت ذكر يفعل في حال الإستقرار فأشبه الاستفتاح والقراءة ~~فإنهما يفعلان قبل الركوع. # قلنا: نقول بموجب هذه العلة مع الإستمرار على الخلاف فإن القنوت يفعل في ~~حال القيام والاستقرار لأنه إذا رفع رأسه من الركوع واستوى قائما فقد استقر. # الحكم الرابع: هل يسن القنوت فيما عدا الفجر والوتر أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه لا يسن القنوت في غيرهما من الصلوات، وهذا هو رأي أئمة ~~العترة وهو محكي عن الفريقين الشافعية والحنفية. # والحجة على ms1178 هذا: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان يقنت في ~~الفجر والوتر ولم يؤثر عنه أنه قنت في غيرهما إلا لأمر عارض، وفي هذا دلالة ~~على أنه لا يسن القنوت إلا فيهما. PageV03P243 # المذهب الثاني: أن القنوت مشروع في كل صلاة مجهورة، كالمغرب والعشاء والفجر ~~والجمعة وهذا هو رأي الناصر، وروي عنه أنه رجع عن القنوت في العشاء الآخرة ~~لما رجع إلى طبرستان وكان يقنت في العشاء الآخرة حين خرج إلى خوستان بن مانا. # والحجة على هذا: ما روى ابن عمر والبراء بن عازب وأنس بن مالك أن الرسول ~~قنت في المغرب والصبح، وعن عطاء وطاووس أن الرسول قنت في الفجر والمغرب. # المذهب الثالث: جواز القنوت في جميع الصلوات ليلا ونهارا، وهذا هو المحكي ~~عن الصادق والباقر وهو مروي عن الإمامية. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين}[البقرة:238]. ولم يفصل ~~بين صلاة وصلاة وفي هذا دلالة على جواز القنوت في جميع الصلوات. # والمختار: تفصيل نشير إليه وحاصلة أن القنوت في الفجر والوتر قد حصل فيه ~~النقل عن الرسول وعمل عليه الصحابة والتابعون فأما ما عداهما من الصلوات ~~فلم يؤثر عنه وإن أثر فإنما كان لأمور عارضة وأسباب متجددة. ويؤيد ما قلناه ~~ما روى أنس بن مالك قال: قنت رسول الله شهرا ثم تركه وروى ابن مسعود أن ~~الرسول لم يقنت إلا شهرا لم يقنت قبله ولا بعده، وفي خبر أبي هريرة أن ~~الرسول كان يقنت فأنزل الله عليه: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو ~~يعذبهم فإنهم ظالمون}[آل عمران:128]. فهذه الأخبار كلها دالة على أن قنوته ~~كان بالدعاء على من خالفه ولم يتبع أمره وأنها منسوخة لأنه لا معنى للنسخ ~~إلا الإزالة بعد الثبوت ومعنى الإزالة هو ألا يثبت مثل الحكم الذي كان ~~ثابتا من قبل. # الانتصار:يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روى ابن عمر وابن مسعود أنه قنت في صلاة المغرب والفجر. # قلنا: إنما كان ذلك من أجل أمور عارضة يدعو فيها على أحياء من ms1179 العرب ~~وقبائل. PageV03P244 # قالوا: قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين }[البقرة:238]. فدل على جواز القنوت ~~في كل صلاة ليلية أو نهارية كما زعمته الإمامية وغيرهم. # قلنا: لا ننكر أنه قد وقع في بعض الصلوات لأمور عارضة لكنه نسخ بعد ذلك ~~فلم يبق له حكم والمراد بقوله تعالى: {وقوموا لله قانتين }[البقرة:238]. ~~فإنما أراد بالقنوت فيما دل عليه الشرع من الصلوات التي شرع فيها القنوت ~~ويحتمل أن يكون المراد بالقنوت الخشوع في الصلاة. # الحكم الخامس: في صفة القنوت، اعلم أنه لا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء ~~الأمة في جواز القنوت بالقرآن في الفجر والوتر والآيات المشروعة للقنوت من ~~القرآن ما كان مشتملا على الدعاء. # وروى زيد بن علي عن أبيه عن جده أن أمير المؤمنين كان يقنت بقوله تعالى: ~~{آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون} [البقرة:136].(1) # وروى الصادق رضي الله عنه عن الرسول أنه كان يقول في قنوته: {ربنا لا تزغ ~~قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}[آل عمران:8]، ~~{ربنا لا تؤاخذنا }[البقرة:286]..إلى آخر الآيات. وحكي عن الناصر أنه قال: ~~ولا أحب القنوت في الفجر والوتر بغير آي القرآن كقوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا }[البقرة:286] إلى آخر الآيات. ويكره القنوت بالآيات التي ~~لا دعاء فيها لأن القنوت موضع الدعاء وليس موضعا للقراءة. # وهل يجوز القنوت بالدعاء في الوتر أم لا؟ فيه مذهبان: PageV03P245 # المذهب الأول: أنه لا يجوز القنوت في الوتر بغير القرآن وهذا هو الظاهر من ~~مذهب الهادي فإنه قال: وكل قنوت بغير القرآن فإنه غير جائز ولا يرى القنوت ~~في الفرض وغيره إلا بالقرآن. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها ~~شيء من كلام الناس إنما [هي] تكبير وتسبيح وقراءة القرآن)). # المذهب الثاني: جواز ذلك وهذا هو رأي الإمامين الناصر والمؤيد بالله، ms1180 ~~ومحكي عن الفريقين الشافعية والحنفية. # والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي أنه قال: كلمات علمهن جبريل رسول الله ~~يقولهن في قنوت الفجر: ((اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني ~~فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك ~~ولا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت)). # والمختار: ما قاله الناصر والمؤيد بالله. # وحجتهم:ما ذكرناه، ونزيد هاهنا ما روى الحسن بن علي عن الرسول أنه قال: ~~علمني رسول الله كلمات أقولهن في قنوت الوتر وهي قوله: ((اللهم اهدني...)) ~~إلى آخرها. وزاد بعض أهل العلم فيها قوله: ((فلك الحمد على ما قضيت استغفرك ~~وأتوب إليك)). وهي زيادة حسنة، وروي عن الرسول أنه كان يقول في آخر وتره: ~~((اللهم، إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك أنت ~~كما أثنيت على نفسك لا أحصي ثناء عليك)). فإذا فرغ من القنوت فالمستحب أن ~~يقول: سبحان الله الملك القدوس رب الملائكة والروح، لما روي عن رسول الله ~~أنه كان يقول ذاك ثلاثا ويمد بها صوته، فإذا فرغ مسح وجهه بيديه(1). PageV03P246 # وروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه في أيام حربه لمعاوية قنت في ~~الوتر قبل الركوع يقول في قنوته: ((اللهم، إليك رفعت الأبصار، وبسطت(1) # الأيدي وتحركت بالأعمال الصالحات، اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق ~~وأنت خير الفاتحين نشكوا إليك غيبة نبينا وكثرة عدونا وقلة أنصارنا وتظاهر ~~الفتن وشدة الزمان علينا، اللهم أعنا بفتح تعجله ونصر تعز به أولياءك وتذل ~~به أعدائك وسلطان حق تظهره إله الحق آمين. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه ~~كان يلعن الكفرة في وتره ويقول: قاتل الله الكفرة اللهم العنهم. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء من كلام ~~الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)). # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: # الجواب الأول: أن الصلاة حقيقتها الدعاء وأولها دعاء وآخرها دعاء ووسطها ~~دعاء فكيف ms1181 ننكر فيها الدعاء أم كيف يفسدها دعاء وهي آيلة إليه ومتضمنة له. # الجواب الثاني: أن الدعاء المشروع ليس من كلام الناس وإنما كلام الناس ~~الذي يفسدها قولك: أدخل أخرج كل أشرب فما هذا حاله هو الذي يفسدها. # الجواب الثالث: أنا قد أوضحنا الأدعية التي كان الرسول يدعو بها في ~~الصلاة في الوتر فلا وجه لإنكاره ولا نقضي بكونها مفسدة لها. # الحكم السادس:هل يصح القنوت في صلاة الفجر بالدعاء أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول:أن ذلك غير جائز وأنه مفسد للصلاة، وهذا هو رأي الهادي ~~والظاهر من مذهب الناصر والمؤيد بالله؛ لأن المحكي عن الناصر أنه قال: ولا ~~أحب القنوت في الفرض بغير آي القرآن وعن المؤيد بالله أنه قال: ويقنت في ~~صلاة الفجر بعد الركوع بشيء من القرآن. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء ~~من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير والقراءة)). PageV03P247 # المذهب الثاني: جواز الدعاء في قنوت صلاة الفجر وهذا هو رأي الناصر في كتاب ~~(الألفاظ) والقاسم ورأي الفريقين الشافعية الحنفية. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية }[الأعراف:55]. ولم ~~يفصل بين أن يكون في الصلاة أو في غيرها. وقوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ~~ادعوا الرحمان أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى}[الإسراء:110]. ولم يفصل في ~~ذلك فما هذا حاله دال على جواز الدعاء في الصلاة. PageV03P248 # والمختار: ما ذكره الناصر في كتاب (الألفاظ) من جواز الدعاء في الفرائض على ~~الظلمة، وكان يقنت بالدعاء عليهم، وذهب إليه الفريقان الشافعية والحنفية، ~~ويدل على ذلك ما روي عن الرسول أنه كان يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع يقول ~~في قنوته: ((اللهم، العن العصاة والغواة من قريش الذين عادوا نبيك وجهدوا ~~ألا يقال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله)). وما روي عن عمر رضي الله عنه ~~أنه قنت في صلاة الصبح بعد الركوع يقول في قنوته: اللهم إنا نستعينك ~~ونستغفرك ولا نكفرك ونؤمن بك ونخلع من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك ms1182 نصلي ولك ~~نسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك الجد، إن عذابك بالكفار ~~ملحق، اللهم عذب الكفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك ~~ويقاتلون أولياء، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وأصلح ~~ذات بينهم وألف بين قلوبهم وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه واجعل ~~في قلوبهم الإيمان والحكمة وثبتهم على ملة رسولك وأنصرهم على عدوك وعدوهم ~~إله الحق واجعلنا منهم. قوله نحفد: أي نخدم والحفد: الخدمة، ومنه قوله ~~تعالى: {بنين وحفدة}. قيل: الحفدة: الخدم. وقوله: عذابك الجد أي الذي لا ~~يلحقه الهزل، وقوله بالكفار ملحق أي لاحق(1) فما هذا حاله إذا صدر من جهة ~~الصحابي فإنما يكون عن توقيف من جهة الرسول لأنه لا مدخل للإجتهاد فيما ~~يختص بجانب العبادات وبما كان يفسد الصلاة ويصلحها. PageV03P249 # ومن وجه آخر: وهو أنه إذا جاز القنوت في صلاة الوتر بالأدعية المأثورة ~~والكلمات التي رواها أمير المؤمنين عن جبريل على لسان الرسول والكلمات ~~الثماني التي علمها رسول الله الحسن بن علي، فإذا جاز ذلك في الوتر جاز في ~~الفريضة أيضا لأن ما أفسد الفريضة فهو مفسد للنافلة فلما جاز ذلك في ~~النافلة جاز في الفريضة من غير تفرقة بينهما. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه، وتعويلهم إنما هو على ما ذكرناه من ~~قول الرسول : ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء من كلام الناس)) وقد أجبنا عن ~~هذا وأوضحنا مقصوده بما ذكره فأغنى عن الإعادة، ويؤيد ما ذكرناه من جواز ~~الدعاء في الصلاة هو أنه كان يتلو القرآن في الصلاة فلا يمر بآية رحمة إلا ~~سألها ولا بآية عذاب إلا استعاذ منه، وقوله : ((اللهم أنج الوليد بن الوليد ~~، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين)). فكل هذه ~~الأخبار دالة على جواز الدعاء في الصلاة. # الحكم السابع: وأما سائر الصلوات غير الفجر والوتر، فإن نزل بالمسلمين ~~نازلة جاز القنوت لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه كان لا يقنت في صلاة إلا ~~إذا دعا لأحد أو دعا عليه، وإن لم ms1183 ينزل بالمسلمين نازلة فهل يجوز القنوت ~~فيها أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: الجواز لما روى أبو هريرة أن الرسول قنت في جميع الصلوات. # وثانيهما: أن ذلك غير جائز وهذا هو الصحيح؛ لأن الرسول إنما قنت فيها ~~لنازلة؛ وهو أن قوما قتلوا أصحابه أهل بئر معونة خبيبا وأصحابه فكان يدعو ~~عليهم ثم أسلموا فترك الدعاء عليهم(1)، # تستحب الصلاة على الرسول عقيب هذا الدعاء الذي رويناه عن الحسن بن علي ~~لأن الرسول قال عقيب قوله: ((تباركت ربنا وتعاليت وصل اللهم على النبي وآله ~~وسلم)). ولما روي عن النبي أنه قال: ((إذا سألتم الله حاجة فأبدأوا بالصلاة ~~علي فإن الله أكرم من أن يسأل حاجتين فيقضي إحداهما دون الأخرى)). PageV03P250 # الحكم الثامن: والسنة الجهر بالقنوت وهو رأي أئمة العترة واختيار ~~البغداديين من أصحاب الشافعي وعن بعض أصحابه الإسرارية أفضل. # والمختار: هو الأول لأن الرسول كان يجهر به وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني ~~أصلي)). # وهل يرفع يديه في القنوت أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن الرفع مستحب لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا ترفع الأيدي إلا ~~في سبعة مواطن بالدعاء عند رؤية البيت وعلى الصفا والمروة وفي الصلاة وفي ~~الموقف بعرفة وعند الجمرتين)) (1). # وثانيهما: أن الرفع غير مستحب لأن الرسول لم يرفع يديه إلا عند الاستسقاء ~~والاستنصار وعشية عرفة، وهذا هو المختار عند أئمة العترة، ومحكي عن أبي ~~حنيفة ومحمد. فأما الرفع في الصلاة فإنما نعني به تكبيرة الافتتاح لا غير ~~والقنوت خارج عن ذلك. # الحكم التاسع: وإذا قنت الإمام فهل يقنت المأموم معه أم لا؟ فيه أوجه ثلاثة: # أولها: أن المأموم يقنت مع الإمام وهذا هو رأي المؤيد بالله؛ لأن القنوت ~~موضوع للدعاء فلهذا شاركه المأموم فيه واختاره ابن الصباغ لمذهب الشافعي ~~وقال:إنه لم يجد فيه نصا له. # وثانيها: أن المأموم يؤمن عند قنوت الإمام، وهذا هو المحكي عن الحسن ~~البصري لما روى ابن عباس أن الرسول كان يدعو ويؤمن من خلفه. PageV03P251 # وثالثها: أن يسكت المأموم عند قنوت الإمام، وهذا هو رأي الهادي ms1184 وهو المختار ~~لقوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ~~ترحمون}[الأعراف:204]. والقنوت تارة يكون بالقرآن وتارة بالدعاء المأثور ~~فلهذا كان السكوت والاستماع أفضل. # الحكم العاشر: وهل يكبر إذا أراد القنوت أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا حاجة إلى التكبير عند إرادة القنوت لأن القنوت إنما يكون ~~بعد الركوع وقد حصل الفصل بين القراءة والقنوت بالركوع فعلى هذا لا يحتاج ~~إلى التكبير وهذا هو رأي أئمة العترة. # ووجهه: ما ذكرناه. # وثانيهما: أنه يكبر وهذا هو رأي أبي حنيفة. # ووجهه: أن القنوت عنده قبل الركوع فلهذا كان التكبير مسنونا للفصل بين ~~القراءة والقنوت. # والمختار: هو الأول للوجه الذي أوضحناه، وقد نجز غرضنا من بيان الاعتدال ~~في الصلاة. PageV03P252 # --- ### ||| AUTO القول في السجود # وهو واجب للكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب: فقوله تعالى:{واسجدوا}. وقوله: {واسجد واقترب }[العلق:19]. # وأما السنة: فلأن المعلوم من حاله السجود وقد نقل نقلا متواترا وقد قال: ~~((صلوا كما رأيتموني أصلي)). # وأما الإجماع: فقد انعقد على وجوب السجود وهو معلوم بالضرورة من دين صاحب ~~الشريعة صلوات الله عليه. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: في بيان أقله وأكمله. # اعلم أن السجود عبارة عن وضع الجبهة على الأرض وأقله أن يطمئن على الأرض ~~وأكمله أن يقف مقدار التسبيح المسنون. فإذا فرغ المصلي من اعتدال الركوع خر ~~لله ساجدا ويكبر، والتكبير مستحب لما روى ابن مسعود أن الرسول كان يكبر في ~~كل رفع وخفض وقيام وقعود ويكون ابتداؤه عند انحنائه للسجود، وهل يكون ممتدا ~~أو مقصورا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن السنة فيه أن يكون ممتدا فيكون ابتداؤه عند ابتداء ~~انحنائه للسجود، وآخره مع أول السجود وهذا هو الظاهر من المذهب، ومحكي عن ~~الشافعي في الجديد. # والحجة على هذا، هو أن الإهواء إلى السجود فعل من أفعال الصلاة فاستحب مد ~~التكبير فيه لئلا يخلو من ذكر كسائر أفعال الصلاة. # المذهب الثاني: أن السنة فيه القصر وهذا هو رأي أبي حنيفة، والقول القديم ~~للشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((التكبير جزم )). أراد مقصورا. # والمختار: ms1185 جواز الأمرين، فإن مد التكبير فلأنه هيئة للركن فلهذا استحب ~~مده وإن قصره فلأن السنة قصره وقطعه كما ورد في الخبر. # الفرع الثاني: في بيان أول ما يقع على الأرض من الساجد،فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن السنة في أول ما يقع من المصلي على الأرض في سجوده يداه ~~ثم ركبتاه وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، ومحكي عن ابن عمر ~~والأوزاعي وإحدى الروايتين عن مالك. # والحجة على ذلك: ما روى نافع عن ابن عمر أن الرسول كان إذا سجد بدأ بوضع ~~يديه قبل ركبتيه. PageV03P253 # الحجة الثانية: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إذا سجد أحدكم فلا ~~يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه))(1). # وهذا نص فيما قلناه. # المذهب الثاني: أن المستحب أن يبدأ بوضع ركبتيه قبل يديه وهذا هو رأي ~~الفريقين الشافعية والحنفية ومحكي عن عمر بن الخطاب والثوري وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق بن راهويه والنخعي. # والحجة على هذا: ما روى مصعب بن سعد قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين ~~فأمرنا أن نبدأ بالركبتين قبل اليدين. # الحجة الثانية: ما روى وائل بن حجر عن الرسول أنه كان إذا سجد وضع ركبتيه ~~قبل يديه وإذا رفع نهض يديه قبل ركبتيه(2). # المذهب الثالث: أنه مخير في البداية بأيهما شاء،وهذا هو المحكي عن ~~الناصر(3) # وإحدى الروايتين عن مالك. # والحجة على هذا: هو أن الأحاديث قد رودت بكل واحد من الأمرين وهي في مزيد ~~القوة على سواء فلهذا قضينا بالتخيير. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة. PageV03P254 # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو قوله : ((أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء ~~اليدين والركبتين)) (1) # .. إلى آخرها. # ووجه الدلالة:هو أنه بدأ في الخطاب باليدين فلهذا كان المستحب البداية ~~بهما في الفعل عند السجود ليكون الفعل مطابقا للقول. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: حديث مصعب دال على وضع الركبتين قبل اليدين. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه قال: أمرنا وهذا الخطاب إذا ورد كان محتملا أن يكون ~~الآمر الرسول أو غيره وإذا ms1186 كان محتملا لما ذكرناه ضعف الإحتجاج به. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه معارض بما رويناه من حديث ابن عمر وحديث أبي ~~هريرة فإنه يدل بصريح القول،و[جملة]ما ذكرتموه من الأحاديث دالة بالفعل، ~~والقول والفعل إذا تعارضا كان العمل على القول أحق لأمرين: # أما أولا: فلأن الخطاب يتعدى إلينا بظاهره بخلاف الفعل فإنه يحتاج إلى ~~دلالة في تعديه. # وأما ثانيا: فلما في الفعل من الإجمال. # قالوا: حديث وائل بن حجر يدل على ما قلناه من تقديم الركبتين. PageV03P255 # قلنا: أخبارنا رواها أفاضل الصحابة كابن عمر وأبي هريرة الموثوق بعدالتهما ~~وروايتهما، وخبركم رواه وائل بن حجر وقد روي أنه كان يكتب بأسرار أمير ~~المؤمنين كرم الله وجهه إلى معاوية وأدنى أحواله الخيانة للإمام بإظهار ~~أسراره، وما هذا حاله يطرق التهمة ويضعف الرواية. # قالوا: إنه مخير في البداية بأيهما شاء كما هو محكي عن الناصر ورواية عن مالك. # قلنا: التخيير إنما يكون مع استواء الروايتين في القوة فأما وقد أوضحنا ~~أن رواية أخبارنا أوثق فلا وجه للتخيير لما أوضحناه. # الفرع الثالث: في أعضاء السجود وجملتها سبعة: اليدان، والركبتان، ~~والقدمان، والجبهة، لما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: أمر النبي أن ~~يسجد على سبعة: يديه، وركبتيه، وأطراف أصابع رجليه، وجبهته(1)، # وما هو الواجب من هذه الأعضاء؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن الواجب إنما هو الجهبة دون الأنف وهذا هو رأي أئمة ~~العترة ومحكي عن الحسن البصري وابن سيرين وعطاء وطاووس والثوري وأبي يوسف ومحمد. # والحجة على هذا: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: أمر الرسول أن ~~يسجد على سبعة: يديه، وركبتيه، وقدميه، وجبهته، ولم يذكر الأنف، وما كان ~~مأمورا به فلا يجوز تركه. # الحجة الثانية: ما روى ابن عمر رضي الله عنه أنه قال له النبي : ((إذا ~~سجدت فمكن جبهتك من الأرض ))(2). # ولم يذكر الأنف. # المذهب الثاني: أن الواجب السجود عليهما وهذا شيء يحكى عن سعيد بن جبير ~~وعكرمة والنخعي وإسحاق بن راهويه. # والحجة على هذا: هو أن المعلوم من ms1187 حاله أنه كان يسجد على الجبهة والأنف ~~في كل صلواته وفي هذا دلالة على وجوبها لقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي ~~)). والظاهر أنها واجبة حتى تخرج بدلالة. # المذهب الثالث: أنه إذا اقتصر على أحدهما جاز وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة. PageV03P256 # والحجة على هذا: هو أن عظم الجبهة والأنف واحد فلو كانا عظمين لكان السجود ~~على ثمانية أعظم وإذا كانا عظما واحدا جاز أن يتعلق الفرض به، فإن سجد ~~عليهما جميعا أجزأه باتفاق، وإن سجد على الأنف أجزأه على قول أبي حنيفة، ~~وإن سجد على الجبهة أجزأه على قولنا، ولم يجز على قول من ذهب إلى وجوبهما جميعا. # والمختار: ما ذهب إليه أئمة العترة. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روى ابن عمر رضي الله عنه عن ~~الرسول أنه قال: ((إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض )). ولم يذكر الأنف. وما ~~روى جابر عن رسول الله أنه سجد على قصاص رأسه، والقصاص: هو أعلى الجبهة. ~~والمعلوم أنه إذا سجد على ذلك لم يسجد على الأنف. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: المعلوم من حاله أنه كان يسجد على الجبهة والأنف في كل صلاة. وفي ~~هذا دلالة على وجوبها وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). # قلنا: قد بينا خروج الأنف عن الوجوب بأدلة خطابية بما رويناه من حديث ابن ~~عمر وحديث أبي هريرة وليس معكم في الدلالة على وجوب دخولهما(1) # إلا مجرد الفعل ولا شك أن أدلة الخطاب راحجة على الدلالة الفعلية من جهة ~~أن أدلة الخطاب منقسمة إلى النص والظاهر والمجمل. # ودلالة الأفعال مجملة من جهة تعديها ومن جهة احتمالها في الوقوع على أوجه ~~مختلفة من الوجوب والندب والإباحة فلا جرم كان ما قلناه أحق. # قالوا: عظم الجبهة والأنف واحدا وإذا كانا عظما واحدا جاز أن يتعلق الفرض بهما. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أنهما هنا عظم واحد فإن عظم الجبهة مسطح وقصبة الأنف ~~عظم مستقيم فهما مختلفان. PageV03P257 # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا أنهما عظم واحد فلا يمتنع ms1188 تعلق الفرض ببعضه كعظم ~~الساق فإن الفرض وهو الغسل متعلق ببعضه ولا يكون جميعه موضعا للفرض. # الفرع الرابع: في هيئة السجود. والكمال في السجود أن يجافي مرفقيه عن ~~جنبيه والغرض بالجنب الخاصرة حتى لو لم يكن عليه ثوب لظهرت عفرة أبطيه ~~والعفرة بضم العين المهملة والفاء والراء هو بياض الإبط لما روى جابر أن ~~النبي كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه حتى يرى بياض إبطيه(1) # ويقل بطنه عن فخذيه لما روى البراء بن عازب أن الرسول كان إذا سجد جخ(2) # ويروى: جحى والجخ:الإخواء وهو بالجيم والخاء ويروى مشددا ويروى بألف ~~أبدلت من أحد الخائين. وروت ميمونة عن رسول الله أنه كان إذا سجد خوى في ~~سجوده ورفع عجيزته هكذا رأيت رسول الله يفعل(3). PageV03P258 # ومعنى خوى أي رفع مرفقيه عن جنبيه وخاصرته، ويروى: خوى بالتخفيف أي فعل ~~الإخواء وبالتشديد أي فعله مرة بعد مرة كما قال تعالى: {نزل الكتاب} أي ~~شيئا بعد شيء، ويروى أخوى بالهمزة أي صار ذا إخواء وحد الإخواء المجافاة ~~بحيث لو أرادت بهيمة تحته لمرت، لما روت ميمونة قالت: كان رسول الله إذا ~~سجد جافا يديه ومرفقيه عن خاصرتيه حتى لو أرادت بهيمة أن تمر لمرت، وإن ~~كانت امرأة ضمت بطنها إلى فخذيها وألصقته بهما لأنه أستر لها، ويضع يديه ~~حذو منكبيه وذكر أصحابنا أنه يضعهما حذو خديه والأمر فيه قريب لكني لم أعثر ~~على الخدين في الأحاديث، ويضم أصابعهما ويضم إبهاميه إليها ويستقبل بهما ~~القبلة لما روى وائل بن حجر أن الرسول كان إذا سجد ضم أصابعه تجاه القبلة ~~وجعل يديه حذو منكبيه، ويجعل يديه حذو القبلة لما روت عائشة، قالت: كان ~~رسول الله إذا سجد وضع أصابعه تجاه القبلة. والتفرقة بين الركوع والسجود في ~~ضم الأصابع في السجود وتفريقها في الركوع هو أنه إذا فرق أصابعه في الركوع، ~~على ركبتيه كان أمكن في ركوعه وأبعد عن السقوط بخلاف السجود فإنه لا يخاف ~~السقوط ولأنه في السجود إذا ضم أصابعه استكمل مقابلة القبلة وإذا فرقها ms1189 لم ~~يستكمل استقبال القبلة بخلاف الركوع فإنه لا يستقبل بها جهة القبلة سواء ~~فرقها أو ضمها، ويرفع مرفقيه ويعتمد على راحتيه لما روى البراء بن عازب أن ~~الرسول قال: ((إذا سجدت فضم كفيك وارفع مرفقيك )) (1). # ويكره افتراش الذراعين لما روى أبو هريرة أن النبي قال: ((إذا سجد أحدكم ~~فلا يفترش ذراعيه افتراش الكلب )) (2). # ويفرج بين رجليه لما روى أبو حميد أن الرسول كان إذا سجد فرج بين ~~رجليه(3) PageV03P259 وينصب قدميه لما روى سعد بن أبي وقاص أن الرسول أمر بوضع اليدين ونصب ~~القدمين يعني في السجود(1)، # ولا يكف شعره ولا ثوبه عند السجود لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن ~~النبي أمر أن يسجد على سبعة ولا يكف شعرا ولا ثوبا. وروي ولا يكفت والكفت الجمع. # الفرع الخامس: قد أوضحنا أن السجود على الجبهة واجب بلا خلاف وأن السجود ~~على الأنف غير واجب على الخلاف، فهل يجب السجود على اليدين والركبتين ~~والقدمين أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن السجود على هذه الأعضاء واجب، وهذا هو رأي أئمة العترة ~~القاسمية والناصرية، وحكي عن المؤيد بالله أنه سئل هل يجب السجود على ~~القدمين؟ قال: لا يجب. وحكي عن الشافعي في أحد قوليه وجوب السجود عليهما. # والحجة على ذلك: ما روى ابن عباس (أمرت أن أسجد على سبعة آراب(2). # وروي عن الرسول أنه قال: ((أمر نبيكم أن يسجد على سبعة أعظم))(3). # المذهب الثاني: أن السجود عليها غير واجب وهذا هو أحد قولي الشافعي، ~~ومحكي عن أبي حنيفة وبه قال أكثر الفقهاء. # والحجة على هذا: قوله لمن علمه السجود: ((إذا سجدت فمكن جبهتك على الأرض ~~)). وقوله : ((سجد وجهي)) (4). # فأضاف السجود إلى الجبهة لا غير وفي هذا دلالة على أن هذه الأعضاء لا يجب ~~السجود عليها. # والمختار: ما قاله علماء العترة من وجوب السجود على هذه الأعضاء. PageV03P260 # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((أمرت أن ~~أسجد على سبعة أعظم ولا أكف ثوبا ولا شعرا))(1). # وما روى خباب ms1190 بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله حر الرمضاء في جباهنا ~~وأكفنا فلم يشكنا. وما روى البراء بن عازب عن الرسول أنه قال: ((إذا سجدت ~~فضع كفيك وارفع مرفقيك)) (2). # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((إذا سجدت فمكن جبهتك )). وقوله: ((سجد ~~وجهي)). فدل ذكر هذه على أن غيرها ليس بواجب. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ذكره الجبهة لا يدل على أن غيرها غير واجب فتخصيصها ~~بالذكر لا يدل على نفي ما عداها عن الوجوب. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار الدالة على وجوب ~~السجود على هذه الأعضاء وإذا تعارضت الأخبار وجب الترجيح ولا شك أن أخبارنا ~~راحجة لأنها دالة على الزيادة والزيادة مقبولة لإفادتها فائدة جديدة غير ما ~~دلت عليه أخباركم، وإذا قلنا: بوجوب السجود على هذه الأعضاء فسجد على ظهر ~~قدميه لم يجزه، وهكذا إن سجد على حرف راحته مما يلي ظهر كفيه لم يجزه، وإن ~~سجد على بعض كفيه أجزأه كما لو سجد على بعض جبهته، وإن قلنا: بأن السجود ~~عليها غير واجب فهو لا يمكنه السجود إلا بأن يعتمد على بعض هذه الإعضاء فله ~~أن يعتمد على أيها شاء ويرفع أيها شاء لأنها غير واجبة فلهذا جازت المراوحة بينها. # الفرع السادس: في كشف هذه الأعضاء في السجود. # ولا خلاف في أنه لا يجب كشف القدمين ولا يجوز كشف الركبتين لأنهما عورة، ~~وهل يجب كشف الكفين أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يجب كشفهما عند السجود وهذا هو رأي الهادي والقاسم ~~ومحكي عن أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((أمرت أن أسجد على سبعة اليدان والركبتان ~~والقدمان والجبهة)) (3). # ولم يفصل بين كشفها وسترها. PageV03P261 # المذهب الثاني: أنه يجب كشفهما ولا يجوز تغطيتهما وهذا هو أحد قولي ~~الشافعي. # قال الإمام القاسم: من صلى ويداه تحت ثوبه من برد أو غيره فلا بأس. ~~ويحتمل أن يقال: إنه واجب. # والحجة على هذا: خبر خباب وهو أنه قال:شكونا ms1191 إلى رسول الله حر الرمضاء في ~~جباهنا وأكفنا فلم يشكنا. فهذا يدل على وجوب الكشف فيهما. # والمختار: هو الأول وهو أن الكشف فيهما غير واجب. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو قوله لمن علمه الصلاة: ((توض كما ~~أمرك الله واستقبل القبلة وكبر واقرأ ما تيسر من القرآن)) ولم يأمره بكشف يديه. # ومن وجه آخر: وهو أنهما عضوان لا يبرزان في العادة إلا لحاجة(1) # فلم يجب كشفهما في السجود كالركبتين والقدمين. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: خبر خباب يدل على وجوب الكشف. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكروه حكاية فعل لا ندري على أي وجه وقعت. # وأما ثانيا: فلأن ظواهر الأخبار التي رويناها دالة على أن الكشف غير واجب ~~وأنه يجوز سترها بالأردية والأثواب ولا شك أن الظواهر التي يدل عليها ~~الخطاب أصرح بالمراد من دلالة الأفعال لما فيها من الإجمال. # الفرع السابع: وهل يجب كشف الجبهة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه إن سجد على حائل متصل مثل كور العمامة وطرف المنديل أو ~~بسط كفه ليسجد عليه لم يجزه ذلك، وهذا هو المحكي عن محمد بن يحيى ونصره ~~السيد أبو طالب، وهو قول الشافعي. PageV03P262 # والحجة على هذا: ما روى رفاعة بن رافع عن رسول الله أنه قال: ((لايقبل الله ~~صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه)) إلى أن قال ((ثم يسجد فيمكن جبهته من ~~الأرض حتى تطمئن مفاصله))(1). # المذهب الثاني: جواز ذلك وهذا هو رأي المؤيد بالله ومحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله بمنزلة عصابة المرأة والإجماع منعقد ~~على جوازها فهكذا هاهنا من غير تفرقة بينهما. # والمختار: ما قاله محمد بن يحيى ورآه الشافعي. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما رواه أبو حميد، وهو أن الرسول سجد ~~ومكن جبهته من الأرض، وهو إذا سجد على حائل متصل فلم يمكن جبهته من الأرض ~~فلهذا لم يكن مجزيا. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: الحائل المتصل يكون بمنزلة عصابة المرأة. PageV03P263 # قلنا: ms1192 إن عصابة المرأة دعت إليها الضرورة وأوجبتها الحاجة بخلاف ما نحن فيه ~~فإنه لا ضرورة فيه ولا حاجة ملجئة إليه فلهذا لم يجز. وإن كان بجبهته جراحة ~~فعصب على تلك الجراحة بعصابة وسجد عليها جاز ذلك لأنه لما جاز ترك أصل ~~السجود لعذر فبأن يجوز ترك مباشرة الجبهة لعذر أولى وأحق، ويستحب السجود ~~على جميع الجبهة لما روى أبو حميد: ((أنه[ ] مكن جبهته من الأرض))، ~~والتمكين يكون بأن يسجد عليها فإن سجد على بعضها أجزأه لحديث جابر أنه سجد ~~على قصاص رأسه وهو أعلى الجبهة، ويؤيد ما ذكرناه أن الجبهة عظم مستطيل من ~~الصدغ إلى الصدغ فحكم جانبيها حكم وسطها، وفي الخبر عن رسول الله أنه أمر ~~الساجد بوضع الجبهة وهي بين الصدغين عند السجود، ومن تعذر عليه السجود على ~~الجبهة يعدل إلى السجود إلى جانبيها من الصدغين فإن تعذر عليه الصدغان ~~والسجود على جانبيهما فإنه يعدل إلى الإيماء ولا يسجد على الأنف بحال. وإن ~~هوى الرجل ليسجد فسقط على جنبه ثم انقلب فماست جبهته الأرض فإن كان ~~بانقلابه نوى السجود أجزأه وإن لم ينوه لم يجزه لأنه إذا سقط على جنبه فقد ~~خرج عن سمت السجود فلا يرجع إليه إلا بفعل ونية والفعل أن يعود جالسا ثم ~~يسجد لأنه عمل قليل والنية أن ينوي بانقلابه السجود. # الفرع الثامن: وهل يجب الإطمئنان في السجود أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه واجب وهو أن يلبث ساجدا لبثا ما وهذا هو رأي أئمة ~~العترة ومحكي عن الشافعي. # والحجة على ذلك: قوله لمن علمه الصلاة: ((ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا)). # المذهب الثاني: أنه غير واجب وهذا هو رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {اركعوا واسجدوا }[الحج:77]. ولم يفصل بين ~~الطمأنينة وغيرها. # والمختار: ما قاله علماء العترة من وجوب الطمأنينة لأن الأحاديث كلها ~~متظاهرة على الأمر بالإطمئنان في السجود. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: الآية دالة على مطلق السجود من غير اطمئنان. PageV03P264 # قلنا: الآية دالة على مطلق السجود والأخبار دالة ms1193 على تقييده بالطمأنينة ~~فيجب حمل الآية على ما دلت عليه الأخبار توفقه بين الأدلة الشرعية وجمعا ~~بينها وحذرا من تناقضها وهكذا يجب حمل الخلاف في تمكين الجبهة فإن كل من ~~قال بوجوب تمكينها فهي الطمأنينة عنده كما هو رأي أئمة العترة ومن قال بأن ~~التمكين غير واجب فيها قال: إن الطمأنينة غير واجبة كما هو رأي أبي حنيفة ~~فإلى هذا نريد بالخلاف في تمكينها والله أعلم. ويستحب الإسترخاء عند السجود ~~لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله إذا سجد كالخرقة البالية، ~~ويستحب التفجج في السجود. والتفجج بجيمين ويروى [بحاء وجيم] وبتقديم الحاء ~~على الجيم، وهو تباعد ما بين الفخذين وهو نقيض الإحتفاز لما روي أن الرسول ~~كان إذا سجد تفجج في سجوده مثل تفجج الظليم(1) # وهو ذكر النعام لتباعد ما بين فخذيه، يكون في مشيته تفكك، وأما المرأة ~~فتحتفز في سجودها وتضم فخذيها وتضم يديها عند ركوعها ولا تفرج آباطها كما ~~يفعل الرجل لقوله : ((النساء عي وعورات، فاستروا عيهن بالسكوت، وعوراتهن ~~بالبيوت)). وقد وافقنا الفقهاء في مخالفة سجود المرأة لسجود الرجل وخالفونا ~~في الركوع وقالوا: إن الركوع في حق الرجال والنساء واحد. # والمختار: المخالفة في الركوع السجود للنساء كما أوضحناه. # الفرع التاسع: في بيان الذكر المشروع في السجود ويشتمل على أحكام ثلاثة: PageV03P265 # الحكم الأول: أن الذكر مشروع في حال السجود والركوع كما مر بيانه ولا خلاف ~~في كونه مشروعا لما روي عن الرسول أنه قال: ((أقرب ما يكون العبد من الله ~~إذا كان ساجدا " ))(1). فلهذا استحب الذكر بالتسبيح والثناء على الله تعالى ~~وطلب الرغائب من عنده في هذه الحالة القريبة منه. وهل يكون واجبا في الركوع ~~والسجود أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه مستحب غير واجب وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر ~~الفقهاء. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {اركعوا واسجدوا }[الحج:77]. ولم يأمر ~~بالتسبيح في الركوع والسجود، وقوله لمن علمه الصلاة: ((ثم اركع حتى تطمئن ~~راكعا واسجد حتى تطمئن ساجدا)). ولم يأمره بالتسبيح، فدل ذلك على ms1194 أنه غير واجب. # المذهب الثاني: أنه واجب، وهذا شيء يحكى عن بعض أهل الظاهر، ورواية عن ~~أحمد بن حنبل ولم تصح عنه. # والحجة لهم على ما قالوه: قوله تعالى: {وسبحوه بكرة وأصيلا}[الأحزاب:42]. ~~وهذا أمر ولا خلاف أنه لا يجب في غير الصلاة فلهذا قلنا بوجوبه في الصلاة. # والمختار: ما عليه العلماء من أئمة العترة وغيرهم من الفقهاء من ~~استحبابه. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو أن الأصل براءة الذمة عن الوجوب ولا ~~يشغل إلا بدليل شرعي ولا دلالة على وجوبه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: قوله تعالى: {وسبحوه}. وهو أمر والأمر للوجوب. # قلنا: يجب حمل الآية على الاستحباب لما اذكرناه من الدليل على عدم الوجوب ~~جمعا بين الأدلة الشرعية وملآئمة بيهما. # الحكم الثاني: في صفة التسبيح في حال السجود، وفيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أن المستحب الأفضل فيه أن يقال: سبحان الله الأعلى وبحمده. ~~وهذا هو رأي القاسم والهادي ومحكي عن الصادق. PageV03P266 # والحجة على هذا: ما ذكرنا من الفضل بالتسبيح على هذه الصفة في الركعتين ~~بآخر سورة ((الفرقان)) وبصدر سورة ((المؤمنون)) وفي هذا دلالة على أن ~~الأفضل فيه إيراده على هذه الصفة التي ذكرناها. # والمذهب الثاني: أن الأفضل فيه أن يقال: سبحان ربي الأعلى. وهذا هو رأي ~~الإمام زيد بن علي وأحمد بن عيسى والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة ~~وأصحابه والشافعي وأصحابه. # والحجة على هذا ما روي أنه لما نزل قوله تعالى: {فسبح باسم ربك العظيم " ~~}[الواقعة:74]. قال[ ]: ((اجعلوها في ركوعكم)). و[لما] نزل قوله تعالى: ~~{سبح اسم ربك الأعلى " }[الأعلى:1]. قال: ((اجعلوها في سجودكم " ))(1). # المذهب الثالث: أن الأفضل أن يقال في تسبيح السجود: ما روي عن أمير ~~المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان يقول في سجوده: اللهم لك سجدت ولك أسلمت ~~وبك آمنت وأنت ربي سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته ~~فتبارك الله أحسن الخالقين. # ويستحب: أن يدعو في سجوده بما أحب من أمر دينه وديناه، لما روى أبو هريرة ~~أن الرسول كان يدعو ms1195 في سجوده فيقول: ((اللهم، اغفر لي ذنبي كله؛ " دقة ~~وجله، آخره وأوله، علانيته وسره)) (2). # المذهب الرابع: محكي عن الشافعي بقوله في سجوده: سجد وجهي حقا حقا تعبدا ~~ورقا. وهذه الأدعية الطويلة إنما تستحب إذا كان منفردا فأما إذا كان إماما ~~فربما يثقل على المؤتمين وإذا كان مأموما خالف إمامه. # والمختار من هذه المذاهب إذا لم يقتصر على التسبيح: المأثور من جهة ~~الرسول ما نقل عن أمير المؤمنين فإنه لا يقوله إلا [عن] توقيف من جهة ~~الرسول وهل يزاد في الدعاء أو ينقص على ما ورد من جهة الرسول ؟ فيه تردد. PageV03P267 # والمختار: جواز الزيادة لما روي عن الرسول أنه قال: ((أقرب ما يكون العبد ~~من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)). ومعنى قوله: ~~((قمن)) أي جدير وحقيق وحري أن يستجاب لكم، ويروى بفتح الميم وكسرها، وتكره ~~القراءة في حال السجود لما روى ابن عباس رضي عنه أن الرسول قال: ((نهيت أن ~~أقرأ راكعا أو ساجدا ))(1). # الانتصار: واعلم أن هذه المذاهب كلها منقولة من جهة الرسول والغرض أنها ~~كلها في حيز الجواز وإنما المطلوب هو الأفضل وقد ذكرنا ما هو الأفضل منها. # الحكم الثالث: في عدد تسبيحات السجود، والمستحب هو الإقتصار على ثلاث ~~تسبيحات في حال السجود لما روى ابن مسعود عن الرسول : ((إذا سجد أحدكم فقال ~~في سجوده سبحان ربي الأعلى فقد تم سجوده))(2). # ولا خلاف أنها هي المشروعة. وهل يزاد على هذه العدة؟ فحكي عن الهادي أنه ~~لا يتجاوز من الأوتار إلا إلى خمسة، وعن الصادق والباقر والناصر أنه يزاد ~~على هذه الثلاثة فيكون سبعا أو تسعا، وعن الحسن البصري لا يزاد على الخمسة ~~والسبعة، وعن زيد بن علي والقاسم لا يزاد في السجود على ما ورد من جهة ~~الرسول على هذه الثلاث، ومعنى الرب هو المالك لجميع المكونات في العالم ~~يتصرف بها كيف شاء من جميع أنواع التصرفات ألا له الخلق والأمر وهو على كل ~~شيء قدير. PageV03P268 # الفرع العاشر: في الرفع من السجود،ويستحب أن يكبر ms1196 عند رفع رأسه من سجوده ~~لما روى أبو هريرة أنه كان يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود وهل يكون ~~التكبير مقصورا أو ممدودا فقال أبو حنيفة يكون مقصورا وحكي عن الشافعي أن ~~ابتداء التكبير يكون مع أول الرفع ويمده حتى ينتهي آخره مع انتهاء الرفع ~~لئلا يخلو فعل، من ذكر وفيه التردد الذي ذكرناه في الركوع فأغنى عن ~~الإعادة. PageV03P269 # --- ### ||| AUTO القول في القعود بين السجدتين # ولا خلاف في استحباب القعود بن السجدتين، وهل يكون واجبا أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنه واجب وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((ثم يرفع رأسه من السجود حتى يطمئن جالسا))(1). # المذهب الثاني: أنه غير واجب وهذا هو رأي أبي حنيفة، ومحكي عن مالك فمتى ~~رفع رأسه رفعا ما وإن قل أجزأه ذلك ولا يجب عليه الطمأنينة حتى روي عن أبي ~~حنيفة أنه قال: لو رفع جبهته بقدر ما يدخل بين جبهته والأرض مقدار صفيحة ~~السيف أجزاه فأما مالك فإنه يعتبر ما كان أقرب إلى الجلوس فإنه يجزيه وهكذا ~~يعتبر في الإعتدال عن الركوع ما كان أقرب إلى القيام. # والمختار: ما عليه أئمة العترة ومن تابعهم. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو أن المعلوم من حاله أنه كان يعتدل من ~~الرفع لرأسه عن السجود ويطمئن وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). # والحجة لأبي حنيفة ومالك: هو أن المأخوذ على المصلي إنما هو الركوع ~~والسجود كما قال تعالى: {اركعوا واسجدوا }[الحج:77]. وهذا يقال له: راكع ~~وساجد وإن لم يعتدل بين السجدتين وفي هذا ما نريده من بطلان الإعتدال. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: المأخوذ عليه هو الركوع والسجود بدليل قوله تعالى: {اركعوا ~~واسجدوا}[الحج:77]. # قلنا: إن قوله تعالى: {اركعوا واسجدوا}[الحج:77] نص في طلبهما جميعا ~~وظاهر في الوجوب ومجمل في كيفية السجود وقد بين كيفية السجود بقوله: ((صلوا ~~كما رأيتموني أصلي)). ويفعله فإنه كان يعتدل بين السجدتين ولنا فيه أسوة ~~حسنة في إتباعه. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: ms1197 في صفة هذه القعدة. وفيها مذهبان: # المذهب الأول:أن يثني رجله اليسرى ويقعد عليها وينصب قدمه اليمنى وهذا هو ~~رأي أئمة العترة وأحد قولي الشافعي. PageV03P270 # والحجة على هذا:ما روي أن أبا حميد وصف صلاة رسول الله قال: فلما رفع رأسه ~~من السجدة الأولى ثنى رجله اليسرى وقعد عليها واعتدل حتى رجع كل عضو إلى موضعه. # المذهب الثاني: محكي عن الشافعي أنه يجلس على صدور قدميه والأول هو ~~المشهور عن الشافعي ولم أعثر على هذا القول للشافعي في شيء من الأحاديث في ~~صحيح البخاري وصحيح الترمذي. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم. # وحجتهم:ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو ما رواه رفاعة بن رافع أنه قال لمن ~~علمه الصلاة:((فإذا سجدت فمكن سجودك وإذا قعدت فاقعد على فخذك اليسرى)) (1). # الانتصار: أن القعدة على الفخذ اليسرى مما لا خلاف فيها بين الأئمة ~~والفقهاء، وأما ما روي عن الشافعي في الرواية الثانية فغير مشهورة ولا لها ~~وجه في الأحاديث. # الفرع الثاني:وهل يكره الإقعاء في الجلوس أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول:أنه مكروه وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي. # والحجة على [هذا]:ما روي عن الرسول أنه نهى عن الإقعاء في الصلاة. # المذهب الثاني:أنه من السنة وأنه غير مكروه وهذا مروي عن العبادلة ~~عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير فهؤلاء من الصحابة، ~~ومن التابعين نافع وطاووس ومجاهد واختلف في تفسير الإقعاء على أقوال ثلاثة: # فالقول الأول:محكي عن أبي عبيد هو أن ينصب ساقيه معا على الأرض ويجلس على أليته. # القول الثاني:حكاه أبو عبيد عن أئمة الأدب يقول: الإقعاء هو: أن يفترش ~~رجليه ويجلس على عقبيه. # القول الثالث:حكاه الشيخ أبو إسحاق من أصحاب الشافعي أن الإقعاء هو: أن ~~يجعل يديه في الأرض ويقعد على أطراف أصابعه. PageV03P271 # والحجة على ما قالوه:هو أن هذه القعدة إنما شرعت من أجل الإعتدال ~~والاطمئنان وللفصل بين السجدتين ولا شك أن الإقعاء والافتراش سواء في ~~الاعتدال والطمأنينة، فلا جرم كان الإقعاء مسنونا كالافتراش من غير فرق. # والمختار: ما قاله ms1198 علماء العترة من كراهة الإقعاء. # وحجتهم:ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي أن الرسول قال لعلي كرم الله ~~وجهه: ((يا علي، أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقع بين ~~السجدتين))(1). # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا:إن هذه القعدة شرعت من أجل الإعتدال فكانت مسنونة كالافتراش. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه لا وجه للقياس في العبادات فإنه لا مجرى للأقيسة فيها. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما رويناه عن الرسول فإنه نص صريح في كراهة ~~الإقعاء والقياس لا يمكن معارضته للأخبار المروية عن الرسول لأن القياس ~~مشروط في العمل به والاعتماد عليه بأن لا يعارضه نص من الكتاب والسنة. # الفرع الثالث: هل في هذه القعدة ذكر مشروع أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا ذكر فيها مشروع وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن ~~أبي حنيفة فأما الشافعي فلم يرو أصحابه عنه في هذا شيئا من الذكر. # والحجة على هذا: ما في حديث رفاعة: ((ثم يكبر فيسجد ثم يكبر فيستوي قاعدا ~~)). ولم يذكر فيها ذكرا. وما روى أبو مسعود البدري عن رسول الله أنه قال: ~~((لا تجزي صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود " )) (2). # ولم يذكر فيها ذكرا وفي هذا دلالة على عدم الذكر فيها. # المذهب الثاني: أن الذكر فيها مشروع وهذا شيء يحكى عن ابن عباس وسعيد بن جبير. PageV03P272 # والحجة على هذا: ما روى ابن عباس عن الرسول أنه كان يقول بين السجدتين: ~~((اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني واهدني وارزقني))(1). # وفي رواية أم سلمة: ((واهدني السبيل الأقوم)). # والمختار: ما قاله ابن عباس. # والحجة: الخبر الذي رويناه عنه. نزيد هاهنا وهو أن أفعال الصلاة لا ينفك ~~شيء منها عن ذكر يخصه. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: حديث رفاعة وحديث ابن مسعود يدلان على أنه لا ذكر مشروع فيها. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه إنما لم يذكره في حديث رفاعة وابن مسعود لأن الغرض هو ~~ذكر القعدة وبيان وجوبها ms1199 ولم يتعرض للذكر المشروع فيها. # وأما ثانيا: فلأن خبر ابن عباس مشتمل على بيان زيادة ليست في خبرهما ~~والزيادة مقبولة من جهة العدل فلهذا وجب قبولها. # الفرع الرابع: ثم يسجد سجدة ثانية على ما وصفنا في الأولى من التكبير ~~والهيئة، فإذا رفع رأسه منها فهل يستوي قاعدا ثم ينهض أو يقعد قعدة خفيفة ~~ثم ينهض؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن هذه القعدة غير مشروعة وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي ~~عن أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقول للشافعي حكاه ~~المزني. # والحجة على هذا: ما رواه وائل بن حجر أن الرسول كان إذا رفع رأسه من ~~السجود استوى قائما بتكبيرة ولم يقعد. وإذا قلنا: لا يقعد فإنه يبتدئ ~~بالتكبير مع ابتداء الرفع وينتهي به مع انتهاء الرفع وذلك يكون عند أول ~~حالة القيام. # المذهب الثاني: أنه يقعد قعدة خفيفة للإستراحة وهذا هو المذكور عن ~~الشافعي في (الأم). PageV03P273 # والحجة على هذا: ما روى أبو حميد الساعدي أنه ذكر ذلك في صفة صلاة رسول ~~الله ، وروي عن مالك بن الحويرث أنه رأى الرسول يصلي فكان إذا كان في وتر ~~في صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا ومعنى الوتر أنه يقعد في ركعة واحدة لا ~~غير، هذا هو مراد المحدثين بالوتر إذا قالوا: أقام في وتر من صلاته. وإذا ~~قلنا: يقعد فإنه يقعد مفترشا لما روى أبو حميد في صفة صلاة رسول الله . ~~ومتى يبتدئ بالتكبير؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يبتدئ به عند ابتداء رفع رأسه من السجود وينتهي به إلى حالة ~~القعود. # وثانيهما: أنه يطيل التكبير ولا يطيل القعود ويتم التكبير في حال النهوض ~~للقيام، وهذا هو الأشبه بهذه القعدة لأن أفعال الصلاة لا تخلوا عن ذكر. # والمختار: ما قاله أئمة العترة ومن وافقهم. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو أن هذه القعدة مخالفة لأصل الصلاة ~~وموضعها لأنه ليس في الصلاة المفروضة قعود في ابتداء ركعة ولا معنى لكونها ~~فصلا بين الركعة الأولى والثانية لأن الفصل في الوتر لا ms1200 وجه له فثبت أنها ~~[فعل] غير مشروع. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روى [أبو] حميد الساعدي ومالك بن الحويرث هذه القعدة في صفة صلاة ~~رسول الله وأنها مشروعة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكروه حكاية فعل لا ندري على أي وجه وقع والأفعال ~~الغالب من حالها الإجمال في وقوعها وهي محتاجة إلى البيان. # وأما ثانيا: فلعل ذلك إنما كان من أجل ضعف عرض فقعد فيها للإستراحة فعلى ~~هذا يبطل كونها مشروعة في الصلاة لأن ما كان مشروعا فلا يختلف حاله بالضعف ~~والقوة. # الفرع الخامس: وإذا أراد القيام إلى الركعة الثانية من السجود فهل ينهض ~~معتمدا على الأرض بيديه أو يكون معتمدا على صدور قدميه؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه ينهض معتمدا على الأرض بيديه وهذا هو رأي أئمة العترة ~~ومروي عن ابن عمر وعمر بن عبدالعزيز ومالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. PageV03P274 # والحجة على هذا: ما روى مالك بن الحويرث في صفة صلاة رسول الله قال: فلما ~~رفع رأسه من السجود في السجدة الأخيرة من الركعة الأولى اعتمد على الأرض بيديه. # المذهب الثاني: أن يعتمد على صدور قدميه عند النهوض ولا يكون معتمدا على ~~يديه، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة، ومروي عن أمير المؤمنين وابن مسعود. # والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة قال: كان رسول الله ينهض في الصلاة على ~~صدور قدميه. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو أن المصلي إذا كان معتمدا علي يديه ~~في القيام كان أعوز له وأشبه بالتواضع ثم يرفع ركبتيه قبل رفع يديه بخلاف ~~السجود فإنه يضع يديه قبل ركبتيه فعلى هذا يكون أولهما وضعا وآخرهما رفعا ~~وعلى هذا يكون الترتيب في الوضع عند السجود على الأرض فيضع أولا يديه ثم ~~ركبتيه ثم جبهته. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روى أبو هريرة أنه اعتمد عند النهوض على صدور قدميه. # قلنا: ما رواه مالك بن الحويرث في صفة صلاة رسول ms1201 الله أرجح لأنه قصد ~~الوصف والمبالغة فيها والتحفظ على أداء هيئتها، وما رواه أبو هريرة فإنما ~~كان على جهة الرواية دون الصفة فيحتمل أن يكون اعتماده على صدور قدميه لأمر ~~عارض بخلاف ما توهموه فكان ما قلناه أحق بالقبول. # الفرع السادس: ثم يقوم إلى الركعة الثانية فيصليها مثل الأولى إلا في ~~النية ودعاء الاستفتاح لأن ذلك إنما يراد للدخول في الصلاة وهو داخل فيها، ~~فإن كانت الصلاة تزيد على ركعتين من الرباعيات فإنه يجلس ويتشهد، وهذان ~~أعني التشهد والجلسة هل يكونان واجبين أو سنتين؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنهما سنتان وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أكثر ~~الفقهاء من أهل العلم. PageV03P275 # والحجة على هذا: ما روى ابن بحينة(1) # أن رسول الله قام على ركعتين من الظهر أو العصر لم يقعد بينهما فلما قضى ~~صلاته سجد سجدتين للسهو ثم سلم، ولو كانتا واجبتين لم يجبرهما بسجود السهو ~~كالركوع والقيام. # والمذهب الثاني: أنهما واجبتان وهذا شيء يحكى عن الليث وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق بن راهويه وداود وأبي ثور. # والحجة على هذا: ما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: علمنا رسول الله ~~إذا قعدنا في الركعتين أن نقول: ((التحيات.. إلى آخره))(2). # وظاهر التعليم دال على الوجوب إلا لدلالة وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني ~~أصلي)). # ومن وجه آخر: وهو أنها قعدة تشتمل على الذكر فكانت واجبة كالقعدة ~~الأخيرة. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة وأكثر أهل العلم من كونهما سنتين. PageV03P276 # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو أن الوجوب مفتقر إلى دلالة من قول أو ~~فعل وهذان أعني القعدة والتشهد ليس فيهما دلالة على وجوبهما فلهذا بطل ~~وجوبهما. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روى ابن مسعود تعليم التشهد فلهذا قضينا بوجوبه. # قلنا: إنه كما يعلم الأمور الواجبة فهو يعلم السنن والآداب والحكم فليس ~~تعليمه مقصورا على الواجبات فمجرد التعليم لا يدل على الوجوب. # الفرع السابع: في التشهد الأوسط، وقد ذكرنا حكمه في كونه سنة فلا نعيده. # واعلم أن القعدات في الصلاة ms1202 ثلاث فاثنتان واجبتان وواحدة مسنونة، فأما ~~الواجبتان فهما القعدة في التشهد الأخير كما سنوضحه والقعدة بين السجدتين ~~للاعتدال، وأما المسنونة فهي للتشهد الأوسط، وهو مشتمل على أحكام خمسة: # الحكم الأول: في هيئة القعود وفيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: الافتراش في كلا التشهدين الأول والأخير وهو أن ينصب قدمه ~~اليمنى ويفرش رجله اليسرى ويفضي ببطون أصابعه إلى الأرض وهذا هو رأي الهادي ~~والقاسم ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على ذلك: وهو رأي زيد بن علي والمؤيد بالله وهو ما رواه أبو حميد ~~الساعدي في وصف صلاة رسول الله فإنه قال: إذا قعد للتشهد أن [نصب] رجله ~~اليمنى وافترش رجله اليسرى وقعد عليها وأفضى ببطون أصابع رجله اليمنى إلى ~~الأرض(1). # المذهب الثاني: التورك هو السنة فيهما جميعا وهذا هو قول مالك. PageV03P277 # والحجة على هذا: ما روي عن رسول الله أنه قعد في الركعة الأخيرة فأفضى ~~بمقعدته إلى الأرض ونصب قدمه اليمنى وأخرج رجله اليسرى من تحت مأبض رجله ~~اليمنى وإذا كانت السنة هي التورك في الأخيرة فهكذا يكون الجلوس في التشهد ~~الأوسط بجامع كونهما قعدة تشتمل على ذكر فلهذا كان التورك فيها مسنونا. # المذهب الثالث: الإفتراش في التشهد الأول والتورك في التشهد الأخير وهذا ~~هو رأي الشافعي. # الحجة على هذا: أن أبا حميد الساعدي وصف صلاة رسول الله فقال: لما جلس في ~~الأوليين ثنى رجله اليسرى وقعد عليها ونصب اليمنى ولما قعد في الرابعة أخر ~~رجله عن وركه وأفضى بمقعدته إلى الأرض ونصب وركه اليمنى(1). # المذهب الرابع: الإفتراش في التشهد الأول الذي وصفنا فإذا كان في الركعة ~~الأخيرة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض وقدم رجله اليسرى وأخرج قدميه من ~~ناحية واحدة وهذا شيء يحكى عن الناصر. # والحجة على هذا: ما روى [أبو] حميد الساعدي أن الرسول فعل هذا في صلاته ~~فصارت هذه المذاهب كما ترى في هيئة القعود. # والمختار: هو الإفتراش في التشهد الأول والتورك في التشهد الأخير كما ~~وصفنا من حالهما. # والحجة على هذا: ما رواه أبو حميد من صفة ms1203 صلاة رسول الله فإنه فرق بين ~~قعوده في التشهد الأوسط وبين قعوده في التشهد الأخير فإنه افترش في الأول ~~وتورك في الثاني. # والتفرقة بينهما ظاهرة، ولهذا كان المختار لأنه في التشهد الأول يريد ~~القيام لإتمام الصلاة والافتراش أقرب إلى حاله القيام فهلذا آثره بخلاف ~~التشهد الأخير فإنه آخر الصلاة فلا يحتاج فيه إلى قيام فلهذا تورك فيه جمعا ~~بين الغرضين وتوفيرا على كل واحد منهما ما يستحق من الهيئتين. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. PageV03P278 # واعلم أن كل واحدة من القعدتين قد فعلها الرسول فآثر الإفتراش في الأولى ~~لما ذكرناه، وآثر التورك في الثانية فمن العلماء من غلب حكم الأولى على ~~الثانية فجعلهما جميعا على هيئة الإفتراش ومنهم من غلب حكم الثانية على ~~الأولى فجعلهما جميعا على هيئة التورك ولهذا كان ما أخترناه جمعا بين ~~المذاهب لما وافيا بما نقل من الأحاديث في هيئة التشهدين كلامهما، فأما ما ~~حكي عن الناصر فلم أعلم أن أحدا من أئمة العترة ولا من الفقهاء ذهب إليه، ~~واعتماده على ما روي عن أبي حميد في صفة صلاة رسول الله من أنه أخرج رجليه ~~جميعا وقعد على وركه اليسرى فالمشهور عن أبي حميد خلاف هذا وهو الإفتراش في ~~التشهد الأول والتورك في التشهد الأخير. # الحكم الثاني: في هيئة وضع اليد عند التشهد، فإذا قعد للتشهد فإنه يضع ~~يده اليسرى على فخذه اليسرى ويبسط أصابعه اليسرى ويجعلها على شكل خلقتها من ~~غير قصد منها لضم ولا تفريق، ومن العلماء من قال يضمها ومنهم من قال: ~~يفرقها، والأولى ما ذكرناه، وأما اليمنى ففي كيفيه وضعها أربعة أقوال: # فالقول الأول: أن يضعها مبسوطة على فخذه اليمنى ويشير بالسبابة وهي ~~المسبحة إلى الوحدانية عند الإثبات من غير قبض لشيء من الأصابع، وهذا هو ~~الظاهر من مذهب القاسم والهادي لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن الرسول كان ~~إذا جلس في الصلاة وضع يده على ركبته ورفع أصبعه التي تلي الإبهام اليمنى ~~يدعو بها ويده اليسرى على ركبته يبسطها عليها، ms1204 فظاهر هذا الخبر [دال] على ~~أن اليدين مبسوطتان على الفخذين من غير قبض لأصابع اليمنى ولا عقدتها، وهل ~~تكون الأصابع مضمومة أو منشورة؟ والمستحب أن تكون على شكل الخلقة لأن الخبر ~~لم يشر فيها إلى قبض ولا بسط. PageV03P279 # القول الثاني: أن يضعها على فخذه اليمنى مقبوضة الأصابع إلا المسبحة لما ~~روى ابن عمر رضي الله عنه أن الرسول كان إذا قعد للتشهد وضع يده اليسرى على ~~ركبته ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثا وخمسين وأشار ~~بالمسبحة(1). # القول الثالث: أن يقبض الخنصر والبنصر ويحلق بالإبهام والوسطى ويشير ~~بالمسبحة لما روى وائل بن حجر أن الرسول فعل هكذا كأنه عاقد على ثلاثة ~~وعشرين. PageV03P280 # القول الرابع: أن يعقد الخنصر والبنصر والوسطى ويبسط الإبهام والمسبحة يشير ~~بها لما روى أبو حميد الساعدي أن رسول الله فعل ذلك. فهذه الأخبار كلها ~~دالة على [أن] النبي فعل هذه الهيئات مرة هكذا ومرة هكذا تسهيلا للأمر ~~وتوسعة في العبادة فكيفما وضع يده على هذه الحالات فقد أتى بالسنة وأصابها، ~~ويشير بالمسبحة على جميع الأقوال كلها لما ذكرناه من الأخبار الدالة عليها ~~والمستحب أن يشير بها عند الإثبات وهي قوله: (إلا الله) لا عند كلمة النفي ~~وهي قوله: (لا إله). والسنة أن لا يجاوز بضره إشارته بإصبعه وهل يحركها أم ~~لا؟ فيه روايتان: # الأولى: رواية ابن الزبير وهي أن لا يحركها. روى أن الرسول كان يشير بها ~~ولا يحركها. # الرواية الثانية: رواية ابن عمر، روى عن رسول الله أنه كان يحركها وقال: ~~((إنها مذعرة للشيطان))(1). # وإذا قلنا: بأنه يحركها فإن حركتها يسيرة فلا تبطل بها الصلاة لأنه عمل ~~قليل كما لو غمض عينيه. # والمختار: أنه لا يحركها لأن تحريكها لا فائدة فيه بحال. # الحكم الثالث: في بيان صفة الذكر المسنون في التشهد. # واعلم أن هذا التشهد قد كثرت فيه الأدعية وعظم اختلاف الناس فيما يختار ~~فيه من الذكر. فحكي عن الطحاوي أنه قال: إن العلماء اتفقوا مع اختلافهم في ~~ألفاظ التشهد[على] أن الرجل يختار لنفسه تشهدا ms1205 واحدا يعمل به دون غيره. # قال المؤيد بالله: والأقوى عندي خلاف ذلك وهو ما قاله القاسم وهو أن ما ~~تشهد به المتشهد فهو مغن. # والمختار: ما قاله الطحاوي لأمرين: # أما أولا: فلأن الأذكار متفاضلة وألفاظها متباينة وأدخلها في الفضل ~~وأعلاها ما كان دالا على التوحيد والتنزيه والثناء على الله تعالى. PageV03P281 # وأما ثانيا: فلأن الصحابة رضي الله عنهم متفاوتون في درجات الفضل والإختصاص ~~بالرسول فلأجل هذا يتفاوت ما نقلوه في زيادة الأجر والثواب فلهذا كان ~~الأحسن أن يختار الإنسان لنفسه تشهدا يعمل به كما يختار عالما يقلده في ~~العمليات في المسائل الاجتهادية. ونحن الآن نذكر اختلاف العلماء واختيار كل ~~واحد منهم لما اختاره من ذكر التشهد. # القول الأول: محكي عن الإمام زيد بن علي والقاسم والهادي وهو أن الأفضل ~~ما روى جابر عن رسول الله أنه كان يقول في تشهده: ((بسم الله وبالله والحمد ~~لله والأسماء الحسنى كلها لله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله))(1). # القول الثاني: أن الأفضل عند المؤيد بالله ما روي عن أمير المؤمنين كرم ~~الله وجهه أنه كان يقول في تشهده: ((بسم الله والحمدلله والأسماء الحسنى ~~كلها لله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله))(2). # فما اختاره الهادي والقاسم موافق لما اختاره المؤيد بالله إلا في قوله: ~~((وبالله)). وقوله: ((وحده لا شريك له)) فإن المؤيد بالله لم يذكرهما في ~~تشهده ويكتفي بقوله: ((وأن محمدا عبده ورسوله)). # القول الثالث: أن الأفضل عند الناصر ما رواه عن أمير المؤمنين أنه كان ~~يقول في تشهده: ((بسم الله الرحمن الرحيم وخير الأسماء لله أشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله)). فهذه الأقوال في ~~التشهد مأثورة عن أكابر أهل البيت كما روينا. PageV03P282 # القول الرابع: أن الأفضل عند الشافعي ما رواه ابن عباس رضي الله عنه عن ~~الرسول وهو أن يقال: ((التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك ~~أيها النبي ورحمته وبركاته ms1206 سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد ألا ~~إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله))(1). # ورواه أبو داود عنه خلا أن أبا داود زاد الألف واللام في السلامين والأمر ~~فيه قريب لأن الألف بدل من التنوين فهما يتعاقبان. # القول الخامس: أن الأفضل عند أبي حنيفة ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه ~~عن الرسول أن يقال فيه: ((التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها ~~النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد ألا ~~إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)) (2). # وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والثوري واختاره ابن المنذر من ~~أصحاب الشافعي. # القول السادس: أن الأفضل عند مالك ما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ~~رسول الله أنه علم الناس التشهد على المنبر فقال: ((التحيات لله، الزاكيات ~~لله، الطيبات لله، الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد ألا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)) (3). # القول السابع: محكي عن أبي علي الطبري من أصحاب الشافعي أن الأفضل أن ~~يقال: بسم الله وبالله التحيات المباركات الزاكيات والصلوات والطيبات لله ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فهذه أقاويل ~~العلماء في اختيار التشهد كما ترى. PageV03P283 # والمختار عندنا: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه واختاره المؤيد ~~بالله وهو قريب مما اختاره الهادي والقاسم وزيد بن علي لأن ما اختاره هؤلاء ~~الأكابر من أهل البيت فهو الأفضل عند الله لما خصهم الله به من الفضل وعلو ~~المنزلة في العلم والعمل ومالهم من العناية في أمر الدين وإحياء معالمه ~~والإجتهاد في أن تكون كلمة الله هي العليا فلهذا كان مختارا على غيره. # الانتصار: يكون ببيان أفضلية ما اخترناه وقد ظهر ذلك بالإضافة إلى من ~~أختاره وهم أكابر أهل البيت وساداتهم وبالإضافة إلى ما رووه ms1207 من جهة أمير ~~المؤمنين وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، نعم الكل مصيب وآخذ من جهة صاحب ~~الشريعة صلوات الله عليه وكل ما ذكرناه قد أمر به وفعله وأشار إلى المواضبة ~~عليه والدعاء إليه لكن الغرض في طلب الأفضل والأكثر أجرا وثوابا إتباعا ~~لقوله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه }[الزمر:18]. وقوله: ~~{واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم }[الزمر:55]. # الحكم الرابع:في تفسير هذه الكلمات: # فأما التحيات:فروي عن ابن عباس وابن مسعود، أنهما قالا: معنى التحيات لله ~~العظمة لله،وحكي عن ابي عمرو بن العلاء أن التحيات لله: الملك لله، وعن ~~بعضهم التحيات لله: تعني سلام الخلق مأخوذ من قوله تعالى: {تحيتهم يوم ~~يلقونه سلام }[الأحزاب:44]. # وأما الصلوات:فأراد أن هذه الصلوات فروضها ونوافلها مضافة إلى الله ~~لإستحقاقه للعبادة بها لوجهه. # وأما الطيبات:فأراد أن الأعمال الصالحة لله تعالى كما قال تعالى: {إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه }[فاطر:10]. وقيل:الطيبات المحامد ~~والممادح والثناآت الحسنة يستحقها الله وتكون مضافة إليه. # وأما السلام:ففيه وجهان: # أحدهما:أن المراد اسم السلام والسلام هو الله كما يقال: اسم الله عليك. PageV03P284 # وثانيهما:أن الغرض به الدعاء كأنه قال: سلمك الله تسليما وسلاما، وقد ورد ~~السلام في التشهد تارة معرفا باللام وتارة منكرا من غير لام كما ورد من جهة ~~الله تعالى على الوجهين جميعا فقال في السلام على عيسى {وسلام عليه يوم ولد ~~ويوم يموت ويوم يبعث حيا }[مريم:15]. وقال تعالى: { والسلام علي }[مريم:33] ~~فأتى به معرفا باللام. وقال تعالى: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين ~~اصطفى }[النمل:59]. وقال تعالى: {سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } ~~[القصص:55]. فأتى به منكرا وكله دال على السلامة من جهة الله تعالى. # الحكم الخامس: وهل تسن الصلاة في التشهد الأول أو لا؟ والظاهر من مذهب ~~الهادي والقاسم أنها غير مسنونة لما روى ابن مسعود رضي الله عنه عن الرسول ~~أنه كان إذا جلس في التشهد الأول فكأنما يجلس على الرضف والرضف بسكون الضاد ~~وتحريكها هو الحجارة المحماة وفي هذا دلالة على أنه كان لا ms1208 يصلى فيه على ~~الرسول ، وحكي عن مالك أنه يصلي فيه على الرسول ويدعو. # وهل تسن الصلاة على الآل أم لا؟ فمن قال: الصلاة عليه مسنونة، قال: ~~الصلاة على آله مسنونة؛ لأنهم تابعون له، ومن قال: الصلاة عليه غير مسنونة، ~~قال: الصلاة على الآل غير مسنونة، فهذه الأحكام الخاصة للتشهد الأوسط. # الفرع الثامن: ثم يقوم إلى الركعة الثالثة معتمدا على الأرض بيديه لما ~~رويناه من حديث مالك بن الحويرث، ويكره تقديم إحدى رجليه عند النهوض في ~~الصلاة، وقال مالك: لا بأس به. # والحجة على ما قلناه: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ما هذه ~~الخطوة الملعونة فدل ذلك على كراهتها ثم يركع لها ويسجد كما قلناه في ~~الثانية، فإن ركع وسجد في الفريضة بنية النافلة فهل تبطل صلاته أم لا؟ ~~فالظاهر على المذهب بطلان صلاته وهو قول الشافعي وحكي عن أبي حنيفة أنه يقع ~~عن فرضه وإن نواه عن النفل. PageV03P285 # والحجة على ما قلناه: أن الركوع والسجود ركنان من أركان الصلاة فإذا أراد ~~بهما نية النفل لم يكن مجزيا له كسائر الأركان، ثم يقوم إلى الرابعة يفعل ~~فيها مثل ما فعل في الثالثة فإذا فعل ذلك فقد أكمل الركوع والسجود. PageV03P286 # --- ### ||| AUTO القول في التشهد الأخير # ولا خلاف في كونه مشروعا لأن الرسول فعله وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني ~~أصلي)). # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول في هذه القعدة: هل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها واجبة، وهذا هو رأي القاسم والهادي والناصر والمؤيد ~~بالله، ومحكي عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وهو أحد قولي الشافعي ورأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن الرسول كان يواضب على فعله ويستمر عليه وقد قال: ~~((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فدل ذلك على وجوبه، ومقدار الواجب منه ما تؤدى ~~فيه الشهادتان والصلاة على الرسول وعلى آله لأنهما واجبان كما سنوضحه. # المذهب الثاني: أن هذه القعدة مستحبة غير واجبة وهذا هو المحكي عن أمير ~~المؤمنين كرم الله وجهه وهو ms1209 قول مالك والزهري والثوري. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اركعوا ~~واسجدوا}[الحج:77]. # ووجه الحجة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أمر بالركوع والسجود من غير ~~زيادة ولم يأمر بالقعود فإذا فرغ من الركعة الرابعة فقد تمت صلاته قعد أو ~~لم يقعد. # والمختار: ما قاله أئمة العترة ومن تابعهم. # وحجتهم:ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو قوله : ((إذا قعدت فقد تمت صلاتك " )) (1). # فظاهر الخبر دال على أن آخر واجبات الصلاة من الأفعال هو هذه القعدة فإن ~~فيها إتمام الصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا:الآية دالة على أن هذه القعدة غير واجبة لأنها ليست ركوعا ولا سجودا. # قلنا:عن هذا جوابان: PageV03P287 # أما أولا: فلأن الآية وإن كانت نصا في طلب الركوع والسجود فهي ظاهرة في طلب ~~الأمر لكنها مجملة بالإضافة إلى كيفية آداء الركوع والسجود فتكون مفتقرة ~~إلى البيان وبيانها موكول إلى لسان صاحب الشريعة وقد بينها بفعله بأن قعد ~~عقيب الركوع والسجود، وفي هذا دلالة على أنها من جملة الركوع والسجود في ~~الوجوب. # وأما ثانيا:فلأن ما ذكروه معارض بما روينا من الخبر والجمع بينهما ممكن ~~لأن الآية ليس في ظاهرها ولا في صريحها ما يدل على بطلان هذه القعدة وإذا ~~كان الأمر هكذا وجب حمل الآية على وجوب الركوع والسجود والخبر على إيجاب ~~هذه القعدة فيكون جمعا بينهما من غير مناقضة وهذا هو مطلوبنا. # الفرع الثاني: في الشهادتين ولا خلاف في كونهما مشروعتين في هذه القعدة ~~وإنما الخلاف هل تكونان واجبتين أم لا؟ وفيه مذهبان: # المذهب الأول: أنهما واجبتان، وهذا هو رأي الهادي والقاسم وزيد بن علي ~~ومحكي عن عمر بن الخطاب وأبي مسعود البدري وابن عمر. # والحجة على هذا: ما روي عن ابن مسعود أنه قال: أخذ بيدي رسول الله فقال: ~~((قل التحيات لله " )) (1)... # إلى آخره. والأمر للوجوب. # المذهب الثاني: أنهما غير واجبين، وهذا هو رأي الناصر ومحكي عن أمير ~~المؤمنين والزهري ومالك والثوري وهو قول أبي حنيفة. # والحجة عليه: هو أن الرسول علم الأعرابي الصلاة حتى قال له: ms1210 ((ثم اقعد ~~حتى تطمئن قاعدا فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك)). فعلق صحة الصلاة بالقعود ~~ولم يذكر التشهد فلو كان واجبا لذكره لأنه في محل التعليم والبيان وإن جاز ~~تأخيره عن وقت الخطاب فلا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة. # والمختار: ما قاله الأكثر من علماء العترة من وجوب الشهادتين. PageV03P288 # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن ابن مسعود أنه قال: كنا نؤمر ~~قبل أن يفرض علينا التشهد بأن نقول: السلام على الله.قبل عباده، السلام على ~~جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فقال الرسول صلى الله عليه: ~~((لا تقولوا: السلام على الله " ، فإن الله هو السلام ولكن قولوا: التحيات ~~لله والصلوات والطيبات))(1). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه قال: قبل أن يفرض علينا التشهد. فدل على ~~أنه قد فرض. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إن النبي علم الأعرابي الصلاة ولم يذكر الشهادتين فدل على أنهما ~~لا تجبان. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فإنه إنما لم يذكر الشهادة لأنه اعتمد على بيان الأفعال لما ~~كانت أهم إذ لا خلاف فيها ويرجع في مقام ثاني إلى بيان ما يجب من الأقوال ~~والأذكار. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما ذكرناه وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح ~~وخبرنا دال على الزيادة فلهذا كان راحجا على غيره مما لم يدل على الزيادة. # الفرع الثالث: في الصلاة على الرسول صلى الله عليه وآله، ولا خلاف في ~~أنها مشروعة، وهل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها واجبة، وهذا هو رأي القاسم ومحكي عن عمر بن الخطاب ~~وابنه عبدالله بن عمر وأبي مسعود البدري وهو قول الشافعي وأصحابه واختيار ~~الأخوين لمذهب الهادي. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها ~~الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}[الأحزاب:56]. وهذا أمر وظاهر الأمر ~~للوجوب ولا خلاف أنها لا تجب الصلاة على الرسول إلا في الصلاة(2). PageV03P289 # المذهب الثاني: أن الصلاة على الرسول غير واجبة وهذا هو رأي الناصر ومحكي ~~عن أمير ms1211 المؤمنين والزهري ومالك والثوري، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه علم عبدالله بن مسعود التشهد وقال ~~له: ((إذا قلت هذا فقد تمت صلاتك، إن شئت أن تقوم، فقم وإن سئت أن تقعد ~~فاقعد)). # ووجه الدلالة من هذا الخبر: هو أنه علمه التشهد ولم يذكر فيه الصلاة على ~~الرسول وهو في موضع التعليم فدل هذا على أنها غير واجبة كما قلناه. # والمختار: هو القول بوجوبها كما حكيناه عمن تقدم ذكره. # وحجتهم:ما ذكرناه ونزيد هاهنا ما روته عائشة عن الرسول أنه قال: ((لا ~~يقبل الله صلاة إلا بطهور وبالصلاة علي ))(1). # ويؤيد هذا ما روي أنه كان يقول في الصلاة: ((اللهم، صل على محمد وعلى آل ~~محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم))(2). PageV03P290 # هكذا رواه أبي بن كعب عنه وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي )). والواجب ~~هو قولنا: ((اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد)). لأن ذلك أقل ما يكون من ~~الصلاة. والأفضل أن يقال: ((اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)). روى أبو حميد أنه قيل للرسول : ~~كيف نصلي عليك؟ فقال: ((قولوا: اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت ~~على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ~~إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد)) (1). # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: علم بن مسعود التشهد ولم يذكر فيه الصلاة فدل على عدم وجوبها. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فإن امتناع تعليمه للصلاة لابن مسعود في هذا الموضع لا يدل على ~~أنها غير واجبة فلعله منع هناك مانع من ذكره ويريد ذكره من قبل فلا يبطل ~~وجوبها بالاحتمال. # وأما ثانيا: فلأن ما قالوه معارض بما رويناه عن عائشة وأبي بن كعب وإذا ~~تعارضا فلا بد من الترجيح، وما ذكرناه راجح لكونه أصرح بالغرض وأدل على ~~المقصود ms1212 فلهذا كان هو الأولى بالعمل عليه. # الفرع الرابع: في الصلاة على الآل. ولا خلاف في كونها مشروعة وأنها ~~مستحبة، وهل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها واجبة على الآل وهذا هو رأي الهادي والقاسم ومحكي عن ~~المؤيد بالله، قال الإمام المؤيد بالله: ولا يصح التشهد حتى تقول: اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد. فهذا تصريح بوجوبها عليهم. # والحجة على هذا: أنه كان يقول في صلاته: ((اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد )) . وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). # المذهب الثاني: أنها غير واجبة؛ وهذا هو المحكي عن أمير المؤمنين والزهري ~~ومالك والثوري والمنصوص للشافعي. PageV03P291 # والحجة على هذا: هو أن من لم يكن ذكره شرطا في صحة الأذان لم يكن شرطا في ~~صحة الصلاة كالصحابة. # والمختار: ما عليه أئمة العترة من القول بوجوبها عليهم. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا، وهو ما روى أبو حميد [أنه قيل]: يا رسول ~~الله كيف نصلي عليك؟ فقال: ((قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد )). # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: من لا يكون ذكره شرطا في صحة الأذان فلا يكون شرطا في صحة الصلاة ~~كالصحابة. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلأنه لا معنى لإيراد الأقيسة في العبادات فإنه لا مدخل لها ~~فيها ولا تجري فيها الأقيسة المعنوية ولا الشبهية. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل أنه كلمات محصورة معدودة لا يتصرف فيها ~~بزيادة ولا نقصان بخلاف الأدعية. # وأما ثالثا: فلأنه إنما بطل ذكر الآل في الأذان لما كان المقصود به ~~الإشعار للصلاة والدعاء إليها بخلاف ذكر الآل في الصلاة فإن الأذكار مشروعة ~~في الصلاة من أجل إحراز الفضل، وذكر الآل من الأذكار الفاضلة فافترقا، فحصل ~~من مجموع ما ذكرناه أن ذكر الآل في الصلاة واجب وهو رأي أحمد بن حنبل وبعض ~~أصحاب الشافعي. # فأما ذكر إبراهيم وآل إبراهيم فهل يكون واجبا أم لا؟ فيه تردد فذكر بعض ~~أصحاب الشافعي أن الصلاة عليهم واجبة. PageV03P292 # والمختار: أنه سنة وليس واجبا. ms1213 قال المؤيد بالله: والأقرب أن آل رسول الله ~~إنما هم الأخيار دون الأشرار كما أن المراد بآل إبراهيم الأبرار دون ~~الأشرار ولم يمنع الإطلاق من صحة التشهد به فهكذا هاهنا. ثم اختلف الناس في ~~آل الرسول من هم؟ فمن العلماء من قال: هم بنو هاشم وبنو المطلب لأنهم قرابة ~~الرسول وأقرب من يتصل به والآل هم الأهل لكن الألف واللام أبدلت من الهاء. ~~ومنهم من قال: هم الذين كانوا على دينه لقوله تعالى: {أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب }[غافر:46]. ومنهم من قال: هم من تحرم عليهم الزكاة وهم آل جعفر وآل ~~عقيل وآل عباس وآل علي ومن كان ينسب إلى هاشم، وهذا هو الأقرب لأن هؤلاء هم ~~خاصة الرسول وأقرباؤه. # الفرع الخامس: في بيان هيئة هذه الجلسة وصفة الذكر المشروع فيها. أما ما ~~هية هذه القعدة فقد أوضحنا فيما سبق ذكر الخلاف فيها وبينا أن الأفضل في ~~هيئتها هو التورك بخلاف القعدة الأولى فإن الأفضل فيها هو الإفتراش دون ~~التورك وقد أوضحنا وجه التفرقة بينهما فأغنى عن الإعادة، وأما بيان صفة ~~الذكر المشروع فيها فللأئمة والعلماء فيه اختيارات ونحن نوردها لاشتمالها ~~على فوائد وجملتها سبعة: # الاختيار الأول: مأثور عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه يقول فيه: التحيات ~~لله والصلوات والطيبات الغاديات الرائحات الطاهرات الناعمات السابغات ما ~~طاب وطهر وزكا وخلص لله وما خبث فلغيره أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا وداعيا إلى ~~الله بإذنه وسراجا منيرا أشهد أنك نعم الرب وأن محمدا نعم الرسول. ثم بحمد ~~الله تعالى ويثني عليه ويصلي على النبي وآله ثم يسلم عن يمينه وعن شماله. PageV03P293 # الاختيار الثاني: ما ذكره الهادي في الأحكام يقول فيه: بسم الله وبالله ~~والحمد لله والأسماء الحسنى كلها لله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على ~~محمد وعلى آل محمد كما ms1214 صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد ~~مجيد. ثم يسلم عن يمينه ويساره رواه عن أبيه وأبوه يرويه عن زيد بن علي عن علي". # الاختيار الثالث: ذكره في المنتخب قال: التحيات لله والصلوات والطيبات ~~أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم ~~صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. ثم يسلم عن يمينه ويساره، فهذا ما ~~ذكره في الجامعين (الأحكام) و(المنتخب) وكل واحد من هذين الاختيارين على ~~انفراده وحياله داخل في الفضل محرز لكمال السنة في الدعاء عند القعدة ~~الأخيرة. # الاختيار الرابع: محكي عن الناصر يقول فيه: بسم الله وخير الأسماء لله ~~وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ~~التحيات لله والصلوات الطيبات الطاهرات الزاكيات الغاديات الرائحات لله ما ~~طاب وزكا وطهر ونما وما خبث فلغير الله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما ~~صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل ~~محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. ثم يسلم عن يمينه ~~ويساره. وحكى الشيخ أبو جعفر من أصحاب الناصر والجامعين لمذهبه أن للناصر ~~اختيارات مختلفة في التشهد الأخير في كتبه (الصغير) و(الكبير) وفي ~~(المسائل) و(الألفاظ) خلا أن الذي ذكرناه هاهنا هو المختار من مذهبه. PageV03P294 # الاختيار الخامس: مروي عن المؤيد بالله وهو الجمع بين التشهدين اللذين ~~رويناهما عن الهادي وهو أن يقول: بسم الله والحمد لله والأسماء الحسنى كلها ~~لله، التحيات لله، والصلوات والطيبات، أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد إلى قوله ~~إنك حميد مجيد. ثم يقول بعد ذلك: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ربنا آتنا في الدينا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة ms1215 وقنا عذاب النار. ثم يسلم عن يمينه ويساره. # الاختيار السادس: محكي عن الإمام أبي طالب وحاصله أنه يجمع بين التشهدين ~~اللذين ذكرهما الهادي في (الأحكام) و(المنتخب) من غير زيادة فيقول: ((بسم ~~الله وبالله والحمد لله والأسماء الحسنى كلها لله التحيات لله والصلوات ~~والطيبات أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، إلى قوله: حميد مجيد. ولا يزيد ~~الزيادة التي ذكرها أخوه المؤيد بالله فهذه الاختيارات كلها التي نقلناها ~~عن أكابر أهل البيت وعلمائهم مأثورة عن جلة الصحابة نقلوها عن صاحب الشريعة ~~صلوات الله عليه. # الاختيار السابع: محكي عن الشافعي رضي الله عنه قال: فإذا فرغ المصلي من ~~التشهد والصلاة على الرسول فله أن يدعو بما شاء من دين ودنيا والأفضل أن ~~يدعو بما روى أبو هريرة عن الرسول فإنه قال: ((إذا تشهد أحدكم فليستعذ ~~بالله من أربع من عذاب النار ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن ~~فتنة المسيح الدجال))(1). PageV03P295 # الدعاء الثاني: رواه أمير المؤمنين كرم الله وجهه أن الرسول كان يقول بين ~~التشهد والسلام: ((اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت ~~وما أسررت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا ~~أنت)) (1). # الدعاء الثالث: رواه عن ابن مسعود رضي اله عنه قال: كان رسول الله يعلمنا ~~كلمات ولم يكن يعلمناهن كلما تعلمنا التشهد: ((اللهم، ألف بين قلوبنا، ~~وأصلح ذات بيننا، " واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا ~~الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا ~~وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا ~~شاكرين لنعمتك، مثنين بها قابليها، وأتمها علينا إنك على كل شيء قدير)) (2). # ولنكتف بهذا القدر من الاختيارات في الدعاء في القعدة الأخيرة ونردفه ~~بالمطلوب في الدعاء ومقداره فهذان تقريران: PageV03P296 # التقرير الأول: في بيان المطلوب بالدعاء قال أبو حنيفة: لا يدعو المصلي إلا ~~بالأدعية المأثورة عن الرسول ms1216 أو بما يشبه ألفاظ القرآن. ومن أصحابه من قال: ~~ما لا يطلب إلا من الله يجوز أن يدعو به في الصلاة، وما يجوز أن يطلب من ~~المخلوقين إذا سأله الله في الصلاة أفسدها، فعلى هذا يجوز أن يدعو في ~~الصلاة بقوله: اللهم أغفر لي وارحمني واهدني. إلى غير ذلك مما لا يطلب إلا ~~من الله. وإن قال: اللهم يسر لي بنت فلان زوجة لي فسدت صلاته. وقال ~~الشافعي: يجوز أن يقول في صلاته: اللهم ارزقني جارية حسنة وزوجة صالحة ~~وضيعة مباركة وخلص فلانا من الحبس واهلك فلانا لظلمه. إلى غير ذلك. وهذا هو ~~المختار لما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي علمه التشهد إلى قوله: ~~((وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)). ثم قال بعد ذلك: وليدع بما شاء ولم يفصل ~~بين مطلوب ومطلوب من منافع الدين والدنيا. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن ~~الرسول رفع رأسه من الركوع الأخير في الفجر فقال: ((اللهم أنج الوليد بن ~~الوليد وسلمة بن هشام وأنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على ~~مضر، وأهلك رعل وذكوان وعصية، واجعل سنيهم كسني يوسف)). وعن أبي الدرداء ~~أنه قال: إني لأدعو لسبعين صديقا في كل صلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم،فهذا ~~فيه دلالة على ما قلناه من جواز الدعاء في الصلاة لمن أحب وعلى من أحب ممن ~~يستحق ذلك. # التقرير الثاني: في بيان مقدار ما يدعى به في الصلاة، وليس يخلو حال ~~الداعي إما أن يكون إماما أو مأموما. فإن كان إماما فإنه يدعو بمقدار ~~القنوت والتشهد لئلا يثقل الكثرة على من بعده من المأمومين، وإن كان منفردا ~~فإن يطيل ما شاء. ولقد كان يدعو بكلمات طيبات خفيفات مباركات في الصلاة على ~~من دعا له أو دعا عليه وبعد فراغه من الصلاة لا يطيل في الدعاء ويقوم بعد ~~فراغه من الصلاة تارة من عن يمينه وتارة من عن شماله وتكره قراءة القرآن في ~~حالة التشهد لأمرين: PageV03P297 # أما أولا: فلأن موضوعه الدعاء وليس موضوعه القراءة. # وأما ثانيا: فلأنها ms1217 حالة في الصلاة لم تشرع فيها القراءة فكرهت فيها ~~كالركوع والسجود. # دقيقة: اعلم أن الدعاء المأثور عن الرسول في التشهد الأخير يرد على وجهين: # أحدهما: أن يكون واردا من غير واو وعلى هذا تبطل المغايرة بين الأوصاف ~~فإذا قال: ((التحيات لله الصلوات)). كانت الصلوات هي التحيات. وإذا قال: ~~((الطيبات)). كانت الطيبات هي الصلوات لأن حذف الواو دال على الإتحاد في ~~الأوصاف على الوجه الذي ذكرناه وقد جاء في القرآن كقوله تعالى: {هو الله ~~الخالق البارئ المصور }[الحشر:24]. # وثانيهما: أن يكون واردا بالواو وعلى هذا تحصل المغايرة بين الأوصاف لأن ~~الشيء لا يعطف على نفسه فإذا قال: التحيات والصلوات. كانت الصلوات غير ~~التحيات. وإذا قال: والطيبات. كانت الطيبات غير الصلوات وقد ورد الأمران ~~جميعا أعني اتحاد الواو وحذفها والمعنى فيهما على ما ذكرناه، وقد تم غرضنا ~~من الكلام في القعدة الأخيرة ونذكر الآن التسليم وهو آخر أركان الصلاة ~~والحمد لله. PageV03P298 # --- ### ||| AUTO القول في التسليم من الصلاة # فإذا فرغ من التشهد فإنه يسلم عن يمينه ويساره ولا خلاف في كونه مشروعا ~~للخروج من الصلاة لقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: في حكمه وهل يكون واجبا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه واجب وهذا هو رأي أئمة العترة زيد بن علي والهادي ~~والقاسم والمؤيد بالله وهو قول الشافعي. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وسلموا تسليما}[الأحزاب:56]. وقوله تعالى: ~~{فسلموا على أنفسكم }[النور:61]. والأمر ظاهره الوجوب ولا تسليم واجب إلا ~~في الصلاة لا خلاف فيه. # الحجة الثانية:ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه عن النبي أنه قال: ~~((مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم))(1). # فليس يخلو إما أن يريد أنه لا يمكن الخروج منها مع كونها غير مجزية إلا ~~بالتسليم فهذا فاسد فإنه يمكن الخروج منها بما ينقضها ويفسدها من الحدث ~~وسائر ما يفسدها فلم يبق إلا أن الغرض أنه لا يمكن الخروج منها مع صحتها ~~إلا بالتسليم فهذا صحيح. # المذهب الثاني: أن التسليم غير واجب وهذا هو رأي ms1218 الناصر ومحكي عن أبي ~~حنيفة وأصحابه وإنما هو سنة واستحباب. PageV03P299 # والحجة على هذا: ما روى ابن عمر رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((إذا رفع ~~الإمام رأسه من السجدة وقعد ثم أحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته))(1). # الحجة الثانية: أنه علم الأعرابي الصلاة وذكر له فروضها ولم يذكر التسليم ~~وفي هذا دلالة على أنه مستحب غير واجب. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة. # وحجتهم:ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى سمرة بن جندب أن الرسول كان ~~إذا سلم أحدنا في الصلاة أومأ بيده يمينا وشمالا: السلام عليكم ورحمة الله ~~السلام عليكم ورحمة الله. فقال الرسول : ((مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها ~~أذناب خيل شمس يكفيكم أن تقولوا عن يمينكم وشمالكم السلام عليكم ورحمة ~~الله)). # الحجة الثانية: ما روى واثلة بن الأسقع أن الرسول سلم عن يمينه وعن ~~شماله: السلام عليكم ورحمة الله وقال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). # الحجة الثالثة: قوله تعالى: {أقيموا الصلاة}[الأنعام:72]. فهو نص في ~~الطلب وظاهر في الوجوب ومجمل في كيفية أداء الصلاة وكيفيتها موكول إلى ~~أفعاله وقد بينها بفعله للمسلم وبيان المجمل واجب فلهذا قضينا بوجوب ~~التسليم لما ذكرناه. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا:حديث ابن عمر: ((إذا رفعت رأسك من السجود فقد تمت صلاتك )). # قلنا:عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الغرض بقوله: ((قد تمت صلاتك)). أراد تمت من جهة الأفعال، ~~فأما الأقوال فهي ناقصة حتى يحصل التسليم. PageV03P300 # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه معارض بما ذكرناه من الأدلة فلابد من الترجيح ~~ولا شك أن أدلتنا دالة على الوجوب وأدلتهم دالة على عدم الوجوب وما كان ~~دالا على الوجوب فهو أحق لأنه يفيد فائدة جديدة بخلاف ما يدل على عدم ~~الوجوب فهو باق على حكم العقل والوجوب أمر جديد بحكم الشرع فافترقا. # قالوا: إنه علم الأعرابي فروض الصلاة ولم يذكر له التسليم فدل على أنه ~~غير واجب. # قلنا:وعن هذا أيضا جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكروه فعل مجمل لا ندري كيف وقع وهو مفتقر إلى البيان ~~فلا ms1219 يصح الاحتجاج به. # وأما ثانيا: فلعله قد كان علم وجوبه فلهذا لم يذكره له. # قالوا: السلام ينافي الصلاة ويبطلها فكيف يقال إنه من فروضها. # قلنا: الصلاة قد أوضحها الشارع على هذه الكيفية المخصوصة فإن أردتم أنه ~~يبطلها عند فعله في غير موضعه فهذا مسلم، وإن أردتم أنه يبطلها إذا فعل في ~~موضعه فهذا ممنوع غير مسلم فبطل ما قالوه. # الفرع الثاني: في بيان عدد التسليم وفيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أن الواجب تسليمتان من عن يمينه وعن شماله وهذا هو رأي ~~أئمة العترة زيد بن علي والهادي والقاسم والمؤيد بالله، وأحمد بن حنبل ~~والحسن بن صالح وقول الشافعي في الجديد. PageV03P301 # والحجة على هذا: ما روى سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن سهل أن الرسول كان ~~يسلم تسليمتين عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ~~ورحمة الله(1). # الحجة الثانية: ما روى جابر بن سمرة أن الرسول قال: ((إنما يكفي أحدكم أن ~~يسلم عن يمينه وشماله " ويقول السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة ~~الله)) (2). # المذهب الثاني: أنه ثلاث تسليمات تسليمة عن يمينه وتسليمة عن يساره ~~وتسليمة عن تلقاء وجهه، وهذا شيء يحكى عن عبدالله بن موسى بن جعفر. # وحجته على هذا: هو أن ابن مسعود روى أن الرسول سلم تسليمين من عن يمينه ~~ومن عن يساره(3)، # وروى ابن عمر، وعائشة، وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع: أنه سلم تسليمة ~~واحدة تلقاء وجهه، فأخذنا بالروايتين جميعا، وجمعنا بينهما. # المذهب الثالث: أن التسليم مرة واحدة من تلقاء وجهه وهذا شيء يحكى عن ~~مالك، ويروى عن الإمامية، وإليه ذهب الحسن البصري وعمر بن عبدالعزيز وابن ~~سيرين والأوزاعي. # والحجة على هذا: ما روت عائشة وأنس بن مالك عن رسول الله أنه سلم تسليمة ~~واحدة من تلقاء وجهه. # المذهب الرابع: أنه إن كان المسجد صغيرا ضيقا أو لا لغط هناك سلم تسليمة ~~واحدة، فالمحكي عن الشافعي قولان: PageV03P302 # الجديد: أن يسلم تسليمتين إحداهما عن يمينه والأخرى عن شماله. # والقديم: أن يسلم تسليمة تلقاء وجهه ms1220 وإن كان المسجد كبيرا مثل الجوامع ~~والناس كثير أو هناك ضجة فالمستحب أن يسلم تسليمتين من عن يمينه ومن عن ~~شماله قولا واحدا. # والحجة على هذا: ما روى ابن مسعود أنه سلم تسليمتين وروى ابن عمر أنه سلم ~~تسليمة واحدة فحملنا الروايتين على حالتين جمعا بين الأحاديث فحيث كان ~~المسجد ضيقا فتسليمة واحدة، وإن كان كبيرا فتسليمتان. فهذا تقرير المذاهب ~~في التسليم. # والمختار: ما اعتمده علماء العترة وهو مروي عن أمير المؤمنين كرم الله ~~وجهه وأبي بكر وعمر وابن مسعود والثوري ومحكي عن أبي حنيفة كما مر بيانه. # وحجتهم:ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى ابن مسعود أن الرسول كان يسلم ~~تسليمتين عن يمينه ويساره حتى يرى بياض خده. وعلى هذا أهل العلم من الصحابة ~~رضي الله عنهم والتابعين. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # أما من قال بثلاث تسليمات اعتمادا على الجمع بين رواية ابن مسعود ورواية ~~ابن عمر. وأما من قال بتسليمة واحدة اعتمادا منه على رواية ابن عمر. ~~فالجواب عنه من وجهين: # أما أولا: فلأن الأخبار التي رويناها في التسليمتين عن اليمين واليسار هي ~~أكثر وأشهر وعليها تعويل العلماء من أكابر الصحابة والتابعين. # وأما ثانيا: فلأن أخبارنا دالة على زيادة مشروعة وعبادة زيادة فلهذا كانت ~~أحق بالقبول. # وقولنا: مشروعة. نحترز عمن قال بالثالثة فإنها غير مشروعة. ومن قال بها ~~فاعتماده على التلفيق كما أشرنا إليه. PageV03P303 # الفرع الثالث: في بيان صفة السلام. والواجب في صفته أن يقول المصلي: السلام ~~عليكم ورحمة الله عن يمينه، السلام عليكم ورحمة الله عن يساره، لما روي عن ~~الرسول أنه قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وقد فعل في التسليم هكذا، ~~ولما روى ابن عمر وابن مسعود عنه أنه سلم في الصلاة كما ذكرناه، فإن قال: ~~السلام عليكم ولم يذكر ورحمة الله أجزأ ذلك لأنه نقص ما لا يضر في التسليم، ~~فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أجزأ ذلك لأنه زاد زيادة. وهكذا ~~لو قال: ورحمة الله وبركاته ورضوانه وكراماته لأن ما هذا حاله ms1221 زيادة في ~~الفضل وإحراز الثواب لما روي عن الرسول أنه قال: ((سلام عليكم عشر حسنات ~~ورحمة الله عشر حسنات وبركاته عشر حسنات ورضوانه عشر حسنات وكراماته عشر ~~حسنات ومن زاد زاد الله له)) (1). # فإن قال: السلام ولم يقل: عليكم، لم يكن مجزيا، وإن قال: سلام عليكم من ~~غير ألف ولام فهل يجزي أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا يجزئ؛ لأنه خالف المشروع في الصلاة والسلام وهذا هو ~~المحصل من مذهب الهادي. # وثانيهما: أنه يجزيه لأنه نقص الزائد في السلام فلهذا كان مجزيا. PageV03P304 # والمختار: هو الأول لأن السلام اسم من أسماء الله فلا يكون كذلك إلا بالألف ~~واللام، وإن قال: عليكم السلام. لم يكن مجزيا له؛ لأن ما [هذا]حاله سلام في ~~حق الموتى فلا يكون مشروعا في حق الأحياء ولأنه خالف المشروع فلا يجزئ ~~ويحتمل الإجزاء لأنه ليس بمعجز فيراعى فيه الترتيب بخلاف نظم القرآن فإنه ~~معجز فلهذا روعي في حقه الترتيب في الآي، وإن قال: عليكم سلام لم يكن مجزيا ~~لأنه خالف المشروع في التقديم والتنكير. # الفرع الرابع: هل يكون التسليم من الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن التسليم من الصلاة، وهذا هو رأي الهادي والقاسم والسيد ~~أبي طالب وهو قول الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). والمعلوم من حاله ~~أنه كان يسلم عن يمينه ويساره كما روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: لا ~~أنسى سلام رسول الله في صلاته يمينا وشمالا، والظاهر أن ما فعله واجب إلا ~~لدلالة تدل على أنه غير واجب. # المذهب الثاني: أن التسليم لا يكون من الصلاة، وهذا هو رأي الناصر ومحكي ~~عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن السلام مما يخرج به من الصلاة فأشبه الحدث والكلام ~~وثمرة الخلاف بين المذهبين هو أنا إذا قلنا:إنه من الصلاة فالمصلي إذا أحدث ~~حدثا عند التسليم أو انكشفت عورته أو انحرف عن القبلة بطلت صلاته. وإذا ~~قلنا:إنه ليس من الصلاة لم تبطل صلاته بما ذكرناه كما قلناه في تكبيرة ms1222 ~~الافتتاح. # والمختار: أنه ركن من أركان الصلاة لأمرين: # أما أولا: فلأن آخر جزء من أجزاء الشيء معدود من جملته كما أن أول كل جزء ~~من أجزائه معدود من جملته. # وأما ثانيا: فلأنه ذكر مشروع في موضع يجوز أن يرد عليه ما يفسد الصلاة ~~فيكون مفسدا لها كالقيام والركوع والسجود. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: التسليم يخرج به من الصلاة فصار كالحدث والكلام. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV03P305 # أما أولا: فلأن الحدث والكلام مفسدان للصلاة على أي وجه وقعا بخلاف السلام ~~فإنه إنما يكون مفسدا إذا وقع في غير موضعه المشروع له فافترقا. # وأما ثانيا: فلأن الفساد بالكلام والحدث وقع بهما مطلقا والسلام إنما وقع ~~الفساد عنده لا به لأن الكلام والحدث مبطلان للصلاة لأنهما بمعزل عن ~~الصلاة، والسلام إنما أبطل لأنه وقع به التمام للصلاة وهو آخر جزء من ~~أجزائها وأركانها فلهذا وقع الفساد عنده لا به. # قالوا: التسليم معنى ينافي الصلاة فصار كالحدث. # قلنا: وهذا من الطراز الأول، فإنا نقول: ما تريدون بقولكم: إنه معنى ~~ينافي الصلاة؟ فإن أردتم بأن الصلاة منقضية بانقضائه فهذا مسلم لأنه آخر ~~أجزائها، وإن أردتم أنه ليس منها فهذا لا نسلمه وفيه وقع النزاع وإن أردتم ~~به معنى آخر فاذكروه حتى نتكلم عليه. # الفرع الخامس: والنية في التسليم مستحبة لقوله : ((الأعمال بالنيات ولكل ~~امرئ ما نوى )). ولما روى سمرة أنه قال: أمرنا رسول رسول الله أن نسلم على ~~أنفسنا وأن يسلم بعضنا على بعض(1). # وروي أن رسول الله كان يصلي قبل الظهر أربعا وبعدها ركعتين وقبل العصر ~~أربعا يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن ~~معهم من المؤمنين(2). PageV03P306 # وعلى من تكون نية السلام؟ ينظر فيه فإن كان إماما فإنه ينوي بالتسليمة ~~الأولى ثلاثة أمور: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة وهم الملائكة، ~~والسلام على المأمومين عن يمينه، وينوي بالتسليمة الثانية أمرين: السلام ~~على الملائكة وعلى من عن يساره من المأمومين. وإن كان مأموما عن يسار ~~الإمام، فإنه ينوي بالتسليمة الأولى أمورا ms1223 أربعة: الخروج من الصلاة، ~~والسلام على الحفظة، والرد على الإمام، والسلام على المأمومين عن يمينه، ~~وينوي بالثانية أمرين: السلام على الملائكة وعلى من يساره من المأمومين، ~~وإن كان عن يمين الإمام فإنه ينوي بالتسليمة الأولى ثلاثة أمور: الخروج من ~~الصلاة والسلام على الحفظة وهم الملائكة، والسلام على المأمومينعن يمينه، ~~وينوي بالثانية ثلاثة أمور: السلام على الملائكة، والسلام على المأمومين عن ~~يساره، والرد على الإمام، وإن كان الإمام محاذيا نوى الرد عليه في أي ~~التسليمتين شاء، وإن كان المصلي منفردا نوى بالتسليمة الأولى أمرين: الخروج ~~من الصلاة، والسلام على الحفظة، ونوى بالثانية السلام على الحفظة. فهكذا ~~تكون النية في التسليم وكل هذه النيات مستحبة؛ إلا نية الخروج من الصلاة ~~فهل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن نية الخروج من الصلاة غير واجبة ولا مفروضة وهذا هو رأي ~~الهادي ومحكي عن السيد أبي طالب والقول الأخير للمؤيد بالله وهو قول بعض ~~أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إنما يكفي أحدكم أن يسلم ~~على أخيه عن يمينه وعن شماله، يقول السلام: عليكم ورحمة الله السلام عليكم ~~ورحمة الله)). فتبين أن الكفاية تقع بمجرد السلام من غير حاجة إلى نية ~~الخروج من الصلاة. # المذهب الثاني: أنها واجبة وهذا هو قول الأكثر من أصحاب الشافعي والقول ~~القديم للمؤيد بالله. # والحجة على هذا: هو أنه ذكر في أحد طرفي الصلاة فوجب مقارنة النية له ~~دليله تكبيرة الافتتاح. PageV03P307 # والمختار: أنها غير واجبة كما ذكره الهادي. # وحجته: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله : ((تحريمها التكبير وتحليلها ~~التسليم )). ولم يذكر النية فلا يجوز إثباتها إلا بدلالة شرعية. # ومن وجه آخر: وهو أن نية الصلاة قد اشتملت على جميع أفعالها وأقوالها فلا ~~معنى لإيجاب نية الخروج وإعادة نية أخرى له. # ووجه ثالث: وهو أن نية الخروج لو وجبت لوجب تعيين الصلاة التي يخرج منها ~~كنية الإحرام للصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: ذكر في أحد طرفي الصلاة فوجب مقارنة النية له ms1224 دليله تكبيرة ~~الافتتاح. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المعنى في الأصل كونه يدخل به في الصلاة بخلاف التسليم ~~فإنه خروج منها فافترقا. # وأما ثانيا: فإنا نقلب عليهم هذا القياس فنقول: ذكر في أحد طرفي[الصلاة] ~~فلا يكون واجبا كالافتتاح للصلاة وإذا سلم من الظهر ونوى الخروج من العصر. # فإن قلنا: أن نية الخروج من الصلاة واجبة بطلت صلاته لإخلاله بما هو واجب عليه. # وإن قلنا: أن نية الخروج من الصلاة غير واجبة كما هو المختار لم يضره ذلك ~~كما لو شرع في الظهر وظن في الركعة الثانية أنه في العصر ثم تذكر في ~~الثالثة أنه في الظهر لم يضره ذلك، ويستحب في التكبير والتسليم أن يكونا ~~مجزومين لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: حذف التسليم من السنة. ~~والمراد بذلك ألا يمده مدا، وروي عن الرسول أنه قال: ((التسليم جزم ~~والتكبير جزم ))(1). PageV03P308 # الفرع السادس: وتستحب النية على الحفظة وعلى الإمام والمسلمين كما فصلناه ~~لحديث سمرة، وهل تجب النية على الحفظة من الملائكة أم لا وعلى الإمام وعلى ~~سائر المسلمين؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن هذه النية واجبة وهذا هو الذي ذكره السيدان الإمامان ~~الأخوان فإنهما قالا إن هذه النية واجبة، ولم أعلم أن أحدا من الفقهاء ذهب ~~إلى وجوب هذه النية قبلهما. # والحجة على هذا: ما في حديث جابر بن سمرة أن الرسول قال: ((إنما يكفي ~~أحدكم أن يقول :هكذا وأشار بأصبعه يسلم على أخيه من عن يمينه ويساره)) (1). # وهذا يشتمل على الحفظة وعلى الإمام وسائر المسلمين الذين معه فإنه لا ~~يكون مسلما عليهم إلا بالقصد والنية. وقيل للسيد أبي طالب فهل تكون هذه ~~النية على الملائكة والمسلمين واجبة؟ فقال: نعم لأنه لا يكون مسلما إلا ~~بهذه النية. وهكذا عن المؤيد بالله. قال أبو طالب: فإن نسيها المصلي؟ فتجب ~~عليه الإعادة في الوقت ولا يجب عليه القضاء بعد انقضاء الوقت. # المذهب الثاني: أنها غير واجبة وهذا هو المحكي عن الفقهاء وقد حكي عن ~~السيدين الأخوين الرجوع إلى ms1225 أن هذه النية غير واجبة وأن المصلي إذا ترك هذه ~~النية لم تكن صلاته فاسدة. # والحجة على هذا: ما روى سمرة أن الرسول أمرنا أن نسلم على أنفسنا وأن ~~يسلم بعضنا على بعض. يعني في الصلاة ولم يذكر النية وفي هذا دلالة على أنها ~~غير واجبة فلو كانت واجبة لذكرها لأنه في موضع التعليم لأحكام الصلاة. # والمختار: ما رجع إليه السيدان من عدم وجوبها وهو رأي الفقهاء. PageV03P309 # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الوجوب إنما يعلم بأمر من جهة الله ~~تعالى أو من جهة رسوله، وظاهر الأخبار الدالة على السلام على الحفظة ~~والإمام والمسلمين مطلقة لا دلالة فيها على الوجوب لنية السلام على من ~~ذكرناه، ثم إن دلت دلالة شرعية على ما قلناه فإنها محمولة على الندب ~~والاستحباب دون الوجوب. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: حديث جابر بن سمرة دال على أن السلام مشروع وليس يكون مشروعا إلا ~~بالقصد والنية لأنه خطاب بالتحية فلهذا قلنا بوجوبها. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه ليس في ظاهر الحديث ما يدل على النية فضلا عن وجوبها. # وأما ثانيا: فلأن الخطاب وإن كان لا يعقل إلا بالقصد والنية في السلام ~~فهذا مسلم لا محالة فإن السلام لابد فيه من القصد لكن القصد مستحب لأجل أنه ~~لا دلالة على الوجوب ولا حاجة بنا إلى الإكثار فيما قد رجع عنه بالنظر ~~الشرعي فإن رجوع المجتهد عن بعض أقواله يبطل العمل عليه للمجتهد ولمن قلده ~~من العوام. وهل يكون نسيا منسيا أو يجوز العمل عليه لبعض العوام؟ فيه تردد ~~أصولي يليق ذكره بالكتب الأصولية. PageV03P310 # دقيقة: اعلم أن جابر بن سمرة روى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا سلموا ~~في الصلاة أومأ كل واحد منهم بيده يمينا وشمالا: السلام عليكم ورحمة الله ~~السلام عليكم ورحمة الله. فقال الرسول : ((مالي أراكم تشيرون بأيديكم كأنها ~~أذناب خيل شمس، إنما يكفيكم أن تقولوا عن شمالكم ويمينكم: السلام عليكم ~~ورحمة الله، وأشار بأصبعه على أخيه من عن يمينه ms1226 ومن عن شماله)) وهذا كالأمر ~~بالالتفات عن اليمين والشمال عند التسليم فلابد من بيان المكروه من الإشارة ~~والمستحب. فالمكروه ما أشار إليه من رفع اليد بالسلام يمينا وشمالا، وشبهة ~~بالأشمس من الخيل، والأشمس من الخيل هو الذي يضرب بذيله على جاعريته(1) # يمينا وشمالا، فهكذا حال من يرفع يده بالسلام يمينا وشمالا، وأما المستحب ~~الذي أشار إليه بأصبعه يمينا وشمالا فهو أنه إذا وضع يده على فخذه اليمنى ~~وبسطها عليها وعقد الإبهام على الوسطى فإذا سلم على اليمين فتح العقد وفتل ~~أصبعه إلى ناحية اليمين وهكذا يفعل بيده اليسرى وهي مبسوطة على فخذه اليسرى ~~يفتلها إلى ناحية اليسار فهكذا تفسير إشارته بإصبعه على هذه الكيفية. # الفرع السابع:قال الهادي في الأحكام ومن جلس في آخر تشهده فسلم تسليمتين ~~مستقبل القبلة غير منحرف عن يمينه وعن يساره بطلت صلاته، وهو اختيار ~~السيدين الأخوين. PageV03P311 # والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله مخالفة للمشروع في التسليم للصلاة فيجب ~~القضاء ببطلانه ولقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي )). فما خالف صلاته يجب ~~القضاء بفساده إلا لدلالة، فأما الشافعي فالظهاهر من كلامه أنه يقول بوجوب ~~الترتيب بين التسليمتين لأنه قال: لو سلم تسليمة واحدة من تلقاء وجهه أجزأه ~~وقال: لو سلم تسليمتين الأولى عن يمينه وهي من الصلاة والثانية عن يساره ~~وليست من الصلاة أجزأه فاقتضى ذلك أنه لو سلم تسليمتين تلقاء وجهه كان ~~مجزيا له، والظاهر من المذهب وجوب الترتيب بين التسليمتين فيبدأ أولا ~~بالتسليم عن يمينه ثم بالتسليم عن يساره. # قال الإمام المؤيد بالله: من سلم على يساره قبل يمينه بطلت صلاته. # والحجة على هذا: قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ولم يكن مصليا على ~~هذه الصفة فلهذا قضينا ببطلانها. # وإذا قلنا: بوجوب الترتيب بينهما فسلم أولا على يساره ثم سلم ثانيا على ~~يمينه ثم أعاد تسلميه على يساره صحت صلاته وتسليمة واحدة لا تضره في صحة صلاته. # الفرع الثامن: والمستحب إذا فرغ من صلاته أن يمكث قليلا لما روي عن ~~الرسول أنه كان إذا فرغ من ms1227 صلاته مكث قليلا ثم انصرف(1) PageV03P312 وروى ابن الزبير أن الرسول كان إذا سلم من الصلاة يقول بصوته الأعلى: ((لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله ولا نعبد إلا إياه وله النعمة وله الفضل وله الثناء ~~الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)) (1). # وروي أنه كان يقول بعد السلام: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له له ~~الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير ~~اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد))(2)، # وروي أن الرسول كان إذا أراد الإنصراف من الصلاة استغفر ثلاث مرات ثم ~~قال: ((اللهم أنت السلام ومنك السلام " تباركت ياذا الجلال والإكرام)) (3). # وروي أنه كان يقول: ((سبحان ربك رب العزة عما يصفون، " وسلام على ~~المرسلين، والحمدلله رب العالمين)). فنحمل رواية من روى أنه مكث قليلا ~~وانصرف على أنه دعا سرا بحيث يسمع نفسه، ونحمل رواية من روى أنه دعا وجهر ~~أنه أراد أن يعلم الناس الدعاء. # الفرع التاسع: والمستحب إذا كان خلف الإمام نساء أن يقف مكانه بعد ~~التسليم ساعة بحيث لو خرج سرعان الناس لم يلحقوا بالنساء، لماروت أم سلمة ~~رضي الله عنها أن الرسول كان إذا سلم من الصلاة انصرف النساء حين يقضي ~~سلامه ويمكث في مكانه يسيرا(4). PageV03P313 # قال الزهري: أرى ذلك كيلا يلحق الرجال بالنساء، وإن كان خلفه رجال لا نساء ~~معهن فإنه يستحب أن يمكث ساعة يدعو بدعاء ولا يطيل القعود بعد الصلاة لأنه ~~إذا أطال القعود كان مخالفا للسنة وربما وقع عليه سهو لطول قعوده أنه قد ~~سلم أم لا، فإن وقف الإمام استحب لمن بعده أن يقفوا معه لأنه ربما يذكر ~~سهوا فيتبعونه للسجود للسهو ويستحب للإمام والمأمومين إذا قضوا فروضهم من ~~الصلاة أن تصلي النافلة في البيوت لما روى [ابن] عمر رضي الله عنه ms1228 أن ~~الرسول قال: ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا " ))(1). # فإن لم يصل في البيت فالمستحب إذا صلاها في المسجد أن يتحول يمينا وشمالا ~~وقداما ووراء لما روى أبو رمثة(2) PageV03P314 عن النبي أنه قال: ((أيعجز أحدكم إذا صلى المكتوبة أن يتقدم أو يتأخر " ))(1). # الفرع العاشر:والمستحب لمن أراد الإنصراف من الصلاة، فإن كانت له حاجة ~~توجه لها إلى أي جهة كانت يمينا أو شمالا، وروى ابن مسعود رضي الله عنه أن ~~أكثر انصراف رسول الله كان ذات الشمال(2)؛ # لأن منازله كانت ذات الشمال فإن لم يكن للمصلي غرض ولا حاجة فالمستحب أن ~~يكون انصرافه ذات اليمين لما روي عن النبي أنه كان يحب التيامن في كل ~~أفعاله وحركاته وأشغاله(3)، # ويستحب لمن دخل المسجد للصلاة أن يكون دخوله برجله اليمنى ويقول عند ~~دخوله: ((اللهم افتح لنا أبواب رحمتك )). ويستحب إذا خرج من المسجد أن يكون ~~خروجه برجله اليسرى وأن يقول عند خروجه: ((اللهم، إني أسألك من فضلك )). ~~لما روي أن الرسول كان يفعل ذلك ويقوله(4). PageV03P315 # الفرع الحادي عشر:ومعنى قولنا: السلام عليكم ورحمة الله أما السلام فإن كان ~~إسما من أسماء الله تعالى فالغرض بركات السلام ورضوان السلام عليكم، وإن ~~كان معناه السلامة فالغرض سلامة الله عليكم من عدائه وسلامة من غضبه، ومعنى ~~الرحمة من الله تعالى للأحياء والأموات هو استحقاق الأجر والمثوبة ~~والمباعدة من الغضب والسخط والعقوبة، فإذا قال المصلي: السلام عليكم ورحمة ~~الله. فالمقصود رضوان الله وبركاته وسلامه من كل سوء، فالمعنيان محتملان ~~كما أشرنا إليه وكل واحد منهما لا غبار عليه والحمدلله. # وقد تم غرضنا من بيان أركان الصلاة وفروضها وجملتها عشرة: النية وتكبيرة ~~الافتتاح والقيام والقراءة والركوع والقيام منه والسجود والقيام منه ~~والقعود للتشهد والتسليم وبتمامه يتم الفصل الثاني في مقاصد الصلاة ونشرع ~~الآن في لواحقها. # الفصل الثالث: في بيان لواحق الصلاة من السنن والهيئات. # اعلم أن من العلماء من يعد ما ليس بركن ولا فرض مسنونا، ولا يفرق بين ~~المسنون والهيئة، ومنهم من يقسم المسنونات في الصلاة ms1229 إلى هيئة وغير هيئة ~~وقد قدمنا التفرقة بين المسنون والهيئة فلا نعيده والأجود التفرقة بينهما ~~فلا جرم جعلنا هذا الفصل قسمين: ### ||| AUTO القسم الأول: في بيان سنن الصلاة المستقلة وجملتها أربعون: # السنة الأول: يستحب للإمام ومن بعده من المسلمين إذا قال المؤذن: حي على ~~الصلاة أن يقوموا لأنه دعا إلى الصلاة، فإذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة ~~كبر ليكون التكبير مطابقا لمقالة المؤذن. # السنة الثانية: المستحب أن يقول الإمام والمؤتمون به عند قوله: قد قامت ~~الصلاة ((أقامها الله وأدامها ما دامت السماوات والأرض )). لما روي أن ~~الرسول قال ذلك(1). # السنة الثالثة: يستحب الاستفتاح بالأدعية المأثورة عن الرسول وهو يستحب ~~في حق الإمام والمأموم جميعا. PageV03P316 # السنة الرابعة: يستحب التعوذ لما روي عن الرسول أنه كان يتعوذ في الصلاة ~~وقد قدمنا وقته وكيفيته فأغنى عن التكرير. # السنة الخامسة: يستحب رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح لا غير وقد ذكرنا ~~وقت الرفع وكيفيته. # السنة السادسة: يستحب القراءة في الصلاة الرباعية في ثلاث ركعات وفي ~~الصلاة الثلاثية في ركعتين وفي الثنائية في الركعة الثانية. # السنة السابعة: يستحب الترتيب بين قراءة السورة والفاتحة فتقدم الفاتحة ~~على قراءة السورة بعدها. # السنة الثامنة: تستحب الموالاة بين السورة والفاتحة فلا يفرق بينهما ~~بفاصلة. # السنة التاسعة: تستحب الموالاة بين آي الفاتحة في ركعة واحدة فلا يفرق ~~على الركعات. # السنة العاشرة: تستحب القراءة في الركعتين الأخريين من الصلاة الرباعية ~~والركعة الثالثة من المغرب. # السنة الحادية عشرة: يستحب التطويل في قراءة صلاة الفجر بخلاف سائر ~~الصلوات، وإذا كان يوم الجمعة استحبت القراءة بتنزيل السجدة وفي الركعة ~~الثانية بهل أتى على الإنسان. # السنة الثانية عشرة: يستحب تسبيح الركوع ثلاثا على الصفة التي ذكرناها. # السنة الثالثة عشرة: يستحب تسبيح السجود على الصفة التي أوردناها. # السنة الرابعة عشرة: يستحب التسميع للمنفرد والإمام والتحميد للمأموم. # السنة الخامسة عشرة: يستحب التشهد الأوسط القعدة وما فيه من الذكر. # السنة السادسة عشرة: يستحب القنوت في صلاة الفجر وصلاة الوتر وإن نزلت ~~بالمسلمين نازلة استحب القنوت لأجلها. # السنة السابعة عشرة: ms1230 أول التشهد الأخير وآخره بالأدعية التي ذكرناها فيه. # السنة الثامنة عشرة: يستحب للمصلي أن يكون نظره في حال القيام إلى موضع ~~سجوده وفي حال ركوعه إلى موضع قدميه وفي حال سجوده إلى موضع أنفه وفي حال ~~قعوده إلى حجره. PageV03P317 # السنة التاسعة عشرة: يستحب أن تكون القراءة في الركعتين الأوليين من الظهر ~~قدر ثلاثين آية بمقدار تنزيل السجدة والقراءة في الركعتين الأخريين على ~~النصف من ذلك ومقدار الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر ومقدار ~~الأخريين من العصر على النصف من ذلك. # السنة العشرون: يستحب سكتتان الأولى منهما بعد تكبيرة الافتتاح قبل ~~القراءة والسكتة الثانية بعد القراءة قبل الركوع. # السنة الحادية والعشرون: ويستحب أن يكون أول ما يقع على الأرض عند السجود ~~اليدان ثم الركبتان ثم الجبهة ثم الأنف لما روي أن الرسول كان إذا سجد فعل ذلك. # السنة الثانية والعشرون: ويستحب السجود على الأنف لأنها غير واجبة لما ~~روي عن الرسول أنه سجد على أنفه. # السنة الثالثة والعشرون: ويستحب السجود على جميع الجبهة لما روي عن ~~الرسول أنه قال لمن علمه الصلاة: ((ثم اسجد ومكن جبهتك على الأرض )). # السنة الرابعة والعشرون: يستحب مساعدة اللسان للقلب في النية فيلفظ ~~بلسانه ما يكون مطابقا للنية بقلبه خاصة لمن بلي بوسواس في النية فإنه إذا ~~تلفظ بالنية بلسانه كان فيه خلاص عن الوسوسة مع المطابقة للنية لما يلفظ به ~~بلسانه. # السنة الخامسة والعشرون: الترتيل في القراءة من غير عجلة ولا تمطيط، ~~ويستحب ذلك لكل قارئ لكنه في الصلاة أكثر استحبابا لقوله تعالى: {ورتل ~~القرآن ترتيلا }[المزمل:4]. # السنة السادسة والعشرون: تستحب قراءة السورة في الركعتين الأوليين وحذفها ~~في الثانيتين من الرباعية وفي الثالثة من المغرب وإثباتها في الركعتين من ~~الفجر كلتيهما لما روي أن الرسول كان يفعل ذلك. # السنة السابعة والعشرون: يستحب للإمام إذا فرغ من صلاته أن يقف مكانه ~~ساعة حتى ينصرف النساء إذا هن خلفه فإن كان خلفه رجال لا نساء معهن فإنه ~~يقف ساعة ليتم صلاته من دخل معه من ms1231 أول الصلاة(1) # ولا يطيل الوقوف مخافة أن يظن أنه سهى في تسليمه. PageV03P318 # السنة الثامنة والعشرون: يستحب للإمام والمأموم إذا فرغا من الصلاة ~~المكتوبة أن يتحولا يمينا وشمالا لما روي عن الرسول أنه قال: ((أيعجز أحدكم ~~إذا صلى المكتوبة أن يتقدم أو يتأخر " )) (1). # السنة التاسعة والعشرون: أن الإمام والمأموم إذا فرغا من تأدية الصلاة ~~المكتوبة أن يصليا النافلة في البيت لما روي عن الرسول أنه قال: ((أجعلوا ~~من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا )). # السنة الثلاثون: يستحب الدعاء في حال السجود لما روي عن الرسول أنه قال: ~~((أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا كان في السجود فادعوا في السجود فقمن أن ~~يستجاب لكم)). # السنة الحادية والثلاثون: ويستحب الإستكثار من النوافل لما روي عن الرسول ~~أنه قال: ((الصلاة خير موضوع فمن شاء أن يقلل فليقلل ومن شاء أن يكثر ~~فليكثر)). وقوله : ((خير أعمالكم الصلاة )). # السنة الثانية والثلاثون: وتستحب الزيادة في نوافل الليل لما روى أبو ~~هريرة عن الرسول أنه قال: ((أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم ~~وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل))(2). # وتكون مثنى مثنى لما روى ابن عمر رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((صلاة ~~الليل مثنى مثنى ))(3). PageV03P319 # السنة الثالثة والثلاثون: ويستحب حمل النفس على مشاق النوافل وتكلفها لما ~~روى المغيرة بن شعبة أن الرسول قام حتى اسمعرت قدما أي انتفخا من القيام في ~~الصلاة فقيل له أتتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: ~~((أفلا أكون عبدا شكورا )). وقيل: كان بين إيجاب قيام الليل عليه بقوله ~~تعالى: {قم الليل}[المزمل:2]. وبين نسخه بقوله: {علم أن لن تحصوه ~~}[المزمل:20]. سنة وقيل: عشر سنين والله أعلم. # السنة الرابعة والثلاثون: وتستحب المداومة على ما أعتاده الإنسان من ~~النوافل وإن قل لما روي عن الرسول أنه قال: ((إن الله يحب المداومة على ~~العمل وإن قل ))(1). # السنة الخامسة والثلاثون: ويستحب لمن فرغ من الصلاة أن ينصرف يمينا ~~وشمالا إذا كان له حاجة في اليمين أو الشمال فإن لم ms1232 يكن له حاجة فالمستحب ~~أن يكون أنصرافه إلى جهة اليمين لما روي عن الرسول أنه كان يحب التيامن في ~~تصرفاته. # السنة السادسة والثلاثون:ويستحب في القنوت في صلاة الفجر بآي القرآن التي ~~تدل على الدعاء دون غيرها من آي القرآن لأن موضوعه الدعاء وإن قنت بالأدعية ~~المأثورة عن الرسول جاز ذلك. # السنة السابعة والثلاثون: ويستحب إذا قنت بالدعاء ألا يزيد مقداره على ~~مقدار القنوت بالقرآن كقوله تعالى: {آمنا بالله وما أنزل إلينا ~~}[البقرة:136]. وكقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها }[البقرة:286]. ~~اللهم إلا أن ينزل بالمسلمين نازلة جاز الزيادة في الدعاء على قدر الحال. PageV03P320 # السنة الثامنة والثلاثون: ويستحب أن يكون القنوت في صلاة الوتر بالأدعية ~~المأثورة عن الرسول بالكلمات التي علمنهن جبريل رسول الله وعلمهن رسول الله ~~الحسن بن علي وهي قوله: ((اللهم اهدني فيمن هديت )) إلى آخرها؛ لأن الرسول ~~خصهن بصلاة الوتر فدل ذلك على الإستحباب فيهن من غيرها. # السنة التاسعة والثلاثون: ويستحب الجهر بالقنوت للإمام والمنفرد لأنه من ~~جملة القرآن، ويستحب ألا يخص نفسه بالدعاء إذا كان إماما ويقنت بالآي التي ~~تشمل الكل كقوله: {آمنا بالله}. وقوله: {ربنا لا تؤاخذنا}. إلى غير ذلك من ~~الآي الدالة على الشمول. # السنة الأربعون: ويستحب للمصلي إماما كان أو منفردا أن يرغب إلى الله ~~تعالى بالأدعية المأثورة عن الرسول لقوله تعالى: {فإذا فرغت فانصب ، وإلى ~~ربك فارغب}[الشرح:7،8]. وقيل في تفسير: {فإذا فرغت} من الصلاة فانصب في ~~الدعاء وارغب إلى الله تعالى في إعطاء الوسائل وإحراز الفضائل. ولنقتصر على ~~هذا القدر من السنن المستقلة ونذكر على أثره السنن في الهيئات. # القسم الثاني في بيان سنن الهيئات في الصلاة، قد ذكرنا فيما سبق التفرقة ~~بين السنة والهيئة فأغنى عن الإعادة، وتنقسم الهيئة: إلى ما يكون بالإضافة ~~إلى جملة الصلاة، وإلى ما يكون بالإضافة إلى أبعاضها. PageV03P321 # فالذي يكون مضافا إلى جملة الصلاة، فيستحب للمصلي إذا افتتح الصلاة ~~بالتكبير أن يكون خاضعا خاشعا متذللا لجلال العظمة والكبرياء، وأن يعرف بين ~~يدي من هو ومن يناجي ومن ms1233 يخاطب، وعلى قدر ما يكون من هذه الأمور يعظم قدر ~~الصلاة ويتفاضل أجرها وثوابها كما ورد عن الرسول : ((أن الرجل ليصلي ثم ~~ينصرف ولم يكتب له من صلاته إلا نصفها " ثلثها ربعها خمسها سدسها سبعها ~~ثمنها عشرها))(1). # وأراد بذلك الفضل وزيادة في الثواب فأما الإجزاء فهو حاصل بتمام ركوعها ~~وسجودها وسائر فروضها. ويحكى عن بعض الصالحين أنه دخل في الصلاة فانهدم ~~جدار المسجد ولم يشعر به وعن بعضهم أنه تآكل بعض أطرافه فأرادوا قطعه فقيل ~~اقطعوه في الصلاة فإنه لا يشعر به فهذه صلاة الأوابين الذين ليس لهم شغل ~~إلا فيما عند الله وإحراز معرفة جلاله وعظمته فهذه الهيئة تعم جميع الصلاة ~~وكيفما كان أدخل في الإشتغال بما ذكرناه كان أدخل في الفضل. PageV03P322 # وأما ما يكون متعلقا بأبعاض الصلاة من الهيئات كالقراءة من الجهر والمخافتة ~~على رأي من يقول أنهما هيئتان على ما هو الأقوى والمختار ونحو الترتيل في ~~القراءة وبيان الأحرف وإيضاحها ولا يهدها هدا من غير بيان وهكذا حال القيام ~~فإنه يجب عليه الإنتصاب فيه ويستحب ألا يميل رأسه إلى يمينه وشماله ولا ~~يجعل ذقنه في صدره، وأما الركوع فيستحب فيه مد الظهر وتسوية الرأس لا رافعا ~~له ولا يكبه ويفرج أصابع يديه فهذا كله هيئة مستحبة تركها لا يخل بالوجوب، ~~وأما السجود فيخوي في سجوده ويرفع يديه عن خاصرته ويضع كفيه حذاء منكبيه أو ~~حذاء خديه خلا أنه إذا وضعها حذاء منكبيه كان أبعد من أن يفترش ذراعيه، ~~ويضم أصابعه نحو القبلة ويفترش رجله اليسرى في كلتا القعدتين أو يفترش رجله ~~في القعدة الأولى ويتورك في الثانية على ما مضى من الخلاف في هاتين ~~القعدتين فكله هيئة لا تضر مخالفة فيه لما كان هيئة ليست بركن فيكون تركه ~~مفسدا للصلاة ولا يكون نقصا فيكون بتركه يجبر بالسجود للسهو وإنما هو هيئة ~~تابعة غير مستقلة فلهذا لم يكن فيها سجود سهو، وهكذا الكلام في الجهر في ~~الأذكار نحو التشهد في الأول والأخير ونحو تسبيح الركوع والسجود فإن ~~المخافتة ms1234 هي السنة فيه لكنه هيئة تابعة لا يخل تركها بالصلاة وبتمامه يتم ~~الكلام في الباب الخامس في صفة الصلاة وبالله التوفيق. PageV03P323 ### || AUTO الباب السادس في بيان ما يفسد الصلاة وما يكره فعله فيها # وما لا بأس بفعله ولا يكون مفسدا لها # واعلم أن هذا الباب قد اشتمل على بيان ما يكون مفسدا للصلاة، وعلى بيان ~~ما يكره فعله فيها وليس موجبا للفساد وعلى بيان ما يباح فعله فيها من غير ~~كراهة ولا فساد، فهذه فصول ثلاثة قد اشتمل عليها هذا الباب نفصلها ونشرحها ~~بمعونة الله تعالى. PageV03P324 # --- ### ||| AUTO الفصل الأول في بيان الأمور المفسدة للصلاة # اعلم أن الصلاة اسم شرعي منقول عن اللغة وإطلاق الصحة والفساد أمر شرعي ~~ولها في الصلاة تفسيرات ثلاثة: # التفسير الأول: أن يراد بالصحيح ما لا حرج بفعله عن عهدة الأمر والمراد ~~بالفاسد ما لم يخرج به عن عهدة الأمر. # التفسير الثاني: أن يراد بالصحيح ما لا يتوجه فيه القضاء والإعادة ~~ومرادنا بالفاسد ما يجب فيه القضاء بعد فوات الوقت والإعادة في الوقت. # التفسير الثالث: أن يراد بالصحيح ما حصل بفعله براءة الذمة من الشغل ~~بالخطاب ويراد بالفاسد ما حصل بفعله شغل الذمة بالخطاب بلزومه وهذه الأمور ~~كلها معانيها متقاربة فإن من صلى وغلب على ظنه أنه متطهر ثم تحقق بعد ذلك ~~أنه على غير طهارة فلم يخرج بهذه الصلاة عن عهدة الأمر والإعادة متوجهة ~~إليه في الوقت والقضاء لازم له بعد انقضاء الوقت وذمته مشغولة بتأدية ~~الصلاة. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: والصلاة مشتملة على شروط وأركان وأبعاض وهيئات. # فأما الشروط: فنحو استقبال القبلة، وستر العورة، ودخول وقت الصلاة، ~~وطهارة المكان واللباس والبدن من النجاسات، ونحو طهارة الحدث، فإن هذه ~~الأمور كلها شروط في صحة الصلاة ومتى اختل شرط منها كان مبطلا للصلاة فإن ~~كان الوقت باقيا وجبت الإعادة، وإن كان الوقت فائتا وجب القضاء وهكذا حال ~~الأركان في الصلاة نحو النية وتكبيرة الافتتاح والركوع والسجود والقيام ~~والقعود فهذه أركان إذا اختل ركن منها أبطل ms1235 الصلاة ولا يجبر بالسجود. # وأما الأبعاض: فنحو القنوت والتشهد الأول وغير ذلك من السنن فما هذا حاله ~~فتركه لا يبطل الصلاة وتجبر بالسهو كما سنوضحه ونفصل القول فيه في السهو ~~بمعونة الله. PageV03P325 # وأما الهيئات: فتركها ينقض الفضل في الصلاة ولا يوجب بطلان الصلاة ولا يكون ~~فيها سجود السهو، وإن ترك ركنا من أركان الصلاة كالركوع والسجود بطلت صلاته ~~عمدا كان ذلك أو سهوا لقوله للأعرابي وقد ترك ركنا من أركان الصلاة: ((أعد ~~صلاتك فإنك لم تصل )). ولأن ما هذا حاله من الأركان مقطوع بوجوبه ولم تفصل ~~الأدلة بين تركه عامدا أو ناسيا في أن تركه مبطل للصلاة وإن ترك قراءة ~~الفاتحة عمدا بطلت صلاته لأنه غير معذور في قراءتها وإن تركها ناسيا نظرت ~~فإن كان الوقت باقيا وجبت عليه إعادتها لأن الخطاب مع بقاء الوقت متوجه ~~إليه لأنه غير معذور في قراءتها، وإن كان الوقت فائتا فلا يتوجه عليه ~~القضاء، وإن انكشفت عورته في الصلاة نظرت فإن كان إنكشافها لعذر لم تبطل ~~صلاته وإنما لم تبطل صلاته لأنه معذور في انكشافها، وإن انكشفت لغير عذر ~~بطلت صلاته سواء كان المنكشف قليلا أو كثيرا كما دل عليه كلام الهادي ~~والمؤيد بالله وهو رأي الشافعي وقد قدمنا ما قاله السيد أبو العباس وما ~~ذكره السيدان الأخوان في باب العورة. # الفرع الثاني: في الحدث في الصلاة. ومن أحدث في صلاته نظرت فإن كان عامدا ~~نحو أن يقصد إلى الحدث عامدا مع علمه أنه في الصلاة أو أحدث ناسيا مثل أن ~~ينسى أنه في الصلاة فيعمد إلى الحدث فإن صلاته وطهارته تبطل عند أئمة ~~العترة وفقهاء الأمة لا يختلفون في ذلك. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو ~~في الصلاة فينفخ بين إليتيه ويقول: أحدثت فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ~~ريحا))(1) PageV03P326 . # ومن هذه حاله فقد سمع الصوت ووجد الريح، وإن سبقه الحدث وهو في الصلاة ~~مثل أن يخرج منه الغائط أو البول أو الريح بغير ms1236 اختياره فإن طهارته تبطل ~~باتفاق بين أئمة العترة وفقهاء الأمة لقوله : ((الوضوء مما خرج )) وهذا فقد ~~خرج منه الحدث، وهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن صلاته باطلة فيستأنفها بوضوء جديد وهذا هو رأي أئمة ~~العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله ومحكي عن الشافعي في الجديد ~~وهو مروي [عن] ابن سيرين. # والحجة على هذا: ما روى أبو داود في سننه أن الرسول قال: ((إذا قاء أحدكم ~~في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته ))(1). # الحجة الثانية: ما روى أبو ضمرة(2) # عن الرسول أنه قال: ((من رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته))(3) PageV03P327 . # المذهب الثاني: أن صلاته لا تبطل فيتوضأ ويبني على صلاته ما لم يحدث شيئا ~~يبطلها غير الحدث الذي سبقه، وهذا هو رأي أمير المؤمنين كرم الله وجهه ~~ومحكي عن عمر وابن عمر ومحكي عن مالك وهو قول الشافعي في القديم. # والحجة على هذا: ما روت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله أنه قال: ((من ~~قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبين على صلاته ما لم يتكلم))(1). # الحجة الثانية: ما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: كان رسول الله إذا رعف ~~في صلاته توضأ وبنى على ما مضى من صلاته. # المذهب الثالث:أنه إذا سبقه الحدث بنى على صلاته وإن غلبه المني أو شجه ~~أدمي فخرج منه الدم بطلت صلاته، وهو رأي أبي حنيفة، وقال سفيان الثوري: إن ~~كان حدثه من رعاف أو قيء توضأ وبنى على صلاته وإن كان من بول أو ريح أو ضحك ~~أعاد الوضوء والصلاة. # والحجة لأبي حنيفة والثوري: هو أن الأحاديث التي دلت على البناء إنما هي ~~في القيء والرعاف دون سائر الأحداث فوجب قصر البناء عليهما، فأما إذا كان ~~الحدث بالمني والدم كما قال أبو حنيفة أو بالبول والريح والضحك كما قال ~~الثوري فالصلاة باطلة ويجب إعادتها واستئنافها. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من بطلان الصلاة بسبق الحدث. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول ms1237 أنه قال:((إذا فسا ~~أحدكم فليأخذ بطرف أنفه ولينصرف فليتوضأ ويعيد صلاته))(2). # الحجة الثانية: قوله : ((لا صلاة إلا بطهور )). وقوله : ((لا صلاة لمن لا ~~وضوء له )). فإذا انتقض وضوءه لم يكن مصليا من حيث أن الصلاة لا تكون إلا ~~بطهور فمن فسد طهوره يجب أن تكون صلاته فاسدة. PageV03P328 # الحجة الثالثة: قياسية؛ وحاصلها هو أن هذا حدث يمنع من المضي في الصلاة ~~فمنع من البناء عليها كحدث العمد. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روت عائشة ((من قاء أو رعف فلينصرف وليتوضأ ويبني على صلاته )). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا الحديث معارض بما روي عن الرسول أنه قال: ((من قاء أو ~~رعف فلينصرف وليتوضأ وليستأنف )). وخبرنا أرجح لظهوره واشتهاره بين الرواة ~~وما كان راحجا فهو أحق بالعمل. # وأما ثانيا:فإنا نتأوله وهو أن المراد بالبناء هو الاستئناف؛ لأن كل من ~~فعل من الفعل مثل ما مضى فإنه يصح وصفه بأنه يبنى عليه، وقوله : ((ما لم ~~يتكلم...)) إنما هو حث على المسارعة قبل الأخذ والاستقبال بعمل آخر لأنه ~~إذا كان مأمورا بترك الكلام مع خفية فلأن يكون مأمورا بترك غيره أحق وأولى. # قالوا: روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول كان إذا رعف توضأ وبنى على ~~ما مضى من صلاته. # قلنا: ما أجبنا به عن حديث عائشة فهو بعينه جواب عما رواه ابن عباس ونزيد ~~هاهنا وجهين: # أما أولا: فلأن خروج الدم غير ناقض عندنا للطهارة إذا كان خروجه من غير ~~السبيلين. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا كونه ناقضا فيحتمل أن يكون قليلا غير سائل ~~وإذا كان الأمر كما قلناه فلا مستروح لهم فيما أوردوه، فأما ما ذكره أبو ~~حنيفة والثوري من التفرقة بين القيء والرعاف وسائر الأحداث الناقضة في صحة ~~البناء على القيء والرعاف دون غيرهما فإنما هو مقرر على حديث عائشة رضي ~~الله عنها، وحديث ابن عباس وقد قررنا ما يتوجه عليه من الإحتمال فلا وجه ~~لتكريره. # الفرع الثالث: في حكم الأفعال في الصلاة. # اعلم أن دخول الأفعال ms1238 واقع على أضراب ستة: # الضرب الأول: يحرم دخوله فيها وهو مفسد لها، وهذا نحو الأكل والكتابة ~~والمشي الطويل وغير ذلك من الأفعال المحرمة في الصلاة فما هذا حاله فهو ~~مفسد لها والإجماع منعقد على فساد الصلاة بما ذكرناه. PageV03P329 # ومن وجه آخر: وهو أن أفعال الصلاة قربة وهذه الأفعال مباحة والقربة مرادة ~~لله تعالى والأفعال المباحة غير مرادة لله تعالى والفعل الواحد لا يجوز أن ~~يكون مرادا غير مراد لله تعالى ولا فرق بين الفريضة والنافلة في أن هذه ~~الأفعال مفسدة لها كما هي مفسدة للفريضة لأن القربة شاملة للفرض والنفل فما ~~أفسد أحدهما كان مفسدا للآخر من غير فرق. وهل يكون الشرب مفسدا لنافلة ~~الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: ان الشرب مفسد للصلاة، وهذا هو رأي أئمة العترة،ومحكي عن ~~الفقهاء. # والحجة على هذا: هو أن الشرب محرم في الصلاة، فكان فعله مبطلا للصلاة ~~كالأكل. # المذهب الثاني: أن الشرب لا يفسد النافلة وهذا شيء يحكى عن سعيد بن جبير ~~وطاووس. # والحجة على هذا: هو أن النافلة قد تساهل فيها الشرع وخفف أمرها حتى جوز ~~أداءها قاعدا مع القدرة على القيام تخفيفا لحالها وتوسعا في أمرها، وشرب ~~الماء فعل خفيف فلهذا جاز فعله فيها، وعن هذا قالا لا بأس بشرب الماء في ~~صلاة النافلة. # والمختار: ما عليه علماء العترة وأكثر علماء الأمة. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله : ((صلاتنا هذه لا يصلح فيها ~~شيء من كلام الناس )). فإذا كان الكلام يبطلها فالشرب يبطلها أحق وأولى. ~~وإن كان بين أسنان المصلي طعام فنزل به الريق لم تبطل صلاته لأن مثل هذا لا ~~يبطل الصوم. # ومن وجه آخر: وهو أن مثل هذا يتعذر الإحتراز منه ويشق، وإن ترك في فيه ~~سكرة ولم ينزل منها شيء إلى جوفه لم تبطل صلاته لأن مثل هذا لا يبطل الصوم ~~فهكذا حال الصلاة وإن نزل إلى جوفه شيء منها لم تبطل صلاته أيضا لأنه لم ~~ينزل باختياره ولا بازدراده وإنما نزل مع ريقه فيشابه الريق ms1239 وإن أكل جاهلا ~~أو ناسيا لم تبطل صلاته كما لا يبطل صومه هذا إذا كان قليلا فعله فإن كان ~~كثيرا بطلت. # الضرب الثاني: ما يوجب خروجه منها لأمر عارض ويكون مفسدا لها وهذا نحو أن ~~يحضر منكر تجب إزالته. PageV03P330 # واعلم أن الصلاة وإزالة المنكر أمران واجبان لكن الصلاة مؤقتة وإزالة ~~المنكر مطلقة وإذا كان الأمر كما قلناه نظرت فإن كان المنكر واقعا قبل تلبس ~~المصلي بالصلاة ودخوله فيها فأيهما يكون أحق بالتقديم والإيثار؟ فيه تردد. # والمختار: إيثار الصلاة بالتقديم لأنها مؤقتة وإدراك فضيلة وقت ~~التقديم(1) # للعبادة يكون أحق لا محالة وإن كان عروض المنكر بعد دخوله في الصلاة ~~وتلبسه بها نظرت فإن كان المنكر مما يمكن تأخيره وجب تقديم الصلاة ولا يحل ~~له الخروج منها لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم }[محمد:33]. وإن كان ~~المنكر مما لا يمكن تأخيره وجب عليه الخروج منها وهذا نحو أن يكون هناك صبي ~~يغرق أو يحرق أو رجل يقتل ظلما لأن تدارك حشاشة النفس أهم في مقصود الشرع ~~من الصلاة في وقتها سواء كان ذلك في أول وقت الصلاة أو في آخر وقتها فإن ~~الصلاة يمكن تداركها بالقضاء وما هذا حاله من المنكر لا يمكن تداركه ~~لفواته، فإن صلى والحال هذه وأعرض عن إزالة المنكر لم تكن الصلاة مجزية له ~~لأنه يكون عاصيا لأنه ترك بالصلاة واجبا توجه عليه وجوبه لا يمكن تأخيره. PageV03P331 # الضرب الثالث: ما يوجب خروجه من الصلاة ويكون مفسدا لها، وهذا نحو أن يحضر ~~صاحب المظالم وصاحب الوديعة وصاحب الدين فما هذا حاله يجري على نحو ما ~~ذكرناه في الذي قبله، فهذان واجبان أحدهما مؤقت والآخر مطلق وأحدهما حق ~~لأدمي والآخر حق لله تعالى وإذا كان الأمر كما قلناه فليس تخلو المطالبة ~~بهذه الحقوق إما أن تكون قبل دخول المصلي في الصلاة وتلبسه بها أو بعده، ~~فإن كانت المطالبة بتأديتها قبل الدخول في الصلاة كانت الصلاة أحق بالتقديم ~~والإيثار لأن إدراك فضيلة الوقت أحق بالعبادة لا محالة وإن كانت المطالبة ~~بعد تلبسه ms1240 بالصلاة ودخوله فيها نظرت فإن كان ذلك في آخر وقت الصلاة وجب ~~المضي فيها ولا يحل له الإخلال بها لأن وقتها فائت ووقت الأداء للمظلمة غير ~~فائت فلهذا كان أحق بالإيثار وإن كانت المطالبة بهذه الحقوق في أول وقت ~~الصلاة وجب عليه الخروج منها لأنه قد تعارض هاهنا واجبان، أحدهما حق لله ~~تعالى على الخصوص والآخر حق لآدمي فآثرنا حق الآدمي على حق الله تعالى ~~كالدين والوصية، فإن مضى في صلاته والحال هذه كانت صلاته باطلة لأنه ترك ~~بها واجبا توجه عليه وجوبه فيكون عاصيا ولا تجزيه صلاته لبطلان كونها طاعة ~~ولعدم القربة في الصلاة. # نعم وذكر أصحابنا المتكلمون من الفئة العدلية المعتزلة أن المصلي إذا صلى ~~وصبي يغرق وكان يمكنه تخليصه فإذا صلى والحال هذه فإن صلاته غير مجزية وهذا ~~جيد قوي لا غبار عليه لأمرين: # أما أولا: فلأنه تارك بالصلاة فعل واجب قد توجه عليه فعله فيكون عاصيا ~~بصلاته. # وأما ثانيا: فلأن تدارك حشاشة النفس وإنقاذها أهم في مقصود الشرع من ~~الصلاة. # ومن وجه آخر: وهو أن الصلاة حق لله تعالى والإنقاذ حق لأدمي وإذا تعارض ~~حق الله تعالى وحق الآدمي كان حق الآدمي أحق بالإيثار كالدين والوصية. # الضرب الرابع: في حكم الأفعال الداخلة في الصلاة من غير جنسها. PageV03P332 # وإن عمل المصلي عملا في صلاته من غير جنسها نظرت فيه فإن كان عملا قليلا ~~مثل دفع المار جاز لقوله : ((ادرأوا ما استطعتم)) و[مثل] خلع النعل؛ لأن ~~الرسول خلع نعله في صلاة، وتسوية الرداء لكونه عملا قليلا والحمل والوضع ~~والإشارة لأن الرسول كان يحمل أمامة بنت بنته زينب وهي بنت لأبي العاص وهو ~~يصلي فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها وسلم عليه الأنصار وهو يصلي فرد ~~عليهم السلام بالإشارة. فهذه الأفعال كلها قد دل الشرع على أنها غير مبطلة ~~للصلاة والإجماع منعقد على ذلك. ومن جهة أن المصلي لا يخلو من عمل قليل في ~~الصلاة فلهذا كان مغتفرا لما ذكرناه، وإن كان عملا كثيرا متواليا فإنه مبطل ~~للصلاة ms1241 لأنه لا حاجة إليه ولا ضرورة تدعو إلى فعله فلهذا كان مبطلا لها ولا ~~فرق في العمل الكثير بين أن يفعله عامدا أو ناسيا أو جاهلا بتحريمه فإنه ~~مبطل للصلاة. وإن عمل في الصلاة عملا كثيرا متفرقا لم تبطل صلاته لأن ~~الرسول حمل أمامة بنت أبي العاص في الصلاة فكان إذا قام رفعها وإذا سجد ~~وضعها ولم تبطل الصلاة لذلك لما كانت أفعالا متفرقة غير متوالية فلهذا كانت ~~مغتفرة. # ومن وجه آخر: وهو أن الأفعال الكثيرة إذا تفرقت فكل جزء منها قليل بنفسه ~~فلا يجوز ضمه إلى غيره، والتفرقة بين القول والفعل حيث اغتفر الشرع القليل ~~من الأفعال فلم يكن مبطلا للصلاة بخلاف القليل من القول فإنه مبطل للصلاة ~~من جهة أن القليل من الأفعال تدعو الضرورة إليه في الصلاة وتمس الحاجة إلى ~~فعله فلهذا لم يكن مبطلا بخلاف الأقوال فإنها لا تمس الحاجة إليها ولا تدعو ~~الضرورة فافترقا. والتفرقة بين قليل الأفعال وكثيرها حيث بطلت الصلاة ~~بكثيرها ولم تبطل بقليلها هو ما ذكرناه من أن الضرورة تدعو إلى القليل ~~فاغتفر ولا تدعو إلى الكثير فلم يغتفر فافترقا. PageV03P333 # الضرب الخامس: في حكم الأفعال الداخلة على الصلاة من جنسها وهذا نحو أن ~~يركع أو يسجد في غير موضعه فإذا كان الأمر هكذا نظرت فإن كان فعله عامدا مع ~~علمه بتحريمه بطلت صلاته لأنه خالف مشروع الصلاة وموضوعها الذي وضعت له من ~~جهة الرسول حتى صار متلعبا بها وقد قال تعالى: {لا تتخذوا دينكم هزوا ~~ولعبا}(1). # وإن فعل ذلك ناسيا لم تبطل صلاته سواء كان ذلك قليلا أو كثيرا لأن الرسول ~~صلى الظهر خمس ركعات ساهيا، وإن فعل ذلك جاهلا لم تبطل صلاته لأنه معذور ~~لأجل جهله كالناسي وإن قام في الركعة الرابعة من الظهر قبل السلام وأحرم ~~بالعصر نظرت فإن كان عامدا عالما بتحريمه صح إحرامه بالعصر لأنه بقيامه ~~عمدا قبل السلام بطل ظهره(2) # وصح شروعه وإحرامه للعصر وإن قام ناسيا أو جاهلا لم تبطل الظهر ولم يصح ~~إحرامه بالعصر وإن ms1242 قرأ فاتحة الكتاب في الركعة عامدا مرتين فهل تبطل صلاته ~~أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها تبطل لأنه زاد ركنا في صلاته عامدا فبطلت به الصلاة كما لو ~~زاد ركوعا أو سجودا. # وثانيهما: أنها لا تبطل صلاته وهذا هو المختار لأنه زاد زيادة ذكر فهو ~~كما لو قرأ السورة بعد الفاتحة مرتين. # الضرب السادس: في التفرقة بين القليل والكثير من الأفعال. # اعلم أن الإجماع منعقد بين الأئمة وعلماء الأمة على أن القليل من الأفعال ~~يجوز فعله في الصلاة وأنه غير مفسد لها وأن الكثير من الأفعال محرم في ~~الصلاة وأنه مفسد لها، فإذا كان الأمر فيهما كما قلناه فلا بد من التفرقة ~~بينهما ليتميز حكم أحدهما عن الآخر وللعلماء في التفرقة بينهما أقوال ستة: PageV03P334 # القول الأول: يحكى عن الإمام المؤيد بالله وهو أن المعتمد في الفصل بين ~~القليل والكثير هو الإجماع فما وقع الإجماع على كونه كثيرا فهو مفسد للصلاة ~~وما لم يقع الإجماع على كونه كثيرا فهو في حكم القليل فلا يكون مفسدا ~~فالاعتماد على الإجماع على الكثرة لا غير. # القول الثاني: عن الإمام أبي طالب وهو أن المعتمد في ذلك على غلبة الظن ~~فما غلب الظن على كونه كثيرا فهو مفسد للصلاة، وما غلب الظن على كونه قليلا ~~فليس مفسدا للصلاة، فالتعويل في القلة والكثرة على ما ذكرناه من غلبة الظن. ~~قيل للسيد أبي طالب: فإن لم يغلب على ظنه شيء من كونه قليلا أو كثيرا، هل ~~تجب عليه الإعادة أم لا؟ فقال: لا يمتنع أن تجب عليه الإعادة. # القول الثالث: حكاه المؤيد بالله عن أصحابنا وهو أن القليل ما وقع عليه ~~الإجماع على كونه قليلا فليس مفسدا وما لم يقع عليه الإجماع فهو في حكم ~~الكثير فيكون مفسدا لأن الأصل هو تحريم الأفعال في الصلاة فلهذا وجب ما ~~ذكرناه. # القول الرابع: محكي عن محمد بن شجاع(1) PageV03P335 من أصحاب أبي حنيفة ومروي عن بعض أصحاب الشافعي وحاصل ما قالاه راجع إلى ~~رؤية الرائي فما رأه الرائي فظن أنه ms1243 غير مصل فهو في حكم الكثير وما رآه ~~الرائي فظن أنه مصل فهو قليل غير مفسد وفي الأول يكون مفسدا. # القول الخامس: محكي عن بعض أصحاب الشافعي وحاصل كلامه هو أن التعويل في ~~الفصل بينهما إنما هو على العرف والعادة فما كان من طريق العرف والعادة ~~يقال إنه كثير فهو مفسد وما كان من طريق العادة والعرف يقال إنه قليل فهو ~~غير مفسد فبهذا تدرك التفرقة بينهما. # القول السادس: يحكى عن بعض أصحاب الشافعي وهو أن كل ما كان يفتقر إلى ~~أعمال اليدين فهو كثير مفسد وهذا نحو تكوير العمامة والكتابة فهو كثير مفسد ~~وما كان مفتقرا إلى أعمال اليد الواحدة فهو قليل غير مفسد وهذا نحو الحك ~~اليسير وإدخال اليد في جيب القميص، فهذه أقاويل العلماء في مقدار القليل ~~والكثير والفصل بينهما. # والمختار: من هذه الأقوال ما ذكره المؤيد بالله وهو أن كل ما وقع الإجماع ~~على كونه كثيرا فهو مفسد وما لم يقع الإجماع على كونه كثيرا فهو في حكم ~~القليل فلا يكون مفسدا. # والحجة على هذا هو أن الإجماع قد انعقد على إباحة الفعل القليل في الصلاة ~~نحو الحك اليسير وتسوية الرداء إلى غير ذلك من الأفعال القليلة فإن وقع ~~الإجماع على كونه كثيرا قضينا بإفساده وإن لم يقع الإجماع على كثرته فهو ~~داخل في حكم ما أبيح من الفعل القليل ونرجع إلى التفريع. # الفرع الرابع: في الكلام في الأفعال الخارجة عن الصلاة نوردها في مسائل ست: # المسألة الأولى: يجوز الفعل القليل للإرشاد والتعليم لأحكام الصلاة. # والحجة على ذلك: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: بت عند خالتي ~~ميمونة فقام رسول الله من الليل فتوضأ ثم قام إلى الصلاة فقمت وتوضأت كما ~~توضأ هو ثم جئت فقمت عن يساره فأخذ بيميني فأدارني من ورآءه حتى أقامني عن ~~يمنيه فصليت معه. وهذا الحديث مشتمل على فوائد عشر: PageV03P336 # الأولى منها: أن موقف الواحد عن يمين الإمام هو المشروع والواجب. # الثانية: أنه إن وقف على يساره ms1244 كره وأجزته صلاته لأن ابن عباس افتتحها عن ~~يساره فأقره على ذلك. # الثالثة: أن صلاة المأموم خلف الصف حائزة مع الكراهة إذا كان هناك ضرورة. # الرابعة: أن اليسير من الأفعال لا يفسدها ولا يكره فعله فيها إذا كان ~~للإرشاد والتعليم كما فعله الرسول . # الخامسة: أن التعليم جائز في الصلاة كما علم ابن عباس. # السادسة: أن الصغير كالكبير في المقام للصلاة خلف الإمام. # السابعة: أن نية الإمام غير واجبة للإمامة لأن الرسول لم يشعر بابن عباس ~~عند دخوله في الصلاة. # الثامنة: أن الفعل القليل من المأموم غير مفسد للصلاة كما فعل ابن عباس ~~في الإستدارة. # التاسعة: أن قيام الليل مستحب في حقنا كما فعله الرسول وأدنى الدرجات في ~~العبادات الإستحباب، فأما في حقه فالتهجد واجب عليه كما قال تعالى: {ومن ~~الليل فتهجد به نافلة لك }[الإسراء:79]. # العاشرة: ظاهر الحديث دال على أن نية المأموم غير واجبة لأن الرسول لم ~~يأمره بها ولا سأله هل نوى أو لم ينو. # فهذه الفوائد كلها مأخوذة من حديث ابن عباس وهو محتمل لأكثر من هذه ~~الفوائد وقد ذكرنا فيما مضى عشرين فائدة فلا وجه لإعادتها. وكلامه لا يزال ~~يستخرج منه الفوائد على مر الدهور وتكرر الأعصار غضة طرية للمجتهدين. PageV03P337 # المسألة الثانية: قال المؤيد بالله الأفعال التي تفعل في الصلاة ثلاثة: فعل ~~يفسد الصلاة سواء انضمت النية إليه أو لم تنضم وهذا كالكلام، وفعل يفسد ~~الصلاة بانضمام النية إليه وإن لم تنضم لم يفسدها وهذا هو التسليمتان في ~~الصلاة في غير موضعهما وهكذا إذا سلم في موضعهما ولم ينو الخروج من الصلاة ~~وهذا هو قوله الأول، وقوله الآخر أنه يسلم ويقصد التسليم دون الخروج من ~~الصلاة، وفعل لا يفسدها وإن نوى الإفساد به وهو نحو أن ينوي عند قراءة ~~القرآن إفساد الصلاة فما هذا حاله لا يفسدها. فهذه أقسام الأفعال بالإضافة ~~إلى النية في الصلاة. # المسألة الثالثة: المستحب هو الإتيان بالسنن في الصلاة التي ذكرناها ~~وتشتد الكراهة في تركها لقوله : ((من رغب عن سنتي فليس مني ms1245 )). والغرض أنه ~~ليس من عملي وشأني وأمري لا على البراءة منه، فإن تركها ناسيا توجه عليه ~~سجود السهو كما سنوضحه وهذا هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة لا يختلفون ~~فيه، فإن تركها عامدا فهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن صلاته صحيحة وهذا هو المشهور من قول الأئمة والفقهاء. # والحجة على هذا: هو أن الأدلة الشرعية الموجبة لفساد الصلاة إما ترك شرط ~~من شروطها أو إخلال بفرض من فروضها أو إدخال فعل ليس مشروعا فيها على ما ~~تدل عليه الأدلة النقلية من جهة الرسول فأما السنن المنفصلة فلم تدل دلالة ~~على كونها مفسدة لها إذا تركت عمدا وإنما ينسب العامد إلى التقصير من غير ~~إفساد لها. # المذهب الثاني: إن تركها عمدا توجب إفساد الصلاة وهذا هو المحكي عن ~~الناصر. # والحجة على هذا: هو أن الاستخفاف بالسنة يكون استخفافا بالرسول والإهانة ~~للسنة إهانة له وما هذا حاله يبطل الصلاة ولا شك أن التارك للسنة عمدا ~~كالمستخف فيجب إبطال الصلاة. # والمختار: ما عليه علماء العترة وفقهاء الأمة. PageV03P338 # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو أن الإجماع منعقد على التفرقة بين الفرض ~~والسنة وأن تارك الفرض له حكم مخالف لمن ترك السنة على جهة العمد أو على ~~جهة السهو فأما فساد الصلاة بترك السنة على جهة العمد فلا قائل به ولأن ~~الرسول قد ترك شيئا من السنن على جهة العمد خوفا من أن توجب وبيانا للفسحة ~~في أمرها في جواز تركها فكيف يقال بأن تركها عمدا يفسد الصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكره. # قوله: إن تارك السنة على جهة العمد يكون في حكم المستخف فلهذا بطلت صلاته. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا نقول: الاستخفاف بالسنة وبالرسول كفر وردة لا محالة ~~والتارك للسنة لا يكون في حكم المستخف، وإنما تركها ليس لهذا الوجه ولكن ~~تركها لأنه لا عقاب على تاركها. # وأما ثانيا: فيلزم إذا كان التارك للسنة في حكم المستخف أن يكون كافرا ~~مرتدا كالمستخف[بالفريضة] ولا قائل بهذه المقالة ولعل ms1246 كلامه محمول على أن ~~التارك للسنة عمدا قصد به الاستخفاف وعلى هذا تبطل صلاته لردته فأما إذا ~~تركها عمدا من غير هذا القصد فلا يلزم ما قاله من فساد الصلاة والله أعلم. # المسألة الرابعة: ومن رأى أعمى يتردى في بئر أو رأى صبيا تدب إليه حية ~~ففعل فعلا كثيرا يرشدهما إلى النجاة فهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن صلاته باطلة ويجب عليه إرشادهما بكل حيلة يجد إليها ~~سبيلا في نجاتهما وهذا هو رأي أئمة العترة وأحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: هو أنا قد دللنا فيما مضى أن الفعل الكثير مبطل للصلاة ~~وهو ينافي الخشوع في قوله تعالى: {الذين هم في صلاتهم خاشعون}[المؤمنون:2]. ~~ولأنه فعل كثير ينافي الصلاة فوجب أن يكون مبطلا لها كما لو فعل من غير ~~إرشاد لهما. # المذهب الثاني:أنه غير مبطل للصلاة وهذا هو أحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا:هو أن ما هذا حاله فعل واجب عليه فلم يكن مبطلا للصلاة ~~كإجابة الرسول لمن دعاه في الصلاة. PageV03P339 # والمختار: ما عليه علماء العترة من القول بإبطالها. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أنا على غير ثقة من تردي الأعمى ولا ~~على وصول الحية والعقرب إلى الصبي فلعلهما لا يصلان إلى ذلك فلهذا حكمنا ~~ببطلان الصلاة لأمر موهوم، ثم لو تحققنا ذلك فالفعل الكثير يبطل الصلاة ولو ~~كان واجبا كما ذكرناه في فعل المنكر فإنه يجب عليه الخروج لإنكاره وتبطل ~~الصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: فعل واجب فلا يبطل الصلاة كدعاء الرسول . # قلنا: إن الوجوب شيء وإبطال الصلاة شيء آخر فالفعل وإن توجه على المصلي ~~لكنه مفسد للصلاة لكثرته كما قلنا فيمن توجه عليه إنكار منكر وهو في الصلاة ~~فإنه يفسدها ويجب عليه فعله كما مضى شرحه. # المسألة الخامسة: هل يجوز قتل الأسودين في الصلام أم لا؟ # فظاهر الخبر دال على الجواز والإستحباب لقوله : ((اقتلوا الأسودين ولو ~~كنتم في الصلاة ))(1). # وعنى بالأسودين: الحية، والعقرب، وذلك محمول على الاضطرار على قتلهما ~~خشية من مضرتهما ms1247 فلهذا كان مستحبا لما فيه من دفع الضرر عن نفسه، فإذا ~~قتلهما في الصلاة فهل تفسد الصلاة أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه مفسد للصلاة على الإطلاق وهذا هو الظاهر من مذهب ~~القاسمية. # والحجة على هذا: هو أن قتلهما إنما يكون بفعل كثير في الغالب فلهذا حكمنا ~~بالفساد على الإطلاق. # المذهب الثاني: أن قتلهما لا يكون مفسدا للصلاة على الإطلاق من غير تفصيل ~~وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: قوله : ((اقتلوا الأسودين ولو كنتم في الصلاة )). فإنه ~~أمر بقتلهما ولم يفصل في ذلك بين أن يكون الفعل كثيرا أو قليلا. PageV03P340 # المذهب الثالث: أن قتلهما إن كان بضربة أو ضربتين فإنه غير مفسد للصلاة وإن ~~كان أكثر من ذلك كان مفسدا وهذا هو المحكي عن الناصر. # والحجة على هذا: هو أن الضربتين فعل قليل فلهذا كان مغتفرا فإذا زاد على ~~ذلك فهو فعل كثير فلهذا كان مفسدا. # والمختار: هو التفصيل فإن كان مضطرا إلى القتل خوفا منهما نظرت فإن كان ~~القتل بفعل كثير فهو مفسد للصلاة وإن كان فعلا قليلا فهو غير مفسد. # والحجة على هذا: هو أن ما ذكرناه من التفصيل فيه جمع بين ظاهر الخبر ~~والقياس، فالخبر: ظاهره الأمر بالقتل في الصلاة فلا جرم حملناه على ما إذا ~~كان القتل خفيفا بفعل يسير. والقياس: فهو دال على أن الأفعال الكثيرة مبطلة ~~للصلاة كما هو المحكي عن الناصر، وروي أن النبي لدغته عقرب في صلاته فلما ~~فرغ منها قال: ((لعن الله العقرب لا يدع المصلي ولا غيره " ولا حرمة للنبي ~~ولا غيره فأيكم لقيها فليأخذ نعله بشماله وليقتلها وإن كان في الصلاة)). ~~وفيما ذكرناه من التفصيل وفاء بالأمرين جميعا فلهذا كان مختارا وفيه جمع ~~بين الأدلة وهي طريقة مرضية. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: إن قتلهما إنما يكون بفعل كثير وقد قامت الدلالة الشرعية على أن ~~الأفعال الكثيرة مبطلة للصلاة. # قلنا: الأن ارتفع النزاع لأنا قلنا: إن كان بفعل كثير فهو مبطل للصلاة، ~~وإن ms1248 كان القتل بفعل يسير جازت الصلاة، ويؤيد ما ذكرناه أنا نقول: فما رأيكم ~~إذا حصل القتل بفعل يسير هل تصح الصلاة أم لا؟ فلابد من نعم. وفيه بطلان ~~القول بفساد الصلاة على الإطلاق. # قالوا: ظاهر الخبر دال على الإطلاق فلا وجه لتأويله بالتفصيل الذي ~~ذكرتموه. # قلنا: ظاهر الخبر دال على الإباحة للقتل في الصلاة ولم يتعرض لفسادها ~~وصحتها بشيء، وفيما ذكرناه من التفصيل وفاء بما دل عليه الخبر وبالقياس ~~فلهذا وجب العمل عليه، وأيضا فلا خلاف أن الأفعال الكثيرة مبطلة للصلاة فلا ~~وجه لحمل الخبر على الصحة على الإطلاق. PageV03P341 # المسألة السادسة: في وضع اليد على اليد في الصلاة بعد تكبيرة الافتتاح هل ~~تكون مفسدة للصلاة أم لا؟ فيه تردد وخلاف قد ذكرناه من قبل وقررنا أنه يكره ~~وأنه غير مفسد للصلاة، وإن حزن في الصلاة واستعبر ففاضت عيناه لم تبطل ~~صلاته لقوله تعالى: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمان خروا سجدا ~~وبكيا}[مريم:58]. وروي أن الرسول كان يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل(1). # والأزيز: غليان صدره وحركته بالبكاء والإستغفار. # قال الهادي في المنتخب: من وجد قملة وهو في الصلاة طرحها. فإن قتلها ~~فالإعادة أحب إلينا، وكلامه هذا قد اشتمل على حكمين: # الحكم الأول: استحباب طرحها لأنه ربما شغله في الصلاة تركها وهو يتضمن ~~إصلاح الصلاة فلهذا كان مستحبا. # الحكم الثاني: استحباب الإعادة إذا قتلها لأمرين: # أما أولا: فلأنه يلتبس الحال في قتلها بين أن يكون قليلا أو كثيرا وهو ~~إذا أعاد بنى على اليقين في سقوط الفرض عن ذمته. # وأما ثانيا: فلأنه إذا أعادها كان عملا على الإحتياط وقد قال : ((دع ما ~~يريبك إلى ما لا يريبك )). فأما تخلل المرأة لصفوف الرجال ومخالفة المأموم ~~لإمامه فيما يجب عليه فيه متابعته والزيادة على الصلاة المشروعة ما هو من ~~جنسها فستأتي هذه المسائل في صلاة الجماعة وفي السهو ونشرحها هناك بمعونة ~~الله، وقد نجز غرضنا من الكلام في إفساد الصلاة بالأفعال. # الفرع الخامس: في إفساد الصلاة بالكلام وما يتعلق به. # ويشتمل على أحكام نفصلها بحمد ms1249 الله: # الحكم الأول: اعلم أن الكلام في الصلاة ربما كان على جهة العمد وربما كان ~~على جهة السهو وتارة يكون من كلام الناس ومرة يكون من غيره وفيه أضرب خمسة ~~نفصلها: PageV03P342 # الضرب الأول: أن يكون الكلام في الصلاة من قبيل التسبيح والتهليل وقراءة ~~القرآن وغير ذلك من ذكر الله تعالى فما هذا حاله لا يكون مفسدا للصلاة ~~لقوله : ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح ~~والتكبير والتهليل وتلاوة القرآن)). # ووجه الدلالة من الخبر: أنه استثنى في الفساد ما لا يتعلق بكلامات(1) # الناس وهذه الأمور ليست من كلام الناس فلهذا لم تكن مفسدة للصلاة. # الضرب الثاني: أن يقصد إلى الكلام وهو عالم أنه يبطل الصلاة وكان ذلك ~~لغير مصلحة للصلاة، فما هذا حاله مبطل للصلاة عند أئمة العترة وفقهاء الأمة ~~أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه وغيرهم من الفقهاء. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها ~~شيء من كلام الآدميين )). وما هذا حاله فهو من كلام الناس فلهذا كان مبطلا. ~~قوله : ((الكلام ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء ))(2). # فهذان الخبران يدلان على بطلان الصلاة بما ذكرناه من هذا الكلام الذي ~~ذكرنا صفته. # الضرب الثالث: أنه يتكلم بالكلام على جهة العمد وعالما بتحريمه في الصلاة ~~لكنه لمصلحة الصلاة وهذا نحو أن يتكلم بكلام لدرء المار ونحو أن ينبه ~~الإمام عن سهوه بكلام فما هذا حاله هل يكون بمطلا للصلاة أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكون مبطلا للصلاة وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن ~~الفريقين الحنفية والشافعية. # والحجة على هذا: قوله : ((الكلام ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء )). ولم ~~يفصل بين أن يكون مفعولا لاصلاحها أو لغير إصلاحها. PageV03P343 # الحجة الثانية: قياسية، وهو أنه خطاب لآدمي مفعول على جهة العمد مع العلم ~~بتحريمه فأبطل الصلاة كما لو كان مفعولا لغير إصلاح الصلاة. # المذهب الثاني: جواز ذلك لإصلاح الصلاة وهذا شيء يحكى عن مالك والأوزاعي. # والحجة على ذلك: قوله : ((إذا نابكم ms1250 شيء في الصلاة فليسبح الرجال ولتصفق ~~النساء ))(1). # ووجه الدلالة من هذا الخبر: هو أنه أمر بالتصفيق إذا عرض عارض في إصلاح ~~الصلاة فإذا جاز التصفيق جاز الكلام لإصلاحها لاستوائهما جميعا في الغرض ~~المطلوب وهو إصلاح الصلاة. # والمختار: ما عليه علماء العترة والفريقان. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى عبدالله بن مسعود عن رسول ~~الله قال: كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجاتنا فقدمت على رسول الله وهو يصلي ~~فسلمت عليه فلم يرد علي فأخذني ما قدم وما حدث فلما قضى رسول الله قال: ~~((إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن الله قد أحدث ألا تكلموا في الصلاة)) (2). # ورد على السلام، ولم يفصل بين أن يكون لإصلاحها أو لغير إصلاحها. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إنه أمر إذا عرض عارض في الصلاة بالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء ~~فإذا جاز التصفيق جاز الكلام لإصلاح الصلاة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فقد قيل إن هذا الخبر منسوخ بخبر عبدالله بن مسعود حيث قال: ~~((وإن الله قد أحدث ألا تكلموا في الصلاة )). فدل ذلك على نسخه. PageV03P344 # وأما ثانيا: فلأن الخبر حجة لنا لأنا نقول لولا أن الكلام مفسد للصلاة إذا ~~فعل لإصلاحها لما عدل إلى التسبيح والتصفيق فلما عدل إليهما عن الكلام دل ~~على ما قلنا من إفساد الكلام للصلاة إذا فعل لإصلاحها. # الضرب الرابع: كلام الناسي، وهذا نحو أن يعتقد أنه قد سلم من الصلاة أو ~~أنه ليس في الصلاة فيتكلم على جهة النسيان ولا يطيل الكلام فما هذا حاله من ~~الكلام هل يكون مبطلا للصلاة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه مبطل للصلاة وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية ومحكي ~~عن أبي حنيفة خلا أن أبا حنيفة قال: إلا أن يسلم من يسلم من اثنتين فإنه لا ~~يبطل الصلاة. # والحجة على هذا: ما رويناه من حديث عبدالله بن مسعود وهو أن الرسول قال: ~~((إن الله قد أحدث ألا تكلموا في الصلاة)) ولم يفصل بين السهو والعمد فيه ~~وفي ms1251 هذا دلالة على ما قلناه. # المذهب الثاني: أن كلام الساهي لا يفسد الصلاة وهذا هو رأي الشافعي ومحكي ~~عن الناصر ومالك والأوزاعي. # والحجة على هذا: قوله : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان )). # والمختار: أن كلام الساهي غير مفسد للصلاة. # والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة قال: صلى بنا رسول الله العصر فسلم في ~~الركعتين الأوليين فقام ذو اليدين(1) PageV03P345 [فقال]: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله : ((كل ذلك لم ~~يكن)) ثم أقبل على القوم وقال: ((أصدق ما يقول ذو اليدين))؟. فقالوا: نعم. ~~فقام رسول الله فتمم ما بقي من صلاته وسجد سجدتي السهو وهو جالس بعد ~~السلام(1). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه سلم من اثنتين ساهيا وعنده أنه آخر الصلاة ~~فلما قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ لم يتذكر سهوه وقال: ((كل ~~ذلك لم يكن)). ثم كلم القوم وقال: ((أصدق ما يقول ذو اليدين)). وعنده أنه ~~خارج من الصلاة فلما قيل: نعم. تذكر السهو ورجع وبنى على صلاته وسجد للسهو ~~فقد تكلم ساهيا على أنه قد خرج من الصلاة فلهذا لم يكن الكلام على جهة ~~السهو مبطلا للصلاة وبنى عليها وأتم صلاته، فكلامه لذي اليدين وللقوم لما ~~سألهم لم يكن مبطلا لصلاته لأنه خارج على جهة السهو، وإنما لم يبطل الرسول ~~صلاة ذي اليدين بكلامه لأنه جوز النسخ بقوله: أقصرت الصلاة. وجوز السهو ~~بقوله: أو نسيت. فلهذا كان سهوه تابعا لسهو الرسول وإنما لم يبطل الرسول ~~صلاة القوم الذين أجابوه لأنه روي أنهم لم يتكلموا في تصديق ذي اليدين ~~وإنما أومأوا برؤسهم. # وقيل: إنهم قالوا: نعم. وهذا كلام يسير لا تبطل لأجله الصلاة. واختلف ~~العلماء في مقدار ما يغتفر من كلام الساهي في الصلاة على أقوال ثلاثة: # فالقول الأول: أنه يغتفر فيه مقدار ما تكلم به رسول الله في قصة ذي ~~اليدين لأن الأصل هو المنع إلا ما قامت عليه دلالة ولم تقم إلا بما ذكرناه. # القول الثاني: أنه تغتفر الكلمة والكلمتان والثلاث وما ms1252 زاد على الثلاث لا ~~يغتفر ويكون مفسدا لأن للثلاث مدخلا في التقدير ولهذا اعتبرت في أقل الحيض ~~وغيره من المقادير. PageV03P346 # القول الثالث: أنه يغتفر كلام الساهي وإن كان كثيرا لأن السهو هو الرافع ~~لحكمه ولم يفصل بين أن يكون قليلا أو كثيرا، وهذا هو المختار لأن الله ~~تعالى قد رفع حكم السهو ولم يفصل بين قليله وكثيره. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: حديث ابن مسعود: ((إن الله أحدث ألا تكلموا في الصلاة )). # قلنا: هذا الحديث محمول على الكلام المعمود ولا شك في كون العمد مبطلا ~~للصلاة. # الضرب الخامس: أن يعمد إلى الكلام وهو يجهل أن الكلام يبطل الصلاة فما ~~هذا حاله هل يكون مبطلا للصلاة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه مبطل للصلاة وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ((إن الله ~~يحدث من أمره ما يشاء وإن الله أحدث أن لا تكلموا في الصلاة)). وهذا عام في ~~المنع من الكلام في الصلاة ولم يفصل بين الجهل والعمد. # المذهب الثاني: أن فعل الكلام على جهة الجهل يكون غير مفسد لا يبطل ~~الصلاة، وهذا هو رأي الناصر والشافعي ومحكي عن مالك والأوزاعي وأحمد بن ~~حنبل وإسحاق بن راهويه. # والحجة على هذا: هو أنه غير عالم بكونه مبطلا للصلاة فأشبه الناسي. # والمختار: أن الجاهل كالناسي في أن كلامه غير مبطل للصلاة. # والحجة على هذا: ما روي عن معاوية بن الحكم أنه قال: بينا أنا مع رسول ~~الله في الصلاة إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فحذفني القوم بأبصارهم ~~فلما رأيتهم ينكرون علي قلت: وآثكل أماه مالكم تنظرون إلي فأخذوا يضربون ~~بأيديهم على أفخاذهم يسكتونني فلما علمت أنهم يسكتونني سكت فلما انصرف رسول ~~الله من صلاته دعاني بأبي وأمي ما رأيت معلما أحسن منه تعليما والله ما ~~كهرني ولا شتمني ولا ضربني وقال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام ~~الناس إنما ms1253 هي التسبيح والتكبير والدعاء)). وروي: ((وقراءة القرآن)). PageV03P347 # ووجه الدلالة من هذا الخبر: هو أنه لم يأمره بالإعادة فلو كان كلامه مبطلا ~~للصلاة لأجل جهله بكونه مفسدا لها لأوجب عليه الإعادة، والكهر هو الإنتهار. ~~وفي قراءة عبدالله بن مسعود: {وأما اليتيم فلا تكهر}. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: حديث ابن مسعود دال على المنع من الكلام ولم يفصل بين الجاهل وغيره. # قلنا: الناسي معذور من أجل جهله وهو محمول على العامد والأخبار التي ~~رويناها دالة على ما ذكرناه في حال الجاهل والناسي فلهذا قضينا بأن كلامهما ~~غير مفسد. # الفرع الخامس: في إفساد الصلاة باللحن. # اعلم أن اللحن في اللغة هو الميل عن الصواب قال الله تعالى: {ولتعرفنهم ~~في لحن القول}[محمد:30]. أراد تعرفن ميلهم عن تصديقك والإقرار بنبوتك، وفي ~~الحديث أن الرسول كان بينه وبين بني قريظة حلف فبلغه أنهم مالوا عنه إلى ~~حلف قريش فأمر قوما من أصحابه يدرون بحالهم هل هم باقون على الحلف أو قد ~~غدروا ومالوا وقال لهم: ((إن كانوا باقين على الحلف فصرحوا به وإن كانوا قد ~~غدروا ومالوا فالحنوا لي لحنا أعرف به حتى لا تفتوا في أعضاد الناس))(1). PageV03P348 # فجاء أصحابه فقالوا: يا رسول الله، عضل والقارة، أرادوا: أنهم قد مالوا عنك ~~مثل ما مال عضل والقارة وهما قبيلتان غدروا بأصحابه وقتلوهم، وأراد: أنهم ~~يميلون عن التصريح بغدر بني قريظة، وصار اللحن الآن متعارفا بالميل عن ~~قانون اللغة والإعراب، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاللحن لا محالة مغير لقانون ~~اللفظ والإعراب وربما كان مغيرا للمعنى مع اللفظ فهذان طرفان لا يخرج اللحن ~~عنهما، ونحن الآن نذكر ما يتعلق بكل واحد بمعونة الله تعالى. # الطرف الأول: في بيان اللحن الذي يكون مغيرا للمعاني مع تغييره لقانون ~~اللفظ والإعراب وإنما بدأنا به لأنه الذي يتعلق به إفساد الصلاة وبطلانها ~~فلا جرم كانت العناية به أحق والإهتمام به أعظم، قال الإمامان الناصر ~~والمؤيد بالله: وإذا لحن المصلي في القراءة لحنا يغير معنى القرآن ولا يوجد ~~مثله في القرآن ولا ms1254 في أذكار الصلاة بطلت صلاته وكلامهما هذا مشتمل على ~~مسائل ست: # المسألة الأولى: أن يكون اللحن خطأ في اللغة وخطأ في القرآن فلا يوجد ~~فيهما جميعا، ومثاله أن يقرأ الحمد بالخاء والعالمين بالغين والرحمن بالخاء ~~ويقرأ العصف مأكول بالغين إلى غير ذلك مما يلحق اللحن اللفظة بالإهمال ~~وإخراجها عن اللغة العربية فما هذا حاله يكون مفسدا للصلاة وإنما كان مفسدا ~~لها لأن القرآن كله معجز وإنما كان معجزا لتضمنه للفصاحة والبلاغة في لفظه ~~ومعناه ولا شك أن اللحن على هذه الصفة يخرجه عن الفصاحة والبلاغة وفي ذلك ~~خروجه عن الإعجاز وعن كونه قرآنا وعلى هذا يكون المصلي كأنه يصلي بغير ~~القرآن. PageV03P349 # المسألة الثانية: أن تكون اللفظة موجودة في اللغة ومستعملة فيها لكنها لحن ~~في القرآن ومثاله قوله تعالى:{ونادى نوحا}. بالنصب. وقوله تعالى: {وأرسلنا ~~نوح} بالرفع. وقوله تعالى: {ولقد نصركم الله} بالنصب والجر في اسم الله ~~وقوله تعالى: {إذا جاء نصر الله} بالنصب في إسم الله. وفي قوله: {نصر}. فما ~~هذا حاله لا يفسد الصلاة ولا يبطلها لأن مثل هذا موجود في القرآن وفي اللغة ~~فيكون كأنه انتقل من موضع إلى موضع لأن القرآن كله كالآية الواحدة في ~~انتظامه وفي عدم المناقضة في ألفاظه ومعانيه ولأن الظاهر صحة الصلاة فلا ~~تفدم على إفسادها وبطلانها إلا بدليل شرعي لقوله تعالى: {ولا تبطلوا ~~أعمالكم}[محمد:33]. وهاهنا لم تدل دلالة على الفساد فلهذا قضينا بالصحة. # المسألة الثالثة: أن تكون اللفظة غير موجودة في اللغة ولا توجد في القرآن ~~ومثاله قوله تعالى: {معاذ الله}. برفع الذال منه. وقولنا: سبحان الله ~~العظيم. برفع النون. وقوله تعالى: {أكان الناس عجب} برفع عجب. فإن مثل هذه ~~لا توجد في القرآن ولا في أذكار الصلاة فما هذا حاله يبطل الصلاة لأنه يصير ~~كأنه خارج عن القرآن فتصير صلاته بغير قراءة فلهذا حكمنا ببطلانها، ويؤيد ~~ما ذكرناه قوله : ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء من كلام الناس)). وإذا كانت ~~هذه اللفظة ليست موجودة في القرآن ولا في سائر أذكار الصلاة صارت ms1255 كأنها من ~~كلام الناس. PageV03P350 # المسألة الرابعة: أن يوجد مثله في القرآن لكنه غير المعنى واعتقده المصلي ~~وقصده وأراد ذلك التغيير ومثاله أن يقرأ: {أنعمت عليهم} بضم التاء. ونحو أن ~~يقرأ قوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " }[التين:4] ثم يخذف ~~المعطوف ويستثني قوله تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " ~~}[لعصر:3]. من قوله: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}[التين:4]. وقوله ~~تعالى: {فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى}[الليل:5-7]. ~~وقوله تعالى: {وأما من بخل واستغنى " ، وكذب بالحسنى، فسنيسره ~~للعسرى}[الليل:8-10]. فما هذا حاله إذا اعتقده وأراده بطلت صلاته وكفر ~~وارتد لأنه كذب على الله تعالى في اعتقاده لذلك وانتقض وضوءه إذا قلنا أن ~~الوضوء عبادة وليس شرطا. # المسألة الخامسة: أن يفعل ذلك على جهة السهو أو على جهة العمد جاهلا ~~لمعناه، وإذا كان الأمر كما قلناه نظرت فإن كان في القدر الزائد على الواجب ~~لم يضره ذلك وكانت الصلاة مجزية له لأن فساده ليس بأعظم من تركه وإذا كان ~~تركه غير مخل بالصلاة ففساده غير مخل بالصلاة أيضا، وإن كان في القدر ~~الواجب نظرت فإن أعاده على الصحة والثبات صحت صلاته لقوله : ((رفع عن أمتي ~~الخطأ والنسيان)) ولأنه قد جبر ما أفسده بالإعادة فصار كأنه لم يأت به، وإن ~~لم يعده بطلت صلاته لأنه قد أخل بقدر القراءة فكأنه غير قاريء فلهذا حكمنا ~~ببطلانها. PageV03P351 # المسألة السادسة: أن يكون التغيير بحيث لو اعتقده المصلي لم يكن كفرا وهذا ~~كقوله تعالى: {إذا السماء انفطرت " ، وإذا الكواكب انتثرت،وإذا البحار ~~فجرت}[الانفطار:1-3]. فلو قال عوض هذا: {إذا السماء انتثرت وإذا الكواكب ~~انفطرت وإذا الجبال كورت}. فما هذا حاله لو غيره واعتقده لم يكن كفرا لأنه ~~ليس شيء مما يتعلق بالدين، فتكون مخالفته كفرا، وإذا كان الأمر هكذا نظرت ~~فإن كان في الزائد على الواجب من القراءة لم يكن مبطلا للصلاة لأنه نهاية ~~الأمر فيه أن يكون تغييره كأن لم يكن وإذا كان معدوما لم يضر تركه بصلاة ~~المصلي فهكذا إذا تغير. وإن كان في القدر الواجب ms1256 نظرت فإن أعاده على الصحة ~~كانت صلاته صحيحة وإن لم يعده بطلت صلاته لأنه إذا أعاده فقد أدى ما وجب ~~عليه على ما أمر به وإن لم يعده فقد أخل بالواجب في القراءة فكأنه لم يقرأ ~~في صلاته، فهذا هو الكلام فيما كان مغيرا للمعنى. وذكر أصحابنا أن من جعل ~~الظاء ضادا والضاد ظاء بطلت صلاته كمن يجعل الحاء خاء والخاء حاء وهذا فيه ~~نظر فإن الضاد والظاء مخرجهما متقارب وليس حالهما كحال الحاء والخاء فإن ~~محرجهما متباعد فأحدهما مخالف للآخر وليس في القرآن ما يقرأ بالضاد والظاء ~~جميعا إلا قوله تعالى: {وما هو على الغيب بضنين " }[التكوير:24]. في وصف ~~جبريل فإن قرأ بالضاء فالغرض الضنة وهي البخل وإن قرأ بالظاء فالغرض التهمة ~~وكلا المعنيين حاصل في حقه فهذا ما أردنا ذكره في اللحن الذي يغير المعنى ~~على التفصيل الذي ذكرناه. # الطرف الثاني: في بيان اللحن الذي لا يكون مغيرا للمعنى ونذكر فيه مسائل أربع: PageV03P352 # المسألة الأولى: ألا يكون مغيرا للمعنى وفيه نقصان حرف من أصل الكلمة وهذا ~~نحو أن يترك التشديد فيما عدا القراءة الواجبة كقوله تعالى: {ربكم ورب ~~آبائكم الأولين " }[الشعراء:26]. ونحو قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}[الزلزلة:7،8]. فما هذا حاله فيه ~~نقصان حرف ولا يخل بالمعنى ولا يغيره. # المسألة الثانية:ألا يكون فيه تغيير للمعنى وفيه نقصان حرف ليس من أصل ~~الكلمة ومثاله قوله تعالى:{ والذاريات ذروا}{والصافات صفا}. فيقرأ هاتين ~~الآيتين من غير تشديد ففيه نقص حرف ليس من أصل الكلمة لأن لام التعريف ~~زائدة مدغمة فيما بعدها، فإذا ترك التشديد كان لاحنا ولكنه لا يضره في ~~صلاته لما كان نقصانا، ليس من أصل الكلمة ونحو أن يترك التنوين من الكلمة ~~كقوله تعالى: {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى " }[القصص:20]. وقوله: ~~{فيومئذ لا يسأل عن ذنبه}[الرحمن:39]. # المسألة الثالثة: اختلاف الحركة وهذا كقوله تعالى: {اهدنا الصراط}. بفتح ~~همزة اهدنا ونحو كسر النون الأولى في نستعين وفتح النون الثانية وكسرها فإن ~~ما ms1257 هذا حاله فيه تغيير للقراءة ولكنه لا يفسد الصلاة ولا يغير المعنى فلهذا اغتفر. # المسألة الرابعة: زيادة المد في نحو قوله تعالى: {يابني آدم}. {يابني ~~إسرائيل}. {وجاءوا أباهم}.{جاء أشراطها}. فإن ما هذا حاله الزيادة فيه لا ~~تغير المعنى وهكذا زيادة اللين في مثل قوله: {إياك نعبد}. وزيادته في مثل ~~قوله: {لله}. وفي مثل: {بسم الله}. فهذه حروف اللين الزيادة فيها لا تغير ~~المعاني وفيها زيادة هذه الأحرف وهي غير مخلة بقراءة الصلاة، فهذا جملة ما ~~أردنا ذكره في بيان ما يفسد الصلاة من اللحن وما لا يفسدها. PageV03P353 # والمختار: فيما يكون مفسدا للصلاة من اللحن يرجع إلى تغييرات أربعة: # التغيير الأول: يرجع إلى اللفظ وهو ما كان اللحن فيه غير موجود في اللغة ~~العربية وهذا نحو أن يقرأ الخمد بالخاء والغالمين بالغين والرحمن بالخاء، ~~فما هذا حاله يكون مفسدا للصلاة لخروجه عما يوجد في اللغة وفي ذلك خروجه عن ~~حد الإعجاز وإلحاقه بالمهمل من الكلام كما مر تقريره. # التغيير الثاني: ما يرجع إلى فساد المعنى وبطلانه وهذا نحو أن يقرأ ~~المصلي: {إن الله بريء من المشركين ورسوله}. بالجر ونحو أن يقرأ: {أنعمت ~~عليهم}. بضم التاء ومثل قوله تعالى: {فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، ~~فسنيسره للعسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى فسنيسره لليسرى}. ~~وقوله: {فأنذرتكم نارا تلظى، لا يصلاها إلا الأتقى}. وقوله: {وسيجنبها ~~الأشقى}. فهذه الإشياء كلها إذا غيرها واعتقد مضمونها كان كذبا على الله ~~تعالى وكان كافرا بذلك مرتدا. # التغيير الثالث: ما يرجع إلى نظم القرآن وتأليفه لأنه إنما كان معجزا من ~~أجل النظام والتأليف الذي عجز عنه كل أحد من الخلق فإذا خالفه المصلي ~~بتقديم المؤخر وتأخير المقدم بطل كونه قرآنا وبطلت الصلاة به. # التغيير الرابع: ما يكون راجعا إلى مفرادات الكلمات وهذا نحو أن يترك بعض ~~التشديدات في الفاتحة وفي قراءة السورة الثانية فإن ما هذا حاله يكون ~~نقصانا من القراءة المعتبرة في الصلاة، فمتى حصل في الصلاة أحد هذه ~~التغييرات كانت مبطلة للصلاة ومتى سلم عن ms1258 هذا التغييرات وزاد في المد أو ~~نقص من الأحرف الزائدة نحو نقصان اللام للتعريف أو نقصان التنوين فإنه غير ~~مخل في إفساد الصلاة وبطلانها، يؤيد ما ذكرناه ما روي عن الرسول أنه خرج ~~إلينا يوما وفينا العربي والعجمي فقال: ((اقرأوا وكل حسن " )) (1). PageV03P354 # ففي هذا دلالة على ما ذكرناه فأما هذه الأمور الأربعة فإنها غير مغتفرة فلا ~~جرم أبطلت الصلاة وأفسدتها فأما الخطأ بما وراء هذه الأمور الأربعة التي ~~ذكرنا أنها غير مفسدة للألفاظ والمعاني فهو إثم وخطأ وتقصير في التعلم ~~الواجب لكنه غير مخل في الصلاة وإبطالها لإحتمال الأمر فيه وكونه قد أحرز ~~هذه الأمور الأربعة التي هي أصل في صحة الصلاة بالقراءة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: قد يكون مفسدا للصلاة وإن سلم من هذه التغييرات الأربعة التي ~~ذكرتموها بأن يكون خللا في مقدار ما يشترط في الصلاة من القراءة. # قلنا: بعد أن سلم من هذه التغييرات التي ذكرناها فالأمر فيما وراءها قريب ~~لا يخل بالصلاة ولا يكون مفسدا لها لكنه يأثم ويخطىء وينكر عليه ذلك ويؤمر ~~بالتعلم لكنه وإن أخل بما أوجبناه عليه من التعلم فلا تكون صلاته فاسدة ~~ويؤيد ذلك قوله تعالى: {ما جعل عليكم في الدين من حرج}[الحج:78]. وقوله ~~تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " }[البقرة:185]. وقوله ~~تعالى: {الله لطيف بعباده " }[الشورى:19]. وقوله : ((بعثت بالحنيفية ~~السمحة)). فهذه الأمور كلها دالة على السهولة في أمر العبادة والأخذ فيها ~~بالتيسير من غير تعمق ولا حاجة إلى الحكم على أكثر الخلق بالهلاك. # الحكم السابع: ومن قرأ بالفارسية في صلاته هل يكون مجزيا له أو مبطلا ~~للصلاة؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن القراءة بالفارسية غير مجزية ومبطلة للصلاة وهذا هو رأي ~~أئمة القاسمية والناصرية وهو محكي عن الشافعي. PageV03P355 # والحجة على هذا: قوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها)). وما ~~يقرأ بالفارسية فليس قرآنا لقوله تعالى: {قرآنا عربيا}[الشورى:7]. وقوله: ~~{بلسان عربي مبين " }[الشعراء:195]. وقوله: {قرآنا عربيا غير ذي عوج " ~~}[الزمر:28]. وقوله تعالى: {إنا جعلناه قرآنا ms1259 عربيا " }[الزخرف:3]. # الحجة الثانية: أن الله تعالى أخبر أن القرآن لا يقدر أحد على مثله كما ~~قال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن " لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}[الإسراء:88]. # الحجة الثالثة: هو أن الإجماع منعقد على أن القرآن إنما يكون قرآنا إذا ~~كان متواترا مطابقا للعربية موافق لخط المصحف فما كان جامعا لهذه الصفات ~~الثلاثة فهو قرآن، وما نقص منها فليس قرآنا فلو جاز أن يقرأ بالفارسية لم ~~يمكن دعوى التواتر فيه لأن ذلك متعذر في حقه فلذلك لم يكن قرآنا بقراءة ~~الفارسية. # المذهب الثاني: أن ذلك يجري على الإطلاق وهذا هو رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ " ~~" }[الأنعام:19]. # ووجه الدلالة من هذه الآية: هو أن الله تعالى أخبر أنه ينذرهم بالقرآن ~~ولا شك أن العجم من الفرس وغيرهم لا يمكن إنذارهم بلغة العرب؛ وإنما يكون ~~منذرا بلغته وفي هذا دلالة على ما قلناه من جواز الصلاة به لأنه إذا جاز ~~الإنذار به جازت الصلاة. # المذهب الثالث: أنه ينظر في حاله فإن كان ممن يحسن القراءة بالعربية لم ~~يجزه وإن كان ممن لا يحسن القراءة بالعربية أجزأه القراءة بالفارسية وهذا ~~هو المحكي عن أبي يوسف ومحمد. PageV03P356 # والحجة على هذا: هو أن الصلاة من جملة العبادات مشروطة في الأداء بصحة ~~الإمكان لقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)) فمن كان قادرا ~~يحسن العربية فإنه يتوجه عليه الإتيان بها ومن لا يقدر على العربية ولا ~~يحسنها فإنها تجزيه الفارسية لأنها ممكنة في حقه. # والمختار: ما قاله علماء العترة ومن تابعهم من أن القراءة بالفارسية غير مجزية. # والحجة على هذا: ما قررناه آنفا ونزيد هاهنا وهو أن القرآن عبارة عن ~~الخطاب الذي أعجز الخلق عن الإتيان بمثله أو بعشر سور منه أو بسورة واحدة ~~ولن يكون معجزا إلا بما اشتمل عليه من الفصاحة في ألفاظه والبلاغة في ~~معانيه وهذا إنما يكون إذا كان عربيا ms1260 فأما مع كونه مقروءا بالفارسية فلا ~~يتعلق به الإعجاز ولا تتعلق الفصاحة بألفاظه ولا تتعلق البلاغة بمعانيه لأن ~~هذه الأمور إنما تتعلق باللغة العربية فأما الفارسية فلا تتصف بهذه الأوصاف بحال. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: قوله تعالى: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن ~~بلغ}[الأنعام:19]. ولا يمكن الإنذار للعجم إلا بلغتهم. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فالمطلوب من القرآن أمران: # أحدهما: التعبد بألفاظه وتلاوته في الصلاة والأذكار، وما هذا حاله فإنه ~~متعلق بألفاظه فلا تجوز مخالفته إلى غيره من اللغات. # وثانيهما: أن الغرض شرح أوامره ونواهيه وهذا يمكن شرحه لكل أهل لغة ~~بلغتهم لتمكنهم امتثال الأوامر والنواهي. # وأما ثانيا: فلأن المراد بالإنذار هو إبلاغ الوعد والوعيد والزجر ~~والتهديد، وهذا حاصل بالترجمة بالفارسية وغيرها من سائر اللغات فإن المقصود ~~حاصل بما ذكرناه، فأما الصلاة به وتلاوته فلا تكون إلا بألفاظه على الخصوص. PageV03P357 # قالوا: قال الله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن " لا يأتون بمثله}[الإسراء:88]. فقد تحدي العرب والعجم جميعا ~~بالقرآن، والعجم لا يمكن تحديهم بمثله بلغة العرب لأن عجزهم عن ذلك ظاهر ~~وإنما يقع التحدي بلغته فظاهره دال على أنه لو أتى بمثله من لغته لكان ~~قرآنا وهو مطلوبنا. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن التحدي إنما وقع للعرب لما كانوا أهل الفصاحة والبلاغة ~~والطلاقة في ألسنتهم والذلاقة وهم قد عجزوا وصرحوا بالفهاهة عن الإتيان ~~بمثله فإذا كانوا قد عجزوا مع أنهم مختصون بالفصاحة فغيرهم أحق بالعجز ~~وأدخل في التأخر من سائر أصناف اللغات من غير العربية. # وأما ثانيا: فلأنا نقول: إن العجم كلهم مخاطبون بالتحدي على تقدير أنهم ~~يتعلمون العربية ويأتون بمثله وإذا كان الأمر كما قلناه بطل قولهم: إنه لو ~~أتى بمثله من لغته لكان قرآنا لما قررناه. # قالوا: القرآن ألفاظ دالة على معان مخصوصة، فما كان دالا على تلك المعاني ~~وجب أن يكون قرآنا وأن يكون حكمه حكم القرآن. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن القرآن كلام ms1261 الله ووحيه وتنزيله وهو المكتوب في المصاحف ~~والمتلو في المحاريب فإذا أزيل عن لفظه ونظامه بالعبارات العجمية من ~~الفارسية والتركية والعبرانية والرومية والحبشية واليونانية وغيرها من سائر ~~اللغات خرج من أن يكون قرآنا وتتعلق به ألفاظه ومعانيه. # وأما ثانيا: فلا نسلم أن المقصود منه هو المعاني فقط بل المقصود هو ~~ألفاظه ومعانيه فلا جرم كان التعبد بهما جميعا وهو المطلوب فبطل ما توهموه. # الفرع الثامن: الدعاء في الصلاة بغير الأدعية المذكروة في القرآن هل يكون ~~مفسدا للصلاة أم لا؟ فيه مذهبان: PageV03P358 # المذهب الأول: أن كل ما كان من الأدعية مخالفا لأدعية القرآن فهو مفسد ~~للصلاة وهذا هو رأي الهادي والمؤيد بالله ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ~~قالوا: كل دعاء في الصلاة مما في القرآن فهو خاص فيها وما أشبه حديث الناس ~~فإنه يفسدها، فلو قال: اللهم ارزقني جارية محبة أو حرفة طيبة أفسدها. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها ~~شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتحميد وقراءة القرآن)). وقول القائل: ~~اللهم ارزقني جارية منحبة ليس مما ذكرناه في شيء. # الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن الله يحدث من أمره ما ~~يشاء وإن الله أحدث ألا تكلموا في الصلاة)). # المذهب الثاني: جواز ذلك في الصلاة وهذا هو رأي القاسم والشافعي وعليه دل ~~كلام الناصر. # والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إذا تشهد أحدكم ~~فليستعذ بالله من عذاب النار " ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا ومن فتنة ~~الممات ومن فتنة المسيح الدجال))(1). # الحجة الثانية: ما روى فضالة بن عبيد(2) PageV03P359 أن الرسول رأى رجلا لا يحمد الله ولا يصلي على الرسول فقال: ((عجز هذا إذا ~~صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه " ثم ليصل على النبي ثم ليدع ~~بما شاء))(1). فهذا تقرير المذهبين. # والمختار: جواز الدعاء في الصلاة بأي شيء كان من منافع الدين والدنيا. # والحجة: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى أبو ms1262 هريرة عن الرسول أنه كان ~~لا يقنت إلا إذا دعا لأحد أو دعا عليه وكان يقول في قنوته: ((اللهم نج ~~الوليد بن الوليد " اللهم نج سلمة بن هشام اللهم نج المستضعفين من المؤمنين ~~اللهم اشدد وطأتك على من خالف أمرك)). # الحجة الثانية: ما روى الحسن بن علي أنه قال: علمني رسول الله كلمات أقنت ~~بهن في الوتر وهن: ((اللهم اهدني فيمن هديت " ))..إلى آخر الكلمات، فهذه ~~الأدعية كلها ليست من أدعية القرآن فدل ذلك على جوازه. # ومن وجه آخر: وهو أنا نقول الدعاء المأثور في التشهدين: التحيات لله.. ~~إلى آخره، ليس من ألفاظ القرآن ومع ذلك فإنه لا يفسد الصلاة فإذا جاز ذلك ~~في التشهد جاز الدعاء بغيره في الصلاة. # فإن قالوا: إن ذلك مأثور من جهة الرسول . # قلنا: وهذه الأدعية مأثورة من جهة الرسول وما ليس مأثورا عن الرسول فنحن ~~نقيسه على المأثور بجامع كونها أدعية تطلب بها الرغائب من جهة الله تعالى ~~في منافع الدين والدنيا. # ومن وجه آخر: وهو أن الصلاة موضع الرحمة وموضع الخضوع والخشوع بالركوع ~~والسجود فهي أحق المواطن بالدعاء فكيف يقال بأن الدعاء ليس بمشروع فيها فقد ~~ظهر لك بما ذكرناه أنه لا مانع من جواز الدعاء في الصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. PageV03P360 # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء من كلام الناس ~~إنما هي التسبيح والتحميد)). وما روي عن الرسول أنه قال: ((إن الله يحدث من ~~أمره ما يشاء وأن الله أحدث أن لا تكلموا في الصلاة)). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه إنما أرد بكلام الناس ما كان من الأمور المباحة كقولنا: ~~يا زيد قم واقعد وهات المتاع وكل واشرب، فما هذا حاله هو كلام الناس وهو ~~مفسد للصلاة بخلاف الأدعية المأثورة فإنها إصلاح للصلاة ودعاء بكل خير من ~~الله تعالى. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما رويناه من الأحاديث الدالة على كون ~~الدعاء مشروعا في الصلاة قولا وفعلا، وأحاديثنا أرجح لأنها دالة على زيادة ms1263 ~~مشروعة مطابقة لموضع الصلاة فلهذا كانت أحق بالقبول. # الفرع التاسع: في بيان ما يعرض في الصلاة من الأحداث هل يكون مفسدا أم ~~لا؟ وفيه مسائل نفصلها: # المسألة الأولى: إذا نوى المصلي قطع صلاته والخروج منها في حال تلبسه بها ~~هل تكون باطلة وفاسدة بمجرد هذه النية أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يخرج بهذه النية عن الصلاة ولا تكون باطلة بل تكون ~~مجزية وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله. # والحجة على هذا: هو أن مجرد النية لا يغير الفعل عن صفته. # المذهب الثاني: أنه يقطعها ويفسدها ويخرجها عن كونها صلاة وهذا هو المحكي ~~عن الشافعي وقد قدمنا هذه المسألة في النية وذكرنا المختار والانتصار فأغنى ~~الإعادة. # المسألة الثانية: إذا ارتج على الإمام في قراءته يتعتع فهل لمن خلفه أن ~~يفتح عليه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز ذلك واستحبابه، وهذا هو رأي أمير المؤمنين ومحكي عن ~~أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ~~وأصحابه. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات " }[البقرة:238]. وهذا ~~من المحافظة عليها. PageV03P361 # الحجة الثانية: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: إذا ~~استطعمكم الإمام فأطعموه. ولأن ما هذا حاله معاونة على البر والتقوى، وقد ~~قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى " }[المائدة:2]. # المذهب الثاني: أنه هذا يكره وهذا هو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، ومحكي ~~عن زيد بن علي لأنه قال: لا تفتح على الإمام فإن فتحت فالصلاة تامة. فاقتضى ~~مذهبه ما ذكرناه من الكراهة. # والحجة على هذا: هو أنه إذا فتح على الإمام نزل منزلة التلقين له في ~~القراءة فلهذا كان مكروها. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة والأكثر من فقهاء الأمة. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روى المسور(1) # قال: شهدت رسول الله يقرأ في الصلاة فترك شيئا لم يقرأه فقال رجل: يا ~~رسول الله تركت آية كذا وكذا؟ فقال له رسول الله ((هلا أذكرتنيها " ))(2) # فدل ذلك على الجواز. ms1264 # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: ينزل ذلك منزلة التلقين فلهذا كان مكروها. # قلنا: ليس هذا كالتلقين فإن الإمام عالم بالآية ولكن نسيها فلم يكن من ~~جهته إلا التذكير وما هذا حاله فليس تلقينا لأن الملقن غير عالم بالقرآءة ~~وإنما يتابع من يلقنه فلهذا لم تكن صلاته مجزية بخلاف من يفتح على الإمام ~~فافترقا. PageV03P362 # المسألة الثالثة: وإذا جاز الفتح على الإمام كما ذكرناه نظرت فإن فتح ~~بقراءة تلك الآية أو بغيرها من آي القرآن صح ذلك ولا خلاف في صحة ذلك ~~وجوازه، وإن فتح بغير الآية من التكبير والتسبيح والتنحنح أو برفع الصوت ~~بالقراءة أو بالإشارة فهل يجوز ذلك أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: المنع من ذلك وهذا هو رأي محمد بن يحيى وظاهر مذهب ~~الإمامين الهادي والقاسم. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها ~~شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)). # ووجه الدلالة من الخبر وجهان: # أحدهما: أنه نفى أن يدخل فيها شيء من كلام الناس، والنفي يقتضي بطلان ما ~~خالفه كما قال : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها)). # وثانيهما: أنه وصف الصلاة بكونها مقصورة على التسبيح والتكبير وقراءة ~~القرآن والمراد بالتكبير والتسبيح المشروعين فيها دون غيرهما. # المذهب الثاني: جواز ذلك من أجل التنبيه على الإمام، وهذا هو رأي المؤيد ~~بالله ومحكي عن أبي حنيفة والشافعي. # والحجة على ذلك: قوله : ((إنما هي التسبيح والتكبير)) ولم يفصل بين حالة وحالة. PageV03P363 # وروي عن الرسول أنه قال: ((من نابه شيء في صلاته فليسبح " ))(1). # والمختار: ما قاله المؤيد بالله من جواز ذلك. # وحجته: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا نابكم ~~شيء في صلاتكم فسبحوا " )) (2). # وروي عنه أيضا أنه قال: ((من نابه شيء في صلاته فليسبح)). وروي عنه أنه ~~قال: ((التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة " )) (3). # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء من كلام ms1265 ~~الناس)). وروي عنه أنه قال: ((إن الله أحدث ألا تكلموا في الصلاة " )). ~~وظاهر هذين دال على أنه لا يجوز أن يفتح على الإمام إلا بقراءة تلك الآية. PageV03P364 # قلنا: إن التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ليست من كلام الناس إنما هي عبادة ~~واردة لإصلاح الصلاة فصارت كالقرآن على أن الأخبار قد دلت عليها فلا وجه ~~لإنكارها وردها. # المسألة الرابعة:وإن سبح أو كبر أو هلل أو أشار بيده أو تنحنح جوابا لمن ~~دعاه في حال صلاته، فهل تفسد صلاته أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الاول: أن صلاته تفسد، وهذا رأي محمد بن يحيى وهو محكي عن أبي ~~حنيفة ومحمد. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها ~~شيء من كلام الناس)). وما روي من حديث بن مسعود: ((إن الله قد أحدث أن ~~لاتكلموا في الصلاة " )). # المذهب الثاني: جواز ذلك وهذا هو الذي ذكره المؤيد بالله ومحكي عن ~~لاشافعي وأبي يوسف. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا نابكم شيء في الصلاة ~~فسبحوا " )). # والمختار: ما قاله المؤيد بالله. # وحجته: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو ماروي عن أمير المؤمنين كرم بالله ~~وجهه، أنه كان يضرب باب رسول الله وكان في صلاته فتنحنح فيها تطييبا لقلب ~~أمير المؤمنين، فكان علي يقول: كان لي من رسول الله مدخلان بالليل والنهار ~~فإذا جئته وهو يصلي تنحنح، فإنه كان يجيبني إذا سألت، ويبتديني إذا سكت، ~~وكان حريصا على تعليمه علوم الشريعة، وعلي في غاية القبول. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إن حديث بن مسعود عن الرسول : ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء من ~~كلام الناس)) و((إن الله أحدث أن لا تكلموا في الصلاة " )). # قلنا: قد أجبنا عن هذين الحديثين غير مرة، وقلنا: إن التسبيح والتكبير ~~وقراءة القرآن ليست من كلام الناس، فيلزم ما ذكرتموه وإنما كلام الناس ~~كقولنا قم واقعد وكل واشرب، وما هذا حاله فهو مفسد للصلاة لا محالة باتفاق. PageV03P365 # المسألة الخامسة: العطاس والسعال لا يفسدان الصلاة ms1266 لأنهما أمران ضروريان لا ~~يمكن الاحتراز منهما كجري النفس، والإجماع منعقد على أنهما لا يبطلان ~~الصلاة فأما التنحنح فهل يبطل الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه مبطل للصلاة وهذا هو رأي القاسمية الهادي وأولاده ~~ومحكي عن الحنفية. # والحجة على هذا: هو أن التنحنح حرفان متواليان على جهة العمد فصار كلاما ~~فلهذا كان مفسدا للصلاة كالكلام المعمود إليه. # المذهب الثاني: أنه غير مبطل للصلاة، وهذا هو رأي الناصر ومحكي عن ~~الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: كان لي ~~مدخلان على الرسول بالليل والنهار فإذا جئت وهو يصلي تنحنح، وفي هذا دلالة ~~على ما ذكرناه من كون التنحنح غير مفسد للصلاة. # والمختار: ما قاله الناصر ومن تابعه. # وحجته: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن التنحنح ليس حرفا صافيا من الحروف ~~العربية وإنما هو صوت لا تقطيع فيه فأشبه السعال والعطاس. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: التنحنح حرفان متواليان على جهة العمد فصار كلاما. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أنه حرف وإنما هو صوت ليس فيه بيان للأحرف فصار ~~كالسعال والعطاس. # وأما ثانيا: فلأنه أمر ضروري يتعذر الإحتراز منه فيجب أن يكون حكمه ~~مرفوعا كالعطاس والسعال. # المسألة السادسة: قال المؤيد بالله: والإشارة التي يدرء بها المار لا ~~تفسد الصلاة لقوله : ((ادرأوا ما استطعتم " )). ولأنها فعل قليل فعل لإصلاح ~~الصلاة فلا تكون مفسدة لها، وعنه أيضا قال: والأقوى عندي أن المصلي إذا مر ~~بآية وعيد قال: اللهم، لاتجعلني منهم، وإذا مر بآية رحمة، قال: اللهم ~~اجعلني منهم. وعن أبي الحسن الكرخي أن المصلي إذا مر بآية فيها ذكر الموت ~~توقف عندها واسترجع أو تعوذ بالله واستغفر. وعن الشافعي أنه قال: يستحب ~~للمصلي إذا مر بآية رحمة سألها وإذا مر بآية عذاب استعاذ منه. PageV03P366 # والحجة على هذا: ما روى حذيفة عن رسول الله أنه قال: صليت خلف رسول الله ~~فقرأ سورة البقرة فما مر بآية رحمة إلا سألها ولا مر بآية عذاب ms1267 إلا استغاذ منه(1) # وهكذا في سورة آل عمران والنساء يفعل ذلك، والذي يقتضيه مذهب القاسمية ~~المنع من ذلك. # والحجة على ذلك: ما روى ابن مسعود رضي الله عنه: ((أن صلاتنا هذه لا يصلح ~~فيها شيء من كلام الناس)). # والمختار: ما قاله المؤيد بالله. # وحجته: مانقلناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {ادعوني أستجب لكم " ~~}[غافر:60] ولم يفصل بين أن يكون في الصلاة أو غيرها ولأن هذه الأفعال تدعو ~~إليها الضرورة فيجب أن لا تكون مفسدة كالأفعال القليلة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: ((إن صلاتنا هذا ليس فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح ~~والتكبير وقراءة القرآن)). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أن هذه الأدعية من كلام الناس وإنما هي من جملة أذكار ~~الصلوات وأدعيتها. # وأما ثانيا:فلأن أخبارنا هذه التي رويناها دالة على الزيادة فيجب أن تكون ~~راجحة على غيرها مما لم يدل على تلك الزيادة. # المسألة السابعة: قال المؤيد بالله: ومن رفع صوته بتكبيرة وينوي بها ~~إعلام الغير لا أستبعد جواز صلاته(2). PageV03P367 # والحجة على ذلك: هو أنه إنما يكبر للصلاة وإنما انضم إليه قصد آخر لم يكن ~~مفسدا للصلاة كما أن الإمام يطيل الركوع إذا أحس بداخل وتصح صلاته، وكذلك ~~هذا خلافا لأبي حنيفة وهو الذي يأتي على رأي الهادي وعند الشافعي إذا سبح ~~أو كبر وذكر الله تعالى من أجل التنبيه للإمام عن السهو أو حذر ضريرا عن ~~الوقوع في البئر وهكذا إذا دق الباب فسبح وهو في الصلاة يقصد به إعلام ~~الداق أنه في الصلاة أو يأذن له بالدخول لم تبطل صلاته، ومن قرأ آية يقصد ~~بها جوابا للغير كأن يختم(1) # كتابا ثم يقول: {يايحيى خذ الكتاب بقوة " }[مريم:14] لمن اسمه يحيى أو ~~يخاطب رجلا يسمى نوحا فيقول: {يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا " }[هود:32]. ~~أو يقول: {إنا جعلناك خليفة في الأرض " }[ص:26] أو غير ذلك من خطابات ~~القرآن وأوامره ونواهيه، وزواجره وتهديداته إذا قصد بها زجرا للغير وتهديدا ~~له في حال الصلاة، فهل تفسد ms1268 الصلاة أم لا؟ فالذي يأتي على رأي القاسمية وهو ~~محكي عن أبي حنيفة ومحمد بطلان الصلاة لقوله : ((إن صلاتنا هذه ليس فيها ~~شيء من كلام الناس)). والذي يأتي على كلام المؤيد بالله وهو رأي الشافعي ~~وأبي يوسف صحتها؛ لقوله : ((إذا نابكم في صلاتكم شيء فسبحوا " )). # قال الإمامان الهادي والمؤيد بالله: وإن شمت العاطس في صلاته بطلت صلاته، ~~وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، والتشميت: بالسين والشين معا ~~هو قول القائل: يرحمك الله. # والحجة على هذا: ما روي أن رجلا عطس خلف الرسول وهم يصلون خلفه فقال رجل ~~من الصف: يرحمك الله. فلما فرغ قال الرسول : ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها ~~شيء من كلام الناس)). وهذا يوجب فساد الصلاة لأمرين: # أما أولا: فلأنه نفى صحة الصلاة بوقوع الكلام فيها. PageV03P368 # وأما ثانيا: فلأن ما عدا التسبيح والتهليل وقراءة القرآن ليس من الصلاة. # نعم وكان القياس على رأي من يجوز الدعاء في الصلاة صحة الصلاة بقوله: ~~يرحمك الله. لأنه دعا كما لو قال: اللهم اغفر له. لكنا قضينا بالفساد لأجل ~~قوله : ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)). فلا جرم قضينا ~~بفساد الصلاة لأجل الخبر. # المسألة الثامنة: قال الشافعي رحمه الله: وإن أراد المصلي أن يعلم غيره ~~من إمام أو سواه بأنه سهى فيستحب للرجل أن يسبح وللمرأة أن تصفق، وصورة ~~التصفيق أن تضرب بطن كفها الأيمن على ظهركفها الأيسر وقيل تضرب بالمسبحة ~~والوسطى كفها الأيسر. وقال مالك: يسبح الرجل والمرأة. # والحجة لما قاله الشافعي: ما روى أبو داود عن سهل بن سعد عن الرسول أنه ~~قال: ((إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال ولتصفق النساء " )). فإن صفق ~~الرجل وسبحت المرأة لم تبطل صلاتهما لكنهما خالفا السنة، فإن صفق الرجل ~~والمرأة على وجه اللهو لا على جهة الإعلام بطلت صلاتهما لأن اللعب ينافي ~~الصلاة. # والحجة لما قاله مالك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((من نابه شيء في صلاته ~~فليسبح " )). ولم يذكر التصفيق وما قاله مالك فهو الأحرى ms1269 على المذهب. وما ~~أوردوه من الخبر الدال على التصفيق فعنه جوابان: # أما أولا: فهو منسوخ بما روي عن الرسول : ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء ~~من كلام الناس إنما هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن)). # وأما ثانيا: فلأن المراد بقوله التسبيح للرجال أي أن التسبيح يشرع ~~للتنبيه عن السهو في حق الرجال بخلاف النساء فإن دأبهن التصفيق، وليس الغرض ~~أن التصفيق مشروع للتنبيه في حقهن وإنما هن أهل للتصفيق واللهو كما يقال ~~الرماح للرجال وللنساء المغازل، وليس المقصود أن المغازل للحرب كما أن ~~الرماح للحرب وإنما المقصود بيان نزول القدر وركة الهمة. PageV03P369 # وروى يونس بن عبد الأعلى(1) عن الشافعي أنه قال: من شمت غيره في الصلاة لم ~~تبطل صلاته لأنه دعاء له بالرحمة فهو كالدعاء لأبويه بالرحمة وهذا جيد من ~~جهة القياس لأن من مذهبه أن الدعاء لا يبطل الصلاة والمشهور عند أصحابه أنه ~~مبطل للصلاة وهذا هو الذي يأتي على أصولنا كما مر بيانه لأنه كلام وضع ~~لمخاطبة آدمي وهو كرد السلام وقد مر الكلام في التأمين في القرآن وذكرنا ما ~~فيه من الأخبار والانتصار فأغنى عن الإعادة. # المسألة التاسعة: وتكره مطالعة شيء من أسفار التوراة والإنجيل لما روي أن ~~الرسول رأى كراسة من التورات في يد عمر بن الخطاب فاحمر وجهه وقال: ((لو ~~كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " )). فلو قرأ في صلاته شيئا من ~~التوراة والإنجيل فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه إذا قرأ في صلاته بالتوراة والإنجيل لم تصح صلاته ولم ~~تكن مجزية وهذا هو الذي يأتي على المذهب وهو قول أبي حنيفة ومحمد. # والحجة على هذا: هو أن الإجماع واقع على نسخ هذه الكتب المنزلة حكمها ~~وتلاوتها ولا معنى لكون الشيء منسوخا إلا لأنه لا يعمل به لا في تلاوة ولا عمل. # المذهب الثاني: أنه إن كان ما في التوراة شيئا من التسبيح والتهليل لم ~~تفسد صلاته وهذا هو رأي أبي يوسف وربما يقال على قياس قول أبي حنيفة أنه ms1270 إن ~~كان من أمر التوارة والإنجيل ما يوافق القرآن من جهة المعنى جازت صلاته. PageV03P370 # والحجة على هذا: هو أن التعويل على المعاني، فإذا كان في ألفاظ التوراة ~~والإنجيل ما يطابق معاني القرآن، جازت الصلاة به، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه ~~أن هذه الكتب كلها أعني التوارة والإنجيل كلها كتب سماوية نزل بها جبريل ~~على موسى وعيسى فإذا كانت موافقة للقرآن في معانيه ودالة على ما يدل عليه ~~القرآن جازت الصلاة بها؛ لأن المقصود هو مطابقة المعاني. # والمختار: هو المنع من الصلاة بألفاظ التوراة والإنجيل. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو أن الصلاة إنما تكون مجزية بما كان ~~قرآنا؛ لقوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن معها))، والقرآن إنما ~~يكون قرآنا بما به يكون معجزا وليس يكون معجزا إلا بالبلاغة والفصاحة، ~~وهذان يكونان باللغة العربية، والتوراة والإنجيل نازلان بلسان العجم فلأجل ~~هذا بطلت الصلاة بهما. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: إذا كان التوارة والإنجيل مطابقين للقرآن في معانيه جازت الصلاة بهما. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا قد قررنا كونهما منسوخين في الحكم والتلاوة فلا وجه ~~لإجزاء الصلاة بهما. # وأما ثانيا: فلأن المطابقة في المعاني غير كافية بل لابد من التعبد ~~بألفاظه ومعانيه لأن التعبد كما هو جار بتلاوته فهو جار بالتعبد بامتثال ~~معانيه في أوامره ونواهيه وزواجره ومواعظه وحكمه. # المسألة العاشرة: قال الإمامان الهادي(1): PageV03P371 # من ضحك حتى ملأ فاه وشغله عن القراءة بطلت صلاته لما روي عن الرسول : ((من ~~ضحك في صلاته قرقرة بطلت صلاته وعليه الوضوء " )). وهكذا حال القهقهة ~~ولأنهما أفعال كثيرة لما فيه من تكرير الضحك واستغراق النفس فيه وهو مناف ~~للصلاة، فأما إعادة الوضوء بالقهقهة فقد مر في نواقض الوضوء وذكرنا المختار ~~والانتصار له فلا وجه لتكريره، وأما التبسم فليس فيه صوت وإنما هو حركة ~~للشفة وهو فعل قليل غير مفسد للصلاة فلهذا كان لاحقا بالأفعال القليلة التي ~~هي غير مفسدة، والضحك من غير قهقهة ولا قرقرة مفسد للصلاة أيضا لما روي عن ~~الرسول أنه قال: ms1271 ((الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء " )). وأما التأوه ~~فهو مفسد للصلاة سواء قال: أوه أو آاه أو قال: أه. فكله مبطل لها لأنه كلام ~~من كلام الناس وقد قال : ((إن صلاتنا هذه ليس فيها شيء من كلام الناس)). ~~وأقل الكلام اللغوي حرفان، فأما الكلام في ألسنة النحاة فهو المركب من ~~جزئين وهو شيء اصطلحوا عليه والكلام اللغوي هو ما ذكرناه، فأما ما قاله ~~السيد أبو العباس: من أن المصلي لو لفظ بالحرف الواحد فالأقرب أن صلاته لا ~~تفسد وعلل ذلك بأن قال: الحرف الواحد لا يكون كلاما فهذا منه تساهل، فإن ~~الحرف الواحد لا يعقل كونه كلاما لأنه لابد من حرف يبتدأ به وحرف يوقف عليه ~~والضرورة قاضية بما ذكرناه في الكلام، وأراد أنه لو قدر إمكان اللفظ بالحرف ~~الواحد لم يكن مفسدا على جهة التقدير دون التحقيق وقد أشار إليه في آخر ~~كلامه حين قال: إن الحرف الواحد لا يكون كلاما في الحقيقة وأراد بالحقيقة ~~التقدير دون الوجود. وأما الأنين فإن كان من خوف الله أو رغبة في الجنة أو ~~خوفا من النار لم يكن مفسدا للصلاة عند أئمة العترة الهادي والناصر وهو قول ~~أبي حنيفة وأصحابه والشافعي. PageV03P372 # والحجة على هذا: هو أن الأنين ليس حرفا واضحا وإنما هو صوت قليل يفعل ~~لإصلاح الصلاة فلهذا لم يكن مفسدا لها كالأفعال القليلة نحو تسوية الرداء ~~ودرء المار وغير ذلك، وإن كان الأنين من وجع أو مصيبة فهل يكون مفسدا لها ~~أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه غير مفسد لها وهذا هو رأي الناصر ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله تدعو إليه الضرورة وهو من الأفعال ~~القليلة فلا جرم لم يكن مفسدا لها ولا مبطلا. # المذهب الثاني: أنه مفسد للصلاة وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن هذا فعل ليس يفعل لإصلاح الصلاة، ولا تدعو ~~الضرورة[إليه] فلهذا أبطلها كالكلام. # والمختار: ما قاله الناصر ومن تابعه. # والحجة على ذلك: هو ms1272 أن الله تعالى أثنى على نبيه إبراهيم بقوله: {إن ~~إبراهيم لاواه حليم " }[التوبة:114]. والتأوه لا ينفك عن الأنين والتحزن ~~ولهذا روي أن الرسول كان إذا صلى كان لقلبه أزيز كأزيز المرجل في الصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: الأنين ليس يفعل لإصلاح الصلاة. # قلنا: إذا كان قليلا فسوى فعل لإصلاح الصلاة أو لم يفعل لصلاحها فهو ~~مغتفر لقلته، وأما البكاء فإن كان بنشيج وصياح وتأوه فهو مفسد للصلاة لما ~~فيه من الأفعال الكثيرة، وإن كان فيه عبرة وسيلان الدموع وأنين وتوجع فليس ~~مفسدا لها لقوله تعالى: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمان خروا سجدا وبكيا " ~~}[مريم:58]. وقوله: {ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا " } ~~[الإسراء:109]. وإن شم رائحة خبيثة في صلاته فقال: أف أو كخ. فسدت صلاته ~~لكونه كلاما من كلام الناس، وإن شم رائحة طيبة في صلاته فاستطلع نفسه لم ~~تفسد صلاته لأنه فعل قليل، وأما النفخ في الصلاة فينظر فيه فإن كان فيه ~~حرفان فهو مفسد للصلاة وإن لم يكن فيه حرفان فهو عمل قليل ليس مفسدا لها. PageV03P373 # والحجة على هذا: ما روى ابن عمر عن الرسول أنها كسفت الشمس على عهد الرسول ~~حتى آضت كأنها تنومة ومعنى آضت عادت والتنوم شجر أسود يأكله النعام وهي ~~فعولة بتاء بنقطتين من أعلاها ونون، فصلى رسول الله صلاة الكسوف فلما كان ~~آخر سجدة جعل ينفخ ويبكي ويقول: ((لم تعذب وأنا فيهم ولم تعذب ونحن نستغفرك ~~" )) (1). وأراد أن الله تعالى وعده بقوله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم " وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}[الأأنفال:33]. فلما قضى صلاته ~~قال: ((والذي نفسي بيده لقد عرضت علي النار حتى إني لأطفيها خشية أن تغشاكم ~~" )). فلولا أنه نفخ ورفع صوته لما سمع، وقد نجز غرضنا من ذكر هذه المسائل ~~في إفساد الصلاة. ونرجع إلى التفريع. # الفرع العاشر: وسجود التلاوة في النوافل غير مفسد لها عند أئمة العترة ~~وفقهاء الأمة فأما سجود التلاوة في الفرائض فهل تفسدها أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكون مفسدا لها وهذا ms1273 هو رأي أئمة العترة القاسم ~~والهادي والناصر والمؤيد بالله. # والحجة على هذا: هو أنها سجدة زائدة في أثناء الصلاة على وجه العمد فوجب ~~القضاء ببطلانها كما لو زاد سجدة لغير التلاوة. # المذهب الثاني: أنه غير مبطل للصلاة وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه ~~والشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه سجد في صلاة الصبح حين قرأ {الم، ~~تنزيل} السجدة. # والمختار: أن سجود التلاوة غير مفسد لصلاة الفريضة إذا وقع فيها. # والحجة: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا هو أن موجب السجود حاصل في الصلاة وهو ~~التلاوة فالموجب يكون في الصلاة كسجود السهو فإنه لما كان موجبه في الصلاة ~~كان موجبه في الصلاة نفسها. PageV03P374 # الحجة الثانية: ما روى ابن عمر رضي الله عنه أن الرسول سجد في صلاة الظهر ~~وسجد أصحابه بعده قرأوا أنه ما سجد إلا لعروض السجدة في التلاوة(1). # الحجة الثالثة: قوله تعالى: {فما لهم لا يؤمنون " ، وإذا قرئ عليهم ~~القرآن لا يسجدون}[الانشقاق:20،21]. فجعل السجود للتلاوة نظيرا للإيمان ~~وجمعهما في التوبيخ على تركهما ولم يفصل بين أن تكون التلاوة في فريضة أو نافلة. # الحجة الرابعة: الآيات الدالة على السجود في القرآن ما كان منها بلفظ ~~الأمر وما كان منها بلفظ الخبر لم يفصل بين أن [تكون] في فريضة أو نافلة، ~~فهذه الحجج كلها دالة على جوازها في الفريضة كجوازها في النافلة. # ومن وجه آخر: وهو أنه إذا جاز فعلها في النافلة ولم تفسدها جاز فعلها في ~~الفريضة لأن كل ما أفسد الفريضة فهو مفسد للنافلة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: إنها سجدة زائدة في أثناء الصلاة على وجه العمد فوجب القضاء ~~ببطلانها كما لو سجد لغير التلاوة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فإن هذه سجدة فعلت لعارض فيها فجاز بخلاف ما لو كان لغير سبب ~~عارض فإنه مبطل لها ويصير لاغيا عابثا في الصلاة. # وأما ثانيا: فلأن هذه زيادة من جنس مفروضها فلم تكن مبطلة لها كزيادة ~~الركوع في صلاة الكسوفين. # ومن وجه آخر: وهو أن هذا ms1274 معارض بما ذكرناه من الأخبار الدالة على جواز ~~فعلها في الصلاة المفروضة والأقيسة لا تعارض الأخبار لأن منصب صاحب الشريعة ~~أعلى من منصب القايس، وقوله أحق بالقبول. # قالوا: يحمل ما ورد من الأخبار في سجود التلاوة في الفريضة على أنه كان ~~بعد الفراغ منها فلا يكون فيه حجة. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV03P375 # أما أولا: فلأن العمل على ما يدل عليه ظاهر الأخبار أحق من العمل على ~~التأويل. # وأما ثانيا: فلأن التأويل يفتقر إلى دلالة تدل عليه والظاهر كاف في العمل ~~عليه وسيأتي لهذا مزيد تقرير في سجود التلاوة عند الكلام في سجود السهو ~~وسائر السجدات بمعونة الله. # الفرع الحادي عشر: والسكوت الطويل هل يكون مبطلا للصلاة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما:أنه غير مبطل للصلاة لأنه لا يطرق خللا في نظم الصلاة وتأليفها. # وثانيهما:أنه مفسد لها لأنه يقطع الموالاة بين أفعال الصلاة. # والمختار: أنه ينظر فيه، فإن كان سكوتا طويلا أفسدها، والتفرقة بين ~~الطويل والقصير هو أن الطويل إذا رأه الرائي ظن أنه غير مصل فلهذا حكمنا ~~بإفساده للصلاة لما كان قاطعا للموالاة في أفعالها وأذكارها، وإن كان سكوتا ~~قصيرا لم يكره؛ لأن الرسول كان له سكتتان: سكتة بعد فراغه من تكبيرة ~~الافتتاح قبل القراءة وسكتة ثانية بعد فراغه من القراءة قبل الركوع، فما ~~هذا حاله مشروع في الصلاة، وإن كان غير مشروع نظرت فإن كان فعله على جهة ~~السهو فهو معذور ولم يكره وفيه سجود السهو، وإن كان فعله متعمدا كره وفيه ~~سجود السهو، وإن سبق لسانه إلى الكلام في الصلاة فهل يفسدها أم لا؟ فالذي ~~يأتي على كلام الهادي والمؤيد بالله أنه مفسد لها، كما قالا في كلام ~~الناسي، والذي يأتي على كلام الناصر والشافعي أنه غير مفسد لها، كما قالاه ~~في كلام الناسي أنه غير مفسد، وهذا هو المختار؛ لأنه معذور فيما فعله فأشبه ~~كلام الناسي. # والمكره على الكلام في الصلاة هل يكون مفسدا لها أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما:أنه مبطل لها لأنه معذور غير مختار فأشبه كلام ms1275 الناسي وهذا هو ~~الذي يأتي على كلام الهادي والمؤيد بالله. PageV03P376 # وثانيهما:أنه غير مبطل وهذا هو المختار، ويدل على ما قلناه هو أنها عبادة ~~مؤقتة فلم تبطل بالإكراه على فعل ما يفسدها كالصوم فإنه لا يبطله إيجار(1) # الشرب في حلقه. # الفرع الثاني عشر:نجعله خاتمة للكلام فيما يفسد الصلاة. # اعلم أن كل ما يفعل في الصلاة مما ليس مشروعا فيها فهو نوعان: قليل وكثير. # فالنوع الأول الكثير وقد قدمنا الكلام فيه، والنوع الثاني قليل وهو غير ~~مفسد لها لقلته واغتفار الشرع له، ثم هو ضربان: # الضرب الأول:يفعل لإصلاح الصلاة ثم هو على وجهين: # الوجه الأول: يفعل على جهة الوجوب وهو كل ما كان تركه يفسد الصلاة ففعله ~~لا محالة يكون واجبا، وهو نحو أن ينحل إزاره فيخشى أن تبدو عورته فيجب عليه ~~سترها بالفعل القليل. # الوجه الثاني: يفعل على جهة الإستحباب وهذا نحو تسوية الرداء إذا خشي ~~انكشاف ما يستحب ستره ونحو تسوية الحصا لإصلاح موضع السجود. # الضرب الثاني: ما يفعل لا لإصلاح الصلاة، ثم هو على وجهين: # الوجه الأول منهما: تدعو الضرورة إليه فلا يكره فعله فيها، وهذا نحو أن ~~يحك جسده إذا كان تركه يؤذيه ويشغله فما هذا حاله يباح ولا يكره. # الوجه الثاني: لا تدعو الضرورة إليه فيكره فعله وهذا نحو تغميض عينيه ~~ونحو أن يضع يده على فيه عند التثاؤب، فهذه جملة الأفعال التي تفعل في ~~الصلاة تكون على هذه الكيفية أجملناها هاهنا لتكون محصورة. PageV03P377 # --- ### ||| AUTO الفصل الثاني في بيان الأمور المكروهة في الصلاة # اعلم أنا نريد بالأمور المكروهة في الصلاة ما لا يكون فعله ولا تركه ~~مبطلين لها ولا موجبين لفسادها، وإنما نريد ما يوجب سجود السهو وينقص ~~الثواب. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: يكره ترك السنن في السنن وسواء كانت السنة من باب الأذكار ~~أو من باب الأفعال أو من باب الهيئات لما روي عن الرسول أنه قال: ((من رغب ~~عن سنتي فليس مني )). وأراد ليس من عملي وشاني ولم يرد البراءة ممن ترك ~~السنة، ms1276 ولما روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). والمعلوم ~~من حاله أنه كان يأتي بالسنن في الصلاة وهيئاتها كلها، وفي الحديث عن ~~الرسول أنه قال: ((الصلاة مكيال فمن أوفى استوفى )). وأراد من أتى بها على ~~الحد الذي شرعت له فقد وفاها حقها فيجب أن يستوفي حقه من الأجر والثواب على ~~أدائها كاملة وافية، وفي حديث آخر: ((مثل الذي لا يتم صلاته يعني الذي لا ~~يأتي بفروضها وسننها كمثل الحامل حملت حتى إذا دنى نفاسها أملصت فلا هي ذات ~~حمل ولا ذات ولد)). # الفرع الثاني: يكره أن يلتفت المصلي في صلاته لغير حاجة لما روي عن عائشة ~~أنها قالت سألت رسول الله عن التفات الرجل في الصلاة فقال: ((هو اختلاس ~~يختلسه الشيطان من صلاة العبد ))(1). # وروي عن الرسول أنه قال: ((إذا التفت العبد في صلاته يقول الله تعالى " : ~~عبدي إلى من تلتفت أنا خير ممن تلتفت إليه)) (2). PageV03P378 # وروي عن الرسول أنه قال: ((لا يزال الله مقبلا على عبده في صلاته ما لم ~~يلتفت، " . فإذا التفت صرف وجهه عنه))(1) # فإن التفت يمينا وشمالا لحاجة لم يكره لما روي عن الرسول أنه كان يلتفت ~~يمينا وشمالا ولا يلوي عنقه خلف ظهره(2) # رواه ابن عباس، ولا تبطل به الصلاة لخبر ابن عباس ولأنه عمل قليل، وإن ~~التفت حتى استدبر القبلة بطلت صلاته لأنه ترك شرطا من شروط الصلاة. # الفرع الثالث: يكره أن يرفع بصره إلى السماء في الصلاة؛ لما روى أنس بن ~~مالك عن الرسول أنه قال: ((ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في ~~الصلاة " حتى اشتد قوله في ذلك فقال: لينتهن أو لتخطفن أبصارهم))(3). # فإن طلع ببصره نحو القبلة لحاجة لم يكره لما روي أن الرسول لما نزل بطن ~~واد في بعض غزواته قال: ((من يحرسنا هذه الليلة " )) فقال رجل: أنا يا رسول ~~الله فطلع أعلى ليحرسهم فلما طلع الفجر قال الرسول : ((هل أحسستم ~~بفارسنا))؟ قالوا: لا يا رسول الله، فصلى الرسول صلاة الفجر وهو يلحظ ببصره ~~أعلى الوادي يرقب ms1277 الرجل(4). # الفرع الرابع: يكره أن ينظر الرجل في صلاته إلى شيء يلهيه من ثوب أو بساط ~~أو غيرهما لما روي عن عائشة قالت: كان الرسول يصلي وعليه خميصة ذات أعلام ~~فلما فرغ من صلاته قال: ((ألهتني أعلام هذه اذهبوا بها إلى أبي جهم " ~~فليبعها وأتوني بانبجانية)) (5) PageV03P379 . # والإنبجاني: كساء ليس فيه خطوط وهو بالنون والباء بنقطة من أسفلها ~~وبالجيم. فإن فعل ذلك لم تبطل صلاته لأنه لم ينقل عن رسول الله أنه أعاد ~~الصلاة. # الفرع الخامس: يكره الإختصار في الصلاة لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه ~~نهى أن يصلي الرجل مختصرا وإنما كره الإختصار لأمرين: # أما أولا:فلما روي أن أبليس إذا مشى مشى مختصرا. # وأما ثانيا:فلما روي أن الاختصار راحة أهل النار واختلف في تفسير ~~الاختصار على أقوال ثلاثة: # القول الأول: هو أن يضع الرجل يده على خاصرته. حكاه أبو داود في سننه. # القول الثاني: أن الاختصار أن يأخذ الرجل عصا في يده يتكئ عليها في ~~الصلاة يقال لها المخصرة. # القول الثالث:أن الاختصار هو أن يقرأ الرجل من آخر السورة آية أو آيتين ~~ولا يقرأ السورة بكاملها. # الفرع السادس:ويكره مسح الحصا في الصلاة لما روى أبو ذر عن الرسول أنه ~~قال: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى " فإن الرحمة تواجهه)) (1). # ولما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه عن الرسول أنه كره المسح في الصلاة ~~وقال: ((إن كنت لابد فاعلا فمرة واحدة)). وعن معيقيب(2) # أنه قال: سألت رسول الله عن المسح في الصلاة؟ فقال: ((إن كنت لابد فاعلا ~~فمرة واحدة))(3) # كأنه رخص في ذلك. PageV03P380 # الفرع السابع:يكره العقص، وتفسيره: أن يعقص الرجل ضفيرة رأسه إلى قفاه، لما ~~روي عن أبي رافع أنه مر بالحسن بن علي وهو يصلي وقد عقص ضفرته في قفاه، ~~فحلها أبو رافع، فالتفت إليه الحسن مغضبا فقال: أقبل على صلاتك فإني سمعت ~~رسول الله يقول: ((هذا كفل الشيطان " ))(1). # قال أبو عيسى الترمذي: وعلى هذا عمل أكثر أهل العلم فإنهم كرهوا أن يصلي ~~الرجل وشعره معقوص إلى ms1278 قفاه. # الفرع الثامن: ويكره النفخ في الصلاة لما روت أم سلمة رضي الله عنها ~~قالت: رأى الرسول غلاما لنا يقال له أفلح إذا سجد نفخ في الصلاة فقال له ~~النبي : ((يا أفلح ترب وجهك " ))(2). # وقد قدمنا فيما سبق أن النفخ ليس مفسدا للصلاة وإنما يكره، واختلف ~~الفقهاء فيه، فذهب أهل الكوفة والثوري إلى أن من نفخ في صلاته أعادها، وحكي ~~عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه أنه غير مفسد للصلاة. # الفرع التاسع: يكره الشبك في الصلاة، وهو إدخال الأصابع بعضها في بعض لما ~~روى كعب بن عجرة(3) # عن رسول الله أنه قال: ((إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى ~~المسجد فلا يشبكن بين أصابعه فإنه في صلاة))(4). PageV03P381 # الفرع العاشر: ويكره التثاؤب في الصلاة لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه ~~قال: ((التثاؤب في الصلاة من الشيطان " )). وقال: ((إذا تثاءب أحدكم ~~فليكظمن ما استطاع " ))(1). # وفي حديث آخر: ((إذا تثاءب الرجل في صلاته ضحك الشيطان " ))(2). # الفرع الحادي عشر: ويكره التخصيص في الصلاة، وهو أن يخص الإمام نفسه ~~بالدعاء دون من بعده؛ لما روى ثوبان عن رسول الله : ((لا يحل لرجل أن يؤم ~~قوما فيخص نفسه بدعوة " فإن فعل ذلك فقد خانهم ولا يحل لامرئ أن ينظر في ~~جوف بيت حتى يستأذن))(3). # الفرع الثاني عشر: وتكره الصلاة عند غلبة النعاس؛ لما روت عائشة رضي الله ~~عنها قالت: قال رسول الله : ((إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب ~~النعاس بالنوم " فلعله يذهب يستغفر فيسب نفسه))(4). PageV03P382 # الفرع الثالث عشر: يكره التطبيق في الصلاة وهو أن يطبق يديه ويجعلهما بين ~~ركبتيه وقد كان مشروعا ثم نسخ وهو محكي عن ابن مسعود وقد قدمنا الكلام عليه ~~في الركوع فأغنى عن الإعادة فلا وجه لتكريره. # ويكره للرجل أن يؤم قوما وهم له كارهون؛ لما روى أنس بن مالك أنه قال: ~~لعن رسول الله ثلاثة: ((رجلا أم قوما وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها ~~عليها ساخط، ورجلا سمع حي على الفلاح فلم يجب))(1). # وهذا محمول ms1279 إما على أئمة الظلمة وأهل الجور فأما من أقام السنة وكانت ~~طريقته مستقيمة على الدين فإن الإثم على من كرهه، وإما على أن الأكثر كاره ~~فأما إذا كان الواحد والإثنان فلا بأس بصلاته، وفي حديث آخر: ((ثلاثة لا ~~تجاوز صلاتهم آذانهم : العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ~~ساخط، وإمام أم قوما وهم له كارهون))(2). # الفرع الرابع عشر: ويكره المرور بين يدي المصلي؛ لما روى أبو جهيم قال: ~~قال رسول الله : ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف ~~أربعين خير له من أن يمر بين يديه))(3). PageV03P383 # قال الراوي للحديث: لا أدري أربعين يوما أو شهرا أو سنة. وفي حديث آخر عن ~~الرسول أنه قال: ((لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه ~~وهو يصلي ))(1). # الفرع الخامس عشر: وتكره الصلاة للرجل وهو حاقن أو حاقب، فالحاقب: بالباء ~~هو الذي يدافع الغائط والحاقن: بالنون هو الذي يدافع البول؛ لما روي عن ~~الرسول أنه نهى عن أن يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين في الصلاة(2)، # وهذا محمول على أنه يشغله ويؤذيه، فأما إذا كان لا يمكنه إستيفاء أركانها ~~فهو مفسد لها. # الفرع السادس عشر: وتكره الصلاة إلى القبر؛ لما روي عن الرسول أنه قال: ~~((لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " )) (3). # وإذا كان اليهود ممنوعين من مثل هذا فالمسلمون أدخل في ذلك؛ لأن القصد هو ~~التحذير عن هذا الفعل. # الفرع السابع عشر: ويكره التدبيح(4) PageV03P384 في الصلاة، وهو بالحاء المهملة والدال بنقطة من أسفلها ومن رواه بالذال ~~بنقطة من أعلاها فهو تصحيف، وصفة التدبيح أن يكب رأسه ويرفع عجيزته لما روي ~~عن الرسول أنه قال: ((لا يدبح أحدكم في الصلاة كما يدبح الحمار " )) (1). # الفرع الثامن عشر: ويكره الإقعاء في الصلاة وصفته أن يقعد على عجزه وينصب ~~ساقيه؛ لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا يقعي أحدكم في الصلاة كإقعاء ~~الكلب))(2). # الفرع التاسع عشر: ويكره للرجل أن يعبث بلحيته في الصلاة وتنقية أنفه لما ~~روي عن ms1280 رسول الله أنه رأى رجلا يعبث بلحيته فقال: ((أما هذا فلو خشع قلبه ~~لخشعت جوارحه " ))(3). # الفرع العشرون: ويكره التمطي في الصلاة وتغميض عينيه، وأن يغطي على فيه ~~بيديه، وأن يرواح بين رجليه يرفع إحداهما ويضع الأخرى، وأن يحذف الهواء ~~بالمروحة إلى وجهه أو بيديه؛ لما روي عن الرسول أنه قال: ((اسكنوا في ~~الصلاة)). وهذه الحركات تنافي السكون. وقوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون ~~الذين هم في صلاتهم خاشعون}[المؤمنون:1،2]. والخشوع ينافي هذه الأمور كلها. PageV03P385 # الفرع الحادي والعشرون: ويكره الصفن والصفد في الصلاة، والصفن: هو أن يقوم ~~على أصابع إحدى الرجلين دون الأخرى أخذا له من صفن الفرس [وهو] أن تقوم على ~~حرف سنبك رجلها وهو خاص في الخيل دون غيرها من البهائم، ولهذا قال تعالى: ~~{إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد }[ص:31]. والصفد: هو أن يلاقي الكعبين ~~من الرجلين في حال قيامه لما روي عن الرسول أنه نهى عن الصفن والصفد في ~~الصلاة. # الفرع الثاني والعشرون: ويكره للمصلي إذا سجد أن يكف شعره وثوبه لما روي ~~عن الرسول أنه قال: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء ولا أكف شعرا ولا ~~ثوبا)). # الفرع الثالث والعشرون: ويكره الكفت في الصلاة وهو أن يصلي الرجل ويداه ~~مكفوتتان إلى ورائه؛ لما روي عن الرسول أنه نهى عن الكفت في الصلاة. # الفرع الرابع والعشرون: وتكره الصلاة عند وضع الطعام لما روى ابن عمر عن ~~الرسول أنه قال: ((إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء))(1). # وروي أن ابن عمر تعشى وهو يسمع قراءة الإمام. # الفرع الخامس والعشرون: ويكره السدل في الصلاة لما روى أبو هريرة أنه ~~قال: نهى رسول الله عن السدل في الصلاة، وحكمه مختلف فيه فمنهم من حمله على ~~الكراهة على الإطلاق؛ لأنه من فعل اليهود ومنهم من جوزه إذا كان السدل على ~~القميص ولم يكره، ومنهم من حمله على منع الإجزاء إذا كان السدل في ثوب ~~واحد. وصفة السدل: أن يرخي جانبي الثوب من عن يمينه ويساره ولا يكفته. قال ~~القاسم: لا بأس بالسدل في ms1281 الصلاة. وهذا محمول على السدل على القميص. PageV03P386 # الفرع السادس والعشرون: ويكره للمصلي حبس النخامة في فيه حال الصلاة؛ لأنها ~~تشغله عن اتمام القراءة فيستحب له إزالتها عن فيه ليكون متمكنا من القراءة، ~~فإن كان في المسجد لم يجز له رميها فيه؛ لما روي عن الرسول أنه قال: ((إن ~~المسجد لينزوي عن النخامة كما تنزوي الجلدة في النار ))(1). # وفي حديث آخر: ((ليعلم الذي يتنخم في المسجد أنه يبعث يوم القيامة وهي في ~~وجهه))(2). # وفي حديث آخر أنه دخل يوما المسجد وفي يده عرجون من عراجين النخلة فرأى ~~نخامة في القبلة فحكها بالعرجون ثم التفت إلى أصحابه فقال: ((أروني ~~عبيرا)). فخرج رجل من القوم فجاء بعبير، والعبير: هو أخلاط الطيب فوضعه ~~مكان النخامة، وذلك هو الأصل فيما يفعله المسلمون في الطيب في المسجد. فإذا ~~كان في المسجد أخذها بطرف ثوبه ورد بعضها(3) # على بعض، وإن كان في غير المسجد فإن كان منفردا رمى بها على يساره وإن ~~كان في جماعة رمى بها تحت قدمه [اليسرى]؛ لأن اليمنى لها فضل على اليسار، ~~وقلنا: يرمي بها تحت قدمه إذا كان في جماعة لئلا يؤذي من عن يمينه ويساره ~~من المسلمين. # الفرع السابع والعشرون: ويكره للمصلي أن يكثر التفكر في صلاته؛ لما روي ~~عن الرسول أنه قال: ((لا يزال الشيطان بالمرء في صلاته " يقول: أذكر كذا ما ~~لم يكن يذكر حتى لا يدري كم صلى))(4) # ولا تبطل صلاته وإن أكثر التفكر فيها؛ لأن أفعال القلوب لا تأثير لها في ~~إفساد الصلاة. PageV03P387 # الفرع الثامن والعشرون: ويكره للمصلي تمطيط القراءة وتمديدها لقوله تعالى: ~~{ورتل القرآن ترتيلا}[المزمل:4]. ويكره للمصلي أن يكون نظره في حال قيامه ~~إلى غير موضع سجوده وفي حال ركوعه إلى غير قدميه؛ لما روي عن الرسول أنه ~~كان يفعل ذلك وخلاف فعله يكون مكروها. # الفرع التاسع والعشرون:وتكره للإمام القراءة في الصلاة بالسور الطوال، ~~ولا تكره إذا كان منفردا لما روي عن الرسول أنه قال لمعاذ لما طول القراءة: ~~((أفتان أنت يا معاذ " صل بهم صلاة ms1282 أضعفهم ))(1). # الفرع الثلاثون: وتكره للمصلي القراءة في حال الركوع والسجود والتشهد؛ ~~لأن هذه الأماكن لم تشرع فيها القراءة فلهذا كرهت فيها، ويكره للمصلي ~~الإستعجال في الركوع والسجود مخافة ألا يدركه الضعيف والشيخ الكبير. # الفرع الحادي والثلاثون: ويكره أن يشير بيده عند التسليم؛ لما روي عن ~~الرسول أنه قال: ((مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في ~~الصلاة)). # الفرع الثاني والثلاثون: ويكره للمصلي أن يرمي بالسلام رمي المستعجل بل ~~يسلم وعليه السكينة والوقار؛ لما روي عن رسول الله أنه كان إذا سلم عن ~~يمينه وشماله التفت وعليه السكينة والوقار وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني ~~أصلي)). # الفرع الثالث والثلاثون: ويكره ترك الترتيب بين الفاتحة والسورة لما روي ~~عن الرسول أنه كان يقرأ الفاتحة قبل السورة، وتكره قراءة السورة في ~~الركعتين الأخرتين من الصلاة الرباعية والثالثة من المغرب. PageV03P388 # الفرع الرابع والثلاثون: ويكره للمصلي الجهر بالدعاء؛ لقوله تعالى: {ادعوا ~~ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين}[الأعراف:55]. وقد قال أهل التفسير ~~إن الاعتداء رفع الصوت بالدعاء(1). # الفرع الخامس والثلاثون: ويكره للمصلي إذا فرغ من الصلاة ترك الدعاء عقيب ~~الصلاة لقوله تعالى: {فإذا فرغت فانصب " }[الشرح:7]. والمراد إذا فرغت من ~~الصلاة فانصب في الدعاء، فهذا ما أردنا ذكره في ذكر ما يكره في الصلاة. PageV03P389 # --- ### ||| AUTO الفصل الثالث في بيان ما لابأس بفعله في الصلاة. # اعلم أنا قد ذكرنا في الفصل الأول ما يكون مفسدا للصلاة وذكرنا في الفصل ~~الثاني ما يكون مكروها في الصلاة، والذي نذكره في هذا الفصل هو ما يكون ~~فعله غير مفسد للصلاة ويقع التردد في جواز فعله أو تركه ونحن نورد هذه ~~الفروع ونفصلها بمعونة الله تعالى: # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: في ضبط المصلي لعدد الركعات بالأصابع أو بخط على الأرض أو ~~بوضع الحصا، هل يجوز ذلك أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه لا بأس به، وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن مالك والثوري ~~وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وأبن أبي ليلى والنخعي. # والحجة على هذا: ms1283 قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات " }[البقرة:238]. وهذا ~~من جملة المحافظة على أعداد ركعاتها وسجداتها. # المذهب الثاني: كراهة ذلك، وهذا هو رأي أبي حنيفة والشافعي. # والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله ليس من عمل الصلاة في شيء فلهذا كان ~~تركه أولى؛ ولأنه يمنع من الخشوع ويشغل القلب عن الإقبال إلى الصلاة. # المذهب الثالث: أنه يكره في الفرض دون النفل، وهذا هو رأي أبي يوسف حكاه ~~المنهلي(1) عنه. # والحجة على هذا: هو أن الفرائض المأخوذ فيها التصون والاحتراز عما يكون ~~فيها نقصان لها من الاشتغال فيها بالمباحات بخلاف النوافل فإن الشرع قد ~~تساهل فيها ولهذا يجوز أداؤها من قعود مع القدرة على القيام، فلأجل هذا جاز ~~ما ذكرناه في النفل دون الفرض. # والمختار: ما قاله الهادي ومن تابعه من العلماء من جواز المحافظة بما ~~ذكرناه على أعداد الركعات. PageV03P390 # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن المقصود هو سد باب الشكوك في ~~الصلوات والإتيان بها على تمام وكمال في أعداد ركعاتها وسجداتها وبما شرع ~~من تكرير التكبيرات في صلاة الكسوف وفيما شرع من تكرير التسبيحات في صلاة ~~التسبيح وغير ذلك من النوافل المكررة قراءتها وتسبيحاتها، وما هذا حاله ~~يضبطها وتكون بمراعاته مؤداة على الحد المشروع فيها فلهذا كان جائزا. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: ليس هذا الذي ذكرتموه من الحصر بالخط على الأرض، وعقد الأصابع ليس ~~من عمل الصلاة في ورد ولا صدر فلا حاجة إليه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا قد أوضحنا ما فيه من مصلحة الصلاة باحراز أركانها ~~وتأديتها على الوجه المطابق لبراءة الذمة عن اللزوم. # وأما ثانيا: فالآن قد ارتفع النزاع فإن حاصل كلامكم أنه لا فائدة فيه وقد ~~أوضحنا ما فيه من الفائدة والمصلحة فإذا الخلاف فيه يرتد إلى الفائدة ~~وعدمها فإذا أوضحنا فائدته فلا وجه للنزاع. # قالوا: إنما يجوز في الفرض دون النفل؛ لأن النفل متسع فيه بخلاف الفرض. # قلنا: الفرض مثل النفل في مراعاة مقصود المصلحة في الصلاة فإذا جاز ذلك ~~في ms1284 النفل جاز في الفرض. # ومن وجه آخر: وهو أن المقصود بما ذكرناه إنما هو التحفظ في تأدية الأركان ~~فإذا جازت المحافظة في النفل فهي في الفرض آكد وأجوز. # الفرع الثاني: قال الهادي في الأحكام: ولا بأس بأن يعتمد على الحائط أو ~~على عود عند نهوضه من السجود إذا كان به ضعف أو كبر. PageV03P391 # والحجة على هذا: ما روي أن الرسول كان له عود يعتمد عليه عند نهوضه للقيام ~~من سجوده حين كبر وضعف(1)، وحكي عن أنس بن مالك أنه قال: ما تدرون لأي شيء ~~هذا العود؟ وقد رأوا عودا مركوزا في الجدار فقال: هذا عود كان رسول الله ~~إذا قام من سجوده إلى القيام[اعتمد عليه] لما دخل في السن وكبر وضعف، ولأنه ~~مفعول لإصلاح الصلاة والوفاء بتمام ركوعها وقيامها فجاز فعله لقوله تعالى: ~~{حافظوا على الصلوات}[البقرة:238]. # الفرع الثالث: قال الهادي في المنتخب: ولا بأس أن يصلي الرجل وفي منطقته ~~دراهم أو دنانير أو فلوس أو غير ذلك مما يكون طاهرا، فما هذا حاله جائز ~~حمله باشتراط أمور ثلاثة: # أما أولا: فبأن يكون طاهرا فإنه لا يجوز حمل النجس في الصلاة كما مر بيانه. # وأما ثانيا: فبأن لا يكون حمله شاغلا له عن استيفاء شرائط الصلاة ~~وأركانها وسجودها وركوعها. # وأما ثالثا: فبأن يكون حلالا فلا يجوز حمل الأشياء المغصوبة في الصلاة ~~فإذا سلم من هذه الأمور الثلاثة جاز له حمله والإجماع منعقد على ذلك. # الفرع الرابع: ولا بأس في تسوية الرداء عن السقوط. واعلم أن ما هذا حاله ~~يكون على أوجه ثلاثة: # أولها: أن يكون واجبا وذلك إذا خاف انكشاف ما تحت ستره في الصلاة فعلى ~~هذا يكون الستر واجبا. # وثانيها: أن يكون الستر مستحبا وهذا إذا خاف انكشاف ما يستحب ستره في ~~الصلاة كالمنكب والهبريتين. # وثالثها: أن يكون مكروها وهذا إذا خاف انكشاف ما يجوز ستره في الصلاة نحو ~~العضدين والساقين لأن ما هذا حاله فعل قليل لا يخل بالصلاة. # الفرع الخامس: قال القاسم في مسائل عبدالله بن الحسن: ولا ms1285 بأس أن يشد ~~الرجل وسطه بخيط في حال الصلاة وهو محكي عن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة. PageV03P392 # والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله فيه تقوية على الركوع والسجود في حق من ~~يعتريه الضعف والكبر. # ووجه آخر: وهو أنه يكون أقرب إلى ضم الثياب عن الانتشار، وحكي عن أبي ~~حنيفة أنه مكروه. # والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله عادة للنصارى بالشد بالخيوط على ~~أوساطهم، فكره التشبه لأن لكل واحد من أهل الكتابين شعارا يعرف به فلليهود ~~الزنار على رؤسهم وللنصارى الغيار يشد على أوساطهم يخالف لون ثيابهم يعرفون به، # قال ابن المعتز(1) يصف حالهم: # قد طال ما نبهتني للصبوح به # أصوات رهبان دير في صوامعهم # مزيرين على الأوساط قد جعلوا ... في غرة الفجر والعصفور لم يطر # سود المدارع نعارين في السحر # فوق الرؤوس أكاليلا من الشعر # الفرع السادس: قال القاسم فيمن يشتكي بطنه أو ظهره أو شيئا من جسده في ~~صلاته فلا بأس أن يضع يده عليه أو يغمزه إذا كان ذلك يسكنه، والوجه في ذلك أمران: # أما أولا: فلما فيه من تضمن إصلاح الصلاة والمحافظة عليها وقد قال تعالى: ~~{حافظوا على الصلوات}[البقرة:238]. # وأما ثانيا: فلأنه يتضمن فراغ القلب عن الشغل بالألم وفيه تمام الخشوع ~~والإقبال إلى الصلاة بفراغ قلب وخاطر فلهذا كان جائزا. PageV03P393 # الفرع السابع: قال المؤيد بالله: وعلى المصلي إزالة ما كان يشغله في الصلاة ~~على وجه لا يفسدها، وهذا جيد لأن المأخوذ على المصلي فراغ قلبه عما يشغله ~~بقدر الطاقة والإمكان وفراغ جوارحه عن الإشتغال بغير أركانها ولهذا قال ~~الرسول لبلال: ((أرحنا يابلال بالدعاء إليها " )) (1). # وابتلاع الريق جائز في الصلاة لأنه أمر ضروري فأشبه العطاس والسعال ولأنه ~~فعل قليل فلا بأس به، وإخراج الزكاة في حال الإشتغال بالصلاة جائز لقوله ~~تعالى: {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " }[المائدة:55]. ~~وهذه الآية نزلت في أمير المؤمنين كرم الله وجهه فأثنى عليه بإخراجها في ~~حال الصلاة فلو كان مفسدا للصلاة لم يمدح عليه، ولأن الإخراج عمل ms1286 قليل فجاز ~~فعله كتسوية الرداء ولأن المباح إذا كان لا يفسدها فعمل الطاعة أحق بألا ~~يفسدها، وقد حمل الرسول بنت أبي العاص على عاتقه في حال قيامه ووضعها عند ~~سجوده، فإذا كان هذا غير مفسد فإخراج الزكاة غير مفسد أحق وأولى وقد نجز ~~غرضنا من بيان المفسدات للصلاة والمكروهات فيها والمباحات والحمدلله. PageV03P394 # --- ### || AUTO الباب السابع في صلاة الجماعة # ولا خلاف في كونها مشروعة بين أئمة العترة وفقهاء الأمصار ويدل على فضلها ~~ما روي عن زيد بن علي عن علي" قال: قال رسول الله : ((لن تزال أمتي يكف ~~عنها مالم يظهروا خصالا : عملا بالربا، وإظهار الرشا، وقطع الأرحام، وترك ~~الصلاة في جماعة، وترك هذا البيت أن يؤم، فإذا ترك هذا البيت أن يؤم لم ~~يناظروا))(1). # وما روي عن ابن مسعود أنه قال: قال الرسول : ((من أحب أن يلقى الله عبدا ~~مسلما .فليحافظ على هيئة الصلوات المكتوبة حيث ينادى لهن)) إلى أن قال: ~~((وإن صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده خمسا وعشرين درجة))(2). # وعن الرسول أنه قال: ((من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف الليل ، ومن ~~صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة))(3). # وعن الرسول أنه قال لجبريل: ((يا جبريل فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قال في ~~ثلاث: إسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الخطا إلى مساجد الجماعات، وإنتظار ~~الصلاة بعد الصلاة))(4). PageV03P395 # وماروي عن علي أنه قال: قال الرسول : ((من سمع المنادي من جيران المسجد لم ~~يحبسه مرض أو علة ولم يشهد الصلاة فلا صلاة له))(1). # وما روي عن الرسول أنه قال: ((أفضل الأعمال إسباغ الوضوء في السبرات ونقل ~~الأقدام إلى مساجد الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة)). وعن أنس بن مالك ~~عن رسول الله أنه قال: ((لقد هممت أن آمر رجلا أن يصلي بالناس ثم أنظر إلى ~~قوم يتخلفون عن الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بحزم الحطب))(2). # وعن ابن عمر عن الرسول أنه قال: ((صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة ~~الفذ بسبع وعشرين درجة )). فإذا عرفت هذا فلنذكر حكم صلاة ms1287 الجماعة ثم نردفه ~~بذكر صفات الأئمة، ثم نذكر موقف الإمام من المأموم، ثم نذكر على إثره أحكام ~~القدوة، فهذه فصول أربعة نفصلها بمعونة الله تعالى وتوفيقه. PageV03P396 # --- ### ||| AUTO الفصل الأول في حكم صلاة الجماعة # واعلم أن الاجتماع ليس شرطا في صحة الصلاة إلا في صلاة الجمعة فإن ~~الاجتماع فرض على الأعيان وحكى ابن الصباغ صاحب (الشامل) عن بعض أصحاب ~~الشافعي أن الجماعة في الجمعة فرض على الكفاية وليس شيئا كما سنوضحه في ~~صلاة الجمعة بمعونة الله. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: صلاة الجماعة هل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أنها سنة مؤكدة وهذا هو رأي أئمة العترة زيد بن علي ~~والقاسم والهادي والناصر ومحكي عن السيدين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب، ~~وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي ومحكي عن الكرخي وهو مروي عن ~~بعض أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا ما روي عن الرسول أنه قال: ((من صلى العشاء الآخرة في ~~جماعة كان كقيام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ~~ليلة)). # الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((صلاة الرجل مع الرجل أزكى من ~~صلاته وحده وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر ~~فهو أحب إلى الله))(1). # ولا يكون كذلك إلا إذا كانت صلاته وحده صحيحة. # ومن وجه آخر: وهو أنها صلاة شرع فيها الجماعة فلم تكن الجماعة فيها واجبة ~~كصلاة الكسوف والإستسقاء. # المذهب الثاني: أنها واجبة على الكفاية وهذا هو المحكي عن السيد أبي ~~العباس فإنه قال: الجماعة واجبة على كل من أطاقها إلا لعذر بين من فساد ~~إمام أو مرض مانع أو مطر جود أو غير جود وهو المنصوص للشافعي وإلى هذا ذهب ~~المروزي وابن سريج من أصحاب الشافعي وبه قال الثوري ومالك ورواية عن أبي حنيفة. PageV03P397 # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((ما من ثلاثة في قرية أو بدو ~~لا يقيمون الصلاة إلا وقد استحوذ عليهم الشيطان عليك بالجماعة ms1288 فإنما يأكل ~~الذئب القاصية من الغنم))(1). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن استحواذ الشيطان إنما يكون على ترك واجب. # المذهب الثالث: أنها واجبة على الأعيان وهذا هو المحكي عن الأوزاعي وأحمد ~~بن حنبل وكلام أبي العباس يقتضيه أيضا وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي ثور ~~وداود من أهل الظاهر وابن المنذر. # والحجة على هذا: ما ورد من الوعيدات الشديدة على مفارقة الجماعة كقوله : ~~((عليكم بالسواد الأعظم )) (2). # وقوله : ((من فارق الجماعة قيد شبر مات ميتة جاهلية )) (3). # وقوله : ((الجماعة رحمة والفرقة عذاب " ))(4). # وفي هذا دلالة على أنها واجبة على الأعيان. # المذهب الرابع: أن الجماعة شرط في صحة الصلاة ومن لم يحصرها بطلت صلاته ~~وهذا شيء يحكى عن بعض أهل الظاهر. # والحجة على هذا: هو أن صلاة الجماعة عبادة شرع فيها الجماعة فكانت ~~الجماعة شرطا في صحتها كصلاة الجمعة. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من كونها سنة مؤكدة. PageV03P398 # وحجتهم: ما حكيناه ونزيد هاهنا وهو ما ورد من الترغيبات العظيمة على فضل ~~الجماعة كقوله : ((أفضل الأعمال إسباغ الوضوء في السبرات ، ونقل الخطا إلى ~~مساجد الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة)). ولما روي عن الرسول أنه قال: ~~((إذا حضر العشاء والعشاء فابدأوا بالعشاء )). فلو كانت واجبة لم يجز ~~الإخلال بها عن وقتها. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا يقيمون ~~الصلاة إلا وقد استحوذ عليهم الشيطان فعليكم بالجماعة)). وفي هذا دلالة على ~~كونها واجبة لأن الوعيد لا يكون إلا على ترك الواجبات. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الاستحواذ محمول على كراهة فعل الأفضل لا على معنى أنه ~~واجب على الكفاية. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار الدلالة على كونها سنة ~~مؤكدة وأخبارنا أولى بالعمل لظهورها ولكونها معتضدة بحكم العقل فإن الأصل ~~هو عدم الوجوب إلا بدلالة شرعية مصرحة باللزوم للذمة للواجب لأن فائدة ~~كونها واجبة على الكفاية هو أن صقعا من الأصقاع أو إقليما من الأقاليم أو ~~قرية ms1289 من القرى لو تمالوا على تركها وجب على الإمام حربهم على الإخلال بهذا ~~الواجب كما لو أخلوا بواحد من الأمور الواجبة على الكفاية كدفن الموتى ~~وعمارة الطرقات والمناهل والمساجد. # قالوا: وردت فيها من الوعيدات الشديدة على تركها أخبار تدل على كونها ~~واجبة عن الأعيان كالصلوات الخمس. # قلنا: الصلوات الخمس وجوبها معلوم بالضرورة من دين صاحب الشريعة والمنكر ~~لوجوبها مرتد لأنه يكون منكرا للنبوة والشريعة، وأما صلاة الجماعة فالأخبار ~~إنما دلت على المواظبة عليها وعلى الترغيب في فعلها والدعاء إليها وليس ~~فيها دلالة على كونها فرض عين. # قالوا: صلاة الجماعة مثل صلاة الجمعة في كونها شرطا في صحة الصلاة فلا ~~تكون الصلاة مجزية إلا بفعلها مع الجماعة. PageV03P399 # قلنا: هذا فاسد فإنما قضينا باشتراط الجماعة في الجمعة لدلالة شرعية وحجة ~~واضحة على اشتراط الاجتماع في كونها جمعة وغيرها من الشرائط بخلاف صلاة ~~الجماعة فإن الأدلة الشرعية إنما دلت على فضلها لا على كونها شرطا في صحة ~~الصلاة فافترقا، ويؤيد هذا ويوضحه أن صلاة الجمعة متميزة عن سائر الصلوات ~~في الهيئة والوقت والعدد فلا وجه لقياس أحدهما على الآخر لافتراقهما فيما ~~ذكرناه، فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا أنه لا وجه لإيجابها على الكفاية، ~~ولا وجه لإيجابها على الأعيان، وأنها ليست شرطا في صحة الصلاة، وهذه الأمور ~~قد دللنا على فسادها وبطلانها وأن الصحيح كونها سنة مؤكدة ويؤيد ما ذكرناه ~~ما روي عن الرسول أنه قال لرجل سأله عما فرض الله عليه فقال: ((خمس صلوات ~~في اليوم والليلة )). فقال هل علي شيء غير هذا؟ فقال: ((لا إلا أن تطوع)). ~~فلو كانت صلاة الجماعة واجبة على الكفاية أو على الأعيان لذكرها لأنه في ~~موضع التعليم وفي موضع الحاجة فلما لم يذكرها دل على أنها غير واجبة وهو ~~المطلوب. # الفرع الثاني: في أقل الجماعة وأقل الجماعة اثنان فصاعدا، لقول الرسول : ~~((الاثنان فما فوقهما جماعة ))(1) # ويكره للرجل أن يصلي وحده لما روي عن الرسول : ((صلاة الجماعة تفضل على ~~صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة )). فإن صلى في ms1290 بيته بزوجته أو بنته أو أخته أو ~~بجاريته أو بمحرم من محارمه فقد أتى بفضيلة الجماعة لأن قوله : ((الاثنان ~~فما فوقهما جماعة )) # لم يفصل بين شخص وشخص، وأما الأفضل في الجماعة فكلما كثرت كان أفضل لقوله ~~((صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من ~~صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله)) فإن كان بالبعد منه مسجد ~~تكثر فيه الجماعة وبالقرب منه مسجد فيه جماعة أقل من المسجد البعيد ففيه وجهان: PageV03P400 # أحدهما: أنه ينظر فيه فإن كانت جماعة المسجد القريب منه تختل بتخلفه عنه ~~بأن يكون إماما له أو بأن يكون ممن إذا حضر حضر الناس بحضوره فيه فصلاته في ~~المسجد القريب أفضل لتحصل الجماعة في تلك البلدة في موضعين وإن كانت ~~الجماعة في المسجد القريب لا تختل بتخلفه عنه فالأفضل أن يصلي في المسجد ~~البعيد الذي تكثر فيه الجماعة. # وثانيهما: أن صلاته في مسجد الجوار أفضل لقوله : ((لا صلاة لجار المسجد ~~إلا في المسجد ))(1) # ولئلا يؤدي إلى تعطيل الجماعة الأخرى. # والمختار: هو الأول لقوله : ((صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده v ~~وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل الواحد وما كان أكثر فهو ~~أحب إلى الله تعالى)). فإن كان إمام المسجد البعيد ممن يعتقد الجبر ويذهب ~~إليه أو ممن يقول بالتشبيه أو صاحب بدعة أو رافضيا أو فاسقا مظهرا لفسقه ~~فالأفضل أن يصلي في المسجد القريب الذي تقل فيه الجماعة بكل حال لأن من هذه ~~حاله من اعتقاد الجبر والتشبيه واعتقاد الرفض والبدعة والفسق الظاهر فهذه ~~العقائد مما يطرق خللا في صحة الديانة، كاذبون في اعتقاد هذه العقائد ~~الردية مجيزون على الله تعالى [ما لا يجوز]والرسول قد قال: ((لا يؤمكم ذو ~~جرأة في دينه ))(2). # وسيأتي لهذا مزيد تقرير وتحقيق عند الكلام في صفات الأئمة بمعونة الله تعالى. # الفرع الثالث: وأما النساء فجماعتهن في البيوت أفضل لقوله : ((لا تمنعوا ~~إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن))(3) PageV03P401 فإن أرادت ms1291 المرأة حضور الجماعة في المساجد مع الرجال نظرت،فإن كانت شابة أو ~~كبيرة يشتهى مثلها فإنه يكره لها الحضور لأنه يخاف الافتتان بها، وإن كانت ~~كبيرة لا يشتهى مثلها لم يكره لها الحضور لما روي عن الرسول أنه نهى عن ~~خروج النساء إلى المساجد إلا عجوزا بمنقلها، والمنقل بفتح الميم والقاف هو ~~الخف ولم يرد أن المنقل هو شرط في رخصة الخروج وإنما ذكره لأن الغالب من ~~حال العجائز ليس الخفاف ويجوز كسر الميم لأنه من جملة الآلات كالمقبض ~~والمجلب، والمستحب لمن قصد الجماعة أن يمشي إليها على التوأدة والوقار من ~~غير عجلة ولا طيش لما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا ~~تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة)). وروي عن ابن ~~مسعود أنه اشتد إلى صلاة الجماعة في سيره وقال: أدركوا حد الصلاة يعني ~~التكبيرة الأولى، والصحيح هو الأول لأن الخبر لم يفصل في ذلك، وفيه دلالة ~~على أن إتيانها على الوقار والسكينة هو الأفضل ولهذا قال في آخر الخبر: ~~((فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ))(1). # فإذا تقرر هذا فقد روي عن الرسول : ((من صلى أربعين يوما في جماعة يدرك ~~التكبيرة الأولى كتب له براءتان:براءة من النار، وبراءة من النفاق))(2). # واختلف العلماء متى يكون مدركا للتكبيرة الأولى على ثلاثة أقوال: # القول الأول: أنه متى أدركه في الركوع من الأولى فإنه يكون مدركا لها وإن ~~أدركه بعد الركوع من الأولى لم يكن مدركا لها. # القول الثاني: أنه ما لم يكن مدركا للقيام من الأولى فإنه لا يكون مدركا لها. PageV03P402 # القول الثالث: أنه إن كان مشتغلا بأسباب الصلاة مثل الطهارة والسواك وما ~~أشبه ذلك ثم أدرك الركوع من الأولى فإنه يكون مدركا لها وإن كان مشتعلا ~~بأمر الدنيا فلا يكون مدركا لها ما لم يدرك القيام فيها. # والمختار: أنه لا يكون مستوجبا لهاتين البرآئتين إلا بسماع التكبيرة ~~الأولى وإدراك القيام لأنه إذا كان سامعا كان مدركا للصلاة بكمالها كما كان ~~المسلمون يفعلون مع الرسول من الإهتمام بأمر ms1292 الصلاة فكان لا يفوتهم فضل ~~أولها واستكمال حالها. # الفرع الرابع: وصلاة الجماعة يجوز تركها للعذر سواء قلنا بكونها سنة أو ~~واجبة على الكفاية على رأي من يذهب إلى ذلك، والإعذار في ذلك عامة وخاصة ~~فهاذان ضربان: # الضرب الأول: الأعذار العامة وهي المطر والريح في الليلة المظلمة فأما ~~الريح بالنهار فليست عذرا في تركها لما روى ابن عمر أن الرسول كان يأمر ~~مناديه في الليلة المظلمة المطيرة ذات الريح: ((ألا صلوا في رحالكم )) (1). # وهكذا حال الوحل فإنه يكون عذرا خاصة في الأراضي الرخوة لما روي عن ~~الرسول أنه قال: ((إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال )) (2). PageV03P403 # وهكذا حال الحر الشديد في الأمكنة الحارة فإنه عذر في ترك الجماعة لما روي ~~عن الرسول أنه قال: ((إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح ~~جهنم)) (1). # والبرد الشديد فإنه عذر في ترك الجماعة كالحر الشديد لاستوائهما في حصول ~~المشقة، فهذه الأعذار كلها عامة لأنها لا تختص بشخص دون شخص. # الضرب الثاني: الأعذار الخاصة وجملتها اثنا عشر عذرا. # العذر الأول: أن يحضر الطعام ونفسه تتوق إليه فينبغي أن يبدأ بالأكل ~~لقوله : ((إذا حضر العشاء والعشاء فابدأوا بالعشاء إذا أقيمت الصلاة)). ~~ولأن ذلك يمنعه من تمام الخشوع والإقبال إلى الصلاة فإن كان طعاما يمكنه أن ~~يستوفيه قبل فوات وقت الصلاة فإنه يستوفيه وإن كان يخشى فوات الوقت إن ~~استوفاه فإنه يأكل منه ما يسد رمقه به لا غير. # العذر الثاني: أن يحضر الصلاة وهو يدافع الأخبثين أو حدهما فيبدأ بقضاء ~~حاجته لقوله : ((لايصلين أحدكم وهو يدافع الأخبثين )) فإن خالف وصلى مع ذلك ~~صحت صلاته وحكي عن المروزي من أصحاب الشافعي أن صلاته غير صحيحة لعموم الخبر. # والمختار: هو الأول: لأنه غير محدث والخبر محمول على الإستحباب. # العذر الثالث: أن يكون معه مرض يشق عليه لأجله القصد إلى صلاة الجماعة ~~لما روي عن الرسول ((إذا مرض العبد قال الله تعالى لملائكته : ما كان يصنع ~~عبدي هذا؟ فيقولون: كان يصنع كذا وكذا، فيقول الله تعالى: اكتبوا له ms1293 ما كان ~~يعمل)) ولأنه يشق عليه القصد إلى الجماعة. PageV03P404 # العذر الرابع: الخوف، وهو أن يكون عليه دين ولا مال له يقضيه غريمه ويخشى ~~أن يحبسه غريمه إن رءاه أو يخشى أن يحبسه السلطان العالم ظلما وعدوانا، فمن ~~هذه حاله يجوز له ترك الجماعة لما روى ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول : ~~((من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر)). قالوا: يا رسول الله، ~~وما العذر؟ قال: ((خوف أو مرض)) (1). # العذر الخامس: السفر وهو أن تقام الصلاة وهو يريد السفر أو يخشى أن ترحل ~~القافلة ولا يلحقها، فله ترك الجماعة لأن عليه ضررا بتخلفه عن القافلة. # العذر السادس: خوف غلبة النوم إن انتظر الجماعة فله أن يشتغل بالنوم؛ لأن ~~النعاس يمنعه عن الخشوع في الصلاة والإقبال عليها وربما انتقضت إذا نام ~~مضطجعا. # العذر السابع: أن يكون قيما على مريض يخشى ضياعه؛ لأن حفظ الآدمي آكد من ~~حرمة الجماعة فإن كان له قيم سواه لكن قلبه مشتغل به جاز له ترك الجماعة ~~لأجل فراغ قلبه عن الخشوع والإقبال. # العذر الثامن: أن يكون له قريب قد حضره الموت ونزل به أمر الله فيجوز له ~~ترك الجماعة ليقف عليه ويقوم بتجهيزه لأن قلبه يألم بتخلفه عنه. # العذر التاسع: أن يخاف تلف ماله وضياعه إن اشتغل بالجماعة وهذا نحو أن ~~يخشى عليه احتراقا أو يقدم من سفر بأمواله فيخشى أخذ الظالم لها بالغصب ~~والأخذ لأن عليه ضرارا في ذلك. # العذر العاشر: أن يكون قد ضاع له مال فيرجو بترك الجماعة وجوده وحصوله ~~لأن قلبه يألم بذهاب المال ويضيق صدره فيكون ذلك عذرا في تركها. PageV03P405 # العذر الحادي عشر: إذا كان آكلا من هذه البقول التي لها رائحة كريهة كالبصل ~~والثوم والكراث فإن ذلك يكون عذرا في ترك الجماعة لما روي عن الرسول أنه ~~قال: ((من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يؤذين مساجدنا ))(1). # وهذا إذا كان لا يمكنه إزالة هذه الرائحة يغسل فمه أو بدواء يأكله فإن ~~كان يمكنه لم يكن عذرا ms1294 في ترك الجماعة فإن أكلهما مطبوختين لم يكن عذرا في ~~تركها لما روى ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: من أراد أن يأكلهما ~~فليطبخهما. # العذر الثاني عشر: أن يكون عريانا لا يمكنه الخروج من العري فهذه الأعذار ~~كلها مؤذنة بالرخصة في ترك الحضور للجماعة في المساجد والجوامع وكل ذلك لما ~~فهم من مقصود الشرع المواضبة عليها والمسارعة إلى تأديتها. PageV03P406 # الفرع الخامس: وإن حضر المؤتمون ولم يحضر الإمام نظرت فإن كان قريبا أرسل ~~إليه رسول سواء كان إمام المسجد أو الإمام الأعظم فإن جاء فهو [أولى] ~~بالصلاة، وإن استخلف كان من استخلفه أحق لأنه بأمره، وإن لم يأت ولا يستخلف ~~جازت الصلاة لأن بعد الإرسال لا يكون هناك تغيير لقلبه ولا تضييق لصدره، ~~وإن كان بعيدا نظرت فإن كانوا لا يخافون فتنة قدموا واحدا منهم يصلي بهم ~~إذا خافوا فوات الوقت، وإن خافوا إنكاره وتغير قلبه وفتنته انتظروا مخافة ~~إيغار صدره إلا أن يخافوا فوات الوقت فإن خافوا فوات الوقت صلوا لأنه لا ~~يجوز إخراج الصلاة عن وقتها، والأصل في هذا ما روي عن الرسول على أنه خرج ~~إلى صلح بني عمرو بن عوف فقدم المسلمون أبا بكر فصلى بهم، ثم جاء النبي وهم ~~في الصلاة، فتأخر أبو بكر لما أحس بالرسول وتقدم الرسول المحراب فصلى أبو ~~بكر بصلاة الرسول وصلى المسلمون بصلاة أبى بكر، وانصرف النبي في عزوة تبوك ~~لبعض حوائجه فقدم الناس عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم ثم رجع الرسول فصلى ~~خلفه ركعة فلما سلم قام الرسول فقضى ما عليه فلما سلم قال: ((أحسنتم)) (1). ~~أو قال: ((أصبتم)). وإن حضر الإمام وبعض المؤتمين فالمستحب أن الإمام يصلي ~~بمن حضر ولا ينتظر الباقين لأن الصلاة في أول الوقت مع الجماعة القليلة ~~أفضل من فعلها في آخر وقتها مع الجماعة الكثيرة. # الفرع السادس: ولا تصح الجماعة للمأموم حتى ينوي الإقتداء بالإمام هذا هو ~~رأي الهادي واختاره الأخوان وهو قول أبي حنيفة والشافعي. PageV03P407 # والحجة على هذا: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم ms1295 به فإذا قام فقوموا وإذا ~~قعد فاقعدوا))(1). # ومعنى الائتمام هو الإتباع ولا يعقل الإتباع إلا بنية كونه تابعا فإن ~~تابعه في أفعاله ولم ينو الإقتداء به بطلت صلاته لأنه يصير مؤتما غير مؤتم ~~فيكون مؤتما من حيث أنه تابعه وغير مؤتم من جهة أنه لم ينو الإقتداء، وما ~~هذا حاله فهو لعب وهزؤ بالصلاة والله تعالى يقول: {لا تتخذوا دينكم هزوا ~~ولعبا}(2). # فإن نوى الإقتداء بالإمام ولم يعلم الإمام صحت صلاته عند أئمة العترة ~~الهادي والمؤيد بالله لأن علم الإمام بكونه إماما ليس بشرط في صحة كونه ~~إماما لأنه يكون إماما وإن لم يكن عالما، وحكي عن الأوزاعي أنه لابد من علم ~~الإمام بكونه إماما حتى تصح إمامته فإن أراد العلم فليس شرطا في صحة ~~الإمامة، وإن أراد النية فسنقرر الكلام فيها هل يجب اعتبارها أم لا؟ وأما ~~الإمام فهل تجب النية عليه في كونه إماما أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن النية تجب في كونه إماما، وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن ~~الجويني والمسعودي من أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى )). والمعلوم ~~أن كون الإمام إماما للصلاة من جملة الأعمال فيجب اشتراط النية فيه. PageV03P408 # الحجة الثانية: قوله : ((الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن ))(1). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الرسول جعل الأئمة ضمنا وليس يعقل الضمان ~~إلا بنية كونه ضامنا لأن الضمان تحمل ولا يمكن تصوره من غير نية. # المذهب الثاني: أن نية الإمام غير واجبة في صحة كونه إماما للصلاة وهذا ~~هو رأي المؤيد بالله وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي خلا أن الإمام لا يحرز ~~فضيلة الإمامة إلا بالنية من غير أن تكون شرطا في صحة الإمامة. # والحجة على هذا: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: بت عند خالتي ~~ميمونة فجاء النبي فقام وتوضأ ووقف يصلي فقمت وتوضأت ثم جئت فوقفت على ~~يساره فأخذ بيدي وأقامني على يمينه. # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الرسول لم ينو الإمامة في حال ms1296 شروعه في ~~الصلاة، ويحتمل أنه لم يشعر بدخول ابن عباس في الصلاة معه حتى دخل. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله ومن تابعه. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الإمام إنما يكون إماما بمتابعة ~~غيره له سواء نوى الإمام أو لم ينو بخلاف المأموم فإنه لا يعقل كونه تابعا ~~إلا بنية المتابعة لكن النية للإمام لأحراز ثواب الجماعة وإدراك فضلها ~~وإحراز أجرها. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: قوله : ((الأعمال بالنيات)). والإمامة من جملة الأعمال. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فنهاية الأمر أن هنا عموما ونحن نخصه بخبر ابن عباس ولا يكون ~~مندرجا تحت العموم. # وأما ثانيا: فلأنه معارض بما ذكرناه من حديث ابن عباس فإذا تعارضا وجب ~~الترجيح ولا شك أن خبر ابن عباس راجح لأن فيه تصريحا بالمقصود وخبركم إنما ~~يدل على المقصود من جهة عمومه فلهذا كان خبر ابن عباس أحق بالعمل والقبول ~~لما ذكرناه. # قالوا: روي عن الرسول : ((الإمام ضامن)). وليس يكون ضامنا إلا بالنية. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV03P409 # أما أولا: فالضمان يصح بغير نية وضمان التبرع صحيح من غير أن يقصد الضمان. # وأما ثانيا: فلأن الشرع قد ضمنه فلم يشترط النية وفي هذا دلالة على أن ~~النية غير مشترطة. # الفرع السابع: حكي عن أبي حنيفة أنه إذا كان إماما للرجال والنساء فلابد ~~من نية كونه إماما. # وحجته على هذا: أن الأصل أن الإمام لا يكون إماما إلا بالنية لكنا أخرجنا ~~إمامته بالرجال بخبر ابن عباس فبقي إمامته للرجال والنساء على حكم الأصل ~~ووجوب اعتبار النية في حقهن، وهذا لا وجه له فإنه إذا كان الإمام لا يفتقر ~~إلى النية إذا أم بالرجال لحديث بن عباس فهكذا إذا أم بالرجال والنساء من ~~غير فرق بينهما، وإن رأى رجلين يصليان فنوى الإئتمام بهما أو بأحدهما لا ~~بعينه لم تصح صلاته لأنه لا يمكنه الإئتمام بهما جميعا لاختلاف أحوالهما في ~~الصلاة ولا يمكن الائتمام بأحدهما لا بعينه لأنه لا بد أن يكون الإمام ~~معينا ليمكن متابعته في ms1297 الأفعال كلها وإن كان أحدهما يصلي بالآخر فنوى ~~الائتمام بالمأموم لم تصح صلاته لأنه مؤتم بمن ليس إماما. لا يقال فقد روي ~~عن الرسول أنه لما وجد خفة في مرضه خرج يتهادى بين رجلين وقد تقدم أبو بكر ~~فصلى بالناس فتقدم الرسول فصلى بأبي بكر وأبو بكر يصلي بالناس فدل على جواز ~~ما ذكرناه من الاقتداء بالمأموم، لأنا نقول: إن هذا لا قائل به من أحد من ~~العلماء وأما ما فعله الرسول فهو محمول على أنه صلى بأبي بكر وبالناس جميعا ~~وإنما كان أبو بكر يبلغ الناس التكبير ويسمعهم لما عجز الرسول عن الإبلاغ ~~بنفسه. وإن رأى رجلين يصليان فأتم بمن عن يسار القبلة وظنه الإمام لأن ~~السنة أن يكون ذلك موقف الإمام ثم انكشف بعد ذلك أنه كان مأموما فإن صلاته ~~غير صحيحة لأنه بان أنه أئتم بمن ليس إماما لكونه مأموما قد خالف سنة ~~الموقف. وإن صلى رجلان في مكان واحد وقصد كل واحد منهما أنه مؤتم بالآخر لم ~~تصح صلاتهما جميعا لأن كل واحد منهما مؤتم بمن ليس إماما وإن PageV03P410 قصد كل واحد منهما أنه إمام للآخر صحت صلاتهما جميعا لأن كل واحد منهما ~~يصلي لنفسه ولا يتبع غيره، وإن فرغا من صلاتهما فشك كل واحد أنه الإمام أو ~~المأموم لم تصح صلاتهما لأن كل واحد منهما لا يدري هل صحت صلاته أم لا لأنه ~~إن كان إماما صحت صلاته وإن كان مأمومالم تصح صلاته لجواز أن يكون نوى ~~الاقتداء بمن ليس إماما وهكذا لو طرأ الشك عليه في أثناء صلاته أنه إمام أو ~~مأموم بطلت صلاته لأنه لا يدري أنه تابع أو متبوع فلهذا حكمنا ببطلانها لأن ~~الأصل هو لزوم الصلاة فلا تسقط عن ذمته إلا بيقين فإذا طرأ الشك فلا يقين ~~هناك فلهذا توجه عليه الاعادة لما ذكرناه. # الفرع الثامن: وإذا كان للمسجد إمام راتب للصلاة مثل مساجد المحال ~~والدروب والقرى الصغيرة فأقيمت فيه الجماعة فهل تكره إقامة الجماعة مرة ~~أخرى أم لا؟ فيه وجهان: ms1298 # أحدهما: أن مثل هذا يكره لأن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم لم بفعلوا ذلك بل ربما عابوه، وفي هذا دلالة على كراهته ولأنه قد ~~يكون بين الإمام وبعض الجيران بغضة وكراهة فيقصد أن تصلي بعده جماعة في ذلك ~~المسجد مغايظة للإمام وإيحارا لصدره فيؤدي ذلك إلى تفريق الكلمة وتأكد ~~العداوة بينهم. PageV03P411 # وثانيهما: أن ذلك مستحب غير مكروه، وهذا هو المحكي عن الشافعي وعطاء والحسن ~~البصري وقتادة والنخعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن المنذر لأن ~~تكثير الجماعات مستحب كما لو كان في غيره من المساجد، وهذا هو المختار. ~~والأول محكي عن الشافعي أيضا لأن أحوال الناس في الأشغال وأعمال الدنيا ~~تختلف فربما لا يتفقون لصلاة الجماعة في وقت واحد وعلى هذا يجوز عقد جماعة ~~بعد جماعة لئلا يؤدي إلى إهمال صلاة الجماعة لأجل تفاوتهم في أعمالهم ~~وحرفهم وصناعاتهم فأما إذا كان المسجد ينتابه الناس من كل جهة مثل المساجد ~~القريبة من الأسواق ومساجد الجوامع فإنه لا يقع فيه خلاف في إقامة الجماعة ~~فيه مرة بعد مرة لأنه لا يؤدي إلى تفريق الكلمة ولا إلى تأكد العداوة. ~~والمستحب لمن رأى رجلا يصلي وحده أن يصلي معه لما روى أبو سعيد الخدري أن ~~رسول الله أبصر رجلا يصلي وحده فقال: ((ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه ))(1). # الفرع التاسع: والمستحب للإمام ألا يكبر للإحرام في صلاة الجماعة حتى ~~يلتفت يمينا وشمالا ويقول لمن بعده من الصفوف: سووا صفوفكم، لما روى أنس بن ~~مالك أن رسول الله كان يلتفت إلينا قبل أن يكبر ويقول: ((سووا صفوفكم فإن ~~تسوية الصف من تمام الصلاة )) (2) # ويستحب أن يمسح الصدور لما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن الرسول كان ~~يمسح صدورنا في الصلاة ويقول: ((استووا ولا تختلفوا فيخالف الله بين قلوبكم ))(3). PageV03P412 # وهذا الاختلاف الوارد في الخبر له معنيان: # المعنى الأول: أن يكون واردا على جهة الإخبار وأراد الرسول أن الاختلاف ~~بالتقدم والتأخر يكون سببا في تغيير قلوبهم على بعضهم بعض وإضافته إلى الله ms1299 ~~تعالى على جهة المجاز دون الحقيقة. # المعنى الثاني: أن يكون واردا على جهة الدعاء وهو أنهم إذا خالفوا ~~بالتقدم والتأخر في الصلاة كان ذلك سببا في أن الله تعالى هو المغير ~~لقلوبهم على بعضهم البعض لما فعلوا ما يستوجبون به التغيير بالتقدم والتأخر ~~في الصلاة،وكلا المعنيين دال على التحذير عن المخالفة في الصلاة بما ذكرناه ~~من تقديم الأقدام أو تأخيرها لما فيه من تغيير هيئة الصلاة. # وروي عن عمر أنه كان له أعوان يأمرهم بتسوية الصفوف فإذا رجعوا إليه كبر ~~للصلاة، ويستحب للإمام في الصلاة أن يخفف في القراءة وسائر الأذكار لقوله : ~~((إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة فإذا ~~صلى لنفسه فليطل ما شاء)). فإن صلى وحده طول ما شاء للخبر وهكذا إذا صلى ~~بقوم يعلم من حالهم أنهم لا يشق عليهم التطويل ويؤثرونه فلا بأس بالتطويل. # الفرع العاشر: وإذا صلى الرجل صلاة في منزله ثم أدركها في جماعة فالمستحب ~~أن يعيدها في جماعة لما روى يزيد بن عامر(1) PageV03P413 قال: جئت ورسول الله في الصلاة فجلست فلم أدخل معهم في الصلاة قال: فانصرف ~~علينا رسول الله فرآني جالسا فقال: ((ألم تسلم يا يزيد )). قال: بلى يا ~~رسول الله قد أسلمت قال: ((فما منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم))؟ قال: ~~إني كنت قد صليت في منزلي وأنا أحسب أن قد صليت قال: ((إذا جئت الصلاة ~~فوجدت الناس فصل معهم وإن كنت قد صليت فلتكن تلك لك نافلة وهذه مكتوبة))(1) # وهل يستحب الدخول في الثانية بكل حال أو لا يستحب الدخول في الثانية إلا ~~إذا كان قد أدى الأولى منفردا من غير جماعة؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يستحب الدخول في الثانية سواء كانت الأولى مؤداة في ~~جماعة أو منفردا وهذا هو رأي بعض أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى يزيد بن الأسود العامري(2) # أن الرسول صلى الصبح في مسجد الخيف فلما فرغ من صلاته رأى رجلين في آخر ~~القوم لم يصليا معه فقال: ((علي ms1300 بهما)). فأتي بهما ترعد فرائصهما فقال: ~~((ما منعكما أن تصليا معنا ))؟ فقالا: يا رسول الله كنا قد صلينا في رحالنا ~~فقال: ((لا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم ~~فإنها لكما نافلة))(3). # ولم يفصل بين أن يكون قد صليا وحدهما أو في جماعة فدل ظاهر الخبر على أنه ~~لا يشترط في الإعادة كون الأولى منفردة. PageV03P414 # المذهب الثاني: أنه لا يستحب الدخول مع الجماعة إلا إذا كانت الأولى مؤداة ~~على الانفراد وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن بعض أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: ما في خبر يزيد بن عامر فإنه قال: يا رسول الله قد كنت ~~صليت في منزلي. فظاهر خبره دال على أن الأولى كانت منفردة من غير جماعة فدل ~~على أن الأولى إذا كانت في جماعة فلا حاجة إلى إعادتها ولأنه قد أحرز فضيلة ~~الجماعة بأداء الأولى في جماعة فلا يفتقر إلى إعادتها. # والمختار: هو استحباب الإعادة مع الجماعة سواء كان الأولى مؤداة على ~~الانفراد أو في جماعة لأمرين: # أما أولا: فإن كانت الأولى مؤداة على الإنفراد أحرز بالثانية فضيلة ~~الجماعة، فإن كانت الأولى قد أدت بالجماعة أحرز فضيلة الجماعتين. # وأما ثانيا: فلأن مقصود الرسول هو أنه لا يتسبب إلى الإعراض والاستهانة ~~بصلاة الرسول ومن معه من المسلمين فلهذا حث على الدخول سواء كان الأولى ~~مؤداة على الانفراد أو في الجماعة لهذا الغرض. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: حديث يزيد بن عامر دال على أن الأولى كانت موداة على الانفراد. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه إنما قال: قد كنت صليت في منزلي. ليعذره عن التخلف عن ~~الجماعة لا من جهة كون الانفراد بالصلاة شرطا في استحباب الدخول مع ~~الجماعة. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكرناه من الإعراض والاستهانة هو السبب في الدخول مع ~~الجماعة فلا فصل فيه بين الانفراد والجماعة. # قالوا: إذا كانت الأولى قد أديت جماة فقد أحرز فضيلة الجماعة بخلاف ما لو ~~كانت منفردة فافترقا. PageV03P415 # قلنا: مقصود الإستحباب حاصل بالإعادة مع ms1301 الجماعة سواء كانت الأولى [مؤداة ~~على الانفراد] أو بجماعة لما ذكرناه من أن غرض الرسول ألا ينسب المتأخر عن ~~صلاة الجماعة إلى التساهل والإعراض خاصة في أول الإسلام ولهذا قال الرسول ~~ليزيد بن عامر: ((ألم تسلم يا يزيد ))؟ قال: بلى يا رسول الله. وفيه إيضاح ~~الغرض الذي ذكرناه. # الفرع الحادي عشر: هل يكون الاستحباب في إعادة الأولى والدخول مع الجماعة ~~في كل صلاة أو في صلاة معينة؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يستحب في كل صلاة وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن أمير ~~المؤمنين كرم الله وجهه وحذيفة وأنس بن مالك وهو قول الشافعي خلا أن أصحابه ~~قالوا في المغرب: إذا أعادها ضم إليها ركعة وسلم بها. # والحجة على هذا: ما في خبر يزيد بن الأسود ويزيد بن عامر فإنهما لم يفصلا ~~بين صلاة وصلاة وفي هذا دلالة على استحباب الدخول في كل صلاة مع الجماعة. # المذهب الثاني: أن الاستحباب إنما يكون في صلاة معينة ثم اختلفوا في ~~تعيينها على أقوال ستة: # القول الأول: أنه يعيد في كل صلاة إلا العصر والصبح وهذا هو المحكي عن ~~الشافعي لكراهة الصلاة بعد الصبح والعصر. # القول الثاني: أنه يعيد في كل صلاة إلا في الصبح والعصر لكراهة الصلاة ~~يعدهما ولا يعيد المغرب لأنها تصير شفعا لما ورد من الصحابة أنهم يضمون ~~إليها ركعة قبل التسليم وهذا هو رأي أبي حنيفة. # القول الثالث: أنه يعيد في كل صلاة إلا المغرب وهذا هو رأي مالك ومحكي عن ~~الأوزاعي لأنها تصير شفعا. # القول الرابع: أنه يعيد إلا المغرب لصيرورتها شفعا والصبح لكراهة الصلاة ~~بعدها وهذا هو المحكي عن إبراهيم النخعي. # القول الخامس: أنه يعيد إلا الصبح والعصر لكراهة الصلاة بعدهما وهذا هو ~~المحكي عن الحسن البصري(1). PageV03P416 # القول السادس: أنه يعيد إلا الصبح لكراهة الصلاة بعدها وهذا مروي عن الحكم ~~فهذه أقاويل العلماء في تعيين الصلاة المعادة. # والمختار: ما عول عليه الهادي ومن تابعه من شمول الصلاة وأن المعاد لا ~~يختص بصلاة دون صلاة. # وحجتهم ما ذكرناه؛ ms1302 ونزيد هاهنا ما ورد من حديث ابن عامر وحديث يزيد بن ~~الأسود فإن ظاهرهما دال على استحباب الإعادة في كل صلاة ولم يفصلا بين صلاة ~~وصلاة وأيضا فإن الغرض ألا ينسب القاعد عن الصلاة إذا حضر وهم يصلون إلى ~~الإعراض والاستهانة وهذا حاصل بكل صلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: كل واحد من هذه الأقوال قد قام الدليل فيها على استثناء بعض ~~الصلوات دون بعض فيجب القضاء به والتعويل عليه وقد أشرنا إلى العلة في ~~استثناء كل واحدة من هذه الصلوات فأغنى عن الإعادة والمقصود أن المعاد لا ~~يكون على الإطلاق بل لابد من تعيينه كما أوضحناه. # قلنا: هذه تحكمات جامدة ومذاهب في الإستثناء لا دليل عليها، والتعويل ~~إنما هو على حديث صاحب الشريعة الذي رواه يزيد بن عامر ويزيد بن الأسود ~~وليس فيهما إشارة إلى تعيين صلاة وفي هذا دلالة على ما قلناه من بطلان ~~التعيين فيجب القضاء به ولا حاجة إلى منع هذه التعيينات بالإبطال ويكفينا ~~في بطلانها أنها لم تدل عليها دلالة فلا جرم اكتفينا بظاهر الحديث في ~~إبطالها والله الموفق للصواب. # الفرع الثاني عشر: وإذا قلنا باستحباب الإعادة فهل يكون الفرض الأولى أو ~~الثانية فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن الفريضة هي الثانية وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن مالك ~~والأوزاعي وبعض أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى يزيد بن عامر عن رسول الله الذي رويناه فإنه قال ~~له: ((إذا صليت في منزلك ثم أتيت مسجد جماعة وصليت معهم فلتكن تلك نافلة ~~وهذه هي المكتوبة)) وهذا نص في موضع الخلاف فيجب القضاء به. PageV03P417 # المذهب الثاني: أن الفريضة هي الأولى وأن الثانية نافلة وهذا هو رأي زيد بن ~~علي ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي. # والحجة على هذا: ما روى يزيد بن الأسود عن رسول الله الذي رويناه للذين ~~تأخرا عن الصلاة فإنه قال لهما: ((إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد ~~جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة)). وهذا نص صريح أيضا بأن الأولى هي ms1303 ~~الفريضة. # المذهب الثالث: أن الله تعالى يحتسب بأيهما شاء وهذا هو المحكي عن ~~الشافعي في القديم وأما الجديد فهو مثل ما رويناه عن زيد بن علي. # والحجة على هذا هو أن الأولى قد تحقق إسقاطها للفرض لما كانت فريضة ~~والثانية فقد دل على كونها فرضا خبر يزيد بن عامر، فإذا كانا فرضين كلاهما ~~لا جرم احتسب الله بأيهما شاء لما كان فرضين. # والمختار: ما قاله الإمام زيد بن علي ومن تابعه. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا أمرين: # أما أولا: فلأنا لو قدرنا أن المصلي لم يرد على قوم يصلون لكانت الأولى ~~مجزية مسقطة لفرضه عن ذمته لا محالة. # وأما ثانيا: فلأن الثانية لو كانت هي الفريضة لم يكن الإتيان بها مستحبا ~~بل كان واجبا لأنها هي الفريضة فلما كان الإتيان بها مستحبا دل ذلك على ~~كونها نافلة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: خبر يزيد بن عامر دال على كون الثانية فريضة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا محمول على ما إذا عرض للأولى فساد، فالثانية هي ~~الفريضة لا محالة. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بحديث يزيد بن الأسود فإنه دال بصريحه على أن ~~الأولى هي الفريضة. # قالوا: حكي عن الشافعي في القديم أن الله تعالى يحتسب بأيهما شاء. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا مبني على أنهما فرضان فيحتسب الله بأيهما شاء مع ~~استوائهما في الفرضية ونحن لا نسلم ذلك وإنما الفرض هو الأولى كما مر بيانه. PageV03P418 # وأما ثانيا: فلأن هذا قوله في القديم وهو مرجوع عنه في الإجتهاد، والتعويل ~~إنما هو على الجديد من أقواله وهو أن الفرض هو الأولى، فأما ما حكي عن ~~الهادي من رفض الأولى ففيه نظر من أوجه ثلاثة: # أما أولا: فلقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم}[محمد:33]. فنهى عن إبطال ~~العمل بعد ثبوته وتقرره. # وأما ثانيا: فلأن العمل إذا أدي على الوجه المأمور به شرعا فقد أجزى ~~وخلصت الذمة وخرج به عن عهدة الأمر وإذا كان الأمر كما قلناه فلا وجه ms1304 لرفضه ~~بعد قبوله لأنه لا حكم للعبد على العمل بعد رفعه ولهذا فإنه لا يقدر العبد ~~على إسقاط ثوابه ولا يمكن منه بحال. # وأما ثالثا: فلأن هذا مبني على أن الفريضة هي الثانية وقد أوضحنا أن ~~الفريضة هي الأولى. # ومن وجه رابع: وهو أنا نقول متى يكون الرفض للأولى بعد تمام الثانية فهما ~~فرضان جميعا أو قبل تمام الثانية فالأولى تكون باطلة بالرفض والثانية باطلة ~~لأجل نقصانها فحصل من مجموع ما ذكرناه أنه لا وجه للرفض في الأعمال من جهة ~~العباد وأن أمرها إلى الله لا تصرف للعباد فيها بعد مطابقتها للأمر الشرعي ~~ورفع الحفظة لها وأن الفرض هو الأولى والثانية نافلة، وأما ما حكي عن ~~الأوزاعي والشعبي أن الجميع فرضه فهو فاسد لأمرين: # أما أولا: فلقوله : ((لا ظهران في يوم، ولا عصران في يوم " ))(1). # وفي هذا دلالة على نفي كونهما جميعا فرضين. # وأما ثانيا: فلأن لا قائل بكونهما فرضين لأن العلماء على قولين: فقائل ~~يقول: بأن الفرض هو الأولى. وقائل يقول: بأن الفرض هو الثانية، فقول من قال ~~بأنهما فرضان يكون إحداث قول ثالث. PageV03P419 # ومن وجه ثالث: وهو ما روى ابن عمر عن رسول الله أنه نهى أن تعاد الفريضة في ~~يوم مرتين(1). # وروي أن أهل العوالي كانوا يصلون في منازلهم ثم يصلون مع الرسول فنهاهم ~~النبي أن يعيدوا الصلاة مرتين في يوم واحد. # الفرع الثالث عشر: ولا خلاف أن الإعمى إذا لم يجد قائدا فلا يتوجه عليه ~~حضور مساجد الجماعات لتعذر ذلك في حقه لقوله تعالى: {ليس على الأعمى ~~حرج}[النور:61 والفتح:14]. فإن وجد قائدا فهل يتوجه عليه الحضور أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: توجه ذلك عليه إما على الاستحباب على ما اخترناه في كونها ~~سنة، وإما على الوجوب على رأي من أوجبها على الكفاية وهذا هو رأي أبي يوسف ومحمد. # والحجة على هذا: هو أنه إذا وجد قائدا فقد زال عذره فأشبه الصحيح ولأنه ~~يمنزلة الضال عن الطريق فلا يسقط عنه حضور الجماعة. # المذهب الثاني: أنه لا ms1305 يتوجه عليه حضورها وهذا هو رأي أئمة العترة وهو ~~محكي عن أبي حنيفة والشافعي. # والحجة على هذا: هو أنه لا يتوصل إلى حضورها إلا بالأجرة فيصير كالمقعد ~~والزمن والمفلوج. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أنها غير واجبة، فلا تكون واجبة على ~~الأعمى وإن وجد قائدا كما أوضحناه من قبل، ويسقط الاستحباب لأجل العذر، وهو ~~العمى، ولا يلزم على هذا وجوب الحج، ووجوب صلاة الجمعة لأنهما واجبان على ~~الأعيان بخلاف صلاة الجماعة فإنها سنة ولا يلزم الحج والجمعة على رأي من ~~أوجب صلاة الجماعة لأن وجوبها عنده إنما هو على الكفاية وهما واجبان على ~~الأعيان فافترقا. PageV03P420 # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: قد زال عذره فأشبه الصحيح. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن زوال عذره إنما يكون بالأجرة فصار كالمقعد والزمن أو ~~بالدخول تحت منة الغير فلا يلزم تحمل المنة لأجل أداء العبادة كما لا يلزم ~~العريات الدخول تحت منة الغير بهبة الثوب لأداء الصلاة. # وأما ثانيا: فلأنها غير واجبة فلا يلزم الحضور لها وأما الإستحباب فسقط ~~بالعذر. # الفرع الرابع عشر: صلاة الجماعة إذا دخل فيها الكافر الحربي هل يحكم ~~بإسلامه لأجل ذلك أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه لا يحكم بإسلامه لأجل دخوله في الصلاة وهذا هو رأي ~~المؤيد بالله ويقتضيه كلام الهادي وهو قول الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله وأن محمد رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماؤهم وأموالهم إلا ~~بحقها))(1). # ووجه الدلالة من الخبر هو أن ظاهره دال على أن الإسلام الذي يكون عصمة ~~للدم والمال إنما هو بذكر هاتين الشهادتين، فمن لا يذكرهما ولا ينطق بهما ~~فليس مسلما، والدخول في الصلاة ليس فيه إقرار بالشهادتين ولا نطق بهما ~~فلهذا لم يكن مسلما بالدخول فيها. # المذهب الثاني: أنه يحكم عليه بالإسلام بالدخول في صلاة الجماعة وهذا هو ~~رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {إنما ms1306 يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر }[التوبة:18]. وعمارتها إنما تكون بالصلاة فلهذا كان الدخول في ~~الصلاة عمارة لها فيكون من جملة الإيمان وهو المقصود. PageV03P421 # المذهب الثالث: أنه إذا صلى منفردا حكم بإسلامه وهذا هو رأي محمد بن الحسن. # والحجة على هذا: هو أن الصلاة عبادة يكون تركها كبيرة فكان الدخول فيها ~~إسلاما وإيمانا كالشهادتين. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله ومن تابعه. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو أن الصلاة عبادة من شرط صحتها تقدم ~~الإيمان فلا يحكم بالإسلام بالدخول فيها كالصوم والحج. # قال المؤيد بالله: ودخول الكافر في صلاة الجماعة لأداء صلاة لا يكون ~~إسلاما. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: قوله تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر}[التوبة:18]. وعمارتهاتكون بالصلاة فلهذا كان الدخول فيها إيمانا. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا الفعل من الكافر ليس يعد عمارة وإنما هو استخفاف ~~بالمساجد وهزؤ بالصلاة ولهذا يؤدب ويعزر على ذلك. # وأما ثانيا: فلأن المراد بالعمارة هو إشادتها بالبناء والأساطين، ويؤيد ~~هذا ما روي عن الرسول أنه قال: ((من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى ~~الله له قصرا في الجنة)) (1). # قالوا: الصلاة عبادة تركها يكون كبيرة فيكون الدخول فيها إسلاما وإيمانا ~~كالشهادتين. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا يبطل بالحج والصوم فإن الكافر إذا فعله لم يكن إيمانا ~~فهكذا صلاة المنفرد. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل أنه لو أتى به منفردا لزمه حكم الإسلام ~~فهكذا إذا أتى به في جماعة بخلاف ما نحن فيه فإنه لما لم يكن إيمانا في ~~الجماعة فهكذا في المنفرد. PageV03P422 # الفرع الخامس عشر: إذا أقيمت صلاة الجماعة في مسجد جرت العادة فيه بأنه ~~يأتيه الناس فوجا بعد فوج وجماعة بعد جماعة كمساجد الأسواق والجوامع ~~الكبيرة التي يردها الناس كثيرا فأراد الإمام أن يطول القراءة لكي تكثر ~~الجماعة ويلحقوا الإمام، فالأقرب على المذهب أن هذا الإنتظار مكروه لما روى ~~أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إذا أم ms1307 أحدكم فليخفف فإن فيهم الكبير ~~والضعيف وذا الحاجة)). وهكذا يكره أيضا أن يطول الإمام القراءة والصلاة ~~لأجل حضور رجل له محل وديانة وعلم وصلاح لأن الأدلة ما فصلت في الكراهة في ~~ذلك، فأما الإمام إذا ركع فأحس برجل يريد الصلاة فهل ينتظره ويطول في ~~الركوع أم لا؟ فيه أقوال ستة: # القول الأول: أنه يستحب هذا القدر من التطويل لأجل إدراك الرجل للصلاة ~~وهذا هو رأي المؤيد بالله وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، ومحكي عن بعض ~~أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى عبدالله بن أبي أوفى عن الرسول أنه كان يقوم في ~~الركعة الأولى من الظهر حتى لا يسمع وقع قدم(1) # وهذا الانتظار إنما كان من أجل إدراك الركعة الأولى، وروي عن الرسول أنه ~~كان يطيل الركوع إذا أحس بداخل، فإذا جاز تطويل القراءة لهذا الغرض جاز ~~تطويل الركوع أيضا لأجله إذ لا فرق بينهما. # القول الثاني: أنه يكره؛ وهو أحد قولي الشافعي. # والحجة على ذلك: قوله : ((إذا أم أحدكم فليخفف)). ولم يفرق بين الركوع ~~وغيره، ولأن كل من لا ينتظر في غير الركوع فلا ينتظر في الركوع كما لو أحس ~~قبل دخول المسجد. # القول الثالث: أنه يحرم الانتظار وهذا شيء يحكى عن بعض أصحاب الشافعي. PageV03P423 # والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله يكون فيه إشراك لمقاصد الخلق في الصلاة ~~وهو مبطل لها فلهذا كان محرما، ويؤيد هذا قوله تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ~~ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}[الكهف:110]. # القول الرابع: محكي عن بعض أصحاب الشافعي وهو أن هذا الداخل إن كانت له ~~عادة بحضور المسجد وملازمة الجماعة جاز انتظاره، وإن كان غريبا لم يجز ~~انتظاره. # القول الخامس: محكي عن بعض أصحاب الشافعي وهو أن هذا الانتظار إن كان لا ~~يضر بالمأمومين ولا يدخل عليهم مشقة جاز ذلك وإن كان مما يدخل عليهم مضرة ~~ومشقة لم يجز. # القول السادس: محكي عن بعض أصحاب الشافعي وهو أن هذا الفعل الذي يقع به ~~الإنتظار لا يحرم ولا ms1308 يستحب ولا يكره ولا تبطل به الصلاة. # والمختار: تفصيل نشير إليه، وهو ما روي أن الرسول كان يصلي يوما وقد أجلس ~~الحسن بن علي بين يديه فلما سجد النبي ركب الحسن بن علي على ظهره فانتظره ~~الرسول ساجدا حتى نزل فلما فرغ من صلاته قيل له أطلت السجود؟ فقال: ((إن ~~ابني هذا كان ارتحلني فأطلت السجود ليقضي وطره وكرهت أن أعجله)) (1). PageV03P424 # فإن كان هذا الإنتظار لغير من هو في الصلاة فليكن لم يريد الصلاة أحق ~~وأولى. ولما روي عن الرسول أنه حمل أمامة بنت أبي العاص ووضعها في الصلاة، ~~فهذه الأفعال كلها فعلت من غير مصلحة في الصلاة كما أوضحناه فإذا فعلت لغير ~~مصلحة الصلاة ففعلها أو فعل مثلها لمصالح الصلاة يكون لا محالة أحق وأولى، ~~وإذا كان الأمر هكذا فعلى المصلي إعمال نظره وفكره فما كان مماثلا لما فعله ~~الرسول جاز له فعله اقتداء به وتأسيا بما فعله مما يكون فيه مصلحة للمصلي ~~ولمن يريد الدخول في الصلاة، وإن رأى المصلي أن الترك أحوط للصلاة عمل عليه ~~لأن الأصل هو تحريم الأفعال في الصلاة وليكن تعويل المصلي على حراسة الصلاة ~~أن يكون فيها ما يشوشها من الأمور المباحة في مراعاة الداخل واختلاف حال من ~~يراعي ومن لا يراعي فإذا أعمل نظره وراعى مصلحة الصلاة وراقب الصلاة فلا ~~عليه فيما فعل من الأفعال القليلة في الصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # واعلم أنا قد أشرنا إلى ما يعتمده المصلي في صلاته وما يباح له من ~~الأفعال وما لا يباح وهذه الأقوال التي حكيناها عن الفقهاء ترجع إلى ما ~~ذكرناه من مراعاة المصلحة والاعتماد في الفعل والترك على ما فعله الرسول من ~~الأفعال وأباحه وفعله فهو العمدة وبه القدوة وفي أفعاله لنا الأسوة ولا ~~حاجة إلى تتبع هذه الأقاويل بالنقوص فكل واحد منهم معول على ما فعله الرسول ~~وفهم من مقصوده وأفعاله وشمائله فكل ما فعله فهو حق وصواب. PageV03P425 # الفرع السادس عشر: قد ذكرنا أن الإمام لا يطول القراءة في المساجد ms1309 المأهولة ~~بدخول المسلمين وذكرنا كراهة ذلك وأن الإمام يطيل الركوع لمن يلحق به ليكون ~~مدركا للصلاة، وذكرنا ما يباح منه وما لا يباح، فأما وهو في غير هاتين ~~الحالتين فلا معنى للانتظار في غير ذلك من أحوال الصلاة؛ لأنه إن كان قبل ~~الركوع فلا وجه لانتظاره؛ لأنه يدرك الركعة في الركوع، وإن كان بعد الركوع ~~فقد فاتته الركعة فلا معنى لانتظاره، وإن كان في التشهد الأخير فلا معنى ~~لانتظاره فيه لأنه غير مدرك للصلاة بإدراكه، وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي أنه ~~يطول التشهد الأخير لمن يلحق ولا وجه له كما سنوضحه، وإن عقد المأموم صلاته ~~مع الإمام ثم انفرد بإتمامها وحده فهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن صلاته باطلاة وهذا هو رأي السيدين الأخوين المؤيد بالله ~~وأبي طالب، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم " )) (1). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه نهى عن الاختلاف والنهي يقتضي فساد المنهي ~~عنه لأن الانفراد قد أوجب المخالفة من جهة أن صلاة المنفرد مخالفة لصلاة ~~المؤتم فلهذا قضينا بفسادها لما ذكرناه. # المذهب الثاني: أنه إن خالف وانفرد لعذر لم تبطل صلاته كأن يكون مدافعا ~~للأخبثين أو أحس بحريق في داره أو كانت دابته واقفة على باب المسجد فخشي ~~ضياعها، وهو محكي عن الشافعي فما هذا حاله من الأعذار تجزيه الصلاة إذا ~~انفرد، وإن انفرد من غير عذر فقولان. # والحجة على هذا: قوله : ((اقتلوا الأسودين ولو كنتم في الصلاة)). # ووجه الدلالة من الخبر: أنه أباح قتل الأسودين لأجل عذر الضرر فهكذا ~~هاهنا يجوز الخروج للعذر. # والمختار:ما قاله الأخوان. PageV03P426 # وحجتهما: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أنه خالف إمامه فيما يجب عليه ~~المتابعة فيه فوجب إبطال الصلاة كما لو كانت الصلاة من غير عذر. # الانتصار: يكون بإبطال ما قالوه. # قالوا: أمر الرسول بقتل الأسودين في الصلاة لعذر الضرر فهكذا تجوز ~~المخالفة لأجل العذر. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فهذا حجة لنا لأن قتل الأسودين يوجب بطلان ms1310 الصلاة كما مر بيانه ~~فهكذا ما نحن فيه يوجب بطلان الصلاة. # وأما ثانيا: فلأن العذر إنما يوجب سقوط الإثم وأما بطلان الصلاة فهو حاصل ~~بالمخالفة. # قالوا: الائتمام أفاد الفضيلة دون وجوب المتابعة فإذا خالف العذر لم تبطل ~~الصلاة كما قلناه. # قلنا: الائتمام كما أفاد الفضيلة فإنه مفيد لوجوب المتابعة فإذا لم تحصل ~~المتابعة كانت مفسدة للصلاة إذا فقدت. # قالوا: روي أن معاذ بن جبل صلى بالناس العشاء الآخرة فافتتحها بسورة ~~البقرة فخرج رجل من القوم وانفرد بصلاته فقالوا له: قد نافقت. فقال: لا ~~ولكني آتي رسول الله فأتاه فقال: يا رسول الله إن معاذا صلى بنا العشاء ~~الآخرة فافتتح بسورة البقرة فلما رأيت ذلك منه تأخرت وصليت وإنما نحن أهل ~~نواضح نعمل بأيدينا، فأقبل رسول الله على معاذ وقال: ((أفتان أنت يا معاذ ~~إما أن تخفف بهم الصلاة أو تجعل صلاتك معنا)). وقد كان يصلي مع الرسول ثم ~~يصلي بعد ذلك بأصاحبه فأقره الرسول ولم يأمره بالإعادة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فيحتمل أنه لما انفرد أعاد صلاته لهذا لم يسأله الرسول عن ~~الإعادة. # وأما ثانيا: فلأنه إنما ترك الأمر بالإعادة لما خالف إمامه لأنه اشتغل ~~بالإنكار على معاذ فيما جاء به من تطويل القراءة فسكوت الرسول عن أمره ~~بالإعادة لا يدل على صحة صلاته. # الفرع السابع عشر: وإذا فتح الرجل صلاة منفردا ثم جاء إمام المحراب ~~فأتمها مؤتما به فهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه مذهبان: PageV03P427 # المذهب الأول: أن صلاته على هذه الصفة باطلة وهذا هو الذي نصه الهادي وهو ~~قول أبي حنيفة، ومحكي عن النخعي والمزني من أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم )). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن من هذه حاله فقد حصل منه المخالفة والنهي ~~دال على الفساد لأنه قد افتتح الصلاة منفردا ثم عقدها بعد ذلك مؤتما ولا شك ~~أن صلاة المنفرد مخالفة لصلاة المأموم من أوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن المأموم يلزمه سهو غيره والمنفرد لا يلزمه ذلك. # وأما ms1311 ثانيا: فلأن المأموم يلزمه فساد صلاته من جهة غيره بخلاف غيره. # وأما ثالثا: فإن المأموم يتحمل عنه غيره بعض الأركان ولا يتحمل عن ~~المنفرد غيره. فهذه الأوجه دالة على اختلافهما، فإذا افتتحها منفردا فقد ~~عقدها على جهة مخصوصة لها حكم مخصوص فلا يجوز أن يصرفها إلى جهة مخالفة لما ~~عقدها عليه أولا كما لو عقدها أولا بنيه النفل فلا يجوز أن يصرفها إلى جهة ~~الفرض وعكسه أيضا فلهذا كانت باطلة. # المذهب الثاني: أنه إن ائتم به قبل الركوع أجزأه وإن ائتم به بعد الركوع ~~فقولان ومنهم من قال: إن اقتدى به قبل الركوع فقولان: أحدهما: يجزيه. ~~والآخر: أنه لا يجزيه، وإن اقتدى به بعد الركوع فإنه لا يجزيه قولا واحدا ~~وهذا هو المحكي عن أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: هو الخبر المروي عن الرسول أنه افتتح الصلاة ثم ذكر أن ~~عليه جنابة فقال: ((على رسلكم)). ودخل منزله واغتسل ثم خرج ورأسه يقطر ماء ~~وصلى بهم الصلاة(1). PageV03P428 # ووجه الدلالة من هذا الخبر: هو أنه افتتح الصلاة وهو جنب فلم تنعقد صلاته ~~مع الجنابة وانعقدت صلاة القوم وكانوا منفردين ثم جاء واستأنف التكبير وصلى ~~بهم فقد صلوا لأنفسهم بغير إمام ثم صلوا لأنفسهم بعد ذلك بإمام وهو عين ~~مسألة الخلاف. # والمختار: جواز الصلاة وصحتها كما قاله الشافعي. # وحجته: ما حكيناه ونزيد هاهنا وهو ما روي أن الرسول أمر أبا بكر يصلي ~~بالناس فتقدم وكبر للصلاة فوجد الرسول خفة فخرج يتهادى بين اثنين علي ~~والعباس فتقدم الرسول إماما لأبي بكر والناس يأتمون بأبي بكر وقد كان سبق ~~تكبيرهم تكبير الرسول ومع ذلك اقتدى أبو بكر به. # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن إمامة أبي بكر بطلت بتقدم الرسول ثم صلى ~~أبو بكر مؤتما بالرسول فقد انفرد أبو بكر ثم أتم وهو عين ما وقع فيه ~~النزاع. # الحجة الثانية: هو أن من هذه حاله فقد اتفق فرضه مع فرض الإمام ولم يتأخر ~~عن الإمام ولا خالفه إلا بأنه قد كان انفرد بصلاته لعدم الإمام ms1312 ثم حضر ~~الإمام فدخل معه ومثل هذا لا يعد مخالفة لأنه انتقل من الأدنى إلى الأعلى ~~لأن صلاته مع الإمام أفضل من صلاته وحده فلهذا كانت مجزية له. # الحجة الثالثة: هو أن الأدلة الدالة على فضل صلاة الجماعة لم تفصل بين أن ~~يكون قد دخل في الصلاة لنفسه أو لم يكن قد دخل فلأجل هذا قضينا بصحة صلاته ~~سواء كان قد انفرد بالصلاة أو لم ينفرد. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: ورد عن الرسول : ((لا تختلفوا عن إمامكم )). والنهي دال على ~~الفساد وما ذكرناه مخالفة فلهذا كانت الصلاة فاسدة. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV03P429 # أما أولا: فلأن ظاهر الحديث غير معمول به فإن من المخالفة ما لا يفسد ~~الصلاة وهذا نحو أن يقوم الإمام إلى الخامسة فيخالفه بالتخلف عنه، ونحو أن ~~يسلم الإمام على ركعتين في الرباعية وتعذر تنبيهه فإن هذه المخالفة غير ~~مفسدة للصلاة فإذا بطل التعلق بظاهر الحديث وجب تأويله على مخالفة مخصوصة ~~فنقول وهذه المخالفة من جملة ما لا تفسد معه الصلاة لمثل ما ذكرتموه في تلك ~~المخالفة. # وأما ثانيا: فلأن الغرض بالإفساد بالمخالفة ما كان يطرق خللا في العبادة ~~بالمخالفة فأما إذا كان يزيد الصلاة فضلا وإجزاء فالمخالفة غير ضارة في ~~فسادها. # قالوا: صلاة المنفرد مخالفة لصلاة المأموم من تلك الوجوه الثلاثة التي ~~ذكرناها فإذا عقدها منفردا ثم ائتم بغيره فهذه مخالفة فلهذا كانت مفسدة. # قلنا: لا ننكر أن هذه مخالفة ولكن لا نسلم أن كل مخالفة تفسد الصلاة بل ~~هي منفسمة إلى: ما يكون مفسدا وهو ما كان يطرق نقصا في الصلاة. وإلى: ما لا ~~يطرق نقصا في الصلاة بل يزيد في فضلها فلا يكون مفسدا. # الفرع الثامن عشر: ويكره للإمام والمأموم أن يصليا النافلة في موضع ~~الفريضة لما روى أبو رمثه أنه صلى إلى جنب عمر بن الخطاب وقد كان سبقه ~~الرسول ببعض الصلاة فلما أتم صلاته قام فصلى النافلة في موضع الفريضة ~~فالتفت إليه عمر وقال له: إنما هلك من كان قبلكم لأنهم ms1313 كانوا لا يفصلون بين ~~الفريضة والنافلة. فشري(1) # الحديث بينهما في المنازعة فقاما إلى الرسول فحكى له عمر بصورة الحديث، ~~فقال النبي : ((أصاب الله بك يابن الخطاب )) (2). PageV03P430 # فصوبه في مقالته ولم ينكر عليه، ويستحب أن يتقدم أو يتأخر لما روي عن النبي ~~أنه قال: ((أيعجز أحدكم إذا صلى المكتوبة أن يتقدم أو يتأخر )). ولم يفصل ~~في ذلك بين الإمام والمأموم، وحكي عن أبي حنيفة أن ذلك إنما يكره في حق ~~الإمام دون المأموم. # والحجة عليه: ما ذكرناه من الخبر فإنه لم يفصل بينهما. # قال القاسم: ويستحب للإمام إذا فرغ من صلاة القوم أن يتحول عن موضعه ~~متقدما أو متأخرا. # والحجة: ما ذكرناه من الحديث ويكره أن يتحول عن يمينه ويساره لأن القوم ~~ربما كانوا يصلون بعد الفريضة النافلة فيحول بينهم وبين القبلة، ويكره أن ~~يستقبلهم بوجهه لقوله : ((لا صلاة إلى متحدث ))(1). # لأن الحديث إنما يكون مع الاستقبال. # قال الهادي: ولا بأس بالقعود مع الإمام فيما لا يقعد فيه المؤتم من صلاته ~~ولا يخالفه لقوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا قعد ~~فاقعدوا)). ولم يفصل بين أن يكون القعود مشروعا للمؤتم أو لا يكون مشروعا ~~في حقه فإن تخلف عنه لتأدية التشهد الأوسط بعد قيام الإمام ناسيا له بطلت ~~صلاته لأجل المخالفة ولأنه عدل من فرض إلى نفل فلهذا بطلت الصلاة. # قال المؤيد بالله: وإن قام الإمام إلى الخامسة لم يتابعه المأموم إن تعذر ~~تنبيهه ويعزل صلاته عنه لأن المتابعة غير واجبة فيما ليس مشروعا من الصلاة بحال. # الفرع التاسع عشر: إذا نوى قطع الإقتداء في أثناء الصلاة فهل يجوز ذلك أم ~~لا؟ فحكى الشيخ أبو حامد الغزالي فيه أقوالا ثلاثة: PageV03P431 # القول الأول: يمنع من ذلك لأنه قد التزم الإقتداء فلا يجوز له الإخلال بما ~~قد التزمه ولقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم}[محمد:33]. ومن نوى الخروج من ~~الصلاة فقد أبطل ثواب الإقتداء بهذه النية. # القول الثاني: الجواز لأن الدخول في الجماعة سنة ونفل فلهذا جاز الخروج ~~منها كما في سائر ms1314 النوافل من غير فرق. # القول الثالث: إن كان لعذر جاز، وإن كان لغير عذر لم يجز لأن صلاة ~~الجماعة يجوز تركها للأعذار كما مر بيانه. # والمختار: هو المنع. وإذا قلنا بالمنع ونوى الخروج من الإقتداء لم تبطل ~~الصلاة كما لو نوى الخروج منها لم تبطل ولأن بطلان الإقتداء أمر وصحة ~~الصلاة أمر آخر فإذا بطل الإقتداء لم تبطل الصلاة، وإن صلى جماعة بإمام في ~~ليلة مظلمة فصلى بعضهم جهة المشرق تحراها وتحرى بعضهم جهة المغرب وصلى ~~بعضهم جهة القبلة تحراها أجزت صلاتهم هذه إذا كان دخولهم بالتحري لأن ~~الرسول صوبهم على ذلك ولم يأمرهم بالإعادة ولقوله تعالى: {فأينما تولوا فثم ~~وجه الله }[البقرة:115]. # الفرع العشرون: قد قررنا في أول الفصل كراهة حضور النساء مساجد الجماعات ~~لأجل المحاذرة من الفتنة فإذا تقرر هذا فهل تكره صلاتهن في بيوتهن جماعات ~~أو يجوز ذلك؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: جواز ذلك واستحبابه وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية ~~والناصرية، ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((صلاة الجماعة تفضل على صلاة ~~المنفرد بخمس وعشرين درجة )). ولم يفصل بين الرجال والنساء. # الحجة الثانية: هو أن النساء أهل الفرض ومن أهل العبادة. والتعبد ~~بالشريعة حاصل في حقهن، فلهذا استحب لهن الجماعة كالرجال. # المذهب الثاني: أن الجماعة في حق النساء مكروهة وهذا هو قول أبي حنيفة، ~~ومحكي عن مالك. # والحجة على هذا: هو أن الجماعة حكم يختص الصلاة فكره في حق النساء ~~كالأذان. PageV03P432 # المذهب الثالث: أن الجماعة في حقهن تكره في الفروض دون النوافل وهذا هو رأي ~~الشعبي والنخعي. # والحجة على هذا: هو أن النوافل مخالفة للفروض والتساهل حاصل من جهة الشرع ~~في النوافل ولهذا فإنه يجوز أداؤها على الراحلة، ويجوز فيها ترك القيام مع ~~القدرة عليه بخلاف الفرائض، فلما كان الأمر هكذا جاز لهن الجماعة في ~~النوافل كصلاة العيدين وغيرهما ولم يجز لهن في الفرائض. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من استحباب الجماعة في حقهن. # وحجتهم على ذلك: ما ms1315 ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن التعبد بالصلاة حاصل في ~~حق الرجال والنساء فوجب أن يكون التعبد بفروض الصلاة وسننها حاصلا في حق ~~النساء إلا ما خصته دلالة ومن جملة السنن في الصلاة هو الجماعة لأجل فضلها ~~فلهذا كانت مشروعة في حق النساء كما هي مشروعة في حق الرجال. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: الجماعة في حقهن مكروهة كالأذان. # قلنا: النساء المأخوذ عليهن الخفارة والتستر في البيوت والأذان ينافي ذلك ~~لما فيه من إظهار أصواتهن وحصول الفتنة بها بخلاف الجماعة فإنها تؤدى في ~~خفية في قعر البيوت فافترقا. # قالوا: تستحب الجماعة في حقهن في النفل دون الفرض. # قلنا: إذا جاز النفل في حقهن جاز الفرض من غير فرق بينهما لأنهما سيان في ~~استحباب الجماعة فالفرق بينهما تحكم من غير دلالة. # الفرع الحادي والعشرون: إذا تقرر كونها مستحبة في حق النساء فهل تكون ~~هيئتها على حد صلاة الرجال صفا بعد صف أو تكون إمامتهن وسطهن؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن تكون إمامتهن وسطهن ويكن عن يمينها وشمالها وهذا هو رأي ~~الإمامين الهادي والقاسم واختاره السيد أبو طالب. PageV03P433 # والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه ~~قال: دخلت أنا ورسول الله على أم سلمة فإذا نسوة في جانب البيت يصلين فقال ~~الرسول : ((يا أم سلمة أي صلاة يصلين ))؟ فقالت: يا رسول الله المكتوبة. ~~فقال: ((أفلا أممتهن)). قالت: يا رسول الله أويصلح ذلك؟ قال: ((نعم تقومين ~~وسطهن لاهن أمامك ولا خلفك ولكن عن يمينك وشمالك))(1). # المذهب الثاني: أن تكون صلاتهن مثل صلاة الرجال صفا بعد صف وهذا هو رأي ~~الأستاذ(2) # والقاضي زيد من أصحابنا. # والحجة على جواز ما ذكرناه: هو أن النساء كالرجال في أبواب العبادة من ~~الصلاة والصوم والحج إلا ما خصته دلالة فلما كانت الجماعة مشروعة في حق ~~الرجال صفا بعد صف جاز ذلك في حق النساء من غير فرق. # والمختار: ما قاله الإمامان الهادي والقاسم وهو رأي الشافعي من أنهما ~~مختلفان في صلاة ms1316 الجماعة. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روي عن عائشة أنها صلت بنسوة ~~العصر فوقفت في وسطهن، ومثل هذا إذا صدر من جهة الصحابي فلا يكون إلا عن ~~توقيف لأن ما هذا حاله فلا مدخل للإجتهاد فيه ولأنه من باب العبادات وهي ~~أمور غيبية لا يعلم أسرارها إلا الله تعالى، وما حصل من جهة صاحب الشريعة ~~صلوات الله عليه. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: النساء كالرجال فلهذا كانت صلاتهن مثل صلاة الرجال. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه لا مدخل للأقيسة في العبادات وإنما موردها التحكم ~~والتلقي من جهة الرسول وقد حصل التوقيف منه على ما ذكرناه من صلاة النساء ~~فلا يجوز مخالفته فيما قاله. PageV03P434 # وأما ثانيا: فلأن القياس لا يعارض النصوص من جهة الشارع بل يكون الاعتماد ~~عليها أحق وأولى من القياس، وقد نجز غرضنا من الفصل الأول في حكم الصلاة. PageV03P435 ### ||| AUTO الفصل الثاني في بيان صفات الأئمة # اعلم أنا نذكر في هذا الفصل من تجوز إمامته ومن لا تجوز إمامته ومن تكره ~~إمامته فهذه أقسام ثلاثة نذكر في كل واحد منها ما يختصه. ### ||| AUTO القسم الأول: في بيان من تجوز إمامته # والذي يجوز أن يكون إماما في الصلاة هو من يختص بصفات البلوغ والعقل ~~والإسلام والذكورة وكمال الطهارة والصلاة فمن كان مختصا بهذه الصفات جازت ~~إمامته ومن لم يكن حاصلا عليها لم تصح إمامته ونحن نذكر كل واحد منها بما ~~يختصه ونشرحها بمعونة الله. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: الإمامة في الصلاة خصلة شريفة لا يتولاها إلا أهل الصلاح ~~والدين والتقوى لما روي عن الرسول أنه قال: ((الإمام وافد فقدموا أفضلك م ~~)) (1). # ولا يتولاها من كان متهتكا خبيثا فاسقا لا دين له ولا أمانة لما روى أمير ~~المؤمنين كرم الله وجهه قال: كنت مع الرسول فأتى بني مجمجم فقال: ((من ~~يؤمكم))؟ فقالوا: فلان. فقال : ((لا يؤمكم ذو جرأة في دينه )). وأراد ~~بالجرأة من كان مقدما على الكبائر من غير مبالاة خبيثا عدوا لله ولرسوله ms1317 ~~منحرفا عما عليه أهل الدين والمروءات والحياء، وروى أبو مسعود[البدري] رضي ~~الله عنه عن الرسول أنه قال: ((يؤم القوم أقرأوهم لكتاب الله فإن كانوا في ~~القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم في الهجرة ~~فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا ولا يؤم الرجل في سلطانه ولا يقعد في ~~بيته على تكرمته إلا بإذنه))(2). PageV03P436 # وعنى بالسلطان الإمام وأراد أن أحدا لا يؤمه لما كان سلطانا لأنه أحق ~~بالإمامة وأولى بها من غيره لما خصه الله به من الفضائل وقيامه بمصالح ~~الدين وتوليه لأمور المسلمين، والتكرمة بضم الراء كالتهلكة وبكسرها ~~كالتقدمة لغتان فيها ولها معنيان: # المعنى الأول: أنها المائدة وأراد أنه لا يقعد أحد على مائدته إلا بأذنه ~~ولا يؤكل طعامه ألا برضاه. # المعنى الثاني: أنها البساط الذي يقعد عليه ويلحق بذلك المخدة والوسادة ~~والمرتبة التي يقعد عليها وكل ما كان يوطأ للقاعد، وفي الحديث كان لرسول ~~الله كساء أحمر يوضع تحته إذا قعد يجعل طافين أو ثلاثة. فإذا عرفت هذا ~~فالذين تجوز إمامتهم في الصلاة على الإطلاق هو كل بالغ عاقل ذكر مؤمن كامل ~~في الطهارة والصلاة. # فقولنا: بالغ. نحترز [به] عن الصبي. # وقولنا: عاقل. نحترز ]به] عن المجنون. # وقولنا: مؤمن. نحترز [به] عن الكافر والفاسق. # وقولنا: كامل في طهارته. نحترز[به] عمن كان ناقصا في الطهارة كالمتيمم في ~~حق المتوضين ومثل من كان معذورا في غسل بعض أعضائه فإنه لا يصلي بمن كان ~~كاملا في طهارته. # وقولنا: كاملا في صلاته. نحترز به عن المقعد فإنه لا يصلي بمن كان صحيحا ~~وهكذا حال النساء فإن المرأة تؤم النساء إذا كانت بهذه الصفة بالغة عاقلة ~~مؤمنة كاملة في الطهارة كاملة في الصلاة فمن حصلت في حقه هذه الصفات جاز أن ~~يكون إماما لمن هو على مثلها أو غيرها وما خالف هذه فسنورده في الفصل ~~الثاني إذا ذكرنا من لا تجوز إمامته بحال وعلى هذا تجوز صلاة العاري ~~بالعاري كما تجوز صلاة اللابس باللابس وتجوز صلاة الأمي بالأمي كما تجوز ms1318 ~~صلاة القاريء بالقاريء. # والوجه في ذلك: هو أن حال الإمام والمأموم سواء لا يزيد أحدهما على صاحبه ~~فوجب القضاء بإجزاء الصلاة لهما ولأنهما قد استويا في النقص فجازت صلاة ~~أحدهما بالآخر كما استويا في الفضيلة فإن صلى الأمي بالقاريء فهل تصح ~~صلاتهما أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: PageV03P437 # المذهب الأول: أن صلاة الأمي صحيحة وصلاة القارئ فاسدة. # والحجة على هذا: هو أن الأمي قد صلى لنفسه فلهذا حكمنا بصحة صلاته كما لو ~~صلى منفردا والقاريء صلى مؤتما من غير إمام فحكمنا بفساد صلاته وهذا هو رأي ~~القاسمية ومحكي عن أبي يوسف ومحمد. # المذهب الثاني: أن صلاتهما جميعا فاسدة وهذا هو رأي أبي حنيفة، ومحكي عن مالك. # والحجة على هذا: أما بطلان صلاة القاريء فلقوله : ((يؤم القوم أقراؤهم ~~لكتاب الله )). فإذا قدم الأمي كانوا كلهم قد دخلوا تحت النهي وذلك يقتضي ~~فساد المنهي عنه. وأما بطلان صلاة الأمي فلأنه كان يمكنه أن يقدم القارئ ~~ويأتم به؛ لأن قراءة الإمام له قراءة فإذا لم يفعل فقد ترك القراءة مع ~~القدرة عليها وهذا هو قول الناصر أعني بطلان صلاتهما جميعا. # المذهب الثالث: أن صلاتهما جميعا صحيحة وهذا هو أحد قولي [الشافعي] وله ~~قول آخر: أن صلاة الأمي صحيحة وصلاة القاريء فاسدة. # والحجة على صحة صلاة الأمي: هو أنه مصل لنفسه غير تابع لغيره فلهذا كانت ~~صحيحة ويدل على صحة صلاة القاريء هو أن القراءة على قوله في الجديد لازمة ~~للمأموم بكل حال ولا يتحمل الإمام فلهذا قضينا بصحة صلاتهما لما ذكرناه. # والمختار: ما حكيناه عن القاسمية من بطلان صلاة القاريء دون صلاة الأمي. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم ~~فإذا ائتم بالأمي فكأنه قد صلى من غير قراءة ولقوله : ((الإمام ضامن )). ~~ولن يكون الضمان إلا بتحمل القراءة والأمي لا يتأتى منه تحمل القراءة فلهذا ~~كانت صلاته باطلة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: صلاتهما تكون باطلة. # قلنا: أما صلاة الأمي فلا نسلم بطلانها لأنه مصل لنفسه. # قالوا: يدل ms1319 على بطلانها قوله : ((يؤمكم اقرأكم لكتاب الله)). والنهي ~~يقتضي الفساد. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه لا صيغة للنهي في الحديث فلا معنى لدعوى النهي. PageV03P438 # وأما ثانيا: فلأن المراد بالخبر القاريء فلأن ظاهر الخبر دال على أنه أحق ~~بأن يكون إماما فلهذا بطلت صلاته لما خالف الأمر. # قالوا: صلاتهما صحيحة. # قلنا: أما صحة صلاة الإمي فقد أوضحناه وأما صحة صلاة القاري فلا نسلمها. # قالوا: القراءة لازمة للمأموم وهو من أهل القراءة فلهذا كانت صلاته صحيحة. # قلنا: إن فساد صلاته ليس من جهة القراءة كما زعمتم وإنما فسادها من جهة ~~أنه ائتم بغير إمام لأن الأمي لا يكون إماما لمن هو أفضل منه وأعلى حالا ~~لما ذكرناه. # الفرع الثاني: وإن كان هاهنا رجلان أحدهما يحسن جميع القرآن غير الفاتحة ~~والآخر يحسن سبع آيات غير الفاتحة كان الذي يحسن جميع القرآن غير الفاتحة ~~أولى ممن يحسن سبع آيات غير الفاتحة لأنهما قد اتفقا على تعذر الفاتحة من ~~جهتهما لكن أحدهما أكثر قرآنا من الآخر فلهذا كان أحق، فإن أم الذي يحسن ~~سبع آيات لا غير بالذي يحسن جميع القرآن غير الفاتحة صحت صلاتهما ~~لاستوائهما جميعا في تعذر فرض الفاتحة فيهما كما لو أم من يحسن الفاتحة لا ~~غير بمن يحسن الفاتحة مع غيرها لأن الأولين استوى حالهما في تعذر الفاتحة ~~والآخرين استوى حالهما في وجودها لهما(1) # وإن كان هاهنا رجلان أحدهما يحسن أول الفاتحة لا غير والآخر يحسن آخرها ~~لا غير. ففيه وجهان: # أحدهما: أنهما سواء كما لو أحرز أحدهما عشرين آية غير الفاتحة وأحرز ~~الآخر مثلها غير الفاتحة. # وثانيهما: أن من يحسن أول الفاتحة أحق لأن من قرأها من أولها كان قارئا ~~للفاتحة ومن قرأها من آخرها فإنه لا يقال بأنه قارئ لها فافترقا. PageV03P439 # وإن ائتم رجل برجل لا يدري هل يحسن القراءة أم لا. كانت صلاته صحيحة لأن ~~الظاهر أنه لا يؤم الناس إلا من يحسن القراءة في الفاتحة، فإن كانت الصلاة ~~مما يجهر بها فلم يجهر هذا الإمام ms1320 بالقراءة فعلى المأموم أن يعيد الصلاة ~~لأن الظاهر أنه لما ترك الجهر في الصلاة فإنه لا يحسن القراءة لهذا ~~القرينة، فإن قال بعد الفراغ من الصلاة أنا أحسن القراءة وقد قرأت سرا لكني ~~نسيت الجهر أو تركته عمدا لم تلزم المأموم الإعادة لأن الظاهر صدق مقالته ~~وأمره محمول على السلامة والصحة ولأنه قد صلى المكتوبة فلا وجه لإعادتها من ~~غير أمر يوجب الإعادة لقوله : ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم )). ~~والمستحب أن يعيد الصلاة لجواز أن لا يصدق فيما قال. والباب باب عبادة ~~فلهذا يستحب الإحتياط فيها بما ذكرناه من إعادتها. # الفرع الثالث: في بيان الأسباب الموجبة للقيام في الصلاة. # وأعلم أن إمامة المحاريب هي الإمامة الصغرى ولا تليق إلا بمن اختص ~~بالخصال الشريفة والمناقب العالية ليكون أحق بها وأخص بالمواظبة عليها ~~وجملتها تسع خصال: الفقه، والقراءة، والورع، والنسب، والسن، والهجرة، ~~والأبوة، والحرية، والحسن، فهذه الخصال يحصل بها العلو في الدين والأولوية ~~في التقدم بعد إحراز خصال الإجزاء من الستر والعفاف والدين والإسلام فصارت ~~في الاعتبار على ثلاث مراتب نفصلها بمعونة الله. # المرتبة الأولى في بيان الخصال الثلاث: الفقه والقراءة والورع # واعلم أن الورع ليس مذكورا في أحاديث الأفضلية وأولوية التقدم في الصلاة ~~ولكن أصحابنا أدخوله لما له من المكانة في الدين والاختصاص بالتقدم في ~~إمامة الصلاة فهذه الخصال مقدمات على غيرها من سائر الخصال ثم أنها في ~~أنفسها متفاضلة فالأفقه أحق بالتقدم لقوله : ((يؤم القوم أعلمهم بالسنة)). ~~فإن استووا في الفقه فالورع لقوله : ((ملاك الدين الورع)). PageV03P440 # وقوله : ((لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار وتوفيتم ~~بين الركن والمقام ما نفعكم ذلك إلا بالورع)). وفي حديث آخر: ((أولياء الله ~~هم أهل الزهد والورع في الدنيا )) فإن استووا في الورع فالأقرأ لقوله : ~~((يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ~~فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم في الهجرة فإن كانوا في الهجرة سواء ~~فأقدمهم سنا)). فهذا الحديث دال على الأفضلية في أيام الرسول ms1321 فإن الأقرأ ~~منهم كان هو الأفقه، وقيل إنه لم يكن في أيام الرسول من يحفظ القرآن جميعه ~~إلا سبعة أنفس أمير المؤمنين كرم الله وجهه وأبو بكر وعثمان وزيد بن ثابت ~~وأبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود بخلاف أهل زماننا هذا فإن فيهم من يتعلم ~~الفقه ومنهم من يتعلق بالقراءة وعلى هذا إذا تساويا في القراءة وأحدهما ~~أفقه فالأفقه أحق بالتقديم لافتقار الصلاة إلى الفقه والعلم بفروضها ~~وسننها، وإن كان أحدهما يحسن الفقه ولا يحسن الفاتحة والآخر يحسن الفاتحة ~~ولا يحسن الفقه كان الذي يحسن الفاتحة أولى لأن الصلاة لا تصح إلا بالفاتحة ~~فإن كان أحدهما يحسن القرآن كله ومن الفقه ما يحتاج إليه في الصلاة والآخر ~~يحسن من القرآن ما يجزي في الصلاة لكنه يحسن فقها كثيرا فيحتمل أن يكونا ~~على السوية لاختصاص كل واحد منهما بمزية في الفضل. والأقوى أن تقديم الأفقه ~~أحق لأن ما يحتاج إليه من القرآن في الصلاة محصور وما يحتاج إليه من الفقه ~~في الصلاة غير محصور وربما يحدث في الصلاة حادثة تحتاج إلى الفقه فيها وما ~~قلناه من اختيار تقديم الفقيه هو رأي الشافعي، ومالك وأبي حنيفة، والأوزاعي ~~وحكي عن الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن المنذر من أصحاب ~~الشافعي أن الأقرأ هو الأولى بالتقديم. PageV03P441 # والحجة عليهم ما ذكرناه من أن الحاجة للصلاة في القراءة محصورة والحاجة ~~للصلاة من الفقه غير محصورة فلهذا قضينا بكونه أحق وأن أحدا من الصحابة لم ~~يختص بالقراءة إلا وهو مختص بالفقه. # وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ما كنا نتجاوز عشر آيات حتى ~~نعرف حكمها وأمرها ونهيها ولهذا فإنه لا يكاد يوجد منهم قاريء غير فقيه ~~ويوجد فيهم من هو فقيه غير قارئ، وما ذاك إلا أن الغالب فيهم الفقه والعلم ~~بالسنة وأحكام الشريعة. # المرتبة الثانية: وهي دون الأولى في الاعتبار [يدخل تحتها أمور] وجملتها ~~ثلاثة: السن والنسب والهجرة وفي ترتيبها قولان: # القول الأول: محكي عن الشافعي في الجديد وهو أن ms1322 السن مقدم ثم النسب ثم ~~الهجرة وأراد بالسن أن الرجل إذا نشأ في الإسلام وشاخ فيه فإنه مقدم على من ~~أبلى عمره في الشرك وتاب منه وهكذا يقدم من تقدم إسلامه على من تأخر إسلامه ~~وهكذا حال من نشأ في الفسق وشاخ فيه ثم تاب عنه فإن من نشأ في الإسلام ~~والدين مقدم عليه، وأما النسب فالمراد منه تقديم الفاطمية على سائر بطون ~~قريش لشرفهم بالرسول ويقدم بنو هاشم على غيرهم وتقدم قريش على سائر القبائل ~~وتقدم العرب على العجم. # وأما الهجرة فتقدم من هاجر على من لم يهاجر ومن تقدمت هجرته على من تأخرت ~~هجرته وهكذا أولاد المهاجرين يقدمون على أولاد من لم يهاجر وسواء كانت ~~الهجرة قبل الفتح أو بعده، فأما قول الرسول لا هجرة بعد الفتح فإنما أراد ~~لا هجرة من مكة بعد الفتح فإن طلب الإمام الهجرة إليه وجب على المسلمين ~~امتثال أمره في ذلك إذا رأى في ذلك مصلحة ويكون الفضل في التقديم بالهجرة إليه. # القول الثاني: محكي عنه في القديم فالنسب مقدم على الهجرة ثم الهجرة بعده ~~ثم السن فهاذان القولان محكيان عن الشافعي. PageV03P442 # والمختار: تفصيل نشير إليه وهو تقديم النسب على السن لقوله : ((الأئمة من ~~قريش ))(1). # وقوله : ((قدموا قريشا ولا تقدموها )). ولم يفصل بين الإمامة الصغرى ~~والكبرى. وقوله : ((تعلموا من قريش ولا تعلموها)). وروي: ((ولا تعالموها)) ~~أراد تغالبوها في العلم، ((فإن عالمها يملأ الأرض علما)) (2). # وروي عن الرسول أنه قال: ((الناس في هذا الشأن تبع لقريش فمسلمهم تبع ~~لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم))(3). # فهذه الأدلة كلها دالة على استحباب تقديم النسب. على السن وأما تقديم ~~السن على الهجرة فلما روي عن الرسول أنه قال لرجلين: ((وليؤمكما ~~أكبركما))(4) # ولما روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي، وليؤذن لكم ~~أحدكم، وليؤمكم أكبركم)) فما ذكرنا يدل على تقدم الأكابر على الأصاغر ومن ~~جهة أن الأكبر الغالب من حاله الخشوع والإقبال إلى الصلاة فلهذا كان أحق ~~بالتقدم وهذه الأمور الثلاثة إنما يقع الترجيح بها إذا عدمت ms1323 الأمور الثلاثة ~~الأول أو كانوا مشتركين فيها فيقع النظر فيها على هذا الحد. PageV03P443 # المرتبة الثالثة: وهذه فهي دون ما ذكرناه في المرتبة الأولى والثانية، ~~وجملتها [أمور] ثلاثة: الأبوة والحرية والحسن. فالأب يكون أحق بالتقدم من ~~الإبن إذا كانا مستويين في المعرفة بحدود الصلاة ولما روي عن الرسول أنه ~~جاءه رجلان(1) # أخوان أحدهما أكبر من الآخر فأراد الأصغر السبق بالحديث فقال له النبي : ~~((الكبر الكبر))(2). # وأما الحرية فلا شك أن العبد نازل في القدر لأجل الرق وإمامة الصلاة فهي ~~منزلة رفيعة فإذا اجتمع الحر والعبد وكانا مستويين في الفضل والعلم بحدود ~~الصلاة فالحرية خصلة مرجحة لتقديم الحر على العبد. وأما الحسن فيحتمل أن ~~يراد حسن الوجه لما روي عن الرسول أنه قال: ((اطلبوا الحوائج عند حسان ~~الوجوه من أمتي))(3). # وقبول الصلاة من جملة الحوائج المطلوبة فلهذا كان راحجا في التقدم على ~~غيره ممن ليس وجهه كوجهه. # ويحتمل أن كون المراد بالحسن في الأفعال؛ لأن كل من حسنت أفعاله بالطاعة ~~لله فهو لا محالة أحق بالتقدم وهذه الأمور الثلاة إنما يقع الترجيح بها إذا ~~عدمت تلك الخصال المتقدمة أو كانوا مشتركين فيها فعلى هذا يقع الترجيح بهذه. PageV03P444 # الفرع الرابع: وإذا حضر إمام المسجد الراتب للصلاة فيه مع غيره من المسلمين ~~فإمام المسجد أحق بالتقديم، وإن كان هناك من هو أفقه منه واقرأ لما روي أن ~~ابن عمر قدم مولى له كان إماما للمسجد وقال: أنت أحق بالإمامة في مسجدك. ~~ومثل هذا إذا صدر من جهة الصحابي فإنه يتوجه قبوله لأنه إنما يقوله عن ~~توقيف من جهة الرسول وإن أذن إمام المسجد لمن حضر أن يتقدم عليه جاز ذلك ~~لأنه رضي فإسقاط ما كان له من الأولوية بالتقدم، وإن حضر الإمام الأعظم مع ~~إمام المسجد فالإمام الأعظم أحق بالتقدم لقوله : ((لا يؤم الرجل في سلطانه ~~)) ولأنه راع وهم رعيته. فلهذا كان أحق بالتقدم لما له عليهم من الولاية. ~~فإن قدم الإمام الأعظم رجلا من المسلمين ورضيه كان أحق من غيره لأن الإمام ~~قد ms1324 رضيه وإن دخل الإمام الأعظم بلدا وله فيها خليفة كان أحق بالتقدم من ~~خليفته لأن ولايته أعم من ولاية غيره. PageV03P445 # الفرع الخامس: وإذا حضر جماعة في دار رجل وحضرتهم الصلاة وصاحب البلد يحسن ~~من القرآن ما يجزي في الصلاة وكان عارفا بحدود الصلاة فصاحب البيت أحق ~~بالإمامة ممن حضر معه وإن كانوا أفقه منه واقرأ إلا أن يكون الحاضر هو ~~الإمام الأعظم فهو أحق لما روى أبو مسعود البدري عن رسول الله أنه قال: ~~((لا يؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه ولا يقعد على تكرمته إلا بأدنه)). ~~ولأن لصاحب البيت ولاية على الدار فلا يشاركه فيها غيره. وقد قدمنا تفسير ~~التكرمة فأغنى عن الإعادة، وإن حضر المستأجر ومالك الدار في الدار ~~المستأجرة ثم حضرت الصلاة كان المستأجر للدار أحق بالتقدم من مالكها؛ لأنه ~~أحق بمنافعها، وإن حضر العبد وغيره في دار جعلها السيد لسكنى العبد فالعبد ~~أحق بالإمامة لما له عليها من الولاية لما كان أحق بمنافعها من جهة سيده. ~~وإن استعار رجل من رجل دارا فحضر المستعير وغيره فالمستعير أحق بالتقدم وإن ~~حضر العبد وسيده في الدار التي جعلها سيده لسكنى العبد فالسيد لا محالة أحق ~~بالتقدم لأنه هو المالك لرقبة الدار ورقبة العبد والله أعلم. فلهذا كان ~~العبد مخالفا للمستعير لما ذكرناه. # الفرع السادس: وتجوز إمامة الأعمى للبصير والأعمى لما روي أن الرسول ~~استخلف ابن أم مكتوم في بعض غزواته على المدينة يصلي بالناس، وهل يكون أولى ~~أو البصير؟ فيه أقوال ثلاثة: # القول الأول: أن الأعمى أحق من البصير، وهذا هو الذي أشار إليه الهادي في ~~المنتخب ورأي المؤيد بالله وهو محكي عن المروزي من أصحاب الشافعي؛ لأنه لا ~~ينظر إلى ما يلهيه فيكون متوفرا على الخشوع في الصلاة. # القول الثاني: أن البصير أحق وهذا هو المحكي عن زيد بن علي والقاسم ومحكي ~~عن أبي إسحاق من أصحاب الشافعي لأن البصير يتوقى من النجاسات التي تكون ~~مفسدة للصلاة. PageV03P446 # القول الثالث: أنهما مستويان وهذا هو رأي الشافعي ومحكي ms1325 عن محمد بن الحسن ~~لأن الأعمى لو تم خشوعه فليس يحترز عن النجاسات والبصير ولو احترز عن ~~النجاسات فليس يتم خشوعه فلهذا حكمنا باستوائهما. # والمختار: أن البصير أحق لأن حال الأعمى في جميع تصرفاته حاصل على جهة ~~النقصان ولهذا فإن الله قال: {ليس على الأعمى حرج}[النور:61، الفتح:17]. ~~يشير بذلك إلى ضعف حاله. # الفرع السابع: وتجوز صلاة العبد بالأحرار والعبيد عند أئمة العترة ومحكي ~~عن الشافعي لما روى ابن عمر كان له عبد وكان يصلي ورآءه، وروي عن عائشة ~~وأنس بن مالك أنه كان لهما عبدان وكانا يصليان خلفهما ولأنه من أهل العبادة ~~والصلاة ويصح منه سائر العبادات فصار كالحر. وهل تكره الصلاة خلفه أم لا؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: الكراهة للصلاة خلفه مع كونها مجزية، وهذا هو رأي الهادي ~~والقاسم ومحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن العبد مستحقر بالرق وملك المنافع والإمامة حالة ~~رفيعة بالشرع فلأجل هذا كرهت إمامته للصلاة. # المذهب الثاني: رفع الكراهة وهذا هو رأي زيد بن علي ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((أطيعوا السلطان ولو كان ~~عبدا حبشيا أجدع مهما أقام فيكم الصلاة))(1). # فهذا دال على رفع الكراهة. # والمختار: جواز من غير كراهة لما روي أن عمر جعل الخلافة شورى بين ستة ~~نفر منهم سالم مولى أبي حذيفة فإذا كان عمر جعله صالحا للشورى فكيف لا يكون ~~صالحا للصلاة خلفه(2). PageV03P447 # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: العبد مستحقر بالرق والإمامة للصلاة منزلة رفيعة فلأجل هذا كرهت ~~الصلاة خلفه. # قلنا: جواز الصلاة خلفه إنما كان من أجل اختصاصه بالإسلام والدين والعلم ~~بحدود الصلاة كالحر والرق لا يمنع من ذلك فلا جرم لم تكره الصلاة خلفه. # الفرع الثامن: وتجوز الصلاة خلف من ليس لرشدة؛ لأن حكمه حكم من هو لرشدة ~~في جميع العبادات كلها ولا خلاف في جواز الصلاة خلفه لأن فجر أبويه لا يضره ~~في جميع الأمور الدينية والدنيوية إذا كان من أهل الصلاح والديانة والمعرفة ~~بحدود الصلاة. ms1326 # قالت عائشة: ليس عليه من وزر أبويه شيء. وهل تكره الصلاة خلفه أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أن الصلاة خلفه غير مكروهة وهذا هو المحكي عن زيد بن علي ~~والهادي والقاسم ومحكي عن الثوري وأحمد بن حنبل والشافعي وإسحاق بن راهويه. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى }[الأنعام:164]. # المذهب الثاني: الكراهة وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة وأصحابه ومالك. # والحجة على هذا: ما روي عن عمر بن عبدالعزيز أن رجلا بالعقيق لا يعرف ~~أبوه وكان يصلي بالناس فنهاه عمر عن ذلك. # والمختار: جواز ذلك من غير كراهة لقوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم}[الحجرات:13]. ولم يفصل بين من يكون لرشدة أو من غير رشدة ولأن فسق ~~أبويه لا يضر دينه ولا ينقصه فلأجل هذا جاز أن يكون إماما للصلاة لغيره من ~~سائر المسلمين. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روي عن عمر بن عبدالعزيز كراهة ذلك. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فكلام عمر ليس حجة إنما الحجة فيما ورد عن صاحب الشريعة صلوات ~~الله عليه. # وأما ثانيا: فنهاية الأمر أن هذا اجتهاد لعمر فلا يلزم قبول اجتهاده، وما ~~دللنا عليه من الظواهر القرآنية فهي أولى وأحق بالقبول واجتهاد المجتهد لا ~~يمكن أن يعارض الظواهر الشرعية من الكتاب والسنة. PageV03P448 # الفرع التاسع:تجوز الصلاة خلف البدوي وهو الرجل الذي من أهل البادية إذا ~~كان مسلما عارفا بحدود الصلاة عند أئمة العترة وفقهاء الأمة ولا تكره ~~الصلاة خلفه بين الأئمة والفقهاء. # والحجة على هذا: قوله : ((صلوا خلف من قال لا إله إلا الله )) (1). # فظاهر هذا العموم دال على صحة الصلاة خلفه. # وتجوز الصلاة خلف المسافر للمقيم ولا خلاف في ذلك بين أئمة العترة وفقهاء الأمة. # والحجة على هذا: هو أن صلاته مجزية ويكون بمنزلة اللاحق ولا يضره قصر ~~صلاة إمامه لأنها عزيمة عنده ولم يخالف إمامه في المتابعة فلهذا كانت مجزية ~~له، وهل تكره أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها غير مكروهة وهذا هو رأي أئمة العترة ms1327 لا يختلفون في ذلك. # والحجة على هذا: هو أن كل واحد من الإمام والمأموم صلاته صحيحة لم ~~يعترضها ما ينقصها ولم يعرض إلا نقصان صلاة المأموم بالسفر وهذا لا يطرق ~~خللا في صلاة المأموم لأنه يكون بمنزلة اللاحق. # المذهب الثاني: أنها تكره وهذا هو المحكي عن الشافعي في أحد قوليه وله ~~قول آخر أنها لا تكره. # والحجة على الكراهة: هو أن صلاته ناقصة عن صلاة المقيم فلهذا كره له ~~التقدم على المقيم. # والمختار: أنها غير مكروهة لأن نقصانها فرض واجب وعزيمة في حقه فصار ~~كالمقيم في أداء ما فرض عليه. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: صلاة المسافر ناقصة فلهذا كره له التقدم من أجل نقصان صلاته. # قلنا: إن القصر عنده حتم واجب لا يجوز له مخالفته فكيف يقال بأنها ناقصة ~~مع أنه لو أتمها لم تكن مجزية عنده ولأنا نقول نقصان الصلاة في حقه هل تكون ~~بالإضافة إلى الصلاة التامة فهذا مسلم لا ننكره أو تكون بالإضافة إلى ما ~~وجب عليه فهذا لا نسلمه لأن الواجب عليه هو الإتيان بها ناقصة عن التامة ~~لأجل ما عرض من السفر. PageV03P449 # الفرع العاشر: قال الهادي: ولا بأس أن يصلي المطلق خلف المقيد. نص عليه في ~~كتابه (المنتخب). # واعلم أن كل من كان سليما وصلى خلف رجل مقيد نظرت في حال المقيد فإن كان ~~يمكنه التصرف في ركوعه وسجوده وقيامه وقعوده على الحد المأمور به بأن يكون ~~القيد فسيحا جازت الصلاة خلفه[لأنه] لا يكون كالمطلق في جميع أحواله ~~والإجماع منعقد على صحة ما ذكرناه، وإن كان لا يمكنه استيفاء هذه الأركان ~~لأجل ضيق القيد كانت صلاته ناقصة وهي مجزية له وليست مجزية لغيره كالمقعد ~~وعلى [هذا] يحمل ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه من النهي عن صلاة ~~المطلق خلف المقيد فلابد من حمله على ما ذكرناه من التفصيل. # قال الإمام المؤيد بالله: ولا بأس أن يؤم الرجل قوما وفيهم من تكره ~~إمامته إذا كان أكثرهم راضيا. اعلم أن الذي نذكره هاهنا ms1328 هو الجواز من غير ~~كراهة فأما الكراهة فسيأتي ذكرها في الفصل الثالث، والجواز الذي لا كراهة ~~فيه مشروط بأمرين: # أما أولا: فبأن يكون الأكثر راضيا فإن كان الأكثر راضيا فلا عبرة به. # وأما ثانيا: فبأن يكون الأكثر الراضي من أهل الصلاح والدين، فإذا حصل ~~هذان الشرطان فلا كراهة هناك والجواز حاصل من غير كراهة وذلك لأن الغالب من ~~حال الخلق هو حصول الإحن والعداوات بينهم والشحناء في القلوب فلابد من ~~اعتبار هذين الشرطين في الجواز فلو لم نعتبرهما لأدى ذلك إلى امتناع ~~الاقتداء؛ لأن مثل هذا لا يعدم على ممر الأوقات، ويؤيد ما ذكرناه قوله : ~~((قد دب إليكم داء الأمم أما إني لا أقول إنها الحالقة للشعر وإنما هي ~~الحالقة للدين الحسد والبغضاء)) (1). # وقد نجز غرضنا مما نريده ممن تجوز إمامته ونذكر الآن من لا تجوز إمامته ~~في الصلاة والله الموفق. PageV03P450 ### ||| AUTO القسم الثاني: في بيان من لا تجوز إمامته في الصلاة. # اعلم أن من تمتنع الصلاة خلفه فهو منقسم إلى:من يمتنع على الإطلاق وهذا ~~نحو الكافر والفاسق المجاهر والمجنون والصبي. وإلى: من تجوز إمامته على ~~حال، دون حال وهذا نحو ناقص الطهارة وناقص الصلاة فتجوز إمامته لمن كان على ~~مثل حاله، ولا تجوز لمن كان أكمل منه حالا ونحن نفصل هذه الأمور ونشرحها ~~بمعونة الله تعالى. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: في الكافر المصرح لا تجوز إمامته ونعني بكونه مصرحا أن ~~الإجماع منعقد على كفره لا يقع فيه اختلاف. واعلم أن الكفار المصرحين ~~بالكفر على ثلاثة أصناف: # الصنف الأول: أهل الكتب المنزلة وهم اليهود وكتابهم التوارة ونبيهم موسى ~~صلوات الله عليه، والنصارى وهم أهل الإنجيل ونبيهم عيسى صلوات الله عليه. ~~وأهل الكتب المنزلة غير اليهود والنصارى كأهل الزبور وصحف شيث(1) # وغيرها، فلا يوجد لهم أثر ولا خبر فلا حاجة إلى الكلام عليها، وهؤلاء ~~كفار لا تجوز إمامتهم في الصلاة لأنهم ليسوا من أهل الصلاة ولا من أهل ~~الملة ولا من أهل الشريعة. PageV03P451 # الصنف الثاني: الذين لهم شبهة كتاب ms1329 وهؤلاء هم المجوس فرأي أئمة العترة أنه ~~لا كتاب لهم، ورأي الشافعي أن لهم كتابا ونبيهم يقال له زرادشت(1) وكانت ~~معجزته أن يصب الصفر المحمى على جسمه فلا يضره. # الصنف الثالث: الذين لا كتاب لهم ولا شبه كتاب وهؤلاء هم الملاحدة ~~والمعطلة والدهرية والزنادقة والصابئة وأهل التنجيم وأصحاب علم الهيئة، ~~فأما اليهود فهم موحدة يعتقدون الوحدانية وهم مشبهة لقولهم بالبنوة لعزير ~~كما قال الله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله }[التوبة:30]. وأما ~~النصارى فهم مشركون لقولهم بالأهية عيسى والبنوة له، وأما المجوس فلهم ~~مقالات خبيثة في الصانع وهؤلاء قد اتفق الكل من أئمة العترة وعلماء الأمة ~~على أنهم لا يصلحون لإمامة الصلاة وهذا الفرع قد تعلق به أحكام يليق ذكرها هاهنا: PageV03P452 # الحكم الأول: قد ذكرنا فيما سبق أن الدخول في صلاة الجماعة للكافر ليس حكما ~~بإسلامه وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن تكريره، ويؤيد ذلك ويوضحه ما ~~روي أن رجلا مر بالرسول وهو يقسم الغنيمة فقال له: يا محمد أعدل فإني أراك ~~لم تعدل. فقال له الرسول : ((ويحك إن لم أعدل فمن )) (1). # ثم مر الرجل فوجه الرسول أبا بكر وراءه ليقتله فوجده يصلي فقال: يا رسول ~~الله إني وجدته يصلي. فوجه عمر ليقتله فوجده يصلي فقال: يا رسول الله وجدته ~~يصلي. فوجه عليا فقال له النبي إنك لن تدركه فذهب علي فلم يجده. # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الرسول أمر بقتله لأنه نسبه إلى الجور وذلك ~~يوجب كفره وقد علم الرسول بخبر أبي بكر وعمر أنه يصلي فدل ذلك على أن صلاته ~~لا يصير بها مسلما بنفس الصلاة ما لم يتشهد الشهادتين. # الحكم الثاني: إذا أتى الكافر بالشهادتين على سبيل الحكاية مثل أن يقول ~~سمعت فلانا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. لم يكن هذا ~~إسلاما منه بلا خلاف بين أئمة العترة وهو رأي الشافعي؛ لأنه حكى ذلك، كما ~~أن من حكى الكفر لا يكون كافرا، وإن أتى بالشهادتين على جهة الإجابة ~~واستدعاء الغير ms1330 له فإن قال له: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله. فقال ذلك وبريء من كل دين خالف دين الإسلام فإنه يحكم بإسلامه عند ~~أئمة العترة وفقهاء الأمة، وإن أتى بالشهادتين من غير استدعاء من جهة الغير ~~أو أتى بهما في الصلاة أو في الأذان فهل يكون إسلاما أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: هو الحكم بإسلامه لأنه قد أتى بالشهادتين لا على جهة الحكاية ~~فصار كما لو دعي إليهما فأجاب، وروي أن أبا محذورة وأبا سامعة كانا مؤذنين ~~قبل إسلامهما على جهة الحكاية فلهذا لم يكونا مسلمين بما ذكرناه. PageV03P453 # الحكم الثالث: وإذا صلى الكافر بالمسلمين عزر لأنه أفسد على المسلمين ~~صلاتهم واستهزأ بدينهم فلهذا كان مستحقا للتعزير، وتجب عليه(1) # الإعادة سواء كان الكافر يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا أو غير من ذكرناه ~~من الملاحدة والزنادقة لأنه علق صلاته بصلاة باطلة كما لو صلى خلف امرأة، ~~وإنما أوجبنا الإعادة فيمن تظاهر بالكفر كاليهود والنصارى لأمرين: # أما أولا: فلأن لهم علامة يعرفون بها كالغيار للنصارى والزنار لليهود. # وأما ثانيا: فلأنهم لا يحسنون صلاة المسلمين فهاتان علامتان يعرفون بهما ~~فإذا لم يعرفهما المؤتم فقد فرط للنظر لنفسه فلهذا وجبت عليه الإعادة، وأما ~~الكافر الملحد الزنديق المسر لدينه فإنما وجبت عليه الإعادة لأنه صلى بمن ~~لا يؤتم به فلا جرم أوجنبا عليه الإعادة. # الحكم الرابع: وإذا أسلم الكافر ثم صلى خلفه رجل فلما فرغ من الصلاة قال: ~~إني كنت قد جحدت الإسلام وارتددت، فهل تبطل صلاته أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنها لا تبطل لأنه إذا عرف منه الإسلام فلا يزول عن حكمه إلا ~~بأن يسمع الحجود والردة ولم يسمع ذلك إلا بعد الصلاة وتمامها فلهذا لم يحكم ~~ببطلان الصلاة، وإن كان له حال ردة وحال إسلام فصلى خلفه ولم يدر في أي ~~حالتيه وقعت الصلاة فإعادة الصلاة غير واجبة لأن الأصل هو الإسلام والردة ~~طارئة فلا يحكم بها إلا بيقين، وإن صلى خلف رجل غريب في دار الإسلام لا ms1331 ~~يدري هو مسلم أو كافر فلا إعادة عليه لأن الظاهر ممن هو في دار الإسلام هو ~~الإسلام والظاهر ممن يصلي أنه مسلم فلا وجه لوجوب الإعادة. PageV03P454 # الفرع الثاني: في الكافر المتأول هل تجوز إمامته في الصلاة أم لا؟ ونعني ~~بالكافر المتأول من كان مصليا إلى القبلة مقرا بالتوحيد مصدقا للرسول فيما ~~جاء به مؤمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر خلا أنه اعتقد ~~اعتقادا يوجب إكفاره وهذا نحو المجبرة والمشبهة فإنهم مصلون إلى القبلة ~~ناكحون على الشريعة، خلا أنهم اعتقدوا اعتقادا أوجب كفرهم فالذي عليه ~~الأكثر من أئمة الزيدية والجلة من المعتزلة هو إكفارهم بهذا الاعتقاد من ~~الجبر وهو إضافة أفعال العبد إلى الله تعالى. ومن التشبيه وهو قولهم: إن ~~الله جسم. وحكي عن المؤيد بالله أنه لا يقول بإكفار المجبرة ويقطع بخطأهم ~~لأجل إضافة القبيح إلى الله تعالى، وهو محكي عن الشيخ أبي الحسين من ~~المعتزلة أنهم ليسوا كفارا، فأما المشبهة فالظاهر من مذاهب العترة وجماهير ~~أهل العدل من الزيدية والمعتزلة أنهم كفار لأنهم وصفوا الله تعالى بالصفات ~~الجسمية والله تعالى يتعالى عن ذلك. PageV03P455 # والمختار: أن المجبرة لم يثبتوا قبيحا وأضافوه إلى الله تعالى ولكنهم نفوا ~~الأحكام العقلية كلها فلا قبيح عندهم إلا بالشرع بالأمر ولا أمر في حق الله ~~ولا نهي فلهذا لم يعقل في حقه حسن ولا قبح، وأما المشبهة فالذين صرحوا ~~بالجسمية كفار لا محالة، تعالى الله عن مقالتهم علوا كبيرا، وأما من قال: ~~هو جسم من جهة العبارة دون اعتقاد المعنى فليس كافرا لكنه مخط من جهة اللفظ ~~لأن إطلاقه يوهم الخطأ من غير إكفار. فإذا تمهدت هذه القاعدة فنقول: من سلم ~~من المجبرة عن كل ما يثلم الدين إلا اعتقاد الجبر جازت الصلاة خلفه لأن ~~أمور الديانة في حقه حاصلة ولم يعرض ما يوجب بطلان الصلاة خلفه إلا هذا ~~الاعتقاد وهو غير مبطل، وأما المشبهة فمن اعتقد التجسيم المعنوي وصرح به ~~ودان باعتقاده لم تجز الصلاة خلفه لكونه كافرا مرتدا ومن خالف في اللفظ ms1332 لا ~~غير جازت الصلاة خلفه إذا سلمت ديانته عما يثلم من سائر الأمور الفسقية في ~~الجوارح، وقد ذكرنا ما يتعلق بالإكفار لهذين الفريقين وأوضحنا الخصال ~~الكفرية في حقهما في كتاب (التحقيق) فمن أرادها باستيفاء فليطالعه فإنه يجد ~~فيه ما يشفي ويكفي بمعونة الله. # الفرع الثالث: في الفاسق المصرح بالفسق هل تجوز إمامته في الصلاة أم لا؟ # اعلم أن الفاسق المصرح هو الذي يرتكب الكبائر من غير شبهة، وهذا نحو ~~ملابسة الكبائر وفعلها كشرب الخمر والزنا والسرقة والقذف والفرار من الزحف ~~وأكل مال اليتيم وغير ذلك من أنواع الكبائر الفسقية التي تتعلق بالجوارح ~~فمن هذه حاله فهو مهتوك الستر خارج من ولاية الله تعالى داخل في عداوته ~~تجري عليه الحدود على جهة الإهانة لاختصاصه بغضب الله تعالى وسخطه فيكره أن ~~يكون إماما للصلاة لما ذكرناه، وهل تكون مجزية أم لا؟ فيه مذهبان: PageV03P456 # المذهب الأول: أنها غير مجزية خلف الفاسق المصرح ونعني بالتصريح هو أنه ~~بارتكاب هذه الكبيرة خرج من ولاية الله فليس كافرا ولا هو مؤمن وإنما له ~~اسم بين الاسمين ولا هو مستحق لعذاب الكافر ولا يستحق تعظيم المؤمن فله حكم ~~بين الحكمين وهذا هو رأي أئمة العترة. # والحجة على هذا: قوله : ((لا يؤمكم ذو جرأة في دينه )). ولا جرأة أعظم من ~~ارتكاب الكبائر ومبارزة الله عز وجل بالمعاصي. # المذهب الثاني: أن الصلاة مجزية خلف الفساق وتكره، هذا وهو المحكي عن أبي ~~حنيفة وأصحابه والشافعي ورأي أبي علي الجبائي من المعتزلة. قال قاضي القضاة ~~عبدالجبار بن أحمد: إن الصلاة خلف الفساق مجزية عند مشائخ المعتزلة. # والحجة على هذا: قوله : ((صلوا خلف كل بر وفاجر )). وقوله : ((صلوا خلف ~~من قال لا إله إلا الله )). فهذان الخبران دالان على جواز الصلاة خلف ~~الفساق بظاهرهما فلا حاجة إلى التأويل. # والمختار: ما عليه علماء العترة من منع ذلك. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله : ((لا يؤمن فاجر مؤمنا ولا ~~امرأة مؤمنا)). وهذا نهي والنهي يقتضي الفساد فلهذا قلنا ببطلانها وفسادها ~~لما قررناه. # الانتصار: ms1333 يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا خلف كل من قال لا إله إلا الله )). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فإن ظاهر هذا الخبر متروك؛ لأن ظاهره دال على أن كل من أقر ~~بالتوحيد، ولم يقر بالرسالة جازت الصلاة خلفه وهذا باطل لا قائل به، فإذا ~~تأولوه على أن المراد به ومن أقر بالرسالة، فأولناه على أن من ضم إلى ~~التوحيد الإتيان بالطاعات واجتناب الكبائر الموبقات، فليسوا بالتأويل أحق منا. PageV03P457 # وأما ثانيا: فلأنه إنما خص كلمة الوحدانية ليس لكونها كافية في الإجزاء لكن ~~من جهة أن الله تعالى بعث الرسول من أجل ألا يعبد غيره فلأجل هذا خص كلمة ~~الوحدانية لما كانت هي الأصل في البعثة وباقي أصول الإسلام مضافة إليها ~~وفرع عليها، فلهذا خصها بالذكر لا من أجل الاستكفاء بها. # ومن وجه ثالث: وهو أن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأخبار الدالة على ~~منع الفاسق من إمامة الصلاة، وأخبارنا أحق بالقبول عند التعارض لقوة أصلها ~~في الرواية ولكونها دالة على الحظر والمنع وأخباركم دالة على الإباحة، ~~والحظر أحوط للدين خاصة في باب العبادات. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا خلف كل بر وفاجر )). وفي هذا دلالة ~~على جواز الصلاة خلف الفاسق. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه متأول على من كان ظاهره الستر والعفاف، وهو فاجر عند ~~الله تعالى لأنه يجوز أن يكون فاسقا عند الله ولا نعلمه ولا دليل عليه؛ ~~لأنه يجوز عندنا وعند المعتزلة فسق لا دليل عليه، ولا يجوز عند المعتزلة ~~كفر لا دليل عليه. # والمختار: أنه كما يجوز فسق لا دليل عليه جاز أن يكون كفر لا دليل عليه ~~لمصلحة يعلمها الله تعالى ولا نعلمها؛ لأنهما سيان في الجواز وقد قررناه في ~~كتاب (التحقيق في الإكفار والتفسيق). # وأما ثانيا: فلأن المراد جواز أن يكون سترة يصلي إليه ولا يضر صلاة ~~المصلي إذا صلى إلى فاجر غير مقتد به في صلاته وقد أشار إليه القاسم بقوله: ~~ومن شاق ms1334 الله بكبيرة فواجب أن لا يتخذ سترة ولا قبلة في صلاته. هذا كلامه ~~وهو محمول على الكراهة دون الإفساد. # قال المؤيد بالله: والإجماع منعقد من جهة أهل البيت على المنع من إمامة ~~الفاسق لا يختلفون فيه وإجماعهم حجة عندنا للآية والخبر. PageV03P458 # قالوا: روي عن ابن عمر وأنس بن مالك أنهما كانا يصليان خلف الحجاج(1) # ولا شك في فسقه وارتكابه للمحرمات. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذه حكاية فعل لا ندري على أي وجه وقعت فهي أقرب إلى ~~الإجمال فلا يصح الإحتجاج بها. # وأما ثانيا: فلأن هذا مذهب لهما وهما من جملة المجتهدين فلا يلزمنا قبول ~~مذهبهما. و[الحجة إنما هي في كلام الله تعالى وكلام رسوله. PageV03P459 # ومن وجه ثالث: وهو أن ذلك ربما وقع على وجه التقية لأن الخبيث كان شديد ~~الجرأة عظيم السطوة على أهل الدين وما كان واقعا على هذه الصفة فلا حجة ~~فيه، وقد اجترأ على سعيد بن جبير بالقتل لما عرفه قدره وفسقه ولم تأخذه في ~~الله لومة لائم، ولله در علماء الدين وأهل الصلابة في ذات الله تعالى ما ~~أنفذ عزائمهم وأشد شكائمهم على أعداء الله والمخالفين لأمره، ومما يحكى من ~~وقاحته وعظم جرأته على الله تعالى وعلى تغيير كتابه الكريم أن لسانه سبق في ~~مقطع سورة العاديات إلى فتحه إن من قوله: {إن ربهم بهم يومئذ لخبير ~~}[العاديات:11]. فأسقط اللام في قوله: {لخبير}. فأما الجعفران من الفئة ~~العدلية المعتزلة فقد قالا: بأنه لا يصح إقامة الجمعة والعيدين وسائر ~~الصلوات خلف الفساق كما رأى أهل البيت، ومحكي عن مالك خلافا لما قاله ~~أصحابهما من المعتزلة، ويؤيد ما قلناه قوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ~~ظلموا فتمسكم النار }[هود:113]. والنهي يقتضي فساد المنهي عنه ولأن الفاسق ~~صار من أهل العداوة لله تعالى ومن أهل الوعيد والفجور فلا تجوز الصلاة خلفه ~~كالكافر. PageV03P460 # الفرع الرابع: في فسق التأويل. ونعني بالفاسق المتأول من يكون مجانبا ~~للكبائر لكنه اعتقد اعتقادا خطأ يوجب فسقه، وهذا نحو الخارجي والناصبي فإن ~~الخروج ms1335 على إمام الحق ومنعه عن التصرف فيما له الولاية عليه فسق بالإجماع ~~لكنه اعتقد حله بشبهة طرت عليه فاعتقد حله وجوازه، فمن هذه حاله فإنه لا ~~تجوز الصلاة خلفه لجرأته على الدين ونبذ بيعة الإمام العادل ومنعه عن ~~التصرف، وجهله بفسقه لا يجوز عذرا في جواز الصلاة خلفه. قال الإمام زيد بن ~~علي: لا تصلي خلف الحرورية ولا المرجئة ولا القدرية ولا من نصب حربا لآل ~~محمد. وأراد بالحرورية فرقة من الخوارج وحرورا قرية من قراهم، وأما المرجئة ~~فهم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل وهم فرق كثيرة، وأما القدرية فهم ~~المجبرة، وأما النواصب فهم الذي نصبوا العداوة لآل محمد وأخافوهم وشردوهم ~~إلى أقاصي البلاد وأقطارها، وهؤلاء هم بنو أمية وبنو العباس فإنهم اعتمدوا ~~على عداوة الفاطمية لما قاموا عليهم وأرادوا فطامهم عن ظلمهم وفسقهم فنصبوا ~~العداوات لهم وفعلوا بهم الأفاعيل المنكرة من قتل وطرد وحبس، فمن هذه حاله ~~فأقل أحواله أن لا تجوز الصلاة خلفه لما هم عليه من الظلم والفسق وعداوة ~~أولياء الله وأهل خاصته من العترة الطاهرة فإنهم أقاموا السنن وأماتوا ~~البدع وجاهدوا في الله حق جهاده حتى لقوا الله وقد رضي عنهم وروضوا عنه: ~~{فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون}[السجدة:17]. ~~ويلحق بفساق التأويل الذين قالوا بفسق السلف الصالح من الصحابة رضي الله ~~عنهم واعتقدوا إكفارهم فإنهم اعتقدوا كفرهم وفسقهم بشبهة طرت عليهم ~~واعتمدوا عليها في مخالفتهم لأمير المؤمنين كرم الله وجهه في الإمامة ~~والتقدم واعتقدوا أن تقدمهم عليه يكون كفرا وفسقا فعولوا على ذلك، وما هذا ~~حاله فهو خطأ وضلالة فإن الخطأ فيما هذا حاله لا يكون كفرا ولا فسقا PageV03P461 فإقدامهم على هذه المعصية يكون فسق تأويل لما ذكرناه من هذه الشبهة وكيف لا ~~وإسلامهم وإيمانهم مقطوع به، فلا يخرجون عن ذلك إلا بدلالة واضحة وأمر بين ~~وما ذكروه لم تدل عليه دلالة شرعية في كونه كبيرة ومطلق الخطأ لا يوجب قطع ~~الولاية ولا تنقطع الولاية إلا بالإقدام على ms1336 كبيرة قد دل الشرع على كبرها، ~~فمن هذه حاله في سبهم واعتقاد إكفارهم وفسقهم لا تجوز الصلاة خلفه لجرأته ~~على الله تعالى في الإقدام على الكفر والفسق على من ظهر إسلامه وإيمانه ~~فضلا عمن له هذه الدرجة عند الله بالصحبة للرسول والجهاد بين يديه وعنايته ~~في ظهور الإسلام والجهاد لأعداء الله وإبانة السنن ومحو البدع فالخطيئة في ~~حقهم تعظم لا محالة، وقد قال : ((لا يؤمكم ذو جرأة في الدين)). وأي جرأة ~~أعظم من اعتقاد هلاك من له الفضل والسبق إلى الإسلام والهجرة وإحراز ~~الفضائل والمراتب العالية والانفاق في الجهاد وبذل النفوس والأموال لله ~~تعالى ولرسوله وقد قال : ((لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا ما بلغ مذ أحدهم ~~ولا نصيفه ))(1). # فنعوذ بالله من الجهل والخذلان. # الفرع الخامس: في حكم الصلاة خلف أهل البدع والضلالات. # اعلم أن المخالفين لنا من أهل القبلة فرق كثيرة فيما يتعلق بمسائل ~~الديانة، وجملة ما نذكره من ذلك فرق ست: # الفرقة الأولى: من خالفنا في الصفات وقال بقدم القدرة والعلم والحياة ~~والإرادة، وهؤلاء هم الأشعرية ومن وافقهم من طبقات المجبرة. # الفرقة الثانية: الذين خالفونا في الرؤية، وهم الفقهاء من الشافعية ~~وحكوها عن الشافعي وحكاها البويطي عنه. # الفرقة الثالثة: القائلون بقدم القرآن، وحكي عن الشافعي أنه قال: من قال ~~أن القرآن مخلوق فقد كفر. # الفرقة الرابعة: القائلون بأن أفعال العباد متعلقة بقدرة الله تعالى، وأن ~~الله هو المتولي لإيجادها وفعلها. PageV03P462 # الفرقة الخامسة: الذين قالوا بأن الاستطاعة مع الفعل وأن القدرة موجبة # الفرقة السادسة: الذين قالوا إن الله تعالى مريد للواقع من أفعال العباد ~~كلها حسنها وقبيحها. وهذه المقالات كلها محكية عن الأشعرية وطبقات المجبرة ~~ثم إن للناس في مقالاتهم هذه مذهبين: # المذهب الأول: إكفارهم بهذه المسائل، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة ~~وشيوخ المعتزلة الأكثر منهم. # المذهب الثاني: أنهم لا يكفرون بهذه المسائل لظهور الاحتمال فيها، وهذا ~~هو رأي المؤيد بالله وأبي الحسين البصري من المعتزلة. فإذا تمهدت هذه ~~القاعدة فمن كفرهم فإنما يكون إكفارهم من جهة ms1337 التأويل ومن لم يكفرهم فهم ~~باقون على الإسلام والدين. # والمختار: أن الصلاة خلف هؤلاء جائزة إذا سلموا عن ملابسة الكبائر وظهور ~~الخلل في العدالة مع كونها مكروهة(1) # فأما الإجزاء فهي مجزية؛ لأن كل من قال بإكفارهم فإنما يكفرهم بالتأويل ~~مع كونهم من أهل القبلة محرزون للعدالة، ومن هذه حاله فالصلاة جائزة خلفه ~~كالذين سلموا عن الاعتقاد لهذه الجهالات ومن قال بأنهم سالمون عن الإكفار ~~فلا كلام فإنهم من جملة المسلمين، فحصل من مجموع ما ذكرناه جواز الصلاة ~~خلفهم على كل قول كما جازت روايتهم للأخبار وكما جازت شهاداتهم، بل نقول إن ~~الصلاة أخف حكما من الشهادة وقبول الخبر فإذا جاز فيهما جاز في حق الصلاة ~~أولى وأحق، ويؤيد ما ذكرناه أنا لو منعنا من الصلاة خلفهم لأدى إلى انقطاع ~~الولاية بين المسلمين، والمعلوم من دين الرسول خلافه. PageV03P463 # ومن وجه آخر: وهو أنهم قد نظروا في هذه الأدلة وأداهم نظرهم إلى هذه ~~الاعتقادات الردية فقد نظروا ولكنهم قصروا في النظر وأخطأوا في الإصابة ~~فخطأهم بعد الاجتهاد يعذرهم عن الكفر ولا يطرق خللا في أصل العدالة لا يقال ~~فإذا كان نظرهم وخطأهم في النظر يعذرهم عن الإكفار فقولوا بأن الملاحدة ~~والفلاسفة والمعطلة والدهرية نعذرهم عن الإكفار فقد نظروا مثل نظر هؤلاء؛ ~~لأنا نقول ولا سواء فإن هؤلاء من أهل القبلة ومقرون بالشرائع وبما جاءت به ~~الرسل صلوات الله عليهم فلهذا كان خطأهم يعذرهم عن الإكفار مع بقائهم ~~لاعتقاد الشريعة والنبوة والقرآن بخلاف غيرهم من الفرق الكفرية فإنهم ليسوا ~~من أهل القبلة ولا داينون بالشريعة ولا مقرون بما جاءت به الرسل صلوات الله ~~عليهم بل لهم اعتقادات في حدوث العالم وفي إثبات الصانع وصفاته وفي النبوات ~~يخالف ما عليه أهل الإسلام فلهذا لم يكونوا معذورين عن الإكفار. # الفرع السادس: في حكم الخلاف في المسائل الاجتهادية. PageV03P464 # اعلم أن الذي عليه أهل القبلة من أئمة العترة وجماهير المعتزلة وطبقات ~~الفقهاء الحنفية والشافعية والمالكية وغيرهم من الفرق هو تصويب الآراء في ~~المسائل الخلافية والمضطربات الفقهية في ms1338 المسائل الإجتهادية ونريد بالحكم ~~الإجتهادي هو الذي ليس عليه دلالة قاطعة وهذه المسألة قد أوردناها في الكتب ~~الأصولية وأنهينا القول فيها نهايته، ونزيد هاهنا وهو أن الصدر الأول من ~~الصحابة رضي الله عنهم ما زالت مجالس الاشتوار تجمعهم وتفرقهم في مسائل ~~التحليل والتحريم ومسائل الفرائض وكل واحد منهم يفتي بفتوى تخالف مذهب ~~صاحبه من غير نكير من أحد منهم على الآخر بل ربما يصرح ويقول: تقول برأيك ~~وأقول برأيي، كما كان في مسألة الحدود ومسألة الحرام وغيرهما من المسائل ~~الخلافية، وفي هذا دلالة على القول بالتصويب فإذا تمهدت هذه القاعدة وكان ~~التصويب شاملا في مسائل الاجتهاد فهل يصح الإقتداء في مسائل الطهارة ومسائل ~~الصلاة أم لا؟ فيه أقول ثلاثة: # القول الأول: أنه يجوز إلا أن يعلم أن الإمام ترك شيئا من فروض الصلاة أو ~~أخل بشرط من شروط الطهارة فإنه لا يجوز الائتمام، وهذا هو رأي المؤيد بالله ~~ومحكي عن بعض أصحاب الشافعي فإنه قال: إذا كان هاهنا رجلان أحدهما يرى أن ~~هذا الماء نجس أو مستعمل والآخر يرى أنه طاهر مطهر جاز لمن يرى أنه طاهر ~~غير مطهر أو نجس أن يصلي خلف صاحبه ما لم يعلم أنه طهر بذلك الماء، وهكذا ~~القول فيما أشبهه من الاختلاف في العبادات. # القول الثاني: أنه لا يجوز الإئتمام بمن ذكرناه وإن أتوا بجميع الواجبات ~~في الطهارة والصلاة؛ لأنهم ولو أتوا به فإنهم يعتقدون أنه نافلة ولا ~~يعتقدون وجوبه فلهذا لم يصح الإئتمام بهم. PageV03P465 # القول الثالث: أنه يصح الإئتمام بهم وإن لم يأتوا بشيء من الواجبات عند من ~~خالفهم لأنه محكوم بصحة صلاتهم في الشرع ولهذا فإنهم لا يفسقون بترك الصلاة ~~ولا يؤمرون بقضائها فدل ذلك على وقوع الإجزاء في حقهم وفي حق غيرهم ممن ~~اقتدى بهم، وهذا هو المحكي عن السيد أبي طالب والإمام المنصور بالله وقاضي ~~القضاة عبدالجبار بن أحمد والغزالي، وهذه الأقوال الثلاثة محكية عن بعض ~~أصحاب الشافعي. # ولنضرب في ذلك أمثلة ليتضح الأمر فيما نريده: # المثال الأول: إذا كان ms1339 القاسم يرى أن الماء القليل لا ينجس إلا إذا تغير ~~بالنجاسة وهو دون القلتين ثم توضأ بما خالطته النجاسة من غير تغير فهل يجوز ~~الاقتداء به في الصلاة أم لا؟ # المثال الثاني: إذا توضأ الناصري والشافعي بما هو قلتان وقد وقعت فيه ~~نجاسة لم تغيره فهل يجوز لمن يرى ذلك نجسا في حقه أن يأتم بهما أم لا؟ # المثال الثالث: إذا احتجم الناصري والشافعي بعد الوضوء ثم تقدما للصلاة ~~اعتمادا على أن الحجامة غير ناقضة للوضوء فهل يجوز لمن لا يرى ذلك أن يأتم ~~بهما أم لا؟. # المثال الرابع: إذا ترك الحنفي النية في الوضوء أو أخل بترتيب أعضاء ~~الطهارة أو ترك قراءة سورة الفاتحة ثم تقدم للصلاة فهل يجوز لمن لا يرى ذلك ~~أن يأتم به أم لا؟. # المثال الخامس: إذا أمن الشافعي عقيب قراءة الفاتحة فهل يجوز لمن يرى أن ~~ذلك مفسد للصلاة الاقتداء به أم لا؟. وهكذا القول في جميع المسائل الخلافية ~~في العبادات تجري على ما ذكرناه من الأقوال الثلاثة. # الفرع السابع: في بيان المختار من هذه الأقوال الثلاثة فيما يعرض من ~~المسائل الخلافية في العبادات، فنقول: القوي من جهة النظر الشرعي والتصرف ~~الأصولي جواز الإئتمام بمن خالف مذهبه مذهب المؤتم سواء علم المؤتم ~~بالمخالفة أو لم يعلم، ونورد على ذلك حججا نفصلها: # الحجة الأولى: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم ))(1). PageV03P466 # فنهى عن المخالفة للإمام على الإطلاق ولم يفصل بين أن يكون مذهب الإمام ~~مخالفا لمذهب المأموم أو غير مخالف فظاهره دال على صحة ما قلناه من وجوب ~~المتابعة وعدم المخالفة على كل الأحوال. # الحجة الثانية: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا ~~قعد فاقعدوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا لك الحمد(1). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه أمر باتباع الإمام في أفعاله وأقواله ولم ~~يفصل، فترك الاستفصال فيه دلالة ظاهرة على وجوب المتابعة سواء وافق مذهبه ~~[مذهب] المؤتم أو خالفه. # الحجة الثالثة: قوله : ((لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تناجشوا وكونوا ms1340 ~~أخوانا مسلمين)) (2). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه نهى عن المباغضة والمحاسدة. والمناجشة: ~~بالنون والجيم والشين بثلاث من أعلاها وهو أن يزيد في ثمن المبيع لا ~~ليشتريه ولكن لأن يشتريه الغير بذلك الثمن، وأمر بالتواخي والإسلام ولا شك ~~أن التخلف عن الإمام في الصلاة يؤدي إلى هذه الأمور ويؤدي إلى التقاطع ~~والمباعدة ويورث الشحناء والعداوة ولم يفصل بين أن يكون موافقا له في مذهبه ~~أو مخالفا له وفي هذا دلالة على ما ذكرناه من صحة الائتمام. # الحجة الرابعة: هو أنا قد دللنا فيما سبق على حصول التصويب في المسائل ~~الخلافية فيما تقتضيه الآراء الاجتهادية بما لا مدفع عنه، وإذا كانت الآراء ~~صائبة كان مذهب الإمام حقا وصوابا ومذهب المأموم حق وصواب، وإذا كان كلاهما ~~صوابا وحقا فأي مانع من اقتداء أحدهما بالآخر مع مخالفة مذهب أحدهما لمذهب ~~الآخر والتصويب شامل لهما والحق عام في كل واحد منهما. PageV03P467 # الحجة الخامسة: وهو أن الإجماع منعقد من جهة الأمة على أنه إذا تقدم الرضا ~~في إمامة الصلاة فلا ينبغي التأخر عنه، ولا شك أن كل واحد من أهل هذه ~~المذاهب المختلفة رضا في أفعاله وأقواله ومصيب فيما ذهب إليه واعتقده وعمل ~~عليه وإذا كان الأمر كما قلناه وتقدم للصلاة فإن الواجب عليه هو العمل على ~~ما يؤدي إليه ظنه ويقوى عليه اجتهاده وهو حكم الله عليه فلا تجوز له ~~مخالفته والعمل على غيره وفي ذلك حصول غرضنا من جواز الصلاة خلفه، وإن كان ~~عاملا على مذهبه فلا ينبغي التخلف عنه لأجل مخالفته لمذهب إمامه وتجب عليه ~~متابعته، فهذه الحجج كلها دالة على ما نذهب إليه من جواز الاقتداء بالإمام ~~وإن خالف مذهبه مذهب المؤتم، ثم هاهنا مقام آخر جد لي المرامي، وتقريره أنا ~~لو جوزنا للمأموم التأخر عن إمامه في صلاة الجماعة إذا كان مخالفا لمذهبه ~~لأدى ذلك إلى تعطيل صلاة الجماعة واندراس أحكامها وبطلان المواضبة؛ لأن ~~الاختلاف في المسائل الاجتهادية كثير لا يمكن ضبطه وحصره، فلو سوغنا ~~الامتناع من الصلاة لأجل ما ms1341 يعرض من الاختلاف لأدى إلى سدها وإبطالها، ~~ويؤيد ما ذكرناه أن الأمور المجمع عليها في الطهارة والصلاة قليلة نادرة ~~ومواضع الخلاف كثيرة لا يمكن عدها ولا حصرها فلا تكاد مسألة في الأغلب تنفك ~~عن الخلاف بين الأئمة والفقهاء. فحصل من مجموع ما ذكرناه أن المصلي خلف كل ~~إمام ممن ظهرت عدالته وكان له ستر وعفاف وسواء وافقه في المذهب أو خالفه ~~فإنه حاكم على كل من كان إماما له. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: إن علم المؤتم بأن إمامه قد أبطل شرطا من شروط الطهارة لم يجز ~~الائتمام به، وإن لم يعلم أنه أبطل شيئا من فروضها أو واجباتها جاز ~~الائتمام به. # قلنا:عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الأدلة التي ذكرناها في وجوب المتابعة للإمام لم تفصل بين ~~حالة [وحالة] فسواء علم أو لم يعلم في أن الاقتداء واجب عليه بكل حال. PageV03P468 # وأما ثانيا: فلأن الإمام إذا كان حنفي المذهب وقدرنا أنه ترك نية الوضوء ~~وقراءة الفاتحة فإنهما ليسا واجبين في حقه فكيف يقال بأنه قد أخل بما هو ~~واجب عليه ومذهب المأموم إنما هو في حق نفسه لا في حق الإمام فالإمام صلاته ~~صحيحة، وإن ترك النية عند الإمام والمأموم جميعا فكيف يمتنع المأموم عمن ~~صلاته صحيحة عند نفسه وعند المأموم ولهذا فإن المأموم لا يلزمه النكير على ~~الإمام فيما خالفه لما كانت صلاته مجزية له بلا مرية. # قالوا: إن الصلاة غير مجزية، وإن أتوا بجميع الواجبات في الطهارة والصلاة ~~عند من قال بوجوبها؛ لأنهم يعتقدون أنها نافلة وما هذا حاله فإنه مبطل لها. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الحنفي لم يعتقد الصلاة نفلا إذا لم يقل بوجوب قراءة ~~الفاتحة وإنما قال إن قراءة الفاتحة غير واجبة، وفرق بين أن يعتقدها نفلا ~~فلا تكون مسقطة للفرض عن ذمته مع اعتقاد كونها نفلا وبين أن يعتقد أن ~~القراءة غير واجبة. # وأما ثانيا: فإذا قال الحنفي إن القراءة غير واجبة في الصلاة وأن النية ~~غير واجبة في الوضوء ms1342 فهل تكون الصلاة مجزية له مسقطة للفرض عن ذمته أم لا؟ ~~فإن قالوا: إنها غير مسقطة لفرض الصلاة عن ذمته مع هذا الاعتقاد فهذا فاسد ~~فإن الإجماع منعقد مع هذا الاعتقاد على أنها مجزية وعلى سقوطها عن ذمته. ~~وإن قالوا: إنها مجزية له ومسقطة للفرض عنه لأنه قد نظر في الأدلة الشرعية ~~فلم يوصله نظره إلى وجوب النية في الوضوء ولا إلى وجوب القراءة في الصلاة ~~وهذا هو نهاية نظره ولا يكلف سواه وليس على المجتهد إلا النظر في الأخبار ~~والأمارات الشرعية فما أداه نظره إليه عمل عليه فتقرر بما ذكرناه جواز ~~الإقتداء مع اختلاف المذاهب. وقد أطلنا في تقرير هذه المسألة بعض الإطالة ~~وما ذاك إلا لكثرة فوائدها وعظم موقعها. # الفرع الثامن: وهل يجوز أن تكون المرأة إماما للرجال أم لا؟ فيه مذهبان: PageV03P469 # المذهب الأول: أن ذلك ممنوع، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية ~~ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا تؤم امرأة رجلا ولا فاجر ~~مؤمنا ))(1). # المذهب الثاني: جواز ائتمام الرجل بها، وهذا شيء يحكى عن أبي ثور والمزني ~~من أصحاب الشافعي وابن جرير الطبري فإنهم جوزوا إمامتها في صلاة التراويح ~~إذا كان لا يحفظ القرآن سواها وتكون متأخرة عن الرجال. # والحجة على هذا: قولهم نرى الشرع قد تسامح في هذه النوافل وجعلها متسعة ~~المسالك سهلة المأخذ في مجاريها فلما كان الأمر فيها كما ذكرناه جاز تولي ~~النساء لها مواضبة على هذه النافلة وهي التراويح فلهذا اغتفر إمامة النساء ~~في حقها لما قلناه. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من المنع من إمامة النساء ~~للرجال. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله : ((أخروهن حيث أخرهن ~~الله))(2). # ومن قدمها للإمامة بالرجال فقد خالف ظاهر هذا الخبر فلا جرم كان باطلا. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: النوافل قد اتسع مسلكها وخفف الشرع أمرها فلهذا جازت إمامة النساء ~~فيها محافظة على أدائها واهتماما بأمرها. # قلنا: عن هذا ms1343 جوابان: # أما أولا: فلأن النوافل كالفرائض في جريها على قانون الصلاة فكما لم تجز ~~إمامة النساء في الفرائض فهكذا لا تجوز في النوافل. PageV03P470 # وأما ثانيا: فلأن صلاة التراويح لم تبلغ في التأكيد مبلغا بحيث تخالف مقصود ~~الشرع فيها في إمامة النساء، فلو قلنا بها لكانت أحق النوافل. ومن العجب ~~أنهم قالوا: إذا أمت الرجال في صلاة التراويح فإنها تقعد خلفهم ويأتمون بها ~~لما كانت تحسن قراءة القرآن غيبا، وهذه بدعة لا قائل بها وكيف يقال ~~بإمامتها وهي خلفهم!! فهذا مخالفة لأمر الشرع وحكمه وقد قال : ((إنما جعل ~~الإمام ليؤتم به )). فإذا كان الإمام خلفهم فكيف يمكن الإئتمام به والتقيد ~~بأقواله وأفعاله فهذا خطأ ومخالفة لمقصود الشرع وأمره وحكمه، ويجوز أن تأتم ~~المرأة بالخنثى المشكل؛ لأنه لابد من أن يكون رجلا أو امرأة فلا ينفك عنهما ~~وصلاة المرأة خلفهما صحيحة فلهذا جازت، ولا يجوز أن يكون الخنثى إماما ~~للرجل ولا للخنثى لجواز أن يكون الإمام امرأة والمأموم رجلا فإن صلى الخنثى ~~خلف امرأة فإنا نأمره بالإعادة لاحتمال أن يكون الخنثى رجلا، فإن لم يعد ~~حتى بان أنه امرأة، فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ وهكذا إذا صلى الرجل خلف ~~الخنثى أمر الرجل بالإعادة لاحتمال أن يكون الخنثى امرأة، فإن لم يعد حتى ~~بان أن الخنثى رجلا فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ وهكذا إذا صلى الخنثى خلف ~~الحنثى فإنا نأمره بالإعادة، فلو لم يعد حتى بان أنه امرأة أو بان أن ~~الإمام رجل أو بانا امرأتين فهل تلزم الإعادة في هذه المسائل أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن الإعادة لازمة؛ لأنهم استفتحوا الصلاة وهم شاكون في صحتها فلم ~~تصح بالتبين كما لو دخل في الصلاة وهو شاك في دخول الوقت وبان أن الوقت قد دخل. # وثانيهما: أن الإعادة غير لازمة؛ لأنهم صلوا خلف من تصح صلاتهم خلفه ~~بالإنكشاف والتبين. PageV03P471 # والمختار: هو الثاني لقوله : ((لا ظهران في يوم ولا فجران في يوم )). وهذه ~~لها نظائر منها: أنه لو باع مال أبيه وهو يظن أنه ms1344 حي فبان أنه كان ميتا فهل ~~يصح البيع أم لا؟ ومنها أنه إذا اشترى وكيله شيئا ثم باعه على توهم أنه لم ~~يكن قد اشتراه وكيله ثم بان أنه قد اشتراه فهل يصح؟ فيه الوجهان اللذان ~~ذكرناهما. # الفرع التاسع: ولا تصح الصلاة خلف المحدث ولا خلف الجنب لأنهما ليسا من ~~أهل الصلاة لأجل حدثهما ولأن الطهارة من شرط صحة الصلاة فإن صلى أحد خلفهما ~~ولم يعلم بحالهما ثم علم بعد ذلك فهل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أن الإعادة غير لازمة للمؤتم وهذا محكي عن طائفتين: # الطائفة الأولى: من الصحابة رضي الله عنهم علي وعمر وعثمان وابن عمر وابن عباس. # الطائفة الثانية: التابعون الحسن البصري والنخعي وابن جبير، ومن الفقهاء ~~الشافعي والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور. # والحجة على هذا: ما روى أبو بكرة(1) # عن الرسول أنه دخل في صلاة الفجر ثم أحرم الناس خلفه فذكر أنه جنب فأومأ ~~إليهم أن مكانكم ثم خرج واغتسل وجاء ورأسه يقطر ماء وأحرم بالصلاة ولم ~~يأمرهم بالإعادة وإنما لم يأمرهم وأومأ إليهم لأن الكلام إلى المصلي يكره. # المذهب الثاني: أن الإعادة واجبة على المؤتم، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة ~~العترة القاسمية والناصرية ومحكي عن طائفتين: # الطائفة الأولى: التابعون وهو محكي عن الشعبي وابن سيرين وحماد. # الطائفة الثانية: الفقهاء وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه. PageV03P472 # والحجة على هذا: هو أن المؤتمين صلوا من غير إمام فصار كما لو صلوا خلف ~~الإمرأة والكافر ولأنهم صلوا خلف من لا تصح منه الصلاة وهو على حالته تلك ~~من الجنابة والحدث فصار كما لو صلوا خلف النفساء والحائض. # المذهب الثالث: أن الإمام إن كان عالما بجنابته وحدثه لم تصح صلاة ~~المؤتمين به، وإن كان غير عالم صحت صلاتهم وهذا هو المحكي عن مالك، وقول ~~آخر للشافعي وليس مشهورا عنه. # والحجة على هذا: هو أنه إذا كان عالما بجنابته وحدثه فهو غير معذور في ~~صلاته فلهذا بطلت صلاتهم، وإن كان غير عالم بما ذكرناه ms1345 من الحدث فهو معذور ~~فلهذا حكمنا بصحة صلاتهم. # المذهب الرابع: أن حدث الإمام إن كان جنابة وجبت عليهم الإعادة وإن كان ~~حدثه عير جنابة لم تجب عليه الإعادة. # والحجة على هذا: هو أن حدث الجنابة أغلظ من نقض الوضوء فلهذا كان تأثيرها ~~في فساد صلاة المؤتمين بخلاف ما إذا كان الحدث نقض الوضوء فإنه إنما يؤثر ~~في بطلان صلاة الإمام دون المؤتمين. # والمختار: بطلان صلاة الإمام لأجل حدثه دون صلاة المؤتمين كما رأى أمير ~~المؤمنين وغيره من جلة الصحابة والتابعين. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا سهى ~~الإمام فصلى بقوم وهو جنب فقد مضت صلاتهم ثم يغتسل هو ويعيد وإن كان على ~~غير وضوء فمثل ذلك)) (1). # الحجة الثانية: ما روي عن أبي بكر وعمر أنهما فعلا ذلك ولأنه ليس على ~~حدثه من الجنابة أمارة تدل عليه فلهذا كانوا معذورين فلا تجب عليهم ~~الإعادة. # الحجة الثالثة: ما روى البخاري في صحيحه عن الرسول أنه قال: ((إنكم تصلون ~~بهم فما صلح فلكم ولهم وما فسد فعليكم دونهم))(2). PageV03P473 # ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه أوجب الفساد على الأئمة دون المؤتمين، وفي ~~هذا دلالة على ما قلناه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إن المؤتمين صلوا خلف من لا صلاة له كالحائض والنفساء. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الحائض والنفساء لا تجوز الصلاة خلفهما للرجال سواء كانتا ~~طاهرتين أو في حال الحيض فافترقا(1). # وأما ثانيا: فلأن هذا القياس لا وجه له ولا عمل عليه مع ما رويناه من تلك ~~الأخبار فإن من شرط العمل على القياس ألا يعارض شيئا من الأدلة الكتاب ~~والسنة والإجماع. # ومن وجه آخر: وهو أن صلاة المؤتمين ظاهرها الصحة فلا يقدم على فسادها إلا ~~بدلالة ولا دلالة تقتضي فساد صلاتهم. # قالوا: إن كان حدث الإمام جنابة بطلت صلاة المؤتمين، وإن كان حدث الإمام ~~نقض الوضوء لا غير لم تبطل صلاة المؤتمين؛ لأن حدث الجنابة أغلظ ولهذا أثر ~~في وجوب الغسل بخلاف ms1346 نقض الوضوء فإنه إنما يؤثر في تطهير الأعضاء لا غير ~~فلهذا أثرت الجنابة في وجوب الإعادة على المؤتمين ولا يؤثر نقض الوضوء في حقهم. # قلنا: نحن لا ننكر أن الجنابة أغلظ حكما من نقض الوضوء لكنا نقول أن ~~الأخبار التي رويناها لم تفصل بين نقض الوضوء وبين الجنابة وأن الإمام ~~معذور بالنسيان فلهذا لم تجب عليهم الإعادة. # قالوا: إن كان الإمام عالما بالجنابة وبالحدث وجبت على المؤتمين الإعادة، ~~وإن كان غير عالم لم تجب عليهم الإعادة. # قلنا: ليست المسألة مفروضة إلا مع النسيان وعدم العلم فأما إذا كان ~~الإمام عالما بحدثه وبجنابته بطلت عليهم وعليه؛ لأنهم صلوا من غير إمام ~~فلهذا كانت باطلة في حقه وحقهم. # الفرع العاشر: في من نقص عقله بالصغر أو بالجنون أو بالسكر هل تصح ~~إمامتهم في الصلاة أم لا؟ فيه أحكام ثلاثة نفصلها بمعونة الله: PageV03P474 # الحكم الأول: في الصبي. والصبي إذا كان ابن سبع سنين أو ثماني سنين وهو ~~مميز من أهل الصلاة هل تصح إمامته للبالغين في الفرض والنفل أم لا؟ فيه ~~مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن إمامته غير صحيحة للبالغين، وهذا هو رأي الهادي والناصر ~~والمؤيد بالله، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: قوله : ((رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن ~~النائم والمجنون)) (1). # ولأنه غير كامل العقل فلا يصح أن يكون إماما كالمجنون ولأنه غير مخاطب ~~بأحكام الشريعة فلا تكون واجبة عليه فيصير المؤتم كأنه ائتم بغير إمام. # المذهب الثاني: أنه إمامته مجزية للبالغين، وهذا هو ظاهر مذهب القاسم وهو ~~محكي عن الشافعي وله في الجمعة قولان. قال القاسم وتجوز إمامة الصبي إذا ~~راهق وإن لم يحتلم مهما كان محكما لحدود الصلاة عارفا بها. # والحجة على هذا: ما روي عن عمرو بن سلمة أنه قال: كنت غلاما قد حفظت ~~قرآنا كثيرا فانطلق بي أبي وافدا على رسول الله في نفر من قومه فعلمهم ~~الصلاة وقال: ((يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله )). فكنت أصلي بهم وعلى جنائزهم ~~وأنا ابن سبع سنين ms1347 أو ثماني سنين(2). # ووجه الحجة من هذا الخبر: هو أن القوم إنما قدموا به على الرسول ليعرفوه ~~أنه أقرأوهم فلما عرف ذلك قال: ((يؤمكم أقرأوكم لكتاب الله)). ولا أقرأ ~~هنالك غيره فكأنه قال: يؤمكم هذا. # المذهب الثالث: أنه يجوز أن يكون إماما في النفل دون الفرض، وهي الرواية ~~الثانية عن أبي حنيفة فإنه قال: إن صلاة الصبي غير صحيحة وإنما يؤمر بها ~~على جهة التعويد والتمرين[وهو قول مالك] وعلى هذا لا تصح إمامته. وروي عنه ~~أنه قال: صلاة الصبي صحيحة. وعلى هذا تصح إمامته. PageV03P475 # والحجة على ما قاله مالك: فإن المروي [عنه] أن صلاته صحيحة في النفل دون ~~الفرض هو أنه غير مكلف فلا تكون الصلاة واجبة عليه؛ لأنه غير مخاطب بأحكام ~~الشرع فلا يتعقل منه الفرض فلهذا كانت صلاته نافلة. # والمختار: ما قاله القاسم من جواز إمامة الصبي في الصلاة، وهو مبني على ~~صحة إسلام الصبي، وقد قررنا فيما سبق أنه لا يمتنع في حق بعض الصبيان كمال ~~عقله وإيمانه بالله ويكون مكلفا عند الله لكنا لا نحمله على أداء هذه ~~التكاليف الشرعية إلا بإحدى العلامات الدالة على بلوغه من الإنبات ~~والاحتلام وبلوغ خمس عشرة سنة، فإذا كان هذا ممكنا أعني صحة إسلامه دل ~~الخبر على جواز الصلاة خلفه لما كان إسلامه صحيحا كما قررناه، فأما ما قاله ~~أبو العباس من حمل كلام القاسم على بلوغ الصبي فظاهر كلامه يخالفه ولا حاجة ~~إلى تأويله بما لا يدل عليه ظاهر كلامه فإن العمل على ظاهر كلام المجتهد ~~أحق من حمله على ما لم تدل عليه دلالة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن الرسول : ((رفع القلم عن ثلاثة )). ومن جملتهم الصبي. # قلنا:عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا محمول على الصبي الذي لا كياسة له ولا تمييز ومن هذه ~~حاله فلا تجوز له إمامة الصلاة. # وأما ثانيا: فلأن الخبر معارض بما رويناه عن عمرو بن سلمة وخبر عمرو أصرح ~~بالمراد وأدل على المقصود من خبركم فلهذا كان التعويل عليه ms1348 أحق؛ لأنه خاص ~~في جواز الصلاة وفي بيان السن فلهذا كان أرجح. # قالوا: تجوز إمامته في النفل دون الفرض. PageV03P476 # قلنا: هذا مبني على إن إسلامه غير صحيح فإذا صح إسلامه كان إماما في الفرض ~~والنفل، وروي عن عائشة أنها قالت كنا نأخذ الصبيان من المكاتب ليصلوا بنا ~~قيام رمضان. فإن كان غرضها الفرائض في رمضان فمذهبها جواز إمامته في ~~الفرائض والنوافل، وإن كان غرضها التراويح لم يكن إماما في الفرائض فكلامها ~~محتمل، وهي لا تقول بهذا إلا عن توقيف من جهة الرسول لأن ما هذا حاله من ~~العبادات فلا مدخل له في الاجتهاد. # الحكم الثاني: في المجنون. والمجنون ينظر في حاله فإن كان فساد عقله ~~مطبقا في كل أحواله بحيث لا يفيق فإنه لا تصح الصلاة خلفه لأنه ليس من أهل ~~الصلاة ولا يخاطب بها، وإن كان يفيق في حالة دون حالة فهو الذي يقال له ~~الصرع فإن صلى في حال الإفاقة جازت صلاته لأنه كالصحيح، وإن كان له حالة ~~إفاقة وحالة جنون فصلى رجل خلفه ولم يدر في أي حاليه صلى فهل تجب عليه ~~الإعادة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن الإعادة واجبة عليه؛ لأن الجنون بعد طريانه صار أصلا فالظاهر ~~هو الجنون. # وثانيهما: أن الإعادة غير واجبة؛ لأن الأصل هو العقل والجنون طارئ فلهذا ~~كان التعويل عليه، والأمران محتملان كما ترى. # الحكم الثالث: السكران. ولا يجوز أن يكون إماما للصلاة سواء كان سكره ~~مبطلا لعقله أو غير مبطل لقوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~}[النساء:43]. ولأنه متغير العقل فلا تصح إمامته كالمجنون. # الفرع الحادي عشر: في صلاة الأنقص حاله بمن كمل حاله ويشتمل على مسائل: # المسألة الأولى: في صلاة القائم خلف القاعد، حكي عن إسحاق وأحمد بن حنبل ~~أن القائم يقعد بقعود الإمام. PageV03P477 # وحجته على هذا: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا ~~قعد فاقعدوا)). ولأن المأموم تابع للإمام فلا يخالفه، وعند أئمة العترة ~~وسائر الفقهاء أن المأموم لا يقعد بقعوده إذا كان قادرا ms1349 على القيام وهذا هو ~~المختار؛ لأن المأموم قادر على القيام وهو فرض من فروض الصلاة؛ لقوله[ ] ~~لعمران بن حصين: ((صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا)). وهذا قادر على القيام. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قوله: قال رسول الله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا ~~قعد فاقعدوا)). # قلنا: إنما أراد بكلامه هذا وجوب المتابعة كما قال : ((لا تختلفوا على ~~إمامكم )). ولم يرد أن الإمام إذا قعد لعذر توجه على المأموم القعود مع ~~القدرة على القيام، فإذا كان المأموم لا يقعد بقعود الإمام فهل يجوز له ~~الاقتداء مع قعوده؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه لا يجوز له الاقتداء به، وهذا هو رأي أئمة العترة ~~القاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله، وهو محكي عن مالك ومحمد بن الحسن. # والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). وهذا نهي والنهي ~~يقتضي فساد المنهي عنه، ومن صلى قائما خلف قاعدا فقد خالفه. # المذهب الثاني: جواز ذلك على الإطلاق، وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن زفر ~~من أصحاب أبي حنيفة. # والحجة على هذا: ما روي أن رسول الله صلى قاعدا في مرضه وصلى المسلمون ~~خلفه قياما وقال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قاعدا فصلوا ~~قعودا)). وروي عنه أنه سقط من فرس فصلى قاعدا وصلى المسلمون خلفه قياما(1) PageV03P478 فهذان الخبران دالان على ما قلناه من اختلاف حال الإمام والمأموم في القيام ~~والقعود. # المذهب الثالث: منع ذلك من جهة القياس وجوازه من جهة الاستحسان، وهذا هو ~~رأي أبي حنيفة وأبي يوسف، والاستحسان هو: أخص من القياس وأدخل في الإعجاب ~~وهو ترك وجه من وجوه القياس لوجه أقوى منه. وقد أنكر الشافعي الاستحسان ~~وقال: من استحسن فقد شرع. وعول عليه أبو حنيفة وأصحابه في كثير من المسائل ~~الفقهية. # وحجتهم على ما قالوه: هو أن القياس يقتضي منعه من جهة مخالفة المأموم ~~لإمامه في كون الإمام قاعدا والمأموم قائما، وهذه مخالفة قد كرهها الشرع ~~وأباها فلهذا منعوه من جهة القياس والاستحسان فإنه يقتضي جوازه من ms1350 جهة ما ~~كان من جهة الرسول من قعوده والناس قيام خلفه في مرضه، ومن جهة أمور قياسية ~~أوجبت الجواز فهذا تقرير وجه الاستحسان عندهم. # والمختار: ما قاله أصحاب أبي حنيفة من أن القياس يقتضي المنع من جهة أن ~~الإمام ينبغي أن يكون أكمل حالا من المأموم أو مساويا له لما روي عن الرسول ~~أنه قال: ((الإمام وافد فقدموا أفضلكم)). ولا فضل مع نقصان حاله عن حال ~~المأموم بكونه قائما والإمام قاعد فلهذا كان ممنوعا من جهة القياس، وأما من ~~جهة الاستحسان فهو جائز وبيانه بما ورد عن الرسول أنه صلى قاعدا والمسلمون ~~خلفه قيام وقال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قاعدا قصلوا قعودا)). ~~لكنه معذور في القعود وهم غير معذورين فلهذا ساغ قيامهم وهو قاعد، ويؤيد ما ~~ذكرناه على العمل على الإستحسان في الجواز هو أن القيام ليس شرطا في صحة ~~الصلاة ولهذا فإنه لو أدركه راكعا أجزأه وكان داخلا في الصلاة فلأجل هذا ~~عولنا على الاستحسان لما ذكرناه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((لا تختلفوا على إمامكم)). وهذا نهي ~~والنهي يقتضي الفساد. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV03P479 # أما أولا: فلأن ما هذا حاله فليس مخالفة؛ لأن المأموم ليس له أن يصلي قاعدا ~~مع قدرته على القيام وإن ترك الجماعة فقد عدل عن الأفضل فلم يبق إلا أن ~~يصلي قائما لقدرته عليه والإمام معذور في القعود. # وأما ثانيا: فلأن كل مخالفة ليس ممنوعا منها ولهذا فإن المأموم يخالف ~~الإمام إذا قام إلى الخامسة ويخالفه إذا سلم على ركعة واحدة فهكذا هاهنا ~~قيامه والإمام قاعد لا يعد مخالفة تبطل الصلاة. # قالوا: إن ذلك جائز على الإطلاق من غير تفصيل كما زعمتم. # قلنا: إنا لا ننكر جوازه من جهة الاستحسان كما فصلناه، وأما القياس ~~فالأدلة الشرعية مانعة منه لكن الاستحسان أقوى من القياس وأخص فلهذا عولنا عليه. # المسألة الثانية: هل يجوز أن يصلي اللابس خلف العريان أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن ذلك ممنوع، ms1351 وهذا هو قول أئمة العترة الهادي والناصر ~~والمؤيد بالله ومحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. # والحجة على ذلك: هو ما ذكرناه من أن الواجب ألا يخالف الإمام وهذه ~~مخالفة، ومن جهة أن الإمام يكون أفضل من المأموم لكونه صار إماما له فلهذا ~~قضينا بفساد هذه الصلاة. # المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو رأي الشافعي ومحكي عن زفر من أصحاب أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت إمامته لغيره كاللابس ~~بمثله والقائم بمثله ولا شك أن العريان معذور فصلاته صحيحة لنفسه لأجل ~~العذر وإذا صحت له صحت لغيره. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من منع ذلك. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو أن الستر لا يتركه(1) PageV03P480 إلا العاجز فلا يجوز الاقتداء بالعاجز كالمتطهر خلف المحدث والسليم عمن به ~~سلس البول، والأفضل إذا عجز الإمام عن القيام وعن الستر أن يستخلف في ~~الصلاة من هو قادر على القيام وقادر على اللباس. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره كاللابس لمثله. # قلنا: العريان معذور في حق نفسه وليس معذورا في حق غيره، وهذا التقدير ~~والتناهي في التصوير في الصلاة خلف القاعد للقائم وخلف العريان لمن هو لابس ~~إنما يليق على رأي من يوجب صلاة الجماعة إما على الأعيان وإما على الكفاية، ~~فأما من يقول: بأنها سنة فالكلام في هذه المسائل إنما هو على ما تقتضيه ~~فتوى فيمن هذه حاله، والأفضل إذا كان الإمام قاعدا أو عاريا أن يصلي منفردا ~~أو بجماعة أخرى، وإنما لم يذهب أصحاب أبي حنيفة إلى القول بالاستحسان هاهنا ~~كما ذهبوا إليه في مسألة صلاة القائم خلف القاعد لظهور الحال في مسألة ~~القعود دون مسألة اللبس. # المسألة الثالثة: وهل يجوز أن يصلي المتوضي خلف المتيمم أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن ذلك ممتنع، وهذا هو رأي الهادي والمؤيد بالله، ومحكي عن ~~أمير المؤمنين كرم الله وجهه وهو قول محمد بن الحسن. ms1352 # والحجة على هذا: ما روى جابر بن عبدالله قال: كنا في غزاة فأصابت عمرو بن ~~العاص جنابة فتيمم فقدمنا إلى أبي عبيدة بن الجراح فروى عن رسول الله أنه ~~قال: ((لا يؤم المتيمم المتوضين )). # المذهب الثاني: جواز ذلك على الإطلاق، وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن زفر ~~من أصحاب أبي حنيفة. # والحجة على هذا: ما روى عمرو بن العاص أنه قال: احتلمت في ليلة باردة في ~~غزوة ذات السلاسل فأشفقت على نفسي فتيممت وصليت الصبح بأصحابي فذكرت ذلك ~~لرسول الله فقال: ((يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ))(1)؟ PageV03P481 # فقلت: يا رسول الله خشيت أن يقتلني البرد وقد سمعت الله تعالى يقول: {ولا ~~تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما }[النساء:29]. # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن أصحابه صلوا خلفه وهم متوضون وهو متيمم فدل ~~ذلك على صحة ما قلناه. # المذهب الثالث: جواز ذلك من جهة الاستحسان ومنعه من جهة القياس، وهذا هو ~~رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن القياس يقتضي أن الطهارة ركن من أركان الصلاة لا ~~تكون الصلاة صحيحة إلا بها فلو جوزنا صحة صلاة المتوضي خلف المتيمم لكنا قد ~~سوغنا الصلاة من غير طهارة كما لو صلى خلف المحدث والحائض والنفساء وهو ~~باطل، وإنما قلنا بجوازه من جهة الاستحسان فلأنه أخص من القياس وأدخل في ~~الاعتماد عليه، وهو خبر عمرو فإنه نص صريح في المسألة فلا وجه لمخالفته ~~فترك القياس والاعتماد على الخبر يكون استحسانا لا محالة. # والمختار: هو العمل على الاستحسان. # والحجة على هذا: هو أن الاستحسان عدول عن القياس إلى الخبر، ولا شك أن ~~الخبر أحق من العمل على القياس؛ لأن القياس نظر القياس، والخبر عن صاحب ~~الشريعة فلا يمكن تساويهما، وأيضا فإن من حق العمل على القياس ألا يعارضه ~~دليل شرعي من كتاب الله تعالى ولا من سنة رسوله ، وهذا القياس فقد عارضه ~~فلهذا توجب الاعتماد على الخبر. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: إن ذلك ممنوع على الإطلاق لحديث عمرو بن العاص حيث ms1353 [روى أبو عبيدة ~~لمن صلى بهم عمرو] ((لا يؤم المتيمم المتوضين )). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا محمول على متوضي وضوءه صحيح وعلى متيمم بطل تيممه ~~بنقضه بأمر عارض ينقض التيمم. # وأما ثانيا: فلأنه معارض بما ذكرناه من حديث عمرو بن العاص فإنه صلى ~~بأصحابه متيمما وأقره الرسول على ذلك فدل على الجواز. # قالوا: ذلك جائز على الإطلاق لخبر عمرو بن العاص فإنه قال: [إنه] قال له ~~الرسول : ((صليت بأصحابك يا عمرو وأنت جنب)). PageV03P482 # قلنا: ليس الأمر كذلك فإنا قلنا: إن القياس يمنع من ذلك من جهة أن الوضوء ~~ركن من أركان الصلاة لا يمكن تأدية الصلاة إلا به والتيمم خال عن الوضوء ~~فلهذا لم يكن مجزيا من جهة القياس، والاستحسان قاض بجوازه لحديث عمرو بن ~~العاص فلأجل هذا عملنا بالدليلين جميعا وجعلنا الاستحسان هو المعول عليه ~~لما يظهر فيه من القوة فإن الاستحسان نوع من القياس حاضر، وهو ينزل من ~~القياس منزلة الدهن من اللبن وهو واحد من أوديته معول عليه في غاية القوة ~~والظهور فلأجل هذا كان القياس تابعا والاستحسان متبوعا كما أشرنا إليه. # المسألة الرابعة: هل يصح ائتمام القارئ بالأمي أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه ممنوع، وهذا هو رأي الهادي والمؤيد بالله، ومحكي عن ~~الشافعي في القديم. # والحجة على هذا: هو أن القراءة ركن من أركان الصلاة وشرط في صحتها ويؤيد ~~ما قلنا [حديث]الرسول حيث قال: ((يؤمكم أقراؤكم لكتاب الله )). ومعنى ~~الحديث من كان قارئا فليؤم، فظاهر الشرط في صحة الإمامة كما لو قال: يفتيكم ~~أعلمكم بالشريعة ويحكم بينكم من يحسن الفصل والقضاء، فكما أن تلك شروط فيما ~~ذكرناه فهكذا حال القراءة تكون شرطا في صحة الإمامة للصلاة. # المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو قول الشافعي في الجديد؛ ومحكي عن مالك ~~والمزني من أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت إمامته لغيره كالقارئ ~~للقارئ. # والمختار: هو المنع من ذلك، وهو قول أبي حنيفة، والصحيح من مذهب الشافعي. ms1354 # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم ~~إذا لحقه في حال الركوع، فإذا كان أميا لم يتأت منه ذلك ولأن الرسول قال: ~~((الإمام ضامن)). ومعنى كونه ضامنا تحمله للقراءة عن المأموم، والمأموم لا ~~يصح منه التحمل. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: من صحت صلاته لنفسه صحت إمامته لغيره كالقارئ للقارئ. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV03P483 # أما أولا: فلأنه معذور في حق نفسه حتى يتعلم القراءة وليس معذورا في حق الغير. # وأما ثانيا: فلأن ما قالوه معارض بما ذكرناه من الخبر، وهو أحق من القياس ~~فلا يمكن معارضة الخبر بالقياس. # المسألة الخامسة: هل يصح ائتمام السليم بمن به سلس البول وسيلان الجرح أم ~~لا؟ فيه مذاهبان: # المذهب الأول: المنع من ذلك، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة ~~وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك. # والحجة على هذا: هو أن الطهارة ركن من أركان الصلاة وشرط في صحتها ولهذا ~~قال : ((لا صلاة إلا بطهور)). ومن هذه حاله فلا وضوء له مع جري الحدث من ~~جهته فالائتمام به يكون بمنزلة من ائتم بالجنب والحائض فلهذا كان باطلا. # المذهب الثاني: الجواز وهذا شيء يحكى عن زفر من أصحاب أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره كالمتوضي ~~للمتوضي. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة وفقهاء الأمة من المنع من ذلك. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله ((الوضوء مما خرج )) وهذا خارج ~~منه فانتقض الوضوء وتبطل الطهارة فالائتمام به غير صحيح. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قوله: كل من صحت صلاته لنفسه فإنها صحيحة لغيره كالسليم للسليم. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنها إنما صحت في حق نفسه للعذر ولا تكلف نفس إلا وسعها، ~~وهذا هو الوسع في حقه فلهذا اغتفر فأما غيره فلا يغتفر في حقه، وصلاة ~~المؤتم متعلقة بصلاة الإمام وصلاة الإمام ناقصة بالإضافة إلى صلاة المأموم ~~فلهذا لم يكن إماما له لأن المقصود هو حصول الفضل بالجماعة ولا فضل ms1355 مع ~~النقصان. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه معارض بما روينا من الأخبار والقياس فإنه لا ~~يعارض الخبر. # المسألة السادسة: وهل يصح أن يؤم الرجل بالنساء وحدهن لا رجل معهن أم لا؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: المنع من ذلك وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية. PageV03P484 # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((خير صفوف الرجال المقدم وشرها ~~المؤخر وخير صفوف النساء المؤخر وشرها المقدم)) (1). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه وصف الصف المقدم من النساء بكونه شرا ولا ~~شك أن الشر منهي عنه والنهي يقتضي فساد المنهي عنه فاقتضى ظاهر الخبر النهي ~~عن كونهن في الصف الأول فإذا صلى الرجل بالنساء وحدهن كانت صلاتهن في موضع ~~الصف الأول المنهي عنه فلهذا كانت صلاتهن فاسدة. # المذهب الثاني: أن صلاة الرجل وصلاتهن صحيحة وهذا هو رأي الفقهاء أبي ~~حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أن النساء صفهن خلف إمامهن على الحد المشروع في ~~الإصطفاف فجازت صلاتهن من غير فساد كما لو كان معهن رجل. # والمختار: ما عليه علماء العترة من المنع من ذلك. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله : ((أخروهن حيث أخرهن الله )). ~~ولا شك أنا إذا قدمناهن في الصف الأول فقد خالفنا ظاهر هذا الخبر وإذا بطلت ~~صلاة النساء بطلت صلاة الإمام؛ لأن كل من قال ببطلان صلاة النساء قال ~~ببطلان صلاة الإمام إذ لا قائل بالفرق؛ ولقوله : ((شر صفوف النساء المقدم ~~)). ولا شك أن الإمام مما يلي الصف المقدم والشر منهي عنه فلهذا كان دالا ~~على الفساد، فحصل من مجموع ما ذكرناه بطلان صلاة الإمام وبطلان صلاة النساء ~~إذا كان لا رجل معهن لما ذكرناه. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: صف النساء على الحد المشروع فجازت صلاتهن كما لو كان معهن رجل. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن صفهن كان على الحد المشروع لأن من جملة ~~المشروع أن يكون معهن رجل. PageV03P485 # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه معارض بما روينا من ms1356 الأخبار لأن القياس لا يعارض ~~الأخبار ولا يكون للقياس حكم مع الخبر، وروي عن أمير المؤمنين كرم الله ~~وجهه أنه منع من صلاة الرجل بالنساء اللاتي لا رجل معهن ومثل هذا لا يصدر ~~إلا عن توقيف من جهة الرسول لأنه لا مساغ للإجتهاد في مثل هذا وإنما مصدره ~~ما كان من جهة الرسول . # نعم، فإذا كان الرجل معهن ونوى الإمام الصلاة بها وبه أو بهن وبه فلا ~~خلاف بين أئمة العترة وبين الفقهاء في صحة الصلاة بالرجل وبهن لأنه قد وافق ~~المشروع في صحة الصلاة بهن وبه. # المسألة السابعة: وإذا تقرر تحريم الصلاة جماعة بالنساء لا رجل معهن، ~~فإذا قامت المرأة إلى جنب الرجل في شيء من الصفوف فهل تفسد صلاة من عن ~~يمينها وشمالها ومن خلفها من الصفوف ولو كانوا عدة من الصفوف الكثيرة أم ~~لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: فساد ما ذكرناه، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية ~~والناصرية. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((أخروهن حيث أخرهن الله )). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الله تعالى أمر بتأخيرهن وفي هذا دلالة على ~~تحريم القيام بجنبهن والأمر للوجوب إلا لدلالة خاصة، وإن كان واجبا كان ترك ~~الواجب معصية مضادة للقربة بالصلاة. # المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو رأي الشافعي ومالك. # والحجة على هذا: وهو جواز صلاة الرجال، وصلاة المرأة هو أن هذه صلاة لو ~~وقف الرجل فيها قدام النساء لصحت صلاته فهكذا إذا وقف معهن، دليله صلاة ~~الجنازة. # والمختار: ما قاله أئمة العترة، وهو محكي عن أبي حنيفة. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله : ((شر صفوف الرجال المؤخر وشر ~~صفوف النساء المقدم)). وقد وصفه بالشر والشر منهي عنه والنهي دال على ~~الفساد. PageV03P486 # والحجة الثانية: قوله : ((ألا لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان ))(1). # وإذا صلى إلى جنبها فقد خلى بها وهذا نهي والنهي دال على الفساد في ~~العبادات خاصة. # الحجة الثالثة: ما روي عن الرسول أنه صلى في بيت أم سلمة فأقام أنسا ~~واليتيم ms1357 معا ثم أقام أم سليم خلفهما مع نهيه عن صلاة المنفرد خلف الصف وفي ~~هذا دلالة على أنه لم يكن لها المقام في صف الرجال. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: صلاة لو وقف فيها الرجل قدام النساء لصحت صلاته فهكذا إذا وقف ~~معهم دليله صلاة الجنازة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم اشتراك المرأة للرجل في صلاة الجنازة؛ لما روي ~~أن الرسول رأى نسوة في جنازة ولده إبراهيم فقال لهن: ((أتحملن فيمن يحمل ~~))؟ فقلن: لا. فقال: ((أتصلين على الموتى مع من يصلي))؟ فقلن: لا. فقال: ~~((أتدلين فيمن يدلي))؟ فقلن: لا. فقال: ((يامفتنات الأحياء ومؤذيات الأموات ~~إرجعن مأزورات غير مأجورات)) (2). # فبطل بما ذكرناه بطلان المشاركة للرجال في صلاة الجنازة بما ذكرناه من ~~الخبر فلا يقاس عليه. # وأما ثانيا: فلأن قياسكم هذا لا يعارض بما ذكرناه من الأخبار التي ~~رويناها؛ لأن القياس لا يعارض الخبر كما أوضحناه غير مرة. PageV03P487 # المسألة الثامنة: وإذا كانت صلاة الرجال لا تبطل بوقوف المرأة. قال السيد ~~أبو طالب: ومرور المرأة فيما بين صفوف الرجال لا يكون مبطلا لصلاة الرجال ~~وإنما يبطل بالمشاركة لهم في الصلاة وبأي شيء تكون المشاركة. فالإجماع ~~منعقد على أن نية الإمام كونه إماما لها تكون مشاركة لا محالة وعلى هذا ~~تبطل صلاتها وصلاة الرجال من عن يمينها ويسارها ومن وارئها من الصفوف، فإذا ~~لم ينو الإمام فهل تكون مشاركة له؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها لا تدخل في الصلاة على جهة المشاركة إلا بأن ينوي ~~الإمام الصلاة بها فإن لم ينو لم تكن داخلة في الصلاة، وهذا هو رأي ~~القاسمية ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أن الإمام قد لحق صلاته نقص وفساد من جهتها إذا قامت ~~إلى جنبه فوجب ألا يكون الأمر كذلك إلا إذا نوى أن يكون إماما لها كما أن ~~المؤتم لما كان تفسد صلاته بصلاة الإمام لم تنعقد صلاته بصلاة الإمام إلا ~~إذا نوى الإئتمام به. # المذهب الثاني: أنها تكون داخلة في ms1358 صلاة الإمام نوى أو لم ينو وهذا هو ~~رأي الشافعي ومحكي عن مالك وزفر. # والحجة على هذا: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) فأوجب على المؤتم ~~أن يعقد صلاته بصلاة الإمام بالنية ولم يوجب ذلك على الإمام وفي هذا دلالة ~~على أن نية الإمام غير واجبة. # والمختار: أن صلاة المرأة لا تكون مفسدة لصلاة الإمام والمأمومين إلا إذا ~~دخلت معهم على نعت المشاركة ولن تكون المشاركة إلا بأن ينوي الإمام أنه ~~إمام لها فعلى هذا يتعقل دخول الفساد والنقص فأما بمجرد الدخول فلا. PageV03P488 # وحجتهم أعني القاسمية والحنفية: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الأصل هو ~~صحة صلاة الإمام والمأمومين ولم يعرض إلا مجرد صيرورة المرأة معهم وهو ~~معصية لأجل مخالفة الأمر والنهي بوقوفها والمعصية مختصة بها لمخالفتها ~~للأمر، وبطلان صلاة الإمام والمأموم إنما وقع بالسراية من جهتها ولا تعقل ~~السراية إلا بنية الإمام أن يكون إماما لها فلهذا بطلت الصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). فأوجب على المؤتم النية ولم ~~يوجبها على الإمام وفي هذا دلالة على أن نيته غير واجبة فلا يشترط في فساد ~~صلاة الإمام والمؤتمين كما قلناه. # قلنا: قد قدمنا فيما سبق أن نية الإمام غير واجبة وإنما لم تكن واجبة ~~للأدلة التي ذكرناها من قبل، ومن جهة أنه لا يلحق صلاة الإمام فساد بصلاة ~~الرجال بخلاف المرأة فإنه يلحق صلاة الإمام والمأمومين فساد بصلاتها فلهذا ~~لم يكن بد من نية الإمام كونه إماما لها فافترقا. # المسألة التاسعة: وإذا قلنا ببطلان صلاة الإمام والمأمومين بمشاركة ~~المرأة لهم في الصلاة فهل تكون صلاتها باطلة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن صلاتها باطلة وهذا هو رأي القاسمية. # والحجة على هذا: قوله : ((أخروهن حيث أخرهن الله )). فظاهر الخبر دال على ~~الأمر ومخالفة الأمر معصية فلهذا كانت عاصية بالتقدم. # المذهب الثاني: أن صلاتها مجزية، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه ~~والشافعي. # والحجة على هذا: هو أن عصيانها في الموقف لا يوجب بطلان صلاتها ms1359 ولهذا ~~فإنها إذا أمت الرجل كانت عاصية ولا تبطل صلاتها. # والمختار: هو بطلان صلاتها كما هو رأي أئمة العترة. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو قوله : ((شر صفوف النساء المقدم)). ~~والشر منهي عنه والنهي يقتضي الفساد فلأجل هذا قضينا بفساد صلاتها لأجل ~~تقدمها. # ومن وجه آخر: وهو أنها عاصية في الموقف مع الرجال كما لو كانت متقدمة على ~~الإمام. PageV03P489 # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: عصيانها في الموقف لا يوجب بطلان صلاتها كما لو أمت الرجال. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم الأصل المقيس عليه فإن عندنا أن صلاتها باطلة إذا أمت ~~الرجل لأنها عاصية في الموقف فلهذا قضينا بالبطلان لصلاتها. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا صحة صلاتها إذا أمت الرجل فقد تركت هاهنا فرضا ~~من فروض الصلاة وهو التأخر عن الرجال فإنها مأمورة بذلك وما هذا حاله مفسد ~~للصلاة. # قالوا: المأموم إذا ترك موقفا مسنونا له إلى موقف آخر يكون مسنونا له لم ~~تبطل صلاته كالرجل إذا ترك الصف المقدم ووقف في الصف المؤخر. # قلنا: هذا فاسد فإن هذا ليس مماثلا لمن نحن فيه فإن الرجل إذا تأخر إلى ~~الصف الأخير فليس منهيا عنه فهلذا لم تكن صلاته فاسدة بخلاف المرأة فإنها ~~إذا تقدمت إلى الصف الأول فهي منهية عنه، فلا جرم قضينا بفساد صلاتها ~~فافترقا، فبطل ما قالوه. # المسألة العاشرة: ويجوز أن يأتم المقيم بالمسافر عند أئمة العترة وفقهاء ~~الأمة لا يعلم فيه خلاف لما روي عن الرسول أنه أقام بمكة ثماني عشرة ليلة ~~يصلي ركعتين ثم يقول: ((يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين فإنا قوم سفر )) (1). # فالخبر دال على جواز القصر وعلى جواز صلاة المقيم خلف المسافر، وروي عن ~~ابن عمر ذلك ولأنه غير مخالف لإمامه فيما يجب عليه اتباعة فيه فأشبه اللاحق ~~للإمام في صلاته، وهل يجوز أن يأتم المسافر بالمقيم أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: المنع من ذلك إلا فيما يتفق فرضاهما فيه وهو المغرب والفجر ~~وهذا هو الذي نصه الهادي في ms1360 الأحكام، وهو رأي القاسم ومحكي عن طاووس ~~والشعبي وداود من أهل الظاهر وبه قالت الإمامية. PageV03P490 # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به)). ~~وهذا يقتضي وجوب متابعته له في جميع أقواله وأفعاله والمسافر إذا ائتم ~~بالمقيم فلا يكون تابعا له في أقواله وأفعاله لأن قعوده في الثانية يكون ~~فرضا عليه وهو للإمام نفل فيؤدي ذلك إلى أن يسلم قبل تسلميه فيكون مخالفا ~~له وقد قال : ((لا تختلفوا على إمامكم)). # الحجة الثانية: قياسية. وهو أن فرض أحدهما مخالف لفرض الآخر فإن فرض ~~المسافر ركعتان وفرض المقيم أربع فقد خالفه في النية وفي عدد الركعات فلا ~~تكون مجزية مع هذا الاختلاف لما ذكرناه من ظاهر الخبر. # المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو رأي زيد بن علي والباقر وأحمد بن عيسى ~~ومحكي عن المؤيد بالله والفريقين الحنفية والشافعية وهو المحكي للهادي في ~~كتابه (المنتخب). # والحجة على هذا: هو أن الأدلة الشرعية الدالة على فضل صلاة الجماعة لم ~~تفصل بين أن يكون الإمام مسافرا أو مقيما فلهذا قضينا بصحة صلاة المسافر ~~خلف المقيم. # والمختار: ما ذهب إليه زيد بن علي ومن قال بمقالته. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن إسم الإئتمام لاحق بالمسافر خلف ~~المقيم فلهذا جاز له الائتمام به ولأنه لم ينقص عليه إلا خروجه من الصلاة ~~قبل الإمام في الركعتين الأوليين ومثل هذا غير ضار في صلاته لأجل العذر ~~ولأن الخروج عن الإمام في إمامة الصلاة جائز لأجل الأعذار. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن رسول الله أنه قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) وهذا ~~يقتضي وجوب المتابعة ولا شك أن المسافر يخالف إمامه المقيم فلهذا لم تصح صلاته. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا نقول بموجب الخبر فإن المسافر قد تابع إمامه في أقواله ~~وأفعاله ولكن عرضت المخالفة في أمر هو معذور فيه فلم يكن ذلك موجبا لفساد صلاته. PageV03P491 # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأخبار الدالة على ms1361 ~~المواضبة على صلاة الجماعة فإنها لم تفصل بين المسافر والمقيم. # قالوا: فرض المقيم يخالف فرض المسافر لأن فرض المقيم أربع وفرض المسافر ~~ركعتان فإذا صلى المسافر خلف المقيم كان قد خالفه وهو منهي عن المخالفة. # قلنا: المخالفة مغتفرة إذا كانت لعذر ولا تغتفر من غير عذر، ولهذا فإن ~~المأموم يخالف الإمام إذا سلم على ركعة واحدة ويخالفه إذا قام إلى الخامسة ~~فمطلق المخالفة لا يفسد الصلاة وهاهنا المخالفة لعذر فلهذا لم تكن مفسدة ~~للصلاة. # المسألة الحادية عشرة: وإذا قلنا بصحة صلاة المسافر خلف المقيم فإذا دخل ~~معه في الصلاة فأي شيء يتوجه عليه؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه إذا أدرك معه الصلاة لزمه الإتمام أربعا وهذا هو رأي ~~زيد بن علي والباقر وأحمد بن عيسى والفريقين الحنفية والشافعية. # والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). وهذا إذا صلى خلف ~~إمامه ركعتين فقد خالفه في عدد الركعات فلهذا قلنا بوجوب الإتمام عليه ~~ليخلص عن المخالفة. # المذهب الثاني: أنه إن أدرك مع الإمام ركعة بكمالها لزمه إتمام الركعات ~~وإن أدرك بعض الركعة لزمه صلاة المسافر وسلم وخرج، وهذا هو رأي مالك. # والحجة على هذا: هو أنه إذا أدرك الركعة بكمالها فهو مدرك للصلاة؛ لقوله ~~: ((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها ومن أدرك ركعة من ~~الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدركها)) وسماه مدركا بإدراك الركعة بكمالها ~~فهكذا هاهنا يعمل على صلاة المقيم بإدراك الركعة بكمالها وإذا أدرك بعض ~~الركعة عمل على صلاة المسافر وسلم على ركعتين. # المذهب الثالث: أنه يعمل على صلاة المسافر ولا يلزمه الإتمام وهذا هو رأي ~~الإمامين الهادي والمؤيد بالله. PageV03P492 # والحجة على هذا: هو أن السفر عزيمة ودخول المسافر في صلاة المقيم لا تغير ~~فرضه مع قيام السبب في القصر وهو السفر فلهذا لم يكن فرض المقيم لازما له ~~وإذا قلنا بأن فرضه لا يتغير فما المتوجه عليه؟ فيه قولان: # القول الأول: أنه إذا دخل معه من أول الصلاة فهو مخير إن شاء خرج ms1362 في ~~الركعتين الأوليين لأنه معذور في الخروج لأنهما فرضه، وإن شاء قعد في ~~الركعتين الأخريين حتى يسلم الإمام من الأربع ثم يسلم معه؛ لأنه معذور في ~~هذه المخالفة ثم هو أيضا مخير في جعل أي الركعتين فرضه إما الأوليان وإما ~~الأخريان، وهذا هو رأي المؤيد بالله. # والحجة على هذا: هو أن فرضه في القصر عير متعذر لأنه عزيمة في حقه فلا ~~تبطل بالدخول ثم إنه مخير فيما ذكرناه من هذه الصورة. # القول الثاني:أنه إن دخل مع الإمام المقيم من أول صلاته فإنه يجعل ~~الركعتين الأوليين نافلة له ويجعل الأخريين فرضه، وهذا هو رأي الهادي في ~~(المنتخب). # والحجة على هذا: هو أنه إذا فعل ما ذكرناه كان سالما عن مخالفة الإمام في ~~فرضه لأنه يسلم بتسليمه. # والمختار: أن القصر رخصة والاتمام أفضل كما سنوضح القول فيه وإذا كان ~~رخصة ودخل مع الإمام المقيم في الصلاة فإن الأفضل له الإتمام؛ لأن الإمام ~~حاكم عليه لقوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا قعد ~~فاقعدوا)). وعلى هذا يكون، وإذا كان متما للصلاة فأتموا لقوله : ((لا ~~تختلفوا على إمامكم)). وهذا يقتضي ما ذكرناه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوروده. # قالوا: الواجب عليه صلاة السفر؛ لأنه عزيمة فبدخوله مع الإمام لا يخرجه ~~عن عزيمة السفر، فالواجب عليه ركعتان. # قلنا: سنوضح أن القصر رخصة وإذا قام البرهان الشرعي على كونه رخصة ~~فالإتمام مع الإمام أفضل ولا حاجة إلى مخالفة الإمام لما فيه من فساد ~~الصلاة. # قالوا: إذا أدرك ركعة بكمالها وجب عليه الإتمام وإن أدرك دون الركعة فهو ~~باق على صلاة السفر. PageV03P493 # قلنا: القصر رخصة فلا فرق بين أن يدرك مع الإمام ركعة كاملة أو بعض ركعة في ~~أنه يلزمه الإتمام لأجل التزامه بالدخول في صلاة المقيم، فهذا ما أردنا ~~ذكره في صلاة الأكمل خلف الأنقص ونرجع إلى التفريع. # الفرع الثاني عشر: وهل يجوز للمفترض أن يأتم بالمفترض في صلاة أخرى ~~مخالفة كمن يصلي الظهر خلف من يصلي العصر أم لا؟ فيه مذاهبان: # المذهب الأول: ms1363 المنع من ذلك، وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم ~~والناصر والمؤيد بالله، وهو محكي عن أبي حنيفة ومالك والزهري وربيعة ويحيى ~~الأنصاري(1). # والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). وهذه مخالفة فيجب ألا تجوز. # الحجة الثانية قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا ~~قعد فاقعدوا)). وفي هذا دلالة على أن مخالفته لا تجوز وأن متابعته واجبة. # المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو رأي الشافعي وهو محكي عن عطاء وطاووس ~~والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. PageV03P494 # والحجة على هذا: ما روي أن معاذا كان يصلي مع رسول الله العشاء ثم يرجع إلى ~~قومه من بني سلمة فيصلي بهم العشاء هي له تطوع لأنه قد قضى فرضه مع الرسول ~~فأخر رسول الله ليلة صلاة العشاء ثم رجع معاذ إلى قومه فصلى بهم واستفتح ~~بسورة البقرة فتنحى عنهم رجل وصلى، فقال له قومه: نافقت، فأتى النبي فقال: ~~يارسول الله إن معاذا يصلي معك العشاء ثم يرجع إلينا فيصلي بنا فأخرت ~~العشاء فرجع إلينا فصلى بنا واستفتح بسورة البقرة فتنحيت وصليت وحدي، وإنا ~~أصحاب نواضح نعمل بأيدينا، فقال الرسول : ((أفتان أنت يا معاذ)). وأمره أن ~~يقرأ سورة كذا وكذا، وفي رواية أخرى وأمره أن يقرأ سورة والسماء والطارق ~~وسبح اسم ربك الأعلى والليل إذا يغشى(1). # ووجه الدلالة من الخبر: أن الرسول صوبه على صلاته بقومه بعد صلاته مع ~~الرسول وهذا هو موضع الخلاف؛ ولأن الإقتداء يقع في الأفعال الظاهرة وذلك ~~ممكن مع اختلاف النية. # والمختار: المنع من ذلك كما هو رأي أئمة العترة. # وحجتهم: ما حكيناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن هذه إن لم تكن مخالفة للإمام فلا ~~معنى للمخالفة؛ ولأن نية الإمام مخالفة لنية المأموم فوجب أن لا تصح إمامته ~~به كما لو صلى الجمعة بمن يأتم بالظهر. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي أن معاذا كان يصلي مع الرسول الفريضة أو العشاء أظنه(2) # ثم يصلي بقومه وهذا هو موضع الخلاف فيجب القضاء بجوازه. # قلنا: عن هذا ms1364 جوابان: # أما أولا: فيحتمل أن معاذا كان يصلي مع الرسول نافلة ويصلي بأصحابه ~~الفريضة فلا حجة فيما قلتموه(3). PageV03P495 # وأما ثانيا: فلأن ما ذكرتموه معارض بما رويناه من الأخبار وإذا تعارضا ~~فلابد من الترجيح لكن أخبارنا أرجح؛ لأنها دالة على الحظر وأخباركم دالة ~~على الإباحة وما دل على الحظر أولى مما دل على الإباحة لما في الحظر من ~~الإحتياط للدين فلهذا كانت بالقبول أحق. # قالوا: الإقتداء يقع في الأفعال الظاهرة وذلك ممكن مع اختلاف النية. # قلنا: الخبر دال على المنع من المخالفة في الأفعال الظاهرة كما دل على ~~امتناع الإختلاف في النية. # الفرع الثالث عشر: يجوز للمتنفل أن يأتم بمن يصلي الفرض كمن يصلي أربع ~~ركعات نافلة عقيب من يصلي الظهر أو العصر أداء، وهذا هو رأي أئمة العترة ~~ومحكي عن الفقهاء ولا خلاف فيه. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه صلى الظهر فرأى رجلين لم يدخلا معه ~~في الصلاة فلما فرغ منها قال: ((علي بهما)) فجاءا ترعد فرائصهما. فقال: ~~((أمسلمان أنتما))؟ فقالا: نعم يارسول الله. فقال: ((ما منعكما أن تصليا ~~معنا ))؟ فقالا: يارسول الله كنا قد صلينا في منازلنا. فقال لهما: ((إذا ~~صليتما في منازلكما ثم وجدتما ناسا يصلون فصليا معهم فتكون هذه نافلة وتلك ~~فريضة)). وهل يجوز الائتمام للمفترض بمن يصلي نافلة كمن يصلي الظهر أو ~~العصر خلف من يصلي أربع ركعات نافلة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: المنع من ذلك وهذا هو أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر ~~والمؤيد بالله وهو محكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). ولم يفصل في ذلك. ومن ~~صلى الفرض خلف من يصلي النافلة مقتديا به فقد خالفه لا محالة. # الحجة الثانية: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به والمراد من الخبر هو ~~المتابعة في كل أقواله وأفعاله ومن صلى الفرض خلف من صلى النافلة فلم ~~يتابعه فدل ذلك على صحة ما يقوله. # المذهب الثاني: الجواز وهذا شيء يحكى عن الشافعي. PageV03P496 # والحجة على هذا: ما روي أن ms1365 الرسول صلى ببطن النخل صلاة الخوف فصلى بطائفة ~~ركعتين ثم صلى بطائفة ركعتين وسلم ولابد من أن يكون في إحدى الصلاتين ~~متنفلا لأنه في السفر ففرضه ركعتان(1). # والمختار: ما عليه علماء العترة من المنع من ذلك. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن نية المأموم الفرض ونية الإمام ~~النفل ولا شك أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام فلا يصح أداء الفرض بنية ~~النفل ولأن هذه مخالفة للإمام في مقصود النية فلا تصح الصلاة لقوله: ((لا ~~تختلفوا على إمامكم)). والنهي يقتضي الفساد. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: صلى الرسول ببطن النخل ركعتين بطائفة وركعتين بطائفة أخرى ولابد ~~من أن تكون إحداهما نفلا وفي هذا دلالة على ما قلناه. # قلنا: عن هذاجوابان: # أما أولا: فلأنه إنما فعل ذلك لأنه كان يجوز أداء الفرض مرتين ثم نسخ ذلك ~~بقوله: ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم )). # وأما ثانيا: فلأن القصر رخصة فلعله كان متما فصلى بطائفة ركعتين وبطائفة ~~أخرى ركعتين لأجل العذر بالخوف والتزام صلاة الجماعة. # قالوا: روي أن معاذا بن جبل كان يصلي مع الرسول صلاة العشا ثم يعدو إلى ~~أصحابه فيصلي بهم هذه الصلاة فيكون له فرضا ولهم تطوعا. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذه حكاية فعل مجملة لا ندري كيف وقعت فلا يجوز الاحتجاج ~~بها لإجمالها. # وأما ثانيا: فلعله كان يصلي مع الرسول نافلة وبقومه الفرض كما قدمنا فلا ~~يكون فيه دلالة على ما قالوه. # الفرع الرابع عشر: وهل يجوز أن يأتم القاضي بالمؤدي فيقضي صلاة العصر خلف ~~من يؤدي العصر أو المؤدي بالقاضي فيؤدي الظهر خلف من يقضي الظهر أم لا؟ فيه ~~مذهبان: PageV03P497 # المذهب الأول: المنع من ذلك، وهذا هو رأي الهادي والقاسم والناصر ومحكي عن ~~أبي حنيفة وأصحابه(1). # والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). وما هذا حاله فهو ~~اختلاف من جهة أن القضاء يخالف الأداء. # المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو رأي المؤيد بالله قديما، ومحكي عن ~~الشافعي. # والحجة على هذا: خبر ms1366 معاذ فإنه إذا جاز أن يصلي المفترض خلف المتنفل جاز ~~أن يصلي المؤدي خلف القاضي لاشتراك الصلاتين في كونهما واجبتين. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله والشافعي. # وحجته: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن المؤداة والمقضية قد اشتركتا في ~~الوجوب وفي الجنسية ولم تختلفا إلا في نية القضاء والأداء ومثل هذا لا يطرق ~~خللا في الإقتداء فإن اتفقا في الوجوب واختلفا في الجنسية نحو أن يؤدي ~~الظهر خلف من يقضي العصر أو يقضي العصر خلف من يؤدي الظهر فهل يجوز ذلك أم ~~لا؟ فالذي يأتي على رأي العترة أنه غير جائز والذي يأتي على كلام الشافعي ~~أنه جائز. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه في الصلاتين إذا اشتركتا في الوجوب ~~وفي الجنسية وهو الذي اخترناه. # قالوا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). وهذا هو اختلاف لا محالة. # قلنا: الاقتداء يقع في الأفعال الظاهرة وذلك ممكن مع اختلاف النية في ~~القضاء والأداء فإن ذلك مغتفر كما أشرنا إليه، والله أعلم. وهل يجوز أن ~~يصلي الفرض خلف من يصلي على الجنازة أو خلف من يصلي صلاة الكسوف؟ فالذي ~~يأتي على رأي أئمة العترة أن ذلك غير صحيح. PageV03P498 # والحجة على هذا: هو أنه لا يمكنه الاقتداء مع اختلاف الأحوال، وهذا هو نقل ~~أهل بغداد من أصحاب الشافعي، فأما أهل خراسان فقد جوزوا ذلك على رأي ~~الشافعي بتلفيق ذكروه مع اختلاف حال الصلاتين، وهل يصح أن يقتدي من يصلي ~~المغرب بمن يصلي العشاء؟ فعلى رأي أئمة العترة لا يجوز ذلك لقوله : ((لا ~~تختلفوا على إمامكم)). ولأنه يؤدي إلى أن يخرج من الصلاة قبل خروج الإمام، ~~وحكى المسعودي من أصحاب الشافعي جواز ذلك ويكون معذورا في الخروج. # الفرع الخامس عشر: قال المؤيد بالله: ولا يجوز الائتمام بمن يصر على ~~معصية لا يرتكبها غالبا إلا من كان فاسقا وإن لم يمكن القطع على كونه فاسقا ~~بها، وهذا جيد لأن ارتكابه لها وفعله إياها يدل على ركة في الدين وجرأة على ~~الله، وإن لم تكن فسقا بنفسها فلا تجوز إمامته ms1367 لقوله : ((لا يؤمكم ذو جرأة ~~في دينه)). ومثاله: من يكون مولعا ببيع الخمر وشرائها فإن هذا وإن لم يكن ~~فسقا فإنه دال على جرأة على الله في إرتكاب المحظور لأن الغالب أن من كان ~~مولعا ببيعها وشرائها فإنه يشربها لا محالة. ومثال آخر: من كان مولعا ~~بالدخول على الشربة وقضاء حوائجهم ومنادمتهم فإن هذا وإن لم يكن فسقا فهو ~~جرأة لأن الغالب فيمن يباشر أحوالهم وينادمهم أنه يشرب معهم لا محالة. # ومثال آخر: من كان مولعا بالدخول على الزواني والمباشرة لهن فإن هذا وإن ~~لم يكن فسقا فإنه لا يفعله إلا من كان زانيا فاجرا فلهذا منعنا من إمامته ~~للصلاة وإن لم يكن فاسقا لما ذكرناه من التهاون في الدين. وقال أيضا(1) PageV03P499 : ومن صلى خلف رجل ظاهره الستر والعفاف ثم انكشف حاله خلاف ذلك لم تلزمه ~~الإعادة وهذا جيد أيضا لأن الصلاة من الأمور العملية فيعمل فيها على ظاهر ~~الحال فإذا تبين خلاف ذلك من فسق أو ردة فلا تلزم الإعادة؛ لأنها قد أجزت ~~بظاهر الحال وعروض ما يعرض لا يؤثر لأن علم العواقب إلى الله تعالى فلا ~~يكلف أحد بعلم الله تعالى. PageV03P500 # --- ### ||| AUTO خاتمة لهذا القسم # واعلم أن من خالفنا في مسائل التكليف فلا يخلو حاله إما أن يكون خلافه في ~~المسائل الدينية أو في المسائل الأصولية، أو يكون في المسائل الاجتهادية، ~~فهذه ثلاث مراتب نذكر ما يتعلق بكل واحدة منها في حكم الخطأ فيها هل يكون ~~كفرا أو فسقا أو خطأ لا غير أو يكون صوابا. فهذه ثلاث مراتب: # المرتبة الأولى: في بيان حكم الخلاف في المسائل الدينية وتارة يكون كفرا ~~ومرة يكون خطأ فهذان ضربان: # الضرب الأول: ما يكون كفرا، وهذا نحو الخلاف في إثبات الصانع وجحدانه من ~~[قبل] الملاحدة والطبعية وأهل النجوم والمعطلة والدهرية وهكذا من خالف في ~~نفي القادرية والعالمية وسائر صفات الله تعالى وجحد أصلها، فمن هذه حاله ~~فإنه يكون كافرا لا محالة لمخالفته في هذه المسائل بالكفر والجحود. # الضرب الثاني: ما يكون خطأ ms1368 لا غير وهذا نحو خلاف المتكلمين من المعتزلة ~~وغيرهم من فرق الإسلام في صفة القادرية والعالمية وسائر الصفات بعد إثباتها ~~والإقرار بها هل تكون حكما أو صفة أو إثباتا أو نفيا؟ فما هذا حاله ليس ~~كفرا ولا فسقا وإنما هو خطأ لا غير؛ لأن الحق فيه واحد فلا جرم قد تحققنا ~~الخطأ ولم يدل دلالة على كونه من قبيل الكفر أو الفسق. فالأول(1) # لا تجوز الصلاة خلفهم لكفرهم وخروجهم عن الدين، والآخرون تجوز الصلاة ~~خلفهم؛ لأن خطأهم إنما هو في أمور لا تدل على جرأة في الدين وإنما خطأهم ~~فيما يتعلق بالخطأ في الأنظار في المسائل الدينية. PageV03P501 # المرتبة الثانية: في حكم الخلاف فيما يتعلق بالمسائل الأصولية وهذا نحو ~~الخلاف في أن الأمر للوجوب وأن النهي يدل على الفساد وأن في اللغة لفظة ~~موضوعة للعموم إلى غير ذلك من المسائل الأصولية، فما هذا حاله فيها أدلة ~~قاطعة فالحق فيها واحد، لكنه لا يتعلق بالخطأ فيها شي من الإكفار والتفسيق ~~وإنما يكون خطأ لا غير وعلى هذا فالخطأ لا يقطع، وتجوز الصلاة خلف من يخالف ~~في هذه المسائل كما أوضحناه والله أعلم. # المرتبة الثالثة: ما لا يتعلق بها خطأ فضلا عن الكفر والفسق وإنما هي ~~صواب كلها وهذه هي المسائل الاجتهادية فإنا قد قررنا أن التصويب شامل لجميع ~~المسائل الخلافية في الأبواب الفقهية والمسائل الشرعية والخطأ فيها لا وجه ~~له كما أوضحناه وقد قررنا الكلام فيها في الكتب الأصولية وذكرنا أن الخلاف ~~فيها لا يمنع من الاقتداء لأن الكل مصيب فيما ذهب إليه. وبتمامه يتم الكلام ~~على هذا القسم في بيان [من] لا تجوز إمامته. والله الموفق للصواب. PageV03P502 # --- ### ||| AUTO القسم الثالث: في بيان من تكره إمامته في الصلاة # اعلم أن المكروه في لسان حملة الشريعة يطلق على معان: # أولها: أنه يطلق على المحظور فيقال بأن أكل الميتة مكروه والغرض تحريمه ~~وهو أقلها إطلاقا. # وثانيها: أن يطلق ويراد به ترك الأفضل كما يقال: ترك الصلاة في آخر الليل ~~مكروه. على معنى أنه تارك ms1369 لما هو الأفضل والأحق. # وثالثها: يطلق ويراد به التنزيه كما يقال: يكره الأكل بالشمال، ~~والإستجمار باليمين. على معنى أنه ينبغي التنزه عما هذا حاله. # ورابعها: نقصان الثواب كما يقال: تكره الصلاة في الثوب المشبع صبغا ~~بالعصفر والورس على معنى أن ثوابها ناقص مع كونها مجزية، فهذه معان ~~الكراهة. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: يكره أن يؤم الرجل قوما وهم له كارهون؛ لما روى أبو داود في ~~سننه أن الرسول قال: ((لا تقبل الصلاة من ثلاثة من رجل تقدم قوما وهم له ~~كارهون ورجل أتى الصلاة دبارا))(1) # وله معنيان: PageV03P503 # أحدهما: أن يريد في آخر وقتها. وثانيهما: أن يريد بعدما فرغ الإمام من ~~الصلاة لتفريطه ((ورجل اعتبد محررا)). وفي حديث آخر: ((لا يقبل الله صلاة ~~رجل أم قوما وهم له كارهون ولا صلاة امرأة زوجها عاتب عليها)) أراد غاضب ~~عليها ((ولا صلاة عبد آبق حتى يرجع)). فإن كان الرجل غير مصلح في أمر دينه ~~فإنه يحرم عليه التقدم للصلاة؛ لما روى الترمذي في صحيحه عن الرسول أنه ~~قال: ((لعن الله رجلا أم قوما وهم له كارهون وامرأة بات زوجها عليها ساخطا، ~~ورجلا سمع حي على الفلاح فلم يجبه)). وفي هذا دلالة على تأكيد أمر إستحباب ~~صلاة الجماعة وظاهره دال على الوجوب والإعتبار بكراهة الأكثر فإن كره الأقل ~~لم يكره لأن أحدا لا يخلو ممن يكرهه، وإن نصب الإمام رجلا من المسلمين يصلي ~~بهم لم يكره وإن كرهوه كلهم لأنه قد رأى ذلك مصلحة ورأيه أولى من رأي ~~الأكثر. # الفرع الثاني: وتكره الصلاة خلف من عليه صلاة فائتة. قال القاسم: لا يؤم ~~من عليه صلاة فائتة. وحمله السيدان الأخوان على الكراهة، وهذا مبني على أن ~~الواجبات المطلقة على الفور. # ووجه ذلك: هو أن من عليه صلاة فائتة لا يؤمن أن يكون قد أخل بقضائها مع ~~تذكره لها لأن وقت قضائها مضيق عليه لقوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها ~~فوقتها حين يذكرها )). وروي: ((لا وقت لها غيره)). فيكون مخلا بالواجب عليه ~~فإذا ms1370 لم يأمن ذلك لم يأمن أن يكون سبيله سبيل من ترك الصلاة عن وقتها، ~~فلهذا قلنا: بأن الواجبات المطلقة لا تقتضي الفور في أدائها. # والمختار: أن الأوامر الشرعية ساكتة لا دلالة فيها على الفور ولا على ~~التراخي إلا بدلالة منفصلة تدل على الفور أو التراخي وقد ذكرنا ما هو ~~المختار في الكتب الأصولية. PageV03P504 # الفرع الثالث: قال المؤيد بالله: ومن تاب من الفسق منذ يوم أو أكثر فإنه لا ~~يجوز قبول شهادته حتى يعلم استمراره على التوبة، وأما الصلاة خلفه فإنها ~~أخف حكما من الشهادة؛ وهذا جيد لأن كل من ألف ملابسه الكبائر من الزنا وشرب ~~المسكر وغيرها من الكبائر فإن الفطام عن المألوف عسير فلا يؤمن رجوعه إذا ~~كان قريب التوبة، فأما إذا صدقت توبته جاز، وهذا إنما يعلم عند تطاول المدة ~~فأما المدة القصيرة فلا يعلم ذلك فيها، فأما الصلاة خلفه فهي أخف حكما ~~وإنما كانت أخف؛ لأنها حق لله تعالى بخلاف الشهادة فإن الغرض فيها اقتطاع ~~مال فلابد من أخذ الحيطة باختبار أمره وخبرته بالأزمنة المتطاولة التي يعلم ~~فيها صدق حاله فافترقا. # الفرع الرابع: وتكره الصلاة خلف التمتام، وهو الذي يكرر التاء فيقول في ~~تبارك الله: تتبارك الله. وفي نحو نستعين: نستتعين يكررها. وخلف الفافاء ~~وهو الذي يكرر الفاء فيقول: ففلله الحمد، والواوا وهو الذي يكرر الواو ~~فيقول في نحو [وإياك] ووإياك لما يزيدون من الأحرف وهي زيادة غير مغبرة ~~للمعنى، فلهذا كرهت الصلاة خلفهم، فإذا صلى المصلي خلفهم صحت صلاته لأنه ~~أتى بزيادة مغلوب عليها. وتكره الصلاة خلف من في كلامه الغنة وهي إشراب ~~الحرف صوت الخيشوم والخنة وهي أشد من الغنة وهو إنما يكون في النون والميم ~~فإذا كثرت كرهت وليست مفسدة لأنها زيادة لا تخل بالمعنى، فأما النون ~~الساكنة نحو عنك فهي غنة لا محالة لا تنفك عن الغنة وإنما كلامنا في النون ~~الصريحة والميم الصريحة إذا دخلتهما الغنة والخنة وليس فيهما غنة ولا خنة، ~~فلهذا كرهت الصلاة للزيادة اللاحقة بها. PageV03P505 # الفرع الخامس: فأما الأرت ms1371 بالتاء المثناة الفوقانية، فهو الذي يدغم أحد ~~الحرفين على الأخر ويسقط أحدهما ومثاله: أن يقول: {أنعمت عليهم} أنعمت ~~عييهم. فيحذف اللام ويبدل مكانها الياء المثناة التحتانية، وأما الألثغ ~~بالثاء المثلثة الفوقانية فهو الذي يبدل حرفا بحرف ثان يأتي بالثاء مكان ~~السين، فيقول في نستعين: نثتعين وفي المستقيم المثتقيم ويقول في الطاس ~~والكاس الطاث والكاث، وأنشد بعض الفقهاء: # وألثغ قلت له ما اسمه # فصرت من لغثه ألثغا ... أجابني بالغنج عباث # فقلت أين الطاث والكاث # وأراد اسمه عباس والطاس والكاس. وعن الفراء اللثغة بالثاء المثلثة ~~الفوقانية، [والألثغ]: هو الذي يجعل الراء لاما والضاد بنقطة من أعلاها ثاء ~~بثلاث من أعلاها. وأما الأليغ بالياء المثناة التحتانية فهو الذي لا يبين ~~الكلام، وأما العقلة بالعين المهملة والقاف فهو الذي ينعقل لسانه عند إرادة ~~الكلام فلا يساعده على النطق بالكلام، وأما الألت بالتاء المثناة الفوقانية ~~فهو الذي يجعل اللام تاء بنقطتين من أعلاها فيقول في أكلت: أكت وفي كلهم: ~~كتهم، وأم العكلة بالعين المهملة والحكلة بالحاء المهملة فهي العجمة في ~~جميع الكلام لا بالإضافة إلى حرف دون حرف بحيث يستبهم كلامه فلا يعرف منه ~~شيء، فما هذا حاله يقال العكلة والحكلة. فهذه حملة الفسادات التي تلحق ~~اللسان فإن ائتم بهؤلاء من هو على مثل حالهم صحت الصلاة كما إذا ائتم أمي ~~بأمي مثله وإن ائتم به القارئ فسدت صلاته كما مر بيانه هكذا حكي عن الشافعي ~~رضي الله عنه. PageV03P506 # الفرع السادس: وكل من كان في لسانه عجمة بحيث لا يمكنه التكلم بالعربية نحو ~~الروم والترك والحبشة ولم يكن الكلام ممكنا له فإن صلاته صحيحة لنفسه على ~~حد ما يمكنه من القراءة من القرآن لأن ما لا يمكنه فعله لا يكون مكلفا به ~~ولا يخاطب به لكن لا تصح إمامته إلا لمن كان على مثل حاله ولا يصح لمن كان ~~أفصح منه كما قلناه في حق الأمي والقاريء، فأما إذا لم يكن الفساد من جهة ~~الخلقة ويمكنه إيقاع الكلم على وضعه وحده فإنه إذا تركه كان ms1372 تاركا للواجب ~~مخلا به ويكون حكمه حكم من أخل بالقراءة على الخلاف في تركها كما هو رأي ~~نفاة الأذكار، وقد قدمناه ولنقتصر على هذا القدر في من تكره إمامته، ~~وبتمامه يتم الكلام على الفصل الثاني والحمد الله. PageV03P507 ### ||| AUTO الفصل الثالث في بيان موقف الإمام والمأموم # إذا حضر الرجلان لصلاة الجماعة قام المأموم عن يمين الإمام؛ لما روى ابن ~~عباس رضي الله عنه قال: بت عند خالتي ميمونة فقام رسول الله فتوضأ وصلى ~~فقمت أنا فتوضأت كما توضأ فقمت عن يساره فأخذ بيدي وقيل: برأسي وحولني عن ~~يمينه وروي: فأدارني من ورائه. وهذا الحديث قد اشتمل على عشرين فائدة: # الفائدة الأولى: أن الواحد يكون موقفه عن يمين الإمام. # الثانية: أنه إذا خالف ووقف عن يساره صحت صلاته. # الثالثة: أنه لا يلزمه سجود السهو. # الرابعة: أنه إذا وقف عن يساره ينبغي أن يتحول إلى جهة يمينه. # الخامسة: أنه إذا لم يتحول حوله الإمام. # السادسة: أنه يحوله بيمينه دون يساره. # السابعة: أنه يديره من خلفه. # الثامنة: أن صلاة النفل يحرم فيها الكلام. # التاسعة: أن النفل يجوز فعله جماعة. # العاشرة: أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة كما فعله الرسول . # الحادية عشرة: أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة كما فعل ابن عباس من المشي ~~القليل. # الثانية عشرة: أن الصبي موقفه كموقف البالغ لأن ابن عباس كان صبيا. # الثالثة عشرة: أن المأموم يدور ولا يدور الإمام. # الرابعة عشرة: المرور بين يدي المصلي يكره؛ لأن الرسول أداره من خلفه ولم ~~يدره من قدامه. # الخامسة عشرة: يجب على النبي البيان لأحكام الشريعة كما فعل الرسول . # السادسة عشرة: أنه يجب على الخلق الإتباع لما قاله الرسول كما فعل ابن ~~عباس رضي الله عنه. # السابعة عشرة: أنه يستحب القيام في الليل للصلاة كما فعل الرسول . # التاسعة عشرة: أن المأموم الواحد لو وقف وراء الإمام صحت صلاته؛ لأنه ~~أداره من خلفه ولم تبطل صلاته. # [الفائدة] العشرون: يستحب التعليم لأحكام الشريعة للصغار وإن لم تكن ~~واجبة عليهم كما فعل الرسول بابن عباس ms1373 مع كونه صغيرا ولله در كلام صاحب ~~الشريعة صلوات الله عليه، فما أغزر معانيه وأكثر فوائده. # التفريع على هذه القاعدة: PageV03P508 # الفرع الأول: إذا حضر الرجل الواحد مع الإمام فأين يكون موقفة؟ فيه ثلاثة مذاهب: # المذهب الأول: أن موقفه يكون عن يمين الإمام، وهذا هو رأي أئمة العترة ~~ومحكي عن أكثر الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك. # والحجة على هذا: ما رويناه من حديث ابن عباس رضي الله عنه فإنه وقف عن ~~يساره فأداره إلى يمينه فدل ذلك على أن موقف الواحد مع الإمام عن يمينه. # المذهب الثاني: أن موقفه عن يساره وهذا هو المحكي عن ابن المسيب. # والحجة على هذا: ما جاء في حديث ابن عباس فإنه وقف عن يسار الرسول من أول ~~وهلة ولم تفسد صلاته، وفي هذا دلالة على أن موقفه من أول مرة إنما هو عن ~~يساره فإدارته له عن يمينه إنما كان على جهة الاستحباب. # المذهب الثالث: أن موقفه من ورآئه فإن جاء رجل آخر وقف معه وإن لم يجيء ~~آخر وركع الإمام فإنه يتقدم إلى يمين الإمام وهذا هو المحكي عن النخعي. # والحجة على هذا: هو أن الإمام متبوع والمأموم تابع وليس تعقل التبعية إلا ~~مع تأخره عن إمامه فإذا جاء آخر معه صارا جماعة، وإن لم يجيء آخر وركع ~~الإمام فإنه يتقدم إلى جنبه كما فعل ابن عباس لكن عقد الواحد مع الإمام ~~يكون من ورائه كما يكون في الجماعة. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من الفقهاء. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى جابر عن الرسول أنه قال: جئت ~~والرسول قائم يصلي حتى قمت عن يساره فأخذ بيدي فأقامني عن يمينه، وهكذا ~~حديث ابن عباس الذي رويناه فإنه أداره إلى يمينه. # ووجه الدلالة من هذين الخبرين: هو أن الرسول لما قام ابن عباس وجابر عن ~~يساره لم يلبث أن حولهما كل واحد منهما منفردا إلى جهة يمينه، وفي هذا ~~دلالة على أن موقف الواحد إنما هو على يمين ms1374 الإمام لا غير. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: موقف الواحد على يسار الإمام بحديث ابن عباس وجابر فإنهما عقدا ~~جماعتهما من عن يسار الإمام فدل ذلك على أنه أصل الموقف. PageV03P509 # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه لو كان موقفا لما غيره الرسول وأن الواجب خلافه في الشخص ~~الواحد. # وأما ثانيا: فلأن ابن عباس وجابرا إنما وقفا عن اليسار برأيهما لا بأمر ~~من جهة الرسول وفي هذا دلالة على أن يسار الإمام ليس موقفا للواحد ولهذا ~~فإن النبي لم يتمالك في تأخيرهما إلى جهة اليمين على السرعة. # قالوا: موقف الواحد خلف الإمام كما هو موقف الإثنين والجماعة فإن جاء ~~واحد وقف معه وإن لم يجيء آخر وركع الإمام تقدم إلى جنبه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا قد قررنا بحديث ابن عباس وجابر أن موقف الواحد عن يمين ~~الإمام. # وأما ثانيا: فلأنه إذا وجب تقدمه عند ركوع الإمام فيجب تقدمه من أول ~~صلاته أولى وأحق حتى لا تنعقد صلاته من أولها على انفراده فلهذا وجب ما ~~ذكرناه. # الفرع الثاني: وإن حضر رجلان مع الإمام فما هو الواجب في ذلك؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أن الواجب وقوفهما خلف الإمام، وهذا هو رأي أئمة العترة ~~ومحكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه وعمر وابن عمر، وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه والشافعي وأصحابه. # والحجة على هذا: ما روى جابر عن رسول الله أنه قال: صليت مع رسول الله ~~فقمت عن يساره فأدارني حتى أقامني عن يمينه ثم جاء جبار بن صخر(1) # فقام عن يساره فدفعنا جميعا إلى خلفه فقمنا بعده. PageV03P510 # المذهب الثاني: أنهما إذا كانا اثنين مع الإمام فإن أحدهما يقف عن يمينه ~~والآخر يقف عن يساره فإذا كانوا ثلاثة وقفوا خلفه، وهذا شيء يحكى عن ابن ~~مسعود وروي عنه أنه صلى بعلقمة والأسود فجعل أحدهما عن يمينه وجعل الآخر عن يساره. # والحجة على هذا: ما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: رأيت رسول الله ~~إذا كان معه رجلان ms1375 وقف أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من الفقهاء. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه ~~قال: أمنا رسول الله أنا ورجلا من الأنصار فتقدمنا وخلفنا خلفه ثم قال: ~~((إذا كان اثنان فليقم أحدهما عن يمين الآخر.)). # الحجة الثانية: ما روى سمرة بن جندب أنه قال: أمرنا رسول الله إذا كنا ~~ثلاثة أن يتقدمنا أحدنا. فهذه الأخبار كلها دالة على ما قلناه من تقدم ~~الإمام على الأثنين. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روى ابن مسعود عن رسول الله : ((أنهم إذا كانوا ثلاثة وقف الإمام ~~وسطهم أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره)). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الإجماع منعقد بعد ابن مسعود على ما قلناه من جهة الصحابة ~~والتابعين وفي هذا دلالة على نسخه؛لأنهم لا يجمعون إلا عن حجة ودلالة من ~~جهة الرسول وإجماعهم حجة وفيها بطلان مقالته. PageV03P511 # وأما ثانيا: فلأنه معارض بما ذكرناه من الأخبار وهي راحجة على ما روى من ~~جهة كثرتها وثقة الرواة لها فلا وجه لما ذكره إلا النسخ، فإن كانوا ثلاثة ~~غير الإمام اصطفوا وراءه، وهذا هو رأي أئمة العترة والفقهاء ولا خلاف فيه. ~~ويستحب تعديل الصفوف لما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا قمتم إلى الصلاة ~~فأقيموا صفوفكم والزموا عواتقكم ولا تدعوا خللا للشيطان كما يتخلل أولاد ~~الحذف)) (1). # يعني صغار المعز، وأراد بتقويمها عن الإعوجاج وبالتقدم والتأخر، وأراد ~~[بسد] الخلل التقارب والملاصقة وأراد بإلزام العواتق إلصاق بعضها ببعض، ~~وتستحب المجاورة بين المناكب لما روى ابن عمر عن الرسول أنه قال: ((أقيموا ~~الصفوف وجاوروا بين المناكب وسدوا الخلل ولا تذروا خرجات الشيطان))(2). # والخرجات جمع خرجة وهي الفرجة بين الشيئين. وفي حديث آخر: ((ألا تصفون ~~كما تصف الملائكة عند ربها ))؟ قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: ~~((يسدون الخلل ويقيمون الصفوف ويلصقون الكعاب بالكعاب))(3). PageV03P512 # الفرع الثالث: ويستحب للإمام ومن معه أن يقوموا إذا قال المؤذن: حي على ~~الصلاة. فإذا قال: ms1376 قد قامت الصلاة. كبر، وهو رأي الهادي في الأحكام ومحكي ~~عن أبي يوسف ومحمد؛ لما(1) # روى عبدالله بن أبي أوفى قال: كان بلال إذا قال: قد قامت الصلاة كبر ~~الرسول ولم ينتظر شيئا، ومن جهة أن قول المؤذن: قد قامت الصلاة. إخبار عن ~~قيامها فيستحب أن يفعل الإمام ما يكون خبره مطابقا لمخبره وقد تقدمت ~~المسألة وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن الإعادة. ويستحب التقدم إلى ~~الصف الأول لقوله : ((لو يعلم الناس ما في الصف الأول لاستهموا عليه )) (2). # وروى البراء بن عازب عن رسول الله أنه قال: ((إن الله وملائكته يصلون على ~~الصف الأول ))(3). # وأراد أهل الصف الأول. والصلاة من الله تعالى الرحمة ومن الملائكة ~~الدعاء، ويستحب أن يعتمد عن يمين الإمام لما روي البراء بن عازب قال: كان ~~يعجبنا عن يمين رسول الله لأنه كان يبدأ بمن عن يمينه فيسلم عليه. ويستحب ~~إذا وجد في الصف الأول فرجة أن يسدها لما روي عن الرسول أنه قال: ((أتموا ~~الصف الأول ))(4) PageV03P513 فإن كان نقص ففي المؤخر. ويستحب إذا كان النقص في الصف الأول أن يتمه؛ لما ~~روي عن الرسول أنه قال: ((من وصله وصله الله ومن قطعه قطعه الله )) (1). # فإن لم يجد في الصف الأول مدخلا فهل له أن يجذب رجلا من الصف يصلي معه أم ~~لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يستحب له أن يجذب ويستحب للمجذوب أن ينجذب فإنه أفضل ~~له، وهذا هو رأي الهادي واختاره السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب، ~~ومحكي عن الشافعي والمحاملي من أصحابه وقول محمد بن الحسن. # والحجة على هذا:ما روى وابصة بن معبد(2) # عن رسول الله أنه صلى رجل خلفه فقام وحده في الصف فلما قضى رسول الله ~~صلاته نظر فقال: ((يا مصل وحده هلا كنت دخلت في الصف فإن لم تجد سعة أخذت ~~بيد رجل فأخرجته إليك))(3). # المذهب الثاني: أنه يكره له الجذب، وهذا هو رأي أبي حنيفة ومالك والمنصوص ~~في البويطي. # والحجة على هذا: ما روى أنس بن مالك عن رسول ms1377 الله أنه قال: ((أتموا الصف ~~الأول فإن كان نقص ففي المؤخر )). # والمختار هاهنا: كراهة الجذب لأمرين: # أما أولا: فلأنه يؤدي إلى نقصان الصف الأول وخرمه، وهو منهي عنه كما ورد ~~في حديث أنس. PageV03P514 # وأما ثانيا: فلما فيه من حرمان المجذوب لفضل الصف الأول، وقد ورد فيه من ~~الفضل ما ذكرناه من قبل فلا وجه له. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: حديث وابصة دال على استحباب الجذب فلهذا كان هو الأفضل. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فإنه محمول على أن المجذوب لم يكن قد دخل في الصف وإنما أراد ~~الدخول فجذبه يصلي معه. # وأما ثانيا: فلأنه معارض بما رويناه من النهي عن خرم الصف الأول ونقصه، ~~وإذا تعارضا وجب الترجيح، ولا شك أن الأحاديث الواردة في فضل الأول أظهر ~~وأشهر فلهذا كان التعويل عليها. # الفرع الرابع: فإن صلى خلف الصف منفردا فهل تكون صلاته مجزية أم لا؟ فيه ~~مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه إذا صلى منفردا خلف الصف من عذر بطلت صلاته، وهذا هو ~~الذي نصه الهادي في (الأحكام) واختاره السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو ~~طالب، وهو رأي الناصر ومحكي عن الثوري وحماد وإبراهيم النخعي وأحمد بن حنبل ~~وابن أبي ليلى. # والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أن ~~الرسول رأى رجلا صلى خلف الصف فلما انصرف قال له رسول الله : ((هكذا صليت ~~وحدك ليس معك أحد " ))؟ قال: نعم. فقال له: ((قم فأعد الصلاتك))(1). # الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا صلاة لمن يصلي خلف الصف ~~وحده ))(2). # المذهب الثاني: أنها تكره وتكون مجزية،وهذا هو الذي ذكره أبو العباس، وهو ~~محكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومروي عن عطاء. # والحجة على هذا: ما روي أن أبا بكر جاء ورسول الله راكع فركع وراء الصف ~~ثم مشى إلى الصف فقال له الرسول : ((زادك الله حرصا ولا تعد ))(3) PageV03P515 وقد كان افتتح الصلاة خلف الصف وحده من غير عذر ولم يأمره الرسول بالإعادة ms1378 ~~فدل ذلك على الإجزاء مع الكراهة حيث قال: ((لا تعد)). # المذهب الثالث: جواز الصلاة خلف الصف من غير عذر، وهذا هو قول مالك. # والحجة على هذا: هو أنه موقف للمصلي بدليل حديث ابن عباس حيث أداره من ~~خلفه وحديث أبي بكر حيث افتتح الصلاة وحده وصوبه الرسول على فعله، ومن جهة ~~أن وراء الصف موقف لمن صلى فجازت صلاته كما لو كان معه غيره. # والمختار: ما قاله أبو العباس من جواز الصلاة مع الكراهة. # والحجة على هذا: ما ذكرناه نصرة لكلام أبي العباس ونزيد هاهنا وهو أن ~~وراء الصف موقف مشروع؛ لما رويناه من حديث أمير المؤمنين كرم الله وجهه هو ~~والرجل الأنصاري حين أدارهما الرسول إلى ورآئه ولما كان من حديث ابن عباس ~~حين أدآره من ورآئه؛ ولما روي من حديث أبي بكر حين كبر منفردا عن الصف ثم ~~مشى إلى الصف، فهذه الأخبار كلها دالة على أن [وقوفه]وراء الصف منفردا موضع ~~مشروع للصلاة، وإذا كان الأمر كما قلناه كان ذلك على الإجزاء لما كان موقفا ~~مشروعا، وإنما قلنا بكونه مكروها لما روي من حديث أبي بكر حيث قال له : ~~((زادك الله حرصا ولا تعد)) فلما لم يأمره دل على الجواز، ولما قال له: ~~((لا تعد)) دل على الكراهة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه أن الرسول قال لمن صلى خلف الصف: ~~((هكذا صليت قم فأعد صلاتك )). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فإنه محمول على أنه أفسد صلاته من غير انفراده في الصف فلهذا ~~أمره بالإعادة. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبا رالتي رويناها فإنها ~~دالة على أن الموقف بعد الصف مشروع فلهذا قضينا بكونه جائزا. # قالوا: ما دل على جواز الصلاة خلف الصف من غير عذر مع الكراهة فهو بعينه ~~دال على جوازه من غير كراهة. PageV03P516 # قلنا: لولا ما ورد في حديث أبي بكر من قوله : ((زادك الله حرصا ولا تعد)). ~~لما قضينا بالكراهة لكن قوله هذا دال ms1379 على الكراهة فحصل من مجموع ما ذكرناه ~~هاهنا أنه تجوز الصلاة خلف الصف منفردا من أجل العذر وما هذا حاله فلا خلاف ~~فيه، والعذر إما ألا يجد موضعا في الصف، وإما بأن لا ينجذب أحد معه فيصلي ~~معه. وإن صلى من غير عذر فعلى رأي الهادي والسيدين صلاته باطلة، وعلى رأي ~~السيد أبي العباس تكره وتجزئ، وهو المختار كما قررناه، وإما أن تكون مجزية ~~من غير كراهة وهو رأي مالك، وقد ذكرنا هذه المذاهب بأدلتها فأغنى عن ~~تكريرها. # الفرع الخامس: وإن حضر مع الإمام صبي مراهق يعقل الصلاة كان موقفه عن ~~يمين الإمام لما رويناه من حديث ابن عباس فإنه أداره من عن يساره فدل ذلك ~~على أن موقفه وحده عن يمين الإمام كالرجل البالغ، وإن حضر مع الإمام رجل ~~وصبي مراهق ففيه؟ ففيه قولان: # القول الأول: أنهما يقفان خلف الإمام جميعا ويصح اصطفافهما خلفه ~~كالبالغين، وهذا هو الذي ذكره السيدان أبو العباس والمؤيد بالله، وهو رأي ~~أكثر الفقهاء لأن أبا العباس ذكر أن حكم الصبيان حكم الرجال في الموقف وعلى ~~هذا يكون موقف الصبي وحده مع الإمام عن يمينه والصبيين خلف الإمام كالرجال ~~البالغين؛ وهذا هو الذي ذكره الإمام المؤيد بالله في (الإفادة) فإنه قال: ~~ومن وقف معه صبي مراهق خلف الصف صح اصطفافهما وإن لم يكن معهما غيرهما؛ لأن ~~صلاة الصبي صحيحة وإن كانت تطوعا. # القول الثاني: يحكى عن المؤيد بالله أنه لا يكون صبي وبالغ صفا، وهو ~~الأقرب عندي لأن صلاة الصبي ليست صحيحة ولا هي صلاة في الحقيقة وإنما يؤمر ~~بها للتمرين والتعويد على الصحيح من مذهبه فإذا لم تكن صلاة فإنه لا يصح ~~اصطفافهما فصار كمن وقف وراء الصف وحده من غير عذر. # والمختار: ما ذكره في الإفادة وارتضاه أبو العباس للمذهب. PageV03P517 # والحجة على هذا: ما روى أنس بن مالك أنه قال صليت أنا ويتيم لنا خلف رسول ~~الله وأم سليم خلفنا. # الحجة الثانية: حديث ابن عباس رضي الله عنه فإن الرسول أداره إلى يمينه، ms1380 ~~فإذا كان موقف الصبي وحده مع الإمام عن يمينه كالبالغ كان موقفه مع البالغ ~~صفا وراء الإمام كالبالغين إذا كانا اثنين من غير فرق. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكره في غير (الإفادة) وهو رأيه الأخير، وهو ~~أن صلاة الصبي ليست بصلاة صحيحة وإنما هي فعل نؤمر بها على جهة التعويد ~~والتمرين. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الرسول قد جعل ابن عباس مصليا وإن كان صغيرا وأداره إلى ~~يمينه كما فعل مع الرجال البالغين. # وأما ثانيا: فلما روى أنس بن مالك من أن أنسا صار مع اليتيم صفا خلف ~~الرسول فهذان الخبران دالان على ما قلناه من صحة كون الصبي مع غيره صفا بعد ~~الإمام. قوله: إن صلاة الصبي ليست صلاة صحيحة. # قلنا: قد جعلها الرسول صلاة وجعل له حكم الموقف كالرجال سواء كانت صحيحة ~~أو غير صحيحة ولهذا نزله منزلة البالغين في أحكام الموقف. # ومن وجه آخر: وهو أن هذا مبني على صحة إسلام الصبي وهذا لا مانع منه فإنه ~~لا يمتنع أن يكمل الله عقله قبل انفصال النطفة منه وينظر في حدوث وثبوت ~~الصانع ويكون مؤاخذا بالإحكام العقلية كلها دون الأحكام الشرعية فقد جعل ~~الشرع لها حدا بإحدى العلامات الدالة على بلوغه ومع هذا التجويز تكون صلاته ~~صحيحة مكلفا بها عند الله تعالى. وإن حضر صبيان مع الإمام كان موقفهما بعده ~~صفا كالرجلين البالغين وإن حضر مع الإمام رجل وامرأة وقف الرجل عن يمين ~~الإمام والمرأة خلفهما وإن حضرت امرأة وحدها مع الإمام فلا صلاة لها مع ~~الإمام وحدها كما مر بيانه. والذي يدل على صحة المسألة الأولى حديث أنس ~~فإنه وقف عن يمين الرسول والمرأة خلفه والذي يدل على بطلان الثانية قوله : ~~((ألا لا يخلون أحدكم بامرأة فإن ثالثهما الشيطان )). PageV03P518 # الفرع السادس: وإن حضر مع الإمام خنثى لبسة وحدها لم تصل مع الرجل لجواز أن ~~تكون امرأة ولا يجوز وقوفها عن يمينه لتجويز كونها رجلا؛ لأن مخالفة ~~الإمرأة للموقف أشد من مخالفة الرجل؛ لأن المرأة إذا ms1381 وقفت على يمين الإمام ~~كانت معصية وإذا منعنا الرجل من صلاة الجماعة لم تكن معصية فافترقا. وإن ~~حضر مع الإمام رجل وصبي معا وخنثى فالرجل والصبي يكونان خلف الإمام والخنثى ~~بعدهما لجواز كونها امرأة وإن حضر صبي وحده وخنثى كان الصبي عن يمين الإمام ~~والخنثى وراءه لتجويز كونها امرأة، وإن حضر مع الإمام امرأة وخنثى لم تجز ~~الصلاة عندنا لجواز كون الخنثى امرأة فلا تجوز الصلاة بنساء لا رجل معهن، ~~وعلى رأي الشافعي تكون المرأة وراء الإمام والمرأة خلف الخنثى؛ لأنه تجوز ~~صلاة الإمام بنساء لا رجل معهن كما مر بيانه. وإن حضر رجال وصبيان يقدم ~~الرجال في الصف الأول ثم الصبيان بعدهم في صف آخر، وإن حضر مع الإمام رجال ~~وصبيان وحناثا ونساء يقدم الإمام على الرجال ثم الرجال على الصبيان ثم ~~الصبيان على الخناثا ثم الخناثا على النساء لجواز كون الخناثا ذكورا وإنما ~~قدمنا الرجال على الصبيان لقوله : ((ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)) (1). PageV03P519 # وعن أنس بن مالك أن الرسول كان يحب أن يليه المهاجرون والأنصار، وإنما ~~قدمنا الصبيان على الخناثا لإحتمال أن يكون الخناثا نساء وإنما قدمنا ~~الخناثا على النساء لاحتمال أن يكون الخناثا رجالا. # والصف الأول أفضل وميامنه أفضل لما قدمنا من حديث البراء بن عازب وعن ~~الرسول أنه قال: ((الصف الأول في صلاة الجماعة أفضل والصف الأخير في صلاة ~~الجنازة أفضل)). وإنما كان أفضل في صلاة الجماعة لما روي عن الرسول أنه ~~قال: ((لا صلاة إلى ميت ولا صلاة إلى متحدث ولا صلاة إلى حائض ولا صلاة إلى ~~قبر)). فكل هذه الأمور استقبالها مكروه. # وإن حضر مع الإمام رجل فصلى عن يمينه ثم جاء رجل آخر نظرت فإن كان قدام ~~الإمام واسعا وورآءه ضيق تقدم الإمام، وإن كان قدام الإمام ضيقا تأخرا خلفه ~~لأن المكان إذا كان واسعا كان الإمام أحق بالتقدم لأنه متبوع وإذا كان قدام ~~الإمام ضيقا كان أحق بالتأخر لأنهما تابعان. # الفرع السابع: والإعتبار في معرفة حكم الخنثى بالمبال لما روى ابن عباس ms1382 ~~عن الرسول أنه سئل عن مولود له قبل وذكر من أين يورث؟ فقال: ((من حيث يخرج ~~البول ))(1) # فإن خرج البول من الذكر فهو رجل وحكمه حكم الرجال وإن خرج من الفرج فهو ~~امرأة وحكمه حكم النساء وإن خرج منهما جميعا فهو خنثى لبسة فيكون له حكم ~~الرجال والنساء. # قال السيد أبو طالب: حكمه في باب العورات حكم النساء احتياطا للصلاة ~~ويعطى من الميراث نصف نصيب الذكر ونصف نصيب الأنثى كما سنوضحه في الفرائض ~~بمعونة الله واعتبار حكمه بالمثال هو رأي أئمة العترة، ومروي عن أمير ~~المؤمنين كرم الله وجهه ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه. وإن ~~خرج البول منهما جميعا فهل يعتبر الأكثر أم لا؟ فيه قولان: PageV03P520 # فالقول الأول: أنه لا عبرة بالكثرة، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي ~~حنيفة والشافعي؛ لأن الخبر لم يفصل بين الأقل والأكثر فلهذا لم يكن عليه تعويل. # القول الثاني: أنه يعتبر الأكثر، وهذا هو المحكي عن أبي يوسف ومحمد، من ~~جهة أن للكثرة غلبة في مجاري العادات فلا يمكن دفعه. وهل يعتبر السبق في ~~التمييز أم لا؟ فيه قولان: # القول الأول: أنه لا عبرة بالسبق. # والحجة على هذا: ما روى ابن عباس فإنه لم يفصل بين أن كون سابقا أو غير ~~سابق إذا كان خارجا منهما جميعا وهذا هو الظاهر من مذهب الأئمة والفقهاء. # القول الثاني: أن الإعتبار بالسبق فإذا سبق من أحدهما عمل عليه، وهذا هو ~~المحكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه رواه عنه جعفر بن محمد. # والمختار والانتصار له نذكره إذا ذكرنا ما يستحق من الميراث بمعونة الله، ~~وهذا القدر يكفي في هذا المحل. # الفرع الثامن: قال المؤيد بالله: وإن اصطف رجلان خلف الإمام وأحدهما ~~قاعدا وفاسق صحت صلاتهما؛ لأن القاعد مصل وهو معذور والفاسق فهو من أهل ~~الصلاة وفسقه لا يخرجه عن أن يكون من أهل الجماعات فلهذا صح اصطفافهما ~~خلفه، وأما المجبر ففيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الجبر كفر، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة ms1383 والأكثر ~~من المعتزلة الشيخين أبي علي وأبي هاشم وقاضي القضاة وغيرهم، والكافر ليس ~~من أهل الصلاة فلا يصح الاصطفاف معه. PageV03P521 # المذهب الثاني: أن الجبر ليس كفرا، وهذا هو رأي المؤيد بالله ومحكي عن ~~الشيخ أبي الحسين محمد بن علي البصري من المعتزلة، وإذا لم يكن كفرا صح ~~اصطفافه كغيره من المسلمين. وأقول قولا كليا: أن الجبر سواء كان كفرا أو ~~غير كفر فإنه يصح اصطفافه ويكون اصطفافه صحيحا؛ لأنه إذا كان ليس كفرا ~~فظاهر فإنه من جملة من يحكم بإسلامه مع الجبر ما لم يرتكب كبيرة توجب فسقه ~~وخروجه عن الإسلام، وأما إذا كان كفرا على رأي من يكفر بالجبر فإنما هو كفر ~~من جهة التأويل والمعنى أن المجبر مصدق بالله وبرسوله وباليوم الآخر مصل ~~إلى القبلة مقر بصدق القرآن وناكح على الشريعة وملتزم لأحكام الدين من ~~الصلاة والزكاة وسائر الأمور الشرعية والمعارف الدينية لكنه اعتقد اعتقادا ~~خطأ فأوجب إكفاره وهو منزه عن سائر الكبائر الفسقية فلا جرم قضينا بصحة ~~شهادته وقبول خبره وإن حكمه يخالف أحكام الكفار المصرحين بالكفر كاليهود ~~والنصارى والملاحدة فهذا هو المتوجه على رأي من يقول بإكفار المجبرة. فأما ~~نحن فلا نقول بإكفارهم ولا بفسقهم إلا أن يرتكبوا كبيرة توجب تفسيقهم فأما ~~مجرد الجبر فلا يوجب كفرا ولا فسقا اللهم إلا أن يجوز كفرا لا دليل عليه ~~ولا قائل به أو فسقا لا دليل عليه كما هو رأي المعتزلة لكن الكفر والفسق ~~اللذين لا دليل عليهما لا ثمرة لهما فلا حاجة إلى القول بهما ولا نكلف بما ~~كان عندالله تعالى. # الفرع السابع: والمتابعة واجبة على المأموم لإمامه لقوله : ((إنما جعل ~~الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا)). فإن تقدم المؤتم على ~~الإمام وصلى قدامه فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن صلاته باطلة بالتقدم عليه وهذا هو رأي أئمة العترة ~~ومحكي عن أبي حنيفة وقول الشافعي في الجديد. PageV03P522 # والحجة على هذا: هو أن المأخوذ على المأموم أن يكون وراء الإمام أو ms1384 مساويا ~~له، فأما أن يكون متقدما عليه فلا وإنما أوجبنا أن يكون وراءه فلما روى ~~جابر أنه قال جئت والرسول يصلي فقمت عن يساره فأدارني إلى يمينه فجاء جبار ~~بن صخر فدفعنا حتى أقامنا خلفه. وإنما أوجبنا أن يكون مساويا فلما روي عن ~~الرسول أنه قال: ((إذا كان اثنان فليقم أحدهما عن يمين الإمام )) (1). # ولم يفصل بين أن يكون متأخرا عنه أو مساويا له. # المذهب الثاني: أن صلاته جائزة مع التقدم، وهذا هو قول الشافعي في ~~القديم، ومحكي عن مالك وإسحاق وأبي ثور. # والحجة على هذا: هو أنه خالف سنة الموقف مع الإمام فوجب أن لا تمتنع ~~الصلاة كما لو وقف عن يسار الإمام وحده. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من بطلان الصلاة بالتقدم. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أنه وقف في موضع ليس موقفا لمؤتم على ~~حال فأشبه ما إذا وقف في موضع نجس. # فقولنا: بحال. نحترز به عمن يقف عن يسار الإمام وحده فإنه موقف على حال ~~ولهذا لم يكن مفسدا للصلاة كما قررناه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إنه خالف سنة الموقف مع الإمام فوجب القضاء بصحة صلاته كما لو صلى ~~عن يسار الإمام وحده. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المعنى في الأصل المقيس عليه كونه مساويا للإمام في ~~الموقف من غير تقدم عليه فلهذا جاز بخلاف ما نحن فيه فإنه قد تقدم عليه ~~فلهذا بطلت صلاته. # وأما ثانيا: فلأن التقدم على الإمام يبطل الإقتداء كما لو كان في موضع ~~نجس فافترقا. PageV03P523 # الفرع العاشر: وإذا صلى الإمام في المسجد الحرام إلى ناحية من نواحي الكعبة ~~فاستدار المؤتمون حوالي الكعبة، فإن من كان منهم في جهة الإمام وكان متقدما ~~عليه وأقرب إلى الكعبة من إمامه فإن صلاته تبطل كما قدمناه في المسألة ~~الأولى، وأما صلاة من كان أقرب إلى الكعبة من إمامه في غير جهة الإمام فهل ~~تكون صحيحة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها تكون غير صحيحة كالمسألة الأولى إذا كان ms1385 المأموم ~~متقدما على الإمام في غير المسجد الحرام، وهذا هو الذي اختاره الهادي، وهو ~~أحد قولي الشافعي، وبالغ الهادي في المنع من ذلك وقال: لو أمكنني الله من ~~الحرم لمنعت الناس من ذلك لما فيه من التقدم على الإمام في غير جهته والقرب ~~من الكعبة. # والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله تقدم على الإمام في غير جهته فلم تكن ~~الصلاة مجزية كما لو كان التقدم عليه في جهته. # المذهب الثاني: جواز الصلاة إذا كان التقدم في غير جهة الإمام بالقرب من ~~الكعبة وهذا هو المحكي عن القاسم واختاره السيد أبو العباس ورأي أبي حنيفة ~~والمنصوص للشافعي وارتضاه أصحابه لمذهبه. # والحجة على هذا: هو أن تقدم المأموم في غير جهة الإمام بحيث يكون بالقرب ~~من الكعبة، لا يكاد يضبط وتشق مراعاته فلهذا كان مغتفرا في صحة الصلاة مع ~~تقدم المأموم بخلاف ما إذا كان القرب من جهة الإمام فافترقا. # والمختار: ما قاله القاسم وارتضاه الناصر وأبو العباس من جواز الصلاة في ~~البيت المحرم إذا كان التقدم في غير جهة الإمام. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الصلاة في حوالي الكعبة مخالفة ~~لسائر الأماكن؛ لأنهم محدقون حوالي الكعبة مستقبلون لها فالقرب إليها لا ~~يكون تقدما على الإمام لما كان التقدم في خلاف جهته. PageV03P524 # الحجة الثانية: هي أن المأموم إذا كان في غير جهة الإمام فليس يكون بين ~~يديه فلهذا جازت الصلاة، وإن كان أقرب منه إلى الكعبة وإذا كان المأموم في ~~جهة الإمام كان بين يديه فلهذا بطلت صلاته فافترقا. # الحجة الثالثة: هو أن ما هذا حاله في البيت الحرام قد سكت عليه العلماء ~~من جهة الأقاليم والأقطار ورأوه وفعلوه من غير نكير منهم، وفي هنا دلالة ~~على تجويزه وأنه شائع لأجل سكوتهم وقد قال : ((ما رآه المسلمون حسنا فهو ~~عندالله حسن )). # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: المأموم متقدم على الإمام في غير جهته فلم تكن الصلاة مجزية كما ~~لو كان متقدما عليه في جهته. # قلنا: عن هذا ms1386 جوابان: # أما أولا: فالموجب لفساد الصلاة في جهة الإمام لما كان المأموم بين يديه ~~بخلاف ما لو كان في غير جهة الإمام فليس كائنا بين يديه فافترقا. # وأما ثانيا: فلما ذكرناه من مخالفة البيت الحرام لسائر الأماكن من ~~الإحداق بالبيت فلهذا لم يكن المأموم بين يدي الإمام. PageV03P525 # الفرع الحادي عشر: وإذا صلى المأموم بصلاة الإمام وهما جميعا في المسجد ~~فإنه يعتبر في صحة صلاة المأموم علمه بصلاة الإمام إما بأن يشاهده أو يكون ~~بحيث يسمع تكبيره أو من يكون مبلغا عنه، وسواء كان بين الإمام والمأموم قرب ~~أو بعد أو حائل من جدرات المسجد أو غير حائل فإن الإجماع منعقد على صحة هذه ~~الصلاة؛ لأن المسجد كله موضع للجماعة الواحدة، ولا يشترط في صحة هذه الصلاة ~~مشاهدة الإمام في المسجد؛ لأن ذلك غير ممكن في أكثر الأحوال لكثرة الناس ~~خاصة في جوامع المدن والأمصار وهكذا يكون الحكم إذا صلى في رحبة المسجد؛ ~~لأنها من جملة المسجد وإن صلى على سطح المسجد بصلاة الإمام في قعر المسجد ~~جاز ذلك لما روي أن أبا هريرة صلى على سطح المسجد بصلاة الإمام في قراره ~~ولأن سطح المسجد كقراراه في الحرمة ولهذا فإن الجنب لا يجوز له القعود فيه ~~واللبث كما لا يجوز ذلك في قراره ولأن أكثر ما يقال فيه الحيلولة بينه وبين ~~الإمام بالسقف ومثل هذا غير مانع فإن الحيلولة في المسجد غير مانعة ~~بالجدرات في قرار المسجد، فإذا صحت الصلاة في السطح كما أشرنا إليه فينبغي ~~أن يكون موقف المأموم وراء الإمام كما لو كان مصليا في قراره فإن وقف ~~المأموم بحذاء رأس الإمام كره ذلك وأجزأه؛ لأن أكثر ما فيه المساواة وهي ~~مغتفرة كما لو كان عن يمينه وإن وقف قدام الإمام بحيث يكون سابقا له لم تصح ~~صلاته لأنه يكون غير مقتد به فلهذا كانت الصلاة باطلة كما لو تقدمه في قرار ~~المسجد وإن كان سطح المسجد مملوكا بأن يكون قرار المسجد وجدراته وأساطينه ~~مسبلة وجاء رجل آخر فسقفه ms1387 ولم يسبل سقفه فصلى عليه مصل مؤتما بالإمام في ~~قراره لم تصح صلاته لأنه إذا كان مملوكا فليس من جملة المسجد. PageV03P526 # الفرع الثاني عشر: وإذا صلى المؤتم بصلاة الإمام خارج المسجد ولم يكن بين ~~الإمام والمأموم حائل يمنع من الرؤية والمشاهدة فإن لم يكن للمسجد حائط أو ~~كان له حائط قصير أو وقف المأموم بحذاء الباب والباب مفتوح جازت الصلاة ~~لأنه لا مسافة بين الإمام والمأموم تكون قاطعة للائتمام فلهذا جازت الصلاة ~~كما لو كان المؤتم داخل المسجد، وإن كان بين المؤتم وبين الإمام الذي يكون ~~داخل المسجد مسافة قريبة صحت الصلاة؛ لأن القريبة لا تكون مانعة من ~~الائتمام، وإن كانت بعيدة منعت الائتمام؛ لأن البعد يقطع الإئتمام وإن كانت ~~المسافة البعيدة مانعة والقريبة غير مانعة فلابد من التفرقة بين المسافتين، ~~والتفرقة بين المسافتين فيها مذهبان: # المذهب الأول: أن مقدار المسافة القريبة قدر القامة وهو مقدار ما بين ~~الصفوف والمسافة البعيدة ما فوق ذلك، وهذا هو رأي أئمة العترة وعليه ~~الاعتماد لظاهر المذهب. # والحجة على هذا: قوله : ((ليلني منكم أولو الأحلام والنهى )). وأراد في ~~القرب والدنو منه في حال الصلاة ولن يكون إلا بما ذكرناه من القرب في ~~المسافة، فأما ما زاد على ذلك فهي مسافة بعيدة لا تغتفر في الإئتمام ~~للصلاة، ويؤيد ما ذكرناه أن كل أمر فله طرفان ووسط: # فالطرف الأول: أن يكون الإمام والمأموم في غاية البعد بحيث لا يرى أحدهما ~~صاحبه، وهذا لا قائل به ولا يعقل معه الائتمام. # والطرف الثاني: في غاية القرب والملاصقة بحيث لا حائل بينهما، وهذا غير ~~معتبر بالاتفاق وهذان الطرفان لا يعتبر بهما. # والوسط بينهما: هو المعتمد والمعول عليه وهو ما ذكرناه من تقدير القامة، ~~وهو أقرب ما يكون وأخصر ولكونه مختصا بالصلاة فلهذا كان الاعتماد عليه في ~~مقدار المسافة القريبة والبعيدة كما ترى. # المذهب الثاني: أن مقدار المسافة القريبة المغتفرة بين الإمام والمأموم ~~تكون ثلاثمائة ذراع والمسافة البعيدة ما زاد على ذلك، وهذا هو رأي الشافعي. PageV03P527 # والحجة على هذا: ما ms1388 نذكره عنه واختلف أصحابه في مأخذه في التفرقة بين ~~المسافة القريبة والبعيدة وذكروا له مأخذين: # المأخذ الأول: ذكره ابن سريج وأنه أخذه من صلاة الخوف، وهو أن الرسول ~~أحرم بطائفة فصلى بهم ركعة وفي رواية ابن عمر أن هذه الطائفة مضت إلى وجه ~~العدو وهي في الصلاة وكان بين الرسول وبينها مقدار ثلاثمائة ذراع ولأنهم ~~إنما يحرسون المسلمين من وقع السهام لأنها أبعد وقعا من جميع الأسلحة وأكثر ~~ما يبلغ السهم ثلاثمائة ذراع. # المأخذ الثاني: ذكره ابن الوكيل(1) # وهو أن الشافعي إنما أخذه من عرف الناس وعادتهم وهذا هو منصوص الشافعي ~~واختيار ابن الصباغ صاحب (الشامل)، وهل يكون هذا التقدير تحديدا أو تقريبا؟ ~~فإن قلنا: يكون تحديدا لم يزد فيه ولا ينقص فتكون المسافة القريبة ثلاثمائة ~~ذراع من غير زيادة ولا نقصان والمسافة البعيدة ما زاد على ذلك، وإن قلنا: ~~أنه تقريب فإن زاد [بعيده]على ذلك قليلا لم يضر في المسافة القريبة وإن زاد ~~زيادة كبيرة فهي مسافة. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من تقدير المسافة القريبة بقدر ~~القامة والمسافة البعيدة بما زاد على ذلك. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ونزيد هاهنا وهو أن الأصل في كل بعد عن الإمام أن يكون ~~مانعا عن الائتمام لأجل الإنفصال والمباينة ولم يدل الشرع إلا على ما قلناه ~~فلهذا وجب التعويل عليه. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: أخذناه إما من صلاة الخوف وإما من العرف والعادة وكلاهما صحيح ~~يعول عليه في قرب المسافة وبعدها. PageV03P528 # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أن الطائفة الأولى مضت بعد صلاتها ركعة مع الرسول وهي ~~مصلية أصلا وإنما مضت في مقابلة العدو بعد إتمامها ركعة لنفسها وركعة مع ~~الرسول . # وأما ثانيا: فلأن العرف والعادة معيار مضطرب تختلف فيه الأحوال وما هذا ~~حاله فلا يجعل معيارا في المسافة البعيدة والقريبة في الإئتمام للصلاة فحصل ~~من مجموع ما ذكرناه أنه لابد من اعتبار أمرين في صحة صلاة المأموم: # أحدهما: المسافة القريبة. # وثانيهما: أن يكون المأموم عالما بالإمام وأن يكون ms1389 مشاهدا له، والإجماع ~~منعقد على ذلك من جهة العلماء أئمة العترة وأكثر الفقهاء. # وأما ما يحكى عن عطاء فإنه قال: إذا كان المأموم عالما بالإمام صحت ~~الصلاة وإن كان على مسافة بعيدة فهذا لا وجه له لأمرين: # أما أولا: فلما ذكرناه من الإجماع فلا حاجة إلى مخالفته. # وأما ثانيا: فلأن المسافة البعيدة تقطع الإئتمام كما شرحناه. # الفرع الثالث عشر: وتعتبر المسافة من حائط المسجد، وعلى هذا لو وقف ~~الإمام في محراب المسجد ومساحته تكون ألف ذراع أو أكثر من هذا ثم وقف صف ~~خارج المسجد بينه وبين حائط المسجد مقدار القامة فما دونها وهم عالمون ~~بصلاة الإمام صحت صلاتهم، وإن كان أكثر من ذلك بطلت صلاتهم؛ لأن ما دون ~~القامة مسافة قريبة فلهذا صحت صلاتهم وما فوق ذلك مسافة بعيدة فلهذا بطلت ~~الصلاة ويأتي على ما قاله الشافعي إن كان بينهم وبين حائط المسجد ثلاثمائة ~~ذراع صحت صلاتهم، وإن كان أكثر من ذلك بطلت الصلاة. # ومساحة المسجد فلا عبرة بها في البعد، وإن كانت كثيرة؛ لأن المسجد كله ~~موضع للجماعة فهو كالبقعة الواحدة القريبة. وإن كان بين الإمام والمأموم ~~حائط المسجد فهل تكون الصلاة مجزية أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن الحائط غير مانع لصحة الائتمام في داخل المسجد فلهذا لم يكن ~~مانعا صحة الائتمام لمن هو خارج المسجد. PageV03P529 # وثانيهما: أنه مانع لأن هذا الحائط إنما بني من أجل الفصل بين المسجد وغيره ~~فأشبه حائط غير المسجد. # والمختار: هو الأول لأن حائط المسجد من جملة المسجد فإذا صلى الصف وراء ~~الحائط جازت الصلاة إذا كانوا ملاصقين للجدار وكان بينهم وبين الجدار قدر ~~القامة فما دونها، وإن كان أكبر من القامة لم تجز الصلاة؛ لما قررناه من ~~قبل ولأن الجدار متصل بالمسجد كاتصال رحبة المسجد فلما جازت الصلاة في ~~الرحبة جازت الصلاة في الجهة التي وراء الحائط، وإن كان بين الإمام ~~والمأمومين حائل يمنع الدخول ولا يمنع من مشاهدة الإمام كالجدار الذي فيه ~~الشباك فهل يكون مانعا للائتمام أم لا؟ فيه ms1390 وجهان: # أحدهما: أنه مانع للدخول فهو كالحائط. # وثانيهما: أنه غير مانع لأنه لا يمنع المشاهدة. # والمختار: أنه غير مانع لما ذكرناه في الجدار فإنه إذا كان غير مانع مع ~~أنه لا مشاهدة فيه فهكذا حال الجدار الذي لا يمنع المشاهدة بل هو أحق لعدم ~~المنع لأجل المشاهدة. وإذا كان لرجل دار بجنب المسجد وحائط المسجد هو حائط ~~الدار جاز لصاحب الدار أن يصلي مع غيره في بيته بصلاة الإمام في المسجد إذا ~~علم بصلاة الإمام. هذا كله إذا كان الإمام حاصلا في المسجد يكون الكلام في ~~الائتمام على ما قررناه. # الفرع الرابع عشر: في حكم الإمام إذا كان مصليا في الصحراء فإن الإمام ~~للصف الأول كالمسجد للصف الأول خارج المسجد إذا كان الإمام يصلي في المسجد ~~فإن وقفوا من الإمام على مقدار القامة فما دونها فصلاتهم مجزية، وهكذا لو ~~وقف بعدهم صف بينهم وبين الصف الأول قدر القامة جاز ذلك، وهكذا الكلام في ~~الثالث والرابع يكون الكلام فيه ما ذكرناه من قدر المسافة بين الصفين. PageV03P530 # قال أحمد بن يحيى في المفرد: وإذا كان الإمام من أهل الدين واصطف ورآءه قوم ~~مخالفون ثم اصطف بعدهم أهل الدين لم تفسد صلاتهم وأراد بقوله: قوم مخالفون. ~~يعني من أهل الجبر والتشبيه ممن يكون كفره من جهة التأويل كالذين ذكرناهم ~~أو من يكون فاسقا من جهة التأويل كالخوارج وغيرهم فإنه ليس هاهنا إلا أنهم ~~تخللوا فيما بين الصفين أو فيما بين الإمام والمأموم وذلك مما لا يطرق خللا ~~ولا نقصا في صلاة من خلفهم، ولا يمكن أن يقال: إنهم غير مصلين وأن صلاتهم ~~كلا صلاة فإن صلاة هؤلاء مسقطة لفرضهم عن ذممهم ولهذا فإنهم لو تابوا عن ~~هذه الاعتقادات لم يتوجه عليهم قضاء الصلاة وأخبارهم مقبولة وشهاداتهم. ~~فقول من قال من محصلي مذهبنا: أنهم غير مصلين. لا وجه له لما ذكرناه ولكن ~~يقال: إنهم مصلون معتقدون بهذه الاعتقادات التي توجب إكفارهم على رأي من ~~أكفرهم بها فلا يضر من صلى خلفهم في صلاتهم ولا ms1391 ينزلون منزلة البهائم فإنهم ~~من جملة المعتقدين للشريعة العالمين بها المكلفين بأحكامها فكيف يقال: ~~بأنهم بمنزلة البهائم. وإن اصطف رجلان خلف الإمام وأحدهما محدث صحت صلاة ~~المتوضي؛ لأن حدثه ليس بأبلغ من أن لا يكون مصليا والصلاة منعقدة، وإن لم ~~يكن مصليا إذا كبر قبل تكبيره فهكذا هاهنا تنعقد الصلاة به وإن كان محدثا. PageV03P531 # الفرع الخامس عشر: وإذا صلى الإمام في سفينة والمأمومون في سفينة أخرى نظرت ~~فإن كان بينهما حائل يمنع من المشاهدة لأحوال الإمام بطل الاقتداء كالجدار ~~الحائل في الصحراء، وإن لم يكن بينهما حائل نظرت فإن كانت سفينة المؤتمين ~~متقدمة على سفينة الإمام بطل الإقتداء بالتقدم كما مر بيانه، وإن لم تكن ~~متقدمة نظرت، فإن كانتا متصلتين صحت الصلاة؛ لأنه لا حائل بينهما، وإن ~~كانتا منفصلتين نظرت فإن كان الفصل مقدار القامة أو أقل صحت الصلاة؛ لأن ما ~~هذا حاله مغتفر في البعد كما قررناه من قبل، وإن كان أكثر من ذلك بطل ~~الاقتداء وسواء كانت الريح زعزعا أو رخاء(1) # في صحة الائتمام على الوجه الذي ذكرناه، وحكي عن أبي حنيفة وأبي سعيد ~~الأصطخري من أصحاب الشافعي: أن الماء يمنع الاقتداء وهذا لا وجه له فإن ~~الماء لا يراد للحيلولة وإنما يراد للمنفعة فهو كجدار المسجد. # قال محمد بن يحيى: والنهر يكون مانعا من صحة الإئتمام وإنما يكون مانعا ~~بشرطين: PageV03P532 # الشرط الأول: أن يكون النهر واسعا بحيث تجري فيه السفن وهذا نحو دجلة ~~والفرات وسيحون وجيحون(1) # فإن هذه الأنهار يعبر فيها بالسفن الصغار والقناطر، وعلى هذا إذا كانت ~~حائلة بين الإمام والمؤتمين فإنها تكون مانعة من الائتمام، فإن صلى ~~المؤتمون والحال هذه بطلت صلاتهم وصحت صلاة الإمام فأما إذا كان النهر ضيقا ~~بحيث يكون سمكه مقدار القامة أو دونها فإنه لا يكون مانعا عن صحة الائتمام ~~ولو كان الماء جاريا فيه بحيث يكون حائلا بين الإمام والمؤتمين. # الشرط الثاني: أن النهر إنما يكون مانعا إذا لم تكن الصفوف متصلة. # واعلم أن اتصال الصفوف يطلق في لسان الفقهاء ms1392 وله معنيان: # المعنى الأول: وهو الأكثر في الإطلاق أن يكون في الطريق والشارع والنهر ~~ناس يصلون فإذا كان الأمر هكذا فإن هذه الأمور غير مانعة من صحة الإئتمام ~~لأجل اتصال الصفوف؛ لأنه لا حيلولة بالبعد مع اتصالها فلهذا كانت جائزة. # المعنى الثاني: أن يطلق ويراد به أن يكون بين المصلي والإمام مسافة قريبة ~~مثل قامة المصلي فما دونها فهذان المعنيان يكون البعد مانعا من الائتمام ~~باعتبارهما. PageV03P533 # الفرع السادس عشر: في الطريق هل تكون مانعة من صحة الائتمام أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنها مانعة من صحة الائتمام، وهذا هو رأي القاسم نص عليه ~~في مسائل عبدالله بن الحسن وارتضاه السيدان الأخوان للمذهب، وإنما تكون ~~مانعة من صحة الائتمام بشرط أن تكون واسعة بحيث تكون مساحتها أكثر من قدر ~~القامة فإن كانت مساحتها دون القامة أو قدر القامة فإنها لا تكون مانعة ~~سواء كانت مسلوكة أو غير مسلوكة؛ لأن الاعتبار إنما هو بالبعد دون السلوك ~~والإستطراق فإنهما لا يعتمدان بحال. # والحجة على هذا: قوله : ((لا جمعة لمن يصلي في الرحبة ))(1). # ووجه الاستدلال بالخبر: هو أنه لا خلاف أن الرحبة إذا كانت من جملة ~~المسجد أو لم يفصل بينها وبين الإمام طريق أو يكون بينها وبين الإمام أقل ~~من قدر القامة فإن الصلاة فيها مجزية، فإذا المراد إذا كان بينه وبينها ~~طريق سائلة واسعة. # المذهب الثاني: أن الطريق غير مانعة سواء كانت واسعة أو ضيقة أو كانت ~~الصفوف متصلة أو غير متصلة، وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)). ولم يفصل بين أن ~~تكون الطريق فاصلة أو غير فاصلة ولأنه من الإمام على مسافة يسيرة لا حائل ~~بينهما فأشبه ما إذا لم يكن بينهما طريق. # والمختار: تفصيل نشير إليه وهو أن الطريق ليست مانعة لكونها طريقا ولهذا ~~يستوي الحال فيها سواء سقط المرور عنها أو لم يسقط، وإنما الاعتبار بكونها ~~مسافة بعيدة عن الإمام ولهذا فإنها لو كانت قريبة لم تكن مانعة كما قررناه ~~من ms1393 قبل وكل على أصله، فعندنا أنها إذا كانت قامة أودونها لم تكن مانعة وإن ~~كانت أكثر من ذلك كانت مانعة، والشافعي المسافة القصيرة عنده ثلاثمائة ذراع ~~والمانعة ما فوق ذلك. # الانتصار: يكون بالجواب على أوردوه. PageV03P534 # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)). # قلنا:عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ظاهر هذا الخبر متروك لأنه قد خرج عنه المزبلة والمجزرة ~~وغيرهما فإذا خرجت هذه بدلالة أخرجنا الطريق الواسعة بدلالة التي تكون ~~حائلة بين الإمام والمأموم. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الخبر وإذا تعارضا فلابد ~~من ترجيح أحدهما ولا شك أن خبرنا أرجح لأنه حاظر وخبركم مبيح وإذا تعارض ~~الحظر والإباحة كان ما دل على الحظر أولى بالعمل لأنه أحوط للدين. # قالوا: ولأن المأموم على مسافة يسيرة لا حائل بينهما فأشبه ما إذا لم تكن ~~بينهما طريق. # قلنا: نحن نقول بموجب هذا القياس فإنا نسلم أن المسافة بين الإمام ~~والمأموم إذا كانت يسيرة جازت الصلاة ولكنا لانسلم ما ذكرتموه من المسافة ~~فإن المسافة القصيرة القامة فما دونها وعندكم أن المسافة القصيرة ثلاثمائة ~~ذراع، فإذا الخلاف راجع بيننا إلى مقدار المسافة وقد قررنا فيما سبق أنه لا ~~يغتفر البعد بين الصفين في غير المساجد ولا بين الإمام والمأموم إلا مقدار ~~القامة فما دونها فأغنى عن الإعادة. # الفرع السابع عشر:في حكم الإمام إذا صلى في موضع مرتفع أو منخفض. وفيه ~~مذاهب أربعة: # المذهب الأول: محكي عن الهادي وعنه روايتان: # الرواية الأولى: ذكرها في (المنتخب) وهي أن صلاته تبطل إذا كان الإمام في ~~موضع مرتفع وهم في موضع منخفض أو كانوا في موضع مرتفع والإمام في موضع ~~منخفض فإنه قال: فإن صلى بقوم هم في الأرض وهو فوق سطح أو كان في الأرض وهم ~~على سطح أعادوا دونه؛ لأنه تحتهم أو فوقهم لا أمامهم وهم وراءه. # والحجة على هذا: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). وفائدة هذا الخبر: ~~المتابعة للإمام في أقواله وأفعاله ولن يكون هكذا إلا وهو ms1394 متقدم عليهم وهم ~~خلفه حتى تعقل المتابعة؛ فإذا كان مرتفعا أو منخفضا لم تعقل المتابعة فلهذا ~~بطلت صلاتهم لأجل بطلان الاقتداء. PageV03P535 # المذهب الثاني: أن الإمام إذا كان أسفل كره وإن كان في موضع مرتفع فإن كان ~~ارتفاعه فوق القامة بطل الاقتداء وبطلت صلاتهم، وإن كان [مقدار] القامة فما ~~دونها جازت الصلاة، وهذا هو الذي حصله السيدان الأخوان للمذهب. # والحجة على هذا: هي أن الإمام إذا كان أسفل فهم تابعون له ومتوجهون إليه ~~فلهذا لم تكن صلاتهم باطلة، فأما إذا كان الإمام في مكان مرتفع فوق القامة ~~فإنه يبطل التوجه إليه لارتفاعه فلهذا بطلت صلاتهم، وإن كان دون ذلك جازت ~~صلاتهم وهذا كله أعني ارتفاع الإمام وانخفاضه إذا كانت المسافة بينهم قريبة ~~فأما إذا كانت بعيدة على ما ذكرناه في حد البعيدة والقريبة فإن الصلاة تبطل ~~مع البعد في المسافة كما حققناه. # المذهب الثالث: التفرقة بين المسجد وغيره، وهذا هو رأي الشافعي فإنه قال: ~~إذا صلى الرجل في علو الدار بصلاة الإمام في المسجد فإنه لا تجزيه بحال، ~~وإن كانوا يرون من في الصحن لأن الدار نائية من المسجد وليس بينهما قرار ~~يمكن اتصال الصفوف به؛ لأن الصف لا يتصل إلى فوق وإنما يتصل بالقرار هذا نص ~~الشافعي. # وقال صاحب (الإيضاح): ومن كان على الصفا والمروة وعلى جبل أبي قبيس(1) PageV03P536 يصلي بصلاة الإمام في المسجد فإن صلاته صحيحة وإن كان أعلى منه؛ لأن ذلك ~~متصل بالقرار، وقد يكون القرار مستعليا ومستقلا ومستويا وليس كذلك سطح ~~الدار فإنه ليس من القرار والصف غير متصل، فإن صلى رجل على سطح الدار بصلاة ~~الإمام في الدار في صحنها لم تصح صلاته؛ لأن بينهما حائلا يمنع المشاهدة ~~والاستطراق. والتفرقة بينه وبين المسجد أن المسجد يبنى كله للصلاة وسطحه ~~منه وليس كذلك الدار؛ لأن سطحها بني للحائل ولم يبن للصلاة فحاصل كلام ~~الشافعي أن الإمام إذا كان أسفل، فإن كان المأموم بحيث تتصل الصفوف صحت ~~الصلاة كالأمكنة المستوية، وإن كان المأموم في سطح الدار والإمام في ms1395 المسجد ~~أو في قرار الدار بطلت الصلاة لأنه لا يمكن إتصال الصفوف إلى أعلى. ولم أقف ~~على مذهبه إذا كان الإمام في موضع عال والمأموم أسفل منه خلا أنه قال: ~~أختار للإمام أن يعلم من خلفه الصلاة أو يصلي في موضع مرتفع ليراه من ~~وراءه، فكلامه هذا دال على أن ارتفاع الإمام يخالف انخفاضه وأن ارتفاعه ~~مستحب ولم يذكر ما ذكره السيدان من اعتبار القامة أو فوقها في الصحة ~~والفساد. # المذهب الرابع: محكي عن أبي حنيفة، وهو أنه يكره ارتفاع الإمام وانخفاضه ~~ولا تبطل صلاة المؤتمين في الحالين. # والحجة على هذا: هو أن المأخوذ على المأمومين المتابعة للإمام سواء كان ~~مرتفعا أو منخفضا في الإجزاء لكن الإستحباب أن يكون مقامهم واحدا فإذا ~~اختلف الحال كره لهم ذلك. # والمختار: ما قاله السيدان الأخوان وحصلاه للمذهب وهو أعدل المذاهب وهو ~~الكراهة إذا كان الإمام أسفل لأن التوجه باق إليه بكل حال، وهذا بشرط أن ~~تكون المسافة قريبة فأما إذا كانت بعيدة مع الإنخفاض بطلت الصلاة، فأما إذا ~~كان الإمام في موضع مرتفع فإن كان قدر القامة أو ما دونها صح الائتمام لأجل ~~ثبوت المواجهة، وإن كان فوق القامة بطلت الصلاة لبطلان المواجهة. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. PageV03P537 # قالوا: نص الهادي في المنتخب على بطلان الصلاة في الحالين جميعا للمؤتمين ~~دون إمامهم. # قلنا: هذا محمول على ما إذا كانت المسافة بين الإمام والمؤتمين بعيدة ~~فلهذا بطل الائتمام سواء كان الإمام مرتفعا أو منخفضا. # قالوا: حكي عن الشافعي التفرقة بين المسجد وغيره فإذا كان الإمام في ~~المسجد والمؤتمون أعلى منه صح الإئتمام إذا كان على حالة تتصل به الصفوف ~~فأما إذا كان لا تتصل به الصفوف بطلت الصلاة. # قلنا: قد أوضحنا أنه لا فرق بين ارتفاع الإمام وانخفاضه إذا كانت المسافة ~~قريبة بينه وبين المؤتمين وسوءا كان في مسجد أو في غيره فلا وجه للتفرقة ~~بين المسجد وغيره مع كون الحال ما ذكرناه من قرب المسافة. والشافعي يذهب ~~إلى أن الإمام إذا كان في ms1396 مسجد وبينه وبين المؤتمين ثلاثمائة ذراع صحت ~~الصلاة ونحن لا نقول بهذه المقالة لأنها مسافة بعيدة والبعد يقطع الصلاة ~~والائتمام بالإمام. # قالوا: حكي عن أبي حنيفة أنه يقول بصحة الصلاة في ارتفاع الإمام وانخفاضه ~~لكنه يكره لأجل المخالفة بينه وبين المؤتمين. # قلنا: هذا مسلم مع اعتبار قرب المسافة في الانخفاض للإمام فأما مع ارتفاع ~~الإمام وعلوه فلا نسلم الكراهة [إلا] إذا كان ارتفاعه فوق قدر القامة ~~[فإنه] يكون مبطلا للإمام لبطلان المواجهة فأما الانخفاض فلا كراهة فيه مع ~~قرب المسافة لأن المواجهة حاصلة بين الإمام والمؤتمين. # الفرع الثامن عشر: وإذا كان بين الإمام والمؤتمين شارع أو سكة فهل تجوز ~~الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الشارع والسكة مانعان من الإقتداء إلا أن تتصل الصفوف، ~~وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة ورأي المسعودي من أصحاب ~~الشافعي. # والحجة على هذا: ما ذكرناه من قوله : ((لا جمعة لمن يصلي في الرحبة)) (1). PageV03P538 # ولا وجه لذلك إلا البعد، وقلنا: إلا أن تتصل الصفوف فإن اتصلت الصفوف جاز ~~ذلك والمراد أن يكون عرض الشارع أو السكة قدر ما بين الصفوف أو تكون أكثر ~~من ذلك ولكن يكون بعض الصفوف واقفا على الطريق والشارع أو السكة، فعلى هذا ~~إن قلنا أن من وقف على السكة أو الشارع فصلاته باطلة فإنه يمنع من بطلان ~~صلاة من ورآءه من الصفوف، وأما إذا كانت المسافة بعيدة وهي أن تكون فوق ~~المعتاد بين الصفين من قدر القامة فإنه يوجب البطلان لأجل البعد سواء كان ~~الناس يسلكونه أو لايسلكونه بل قد سقط عنه المرور. # المذهب الثاني: جواز الصلاة خلف الشارع والسكة وهذا هو نقل أهل بغداد عن ~~الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن بين الإمام والمأموم مسافة يسيرة لا حائل بينهما ~~فأشبه ما إذا لم يكن هناك شارع ولا سكة. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الشارع والسكة إنما تكون مانعة عن ~~الائتمام بشرطين: # أحدهما: أن يكون عرض الشارع كبيرا ms1397 يزيد على قدر القامة فإن كان دون ذلك ~~لم يكن حائلا بين الإمام والمأموم. # وثانيهما: أنه إذا كان زائدا على قدر القامة وكان فيه من يصلي لم يكن ~~مانعا فإن ما زاد على قدر ما يكون بين الصفوف بطل الإئتمام وكان قاطعا لما ~~ذكرناه من البعد. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: المأموم من الإمام على مسافة قريبة فلا يكون مانعا من الإئتمام. # قلنا: إن كانت المسافة مقدار القامة فهذا غير مانع، وإن كانت المسافة على ~~ما يراه الشافعي، وهي مقدار ثلاثمائة ذراع فما هذا حاله يكون مسافة بعيدة ~~فيكون مانعا عن الائتمام كما أوضحناه من قبل. PageV03P539 # الفرع التاسع عشر: ومن صلى في قرار داره أو دار غيره وباب الدار مفتوح يرى ~~منه الإمام في المسجد والمصلين نظرت، فإن كانت الدار قريبة من المسجد ~~علىمسافة قريبة مثل ما بين المصلين في الصفوف جازت الصلاة وجاز الائتمام، ~~وإن كان بينهما أكثر من ذلك نظرت، فإن اتصلت الصفوف على معنى أن بعض الصفوف ~~في قدر هذه المسافة صحت الصلاة والائتمام، وإن كانت المسافة بعيدة تزيد على ~~قدر إتصال الصفوف بطلت صلاة المؤتمين لأجل البعد المتفاوت، ويستحب لمن أراد ~~أن يعلم الناس أمور الصلاة وأحكامها أن يكون على نشز من الأرض لما روي عن ~~سهل بن سعد الساعدي أن الرسول صلى بنا وهو على المنبر ثم رجع القهقرى حتى ~~نزل فسجد ثم رقى إلى المنبر فلما فرغ قال: ((إنما فعلت ذلك لتأتموا بي ~~وتعلموا صلاتي )) (1). # وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ويكره أن يصلي على نشز من الأرض ~~لغير التعليم لما روي أن سلمان الفارسي وأبا سعيد الخدري قدما على حذيفة ~~بالمدائن وعنده أسامة فصلى بهم حذيفة على نشز من الأرض أنشز مما هم عليه ~~فأخذ سلمان بضبعه حتى أنزله فلما نزل قال له سلمان: سمعت رسول الله يقول: ~~((لا يصلي إمام القوم على أنشز مما هم عليه ))(2). PageV03P540 # فقال أبو سعيد الخدري وأسامة صدق، ويستحب لمن رأى ذلك أن يغيره وينكره لما ~~روي ms1398 أن عمار بن ياسر كان بالمدائن فتقدم عمار على دكان رقى عليه يصلي ~~والناس أسفل منه يصلون بصلاته فقدم حذيفة فأخذ بيده واتبعه عمار فأنزله ~~فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة ألم تسمع رسول الله يقول: ((إذا قام ~~الرجل يصلي بالناس فلا يقم في مقام أرفع من مقامهم )) (1). # قال فلذلك اتبعتك حين أخذت على يدي، وروي أن حذيفة أم الناس بالمدائن على ~~دكان فأخذه أبو مسعود البدري بقميصه فجذبه فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم ~~أنهم كانوا ينهون عن ذلك أو قال: نهي عن ذلك. قال بلى قد علمت ذلك حين ~~حدثتني، وكل هذا إذا كان الارتفاع دون قدر القامة فإن كان فوق القامة بطلت ~~الصلاة لأنهم صاروا غير مواجهين للإمام كما لو تقدمهم. # الفرع العشرون: في بيان حكم المواقف في الصلاة. # اعلم أن المواقف ربما كانت مشروعة ومرة تكون مكروهة وأخرى تكون محظورة ~~فهذه ضروب ثلاثة نفصلها بمعونة الله: # الضرب الأول: ما يكون مشروعا وهو يكون على أوجه خمسة: # أولها: عن يمين الإمام إما مساويا له وإما متأخرا عنه. # وثانيها: خلف الإمام إذا كانا رجلين. # وثالثها: إذا كانوا جماعة في المسجد اغتفر البعد فيما بينهم وبين الإمام ~~وفيما بين الصفوف، وإن كان البعد ألف ذراع في المسجد؛ لأن المسجد كالبقعة ~~الواحدة للصلاة. # ورابعها: أن يكون بينهم وبين الإمام قدر القامة في غير المساجد أو ~~مادونها. # وخامسها: أن يكون بين الصفوف قدر القامة فما دونها في غير الصحاري. # الضرب الثاني: في المواقف المكروهة [وتلك أمور] أربعة: # أولها: عن يسار الإمام إذا كان واحدا. # وثانيها: عن يمين الإمام إذا كانا رجلين. # وثالثها: أن يكون الإمام على نشز دون قدر القامة. # ورابعها: أن يكون المأموم على نشز أرفع من الإمام دون قدر القامة. PageV03P541 # الضرب الثالث: المواقف المحظورة. و[تلك] أربعة: # أولها: المرأة عن يمين الإمام. # وثانيها: المرأة في صف الرجال. # وثالثها: خلف الصف الذي تكون فيه المرأة على نعت المشاركة لهم في الصلاة. # ورابعها: قدام الإمام في جهته.، فهذه جملة ms1399 المواقف تكون على هذا الوجه ~~وقد مر تفصيلها بأدلتها فأغنى عن الإعادة. # قاعدة: نجعلها خاتمة لهذا الفصل # اعلم أن بعض المتفقهة من أصحاب الشافعي زعموا أن إمام المحراب إذا كان ~~معتزليا فلا تجوز الصلاة خلفه لكفره، وأن كل من قال بخلق القرآن من ~~المعتزلة فإنه كافر، فظاهر هذا الكلام هو القول بإكفار المعتزلة، وهذه(1) # بعينها هي عقيدة أهل العدل من أئمة العترة من الزيدية ومن تابعهم من ~~شيعتهم وأهل مذهبهم فإن الفئة العدلية هم أئمة العترة والزيدية والمعتزلة ~~وهم لا يخالفون الزيدية في شيء من عقائدهم إلا في التنصيص على الإمامة وفي ~~سهم ذوي القربى، وهاتان المسألتان ليس فيهما إكفار ولا تفسيق، وهم إذا ~~قالوا بإكفار المعتزلة في هذه المسائل فهم لا محالة يذهبون إلى إكفار ~~الزيدية وأئمتهم بهذه المسائل؛ لأن هذه عقائدهم من غير محالة. ويتضح بطلان ~~هذه المقالة ويظهر فسادها لمسلكين: PageV03P542 # المسلك الأول: هو أن الخوض في الإكفار والتفسيق مورده الشرع ولا مجال للعقل ~~فيه فإنه كلام في مقادير الثواب والعقاب وثبوتهما وسقوطهما، ومثل هذا لا ~~تؤخذ من جهة صاحب الشريعة والأمر فيه صعب والإقدام عليه من غير بصيرة نافذة ~~ولا رسوخ قدم في العلم يكون رميا في العمى وخبطا في العشواء وتهورا في ~~الضلالة وإغراقا في الجهالة، وهذه حالة هؤلاء الذين ذهبوا إلى هذه المقالة ~~فنعوذ بالله من استحكام الخذلان واستحواذ الشيطان والسبب لهؤلاء في قولهم ~~بهذه المقالة التي لم تصدر عن فطانة ولا لها من جهة الله توفيق ولا تسديد ~~هو أنهم تعلقوا بأطراف من علم الفقه ولعقوا شيئا من أحكامه لم يعضوا على ~~العلوم الكلامية بضرس قاطع ولا غمسوا أيديهم في أسابيغها ولا أحاطوا ~~بالمباحث الإلهية بفهم واسع فتراهم يطلقون الكلام في الإكفار إطلاقا على ما ~~عن وسنح عملا بالأهواء وتعويلا على ما يعرض من سخيف الأراء وميلا إلى نصرة ~~المذاهب وإهمالا للتعويل على النظر الصائب. PageV03P543 # المسلك الثاني: هو أن هذه المسائل الكلامية والمباحث الإلهية لا يتعلق بها ~~إكفار ولا تفسيق؛ لأن المتكلمين من أئمة ms1400 الزيدية والمعتزلة والأشعرية وسائر ~~فرق الجبرية قد صرحوا بأن الله تعالى موجود قادر عالم حي مريد متكلم، لكن ~~اختلفوا في حقائق هذه الصفات هل تكون من قبيل الأحكام أو من قبيل الصفات؟ ~~أو تكون من قبيل السلب أو الإيجاب؟ أو تكون قديمة أو حادثة؟ مع اتفاقهم على ~~أصلها وثبوتها لله تعالى، ومثل هذا لا تعلق للإكفار به وإنما يتعلق به مجرد ~~الخطأ لأن الحق فيه واحد ولم تدل دلالة شرعية على كونه كفرا ولا فسقا، ~~فإطلاق الكفر والفسق بما ذكرناه من هذه المسائل يكون خطأ وجهلا، فقد وضح لك ~~بما ذكرناه أنهم لم يصنعوا شيئا في إطلاق الإكفار بهذه المسائل وأنهم ليسوا ~~من التحقيق في ورد ولا صدر. وقد نجز غرضنا من بيان مواقف الإمام من المأموم ~~ونشرع الآن في حكم الاقتداء ونختم به الكلام في صلاة الجماعة. PageV03P544 ### ||| AUTO الفصل الرابع في حكم الاقتداء بالإمام في الصلاة # إعلم أن الواجب على المؤتم متابعة الإمام في الأقوال والأفعال من غير ~~مخالفة له إلا لدلالة خاصة لقوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام ~~فقوموا وإذا قعد فاقعدوا)). وقوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). وقوله : ~~((لا يأمن الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو رأس ~~كلب أو رأس عنز))(1). # إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على وجوب المتابعة والموافقة. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: ينبغي للمأموم ألا يتقدم على الإمام في أفعال الصلاة لما ~~روي عن الرسول أنه قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ~~ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد وإذا سجد ~~فاسجدوا ولا ترفعوا قبله))(2). # وروي عن الرسول أنه قال: ((أما يخشى الذي يرفع رأسه والإمام ساجد أن يحول ~~الله رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار)). فإن شاركه في التكبير والقيام ~~والقعود والركوع السجود فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: وهذا هو رأي المؤيد بالله، فإنه قال: إذا وافق المؤتم ~~الإمام في ms1401 إبتداء التكبير أو في الركوع أو غيره فالأقرب عندي أن صلاته لا ~~تبطل لأن الأئتمام هو أن يفعل مثل ما فعل الإمام تبعا له وليس من شرطه أن ~~يفعل بعد فعل الإمام. فهذا تصريح من مذهبه على جواز مشاركة المأموم للإمام ~~في أفعاله ولا تبطل صلاته. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم ~~به)). ولم يفصل بين أن يكون الإمام متابعا له أو مشاركا له في أفعاله. # ومن وجه آخر: وهو أن الائتمام كما هو حاصل بالمتابعة فهو حاصل بالمشاركة ~~فلهذا كانا سواء في صحة الأئتمام. PageV03P545 # المذهب الثاني: المنع من ذلك وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا وإذا ركع ~~فاركعوا )). والفاء هذه دالة على التعقيب والترتيب وأن يكون فعله بعد فعل ~~الإمام. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله. # وحجته: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا: وهو قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم ~~به)). فأطلق ولم يفصل بين أن يكون الائتمام معه أو بعده، وفي هذا دلالة على ~~أن البعدية غير معتبرة وأن المشاركة له في أفعاله لا تبطل الائتمام به. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: قوله : ((فإذا قام فقوموا وإذا قعد فاقعدوا وإذا ركع فاركعوا)). ~~والفاء دلالة التعقيب وفيه دلالة على اعتبار البعدية. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا ننكر البعدية وإنما هي الأولى، ولكن إذا شاركه لم ~~تفسد الصلاة كما زعمتم، وليس في كلام الرسول ما يدل على بطلان المشاركة، ~~وإنما أشار في كلامه هذا إلى البعدية؛ وكلامنا إنما هو في المشاركة. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه معارض بما روينا من الأخبار، وما ذكرناه أرجح ~~لقوة دلالته على المقصود. # ومن وجه آخر: وهو أن الفاء وإن كانت للتعقيب بأصل وضعها لكنها قد تكون ~~دالة على المشاركة كالواو. # الفرع الثاني: وإذا لحق الإمام وقد فاته بعض الركعات فهل يجعل ما لحقه ~~فيها أول صلاته أو آخرها؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه أول صلاته قولا وفعلا وحكما، ms1402 وهذا هو رأي أمير ~~المؤمنين كرم الله وجهه، وعمر، وأبي الدرداء من الصحابة رضي الله عنهم، ومن ~~التابعين الحسن البصري، وابن المسيب، ومن الفقهاء الأوزاعي، وإسحاق، ومحمد ~~بن الحسن، والشافعي. # ومعنى قولنا: قولا. أي أنه يقول به ويذهب إليه. # ومعنى قولنا: فعلا. أي أنه يفعله ويعتمد عليه. PageV03P546 # ومعنى قولنا: حكما. يظهر في مسائل منها أنه إذا أدرك الإمام في الثالثة ~~والرابعة فإنه يقرأ الفاتحة والسورة لأنه أول صلاته، ومنها أنه إذا أدرك ~~الإمام في الركعة الثانية فإنه يقعد مع الإمام في التشهد ويتشهد الإمام ولا ~~يتشهد لأنه ليس موضعا لتشهده لأنها أول صلاته، ومنها أنه إذا أدرك الإمام ~~في الركعة الثانية من الفجر فإنه لا يقنت وإن قنت الإمام لأنها أول صلاته. ~~ومنها أنه إذا أدرك الإمام في الركعة الثانية من العيد فإنه يكبر خمسا وإن ~~كبر الإمام أربعا لأنها أول صلاته على حد الخلاف في أعداد التكبيرات، وهذا ~~هو: رأي الهادي، والقاسم، والمؤيد بالله، أعني أنه أول صلاته. # والحجة على هذا: ما روى أبو رافع، عن جده، عن أمير المؤمنين كرم الله ~~وجهه أنه قال: إذا سبق الإمام أحدكم بشيء فليجعل ما أدركه أول صلاته مع ~~الإمام، والصحابي إذا أطلق مثل هذا فإنما يطلقه عن توقيف من جهة الرسول إذ ~~لا محال للاجتهاد فيه بحال. # المذهب الثاني: أن كلما أدركه مع الإمام فهو آخر صلاته، وما يقضيه بعد ~~سلام الإمام فهو أول صلاته وهذا هو: رأي الإمام زيد بن علي، والثوري، ~~ومالك، وأبي يوسف. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((ما أدركت فصل وما فاتك ~~فاقضه )) (1). # والذي فاته مع الإمام فهو أول صلاته وهو المقضي، فالذي يدركه مع الإمام ~~فهو آخر صلاته؛ لأنه للإمام آخر وهو مؤتم به، والإمام حاكم عليه. PageV03P547 # المذهب الثالث: أن كل ما أدرك مع الإمام فهو آخر صلاته حكما على معنى أنه ~~إذا أدرك الركعة الأخيرة من الفجر مع الإمام فإنه يقنت فيها وهي أول صلاته ~~فعلا؛ لأنه لم يسبقها شيء قبلها ms1403 فهي أول ما فعله مع الإمام، وما يفعله بعد ~~فراغ الإمام من الصلاة فهو أول صلاته حكما على معنى أنه إذا قام إلى ~~الثالثة والرابعة فإنه يقرأ الفاتحة والسورة؛ لأنها أول صلاته بعد فراغ ~~الإمام وآخر صلاته فعلا على معنى أنها آخر صلاته مع الإمام لأن بعدها ~~التسليم وهو آخر الصلاة، وهذا هو المنقول عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أنها آخر صلاة الإمام فيجب أن تكون آخر صلاة المأموم ~~كما لو لم يكن مسبوقا. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم من الصحابة والتابعين ~~والفقهاء، وهو محكي: عن الباقر، والناصر، وأحمد بن عيسى. # وحجتهم: ما نقلناه عنهم، ونزيد هاهنا وهو أن الإمام إنما كان مشروعا في ~~الصلاة من أجل الزيادة في فضلها وثوابها وإعظام أجرها، فكيف يقال: بأنه ~~يكون سببا في قلب حقيقتها، وأن صلاة المأموم تكون آخرها أولا لما يبتدي به ~~[و] هذا لا وجه له. # ومن وجه آخر: وهو أن كل من ابتدأ شيئا فإنما يبتدأ به من أوله ولا يبتدأ ~~به من آخره فلهذا قلنا: بأن صلاة المأموم إذا كان مدركا لبعض صلاة الإمام ~~تكون أول صلاته دون آخرها. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((ما أدركت فصل وما فاتك فاقضه)). والذي ~~فاته مع الإمام فهو أول صلاته وهو المقضي فالذي أدركه مع الإمام فهو آخر ~~صلاته لأنه للإمام آخر، وهو مؤتم به والإمام حاكم عليه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المراد ما أدركت وقته من الصلاة فصل، وما فاتك وقته من ~~الصلاة فاقضه؛ لأن الإنسان في الحقيقة إنما يدرك وقت الصلاة لا فعل نفسه. PageV03P548 # وأما ثانيا: فلأن المراد بقوله: فاقضه. الإتمام لأنه قد تغير بالقضاء عن ~~الإتمام كما قال تعالى: {فقضاهن سبع سماوات}[فصلت:14]. أي أتمهن. وقوله: ~~{فإذا قضيت الصلاة }[الجمعة:10]. أي تمت وفرغت. # قالوا: ما يدركه المأموم فهو آخر صلاة الإمام فيجب أن تكون آخر صلاة ~~المأموم كما لو لم يكن مسبوقا. # قلنا: المعنى في الأصل ms1404 أنه أدرك أول صلاة الإمام فلهذا كان آخر صلاة ~~الإمام آخر صلاته بخلاف ما نحن فيه فإنه لم يدرك أول صلاة الإمام فافترقا. # الفرع الثالث: وإن حضر المأموم وقد أقيمت الصلاة فلا يشتغل عن الدخول ~~فيها بنافلة لما روى أبو هريرة عن الرسول : ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة ~~إلا المكتوبة)) (1). # وإن أدرك الإمام في حال القيام وخاف أن يركع الإمام لم يشتغل بدعاء ~~الاستفتاح لأنه نفل فلا يشتغل به عن أداء الفرض وإن أدركه راكعا فركع معه ~~واطمأن راكعا فقد أدرك هذه الركعة لما روي عن الرسول أنه قال: ((من أدرك ~~الركوع من الركعة الأخيرة يوم الجمعة فليضف إليها أخرى ومن لم يدرك الركوع ~~فليصل الظهر أربعا)) (2). # ولأنه قد أدرك معظم هذه الركعة فلهذا كان داخلا بها في الصلاة واحتسب له ~~بها، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يركع المأموم فهذا يكون على ~~أوجه ثلاثة: PageV03P549 # أولها: أن يرفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يركع المأموم ثم يركع المأموم ~~بعد رفعه ويدركه قائما مطمئنا في القيام فما هذا حاله يكون مدركا الركعة ~~لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا تبادرنني في ركوع ولا سجود فإنه مهما ~~أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت)) (1). # فسماه مدركا بالرفع إلى القيام وفي هذا دلالة على ما قلناه من إدراك ~~الركعة بإدراك القيام مع الإمام. # وثانيها: أن الإمام إذا تحرك للرفع من الركوع وهوى المأموم إلى الركوع ~~فإن بلغ المأموم في ركوعه موضع الإجزاء في الركوع وهو يقدر على أن يقبض على ~~ركبتيه واطمأن قبل أن يخرج الإمام عن حد الإجزاء في الركوع فإن المأموم ~~يعتد بهذه الركعة لأنه قد أدرك معه الركوع، وإن لم يبلغ المأموم أول حد ~~الإحزاء حتى خرج الإمام عن حد الركوع فإن المأموم لا يعتد بهذه الركعة كما ~~لو أدركه بعد الرفع من الركوع. # وثالثها: أن يرفع الإمام رأسه من الركوع ثم يهوي المأموم للركوع ولا ~~يدركه قائما ولا يطمئن معه في القيام فإنه لا يكون ms1405 مدركا للركعة لخروج ~~المأموم عن مشاركة الإمام في الركوع أو في القيام كما قررناه فإدراك ~~المأموم الإمام يكون على هذه الأوجه التي أشرنا إليها وبالله التوفيق، وإن ~~أدركه راكعا فإنه يكبر تكبيرة الافتتاح ليكون داخلا بها وتكبيرة أخرى؛ ~~لأنها مشروعة في حقه كما لو أدركه قائما. # الفرع الرابع: يشتمل على مسائل: # المسألة الأولى: إذا أدرك المأموم الإمام راكعا فهل يكبر تكبيرة أو ~~تكبيرتين فيه مذهبان: PageV03P550 # المذهب الأول: أنه يكبر تكبيرتين إحداهما تكبيرة الافتتاح وهي الفرض، ~~والأخرى للركوع وعلى هذا يكون مدركا لتلك الركعة كما مر بيانه، وهذا هو رأي ~~الهادي، والقاسم، والناصر، ومحكي عن جميع الفقهاء. # والحجة على هذا: هو ما ظهر من فعل الصحابة والتابعين أنهم كانوا إذا ~~أدركوا الإمام كبروا بتكبيرتين تكون إحداهما فرضا، والأخرى سنة. # المذهب الثاني: أنه لا يكبر إلا تكبيرة واحدة وهي الفرض ويركع بها من غير ~~زيادة، وهذا هو المحكي عن زيد بن علي . # والحجة: هو أن هذه التكبيرة الثانية إنما تكون مشروعة إذا كان مدركا ~~للإمام في حال قيامه فأما إذا أدركه راكعا فالمفروضة كافية. # والمختار: أنه لا بد من التكبيرتين وإحداهما لا تقوم مقام الأخرى من جهة ~~أن إحداهما يفتتح بها الصلاة، والأخرى مسنونة من تكبيرات النقل فلا تسقط ~~المسنونة بفعل المفروضة، كما لو أدركه المأموم في حال قيامه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أورده. # قوله: إن التكبيرة إنما تكون مشروعة إذا كان مدركا للإمام في حال قيامه ~~فأما إذا أدركه راكعا فالمفروضة كافية. # قلنا: الإجماع منعقد من جهة الصحابة والتابعين على أنها لا تسقط ~~بالمفروضة وأنها غير كافية. # المسألة الثانية: وإذا ركع الإمام فنسي تسبيح الركوع فرفع رأسه ثم رجع ~~إلى الركوع ليكمل التسبيح فهل تبطل صلاته أو لا تبطل؟ فيه تردد. # والمختار: أنها لا تبطل؛ لأنه جاهل بالتحريم فأشبه ما لو فعلها ساهيا. ~~وإذا قلنا بأن صلاته لا تبطل فإذا أدركه المأموم في هذا الركوع الثاني فهل ~~يحتسب بهذه الركعة أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنه لا يكون لاحقا بها ولا ms1406 يعتد بهذه الركعة؛ لأن هذه الركعة ~~إنما فعلت على جهة الجهل بالتحريم فلا يكون داخلا بها لأن هذا الركوع لا ~~يحتسب للإمام فلا يكون داخلا معه به. # المسألة الثالثة: إذا قام الإمام إلى الركعة الخامسة غلطا فهل يصح أن ~~يدخل المأموم معه في هذه الركعة؟ فيه تردد. PageV03P551 # والمختار: أنه لا يكون المأموم داخلا بهذه الركعة؛ لأنها لا تحتسب للإمام ~~فلا يكون للمأموم دخول بها غير معدودة في الصلاة. # الفرع الخامس: إذا أدركه ساجدا، ويشتمل على مسائل: # المسألة الأولى: إذا أدركه في السجود فإنه يخر لله تعالى ساجدا لقوله : ~~((من أدركني فليكن على الحالة التي أنا عليها )) (1). # وهل يكبر تكبيرة الافتتاح قبل أن يخر ساجدا على جهة الاستحباب ويكون ~~داخلا في الصلاة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يخر ساجدا على جهة الاستحباب ثم يقوم فيستأنف تكبيرة ~~الافتتاح ويدخل معه في الصلاة ولا يعتد بالسجود الأول، وهذا هو رأي أئمة ~~العترة. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((ثلاث لا يدعهن إلا عاجز عن ~~اكتساب الأجر والثواب: رجل سمع مؤذنا فلا يقول مثل ما يقول، ورجل حضر إلى ~~جنازة فلا يصلي عليها ولا يشيعها ولا يسلم على أهلها، ورجل لحق الإمام في ~~السجود فترك مشاركته ومتابعته فيه))(2) PageV03P552 . # وإنما قلنا أنه لا يعتد بهذه السجدة ولا يكون داخلا في الصلاة فلما روي ~~عن الرسول أنه كان في صلاته في سجوده فسمع خفق نعل فلما فرغ من صلاته فقال: ~~((من ذا الذي سمعت خفق نعله ))؟. فقام رجل من أهل المدينة فقال: كنت أنا يا ~~رسول الله فقال: ((كيف وجدتنا))؟ قال سجودا قال: ((هكذا فاصنعوا ولا تعتدوا ~~بها))(1). # فهذا الخبر دال على أنه يلزمه استئناف تكبيرة الافتتاح إذا قام، ولهذا ~~قال: ((ولا تعتدوا بها)). فلو كانت تكبيرة الافتتاح مجزية له لم يقل: ((لا ~~تعتدوا بها)). # المذهب الثاني: أنه تلزمه تكبيرة الافتتاح ثم يسجد ثم يقوم لاتمام صلاته، ~~ولا تلزمه إعادة تكبيرة الافتتاح، وهذا هو رأي الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه، ~~والشافعي وأصحابه. ms1407 # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((يجعل ما لحق مع الإمام أول ~~صلاته )). وفي هذا دلالة على أنه يكون لاحقا بالمشاركة له في السجود ولا ~~يلزمه استئناف تكبيرة الافتتاح. # والمختار: ما قاله أئمة العترة. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أنه لو كانت تكبيرة الافتتاح معتدا ~~بها لكانت الركعة كلها محسوبة له، فلما وقع الإجماع على أنه لا يعتد ~~بالركعة دل ذلك على أنه لا يعتد بتكبيرة الافتتاح عكسه المدرك في الركوع ~~فإنه لما كان مدركا للركعة كان مدركا لتكبيرة الافتتاح. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((يجعل ما لحق الإمام فيه أول صلاته)). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المراد أن يجعل أول صلاته ما كان مدركا بإدراكه الركعة، ~~ومن أدرك السجود فليس مدركا للركعة فافترقا. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الخبر، وخبرنا أحق بالقبول ~~لأنه أدل على المراد وأصرح بالمقصود من خبرهم، فلهذا كان أحق بالقبول. PageV03P553 # المسألة الثانية: وإذا قلنا: بأنه لا تلزمه تكبيرة الافتتاح ولا يكون داخلا ~~في الصلاة بلحوق التشهد فهل تلزمه التكبيرة أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنه غير لازم لأجل سجوده؛ لأن السجود غير معتد وإنما فعله ~~امتثالا لأمر الله، وتواضعا لعظمته، ولقوله : ((من أدركني فليكن على الحال ~~التي أنا عليها )). وإذا لحقه في السجدة الثانية فهل تلزمه إعادة السجدة ~~الأولى أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أن إعادتها غير لازمة؛ لأنه لا ثمرة في إعادتها، ومن أصحاب ~~الشافعي من ذهب إلى إعادتها وليس بشيء، ومن أدرك الإمام قاعدا للتشهد فإنه ~~يخر للجلوس من غير تكبير؛ لأن القعود عن القيام في الصلاة غير مشروع بحال ~~فلهذا لا معنى للتكبير فيه بحال ويخالف الركوع والسجود فإنهما مشروعان عن ~~القيام في الصلاة فلا ينحط المصلي عن القيام إلا إلى ركوع أو سجود فلهذا ~~كان التكبير مشروعا فيهما فافترقا. # المسألة الثالثة: قال المؤيد بالله: ومن أدرك الإمام وهو في التشهد ~~الأوسط كبر قائما ينتظر قيام الإمام ms1408 وهو قائم ثم يقرأ بعد قيامه ويمضي في ~~صلاته، وإن قعد معه جاز لقوله : ((من أدركني فليكن على الحالة التي أنا ~~عليها)). وهل يتشهد إذا قعد أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يستحب له التشهد كما يستحب له القعود، وإن لم يكن له موضعا ~~للقعود. # وثانيهما: أنه لا يستحب له التشهد لأنه ليس موضعا له في التشهد، وإذا ~~قلنا: بأنه يستحب له التشهد. فإذا قام استحب له التكبير عند قيامه وعند ~~قعوده. قال المؤيد بالله: ومن جلس مع الإمام في غير موضع جلوسه اتباعا كبر ~~إذا جلس، وإذا قام فيكبر إذا قعد اتباعا لإمامه، ويكبر إذا قام لأنه يقوم ~~إلى ركعة يؤديها فيستحب له التكبير كما لو كان منفردا. وقال أيضا: ولا يقوم ~~لاتمام ما بقي من صلاته إلا إذا سلم الإمام التسليمتين جميعا، فإن قام قبل ~~فراغ الإمام من التشهد فالأقرب عندي بطلان صلاته. PageV03P554 # والوجه في ذلك: هو أنه منهي عن مخالفة الإمام فإذا خالفه فقد دخل في النهي ~~والنهي دال على الفساد، ومن أدرك الإمام في التشهد الأخير فإن أدركه ساجدا ~~سجد معه استحبابا، وقام فأتم صلاته لنفسه. # وإن أدركه قاعدا فلا وجه لاستحباب تشهده معه ولا لقعوده؛ لأنه لا ينتظر ~~قيامه لأن الصلاة قد فاتت، وإذا قام من التشهد الأوسط فإنه يبتدئ التكبير ~~والقراءة، ويستحب له دعاء الاستفتاح لأنه لم يفت محله فيلزمه الإتيان به ~~لأن محله بعد التكبير كما مر بيانه. قال المؤيد بالله: ومن قام بعد تسليم ~~الإمام لإتمام صلاته فهل يكبر أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا تكبير عليه، وهو محكي: عن المؤيد بالله، والشافعي؛ لأنه ~~قد كبر عند قعوده مع الإمام فلا يلزمه تكبير آخر. # وثانيهما: أنه يستحب له التكبير؛ لأن تكبير القعود إنما كان من أجل ~~متابعة إمامه والتكبيرة عند القيام مشروعة كما لو كان منفردا. # الفرع السادس: وإذا نوى المأموم مفارقة الإمام وأتم الصلاة لنفسه نظرت ~~فإن كانت المفارقة لعذر جاز ذلك، والأعذار تكون على أوجه خمسة: # أولها: أن يخشى ms1409 أن ترحل القافلة فيناله ضرر تخلفه عن القافلة في نفسه أو ~~ماله فيقطع صلاة الجماعة ويسير معها. # وثانيها: إتيان القافلة وهو في إنتظار مرورها فجاءت وهو في الصلاة ويخشى ~~من تخلفه عنها مضرة وانقطاعا. # وثالثها: حضور حريق في مكانه وهو في الصلاة فيخشى إن أتم الصلاة وقوع ~~الحريق في نفسه وماله فيجوز له قطع الائتمام. # ورابعها: أن يكون هناك قريب له منزول به الموت فيخشى إن أتم الصلاة أن ~~يكون على غير تثبت عند الموت فيجوز له قطع الصلاة في الجماعة لأجل تثبيته ~~وتحسين حاله عند الموت. # وخامسها: أن يكون هناك منكر يخشى فواته إن اشتغل بتمام الصلاة فيكون عذرا ~~في قطعها وإتمامها لنفسه وإزالته، وإن كان من غير عذر فهل تبطل صلاته إذا ~~خرج منها أم لا؟ فيه مذهبان: PageV03P555 # المذهب الأول: أنها باطلة. وهذا هو: رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة، ~~وأحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا ~~قعد فاقعدوا وإذا ركع فاركعوا)). فأمر بمتابعة الإمام فمن خالفه فقد خالف ~~الأمر، ومخالفة الأمر معصية، والمعصية تنافي الطاعة والقربة، والصلاة من ~~شرطها القربة والطاعة. # المذهب الثاني: أن صلاته صحيحة، وهذا هو الأصح من قولي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى جابر أن معاذا كان يصلي العشاء مع الرسول ثم يصلي ~~بقومه في بني سلمة فصلى بهم ليلة فأطال الصلاة فقرأ سورة البقرة فخرج رجل ~~من الصلاة لطولها وجاء إلى الرسول يسأله عن ذلك فأنكر على معاذ فعله وقال ~~له الرسول : ((أفتان أنت يا معاذ )). ولم يأمر الرجل بالإعادة فدل ذلك على ~~الجواز. # والمختار: ما عليه علماء العترة. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول : ((أما يخشى الذي ~~يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس كلب أو رأس حمار أو رأس عنز)). ~~فلو كان هذا جائزا لما توعده عليه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أورده. # قالوا: روى جابر أن معاذا طول القراءة فخرج الرجل ولم يؤمر بالإعادة ms1410 فدل ~~ذلك على الجواز. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذه حكاية فعل لا ندري كيف وقعت، وما هذا حاله فهو مجمل ~~يحتاج إلى البيان. # وأما ثانيا: فلأنه يحتمل أن الرجل لم يأت يستفتي إلا بعد أن قضى الصلاة ~~لما كانت باطلة كما أشرنا إليه. # الفرع السابع: في القراءة بعد الإمام في صلاة الجماعة. قد ذكرنا فيما ~~يتعلق بأحكامها ما يتعلق بالقراءة خلف الإمام في صلاة الجماعة، ويشتمل على مسائل: # المسألة الأولى: هل تجب القراءة خلف الإمام أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: PageV03P556 # المذهب الأول: أن القراءة واجبة على المأموم إذا كانت القراءة سرا ولا تجب ~~عليه إذا كانت القراءة جهرا، وهذا هو: رأي الإمامين القاسم، والهادي، ~~ومحكي: عن زيد بن علي وعبدالله بن الحسن وأحمد بن عيسى، وهو اختيار المؤيد ~~بالله، فإنه قال: والإستماع عند جهر الإمام والقراءة عند عدم السماع تقوى ~~عندي وعليه أعمل. وقال: والاختيار عندي أن يقرأ المأموم الفاتحة وسورة معها ~~فيما يخافت به الإمام. وهذا هو قول الزهري، وأحمد وإسحاق بن راهويه وأحد ~~قولي الشافعي. # ودليلنا على أنه لا يقرأ إذا سمع الإمام: قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا }[الأعراف:204]. وروي عن أبي هريرة، وسعيد بن المسيب، ~~والحسن البصري وإبراهيم والزهري ومحمد بن كعب(1): # أنها نزلت في شأن الصلاة. # ودليلنا على وجوب القراءة للمأموم إذا لم يسمع قراءة الإمام: قوله تعالى: ~~{فاقرءوا ما تيسر منه}[المزمل:20]. وقوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ~~وقرآن معها)). وقوله : ((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)). ~~وهذا العموم يقتضي وجوب قراءتها على الإمام والمأموم والمنفرد إلا ما قامت ~~على خلافه دلالة قضينا بها. PageV03P557 # المذهب الثاني: وجوب قراءة فاتحة الكتاب على الإمام والمأموم على كل حال، ~~وهذا هو رأي الشافعي في الجديد. # والحجة على هذا: ما روى عبادة بن الصامت عن الرسول ، قال: صلى بنا صلاة ~~الفجر فلما سلم قال: ((أتقرأون خلفي))؟. قالوا: نعم يا رسول الله. قال: ~~((فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن ms1411 لم يقرأها)) (1). # المذهب الثالث: أن القراءة غير واجبة خلف الإمام سواء كانت القراءة سرا ~~أو جهرا، وهذا هو: رأي أبي حنيفة وأصحابه، والثوري. # والحجة على هذا: ما روى سالم عن ابن عمر، أن الرسول قال: ((من كان له ~~إمام فقراءة الإمام له قراءة ))(2). # وبما روى عمران بن حصين، عن النبي أنه نهى عن القراءة خلف الإمام، وبما ~~روى عبدالله بن شداد(3) # أنه قال: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة )). # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من الفقهاء من وجوب ~~القراءة خلف الإمام في الصلاة إذا كانت سرا، وامتناعها خلف الإمام في ~~الصلاة إذا كانت جهرا. PageV03P558 # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين ~~كرم الله وجهه أنه قال: كانوا يقراؤن خلف الرسول فقال لهم: ((خلطتم علي فلا ~~تفعلوا ))(1). # ولما روى أبو هريرة أن الرسول انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: ~~((هل قرأ منكم أحد معي )). فقال رجل: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله : ~~((أنا أقول: مالي أنازع القرآن )) (2). # قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه الرسول بالقراءة من الصلاة ~~ما إن سمعوا ذلك منه ، وروي: فاتعظ المسلمون بذلك فلم يكونوا يقراؤن فيما ~~جهر به وهذا نص صريح فيما نذهب إليه. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله : ~~((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قرأ فانصتوا)). ولأنه لو وجبت على المأموم ~~القراءة خلف الإمام فيما يجهر به لوجب عليه أن يجهر كالإمام فلما لم يجهر ~~دل على أن القراءة غير واجبة عليه مع جهر الإمام. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روى جابر بن عبدالله أن الرسول قال: ((من صلى ولم يقرأ بفاتحة ~~الكتاب فهي خداج )). وهذا يحتج به الشافعي. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الغرض إذا كان المصلي وحده أو كان مأموما في صلاة ~~الإسرار، وكلامنا إنما هو في الصلاة المجهورة. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار التي رويناها فإنها ~~دالة على ms1412 ترك القراءة في الصلاة المجهورة خلف الإمام ولا شك أن أخبارنا ~~أشهر وأكثر وأظهر فيجب التعويل عليها. # قالوا: روى سالم، عن ابن عمر أن الرسول قال: ((من كان له إمام فقراءة ~~الإمام له قراءة )). ولم يفصل بين المجهورة وصلاة الإسرار، وهذا هو احتجاج ~~أبي حنيفة. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV03P559 # أما أولا: فلأن هذا محمول على صلاة الجهر ولا شك أن صلاة الجهر لا يقرأ ~~فيها المأموم، وأما إذا كانت الصلاة إسرارا وجبت عليه القراءة. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما أوردناه دلالة على وجوب القراءة إذا كانت ~~الصلاة إسرارا. # المسألة الثانية: وإذا لم يسمع قراءة الإمام لصمم أو بعد فالواجب عليه ~~القراءة؛ لأنه مؤتم بغيره فإذا لم يسمع قراءة الإمام لزمه أن يقرأ كما لو ~~كانت الصلاة عجماء، وهل تلزم الإعادة للمأموم إذا قرأ فيما يسمع مع قراءة ~~الإمام أو لم يقرأ فيما لم يسمع أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها تلزمه الإعادة فيما ذكرناه، وهذا هو: رأي القاسمية. # والحجة على هذا: خبر عمران بن حصين وهو أن الرسول نهى عن القراءة خلف ~~الإمام. والنهي يقتضي فساد المنهي عنه شرعا، وإنما قلنا: إنه إذا لم يقرأ ~~في صلاة الإسرار بطلت صلاته لقوله : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقرآن ~~معها)). # المذهب الثاني: أن المأموم إذا قرأ فيما يجهر به من القراءة لم تبطل ~~صلاته، وهذا هو: رأي المؤيد بالله، وإن جهر في موضع الإسرار كره له ولم ~~تبطل صلاته؛ لأن الجهر والإسرار هيئتان للقراءة فإذا خالفهما لم تبطل ~~الصلاة بالمخالفة كما يقول في سائر الهيئات كوضع اليد حذاء الخد أو حذو ~~المنكب أو غير ذلك، وقد قدمنا المختار والانتصار له فلا وجه للإعادة. # المسألة الثالثة: قال السيد أبو طالب: وإن جهر الإمام في ركعة واحدة أجزت ~~الصلاة؛ لأن الحمد عندنا بمنزلة القراءة والقراءة عندنا إنما تجب في ركعة ~~واحدة فهكذا حال الجهر. قال محمد بن يحيى: وإن ترك المخافتة فيما يخافت به ~~بطلت صلاته لأن الجهر والمخافتة عند الهادي وأولاده ms1413 كأصل القراءة، وإذا أتى ~~بالمخافتة في ركعة واحدة لم تبطل صلاته كالجهر، فأما على رأي المؤيد بالله ~~فالجهر والمخافتة هيئتان من سنن الهيئات لا تبطل الصلاة لكل منها بتركهما ~~كما مر بيانه. PageV03P560 # الفرع الثامن: قال المؤيد بالله: وإذا وافق المؤتم الإمام في ابتداء ~~التكبير والركوع وغيره فالأقرب عندي أن لا تبطل صلاته؛ لأن الائتمام أن ~~يفعل مثل ما فعله تبعا له، وليس من شرطه أن يفعل بعد فعل الإمام. فأراد بما ~~قاله: أن المشاركة في الأفعال من جهة المأموم لإمامه لا تبطل الاقتداء؛ ~~لأنه متابع له وإن شاركه في الأفعال. # واعلم أن الإمام إذا سبق المأموم بالإسم والصفة في قولنا: الله أكبر. ~~جازت الصلاة لأجل المتابعة لقوله : ((فإذا كبر فكبروا)). وهذا فلا خلاف ~~فيه، وإن سبق المأموم إمامه في الإسم والصفة بطلت الصلاة لفساد الاقتداء ~~بالتقدم على الإمام وإن شارك المأموم إمامه في الإسم والصفة جازت الصلاة ~~كما حكيناه عن المؤيد بالله، وإن سبق المأموم بالإسم وسبقه الإمام بالصفة ~~جازت الصلاة مع الكراهة؛ لأن المأخوذ على المأموم المتابعة أو المشاركة دون ~~السبق فلما سبق بالإسم كان مكروها، وإن سبق الإمام بالإسم وسبقه المأموم ~~بالصفة لم تكن الصلاة جائزة لأجل سبقه لإمامه، وإن اشتركا في الصفة نظرت ~~فإن سبق الإمام بالإسم كان جائزا من غير كراهة، وإن سبق المأموم بالإسم كان ~~جائزا مع الكراهة، وإن اشتركا جميعا في الاسم نظرت فإن سبق المأموم بالصفة ~~لم يكون جائزا، وإن سبق الإمام كان جائزا، وهكذا يكون حال التسليم فإن ~~اشترك الإمام والمأموم في التسليم كانت الصلاة جائزة لأن المشاركة بمنزلة ~~المتابعة، وإن تابعه فسلم بعد تسليمه كانت الصلاة مجزية؛ لأن المتابعة هي ~~المأخوذة على المأموم كما قررناه، وإن سلم المأموم قبل تسليم الإمام بطلت ~~صلاته؛ لأنه سبقه بركنين من أركان الصلاة فيجري الحكم فيهما مثل ما ذكرناه ~~في التكبير من غير مخالفة لأنهما سيان أعني التكبير والتسليم في كونهما ~~ركنين من أركان الصلاة وإن اختلفا في كون أحدهما لتحريم الصلاة، والآخر ~~لتحليلها وقد ms1414 قررناه. PageV03P561 # الفرع التاسع: قال المؤيد بالله: ومن لحق الإمام في بعض صلاته فلما جلس ~~الإمام في آخر تشهده قام المؤتم لإتمام صلاته قبل فراغ الإمام من التشهد ~~فالأقرب عندي أنه أفسد صلاته، وهذا جيد لا غبار عليه. # والوجه في ذلك: قول : ((لا تختلفوا على إمامكم)). وهذا نهي، والنهي يقتضي ~~الفساد خاصة في العبادات، ولأنه ترك متابعة الإمام من غير عذر كما لو تقدم ~~عليه، والواجب على المأموم متابعة الإمام في مفروض الصلاة ومسنونها من غير ~~مخالفة له في ذلك لقول : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). وقوله: ((لا ~~تختلفوا على إمامكم)). فإن خالف المأموم فيما ليس مشروعا في الصلاة جاز ذلك ~~كما لو قام إلى الخامسة من الظهر والعصر، أو الثالثة من الفجر، أو الرابعة ~~من المغرب، وهكذا لو قعد للتسليم على الثالثة من الظهر والعصر، أو على ~~الركعتين من المغرب، فإن ما هذا حاله لا يجوز متابعة الإمام بل يعزل المصلي ~~صلاته عن صلاة الإمام إذا تعذر تنبيهه عن غلطه وسهوه. # قال المؤيد بالله: وإذا قام الإمام غلطا جلس المؤتم ولا يتابعه وليسلم ~~لنفسه إذا تعذر تنبيه الإمام؛ لأن ما هذا حاله إنما فعله الإمام غلطا وسهوا ~~فلا تجوز متابعته على الغلط والسهو، وإذا سجد الإمام سجدة ونسي الثانية ~~وقام لم يتابعه المؤتم وسجد لنفسه الثانية، فإن تنبه الإمام لما أخل به ~~وعاد لأداء هذه السجدة لم يلزم المأموم متابعته لأنه قد سجدها فلا وجه ~~لإعادتها، وإن لم ينتبه الإمام لهذه السجدة فهي باقية عليه يسجدها قبل ~~فراغه من الصلاة، فإن تعذر تنبيهه لإدائها عزل المؤتم صلاته لأنه قد أخل ~~بفرض من فروضها كما لو سلم على ثلاث من الرباعيات. PageV03P562 # الفرع العاشر: في حكم المخالفة للإمام. وإذا خالف المأموم إمامه نظرت فإن ~~كانت المخالفة فيما ليس مشروعا في الصلاة وفيما لا يجب على المأموم موافقة ~~الإمام فيه لم تلزمه المتابعة، وقد قررناه من قبل فأغنى عن تكريره، وإن كان ~~فيما تجب عليه فيه المتابعة فهو مشتمل على مسائل: # المسألة الأولى: ms1415 في حكم المخالفة بالتقدم، وإذا سبق المأموم إمامه بتقدمه ~~عليه نظرت فإن كان سبقه له بجزء من ركن لم يقدح ذلك في صحة الصلاة، فإذا ~~قال المأموم: الله. قبل قول الإمام: الله أكبر. ثم يتم الإمام التكبير قبله ~~لم تفسد صلاته؛ لأن ما هذا حاله تعظم به البلوى ويعظم الحرج فيه فلهذا رفع ~~الشرع حكمه ولأنهم لما بادروه بالركوع والسجود نهاهم عن ذلك بقوله: ((لا ~~تبادرونني بركوع ولا سجود )). ولم يأمرهم بالإعادة، وإن كان سبقه بركن واحد ~~نظرت فإن كان ذلك الركن هو تكبيرة الافتتاح بطلت صلاة المؤتم لأنها أول ~~الصلاة وبها يكون الافتتاح للتحريم فلا بد فيها من المتابعة، فإذا سبقه ~~المؤتم بها لم يكن تابعا له وبطل الائتمام، وإن كان غيرها من الركوع ~~والسجود وسائر الأركان في الصلاة نظرت فإن كان ذلك على سبيل السهو لم تفسد ~~الصلاة؛ لما روي أن الرسو صلى الظهر ثلاثا على جهة السهو وتنبه بعد ذلك ~~فزاد إليها واحدة وسجد للسهو ولم تبطل الصلاة؛ ولأن صلى الظهر خمسا على جهة ~~السهو فلما نبهه ذو اليدين سجد لسهوه ولم تفسد الصلاة، وفي هذا دلالة على ~~أن ما فعله على جهة السهو فإنه غير مفسد للصلاة، وإن كان على جهة العمل فهل ~~تفسد به الصلام أم لا؟ فيه أقوال ثلاثة محكية عن المؤيد بالله: PageV03P563 # فالقول الأول: ذكره في (الإفادة) فإنه قال: إذا رفع المؤتم رأسه قبل رفع ~~الإمام فسدت صلاته إذا تعمد ذلك، وإن رفع ناسيا انتظر الإمام ويستوي جالسا ~~أو قائما فإن عاد إلى سجوده ثانيا بطلت صلاته لأنه فعل سجودا زائدا وذلك ~~يوجب بطلان الصلاة عندنا؛ لأن الأدلة ما فصلت في زيادة السجود الزائد على ~~المشروع في إفساد الصلاة بين أن يكون سهوا أو عمدا. # القول الثاني: ذكره في (الزيادات) أنه لا يوجب بطلان الصلاة وإن فعل على ~~جهة العمد وهذا هو الصحيح المرجوع إليه من قوليه وأشار إليه السيد أبو ~~طالب، لقوله : ((لا تبادرونني بركوع ولا سجود )). وظاهر الحديث أنهم قد ~~سبقوه ms1416 بالركوع والسجود على جهة العمد ولم يأمرهم بالإعادة، وفيه دلالة على ~~أنه غير مفسد. # القول الثالث: ذكره في موضع من (الإفادة) أنه فصل بين الرفع والخفض، فقال ~~في الرفع: تبطل الصلاة به إذا كان عمدا؛ لما روي عن الرسول أنه قال: ((ألا ~~يأمن الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو رأس كلب)). ~~ولم يذكر في الخفض ذلك فدل على التفرقة بينهما. # والمختار: أن سبق المأموم بركن واحد غير مفسد للصلاة سواء كان ذلك على ~~جهة العمد أو على جهة السهو؛ لأنه ربما يقع كثيرا وتعظم فيه المشقة ~~بالاحتراز فلا جرم خفف الشرع حكمه، ولا يخالف السهو العمد في أنه غير مفسد، ~~وإنما يأثم بالعمد دون الإفساد للصلاة، وإن سلم المؤتم تسليمة واحدة قبل ~~الإمام لم تفسد صلاته لأنه ركن واحد. # المسألة الثانية: في حكمه إذا خالفه بركنين، ومتى كان الأمر كما قلناه ~~نظرت فإن كان ذلك لعذر لم تبطل الصلاة وهذا يكون في صورتين: # الصورة الأولى: في صلاة الخوف وهو أن الطائفة الأولى يسلمون قبل تسليم ~~الإمام، ويخرجون من الصلاة إلى لقاء العدو، وتجيء الطائفة الثانية فيصلون ~~الركعة الثانية كما سنوضح الكلام فيها بمعونة الله. PageV03P564 # الصورة الثانية: في الرجل يتشهد التشهد الأخير فيخاف أن يحدث قبل تسليم ~~الإمام فهل له أن يسلم وقد تمت صلاته أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن له ذلك وأن صلاته صحيحة وهذا هو المروي عن أمير ~~المؤمنين. # والحجة على هذا: قوله : ((إذا قعدت فقد تمت صلاتك )). فهذا الخبر دال على ~~صحة ما قلناه لأنه حكم بصحة الصلاة بعد القعود. # المذهب الثاني: أن صلاته تبطل إذا فعل ذلك، وهذا هو الذي يأتي على أصل ~~القاسمية. # والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). والنهي دال على ~~الفساد لأن هذا قد خالف الإمام من غير عذر يدل عليه دليل شرعي. # والمختار: جواز ذلك لما روينا من الخبر؛ ولأن أمير المؤمنين قد ذهب إليه ~~وإذا صدر من جهة الصحابي شيء فإنما يكون ms1417 من جهة التوقيف من الرسول لأنه لا ~~مجال للإجتهاد في العبادات فيجب القضاء بصحته. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((لا تختلفوا على إمامكم)). وهذه مخالفة ~~تقتضي الوقوع في النهي وفي هذا دلالة على الفساد. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا محمول على المخالفة التي تكون قبل تمام الصلاة، فأما ~~هذه المخالفة فإنها مخالفة واقعة بعد تمام الصلاة وإكمالها. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الخبر وإذا تعارضا وجب ~~الترجيح، وخبرنا لا محالة أرجح لأنه دال على المقصود وأصرح بالمراد من ~~الخبر الذي رويتموه، وأيضا فإن خبرنا ظاهر في الدلالة على ما تدل عليه، ~~وخبركم أقرب إلى الإجمال فلهذا كان خبرنا أقرب إلى القبول. PageV03P565 # المسألة الثالثة: في حكم تخلف المأموم عن الإمام بعد دخوله معه في الصلاة ~~لشيء تركه الإمام، فإن كان التخلف عن الإمام لشيء تركه نظرت في حاله فإما ~~أن يكون مفروضا أو مسنونا، فإن كان من الفروض الواجبة في الصلاة وهذا نحو ~~أن يترك ركعة أو سجدة فإن ما هذا حاله لا تلزمه متابعة الإمام؛ لأنه إنما ~~يتابعه فيما كان مشروعا في الصلاة، فأما إذا لم يكن مشروعا في الصلاة لم ~~تلزمه المتابعة، ويجب عليه أن يعزل صلاته عن صلاة الإمام إذا تعذر تنبيهه ~~عن القيام بما تركه وأخل به. وإن كان المتروك من السنن المستحبة ففيه ~~صورتان: # الصورة الأولى: أن يترك الإمام التشهد الأوسط ثم يجلس المأموم للتشهد ولا ~~يتابع الإمام، فهذا التأخر عن متابعة الإمام يوجب بطلان الصلاة؛ لأنه عدل ~~من مفروض إلى مسنون لأن متابعة الإمام واجبة، والتشهد من جملة المسنونات، ~~فلهذا قلنا: ببطلانها لما ذكرناه. PageV03P566 # الصورة الثانية: قال المؤيد بالله: والمؤتم إذا بقي عليه من آخر التشهد ~~الآخر ما ليس واجبا وقد سلم الإمام فإنه يتم ما بقي من التشهد إذا لم يزد ~~علىالمعتاد من الدعاء المسنون في آخر التشهد، والمعنى أن مشاركة الإمام في ~~التسليم من الصلاة هو الأولى والأحق لأجل وجوب المتابعة ms1418 إذا لم يكن هناك ~~غرض أفضل منه، وإن كان هناك عرض أفضل منه جاز تركه وتقديمه عليه، والغرض ~~الأفضل هو ما أشار إليه من إكمال الدعاء المسنون في التشهد المأثور عن ~~الرسول وهو قوله: ((اللهم إنا نعوذ بك من عذاب النار ومن عذاب القبر ومن ~~عذاب الفقر وأهوال يوم القيامة وسوء الحساب وسوء المنقلب وسوء المنظر في ~~النفس والأهل والمال والولد)). والتفرقة بين هذه الصورة والصورة التي قبلها ~~هو أن المصلي في الصورة الأولى قد بقي عليه من أعمال الصلاة ما يجب عليه ~~متابعة الإمام فيه بخلاف المسألة الثانية فإنه لم يبق عليه من الصلاة ما ~~يلزمه فيه المتابعة فافترقا، وإن زاد المأموم في الدعاء من غير المشروع من ~~حوائج الدنيا والآخرة جاز ذلك ولا حرج عليه لأن الصلاة موضوعة للدعاء لما ~~روي عن الرسو أنه كان لا يحزنه شيء مما يكرهه إلا ذكره في الصلاة. # المسألة الرابعة: في حكم التخلف عن الإمام لسبق الإمام له وإذا تخلف ~~المأموم عن الإمام لسبقه له نظرت فإن كان سبقه له بجزء من ركن أو بركن كامل ~~جاز ذلك؛ لأن مثل هذا لا يطرق خللا في صحة الصلاة؛ ولأن الاحتراز عنه ربما ~~يشق، فلهذا رفع الشرع [الحرج عنه]وإن سبقه الإمام بركنين فسدت الصلاة لأجل ~~كثرة المخالفة وهي موجبة للفساد لقوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). إلا في ~~صورتين قام الدليل الشرعي على أنهما لا يوجبان فسادا. PageV03P567 # الصورة الأولى: أن يشتغل المؤتم بالتوجه فيكبر الإمام ويقرأ ويركع ثم يكبر ~~المؤتم ويدرك الإمام راكعا فقد سبقه بالتكبيرة والقراءة وهما ركنان ومع ذلك ~~فقد قضينا بصحة صلاته لما أدرك الركوع وإنما كان الأمر كما قلناه لقوله : ~~((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها)). فسماه مدركا لما ~~أدرك الركوع وإنما كان الأمر كما قلناه لقوله : ((من أدرك ركعة من العصر ~~قبل غروب الشمس فقد أدركها )) (1) # . فسماه مدركا بإدراك الركوع. # الصورة الثانية: أن يسبقه الإمام بالتسليمتين فقد سبقه الإمام بركنين ~~ولكنه غير مفسد للصلاة لأن السلام ms1419 تخليل للصلاة وخروج عنها،فتخلف المأموم ~~عن التسليم لا يطرق عليه خللا في صلاته لأنه لم يبق بعدهما ما يوجب ~~المتابعة فسبقه له غير مخل لما ذكرناه، والله أعلم. # الفرع الحادي عشر: في حكم الإمام إذا حدث به حادث وهو في الصلاة. # اعلم أن الإمام إذا حدث به حادث مما يبطل صلاته فالأفضل أن يستخلف من ~~يصلي بمن كان خلفه لأن الرسو مرض مرضه الذي توفي فيه فاستخلف أبا بكر فصلى ~~بالناس سبعة عشر يوما وكان الرسول قد يخرج في بعض الأوقات ويصلي بهم قاعدا ~~وإنما فعل ذلك ليبين لهم الجواز وأكثر أمره على الاستخلاف، وفي هذا دلالة ~~على الأفضلية في الاستخلاف وهذا الفرع قد اشتمل على بيان أحكام: # الحكم الأول: أن الإمام إذا عرض له حادث في الصلاة فهل يجوز له الاستخلاف ~~أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجوز له الاستخلاف وهو الأفضل في حقه وحقهم، وهذا هو: ~~رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله، ومحكي: عن أبي ~~حنيفة وأصحابه، وقول الشافعي في الجديد، وهو رأي الأكثر من أصحابه. PageV03P568 # والحجة على هذا: ما رويناه عن الرسول في مرضه أنه استخلف أبا بكر يصلي ~~بالناس فوجد خفه فخرج المسجد يتهادى بين اثنين فأمهم في بعض صلاتهم وخرج ~~أبو بكر من الإمامة والمأمومون من الائتمام،وفي هذا دلالة على جواز الصلاة ~~بإمامين من أجل العذر لأن بعض صلاتهم كانت خلف أبي بكر وبعضها كانت خلف ~~الرسول وفي هذا دلالة على جواز لإستخلاف. # المذهب الثاني: المنع من ذلك وهذا هو قول الشافعي في القديم. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه افتتح بالناس في صلاة الفجر ثم ذكر ~~أنه جنب فانصرف واغتسل ولم يستخلف وفي هذا دلالة على أنه لا معنى ~~للاستخلاف. # والمختار: ما عليه علماء العترة ومن تابعهم من جواز الاستخلاف. # وحجتهم: ما ذكرناه عنهم؛ ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول أنه خرج إلى ~~بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فانتظروه للصلاة فأبطأ فقدموا أبا بكر ثم جاء ~~الرسول ms1420 فوقف في الصف فتأخر أبو بكر وتقدم الرسول فصلى بالقوم بقية الصلاة، ~~ولأن صلاة الجماعة لا تنعقد إلا بالإمام والمأموم جميعا ثم إنه لا يتغير ~~حكمها يتغير المأموم وهو أن يخرج مأموم ويدخل مأموم آخر فهكذا يجب ألا ~~يتغير حكمها بتغير الإمام فإذا أحدث الإمام جاز دخول إمام آخر وهذا هو ~~فائدة الاستخلاف. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روي عن الرسول أنه افتتح الصلاة بالناس في صلاة الفجر ثم ذكر أنه ~~جنب فقال: ((على رسلكم)). ثم انصرف واغتسل ولم يستخلف وفي هذا دلالة على ~~عدم الجواز في الاستخلاف. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكرتموه إنما يدل على عدم الوجوب لأنه لو كان واجبا لم ~~يتركه ولكنه غير دال على عدم الجواز؛ لأن الجائز يجوز فعله ويجوز أن لا ~~يفعل وإنما تركه ليعلم الناس أنه غير واجب. # وأما ثانيا: فلأن الرسول إنما ذكر كونه جنبا قبل دخوله في الصلاة وقبل ~~دخول المسلمين فيها. PageV03P569 # فإن قال القائل: إن عدم الجواز في الاستخلاف ما قاله به أحد إلا الشافعي في ~~أحد قوليه وهو القديم والقول القديم مرجوع عنه فكيف يجعلونه مذهبا ويردون ~~عليه مع رجوعه عنه. # قلنا: إن قول المجتهد الثاني يمنزلة قول مجتهد آخر في جواز العمل عليه ~~للعامي ولا ينعقد الإجماع مع القول الثاني ولو كان مرجوعا عنه وإذا كان ~~الأمر كما قلناه استحق الكلام عليه كما لو ذهب إليه مجتهد آخر. # الحكم الثاني: أن كل واحد من المصلين لو أتم صلاته منفردا هل يجوز أم لا؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز ذلك وهذا هو: رأي المؤيد بالله ومحكي عن الشافعي ~~ورواية عن أبي العباس. # والحجة على هذا: هو أن المأموم خرج عن الائتمام بعد دخوله فجاز له البناء ~~كالمسبوق لا معذور في الخروج لإتمام صلاته فهكذا هاهنا هو معذور عن الخروج ~~لأجل بطلان صلاة الإمام. # المذهب الثاني: المنع من ذلك وهذا هو الراوية الثانية عن أبي العباس وهو ~~الذي حصله على رأي الهادي وهو قول بعض ms1421 الفقهاء. # والحجة على هذا: هو أن كل واحد منهم عقد صلاته في الجماعة ونوى الائتمام ~~ثم خرج كل واحد منهم عن الائتمام فكانت صلاته باطلة كما لو دخلوا في صلاة ~~الجماعة ثم خرجوا فالمخالفة مبطلة للصلاة هاهنا فهكذا تكون مبطلة لها هناك ~~والجامع بينهما هو الخروج إلى الانفراد بعد الائتمام. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله من جواز ذلك. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن الحديث إنما عرض في حق الإمام دون ~~المؤتمين فلا جرم بطلت صلاة الإمام دون صلاة المؤتمين فلما بطل إنعقاد ~~الجماعة للعذر فلا جرم صلوا لأنفسهم. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: خرج عن صلاة قد عقدها جماعة وانفرد فبطلت كما لو عقدها جماعة ثم ~~انفرد من غير عذر يعذره. # قلنا: المعنى في الأصل كونه خرج من غير عذر فلهذا بطل الخروج بعد عقد ~~الجماعة بخلاف ما نحن فيه فإنه إنما خرج لعذر فساد الطهارة في حق الإمام ~~فافترقا. PageV03P570 # الحكم الثالث: إذا تعمد الإمام الحدث فهل تبطل صلاة المؤتمين به أو لا تبطل ~~إلا صلاته فقط؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن صلاتهم صحيحة سواء سبقه الحدث أو تعمده، وهذا هو: رأي ~~القاسمية ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن صلاة المأمومين معلقة بصلاة الإمام على معنى أنهم ~~يقومون بقيامه ويقعدون بقعوده ويقتدون به في كل أحواله وعلى زيادة الفضل ~~بانعقاد الجماعة فهذا هو المراد بكون صلاة المامومين متعلقة بصلاة الإمام، ~~فأما على معنى أنها إذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المؤتمين فلم تدل عليه ~~دلالة فلهذا لم يحكم [بفسادها]. # المذهب الثاني: أن الإمام إذا تعمد الحدث بطلت صلاة المؤتمين، وهذا هو: ~~رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن صلاة المؤتمين كما هي متعلقة بصلاة الإمام في ~~صحتها وفضلها فهي متعلقة في بطلانها وفسادها لأن كل ما تعلقت صحته بصحة أمر ~~ففساده متعلق به، ألا ترى أن الصلاة صحتها موقوف على صحة الطهارة فيجب أن ~~يكون فسادها بفساد الطهارة من غير فرق. # والمختار: ما عليه ms1422 علماء العترة ومن تابعهم من أن صلاة المؤتمين لا تفسد ~~بفساد صلاة الإمام عند تعمد الحدث. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا، وهو ما روى البخاري في صحيحه وهو قوله : ~~((إنكم تصلون بهم فما صلح فلكم ولهم وما فسد فعليكم دونهم)). # ووجه الاستدلال من الخبر: هو أنه جعل الاستقامة في الصلاة(1) # للأئمة والمؤتمين بخلاف الفساد فإنه جعله على الأئمة دون المؤتمين وهذا ~~ظاهر في صحة ما قلناه. # ومن وجه آخر: وهو أنه لو فسدت صلاة المؤتمين بفساد صلاة الإمام للزم عكسه ~~وهو أن تفسد صلاة الإمام بفساد صلاة المؤتمين ولا قائل به، فظهر الفرق ~~بينهما. PageV03P571 # ومن وجه ثالث: وهو قوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). وأراد في الكمال ~~وإحراز الفضل والأجر والثواب والإتيان بالأركان والسنن والهيئات ولم يرد ~~بذلك الفساد وهو أن تفسد صلاة المؤتمين بفساد صلاة الإمام وفي ذلك صحة ما قلناه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: صلاة المؤتمين متعلقة بصلاة الإمام في الصحة والفساد من جهة أن ~~كلما علقت صحته بصحة شيء فهو معلق بفساده كالطهارة في حق الصلاة. # قلنا: إن صلاة الإمام لم تشرع لكونها شرطا في صحة صلاة المؤتمين فيلزم ما ~~ذكرتموه، وإنما شرعت إحرازا للفضل والأجر فلا يلزم من فسادها فساد صلاتهم. # قالوا: كما أن الصلاة موقوفة على الطهارة في الصحة والفساد فهكذا تكون ~~صلاة المؤتمين موقوفة على صلاة الإمام في الصحة والفساد. # قلنا: إن الطهارة شرط في صحة الصلاة فلهذا صحت الصلاة بصحتها وفسدت ~~بفسادها بخلاف صلاة الإمام فإنها ليست شرطا في صحة صلاة المؤتمين فلا يلزم ~~من فسادها فساد صلاتهم فافترقا. # الحكم الرابع: وإذا قلنا بصحة الاستخلاف، فهل يفترق الحال في صحته بين أن ~~يكون الحدث عمدا أو سهوا أو لا يفترق الحال؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يفترق الحال في صحة الاستخلاف بين سهو الحدث وعمده، ~~وهذا هو: رأي المؤيد بالله واختاره للمذهب. # والحجة على ذلك: هو أن الأدلة لم تفصل في جواز الاستخلاف وصحته بين أن ~~يكون الحدث سهوا أو ms1423 عمدا فلهذا قضينا بالتسوية بينهما. # المذهب الثاني: التفرقة بين السهو والعمد في صحة الاستخلاف وهذا هو: رأي ~~السيد أبي طالب، واختياره وذكر فيه احتمالين: # الاحتمال الأول: وهو الأظهر على أصل الهادي أنه إذا تعمد الحدث بطل ~~استخلافه. # والحجة على هذا: هو أن الاستخلاف ولاية جعلت له لأجل عقد الإمامة وقد ~~أبطلها تعمد الحدث فلهذا بطل استخلافه عليهم. PageV03P572 # ومن وجه آخر: وهو أن الحدث مبطل لأحكام الصلاة في إبطال ثوابها وسقوط فرضها ~~عن الذمة، فهكذا حال الاستخلاف يكون مبطلا له أيضا من غير تفرقة. # الاحتمال الثاني: أنه غير مبطل للاستخلاف. # والحجة على هذا: هو أنه إمام عرض له في صلاته حدث فجاز له الاستخلاف كما ~~لو كان مسبوقا بحدث. # والمختار: ما ذكره السيد أبو طالب من بطلان ولاية الإمام للإستخلاف بعمده الحدث. # وحجته: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أنا وجدنا الشرع والعقل يفرقان بين ~~عمد الأفعال وسهوها فيوجبون للعمد حكما وللسهو حكما آخر أقل تأثيرا من ~~العمد وإذا كان الأمر كما قلناه فالمؤاخذة حاصلة بحكم العقل والشرع في ~~العمد دون السهو إلا لدلالة فاصلة، ومن جملة المؤاخذة بطلان هذه الولاية في ~~الاستخلاف لأجل ما تعمده من الحدث ولأن المتعمد للحدث فيه إبطال لحرمة ~~الصلاة وإسقاط لأمرها فلا أقل من حرمانه لهذه الولاية بالاستخلاف عليهم. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: حدث فجاز فيه الاستخلاف كما لو كان مسهوا عنه. # قلنا: قد قررنا التفرقة بين السهو والعمد في حكم العقل والشرع وقررنا أن ~~أحدهما مخالف للآخر وإن للشرع والعقل مدخلا في المؤاخذة في العمد دون السهو ~~وفيه بطلان ما ذكرتموه. # الحكم الخامس: وإذا قلنا بجواز الاستخلاف كما مر بيانه، فهل يكون ~~علىالفور أو لا؟ # والمختار: أنه يكون على الفور لأن أفعال الصلاة تشترط فيها الموالاة بحيث ~~لا فاصل بين أفعالها ولا تراخي، وإذا قلنا بوجوب الفور فبأي شيء يضبط ~~الفور؟ فيه قولان: # فالقول الأول: أنه إن خرج الإمام من المسجد قبل الاستخلاف بطلت صلاتهم، ~~وهذا هو الذي حصله أبو العباس لمذهب الهادي، ms1424 وهو رأي أبي حنيفة، وإن استخلف ~~قبل ذلك فهو جائز ما داموا في الركن ولو أطالوا. PageV03P573 # القول الثاني:أنه يكون الاستخلاف في ذلك الركن، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ~~وهذا هو المختار، لأنا إذا قلنا: بالفور فلا فور هناك إلا بالاستخلاف في ~~ذلك الركن لأن التأخر عنه لا يكون فورا، وإذا حدث بالإمام حدث يوجب نقض ~~الطهارة فإنه يتأخر عن مقامه لأن ذلك الموضع للصلاة وقد خرج عن الصلاة ~~بانتقاض طهارته ويمشي القهقرى إلى وراءه لقوله : ((لا صلاة إلى متحدث )). ~~فإن كان الذي يقدمه في الصف الأول فإنه يأخذه بيده ويقدمه للصلاة، وإن كان ~~في الصف الآخر فإنه يتأخر إليه مستأخرا على قفاه حتى يقيمه في مقام الأول ~~وإن استقبلهم لم يضره لأن الحال حال ضرورة، وإذا قام مقام الأول فهل تلزمه ~~نية الإمامة أم لا؟ فيه قولان: # فالقول الأول: أن نية الإمامة تلزمه، وهذا هو: رأي السيد أبي طالب، ~~واختاره للمذهب. PageV03P574 # القول الثاني: أن نية الإمام غير واجبة سواء كان مستخلفا أو غير مستخلف ~~وهذا هو: رأي المؤيد بالله، وقد قدمنا وجه القولين، وذكرنا المختار ~~والانتصار فأغنى عن الإعادة، فأما نية المؤتمين بالإمام الآخر فإنها واجبة ~~كما وجبت في حق الأول، وإذا كان من قدمه الإمام قد فاتته ركعة فإنه يقعد في ~~آخر صلاة القوم حتى يتشهدوا ويسلموا ويقوم هو فيقضي ما فاته من الصلاة، فإن ~~قام وقاموا معه بطلت صلاتهم لأنها تكون لهم خامسة، وإن لم يسلم القوم حتى ~~يقضي الإمام ما فاته ويسلم ويسلموا بتسليمه من غير مخالفة له جاز ذلك وكان ~~أفضل حتى لا يخالفوه، ولا يجوز أن يقدم من لم يكن دخل معهم في الصلاة قبل ~~الحدث لأنه لما عقد الإمامة عليهم كانت له ولاية فلا جرم كان من تثبت عليه ~~الولاية أحق بالتقديم من الأجنبي، وتقدم من يصلح تقديمه ابتدءا لأنه إذا ~~جاز أن يكون في الابتداء جاز أن يكون مستخلفا لاستوائهما في مقصود ~~الصلاحية، وإن قدم من لا يصلح تقديمه ابتدءا نحو المرأة والصبي ms1425 والكافر ~~والفاسق بطلت صلاتهم إذا ائتموا به؛ لأن هؤلاء لا تصلح إمامتهم كما قررناه ~~من قبل على الإطلاق وإن كان لحال عارضة نحو أن يكون على غير طهارة أو يكون ~~متطوعا خلف الإمام والإمام لم يعلم ذلك أو يكون أميا والقوم قراء فإذا قدم ~~الأمي بطلت صلاة القراء وصحت صلاة الأميين، وهكذا القول فيما شاكل هذا، فإن ~~الصلاة لمن كان على مثل حاله يصح ولا يصح لمن كان أفضل من حاله وقد أوضحناه ~~من قبل فأغنى عن الإعادة فهذا ما أردنا في ذكر الأحكام التي تتعلق بنقض ~~الطهارة للإمام في الصلاة. # الفرع الثاني عشر: في تصفح باقي الأحداث المبطلة للصلاة غير نقض الطهارة ~~وإيراد ما يتعلق بها من الكلام وجملتها أمور خمسة: PageV03P575 # الحدث الأول: اللحن. والإمام إذا لحن في صلاته لحنا يفسدها فإن صلاته تبطل ~~لما قدمناه في باب ما يفسد الصلاة. قال المؤيد بالله: وصلاة المؤتمين. أراد ~~أنها تفسد إذا فسدت صلاة الإمام وكلامه هذا ففيه إحتمالان: # الاحتمال الأول: أن تكون المسألة محمولة على ظاهرها وهو أن صلاة المؤتم ~~كصلاة الإمام لأن صلاة المؤتم تتعلق بصلاة الإمام ولهذا فإن الإمام يتحمل ~~عنه القراءة فإذا لحن الإمام يكون كلحن المؤتم لا محالة فلهذا حكمنا ببطلان ~~صلاته وهذا بخلاف الحدث فإنه يختص في الفساد الإمام لا غير. # الاحتمال الثاني: أن يكون المراد إذا لحن الإمام واستمر على صلاته ولم ~~يخرج منها، وهكذا المؤتمون إذا لم يعزلوا صلاتهم عن صلاة الإمام حين تكلم ~~باللحن فإنه يجب أن لا تفسد صلاة المؤتمين وكلا الاحتمالين لا غبار عليه ~~خلا أن الاحتمال الأول أدق، والإحتمال الثاني أحق. # الحدث الثاني: الاحصار. وهو أن يتعذر على الإمام القراءة فهل يجوز له ~~الاستخلاف أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز الاستخلاف، وهذا هو: رأي القاسمية، ومحكي. عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا هو أنه عرض في صلاته ما يقطعه عن الاستمرار عليها من غير ~~تغير الفرض فجاز له الاستخلاف كالحدث. # وقولنا: من غير تغير الفرض. نحترز به عمن ms1426 انكشفت عورته في الصلاة فلا ~~يتمكن من سترها فليس له إن يستخلف لأن الفرض قد تغير لأن فرض العاري الصلاة ~~من قعود وفرض اللابس تأديتها من قيام كما سنوضحه. # المذهب الثاني: المنع من الاستخلاف، وهذا هو المحكي عن أبي يوسف، ومحمد. # والحجة على هذا: هو أن الولاية عليهم مشروطة بكمال الطهارة والسلامة من ~~جميع ما يعرض في إبطال الصلاة فإذا أحصر بطل شرط صحة الصلاة فلا جرم قضينا ~~ببطلان صحة الولاية في الاستخلاف وإنما أخرجنا بطلان الطهارة وإن صح ~~الاستخلاف معها لأخبار دلت على ذلك فقضينا بها. # والمختار: ما قاله الهادي والقاسم. PageV03P576 # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن الإحصار مانع من المضي في الصلاة ~~من أجل نقصان ركن من أركانها وهي القراءة فلا جرم كان له الاستخلاف كالحدث. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: الإحصار يخالف نقض الطهارة، فلا جرم قضينا بصحة الاستخلاف بنقض ~~الطهارة بخلاف الإحصار. # قلنا: إنا لا ننكر مخالفة الاحصار لنقض الطهارة لكنهما يستويان في صحة ~~الاستخلاف والجامع بينهما بطلان الصلاة بكل واحد منهما عند تعذره. # الحدث الثالث: القعود. وإذا أقعد الإمام في الصلاة. # قال المؤيد بالله: وإذا عجز الإمام عن القيام في الصلاة في بعض صلاته ~~فإنه يقدم أحد المؤتمين لأن قعوده كالحدث وأراد أنه كالحدث في حالتين في ~~أنه لا يجوز لهم الاقتداء به وأما في حقه فإنه لا يكون حدثا لأن الإمام باق ~~على صلاته فلا يلزم الاستئناف لأنه إذا لم يستأنفها فإن جميع صلاته تكون من ~~قعود وإذا بنى عليها فإن بعض صلاته تكون من قعود وبعضها من قيام فيكون أولى. # الحدث الرابع: الموت وإذا أم رجل قوما ثم مات في أثناء الصلاة فإنهم ~~يقدمون رجلا ويعتدون بالركعة ويطرحون الميت خلفهم. # والوجه في ذلك: هو أن الموت حدث مانع من إتمام الصلاة فجاز الاستخلاف كما ~~لو انتقضت طهارته. قال القاسم: من اشتغل بطرح الميت وإخراجه من المسجد فإنه ~~يستقبل الصلاة لأنها أفعال كثيرة تفسد الصلاة فلهذا وجب استئنافها، فأما ~~غير من اشتغل ms1427 بالميت فلا تكون صلاته فاسدة لأنه لم يعرض ما يوجب فسادها إلا ~~الاستخلاف وهو غير مفسد لها كما مر تقريره في سائر الأحداث. # نعم.. لو أغمي على الإمام فهل تبطل صلاة المؤتمين أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها تبطل صلاة المؤتمين لأن الإغماء مرض في العقل فأشبه ~~الائتمام بالمجنون، فلهذا قضينا ببطلان صلاتهم. # وثانيهما: أنها لا تبطل صلاتهم لأنه مرض مبطل للحركة فأشبه القعود ~~للإمام، وقعوده لا يبطل صلاتهم. PageV03P577 # والمختار: أن الإغماء إنما يبطل صلاة الإمام دون صلاة المؤتمين لأنه لم ~~يعرض في حقهم ما يبطل صلاتهم كما عرض في حقه ما يبطل صلاته فلهذا جاز لهم ~~الاستخلاف كما جاز في سائر الأحداث. # الحدث الخامس: انكشاف العورة. وإذا عرض على الإمام انكشاف عورته في حال ~~الصلاة فإنه يتمها من قعود لأن القعود فرض العريان، والعري كالحدث في حق ~~المؤتمين على معنى أن صلاتهم صحيحة ولا يجوز لهم الاقتداء به، وأما في حقه ~~فلا يكون حدثا لأن الإمام باق على صلاته ولا يلزمه الاستئناف لأنه لو ~~استأنفها فإن جميع صلاته تكون من قعود، وإذا بنى عليها كان بعضها من قيام ~~وبعضها من قعود، وهل يجوز لهم الاستخلاف أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: المنع من الاستخلاف من جهة أن الفرض قد تغير في حقه لأن فرضه قد ~~صار إتمام صلاته من قعود وفرض المؤتمين من قيام فلهذا كان ممنوعا من ~~الاستخلاف. # وثانيهما:جواز الاستخلاف. # ووجهه:هو أنه قد عرض في حقه ما يمنع من إتمام الصلاة فصار كالحدث وقعوده ~~لا يمنع من الاستخلاف كما لو قعد بالعجز والمرض. # وبتمامه يتم الكلام فيما أردنا ذكره من صلاة الجماعة. وبالله التوفيق. PageV03P578 # --- ### || AUTO الباب الثامن في سجود السهو # قال الإمامان القاسم، والهادي: سجدتا السهو واجبتان على المصلي في ~~الأذكار والأفعال والزيادة والنقصان، وتجبان على كل من قام في موضع جلوس، ~~أو جلس في موضع قيام، أو ركع في موضع سجود، أو سجد في موضع ركوع، أو قرأ في ~~موضع تسبيح، أو سبح في موضع قراءة، ولا تختصان ms1428 الفرض دون النفل. # فإذا عرفت هذا فلنذكر حكم النقصان في الصلاة، ثم نذكر حكم الزيادة فيها، ~~ثم نردفه بذكر الشك في الصلاة، ونذكر على إثره أقسام السجدات وأحكامها ~~وصفاتها، فهذه فصول أربعة نذكر ما يتوجه في كل واحد منها من التفريعات ~~والمسائل بمعونة الله تعالى. PageV03P579 # --- ### ||| AUTO الفصل الأول في بيان حكم النقصان في الصلاة # اعلم أن سجدتي السهو مشروعتان لما روى ثوبان عن رسول الله أنه قال: ((لكل ~~سهو سجدتان " )). ولا خلاف فيه، وهل تكونان واجبتين أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنهما واجبتان لأجل السهو. وهذا هو: رأي الهادي، والقاسم، ~~والمؤيد بالله، وحكى الكرخي: أنه لا نص لأبي حنيفة في وجوب سجدتي السهو، ~~لكن الذي يأتي على مذهبه: أنهما واجبتان. # والحجة على هذا: ما روى عبدالله بن جعفر، عن رسول الله أنه قال: ((من شك ~~في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم )). فهذا أمر شرعي وظاهر الأمر للوجوب ~~إلا أن تقوم دلالة على خلافه. # المذهب الثاني: أنهما مستحبتان. وهذا هو: رأي الناصر، والشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((سجدتا السهو جبر للنقصان ~~وترغيم للشيطان ))(1). # وروي عن الرسول أنه قال: ((هما المرغمتان " )) (2). # وما هذا حاله فليس يوصف بالوجوب لأن إرغام الشيطان من جملة المستحبات ~~والنوافل. # المذهب الثالث: أنهما إن كانتا لنقصان فهما واجبتان، وإن كانتا لزيادة ~~فهما مستحبتان. # والحجة على هذا: هو أن إتمام الصلاة واجب على كل مكلف فإذا نقص شيء منها ~~فالواجب جبرانه بسجود السهو فلهذا كانتا واجبتين، وإن كان للزيادة فلا ~~نقصان هناك في الصلاة فلهذا كانتا مستحبتين لأجل المخالفة بالزيادة. # والمختار: ما قاله الناصر، والشافعي: من أنهما غير واجبتين. PageV03P580 # وحجتهما: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا شك ~~أحدكم في صلاته فلم يدر صلى ثلاثا أو أربعا فليبن على اليقين وليلق الشك ~~وليسجد سجدتين))(1) # فإن كانت صلاته ناقصة فقد أتى بها وكانت السجدتين مرغمتين للشيطان، وإن ~~كانت صلاته تامة كان ما زاد نافلة والسجدتان له نافلة وترغمان ms1429 أنف الشيطان، ~~وما كان نافلة ويرغم أنف الشيطان فليس واجبا. # الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه أتاه رجل يسأله عن فرض الله عليه ~~فقال: ((خمس صلوات في اليوم والليلة إلا أن تطوع ))(2). # ولم يذكر وجوب السجدتين فلو كانتا واجبتين لذكرهما لأنه في موضع تعليم الشرع. # الحجة الثالثة: هو أن سجود السهو سجود لا تبطل الصلاة بتركه فلا يكون ~~واجبا دليله سجود التلاوة، فهذه الأدلة دالة على أنه ليس واجبا كما قلنا. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: روى عبدالله بن جعفر عن الرسول أنه قال: ((من شك في صلاته فليسجد ~~سجدتين بعدما يسلم )). وهذا أمر والأمر الشرعي يقتضي الوجوب. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أن الأمر يقتضي الوجوب، وإنما يقتضي الطلب، فأما ~~استحقاق الذم على ترك المطلوب فلا بد فيه من دلالة خارجة تدل على ذلك. # وأما ثانيا: فلأنه معارض بما ذكرناه من الأخبار الدالة على كونه نافلة ~~فإنها صريحة في دلالتها على المقصود وما أوردتموه ليس صريحا فيما يدل عليه، ~~فلهذا كان ما قلناه أحق بالقبول. # قالوا: روى ثوبان عن الرسول أنه قال: ((لكل سهو سجدتان )). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ظاهره الجبر وليس فيه دلالة على الوجوب وهو صالح للوجوب ~~والنفل لأن الأخبار عنهما على سواء فإن الواجب له سجدتان والنافلة لها ~~سجدتان. PageV03P581 # وأما ثانيا: فلأن الوجوب إنما يكون بصيغة مخصوصة دالة على الحتم والإلزام ~~والوعيد على الترك فأما مجرد الخبر فلا تكون فيه دلالة على الوجوب على حال. # قالوا: روى عبدالله بن مسعود عن الرسول أنه قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته ~~فليتحر ثم يسجد سجدتي السهو ))(1). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فليس في هذا إلا مجرد الإخبار عن كونه يسجد سجدتي السهو وليس ~~فيه دلالة على الوجوب على حال. # وأما ثانيا: فلأنا نحمله على الإستحباب لأنه هو المتحقق لأن الوجوب يحتاج ~~إلى دلالة منفصلة تدل على حظر الترك أو على إستحقاق الذم والعقوبة على ~~الترك لأن هذه هي فائدة ms1430 الوجوب وثمرته. # قالوا: ولأن الصلاة عبادة يدخلها الجبران فجاز أن يكون الجبران واجبا ~~دليله جبران الحج. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا قياس، ولا مجرى للأقيسة في العبادات؛ لأنها أمور لا ~~تفهم معانيها، فلهذا انسدت الأقيسة فيها. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل كونه جبرانا بالمال بخلاف ما نحن فيه، ~~فلا يدخله جبران المال بحال فافترقا. # قالوا:ولأن هذا سجود أمر المأموم بمتابعة الإمام فيه، فلهذا كان واجبا ~~كسجود الصلاة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: المعنى في الأصل كون السجود ركنا من أركان الصلاة بخلاف سجود ~~السهو فافترقا. # وأما ثانيا: فإنا نقلب عليهم هذا القياس ونقول سجود أمر المأموم بمتابعة ~~الإمام فلا يكون واجبا كسجود التلاوة. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: نذكر فيه مسائل: # المسألة الأولى: في بيان متعلق السهو. وفيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أن متعلقه هو الفرائض والسنن، وهذا هو: رأي القاسمية. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لكل سهو سجدتان )). ولم ~~يفصل في ذلك بين الفرائض والسنن. PageV03P582 # ومن وجه آخر: وهو أن المقصود بالسهو إنما هو جبران ما نقص في الصلاة وكما ~~يقع النقص في الفرض فقد يكون واقعا في النفل فلهذا كان متعلقا بهما. # المذهب الثاني: أن متعلقه إنما هو السنن دون الفرائض فلا تعلق له بها ~~سواء كانت السنن قولا أو فعلا، وهذا المحكي: عن الناصر. # والحجة على هذا: هو أن السهو إنما وضع من أجل الجبران لما نقص وهذا إنما ~~يتصور في السنن قولا كالتشهد والقنوت، وفعلا كالقعدة الوسطى، فأما الفرائض ~~فلا وجه لجبرانها بل لا بد من الإتيان بها ولا يقوم مقامها شيء من ~~لجبرانات. # المذهب الثالث: أن متعلقه الأفعال ولا يتعلق بالقول إلا بالقنوت، والتشهد ~~الأول قال الشافعي: ولا سجود إلا في عمل البدن. يعني في الأفعال دون ما ~~استثناه. # والحجة على هذا: هو أن هذه الأفعال المشروعة في الصلاة سوءا كانت مفروضة ~~كالركوع والسجود أو كانت نافلة كالقعدة في التشهد الأوسط فإنها كلها مستقلة ~~بنفسها ms1431 ليست هيئة ولا تابعة لغيرها فلأجل هذا تعلق بها سجود السهو بخلاف ~~الأذكار فإنها تابعة لغيرها وهيئات، فلهذا لم يتعلق بها سجود السهو ولا ~~يستثنى من هذه الأذكار إلا القنوت والتشهد الأوسط فإنما هما مستقلان ~~بأنفسهما لا يتبعان غيرهما ولا هما هيئتان فلهذا يتعلق بهما سجود السهو ~~لاستقلالهما بأنفسهما،وأما غيرهما من الأذكار فإنها هيئات تابعة لغيرها ~~فلهذا لم يتعلق بها سجود، وهذا نحو دعاء الاستفتاح فإنه تابع للصلاة لا ~~تستفتح إلا لأجلها، ونحو قراءة السورة بعد الفاتحة فإنها تابعة لها ونحو ~~التكبير للركوع والسجود فإنه هيئة للرفع والخفض، ونحو التسبيح فإنه هيئة ~~للركوع والسجود فلما كانت هيئات لم يتعلق بها سجود السهو هذا قوله الحديد، ~~وحكى الشيخ أبو إسحاق من أصحابه: أن السهو يتعلق بترك كل مسنون في الصلاة ~~سواء كان ذكرا أو فعلا، وهذا هو الأصح من مذهبه أنه لا يفصل في تعلق السهو ~~بين الأذكار والأفعال. PageV03P583 # المذهب الرابع: أن السهو يتعلق بأمور أربعة. وهذا هو المحكي: عن أبي حنيفة: # أولها: زيادة فعل من جنسها، وهذا كما لو ركع مرتين أو سجد ثلاث سجدات ناسيا. # وثانيها: نقصان فعل ينقص فيه الذكر في موضعه وهذا كالقعدة الأولى فإنه ~~إذا تركها نسيانا نقص الذكر عن موضعه وهو التشهد. # وثالثها: ترك ذكر مقصود طويل وهذا نحو القنوت وتكبيرات العيدين والتشهد. # ورابعها: هيئة الركن وهذا نحو الجهر والمخافتة فهذه الأمور كلها يتوجه ~~سجود السهو لأجلها لا غير ولا يتعلق إلا بها، ولا يجوز سجود السهو في تسبيح ~~الركوع والسجود، ولا في التكبير لها لأنها غير مقصودة وإنما هي تابعة ~~لغيرها ولا هي طويلة كالقنوت، فهذه هي المذاهب في متعلق السهو في الصلاة. # والمختار: ما عول عليه القاسمية من كون السهو متعلقه الفرض والنفل. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو قوله : ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم ~~يدر صلى ثلاثا أو أربعا فليبن على اليقين وليلق الشك وليسجد سجدتين)). ولم ~~يفصل بين فرض ونفل، وفي هذا دلالة على كونه متعلقا بهما. # الانتصار: يكون بالجواب ms1432 عما خالفه. # قالوا: متعلقه السنن دون الفرائض، كما هو محكي: عن الناصر، لأن السهو ~~موضوع للجبران والجبران إنما يعقل في السنن دون الفرائض. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المقصود جبران المفروض إذا غير عن حاله ثم أدي على الكمال ~~والتمام، وهذا نحو أن ينسى سجدة أو ركعة ثم يأتي بها فقد تعلق السهو ~~بالمفروض كما أوضحناه، ولا بد من تأديته والسهو جبران لما حصل من النقص ~~بنسيانه وأدائه. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار الدالة على تعلق السهو ~~بالمفروض والمسنون وما ذكرتموه فهو قياس والقياس لا يعارض الأخبار لأن ~~الشرط في العمل على القياس أن لا يكون معارضا بخبر. # قالوا: متعلقه الأفعال ولا يتعلق بالأذكار إلا في القنوت والتشهد كما هو ~~محكي: عن الشافعي. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV03P584 # أما أولا: فلأنا قد حكينا من مذهبه أن الأصح تعلق السهو بالأقوال والأفعال ~~فلا وجه لتخصيص الأفعال دون الأذكار. # وأما ثانيا: فلأن السهو كما يجري في الأفعال فهو جار في الأقوال والأذكار ~~من الصلاة فلا وجه لتخصيص أحدهما عن الآخر. # قالوا: هو جار في الأمور الأربعة التي ذكرناها كما هو محكي: عن أبي حنيفة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن قصر السهو على هذه الأمور الأربعة تحكم لا مستند له ولا ~~دلالة تدل عليه. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه غير حاصر لما يقع فيه السهو، وهذا نحو القراءة ~~في موضع التسبيح والتسبيح في موضع القراءة وغير ذلك من الصور التي يتعلق ~~بها السهو غير ما ذكروه فلا وجه لقصره على هذه الأمور الأربعة. # المسألة الثانية: نقصان الصلاة بترك السنن المتصلة بها هل يكون مبطلا ~~للصلاة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يكون مبطلا للصلاة، وهذا هو: رأي أئمة القاسمية، ~~واختيار السيدين الأخوين، ومحكي: عن زيد بن علي، وهو: قول أبي حنيفة ~~وأصحابه، والشافعي وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أن التفرقة بين الفرض والسنة هو أن الفرض لا يجوز ~~تركه ويستحق تاركه الذم والعقاب على ms1433 تركه سواء كان الفرض عقلا أو شرعا فإن ~~هذه هي أحكام الفرض بخلاف النفل والسنة فإن تاركها لا يستحق عقابا ولا ذما، ~~وإذا كان الأمر كما قلناه فلا وجه لبطلان الصلاة بتركه السنة عمدا، ويؤيد ~~ما ذكرناه ويوضحه أنه لو بطلت الصلاة بترك السنة لكان لا يفترق الحال بين ~~الفرض والسنة. # المذهب الثاني: بطلان الصلاة بترك السنة على جهة العمد، وهذا هو: رأي ~~الناصر. # والحجة على هذا: هو أن ترك السنة على جهة يكون فيه تهاون بأمر الرسول ~~واستخفاف بحقه، وما هذا حاله فإنه يكون مبطلا للصلاة لأن التارك لها على ~~جهة العمد مستخف لا محالة. # والمختار: ما عليه أئمة القاسمية، والفقهاء. PageV03P585 # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن الصلاة إذا أديت بكمالها بفروضها ~~وشروطها فإنا نحكم عليها بالصحة، والإخلال بسنة من سننها لا يوجب بطلانها. # ومن وجه آخر: وهو أن الهيئات من السنن لما كان تركها على جهة العمد لا ~~يوجب بطلانها كوضع الكفين حذاء الخدين، وتفريق الأصابع وضمها فهكذا في ~~السنن المستقلة نحو القنوت والتشهد الأوسط والتسبيحات في الركوع والسجود، ~~تركها على جهة العمد لا يكون مبطلا للصلاة والجامع بينهما كونهما سنتين. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: ترك السنة المستقلة عمدا يكن استخفافا بالرسول وإهانة، وما هذا ~~حاله يبطل الصلاة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن كل من ترك السنة فإنه مستخف بالرسول فإن ما ~~هذا حاله يكون كفرا وردة وليس من ترك فعل السنن يقال: إنه قد كفر وارتد ~~وخرج عن الدين فما هذا حاله فلا وجه له. # وأما ثانيا: فلأنه قد يتركها لأغراض أخر غير الاستخفاف من اشتغال بغيرها ~~وتكاسل عن أدائها، وإذا كان هذا محتملا بطل أن يقال: إن ترك السنة متعمدا ~~يكن استخفافا بالرسول وإهانة. # قالوا: إنا لم نقل: إنه استخفاف بالرسول وإنما قلنا: إن ترك السنة على ~~جهة الاعتماد ينزل منزلة الاستخفاف بحال الرسول والإعراض عنه. # قلنا: إن كل ما كان استخفافا أو نازلا منزلة الاستخفاف فلا بد ms1434 فيه من ~~القصد والنية، والتارك للسنة على جهة العمد لم يقصد الاستخفاف ولا خطر له ~~على بال وإنما آثر الترك لأمور عارضة لا يكون استخفافا على كل حال. # المسألة الثالثة: جبران النقصان في الصلاة بسجدتي السهو هل يكون لعين ~~السهو أو يكون لأجل النقصان؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه إنما وجب لعين السهو فلا يجب في العمد، وهذا هو: رأي ~~المؤيد بالله. # والحجة على هذا: هو قوله : ((لكل سهو سجدتان )). # وقوله : ((إذا سها أحدكم في صلاته فليبن على الأقل ثم يسجد سجدتين )). PageV03P586 # ووجه الدلالة من هذين الخبرين: هو أنه علق وجوب السجود بعين السهو فلا حاجة ~~إلى تغيير هذا الظاهر من غير دلالة. # المذهب الثاني: أن وجوب السجدتين إنما يتعلق بالنقصان ولهذا فإنه يجب على ~~العامد كما يجب على الساهي، وهذا هو: رأي السيد أبي طالب. # والحجة على هذا: هو أن المقصود من خطاب الله تعالى، وخطاب رسوله إنما هو ~~التعويل على المعاني دون الألفاظ ولهذا ورد التعبد بالقياس بخلاف خطاب ~~الخلق فإن وقع اضطراب إلى قصودهم بخطابهم عول عليه، وإن لم يكن هناك اضطرار ~~إلى قصودهم وجب التعويل على ما تدل عليه الألفاظ، ولا شك أن السابق إلى ~~الفهم من قوله : ((لكل سهو سجدتان " )). إنما وجبا من أجل ما وقع في الصلاة ~~من النقص بتغيير أحوالها عما شرعت عليه ولأجل هذا كان التعويل على جبران ما ~~نقص، وسواء كان النقص واقعا على جهة العمد أو على جهة السهو بل نقول: إن ~~جبران ما وقع على جهة العمد أحق بالجبران لمن كان العمد به، وأن المؤاخذة ~~بالعمد أكثر من المواخذة بالسهو فلهذا وجب التعويل على مجرد النقصان لما ~~ذكرناه. # والمختار: ما ذهب إليه السيد أبو طالب. # ووجهه: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن المقصود إنما هو جبران ما نقص من ~~الصلاة والنقص كما يحصل لسهو فهو حاصل بالعمد بل هو أدخل في الجبران من ~~السهو. ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~}[النساء:10].فالوعيد إنما توجه ليس ms1435 على من أكل بل على من أتلف بالإغراق ~~والإحراق فالسابق إلى الفهم إنما هو الإتلاف، وقوله : ((لا يقض القاضي وهو ~~غضبان " ))(1). PageV03P587 # فليس المقصود هو عين الغضب وإنما القصد هو ما يلحق بالدهشة، وهذا حاصل ~~بالجوع والعطش والألم، وحقن البول ومدافعة الغائط، وهكذا القول في جميع ~~الخطابات من جهة الله، ومن جهة رسوله، فإن التعويل فيها على المعاني ~~السابقة إلى الأفهام فهكذا ما نحن فيه يجب التعويل على ما ينقض الصلاة عمدا ~~كان أو سهوا. # الانتصار: يكون بالجواب عما يخالفه. # قالوا: الأحاديث كلها دالة على تعليق الجبران بالسجود إنما هو يعين السهو ~~فلا يدخل فيه العمد. # قلنا: نحن لا ننكر تعليقه بالسهو لكنا نقول: كما يتعلق بالسهو فهو متعلق ~~بالعمد بجامع نقصان الصلاة وجبرانها، وهكذا فإنا لا نخرج الغضب في قضاء ~~القاضي، ولا نخرج الأكل في مال الأيتام بل نقول: كما يتعلق بها فهو يتعلق ~~بغيرها بجامع أعم منها فجامع السهو النقصان، وجامع الغضب الدهشة التي تنقض ~~اجتهاد القاضي، وجامع الأكل إتلاف الأموال التي للأيتام فقد صارت هذه ~~المعاني مقصودة لصاحب الشريعة من خطابه فلهذا وجب التعويل عليها. # الفرع الثاني: في بيان حكم المتروك في الصلاة. # اعلم أن الصلاة لها أركان وأبعاض وهيئات، والنقصان والترك متعلق بكل واحد ~~من هذه الأنواع ونحن نذكر ما يتعلق بها ونجعله على ثلاث مراتب: # المرتبة الأولى: في نقصان الأركان وفيه مسائل: # المسألة الأولى: إذا قام المصلي من الركعة الأولى إلى الركعة الثانية ثم ~~تيقن أنه ترك سجدة من الأولى ففيما يفعل مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه لا يحتسب بما فعل من الركعة الثانية حتى يتم الأولى، ~~وهذا هو: رأي القاسمية، ومحكي: عن الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن ما فعله من الأولى فهو صحيح فلا تبطل بترك ما بعده ~~وعلى هذا تصح له ركعة واحدة بكمالها وتبطل أعمال الركعة الثانية بعد أخذ ~~السجدة منها. PageV03P588 # والمذهب الثاني: أنه إذا قام إلى الثانية ثم ذكر أنه ترك سجدة من الأولى ~~فإن ذكر ذلك بعد أن اطمأن في ms1436 الركوع في الثانية أو بعدما سجد فيها فإنه لا ~~يعود إلى إتمام الأولى بكل تكون الأولى باطلة وتكون الثانية صحيحة وهذا هو ~~المحكي: عن مالك. # والحجة على هذا: هو أنه اطمأن في الركوع في الثانية أو بعدما سجد لها ~~فإنها تكون أحق بالإتمام، والأولى تكون ناقصة فلا عبرة باعمالها. # المذهب الثالث: أنه إن ذكر بعد القراءة حصلت له الثانية وكانت الأولى ~~باطلة، وإن كان ذكره قبل القراءة في الثانية سجد لتمام الأولى، وهذا هو ~~المحكي: عن أحمد بن حنبل. # والحجة على هذا: هو أنه إذا كان مشتغلا بالقراءة وأتمها كانت الركعة ~~الثانية أحق بالإتمام؛ لأن القراءة ركن من أركان الصلاة فإذا ذكرها بعد ~~فراغه من القراءة كانت الثانية أحق بالإتمام بخلاف ما إذا كان ذكره لها قبل ~~القراءة كانت الأولى أحق بالإتمام ويبطل ما عمل في الثانية من الأعمال. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: إن اطمأن في الركوع في الثانية أو بعدما سجد لها كانت الثانية أحق ~~ولا يعود إلى إتمام الأولى. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن إتمام الركعة الأولى أحق لما ذكرناه لأن الركعة الثانية ~~لا تكون تامة إلا بتمام الركعة الأولى ولأنه لا يمكن بناء الصحيح على ~~الفاسد. PageV03P589 # وأما ثانيا: فلأنا إذا أخذنا سجدة من الركعة الثانية فقد حصل هناك بها ~~فائدة وثمرة بخلاف ما إذا أبطلنا الركعة الأولى فلم تحصل فيها فائدة وقد ~~قال تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم}[محمد:33]. فلهذا كانت الركعة الأولى أحق ~~بالإتمام لما ذكرناه فإذا لا وجه لما قاله مالك وأحمد بن حنبل، فإذا عرفت ~~هذا نظرت فإن سجد المصلي السجدة الأولى من الركعة الأولى وترك الجلوس بين ~~السجدتين والسجدة الثانية وذكر ذلك وهو قائم في الركعة الثانية فإنه يجب أن ~~يقعد ثم يسجد ومن أصحاب الشافعي من قال إنه لا يلزمه القعود لأن القعود بين ~~السجدتين إنما وجب لأجل الفصل بينهما وقد قام القيام مقام القعود في الفصل. # والمختار على المذهب: أنه لا بد من القعود لأن القعود بين السجدتين هو ms1437 ~~فرض واجب كما مر بيانه فلا يقوم القيام مقامه كما لو قصد القيام بين ~~السجدتين للفصل فإنه لا يعول عليه فهكذا هاهنا، وإن كان قد قعد بعد السجود ~~الأول للفصل ثم قام ولم يسجد السجدة الثانية فإنه يتم الركعة الأولى بسجدة ~~من الركعة الثانية ويلغي الباقي، وإن ترك من الركعة الأولى سجدة ثم صلى ~~الركعة الثانية فسجد لها سجدة فإنه تصح له ركعة واحدة. # ووجهه: ما ذكرناه، وهو أن كل واحدة من الركعتين ناقص عن الكمال الشرعي ~~والنقص إنما يتطرق إلى الثانية لأنها لا تتم إلا بعد كمال الأولى، فلأجل ~~هذا أكملنا الأولى بالسجدة الثانية وكملت الركعة الأولى ويأتي بثلاث ركعات ~~على الكمال والتمام ويلغي ما بقي من أعمال الركعة الثانية. # المسألة الثانية: وإن ترك من أربع ركعات أربع سجدات نقص من كل ركعة سجدة ~~ففي الواجب عليه ثلاثة مذاهب: # المذهب الأول: أنه يصح له ركعتان ولا يعتد بما تخلل بين السجدتين من ~~الأفعال، وهذا هو: رأي الهادي، والمؤيد بالله، ومحكي: عن الشافعي. PageV03P590 # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه صلى الظهر خمسا على جهة السهو فلما ~~تحقق ذلك استقبل القبلة وكبر وسجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع وقال: ~~((هما المرغمتان )). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه لم يعتد بالعارض بين الركعة الرابعة وبين ~~التشهد لما كان مفعولا على طريق السهو. # المذهب الثاني: أنه يأتي بأربع سجدات متواليات وتصح صلاته، وهذا هو رأي: ~~الناصر، ومحكي: عن أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي. # والحجة على هذا: هو أن السجدات قد مضى محلهن بالنسيان، وإذا كان ماضيا ~~فالواجب الإتيان بهن على جهة التوالي من غير فصل بينهن لما ذكرناه. # المذهب الثالث: أن الصلاة لما كانت ناقصة عن هذه السجدات والصلاة الشرعية ~~لا تكون صلاة إلا بتمامها وكمالها بسجودها وركوعها فلما بطلت هذه السجدات ~~كانت الصلاة باطلة، ويجب عليه الاستئناف خلا أن تكبيرة الافتتاح تكون صحيحة ~~لأنه لم يعرض لها ما يبطلها فلا جرم كانت التحريمة صحية ويصلي أربع ركعات ~~بركوعهن وسجودهن، وهذا ms1438 هو المحكي عن: الليث، وأحمد بن حنبل. # والمختار: ما عول عليه الهادي، والمؤيد بالله، من أنه تصح له ركعتان لأن ~~الركعة الأولى تتم بالثانية والثالثة تتم بالرابعة فقد صح له ركعتان وبقي ~~عليه ركعتان، فإذا عرفت هذا نظرت، إن كان قد أتى بالقعدة بين السجدتين فقد ~~تمت له الركعتان بكمالهما بسجودهما وحصول القعدة بينهما، وإن كان قد ترك ~~سجدة من كل ركعة ثم ترك القعدة بين السجدتين فإنه يجب عليه الإتيان بهذه ~~القعدة لأنها فرض واجب لتكون السجدة عقيب القعود، وعلى هذا تحصل له ركعة ~~إلا سجدة وعليه سجدة يأتي بها حتى تكمل الركعة الأولى فتحصل له ركعتان وإن ~~كان قد تشهد في الرابعة يظن أنه التشهد الأخير فإنه يعتد به عن التشهد ~~الأول ثم يأتي بركعتين يتشهد في آخرهما ويسلم ويراعى في هذا التقرير أصلان: PageV03P591 # الأصل الأول: أن كل ما أخذ منه شيء لإتمام غيره فإنه يلغو ويبطل ولا يكون ~~له حكم، وبيانه أنا إذا أتممنا الركعة الأولى بسجدة من الثانية تعطل الباقي ~~من أعمال الثانية، وإذا أتممنا الثالثة بسجدة من الرابعة بطل ما بقي منها. # الأصل الثاني: أنه لا يخرج من ركن من الصلاة إلا بعد كماله وتمامه لأن ~~الترتيب مستحق في أعمال الصلاة فإذا كانت الركعة الأولى ناقصة والثانية ~~تامة لم يحكم بتمام الثانية إلا بعد كمال الأولى لأن التام لا ينبني على ~~الناقص. # قال السيد أبو طالب: فإن سجد في الركعة الثانية السجدة الثانية التي ~~تركها في الأولى وسجدة معها أخرى فإن سجدها سهوا أجزت صلاته لأنه معذور في ~~فعلها، وإن سجدها عمدا بطلت صلاته لأن زيادة سجدة تكون مخالفة للمشروع في ~~الصلاة فلهذا كانت مبطلة لها. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إذا نسي أربع سجدات من أربع ركعات فإنه يأتي بأربع سجدات متواليات ~~كما هو المحكي عن الناصر وغيره من الفقهاء لأن هذه السجدات قد بطل محلها ~~بالنسيان فلأجل هذا أوجبنا عليه التوالي. # قلنا: الترتيب مستحق في أعمال الصلاة والسجود فعل واجب في الصلاة ms1439 لا تكون ~~صلاة شرعية واقعة على صفتها إلا بإكماله فلأجل هذا أوجبنا عليه مراعاة ~~الترتيب ولن يكون إلا بما ذكرناه حتى تكون الصلاة واقعة على صفتها ~~المشروعة. # قالوا: إذا نسي هذه السجدات فقد أخل بترتيب الصلاة والإتيان بها على ~~موضوعها الشرعي فيجب القضاء بإبطالها واستئناف الصلاة كما لو أخل فيها ~~بركعة أو سجدة على جهة العمد. # قلنا: إن الله تعالى تهى عن إبطال العمل بقوله: {ولا تبطلوا أعمالكم ~~}[محمد:33]. وما ذكرتموه فيه إبطال العمل. # ومن وجه آخر: وهو أن الرسول قد زاد في الصلاة على جهة السهو وتداركها ~~بسجود السهو ونقص من الصلاة وتدارك صحتها بإكمالها بما نقص منها، ولم يبطل ~~العمل كما قاله: الليث، وأحمد بن حنبل فبطل ما قالاه. PageV03P592 # المسألة الثالثة: في الحكم إذا لم يعلم مواضع ما نسي من السجدات بعد تحقق ~~نسيانها، وفي كيفية الجبران لما تركه مذهبان: # المذهب الأول: أنه إذا ترك بعضا من السجدات سهوا ولم يعلم مواضعها فإنه ~~يأتي بها مطلقة من غير التفات إلى أنها من الركعة الأولى أو من الركعة ~~الثانية أو الثالثة أو الرابعة، فإن كان المتروك سجدة واحدة فإنه يأتي بها، ~~وإن كان المتروك سجدتين فإنه يأتي بهما مع ركعتهما وهذا هو الذي اختاره ~~السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب، وعلى هذا إذا ترك سجدة من ثماني ~~سجدات صح له أربع ركعات إلا سجدة فيأتي بها، وإن ترك سجدتين صحت له ثلاث ~~ركعات ثم يأتي بركعة بسجدتيها، وإن ترك ثلاث سجدات صحت له ثلاث ركعات إلا ~~سحدة وعليه سجدة واحدة وركعة واحدة بسجدتيها، وإن ترك أربع سجدات صحت له ~~ركعتان وبقي عليه ركعتان، وإن ترك خمس سجدات صحت له ركعتان إلا سجدة وعليه ~~ركعتان وسجدة، وإن ترك ست سجدات صحت له ركعة واحدة وعليه ثلاث ركعات ~~بسجودهن، وإن ترك سبع سجدات صحت له ركعة إلا سجدة وعليه ثلاث ركعات وسجدة، ~~وإن ترك ثماني سجدات وجب عليه الإتيان بأربع ركعات بسجودهن إلا ركوع واحد، ~~فقد صح له فيبني عليه. # والحجة ms1440 على هذا: هو أن المقصود جبران الفائت من السجدات من غير التفات ~~إلى مواضح الفوائت فإذا أتى على النحو الذي ذكرناه فقد خرج عن جهة الأمر ~~وأتى بما يتوجه عليه. ويؤيد ما قلناه: ما روي عن الرسول أنه سلم في الظهر ~~على ثلاث ركعات على جهة السهو ثم جبر النقصان بزيادة ركعة وسجودا لسهو. قال ~~المؤيد بالله: من صلى أربعا من الظهر بخمس سجدات ونسي ثلاث سجدات ولا يعلم ~~مواضعها من كل ركعة نسي سجدة أم كيف نسيها صحت له ثلاث ركعات إلا سجدة ~~وعليه سجدة وركعة بسجدتيها وهكذا إن ترك ستا صحت له ركعة وعليه ثلاث ركعات ~~بسجودهن. # المذهب الثاني: محكي عن الشافعي وأصحابه. PageV03P593 # وتقرير ما قالوه: هو أن المصلي إذا صلى أربع ركعات وذكر قبل أن يسلم أنه ~~ترك سجدة منها وليس يعلم من أي موضع تركها فإنه يلزمه أن يأتي بركعة على ~~تمامها لأن أحسن أحواله أن يكون قد تركها من الرابعة فيأتي بسجدة لا غير، ~~وأسوأ أحواله أن يكون قد تركها مما قبلها فيلزمه أن يأخذ بأسوأ أحواله ~~ليسقط الفرض بيقين، وإن ترك سجدتين ولم يعلم موضعيهما لزمه ركعتان لجواز أن ~~يكون قد ترك من الأولى سجدة ومن الثانية سجدة فيتم الأولى من الثانية ~~والثالثة من الرابعة ويلغو ما أخذ منه ويبطل، إلى تفصيلات طويلة تشتمل على ~~شرحه كتبهم. # والمختار: هو ما ذكرناه في الإحتجاج من أن المقصود هو جبران الفائت من ~~غير التفات إلى كون السجدة من الركعة الأولى أو من الثانية لأنا قد فرضنا ~~أن مواضع السجدة غير معلوم فلهذا وجب جبرانها على ما ذكرناه في الاحتجاج. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إذا ترك سجدة واحدة ولم يعلم مكانها احتمل أن تكون من الركعة ~~الأولى أو من الثانية وما بعدها وإذا كان الأمر كما قلناه أخذ بأسوأ ~~الأحوال فتكون من الأولى ويكملها من الثانية ويلغو ويبطل ما أخذ منه فلهذا ~~أوجبنا ركعة واحدة إذا كان الفائت سجدة واحدة. PageV03P594 # قلنا: لما كان موضع السجدة ms1441 غير معلوم فالواجب هو الإئتيان بها مجردة عن ~~الركعة لأن الركعة قد أتى بها والفوات إنما كان في سجدة واحدة فلهذا ~~أوجبناه من غير زيادة والتفرقة في فوات السجدة الواحدة بين أن يكون مكانها ~~معلوما أو غير معلوم هو أنه إذا كان مكانها معلوما أتمت مما يليها، فإذا ~~فات من الركعة الأولى سجدة أتمت من الركعة الثانية لتكون أعمال الصلاة ~~مرتبة بخلاف ما إذا كان فوات السجدة موضعه غير معلوم فإنه يأتي به ويكمل له ~~أربع ركعات إلا سجدة فيأتي بها من غير زيادة لأنها هي الفائتة. والتفرقة ~~بين كلام أصحابنا وكلام الفقهاء هو أن عند أصحابنا إذا كان المتروك سجدة ~~واحدة فإنه يؤتى بها من غير زيادة الركعة، والفقهاء أوجبوا زيادة الركعة ~~إذا كان المتروك سجدة واحدة لأنهم جوزوا تركها من الركعة الأولى أم من ~~الركعة الثانية، وجعلوا ما لم يعلم مكانها بمنزلة ما علم مكانها في أنهم ~~يتمونها مما يليها على جهة التقدير فلهذا أوجبوا ركعة واحدة إذا كان ~~المتروك سجدة واحدة، وللفقهاء تفاصيل فيما إذا كان المتروك مع السجدة ~~القعدة بين السجدتين والتشهد يطول شرحها. PageV03P595 # المسألة الرابعة: قال الإمام زيد بن علي: إذا نسي ركوعا من آخر الظهر وذكره ~~في التشهد عاد إلى الركوع ويركع ويتم ما بعده وإن نسي من الأولى فتذكر في ~~آخره يعيد ركعة مع القراءة والركوع والسجود وهذا جيد فإن الرسول ترك ركعة ~~من آخر الظهر فذكرها ثم أتى بها جبرانا لما نقص من صلاته، وإن كان المتروك ~~من آخر الصلاة قبل التسليم فإن المصلي يأتي بالركوع من غير قراءة لأن ~~القراءة قد تقدمت في أول الصلاة ثم يقعد بعد الركوع ويتشهد ويسلم وإن نسي ~~الركوع الأول ولم يكن قد قرأ في الركعات الأخر فإنه يأتي بركعة مع القراءة ~~فيكون بإتيانه بالركعة مع القراءة قد أتى بالمفروض والمسنون، وإن نسي ~~ركوعين متواليين من أربع وعلم أنه قد أتى فيما صلى من الركوعين الآخرين في ~~كل ركعة بسجدتين صحت له ركعتان بكمالهما ويلزمه الإتيان ms1442 بركعتين بكمالهما ~~وعليه سجود السهو بعد الإتيان بما ذكرناه لأجل المخالفة. # قال الإمام القاسم: لو نسي المصلي ركعة من صلاته ثم ذكرها قبل التسليم ~~فإنه يقوم ويأتي بركعة تامة ويتشهد ويسلم وعليه سجدتا السهو في ذلك. # قال الإمام المؤيد بالله: ولو انحط المصلي من قيامه إلى السجود ثم ذكر ~~أنه نسي الركوع فالواجب عليه الركوع، فإن استوى قائما ثم ركع لم يبعد جواز صلاته. # وقال أيضا: ولو انحط عن ركوعه إلى سجوده قبل الاستواء والإعتدال فإن كان ~~فعله سهوا رجع إلى الاستواء ثم انحط ساجدا، وإن كان فعله عمدا فالأقرب ~~بطلان صلاته، وهذا جيد أيضا لأن الركوع فرض من فروض الصلاة وركن من أركانها ~~فلا بد من الإتيان به كما قاله القاسم، وهكذا الحال فيما ذكره المؤيد بالله ~~إذا انحط ولم يركع عاد إلى الركوع ليأتي به من غير انتصاب لأنه هو الفائت ~~والقيام فرض قد أداه فإن قام وركع لم يضره لأنه فعل قليل وعليه سجود السهو. PageV03P596 # وعن زيد بن علي أنه قال: إذا دخل الرجل في الصلاة فنسي أن يقرأ حتى ركع ~~فليستو قائما ثم يقرأ ثم يركع ويسجد سجدتي السهو. وهذا جيد كما ذكر لأن ~~القراءة فرض من فروض الصلاة ومحلها القيام فإذا نسيها وجب عليه أن يؤديها ~~في محلها وهو القيام ثم يسجد سجدتي السهو لأجل ما وقع من المخالفة. # قال الإمام أبو طالب: ومن نسي القراءة في صلاته ثم تذكرها قبل التسليم ~~قال: فالأولى على المذهب أن يأتي بركعة واحدة يقرأ فيها فاتحة الكتاب وسورة ~~والأمر كما ذكر من جهة أن القراءة فرض فإذا نسيها وتذكرها وجب عليه الإتيان ~~بركعة للقراءة بفاتحة الكتاب والسورة ويلغو ركعة وتبطل لأنها كلا ركعة لما ~~خلت عن القراءة، وإن نسي المصلي الجهر والمخافتة في الصلاة ثم ذكرها قبل ~~التسليم فالذي يأتي على رأي الهادي: أن صفة القراءة كالقراءة فالواجب ~~الإتيان بالجهر والمخافتة في ركعة واحدة لأنها فرض ويسجد للسهو. وعلى رأي ~~المؤيد بالله: الجهر والمخافتة هيئتان من هيئات الصلاة ms1443 فإذا أخل بهما فلا ~~سهو فيهما وهذا هو المختار، وقد ذكرناه من قبل، وإن قعد للتشهد الأخير ثم ~~ذكر أنه لم يعتدل بين السجدتين فالواجب عليه إذا قعد للتشهد أن يعيد السجدة ~~الأخيرة لتكون حاصلة بعد الإعتدال ثم يتشهد بعد السجود ويسلم وذلك لأن ~~الإعتدال بين السجودين فرض لا بد من الإتيان به فلهذا قلنا: بوجوب إعادته ~~وقد تم غرضنا من نقصان فروض الصلاة. # المرتبة الثانية: في بيان نقصان السنن. وهي الأبعاض ونذكر فيه مسائل: # المسألة الأولى: إذا قام من الثانية ناسيا إلى الثالثة وترك التشهد فما ~~الواجب عليه؟ فيه مذاهب خمسة: # المذهب الأول: أنه إن ذكر بعد أن انتصب قائما لم يعد إليه، وإن ذكر قبل ~~أن ينتصف قائما عاد إليه، وهذا هو رأي القاسمية، واختاره السيدان الأخوان، ~~وهو محكي عن الشافعي. PageV03P597 # والحجة على هذا: ما روى المغير ة بن شعبة عن الرسول أنه قال: ((إذا قام ~~أحدكم إلى الركعتين فلم يستتم قائما فليجلس فإذا استتم قائما فلا ~~يجلس))(1). # المذهب الثاني: محكي عن مالك، وعنه روايتان: # الرواية الأولى: وهي المشهورة أنه إن قام أكثر القيام لم يرجع، وإن قام ~~أقل القيام رجع. # الرواية الثانية: عنه حكاها ابن المنذر أنه إذا فارقت إليتاه الأرض لم يرجع. # والحجة على هذا: هو أن القعود سنة، والقيام فرض فإذا قام أكثر القيام فهو ~~في حكم القائم بحصول أكثر القيام فلا يعود من مفروض إلى مسنون، وإن قام أقل ~~القيام فهو في حكم من لم يقم فيعود إلى تمام المسنون. # وأما وجه الرواية الثانية: فهو أن القيام من أوله إلى آخره وقليله وكثيره ~~هو فرض فإذا فارقت إليتاه الأرض صار في حكم القائم، فلهذا لم يكن له ~~الرجوع. # المذهب الثالث: محكي عن الأوزاعي، وهو أن له الرجوع ما لم يستفتح ~~القراءة. # والحجة على هذا: هو أن القيام صار محلا للقراءة، إما فرضا وإما نفلا فلا ~~يكون القيام له حكم إلا بما شرع فيه من القراءة فإذا لم يستفتح القراءة كان ~~له الرجوع لما ذكرناه. ms1444 # المذهب الرابع: أن له الرجوع ما لم يركع، وهذا هو المحكي عن الحسن ~~البصري. # والحجة على هذا: هو أن القيام محل الرجوع ما لم يستتم القيام فلا يحصل ~~استتمام القيام إلا بالرجوع إلى ركن آخر، وهو الركوع فمهما بقي على حالة ~~القيام فله الرجوع. # المذهب الخامس: محكي عن أحمد بن حنبل: أن الواجب عليه أن يرجع قبل أن ~~يستوي قائما فإن استوى قائما فهو بالخيار إن شاء رجع وإن شاء لم يرجع. PageV03P598 # والحجة على هذا: هو أنه قبل أن يستوي قائما فلم يخرج إلى ركن آخر فلهذا ~~توجه عليه القعود قبل الإستواء لظاهر الخبر الذي رويناه عن المغيرة، فأما ~~إذا استوى قائما فهو بالخيار لأنه بعد الإستواء هو في مفروض وقد ضيع ما هو ~~مسنون فهو بالخيار إن شاء واضب على السنة ورجع لأداء المسنون، وإن شاء وقف ~~علىالمفروض، فهذا تقرير هذه المذاهب بأدلتها. # والمختار: ما عول عليه الهادي، واختاره الأخوان للمذهب. # وحجتهم: ما ذكرناه ونزيد هاهنا وهو أنه إذا استتم قائما فقد حصل في فرض ~~فلم يجز أن يرجع منه إلى سنة لأن الفرض بالمواضبة أحق من السنة. # الانتصار: يكون بالجواب عما يخالفه. # قالوا: إن قام أكثر القيام لم يجز له الرجوع، وإن قام أقل القيام جاز له ~~الرجوع كما حكي عن مالك. # قلنا: هذا موافق لما قلناه لأن الغرض بأكثر القيام هو أنه قد استتم ~~القيام، والغرض بأقل القيام هو أنه لم يستتم القيام، فقد حصل المقصود ~~والخلاف مرتفع. # فأما الرواية الثانية عنه: إذا فارقت إليتاه الأرض لم يرجع. # فجوابه: هو أنه مهما كان أقرب إلى الدنو إلى الأرض فهو في حكم القاعد ~~فلهذا كان له الرجوع للوفاء بالمسنون، فلا وجه لهذه المقالة. # قالوا: له الرجوع ما لم يستفتح القراءة كما حكي عن الأوزاعي. # قلنا: إنه لا يستفتح القراءة إلا بعد إتمام القيام فلهذا لم يكن له ~~الرجوع بعد استكمال القيام سواء قرأ أو لم يقرأ كما دل عليه ظاهر الحديث. # قالوا: له الرجوع ما لم يركع كما ms1445 هو محكي عن الحسن البصري. # قلنا: استتمام القيام هو المانع من الرجوع كما دل عليه ظاهر الخبر سواء ~~ركع أو لم يركع إن لم يستو رجع، وإن استوى فهو بالخيار كما هو محكي عن أحمد ~~بن حنبل. PageV03P599 # قلنا: قد وافقنا على أنه إذا لم يستو للقيام رجع كما قلناه ولكنه قال: إذا ~~استوى فهو بالخيار فما هذا حاله لا وجه له لأنه بعد الإستواء قد استقل لفرض ~~آخر فلا وجه للتخيير لأنه يكون عودا من فرض إلى نفل، فإذن لا وجه للتخيير ~~الذي ذهب إليه، فإذا تقررت هذه القاعدة وانتصب قائما ولا يعود لما حققناه ~~فإنه يمضي في صلاته ويسجد للسهو ولما حصل من النقصان بترك القعود والتشهد ~~للسنة، فإن خالف ورجع إلى القعود نظرت فإن كان رجوعه على جهة السهو والجهل ~~بالتحريم لم تبطل صلاته لأنه معذور بالنسيان والجهل ولأنها زيادة من جنس ~~الصلاة، وإن كان فعله على جهة العمد بطلت صلاته كما ذكره السيدان الأخوان، ~~وهو رأي الشافعي لأنه قعد في موضع القيام ولأنه زيادة مفروضة على جهة العمد ~~فأشبه ما لو زاد ركعة أو سجدة معمودة فإن ذكر ما نسيه في حال القعود فالذي ~~يقتضيه قياس المذهب أنه يلزمه أن يقوم ولا يتشهد؛ لأن التشهد قد سقط عنه ~~بالقيام وقد صار القيام فرضه ولكنه يجب عليه السجود بالزيادة والنقصان ~~بالسهو أما الزيادة فجلوسه بعد القيام، وأما النقصان فلأجل تركه للقعود ~~والتشهد فيه، وإن كان إماما لغيره نظرت فإن انتصبوا معه للقيام لم يعودوا؛ ~~لأنهم قد صاروا في فرض آخر، وإن لم يكونوا قد انتصبوا معه للقيام، وإنما ~~انتصب وحده ثم رجع فالذي يقتضيه قياس المذهب أن المأموم يقوم ولا يتابعه في ~~الجلوس لأن المأموم وإن لم يكن قد انتصب فقد وجب عليه الإنتصاب لأجل انتصاب ~~الإمام فإذا رجع الإمام ولم يسقط ما وجب على المأموم من الانتصاب فإن ~~خالفوا ورجعوا عن الانتصاب نظرت فإن فعلوه على جهة السهو لم تبطل صلاتهم، ~~وإن فعلوه على جهة العمد بطلت ms1446 صلاتهم لأنهم معذورون في السهو وغير معذورين ~~في العمد. فإن تذكر الإمام قبل أن ينتصب ورجع إلى القعود فهل يجب عليه ~~السجود للسهو أم لا؟ فيه قولان: PageV03P600 # فالقول الأول: أنه يجب عليه سجود السهو وهذا هو رأي أئمة العترة، وأحد قولي ~~الشافعي، ومحكي عن أحمد بن حنبل. # والحجة على هذا: ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه تحرك للقيام في ~~الركعتين الآخرتين من العصر على جهة السهو فسبحوا له فقعد ثم سجد للسهو. # القول الثاني: أنه لا يلزمه سجود السهو وهو أحد قولي الشافعي، ومحكي عن ~~الأوزاعي، وعلقمة، والأسود. # والحجة على هذا: ما روي عن المغيرة بن شعبة، أن الرسول قال: ((إذا شك ~~أحدكم فقام في اثنتين فإن ذكر وقد استتم قائما فلا يجلس وإن ذكر قبل أن ~~يستتم قائما جلس ولا سهو عليه))(1). ولأنه عمل قليل فلم يقتض سجودا للسهو ~~كالخطوة اليسيرة والالتفات اليسير. # والمختار: هو الأول لأنه زاد في الصلاة زيادة من جنسها ساهيا فوجب عليه ~~سجود السهو كما لو زاد سجودا أو ركوعا، فإن ذكر نسيانه قبل أن ينتصب وخالف ~~وانتصب لم تبطل صلاته لأنه ترك السنة ويجب عليه سجود السهو، فإن رجع الإمام ~~من القيام قبل أن ينتصب وكان قد سبقه المأموم بالانتصاب فهل يجب على ~~المأموم أن يرجع إلى القعود أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يجب عليه الرجوع لأنه متابع للإمام ومتابعته فرض. # وثانيهما: أنه لا يلزمه الرجوع لأنه قد حصل في فرض فلا يرجع إلى مسنون ~~والأول أقوى لقوله : ((لا تختلفوا على إمامكم )). # نعم.. والذي يأتي على كلام المؤيد بالله أنه إذا كان دعاء الاستفتاح ~~مشروعا بعد التكبير عنده فنسيه وقد تلبس بالقعود، أو ترك التعوذ فذكره وقد ~~استفتح بالقراءة فإنه لا يعود إلى فعلهما؛ لأنهما ذكر مسنون فات محله فلم ~~يأت به كما لو ترك تسبيح الركوع والسجود لم يذكر حتى فات محله ويلزمه سجود ~~السهو لأنه ترك ذكرا مسنونا يستحب له فعله فلزمه سجود السهو كسائر ~~المسنونات. # المسألة ms1447 الثانية: في القنوت. PageV03P601 # قال القاسم فيمن نسي القنوت في الفجر والوتر: يسجد سجدتي السهو. وهو رأي ~~الفريقين الشافعية، والحنفية. # والحجة على ذلك: قوله : ((لكل سهو سجدتان )). ولم يفصل ولأنه ذكر مسنون ~~ترك في الصلاة فلزم فيه سجود السهو كما لو ترك التشهد الأول. # وقوله: إن أحب ذلك(1). # فيه احتمالان: # أحدهما: أن يكون المراد إن اختار وجوب سجدتي السهو؛ فإن وجوبهما مختلف ~~فيه كما هو محكي عن الناصر، والشافعي: استحبابهما. كما سنوضحه. # وثانيهما: أن يكون المراد أن سجود السهو مستحب فكلامه محتمل لما ذكرناه، ~~فإن ذكره بعد الإنحطاط وقبل السجود عاد إليه كما ذكرناه في التشهد الأوسط ~~إذا ذكره قبل إتمام القعود كما فصلناه، فإن نهض لفعله قبل استتمام القيام ~~لما ذكره ثم عاد إلى القعود سهوا لزمه سجود السهو لأنه تارك له فأشبه ما لو ~~تركه من أول وهلة. # المسألة الثالثة: في حكم المسنون إذا ترك عمدا(2). # ومن ترك السنة من أعمال الصلاة نظرت في حاله فإن تركه على جهة الاستخفاف ~~بحرمة الرسول والتهاون بأمره والإعراض عن شريعته كان كفرا وردة ورجوعا عن ~~الإسلام إلى الكفر ووجب قتله لقوله : ((من بدل دينه فاقتلوه ))(3). # لأن المعلوم ضرورة من الدين تعظيم أمره فما خالف ذلك ردة وكفر مع العمد ~~والقصد إلى ذلك، وإن كان تركه المسنون متعمدا لعذر جاز ذلك من مرض أو ضعف ~~لأن ما هذا حاله فله مدخل في إسقاط الفرض فضلا عن المسنونات، وإن تركه عمدا ~~من غير عذر فهل يكون فاسقا بالترك أم لا؟ فيه مذهبان: PageV03P602 # المذهب الأول: أنه يكون فاسقا بترك السنن متعمدا، وهذا شيء حكاه أصحابنا عن ~~المعتزلة ولم أعرف قائله على التعيين. # والحجة على هذا: هو أن الإجماع منعقد من جهة الصدر الأول من الصحابة رضي ~~الله عنهم ومن التابعين وتابعيهم إلى يومنا هذا على تعظيم حال الرسول ~~واقتفاء آثاره في أقواله وأفعاله والمواضبة على فعل ما أثر عنه من قول ~~وفعل، ويؤيد هذا قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ~~}[الأحزاب:21]. ms1448 وقوله تعالى: {واتبعوه}[الأعراف:158]. ولم يفصل بين فرض ~~ونفل، وإذا كان الأمر كما قلناه فمن ترك سنة وأعرض عنها من غير عذر تعذر به ~~متعمدا كان خارقا لهذا الإجماع وخرق الإجماع يكون فسقا لاستحقاقه للوعيد ~~كما دلت عليه الآية. # الحجة الثانية: قوله : ((من رغب عن سنتي فليس مني ))(1). # فظاهر هذا الخبر دال على البراءة منه، ويريد بالبراءة الخروج عن الدين ~~وأدنى الخروج هو الفسق. # المذهب الثاني: أن ذلك لا يكون فسقا، وإنما يجب النكير عليه وأمره بذلك، ~~وهذا هو رأي المؤيد بالله ذكره في (الإفادة)، ومحكي عن قاضي القضاة، فإنه ~~قال: من تهاون بكل النوافل فإنه يلزمنا أن نأمره بها من حيث أنه ظهر منه ما ~~يدل على قلة الرغبة في الثواب. وعن الفضل بن شروين أنه قال: من جعل ترك ~~السنة عادة وجب الإنكار عليه. # والحجة على هذا: هو قوله : ((من رغب عن سنتي فليس مني )). والمراد به أنه ~~ليس من عملي وشأني لا أنه على البراءة منه وظاهر الخبر دال على كونه خطأ ~~وإن لم يكن فسقا، فهذه أقاويل العلماء في حكم ترك السنن عمدا من غير عذر. PageV03P603 # والمختار في هذا: تفصيل نشير إليه. وتقريره أنا نقول: أما سنن الصلاة ~~المتصلة بالفروض منها، وهذا نحو القراءة في سائر الركعات، ونحو تسبيح ~~الركوع، وتسبيح السجود، والتحميد، والتسميع، وتكبير النقل، والتشهد الأوسط، ~~والقنوت فمتى ترك هذه السنن متعمدا على جهة الإستمرار فالواجب الإنكار عليه ~~وتأديبه على تركها لأنه وإن لم يفسق بتركها لأنها غير واجبة ولكنه مخالف ~~للمشروع في الصلاة وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي )). ولأن هذا يؤدي ~~إلى تغيير مشروع الصلاة التي شرعت عليه وفي هذا تهاون بالصلاة وإبطال ~~لهيئتها التي قررها صاحب الشريعة واستحسنها ورضيها. # وأما السنن المنفصلة في الصلاة وهذا نحو رواتب الصلاة نحو سنة الظهر وسنة ~~المغرب والفجر والوتر فهذه وإن كانت سننا منفصلة فهي مخالفة للسنن المتصلة ~~وهي دونها لأن تركها لا يخل بالصلاة المفروضة ولا يغير هيئتها لكن تاركها ~~يؤمر بفعلها وينهى عن تركها ms1449 إذا كان تركها من جهته عمدا من غير عذر لأن ~~تركها على هذه الصفة يدل على ركة في الدين وتهاون في الهمة ونزول قدر في ~~الرغبة عن سنن الرسول وعن إمتثال أمره والإعراض عن المحاسن التي رضيها ~~لأمته واختارها لهم في مضاعفة الثواب وتكثير الأجر. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: الإجماع منعقد من جهة الصدر الأول والتابعين على اقتفاء أثر ~~الرسول واتباع سنته فمن ترك سنته كان مخالفا لهذا الإجماع وهو موجب للفسق ~~كما حكيناه عن المعتزلة. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV03P604 # أما أولا: فلأن الذي يقطع به هو خطأه لإعراضه عما جاء به الرسول من هذه ~~السنن الحسنة والوظائف المحببة التي ترتاح لها القلوب، وتشرئب إليها ~~النفوس، وتصفوا لفعلها الخواطر، فأما الفسق فإنما يكون بالأدلة القاطعة ~~والمسالك العلمية ولسنا نجد مسلكا قاطعا من نص كتاب ولا من جهة سنة متواترة ~~مقطوع بظاهرهما ولا إجماع قاطع على فسق من هذا حاله، والفسق لا يكون إلا ~~بمسلك قاطع فلما لم يوجد شيء من ذلك لا جرم لم نقطع بالفسق لعدم الدلالة ~~عليه، والإقدام على الفسق من غير دلالة يكون خطأ لا محالة لأن الإسلام ~~مسترسل على كل من كان في دار الإسلام فإخراجه عن الإسلام إنما يكون بأمر ~~موقوف به من الأدلة الشرعية القاطعة كما مهدناه، فأما ما حكيناه عن الإمام ~~المؤيد بالله، وقاضي القضاة من وجوب النكير على تارك السنن فهو جيد لا غبار ~~عليه لأن النكير شيء والفسق شيء آخر، والنكير يتوجه عليه لكونه آتيا لقبيح ~~لم تدل دلالة على كونه فسقا، وهذا أصل عظيم في الإكفار والتفسيق يجب ~~مراعاته وهو أنه إذا لم تدل عليهما دلالة قاطعة وجب التوقف في حالهما حتى ~~يتضح الأمر فيهما وقد ذكرنا في كتاب التحقيق أسرارا بديعة في الإكفار ~~والتفسيق فمن أرادها فعليه بمطالعته فإنه يجد فيه بحمد الله تعالى ما يشفي ~~غليل الصدور، ويكشف اللبس، ويعين على درك المقصود. # المرتبة الثالثة: في بيان النقصان في الهيئات من السنن # اعلم أنا نعني بالهيئة ms1450 مما يكون مسنونا ما يكون تابعا لغيره ولا يكون على ~~جهة الاستقلال، وذلك لأن السنن الواردة في الصلاة نوعان: # فالنوع الأول: حاصل على جهة الاستقلال، وهذا نحو التشهد الأوسط، والقنوت، ~~والاستفتاح للصلاة وغير ذلك من السنن المستقلة بنفسها. PageV03P605 # والنوع الثاني: ما يكون تابعا لغيره ويكون هيئة، وهذا نحو الجهر، والمخافتة ~~في الأذكار على رأي من يجعلهما هيئة، وهو المحكي عن المؤيد بالله لأنهما ~~تابعان لنفس الذكر، ومن الهيئة في الأفعال نحو وضع اليدين على الخدين أو ~~المنكبين، ونحو تفريق الأصابع على الركبتين عند الركوع، ونحو ضم الأصابع ~~عند السجود، ونحو بسط الكف على الفخذ عند التشهد، ومثل قبض الكف وإرسال ~~المسبحة والإبهام، فهذه الأمور وما شابهها كلها هيئات للأفعال والذكار في ~~الصلاة تابعة لغيرها، وهل يجب فيها سجود السهو أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن الهيئات الواقعة في أفعال الصلاة لا سهو فيها، وهذا هو ~~رأي الإمامين الهادي، والمؤيد بالله. # ووجه ذلك: أنها أمور تابعة لغيرها وأمور إضافية مسنده إلى غيرها فلا سجود ~~فيها، وقد خفف الشرع حكمها بكونه لم يجعل فيها سجودا للسهو، وهذا نحو وضع ~~اليدين حذاء الخدين أو المنكبين، فأما الجهر والإسرار في القراءة فاختلف ~~رأيهما فيهما، فالذي رآه الهادي: أن صفة القراءة كالقراءة وأنهما فرضان ~~كفرض القراءة، وهو محكي عن ابن أبي ليلى، والذي رآه المؤيد بالله: أنهما ~~هيئتان للقراءة لا يجب فيهما سجود سهو كسائر الهيئات، وانقسمت الهيئة على ~~رأي المؤيد بالله إلى: هيئة قول كالجهر والإسرار، وإلى هيئة فعل. وأما على ~~رأي الهادي: فلا هيئة إلا في الأفعال التي لا يجب فيها سجود السهو. # المذهب الثاني: محكي عن الشافعي، وعنه قولان: # فالقول الأول: وهو القديم، أن سجود السهو يكون لترك كل مسنون في الصلاة ~~سواء كان قولا أو عملا من أعمال البدن قال: وهكذا إذا جهر فيما يسر به أو ~~أسر فيما يجهر به. # القول الثاني: وهو الجديد لا سجود للسهو إلا في عمل البدن لا غير فاستحبه ~~في الأفعال دون الأذكار ms1451 إلا في القنوت والتشهد فإنه مشروع فيهما سجود السهو. PageV03P606 # المذهب الثالث: محكي عن أبي حنيفة، وهو أنه إذا ترك تكبيرات العيد سجد ~~للسهو ولا يسجد لترك سائر التكبيرات، وإن ترك الجهر والإسرار سجد إذا كان ~~إماما فهذه مذاهب الناس فيما يعد من الهيئات وما لا يعد. # والمختار: ما رآه المؤيد بالله لأن الجهر والإسرار وصفان إضافيان للقراءة ~~كما أن الأوصاف الإضافية في الأفعال هيئة لها فكما لا يجب السهو في هيئات ~~الأفعال فهكذا لا يجب السهو في هيئات الأذكار من الجهر والإسرار لأن المصلي ~~قارئ لا محالة سواء جهر بالقراءة أو أسر، ويحكى عن أنس بن مالك، أنه جهر في ~~صلاة العصر فلم يعد الصلاة ولا سجد للسهو ولأن هذه هيئات فلم تقتض الجبران ~~كالرمل والاضطباع(1) في أعمال الحج. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # فأما القول الأول القديم للشافعي فهو موافق لنا إلا في قوله: إن الجهر ~~والإسرار فإنه يجب فيهما سجود السهو على رأيه في القديم وهو مخالف لمذهب ~~يحيى، والمؤيد بالله كما قررناه من قبل. # وأما قوله الجديد في أنه لا يجب سجود السهو إلا في القنوت والتشهد فقد ~~قررناه فيما سلف فأغنى عن الإعادة، وحكي عن أبي حنيفة أنه لم يوجب سجود ~~السهو إلا في تكبيرات العيد دون غيرها من التكبيرات فلا وجه له لأنها من ~~جملة المسنونات فوجب فيها سجود السهو كسائر السنن المتروكة سهوا. PageV03P607 # وقوله: إنه لا يجب سجود السهو في الجهر والإسرار إلا إذا كان إماما فقد ~~دللنا على أنهما من جملة رأي السيد أبي طالب وهو الأصح من قولي الشافعي أنه ~~يجب لأنه إذا وجب مع السهو فمع العمد أولى وأحق، وعلى رأي المؤيد بالله، ~~وأحد قولي الشافعي، ومحكي عن أبي حنيفة: أنه لا يجب عليه سجود السهو لأن ~~السجود معلق بإسم السهو،والعمد ليس فيه سهو فلهذا لم يكن واجبا. وقد تم ~~غرضنا من بيان النقصان بما ترك من الصلاة في المفروض والمسنون والهيئات. # www.awahab.com PageV03P608 --- ### ||| AUTO الفصل الثاني في بيان حكم المزيد في ms1452 الصلاة # اعلم أن الزيادة في أعمال الصلاة ليس يخلو حاله، إما أن يكون من جنس ~~المفروض أو يكون من جنس المسنون، أو تكون الزيادة لا من جنس المفروض، ولا ~~من جنس المسنون، فهذه مراتب ثلاث نذكر ما يتعلق بكل واحدة منها: # المرتبة الأولى: في بيان حكم الزيادة من جنس المفروض ونورد فيه مسائله ~~المختصة به. # المسألة الأولى: قال المؤيد بالله: إذا تيقن المصلي أنه زاد في صلاته ~~ركعة بطلت صلاته. # اعلم أن زيادة الركعة تقع على أوجه ثلاثة: # الوجه الأول: أن تكون واقعة على جهة السهو والنسيان فمتى وقعت على هذه ~~الصفة فالصلاة صحيحة لقوله : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)). ولا يقع خلاف ~~بين الهادي، والمؤيد بالله في صحة الصلاة، ولأنه معذور في النسيان فلا يطرق ~~ذلك خللا في صلاته، ولأن الرسول زاد ركعة فلم تبطل صلاته بزيادتها، ويجب ~~على المصلي سجود السهو لأجل الزيادة. # الوجه الثاني: أن تكون هذه الركعة واقعة على جهة العمد، وما هذا حاله فهو ~~مبطل للصلاة بإجماع العترة والفقهاء لأنه غير معذور في الزيادة المخالفة ~~للمشروع في الصلاة فلهذا كانت مبطلة للصلاة. # الوجه الثالث: أن تكون حاصلة في أول الأمر على جهة التظنن ثم تحقق بعد ~~ذلك زيادتها فقد أجتمع فيها عدم العلم في أول الأمر وهو التظنن، وحصل فيها ~~العلم والتحقق بعد فعلها فأيهما يكون الأغلب؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الأغلب على حالها التظنن فلا تكون مبطلة للصلاة، وهذا ~~هو رأي المؤيد بالله. # والحجة على هذا: هو أنها تقررت من أول فعلها على التظنن، وعلى عدم العلم ~~بزيادتها فهلذا كانت لاحقة بالمسهو عنها بجامع كونها غير متحققة من أول الأمر. # المذهب الثاني: أنها لاحقة بالمعمودة، وهو رأي أبي العباس، وأبي طالب. # والحجة على هذا: هو أنها لما تحققت في آخر الأمر أنها زائدة كانت لاحقة ~~بالعمد، فلهذا كانت مبطلة للصلاة. # والمختار: ما ذكره المؤيد بالله لأمرين: PageV03P609 # أما أولا: فلأن الله تعالى نهى عن إبطال العمل بقوله: {ولا تبطلوا ~~أعمالكم}[محمد:33]. وإذا قلنا: بفساد الصلاة ms1453 فقد أبطلناها. # وأما ثانيا:فلأنها تقررت الصلاة من أول وهلة على الصحة بالتظنن، وحصول ~~العلم بعد هذا لا يبطل ما قد تقرر من صحتها فلهذا كان الحكم بصحتها هو ~~الأولى. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إن المصلي قد تحقق في آخر الأمر أنها زائدة فأشبه ما لو تحقق ~~زيادتها من أول الأمر فلهذا كانت مبطلة للصلاة. # قلنا: قد تعارض هاهنا أمران: # أحدهما: التظنن من أول الأمر. # الثاني: التحقق في آخر الأمر لكن التظنن أغلب لأنه هو السابق، وقد تقرر ~~أن الصلاة صحيحة فلا يبطلها ما عرض من العلم بالزيادة لأن العلم طارئ بعد ~~التظنن الموجب للإقدام على الزيادة للركعة. # المسألة الثانية: وإن قام المصلي من الركعة الرابعة إلى الركعة الخامسة ~~ساهيا ثم تذكر في حال القيام أو في حال القراءة [أو] في الركوع فإنه يلزمه ~~العود إلى الجلوس ويتم الصلاة ويلزمه سجود السهو. # قال المؤيد بالله: ومن صلى الظهر أربعا فقام بعد الرابعة غلطا فلما ركع ~~ذكر أنها الخامسة فرجع إلى الجلوس وتشهد وسلم صحت صلاته وعليه سجدتا السهو. ~~وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة، والشافعي، ولا خلاف فيه. # والحجة على هذا: ما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن الرسول صلى الظهر خمسا ~~ولم يعد وسجد سجدتي السهو، وإن قيد هذه الركعة بسجدة أو تشهد للركعة ~~الخامسة، فهل تصح صلاته أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن صلاته صحيحة، وإن قيدها بسجدة وسواء تشهد في الركعة ~~الرابعة أو لم يتشهد، وهذا هو الذي حصله السيدان المؤيد بالله وأبو طالب ~~للمذهب، وهو محكي عن الشافعي. PageV03P610 # والحجة على هذا: ما روي عن ابن مسعود رضي اله عنه أن الرسول صلى الظهر خمسا ~~فلما انصرف توسوس الناس فقال: ((مالكم))؟. قالوا: صليت خمسا. فسجد سجدتين. ~~وقال: ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون " ))(1). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه أتم صلاته ولم يفسدها ولم يفصل الخبر بين ~~أن يكون قد قيد الركعة بسجدة أو لم يقيدها. # المذهب الثاني: محكي ms1454 عن أبي العباس وهو أنه إذا قيد الركعة الخامسة بسجدة ~~فسدت صلاته. # والحجة على هذا: هو أنه إذا لم يقيد الخامسة بسجدة فإنها في حكم القليل ~~بخلاف ما إذا أتى بالسجود فقد أتى في صلاته بالعمل الكثير والعمل القليل ~~مغتفر في الصلاة بخلاف العمل الكثير فإنه غير مغتفر فلهذا قضينا بالفساد. # المذهب الثالث: محكي عن أبي حنيفة وهو: أنه إذا كان قد تشهد في الركعة ~~الرابعة فإنه يضيف إلى الركعة الخامسة ركعة أخرى وتكون الركعتان له نافلة، ~~وإن لم يكن قد قعد للتشهد في الرابعة فإنه ينظر فإن كان قد قيدها بسجدة ~~بطلت الصلاة، وإن لم يكن قد قيدها بسجدة فإنه يعود ويتشهد ويسلم ويسجد ~~سجدتي السهو. PageV03P611 # والحجة على هذا: هو أنه إذا تشهد في الرابعة قد تمت صلاته بالقعود لقوله : ~~((إذا قعدت فقد تمت صلاتك " )). فإذا قام إلى الخامسة فقد صارت له نافلة؛ ~~لأنها حصلت بعد تمام الصلاة، ولقوله : ((إذا شك أحدكم في صلاته " فلم يدر ~~أثلاثا صلى أم أربعا فليضف إليها ركعة أخرى فإن كانت قد تمت صلاته ~~فالسجدتان والركعة نافلة)). فسمى الخامسة نافلة ولو كانت ملغاة لم تكن ~~نافلة وإذا صح كونها نافلة فلن تكون نافلة على انفرادها لأن الركعة الواجبة ~~لا تكون صلاة مشروعة فلهذا قلنا: بأنه يضيف إليها ركعة لتكون صلاة، وإن لم ~~يكن قد تشهد في الرابعة فإنه ينظر فإن قيد الخامسة بسجود بطلت صلاته لأنها ~~تكون أعمالا كثيرة والأعمال الكثيرة مبطلة للصلاة، وإن لم يقيدها بسجدة صحت ~~الصلاة لأنها عمل قليل والعمل القليل غير مبطل للصلاة فهذا تقرير هذه ~~المذاهب بأدلتها. # والمختار: ما قاله السيدان من صحة الصلاة سواء قيدت الركعة بسجدة أو لم تقيد. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو ما روى زيد بن علي عن الرسول أنه ~~صلى بهم الظهر خمسا فقام ذو الشمالين فقال: يا رسول الله هل زيد في الصلاة ~~أم نسيت؟ فقال: ((وما ذاك))؟. قال: صليت بنا خمسا فاستقبل القبلة وكبر وهو ~~جالس وسجد سجدتين ليس فيهما قراءة ms1455 ولا ركوع وقال: ((هما المرغمتان)). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه لما قام إلى الخامسة لم يعتد بالعارض بين ~~الركعة والتشهد ولأنه عمل زائد في الصلاة من جنسها سهوا فوجب أن تكون لغوا ~~غير مفسد للصلاة كما لو لم يعقد الركعة بسجدة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إذا قيدها بسجدة فهي أعمال كثيرة والأعمال الكثيرة مبطلة للصلاة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الإعتبار في إفساد الصلاة بالأعمال الكثيرة إنما يكون في ~~الأفعال الخارجة في الصلاة التي لا تعد من مفروض الصلاة ومسنونها، فأما ما ~~يكون من جنس أعمال الصلاة فلا يقال فيه كثرة ولا قلة. PageV03P612 # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار الدالة على صحة الصلاة، ~~وما ذكرتموه من القياس فلا يكون معارضا للإخبار لأن الأقيسة تكون باطلة ~~بمعارضة الأخبار فإذن لا وجه لما قاله أبو العباس. # قالوا: إذا أتم التشهد في الركعة الرابعة فإنه يضيف إلى الخامسة ركعة ~~وتكون نافلة كما حكي عن أبي حنيفة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن إثبات الركعة نافلة تحكم لا مستند له وتقرير عبادة من غير ~~برهان ولا دلالة. # وأما ثانيا: فلأن هذه النافلة لم يؤمر بها وقد قال : ((كل أمر ليس عليه ~~أمرنا فهو رد " )). فإذن لا وجه لإثباتها عبادة من غير دلالة شرعية. # قالوا: وإن كان لم يتشهد في الركعة الرابعة وقيدها بسجدة بطلت صلاته لأن ~~هذه أفعال كثيرة تبطل معها الصلاة. # قلنا: قد قررنا فيما سبق أن هذه الأفعال لا يكون فيها إبطال الصلاة وكيف ~~لا والرسول قام إلى الخامسة وأكملها ورجع إلى التشهد ولم يعد الصلاة، وما ~~زاد على سجدتين للسهو سجدهما، وفي هذا أكمل دلالة على بطلان ما قالوه من ~~فساد الصلاة مع السجدة. # المسألة الثالثة: وإذا صلى المغرب فزاد فيها ركعة ساهيا؟ ففيما يتوجه ~~عليه مذهبان: # المذهب الأول: أنه تجزيه سجدتا السهو، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن ~~أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول ms1456 أنه صلى الظهر خمسا فلما قيل له إنك ~~زدت في الصلاة سجد لسهوه ولم يضف إليها أخرى ليكون شفعا. # المذهب الثاني: أنه يضيف إليها ركعة أخرى ويسجد لسهوه، وهذا هو المحكي عن ~~قتادة، والأوزاعي. # والحجة على هذا: هو أنه إذا لم يضف إليها ركعة أخرى صارت شفعا وهي وتر. # والمختار: ما عليه علماء العترة، وفقهاء الأمة. PageV03P613 # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((لكل سهو ~~سجدتان " تجبان لكل زيادة ونقصان))(1). # فهذا نص صريح فيما ذهبنا إليه من أن هذه الزيادة مجبورة بالسهو من غير ~~حاجة إلى زيادة ركعة. # ومن وجه آخر: وهو أن هذه الزيادة في الركعة لم يؤمر بها فلا وجه ~~لزيادتها. # الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه. # قالوا: لو لم يزد الركعة لأدى إلى كونها شفعا وهو خلاف موضعها. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فإنه لما صلى الظهر خمسا لم يزد على سجدتي السهو من غير زيادة، ~~ولو زاد ركعة لكانت شفعا مثل موضوعها. # وأما ثانيا: فلأن هذه الركعة لا دلالة عليها ولا ورد أمر بفعلها فلهذا ~~قضينا ببطلانها. # المسألة الرابعة: في التسليم. # وإذا سلم المصلي تسليمة واحدة في غير محلها سهوا بنى على صلاته ولم تكن ~~مفسدة لها لا خلاف فيه، ولما روي عن الرسول أنه قال: تحليلها. والغرض ~~بالتحليل ما كان على الصفة المشروعة في التسليم وهو تسليمتان، فأما الواحدة ~~فلا تحليل فيها لمخالفتها المشروع ولأنها زيادة غيرة مفسدة فوجب أن يتعلق ~~بها سجود السهو كما لو زاد سجدة على جهة السهو، وإن سلم تسليمتين سهوا فهل ~~تبطل صلاته أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه إذا سلم تسليمتين في غير موضعهما ساهيا بنى على صلاته ~~ولم تبطل، وهذا هو رأي الناصر، ومحكي عن مالك، والشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه صلى الظهر خمسا ولم يزد على أنه ~~سجد لسهوه فهكذا في زيادة التسليم في غير موضعه لاشتراكهما جميعا في كونهما ~~فرضين من فروض الصلاة. # المذهب الثاني:أنها ms1457 مبطلان للصلاة، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب ~~وحصله للمذهب. PageV03P614 # والحجة على هذا: قوله : ((تحليلها التسليم " )). والتحليل هو الخروج من ~~الصلاة فإذا فعل ما هو تحليل لها فهو خروج عنها لأن الرسول لم يفصل بين أن ~~يكون التحليل على جهة السهو أن وعلى جهة العمد. # ومن وجه آخر: وهو أن هذا مما يقع به الخروج من الصلاة فيجب أن لا يختلف ~~الحال في كونه مفسدا بين العمد والسهو كالأكل والشرب. # المذهب الثالث: أنه إن قصد بالتسليم الخروج من الصلاة كان مبطلا لها وإن ~~لم يقصد لم يكن مبطلالها، وهذا هو رأي زيد بن علي، والمؤيد بالله، ومحكي عن ~~أبي حنيفة. # والحجة على هذا: قوله : ((تحليلها التسليم " )). والمعلوم أن التحليل لا ~~يكون تحليلا إلا بنية الخروج من الصلاة فلهذا وجب اعتبار هذه النية في كون ~~التسليمتين أصلا في فساد الصلاة. # والمختار: ما ذهب إليه الناصر ومن تابعه على ذلك. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو ما قدمنا من أن كلام الساهي لا يبطل ~~الصلاة،فإذا كان كلام الساهي لا يبطل الصلاة فهكذا تسليم الساهي لايكون ~~مبطلا لها لقوله : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)). # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((تحليلها التسليم " )). وإذا كان التسليم ~~تحليلا لم يكن له البناء بعد ذلك لما كان مفسدا للصلاة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المراد بكون التسليم تحليلا للصلاة إذا كان واقعا في محله ~~ولهذا فإنه لو سلم تسليمة واحدة لم يكن مبطلا للصلاة لما لم يكن واقعا على ~~صفته المشروعة. # وأما ثانيا: فلأنه قال: ((تحريمها التكبير " )). والإجماع منقعد على أنه ~~لا يكون محرما إلا إذا كان واقعا على صفته المشروعة، ولهذا فإنه لو كبر في ~~موضع السجود والركوع لم يكن تحريما لما لم يكن واقعا على الوجه الذي شرع من أجله. # قالوا: إن صاحبته نية الخروج من الصلاة كان مبطلا، وإن لم تصاحبه لم يكن ~~مبطلا كما هو محكي عن زيد بن علي، والمؤيد بالله، والحنفية. PageV03P615 # قلنا: ms1458 قد أوضحنا فيما سبق أن نية الخروج من الصلاة لا تكون شرطا في ~~التسليمتين إذا وقعا في محلهما فهكذا تكون النية في الخروج لا تكون شرطا في ~~الفساد للصلاة إذا وقعا في غير محلهما وذكرنا في باب ما يفسد الصلاة حكم ~~الأفعال بالإضافة إلى النية فيما يفسد بانضمامها وما لا يفسد فلا وجه ~~لتكريره. # المسألة الخامسة: ومن زاد في التكبيرات عند إفتتاح الصلاة وكررها مرارا ~~لم يلزمه سجود السهو وسوءا كان التكرير عمدا أو سهوا لأنها إن كانت من ~~الصلاة كما هو رأي الهادي، والشافعي. # والمختار عندنا: فلا سجود لأن السهو والنقصان إنما يكونان بعد انعقاد ~~الصلاة والدخول فيها وليس داخلا في الصلاة إلا بعد انعقاد التكبير وتمامه، ~~وإن كانت ليست من الصلاة كما هو رأي المؤيد بالله فأبعد لأن ما لا يكون من ~~الصلاة فلا وجه لجبران السهو فيه، والنقصان كما لو سهى في الأذان والإقامة، ~~وإن كرر التشهد لزمه سجود السهو سواء كان التكرير عمدا أو سهوا لأنه قد ~~خالف المشروع فيه وهكذا لو كرر التشهد مرارا فإنه يلزمه سجود السهو بالعمد ~~والسهو لأجل النقصان بمخالفته المشروع فيه ولا يكون مبطلا للصلاة ولو كانت ~~فروضا لأنها مجبورة بالسجود. # المرتبة الثانية: في حكم الزيادة من جنس المسنون. وفيه مسائل: # المسألة الأولى: ومن زاد في صلاته من جنس مسنونها فإما أن يكون مقصودا ~~مبتدأ أو مبتدأ غير مقصود، ونعني بالمقصود ما كان معمودا إليه غير مسهو ~~عنه، ونعني بالمبتدأ ما كان في غير محله مع العلم بكونه في غير محله. # قال السيد أبي طالب: وذلك يكون على أوجه ثلاثة: # أولها:أن يفعل زيادة من جنس المسنون مقصودة مبتدأة وهذا نحو أن يفعل في ~~صلاته تكبيرات متعمدة في حال القراءة أو في حال تسبيح الركوع والسجود أو في ~~حال التشهد. PageV03P616 # وثانيها: أن يفعل زيادة من جنس المسنون مقصودة غير مبتدأة كان يزيد في ~~صلاته تكبيرات عند الركوع والسجود ظنا منه أنه لم يفعلها ثم تيقن أنه ~~فعلها، لا يقال: إن هذه مقصودة ms1459 مبتدأة لأنها في غير محلها لأن الركوع ليس ~~بمحل للتكبير. لأنا نقول: بل هو محل له لمن لم يكن قد كبر حال الإهواء إليه ~~وهذا ظن أنه لم يكبر فجاء بالتكبير حال الركوع لظنه أنه تركه حال الإهواء. # وثالثها: أن يفعل هذه الزيادة غير مقصودة ولا مبتدأة نحو أن يريد أن يسبح ~~فيكبر أو يريد أن يكبر فيسبح قال: وهذه الوجوه كلها لا تكون مفسدة للصلاة ~~ويتعلق بها سجود السهو إلا في الوجه الأول فإنه إذا انتهى إلى أن يكون ذلك ~~فعلا كثيرا أفسدها، وإن لم ينته إلى ذلك تعلق به سجود السهو، والأصل في ذلك ~~قوله : ((لكل سهو سجدتان " بعدما يسلم)). وهو في الوجه الثاني والثالث قد ~~سها في صلاته فوجب أن يتعلق به سجود السهو، وإذا ثبت فيهما قسنا عليهما ~~الوجه الأول فإنه زاد في صلاته من جنس المسنون ما لا يفسدها فوجب أن يتعلق ~~به سجود السهو كما لو زادها سهوا، هذه ألفاظه وهو كلام جيد لا غبار عليه ~~خلا أن فيه نظرا من وجهين: # أحدهما: أنه أسقط منها رابعا مما تحتمله القسمة وهو ما كان مبتدأ غير ~~مقصود فلم يذكره من جملة الأقسام، ومثاله: أن يقرأ في موضع التسبيح أو يسبح ~~في موضع القراءة على جهة السهو دون العمد. # وجوابه: أن هذا القسم غير مقصود لما قدمنا أن للمبتدأ شرطين أن يكون ~~مقصودا، وأن يكون في غير محله، فإذا كان كذلك لم يتصور مبتدأ غير مقصود ~~لأنه لا يكون متبدأ إلا وهو مقصود. # وثانيهما: أنه أوجب السهو في هذه الأمور وقاس الوجه الأول على الثاني ~~والثالث، ولا معنى للقياس على رأيه ومذهبه لأنها كلها مسنونة في كونها إما ~~مقصودة، وإما غير مقصودة، وإما مبتدأة، وإما غير مبتدأة، والسهو واجب لا ~~لأجل كونه سهوا كما قررناه من قبل واخترناه فإذن لا وجه لقياس أحدهما على الآخر. PageV03P617 # المسألة الثانية: قال المؤيد بالله: وإن أتم التشهد الأول سهوا فالأقرب ~~عندي أن عليه سجود السهو. # واعلم أن إتمام التشهد الأول ms1460 خلاف المشروع في الصلاة والسنة فيه الوقوف ~~على الشهادتين لا غير فإذا خالف المشروع فيه بالإتمام نظرت فإن كان على جهة ~~السهو وجب عليه سجود السهو لأجل المخالفة وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني ~~اصلي)). والسنة فيه ترك الإئتمام له وإن زاد فيه بإتمامه على جهة العمد فهل ~~يجب عليه سجود السهو أم لا؟ فيه تردد بين السيدين الأخوين. # فالذي اختاره المؤيد بالله:أنه لا يلزمه سجود السهو إذ ليس سهوا لأن ~~الجبران معلق بإسم السهو. # وعلى ما ذكره السيد أبو طالب: أنه يلزمه سجود السهو لأن الجبران معلق ~~بمعنى السهو وهو النقصان، وهذا نقصان بمخالفته المشروع فلهذا وجب فيه سجود السهو. # قال القاسم: من قرض أظفاره أو لحيته ناسيا أو ذاكرا في صلاته أنه يسجد ~~سجدتي السهو ولا تفسد صلاته. وهذا جيد وإنما لم يكن مفسدا للصلاة لأنه عمل ~~قليل والأعمال القليلة قد اغتفرها الشرع في الصلاة، وإذا لم يكن مفسدا ~~للصلاة فسواء كان مفعولا على جهة السهو أو العمد فليس فيه إلا سجود السهو ~~لأجل الجبران لما عرض في الصلاة من الأعمال المباحة التي تخالف موضوعها. # وقال أيضا: من قرأ في صلاته ولم يعلم السورة التي قرأها فلا سهو عليه. ~~ومراده بما ذكره السورة غير فاتحة الكتاب فإنها متعينة في الصلاة كما مر ~~بيانه، وإنما أراد غيرها من سائر سور القرآن، فإن القرآن كله كالسورة ~~الواحدة فإذا كان عالما أنه قد قرأ سورة مع الفاتحة ولم يعلمها بعينها ~~أجزآه ذلك ولا سهو عليه إذ لا نقص يلحقه في صلاته. PageV03P618 # المسألة الثالثة: قال محمد بن يحيى: من قرأ في تشهده لم يضره وعليه سجدتا ~~السهو. وأراد بما ذكره التشهد الأوسط فإذا قرأ فيه فنهاية الأمر أنه كأنه ~~لم يأت به وليس في تركه إلا سجود السهو فهكذا إذا خالف المشروع فيه ~~بالقراءة ليس فيه إلا سجود السهو لأجل الجبران. وأما التشهد الأخير فإن قرأ ~~فيه فإن أتى به بعد القراءة ففيه سجود السهو لأجل الزيادة، وإن لم يأت به ~~حتى سلم ms1461 بطلت صلاته لأنه ركن من أركان الصلاة فإذا لم يأت به بطلت صلاته ~~كما لو ترك ركوعا أو سجودا، وإن سبق الإمام المأموم ببعض الركعات قام ~~المأموم فأتم ما نقص عليه ولم يلزمه سجود السهو لأنه لم يكن من جهته تقصير ~~في سهو ولا عمد فلهذا لم يلزمه السجود والتقصير، وإن حصل منه بتأخره حتى ~~فاته الإمام بأول الصلاة فالتقصير إنما كان من أجل إدراك فضل الجماعة لا من ~~جهة نقص في الصلاة نفسها. وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: أدركوا حد ~~الصلاة. أراد تكبيرة الافتتاح مع الإمام، وإن سبقه الإمام بركعة فلما كان ~~في آخر التشهد قام المأموم لقضاء ما فاته نظرت فإن قام عمدا بطلت صلاته ~~لمخالفته الإمام في قيامه، وإن قام سهوا لم تبطل صلاته وعليه سجدتا السهو، ~~فإن قعد المأموم قبل تسليم الإمام لم يعتد بتلك الركعة التي أتى بها لأنه ~~جاء بها في غير موضعها فيقوم فيأتي بها بعد تسليم الإمام وإن سلم الإمام في ~~حال قيامه فهل يجب أن يعود إلى القيام(1) # أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنه لا يجب عليه القعود، ولا يجوز له العود إليه لأن الواجب ~~عليه القيام وقد صار قائما فلا معنى لعوده إلى القعود بعد تسليم الإمام. # المسألة الرابعة: قال القاسم%: إن سهى فسلم على شماله قبل يمينه فلا سهو عليه. PageV03P619 # اعلم أن المشروع في التسليم هو البداية باليمين قبل الشمال لقوله : ((صلوا ~~كما رأيتموني أصلي)). فإن خالف الترتيب فسلم على شماله قبل يمينه فهل تبطل ~~صلاته بمخالفة الترتيب أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الترتيب بينهما واجب وهذا هو الذي حصله المؤيد بالله ~~لمذهب الهادي، فإذا خالف بطلت صلاته لتركه فرضا من فروض الصلاة وواجباتها. # قال القاضي زيد: ولا يبعد إذا قلنا بوجوب الترتيب بينهما وسلم على شماله ~~قبل يمينه ثم يسلم على يساره أن تصح صلاته لأنه قد ذكر أن تسليمة واحدة لا ~~تبطل الصلاة فإذا سلم على شماله بعد ذلك فقد وفى بالترتيب فلهذا ms1462 لم تبطل ~~صلاته وعليه سجود السهو لما وقع من التكرار بالتسليم. # المذهب الثاني: أن الترتيب بينهما غير واجب، وهذا هو رأي القاسم، ~~والحقيني، فإذا أخل به لم تبطل صلاته ولا يلزمه سجود السهو وإنما لم تبطل ~~صلاته لأنه أتى بالتسليم المفروض فلم تبطل صلاته وإنما يلزمه سجود السهو ~~لأنه تغيير هيئة، والهيئات أمور إضافية لا يحصل بها نقص في الصلاة وأفعال تابعة. # والمختار: ما أشار إليه القاسم لأنه قد أتى بالفرض من التسليم عن اليمين ~~والشمال وهذا هو المشروع ولم يتأخر عنه إلا هيئة الترتيب بينهما وهو أمر ~~إضافي تابع للتسليم فنزل منزلة الجهر والإسرار في الصلاة ومنزلة وضع اليد ~~حذاء المنكب والخد فإن هذه الأمور لا يحصل بها نقص في الصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: التسليم فرض من فروض الصلاة كما قررناه من قبل على هيئته ~~المشروعة، فإذا أخل به بطلت صلاته. # قلنا: إن المصلي قد أتى به لا محالة ولم يتأخر إلا صفته وهو الترتيب ~~والترتيب أمر إضافي لا يخل بأصل الفرض المؤدى كما لا يخل التجافي بمطلق ~~السجود إذا تأخر عنه لأن المقصود شيء والأمر الإضافي شيء آخر، فإذا أخل ~~بالأمر الإضافي لم يلزم منه الإخلال بالمقصود. PageV03P620 # المسألة الخامسة: قال أحمد بن يحيى في (المفرد)(1): # لو أن رجلا صلى ركعتين فلما كان في الثالثة نسي القراءة وسبح ثم ذكر قبل ~~أن يركع فإنه يقرأ، وإن كان بعد الركوع لم يقرأ وهذا يريد به في صلاة الوتر ~~لأن التسبيح في الركعتين الأخيرتين من الرباعية والثالثة من المغرب هو ~~الأفضل على رأي الهادي وأولاده فلهذا قلنا إنه أراد الوتر لأنه لا ثلاثية ~~من النوافل إلا الوتر، وما ذكره فيه مبني على أصلين: # الأصل الأول: أن هذا على أن مذهبه أن الأفضل في الثالثة من الوتر هو ~~القراءة كما دل عليه كلام القاسم بخلاف الفرائض فإذا ركع من غير قراءة فقد ~~فاته موضع القراءة فلهذا جبره بسجود السهو لأنه زاد في صلاته ذكرا لا ~~يبطلها فلهذا تعلق به ms1463 سجود السهو. # الأصل الثاني: أن النوافل كالفرائض في تعلق سجود السهو إذا زاد فيها أو ~~نقص كما سنقرره على أثر هذا بمعونة الله، وإذا سهى في صلاة النفل فهل يسجد ~~للسهو أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يسجد في الزيادة والنقصان في النوافل المنفصلة كالوتر ~~وركعتى الظهر والمغرب والفجر، وهذا هو رأي أئمة العترة. # قال: لا يختصان الفرض دون النفل. وهو قول الشافعي في الجديد، ومحكي عن ~~أبي حنيفة. # والحجة على هذا: قوله : ((لكل سهو سجدتان " )). ولم يفصل بين الفرض ~~والنفل، وقوله : ((من شك في صلاته " فليسجد سجدتين بعدما يسلم)). # المذهب الثاني: أنه لا يسجد في صلاة النفل وهو قول الشافعي القديم، ومحكي ~~عن ابن سيرين. PageV03P621 # والحجة على هذا: هو أن الفروض الشرعية الغرض بتأديتها الخروج عن عهدة الأمر ~~والإلزام وليس يمكن ذلك إلا بتأديتها على أكمل الوجوه وأتمها ليخرج المكلف ~~بها عن عهدة اللزوم، فإذا عرض في بعضها عارض من زيادة أو نقصان وجب جبرانها ~~بسجود السهو بخلاف النوافل فإن المقصود منها هو القربة إلى الله تعالى ~~وإحراز الثواب، والأجر حاصل سواء كانت ناقصة أو كاملة فلهذا لم يتوجه فيها ~~سجود السهو للجبران. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة، وهو رأي الأكثر من فقهاء الأمة. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أنها عبادة يدخل الجبران في فرضها ~~فدخل في نفلها كالحج. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: الفروض الغرض بها الخروج عن عهدة الأمر فلا بد من إكمالها وتمامها ~~بسجود السهو بخلاف النوافل. # قلنا: قد حصل الأمر بالواجبات وحملناه على الوجوب وورد الأمر بالنوافل ~~وحملناه على الندب والغرض الخروج عن عهدة الأمرين جميعا، تارة بالوجوب، ~~وتارة الددب، فإذا عرض النقص في النوافل توجه إكمالها بسجود السهو ~~كالفرائض. # المسألة السادسة: وإن كرر قراءة الفاتحة مرتين وهكذا السورة والتشهد إذا ~~كررهما لزمه سجود السهو لمخالفته للمشروع كما لو زاد أو نقص من المسنونات، ~~وإن قرأ السورة قبل الفاتحة فهل يلزمه سجود السهو أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن السجود لازم ms1464 له لأنه خالف المشروع في ترتيب الفاتحة على ~~السورة وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وهذا هو رأي أبي حنيفة. # وثانيهما: أنه لا سجود في تغيير الترتيب لأنه تغيير هيئة فلا يتوجه فيه ~~سجود السهو كالسجود على الجبهة والأنف فإنه لا ترتيب فيهما وهذا هو ~~المختار. لأن المقصود هو حصول القراءة في السورتين والترتيب بينهما أمر ~~إضافي لا عبرة به. PageV03P622 # وحكي عن محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله: أنه إذا قرأ الفاتحة في ~~الركعتين الأوليين مرتين فعليه سجود السهو فإن قرأها في الآخريين مرتين فلا ~~سهو عليه والفرق بينهما أن القراءة بالفاتحة في الأخيرتين بمنزلة الدعاء ~~دون القراءة بدليل أنه لو سبح جاز وهذه التفرقة جيدة فإن الله تعالى جعل ~~سورة الفاتحة بين العبد وبين ربه نصفين فالنصف الأول ثناء والنصف الآخر ~~دعاء فإذا كررت في موضع الدعاء اغتفر التكرير، ولم يلزم فيه سجود السهو، ~~وإن خالف المصلي وجعل تسبيح الركوع في السجود، وتسبيح السجود في الركوع، ~~لزمه سجود السهو؛ لأنه خالف المشروع في المسنون. # المرتبة الثالثة: في بيان حكم الزيادة التي ليست من جنس المفروض ولا من ~~جنس المسنون. # واعلم أن ما كان على هذه الصفة من الأفعال فلا يخلو حاله، إما أن يكون ~~قليلا أو كثيرا، فإن كان قليلا كالحركة اليسيرة ودرء المار وتسوية الرداء ~~فإن الصلاة لا تبطل بفعله سواء كان عمدا أو سهوا لأن فعلها عمدا قد اغتفر ~~الشرع وعفى عنه، وإذا كان عمده لا يبطل الصلاة فسهوه أولى بذلك وأحق، وإن ~~كان كثيرا فعمده وسهوه يبطلان كالأكل والشرب وما شاكلهما. # قاعدة: تجمع ما يتعلق بسجود السهو في الزيادة والنقصان على جهة الإجمال ~~وجملة ذلك أن السهو تارة يقع بالزيادة، وتارة يقع بالنقصان فهذان قسمان ~~نفصلهما بمعونة الله تعالى. # القسم الأول: ما يتعلق بالزيادة، وتارة يتعلق بالأفعال، ومرة بالأقوال ~~فهذان ضربان: PageV03P623 # الضرب الأول: ما يتعلق بالأفعال فهو كل فعل إذا أتى به عمدا في الصلاة ~~أبطلها فإذا أتى به على جهة السهو تعلق به سجود السهو، ms1465 وقد يكون من جنس ~~أفعال الصلاة، وقد يكون من غير جنسها، فأما ما يكون من غير جنس أفعال ~~الصلاة فإنه لا يتعلق به سجود السهو فإن كان قليلا فإنه لا يبطل الصلاة ~~وهذا نحو درء المار، وتسوية الرداء، ونحو الحركة اليسيرة، وإن كان كثيرا ~~فإنه يكون مبطلا للصلاة وهذا نحو الأكل والشرب كما مر بيانه، وأما ما يكون ~~من جنس أفعال الصلاة فالعمد منه يفسد والسهو لا يفسد وهذا نحو أن يزيد ركعة ~~كما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه[صلى الله عليه وآله وسلم] صلى الظهر ~~خمسا فقيل له في ذلك فسجد سجدتين للسهو بعد التسليم، وهكذا إذا ركع في موضع ~~السجود أو سجد في موضع الركوع سهوا فإنه يسجد للسهو. # الضرب الثاني: ما يتعلق بالأقوال، وهذا نحو أن يسلم تسليمة واحدة أو يسلم ~~تسليمتين على جهة السهو فإنه يسجد لسهوه وإن قرأ في موضع الركوع والسجود ~~ساهيا سجد لسهوه وإن سبح تسبيح الركوع في السجود أو سبح تسبيح السجود في ~~الركوع سجد لسهوه لمخالفته للمشروع كما قررناه من قبل. PageV03P624 # القسم الثاني: ما يتعلق بالنقصان. وجملة الأمر فيه أنه إن ترك ركنا من ~~أركان الصلاة فإنه لا يحكم بصحة صلاته حتى يأتي به ولا ينجبر بسجود السهو، ~~وإن ترك سنة من سنن الصلاة نظرت في حالها، فإن كانت سنة مستقلة وجب فيها ~~سجود السهو، وهذا نحو ترك التشهد الأول، ونحو ترك القنوت، ونحو أن يترك ~~تسبيح الركوع، أو تسبيح السجود، أو يترك أول التشهد الأخير أو آخره، فإن ما ~~هذا حاله يجبر بسجود السهو، وإن كان المتروك هيئة، وهذا نحو ترك التجافي، ~~ونحو ترك الجهر والإسرار على رأي من يجعلهما هيئة، ونحو أن يجعل الكفين ~~حذاء الخدين أو المنكبين إلى غير ذلك من الهيئات التي ليس لها حظ الإستقلال ~~في كونها سنة ولكنها تابعة لغيرها فإن ما هذا حاله لا يتعلق به سجود السهو ~~وهذا كله قد أوردناه من قبل وأوضحنا مسائله التي يتعلق بها، ولكنا أوردناها ~~هاهنا على ms1466 جهة الإجمال لتكون من الناظر على خاطر وبال. PageV03P625 # --- ### ||| AUTO الفصل الثالث في حكم الشك في الصلاة # اعلم أن الشك حظور أمر بالبال مع خلوه عن الاعتقاد والظن والعلم، فإذا شك ~~المصلي هل صلى ثلاثا أو أربعا فلا يخرج عن حالة الشك إلا بأحد أمور ثلاثة: ~~إما بالعلم بأحد الإحتمالات، وإما بالظن لأحدها، وإما بالاعتقاد، فمتى حصل ~~أحد هذه الأمور الثلاثة زال الشك بكل حال، وحاصل الأمر فيه أن يتعارض ~~تجويزان على التناقض لأسباب عارضة توجب التناقض، وقد ذكر الشيخ أبو حامد ~~الغزالي في كتابه (الوسيط): أن يتعارض اعتقادان على التناقض. وهذا فاسد فإن ~~الشك لا يصاحبه الاعتقاد ولا الظن ولا العلم كما أشرنا إليه ولكنه تصور ~~للحقيقة مجردة عن الاعتقادات والظنون والعلوم ونجردها لعدم القرائن الموجبة ~~للترجيح، فإذا حصل الرجحان زال الشك وهو مخالف للظن في ماهيته، فإن الظن ~~تغليب بالقلب على أحد الإحتمالين، والشك لا تغليب فيه، والتصور هو الشك خلا ~~أن التصور يصاحب هذه الأمور الثلاثة، والشك لا يصاحبها. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: اعلم أن الشك لا يكون مستندا لشيء من الأحكام العقلية ولهذا ~~فإنه لو أخبره مخبر بأن في هذا الطريق سبعا وشك في صدقه وكذبه ولم يحصل له ~~غلبة ظن على الصدق فإنه لا يقدم على المضي في تلك الطريق بناء على الأصل لا ~~عملا على الشك ولا يكون طريقا إلى تقرير الأحكام الدينية فإنه لو شك في كفر ~~شخص أو فسقه فإنه يواليه عملا على الأصل في أن من وجد في دار الإسلام فهو ~~مسلم لا من جهة العمل على الشك، ولا يكون أصلا في شيء من الأحكام الشرعية ~~العملية ولهذا فإنه لو شك في كون هذا الماء طاهرا أو نجسا فإنه يعمل على ~~الطهارة عملا على الأصل لا عملا على الشك فإذن لا عمل على الشك في جميع هذه ~~الأحوال والذي يقع التعويل عليه في العمل بأحكام الشريعة طريقان: PageV03P626 # الطريق الأول: العلم. كما نقوله في الشهادات فإنه لا مستند للشهادة سوى ~~العلم ms1467 ولا تجوز الشهادة على غلبة الظن إلا في صورة نقررها في باب الشهادة ~~لضرورة الحال كالشهادة فيما يشهد فيه الإشتهار كالنكاح، والنسب، وكالشهادة ~~على الإفلاس، وعلى العدالة، وعلى أروش الجنايات، وقيم المتلفات. # الطريق الثاني: غلبات الظنون في باب العبادات والعادات والمعاوضات وأنواع ~~المعاملات في أبواب الشريعة، فإنه أعظمها جريانا وأوسعها خطوا وأكثرها ~~مضطربا، فإذا عرفت هذا فطروء الشك لا يخلو إما أن يكون واقعا في حال الصلاة ~~أو بعد الفراغ منها، فإن وقع في حال الصلاة فسيأتي تقرير الحكم فيه، وإن ~~وقع بعد الفراغ من الصلاة ففيه ثلاثة أقوال: # الأول: أن ذلك محطوط عنه ولا تجب عليه الإعادة، وهذا هو الذي ارتضاه ~~السيدان الأخوان، وهو أحد أقوال الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن الشك يكبر بعد الفراغ من الصلاة فلا سبيل إلى ~~تتبعه والعمل عليه. # القول الثاني: أنه يكون كالشك في أثناء الصلاة فإن الأصل فيه أنه لم يفعل ~~فإن قرب الزمان قام إلى التدارك وسجد للسهو لأنه سلم في غير محله، وإن طال ~~الزمان فلا وجه إلا القضاء والإستئناف، وهذا قول ثان محكي عن الشافعي. # القول الثالث: أنه إذا شك بعد تطاول الزمان فلا اعتبار به، وإن قرب ~~الزمان اعتبر به، وهو محكي عن بعض أصحاب الشافعي. # والمختار: ما قاله الأخوان. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن المصلي إذا فرغ من الصلاة فالظاهر ~~هو العمل على صحتها فذكر الشك بعد التسليم لا يطرق خللا فيما قد تقرر من صحتها. # ومن وجه آخر: وهو أن الأخبار دالة على الرجوع إلى الأقل عند الشك، أو على ~~تغليب الظن على الصحة وهذا إنما يكون في حال اشتغاله بالصلاة وتلبسه بها ~~فأما بعد الخروج منها فلا وقع له. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إنه بعد الفراغ يكون كالشك في إثباتها في تغليب الظن والبناء على الأقل. PageV03P627 # قلنا: إنه في أثناء الصلاة أعمالها متصلة بخلاف ما إذا كان قد فرغ عنها فلا ~~وجه لإعمال النظر ولا فائدة فيه. # قالوا: إن شك بعد ms1468 تطاول الزمان فلا اعتبار به، وإن كان الزمان قريبا ~~اعتبر به. # قلنا: إن قرب الزمان وبعده سيان في أنه لا اعتبار به بعد تقضي الصلاة ~~وفراغه منها فإذن التعويل إنما هو على كون المصلي مشتغلا بالصلاة ومتلبسا بها. # الفرع الثاني: في حكم الشك إذا عرض في حال الصلاة. # فإذا عرض له الشك في ركعة بكمالها فيحصل المقصود منه بأن نرسم فيه مسائل: # المسألة الأولى: إذا شك المصلي فلم يدر هل صلى ركعة أو ركعتين أو ثلاثا ~~أو أربعا ففيما يجب عليه مذاهب خمسة: # المذهب الأول: أنه إذا شك فلم يدر عدد الركعات، وكان الشك أول ما عرض له، ~~والغالب من حاله السلامة والشك نادر، فإنه يستأنف الصلاة، هذا هو الذي حصله ~~السيد أبو طالب للمذهب وارتضاه. # والحجة على هذا: هو أن المقصود من العبادات أداؤها على اليقين إذا كان ~~متمكنا أو على غالب الظن إن لم يتمكن من العلم ليكون بذلك خارجا عن عهدة ~~الأمر ويسقط لزومها للذمة وذلك يوجب أنه إذا كان الشك أول عرض له أن ~~يستأنفها لما روي عن الرسول أنه قال: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)). وهو ~~إذا استأنفها فقد عدل عما يريبه من اللزوم إلى ما لا يريبه من اللزوم. # المذهب الثاني: محكي عن الشافعي: أنه يأخذ بالأقل ويبني على صلاته ويسجد ~~سجدتي السهو. وهذا هو قول مالك، وربيعة من فقهاء التابعين، ومحكي عن أمير ~~المؤمنين وأبي بكر وعمر وابن مسعود من الصحابة رضي الله عنهم. # والحجة على هذا: ما روى أبو سعيد الخدري أن الرسول قال: ((إذا شك أحدكم ~~في صلاته " فليلق الشك وليبن على اليقين فإذا استيقن التمام سجد سجدتين فإن ~~كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان للجبران، وإن كانت صلاته ~~ناقصة كانت الركعة تماما للصلاة والسجدتان ترغمان أنف الشيطان))(1). PageV03P628 # المذهب الثالث: محكي عن الحسن البصري: أنه يذهب على وهمه ويسجد للسهو. وهو ~~محكي عن أبي هريرة، وأنس بن مالك من الصحابة رضي الله عنهم. # والحجة على هذا: هو أن ms1469 الإستئناف إبطال للعمل وقد قال تعال: {ولا تبطلوا ~~أعمالكم}[محمد:33]. وإن كان الأمر هكذا وجب الذهاب على الوهم ومعناه أن ~~يبني على الأقل ولا يلتفت إلى عارض شكه، ويكون الشك كأن لم يكن، ولأنه إذا ~~ذهب على وهمه كان أقرب إلى انسداد أبواب الشك وإبطال التوهمات والشكوك ~~العارضة، والتفرقة بين هذا المذهب وبين مذهب الشافعي هو أن الشافعي يبني ~~على الأقل عند عروض الشك لأنه هو المستيقن. والحسن البصري ومن قال بقوله ~~يقولون: يذهب على وهمه. أي أنه يبني على ما يذكر من حاله فيبني عليه ولا ~~يلتفت إلى الأقل المستيقن فهذه هي التفرقة بين المذهبين. # المذهب الرابع: محكي عن أبي حنيفة وهو أن المصلي له ثلاثة أحوال، فإن كان ~~ذلك الشك أول مرة استأنف الصلاة، وإن كان الشك غالبا عليه تحرى أكثر رأيه ~~فيبني عليه وسجد للسهو، وإن لم يكن يدري لغلبة الشك عليه بنى على اليقين في الأقل. # والحجة على هذا: هو أنه في الحالة الأولى الغالب من حاله السلامة فإذا ~~عرض له الشك فإنه يؤثر اليقين على الشك ويستأنف الصلاة ليكون الفرض ساقطا ~~عن ذمته بيقين وتحقق، وفي الحالة الثانية أو أكثر غلبة الشك تحرى أكثر رأيه ~~فبنى عليه لأنه روي عن النبي أنه قال: ((إذا شك أحدكم ولم يدر أثلاثا صلى ~~أو أربعا " فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب)). وفي الحالة الثالثة إذا لم يكن ~~له رأي ولا تحرى لغلبة الشك عليه فإنه يبني على اليقين ويرجع إلى الأقل لما ~~روي عن الرسول أنه قال: ((إذا شك أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثا أم أربعا " ~~فليبن على اليقين وليدع الشك)). وليس يكون البناء على اليقين إلا بالرجوع ~~إلى الأقل فهذا تقرير المذاهب بأدلتها على ما ذكرناه. PageV03P629 # المذهب الخامس: محكي عن الناصر، والإمامية، وهو أنه إذا شك في الركعتين ~~الأوليين من الفرائض فلم يدر صلى واحدة أو اثنتين فعليه الإعادة، وإن شك في ~~الركعتين الأخيرتين فكلامه محتمل أنه يتحرى ويبني على ما يغلب على ظنه ~~ويحتمل أن يبني على الأقل. ms1470 # والحجة على هذا: هو أنه إذا شك في الأوليين فهما أول الصلاة لم يسبقهما ~~شيء فيصير كما لو شك في أنه صلى أو لم يصل، فكما أن هاهنا يستأنف فهكذا في ~~الشك في الأوليين،فأما إذا كان شكه في الأخيرتين فقد صار في آخر الصلاة على ~~شرف إتمامها فليس له إلا التحري إن كان من أهله، وإن لم يكن من أهل التحري ~~فإنه يبني على الأقل وهو المستيقن. # والمختار: ما قاله السيد أبو طالب وقرره للمذهب: من أنه إذا كان الشك أول ~~ما عرض له فإنه يستأنف الصلاة. # وحجته: ما ذكرناه، وهو مروي عن العبادله من الصحابة رضي الله عنهم ابن ~~عمر وابن عباس وابن عمرو ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا ~~شك أحدكم في صلاته " فلم يدر أصلى ثلاثا أو أربعا فليستأنف)). وهذا نص فيما ~~ذهبنا إليه، وهو مروي عن الشعبي، وشريح، وعطاء، والأوزاعي من فقهاء ~~التابعين، وإذا استأنف الصلاة فهل يستأنف تكبير الافتتاح أم لا؟ فيه قولان: # فالقول الأول: أنه يستأنف تكبيرة الافتتاح. وهذا هو الذي نصره السيد أبو ~~طالب، وعليه الأكثر من أصحاب أبي حنيفة. # وحجتهم على هذا: هو أن التحريمة لا تراد لنفسها، وإنما تراد لما بعدها من ~~الصلاة فإذا بطل ما بعدها من الصلاة بعروض الشك فصار كأنه لم يفعل تلك ~~التحريمة. # والقول الثاني: محكي عن أصحاب أبي حنيفة: وهو أنه لا يلزمه من استئناف ~~تكبيرة الافتتاح. # والحجة على هذا: هو أن الشك إنما عرض في الصلاة دون تكبيرة الافتتاح ~~فلهذا لم يلزم استئنافها، وهذا هو الأقوى والمرتضى للمذهب لأمرين: # أما أولا: فلأنه على يقين من تكبيرة الافتتاح وعلى شك من الصلاة فلا يلزم ~~من فساد الصلاة فساد التكبيرة. PageV03P630 # وأما ثانيا: فلأن التكبيرة من جملة الصلاة ولم يعرض لها ما يفسدها كما لو ~~شك في القعدة الأخيرة وكما لو شك في التسليم فإنه يأتي به ولا يعترض الشك ~~فيه الشك فيما تقدمه، فهكذا هاهنا إذا عرض الشك في عدد الركعات وأوجبنا ~~عليه ms1471 الاستئناف لأجل الخبر فلا تفسد التكبيرة بحال بل يبني عليها صلاته ولا ~~يفتقر إلى إعادتها. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: يبني على الأقل كما حكيناه عمن قال من الصحابة والفقهاء من ~~التابعين، ومحكي عن الشافعي. # قلنا: إن ظاهر الخبر دال على إزالة الشك من جميع الوجوه، وإذا بنينا على ~~الأقل من الصلاة لم يأمن أن يكون قد زاد في صلاته ركعة فيكون الشك باقيا من ~~هذا الوجه، وإذا استأنف الصلاة فقد أداها على اليقين من كل الوجوه فلهذا ~~كان أحق. # قالوا: أخذنا بالأقل كما حكي عن أمير المؤمنين وغيره من الصحابة، ومن ~~فقهاء التابعين لحديث أبي سعيد الخدري. # قلنا: عما ذكروه جوابان: # أما أولا: فلما ذكرناه من أنه إذا أخذ بالأقل لا يأمن زيادة ركعة فيكون ~~الشك باقيا، وإذا عاد زال هذا الاحتمال. # وأما ثانيا: فلأنه معارض بما ذكرناه من الحديث فإنه مصرح بالاستئناف، ~~وخبر أبي سعيد الخدري ليس فيه تصريح بالمطلوب لأجل دخول الشرط فيه، والشرط ~~محل للشك فلأجل هذا كان خبرنا أرجح فيجب العمل عليه. # قالوا: يذهب على وهمه. كما حكي عن الحسن البصري ومن تابعه من الفقهاء. # قلنا: إن المعنى أنه يذهب على وهمه أنه يبني على المستيقن كما حكي عن ~~القاسم أنه قال في الشك: دواؤه المضي عليه. يريد أنه يبني على ما يستيقن من ~~نفسه وليس الغرض أنه يبني على الأقل [كما]حكيناه عن الشافعي، وإنما أراد ~~أنه مال إلى ما يتحقق من حاله فيبني الصلاة عليه وهذا لا وجه له فإنه لا ~~يتحقق من حاله شيء مع الشك اللهم إلا أن يريد أنه يرجع إلى الأقل كما قاله ~~الشافعي وقد ذكرنا ما يتوجه عليه من الإحتمال فأغنى عن الإعادة. PageV03P631 # قالوا: حكي عن الناصر أنه قال: إذا كان الشك في الركعتين الأوليين فعليه ~~الإعادة، وإن كان الشك في الآخرتين بنى على الأقل أو تحرى وعمل على تحريه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الأدلة الشرعية من الأخبار النبوية لم تفصل بين أن يكون ~~الشك ms1472 عارضا في الأوليين أو الآخرتين فلا وجه لهذا التفصيل. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه مطابق لما قلناه من أنه إذا كان الشك أول ما ~~عرض له وكان مبتدأ فإنه يعيد الصلاة ويستأنفها وما ذكره في الركعتين ~~الآخرتين من احتمال البناء على الأقل والتحري فسنقرر الكلام فيه، وإنما ~~الغرض هاهنا هو الاستئناف في حق من عرض له الشك من أول أمره، وهكذا ما حكي ~~عن أبي حنيفة من الأحوال الثلاثة فإنه موافق لنا في الحالة الأولى إذا كان ~~المصلي مبتدأ بالشك فإنه يستأنف الصلاة فلا وجه للرد عليه. # المسألة الثانية: في المصلي إذا كان الغالب من حاله الشك وكان يمكنه ~~التحري والبناء على غالب الظن فمن هذه حاله هل يعمل على ما يؤدي به التحري ~~أو يبني على الأقل؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يبني على ما أداه إليه التحري وتغليب الظن، وهذا هو ~~الذي نصره السيد أبو طالب وقرره للمذهب، وهو محكي عن ابن عمر وأبي هريرة ~~وجابر بن زيد وإبراهيم النخعي. # والحجة على هذا: ما روى علقمة بن عبدالله أن الرسول قال: ((إذا صلى أحدكم ~~فلم يدر أصلى ثلاثا أو أربعا " فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب وليتمه ثم يسلم ~~ويسجد سجدتي السهو)). # المذهب الثاني: أنه يبني على الأقل، وهذا هو المحكي عن عطاء، وعبد الرحمن ~~بن عوف. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم فلم يدر أصلى ~~ثلاثا أو أربعا " فليبن على اليقين وليدع الشك)). وظاهر هذا الخبر دال على ~~أنه لا يعول على التحري ولكن يبني على الأقل، وهذا هو مرادنا. # والمختار: ما قاله السيد أبو طالب ونصره. PageV03P632 # وحجته: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا كنت في ~~الصلاة فشككت في ثلاث أو أربع " وأكثر ظنك على أنها أربع تشهدت وسلمت وسجدت ~~سجدتي السهو)) (1). # وروي عنه أنه قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته " فليتحر ثم ليتم ثم ليسجد ~~سجدتي السهو)). فهذه الأخبار كلها دالة على أن التحري هو ms1473 الواجب على المصلي ~~عند الشك إذا كان ممكنا له. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم وشك هل صلى ثلاثا أو ~~أربعا " فليبن على اليقين وليدع الشك)). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا الخبر محمول على من تعذر عليه التحري ولا يمكنه تغليب ~~الظن فلأجل هذا كان له الرجوع إلى العمل على الأقل أو إلى الاستئناف كما ~~ذكرناه من قبل. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما رويناه من الأخبار الدالة على تغليب الظن ~~والعمل عليه، وأخبارنا أحق بالعمل عند التعارض لظهورها وكثرتها فلهذا كانت ~~أحق بالعمل. # ومن وجه ثالث: وهو أن التحري يجب العمل عليه واستعماله في العبادات متى ~~تعذر العلم فيها بدليل صور نذكرها: # الصورة الأولى: الصوم إذا التبس على الأسير في دار الحرب في شهر رمضان ~~فإنه يعمل على التحري، وإعمال الظن في مطابقة صومه لرمضان. # الصورة الثانية: التحري في الأثواب إذا كان بعضها طاهرا وبعضها نجسا فإنه ~~يتحرى ويعمل على غالب ظنه فما أداه ظنه إليه عمل عليه. # الصورة الثالثة: الأواني إذا كان فيها ماء طاهر وبعضها نجس فإنه إذا أراد ~~التوضيء فإنه يعمل أمارة الطهارة والنجاسة والتغليب على ظنه ويتوضى ولا ~~يتيمم لأن التحري هو منتهى تكليفه. # الصورة الرابعة: القبلة. فإنه إذا اشتبه عليه الأمر في الصلاة إلى القبلة ~~والتبست عليه الأمارات الموصلة إلى الكعبة فإنه يتحرى ويعمل على ما يؤدي ~~إليه اجتهاده من أي الجهات صلى إليها. PageV03P633 # الصورة الخامسة: وقت الصلاة إذا التبس عليه الأمر لدوام الغيم وأراد الصلاة ~~فإنه يعمل رأيه في حصول الأمارات التي ينقدح بها الظن في دخول وقت الصلاة ~~فيعمل عليه. # الصورة السادسة: تقويم قيم المستهلكات وأروش الجنايات ونفقة الزوجات ~~فإنها مبنية كلها على التحري، وطلب الأمارات في هذه الأمور كلها، وإذا كان ~~الأمر كما قلنا في تحكيم غلبات الظنون على التحري والنظر في الأمارات فهكذا ~~يكون التعويل عليه عند عروض الشك في الصلاة وكان ممن يمكنه التحري. # المسألة الثالثة: في حكم ms1474 المصلي إذا كان ممن يمكنه التحري وتغليب الظن ~~لكن استوى في حقه الأمران جميعا فلم يترجح له أحدهما دون الآخر فمن هذه ~~حاله فإنه يجب عليه استئناف الصلاة، وهذا هو الذي نصره السيد أبو طالب ~~واختاره للمذهب. # والحجة على هذا: هو أن حكم التحري قد بطل في حقه لاستواء الأمرين، وإذا ~~كان الأمر هكذا وجب عليه الاستئناف وليكون مؤديا للصلاة بيقين ويخرج عن ~~عهدة الأمر بما ذكرناه وينزل منزلة من كان مبتدأ بالشك في أول مرة فإذا ~~أوجبنا عليه استئناف الصلاة حتى يكون مؤديا للصلاة بيقين فهكذا من استوى في ~~حقه الأمران فإنه يلزمه الاستئناف من غير فرق بينهما والجامع بينهما أن كل ~~واحد منهما لا معنى للتحري في حقه فلهذا وجب عليه الاستئناف لأن هذا تعارض ~~في حقه الأمران بحيث لا ترجيح والمبتدأ الأغلب من حاله أنه لم يأت بشيء من ~~الصلاة فلهذا وجب عليهما جميعا الإعادة، لما ذكرناه ويدل على ما قلناه ما ~~روي عن الرسول أنه قال: ((إذا صلى أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثا أو أربعا ~~فليستأنف الصلاة)) فهذا كما يدل على استئناف في حق الشاك لم يغلب على ظنه ~~شيء فهو دال على أن المصلي إذا كان يمكنه التحري واستوى عنده الأمران من ~~غير ترجيح فإنه يلزمه الاستئناف. # المسألة الرابعة: في حكم من كان مبتلى بكثرة الشك ولم يمكنه التحري ~~وتغليب الظن لاستحكام الشك عليه فإنه يبني على الأقل. PageV03P634 # والحجة على هذا ما روى عبدالرحمن بن عوف عن الرسول أنه قال: سمعت رسول الله ~~يقول: ((إذا شك أحدكم في صلاته فشك في الواحدة والثنتين " فليجعلهما واحدة، ~~وإذا شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثا حتى يكون الوهم في الزيادة)). ~~فهذا الخبر دال على الرجوع إلى الأقل فيجب حمله على من ذكرناه وقد استعملنا ~~الأخبار كلها من غير رد لشيء منها، وحملنا كل واحد منها على ما يقتضيه ~~الدليل فمن أمكنه التحري عمل عليه ومن لم يمكنه التحري فإنه يبني على الأقل ~~لكثرة شكه واستيلائه عليه وهذه طريقة ms1475 مرضية أعني الجمع بين الأخبار وتنزيل ~~كل واحد منها على ما يقتضيه الدليل الشرعي من غير رد لشيء منها كما ذكرناه. # المسألة الخامسة: في حكمه إذا بنى على الأقل ثم أيقن أنه صلى خمسا فهل ~~يعيد الصلاة أم لا؟ فيه قولان: # القول الأول: أنه يلزمه إعادة الصلاة إذا تحقق زيادة الخامسة، وهذا هو ~~الذي ذكره السيدان أبو طالب وأبو العباس وارتضياه. # القول الثاني: أنه لا تلزمه الإعادة، وهذا هو الذي أشار إليه المؤيد ~~بالله وقد ذكرنا وجه القولين فيما مضى وذكرنا المختار وأوضحنا الانتصار له ~~فأغنى عن التكرير. PageV03P635 # قال المؤيد بالله: ومن اعترض له الشك فلم يتحر حتى فرغ من صلاته ثم غلب على ~~ظنه أن صلاته صحيحة لم تكن عليه الإعادة وذلك لأن المقصود هو الخروج عن ~~عهدة الأمر بأداء الصلاة فإذا غلب على ظنه صحتها فقد حصل الغرض المطلوب ~~بصحتها وغلبة ظنه كافية في ذلك فإن خرج من صلاته وكان عنده أنه أتمها ثم ~~عرض له الشك بعد ذلك لم يكن للشك العارض حكم لأنه قد حصل له من جهة نفسه ~~إتمامها وهو الأصل المعمول عليه فلا وجه لعروض الشك فإن كان الشك قبل ~~الخروج منها تحرى وبنى عليها سواء كان ذلك في الأوليين أو الأخريين لأن ~~الشك يقوى تأثيره إذا كان قبل الخروج منها فيعمل على ما يقوى له من التحري ~~أو الرجوع إلى الأقل أو إلى الاستئناف على ما قد قررناه من قبل، وإن سها في ~~صلاته فلم يدر أصلى ثلاثا أو أربعا فبنى على تحريه ثم حصل له اليقين أنه قد ~~أداها صحيحة وزال الشك لم تكن عليه الإعادة لكونها مؤداة على الصحة ولم ~~تلزمه سجدتا السهو لأن مع اليقين لا وجه للجبران بسجود السهو لأنه إنما ~~يلزمه إذا شك ثم أداها بغلبة الظن فأما مع اليقين فلا. # الفرع الثالث: في حكم الشك إذا وقع في ركن من أركان الصلاة. # قال المؤيد بالله: ومن شك في تكبيرة الافتتاح أو القراءة أو الركوع أو ~~السجود فإنه ms1476 يتحرى ويعمل على غالب ظنه. PageV03P636 # واعلم أن كل من ترك ركنا من أركان الصلاة نحو القيام والركوع والسجود وغير ~~ذلك من الأركان العشرة المفروضة التي أسلفنا ذكرها فليس يخلو حاله إما أن ~~يمكنه التحري وتغليب الظن أو لا، فإن كان يمكنه التحري وتغليب الظن عمل على ~~ما أدا إليه التحري سواء كان مبتلى بكثرة الشك أو كان الشك أول عارض في حقه ~~وإن كان لا يمكنه التحري وتغليب الظن فإنه يبني على الأقل فيما كان يتكرر ~~كالسجود فإنه إذا شك أنه سجد سجدتين أو سجدة واحدة فإنه يبني على الأقل، ~~وإن كان فيما لا يتكرر نحو أن يشك في أنه ركع أو سجد فإنه يبني على إعادته ~~وهكذا لو شك في القراءة وتكبيرة الافتتاح. # فحصل من هذا أن حكم الركن مخالف لحكم الركعة فإنه إذا شك في ركن من ~~أركانها فإنه يلزمه أن يأتي به ولا يلزمه الاستئناف وليس كحال حكم الركعة ~~فإنه إذا شك فيها وكان الغالب من حاله السلامة فإنه يلزمه الاستئناف ~~والتفرقة بينهما من وجهين: # الفرق الأول: ذكره السيد أبو طالب وتقرير ما قاله هو: أن الركعة لا تكون ~~إلا مقصودة وسائر الأركان قد تكون مقصودة وقد تكون غير مقصودة وما يكون من ~~الأركان زيادة مقصودة في محلها يفسدها وسائر ما لا تكون مقصودة لا يفسدها، ~~وإذا كان الأمر كذلك فالشك في زيادة لا تكون إلا مقصودة من الفرائض يجب أن ~~يكون أبلغ في فساد الصلاة من الشك فيما يكون مقصودا وقد لا يكون مقصودا ~~وذلك يقتضي الفصل الذي ذكرناه، هذه ألفاظه. # الفرق الثاني: هو أن الركعة مشتملة على أركان متعددة كالقيام والركوع ~~والسجود والقراءة والقعدة بين السجدتين فالركن بعض أجزاء الركعة وجزء الشيء ~~لا يكون مساويا لكله فلأجل هذا كان حكم الركعة مخالفا لركنها فإذا شك في ~~الركعة وكان مبتدأ أعاد الصلاة بخلاف الركن فإنه يبني على الأقل فافترقا. PageV03P637 # الفرع الرابع: قال المؤيد بالله: ومن شك في ركوعه أو سجوده وعلم من عادة ~~نفسه سجدة التحري ms1477 في الصلاة والتحفظ لأركانها جاز له الأخذ بما عهد من حاله ~~بعدما ثبت له ذلك ولم يقابله ما ينافيه. # واعلم أن العلم باستمرار الأمور العادية ضروري لا مرية فيه، وهذا نحو ~~العلم بما تجري به العادة من هذه الأشياء المعتادة، نحو طلوع الشمس والقمر ~~وغروبهما وسائر الكواكب ونحو توالد الحيوانات كل جنس من جنسه، ونحو ~~النباتات كل جنس من جنسه، فهذه الأمور كلها طريقها العادة فإذا كانت العادة ~~موصلة إلى العلم فيما هو معلوم فإيصالها إلى غلبات الظنون فيما هو مظنون ~~أحق وأولى، فإذا عرفت هذا فالعادة ليست من التحري ولا من النظر في الأمارات ~~في ورد ولا صدر ولكنها أصل في تغليب الظن بصحة ما تعلقت به وإنما يعول ~~عليها في صحة الصلاة بشرطين: # الشرط الأول: أن يكون المصلي قد أتى بشرائط صحة الصلاة في الأقوال ~~والأفعال من غير إخلال بشيء منها. # الشرط الثاني: أن لا يعارضها ما يناقضها من وجوه الفساد، وإذا كان الأمر ~~كما قلناه جاز التعويل عليها في صحة الصلاة على ما جرت عليه عادة المصلي في ~~التحفظ والإحتراز. # قال المؤيد بالله: ومن شك في صلاته فأداها على التحري وغلبات الظنون وجب ~~عليه سجود السهو إلا أن يتيقن أنه أتى بها صحيحة وكلامه هذا يشير به إلى أن ~~للمصلي حالتين عند الشك في الصلاة: # الحالة الأولى: أن يتحقق بعد الشك أنه أداها على الصحة والخروج عن عهدة ~~الأمر وعند هذا لا يلزمه سجود السهو لأن العلم لا يجوز خلافه ولا وجه لتطرق ~~النقصان إليها فتجبر بالسهو(1). # الحالة الثانية: أن يؤديها على التحري وتغليب الظن وعلى هذا تكون مجزية ~~له ويخرج بها عن عهدة الأمر بالظن وهو غاية تكليفه لكنه يجب عليه سجود ~~السهو للجبران من جهة أن الظن يجوز خلافه فلهذا جبره بالسجود. PageV03P638 # قال المؤيد بالله: ومن اعترض له الشك في صلاته فلم يتحر حتى فرغ منها ثم ~~غلب على ظنه أنها صحيحة فلا إعادة عليه. وهذا جيد فإن الشك إذا عرض فلا بد ~~من دفعه ms1478 إما بالتحقق بالأداء على الصحة وإما بغلبة الظن فكل واحد من هذين ~~كاف في الخروج عن الشك ودفعه فإذا غلب على ظنه بعد الفراغ منها صحتها فقد ~~حصل الإجزاء وبطلت الإعادة لأن الإعادة إنما تكون بما فسد وكان الوقت باقيا ~~لكن يجب عليه سجود السهو. # الفرع الخامس: ومن شك في ركعة فتحرى في أخرى وبنى عليها فهل تصح صلاته أم ~~لا؟ فيه قولان: # القول الأول: أن صلاته صحيحة، وإن تأخر تحريه من ركعة إلى أخرى أو تأخر ~~تحريه إلى آخر الصلاة، وهذا هو رأي المؤيد بالله. # وحجته على هذا: هو أنه إذا شك في ركعة فإن المقصود بالتحري هو تغليب الظن ~~بالأمارات الصحيحة على كون الصلاة صحيحة وكونها مجزية وهي في انتظامها تنزل ~~منزلة الفعل الواحد ولهذا كانت الموالاة معتبرة فيها فلا فرق بين أن يتحرى ~~في الركعة المشكوك فيها أو في الثانية أو في آخر الصلاة في حصول الإجزاء ~~والخروج عن عهدة الأمر. # القول الثاني: أن التحري إنما يكون على الفور، وهذا هو الذي ذكره السيد ~~أبو العباس. # وحجته على هذا: هو أن المصلي إذا دخل في الصلاة وشك في ركعة من ركعاتها ~~فلا سبيل إلى البناء عليها إلا بعد أدائها على الصحة والثبات فإذا خرج منها ~~من غير تحر كان بناؤه عليها في الركعة الثانية أو بعد فراغه من الصلاة ~~إخلالا بشرط الصحة فلهذا كانت فاسدة. # والمختار: ما قاله المؤيد بالله لأمرين: # أما أولا: فلأن المقصود هو تأدية الصلاة على نعت الصحة بالتحقق أو غلبة ~~الظن وهذا حاصل سواء كان عقيب الشك أو بعده إذا كانت الصلاة مشتملة عليه. # وأما ثانيا: فلم تدل دلالة على وجوب الفور في التحري فيعمل عليها وإنما ~~المقصود حصوله قبل فراغه من الصلاة. PageV03P639 # الفرع السادس: قال المؤيد بالله: ولو شك المؤتم خلف الإمام لم يكن له أن ~~يتحرى بل يتبع الإمام ولا يلتفت إلى عارض شكه فإنما وجب ذلك لأمرين: # أما أولا: فلقوله : ((الإمام ضامن)) ولا معنى لضمانه إلا بحمله لما عرض ~~من ms1479 النقصان في الصلاة. # وأما ثانيا: فلقوله : ((إنكم تصلون بهم فما صح فلكم ولهم " وما فسد ~~فعليكم دونهم)). وفي هذا دلالة على ما قلناه. # ومن وجه آخر: وهو قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). ولم يفصل. فظاهر ~~الخبر دال على أنه لا معنى لإنفراد المصلي بالتحري لأن ذلك يكون مخالفة ~~للإمام. # وقال أيضا: في رجل كثير السهو في صلاته صلى بجهده فلما بلغ آخر الجلسة ~~أيقن أن صلاته صحيحة ثم بعد إتمام التشهد لم يذكر غير ما هو فيه أنه إذا ~~ذكر عند التشهد تمام صلاته لم تلزمه الإعادة. # واعلم أن هذا إنما يكون في حق من غلبه السهو وكثرة الوسوسة في الصلاة، ~~فإذا حصل له اليقين في آخر الصلاة أن صلاته صحيحة وذهل عن ذكر أول صلاته ~~ولم يذكر إلا ما هو فيه اجزأه ذلك لأن الأصل في الإجزاء وسقوط الإعادة في ~~الوقت والقضاء بعد فواته هو تحققه أن صلاته صحيحة وهذا حاصل ونسيانه وذهوله ~~لما سبق من أعمال الصلاة لا يطرق خللا بعد تحققه لصحة الصلاة ولا يلزمه ~~سجود السهو مع التحقق كما مر في نظائره. # وقال أيضا: ويكره لمن شك في صلاته الخروج منها لإعادتها إذا أمكنه التحري ~~فيها وإنما كره ذلك لما فيه من إبطال العمل، وقد قال تعالى: {ولا تبطلوا ~~أعمالكم}[محمد:33]. وهذا إنما هو في حق من يمكنه التحري في الصلاة. # الفرع السابع: اعلم أن العبادات التي تعبدنا بأدائها والتكاليف التي ~~أمرنا بفعلها منقسمة بالإضافة إلى طرقها إلى ثلاثة أقسام: PageV03P640 # القسم الأول منها: ما كان ثابتا بطريق معلوم وهذا نحو أصل الصلاة والزكاة ~~والحج والصوم فإن هذه العبادات أصولها ثابتة بطرق معلومة ضرورة من الدين ~~وإنكارها يكون كفرا وردة، والشك فيها يكون شكا في النبوة، وأما تفاصيلها ~~فثبوتها يكون بطرق مظنونة وهو أخبار الآحاد وعليها التعويل في تقريرها ~~والأقيسة حيث يكون لها مدخل فيها فإذا وقع الشك فيها جاز الأخذ فيها بغالب ~~الظن والأمارات. # القسم الثاني: ما يكون أصله ثابتا بطريق مظنون وهذا نحو أصل النية في ms1480 ~~الصلاة والقراءة وتعيين فاتحة الكتاب وغير ذلك مما وقع فيه الخلاف في مسائل ~~الصلاة، فما هذا حاله يجوز أداؤها بغالب الظن وإذا دخل الشك جاز تحكيم الظن ~~في أدائه، وأما تفاصيلها فثابتة أيضا بطرق مظنونة وهذا نحو كيفية النية ~~ومقدار القراءة وغير ذلك من تفاصيل مسائل الصلاة وما يتوجه فيها من مسائل ~~الخلاف فإذا دخل الشك فيها جاز أداؤها بغالب الظن لأن أصلها إذا كان ثابتا ~~بطريق مظنون فتأدية التفاصيل بالطرق المظنونة أولى وأحق. # القسم الثالث: ما يكون أصله ثابت بطريق معلوم فلا يجوز دخول الشك فيه ولا ~~يجوز دخول النظر في تقرير أصله وهذا نحو الوضوء فإن أصله معلوم بالضرورة من ~~الدين لا يقع فيه خلاف، وأما تفاصيله فهل يجوز تأديتها بغلبة الظن إذا وقع ~~الشك فيها أم لا؟ فيه قولان: # فالقول الأول: أنه لا يجوز الأخذ فيها بغالب الظن إذا وقع الشك في تطهير ~~عضو من أعضاء الوضوء التي طريق العلم بوجوبه النص والإجماع، فإذا وقع الشك ~~فيها وجبت الإعادة فيه وفيما بعده حتى يتحقق فعله يقينا سواء كان قبل دخوله ~~في الصلاة أو بعد دخوله فيها وسواء كان الوقت باقيا أو قائتا، وهذا هو رأي ~~الهادي. PageV03P641 # القول الثاني: أنه إذا وقع الشك في تطهير عضو من هذه الأعضاء التي طريق ~~وجوبها النص والإجماع فإنه يجوز أداؤه بغالب الظن والأمارات الصحيحة، وهذا ~~هو رأي المؤيد بالله وقد قدمنا الكلام فيها وذكرنا المختار والانتصار له ~~فأغنى عن الإعادة. # قاعدة: اعلم أن الجمع بين الأحاديث طريقة مرضية باتفاق الأصوليين من أئمة ~~العترة وجماهير المعتزلة والأشعرية المعولين على العمل على أخبار الآحاد ~~والمصرحين بقبولها في أحكام الشريعة من العبادات وأنواع المعاملات فإذا كان ~~الجمع بينهما ممكنا فلا مزيد على حسن هذه الطريقة لأنه يكون قبولا بجميعها، ~~وإن تناقضت ولم يمكن الجمع بينها فلا بد من إعمال النظر في ترجيح بعضها على ~~بعض بالإضافة إلى سنده ومتنه، وغير ذلك من طرق الترجيح التي أودعناها الكتب ~~الأصولية. فإذا عرفت هذا فاعلم أن الأحاديث ms1481 والأخبار الواردة في شأن الشك ~~في الصلاة واردة على مراتب ثلاث: # المرتبة الأولى: في الأخبار الدالة على استئناف الصلاة إذا وقع الشك في ~~الصلاة وهي محمولة على وجهين: # أحدهما: فيمن كان حاله السلامة والشك أول ما ورد عليه، فمن هذه حاله يجب ~~عليه استئناف الصلاة ليكون مؤديا للفرض على حقيقة ويقين من حاله. # وثانيهما: أن يكون واردا في حق من استوى عنده الأمران أنه صلى ثلاثا ولم ~~يترجح له أحدهما على الآخر فمن هذه حاله يجب عليه استئناف الصلاة ليخرج عن ~~عهدة الأمر بالصلاة بما ذكره من الإستئناف. # المرتبة الثانية: أن تكون الأحاديث واردة على وجوب التحري والنظر في ~~الأمارات الموجبة لانقداح الظن وهي محمولة على من يمكنه التحري والنظر في ~~الأمارات الدالة على ترجيح أحد الأمرين على الآخر وهو أكثر ما ورد من ~~الأحاديث وذلك لأن الغالب من حال الشك القوة على الترجيح فلهذا وردت ~~الأخبار الكثيرة على استعمالها والمواضبة عليها. PageV03P642 # المرتبة الثالثة: في الأحاديث الدالة على العمل علىالأقل وهي محمولة على من ~~لا يمكنه التحري وتغليب الظن على أحد الاحتمالين، فمن هذه حاله فإنه يبني ~~على الأقل فالأحاديث الواردة في الشك في الصلاة لا تخرج عما ذكرناه من هذه ~~المراتب الثلاث وقد حملنا كل واحدة منها على ما يقتضيه حكمه من غير حاجة ~~إلى قبول بعضها ورد البعض أو النظر في الترجيح لأنا إذا حملناها على ما ~~ذكرناه من هذه المعاني الجامعة لها فلا حاجة بنا إلى تناقضها وترجيح بعضها ~~على بعض لأن في حملها على ما ذكرناه من الأمور الجامعة غنية عن حملها على ~~المناقضة والترجيح، فهذا ما أردنا ذكره في ذكر الشك الوارد على المصلي في ~~الصلاة وأحكامه. PageV03P643 # --- ### ||| AUTO الفصل الرابع في بيان أنواع السجدات # اعلم أن أنواع السجدات خمسة: سجدة فريضة، وسجدة نافلة، وسجدة سهو، وسجدة ~~تلاوة، وسجدة شكر، وسجدة خشوع واعتراف بالذنب. # فأما سجدة الفريضة والنافلة، فقد ذكرنا حكمها من قبل، والذي نذكره هاهنا ~~سجدة السهو، وسجدة التلاوة، وسجدة شكر وخضوع واعتراف بالذنب، فهذه ms1482 أنواع ~~ثلاثة نذكر ما يتوجه في كل واحدة منها بمعونة الله تعالى. # النوع الأول: في بيان أحكام سجود السهو. # اعلم أن الذي نذكره هاهنا إنما هو ما يتعلق بأحكام السجود نفسه، فأما ما ~~يتعلق بأحكام الصلاة التي وقع السهو فيها فقد ذكرناه. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: في بيان حكمه ومحله. # أما حكمه: فقد ذكرناه في أول الباب فأغنى عن الإعادة. # وأما محله: فهل يكون قبل التسليم أو بعده؟ فيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أن محله بعد التسليم، وهذا هو رأي زيد بن علي، والقاسم، ~~والهادي، والمؤيد بالله، ومحكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وسعد بن ~~أبي وقاص، وابن مسعود، وعمار من الصحابة رضي الله عنهم. ومروي عن الحسن ~~البصري من التابعين، والثوري، وإبراهيم النخعي، وابن أبي ليلى، وهو رأي أبي ~~حنيفة من الفقهاء. # والحجة على هذا: ما روى ثوبان عن الرسول أنه قال: ((لكل سهو سجدتان بعدما ~~تسلم)) (1). # فهذا نص فيما ذهبنا إليه. # المذهب الثاني: أنه يكون محله قبل التسليم، وهذا هو المشهور عن الشافعي ~~في عامة كتبه، وهو مروي عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، والزهري، وربيعة، ~~والليث، والأوزاعي سواء كان للزيادة أو للنقصان. # والحجة على هذا: ما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول أنه سجد للسهو قبل ~~التسليم. PageV03P644 # والحجة الثانية: ما روى عبدالله بن بحينة،(وبحينة هذا من الصحابة وهو ~~بالباء بنقطة من أسفلها، وحاء مهملة وبالتصغير ساكنة، ونون، والباء ~~مضمومة)، أنه قال: صلى بنا رسول الله إحدى العشائين فقام من اثنتين فقام ~~الناس معه فلما جلس انتظر الناس تسليمه فسجد قبل أن يسلم، وروى ذلك عمر، ~~وابن عباس عن الرسو (1). # المذهب الثالث: أنه إن كان السهو للزيادة فبعد التسليم، وإن كان للنقصان ~~كان محله قبل التسليم، وهذا هو رأي الناصر، وجعفر الصادق، ومحكي عن مالك، ~~وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، والمزني من أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن الأخبار المروية عن الرسول بعضها دال على سجود قبل ~~التسليم، وبعضها دال على سجود بعد التسليم ms1483 فجمعنا بين هذه الأخبار وقلنا: ~~ما دل على السجود قبل التسليم فهو للنقصان، وما دل على السجود بعد التسليم ~~فهو للزيادة فيكون جمعا بينها وهذه طريقة مرضية لما فيها من قبول الأخبار ~~كلها من غير رد لشيء منها. # المذهب الرابع: حكى الطبري من أصحاب الشافعي أن الشافعي ذكر في القديم: ~~أن المصلي مخير بين أن يسجد قبل التسلم أو بعده. # والحجة على هذا: أن الأخبار واردة على كلا الأمرين فلأجل هذا قضينا ~~بالتخيير جمعا بين الأخبار في الدلالة والقبول، فهذه المذاهب كما ترى في ~~محل السهو. # والمختار: ما ذهب إليه الإمام زيد بن علي، والقاسمية، وحكاه الكرخي عن ~~ابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وطاووس، والسائب وغيرهم ممن رويناه عنه. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو ما روى عبدالله بن مسعود عن الرسول ~~أنه قال: ((إذا صلى أحدكم فلم يدر أصلى ثلاثا أو أربعا فلينظر أحرى ذلك إلى ~~الصواب فليتمه ثم يسلم ثم يسجد سجدتي السهو)). وروي عنه قال: ((إذا شك ~~أحدكم في صلاته فليتحر " ثم يتم ثم يسجد سجدتي السهو)). PageV03P645 # وروي عنه أنه كان إذا سها سجد سجدتين بعدما يسلم. وعن المغيرة بن شعبة، ~~وعمران بن الحصين، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، أن الرسول سجد بعد ~~التسليم. # وروى عبدالله بن مالك(1) أنه رأى رسول الله قام في الركعتين ونسي أن يقعد ~~فمضى في صلاته ثم سجد سجدتين بعد الفراغ من صلاته(2). فهذه الأخبار كلها ~~دالة على ما اخترناه من فعل السجدتين بعد التسليم. # ومن وجه آخر: وهو أن سجود السهو ليس هو من مقتضى تكبيرة الافتتاح ولا من ~~مقتضى ما أوجبته التحريمة فوجب أن يكون محله بعد التسليم دليله تكبير ~~التشريق. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روى أبو سعيد الخدري أن الرسول سجدهما قبل التسليم، كما حكي عن ~~الشافعي. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المراد أنه سجدهما قبل التسليم المشروع في حقهما دون ~~التسليم المشروع للصلاة المفروضة. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بالأخبار التي رويناها، وإذا ms1484 عارضها فلا بد ~~من الترجيح، وما رويناه من الأخبار فهو أرجح لكثرتها واشتهارها وتصريحها ~~بما دلت عليه فلهذا كانت أحق بالقبول. # قالوا: روى معاوية، أنه سجدهما قبل التسليم. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن خبر معاوية غير مقبول ولا يعمل عليه لفسقه وسقوط عدالته ~~وحربه لأمير المؤمنين كرم الله وجهه وخروجه عليه. # وأما ثانيا: فلأنه معارض بما رويناه عن جلة الصحابة وأكابرهم، وخبر ~~معاوية لا يعارضها بحال. PageV03P646 # قالوا: إن كان السهو للزيادة فهو مفعول بعد التسليم في الصلاة، وإن كان ~~للنقصان فمحله قبل التسليم من الصلاة، كما هو محكي عن الناصر ومن تابعه ~~جمعا بين الأخبار لأن بعضها دال على فعله قبل التسليم، وبعضها دال على فعله ~~بعد التسليم فجمعنا بينهما بما ذكرناه، وهي طريقة مرضية في الأخبار. # قلنا: إن صاحب الشريعة صلوات الله عليه لم يقل سلموا في السهو قبل تسليم ~~الصلاة في النقصان، وبعد التسليم في الزيادة. وإنما ورد بعض الأخبار ~~بالتسليم قبل الخروج من الصلاة، وفي بعضها بعد الخروج من الصلاة، لكنا ~~رجحنا أن أخبار التسليم بعد الفراغ من الصلاة لكثرتها واشتهارها. # قالوا: هو مخير في تسليم السهو بين أن يجعله قبل التسليم من الصلاة أو ~~بعد التسليم منها كما حكى الطبري عن الشافعي. # قلنا: وهذا من الطراز الأول فإن الرسول لم يؤثر عنه التخيير قولا صريحا ~~وإنما ورد بعض الأخبار مرة بالتسليم قبل الخروج من الصلاة، ومرة بعد الخروج ~~عنها. فحصل الترجيح للأخبار الدالة على التسليم بعد الخروج من الصلاة ~~فقضينا به، فإذا تقرر أن محل السهو بعد التسليم من الصلاة المكتوبة فلو ~~سجدهما قبل الفراغ من الصلاة فهل تبطل صلاته أم لا؟. # فعلى رأي القاسمية أن صلاته تبطل لأنه خالف المشروع بزيادة السجود على ~~جهة العمد، وأما على رأي الناصر فلا تبطل صلاته إذا كان سجوده لسهو ~~النقصان، وهكذا على رأي الشافعي: لا تبطل صلاته لأن محله قبل التسليم على ~~قول. ومخير بين أن يكون قبله أو بعده على قول [آخر]. # الفرع الثاني: في ms1485 بيان مفروضه ومسنونه. # والمفروض منه: أمور خمسة: النية، وتكبيرة الافتتاح، والسجود، والقعود بين ~~السجدتين، وهو الاعتدال، والتسليم. PageV03P647 # ويدل على وجوب النية: قوله : ((الأعمال بالنيات " )). وقوله: ((لا قول ولا ~~عمل إلا بنية " )). ويدل على وجوب التكبير: قوله تعالى: {وربك فكبر " ~~}[المدثر:3]. ولم يفصل. ويدل على وجوب سائر الأفعال، ما روى أبو هريرة عن ~~الرسول أنه سهى في صلاته فتشهد ثم سلم ثم كبر فسجد ثم كبر ورفع رأسه من ~~السجود ثم تشهد وسلم. وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وظاهر الأمر ~~للوجوب إلا ما قامت الدلالة على خلافه(1). # وأما المسنون منه: فأمور ثلاثة: التشهد لأن في حديث أبي هريرة: أنه تشهد. ~~وفي حديث علقمة: أنه تشهد في سجود السهو، وفي سائر الأحاديث الواردة في ~~السهو: أنه لم يتشهد. وقوله : ((لكل سهو سجدتان)). ولم يذكر التشهد، وفي ~~هذا دلالة على كون التشهد مسنونا لأنه لو كان مفروضا في السهو لم يتركه كما ~~لم يترك التكبيرة والسجدتين وتسبيح السجود مسنون فيه وتكبير النقل مسنون ~~فيه أيضا لأنه إذا كان مسنونا في الصلوات المكتوبة فهو في سجود السهو أحق وأولى. # قال زيد بن علي في سجدتي السهو: يتشهد المصلي مثل ما يتشهد في الركعتين ~~ثم يسلم(2). # وعلى الجملة فما قلناه في أن المشروع في سجدتي السهو مثل المشروع في ~~سجدتي الفريضة، هو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة عليه: ما قلناه. # الفرع الثالث: في بيان أحكام السهو. ويشتمل على أحكام خمسة: # الحكم الأول: وإن اجتمع على المصلي في صلاته سهوان أو أكثر فهل يكفيه ~~للجميع سجدتان أم لا؟ فيه مذهبان: PageV03P648 # المذهب الأول: أنه يكفيه سجدتان. وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية، ~~والناصرية، ومحكي عن الفريقين الشافعية، والحنيفة، وهو قول كافة العلماء. # والحجة على هذا:ما روي عن الرسول أنه سلم في الظهر على اثنتين، وكلم ذا ~~اليدين ساهيا، وخرج من المسجد فلما تحقق ذلك سجد سجدتين ولم يزد عليهما شيئا. # المذهب الثاني: أن السهو إذا كان من جنسين لم يتداخلا، وإن كان من جنس ~~واحد ms1486 تداخلا. # والحجة على هذا: هو أن السهو إنما شرع من أجل الجبران للنقص فإذا كان ~~النقص من جنس واحد كفى فيه سجدتان، وإن كان النقص من جنسين تكرر السجود. ~~فالأول كأن يترك تسبيح ركوعين، والثاني كأن يترك القنوت وسجدة واحدة، وهذا ~~كمن يسرق مرات كثيرة فإنه لا يجب عليه إلا حد واحد، ولو سرق وزنا وجب عليه حدان. # والمختار: ما عليه أكثر العلماء من الأئمة والفقهاء. # وحجتهم: ما ذكرناه، ونزيد هاهنا وهو أن السهو إنما شرع في آخر الصلاة ~~ليجبر به كل سهو وقع فيها. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قوله: السهو إنما شرع لجبران النقص فإن كان من جنس واحد تداخلا، وإن كان ~~من جنسين لم يتداخلا كالحدود. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا قد دللنا على أن الخبر قد دل على أن السهو غير متكرر ~~والأخبار لا تعارض بالإقيسة. # وأما ثانيا: فلأن الحدود من باب العقوبات فلأجل هذا تكررت لما اختلفت ~~أنواعها لما كانت الجنايات مختلفة بخلاف السهو فإنه شيء واحد شرع من أجل ~~النقصانات في الصلاة ومخالفة المشروع سواء كان من زيادة أو نقصان فافترقا. # الحكم الثاني: ومن سها في سجدتي السهو فلا سهو عليه للسهو ومعنا هذا أن ~~كل من شك فلم يدر هل سجد سجدة واحدة أو سجدتين فإنه سواء بنى على الأقل أو ~~رجع إلى التحري فإنه لا يجب عليه سجود السهو، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ~~والشافعي وأصحابه. PageV03P649 # والحجة على هذا: أن الشرع إنما ورد بجبران بعض الصلاة بسجود السهو ولهذا ~~قال : ((لكل سهو سجدتان)). ولم يرد الشرع بجبران السهو نفسه. # ووجه: يأتي وهو أنه لم يؤثر عنه أنه أمر بالسجود لأجل السهو، وفي هذا ~~دلالة على أنه غير مشروع، ولأنا لو التزمنا سجود السهو في السهو للزم ذلك ~~إلى غير غاية، وما يلزم عليه الفساد فهو فاسد ولأنه سهو عرض بعد ارتفاع ~~التحريم بالصلاة فوجب أن لا يكون له حكم كما لو عرض بعد الفراغ عن سجود ~~السهو، ويحكى عن الكسائي، ms1487 ومحمد بن الحسن الشيباني: أنهما حضرا في مجلس. ~~فقال الكسائي: العلوم كلها جنس يستدل ببعضها على بعض، ويستمد بعضها من بعض. ~~فقال محمد: ليس بجنس واحد، ولا يستمد بعضها من بعض، ولا يستدل ببعضها على ~~بعض. فقال الكسائي: بلى. فقال محمد: ما تقول في رجل سها في سجود سهوه هل ~~يلزمه السجود أم لا؟ فقال الكسائي: لا سجود عليه. فقال محمد بن الحسن: ولم؟ ~~قال الكسائي: لأن العرب لا تصغر المصغر، فهكذا لا سهو في السهو، وكلام ~~الكسائي في أن العلوم متلازمة أغوص في التحقيق، وكلام محمد بن الحسن أسهل ~~وأخلص ولقد كان الأخلق بعلماء الدين ألا يحضروا مجالس الظلمة ولا يأنس أهل ~~الفضل بهم إمتثالا لما ورد به الشرع من البعد عنهم وطردهم وإيحاشهم. # الحكم الثالث: ومن نسي سجدتي السهو فإنه يسجدهما إذا ذكرهما لقوله : ((من ~~نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها " )).فإن كان قريبا من مصلاه عاد ~~إليه استحبابا لأن الرسول لما أخبر بأنه صلى الظهر خمسا بعد خروجه من ~~المسجد عادة إلى المسجد فسجدهما، وإن كان قد بعد سجد حيث يمكنه لأن لزومهما ~~متحقق فلا يبطل بالبعد، وإن ذكرهما بعد طول المدة وجب عليه سجودهما، وإن ~~أحدث سجدهما بعدما يتوضأ لما ذكرنا من توجه اللزوم، ومن سها في صلاته ثم ~~اعترض له الشك هل يسجد لسهوه أم لا؟ وجب عليه سجودهما لأن وجوبهما قد تحقق ~~فلا يبطل بالشك. PageV03P650 # الحكم الرابع: في سهو الإمام والمأموم، وذلك يقع على أوجه ثلاثة: # الوجه الأول: إذا سها الإمام دون المأموم نظرت فإن سجد الإمام لسهوه وجب ~~على المأموم السجود عند أئمة العترة، ومحكي عن فقهاء الأمة ولا يعرف فيه ~~الخلاف سواء كان خلفه في حال سهوه أو دخل معه بعد سهوه لقوله : ((لا ~~تختلفوا على إمامكم)).لأنه إذا لم يسجد معه فقد خالفه. ولقوله : ((إنما جعل ~~الإمام ليؤتم به)). وهذا يقتضي متابعته. وروي عن الرسول أنه قال: ((إذا سها ~~الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو " )). ولأن صلاة المأموم معقودة بصلاة ms1488 ~~الإمام، وما يجري من النقص في صلاة الإمام فهو جار في صلاة المأموم فلهذا ~~وجب عليه السجود مع إمامه، فإن لم يسجد مع الإمام فهل تبطل أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: بطلان صلاته لأجل مخالفة الإمام ولأجل مخالفة الإجماع، فإن كان ~~الإمام قد سبق المأموم بركعة فإن الإمام يسجد لسهوه حين يسلم من صلاته، ~~وأما المأموم ففيما يفعله ثلاثة أقوال: # فالقول الأول: أن الماموم لا يسجد لسهوه حتى يقضي ما فاته فإذا قضى ما ~~فاته سجد سجدتي السهو لسهو إمامه، وهذا هو رأي الهادي، ومحكي عن ابن سيرين، ~~والظاهر من كلامه في المنتخب: أنه لا ينتظر فراغ الإمام من سجدتي السهو بل ~~يقوم فيقضي ما فاته من الصلاة. # وحجته على هذا: هو أن زيادة سجدة في الصلاة تبطلها، فلهذا قلنا: إنه لا ~~يسجد حتى يفرغ من صلاته. وإنما قلنا: أنه لا ينتظر فراغ الإمام من سجوده ~~لأن إتمامه لصلاته يكون على الفور فلا حاجة به إلى انتظاره. # القول الثاني: أنه ينتظر سجود الإمام للسهو ويسجد معه فإذا سلم الإمام من ~~سجدتي السهو قام المؤتم فيقضي ما فاته فإن لم يسجد مع الإمام حتى قام ~~للقضاء فإنه يسجد في آخر صلاته، وهو رأي أبي حنيفة. # وحجته على هذا: هو أن المأموم لزمه السجود لأجل سهو الإمام فلهذا وجب ~~عليه إنتظاره. PageV03P651 # القول الثالث: أنه يسجد مع الإمام قبل قضائه لما فاته ولا ينتظر سجود ~~الإمام، وهذا هو رأي الشافعي. # وحجته على هذا: هو أن انتظاره يوجب المخالفة للإمام فلهذا وجب عليه ~~السجود معه ثم يؤدي ما فاته بعد ذلك فإن لم يسجد الإمام لسهوه فهل يسجد ~~المأموم أم لا؟ فيه قولان: # القول الأول: أنه يجب على المأموم أن يسجد، وهذا هو قول القاسمية، ومحكي ~~عن مالك، والشافعي، ومروي عن الليث، والأوزاعي. # والحجة على هذا: هو أن صلاة المأموم قد نقصت بنقصان صلاة الإمام، فإذا لم ~~يجبر الإمام صلاته وجب على المأموم جبران صلاته. # القول الثاني: أنه لا يجب على المأموم سجود، وهذا ms1489 هو رأي الناصر، ومحكي ~~عن زيد بن علي، وأبي حنيفة، والنخعي، والمزني، وأبي حفص من أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). ومهما سجد دون الإمام ~~فقد خالفه، وقوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). # والمختار: أنه لا يجب على المأموم سجود مع ترك الإمام لسجود السهو لأن ~~الإمام لو ترك القعدة الأولى فالمأموم لا يقعدها، وإن كانت القعدة مسنونة ~~فهكذا إذا ترك سجودا لم يجب على المأموم سجوده. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إن صلاة المأموم قد نقصت بنقصان صلاة الإمام فإذا لم يجبر الإمام ~~صلاته وجب علي المأموم جبران صلاته. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الإمام قد تحمل سهو المأموم لقوله : ((الإمام ضامن)). ولا ~~يعقل الضمان إلا مع تحمله للسهو سواء قام به الإمام أو أسقطه، فلهذا لم ~~يتوجه على المأموم. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأخبار، والأقيسة لا ~~تعارض الأخبار. # الوجه الثاني: إذا سها المؤتم ولم يسه الإمام فهل يسجد المأموم لنفسه أم ~~لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: المنع من ذلك وأنه لا سجود على المأموم، وهذا هو رأي زيد ~~بن علي، والناصر، والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي ~~وأصحابه. PageV03P652 # والحجة على هذا: ما روى ابن عمر عن الرسول أنه ليس على من خلف الإمام سهو ~~وهذا نص فيما ذهبنا إليه. # المذهب الثاني: أنه يتوجه عليه السهو، وهذا هو رأي الهادي، ومحكي عن ~~مكحول من الفقهاء. # والحجة على هذا: هو أن المؤتم قد لزمه السجود لسهوه فلا يسقط عنه إلا ~~بتأديته له. # والمختار: ما قاله أئمة العترة، زيد بن علي، والناصر، والمؤيد بالله، ~~وغيرهم من فقهاء الأمة. # وحجتهم: ما حكيناه، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((ليس على ~~من سها خلف الإمام سهو " )). ومعنى هذا هو أنه ليس لسهوه حكم إذا لم يسه ~~الإمام. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: المؤتم قد لزمه السجود لسهوه فلا يسقط عنه إلا بتأديته. # قلنا: عن هذا ms1490 جوابان: # أما أولا: فلا يتكرر لزومه للمأموم لكن الشرع قد أسقطه عنه بتحمل الإمام له. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه قياس والأقيسة لا وقع لها مع ورود الأخبار على ~~خلافها وقد دللنا على أن الأخبار واردة بسقوط السهو عن المأموم وتحمل ~~الإمام له. # الوجه الثالث: إذا سها الإمام والمأموم جميعا فهل يتوجه على المأموم سجود ~~واحد أو سجودان، فنقول أما سجوده لسهو الإمام فهو الواجب عليه ولا خلاف فيه ~~كما مر بيانه، وأما سجوده لسهوه فهل يجب أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه واجب، وهذا هو رأي الهادي. # والحجة على هذا: هو أن سهوه منفصل عن سهو إمامه فلأجل هذا وجب عليه سجود ~~السهو لأجل سهوه. # المذهب الثاني: أنه لا يتوجه عليه سجوده لأجل سهوه، وهذا هو رأي زيد بن ~~علي، والناصر، والمؤيد بالله. # والحجة على هذا: ما رويناه من الخبر الدال على بطلان سهو المأموم خلف ~~الإمام، وأن الإمام يتحمل سهوه، وقد قررنا المختار، وذكرنا وجه الانتصار ~~فأغنى عن الإعادة. # نعم.. إذا قلنا بأنه يجب على المؤتم سجودان على رأي الهادي، وأراد المؤتم ~~فعلهما، فأيهما يكون أحق بالتقديم؟ فيه إحتمالان نذكرهما: PageV03P653 # الاحتمال الأول: أنه يسقط الترتيب بينهما لأنهما واجبان معا كما نقوله في ~~قضاء الفوائت، وعلى هذا يبدأ بأيهما شاء. # الاحتمال الثاني: وهو المختار أن يقدم ما وجب عليه لسهو إمامه لأن ذلك ~~أسبق في الوجوب، فلهذا كان أحق بالتقديم، وهذا كله فيمن سبقه الإمام بركعة ~~أو أكثر. # الحكم الخامس: والإمام إذا أحدث في حال الصلاة وقد سهى فاستخلف غيره ثم ~~سهى المقدم في صلاته فإنه يكفيه سجدتان لسهوه وسهو إمامه الأول، أما ~~إجزاؤهما على نفسه فهو ظاهر لقوله : ((لكل سهو سجدتان)). وأما إجزاؤهما عن ~~الإمام الأول فلأنه لما كان خليفة عنه لقيامه مقامه في إتمام الصلاة كان ~~متحملا لسهوه فلأجل هذا كانت السجدتان مجزيتين عن نفسه وعن الإمام الأول، ~~ولا يتكرر السجود بتكرر السهو بل يكفي لجميع السهو سجدتان كما ورد عن ~~الرسول : ((لكل سهو سجدتان " )). وحكي ms1491 عن ابن أبي ليلى: أن السجود يتكرر ~~بتكرر أنواع السهو. وهذا لا وجه له لأن لفظ الخبر ليس معناه تعميم السجود ~~على أنواع السهو بالتكرير في السجود، وإنما الغرض أنه خبر في معنى الأمر ~~كأنه قال: اسجدوا لسهو الصلاة فيها كما يقال: لكل ذنب توبة. فإن التوبة ~~كافية عن جميع الذنوب كما أن السهو يكفي فيه وإن تكرر سجدتان. وقد تم سجود السهو. # النوع الثاني: في سجود التلاوة. # وهو مشروع في حق القارئ والمستمع، وهو الذي يطلب السماع ويقصده لما روى ~~ابن عمر رضي الله عنه قال: كان رسول الله ، يقرأ علينا القرآن، فإذا مر ~~بسجدة كبر وسجدنا معه. ولا خلاف في كونه مشروعا بين أئمة العترة، وفقهاء ~~الأمة. وهل يكون مشروعا في حق السامع وهو الذي يسمع من غير قصد للإستماع أم ~~لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه مشروع في حق السامع أيضا كما هو مشروع في حق القارئ ~~والمستمع وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة. PageV03P654 # والحجة على هذا: قوله [تعالى]: {فما لهم لا يؤمنون ، وإذا قرئ عليهم القرآن ~~لا يسجدون}[الانشقاق: 20،21]. ومحكي عن بعض أصحاب الشافعي من أهل خراسان. # المذهب الثاني: ذكره في البويطي أنه قال: لا أؤكده على السامع الذي لم ~~يقصد الاستماع فإن سجده فحسن. # والحجة على هذا: هو أن السبب في السجود إنما تحقق في حق القارئ لأجل ~~القراءة والمستمع لأجل قصد الاستماع، فأما السامع فلم يحصل في حقه السبب في ~~السجود. # المذهب الثالث: أنه لا يشرع السجود إلا في حق القارئ دون السامع ~~والمستمع، وهذا هو المحكي عن مالك. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((في سورة الحج سجدتان " فمن ~~لا يسجدهما لا يقرأهما))(1). # فعلق السجود بالقراءة فدل ذلك على أن السبب في شرع السجود إنما هو ~~القراءة لا غير. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم، من كونه مشروعا في حق ~~القارئ والمستمع والسامع. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو أن الأدلة التي دلت على ms1492 كون السجود ~~مشروعا لم تفصل بين القارئ والمستمع والسامع. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: إنما شرع في حق القارئ والمستمع دون السامع، كما حكي عن الشافعي، ~~وإنما يكون في حق القارئ دون السامع والمستمع كما حكي عن مالك. PageV03P655 # قلنا: لا نسلم ما ذكروه بل نقول: إن الأدلة التي ذكرناها لم تفصل بين هؤلاء ~~الثلاثة، وفي هذا دلالة على كونه مشروعا في حقهم. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: إذا تقرر كونه مشروعا بما أوردتموه من الأدلة فهل يكون ~~واجبا أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن سجود التلاوة سنة مؤكدة، وليست واجبة، وهذا هو رأي أئمة ~~العترة القاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن أمير المؤمنين كرم ~~الله وجهه وعمر بن الخطاب وابن عباس من الصحابة رضي الله عنهم، ومن الفقهاء ~~مالك والأوزاعي. # والحجة على هذا: ما روى زيد بن ثابت أنه قال: عرضت {والنجم إذا هوى " ~~}[النجم:1] على رسول الله فلم يسجد منا أحد، ولو كان واجبا لفعله وفعلناه. # المذهب الثاني: أن سجود التلاوة واجب. وهذا هو رأي أبي حنيفة، فإنه قال: ~~إنه واجب على القارئ والمستمع. # والحجة على هذا: هو أن بعض السجدات بلفظ الأمر كقوله تعالى في سورة ~~النجم: {فاسجدوا لله واعبدوا}[النجم:62]. وقوله تعالى في سورة العلق: {كلا ~~تطعه واسجد واقترب }[العلق:19]. وظاهر الأمر للوجوب، وربما ورد على جهة ~~التوبيخ على تركه، لقوله تعالى: {فما لهم لا يؤمنون ، وإذا قرئ عليهم ~~القرآن لا يسجدون}[الاشنقاق:20،21]. والتوبيخ إنما يكون على ترك الواجب وما ~~عداها مقيس عليها إذ لا فصل هناك. # المذهب الثالث: محكي عن زيد بن علي وهو أن عزائم السجود أربع: {ألم ~~تنزيل} السجدة، و{حم}السجدة(1)، # وسورة {القلم}(2). PageV03P656 # واختلفت الرواية عنه في الرابعة فمرة قال: هي سورة والنجم. ومرة قال: هي ~~سورة انشقت(1). # والحجة على هذا: هو أنا لا نعني بكونه عزيمة إلا وجوبه، وإنما قيل للواجب ~~عزيمة لأنه معزوم على فعله ولا داعي إلى تركه، وإنما كانت هذه الأمور عزائم ~~لأن بعضها أوامر كما مر في ms1493 سورة النجم والقلم، وبعضها ورد عليه الذم والذم ~~لا يرد على على ما كان واجبا متى يستحق الذم على تركه. # قال زيد بن علي: حدثني أبي عن أبيه عن علي" أنه قال: عزائم السجود في ~~القرآن حم السجدة، والجرز(2)، # وسورة النجم، وسورة القلم. وسائر ما في القرآن إن شئت فاسجد، وإن شئت فلا ~~تسجد، ومثل هذا لا يصدر عن توقيف من جهة الرسول لأنه لا مساغ للإجتهاد فيه ~~بحال لكونه من باب العبادات التي مستندها ما كان توقيفا من جهة الرسول . # والمختار: ما عول عليه علماء العترة، من كون سجود التلاوة سنة مؤكدة. PageV03P657 # وحجتهم: ما ذكرناه؛ وهو رأي الشافعي، ونزيد هاهنا وهو ما روي عن ابن عمر ~~رضي الله عنه أنه قرأ على المنبر سورة فيها سجدة فنزل وسجد وسجد الناس معه ~~فلما كان في الجمعة الثانية قرأها فتهيأ الناس للسجود فقال: أيها الناس على ~~رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء وهذا مجمع من الصحابة، ولم ينكر ~~عليه أحد فجرى مجرى الإجماع، وروى عن الرسول زيد بن ثابت قال: قرأت على ~~الرسول سورة (النجم) فلم يسجد فيها فلو كان السجود واجبا لسجد ولأمر به، ~~وروى ابن عمر عن الرسول أنه قرأ سورة و(النجم) فسجد وسجد المسلمون معه ~~والمشركون حتى تراكم الناس في السجود فلما سجد في حال دون حال دل ذلك على ~~أن السجود غير واجب، وروى أبو هريرة عن الرسول أنه قرأ سورة و(النجم) فسجد ~~وسجد الناس معه إلا رجلين أرادا الشهرة فلو كان واجبا لأنكر ذلك عليهما ولم ~~يقرهما عليه، وروى زيد بن أسلم أن غلاما قرأ عند الرسول حم (السجدة) فانتظر ~~الغلام الرسول ليسجد فلم يسجد فقال يا رسول الله أليس فيها سجدة؟ قال: ~~((بلىولكنك إمامنا فلو سجدت لسجدنا " )) (1). # فلو كان السجود واجبا لسجد ولأمر به. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: بعض الأخبار دال على الأمر بالسجود عقيب التلاوة، وهو بظاهره دال ~~على الوجوب وربما ورد بعض الأخبار بالتوبيخ، وهو دال علىالوجوب كما ms1494 حكي عن ~~أبي حنيفة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أن الأمر بظاهره للوجوب، وإنما يدل على الطلب والوجوب ~~مأخوذ من دلالة أخرى، والطلب لا دلالة فيه على الوجوب، وهكذا حال التوبيخ ~~فلا نسلم أنه توبيخ وإنما هو حث على الاستحباب فلا دلالة فيه على الوجوب بحال. PageV03P658 # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما رويناه من الأخبار الدالة على كونه سنة ~~ومستحبا، وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح، وأخبارنا راجحة لظهورها وكثرتها ~~واشتهارها. # قالوا: عزائم السجود أربع كما حكي عن زيد بن علي. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أن المراد بالعزائم الواجبات وإنما كلامه محمول على ~~تأكد الإستحباب وكثرة الأجر والثواب في فعلها لا أن المراد الوجوب. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأخبار فإنها دالة على ~~الاستحباب فلأجل هذا قضينا برجحانها على غيرها لقوتها وظهورها. # الفرع الثاني: في بيان أعداد السجدات في القرآن. وفيها مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن أعدادها أربع عشرة سجدة، وهذا هو الظاهر من المذهب، ~~ومحكي عن أبي حنيفة ومالك وابن أبي ليلى وقول الشافعي في الجديد. # الأولى: في سورة (الأعراف) عند قوله في آخرها: {ويسبحونه وله يسجدون ~~}[الأعراف:206]. # الثانية: في سورة (الرعد) عند قوله: {ولله يسجد من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال}[الرعد:15]. # الثالثة: في سورة (النحل) عند قوله: {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما ~~يؤمرون }[النحل:50]. # الرابعة: في سورة (بني إسرائيل)(1) عند قوله تعالى: {ويخرون للأذقان ~~يبكون ويزيدهم خشوعا }[الإسراء:109]. # الخامسة: في سورة (مريم) عند قوله تعالى: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمان ~~خروا سجدا وبكيا}[مريم:58]. # السادسة: في سورة (الحج) عند قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اركعوا ~~واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون}(2)[الحج:77]. PageV03P659 # السابعة: في سورة (الحج) أيضا عند قوله تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من ~~في السماوات ومن في الأرض " }. إلى قوله: {إن الله يفعل ما يشاء}(1) ~~[الحج:18]. # الثامنة: في سورة تبارك(الفرقان)عند قوله تعالى:{وزادهم نفورا ~~}[الفرقان:60]. # التاسعة: في سورة (النمل) عند قوله ms1495 تعالى: {رب العرش العظيم }[النمل:26]. # العاشرة: في سورة (الجزر) عند قوله تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ~~ذكروا بها خروا سجدا}. إلى قوله تعالى: {وهم لا يستكبرون}[السجدة:15]. # الحادية عشرة: في سورة حم (السجدة) عند قوله تعالى: {فالذين عند ربك ~~يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون }[فصلت:38]. # الثانية عشرة: في سورة (النجم) في آخرها عند قوله تعالى: {فاسجدوا لله ~~واعبدوا }[النجم:62]. # الثالثة عشرة:في سورة (الانشقاق) عند قوله: {وإذا قرئ عليهم القرآن لا ~~يسجدون }[الانشقاق:21]. # الرابعة عشرة: في سورة (القلم) عند قوله: {واسجد واقترب}[العلق:19]. # والحجة على استحباب السجود عند التلاوة: قوله تعالى: {فما لهم لا يؤمنون، ~~وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون}[الإنشقاق:20،21]. # ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله حثهم على الإيمان بالله وبرسوله، ~~وبالسجود عند قراءة القرآن وجمعهما جميعا، وفي هذا نهاية الحث على السجود ~~عند التلاوة، وما روي أنه كان يسجد إذا تلي ما فيه سجدة من القرآن من الآي ~~التي ذكرناها فدل ذلك على استحباب السجود في هذه الآيات. PageV03P660 # المذهب الثاني: أن عزائم السجود إحدى عشرة آية، وهذا هو المحكي عن ابن ~~عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت من الصحابة رضي الله عنهم، ومن الفقهاء ~~سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومحكي عن مالك. # والحجة على هذا: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول لم يسجد في شيء ~~من المفصل(1) # منذ تحول إلى المدينة، والذي في المفصل ثلاث سجدات فتبقى إحدى عشرة التي ~~ذكرناها. # المذهب الثالث: أن السجدات خمس عشرة سجدة، وهذا هو المحكي عن عمرو بن ~~العاص قال: اقرأني رسول الله خمس عشرة سجدة في القرآن تلك أربع عشرة سجدة ~~التي أوضحناها وسجدة في سورة (ص) في قوله: {وخر راكعا وأناب " }[ص:24]. ~~فهذه مذاهب العلماء في سجدات القرآن كما ترى. # الفرع الثالث: في ذكر الخلاف في هذه السجدات. ويقع الخلاف فيها في مواضع: # الخلاف الأول: ذهب أبو حنيفة: إلى أن سجدة (ص) من عزائم السجود وعزائم ~~السجود عنده أربع عشرة فأثبت سجدة (ص) ms1496 وأسقط الثانية من سورة الحج. وذهب ~~الشافعي: إلى أن سجدة (ص) لا تعد من عزائم السجود وإنما هي سجدة شكر لما ~~روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول قال: ((سجدها داود توبة ونحن نسجدها ~~شكرا )) (2). PageV03P661 # الخلاف الثاني: ذهب الشافعي إلى أن سورة الحج فيها سجدتان لما روى عقبة بن ~~عامر قال: قلت يا رسول الله في الحج سجدتان؟ قال: ((نعم من لم يسجدهما فلا ~~يقرأهما)). وروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وابن عمر وابن عباس: أنهم ~~يسجدون في سورة الحج سجدتين. وعن عمر: أنه سجد في الحج سجدتين. وقال: فضلت ~~على غيرها بسجدتين. وعن أبي حنيفة أن الواجب في سورة الحج السجدة الأولى ~~عند قوله: {إن الله يفعل ما يشاء }[الحج:18]. دون الثانية وهي قوله: ~~{اركعوا واسجدوا}[الحج:77]. # الخلاف الثالث: ليس في شيء من مواضع السجود خلاف إلا في سجدة حم (السجدة) ~~فإن الشافعي يذهب إلى أن محل السجود فيها عند قوله تعالى: {وهم لا ~~يسأمون}[فصلت:38]. وحكي عن أبي حنيفة، وأحمد بن حنبل وإحدى الروايتين عن ~~الثوري: أن موضع السجود منها عند قوله تعالى: {إن كنتم إياه ~~تعبدون}[فصلت:37]. # الخلاف الرابع: سجدة سورة (ص) إذا تقرر كونها سجدة شكر بما روى أبو سعيد ~~الخدري قال: خطبنا رسول الله على المنبر فقرأ على المنبر الآية التي فيها ~~سجدة (ص) فلما بلغ السجود تشزن الناس للسجود. فقال: ((إنما هي توبة نبي ~~ولكن قد استعددتم للسجود ))(1). # فنزل وسجد وسجد الناس. فبين بكلامه أنها توبة وليست من عزائم سجدات ~~القرآن. والتشزن بالتاء بنقطتين من أعلاها وشين بثلاث من أعلاها وزاي ونون ~~والتشزن يطلق على معنيين: # أحدهما: الاستعداد والتهيؤ. وقد فسره الرسول بقوله: ((قد استعددتم ~~للسجود)). وروي عن عثمان أنه سئل أن يجلس محضر المذاكرة فقال: حتى أتشزن. ~~أي استعد للاحتجاج. PageV03P662 # وثانيهما: أن يطلق ويراد به الانزعاج والفشل. كما حكي عن الحجاج أنه قال: ~~نعم الحالة الإمرة لولا قعقعة البرد والتشزن عند الخطب. فلو سجدها ساجد في ~~غير الصلاة على وجه الشكر جاز ذلك، وإن ms1497 سجدها في الصلاة، فإن كان جاهلا أو ~~ناسيا لم تبطل صلاته، وإن كان عالما بأنها ليست من عزائم السجود فهل تبطل ~~صلاته أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: بطلان الصلاة لأنها سجدة شكر فإذا فعلها في الصلاة عالما أبطلها ~~كما لو بلغه شيء يشزيه في الصلاة فسجد فإنه يبطلها. # وثانيهما: أنها لا تبطل لأنها سجدة متعلقة بالتلاوة فلم تبطل الصلاة ~~كسائر السجدات في القرآن. # والأول هو المختار لأن سجدات العزائم محصورة وهذه ليست معدودة منها فلهذا ~~بطلت الصلاة. # الفرع الرابع: ويشترط في سجود التلاوة ما يشترط في الصلاة: من الطهارة، ~~وستر العورة، واستقبال القبلة، لأنها صلاة في الحقيقة فلهذا اشترط ما ~~ذكرناه كما يشترط في الصلاة. # قال المؤيد بالله: الساجد للتلاوة(1) # يجب أن يكون على طهارة، ويكون ما سجد عليه وفيه طاهرا كالمصلي. PageV03P663 # وقال أيضا: ومن كان محدثا فليس له أن يسجد للتلاوة ولا لغيرها ولا لوقوع ~~زلزلة وهو المعمول عليه عند أئمة العترة وفقهاء الأمة. فإن قرأ آية فيها ~~سجدة أو سمعها وهو محدث. فقال النخعي: يتيمم ويسجد. وعن بعض أصحاب الشافعي: ~~أنه يتوضأ ويسجد. وهذا هو المختار لأنه قادر على الطهارة بالماء فلا يجوز ~~له التيمم. وعن عثمان، وابن المسيب: أن الحائض إذا سمعت آية فيها سجدة ~~فإنها تومئ برأسها للسجود وتقول: اللهم لك سجدت. وهذا جيد لأنه لا معنى ~~للطهارة في حقها فلهذا استحب لها ذلك. فإن لم تسجد في مكان السجود لم تسجد ~~بعد ذلك لأنها متعلقة بسبب فإذا فات سقطت كالكسوف إذا انجلى قبل الصلاة فلا ~~وجه للصلاة بعد إنجلائه، وإن أخر السجود وهو في مجلسه نظرت فإن لم يطل ~~الفصل سجد، وإن أطال الفصل لم يسجد. # والتفرقة بين الإطالة وعدم الإطالة هو أن الإشتغال بفعل يعد إعراضا عن ~~السجود، وإن سجد للتلاوة في مجلس ثم أعاد تلك السجدة في ذلك المجلس فهل ~~يعيد السجود أم لا؟ فحكي عن الشافعي أنه يعيد السجود لأن كل ما اقتضى ~~السجود في مجلسين اقتضاه في مجلس واحد كالآيتين. # وقال ms1498 أبو حنيفة: لا يسجد لأن السجود قد وقع بوقوع سببه ولم تدل دلالة على ~~التكرير فلهذا بطل، والوجهان جائزان خلا أن ما ذكره الشافعي أحق، لأن تكرير ~~الآية بمنزلة آيتين مختلفتين في توجه السجود، وإن سجد قبل أن ينتهي إلى ~~موضع السجدة لم يصح سجوده كما لو سجد قبل التلاوة، وإن سجد بعد الزيادة على ~~موضع السجود جاز ذلك. # الفرع الخامس: قال السيد أبو طالب: وإذا أراد أن يسجد للتلاوة في غير ~~الصلاة فإنه يستقبل القبلة ثم يكبر لافتتاح السجود. وهل يرفع يديه أم لا؟ ~~فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا يرفع يديه، وهذا هو المحكي عن القاسم لأن رفع اليدين ليس ~~مسنونا عند القاسمية في الصلاة المفروضة، فلا يسن خارج الصلاة بحال. PageV03P664 # وثانيهما: أن المستحب رفع اليدين لافتتاح السجود ثم يكبر تكبيرة ثانية ~~للسجود لا يرفع بهما يديه ثم يكبر إذا رفع رأسه من السجود، وعن بعض أصحاب ~~الشافعي أنه يكبر تكبيرة واحدة لا غير والأول أصح لأن التكبير مسنون في كل ~~رفع وخفض، والمستحب أن يقول في سجوده من الأذكار أمورا ثلاثة: # الذكر الأول: أن يقول في سجوده: ((سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه ~~وبصره بحوله وقوته تبارك الله أحسن الخالقين))(1). # لما روته عائشة عن الرسول أنه كان يقول ذلك في سجود التلاوة. # الذكر الثاني:ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول كان يقول في سجوده ~~للتلاوة: ((اللهم اكتب لي بها عندك أجرا " واجعلها لي عندك ذخرا وضع بها ~~عني وزرا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود ))(2). # الذكر الثالث: أن يقول ما يقوله في سجوده للصلاة، وهذا هو الذي اختاره ~~السيد أبو طالب، فهذه الأذكار كلها مستحبة لكن الأول والثاني أدخل في ~~الاستحباب لأنها خاصة في التلاوة ومأثورة عن الرسول . وهل تفتقر إلى التشهد ~~والسلام أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه لا يفتقر إليهما، وهذا هو رأي أئمة العترة. # والحجة على هذا: هو أن المعتمد ما أثر عن الرسول في هذه العبادات لم يؤثر ms1499 ~~عنه أنه تشهد في سجدة التلاوة ولا سلم، وهو محكي عن بعض أصحاب الشافعي. # المذهب الثاني: يتشهد ويسلم، وهو المحكي عن بعض أصحاب الشافعي. # وحجتهم على هذا: هو أنه سجود افتقر إلى الإحرام، فلهذا كان مفتقرا إلى ~~التشهد والسلام. # المذهب الثالث: أنه يفتقر إلى السلام دون التشهد، وهذا هو قول بعض أصحاب ~~الشافعي. # وحجتهم على هذا: هو أنه سجود يحتاج إلى الإحرام فلا يخرج عنه إلا ~~بالتسليم كسجود الصلاة. # فإن كان القارئ سائرا في السفر فهل يكفيه الإيماء، أو يحتاج إلى وضع ~~جبهته على الأرض؟ فيه وجهان: PageV03P665 # أحدهما: أنه يستحب وضع جبهته على الأرض لأن المستحب هو السجود ولا يعقل ~~السجود الشرعي إلا بما ذكرناه فلهذا توجه عليه. # وثانيهما: أنه يكفيه الإيماء لأن السفر عذر فأشبه المرض. # وهل يكفى الركوع على السجود أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن السجود هو المتعين فلا يقوم الركوع مقامه، وهذا هو الذي يأتي ~~على المذهب، وهو محكي عن الشافعي لأن المعتمد فيه هو فعل الرسول ولم يكن ~~يركع عوض السجود. # وثانيهما: أنه بالخيار إن شاء سجد وإن شاء ركع، وهذا شيء يحكى عن أبي حنيفة. # وحجته على هذا: هو أن القصد بالسجود إنما هو الخضوع والخشوع وامتثال ~~الأمر وهذا كما يحصل بالسجود فهو حاصل بالركوع. # الفرع السادس: وإن كان سجود التلاوة في أثناء الصلاة نظرت فإن كان في ~~صلاة النفل جاز ذلك ولم يبطلها السجود، وهذا هو رأي القاسم، والهادي ~~والمؤيد بالله ومحكي عن الناصر، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أن مبنى النوافل على التخفيف من جهة الشارع، ولهذا ~~فإنه يجوز أداؤها من قعود مع القدرة على القيام ومسلكها واسع فلهذا جاز ~~فيها ما لا يجوز في الفرائض، وإن كان سجود التلاوة في الصلاة المفروضة فهل ~~يجوز أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن ذلك غير جائز، وإن وقع فيها أفسدها، وهذا هو رأي أئمة ~~العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله. # والحجة على هذا: ما روى نافع عن ابن ms1500 عمر، قال: كان رسول الله يقرأ علينا ~~السورة من القرآن فإذا كان فيها سجدة فيسجد ونسجد معه في غير الصلاة وهذا ~~تصريح بأنه لم يكن يسجد إذا قرأ فيها السجدة إذ لولا ذلك لكان لا معنى ~~لقوله في غير الصلاة. # الحجة الثانية: قوله لمن علمه الصلاة: ((افتتح وكبر واقرأ إن كان معك ~~قرآن " ))(1). # ولم يقل واسجد ما فيه سجدة فلو كانت السجدة من مفروضاتها أو مسنوناتها ~~لأمره بها لأن القصد بالخبر بيان مفروضها ومسنونها. PageV03P666 # الحجة الثالثة: هو أنه زاد في الصلاة ذكرا زيادة ليست منها لو نقص مثلها في ~~موضعها لبطلت فوجب أن تفسدها دليله إذا زاد ركعة. # المذهب الثاني: أن زيادة سجدة التلاوة لا تبطل الصلاة فريضة كانت الصلاة ~~أو نافلة فيجب عليه أن يسجدها على رأي أبي حنيفة، ويستحب له أن يسجدها على ~~رأي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قرأ في صلاة الصبح حم (السجدة) ~~فسجد لها وفي هذا دلالة على جواز سجود التلاوة. # الحجة الثانية: هو أن النوافل كالفرائض في الصحة والفساد فما أفسد ~~إحداهما أفسد الأخرى، وما جاز في إحداهما جاز في الأخرى، ولا شك أن النوافل ~~يجوز فيها سجود التلاوة فهكذا في الفرائض من غير فرق بينهما. # الحجة الثالثة: هو أن هذه السجدة من الصلاة، فجازت زيادتها كزيادة ~~القراءة، فهذه الأدلة كلها دالة على جواز سجود التلاوة في الفرائض. # والمختار: جواز تأدية سجود التلاوة في الفريضة كما قاله الفقهاء. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا وهو أن سجود التلاوة كبقية في القراءة ~~لأنها سبب في السجود فإذا جاز زيادة القراءة في الصلاة المكتوبة جاز زيادة ~~السجود. # ومن وجه آخر: وهو أن الآيات الدالة على سجود التلاوة كقوله تعالى: ~~{ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا}[الحج:77]. وقوله تعالى: {فاسجدوا لله ~~واعبدوا }[النجم:62]. وقوله تعالى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها}[الرعد:15]. وغيرها من الآيات الدالة على كون سجود التلاوة مشروعا لم ~~يفصل بين أن يكون في الصلاة أو في غير الصلاة ولا فرق بين ms1501 أن يكون في ~~الصلاة المكتوبة أو في صلاة النافلة، وفي هذا دلالة على جوازها في الفروض. PageV03P667 # ومن وجه ثالث: وهو أن التلاوة سبب في السجود والسبب جار مجرى العلة فلا ~~يجوز تأخر أمر حكم السبب عن سببه كما لا يجوز تأخر حكم العلة عن العلة، ~~وإذا كان الأمر كما قلناه فحيث وجدت القراءة التي هي سبب في السجود لم يجز ~~تأخر السجود، ونظير هذا أن السرقة سبب في القطع والزنا سبب في الرجم، وهكذا ~~سائر الأسباب فإنها مؤثرة في وجود مسبباتها فيجب أن تكون التلاوة مؤثرة في ~~حصول السجود ولا تختص محلا دون محل ولا مكانا دون مكان وفي هذا حصول غرضنا. # ومن وجه رابع: وهو أن التلاوة ذكر فجاز السجود عقيبها كالقراءة في ~~الصلاة. # ومن وجه خامس: وهو أن هذه السجدة زيادة مشروعة في الصلاة لأجل وجود سببها ~~فلم تكن مفسدة للصلاة كزيادة الركوع في صلاة الخسوف. # فهذه الأوجه كلها دالة على أن سجود التلاوة غير مفسد للصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: روى ابن عمر عن الرسول أنه يقرأ السورة التي فيها سجدة فيسجدها ~~ويسجد معه في غير الصلاة، وفي هذا دلالة على أنها غير مشروعة في الصلاة ~~المفروضة وأنها مفسدة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن التلاوة وقعت في غير الصلاة وهي تابعة لسببها ولهذا قال ~~في غير الصلاة فمن أين أنها لو وقعت في الصلاة لم يسجدها فلا بد من دلالة ~~على هذا. # وأما ثانيا: فلأن هذا الإستدلال يبطل جوازها في صلاة النافلة وأنتم قد ~~جوزتموه فيها، فإذا جاز في النافلة لدلالة خاصة جاز في الفريضة لدلالة خاصة. # ومن وجه ثالث: وهو أنه إنما قال: في غير الصلاة ليدل على أنه في الصلاة ~~أدخل في الجواز لأن السجود بالصلاة أخص وبها أمس فما ذكرتموه إذن أدل على ~~ما ذهبنا إليه. # قالوا: الرسول قال لمن علمه الصلاة: ((افتتح الصلاة وكبر واقرأ إذا كان ~~معك قرآن )). ولم يقل واسجد إذا كان فيها سجدة فلو كانت السجدة ms1502 مشروعة ~~لذكرها لأنه في محل التعليم. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV03P668 # أما أولا: فلأن ما ذكرتموه إنما يدل على أن السجدة للتلاوة غير واجبة، ونحن ~~نقول: بذلك، وليس فيه دلالة على أنها غير مشروعة في الصلاة وهو المقصود. # وأما ثانيا: فلأنه إنما لم يذكره لمن علمه الصلاة لأن غرضه ذكر الفروض ~~دون النوافل، فلهذا لم يذكره. # قالوا: إن هذه السجدة زيادة في الصلاة على جهة الذكر والعمد لسبب فيها ~~فيجب أن تكون مفسدة لها كما لو زاد ركعة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه لا مجرى للأقيسة في العبادات فإنها أمور غيبية مستندها ~~كلام صاحب الشريعة وما ورد عنه، فأما الأقيسة فلا وقع لها في تقريرها ~~وإثباتها. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكرتموه من القياس معارض بمثله، فإنا نقول: زيادة ~~غير مفسدة للنافلة فلا تكون مفسدة للفريضة كالقراءة فقد وضح لك بما ذكرناه ~~أن السجود للتلاوة غير مفسد للصلاة المفروضة بما ذكرناه. # الفرع السابع: إذا قرأ صبي آية فيها سجدة ولم يسجد فهل يتوجه على المستمع ~~السجود أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يستحب له السجود، وهذا هو قول أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن المستحب السجود لهما جميعا لحصول سبب السجود وهو ~~التلاوة، فإذا حصل في القارئ عارض عن السجود إما إعراضه عن السجود وإما ~~لأنه غير صالح للسجود كالصبي والكافر لم يسقط الاستحباب عن المستمع. # المذهب الثاني: أنه لا يسجد، وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى زيد بن أسلم أن غلاما قرأ عند رسول الله السجدة ~~فانتظر الغلام الرسول لعله يسجد فلم يسجد فقال: يا رسول الله أليس فيها ~~سجدة؟. فقال: ((بلى ولكنك إمامنا فلو سجدت سجدنا " )). PageV03P669 # والمختار: هو الأول. قال زيد بن علي في الرجل يسمع السجدة من الذمي والمرأة ~~والصبي أنه يسجد. وهذا مطابق لما اخترناه، ومن قرأ السجدة الواحدة وأعادها ~~مرارا في مجلس واحد فعليه سجدة واحدة، فإن أعادها في مجالس فعليه لكل تلاوة ~~سجدة، وإن كانت سجدات مختلفة فلكل تلاوة ms1503 سجدة في مجلس كان أو مجالس، وإن ~~تلى سجدة فسجدها ثم أعادها في ذلك المجلس فلا سجود عليه ولا تكره قراءة ~~السجدة في الصلاة عند الشافعي. # وقال مالك: تكره. # وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: تكره قراءتها في السرية دون الجهرية. # والمختار: هو الأول لقوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر منه}[المزمل:20]. ولم ~~يفصل بين ما فيه سجدة وبين ما ليس فيه سجدة. # والمستحب: للمصلي إذا مر بآية رحمة أن يسألها، وإذا مر بآية عذاب أن ~~يتعوذ منه سواء كان إماما أو مأموما أو منفردا عند الشافعي. # وقال أبو حنيفة: يستحب ذلك في النفل دون الفرض. # والمختار: هو الأول لما روى حذيفة بن اليمان أنه قال: صليت خلف رسول الله ~~فقرأ البقرة فما مر بآية رحمة إلا سألها، ولا بآية عذاب إلا استعاذ منه، ~~وكذلك سورة آل عمران والنساء حتى هممت بأمر سوء، فقيل: وما هو؟ قال: أردت ~~أن أقطع الصلاة. وسواء كان ذلك في فرض ونفل لأن ما لا يكره في النفل ولا ~~يفسده، فلا يكره في الفرض ولا يفسده. # النوع الثالث: في سجود الشكر. # لا خلاف أنه ليس واجبا إذ لا قائل بوجوبه، وهل يكون مستحبا أم لا؟ فيه ~~مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه مستحب ممن تجددت عليه نعمة ظاهرة مثل أن يرزقه الله ~~ولدا أو يصيب مالا أو وجد ضالة أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة مثل أن يكون ~~محبوسا فيفك عنه حبسه أو مريضا فيشفى أو يكون له عسكر في مقابلة عدو فيهزم. ~~فالمستحب له أن يسجد، وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو محكي عن الشافعي، وأحمد ~~بن حنبل. PageV03P670 # والحجة على هذا: ما روى حذيفة بن اليمان قال: كنت مع رسول الله فتقدمني ~~فتبعته فوجدته ساجدا فوقفت أنتظره فأطال السجود ثم رفع رأسه. فقلت: خشيت أن ~~يكون الله قد قبض روحك في سجودك؟ فقال: ((إني قد كنت وضعت رأسي فلقيني ~~جبريل فأخبرني عن الله تعالى أنه قال: من صلى عليك صلاة صليت عليه مائة ~~صلاة))(1). # المذهب الثاني: أن سجود ms1504 الشكر مكروه، وهذا هو رأي مالك. # والحجة على هذا: هو أن نعم الله كانت على الرسول متواترة والآؤه لديه ~~متوالية ظاهرة، ومننه عليه سابلة غامرة من حين بعثه الله إلى أن قبضه، ومما ~~أنعم الله عليه اجتباؤه واصطفاؤه للنبوة والرسالة وائتمنه على وحيه وجعله ~~سفيرا بينه وبين خلقه وجعله خاتم النبيين وسيد المرسلين، وأيده بالبراهين ~~الباهرة والحجج الواضحة الزاهرة والمعجزات الدالة على صدقه وصحة نبوته من ~~عند ربه وصحة ما جاء به من الشرائع النيرة وتقرير أمور الآخرة، ولم ينقل ~~أنه سجد لشيء من ذلك شكرا لله تعالى واعترافا بما أنعم الله عليه، فلو كان ~~مستحبا لنقل ولما تركه عند تجدد هذه النعم، ولو فعل لنقل فلما لم ينقل دل ~~على أنه لم يفعل. والكراهة هي إحدى الروايتين عن أبي حنيفة مثل مقالة مالك. # المذهب الثالث: أنه غير معروف لا باستحباب ولا بكراهة، وهذا هو إحدى ~~الروايتين عن أبي حنيفة لأنه قال: لا أعرف سجود الشكر. PageV03P671 # والحجة على هذا: هو أن المعتمد في معرفة حكم الأشياء في الوجوب والندب ~~والكراهة والاستحباب، إنما هو ما كان من جهة الله أو عن رسوله، وليس عن ~~غيره، إذ لم ينقل عن صاحب الشريعة في سجود الشكر إيجاب ولا ندب ولا كراهة، ~~وفي هذا دلالة على أن حكمه غير معلوم، ويؤيد ما ذكرناه أنه روي عن الرسول ~~أنه قال: ((إذا رأيتم البلاء فاسألوا الله العافية " ))(1). # ولم يذكر السجود فدل ذلك على أنه لا يعرف حكمه. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم على استحباب سجود الشكر. # وحجتهم: ما ذكرناه؛ ونزيد هاهنا، وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((سجد ~~أخي داود توبة ونحن نسجد شكرا " )) (2). # الحجة الثانية:(3) # خر ساجدا لله تعالى، وعنه أنه رأى شيئا أعجبه فخر لله تعالى شكرا. PageV03P672 # الحجة الثالثة: وروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه لما هزم الخوارج ~~وطلبوا ذا الثدية في القتلى فلم يجدوه فجعل يعرق جبينه ويقول والله ما كذبت ~~ولا كذبت فطلبوه فوجدوه تحت القتلى ms1505 في ساقية أو جدول فلما رآه خر لله ~~ساجدا. وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه لما بلغه فتح اليمامة وقتل مسيلمة ~~الكذاب(1) # خر لله ساجدا فهذه الأدلة كلها دالة على استحباب سجود الشكر وأنه مشروع ~~بما أوضحناه عن الرسول وعن الصحابة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: قد خصه الله بما خص من الكرامات وإظهار المعجزات فلم يسجد لشيء من ~~ذلك ولا فعل ولو فعل لنقل وكل ما ليس عن الرسول ولا عن الله تعالى فهو بدعة مكروه. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV03P673 # أما أولا: فلأنا لم نقل إن السجود يفعل عند كل نعمة فيلزم ما قلتموه، ولهذا ~~فإن خلق الواحد منا نعمة، وحياته نعمة، وعقله نعمة، والعلم والقدرة والشهوة ~~نعم من الله تعالى ولا حاجة إلى السجود لها. # وأما ثانيا: فإنا قلنا إنه مخصوص بتجدد نعمة وزوال نقمة فما كان بهذه ~~الصفة استحب في حقه السجود كما قررناه من قبل فظهر بما قلناه بطلان كلام ~~مالك في كونه مكروها. # قالوا: المعرفة التي نعتمد عليها في حكم الأشياء بما ورد به الشرع عن ~~الله أو عن رسوله وسجود الشكر لم تدل عليه دلالة فبطل حكمه كما حكي عن أبي حنيفة. # قلنا: قد أوضحنا ما ورد فيه من الأخبار عن رسول الله وعن الصحابة فلا وجه ~~لأن يقال لم يرد فيه شيء عن الله ولا عن رسوله، وكيف لا وقد روى ابن عمر ~~رضي الله عنه أن الرسول مر برجل به زمانة فنزل وسجد شكرا لله تعالى، ومر ~~برجل أعمى فنزل وسجد شكرا لله تعالى. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: والذي اعتبرناه في سجود التلاوة من الطهارة من الأحداث، ~~والطهارة من النجاسات، في الثياب، والأبدان، والأمكنه، وسجوده في موضع ~~طاهر، واستقبال القبلة، وستر العورة، فإنه معتبر في سجود الشكر لأنهما ~~مستويان في كونهما سجودا يقصد به القربة، وهذا هو الذي قرره السيد أبو ~~العباس والمؤيد بالله للمذهب، فأما السيد أبو طالب فقد قال: لو فعل هذين ~~السجودين سجود التلاوة ms1506 وسجود الشكر من غير طهارة لكان مجزيا، وما أرى هذا ~~القول بعيدا من الصواب، ويدل على ذلك هو أن هذه الأمور إنما تشترط إذا كان ~~السجود للصلاة فأما إذا كان سجودا مجردا عن كونه من الصلاة فلا وجه لاشتراط ~~ما ذكرناه من اشتراط سجود الصلاة. PageV03P674 # ومن وجه آخر: وهو أن سجود التلاوة وسجود شكر النعم وسجود دفع البلوى تكاد ~~تعرض كثيرا فلو اعتبرنا فيه ما ذكرناه من اشتراط الطهارة من الحدث والنجس ~~وسائر شروط سجود الصلاة لشق ذلك على كثير من الناس فيؤدي إلى تركه. وإذا ~~قلنا: بأن الطهارة غير معتبرة في حقه خف محمله وسهل فعله خاصة في النوافل ~~فإن الشرع قد بنى أمرها على الخفة ليسهل فعلها ويرغب في تحصيلها. # الفرع الثاني: ومن أراد فعل سجود الشكر نظرت فإن كان ذلك خارجا عن الصلاة ~~فإنه يكبر للافتتاح للسجود ثم يكبر للسجود ويسبح في حال سجوده تسبيح ~~السجود، وإن قال في سجود شكر النعمة: الحمد لله الذي خصنا بفواضل نعمه ~~وألهمنا شكرها وذكرها. وفي دفع البلوى: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به ~~غيري وأصح جسمي. لكان حسنا، وإن كان في الصلاة لم يسجد لأن سبب السجدة ليس ~~من الصلاة في شيء بخلاف سجدة التلاوة فافترقا، فإن سجد في الصلاة بطلت. # الفرع الثالث: وهل يظهر سجود الشكر أو يخفيه؟ فينظر فيه فإن كان لتجدد ~~النعمة فإنه يظهره لقوله تعالى: {وأما بنعمة ربك فحدث }[الضحى:11]. والمعنى ~~فحدث بشكرها والاعتراف بحقها. ولقوله : ((إن الله إذا أنعم على عبد نعمة ~~أحب أن يرى أثر نعمته عليه ، ويكره البؤس والتباؤس))(1)، # وإن كان السجود لرفع بلية، نظرت فإن رأى فاسقا أو كافرا فسجد لله حين ~~عصمه من فسقه وكفره فإنه يظهر ذلك ليراه الغير فيفعل مثل فعله، وإن رأى ~~مبتلى ببلية فسجد شكرا لله حين عآفاه مما ابتلى غيره فإنه يخفيه مخافة أن ~~يراه المبتلى فيسخط ويحزن ويقع في نفسه ضيق وحرج. وبتمامه يتم الكلام في ~~باب السهو وما يتعلق به والحمد لله. PageV03P675 ### || AUTO ms1507 كتاب صلاة الجمعة # وفي لفظها لغتان: ضم الميم وسكونها، وقد قرئ بهما جميعا. # اعلم أن يوم الجمعة يوم فاضل، والدلالة على فضله قوله تعالى: {واليوم ~~الموعود.، وشاهد ومشهود}[البروج:2،3]. فاليوم الموعود: يوم القيامة. ~~والشاهد: يوم الجمعة يشهد بما عمل فيه من الأعمال الصالحة في يوم الجمعة، ~~وبالمواضبة عليها والحث على فعلها، والمشهود: يوم عرفة لأن الخلائق ممن حج ~~البيت يشهدونه، فأقسم الله تعالى بهذه الأيام لعظمها وفضلها. # وروى أبو هريرة عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم ~~الجمعة.، يوم خلق الله فيه آدم وفيه أهبط من الجنة وفيه تاب الله عليه وفيه ~~تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مسيخة من حين يطلع الفجر إلى حين تطلع ~~الشمس يوم الجمعة شفقا من قيام الساعة إلا الثقلين الجن والإنس)). والمسيخة ~~بالسين بثلاث من أسفلها وياء بنقطتين من أسفلها وخاء بنقطة من أعلاها. ~~ويقال مصيخة بالصاد المهملة أي مصغية أخذا من قولهم: أصاخ بإذنه. إذا ~~أصغاها للسماع، وفيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا ~~أعطاه))(1). # وقد اختلف العلماء في هذه الساعة فقيل: إن أصحاب رسول الله اجتمعوا ~~وتذاكروا فيها فتفرقوا ولم يختلفوا في أنها آخر ساعة يوم الجمعة. # وقيل: من بعد العصر إلى غروب الشمس. # وقيل: من الفجر إلى طلوع الشمس. PageV04P002 # وقيل: من زوال الشمس إلى أن يدخل الإمام في الصلاة. # وقيل: من خروج الإمام إلى فراغه من الصلاة. # وقال كعب: لو قسم إنسان جمعة في جمع أتى على تلك الساعة. وأراد: أنه يدعو ~~في كل جمعة في ساعة حتى يأتي على جميع اليوم. # وكانت العرب تسميه: العروبة. وهو عندهم اليوم الذي بين الخميس والسبت، ~~يقول الشاعر: # نفسي الفداء لأقوام هم خلطوا # يوم العروبة أورادا بأوراد # فإذا عرفت هذا فلنذكر من تجب عليه الجمعة، ومن لا تجب عليه، ثم نذكر ~~الشرط في صحتها، ثم نردفه بذكر صفتها وهيئتها، ثم نذكر حكم الصلاة إذا اختل ~~شرط من شروطها بعد التلبس بها. فهذه فصول أربعة نذكر ms1508 ما يختص كل واحد منها ~~من الأسرار والتفاصيل PageV04P003 --- ### ||| AUTO الفصل الأول في بيان من تلزمه الجمعة، ومن لا تلزمه # والأصل في وجوب الجمعة الكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا}[الجمعة:9]..الآية. ودلالتها على الوجوب من أوجه ثلاثة: # الأول منها: أنه أمر بالسعي وظاهر الأمر يدل على الوجوب. # الثاني منها: أنه نهى عن البيع وقت النداء إليها، ولا ينهى عن المباح ~~[إلا] إذا ترك به الواجب، وما ترك به الواجب فهو محظور. # الثالث: أنه وبخ على تركها بقوله في آخر الآية: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا ~~انفضوا إليها}[الجمعة:11]..الآية. ولا يوبخ إلا على ترك واجب. # فهذه الأوجه كلها دالة على وجوبها كما ترى. # وأما السنة: فما روى جابر عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من ترك الجمعة ثلاثة ~~أسابيع من غير عذر طبع الله على قلبه " ))(1). # وروى جابر عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فعليه الجمعة يوم الجمعة ))(2). PageV04P004 # وعن جابر أيضا أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال على المنبر وهو يخطب: ((أيها الناس توبوا ~~إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وأكثروا ~~الصدقة ترزقوا وتؤجروا، واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة في عامكم هذا ~~في شهركم هذا في ساعتكم هذه فريضة مكتوبة، فمن تركها جاحدا لها واستخفافا ~~بحقها، فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له ولا حج له ~~ولا صوم له، ولا بر له، إلا أن يتوب، فإن تاب تاب الله عليه))(1). # وروي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الجمعة واجبة على كل مسلم إلا على أربعة: ~~الصبي والعبد والمرأة والمريض)) (2). # وروى كعب القرظي عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الجمعة واجبة ومن كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة ، إلا على المرأة، والصبي، ~~والمملوك، والمريض)). # وأما الإجماع: فهو منعقد من الصدر الأول إلى يومنا هذا ms1509 على وجوبها لا ~~مخالف فيه، وعلى فضلها، ومما يدل على فضلها قولهصلى الله عليه وسلم: ((إن لله في كل يوم جمعة ~~ستمائة ألف عتيق كلهم قد استوجب النار))(3). PageV04P005 # وفي حديث آخر: ((سيد البقاع مكة وسيد الشهور شهر رمضان وسيد الأيام يوم ~~الجمعة)) (1). # وفي حديث آخر: ((الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما من الذنوب ))(2). # وفي حديث آخر: ((من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد)) (3). # وفي حديث آخر: ((من مات يوم الجمعة وقاه الله عذاب القبر))(4). # وفي حديث آخر: ((ألا وإن الجمعة حج المساكين، ألا وإن الجمعة جهاد كل ~~ضعيف)) (5). # وعن الرسولصلى الله عليه وسلم، أن جبريل أتاه [و] في يده مرآة بيضاء فقال: ((هذه يوم ~~الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون عيدا لك ولأمتك ))(6). وفي حديث آخر: ((إذا ~~كان يوم الجمعة نزل جبريل في كوكب من الملائكة معهم صحف من فضة وأقلام من ~~ذهب يقعدون على أبواب السكك والطرقات يكتبون الأول فالأول)) (7). # التفريع على هذه القاعدة: PageV04P006 # الفرع الأول: الجمعة فرض من فروض الأعيان عند أئمة العترة وفقهاء الأمة. # ونقل بعض أصحاب الشافعي عن الشافعي أنه يقول: بأنها فرض على الكفاية. ~~لأنه قال: ومن وجبت عليه صلاة الجمعة وجبت عليه صلاة العيدين، وقد غلطه ~~سائر أصحاب الشافعي في هذا الوهم، وقالوا: إن مراد الشافعي: أن كل من وجبت ~~عليه الجمعة على جهة الوجوب فهو مخاطب بالعيدين على جهة الاستحباب. # وهذا جيد لأمرين: # أما أولا: فلأن المنصوص له في سائر كتبه: وجوبها على الأعيان. # وأما ثانيا: فلأنه لا يخالف ما وقع عليه الإجماع قبله وبعده على كونها ~~فرض عين، فبطل ما ذكره هذا المتوهم من أصحابه. # ونعني بكونها فرضا من فروض الأعيان: هو أنه لا يختص بها شخص دون شخص عند ~~تكامل شروطها، وأن الحرج والإثم لازمان لكل من أخل بها بخلاف فرض الكفاية ~~فإنه مخالف لما ذكرناه. # فإذا ثبت هذا فإن الجمعة لا تجب إلا على من وجدت فيه شروط سبعة: الإسلام، ~~والبلوغ، والعقل، والذكورة، والحرية، والصحة، والاستيطان . # ونعني بالإسلام: أن ms1510 لا يكون كافرا. # ونعني بالبلوغ: أن لا يكون صبيا صغيرا. # ونريد بالعقل: ألا يكون مجنونا ولا معتوها. # ونعني بالذكورة: ألا يكون امرأة، ولا خنثى لبسة. # ونعني بالحرية: ألا يكون عبدا مملوكا. # ونعني بالصحة: أن لا يكون مريضا ولا مقعدا ولا أعمى. # ونريد بالاستيطان : أن لا يكون مسافرا. # فصارت هذه الشروط باعتبار العبادات، الجمعة وغيرها، على أربعة أضرب: # الضرب الأول: يعم الجمعة وغيرها من العبادات البدنية كالصلوات الخمس ~~والصوم والحج، وهي أمور ثلاثة: الإسلام والبلوغ والعقل. فهذه الشروط ~~الثلاثة لا بد من اعتبارها في جميع العبادات كلها فلا بد من اشتراط ~~الإسلام، لأن من هو كافر فلا يخاطب بهذه العبادات، وهكذا البلوغ فإن الطفل ~~الصغير لا يخاطب بها ولا يمكن حصولها من جهته، وهكذا حال العقل فإن ~~المجانين لا تعقل في حقهم العبادات. PageV04P007 # الضرب الثاني: يشترط في الجمعة وحدها وذلك أمور أربعة: الذكورة، والحرية، ~~والصحة، والاستيطان ، واشترطنا الذكورة من جهة أن النساء لا جمعة لهن، ~~واشترطنا الحرية لأن العبيد لا جمعة لهم، واشترطنا الصحة فإن المريض ~~والمقعد والأعمى لا تجب عليهم لأجل ضعف الحال، واشترطنا الاستيطان فإن ~~المسافر لا تتوجه عليه الجمعة. # الضرب الثالث: ما يشترط في الوجوب دون الإجزاء وذلك أمور خمسة: البلوغ ~~والحرية والذكورة والصحة والاستيطان ، فهؤلاء(1) # لا تجب عليهم الجمعة لكنهم إذا حضروها أجزتهم لأنهم من أهلها ولكن الشرع ~~خفف الأمر في حقهم فأسقط وجوبها عنهم. # الضرب الرابع: يشترط في الوجوب والإجزاء وذلك شرطان وهما: الإسلام، ~~والعقل، فالكافر لا تجب عليه الجمعة. وهل يكونون مخاطبين بالشرائع أم لا؟ ~~فيه خلاف قد استقصيناه في كتاب الصلاة، وذكرنا المختار، والانتصار له، ~~فأغنى عن الإعادة. ولا تجب الجمعة على صبي ولا مجنون لفقد العقل الذي هو ~~ملاك التكليف. # الفرع الثاني: ولا تجب الجمعة على المرأة لما روى جابر: ((من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة ، إلا على امرأة أو مريض أو مسافر أو ~~عبد)). ولقولهصلى الله عليه وسلم: ((ليس على النساء جمعة، ولا جماعة )). وروى أبو عمرو ~~الشيباني(2)، PageV04P008 قال: رأيت ms1511 ابن مسعود يخرج النساء من الجامع يوم الجمعة، ويقول أخرجن إلى ~~بيوتكن هو خير لكن. # ولا بأس بحضور العجائز اللاتي لا رغبة للرجال فيهن، لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: ((إلا عجوزا بمنقليها)) (1). # راد بنعليها. # قال الشافعي في الأم: وأحب للعجائز إذا أذن لهن أزواجهن حضور الجمعة؛ ~~لأنها لا تشتهى. وقد قالصلى الله عليه وسلم: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله )). [وهو] ~~محمول على ما ذكرناه. # ولا تجب الجمعة على الخنثى؛ لأنه يحتمل أن يكون ذكرا فتجب عليه، ويحتمل ~~أن يكون امرأة فلا تجب عليه، وإذا احتمل الأمران لم تجب الجمعة بالشك. # وهل تجب الجمعة على المسافر أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها غير واجبة عليه، وهذا هو رأي زيد بن علي والباقر ~~والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك. # والحجة على هذا: ما رويناه من حديث ابن عباس(2) # فإنه صريح في إسقاطها عن المسافر، ولأنه مشغول بالسفر وقضاء مآربه فلا ~~يكلف الجمعة لما في ذلك من المشقة عليه. # المذهب الثاني: أنه إذا سمع النداء وجبت عليه الجمعة، وهذا هو رأي الهادي ~~والقاسم وأبي طالب وأبي العباس، ومحكي عن الزهري والنخعي. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا}[الجمعة:9]. وهذا قد سمع النداء فلهذا توجه عليه الحضور. PageV04P009 # والمختار: ما عول عليه الأئمة وأكثر الفقهاء [من كونها غير واجبة عليه]. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا، وهو أن الرخصة حاصلة في حق المسافر بإسقاط نصف الفروض عنه ~~من أجل مشقة السفر فلا يكلف بالجمعة لما فيها من مزيد المشقة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: الآية دالة على وجوبها عليه لأنه قد سمع النداء. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الآية عامة، وما ذكرناه من حديث جابر فهو خاص فيجب بناء ~~العام على الخاص وتنزيله عليه. # وأما ثانيا: فإنه يخرج المسافر لخبر جابر، ويبقى ما عدى المسافر داخلا ~~تحت العموم فيكون عملا عليهما جميعا، وأنتم عولتم(1) # على ظاهر الآية ms1512 واطرحتم حديث جابر، فلهذا كان ما ذكرناه أرجح لما فيه من ~~العمل على الآية والخبر. # ويستحب إذا كان في بلدة وقت الجمعة أن يحضرها لأنه متمكن من ذلك من غير ~~مشقة عليه في الحضور، وإن حضر الجمعة فهل يتعين عليه الوجوب بالحضور أم لا؟ ~~فيه تردد. # والمختار: أنه لايتعين عليه لأن الرخصة في حقه قائمة بالسفر. # وإن نوى الأقامة عشرة أيام وجبت عليه الجمعة لأنه قد صار مقيما غير ~~مستوطن فلا جرم توجه عليه الوجوب. # الفرع الثالث: وهل تجب الجمعة على العبد والمكاتب أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنها لا تجب عليهما جمعة، وهذا هو رأي أئمة العترة وأكثر ~~الفقهاء الفريقين(2) # ومالك. # والحجة على هذا: ما في حديث جابر ((إلا على إمراة أو عبد مملوك )): وما ~~هذا حاله فهو نص في إخراج العبد. # المذهب الثاني: أنها واجبة على المكاتب وعلى العبد الذي يؤدي الضريبة ~~وهذا هو رأي الحسن البصري وقتادة. # والحجة على هذا: هو أن المكاتب قد صار مالكا لنفسه بالكتابة مشغولا ~~بالتكسب فأشبه الحر، وهكذا حال العبد الذي عليه الضريبة لسيده يؤديها له ~~فإنه قد صار مشغولا بتحصيلها فيشبه الحر في ذلك. PageV04P010 # المذهب الثالث: وجوبها على العبد مطلقا سواء كان مكاتبا أو غير مكاتب أو ~~كانت عليه ضريبة أو لم تكن، وهذا هو المحكي عن داود من أصحاب الظاهر. # والحجة على هذا: هو أن ظاهر العموم بقوله: {ياأيها الذين آمنوا} متناول ~~للأحرار والعبيد فيجب أن يكون مندرجا تحت العموم، ولأنه مكلف عاقل فأشبه الحر. # والمختار: ما عليه الأئمة والأكثر من الفقهاء من سقوطها عن العبد ~~والمكاتب ومن كانت عليه ضريبة. # والحجة على هذا: ماذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن العبد صار مشغولا بخدمة السيد فلا يضار السيد بإهمال ~~خدمته. والمكاتب بقولهصلى الله عليه وسلم: ((المكاتب عبد مابقي عليه درهم ))(1). # فهو مندرج تحت العبد. والعبد الذي عليه ضريبة فهو مملوك ولو كانت عليه ~~ضريبة يؤديها، ولأنه مشغول بتحصيل الضريبة فهو في الحقيقة مشغول بخدمة السيد. # الانتصار: يكون بالجواب عما ms1513 أوردوه. # قالوا: المكاتب ومن كانت عليه ضريبة قد أشبها الحر في التكسب لأنفسهما ~~فلهذا توجه الوجوب عليهما. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ملك الرقبة حاصل في حقهما، والتكسب فإنما هو أمر عارض. # وأما ثانيا: فلأن التكسب إنما هو في حق السيد وليس لأنفسهما فلهذا كانا ~~في حكم العبد الذي يخدم سيده فلا يدخل عليه ضرر بالحضور للجمعة. # قالوا: العبد مكلف عاقل فأشبه الحر كما حكي عن داود. # قلنا: التكليف والعقل وإن حصلا في حقه فهو عبد لا محالة تجري فيه أحكام ~~المعاوضات من البيع والصدقة والهبة، فلما كان الرق مستوليا عليه كان داخلا ~~في الخصوص الذي خرج به عن الوجوب بقولهصلى الله عليه وسلم: ((إلا على عبد مملوك )). PageV04P011 # ويستحب له: إذا أذن له سيده بحضور الجمعة أن يحضرها لأن المنع إنما كان لحق ~~السيد فإذا أذن أسقط حقه. # والمدبر لا يجب عليه الحضور لأن الرق باق في حقه ولهذا فإنه يجوز بيعه ~~على حال. # وأما من عتق بعضه فهو في حكم الحر عندنا لأجل السراية، فلهذا وجب عليه ~~الحضور، وأما على رأي الشافعي في جواز عتق البعض، فإذا كان بينه وبين سيده ~~مهاباة فإن كان يوم الجمعة في خدمة السيد لم يجب عليه الحضور، وإن كان يوم ~~الجمعة في خدمة نفسه وجب عليه الحضور. وسنوضح الكلام في السراية في العتق ~~بمعونة الله. # الفرع الرابع: ولا تجب الجمعة على المريض لقوله تعالى: {ولا على المريض ~~حرج }[النور:61]. ولما رويناه من حديث جابر: ((إلا على مريض )). ولأنه مما ~~يشق عليه المشي إلى الجمعة فلهذا سقط عنه. # وهل يجب على الأعمى الحضور أم لا؟ فينظر في حاله فإن كان لا يجد قائدا لم ~~يجب عليه حضورها لقوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج}[النور:61]. ولأنه غير ~~مستطيع فلا يكلف الحضور. # وحكى الشاسي عن القاضي حسين(1) # من أصحاب الشافعي: أنه يجب عليه الحضور إذا كان يمكنه بالعصا المشي ~~إليها. وأراد: أنه إذا كان يعتاد المشي من غير قائد وجب عليه. وهذا لا وجه ~~له ms1514 فإن الرخصة حاصلة في حقه بالعمى، فلا وجه لتكليفه ما لا يقدر عليه. # فإن وجد قائدا فهل يجب عليه الحضور أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يجب عليه الحضور وإن وجد قائدا. وهذا هو رأي أبو حنيفة. PageV04P012 # والحجة على هذا: هو أن الشرع قد عذره بقوله: {ليس على الأعمى ~~حرج}[النور:61]. ولأن في حضوره مشقة وحرجا، وقد قال تعالى: {وما جعل عليكم ~~في الدين من حرج}[الحج:78]. # المذهب الثاني: أنه إذا وجد قائدا فإنه يجب عليه الحضور، وهذا هو رأي ~~الشافعي، ومحكي عن أبي يوسف ومحمد. # والحجة على هذا: هو أنه إذا وجد قائدا فإنه يصير كالبصير. # والمختار للمذهب: ما قاله أبو حنيفة: فإن الأعمى قد عذره الله تعالى في ~~كثير من التكاليف، وهذا من جملتها فلهذا سقط عنه الوجوب سواء وجد قائدا أو ~~لم يجد، لأن وجود القائد لا يوجب الحضور لأنه دخول تحت منة الغير في أداء ~~عبادة كما لا يجب عليه قبول هبة المال ليزكيه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إذا وجد قائدا فهو بمنزلة البصير فلهذا توجه عليه الحضور. # قلنا: إنه مع وجود القائد فالوجوب ساقط عنه لما فيه من الدخول تحت منة ~~الغير في أداء عبادة. # الفرع الخامس: فإن حضر هؤلاء الذين سقط عنهم فرض الجمعة كالعبد والمرأة ~~والمريض والمسافر والصبي، وحضوره على وجه التمرين والتعويد إذ لا واجب عليه ~~لأجل صغره، فهل تجزيهم الجمعة أم لا؟. فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يسقط عنهم فرض الجمعة، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي ~~عن أبي حنيفة، والشافعي. # والحجة على هذا: هو أنهم قد أتوا بالجمعة على وجهها وهم مكلفون بها فيجب ~~أن يكون فرضها ساقطا عنهم كالذين ليس لهم عذر. # المذهب الثاني: أنهم لا يسقط عنهم فرض الظهر ولا تجزيهم الجمعة، وهذا شيء ~~يحكى عن زفر حكاه عنه الشيخ أبو عبدالله البصري من المعتزلة. # والحجة على هذا: هو أن الشرع لما أسقط عنهم فرض الجمعة بقولهصلى الله عليه وسلم: ((إلا على ~~المرأة والعبد والصبي والمريض ms1515 )). وحضورهم الجامع لا يرد ما سقط عنهم ~~بالشرع. # والمختار: ما قاله الأئمة ومن تابعهم من الفقهاء. # وحجتهم: ما ذكرناه. PageV04P013 # ونزيد هاهنا، وهو أنه إنما سقط عنهم فرض الجمعة على جهة الرخصة والتسهيل في ~~حقهم فإذا عدلوا عن الرخصة والتزموا فعلها سقط عنهم فرضها كما لو صام ~~المسافر، والمريض إذا تكلف القيام في الصلاة أجزأهم ذلك. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: قد سقط عنهم فرضها بنص الخبر، فحضورهم المسجد لا يوجب الفرض عليهم. # قلنا: إن الشرع إنما أسقط الفرض على جهة الرخصة والرفق بحالهم، ويؤيد ~~هذا: أنهم من أهل الجمعة لكن الشرع خفف عليهم الحال في إسقاطها. # الفرع السادس: الأعذار التي ذكرناها في صلاة الجماعة أنها أعذار في ترك ~~الجماعة فهي في ترك الجمعة عذر في سقوطها فلا تجب الجمعة على خائف على نفسه ~~أو ماله أو عرضه، فخوفه على نفسه بالقتل والجرح والضرب، وخوفه على ماله ~~بالأخذ والخراب والنقص، وخوفه على عرضه بالأذية والسب، فهذه الأمور كلها ~~تكون عذرا في إسقاط وجوبها لقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج " ~~}[الحج:78]. # والمطر أيضا عذر في إسقاطها لقولهصلى الله عليه وسلم: ((إذا ابتلت النعال فالصلاة في ~~الرحال ))(1). # ولا تجب الجمعة على من له مريض يخاف ضياعه أو يرجو توبته عند الموت، أو ~~يثبته في وصيته كما ذكرناه في الجماعة. # ولا تجب الجمعة على من له قريب مات فيريد دفنه وتجهيزه؛ لأنه معذور في ذلك. # فإن حضر المريض الجامع أو الأعمى أو من في طريقه مطر أو كان خائفا، وجبت ~~عليهم الجمعة؛ لأن المشقة قد زالت بالحضور فلا وجه لإبطال ما وجب عليهم من ~~فرض الصلاة. # وإن أحرم المسافر أو المريض للجمعة وأرادا الانصراف عنها لم يكن لهما ~~ذلك؛ لأنها قد تعينت عليهما بالدخول، عندنا وهو رأي الشافعي. # وإن أحرم العبد والمرأة ثم أرادا الإنصراف عنها إلى الظهر، فهل يجوز لهما ~~ذلك أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: جواز ذلك؛ لأنهما ليسا من أهل الجمعة ولا من أهل فرضها. PageV04P014 # وثانيهما: أنه ms1516 لا يجوز لهما ذلك؛ لأنها قد تعينت بالدخول، وهذا الفرق ~~لأصحاب الشافعي، وهو جيد لا عثار عليه إلا أن الأولى على المذهب أنه لا ~~يجوز لهما الإنصراف بعد التلبس بالصلاة؛ لأن هؤلاء لو حضروا لأجزتهم ~~الجمعة، فلهذا لم يجز لهم الإنصراف عنها. # الفرع السابع: والمستحب لأهل الأعذار ألا يصلوا الظهر حتى تنقضي جمعة ~~الإمام، وانقضاؤها يكون برفع الإمام رأسه من الركوع في الثانية، وإنما كان ~~ذلك مستحبا لأمرين: # أما أولا: فلأن الجمعة فرض الجماعة، والظهر فرض الخصوص، فلهذا استحب ~~تقديم فرض الجماعة. # وأما ثانيا: فلأن فيهم من ربما يزول عذره فيكون فرضه الجمعة. # فإن صلى المعذور الظهر ثم زال عذره قبل صلاة الإمام الجمعة، فهل تجب عليه ~~الجمعة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها تجب عليه الجمعة؛ لأنه قد زال عذره فتوجه عليه الخطاب ~~بالجمعة كما لو لم يفعل الظهر قبلها، وهذا هو المحكي عن أبي بكر الحداد من ~~أصحاب الشافعي، وهو الذي يأتي على قول من قال من أصحابنا: أن الأصل في يوم ~~الجمعة هو الجمعة، والظهر بدل عنها. # وثانيهما: أنه لا تجب عليه الجمعة؛ لأنه قد سقط فرضه بصلاة الظهر في حال ~~العذر، فلهذا لم تجب عليه الجمعة. # وهذا هو المختار وهو الذي يجيء على رأي أبي طالب؛ لقولهصلى الله عليه وسلم: ((لا ظهران في ~~يوم)). والجمعة بمنزلة الظهر، فلهذا لم تجب إعادتها. # وإن صلى الخنثى الظهر في أول الوقت ثم بان أنه رجل قبل صلاة الإمام ~~الجمعة، لزمه أن يصلي الجمعة، والتفرقة بينه وبين سائر المعذورين هو أنا ~~تبينا أنه كان رجلا في وقت الصلاة بخلاف غيره من أهل العذر فافترقا. # وهل تكره الجماعة للمعذورين في يوم الجمعة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها تكره، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب وأبو العباس، وهو ~~محكي عن أبي حنيفة ومالك، لما في ذلك من تهوين أمر الإمام والإعراض عن ~~جمعته، ويوهم أنهم ليسوا من أمره في ورد ولا صدر، ولهذا كره ذلك. PageV04P015 # وثانهيما: أن الجماعة مستحبة لأهل ms1517 العذر، وهذا هو رأي الشافعي؛ لأن الأدلة ~~التي دلت على فضل الجماعة لم تفصل في ذلك، ولهذا كانت مستحبة لأهل العذر. # قال الشافعي: وأحب لهم إخفاء ذلك لئلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام. # والمختار في ذلك: تفصيل، وهو أن عذرهم إذا كان ظاهرا يعرفه كل واحد ~~كالعمى والمرض والزمانة وغير ذلك من الأعذار التي لا تخفى على أحد فإنه لا ~~تكره لهم الجماعة لأن عذرهم واضح فالتهمة زائلة عنهم. وإن كان عذرهم خفيا ~~كالخوف على النفس والمال وغير ذلك من الأمور الخفية فإنها تكره لهم الجماعة ~~لما يظهر من التهمة في حق الإمام. # الفرع الثامن: فأما من كان من أهل فرض الجمعة ممن لا عذر له، وصلى الظهر ~~قبل فوات الجمعة، فهل يصح ظهره ويلزمه السعي إلى الجمعة أم لا؟ فيه أربعة أقوال: # القول الأول: محكي عن الشافعي في الجديد، أنه لا يصح ظهره وتلزمه الجمعة، ~~فإن لم يصلها حتى فاتت وجب عليه إعادة الظهر. وبه قال مالك وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق بن راهويه وزفر، لأن ظهره وقع على فساد؛ والجمعة ممكنة فوجب عليه ~~أداؤها، فإن فاتت الجمعة وجب الظهر لأنه بدل عنها عند فواتها وفوات شرطها. # القول الثاني: محكي عن أبي حنيفة: [أنه] يصح ظهره قبل فوات الجمعة ويلزمه ~~السعي إلى الجمعة، فإذا سعى إليها بطل الظهر وإن لم يسع إليها أجزأه ظهره ~~الذي صلاه، وإنما صح ظهره لأنه مخاطب به فإذا كان وقت الجمعة باقيا لزمه ~~أداؤها لأنها ممكنه في حقه فإذا سعى إليها بطل ظهره لأنه لا ظهران في يوم، ~~وإن تأخر عن السعي إليها أجزاه ظهره لأنه قد خرج به عن عهدة الأمر. # القول الثالث: محكي عن الشافعي في القديم؛ أنه يصح ظهره ويجب عليه السعي ~~إلى الجمعة. مثل رأي أبي حنيفة، لكنه قال: إذا صلى الجمعة احتسب الله ~~بأيهما شاء، فإذا فاتته الجمعة أجزأه الظهر. PageV04P016 # والوجه في ذلك: ما حكيناه عن أبي حنيفة، وإنما قال: يحتسب الله بأيهما شاء. ~~لأنهما فرضان قد وقعا على نعت ms1518 الصحة والإمكان، فالأمر فيهما إلى الله تعالى ~~في إسقاط الفرض واستحقاق الثواب والأجر. # القول الرابع: محكي عن أبي يوسف ومحمد فإنهما قالا: يصح ظهره ويبطل ~~بالإحرام بالجمعة، وإنما صح الظهر لأنه مخاطب به إذا لم تكن هناك جمعة فإذا ~~أحرم بالجمعة بطل ظهره لأنه لما أحرم بالجمعة انكشف الأمر أنها هي فرض الوقت. # ومنشأ الخلاف والتردد في هذه الأقوال إنما حصل من أن المخاطب به في وقت ~~الجمعة هل هو الظهر أو الجمعة؟ وفيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الأصل هو الجمعة، وهذا هو رأي المؤيد بالله وتحصيله ~~لمذهب الهادي، ومحكي عن أبي العباس، وهو قول مالك ومحمد بن الحسن والشافعي ~~في الجديد. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ~~}[الجمعة:9]. # ووجه الدلالة من الآية: هو أنه أمر بالسعي إليها، وفي هذا دلالة على أنها ~~هي الأصل. # الحجة الثانية: قولهصلى الله عليه وسلم: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في ~~شهري هذا في عامي هذا )). فظاهر هذا الخبر دال على أنها هي الأصل، وأنها ~~فرض الوقت والمخاطب بها. # المذهب الثاني: أن المخاطب به في يوم الجمعة هو الظهر، وهذا هو الظاهر من ~~مذهب الهادي والقاسم، واختيار السيد أبي طالب، وهو قول الناصر ومحكي عن أبي ~~حنيفة وأبي يوسف. # والحجة على هذا: قولهصلى الله عليه وسلم: ((إن للصلاة أولا وآخرا وإن أول وقت الظهر حين ~~تزول الشمس ))(1). # فأثبت الظهر ولم يفصل بين يوم الجمعة وغيره من سائر الأيام. # الحجة الثانية: هو أن هذا الوقت وقت للظهر في سائر الأيام فيجب أن يكون ~~وقتا لها في يوم الجمعة كسائر أوقات الصلوات، فهذا تقرير أدلة الفريقين كما ترى. # والمختار: ما قاله السيد أبو طالب، وارتضاه الإمامان القاسم والهادي ومن ~~وافقهم على هذه المقالة. # وحجتهم: ما نقلناه عنهم. PageV04P017 # ونزيد هاهنا حججا أربعا: # الحجة الأولى: ما كان من حديث فرض الصلاة في ليلة الإسراء فإن الصلاة ~~فرضت خمسين، وما زال موسى يردد الرسولصلى الله عليه وسلم حتى نقصت إلى ms1519 خمس صلوات، ثم قال ~~موسى: إن أمتك يا محمد لا تطيق على هذا. فقال الرسولصلى الله عليه وسلم: ((إني قد استحييت من ~~ربي))(1). # فوجه الدلالة من هذا الخبر: هو أن الظهر فرض من أول مرة في يوم الجمعة ~~وفي غيرها من الأيام وهو السابق، وفي هذا دلالة على أن الظهر هو الأصل وأن ~~الجمعة طارئة عليه والظهر سابق. # الحجة الثانية: هو أن الرسولصلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مهاجرا نزل قبا على بني ~~عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس ~~مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامدا إلى المدينة فأدركته الجمعة في بني سالم ~~بن عوف في بطن واد لهم فصلى الجمعة، فكانت أول جمعة جمعها رسول اللهصلى الله عليه وسلم(2). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الظهر كان سابقا على الجمعة لأن الصلاة ~~فرضت في مكة، والجمعة فرضت بعد هجرته إلى المدينة ففي هذا دلالة على أن ~~الظهر في يوم الجمعة هو الأصل، وأن الجمعة حاصلة بعده. PageV04P018 # الحجة الثالثة: هو أن الأنصار اجتمعوا وقالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه في ~~كل أسبوع، وللنصارى مثل ذلك، فهلموا نجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله ~~تعالى ونصلي. فقال قوم: السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم ~~العروبة. فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة (1) # فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم. فسموه يوم الجمعة لإجتماعهم، فأنزل الله ~~آية الجمعة، فهي أول جمعة جمعت في الإسلام. # ووجه الدلالة: هو أن الله تعالى أنزل سورة الجمعة تقريرا لما فعله ~~الأنصار واستحسنوه، وصوبهم على ذلك رسول اللهصلى الله عليه وسلم ولم ينكره عليهم. # الحجة الرابعة: أخبار المواقيت عنهصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أمني جبريل عند باب البيت ~~، وصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ~~فلما كان في اليوم الثاني صلى بي الظهر حين صار ظل كل شيء مثله)). # ووجه الحجة من الخبر: هو أنه جعل ميقات الظهر في اليومين محدودا معلوما، ~~ولم يذكر الجمعة، وفي هذا ms1520 دلالة على أن الأصل هو الظهر وأن الجمعة طارئة، ~~وعلى هذا تتفرع المسائل في كون الظهر هو الأصل كما حققناه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا}[الجمعة:9]. ~~فأمر بالسعي إليها، وفي هذا دلالة على أنها هي الأصل. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV04P019 # أما أولا: فلأنا لا ننكر السعي في يوم الجمعة، ولكنا نقول: إن الظهر سابق ~~على السعي إلى [صلاة] يوم الجمعة، وفيه دلالة على أنه هو الأصل لسبقه. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما أوردناه من الأخبار الدالة على أصالة ~~الظهر، وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح وأخبارنا فهي أظهر وأشهر وأقوى فلهذا ~~وجب الإعتماد عليها. # قالوا: روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي ~~هذا في يومي هذا )). وفي هذا دلالة على أن الأصل هو الجمعة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا ننكر فرض الجمعة في مقامه وفي يومه كما قال، ولكن ~~الظهر سابق عليها وهي بعده. # وأما ثانيا: فلأن فرض الصلوات كان مكيا، وفرض الجمعة كان مدنيا، وما كان ~~في مكة فهو سابق لما كان في المدينة وفيه دلالة على أصالة الظهر. # الفرع التاسع: في بيان من تجب عليه الجمعة. # وتجب على المكلف الحر الذكر المقيم الصحيح فمن أتصف بهذه الصفات وجبت ~~الجمعة عليه، ومن فقدت في حقه لم تجب عليه كما مر تقريره. # وتجب الجمعة على من كان في الأمصار والمدن عند أئمة العترة وفقهاء الأمة ~~سواء سمعوا النداء أو لم يسمعوا. # والحجة على هذا: هو أن الرسولصلى الله عليه وسلم خاطب أهل المدينة بوجوبها ولم يفرق بين أن ~~يسمعوا النداء أو لا يسمعوا، ولقولهصلى الله عليه وسلم: ((لا جمعة ولا تشريق إلى في مصر جامع ))(1). # ولم يعتبر سماع النداء، ولأن المصر والمدينة كالدار الواحدة بدليل: أن كل ~~من سافر منه فإنه لا يقصر الصلاة حتى يفارق جميعه كما سنقرره في صلاة القصر. # فأما من كان خارج المصر من أهل ms1521 القرى والمحال والدروب فهل يعتبر في ~~الوجوب عليهم سماع النداء أو قرب المسافة أو الإيواء ليلا؟ فيه مذاهب خمسة: PageV04P020 # المذهب الأول: أن الجمعة لا تكون واجبة إلا في مصر جامع ولا تجب على أهل ~~القرى، وهذا مروي عن زيد بن علي والباقر والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة ~~وأصحابه، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا تجب الجمعة على أهل القرى ولو كمل ~~العدد فيهم، وإنما تجب على أهل الأمصار. وحد المصر عنده أن يكون هناك سلطان ~~قاهر يقيم الحدود ويستوفي الحقوق أو خليفة من قبله، ويكون فيه سوق قائم ~~وجامع ومنبر ونهر جاري. # فأما المؤيد بالله: فقد أطلق: أن الجمعة لا تجب إلا على أهل المصر. ولم ~~أقف له على شيء في صفة المصر وبما يكون مصرا، وربما يكون رأيه مثل رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا جمعة ولا تشريق إلا في ~~مصر جامع )). فظاهر الخبر دال على سقوطها عن أهل القرى والمحال. # المذهب الثاني: أن الجمعة كما تجب على أهل المصر فهي واجبة على أهل القرى ~~والمحال والمناهل كما تجب على أهل الأمصار، وأردنا بالمناهل: الذين يسكنون ~~على الأنهار والبرك العظيمة، إذا كان هناك مسجد تقام فيه الجمعة، وهذا هو ~~رأي الهادي والناصر، ومحكي عن مالك. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا}[الجمعة:9].ولم يفصل بين المصر والقرية والمحلة. وقولهصلى الله عليه وسلم: ((من سمع ~~النداء فعليه الجمعة ))(1). # وقولهصلى الله عليه وسلم: ((من كان الليل يؤيه إلى أهله فعليه الجمعة))(2). PageV04P021 # فدلت ظواهر هذه الأخبار على وجوب الجمعة ولم تفصل بين مكان ومكان إلا ما ~~قامت عليه دلالة كأصحاب الخيام وأهل المواشي الذين ليس لهم مستوطن ولا ~~يستقرون وإنما يطلبون الكلا أينما وجدوه، فهؤلاء لا تجب عليهم الجمعة لما ~~ذكرناه. # المذهب الثالث: أن كل من كان خارج المصر فهم على ثلاثة أضرب: # الضرب الأول: الذين تجب عليهم الجمعة بأنفسهم ولا يحتاجون إلى غيرهم وهم ~~أهل ms1522 القرية إذا كانوا أربعين رجلا وتكاملت في حقهم الشروط التي ذكرناها، ~~فهؤلاء تلزمهم إقامتها في موضعهم سواء سمعوا النداء أو لم يسمعوه في المصر ~~فإن أقاموها في موضعهم فقد أحسنوا وإن أتوا المصر وصلوا الجمعة فيه أجزأهم ~~وقد أساؤا لأن إقامة الجمعة في موضعين أفضل من إقامتها في موضع واحد، وهذا ~~هو المنصوص للشافعي. # وحكي عن الصيدلاني من أصحاب الشافعي: أنهم لا يكونون مسيئين بذلك لأن من ~~العلماء من قال: لا تنعقد الجمعة وإنما تنعقد في المصر فإذا دخلوا المصر ~~وصلوا فقد خرجوا من الخلاف. # الضرب الثاني: الذين لا تجب عليهم الجمعة بأنفسهم وتجب عليهم بغيرهم فهم ~~الذين ينقصون عن الأربعين ويسكنون في موضع يسمعون النداء فيه من البلد الذي ~~تقام فيه الجمعة. # الضرب الثالث: الذين لا تجب عليهم الجمعة بأنفسهم ولا بغيرهم وهم الذين ~~ينقصون عن عدد الأربعين ويسكنون في الموضع الذي لا يسمعون فيه النداء من ~~المصر الذي تجب فيه الجمعة، وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن عبدالله بن عمرو ~~بن العاص وابن المسيب وأحمد بن حنبل وأبي ثور. PageV04P022 # والحجة على هذا: قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله}[الجمعة:9]. فأوجب السعي إلى الجمعة على ~~المؤمنين ولم يفصل بين أهل المصر وأهل القرى وأهل السواد، وظاهر الآية ~~يقتضي وجوب السعي على من كان خارج المصر سواء كان قريبا أو بعيدا لأن ~~الرسولصلى الله عليه وسلم قيده بمن سمع النداء، فروى عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((الجمعة على من سمع النداء )) لأن أهل المصر ~~تجب عليهم سواء سمعوا النداء أو لم يسمعوا بالإجماع، وروي [عن] ابن عباس ~~رضي الله عنه أنه قال: أول جمعة بعد جمعة المدينة جمعت في قرية من قرى ~~البحرين يقال لها: جواثا. وجواثا بالجيم المضمومة وبثاء منقوطة بثلاث من ~~أعلاها. # المذهب الرابع: أن الجمعة تجب على من يمكنه إتيان الجمعة ويأوي إلى منزله ~~بالليل، وهذا هو رأي ابن عمر، ms1523 ومحكي عن أنس بن مالك وأبي هريرة. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من كان الليل يؤيه إلى ~~أهله فعليه الجمعة )). # المذهب الخامس: الذين قدروا بالمسافة، وفيه أقوال أربعة: # القول الأول: يحكى عن عطاء، وهو أن الجمعة واجبة على من كان من المصر على ~~عشرة أميال. # القول الثاني: محكي عن الزهري، أنها واجبة على من كان من المصر على ستة أميال. # القول الثالث: محكي عن ربيعة، وهو أنها واجبة على من كان من المصر على ~~أربعة أميال. # القول الرابع: أنها واجبة على من كان على ثلاثة أميال، وهذا هو المحكي عن مالك. # والحجة على هذا: هو أن أهل القرى الذين كانوا حول المدينة كانوا يحضرون ~~جمعة الرسولصلى الله عليه وسلم لا يتخلفون عنها وبعضهم يقرب وبعضهم على هذه المسافات ~~المختلفة، فهذا هو السبب في هذا الإختلاف حتى اعتبروا هذه المقادير نظرا ~~إلى ما ذكرناه. # فهذا تقرير المذاهب بأدلتها كما أشرنا إليه. PageV04P023 # والمختار: ما عول عليه الهادي والناصر ومن تابعهما من الفقهاء وهو وجوب ~~الجمعة على أهل القرى والمحال والدروب إذا كملت في حقهم الشرائط التي ~~ذكرناها. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا وهو قولهصلى الله عليه وسلم: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في ~~شهري هذا في عامي هذا)). وقولهصلى الله عليه وسلم: ((من سمع النداء فعليه الجمعة )). وقوله: ~~((من كان الليل يؤيه فعليه الجمعة )). فهذه الأخبار كلها دالة على وجوب ~~الجمعة ولم تفصل بين القرية والمصر وهي عامة في جميع المواضع إلا ما استثني ~~من أصحاب الخيام وأهل المواشي الذين يتبعون الكلا والماء ولا يستقرون في مكان. # الحجة الثانية: ما روي عن ابن عباس أن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة ~~الرسولصلى الله عليه وسلم جمعة جمعت في جواثا من قرى البحرين، وما روي أن أول من جمع في ~~المدينة أسعد بن زرارة في حرة بني بياضة وهي قرية ليست مصرا. # الحجة الثالثة: قياسية، وهي أن القرى مواضع استيطان فيجب أن ms1524 تصح فيها ~~الجمعة كالأمصار، أو نقول: مواضع استيطان المسلمين وإقامة جماعتهم فجازت ~~فيها الجمعة كالأمصار ولأنها مواضع لإقامة جماعة الصلوات الخمس فكانت مواضع ~~لإقامة الجمعة. # قال الهادي: ويجب أن يكون في الموضع. يعني المحلة والقرية، مسجد يجمع فيه ~~لأنه لم يرو أن الرسولصلى الله عليه وسلم أقام الجمعة إلا في المساجد دون البراري والصحاري، ~~وتوارثه الخلف عن السلف فيجب الإعتماد عليه. والظاهر من كلامه هذا أنه جعل ~~المسجد شرطا في وجوب الجمعة على أهل القرية، فإن لم يكن هناك مسجد لم تجب ~~عليهم إقامتها لعدم المسجد كأهل الخيام، ولم يجعله شرطا في تأديتها، وعلى ~~هذا إذا كان المسجد ضيقا جاز إقامتها خارج المسجد في الصحراء والبرية لأنه ~~لا يتسع لجماعة المسلمين كما قال المؤيد بالله، فإنه اعتبر المصر في الوجوب ~~ولا بد في صحة المصر من المسجد لكنه جوز إقامتها في الصحراء، وهو قول محكي ~~عن الشافعي وأبي حنيفة. PageV04P024 # قال الكرخي: ولا يجوز إقامة الجمعة إلا في المصر أو خارجا عنه قريبا من ~~المواضع التي جعلت مصلى لصلاة العيد ونحو ذلك. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الجمعة حق واجب ))(1). # ولم يخص موضعا من موضع إلا ما قامت عليه دلالة في المنع منه، ولقولهصلى الله عليه وسلم: ~~((إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا )). ~~ولم يفصل. # سؤال: أراهصلى الله عليه وسلم خص الدلالة على وجوب الجمعة بقوله: ((إن الله افترض عليكم ~~الجمعة في شهري هذا في عامي هذا في مقامي هذا " فريضة مكتوبة)). ولم يقل ~~مثل هذا في سائر العبادات كالصلوات الخمس والصوم والحج، فما الوجه في ذلك؟ # وجوابه: من وجهين: # أما أولا: فلأن ما هذا حاله من أسرار العبادات التي لا تعقل معانيها، كما ~~كانت الظهر أربعا والمغرب ثلاثا والفجر ركعتين، ولأمر ما يسود من يسود. # وأما ثانيا: فلعل هذا إنما كان توكيدا في أمر الجمعة وتنبيها على فضلها ~~وعلى الإهتمام بحالها، ولهذا فإنها مختصة بأسرار ms1525 وتحكمات لا تختص بها سائر ~~الصلوات المكتوبة من الخطبة ولباس الزينة والغسل والطيب وغير ذلك من ~~الأدوات المشروعة في يوم الجمعة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع)). ~~كما حكي عن الباقر، والمؤيد بالله وأبي حنيفة، وبالغ أبو حنيفة في اشتراط ~~المصر حتى روي عنه أنه قال: لو كان بين المصلي وبين المصر خطوة لم تجب عليه ~~الجمعة. # قال محمد بن الحسن الشيباني: قلت لأبي حنيفة: هل تجب الجمعة على أهل ~~زبادة؟ وزبادة: بضم الزاي وفتحها وبالباء بنقطة من أسفلها ودال بنقطة من ~~أسفلها: محلة من محال الكوفة بينها وبين الكوفة نهر. فقال: لا تجب. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV04P025 # أما أولا: فلأن المراد بالخبر نفي الفضل والكمال دون الإجزاء، كما قالصلى الله عليه وسلم: ~~((لا صلاة لجار المسجد إلا فيه)). # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما أوردناه من الأخبار الدالة على جواز ~~إقامة الجمعة في القرى والمحال، وإذا تعارضا وجب الترجيح ولا شك أن اخبارنا ~~التي رويناها أكثر وأشهر، فلهذا وجب العمل عليها. # قالوا: روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من سمع النداء فعليه الجمعة)). كما حكي ~~عن الشافعي، فقد وافقنا في جواز الصلاة في غير المقر لكنه اعتبر سماع ~~النداء وبكون العدة أربعين. # قلنا: أما العدد فسيأتي تقرير ما يعتبر منه في صحة صلاة الجمعة. # وأما اشتراط سماع النداء فلا نسلم وجوب اعتباره، فإن الجمعة واجبة عن من ~~في المصر سواء سمعوا أو لم يسمعوا، وأيضا فقولهصلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فعليه الجمعة)). ولم يشترط سماع النداء. وقولهصلى الله عليه وسلم : ((من ترك ~~صلاة الجمعة ثلاثة أسابيع من غير عذر طبع الله على قلبه)). ولم يشترط سماع ~~النداء، فقد دلت هذه الأخبار على بطلان اشتراط سماع النداء. # قالوا: روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم: ((من كان الليل يؤيه إلى أهله فعليه الجمعة )). ~~وهذا محكي عن ابن عمر ms1526 وأنس بن مالك وأبي هريرة. # قلنا: هذا جيد في تقدير المسافة التي تجب فيها الجمعة كما سنوضح القول فيه. # قالوا: روي عن أقوام؛ تقدير ذلك بالأميال، فروي عن قوم عشرة أميال وعن ~~قوم ستة وعن قوم أربعة وعن قوم ثلاثة. # قلنا: هذه التقديرات تحكمات لادلالة عليها، وإنما التعويل على ما كان من ~~جهة صاحب الشريعة كما سنوضح المختار فيه بمعونة الله تعالى. # الفرع العاشر: اعلم أن القائلين بأن الجمعة لا تجب إلا في الأمصار فلم ~~يعتبروا أمرا آخر وإنما اعتبروا المصر لا غير، وسواء سمع النداء أو لم ~~يسمعه كما حكيناه عن الباقر والمؤيد بالله وزيد بن علي والحنفية وقد قررنا ~~ما عليهم من الكلام فلا نعيده. PageV04P026 # وأما من قال بأن الجمعة واجبة على أهل القرى والمحال والدروب والأودية ~~وهكذا حال البيوت المصنوعة من العيدان كبيوت أهل تهامة، فإنها تجب عليهم ~~الجمعة ولا يشبهون حال أهل الخيام لأنها لا تنتقل كما ينقلها أهل الخيام ~~إذا رحلوا، فاختلفوا في أمارة الوجوب على من يكون خارج المصر على ثلاثة أقوال: # القول الأول: محكي عن القاسم والهادي والناصر: أن الأمارة في الوجوب: ~~سماع النداء. قال الناصر في اعتبار حال النداء: هو أن يقوم المؤذن على سور ~~المصر فيؤذن، ويكون صيتا، ولا يكون المستمع أصم، والأصوات هادئة والريح ~~راكدة، وهكذا حكي عن الشافعي في سماع النداء. # القول الثاني: محكي عن ابن عمر وأبي هريرة وأنس بن مالك: أن الإعتبار في ~~الوجوب على أهل القرى خارج المصر بإيواء الليل، لما روي عن ابن عمر: ((من ~~كان الليل يؤيه إلى أهله فعليه الجمعة)). # القول الثالث: الذين اعتبروا المسافة بتقدير الأميال كالعشرة والستة ~~والأربعة والثلاثة كما هو محكي عن جماعة من الفقهاء قد ذكرنا تسميتهم، ~~اعتمادا على القرى التي كانت حول المدينة وهي على هذه المسافات فاعتبروها ~~لأنهم كانوا لا يتأخرون عن جمعة الرسولصلى الله عليه وسلم في المدينة، فلأجل هذا قدروا ~~الوجوب بهذه المقادير التي قررناها. # والمختار في تقدير المسافة في الوجوب لمن كان خارج المصر: ms1527 ما رواه ابن ~~عمر وأبو هريرة وأنس بن مالك من تقديرها ((بمن كان يؤيه الليل إلى أهله ~~فعليه الجمعة))، وإنما كان هذا هو المختار لأمور ثلاثة: # أما أولا: فلأنه رواه هؤلاء من الصحابة وهم من ثقاة الرواة وعدول الصحابة ~~ولهم اليد البيضاء في صحة الرواية ونقل أحاديث الرسولصلى الله عليه وسلم. # وأما ثانيا: فلأنهم رووا هذا الحديث وعملوا به، والصحابي إذا روى الحديث ~~وعمل به فإنه يزداد وثاقة وقوة على غيره من الأحاديث. PageV04P027 # وأما ثالثا: فلما فيه من الإحتياط للعبادة فإنه أبعد المقادير وهو مخالف ~~لما روي: ((من سمع النداء)). ولما روي: من اعتبار عشرة أميال فما دونها، ~~لما كان إيواء الليل زائدا على هذه التقديرات فلهذا كان العمل عليه أحق ~~وأولى لما فيه من الإحتياط والباب باب العبادة. # الفرع الحادي عشر: وإن اتفق عيد وجمعة فهل يجبان جميعا أو يكتفى بأحدهما ~~دون الآخر؟ فيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أنهما يجبان جميعا على الإمام، ولا يسقط فرض الجمعة بصلاة ~~العيد، وهذا هو رأي الإمامين الناصر والهادي، وارتضاه السيدان الأخوان خلا ~~أنه يجوز أن يقام فرض الجمعة ببعض من حضر صلاة العيد ويسقط فرض الجمعة عن ~~الباقين. # والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قد اجتمع في ~~يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه عن الجمعة وإنا مجمعون ))(1). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن ظاهره دال على سقوطها عن بعض من حضر العيد ~~ووجوبها على الباقين، وظاهره دال على وجوبها على الإمام. # المذهب الثاني: أن فرض الجمعة لا يسقط بصلاة العيد، وهذا هو المحكي عن ~~الشافعي، وبه قال أكثر الفقهاء. PageV04P028 # والحجة على هذا: ما ذكرناه من دلالة الظواهر الشرعية على وجوب الجمعة ولم ~~تفصل في ذلك بين يوم العيد وغيره فيجب القضاء بذلك. فأما أهل السواد ومن هو ~~خارج عن المصر الذين تجب عليهم الجمعة بسماع النداء من المصر إذا حضروا ~~العيد فإنهم يروحون ولا يجب عليهم حضور صلاة الجمعة في يومهم ذلك، وهكذا ~~حال ms1528 أهل العالية وأهل السوادات فإنهم يصدرون ولا حرج عليهم في ترك الجمعة ~~لما روي عن عثمان أنه قال في خطبة: أيها الناس قد اجتمع عيدان في يومكم هذا ~~فمن أراد من أهل العالية أن يصلي معنا الجمعة فليفعل ومن أحب أن ينصرف ~~فليفعل. ولأنهم إذا قعدوا لانتظار صلاة الجمعة في المصر فاتتهم لذة العيد ~~ورفاهيته، وإن راحوا بعد صلاة العيد إلى منازلهم ثم رجعوا لصلاة الجمعة ~~كانت عليهم مشقة، والجمعة تسقط بالمشقة كما أوضحناه من قبل، بخلاف أهل ~~المصر فإن ذلك لا يوجد في حقهم، وظاهر كلام الشافعي موافق لما قلناه خلا ~~أنه يقول: إنما رخص في ترك الجمعة لأهل العوالي والسوادات بخلاف غيرهم من ~~أهل المصر. وظاهر كلام أصحابنا أن فرض الجمعة ساقط عن بعض أهل المصر إذا ~~حضر الباقون. # المذهب الثالث: محكي عن أبي حنيفة: وهو أنهما لا يسقطان جميعا، وإن كل من ~~وجب عليه فرض الجمعة في غير العيد وجب عليه في العيد، وأن الإمام والمأموم ~~في ذلك سواء في الحضور. # والحجة على هذا: هو أن الدلالة التي دلت على فعل كل واحد منهما على ~~الإنفراد فهي بعينها دالة على فعلهما مع الإجتماع من غير تفرقة بينهما في ذلك. # المذهب الرابع: محكي عن عطاء، وهو أن العيد يؤدى والجمعة ساقطة لا يجب ~~أداؤها. # والحجة على هذا: ما روي عن عبدالله بن الزبير أنه صلى العيد وترك الجمعة ~~فعابه عليه بعض بني أمية. فقال: هكذا كان يفعل عمر بن الخطاب. فبلغ ابن ~~عباس فعل ابن الزبير وكان غائبا في اليمن فقال: أصاب السنة. وحكي عن عطاء ~~أنه قال: لا صلاة في هذا اليوم إلا العصر. PageV04P029 # والمختار: ما قاله الإمامان الهادي والناصر، وارتضاه الأخوان للمذهب، وهو ~~أن العيد والجمعة واجبان، على الإمام حضورهما كسائر الأيام في الجمعة، وأن ~~الرخصة إنما هي في حق المؤتمين فتقام الجمعة ببعض من حضر صلاة العيد. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا وهو ما روي أن معاوية سأل زيد بن أرقم فقال: هل شهدت مع ms1529 رسول ~~اللهصلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم؟ فقال: نعم. فقال: كيف صنع؟ فقال: صلى العيد ثم ~~رخص في الجمعة. فقال: ((من شاء أن يصلي فليصل)). # الحجة الثانية: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه ~~اجتمع عيدان في يوم فصلى بالناس في الجبان صلاة العيد ثم قال بعد خطبته: ~~أما بعد فإنا مجمعون بعد الزوال فمن أحب أن يحضر فليحضر فذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء، ومن ترك فلا حرج عليه. # دقيقة: اعلم أن الرخصة إنما وقعت في حق المؤتمين في أنهم لا يجب عليهم ~~حضور الجمعة بعد حضور العيد ولا يجب عليهم سماع خطبة الجمعة للاكتفاء بسماع ~~خطبة العيد، فلا تتكرر عليهم الموعظة خوفا من الإملال والسآمة فلهذا رخص ~~لهم في الحضور، ويجب عليهم تأديتها ظهرا. # فأما الإمام فلا رخصة له في حضورهما جميعا لأن واحدة من الصلاتين لم تسقط ~~إجماعا وإنما رخص في تركها لبعض المؤتمين. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # فنقول: أما الشافعي فقد ذكرنا موافقته لمذهبنا، وذكرنا التفرقة بيننا ~~وبينه فيما قررناه فلا وجه للكلام عليه، وإنما يتوجه الانتصار على غيره. # قالوا: العيد والجمعة لا يسقطان، وإن كل واحد منهما يؤدى. كما حكي عن أبي ~~حنيفة، وحاصل كلامه إنكار الرخصة في حق المؤتمين وأنه لا وجه للرخصة لأحد ~~ممن حضر العيد في إقامة الجمعة، وأن الإمام والمأموم في ذلك سواء. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فإنا لا ننكر وجوب الجمعة وأنها غير ساقطة عن الإمام؛ ولكنا ~~نقول: يسقط وجوبها عن بعض المؤتمين ممن حضر العيد إكتفاء بالعيد ويؤديها ظهرا. PageV04P030 # وأما ثانيا: فإنا قد دللنا على حصول الرخصة بما أثر عن الرسولصلى الله عليه وسلم وصرح به في ~~كلامه، وبما قاله أمير المؤمنين في خطبة العيد من العذر لهم في الحضور ~~والترخيص فيه فلا وجه لإنكاره، فأما الجمعة فلا رخصة في تركها لبعض من حضر العيد. # قالوا: الجمعة ساقطة لا يجب أداؤها وأنه لا صلاة بعد العيد إلا العصر كما ms1530 ~~حكي عن عطاء لما روي عن عمر بن الخطاب وابن عباس وابن الزبير. # قلنا: هذا الآن خلاف معنوي، وعنه جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكر مذهب لهؤلاء الصحابة واجتهاد فلا يكون حجة علينا، ~~والحجة: ما كان عن الله وعن رسولهصلى الله عليه وسلم فلا يلزم قبول اجتهادهم. # وأما ثانيا: فلأنه محمول على سقوط فرض الجمعة ركعتين وتأديتها ظهرا رخصة ~~لهم في حق الحضور للجمعة مرة ثانية في حق بعض المؤتمين، فأما أن الجمعة ~~ساقطة وبدلها ظهرا فلا وجه له لأنها فرض الوقت عند الزوال في يوم الجمعة ~~إذا تكاملت شروطها فإذا نقص شرط من شروطها وجب الرجوع إلى بدلها وهو الظهر ~~لأنه الأصل كما أوضحناه. # الفرع الثاني عشر: ومن أراد السفر في يوم الجمعة فهل يجوز له ذلك أم لا؟ ~~فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: جواز ذلك على الإطلاق وهذا هو الظاهر من المذهب وهو قول ~~أبي حنيفة وأصحابه. PageV04P031 # والحجة على هذا: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه جهز جيش مؤتة يوم الجمعة مع جعفر بن ~~أبي طالب وعبد الله بن رواحة(1)، # فخرج جعفر ماضيا فيما أمره الرسول وتخلف عبد الله بن رواحة فصلى الجمعة ~~فرآه الرسولصلى الله عليه وسلم فقال: ((ما الذي أخرك يا عبد الله)) ؟ فقال: الجمعة. فقال له ~~الرسولصلى الله عليه وسلم: ((غدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها))(2). # فانطلق سائرا. # المذهب الثاني: محكي عن الشافعي وله ثلاثة أقوال نفصلها: # القول الأول: أنه لايجوز السفر بعد طلوع الفجر يوم الجمعة وهذا هو المحكي ~~عن ابن عمر وعائشة. PageV04P032 # القول الثاني: أن السفر جائز قبل الزوال، ويروى ذلك عن عمر وابن الزبير ~~وأبي عبيدة بن الجراح. # القول الثالث: أنه لايجوز السفر بعد الزوال إلى بلد لا تقام فيه الجمعة. ~~فهذه كلها محكية عن الشافعي. # والحجة على هذه الأقوال: هو أن الصلاة قد وجبت عليه فلا يجوز تفويتها ~~بالسفر. # المذهب الثالث: أنه إن كان السفر للجهاد جاز ذلك وإن كان لغير الجهاد لم ~~يجز، ms1531 وهذا شيء يحكى عن أحمد بن حنبل. # والحجة علىهذا: ما في حديث عبدالله بن رواحة فإنه لما كان في سفر الجهاد ~~أمره الرسول بالخروج. # والمختار في المسألة: تفصيل نشير إليه، لأني لم أقف على نص لأحد من أئمة ~~العترة فيها، وحاصله أنا نقول: من أراد السفر في يوم الجمعة نظرت في حاله، ~~فإن كان يخاف فوت السفر عليه لذهاب القافلة ولا يمكنه السير وحده لخوف ~~الطريق فإنه يجوز له السفر وترك الجمعة سواء كان قبل الزوال أو بعده لأن ~~عليه مشقة في التأخير للصلاة، والجمعة تسقط للأعذار. وإن كان لا يخاف فوت ~~السفر نظرت، فإن كان يسافر إلى بلدة تقام فيها الجمعة جاز سفره بعد الزوال، ~~وإن كان سفره إلى بلدة لا تقام فيها الجمعة لم يجز السفر بعد الزوال لأن ~~الصلاة قد وجبت عليه فلا يجوز له إسقاطها بالسفر كما لو دخل فيها وتلبس بها. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: يجوز السفر على الإطلاق كما حكي عن أبي حنيفة، لحديث عبدالله بن رواحة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه إنما أمره بعد أن صلى فلهذا أمره بالخروج لما قضى ~~الصلاة. # وأما ثانيا: فلو سلمنا أنه لم يصل فإنما أمره بالخروج قبل الزوال. # قالوا: حكي عن الشافعي أنه لا يجوز السفر بعد طلوع الفجر، وحكي عنه جواز ~~السفر قبل الزوال. # قلنا: إنه بعد طلوع الفجر ليس وقتا للصلاة فلهذا جاز السفر كما لو كان ~~سفره في الليل ولأنه إذا جاز السفر على القول الثاني قبل الزوال جاز بعد ~~طلوع الفجر أيضا. وأما القول الثالث فهو موافق لما اخترناه للمذهب. PageV04P033 # قالوا: إن كان السفر للجهاد جاز كما حكي عن أحمد بن حنبل. # قلنا: يجوز أن يكون الأمر في الجواز وعدمه على التفصيل الذي ذكرناه سواء ~~كان للجهاد أو لغيره. # الفرع الثالث عشر: في حكم البيع وقت النداء. # اعلم أن الاشتغال عن الصلاة في يوم الجمعة بعد سماع النداء منهي عنه لشيء ~~من الأمور المباحة سواء كان بيعا أو إجارة ms1532 أو أكلا أو شربا، والنص إنما وقع ~~في البيع وقسنا عليه سائر ما يشغل بجامع كونه مانعا من الصلاة بعد النداء ~~إليها كما قسنا على الغضب في قولهصلى الله عليه وسلم: ((لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان ~~)). سائر ما يدهش العقل بجامع كونه مانعا عن استيفاء الاجتهاد، من الجوع ~~والعطش وغيرهما من شواغل القلب، فإذا عرفت هذا فإذا وقع البيع في يوم ~~الجمعة نظرت فيه، فإن كان واقعا قبل الزوال لم يكره لأنه وقع البيع قبل وقت ~~الصلاة فلم يكره كما لو وقع من الليل وإن وقع البيع بعد الزوال وقبل النداء ~~ولم يظهر الإمام على المنبر كره البيع ولم يحرم. # وقال الضحاك(1)، # وربيعة، وأحمد بن حنبل: يحرم. # وحجتنا على ذلك: قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع}[الجمعة:9]. فتقرر أن النهي عن البيع يتعلق بحال ~~النداء. PageV04P034 # وإن ظهر الإمام الأعظم على المنبر وأذن المؤذن حرم البيع لظاهر الآية، فإذا ~~تقرر هذا فإن التحريم إنما يختص من كان من أهل فرض الجمعة فأما إذا تبايع ~~رجلان ليسا من أهل فرض الجمعة كالعبدين والمسافرين والمرأتين لم يحرم ~~عليهما البيع. # وحكي عن مالك أنه يحرم البيع. # وحجتنا على ذلك: هو أن الله تعالى أمر بالسعي إلى الجمعة ونهى عن البيع ~~لأجلها فلما كان السعي غير واجب على هؤلاء ثبت أن النهي عن البيع لا يتوجه ~~عليهم ولا يدخلون فيه. # وإن تبايع اثنان بعد النداء وبعد ظهور الإمام على المنبر، أحدهما من أهل ~~فرض الجمعة والآخر ليس من أهل فرضها فإنهما يأثمان جميعا لأن من كان من أهل ~~فرض الجمعة فقد تناولته الآية والآخر أعان على المعصية فكان عاصيا بذلك، ~~فلأجل هذا قلنا بأنهما آثمان. # وكل موضع نهي عن البيع فإنه إذا وقع فيه البيع فإنه يكون منعقدا. # وحكي عن أحمد بن حنبل ومالك وداود أنه لا يصح. # والحجة على هذا: هو أن النهي لم يتعلق بالبيع وإنما كان متعلقا بالصلاة، ~~فلما كان النهي راجعا إلى ms1533 الغير لا جرم كان البيع منعقدا، وكمن ذبح لله ~~بسكين مغصوبة فإن الذبيحة تحل لأن النهي راجع إلى غيرها، بخلاف من ذبح بعظم ~~أو ظفر فإنها لا تحل الذبيحة لما كان النهي راجعا إلى المذبوح نفسه ~~فافترقا. # وقد تم الكلام فيمن تجب عليه الجمعة ومن لا تجب والحمد لله وحده. PageV04P035 # --- ### ||| AUTO الفصل الثاني في بيان شروط الجمعة # أعلم أن الجمعة مختصة بشرائط قد دل الشرع على اعتبارها من بين سائر ~~الصلوات وأنها لا تكون جمعة ولا مجزية إلا بوجودها، وهي الإمام، والزمان، ~~والمكان، والعدد، والخطبتان، ونحن نذكر كل واحد من هذه الشروط بكلام يخصه: # القول في الإمام: اعلم أن لا خلاف في وجوب اعتبار إمام المحراب في صلاة ~~الجمعة لأن الإجتماع شرط في صحتها وذلك لا يكون إلا بإمام يجمع شملهم، ~~وإنما الخلاف في الإمام الأعظم هل هو شرط في صحتها وانعقادها أم لا كما ~~سنوضح القول فيه. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: الإمام الإعظم قائم بأمر الله تعالى وبأمور المسلمين، هل ~~يكون شرطا في إنعقادها وصحتها أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه شرط في صحة انعقادها ووجوبها، وهذا هو رأي أئمة العترة ~~القاسمية والناصرية، واختاره الأخوان السيدان المؤيد بالله وأبو طالب، وهو ~~قول أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة}[الجمعة:9]. ولا شك أن لفظ الصلاة مجمل يحتاج إلى بيان من معرفة ~~صفتها وشروطها وبيانها موكول إلى الرسولصلى الله عليه وسلم لأن الشرع مأخوذ منه، وقد تقرر ~~أنهصلى الله عليه وسلم لم تقم الجمعة إلا به أو بمن يقوم مقامه واليا من جهته. # الحجة الثانية: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أربعة إلى الولاة الجمعة ~~والحدود والفيء والصدقات.))(1). # أراد بالولاة من يلي أمر المسلمين في أمور الدين والدنيا وقسمة الغنائم ~~والفيء والصدقات. # الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنها عبادة لا يجوز أن ينفرد بها كل أحد في ~~إقامتها، فيجب أن يكون الإمام شرطا في إقامتها ms1534 كإقامة الحدود. PageV04P036 # المذهب الثاني: أن الإمام ليس شرطا في صحة الجمعة وانعقادها، وتجوز إقامتها ~~خلف من يكون إماما في الصلاة المكتوبة، وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أقام الجمعة ~~وعثمان محصور في داره وكان الخليفة في ذلك الوقت، وفي هذا دلالة على أن ~~الإمام ليس شرطا. # الحجة الثانية: قياسية، وهي أنها صلاة مفروضة فيجب أن لا يكون الإمام ~~شرطا في إنعقادها كالصلوات المكتوبة. # المذهب الثالث: أن الإمام مشترط في الجمعة لا تتم إلا به لكن عدالته غير ~~مشترطة فيجوز توليها من جهة الظلمة وسنفرد عليهم كلاما يخصه على أثر هذا ~~بمعونة الله. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من اشتراط الإمام في إقامة الجمعة ~~فإنها لا تنعقد من دونه. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله افترض عليكم ~~الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا فمن تركها استخفافا بحقها ~~وحجودا لها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره ~~ألا ولا صلاة له ولا حج له ولا صوم له ولا بر له إلا أن يتوب فإن تاب تاب ~~الله عليه)). # الحجة الثانية: هو أن المعلوم من حال الرسولصلى الله عليه وسلم أنه أقامها في أيامه وهكذا ~~حال الخلفاء من بعده، فإن كل واحد منهم أقامها في أيامه من غير توقف في ~~ذلك، وفي هذا دلالة على أنهم معتقدون لوجوب الإمام في إقامتها وأنه شرط. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه أقام الجمعة وعثمان محصور ~~وهو الخليفة، وفي هذا دلالة على أن الإمام ليس شرطا في وجوبها. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فإنما أقامها لأن عنده وعندنا أنه هو الإمام بعد الرسولصلى الله عليه وسلم وأن ~~إمامته ثابتة بالنص فلهذا أقامها لأن الولاية فيها وفي غيرها إليه فلهذا ~~أقامها على هذه النية. PageV04P037 # وأما ثانيا: ms1535 فلأن أمير المؤمنين لما رأى إخلال عثمان بإقامة الجمعة لم يسعه ~~عند الله تعالى أن يفوت فرضها على المسلمين فلهذا أقامها. كما روي أن ~~الوليد بن عقبة بن أبي معيط(1) # لما شرب الخمر وصلى بالناس سكران ولم يحده عثمان فأراد أمير المؤمنين أن ~~يحده فقال ولده الحسن: لا حاجة إلى حده يتولى حارها من تولى قارها، فإنه ~~يشير بذلك إلى أن عثمان أحق بحده لأنه هو الخليفة بزعمه. فقال أمير ~~المؤمنين: ما كان ليضيع حد من حدود الله وأنا على الدنيا فحده حد الشارب ~~والحسن يعد الجلدات حتى أتمها. # قالوا: إنها صلاة مفروضة فيجب أن لا يكون الإمام شرطا في إنعقادها ~~كالصلوات الخمس. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الأقيسة لا مجرى لها في العبادات لأن معانيها منسدة ونحن ~~وإن استعملناها فإنما هو على جهة المعارضة لا على جهة الإعتماد. # وأما ثانيا: فلأن الرسولصلى الله عليه وسلم نزلها منزلة الحدود بقوله: ((أربعة إلى ~~الولاة)). وعد من جملتها الجمعة، فدل ذلك على مفارقتها للصلوات المكتوبات ~~في إشتراط الإمام فيها. PageV04P038 # قالوا: الآية دالة على أن الإمام غير مشترط في صحة الجمعة لأنه تعالى قال: ~~{إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله}[الجمعة:9]. ولم يذكر ~~اشتراط الإمام. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا قد أوضحنا أن الآية مجملة وأن بيانها إلى الرسولصلى الله عليه وسلم، وقد ~~أوضحها في شروطها وأبان كيفيتها ومن جملة بيانه لها أن تولاها إماما بنفسه، ~~وقد ظهر ذلك في فعله وأما قوله فقد بينها بقوله: ((فمن تركها وله إمام عادل ~~أو جائر)). فقد حصل بما ذكرناه بيان هذه الصلاة بالقول والفعل من جهته. # وأما ثانيا: فلأن الخلفاء ومن بعدهم خلفا عن سلف معتمدون على وجوب اشتراط ~~الإمام في الجمعة وما ذاك إلا لأنهم فهموا ذلك من جهة الرسولصلى الله عليه وسلم في أقواله ~~وأفعاله فلهذا وجب الإعتماد على ذلك. # الفرع الثاني: إذا تقرر اعتبار كون الإمام شرطا في صحة صلاة الجمعة فهل ~~يعتبر كونه عدلا ms1536 أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجب اعتبار عدالته، وهذا هو رأي أئمة العترة. # والحجة على هذا: هو قوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم ~~النار}[هود:113]. # ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى نهى عن الركون إلى الظلمة وأهل ~~الجور والفساد، ومن صلى خلف ظالم أو جائر فقد ركن إليه في صحة صلاته وفي ~~كونه ضامنا للصلاة كما هو جار في حق أهل العدالة من الآئمة. # الحجة الثانية: قولهصلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمكم ذو جرأة في دينه)). ولا جرأة أعظم من ~~ظلم العباد وملابسة المحظورات وأكل الأموال الحرامية إلى غير ذلك من أنواع ~~الجور والفساد. # المذهب الثاني: جواز الصلاة في يوم الجمعة خلف الظلمة وأهل الفساد ~~والجور، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: قولهصلى الله عليه وسلم: ((فمن تركها وله إمام عادل أو جائر)). فظاهر ~~الخبر دال على جواز الصلاة خلف الجائر من الظلمة وأهل الفساد والجور كما ~~تجوز خلف العادل. PageV04P039 # والمختار: وجوب اشتراط العدالة في إمام الجمعة كما ذكره أئمة العترة. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن الإمام الأعظم هو الشرط في وجوبها وليس يكون إماما ~~للمسلمين إلا إذا كان مختصا بصفات حاصلا على شرائط، ومن جملتها: العدالة ~~لأنه إذا كان عدلا كان متوليا لمصالح الدين جامعا لشمل المسلمين واضعا ~~للحقوق في مواضعها غير مفرط في شيء من الأموال في غير وجهه، ذابا عن ~~الجوزة، وكل ذلك معتمده العدالة فإذا لم يكن عدلا بطلت هذه المصالح كلها ~~وبطل الغرض به ولم يكن صالحا للإمامة بحال. # الحجة الثانية: هو أن الشهادة لا خلاف في وجوب اعتبار العدالة فيها ولا ~~يحكم الحاكم إلا بشهادة عدلين في الحقوق والأموال، فإذا كانت العدالة ~~معتبرة في الدرهم الواحد وفي العشرة ويجب اعتبارها في الحقوق من الوكالة ~~والوصاة فكيف لا تعتبر في أجل الإشياء وأخطرها وأعظمها حقا عند الله تعالى ~~وهي الإمامة وهي تتعلق بمصالح الدين والدنيا وعليها يدور صلاح الخلق. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: ms1537 روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((وله إمام عادل أو جائر)). فلم يفصل بين ~~العادل والجائر في صحة الإمامة في صلاة الجمعة، وفي هذا دلالة على جواز ~~إمامة الظالم ومن كان جائرا خارجا عن التمسك بالدين. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الآية والخبر دالان على وجوب اعتبار العدالة وقد تعارضا ~~وإذا تعارضا وجب الترجيح، ولا شك أن الآيات لا يمكن أن تعارضها الأخبار بل ~~يجب الإعتماد على ما تدل عليه الآيات لأنها مقطوع بأصلها والأخبار مظنونة ~~فلهذا كان العمل عليها أرجح من العمل على الأخبار. # وأما ثانيا: فلأن المراد بقوله: ((عادل أو جائر)) في الباطن؛ لأن الظاهر ~~إذا كان هو العدالة فلا حاجة إلى العلم بالباطن فإن لا يطلع عليه إلا الله ~~تعالى ولسنا مكلفين بعلم الله تعالى، وإنما نكلف بعلمنا وظننا. PageV04P040 # الفرع الثالث: اعلم أنا قد أوضحنا فيما سبق انعقاد الإجماع من جهة أئمة ~~العترة على كون الإمام شرطا في إنعقاد الجمعة وصحتها واشتراط عدالته وقررنا ~~ذلك بأدلة شافية، والذي بقي علينا من ذلك هو البحث عن كون هذا الإجماع ~~مقطوعا أو مظنونا وهل يكون مانعا من الاجتهاد أم لا؟ وهل يفسق مخالفه أم ~~لا؟ فهذه أحكام ثلاثة لا بد من كشف الغطاء عنها وبها يظهر نور المسألة ~~ويبدو رونقها. # الحكم الأول: في طريق هذا الإجماع هل يكون معلوما أو مظنونا. # فاعلم أن طريق الإجماع على وجهين: # أحدهما: أن يكون متواترا نقله، ومتى كان على هذه الصفة كان موجبا للعلم ~~كما نقوله في مكة وبغداد فإن طريقنا إلى العلم ليس بالمشاهدة فإنا لم ~~نشاهدهما ولكن طريقها إلى العلم بهما إنما هو التواتر، وهكذا الحال في ~~العلم بالرسولصلى الله عليه وسلم وبالقرآن وأصول الشريعة فإنه لا طريق لنا إلى العلم إلا ~~التواتر. # وثانيهما: أن يكون منقولا بالآحاد ومتى كان على هذه الصفة فهو أمر ظني ~~يعمل به في الأمور الظنية والأحكام العملية ولا يعمل به فيما كان مقطوعا ~~به، فإذا عرفت هذا، فالإجماع المنقول على اشتراط ms1538 الإمام في الجمعة واشتراط ~~عدالته ليس منقولا بطريق التواتر ولا هو مقطوع به وإنما نقله بطريق الآحاد، ~~فلا جرم كان مثمرا للظن معمولا به في الأمور العملية ومن جملة الأمور ~~العملية اشتراط الإمام واشتراط عدالته في القيام بالجمعة، فأما كون إجماعهم ~~حجة فهو أصل من أصول الأدلة الشرعية وقد قررناه في الكتب الأصوليه ودفعنا ~~عنه الأسئلة الواردة عليه وهذه الأحكام الثلاثة كلها متفرعة عليه. # الحكم الثاني: هل يكون [الإجماع] مانعا من الاجتهاد أم لا؟ إذا وقع في ~~مسألة من مسائل الشريعة. PageV04P041 # فنقول: متى كان منقولا بالتواتر كان موجبا للعلم لا محالة وكان مانعا من ~~الاجتهاد كالنص فإنه مانع من الاجتهاد، وإنما منع لكونه مقطوعا بظاهره فأما ~~إذا كان نصا وليس مقطوعا بأصله فإنه لا يكون مانعا من الاجتهاد كما نقوله ~~في أخبار الآحاد، فإنه وإن كان بعضها نصا في المسألة فلا يكون هناك مانع من ~~مخالفته، ومتى كان منقولا بطريق الآحاد فإنه يكون مظنونا ومتى كان مظنونا ~~لم يكن مانعا من الاجتهاد كما نقوله في المسائل المأخوذة من جهة الأخبار ~~فإنها معترك للظنون في مسائل التحليل والتحريم، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه أن ~~هذا الإجماع في اشتراط الإمام في الجمعة لما كان مظنونا من جهة نقله بطريق ~~الآحاد لم يكن مانعا من الإجتهاد، فإن المسألة خلافية بيننا وبين الفقهاء، ~~ولو كان الإجماع مقطوعا بطريقة لم يكن لخلافهم وجه كما لو خالفوا نصا ~~مقطوعا به فلما خالفوا من غير نكير دل على أن طريق الإجماع مظنون، فحصل من ~~مجموع ما ذكرناه أن كل ما كان طريقه القطع بنص متواتر أو إجماع متواتر فإنه ~~يكون مانعا من الاجتهاد على خلافه. # الحكم الثالث: هل يفسق من خالف إجماع العترة أم لا؟ فنقول المخالف لإجماع ~~العترة لا يفسق سواء كان طريقه مظنونا أو مقطوعا، أما إذا كان مظنونا فلا ~~إشكال فإن الفسق لا يكون إلا بطريق معلوم، وأما إذا كان مقطوعا فلم يرد ~~الوعيد على مخالفته فلهذا لم يقطع بفسق من خالفه، ويخالف إجماع الأمة ms1539 وإن ~~اشتركا في كونهما قاطعين فيما تواترا فيهما لما ورد الوعيد على مخالفة ~~إجماع الأمة فلا جرم قضينا بفسق من خالف إجماع الأمة دون من خالف إجماع ~~العترة، لكن نقطع بخطأه لا غير لكونه قد خالف قاطعا، وقد نجز غرضنا من بيان ~~هذه الأحكام التي ذكرناها ونرجع إلى التفريع. PageV04P042 # الفرع الرابع: وإذا كان وجود الإمام شرطا في إنعقاد الجمعة وكان بعض ~~المسلمين في بعض الأقاليم والأمصار قد بلغب دعوته إليه ولا يمكنه الوصول ~~إليه، فهل يجوز له إقامة الجمعة من غير تولية له من جهة الإمام ولا إذن أم ~~لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز ذلك، وهذا هو الذي نصه الهادي في المنتخب، واختاره ~~السيد أبو طالب رضي الله عنه. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما رآه المسلمون حسنا فهو ~~عند الله حسن)). فإذا رأى هذا النائي عن الإمام مع بلوغ دعوته إليه ~~واستكمال الشرائط فيه أن يقيم له الجمعة من غير ولاية إذا كان هناك مانع من ~~الوصول إليه وأخذ الولاية منه، جاز له ذلك لأن اختيار المسلمين له وراضاهم ~~بإقامته للجمعة للإمام قائم مقام ولاية الإمام له. ويؤيد ما ذكرناه: ما روي ~~عن الرسولصلى الله عليه وسلم لما خرج إلى بني عمرو بن عوف يصلح بينهم قدم المسلمون أبا بكر ~~يصلي بهم ولم ينكره الرسولصلى الله عليه وسلم وصوبه. وفي غزوة مؤتة لما جهزهم وأمر عليهم ~~زيدا(1) وقال: ((إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبدالله بن رواحة)). فلما ~~قتلوا جميعا اختار المسلمون خالد بن الوليد(2) PageV04P043 فأمروه عليهم ولم ينكر الرسولصلى الله عليه وسلم ما فعلوه، وفي هذا دلالة على ما قلناه من ~~الجواز، فإن كان النائي يمكنه الوصول لم يجز له إقامة الجمعة إلا بإذنه ~~وتوليته. # المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو رأي المؤيد بالله وتأول ما قاله ~~الهادي في المنتخب على أن الإمام ولاه سرا. # والحجة على هذا: هو أن إقامة الجمعة عبادة من شرط صحتها الإمام فوجب ms1540 أن ~~يعتبر في صحة إقامتها إذن الإمام كالحدود فإنه لا يجوز إقامتها من غير ~~تولية الإمام وإذنه، وهكذا أخذ الزكاة وغير ذلك مما يكون أمره إلى الإمام ~~فلا يجوز فعله إلا برضاه وأذنه. # والمختار: ما قاله [الهادي] في المنتخب، وارتضاه السيد أبو طالب من جواز ~~ذلك إذا كان هناك مانع يمنع من الوصول لأخذ الولاية، وهو محكي عن أصحاب أبي ~~حنيفة، وحكي عن الكرخي: أنه لا تجوز الجمعة إلا بإذن الإمام وتوليته إلا أن ~~يكون هناك مانع يمنع من الوصول إليه جاز ذلك. وهذا يؤيد ما قاله أبو طالب ~~وذكره الهادي في المنتخب. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا وهو قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى}[المائدة:2]. ~~ومعلوم أن ما هذا حاله فهو من المعاونة على البر لأن ظهور جمعة الإمام ~~والدعاء إلى طاعته وإشتهار أمره في تلك الناحية وذلك الأقليم، فيه أعظم ~~المصالح لأن بظهور أمره يقوم الأمر بالمعروف وترتفع المنكرات ويضعف أمر ~~الظلم ويهيئ(1) # جانب الظلمة خوفا من سطوة الإمام وتوقعا لنكاله. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: إقامة الجمعة عبادة من شرط صحتها الإمام فلا بد من اعتبار إذنه ~~وولايته كالحدود وأخذ الأموال وأمور الجهاد. # قلنا: هذا مسلم إذا كان ممكنا لا يتعذر الوصول إلى الإمام ولكن إذا كان ~~الوصول متعذرا لم يجز بطلان هذه المصلحة التي ذكرناها بإظهار شعار الإمام ~~وتقوية أمره وإشتهار ولايته وبما يصلح في ذلك من المصالح الدينية ~~والدنيوية. PageV04P044 # قال الشافعي: ويستحب أن لا تقام الجمعة إلا بإذن الإمام لأن الجمعة لم تقم ~~في عهد رسول اللهصلى الله عليه وسلم إلا بإذنه، ولا أقيمت في أيام الخلفاء إلا بإذنهم ~~وولايتهم. وهو محكي عن مالك وأحمد بن حنبل وكثير من الفقهاء، وإنما قالوا ~~بااإستحباب لما كان الإمام غير شرط في صحة الجمعة عنده، وعن أبي حنيفة ~~والأوزاعي، وجوب ذلك. كما مر بيانه. # الفرع الخامس: وإذا كان الإمام محبوسا، فهل يجوز إقامة الجمعة للمسلمين ~~أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: المنع من ذلك، وهذا هو رأي أئمة ms1541 العترة. # والحجة على هذا: هو أن وجود الإمام من شرط صحة الجمعة كما مر بيانه، فإذا ~~كان محبوسا بطل تصرفه وبطل وجوبها على المسلمين لبطلان الإمام وتصرفه. # المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة، وحكي عن محمد بن ~~الحسن أنه قال: إذا مات الإمام جاز للمسلمين أن يقيموا من يصلي بهم الجمعة ~~لأن هذا موضع ضرورة. # والحجة على هذا: هو أن الجمعة فرض عين، فإذا حبس الإمام أو مات جاز ~~للمسلمين إقامتها لئلا يفوت عليهم هذا الفرض المتعين. # والمختار: ما قررناه أولا من اشتراط وجود الإمام في إيجاب الجمعة لما ~~قدمنا من الأدلة فإذا مات أو حبس فقد بطل شرط إقامتها. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: الموت والحبس من جملة الأمور النادرة ومواضع الضرورة، فلهذا قلنا ~~بجواز إقامتها من جهة المسلمين. # قلنا: إن كل ما كان شرطا في صحة أمر وثبوته وقامت الدلالة [عليه] فإنه لا ~~يجوز حصوله من دونه لأن صحته من دونه تؤذن بكونه شرطا تقف صحته على وجوده ~~وثبوته. # الفرع السادس: والإمام إذا اجتمع له صلاة جمعة والكسوف والإستسقاء ~~والجنازة فإنه يبدأ بصلاة الجمعة لأمرين: PageV04P045 # أما أولا: فلأنها من فروض الأعيان وما عداها إما واجب على الكفاية كصلاة ~~الجنازة، وإما سنة مؤكدة كصلاة الكسوف والإستسقاء، وإن اجتمع صلاة الجنازة ~~والكسوف والإستسقاء فإنه يبدأ بصلاة الجنازة لقولهصلى الله عليه وسلم: ((ثلاث لا ينبغي ~~التأني فيهن: الجنازة إذا حان وقتها، والصلاة إذا حضر وقتها، والأيم إذا ~~حضر كفؤها)) (1). # إلا أن يخشى فوات الكسوف بالإنجلاء فالبداية به، وإن حضر الكسوف ~~والإستسقاء فهما سواء إلا أن يخاف فوات الكسوف بالإنجلاء فهو أحق بالبداية. # ويستحب للإمام أن يأتي الجمعة راجلا لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((بشر ~~المشائين إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة))(2). # ولأن الثواب بالمشي أكثر أجرا وأعظم ثوابا من الركوب. # ويستحب أن يأتيها حافيا غير منتعل لما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين ~~كرم الله وجهه أنه كان يأتي الجمعة حافيا، ms1542 وهذا كله في الرواح في الجمعة ~~فأما بعد الفراغ منها فيفعل ما شاء من الركوب والإنتعال لأن الفضل إنما ~~يكون في القصد إليها لا في المراح بعد إنقضائها، ولا يجوز الإئتمام في صلاة ~~الجمعة بالصبي لأنه غير مكلف بالصلاة، ويجوز عند الشافعي في أحد قوليه، ~~ويجوز الإئتمام بالأعمى لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه كان يستخلف ابن أم مكتوم ~~يصلى بالناس في المدينة، ويجوز الإئتمام بالعبد في صلاة الجمعة لأنها صلاة ~~مفروضة فجاز الإئتمام به كصلاة الظهر، وحكي عن مالك أنه لا يجوز أن يكون ~~العبد إماما لأن إمامة الصلاة فيها علو ورفعة والرق في غاية النزول والركة ~~فلأجل هذا تناقض حكمهما. # والمختار: جواز ذلك لأنه مسلم نقي عاقل مكلف فجازت الصلاة به كالحر. PageV04P046 # الفرع السابع: والإمام إذا كان من أهل الظلم والجور والفسق، والخطيب إذا ~~كان متوليا من جهتهم ويخطب لهم ويدعو لهم على المنابر، فإذا كانوا على هذه ~~الصفة تعلق بهم حكمان: # الحكم الأول: أنه لا يجوز حضور جمعهم عند الأكابر من أئمة أهل البيت" ~~ويأثم الحاضرون لها، وقد حكي عنهم روايات في المنع من ذلك والتشديد على من ~~حضر والنكير، ونحن نذكرها ليتحقق الناظر ما خصهم الله به من الصلابة في ذات ~~الله والتشدد في أمر الدين والبعد عن أهل الجور والظلم. # الرواية الأولى: مأثورة عن زيد بن علي، ومحمد بن عبدالله النفس ~~الزكية(1): أن كل من حضر خطبهم فهو آثم. # الرواية الثانية: عن إبراهيم بن عبدالله(2) # أنه سئل عن الجمعة هل تجوز مع الإمام الجائر؟ فقال: إن علي بن الحسين، ~~وكان سيد أهل البيت كان لا يعتد بها معهم ويؤثم من حضرها. # الرواية الثالثة: محكية عن جعفر الصادق أنه سئل عن ذلك فقال السائل: أصلي ~~خلفه وأجعلها تطوعا؟ فقال: لو قبل التطوع قبلت الفريضة. # الرواية الرابعة: عن القاسم بن إبراهيم أنه قال: من صلى معهم فقد أثم. # الرواية الخامسة: عن الناصر أنه قال لشالوس(3) # وكان ممن يحضر جمع الظلمة وأهل الجور والفسق : إنكم تحضرون ms1543 الجمعة وهي ~~فرض من فرائض الله مع الظلمة فيأتي خطيبهم فيقول: اللهم أصلح عبدك وخليفتك ~~والقائم بأمرك وبالحق في عبادك، وهو في حال دعاءه خمير فاسق فيكذب مثل هذه ~~الكذبات في خطبته التي هي نصف الصلاة فما أحد منكم يشري نفسه من الله ~~فيكذبه في قوله وينكر عليه. فهذا كله تصريح بأنه لا يجوز لأحد من المسلمين ~~حضور هذه الجمعة إذا كان الخطيب يخطب للظلمة. # الرواية السادسة: عن المؤيد بالله قال: يكره الحضور معهم فهذه الروايات ~~كلها دالة على تأثيم الحاضرين. PageV04P047 # الرواية السابعة: عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: من سود علينا ~~فقد شرك في دمائنا. ومعنى كلامه هذا من كثر جماعة أعدائنا وزاد في سوادهم ~~علينا، فكلامه هذا دال على أنه لا يجوز حضور جمعهم. ويدل على البعد منهم ~~والمجانبة لهم، ومن كان له إلى الله أدنى وسيلة ووثاقة في الدين فإنه يعتمد ~~على ما رويناه، ومصداق هذه المقالة ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من دعا ~~لظالم بالبقاء فقد أعان على هدم الإسلام))(1). # وقولهصلى الله عليه وسلم: ((إذا مدح الفاسق أهتز العرش))(2). # وقولهصلى الله عليه وسلم: ((من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه))(3). # الحكم الثاني: أنهم إذا صلوا وجبت عليهم الإعادة لأن الإمام شرط في ~~إنعقاد الجمعة وصحتها، ولا شك أن إمامتهم باطلة فلهذا بطلت الجمعة ووجب ~~عليهم إعادة الظهر، فأما على قول من قال: بأن المعاصي تكون ناقضة للوضوء. ~~فإنه ينتقض وضوءه بكذبه وتعظيمه للظلمة وأهل الفسق، فلا جرم أوجبنا عليهم ~~إعادة ما صلوا وهم على هذه الحالة، وهل يجب القضاء بعد فوات الوقت؟ فيه ~~تردد والقوي أنه لا يجب عليهم القضاء بعد فوات الوقت لأنها من المسائل ~~الخلافية، كما حكي عن شيوخ المعتزلة والحنفية: أنه لا يجوز التأخر عن ~~الجمعة وإن كان الخطيب يخطب للآئمة والظلمة وأهل الفسق المتغلبين. # الفرع الثامن: والإمام إذا كان واقفا في بلدة أو محلة متقاربة الأطراف ~~فهل يجوز أن تقام الجمعة في ms1544 مسجد واحد أو في كل مسجد؟ # فالذي عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء: على أنه لا يجوز أن تقام الجمعة ~~فيها إلا في مسجد واحد. PageV04P048 # والحجة على هذا: قولهصلى الله عليه وسلم: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). والمعلوم من حالهم في ~~المدينة وحاله أنه ما صلى فيها إلا في مسجد واحد، وهي بلدة كبيرة ومصر من ~~الأمصار، فإذا كان هذا واقعا في المدينة مع سعتها ففي المحلة والقرية أحق وأولى. # وحكي عن عطاء وداود من أهل الظاهر: أنه يجوز إقامتها في كل مسجد كسائر ~~الصلوات المفروضة. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن من شرط الجمعة الجماعة، واجتماع الناس في القرية ~~والمحلة الصغيرة سهل فلهذا وجب اجتماعهم على صلاة واحدة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: إنها صلاة فجازت إقامتها في كل مسجد كالصلاة المكتوبة. # قلنا: إن المعنى في الأصل أن الإجتماع ليس شرطا في الصلوات المكتوبة ~~فلهذا جازت تأديتها في كل مسجد بخلاف الجمعة فإن من شرطها الجماعة فافترقا، ~~وإن كان مقام الإمام في مصر كبير متباعد الأطراف فهل يجوز أن تقام الجمعة ~~فيه في مسجد واحد أو أكثر من ذلك؟ فيه أقوال خمسة: # القول الأول: جواز ذلك وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب للمذهب. # والحجة على هذا: هو أن المصر إذا كان متباعد الأطراف مثل بغداد أو البصرة ~~فإن إجتماعهم في مكان واحد تلحقهم به المشقة والحرج في التزاحم والضيق ~~والله تعالى يقول: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}[الحج:78]. فلهذا جاز ~~فعلها في موضعين وثلاثة على قدر الحال في ذلك. # القول الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو المحكي عن الشافعي فإنه قال: ولا ~~يجمع في مصر وإن عظم وكثرت مساجده إلا في مسجد واحد. # وحجته على هذا: هو أن الرسولصلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده ما أقاموا الجمعة إلا في ~~موضع واحد وقد قالصلى الله عليه وسلم: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). # القول الثالث: محكي عن أبي يوسف، وهو أن البلدة إذا كان لها جانبان وفي ~~وسطها نهر عظيم ms1545 يجري مثل مدينة السلام يعني بغداد، وواسط جاز أن يصلي في ~~كل جانب منها جمعة. وهو محكي عن أبي الطيب من أصحاب الشافعي. PageV04P049 # القول الرابع: محكي عن محمد بن الحسن، أن القياس أنها لا تقام إلا في مسجد ~~واحد لكنه يجوز إقامتها في البلد في مسجدين استحسانا، ولا يجوز إقامتها في ~~ثلاثة مساجد. # القول الخامس: الذي يأتي على كلام أبي حنيفة إذ ليس له في المسألة نص ~~فحكي أن مذهبه مثل مذهب الشافعي، وقيل: إن مذهبه مثل قول محمد بن الحسن في ~~الإستحسان. # واعلم أن الإستحسان وآد من أودية القياس لكنه أخص من القياس وأدخل في ~~غلبات الظنون والقياس إقامتها في مسجد واحد لأن ذلك هو الواجب، والذي دلت ~~عليه أدلة الشرع والإستحسان إقامتها في مسجدين لأن الحاجة تدعوا إلى ذلك من ~~غير زيادة عليه فإذن لا حاجة إلى ثالث إذ لا دلالة لا من جهة القياس ولا من ~~جهة الإستحسان. # والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، وهو أن الأمر في ذلك على ما يراه ~~الإمام الأعظم أو من يقوم مقامه بأمره في الجمعة، فإن كان الإجتماع في مسجد ~~واحد ممكنا فلا حاجة إلى إقامتها في غيره لأن ذلك يؤدي إلى تفرق الكلمة ~~وتشتت الشمل، وإن كان غير ممكن أو كان في الإجتماع مشقة على المسلمين في ~~الإجتماع بالإزدحام والتضايق جاز إقامتها في مساجد لأجل الضرورة الداعية ~~إلى ذلك لأن العذر إذا كان ظاهرا فمداخل الإحن والبغضاء منسدة لا يظنها ظان ~~وإذا لم يكن العذر ظاهرا تطرقت إليهم الإحن وأنواع العداوة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: لم تقم الجمعة إلا في مسجد واحد في زمن الرسولصلى الله عليه وسلم، كما حكي عن ~~الشافعي المنع من ذلك. وعن أبي يوسف: الجواز إذا كان للبلدة جانبان كبغداد ~~أقيمت في مسجدين، والإستحسان إقامتها في مسجدين كما حكي عن محمد. فأما أبو ~~حنيفة: فرأيه في ذلك إما على ما قاله الشافعي، أو على ما قاله محمد. PageV04P050 # قلنا: الجواب عن هذه المذاهب بحرف واحد: ms1546 وهو تقرير الحال على ما تدعو إليه ~~المصلحة في ذلك، ولا وجه للمنع مع دعاء الضرورة إليه، ولأن الأمر إذا إنتهى ~~إلى مثل هذه الحالة فالأولى تحكيمها على ما يكون فيه مصلحة للمسلمين أو ~~للصلاة، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والحمدلله. # الفرع التاسع: في حكم الجمعتين إذا اجتمعتا، وإن أقيمت جمعتان في البلدة ~~الصغيرة التي لا يصح إقامتها فيها؟ نظرت فإن كان لإحداهما مزية على الأخرى ~~بأن كان في إحداهما الإمام الأعظم فإن كان مع الأولى فهي الصحيحة لأنها ~~الأولى ومعها الإمام الأعظم، وإن كان الإمام في الثانية فأيهما تكون أحق ~~بالصحة؟ فيه تردد. # والمختار: الثانية هي الصحيحة لأنها جمعة الإمام ولأنا لو حكمنا بصحة ~~الأولى لكان في ذلك إعراض عن الإمام وتهاون بجمعته، فلأجل هذا كان الحكم ~~بصحة الثانية هو الأحق والأولى، وإن لم يكن لإحداهما مزية على الأخرى بأن ~~أقيمتا بإذن الإمام فذلك يكون على خمسة أوجه: # الوجه الأول: أن تسبق إحداهما الأخرى، فالأولى السابقة هي الصحيحة، لأنها ~~أقيمت بشرائطها فمنعت صحة الثانية والثانية باطلة، وهل يعتبر السبق في ~~الأولى بالإحرام بالصلاة أو بالإبتداء بالخطبة؟ والأولى أن الإبتداء ~~بالخطبة يعتبر به السبق لأنهما قائمتان مقام الركعتين. # الوجه الثاني: إذا أحرموا بهما جميعا في حالة واحدة حكم ببطلانهما جميعا ~~لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى فتكون مرجحة، ولا وجه للجمع بينهما لأن ~~الفرض إنما هو واحدة، فإذا كان لا ترجيح بينهما وجب الحكم ببطلانهما جميعا. # الوجه الثالث: إذا لم يعلم هل سبقت إحداهما الأخرى أو كانتا في وقت واحد ~~فإنه يحكم ببطلانهما جميعا لما ذكرناه في الوجه الثاني إذ لا مزية لإحداهما ~~على الأخرى، ويجب عليهم أن يعيدوا الجمعة إذا كان الوقت واسعا لأن فرضها ~~لازم لهم فلا بد لهم من أدائه. PageV04P051 # الوجه الرابع: إذا علم أن إحداهما سابقى لكنه غير معلوم بعينه، ومثاله: أن ~~يسمع تكبير أحد الإمامين بالإحرام بالصلاة إذا قلنا: الإعتبار بالسبق ~~بالإحرام ثم كبر الثاني ولا يعلم الذي كبر أولا. # الوجه الخامس: إذا علم عين ms1547 السابقة من الصلاتين ثم نسيت، ومثاله: أن يعلم ~~عين المكبر أولا لكنه نسي فالحكم في هذين الوجهين أعني الرابع والخامس ~~واحد، وهو أن الجمعتين باطلتان، وإذا كان الأمر كما قلنا فالواجب على ~~المسلمين قضاء الجمعة لأنا إذا حكمنا ببطلانهما معا صار كأنه لم تقم في ~~المصر جمعة فلهذا وجب عليهم إقامتها لأنا نعلم أن إحداهما باطلة والأخرى ~~صحيحة، وإذا لم يعلم عين الصحيحة من الباطلة فالأصل بقاء الفرض في ذممهم ~~فلهذا توجه عليهم الإعادة. # الفرع العاشر: والإمام إذا مر بمصر من الأمصار فصلى فيه الجمعة بأهله، ~~فالذي يأتي على المذهب أن صلاة الإمام والمأمومين صحيحة مجزية، وهو محكي عن ~~أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أن الصفات المعتبرة في صحة الصلاة لهم جميعا حاصلة ~~فلأجل هذا قضينا بصحة الصلاة لهم جميعا، وحكي عن زفر: أنها غير مجزية ~~للإمام والمأمومين جميعا، وإنما لم تصح صلاة المؤتمين لأنهم مقيمون والإمام ~~مسافر، وقد قالصلى الله عليه وسلم: ((لا تختلفوا على إمامكم)). وإنما لم تصح صلاة الإمام ~~لأنها لما بطلت في حقهم بطل العدد الذي هو شرط في صحة الصلاة فلأجل هذا بطل ~~إجزاؤها في حق الإمام والمأمومين معا. # والمختار: هو الأول لما ذكرناه من كمال الشرائط في حقه وحقهم، وما ذكره ~~زفر فلا وجه له لأمرين: # أما أولا: فلأنه لا خلاف في صحة الصلاة للمقيم خلف المسافر. # وأما ثانيا: فلأن الفرض في حق الإمام والمأموم متفق وهو فرض الجمعة لأنها ~~ركعتان في حق المقيم والمسافر. PageV04P052 # الفرع الحادي عشر: وإن صلى الإمام ثم ذكر أنه كان جنبا بطلت صلاته لبطلان ~~طهارته وبطلت صلاة المؤتمين، ولا يقع هاهنا خلاف في بطلان صلاة المؤتمين ~~كما وقع الخلاف في صلاة الجماعة كما قررناه لأن الإمام هاهنا شرط في صحة ~~صلاة الجمعة بخلاف صلاة الجماعة، ولو صلى في صلاة الجمعة بجماعة ثم بان ~~أنهم محدثون فإن صلاتهم باطلة لبطلان طهارتهم فتلزمهم الإعادة، فأما صلاة ~~الإمام فهل يحكم بصحتها أم لا؟ فمن أصحاب الشافعي من حكم بصحة صلاة ms1548 الإمام ~~لأنه لم يكلف بالعلم بطهارة من خلفه من المؤتمين فلهذا حكمنا بصحة صلاته. # والمختار: بطلان صلاته لبطلان العدد لأنه شرط في صحة صلاة الجمعة ~~كالإمام، وبالله التوفيق. # القول في العدد: وهو شرط في صحة الجمعة، ولا خلاف أن الجمعة لا تنعقد إلا ~~بعدد لقوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا}[الجمعة:9]. وهذا ~~خطاب للمسلمين بخطاب الجمع. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: اختلف العلماء في أقل العدد الذي تنعقد به الجمعة على مذاهب ~~ثمانية: # المذهب الأول: أن أقل ما تنعقد به الجمعة أربعة: الإمام، وثلاثة مأمومين، ~~وهذا هو الذي ارتضاه السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب للمذهب، وهو ~~محكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن قوله تعالى: {فاسعوا} إنما هو خطاب للجمع وأقل ~~الجمع ثلاثة لأن ما دون الثلاثة فليس جمعا وما فوقها زائد على الجمع، فلهذا ~~قلنا: إن أقله يكون ثلاثة غير الإمام لأن الخطاب للمسلمين، والسعي إنما هو ~~إلى الإمام فلهذا كان مغايرا للساعين إليه. # المذهب الثاني: أن أقل ما تنعقد به: ثلاثة، إمام ومأمومان. وهذا هو الذي ~~اختاره أبو العباس، وحصله لمذهب الهادي، وهو محكي عن أبي يوسف وأبي ثور ~~والأوزاعي والثوري. PageV04P053 # والحجة على هذا: هو أن قوله: {فاسعوا} إنما هو خطاب للإمام مع المأمومين ~~ولا شك أنهم ثلاثة فيجب أن يكون الخطاب متوجها إليهم، ويمكن أن يقال: إن ~~الخطاب للمأمومين لكن أقل الجمع إثنان عند جماعة من أهل اللغة. # المذهب الثالث: أنها لا تنعقد إلا بأربعين رجلا ولا تنعقد بدون ذلك، وهذا ~~هو رأي الشافعي، ومحكي عن عمر بن عبدالعزيز وغيره، وهل يكون الإمام من جملة ~~الأربعين أو يكون زائدا؟ فيه وجهان: أجودهما: أنه يكون من جملة الأربعين. # والحجة على هذا: ما روى عبدالرحمن بن كعب بن مالك(1) # قال: كنت قائدا لأبي بعدما كف بصره فكان إذا سمع الجمعة ترحم على أسعد بن ~~زرارة، فقلت له: إنك تترحم عليه في نداء كل جمعة؟ فقال: نعم.. كان أول من ~~جمع بنا في بني ms1549 بياضه. قلت: كم كنتم؟ قال: أربعين رجلا. وروي عن جابر بن ~~عبدالله أنه قال: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة. # المذهب الرابع: أنها تنعقد بأثني عشر رجلا محكي عن ربيعة، وعن عكرمة: ~~أنها تنعقد بتسعة. وحكي عن الحسن البصري: أنها تنعقد بإمام ومأموم. وهو ~~محكي عن داود وعن الحسن بن صالح: أنها تنعقد بالإمام وحده. وعن مالك: أني ~~لا أجد في ذلك حدا وإنما يعتبر في ذلك عدد يمكنهم المقام في قرية ويتمكنون فيها. # والمختار: ما أرتضاه الأخوان وحصلاه للمذهب: من أنها تنعقد بثلاثة مع ~~الإمام. # وحجتهم: ما ذكرناه. PageV04P054 # ونزيد هاهنا: وهو أن الروايات في الأخبار متعارضة فروي عن أسعد بن زرارة ~~أنه جمع في أربعين، وروي عن مصعب بن عمير(1): أنه جمع في اثني عشر رجلا(2) PageV04P055 ، # وروي: أنهم انفضوا حين دخلت العير ولم يبق منهم إلا ثمانية رجال إلى غير ~~ذلك من الإختلافات، وإذا كانت الأخبار متعارضة وجب الرجوع إلى ما تدل عليه ~~الآية بقوله تعالى: {فاسعوا} ولا شك أن أقل الجمع ثلاثة مع الإمام فيجب ~~التعويل عليه، ولم أعثر في البخاري والترمذي على شيء يدل على العدد في ~~الجمعة. # ومن وجه آخر: وهو أن التعويل على ما تدل عليه الآية وترشد إليه أحق من ~~التعويل على هذه الأخبار المتعارضة، فإن الآية مقطوع بأصلها وظواهرها ~~مظنونة فلهذا كان التعويل على ما تدل عليه أحق بالقبول لما ذكرناه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: قوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله}[الجمعة:9]. وهذا جمع، وأقل ~~الجمع إثنان مع الإمام كما حكي عن أبي العباس. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن أقل الجمع إثنان، ويدل على ذلك أن للتثنية ~~صبغة في الأسماء الظاهرة فيقال: رجلان وفرسان وللجمع صبغة فيقال: رجال ~~وأفراس، وفي الأسماء المضمرة فيقال في التثنية: هما وضربا. ويقال في الجمع: ~~هم وضربوا. وفي هذا دلالة على أن التثنية ليست جمعا. # وأما ثانيا: فلأن التثنية إذا كانت جمعا فيجب أن يكون واحد مع الإمام ~~كافيا ms1550 في إنعقاد الجمعة لأنهما إثنان. # قالوا: لا تنعقد الجمعة إلا بأربعين كما حكي عن الشافعي اعتمادا على ما ~~حكي عن أسعد بن زرارة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا مذهب لأسعد بن زرارة لأنه لم ينقله عن الرسولصلى الله عليه وسلم فليس ~~الحجة إلا في كلام الله وكلام رسولهصلى الله عليه وسلم، فأما مذاهب المجتهدين فلا تلزمنا. # وأما ثانيا: فإنه قد روي أن مصعب بن عمير أقام الجمعة في اثني عشر رجلا، ~~فما ذكروه معارض لهذا العدد فليس أحدهما أحق بالقبول من الآخر. PageV04P056 # قالوا: روي: أنها لا تنعقد إلا بأثني عشر رجلا. كما روي عن ربيعة، وعن ~~عكرمة: بتسعة رجال، وعن الحسن البصري: أنها تنعقد بالإمام مع واحد. وعن ~~الحسن بن صالح: أنها تنعقد بالإمام وحده. وعن مالك: أنه لا يجد في ذلك حدا ~~بعدد مخصوص، وإنما الإعتبار بعدد يمكنهم المقام في قرية. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذه مذاهب مختلفة وآراء مضطربة لا تستند إلى دليل شرعي، ~~ولا تتأيد بمسلك نقلي. # وأما ثانيا: فلأن هذه المقدرات أمور غيبية وعبادات شرعية لا يمكن إثباتها ~~بطرق القياس، ولا بمسالك النظر، وإنما مستندها من جهة صاحب الشريعة صلوات ~~الله عليه من قوله وفعله، ولا يمكن فيها تحكيم الآراء ولا تجري فيها ~~الأقيسة باستنباط المعاني لإنسدادها فيها ولا يمكن تقريرها بطرق الأشباه ~~لتعذرها فيها وبعدها عنها، وإنما التعويل في إثباتها على ما ذكرناه من ~~ظواهر القرآن والسنة، والأقوى فيها ما ذكرناه فيجب الإعتماد عليه. # الفرع الثاني: في صفة العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، وفيه مذهبان: # المذهب الأول: أنهم ضربان: # الضرب الأول: تنعقد بهم الجمعة ويجب فعلها وهؤلاء هم الرجال البالغون ~~الأحرار المسلمون، فمن جمع هذه الأوصاف فإنها تجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم ~~إذا حضروا، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، ~~والشافعي. # الضرب الثاني: الذين لا تجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم إذا حضروا وهؤلاء هم ~~العبيد والمرضى والمسافرون والصبيان والنساء فإن هؤلاء لا تجب عليهم ~~الجمعة، ms1551 وإذا حضروا انعقدت بهم الجمعة. # قيل للسيد أبي طالب رضي الله عنه: هل يجب أن يكون العدد [من] الذين ~~يعتبرون في الجمعة أحرارا بالغين عقلاء؟ فقال: يجب أن يكونوا مكلفين. # قيل: فهل يعتبر أن يكونوا رجالا أحرارا؟ فقال: بل لو كانوا نساء وعبيدا ~~وجب أن تصح وتنعقد بهم الجمعة لأن عندنا أن هؤلاء إن حضروا أجزتهم الجمعة. PageV04P057 # المذهب الثاني: أن العدد بالإضافة إلى انعقاد الجمعة وعدم انعقادها على ~~ضروب أربعة: # الضرب الأول: تنعقد بهم الجمعة وتجب عليهم، وهؤلاء إذا كانوا رجالا ~~بالغين عاقلين مسلمين أحرارا، وكانت عدتهم أربعين رجلا مقيمين لا يظعنون ~~شتاء ولا صيفا إلا لحاجة. # الضرب الثاني: الذين لا تجب عليهم الجمعة ولا تنعقد بهم وهؤلاء هم ~~المسافرون والنساء والصبيان والخناثا والعبيد، فهؤلاء لو اجتمع من صنف واحد ~~منهم أربعون رجلا أو من كل صنف منهم أربعون رجلا لم تنعقد بهم الجمعة. # الضرب الثالث: الذي لا تجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم إذا حضروا وهؤلاء هم ~~المرضى ومن في طريقه مطر ومن يخاف من حضور الجامع فإن حضر هؤلاء انعقدت بهم ~~الجمعة وتوجه عليهم وجوبها. # الضرب الرابع: تجب عليهم الجمعة وفي انعقادها بهم وجهان، وهؤلاء هم ~~المقيمون في المصر لدرس العلم والفقه، ولطلب التجارة والأرباح، فقيل: تنعقد ~~بهم الجمعة لأن كل من وجبت عليه انعقدت به. وقيل: إنها لا تنعقد بهم لأن ~~الرسولصلى الله عليه وسلم لم يقمها بعرفات بأهل مكة، وإن كانت دار إقامتهم لأنها ليست وطنا ~~لهم. وهذا هو رأي الشافعي، فهذا تقسيم العدد المعتبر في من تنعقد الجمعة ~~وصفاتهم وقد مضى الخلاف فيما يجزي من هذه الصفات، وما يجب اعتباره وما لا ~~يجب فأغنى عن تكريره. # الفرع الثالث عشر: إذا كان العدد لا بد من اعتباره، فهل يكون شرطا في ~~إبتداء الخطبة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن العدد شرط في إبتداء الخطبة، وهذا هو الذي يأتي على رأي ~~الهادي، وهو محكي عن الشافعي، لأن الخطبتين عنده بمنزلة الركعتين. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {إذا ms1552 نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله}[الجمعة:9]. والذكر هاهنا هو الخطبة. # المذهب الثاني: أن العدد ليس شرطا في إبتداء الخطبة، وهذا هو الذي يأتي ~~على رأي المؤيد بالله، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة. PageV04P058 # والحجة على هذا: هو أن المقصود هو الصلاة والخطبتان ذكر يتقدم الصلاة فلم ~~يكن العدد شرطا في إبتداء الذكر كصلاة الجماعة، وعلى هذا لو خطب وحده وحضر ~~العدد وصلى بهم الجمعة جاز ذلك وانعقدت الجمعة. # والمختار: ما ذكره الهادي، وارتضاه الشافعي من أن العدد شرط في إبتداء ~~الخطبة. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن المقصود بالخطبتين إنما هو الوعظ والتذكير وتعريف ~~الحاضرين فضل الجمعة، وهذا لا يمكن ولا يتأتى إلا بسماعهم وحضورهم، فإذا ~~كانوا غير حاضرين عند ابتداء الخطبة بطل الغرض بهم. # الانتصار: يكون بالجواب عما اعتمدوه. # قالوا: ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن العدد شرطا في الإبتداء كصلاة الجماعة. # قلنا: المعنى في الأصل هو أن الجماعة ليست شرطا في صحة انعقاد الجماعة ~~بخلاف ما نحن فيه فإن الجماعة شرط في انعقاد الجمعة فافترقا، ولأنه ذكر ~~يتقدم الصلاة شرط فيها فكان من شرطه حضور الجماعة، دليله: تكبيرة الإفتتاح ~~في الجمعة، فإذا تقرر هذا فإنما يشترط حضور العدد عند الواجبات من الذكر في ~~الخطبة على ما يأتي في تقريره دون ما سواها فلا عبرة به، فإن انفضوا بعد ~~فراغه من الواجبات، فإن عادوا قبل تطاول الفصل بنى الإمام على الخطبة وأحرم ~~بهم للجمعة وصحت الجمعة، وإن رجعوا بعد تطاول الفصل وحد التطاول ما يكون في ~~تعارف الناس تطاولا، وجب على الإمام أن يعيد الخطبة ثم يصلي بهم الجمعة، ~~وكمال العدد شرط في ابتداء الصلاة، وشرط في إستدامتها كالوقت والمكان، فإن ~~نفر الناس قبل شروعه في الخطبة نظرت فإن عادوا في وقت الجمعة فهي جمعة، وإن ~~لم يعودوا إليها أتمها ظهرا، وإن كان نفورهم بعد شروعه في الصلاة فسيأتي ~~تقرير الكلام في حكم الصلاة إذا اختل أحد شروطها المعتبرة فيها. PageV04P059 # --- ### ||| AUTO القول في الإمام # اعلم أنه ms1553 لا خلاف في وجوب اعتبار إمام المحراب في صلاة الجمعة لأن ~~الإجتماع شرط في صحتها وذلك لا يكون إلا بإمام يجمع شملهم، وإنما الخلاف في ~~الإمام الأعظم هل هو شرط في صحتها وانعقادها أم لا كما سنوضح القول فيه. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: الإمام الإعظم قائم بأمر الله تعالى وبأمور المسلمين، هل ~~يكون شرطا في إنعقادها وصحتها أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه شرط في صحة انعقادها ووجوبها، وهذا هو رأي أئمة العترة ~~القاسمية والناصرية، واختاره الأخوان السيدان المؤيد بالله وأبو طالب، وهو ~~قول أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا} [الجمعة:9]. ولا شك أن لفظ الصلاة مجمل يحتاج إلى بيان من ~~معرفة صفتها وشروطها، وبيانها موكول إلى الرسولصلى الله عليه وسلم لأن الشرع مأخوذ منه، وقد ~~تقرر أنهصلى الله عليه وسلم لم تقم الجمعة إلا به أو بمن يقوم مقامه واليا من جهته. # الحجة الثانية: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أربعة إلى الولاة الجمعة ~~والحدود والفيء والصدقات))(1). # أراد بالولاة: من يلي أمر المسلمين في أمور الدين والدنيا وقسمة الغنائم ~~والفيء والصدقات. # الحجة الثالثة: قياسية، وهو أنها عبادة لا يجوز أن ينفرد بها كل أحد في ~~إقامتها، فيجب أن يكون الإمام شرطا في إقامتها كإقامة الحدود. # المذهب الثاني: أن الإمام ليس شرطا في صحة الجمعة وانعقادها، وتجوز ~~إقامتها خلف من يكون إماما في الصلاة المكتوبة، وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أقام الجمعة ~~وعثمان محصور في داره وكان الخليفة في ذلك الوقت، وفي هذا دلالة على أن ~~الإمام ليس شرطا. PageV04P060 # الحجة الثانية: قياسية، وهي أنها صلاة مفروضة فيجب أن لا يكون الإمام شرطا ~~في إنعقادها كالصلوات المكتوبة. # المذهب الثالث: أن الإمام مشترط في الجمعة لا تتم إلا به لكن عدالته غير ~~مشترطة فيجوز توليها من جهة الظلمة وسنفرد عليهم كلاما يخصه على ms1554 إثر هذا ~~بمعونة الله. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من اشتراط الإمام في إقامة الجمعة ~~فإنها لا تنعقد من دونه. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله افترض عليكم ~~الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا فمن تركها استخفافا بحقها ~~وحجودا لها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره ~~ألا ولا صلاة له ولا حج له ولا صوم له ولا بر له إلا أن يتوب فإن تاب تاب ~~الله عليه)). # الحجة الثانية: هو أن المعلوم من حال الرسولصلى الله عليه وسلم أنه أقامها في أيامه وهكذا ~~حال الخلفاء من بعده، فإن كل واحد منهم أقامها في أيامه من غير توقف في ~~ذلك، وفي هذا دلالة على أنهم معتقدون لوجوب الإمام في إقامتها وأنه شرط. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه أقام الجمعة وعثمان محصور ~~وهو الخليفة، وفي هذا دلالة على أن الإمام ليس شرطا في وجوبها. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فإنما أقامها لأن عنده وعندنا أنه هو الإمام بعد الرسولصلى الله عليه وسلم وأن ~~إمامته ثابتة بالنص فلهذا أقامها لأن الولاية فيها وفي غيرها إليه فلهذا ~~أقامها على هذه النية. PageV04P061 # وأما ثانيا: فلأن أمير المؤمنين لما رأى إخلال عثمان بإقامة الجمعة لم يسعه ~~عند الله تعالى أن يفوت فرضها على المسلمين فلهذا أقامها. كما روي أن ~~الوليد بن عقبة بن أبي معيط(1) # لما شرب الخمر وصلى بالناس سكران ولم يحده عثمان فأراد أمير المؤمنين أن ~~يحده فقال ولده الحسن: لا حاجة إلى حده يتولى حارها من تولى قارها، يشير ~~بذلك إلى أن عثمان أحق بحده لأنه هو الخليفة بزعمه. فقال أمير المؤمنين: ما ~~كان ليضيع حد من حدود الله وأنا على الدنيا فحده حد الشارب والحسن يعد ~~الجلدات حتى أتمها. # قالوا: إنها صلاة مفروضة فيجب أن لا يكون الإمام ms1555 شرطا في إنعقادها ~~كالصلوات الخمس. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الأقيسة لا مجرى لها في العبادات لأن معانيها منسدة، ونحن ~~وإن استعملناها فإنما هو على جهة المعارضة لا على جهة الإعتماد. PageV04P062 # وأما ثانيا: فلأن الرسولصلى الله عليه وسلم نزلها منزلة الحدود بقوله: ((أربعة إلى الولاة)). ~~وعد من جملتها الجمعة، فدل ذلك على مفارقتها للصلوات المكتوبات في إشتراط ~~الإمام فيها. # قالوا: الآية دالة على أن الإمام غير مشترط في صحة الجمعة لأنه تعالى ~~قال: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله}[الجمعة:9]. ولم ~~يذكر اشتراط الإمام. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا قد أوضحنا أن الآية مجملة وأن بيانها إلى الرسولصلى الله عليه وسلم، وقد ~~أوضحها في شروطها وأبان كيفيتها ومن جملة بيانه لها أن تولاها إماما بنفسه، ~~وقد ظهر ذلك في فعله، وأما قوله فقد بينها بقوله: ((فمن تركها وله إمام ~~عادل أو جائر)). فقد حصل بما ذكرناه بيان هذه الصلاة بالقول والفعل من جهته. # وأما ثانيا: فلأن الخلفاء ومن بعدهم خلفا عن سلف معتمدون على وجوب اشتراط ~~الإمام في الجمعة، وما ذاك إلا لأنهم فهموا ذلك من جهة الرسولصلى الله عليه وسلم في أقواله ~~وأفعاله فلهذا وجب الإعتماد على ذلك. # الفرع الثاني: إذا تقرر اعتبار كون الإمام شرطا في صحة صلاة الجمعة، فهل ~~يعتبر كونه عدلا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجب اعتبار عدالته، وهذا هو رأي أئمة العترة. # والحجة على هذا: هو قوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم ~~النار}[هود:113]. # ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى نهى عن الركون إلى الظلمة وأهل ~~الجور والفساد، ومن صلى خلف ظالم أو جائر فقد ركن إليه في صحة صلاته وفي ~~كونه ضامنا للصلاة كما هو جار في حق أهل العدالة من الآئمة. # الحجة الثانية: قولهصلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمكم ذو جرأة في دينه)). ولا جرأة أعظم من ~~ظلم العباد وملابسة المحظورات وأكل الأموال الحرامية إلى غير ذلك من أنواع ~~الجور ms1556 والفساد. # المذهب الثاني: جواز الصلاة في يوم الجمعة خلف الظلمة وأهل الفساد ~~والجور، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة. PageV04P063 # والحجة على هذا: قولهصلى الله عليه وسلم: ((فمن تركها وله إمام عادل أو جائر)). فظاهر الخبر ~~دال على جواز الصلاة خلف الجائر من الظلمة وأهل الفساد والجور كما تجوز خلف ~~العادل. # والمختار: وجوب اشتراط العدالة في إمام الجمعة كما ذكره أئمة العترة. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن الإمام الأعظم هو الشرط في وجوبها وليس يكون إماما ~~للمسلمين إلا إذا كان مختصا بصفات حاصلا على شرائط، ومن جملتها: العدالة. ~~لأنه إذا كان عدلا كان متوليا لمصالح الدين جامعا لشمل المسلمين واضعا ~~للحقوق في مواضعها غير مفرط في شيء من الأموال في غير وجهه، ذابا عن ~~الجوزة، وكل ذلك معتمده العدالة فإذا لم يكن عدلا بطلت هذه المصالح كلها ~~وبطل الغرض به ولم يكن صالحا للإمامة بحال. # الحجة الثانية: هو أن الشهادة لا خلاف في وجوب اعتبار العدالة فيها ولا ~~يحكم الحاكم إلا بشهادة عدلين في الحقوق والأموال، فإذا كانت العدالة ~~معتبرة في الدرهم الواحد وفي العشرة ويجب اعتبارها في الحقوق من الوكالة ~~والوصاة فكيف لا تعتبر في أجل الإشياء وأخطرها وأعظمها حقا عند الله تعالى ~~وهي الإمامة وهي تتعلق بمصالح الدين والدنيا وعليها يدور صلاح الخلق. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((وله إمام عادل أو جائر)). فلم يفصل بين ~~العادل والجائر في صحة الإمامة في صلاة الجمعة، وفي هذا دلالة على جواز ~~إمامة الظالم ومن كان جائرا خارجا عن التمسك بالدين. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الآية والخبر دالان على وجوب اعتبار العدالة وقد تعارضا ~~وإذا تعارضا وجب الترجيح، ولا شك أن الآيات لا يمكن أن تعارضها الأخبار بل ~~يجب الإعتماد على ما تدل عليه الآيات لأنها مقطوع بأصلها والأخبار مظنونة ~~فلهذا كان العمل عليها أرجح من العمل على الأخبار. PageV04P064 # وأما ثانيا: فلأن المراد بقوله: ((عادل أو جائر)) في ms1557 الباطن؛ لأن الظاهر ~~إذا كان هو العدالة فلا حاجة إلى العلم بالباطن فإنه لا يطلع عليه إلا الله ~~تعالى ولسنا مكلفين بعلم الله تعالى، وإنما نكلف بعلمنا وظننا. # الفرع الثالث: اعلم أنا قد أوضحنا فيما سبق انعقاد الإجماع من جهة أئمة ~~العترة على كون الإمام شرطا في إنعقاد الجمعة وصحتها، واشتراط عدالته ~~وقررنا ذلك بأدلة شافية. والذي بقي علينا من ذلك هو البحث عن كون هذا ~~الإجماع مقطوعا أو مظنونا؟ وهل يكون مانعا من الاجتهاد أم لا؟ وهل يفسق ~~مخالفه أم لا؟ فهذه أحكام ثلاثة لا بد من كشف الغطاء عنها وبها يظهر نور ~~المسألة ويبدو رونقها. # الحكم الأول: في طريق هذا الإجماع هل يكون معلوما أو مظنونا. # فاعلم أن طريق الإجماع على وجهين: # أحدهما: أن يكون متواترا نقله، ومتى كان على هذه الصفة كان موجبا للعلم. ~~كما نقوله في مكة وبغداد، فإن طريقنا إلى العلم ليس بالمشاهدة فإنا لم ~~نشاهدهما، ولكن طريقنا إلى العلم بهما إنما هو التواتر، وهكذا الحال في ~~العلم بالرسولصلى الله عليه وسلم وبالقرآن وأصول الشريعة فإنه لا طريق لنا إلى العلم إلا ~~التواتر. # وثانيهما: أن يكون منقولا بالآحاد ومتى كان على هذه الصفة فهو أمر ظني ~~يعمل به في الأمور الظنية والأحكام العملية ولا يعمل به فيما كان مقطوعا به. # فإذا عرفت هذا، فالإجماع المنقول على اشتراط الإمام في الجمعة واشتراط ~~عدالته ليس منقولا بطريق التواتر ولا هو مقطوع به وإنما نقله بطريق الآحاد، ~~فلا جرم كان مثمرا للظن معمولا به في الأمور العملية ومن جملة الأمور ~~العملية اشتراط الإمام واشتراط عدالته في القيام بالجمعة. # فأما كون إجماعهم حجة فهو أصل من أصول الأدلة الشرعية وقد قررناه في ~~الكتب الأصوليه ودفعنا عنه الأسئلة الواردة عليه، وهذه الأحكام الثلاثة ~~كلها متفرعة عليه. PageV04P065 # الحكم الثاني: هل يكون [الإجماع] مانعا من الاجتهاد أم لا؟ إذا وقع في ~~مسألة من مسائل الشريعة. # فنقول: متى كان منقولا بالتواتر كان موجبا للعلم لا محالة وكان مانعا من ~~الاجتهاد كالنص فإنه مانع ms1558 من الاجتهاد، وإنما منع لكونه مقطوعا بظاهره. ~~فأما إذا كان نصا وليس مقطوعا بأصله فإنه لا يكون مانعا من الاجتهاد كما ~~نقوله في أخبار الآحاد، فإنه وإن كان بعضها نصا في المسألة فلا يكون هناك ~~مانع من مخالفته، ومتى كان منقولا بطريق الآحاد فإنه يكون مظنونا ومتى كان ~~مظنونا لم يكن مانعا من الاجتهاد كما نقوله في المسائل المأخوذة من جهة ~~الأخبار فإنها معترك للظنون في مسائل التحليل والتحريم. # ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: أن هذا الإجماع في اشتراط الإمام في الجمعة لما ~~كان مظنونا من جهة نقله بطريق الآحاد لم يكن مانعا من الاجتهاد، فإن ~~المسألة خلافية بيننا وبين الفقهاء، ولو كان الإجماع مقطوعا بطريقه لم يكن ~~لخلافهم وجه كما لو خالفوا نصا مقطوعا به. فلما خالفوا من غير نكير دل على ~~أن طريق الإجماع مظنون. فحصل من مجموع ما ذكرناه أن كل ما كان طريقه القطع ~~بنص متواتر أو إجماع متواتر فإنه يكون مانعا من الاجتهاد على خلافه. # الحكم الثالث: هل يفسق من خالف إجماع العترة أم لا؟ # فنقول: المخالف لإجماع العترة لا يفسق سواء كان طريقه مظنونا أو مقطوعا، ~~أما إذا كان مظنونا فلا إشكال فإن الفسق لا يكون إلا بطريق معلوم، وأما إذا ~~كان مقطوعا فلم يرد الوعيد على مخالفته فلهذا لم نقطع بفسق من خالفه. # ويخالف إجماع الأمة، وإن اشتركا في كونهما قاطعين فيما تواترا فيهما، لما ~~ورد الوعيد على مخالفة إجماع الأمة فلا جرم قضينا بفسق من خالف إجماع الأمة ~~دون من خالف إجماع العترة، لكن نقطع بخطئه لا غير لكونه قد خالف قاطعا. # وقد نجز غرضنا من بيان هذه الأحكام التي ذكرناها ونرجع إلى التفريع. PageV04P066 # الفرع الرابع: وإذا كان وجود الإمام شرطا في انعقاد الجمعة وكان بعض ~~المسلمين في بعض الأقاليم والأمصار قد بلغت دعوته إليه ولا يمكنه الوصول ~~إليه، فهل يجوز له إقامة الجمعة من غير تولية له من جهة الإمام ولا إذن أم ~~لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز ذلك، وهذا هو ms1559 الذي نصه الهادي في المنتخب، واختاره ~~السيد أبو طالب رضي الله عنه. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما رآه المسلمون حسنا فهو ~~عند الله حسن)). فإذا رأى هذا النائي عن الإمام، مع بلوغ دعوته إليه ~~واستكمال الشرائط فيه، أن يقيم له الجمعة من غير ولاية إذا كان هناك مانع ~~من الوصول إليه وأخذ الولاية منه، جاز له ذلك. لأن اختيار المسلمين له ~~ورضاهم بإقامته للجمعة للإمام، قائم مقام ولاية الإمام له. ويؤيد ما ~~ذكرناه: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم لما خرج إلى بني عمرو بن عوف يصلح بينهم قدم ~~المسلمون أبا بكر يصلي بهم ولم ينكره الرسولصلى الله عليه وسلم وصوبه. وفي غزوة مؤتة لما ~~جهزهم وأمر عليهم زيدا(1) PageV04P067 وقال: ((إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبدالله بن رواحة)). فلما قتلوا ~~جميعا اختار المسلمون خالد بن الوليد(1) # فأمروه عليهم ولم ينكر الرسولصلى الله عليه وسلم ما فعلوه، وفي هذا دلالة على ما قلناه من ~~الجواز، فإن كان النائي يمكنه الوصول لم يجز له إقامة الجمعة إلا بإذنه ~~وتوليته. # المذهب الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو رأي المؤيد بالله وتأول ما قاله ~~الهادي في المنتخب على أن الإمام ولاه سرا. # والحجة على هذا: هو أن إقامة الجمعة عبادة من شرط صحتها الإمام، فوجب أن ~~يعتبر في صحة إقامتها إذن الإمام كالحدود فإنه لا يجوز إقامتها من غير ~~تولية الإمام وإذنه، وهكذا أخذ الزكاة وغير ذلك مما يكون أمره إلى الإمام ~~فلا يجوز فعله إلا برضاه وأذنه. # والمختار: ما قاله [الهادي] في المنتخب، وارتضاه السيد أبو طالب، من جواز ~~ذلك إذا كان هناك مانع يمنع من الوصول لأخذ الولاية، وهو محكي عن أصحاب أبي ~~حنيفة، وحكي عن الكرخي: أنه لا تجوز الجمعة إلا بإذن الإمام وتوليته إلا أن ~~يكون هناك مانع يمنع من الوصول إليه جاز ذلك. وهذا يؤيد ما قاله أبو طالب ~~وذكره الهادي في المنتخب. # وحجتهم: ما ذكرناه. PageV04P068 # ونزيد هاهنا ms1560 وهو قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى}[المائدة:2]. ~~ومعلوم أن ما هذا حاله فهو من المعاونة على البر لأن ظهور جمعة الإمام ~~والدعاء إلى طاعته وإشتهار أمره في تلك الناحية وذلك الأقليم، فيه أعظم ~~المصالح لأن بظهور أمره يقوم الأمر بالمعروف وترتفع المنكرات ويضعف أمر ~~الظلم ويخفى جانب الظلمة خوفا من سطوة الإمام وتوقعا لنكاله. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: إقامة الجمعة عبادة من شرط صحتها الإمام فلا بد من اعتبار إذنه ~~وولايته كالحدود وأخذ الأموال وأمور الجهاد. # قلنا: هذا مسلم إذا كان ممكنا لا يتعذر الوصول إلى الإمام ولكن إذا كان ~~الوصول متعذرا لم يجز بطلان هذه المصلحة التي ذكرناها بإظهار شعار الإمام ~~وتقوية أمره وإشتهار ولايته وبما يصلح في ذلك من المصالح الدينية ~~والدنيوية. # قال الشافعي: ويستحب أن لا تقام الجمعة إلا بإذن الإمام لأن الجمعة لم ~~تقم في عهد رسول اللهصلى الله عليه وسلم إلا بإذنه، ولا أقيمت في أيام الخلفاء إلا بإذنهم ~~وولايتهم. وهو محكي عن مالك وأحمد بن حنبل وكثير من الفقهاء، وإنما قالوا ~~بالاستحباب لما كان الإمام غير شرط في صحة الجمعة عنده. # وعن أبي حنيفة والأوزاعي: وجوب ذلك. كما مر بيانه. # الفرع الخامس: وإذا كان الإمام محبوسا، فهل يجوز إقامة الجمعة للمسلمين ~~أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: المنع من ذلك، وهذا هو رأي أئمة العترة. # والحجة على هذا: هو أن وجود الإمام من شرط صحة الجمعة كما مر بيانه، فإذا ~~كان محبوسا بطل تصرفه، وبطل وجوبها على المسلمين لبطلان الإمام وتصرفه. # المذهب الثاني: جواز ذلك، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة، وحكي عن محمد بن ~~الحسن أنه قال: إذا مات الإمام جاز للمسلمين أن يقيموا من يصلي بهم الجمعة ~~لأن هذا موضع ضرورة. # والحجة على هذا: هو أن الجمعة فرض عين، فإذا حبس الإمام أو مات جاز ~~للمسلمين إقامتها لئلا يفوت عليهم هذا الفرض المتعين. PageV04P069 # والمختار: ما قررناه أولا من اشتراط وجود الإمام في إيجاب الجمعة لما قدمنا ~~من الأدلة. فإذا مات ms1561 أو حبس فقد بطل شرط إقامتها. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: الموت والحبس من جملة الأمور النادرة ومواضع الضرورة، فلهذا قلنا ~~بجواز إقامتها من جهة المسلمين. # قلنا: إن كل ما كان شرطا في صحة أمر وثبوته وقامت الدلالة [عليه] فإنه لا ~~يجوز حصوله من دونه لأن صحته من دونه تؤذن بكونه شرطا تقف صحته على وجوده ~~وثبوته. # الفرع السادس: والإمام إذا اجتمع له صلاة جمعة والكسوف والاستسقاء ~~والجنازة فإنه يبدأ بصلاة الجمعة لأمرين: # أما أولا: فلأنها من فروض الأعيان وما عداها إما واجب على الكفاية كصلاة ~~الجنازة، وإما سنة مؤكدة كصلاة الكسوف والاستسقاء. # وإن اجتمع صلاة الجنازة والكسوف والاستسقاء فإنه يبدأ بصلاة الجنازة ~~لقولهصلى الله عليه وسلم: ((ثلاث لا ينبغي التأني فيهن: الجنازة إذا حان وقتها، والصلاة إذا ~~حضر وقتها، والأيم إذا حضر كفؤها)) (1). # إلا أن يخشى فوات الكسوف بالانجلاء فالبداية به. # وإن حضر الكسوف والاستسقاء فهما سواء إلا أن يخاف فوات الكسوف بالانجلاء ~~فهو أحق بالبداية. # ويستحب للإمام أن يأتي الجمعة راجلا لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((بشر ~~المشائين إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة))(2). # لأن الثواب بالمشي أكثر أجرا وأعظم ثوابا من الركوب. # ويستحب أن يأتيها حافيا غير منتعل لما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين ~~كرم الله وجهه أنه كان يأتي الجمعة حافيا، وهذا كله في الرواح في الجمعة ~~فأما بعد الفراغ منها فيفعل ما شاء من الركوب والانتعال لأن الفضل إنما ~~يكون في القصد إليها لا في المراح بعد انقضائها. PageV04P070 # ولا يجوز الائتمام في صلاة الجمعة بالصبي لأنه غير مكلف بالصلاة، ويجوز عند ~~الشافعي في أحد قوليه. # ويجوز الائتمام بالأعمى لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه كان يستخلف ابن أم مكتوم ~~يصلي بالناس في المدينة، ويجوز الائتمام بالعبد في صلاة الجمعة لأنها صلاة ~~مفروضة فجاز الائتمام به كصلاة الظهر. # وحكي عن مالك: أنه لا يجوز أن يكون العبد إماما لأن إمامة الصلاة فيها ~~علو ورفعة والرق في غاية ms1562 النزول والركة فلأجل هذا تناقض حكمهما. # والمختار: جواز ذلك لأنه مسلم تقي عاقل مكلف فجازت الصلاة به كالحر. # الفرع السابع: والإمام إذا كان من أهل الظلم والجور والفسق، والخطيب إذا ~~كان متوليا من جهتهم ويخطب لهم ويدعو لهم على المنابر، فإذا كانوا على هذه ~~الصفة تعلق بهم حكمان: # الحكم الأول: أنه لا يجوز حضور جمعهم عند الأكابر من أئمة أهل البيت" ~~ويأثم الحاضرون لها، وقد حكي عنهم روايات في المنع من ذلك والتشديد على من ~~حضر والنكير، ونحن نذكرها ليتحقق الناظر ما خصهم الله به من الصلابة في ذات ~~الله والتشدد في أمر الدين والبعد عن أهل الجور والظلم. # الرواية الأولى: مأثورة عن زيد بن علي، ومحمد بن عبدالله النفس الزكية: ~~أن كل من حضر خطبهم فهو آثم. # الرواية الثانية: عن إبراهيم بن عبدالله أنه سئل عن الجمعة هل تجوز مع ~~الإمام الجائر؟ فقال: إن علي بن الحسين، وكان سيد أهل البيت كان لا يعتد ~~بها معهم ويؤثم من حضرها. # الرواية الثالثة: محكية عن جعفر الصادق أنه سئل عن ذلك فقال السائل: أصلي ~~خلفه وأجعلها تطوعا؟ فقال: لو قبل التطوع قبلت الفريضة. # الرواية الرابعة: عن القاسم بن إبراهيم أنه قال: من صلى معهم فقد أثم. PageV04P071 # الرواية الخامسة: عن الناصر أنه قال لشالوس -وكان ممن يحضر جمع الظلمة وأهل ~~الجور والفسق-: إنكم تحضرون الجمعة وهي فرض من فرائض الله مع الظلمة فيأتي ~~خطيبهم فيقول: اللهم أصلح عبدك وخليفتك والقائم بأمرك وبالحق في عبادك، وهو ~~في حال دعائه خمير فاسق فيكذب مثل هذه الكذبات في خطبته التي هي نصف الصلاة ~~فما أحد منكم يشري نفسه من الله فيكذبه في قوله وينكر عليه. فهذا كله تصريح ~~بأنه لا يجوز لأحد من المسلمين حضور هذه الجمعة إذا كان الخطيب يخطب ~~للظلمة. # الرواية السادسة: عن المؤيد بالله قال: يكره الحضور معهم فهذه الروايات ~~كلها دالة على تأثيم الحاضرين. # الرواية السابعة: عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: من سود علينا ~~فقد شرك في دمائنا. ms1563 ومعنى كلامه هذا: من كثر جماعة أعدائنا وزاد في سوادهم ~~علينا. فكلامه هذا دال على أنه لا يجوز حضور جمعهم. ويدل على البعد منهم ~~والمجانبة لهم. # ومن كان له إلى الله أدنى وسيلة ووثاقة في الدين فإنه يعتمد على ما ~~رويناه، ومصداق هذه المقالة ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من دعا لظالم ~~بالبقاء فقد أعان على هدم الإسلام)). وقولهصلى الله عليه وسلم: ((إذا مدح الفاسق اهتز ~~العرش))(1). # قولهصلى الله عليه وسلم: ((من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه))(2). PageV04P072 # الحكم الثاني: أنهم إذا صلوا وجبت عليهم الإعادة لأن الإمام شرط في إنعقاد ~~الجمعة وصحتها، ولا شك أن إمامتهم باطلة فلهذا بطلت الجمعة ووجب عليهم ~~إعادة الظهر، فأما على قول من قال: بأن المعاصي تكون ناقضة للوضوء. فإنه ~~ينتقض وضوءه بكذبه وتعظيمه للظلمة وأهل الفسق، فلا جرم أوجبنا عليهم إعادة ~~ما صلوا وهم على هذه الحالة. # وهل يجب القضاء بعد فوات الوقت؟ فيه تردد والقوي أنه لا يجب عليهم القضاء ~~بعد فوات الوقت لأنها من المسائل الخلافية. # كما حكي عن شيوخ المعتزلة والحنفية، أنه لا يجوز التأخر عن الجمعة وإن ~~كان الخطيب يخطب للأئمة والظلمة وأهل الفسق المتغلبين. # الفرع الثامن: والإمام إذا كان واقفا في بلدة أو محلة متقاربة الأطراف، ~~فهل يجوز أن تقام الجمعة في مسجد واحد أو في كل مسجد؟ # فالذي عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء: على أنه لا يجوز أن تقام الجمعة ~~فيها إلا في مسجد واحد. # والحجة على هذا: قولهصلى الله عليه وسلم: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). والمعلوم من حالهم ~~في المدينة وحاله أنه ما صلى فيها إلا في مسجد واحد، وهي بلدة كبيرة ومصر ~~من الأمصار، فإذا كان هذا واقعا في المدينة مع سعتها ففي المحلة والقرية ~~أحق وأولى. # وحكي عن عطاء، وداود من أهل الظاهر: أنه يجوز إقامتها في كل مسجد كسائر ~~الصلوات المفروضة. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن من شرط الجمعة الجماعة، واجتماع الناس في ms1564 القرية ~~والمحلة الصغيرة سهل فلهذا وجب اجتماعهم على صلاة واحدة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: إنها صلاة فجازت إقامتها في كل مسجد كالصلاة المكتوبة. # قلنا: إن المعنى في الأصل أن الإجتماع ليس شرطا في الصلوات المكتوبة ~~فلهذا جازت تأديتها في كل مسجد بخلاف الجمعة فإن من شرطها الجماعة فافترقا. # وإن كان مقام الإمام في مصر كبير متباعد الأطراف فهل يجوز أن تقام الجمعة ~~فيه في مسجد واحد أو أكثر من ذلك؟ فيه أقوال خمسة: PageV04P073 # القول الأول: جواز ذلك وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب للمذهب. # والحجة على هذا: هو أن المصر إذا كان متباعد الأطراف مثل بغداد أو البصرة ~~فإن إجتماعهم في مكان واحد تلحقهم به المشقة والحرج في التزاحم والضيق ~~والله تعالى يقول: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}[الحج:78]. فلهذا جاز ~~فعلها في موضعين وثلاثة على قدر الحال في ذلك. # القول الثاني: المنع من ذلك، وهذا هو المحكي عن الشافعي فإنه قال: ولا ~~يجمع في مصر وإن عظم وكثرت مساجده إلا في مسجد واحد. # وحجته على هذا: هو أن الرسولصلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده ما أقاموا الجمعة إلا في ~~موضع واحد وقد قالصلى الله عليه وسلم: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). # القول الثالث: محكي عن أبي يوسف، وهو أن البلدة إذا كان لها جانبان وفي ~~وسطها نهر عظيم يجري مثل مدينة السلام -يعني بغداد وواسط-، جاز أن يصلى في ~~كل جانب منها جمعة. وهو محكي عن أبي الطيب من أصحاب الشافعي. # القول الرابع: محكي عن محمد بن الحسن، أن القياس: أنها لا تقام إلا في ~~مسجد واحد لكنه يجوز إقامتها في البلد في مسجدين استحسانا، ولا يجوز ~~إقامتها في ثلاثة مساجد. # القول الخامس: الذي يأتي على كلام أبي حنيفة، إذ ليس له في المسألة نص، ~~فحكي: أن مذهبه مثل مذهب الشافعي، وقيل: إن مذهبه مثل قول محمد بن الحسن في ~~الاستحسان. # واعلم أن الاستحسان واد من أودية القياس لكنه أخص من القياس وأدخل في ~~غلبات الظنون. ms1565 والقياس: إقامتها في مسجد واحد لأن ذلك هو الواجب، والذي دلت ~~عليه أدلة الشرع. والاستحسان: إقامتها في مسجدين لأن الحاجة تدعو إلى ذلك ~~من غير زيادة عليه فإذن لا حاجة إلى ثالث إذ لا دلالة لا من جهة القياس ولا ~~من جهة الاستحسان. PageV04P074 # والمختار في ذلك: تفصيل نشير إليه، وهو أن الأمر في ذلك على ما يراه الإمام ~~الأعظم أو من يقوم مقامه بأمره في الجمعة، فإن كان الإجتماع في مسجد واحد ~~ممكنا فلا حاجة إلى إقامتها في غيره لأن ذلك يؤدي إلى تفرق الكلمة وتشتت ~~الشمل، وإن كان غير ممكن أو كان في الإجتماع مشقة على المسلمين في الإجتماع ~~بالازدحام والتضايق، جاز إقامتها في مساجد لأجل الضرورة الداعية إلى ذلك ~~لأن العذر إذا كان ظاهرا فمداخل الإحن والبغضاء منسدة لا يظنها ظان، وإذا ~~لم يكن العذر ظاهرا تطرقت إليهم الإحن وأنواع العداوة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: لم تقم الجمعة إلا في مسجد واحد في زمن الرسولصلى الله عليه وسلم، كما حكي عن ~~الشافعي: المنع من ذلك. وعن أبي يوسف: الجواز إذا كان للبلدة جانبان ~~كبغداد، أقيمت في مسجدين، والاستحسان: إقامتها في مسجدين كما حكي عن محمد. ~~فأما أبو حنيفة، فرأيه في ذلك إما على ما قاله الشافعي، أو على ما قاله محمد. # قلنا: الجواب عن هذه المذاهب بحرف واحد: وهو تقرير الحال على ما تدعو ~~إليه المصلحة في ذلك، ولا وجه للمنع مع دعاء الضرورة إليه، ولأن الأمر إذا ~~إنتهى إلى مثل هذه الحالة فالأولى تحكيمها على ما يكون فيه مصلحة للمسلمين ~~أو للصلاة، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والحمد لله. # الفرع التاسع: في حكم الجمعتين إذا اجتمعتا. # وإن أقيمت جمعتان في البلدة الصغيرة التي لا يصح إقامتهما فيها؟ نظرت، ~~فإن كان لإحداهما مزية على الأخرى بأن كان في إحداهما الإمام الأعظم فإن ~~كان مع الأولى فهي الصحيحة لأنها الأولى ومعها الإمام الأعظم. وإن كان ~~الإمام في الثانية فأيهما تكون أحق بالصحة؟ فيه تردد. # والمختار: الثانية هي ms1566 الصحيحة لأنها جمعة الإمام، ولأنا لو حكمنا بصحة ~~الأولى لكان في ذلك إعراض عن الإمام وتهاون بجمعته، فلأجل هذا كان الحكم ~~بصحة الثانية هو الأحق والأولى. PageV04P075 # وإن لم يكن لإحداهما مزية على الأخرى بأن أقيمتا بإذن الإمام فذلك يكون على ~~خمسة أوجه: # الوجه الأول: أن تسبق إحداهما الأخرى، فالأولى السابقة هي الصحيحة، لأنها ~~أقيمت بشرائطها فمنعت صحة الثانية والثانية باطلة. وهل يعتبر السبق في ~~الأولى بالإحرام بالصلاة أو بالإبتداء بالخطبة؟ والأولى أن الإبتداء ~~بالخطبة يعتبر به السبق لأنهما قائمتان مقام الركعتين. # الوجه الثاني: إذا أحرموا بهما جميعا في حالة واحدة حكم ببطلانهما جميعا ~~لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى فتكون مرجحة، ولا وجه للجمع بينهما لأن ~~الفرض إنما هو واحدة، فإذا كان لا ترجيح بينهما وجب الحكم ببطلانهما جميعا. # الوجه الثالث: إذا لم يعلم هل سبقت إحداهما الأخرى أو كانتا في وقت واحد، ~~فإنه يحكم ببطلانهما جميعا كما ذكرناه في الوجه الثاني، إذ لا مزية ~~لإحداهما على الأخرى، ويجب عليهم أن يعيدوا الجمعة إذا كان الوقت واسعا لأن ~~فرضها لازم لهم فلا بد لهم من أدائه. # الوجه الرابع: إذا علم أن أحدهما سابق لكنه غير معلوم بعينه، ومثاله: أن ~~يسمع تكبير أحد الإمامين بالإحرام بالصلاة - إذا قلنا: الإعتبار بالسبق ~~بالإحرام- ثم كبر الثاني ولا يعلم الذي كبر أولا. # الوجه الخامس: إذا علم عين السابقة من الصلاتين ثم نسيت، ومثاله: أن يعلم ~~عين المكبر أولا لكنه نسي. فالحكم في هذين الوجهين أعني الرابع والخامس ~~واحد، وهو أن الجمعتين باطلتان، وإذا كان الأمر كما قلنا فالواجب على ~~المسلمين قضاء الجمعة لأنا إذا حكمنا ببطلانهما معا صار كأنه لم تقم في ~~المصر جمعة فلهذا وجب عليهم إقامتها لأنا نعلم أن إحداهما باطلة والأخرى ~~صحيحة، وإذا لم نعلم عين الصحيحة من الباطلة فالأصل بقاء الفرض في ذممهم ~~فلهذا توجه عليهم الإعادة. PageV04P076 # الفرع العاشر: والإمام إذا مر بمصر من الأمصار فصلى فيه الجمعة بأهله، ~~فالذي يأتي على المذهب أن صلاة الإمام والمأمومين صحيحة مجزية، وهو محكي ms1567 عن ~~أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أن الصفات المعتبرة في صحة الصلاة لهم جميعا حاصلة ~~فلأجل هذا قضينا بصحة الصلاة لهم جميعا. وحكي عن زفر: أنها غير مجزية ~~للإمام والمأمومين جميعا.وإنما لم تصح صلاة المؤتمين لأنهم مقيمون والإمام ~~مسافر، وقد قالصلى الله عليه وسلم: ((لا تختلفوا على إمامكم)). وإنما لم تصح صلاة الإمام ~~لأنها لما بطلت في حقهم بطل العدد الذي هو شرط في صحة الصلاة فلأجل هذا بطل ~~إجزاؤها في حق الإمام والمأمومين معا. # والمختار: هو الأول لما ذكرناه من كمال الشرائط في حقه وحقهم. وما ذكره ~~زفر فلا وجه له لأمرين: # أما أولا: فلأنه لا خلاف في صحة الصلاة للمقيم خلف المسافر. # وأما ثانيا: فلأن الفرض في حق الإمام والمأموم متفق وهو فرض الجمعة لأنها ~~ركعتان في حق المقيم والمسافر. # الفرع الحادي عشر: وإن صلى الإمام ثم ذكر أنه كان جنبا بطلت صلاته لبطلان ~~طهارته وبطلت صلاة المؤتمين، ولا يقع هاهنا خلاف في بطلان صلاة المؤتمين ~~كما وقع الخلاف في صلاة الجماعة كما قررناه، لأن الإمام هاهنا شرط في صحة ~~صلاة الجمعة بخلاف صلاة الجماعة. # ولو صلى في صلاة الجمعة بجماعة ثم بان أنهم محدثون فإن صلاتهم باطلة ~~لبطلان طهارتهم فتلزمهم الإعادة، فأما صلاة الإمام فهل يحكم بصحتها أم لا؟ ~~فمن أصحاب الشافعي من حكم بصحة صلاة الإمام لأنه لم يكلف بالعلم بطهارة من ~~خلفه من المؤتمين فلهذا حكمنا بصحة صلاته. # والمختار: بطلان صلاته لبطلان العدد لأنه شرط في صحة صلاة الجمعة ~~كالإمام، وبالله التوفيق. PageV04P077 # --- ### ||| AUTO القول في العدد # وهو شرط في صحة الجمعة، ولا خلاف أن الجمعة لا تنعقد إلا بعدد لقوله ~~تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا}[الجمعة:9]. وهذا خطاب ~~للمسلمين بخطاب الجمع. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: اختلف العلماء في أقل العدد الذي تنعقد به الجمعة على مذاهب ~~ثمانية: # المذهب الأول: أن أقل ما تنعقد به الجمعة أربعة: الإمام وثلاثة مأمومين، ~~وهذا هو الذي ارتضاه السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب ms1568 للمذهب، وهو ~~محكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن قوله تعالى: {فاسعوا} إنما هو خطاب للجمع، وأقل ~~الجمع: ثلاثة؛ لأن ما دون الثلاثة فليس جمعا وما فوقها زائد على الجمع، ~~فلهذا قلنا: إن أقله يكون ثلاثة غير الإمام لأن الخطاب للمسلمين، والسعي ~~إنما هو إلى الإمام فلهذا كان مغايرا للساعين إليه. # المذهب الثاني: أن أقل ما تنعقد به: ثلاثة، إمام ومأمومان. وهذا هو الذي ~~اختاره أبو العباس، وحصله لمذهب الهادي، وهو محكي عن أبي يوسف وأبي ثور ~~والأوزاعي والثوري. # والحجة على هذا: هو أن قوله: {فاسعوا} إنما هو خطاب للإمام مع المأمومين ~~ولا شك أنهم ثلاثة فيجب أن يكون الخطاب متوجها إليهم، ويمكن أن يقال: إن ~~الخطاب للمأمومين لكن أقل الجمع إثنان عند جماعة من أهل اللغة. # المذهب الثالث: أنها لا تنعقد إلا بأربعين رجلا ولا تنعقد بدون ذلك، وهذا ~~هو رأي الشافعي، ومحكي عن عمر بن عبدالعزيز وغيره. # وهل يكون الإمام من جملة الأربعين أو يكون زائدا؟ فيه وجهان: أجودهما: ~~أنه يكون من جملة الأربعين. PageV04P078 # والحجة على هذا: ما روى عبدالرحمن بن كعب بن مالك.(1) # قال: كنت قائدا لأبي بعدما كف بصره فكان إذا سمع الجمعة ترحم على أسعد بن ~~زرارة، فقلت له: إنك تترحم عليه في نداء كل جمعة؟ فقال: نعم.. كان أول من ~~جمع بنا في بني بياضه. قلت: كم كنتم؟ قال: أربعين رجلا. وروي عن جابر بن ~~عبدالله أنه قال: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة. # المذهب الرابع: أنها تنعقد بإثني عشر رجلا، محكي عن ربيعة. # وعن عكرمة: أنها تنعقد بتسعة. # وحكي عن الحسن البصري: أنها تنعقد بإمام ومأموم. وهو محكي عن داود. # وعن الحسن بن صالح: أنها تنعقد بالإمام وحده. # وعن مالك: أني لا أجد في ذلك حدا وإنما يعتبر في ذلك عدد يمكنهم المقام ~~في قرية ويتمكنون فيها. # والمختار: ما ارتضاه الأخوان وحصلاه للمذهب، من أنها تنعقد بثلاثة مع ~~الإمام. # وحجتهم: ما ذكرناه. PageV04P079 # ونزيد هاهنا: وهو أن الروايات في ms1569 الأخبار متعارضة، فروي عن أسعد بن زرارة ~~أنه جمع في أربعين، وروي عن مصعب بن عمير(1): PageV04P080 # أنه جمع في اثني عشر رجلا(1). # وروي: أنهم انفضوا حين دخلت العير ولم يبق منهم إلا ثمانية رجال إلى غير ~~ذلك من الإختلافات، وإذا كانت الأخبار متعارضة وجب الرجوع إلى ما تدل عليه ~~الآية بقوله تعالى: {فاسعوا} ولا شك أن أقل الجمع ثلاثة مع الإمام فيجب ~~التعويل عليه، ولم أعثر في البخاري والترمذي على شيء يدل على العدد في ~~الجمعة. # ومن وجه آخر: وهو أن التعويل على ما تدل عليه الآية وترشد إليه أحق من ~~التعويل على هذه الأخبار المتعارضة، فإن الآية مقطوع بأصلها وظواهرها ~~مظنونة فلهذا كان التعويل على ما تدل عليه أحق بالقبول لما ذكرناه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: قوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله.}[الجمعة:9]. وهذا جمع، وأقل ~~الجمع إثنان مع الإمام، كما حكي عن أبي العباس. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم أن أقل الجمع اثنان، ويدل على ذلك أن للتثنية ~~صيغة في الأسماء الظاهرة فيقال: رجلان وفرسان. وللجمع صيغة فيقال: رجال ~~وأفراس، وفي الأسماء المضمرة فيقال في التثنية: هما وضربا. ويقال في الجمع: ~~هم وضربوا. وفي هذا دلالة على أن التثنية ليست جمعا. PageV04P081 # وأما ثانيا: فلأن التثنية إذا كانت جمعا فيجب أن يكون واحد مع الإمام كافيا ~~في إنعقاد الجمعة لأنهما إثنان. # قالوا: لا تنعقد الجمعة إلا بأربعين، كما حكي عن الشافعي اعتمادا على ما ~~حكي عن أسعد بن زرارة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا مذهب لأسعد بن زرارة لأنه لم ينقله عن الرسولصلى الله عليه وسلم فليس ~~الحجة إلا في كلام الله وكلام رسولهصلى الله عليه وسلم، فأما مذاهب المجتهدين فلا تلزمنا. # وأما ثانيا: فإنه قد روي أن مصعب بن عمير أقام الجمعة في اثني عشر رجلا، ~~فما ذكروه معارض لهذا العدد فليس أحدهما أحق بالقبول من الآخر. # قالوا: روي: أنها لا تنعقد إلا باثني عشر رجلا. كما روي عن ربيعة، ms1570 وعن ~~عكرمة: بتسعة رجال، وعن الحسن البصري: أنها تنعقد بالإمام مع واحد. وعن ~~الحسن بن صالح: أنها تنعقد بالإمام وحده. وعن مالك: أنه لا يجد في ذلك حدا ~~بعدد مخصوص، وإنما الإعتبار بعدد يمكنهم المقام في قرية. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذه مذاهب مختلفة وآراء مضطربة لا تستند إلى دليل شرعي، ~~ولا تتأيد بمسلك نقلي. # وأما ثانيا: فلأن هذه المقدرات أمور غيبية وعبادات شرعية لا يمكن إثباتها ~~بطرق القياس، ولا بمسالك النظر، وإنما مستندها من جهة صاحب الشريعة صلوات ~~الله عليه من قوله وفعله، ولا يمكن فيها تحكيم الآراء ولا تجري فيها ~~الأقيسة باستنباط المعاني لانسدادها فيها، ولا يمكن تقريرها بطرق الأشباه ~~لتعذرها فيها وبعدها عنها، وإنما التعويل في إثباتها على ما ذكرناه من ~~ظواهر القرآن والسنة، والأقوى فيها ما ذكرناه فيجب الإعتماد عليه. # الفرع الثاني: في صفة العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، وفيه مذهبان: # المذهب الأول: أنهم ضربان: PageV04P082 # فالضرب الأول: [الذين] تنعقد بهم الجمعة ويجب عليهم فعلها. وهؤلاء هم ~~الرجال البالغون الأحرار المسلمون، فمن جمع هذه الأوصاف فإنها تجب عليهم ~~الجمعة وتنعقد بهم إذا حضروا، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة ~~وأصحابه، والشافعي. # الضرب الثاني: الذين لا تجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم إذا حضروا وهؤلاء هم ~~العبيد والمرضى والمسافرون والصبيان والنساء فإن هؤلاء لا تجب عليهم ~~الجمعة، وإذا حضروا انعقدت بهم الجمعة. # قيل للسيد أبي طالب رضي الله عنه: هل يجب أن يكون العدد [من] الذين ~~يعتبرون في الجمعة أحرارا بالغين عقلاء؟ فقال: يجب أن يكونوا مكلفين. # قيل: فهل يعتبر أن يكونوا رجالا أحرارا؟ فقال: بل لو كانوا نساء وعبيدا ~~وجب أن تصح وتنعقد بهم الجمعة لأن عندنا أن هؤلاء إن حضروا أجزتهم الجمعة. # المذهب الثاني: أن العدد بالإضافة إلى انعقاد الجمعة وعدم انعقادها على ~~ضروب أربعة: # الضرب الأول: تنعقد بهم الجمعة وتجب عليهم، وهؤلاء إذا كانوا رجالا ~~بالغين عاقلين مسلمين أحرارا، وكانت عدتهم أربعين رجلا مقيمين لا يظعنون ~~شتاء ولا صيفا إلا ms1571 لحاجة. # الضرب الثاني: الذين لا تجب عليهم الجمعة ولا تنعقد بهم وهؤلاء هم ~~المسافرون والنساء والصبيان والخناثا والعبيد، فهؤلاء لو اجتمع من صنف واحد ~~منهم أربعون رجلا، أو من كل صنف منهم أربعون رجلا لم تنعقد بهم الجمعة. # الضرب الثالث: الذين لا تجب عليهم الجمعة، وتنعقد بهم إذا حضروا وهؤلاء ~~هم المرضى ومن في طريقه مطر ومن يخاف من حضور الجامع، فإن حضر هؤلاء انعقدت ~~بهم الجمعة وتوجه عليهم وجوبها. # الضرب الرابع: تجب عليهم الجمعة، وفي انعقادها بهم وجهان. وهؤلاء هم ~~المقيمون في المصر لدرس العلم والفقه، ولطلب التجارة والأرباح، فقيل: تنعقد ~~بهم الجمعة لأن كل من وجبت عليه انعقدت به. PageV04P083 # وقيل: إنها لا تنعقد بهم لأن الرسولصلى الله عليه وسلم لم يقمها بعرفات بأهل مكة، وإن كانت ~~دار إقامتهم لأنها ليست وطنا لهم. وهذا هو رأي الشافعي. # فهذا تقسيم العدد المعتبر في انعقاد الجمعة وصفاتهم. وقد مضى الخلاف فيما ~~يجزي من هذه الصفات، وما يجب اعتباره وما لا يجب فأغنى عن تكريره. # الفرع الثالث: إذا كان العدد لا بد من اعتباره، فهل يكون شرطا في ابتداء ~~الخطبة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن العدد شرط في ابتداء الخطبة، وهذا هو الذي يأتي على رأي ~~الهادي، وهو محكي عن الشافعي، لأن الخطبتين عنده بمنزلة الركعتين. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله.}[الجمعة:9]. والذكر هاهنا هو الخطبة. # المذهب الثاني: أن العدد ليس شرطا في ابتداء الخطبة، وهذا هو الذي يأتي ~~على رأي المؤيد بالله، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن المقصود هو الصلاة؛ والخطبتان ذكر يتقدم الصلاة ~~فلم يكن العدد شرطا في ابتداء الذكر كصلاة الجماعة، وعلى هذا لو خطب وحده ~~وحضر العدد وصلى بهم الجمعة جاز ذلك وانعقدت الجمعة. # والمختار: ما ذكره الهادي، وارتضاه الشافعي، من أن العدد شرط في ابتداء ~~الخطبة. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن المقصود بالخطبتين إنما هو الوعظ والتذكير وتعريف ms1572 ~~الحاضرين فضل الجمعة، وهذا لا يمكن ولا يتأتى إلا بسماعهم وحضورهم، فإذا ~~كانوا غير حاضرين عند ابتداء الخطبة بطل الغرض بهم. # الانتصار: يكون بالجواب عما اعتمدوه. # قالوا: ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن العدد شرطا في الإبتداء كصلاة الجماعة. # قلنا: المعنى في الأصل: هو أن الجماعة ليست شرطا في صحة انعقاد الجماعة ~~بخلاف ما نحن فيه فإن الجماعة شرط في انعقاد الجمعة فافترقا، ولأنه ذكر ~~يتقدم الصلاة شرط فيها فكان من شرطه حضور الجماعة، دليله: تكبيرة الإفتتاح ~~في الجمعة. PageV04P084 # فإذا تقرر هذا فإنما يشترط حضور العدد عند الواجبات من الذكر في الخطبة على ~~ما يأتي في تقريره، دون ما سواها فلا عبرة به. # فإن انفضوا بعد فراغه من الواجبات، فإن عادوا قبل تطاول الفصل بنى الإمام ~~على الخطبة وأحرم بهم للجمعة وصحت الجمعة، وإن رجعوا بعد تطاول الفصل. وحد ~~التطاول: ما يكون في تعارف الناس تطاولا، وجب على الإمام أن يعيد الخطبة ثم ~~يصلي بهم الجمعة. # وكمال العدد شرط في ابتداء الصلاة، وشرط في إستدامتها كالوقت والمكان. # فإن نفر الناس قبل شروعه في الخطبة نظرت فإن عادوا في وقت الجمعة فهي ~~جمعة، وإن لم يعودوا إليها أتمها ظهرا، وإن كان نفورهم بعد شروعه في الصلاة ~~فسيأتي تقرير الكلام في حكم الصلاة إذا [اختل] أحد شروطها المعتبرة فيها. PageV04P085 # --- ### ||| AUTO القول في الوقت للجمعة # أول وقت الخطبة وصلاة الجمعة زوال الشمس، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي ~~عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أن الرسول لم يصل الجمعة ولم يخطب لها إلا بعد ~~الزوال، وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ولأنهما فرضا وقت فلهذا لم ~~يختلف وقتهما كصلاة الحضر والسفر. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول منها: وهل يكون لهما وقت آخر في الجواز غير هذا أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجوز فعلهما قبل الزوال، وهذا هو المحكي عن أحمد بن ~~حنبل، ثم اختلف أصحابه في وقتهما فمنهم من قال: وقتهما أوله وقت صلاة ~~العيد. ومنهم من ms1573 قال: يجوز فعلهما في الساعة السادسة. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا}[الجمعة:9]. ولم يفصل بين وقت ووقت لكنا أخرجنا طلوع الشمس وعند ~~قائم الظهيرة لما كانا وقتين لا تجوز فيهما الصلاة، وما بعد العصر فليس ~~وقتا لهما. # المذهب الثاني: أن الخطبة يجوز فعلها قبل الزوال، وأما صلاة الجمعة فلا ~~يجوز فعلها إلا بعد الزوال، وهذا هو رأي مالك. # والحجة على هذا: هو أن الخطبة ذكر فجاز فعله قبل الزوال كسائر الأذكار. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من الفقهاء. # وحجتهم: ما نقلناه. # ونزيد هاهنا: وهو ما روى أنس بن مالك عن الرسول : أنه كان يصلي الجمعة ~~إذا مالت الشمس(1). # وقد قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}[الأحزاب:21]. ~~ولأنها صلاة مفروضة فلا يجوز تأديتها قبل الزوال كالظهر ولأنها بدل عن ~~الظهر فيجب أن يكون وقتهما واحدا كسائر الأبدال والمبدلات. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. PageV04P086 # قالوا: أول وقتها كصلاة العيد لقوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر ~~الله}[الجمعة:9]. ولم يفصل، فيجب أن تكون مثل صلاة العيد وفي الساعة ~~السادسة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن قوله تعالى: {فاسعوا} أمر مجمل وقد أوضحه بفعله وقوله فلا ~~يصح الإحتجاج بالأمور المجملة. # وأما ثانيا: فلأن تخصيصها بأن تفعل في هذين الوقتين لا دلالة عليه من جهة ~~الشرع فيجب بطلانه. # قالوا: روى سلمة بن الأكوع(1) # أنه قال: كنا نصلي مع رسول الله صلاة الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل(2). # في هذا دلالة على جواز فعلها قبل الزوال. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا الحديث قد روي وليس للحيطان ظل يستظل به. وفي هذا ~~دلالة على أنه أول الزوال. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من فعله لها بعد الزوال، وإذا ~~تعارضت وجب الترجيح ولا شك أن العمل على الفعل أرجح لأنه هو الأظهر والأشهر ~~لأنه فعله طوال عمره فبطل ما قاله أحمد بن حنبل. # قالوا: الخطبة يجوز فعلها قبل الزوال لأنها ذكر فجاز ms1574 فعله قبل الزوال ~~كسائر الأذكار كما حكي عن مالك. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المعلوم من حال الرسول طوال حياته: أنه كان لا يخطب إلا ~~بعد الزوال. # وأما ثانيا: فلأن الخطبة ذكر مفروض فلم يجز فعله قبل الزوال كالصلاة. # ومن وجه آخر: وهو أن المعنى في الأصل أنه غير مفروض بخلاف الخطبة ~~فافترقا. # الفرع الثاني: في آخر وقت الجمعة. وفيه مذاهب ثلاثة: PageV04P087 # المذهب الأول: أن آخر وقت الجمعة هو آخر وقت الظهر، وهذا هو رأي القاسمية ~~والناصرية، فإذا صار ظل كل شيء مثله وهو في الجمعة فإنه يتمها جمعة، لأن ~~وقتها وقت الظهر في الإشتراك مع العصر فلا تبطل الجمعة فإذا زاد قليلا خرج ~~وقت الجمعة، فهل يتمها جمعة أو يتمها ظهرا أو يبني؟ فيه تردد بين السيدين ~~الأخوين نذكره في بيان ما يعرض للصلاة في البطلان. # قال الهادي في الأحكام: ولا ينبغي أن يبطيء بصلاة الجمعة أحد ولا أن يعجل ~~بها قبل الزوال. # والحجة على هذا: هو ان الجمعة بدل عن الظهر فوقتها وقته كسائر الأبدال ~~والمبدلات. # المذهب الثاني: أن آخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله، وهذا هو رأي ~~الشافعي، فإذا صار ظل كل شيء مثله وهو في الجمعة بنى عليها الظهر وصلى ~~أربعا، وهل يحتاج إلى نية كونها ظهرا أم لا؟ فيه وجهان. # والحجة على هذا: هو أن للجمعة وقتا مضروبا وهو قبل أن يصير ظل كل شيء ~~مثله فإذا دخل وقت العصر بالمثل بطلت الجمعة لبطلان وقتها، وإذا بطلت وجب ~~الظهر لأنه هو الأصل فلهذا يبنى عليها الظهر. # المذهب الثالث: أن آخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثليه، وعند هذا يدخل وقت ~~العصر، فتبطل الجمعة وعليه أن يستأنف الظهر أربعا وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أن الجمعة مؤقتة بوقت مخصوص فإذا بطل وقتها بطلت ووجب ~~الظهر من غير أن يبني عليها لأنهما فرضان مختلفان، فهذا تقرير المذاهب كما ترى. # والمختار: ما ذهب إليه أئمة العترة وهو مبني على ms1575 ثبوت وقت المشاركة وهو ~~أن وقتا واحدا يجمعهما فلهذا كان آخر وقت الجمعة صيرورة ظل كل شيء مثله ~~وإذا زاد على ذلك بطلت الجمعة لبطلان وقتها، وقد قررنا ثبوت وقت المشاركة ~~في الأوقات فأغنى عن الإعادة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # واعلم أن كلام الفريقين مبني على بطلان الإشتراك بين الظهر والعصر ~~والمغرب والعشاء في وقت واحد قد أوضحناه. PageV04P088 # الفرع الثالث: وإن أحرم بالجمعة وشك وهو فيها هل خرج وقتها أم لا؟ ففيه وجهان: # أحدهما: أنه يتمها جمعة لأن الأصل بقاء الوقت، فلا يمكن الخروج عنه بالشك. # وثانيهما: أنه يتمها ظهرا لأن الأصل هو الظهر كما مر بيانه وإنما جوز فعل ~~الجمعة بشروط فلا يجوز فعلها إلا بعد تحقق تلك الشروط والأول هو الوجه لأن ~~الأصل وإن كان هو الظهر لكن الجمعة الظاهر هو حصول شروطها فلهذا كان العمل ~~عليها هو الأولى. # وإن خرج من الصلاة ثم شك هل خرج الوقت وهو فيها أو بعد فراغه منها لم تجب ~~عليه الإعادة لأن الظاهر هو أداؤها على الصحة فلا وجه للعمل على الشك. # والمسبوق بركعة إذا قام ليأتي بركعة ثم خرج الوقت، ففيه وجهان: # أحدهما: أنه يتمها ظهرا كالإمام والجماعة إذا خرج الوقت بعد إتيانهم بركعة. # وثانيهما: أنه يتمها جمعة لأن هذه الركعة تبنى على جمعة قد تمت لقوله : ~~((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها)). وهذا هو الوجه في ~~الإتيان بها جمعة. وإن تشاغل المسلمون والإمام عن القيام بالجمعة حتى ضاق ~~الوقت نظرت، فإن علم الإمام أنه إذا خطب أقل ما يجزي من الخطبتين وصلى أخف ~~ما يكون من الركعتين فإنه يدخل العصر قبل الفراغ، فإنهم يصلونها ظهرا لأنهم ~~قد تعذر عليهم تحصيل الجمعة فوجب عليهم الإتيان ببدلها وهو الظهر، وإن علم ~~أنه يفرغ قبل دخول وقت العصر صلاها جمعة لأنها هي الفرض وقد تمكنوا من ~~أدآئه وقد قال : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)). PageV04P089 # القول في المكان: ولا بد من مراعاته، وهل يجب أن يكون ms1576 مصرا أو قرية أو محلة ~~أو دربا؟ فيه التردد الذي ذكرناه بين الأئمة والفقهاء فإنه قد مر الخلاف ~~فيه وذكرنا من قبل أن القاسمية يذهبون إلى أن المصر غير معتبر وأنها كما ~~تقام في المصر فإنها تقام في المحلة والدرب مما يكون مستوطنا لأهله وأخرجنا ~~من كان من أهل الخيام الذين يظعنون بالمواشي ولا يكون لهم قرار في موضع دون ~~موضع وهو رأي مالك، ومحكي عن الشافعي والناصر، فأما زيد بن علي والباقر ~~والمؤيد بالله وأبو حنيفة فيذهبون إلى: أن الجمعة لا تقام إلا في الأمصار ~~والمدن وقد مضى الكلام في الأدلة للفريقين، وذكر المختار والانتصار له ~~فأغنى عن الإعادة. # القول في الخطبتين: والخطبتان مشروعتان لما روي عن الرسول أنه كان يخطب ~~في الجمعة خطبتين يقعد بينهما ولا خلاف في كونهما مشروعتين. وهل تكونان ~~واجبتين أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنهما واجبتان وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية ~~والناصرية، ومحكي عن الشافعي ومالك. # والحجة على هذا: هو أن الرسول لم يصل الجمعة إلا بخطبتين وقد قال: ((صلوا ~~كما رأيتموني أصلي)). # المذهب الثاني: أن الخطبتين مستحبتان، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري ~~وعبدالملك الجويني وداود من أهل الظاهر. # والحجة على هذا: هو أن الرسول فعلهما والفعل ليس فيه دلالة على الوجوب ~~وإنما يحمل فعله على الإستحباب. # المذهب الثالث: أن الخطبة الواحدة كافية في الوجوب وهذا شيء يحكى عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن المقصود بالخطبة إنما هو التعريف بفضل الجمعة ~~والحث عليها وتذكير الناس بالوعظ والخوف، وهذا حاصل بالخطبة الواحدة فلهذا ~~كانت كافية. # والمختار: ما عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء من القول بوجوبهما. # وحجتهم: ما ذكرناه. PageV04P090 # ونزيد هاهنا: وهو قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا}[الجمعة:9]. وظاهر الأمر للوجوب وأحوال الجمعة مجملة وهي موكولة إلى ~~بيانه، وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ولم يكن يصلي الجمعة إلا ~~بالخطبتين فلهذا قضينا بوجوبهما ولأنهما خلف عن الركعتين، قال عمر رضي الله ~~عنه: إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبتين. ms1577 # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: الفعل لا يدل على الوجوب. # قلنا: إنا لم نقل إن الفعل دلالة على الوجوب وإنما الفعل بيان لما أجمل ~~في الجمعة ودلالة الوجوب هي قوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله}[الجمعة:9]. ~~وقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فهاذان أمران، والأمر ظاهره يدل على ~~الوجوب إلا لدلالة تدل على كونه ندبا. # قالوا: الخطبة الواحدة كافية كما حكي عن أبي حنيفة. # قلنا: الذي دل على وجوب الخطبة هو بعينه دال على كونهما خطبتين وهو الأمر ~~بقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). # قالوا: روي عن عمار أنه خطب فأوجز. وفي هذا دلالة على أن الذكر القليل من ~~الخطبة فيه كفاية فلهذا قلنا: بأن الواجب واحدة. # قلنا: الإيجاز لا يدل على عدم الوجوب فالواجب خطبتان ويستحب إيجازهما. # قالوا: روي أن عثمان أرتج عليه على المنبر في الخطبة فقال: أيها الناس إن ~~أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم ~~إلى إمام قوال وأنا أستغفر الله لي ولكم ونزل عن المنبر، وفي هذا دلالة على ~~أن الذكر القليل كاف فلهذا قدرنا الخطبة الواحدة. # قلنا: عن هذا أجوبة: # أما أولا: فأكثر ما في هذا أن هذا مذهب لعثمان واجتهاد له فلا يلزمنا قبوله. # وأما ثانيا: فلعله ارتج عليه بعدما أتى بالقدر الواجب الذي نذكره في ~~الخطبتين. # وأما ثالثا: فلعل هذا الكلام إنما كان في الخطبة الثانية بعد ذكر الواجب ~~منها وإذا كان ما قلناه محتملا بطل ما ذكروه. # التفريع على هذه القاعدة: PageV04P091 # الفرع الأول: الطهارة من الحدث والنجاسة وستر العورة مشروعة في الخطبتين ~~لأن الرسول كان يخطب على هذه الصفة، وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ~~ولأن الخلفاء الراشدين والأئمة السابقين كانوا يفعلون ذلك، وقد قال : ((ما ~~رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)). وهل تكون الطهارة من الحدث والنجس ~~واجبة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن ذلك واجب، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو العباس وأبو ~~طالب، وهو قول الشافعي في الجديد. # والحجة على هذا: ms1578 هو أنه ذكر في الصلاة فاشترط فيه الطهارة دليله تكبيرة ~~الإحرام للصلاة. # المذهب الثاني: أنه غير واجب، وهذا هو قول مالك، ومحكي عن أبي حنيفة، وهو ~~قول الشافعي في القديم. # والحجة على هذا: هو أنه ذكر يتقدم الصلاة فلم تشترط فيه الطهارة كالأذان. # والمختار: ما قاله السيد أبو طالب وأبو العباس ومن تابعهما. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو قوله : ((صلوا كما رأيتموني)). # وستر العورة واجب بالأدلة التي قدمناها في الصلاة على الوجوب وهو أحد ~~قولي الشافعي، وقوله القديم: أنه غير واجب في الخطبة فإن أحدث في خطبته ~~مسبوقا أو متعمدا بطلت وعليه أن يستأنفها لأن الخطبتين بمنزلة الركعتين ~~اللتين اسقطتا من الصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: ذكر يتقدم الصلاة فلم يجب كالأذان. # قلنا: المعنى في الأصل أنه ليس شرطا في الصلاة بخلاف ما ذكرنا في ~~الخطبتين فإنهما شرط في صحة صلاة الجمعة فافترقا. # الفرع الثاني: والقيام مشروع في الخطبة لما جرت عليه عادة الرسول ومن ~~بعده أنهم كانوا يخطبون قياما وهل يكون واجبا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه ليس واجبا، وهذا هو الذي ذكره أبو العباس، ومحكي عن ~~أبي حنيفة وأحمد بن حنبل. PageV04P092 # والحجة على هذا: هو أن الوجوب لا بد من دلالة عليه ومطلق الفعل لا يدل على ~~الوجوب لأنه لا ظاهر للفعل والذي يقطع من الفعل على كونه مباحا فأما دلالته ~~على الوجوب والندب فلا بد من دلالة خارجة. # المذهب الثاني: أنه واجب وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى جابر بن سمرة أنه قال: كان الرسول يخطب الخطبتين ~~وهو قائم ثم يجلس ثم يقوم فمن حدثك أنه كان يخطب قاعدا فقد كذب فقد صليت ~~خلفه أكثر من ألف صلاة وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فإن قعد لعذر ~~أو مرض أجزأه كما جاز ذلك في الصلاة. # والمختار: هو الوجوب كما قاله الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن المعلوم من حال الرسول وحال الخلفاء بعده وحال ~~الأئمة أنهم ما كانوا يخطبون ms1579 إلا قياما، ولم يحك عن أحد منهم أنه خطب قاعدا ~~فلو كان جائزا لفعل على ممر الدهور وتكرر الأعصار وفي هذا دلالة على ~~الوجوب. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: الفعل لا دلالة فيه على الوجوب بمطلقه بل لا بد من دلالة غير ~~مطلقة ولا دلالة فلهذا قضينا بالإستحباب فيه لفعل الرسول . # قلنا: تكرر العادات من جهة الرسول وعادة الخلفاء والأئمة دلالة زائدة على ~~مطلق الفعل، فلأنه لو كان مستحبا لجاز تركه على العادات المتكررة. # الفرع الثالث: القعود بين الخطبتين مشروع لفعل الرسول وهل هي(1) # واجبة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها سنة مستحبة وهذا هو الذي ذكره السيدان أبو طالب وأبو ~~العباس، وهو محكي عن أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل. # والحجة على هذا: هو أنا لم نأخذ الدلالة عليها إلا من جهة فعل الرسول ، ~~ومطلق الفعل ليس فيه دلالة على الوجوب وإنما دليل على كونها سنة مستحبة. # المذهب الثاني: أنها واجبة وهذا هو المحكي عن الشافعي. PageV04P093 # والحجة على هذا: ما روى جابر بن سمرة أن الرسول كان يفصل بين الخطبتين ~~بجلسة، فإن خطب قاعدا لأجل العجز والمرض فصل بينهما بسكتة، وإن كان لا يقدر ~~على القعود فصل بينهما بسكتة أيضا. # والمختار: هو الوجوب. # والحجة عليه: هو أن الذي دل على وجوب القيام في الخطبتين هو بعينه دال ~~على وجوب القعدة بينهما فلا وجه لتكريره. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: الفعل لا دلالة فيه على الوجوب. # قلنا: قد أجبنا عن هذا في الدلالة على وجوب القيام فأغنى عن تكريره. # الفرع الرابع: في الذكر الذي تشتمل عليه الخطبتان. # وتشتمل على أحكام(1) # نفصلها. # والذكر مشروع في الخطبتين لا خلاف فيه وإنما الخلاف فيما يكون واجبا وما ~~يكون مسنونا: # الحكم الأول: المشروع من الذكر في الخطبة الأولى أمور أربعة: # أولها: حمدالله تعالى. # وثانيها: الصلاة على الرسول . # وثالثها: الموعظة لمن حضر من المسلمين وتعريفهم فضل الجمعة وحثهم على ~~فروضها وسننها. # ورابعها: قرآة سورة من المفصل أو ثلاث آيات. # والمشروع في الخطبة ms1580 الثانية أمور أربعة: # أولها: حمدالله تعالى. # وثانيها: الصلاة على الرسول . # وثالثها: الدعاء للإمام المخطوب له بالإعانة له على ما يحمله من أمور ~~المسلمين، وإن خاف من ذكره كنى عنه. # ورابعها: الدعاء للمسلمين والمسلمات. # فهذه الأمور كلها مشروعة لأنه قد جرى عمل المسلمين على فعلها والمواضبة عليها. # الحكم الثاني: قرآة سورة من المفصل أو ثلاث آيات، وهل تكون واجبة أم لا؟ ~~فالظاهر من المذهب وجوبها على ما ذكره السيد أبو طالب وهو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى سمرة بن جندب عن الرسول أنه كان يخطب قائما ويقرأ ~~آيات(2)، PageV04P094 وحكي عن الشافعي أنه ذكر في (الإملاء) أنها غير واجبة، والصحيح من مذهبه ما ~~ذكره في (الأم): من وجوبها، وفي محل القرآة ثلاثة أقوال: # القول الأول: أن محلها هو آخر الخطبة الأولى دون الثانية، وهذا هو المحكي ~~عن السيد أبي طالب، وهو المذكور في (الإيضاح) عن الشافعي. # القول الثاني: أن محلها في كل واحدة من الخطبتين لأن كل ما كان واجبا في ~~إحدى الخطبتين فهو واجب في الأخرى، وهذا محكي عن بعض أصحاب الشافعي. # القول الثالث: أن محلها إحدى الخطبتين لا على جهة التعيين وهذا أيضا ~~مذكور عن بعض أصحاب الشافعي، والأمر في هذا قريب لكن الأولى ما قاله أبو ~~طالب لأن عمل الأئمة قد جرى عليه و((ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)). # الحكم الثالث: الذكر للإمام المخطوب له مشروع، وهل يكون واجبا أم لا؟ فيه رأيان: # الرأي الأول: أنه واجب، ذكره السيد أبو طالب فيذكره إما بالتصريح، وإما ~~بالكناية لأن عمل المسلمين قد جرى بذلك. # والرأي الثاني: أنه غير واجب. وهذا هو الذي ذكره المؤيد بالله. # قال المؤيد بالله: فالتولية هي الواجبة، وأما ذكر الإمام المخطوب له فلا ~~أراه شرطا في صحتها ولا أرى له تأثيرا، وسئل عطاء عن ذكر الإمام فقال: إنه محدث. # وأما الدعاء للمسلمين وللإمام فهل يكون واجبا أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه واجب، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب، وهو محكي عن ms1581 المزني ~~من أصحاب الشافعي. # ثوانيهما: أنه غير واجب؛ لأنه لا يجب في غير الخطبة فلا يجب في الخطبة، ~~وإن خطب بالناس رجل وصلى بهم آخر، فهل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: يجزي وهذا هو ~~ظاهر المذهب، ومحكي عن أبي حنيفة والشافعي في الجديد. # ووجهه: أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة فأشبه الأذان وقد تقرر أنه يجوز أن ~~يؤذن رجل ويصلي بالناس آخر. # وثانيهما: أن ذلك غير جائز وهو محكي عن الشافعي في القديم. # ووجهه: أن الخطبتين صارا عوضا عن الركعتين فكما لا يجوز ذلك في الصلاة ~~فهكذا الخطبتين. PageV04P095 # والمختار: هو الأول، وإنما لم يجز ذلك في الصلاة لأن الشرط فيها الموالاة ~~بخلاف الخطبة مع الصلاة. # الحكم الرابع: الحمد يتعين لفظه ولا يقوم غيره مقامه، والصلاة على النبي ~~تتعين ولا يقوم غيرها مقامها، وأما الوعظ والتذكير فلا يتعين لفظهما لأن ~~المقصود هو التخويف والتحذير وأبواب المواعظ وإن اتسعت مسالكها فهي راجعة ~~إلى الأمر بالطاعة والتحذير عن المعصية، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات فلا ~~يتعين لأن المقصود بالدعاء هو الفوز بالجنة والبعد عن النار، والمستحب ألا ~~يقتصر على الدعاء على حظوظ الدنيا ويجب رفع الصوت بالخطبة لأن المقصود هو ~~إسماع الحاضرين الوعظ والتذكير وسائر الأذكار وهذا لا يحصل بالإسرار فلهذا ~~وجب اشتراط الجهر وأقل ما يجزي في الخطبة أن يقول الخطيب: الحمدلله والصلاة ~~على رسول الله أطيعوا الله يرحمكم الله، ويقرأ آية، وحكي عن أبي حنيفة أنه ~~قال: يجزيه سبحان الله ولا إله إلا الله. وعن أبي يوسف ومحمد: أنه لا يجزيه ~~حتى يأتي بكلام يسمي خطبته في العادة، وعن مالك روايتان: # إحداهما: أن كل من سبح أو هلل أعاد ما لم يصل. # والثانية: أنه لا يجزيه إلا ما يسميه العرب خطبة. # والمختار: ما قاله أصحابنا من تلك الأنواع الأربعة. # والحجة على ما قلناه: قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله}[الجمعة:9]. ولم يبين كيفية الذكر، وكيفيته مأخوذة من فعل ~~الرسول وقد روي عن الرسول أنه كان يأتي في الخطبتين بجميع ms1582 ما ذكرناه. PageV04P096 # الحكم الخامس: ويستحب أن تكون الخطبة قريبة من الأفهام بليغة في الوعظ خلية ~~من غريب الكلام ووحشيه مؤداة على ترتيل مائلة إلى القصر لما روى ابن عباس ~~رضي الله عنه أن الرسول خطب يوما فقال: ((الحمد لله نستعينه ونستنصره ~~ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد ~~الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ~~ورسوله فقد غوى)) (1). # وروي عن الرسول أنه خطب فقال: ((ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر ~~والفاجر، والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، ألا وإن الخير بحذافيره في ~~الجنة، ألا وإن الشر بحذافيره في النار، ألا فاعملوا وكونوا من الله على ~~حذر، واعلموا أنكم معرضون على أعمالكم من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره)) (2). # وروى جابر أن الرسول خطب يوم الجمعة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال ~~على أثر ذلك: وعلا صوته واشتد غضبه واحمرت وجنتاه كأنه منذر جيش ((بعثت أنا ~~والساعة كهاتين)) وأشار بالسبابة والوسطى ثم قال: ((إن أفضل الحديث كتاب ~~الله وخير الهدي هدي محمد، شر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة من ترك مالا ~~فلأهله، ومن ترك ضياعا أو عيالا فإلي))(3) # والهدى بفتح الهاء وتسكين الدال هي الطريقة يقال: فلان حسن الهدى. أي: ~~حسن الطرائق وحسن المذاهب قاله الهروي في غريبه والضياع بفتح الضاد العيال. ~~قال العتيبي هو مصدر ضاع يضيع ضياعا فجاء بالمصدر نائبا عن الإسم كما جاء ~~المصدر في قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}[المائدة:95] نائبا عن ~~الإسم، فأما من رواه بالكسر في الضاد فهو محتمل لمعنيين: PageV04P097 # أحدهما: أن يكون جمعا لضائع كجائع وجياع. # وثانيهما: أن يكون جمعا لضيعة كقولك: حربة وحراب، فهذه خطب الرسول مشتملة ~~على ما ذكرناه. # الحكم السادس: ويجب أن يأتي بالخطبة بالعربية لأن الرسول والخلفاء بعده ~~كانوا يخطبون ms1583 بالعربية وقد قال الرسول : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فإن ~~لم يوجد فيهم من يحسن العربية أجزأهم ذلك لأجل العذر، ويجب أن يتعلم واحد ~~منهم العربية. # ويستحب: تقصير الخطبة وتطويل الصلاة لما روي عن الرسول أنه قال: ((طول ~~صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه2))(1). # والمئنة: بهمزة ونون: القوة(2). # ويستحب: أن يخطب على شيء مرتفع كالمنبر والدرجة والحجر لما روي عن الرسول ~~أنه لما دخل المدينة خطب على جذع مستندا إليه في المسجد ثم وضع له منبر ~~فصعده، وتحول إليه فحن الجذع حتى سمعه أهل المسجد فضمه فسكن(3)، # لأنه أبلغ في الإعلام. # ويستحب: أن يكون المنبر ثلاث مراق من غير زيادة ويكره أن يكون منيفا ~~عاليا لما روي أن منبره كان ثلاث مراق وإنما كره علوه لمخالفته لمنبر رسول ~~الله ، ولأن هذا دأب الظلمة وأهل الجور. # ويستحب: أن يكون المنبر عن يمين المحراب وهو الموضع الذي يكون عن يمين ~~الإمام إذا توجه للقبلة لأن الرسول وضع منبره على هذه الصفة. # ويستحب للإمام: إذا دخل المسجد أن يسلم على الناس عند دخوله فإذا بلغ ~~المنبر صلى ركعتين تحية المسجد، لما روي عن الرسول أنه قال: ((لكل شيء تحية ~~وتحية المسجد ركعتان))(4) PageV04P098 ثم يصعد فإذا بلغ الدرجة التي يستريح بالقعود عليها التفت إلى الناس، وهل ~~يسلم عليهم أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يسلم لما روي أن الرسول كان يسلم على من عند المنبر ثم يصعد ~~فإذا استقبل الناس بوجهه سلم أيضا. # وثانيهما: أنه لا يسلم ويكره السلام. وهذا هو المحكي عن مالك، وأبي حنيفة ~~لأنه قد سلم عند دخوله فلا معنى لإعادته. # الحكم السابع: والمختار: أنه إذا صعد المنبر التفت إلى الناس بوجهه ثم ~~يقعد للإستراحة من طلوع المنبر من غير سلام ثم يؤذن المؤذن فإذا فرغ من ~~أذانه قام للخطبة ثم يسلم على الناس قبل الخطبة لما روي عن الرسول أنه قال: ~~((السلام قبل الكلام))(1). # ولا يغنيه السلام الأول عند دخوله المسجد لما روي أن أصحاب رسول الله ~~كانوا إذا مروا ms1584 في طريق تحول بين بعضهم وبين بعض شجرة سلم بعضهم على بعض، ~~ولأن الأول سلام لأجل الملاقاة والمخالطة، والثاني سلام لأجل الكلام ~~والمخاطبة، فأحدهما مخالف للآخر، ثم يؤذن المؤذن في حال قعوده فإذا فرغ من ~~أذانه قام لخطبته. # ويستحب: أن يكون المؤذن واحدا لما روي عن الرسول أنه لم يكن يؤذن له يوم ~~الجمعة إلا واحد. # ويستحب: أن يعتمد عند أشتغاله بالخطبة على قوس أو سيف أو عكاز أو عصى، ~~لما روى الحكم بن حرب(2) # أن الرسول اعتمد على قوس في خطبته، ولأنه أسكن لجاشه وأثبت لقلبه عن ~~الإنزعاج والفشل والطيش، فإن لم يكن له شيء من ذلك سكن نفسه إما بأن يضع ~~يمينه على شماله، وإما بأن يرسل يديه لئلا يعبث بهما في تنقية أنفه ومسح ~~لحيته، وإما بأن يضع يديه على جانبي المنبر ويخطب خطبتين على ما مضى ~~تقريره. PageV04P099 # الحكم الثامن: ويستحب أن يقبل على الناس بوجهه ولا يستدبرهم، فإن خالف ~~واستقبل القبلة مستدبرا للناس لم يكن مجزيا، لأن الغرض هو خطابهم بالخطبة، ~~وهذا إنما يتأتى مع الإستقبال دون الإستدبار، وحكي عن الشافعي: جواز ذلك. ~~لكنه يكون مخالفا للسنة. # وهل يحول وجهه في أثناء الخطبة يمينا وشمالا أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: المنع من ذلك. وهذا هو المحكي عن الشافعي. # ووجهه: أن المقصود هو سماع الناس وهذا يحصل مع استقبالهم بوجهه فلا وجه ~~للتحويل. # وثانيهما: استحباب ذلك. كالأذان، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة. # والمختار: ما قاله أبو حنيفة، لأن المقصود إعلامهم، فلهذا استحب التحويل ~~ليكون الإعلام شاملا للجانبين، وإن ارتج على الإمام في الخطبة فتعذر عليه ~~الكلام؛ فالمستحب تلقينه والفتح عليه، لما روي عن الرسول أنه قرأ سورة هود ~~في الصلاة فالتبس عليه آية فركع فلما فرغ قال: ((أليس فيكم أبي))؟ قالوا: ~~بلى. فقال: ((هلا رددت علي))(1). # قال: إني ما كان الله ليراني وأنا أرد على رسول الله ، وروي عن أمير ~~المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: إذا استطعمكم الإمام فأطعموه. أراد: يفتح عليه. # الحكم التاسع: وهل ms1585 يجوز شرب الماء البارد في حال الخطبة لتسكين العطش أو ~~للتبرد. # فحكي عن الشافعي: جوازه. وقال مالك والأوزاعي وأحمد بن حنبل: لا يجوز ~~ذلك. حتى قال الأوزاعي: إن فعل ذلك بطلت جمعته. # والمختار: جوازه. PageV04P100 # والحجة على ذلك: هو أن الكلام غير مبطل لها فهكذا شرب الماء والجامع بينهما ~~أنه فعل مباح فإذا لم يكن الكلام مبطلا لها فهكذا شرب الماء، فإن قرأ سجدة ~~في خطبته فنزل فسجد جاز ذلك، لما روي عن عمر أنه فعل ذلك، وإن تركها جاز ~~ذلك أيضا لما روي أن عمر قرأ السجدة في الجمعة الثانية فتهيأ الناس للسجود ~~فقال: أيها الناس على رسلكم فإن الله لم يكتبها علينا. ولم يسجد. والقعدة ~~التي تكون بين الخطبتين تكون مقدار قدر سورة الإخلاص، فإذا فرغ من الخطبة ~~الثانية نزل وابتدأ المؤذن الإقامة بحيث يوافق بلوغه المحراب الفراغ من ~~الإقامة. # الحكم العاشر: ويباح الكلام بعد خروج الإمام قبل أن يبتدئ بالخطبة على ~~ظاهر المذهب، وهو محكي عن الشافعي ومالك وأبي يوسف، ومحمد. لأن هذا الوقت ~~ليس فيه شغل عن سماع الموعظة فلهذا كان مباحا. # وهل يجوز الكلام ما بين الخطبة والصلاة أم لا؟ فالظاهر على المذهب: جوازه ~~لما روي عن الرسول : أنه كان إذا نزل عن المنبر والمؤذن يقيم للصلاة فيقوم ~~له الرجل فيحدثه ثم يجيبه ثم يتقدم للصلاة فلو كان مكروها لم يفعله، وحكي ~~عن أبي حنيفة كراهة ذلك. # والحجة على هذا: ما روي أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يركعون حتى يصعد ~~الرسول المنبر، فإذا صعد المنبر قطعوا الركوع، وكانوا يتكلمون حتى يبتدئ ~~بالخطبة، فإذا ابتدأ بها قطعوا الكلام، ففيما فعلوه دلالة على ما قلناه من ~~إباحة الكلام في الحالين اللذين ذكرناهما. # الحكم الحادي عشر: فإذا شرع الإمام في الخطبة فهل يجب الإنصات ويحرم ~~الكلام أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجب الإنصات ويحرم الكلام، وهذا هو المحكي عن الهادي ~~والناصر وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل والقول القديم للشافعي. # والحجة على هذا: ما ms1586 روي عن الرسول أن رجلا تكلم في حال الخطبة فقال ~~الرسول : ((لا جمعة لك)) (1). PageV04P101 # والحجة الثانية: روي أن رجلا سأل أبيا: متى نزلت هذه الآية؟ والإمام يخطب ~~فقال له أبي: ليس لك من صلاتك إلا ما لغوت. ثم سأل الرسول عن ذلك فقال: ~~((صدق أبي)) (1). # المذهب الثاني: جواز الكلام الخفيف الذي لا يشغل عن سماع الخطبة، وهذا هو ~~رأي القاسم ومحمد بن القاسم(2) # ومحمد بن يحيى والقول الجديد للشافعي. # والحجة على هذا: ما روى أنس بن مالك: أن رجلا دخل ورسول الله على المنبر ~~يوم الجمعة فقال: يا رسول الله متى تكون الساعة؟ فأشار الناس إليه أن اسكت. ~~فقال له رسول الله : عند الثالثة، ((ويحك ما أعددت لها))؟ فقال: ما أعددت ~~لها شيئا ولكني أحب الله ورسوله. فقال الرسول : ((أنت مع من أحببت))(3). # فلو كان الكلام محرما لأنكره الرسول ، فلما أجابه دل على جواز ذلك. # والمختار: ما قاله الهادي والناصر ومن تابعهما من منع الكلام وحظره في ~~حال الخطبة قليله وكثيره. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا وهو قوله : ((إذا قلت أنصت والإمام يخطب فقد لغوت))(4). # ظاهر هذا الخبر دال على المنع من الكلام قليله وكثيرة. # الحجة الثانية: قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا}[الأعراف:204]. فأمر بالإستماع والإنصات ولا شك أن الكلام يبطل ~~الإستماع والإنصات فلهذا كان ممنوعا محرما وبه قال ابن عباس وابن مسعود ~~وأبي بن كعب وابن عمر، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: من رأيته ~~يتكلم والإمام يخطب فاقرع رأسه بالعصى. # الحجة الثالثة: ولأنه ذكر جعل شرطا في صحة الصلاة للجمعة فيجب أن يكون ~~الكلام محرما منهيا عنه كالإفتتاح والقراءة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. PageV04P102 # قالوا: روى أنس بن مالك أن رجلا سأله في حال الخطبة متى الساعة؟ فأجابه، ~~فلو كان محظورا لأنكره عليه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلعله كان يخطب في غير الجمعة، أو كان قبل الشروع في الخطبة، ~~أو كان بعد الفراغ منها. # وأما ثانيا: فلأن هذا الخبر يعارضه ما ms1587 ذكرناه من الأخبار الدالة على ~~المنع من الكلام وإذا تعارضا وجب الترجيح، ولا شك أن أخبارنا أقوى وأشهر ~~ولأنها دالة على الخطر، وهذا الخبر يدل على الإباحة وما دل على الحظر أحق ~~بالقبول لما فيه من الإحتياط للدين. # ومن وجه آخر: وهو أن الإجماع منعقد على تحريم الكلام الكثير والمنع منه ~~لأنه يضاد الإستماع والإنصات اللذين أمر بهما فيجب أن يكون ممنوعا، ولا شك ~~أن الكلام اليسير يدعو إلى الكثير وليس هناك مانع فلو سوغنا الكلام القليل ~~لدعا إلى الكثير خاصة والنفوس مولعة بكثرة الكلام في أكثر الأحوال، ولكان ~~في ذلك إبطال الغرض من سماع الموعظة والذكر فلهذا كان المنع منه هو الأوجه ~~ليقع الإنتفاع بسماع الخطبة والإقبال إليها. # ومن وجه آخر: وهو أن الكلام الخفي يشغل عن سماع الخطبة الذي لا يدرك فكيف ~~حال الكلام الخفيف الذي يدرك هو لا محالة اشغل للقلب وأبعد عن سماع الوعظ ~~والتذكير كما قررناه. وقد نجز غرضنا من الكلام في الأحكام المتعلقة بالخطبة ~~ونرجع الآن إلى التفريع. # الفرع الخامس: فإذا فرغ الإمام من الخطبة نزل وصلى الجمعة ركعتين ولا ~~خلاف أن فرض الجمعة ركعتين مع الخطبتين وهو نقل الخلف عن السلف وفعله ~~الخلفاء الراشدون والأئمة السابقون، واختلف العلماء فيما المستحب من ~~القرآءة فيهما على أقوال أربعة: PageV04P103 # القول الأول: أن المستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة، وفي ~~الثانية بسورة ((المنافقون))، وهذا هو المحكي عن: القاسم والهادي والناصر ~~والشافعي، لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول كان يقرأ بهما في صلاة ~~الجمعة، وعن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه كان يقرأ بهما في صلاة ~~الجمعة. # القول الثاني: محكي عن مالك: أنه يقرأ في الأولى بسورة ((الجمعة))، وفي ~~الثانية بسورة ((الغاشية)). # القول الثالث: مروي عن أبي حنيفة وأصحابه أنه يقرأ بما شاء من القرآن ولا ~~تعيين هناك. # القول الرابع: محكي عن زيد بن علي أنه يقرأ في الأولى ((بحم السجدة)) وفي ~~الثانية ب((هل أتى على الإنسان)). # والمختار: أن الجواز حاصل في جميع ms1588 القرآن، ولكن الكلام إنما هو في ~~الأفضل، فالأفضل ما فعله الرسول وأمير المؤمنين كرم الله وجهه، فإن قرأ ~~غيرهما من القرآن أجزأ لما روي سمرة بن جندب أن الرسول قرأ في الأولى بسبح ~~اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بسورة الغاشية، وفي هذا دلالة على الجواز كما ~~ذكرناه، والجهر بالقرآءة في صلاة الجمعة هو السنة، وهذا هو رأي أئمة العترة ~~وفقهاء الأمة، وهو معمول عليه عند السلف والخلف، وروي عن بعض التابعين أنها ~~تكون سرارا محتجا بما روي عن الرسول أنه قال: ((صلاة النهار عجماء))(1). # فإن ظاهره غير معمول عليه لأن صلاة الفجر من صلاة النهار وهي مجهور بها، ~~وإنما أراد أن الأكثر من صلاة النهار عجماء، فهذا ما أردنا ذكره في شروط ~~الجمعة. PageV04P104 # --- ### ||| AUTO القول في المكان # ولا بد من مراعاته، وهل يجب أن يكون مصرا أو قرية أو محلة أو دربا؟ فيه ~~التردد الذي ذكرناه بين الأئمة والفقهاء فإنه قد مر الخلاف فيه وذكرنا من ~~قبل أن القاسمية يذهبون إلى أن المصر غير معتبر وأنها كما تقام في المصر ~~فإنها تقام في المحلة والدرب مما يكون مستوطنا لأهله. وأخرجنا من كان من ~~أهل الخيام الذين يظعنون بالمواشي ولا يكون لهم قرار في موضع دون موضع. وهو ~~رأي مالك، ومحكي عن الشافعي والناصر. # فأما زيد بن علي والباقر والمؤيد بالله وأبو حنيفة فيذهبون إلى أن الجمعة ~~لا تقام إلا في الأمصار والمدن. وقد مضى الكلام في الأدلة للفريقين، وذكر ~~المختار والانتصار له فأغنى عن الإعادة. PageV04P105 # --- ### ||| AUTO القول في الخطبتين # والخطبتان مشروعتان لما روي عن الرسول أنه كان يخطب في الجمعة خطبتين ~~يقعد بينهما، ولا خلاف في كونهما مشروعتين. وهل تكونان واجبتين أم لا؟ فيه ~~مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنهما واجبتان وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية ~~والناصرية، ومحكي عن الشافعي ومالك. # والحجة على هذا: هو أن الرسول لم يصل الجمعة إلا بخطبتين وقد قال: ((صلوا ~~كما رأيتموني أصلي)). # المذهب الثاني: أن الخطبتين مستحبتان، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري ~~وعبدالملك ms1589 الجويني وداود من أهل الظاهر. # والحجة على هذا: هو أن الرسول فعلهما والفعل ليس فيه دلالة على الوجوب ~~وإنما يحمل فعله على الاستحباب. # المذهب الثالث: أن الخطبة الواحدة كافية في الوجوب. وهذا شيء يحكى عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن المقصود بالخطبة إنما هو التعريف بفضل الجمعة ~~والحث عليها وتذكير الناس بالوعظ والخوف، وهذا حاصل بالخطبة الواحدة فلهذا ~~كانت كافية. # والمختار: ما عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء من القول بوجوبهما. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا}[الجمعة:9]. وظاهر الأمر للوجوب، وأحوال الجمعة مجملة وهي موكولة ~~إلى بيانه، وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ولم يكن يصلي الجمعة إلا ~~بالخطبتين فلهذا قضينا بوجوبهما، ولأنهما خلف عن الركعتين، قال عمر رضي ~~الله عنه: إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبتين. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: الفعل لا يدل على الوجوب. # قلنا: إنا لم نقل إن الفعل دلالة على الوجوب وإنما الفعل بيان لما أجمل ~~في الجمعة ودلالة الوجوب هي قوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله}[الجمعة:9]. ~~وقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فهاذان أمران، والأمر ظاهره يدل على ~~الوجوب إلا لدلالة تدل على كونه ندبا. # قالوا: الخطبة الواحدة كافية كما حكي عن أبي حنيفة. PageV04P106 # قلنا: الذي دل على وجوب الخطبة هو بعينه دال على كونهما خطبتين وهو الأمر ~~بقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). # قالوا: روي عن عمار أنه خطب فأوجز. وفي هذا دلالة على أن الذكر القليل من ~~الخطبة فيه كفاية فلهذا قلنا: بأن الواجب واحدة. # قلنا: الإيجاز لا يدل على عدم الوجوب فالواجب خطبتان، ويستحب إيجازهما. # قالوا: روي أن عثمان ارتج عليه على المنبر في الخطبة فقال: أيها الناس إن ~~أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم ~~إلى إمام قوال وأنا أستغفر الله لي ولكم. ونزل عن المنبر، وفي هذا دلالة ~~على أن الذكر القليل كاف فلهذا قدر بالخطبة الواحدة. # قلنا: عن هذا أجوبة: # أما أولا: فأكثر ms1590 ما في هذا أن هذا مذهب لعثمان واجتهاد له فلا يلزمنا قبوله. # وأما ثانيا: فلعله ارتج عليه بعدما أتى بالقدر الواجب الذي نذكره في ~~الخطبتين. # وأما ثالثا: فلعل هذا الكلام إنما كان في الخطبة الثانية بعد ذكر الواجب ~~منها وإذا كان ما قلناه محتملا بطل ما ذكروه. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: الطهارة من الحدث والنجاسة وستر العورة مشروعة في الخطبتين ~~لأن الرسول كان يخطب على هذه الصفة، وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ~~ولأن الخلفاء الراشدين والأئمة السابقين كانوا يفعلون ذلك، وقد قال : ((ما ~~رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)). # وهل تكون الطهارة من الحدث والنجس واجبة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن ذلك واجب، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو العباس وأبو ~~طالب، وهو قول الشافعي في الجديد. # والحجة على هذا: هو أنه ذكر في الصلاة فاشترط فيه الطهارة، دليله: تكبيرة ~~الإحرام للصلاة. # المذهب الثاني: أنه غير واجب، وهذا هو قول مالك، ومحكي عن أبي حنيفة، وهو ~~قول الشافعي في القديم. # والحجة على هذا: هو أنه ذكر يتقدم الصلاة فلم تشترط فيه الطهارة كالأذان. # والمختار: ما قاله السيد أبو طالب وأبو العباس ومن تابعهما. PageV04P107 # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو قوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). # وستر العورة واجب بالأدلة التي قدمناها في الصلاة على الوجوب. وهو أحد ~~قولي الشافعي، وقوله القديم: أنه غير واجب في الخطبة. # فإن أحدث في خطبته مسبوقا أو متعمدا بطلت وعليه أن يستأنفها لأن الخطبتين ~~بمنزلة الركعتين اللتين أسقطتا من الصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: ذكر يتقدم الصلاة فلم تجب [فيه الطهارة] كالأذان. # قلنا: المعنى في الأصل: أنه ليس شرطا في الصلاة بخلاف ما ذكرنا في ~~الخطبتين فإنهما شرط في صحة صلاة الجمعة فافترقا. # الفرع الثاني: والقيام مشروع في الخطبة لما جرت عليه عادة الرسول ومن ~~بعده أنهم كانوا يخطبون قياما. وهل يكون واجبا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه ليس واجبا، وهذا هو الذي ذكره أبو العباس، ms1591 ومحكي عن ~~أبي حنيفة وأحمد بن حنبل. # والحجة على هذا: هو أن الوجوب لا بد من دلالة عليه. ومطلق الفعل لا يدل ~~على الوجوب لأنه لا ظاهر للفعل، والذي يقطع من الفعل على كونه مباحا، فأما ~~دلالته على الوجوب والندب فلا بد من دلالة خارجة. # المذهب الثاني: أنه واجب وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى جابر بن سمرة أنه قال: كان الرسول يخطب الخطبتين ~~وهو قائم ثم يجلس ثم يقوم. فمن حدثك أنه كان يخطب قاعدا فقد كذب فقد صليت ~~خلفه أكثر من ألف صلاة وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). # فإن قعد لعذر أو مرض أجزأه كما جاز ذلك في الصلاة. # والمختار: هو الوجوب كما قاله الشافعي. # والحجة على ذلك: هو أن المعلوم من حال الرسول وحال الخلفاء بعده وحال ~~الأئمة أنهم ما كانوا يخطبون إلا قياما، ولم يحك عن أحد منهم أنه خطب قاعدا ~~فلو كان جائزا لفعل على ممر الدهور وتكرر الأعصار وفي هذا دلالة على ~~الوجوب. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. PageV04P108 # قالوا: الفعل لا دلالة فيه على الوجوب بمطلقه بل لا بد من دلالة غير مطلقة ~~ولا دلالة فلهذا قضينا بالاستحباب فيه لفعل الرسول . # قلنا: تكرر العادات من جهة الرسول وعادة الخلفاء والأئمة دلالة زائدة على ~~مطلق الفعل، فلأنه لو كان مستحبا لجاز تركه على العادات المتكررة. # الفرع الثالث: القعود بين الخطبتين مشروع لفعل الرسول . وهل هي(1) # اجبة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها سنة مستحبة وهذا هو الذي ذكره السيدان أبو طالب وأبو ~~العباس، وهو محكي عن أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل. # والحجة على هذا: هو أنا لم نأخذ الدلالة عليها إلا من جهة فعل الرسول ، ~~ومطلق الفعل ليس فيه دلالة على الوجوب وإنما دليل على كونها سنة مستحبة. # المذهب الثاني: أنها واجبة وهذا هو المحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى جابر بن سمرة أن الرسول كان يفصل بين الخطبتين بجلسة. # فإن خطب قاعدا لأجل العجز والمرض، فصل ms1592 بينهما بسكتة. وإن كان لا يقدر على ~~القعود فصل بينهما بسكتة أيضا. # والمختار: هو الوجوب. # والحجة عليه: هو أن الذي دل على وجوب القيام في الخطبتين هو بعينه دال ~~على وجوب القعدة بينهما فلا وجه لتكريره. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: الفعل لا دلالة فيه على الوجوب. # قلنا: قد أجبنا عن هذا في الدلالة على وجوب القيام فأغنى عن تكريره. # الفرع الرابع: في الذكر الذي تشتمل عليه الخطبتان. # ويشتمل على أحكام(2) نفصلها. # والذكر مشروع في الخطبتين لا خلاف فيه، وإنما الخلاف فيما يكون واجبا وما ~~يكون مسنونا. # الحكم الأول: المشروع من الذكر في الخطبة الأولى أمور أربعة: # أولها: حمدالله تعالى. # وثانيها: الصلاة على الرسول . # وثالثها: الموعظة لمن حضر من المسلمين وتعريفهم فضل الجمعة وحثهم على ~~فروضها وسننها. # ورابعها: قرآة سورة من المفصل أو ثلاث آيات. PageV04P109 # والمشروع في الخطبة الثانية أمور أربعة: # أولها: حمدالله تعالى. # وثانيها: الصلاة على الرسول . # وثالثها: الدعاء للإمام المخطوب له بالإعانة له على ما يحمله من أمور ~~المسلمين، وإن خاف من ذكره كنى عنه. # ورابعها: الدعاء للمسلمين والمسلمات. # فهذه الأمور كلها مشروعة لأنه قد جرى عمل المسلمين على فعلها والمواضبة عليها. # الحكم الثاني: قرآة سورة من المفصل أو ثلاث آيات، وهل تكون واجبة أم لا؟ # فالظاهر من المذهب وجوبها على ما ذكره السيد أبو طالب وهو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى سمرة بن جندب عن الرسول أنه كان يخطب قائما ويقرأ ~~آيات(1). وحكي عن الشافعي أنه ذكر في (الإملاء) أنها غير واجبة، والصحيح من ~~مذهبه ما ذكره في (الأم) من وجوبها. # وفي محل القرآة ثلاثة أقوال: # القول الأول: أن محلها هو آخر الخطبة الأولى دون الثانية، وهذا هو المحكي ~~عن السيد أبي طالب، وهو المذكور في (الإيضاح) عن الشافعي. # القول الثاني: أن محلها في كل واحدة من الخطبتين لأن كل ما كان واجبا في ~~إحدى الخطبتين فهو واجب في الأخرى، وهذا محكي عن بعض أصحاب الشافعي. # القول الثالث: أن محلها إحدى الخطبتين لا على ms1593 جهة التعيين. وهذا أيضا ~~مذكور عن بعض أصحاب الشافعي. # والأمر في هذا قريب لكن الأولى ما قاله أبو طالب؛ لأن عمل الأئمة قد جرى ~~عليه و((ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)). # الحكم الثالث: الذكر للإمام المخطوب له مشروع، وهل يكون واجبا أم لا؟ فيه رأيان: # الرأي الأول: أنه واجب، ذكره السيد أبو طالب. فيذكره إما بالتصريح، وإما ~~بالكناية لأن عمل المسلمين قد جرى بذلك. # والرأي الثاني: أنه غير واجب. وهذا هو الذي ذكره المؤيد بالله. # قال المؤيد بالله: فالتولية هي الواجبة، وأما ذكر الإمام المخطوب له فلا ~~أراه شرطا في صحتها ولا أرى له تأثيرا. PageV04P110 # وسئل عطاء عن ذكر الإمام فقال: إنه محدث. # وأما الدعاء للمسلمين وللإمام فهل يكون واجبا أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه واجب، وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب، وهو محكي عن المزني ~~من أصحاب الشافعي. # وثانيهما: أنه غير واجب؛ لأنه لا يجب في غير الخطبة فلا يجب في الخطبة. # وإن خطب بالناس رجل وصلى بهم آخر، فهل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه مجزي وهذا هو ظاهر المذهب، ومحكي عن أبي حنيفة والشافعي في ~~الجديد. # ووجهه: أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة فأشبه الأذان وقد تقرر أنه يجوز أن ~~يؤذن رجل ويصلي بالناس آخر. # وثانيهما: أن ذلك غير جائز وهو محكي عن الشافعي في القديم. # ووجهه: أن الخطبتين صارا عوضا عن الركعتين فكما لا يجوز ذلك في الصلاة ~~فهكذا الخطبتين. # والمختار: هو الأول، وإنما لم يجز ذلك في الصلاة لأن الشرط فيها الموالاة ~~بخلاف الخطبة مع الصلاة. # الحكم الرابع: الحمد يتعين لفظه ولا يقوم غيره مقامه، والصلاة على النبي ~~تتعين ولا يقوم غيرها مقامها، وأما الوعظ والتذكير فلا يتعين لفظهما لأن ~~المقصود هو التخويف والتحذير. وأبواب المواعظ وإن اتسعت مسالكها فهي راجعة ~~إلى الأمر بالطاعة والتحذير عن المعصية. والدعاء للمؤمنين والمؤمنات فلا ~~يتعين لأن المقصود بالدعاء هو الفوز بالجنة والبعد عن النار. والمستحب ألا ~~يقتصر في الدعاء على حظوظ الدنيا. # ويجب رفع ms1594 الصوت بالخطبة لأن المقصود هو إسماع الحاضرين الوعظ والتذكير ~~وسائر الأذكار ،وهذا لا يحصل بالإسرار فلهذا وجب اشتراط الجهر. # وأقل ما يجزي في الخطبة أن يقول الخطيب: الحمدلله والصلاة على رسول الله ~~أطيعوا الله يرحمكم الله، ويقرأ آية. # وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يجزيه، سبحان الله ولا إله إلا الله. # وعن أبي يوسف ومحمد: أنه لا يجزيه حتى يأتي بكلام يسمى خطبة في العادة. # وعن مالك روايتان: # إحداهما: أن كل من سبح أو هلل أعاد ما لم يصل. # والثانية: أنه لا يجزيه إلا ما تسميه العرب خطبة. PageV04P111 # والمختار: ما قاله أصحابنا من تلك الأنواع الأربعة. # والحجة على ما قلناه: قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله}[الجمعة:9]. ولم يبين كيفية الذكر، وكيفيته مأخوذة من فعل ~~الرسول وقد روي عن الرسول أنه كان يأتي في الخطبة بجميع ما ذكرناه. # الحكم الخامس: ويستحب أن تكون الخطبة قريبة من الأفهام، بليغة في الوعظ، ~~خلية من غريب الكلام ووحشيه، مؤداة على ترتيل، مائلة إلى القصر. لما روى ~~ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول خطب يوما فقال: ((الحمد لله نستعينه ~~ونستنصره ونستهديه. ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ~~من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن ~~يعص الله ورسوله فقد غوى))(1). # وروي عن الرسول أنه خطب فقال: ((ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر ~~والفاجر.، والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، ألا وإن الخير بحذافيره في ~~الجنة، ألا وإن الشر بحذافيره في النار، ألا فاعملوا وكونوا من الله على ~~حذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره)). # وروى جابر أن الرسول خطب يوم الجمعة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال ~~على إثر ذلك، وعلا صوته واشتد غضبه واحمرت وجنتاه ms1595 كأنه منذر جيش: ((بعثت ~~أنا والساعة كهاتين)) وأشار بالسبابة والوسطى ثم قال: ((إن أفضل الحديث ~~كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، شر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة من ترك ~~مالا فلأهله، ومن ترك ضياعا أو عيالا فإلي))(2) PageV04P112 والهدي بفتح الهاء وتسكين الدال: هي الطريقة. يقال: فلان حسن الهدي. أي: ~~حسن الطرائق وحسن المذاهب. قاله الهروي في غريبه. والضياع بفتح الضاد: ~~العيال. قال العتيبي: هو مصدر ضاع يضيع ضياعا. فجاء بالمصدر نائبا عن الإسم ~~كما جاء المصدر في قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}[المائدة:95] ~~نائبا عن الإسم. فأما من رواه بالكسر في الضاد فهو محتمل لمعنيين: # أحدهما: أن يكون جمعا لضائع كجائع وجياع. # وثانيهما: أن يكون جمعا لضيعة كقولك: حربة وحراب. # فهذه خطب الرسول مشتملة على ما ذكرناه. # الحكم السادس: ويجب أن يأتي بالخطبة بالعربية لأن الرسول والخلفاء بعده ~~كانوا يخطبون بالعربية وقد قال الرسول : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). فإن ~~لم يوجد فيهم من يحسن العربية، أجزأهم ذلك لأجل العذر، ويجب أن يتعلم واحد ~~منهم العربية. # ويستحب: تقصير الخطبة وتطويل الصلاة لما روي عن الرسول أنه قال: ((طول ~~صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه))(1). # والمئنة: بهمزة ونون: القوة(2). # ويستحب: أن يخطب على شيء مرتفع كالمنبر والدرجة والحجر، لما روي عن ~~الرسول أنه لما دخل المدينة خطب على جذع مستندا إليه في المسجد ثم وضع له ~~منبر فصعده، وتحول إليه فحن الجذع حتى سمعه أهل المسجد فضمه فسكن(3)، # ولأنه أبلغ في الإعلام. PageV04P113 # ويستحب: أن يكون المنبر ثلاث مراق من غير زيادة. ويكره أن يكون منيفا عاليا ~~لما روي أن منبره كان ثلاث مراق. وإنما كره علوه لمخالفته لمنبر رسول الله ~~، ولأن هذا دأب الظلمة وأهل الجور. # ويستحب: أن يكون المنبر عن يمين المحراب وهو الموضع الذي يكون عن يمين ~~الإمام إذا توجه للقبلة لأن الرسول وضع منبره على هذه الصفة. # ويستحب للإمام، إذا دخل المسجد: أن يسلم على الناس عند دخوله فإذا بلغ ~~المنبر صلى ركعتين تحية المسجد، لما روي ms1596 عن الرسول أنه قال: ((لكل شيء تحية ~~وتحية المسجد ركعتان))(1) # ثم يصعد فإذا بلغ الدرجة التي يستريح بالقعود عليها التفت إلى الناس، وهل ~~يسلم عليهم أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يسلم لما روي أن الرسول كان يسلم على من عند المنبر ثم يصعد ~~فإذا استقبل الناس بوجهه سلم أيضا. # وثانيهما: أنه لا يسلم ويكره السلام. وهذا هو المحكي عن مالك، وأبي ~~حنيفة. لأنه قد سلم عند دخوله فلا معنى لإعادته. # الحكم السابع: والمختار: أنه إذا صعد المنبر التفت إلى الناس بوجهه ثم ~~يقعد للإستراحة من طلوع المنبر من غير سلام ثم يؤذن المؤذن فإذا فرغ من ~~أذانه قام للخطبة ثم يسلم على الناس قبل الخطبة لما روي عن الرسول أنه قال: ~~((السلام قبل الكلام))(2). # ولا يغنيه السلام الأول عند دخوله المسجد لما روي أن أصحاب رسول الله ~~كانوا إذا مروا في طريق تحول بين بعضهم وبين بعض شجرة سلم بعضهم على بعض، ~~ولأن الأول سلام لأجل الملاقاة والمخالطة، والثاني سلام لأجل الكلام ~~والمخاطبة، فأحدهما مخالف للآخر، ثم يؤذن المؤذن في حال قعوده فإذا فرغ من ~~أذانه قام لخطبته. # ويستحب: أن يكون المؤذن واحدا لما روي عن الرسول أنه لم يكن يؤذن له يوم ~~الجمعة إلا واحد. PageV04P114 # ويستحب: أن يعتمد عند اشتغاله بالخطبة على قوس أو سيف أو عكاز أو عصى، لما ~~روى الحكم بن حزن(1) # أن الرسول اعتمد على قوس في خطبته(2)، # ولأنه أسكن لجأشه وأثبت لقلبه عن الإنزعاج والفشل والطيش، فإن لم يكن له ~~شيء من ذلك سكن نفسه إما بأن يضع يمينه على شماله، وإما بأن يرسل يديه لئلا ~~يعبث بهما في تنقية أنفه ومسح لحيته، وإما بأن يضع يديه على جانبي المنبر ~~ويخطب خطبتين على ما مضى تقريره. # الحكم الثامن: ويستحب أن يقبل على الناس بوجهه ولا يستدبرهم، فإن خالف ~~واستقبل القبلة مستدبرا للناس لم يكن مجزيا، لأن الغرض هو خطابهم بالخطبة، ~~وهذا إنما يتأتى مع الإستقبال دون الاستدبار. # وحكي عن الشافعي: جواز ذلك. لكنه يكون ms1597 مخالفا للسنة. # وهل يحول وجهه في أثناء الخطبة يمينا وشمالا أم لا؟ فيه وجهان: PageV04P115 # أحدهما: المنع من ذلك. وهذا هو المحكي عن الشافعي. # ووجهه: أن المقصود هو سماع الناس وهذا يحصل مع استقبالهم بوجهه فلا وجه ~~للتحويل. # وثانيهما: استحباب ذلك. كالأذان، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة. # والمختار: ما قاله أبو حنيفة، لأن المقصود إعلامهم، فلهذا استحب التحويل ~~ليكون الإعلام شاملا للجانبين. # وإن ارتج على الإمام في الخطبة فتعذر عليه الكلام؛ فالمستحب تلقينه ~~والفتح عليه، لما روي عن الرسول أنه قرأ سورة هود في الصلاة فالتبس عليه ~~آية فركع فلما فرغ قال: ((أليس فيكم أبي))؟ قالوا: بلى. فقال: ((هلا رددت ~~علي))(1). # قال: إني ما كان الله ليراني وأنا أرد على رسول الله ، وروي عن أمير ~~المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: إذا استطعمكم الإمام فأطعموه. أراد: يفتح عليه. # الحكم التاسع: وهل يجوز شرب الماء البارد في حال الخطبة لتسكين العطش أو ~~للتبرد؟ # فحكي عن الشافعي: جوازه. # وقال مالك والأوزاعي وأحمد بن حنبل: لا يجوز ذلك. حتى قال الأوزاعي: إن ~~فعل ذلك بطلت جمعته. # والمختار: جوازه. # والحجة على ذلك: هو أن الكلام غير مبطل لها فهكذا شرب الماء. والجامع ~~بينهما: أنه فعل مباح فإذا لم يكن الكلام مبطلا لها فهكذا شرب الماء. # فإن قرأ سجدة في خطبته فنزل فسجد جاز ذلك، لما روي عن عمر أنه فعل ذلك، ~~وإن تركها جاز ذلك أيضا لما روي أن عمر قرأ السجدة في الجمعة الثانية فتهيأ ~~الناس للسجود فقال: أيها الناس على رسلكم فإن الله لم يكتبها علينا. ولم يسجد. # والقعدة التي بين الخطبتين تكون مقدار قدر سورة الإخلاص. # فإذا فرغ من الخطبة الثانية نزل وابتدأ المؤذن الإقامة بحيث يوافق بلوغه ~~المحراب الفراغ من الإقامة. PageV04P116 # الحكم العاشر: ويباح الكلام بعد خروج الإمام قبل أن يبتدئ بالخطبة على ظاهر ~~المذهب، وهو محكي عن الشافعي ومالك وأبي يوسف، ومحمد. لأن هذا الوقت ليس ~~فيه شغل عن سماع الموعظة فلهذا كان مباحا. # وهل يجوز الكلام ما بين ms1598 الخطبة والصلاة أم لا؟ # فالظاهر على المذهب: جوازه لما روي عن الرسول : أنه كان إذا نزل عن ~~المنبر والمؤذن يقيم للصلاة فيقوم له الرجل فيحدثه ثم يجيبه ثم يتقدم ~~للصلاة. فلو كان مكروها لم يفعله. # وحكي عن أبي حنيفة: كراهة ذلك. # والحجة على هذا: ما روي أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يركعون حتى يصعد ~~الرسول المنبر، فإذا صعد المنبر قطعوا الركوع، وكانوا يتكلمون حتى يبتدئ ~~بالخطبة، فإذا ابتدأ بها قطعوا الكلام، ففيما فعلوه دلالة على ما قلناه من ~~إباحة الكلام في الحالين اللذين ذكرناهما. # الحكم الحادي عشر: فإذا شرع الإمام في الخطبة فهل يجب الإنصات ويحرم ~~الكلام أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجب الإنصات ويحرم الكلام، وهذا هو المحكي عن الهادي ~~والناصر وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، والقول القديم للشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أن رجلا تكلم في حال الخطبة فقال ~~الرسول : ((لا جمعة لك)) (1). # والحجة الثانية: روي أن رجلا سأل أبيا: متى نزلت هذه الآية؟ والإمام يخطب ~~فقال له أبي: ليس لك من صلاتك إلا ما لغوت. ثم سأل الرسول عن ذلك فقال: ~~((صدق أبي)) (2). # المذهب الثاني: جواز الكلام الخفيف الذي لا يشغل عن سماع الخطبة، وهذا هو ~~رأي القاسم ومحمد بن القاسم ومحمد بن يحيى، والقول الجديد للشافعي. PageV04P117 # والحجة على هذا: ما روى أنس بن مالك: أن رجلا دخل ورسول الله على المنبر ~~يوم الجمعة فقال: يا رسول الله متى تكون الساعة؟ فأشار الناس إليه أن اسكت. ~~فقال له رسول الله عند الثالثة: ((ويحك ما أعددت لها))؟ فقال: ما أعددت لها ~~شيئا ولكني أحب الله ورسوله. فقال الرسول : ((أنت مع من أحببت))(1). # لو كان الكلام محرما لأنكره الرسول ، فلما أجابه دل على جواز ذلك. # والمختار: ما قاله الهادي والناصر ومن تابعهما من منع الكلام وحظره في ~~حال الخطبة، قليله وكثيره. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا وهو قوله : ((إذا قلت أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)). فظاهر ~~هذا الخبر دال على ms1599 المنع من الكلام قليله وكثيره. # الحجة الثانية: قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا}[الأعراف:204]. فأمر بالاستماع والإنصات ولا شك أن الكلام يبطل ~~الاستماع والإنصات فلهذا كان ممنوعا محرما. وبه قال ابن عباس وابن مسعود ~~وأبي بن كعب وابن عمر، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: من رأيته ~~يتكلم والإمام يخطب فاقرع رأسه بالعصى. # الحجة الثالثة: ولأنه ذكر جعل شرطا في صحة الصلاة للجمعة فيجب أن يكون ~~الكلام محرما منهيا عنه كالإفتتاح والقراءة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روى أنس بن مالك أن رجلا سأله في حال الخطبة: متى الساعة؟ فأجابه، ~~فلو كان محظورا لأنكره عليه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلعله كان يخطب في غير الجمعة، أو كان قبل الشروع في الخطبة، ~~أو كان بعد الفراغ منها. PageV04P118 # وأما ثانيا: فلأن هذا الخبر يعارضه ما ذكرناه من الأخبار الدالة على المنع ~~من الكلام وإذا تعارضا وجب الترجيح، ولا شك أن أخبارنا أقوى وأشهر، ولأنها ~~دالة على الخطر، وهذا الخبر يدل على الإباحة، وما دل على الحظر أحق بالقبول ~~لما فيه من الإحتياط للدين. # ومن وجه آخر: وهو أن الإجماع منعقد على تحريم الكلام الكثير والمنع منه ~~لأنه يضاد الاستماع والإنصات اللذين أمر بهما فيجب أن يكون ممنوعا، ولا شك ~~أن الكلام اليسير يدعو إلى الكثير وليس هناك مانع فلو سوغنا الكلام القليل ~~لدعا إلى الكثير خاصة والنفوس مولعة بكثرة الكلام في أكثر الأحوال، ولكان ~~في ذلك إبطال الغرض من سماع الموعظة والذكر، فلهذا كان المنع منه هو الأوجه ~~ليقع الإنتفاع بسماع الخطبة والإقبال إليها. # ومن وجه آخر: وهو أن الكلام الخفي الذي لا يدرك يشغل عن سماع الخطبة فكيف ~~حال الكلام الخفيف الذي يدرك؟ هو لا محالة اشغل للقلب وأبعد عن سماع الوعظ ~~والتذكير كما قررناه. # وقد نجز غرضنا من الكلام في الأحكام المتعلقة بالخطبة ونرجع الآن إلى ~~التفريع. # الفرع الخامس: فإذا فرغ الإمام من الخطبة نزل وصلى الجمعة ركعتين. ولا ~~خلاف أن فرض الجمعة ms1600 ركعتين مع الخطبتين وهو نقل الخلف عن السلف وفعله ~~الخلفاء الراشدون والأئمة السابقون، واختلف العلماء فيما [هو] المستحب من ~~القرآءة فيهما على أقوال أربعة: # القول الأول: أن المستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة ((الجمعة))، وفي ~~الثانية بسورة ((المنافقون))، وهذا هو المحكي عن القاسم والهادي والناصر ~~والشافعي، لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول كان يقرأ بهما في صلاة ~~الجمعة، وعن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه كان يقرأ بهما في صلاة ~~الجمعة. # القول الثاني: محكي عن مالك: أنه يقرأ في الأولى بسورة ((الجمعة))، وفي ~~الثانية بسورة ((الغاشية)). # القول الثالث: مروي عن أبي حنيفة وأصحابه: أنه يقرأ بما شاء من القرآن ~~ولا تعيين هناك. PageV04P119 # القول الرابع: محكي عن زيد بن علي: أنه يقرأ في الأولى ب((حم السجدة)) وفي ~~الثانية ب((هل أتى على الإنسان)). # والمختار: أن الجواز حاصل في جميع القرآن، ولكن الكلام إنما هو في ~~الأفضل، فالأفضل ما فعله الرسول وأمير المؤمنين كرم الله وجهه، فإن قرأ ~~غيرهما من القرآن أجزأ، لما روى سمرة بن جندب: أن الرسول قرأ في الأولى ~~ب((سبح اسم ربك الأعلى))، وفي الثانية بسورة ((الغاشية))، وفي هذا دلالة ~~على الجواز كما ذكرناه. # والجهر بالقرآءة في صلاة الجمعة هو السنة، وهذا هو رأي أئمة العترة ~~وفقهاء الأمة، وهو معمول عليه عند السلف والخلف. # وروي عن بعض التابعين أنها تكون سرارا محتجا بما روي عن الرسول أنه قال: ~~((صلاة النهار عجماء))(1). # فإن ظاهره غير معمول عليه لأن صلاة الفجر من صلاة النهار وهي مجهور بها، ~~وإنما أراد أن الأكثر من صلاة النهار عجماء. # فهذا ما أردنا ذكره في شروط الجمعة. PageV04P120 # --- ### ||| AUTO الفصل الثالث في بيان هيئة الجمعة # وهي من جملة الصلوات المفروضة لكنها تختص بسنن وآداب نفصلها ونشرحها ~~كالغسل واللباس والتزين وغير ذلك من السنن. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: الغسل سنة ومشروع. # والحجة على هذا: قوله : ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل ~~فالغسل أفضل. ))(1). # فجعل الغسل في يوم الجمعة أفضل، فدل على ms1601 أنه غير واجب، ومعنى قوله: ~~((فبها ونعمت)). أي: فبالفريضة أخذ ونعمت الخلة الفريضة. # وحكي عن أبي عبيد الهروي عن الأصمعي أنه قال: فبالسنة أخذ ونعمت الفضيلة السنة. # وقال بعضهم: فبالرخصة أخذ ونعمت. لما فيها من تخفيف التكليف. # الحجة الثانية: ما روى عثمان بن عفان: أنه دخل المسجد وعمر يخطب على ~~المنبر فقال: أي ساعة هذه؟ فقال عثمان: كنت في السوق فلم أشعر أن سمعت ~~النداء فما زدت على أن توضأت وجئت. فقال عمر: والوضوء أيضا. وقد علمت أن ~~رسول الله كان يأمر بالغسل. فأقره عمر على ترك الغسل بمحضر من الصحابة، ولو ~~كان واجبا لم يجز تركه، ولم يقره عليه. # وهل يكون واجبا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه غير واجب، وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية ~~والناصرية، وهو محكي عن أكثر الفقهاء. # والحجة على هذا: قوله : ((من غسل واغتسل وبكر وابتكر ولم يرفث خرج من ~~ذنوبه كيوم ولدته أمه)) (2). PageV04P121 # ومعنى قوله: بكر إلى صلاة الصبح، وابتكر: راح إلى الجمعة في الساعة الأولى ~~لما فيه من الفضل كما سنقرره، وإنما قال: ((ابتكر)). مبالغة في اللفظ لما ~~فيه من أعمال الجوارح في المسير إلى الجامع أو إلى الجبان بخلاف قوله: ~~((بكر)). فإنه ليس فيه مشقة في الخروج للصلاة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ~~{لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت }[البقرة:286]. فظاهره دال: على أن الله ~~يجزي على الفعل الخير بأدنى ملابسة، ولا يجزي على الشر إلا بأعمال الجوارح ~~وإتعابها في المعصية، ومعنى قوله: ((غسل واغتسل)). ففي قوله: ((غسل)). ~~روايتان: # الأولى: بالتخفيف. ومعناه: غسل أعضاء الوضوء وغسل جميع البدن. # الثانية: بالتثقيل. ومعناه: غسل غيره واغتسل، وفيه إشارة إلى استحباب ~~الوطء في يوم الجمعة؛ لما فيه من إيجاب الغسل على الغير. # المذهب الثاني: أن الغسل واجب، وهذا هو المحكي عن الحسن البصري، وداود ~~وطبقته من أهل الظاهر. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)) (1). # وقوله : ((حق على كل مسلم ms1602 أن يغتسل في كل ثمانية أيام يوما)) (2). # والمختار: ما عليه علماء العترة ومن تابعهم من علماء الأمة [من أن الغسل ~~غير واجب]. # وحجتهم: ما ذكرناه. PageV04P122 # ونزيد هاهنا: وهو ما رواه أبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، عن الرسول أنه قال: ~~((من اغتسل يوم الجمعة واستن واستاك ولبس أجد ما يجد من الثياب وخرج ولم ~~يتخط رقاب الناس وركع ما شاء الله أن يركع وأنصت إذا خرج الإمام كان كفارة ~~ما بين تلك الجمعة إلى الجمعة قبلها))(1). # ووجه الدلالة في الخبر: وهو أنه عطف على الغسل هذه الأشياء المسنونة ومن ~~حق المعطوف أن يشارك المعطوف عليه في حكمه، فإذا كان المعطوف مسنونا كان ~~المعطوف عليه مثله في السنة حتى يتسق الكلام ويتناسب. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((حق على كل مسلم أن يغتسل في كل ثمانية ~~أيام يوما )). # قلنا: ليس في الخبر إلا ذكر الحق، والحق كما يكون واجبا فقد يكون سنة. ~~فإذن لا دلالة في ظاهر الخبر. # قالو: روي عن الرسول أنه قال: ((غسل الجمعة واجب على كل مسلم )). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الواجب لفظ مشترك بين وجوب الاختيار ووجوب الإلزام. # ونعني بوجوب الاختيار: أن الفعل واجب عند توفر الداعية إليه لا يجوز تخلفه. # ونعني بالإلزام: أنه يستحق الذم على تركه إما بالعقل، وإما بالشرع، فلعل ~~الرسول أراد وجوب الاختيار لا وجوب الإلزام. # وأما ثانيا: فلأنا نعارض ما ذكروه بالأخبار التي رويناها، وإذا تعارضا ~~فلا بد من الترجيح، ولا شك أن أخبارنا مشهورة ظاهرة، فلهذا كان العمل عليها أرجح. # الفرع الثاني: الغسل يوم الجمعة، هل يسن لليوم أو للصلاة؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يسن للصلاة لقوله : ((من جاء منكم فليغتسل ))(2). # فعلى هذا لا يسن الغسل لمن لا يأتي الجمعة لعذر أو لغير عذر. PageV04P123 # وثانيهما: أنه يسن لليوم لقوله : ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم )). ~~فعلقه باليوم، وعلى هذا يسن لمن يحضر الصلاة ولمن لا يحضرها. # والمختار: أنه يسن لهما جميعا ونجمع ms1603 بين الأخبار في الدلالة ثم نحتمل أن ~~يكون كل واحد منهما مقصودا، فإن اغتسل يوم الجمعة ولم يصل كان موافقا ~~للسنة، وإن اغتسل قبل طلوع الفجر للصلاة كان موافقا للسنة، وإن اغتسل يوم ~~الجمعة للصلاة كان مطابقا للسنة. # ويجوز أن يكون أحدهما مقصودا والآخر تابعا، فيحتمل أن يكون المقصود هو ~~الصلاة واليوم تابع، ويحتمل أن يكون المقصود هو اليوم والصلاة تابعة. # والحجة على هذا: هو أن الأخبار قد دلت على تعليق السنة باليوم تارة ~~وبالصلاة مرة أخرى فلا جرم جمعنا بين الأخبار، وقلنا: إن السنة متعلقة بهما ~~جميعا على هذا التنزيل الذي ذكرناه والاحتمال الذي وجهناه، فإن اغتسل بعد ~~الفجر وراح إلى الجمعة عقيبه فقد أتى بالأفضل، وإن لم يرح عقيبه أجزأه ذلك. # وحكي عن مالك: أنه لا يجزيه. # والحجة على ذلك: قوله : ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ، ومن اغتسل ~~فالغسل أفضل)). ولم يفرق بين أن يروح عقيبه أو لا يروح. # وإن كان جنبا يوم الجمعة فاغتسل غسلين غسلا من الجنابة وغسلا ليوم الجمعة ~~فقد أتى بالأفضل لما روي عن الرسول أنه طاف على نسائه في ليلة واحدة فاغتسل ~~لكل وطء غسلا فقيل له: ألم يكن غسل واحد كافيا؟ قال: ((بلى. ولكن هذا أطيب ~~وأطهر ))(1). # فإذا كانت الغسلات الواجبة مع اتفاقها في الوجوب لم تتداخل فهكذا حال ~~الفرض والسنة لا يتداخلان أحق وأولى لاختلافهما. # وإن اغتسل غسلا واحدا عنهما أجزأه إذا نواه عنهما، لما روى نافع عن ابن ~~عمر أنه كان يغتسل يوم الجمعة غسلا واحدا عن الجنابة والجمعة، ولأنهما ~~غسلان ترادفا فأجزأه عنهما غسل واحد كما لو كان على المرأة غسل جنابة وغسل حيض. PageV04P124 # وإن اغتسل عن الجنابة في يوم الجمعة ولم ينو الجمعة أجزأ عن الجنابة. وهل ~~يجزيه عن الجمعة؟ فيه تردد. # والمختار: أنه لا يجزيه لأنه لم ينوه. والأعمال بالنيات. # وإن اغتسل ونوى الغسل للجمعة ولم ينو الجنابة التي عليه لم يجزه عن ~~الجنابة لأنه لم ينوه. وهل يجزيه عن الجمعة؟ فيه تردد. # والمختار: أنه لا ms1604 يجزيه لأن غسل يوم الجمعة غير واقع مع تحقق الجنابة. # وإن اغتسل بنية الجمعة وكان يوم عيد حصل له غسل العيد والجمعة جميعا، وإن ~~إغتسل بنية العيد وكان يوم جمعة حصل له العيد والجمعة معا، لأنهما غسلان ~~للنفل فتداخلا بخلاف الجمعة والجنابة فإنهما لا يتداخلان. # فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا: أن الغسلين من الفرض يتداخلان في النية ~~كما لو كان على المرأة غسل حيض وغسل جنابة فإن نية أحدهما تجزي عن نية ~~الآخر وإن لم ينوه؛ لأن الفرضية تجمعهما. وأن الغسلين من النفل يتداخلان ~~أيضا كما لو غسل عن العيد في يوم الجمعة أجزأه عن الجمعة وإن لم ينوه. أو ~~غسل عن الجمعة في يوم العيد أجزأه عن العيد وإن لم ينوه، لأن النفلية ~~تجمعهما، فلهذا كان مجزيا. # فأما الفرض فلا يدخل تحت النفل كما لو غسل بنية الجمعة لم يجزه عن ~~الجنابة، وهكذا فإن النفل لا يدخل في الفرض كما لو غسل عن الجنابة لم يجزه ~~عن الجمعة لإختلافهما. # الفرع الثالث: ويستحب مع الغسل يوم الجمعة أن يفعل أمورا ثمانية: # أولها: إزالة الشعور: حلق العانة ونتف الإبط. # وثانيها: تقليم الأظفار. وفي الحديث: ((يطلب أحدكم خبر السماء وأظفاره ~~كمخالب الطير )) (1). # وأراد بخبر السماء: إدراك العلوم الدينية فإنها من أخبار السماء. ولم يرد ~~من جهته وقت في تقليمها مخصوص، ولا ورد كيفية تقليمها لا من جهة الله تعالى ~~ولا من جهة رسوله، ولكن المقصود إزالتها على أي وجه كان. PageV04P125 # وثالثها: السواك. فقد ورد فيه من الفضل ما أوردناه في الطهارات فأغنى عن ~~الإعادة. # ورابعها: إزالة الروائح الكريهة باحتمال الطيب. # وخامسها: لبس أحسن ثيابه إذا وجدها. # وسادسها: ألا يتخطى رقاب الناس لما فيه من الأذية للمسلمين الحاضرين ~~للجمعة. # وسابعها: أن يركع ركعتين تحية المسجد. # وثامنها: الإنصات. لما روي عن الرسول أنه قال: ((من اغتسل يوم الجمعة ~~واستن - وعنى بالإستنان: إزالة الشعور- واستاك ولبس أحسن ما يجد من ثيابه ~~وخرج ولم يتخط رقاب الناس وركع ما شاء الله أن يركع وأنصت إذا خرج ms1605 الإمام ~~كانت كفارة لما بين تلك الجمعة إلى الجمعة قبلها))(1). # قال أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام لأن الله تعالى يقول: {من جاء بالحسنة ~~فله عشر أمثالها}[الأنعام:160]. وروي عن الرسول أنه قال في يوم الجمعة: ~~((يا معاشر المسلمين إن هذا اليوم جعله الله عيدا لجميع المسلمين فاغتسلوا ~~ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمسه)) (2). # وفي حديث آخر: ((ومن لا يجد طيبا يلتمس من قارورة أهله)). وفي حديث آخر: ~~((إذا عرض على أحدكم الطيب فليحتمله فإنه خفيف المؤنة طيب الرائحة)) (3). PageV04P126 # الفرع الرابع: ويستحب ذلك للعبيد والصبيان إذا أرادوا حضور الجمعة، ويستحب ~~للنساء التنظف بالغسل ونحو ذلك، ويكره لهن لباس الشهرة من الثياب والطيب ~~لأن ذلك يؤدي إلى الإفتتان بهن هذا إذا سوغنا لهن حضور الجمعة، فأما إذا ~~منعناهن لأجل الفتنة بهن فلا وجه لذلك. # ويستحب أن يلبس من الثياب البيض لقوله : ((البسوا البياض فإنه خير ثيابكم ))(1). # لأن البياض كان أكثر لباس رسول الله وكفن في ثلاثة أثواب[بيض] (2)، # ولم ينقل أنه لبس السواد إلا في فتح مكة فإنه دخلها وعليه عمامة سوداء. ~~فإن لم يجد البياض فعصب اليمن. وعصب اليمن: هي هذه الأبراد التي فيها ~~الخطوط التي يصبغ غزلها ثم ينسج، والغزل: هو العصب بالعين والصاد ~~المهملتين. والغزال: هو العصاب الذي ينسج العصب ويبيعه. # ويكره لبس الثياب المصبوغة بالورس والزعفران والعصفر، لما روي أن الرسول ~~رأى رجلا عليه ثوب مصبوغ بالحمرة فقال له: ((لو وضعت هذا في تنور أهلك لكان ~~خيرا لك)) لأنها من ثياب النساء. ولا يكره ما صبغ بالزرقة والفوة والنقم ~~لأنه لا زينة فيها، وقد شرحناه في لباس المصلي. # ويستحب أن يرتدي ويعتم لأن الرسول كان يفعل ذاك، وروي عن الرسول أنه قال: ~~((العمائم تيجان العرب ))(3). PageV04P127 # لأن لبس التاج من عادة ملوك العجم، وروي عن الرسول أنه قال: ((اعتموا ~~تزدادوا حلما ))(1). # وعن الرسول : أن الملائكة تكتب أصحاب العمائم. # ويستحب للإمام من هذه الأمور أكثر مما يستحب لغيره لأنه القدوة وعليه ~~العمدة في الإقتداء. # الفرع الخامس: يستحب التبكير إلى الجمعة ms1606 لما روى أبو هريرة عن الرسول أنه ~~قال: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما ~~قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة ~~الثالثة فكأنما قرب شاة)) وفي حديث آخر: ((كبشا أقرن)) ومن راح في الساعة ~~الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا ~~خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)) (2). # وروى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب ~~من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم الأول فالأول فإذا خرج ~~الإمام طويت الصحف)) (3). # ومن أين يكون تعيين هذه الساعات؟ فيه تردد. # والمختار: أن تعيينها يكون من طلوع الفجر لأنه أول اليوم، لأن اليوم ~~والليلة أربع وعشرون ساعة، اليوم إثنتا عشرة ساعة، والليلة إثنتا عشرة ساعة. # سؤال: أمر الله بالسعي بعد النداء بقوله: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا}[الجمعة:9]. وهو بعد الزوال فكيف ورد الاستحباب بالسعي قبل الزوال؟ # وجوابه: أن السعي المأمور به بعد الزوال هو الواجب، وذلك لا يمنع استحباب ~~السعي قبل الزوال لأن الوجوب لا يضاد الاستحباب. PageV04P128 # ويستحب: أن يمشي إلى الجمعة وعليه السكينة والوقار، ولا يركب من غير عذر، ~~لما روى أوس بن أوس " (1) # عن الرسول أنه قال: ((من غسل واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر ومشى ولم ~~يركب ودنى من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة أجر عمل سنة صيامها ~~وقيامها)) (2). # فإن كان عاجزا عن المشي لم يكره له الركوب لأنه معذور في الركوب كما عذر ~~في ترك القيام في الصلاة فهاهنا أحق وأولى. # ويستحب إذا بلغ باب المسجد، أن يصلي على الرسول ويقول: اللهم اجعلني من ~~أوجه من توجه إليك وأقرب من تقرب إليك وألحح من طلب إليك. # الفرع السادس: ويكره التخطي لرقاب الناس في يوم الجمعة إلا للإمام لأنه ~~معذور لأنه لا بد له من المحراب والمنبر الذي يصعد فوقه، ولما روي عن ~~الرسول : أنه خرج يتهادى بين اثنين من ms1607 مرضه حتى دخل المحراب. # وإن جلس رجل في موضع لم يجز لغيره أن يقيمه منه، لما روي عن الرسول أنه ~~قال: ((لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن يقول: تفسحوا ~~وتوسعوا)) (3). PageV04P129 # فإن قام الجالس وأجلس غيره لم يكره له أن يجلس فيه، فأما القائم عنه فإن ~~تقدم إلى موضع أقرب إلى الإمام لم يكره له ذلك، وإن كان أبعد من الإمام كره ~~له ذلك، لأنه آثر غيره بالقربة دون نفسه. # وإن أمر غلامه أن يحوز له موضعا يوم الجمعة فإذا جاء السيد تنحى الغلام ~~عنه جاز ذلك، لما روي أن ابن سيرين كان يفعل ذلك. # وإن وجد ثوبا مفروشا للصلاة لرجل في المسجد لم يجز له أن يجلس عليه، لأنه ~~لا يجوز الإنتفاع بمال الغير من غير إذنه من غير ضرورة، ولا يرفعه عن مكانه ~~لئلا يلزمه ضمانه، لكن ينحيه. # ويستحب إذا غشيه النعاس أن يقوم من موضعه إلى موضع آخر، لما روي عن رسول ~~الله أنه قال: ((إذا نعس أحدكم في مجلسه فليتحول إلى غيره ))(1). # ولا يشبك بين أصابعه لأن ذلك مكروه في الصلاة، وما دام ينتظر الصلاة في ~~الجمعة فهو في الصلاة، فلهذا كره الشبك في الجمعة. # ويستحب أن يقرأ سورة الكهف، لما روي عن الرسول أنه قال: ((من قرأ سورة ~~الكهف ليلة الجمعة أو يومها وقي فتنة الدجال)). وفي حديث آخر: ((من قرأ ~~سورة الكهف يوم الجمعة غفر الله له ما بين الجمعة إلى الجمعة ))(2). PageV04P130 # ويستحب أن يكثر من الصلاة على الرسول في يوم الجمعة وليلتها، لما روي عن ~~الرسول أنه قال: ((أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة فإني أسمع وأبلغ ))(1). # وفي حديث آخر: ((إن أقربكم إلي في الجنة أكثركم علي صلاة فأكثروا من ~~الصلاة علي في الليلة الغراء واليوم الأزهر)) (2). يعني: ليلة الجمعة ~~ويومها. # وتكره الحبوة(3) والإمام يخطب في الجمعة، لما روى سهل بن معاذ (4) # عن أبيه عن رسول الله : أنه نهى عن الحبوة في يوم الجمعة والإمام ~~يخطب(5). # رواه الترمذي واستحسنه، وروي ms1608 عن ابن عمر: جواز الحبوة. والأول أقوى لما ~~ذكرنا من الحديث. PageV04P131 # الفرع السابع: ويستحب: أن يصلي بعد الجمعة وقبلها ما كان يصلي في الظهر ~~قبله وبعده لأنها عوض عن الظهر إذا تكاملت شروطها، ويجوز الكلام الخفيف إذا ~~قعد الإمام بين الخطبتين كما لا يكره قبل خروجه للصلاة وعند نزوله عن ~~المنبر قبل إنتهائه إلى المحراب كما ذكرناه من قبل. # وإن سلم رجل والإمام يخطب فهل يرد السلام عليه أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنه لا يسلم عليه لأن الرجل سلم في غير موضع سلام فلهذا لم يكن ~~الجواب متوجها كما لو دخل وهم في الصلاة. # وإذا عرض ذكر الله تعالى بالتحميد والتعظيم وذكر صفاته الحسنى وذكر ~~الرسول فإنه يكره أن يكثر اللغط بالتسبيح والتهليل لله تعالى، وذكر الصلاة ~~على الرسول لأن ذلك كله يشغل الإمام عن الخطبة ويشغل المستمعين عن الإصغاء ~~للسماع. # والمستحب أن يقولوا ذلك سرا من غير علو الأصوات به لما ذكرناه. # ويكره الحصب بالحصى لمن يتكلم في أثناء الخطبة لأنه ليس معهودا، وروي عن ~~ابن عمر أنه كان يحصب بالحصى من تكلم في الخطبة، ولا بأس بالإشارة بالسكوت ~~إليه لأن الصحابة رضي الله عنهم أشاروا إلى الرجل الذي سأل عن الساعة، ولم ~~ينكر الرسول إشارتهم. # ويستحب إذا شم رائحة من الطيب في امرأة ممن يجوز لها حضور الجمعة ~~كالعجائز ومن لا رغبة للرجال فيهن، أن ينكر عليها، لما روي أن أبا هريرة ~~رأى امرأة تفوح منها رائحة المسك، فقال لها: تطيبت للجمعة؟ فقالت: نعم. ~~فقال لها: سمعت رسول الله يقول: ((أيما امرأة تطيبت للجمعة لم يقبل الله ~~صلاتها حتى ترجع إلى بيتها فتغتسل غسلها من الجنابة))(1). # الفرع الثامن: ومن دخل والإمام في صلاة الجمعة نظرت، فإن أدرك شيئا من ~~الخطبة ولو مقدار آية كان مدركا للجمعة، عند أئمة العترة والفقهاء. PageV04P132 # والحجة على ذلك: هو أن الخطبتين بمنزلة الركعتين، فإذا أدرك شيئا منها صار ~~كأنه أدرك ركعة ولا خلاف فيه، فإن لم يدرك شيئا من الخطبة فهل تكون ms1609 جمعة له ~~بإدراك ركعة من الصلاة، أو يكون ظهرا في حقه؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه إذا لم يدرك شيئا من الخطبة صلاها ظهرا، وهذا هو رأي ~~الهادي، ومحكي عن عمر بن الخطاب وعطاء وطاووس ومجاهد. # والحجة على هذا: ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: إنما جعلت الخطبتان ~~مكان الركعتين فمن لم يدرك الخطبة صلاها أربعا. ولم يرو خلافه عن أحد من ~~الصحابة فجرى مجرى الإجماع في كونه حجة. # الحجة الثانية: هو أن المصلي لم يلحق شرطا من شروطها فكان فرضه أن يصلي ~~أربعا كما لو لم يلحق الوقت أو لم يلحق الركعة الثانية من الجمعة. # المذهب الثاني: أنه يكون مدركا، وإن لم يدرك شيئا من الخطبة إذا أدرك ~~ركعة منها ويتمها جمعة، وهذا هو رأي زيد بن علي، ومحكي عن ابن عمر وابن ~~مسعود وأنس بن مالك من الصحابة رضي الله عنهم، والأوزاعي ومالك وأحمد بن ~~حنبل والثوري، وهو رأي أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه. # والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((من أدرك ركعة من ~~الجمعة فليصل إليها أخرى ))(1). # الحجة الثانية: ما روي عن الرسول أنه قال: ((من أدرك ركعة من الجمعة فقد ~~أدركها ، ومن أدرك دون الركعة صلاها ظهرا)) . # والمختار: ما قاله الإمام زيد بن علي ومن تابعه. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن المقصود من الجمعة إنما هو الصلاة فمن أدرك شيئا ~~منها فقد أدرك المقصود لأنها صلاة مفروضة فمن أدرك شيئا منها فقد أدركها ~~كالصلوات المفروضة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: الخطبتان بمنزلة الركعتين كما حكي عن عمر، ولا مخالف له من ~~الصحابة. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV04P133 # أما أولا: فلأن هذا مذهب لعمر فلا حجة فيه لأنه كسائر المجتهدين، وإنما ~~الحجة ما كان عن الله أو عن رسول الله . # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما رويناه من الأخبار الدالة بصرائحها على ~~ما ذهبنا إليه، فلا يمكن أن تعارض بمذاهب المجتهدين ولا بشيء من أنواع ~~الأقيسة فلهذا وجب ms1610 الإعتماد عليها. # قالوا: المصلي لم يلحق شرطا من شروط الجمعة فكان فرضه أن يصلي أربعا كما ~~لو لم يلحق الوقت. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا غير مقبول في مقابلة الأخبار الصريحة التي رويناها. # وأما ثانيا: فإنا نعارض هذه القياس بمثله فنقول: أدرك جزءا من الصلاة ~~فكان مدركا لها كما لو أدرك ركعة من الظهر. # أو نقول: ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن إدراكه إدراكا للصلاة كالأذان. # أو نقول: ذكر يتقدم الصلاة فلم يكن فواته مخلا بالصلاة كافتتاح الصلاة ~~على رأي الهادي. # قالوا: المأموم ممن تنعقد به صلاة الجمعة فوجب أن يكون إدراك الخطبة شرطا ~~في حقه كالإمام. # قلنا: المعنى في الأصل: كون الإمام هو الخاطب بخلاف المأموم فإنه ليس ~~خاطبا فلا جرم افترقا. # الفرع التاسع: ومن أدرك مع الإمام الركوع في الركعة الثانية فقد أدرك معه ~~الجمعة، فإذا سلم الإمام قام المأموم وأضاف إليها ركعة أخرى وسلم، وإن ~~أدركه بعد الركوع في الثانية فقد فاتته الجمعة، وما الذي يتوجه عليه في هذه ~~الحالة؟ فيه أقوال أربعة: # القول الأول: أنه ينوي الظهر لأنه فرضه بعد بطلان جمعته، وهذا هو مذهب ~~أئمة العترة، وأحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدركها، ومن أدرك ~~دون الركعة صلاها ظهرا)). فهذا نص فيما ذهبنا إليه. # القول الثاني: أنه يلزمه أن ينوي الجمعة لأن الإمام لم يسلم فلهذا كان ~~لاحقا به، وهذا أحد قولي الشافعي، ومحكي عن ابن عمر وابن مسعود وأنس بن ~~مالك ومالك والأوزاعي. PageV04P134 # والحجة على هذا: قوله : ((من أدركني فليكن على الحالة التي أنا عليها)) ~~فمهما لم يسلم الإمام فهو مدرك للصلاة معه. # القول الثالث: محكي عن أبي حنيفة، وهو أنه إذا أحرم خلف الإمام في التشهد ~~فإنه يكون مدركا للجمعة، وهكذا لو أحرم خلف الإمام وهو في سجدتي السهو بعد ~~السلام فإنه يكون مدركا للجمعة. # والحجة على هذا: هو أن الإمام مهما كان في الصلاة أو فيما يكون تتمة ~~للصلاة فإنه يتمها جمعة خلف ms1611 الإمام. # القول الرابع: أنه لا يكون مدركا للجمعة حتى يدرك الخطبة أو بعضا منها، ~~وهذا هو رأي الهادي ومحكي عن عمر، وقد ذكرناه من قبل فأغنى عن الإعادة. # والمختار: هو القول الأول، لأن الجمعة إنما تكون واجبة بتمام شروطها فإذا ~~بطل شرط منها رجع إلى الظهر لأنه هو الأصل كما مر تقريره. # فإن أدرك المأموم مع الإمام ركعة من الجمعة فلما جلس الإمام للتشهد ذكر ~~المأموم أنه ترك سجدة فإنه يسجدها ويتابع الإمام في التشهد فإذا سلم الإمام ~~أتى بركعة وعلى هذا يكون مدركا للجمعة. # فإن صلى الإمام الجمعة ثلاث ركعات ساهيا فدخل المأموم معه في الركعة ~~الثالثة ولم يعلم أنها ثالثة فصلاها معه فإنه لا يكون مدركا للجمعة لأن هذه ~~الركعة ليست من الجمعة في شيء، وعلى هذا يقوم المأموم ويأتي بثلاث ركعات. # وإن أدرك المأموم الإمام راكعا في الثانية ثم رفع الإمام رأسه من الركوع ~~وشك المأموم هل أدرك معه الركوع الجائز(1) # أم لا. فإنه لا يكون مدركا للجمعة بل يجب عليه أن يصلي الظهر أربعا لأن ~~الأصل هو عدم الإدراك. # وإن دخل المأموم مع الإمام ولم يدر أجمعة هي أم ظهرا فصلى معه ركعتين ~~ونوى بما يصليه الإمام، فهل يجزيه ذلك أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يجزيه ذلك؛ لأن الجمعة والظهر تختصان بوجه واحد، فإذا علق ~~نيته بنية الإمام أجزأه ذلك، وهذا هو رأي المؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة. PageV04P135 # وثانيهما: أنه لا يجزيه لا عن الجمعة ولا عن الظهر، وهذا هو المحكي عن ~~الشافعي. # والمختار: هو الأول لما ذكرناه. # الفرع العاشر: وإذا وقع الازدحام في يوم الجمعة لكثرة الناس وازدحم ~~المأموم عن السجود نظرت، فإن أمكنه السجود ففيه أقوال ثلاثة: # القول الأول: أنه يجوز له السجود على ظهر إنسان أو رأسه أو رجليه بحيث ~~إذا سجد كان على هيئة الساجدين بأن يكون رأسه منخفضا، وهذا هو الظاهر من ~~المذهب، وهو قول الشافعي في الجديد، وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور وأحمد بن ~~حنبل وإسحاق بن ms1612 راهويه. # والحجة على هذا: ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إذا اشتد ~~الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه. ولا مخالف له في الصحابة، فجرى ذلك مجرى ~~الإجماع في التصويب. # القول الثاني: أنه يكون بالخيار إن شاء سجد على ظهر إنسان أو على رأسه(1) # أو قدمه، وإن شاء صبر حتى يزول الزحام ثم يسجد على الأرض، وهذا هو قول ~~الشافعي في القديم، ومحكي عن الحسن البصري. # والحجة على هذا: هو أن هذه الحالة حالة ضرورة لأجل الازدحام فلهذا رددنا ~~الأمر إلى خيرته، فإن سجد على ظهر إنسان فهو معذور، وإن صبر حتى يمكنه ~~السجود على الأرض فهو معذور في التأخر عن الإمام. # القول الثالث: أنه لا يجوز له السجود على ظهر إنسان ولا على قدميه بل ~~يصبر حتى يسجد على الأرض وهذا هو قول مالك وعطاء والزهري. # والحجة على هذا: هو أن السجود على الأرض هو الواجب فلا يجوز تركه مع ~~إمكانه لقوله : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)). والإستطاعة هاهنا ~~حاصلة بالصبر وليس فيه إلا التأخر عن الإمام وهو مغتفر للضرورة في ~~الازدحام، وهو محكي عن الطبري من أصحاب الشافعي. PageV04P136 # وهذا هو المختار، ويدل عليه: أن متابعة الإمام واجبة، والسجود على الأرض ~~واجب، فإذا انتظر بالسجود حتى يفرغ المكان بقيام الناس إلى الركعة الثانية ~~ويقوم ويدرك الإمام في حال قيامه كان قد أتى بالأمرين جميعا ووفى حق ~~الفرضين، هذا كله إذا كان السجود ممكنا له، فإن كان لا يمكنه السجود على ~~حالة أصلا فإنه ينتظر زوال الزحام بكل حال، فإن زال وقد صار الإمام قائما ~~في الركعة الثانية فإن المأموم يسجد على الأرض ويتابع الإمام لأنه الواجب ~~عليه لقوله : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قام فقوموا وإذا قعد ~~فاقعدوا)). # ويستحب للإمام: أن يرتل القرآءة ويطولها ليتبعه المزحوم في صلاته فإذا ~~فرغ المزحوم من السجود وأدرك الإمام قائما في الركعة الثانية تبعه، ولا ~~كلام في هذا، وإن أدركه راكعا في الثانية لزمه أن يركع ms1613 مع الإمام ويمضي معه ~~في تمام صلاته. # الفرع الحادي عشر: ويكره الدق بالسيف عند صعود الإمام على المنبر وهو ~~بدعة لم ترد به السنة ولا فعله أحد من الخلفاء الراشدين ولا الأئمة ~~السابقين، ولكن أخذ به المتأخرون بدعة وضلالة. # ويستحب الدعاء عند صعود المنبر وأن يقول عند صعوده: بسم الله الرحمن ~~الرحيم اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم ارفع درجاتنا عندك يا أكرم ~~الأكرمين. وبأي دعاء أحب أن يدعو دعا. # ويستحب للإمام أن يبسط كفيه عند الدعاء على المنبر لما روي عن الرسول أنه ~~قال: ((سلوا الله ببطون أكفكم واستعيذوه بظهورها فإذا فرغتم من الدعاء ~~فامسحوا بها وجوهكم فإن الله يتعالى إذا بسطتموها أن يردها صفرا)) (1). # ويكره رفع اليدين حتى يحاذيا الصدر لأن ذلك هو الإبتهال ولم يفعله الرسول ~~إلا عند الاستسقاء. # والمستحب أن يبسط يديه على فخذيه، والتضرع أن يرفعهما قليلا، والإبتهال ~~أن يرفعهما حتى يحاذيا صدره. PageV04P137 # ويستحب للإمام إذا فرغ من صلاة الجمعة، أن يتجوز بركعتين، واختلف العلماء ~~في الصلاة قبل الجمعة وبعدها على أقوال خمسة حكاها الترمذي في صحيحه. # القول الأول: محكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه أمر أن يصلي قبل ~~الجمعة ركعتين وبعدها أربعا، وهذا لا يقوله إلا عن توقيف من جهة الرسول لأن ~~الباب باب عبادة فلا مساغ للإجتهاد فيه. # القول الثاني: حكاه ابن عمر، أن الرسول كان إذا انصرف من الجمعة صلى ~~ركعتين في بيته، وبه يقول الشافعي وأحمد بن حنبل. # القول الثالث: محكي عن سالم عن عمر بن الخطاب قال: كان الرسول يصلي بعد ~~الجمعة ركعتين ولم يذكر أنهما تكونان في البيت. # القول الرابع: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((من كان منكم مصليا ~~بعد الجمعة فليصل أربعا))(1). # القول الخامس: عن ابن مسعود قال: كان رسول الله يصلي قبل الجمعة أربعا ~~وبعدها أربعا. فهذه الأقوال كلها حكاها الترمذي. قال: إنها صحيحة حسنة وكل ~~واحد من هذه الأقوال قد ذهب [إليه] من ذهب من علماء التابعين واستقواه، ~~وكلها معمول عليها. ms1614 # وقد تم غرضنا من باب هيئة الجمعة وما يستحب فيها وما يكره والحمد لله رب ~~العالمين PageV04P138 --- ### ||| AUTO الفصل الرابع في حكم صلاة الجمعة إذا اختل شرط من شروطها # اعلم أنا قد ذكرنا أن صلاة الجمعة مشروطة بأمور قد ذكرناها وأشرنا إلى أن ~~الجمعة لا تصح إلا بها وبفعلها كالإمام والوقت والعدد والخطبتين، فإذا عرض ~~في أحد هذه الشرائط ما يبطلها فهل تكون جمعة أو ظهرا؟ ف # يه تردد وخلاف. ونحن نشير إلى كل واحد من هذه الأمور بكلام مفرد بمعونة ~~الله تعالى. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: وإذا نعي الإمام إلى الخاطب وقد ابتدأ الخطبة في يوم الجمعة ~~أو كان بعد فراغه من الخطبة، فإنه يتمها جمعة على رأي أئمة العترة في ~~إشتراط الإمام في إنعقادها وصحتها. فأما من لا يشترط الإمام الأعظم في ~~إنعقادها فإنها غير مشروطة بالإمام في الإبتداء فلا تكون مشروطة في التمام. # والحجة على ما قلناه من أنها جمعة: هو أن الإجماع منعقد على إتمامها جمعة. # ووجهه: هو أن الإمام إنما كان شرطا في انعقادها، عند القائلين بكونه ~~شرطا، لا في تمامها وكمالها، فإذا انعقدت على الصحة لم تبطل بموته ولأن ~~الخطبتين بمنزلة الصلاة، فإذا ابتدأها والإمام حي فقد انعقدت على الصحة كما ~~لو نعي الإمام بعد دخوله في الصلاة وشروعه فيها. # ووجه آخر وهو: أنها قد انعقدت في مبدأ الأمر على نعت الصحة فعروض الموت ~~لا يبطلها كما لو لم يمت الإمام. # الفرع الثاني: وإن مات الخطيب والإمام باق على الحياة فهل يجوز الاستخلاف ~~أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يجوز الاستخلاف، وهذا هو رأي الشافعي في القديم. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم: أنه أحرم بأصحابه في الصلاة ثم ذكر ~~أنه جنب فقال: ((على رسلكم)). فذهب فاغتسل وجاء ورأسه يقطر ماء فأحرم بهم ~~وصلى. فلو كان الاستخلاف جائزا في الصلاة لاستخلف من يصلي بهم، ولأن حكم ~~الإمام مخالف لحكم المأموم فلو جوزنا الاستخلاف لأدى إلى أن يكون ms1615 المأموم ~~إماما وهو متناقض. PageV04P139 # المذهب الثاني: جواز الاستخلاف. وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو قول الشافعي ~~في الجديد. # والحجة على هذا: ما روي أن الرسولصلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر ليصلي بالناس في مرضه ~~الذي مات فيه فأقام سبعة عشر يوما يصلي بالناس فوجد رسول اللهصلى الله عليه وسلم يوما من ~~نفسه خفة فخرج يتهادى بين العباس(1) # وأمير المؤمنين كرم الله وجهه فقام على يسار أبي بكر وصلى بالناس فصار ~~أبو بكر والناس مؤتمين برسول اللهصلى الله عليه وسلم بعد أن كان الناس مؤتمين بأبي بكر، وهذا ~~هو حقيقة الاستخلاف. # والمختار: ما قاله أئمة العترة[من جواز الاستخلاف]، وهو محكي عن مالك ~~وأبي حنيفة. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو ما روي أن الرسولصلى الله عليه وسلم خرج ليصلح بين بني عمرو بن عوف ~~فأقيمت الصلاة فتقدم أبو بكر رضي الله عنه فصلى بالناس بعض الصلاة فجاء ~~رسول اللهصلى الله عليه وسلم فلما رآه الناس أكثروا التصفيق، وكان أبو بكر لا يلتفت في ~~الصلاة فلما أكثروا التصفيق التفت فرأى رسول اللهصلى الله عليه وسلم فتأخر فقال له الرسولصلى الله عليه وسلم: ~~((أثبت مكانك)). وتقدم الرسولصلى الله عليه وسلم فصلى بهم(2)، # في هذا دلالة على الاستخلاف وجوازه. # الانتصار: يكن بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم: أنه صلى بهم وهو جنب ثم قال: ((على رسلكم)). ~~فاغتسل ولم يستخلف، فدل على منعه. # قلنا: إنما لم يستخلف ليدل على أن الاستخلاف ليس أمرا حتما واجبا، وإنما ~~هو على سبيل الجواز، فإن رأى الإمام أن يستخلف فلا بأس، وإن لم يستخلف صلوا ~~وحدانا وبنوا على صلاتهم. # قالوا: لو جاز الاستخلاف لصار المأموم إماما، وفي ذلك نوع من المناقضة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الشرع قد دل على ذلك فلا وجه يمنع منه، وتحكمات الشرع ~~كثيرة فلا وجه لإنكارها. PageV04P140 # وأما ثانيا: فلأن الوجه متغاير فلا معنى للمناقضة لأنه كان مأموما فيما مضى ~~من الصلاة وصار إماما فيما بقي منها بعد ms1616 حصول الحدث فبطلت المناقضة. # وإذا جوزنا الاستخلاف كما مر بيانه، فهل يبني على ما مضى من خطبته أو ~~يستأنفها؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يستأنفها سواء كان قد أتى ببعض الخطبة الأولى أو أتى ~~بكمالها، فإن أتى ببعضها استأنفها، وإن كان قد أكملها استأنفها لأنه عرض ما ~~يمنع من إتمامها فوجب الإستئناف كما لو أحدث. # وثانيهما: أنه يبني على ما فعله ولا يلزمه الإستئناف لقوله تعالى: {ولا ~~تبطلوا أعمالكم}[محمد:33]. فلو حكمنا عليه باستئناف الخطبة لكان ذلك إبطالا ~~لما فعله أولا. # الفرع الثالث: في نفورهم عن الإمام. # اعلم أن نفارهم عنه له ثلاثة أحوال: # الحالة الأول: أن يكون نفارهم في حالة الخطبة، فإن عادوا على القرب أو ~~خلف عوضهم آخرون، مضى في خطبته وبنى عليها، وإن مضى ركن من أركان الخطبة ~~كالحمد والصلاة على الرسولصلى الله عليه وسلم من غير حضور العدد ثم حضروا أعاد الخطبة لأنه ~~لا فائدة فيها من غير سماع العدد، وإن نفروا بعد سماع الأركان الأربعة وقبل ~~الدعاء للإمام المخطوب له فقد تمت الخطبة لأن ما هذا حاله فليس شرطا في صحة ~~الصلاة. # الحالة الثانية: أن يكون نفورهم بعد كمال الخطبة وقبل الصلاة، فإن طال ~~الزمان أعاد الخطبة لأن الموالاة بين الخطبة والصلاة واجبة خاصة على رأي من ~~يجعل الخطبتين بمنزلة الركعتين، وإن قصر الزمان فلا حاجة إلى إعادة الخطبة ~~هذا كله مع عودتهم، فإن لم يعد الخطيب الخطبة مع طول الفصل فقد أثم ~~النافرون لأنهم أخلوا بما وجب عليهم من الوقوف للسماع، وهل يأثم الخطيب أم ~~لا؟ فيه تردد. # فيحتمل أن يقال: إنه يأثم لأنه تمكن من الإعادة فلم يعد. # ويحتمل أنه يزول عنه الإثم لأنه قد أدى ما وجب عليه. # الحالة الثالثة: أن يكون نفورهم في أثناء الصلاة. وفيه أقوال خمسة: PageV04P141 # القول الأول: أنه إذا نقص العدد المعتبر في صحة الجمعة في حال الصلاة لم ~~تصح الصلاة، وهذا هو رأي أبي العباس وأحد أقوال الشافعي. # ووجهه: أن العدد شرط في إبتداء الصلاة فكان شرطا في استدامتها ms1617 كالوقت ~~والمكان. # القول الثاني: أنه إن بقي واحد أو اثنان أتم الجمعة، وهذا هو الذي حصله ~~السيد المؤيد بالله لمذهب الهادي، وهو أحد أقوال الشافعي. # ووجهه: هو أن العدد لا يمكن ضبطه في الإستمرار فوجب أن يكون شرطا في ~~الإنعقاد والإبتداء دون البناء والكمال. # القول الثالث: أنه إن بقي واحد أتم الجمعة لأنه مع الإمام يحصل لهما فضل ~~الجمعة لقولهصلى الله عليه وسلم: ((الإثنان فما فوقهما جماعة))(1). # وهذا هو أحد أقوال الشافعي. # القول الرابع: أنهم إن نفروا بعد أن صلى بهم ركعة، أتمها جمعة. وإن كان ~~قبل أن يصلي بهم ركعة، أتمها ظهرا، وهذا هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، ~~ومحكي عن المزني من أصحاب الشافعي، وبه قال مالك. # ووجهه: هو أنه قد تلبس بالجمعة وأتى ببعضها فوجب إكمالها. # القول الخامس: أنهم إذا نفروا بعد الإحرام بالجمعة وبقي وحده جاز أن ~~يقيمها جمعة، وهذا هو رأي المزني حصله لمذهب الشافعي. # والمختار من هذه الأقوال: ما قاله المؤيد بالله. # ووجهه: هو أن الله تعالى قال: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~وتركوك قائما}[الجمعة:11]. فالظاهر أن نفورهم إنما كان بعد دخولهم في ~~الصلاة، ولهذا قال: {وتركوك قائما}. فليس القيام إلا في حال الصلاة(2) PageV04P142 ولم يوبخهم الله تعالى على نفارهم ولا أثمهم به وإنما دعاهم إلى الخير، وفي ~~هذا دلالة على أن الرسولصلى الله عليه وسلم أتمها جمعة، ولو خرموا الجمعة بالنفار لوبخهم ~~الله تعالى وأثمهم، فدل ذلك على ما قلناه من إتمامها جمعة بعد الشروع فيها ~~وهو المطلوب. # الفرع الرابع: وإذا دخل وقت العصر والإمام في صلاة الجمعة، فهل تكون جمعة ~~أو يتمها ظهرا؟ فيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أنه مهما بقي وقت للاشتراك بين الظهر والعصر فهي جمعة لأنه ~~وقت لهما جميعا، وإن خرج وقت الإشتراك بدخول وقت الاختيار المحض فهي ظهر ~~وبنى عليها، وهذا هو الذي حصله السيد أبو طالب للمذهب، وهو رأي الشافعي. # ووجهه: أن وقت الإشتراك وقت للجمعة كما هو وقت للظهر، فلهذا كانت جمعة ~~ببقائه، ms1618 فإذا خرج فقد خرج وقتها وبطل شرط أدائها فيضيف إليها ركعتين حتى ~~تكون ظهرا لأنه هو الأصل فإذا بطل شرط الجمعة ببطلان وقتها عاد إلى الأصل ~~وهو الظهر. # المذهب الثاني: أنه إذا ابتدأها في وقت الظهر وامتدت إلى وقت العصر فإنه ~~يتمها جمعة، وهذا هو رأي السيد المؤيد بالله. # ووجهه: أنها قد انعقدت على الصحة فلا تبطل بعد صحتها. # المذهب الثالث: أنه إذا دخل وقت العصر بطلت الجمعة لبطلان وقتها ووجب ~~استئناف الظهر لأنه هو الأصل في الفرض عند بطلان الجمعة، وهذا هو رأي أبي حنيفة. # المذهب الرابع: أن وقت الجمعة ممتد إلى غروب الشمس، وهذا هو المحكي عن مالك. # وأقول: إن قول مالك لا غبار عليه، ويدل على ما قاله: حجج: # الحجة الأولى: قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله}[الجمعة:9]. # ووجه الحجة من الآية: هو أن الله تعالى أوجب السعي إلى الجمعة ولم يفصل ~~بين وقت ووقت فلهذا كانت مجزية إلى قبل غروب الشمس بما يتسع لصلاة العصر. PageV04P143 # الحجة الثانية: قولهصلى الله عليه وسلم: ((إن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري ~~هذا في عامي هذا)). ولم يفصل بين وقت ووقت، فدل ذلك على إجزائها، وقولهصلى الله عليه وسلم: ~~((الجمعة واجبة على كل مسلم)). ولم يفصل. وقولهصلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فعليه الجمعة)). ولم يفصل، وقولهصلى الله عليه وسلم: ((من ترك الجمعة ثلاثة ~~أسابيع من غير عذر طبع الله على قلبه)). فهذه الأخبار وغيرها كلها دالة على ~~ما قلناه من اتساع وقتها. # الحجة الثالثة: هو أن الأصل هو الظهر وهي بدل عنه ووقت البدل مثل وقت ~~المبدل منه لأنه قائم مقامه كما نقوله في سائر الأبدال والمبدلات، ولا شك ~~أن وقت الظهر ممتد إلى قبل غروب الشمس بما يتسع لصلاة العصر فيجب مثله في ~~وقت الجمعة من غير فرق بينهما فصار وقتها كوقت الظهر. فالأفضلية للوقت في ~~حق الجمعة هو أول الزوال، ووقت الاختيار لها من بعد ms1619 ما يتسع لها إلى أول ~~وقت العصر، ووقت الجواز إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، ووقت الكراهة من بعد ~~ذلك إلى غروب الشمس بما يتسع لصلاة العصر، كالظهر سواء. # الفرع الخامس: ولو أحدث الإمام في صلاة الجمعة نظرت، فإن كان الحدث في ~~الخطبة فقد قدمنا أن الطهارة شرط فيهما. فهل يجوز الاستخلاف فيهما أم لا؟ ~~فيه وجهان: # أحدهما: جواز الاستخلاف لأنهما بمنزلة الركعتين فلما جاز الاستخلاف في ~~الركعتين جاز الاستخلاف في الخطبتين، وهذا هو الذي يأتي كلام الهادي، وهو ~~أحد قولي الشافعي. # وثانيهما: أنه لا يجوز الاستخلاف فيهما؛ لأنهما ذكر يتقدم الصلاة فلم يجز ~~الاستخلاف فيهما كالأذان، وهذا هو الذي يأتي على كلام المؤيد بالله. # وإن كان الحدث بعد الفراغ من الخطبتين وقبل الإحرام للصلاة، جاز استخلاف ~~من سمع الواجبات من الخطبتين لأنهما بمنزلة الصلاة، ولا يجوز استخلاف من لم ~~يسمع ذلك. PageV04P144 # وإن كان الحدث في الركعة الأولى، نظرت فإن استخلف من أحرم معه في الصلاة ~~قبل الحدث، جاز ذلك سواء سمع الخطبة أو لم يسمعها، وسواء كان قبل الركوع أو ~~بعده؛ لأنه قد صار من أهل الجمعة ولا يجوز [أن يستخلف] من لم يكن دخل معه ~~في الصلاة لأنه يكون مبتدئا بالجمعة، ولا يجوز دخول جمعة على جمعة بخلاف من ~~قد دخل معه في الجمعة فإنه متبع وليس مبتدئا. فأما جواز الاستخلاف في غير ~~الجمعة فقد قررنا ما فيه في صلاة الجماعة فأغنى عن تكريره. # فهذا ما أردنا ذكره في إختلال الشرائط في الجمعة وبتمامه يتم الكلام في ~~صلاة الجمعة والله الموفق. PageV04P145 ### ||| AUTO القسم الأول: السنن التابعة للفرائض # وإنما بدأنا بهذا القسم [من السنن] لأمرين: # أما أولا: فلأنها تابعة للفرائض. فكما بدأنا بالفرائض ألحقنا بها ما ~~يتبعها، وفي هذا دلالة على تأكيدها من جهة الشرع. # وأما ثانيا: فلأنها تتكرر بتكرار الأيام والليالي كما تتكرر الفرائض. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: في أعدادها. وجملتها سنن أربع: # السنة الأولى: سنة الفجر ركعتان. وهما مؤكدتان لما روي عن الرسول أنه ms1620 ~~قال: ((حافظوا على ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل طردا ))(1). # وفي حديث آخر: ((حافظوا على ركعتي الفجر فإن فيهما رغب الدهر))(2). # وروت عائشة قالت: ما كان الرسول يعاهد على شيء من النوافل أشد من معاهدته ~~على ركعتين قبل الصبح(3). # وروى زيد بن علي عن علي أنه قال له الرسول : ((لا تدعن صلاة ركعتين بعد ~~طلوع الفجر قبل أن تصلي الفريضة في سفر ولا حضر فهو قول الله عز وجل: {ومن ~~الليل فسبحه وإدبار النجوم }[الطور:49]. وروت عائشة أن الرسول كان يصلي بين ~~أذان الفجر وإقامته ركعتين(4). PageV04P146 # والمستحب: أن يقرأ فيهما بسورة ((الكافرون)) وسورة ((الإخلاص)) لما روي ~~[عن] عبدالله بن مسعود أنه قال: ما أحصي ما سمعت رسول الله يقرأ في ~~الركعتين قبل الفجر ب{قل ياأيها الكافرون }[الكافرون:1] و{قل هو الله أحد ~~}[الإخلاص:1](1). # ويستحب في فعلهما: التخفيف، لما روي أن الرسول كان إذا صلاهما كأنه لم ~~يصلهما لسرعته في صلاتهما(2). # ويستحب فيهما: التغليس، لما روي عن الرسول أنه قال: ((أحشوهما في الليل ~~حشوا)). # السنة الثانية: ركعتا المغرب. ولا خلاف في كونهما سنة وفي كونهما ~~مشروعتين وفي استحباب فعلهما، لما روى زيد بن علي عن علي أنه قال له الرسول ~~: ((لا تدعن ركعتين بعد المغرب في سفر ولا حضر فإنها قوله تعالى: {وأدبار ~~السجود}[ق:40]. # ويستحب أن يقرأ فيهما بسورة ((الإخلاص)) وسورة ((الكافرون))، لما روي ~~[عن] ابن عمر أنه قال: سمعت رسول الله أربعا وعشرين مرة أو خمسا وعشرين مرة ~~يقرأ في ركعتي المغرب ب{قل ياأيها الكافرون}[الكافرون:1] و{قل هو الله ~~أحد}[الإخلاص:1]. (3) PageV04P147 وهل يصلى قبل المغرب نافلة أم لا؟ فيه تردد، ولم أعلم أن أحدا من أهل البيت ~~ذكر أنها سنة ولا فعلها، وروى عبدالله المزني(1) # عن رسول الله أنه قال: ((صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء ))(2). # خشية أن يتخذها الناس سنة، وروي عن الرسول أنه قال: ((بين كل أذان وإقامة ~~صلاة ))(3). # وعن ابن عمر: أنه كان يصليهما(4)، # وروي عن أنس بن مالك أنه قال: صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول ~~الله . قيل لأنس: هل ms1621 رآكم رسول الله ؟ قال: نعم. رآنا فلم يأمرنا ولا ~~نهانا(5). PageV04P148 # وعن طاووس أنه قال: سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: ما رأيت ~~أحدا صلاهما على عهد رسول الله ، وكان يصليهما(1). # السنة الثالثة: ركعتان بعد الظهر. وهما سنتان مؤكدتان واضب على فعلهما ~~الرسول بعد صلاة الظهر. وعن أم سلمة زوج الرسول أنها قالت: صلى رسول الله ~~في بيتي ركعتين بعد العصر، فقلت: ما هاتان الركعتان؟ فقال: ((هما ركعتان ~~كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني مال فصليتهما الآن ))(2). # فلما واضب رسول الله على قضائهما بعد فوات وقتهما دل على تأكدهما. # فأما العصر والعشاء الآخرة فليس لهما سنة مؤكدة مواضب عليها من جهة ~~الرسول لا قبلهما ولا بعدهما إلا الوتر للعشاء الآخرة. # السنة الرابعة: الوتر، وهو مشتمل على أحكام عشرة: # الحكم الأول: ولا خلاف في كونه مشروعا بعد العشاء، ولكن هل يكون سنة أم ~~لا؟ فيه ثلاثة مذاهب: # المذهب الأول: أنه سنة مؤكدة. وهذا هو رأي أئمة العترة زيد بن علي ~~والقاسم والهادي والمؤيد بالله ومحكي عن الشافعي ومالك وأبي يوسف ومحمد. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~}[البقرة:238]. والصلاة الوسطى إنما تكون في الوتر، فلو كانت الوتر واجبة ~~لم تكن وسطى، وفي هذا دلالة على أنها غير واجبة. # الحجة الثانية: ما روي أن ضمام بن ثعلبة وصل وافدا على الرسول فسأله عن ~~شرائع الإسلام واحدة واحدة فسأله عن الصلاة المفروضة؟ فقال: ((خمس في اليوم ~~والليلة إلا أن تطوع)). فلو كان الوتر فرضا لذكره. PageV04P149 # الحجة الثالثة: ما روى عبادة بن الصامت عن رسول الله أنه قال: ((خمس صلوات ~~كتبهن الله على عباده فمن جاء بهن لا يضيع منهن شيئا إستخفافا بحقهن كن له ~~عند الله عهدا أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء ~~عذبه وإن شاء أدخله الجنة)). # المذهب الثاني: محكي عن أبي حنيفة، وله فيه ثلاث روايات: # الرواية الأولى: أنه واجب. وهو قول: الحسن بن زياد من أصحابه. # الرواية الثانية: ms1622 أنه فرض. وهو قول: زفر. # الرواية الثالثة: أنه سنة مؤكدة. وهو قول: أبي يوسف ومحمد. # فنقول: أما ما رواه أبو يوسف ومحمد فهو موافق لما قلناه. # والحجة فيه: ما أسلفناه. # والحجة على ما قالوه من كونه فرضا واجبا: ماروي عن الرسول أنه قال: ((إن ~~الله قد زادكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي الوتر ألا فصلوها ))(1). # وظاهر الأمر للوجوب. # الحجة الثانية: قوله : ((أوتروا يا أهل القرآن ))(2). # والأمر للوجوب. وإذا ثبت الوتر بالأمر على أهل القرآن للوجوب ثبت على ~~غيرهم لأن المقصود: يامن أمر بالقرآن. PageV04P150 # الحجة الثالثة: ماروى أبو أيوب الأنصاري عن الرسول أنه قال: ((الوتر حق ~~واجب ))(1). # المذهب الثالث: ما حكي عن الناصر وعنه روايتان: # الرواية الأولى: أنه سنة مؤكدة وهو المروي عنه في كتابه (الكبير). # الرواية الثانية: ماذكره في (الألفاظ) أن الوتر عندنا لا يجوز تركه ~~تشبيها لفريضة. # والحجة له على هذه الرواية: ماذكرناه عن أبي حنيفة. # ونزيد هاهنا، وهو أنها صلاة مشروعة على الوتر فأشبهت المغرب. # ومن وجه أخر: وهو أنه أحد زمانين فوجب أن يكون الواجب فيه عشرا ~~كالنهار(2). # والمختار: أنها سنة مؤكدة كما حكي عمن ذكرناه من أئمة العترة وغيرهم. # وحجتهم: ماذكرناه. # ونزيد هاهنا، وهو ماروى عاصم (3) # عن علي أنه قال: الوتر ليس فريضة كالصلاة المكتوبة إنما هي سنة سنها رسول ~~الله (4). PageV04P151 # وهذا نص في موضع الخلاف، ومثل هذا لا يقوله إلا عن توقيف كما صرح به في ~~كلامه هذا. # الحجة الثانية: ما روى ابن عمر أن الرسول كان يوتر على الراحلة، ولو كانت ~~فرضا لم يجز أداؤها على الراحلة لقوله : ((إذا كانت المكتوبة فالقرار ))(1). # الحجة الثالثة: ما روى زيد بن علي عن علي" أنه قال: ((الوتر سنة وليست ~~حتما كالفريضة))(2). # فهذه الأدلة كلها متفقة في الدلالة على أنها ليست واجبة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن الرسول [أنه قال]: ((إن الله زادكم صلاة هي خير لكم من حمر ~~النعم ألا فصلوها)). والأمر للوجوب. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا ms1623 نسلم أن الأمر للوجوب وإنما هو نص في الطلب، فأما الوجوب ~~فإنما يكون بدلالة خارجة عن ظاهره، وإنما هو هاهنا للندب والإرشاد إلى ~~الفضل والأجر والثواب. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار الدالة على كونه سنة، ~~وإذا حصل التعارض وجب الترجيح ولا شك أن الأخبار التي رويناها صريحة في ~~كونه سنة فيجب العمل عليها. # قالوا: قوله : ((أوتروا يا أهل القرآن)). والأمر للوجوب. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه لو كان واجبا لم يخص به أهل القرآن كما فعل في الصلوات ~~المكتوبة فإنه لم يخص بها أحدا دون أحد. # وأما ثانيا: فلأن الأمر للندب كما قررناه فلا حجة لهم في ذلك. PageV04P152 # قالوا: روى أبو أيوب الأنصاري عن الرسول أنه قال: ((الوتر حق واجب )). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه في آخر الخبر: ((فمن شاء أن يوتر بثلاث أو خمس أو تسع ~~)). ولو كان واجبا لم يكله إلى المشيئة كما في سائر الواجبات لأنها حتم وقطع. # وأما ثانيا: فلأن قوله: ((الوتر حق)). أنه مشروع من جهة الله لا باطل ~~فيه، وأما الوجوب فالغرض به: وجوب اختيار بحت من جهة الداعي إليه وهو ~~الثواب والأجر لا وجوب إلزام وحتم يستحق على تركه العقاب. # قالوا: إنها صلاة مشروعة على الوتر فأشبهت المغرب في الوجوب كما حكي عن ~~الناصر. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه لا مجرى للأقيسة في العبادات فإنها أمور غيبية متلقاة من ~~جهة الله ومن جهة رسوله. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بقياس مثله وهو أن نقول: صلاة تؤدى في الليل ~~فتكون نافلة كنوافل الليل. والأحق الإعراض عن هذه الأقيسة الطردية التي لا ~~حظ لها في اقتباس الأحكام الشرعية وتقريرها، وهي من الطرد المهجور التي لا ~~يعرج عليها محصل، وإنما تورد معارضة للفاسد بالفاسد. # الحكم الثاني: في بيان عددها(1). # فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن عدتها ثلاث ركعات، وهذا هو رأي زيد بن علي والهادي ~~والقاسم والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وزين العابدين علي ms1624 بن ~~الحسين والصادق والباقر. PageV04P153 # والحجة على ذلك: ما روى زيد بن علي عن علي قال: كان رسول الله يوتر بثلاث. ~~وروى ابن مسعود عن رسول الله : أنه كان يوتر بثلاث. وروت عائشة وأم سلمة عن ~~الرسول : أنه كان يوتر بثلاث ركعات(1). # المذهب الثاني: أن أقله ركعة واحدة، وأكثره إحدى عشرة ركعة، وأدنى الكمال ~~فيه ثلاث ركعات. وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على ذلك: ما روت عائشة عن رسول الله : أنه كان يوتر بإحدى عشرة ~~ركعة(2). # وعن أبي أيوب الأنصاري عن رسول الله أنه قال: ((الوتر حق مسنون وليس ~~بواجب فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل)). # المذهب الثالث: أن أقل الوتر ركعة واحدة. وهذا هو المحكي عن مالك. PageV04P154 # والحجة على هذا: هو أن المقصود: الوتر. وقد خير رسول الله في حديث أبي أيوب ~~بين أن يوتر الرجل بثلاث أو عشر(1). وفي هذا دلالة على أن أقله ركعة واحدة ~~لأنها أقل الأوتار. # والمختار: ما قاله أئمة العترة: من كون الوتر عدته ثلاث ركعات. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا وهو ما روي عن الرسول : أنه نهى عن البتراء وهو أن يوتر ~~الرجل بركعة واحدة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. ولا شك أن الأحاديث التي رويناها في ~~عدد ركعات الوتر هي أكثر وأشهر وأصرح بالمراد، فلهذا وجب التعويل عليها. # الحكم الثالث: في وقت التسليم في الوتر. وفيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه يسلم بعد الركعة الثالثة من الوتر. وهذا هو: رأي ~~الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله، وهو محكي عن أبي حنيفة، قال أبو ~~حنيفة: يوتر بثلاث لا تجوز الزيادة عليها ولا النقصان منها يسلم في آخرهن. ~~كما روى زيد بن علي عن علي عن الرسول : أنه كان يوتر بثلاث يسلم في ~~آخرهن(2). # وهكذا فإنه روي عن عائشة وأم سلمة. PageV04P155 # المذهب الثاني: أنه يسلم بعد الركعة الثانية ثم يقوم فيأتي بركعة ثالثة ~~ويسلم بعدها، وهذا هو المحكي عن علي بن الحسين والباقر والصادق، ورواية ~~أخرى عن مالك بمثل ذلك ms1625 غير ما رويناه عنه من قبل، لما روى ابن عمر أن ~~الرسول كان يفصل بين الشفع والوتر، وروي عن ابن عمر: أنه كان يسلم بين ~~الركعة والركعتين حتى يأمر بحاجته فإن لم تكن حاجة قال: يا جارية اعلفي ~~الناضح. # المذهب الثالث: ما روي عن الشافعي، وعنه في الأفضل أربعة أقوال: # أولها: أن يفصل بين الشفع والوتر بالتسليم. # وثانيها: أن الأفضل أن يجمع بين الثلاث بتسليمة واحدة كما هو رأي الأئمة. # وثالثها: أن الأفضل أن يجمع بينها بتسليمة واحدة إلا أن تكون ركعتان ~~لصلاة نافلة وركعة للوتر فالأفضل أن يفصل الركعة وحدها. # ورابعها: أن الأفضل أنه إن كان يصلي جماعة فالأفضل أن لا يفصل خشية ~~الفتنة والفرقة بين الناس، وإن كان يصلي وحده فالأفضل أن يفصل. وهذه ~~الأقوال كلها نقلها المسعودي من أصحاب الشافعي. # والمختار: أنها ثلاث بتسليمة واحدة. # وحجتنا: ما تظاهر من الأخبار على ذلك فلهذا وجب التعويل عليها. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: وردت أحاديث تدل على ما ذكرناه فيجب قبولها. # قلنا: إن الإحاديث التي رويتموها لا تعارض ما ذكرناه لكثرة أخبارنا ~~وقوتها، والعمل عليه أقوى لا محالة. # الحكم الرابع: في وقت الوتر. # واعلم أن وقت الوتر عند أئمة العترة، وهو رأي الشافعي وأصحابه، ومحكي عن ~~أبي حنيفة وأصحابه، من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الصادق دون الكاذب، ~~لما روي عن الرسول أنه قال: ((إن الله زادكم صلاة وهي الوتر فصلوها من صلاة ~~العشاء إلى طلوع الفجر))(1). PageV04P156 # وإذا كان ممن لا يتهجد، والتهجد هو مجانبة النوم بالصلاة، فالأفضل له أن ~~يوتر بعد صلاة العشاء، وإن كان له تهجد فالأفضل أن يوتر بعد التهجد، لما ~~روى جابر عن الرسول أنه قال: ((من خاف منكم أن لا يستيقظ من آخر الليل ~~فليوتر من أول الليل ثم ليرقد ومن طمع منكم أن يقوم من آخر الليل فليوتر ~~آخر الليل))(1). # وروي أن الرسول قال لأبي بكر: ((متى توتر ))؟ قال: أوتر ثم أنام ثم أقوم. ~~فقال له: ((أخذت بالحزم)). وقال لعمر: ((متى ms1626 توتر))؟ فقال: أنام ثم أقوم ثم ~~أوتر. فقال: ((أخذ هذا بالقوة وهذا أفضل))(2). # فإن أوتر في أول الليل ثم نام ثم قام للتهجد فإنه لا ينتقض وتره، وحكي عن ~~علي وابن عمر: أنه ينتقض الوتر فيلزمه أن يوتر وترا ثانيا. # والحجة على أنه لا ينتقض وتره: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا وتران في ~~ليلة ))(3). # فإن اعتقد أنه صلى العشاء فأوتر ثم ذكر أنه لم يكن صلاها لم يعتد بالوتر ~~الأول، وهو محكي عن الشافعي وأبي يوسف ومحمد، وحكي عن أبي حنيفة: أنه يعتد ~~بما أوتر. # والحجة على ما قلناه: هو أن وقت فعله بعد العشاء فإذا فعله قبلها لم يجزه ~~كما لو ظن أن وقت الفريضة قد دخل فصلاها ثم بان أنه لم يدخل. # الحكم الخامس: في بيان ما يقرأ في الوتر. ولا خلاف [في] أن القرآن كله ~~مجزئ ولكن الخلاف في الأفضل فيما يقرأ في الركعات الثلاث، وفيه أقوال سبعة: PageV04P157 # القول الأول: محكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، أن الأفضل أن يقرأ تسع ~~سور مختلفات ففي الركعة الأولى {إنا أنزلناه} و{ألهاكم} و{إذا زلزلت الأرض ~~زلزالها}، وفي الثانية: {العصر} و{الكوثر} و{قل يا أيها الكافرون}، وفي ~~الثالثة: {إذا جاء نصر الله والفتح} و{تبت} وسورة {الإخلاص}. # القول الثاني: محكي عن زيد بن علي أنه كان يقرأ في الأولى والثانية ~~ب(المعوذتين)، ويقرأ في الثالثة ب{قل هو الله أحد}. # القول الثالث: محكي عن الصادق والباقر: أنهما [كانا] يقرآن في وترهما تسع ~~مرات سورة {الإخلاص} في كل ركعة ثلاث مرات. # القول الرابع: مأثور عن الناصر: أنه كان يقرأ في وتره إحدى عشرة مرة سورة ~~{الإخلاص} ثلاثا بعد الفاتحة في الركعة الأولى، وثلاثا بعد الفاتحة في ~~الركعة الثانية، وخمسا بعد [الفاتحة في] الركعة الثالثة. # القول الخامس: محكي عن الهادي: أنه يقرأ في وتره بسورة {سبح}(1) # في الأولى، وفي الركعة الثانية: بسورة (الكافرون)، وفي الثالثة: ب{قل هو ~~الله أحد}. # القول السادس: محكي عن الشافعي، والأفضل عنده أن يقرأ في الأولى بعد ~~الفاتحة بسورة (سبح)، ms1627 وفي الثانية: بعد الفاتحة ب(الكافرون). وفي الثالثة ~~بعد الفاتحة بسورة (الإخلاص) و(المعوذتين). # القول السابع: محكي عن أبي حنيفة: أنه لا يقرأ ب(المعوذتين) ولكن يقتصر ~~على سورة (الإخلاص)، وذكر الكرخي من أصحاب أبي حنيفة، أنه قال: لا تقدير ~~ولا تعيين في القراءة بعد الفاتحة لأصحابنا، والفاتحة لا تتعين أيضا لكنه ~~يستحب أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة بمقدار (سبح اسم ربك الأعلى)، وفي ~~الثانية: بعدها بمقدار سورة (الكافرون)، وفي الثالثة: بعدها بمقدار سورة ~~(الإخلاص). PageV04P158 # والمختار: ما أثر عن رسول الله واختاره الهادي وهو قراءة (الفاتحة) في ~~الأولى وسورة (سبح)، وفي الثانية: بعد الفاتحة بسورة (الكافرون)، وفي ~~الثالثة: بعد الفاتحة بسورة (الإخلاص). وإنما اخترناه لما كان مأثورا عن ~~صاحب الشريعة صلوات الله عليه لأنه أحق بالمتابعة وأحق بقبول القول وبه ~~الأسوة وعليه الإعتماد في أقواله وأفعاله فلا يعدل بقوله قول ولا يماثل ~~باختياره اختيار. # الحكم السادس: في القنوت في الوتر. فهل يستحب القنوت في الوتر أم لا؟ فيه ~~مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه يستحب في جميع السنة كلها، وهذا هو قول أئمة العترة ~~الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه كان يقنت في الوتر في السنة كلها. # المذهب الثاني: أنه لا يستحب القنوت في الوتر إلا في النصف الآخر من ~~رمضان، وهذا هو رأي الشافعي، وحكي عنه قول آخر أنه يقنت في جميع الشهر. ~~والصحيح هو الأول. # والحجة على هذا: ما روي عن عمر، أنه قال: السنة إذا انتصف الشهر من رمضان ~~قنت في الوتر بعدما تقول: سمع الله لمن حمده. وروي ذلك عن أبي بن كعب أنه ~~كان لا يقنت إلا في النصف الآخر من رمضان. # المذهب الثالث: محكي عن موسى بن جعفر أنه غير مسنون في شهر رمضان ولا في ~~غيره، وروي عنه أنه قال لرجل: لا تقنت وما أصابك ففي رقبتي. # والمختار: ما عليه أئمة العترة من استحباب القنوت في الوتر في جميع السنة. # وحجتهم: ما ذكرناه. ms1628 # ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن الرسول : أنه علم ولده الحسن بن علي القنوت ~~في الوتر بقوله: ((اللهم اهدني )).. إلى آخره، وفي هذا دلالة على كونه ~~مشروعا في كل السنة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن عمر وأبي بن كعب أنهما قالا: إن القنوت في نصف شهر رمضان الآخر. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا مذهب لهما فلا يلزمنا قبوله. PageV04P159 # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما روينا من حديث الرسول ، فلا يكون مقبولا ~~كما حكي عن الشافعي(1). # قالوا: روي عن موسى بن جعفر أنه لا سنة في القنوت. # قلنا: هذا مذهب لموسى فلا يلزمنا قبوله، وكل مجتهد مصيب في المسائل ~~الفقهية والمضطربات الاجتهادية. # والحجة التي يلزم قبولها: ما كان عن الله تعالى، أو عن رسوله . # الحكم السابع: في الذكر المشروع في قنوت الوتر وفيه أقوال ستة: # القول الأول: محكي عن أئمة العترة، الباقر والصادق والقاسم والناصر ~~والمؤيد بالله، وهو أن المستحب فيه ما علمه رسول الله الحسن بن علي وهو أن ~~يقول: ((اللهم اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، ~~وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يعز ~~من عاديت ولا يذل من واليت سبحانك وحنانيك تباركت ربنا وتعاليت)). ثم قال: ~~((إجعله في وترك))(2). # القول الثاني: محكي عن الناصر أنه يستحب أن يقول في القنوت: لا إله إلا ~~الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم رب السموات السبع ومن ~~فيهن، ورب الأرضين السبع وما فيهن وما بينهن، ورب العرش العظيم. ثم يقول في ~~آخره: ما أثر عن الحسن بن علي في قنوته. # القول الثالث: مأثور عن الهادي، وهو أن المستحب أن لا يتجاوز في القنوت ~~آي القرآن كقوله تعالى: {ربنا لا تزغ قلوبنا }[آل عمران:8].. إلى آخرها، ~~وقوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا }[البقرة:286].. إلى آخرها، وهو محكي عن أبي ~~حنيفة وأصحابه. PageV04P160 # القول الرابع: محكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان يقول في ms1629 قنوت ~~الوتر في أيام حربه لمعاوية قبل الركوع: اللهم إليك رفعت الأبصار، وبسطت ~~الأيدي، وتحركت الألسنة بالأعمال الصالحات، اللهم افتح بيننا وبين قومنا ~~بالحق وأنت خير الفاتحين، نشكوا إليك غيبة نبينا وكثرة عدونا، اللهم وقلة ~~أنصارنا وتظاهر الفتن وشدة الزمان علينا، اللهم فأعنا بفتح تعجله ونصر تعز ~~به أولياءك وتذل به أعداءك وسلطان حق تظهره إله الحق آمين(1). # القول الخامس: محكي عن عمر رضي الله عنه، أنه كان يقول في قنوته: اللهم ~~قاتل الكفرة. وقد حكيناه بألفاظه في قنوت الفجر فأغنى عن الإعادة. # القول السادس: ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه، عن الرسول أنه كان ~~يقول في قنوت الوتر: ((اللهم إني أعوذ برضاك من غضبك " ، وأعوذ بمعافاتك من ~~عقوبتك، وأعوذ بك منك أنت كما أثنيت على نفسك لا نحصي ثناء عليك تباركت ~~ربنا وتعاليت، سبحان الله الملك القدوس رب الملائكة والروح)) (2). # كان يقولها ثلاثا بعد فراغه من قنوته ويمد بها صوته فإذا فرغ مسح وجهه بيديه. # الحكم الثامن: في محل القنوت. وهل يكون قبل الركوع أو بعده؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن محله بعد الركوع وهذا هو رأي أئمة العترة القاسم ~~والهادي والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قنت في الوتر بعد الركوع بعد ~~الركعة الثالثة. # المذهب الثاني: أن القنوت قبل الركوع. وهذا هو رأي زيد بن علي ومالك وابن ~~أبي ليلى وأبي حنيفة. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول : أنه قنت في الصبح قبل الركوع فيجب في ~~الوتر مثله(3). PageV04P161 # والمختار: جوازهما جميعا، لأنه قد ورد الشرع بهما جميعا فأيهما فعل أجزأه ~~في السنة، فإذا قنت بعد الركوع كان الركوع فاصلا بين القنوت والقراءة، وإذا ~~قنت قبل الركوع فإنه يكبر تكبيرة واحدة لتكون فاصلة بين القراءة والقنوت، ~~وهو مروي عن أمير المؤمنين وعمر وابن مسعود، أنهم كانوا يكبرون إذا فرغوا ~~من القراءة قبل القنوت ثم يقنتون، وهو محكي عن أبي حنيفة أيضا أعني: ~~التكبير من أجل الفصل. # الانتصار هاهنا على ms1630 من خالف في كون القنوت مشروعا(1)؛ # فأما من أقر بكونه مشروعا وخالف في محله فقد جوزنا الأمرين جميعا. # الحكم التاسع: هل يرفع يديه عند دعاء القنوت أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: الجواز. وهذا هو رأي الناصر والفريقين الحنفية والشافعية. # والحجة على هذا: ما روي عن علي أنه قال: إذا دعوتم الله فارفعوا أيديكم ~~وأصواتكم بالدعاء. # المذهب الثاني: المنع من ذلك. وهذا هو رأي الهادي، ومحكي عن مالك. # والحجة على هذا: ما ذكرناه في المنع من التكبير في الصلاة في أنه لا يجوز ~~فيه رفع الأيدي وقد قدمنا ما فيه من الدلالة على المنع. # والمختار: جواز ذلك؛ لما روي عن الرسول أنه قال: ((إن الله يستحيي إذا ~~رفع العبد يديه في الدعاء أن يردهما صفرا))(2). # ولم يفصل بين أن يكون في الصلاة أو في غير الصلاة، ولأن الرسول رفع يديه ~~في صلاة الاستسقاء حتى رؤي بياض إبطيه وهو الإبتهال. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: ما دللنا عليه في المنع من رفع الأيدي في تكبير الصلاة فهو بعينه ~~دال هاهنا على المنع من رفع الأيدي عند الدعاء في القنوت. PageV04P162 # قلنا: قد أوضحنا الكلام هناك وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن تكريره. # الحكم العاشر: وإذا قلنا: بجواز رفع الأيدي في حال القنوت(1) # متى يكون الإرسال؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن يكون الرفع مستمرا حتى يفرغ من الدعاء، وهذا هو رأي ~~الناصر والشافعي وأبي يوسف. # والحجة على هذا: هو أن الرفع كيفية في الدعاء فلهذا كان مستمرا حتى يفرغ ~~من الدعاء. # المذهب الثاني: أنه يرسل قبل الفراغ، وهذا هو رأي أبي حنيفة ومحمد. # والحجة على هذا: هو أن الرفع إنما يحتاج إليه في إبتداء الدعاء ليكون فيه ~~دلالة على التضرع ولا حاجة إلى استصحابه إلى آخر الدعاء. # والمختار: جواز الأمرين جميعا فأيهما فعل أجزأه، فهذا ما أردنا ذكره في ~~أحكام القنوت. ونرجع إلى التفريع. # الفرع الثاني: وآكد هذه السنن الوتر لأمرين: # أما أولا: فلأنها أوجبت على الرسول لقوله : ((ثلاث أوجبت علي ولم ms1631 توجب ~~عليكم : الوتر، والأضحية، والتهجد في آخر الليل)). وفي هذا دلالة على عظم ~~إعتناء الشرع فيها واهتمامه بها. # وأما ثانيا: فلأن من العلماء من قال بوجوبها. كما رويناه من قبل وفي هذا ~~دلالة على كونها أكثر من غيرها من السنن تأكيدا. # وهل تكون آكد أو ركعتا الفجر؟ فيه تردد. وللشافعي قول: إن ركعتي الفجر ~~آكد من الوتر. # والمختار: هو قوله الجديد: أن [صلاة] الوتر آكد منهما لما ذكرناه من ~~ترجيحها على غيرها وبعدها في التأكيد ركعتا الفجر لما ورد فيهما من ~~الأحاديث الدالة على توكيدهما واهتمام الرسول بفعلهما كما أوضحناه من قبل. # وحكي عن الشافعي في (الفروع): أنهما سواء في التأكيد. PageV04P163 # والمختار: ما ذكرناه من تأكيد الوتر وبعده في التأكيد والاستحباب ركعتا ~~الفجر، وقد روي عن الرسول : ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ))(1). # ويليهما في الاستحباب ركعتا المغرب والظهر. # وأيهما يكون آكد وأدخل في الاستحباب والسنة؟. # قال السيد المؤيد بالله: ركعتا الفجر آكد النوافل ثم ركعتا المغرب وركعتا ~~الظهر، وركعتا العتمة دون الجميع في الاستحباب، والوتر آكد من جميع ذلك ~~كله، وظاهر كلامه هذا دال على استواء ركعتي المغرب وركعتي الظهر في ~~الاستحباب لأنه لم يرد فيهما شيء مما يدل على فضل إحداهما على الأخرى، وليس ~~فيهما إلا المواظبة من جهته على فعلهما فلهذا كانتا مستويتين في الفضل، ~~ويحتمل أن ركعتي الظهر آكد في الاستحباب لحديث أم سلمة أنه قضاهما بعد ~~العصر. وفي هذا دلالة على تأكيدهما ولم يرد مثله في ركعتي المغرب. فأما ~~ركعتا العتمة فالإجماع منعقد على أنهما أضعف السنن لأن الرسول لم يواظب على ~~فعلهما كمواظبته على السنن الرواتب التي ذكرناها. # الفرع الثالث: ومن فاته شيء من هذه السنن الراتبة في وقتها، فهل يقضي أم ~~لا؟ فيه قولان: # القول الأول: أنها لا يستحب قضاؤها، وهذا هو المحكي عن مالك وأبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أنها صلاة نفل فإذا فات وقتها لم يستحب قضاؤها كصلاة ~~الكسوف والاستسقاء وعلى هذا إذا صلاها في غير وقتها لم تكن ms1632 سنة راتبة، وإن ~~نوى أن تكون سنة، لا سبب لها ولا يجوز فعلها في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها. # القول الثاني: أنه يستحب قضاؤها. وهذا هو الذي ذكره الهادي والقاسم في ~~مصنفاتهما واختاره السيد أبو طالب، وهو الصحيح من مذهب الشافعي. PageV04P164 # والحجة على هذا: قوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها فإن ~~ذلك وقتها)). ولم يفصل بين الفريضة والنافلة، وقد ينام عن الفريضة كما ينام ~~عن النافلة. # والمختار: ما قاله أئمة العترة لأنها صلاة راتبة مؤقتة بوقت فلم تسقط ~~بفوات الوقت إلى غير بدل كالفرائض. # فقولنا: راتبة مؤقتة بوقت. نحترز به من صلاة الكسوف والاستسقاء لأنها ~~راتبة لكنها غير مؤقتة بوقت معين، فلهذا لم يستحب قضاؤها. # وقولنا: إلى غير بدل. نحترز به عن صلاة الجمعة فإنها صلاة راتبة مؤقتة ~~بوقت لكنها إذا فاتت لم تقض لأنها تسقط إلى بدل هو الظهر. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: صلاة نفل فلا تقضى كصلاة الكسوف والاستسقاء. # قلنا: المعنى في الأصل أنها راتبة غير مؤقتة بوقت بخلاف هذه فإنها مؤقتة ~~بوقت فافترقا فلهذا استحب قضاؤها. # الفرع الرابع: وإذا قلنا بإستحباب القضاء في هذه الرواتب، فهل يكون(1) # ضاؤها في الأوقات المكروهة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: لا يجوز قضاؤها في الأوقات المكروهة الثلاثة، وهذا هو ~~المختار للمذهب، وهو الذي حصله السيد أبو طالب. # والحجة على هذا: ما روي عن عقبة بن عامر أنه قال: ثلاثة أوقات نهانا رسول ~~الله أن نصلي فيهن. ولم يفصل بين القضاء والأداء ولا بين الفريضة والنافلة. # المذهب الثاني: جواز قضائها في هذه الأوقات الثلاثة، وهذا هو المحكي عن ~~الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها )). ~~ولم يفصل بين وقت ووقت، وفي هذا دلالة على جواز أدائها في هذه الأوقات. # والمختار: هو المنع من قضائها في هذه الأوقات الثلاثة كما هو رأي أئمة ~~العترة. # وحجتهم: ما ذكرناه. PageV04P165 # ونزيد هاهنا وهو أن كل واحد من هذين الحديثين عام وخاص فقوله: ms1633 ((من نام عن ~~صلاة أو نسيها )). فهذا خاص في الصلاة عام في الأوقات. وقوله: نهانا رسول ~~الله عن ثلاثة أوقات. فهذا عام في الصلاة خاص في الأوقات، فكل واحد منهما ~~عام فيما الثاني خاص فيه، وإذا كان الأمر هكذا كان خبرنا أرجح، لأنه حاظر، ~~فلهذا كان بالعمل أحق وأولى لما ذكرناه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: الخبر الذي رويناه دال على الجواز. # قلنا: قد قررنا تعارض الحديثين وأن العمل على المنع هو الأولى لما ~~حققناه. # الفرع الخامس: وهل يجوز فعل هذه الرواتب في السفر وفعل سائر التطوعات ~~كالنوافل المبتدأة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز ذلك. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة ~~وأصحابه والشافعي وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أن الرسول كان يتطوع في السفر ويأتي بهذه الرواتب ~~كلها في حال سفره. # المذهب الثاني: المنع من ذلك. وهذا هو المحكي عن ابن عمر وعلي بن الحسين ~~زين العابدين. # والحجة على هذا: هو أن السفر قد حصل فيه الرخصة في قصر الصلوات المكتوبة ~~تخفيفا على المسافرين، فإذا خففت الفرائض فالنوافل بالتخفيف أحق وأولى. # والمختار: ما عليه علماء العترة وهو مروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه ~~وعمر وابن مسعود من الصحابة رضي الله عنهم، وحكي عن الحسن البصري أنه قال: ~~كان أصحاب رسول الله يسافرون فيتطوعون قبل الفريضة وبعدها، وفي هذا دلالة ~~على الجواز. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: الفروض المكتوبة قد وقع فيها التخفيف فضلا عن النوافل فهي أحق ~~بالتخفيف. # قلنا: رخص السفر غير معقولة المعاني فلا يجوز القياس عليها. # ومن وجه آخر: وهو أن القياس لا يعارض الخبر، وقد روينا عن الرسول وأصحابه ~~أنهم كانوا يتطوعون في الأسفار. PageV04P166 # --- ### ||| AUTO القسم الثاني: في بيان ما تسن فيه الجماعة من النوافل # وهذا نحو صلاة العيدين وصلاة الكسوف والاستسقاء، فإن هذه النوافل قد شرعت ~~فيها الجماعة بإتفاق، والإجماع منعقد على ذلك. وهل تكون هذه النوافل أفضل ~~من رواتب الصلوات المفروضة أو تكون الرواتب(1) # أفضل؟ # فمن العلماء ms1634 من قال: هذه هي أفضل من الرواتب لأنها تسن فيها الجماعة، وهي ~~مشبهة للفرائض. # ومنهم من قال: إن الرواتب أفضل لأن الرواتب مؤداة في اليوم والليلة ~~وتأكيدها أكثر من تأكيد هذه الصلوات فلهذا كانت أفضل. # والمختار: أنهما سواء في الفضل لأن الشرع قد خص كل واحدة من النوعين بفضل ~~ليس للأخرى فلهذا استويا في الفضل. # وإذا قلنا: باستوائهما في الفضل فهل يكون ما تسن فيه الجماعة متفاضلة أم ~~لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنها متفاضلة، فصلاة العيد أفضلها لأمرين: # أما أولا: فلأنها مؤقتة بوقت فأشبهت الفرائض. # وأما ثانيا: فلأنه مختلف في وجوبها، وغيرها فلا يخالف أحد في كونها غير واجبة. # ثم تليها في الفضل صلاة الكسوف، فإنها أفضل من صلاة الاستسقاء لأمرين: # أما أولا: فلأن القرآن قد دل عليها حيث قال: {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ~~واسجدوا لله الذي خلقهن}[فصلت:37]. # وأما ثانيا: فلأن المواظبة عليها من جهة الرسولصلى الله عليه وسلم أكثر من المواظبة على ~~صلاة الاستسقاء. ويدل على ذلك أمران: # أما أولا: فلأن الرسولصلى الله عليه وسلم لم يدع صلاة الكسوف عند وجود سببها وقد كان ~~يستسقي تارة ويدع أخرى. # وأما ثانيا: فلأن صلاة الكسوف خالصة لوجه الله تعالى كسائر العبادات، ~~وصلاة الاستسقاء إنما شرعت من أجل طلب الرزق. # ومن وجه ثالث: وهو أن الإجماع منعقد من جهة العلماء على كون صلاة الكسوف ~~سنة، واختلفوا في صلاة الاستسقاء هل هي سنة أم لا. وسيأتي الكلام في أحكام ~~هذه الصلوات في أبواب نفردها لها بمعونة الله تعالى. PageV04P167 ### ||| CHECK [القسم الثالث: في بيان سائر النوافل التي ليست رواتب ولا ~~تسن فيها الجماعة] # --- # القسم الثالث: في بيان سائر النوافل # اللتي ليست رواتب ولا تسن فيها الجماعة # ثم إنها على ثلاثة أضرب: # الضرب الأول: ما يتكرر بتكرر الأعوام والسنين وفيه صور ثلاثة: # الصورة الأولى: صلاة النصف من شعبان. ولها فضل عظيم وهو متفق على فضلها ~~على ألسنة العلماء في سائر الأمصار، وهي مائة ركعة. وفي الحديث عن الرسول ~~أنه قال: ((من صلى في هذه ms1635 الليلة خامس عشر من شهر شعبان مائة ركعة أرسل ~~الله إليه مائة ملك، ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنونه من عذاب ~~النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكائد الشيطان)). ~~وفي حديث آخر: ((إن الله يغفر لجميع المسلمين في هذه الليلة إلا لكاهن أو ~~ساحر أو مشاجر أو مدمن خمر أو عاق لوالديه أو مصر على الزنى)). وفي حديث ~~آخر: ((يرحم الله من أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام كلب)) (1). # وهي مائة ركعة بخمسين تسليمة في كل ركعة (الحمد) مرة وسورة (الإخلاص) عشر مرات. PageV04P168 # الصورة الثانية: صلاة الرغائب وهي أول جمعة في رجب تصلى اثنتي عشرة ركعة ~~يقرأ في كل ركعة (فاتحة الكتاب) مرة وسورة (الإخلاص) عشر مرات، و(إنا ~~أنزلناه) ثلاث مرات، فإذا فرغ من الصلاة صلى على الرسول سبعين مرة يقول: ~~اللهم صل على محمد وعلى آل محمد النبي الأمي الطاهر الزكي وعلى آله وسلم. ~~ثم يسجد ويقول في سجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبعين مرة. ثم يرفع ~~رأسه ويقول: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الله العلي الأعظم، ~~سبعين مرة. ثم يسجد فيقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبعين مرة. ثم ~~يسأل الله حاجته. # الصورة الثالثة: صلاة التراويح في رمضان وهي من السنن وهي عشرون ركعة ~~بعشر تسليمات ووقتها بعد العشاء الآخرة [يقرأ فيها] بجزء من القرآن في كل ~~صلاة ليلة، فأما صلاتها على الإنفراد فمما لا خلاف في حسنه لما روي عن ~~الرسول أنه قال: ((من صام رمضان وقامه إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم ~~من ذنبه وما تأخر ))(1). # ومعنى قوله: ((إيمانا)). أي: تصديقا بثواب الله تعالى وأجره، وقوله: ~~((واحتسابا)) أي: طالبا من الله الثواب والأجر. أخذا من قولهم: فلان يحتسب ~~الأخبار. أي: يطلبها. والتراويح: جمع ترويحة، وهي عبارة عن كل ركعتين ~~بمقدار معلوم من القرآن(2). # ولا خلاف في حسنها على الإنفراد وفضلها بين أئمة العترة والفقهاء. PageV04P169 # قال الشافعي: فأما قيام رمضان أراد التراويح فصلاة المنفرد أحب إلي. ~~فظاهر كلامه هذا ms1636 دال على أن صلاة التراويح على الإنفراد أفضل كما هو رأي ~~أئمة العترة. ومن الصحابة من قال: إن صلاتها في جماعة أفضل. كما هو محكي عن ~~أبي العباس بن سريج وغيره من أصحاب الشافعي. # فأما صلاة التراويح في جماعة فهل تكره أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: كراهتها. وهذا هو رأي أئمة العترة. # والحجة على هذا: ما روى جعفر الصادق عن أبيه الباقر عن علي عن الرسول : ~~أنه خرج يوما على بعض أصحابه في بعض ليالي رمضان وهم يصلون النوافل جماعة، ~~فقال: ((صلاة الضحى بدعة وصلاة النوافل في رمضان جماعة بدعة ، وكل بدعة ~~ضلالة وكل ضلالة في النار)). ثم قال: ((قليل في سنة خير من كثير في بدعة ))(1). # المذهب الثاني: جواز ذلك. وهذا هو رأي أبي حنيفة. ومحكي عن مالك وأحمد بن حنبل. PageV04P170 # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول : أنه صلى بالناس في رمضان في الليلة ~~الأولى فلما كان في الليلة الثانية خرج وإجتمع الناس إليه وكثروا فلما كان ~~في الليلة الثالثة إجتمع الناس فلم يخرج إليهم، فلما كان من الغد قال: ((قد ~~عرفت إجتماعكم ولكني لم يمنعني من الخروج إلا مخافة أن تفرض عليكم في رمضان ~~فتعجزوا عنها ))(1). # فتوفي رسول الله والأمر هكذا، وفي زمن خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر ~~فجمعهم على أبي بن كعب لأنه كان آخر من أخذ القرآن عن رسول الله لأنه عرض ~~عليه القرآن في السنة التي توفي فيها رسول الله ، فأخرج عمر القناديل إلى ~~المسجد فجعلهم جماعة واحدة فكان أبي يصلي بهم عشرين ليلة ثم يقف في بيته ~~ويتمم بهم تميم الداري(2) PageV04P171 باقي الشهر. # والمختار: جوازها في جماعة. ويدل على ذلك حجج: # الحجة الأولى: ما روى أبو هريرة عن الرسول : أنه خرج علينا فإذا ناس ~~يصلون في ناحية المسجد فقال: ((من هؤلاء))؟ فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن ~~وأبي بن كعب يصلي بهم وهم يصلون بصلاته. فقال الرسول : ((أصابوا ونعم ما ~~صنعوا ))(1). # الحجة الثانية: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله ms1637 وجهه أنه صلى بالناس في ~~شهر رمضان فكان يسلم بهم من كل ركعتين يقرأ في كل ركعة بخمس آيات من ~~القرآن، وما هذا حاله فلا يفعله إلا عن توقيف من جهة الرسول لأن الباب باب ~~عبادة فلا مجرى للإجتهاد فيه، وروي أن عليا رأى القناديل في المساجد فقال: ~~رحم الله عمر نور مساجدنا نور الله قبره. فصوب ما فعله عمر، وفي هذا دلالة ~~على جوازها. # الحجة الثالثة: ما روي أن عمر بن الخطاب خرج ذات ليلة فرأى الناس يصلون ~~جماعة واحدة فقال: إنها بدعة ونعمت البدعة. ومثل هذا لا يقوله الصحابي إلا ~~عن تلق من جهة الرسول .(2) PageV04P172 . # والبدعة لها وجهان: # أحدهما: أن تكون قبيحة مكروهة، وهي التي تضاد السنة وتخالفها وتمحوها، ~~فما هذا حاله من البدع مكروه وهذا هو المراد بقوله: ((كل بدعة ضلالة وكل ~~ضلالة في النار )). # وثانيهما: أن تكون حسنة وهو أن تكون مبتدعة غير مضادة لسنة، وهذا مثل ما ~~أشار إليه عمر في صلاة التراويح بقوله: إنها بدعة ونعمت البدعة. فالمراد به ~~ما ذكرناه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((صلاة النوافل في رمضان جماعة بدعة وكل ~~بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)). # قلنا: قد أوردنا من الأحاديث ما يدل على جوازها وحسنها وكونها سنة فإذا ~~ورد من الأخبار ما يخالف ما ذكرناه وجب تأويله حذرا من تناقض الأدلة ~~وتدافعها فإن الرسول صوبهم فيما فعلوه من صلاتها وفي هذا دلالة على حسنها ~~وكونها سنة. # ثم نقول: لم منعتم من صلاة التراويح؟ هل كان المنع من أجل أنها ليست سنة؟ ~~فقد دللنا على فعل الرسول لها وفعل أمير المؤمنين كرم الله وجهه وغيره من ~~الصحابة رضي الله عنهم وفي هذا دلالة على كونها سنة. # وإن كان المنع من جهة أنها لا تصلى جماعة فلا وجه لذلك لأمرين: # أما أولا: فلأنا قد رأينا من السنن ما يصلى جماعة كصلاة العيدين على رأي ~~من يرى أنها سنة وصلاة الكسوفين وصلاة الاستسقاء فإن هذه كلها سنن ms1638 وقد شرعت ~~فيها الجماعة، بل لا تقام لها صورة إلا بالإجتماع فهكذا صلاة التراويح هي ~~سنة من السنن والجماعة فيها مشروعة، فإذن لا وجه لإنكارها وهذا الذي ~~اخترناه من كونها سنة في ليالي رمضان محكي عن زيد بن علي وعبدالله بن الحسن ~~وعبدالله بن موسى بن جعفر. # الضرب الثاني: ما يتكرر بتكرر أيام الإسبوع ونذكر في ذلك صورا ثلاثا: # الصورة الأولى: صلاة الضحى. وهل تكون سنة أو بدعة؟ فيها مذهبان: PageV04P173 # المذهب الأول: أنها سنة، وهذا هو رأي علي بن الحسين زين العابدين والباقر ~~وإدريس بن عبدالله (1)، # وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه. PageV04P174 # والحجة على هذا: ما روت أم هاني بنت أبي طالب(1) # أن الرسول صلاها يوم فتح مكة. وليست من السنن الراتبة. وأكثرها ثماني ~~ركعات وأقلها ركعتان، ووقتها عند إشراق الضحى بعد ارتفاع الشمس قيد رمح أو ~~عند بياضها وزوال الصفرة. ورواية أم هاني أنه صلاها ثماني ركعات، ورواية ~~أبي ذر أنه صلاها ركعتين، قال أبو ذر، رواه عن رسول الله أنه قال:((يصبح ~~على سلامى أحدكم صدقة وتجزي من ذلك ركعتان من الضحى)). # قال أبو عبيد: والسلامى: قصب اليدين والرجلين. # المذهب الثاني: أنها بدعة، وهذا هو رأي الهادي والقاسم، واختاره السيد ~~أبو طالب. # والحجة على هذا: ما رويناه من حديث جعفر، أن الرسول قال: ((صلاة الضحى ~~بدعة )). # والمختار: أنها سنة لمن أراد فعلها كما ذهب إليه من ذكرناه من أئمة ~~العترة والفقهاء. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أنه لا خلاف في جواز الصلاة في هذا الوقت وهي من جملة ~~التطوعات. # ومن وجه آخر: وهو أن من وقت طلوع الشمس إلى الزوال وقت ممتد فيستحب أن ~~تكون فيه صلاة مسنونة لئلا تبعد مجاذبة القلوب بذكر الله تعالى. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روى جعفر عن الرسول : أنها بدعة. PageV04P175 # قلنا: تحمل بدعتها على أنه صلاها في غير وقت الصلاة من أوقاتها المكروهة ~~مثل طلوع الشمس، أو يكون محمولا على أنها أبتدعت مخالفة للصلوات المكتوبة ~~لا على معنى أنها ms1639 مكروهة. # الصورة الثانية: ما يتكرر بتكرر أيام الأسبوع. وهذا نحو الصلوات المأثورة ~~عن الرسول في أيام الأسبوع ولياليه، فإن الكتب الزهدية مملوءة من الصلوات ~~المأثورة في الأيام والليالي، وهي منقولة على ألسنة الرواة مدونة في كتب ~~الزهد والوعظ كل يوم وليلة فيهما صلاة مخصوصة. # الصورة الثالثة: التهجد: وهو صلاة في آخر الليل وهو مفروض على الرسول وقد ~~كان مفروضا علينا ثم نسخ بقوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر منه }[المزمل:20] ~~بعد قوله: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من ~~الذين معك}[المزمل:20]. فهذه الصور الثلاث كلها متكررة بتكرر أيام الإسبوع ~~في أيامه ولياليه. # الضرب الثالث: ما يتكرر بحسب أسباب عارضة. وهذا نحو صلاة ركعتين بعد ~~الوضوء، ونحو صلاة ركعتين على جهة الإستخارة، ونحو صلاة ركعتين لأجل قضاء ~~الحاجة إلى غير ذلك من الصلوات التي تسن لأجل أمور عارضة. PageV04P176 ### ||| CHECK [القسم الرابع: في النوافل المبتدأة التي ليست تابعة للفرائض ~~ولا تسن فيها الجماعة ولا تكون مفعولة لأمور عارضة] # --- # القسم الرابع: في النوافل المبتدأة اللتي ليست تابعة للفرائض # ولا تسن فيها الجماعة ولا تكون مفعولة لأمور عارضة. وفيه ضربان: # الضرب الأول: صلوات خاصة ورد فيها الفضل من جهة الرسول ، ونذكرها في صور خمس: # الصورة الأولى: صلاة التسبيح، وهي صلاة فاضلة متفق عليها بين أهل النقل ~~وهو ما بلغنا سماعا من طريق أبي داود في سننه، أن الرسول علم عمه العباس ~~هذه الصلاة وأوصاه أن يفعلها. # وصفتها: أن تصلي أربع ركعات بتسليمتين تقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب ~~وسورة من المفصل ثم تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر. خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها عشرا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرا، ثم ~~تسجد فتقولها عشرا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرا، ثم تسجد فتقولها عشرا [ثم ~~ترفع رأسك فتقولها عشرا] ثم تقوم فتقرأ فاتحة الكتاب وسورة أخرى ثم تقولها ~~خمس عشرة مرة،ثم تفعل ذلك في الثلاث الركعات كما فعلت في الركعة الأولى ~~فتكون في جميعها ثلاثمائة تسبيحة ms1640 في كل ركعة خمس وسبعون مرة(1). PageV04P177 # الصورة الثانية: صلاة السحر. روى زيد بن علي عن الرسول أنه قال: ((من صلى ~~من الليل ثماني ركعات فتح الله له ثمانية أبواب من الجنة يدخل من أيها ~~شاء)) (1). # وعن الرسول أنه قال: ((من صلى ثماني ركعات من الليل والوتر يداوم عليهن. ~~حتى يلقى الله بهن فتح الله له إثني عشر بابا من الجنة يدخل من أيها شاء)) (2). # وروى زيد بن علي عن الرسول أنه قال: ((ركعتان في ثلث الليل الأخير خير من ~~الدنيا وما فيها.))(3). # الصورة الثالثة: ما روى ابن عمر عن الرسول أنه قال: ((من صلى قبل الظهر ~~أربع ركعات لم تمسه النار))(4). # وروى زيد بن علي عن الرسول أنه قال: ((صلاة الأوابين ثمان ركعات بعد ~~الزوال قبل صلاة المكتوبة))(5). # الصورة الرابعة: ما روى السيد المؤيد بالله عن علي يرفعه إلى الرسول أنه ~~قال: ((من صلى ركعتين يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وخاتمة سورة {الفرقان} ~~أولها: {تبارك الذي جعل في السماء بروجا}[الفرقان:61] إلى أخرها، ويقرأ في ~~الثانية صدر سورة {المؤمنون} إلى قوله: {فتبارك الله أحسن ~~الخالقين}[المؤمنون:14]. يقول في ركوعه: سبحان الله العظيم وبحمده ثلاث ~~مرات. ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات أعطاه الله عشرين ~~خصلة)). PageV04P178 # الصورة الخامسة: صلاة الخمسين. وقد أنكرها القاسم على من أوجبها واستحسنها ~~إذا لم تكن واجبة. # وروى زيد بن علي قال: كان أبي لا يفرط في صلاة الخمسين، وقد فسرها زيد بن ~~علي فقال: سبع عشرة الفرائض وثماني قبل الظهر، وأربع بعدها، وأربع قبل ~~العصر، وأربع بعد المغرب وثماني صلاة السحر والوتر ثلاث، وركعتان قبل الفجر. # الضرب الثاني: ما لم يرد به الشرع على جهة الخصوص، فكل وقت ليس منهيا عن ~~الصلاة فيه فهو وقت لها خلا أن صلاة الليل أفضل من صلاة النهار. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع}[السجدة:15].. ~~الآية. وهذا إنما يكون في صلاة الليل لأن تجافي الجنوب عن المضاجع إنما ~~يكون عن النوم بالليل، ثم قال تعالى: {فلا تعلم نفس ms1641 ما أخفي لهم من قرة ~~أعين}[السجدة:14]. وفي هذا دلالة على أن من يقوم بالليل ثوابه غير منحصر. # وروي عن الرسول أنه قال: ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار))(1). # وروي عن الرسول أنه قال: ((من أطال قيام الليل خفف الله عنه يوم ~~القيامة)). # وروى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((رحم الله امرأ أيقظ زوجته فإن أبت ~~نضح وجهها بالماء، ورحم الله امرأة أيقظت زوجها فإن أبى نضحت وجهه بالماء)) (2). # وروي عن الرسول أنه قال: ((أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل))(3). PageV04P179 # فرع: ومن اختار تجزئة الليل جزءين فالأفضل هو النصف الأخير لقوله تعالى: ~~{والمستغفرين بالأسحار}[آل عمران:14]. وقوله تعالى: {وبالأسحار هم ~~يستغفرون}[الذاريات:18].ومن جهة أن آخر الليل ينقطع فيه الذكر وقد قال : ~~((ذاكر الله في الغافلين كشجرة خضراءبين أشجار يابسة)) (1). # وإن اختار أن يجزئ الليل أثلاثا فالأفضل هو الجزء الأوسط لما روى عبدالله ~~بن عمرو عن الرسول أنه قال: ((أحب الصلاة إلى الله صلاة أخي داود كان ينام ~~نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه))(2). # لأن الذاكرين في هذا الوقت أقل فلهذا كانت الصلاة فيه أفضل. PageV04P180 # ويكره قيام الليل كله لأنه يورث السآمة والملالة وقد قال : ((عليكم من ~~العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا)) (1). ولما روى عبدالله بن ~~عمرو أن النبي قال له: ((أتصوم النهار))؟ قلت: نعم. قال: ((وتقوم الليل))؟ ~~قلت: نعم. فقال: ((لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأمس النساء فمن رغب عن ~~سنتي فليس مني)) (2). # وأفضل النوافل في البيت؛ لما روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا في بيوتكم ~~ولا تتخذوها قبورا)) (3). # قد قال: ((أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة))(4). PageV04P181 # فرع: والأفضل في النوافل أن تكون مثنى مثنى في صلاة الليل والنهار سواء، ~~عند أئمة العترة القاسم والناصر، وهو محكي عن الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل، ~~وحكي عن أبي حنيفة، أنه قال: يجوز أن تصلى نوافل النهار مثنى مثنى وأربعا ~~أربعا فإن زاد على ذلك بطلت صلاته والأربع أفضل. # وأما نوافل الليل فتجوز مثنى مثنى وأربعا أربعا وستا وثماني ولا ms1642 تجوز ~~الزيادة على ذلك، والأربع أفضل. # والحجة على كونها مثنى في الليل والنهار: ما روى أمير المؤمنين كرم الله ~~وجهه عن الرسول أنه قال: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى))(1). وهذا نص ~~فيما ذهبنا إليه. # وحكي عن الشافعي، أنه قال: يجوز للمصلي أن يصلي النوافل أي عدد شاء سواء ~~علم عدد ما صلى أو لم يعلم فإن أراد أن يسلم تشهد وسلم. وعن الشيخ أبي حامد ~~الغزالي، أنه قال: التطوعات التي لا سبب لها ولا حصر فإن أحرم بركعة جاز له ~~أن يزيد عليها مائة ركعة، وإن أحرم بمائة ركعة جاز أن يقصرها إلى ركعة ~~واحده، وله أن يتشهد بين كل ركعتين وفي آخر كل ركعة من الصلاة، هذا كله من ~~طريق الجواز عندهم. والأفضل عندنا ما ذكرناه من كونها مثنى مثنى ليلا ~~ونهارا لما ورد في الأحاديث. PageV04P182 # فرع: ويستحب لمن دخل المسجد أن يصلي ركعتين لما روي عن الرسول أنه قال: ~~((إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس))(1). # وفي حديث آخر: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يقعدن حتى يصلي ركعتين)) (2). # وفي حديث آخر: ((لكل شيء تحية وتحية المسجد ركعتان)) (3). # فإذا دخل وقد أقيمت الصلاة أو أقيمت بعد دخوله قبل أن يصلي لم يصل التحية ~~لقوله : ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة))(4). PageV04P183 # والصلاة المكتوبة تقوم مقام التحية لما روي أن الرسول كان يصلي ركعتي الفجر ~~في بيته ثم يأتيه بلال يؤذنه بالصلاة فيخرج لأداء المكتوبة فيصليها، ولم ~~يعلم أنه صلى التحية، وفي هذا دلالة على أنها قائمة مقامها ولأن المقصود ~~أنه يدخل المسجد مصليا، وهذا حاصل بأداء المكتوبة. # وقد نجز غرضنا من الكلام في التطوعات وبتمامه تم الكلام على الأبواب ~~العشرة المرسومة للصلاة ونشرع في إتمامها على رسم الكتب ونفصل أسرارها ~~ونشرح مسائلها بمعونة الله تعالى. PageV04P184 # --- ### || AUTO كتاب صلاة السفر # والحجة عليه: الكتاب، والسنة، والإجماع. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة. إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا}[النساء:101]. # وأما السنة: ms1643 فقد روي عن الرسول أنه كان يقصر في أسفاره حاجا وغازيا ~~ومعتمرا، وروى يعلى بن منية(1) # أنه سأل عمر بن الخطاب فقال له: قال الله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض ~~فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا}[النساء:101]. وقد أمن الناس؟ فقال عمر: عجبت مما عجبت فسألت رسول ~~الله فقال: ((صدقة تصدق الله بها على عباده فاقبلوا صدقته))(2) PageV04P185 فثبت جواز القصر في الخوف في السفر بالكتاب، وثبت جواز القصر في الأمن في ~~السفر بالسنة. # وأما الإجماع فهو منعقد من جهة الأمة على جواز قصر الصلاة في السفر. # هذا تمهيد الكتاب فإذا عرفت هذا فلنذكر حكم السفر وحده، وحكم الاستيطان . ~~فهذه فصول ثلاثة: PageV04P186 # --- ### ||| AUTO الفصل الأول في بيان حكم السفر وما يتعلق به # إعلم أن القصر إنما يجوز في الصلوات الرباعية كالظهر والعصر والعشاء، ~~فأما المغرب والفجر فلا يجوز القصر فيهما، والإجماع منعقد على ذلك من جهة ~~الأمة، لما روت عائشة عن رسول الله أنه قال: ((فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ~~إلا المغرب ))(1). # وكان إذا سافر عاود الأصل، ويجوز قصر الصلاة في السفر في البحر كما يجوز ~~في السفر في البر. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: الأسفار على أربعة أضرب: واجب، ومحظور، ومباح، وطاعة. # فالضرب الأول: الواجب، وهو ما كان في سفر الحج والعمرة الواجبتين، وما ~~كان للجهاد في سبيل الله إذا تعين عليه، وهكذا حال الهجرة من دار الكفر إلى ~~دار الإسلام، ونحو المهاجرة من دار الفسق إلى دار الإسلام، إذا حمل على فعل ~~قبيح أو إخلال بواجب، أو أوجب عليهم الإمام الهجرة فإنها تجب الهجرة بأمره، ~~فالقصر متوجه في هذه الأسفار إما رخصة أو عزيمة كما سنوضحه. # الضرب الثاني[المحظور، وهو]: سفر المعصية. وهذا نحو أن يسافر لقطع الطريق ~~أو لقتل نفس بغير حق أو لحرب الإمام أو لشرب المسكر وإتيان الفاحشة في بلد ~~آخر، فما هذا حاله هل يجوز فيه القصر أم لا؟ فيه تردد وخلاف بين العلماء نذكره. # الضرب الثالث: سفر الطاعة. وهذا ms1644 نحو أن يسافر لزيارة الوالدين أو لزيارة ~~الأئمة والعلماء والصالحين ونحو السفر بحجج التطوع أو غير ذلك من القرب ~~والطاعات. PageV04P187 # الضرب الرابع: السفر المباح. وهذا نحو أن يسافر لطلب الأرباح في أنواع ~~التجارات. فهذان الضربان، أعني: سفر الطاعة، وسفر الإباحة، هل يجوز القصر ~~فيهما أم لا؟ فيه تردد وخلاف بين العلماء. # والأحكام المتعلقة بالسفر ثلاثة: القصر للصلاة الرباعية، والإفطار في شهر ~~رمضان، والجمع بين الصلاتين في أول وقت الأولى. # الفرع الثاني: السفر في الأمور الواجبة كالحج والعمرة الواجبين، والجهاد ~~والهجرة إلى غير ذلك من الأمور المفروضة، هل يكون [القصر] رخصة أو عزيمة؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه عزيمة لا يجوز الإخلال به، وهذا هو رأي القاسمية من ~~أئمة العترة، ومحكي عن زيد بن علي والباقر وأحمد بن عيسى، وهو رأي السيدين ~~الأخوين أبي طالب، والمؤيد بالله، وهو قول أكثر العلماء، ومروي عن ~~الإمامية. # والحجة على هذا: ما روى عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أنها ~~قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في ~~صلاة الحضر ركعتين، ومثل هذا يجب أن يكون مسندا إلى رسول الله لأن مثل هذا ~~لا مجال للإجتهاد فيه ولا يصدر إلا عن توقيف من جهة الرسول. # الحجة الثانية: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: فرض الله على لسان ~~نبيكم الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين(1). # الحجة الثالثة: ما روى عمر رضي الله عنه أنه قال: الجمعة ركعتان وصلاة ~~السفر ركعتان إتمام غير قصر على لسان نبيكم. فهذه الأخبار كلها دالة ~~بصريحها على كون القصر حتما لازما. # المذهب الثاني: أن فرض المقيم والمسافر سواء في كونه أربعا لكن الشرع ~~أسقط عن المسافر النصف رخصة وتخفيفا عند إستكمال الشرائط كما سنوضحها، وهذا ~~هو رأي الناصر، ومحكي عن الشافعي. PageV04P188 # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا}[النساء:101]. # ووجه الدلالة من الآية: هو أن هذه ms1645 اللفظة، وهي رفع الجناح إنما تستعمل ~~فيما هو مباح لا على جهة الفريضة فيما هو واجب وحتم كما في قوله تعالى: ~~{فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن }[البقرة:234] وقوله تعالى: {فليس ~~عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة}[النور:60]. # وقوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء}[البقرة:236] وقوله تعالى: ~~{فلا جناح عليهما فيما افتدت به }[البقرة:229] وقوله تعالى: {فلا جناح ~~عليهما أن يصلحا بينهما صلحا }[النساء:128]. وفي هذا دلالة على أن القصر ~~رخصة لنص الآية على رفع الجناح فيه. # الحجة الثانية: ما روي عن عائشة: أنها أتمت في السفر فسألها رسول الله ~~عنه فقال: ((أتممت ما قصرت وصمت ما أفطرت ))(1). فصوبها على فعلها. وقال ~~لها: ((أحسنت)). فوجه الدلالة من الخبر هو أنه لو كان القصر عزيمة وحتما ~~لأنكر عليها الإتمام فلما صوبها دل على كونه رخصة. # والمختار: هو القول بكون القصر رخصة كما رواه الناصر والشافعي. # وحجتهما: ما ذكرناه. PageV04P189 # ونزيد هاهنا وهو أن فرض الصلاة كان بمكة في ليلة المعراج فإنها فرضت في ~~الأصل خمسين صلاة على الرسول يوم عرج به فما زال موسى يرده ويقول: إن أمتك ~~لا تطيق على هذا. حتى بقي خمس من الخمسين في اليوم والليلة. # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الفرض كان أربعا أربعا في أول الأمر واستقر ~~ذلك ثم خفف عن المسافرين بأن نقص من الفرض نصفه رحمة للمسافر ورفقا به، ~~ورخصة في حقه. # الحجة الثانية: حديث المواقيت وهو ما روى جابر وابن عباس عن الرسول أنه ~~قال: ((صلى بي جبريل عند باب البيت الظهر أربعا حين زالت الشمس، والعصر ~~أربعا حين صار ظل كل شيء مثله)). # فوجه الدلالة: أن الأصل في الصلاة المفروضة إنما هو الأربع لكن خفف الله ~~في حق المسافر بأن قصر في حقه الصلاة. # الحجة الثالثة: ما روي عن الرسول : أنه كان في بعض أسفاره يصلي أربعا ~~وتارة يصلي ركعتين وفي هذا دلالة على أن القصر ليس حتما وإنما هو رخصة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روي ms1646 عن عائشة: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت ~~صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فهذا مذهب لعائشة، فلا يلزمنا قبول مذهبها. # وأما ثانيا: فلأن فرض الصلاة كان قبل مولدها، فإن فرض الصلاة كان في مكة ~~ولم يكن مسافرا، وفي هذا دلالة على أن أول الفرض كان أربعا، فحديث عائشة لا ~~يعارض ما ذكرناه من الخبر المشهور(1) # في فرض الصلاة أربعا. # قالوا: روي عن ابن عباس أنه قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في ~~الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين. فدل ذلك على كونه فرضا وحتما. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا نقول بموجبه، فإنه لا يجوز للمسافر ترك ركعتين إذا اختار ~~أن يصليهما وهما فرضه. PageV04P190 # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما ذكرناه من الأخبار التي رويناها، والعمل ~~على ما روينا من الأخبار أرجح لأن مذهبنا دل عليه القرآن وهو مقطوع به ~~بخلاف سائر الأخبار فإنه ليس مقطوعا بأصلها، فلا جرم كان ما قلناه راجحا. # قالوا: روي القصر في السفر عن علي وابن عباس وابن مسعود، وظاهره دال على ~~كونه حتما وعزيمة. # قلنا: كما روي القصر عن هؤلاء في السفر، فقد روي الإتمام عن عثمان وسعد ~~بن أبي وقاص وعائشة، على أن المسألة اجتهادية فلا يلزمنا قبول اجتهادهم. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((إن الله وضع على المسافر شطر الصلاة )). ~~أو قال: ((نصف الصلاة، ووضع الصوم))(1). # وفي هذا دلالة على أن الواجب ركعتان. # قلنا: فهذا يدل على ما نقوله من أن المسافر إن شاء أتى بركعتين، وإن شاء ~~أتى بأربع ركعات كما أنه إن شاء أفطر، وإن شاء صام، وهذه هي حقيقة الرخصة ~~ومعناها. # قالوا: إن الرسول صلى بمكة وسلم على ركعتين ثم قال: ((يا أهل مكة قوموا ~~فأتموا فإنا قوم سفر ))(2). # وفي هذا دلالة على أن فرض المسافر ركعتان. # قلنا: إن في هذا دلالة على جواز القصر للمسافر لا أنه فرض حتم ونحن نقول ~~به، ولهذا اختص الإسقاط للمسافرين دون ms1647 المقيمين. # قالوا: إن فرض المسافر ركعتان فلا تجوز الزيادة عليهما كما لا تجوز ~~الزيادة على الفجر والجمعة. # قلنا: أما صلاة الفجر فهي ركعتان للمقيم والمسافر فلا وجه للزيادة عليها ~~لأنها حتم عليهما فلا تدخلها رخصة القصر. PageV04P191 # وأما صلاة الجمعة فإذا تمت شرائطها فهي ركعتان، وإن اختل شرط من شروطها فهي ~~أربع فالركعتان عزيمتان والأربع عزائم أيضا فلا تدخلها رخصة، وإنما هي بدل ~~ومبدل كما مضى تقريره بخلاف صلاة السفر فليس بدلا ولا مبدلا وإنما هو موكول ~~إلى خيرته إن شاء قبل الرخصة وإن شاء أتى بالفرض الكامل. # دقيقة: إعلم أن الرخص مشروعة من أجل التسهيل والتوسعة والترفيه على الخلق ~~رحمة من الله تعالى ولطفا بعباده، وهذا نحو أكل الميتة في المخمصة تداركا ~~لحشاشة النفس، ونحو التيمم عند إعواز الماء وعدمه، ونحو إساغة اللقمة بشرب ~~المسكر خوفا على النفس(1) # وغير ذلك من الرخص. # ومعنى الرخصة: هو أن يكون سبب التحريم باقيا والإباحة جارية فيه من جهة ~~الشرع كما قلناه في أكل الميتة عند الضرورة والمخمصة، فإذا قام البرهان ~~الشرعي على كون القصر رخصة فالإتمام لا محالة يكون أفضل، ولقد خرج رسول ~~الله في شهر رمضان في بعض الغزوات وليس [في أصحابه] صائم غيره ويفطرون ولا ~~ينكر عليهم إتيان الرخصة في حق نفوسهم، وربما أفطر فسحة للخلق على جهة ~~الندرة ولشرع الرخصة في الفطر في السفر. # وإذا كان الصوم في السفر أفضل وإتمام الصلاة في السفر أفضل فهل يكون عاما ~~في سائر الرخص أو يكون ترك الرخصة أفضل أم لا؟ (2) # فيه تردد سنذكره في باب الإكراه بمعونة الله تعالى. # الفرع الثالث: وهل يعتبر الخوف في رخصة القصر أم لا؟ فيه مذهبان: PageV04P192 # المذهب الأول: أن الخوف غير معتبر وهذا هو رأي القاسمية، ومحكي عن السيد ~~المؤيد بالله، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وصار إليه ~~جمهور الفقهاء. # والحجة على هذا: ما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه قال: كنا نصلي مع ~~رسول الله في أسفارنا ركعتين ركعتين حتى يرجع، خائفا كان أو ms1648 آمنا، فما هذا ~~حاله نص صريح في بطلان اشتراط الخوف في قصر الصلاة. # الحجة الثانية: ما روى عمران بن حصين أن الرسول أقام بمكة ثماني عشرة ~~ليلة يصلي ركعتين ركعتين ويقول: ((يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين ~~فإنا قوم سفر)). ومعلوم أن الرسول لم يكن خائفا في مكة وصرح رسول الله بأن ~~الإعتبار في القصر إنما هو بالسفر لا غير من غير خوف. # الحجة الثالثة: ما روى أنس بن مالك قال: صليت مع رسول الله بالمدينة ~~الظهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين. والمعلوم من حاله أنه لم يكن خائفا ~~بذي الحليفة. # المذهب الثاني: أن الخوف معتبر في الترخص في قصر الصلاة، وهذا هو رأي ~~الناصر ولا قائل به معه. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم أن يفتنكم الذين كفروا }[النساء:101]. فصارت الرخصة في قصر الصلاة لا ~~بد فيها من اعتبار أمور ثلاثة، أن تكون مدة السفر ثلاثة أيام، وأن يكون ~~السفر طاعة، وأن يكون خائفا فصار كأن الله تعالى قال: قد فرضت عليكم الصلاة ~~أربعا ثم إني رخصت لكم في ترك ركعتين إن كنتم مسافرين خائفين. PageV04P193 # والمختار هاهنا: تفصيل نشير إليه، وهو أن القصر ثبت بالكتاب جواز الرخصة ~~فيه مع الخوف، وأن القصر ثبت جوازه بالسنة في السفر مع الأمن، وإذا كان ~~الأمر كما قلناه فالرخصة متعلقة في السفر بهما جميعا، فإن خاف ترخص بالقصر ~~في السفر بالخوف بالكتاب، وإن أمن ترخص بالقصر مع الأمن بالسنة، فيكون ما ~~ذكرناه جمعا بين الأدلة الشرعية من غير تناقض، ولا يقال بأن السنة ناسخة ~~للقرآن؛ لأن القرآن لا ينسخ بالسنة لأن أصله مقطوع به، والسنة أصلها مظنون ~~لنقلها بالآحاد. ولا يقال: أن القرآن ناسخ للسنة لتقدم نزول الآية على ~~الأفعال والأخبار والناسخ لا يكون متقدما على المنسوخ وإنما يكون متأخرا ~~عنه ليكون مزيلا له. # والحجة على هذا: هو أن الآية دالة على اعتبار الخوف فلا حاجة إلى إهماله ~~واطراحه من غير دلالة، لا يقال: ms1649 لو كان شرط الخوف معتبرا في رخصة القصر ~~لوجب العمل على مفهومه فكان يلزم إبطال القصر مع الأمن اعتمادا على مفهوم ~~الشرط وقد دلت السنة قولا وفعلا على اعتباره كما قررناه، لأنا نقول: نحن لا ~~ننكر مفهوم الشرط فإنه قوي في الاعتبار، ولكنا نقول: إنما بطل اعتباره لأجل ~~معارضة السنة له، فلو لم تدل السنة على اعتبار الأمن لكان في مفهوم الشرط ~~ما يدل على بطلانه. # وأما السنة فهي دالة قولا وفعلا على اعتبار الأمن فلهذا قلنا به عملا على ~~الدليلين معا. لا يقال: أن قوله تعالى: { فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة إن خفتم}[النساء:101]. فإنما هو محمول على قصر الأفعال مع الإمام ~~لأجل الخوف دون قصر العدد في الركعات. لأنا نقول: هذا لا وجه له فإن السابق ~~إلى الفهم من قصر الصلاة إنما هو قصر العدد دون قصر الأفعال فلهذا وجب حمله عليه. # ومن وجه آخر: وهو أن قصر الأفعال إنما هو حالة نادرة في بعض الأوقات فلا ~~يجوز حمل الآية على الأمور النادرة. PageV04P194 # فأماما يحكى عن الإمام المؤيد بالله من أن قول الناصر قول قد سبقه الإجماع ~~فوجب سقوطه لأنه غير محفوظ عن أحد من العلماء المتقدمين مع كثرة خلافهم في ~~مسائل القصر، فعنه أجوبة أربعة: # الجواب الأول: أنا نقول: إن الآية مصرحة باعتبار الخوف في العمل على ~~الرخصة في القصر في مدة السفر فلأي شيء أعرضت الأمة عن ظاهر الآية وما ~~حملهم على اطراحه وإبطاله وهم محجوجون بظاهرها على اعتبار الخوف ولا يمكن ~~حملهم على الإستهانة فهم منزهون عن ذلك، فإذن لا وجه لإعراضهم عما دلت عليه ~~الآية من اعتبار الخوف فأي حرج على من اعتمد ظاهر الآية وعمل عليه، هذا لا ~~مانع منه. # الجواب الثاني: أنا نقول: إنما يبطل كلام الناصر لو صرحت الأمة ببطلان ~~العمل على الخوف في القصر في السفر، فأما إذا لم يصرحوا ببطلان اعتبار ~~الخوف لم يكن الناصر خارقا للإجماع إذا قال به وعول عليه. # الجواب الثالث: أن العلماء من الصدر ms1650 الأول إلى يومنا هذا ما زالوا في ~~العصر الخالية والآماد المتمادية مكبين على استنباط الأحكام الشرعية من ~~الكتاب والسنة غضة طرية في كل وقت وفي كل أوان من غير نكير، وكل واحد منهم ~~يستنبط خلاف ما يستنبطه الآخر، وإذا كان الأمر كما قلناه فأي حرج على ~~الناصر إذا استنبط حكما دل عليه الكتاب بظاهره فكيف يقال: في أنه في ~~استنباطه لما استنبطه مخالف للإجماع. # الجواب الرابع: هل قال أحد بهذه المقالة قبل الناصر أم لا؟ فإن كان قد ~~سبقه أحد من العلماء بهذه المقالة فكيف يقال: بأنه غير محفوظ عن غيره من ~~العلماء وقد قيل به، وإن لم يقل به أحد من العلماء قبله فكيف يقال بأنه ~~خارق للإجماع ولم يتحدثوا في المسألة ولا كان لهم فيها قول،وإنما يكون خرقا ~~لو قال قولا قد صرحوا ببطلانه وفساده، فأما إذا لم يكن لهم قول في المسألة ~~فلا وجه لكونه خارقا لإجماعهم. PageV04P195 # فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الناصر ليس خارقا للإجماع بمقالته هذه، وأن ~~الرخصة بالقصر في السفر حاصلة في الأمن والخوف كما أوضحناه. # الفرع الرابع: السفر في المعصية. نحو المسافرة لقطع الطرقات والسرقة ~~والظلم وقتل النفس بغير حق ومحاربة الإمام ونهب المسلمين إلى غير ذلك من ~~أنواع المعاصي، هل يجوز القصر في مثل هذه الأسفار أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن القصر جائز في مثل هذه الأسفار، وهذا هو رأي الإمامين ~~الهادي والقاسم، ومحكي عن أبي حنيفة حتى قال أبو حنيفة: يجوز للمسافر أن ~~يترخص بجميع الرخص حتى قال: لو خرج مع الحاج ليسرقهم ولا ينوي حجا ولا عمرة ~~جاز له أن يترخص. وهو محكي عن الأوزاعي والثوري والمزني من أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر}[البقرة:184]. # ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى أباح للمسافر الإفطار ولم يفصل ~~بين أن يكون السفر طاعة أو معصية في جواز الرخصة بالإفطار فهكذا حال القصر ~~لأن أحدا لم يفصل ms1651 بينهما. # الحجة الثانية: قوله : ((إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة )). ~~ولم يفصل في ذلك بين أن يكون سفره في طاعة أو معصية، وفي هذا دلالة على ما قلناه. # المذهب الثاني: أنه لا يجوز الترخص بالقصر في سفر المعصية. وهذا هو رأي ~~الناصر، ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} إلى قوله: {فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد}[الأنعام:145]. # قال ابن عباس في تفسيرها: غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم بسيفه. # الحجة الثانية: هو أن الترخص برخص السفر في قصر الصلاة وغيره يكون إعانة ~~على المعصية، ومثل هذا غير جائز في الحكمة. # والمختار: أن رخص السفر لا تجوز في المعصية كما قاله الناصر والشافعي. # وحجتهم: ما ذكرناه. PageV04P196 # ونزيد هاهنا تقوية لما قالوه، وهو محكي عن جعفر الصادق، وحاصله: أن الرخص ~~إنما شرعت من أجل التسهيل والتيسير على فاعلها، وهي مأخوذة من فعل الرسول ~~أو من قوله، فأما فعله فهو حسن بكل حال لا يدخله قبيح لأنه معصوم عن الخطأ ~~فأدنى أفعاله الحسن لا محالة، وإن كانت مأخوذة من قوله فهو لا ينطق عن ~~الهوى ولا يأمر إلا بما له صفة زائدة على فعله من الواجب والمندوب، ولا شك ~~أن الأمر بالرخصة في المعصية فيه إعانة على فعل القبيح وتيسير لحاله ولا ~~يليق ذلك بمن هو معصوم عن كل خطأ. # ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: قوله : ((من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من ~~عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سن سنة سيئة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها ~~إلى يوم القيامة)) (1). # ولا شك أن كل من أعان على المعصية فقد سن سنة سيئة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا:قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ~~}[البقرة:184] وإذا جاز الإفطار جاز القصر؛ لأن الرخصة فيهما واحدة ولم ~~يفصل بين الطاعة والمعصية. # قلنا: ترك الاستفصال لا يدل على الإندراج وليس هناك لفظ يدل على العموم ~~يشمل الطاعة والمعصية. # ومن وجه ms1652 آخر: وهو أن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأدلة وهي راحجة على ~~ما يخالفها من جهة أنها مطابقة لمقتضى الحكمة في أن الله تعالى لا يعين على ~~معصية، وموافقة لمقتضى الأدلة الشرعية في أن صاحب الشريعة لا يأمر بالإعانة ~~على معصية فلأجل هذا وجب العمل عليها. # قالوا: إن الله تعالى وضع عن المسافر نصف الصلاة ولم يفصل بين أن يكون ~~السفر في طاعة أو معصية. PageV04P197 # قلنا: إنا لا ننكر الوضع عن المسافر رحمة من الله ولطفا به، ولهذا قال : ~~((لو يعلم الناس ما للمسافر من اللطف لأصبح الناس كلهم على سفر ))(1) # ولكنه يخصه بسفر الطاعة ليكون ملائما للأدلة العقلية والشرعية ومطابقا ~~للحكمة، كما مر تقريره. # الفرع الخامس: سفر الطاعة هل تجوز الرخصة فيه نحو زيارة الوالدين وزيارة ~~الأئمة والعلماء وحج التطوع، وغير ذلك مما ليس واجبا وإنما هو طاعة أم لا؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الرخصة جائزة على قول من يقول بكونه رخصة، وعلى رأي من ~~يقول هو عزيمة في جميع الطاعات، وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أكثر ~~أهل العلم من الصحابة والتابعين. # والحجة على هذا: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: فرض الله ~~الصلاة على لسان نبيكم ركعتين ركعتين وفي الحضر أربعا. ولم يفصل بين سفر ~~الواجب وسفر الطاعة مما ليس واجبا. # المذهب الثاني: أن القصر في الصلاة إنما يكون في السفر الواجب لا غير. ~~وهذا شيء يحكى عن ابن مسعود. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح ~~}[النساء:101]. وليس الضرب في أيام الرسول إلا بالجهاد والغزو إلى بلاد ~~الشرك والجهاد لمن كفر به. # والمختار: ما عول عليه الأكثر من أهل العلم من جواز القصر في سفر الطاعة، ~~وإن لم يكن واجبا. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن ظاهر الأدلة الشرعية دال على القصر في السفر من غير ~~فصل بين كونه واجبا أو طاعة فلأجل هذا قضينا بجواز ذلك، وإن لم يكن السفر واجبا. # الانتصار: ms1653 يكون بالجواب عما أوردوه. # قوله: ما كان الضرب في أيام الرسول إلا في الجهاد الواجب فلهذا وجب حمل ~~السفر عليه. PageV04P198 # قلنا: السفر مطلق فلا دليل على قصره على ما كان واجبا من الأسفار، والطاعة ~~شاملة لأسفاره لأن تصرفاته ما كانت إلا طاعة واجبة ونفلا. # الفرع السادس: السفر في الأمور المباحة. نحو السفر في طلب الأرباح وأنواع ~~التجارات، هل يجوز القصر فيه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز القصر فيه. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أكثر ~~أهل العلم. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة}[النساء:101]. وهذا الضرب ليس مقصورا على الطاعة وحدها بل ~~كما يتعلق بالطاعة فهو متعلق بالمباح، لأن الحسن شامل للمباح والواجب ~~والنفل فلا وجه لقصره على بعض المحسنات دون بعض. # المذهب الثاني: أن القصر في السفر لا يتعلق بالمباح. وهذا شيء يحكى عن عطاء. # وحجته على هذا: هو أن الخطاب بقوله: {وإذا ضربتم}. إنما هو للرسول ~~وأصحابه ولم يكن ضربهم إلا فيما هو طاعة وقربة دون الأمور المباحة. # والمختار: ما عليه أكثر العلماء من العترة وغيرهم من جواز القصر في سفر ~~الإباحة. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن المباح كالواجب والمندوب في كونه أمورا محسنة ونحن ~~إنما منعنا من القصر في المعصية لما كانت مجانبة لمقصود الشرع في كونها ~~طاعة، فأما إذا كان السفر مباحا فإنه مشارك في الواجب في كونه حسنا فلهذا ~~جاز فيه القصر. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: الخطاب بقوله: {وإذا ضربتم في الأرض}. إنما هو فيما كان فيه قربة، ~~فأما الأمور المباحة فليس فيها قربة. # قلنا: المباح كالواجب والمندوب في كونها أمورا يشملها الحسن فإذا جاز ~~القصر في أمور الطاعة جاز فيما كان حسنا من غير تفرقة بينهما وهو المطلوب. PageV04P199 # قاعدة: حكى الناصر في كتابه (الكبير) عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه ~~لا يجوز القصر لعشرة: المكاري والجمال والملاح والراعي والمتغرب منتجع ~~الغيث يسعى في أثر مواقعه، والعبد الآبق ms1654 والصياد والساعي في الأرض فسادا ~~ورب الضياع يدور في ضياعه يعمرها، والسلطان يدور في سلطانه وعمله. وهذه ~~الرواية صحيحة كما ذكره الناصر وبعضها على ظاهره وبعضها يفتقر إلى التأويل ~~على ما تقتضيه الأصول. # فأما العبد الآبق عن سيده فليس له القصر لأن سفره معصية ما لم يتب ويرجع ~~إلى مولاه. # وأما السلطان فإن كان جائرا ظالما فليس له أن يترخص برخص الله. وإن أراد ~~به الإمام المحق فإنه محمول على أنه يسير في بلاده دون مدة السفر كما ~~سنوضحه. # وأما رب الضياع يدور في ضياعه فإنه لا يكون مسافرا على الحقيقة لأن كل ~~موضع ينزل فيه فهو له وطن، ويجوز أن يحمل على من بين ضياعه دون مسافة السفر. # وأما الملاح والجمال والمكاري والراعي فإن هؤلاء يحمل أمرهم على أن ~~مسيرهم فيما لا تقصر فيه الصلاة، وهكذا من ينتجع الغيث يحمل أمره على ما ~~قلناه، وهكذا حال الصيادين يحمل أمرهم على أنهم يطلبون الصيد فيما دون ~~مسافة السفر(1). # فهكذا ينبغي تأويل ما ذكره في كلامه هذا ليجري على الأصول المقررة. PageV04P200 # --- ### ||| AUTO الفصل الثاني في بيان حد السفر الذي تقصر فيه الصلاة # اختلف العلماء في مدة القصر، فمنهم من اعتبره بالأمكنة، ومنهم من اعتبره ~~بالأزمنة، ومنهم من قدره بالزمان والمكان جميعا، ومنهم من لم يقدره بواحدة ~~منها، فهذه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: الذين قدروه بالمكان وفيه أقوال أربعة: # فالقول الأول: تقديره بالبريد. وهذا هو رأي الباقر والصادق وأحمد بن عيسى ~~بن زيد، وهو رأي الهادي والقاسم. # والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((لا تسافر المرأة ~~بريدا إلا ومعها زوج أو ذو رحم))(1). # .. فجعل البريد سفرا. # الحجة الثانية: ما روي عن الرسول : أنه كان يقصر في خروجه من مكة إلى ~~عرفات، وذلك مقدر بأربعة فراسخ وهو البريد. # قال القاسم: وكذلك يقصر أهل مكة في خروجهم إلى عرفات لأنه مقدر بالبريد. # القول الثاني: وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة: أنه مقدر بثلاث مراحل ~~وهي أربعة وعشرون فرسخا. # القول ms1655 الثالث: وهو إحدى الروايتين عن السيد المؤيد بالله: وهو أنه أحد ~~وعشرون فرسخا، فهذه أقوال من قدره بالأمكنة على ما قررناه. # القول الرابع: أنه مقدر بالأميال من الأمكنة، وهذا هو رأي الشافعي وعنه ~~فيه روايات أربع: # الأولى: أنه ستة وأربعون ميلا بالميل الهاشمي كل ميل إثنا عشر ألف قدم. # الرواية الثانية: ثمانية وأربعون ميلا بالهاشمي. # الرواية الثالثة: أكثر من أربعين ميلا. # الرواية الرابعة: أربعون ميلا. # كل هذه الأميال بالميل الهاشمي الذي ذكرناه. فهذه أقوال من قدره بالأمكنة ~~على ما قررناه. # المذهب الثاني: الذين قدروه بالأزمنة ثم فيه أقوال ثلاثة: PageV04P201 # القول الأول: الذين قدروه بالأيام الثلاثة. وهذا هو المحكي عن زيد بن علي ~~ومحمد بن عبدالله النفس الزكية، ومروي عن الناصر وأبي عبدالله الداعي، وهو ~~قول السيدين الأخوين أبي طالب والمؤيد بالله، وإحدى الروايتين عن أبي ~~حنيفة، ومروي عن سفيان الثوري وأبي الحسن الكرخي، فهؤلاء يقدرونه بسير ~~ثلاثة أيام السير المتوسط وهو سير الإبل ومشي الأقدام؛ لأن أسرع السير في ~~اليوم الواحد للخيل عشرون فرسخا، وسير الإبل ثمانية فراسخ في اليوم الواحد، ~~وسير البقر أربعة فراسخ، وعلى هذا يكون ثلاثة أيام أربعة وعشرون فرسخا. # القول الثاني: محكي عن الشافعي وله فيه ثلاث روايات: # الرواية الأولى: أنه يكون مسيرة ليلتين بسير الأثقال ودبيب الأقدام، يشير ~~بذلك إلى سير الإبل ومشي الأقدام. # الرواية الثانية: مسيرة يومين. # الرواية الثالثة: مسيرة يوم وليلة. # القول الثالث: أنه مقدر باليوم الواحد. وهو المروي عن أنس بن مالك، ~~والأوزاعي. # المذهب الثالث(1): محكي عن أهل الظاهر داود وطبقته. # فهذه مذاهب العلماء في حد القصر، وهي متداخلة كما ترى، وحاصل ما قاله أهل ~~الظاهر: أنهم لا يعتبرون زمانا ولا مكانا في تقدير مدة القصر لكن القصر يجب ~~في قليل السفر وكثيره. وجملة الأمر أن المذاهب في حد القصر أربعة: # أولها: من يعتبر تقديره بالأمكنة كما حكيناه عن القاسمية فيقدرونه ~~بالبريد. # وثانيها: من يعتبر تقديره بالأزمنة كما حكيناه عن المؤيد بالله والناصر ~~وغيرهما، فيقدرونه بالأيام الثلاثة. # وثالثها: من يقدره بالأزمنة الليالي ms1656 والأيام، وتارة بالأمكنة نحو الأميال ~~والفراسخ كما حكيناه عن الشافعي. PageV04P202 # ورابعها: من لا يقدر فيه تقديرا بل قليله وكثيره يجب القصر فيه. وهذا هو ~~المحكي عن أهل الظاهر. # والمختار في مدة القصر: هو العمل على الثلاث كما هو رأي الناصر والمؤيد ~~بالله وغيرهما من علماء العترة. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام إلا مع محرم.)). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه علق الحكم بالثلاث، وإذا ثبت ذلك في سفر ~~المرأة ثبت في القصر والإفطار لأن أحدا لم يفصل بينهما. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((لا تسافر المرأة يوما أو يومين إلا مع ~~محرم.))(1). # . وفي هذا بطلان تعليقه بالثلاث. # قلنا: المراد من الخبر هو أن السفر إذا زاد على ثلاثة أيام فلا يحل ~~للمرأة أن تخرج من بيتها مسيرة يوم أو يومين إلا مع محرم. # الحجة الثانية: هو أن هذا نوع من المقدرات في العبادات فلا يجوز إثباته ~~إلا بتوقيف من جهة الرسول وليس فيما دون الثلاث فلا يجوز جعله سفرا شرعيا، ~~وإذا كان الأمر كما قلناه وجب التعويل على ما دل عليه الشرع وهو الثلاث فلا ~~جرم وجب التعويل عليها. PageV04P203 # وحكي عن الشيخ أبي جعفر: أن الناصر ذكر في كتابه الكبير: أنه لا يجوز القصر ~~إلا في مسافة ثلاثة أيام بلياليها وهو السفر الشرعي، ولم أعلم أن أحدا من ~~العلماء اعتبر الليالي مع الأيام في السير ولا دلت عليه دلالة ولعله أراد ~~أن الليالي مضمومة إلى الأيام لا أنها معتبرة في مقدار السير في السفر بحال. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: روي عن النبي أنه قال: ((لا يحل لامرأة تسافر بريدا إلا مع محرم ~~أو زوج.)). فجعل البريد تقديرا للسفر الشرعي. وفيه دلالة على ما اعتبرناه ~~من البريد. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه محمول على أن البريد هو أول السير إلى تمام الثلاث لأنه ~~مقدر بالبريد أوله وآخره. # وأما ثانيا: فلأن الخبرين ms1657 قد تعارضا، وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح وخبر ~~الثلاث فيه الزيادة فيجب أن يكون مقبولا أو يكون راجحا على غيره مما لم يدل ~~على الزيادة. # فأما ما حكي عن الشافعي من اختلاف أقواله في اعتبار مدة القصر بالأزمنة ~~والأمكنة التي حكيناها عنه، فقد قال أصحابه: إن اختلاف أقواله كلها راجع ~~إلى قول واحد وهو اعتبار أربعة برد. فإلى هذا ترجع تلك الأقوال على ~~اختلافها. # والجواب عما ذكروه، هو أن الخبر الذي رويناه في الدلالة على اعتبار ~~الثلاث، هو دال بنطقه على ما قلناه، ودال بمفهومه على بطلان غيره من ~~المذاهب، فلهذا وجب التعويل عليه. # قالوا: روى ابن عباس عن الرسول أنه قال: ((يا أهل مكة لا تقصروا في أقل ~~من أربعة. برد من مكة إلى عسفان إلى الطائف))(1) PageV04P204 . # فهذا تصريح باعتبار أربعة برد في قصر الصلاة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما ذكروه من خبر البرد الأربعة يعارضه خبر البريد على نعت ~~المناقضة في لفظه، وخبرنا في الثلاث لم يعارضه ما يناقضه في لفظه فإذا كان أرجح. # وأما ثانيا: فلأن خبر الثلاث أكثر فائدة فإنه دال على مدة القصر، ودال ~~على وجوب المحرم في حق المرأة، وخبر البرد الأربعة ليس فيه دلالة إلا على ~~البرد لا غير، فلما كان خبرنا أكثر فائدة كان راجحا على غيره. # وما يحكى عن داود وطبقته من أهل الظاهر من أن القصر واجب في قليل السفر ~~وكثيره وطويله وقصيره، فهو فاسد لأمرين: # أما أولا: فلأن الإجماع منعقد على بطلانه؛ لأن أحدا من الأئمة لم يعتبر ~~هذا الإعتبار بل لا بد فيه من التقدير إما بالأزمنة أو بالأمكنة على ما مر بيانه. # وأما ثانيا: فلأن الرسول قد كان يخرج إلى قبا فتدركه الصلاة فلا يقصرها ~~وبينه وبين المدينة مقدار فرسخ. # ومن وجه ثالث: وهو أن ما هذا حاله سير لا تلحق به المشقة، والقصر إنما ~~شرع من أجل مشقة السفر. فيجب أن لا يتعلق به قصر كما لو سار في الحضر. # التفريع على ms1658 هذه القاعدة: # الفرع الأول: وكل من أراد السفر فلا يجوز له القصر حتى يفارق موضع ~~الإقامة. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي ~~وأصحابه. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة.}[النساء:101]. ومن لا يفارق موضع الإقامة فليس ضاربا في الأرض. # وحكي عن عطاء والحرث بن ربيعة(1) PageV04P205 : أنه يقصر إذا نوى السفر وإن لم يخرج عن بيوت القرية. وروي أن الحرث بن ~~ربيعة أراد سفرا فصلى بهم المكتوبة ركعتين في منزله وفيهم الأسود بن يزيد ~~وغيره من أصحاب عبدالله بن مسعود. # وحجتنا عليه: ما ذكرناه. وعن أبي سعيد الخدري: أن الرسول كان إذا خرج ~~[إلى] السفر من المدينة قصر إذا سار فرسخا. # وإذا وجبت المفارقة للوطن بالدليل الذي ذكرناه فبما تكون المفارقة؟ فيه ~~مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أن المفارقة إذا صار بحيث تتوارى عنه بيوت أهله. وهذا هو ~~رأي الهادي. وحمله السيدان الأخوان على أن المراد تفاصيل البيوت دون ~~أعلامها لأن جملة البيوت والدور قد ترى من بريد وأكثر، وقدره الهادي.ميلا ~~أو نحوه. # والحجة على هذا: ما روى أبو سعيد الخدري عن الرسول : أنه كان إذا خرج من ~~المدينة سار فرسخا ثم قصر. # المذهب الثاني: أن المسافر يقصر إذا جاوز عمران البلد. وهذا هو رأي ~~المؤيد بالله، ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى أنس بن مالك أنه قال: صليت مع رسول الله الظهر في ~~المدينة أربعا والعصر في ذي الحليفة ركعتين، فظاهره دال على أن المفارقة ~~معتبرة، والعرف دال على أن المفارقة حاصلة بما ذكرناه لأن الضرب مطلق فلهذا ~~حمل على العرف بما ذكرناه. # المذهب الثالث: أنه يقصر إذا جاوز باب المصر. وهذا هو المحكي عن أبي ~~حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أن المصر إذا كان له سور فما لم يفارق السور فهو في ~~موضعه ومستوطنه فلا عبرة إلا بمفارقة السور وما يجري مجراه في القرى ~~والدروب والمحال. # المذهب الرابع: أن المسافر لا يحصل له ms1659 القصر إذا سار نهارا حتى يمسي، ~~وإذا سار ليلا حتى يصبح. وهذا هو المحكي عن مجاهد. # والحجة على هذا: هو أن المفارقة للوطن لا تحصل على الحقيقة إلا بإستغراق ~~أحد طرفي النهار، فإذا خرج نهارا انقطع وطنه بالمساء، وإن خرج ليلا انقطع ~~وطنه بالإصباح. فهذه المذاهب المذكورة في اعتبار المفارقة. PageV04P206 # والمختار: أن الأمر في ذلك قريب وربما يقال: إن مذهب الهادي بتقدير الميل ~~أرجح لأنه محل اتفاق وما عداه وقع فيه الخلاف، وهذا جيد خلا أنه يبقى فيه ~~نظر بتقدير صوره وهو أن المسافر إذا أراد السفر وصلى الظهر في بلده ثم خرج ~~من بلده ولم يبق من الوقت إلا ما يتسع لصلاة العصر، فإن راعينا بلوغ الميل ~~فاتت الصلاة، وإن صلى قبل بلوغ الميل فهل يقصر أو يتم الصلاة؟ فإن قصر فقد ~~قصر قبل بلوغ الميل، وإن أتم فقد فارق عمران البلد، فإذن الأولى الضبط ~~بمفارقة العمران كما أشار إليه المؤيد بالله، ولهذا قال: يقصر المسافر إذا ~~جاوز عمران بلده، وكذلك يقصر في رجوعه إلى وطنه إلى أن يبلغ عمران بلده. # والحجة على هذا: وجهان: # أحدهما: ما روى علي بن ربيعة(1) PageV04P207 أنه قال: خرجت مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقصر ونحن نرى البيوت، ~~ومثل هذا لا يفعله إلا عن توقيف من جهة الرسول لأن الباب باب عبادة لا مجرى ~~للإجتهاد فيه، وفيه دلالة على أنه إنما قصر من أجل مفارقة البنيان. # وثانيهما: أن الله تعالى علق القصر بالضرب في الأرض وهو مطلق فلا بد من ~~حمله على ما يطرد في العادات ويكثر جريه في العرف وليس ذلك إلا مفارقة ~~الوطن ومباينة العمرانات وهذا هو المقصود. فإذا تقرر هذا فاعلم أن المدينة ~~والمصر إذا كان لهما سور، فالقصر من مجاوزة السور، وإن لم يكن هناك سور، ~~كان القصر من مجاوزة العمران. والبساتين ليست من عمران البلد لانفصالها عن ~~البلدة واستقلالها بأنفسها، وهكذا حال المصلى(1) # فإنه ليس من حد العمران لانفصاله. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: يجب ms1660 القصر إذا صار بحيث يتوارى عن البيوت. كما حكي عن الهادي. # قلنا: الأمر في ذلك قريب لكن الضبط بمجاوزة العمران أحسن وأحصر؛ لأن ~~التعويل إنما هو على الانفصال عن البلد، فضبطه بمجاوزة ما عمر من البلد أحق وأولى. # قالوا: يقصر إذا جاوز سور البلد كما حكي عن أبي حنيفة وأحصابه. # قلنا: هذا سديد فيما له سور، وما ليس له سور فبأي شيء يضبط؟ فيجب أن يضبط ~~بما يعم ما له سور وما ليس له سور كما أشرنا إليه من مجاوزة العمران. # قالوا: المسافر لا يحصل له القصر إذا مشى ليلا إلا بالصباح وإذا مشى ~~نهارا إلا بالمساء كما حكي عن مجاهد. # قلنا: هذا لا وجه له، فإن الله تعالى يقول: {وإذا ضربتم في الأرض}. ولم ~~يشترط صباحا ولا مساء، وفي هذا دلالة على عدم اعتباره. # وقد أفسدنا ما قاله عطاء حيث قال: يكون مسافرا بالنية من غير انفصال عن ~~بلده فأغنى عن تكريره. PageV04P208 # الفرع الثاني: وإذا كان بقرب البلد آثار دور وبيوت قد خربت وكانت خالية عن ~~السكنى خلا أن الجدران قائمة فإنه لا يقصر حتى يفارقها لأن السكنى فيها ~~ممكن وربما ترجى فيها العودة لأهلها فصارت كالعمران، فإن تهدمت وذهبت ~~قواعدها وجدرانها جاز القصر قبل مفارقتها لأنها لا تسكن فصارت كالصحارى. # وإن كانت حيطان البساتين متصلة بحيطان البلد فإنه يقصر إذا جاوز حيطان ~~البلد، وإن لم يفارق حيطان البساتين لأنها ليست مبنية للسكنى وإنما تراد ~~الحيطان لحفظ ما وراءها لا غير. # وإن كان في وسط البلد نهر يجري مثل بغداد وكان يشق البلد نصفين فإذا أراد ~~الرجل سفرا يجتاز إلى الجانب الآخر لم يجز له أن يقصر حتى يفارق بنيان ~~الجانب الآخر لأن النهر أو الماء ليس حائلا، ألا ترى أنه لو كان في وسط ~~البلد عرصة واسعة تكون ميدانا للخيل أو مضحى للغنم أو فسحة لضرب الكرة أو ~~غير ذلك من المنافع فإنه لا يقصر حتى يفارقها(1). # فالنهر أحق بذلك، فلهذا لم يكن له القصر حتى يجاوزه(2). # وإن ms1661 كان هناك قريتان فاتصل البناء بينهما حتى صارتا قرية واحدة فإنه لا ~~يقصر حتى يفارق جميعهما لأنهما صارتا في حكم القرية الواحدة بالإتصال، وإن ~~كان بينهما فضاء، قصر إذا فارق القرية التي هو ساكن فيها لأجل ما بينهما من ~~الحائل. # وإن خرج من عمران بلده فله أن يقصر الصلاة لحصول سببب القصر وهو العزم ~~على السفر فإن ذكر أنه نسي حاجة في بيته فعاد لها وحضر وقت الصلاة وهو في ~~بيته لم يكن له أن يقصر لأنه لم يجاوز موضع الإقامة، وإن فارق العمران ثم ~~أحدث وعاد إلى العمران للوضوء لم يكن له قصر الصلاة في العمران، فإذا فارق ~~العمران أستأنفها قصرا. PageV04P209 # وإن خرج من عمران بلده وصار في موضع آخر ينتظر القافلة فإن نوى أنه ينتظرها ~~وهو على عزم السفر، خرجت القافلة أو لم تخرج، فإنه يقصر الصلاة لأنه قد قطع ~~على السفر بنيته، وإن كان عزمه أنه لا يسافر حتى تخرج القافلة فإن لم تخرج ~~لم يعزم على السفر، فإنه لا يقصر لأنه لم يقطع على السفر كما لو كان واقفا ~~في بلده. # الفرع الثالث: فأما أهل الخيام من أحياء العرب والذين لا سكنى لهم إلا ~~فيها ولا يستقرون إلا بمصاحبتها فإنهم إذا أرادوا السفر لا يقصرون إلا ~~بمفارقتها فإن كانت مجتمعة فلا قصر إلا بمفارقة جميعها، وإن كانت متفرقة في ~~الأماكن المرتفعة وغضون الأودية وحيث تكون منافعهم فإن كل واحد منهم يقصر ~~بمفارقة ما في جانبه لأنها لهم بمنزلة الدور والقرى لأهل الأمصار والمدن ~~فهكذا يكون حكمهم حكم أهل القرى في المفارقة لمن هو ساكن فيها. وأما أهل ~~الخيام التي ليست لهم سكنى وإنما يستصحبونها في الأسفار من أجل المطر ~~والشمس واستعمالها للراحة والظلال تحتها كالملوك والأمراء، فإن قصرهم ~~للصلاة يكون من حين انفصالهم عن عمران الدور والبيوت. # وهكذا حال أهل تهامة في اتخاذهم البيوت من سعف النخل والجريد والأثل ~~فإنها إذا كانت مجتمعة فإن القصر يكون بمفارقة جميعها لأنها في حكم القرية ~~الواحدة في عمرانها، وإن ms1662 كانت متفرقة في أماكن متباعدة فقصر الصلاة يكون ~~إذا انفصل عن الخيمة والبيت المبني من الجريد والسعف لأنها بمنزلة القرى في ~~السكنى والإنتفاع. PageV04P210 # وهكذا حال هذه الأكنان والجروف في الجبال فإنها صارت مساكن لأقوام ما لهم ~~سكنى إلا فيها، فالقصر فيها يكون من حين مجاوزتها لأنها لهم بمنزلة العمران ~~في المدن والقرى. والله تعالى قد امتن عليهم بهذه المساكن كلها بقوله: ~~{والله جعل لكم مما خلق ظلالا}[النحل:81]. أراد: ظلال المجالس والقصور ~~والرواشن والأجنحة وظلال الأشجار وغير ذلك مما يظل من الشمس والرياح ويقي ~~من أذيتهما {وجعل لكم من الجبال أكنانا}[النحل:81]. أراد به: الجروف فإن ~~فيها راحة لأهل البداوة لهم في أنفسهم وللأنعام خاصة في أيام البرد فإنهم ~~يقصدونها من أجل ذلك. {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا}[النحل:80]. أراد ~~به: أهل الخيام بتهامة فإنهم يجعلونها من جلود الأنعام تقي من المطر والحر ~~والبرد، وأما أهل اليمن فيجعلونها من شعر المعز، وأما الملوك فإنهم ~~يجعلونها من نبات القطن، وهي تنزل منزلة الدور في القرى والأمصار. # الفرع الرابع: ولا يجوز القصر إلا بوجود أمرين: # الأول منهما: نية القصر. وقال أبو حنيفة: إن القصر عزيمة لا تفتقر إلى النية. # والحجة على ما قلنا: قوله : ((الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى)). ولأن ~~القصر حكم يختص الصلاة فيجب فيه اعتبار النية كنية كونها ظهرا أو عصرا أو قضاء. # وإذا قلنا: بأنه لا بد من وجود النية، فهل تكون مختصة بأول الصلاة أو ~~تكون في أثنائها؟ # فالذي يأتي على المذهب: أنها لا بد من أن تكون مقارنة لأول الصلاة. وحكي ~~عن المزني أنها تجزي ولو كانت في أثناء الصلاة. # والحجة على ما قلناه: هو أن كل نية افتقرت إليها الصلاة كان محلها عند ~~الإحرام، دليله نية الصلاة. # الأمر الثاني: الخروج من العمران كما مر تقريره. # وإن ترك المسافر القصر وأتم الصلاة، فهل تكون مجزية له أم لا؟ فيه ~~مذهبان: PageV04P211 # المذهب الأول: أنها غير مجزية له. وهذا هو رأي من قال: إن القصر عزيمة ~~واجبة كما هو محكي ms1663 عن القاسم والهادي والمؤيد بالله، ومحكي عن علي، وعمر من ~~الصحابة، ومن الفقهاء مالك وأبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أنه فرضه فلا تجوز مخالفة فرضه، كما لو قصر الصلاة في ~~حال الإقامة. # المذهب الثاني: أنه يجزيه الإتمام. وهذا هو رأي من قال: إن القصر رخصة، ~~فإذا أتم فلا حرج عليه في الإتمام كما لو صام في السفر كان مجزيا له. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح}[النساء:101]. وهذه اللفظة(1) # موضوعة في كلام العرب للإباحة ورفع الحرج، وإذا كان الأمر كما قلناه، ~~فإذا أتى بالأصل كان مجزيا له. # والمختار: أنه إذا أتم الصلاة كانت مجزية له لما روي عن عائشة قالت: كان ~~رسول الله يقصر في السفر ويتم. PageV04P212 # وروي عن أنس بن مالك أنه قال: كنا نسافر مع رسول الله فمنا المفطر ومنا ~~المتم للصلاة، فلم يعب المتم على القاصر، ولا القاصر على المتم، ولا المفطر ~~على الصائم، ولا الصائم على المفطر. # الفرع الخامس: وإذا قلنا: بأن القصر رخصة فهل يكون الإتمام أفضل أم ~~القصر؟ فيه للقائلين بالرخصة ثلاثة مذاهب: # المذهب الأول: أن الإتمام أفضل لأن الأصل هو الإتمام والقصر بدل عنه ~~فلهذا كان أفضل كالصوم في السفر، ولأن الإتمام أكثر عملا وأكثر ثوابا فلهذا ~~كان هو الأفضل. # المذهب الثاني: أن القصر هو الأفضل. # ووجهه: ما روي عن الرسول أنه قال: ((خير عباد الله الذين إذا سافروا ~~قصروا))(1). # ولما روي عن الرسول : أنه كان يداوم على القصر في أسفاره ولا يداوم على ~~الإتمام وليس يداوم إلا على الأفضل، ولأنه إذا قصر سقط عنه الفرض بالإجماع، ~~وإن أتم فالعلماء مختلفون في إجزائه. # المذهب الثالث: أن القصر والإتمام سواء. # ووجهه: هو أن كل واحد من القصر والإتمام مختص بفضل، قد دل عليه الشرع ~~فلهذا كانا مستويين في الفضل. # والمختار: أن الإتمام أفضل لأن القصر عارض لأجل السفر والأصل هو الإتمام ~~فلهذا كانت المعاودة إلى الأصل هي الأفضل. # ومن وجه آخر: وهو أن السبب في الوجوب للأربع قائم ms1664 وإنما عرضت إباحة ~~النقصان للركعتين رحمة ولطفا بالمسافر فلهذا كان تحمل المشقة بالإتمام أفضل. # ومن وجه ثالث: وهو أنها عبادة رخص الشرع فيها فلهذا كان البقاء على الأصل ~~هو الأفضل كالصوم في السفر. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((خيار عباد الله الذين إذا سافروا ~~أفطروا)). وهو محكي عن مالك وأحمد بن حنبل. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV04P213 # أما أولا: فلأن ما ذكروه كلام في الإفطار وكلامنا إنما هو في القصر. # وأما ثانيا: فلأن مشقة الصوم في السفر كثيرة من أجل الجوع والعطش بخلاف ~~الإتمام ولهذا ورد الثناء على من أفطر لأجل المشقة. # قالوا: روي أن الرسول كان يداوم على القصر ولو كان الإتمام أفضل لما داوم ~~عليه لأنه لا يداوم إلا على الأفضل. # قلنا: لم يداوم عليه لفضله ولكن مداومته عليه ليعرف الناس لطف الله ~~بالخلق في التسهيل لهم في أحوال العبادات والتخفيف عليهم فيها. # قالوا: ولأنه إذا قصر سقط الفرض بالإجماع وإذا أتم فالخلاف واقع في ~~الإجزاء، وما وقع الإجماع على صحته فهو أفضل. # قلنا: إنما وقع الإجماع على كون الإتمام غير مجز لما اعتقدوا وجوب القصر ~~وكونه عزيمة فأما لو اعتقدوا كونه رخصة مثل ما ذهبنا إليه لقالوا إن ~~الإتمام مجز لا محالة. # الفرع السادس: وإذا كان للبلد الذي يقصده طريقان تقصر الصلاة في أحدهما ~~دون الآخر[وسافر من الطريق الأطول] نظرت، فإن كان لغرض صحيح في السفر من ~~واجب أو طاعة أو مباح فله أن يقصر الصلاة لأنه يسافر لمعنى جائز تقصر ~~الصلاة لأجله، وإن كان السفر لا لغرض ولكن من أجل قصر الصلاة فهل يقصر أم ~~لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: المنع من القصر، وهذا هو المذكور للمذهب وأحد قولي ~~الشافعي، واختيار المروزي من أصحابه. # والحجة على هذا: أنه طول الطريق على نفسه لا لغرض فأشبه ما إذا مشى في ~~الطريق القصير طولا وعرضا حتى طال. # المذهب الثاني: جواز القصر. وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة، وأحد قولي ~~الشافعي واختيار أبي حامد ms1665 الإسفرائيني من أصحابه، وهو اختيار السيد أحمد ~~الأزرقي(1) PageV04P214 . # والحجة على هذا: هو قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة}[النساء:101]. وهذا ضارب في الأرض فجاز له القصر، ولأنه ~~سفر مباح تقصر في مثله الصلاة فهو كما لو لم يكن هناك طريق سواه. # والمختار: المنع من القصر. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((إن الله يبغض المشائين من ~~غير أرب))(1). # وهذا مشي من غير أرب ولا حاجة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض}. وهذا ضارب فلهذا جاز له القصر. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الآية محمولة على ما هو المعهود في مطرد العادة من أن ~~الضرب في الأرض إنما يكون لمقاصد وأغراض سببية فلا تكون متناولة لما لا غرض ~~فيه بحال. # وأما ثانيا: فلأنها معارضة بما ذكرناه من الخبر فهو نص صريح بما ذهبنا ~~إليه وإن كان أصله مظنونا، والآية ظاهرها دال على ما قلتموه وأصلها مقطوع ~~به وإذا تعارضا وجب الترجيح. # فنقول: الخبر صريح في الدلالة فلهذا وجب العمل به. # قالوا: ولأنه سفر مباح تقصر في مثله الصلاة فهو كما لو لم يكن هناك طريق سواه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذه الأقيسة واردة [في قولكم] في المقدرات من أنواع ~~العبادات والرخص السفرية ولا مجرى للأقيسة فيها بحال. # وأما ثانيا: فلأنا نعارضه بقياس مثله على قصد المناقضة، وهو أنه سير فعل ~~لغرض غير السفر فأشبه ما لو كان سائرا في أزقة المصر. PageV04P215 # ومن سار هائما أو راكبا للتعاسيف(1) # أو قطع عمره في نظر البلدان كما يفعله كثير من المتصوفة الذين ليس لهم من ~~الدين إلا لبس المرقعات وإهراق ماء الوجوه في طلب القوت وامتلاء البطون فهل ~~يجوز لهؤلاء القصر أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: جواز القصر لأجل مفارقة الأوطان، ولقوله تعالى: {وإذا ضربتم في ~~الأرض}. وهؤلاء فقد ضربوا. # ويستحب: الإتمام لأنه لا مقاصد لهم سوى ما ذكرناه. # الفرع السابع: ms1666 وإذا نوى رجل أن يسافر من بلده إلى بلدة أخرى ثم سافر من ~~تلك البلدة إلى بلدة أخرى فإنه يعتبر كل واحدة من هذه البلدان بنفسه، فإن ~~كان بين بلده وبين البلد الأول مسافة القصرجاز له القصر، وإن لم يكن بينهما ~~مسافة القصر لم يقصر، وهكذا إذا كان بين البلد الأول والبلد الثاني مسافة ~~القصر فإنه يقصر الصلاة، وإن لم يكن بينهما مسافة القصر فلا قصر هناك، وإن ~~خرج رجل من مكة يريد المدينة فوصل بعض الطريق وتغير عزمه عن السير إلى ~~المدينة لخوف عرض أو ليقصد غير المدينة، نظرت، فإن كان بينه وبين مكة مقدار ~~مسافة القصر فإنه يقصر الصلاة، وإن كان دون مسافة السفر أتم الصلاة، ثم إنه ~~يجعل هذا الموضع مبتدأ سفره قاصرا كان أو متما بعد تغير عزمه عن المدينة. PageV04P216 # قال المؤيد بالله: إذا خرج رجل يريد قرية في ناحية فدخل قرية من قرى تلك ~~الناحية فليس له أن يتم الصلاة إذا لم يصل القرية التي قصدها وإنما يتم إذا ~~دخل القرية التي قصد الخروج إليها وهذا إذا كانت القرى غير متصلة بعضها ~~ببعض، وإن كانت الناحية واحدة فإن كانت القرى متصلة بعضها ببعض كالبلد ~~الواحدة فإنه إذا حصل في محلة بعينها كان مقيما وذلك لأنها إذا كانت غير ~~متصلة كان حكم كل قرية حكم بلد على انفرادها فلا يكون الغرض حاصلا بدخول ~~بعضها، وإن كانت القرى متصلة بعضها ببعض فجميعها في حكم بلد واحدة فلهذا ~~كان متما بدخول بعضها. # وقال أيضا: وإذا خرج الرجل من قريته إلى قرية أخرى نظرت، فإن كانت القرية ~~المقصودة غير متصلة بقريته فإنه يقصر الصلاة حتى يصل القرية التي قصدها؛ ~~لأنها غير قريته وهو غريب حتى يصلها، وإن كانت [في] الجملة تدعا بإسم واحد ~~وإن كانت القرية متصلة بقريته، لم يقصر الصلاة لأنها في حكم المحلة ~~الواحدة. # الفرع الثامن: وإن خرج رجل من بلدة يريد السفر ثم بدا له فأراد الرجوع ~~إلى وطنه نظرت، فإن كان بين الموضع الذي أراد ms1667 الخروج منه وبين وطنه مدة ~~السفر، قصر حتى يبلغ وطنه لأنه قد صار غريبا فلهذا توجه عليه حكم السفر، ~~وإن كان دون ذلك أتم لأنه لا يقصر إلا بحصول مدة السفر ولم تحصل في حقه مدة ~~السفر. وإن صلى المسافر خلف من يصلي الجمعة لم يلزمه الإتمام. وحكي عن ~~الشافعي: أنه يلزمه إتمام الصلاة لأن صلاة الجمعة تامة فلهذا لزمه الإتمام. # والحجة على ما قلناه: هو أن المسافر لا يلزمه حضور الجمعة فإن حضر لزمته ~~الجمعة وكانت مجزية له سواء كان الإمام مقيما أو مسافرا لأن الجمعة فرضها ~~واحد على الإمام والمأموم فلهذا لم يلزم المأموم الإتمام، ولأنها قد تمت ~~بشرائطها فلا يجوز أن تصلى ظهرا. # والقصر والإفطار هل يستوي حكمهما أو يكون مختلفا؟ فيه مذاهب ثلاثة: PageV04P217 # المذهب الأول: أنهما يستويان في الجواز. وهذا هو رأي الناصر والشافعي، فمتى ~~جاز القصر جاز الإفطار فهما جميعا مستويان في الجواز لكونهما رخصتين. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر}[البقرة:184]. # ووجه الدلالة من الآية: هو أن المعنى: فأفطر فعدة من أيام أخر، فجمع بين ~~المريض والمسافر. ولا شك أن المريض مخير بين أن يفطر وبين أن يبقى على صومه ~~إلى الليل فهكذا حال المسافر من غير فرق. # المذهب الثاني: أنهما مستويان في الوجوب فمتى وجب القصر وجب الإفطار. ~~وهذا هو رأي الإمامية، ومحكي عن أصحاب الظاهر داود وطبقته. # والحجة على هذا: هو أن القصر واجب بالأدلة التي ذكرناها عمن قال بكونه ~~عزيمة، وإذا وجب القصر وجب الإفطار لأنهما رخصتان من رخص السفر فما اعتبر ~~في أحدهما اعتبر في الآخر. # المذهب الثالث: أنهما مختلفان، فالقصر واجب والإفطار جائز. وهذا هو رأي ~~القاسمية ومحكي عن الحنفية. # والحجة على هذا: هو أنا قد دللنا على وجوب القصر بأدلة نفيسة فلا حاجة ~~بنا إلى إعادتها، وأما الإفطار فلم تدل على وجوبه دلالة فلهذا بقي على أصل ~~الجواز فإن شاء أفطر وإن شاء صام. # والمختار: هو القول بجوازهما جميعا ms1668 كما ذهب إليه الناصر والشافعي. # وحجتهما: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن الرسول في بعض أسفاره سافر وقصر وأفطر، وفي بعض ~~أسفاره لم يفطر، وفي هذا دلالة على أن الإفطار غير واجب. # ومن وجه آخر: وهو أن الإفطار إنما شرع في حق المريض من أجل المشقة بالمرض ~~فمن لا تلحقه المشقة فالأصل البقاء على صومه، وفي هذا دلالة على بطلان وجوب ~~الإفطار. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: هما مستويان في الرخصة فإذا قامت الدلالة على وجوب القصر فالإفطار ~~مثله لأنهما مستويان في التخفيف والتسهيل كما هو رأي الإمامية وأهل الظاهر. PageV04P218 # قلنا: إن هذه الرخص السفرية في الوجوب والجواز موردها الشرع ولا مدخل ~~للأقيسة فيها، فما قام الدليل على وجوبه قضينا به، وما قام على جوازه قضينا ~~به من غير حاجة إلى المقايسة، على أن القصر عندنا رخصة كما مر بيانه فلا ~~يقاس وجوب الإفطار عليه. # قالوا: القصر واجب والإفطار جائز كما هو محكي عن القاسمية لأن القصر قد ~~دللنا على وجوبه بخلاف الإفطار فلا دلالة على وجوبه فبقي جائزا. # قلنا: قد أجبنا عن أدلة الوجوب على القصر وأوضحنا أنه رخصة، وإذا كان ~~رخصة فالإفطار مثله في كونه رخصة وهو المطلوب. # الفرع التاسع: وإذا دخل وقت الصلاة والمصلي في الحضر وتمكن من أدائها ثم ~~سافر فهل يجوز له القصرم أم لا؟ فيحكى عن المزني وأبي العباس بن سريج: أنه ~~لا يجوز له القصر. # وحجتهما على هذا: هو أنه بدخول الوقت قد تلبس بصلاة الحضر فلا يجوز له ~~إسقاطها بالسفر بعد التلبس بها. # والمختار على المذهب: جواز القصر؛ لأن الإعتبار في حال الصلاة إنما هو ~~بحال الأداء دون حال الوجوب، ولهذا فإنه لو دخل عليه وقت الظهر في يوم ~~الجمعة وهو عبد فلم يصل حتى عتق فإن الجمعة واجبة عليه، وهذا مسافر في حال ~~الصلاة فلأجل هذا جاز له القصر، وهكذا حال المرأة إذا دخل عليها وقت الصلاة ~~وتمكنت من أدائها ثم طرأ عليها الحيض فإنها تسقط عنها الصلاة. # وإن سافر ms1669 وخرج من العمران أو ميل بلده ولم يبق من وقت الصلاة إلا قدر ~~أربع ركعات فهل يجوز له القصر أم لا؟ فحكي عن المزني والقاضي أبي الطيب ~~كلاهما من أصحاب الشافعي: أنه لا يجوز له القصر. والصحيح جواز القصر له كما ~~ذكرناه في المسألة الأولى. فإذا سافر وقد بقي من الوقت ما يتسع لصلاة ~~المسافر فهل يقصر أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يقصر. وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة، ~~وأحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد ~~أدركها)). PageV04P219 # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الرسول أبان أن من أدرك ركعة بمنزلة إدراك ~~الصلاة كاملة. # المذهب الثاني: أنه لا يجوز القصر، وهذا هو المحكي عن المزني وأبي الطيب. ~~فأما الشافعي فالصحيح من مذهبه مثل ما حكيناه من مذهبنا ومذهب أبي حنيفة. # وحجتهما: ما ذكرناه من قبل. # والمختار: جواز القصر لأنه قد بقي من الوقت ما يكفي لصلاة القصر فيلزمه ~~القصر كما لو خرج في أول الوقت فإن فاتا والحال هذه صلاهما قصرا كما فاتا؛ ~~لقوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فليؤدها إذا ذكرها)). وأراد تأديتها على ~~حد فواتها قصرا أو إتماما. # الفرع العاشر: وإن سافر ولم يبق من الوقت إلا ما يتسع لركعة واحدة مع ~~الطهارة ففيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يؤدي الظهر تماما فيقضيه لفوات وقتها، ويؤدي العصر ~~مقصورة لأنه قد أدركها بإدراك ركعة منها. وهذا هو مذهب أئمة العترة وهو رأي ~~أبي حنيفة والصحيح من مذهب الشافعي. # والحجة على هذا: ما رويناه من قوله : ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن ~~تغرب الشمس فقد أدركها)). فظاهر الخبر دال على إدراك الصلاة بإدراك ركعة منها. # المذهب الثاني: أنه يجب عليه قضاء الظهر تماما ويؤدي العصر تامة من غير ~~قصر. وهذا هو رأي المزني وأبي الطيب من أصحاب الشافعي. # وحجتهما: ما أسلفناه. # وإذا كان مدركا لهذه الركعة في الوقت، فهل يكون مدركا لجميع الصلاة ~~بإدراكها أو يكون ms1670 مدركا للركعة أداء وباقيها قضاء؟. فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكون مدركا للصلاة كلها بإدراك هذه الركعة. وهذا هو ~~رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد ~~أدركها)). فظاهر الخبر دال على إدراك الصلاة، وعلى هذا إذا كان مدركا ~~للصلاة كلها بإدراك ركعة صلاها قصرا لأن الوقت ممكن لصلاة القصر. PageV04P220 # المذهب الثاني: أنه إنما أدرك الركعة الواحدة أداء، وعلى هذا يكون مؤديا ~~لما صلى في الوقت قاضيا لما صلى بعد خروج الوقت، وعلى هذا لا يجوز له ~~القصر. وهذا هو المحكي عن بعض أصحاب الشافعي. # والمختار: أنه يكون مدركا للكل بإدراك الركعة وهو الأصح من مذهب الشافعي ~~لأن ظاهر الخبر دال عليه فلا حاجة إلى تأويل الخبر بأن المقصود بقوله: ~~((فقد أدركها)). أراد: أدرك الركعة، وهذا لا وجه له فإن الغرض إبانة حكم ~~الصلاة في الإدراك وعدمه وليس الغرض إبانة إدراك الركعة فإنها مدركة لا ~~محالة فلا حاجة إلى بيانها. # وإن سافر ولم يبق من الوقت إلا مقدار تكبيرة الإفتتاح فهل يكون مدركا ~~للصلاة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: المنع من الإدراك للصلاة. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي ~~عن الشافعي في أحد قوليه. # والحجة على هذا: هو أن ظاهر الخبر إنما دل على كونه مدركا للصلاة بإدراك ~~ركعة وما دون الركعة لا دلالة على كونه مدركا به فلهذا بطل كونه مدركا، ~~وعلى هذا يكون قاضيا للظهر والعصر تماما لأنهما فاتا في حال الإقامة. # المذهب الثاني: الجواز، وهو أنه يكون مدركا للصلاة بإدراك التكبيرة. وهذا ~~هو رأي أبي حنيفة. # وحجته على هذا: هو أن تكبيرة الإفتتاح أحد أركان الصلاة فكان مدركا ~~للصلاة كما لو أدرك الركعة، وعلى هذا تكون الصلاة قصرا كما لو أدرك الركعة. # والمختار: أنه لا يكون مدركا للصلاة بإدراك التكبيرة؛ لأن حجته على ذلك ~~إنما هو بالقياس، ولا مجرى للقياس في العبادات. # وإن سافر وقد خرج الوقت كله فإنه يقضي الظهر ms1671 والعصر تماما؛ لأنهما فاتا ~~قبل التلبس بصلاة المسافر وقبل الخروج من عمران بلده وميلها. PageV04P221 # الفرع الحادي عشر: فتنخل من مجموع ما ذكرناه أن المسافر إذا خرج من عمران ~~بلده أو ميلها وقد بقي من الوقت إلى غروب الشمس ما يتسع للطهارة ولثلاث ~~ركعات فإنه يجب عليه الظهر والعصر قصرا فإن فاتا قضاهما قصرا، وإن كان قد ~~بقي منه ما يتسع للطهارة وركعة أو ركعتين فقط فإنه يقضي الظهر تماما والعصر ~~قصرا إذا فاتا، وإن خرج من الميل أو العمران ولم يبق من الوقت ما يتسع ~~للطهارة وركعة قضى الصلاتين تماما لفوات وقتهما، وإن خرج من الميل والعمران ~~آخر الليل ولما يصلي الصلاتين وقد بقي من الوقت إلى طلوع الفجر ما يتسع ~~للطهارة وخمس ركعات أو أربع مع الطهارة فإنه يصلي العشاء الآخرة قصرا ~~لإدراكها مع المغرب. وإن كان لا قصر في صلاة المغرب كما قررناه من قبل، ~~فأما ما يتعلق بالجمع بين الصلاتين في أول الوقت وآخره فقد مضى الكلام فيه ~~في باب المواقيت. PageV04P222 # --- ### ||| AUTO الفصل الثالث في حكم الإقامة والاستيطان # اعلم أن الإقامة مبطلة حكم السفر ومبطلة للرخص التي هي مختصة به كالقصر ~~والإفطار والجمع بين الصلوات، ولكن يبقى الكلام في مقدار الإقامة. وهكذا ~~حال الاستيطان فإنه مبطل لحكم السفر أيضا ولكن يبقى الكلام فيما به يكون ~~المكان وطنا وما به يخرج عن الاستيطان ، ونحن نذكر ما يتعلق بكل واحد من ~~هذين الأمرين ونوضحه ونذكر مسائله المختصة به بمعونة الله تعالى. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: في بيان أقل الإقامة. وفيه مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أن أقل الإقامة عشرة أيام. وهذا هو رأي أئمة العترة ~~القاسمية؛ الهادي والقاسم وأولادهما، ومحكي عن الناصر والمؤيد بالله وأحمد ~~بن عيسى، ومروي عن ابن عباس من الصحابة، وهو قول الإمامية، ومروي عن الحسن ~~بن صالح. # والحجة على هذا: ما روى الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي كرم ~~الله وجهه أنه قال: إذا أقمت عشرا فأتم الصلاة. وعن علي ms1672 كرم الله وجهه أنه ~~قال: إذا أزمع أن يقيم عشرا أتم الصلاة(1). # ومثل هذا لا يصدر إلا عن توقيف من جهة الرسولصلى الله عليه وسلم لأنه لا مجرى للإجتهاد في ~~هذه المقدرات من العبادات وغيرها. # المذهب الثاني: أن أقل الإقامة خمسة عشرة يوما. وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: ما روي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا: ~~إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل ~~الصلاة(2). PageV04P223 # ومثل هذا لا يصدر إلا عن توقيف من جهة الرسولصلى الله عليه وسلم لأن هذه المقدرات لا تجري ~~فيها الأقيسة ولا تعلم معانيها وتنسد فيها الأشباه، فلهذا كانت المقاييس ~~فيها متعذرة. # المذهب الثالث: أن أقل الإقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج ~~[وهو محكي عن الشافعي]. # والحجة على هذا: وهو محكي عن عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب ومالك وأبي ~~ثور، هو أن النبيصلى الله عليه وسلم قال: ((يقيم المهاجر بعد نسكه ثلاثة أيام.))(1). # ووجه الدلالة: هو أن المهاجرين حرمت عليهم الإقامة بمكة قبل فتحها فلما ~~فتحت وصارت دار إسلام تحرج المسلمون من الإقامة فيها ليكونوا على هجرتهم ~~فكانوا لا يدخلونها إلا لأجل قضاء نسك، فلما أذن لهم الرسولصلى الله عليه وسلم في الإقامة ~~ثلاثا دل على أنها في حكم السفر، وما زاد عليها في حكم الإقامة. # المذهب الرابع: أن أقل الإقامة إثنا عشر يوما. وهذا هو المحكي عن ~~الأوزاعي. # وعن ربيعة: يوم وليلة. # وعن الحسن البصري: إذا دخل المسافر بلدا أتم. # وعن عائشة: إذا وضع المسافر رحله أتم. # فهذه مذاهب العلماء في أقل الإقامة. # والمختار: هو تقدير الإقامة بالعشر من بين سائر الأعداد. # والحجة: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن هذه الأخبار الدالة على هذه الأعداد متعارضة، وإذا ~~تعارضت وجب الترجيح لأنه لا يمكن العمل عليها أجمع لتناقضها، ولا يمكن ~~إسقاطها أجمع لبطلان حكم المسألة فلم يبق إلا ترجيح بعضها على بعض، وخبرنا ~~يمكن ترجيحه من جهتين: # الجهة الأولى: ms1673 أن خبرنا تشهد له الأصول بالصحة وذلك في صور ست: # الأولى: في صوم المتمتع بدلا من الهدي. # الثانية: أقل المهر عشرة دراهم. PageV04P224 # الثالثة: أقل ما يقطع به في السرقة عشرة دراهم. # الرابعة: أكثر الحيض مقدر عندنا بعشرة أيام. # الخامسة: صوم المحصر بدلا من الهدي [عشرة أيام]. # السادسة: الإطعام في كفارة اليمين [عشرة مساكين] (1). # فهذه صور ست تدل على اعتبار هذا العدد من بين سائر الأعداد التي أشار ~~إليها الفقهاء. ولا شك أن الخبر الذي تشهد له الأصول أرجح من الخبر الذي لا ~~تشهد له الأصول لأن كل واحد من هذه الصور بمنزلة الشاهد على صحة هذا الخبر. # الجهة الثانية: أن هذا الخبر رواه أمير المؤمنين كرم الله وجهه، ولا شك ~~أن الخبر يقوى بقوة سنده كما يقوى بقوة متنه، وأمير المؤمنين لا يعدل ~~بروايته رواية غيره لما خصه الله تعالى به من العلم الوافر والورع ~~الشحيح(2) # وحسن الذكاء وجودة الفطنة وتمييز الروايات والدراية بأحوال الرجال، ومن ~~هذه حاله فلا شك في رجحان خبره على خبر غيره، وإذا كان راجحا وجب العمل ~~عليه دون غيره. # فحصل من مجموع ما ذكرناه، أن ظاهر الخبر الذي رواه أمير المؤمنين كرم ~~الله وجهه في القوة والظهور كظاهر آية في كتاب الله تعالى، وفي هذه نهاية ~~القوة والوثاقة في غلبات الظنون وقوتها. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: أقل الإقامة خمسة عشر يوما كما حكي عن أبي حنيفة، لما روى ابن ~~عباس وابن عمر. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV04P225 # أما أولا: فلأنا قد قررنا أن رواية أمير المؤمنين كرم الله وجهه راجحة على ~~رواية غيره لما خصه الله تعالى به من الفضائل الباهرة والمناقب الظاهرة، ~~فلهذا كانت روايته أحق بالقبول. # وأما ثانيا: فلأن الأمور العددية والتقديرات الشرعية إنما يكون مستندها ~~قول صريح من جهة الرسولصلى الله عليه وسلم، وظاهر ما قاله ابن عباس وابن عمر هو الرأي ~~والاجتهاد وليس مقبولا في الأمور المقدرة. # نعم.. ظاهره أنه مذهب لهما واجتهاد من جهتهما لكنه لا يلزمنا قبوله لأن ms1674 ~~الآراء في المسائل الاجتهادية وإن كانت صائبة كلها لكنها مقصورة على من ~~استنبطها وأحدثها برأيه، وأما غيره فلا يلزمه قبولها، وإنما الذي يجب قبوله ~~ما كان عن صاحب الشريعة صلوات الله عليه في أقواله وأفعاله وإشاراته. # قالوا: روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يقيم المهاجر بعد نسكه ثلاثا)). قبل ~~فتح مكة فلما أذن بالمقام في مكة بعد فتحها دل على أن الثلاث ليست إقامة، ~~وأن ما زاد عليها يكون إقامة فلهذا كانت الأربع إقامة كما حكي عن الشافعي. # قلنا: لم يرد بالثلاث والأربع تعريف أقل الإقامة وإنما أراد بالثلاث ~~مقدار قضاء الحوائج في مكة، فلهذا أذن بالثلاث قبل الفتح، وأذن بما فوق ~~الثلاث بعد الفتح على جهة الإطلاق لما زال المانع وهو الكفر وأبدلها ~~بالإسلام، فلهذا سمح بالمدة اليسيرة في المقام في دار الشرك لضرورة قضاء ~~الحوائج. # ويؤيد ما ذكرناه: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المؤمن والكافر لا تتراءى ~~نيرانهما)). فدل على ما قلناه. # دقيقة.. إعلم أن للمحصلين من فقهاء مذهبنا كلاما في إبطال مذاهب الفريقين ~~الحنيفة والشافعية، عولوا فيه على الأقيسة واعتمدوها في إفساد ما عولوا ~~عليه في مقدار أقل الإقامة. PageV04P226 # فقالوا: ردا لرأي أبي حنيفة: في أن أقل الإقامة خمسة عشر يوما، ولأنه نوى ~~الإقامة مدة تزيد على ثلاثة أضعاف أقل مدة الحيض فوجب أن يلزمه الإتمام كما ~~إذا عزم على إقامة خمسة عشر يوما، ولأن ما لا يتقدر به أكثر مدة الحيض لا ~~يجوز أن يكون مدة للإقامة. دليله: ما زاد على خمسة عشر يوما. # ولأن الخمسة كسر العشرة فلا يزاد على العشرة في قدر الإقامة. دليله سبعة ~~أيام أو تسعة أيام، ولأنه نوى الإقامة مدة لا تنقص عن أقل مدة الحيض فوجب ~~أن يلزمه الإتمام كما لو أقام خمسة عشر يوما. # وقالوا: ردا لكلام الشافعي: وهو أنه نوى الإقامة دون عشرة أيام فوجب أن ~~يكون حكمه حكم المسافر، كما إذا نوى دون أربعة أيام، ولأنه نوى الإقامة مدة ~~تنقص عن ms1675 مدة أكثر الحيض فوجب أن لا يلزمه الإتمام كما لو نوى إقامة يومين ~~أو ثلاثة، أو نقول: إن أربعة لا يتقدر بها أكثر الحيض فلا تكون مدة ~~للإقامة. دليله ما ذكرناه، ولأن الأربعة كسر العشرة فلا يجوز أن تكون مدة ~~الإقامة، دليله: خمسة أيام أو سبعة، فهذه القياسات كلها ذكروها في إفساد ~~كلام الفقهاء. # واعلم أن هذه القياسات كلها وما أشبهها، من الطرديات المهجورة وجميعها من ~~الاقناعيات المغمورة التي لا تعتمد في تقرير شيء من الأحكام الشرعية، ولا ~~يعول عليها في جميع المضطربات الاجتهادية، وإنما تورد على جهة معارضة ~~الفاسد بالفاسد وكتابنا هذا فلم نعتمد فيه على شيء من الأقيسة في العبادات ~~خاصة إلا شاذا نادرا وبعدنا عن كل طرد مهجور يستوي فيه إثبات الحكم ونفيه، ~~وإنما نعتمد على الأقيسة المخيلة والأشباه القريبة من الإخالة في مواضعها ~~التي تستعمل فيها الأقيسة والحمد لله. # فأما ما يحكى عن عائشة والحسن البصري والأوزاعي وربيعة من اختلاف مذاهبهم ~~في مقدار الإقامة فلم أقف لهم على مستند شرعي يدل على ما قالوه من هذه ~~التقديرات وإنما هي إجتهادات من جهة أنفسهم فلا يلزمنا قبولها، والله أعلم ~~بالصواب. PageV04P227 # الفرع الثاني: وهل تكون الإقامة مقصورة على البنيان والعمرانات أو تكون ~~عامة في العمرانات والبراري والجزائر والبحر؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الإقامة كما تكون في العمرانات فقد تكون في البراري ~~والبحار. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر، واختيار السيدين ~~الأخوين، وهو قول الشافعي، ومحكي عن أبي يوسف، ومالك. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة}[النساء:101]. ولم يفصل بين موضع وموضع في بر أو بحر أو ~~مفازة أو دار حرب أو غير ذلك من المواضع التي تصلح فيها الإقامة. # المذهب الثاني: أن الإقامة إنما تكون في العمرانات ولا تجوز الإقامة في ~~المفازة ولا في دار الحرب و[لا]في البحر. وهذا هو قول: أبي حنيفة، ومحمد. # والحجة على هذا: هو أن الإقامة إنما تصلح في موضع الإستقرار وهذه ms1676 المواضع ~~لا تصلح للإستقرار فلهذا لم تصح الإقامة فيها. # والمختار: هو جواز الإقامة في كل موضع يصلح للإستقرار كما قاله أئمة ~~العترة ومن تابعهم. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو قوله تعالى: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل ~~الله}[المزمل:20]. فلم يخص موضعا من موضع في السفر لطلب الأرباح، وهكذا حال ~~الإقامة فإنها تابعة للأسفار فحيث صلح السفر صلحت الإقامة من غير فرق. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: إن هذه المواضع التي حكيناها عن أبي حنيفة لا تصلح للإستقرار ~~فلهذا لم تكن صالحة للإقامة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلا نسلم أنها غير صالحة للإستقرار ولا معنى للإستقرار إلا ~~التمكن من التصرفات بضروب من الإنتفاعات وهذا حاصل فيها. PageV04P228 # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه من القياس لا يعارض ما أوردناه من الآيات ~~والأخبار الدالة على إمكان الإقامة في هذه الأماكن. وحكى الكرخي، عن ابن ~~سماعة(1) # أن أبا يوسف ومحمدا قالا: إنها تصح الإقامة في المفازة خلافا لما نقله ~~ابن رستم. # فأما أبو حنيفة فقد قال: إن الإقامة لا تصح في المفازة ودار الحرب ~~والبحر. # وإن نوى إقامة عشرة أيام في موضعين لم يلزم الإتمام عند أئمة العترة، وهو ~~قول أبي حنيفة، وإن خالفنا في مقدار الإقامة. # والحجة على هذا: هو أنه لم ينو المقام في موضع أقل مقدار مدة الإقامة ~~فلهذا كان غريبا يلزمه القصر. # ومن جهة: أنه باق على السفر وعروض ما عرض من اللبث في موضعين لا يقطع ~~سفره فلهذا لم يلزم الإتمام. # الفرع الثالث: والمسافر إذا لم يكن له نية في الإقامة وكان على عزم السفر ~~يخرج اليوم يخرج غدا، فهل يقصر الصلاة أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه إذا كان على عزم السفر وتركه والتردد في حاله فإنه ~~يقصر الصلاة شهرا، ثم يتم بعد ذلك أي قدر أقام، وهذا هو رأي الهادي والقاسم ~~ومحكي عن الإمامية. PageV04P229 # والحجة على هذا ما روى جعفر الصادق عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال ~~في الذي ms1677 يقول: اليوم أخرج، غدا أخرج، يقصر الصلاة شهرا. ومثل هذا لا يقوله ~~إلا عن توقيف من جهة الرسولصلى الله عليه وسلم لأنه لا مجال للإجتهاد في مقدار العبادات ~~وكيفياتها. # المذهب الثاني: أنه يقصر أبدا. وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أن الأصل هو السفر وعروض التردد في الخروج لا يبطل ~~كونه مسافرا، فلهذا وجب عليه القصر بكل حال. # المذهب الثالث: محكي عن الشافعي وله أقوال ثلاثة: # أولها: أنه يقصر أربعة أيام ثم يتم بعد ذلك. # وثانيها: أنه يقصر سبعة عشر يوما أو ثمانية عشر يوما إلا أن ينوي الإقامة ~~فيما دون ذلك. # وثالثها: أنه لا يزال يقصر إلا أن يعزم على إقامة أربعة أيام. # والمختار: هو القصر بعد مضي الشهر إذا كان باقيا على التردد. كما قال أبو ~~حنيفة، وأحد أقوال الشافعي. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا حججا ثلاثا: # الحجة الأولى: هو أن الأصل السفر وعروض التردد بعد إحراز مدة السفر لا ~~يخرجه عن كونه مسافرا غريبا. # الحجة الثانية: هو أن التردد شك في أنه يخرج أو لا يخرج، والشك لا يبطل ~~ما هو عليه من قبل من السفر وتحقق الغربة في حقه. # الحجة الثالثة: هو أنه بعد إنقضاء الشهر باق على التردد فلأي شيء يكون ~~مضي الشهر قاطعا له عن التردد فكما لا يخرجه التردد قبل انقضاء الشهر عن ~~كونه قاصرا، فهكذا بعد انقضاء الشهر لا يخرج عن كونه قاصرا. # ويؤيد ما ذكرناه من أن التردد بعد انقضاء الشهر لا يقطع حكم السفر، ما ~~روي: أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة مع التردد، وروي عن ~~أنس بن مالك: أنه أقام بنيسابور سنة أو سنتين يقصر الصلاة. وروي عن جماعة ~~من الصحابة: أنهم أقاموا في بعض النواحي في الجهاد تسعة أشهر يقصرون ~~الصلاة. فهذه القضايا كلها دالة على أن التردد لا يقطع حكم القصر في السفر. PageV04P230 # الفرع الرابع: ويصير المكان مستوطنا بنية الاستيطان له كما يكون المقام ~~مقاما بنية الإقامة، فإذا دخله الإنسان ms1678 صار مستوطنا له بالنية وتنقطع عنه ~~رخص السفر لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه دخل مكة يوم الرابع من ذي الحجة ثم خرج ~~إلى منى يوم الثامن من ذي الحجة وهو يقصر الصلاة، وتأويل ذلك أن الرسولصلى الله عليه وسلم ~~دخل مكة يوم الرابع ولم يكن قد انتهى سفره لأنه كان يريد الخروج إلى عرفات، ~~فلما خرج إلى عرفات لم ينو الإقامة ولا نوى الاستيطان فيها، فلهذا قصر فيها ~~الصلاة وجمع بين الصلاتين، فلما فرغ من نسكه ونزل منى لم يدخل مكة وإنما ~~نزل بالمحصب فلما كان من الغد دخل مكة وطاف بالبيت للوداع وراح إلى المدينة ~~ولم ينو الإقامة بمكة ولا اتخذها مستوطنا. # ويخرج الوطن عن كونه مستوطنا بأمرين: # أحدهما: بالعزم على تركه. # وثانيهما: بالخروج منه. # فإن دخل المسافر بلدا في طريقه، فيها له أهل ومال ولم ينو الإقامة ولا ~~الاستيطان لتلك البلدة فله أن يقصر، لما روي أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم حج وحج معه خلق ~~كثير من المهاجرين، وكذلك فإن أبا بكر حج بالناس في زمن رسول اللهصلى الله عليه وسلم، وكذلك ~~عمر وعثمان حجا بالناس وكان لهم بمكة دور ومال وقرابة، ولم ينقل أن أحدا ~~منهم أتم الصلاة في مكة بل نقل عنهم، أنهم قصروا الصلاة، وما ذاك إلا لعدم ~~النية في الاستيطان ولأن الاستيطان إنما يحصل بنية الإقامة أو بنية ~~الاستيطان أو بأن يحصل في دار إقامته، ولم يوجد شيء من ذلك. # فإن خرج من وطنه فذلك يكون على أوجه ثلاثة: # أولها: أن يكون خروجه على عزم الإنصراف عنه وترك الاستيطان له إلى موضع ~~يستوطنه ويعزم على سكونه، فمتى كان الأمر كما قلناه نظرت، فإن كان بينه ~~وبين الموضع الذي يستوطنه مسافة القصر فإنه يقصر الصلاة، وإن كان دون ذلك ~~فإنه يتم الصلاة. وإن رجع وجاوز الوطن الذي تركه فإنه يتم الصلاة إذا دخله ~~لأنه قد تركه. PageV04P231 # وثانيها: أن يكون خروجه على ترك الاستيطان لكنه لا يعزم على استيطان غيره ~~فإن كان ms1679 بينه وبين الموضع الذي يريد القصد إليه مسافة السفر فإنه يقصر ~~الصلاة، وإن كان دون ذلك فإنه لا يقصر الصلاة. # وثالثها: أن يكون خروجه من وطنه الأول وهو عازم على استيطانه لكنه يريد ~~استيطان موضع آخر فإذا كان الأمر هكذا نظرت، فإن كان بين الموضعين مسافة ~~السفر فإنه يقصر الصلاة، وإن لم يكن بينهما مسافة السفر فإنه يتم الصلاة ~~فإن رجع من الطريق إلى الموضع الأول فإنه يتم الصلاة لأن الوطن الأول لم ~~يخرج عن الاستيطان فهلذا يجب عليه إتمام الصلاة إذا دخله، فعلى هذا التقدير ~~تدور مسائل الباب. # الفرع الخامس: قال المؤيد بالله: ومن كان له بيت صيفي في الجبل وبيت شتوي ~~في السهل فنزل بأهله إلى السهل في الخريف ثم صعد إلى الجبل لحاجة له فإن ~~دخل قريته وحانت الصلاة لزمه إتمام الصلاة ولا يسوغ له القصر، وهو الأقرب ~~عندي لأنه لم يترك إستيطانها وإنما نزل إلى السهل للعود إليها في الربيع، ~~وذلك لأنه بحصوله في وطنه يكون مقيما وإن كان على عزم السفر إذ لا يصير ~~مسافرا بنية السفر كما يكون مقيما بنية المقام، ولهذا نقول: بأنه لا يقصر ~~حتى يفارق البيوت والعمران إذا كان عازما على السفر، وهذا يؤيد ما ذكره ~~الهادي في الأحكام، حيث قال: وإن كان له في السفر موضعان يستوطنهما لم يقصر ~~إذا بلغ واحدا منهما، وأراد أنه عازم على إستيطانهما جميعا. وإن خرج من ~~وطنه فسافر دون بريد فلما بلغه نوى أن يسافر مثله ثم لما بلغه نوى أيضا ~~مثله ثم كذلك فإنه يتم ولا يقصر. # ووجه ذلك: هو أنه لم يتوحد السفر الموجب لقصر الصلاة لأنه إذا سافر على ~~هذا الوجه لا يكون مسافرا من حيث أنه لم ينو عند مسيره حد السفر فيكون ~~مسيره ثانيا وثالثا في إمتناع جواز القصر كمسيره أولا. PageV04P232 # الفرع السادس: والمسافر إذا دخل في الصلاة ثم نوى الاقامة وهو فيها فإنه ~~يتم الصلاة على رأي أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ~~وأصحابه. # ووجهه: ما ms1680 قدمنا. # وهل يبني صلاة الإقامة على صلاة السفر أو يبتدئ الصلاة بتكبيرة يفتتحها؟ ~~فيه وجهان: # أحدهما: أنه يبتدئ الصلاة، صلاة الإقامة، بتكبيرة يفتتحها. وهذا هو الذي ~~ذكره أبو العباس. # ووجهه: هو أن فرض المقيم غير فرض المسافر فإذا عزم على الإقامة تجدد عليه ~~فرض مبتدأ وتجدده يقتضي تجديد نية مجددة وتجديد النية إنما يكون بتكبيرة ~~يفتتحها(1). # وثانيهما: أنه يبني صلاة الإقامة على صلاة السفر، وهذا هو المختار لأنهما ~~يختصان بوجه واحد. # ووجه ذلك: هو أن المصلحة إذا تجردت الصلاة عن نية الإقامة ركعتان بعد ~~إحراز حد السفر، وإن حصلت نية الإقامة فالمصلحة أربع ركعات، فلما كانت ~~المصلحة شاملة دل ذلك على اختصاصهما بوجه واحد، وإذا كان الأمر هكذا جاز ~~بناء صلاة الإقامة على ما حصل من صلاة السفر لما ذكرناه. # فإن تغيرت نيته ونوى السفر قبل خروجه من الصلاة فإنه يستمر على الإتمام ~~لأنه إنما يكون مقيما بأمر واحد وهو نية الإقامة، فأما السفر فإنما يكون ~~مسافرا بأمرين: النية، والخروج من العمران أو التواري عن البيوت، فإذا حصلت ~~النية فلم يحصل الخروج، فلهذا وجب استمراره على الإتمام. وهذا هو رأي أئمة ~~العترة، واختاره الأخوان السيدان، وهو قول أكثر الفقهاء. PageV04P233 # وحكي عن المغربي(1) # من أصحاب داود من أهل الظاهر: أنه يكون مسافرا بالنية وحدها كما يكون ~~مقيما بالنية. وهذا فاسد فإن الله تعالى يقول: {وإذا ضربتم في الأرض}. وهذا ~~فليس ضاربا فلهذا لم يكن مسافرا، ولأن محل الإقامة لا بد من إنفصاله عن محل ~~السفر، وليس ذلك إلا بالخروج عن حد البلد ومفارقة الوطن كما قررناه. # الفرع السابع: ومن قصر الصلاة من غير نية القصر أعاد الصلاة إن كان وقتها ~~باقيا، وإن كان فائتا صلاها قضاءا لأن نية القصر واجبة سواء كان القصر رخصة ~~أو عزيمة. # وإن نوى القصر فصلاها تماما على جهة السهو أجزته الصلاة ويسجد للسهو لأجل ~~الزيادة لأن الرسولصلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا فلم يعد الصلاة وسجد للسهو، ولأن ~~الزيادة إنما تكون مبطلة للصلاة إذا كانت ms1681 على جهة العمد. # قال المؤيد بالله: ومن قصر في سفره وهو شاك في مدة السفر أنها مسيرة ~~ثلاثة أيام ثم تحقق بعد ذلك أنها مسيرة ثلاثة أيام، صح ما صلى من صلاته. ~~ومفهوم كلامه أنه إذا لم تتحقق المسافة بالثلاث أنه يعيد الصلاة لأن المدة ~~أصل في صحة قصر الصلاة ولا يجوز القصر حتى تكون الصلاة جميعها في السفر، ~~فإن حصل جزء من الصلاة في دار الإقامة لزمه أن يتم الصلاة لأنها لم تتمحض ~~في السفر، وهذا نحو أن ينوي الإقامة في أثناء الصلاة في السفر فلهذا لزمه ~~الإتمام كما ذكرنا. PageV04P234 # وإن أحرم بالصلاة على التمام وهو جاهل بأن له قصر الصلاة لأجل السفر ثم أنه ~~سلم على ركعتين فإنه يجب عليه الإعادة في الوقت وقضاؤها بعد فوات الوقت ~~أربعا سواء قلنا بأن القصر رخصة أو عزيمة لأنه عقدها أربعا، فإذا سلم على ~~ركعتين منها فقد قصد إفسادها فلهذا لزمته الإعادة. # وإذا سافر رجلان وأحدهما يرى أن حد القصر في السفر بريد والآخر يرى أن حد ~~السفر ثلاثة أيام، فإن جاوزا في السفر الثلاث جاز أن يأتم أحدهما بالآخر ~~لاتفاق المذهبين في حد السفر، وإن جاوزا البريد لا غير جاز لمن اعتبر ~~الثلاث أن يأتم بمن يعتبر البريد فيقتدي معه بركعتين ثم يقوم فيتم صلاته ~~ويكون بمنزلة المسبوق، وإن ائتم من يعتبر البريد بمن يعتبر الثلاث فهل تصح ~~صلاته أم لا؟ فيه تردد وكلام قد أوضحناه في صلاة الجماعة فأغنى عن تكريره. # الفرع الثامن: وإن سافر في البحر فركدت بهم الريح، فإن عزموا على إقامة ~~عشرة أيام أتموا الصلاة، وإن هبت بهم الريح قصروا الصلاة، وإن ركدت الريح ~~وهم في إنتظار هبوبها فعلى الإعتبار الذي ذكره أصحابنا في البراري يقصرون ~~الصلاة شهرا ثم يتمون ما زاد، ولو وقفوا يوما واحدا، وعلى ما اخترناه: ~~يقصرون الصلاة كما قاله أبو حنيفة، لأنهم على ظهر السفر وقد قدمنا حكم ~~المسألة. # والمسافر إذا دخل قرية فإن عزم على الإقامة عشرا أتم الصلاة، وإن عزم ms1682 على ~~الإنصراف قصر الصلاة، وإن لم ينو الخروج ولا الإقامة فهل يتم أو يقصر؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يتم الصلاة ويكون هذا منتهى سفره. # وثانيهما: أن يقصر الصلاة لأن الظاهر من حاله السفر لكونه غريبا، وهذا هو ~~المختار لأنه بعد خروجه من وطنه فقد صار مسافرا تلحقه أحكام السفر. # وإن حاصر المسلمون قلعة أو حصنا أو قرية أو مدينة ولا يمنعهم من العودة ~~إلى بلادهم إلا فتح هذه المواضع. فقال أصحابنا: يقصرون شهرا إذا كانوا على ~~عزم الإنصراف وما زاد على الشهر فإنهم يتمون فيه ولو كان يوما واحدا. PageV04P235 # والمختار: أنهم مسافرون فيقصرون الصلاة ما داموا محاصرين حتى يفتح الله عليهم. # والحجة على ما قلناه: ما رويناه عن ابن عمر وعن أنس بن مالك من إقامتها ~~على القصر ولو كان زائدا على الشهر. # الفرع التاسع: والذين يكونون تابعين لغيرهم في القصر والإتمام هم: # العبد: فإنه تابع لأمر سيده فلا أمر له معه لأن منافعه مستحقة لسيده فليس ~~له إقدام ولا إحجام إلا بأمره. # والأجير الخاص: فإنه في معنى العبد من جهة أن منافعه قد صارت مستحقة ~~للمستأجر له فهو تابع للمستأجر. # والمرأة مع زوجها: فإنها موقوفة على أمره فتكون مقيمة بإقامة زوجها ~~ومسافرة بسفره لقوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء}[النساء:34]. # والعساكر: فإنه لا نية لهم مع نية الإمام لأنهم تابعون لأمره غير مخالفين ~~له فيما أمرهم به فلهذا كانوا مقيمين بإقامته مسافرين بسفره. # وهكذا حال من يصل إلى الإمام من البلدان البعيدة والأقطار والأقاليم فإن ~~وصوله إلى الإمام يكون منتهى سفره ويتم الصلاة إذا قدم إلى الإمام في قضاء ~~حوائجه من الفتاوى والإيراد والإصدار في أمور الأموال والقضاء والعزل ~~والتولية وغير ذلك مما تقتضيه الإيالة والسياسة وإصلاح أمور الجهاد وفض(1) # لأموال على المستحقين. # وإن أسر المشركون رجلا من المسلمين فساقوه معهم لم يجز له القصر من أول ~~الأمر لأنه لا يتحقق المسافة التي يحمل إليها هل تكون قريبة أم بعيدة، فإن ~~ساروا به إلى موضع تقصر فيه الصلاة فإنه يقصر ms1683 الصلاة. # وإن أبق له عبد وسار في طلبه إلى بلد تقصر فيه الصلاة جاز له القصر كما ~~ذكرناه في غيره. PageV04P236 # الفرع العاشر: والملاحون وهم اللذين يعالجون السفن ويصلحونها لتكون صالحة ~~للسير في البحر إذا كان معهم أهلهم وأموالهم وأولادهم لا يفارقونهم فيها، ~~فهل يكون لهم القصر إذا سافروا في البحر أم لا؟ فعلى رأي أئمة العترة ~~القاسمية، أنه يجب عليهم قصر الصلاة كما يجب على من يكون في البر. وعلى رأي ~~الناصر، القصر رخصة فيجوز لهم القصر وإن أتموا جاز. # وحكي عن الشافعي أنه قال: والملاحون إذا سافروا في البحر أحببت لهم ألا ~~يقصروا لأنهم في أوطانهم ومستقرهم، وإن قصروا جاز لأنهم مسافرون. # وحكي عن أحمد بن حنبل، أنه لا يجوز لهم القصر. # والمختار: جواز القصر في حقهم لأنهم مسافرون سفرا مباحا تقصر فيه الصلاة ~~فجاز لهم القصر للصلاة كما لو لم يكن معهم أهلهم وأولادهم، وهكذا حال من ~~ينتجع مواضع القطر ويتبعها ويحلها، وإذا شام برقا اتبعه أينما وجده وأبصره ~~وهمه مواضع الخصب يقف فيها وتكون بغيته ومقصده ولا يقصد موضعا بعينه، فإنه ~~إذا كان بينه وبين الموضع الذي يريده مسافة السفر فإنه يجوز له القصر، وإن ~~لم يكن بينهما حد السفر ومسافته أتم الصلاة. PageV04P237 # --- ### || AUTO كتاب صلاة الخوف # صلاة الخوف، هل تكون ثابتة أو منسوخة أو خاصة للرسول ؟ فيها مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنها ثابتة غير منسوخة. وهذا هو رأي أئمة العترة القاسم ~~والهادي والناصر، واختاره السيدان أبو طالب والمؤيد بالله، وهو محكي عن جلة ~~الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالك. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة}[النساء:102]. فهذا نص صريح في ثبوت صلاة الخوف في زمن الرسول ولم ~~تدل على تغييرها دلالة شرعية بنسخ ولا تغيير ولا خصوصية فإن الله تعالى قد ~~عرف نبيه كيفية الصلاة في كتابه الكريم. # المذهب الثاني: أنها منسوخة. وهذا هو المحكي عن المزني وحكاه عنه ~~الجوزجاني(1). # والحجة على هذا: هو أن هذه الصلاة مخالفة للصلاة المشروعة في ms1684 صفتها ~~وكيفيتها ولم تكن إلا على عهد الرسول لما ألجأه المشركون إلى ذلك ثم لما ~~نصر الله نبيه وأظهر الدين على يديه وانبسط الإسلام وامتد جرانه نسخت من ~~بعد الرسول . # المذهب الثالث: أنها وإن لم تكن منسوخة فإنها خاصة للرسول في أيامه كسائر ~~التخصيصات التي كانت له كوجوب الوتر والأضحية والتهجد من الليل، وفائدة ~~التخصيص أنه ليس لأحد بعد الرسول فعلها لأنها لو فعلت بطل التخصيص. # والمختار: ما عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء من إثباتها وتقريرها. # وحجتهم: ما ذكرناه. PageV04P238 # ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ~~وهذا عام في جميع الأحوال. # الحجة الثانية: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه صلى بأصحابه ~~صلاة الخوف ليلة الهرير في أيام صفين، وسميت ليلة الهرير لما كان بعضهم يهر ~~على بعض من شدة القتال وإتصال بعضهم ببعض. # وروي أن أبا موسى الأشعري صلى بأصحابه صلاة الخوف في بعض الغزوات، وروي ~~أن سعيد بن العاص(1) # كان أميرا للجيش بطبرستان(2) PageV04P239 فأراد أن يصلي صلاة الخوف فقال: هل منكم من صلى مع رسول الله صلاة الخوف؟ ~~فقال حذيفة: أنا. فقدمه حتى صلى بهم ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة، فدل ذلك ~~على أنه إجماع من جهة الصحابة رضي الله عنهم. # الحجة الثالثة: قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين ~~كتابا}[النساء:103]. والمراد أنها ثابتة في جميع الأوقات كلها. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إنها نسخت بعد الرسول فلا يجوز إثباتها. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن النسخ إقرار بثبوتها، وإدعاء نسخها فلا بد عليه من دلالة ~~شرعية لأن الحكم لا يجوز نسخه إلا بأمر شرعي ولا دلالة هاهنا تدل على النسخ ~~فلا يجوز إثبات النسخ من غير دلالة. # وأما ثانيا: فلأنها ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وما هذا حاله فلا ~~يجوز [فيه] نسخ الكتاب إلا بالكتاب ولا يجوز نسخ السنة إلا بالكتاب والسنة، ~~وأما الإجماع فلا يجوز نسخه ولا النسخ به كما قررناه في الكتب الأصولية. ~~فبطل ما ms1685 ادعوه من النسخ. # قالوا: هي خاصة بالرسول في زمنه وما كان خاصا للرسول فلا يكون لغيره. # قلنا: فعله وإن كان الأصل أنه خاص به إلا أن تدل دلالة على تعديته إلى ~~غيره وقد تقررت التعديه بقوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة}[الأحزاب:21]. وبقوله: {واتبعوه} وبقوله : ((صلوا كما رأيتموني ~~أصلي)). وإذا تقررت التعدية بهذه الأدلة فلا وجه لقولهم أنه مخصوص بفعلها ~~لما ذكرناه. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: وهل تكون في السفر والحضر؟ أو لا تكون إلا في السفر؟. فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: جوازها في السفر والحضر جميعا. وهذا هو رأي زيد بن علي ~~والناصر، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه. PageV04P240 # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة}[النساء:102]. فأمر بصلاة الخوف ولم يفصل بين أن تكون في حال السفر ~~أو في حال الحضر. # الحجة الثانية: ما روي عن الرسول : أنه صلى بالنخيلة الظهر أربعا، فكانت ~~أربعا له ولهم، ولأن قصر الصلاة إنما يكون للسفر ولم يكن مسافرا، وفي هذا ~~دلالة على ما قلناه. # المذهب الثاني: أنها لا تجوز إلا في حال السفر. وهذا هو رأي القاسم ~~والهادي. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة إن خفتم}[النساء:101]. # ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى لم يوجب القصر في الصلاة إلا ~~بشرط الخوف، فدل ذلك على أنها مشروطة بالخوف. # الحجة الثانية: هو أن طريق إثبات هذه الصلاة الشرع، ولم يثبت أن الرسول ~~صلاها إلا في حال الخوف في السفر، وقد قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). # والمختار: جواز فعلها في الحضر كما تجوز في السفر فيصلي بطائفة ركعتين، ~~وبطائفة آخرى ركعتين كما جاز أن يصلي في حال السفر بطائفة ركعة، وبطائفة ~~أخرى ركعة أخرى من غير تفرقة بينهما. # وحجتهم: ما ذكرناه عن الناصر. # ونزيد هاهنا: وهو ما روى أبو بكر رضي الله عنه: أن الرسول صلى صلاة الخوف ~~أربعا فصلى بطائفة ركعتين، وبطائفة أخرى ركعتين. ms1686 وفي هذا دلالة صريحة على ~~أنه كان مقيما ولهذا صلى أربعا. # الحجة الثانية: هو أن هذه الصلاة إنما هي على قدر ما يعرض من الخوف، ولا ~~شك أن الخوف كما يعرض في حالة السفر فربما عرض في الحضر فلا وجه لقصرها على ~~حالة السفر. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة}[النساء:101]. فلم يوجب القصر إلا بشرط الخوف في السفر. PageV04P241 # قلنا: ظاهر الآية دال على أنها في حال السفر مفعولة، وليس فيها دلالة على ~~المنع من فعلها في الحضر. # قالوا: روي عن الرسول أنه لم يفعل هذه الصلاة إلا في حال السفر والشرع ~~مأخوذ من جهته، وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا قد روينا ما كان من حديث أبي بكر فإنه دال على فعلها من ~~جهته في حال الحضر. # وأما ثانيا: فلأن الدليل الشرعي بالخطاب قد دل على فعلها في حال الحضر ~~فيجب القضاء به سواء فعلها الرسول أو لم يفعلها لأن خطابه في الدلالة أقوى ~~من فعله فإن الخطاب متعد بنفسه على ما يدل عليه والفعل لا يدل إلا بدلالة ~~منفصلة عن كونه متعديا إلى غيره. # الفرع الثاني: وهل تصلى هذه الصلاة في أول الوقت أو في آخره؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها إنما تصلى في آخر الوقت. وهذا هو رأي الهادي والقاسم ~~واختيار أبي العباس. # والحجة على هذا: هو أن هذه الصلاة بدل عن صلاة الأمن فلا يجوز فعل البدل ~~إلا بعد الإياس من المبدل [منه] كالإعتداد بالأشهر فإنه بدل عن الإعتداد ~~بالأقراء فلا يجوز العدول إلى الأشهر إلا بعد الإياس من الأقراء ولا شك أن ~~الإياس في مسألتنا إنما يحصل في آخر الوقت. # المذهب الثاني: أنها تفعل في أول الوقت كما نقوله في سائر الصلوات. وهذا ~~هو رأي الناصر وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق ~~الليل}[الإسراء:78]. ms1687 # ووجه الدلالة من الآية: هو أنه علق الصلاة بأول الدلوك ولم يفصل بين ~~الصلاة في الأمن والخوف. لكن الناصر ذكر أن الاستحسان يوجب تأخير الصلاة ~~إلى آخر وقتها لأنه ربما زال العذر فيؤدي الصلاة من غير نقص في حالها لما ~~يعرض فيها من مخالفة الإمام والملاقاة والمزاحمة والمدافعة وغير ذلك مما ~~يوجبه الحال في العذر ويقتضيه. PageV04P242 # والمختار: وجوب تأديتها في أول وقتها على جهة التوسيع كما قاله الناصر وغيره. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو قوله : ((أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله))(1). # ولأنها صلاة مفروضة متعلقة بوقت فكان تأديتها في أول وقتها أفضل كما لو ~~لم يكن هناك عذر، ولقوله : ((صلوا الصلاة لوقتها)). # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: صلاة بدلية فلا يجوز فعلها إلا بعد الإياس من المبدل منه. # قلنا: لا نسلم أنها بدلية وإنما هي صلاة مخاطب بأدائها في أول وقتها كما ~~في صلاة الأمن. # ومن وجه آخر: وهو أن الصلاة لها فضيلتان: فضيلة الوقت وفضيلة الكمال، ~~فإذا فاتت فضيلة الكمال بما عرض من عذر المقاتلة والمزاحمة والمدافعة فلا ~~تبطل فضيلة أول الوقت. # ثم إذا زال العذر وفي الوقت بقية فهل يلزم إعادة الصلاة أم لا؟ فالظاهر ~~من كلام الإمامين القاسم والناصر: وجوب الإعادة لأنهم مخاطبون بتأدية ~~الصلاة كاملة. وظاهر كلام المؤيد بالله: أنه إذا كان العذر نادرا وجبت ~~إعادة الصلاة، وإن كان غير نادر لم تلزم إعادتها. # والمختار: أنه لا تلزمهم الإعادة لأنهم معذورون في تأديتها على هذا الوجه ~~وقد قال : ((لا ظهران في يوم ولا عصران في يوم)). لكنه يستحب لهم الإعادة ~~عند زوال العذر لتكون مؤداة على الكمال. # الفرع الثالث: هل يجب حمل السلاح في حال الصلاة أو يكون مستحبا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أن حمله واجب. وهذا هو قول الناصر، ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: هو قوله تعالى: {وليأخذوا أسلحتهم}[النساء:102]. وهذا ~~أمر والأمر الشرعي بمطلقه دال على الوجوب. # المذهب الثاني: أن حمله مستحب. وهذا هو قول القاسمية، ومحكي عن الحنفية. # والحجة على ms1688 هذا: هو أنها صلاة مفروضة فلا يجب أخذ السلاح فيها كسائر ~~الصلوات المكتوبة وهو أحد قولي الشافعي. PageV04P243 # والمختار: وجوب حمل السلاح في صلاة الخوف لما ذكروه من ظاهر الأمر في الآية. # ونزيد هاهنا: وهو أن الله تعالى أكد الأمر عليهم بدليل أمور ثلاثة: # أولها: قوله تعالى: {وخذوا حذركم}[النساء:102]. ولا حذر أعظم من حمل ~~السلاح وتحمله لأن فيه أعظم الحذر وأقواه ولما يحصل فيه من ربط الجأش وقوة ~~القلب في الإقدام. # وثانيها: قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى ~~أن تضعوا أسلحتكم}[النساء:102]. # ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى رخص لهم في وضع الأسلحة عند ~~المطر والمرض. ورفع الجناح إنما يكون رخصة في ترك الأمور الواجبة كما قال ~~تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة}[النساء:101]. وفي هذا دلالة ~~على الوجوب كما ذكرناه. # وثالثها: قوله تعالى: {ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة}[النساء:102]. # ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى أكد أمر أخذ الأسلحة بتحذيره من ~~غدر الكفار ومكرهم وأنهم مترقبون لحصول الفرصة بالغفلة عن أخذ الحذر. فهذه ~~الوجوه كلها دالة على ما قلناه من تأكيد الأمر في أخذ الأسلحة وإلتزامها في ~~حال الصلاة في حالة الخوف. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: صلاة مفروضة فلا يجب حمل السلاح فيها كسائر الصلوات المفروضة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا نسلم صحة قياسكم هذا لأنه معارض بظواهر هذه الآيات ~~الدالة على تأكد الوجوب بأخذ السلاح وحمله، ومن شرط صحة القياس ألا يكون ~~معارضا لشيء من أدلة الكتاب والسنة فمتى عارضها فهو دلالة على فساده ~~وبطلانه. # وأما ثانيا: فهب أنا سلمنا لكم صحة هذا القياس لكنا نقول: إن صلاة الخوف ~~خارجة عن الأقيسة الشرعية على سائر الصلوات في أكثر أحكامها وشرائطها. PageV04P244 # ويؤيد ما ذكرناه: أن سائر الصلوات لما لم يجب فيها حمل السلاح ولبسه فلا ~~يجوز فيها المشي والدوران والمدافعة والمقاتلة، وفي صلاة الخوف يجوز ذلك ~~كله ms1689 فدل ذلك على أنها مخالفة لسائر الصلوات فلا يبعد وجوب أخذ الأسلحة ~~ولبسها فيها كما أشرنا إليه. # الفرع الرابع: وتجوز صلاة الخوف في القتال الواجب والمستحب والمباح، فأما ~~القتال الواجب فنحو جهاد الكفار ومقاتلتهم على التزام أحكام الإسلام ونحو ~~مقاتلة أهل البغي والظلم وجهادهم حتى يرجعوا إلى الحق ويفيئوا إليه مع ~~الإمام، فإن ما هذا حاله تجوز فيه صلاة الخوف إذا ألجئوا إليها لأنهم محقون ~~فيما فعلوه من القتال، ونحو من يقصد(1) # إلى هلاك نفسه إذا قلنا بأن الدفع واجب فإن له صلاة الخوف إذا ألجئ إليها ~~لأنه محق في الدفع عن نفسه الهلاك. # وأما المستحب: فنحو الدفع عن المسلمين، وعن أهل الذمة من أراد قتلهم وأخذ ~~أموالهم، فإن ما هذا حاله يستحب الدفع عنهم إذا لم يتكامل فيه شرائط الوجوب ~~فإن تكاملت فيه فإنه يكون واجبا لأن ما هذا حاله يكون من باب الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كان القتال لا يؤدي إلى ضرر عليه في نفسه ~~وماله توجه الوجوب والدفع عنهم، وإن كان يؤدي إلى ذلك استحب له الدفاع ولم ~~يكن واجبا، وعلى هذا تجوز له صلاة الخوف لأنه محق في قتاله ودفعه. # وأما المباح: فنحو قتاله لمن أراد أخذ ماله فإنه يجوز له دفعه ويجوز له ~~الترك فإذا ألجئ في دفعه إلى صلاة الخوف جاز له فعلها. # الفرع الخامس: وهل تجوز صلاة الخوف في طلب العدو أم لا؟ فيه وجهان: PageV04P245 # الوجه الأول: المنع من ذلك. وهذا نحو أن يدخل الإمام والمسلمون بلاد العدو ~~من الكفار والبغاة ويبلغون في بلادهم مبلغا عظيما في القهر والغلبة لهم ~~والإستيلاء عليهم، أو يكون الكفار والبغاة قد انهزموا هزيمة فاضحة بحيث لا ~~يرجى لهم رجوع ولا يجتمعون على القرب ويقطع على تفرق جموعهم، فإذا كانت ~~الحال هكذا فإنه لا يجوز للإمام ولا للمسلمين صلاة الخوف لأنهم في هذه ~~الحالة آمنون، وهذه الصلاة مشروطة بالخوف فلهذا لم يكن لهم فعلها. # الوجه الثاني: أن يدخل الإمام والمسلمون معه بلاد العدو ويبلغوا فيها ~~بلدا ms1690 لا يأمنون وقوع العدو عليهم ويخافون حصول النكاية والإستيلاء، أو يكون ~~الإمام والمسلمون قد هزموا الكفار والبغاة ويمكنهم الرجوع على المسلمين ~~والإمام والإجتماع عليهم ولا يؤمن ذلك منهم لقلة عدد المسلمين وكثرة العدو ~~وقوة شوكته فإذا كانت هذه الحالة جازت لهم صلاة الخوف لأن الخوف حاصل بما ~~ذكرناه. # الفرع السادس: في صفة صلاة الخوف. # إعلم أن أبا عيسى الترمذي # (1) PageV04P246 ذكر في صحيحه: أن الرسول صلى صلاة الخوف في مواضع كثيرة على أوجه مختلفة في ~~الأفعال وما ذاك إلا من أجل ما يعرض من شدة الحرب وسهولتها، فيكون العمل ~~فيها على قدر الحال. # فإذا عرفت هذا، فلنذكر ما ورد من أفعال الرسول في الخوف، ثم نردفه بذكر ~~خلاف العلماء فيما ورد عنه في كيفية الصلاة، ثم نذكر المختار من ذاك، ثم ~~نذكر حكم الصلاة عند شدة إلتحام القتال والشغل بالمكافحة. # فهذه أطراف أربعة تحيط بالمقصد مما نريده في صفة صلاة الخوف. PageV04P247 # --- ### ||| AUTO الطرف الأول في بيان ما ورد عن الرسول في كيفية صلاة الخوف. # وجملة ما ورد عنه يأتي على أضرب ثلاثة: # الضرب الأول: صلاته بعسفان(1) # حيث لم يشتد الخوف وكان العدو في جهة القبلة وكان خالد بن الوليد في صف ~~الكفار عونا لهم على القتال، فلما دخل وقت العصر قال المشركون: قد دخل ~~عليهم وقت صلاة هي أحب إليهم من أرواحهم فإذا شرعوا فيها حملنا عليهم حملة ~~واحدة أصبنا منهم فيها غرضنا. فنزل جبريل فأخبر الرسول بما هموا به فجعل ~~أصحابه فرقتين، وهذه الصلاة مشروطة بأمور ثلاثة: # أولها: أن يكون العدو في جهة القبلة. # وثانيها: أن يكون المسلمون في كثرة والعدو في قلة. # وثالثها: ألا يأمن المسلمون من مكر العدو ووثوبه وإنكبابه عليهم. # فإذا حصلت هذه الشروط الثلاثة(2) # أحرم الرسول بعد أن جعلهم فرقتين، فرقة في وجه العدو، وتصلي خلفه فرقة، ~~فإذا كانت الصلاة ركعتين كما ذكرنا فإنه يصلي بالفرقة الأولى ركعة، فإذا ~~قام إلى الثانية ثبت قائما ونوت الفرقة الأولى مفارقته وأتموا الركعة ~~الثانية لأنفسهم ثم يمضون إلى وجه ms1691 العدو، وتأتي الفرقة الثانية ويحرمون خلف ~~الرسول وينوون الإقتداء به فيصلي بهم الركعة الثانية فإذا سلم قاموا فأتموا ~~الركعة الثانية لأنفسهم، فهذه هي الصلاة المأثورة عنه، وليس فيها إلا هذه ~~المخالفة التي ذكرناها وهي مغتفرة لأجل العذر بالخوف. PageV04P248 # الضرب الثاني: صلاة ذات الرقاع والرقاع بالراء [المكسورة] والقاف وعين ~~مهملة، جمع رقعة كبرمة وبرام واختلف في تسميته ذات الرقاع على قولين: # أحدهما: أنه إسم لجبل مختلفة رقاعه فمنها أسود ومنها أحمر ومنها أصفر ~~فلما اختلفت ألوانها قيل له: ذات الرقاع. # وثانيهما: أنه إسم لأرض جرز فيها خشونة مشى فيها ثمانية نفر في فدفد ~~فذهبت أظفارهم وتفتت أقدامهم فكانوا يعصبون على أقدامهم بالخرق فسميت: ذات ~~الرقاع. # وأما عسفان: فهو بضم العين المهملة والسين بثلاث من أسفلها(1) # وفاء، اسم واد. ولا بد في هذه الصلاة من إعتبار تلك الشروط الثلاثة التي ~~ذكرناها في صلاة عسفان، وهذه الصلاة لا تكون إلا في حال إلتحام القتال فلا ~~تحتمل الحال تخلف الكل واشتغالهم بالصلاة، فصدع الرسول أصحابه صدعين فانحاز ~~بطائفة إلى حيث لا تبلغهم سهام العدو فصلى بهم ركعة وقام بهم إلى الثانية، ~~فانفردوا بالركعة الثانية وسلموا وأخذوا مكان إخوانهم في الصف الأول ~~وانحازت الفرقة المقاتلة إلى رسول الله وهو قائم ينتظرهم فاقتدوا به في ~~الركعة الثانية فلما قعد رسول الله في الثانية قاموا فأتموا الركعة الثانية ~~لأنفسهم وتشهدوا وسلم بهم رسول الله . فصار في صلاة ذات الرقاع روايتان: PageV04P249 # الرواية الأولى: رواية خوات بن جيبر (1) # وهي الرواية التي ذكرناها وهي التي أخذ بها أصحابنا والشافعي واعتمدوها ~~لأمرين: # أما أولا: فلأن رواية خوات عليها أكثر الرواة وهي إلى الإحتياط وقلة ~~الأفعال في الصلاة المستغنى عنها أقرب. # وأما ثانيا: فلأنها آخر الغزوات لأنها مقيدة بذات الرقاع ورواية ابن عمر ~~مطلقة فلهذا كان العمل برواية خوات أولى. PageV04P250 # الرواية الثانية: رواية ابن عمر، وهي أن الرسول لما قام إلى الثانية لم ~~ينفردوا بالركعة الثانية لكن أخذوا مكان إخوانهم في الصف وهم باقون على ~~الإحرام بالصلاة وجاء الآخرون فصلوا ركعة فتحلل ms1692 بهم رسول الله من الصلاة ثم ~~رجعوا إلى مكان إخوانهم وعليهم ركعة ورجع الفريق الأول فأتموا الركعة ~~الثانية منفردين ونهضوا إلى الصف وعاد الآخرون وأتموا كذلك. # الضرب الثالث: صلاته ببطن النخل(1) # ولا بد فيها من إعتبار الشروط التي ذكرناها في صلاة ذات الرقاع، وصلاة ~~عسفان، خلا أن العدو كان في غير جهة القبلة، فإذا كان الأمر كما قلناه فإنه ~~يصدع أصحابه صدعين فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين ثم يسلم، ثم يصلي بالطائفة ~~الثانية ركعتين ثم يسلم، هي له سنة ولهم فريضة. فعلى رأي الشافعي: يجوز ذلك ~~لأنه ليس فيه إلا أن يقتدي المفترض بالمتنفل وهذا سائغ عنده كما مضى تقريره ~~في صلاة الجماعة، وعلى رأي الأئمة من العترة أن ما هذا حاله فهو متأول على ~~أنه منسوخ أو على أن الصلاة كانت حاصلة في الحضر مع الخوف، فهذه صلاة ~~الرسول في حال خوفه في هذه المواطن الثلاثة وإختلافها على قدر حالة الخوف. # ويستحب للإمام إذا صلى صلاة الخوف: أن يخفف القرآءة في الركعة الأولى ~~لأنها حالة حرب وكفاح للعدو وحمل سلاح، وهكذا فإنه يستحب للطائفة الأولى ~~والثانية إذا فارقتا الإمام لإتمام ما عليهما من الصلاة أن يخففا القراءة؛ ~~لأنهم يريدون لقاء العدو ويخاف منه الوثبة مع التطويل للقراءة والتثاقل. # وأما الإمام فإنه يستحب له أن يطول القراءة في الركعة الثانية لتدركه ~~الفرقة الثانية لأنه موضع حاجة. والطائفة ثلاثة نفر فما فوقها. # ويكره: أن يصلي الإمام بأقل من ثلاثة نفر وأن يحرسه أقل من ثلاثة لظاهر الآية. PageV04P251 # ويستحب: أن تكون الطائفة التي تصلي مع الإمام ثلاثة فما زاد عليها. وهكذا ~~حال الطائفة التي تحرسه. هذا الاستحباب على قدر الإمكان فإن قدرنا أنهم ~~خمسة مع الإمام فإنه يصلي مع الإمام ثلاثة ركعة واحدة ثم ينصرفون إلى لقاء ~~العدو ويجيء الرجلان الآخران فيصليان الركعة الثانية كما قلناه في ~~الطائفتين من غير فرق لأجل العذر بقلة العدد في الثانية، وإنما قلنا: أن ~~أقل الطائفة ثلاثة فلأن أهل اللغة قد نقل عنهم ذلك، ولقوله تعالى: ~~{وليأخذوا ms1693 أسلحتهم} وهذا خطاب للجمع وأقل الجمع ثلاثة، ولم ينقل عن الرسول ~~في صلاة الخوف إلا ما فعله في هذه المواضع الثلاثة. PageV04P252 # --- ### ||| AUTO الطرف الثاني: في ذكر خلاف العلماء في صفة صلاة الخوف. # إعلم أن العلماء مختلفون في صفة صلاة الخوف على مذاهب خمسة: # المذهب الأول: محكي عن القاسم والهادي وارتضاه الأخوان السيدان المؤيد ~~بالله وأبو طالب وأبو العباس، وهو أن يصير المسلمون مع الإمام طائفتين فتقف ~~إحداهما بإزاء العدو متسلحين، ويفتتح الإمام الصلاة بالطائفة الأخرى ~~ويصطفون خلفه فيصلي بهم الركعة الأولى فإذا قام الإمام إلى الركعة الثانية ~~أطال القيام والقراءة حتى يصلي من ورآءه الركعة الثانية لأنفسهم ويسلموا ~~وينصرفوا فيقفوا في مواقع أصحابهم بإزاء العدو، وتجيء الطائفة الثانية ~~فتصطف خلفه ويفتتح الصلاة فيصلي الإمام بها الركعة الثانية وهي الأولى ~~للقوم فإذا قعد الإمام وتشهد وسلم قاموا فأتموا لأنفسهم الركعة الثانية ~~ويسلم الإمام ولا ينتظر فراغ القوم. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم ~~طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت ~~طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك}[النساء:102].. إلى آخر الآية. فظاهر ~~الآية دال على ما قلناه من غير مخالفة. # المذهب الثاني: محكي عن الناصر، ومذهبه ما حكيناه عن الهادي والقاسم خلا ~~أنه يخالف في أمرين: # أحدهما: أنه يستوي قاعدا حتى تلحق الطائفة الثانية وهو الذي ذكره في ~~المختصر. # وثانيهما: أن الطائفة الأولى لا يسلمون على فراغهم من الركعة الثانية ~~لأنفسهم بل يقفون حتى يكون سلام الكل واحدا مع الإمام. # والحجة على هذا: ما في حديث خوات بن جبير وسهل بن أبي حثمة (1) PageV04P253 : # وهو أن الرسول صلى صلاة الخوف في ذات الرقاع فافتتح الصلاة بالطائفة ~~الأولى إلى آخر التقرير الذي حكيناه عن الهادي والقاسم، ثم قعد حتى لحقت ~~الطائفة الثانية ثم ثبت قاعدا حتى يسلم الكل بتسليمه. # المذهب الثالث: محكي عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن ورواية عن أبي يوسف، ~~وهو أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة فإذا قام الإمام إلى الثانية مضت هذه ms1694 ~~الطائفة إلى وجه العدو وهم في الصلاة وجاءت الطائفة الأخرى إلى مكان الأولى ~~فيصلي بهم الإمام ركعة ثانية ويتشهد بهم ويسلم الإمام وحده فإذا فرغ الإمام ~~من السلام قامت الطائفة الثانية إلى وجه العدو وهم في الصلاة وجاءت الطائفة ~~الأولى إلى مكانها وأتمت صلاتها وسلمت ومضت إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة ~~الثانية إلى مكانها وأتمت صلاتها. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ~~}[النساء:102]. فدل ذلك على أنهم إذا قاموا من سجود الأولى مضوا إلى وجه العدو. # وروى ابن عمر أن الرسول صلى بذات الرقاع على هذه الصفة. # المذهب الرابع: محكي عن أبي يوسف في إحدى الروايات عنه، وصفتها: أن ~~يجعلهم الإمام صفين فيفتتح الصلاة بهم كلهم فإذا ركع ركعوا معه جميعا وإذا ~~رفع رفعوا معه جميعا وإذا سجد سجد معه الذين يلونه وقام الصف المؤخر ~~يحرسونهم، ثم [إذا] رفع رفعوا. ثم يسجد الصف المؤخر ثم [إذا قاموا] يتقدم ~~الصف المؤخر ويتأخر الصف المقدم وفعلوا ما فعلوه أولا. وهذا أيضا محكي عن ~~ابن أبي ليلى. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول : أنه صلى صلاة الخوف بعسفان على هذا ~~النحو الذي ذكرنا. خلا أن ظاهر الآية دال على خلاف ما ذهبوا إليه. PageV04P254 # قال المؤيد بالله: ما قالوه قد روي عن الرسول إلا أن ظاهر الكتاب يرده فلم ~~نأخذ به لأن الله تعالى قال: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة ~~منهم معك}[النساء:102]. وفي هذا الخبر أن الطائفتين قامتا معه وهو مخالف ~~لظاهر الآية. # المذهب الخامس: محكي عن علي وابن عباس وابن عمر وعبدالله بن مسعود وزيد ~~بن ثابت وأبي هريرة وعائشة وسهل بن أبي حثمة وأبي موسى الأشعري وحذيفة بن ~~اليمان، وهو أن الرسول صلى بكل طائفة ركعة وجعل الناس طائفتين، وهذا بعينه ~~هو ما حكيناه عن الهادي والقاسم. # والحجة فيه: ما ذكرناه من ظاهر الآية فإنها دالة عليه. # فهذه المذاهب كلها قد أوردناها بأدلتها ليعلم ما هو ضعيف منها وما هو قوي. # فأما صلاة المغرب، ms1695 فهي ثلاث ركعات فلا يمكن التسوية فيها بين الطائفتين ~~على الأخرى(1) # فلا بد فيها من تفضيل إحدى الطائفتين، وهل تفضل الطائفة الأولى أو ~~الثانية؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: تفضل الطائفة الأولى. وهذا هو رأي القاسمية والحنفية، وأحد ~~قولي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم اله وجهه: أنه ~~صلى بالطائفة الأولى في صلاة المغرب ركعتين وبالطائفة الثانية ركعة واحدة، ~~ومثل هذا لا يصدر إلا عن توقيف من جهة الرسول لأنه لا مدخل للقياس فيه. # المذهب الثاني: أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعة واحدة وبالثانية ركعتين. ~~وهذا هو رأي الناصر، وأحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن علي ، أنه صلى بالطائفة الأولى في صلاة المغرب ~~ركعة وبالطائفة الثانية ركعتين. وهذا لا يقوله إلا عن توقيف ثم قال: إنما ~~أردت أن تدرك كل طائفة فضيلة القراءة وسماع فاتحة الكتاب والسورة، فلهذا ~~كان أحق وأولى. # والمختار: ما قاله الهادي والقاسم من تفضيل الطائفة الأولى بالركعتين. # وحجتهم: ما ذكرناه. PageV04P255 # ونزيد هاهنا وهو قوله : ((لا تختلفوا على إمامكم)). ومن خرج في الركعة ~~الثانية فقد خالف الإمام. وقوله: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)). ولقوله : ~~((ألا يخشى من يرفع رأسه قبل رأس الإمام أن يحول الله رأسه رأس كلب أو رأس ~~حمار )). # وإذا تقرر هذا فلا عذر للطائفة الأولى في الخروج عن الإمام إلا خشية أن ~~تفوت الصلاة على الطائفة الثانية مع الإمام وذلك حاصل بإدراك الركعة ~~الثالثة، فإذن لا وجه لاختصاصهم بركعتين في هذه الصورة. # والحجة الثانية: هو أن الإتمام في صلاة الخوف ينبغي أن يكون مشروعا لقسمة ~~الصلاة نصفين على الطائفتين فيكون لكل واحدة نصفها وعلى أنه يجب أن تكون ~~للطائفة الأولى ركعة ونصف لأن التنصيف في الثلاث لا يكون إلا بالكسر وإذا ~~استحقوا النصف من الركعة الثانية وجب أن يستحقوا النصف الآخر لأن النصف ~~الثاني تابع للأول من حيث كان سابقا في الاستحقاق، والطائفة الثانية لم تكن ~~مستحقة للنصف الأول فلهذا لم تستحق النصف الآخر لأنه غير ms1696 تابع فبطل أن يكون ~~مستحقا. # الحجة الثالثة: وهو أنا إذا جعلنا الركعة الثانية للطائفة الثانية لكنا ~~قد جعلنا التشهد الأول من الإمام بحيث لا حظ فيه لواحدة من الطائفتين، ~~وبيانه: هو أن الطائفة الأولى لا تلحقه لأنه في الركعة الثانية والطائفة ~~الثانية تجلس على جهة التبعية لأنه ليس لها بمحل ولا يعتد لها به، فوجب أن ~~يجعله للطائفة الأولى لئلا يكون في صلاة الإمام ما لا حظ لواحدة من ~~الطائفتين فيه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن أمير المؤمنين: أنه صلى بالطائفة الأولى في صلاة المغرب ~~ركعة وبالطائفة الثانية ركعتين وهذا لا يقوله إلا عن توقيف. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا قد روينا عن أمير المؤمين ما يعارض هذه الرواية على جهة ~~المناقضة فتتساقط الروايتان ونرجع إلى دليل آخر. PageV04P256 # وأما ثانيا: فلأنا قد أوردنا من الأدلة الشرعية التي لا معارض لها ما فيه ~~مقنع وكفاية من وجوب اختصاص الطائفة الأولى بالركعتين فأغنى عن الإعادة. # وحكي عن الشافعي: أنه خير أن يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعتين في صلاة ~~المغرب وبين أن يصلي بهم ركعة واحدة وبين أن يصلي بالطائفة الثانية ركعة أو ~~ركعتين، وأيهما يكون أفضل؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن الأفضل أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين لما ~~روي عن علي : أنه صلى ليلة الهرير هكذا. # وثانيهما: أن الأفضل تفضيل الطائفة الأولى بركعتين؛ لأن الرسول فضل ~~الطائفة الأولى بأن صلى بها ركعتين وبالثانية ركعة، وهذا هو الأصح من مذهبه. # فإن صلى بالطائفة الأولى ركعة واحدة فسدت صلاة الطائفة الأولى تفريعا على ~~ما اخترناه من أنه يجب أن يصلي بالطائفة الأولى ركعتين لأنهم خرجوا عن ~~صلاته من غير عذر وقد قال : ((لا تختلفوا على إمامكم)) و((إنما جعل الإمام ~~ليؤتم به)). وعليه أن يجلس في التشهد الأول من الركعتين الأوليين حتى تفرغ ~~الطائفة الأولى. # قال السيد أبو العباس: فإن قام ونووا الخروج من الائتمام بطلت صلاتهم لأن ~~قيامه إلى الثالثة يكون مصليا بهم، وإن لم يجدد لذلك نية، ms1697 لأن النية الأولى ~~مسترسلة فلهذا كان خروجهم مبطلا لصلاتهم من غير عذر، وهكذا إن نووا ~~الائتمام أو لم ينووا فركعوا قبله فسدت صلاتهم لأنهم شاركوه ثم فارقوه وليس ~~هذا مثل القيام في غير صلاة المغرب إلى الثانية لأن له غنية عن القيام في ~~المغرب بأن يقعد في التشهد ولا غنى له في غيرها لأن الائتمام يوجب المتابعة ~~للإمام إلا في موضع عذر، فإذا قام الإمام وقاموا معه فقد ائتموا به في هذه ~~الركعة ثم خرجوا عن الائتمام من غير عذر إذ كان يجوز ألا يأتموا به فيها ~~بأن يقعد هو، فلهذا قضينا ببطلان صلاتهم من أجل المخالفة التي لا عذر لهم فيها. PageV04P257 # --- ### ||| AUTO الطرف الثالث: في بيان المختار في المسألة من هذه الأقاويل # إعلم أن منشأ التردد والإختلاف في هذه المذاهب إنما وقع من جهة اختلاف ~~حال الرسول في الصلاة، بإعتبار ما يعرض من الخوف واختلاف حاله وحال ~~المسلمين مما يعاني من حرب المشركين في القوة والضعف واستقبال القبلة ~~وإستدبارها وغير ذلك من الأحوال العارضة، فهذا هو السبب في التردد ~~والإختلاف بين العلماء مع إرادة التأسي والإقتداء والمتابعة له في أفعاله. ~~وإذا كان الأمر كما قلناه لم يكن في المسألة معيار مضبوط يجب الإحتكام له ~~والتعويل عليه، وإنما الأمر فيما قلناه فيما يعرض للإمام مما يعاني ويعالج ~~من حرب الكفار والبغاة كما عرض للرسول من الإختلاف في حالاته في الصلاة في ~~حال الحرب، فتارة يعرض الإختلاف باعتبار إستقبال القبلة واستدبارها، وتارة ~~يعرض باعتبار حالة السفر والحضر، ومرة يعرض باعتبار القوة والضعف، ومرة ~~يعرض باعتبار القرب والبعد في الأماكن التي تقع فيها الحرب والمصافة، ~~فالغرض إنما هو إعمال النظر في الصلاة بالإجتماع ويكون بالتعويل فيها على ~~الحال العارضة من غير التفات إلى التعويل على حالة مستمرة تكون على قانون ~~واحد وصفة واحدة، ويتأيد هذا الكلام بإيراد سؤالين: # السؤال الأول: إذا كان الأمر على ما قلتموه من أن الاعتبار إنما هو بما ~~يظهر من الحال فكيف نشأ الخلاف بين العلماء في صفة ms1698 صلاة الرسول حتى انتهى ~~في صفة صلاة الخوف إلى ست عشرة صورة، وكان ينبغي ألا يقع اختلاف إذا كان ~~التعويل على ما يعرض من مشاهدة الحال؟. # وجوابه: أن اختلاف العلماء إنما وقع في صلاة النبي التي صلاها باعتبار ~~حاله التي كان عليها، فأما إذا كان الحال مخالفة لحاله كان التعويل على ما ~~يعرض من مشاهدة الحال من غير نظر إلى حالة مستمرة في تأدية الصلاة. # السؤال الثاني: إذا قلتم أنه لا نظر إلى ما فعل فإن فعله على قدر حاله ~~فهذا يبطل التأسي بأفعاله والإقتداء به. PageV04P258 # وجوابه: أن التأسي والإقتداء إنما يكونان بأن يفعل مثلما فعل على الوجه ~~الذي فعله لأنه فعله فمتى حصلت هذه الأمور حصل الإقتداء وهاهنا فلا وجه ~~للإقتداء لأجل اختلاف الحال. # فحصل من مجموع ما ذكرناه: أن الإعتبار إنما هو على الحال العارضة في ~~تأدية الصلاة من غير نظر إلى قانون مستمر لا يختلف حاله، وأن الرسول يقتدى ~~بأفعاله إذا كانت حالنا مماثلة لحاله، فأما إذا كانت مخالفة فالاعتبار ~~بالحال في كل الأحكام في حق الإمام وفي حرب من كان محقا إذا كانت الحال ~~مقتضية لذلك موجبة له ولهذا فإنه لو عرض الخوف في صلاة الجمعة وصلاة الكسوف ~~وصلاة العيدين فإنه يفعل مثل ما فعله الرسول إذا كانت الحال مماثلة لحال ~~الرسول، وإن كانت مخالفة عمل على قدر الحال لأن الإعتبار بالإمكان في حال ~~هذه الضرورات، فإن أمكنهم الصلاة جماعة عملوا على قدر الحال، وإن كانت ~~الجماعة غير ممكنة صلوا منفردين ويعملوا على قدر الإمكان والتعذر في تلك ~~الحال. والله أعلم بالصواب. PageV04P259 # --- ### ||| AUTO الطرف الرابع: في حكم الصلاة في شدة التحام القتال # وشدة المسايفة ومطاردة العدو ويخافون إن ولوا أن يركب العدو أكتافهم # فيكون سببا للهزيمة والتولي على الأعقاب. # فأما إذا كانت الحال هذه فالواجب عليهم الصلاة كيفما كان ممكنا لهم، ~~مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ركبانا على دوابهم ومشاة على أقدامهم يومئون ~~بالركوع والسجود إيماءا، ولا يجوز لهم إخراج الصلاة عن وقتها من غير شغل ~~بها ms1699 على قدر الإمكان؛ لأن الإجماع منعقد على تأديتها على قدر الحال التي هو ~~عليها، كما قال تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم}[آل ~~عمران:191]. # قال القاسم%: فإن كان خوفا لا يقدرون معه على الصلاة قياما وركوعا وسجودا ~~أومؤا برؤسهم إيماءا ويكون إيماؤهم لسجودهم أخفض من إيمائهم لركوعهم، وإن ~~لم يمكنهم ذلك استقبلوا القبلة وكبروا وذكروا الله تعالى وسبحوه وفعلوا من ~~ذلك قدر ما يمكنهم في أي جهة كانت. # وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا كانت الحال هذه بحيث لا يتمكنون من ~~الركوع والسجود جاز لهم تأخير الصلاة عن وقتها، فإذا زال ذلك صلوا. # وروى ابن عمر أن الرسولصلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف، فذكر كمذهب أبي حنيفة. # والذي عليه أئمة العترة والشافعي: أن الصلاة لا يسقط فعلها على قدر ~~الإمكان كما ذكرناه. # والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا}[البقرة:239]. # وإن كان الخوف من جمل صائل أو سبع أو حية تحمل عليه جاز أن يصلي بالإيماء ~~لأن الخوف على النفس علة في الصلاة على هذا الوجه، وإن أجبرهم جود من مطر ~~بلا إمكان كن صلوا ركبانا على دوابهم وإسراعا على أرجلهم لقولهصلى الله عليه وسلم: ((إذا ~~أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)). PageV04P260 # قال السيد أبو طالب: وقد غلط بعض أصحابنا وقال: إن الخوف من السباع لا تصلى ~~من أجله صلاة الخوف. وهو محكي عن بعض أصحاب الظاهر. وهذا لا وجه له فإن ~~الأدلة الشرعية ما فصلت بين خوف وخوف كما قال تعالى: {فإن خفتم فرجالا أو ~~ركبانا}[البقرة:239]. ولأن الخوف من السباع ربما كان أضر من الجمل الصائل. # ويجوز أن تصلى صلاة الخوف جماعة وفرادى(1) # في حال شدة الإلتحام والخوف عند أئمة العترة، وهو محكي عن الشافعي. # وحكي عن أبي حنيفة: أنه يجوز لهم صلاة الخوف منفردين ولا تجوز جماعة ~~لأنها حالة ضرورة فلا يمكن فيها الاجتماع ويتعذر ذلك. # والحجة على ما قلناه: هو أن الأدلة الشرعية كقوله تعالى: {فإن خفتم ~~فرجالا أو ركبانا}[البقرة:239]. لم تفصل ms1700 بين الصلاة جماعة أو فرادى ولأن كل ~~حالة جاز فيها تأدية الفرض فرادى جاز تأديته جماعة كحالة الأمن. # والصياح وارتفاع الأصوات تفسد الصلاة لأنه مستغنى عنه ويورث الفشل ~~والطيش. # قال الهادي في الأحكام: وإن باشر القتال وهو في الصلاة فضرب ضربة خفيفة ~~أو تقدم أو تأخر تقدما خفيفا أو تأخر خفيفا جاز، وإن أطال ذلك وأكثر من ~~التقدم والتأخر والطعن والضرب بطلت صلاته لأن قليل الأفعال لا يفسدها ~~وكثيرها يفسدها والإجماع منعقد على ما قلناه. # قال السيد أبو طالب: وعلى هذا من ابتدأ الصلاة في حال الخوف راكبا ثم نزل ~~لأجل الحاجة فصلاته صحيحة ويبني على ما فعله وإن أحوج إلى الركوب استأنف ~~الصلاة إلا أن يتمكن من الركوب في سرعة وعمل قليل لخفة بدنه. # ومن الفقهاء من فرق بين النزول والركوب لأن الركوب فيه أفعال كثيرة بخلاف ~~النزول، والأحسن أنه لا فرق بينهما وهذا هو قول الشافعي. ومحكي عن المزني ~~من أصحابه، وله قول آخر في التفرقة بينهما. PageV04P261 # وإن انتضح عليه في حال صلاته دم نظرت، فإن كان قليلا لم يبطل الصلاة، وإن ~~كان كثيرا فإن طرح ما أصاب من السلاح والأثواب في سرعة صحت صلاته، وإن لم ~~يطرحه بطلت صلاته لأن الثوب النجس لا تجوز الصلاة فيه كما مر بيانه. # ويجوز أن يصلي وعنان فرسه في يده فإن نازعه الفرس فجذبه جذبا خفيفا جازت ~~صلاته، وإن تقحم الفرس ولم يقف على غرض فارسه فتوثب توثبا كثيرا بطلت ~~الصلاة. # ويجوز أن يأتم المقيم بمن يصلي صلاة الخوف لأنه ليس فيه إلا أن المقيم ~~يأتم بالمسافر، ومثل هذا جائز لأنه يكون في حكم المسبوق. فإذا قضى الخائف ~~صلاته قام المقيم فأتم صلاته. # وإن صلى الخائفون إلى جهة العدو ثم انحرف العدو إلى جهة أخرى جاز أن ~~ينحرفوا في صلاتهم إلى جهته وإن كانوا في غير القبلة دفعا لنكاية العدو ~~عنهم بالإنحراف إلى جهته لأن المقصود هو دفع العدو، فعلى أية حال أمكن جاز ~~لهم دفعه بكل حال. # وإن صلوا صلاة ms1701 الخوف فعاد أمرهم إلى الأمن بنوا على صلاة الخوف، وهكذا ~~إذا صلوا صلاة الأمن، فعاد أمرهم إلى الخوف بنوا على صلاة الأمن وإنما كان ~~كذلك لأنهما يختصان بوجه واحد لأجل العدو. # ومن انفتل عن الإمام يريد لقاء العدو نظرت، فإن كان انفتاله قبل انصراف ~~العدو بنى على صلاته لأنه معذور في الانفتال، ومن انفتل بعد انصراف العدو ~~عن إمامه استقبلها لأنه غير معذور فيما فعله من المخالفة بالانفتال. # ومن أحدث في صلاة الخوف كان كمن أحدث في غيرها في نقض الوضوء لقولهصلى الله عليه وسلم: ~~((إذا قاء أحدكم أو رعف وهو في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة)). ولم ~~يفصل بين خوف وأمن. # وإن أراد الخائفون أن يصلوا جماعة جاز لهم ذلك لأن الأدلة الشرعية لم ~~تفصل في المواضبة على صلاة الجماعة بين الخوف والأمن، وعلى هذا يجوز لمن ~~كان راكبا أن يأتم بمن كان على القرار، ولا يجوز أن يؤم الركبان من كان على ~~القرار لإختلاف الحال كما لا يؤم القاعد من هو قائم كما مر تقريره في صلاة ~~الجماعة. PageV04P262 # وإن افتتحوا صلاة الأمن ثم ترآءى لهم ركب أو خيال ظنوه عدوا فانفتلوا عن ~~القبلة ثم استبانوا أنها إبل سائمة أو حجارة عظيمة نظرت، فإن كان انفتالهم ~~من غير تقصير في النظر في الأمارات لا تلزمهم الإعادة لأنه لا تقصير من ~~جهتهم وهم معذورون، وإن كانوا قد قصروا في النظر في الأمارات ولم يبحثوا عن ~~حالها فإنها تلزمهم الإعادة لأنهم يصيرون كأنهم انفتلوا في حال السلامة، ~~والتفرقة بين حالة التقصير وبين حالة الإمعان في النظر في الأمارات هو قوة ~~الأمارات وضعفها فإذا كانت الأمارات قوية يظنها كل ظان أنها جيش كالآكام ~~السود والإبل السائمة لم تجب عليهم الإعادة لقوة الأمارات في العدد، وإن ~~كانت الأمارة ضعيفة نحو السراب وهبوب الريح فإن ما هذا حاله لا يغلب على ~~الظن أنه جيش فلهذا وجبت الإعادة، وهكذا الحال فيما إذا تراؤا سوادا فظنوه ~~جيشا فانفتلوا عن الإمام فإنه يكون الحال فيه كالحال في ms1702 المسألة التي ~~قبلها، فإن كان عن تقصير في النظر في الأمارات لزمتهم الإعادة لأنهم خالفوا ~~الإمام من غير عذر، وإن كانوا قد أمعنوا النظر في الأمارات فلا تقصير هناك ~~من جهتهم فلا تلزمهم الإعادة. # وإن انهزم المسلمون نظرت، فإن كان الكفار عددهم دون الضعف لم تجز لهم ~~صلاة الخوف لأنهم عاصون بالإنهزام والرخص لا تكون بالمعاصي، وإن كان عددهم ~~فوق الضعف جاز لهم أن يصلوا صلاة الخوف لأنهم معذورون في الهزيمة. # وإن انهزم الكفار لم يجز للمسلمين صلاة الخوف لأنه لا خوف هناك. # وإذا أمر الإمام رجلا يكمن للعدو ويرصده في المواضع الخفية والأماكن ~~المستترة ليقضي غرضا فيما أمر به وحضر وقت الصلاة جاز له أن يصلي قاعدا لأن ~~المقصود لا يتم إلا بالقعود كما جاز لهم صلاة الخوف لأجل مصلحة القتال. # فهذا ما أردنا ذكره في صفة صلاة الخوف ونرجع إلى التفريع وتمامه. PageV04P263 # الفرع السابع: قد ذكرنا وجوب حمل السلاح لظاهر الآية في الصلاة، وإذا كان ~~الأمر كما قلناه صار السلاح على أقسام خمسة: # أولها: ما يحرم حمله وهذا نحو السلاح النجس مثل السيف والسكين إذا كان ~~فيهما نجاسة، ونحو الريش النجس لا يجوز حمله إذا كان في النبل، ونحو أن ~~يتصل بالسيف والسكين سم فيه نجاسة. # وثانيها: ما يكره حمله وهذا نحو السلاح الثقيل الذي يشغله عن الصلاة نحو ~~الدرع والبيضة إذا كان لها أنف يمنع من وصول الجبهة لم يجز حملها. # وثالثها: ما يجب حمله وهو كل سلاح يدفع به عن نفسه كالسيف والشفرة. # ورابعها: ما يستحب حمله وهو كل سلاح يدفع به عن نفسه وعن غيره مثل القوس ~~والنشاب والجعبة. # وخامسها: ما يختلف فيه وهو الرمح والسنان، فإن كان المصلي في جانب من ~~الناس بحيث إذا ركع وسجد يمكنه أن يضعه بحيث لا يصيب أحدا ولا يتأذى به ~~فإنه يستحب حمله. وإن كان المصلي في وسط الناس لا يأمن أن يصيب أحدا أو ~~يتأذى به فإنه يكره حمله. # وإن سقى سيفه سما ثم غسل ظاهره طهر، ms1703 وإن لم يصل الغسل إلى باطنه لأن ذلك ~~متعذر، وإن أدخل النار وقيل إنه قد ذاب ولم يبق له أثر لم يطهر حتى يغسل ~~لأن البلة نجس فلا تزال إلا بالغسل، فإن مسح فهل يطهر أم لا؟ فيه تردد، وقد ~~ذكرناه في باب إزالة النجاسة فأغنى عن تكريره. # الفرع الثامن: والقتال المحرم لا تجوز فيه صلاة الخوف لأن هذه رخصة ~~والرخصة لا تكون في معصية فإن خالفوا وصلوا وجبت عليهم الإعادة إذا كان ~~الوقت باقيا، والقضاء إذا كان الوقت فائتا. # وإن هزم المسلمون الكفار لم تجز لهم صلاة الخوف، وإن هزموا جاز لهم صلاة ~~الخوف كما مر تقريره. PageV04P264 # وإن اتفق القتال يوم الجمعة وأراد الإمام أن يصلي بالمسلمين صلاة الخوف ~~فإنه يجعلهم فريقين كما كان في صلاة ذات الرقاع مع الرسولصلى الله عليه وسلم فرقة تقف في وجه ~~العدو ويخطب الإمام بالفرقة الثانية ويصلي بهم ركعة واحدة ويثبت الإمام ~~قائما في الثانية ويتمون لأنفسهم ويجهرون بالقراءة بما بقي عليهم لأنهم ~~منفردون ثم يمضون إلى وجه العدو وتأتي الفرقة الثانية ويصلي بهم الركعة ~~التي بقيت عليه ويسلم بهم. # وإن خطب الإمام بالفرقة الأولى وصلى بهم الجمعة وسلم ثم خطب بالثانية ~~وصلى بهم الجمعة صحت الجمعة في حق الإمام والفرقة الأولى، وبطلت في حق ~~الثانية لأنه لا يصح إقامة الجمعة مرتين كما مر بيانه. # الفرع التاسع: ويجوز لبس الديباج والحرير الخالص في حرب الحق مع الإمام؛ ~~لن المقصود به إظهار القوة وإرهاب العدو وليس المقصود به السرف والخيلاء، ~~ويجوز استعمال الذهب أيضا في حرب الحق كاللجام المذهب والثغر المفضض ~~والأهبة الذهبية والفضية على رؤوس الخيل، لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه لما دخل ~~مكة معتمرا فكشف عن ضبعه وقال: ((يرحم الله من أراهم اليوم من نفسه ~~قوة))(1). # هذا من القوة فلهذا كان مباحا. # ويحرم لبس الذهب والحرير الخالص للرجال، وهل يجوز لبسه للعذر أم لا؟ ~~فالظاهر من مذهب العترة جوازه. لما روي: أن الرسولصلى الله عليه وسلم رخص لعبد الرحمن ms1704 بن عوف ~~وللزبير في لبس الحرير لما أصابهما حكة في جسدهما. وعن بعض أصحاب الشافعي: ~~المنع من ذلك. ولا وجه له لما رويناه من الحديث المبيح. وهل يجوز لبسه ~~للصبيان أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه: # أولها: الجواز لأنهم غير مكلفين. # وثانيها: المنع والتحريم كما يحرم على البالغين، لأن أدلة التحريم ما فصلت. # وثالثها: إن كان الصبي في سن السبع منع منه، وإن كان دون ذلك لم يمنع. # والمختار: المنع من ذلك، وقد مضى دليله فلا نعيده. PageV04P265 # وإن كان له جبة محشوة بالإبريسم(1) # جاز له لبسها لأنه لا سرف فيها ولا خيلاء لأنه مستور بظاهرها في غير ~~الحرب، ويباح استعمال القليل من الحرير نحو الطوق ورؤوس التكك والأكمام ~~والفرجين(2) # وعلم الثوب وحاشيته(3)، # لما روي عن مولى أسماء بنت أبي بكر قال: اشترى ابن عمر ثوبا شاميا فرأى ~~فيه خطا أحمر من حرير فرده فأخبرت أسماء فقالت: يا جارية ناوليني جبة رسول ~~اللهصلى الله عليه وسلم فأخرجت جبة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج. ويباح مقدار ~~الأصبع والثنتين والثلاث والأربع. لما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه، عن ~~رسول اللهصلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن الحرير إلا في موضع أصبع أو أصبعين أو ثلاث أو أربع. # الفرع العاشر: وإذا كان الحرير خلقا جاز لبسه في غير الحرب لأنه قد ذهب ~~رونقه فلا سرف فيه ولا خيلاء، ويجوز لبس الدرع المحلى بالذهب والفضة في ~~الحرب، ويجوز لبس البيضة إذا كانت محلية بالذهب والفضة. # ولا يجوز لبس جلد الكلب والخنزير للدواب والآلات لأنه نجس يحرم استعماله، ~~ويجوز لبس جلد النمر والأسد إذا ذبحت لأنها تصير طاهرة بالذبح الشرعي، فإن ~~لم تذبح لم يجز إستعمالها لأنها ميتة فيحرم إستعمالها كسائر جلود الميتات. # وإن نسج درع أو قميص من لؤلؤ جاز لبسه لما فيه من إظهار القوة فجاز ~~استعماله كالذهب والحرير. فإن كان في غير الحرب فهل يجوز لبسه أم لا؟ # فحكي عن الشافعي: جواز لبسه لأنه لم يرد الشرع بتحريمه. PageV04P266 # والمختار: تحريم لبسه لما فيه ms1705 من الخيلاء ولأن الحرير محرم لما فيه من ~~الخيلاء والسرف، والخيلاء بلبس قميص اللؤلؤ أكثر وأعظم. وقد قدمنا في لباس ~~المصلي ما فيه مع هذا مقنع وكفاية والحمد لله. PageV04P267 ### || AUTO الباب العاشر صلاة التطوع # اعلم.. أن أفضل أعمال الجوارح بعد الشهادتين: الصلاة، لما روي عن الرسول. ~~أنه قال: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، # وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، والحج إلى بيت الله ~~الحرام))(1). فجعل الصلاة بعد الشهادتين فدل على أنها أفضل الأعمال من ~~غيرها(2)، وروى عبدالله بن عمرو بن العاص عن رسول الله أنه قال: ((استقيموا ~~ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة فلا يحافظ على الوضوء إلا ~~مؤمن))(3). # وتطوعها أفضل التطوعات كما أن فرائضها أفضل المفروضات. # اعلم.. أن النافلة هي ولد الولد كما قال تعالى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب ~~نافلة}[الأنبياء:72]. وإنما قيل للنوافل: نوافل؛ لأنها زائدة على الفرائض. # ثم تنقسم: إلى ما يكون تابعا للفرائض وهي السنن الراتبة، وإلى ما تسن فيه ~~الجماعة، وإلى ما يتكرر بأسباب عارضة، وإلى ما ليس كذلك من النوافل. فهذه ~~أقسام أربعة نذكر ما يتوجه في كل واحد منها. PageV04P268 ### || AUTO كتاب الجنائز # الجنازة، بفتح الجيم: السرير، وبكسرها: الميت. # ويستحب لكل أحد أن يكثر من ذكر الموت في جميع أحواله لما روي عن الرسول ~~أنه قال: ((أكثروا من ذكر هاذم اللذات " فإنكم إن ذكرتموه في ضيق وسعه ~~عليكم فرضيتم فأجرتم، وإن ذكرتموه في غنى بغضه إليكم فجدتم به فأثبتم)) (1). # وروي عنه أنه قال: ((أكثروا من ذكر هاذم اللذات " فما ذكر في كثير إلا ~~قلله ولا ذكر في قليل إلا كثره)) (2). PageV04P269 # وأراد بقوله: ((ما ذكر في كثير إلا قلله)):أراد: المال إذا كان كثيرا، وذكر ~~الموت فإنه يقلله ويتصدق به فقبل ((ولا ذكره في قليل إلا كثره)). أراد: ~~الأعمال الصالحة فإنها إذا كانت قليلة وذكر الموات سيكثر منها. وروي عن عمر ~~رضي الله عنه كان نقش خاتمه: كفى بالموت واعظا يا عمر. وروي عن الرسول : ~~((استحيوا ms1706 من الله حق الحياء " )). فقيل له: كيف ذلك؟ فقال: ((من حفظ الرأس ~~وما حوى " ، والبطن وما وعى، وترك زينة الدنيا، وذكر المقابر والبلى فقد ~~استحيى من الله حق الحياء)) (1). # وروي: ((الجوف وما وعى)). وقيل معناه: البطن والفرج. فيكون على هذا ~~تأويله ألا يدخل بطنه إلا حلالا ولا يضع فرجه إلا في حلال. وقيل: أراد ~~بالجوف: القلب. وما وعى من معرفة الله تعالى والعلم بحلاله وحرامه وأن لا ~~يضيع ذلك. وأما الرأس فقد قال أبو عبيد: أراد به الدماغ. لأنه مجمع العقل ~~ومسكنه. # ويستحب أن يستعد للموت بالخروج من المظالم وإصلاح المشاجرة بينه وبين ~~غيره، والإقلاع عن المعاصي والإقبال على الطاعات لأنه لا يأمن أن يأتيه ~~الموت فجأة، والاستحباب لذلك في حال المرض أشد لأنه سبب الموت وأمارته. PageV04P270 # ويستحب للمؤمن: أن يكون محبا للقاء الله. لما روي عن الرسول أنه قال: ((من ~~أحب لقاء الله أحب الله لقاءه " ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)) (1). # وروي عن الرسول أنه قال: ((ما من بر ولا فاجر إلا وبطن الأرض خير له من ~~ظهرها " ، فإن كان برا يعجل إلى رضوان الله وجواره، وإن كان فاجرا استراح ~~الناس منه)) . # فإذا عرفت هذا، فلنذكر ما يستحب للمريض في حال مرضه، وما ينبغي أن يفعل ~~بالميت عند موته ثم غسله وتكفينه، وحمل جنازته، والصلاة عليه، ودفنه، ~~والتعزية والبكاء عليه، فنجري في ذلك على ترتيب العمل والوجود. PageV04P271 # --- ### ||| AUTO القول فيما يستحب للمريض في حال مرضه وما يكره # ويستحب للمريض: أن يصبر على الألم. لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أن امرأة قالت له: ~~يا رسول الله أدع الله أن يشفيني فقال لها: ((إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن ~~شئت فاصبري ولا حساب عليك)). فقالت: أصبر ولا حساب علي(1). # ويكره للمريض أن يتمنى الموت، وإن اشتد مرضه، لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: ((لا يتمنى أحدكم الموت لضيق نزل به وليقل: اللهم احيني ما كانت ~~الحياة خيرا لي وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي))(2). ms1707 # ويستحب للمريض أن يتداوى. لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تداووا فإن الذي ~~أنزل الداء أنزل الدواء، ولا تداووا بالحرام)). وفي حديث آخر: ((ما نزل داء ~~إلا ومعه دواء))(3) PageV04P272 . # ويستحب للإنسان أن يكون محسن الظن بالله في حياته وعند وفاته. لما روي عن ~~الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن الظن بالله فإن الله تعالى ~~يقول: أنا حيث ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء)) (1). # وروي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه دخل على شاب وهو يعالج الموت، فقال له: ((كيف ~~تجدك))؟ فقال: أرجو الله يا رسول الله، وأخاف من ذنوبي. فقالصلى الله عليه وسلم: ((لا ~~يحتمعان -يعني: الرجاء والخوف- في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما ~~يرجو منه وآمنه مما يخاف))(2). # وتستحب عيادة المريض. لما روى البراء بن عازب قال: أمرنا رسول اللهصلى الله عليه وسلم ~~باتباع الجنائز وعيادة المريض وإجابة الداعي ونصرة المظلوم وإبرار القسم ~~ورد السلام وتشميت العاطس(3). PageV04P273 # وروى علي% عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما من مسلم يعود مسلما إلا صلى عليه سبعون ~~ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح فإن رجا ~~له العافية دعا له بها)) (1). # والمستحب أن يقول في دعائه: أسأل الله العظيم رب العرش الكريم(2) # أن يشفيك، سبع مرات. لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من قال ذلك سبع مرات ~~عند مريض لم يحضر أجله، عافاه الله من مرضه))(3). # ويستحب أن يبشره بالعافية. لما روى أبو سعيد الخدري عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~((إذا دخلتم على مريض فنفسوا له في أجله فإن ذلك لا يرد شيئا ويطيب نفسه)) (4). # فإن رآه الزائر له منزولا به فالمستحب أن يلقنه قول: لا إله إلا الله. ~~لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله))(5). # والمستحب: ألا يقول له: قل لا إله إلا الله ولكن يقولها عنده ms1708 ليذكر ~~فيقولها لأنه ربما ضاق صدره إذا أمره بذلك، وربما يقول: لا فيأثم، ولا يكثر ~~عليه، ويقولها عنده ثلاث مرات. # ويستحب أن لا يتكلم إلا بها. لقولهصلى الله عليه وسلم: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله ~~دخل الجنة))(6). PageV04P274 # ويستحب توجيهه إلى القبلة. لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم: أنه دخل على رجل من ولد ~~عبدالمطلب وهو يجود بنفسه وقد وجهوه لغير القبلة فقالصلى الله عليه وسلم: ((وجهوه للقبلة ~~فإنكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة))(1). # وفي كيفية توجيهه إلى القبلة مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكون على ظهره عند موته وغسله مستقبل القبلة، وتصف ~~قدماه إلى جهة القبلة. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والناصر والمؤيد ~~بالله، وأحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: هو أنه إذا كان على الصفة التي ذكرناه كان مستقبلا ~~للقبلة بوجهه كله، وإذا وضع على شقه الأيمن لم يكن مستقبلا للقبلة بكل ~~وجهه، فلهذا كان ما ذكرناه أحق. # المذهب الثاني: أنه يضجع على جنبه الأيمن. وهذا هو رأي أبي حنيفة، وأحد ~~قولي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي أن فاطمة بنت رسول اللهصلى الله عليه وسلم قالت لامرأة كانت ~~تباشرها: ضعي فراشي هاهنا واستقبلي بي القبلة، ثم قامت فاغتسلت كأحسن ما ~~تغتسل ولبست ثيابا جددا ثم قال: تعلمين أني مقبوضة الآن. ثم استقبلت القبلة ~~وتوسدت يمينها ثم قبضت رضوان الله عليها ورحمته. # والمختار: أنه لا خلاف في توجيه الميت إلى القبلة ولا خلاف أن[كلا] ~~الأمرين جائز، وإنما الخلاف في الأفضل منهما. والأفضل هو إضجاعه على يمينه ~~ليستقبل القبلة للحديث الذي رويناه عن فاطمة لأنها لا تقول ذلك ولا تفعله ~~إلا عن توقيف من جهة أبيهاصلى الله عليه وسلم وفعلها لنفسها يدل على ذلك أيضا. # والحجة على هذا: هو أن استقبال القبلة إنما ورد مطلقا من جهة الرسولصلى الله عليه وسلم ولم ~~يرد في إلقائه على قفاه حديث من جهة الرسولصلى الله عليه وسلم، وإنما كان ذلك استحسانا ليكون ~~بوجهه إلى القبلة كاملا تاما، وإضجاعه ms1709 على يمينه قد ورد فيه حديث فاطمة ~~فلهذا كان هو الأفضل لما ذكرناه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. PageV04P275 # قالوا: إذا ألقي على فقاه كان أكمل حالة في استقباله فلهذا كان أحق بالعمل عليه. # قلنا: عمل الصحابي أحق بالقبول والذي رويناه عن فاطمة رضوان الله عليها ~~في عملها لنفسها هو أحق لأنها لم تفعله إلا بوحي وتقرير من جهة الرسولصلى الله عليه وسلم. # فإن ضاق المكان عن إلقائه على قفاه ألقي على شقه الأيمن، وإن ضاق المكان ~~عن إلقائه على شقه الأيمن ألقي على قفاه لأنه يجوز العدول عن الأفضل لأجل العذر. # ويستحب لمن دخل على المريض أن يأمره بالتوبة إلى الله تعالى، وهي الندم ~~على ما أخل به من الواجبات وتلبس به من فعل المحظورات والعزم إن عافاه الله ~~تعالى على ألا يعود إلى شيء من ذلك، لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((توبوا ~~إلى الله قبل أن تموتوا))(1). # ويستحب لمن حضر المريض، أن يأمره بالتخلص عما في ذمته من حقوق الله تعالى ~~من الزكوات والأخماس والمظالم التي لا تتعين أو حج أو كفارات، وعما في ذمته ~~من حقوق بني آدم من دم أو مال أو عرض، ويسأله عن كل واحد بعينه ليكون أقرب ~~إلى ذكره والخلاص منه، فإن أمكنه في الوقت فهو الواجب لأن هذه الحقوق مطالب ~~بها، وإن كان لا يمكنه التخلص منها على الفور فإنه يوصي بها ويعينها ويعين ~~ما يوفي بها من تركته، ويدفع الوصية إلى ثقة من أقاربه أو من غيرهم يخلص ~~ذمته. لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((نفس المؤمن مرتهنة بدينه حتى ~~يقضى))(2). PageV04P276 # ويستحب أن يأمره بتأدية الصلوات في أوقاتها على قدر إمكانه، فإن كان يمكنه ~~الوضوء توضأ، وإن كان يتعذر عليه لأجل العلة فإنه يتيمم لأجل العذر، ويأتي ~~بالصلاة على قدر إمكانه إما قائما أو قاعدا وإما على جنب، لقولهصلى الله عليه وسلم: ((إذا ~~أمرتم بأمر فأتوا به ما أستطعتم)). وقوله تعالى: {إن الصلاة كانت على ms1710 ~~المؤمنين كتابا موقوتا}[النساء:103]. # ويستحب تكرير الزيارة للمريض إذا طال مرضه. لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~((من عاد مريضا لم تزل الملائكة تعوده في قبره)). وفي حديث آخر: ((من عاد ~~مريضا لم يزل في خرفة من مخارف الجنة))(1). والخرفة: هي البستان. # ويستحب أن يقرأ عند المحتضر سورة يس. لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~((إقرأوا على موتاكم سورة يس))(2). # ويستحب قراءة سورة الرعد لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إقرأوا على ~~موتاكم سورة الرعد فإنها تهون خروج الروح))(3). # فهذا ما أردنا ذكره فيما يفعل في المرض. PageV04P277 # --- ### ||| AUTO القول فيما يفعل بالميت عند موته # فإذا مات الميت فإنه يستحب أن يتولى إغماض عينيه أرفق أهله، إما ولده أو ~~والده أو غيرهما من أقاربه ممن كان شفيقا رفيقا به في حال حياته، فيفعل ذلك ~~بأسهل ما يقدر عليه؛ لما روي عن الرسول أنه قال: ((عليك بالرفق يا عائشة ~~فإنه ما جعل في شيء إلا زانه.، ولا نزع من شيء إلا شانه)) (1). # وإغماض الميت مشروع. لما روت أم سلمة أن الرسول أغمض أبا سلمة لما مات ~~وقال: ((إن البصر يتبع الروح))(2). # ولأنه إذا لم يفعل ذلك بقيت عيناه مفتوحتين فيقبح منظره، وإذا أغمضت ~~عيناه انطبقتا فيصير كالنائم. # ويستحب أن يشد لحيه الأسفل بعصابة عريضة أو بعمامة ويربطها فوق رأسه ~~مخافة أن يبقى فوه مفتوحا يدخله الهواء. # قال القاسم: تغمض عيناه كأسهله ويربط برباط واسع من ذقنه إلى قمته ويجافا ~~بذراعيه إلى عضديه ثم يمدان إلى فخذيه، وكذلك تمد فخذاه إلى بطنه. # ويستحب أن تلين مفاصله. PageV04P278 # قال المؤيد بالله: فإذا مات الميت وضع على قفاه مستقبل القبلة وتغمض عيناه ~~أرفق ما يكون ويشد ذقنه إلى قمته بخرقة عريضة لئلا ينفغر فوه، وتلين مفاصله ~~وتمد أصابع يديه إلى كفيه. وهذه الجملة مما لا خلاف فيها ولأنه يكون أسهل ~~على غاسله، وذلك أن الروح إذا فارق البدن فإنه يكون حارا لقرب مفارقة الروح ~~ثم يبرد عقيب خروج ms1711 الروح فإذا لينت الأعضاء عقيب خروج الروح لانت وتعطفت، ~~وإذا لم تلين بقيت قاسية فيصعب علاجها في حالة الغسل. # ويستحب أن تنزع عنه الأثواب التي مات فيها لأمرين: # أما أولا: فلأن الغالب ملابسة النجاسات خاصة مع طول المرض واختلاف ~~الأمراض. # وأما ثانيا: فلأن الثياب إذا لم تنزع عنه ربما حميت عليه فيسرع إليه ~~الفساد. # ويستحب إذا مات أن يسجى بثوب. لما روت عائشة أن رسول الله لما مات سجي ~~بثوب خمرة. # ويستحب أن يرفع الميت على سرير أو نشز من الأرض أو لوح مخافة أن يصيبه ~~نداوة من الأرض فيتغير. # ويستحب إذا مات الميت أن يترك على بطنه شيء من حديد أو طين رطب لما روي ~~أن غلاما لأنس بن مالك مات فقالوا: اجعلوا على بطنه شيئا من الحديد لئلا ينتفخ. # ويستحب إذا مات الميت وقد أوصى بصدقة أن تؤدى على الفور لتتعجل منفعتها. # ويستحب لمن حضر الميت أن يدعو ويثني خيرا. لما روت أم سلمة عن الرسول أنه ~~قال: ((إذا حضرتم الميت أو المريض فقولوا خيرا فإن الملائكة تؤمن على ~~دعائكم)) (1). # فلما مات أبو سلمة أتيت الرسول فقلت: يا رسول الله إن أبا سلمة مات فما ~~أقول؟ قال: ((فقولي اللهم اغفر لي وله واعقبني منه عقبى حسنة)) (2). # قالت: فأعقبني الله منه رسوله الله خيرا منه. PageV04P279 # ويستحب الدعاء عند شدة الموت لما روت عائشة أن الرسول كان عنده قدح فيه ماء ~~فكان يدخل يده فيه ويمسح بها وجهه ويقول: ((اللهم أعني على سكرات ~~الموت))(1). # وإذا مات المريض بعلة معروفة فإنه لا يدفن حتى تظهر فيه علامات الموت ~~لأنه قد يغشى عليه فيظن أنه قد مات ولم يمت، وجملة العلامات الدالة على ~~الموت خمس: # الأولى منها: أن تسترخي قدماه فيقومان وينصبان فلا ينتصبان. # الثانية: أن تميل أنفه عن إستقامتها وتعوج بعد ثبوتها. # الثالثة: أن تمتد جلدة وجهه بعد تقبضها. # الرابعة: أن تنخلع كفاه عن ذراعيه بعد إتصالهما. # الخامسة: أن ينخسف صدغاه وينحرفا(2) # فإذا حصلت هذه العلامات مع تقدم المرض فقد تحقق ms1712 موته. # وإن كان [موته] فجأة من غير علة كأن يموت من فزع أو غرق أو ما أشبه ذلك ~~فإنه يتأنى في أمره وينتظر حتى يتحقق موته، فإذا تحقق موته في الحالين ~~جميعا فالسنة أن يبادر إلى تجهيزه ودفنه، لقوله : ((ثلاثة لا ينبغي التأني ~~فيهن: الصلاة، والجنازة، والأيم إذا حضر كفؤها)) (3). PageV04P280 # وروي عن الرسول : أنه دخل على طلحة بن البراء(1) # يعوده فقال : ((ما أرى الموت إلا قد ذهب بطلحة فإذا مات فآذنوني وبادروا ~~به فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله)) (2). # قال الهادي: وإن كان الميت امرأة حاملا وفي بطنها ولد يتحرك شق بطنها ~~وأخرج الولد ثم تخاط تخييطا وثيقا. # واعلم أن كلامه هذا قد اشتمل على أحكام ثلاثة: # الحكم الأول: أنه لا يقدم على الشق إلا بعد العلم بحركة الولد وحياته في ~~بطن أمه، وما هذا حاله فإنه لا يخفى أمره، وإنما وجب ذلك لأن حرمة الحي ~~أولى من حرمة الميت فلهذا أقدمنا على الشق حفظا على حياة الولد فإذا لم ~~تعلم حياة الولد بالسكون والخفوت في البطن فلا وجه للشق بحال. # الحكم الثاني: شق البطن لإخراج الولد. وهو رأي أئمة العترة، ومحكي عن ~~سفيان الثوري، وحكي عن مالك: أن النساء يعالجن خروج الولد من مخرجه المعتاد ~~خروجه منه في العادة. وحكي عن الشافعي أن مذهبه مثل مذهب مالك في إخراجه من ~~مخرجه المعتاد. PageV04P281 # والحجة على ما قلناه: هو أن خروجه من مخرجه في العادة إنما يكون في حال ~~الحياة بأمر الله تعالى وقدرته، فأما بعد بطلان الحياة فلا وجه لذلك ~~ويتعذر، والشق يكون أسهل وأيسر في الخروج فلهذا كان معتمدا عليه. # الحكم الثالث: أنه يخاط الشق تخييطا وثيقا لأن ترك الخياط تغيير لبدن ~~الميت ويجري مجرى المثلة فلهذا توجه خياطه وضمه. # ويستحب لمن مات في أول النهار: ألا يبيت إلا في قبره، ومن مات في أول ~~الليل ألا يصبح إلا في قبره. لما روي عن الرسول أنه قال: ((أسرعوا ~~بجنائزكم))(1). # ولما روى ابن عمر رضي الله ms1713 عنه عن الرسول أنه قال: ((من مات بالغداة فلا ~~يقل إلا في قبره، ومن مات بالعشي فلا يبت إلا في قبره)) (2). # ولأنه لا يؤمن مع عدم دفنه أن يسبق إليه التغير. إلا من كان غريقا أو ~~صاحب هدم أو مبرسما(3)، PageV04P282 أو صاحب سكتة، فإن هؤلاء ينبغي التأني في حقهم حتى تتحقق أحوالهم بظهور ~~العلامات التي ذكرناها. ولا يكره الدفن ليلا عند أئمة العترة وأكثر العلماء ~~لما روى ابن عمر: أن امرأة مسكينة ماتت على عهد رسول الله فدفنت ليلا. وروي ~~عن أمير المؤمنين: أنه دفن فاطمة ليلا. # وحكي عن الحسن البصري: أنه كره ذلك. لما روي: أن ملائكة النهار أرفق من ~~ملائكة الليل. # ومن جهة أنه لا يكاد يحصل تجهيزه على الكمال ليلا فلهذا كره دفنه ليلا ~~لما ذكرناه. # وإذا مات الميت فإنه تكره النياحة عليه، وشق الجيوب ونشر الشعور وخمش ~~الوجوه. لما روت أم عطية أن الرسول نهى عن النياحة فما وفت واحدة منا بما ~~قاله رسول الله إلا أم سلمة. وروى أبو سعيد الخدري: أن الرسول لعن النائحة ~~والمستمعة إليها للنياحة(1). # وروى ابن مسعود أن الرسول قال: ((ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا ~~بدعوى الجاهلية2))(2). # وروي أن امرأة بايعت الرسول وقالت: أخذ علينا رسول الله ألا نخمش وجها ~~ولا ندعو ويلا ولا نشق جيبا ولا ننشر شعرا، ولأن ذلك يشبه التظلم ~~والإستغاثه، وما فعله الله فهو حكمة وصواب وعدل وحق ولأن ذلك يجدد الحزن. # وروي عن الرسول أنه قال: ((صوتان ملعونان فاجران في الدنيا والآخرة: صوت ~~رنة عند مصيبة، وشق جيب وخمش وجه ورنة شيطان، وصوت عند نعمة، صوت لهو ولعب ~~ومزامير شيطان)) (3). PageV04P283 # وروى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، عن الرسول أنه قال: ((ليس ~~منا من حلق، ولا من سلق، ولا من خرق، ولا من دعى بالويل والثبور)) (1). # وفسره الإمام زيد بأن الحلق: حلق الشعر وجزه، والسلق: الصياح، والخرق: ~~خرق الجيب والقميص. # وأما البكاء من غير ندب ولا نوح فهو جائز. لما ms1714 روي عن الرسول أنه جعل ~~ولده إبراهيم في حجره وروحه تنزع ونفسه تقعقع فبكى عليه وقال: ((تدمع العين ~~ويحزن القلب ولا أقول ما يغضب الرب إنا بك يا إبراهيم لمحزونون)). ثم فاضت ~~عيناه فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله فقال: ((إنها رحمة يضعها الله في ~~قلوب من يشاء، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) (2). # وروي أنه قال للرسول : أليس قد نهيت عن البكاء يا رسول الله؟ فقال: ((لا ~~إنما نهيت عن النوح))(3). # وروي عن الرسول : أنه بكى على عثمان بن مظعون(4) PageV04P284 حتى سالت دموعه، وروي أنه قال في بكائه عليه: ((هاي هاي هاي ثلاث ~~مرات))(1). # فإن قيل: فهذا صوت وقد كره الصوت الرسول فكيف جاز له فعله؟ # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا صوت للبكاء وإنما يكره من الصوت ما كان معه نوح ~~وتعديد. # وأما ثانيا: فلأنه مغلوب عليه لشدة الحزن، وما هذا حاله فليس مكروها ولا ~~يؤاخذ [عليه]. # فإذا عرفت هذا فالبكاء مباح وجائز حين يموت الميت، فإذا مات فالمستحب أن ~~لا يبكي وإن كان لا يحرم البكاء بعد الموت. لما روى عبدالله بن عتيك(2) PageV04P285 : أن الرسول جاء إلى عبدالله بن ثابت(1) # يعوده فوجده قد غلب عليه فصاح فلم يجبه فقال الرسول : ((قد غلبنا عليك يا ~~أبا الربيع)). فصاحت النسوة بالبكاء فجعل عبدالله بن عتيك يسكتهن، فقال ~~الرسول : ((دعهن يبكين فإذا وجبت فلا تبكين باكية)). فقال: يا رسول الله ~~وما الوجوب؟ قال: ((إذا مات)) (2). # ولأن الموت يجدد الحزن ويمنع الصبر، ولأن البكاء إنما يكون محاذرة عن ~~الفوات للأحباب، فأما بعد الموت فقد وقع الإياس فلا فائدة فيه، وسيأتي لهذا ~~مزيد تقرير عند الكلام في التعزية. PageV04P286 # --- ### ||| AUTO القول في غسل الميت # وغسله فرض من فروض الكفاية يجب على كل من علم أنه ميت أن يتولاه، فإذا ~~قام به البعض سقط الفرض عن الباقين، وإن تركه الكل لحق الحرج من كان يمكنه ~~القيام به وتركه. لما روي عن الرسول في الرجل الذي سقط من بعيره فمات: ~~((اغسلوه ms1715 بماء وسدر))(1). # ولأن الإجماع منعقد على وجوبه على الكفاية كسائر الواجبات على الكفاية. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: في المغسول. ويشتمل على مسائل عشر: # المسألة الأولى: غسل من مات من المسلمين واجب على الكفاية كما قررناه ~~سواء كان صغيرا أو كبيرا ذكرا كان أو أنثى حرا كان أو عبدا، وإن وجد ميت ~~ولم يعلم حاله مسلم أو كافر نظرت في حاله، فإن وجدت فيه سيما المسلمين نحو ~~الخضاب وقص الشارب وتقليم الأظفار، غسل لأن هذه الأمارات دالة على كونه ~~مسلما فلهذا وجب غسله، وإن لم يوجد فيه شيء من هذه الأمارات اعتبر حاله ~~بحكم الدار، فإن وجد في قرية من قرى المسلمين حكم عليه بالإسلام وغسل ~~تغليبا لحكم الدار لأن الغالب أن من وجد في دار الإسلام فهو مسلم لأن ~~الفائدة في كون الدار دار إسلام هو الحكم على من هو مجهول العين فيها، وإن ~~وجد في قرية من قرى الكفر حكم عليه بالكفر تغليبا لحكم الدار فلا يغسل. # والسقط بضم السين وكسرها، هو الذي يولد لغير تمام، فإذا ولد ناقصا نظرت ~~في حاله فإن استهل ورث وورث وحجب وأسقط وسمي وغسل وصلي عليه ودفن، ~~واستهلاله ظهور أمارة الحياة فيه وهو صراخه وبكاؤه وعطاسه وحركة يده أو ~~رجله أو يطرف بعينه. وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ~~والشافعي وأصحابه. PageV04P287 # والحجة على هذا: ما روى البراء عن رسول الله أنه قال: ((أحق ما صليتم عليه ~~أطفالكم))(1). # وإذا وجبت الصلاة وجب الغسل لأنه لا تجوز الصلاة على الميت إلا بعد غسله. ~~وروى جابر أن إبراهيم ابن رسول الله مات وهو ابن ستة عشر شهرا فغسل وصلى ~~عليه رسول الله . # وروى المغيرة عن الرسول أنه قال: ((الطفل يصلى عليه))(2). # وروى عطاء عن رسول الله أنه قال: ((إذا استهل الصبي ورث وصلي عليه))(3). # وروى أبو أمامة عن رسول الله أنه قال: ((إذا أستهل السقط صلي عليه))(4). PageV04P288 # وعن المغيرة بن شعبة: أن النبي قال: ((صلوا على السقط وادعوا لأبويه))(1). # على ms1716 الجملة فإن ما هذا حاله لا خلاف فيه. # وإن لم يستهل فهل يغسل ويصلى عليه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يغسل ولا يصلى عليه. وهذا هو رأي أئمة العترة. ~~ومحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إذا استهل الصبي ~~صلي عليه وسمي وورث وإن لم يستهل لم يصل عليه ولم يسم ولم يورث)). # المذهب الثاني: أنه إذا لم يستهل غسل إذا استكمل أربعة أشهر. # وهل يصلى عليه أم لا؟ فيه قولان. وسيأتي ذكرهما في الصلاة. # والحجة على هذا: ما روى المغيرة بن شعبة عن الرسول أنه قال: ((السقط يصلى ~~عليه ويدعا لأبويه بالعفو والمغفرة)). # وإذا صلي عليه وجب غسله. وهذا هو رأي الشافعي. # وحجته على هذا: ما روي في صحيح البخاري ومسلم وهو: ((إن النطفة إذا وقعت ~~في الرحم فإنها تكون أربعين يوما نطفة، وأربعين يوما علقة، وأربعين يوما ~~مضغة، ثم يأمر الله الملك فيكتب رزقه وأجله وشقي أم سعيد))(2). PageV04P289 # ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه إذا كان في الأربعين الرابعة تنفخ فيه الروح ~~فيكون حيا، وهذا معلوم من عادة النساء فإنها تجد حركته في وفاء أربعة أشهر. ~~فإذا تقررت حياته ثم خرج سقطا فإنه يغسل كما لو مات بعد استهلاله. # والمختار: ما عليه علماء العترة. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن الشرع إنما ورد بغسل الأموات وهذا غير معلومة حياته ~~ولا تعلم حياته إلا بالإستهلال، والميت من نزعت منه الحياة والسقط لم يستهل ~~فيقال: إنه حي. # فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الأمارة الصحيحة في كون السقط حيا إنما هو ~~إستهلاله، فإذا لم يستهل فلا حكم لحياته ولا يعمل عليها. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي في الصحيحين؛ البخاري ومسلم: أنه تنفخ فيه الروح لأربعة أشهر، ~~وفي هذا دلالة على أنه يكون حيا في مقدار أربعة أشهر، فإذا خرج من بطن أمه ~~لهذه المدة فهو يغسل ويصلى عليه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذه ms1717 الحركة في بطن أمه لا يدرى حالها هل هي حركة من جهته ~~أو حركة من جهة الله تعالى(1) # فلا يمكن بناء الأمر على ما ليس متحققا. # وأما ثانيا: فلأن [أمر الجنين] لما كان مستورا في بطن أمه رفع الشرع ~~الإبهام بأن جعل أمارة واضحة في حياته وهو الإستهلال عند خروجه من البطن ~~فلهذا رفع الشرع الشبهة في إيجاب الغرة في المولود الذي تلقيه المرأة ~~لجناية فأوجب فيه الغرة وهي خمسمائة درهم لما لم يعلم أمره في كونه حيا أو ~~غير حي، فهكذا الحال هاهنا رفع الشرع الشبهة في كونه حيا أو ميتا بأن جعل ~~الأمارة هي الاستهلال عند خروجه فيعمل عليها في الغسل والصلاة من غير حاجة ~~إلى تعويل على غير ذلك من الأمارات. PageV04P290 # قالوا: روى المغيرة بن شعبة أنه قال: ((يصلى على السقط ويستغفر لأبويه)). # قلنا: هذا محمول على أنه قد استهل ليكون موافقا لما ذكرناه من الأدلة ~~فإنها صريحة في الدلالة على العمل على الإستهلال فلا يمكن معارضتها بالأمور ~~المحتملة. # المسألة الثانية: إذا وجد بعض الإنسان من المسلمين، هل يصلى عليه أم لا؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يغسل ولا يصلى على بعض الإنسان إلا إذا وجد الرأس ~~مع النصف، أو وجد الأكثر منه. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم ~~والناصر والمؤيد بالله وغيره من الأئمة، وهو محكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن الإجماع منعقد على أنه لا تجوز الصلاة ولا الغسل ~~لليد المبانة بالقصاص والسرقة، وليس ذلك إلا لكونها بعضا فهكذا حال البعض، ~~إذا لم يكن الأكثر لم يغسل ولا يصلى عليه، ولأن القياس هو منع الصلاة على ~~الموتى لأجل النجاسة لولا دل الشرع على ذلك، وإنما دل على من كان كاملا من ~~الأموات فأما البعض فلا يصلى عليه إلا أن تقوم دلالة على ذلك، والدلالة ~~إنما قامت على وجود الأكثر دون ما سواه فلهذا وجب التعويل عليه. # المذهب الثاني: أنه إذا وجد بعض الميت صلي عليه وغسل، قليلا كان أو ~~كثيرا. ms1718 وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن الدلالة التي دلت على وجوب الغسل والصلاة في حق ~~الموتى لم تفصل بين أن يكون بعض الإنسان أو كله. PageV04P291 # ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: أن طائرا ألقى يدا في مكة من وقعة الجمل فعرفوها ~~بالخاتم فغسلوها وصلوا عليها. وقيل: إنها كانت يد طلحة، وقيل يد عتاب بن ~~أسيد(1) PageV04P292 . # وروي أن أبا عبيدة صلى على رأس من رؤوس المسلمين وجده، وروي أن عمر بن ~~الخطاب صلى على عظام وجدها وهو بالشام. فهذه كلها دالة على جواز الغسل ~~والصلاة لما وجد من أبعاض المسلمين. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة من أنه لا يصلى إلا على الأكثر، إما ~~الرأس مع وجود النصف، وإما الأكثر من البدن. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أنا لو صلينا على البعض لأدى إلى حصول صلاتين على ميت ~~واحد بأن وجد النصفان منه مرتين فيؤدي إلى تكرير الصلاة على ميت واحد. ~~والإجماع على خلاف ذلك منعقد، وإذا وجد الأكثر أو النصف معا فهو في حكم ~~الكل فلا حكم للموجود بعد ذلك. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: الأدلة لم تفصل في الصلاة والغسل بين أن يوجد الأكثر أو الأقل ~~فلهذا جوزناه. # قلنا: الأدلة في الغسل والصلاة إنما دلت على الكل وهي ساكتة في البعض ~~لكنا ألحقنا البعض بالكل إذا كان هو الأكثر فإذا كان الأقل فلا دلالة عليه. # قالوا: روي أن اليد [التي] ألقيت في مكة ألقاها الطير فصلي عليها، وعن ~~عمر بن الخطاب مثله، وعن أبي عبيدة بن الجراح: أنهم صلوا على أبعاض من ~~المسلمين وجدوها. فدل ذلك على جواز الصلاة على البعض إذا وجد. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذه مذاهب للمجتهدين من الصحابة فلا يلزمنا قبولها وإنما ~~الحجة ما كان عن الله تعالى وعن رسوله أو كان إجماعا من جهة الصحابة، فأما ~~الأفراد فلا يجب علينا قبول أقوالهم. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه محمول على الدعاء دون الصلاة الشرعية حتى لا ~~يعارض ما ذكرناه ms1719 من الدلالة على منعه. # قالوا: إن الموجود هو بعض من الجملة التي يصلى عليها فيجب أن يصلى عليه ~~ويغسل كما لو كان الموجود هو الأكثر. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه يؤدي إلى ما ذكرناه من الصلاة على آدمي مرتين وهو ممنوع ~~لأن النصفين سواء فلا مزية لأحدهما على الآخر. PageV04P293 # وأما ثانيا: فلأن الأكثر بمنزلة الكل فلهذا جازت الصلاة عليه والغسل له فلا ~~يؤدي إلى المحذور الذي ذكرناه فافترقا. # قال الهادي في الأحكام: والميت إذا كان به جراح أو حرق بالنار ويخشى ~~تقطيعه إن غسل، فإنه يصب عليه الماء صبا لأنه مأمور بصيانة الميت وحفظه عن ~~التغيير. ولهذا فإنه يوضع عليه الحديد خشية إنتفاخه، ويعاجل بدفنه ويصان عن ~~الشمس فلهذا سقط غسله، فإن كان صب الماء يغيره ويقطع أوصاله ترك غسله ويمم ~~وصلي عليه ودفن كما هو من غير غسل. # وقال أيضا: وولد الزنا يغسل ويصلى عليه لأن فسق أبويه لا يؤاخذ به لقوله ~~تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى}[الأنعام:164]. ولأن أحكام المسلمين جارية ~~عليه في حياته ومماته، ولهذا يغسل ويصلى عليه إذا مات ويستغفر له إذا علم ~~صلاحه وإسلامه. PageV04P294 # وأما الأغلف، وهو الذي ترك الختان فينظر في حاله، فإن كان ترك الإختتان ~~لعذر وهو خوفه على نفسه إن اختتن، غسل وصلي عليه، لما روى زيد بن علي عن ~~أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: لا يصلى على الأغلف إلا أن يكون ترك ~~ذلك خوفا على نفسه فإنه معذور في تركه. وإن كان تركه تهاونا بما أوجب الله ~~عليه واطراحا للسنة لم يغسل ولا يصلى عليه لحديث أمير المؤمنين كرم الله ~~وجهه حيث قال: لا يصلى على الأغلف لأنه ترك من السنة أعظمها واطرح ما أوجب ~~عليه. ولأن فعل الختان من شعائر الإسلام وسنة من سنن المرسلين، كما روي عن ~~الرسول أنه قال: ((عشر من سنن المرسلين خمس في الرأس، وخمس في الجسد)). وعد ~~من جملتها الختان. وتركه من شعائر الكفر فلا بد من تغييره، ولما روي أن ms1720 ~~رجلا من أهل الكتاب أسلم وهو أغلف فقال له الرسول : ((إختتن)). فقال: إني ~~أخاف على نفسي. فقال: ((إذا خفت على نفسك فكف)) (1). # وفي هذا دلالة على وجوبه إلا إذا خاف على النفس فإن الروح واجب حفظه ~~وصيانته عن التلف لقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة}[البقرة:195]. فلهذا يغتفر في سلامتها ترك كثير من الواجبات ~~والسنن. # المسألة الثالثة: والكفار المصرحون بالكفر من أهل الشرك وعبدة الأوثان ~~والأصنام والنجوم والملاحدة وسائر الملل الكفرية فلا يجب غسلهم عند أئمة ~~العترة وفقهاء الأمة، والإجماع منعقد على بطلان وجوب غسلهم لأنهم ليسوا من ~~أهل العبادة ولا ملتزمون للنبوة وأحكام الشريعة وكما أنهم لا يطالبون ~~بالصلاة والزكاة مع إصرارهم على الكفر فهكذا لا تجري عليهم أحكام الملة بعد ~~الموت. وهل يجوز غسلهم أم لا؟ فيه مذهبان: PageV04P295 # المذهب الأول: أنه لا يجوز غسلهم. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن مالك. # والحجة على هذا: هو أن الغسل من جملة العبادات ولهذا فإنه يفتقر إلى ~~النية والكافر ليس من أهل العبادة ولهذا لم يجز غسله بحال. # المذهب الثاني: جواز غسله. وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول : أنه أمر عليا كرم الله وجهه أن يغسل ~~أباه أبا طالب، ولو لم يكن جائزا لما أمره به. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من المنع من غسل الكافر. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن الغسل لو جاز في حق الكافر لجازت الصلاة فلما لم تجز ~~الصلاة لم يجز الغسل لأنهما أمران يختصان الأموات، فلما لم تجز الصلاة ~~بالإجماع لم يجز الغسل. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال لعلي : ((اغسل أباك)) (1) PageV04P296 . # دل ذلك على الجواز. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه قد روي أنه قال لأمير المؤمنين كرم الله وجهه: ((اذهب ~~فوار أباك)). ولم يذكر أنه يغسله. # وأما ثانيا: فلعل هذا إنما كان في مكة ولم يكن قد حصل التحريم لغسل ~~الكفار لأن الشريعة لم تكن قد اتسعت ms1721 في مكة، وإنما كان إتساعها في المدينة ~~وانبساط أحكامها وتقرير قواعدها. # المسألة الرابعة: في كفار التأويل، وهذا نحو المجبرة والمشبهة والروافض ~~والخوارج على رأي من يقول بإكفارهم، فإن هؤلاء يغسلون إذا ماتوا. # فإن قلنا: إنهم ليسوا كفارا كما هو الذي نختاره فهم من جملة المسلمين يجب ~~غسلهم كما يجب غسل سائر المسلمين. # فأما من يقول بإكفارهم، فإنه لا يخالف في وجوب غسلهم لأنهم موحدون لله ~~تعالى مصدقون بالشريعة مقرون بالنبوة ناكحون على القرآن والسنة مصلون إلى ~~القبلة لكنه قام البرهان الشرعي عند من يقول بإكفارهم على أن هذا الاعتقاد ~~الذي اعتقدوه يوجب إكفارهم، وجميع الأحكام الإسلامية لاحقة لهم كما ~~أوضحناه. # فإن قال قائل: فإذا كان حالهم في هذه الأحكام فما فائدة من يقول بإكفارهم ~~وما حكمهم عنده؟ # والجواب: أن الذي يأتي تفريعا على قولهم بإكفارهم، هو تحريم المناكحة ~~والموارثة والدفن في مقابر المسلمين وتحريم الذبيحة، فأما قبول أخبارهم ~~وشهادتهم فلا يختلفون في قبولها، وعلى الجملة فإن كل من قال بإكفارهم فإنه ~~يعاملهم معاملة المرتدين لأنهم قالوا: بمقالة توجب ردتهم عن الدين. # والمختار: هو القطع بخطأهم في هذه المسائل، فأما إكفارهم بها فلا وجه له، ~~وتأويلهم فيها واعتقادهم الحسن فيها يعذرهم عن الإكفار، فلأجل هذا قطعنا ~~ببطلان إكفارهم لعدم الدليل القاطع ووقوع الاحتمال فلا سبيل إلى الإكفار ~~بالأمور المحتملة. # المسألة الخامسة: في الفساق المرتكبين للكبائر المصرحين بالفسق من أهل ~~القبلة ممن مات مصرا على كبيرة، فهل يغسل أم لا؟ PageV04P297 # فالذي عليه أئمة العترة: أنهم لا يغسلون لأجل ما هم عليه من ارتكاب ~~الكبائر. والمحكي عن الفقهاء: أنهم يغسلون لأنهم مصدقون بالله تعالى ~~وبرسوله وبالشريعة وبالقرآن. # والحجة على ما قاله علماء العترة: هو أنهم صاروا من أهل عداوة الله تعالى ~~ومستحقين للعذاب فأشبهوا الكفار. # ومن جهة: أنها لا تقبل شهاداتهم وترد أخبارهم لتهتكهم وإقدامهم على ~~الكبائر. # والمختار: أن غسلهم غير واجب. وهل يجوز أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: جواز الغسل لأهل الكبائر وتغطية جيفهم بالدفن كسائر الجيف التي ~~على الأرض تطهيرا لها ms1722 وإبعادها عن التأذي بروائحها الخبيثة وتشريفا للإقرار ~~بالتوحيد والتصديق بالرسالة وغير ذلك من الأحكام الإسلامية التي التزموها ~~لكنهم فسقوا وتعرضوا لسخط الله وغضبه بارتكاب ما ارتكبوه من المعاصي ~~الفسقية. # المسألة السادسة: في فساق التأويل. وهم الذين خرجوا على إمام الحق ~~بالمخالفة ومنعوه عن الإستيلاء على البلاد وإنفاذ أوامر الله ونواهيه لشبهة ~~طرت عليهم، فمن هذه حاله فيقال فيهم: إنهم فساق تأويل لأنهم فسقوا ~~بالمخالفة والظهور عليه، وحكمهم الفسق بالمخالفة، وحكمهم أخف ممن ارتكب ~~كبيرة لا شبهة له في ارتكابها. وفسق الخوارج أدخل وأعظم من فسق التأويل فإن ~~فسق الخوارج يمنع من قبول الشهادة وقبول الأخبار لعظمه، وفسق التأويل لا ~~يمنع من ذلك، وعلى هذا هل يغسلون أم لا؟ فيه تردد لأن أمير المؤمنين كرم ~~الله وجهه لم يعاملهم معاملة أهل الفسق من أهل الكبائر. # فالمختار: غسلهم ودفنهم في مقابر المسلمين. وقد روي عن أمير المؤمنين كرم ~~الله وجهه أنه لم يغسل من قتل من أصحابه في النهروان لكونهم شهداء وصلى ~~عليهم، ومن قتل من الخوارج في ذلك اليوم لم يغسل ولم يصل عليه، لخروجهم ~~عليه لكن الشبهة الطارئة عليهم في الخروج عليه هي التي خففت الأمر في حقهم ~~فلهذا قلنا: بجواز الغسل. PageV04P298 # المسألة السابعة: في الشهداء، والشهيد الذي يقتل في المعركة في قتال الحق ~~مع الإمام أو ينقل من المعركة مجروحا بجراحة يقطع على موته منها فهذا هو ~~الشهيد وهي مشتملة على أحكام ثلاثة عشر: # الحكم الأول: هل يغسل أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الشهيد الذي وصفنا حاله لا يغسل. وهذا هو رأي أئمة ~~العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه وعامة الفقهاء. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول في شهداء أحد أنه قال: ((زملوهم ~~بكلومهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما اللون لون الدم والريح ~~ريح المسك)) (1). # الحجة الثانية: ما روى زيد بن علي عن علي كرم الله وجهه أن قتلى بدر لما ~~أصيبوا وذهبت رؤوس عامتهم فصلى عليهم الرسول ولم يغسلهم، وما ذاك ms1723 إلا من ~~أجل شهادتهم وقتلهم في سبيل الله. # المذهب الثاني: أنهم يغسلون. وهذا هو المحكي عن الحسن البصري وسعيد بن ~~جبير من التابعين. # والحجة على هذا: هو أن غسل من مات من المسلمين فرض على الكفاية وهو معلوم ~~ضرورة من الدين فلا يجوز أن ترفع هذه القاعدة بأمر مظنون والأمور المقطوعة ~~لا يمكن رفعها بالأمور المحتملة المظنونة. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم من فقهاء الأمة، وهو ~~المنع من غسل الشهداء لأجل ما كرمهم الله به من الشهادة، واختار لهم من ~~الكرامة بإعزاز كلمة الدين والذب عن حوزته. # والحجة لهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو ما علم من حاله في جميع من قتل من أصحابه بين يديه ~~وبأمره في بدر وأحد وسائر الغزوات وجميع السرايا، فإنه لم يغسلهم، وفي هذا ~~دلالة على صحة ما ذكرناه من منع غسلهم. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: غسل الموتى قاعدة معلومة فلا يجوز تركها بأمر مظنون. PageV04P299 # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لم نرفع حكم هذه القاعدة إلا بأمر معمول عليه من أقوال ~~صاحب الشريعة وأفعاله، وما هذا حاله فإنه يعمل به في تخصيص العموم، ونسخ ~~الأحكام، وغير ذلك من الأمور العملية. # وأما ثانيا: فلأنا عملنا بكلا الدليلين فعملنا بهذه القاعدة في غسل ~~الأموات فيما عدا الشهداء، وعملنا بقول الرسول وفعله في حال الشهداء من ترك ~~الغسل في حقهم فقد عملنا بكلا الدليلين كما ذكرناه، وأنتم أسقطتم العمل ~~بأقواله وأفعاله في حق الشهداء فلهذا كان ما قلناه أحق بالعمل والقبول مما ~~ذكرتموه. # الحكم الثاني: في أمره إذا نقل من المعركة وفيه شيء من الحياة. # قال الهادي: ومن حول من المعركة وفيه شيء من الحياة فعل به ما يفعل بسائر ~~الموتى وغسل وكفن وصلي عليه. # واعلم أن كل من لم يقتل في المعركة ونقل منها حيا، ففيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: إذا نقل وفيه جراحة يعلم أنه لا يعيش معها فهو شهيد لا ~~يغسل، وإن نقل وأكل وشرب وتداوى ومات بعد ms1724 ذلك فإنه يغسل. وهذا هو الذي حصله ~~السيد أبو طالب للمذهب. # والحجة على هذا: هو أن الأصل في الموتى كلهم الغسل لانعقاد الإجماع على ~~ذلك خلا أن الشهيد استثني من هذه القاعدة، والإستثناء إنما وقع في حق من ~~قتل في المعركة أو كان به جراحة لا يعيش منها، فأما من عدا ذلك فهو خارج عن ~~اسم الشهيد فلهذا وجب غسله. # المذهب الثاني: أنه إذا نقل من المعركة فأكل وشرب ثم مات قبل تقضي الحرب ~~فإنه يكون في حكم الشهيد فلا يغسل. وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: هو أنه مهما كانت الحرب قائمة فهو في حكم من حضرها ولهذا ~~فإنه يأخذ حقه من الغنيمة إذا مات بعد إحرازها. # المذهب الثالث: أنه إن مات بعد الإرتياث(1) PageV04P300 فإنه يغسل وليس شهيدا، وإن مات قبل الإرتياث فهو شهيد فلا يغسل. وهذا هو ~~رأي أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، واختلفوا في الإرتياث وتفسيره على أقوال ثلاثة: # القول الأول: محكي عن أبي الحسن الكرخي: وهو أن الإرتياث أن يحمل على ~~أيدي الرجال ويأكل أو يشرب أو يوصي بدينه أو بثلث ماله أو يوصي أو يصلي أو ~~يبقى في المعركة يوما وليلة حتى يعقل أو يمضي عليه وقت صلاة فلا يجب عليه ~~قضاؤها، فإن كان مغمى عليه مرتثا فهو شهيد. # القول الثاني: محكي عن أبي يوسف: وهو أنه إن بقي في المعركة أقل من يوم ~~فليس مرتثا وهو شهيد. حكاه ابن سماعة عنه. # القول الثالث: محكي عن محمد: مثل ما حكيناه عن أبي يوسف، خلا أنه قال: إن ~~عاش يوما كاملا في مكانه فليس مرتثا وهو شهيد ولم يجعل الوصية ارتياثا، ~~وقال: إنها من أمر الموتى. فهذه مقالة الحنفية في معنى لإرتياث. # والمختار: ما عول عليه أئمة العترة. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن الرسول : أنه لما رمي سعد بن معاذ في أكحله، ~~رماه ابن العرفة ونقل من المعركة وأقام أياما ورسول الله يعوده بعد ~~الإرتياث ثم مات فغسله الرسول . # الانتصار: يكون ms1725 بالجواب عما خالفه. # قالوا: إذا مات قبل تقضي الحرب لم يغسل، وإن مات بعد تقضيها غسل. # قلنا: قد حكي هذا عن الشافعي لكن التعويل إنما هو على الجرح فإن كان يموت ~~منه قطعا فهو شهيد لأنه في حكم من مات في المعركة، وإن كان يعيش منه غسل ~~إذا مات، ولا وجه لتقضي الحرب واتصالها فإنه لا مدخل له في إثبات الشهادة ~~وعدمها. # قالوا: إن مات بعد الإرتياث فإنه يغسل، وإن مات قبل الإرتياث لم يغسل وهو ~~شهيد، كما حكي عن الحنيفة. PageV04P301 # قلنا: تعليق الغسل بالإرتياث والنفي وفي إثبات الشهادة وعدمها على الجرح ~~أحق من تعليقه بالإرتياث لأن الجرح هو سبب الموت والقتل، فلا جرم كان ~~التعليق في إثبات الغسل وانتفائه على ما ذكرناه من الجرح في كونه قاتلا أو ~~غير قاتل؛ لأنه ربما أريث وقد قطع أحد وريديه وهو مقتول لا محالة ويحكم ~~عليه بالشهادة فلا يغسل. # الحكم الثالث: إذا قتل الشهيد في المعركة وكان جنبا فهل يغسل أم لا؟ فيه ~~مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يغسل. وهذا هو الذي حصله السيدان الأخوان لمذهب ~~الهادي، وهو محكي عن الشافعي وأبي يوسف، ومحمد. # والحجة على هذا: قوله : ((زملوهم بكلومهم)). ولم يفصل بين أن يكون جنبا ~~أو غير جنب. # المذهب الثاني: أنه يغسل. وهذا هو رأي القاسم، ومحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: ما روي أن حنظلة(1) # لما استشهد غسلته الملائكة فقال الرسول : ((إن صاحبكم هذا غسلته ~~الملائكة))(2). # فسألوا أهله فقالوا: إنه خرج جنبا. فدل ذلك على أن الغسل واجب عليه ولهذا ~~غسلته الملائكة. # والمختار: ما قاله السيدان الأخوان للمذهب من ترك غسل الشهيد الجنب. # وحجتهم: ما ذكرناه. PageV04P302 # ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن الرسول أنه قال: ((الشهيد لا يغسل))(1). # ولم يفصل بين أن يكون جنبا أو غير جنب، ولأنه شهيد مات في المعركة فلا ~~يغسل كما لو لم يكن جنبا ولأن القتل على وجه الشهادة تطهير فلا يحتاج إلى ~~تطهير بالغسل بالماء. # وغسل واحد يسقط ما وجب قبل ذلك إذا ms1726 اجتمعت أسباب كثيرة موجبة للغسل، ~~ولهذا فإنها لو كانت جنبا ثم حاضت ثم ماتت فإن الغسل الواحد كاف في ذلك، ~~وهكذا لو حاضت بعد الجنابة أجزاها غسل واحد من الحيض والجنابة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: حنظلة غسلته الملائكة. وفي هذا دلالة على وجوب الغسل من الجنابة ~~للشهيد. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن غسل الملائكة لا يلزمنا ولا نحن مكلفون بما فعلوه لأن ~~الشريعة إنما شرعت في حق الثقلين الجن والإنس فأما الملائكة فهم بمعزل عن هذا. # وأما ثانيا: فإنما كان غسلهم لحنظلة على جهة التبرك والتشريف دون الوجوب ~~وكلامنا إنما هو في الوجوب فافترقا. # قالوا: الغسل كان واجبا على الجنب فالقتل لا يسقطه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الواجبات كلها ساقطة عن الميت والغسل من جملتها فلا معنى ~~لقولكم إن الغسل واجب عليه. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكرتموه ليس موضعا للخلاف وإنما الخلاف في وجوب غسله ~~علينا، وذلك مما لم يثبت بدلالة شرعية فيقال: إن القتل يسقطه أو لا يسقطه. # قالوا: قد تقرر أن غسل الميت واجب على الكفاية. وكان القياس أن يغسل ~~الشهيد خلا أنا تركنا القياس في الشهيد إذا لم يكن جنبا للدلالة الشرعية ~~فيجب حمل الجنب على موجب القياس في وجوب غسله. # قلنا: غسل الأموات حكم شرعي فوجب أن تراعى فيه الدلالة الشرعية والشرع ~~إنما ورد فيه إذا لم يكن شهيدا، وهذا قد تقررت شهادته فيجب المنع من غسله ~~لما ذكرناه. PageV04P303 # الحكم الرابع: وإن وجد ميت في المعركة وليس فيه أثر القتل والجرح فهل يغسل ~~أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يغسل. وهذا هو رأي الهادي، ومحكي عن أبي حنيفة ~~وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أن الأصل في كل ميت أن يغسل إلا أن يكون شهيدا، ومن ~~هذه حاله فليس تعلم شهادته لأن الشهيد من قتل، وهذا ليس فيه أثر القتل ولا ~~الجرح فلهذا حكمنا بالموت عليه حتف أنفه ويجب غسله كسائر الأموات. # المذهب الثاني: أنه لا يغسل. وهذا هو ms1727 رأي الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن كل من حضر المعركة فإنه بصدد القتل إما بالضغط ~~والازدحام والعطش والسموم وهذه كلها أسباب للموت بسبب الجهاد في سبيل الله، ~~فلهذا كان حكمها حكم الجرح والقتل. # والمختار: هو غسله. كما قاله الهادي. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن ما ذكره الشافعي وإن كان محتملا لكن الظاهر خلافه ~~فإن الغالب أن كل من قتل في المعركة فلا بد فيه من أمارة القتل والجرح. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: قتله يجوز بسبب من الأسباب لما كان حاصلا في المعركة. # قلنا: وجوب غسله معلوم وليس يسقط غسله إلا بأمارة قوية دالة على شهادته، ~~وهاهنا فلم تحصل أمارة قوية في شهادته فلهذا وجب الرجوع إلى القاعدة ~~المعلومة وهو وجوب غسل الموتى. # الحكم الخامس: ومن قتل بعصا أو حجر أو ضرب بدبوس، أو منع نفسه حتى مات ~~فهو شهيد لا يغسل لأن الغرض اهراق(1) PageV04P304 روحه في سبيل الله على أي وجه اهراقت فإنه يكون من جملة الشهداء لما روي عن ~~الرسول ، أنه لما قيل: من المجاهد يا رسول الله؟ قال: ((المجاهد من كان ~~قتاله لأن تكون كلمة الله هي العليا))(1). # وإن جرح فخرج الدم من عينيه أو أذنيه فهو شهيد فلا يغسل لما روي عن ~~الرسول أنه لما قيل: فمن الشهيد يا رسول الله؟ قال: ((الشهيد من عقر جواده ~~وأهريق دمه في سبيل الله))(2) # لأنه لا يخرج من هذه المواضع إلا عن جرح فإذا تعقبه الموت فهو مقاتل(3) # لا محالة. # وإن خرج الدم من أنفه وذكره ودبره ومن فيه غسل لأن هذه المنافذ يخرج منها ~~الدم من غير جرح فلهذا كان ميتا فيجب غسله. # الحكم السادس: في المرأة والصبي إذا قتلا في المعركة، فهل يغسلان أم لا؟ ~~فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: المنع من غسلهما. # قال القاسم: والصبي والمرأة إذا قتلا في المعركة فإنه يصنع بهما ما يصنع ~~بالشهيد ولا يغسلان. وهو محكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن كل من صلح للقتال فإنه ms1728 مستحق للشهادة، والصبي ~~والمرأة إذا حضرا المعركة وقاتلا وقتلا لم يغسلا لكونهما شهيدين. # المذهب الثاني: وجوب غسلهما. وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب، واستضعف ~~ما حكي عن القاسم من منع غسلهما وقال: إن المجاهد إنما يطلق على الرجال ~~البالغين المستحقين للثواب فلهذا وجب غسلهما كالمجنون أو المجنونة. # المذهب الثالث: أنه يجب غسل الصبي ولا تغسل المرأة. وهذا هو رأي أبي ~~حنيفة ومحمد. PageV04P305 # والحجة على هذا: هو أن الصبي ليس من أهل الشهادة لصغر سنه فلا تكليف عليه ~~بالجهاد ولا بغيره، وأما المرأة فلا تغسل لأنها من أهل التكليف فتكون من ~~أهل الشهادة ولأنها حضرت المعركة وقتلت ظلما فتستحق الشهادة فلا تغسل. # فهذه أقاويل العماء في الصبي والمرأة إذا قتلا في المعركة. # والمختار: ما قاله القاسم وهو المنع من غسلهما. # وحجته: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن المرأة من أهل التكليف فصارت من أهل الشهادة فلهذا ~~لم تستحق الغسل كسائر الشهداء، وإنما أسقط عنها الجهاد لأجل التخفيف لضعف ~~حالها فصار ترك الجهاد عنها رخصة كحضور الجمعة فإنه رخص لها في ترك الجمعة، ~~فإذا حضرت ولم تقبل الرخصة كانت الجمعة مجزية لها، فهكذا حال الجهاد رخص ~~لها في تركه فإذا حضرت المعركة وقتلت لم تغسل لأنها شهيدة. # ويؤيد ما ذكرناه: أن امرأة يقال لها نسية بنون وسين بثلاث من أسفلها ~~وياء بنقطتين من أسفلها استأذنت الرسول في الخروج فأذن لها فأصابها جرح ~~على عاتقها فكانت تحمل سكينا فقيل لها ما تصنعين بهذه؟ فقالت: إذا لقيني ~~أحد من المشركين بعجته بها. # وأما الصبي فهو مبني على صحة إسلامه. فإذا قلنا بصحة إسلامه وإيمانه صح ~~كونه مجاهدا. # فإذا قتل لم يغسل، وقد قررنا فيما سلف أنه يصح منه الإسلام لأن الإسلام ~~يتقرر على كمال عقله ويجوز أن يكمل الله عقله قبل بلوغ خمس عشرة سنة وقبل ~~انفصال النطفة منه، وإذا كان الأمر هكذا صح ما قلناه من صحة جهاده والمنع ~~من غسله إذا قتل إلحاقا له بالمجاهدين. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: ms1729 ليسا من أهل الجهاد فصارا كالمجنون والمجنونة. PageV04P306 # قلنا: لا نسلم أنهما ليسا من أهل الجهاد بل الخطاب شامل لهما بقول الله ~~تعالى: {وفضل الله المجاهدين على القاعدين}[النساء:95]. ولم يفصل. وقوله ~~تعالى: {ياأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار}[التوبة:143]. ~~ولم يفصل، ولا يشبهان المجنون والمجنونة لأنهما عاقلان، والمجنون والمجنونة ~~ليسا عاقلين. فلا يغسلان. # قالوا: يغسل الصبي ولا تغسل المرأة. كما حكي عن أبي حنيفة. # قلنا: لا وجه للتفرقة لأنهما كليهما يعقل في حقهما الجهاد كما أوضحناه ~~وربما كان الصبي أقوى وأكيس وأعظم فطنة في القتال من المرأة وأقدر على ~~النكاية [بالعدو] فلهذا كانا سواء. # الحكم السابع: ومن بغي عليه فقتل دون ماله وحرمه ظلما فهل يغسل أم لا؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه شهيد فلا يغسل. وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب في ~~التذكرة، وهو محكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو قوله : ((من قتل دون ماله فهو شهيد))(1). # ولأنه مقتول ظلما لم يرتث فوجب المنع من غسله كالذي يقتل في المعركة، ~~ونقول: مكلف قتل ظلما فلا يغسل كما لو قتله أهل الشرك. # المذهب الثاني: أنه يجب غسله. وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب في ~~الشرح(2)، # هو محكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه قتل ظلما فغسل، ~~وعمر قتل ظلما فغسل. وفي هذا دلالة على أن من قتل في المصر ظلما فإنه يجب ~~غسله كسائر الأموات. # والمختار: وجوب الغسل لمن هذه حاله. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن غسل الأموات قاعدة قد تقررت ودل عليها الشرع على جهة ~~الوجوب على الكفاية فلا يجوز إسقاطها إلا بدلالة شرعية ولم يدل الشرع في ~~إسقاطها إلا في حق الشهيد الذي قتله الكفار وأهل الحرب فبقي ما عداه على ~~أصل القياس في وجوب غسله. PageV04P307 # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((من قتل دون ماله فهو شهيد)). وفي هذا ~~دلالة على إطلاق اسم الشهادة عليه فلهذا لم يمنع من ms1730 غسله. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه إنما سمي شهيدا لكونه قتل ظلما لا على معنى أن يعطى حكم ~~الشهيد في إمتناع غسله. # وأما ثانيا: فلأنه يستحق ثواب الشهيد لقتله من غير حق ظلما فلهذا أطلق ~~عليه اسم الشهيد. # الحكم الثامن: ومن قتله البغاة بين يدي الإمام في المعركة فإنه يمتنع ~~غسله عند أئمة العترة، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه لم يغسل ~~أصحابه الذين قتلهم البغاة من الخوارج في النهروان والجمل وصفين. وصلى ~~عليهم. ومثل هذا لا يفعله إلا عن توقيف من جهة الرسول إذ لا مجال للإجتهاد ~~فيه، ولأنه روي عن عمار بن ياسر: أنه قال: ادفنوني بثيابي فإني رجل مخاصم، ~~ولأنه قتل في المعركة ظلما لم يرتث فشابه من قتله أهل الشرك. # ووجه آخر: وهو أن الإمام يقاتل أهل البغي للذب عن الدين ولما هم عليه من ~~مخالفة الحق. والإمام يصلي بهم صلاة الخوف في قتالهم كما يصلي في قتال أهل ~~الحرب، فوجب ألا يغسل من يقتلونه كمن قتله أهل الشرك. # فأما إذا كان المقتول ظلما في المصر بالسلاح من غير إمام، فهل يغسل أم ~~لا؟. فهو على ما ذكرناه في من قتل على ماله وحرمه ظلما، في الخلاف، وذكر ~~المختار والانتصار له وقد مر فلا وجه لتكريره. # الحكم التاسع: وإن ظل عنهم غسله ونسوه؟ ففيه مذهبان: # المذهب الأول: أنهم يستخرجونه للغسل ما لم يقبر ويحثا عليه التراب(1). # وهذا هو رأي القاسم، ومحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن الغسل واجب للأموات على الأحياء فلا ينبش بعد ~~القبر وحثو التراب عليه كما لو لم يصل عليه. PageV04P308 # المذهب الثاني: أنه يستخرج للغسل وإن قبر وحثي عليه التراب. وهذا هو رأي ~~الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن الغسل والكفن والتقبير كلها واجبة على الكفاية ~~علينا في حق الأموات فلا يجوز الإخلال بواحد منها، لقوله : ((إذا أمرتم ~~بأمر فأتوا به ما استطعتم)). ms1731 ولا شك أن إخراجه من قبره ونبشه لغسله وتكفينه ~~أمر ممكن فلهذا وجب لما ذكرناه. # والمختار: ما قاله القاسم. # وحجته: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن الميت إذا قبر وحثي عليه التراب فإنه يسرع إليه ~~التغيير في الرائحة الخبيثة فإخراجه للغسل لا وجه له لما يحصل من إخراجه من ~~التلوث بالنجاسات وحصول الروائح الكريهة فلهذا ترك على حاله، وكان هذا عذرا ~~في ترك غسله. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: هذه الأمور واجبة للأموات على الأحياء من الغسل والكفن فإذا كانت ~~ممكنة وجب الإتيان بها كما قاله الشافعي. # قلنا: إن هذه الأمور وإن كانت ممكنة لكن الشرع منع منها وجعل القبر عذرا ~~في الإتيان بها فلا وجه للإستئناف لها. # الحكم العاشر: والحائض والنفساء والجنب إذا ماتوا وجب غسلهم. # وحكي عن الحسن البصري: أن الحائض والنفساء يغسلان ولا يصلى عليهما. # والحجة على هذا: هو أن الجنابة والحيض والنفاس قد بطلت بالموت، والغسل ~~لهؤلاء إنما يجب بالموت لأنهم من جملة المسلمين ماتوا في غير حرب أهل ~~الحرب، فلهذا وجب غسلهم كسائر الأموات الذين يجب علينا غسلهم وهذا مما لا ~~يعرف فيه خلاف. وما قاله الحسن فهو مسبوق بالإجماع. # ويجب في حقهم غسل واحد لأن الموجب هو الموت فلا وجه لتكرار الغسل، وهذا ~~مما لا خلاف فيه. أعني: [عدم] تكرير الغسل. # ومن قتل نفسه لم يغسل ولا يصلى عليه. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن ~~الأوزاعي. PageV04P309 # والحجة على هذا: هو أنه إذا قتل نفسه كان فاسقا لأنه يفسق بقتل نفسه كما ~~يفسق قاتله، وروي عن الرسول [أنه قال]: ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في ~~يده يجأ بها في بطنه خالدا في النار مخلدا، ومن تحسى سما فسمه في يده ~~يتحساه خالدا في النار مخلدا)) (1). # وحكي عن الشافعي: أنه يجب غسله والصلاة عليه. وحكي عن أحمد بن حنبل أنه ~~لا يصلي عليه الإمام ويصلي عليه غيره. # ومن قتل بالرجم في الزنا نظرت، فإن كان قتله بالإقرار غسل وصلي عليه، لما ~~روي عن الرسول ms1732 [أنه] رجم الغامدية بإقرارها وغسلت وصلى عليها. وإن رجم ~~بالبينة نظرت، فإن تاب غسل وصلي عليه لأن التوبة تمحو الفسق بالزنا فلهذا ~~جازت الصلاة عليه وغسله، وإن لم يتب فهل يغسل ويصلى عليه أم لا؟ # فالذي عليه أئمة العترة أنه لا يغسل ولا يصلى عليه. # وحكي عن الشافعي: أنه يغسل ويصلى عليه. # وقال الزهري: المرجوم بالزنى لا يصلى عليه. # وحكي عن مالك أنه قال: لا يصلي عليه الإمام الأعظم ويصلي عليه غيره. # والحجة لما قاله أئمة العترة: هو أن من هذه حاله يكون فاسقا، والفاسق لا ~~يصلى عليه. # وقد قررنا الحجة على ذلك فأغنى عن الإعادة. # والإمام إذا قتل البغاة فإنهم لا يغسلون ولا يصلى عليهم، وهو رأي أئمة ~~العترة ومحكي عن أبي حنيفة. # وحكي عن الشافعي: انهم يغسلون ويصلى عليهم. # والحجة على ما قلناه: هو أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه لم يصل على من ~~قتل من الخوارج في النهروان وصفين والجمل ولا أمر بغسلهم، وإنما وجب ذلك ~~لأجل فسقهم وخروجهم على الإمام فيكون ترك الصلاة والغسل عقوبة لهم على ~~ارتكاب البغي وإصرارهم عليه. # ومن قتل بالمثقل والجارح فإنهما سواء في أن المقتول لا يغسل ويصلى عليه. PageV04P310 # وحكي عن أبي حنيفة: أن كل من قتل بالجارح فإنه لا يغسل، وإن قتل بالمثقل ~~فإنه يغسل. كل هذا إذا قتل في المعركة في قتال أهل الحرب. # والحجة على ما قلناه من أنه لا يغسل وأنه يصلى عليه سواء قتل بالجارح أو ~~بالمثقل في المعركة، وهو رأي الشافعي: هو أن الأدلة الدالة على أن الشهيد ~~لا يغسل ويصلى عليه لم تفصل بين أن يكون قتله بالجارح أو بالمثقل. # الحكم الحادي عشر: وأما سائر الشهداء ممن مات بغرق أو حرق بالنار أو هدم ~~أو بطن أو أصابه طاعون أو ما أشبه ذلك، فإن هؤلاء يغسلون ويصلى عليهم، لما ~~روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه قال: قال ~~رسول الله : ((أتدرون من الشهداء من أمتي))؟ قالوا: نعم. ms1733 الذي يقتل صابرا ~~محتسا في سبيل الله. قال: ((إن شهداء أمتي إذن لقليل، الشهيد الذي ذكرتم، ~~والطعين - يريد الذي أصابه الطاعون وهو يقتل على الفور يموت منه خلق كثير - ~~والمبطون، وصاحب الهدم، والغريق، والمرأة تموت جمعا -بضم الجيم وسكون ~~الميم-. قالوا: وكيف تموت جمعا؟ قال: يعترض ولدها في بطنها فتموت)) (1). # ولا خلاف في غسل هؤلاء وإن ورد الشرع بكونهم شهداء، فالصلاة عليهم لعموم ~~الخبر، ولأنهم مسلمون ماتوا في غير معترك الكفار فوجب غسلهم والصلاة عليهم ~~كما لو ماتوا بغير هذه الأمراض. # الحكم الثاني عشر: ويستحب نزع الجلود والفراء من الشهيد، والحديد. لما ~~روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي : أنه قال: ينزع من الشهداء الفرو ~~والخف والقلنسوة والعمامة والمنطقة والسراويل إلا أن يكون أصاب السراويل دم ~~فإنه يترك ولا يترك عليه شيء من المعقود إلا حل(2). PageV04P311 # ويستحب: نزع الحديد والجلود. لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: أمرنا ~~رسول الله بقتلى أحد أن ننزع عنهم الحديد والجلود(1). # ويستحب: تزميلهم بكلومهم وثيابهم، لما روي عن الرسول أنه قال: ((زملوهم ~~بدمائهم وثيابهم)). وعن أمير المؤمنين أنه قال: تنزع عنهم السراويل إلا أن ~~يكون أصابها دم. # وجملة الأمر أن ما يستحب نزعه من الأثواب عن الشهداء يقع على أوجه ثلاثة: # أحدها: ما لا ينزع منهم على كل حال سواء أصابها دم أو لم يصبها وهذا نحو ~~الثوب والقميص والقبا فهذه لا تنزع منهم لقوله : ((زملوهم بدمائهم ~~وثيابهم)). ولأن هذه الأثواب مما يكفن فيها في مطرد العادة فلهذا لم تنزع ~~عنهم بحال. # وثانيها: ما ينزع بكل حال سواء أصابه دم أو لم يصبه، وهذا نحو الفرو ~~والحديد والجلود والمنطقة والبيضة والحياصة التي تشد على درع الحديد لأن ~~مثل هذا لا يكفن به في مطرد العادة فلهذا لم يكن بد من نزعه. # وثالثها: ما ينزع إذا لم يصبه الدم فإن أصابه دم ترك على حاله، وهذا نحو ~~السراويل فإنه لا يكفن في مثلها في العادة لكنه لما أصابها الدم لم تنزع ms1734 ~~لقوله : ((زملوهم بدمائهم)). فاقتضى ظاهر الخبر أن كل ما أصابه الدم لا ~~ينزع إلا ما خرج بدلالة كالذي ذكرناه. # قاعدة.. إعلم أن الإجماع منعقد على أن الميت إذا ذهبوا عن غسله وتكفينه ~~والصلاة عليه وتوجيهه للقبلة ثم وضعوه في لحده ووضعوا عليه اللبن ~~والأحجار(2) # فإنه يجب عليهم إخراجه وفعل هذه الأمور كلها به لأن فعلها ممكن فلا يجوز ~~تركها مع الإمكان، فأما إذا هيل عليه التراب فلا يجوز إخراجه ويكون ذلك ~~عذرا في ترك هذه الواجبات التي ذكرناها لما في إخراجه من العفونة والتقذير ~~كما لو تقطعت أوصاله. PageV04P312 # الحكم الثالث عشر: الشهداء قد ظهر فضلهم بقوله تعالى: {ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله ~~من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون}[آل عمران:169،170]. وبقوله : ((أرواح الشهداء تأوي إلى حواصل طير ~~خضر على قناديل معلقة في الجنة)) (1). # هذه الآية والخبر دالان على فضل الشهداء. # والعلماء فقد ظهر فضلهم بقوله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولوا العلم}[آل عمران:18]. فلم يجعل بين الأنبياء والعلماء ~~درجة في الشهادة بالوحدانية وفي هذا نهاية الفضل، وقوله : ((العلماء ورثة ~~الأنبياء))(2). # وقد ظهر بما ذكرناه ظهور الفضل للعلماء والشهداء. وهل تكون الأفضلية ~~للشهداء أو للعلماء؟ فيه تردد. # والمختار: أن العلماء أفضل لقوله : ((مداد العلماء يعدل دم الشهداء))(3). # وفي حديث آخر: ((يقول الله تبارك وتعالى للشهداء: أدخلوا الجنة لا حساب ~~عليكم. فيقول العلماء: بفضل علمنا جاهدوا. فيقول الله عز وجل: أنتم عندي ~~كبعض ملائكتي)) . # وقد تم غرضنا من بيان أحكام الشهداء ونرجع إلى تتمة المسائل. # المسألة الثامنة: إذا مات محرم وجب غسله لا خلاف فيه. وهل ينقطع إحرامه ~~بموته أم لا؟ فيه مذهبان: PageV04P313 # المذهب الأول: أنه لا ينقطع إحرامه بموته فلا يلبس المخيط ولا يخمر رأسه ~~ولا يقرب طيب من بدنه ولا في ثيابه ولا يجعل الكافور في الماء الذي يغسل ~~به. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي ms1735 والقاسم والناصر والمؤيد بالله، ومحكي ~~عن أحمد بن عيسى، ومن الصحابة: أمير المؤمنين وعثمان وابن عباس، ومن ~~التابعين: عطاء. ومن الفقهاء: الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. # والحجة على هذا: وهو مروي عن الشافعي، وإحدى الروايتين عن مالك، ما روى ~~ابن عباس رضي الله عنه: أن رجلا محرما وقص(1) # به بعيره فمات فقال الرسول : ((اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه اللذين ~~مات فيهما ولا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا)). ~~وروي ملبدا، والتلبيد نشرحه في باب الحج بمعونة الله تعالى. # المذهب الثاني: أن موته يقطع حكم إحرامه، وعلى هذا يجوز له لبس المخيط ~~ويخمر رأسه ويطيب. وهذا هو رأي زيد بن علي، ومحكي عن ابن عمر وعائشة من ~~الصحابة، ومن الفقهاء: أبي حنيفة والأوزاعي، وإحدى الروايتين عن مالك. # والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه عن ~~الرسول : ((إن الرجل إذا مات انقطع عنه سائر عمله إلا ثلاثة: ولد صالح يدعو ~~له، أو صدقة تجري، أو علم ينتفع به)) (2). # والإحرام عمل وله حكم فوجب انقطاعه بالموت فإذا انقطع صار كسائر الموتى ~~في الكفن والطيب وغير ذلك. # والمختار: ما قاله أمير المؤمنين ومن تابعه: من أن إحرامه باق بعد الموت ~~غير منقطع. # وحجتهم: ما ذكرناه. PageV04P314 # ونزيد هاهنا: وهو أن الإحرام قد تقرر، وعروض ما عرض لا يقطعه فلهذا وجب ~~القضاء بإستمراره، وإنما قلنا: إن الإحرام قد تقرر فلا إشكال في حصوله قبل ~~الموت وثبوته ، وأن عروض ما عرض لا يمنع من استمراره فلأن الذي عرض الموت ~~وهو معنى مزيل للعقل فلا يكون مبطلا للإحرام كما لو نام، ولأن أحكام ~~الإحرام معلقة بالبدن من الطيب والتخمير واللباس للمخيط فلا يبطلها الموت ~~لأن الموت إنما أزال الحياة، والبدن باق فلهذا بقيت أحكام الإحرام في البدن. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((إذا مات ابن آدم انقطع سائر عمله)). ~~والإحرام من جملة الأعمال فيجب انقطاعه وزواله بعد الموت. ms1736 # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المراد بالإنقطاع إنما هو في الأزمنة المستقبلة. والإحرام ~~ثابت في حال الحياة فلهذا استمرت أحكامه ولم ينقطع إلا عمله في الأزمنة ~~المستقبلة. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه معارض بما رويناه من الحديث، وإذا تعارض ~~الخبران وجب الترجيح فلا شك أن خبرنا أصرح بالمراد وأوضح بالمقصود فإنه دال ~~على بقاء الإحرام وثبوته بعد الموت وخبركم ليس فيه ظهور ولا تصريح ~~بالمطلوب. # ومن وجه آخر: وهو أن الإحرام عبادة لا تبطل بالجنون فلا تبطل بالموت ~~كالإيمان فتقرر ما ذكرناه. # المسألة التاسعة: الميت إذا غسل هل يحكم عليه بالطهارة أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن الميت ينجس ولا يطهر بالغسل. وهذا هو رأي أئمة العترة، ~~حكاه الشيخ أبو جعفر من أصحاب الناصر. # والحجة على هذا: ما روي أن حبشيا وقع في بئر زمزم فمات فنزح ماء البئر. ~~وفي هذا دلالة على أنه ينجس بالموت، ولأنه ميتة فأشبه سائر الحيوانات من ~~المواشي والدواب والسباع. # المذهب الثاني: أنه ينجس بالموت لكنه يطهر بالغسل. وهذا هو رأي أبي حنيفة ~~وأصحابه. PageV04P315 # والحجة على هذا: هو أن الإجماع منعقد على وجوب غسل الموتى فلولا أنه يطهر ~~لكان لا وجه لإيجاب غسله بدليل أن جميع الميتات لا تطهر بالغسل فدل ذلك على ~~الحكم بطهارته مع الموت. # المذهب الثالث: أنه لا ينجس بالموت وأن الغسل في حقه ليس لأجل الطهارة ~~وإنما هو تعبد في حقه كالصلاة. # والحجة على هذا: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول قال: ((لا ~~تنجسوا موتاكم فإن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا))(1). # وهذا هو رأي الشافعي وأصحابه. # والمختار: أن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا. # والحجة فيه: ما رويناه من حديث ابن عباس فإنه صريح في تطهيره في حال ~~حياته وموته. # ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه لما غسل ~~الرسول شرب الماء الذي تحقن على سرته وقال: طبت حيا وميتا. فلو كان [الماء] ~~نجسا لما جاز له شربه ms1737 كسائر النجاسات. # ومن وجه آخر: وهو أنه مسلم مات فيجب الحكم بطهارته كالشهيد في المعركة، ~~فهذا كله دال على الحكم بتطهيره وأنه لا ينجس بالموت. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي أن حبشيا وقع في زمزم فمات فنزح ماء البئر، فدل ذلك على ~~تنجيسها بوقوعه [فيها]. # قلنا: هذا محمول على أنه خرج من بطنه ما غير ماء البئر فلهذا وجب النزح ~~لإزالة ما وقع فيها من النجاسات، أو لعله أقام في البئر حتى تمعط لحمه ~~وأراح برائحة خبيثة، فلهذا أمر بنزح ماء البئر حتى تطيب من تلك الرائحة. # قالوا: إنه ينجس بالموت لكنه يطهر بالغسل كما حكي عن الحنفية. # قلنا: قد أوضحنا بما ذكرنا من الأدلة أن المؤمن لا ينجس بالموت، والغسل ~~إنما كان مشروعا من أجل التعبد كالصلاة، ولو كان ينجس بالموت لم يطهر ~~بالغسل كسائر الميتات من الحيوانات والأنعام والسباع. # المسألة العاشرة: قال الناصر: الغسل للميت آكد من الصلاة عليه لأمرين: PageV04P316 # أما أولا: فلأن الغسل أمر يختص الميت لكونه تطهيرا له وإزالة العفونات ~~الحاصلة بسبب المرض عنده. والصلاة مختصة بالحي ولا ينال الميت إلا الدعاء منها. # وأما ثانيا: فلأن الرسول أمر عليا بغسل أبيه ولم يأمره بالصلاة عليه، فدل ~~ذلك على كونه آكد في حق الأموات خاصة. # دقيقة.. اعلم أن الإمامين الناصر والمنصور بالله وغيرهما من سادات أهل ~~البيت، ذهبوا إلى أن أبا طالب مات مسلما على دين الإسلام، وأنه آمن بالله ~~وملائكته وكتبة ورسله والوعد والوعيد وصدق بأحكام الآخرة كلها التي كانت في ~~ذلك الوقت لأن موته كان بمكة قبل الهجرة، وأن الله لا ينسى ما كان من جهته ~~من الحنو والشفقة على رسول الله وحمايته عن الأعداء ونصرته له في كل ما همت ~~به قريش في حقه من الهجوم والأفاعيل القبيحة، وإنما لم يصل عليه الرسول لأن ~~الصلاة لم تكن قد فرضت في حق الموتى، والذي ذهب إليه بعض علماء العترة ~~والفقهاء وأهل التاريخ والسير: أن أبا طالب مات على الشرك وتعظيم الأوثان. ~~ويدل على ms1738 ذلك أمور ثلاثة: # أما أولا: فلأنه لما مات جاء أمير المؤمنين إلى الرسول فقال له: إن عمك ~~الشيخ الضال مات. فسماه ضالا لبقائه على الشرك، فلو كان قد علم إسلامه ~~وإيمانه لم يقل له بهذه المقالة لأن هذه المقالة لا تصلح في حق من كان ~~مسلما بحال. # وأما ثانيا: فلأن الرسول قال لعلي: ((إذهب فاغسله وواره)). ولو كان مسلما ~~عند الرسول لقام في جهازه وغسله ودفنه وتعظيم حاله وشأنه لأنه كان يفعل ذلك ~~في حق الضعفاء والعجائز من سائر المسلمين فكيف حال عمه ومن يختص جانبه فهو ~~في هذا أقوم وأكثر عناية وأعظم. PageV04P317 # وأما ثالثا: فلما روي عن الرسول أنه قال: ((إن أبا طالب لفي ضحضاح من نار ~~ولو لا مكاني لكان في الظمظام)) (1) PageV04P318 . # فهذه الأمور الثلاثة كلها دالة على كفره وشركه، ولا يتعجب من هذا متعجب ~~فيقول: عم رسول الله كيف يستحق الدخول في النار مع قربه من رسول الله ~~واتصاله به، فإن والد رسول الله عبدالله بن عبد المطلب ووالدته آمنة ماتا ~~على الشرك والكفر وهما أعظم اتصالا به وآكد حقا من عمه. ولقد استأذن رسول ~~الله في زيارة والديه والإستغفار لهما فأذن له في الزيارة فزارهما فبكى ~~وأبكانا ولم يؤذن له في الإستغفار فزارهما، ففي هذا ألف مقنع لأنه لو ~~استغفر لكان لا يخلو حاله إما أن يقبل أو يرد. فإن قبل فقد قال تعالى: {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك}[النساء:48]. وإن رد عن الشفاعة ~~ففيه نقص لحال الرسول وتنفير للخلق عنه بالرد. # ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن ~~موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لاواه ~~حليم}[التوبة:114]. # وقد نجز غرضنا من بيان حال المغسول وما يتعلق به والحمد لله. # الفرع الثاني: في بيان حال الغاسل. # ويجوز للرجال غسل الرجال، ويجوز للنساء غسل النساء، وإن اختلف الجنسان ~~فلا يجوز الغسل إلا لزوجته أو محرمته، ويجوز للسيد غسل أمته ومستولدته وما ms1739 ~~هذا حاله فهو مشتمل على مسائل عشر: # المسألة الأولى: في الميت إذا كان رجلا فالذين يجوز لهم غسله على ثلاثة أضرب: # الضرب الأول: الذين هم أولى بغسله وهم العصبات من الأقارب الأب ثم الجد ~~أب الأب وإن علا، ثم الإبن ثم ابن الإبن وإن سفل، ثم الأخ ثم ابن الأخ وإن ~~سفل، وسواء كان الأخ لأب وأم أو لأب فإنه مقدم على ابن الأخ، ثم العم لأب ~~وأم ثم العم لأب ثم ابن العم وإن سفل وذلك يكون على ترتيب العصبات في ~~الميراث. PageV04P319 # واعلم أن هذا الترتيب في الأولى من العصبات في غسل الميت لم يذكره أصحابنا ~~وإنما ذكروه في الأولى في الصلاة على الميت وإنما قالوا: يغسل الميت وليه. ~~وأولى الناس به من كان على ملته. وما ذكرناه أولى وأحق لأنا إنما أوجبنا ~~الترتيب في العصبات في الصلاة لأجل الشفقة والرحمة في استجابة الدعاء. ~~وترتيب العصبات في باب الغسل أحق وأولى من جهة ما يباشره الغاسل من الميت ~~من المحاسن والمساوئ فيستر ما يرى من المساوئ ويظهر ما يرى من المحاسن وهذا ~~إنما يليق بالأقارب والأرحام من أهله فلهذا كان الغسل أحق بمراعاة الترتيب. # ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: ما ورد عن الرسول أنه قال: ((من غسل ميتا فستر ~~ما يراه من المساوئ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)) (1). # إنما قدمنا الأب والجد على الإبن لأنهما أكثر شفقة من الإبن وأرحم وأرق وأعطف. # الضرب الثاني: الزوجات ويجوز لكل واحد من الزوجين أن يغسل صاحبه، أما غسل ~~الزوجة زوجها فهو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ~~وأصحابه. # والحجة على هذا: ما روي عن عائشة أنها قالت: لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت ما غسل رسول الله إلا زوجاته، ومثل هذا لا يقوله الصحابي إلا عن ~~توقيف لأن الباب باب عبادة فلا مدخل للإجتهاد فيه، فدل ذلك على أنها قد ~~فهمته من رسول الله . # وحكي عن أحمد بن حنبل: المنع من غسل المرأة زوجها. # وحجته على ms1740 هذا: هو أن المبيح للإطلاع على العورة إنما هو عصمة النكاح وقد ~~بطلت بالموت فلهذا لم يجز لها غسله. # والمختار: جواز ذلك كما قاله الأئمة ومن وافقهم. # وحجتهم: ما ذكرناه. PageV04P320 # ونزيد هاهنا: وهو ما روي أن أبا بكر لما دنت وفاته أوصى امرأته أسماء بنت ~~عميس أن تغسله فدل ذلك على جوازه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: عصمة النكاح قد بطلت بالموت فلا يجوز لها غسله كما حكي عن أحمد بن حنبل. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن العدة باقية عليها من أجله ولهذا فإنه يحرم عليها النكاح ~~كما لو كان حيا. # وأما ثانيا: فلأن عصمة النكاح وإن بطلت بالموت لكن الشرع قد دل على ذلك ~~فلهذا قضينا به. # وأما غسل الزوج زوجته فهل يجوز أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز ذلك. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم ~~والناصر، وهو محكي عن الشافعي ومالك والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن ~~راهويه. # والحجة على هذا: ما روت عائشة أن الرسول دخل وهي تقول: وارأساه فقال : ~~((بل أنا يا عائشة وارأساه)). ثم قال لها الرسول: ((لومت قبلي لغسلتك ~~وكفنتك))(1). # فلو لم يكن الغسل جائزا لما جاز ذلك(2). # المذهب الثاني: المنع من ذلك. وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أن عصمة النكاح قد انقضت بالموت وليس على الرجل عدة ~~كما للمرأة فلهذا جاز لها الغسل وإن كانت العصمة باطلة بالموت لما كانت ~~العدة عليها واجبة. PageV04P321 # والمختار: هو الجواز كما هو رأي أئمة العترة ومن وافقهم. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو ما روي أن فاطمة بنت رسول الله لما ماتت، رضي الله ~~عنها، أوصت بأن يغسلها أمير المؤمنين وأسما بنت عميس فغسلاها وظهر ذلك في ~~الصحابة فلم ينكره أحد منهم فجرى مجرى الإجماع، ولأنه أحد الزوجين فجاز له ~~غسلها كالزوجة. # ومن وجه آخر: وهو أن النظر المستفاد لعقد النكاح نظران، نظر شهوة يحل به ~~الاستمتاع، ونظر حرمة كالنظر إلى سائر المحارم كالأم والأخت والبنت. ونعني ms1741 ~~بكونه نظر حرمة هو أن يحرم لأجله الاستمتاع، فإذا مات أحد الزوجين بطل جواز ~~النظر بالشهوة وبقي جواز النظر بالحرمة فلهذا جاز غسل كل واحد منهما ~~لصاحبه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: عصمة النكاح قد بطلت وهي المبيحة للنظر فلهذا لم يجز له غسلها. # قلنا: عن هذا أجوبة خمسة: # أما أولا: فلأن الإنقطاع بالموت كما لا يكون مانعا من غسل الزوجة زوجها ~~فهكذا لا يكون مانعا من غسل الزوج لزوجته لأن انقطاع الزوجية [حاصل] بموت ~~كل واحد منهما. # وأما ثانيا: فلأن الموت يوجب الفرقة فوجب أن يكون حكم الرجل مع المرأة في ~~جواز النظر حكم المرأة مع الرجل كالطلاق فإنه موجب لفرقة كل واحد منهما عن الأخر. # فإذا تقرر هذا وثبت أن المرأة يجوز لها أن تنظر إلى زوجها إذا مات وجب أن ~~يجوز للزوج أن ينظر إليها إذا ماتت من غير تفرقة بينهما. # وأما ثالثا: فلأن كل من جاز أن يغسل صاحبه في حال الحياة جاز له أن يغسله ~~بعد الوفاة كالمرأة. # وأما رابعا: فلأنها فرقة حصلت بالوفاة فلم تحرم الغسل كما لو مات الزوج. # وأما خامسا: فلأن كل شخص جاز له غسل شخص جاز لذلك الشخص غسله كالأخوين، ~~فهذه الأوجه كلها دالة على جواز غسل الزوج لزوجته. PageV04P322 # الضرب الثالث: النساء المحارم كالأمهات والجدات والبنات والأخوات ومن كان ~~مشبها لهن من المحارم، فإنه يجوز لهن غسله كما يجوز له غسلهن، ولأن كل واحد ~~من هؤلاء يجوز له النظر إلى صاحبه في حال الحياة خلا ما استثني من العورة، ~~فلهذا جاز لكل واحد منهم غسل صاحبه كالأزواج والزوجات، خلا أن الرجال ~~والزوجات يتقدمون عليهن. # المسألة الثانية: في الميت إذا كان امرأة ولا زوج لها، فالنساء أحق ~~بغسلها من الرجال لأمرين: # أما أولا: فلأنهن أوسع في باب النظر إلى العورة بخلاف ذوي الأرحام ~~والمحارم. # وأما ثانيا: فلأنهن بأحوال بعضهن بعضا أعرف لأن المثل أعرف بأحوال مثله ~~ممن كان مخالفا له في الجنسية ثم إن أقارب المرأة في الأولوية والجواز على ms1742 ~~أربعة أضرب: # الضرب الأول: أن أولى النساء بالغسل لها، ذوات الأرحام المحرمة وهي كل من ~~لو كانت رجلا لم يجز لها أن تتزوج بها، وهذا نحو الأم والجدة والأخوات ~~والبنات وبنات الأخ وبنات الأخت ومن أشبههن في التحريم فهؤلاء أحق بالغسل ~~لها لما بينها وبينهن من الحرمة في الرحمية والمحرمية. # الضرب الثاني: ذوات الأرحام غير المحارم وهي كل واحدة لو كانت ذكرا جاز ~~لها نكاحها وهذا نحو بنات العم وبنات ابن العم، وبنات العمات وبنات الخالات ~~وبنات الخال وابن الخال فهؤلاء يكن أولى بالغسل من الأجنبيات لما بينهن من ~~مسيس الرحم والقرابة ولها مدخل في هذا الباب. # الضرب الثالث: الأجنبيات، فإنهن يكن أولى من الرجال بعد الأقارب من ~~النساء اللاتي وصفنا حالهن. PageV04P323 # الضرب الرابع: إذا لم يوجد هناك أحد من النساء، فإنه يغسلها أقاربها من ~~الرجال، وأولاهم بغسلها ذوو الأرحام المحرمة كالأب والجد ثم الإبن ثم ابن ~~الإبن وإن سفل ثم الأخ وابن الأخ وإن سفل ثم العم، فهؤلاء عصبة لها ومحارم ~~فإن اجتمع الخال وابن الأخت مع ابن العم فإنه يغسلها الخال وابن الأخت ~~لأنهما من الأرحام لها المحرمة بخلاف ابن العم فإنه ليس من الأرحام المحرمة ~~بل هو عصبة لا غير، فإن لم يوجد هؤلاء ووجد من الأرحام غير المحرمة كابن ~~العم وابن الخال وابن العمة وابن الخالة فهم أحق من سائر الرجال الأجانب ~~لما لهم من مزية القرابة والرحمية. # وهل تقدم الزوجة على الأب والجد وسائر القرابات أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها تقدم لأن لها النظر إلى عورته بخلاف سائر القرابات. # وثانيهما: أن القرابات مقدمون عليها كما يقدمون في الصلاة. # والمختار: هو الأول لأن هذا مكان يفتقر إلى الإطلاع على العورة فلهذا ~~كانت أحق. # وإن مات رجل وامرأته حامل فوضعت قبل أن تغسله فهل يجوز لها غسله أم لا؟ ~~فيه مذهبان: # المذهب الأول: المنع من ذلك وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة ~~وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أنها بالوضع قد انقضت عدتها فصارت ms1743 كسائر الأجانب. # المذهب الثاني: جواز ذلك. وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: هو أنه مات على الزوجية التامة فأشبه ما إذا بقيت عدتها. # وإن طلق رجل زوجته طلاقا رجعيا ثم مات أحدهما، فهل يجوز للآخر أن يغسله ~~أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز أن يغسل كل واحد منهما صاحبه. وهذا هو رأي أئمة ~~العترة، وإحدى الروايتين عن مالك: يجوز له أن يغسلها ولا يجوز لها أن تغسله. # والحجة على هذا: هو أنها في عدة منه فلهذا جاز لها غسله، وإن ماتت فله ~~غسلها لأن الاستمتاع بها في حال الحياة كان موقوفا على اختياره فلهذا جاز ~~له غسلها كالتي لم تطلق. # المذهب الثاني: المنع من ذلك. وهذا هو رأي الشافعي. PageV04P324 # والحجة على هذا: هو أنها محرمة الوطئ عليه فأشبهت المبتوتة. # والمختار: هو الأول. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن الزوج كان له وطؤها بحكم النكاح فلهذا جاز له غسلها ~~كغير المطلقة. # وإن بانت المرأة عن زوجها بردة أو خلع أو طلاق قبل الدخول أو كان الطلاق ~~ثالثا لم يجز لكل واحد منهما أن يغسل صاحبه فإذا ماتت لم يغسلها لأنها قد ~~صارت أجنبية عنه بالبينونة، وإن مات لم تغسله لبطلان النكاح فيصير أجنبيا ~~عنها. وحيث سوغنا لكل واحد من الزوجين أن يغسل صاحبه فإن الواجب أن يتقيا ~~النظر إلى عورة كل واحد منهما لأن الشرع إنما أباح ذلك في حال الحياة لأجل ~~حل الاستمتاع بينهما فإذا ارتفع ذلك بالموت وجب أن يتقيا النظر كما يجب ذلك ~~في الأجانب. # والإخوة لأم هل يقدمون على الأب والجد أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنهم يقدمون لأن لهم مزيد شفقة ورحمة لكونهم ركضوا هم والميت في ~~بطن واحد. # وثانيهما: أنهم لا يقدمون لأن ما ذكرناه حق للتعصيب ولا مدخل لهم في ~~العصوبة. فإن كانوا عصبات مع اختصاصهم بإخوة الأم كانوا أحق بالتقديم على ~~سائر العصبات لما ذكرناه من الاختصاص. # المسألة الثالثة: وإذا مات رجل بين نسوة أو امرأة بين رجال، نظرت فإن ms1744 كان ~~للرجل محرم من الرجال أو النساء، أو كان للمرأة محرم من الرجال أو النساء ~~فإنه يغسله ويوزره ويسكب عليه الماء سكبا ويغسل يديه وينقيه ولا يمس ~~العورة. وهذا هو رأي الهادي وهو محكي عن الشافعي. # قال القاسم في الرجل تموت ابنته في السفر وليس معها نساء: إنه يغسلها ~~ويجتنب النظر إلى العورة. PageV04P325 # والحجة على هذا: هو أن المحرم يجوز له النظر إلى محرمه في حال حياته ويمس ~~منه ما ليس بعورة، فهكذا يجوز له أن يفعل ذلك بعد موته، وهكذا حال الصغير ~~والصغيرة فإنه لما جاز للأجنبي أن ينظر إليهما في حال الحياة جاز أن ~~يغسلهما بعد الممات لأن حالهما بعد الموت كحالهما قبل ذلك، فإذا صح هذا ~~فعليه أن يوزره وليكن التأزير ما دون السرة وتحت الركبة كما مضى تقريره في ~~العورة وينقيه غسلا ولا يمس العورة ويجتنب النظر. # وحكي عن أبي حنيفة أنه ييمم محرما كان أو أجنبيا ولا يجوز لأحد من الرجال ~~محرما كان أو زوجا غسل النساء. وحكي عن الشافعي مثل هذا. فلا جرم كان له ~~قولان في المحرم. # والحجة على هذا: ما يعلم من مقصود الشرع من المحافظة على العورة. # ويؤيد ذلك قوله تعالى: {ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين ~~يدنين عليهن من جلابيبهن}[الأحزاب:59]. وقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ~~ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن}[النور:31]. وإذا كان الأمر كما ~~قلنا فلا يجوز مع اختلاف الجنسين الإطلاع على العورة فلا يحل غسل الرجال ~~للنساء ولا غسل النساء للرجال لما ذكرناه. # والمختار: ما عول عليه الإمامان القاسم والهادي ومن تابعهما على وجوب غسل ~~المحارم لمن يختصهم إذا اضطروا إلى ذلك. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن غسل الموتى واجب كما قررناه فإذا أمكن الوفاء به على ~~الصورة التي أشرنا إليها فلا حاجة إلى العدول إلى التيمم مع إمكان استعمال ~~الماء والكف عن العورة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: حفظ العورة مقصود من جهة الشرع، والطهارة بالماء عنها عوض وهو ~~العدول إلى ms1745 التيمم. وحفظ العورة لا بدل له فلهذا وجب العدول إلى التيمم في ~~الصورة التي قررناها. PageV04P326 # قلنا: إنا لا ننكر أن حفظ العورة ليس له بدل بخلاف الطهارة ولكن إذا أمكن ~~الوفاء بالتطهير للميت على الوجه الذي ذكرناه كان واجبا جاريا على القواعد ~~الشرعية ولأنه لا يعدل إلى البدل إلا بعد الإياس عن المبدل منه ولا يعدل ~~إلى التيمم إلا بعد الإياس من الطهارة وهي ممكنة على النحو الذي ذكرناه. # المسألة الرابعة: إذا لم يكن هناك محرم للرجل بين النسوة منهن، ولا محرم ~~للمرأة بين الرجال منهم، فما يكون الحكم في ذلك؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن يجعل الغاسل على يده خرقة ويصب الماء ويمر الغاسل يده ~~عليه وينقيه لأنه يمكن غسله وتنقيته بذلك. وهذا هو رأي الهادي والقاسم وأحد ~~قولي الشافعي، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة وبه قال قتادة والزهري ~~والنخعي. # والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه عن ~~الرسول أنه أتاه نفر فقالوا له: إن امرأة معنا توفيت وليس معها ذو محرم ~~لها؟ فقال: ((كيف صنعتم))؟ قالوا: صببنا الماء صبا. فقال: ((ما وجدتم امرأة ~~من أهل الكتاب تغسلها؟)). قالوا: لا. قال: ((أولا يممتموها)). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه أنكر عليهم صب الماء من غير إمرار اليد ~~عليها ليكون غسلا، فإذا كان إمرار اليد ممكنا مع صب الماء كان مجزيا في ~~الغسل لا محالة. # المذهب الثاني: أنه ييمم ولا يغسل. وهذا هو أحد قولي الشافعي، ومحكي عن ~~مالك، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، ومروي عن حماد وابن المسيب وغيرهم من ~~الفقهاء. # والحجة على هذا: هو أن الغسل غير ممكن لما فيه من مباشرة العورة لمن لا ~~يجوز مسها، وإذا تعذرت الطهارة بالماء وجب العدول إلى التيمم كالعادم للماء. # والمختار: ما عول عليه الإمامان الهادي والقاسم ومن وافقهم على هذه ~~المقالة. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن غسله ممكن على ما ذكرناه فلا يسقط فرضه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. PageV04P327 # قالوا: الغسل ms1746 غير ممكن لما فيه من مباشرة العورة لمن لا يجوز [له] مسها. # قلنا: المحذور ليس إلا مباشرة العورة وقد قلنا إن الغاسل يلف على يده ~~خرقة أو يجعل ثوبا على الميت ويمر يده عليه من غير مباشرة لجسد الميت وإذا ~~كان الأمر هكذا كان فيه وفاء بالغسل وبعد عن ملامسة العورة. # ويؤيده: ما روي عن الرسول أنه قال: ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما ~~استطعتم)). # المسألة الخامسة: أنه إذا تعذر صب الماء لنجاسة لا يزيلها الصب وإمرار ~~اليد، فما يكون الحكم فيه عند تعذره؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه ييمم. وهذا هو رأي الإمامين القاسم والهادي، وأحد قولي ~~الشافعي. # والحجة على هذا: هو أنه قد توجهت عليه الطهارة بالماء وتعذر استعماله ~~فلهذا وجب العدول إلى التيمم كما نقوله في من تعذر عليه استعمال الماء ~~للطهارة للصلاة فإنه يجب عليه التيمم. # المذهب الثاني: أنه لا يجب التيمم ولا الغسل. وهذا شيء يحكى عن الأوزاعي. # والحجة على هذا: هو أن التيمم لا يجوز لمكان وجود الماء لقوله تعالى: ~~{فلم تجدوا ماء فتيمموا}[النساء:43]. وهذا واجد للماء فلا يجوز له التيمم ~~ولا يجوز الغسل أيضا لما فيه من فعل ما هو محظور وهو مباشرة العورة ولهذا ~~بطلا جميعا. # والمختار: هو ما ذكرناه من وجوب التيمم عند تعذر استعمال الماء. كما هو ~~رأي الهادي والقاسم وغيرهما من العلماء. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن ما ذكروه مطابق للأقيسة الشرعية وموافق للقوانين ~~الاجتهادية في أن الماء إذا تعذر في الطهارة لأداء العبادة فإن التيمم بدل ~~عنه وكاف في أداء العبادة، وما ذكره الأوزاعي يكون مخالفا للإجماع لأنه لا ~~قائل به، وما هذا حاله فلا تعويل عليه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قوله: الماء قد تعذر استعماله لما فيه من مباشرة العورة، والتراب لا يجوز ~~استعماله مع وجود الماء. PageV04P328 # قلنا: إنا لا نسلم تعذر استعمال التراب بل هو ممكن فلهذا وجب استعماله وقد ~~قال : ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)). واستعمال التراب ممكن فلهذا ~~لم ms1747 يسقط. # المسألة السادسة: في حكم المماليك في الغسل. وفيه صور أربع: # الصورة الأولى: المملوكة. # إذا ماتت جاز للسيد غسلها. وهذا هو الظاهر من المذهب ذكره السيد أبو ~~طالب، وهو قول الشافعي. # وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يجوز للسيد غسلها. # والحجة على ما قلنا: هو أنها مباحة الوطئ في حال الحياة فجاز له غسلها ~~كالزوجة. # والمختار: ما قاله السيد [أبو طالب] للمذهب. # وحجتهم: ما ذكرناه.. # ونزيد هاهنا: وهو أنه يلزمه الإنفاق عليها فكان له غسلها كالحية. # وإن مات السيد فهل لها أن تغسله أم لا؟ فيه قولان: # القول الأول: جواز غسلها له. وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب للمذهب ~~وأحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن له غسلها فجاز لها غسله كالزوجة. # القول الثاني: أنه لا يجوز لها غسله لأنها قد صارت أجنبية عنه فامتنع ~~غسلها له لأنها قد صارت ملكا للورثة بإنتقالها بموته. # وهذا هو المختار لقوله : ((من ترك مالا فلأهله)). فظاهر الخبر دال على ~~انتقالها إلى الورثة فصارت كجارية الغير. # الصورة الثانية: أم الولد. # وإذا ماتت أم الولد جاز للسيد غسلها. ذكره السيد أبو طالب للمذهب، وهو ~~قول الشافعي. # وعند أبي حنيفة وأصحابه لا يجوز له غسلها لأنها قد عتقت بالإستيلاد ~~والموت فصارت أجنبية. # والمختار: هو الأول لأنها باقية على الملك بدليل أنه يجب عليه كفنها ~~ودفنها كما كان واجبا عليه نفقتها وكسوتها فجاز له غسلها كحال الحياة. # وإن مات السيد فهل يجوز لها غسله أم لا؟ فيه قولان: # القول الأول: جواز غسلها له. وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب للمذهب، ~~وهو قول مالك وزفر، ومحكي عن بعض أصحاب الشافعي، وهو أحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: هو أنها موطؤة بعقد لم يطرأ عليه ما يوجب حله فجاز لها ~~غسله كالزوجة. PageV04P329 # القول الثاني: أنه يمتنع غسلها له. وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، ~~وأحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: هو أنها عتقت بموته فصارت أجنبية عنه فلهذا لا يجوز لها غسله. # والمختار: هو الأول، ms1748 لأن وطأها كان مباحا له ويجب عليها العدة بموته فلا ~~جرم جاز لها غسله. # الانتصار على أبي حنيفة. قوله: إنها قد عتقت بموته فصارت أجنبية. # قلنا: إن حل وطئها كان بعقد فليس بطلانه بالموت بأعظم من إنفساخ النكاح ~~بالموت في حق الزوجة، فكما جاز غسلها لزوجها مع بطلان عقد النكاح، فهكذا ~~حال أم الولد يجوز غسلها له وإن عتقت بالموت. # الصورة الثالثة: المدبرة. # فإذا ماتت جاز للسيد غسلها لأنها باقية على الرق بدليل القيامة عند ~~الإتلاف ووجوب الكسوة والنفقة فأشبهت المملوكة، وإن مات السيد فلا يجوز لها ~~غسله لأنها قد عتقت بالموت فصارت أجنبية. وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب ~~للمذهب، وهو جيد لا غبار عليه بحال. # الصورة الرابعة: المكاتبة. # وإذا ماتت المكاتبة لم يغسلها المكاتب لها لأنها بملكها لنفسها بالمكاتبة ~~قد صارت أملك بنفسها منه فأشبهت الحرة، وإن مات السيد لم تغسله لأنها إذا ~~كانت أملك بنفسها في حال حياة السيد فهي أملك بنفسها بعد وفاته أحق وأولى ~~لأنها ملكت نفسها بعقد فأشبهت ما لو ملكها الغير فصارت في كلتا الحالتين ~~بموتها وموت سيدها مالكة لنفسها فلا يجوز لها غسله ولا يجوز له غسلها لأجل ~~استقلالها بملك نفسها. # المسألة السابعة: والصبي الصغير من الرجال والصبية الصغيرة من النساء، ~~يجوز للرجال والنساء غسله. # قال القاسم في الصبي الذي لم يبلغ: لا بأس بأن تغسله النساء. فظاهر كلامه ~~دال على أن الصبي لم يبلغ الحلم ولا خمس عشرة سنة ولا أنبت لأن هذه أمارات ~~البلوغ، وهكذا حال الصبية ما لم تبلغ بالإنبات وبالحيض أو ببلوغ خمس عشرة ~~سنة على قياس قوله. # واختلف العلماء في السن الذي يجوز للرجال والنساء تولي الصغير والصغيرة ~~[على ستة أقوال]. PageV04P330 # فالقول الأول: ذكره السيدان الأخوان المؤيد بالله وأبو طالب، وهو أنه ما لم ~~يبلغ حد المجامعة وشهوة النساء، وهكذا حال الصبية الصغيرة على هذا القياس، ~~وحملا ما قاله القاسم على ذلك وهو مخالف لما دل عليه ظاهر كلامه، فإن كلامه ~~دال على البلوغ الشرعي في ms1749 الصبي والصبية. # القول الثاني: محكي عن الشافعي: وهو أنه ما لم يكن مميزا. حكاه الشيخ أبو ~~نصر من أصحاب الشافعي وقال: إنه ليس للشافعي نص في السن وعلى هذا ما لم يكن ~~مميزا جاز غسله للرجال والنساء. # القول الثالث: محكي عن أبي حنيفة: ما لم يتكلم. # القول الرابع: محكي عن الحسن البصري: وهو أنهما ما لم يفطما. # القول الخامس: محكي عن مالك: وهو ما كان دون سبع سنين. # فهذه أقاويل العلماء في سن الطفولية. # القول السادس، وهو المختار: أنه إذا صار مستقلا بنفسه في الأكل والشرب ~~وسائر التصرفات وحافظا لعورته فإذا كان الصغيران من الرجال والنساء على هذه ~~الصفة لم يغسله إلا الرجال ولا يغسلها إلا النساء، فأما ما دون ذلك فإنه ~~جائز(1) للنساء تولية الصغير وللرجال تولية الصغيرة في الغسل من الموت. # نعم.. يمكن التفرقة بين الصبي الصغير والصبية الصغيرة وهو أن الصغير إذا ~~كان غير مميز جاز للنساء تولي غسله عند الموت لأجل ما يحصل من مباشرتهن له ~~في حال الطفولية والإطلاع على عورته في حال التربية بخلاف الصبية فإنه لا ~~يعالجها الرجال في حال الطفولية ولا يباشرونها، فلهذا لم يكن للرجال غسلها ~~عند الموت لأجل هذه التفرقة، وأيضا فإن الغالب هو تحرك الشهوة عند الإطلاع ~~على عورة الصبية للرجال وإن كانت صغيرة، فلهذا كان الرجال ممنوعين من غسلها ~~وإن كانت صغيرة فافترقا. # المسألة الثامنة: وإن مات خنثى ففي كيفية غسله ثلاثة مذاهب، نفصلها ~~بمعونة الله تعالى: PageV04P331 # المذهب الأول: أن حكمه حكم المرأة إذا ماتت بين الرجال، وحكم الرجل إذا مات ~~بين النساء. وهذا هو رأي القاسم والهادي، فإن كان له محرم فإنه يغسله ~~ويوزره ويصب الماء عليه صبا ولا يمس عورته، وإن لم يكن له هناك محرم فإنه ~~يصب الماء عليه صبا من غير أن يمسه، وإن لم يمكن صب الماء عليه فإنه يلف ~~على يده خرقة ثم ييممه ولا يكشف شيئا من بدنه ولا من شعره. # المذهب الثاني: أن يشترى له جارية من ماله إن كان ms1750 له مال أو من بيت المال ~~إن لم يكن له مال لأنه لا يجوز للرجال غسله لجواز أن يكون امرأة، ولا يجوز ~~للنساء غسله لجواز أن يكون رجلا ولا بد من غسله لأنه واجب على الكفاية ولا ~~طريق إلى غسله إلا بما ذكرناه، وهذا شيء حكاه علي بن العباس(1) # عن علماء آل الرسول . PageV04P332 # المذهب الثالث: محكي عن الشافعي وله في ذلك أربعة أقوال: # أولها: أنه يصب عليه الماء صبا ويلف عليه ثوب ويمر الغاسل يده عليه ~~وعليها خرقة لأنه لا يمكن غسله إلا هكذا. # وثانيها: أنه ييمم ولا يغسل. # وثالثها: أنه يشترى له جارية من ماله. # ورابعها: أنه يغسله الرجال والنساء استصحابا لحكمه في حال الصغر لأن ~~الصغير من الرجال والنساء يجوز للرجال والنساء غسله كما مر بيانه. فهذه ~~أقاويل العلماء في حكم غسل الخنثى إذا مات. # والمختار: أن أعدل المذاهب هذه التي نقلناها، ما عول عليه الهادي ~~والقاسم، وهو أنه إذا كان له محرم فإنه يغسله ولا يمس عورته، وإن لم يكن ~~هناك محرم فإنه يصب الماء عليه صبا، وإن كان الصب لا ينقيه فإنه ييممه. ولا ~~يكشف شيئا من بدنه ولا من شعره على حد ما ذكرناه في المرأة تموت بين الرجال ~~والرجل بين النساء، فهكذا يكون حكمه من غير تفرقة، وإنما كان هذا أعدل ~~المذاهب لما فيه من الوفاء بتطهيره على الوجه الممكن المشروع، ولما فيه من ~~الوفاء بستر العورة والمؤكد سترها في الشرع. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: يغسله الرجال والنساء استصحابا لحكمه في الصغر لأن الصغير من ~~الرجال والنساء يجوز للرجال والنساء غسله. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الصغير مخالف للخنثى فإن الضرورة داعية إلى علاجه ~~ومباشرته لأجل ضعف حاله في حال الطفولية فلهذا اغتفر ذلك لأجل صغره بخلاف ~~الخنثى فإنه صار كبيرا فافترقا. # وأما ثانيا: فلأن استصحاب الحال للصغر إنما يكون مع عدم المحرم فأما إذا ~~وجد المحرم فهو أحق بعلاجه في غسله ولا يباشره الرجال والنساء إلا بعد عدم ~~المحرم ms1751 فإذا عدم المحرم وجب صب الماء عليه صبا كما ذكرنا، وهذا القول حكاه ~~القفال من أصحاب الشافعي. PageV04P333 # فأما ما ذكره علي بن العباس من إجماع آل الرسول : أنه يشترى له جارية من ~~ماله تغسله، فإن لم يكن له مال فمن مال المصالح، وهو محكي عن أهل خراسان من ~~أصحاب الشافعي فهو متأول على ما فيه من البعد، على أن الخنثى أوصى بأن ~~تشترى له من ماله جارية قبل موته تغسله، فأما من غير وصية منه فلا وجه ~~لشراء الإمام والحاكم له جارية تغسله لأنه لا مدخل للولاية في الإطلاع على ~~العورة، فإذا أوصى وشريت الجارية فإنها تعود بعد غسله إلى الورثة لأنها من ~~جملة ماله فلهذا عادت إلى ورثته. # المسألة التاسعة: ويجوز للحائض والجنب غسل الأموات لأنهما من أهل الملة ~~فلهذا جاز غسلهما كمن يكون طاهرا من أهل الملة لكنه يكره ذلك لأجل ~~إفتقارهما إلى الطهارة، فكيف يجزئ غسل من كان في نفسه مفتقرا إلى الغسل؟ ~~فإن دعت الضرورة إلى غسلهما زالت الكراهة فينبغي للجنب أن يغتسل قبل غسله ~~للميت ببعض طهور الميت إن كان فيه فضلة وكان مباحا أو بماء غيره، وإن لم ~~يجد ماء فإنه يتيمم ويغسله، وأما الحائض فإنه تتعذر طهارتها مع بقاء الحيض، ~~فإن كانت قد طهرت فإنها تغتسل ثم تغسل الميت، وإن لم تكن قد طهرت من حيضها ~~فإنها تغسل بدنها استحبابا ثم تغسل الميت، وهكذا حال النفساء لا تكون غاسلة ~~للميت إلا عن ضرورة كما ذكرناه في حق الحائض. # قال الناصر: وإن تنفست المرأة بالولد فاعتنق في رحمها ثم مات وهي حية ولم ~~يخرج فإنه يحتال في إخراجه من فرجها، فإن لم يخرج إلا بإدخال اليد في رحمها ~~وتقطيعه بضعة بضعة جاز ذلك لأن حفظ نفس الحي أولى من حفظ الميت لأنه إن بقي ~~فإنه يخشى على الأم التلف فلهذا جاز إخراجه على الصورة التي ذكرناها. # المسألة العاشرة: والكافر والفاسق لا يغسلان كما مضى شرحه لعصيانهما ~~الله، فهل يغسلان الميت أم لا؟ فيه وجهان: ms1752 # أحدهما: الجواز لأن المقصود هو التنظيف وهو حاصل بغسلهما كما في طهارات ~~النجاسات عن الأثواب والآنية. PageV04P334 # وثانيهما: المنع لأنهما كما لا يغسلان فلا يغسلان أحدا ممن مات من ~~المسلمين. # وهذا هو المختار: لأنه غسل واجب فأشبه الغسل من الجنابة، ولأنه لا يتعلق ~~بإزالة عين فأشبه غسل الجنابة. # وهل يفتقر إلى النية أم لا؟ فيه تردد نذكره في كيفية غسل الميت بمعونة ~~الله تعالى. # وإن كان الميت امرأة فازدحم جمع يصلحون للغسل فإنه يبدأ بنساء المحارم، ~~البنات والأخوات والجدات والعمات والخالات، ثم بعدهن بالأجنبيات المسلمات، ~~ثم بعد ذلك بالزوج، ثم برجال المحارم، الأب والجد والإبن وابن الإبن وسائر ~~العصبات كترتيبهم في الصلاة. # وإن كان الميت رجلا فإنه يبدأ برجال المحارم، الأب والجد والإبن وابن ~~الإبن، ثم بعدهم بالأجانب المسلمين، ثم بعد ذلك بالزوجة، ثم بنساء المحارم، ~~الأمهات والجدات والبنات والأخوات، وتجب رعاية الترتيب فيما بين الرجال ~~وحدهم، أو فيما بين النساء وحدهن فطريقه الأولى والاستحباب. # وقد تم الكلام فيما نريده من بيان الغاسل وما يتعلق به. # الفرع الثالث: في بيان كيفية الغسل للميت # الغسل بفتح الغين مصدر غسل يغسل غسلا؛ كضرب يضرب ضربا. # والغسل بضمها هو الإسم من المصدر. # والتفرقة بينهما: هو أن المصدر يتعلق بالفعل ويصدر عنه بخلاف الإسم فإنه ~~لا يتعلق بالفعل بحال. # والغسل بالكسر هو ما يغسل به من سدر أو خطمي(1) أو صابون أو أشنان. # وأقل الغسل إمرار اليد على جميع الأعضاء، وأكمله تكرير الغسل ثلاث مرات. # ويتم المقصود من هذا الفرع بأن نرسم فيه مسائل إحدى عشرة: PageV04P335 # المسألة الأولى: ينبغي لمن أراد أن يغسل الميت أن يستر موضعه الذي يغسله ~~فيه فلا يراه إلا غاسله أو من لا بد له منه في الإعانة، ويغضون أبصارهم إلا ~~فيما لا يمكن إلا بصره ليعرف الغاسل ما يغسل، لأنه قد يكون هناك عيب يكتمه ~~فلهذا استحب غض الأبصار، وينبغي أن يكون الغاسل ثقة أمينا لما روي عن عمر ~~أنه قال: لا يغسل موتاكم إلا المأمونون. ولأنه إذا لم يكن ms1753 ثقة لم يؤمن ألا ~~يستوفي الغسل، أو يظهر ما يرى من قبيح ويكتم ما يرى من جميل. # ويستحب: ألا يكون مع الغاسل إلا من لا بد له منه في الإعانة إذ لا حاجة ~~إلى ما زاد على ذلك ولأن الميت إذا كان مجردا من ثيابه فإنه لا يؤمن أن يرى ~~فيه ما هو عورة لأنه منكشف للغسل وقد قال : ((يا علي لا تنظر إلى فخذ حي ~~ولا ميت)). # وهل يجرد من ثيابه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يجرد من ثيابه. وهذا هو الذي أشار إليه الإمامان ~~الهادي والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أن الغرض تطهيره من جميع النجاسات المتصلة به، وهو مع ~~التجريد أكثر تنقية وأعظم إزالة للنجاسة لأن النجاسات ربما تنحبس مع القميص ~~إذا غسل فيه. # المذهب الثاني: أنه لا يجرد ويغسل في قميص رقيق لكي إذا صب الماء نزل ولم ~~يقف، فإن كانت أكمام القميص واسعة أدخل الغاسل يده فيه وصب المعين للغاسل ~~الماء من فوق القميص، وإن كانت أكمامه ضيقة نزع القميص وطرح على عورته خرقة ~~تسترها. # وحكي عن أبي علي بن أبي هريرة: أنه يفتق التخاريص ويدخل يده. وهذا هو ~~المحكي عن الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل. # والحجة على هذا: ما روت عائشة أنه لما توفي رسول الله سمعنا صوتا ولا ~~ندري من يتكلم به فقال: اغسلوا نبي الله في ثيابه. فغسل أمير المؤمنين كرم ~~الله وجهه رسول الله في قميصه، والماء يصب من فوق القميص، ولأن ذلك يكون ~~أستر فلهذا كان هو الأولى. # والمختار: هو التجريد، كما قاله الهادي والمؤيد بالله، ومن تابعهما. PageV04P336 # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا وهو أنه غسل يعم جميع الجسد فاستحب فيه التجريد كغسل ~~الجنابة، ولأنه غسل مأمور به فاستحب فيه التجريد كسائر الغسلات الواجبة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روت عائشة أن الرسول غسل في قميصه فلهذا استحب. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ما هذا حاله كان خاصا برسول ms1754 الله فلا يقاس عليه غيره. # ويؤيد ما ذكرناه: هو أنهم قد كانوا عزموا على تجريده لولا ما سمعوه من ~~الهاتف الذي يسمع كلامه ولا يرى شبحه، وفي هذا دلالة على أن السنة التجريد. # وأما ثانيا: فلأنه كان طيبا حيا وميتا ليس تعلق في جسمه نجاسة فلهذا ~~استحب غسله في قميصة. # ومن وجه آخر: وهو أنه إنما خص بالغسل في قميصه مخافة أن ينكشف شيء من ~~عورته وقد خصه الله تعالى بهذه الخاصة فلم يطلع عليها أحد من أهل الدنيا. # المسألة الثانية: قال الهادي في الأحكام: ومن أراد أن يغسل الميت فإنه ~~يضعه على مغتسله مستلقيا على قفاه مستقبلا بوجهه القبلة ويوضع على فرجه خرقة. # ويستحب أن يكون وضعه على لوح مهيئا للغسل ليكون أسهل في علاج الغسل وليكن ~~اللوح منحدرا من قبل رجليه مخافة أن يستنقع الماء فتسترخي مفاصله، ولأن ذلك ~~أطهر وأنقى. # ويستحب وضع الخرقة على عورته مخافة أن يطلع عليها عند غسله، ولم يذكر ~~الهادي والقاسم والمؤيد بالله تليين مفاصله عند وضعه على اللوح وإنما ذكروا ~~ذلك عند خروج روحه. # وحكي عن المزني أنه قال: إذا وضع على اللوح فإنها تلين مفاصله. وهذا لا ~~وجه له فإنه قد برد فلا ينفعه ذلك فلا معنى لما ذكره المزني. # ويستحب أن يكون مع الغاسل ثلاثة آنية: إناء كبير كالجب(1) PageV04P337 يكون فيه الماء [و] يكون من البعد مخافة أن يتطاير عليه شيء من النجاسات إن ~~كانت هناك، وإناء أصغر منه بقرب الغاسل كالقصعة والإجانة(1)، # وإناء صغير يكون بيد المعين يغرف به من القصعة إلى الغاسل فوق بدن الميت. # وهل يكره تسخين الماء أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يكره تسخينه إلا لبرد شديد أو عفونة في الميت لا يمكن ~~إزالتها إلا بالماء [الساخن]. وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن الماء البارد يشدد بدن الميت ويصلبه، والماء الحار ~~يرخيه فلهذا كره. # المذهب الثاني: أن الماء الحار هو أولى. وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة. ms1755 # والحجة على هذا: هو أن الماء الحار أدخل في إزالة النجاسة وأعظم في ~~التنظيف لما فيه من الرقة والمبالغة في إزالة العفونات الحاصلة في بدن الميت. # والمختار: أنه لا حاجة للميت إلى تسخين الماء إلا أن يعرض ما ذكرناه من ~~برد شديد أو عفونة لا تزول إلا بحرارة الماء، فأما إذا لم يكن هناك أحد ~~الأمرين فلا وجه لتسخينه. PageV04P338 # ويستحب أن يعد الغاسل خرقتين، إحداهما يلفها على يده ويغسل بها فرجه وأسفله ~~ثم يرمي بها، ويأخذ الأخرى ويغسل بها بقية بدنه لأنهما إذا كانتا خرقتين ~~كان ذلك أقرب إلى النظافة وأبعد عن التقذير و[أقرب إلى] التنزه عما أصاب ~~الخرقة الأولى من النجاسة لما روي أن أمير المؤمنين كرم الله وجهه في غسله ~~لرسول الله كان بيده خرقة يتبع بها ما تحت القميص. ولو غسل الخرقة الأولى ~~التي جعلها للإستنجاء غسلا ناعما وغسل سائر جسده [بها] جاز ذلك وكان أخف ~~مؤنة وأسهل. ولا يجوز للغاسل أن يمس عورة الميت بيده ولا ينظر إليها، كما ~~لا يجوز له ذلك في حال الحياة ويغض بصره عن النظر إلى سائر جسده، هكذا ذكره ~~أصحابنا والفقهاء- أعني غض البصر عن سائر بدن الميت ولم أجد له وجها في ~~الأحاديث عن الرسول ، ولا بأس به لأمرين: # أما أولا: فلأنه يجوز بصره(1) # في حال الحياة فهكذا في حال الموت ولم تحرم إلا العورة كما في حال ~~الحياة. # وأما ثانيا: فلأن في بصره أعظم عبرة وأبلغ موعظة لقوله : ((كفى بالموت ~~واعظا))(2). # ويستحب أن يكون بالقرب منه مجمرة فيها بخور وعود مخافة أن يظهر شيء له ~~ريح كريه من الميت فتضعف نفس الغاسل ومن يعينه ويفتر عن استقصاء الغسل للميت. # المسألة الثالثة: وأول ما يبدأ به الغاسل أن يجلس الميت إجلاسا رفيقا، ~~إما مائلا إلى الغاسل، وإما مائلا إلى يسار الميت ولا ينصبه نصبا مستويا ~~لأنه إذا نصبه نصبا مستويا لم يخرج شيء من بطنه. # قال المؤيد بالله: وإن علم الغاسل أنه إذا أجلسه كان أوعب لخروج ما يخرج ~~منه ms1756 أجلسه مستندا إلى الغاسل ليخرج ما في بطنه إن كان هناك شيء قبل الغسل ~~فلا يحتاج إلى إعادة غسله إذا خرج بعد الغسل. PageV04P339 # قال الهادي: ويمر يده على بطنه ثلاثا. وهل يكون الإمرار بليغا أو خفيفا؟ ~~فيه وجهان: # أحدهما: أنه يكون خفيفا. وهذا هو الذي أشار إليه الإمامان الهادي والمؤيد ~~بالله لقوله : ((عليك بالرفق يا عائشة فإنه ما حصل في شيء إلا زانه ولا نزع ~~من شيء إلا شانه)). ولم يفصل ولأنه إذا كان بليغا لم يؤمن أن يوهي شيئا من ~~أعضاء الميت ويفسد معآءه ويغيرها. # وثانيهما: أنه يكون بليغا قويا. وهذا هو رأي الشافعي لما روي أن ابن عمر ~~رضي الله عنه غسل عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر فنفضه نفضا قويا بليغا ~~وعصره عصرا شديدا. # والمختار: أن يكون العصر بليغا. لأن الصحابي لا يفعله إلا عن توقيف من ~~جهة الرسول ولأنه لا يضر الميت ما فعل به، ولأنه إذا فعل به ذلك وكان في ~~جوفه شيء خرج منه، وإذا لم يفعل ذلك ربما خرج بعد كمال غسله أو بعد تكفينه ~~فيفسد بدنه وكفنه بالنجاسة. # وإن كان الميت امرأة حاملا لم يمسح بطنها صيانة للولد، فإن كان الولد حيا ~~أخرج كما مر تقريره، وإن كان ميتا ترك على حاله لأنه إذا مسح بطنها لا يؤمن ~~خروج ما يخرج فلا حاجة إلى مسح بطنها، ثم يشرع الغاسل في الغسل. # والنية متعذرة من جهة الميت. وهل تجب على الغاسل أم لا؟ فيها وجهان: # أحدهما: أنها تجب على الغاسل، والميت محل لها. # ووجهه: أنه غسل واجب فأشبه غسل الجنابة في كونها واجبة. # وثانيهما: أنها غير واجبة لأنها شرعت تطهيرا للميت عن العفونة فلا يجب ~~فيها نية كإزالة النجاسة(1). # والمختار: وجوبها لأنها من جملة القرب ولهذا فإنها لا تصح من الكافر، فلو ~~مات مسلم وله زوجة ذمية على القول بجواز نكاح الكتابيات، لم يجز لها غسله ~~لأنه قربة فلا يصح أداؤها من كافر. فينوي الغاسل عند شروعه في الغسل. PageV04P340 # قال الأئمة الهادي والناصر ms1757 والمؤيد بالله: غسل الميت كالغسل من الجنابة من ~~غير فرق. وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه، وذلك لكونه ~~واجبا فأشبه غسل الجنابة. # وهل تستحب المضمضة والإستنشاق للميت كما شرعتا في حق الجنب أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنهما مشروعتان. وهذا هو رأي الأئمة والشافعي. # والحجة على هذا: قوله لمن غسلن ابنته: ((ابدأن بمواضع الوضوء منها))(1). # ومعلوم أن المضمضة والإستنشاق من مواضع الوضوء. # وثانيهما: أنهما غير مشروعين في حق الأموات. وهذا هو رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن المضمضة محل السواك وموضعه فكما أن السواك غير ~~مشروع في حق الميت فهكذا حال المضمضة فهو تابع لها. # والمختار: أنهما مشروعتان في حق الميت كما يشرعان في حق الحي من غير ~~تفرقة لما رويناه من الحديث. PageV04P341 # المسألة الرابعة: ثم يلف الغاسل على يده إحدى الخرقتين المعدتين فيدخل يده ~~التي لف عليها الخرقة وهي اليسار؛ لأن الإستنجاء يكون باليسار كما في حق ~~الأحياء. ويكره الإستنجاء باليمين إلا لضرورة، فيغسل فرجيه قبله ودبره ويصب ~~عليهما الماء غزيرا ليذهب ما كان عليهما من النجاسة ثم يرمي بهذه الخرقة ~~ويغسل يده بماء وأشنان إن كان ممكنا ليذهب ما اتصل بها من الأقذار، ثم يأخذ ~~الخرقة الثانية ويلفها على يده فيوضئ الميت فيبدأ بالمضمضة والإستنشاق ~~ويدخل يده في فيه ويمرها على ظاهر أسنانه ويصب عليه الماء ولا يفتح فاه، ~~ويدخل إحدى أنامله في أنفه ليزيل ما هناك من العفونة والدرن ثم يغسل وجهه ~~ويديه ويمسح رأسه ويغسل رجليه، لقوله : ((ابدأن بمواضع الوضوء)). فإذا فرغ ~~من توضئته غسل رأسه ولحيته إذا كانت. # ويستحب البداية بغسل رأسه قبل لحيته. وعن إبراهيم النخعي: يبدأ بغسل ~~لحيته قبل رأسه. لأنه إذا بدأ بغسل لحيته ثم غسل رأسه بالسدر نزل الماء ~~والسدر على لحيته فيحتاج إلى غسلها مرة ثانية، وإذا بدأ بغسل رأسه لم ينزل ~~من رأسه على لحيته ما يكدرها فلهذا كانت البداية بالرأس أحق، ولأن الرأس ~~أشرف ما في أعضاء الإنسان لأن فيه السمع والبصر. # ووجه ما ms1758 ذكره النخعي: هو أن اللحية لها شرف وكرامة وهي محل العقل والوقار ~~فلهذا استحب البداية بها. # قال المؤيد بالله: والوضوء للميت قبل غسله مستحب كما أشار إليه الهادي في ~~الأحكام، ولا يجب الترتيب في الغسل وله أن يبدأ بأي عضو شاء كما في الغسل ~~من الجنابة وقد مضى تقريره في الغسل. # فإن كان رأسه ولحيته شعرهما متلبدا، فهل يستحب التسريح لهما بالمشط أم ~~لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن ذلك غير مستحب. وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة. # قال الهادي في الأحكام: ولا يمشط شعره. PageV04P342 # والحجة على هذا: ما روي عن عائشة أنها قالت لنسوة مشطن شعر امرأة: مالكن ~~تصنعن بموتاكن هكذا؟ منكرة لما فعلنه من المشط، ومثل هذا لا يقوله الصحابي ~~إلا عن توقيف من جهة الرسول لأنه لا مدخل للإجتهاد فيه. # المذهب الثاني: استحباب المشط بمشط مفرج الأسنان. وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن أم عطية أنها قالت: ضفرنا شعر بنت رسول الله ~~ثلاثة قرون وألقيناها من خلفها، وهذا لا يكون إلا بعد التسريح. # والمختار: ما عليه أئمة العترة، وأنه غير مستحب لأنه لا يؤمن مع التسريح ~~أن يتساقط الشعر، والشرع ورد بصيانة الميت عن إذهاب شيء من أجزائه، ولأن ما ~~هذا حاله إنما هو من زينة الدنيا، والأموات فهم في شغل عن زينة الدنيا ~~ولذاتها. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: حديث أم عطية من إلقاء الذوائب خلفها لما غسلت رقية بنت رسول الله ~~ولا يمكن ذلك إلا بعد التسريح. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فليس فيه ذكر التسريح بالمشط فلا يجوز إثباته من غير دلالة. # وأما ثانيا: فلأن الإلقاء له خلفها وجعله ثلاثة قرون يمكن من غير تسريح ~~بأن يضم بعضه إلى بعض. # المسألة الخامسة: فإذا فرغ من غسل رأسه ولحيته بالماء والسدر غسل صفحة ~~عنقه اليمنى ثم شق صدره وجنبه وفخذه وساقه الأيمن ثم يعود إلى شقه الأيسر ~~فيغسله من صفحة عنقه الأيسر كذلك، هذا في حال ms1759 إجلاسه على اللوح، ثم يميله ~~على جانبه الأيسر فيغسل جانب ظهره الأيمن وقفاه إلى ساقه الأيسر. ويستحب أن ~~يستقصي في المبالغة في تطهيره وتنظيفه. PageV04P343 # قال الهادي في الأحكام: ويستقصي على غسل ظهره وبطنه وأفخاذه وبين أرفاغه ~~يعني معاطفه وغضونه وينقي أظفاره، وإن كان بالميت درن كثير لدوام المرض ~~وبعد تعهده بالماء وكان تزيله الأشنان جاز استعماله واستعمال الصابون ~~لزواله لأن المقصود هو النظافة وإزالة العفونة. والواجب غسلة واحدة ولا ~~خلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة، لما روي عن الرسول في المحرم الذي خر ~~من بعيره فمات ((أغسلوه بماء وسدر))، وذلك لا يقتضي أكثر من مرة واحدة، ~~ولأن غسل الجنابة والحيض والنفاس للأحياء يجزئ مرة واحدة فهكذا غسل الميت. # وهل يكون للغسل حد في العدد أم لا؟ # فالذي عليه أئمة العترة والأكثر من الفقهاء أن له حدا وهو الوتر. لما روي ~~عن الرسول أنه قال لأم عطية: ((اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا))(1). # وحكي عن مالك: أنه لا حد للغسل. # والحجة على هذا: هو أن المقصود هو التنظيف وإزالة الكدر على أي وجه زال ~~من غير حاجة إلى التقدير. # والمختار: هو تقديره، وأنه لا يتجاوز السبع لما حكيناه من حديث أم عطية، ~~ولأنه لا قائل بالزيادة على السبع فوجب الإقتصار عليها. # ويستحب أن تكون الغسلات ثلاثا لحديث أم عطية، ولأنها طهارة حكمية مفعولة ~~لأجل الصلاة فاستحب أن تكون ثلاثا كالطهارة من الحدث. # وإذا قلنا باستحباب الثلاث ففي كيفية استعمالها أربعة أوجه: # الوجه الأول: أن يغسل رأسه ووجهه وجميع بدنه وأرفاغه بالحرض(2) ثم يغسل ~~الحرض بالماء القراح، ثم يغسل مرة ثانية بالسدر، ثم يغسل السدر بالماء ~~القراح ثم يغسل في المرة الثالثة بالماء القراح ويجعل فيه الكافور. وهذا هو ~~رأي الهادي والمؤيد بالله، أعني: الجمع بين الحرض والسدر والكافور. PageV04P344 # والحجة على هذا: ما في حديث أم عطية الأنصارية أن الرسول دخل علينا حين ~~توفيت ابنته فقال: ((اغسلنها ثلاثا بالحرض والسدر والكافور))(1). # فجمع بين الأمور الثلاثة ولن تكون إلا بما ذكرناه في الأولى ms1760 والثانية ~~والثالثة. # الوجه الثاني: أنه يغسل في المرة الأولى بالحرض والسدر، والثانية بماء ~~الكافور، والثالثة بالماء القراح. وهذا هو رأي الناصر، ومحكي عن الصادق جعفر. # والحجة على هذا: ما روي أن رسول الله أمرهن أن يغسلن رقية بنت رسول الله ~~ثلاثا لما ماتت، أولهن بالحرض والسدر، والثانية بالكافور، والثالثة بالماء ~~القراح. فقد اتفق الإمامان الهادي والناصر على استحباب الحرض في المرة ~~الأولى في حق الأموات كما ترى، والحرض: هو التراب لما يحصل فيه من الإزالة ~~والقوة في رفع الكدر والدرن. # الوجه الثالث: أن تكون الغسلة الأولى بالماء القراح والسدر،والغسلة ~~الثانية بالماء القراح والسدر، والغسلة الثالثة بالماء القراح والكافور، ~~ويستحب أن يكون الكافور في كل الغسلات الثلاث إن كان ممكنا، وإن لم يمكن ~~كان في الغسلة الثالثة. وهذا هو رأي الشافعي، ولم يذكر الحرض في شيء من ~~الغسلات. # والحجة على هذا: ما روي أنه قال في تعليمهن لغسل ابنته: ((اغسلنها ثلاثا ~~أو خمسا بماء وسدرأو أكثر إن رأيتن)) ويجعلن في الغسلة الأخيرة كافورا أو ~~شيئا من الكافور، وظاهره دال على أن كل غسلة منها تكون بالسدر. PageV04P345 # الوجه الرابع: أنه يغسل أولا بالماء القراح ثم يغسل ثانيا بالماء القراح ~~والسدر، ثم يغسله ثالثا بالماء القراح والحرض وليكن الماء الأول مسخنا ~~بالنار، والماء الثاني يغلى بالسدر، والماء الثالث يغلى بالحرض، وهذا كله ~~رأي أبي حنيفة. حكاه الكرخي من أصحابه. # والحجة على هذا: هو أن الماء إذا كان مسخنا ومغليا بالسدر والحرض، كان ~~أدخل في الإزالة وأعظم قلعا لما علق في الجسم من الأدران، فلهذا استحب ~~التسخين في الماء مع هذه الأخلاط التي قد دل عليها الشرع، هذه رواية ~~الكرخي. # وحكى أصحاب الشافعي عنه أنه قال: يستحب في الأول الغسل بالماء القراح، ~~وفي الثانية بالماء والسدر، وفي الثالثة بالماء القراح. # المسألة السادسة: مشتملة على أحكام تتعلق بالغسل وجملتها خمسة: # الحكم الأول: هل تقلم أظفار الميت وتحلق عانته ويقصر شاربه وينتف إبطه أم ~~لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا يزال عنه شيء من ذلك. ms1761 وهذا هو رأي أئمة العترة، ~~ومحكي عن أبي يوسف وأبي حنيفة ومحمد. # والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله إزالة جزء من أجزائه فلم يجز ذلك وكما ~~لو سرق ثم مات لم تقطع يده. # المذهب الثاني: أنه يجوز. وهذا هو رأي مالك، وأحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: قوله : ((افعلوا بميتكم ما تفعلونه بعروسكم))(1). # والعروس يفعل به هكذا. PageV04P346 # والمختار: أنه لا يزال شيء من أجزاء الميت ويجب صيانته بكل حال، ولأن ما ~~هذا حاله إنما يفعل بالأحياء لما فيه من الزينة دون الأموات. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن الرسول أنه قال: ((افعلوا بميتكم ما تفعلون بعروسكم)). ~~وهذا ما يفعل بالعروس. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا معارض بما رويناه عن عائشة من إنكارها لذلك على من فعله. # وأما ثانيا: فلأنه محمول على فعل الطيب وإزالة الدرن دون ما فيه قطع مما ~~يتصل به. # قالوا: إنما هذا حاله تنظيف له فجاز كإزالة الدرن وسائر الأقذار. # قلنا: إن إزالة الأدران والأقذار ليس فيها قطع لشيء منه وليس هكذا إزالة ~~الشعور فإن فيها قطعا مما يتصل به فافترقا. # الحكم الثاني: هل يطلى بالنورة أم لا؟ فينظر فيه فإن كان طلاؤه بالنورة ~~لأجل تطهيره وتنظيفه عن الأدران والأقذار جاز ذلك كما يفعل بالسدر والصابون ~~والأشنان لإزالة ذلك، وإن كان فعله من أجل إزالة الشعر كما يفعل بالموسى لم ~~يجز ذلك لما فيه من إزالة جزء من أجزائه وهو ممنوع كما أشرنا إليه. # واعلم أن ظاهر النقل من مذهب الشافعي جواز إزالة هذه الشعور وتقليم ~~الأظفار واستحباب ذلك، والصحيح من مذهبه ما حققه الشيخ أبو حامد من أصحابه، ~~أنه لا خلاف على المذهب أن ذلك غير مستحب، ولكن هل يكره أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: كراهة ذلك لما فيه من قطع جزء من أجزائه. # وثانيهما: أنه لا يكره لقوله : ((افعلوا بميتكم مثل ما تفعلونه ~~بعروسكم)). والعروس يفعل به هكذا فكذلك الميت، وروي أن سعد بن أبي وقاص غسل ~~ميتا ms1762 ودعى بموسى وحلق عانته. # الحكم الثالث: شعر الرأس هل يحلق أم لا؟ فالظاهر من المذهب أنه لا يحلق ~~رأسه. وهو المحكي عن الشافعي لأن حلق الرأس إنما يحلق لزينة أو لأداء نسك، ~~والميت ليس عليه نسك ولا يصلح لزينة، وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أنه إن كان ~~ممن يحلق رأسه في العادة جاز حلقه، وإن كان ممن لا يحلق رأسه لم يحلق. PageV04P347 # والمختار للمذهب: ما قررناه أولا أن ذلك إزالة جزء من أجزائه فلا يجوز ~~كالختان. # الحكم الرابع: وإذا تساقط شيء من شعره بعد الغسل فالظاهر من المذهب أنه ~~يرد في كفنه. وهو محكي عن أبي حنيفة، وحكي عن المزني من أصحاب الشافعي أنه ~~ينبذ ويطرح كما تنبذ قلامة الظفر في حال الحياة، وعن بعض أصحاب الشافعي أنه ~~يدفن على حدة لأنه قد بطل اتصاله بالميت فلهذا دفن وحده. # والحجة على ما قلناه: ما روي عن أمير المؤمنين كرم اله وجهه أنه قال: ~~واردد هذا يعني الشعر فإن كل شيء يقع من بني آدم فهو ميت وإنه يأتي يوم ~~القيامة بكل شعرة نور. ولأن الميت من حقه أن تدفن جميع أجزائه [معه] وهذا ~~من أجزائه فيجب دفنه معه. # الحكم الخامس: وإذا مات الرجل وهو أغلف يعني من غير ختان، فهل يختن أم ~~لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يمتنع ختانه بعد موته. وهذا هو رأي أئمة العترة وهو الأصح من ~~قولي الشافعي، لأنه قطع عضو ولا يجوز قطع عضو من الميت. # وثانيهما: أنه يختن. وذلك على قولين: # أحدهما: أنه يختن صغيرا كان أو كبيرا. # وثانيهما: أنه إن كان صغيرا لم يختن، وإن كان كبيرا ختن. # والمختار: هو المنع من ذلك كما قاله أصحابنا لما روي عن الرسول أنه قال: ~~((الختان مكرمة للنساء، مطهرة للرجال)). وهذا إنما يختص حال الحياة دون الموت. # وهل يجوز أخذ الأجرة على غسل الميت أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأنه واجب على الكفاية فلا يجوز ~~أخذ الأجرة عليه كالجهاد. # قال المؤيد ms1763 بالله: والأقرب عندي أنه ليس لغاسل الميت أخذ الأجرة على غسله ~~لأنه عبادة، ولهذا كان مفتقرا إلى النية. PageV04P348 # وقال أيضا: والختان وإن كان واجبا فإن وجوبه على المختون لا على غيره، فإن ~~أمر به غيره واستأجره جاز فلهذا يجوز أخذ الأجرة عليه. ورأي الهادي والمؤيد ~~بالله هو وجوب الختان على الرجال والنساء. وهو محكي عن الشافعي أيضا لما ~~روي عن الرسول أنه قال لرجل أغلف: ((اختتن)). فقال: إني أخاف على نفسي. ~~فقال: ((أما إذا خفت على نفسك فدع)). وظاهر الأمر للوجوب إلا لدلالة. # ولا يجعل في الماء الذي يغسل به الميت شيء من الطيب إلا الكافور لما في ~~حديث أم عطية: ((واجعلن فيه شيئا من الكافور)). فخص الكافور دون غيره، فأما ~~السدر فليس من الطيب في شيء وإنما يستعمل من أجل النظافة كالدلوك(1) ~~والأشنان والصابون، ولأن الحاجة في الطيب إنما تكون في الكفن كما سنقرره، ~~وفي الميت، فأما الماء فلم يرد الشرع إلا بما ذكرناه فلا حاجة إلى مخالفة السنة. # المسألة السابعة: وإن خرج من أحد فرجي الميت خارج بعد غسله ثلاثا نظرت، ~~فإن كان الخارج بعد وضعه في كفنه وإدراجه فيه لم يعد عليه الغسل ولا الوضوء ~~ولا يفعل فيه شيء لأنه قد انتقل من حالة إلى حالة فصار كما لو حدث به حادث ~~بعد وضعه في قبره، وإن حدث الحادث قبل إدراجه في أكفانه، ففي ما يفعل به ~~مذاهب أربعة: # المذهب الأول: أنه يتمم الغسل خمسا، فإن خرج خارج بعد الخمس تمم سبعا، ~~فإن خرج خارج بعد السبع لم يزد على ذلك شيء واحتيل في سد المخرج بالقطنة. ~~وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله، وأحد أقوال ~~الشافعي. PageV04P349 # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال لأم عطية في غسل ابنته: ~~((اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا إن رأيتن ذلك)). فعلق العدد في الخمس ~~والسبع إلى رأيهن ونظرهن، وليس المقصود وقف ذلك على شهوتهن فإن ذلك أمر ~~شرعي لا يمكن وقفه على الشهوة والإرادة ms1764 من جهتهن، وإنما الغرض ما يقتضيه ~~الشرع ويقتضيه حكمه وأمره وليس ذلك إلا إذا حدث حادث يقتضي تكرير الغسل، ~~فلهذا قضينا بتكريره إلى هذه الغاية التي قد دل عليها الشرع، فأما إذا خرج ~~خارج بعد تجاوز هذه العدة فلا يتعلق به حكم شرعي ويدرج في أكفانه من غير عمل. # المذهب الثاني: أنه يغسل الموضع وتزال عنه النجاسة لا غير. وهذا هو قول ~~أبي حنيفة ومالك والثوري ومحكي عن المزني من أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن غسله قد صح فلا يبطل بالحدث كالجنب إذا اغتسل وحدث ~~منه حادث فإنه لا يعاد غسله. # المذهب الثالث: محكي عن أبي إسحاق من أصحاب الشافعي: وهو أنه يجب علينا ~~غسل الموضع من النجاسة وإعادة غسل أعضاء الوضوء. # والحجة على هذا: هو أن الجنب إذا وجب عليه الغسل فاغتسل وحدث منه حادث ~~فإنه يعيد الوضوء لا غير، فإذا كان الحي حكمه هكذا فكذلك الميت. # المذهب الرابع: أنه يجب عليه غسل جميع بدنه. وهذا شيء يحكى عن أحمد بن ~~حنبل، وأبي علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن الحدث في حق الميت إنما هو الموت، وهو الموجب ~~للغسل فيجب إذا خرج شيء من سبيليه أن يكون موجبا لغسله بجامع كونه حدثا، ~~دليله: الموت. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن وافقهم. # وحجتهم: ما ذكرناه.. # ونزيد هاهنا، وهو أن المستحاضة ومن به سلس البول وسيلان الجرح إذا استدام ~~ذلك وكان لا يمكن رده ولا يتأتا غسله فإنه يسد الموضع بالقطنة ويصلي مع ذلك ~~ولا يجب تكرير الطهارة، فإذا ثبت ذلك في الحي وجب مثله في الميت من غير ~~تفرقة بينهما. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. PageV04P350 # قالوا: يغسل الموضع من النجاسة ولا يعاد الغسل كالجنب إذا خرج منه خارج بعد ~~الإغتسال. كما حكي عن أبي حنيفة وغيره. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الشرع قد أشار إلى غاية في إيجاب الغسل فيجب الإقتصار ~~عليه ولا يجوز إهماله. # وأما ثانيا: فلأن ما ms1765 ذكروه إنما يكون بعد وجوب الغسلات السبع فإذا ~~تجاوزناها وخرج بعدها خارج لم يتعلق به حكم بحال. # قالوا: يعيد الوضوء لا غير. كما حكي عن بعض أصحاب الشافعي، كما في الجنب ~~إذا حدث منه حادث بعد الإغتسال. # قلنا: الوضوء لم تدل عليه دلالة وفي إيجاب الغسلات كفاية عن إيجاب الوضوء ~~فلا وجه لإيجاب الوضوء. # قالوا: يجب عليه غسل بدنه. كما حكي عن أحمد بن حنبل وغيره لأن حدث الموت ~~يوجب الغسل فيجب في كل ما خرج من الميت أن يكون موجبا للغسل. # قلنا: قد دل الشرع على وجوب الغسل خمس مرات وسبع مرات فلا وجه لإيجاب ~~الغسل مرة واحدة. # المسألة الثامنة: والمرأة في وجوب الغسل من الموت كالرجل، وينبغي أن يكون ~~سترها أعظم من ستر الرجل لأنها كلها عورة. # قال الهادي في المنتخب: وتغسل في موضع مستور من فوقه. وأراد أن الموضع إن ~~كان مظلما فهو ساتر، وإن كان مضيئا سجي من فوقه بثوب يستر الغاسل لأن ذلك ~~يكون أقرب إلى السترة لها. # ويستحب ألا ينظر إليها أحد إلا من يتولى غسلها من النساء لأنه ربما حدث ~~منها ما يكره فلا ينبغي الإطلاع على ذلك. لما روى زيد بن علي عن علي أنه ~~قال: قال رسول الله : ((من غسل أخا له مسلما فنظفه ولم يقذره ولم ينظر إلى ~~عورته ولم يذكر منه سوءا ثم شيعه وصلى عليه ثم جلس حتى يدلى في قبره خرج من ~~ذنوبه عطلا)) (1) PageV04P351 . # فإن كان لها شعر فكيف يصنع به؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه يضفر ثلاث ضفائر ويلقين خلفها. وهذا هو رأي أئمة العترة، ~~ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: حديث أم عطية حيث قال الرسول : ((تجعل ثلاث غدائر ويلقين ~~خلفها))(1). # من غير تسريح كما مر بيانه. # وثانيهما: أن يلقين بين ثدييها. وهذا هو رأي أبي حنيفة. # وحجته: أنه لا بد من مخالفة حال الحياة لحال الموت وليس ذلك إلا بإلقائهن ~~بين ثدييها. # والمختار: هو الأول لأن الحديث أولى من القياس، فلهذا كان ما روته أم ms1766 ~~عطية أولى بالقبول. # فإذا فرغ الغاسل من غسل الميت رجلا كان أو امرأة فالمستحب أن ينشفه بثوب ~~قبل إدراجه في أكفانه ثم ينقله إلى الكفن، وإنما كان الأمر كما قلناه لأن ~~العادة في الأحياء أنه إذا اغتسل فإنه يخرج من اغتساله إلى ثوب يتنشف به ثم ~~يلبس ثيابه فهكذا حال الميت، ولأنه إذا لم يفعل ذلك لا يأمن أن تبتل أكفانه ~~فيسرع إليه الفساد. # وإن تعذر غسل الميت لعدم الماء أو لغيره من أنواع المعاذير في الغسل وجب ~~أن ييمم بالتراب لأنه غسل لا يتعلق بإزالة عين فناب التيمم عنه عند العجز ~~كغسل الجنابة. # المسألة التاسعة: وإذا فرغ الغاسل من غسل الميت استحب له الغسل عند ~~الأكثر من أئمة العترة، وهو محكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وغيره من ~~الصحابة والتابعين، لما روى زيد بن علي قال: حدثني أبي عن أبيه أنه سئل عن ~~غاسل الميت هل يغتسل أم لا؟ فقال: نعم يغتسل غاسل الميت. يشير به إلى ~~الاستحباب. # وهل يجب أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه غير واجب. وهذا هو المحكي عن علي وابن عباس وابن عمر ~~وعائشة، وهو قول كثير من التابعين، ومن الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه، ~~والشافعي وأصحابه. PageV04P352 # والحجة على هذا: هو أن الميت طاهر، ومن غسله طاهر فهو كما لو غسل جنبا، ~~ولأن الوجوب لا بد فيه من دلالة ولا دلالة على وجوبه. # المذهب الثاني: أنه واجب. وهذا شيء يحكى عن الناصر وغيره من أصحاب ~~الحديث، ومحكي عن أبي هريرة. # والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((من غسل ميتا ~~فليغتسل، ومن مسه فليتوضأ)) (1). # ورواية ثانية عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه. # والمختار: هو الأول. # وحجتهم: ما ذكرناه.. # ونزيد هاهنا: وهو ما روى ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول أنه قال: ((لا ~~غسل عليكم من غسل موتاكم حسبكم أن تغسلوا أيديكم)) (2). # وهذا نص فيما نريده من استحبابه وعدم وجوبه. # الحجة الثانية: ما روي عن عائشة، أنها قالت: أأنجاس - تريد ms1767 الإنكار على ~~من أوجب الغسل من غسل الميت - وهذا لا تقوله إلا عن توقيف من جهة الرسول ~~لأن هذا لا مدخل له في الاجتهاد. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روى أبو هريرة: ((من غسل ميتا فليغتسل)). والأمر للوجوب. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الأمر محمول على الاستحباب ودلالته على الوجوب لا بد فيه ~~من دلالة ولا دلالة هاهنا. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما رويناه من الأحاديث وإذا تعارضا فلا بد ~~من الترجيح، ولا شك أن أخبارنا أكثر وأدل على المقصود فلهذا كانت أحق ~~بالعمل والقبول. # فأما قوله: ((ومن مسه فليتوضأ)). فالمراد به وضوء اليد وغسلها. # ويؤيد حمل الوضوء على ما ذكرناه: قوله : ((الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر ~~والوضوء بعد الطعام ينفي اللمم)) (3). # يعني: الجنون. PageV04P353 # المسألة العاشرة: وإذا تقرر أن الغسل من غسل الميت غير واجب. فهل هو آكد أو ~~غسل الجمعة؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن غسل الجمعة آكد لأن الأخبار فيه أكثر وأوفر. # وثانيهما: أن الغسل من غسل الميت آكد لأنه مختلف في وجوبه، ومن أصحاب ~~الشافعي من ذهب إلى أن الغسل من غسل الميت آكد في الوجوب من غسل يوم ~~الجمعة. وهو العمراني صاحب البيان. وهذا فاسد، فإن كان ترجيح تأكيده من جهة ~~أن الخلاف في وجوبه [حاصل] فكل واحد منهما(1) قد قال قائل بوجوبه، وإن كان ~~ترجيحه من جهة أخرى فلا بد من ذكرها حتى ينظر في قوتها وضعفها. # والمختار: أن غسل يوم الجمعة آكد لأن الأحاديث الواردة في فضله كثيرة، ~~وممن قال بوجوبه: الحسن البصري وداود وطبقته من أهل الظاهر. # ومن جهة أن غسل يوم الجمعة مؤقت بوقت بخلاف الغسل من غسل الميت فإنه أمر ~~مطلق معلق بسبب، فلا شك أنه(2) # مشبه للصلوات المكتوبة في كونه مؤقتا كما هي مؤقتة بوقت، وما كان مشبها ~~للفرائض فهو آكد مما لا يكون مشبها لها. # ويستحب لمن غسل ميتا ورأى ما يعجبه منه مما يدل على سلامته من النار ~~وفوزه بالجنة نحو تهلل وجهه ووضوحه عند ms1768 غسله أن يظهر ذلك ويتحدث به ليكون ~~ذلك سببا في الدعاء إلى الخير والإشتغال بالأعمال الصالحة. # وإن رأى ما يكرهه مثل اسوداد وجهه أن يكتم ذلك ولا يظهره لما رويناه من ~~حديث زيد بن علي وقد قدمناه، ولما روى أبو رافع عن الرسول أنه قال: ((من ~~غسل ميتا فكتم عنه غفر الله له أربعين مرة))(3). # وقوله: ((أربعين مرة)). يحتمل أنه يريد أربعين خطيئة، وهو الظاهر من ~~المعنى. ويحتمل أن الله تعالى يكرر العفو بإسقاط العقوبة عن المعصية كما ~~يكرر الأجر على الطاعة بزيادة الأجر، والأول أوضح وأظهر. PageV04P354 # وإن كان الميت من أهل البدع والضلالات الداعين إليها والمحبين لشرائعها ~~والمكبين على فعلها كالمجبرة والمشبهة والروافض والظلمة وأهل الفسوق ممن ~~مات مصرا على كبيرة غير تائب منها ولا مقلع، فالمستحب أن يتحدث به الغاسل ~~في الناس ليكون ذلك زجرا للناس عن التلبس بالبدع، وهكذا حال من كان معاندا ~~للإمام مانعا له عن إمضاء أوامر الله ونواهيه فإنه يظهر ذلك ليكون تحذيرا ~~للناس عن الوقوع في مثله فينفرون عنه. # المسألة الحادية عشرة: قد أوضحنا فيما سبق أن الغسل من غسل الميت غير ~~واجب وإنما هو مستحب. # قال القاسم: فإن انتضح على الغاسل شيء من الماء الذي أصاب بدن الميت ~~فعليه أن يغتسل. وقال أيضا: وإن كان الميت يغسل فعاسله أولى لما ينتضح عليه ~~من مائه. # قال أبو العباس: وهذا من قوله دليل على إيجاب الغسل إذا انتضح، وعلى ~~استحبابه إذا لم ينتضح. # قال السيد أبو طالب: وهذا يجب أن يكون المراد به إذا لم يتبين له الموضع ~~الذي انتضح الماء من غيره كمن تصيب بدنه نجاسة ويشتبه عليه موضعها فإنه ~~يلزمه أن يغسل جميع بدنه، فأما إذا تميز الموضع فإنه لا يجب عليه إلا غسله. # فحصل من مجموع ما ذكرناه هاهنا: أن ما انتضح من بدن الميت على الغاسل فهو ~~نجس، فإن علم وجب غسله على إنفراده، وإن لم يعلم وجب غسل جميع البدن على ما ~~نصه القاسم، وخرجه السيدان أبو العباس وأبو ms1769 طالب من كلامه، وهذا فيه نظر ~~على رأي القاسم وعلى ما اخترناه من أن الماء القليل لا ينجس بإتصال النجاسة ~~به إلا إذا كان متغيرا بها، فأما إذا لم يكن متغيرا بها فهو طاهر كما مر ~~تقريره في باب المياه، وإذا كان الأمر كما قلناه فلا وجه للحكم بنجاسة ما ~~انتضح من بدن الميت على الغاسل سواء كان الانتضاح من الغسالة الأولى أو من ~~الثانية أو من الثالثة فكلها طاهرة إذا لم تكن متغيرة بالنجاسة. PageV04P355 # والعجب من الإمام القاسم حيث أطلق هذا الإطلاق في وجوب الغسل من الإنتضاح ~~من غسل الميت ولم يذكر ما أسلفه في باب المياه من أن القليل من الماء لا ~~ينجس إلا بالتغير بالنجاسة، كما هو رأي جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم ~~من الفقهاء، وهكذا حال السيدين أبي طالب وأبي العباس فإنهما أطلقا هذا ~~التخريج على رأيه ولم يذكرا ما تقدم من مذهبه، ولعله إنما قال ذلك تفريعا ~~على قول من قال بنجاسته وإن لم يتغير كما هو المأثور عن ولده الهادي وغيره ~~من الصحابة والتابعين والفقهاء، وقد أسلفنا في المسألة كلاما شافيا فأغنى ~~عن تكريره وإعادته. # وإذا كان الأمر كما قلناه، فإذا كان الميت ينجس فالماء المنفصل عن غسله ~~لا ينجس، وإن كان نجسا على رأي القاسم كما ذكرناه، فأما على ما اخترناه من ~~أن المؤمن لا ينجس وأن الماء القليل لا ينجس إلا أن يتغير بالنجاسة، ~~فالمنتضح يكون طاهرا على الوجهين جميعا فلا يلزمه غسله سواء كان متعينا أو ~~غير متعين. # ويستحب إذا كان تحت أظفار الميت عفونة، إزالتها عند غسله بأن يتخذ الغاسل ~~شظاظا(1) # رقيقا يستخرج به ما تحت أظفاره برفق وسهولة من غير حاجة إلى تقليم ~~أظفاره. # وقد نجز غرضنا مما نريده في غسل الميت، ونشرع الآن في التكفين بمعونة ~~الله ولطفه. PageV04P356 # --- ### ||| AUTO القول في التكفين للميت # واعلم أن التكفين للموتى من المسلمين مشروع لقولهصلى الله عليه وسلم في الأعرابي الذي وقصت ~~به ناقته: ((كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما.)). # هو واجب ms1770 على الكفاية لا يختص أحدا دون أحد فإذا قام به البعض سقط عن ~~الباقين، وهذه هي فائدة كونه واجبا على الكفاية فلو تمالى أهل قرية أو مصر ~~من الأمصار على ترك تكفين الموتى من المسلمين حاربهم الإمام على ترك هذا ~~الواجب، فإذا عرفت هذا فلنذكر حكم الكفن، وصفة الأكفان، وكيفية الإدراج ~~فيها، فهذه فروع ثلاثة تتفرع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: في حكم التكفين. وفيه مسائل ثلاث: # المسألة الأولى: في حكم الوجوب، هل يكون من رأس المال أو يكون من الثلث؟ ~~فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه يكون من رأس المال. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي ~~والقاسم والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ~~وأصحابه. # قال الهادي في المنتخب: الكفن من أصل التركة، وهو قبل الديون والوصايا. ~~وفي هذا دلالة على أنه من رأس المال، وسواء كان مؤسرا أو معسرا. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم في الرجل الذي خر من ناقته فمات فقال: ~~((كفنوه في ثوبيه)). ولم يسأل هل يخرجان من ثلثه وهل كان مؤسرا أو معسرا، ~~وترك الإستفصال في القضية دال على عموم الحكم في كل أحوالها إلا ما خرج ~~بدلالة. # المذهب الثاني: أنه إن كان مؤسرا فمن رأس ماله، وإن كان معسرا فمن ثلثه. ~~وهذا هو المحكي عن الزهري وطاووس. # والحجة على هذا: قولهصلى الله عليه وسلم: ((من ترك مالا فلأهله ومن ترك عيلة فإلي)). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه دال على انتقال المال إلى الوارث بالموت، ~~لكن الشرع قد استثنى ما يخص الميت في نفسه في جهازه فإن كان الميت مؤسرا ~~فهو من رأس ماله لأنه لا يضره ما استثني للميت، وإن كان معسرا فهو من ثلثه ~~لأن المال ينتقل إلى الوارث وهو أحق، والثلث للميت يفعل فيه ما شاء. PageV04P357 # المذهب الثالث: أنه يكون من الثلث على كل حال سواء كان مؤسرا أو معسرا. ~~وهذا شيء يحكى عن خلاس بن عمرو (1). # والحجة على هذا: هو أن المال قد ms1771 دل الخبر على أنه ينتقل إلى الوارث بنفس ~~الموت وما خرج جهازا للميت فهو يكون بمنزلة الوصية والوصية من الثلث. # والمختار: أنه من رأس المال. كما قاله الأئمة وأكثر الأمة. PageV04P358 # والحجة على هذا: ما روي أن رجلا من الأنصار مات فقدموا جنازته إلى الرسولصلى الله عليه وسلم ~~ليصلي عليه فقال: ((هل على صاحبكم دين))؟ قالوا: نعم ديناران. فقال: ((صلوا ~~على صاحبكم)) (1). # فتحملها أبو قتادة فصلى عليه الرسولصلى الله عليه وسلم، فلو كان الكفن من الثلث لوجب صرف ~~كفنه في الدينارين لأن الدين قبل الوصية. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إذا كان مؤسرا فمن رأس ماله، وإن كان معسرا فمن ثلثه لأن المال ~~ينتقل إلى الوارث بالموت، ومع اليسار فالميت أحق، ومع الإعسار فالوارث أحق. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنا لا ننكر أن المال ينتقل إلى الوارث بالموت لكن نقول: ~~جهاز الميت مستثنى من ذلك. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه معارض بما أوردناه من الأدلة ومتى تعارض ~~الدليلان وجب الترجيح، وأخبارنا فهي أكثر وأوضح وهي دالة بظاهرها على ما قلناه. # قالوا: يكون من الثلث على كل حال. كما حكي عن خلاس لأنه ينزل منزلة ~~الوصية. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الثلث إنما يكون فيما يكون متعلقا بالبدن وسائر الأمور ~~التي لا تجب إلا بالإيصاء بها، وما هذا حاله فلا يفتقر إلى الإيصاء فإنه ~~واجب أوصى أو لم يوص. PageV04P359 # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه معارض بالدين، والإجماع منعقد على كونه من رأس ~~المال، وما هذا حاله فهو آكد من الدين لحاجته إليه في نفسه. # المسألة الثانية: في بيان من يجب عليه الكفن. # وإذا مات الميت نظرت، فإن كان رجلا فكفنه في ماله لقولهصلى الله عليه وسلم في الأعرابي: ~~((كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما)). ولا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء ~~الأمة [في] أن كفنه في ماله إذا كان له مال. # وإن لم يكن له مال كان كفنه على من تلزمه نفقته من أقاربه لأن الكفن بعد ~~الموت ms1772 ينزل منزلة الكسوة في حال الحياة، فلهذا قلنا: بأنه يجب على أقاربه. ~~ولا خلاف فيه بين الأئمة والفقهاء. # وإن لم يكن [له] قريب أو كان قريبه معسرا فكفنه من بيت المال. ولا خلاف ~~فيه بين الأئمة والفقهاء. # قال المؤيد بالله: وذلك لأنه في حال الحياة إذا لم يكن له مال ولم يوجد ~~من ينفق عليه وجب أن ينفق عليه من بيت المال، فهكذا حاله بعد الموت، فإذا ~~بطلت نفقته بالموت لم تسقط كسوته بعد الموت وهو الكفن فلهذا أوجبنا كفنه ~~على بيت المال، فإن لم يكن بيت المال فعلى المسلمين لأن كل من مات ولا وارث ~~له فورثته المسلمون فيجري بيت المال مجرى الأقارب، وجري المسلمين مجراهم ~~إذا لم يكن بيت مال، لقولهصلى الله عليه وسلم: ((الفقراء عالة الأغنياء))(1). # والمعنى أن الأغنياء يعولون الفقراء إذا لم يكن لهم أقارب أغنياء. ~~ولقولهصلى الله عليه وسلم: ((أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه))(2). # وإذا كان وارثا له نزل منزلة القريب فلهذا وجب عليه الكفن لما كان له ~~وارث كالقريب على أنه لا خلاف فيه بين الأئمة والفقهاء. # فأما إذا كان الميت امرأة، فإن لم يكن لها زوج فكفنها على الأقارب، وإن ~~لم يكن لها أقارب فعلى بيت المال، وإن لم يكن هناك بيت مال فعلى المسلمين ~~كما قررناه في الميت إذا كان رجلا فلا يفترقان فيما ذكرناه. PageV04P360 # وإن كان لها زوج فهل يكون كفنها في مالها أو على زوجها؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن كفنها واجب على زوجها غنية كانت أو فقيرة. وهذا هو رأي ~~الهادي على ما حصله أبو العباس لمذهبه، ومحكي عن الشافعي في أحد قوليه، ~~ومروي عن أبي إسحاق من أصحابه. # والحجة على هذا: هو أنه يرثها فيلزمه من كسوتها ما كان يلزمه في حال ~~حياتها ولأن كل من وجبت كسوته على شخص في حال الحياة وجب عليه تكفينه ~~كالمملوك من العبد والأمة، فإذن كفنها تابع للزوم النفقة. وقد تقرر أنها ~~على الزوج في حال الحياة فيجب ms1773 كفنها عند الموت عليه. # المذهب الثاني: أن كفنها واجب في مالها إذا كانت غنية، فإن كانت فقيرة ~~فعلى الأقارب إن كانوا أغنياء، وإن لم يكن أقارب أو وجدوا وكانوا فقراء ففي ~~بيت المال، فإن لم يكن بيت مال فعلى المسلمين لما ذكرناه في الرجل إذا كان ~~فقيرا. وهذا هو رأي المؤيد بالله ومحكي عن محمد بن الحسن. # والحجة على هذا: هو أن الموت قد قطع عصمة النكاح بين الزوجين فلم يجب على ~~الزوج كفنها كالأجنبية. # المذهب الثالث: أنها إن كانت غنية ففي مالها، وإن كانت فقيرة فعلى زوجها. ~~وهذا هو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف. # والحجة على هذا: هو أنها إذا كانت غنية فهي كسائر الأموات لإنقطاع عصمة ~~النكاح بينها وبين زوجها، وإذا كانت فقيرة وجب ذلك على زوجها لأن الكفن ~~تابع للكسوة في حال الحياة فلهذا أوجبناه على الزوج مع فقرها. # والمختار: وجوب الكفن في مالها إذا كانت غنية كما قاله المؤيد بالله ومن تابعه. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أنها امرأة غنية بالمال فوجب أن يكون كفنها في مالها ~~كالتي لا زوج لها. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إنه كل من وجبت نفقته وكسوته على شخص في حال الحياة وجب عليه ~~تكفينه كالعبد والأمة. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن المعنى في الأصل هو الملك في العبد والأمة بخلاف الزوجة ~~فهي غير مملوكة فافترقا. PageV04P361 # وأما ثانيا: فلأن النفقة إنما وجبت للزوجة في حال الحياة لعصمة النكاح وفي ~~مقابلة الاستمتاع، ولأن قد بطلت العصمة والاستمتاع بالموت فلهذا لم يجب ~~كفنها عليه ووجب في مالها. # المسألة الثالثة: وإذا تشاجر الورثة فقال بعضهم: أنا أكفنه من مالي. وقال ~~بعضهم: بل يكفن من التركة. فإنه يكفن من التركة لأن في كفنه من بعص الورثة ~~منة على الباقين ولا يلزمهم قبول منته. # وإن مات محرما فهل ينقطع إحرامه بموته أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن إحرامه باق بعد موته وأنه غير منقطع عنه بموته. وهذا هو ~~رأي أمير المؤمنين ms1774 كرم الله وجهه وعثمان وابن عباس من الصحابة رضي الله ~~عنهم، وعطاء من التابعين، ومن الفقهاء الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن ~~راهويه، وهو قول الشافعي، وعلى هذا لا يلبس المخيط ولا يخمر رأسه، ولا يحنط ~~بحنوط فيه طيب؛ لأن ما هذا حاله محرم على المحرم في حال الحياة ولم ينقطع ~~بالموت. # وحكي عن طائفة من العلماء: أنه ينقطع إحرامه بموته. فمن الصحابة ابن عمر ~~وعائشة، ومن الفقهاء أبو حنيفة والأوزاعي ومالك، ومحكي عن زيد بن علي ~~والناصر، وقد ذكرنا الإحتجاج لكل واحد من المذهبين، وذكرنا المختار ~~والانتصار له في باب الغسل فأغنى عن الإعادة. # وإن ماتت امرأة معتدة عن الوفاة، فهل يسقط عنها تحريم الطيب. فالذي يأتي ~~على المذهب أنه يسقط عنها تحريمه وتحنط بالطيب لأن المعتدة إنما حرم عليها ~~الطيب لئلا يدعو ذلك إلى النكاح، وهذا لا يوجد بعد الموت فلهذا سقط ~~التحريم، وهو أحد قولي الشافعي. وله قول آخر أنه لا يسقط عنها التحريم ~~كالمحرمة. PageV04P362 # وتكره المغالاة في الأكفان. لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تغالوا في ~~الأكفان فإن الكفن سلب سريع فإن يكن من أهل الجنة يكفن من الجنة، وإن يكن ~~من أهل النار يكفن من النار)) (1). # ومعنى المغالاة: أن يكون الثمن غاليا لنفاسته وعلو قدره. # ويستحب أن يكون سحقا خلقا. لما روي أن أبا بكر لما قربت وفاته أمر بثوبين ~~سحقين فغسلا وقال: إنهما عن قريب وصارا إلى المهلة(2)، # فإن غالى الميت في وصيته أجزأ ذلك ما زاد على الوسط مما يكفن به الميت ~~ويكون الزائد من ثلثه لأنه يكون وصية فنفوذه من الثلث. وفي حديث آخر عن ~~الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبا سريعا فإما بدل خيرا ~~منه وإما بدل شرا منه)) (3). PageV04P363 # وإن سرق كفن الميت نظرت، فإن كان بعد استيفاء الغرماء ديونهم وحيازتها لم ~~ينقص شيء مما أعطوه وكانوا أحق بها لأنهم قد ملكوها بحق لهم فلم يجز أخذ ~~شيء منها كما ms1775 لو لم يسرق، وإن كان قبل استيفاء الغرماء حقوقهم كفن من رأس ~~ماله لأن المال باق على ملكه فلهذا وجب تكفينه منه فإن مانع الغرماء لم ~~يلتفت إلى منعهم لأن ما هذا حاله مستثنى قبل الديون والوصايا، وهكذا لو نبش ~~من قبره وسلب أكفانه يكون الحال كما ذكرناه، وإن لم يوجد من الأكفان إلا ~~ثوب قصير كفن به، لما روى أن حمزة بن عبدالمطلب لما قتل في أحد كفنه رسول ~~اللهصلى الله عليه وسلم برداء إذا غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطيت رجلاه بدا رأسه، فقال ~~الرسولصلى الله عليه وسلم: ((غطوا رأسه واجعلوا على رجليه شيئا من الحشيش))(1). # ولأن الرأس أفضل ما في بدن الإنسان فكان أحق بالتغطية، وروي عن الرسولصلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: ((غطوا رؤوس موتاكم وخمروها ولا تكشفوها كاليهود))(2). PageV04P364 # وإن لم يوجد له شيء من الثياب التي تواري عورته غطيت عورته بالشجر لما روي ~~أن مصعب بن عمير لما قتل في أحد ولم يكن له إلا نمرة إذا غطي بها رأسه بدت ~~رجلاه، وإن غطيت بها رجلاه بدا رأسه، فقال الرسولصلى الله عليه وسلم: ((غطوا بها رأسه ~~واجعلوا على رجليه شيئا من الاذخر)). وإذا جاز تغطية رجليه عند العدم فهكذا ~~يغطى كله إذا عدمت الثياب، ولأن ذلك جائز للعاري في حال الحياة أن تستر ~~عورته بالشجر، فهكذا في الأموات أحق وأولى. والنمرة: بفتح النون وكسر الميم ~~هي ثوب من صوف فيه خطوط من بياض وسواد. # الفرع الثاني: في أعداد الأكفان وصفتها. وفيه مسائل ثلاث: # المسألة الأولى: قال الهادي: يكفن الميت فيما يمكن ويوجد ويختاره أهله من ~~الثياب من سبعة أو خمسة أو ثلاثة أو واحد، فإن كان سبعة فحسن، وإن كان خمسة ~~فحسن، وإن كان ثلاثة فحسن. نص على ذلك كله في الأحكام. # واعلم.. أن أقل ما يكفن به الإنسان ما يستر عورته. # وظاهر كلام الإمامين القاسم والهادي أن أقل ما يكفن به الميت الثوب ~~الواحد. # قال القاسم: يكفن في ثوب واحد إذا لم يوجد غيره. ms1776 فظاهر كلامهما: على أن ~~أقل ما يكفن به الميت الثوب الواحد. # والمختار: هو الأول لما رويناه من حديث حمزة ومصعب بن عمير فإنهما كفنا ~~فيما دون الثوب وجعل على ما بقي من جسدهما أذخر، وإن حصل من الثياب ما يستر ~~بعض الجسم ستر به العورتان لأنهما أحق بالستر، وإن حصل ما يستر به إحدى ~~العورتين ستر به القبل لأن الدبر مستور بالإليتين، فكشف القبل أفحش من كشف ~~الدبر، فلهذا كان أحق بالستر ويجعل على ما بقي من الجسد شجر من الأذخر وغيره. # فأما الثوبان فقد روى أبو عبيد الهروي: أن الرسولصلى الله عليه وسلم كفن في ثوبين صحاريين. ~~وصحار بالصاد المهملة والحاء المهملة قرية تعمل فيها الثياب، وهي رواية ~~غريبة لم يذكرها البخاري ولا الترمذي في صحيحيهما ولا عثرت عليها في كتب ~~الحديث وهي مستغربة من وجهين: # أما أولا: فلم يذكرها غيره من المحدثين. PageV04P365 # وأما ثانيا: فلأن السنة في الكفن الوتر والإثنان ليسا وترا. # وأما الثلاثة من الأثواب فهي المستحبة لاتفاق الروايات على أن الرسولصلى الله عليه وسلم ~~كفن في ثلاثة أثواب. # قال المؤيد بالله: والأحب إلينا أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب. لما روى ~~زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه كفن رسول اللهصلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب. # وروى الترمذي في صحيحه: أن الرسولصلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض يمانية. # وروي: أن عمر كفن في ثلاثة أثواب ثوبين سحوليين وثوب كان يلبسه. # والعمامة غير مستحبة في الثلاثة باتفاق بين نقلة الأحاديث. # وهل يكون القميص مستحبا في الثلاثة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن القميص غير مستحب في الثلاثة. وهذا هو رأي المؤيد ~~بالله، ومحكي عن أبي حنيفة. # والحجة على هذا: ما روت عائشة أن الرسولصلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ~~ليس فيها قميص ولا عمامة. والسحول بالسين والحاء المهملتين قرية في اليمن ~~تعمل فيها هذه الأثواب، بفتح السين وبضمها: الثياب الشديدة البياض، وعلى ~~هذا يجعل أحدها ms1777 لفافة من السرة إلى الركبة ويدرج في اثنين فتكون اللفافة ~~إزارا في حقويه. # المذهب الثاني: أنه يستحب فيها القميص. وهذا هو رأي الهادي، ومحكي عن ~~الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي أن الرسولصلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب: قميص ~~غير مخيط، وإزار يبلغ من سرته إلى ركبته، ولفافة يلف بها من قرنه إلى قدمه. # والمختار: أنه لا يستحب القميص في الثلاثة كما قاله المؤيد بالله. # وحجته: ما ذكرناه.. # ونزيد هاهنا: وهو أن الروايات في ترك القميص في الثلاثة أكثر وأشهر، ~~فلهذا كان التعويل عليه أحق. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: روى زيد بن علي أنهصلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة، أحدها قميص من غير عمامة. # قلنا: الأكثر الذي عليه أهل العلم وأهل الحديث ما روته عائشة من أن ~~الأفضل هو الثلاثة من غير قميص ولا عمامة، ولأن اللفافة إذا كانت في الكفن ~~يلف في ثوبين كان أقوى وأستر للميت. PageV04P366 # وأما الخمسة من الأثواب في الأكفان فهي جائزة. لما روي أن ابن عمر كان يكفن ~~أهله في خمسة أثواب فيها قميص وعمامة. # وهل تكون مستحبة أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها مستحبة. وهذا هو الظاهر من مذهب الهادي. # والحجة على هذا: ما روي أن الرسولصلى الله عليه وسلم كفن ابنته في خمسة أثواب قميص وعمامة ~~وأدرجت في ثلاثة(1). # ظاهر الحديث دال على استحباب الخمسة كما ذكرنا، وفي استعمال خمسة الأثواب ~~في الكفن عنه روايتان: # الرواية الأولى: رواية الأحكام أنه يلبس قميصا ويعمم بعمامة ويدرج في ~~ثلاثة. لما روينا من حديث بنت رسول اللهصلى الله عليه وسلم أنها كفنت على هذه الصفة. # الرواية الثانية: رواية المنتخب أنه يلبس قميصا ويؤزر بمئزر ويدرج في ~~ثلاثة. فجعل هاهنا المئزر عوضا عن العمامة. # المذهب الثاني: أن الخمسة جائزة غير مستحبة. وهذا هو رأي المؤيد بالله ~~ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن الأحاديث كلها دالة على استعمال الثلاثة في الكفن. # قال المؤيد بالله: والأحب ألا يزاد ms1778 على الثلاثة. والدلالة على عدم ~~الاستحباب فيما زاد على الثلاثة هو أن الأحاديث والأخبار الواردة في الخمسة ~~قليلة فلهذا كان التعويل في الاستحباب على الثلاثة كما ذكرناه. # والمختار: هو جوازها من غير استحباب كما قاله المؤيد بالله. # وحجته على ذلك: ما ذكرناه.. # ونزيد هاهنا: وهو أن الأصل عدم الاستحباب فلا يقدم عليه إلا بدلالة شرعية ~~ولا دلالة هاهنا تدل على استحبابها فلهذا اقتصرنا فيها على الجواز. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. PageV04P367 # قالوا: كفن رسول اللهصلى الله عليه وسلم ابنته في خمسة فدل ذلك على استحبابها. # قلنا: إنما أراد بذلك بيان الجواز. والاستحباب إنما يكون على خلاف ذلك ~~بالأمر وتكرر الفعل، فأما الفعل مرة فإنما يدل على الجواز وعلى أنه غير مكروه. # وأما السبعة من الأثواب في التكفين فلا خلاف في أنها غير مستحبة وإنما ~~التردد في جوازها وعدم جوازها ولم أعلم أن أحدا من العلماء قال بجوازها قبل ~~الهادي. # وحجته على جوازها: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال حين ماتت ابنته: ((اغسلنها ~~ثلاثا أو خمسا إن رأيتن أو أزيد من ذلك)). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أنه إذا جاز أن يكون عدد الغسلات أزيد من خمس ~~جاز أن يكون عدد الكفن أزيد منها والجامع بينهما هو أن كل واحد منهما تجهيز ~~للميت يدخله العدد، لكن الزائد على سبع لم يقل به قائل فيجب أن يكون مطرحا ~~في الغسلات والكفن، ويجب الاقتصار على السبع فيهما جميعا، وهذا هو المقصود، ~~وعلى هذا يكون استعمالها أن يلبس الميت قميصا ويؤزر بمئزر ويعمم بعمامة ~~ويدرج في أربعة لأنه قد استوفى لباس الرأس بالعمامة ولباس البدن بالقميص ~~ولباس الوسط بالمئزر، فلا وجه للتكرير فيها فلم يبق إلا أن تكون اللفائف ~~التي يدرج فيها أربعة لأنه لم يرد التكرير إلا في اللفائف التي يدرج فيها ~~الأموات دون غيرها من سائر لباس الرأس والبدن وقد ورد التكرير في اللفائف ~~في الثلاثة والخمسة كما قررناه من قبل. # والمختار: أن السبعة مكروهة لأمرين: # أما أولا: فلما ms1779 فيه من السرف المستغنى عنه، وقد قالصلى الله عليه وسلم: ((خير الأمور ~~أوساطها وشرها محدثاتها)). # وأما ثانيا: فلأنه لم يقل بها أحد من المحدثين ولا نقلها ناقل منهم ولا ~~ذهب إليها ذاهب من الصحابة والتابعين. # والانتصار: يكون بالجواب عما ذكره الهادي. # قوله: إن الرسولصلى الله عليه وسلم أمر النساء أن يغسلن ابنته ثلاثا أو خمسا إن رأيتن. ~~فعلق الزيادة برأيهن ولا قائل بالزيادة على السبع في الغسل، فهكذا يكون ~~الكفن ولأنه جهاز للميت يتعلق بالعدد. PageV04P368 # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الغسل من باب الطهارات فلا مدخل للأقيسة فيها لأن موردها ~~الشرع وهي أمور غيبية استأثر الله بعلمها ورسوله. # وأما ثانيا: فلأن المعنى في الأصل كونها طهارة والطهارة مشروع فيها ~~التكرير لإزالة النجاسة بخلاف الأكفان فافترقا. # فإن قال قائل: فإذا كان الهادي لم يسبقه أحد بهذه المقالة فهل يكون ~~مخالفا للإجماع أم لا؟ # قلنا: حاشا لفكرته الصافية ونظره الموفق أن يخالف إجماعا وقدره أعلى ~~وأشرف لأمرين: # أما أولا: فلأن الأمة لم تصرح بالمنع عن التكفين بالسبعة من الأثواب فلا ~~يكون خارقا للإجماع إلا إذا صرحوا بما ذكرناه. # وأما ثانيا: فلأنه يجوز أن يستنبط المجتهد حكما لم يستنبطوه، وأن يعلل ~~بعلة لم يذكروها وأن يستدل بدليل لم يظفروا به، وما هذا حاله لم يكن مخالفة ~~للإجماع، فهكذا إذا قال بجواز التكفين بالسبعة لعلة استنبطها لم يكن عليه ~~حرج في ذلك فلأجل ذلك قلنا: إنه غير مخالف للإجماع. # المسألة الثانية: في المرأة. # وهي كالرجل، وأقل ما يجزئ في كفنها ما يستر عورتها على قدر الإمكان ~~والوجود، فإن وجد ثوب غامر كفنت فيه، وإن وجد ما يستر عورتها جعل على ~~الباقي من جسدها من حشائش الأرض وأشجارها ما يواري جسدها، وإن وجد ما يستر ~~إحدى العورتين ستر به القبل لأنه أحق من الدبر كما ذكرناه في حق الرجل، ~~ويجوز تكفينها في الثلاثة إذا وجدت، مئزر وتدرج في إثنين على رأي الهادي من ~~غير قميص، وعلى رأي المؤيد بالله: قميص وإزار وتدرج في ms1780 ثوب واحد، وإن وجدت ~~السبعة جاز تكفينها فيها على رأي الهادي قميص وإزار وخمار وتدرج في أربعة ~~على ما قدمناه. # وأما الخمسة: فهي المستحبة في كفن المرأة. لما روي: أن الرسولصلى الله عليه وسلم كفن ابنته ~~في خمسة أثواب. # وهل يستحب أن يكون أحدها قميصا أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه غير مستحب. وهذا يأتي على رأي الهادي، وهو أحد قولي الشافعي. PageV04P369 # والحجة على هذا: هو أنها ميتة فلم يستحب في كفنها المخيط كالرجل، ولأن ~~الدرع إنما يحتاج إليه ليكون ساترا للمرأة في تصرفاتها، والميت لا يتصرف ~~بحال، وعلى هذا تؤزر بإزار وتخمر بخمار وتدرج في ثلاثة أثواب. # وثانيهما: أنه يستحب أن يكون أحدها قميصا. وهذا هو الذي يأتي على رأي ~~المؤيد بالله، وهو أحد قولي الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن أم عطية قالت: لما غسلنا بنت رسول الله كان ~~جالسا على الباب يناولنا الأكفان واحدا واحدا، فناولنا إزارا وقميصا وخمارا ~~وثوبين. وهذا هو الأفضل في حق المرأة لأن أفضل حال الإنسان إذا كان محرما ~~فلما كان للمرأة المحرمة لبس المخيط فهكذا بعد الموت يستحب لها، فعلى هذا ~~تؤزر بإزار وتخمر بخمار وتلبس القميص وتدرج في ثوبين، وحكي عن الشافعي أنه ~~قال: يشد على صدرها بثوب لتجتمع. واختلف فيه أصحابه على قولين، فحكي عن أبي ~~إسحاق أنه قال: ليس يكون من جملة الأكفان لأنه يكون سادسا ولم ترد به ~~السنة. ولا حاجة إلى شد الأكفان بثوب على انفراده بل يشد بالخيوط وفيه غنية ~~عن ثوب سادس. # ويستحب تكفين الخنثى فيما تكفن به المرأة من هذه الأثواب الخمسة لأنه إن ~~كان رجلا فالخمسة جائزة غير مستحبة في حقه، وإن كان امرأة فالخمسة مستحبة ~~في حقها فلهذا كفن فيها. # المسألة الثالثة: وهل يكره تكفين الميت في الثيات المصبوغة بالمعصفر ~~والمزعفر والمورس أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: جواز ذلك من غير كراهة. وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن ~~أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أن ما هذا حاله ms1781 يجوز لبسها له في حال الحياة فجاز ~~لبسها له عند الموت. # المذهب الثاني: كراهة ذلك. وهذا هو رأي الشافعي. PageV04P370 # والحجة على هذا: قولهصلى الله عليه وسلم: ((خير لباسكم البياض فالبسوها وكفنوا فيها موتاكم)) ~~. وهذا يعم الرجال والنساء. وهكذا الحال في الثياب الحريريه من الديباح ~~والأبريسم فإنه يجوز للمرأة التكفين فيه لأنه جائز لها لبسه في حال الحياة، ~~ويأتي على رأي الشافعي كراهته لما رويناه من الحديث. # والمختار: جواز ذلك من غير كراهة كما حكي عن الأئمة لأن حال الموت معتبر ~~بحال الحياة فإذا جاز في حال الحياة جاز في حال الموت من غير تفرقة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قوله: قد ورد عن الرسولصلى الله عليه وسلم: ((البسوا هذه الثياب البيض وكفنوا فيها ~~موتاكم)). وهذا عام. # قلنا: إنا لا ننكر أن الثياب البيض أفضل لما روى ابن عباس أن الرسولصلى الله عليه وسلم ~~قال: ((البسوا هذه الثياب البيض فإنها خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم)). ~~وقولهصلى الله عليه وسلم: ((البسوا الثياب البيض فإنها أطيب وأطهر وكفنوا فيها موتاكم)). ~~وقولهصلى الله عليه وسلم: ((خلق الله الجنة بيضاء وإن أحب إلى الله الثياب البيض فليلبسها ~~أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم)) (1). # فهذه الأحاديث كلها دالة على فضل البياض من الثياب ولكنا نقول: ما كانت ~~تلبسه المرأة في حال حياتها جاز تكفينها به من غير كراهة. # وكيف يكون حال الأطفال في الكفن؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن حالهم كحال البالغين في الكفن فيستحب أن يكون كفنهم ~~ثلاثة أثواب. وهذا هو الذي يأتي على المذهب. وهو محكي عن الشافعي. PageV04P371 # والحجة على هذا: هو أن الطفل لما ساوى الكبير في صفة الكفن وما يجوز فيه ~~وما لا يجوز ساواه في مقداره. # المذهب الثاني: أن الصبي إنما يكفن في خرقتين. وهذا هو رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم [في] (1) # الأعرابي الذي خر من ناقته فمات فقال: ((كفنوه في ثوبيه اللذين مات ~~فيهما)). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن حال الأطفال متميز عن ms1782 حال البالغين فيجب أن ~~يكونوا أنقص حالا من البالغين لما كانوا غير مكلفين فلهذا كان الثوبان ~~كافيين في أمرهم وهو أدنى ما شرع في حق الأموات كما ذكرناه من حال ~~الأعرابي. # والمختار: أن حكمهم حكم البالغين في جميع الأحكام الشرعية إلا ما قامت ~~عليه دلالة خاصة فيما يتعلق بالنقصان من العقل وكماله، وحال الموت فيما ~~يتوجه فيه الإستواء بحال البالغين من غير تفرقة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: الأطفال حالهم متميز عن حال البالغين في حال الحياة بأمور كثيرة ~~فيجب تميزهم في الأكفان بما ذكرناه. # قلنا: التمييز حاصل بينهم وبين البالغين بأمور كثيرة ولو لم يكن إلا ~~بالعقل والتكاليف، فإذا اجتمعوا في الكفن لم يبطل تميزهم بما ذكرناه. # وأما صفة الأكفان فيستحب أن تكون ثيابا بيضا لما قدمناه من فضل البياض. # ويستحب أن تكون رباطا والربطة الثوب الذي ليس ملفقا من ثوبين، وهكذا حال ~~الثوب الحبره فإنه الذي ليس ملفوقا من شقين. # ويستحب أن يبخر الكفن على مشجب أو عود مما يرفعه عن النار، لما روي عن ~~النبيصلى الله عليه وسلم: ((إذا جمرتم الميت فجمروه ثلاثا))(2). PageV04P372 # والغرض: أكفان الميت لأن الميت لا يمكن تجميره ولأنه ربما ظهر من الميت شيء ~~فيغلبه ريح البخور ولهذا فإنه يستحب أن يبخر الميت من حين يموت وتوضع ~~بإزائه مجمرة لأنه في الغالب لا ينفك عن رائحة كريهة عند الموت. # ويستحب في ثياب الأكفان أن تكون واسعة عريضة لتكون شاملة لبدن الميت ~~ويمكن ضم بعضها إلى بعض. # وإن اختلف الورثة في قدر الكفن فقال بعضهم: يكفن في ثلاثة أثواب، وقال ~~بعضهم: يكفن بثوب واحد، وقال بعضهم: يكفن بما يستر عورته، ففيه إحتمالات ثلاثة: # الاحتمال الأول: أن يقدم قول من دعا إلى الأثواب الثلاثة لأنها هي التي ~~وردت بها السنة كما أوضحناه من قبل. # الاحتمال الثاني: قول من دعا إلى ثوب واحد لأنه هو الواجب من جهة أنه يعم ~~جميع البدن ويشمله. # الاحتمال الثالث: أنه يقدم قول من دعا إلى ستر العورة لأن الثياب إذا ms1783 ~~ضاقت كانت العورة أحق بالستر كما مر بيانه. # والمختار من هذه الاحتمالات، وهو الذي يأتي على المذهب، أنه ينظر في حال ~~الميت فإن كان مؤسرا كفن في أثواب مرتفعة وإن كان متوسطا بين الغني والفقير ~~كفن في أثواب متوسطة وإن كان فقيرا ففي ثياب أدنى من المتوسط اعتبارا بحاله ~~في حال الحياة فإن حال الموت إن لم تكن ناقصة عن حال الحياة لم تكن زائدة، ~~فلهذا كان الأمر كما قلنا. # قاعدة: اعلم أنه لا خلاف بين أئمة العترة وفقهاء الأمة في أنه يجب تكفين ~~الميت من الوسط من رأس ماله، وأنه يجب جهازه قبل قضاء ديونه وتنفيذ الوصايا ~~وقسمة المواريث من الغسل والحفر والكفن وحمل الجنازة إلى غير ذلك من الأمور ~~التي لا بد له منها في جهازه وإدخاله قبره، ولكن اختلفوا في قدر الوسط على ~~ثلاثة أقوال: PageV04P373 # فالقول الأول: ذكره الهادي في كتاب الوصايا: أنه مقدر بربع عشر ماله. وهذا ~~محمول على أن الميت الذي سئل الهادي عن حاله يبلغ عشر ماله كفنا وسطا فلأجل ~~هذا قدره بربع العشر الذي ذكره في الأحكام وحصل من مذهبه أن الكفن من رأس ~~المال الوسط وما زاد على الوسط فهو من ثلث ماله. # القول الثاني: محكي عن الشافعي، وهو أن الغرماء إذا خاصموا ومنع الورثة ~~وكان الميت وسطا في الرفعة والدناءة فإن كفنه يكون ثلاثة أثواب من رأس ماله ~~ومن الحنوط ومما يحتاج إليه مقدرا معروفا لا إسرافا ولا تقتيرا، والباقي ~~للغرماء ثم للورثة، وإن كان مقلا فالواجب ما يستر البدن وهي لفافة وما زاد ~~فهو استحباب ولهم المنع من ذلك. # القول الثالث: محكي عن أبي حنيفة، أن الواجب الذي لا اعتراض فيه من جهة ~~الوارث ولا من جهة الغرماء ثوبان من رأس ماله. كما قاله أصحابنا. # ولا خلاف أن كل من لا مال له من الأموات ولا أحد ممن تلزمه نفقته في حال ~~حياته، أن كفنه في بيت مال المسلمين، فإن لم يكن هناك بيت مال أو كان خلا ~~أنه خلا ms1784 عن المال في ذلك الوقت فإن كفنه على المسلمين. # فإن لم يوجد للميت كفن يكفن به ويوارى، فإنه يلقى عليه شجر يغطي عورته، ~~فإن لم يوجد شجر يوارى به من الأشجار فكيف يصنع به؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يلقى في لحده مثل حالته مع الكفن على جنبه الأيمن ~~مستقبلا للقبلة. وهذا هو الذي ذكره الهادي في الأحكام، وهو محكي عن أكثر ~~العلماء لأن عدم الكفن لا يغير حاله في وضعه في لحده على ما ذكرناه، ~~والأدلة ما فصلت في ذلك في وضعه على ما ذكرناه سواء كان مكفنا أو عاريا عنه. # المذهب الثاني: يوضع في لحده إذا كان عاريا عن الكفن مكبوبا على وجهه في ~~لحده. وهذا هو المحكي عن ابن عباس والمذكور في المنتخب. # ووجهه: هو أنه أستر لعورته لأن الدبر مستور بالإليتين فلهذا وضع على جنبه. PageV04P374 # والمختار: ما عليه أكثر العلماء من وضعه لجنبه. وهذا الخلاف قد انقرض فلا ~~وجه للكلام عليه والحمد لله وحده. # الفرع الثالث: في كيفية التكفين. وفيه مسائل ثلاث: # المسألة الأولى: والمستحب أن يعمد إلى أوسع الأكفان وأحسنها فيبسط ويذر ~~عليه الحنوط ثم يبسط الذي بعده ويذر عليه الحنوط، ثم الثالث الذي يلي بدن ~~الميت اعتبارا بالحي، فإنه يجعل أحسن ثيابه ما كان ظاهرا للتجمل فهكذا حال ~~الميت ثم تذر الذريرة ويجعل الحنوط فيما بين هذه الأكفان. # قال الهادي: ثم تذر الذريرة على الأكفان، وظاهر كلامه أنها تذر على جميع ~~الأكفان كلها وعلى الذي يلي بدن الميت لأنه يكون أقوى لبدنه وأشد. ثم ينزع ~~عنه الثوب الذي نشف فيه بعد غسله ثم ينقل إلى أكفانه التي قد بسطت يلقى على ~~فقاه ثم يؤخذ قطن منزوع الحب (البرعم) عنه ويذر عليه الحنوط والكافور ويدخل ~~بين إليتيه يجعل على صورة الموزة، فإن كانت علة المريض من إسهال في بطنه ~~فإنه يستدخل القطنة إستدخالا عظيما إلى الدبر ليكون مانعا للخارج من ~~الخروج، وإن كان مرضه من غير ذلك استدخل دون ذلك الإستدخال ليكون قاطعا ~~للروائح، ثم ms1785 يؤخذ قطن منزوع الحب ويذر عليه الحنوط والكافور ويوضع على الفم ~~والمنخرين والعينين والأذنين وعلى جرح نافذ إن كان حاصلا فيه ليخفي ما يظهر ~~منه من الرائحة في هذا الموضع، ثم يذر الحنوط والكافور على قطن منزوع الحب ~~ويوضع على مواضع السجود من بدنه، لما روي عن ابن مسعود أنه كان يتبع بالطيب ~~مساجده ولأنها قد شرفت بالسجود فلهذا استحب تطييبها. # ويستحب وضع الطيب في لحيته ورأسه لأن الحي يطيبهما إذا تطيب، وإن كان في ~~الحنوط سعة طيب جميع بدنه بالحنوط والكافور لأنها تقوي الجسم وتشده عن ~~التغيير. PageV04P375 # قال الهادي في المنتخب: ويوضع شيء من الكافور على مساجده تعظيما لها من ~~جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وقدميه. وهو محكي عن الناصر أيضا، ومروي عن أكثر ~~العلماء، لما ذكرناه من شرفها بالسجود فلهذا شرفت بالطيب، فإذا فرغ من ذلك ~~وادرج في الثياب ضم بعضها إلى بعض فيبدأ بالأيسر على الأيمن ثم بالأيمن على ~~الأيسر لأن هذه عادة الأحياء في الثوب والرداء فهكذا حال الموت أيضا، ويجعل ~~ما يلي الرأس من الأكفان الزائدة أكثر مما يلي الرجلين كما يفعله الأحياء ~~فإن ما على رأسه أكثر مما على الرجلين ويرد ما بقي عند رأسه على وجهه ويلقى ~~ما عند رجليه على ظهر قدميه. فإن خافوا على الأكفان الإنتشار فلا بأس في ~~عقدها عليه، فإذا أدخلوه قبره حلوها لأنه لا حاجة إلى عقدها بعد وضعه في ~~لحده لأن الإنتشار قد أمن، فإن كان الكفن قصيرا لا يعم جميع بدنه ستر به ~~عورته وما بقي من ستر عورته غطي به رأسه ووجهه وصدره لما ذكرناه من حديث ~~مصعب بن عمير. # المسألة الثانية: والحنوط عبارة عن رؤوس الأطياب كالعود الرطب وهو ~~الألوة(1)، # والعنبر وماء الورد والكافور. والذريرة من الصندل والسنبل والثمرة. # فأما العود والعنبر: فتبخر بهما الأكفان حتى تعبق لأنهما لا يستعملان إلا ~~على هذه الصفة. # وأما ماء الورد: فيرش على الأكفان بعد الفراغ منها وضمها على الميت. PageV04P376 # وأما الذريرة: فتذر على الأكفان كما وصفناه واحدا بعد ms1786 واحد، وتجعل في لحية ~~الميت ورأسه وجميع بدنه. # وأما الكافور: فيوضع في الماء وفي مساجده كما ذكرناه من قبل. # وهل يستحب المسك في الحنوط أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يستحب. وهذا هو رأي الهادي والمؤيد بالله، ومحكي عن ~~أكثر العلماء من الصحابة والتابعين. # قال الهادي في الأحكام: ويستحب الحنوط بالمسك وقد كرهه قوم ولسنا نكرهه. # والحجة على هذا: ما روي أنه كان في حنوط رسول اللهصلى الله عليه وسلم الذي أنزل من الجنة، ~~وفي حنوط أمير المؤمنين كرم الله وجهه الذي استبقاه من حنوط رسول اللهصلى الله عليه وسلم ~~فحنط به. # المذهب الثاني: أنه يكره. وهذا هو المحكي عن الناصر، وروي عن عطاء وطاووس ~~من الفقهاء، كراهته. وحكي عن القاسم أنه قال: رأيت آل محمد منهم من يكرهه ~~ومنهم من لا يرى به بأسا. # وحجتهم على هذا: هو أن الميت للنفاد والبلى، والمسك إنما هو للأحياء. # والمختار: أن المسك يستحب في الحنوط. لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أطيب ~~الطيب المسك))(1). # ولأنه قد وضع في حنوط رسول اللهصلى الله عليه وسلم، وفي حنوط أمير المؤمنين كرم الله وجهه، ~~ولأنه مما يشبه الكافور في شد الجسم فلهذا استحب. # ويكره استعمال العصفر والزعفران والورس في حنوط الرجال لما روي عن ~~الرسولصلى الله عليه وسلم، أنه نهى عن لبس المعصفر والمزعفر والمورس للرجال(2). PageV04P377 # ولما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خير طيب الرجال ما خفي لونه وظهر ريحه، ~~وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه)) (1). # لا خلاف في كراهته للرجال. # وهل يجب الحنوط للميت أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه واجب. لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اصنعوا بميتكم مثل ما ~~تفعلون بعروسكم)) وأعظم ما يفعل بالعروس استعمال الطيب. # وثانيهما: أنه غير واجب. ولهذا فإنه لا يجب في حق المفلس وفي حق من ~~استغرق ماله بالديون، ولو كان واجبا لم يكن لهم منعه. # والمختار: هو الأول لما روي عن الرسولصلى الله عليه ms1787 وسلم أنه قال للنساء اللواتي غسلن ~~ابنته: ((اجعلن في الماء شيئا من الكافور))(2). # وظاهر الأمر للوجوب إلا لدلالة، وأيضا فإن هذا ما جرى عليه الخلف والسلف ~~ولم ينكره أحد، وواضبوا على فعله، وفي هذا دلالة على كونه واجبا ولأنه أمر ~~يتعلق بجهاز الميت فكان واجبا، كالكفن والغسل. PageV04P378 # المسألة الثالثة: وأما المرأة فلا بأس بالحنوط لها مما به يحنط الرجال من ~~الطيب كله وتختص بجواز الحنوط بالورس والزعفران والعصفر لأنه مما يباح لها ~~في حال الحياة فهكذا حال الموت. وحكي عن الشافعي أنه قال: وتشد على الميت ~~خرقة مشقوقة الطرف بإحدى إليتيه وعانته ثم تشد عليه كما يشد التبان الواسع. ~~وأراد بكلامه هذا أن الخرقة تشق نصفين أعلاها، يكون أحدهما في خاصرته ~~اليمنى والآخر في خاصرته اليسرى ثم يلتقي طرفاها فيعقدان في وسط حقوه كما ~~ذكرناه في الإستثفار للمستحاضة. والتبان: بتاء مقدمة بنقطتين من أعلاها ~~وبموحدة بنقطة من أسفلها وهو السراويل من غير تكة. وهذا الذي ذكره الشافعي ~~لا وجه له في حق الميت لأمرين: # أما أولا: فلأن المستحاضة إنما كانت محتاجة إليه لأجل مشيها وتصرفها وهذا ~~مفقود في حق الميت. # وأما ثانيا: فلأنه إنما يحتاج إليه إذا كان الميت مات من إسهال في بطنه ~~فيخشى أن يخرج من بطنه شيء فتكون الخرقة مانعة من خروج ما يخرج، فأما إذا ~~كان لا يخشى ذلك فلا وجه لهذه الخرقة المشقوقة لما ذكرناه. # ومن مات في البحر ولم يكن البر قريبا منهم، فإن كان قريبا وجب إخراجه من ~~السفينة وغسله وتكفينه ودفنه في البر، فأما إذا لم يكن ممكنا فإنه يغسل ~~ويكفن ويحنط ويصلى عليه ثم يعصب برجله ما يكون مثقلا له ليرسب في البحر ~~لأنه إذا لم يثقل بحجر طفا على وجه البحر. # وإنما قلنا: إنه يعصب به شيء ليرسب في البحر، لأنه إذا لم يفعل به ذلك ~~أنتن وتغير وتأذى به المسلمون في السفينة ولا يمكنهم في هذه الحالة إلا ما ~~ذكرناه. # ولا فرق في الكفن بين القطن والكتان على أنواعهما ms1788 وبين الخلق والجديد إذا ~~كان طاهرا، وهكذا حال الصوف على أنواعه إذا كان طاهرا ولكن يستحب الخلق لأن ~~الجديد أنفع للحي والكفن يصير للبلاء والمهل والصديد في القبر. PageV04P379 # ويستحب حسن التكفين وإكماله وإتمامه وحسنه، لما روى أبو عيسى الترمذي عن ~~أبي قتادة قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: ((إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه))(1). PageV04P380 # --- ### ||| AUTO القول في حمل الجنازة # الحمل بفتح الحاء هو المصدر يقال: حمله حملا، وهو عبارة عما كان غير ~~منفصل نحو حمل البطن وحمل الشجرة. وبكسر الحاء هو الإسم، وهو عبارة عما كان ~~منفصلا، وهذا نحو حمل الظهر. قال الله تعالى: {وتضع كل ذات حمل ~~حملها}[الحج:2]. وقال تعالى: {حملت حملا خفيفا}[الأعراف:189]. لما كان غير ~~مزايل. وقال تعالى: {ولمن جاء به حمل بعير}[يوسف:72]. لما كان مزايلا. وفيه ~~مسائل [خمس]: # المسألة الأولى: حمل الجنازة واجب على الكفاية فإن تركوها أثموا وحرجوا ~~من كان منهم يمكنه ذلك. ومن لا يمكنه القيام به يسقط عنه وجوبه. وإن قام به ~~واحد منهم سقط فرضه عن الباقين. # وكيفية الحمل: تارة تكون بالتربيع، وتارة تكون بالحمل بين العمودين، ~~وأيهما يكون أفضل مع أن الجواز شامل لهما جميعا؟ وفي الأفضل مذاهب: # المذهب الأول: أن الأفضل هو التربيع، وهو أن يحمل كل واحد بجانب من جوانب ~~الجنازة الأربعة. وهذا هو رأي القاسم والهادي، ومحكي عن الثوري وأبي حنيفة ~~وأصحابه، ثم اختلف القائلون بالتربيع على أقوال أربعة: # القول الأول: أنه يبدأ بمقدم ميامنها ثم بمؤخره، ثم بمقدم مياسرها ثم ~~بمؤخره. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم، ومحكي عن زيد بن علي. PageV04P381 # والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين كرم ~~الله وجهه، أنه قال: تحمل اليد اليمنى من الميت ثم الرجل اليمنى، ثم اليد ~~اليسرى ثم الرجل اليسرى، ثم لا عليك ألا تفعل إلا مرة واحدة فإذا حملت ~~ثلاثا فقد قضيت ما عليك وكلما زدت فهو أفضل ما لم تؤذ أحدا(1). # ومثل هذا لا يقوله إلا عن توقيف ms1789 من جهة الرسول لأن ما هذا حاله لا مدخل ~~للإجتهاد فيه. # القول الثاني: محكي عن أبي حنيفة وأصحابه: وهو أن يبدأ الذي يريد أن يحمل ~~الجنازة بالمقدم من الميت الأيمن فيجعله على عاتقه الأيمن ثم بالمؤخر ~~الأيمن فيجعله على عاتقه الأيمن ثم المقدم الأيسر على عاتقه الأيسر ثم ~~المؤخر الأيسر على عاتقة الأيسر. # وحكي عن أبي حنيفة: أنه كره أن يضع مقدم السرير أو مؤخره على أصل العنق. # القول الثالث: أن يبدأ الحامل بياسرة المقدمة فيضع العمود على عاتقه ~~الأيمن ثم بياسرة المؤخرة فيضعها على عاتقه الأيمن ثم يرجع إلى يامنه ~~المقدمة فيضعها على عاتقه الأيسر ثم بيامنة المؤخرة فيضعها على عاتقه ~~الأيسر. وهذا شيء ذكره صاحب البيان ولم أعرف قائله ولا عزاه إلى أحد من ~~الفقهاء. # القول الرابع: محكي عن سعيد بن جبير، وهو أن يبدأ فيأخذ بياسرة المقدمة ~~ثم بياسرة المؤخرة كما حكيناه عن صاحب البيان، ثم يأخذ بيامنة المؤخرة ثم ~~بيامنة المقدمة. فهذه أقاويل أهل التربيع كما ترى. PageV04P382 # المذهب الثاني: أن الأفضل هو الحمل بين العمودين. وهذا هو رأي الشافعي، ~~ومحكي عن عثمان وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه حمل جنازة سعد بن معاذ(1) PageV04P383 بين العمودين. # وكيفية الحمل بين العمودين على رأيه هو أن يحمل النعش ثلاثة فواحد من ~~مقدم النعش فيضع كل عمود على كتف ويجعل رأسه بينهما، ومن المؤخر اثنان لا ~~يتأتى غير ذلك. # المذهب الثالث: محكي عن الشيخ أبي حامد من أصحاب الشافعي، والمحاملي ~~منهم، أن الأفضل هو الجمع بين التربيع والحمل بين العمودين في حمل الجنازة، ~~وإن أراد الإقتصار فالحمل بين العمودين هو الأفضل. # المذهب الرابع: محكي عن الشيخ أبي إسحاق وابن الصباغ صاحب الشامل وكلاهما ~~من أصحاب الشافعي: أن الأفضل هو الحمل بين العمودين. # المذهب الخامس: محكي عن مالك: أنهما سواء في الفضل لا مزية لأحدهما على الآخر. # فهذه المذاهب في كيفية حمل الجنازة. # والمختار: هو العمل على التربيع والبداية بالمقدم في اليد والرجل ms1790 من ~~الميمنة من الميت. كما هو رأي أئمة العترة ومن وافقهم. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه قال: ((ابدأوا بميامنكم))(1). # وكان الرسول يحب التيامن في كل أحواله. وقوله في غسل ابنته: ((ابدأن ~~بميامنها)). وليس التيامن يكون إلا على ما ذكره أمير المؤمنين كرم الله ~~وجهه حيث قال: يبدأ بحمل اليد اليمنى من الميت، ثم يحمل الرجل اليمنى، ثم ~~باليد اليسرى ثم بالرجل اليسرى. فإذا فعل ذلك فقد استكمل التيامن في ~~التربيع. والظاهر من مذهب الأئمة: كراهة الحمل بين العمودين. وهو مروي عن ~~أبي حنيفة وأحمد بن حنبل وإبراهيم النخعي كلهم على الكراهة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن الرسول : أنه حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين. وفي هذا ~~دلالة على استحبابه. # قلنا: عن هذا جوابان: PageV04P384 # أما أولا: فلأن هذه حكاية فعل لا يدرى كيف وقعت، وما هذا حاله فهو مجمل ~~يحتاج إلى بيان فلا دلالة فيه وليس له ظاهر فنحمله عليه. # وأما ثانيا: فلعله إنما فعل ذلك لعذر فهو خارج عن الاستحباب. # ومن وجه آخر: وهو أنه محمول على أنه قام بين العمودين تشريفا لسعد وليس ~~حاملا، وكلامنا إنما هو في الحمل لا غير دون الوقوف. # المسألة الثانية: ويستحب حمل الميت على سرير أو نعش أو لوح أو خشب يضم ~~بعضها إلى بعض ليمكن الحمل عليها فإن خيف عليه الإنفجار قبل أن يهيأ له ما ~~يحمل عليه فلا بأس بحمله على أيدي الرجال أو في ثوب يلف فيه، فإن ثقل الميت ~~فلا بأس بأن يحمله في جنبتي السرير من يخففه على الحاملين، وإن أدخلوا ~~عمودا في عرض السرير ليكونوا ستة أو ثمانية ليسهل عليهم الحمل فلا بأس في ذلك. # ويستحب إذا كان الميت امرأة أن يتخذ لها فوق السرير خيمة تسترها لما روي ~~عن فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله قالت: إني لضئيلة، أرادت: سقيمة، ~~فإذا مت فلا يراني الناس. فلما توفيت رضي الله عنها قالت أم سلمة أو أسماء ~~بنت عميس: إني رأيت ms1791 في أرض الحبشة يعمل للنساء نعش يحملن فيه عليه خيمة. ~~فاتخذت لها خيمة فوق النعش فكان أول من حمل على نعش فوقه خيمة فاطمة بنت ~~رسول الله (1). # ويستحب المشي القصد بين السيرين في الجنازة. لما روي عن الرسول أنه قال: ~~((عليكم بالقصد في المشي بالجنائز))(2). PageV04P385 # وروى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه كان إذا مشى خلف ~~الجنازة سار بين السيرين ليس بالعجل ولا بالبطيء(1). # ويكره التبطؤ والتثاقل خلفها. لما روي عن الرسول أنه قال: ((أسرعوا في ~~جنائزكم فإن يك خيرا عجلتموه إليه، وإن يك شرا وضعتموه عن أعناقكم ~~وظهوركم)) (2). # ويكره الاستعجال والإسراع الفاحش. لما روي عن الرسول أنه مر بجنازة تمخض ~~مخض الزق(3)، # فقال الرسول : ((عليكم بالقصد في المشي خلف الجنائز2))(4). # فإذا كره الإستعجال وكره التبطؤ والتثاقل لم يبق إلا السير بين السيرين ~~لما روي عن الرسول أنه قال: ((خير الأمور أوساطها)). # والضابط لما ذكرناه أن يكون السير دون الخبب وفوق مشية العادة في قضاء ~~الحوائج بحيث لا يشق على ضعفاء المسلمين السائرين خلفها. وهذا هو رأي ~~الشافعي. وحكي عن أبي حنيفة: أنه يبلغ الخبب. # وحجتنا عليه: ما ذكرناه. # فإن خيف الإنفجار إذا كان المشي قصدا أسرع فيه، وإن خيف الإنفجار لو كان ~~السير بسرعة مشوا على سجية المشي في قضاء الحاجة لأن القصد المصلحة في خشية ~~الانفجار وعدمه. PageV04P386 # ويستحب اتباع الجنائز لما روى البراء بن عازب عن الرسول أنه قال: أمرنا ~~رسول الله باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، ~~ونصرة المظلوم(1). # ويكره الركوب في الذهاب مع الجنازة من غير عذر. لما روي عن الرسول : أنه ~~ما ركب في عيد ولا جنازة. وروي عن ثوبان أنه قال: خرجنا مع رسول الله في ~~جنازة فرأى ناسا ركبانا فقال: ((ألا تستحيون أن ملائكة الله يمشون على ~~أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب))(2). PageV04P387 # فإذا كان عاجزا عن المشي لم يكره له الركوب لأن ذلك عذر وقد قال تعالى: ~~{ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على ms1792 المريض حرج}[النور:61]. ~~وإن ركب في الانصراف لم يكره. لما روى جابر بن سمرة: أن الرسول اتبع جنازة ~~أبي الدحداح(1) # ماشيا ورجع راكبا على فرس(2)، # ولأنه غير قاصد في الرجوع إلى قربة فلم يكره له الركوب. # المسألة الثالثة: واتباع الجنازة مشروع مستحب لما رويناه. وهل يكون خلفها ~~أو أمامها؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أن المستحب أن يكون المشي خلفها. وهذا هو رأي أئمة العترة ~~القاسم والهادي والمؤيد بالله والناصر، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. PageV04P388 # قال القاسم: وأحب المشي إلى آل الرسول أن يكون خلفها، إلا من يتقدمها ~~بحملها. # والحجة على هذا: ما روى أبو أمامة قال قال أبو سعيد الخدري لعلي كرم الله ~~وجهه: أخبرني يا أبا الحسن عن المشي في الجنازة أي ذلك أفضل أمامها أو ~~خلفها؟ فقال له: يا أبا سعيد مالك تسأل عن هذا أما والله إن فضل المشي ~~خلفها على المشي أمامها كفضل الصلاة المكتوبة على التطوع. سمعته من رسول ~~الله (1). # الحجة الثانية: عن محمد بن طاووس(2) # عن أبيه أنه قال: ما مشى رسول الله حتى مات إلا خلف الجنازة. وفي هذا ~~دلالة على مداومته لذلك إلى أن توفاه الله تعالى. ومثل هذا لا يصدر إلا عن ~~توقيف وعلم بلغه من جهة الرسول لأنه لا مجال للإجتهاد فيه(3). PageV04P389 # المذهب الثاني: أن الأفضل إنما هو المشي أمامها. وهذا هو المحكي عن أبي بكر ~~وعمر وعثمان وابن عمر وأبي هريرة، وهو قول مالك وأحمد بن حنبل والزهري، وهو ~~قول الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى ابن عمر: أن الرسول وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا ~~يمشون أمام الجنازة ويقولون هو أفضل. # الحجة الثانية: هو أنهم شفعاء للميت إلى الله تعالى فلهذا استحب أن ~~يكونوا أمامها لتقبل شفاعتهم فيها. # والمختار: أن الأفضل هو المشي خلفها. كما ذهب إليه علماء العترة ومن ~~وافقهم. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن عبدالله بن مسعود، أنه قال: سألنا نبيئنا عن ~~المسير بالجنازة فقال: ((ما دون الخبب، الجنازة متبوعة وليست بتابعة))(1). # الحجة ms1793 الثانية: هو أن المشي خلفها أقرب إلى الإتعاظ والإنزجار والاعتبار ~~بحالها لأنه إذا كان ناظرا لها ومعاينها كان أقرب إلى ما ذكرناه، ولأنه ~~مأمور باتباعها، فلهذا وجب أن يكون خلفها كالمأموم يكون خلف الإمام. # الحجة الثالثة: عن أمير المؤمنين أنه سئل عن ذلك فقيل له: هو شيء تقوله ~~برأيك أم سمعته من رسول الله ؟ فقال: بل سمعته من رسول الله . فهذه الأدلة ~~كلها دالة على أن الأفضل المشي خلف الجنازة. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: روي عن الرسول وأبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يمشون أمام ~~الجنازة ويقولون هو أفضل. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن كلامنا إنما هو في معرفة الأفضل دون الجواز فلا خلاف في ~~جواز المشي خلفها وأمامها. # وأما ثانيا: فلأن ما روينا هو قول من جهة صاحب الشريعة، وما رأيتموه ~~فإنما هو فعل، والقول والفعل إذا تعارضا فالعمل على القول أحق لما في الفعل ~~من الاحتمالات والإجمال. # ومن وجه آخر: وهو أنهم إنما عدلوا إلى المشي أمامها توسعة على الخلق ~~وتخفيفا عليهم. PageV04P390 # ويؤيد ما ذكرناه: ما روى المؤيد بالله: أن عليا مشى خلف جنازة فقيل: إن أبا ~~بكر وعمر كانا يمشيان أمامها، فقال: إنهما كانا يسهلان على الناس ويحبان ~~التخفيف عليهم، وقد علما أن المشي خلفها أفضل(1). # وروى الكرخي مثل ذلك عن أمير المؤمنين، وفي هذا دلالة على أن المشي ~~أمامها إنما كان لعارض. # المذهب الثالث: محكي عن سفيان الثوري: وهو أنه إذا كان راكبا مشى خلفها، ~~وإن كان راجلا مشى أمامها. ففي كلامه هذا دلالة على أن الأفضل المشي ~~قدامها، وهذا أختص به من كان راجلا لفضله، وما أوردناه على الشافعي فهو ~~وارد عليه.. # ونزيد هاهنا: وهو أن الأدلة التي [تدل] على [أن] المشي ورائها هو الأفضل ~~لم تفصل بين الراكب والراجل فلا وجه لفصله بين الركوب والمشي. # المسألة الرابعة: ويستحب لمن مشى خلف الجنازة أن يكون قريبا [منها] لأنه ~~إذا كان بعيدا عنها لم يكن سائرا بعدها ولا تابعا لها. # فإن سبق ms1794 إلى المقبرة فهو مخير بين القعود والقيام. # وحكي عن أبي مسعود البدري وجماعة معه أنهم قالوا: يجب القيام للجنازة. # وعن أبي حنيفة وأحمد بن حنبل: أنه يكره القعود حتى توارى الجنازة في اللحد. # والحجة على ما قلناه: وهو رأي الشافعي، ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله ~~وجهه أنه قال: أمرنا رسول الله أن نقوم للجنازة ثم أمرنا بالجلوس(2). PageV04P391 # وظاهر الخبر دال على التخيير بين القعود والقيام كما ذكرناه. وروى الحسن ~~البصري: أن جنازة ليهودي مرت بالرسول لها رائحة فقام لرائحتها حتى جازت ثم ~~قعد فرؤي أنه قام من أجل ذلك(1). # وقيل: إنه قام لئلا تعلوه جنازة المشرك. # وروى عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله إذا كان في جنازة لم يجلس حتى ~~توضع في اللحد، فاعترض بعض اليهود فقالوا: إنا نفعل ذلك. فجلس الرسول وقال: ~~((خالفوهم)) (2). PageV04P392 # ويجوز للمسلم اتباع جنازة قريبه الكافر. لما روي أن أمير المؤمنين كرم الله ~~وجهه لما مات أبوه جاء إلى الرسول فقال: يا رسول الله إن عمك الضال توفي. ~~فقال : ((اذهب فواره))(1). # ولا تتبع الجنازة بمجمرة ولا صوت. لما روى ابن عباس رضي الله عنه عن ~~الرسول أنه قال: ((لا تتبع الجنازة بنار ولا صوت))(2). # وأراد: النائحة. وروي عن ابن عباس أنه رأى مجمرة على قبر فقال: لا ~~تتشبهوا باليهود. ولأن ما هذا حاله من الفأل السؤ الذي يكره فلهذا وجب ~~اطراحه. # المسألة الخامسة: ويكره للنساء اتباع الجنائز لقوله : ((النساء عي وعورات ~~فاستروا عيهن بالسكوت وعوراتهن بالبيوت)). ولأن ذلك أستر لهن عن مخالطة ~~الرجال. # ويكره لهن زيارة القبور. لما روي عن الرسول أنه قال: ((لعن الله زوارات ~~القبور2))(3). PageV04P393 # ويكره لهن انتظار الجنازة. لما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه عن الرسول ~~أنه مر بنسوة فقال: ((ما يحبسكن هاهنا؟)). فقلن: ننتظر جنازة. فقال: ((هل ~~تحملن فيمن يحمل))؟ فقلن: لا فقال: ((هل تغسلن فيمن يغسل؟)). فقلن: لا. ~~فقال: ((هل تدفن فيمن يدفن؟)). فقلن: لا. فقال: ((ارجعن مأزورات غير ~~مأجورات)) (1). # قال الهادي في الأحكام: فإن حضرن مع ms1795 الكراهة تنحين عن الرجال لأنه أستر ~~لهن. وأراد أنهن إذا دخلن في المكروه بالخروج اتباعا للجنازة فينبغي منهن ~~التنحي عن الرجال حتى لا يجمعن بين كراهتين: اتباع الجنازة وهو مكروه لهن، ~~ومخالطة الرجال وهو مكروه أيضا، فلهذا قال: إذا خرجن تنحين عن الرجال. # ومن البدع والضلالة والشناعة والجهالة في وقتنا هذا، أنه إذا مات الميت ~~وكان مشهور الشرف وعظم حاله أنه إذا كان في اليوم السابع من موته تخرج ~~النسوان من أهل بيته ومن غيرهن إلى المقبرة، ويجمعون شيئا من أنواع الطيب ~~والرياحين ويسرجون الشموع نهارا، ثم يصب ذلك الماء المخلوط بأنواع الطيب ~~على قبره ويقفن ساعة ثم ينصرفن، فما هذا حاله من أعظم البدع التي لم يدل ~~عليها كتاب ولا سنة فينبغي المبالغة في تغيير ذلك وإنكاره لمن قدر عليه. # ويكره النعي في الأسواق والطرقات وفي الشوارع والسكك. PageV04P394 # وصورته: أن ينادى في هذه المواضع بأن فلانا قد مات. لما روي عن الرسول أنه ~~نهى عن ذلك وقال: ((إنه من عمل الجاهلية))(1). # وصورته: أنهم كانوا إذا مات رئيس من رؤسائهم؛ أمروا رجلا يركب جملا ويصيح ~~في الطرقات والأسواق، بأن فلانا قد مات. فكره رسول الله ذلك لما كان من فعلهم. # قال القاسم: ويكره النعي في الأسواق والطرقات. # ويستحب الإيذان. # وصورته: أنه إذا مات أحد من المسلمين فإنه يستحب أن يتأذن المسلمون على ~~الإجتماع والحضور على دفنه والصلاة عليه، وهو يخالف النعي لأن ذلك من أمر ~~الجاهلية كما قررناه. وهو رأي أئمة العترة والهادي والمؤيد بالله، ومحكي عن ~~أبي حنيفة. # والحجة على هذا: ما روى ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول ، أنه رأى قبرا ~~حديثا فقال: ((آلا آذنتموني))(2). PageV04P395 # أراد حتى يحضر فيصلي عليه ويدفنه. وروي أن مسكينة مرضت فأخبر الرسول بأنها ~~مريضة وكان يعود المساكين ويسأل عن حالهم فقال: ((إذا ماتت فآذنوني))(1). # ويستحب إذا وضع الميت على السرير والنعش وأريد حمله أن يسجى بثوب. لما ~~روي أن الرسول لما مات سجي بثوب. فإن كان الميت رجلا فإنه يجنب الحرير ~~والديباج ms1796 ولتكن التسجية بالقطن والكتان وغير ذلك من أنواع الثياب. وإن كان ~~امرأة فهل يجوز تغطيتها بالحرير والديباج أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: الجواز لأنه إذا جاز لباسها الحرير جاز تغطيتها بالحرير. # وثانيهما: المنع من ذلك لأن المباح إنما هو اللباس وهذا ليس من اللباس. # والمختار: جواز ذلك كما يجوز تكفينها به إذا لم يكن هناك سرف بالتكفين به. # وتستحب المناوبة في حمل الجنازة خاصة مع بعد المقبرة فالاستحباب آكد، ~~ويحمل الأربعة شوطا بعد شوط، فإذا حمل مرة فقد حاز الثواب، وإن حمل ثلاث ~~مرات فقد أدى ما عليه من السنة. لما روى أمير المؤمنين كرم الله وجهه في ~~حمل الجنازة؛ ثم لا عليك ألا تفعل إلا مرة واحدة فإذا حملت ثلاثا فقد أديت ~~ما عليك وما زدت فهو أفضل. فلو حمل الجنازة أربعة لا غير لثقل عليهم ~~ولأتعبوا أنفسهم وقد قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى}[المائدة:2]. ~~وهذا من أنواع البر فلهذا استحبت المعاونة فيه. # وقد نجز غرضنا من مسائل حمل الجنازة. PageV04P396 # --- ### ||| AUTO القول في الصلاة على الجنازة # وهي فرض على الكفاية لقولهصلى الله عليه وسلم: ((صلوا على من قال لا إله إلا الله.)) (1). # وفرض الكفاية مثل فرض العين لا يختلفان في ابتداء الوجوب لأن مستند ~~وجوبهما هو الشرع بالأمر. لأن فرض الأعيان يجب على كل واحد بعينه وفرض ~~الكفاية على كل واحد ممن علم بالميت خلا أنهما يختلفان في الفعل، ففرض ~~الكفاية إذا قام به البعض سقط الفرض عمن علم وعمن لم يعلم، وفرض العين لا ~~يسقط عن أحد بفعل غيره. # ومن وجه آخر وهو أن فرض العين إذا ترك استحق الذم والعقاب على تركه كل من ~~وجب عليه بخلاف فرض الكفاية فإنه إنما يستحق الذم بتركه كل من علم دون من ~~لم يعلم، فإذا تركه من علم به وكان ممكنا له فعله ولم يفعله لحق الإثم ~~الجميع لإخلالهم بما وجب عليهم من غير تخصيص. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: الطهارة مشروعة في صلاة الجنازة كغيرها من الصلوات. لقولهصلى ms1797 الله عليه وسلم: ~~((مفتاح الصلاة الطهور.)). وهل تكون الطهارة شرطا في صلاة الجنازة حتى لا ~~تصح إلا بها أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن الطهارة شرط في صحتها. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي ~~عن فقهاء الأمصار لا يختلفون فيه. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم}[المائدة:6] ... الآية. # ووجه الدلالة من الآية: هو أن الله تعالى أوجب غسل هذه الأعضاء عند ~~القيام للصلاة والصلاة إسم جنس يدخل تحته كل ما سمي صلاة فيجب اندراج صلاة ~~الجنازة تحت ما قلناه، فلهذا أوجبنا فيها الطهارة. # الحجة الثانية: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا صلاة إلا بوضوء)). وفي ~~حديث آخر: ((لا صلاة إلا بطهور)). فنفى نفيا عاما أنه لا صلاة مجزية إلا ~~باشتراط الوضوء، وفي هذا دلالة على ما قلناه من اشتراط الطهارة فيها. PageV04P397 # المذهب الثاني: أن الطهارة غير مشترطة فيها. وهذا هو رأي بعض التابعين ~~كالحسن البصري وعطاء ومحكي عن بعض الإمامية والروافض، وروي عن محمد بن جرير ~~الطبري من أصحاب الشافعي. # والحجة على ما قالوه: هو أن صلاة الجنازة ليست صلاة على الحقيقة، ولهذا ~~فإنه ليس فيها ركوع ولا سجود ولا قعود، وإنما موضوعها الدعاء للميت، ~~والدعاء لا تشترط فيه الطهارة. # والمختار: هو اشتراط الطهارة فيها فلا تكون مجزية من غير ماء ولا تراب. ~~كما هو رأي أئمة العترة وفقهاء الأمة. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يقبل الله صلاة امرء ~~لا يضع الطهور مواضعه))(1). # هذا عام لكل صلاة، فهذه الأخبار كلها دالة على اشتراط الطهارة في صلاة ~~الجنازة. # ومن وجه آخر وهو أنها صلاة ذات تحليل وتحريم فتحليلها التسليم وتحريمها ~~التكبير فيشترط لها الطهارة بالماء أو التراب كطهارة الأحداث. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: صلاة الجنازة ليست صلاة على الحقيقة فلا ركوع فيها ولا سجود فلا ~~تشترط فيها الطهارة بالماء ولا بالتراب مع القدرة عليهما، وإنما موضوعها ms1798 ~~الدعاء للميت. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنها صلاة يشرع فيها الذكر والقيام والجماعة والتحليل ~~والتحريم فلا تصح إلا بالطهارة من الحدث والنجس وستر العورة واستقبال ~~القبلة كسائر الصلوات. # وأما ثانيا: فلأن ما قالوه معارض بما أوردناه من الأخبار العامة في ~~اشتراط الطهارة وقياسهم لا يعارض ما ذكرناه من الأخبار فإن الأخبار لا ~~تعارضها الأقيسة بل تكون باطالة في مقابلة الأخبار لأن من شرط الأقيسة ألا ~~تكون معارضة للأخبار، ولأن الأقيسة مستندها نظر القائس، والأخبار مستندها ~~صاحب الشريعة وهو مؤيد بالعصمة والقائس لا يؤمن من الخطا والزلل في قياسه. # قالوا: دعاء شرع في حال القيام للميت فلا تشترط فيه الطهارة كسائر ~~الأدعية. PageV04P398 # قلنا: نقلب عليهم هذا القياس فنقول: دعاء مشروع في حال القيام فاشترط فيه ~~الطهارة كالتعوذ والإستفتاح. # واعلم.. أن هذه الأقيسة لا موقع لها في أبواب العبادات وحيث أوردناها ~~فإنما نوردها معارضة لمن اعتمدها حتى تكون معارضة للفاسد بالفاسد. # الفرع الثاني: في وقت صلاة الجنازة. # وأفضل الأوقات أوقات الصلوات المكتوبات ولا خلاف فيه. # ووجهه أن هذه الأوقات مخصوصة لفضلها ولشرفها بتأدية الصلوات المفروضة ~~فلهذا استحب أن تكون الصلاة على الموتى ودفنهم فيها. # وهل يجوز تأديتها في الأوقات المكروهة الثلاثة أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: المنع من ذلك. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم ~~والمؤيد بالله، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ومحكي عن مالك. # والحجة على هذا: ما في خبر عقبة بن عامر عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ثلاثة ~~أوقات نهانا رسول اللهصلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن وأن ندفن فيهن موتانا)). وهذا نص في ~~المنع عن ذلك. # المذهب الثاني: جواز ذلك. وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: قولهصلى الله عليه وسلم: ((من نام عن صلاته أو نسيها فوقتها حين يذكرها)). ~~فلا وقت لها غيره، وإذا جاز تأدية الصلاة المقضية في هذه الأوقات جاز تأدية ~~صلاة الجنازة بجامع كونهما واجبتين. # المذهب الثالث: جواز تأديتها في هذه الأوقات مع الكراهة. # والحجة على هذا: ms1799 وهو المحكي عن الأوزاعي هو أن قوله: نهانا رسول اللهصلى الله عليه وسلم ~~دال على الكراهة. وقولهصلى الله عليه وسلم: ((من نام عن صلاة أو نسيها)). دال على الجواز من ~~غير كراهة فجمعنا بين الخبرين. وقلنا: بالكراهة لأن المكروه ممنوع لكنه ~~جائز فعله. # والمختار: هو المنع من الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة. كما قاله علماء ~~العترة ومن وافقهم. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا وهو أن النهي دال على فساد المنهي عنه خاصة في العبادات فإن ~~من شرطها القربة، والنهي مضاد للقربة فلهذا كانت صلاة الجنازة غير مجزية في ~~هذه الأوقات. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. PageV04P399 # قالوا: روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم: ((من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها)). ~~ولم يفصل بين صلاة وصلاة، ولا بين وقت [ووقت] وفي هذا دلالة على الجواز، ~~كما ذكره الشافعي. # قلنا: خبرنا خاص في الوقت، عام في الصلاة، وخبركم عام في الوقت خاص في ~~الصلاة فلأجل هذا كان خبرنا أحق بالعمل لما كان خاصا. # قالوا: صلاة الجنازة مكروهة في هذه الأوقات لا غير. كما حكي عن الأوزاعي ~~جمعا بين الخبرين. # قلنا: ظاهر الخبر دال على النهي وهو مقتض للفساد فلا حاجة إلى حمله على ~~الكراهة من غير دلالة. # فأما صلاة الجنازة بعد فعل صلاة العصر [والفجر] فمما لا خلاف في جوازها ~~بين أئمة العترة وعلماء الأمصار، لأن كل ما له أسباب عارضة جاز تأديته في ~~هذين الوقتين وإنما تكره النوافل المبتدأة، والكراهة إنما تتعلق بالفعل ~~لهذين الفرضين العصر والفجر، فأما قبل فعلهما فمما لا يكره شيء من النوافل ~~المبتدأة ولا مما له سبب عارض وقد قدمنا ما فيه من قبل فأغنى عن التكرير. # وإن خيف فوات صلاة الجنازة إن إشتغل بالطهارة جاز له التيمم مع وجود ~~الماء. عند أئمة العترة، وهو محكي عن أبي حنيفة. لأن كل صلاة ليس لها بدل ~~ولا يجوز إعادتها جاز فيها التيمم إن خيف فواتها إذا اشتغل بالطهارة. # فقولنا: ليس لها بدل. نحترز به عن صلاة الجمعة. ms1800 # وقولنا: لا يجوز تكريرها. نحترز به عن الصلاة المفروضة فإنها إذا فاتت مع ~~الجماعة جاز تأديتها على الانفراد، بخلاف صلاة الجنازة فافترقا. # الفرع الثالث: في بيان من يكون أولى بالصلاة على الميت. وفيه مذهبان: PageV04P400 # المذهب الأول: أن أولى الناس بالصلاة هو الإمام الأعظم أو من يلي من قبله ~~كالقاضي بولايته. عند أئمة العترة لا يختلفون في ذلك. وحكى علي بن العباس ~~إجماعهم على ذلك إذا حضر أو حضروا إليه. وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه. ~~وحكى الكرخي عن أبي حنيفة، أنه قال: يصلي الإمام إن حضر أو القاضي أو ~~الوالي، فإن لم يحضر أحد من هؤلاء ينبغي أن يقدموا إمام الحي قبل العصبات. # والحجة على هذا: ما روى أبو مسعود الأنصاري عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يؤم ~~الرجل في سلطانه ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه)). # الحجة الثانية: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه قال: إذا حضر ~~الإمام الجنازة فهو أولى من أوليائها بالصلاة عليها. # المذهب الثاني: أن الأولى بالصلاة هم الأولياء من غير فصل. وهذا هو رأي ~~الشافعي. # والحجة على هذا: هو أن المقصود بالصلاة هو الدعاء للميت ولا شك أن من ~~يليه من العصبات أشفق وأحنى عليه وأقرب إلى إستجابة الدعاء فلهذا كانوا ~~أولى من غيرهم. # والمختار: هو تقديم الإمام الأعظم ومن يليه من قضاته وولاته. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن هذه القبور مظلمة حتى ~~أصلي)) (1). PageV04P401 # وفي حديث آخر: ((لا يصلين أحد على موتاكم ما دمت فيكم)) (1). # وما كان إلى الرسولصلى الله عليه وسلم من الولايات في أمر الدين فهو إلى الإمام بعده إلا ~~لدلالة منفصلة تدل على المخالفة، وإذا كان الأمر كما قلناه وجب اختصاص ~~الرسولصلى الله عليه وسلم بالصلاة على الأموات في أيامه ثم بعد ذلك إلى الإمام بعده، وفي هذا ~~صحة ما قلناه من أن الإمام الأعظم أحق من العصبات، ومن يلي من قبله كحاكمه ~~وواليه. # فإذا لم ms1801 يكن هناك إمام ولا من يلي من قبله فالعصبات من الرجال الأقرب ~~منهم فالأقرب فالأب ثم الجد أب الأب ثم الإبن ثم ابن الإبن وإن سفل ثم الأخ ~~لأب وأم، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ لأب وأم، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم لأب ~~وأم، ثم العم لأب، ثم ابن العم لأب وأم، ثم ابن العم لأب، على ترتيب ~~الميراث من غير مخالفة. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الشافعي وأبي ~~حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أن المقصود من الصلاة على الميت هو الدعاء له ولا شك ~~أن دعاء من كان قريبا إلى الميت وأخص به من العصبات فدعاؤه أرق وألطف وأقرب ~~إلى الإجابة لأجل الحنو على الميت والشفقة عليه. لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: ((أسرع الدعاء إجابة دعاء غائب لغائب)). فإذا كان دعاء الغائب أسرع ~~إلى الإجابة فدعاء القريب أولى وأحق. # الفرع الرابع: وهل يكون الأب أولى بالتقدم للصلاة أو الإبن؟ # فالذي عليه أئمة العترة أن الأب أحق بالتقدم من الإبن، وهو محكي عن أبي ~~حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه. # وحكي عن مالك: أن الإبن أحق بالتقدم من الأب. PageV04P402 # والحجة على ذلك: هو أن الأب والإبن وليان جميعا من غير واسطة خلا أن ~~المقصود هاهنا هو الصلاة ولا شك أن حنو الأب وشفقته أكثر من حنو الإبن ~~وشفقته، فلهذا كان دعاؤه أقرب إلى القبول لشفقته ورقته ورحمته. # وحجة مالك: هو أن تعصيب الإبن أقوى من تعصيب الأب لأن الإبن لا يخرج عن ~~كونه عصبة بحال بخلاف الأب فإنه ربما خرج من التعصيب على حال. # والمختار: هو الأول لما ذكرناه من الرقة والرحمة، ولأن الله تعالى قد جعل ~~للآباء حرمة، وشرف مكانهم وأعظم أمرهم بخلاف الأبناء، وقوة التعصيب غير ~~نافعة في هذه الحالة لأن المقصود خلافها. # وهل تكون للزوج ولاية في التقدم للصلاة على زوجته أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه لا ولاية له. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن ~~الشافعي. ms1802 # والحجة على هذا: هو أن الزوج أجنبي عن المرأة فلا ولاية له عليها فلم ~~يقدم على العصبات، كتزويج جاريتها. # المذهب الثاني: أن الزوج أحق بالتقدم للصلاة عليها من سائر الأقارب من ~~العصبات. وهذا هو المحكي عن ابن عباس وعمر بن عبدالعزيز والشعبي وعطاء ~~وإسحاق بن راهويه. # والحجة على هذا: هو أن الزوج له من الخلطة بزوجته ما ليس لغيره، ولهذا ~~فإنه يجوز له غسلها كما مر بيانه فلهذا كان أحق بالتقديم للصلاة عليها. # المذهب الثالث: أنه لا ولاية له خلا أنه يكره تقدم ابنه عليه فلهذا استحب ~~تقدم الزوج. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يؤم الرجل أباه وإن كان ~~أفقه منه)) . فلما كان الأمر كما قلناه استحب تقديم الأب على الإبن في ~~الصلاة. # والمختار: ما قاله ابن عباس وعمر بن عبدالعزيز ومن وافقهما من كون الزوج ~~أحق بالتقديم من سائر العصبات في الصلاة سواء كان أجنبيا أو عصبة للزوجة. # وحجتهم: ما ذكرناه عنهم. # ونزيد هاهنا: وهو قوله تعالى: {وجعل بينكم مودة ورحمة}[الروم:21]. يعني: ~~الأزواج والزوجات. PageV04P403 # ووجه الدلالة من الآية: هو أن المقام هاهنا مقام رحمة واستجابة دعاء، وقد ~~صرح الله تعالى بالمودة والرحمة بين الأزواج والزوجات، وفي هذا دلالة على ~~أن الزوج دعاؤه أسرع إلى القبول لأجل المودة والرحمة. # ومن وجه آخر: وهو ما أباح الله تعالى [له] من الإطلاع على العورة ~~والمباشرة والخلطة التي ليس وراءها خلطة، فلما كان الأمر كذلك لا جرم عظمت ~~الشفقة فلهذا كان الدعاء منه أقرب إلى القبول لأجل الخلطة ومقارفة الألفة ~~والرحمة والرقة لأجل مقارفة الالف. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إن الزوج أجنبي عن الزوجة فلا ولاية له عليها في الصلاة كسائر ~~الأجانب. # قلنا: ليس المقام هاهنا مقام توريث وإنما هو مقام رحمة وشفقة وهو أحق ~~بالشفقة والرحمة لما خصه الله تعالى به من ذلك. # ومن وجه آخر وهو أن الأب أحق بالتقدم على الإبن لما ذكرناه من الخبر، ~~وإذا قدم الزوج على ابنه ms1803 في الصلاة على زوجته جاز تقديمه على سائر الأقارب ~~بجامع الشفقة والرحمة والمودة. # وأما أبو حنيفة فقد قدمه لأجل الأبوة ولم يقدمه من أجل الولاية. # والمختار: أنه جامع للأمرين جميعا فقد صار أبا وله شفقة ورحمة كما قررنا، ~~فمن أجل هذا صار أحق بالتقديم. # الفرع الخامس: في ذكر مسائل عشر تنشأ عمن هو أولى بالتقديم في الصلاة من ~~الأقارب. # المسألة الأولى: إذا اجتمع الأخ لأب وأم مع الأخ لأب فأيهما أحق ~~بالتقديم؟ # فالذي عليه أئمة العترة: استحباب تقديم الأخ من الأب والأم في الصلاة، ~~وهو أحد قولي الشافعي ومحكي عن أبي حنيفة. وله قول آخر أنهما سواء. # والحجة على ذلك: وهو الأصح من قولي الشافعي هو أن اختصاصه بمزيد السببين ~~وامتزاجه بهما يوجب تقديمه كما في ولاية النكاح وفي الميراث. # ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: هو أن للأم مزيد اختصاص بالصلاة لأمرين: # أما أولا: فلأنهم ركضوا هم والميت في بطن واحد. PageV04P404 # وأما ثانيها: فلأن للأم مدخلا في الصلاة، ولهذا فإنها تصلي على الميت ~~منفردة ومأمومة عند الحاجة إليها، فلما كان الأمر كما قلناه قدم من كان ~~يدلي بها لأن لها مدخلا في الشفقة والرحمة، فلهذا كان أحق بالتقديم في ~~الصلاة لما ذكرناه، وإذا كان الأخ من الأب والأم مقدما في الصلاة فهكذا حال ~~أولاده، يستحب تقديمهم لأجل الاختصاص. # المسألة الثانية: وإذا اجتمع عمان أحدهما عم لأب وأم، والآخر عم لأب فعلى ~~ظاهر المذهب، وهو رأي أبي حنيفة والأصح من قولي الشافعي أن العم لأب وأم ~~أحق بالتقديم من العم لأب كما ذكرناه في الأخ لأب وأم، وهكذا الحال في ~~أولادهما يكون من اختص باجتماع السببين أحق لا محالة. # وإن اجتمع ابنا عم وأحدهما أخ لأم يكون من اختص بقرابة الأمومة أحق ~~بالتقدم في الصلاة. # وإن اجتمع أخوان في درجة واحدة إما أخوان لأب وأم، وإما أخوان لأب ~~وأحدهما مملوك والآخر حر، فالحر أولى لأن له فضيلة الحرية فدعاؤه أسرع إلى ~~الإجابة لفضله(1). # وإن اجتمع عم حر وأخ مملوك فأيهما يكون أحق ms1804 بالتقدم في الصلاة؟ ففيه وجهان: # أحدهما: أن العم أحق لأنه أكمل بالحرية. # وثانيهما: أن المملوك أحق لاختصاصه بالقرابة القربى. # والمختار: أن العم أحق لاختصاصه بصفة الكمال وهي الحرية. # ويؤيد هذا: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الإمام وافد فقدموا أفضلكم)). ~~فلهذا كان أحق بالتقديم في الصلاة. PageV04P405 # وحكي عن المزني أنه قال: والولي الحر أولى من الولي المملوك. وأخذ عليه في ~~هذا الإطلاق؛ لأن المملوك لا ولاية له على نفسه فضلا عن أن يكون له ولاية ~~على غيره، والأحق في الكلام أن يقال: والولي الحر أولى من المملوك. # والقريب المملوك أولى من الأجنبي، لأن القرابة لها مزيد قوة في الشفقة ~~والرحمة ولها اختصاص بالرقة والرأفة فلهذا قدم في الصلاة. # المسألة الثالثة: وإن اجتمع وليان في درجة واحدة؟ ففيه وجهان: # أحدهما: تقديم الأفقه كما ذكرنا في صلاة الجماعة في الصلاة المفروضة. # وثانيهما: أن الأسن أحق بالتقديم. وهذا هو الظاهر من المذهب، وأحد قولي ~~الشافعي والأصح منهما، لقولهصلى الله عليه وسلم: ((إن الله يستحي أن يرد للشيخ دعوة)). وفي ~~حديث آخر: ((إن الله زين السماء بالشهب وزين الأرض بالشيوخ)). وفي حديث ~~آخر: ((إن من إجلال الله إكرام ذي الشببية)). وفي حديث آخر: ((إذا بلغ ~~الرجل ثمانين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)). # ووجه الدلالة من هذه الأخبار: هو أن هذا المقام مقام رحمة وتقبل دعاء ~~فلهذا كان الأسن أحق بالتقدم في الصلاة، والتفرقة بينها وبين صلاة الجماعة ~~هو أن الحق في صلاة الجماعة لله تعالى فلهذا قدم الأفقه لأنه أعرف بحق الله ~~تعالى في أحوال الصلاة بخلاف صلاة الجنازة فإن الحق فيها للميت لأنه أرجا ~~لقبول الدعاء فلهذا قدم الأسن لما ذكرناه. وإن لم يكن الأسن محمود الطريقة ~~قدم الأفقه لأن السن إنما يكون له تأثير في التقديم لأجل مزية التقوى ~~والطهارة. فإذا استويا في السن قدم الأفقه لأنه قد تميز بالفقه وزيادة ~~البصيرة. فإن استويا فيما ذكرناه فأيهما قدم جاز إذ لا فضل لأحدهما على ms1805 الآخر. # المسألة الرابعة: وان إجتمع الولي والإمام الأعظم أو من يلي من جهته، ~~فالظاهر من المذهب أن الإمام الأعظم أحق بالتقدم للصلاة لما ذكرناه من قبل، ~~وهو الأصح من قولي الشافعي. # وله قول آخر: أن الولي أحق بالتقدم وهو القديم من قوليه. PageV04P406 # وما قلناه هو قول أبي حنيفة وأصحابه ومالك وإسحاق بن راهويه لقولهصلى الله عليه وسلم: ((لا ~~يؤم الرجل في سلطانه)). وروي أن الحسن بن علي لما مات حدث الحسين بن علي ~~سعيد بن العاص وهو الوالي في المدينة من جهة معاوية وقال له: تقدم فلولا ~~السنة لما قدمتك(1). # والحجة لقوله القديم: قوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله}[الأنفال:75] وهذا عام في الصلاة وفي غيرها. # والمختار: هو الأول، وأما الآية فلا يصح الإحتجاج بها لأنها مجملة ولا ~~ظاهر لها لأن الأولويةغير معلومة فلا بد من بيانها، وما كان مجملا من الآي ~~والأخبار فإنه مفتقر إلى دلالة فلا يحتج به. # المسألة الخامسة: وإن أوصى رجل أن يصلي عليه فلان أجنبي فهل يقدم على ~~الأقرباء أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة: # المذهب الأول: أنه لا يقدم على الأقرباء وأنهم أحق بالصلاة. وهذا هو ~~الظاهر من المذهب، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والشافعي. # والحجة على هذا: هو أنها ولاية يترتب فيها العصبات فلا يقدم فيها الوصي ~~على العصبات كولاية النكاح. # المذهب الثاني: أن الوصي أحق بالتقدم وهذا هو قول أنس بن مالك وزيد بن ~~أرقم من الصحابة رضي الله عنهم. ومحكي عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. # والحجة على هذا: هو أن الوصي قد صار له ولاية من جهة الميت فيما هو ولي ~~فيه من جهة الميت فكان أحق كسائر التصرفات التي جعلها له الميت. # المذهب الثالث: أن الوصي إن كان ممن يرجى دعاؤه قدم على الولي، وإن كان ~~ممن لا يرجى دعاؤه فالقريب أحق. وهذا هو المحكي عن مالك. # والحجة على هذا: هو أن الوصي قد صارت له ولاية [و] إذا كان الوصي يرجى ~~دعاؤه وقبول تضرعه كان ms1806 أحق بالصلاة لإفتقار الميت وحاجته إلى ذلك بخلاف من ~~لا يرجى قبول دعائه فإن القريب أحق. PageV04P407 # والمختار: ما هو الظاهر من المذهب. وهو قول الفقهاء لأن هذا الحق قد تقرر ~~بالشرع للعصبات فلا يجوز إبطاله بقول الموصي للوصي. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: الوصي أحق بالتصرفات من جهة الميت، والصلاة من جملة التصرفات ~~فلهذا كان أحق بها. # قلنا: هذه عبادة جعلها الشرع للعصبات فلا تبطل بقول الغير سواء كان ممن ~~يقبل دعاؤه كما قاله مالك، أو ممن لا يقبل دعاؤه. # وإن غاب الولي الأقرب واستناب من يصلي، فهل يكون القريب الحاضر أولى أو ~~المستناب؟ فيه وجهان: # أحدهما: أن القريب الحاضر أحق. وهذا هو رأي أبي حنيفة. # وثانيهما: أن الذي استنابه الغائب أحق بالصلاة. وهذا هو رأي الشافعي. # والمختار الذي يأتي على المذهب: أن القريب الحاضر أحق بالصلاة كما قاله ~~أبو حنيفة لأن القريب الغائب قد انقطعت ولا يته بالغيبة كما لو مات. # المسألة السادسة: وأقل ما يسقط الفرض في الصلاة على الميت، [فيه] وجهان: # أحدهما: أن أقل العدد ثلاثة لقولهصلى الله عليه وسلم: ((صلوا على من قال لا إله إلا ~~الله)). وأقل الجمع ثلاثة، والخطاب للجمع. # وثانيهما: أن الفرض يسقط بواحد؛ لأنها صلاة لا تفتقر إلى الجماعة فلم ~~تفتقر إلى العدد كسائر الصلوات. # وقولنا: لا تفتقر إلى الجماعة. نحترز به عن صلاة الجمعة فإنها لا تصح ~~فرادى لإفتقارها إلى العدد. # والمختار: أن المستحب هو الجماعة في صلاة الجنازة لنقل الخلف عن السلف ~~صلاتها في الجماعة فإن دعت الضرورة إلى صلاة الواحد كان مجزيا ولم تعد ~~الصلاة بعد صلاته. # وهل يعتد بصلاة النساء في صلاة الجنازة أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه لا يسقط الفرض بفعلهن لقولهصلى الله عليه وسلم: ((صلوا على من قال لا إله إلا ~~الله)). وهذا خطاب للذكور، وعلى هذا إذا صلى الخنثى لم يسقط الفرض بفعله ~~لجواز أن يكون امرأة. # وثانيهما: سقوط الفرض بفعلهن لأن الصلاة فعل يختص الميت فجاز فعله من جهة ~~النساء كالغسل. # وحكي ms1807 عن السيد أبي طالب: أن المرأة إن صلت وحدها لا تجزئ وتعاد الصلاة. PageV04P408 # والمختار: أن الرجال إذا كانوا موجودين فالفرض غير متوجه على النساء، وإن ~~كانوا غير موجودين توجه الفرض عليهن. # وإذا قلنا بجواز صلاتهن عند عدم الرجال، فهل تكون صلاتهن فرادى أو ~~مجتمعات؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها تكون فرادى لأن الجماعة لم تسن في حق النساء في حق صلاة ~~الجنازة. # وثانيهما: أنه لا بأس بصلاتهن جماعة في حق الجنازة. # وإذا قلنا بجواز صلاتهن جماعة، ففيها وجهان: # أحدهما: أن تكون إمامتهن في وسطهن. # وثانيهما: أن يكن صفا بعد صف كما تكون صفوف الرجال، وقد مضى تقرير ذلك في ~~صلاة الجماعة. # المسألة السابعة: وإذا قلنا باستحباب الجماعة في صلاة الجنازة كما مر، ~~فالسنة أن يكونوا ثلاثة صفوف، لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من صلى عليه ~~ثلاثة صفوف فقد أوجب)) (1). # وأراد: وجبت له الجنة. # وتستحب كثرة الصفوف وكلما كان أكثر كان أعظم في الأجر لما روت عائشة رضي ~~الله عنها أن الرسولصلى الله عليه وسلم قال: ((لا يموت ميت من المسلمين فتصلي عليه أمة من ~~المسلمين يبلغون مائة فيشفعون له إلا شفعهم الله فيه))(2). # وهل تكره الصلاة على الجنازة في المساجد أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنها تكره، وإن صليت لم تعد. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن ~~مالك وأبي حنيفة. PageV04P409 # والحجة على هذا: ما روى أبو هريرة عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من صلى على جنازة ~~في مسجد فلا شيء له))(1). # أراد: من الأجر والثواب، ولأنه لا يؤمن أن تنفصل عن الجنازة نجاسة فتؤدي ~~إلى تنجيس المساجد وهو محظور. # المذهب الثاني: جواز ذلك من غير كراهة. وهذا هو رأي المنصور بالله ومحكي ~~عن الشافعي. # والحجة على هذا: ما روي عن عائشة أنها أمرت بجنازة سعد بن أبي وقاص أن ~~تدخل المسجد ليصلى عليها فأنكر عليها ذلك فقالت: ما أسرع ما نسي الناس. ما ~~صلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء وأخيه ms1808 إلا في المسجد(2). # والمختار: ما ذهب إليه المنصور بالله والشافعي من جواز تأديتها في ~~المساجد. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا وهو قولهصلى الله عليه وسلم: ((صلاة الرجل في مسجده تعدل صلاته في بيته بضعا ~~وعشرين درجة)). ولم يفصل بين صلاة وصلاة ولأنها صلاة ذات تحليل وتحريم ~~فكانت تأديتها في المساجد أفضل كالصلوات المفروضة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له)). # قلنا: هذا له تأويلان: # التأويل الأول: أن يكون مراده: من صلى على جنازة في مسجد بعدما صلي عليها ~~فلا شيء له من الأجر لأن الصلاة بعد الصلاة بدعة فلا يستحق عليها أجر. # التأويل الثاني: أن يكون الميت كافرا أو فاسقا ومن هذه حاله فلا تجوز ~~صلاته(3) # في المسجد. # وإنما تأولنا على هذين التأويلين حذرا عن معارضة الأدلة التي ذكرناها في ~~جواز تأدية الصلاة على الجنائز في المساجد. PageV04P410 # قالوا: لا يأمن أن تنفصل نجاسة من الميت فتؤدي إلى تنجيس المساجد. # قلنا: تنجيس المساجد محظور من جهة الأموات والأحياء، فإذا كانت النجاسة ~~غير مأمونة فالمحظور إنما هو النجاسة لا لأجل الصلاة في المساجد، وعلى هذا ~~إذا قررنا أن لا نجاسة منفصلة عن الميت جازت الصلاة. # قالوا: روي عن عائشة أنها أرادت الصلاة على سعد بن أبي وقاص في المسجد ~~فأنكر عليها فتركت ذلك، فدل الإنكار عليها على عدم الجواز. # قلنا: لم يمنعوها ولا أنكروا عليها إلا الصلاة على سعد بن أبي وقاص، ~~وأكابر الصحابة حضور، والصلاة على الجنائز موكولة إلى الرجال فلهذا أنكروا ~~عليها، ولم ينكروا الصلاة في المساجد على الجنائز فلهذا كانت جائزة في ~~المساجد(1). # المسألة الثامنة: ويستحب إذا صلي على الميت وقع البدار إلى دفنه، لما روي ~~عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ثلاث لا ينبغي التأني فيهن)). وذكر من جملتها ~~الجنازة إذا حان وقتها، ولأنه إذا وقف يخشى عليه التغيير والانفجار. # وهل يوقف به لمن أراد أن يصلي عليه ثانيا أم لا؟ ms1809 فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنها لا توقف الجنازة لمن يريد أن يصلي ثانيا، عند أئمة ~~العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه ومالك. # والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي قال: صلى رسول ~~اللهصلى الله عليه وسلم على جنازة فلما فرغنا من دفنه جاء رجل فقال: يا رسول الله إني لم ~~أدرك الصلاة عليه أفأصلي على القبر؟ قال: ((لا ولكن قم على قبره وادع لأخيك ~~وترحم عليه واستغفر له)) (2). # المذهب الثاني: أن الجنازة إذا لم يخش عليها التغيير وكان قد صلي عليها ~~وكان الولي لم يصل عليها، جاز وضعها ليصلي عليها الولي. PageV04P411 # قال الشافعي: فإن صلى بعض الأولياء والناس ثم جاء ولي آخر لم توضع له ~~الجنازة إذا طلب وضعها فإن وضعت له لم أر في ذلك بأسا. # والحجة على هذا: ما روي أن امرأة مسكينة مرضت فقال الرسولصلى الله عليه وسلم: ((إذا ماتت ~~فآذنوني)). فماتت ليلا فدفنوها ولم يوقظوا رسول اللهصلى الله عليه وسلم فلما أصبح أخبر بذلك ~~فقال: ((ألا أذنتموني)). فقالوا كرهنا أن نوقظك فخرج رسول اللهصلى الله عليه وسلم إلى قبرها ~~ووقف بالناس وصلى عليها. # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الرسولصلى الله عليه وسلم صلى على الجنازة بعد ما صلي عليها ~~فدل ذلك على الجواز. # والمختار: أنه لا وجه لتكرير الصلاة بعد ما صلي[عليها] لما ذكرناه من ~~حديث زيد بن علي، ولأنه لو جاز تكريرها مرة جاز تكريرها مرارا ولا قائل به. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي أن الرسولصلى الله عليه وسلم: صلى على قبر تلك المسكينة بعد ما صلي عليها، فدل ~~ذلك على الجواز. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الفرض في الصلاة لا يسقط في زمن الرسولصلى الله عليه وسلم إلا بصلاته ~~لقوله: ((لا يصلين أحد على موتاكم ما دمت فيكم)). فلهذا صلى عليها. # وأما ثانيا: فلأن هذا فعل ولا ندري على أي حال وقع لأن الفعل مجمل، ~~والقول لا إجمال فيه فلهذا كان القول ms1810 أحق بالعمل به دون الفعل، وما قلناه ~~عمل على القول فلهذا كان أولى. # المسألة التاسعة: فإن دفن الميت من غير أن يصلى عليه فهل يصلى على القبر ~~أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: المنع من الصلاة على القبر، وإن لم يكن قد صلي عليه. وهذا ~~هو الذي حصله السيد أبو طالب لمذهب الهادي والقاسم. # والحجة على هذا: خبر زيد بن علي، فإن ظاهره دال على المنع من الصلاة على ~~القبر صلي أو لم يصل. وأما إذا لم يصل فإنه يصلي على القبر. PageV04P412 # والحجة على هذا: هو أن الصلاة على الجنازة من فروض الكفاية، فإذا صلى عليها ~~قوم سقط الفرض عن الباقين فلو كررت لم تكرر إلا على جهة التطوع، ولا يجوز ~~التطوع بالصلاة على الموتى لأن ذلك لو جاز لجاز أن يصلى على من قد مات حالا ~~بعد حال، وهذا خلاف الإجماع ولا قائل به، ولأنها صلاة لا تصح إلا بالإمام، ~~فإذا فاتت لم تصل كصلاة الجمعة. # قال القاسم: لا يصلى على الميت بعد ما صلي عليه. # المذهب الثاني: جواز ذلك. وهذا هو رأي الناصر ومحكي عن الشافعي وأبي ~~حنيفة ومالك، ومروي عن ابن سيرين وأحمد بن حنبل. # قال الشافعي: ومن فاتته الصلاة صلى على القبر. # وعن أبي حنيفة، أنه قال: لا تجوز الصلاة على القبر إلا أن يكون الميت قد ~~دفن بغير صلاة جاز أن يصلي على القبر. # والحجة على هذا: هو أن الصلاة على الموتى فرض على الكفاية فلا يجوز ~~سقوطها بالدفن لأن الصلاة على القبر ممكنة فلا يجوز إسقاطها. # والمختار: جواز الصلاة إذا لم يكن قد صلي. كما حكي عن الناصر واختاره أبو ~~العباس للمذهب. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن النبيصلى الله عليه وسلم: أنه صلى على البراء بن معرور(1) PageV04P413 بعد قدومه المدينة، وكان قد مات قبل ذلك، وأوصى إلى الرسولصلى الله عليه وسلم فقبل وصيته ~~وصلى عليه بعد شهر. (1) # وما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم: أنه صلى على أم سعد بن ms1811 عبادة(2) # على قبرها بعد شهر(3). # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: خبر زيد بن علي دال على المنع. # قلنا: إنا نحمله على أنه قد صلي على الجنازة فلهذا منعه عن تكرير الصلاة، ~~وكلامنا إنما هو في الصلاة على القبر إذا لم يكن قد صلي عليها، فتجب الصلاة ~~على القبر. # وإذا قلنا: بجواز الصلاة على القبر إذا لم يكن قد صلي عليه، فإلى أي وقت ~~تجوز الصلاة على القبر؟ # فحكي عن أبي حنيفة: أنه إذا لم يصل عليه صلي عليه إلى ثلاث، ولا تجوز ~~الصلاة على القبر في اليوم الرابع، وإن كان قد صلي عليه لم تجز الصلاة على ~~القبر إلا للولي والوالي وإمام الحي. # وحكي عن الشافعي: أربعة أقوال: PageV04P414 # أولها: أنه تجوز الصلاة على القبر إلى شهر. وهو محكي عن أحمد بن حنبل. # وثانيها: أنها جائزة مالم يبل جسده وتذهب عظامه لأنه إذا كان باقيا فهو ~~بمنزلة حالة الموت. # وثالثها: أنه يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه لأنه من أهل ~~الخطاب بالصلاة عليه عند موته. # ورابعها: أنه يصلى عليه أبدا؛ لأن القصد منها هو الدعاء، وهذا يوجد مع ~~طول المدة. # قال أصحاب الشافعي: وإنما لم تجز الصلاة على قبر الرسولصلى الله عليه وسلم فلأجل الأوجه ~~الثلاثة؛ لأنه قد مضى أكثر من شهر، ولأنا لا نعلم بقائه في قبره لأنه قد ~~قيل إن الأنبياء يرفعون من قبورهم، ولأنا لم نكن من أهل الخطاب بالصلاة عند موته. # وأما الوجه الرابع، فاختلفوا: # فمنهم من قال: تجوز الصلاة على قبره أبدا وعلى قبر آدم. وهو رأي الشيخ ~~أبي حامد الإسفرائيني. # ومنهم من قال: لا تجوز الصلاة على قبره الآن. وهو محكي عن صاحب الشامل، ~~وهذا هو المختار لقولهصلى الله عليه وسلم: ((لا تتخذوا قبري مسجدا)). وروي: ((لا تتخذوا قبري ~~وثنا)) (1). # وفي حديث آخر: ((فإنما هلك بنو إسرائيل لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد)). (2) # ولأن الإجماع منعقد على أن أحدا لم يصل على قبر الرسول من يوم دفن إلى ~~الآن، وفي هذا دلالة ms1812 على المنع من ذلك. # فحصل من مجموع ما ذكرناه: المنع من الصلاة على القبر صلي على الميت أو لم ~~يصل. كما هو رأي الهادي والقاسم. PageV04P415 # وعلى رأي الناصر و[هو] المختار؛ جواز الصلاة إذا لم يصل عليها على القبر، ~~وعلى المنع إذا صلي، وهو رأي أبي حنيفة، وعلى جواز الصلاة على القبر صلي ~~على الميت أو لم يصل. وهذا هو رأي الشافعي. # المسألة العاشرة: هل تجوز الصلاة على الميت الغائب عن البلد؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه لا تجوز الصلاة على الغائب. وهذا هو رأي أئمة العترة ~~الهادي والقاسم والناصر، وهو محكي عن أبي حنيفة وأصحابه ومالك. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يصلي أحد على موتاكم ما ~~دمت فيكم)). وهذا إنما يقال فيمن كان حاضرا من الأموات دون من كان غائبا. ~~وأيضا فإن الصلاة أمر يتعلق بالميت فلا يجوز فعلها إلا من من كان حاضرا ~~كالغسل والكفن والقبر. # المذهب الثاني: جواز ذلك. وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن أحمد بن حنبل، ~~فيتوجه المصلي إلى القبلة ويصلي على الميت سواء كان في جهة القبلة أو في ~~غير جهتها. # والحجة على هذا: ماروي عن الرسولصلى الله عليه وسلم، أنه نعى النجاشي إلى أصحابه يوم مات، ~~أعلمه الله بموته من غير إعلام أحد من الخلق. فكان هذا من جملة معجزاته، ~~فخرج بهم إلى المصلى [وكبر] وكبرو خلفه لما كبر. # هذا كله [إذا كان الميت] في بلد أخرى أو قرية أخرى وبينهما مسافة سواء ~~كانت تلك المسافة قريبة أو بعيدة، فإن كان الميت في طرف البلد لم يجز أن ~~يصلي عليه حتى يحضر عنده، لأن ذلك ممكن فلا يجوز تركه. # فإن كانت الجنازة حاضرة فتقدم عليها وصلى وهي من خلفه وراء ظهره؟ ففيه وجهان: # أحدهما: أن ذلك جائز كما لو كانت الجنازة غائبة. # وثانيهما: أن ذلك غير جائز لأن الأصول قد فرقت بين الضرورة وحال ~~الرفاهية، وهاهنا يمكن أن تكون الجنازة أمامه فلا يجوز تركه. هذا تقرير ms1813 ~~كلام الشافعي في هذه المسألة. # والمختار: المنع من ذلك. كما هو رأي العترة وغيرهم. # وحجتهم: ما ذكرناه. PageV04P416 # ونزيد هاهنا: وهو أن هذا لو كان جائزا لصلى الرسولصلى الله عليه وسلم على كل من كان في غير ~~مكة(1)، # المعلوم أنه ما فعل ذلك، فدل ذلك على أنه غير جائز وأنه غير مسنون. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: صلى الرسولصلى الله عليه وسلم على النجاشي وهو في الحبشة والرسولصلى الله عليه وسلم في مكة(2) # فدل على جوازه. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن هذا كان خاصا للرسولصلى الله عليه وسلم فلا يفعله غيره بعده، فلقد كان ~~مخصوصا في نفسه بأمور كثيرة نحو نكاح التسع ونحو إيجاب الوتر والأضحية ~~والتهجد إلى غير ذلك من الخصائص، وإذا كان خاصا فلا وجه لقياس غيره عليه ~~لأنه يبطل التخصيص. # وأما ثانيا: فيمكن أن يكون خاصا في حق النجاشي فلا يفعل لغيره، كما أباح ~~الحرير لعبد الرحمن بن عوف وقيل لعثمان، وكما أجاز التضحية بالعناق لأبي ~~بردة بن نيار(3) PageV04P417 وإذا كان هذان الأمران محتملين بطل القياس. # الفرع السادس: في صفة الصلاة على الموتى. ويشتمل على أحكام ثمانية: # الحكم الأول: القيام مشروع في صلاة الجنازة، لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم: أنه لم ~~يكن يصلي على جنازة إلا قائما، وهكذا المعهود من حال أمير المؤمنين كرم ~~الله وجهه وأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من التابعين وسائر العلماء. # وهل يكون القيام واجبا أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه واجب. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن الشافعي، ~~وعلى هذا لو صلى قاعدا مع القدرة على القيام لم تكن مجزية. # والحجة على هذا: هو أنها صلاة مفروضة فوجب فيها القيام مع القدرة عليه ~~كسائر الصلوات المفروضة. # المذهب الثاني: أن القيام غير واجب فإن صلى قاعدا أجزأ. وهذا هو رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أن المقصود من هذه الصلاة إنما هو الدعاء، والدعاء ~~للميت حاصل سواء كان المصلي قاعدا أو قائما خلا أن الأفضل القيام، ms1814 فإن صلى ~~قاعدا أجزأ ولم تجب إعادتها. # والمختار: هو وجوب القيام. كما هو رأي أئمة العترة. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو قولهصلى الله عليه وسلم: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وهذا أمر والأمر ~~للوجوب إلا لدلالة، ولم يفصل بين صلاة وصلاة فلهذا وجب القيام. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: المقصود من هذه الصلاة الدعاء وهو حاصل مع القيام والقعود فلهذا ~~لم يجب القيام. # قلنا: ليس المقصود هو الدعاء كما زعمتموه. # ويؤيد ما ذكرناه: أنها مشتملة على النية والتكبير والقراءة والتحليل ~~بالتسليم كما وجب في الصلاة المفروضة، فلا جرم كانت مخالفة للدعاء بما ~~ذكرناه، فلهذا وجب القيام فيها. PageV04P418 # الحكم الثاني: والنية مشروعة فيها، لقولهصلى الله عليه وسلم: ((الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما ~~نوى)). وهي واجبة لأنها صلاة مفروضة فوجبت فيها النية كسائر الصلوات ~~المكتوبة، ولا يلزمه أن ينوي أن الميت رجل أو امرأة بل ينوي الصلاة عليه لا ~~غير، فإن نوى أن يصلي على هذا الرجل فإذا هو امرأة أو على هذه الإمرأة فإذا ~~هي رجل. فهل تجزي أم لا؟ # حكي عن المسعودي من أصحاب الشافعي، أنها لا تجزئ. ولا وجه له لأنه مشار ~~إليه، وجهل الصفة لا يضر مع الإشارة فلهذا كان مجزيا. # ولا يجوز أن ينويها سنة لأمرين: # أما أولا: فلأنها من فروض الكفايات فلا يجوز أن ينويها سنة؛ لأن هذا ~~مخالف لموضوعها. # وأما ثانيا: فلأن مثلها لا يتنفل به على صفتها. # وهل يلزمه أن ينوي كونها فريضة؟ فيه التردد الذي ذكرناه في سائر الصلوات ~~المفروضة. # والمختار: أنه لا يحتاج إلى نية كونها فرضا كما لا يحتاج إلى نية كون ~~الظهر فرضا كما مر بيانه. # الحكم الثالث: وأين يكون مقام الإمام من الميت إذا صلى عليه؟ فيه أقوال خمسة: # القول الأول: مروي عن الهادي، وهو رأي الناصر والمؤيد بالله، قال السيد ~~أبو طالب: وهو رأي أهل البيت لا يختلفون فيه، وهو أن يقف من الرجل حذاء ~~وسطه، ومن المرأة عند صدرها. # والحجة على هذا: ما روى زيد بن ms1815 علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه ~~كان إذا صلى على جنازة فإن كان رجلا قام عند سرته، وإن كانت امرأة قام حذاء ~~ثدييها(1)، # وهذا إنما فعله عن توقيف من جهة الرسولصلى الله عليه وسلم لأنه لا مدخل للإجتهاد فيه. # القول الثاني: محكي عن القاسم: وهو أن يقف من جنائز الرجال ما بين الصدر ~~والسرة، ومن جنائز النساء بحذاء صدرها ووجهها. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم: أنه صلى على جنازة امرأة فقام عند ~~وسطها، وإذا قام من المرأة في وسطها فإنه يقوم من الرجل بحذاء الصدر والسرة ~~لأنه لا بد من المخالفة في المقام بينهما. PageV04P419 # القول الثالث: محكي عن أبي حنيفة، وعنه ثلاث روايات: # الرواية الأولى: حكاها الكرخي، أنه يقف بحذاء الصدر من الرجل والمرأة. # الرواية الثانية: حكاها الطحاوي، أنه يقوم بحذاء الصدر من الرجل ~~والمرأة(1). # الرواية الثالثة: حكاها الحسن بن زياد، أنه يقوم بحذاء الوسط من الرجل ~~والمرأة. # وحكى الطحاوي عن أبي يوسف في (الإملاء) أنه يقوم من الرجل عند رأسه ومن ~~المرأة عند وسطها. # قال أبو جعفر الطحاوي: وبه نأخذ. # القول الرابع: محكي عن الشافعي: أنه يقف من الرجل بحذاء الرأس ومن المرأة ~~عند العجز. # القول الخامس: محكي عن مالك، أنه يقف عند الرأس من الرجل والمرأة. # فهذه أقاويل العلماء في موقف الإمام من الجنازة. # والمختار: ما عول عليه علماء العترة وأئمة أهل البيت، وهو أن يقف من ~~الرجل حذاء وسطه، ومن المرأة حذاء صدرها، ورجحانه يظهر من وجهين: # أما أولا: فلأنه صار إجماعا من جهة العترة وهو حجة نعتمد عليها في الأمور ~~القطعية، ويكون مستندا في الأحكام الشرعية. # وأما ثانيا: فلما رويناه من حديث أمير المؤمنين كرم الله وجهه وهو لا ~~يقوله إلا عن مستند من جهة الرسولصلى الله عليه وسلم، وباقي الأقوال التي رويناها إستحسانات ~~من جهة الآراء النظرية والاجتهادات الشرعية فلا تكون معارضة لما قلناه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه من هذه الأقاويل، ولم يذكروا فيها ~~شيئا من جهة ms1816 الرسولصلى الله عليه وسلم ولكن اعتمدوا فيها التفرقة بين الرجل والمرأة وإيثار ~~مجانبة العورة من الرجل والمرأة في المقابلة عند القيام للصلاة فاختلفوا ~~هذا الاختلاف والأمر فيه قريب لأن المقصود هو الدعاء للميت والتوجه إليه ~~بالصلاة والدعاء والشفاعة إلى الله في قبوله وغفران خطاياه وهذا حاصل ~~بالمواجهة على أي وجه كان خلا أنا آثرنا ما نقل عن الرسولصلى الله عليه وسلم على ما كان من ~~الآراء. PageV04P420 # الحكم الرابع: ثم يكبر. والتكبير على الجنازة مشروع لقولهصلى الله عليه وسلم: ((صلوا كما ~~رأيتموني أصلي)). والمعلوم من حاله أنه كان يكبر على الجنازة. وهو واجب ~~أعني: تكبيرة الإفتتاح. لأنها صلاة مفروضة فكانت تكبيرة الإفتتاح فيها ~~واجبة كالصلوات المفروضة. # وكم يكون عدد التكبير؟ فيه مذاهب خمسة: # المذهب الأول: أنه يكبر خمسا. وهذا هو رأي أئمة العترة. # قال الهادي في الأحكام: أجمع علماء آل الرسولصلى الله عليه وسلم على أن التكبير على ~~الجنائز خمس. وهو مروي عن أبي ذر الغفاري وعن زيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان ~~ومحمد بن الحنفية(1) PageV04P421 من الصحابة رضي الله عنهم، ومحكي عن ابن عباس، ومروي عن ابن أبي ليلى من ~~الفقهاء. # والحجة على هذا: ما روي عن زيد بن أرقم: أنه صلى على جنازة فكبر خمسا ~~فسئل عن ذلك؟ فقال: هذه سنة نبيكم(1). # الحجة الثانية: ما روي عن حذيفة بن اليمان أنه كبر على جنازة خمسا ثم ~~التفت إلينا وقال: ما وهمت ولا نسيت ولكن كبرت كما كبر رسول اللهصلى الله عليه وسلم(2). # المذهب الثاني: أنه يكبر أربعا. وهذا محكي عن زيد بن علي، وهو رأي عمر ~~وابن عمر وعقبة بن عامر من الصحابة رضي الله عنهم. ومن التابعين، ابن سيرين ~~وجابر بن زيد(3) PageV04P422 . # ومن الفقهاء أبو حنيفة والشافعي ومالك والأوزاعي والثوري وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق وداود من أهل الظاهر(1). # والحجة على هذا: ما روي: أن الرسولصلى الله عليه وسلم كبر على النجاشي أربعا لما مات ونعاه ~~إلى أصحابه، وخرج إلى المصلى وصف بهم(2). # وروى ابن عباس رضي الله عنه ms1817 أن آخر ما كبر رسول اللهصلى الله عليه وسلم على الجنازة ~~أربعا(3). # وروى أبي بن كعب أن الرسولصلى الله عليه وسلم قال: ((إن الملائكة صلت على آدم وكبرت ~~أربعا)). وقالصلى الله عليه وسلم: ((هذه سنتكم يا بني آدم)) (4). # المذهب الثالث: محكي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه كبر على من كان ~~من أهل بدر ست تكبيرات، وعلى من كان من الصحابة من غير أهل بدر خمس ~~تكبيرات، وعلى سائر الناس أربع تكبيرات. وهذا لا يقوله إلى عن توقيف من جهة ~~الرسولصلى الله عليه وسلم(5). PageV04P423 # المذهب الرابع: محكي عن ابن مسعود، أنه قال: يكبر على الجنازة تسعا وسبعا ~~وخمسا وأربعا. فكبروا ما كبر الإمام، ورواه عن الرسولصلى الله عليه وسلم(1). # المذهب الخامس: مروي عن أنس بن مالك، ورواية عن ابن عباس أنه يكبر ثلاثا ~~على الجنازة. # فهذه أقاويل العلماء في عدد التكبير في صلاة الجنازة. # والمختار في التكبير: خمسا. كما هو رأي أئمة العترة ومن وافقهم. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا وهو ما روي أن أمير المؤمنين صلى على فاطمة وكبر خمسا ودفنها ~~ليلا(2). # وروي عن الحسن بن علي أنه صلى على أبيه فكبر خمسا(3). # وروي عن محمد بن الحنيفة أنه صلى على ابن عباس فكبر خمسا. # وعن أبي ذر أنه قال لحصين بن عامر(4): PageV04P424 # إذا أنا مت فاستر عورتي واغسلني ونقني وكفني في وتر وكبر علي خمسا وسلني ~~سلا(1). # فهذه أقاويل الصحابة والتابعين والفقهاء دالة على كونها خمسا قولا وفعلا ~~ورواية عن الرسولصلى الله عليه وسلم فيجب العمل على ذلك. # ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه: أنها عبادة ذات عدد يختص الميت فيجب أن يكون ~~وترا كالكفن والغسل. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي: أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي أربع تكبيرات. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأنه لم يذكر تكبيرة الإفتتاح لما كانت مشروعة في كل صلاة. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما روى زيد بن أرقم، فإنه كبر خمسا. وقال: ~~هذه سنة نبيكم. # قالوا: ms1818 روي عن الملائكة أنها كبرت على آدم أربع تكبيرات. وقالوا: هذه ~~سنتكم يا بني آدم. # قلنا: فعل الملائكة لا يلزمنا ولا نحن متعبدون بأفعالهم وأيضا فلعلها ~~كانت شريعة لآدم وهي منسوخة بهذه الشريعة. # فأما ما روي عن علي كرم الله وجهه من أنه كبر أربعا وستا وخمسا. وما روي ~~عن ابن مسعود أنه كبر تسعا وسبعا وخمسا وأربعا. وما روي عن أنس بن مالك أنه ~~كبر ثلاثا. فهو معارض بما أوردنا من الأخبار والآثار الدالة على أن السنة ~~في تكبير الجنازة خمسا، وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح وأخبارنا فهي أرجح ~~من أوجه: # أما أولا: فلأن هذه الرواية عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه غير مشهورة ~~فلا يعول عليها. # وأما ثانيا: فلعله إنما فعل ذلك لعارض لأنها فعل فلا يدرى كيف وقع. # وأما ثالثا: فلأن إجماع العترة على ما قلناه، ولو صحت الرواية لما أجمعوا ~~على خلاف قوله. PageV04P425 # وأما ما روي عن ابن مسعود، وأنس بن مالك، فإنما كان ذلك رأي منهما من جهة ~~الاجتهاد فلا يلزمنا قبوله لأن الحجة ما كان عن الله تعالى وعن صاحب ~~الشريعة، فأما الآراء الاجتهادية فلا تكون حجة على مجتهد آخر. # وقد ظهر ترجيح مذهبنا على مذاهب الفقهاء من كونه أربعا من أوجه ثلاثة: # أما أولا: فلأن ما رووه من الأحاديث يحتمل أن تكون غير تكبيرة الافتتاح ~~لأنها مشروعة في كل صلاة فلهذا لم تعد من جملة التكبيرات. # وأما ثانيا: فلأن أخبارنا مشتملة على الزيادة وهي مقبولة من جهة العدل ~~خاصة والباب باب عبادة. # وأما ثالثا: فلأنه اتفاق من جهة أهل البيت، وأقل أحواله أن يكون مرجحا ~~إذا لم يكن حجة قائمة. # الحكم الخامس: ثم يكبر التكبيرة الأولى. وهل يرفع يديه في التكبيرة ~~الأولى أم لا؟ فيه قولان: # القول الأول: أنه يستحب الرفع في التكبيرة الأولى إلى المنكبين أو إلى ~~شحمة الأذنين. وهذا هو رأي الناصر والقاسم والمؤيد بالله، ومحكي عن الفقهاء ~~أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالك. # قال القاسم: ويرفع يديه في أول ms1819 التكبير. # والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين أنه كان إذا صلى على ~~الجنازة رفع يديه عند تكبيرة الإفتتاح. # القول الثاني: أنه لا يستحب رفع اليدين. وهذا هو رأي الهادي. # والحجة على هذا: قولهصلى الله عليه وسلم: ((أسكنوا في الصلاة)). وقد قدمنا ذكر ذلك في فروض ~~الصلاة وذكرنا المختار والانتصار له فأغنى عن التكرير. # وإذا كبر الأربع البواقي فهل يرفع يديه فيها أم لا؟ فيه قولان: # القول الأول: أنه لا يستحب الرفع فيها. وهذا هو رأي أئمة العترة، ومحكي ~~عن أبي حنيفة ومالك. # والحجة على ذلك: ما روي عن أمير المؤمنين أنه كان إذا كبر رفع يديه في ~~أول تكبيرة ثم لا يعود إلى رفعها. # القول الثاني: أنه يستحب رفع اليدين في كل تكبيرة. وهذا هو رأي الشافعي. PageV04P426 # والحجة على هذا: ما روي عن أنس بن مالك وابن عمر أنهما كانا يرفعان في ~~التكبيرات كلها. ولأنها تكبيرات زائدة في صلاة الجنازة فيسن فيها رفع ~~اليدين كالتكبيرة الأولى. # والمختار: أن المستحب ترك الرفع فيما زاد على تكبيرة الإفتتاح. كما قاله ~~أئمة العترة. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو قولهصلى الله عليه وسلم: ((مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس ~~اسكنوا في الصلاة)). وفي هذا دلالة على كراهة الرفع إلا ما دلت عليه دلالة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي الرفع عن أنس بن مالك وابن عمر، وإنما يقولان ذلك عن توقيف. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الظاهر أنه مذهب لهما فلا يلزمنا قبوله. # وأما ثانيا: فلأنه معارض بما رويناه عن أمير المؤمنين، ورواية أمير ~~المؤمنين راجحة على غيرها لما خصه الله تعالى [به] من شرائف الخصال والفضل ~~الذي فاق على غيره من الصحابة رضي الله عنهم. # فإن كبر أربعا أعاد الصلاة سواء كان سهوا أو عمدا لأنه نقصان من المشروع، ~~فلهذا قلنا بوجوب الإعادة كما لو نقص من الركعات المفروضة. # وهل يسن التوجه والتعوذ في صلاة الجنازة أم لا؟ فيه مذهبان: # أحدهما: أنه ms1820 لا يسن شيء منها لأنها مبنية على الإختصار والحذف والخفة. # ويؤيد هذا ما ورد عن الرسولصلى الله عليه وسلم: ((أن كل من مات في أول الليل فلا يصبح إلا ~~في قبره، ومن مات في النهار فلا يمسي إلا في قبره)). # وثانيهما: أنه يسن فيهما التعوذ والتوجه كما في سائر الصلوات غيرها. وهذا ~~هو المختار، لأن صلاة الجنازة موضوعها الدعاء، والتوجه والتعوذ دعاء، فلهذا ~~كان مستحبا. # وهل يستحب الجهر فيها أم لا؟ فيه وجهان: # أحدهما: أنه غير مسنون. وهذا هو الظاهر من المذهب، وهو محكي عن الأكثر من ~~أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة، سواء صلاها ليلا أو نهارا. لما روي عن ابن ~~عباس أنه جهر بالقراءة في صلاة الجنازة، فقال: إني ما جهرت لأن الجهر سنة ~~ولكن جهرت لأعرفكم أن فيها قراءة واجبة. PageV04P427 # وثانيهما: أنه يجهر إن صلاها ليلا، ويخافت إذا صلاها نهارا كسائر الصلوات. ~~وهو محكي عن الداركي(1) # ن أصحاب الشافعي. # والمختار: هو الأول لقولهصلى الله عليه وسلم: ((صلاة النهار عجماء)). وما يقع في صلاة ~~الليل فهو نادر قليل فلهذا كان التعويل على الأكثر. # الحكم السادس: في بيان الذكر المشروع بين التكبيرات. # والإجماع منعقد على أن الذكر مسنون مشروع في صلاة الجنازة، ولكن الخلاف ~~هل يكون موضوعها الدعاء والقراءة، أو يكون موضوعها الدعاء من غير قراءة؟ ~~ولا خلاف أنه لا تشرع فيها القراءة وحدها، فهذان تقريران: # التقرير الأول: أن موضوعها الدعاء والقراءة. وفيه مذهبان: # المذهب الأول: أن السنة أن يجمع فيها بين القراءة والدعاء. وهذا هو رأي ~~القاسم والهادي والمؤيد بالله، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى على ~~جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة معها وجهر حتى سمعنا جهره، فلما انصرف ~~سألته عن القراءة؟ فقال: هي سنة. ومثل هذا لا يفعله إلا عن توقيف من جهة ~~الرسولصلى الله عليه وسلم، لأنه لا مدخل للإجتهاد فيه، فلهذا كان حجة. فأما ما فعله عن ~~اجتهاد فلا يكون حجة لأنه إنما يقوله من تلقاء نفسه بنظر واجتهاد. PageV04P428 # فإذا عرفت هذا فالصفة ms1821 المشروعة بين التكبيرات بالدعاء والقراءة؛ أن يكبر ~~التكبيرة الأولى. ويستحب أن يقول بعدها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء ~~قدير. ثم يقرأ: سورة الحمد. ثم يكبر التكبيرة الثانية ويقول: اللهم صل على ~~محمد عبدك ورسولك وخيرتك من خلقك وعلى آل بيته الطيبين الأطهار الصادقين ~~الأبرار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا كما صليت على إبراهيم ~~وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. ثم يقرأ: قل هو الله أحد. ثم يكبر الثالثة ~~ويقول: اللهم صل على ملائكتك المقربين، اللهم شرف بنيانهم وعظم أمرهم، ~~اللهم صل على أنبيائك المرسلين، اللهم أحسن جزائهم وارفع عندك درجاتهم، ~~اللهم شفع محمدا في أمته واجعلنا ممن تشفعه فيه، اللهم اجعلنا في زمرته ~~وأدخلنا في شفاعته، واجعل مأوانا الجنة. ثم يقرأ: قل أعوذ برب الفلق. ثم ~~يكبر الرابعة، ويقول: سبحان من سبحت له السموات والأرضون، سبحان ربنا ~~الأعلى، سبحانه وتعالى، اللهم هذا عبدك وابن عبدك وقد صار إليك، وقد أتيناك ~~متشفعين له سائلين له المغفرة فاغفر له ذنوبه وتجاوز عن سيئاته وألحقه ~~بنبيه محمدصلى الله عليه وسلم، اللهم وسع عليه قبره وأفسح له أمره وأذقه عفوك ورحمتك يا أكرم ~~الأكرمين، اللهم ارزقنا حسن الاستعداد لمثل يومه ولا تفتنا بعده، واجعل خير ~~أعمالنا خواتهما وخير أيامنا يوم نلقاك. ثم يكبر الخامسة، ثم يسلم ~~تسليمتين. # قال الهادي: وهذا الدعاء إنما يدعى به للصالحين المتقين. فأما الفسقة ~~الظالمون فإذا اضظر إلى الصلاة عليهم خوفا من ظالم، لعنهم في صلاته. # وإن كان الميت ملتبسا حاله قال: اللهم إن كان محسنا فزده إحسانا، وإن كان ~~مسيئا فأنت أولى بالعفو عنه. # وإن كان الميت طفلا قال: اللهم اجعله لنا ولوالديه ذخرا وسلفا وفرطا وأجرا. PageV04P429 # وحكي عن المؤيد بالله أنه قال: يكبر الأولى فيقرأ فيها: بفاتحة الكتاب، وإن ~~شاء دعا مكانها، ثم يكبر الثانية ويقرأ إن شاء أو يدعو حتى يكبر أربعا، ثم ~~يصلي على الرسولصلى الله ms1822 عليه وسلم ويدعو لنفسه وللميت وللمؤمنين والمؤمنات، ثم يكبر الخامسة ~~ويسلم عن يمينه ويساره. # وكلام المؤيد بالله هو استحباب الجمع بين القراءة والدعاء في صلاة ~~الجنازة كما حكيناه عن الهادي والقاسم. # المذهب الثاني: محكي عن الشافعي: فإذا كبر التكبيرة الأولى قرأ بفاتحة ~~الكتاب وهي واجبة عنده. وهو محكي عن ابن عباس وابن الزبير وبه قال أحمد بن ~~حنبل وإسحاق بن راهويه وداود من أهل الظاهر. # وحجتهم على هذا: ما روى جابر: أنه صلى على جنازة فقرأ في التكبيرة الأولى ~~بفاتحة الكتاب. # ثم يكبر الثانية ويصلي على الرسولصلى الله عليه وسلم وهو واجب لقولهصلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة لمن لم ~~يصل على نبيه)) (1). # ثم يدعو للمؤمنين والمؤمنات بعد الصلاة على الرسولصلى الله عليه وسلم. # وحكي عن المزني: أنه نقل عن الشافعي، أنه إذا كبر الثانية حمد الله تعالى ~~وصلى على الرسولصلى الله عليه وسلم. واستضعفه أصحاب الشافعي وقالوا: هذا لا يعرف للشافعي، ~~لأن هذا ليس موضعا للتحميد. # ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت وهو واجب لما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا ~~صليتم على موتاكم فأخلصوا لهم الدعاء)) (2). PageV04P430 # وقد رويت عن الرسولصلى الله عليه وسلم أدعية مختلفة إلا أن أكثر ما نقل عنهصلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ~~((اللهم اغفر لشاهدنا وغائبنا وحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا ~~وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته فتوفه على ~~الإسلام))(1). # وزاد ابن الصباغ صاحب الشامل: ((اللهم اغفر لأولنا وآخرنا)). وفي آخره: ~~((ومن توفيته فتوفه على الإسلام، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده)). # قال الشافعي في الأم: وأي دعاء دعا به أجزأه. واختار الشافعي في (الأم) ~~دعاء ذكره: وهو أن يقول: اللهم إن هذا عبدك وابن عبديك خرج من روح الدنيا ~~وسعتها ومحبوبه وأحبابه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه كان يشهد أن لا ~~إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزده ~~إحسانا وارفع درجته وقه عذاب القبر وكل ms1823 هول دون يوم القيامة وابعثه من ~~الآمنين، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئآته وبلغه بمغفرتك وطولك درجات ~~المحسنين، اللهم إنه قد فارق ما كان يحب من سعة الدنيا وأهلها وعزه إلى ~~ظلمة القبر وضيقه وجئنا له شفعاء نرجو له مغفرتك، اللهم إنه فقير إلى رحمتك ~~وأنت غني عن عذابه. PageV04P431 # ونقل المزني عنه دعاء أطول من هذا وهو قوله: اللهم هذا عبدك وابن عبديك خرج ~~من الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحبابه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان ~~يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك وأنت أعلم به، اللهم إنه نزل ~~بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيرا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك ~~راغبين إليك شفعاء له، اللهم إن كان محسنا فزده إحسانا، وإن كان مسيئا ~~فتجاوز عنه، ولقه برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وأفسح له في قبره، ~~وجاف الأرض عن جنبه ولقه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم ~~الراحمين. # وإن كان الميت صغيرا قال: اللهم اجعله فرطا وذخرا. ويدعو لأبويه فيقول: ~~اللهم اجعله لهما سلفا وذخرا وفرطا وعظة واعتبارا. # وإذا كبر الرابعة فإنه يسلم ويقول بعد التسليم: اللهم لا تحرمنا أجره ولا ~~تفتنا بعده. وربما أغفله في موضع آخر ليدل على أنه ليس واجبا. # والتسليم واجب لقولهصلى الله عليه وسلم: ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)). وهل يسلم ~~تسليمة واحدة أو تسليمتين؟ له فيه قولان كما مر تقريره في تسليم الصلوات ~~المفروضة فأغنى عن إعادته. # فهذا هو الكلام على رأي من قال: أن المشروع في صلاة الجنازة الجمع بين ~~القراءة والدعاء. # التقرير الثاني: على رأي من قال: المشروع فيها هو الدعاء لا غير. # وهذا هو رأي زيد بن علي والناصر، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، ومالك حتى ~~قال مالك: أكره القراءة فيها. # والحجة على هذا: ما روى ابن مسعود عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: لم يوقت رسول ~~اللهصلى الله عليه وسلم قراءة في صلاة الجنازة بل قال: ((كبر إذا ms1824 كبر الإمام واختر من أطيب ~~الكلام ما شئت)) (1). # فأما صفة الدعاء المذكور بين التكبيرات من غير قراءة. ففيه مذهبان: PageV04P432 # المذهب الأول: محكي عن الناصر: فإذا كبر التكبيرة الأولى فالمستحب أن يقول: ~~أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأشهد أن ~~الجنة حق والنار حق والموت حق والبعث حق والصراط حق، وأن الساعة آتية لا ~~ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. ثم يكبر الثانية فيقول: اللهم أنت ~~الحي الدائم، وأنت الحي القيوم تحيي وتميت، وأنت حي لا تموت بيدك الخير ~~وأنت على كل شيء قدير، كل شيء هالك إلا وجهك وإليك المصير. ثم يكبر الثالثة ~~ويقول إن كان من الموحدين التائبين: اللهم إنه عبدك وابن عبديك، نزل بساحتك ~~وأنت خير منزول بساحته، وهو إلى رحمتك فقير وأنت عن عذابه غني، اللهم فصل ~~وحدته وآنس وحشته، ووسع عليه في لحده، وأعطه رحمة من عندك تغنيه بها عمن ~~سواك، اللهم إني عرفته مواليا لأوليائك معاديا لأعدائك، وساعيا في مرضاتك، ~~اللهم فألحقه بمن كان يتولاه من مرافقة النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا، اللهم ارزقنا حسن الإستعداد لما نزل به، ولا ~~تضلنا بعده ولا تجعلنا من الغافلين. # فإن كان من الفاسقين في ظاهر أحواله فإنه يقول: اللهم إنه عبدك وابن ~~عبديك، وأنت عدل لا تظلم الناس شيئا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، اللهم إني ~~عرفته مواليا لأعدائك، معاديا لأوليائك، ساعيا في غير مرضاتك مؤثرا هواه ~~على طاعتك، مجترئا عليك، اللهم فاحشره على(1) # ن كان يتولاه، واملا جوفه وقلبه نارا واجعلنا منه على حذر، ولهذا اليوم ~~مراقبين. # وإن كان لا يعرف مذهبه وحاله فإنه يقول: اللهم إنه عبدك وابن عبديك، وأنت ~~أعرف به بخيره وشره، فإن تعذبه فبحق، وإن تغفر له فأنت أولى بالمغفرة ~~والرحمة، اللهم ارزقنا حسن الاستعداد لما نزل به ولا تضلنا بعده، ولا ~~تجعلنا من الغافلين. # وإن كان الميت صغيرا فإنه يقول في هذا الموضع: اللهم اجعله لنا سلفا وفرطا. PageV04P433 # ثم يكبر الرابعة ms1825 ويقول: اللهم ارحم صغارنا وكبارنا وأحيائنا وأمواتنا، ~~وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن أمته فأمته ~~على الإيمان، اللهم ارزقنا حسن الاستعداد للموت والتوفيق لما يرضيك، ويزلف ~~لديك والفوز برحمتك إنك لا تخلف الميعاد. # فهذه جملة ما حكي عن الناصر في الدعاء بين التكبيرات. # ثم يكبر الخامسة ويسلم تسليمتين. # المذهب الثاني: محكي عن الحنفية. وهو أن يكبر في الأولى ويحمد الله تعالى ~~ويثني عليه بما هو أهله، ثم يكبر الثانية ويصلي على الرسولصلى الله عليه وسلم، ثم يكبر ~~الثالثة ويدعو للميت، ثم يكبر الرابعة ويسلم عن يمينه ويساره، كما في ~~المكتوبة. ولم أقف لأبي حنيفة وأصحابه على دعاء مخصوص للميت فنذكره، وإنما ~~أطلقوا الدعاء إطلاقا. # فهذه جملة أقاويل العلماء في بيان الذكر المشروع بين التكبيرات في صلاة ~~الجنازة كما ترى. # والمختار: هو الجمع بين القراءة والدعاء في هذه الصلاة. كما هو رأي ~~الهادي والقاسم والمؤيد بالله. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن هذه صلاة واجبة فاستحب فيها الجمع بين القراءة ~~والدعاء كالصلوات المكتوبة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روي عن ابن مسعود أن الرسولصلى الله عليه وسلم لم يوقت قراءة في صلاة الجنازة بل ~~قال: ((اختر من أطيب الكلام ما شئت)). # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن مراده بما ذكر لم يعين فيها سورة بعينها وإنما أطلق ~~القراءة بما شاء القارئ أن يقرأ قرأ من غير تعيين. # وأما ثانيا: فلأن هذا معارض بما روى جابر وابن عباس من كون القراءة ~~مشروعة في صلاة الجنازة، وإذا تعارضا وجب الترجيح، وحديث ابن عباس وجابر ~~أرجح لأنهما رويا زيادة والزيادة مقبولة من جهة الراوي لأنهما أفادا بما ~~روياه فائدة جديدة فلهذا كان خبرهما أرجح فوجب العمل عليه. PageV04P434 # الحكم السابع: وإذا قلنا: بأن المختار هو الجمع بين القراءة والدعاء في ~~صلاة الجنائز كما مر بيانه، ونقلناه من كلام الأئمة والعلماء. فالذي ~~نختاره: أن يكبر التكبيرة الأولى ويقرأ الفاتحة لأن تقديمها أحق كما مر في ~~الفريضة، فإذا فرغ من ms1826 قراءتها فالمستحب أن يقول: سبحان من تفرد بالبقاء ~~وقهر العباد بما حكم عليهم من الموت والفناء أشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له أهل الكبرياء والعظمة، وأهل الجود والجبروت، وأهل العفو ~~والرحمة، وأهل التقوى وأهل المغفرة، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله ~~بالهدى ودين الإسلام والدعاء إلى دار السلام، ونشهد أن الوعد حق، وأن ~~الوعيد حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. # ثم يكبر الثانية ويقول: اللهم صل على ملائكتك المقربين وصل على أنبيائك ~~المرسلين، وصل على عبادك الصالحين، وخص محمدا وأهل بيت محمد بأفضل الصلاة ~~والتسليم. # ثم يكبر الثالثة، ويقول: اللهم اغفر لشاهدنا وغائبنا وحينا وميتنا ~~وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه حياة طيبة على ~~الدين والإيمان، ومن توفيته فهون عليه كرب الموت وأمته على الدين والإيمان، ~~اللهم بارك لنا في الموت والحياة واجعل مأوانا الجنة. # ثم يكبر الرابعة ويقول: اللهم هذا عبدك وابن عبدك وأمتك خرج من سعة ~~الدنيا وفسحتها؛ إلى ضيق القبر ووحشته، ومن عمران الدور إلى خراب القبور، ~~ومن الإنس بالإخوان والأصحاب إلى الظلمة والوحشة والتمرغ في التراب، وقد ~~نزل بساحة كرمك وأنت خير منزول به شاهدا لك بالوحدانية، ولرسولك بالرسالة، ~~وهاتان الشهادتان من أعظم الوسائل إلى كل خير لك، اللهم اجعلهما من أثقل ما ~~يوضع في ميزان خيراته وتجاوز بفضلهما عن خطيئاته وسيئاته، وقد أتيناك ~~متشفعين له سائلين له المغفرة والرحمة فلا تردنا خائبين ولا أشقياء بدعائك ~~ولا محرومين. PageV04P435 # ثم يكبر الخامسة، ويسلم عن يمينه ويساره. وليس بعد التسليم شيء. وهذا ~~الكلام في من كان من الأولياء وأهل الصلاح والخير والستر. # فإن كان صغيرا طفلا فليقل: اللهم اجعله لنا ولوالديه فرطا وسلفا وذخرا ~~وثوابا وأجرا وأجعل مصابه غفرانا للذنوب، وتكفيرا للخطايا. # وإن كان الميت ممن لا يعلم حاله فليقل: اللهم إن هذا عبدك وابن عبديك، ~~اللهم إن كان من أوليائك فأكرمه بما وعدته، على لسان رسولك، وإن كان من ~~أعدائك فإن تعذب فبحق ms1827 وإن تغفر فعن ذنب، اللهم ارزقنا حسن الإستعداد لما ~~نزل به، ولا تضلنا بعده، ولا تجعلنا من الأخسرين أعمالا الذي ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # وإن كان من الفسقة الذين ماتوا على ملابسة الكبائر مصرين على اقتحام ~~العظائم فليقل: اللهم هذا عبدك وابن عبديك، فقد خسر عمله، وضل سعيه، واجترأ ~~على مخالفتك، وقد نزل بك فإن تعذبه فبجرم واستحقاق، وإن تغفر فأنت أهل ~~العفو وأنت على كل شيء قدير. # الحكم الثامن: في بيان من يصلى عليه ومن لا يصلى عليه. ويشتمل على صور ست: # الصورة الأولى: ويصلى عل كل من مات ممن اجتمع في حقه هذان الوصفان أعني: ~~الإسلام والموت وجبت عليه الصلاة. # قال محمد بن عبدالله: والصبي والصبية إذا سبيا من دار الشرك إلى دار ~~الإسلام وليس معهما أحد من أبويهما فإنه يصلى عليهما إذا ماتا في دار ~~الإسلام. PageV04P436 # واعلم.. أنهما إذا حصلا في دار الإسلام على جهة السبي نظرت فإن كان معهما ~~الأبوان وأسلما أو واحد منهما فإنه يصلى عليهما لأنهما لاحقان بالأبوين في ~~الإسلام لقوله تعالى: {ألحقنا بهم ذريتهم}[الطور:21]. وإن لم يكن معهما أحد ~~من الأبوين وماتا في دار الإسلام فإنه يصلى عليهما لأنهما إذا لم يلحقا ~~بالأبوين ألحقا بحكم الدار لأن من وجد في دار الإسلام فهو مسلم، وإن كان ~~معهما الأبوان ولم يسلما ولا واحد منهما لم يصل عليهما لأن حكم الأبوين أخص ~~من حكم الدار لأنه لا يحكم عليهما بحكم الدار إلا عند فقد الأبوين، فأما ~~إذا وجدا فالحكم للأبوين دون الدار، وإن وقع الأبوان في سهم رجل والصبيان ~~في سهم آخر ولم يسلم الأبوان لم يصل عليهما إذا ماتا لأنهما كافران بكفر ~~أبويهما. # قال القاسم: وإن سبيت جارية إلى دار الإسلام جاز لمن وقعت في سهمه وطؤها. # واعلم أن الجارية إذا سبيت فإنه يجوز لمالكها وطؤها لأنها بدخولها دار ~~الإسلام محكوم بإسلامها وإن لم تضف الإسلام. فإذا ماتت صلي عليها، وإن ظهر ~~منها الكفر وماتت لم يصل عليها ms1828 لأن حكم نفسها أخص من حكم الدار ولهذا فإن ~~الصبي والصبية إذا سبيا إلى دار الإسلام فبلغا وظهر منهما التصريح بالكفر ~~وماتا لم يصل عليهما لأن حكم أنفسهما أخص من حكم الدار. # قال الهادي: وولد الزنى يصلى عليه إذا كان سالكا لطريق الحق، الإسلام ~~والصلاح، كما يصلى على غيره من المسلمين ولا يضره فسق أبويه إذا كان مؤمنا ~~لقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}[الأنعام:164]. وأما الأغلف الذي ترك ~~الختان فينظر في حاله فإن كان تركه خوفا على نفسه فإنه يصلى عليه إذا مات ~~لأنه معذور، وإن كان ترك الختان من غير عذر لم يصل عليه لأنه ترك من السنة ~~أعظمها فلهذا لم يصل عليه، والأصل في ذلك خبر زيد بن علي في الأغلف وقد ~~قدمناه. # الصورة الثانية: وإذا مات الكافر نظر فيه. PageV04P437 # فإن كان طريق كفره التصريح ومات فإنه لا يصلى عليه. والكفر الصريح ما وقع ~~الإجماع عليه من الأئمة على كفره فإنه يمنع من الصلاة عليه كاليهود ~~والنصارى والملاحدة والدهرية والمجوس ممن كان كفره ظاهرا لا تأويل فيه. ~~وهذا هو رأي أئمة العترة والفقهاء. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على ~~قبره إنهم كفروا بالله}[التوبة:84]. ولأن الصلاة للرحمة. والكافر لا يرحم. # وإن كان كفره من جهة التأويل وهذا نحو المجبرة والمشبهة وغيرهم من كفار ~~التأويل فإن هؤلاء مصدقون بالله وبرسوله، ومصلون إلى القبلة وناكحون على ~~الشريعة ومؤمنون بجميع الشريعة والقرآن خلا أنهم اعتقدوا اعتقادا أوجب ~~إكفارهم، وعلى هذا تجوز الصلاة عليهم إذا ماتوا لما قلناه، ويدفنون في ~~مقابر المسلمين. # الصورة الثالثة: والفاسق إذا مات فإنه ينظر في حاله. # فإن كان فسقه من جهة التصريح، وهذا نحو مرتكبي الكبائر والتاركين للصلاة ~~والمكبين على شرب المسكر والسراق والزناة وغيرهم ممن كان فسقه بارتكاب ~~الكبائر الفسقية، فمن هذه حاله فإنه لا تجوز الصلاة عليه عند أئمة العترة، ~~وهو قول أبي حنيفة. # وحكي عن الشافعي: أنه يصلى عليه. # والحجة على ما قلناه: هو أن ms1829 الفاسق صار بفسقه من أهل عداوة الله تعالى، ~~ومستحقا للعقوبة بالنار فلهذا لم تجز الصلاة عليه كالكافر. # وإن كان فسقه من جهة التأويل، وهذا نحو الخوارج فإنهم فسقوا بشبهة وخرجوا ~~على إمام الحق بطرو الشبهة عليهم، واعتقادهم الصواب فيما فعلوه، وعرفت ~~أحكامهم من جهته، وأجرى عليهم أكثر أحكام الإسلام ولم يعاملهم معاملة أهل الفسق. PageV04P438 # وروي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه لم يصل على قتلى أهل النهروان ~~لأنهم يشبهون المحاربين وقطاع الطريق لأن هؤلاء الخوارج منعوا الإمام عن ~~إمضاء أوامر الله تعالى ونواهيه، وإصلاح أمور الدين، كما كان من قطاع ~~الطريق وسائر المحاربين من منع المسلمين عن التصرفات في الطرقات، وكله فساد ~~في الأرض من المحاربين وأهل البغي على الإمام، فلهذا لم يصل عليهم. # قال القاسم: لا يصلى على صاحب الكبيرة. والمرجوم إن رجم بإقراره صلي ~~عليه، وإن رجم بالبينة لم يصل عليه إلا أن تسمع منه التوبة. وعلى هذا يدخل ~~كل باغ وقاطع طريق فيما ذكره القاسم. # وقال أيضا: من أتى كبيرة مما وجب له بها النار لم يصل عليه لأنه ملعون. ~~كما حكي عن الحسين بن علي ودعائه على سعيد بن العاص حين مات، في صلاته عليه. # وقول أبي حنيفة، وأبي يوسف مثل ما حكي عن القاسم. # قال المؤيد بالله: ولا يصلى على الفاسق. قد دل عليه كلام الهادي في غير ~~موضع من الأحكام. # دقيقة.. إعلم أن الظاهر من كلام هؤلاء الأئمة القاسم والهادي والمؤيد ~~بالله وأبي طالب وأبي العباس: أن الفساق من أهل الكبائر الفسقية من أعمال ~~الخوارج لا تجوز الصلاة عليهم وأنهم ملعونون مستحقون للعقاب من جهة الله ~~تعالى كالزناة والشربة والسراق، وأنه ينبغي لعنهم والتبرؤ عنهم. # والذي يلي الصلاة عليهم لأجل خوف مضرة فإنه يلعنهم في صلاته ولأنهم من ~~أهل عداوة الله تعالى. وهذا هو رأي أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف في البغاة ~~وقطاع الطريق. # فأما من لم يكن من البغاة وقطاع الطريق، فإنه يصلى عليه عند الحنفية. # وأما الشافعي فله في الفاسق قولان. ms1830 # وحكي عن زيد بن علي وأحمد بن عيسى: جواز الصلاة على الفاسق. # وهذا التردد والخلاف إنما هو في فساق الخوارج الذين ماتوا على الإصرار ~~على الفسق من غير توبة. PageV04P439 # فأما فساق التأويل فكلامهم فيهم محتمل. ولم أقف على منع الصلاة عليهم عند ~~هؤلاء الأئمة، ولم يؤثر منع الصلاة على من فسق بالتأويل إلا عن أمير ~~المؤمنين فإنه امتنع من الصلاة على قتلى أهل النهروان لما كانوا بغاة من ~~جهة التأويل. فيحتمل أن يقال: لا يغسلون لأنهم فساق مثل فساق الخوارج، ~~ويحتمل أن يكونوا معذورين في فسقهم لأجل جهلهم وعلى هذا يغسلون. # الصورة الرابعة: الشهيد. وهل يصلى عليه أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه يصلى عليه. وهذا هو رأي أئمة العترة القاسم والهادي ~~والناصر والمؤيد بالله وغيرهم من أكابر العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ~~والثوري، ومروي عن المزني من أصحاب الشافعي، والحسن البصري وسعيد بن ~~المسيب. # والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، أنه ~~لما كان يوم بدر أصيب جماعة فذهبت رؤوسهم فصلى عليهم رسول اللهصلى الله عليه وسلم(1). # الحجة الثانية: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: أمر رسول اللهصلى الله عليه وسلم ~~يوم أحد بالقتلى فجعل يصلي عليهم ويضع تسعة وحمزة فيكبر تسع تكبيرات ثم ~~يرفعون ويترك حمزة ثم جيء بتسعة فكبر عليهم تسعا حتى فرغ منهم. # فأما ما يتعلق بالغسل فقد قدمنا ما فيه من الخلاف فأغنى عن تكريره. # المذهب الثاني: أن الشهيد لا يصلى عليه. وهذا هو رأي الشافعي، ومحكي عن ~~مالك، وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. PageV04P440 # والحجة على هذا ما روى جابر وأنس بن مالك أنه قتل من الصحابة يوم أحد إثنان ~~وسبعون قتيلا فأمر رسول اللهصلى الله عليه وسلم أن تنزع عنهم الجلود والفراء وأن يدفنوا ~~بدمائهم ولم يصل عليهم(1) فدل ذلك على أن الشهيد لا وجه للصلاة عليه عندهم. # والمختار: وجوب الصلاة على الشهيد. وهذا هو رأي أئمة العترة. # وحجتهم: ما ms1831 ذكرناه. # ونزيد هاهنا: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم في قتل حمزة فإنه سجي ببردة وصلي عليه، ~~وهذا ظاهر عند أهل النقل والمعرفة بالسير لا يختلفون فيه وأنه كبر عليه ~~سبعين تكبيرة(2) فكيف يمكن إنكار مثل هذا مع ما فيه من الاشتهار عند أهل ~~السير والأخبار. # والحجة الثانية: ما روي أن أعرابيا بايع الرسولصلى الله عليه وسلم في خيبر وتقدم للقتال ~~فقتل فكفنه رسول اللهصلى الله عليه وسلم في جبته وصلى عليه. PageV04P441 # الحجة الثالثة: أن الشهيد مات على الدين والإسلام ثابت الولاية فوجب أن ~~يصلى عليه كسائر المسلمين، فإن الشهادة ما زادته إلا قوة وعلوا ورفعة عند ~~الله تعالى. # ومن جهة أن الصلاة على الموتى تشريف من جهة الله للمسلمين وعلو رفعة ولا ~~شك أن الشهيد أحق بهذه الأمور من غيره من سائر المسلمين لما عظم الله من ~~حالهم ورفع من منازلهم بالقتل بالشهادة فوجب أن يكونوا أحق بالصلاة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: روى جابر وأنس بن مالك، أنه قتل يوم أحد سبعون قتيلا فأمر الرسولصلى الله عليه وسلم ~~بدفنهم بثيابهم ولم يغسلهم. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الرسولصلى الله عليه وسلم ربما لم يصل على بعضهم لأنه كان في ذلك اليوم ~~مشغولا بما أصابه من الجرح من كسر رباعيته وجرح وجنته، فكان مشغولا بغسل ~~الدم عن وجهه، ومداواة الجرح فظن الراوي أنه لم يصل عليهم وأمر من صلى ~~عليهم لما ذكرناه. # وأما ثانيا: فلأن ما ذكروه معارض بما روى ابن عباس وزيد بن علي من أنه ~~صلى على قتلى أحد، وإذا تعارضا فلا بد من الترجيح لأحدهما على الآخر، وما ~~ذكرناه أرجح لإشتماله على الزيادة وهي مقبولة من جهة الراوي. # قالوا: إن الشهيد لا يغسل، فهكذا لا يصلى عليه كسائر الحيوانات. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن ترك الغسل في الشهيد خارج عن القياس، والقياس: غسله كسائر ~~المسلمين غير الشهداء، وإذا كان خارجا فلا وجه للقياس عليه. # وأما ثانيا: فلأن قياسنا أرجح من ms1832 اختصاصه بالتجانس فإن رد الصلاة إلى ~~الصلاة أقرب من ردها إلى الغسل وكلما عظم الاختصاص في الأقيسة بقرب التجانس ~~كانت راحجة على غيرها مما لا تجانس فيه. فلهذا قلنا: إن الشهيد يصلى عليه ~~كما يصلى على سائر المسلمين. وهم قالوا: لا يصلى عليه كما لا يغسل، فلأجل ~~هذا كان قياسنا أدخل في الملائمة وأجرى على قوانين الأقيسة من اعتبار ~~التجانس الذي يقوى على الظن ويقرر قواعد الحكم. PageV04P442 # والعجب من الشافعي رضي الله عنه مع اختصاصه بالفضل وتبحره في علوم الشريعة ~~وغوصه في أسرارها ودقائقها حيث منع من الصلاة على الشهداء وأوجبها على ~~اللصوص والأكراد والسلابين وقطاع الطريق والظلمة وسائر الفساق المقطوع على ~~فسقهم كالزناة وشربة المسكرات مع اختصاص الفسق بالجوارح بالدناءة والسخف ~~والركة في الدين ونزول العذر عند الله بملابسة الكبائر والجرأة عليه في ~~اختصاصهم وإكبابهم على فعلها. واختصاص الشهداء بمزية الشرف وعلو المنزلة ~~عند الله حيث بذلوا أرواحهم التي هي أعز ما عندهم لله تعالى وإعزازا لدينه ~~وإظهارا لأمره. # وأعجب من هذا: أنه قال: لا يغسل ويدفن بثيابه التي أصابها الدم لشرف ~~الشهادة وعلو قدرها، وما ورد من الثناء عليهم بترك الغسل، حيث قالصلى الله عليه وسلم: ~~((زملوهم بكلومهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما اللون لون ~~الدم والريح ريح المسك)). ومنع من الصلاة التي فيها نهاية الشرف وعلو ~~الدرجة وارتفاع المنزلة، وأن يكونوا مشبهين للفساق والكفار في منع الصلاة ~~ويحرمون بركتها وفضلها، فما هذا حاله فمما لا سبيل إلى قبوله. # نعم.. نحن لا ننكر أن المسألة اجتهادية، وأن الرأي المقطوع به هو تصويب ~~الآراء في المسائل الاجتهادية والمضطربات النظرية لكن ربما كان النظر ~~منحرفا عن قواعد الشريعة ومخالفا لأصولها فلا جرم ضعف، وكان غيره أكثر ~~موافقة وأعظم جريا على القياس. # الصورة الخامسة: في السقط. # وإذا استهل صبي صلي عليه. واستهلاله صراخه عند الولادة. وهو رأي أئمة ~~العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه. # وحكي عن سعيد بن جبير: لا يصلى عليه حتى يبلغ. # وعن بعض الفقهاء: ms1833 لا يصلى عليه حتى يصلي. ولم أقف عليه ولكن حكاه صاحب ~~البيان. # [والمختار: ما قاله أئمة العترة ومن تابعهم]. PageV04P443 # والحجة على ما قاله علماء العترة: ما روى جابر وابن عباس عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: ((إذا استهل السقط صلي عليه)). وروى أبو أمامة عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~((إذا استهل السقط صلي عليه، وإن لم يستهل لم يصل عليه)) (1). # هذا نص صريح فيما ذهبنا إليه. # [الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه]. # قالوا: لم يبلغ الحلم ولا صلى فلا يصلى عليه، كما لو لم يستهل. # قلنا: إنه بالإستهلال قد صار من جملة الأحياء لكنه لم يمهل للبلوغ ~~والصلاة فأشبه سائر الأطفال. # وإن خرج ميتا لم يستهل لم يصل عليه ولف في خرقة ثم دفن. # وإن خرج رأسه واستهل ثم خرج باقيه وقد مات صلي عليه لأنه قد صار حيا ~~باستهلاله ثم طرأ عليه الموت فلهذا صلي عليه. # وإن مكث في بطن أمه أربعة أشهر ثم خرج ميتا فهل يصلى عليه أم لا؟. # فحكي عن الشافعي: أنه يصلى عليه. # والمختار: أنه لا يصلى عليه. وهو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة ومالك. # والحجة على ذلك: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا استهل المولود صلي ~~عليه)). فصريح الخبر وظاهره دالان على أنه تجب الصلاة عليه إذا استهل، ~~ودليل خطابه: أنه لا يصلى عليه إذا لم يستهل. فأما الكلام في غسله فقد ~~قدمناه وذكرنا ما هو المختار والانتصار فأغنى عن التكرير. # الصورة السادسة: وإن وجد بعض الإنسان فهل يصلى عليه أم لا؟. # فالذي عليه أئمة العترة: أنه لا يصلى عليه إلا إذا وجد الأكثر منه أو وجد ~~الرأس مع النصف، فإن وجد النصف أو دونه لم يصل عليه. وهذا هو رأي أبي حنيفة ومالك. PageV04P444 # وحكي عن الشافعي: أنه إذا وجد بعض الميت فإنه يصلى عليه سواء وجد أقل البدن ~~أو أكثره حتى لو وجد منه أصبع واحدة. وهو محكي عن أحمد بن حنبل، فإن وجد ~~الشعر ms1834 أو الظفر فله فيه قولان. # والحجة على ما قلناه: هو أنا لو جوزنا الصلاة على ما وجد من الإنسان لأدى ~~إلى صلاتين وهذا لا قائل به، ولأن الإجماع منعقد على أنه لا تجوز صلاتان ~~على شخص واحد، فأما غسله فقد قررنا الكلام عليه فلا وجه لتكريره. # قال القاسم: ولا يصلى على الميت بعد ما صلي عليه. وهذا هو رأي أئمة ~~العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أن صلاة الجنازة فرض من فروض الكفاية فإذا قام بها ~~البعض سقط عن الباقين فلا وجه لتكريرها بعد أدائها،وهو محكي عن مالك. # وقال الشافعي: تجوز الصلاة على الميت مرة بعد مرة أخرى، وإذا فاتت الصلاة ~~على الميت فإنه يصلي على القبر. # وحجته: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم أنه قدم المدينة بعد موت البراء بن معرور فصلى ~~عليه بعد شهر، وقد كان صلي عليه. # والمختار: أن صلاة الجنازة لا تكرر لأنها صلاة مفروضة فوجب ألا يتطوع بها ~~كسائر الصلوات لأنها لو أديت ثانيا لم تكن إلا على جهة التطوع ولا تطوع ~~فيها، ولأنها فرض يتعلق بالميت فإذا أدي مرة واحدة لم يؤد ثانيا كالغسل ~~والتكفين. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إنهصلى الله عليه وسلم صلى على البراء بن معرور بعد الصلاة عليه بعد شهر، وفي هذا ~~دلالة على جواز تكريرها. # قلنا: هذا محمول على أنه لم يصل عليه فلهذا صلى عليه. # قالوا: قد كررت الصلاة على الرسولصلى الله عليه وسلم فدل ذلك على جواز تكريرها. PageV04P445 # قلنا: إن الصلاة على الرسولصلى الله عليه وسلم كانت فرضا على كل واحد فلهذا صلوها فرادى من ~~غير إمام لأن ذلك كان خاصا للرسولصلى الله عليه وسلم، ولهذا قال: ((إذا أنا مت فكفنوني في ~~ثيابي هذه إن شئتم أو في بياض مصر وضعوني على شفير قبري ثم ادخلوا فوجا ~~فوجا فصلوا علي وسلموا تسليما))(1). # فهذا ما أردنا ذكره في هذه الصور التي ذكرناها ونرجع الآن إلى التفريع. # الفرع السابع: في اجتماع الجنائز. # وإذا ms1835 اجتمع الجنائز فالأفضل أن تفرد كل جنازة بصلاة على انفرادها إذا كان ~~لا مشقة فيه ويسهل، لأن المقصود هو الدعاء لكل ميت، وهو إذا كان منفردا ~~بالصلاة كان أفضل وأتم. # وإن كان هناك مشقة وأراد الإمام أن يصلي عليهم صلاة واحدة جاز ذلك، لأن ~~المقصود من ذلك الدعاء وذلك يحصل بصلاة واحدة. # فإذا كانت الجنائز جنسا واحدا إما رجالا وإما نساءا فالذي يقتضيه ظاهر ~~المذهب أنه يوضع كل واحد منهم بجنب الآخر كالصف الواحد ويقدم إلى الإمام ~~أفضلهم. وهو الأصح من قولي الشافعي. # وله قول آخر: أنه يجعل رأس كل واحد منهم عند رجلي الآخر. # والمختار: هو الأول لأن الجنائز إذا كان وضعها على هذه الصفة كان الإمام ~~مستقبلا لهم في الصلاة، وإذا كان على تلك الصفة لم يكن مستقبلا لهم ~~بالدعاء، فلهذا كان العمل عليه أحق. # وإن كانت الجنائز أجناسا مختلفة نحو أن يكونوا رجالا ونساءا وعبيدا ~~وصبيانا وخناثى، ففي كيفية ترتيبهم أقوال ثلاثة: # القول الأول: أن يكون الرجال الأحرار إلى جانب الإمام، ثم الصبيان ~~الأحرار مما يلي الرجال، ثم جنائز العبيد مما يلي الصبيان، ثم الخناثا مما ~~يلي العبيد، ثم النساء. وهذا هو رأي القاسم والناصر والمؤيد بالله وأبي ~~طالب، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه. PageV04P446 # والحجة على هذا: ما روى عمار بن أبي عمار(1) PageV04P447 أنه قال: ماتت أم كلثوم(1) # بنت أمير المؤمنين كرم الله وجهه وولدها زيد(2) PageV04P448 بن عمر بن الخطاب فصلى عليهما سعيد بن زيد(1) # فجعل زيدا مما يلي الإمام وأمه من قدامه مما يلي القبلة، وفي القوم الحسن ~~والحسين وابن عباس وأبو هريرة حتى عد ثمانين من الصحابة رضي الله عنهم. ~~فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هكذا السنة. وهذا هو رأي الهادي في الأحكام. PageV04P449 # القول الثاني: أنه إذا اجتمع جنائز الرجال والنساء فإنه تجعل النساء مما ~~يلي الإمام والرجال يكونون مما يلي القبلة بعدهن. وهذا هو المحكي عن القاسم ~~بن محمد(1) # وسالم بن عبدالله(2) PageV04P450 والحسن البصري وسعيد بن المسيب. # والحجة على هذا: هو أن القبلة ms1836 من أشرف الأمكنة فلهذا خص الرجل به كما إذا ~~دفنا في لحد واحد معا فإنه يقدم الرجل إلى القبلة فهكذا هاهنا. # القول الثالث: أنه يقدم جنائز الرجال الأحرار ثم جنائز النساء الحرائر ~~على جنائز العبيد. وهذا هو الذي ذكره الهادي في المنتخب. # والحجة على هذا: هو أن الحرية صفة عالية. والرق صفة نازلة. فالحر يملك ~~نفسه ويملك تصرفه، والعبد لا يملك نفسه ولا يملك تصرفه، فلما كان الأمر كما ~~قلناه لا جرم قدمت النساء الحرائر على العبيد لما ذكرناه. # والمختار: ما ذكره السيدان الأخوان رضي الله عنهما من صحة الترتيب الذي ~~ذكرناه على رواية الأحكام. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو ما روي عن ابن عمر: أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء ~~فجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء بعدهم مما يلي القبلة وصلى. وهذا لا ~~يصدر من جهة الصحابي إلا عن توقيف من جهة الرسولصلى الله عليه وسلم لأن هذه عبادة وفيها ~~تقديم وتأخير لا يصدر إلا من جهة الرسولصلى الله عليه وسلم إذ لا مدخل للإجتهاد فيه. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: ما يلي القبلة أفضل كما إذ لو وضعوا في اللحد. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فلأن الرجال يكونون إلى جانب الإمام كما في سائر الصلوات. # وأما ثانيا: فلأن اللحد ليس فيه إمام، فلهذا اعتبرنا القبلة بخلاف ما نحن ~~فيه فالإمام معتبر فافترقا. PageV04P451 # وإن اختلف الأولياء في من يكون إلى جانب الإمام عند الوضع للصلاة نظرت، فإن ~~كان الأموات رجالا على الإنفراد أو نساء على الإنفراد قدم السابق، لأن له ~~مزية السبق وهم جنس واحد فلا مزية إلا بالسبق، وإن كانوا رجالا ونساءا قدم ~~الرجال سواء كان النساء سابقات أو مسبوقات، لأن السنة في الموقف أن تكون ~~المرأة خلف الرجل، وإن اجتمع رجل وصبي فإن كان الرجل السابق قدم إلى جانب ~~الإمام، وإن كان الصبي هو السابق قدم لأن له حقا بالسبق وقد يقف مع الرجل ~~في الموقف بخلاف المرأة. # الفرع الثامن: في التكبير. وفيه ms1837 مسائل خمس: # المسألة الأولى: قال القاسم%: من كبر قبل تكبير الإمام التكبيرة الأولى ~~أعاد التكبير إذا كبر الإمام لأمرين: # أما أولا: فلقولهصلى الله عليه وسلم: ((لا تختلفوا على إمامكم)). ولا شك أن كل من كبر مع ~~الإمام تكبيرة الإفتتاح فقد خالفه. # وأما ثانيا: فلأنه إذا كبر قبله لم يكن مؤتما به لأن من حق المأموم أن ~~يكون متابعا للإمام. # المسألة الثانية: قال الهادي في المنتخب: وإذا كبر الإمام على الجنازة ~~تكبيرة واحدة ثم جيء بجنازة أخرى ففي ما يفعل الإمام قولان: # فالقول الأول: أن الإمام ينوي الصلاة عليها عند التكبيرة الثانية ويبلغ ~~بالتكبيرات ستا، وهكذا يفعل في كل جنازة توضع فمتى كملت عليها خمس تكبيرات ~~رفعت للدفن وعلى هذا يكون تقرير المذهب. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسولصلى الله عليه وسلم: أنه لما صلى على حمزة يوم أحد كانت ~~الجنائز توضع واحدة بعد واحدة والرسولصلى الله عليه وسلم يصلي عليها وجنازته موضوعة فحصل له ~~سبعون تكبيرة ولم يستأنف الصلاة على كل واحدة منها، فإن كان ذلك في صلاة ~~واحدة فهو الذي نقوله، وإن كان في صلوات مستأنفة أدى ذلك إلى أن يكون قد ~~كرر الصلاة عليه في حالة واحدة، وتكرير الصلاة في حالة واحدة على ميت واحد ~~من مصل واحد ليس مذهبا لأحد ولا قائل به. PageV04P452 # القول الثاني: محكي عن أبي حنيفة وأصحابه: أنه يفرغ من الصلاة على الجنازة ~~الأولى ثم يستأنف الصلاة على الجنازة الثانية. # والحجة على هذا: هو أن الإمام إذا فعل ذلك كان أوفر للدعاء وأقرب إلى ~~القياس كما لو كان في أوقات مختلفة. # والمختار: أن كل واحد من الأمرين جائز لأن أي واحد منهما فعل فقد حصل به ~~الغرض المقصود من توفير التكبيرات على كل ميت لكن المقصود هو تعيين الأفضل ~~ولا شك أن الإقتداء بالرسولصلى الله عليه وسلم هو الأفضل وما فعله فهو الأحسن الأكمل وقد قال ~~تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}[الأحزاب:21]. وقوله: ~~{واتبعوه}. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: ms1838 القياس: هو أن يكون على كل واحد من الجنائز صلاة مستأنفة فلا حاجة ~~إلى العدول عنه. # قلنا: قد أوضحنا أن القياس ما ذكرتموه لكن إنما عدلنا عن القياس تأسيا ~~بالرسولصلى الله عليه وسلم في أفعاله، خاصة والباب باب عبادة فلا مدخل للأقيسة فيها. # المسألة الثالثة: قال الناصر: وإن كبر التكبيرات الخمس بالفارسية أجزأه ~~ذلك سواء أحسن العربية أو لم يحسن، وهكذا سائر الأدعية المشروعة في صلاة ~~الجنازة يجوز تأديتها بالفارسية. وإن أراد قراءة القرآن فيها فلا يجوز ذلك ~~إلا بالعربية كما قررناه في كتاب الصلاة، لأن قراءة القرآن بالفارسية يبطل ~~إعجازه ويخرجه عن كونه قرآنا، فلهذا لم تجز قراءته بالفارسية لما ذكرناه. # ومن فاته بعض التكبيرات فإنه يكبر إذا سلم الإمام. عند أئمة العترة ~~الهادي والقاسم والناصر، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه. # والحجة على هذا: هو أنه مسبوق في صلاته فيلزمه قضاء ما فاته بعد تسليم ~~الإمام كمن سبق في سائر الصلوات، ويكبر قبل رفع الجنازة لأنها ما دامت بين ~~يديه كان مصليا عليها، فإذا رفعت خرج عن أن يكون مصليا عليها. # المسألة الرابعة: وإن فاته الإمام ببعض التكبيرات، فهل يكبر للإفتتاح أو ~~ينتظر تكبير الإمام؟ فيه مذهبان: PageV04P453 # المذهب الأول: أنه لا يكبر بل ينتظر تكبير الإمام فيكبر معه. وهذا هو الذي ~~حصله السيد أبو طالب للمذهب، وهو محكي عن أبي حنيفة، ومحمد. # والحجة على هذا: هو أن كل تكبيرة من صلاة الجنازة قائمة مقام ركعة ~~فالمسبوق إذا لحق الإمام فإنه لا يبدأ بقضاء ما فاته، وإنما يقضيه بعد فراغ ~~الإمام من صلاته، فلو كبر قبله لكان قد بدأ بما فاته. # المذهب الثاني: أنه يكبر ولا ينتظر الإمام. وهذا هو رأي الشافعي ومحكي عن ~~أبي يوسف. # والحجة على هذا: هو أنه مدرك للإمام فلهذا دخل معه من غير انتظار كسائر ~~الصلوات. # والمختار: هو التكبير من غير انتظار تكبير الإمام. # والحجة على هذا: هو أن صلاة الجنازة ليست بأبلغ من الصلوات المكتوبة، وقد ~~تقرر فيها أن المأموم يكبر من ms1839 غير انتظار فهكذا هاهنا. # ويؤيد ما ذكرناه: قولهصلى الله عليه وسلم: ((من أدركني فليكن على الحالة التي أنا عليها)). ~~ولم يأمر بالانتظار، وفي هذا دلالة على ما قلناه من التكبير من غير انتظار ~~لتكبير الإمام، ولا فائدة في قوله: ((فليكن على الحالة التي أنا عليها)). ~~إلا بالدخول من غير انتظار الإمام. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إنه إذا كبر قبل تكبير الإمام كان قاضيا لما فاته لأن التكبيرات ~~بمنزلة الركعات. # قلنا: إنه يكبر لإفتتاح الصلاة لا للقضاء كما في الصلاة المكتوبة، وإن ~~فاته شيء من التكبيرات فإنما يقضيه بعد تسليم الإمام. # ويؤيد ما ذكرناه: قولهصلى الله عليه وسلم: ((ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا)). ومن هذه ~~حاله فهو مدرك للتكبير، فلهذا لا وجه للانتظار لما كان مدركا للتكبير. # المسألة الخامسة: وإذا كبر على الجنازة خمسا من غير قراءة ولا دعاء للميت ~~ولا لغيره لم تكن مجزية ووجب إعادتها لأنه أخل بالمقصود، لأن معظم المقصود ~~منها هو الدعاء للميت، ولأنها تكبيرات مشروعة على الجنازة فيجب أن يتخلل ~~بينها ذكر مشروع كصلاة العيدين. PageV04P454 # الفرع التاسع: وإن اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار، ولم يمكن التمييز ~~بينهم ففي كيفية الصلاة عليهم ثلاثة أقوال: # القول الأول: أنه يصلي عليهم وينوي بالصلاة والدعاء المسلمين. وهذا هو ~~الذي ذكره أحمد بن يحيى في (المفرد) في إمام يقاتل أهل الشرك فقتل المسلمون ~~في المعركة وفيهم يهود ونصارى فإن الإمام يصلي وينوي بالصلاة من كان مسلما ~~دون غيره. # والحجة على هذا: هو أن الصلاة قد وجبت فلا يجوز إسقاطها بالشك، كما لو ~~نسي صلاة من صلاة يوم وليلة لأن المانع ليس إلا الإختلاط وهذا لا يكون ~~مانعا من تأدية الصلاة الواجبة لأنه يمكن تمييزها بالنية. # القول الثاني: أنه يصلي على كل واحد منهم صلاة وينوي بالصلاة عليه إن كان مسلما. # والحجة على هذا: هو أنه اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه ولم يتميزوا ~~فوجب أن يؤدي الصلاة بالقصد والنية. وهذا القول محكي عن الشافعي ومالك ~~وأحمد ms1840 بن حنبل. # القول الثالث: أنه إذا كان المسلمون أكثر وجبت الصلاة بالنية، وإن كان ~~المسلمون أقل لم تجب الصلاة. وهو رأي أبي حنيفة. # والحجة على هذا: هو أنهم إذا تساووا غلب جانب الحظر على جانب الإباحة، ~~كما لو كان هاهنا إناآن في أحدهما بول وفي الآخر ماء فإنه لا يجوز التوضؤ ~~ويعدل إلى التيمم. # والمختار: هو وجوب الصلاة وتمييزهم بالنية والقصد. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا، وهو قولهصلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)). وهاهنا ~~فإنه يمكن تأدية الصلاة بالنية والقصد، فلهذا لم تكن ساقطة. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: يصلي على كل واحد منهم لأجل الإلتباس كما قاله الشافعي. # قلنا: هذا ربما صعب وشق خاصة إذا كان فيهم كثرة ولم يمكن التمييز، وفيما ~~ذكرناه غنية عن تكرير الصلاة على كل واحد منهم لقوله تعالى: {وما جعل عليكم ~~في الدين من حرج}[الحج:78]. وفي الصلاة على كل واحد منهم حرج ومشقة. PageV04P455 # قالوا: إذا كان المشركون أكثر بطلت الصلاة تغليبا لجانب الحظر على جانب ~~الإباحة كالإنائين اللذين أحدهما بول والآخر ماء كما قاله أبو حنيفة. # قلنا: إنما يغلب جانب الحظر على جانب الإباحة إذا لم يكن هناك مخصص، ~~وهاهنا مخصص يزيل الحظر وهو النية، فلهذا وجب التعويل عليها. # ووجه آخر: وهو قولهصلى الله عليه وسلم: ((الأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى)). فظاهر الخبر ~~دال على أن النية لها مدخل في تزكية العمل وإخلاصه، فهكذا يكون لها تأثير ~~في تمييز الجواز على الحظر. # الفرع العاشر: أجمع العلماء واتفق الفضلاء من أكابر أهل البيت كالحسين بن ~~علي والقاسم والهادي والناصر وغيرهم من علماء العترة، على أن كل من يلي ~~الصلاة على الفساق والظلمة وأهل البدع والضلالات الخارجين على الدين ~~والمتمردين بأكل أموال الناس وخضمها وقضمها خاصة ظلمة أهل زماننا هذا ~~والمحاربين لله ولرسوله فهم الساعون في الأرض بالفساد، فمن مات من هؤلاء ~~مصرا على ما هو عليه من اقتحام الكبائر وملابسة المعاصي فإنهم يلعنون في ~~الصلاة عليهم ويسأل من ms1841 الله تعالى ما يستحقونه من العذاب والجزاء والنكال، ~~ولا يسأل من الله تعالى ما لا يستحقونه من الثواب والمغفرة فإنه لا يجوز ~~فعلها لهم مع الإصرار [بل] كما فعل الحسين بن علي في صلاته على سعيد بن ~~العاص من اللعن حتى قال له قائل: هذه صلاتكم على موتاكم؟ فقال: هذه صلاتنا ~~على أعدائنا. PageV04P456 # فإن زعم زاعم وقال: إن الرسولصلى الله عليه وسلم صلى على عبدالله بن أبي(1) # واستغفر له مع ظهور نفاقه وكفره وبغضته للرسولصلى الله عليه وسلم ولم يلعنه في صلاته بل ~~استغفر له، فإذا جاز ذلك في حال من ظهر كفره ونفاقه، فكيف لا يجوز لمن كان ~~فاسقا وليس كافرا من طريق الأولى والأحق؟ # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فقد نهاه الله تعالى عن ذلك بقوله: {ولا تصل على أحد منهم مات ~~أبدا ولا تقم على قبره}[التوبة:84]. ثم علل ذلك بقوله: {إنهم كفروا بالله ~~ورسوله وماتوا وهم فاسقون}[التوبة:84]. وما نهاه إلا لأجل ما ذكرناه من ~~المفسدة، فهكذا حال من ذكرناه لا تنبغي الصلاة عليهم، فإن خاف من ترك ~~الصلاة ضررا يلحق به أو إسقاط مرتبة أو غير ذلك من أنواع المضار فإنه ~~يلعنهم في صلاته. # وأما ثانيا: فلأن ضرر عبدالله بن أبي إنما كان على نفسه(2) PageV04P457 بكفره ونفاقه، وهؤلاء الفسقة والظلمة من أهل زماننا هذا، ضررهم على غيرهم ~~من المسلمين بالظلم والجور فإنهم صاروا كالسباع الضارية في أكل أموال الناس ~~بالباطل لصوصا سلابين يغصبون أموال الخلق ويتعلقون في قلاعهم اللعينة حتى ~~يفرغوا(1) # فإذا فرغوا نزلوا، وهكذا دأبهم مع الخلق لا يقلعون عن ذلك إلا بالسيف، ~~يلبسون الرقيق ويأكلون الرقيق، ويتبجحون بالظلم والإستيلاء على الخلق، ما ~~كأنهم سمعوا قول الله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا ~~حاسبين}[الأنبياء:47]. وقوله: {من يعمل سوءا يجز به}[النساء:143]. وقوله: ~~{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره}[الزلزلة:7]. وقوله: {ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره}[الزلزلة:8]. فإذا كانت مثاقيل الذر محصاة فكيف ما ms1842 وراءها. ولقد قل ~~المعين على إزالة الظلم وإزاحة الجور فالله لهم بالمرصاد {وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون}[الشعراء:227]. # الفرع الحادي عشر: قال الناصر: الصلاة على الميت مشتملة على خمس تكبيرات ~~من غير ركوع ولا سجود ولا قراءة ولا قعود ولا تشهد. وجملة الأمر أن صلاة ~~الجنازة مشروعة على أمور واجبة وأمور مستحبة. # فأما الأمور الواجبة: فهي: النية، والتكبيرات، والقراءة، والصلاة على ~~الرسول وعلى الآل، والدعاء للميت وللمؤمنين والمؤمنات، والتسليم. # وأما الأمور المستحبة: فرفع اليدين عند التكبيرة الأولى، والتعوذ، ~~والاستفتاح. # فإن نقص من هذه التكبيرات بطلت صلاته وأعيدت، وإن زاد عليها لم تبطل، ~~سهوا كانت الزيادة أو عمدا. PageV04P458 # وإن سها في صلاة الجنازة فلا سجود للسهو لأن سجود السهو إنما شرع في صلاة ~~ذات ركوع وسجود، وصلاة الجنازة لا ركوع فيها وإنما هي عبارة عن خمس ~~تكبيرات، من غير ركوع ولا سجود ولا قعود ولا تشهد، متواليات يتوسط بينها ~~ذكر مشروع في قومة واحدة بتسليمتين. وقد فصلنا ذلك. # وبتمامه يتم الكلام في الصلاة على الموتى. PageV04P459 # --- ### ||| AUTO القول في دفن الميت # وهو فرض من فروض الكفاية لقوله تعالى: {ثم أماته فأقبره}[عبس:21].قال ابن ~~عباس في تفسير الآية: أي أكرمه بالقبر. لأنه إذا ترك على وجه الأرض تأذى ~~الناس بجيفته ورائحته. ولا خلاف في وجوبه على الكفاية، وأنه إذا قام به بعض ~~المسلمين سقط عن الباقين. # وأقله: حفرة تواري جسده وتمنعه عن أكل السباع وتكتم رائحته. والأكمل: أن ~~يكون قعيرا كما سنوضح القول في مقداره. # واللحد أولى من الضرح إلا أن يكون رخوا ينهار جاز الضرح للعذر. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: والأولى الدفن بالنهار لأنه أمكن لما يحتاج إليه. وهل يكره ~~الدفن بالليل أم لا؟ # فالذي عليه أئمة العترة والفقهاء أنه لا يكره. # والحجة على هذا: ما روي عن عائشة، أنها قالت: ما عرفنا دفن رسول الله حتى ~~سمعنا صوت المساحي أول ليلة الأربعاء. # وروي عن عائشة أنها دفنت ليلا، وفاطمة بنت رسول الله دفنها أمير المؤمنين ليلا. # قال الناصر: وقد قيل: ms1843 إن قبر فاطمة في مسجد دارها، وجماعة من أولادها ~~مدفونون في قبرها تبركا بأمهم فاطمة+. وقيل: إنها في خوخة دار مبنية عند ~~الخوخة. والخوخة: اسم بقعة بالمدينة. وقال قوم: إن قبرها على الجادة على ~~باب دار محمد بن زيد بن علي(1) PageV04P460 . # وقيل: إنها بالبقيع في المسجد الذي يصلي فيه الناس على جنائزهم، وبقيع ~~الغرقد: مقبرة المدينة، ولم يؤذن أمير المؤمنين أحدا بموتها لأنها أوصته ~~بذلك، فلهذا دفنها ليلا. # ودفن أمير المؤمنين بالسر ليلا لأن بني أمية كانوا مستولين على العراق ~~مالكين للأمر والدولة بأيديهم بالقهر والتغلب، وكانوا ينبشون قبور أعدائهم ~~فدفن ليلا سرا مخافة منهم، وكانوا في غاية الاجتهاد على عداوته وبغضه، وكان ~~في غاية الشدة عليهم بالسيف والسنان والقلم واللسان تقربا إلى الله تعالى ~~وغضبا لدينه، ولله در أمير المؤمنين كرم الله وجهه ما أصلبه في ذات الله ~~وأشد شكيمته على أعداء الدين وأعداء الله. واختلف في قبره فقال قوم: هو في ~~رحبة مسجده بالكوفة. وقال قوم: هو في مسجد الجامع بالكوفة، والذي عليه ~~الناصر والقاسم وجعفر الصادق: أنه مدفون بالغري وهو مسجده الذي يزار فيه ~~اليوم وهو مشهد معظم مشهور يقصد للزيارة مزخرف بالعمارة. وروي أن عثمان دفن ليلا. # وحكي عن الحسن البصري: أنه يكره الدفن ليلا. # وحجته على هذا: هو أنه يروى أن ملائكة النهار أرفق. # والمختار: أنه لا يكره ليلا ولا نهارا لأنه لو كان مكروها لم يفعله ~~الصحابة في دفن رسول الله ، ولا دفن أمير المؤمنين وفاطمة وعائشة، وفي هذا ~~دلالة على الجواز في الليل والنهار جميعا. # الانتصار: يكون بالجواب عما قاله. # قوله: إن ملائكة النهار أرفق من ملائكة الليل. # قلنا: لو كان الأمر كما قلتم لدل عليه الشرع ونبه عليه، ولأنه هو الدال ~~على الأحكام الشرعية بقوله وفعله وسكوته فلما لم ينبه عليه بطل. PageV04P461 # الفرع الثاني: والمستحب لمن مات في مكة أن يدفن في مقبرتها، وكذلك من مات ~~في المدينة أن يدفن بالبقيع. لما روي عن الرسول أنه قال: ((يؤتى يوم ~~القيامة بمقبرة مكة ms1844 والمدينة فتنثران في الجنة)). وإن مات في بيت المقدس ~~فالأفضل أن يدفن في مقبرتها لحرمتها وشرف منزلتها وبركتها كما قال تعالى: ~~{إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله}[الإسراء:1]. وإن مات في بلدة غير هذه ~~البلدان فإن كانت مقبرة تذكر بخير من كونها فيها قبور الصالحين فالأفضل ~~الدفن فيها، لأنه لا يعدم بركة لمجاورة أهل الصلاة والخير، ولأنها مزورة من ~~أهل الصلاح فلا يعدم خيرا من الدعاء والزيارة وإن لم يذكر شيء من ذلك، ~~فالدفن في المقابر أفضل من الدفن في البيت لما يلحقه من دعاء المسلمين ~~الذين يزورون القبور. # فإن قيل: فالرسول دفن في بيت عائشة فيجب الإقتداء به في دفن البيت. # قلنا: عن هذا أجوبة ثلاثة: # أما أولا: فلما روى أبو بكر رضي اله عنه أنه قال: سمعت شيئا من رسول الله ~~ما نسيته. سمعته يقول: ((ما قبض نبي إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه )) (1) # ادفنوه في موضع فراشه. # وأما ثانيا: فلأنهم إنما أرادوا تخصيص الرسول بدفنه في بيت عائشة لأنه ~~يكثر الزوار إليه فلهذا خصوه بمكان منفرد عن المقبرة. # وأما ثالثا: فلأنه قبر أصحابه في المقبرة فلهذا كان الإقتداء بفعله أولى. # الفرع الثالث: وإن تشاجر الورثة فقال بعضهم: ندفنه في ملكه. وقال بعضهم: ~~ندفنه في المقبرة المسبلة. PageV04P462 # فإنه يدفن في المقبرة المسبلة، لأن بالموت قد صار الملك لهم فلا حاجة إلى ~~المنة عليهم بدفنه في أملاكهم. # ولو قال بعض الورثة: أنا أكفنه من مالي، وقال بعضهم: بل يكفن من مال ~~الميت. فإنه يكفن من ماله، والتفرقة بينهما ظاهرة وهو أنه لا منة عليهم في ~~دفنه في المقبرة المسبلة، وعليهم منة في تكفينه من مال الوارث، فإن بادر ~~بعضهم ودفنه في ملك الميت جاز للباقين نقله لأن الملك قد صار لهم لقوله : ~~((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)). خلا أنه يكره لهم نقله لما في ~~ذلك من هتك حرمته بإخراجه من قبره. وإن بادر بعض الورثة فدفنه في ملكه، ~~وكفنه من ماله، فإنه لا ينقل ms1845 ولا يسلب أكفانه بعد دفنه، لما في ذلك من هتك ~~حرمته، وليس في تبقيته نقص عليهم ولا غضاضة، فلهذا وجب تبقيته. # ويستحب أن يجمع الأهل والقرابة في الدفن في بقعة واحدة. لما روي عن ~~الرسول : أنه لما دفن عثمان بن مظعون أمر رجلا أن يأتيه بحجر فلم يستطع ~~الرجل حملها فقام إليها رسول الله فحسر عن ذراعيه ثم حملها فوضعها عند رأسه ~~وقال: ((أعلم بها على قبر أخي لأدفن إليه من مات من أهلي)) (1). PageV04P463 # وإن أراد أحد أن يدفن ميتا في موضع قد دفن فيه ميت آخر نظر في حاله، فإن ~~كان يعلم أن الميت الأول قد اندرس وبلي وتفرقت أجزاؤه وصار ترابا جاز الدفن ~~فيه لأنه بعد ذلك لا حرمة له. وإن علم أنه باق فيه لم يبل لم يجز الدفن فيه ~~لأنه قد صار أحق به، وذلك يختلف بإختلاف البلدان والأوطان، ففي البلاد ~~الحارة التي يشتد حرها يفنى الميت وتذهب أجزاؤه، وفي البلاد الباردة تبقى ~~الأجزاء ولا تذهب إلا بعد أزمنة طويلة، وهكذا حال الأوطان، فإن كانت الأرض ~~سبخة رطبة فإن الميت يكون أسرع في البلى والتلاشي بخلاف البلاد الصلبة فإنه ~~يبقى زمانا طويلا. فإن خالف فحفر قبرا فوجد ميتا وعظاما باقية أعيد القبر ~~ودفن كما كان ولا يغير عن حاله. # الفرع الرابع: قال الإمامان القاسم والهادي: ويكره أن يدفن في قبر واحد ~~أكثر من شخص واحد. وهو قول أبي حنيفة والشافعي، لأن الرسول كان يفعل هكذا، ~~وقد جرت السنة بذلك من غير مخالفة، فإن دعت إلى ذلك ضرورة بأن يكثر الموتى ~~أو يكثر القتلى أو يكون بالناس جهد لقلة الغذاء في القحط أو يكونوا مشغولين ~~بالحرب جاز أن يدفن الإثنان والثلاثة والأربعة في قبر واحد ويقدم أكثرهم ~~قرآنا إلى القبلة، لما روي عن الرسول : أنه أمر في قتلى أحد أن يجعل ~~الإثنان والثلاثة في قبر واحد. قالوا: فمن نقدم؟ قال: ((أكثرهم قرآنا)) (1). PageV04P464 # ويجعل بين كل إثنين جاجز من تراب. وإن دعت الضرورة إلى دفن رجل وامرأة في ms1846 ~~قبر واحد جاز ذلك، وقدم الرجل قدامها إلى القبلة وجعل بينهما حاجز من تراب. ~~وإن كان الأموات رجلا وصبيا وخنثى وامرأة قدم الرجل إلى القبلة ثم الصبي ثم ~~الخنثى ثم المرأة اعتبارا بصف الصلاة عليهم. وإن أعار رجل غيره أرضا ليقبر ~~فيها ميتا فله الرجوع حتى يدفن لأنها عارية لم تقبض، فلهذا كان له الرجوع، ~~وإن دفن الميت فيها لم يكن له الرجوع، وإن بلي الميت وذهبت أجزاءه كان له ~~الرجوع كما لو جرفه السيل فإنه لا حرمة بعد زوال الميت عن البقعة. وإن دفن ~~رجل ميتا في أرض بغير إذن صاحبها، فالمستحب لصاحب الأرض ألا ينقله، لما في ~~ذلك من هتك حرمته، فإن نقله جاز له لأنه دفن فيها بغير إذنه لقوله : ((من ~~أخذ عصا أخيه فليردها عليه)) (1). # وإن مات جماعة من أهله ولم يمكنه دفنهم إلا واحدا بعد واحد نظرت فإن كان ~~يخشى تغير أحدهم دون غيره بدأ بمن يخشى تغيره لأنه معذور في تقديمه لأجل ~~خشية تغيره، وإن كان لا يخشى تغيره فإنه يبدأ بأبيه لأنه أعظم حقا عليه ~~وأكثر حرمة، وتحتمل البداية بالأم لقوله : ((بر أمك ثم أمك ثم أباك)) . ~~فجعل حق بر الأب بعد الأم بمراتب، وفي هذا دلالة على عظم حقها على غيرها ~~فيحتمل تقديم الأب كما ترى ويحتمل تقديم الأم لما ذكرناه، ويحتمل أن يكونا ~~سواء فيبدأ بأيهما شاء، وإن كانا أخوين قدم أكثرهما قرآنا، وإن استويا قدم ~~أكبرهما سنا، وإن استويا فإليه الخيرة في تقديم أيهما شاء كالأبوين، وإن ~~كانا زوجتين فأكبرهما سنا، وإن استويا فأكثرهما برا، وإن استويا في البر ~~فأكثرهما صدقة وصلاحا. PageV04P465 # الفرع الخامس: ولا يقبر مسلم في مقبرة الكفار ولا يقبر كافر في مقبرة ~~المسلمين لقوله : ((المؤمن والكافر لا تتراءى نيرانهما))(1). # ولأن المسلم كما لا يحل له المقام في دار الحرب، فهكذا لا يجوز قبره بين ~~الكفار، ولأن الكافر إذا قبر بين المسلمين فربما يزور المسلمون قبره ويدعون ~~له بالمغفرة والرحمة والكافر ممنوع من الدعاء له بما ذكرناه، فلهذا ms1847 لم يجز ~~الأمران جميعا. # وإن ماتت ذمية حاملة بمسلم؟ وهذه المسألة لها صورتان: # الصورة الأولى: على من يمنع نكاح الذميات من أهل الكتابين اليهود ~~والنصارى، كما هو رأي الهادي والقاسم، فبأن يسلم زوجها الذمي وتبقى على ما ~~هي عليه من الكفر، وعلى هذا يكون الولد مسلما بإسلام أبيه. # الصورة الثانية: على رأي من يجوز نكاح الكتابيات من اليهود والنصارى. كما ~~هو رأي زيد بن علي وغيره. # وعلى هذا فالولد مسلم من يوم العلوق به، فإذا ماتت هذه الذمية وفي بطنها ~~هذا الولد المسلم، فأين يكون قبرها؟ فيه ثلاثة مذاهب: # المذهب الأول: أنها تقبر في مقابر أهل الذمة. وهذا هو رأي الهادي والقاسم ~~والناصر، ومحكي عن أبي حنيفة وعطاء والزهري والأوزاعي. PageV04P466 # والحجة على هذا: هو أن الولد ما دام متصلا في بطن أمه فهو كجزء منها وبعض ~~من أبعاضها لا يجب له شيء من الأحكام، فوجب أن يكون حكمه وهو في بطنها مثل ~~حكمها وهي خالية عنه فلهذا قبرت في مقابر أهل ملتها. # المذهب الثاني: أنها تقبر في مقابر المسلمين. وهذا هو رأي عمر بن الخطاب، ~~ومحكي عن مكحول وإسحاق بن راهويه. # والحجة على هذا: قوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين ~~سبيلا}[النساء:141]. # ووجه الدلالة من الآية: هو أنا لو قبرناها في مقابر الكفار لكنا قد جعلنا ~~للكفار سلطانا وسبيلا على المسلمين بدفن المسلمين في مقابرهم ويكونون من ~~جملتهم، فلهذا قلنا: بدفنها في مقابر المسلمين. # المذهب الثالث: أنها تدفن بين مقابر المسلمين ومقابر أهل الذمة. وهذا هو ~~رأي زيد بن علي، ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: هو أنا لو دفناها في مقبرة المسلمين لكنا قد دفنا كافرا ~~في مقبرة المسلمين، ولو دفناها في مقبرة الكفار لكنا قد دفنا مسلما بين ~~الكفار، وكلا الأمرين غير جائز، فلهذا قلنا: بأنها تدفن بين المقبرتين. # والمختار: هو جعلها في مكان على انفرادها بين المقبرتين كما قاله زيد بن علي. # وحجتهم: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا: وهو أن جعلها على انفرادها سلامة عن كل محذور ms1848 وعمل على ~~الإحتياط فلهذا كان عليه التعويل. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: إنه بمنزلة الجزء منها فلهذا لم يكن له حكم غير حكمها فلهذا قبرت ~~في مقابر أهل ملتها من اليهود. # قلنا: ولو كان بمنزلة الجزء منها فقد تقرر له حكم الإسلام وهو أغلب لقوله ~~: ((الإسلام يعلوا ولا يعلا)) (1). # قالوا: يقبر في مقابر المسلمين. PageV04P467 # قلنا: وهذا يؤدي إلى محذور، وهو دفن كافر في مقابر المسلمين. ولا خلاص عن ~~هذين المحذورين إلا بما قلناه من دفنها في قبر منفرد وحدها. هذا كله إذا ~~مات الولد في بطنها، وأما إذا كان حيا بعد موتها فإنه يجب شق بطنها ~~وإخراجه، فإذا مات بعد إخراجه دفن في مقابر المسلمين لأنه من جملتهم، ودفنت ~~في مقابر أهل الذمة لإنفصال الولد عنها ولا خلاف فيه. # الفرع السادس: المقابر على ثلاثة أضرب: # الضرب الأول منها: مقابر أهل الشرك وأهل دار الحرب. فهل تجوز زراعتها ~~وإحياؤها أم لا؟ فيه قولان: # القول الأول: المنع من ذلك. وهذا هو الذي ذكره أحمد بن يحيى والسيد أبو ~~طالب، لأن عمل المسلمين قد جرى بالإمتناع من ذلك. # القول الثاني: جواز ذلك. وهذا هو رأي الإمام المؤيد بالله وهو المختار. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول أنه لما دخل المدينة وبركت الناقة في ~~مربد لأبي أيوب الأنصاري(1) # فشراه(2) # الرسول من أبي أيوب وجعله مسجدا، وكان في جانب منه مقبرة للجاهلية فأمر ~~رسول الله بها فنقلت ورجم بعظامهم، وذلك لأنه لا حرمة لهم في حال الحياة ~~فهكذا لا حرمة لهم بعد الموت. # الضرب الثاني: مقابر أهل الذمة وحكمها حكم مقابر المسلمين؛ لأن دمائهم ~~وأموالهم مصونة بالذمة في حال الحياة، فهكذا مقابرهم فإنه لا يجوز لأحد ~~زراعتها وإحياؤها لما ذكرناه. # الضرب الثالث: مقابر المسلمين فإنه لا يجوز لأحد زراعتها وإحياؤها. PageV04P468 # قال المؤيد بالله: ولا يجوز لأحد زراعة مقابر المسلمين، ويأثم إن زرع ويكون ~~الزرع له. هذا كله إذا كانت عامرة وأعلامها باقية ورسومها ظاهرة، فأما إذا ~~جرفها السيل وامحت أعلامها ورسومها وصارت أرضا ms1849 بيضاء لا عهد فيها للقبور ~~ولا رسم فيها ظاهر، صارت إلى المصالح يصرفها الإمام حيث يشاء، وتجوز ~~زراعتها والعمارة فيها، وإن رأى أن يسبلها مقبرة ثانية جاز ذلك لأنها صارت ~~من أموال المصالح. # الفرع السابع: في التقبير. ويشتمل على مسائل[ثمان]: # المسألة الأولى: والمستحب إعماق القبر لما روي عن الرسول أنه قال: ~~((احفروا وأوسعوا وأعمقوا)) (1). # اختلف العلماء في حد إعماقه. # فحكي عن الشافعي: أنه قال: يكون عمقه قامة وبسطة باليد، قدر أربعة أذرع ونصف. # وعن عمر بن عبدالعزيز: إلى السرة. # وعن مالك: أنه قال: لا حد له. # والمختار: الذي يأتي على المذهب، لأني لم أقف على قدر عمقه في كلام أئمة ~~العترة، أن يكون أقله ما يواري جسد الميت، ويستر عورته، ويمنعه عن السباع، ~~والأكمل فيه: أن يكون قدر عمقه إلى الثدي. وفي ذلك كفاية عمن يريد نبشه، ~~وعن خروج الرائحة وحماية له عن السباع. # وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: احفروا قبري قدر قامة وبسطة. وفيما ذكرناه ~~كفاية عن هذا القدر. PageV04P469 # ويستحب: أن يوسع عند رأس الميت ورجليه. لما روي عن الرسول أنه قال للحافر: ~~((أوسع من قبل رأسه ورجليه)) (1). # والمستحب: أن يلحد لقبور المسلمين. # قال القاسم والهادي: ينبغي أن يلحد لقبور المسلمين إلا أن لا يتمكن منه ~~فيضرح. لما روى زيد بن علي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه لما قبض ~~رسول الله قالوا له: أنلحد أم نضرح؟ فقال : سمعت رسول الله يقول: ((اللحد ~~لنا والشق لغيرنا)) (2). # وقوله : ((الشق لغيرنا)). يحتمل معنيين: # أحدهما: أن يريد أن الشق لأهل الجاهلية والشرك وعبدة الأوثان والأصنام. # وثانيهما: أن يريد بقوله: ((والشق لغيرنا)). أهل الكتابين من اليهود ~~والنصارى. # واللحد: هو حفرة في جانب القبر مما يلي القبلة يوضع فيه الميت، فإن كانت ~~الأرض شديدة فاللحد أفضل لما روي أن الصحابة لما توفي رسول الله اختلفوا في ~~قبره فقال بعضهم: نلحد له، وقال آخرون: نضرح، وكان في المدينة حفاران ~~يحفران القبور فأرسلوا إليهما وقالوا: اللهم اختر لنبيك. فجاء الذي يلحد ~~فلحد لرسول ms1850 الله قبره. وإن كانت الأرض رخوة لا يمكن فيها اللحد لرخاوتها ~~وحذرا من إنهيارها على الميت فإنه يضرح. # والضرح: هو الشق فيترك الميت في وسط الشق ثم يسقف عليه بالأحجار الطوال ~~وبالخشب ويجعل في خروقه كسر اللبن. # قال الشافعي: ورأيتهم عندنا يضعون على السقف الاذخر ثم يهيلون عليه ~~التراب. PageV04P470 # المسألة الثانية: والمستحب ألا يدخل الميت القبر إلا الرجال من المحارم، ~~سواء كان الميت رجلا أو امرأة، لأنه يحتاج إلى بطش وقوة واستظهار فلأجل ذلك ~~كان الرجال بذلك أقوم وأحق، ولأن النساء إذا تولين ذلك ربما يبدو شيء من ~~عوراتهن لأجل العلاج. # ويستحب ألا ينقل المرأة من مغتسلها إلى موضع التكفين إلا النساء، ولا ~~ينقلها من موضع التكفين إلى السرير إلا النساء، ولا يسلها من السرير إلى ~~شفير القبر إلا النساء، ولا يحل عقود الكفن إلا النساء لأنهن يقدرن على ~~ذلك، فلهذا كن به أحق(1). PageV04P471 # فإذا ثبت هذا، فالميت إن كان رجلا فأولى الناس بإدخاله القبر أولاهم ~~بالصلاة عليه فيدخله منهم أفقههم، فإن كان له قريبان أحدهما أبعد من الآخر ~~وكان البعيد فقيها فهو أولى من القريب الذي ليس فقيها لأن هذا أمر يحتاج ~~فيه إلى الفقه والعلم فلهذا كان الفقيه بذلك أولى، وإن استويا في الفقه ~~فأقربهم رحما كالأب والجد ثم بعدهما الأبن ثم ابن الإبن على ترتيب العصبات. ~~وإن كان الميت امرأة فالزوج أولى بإدخالها من كل أحد لأن له من النظر إليها ~~ما لا يحل لغيره، فإن لم يكن هناك زوج فالأب أولى ثم الجد أب الأب ثم الإبن ~~ثم ابن الإبن، فإن لم يكن أحد من ذوي محارمها فمملوكها لأنه محرم بظاهر ~~الآية في قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانهن}[النور:31]. فإن لم يكن فبنوا ~~العم، فإن لم يكن هناك أحد من ذوي الأرحام المحارم ومن غير المحارم ~~فالأجانب من الرجال الثقات يلفونها بالثوب الذي على السرير أو على غيره ~~ويدلونها إلى من في القبر من الرجال ويضعونها على شفير اللحد ويزحلقونها ~~إلى قعر اللحد برفق وسهولة. # والمستحب: ms1851 أن يكون عدد الذين يضعونها في القبر وترا إما ثلاثة وإما خمسة ~~أو سبعة. لما روي أن الرسول أدلاه إلى حفرة اللحد ثلاثة، أمير المؤمنين ~~والعباس واختلف في الثالث فقيل: هو الفضل بن العباس. وقيل: أسامة بن زيد. ~~وهو الصحيح عند أهل السير والأخبار، فأما عبدالرحمن بن عوف فقد كان هم بذلك ~~وتهيأ للنزول لكنه لم ينزل. # المسألة الثالثة: ويستحب أن يسجى على قبر المرأة بثوب في حال إدخالها ~~القبر، وفي حال علاج ختم القبر وسده. ويكشف بعد ذلك عند أئمة العترة، ومحكي ~~عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه. # والحجة على هذا: قوله : ((النساء عي وعورات في كل أحوالهن فاستروا ~~عيهن... الخبر)) (1). PageV04P472 # ولا خلاف في استحبابه في حق المرأة لما ذكرناه. # وهل يسجى على الرجل أم لا؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أنه غير مشروع في حق الرجل. وهذا هو رأي أئمة العترة، ~~ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه. # والحجة على هذا: ما روي عن أبي قتادة أنه مر برجل يدفن وقد سجي على قبره ~~بثوب فأزال الثوب وهم بتمزيقه، وقال: إنما يسجى على قبر المرأة دون الرجل. ~~والصحابي إذا فعل مثل هذا فإنما يقوله عن توقيف من جهة الرسول لأنه لا مدخل ~~للإجتهاد فيه. # المذهب الثاني: أنه يسجى على الرجل كالمرأة. وهذا هو رأي الشافعي. # والحجة على هذا: هو أنه لا خلاف في تسجية الرجل بالثوب عند موته وعند ~~غسله، فهكذا يسجى عند سله إلى القبر، ولأنه لا يؤمن تغيره فلهذا استحب ستره. # والمختار: إستحباب ستره في حال إدلائه إلى القبر. # وحجته: ما ذكرناه. # ونزيد هاهنا وهو ما روى سعد بن مالك(1) # أنه قال: لما دفن رسول الله سعد بن معاذ ستر قبره بثوب، وكنت ممسكا ~~بحاشيته، فأصغى رسول الله إلى أسامة بن زيد. فقلت له: ما قال لك؟ قال: ~~[قال]: ((اهتزت قوائم العرش لموت سعد بن معاذ))(2). # ولما روي أن الرسول سجي بثوب عند موته فهكذا الحال عند القبر. # الانتصار: يكون بالجواب عما خالفه. # قالوا: روى أبو قتادة أنه هم ms1852 بتمزيق الثوب لما سجي به الرجل. فدل ذلك على ~~كراهته. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فالظاهر أن هذا إنما هو مذهب لقتادة فلا يلزمنا قبوله. # وأما ثانيا: فلعلهم إنما سجوه قبل إدخاله قبره فنهاهم عن ذلك لأنه لا ~~فائدة فيه. PageV04P473 # المسألة الرابعة: وإذا أدلي الميت [في] قبره، رجلا كان أو امرأة. فمن أين ~~يكون إدلاؤه؟ فيه مذهبان: # المذهب الأول: أن المستحب أن يكون إدلاؤه من موضع الرجلين من الميت في ~~القبر فيوضع الميت من عند الرجلين ثم يسل من قبل رأسه سلا رفيقا إلى قبره. ~~وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله، ومحكي عن ~~الشافعي وأحمد بن حنبل. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول : أنه صلى على رجل من ولد عبدالمطلب ~~فأمر بالسرير فوضع من قبل رجلي الميت ثم أمر به فسل سلا رفيقا(1). # المذهب الثاني: أن المستحب أن توضع الجنازة عرضا من ناحية القبلة ثم يدخل ~~الميت القبر معترضا. # والحجة على هذا: هو أنه إذا وضع من ناحية القبلة معترضا كان أسهل وأيسر ~~على من يضعه لأنه لا يحتاج في ذلك إلى كلفة وتعب بخلاف وضعه من جهة الرجلين ~~فإنه يحتاج إلى كلفة وعلاج. # والمختار: هو الأول. # وحجتهم: ما ذكرناه.. # ونزيد هاهنا: وهو ما روي أن الرسول سل من قبل رأسه فلهذا كان هو المستحب ~~لما ذكرناه. # الانتصار: يكون بالجواب عما ذكروه. # قالوا: إنزاله من جهة القبلة فيه سهولة بخلاف غيره فلهذا كان هو المستحب. # قلنا: الأولى اتباع السنة فيما يتعلق بجانب الموتى وجميع العبادات، وإذا ~~وردت السنة بما ذكرناه كان الأولى اتباعها سواء كان خفيفا أو ثقيلا لما روي ~~عن الرسول أنه قال: ((كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد)). # والمستحب عند سله في حفرته أن يقول: بسم الله وعلى ملة رسول الله. والملة ~~والسنة واحدة وهي متابعة الرسول في أقواله وأفعاله فمن وافقه في ذلك فهو ~~على سنته وملته. PageV04P474 # والمستحب أن يقول عند وضعه في اللحد: اللهم أسلمته الأشحاء من أهله وولده ms1853 ~~وقرابته وإخوانه، وفارق من كان يحب قربه، وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ~~ظلمة القبر وضيقه، ونزل بك وأنت خير منزول به، إن عاقبته فبذنبه، وإن عفوت ~~عنه فأنت أهل العفو، وأنت غني عن عذابه وهو فقير إلى رحمتك، اللهم اشكر ~~حسنته واغفر سيئاته، وأعذه من عذاب القبر، واجمع له الأمن من عذابك، واكفه ~~كل هول دون الجنة، واخلفه في تركته في الغابرين، وارفعه في عليين، وعد عليه ~~بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين. # المسألة الخامسة: والمستحب أن يضجع الميت على جنبه الأيمن في لحده لقوله ~~: ((إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه)) (1) # والنوم أخو الموت. ولأن الرسول فعل به هكذا وسائر الصحابة رضي الله عنهم ~~بعده إلى يومنا هذا، ولأنه إذا فعل به هكذا فإنه يكون مستقبلا للقبلة بجميع ~~بدنه لقوله : ((خير المجالس ما استقبل القبلة)) (2). # فإذا خالفوا وأضجعوه على جنبه الأيسر واستقبلوا بوجهه القبلة جاز ذلك ~~لأنه في كلتا الحالتين مستقبل القبلة وهو المقصود. # ويستحب: أن يوسد رأسه بلبنة كالحي إذا نام، ويدلى إلى اللحد، ويجعل خلف ~~ظهره تراب يشده لئلا يستلقي على ظهره، ولا تجعل يده تحت خده؛ لما روي عن ~~عمر أنه قال: إذا مت فافضوا بخدي إلى الأرض. فأما قول الرسول : ((فليتوسد ~~يمينه)). فإنما أراد جنبه الأيمن. PageV04P475 # ويكره أن يجعل الميت في تابوت، ولا يكاد يستعمله أحد في ديار اليمن إلا ~~الباطنية، وهو بدعة لا حاجة إليها، لأن ما هذا حاله لم تدل عليه دلالة من ~~جهة الشرع، ولا فعله الرسول ، ولا فعله أحد من الصحابة ولا أحد من أكابر ~~أهل البيت"، وفي هذا دلالة على كونه بدعة وضلالة، ولو كان سنة لكان من ~~ذكرناه أحق بفعله والمواضبة عليه. # ويكره أن يجعل تحت رأسه مخدة أو وسادة، وتحت جسمه طراحة أو مضربة(1). # ويكره أن يفرش له شيء من الحناء. # ويكره أيضا: أن يدفن معه مصحف، أو يوضع على صدره وفي عنقه. # ويكره أن يكتب في الأكفان شيء من القرآن لأن هذا يؤدي إلى تنجيس المصحف ~~بالصديد والقيح. # وإنما ms1854 كرهت هذه الأمور كلها لما فيها من مخالفة السنة، فإنها لم تفعل ~~للرسول في جهازه، ولا نبه عليها في كلامه، ولا فعلها أحد من أهل الصلاح. # وروي أن عمر قال: إذا أنزلتموني اللحد فأفضوا بخدي إلى الأرض. وعن أبي ~~موسى الأشعري، أنه قال: لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئا. ومثل هذا إنما ~~يقال عن توقيف فهموه من جهة الرسول لأنه لا مدخل للاجتهاد فيه فيجب أن يكون ~~عليه التعويل. # قال الإمامان القاسم والهادي: ويستحب أن ينصب على اللحد اللبن والصفا. ~~لما روي عن سعد بن أبي وقاص، أنه قال: اصنعوا بي كما صنعتم برسول الله ~~انصبوا علي اللبن وأهيلوا علي التراب(2). # وتسد الخلل التي تكون بين اللبن مخافة أن يقع التراب على الميت. # ويستحب لمن كان على شفير القبر ولمن حضر الجنازة: أن يحثي على القبر ثلاث ~~حثيات، ثم يهال عليه التراب بالمساحي؛ لما روي عن الرسول : أنه حثا على قبر ~~رجل من بني عبد المطلب ثلاث حثيات. # وروي عن فاطمة كرم الله وجهها، أنها قالت: كيف طابت نفوسكم أن تحثوا ~~التراب على رسول الله . PageV04P476 # وروي عن أبي هريرة، أنه قال: قال رسول الله : ((من حثا في قبر أخيه ثلاث ~~حثيات من تراب كفر عنه من ذنوبه ذنوب عام)) (1). # ويستحب أن يقول إذا حثا هذه الحثيات: ما روي عن أمير المؤمنين كرم الله ~~وجهه أنه كان يقول: اللهم إيمانا بك، وتصديقا برسلك، وإيقانا ببعثك، هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وصدق المرسلون(2). # ويكره أن يزاد على تراب القبر من غيره لأنه إذا زيد ارتفع من الأرض كثيرا ~~وكان شاخصا. # المسألة السادسة: ويكره تشييد القبر ورفعه عن الأرض وإشخاصه وزخرفته ~~بالجص والصاروج(3) PageV04P477 والآجر وترتيبه بالعمارة. لما روي عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه؛ أنه ~~قال: أمرني رسول الله ألا أدع قبرا مشرفا إلا هدمته، ولا تمثالا إلا ~~طمسته(1). # ويستحب أن يشخص القبر على وجه الأرض مقدار الشبر. لما روى جعفر الصادق أن ~~قبر الرسول رفع على وجه الأرض مقدار ms1855 الشبر. # ويستحب أن يطرح عليه الرضراض. لما روى القاسم بن محمد، أنه قال: قلت ~~لعائشة: يا أمه إكشفي لي عن قبر رسول الله وصاحبيه. فكشفت لي عن ثلاثة قبور ~~لا مشرفة ولا لاطئة عليها بطحاء العرصة(2). # وهل يجوز تطيينه بالطين أم لا؟ فحكي عن القاسم والهادي: أنه لا بأس ~~بتطيين القبر مخافة من محوه وانطماسه وإزالة أثره. # وحكي عن أبي حنيفة: أنه كره التطيين للقبر. حكاه عنه الكرخي. # والمختار: كراهة التطيين للقبور. لما روي عن الرسول : أنه نهى عن تطيين ~~القبور ولأنه فيه إذا طين ملاسة وتحسينا له بالطين فيصير كالزخرفة، فلهذا كره. PageV04P478 # ويكره التسقيف على القبر، لأنه يمنع من دفن الميت(1)، # فأما السقف فوق قبر رسول الله فإنه كان سقف بيته الذي كان فيه. # وهل كان بيتا لعائشة أو بيتا للرسول ؟ فالذي رآه الناصر والصادق والباقر: ~~أن البيت كان بيتا للرسول لقوله تعالى: {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن ~~لكم}[الأحزاب:53]. ورأى الفقهاء: أن البيت إنما هو بيت لعائشة. ولهذا فإن ~~عمر لما قتل استأذن عائشة في الدفن مع الرسول وأبي بكر. # وهل يكون القبر مربعا أو مسطحا، أو مدورا؟ فيه أقوال ثلاثة: # القول الأول: أن المستحب أن يكون مربعا. وهذا هو قول الهادي والناصر ~~والمؤيد بالله، ومحكي عن الشافعي. # والحجة على هذا: ما روى زيد بن علي عن أبيه عن جده: أن الرسول ربع قبر ~~ابنه إبراهيم بيده، وأنه ربع قبر حمزة، فهما إلى الآن مربعان. # القول الثاني: أن المستحب هو التسنيم للقبر. وهذا هو رأي القاسم وأبي حنيفة. # والحجة على هذا: وهو محكي عن أبي على الطبري من أصحاب الشافعي، ما روى ~~القاسم عن إبراهيم النخعي، أنه قال: أخبرني من رأى قبر رسول الله ، وأبي ~~بكر وعمر وأنها مسنمة ناشزة من الأرض عليها فلق مدر بيض. # القول الثالث: التدوير. وهذا هو الذي ذكره الهادي في الأحكام، فإنه قال: ~~التربيع أفضل، وإن دور فلا بأس. # والمختار: هو التسنيم. لأن عمل المسلمين قد صار الآن عليه، وما رآه ~~المسلمون ms1856 حسنا فهو عند الله حسن. PageV04P479 # قال الشيخ أبو حامد الغزالي: والتسطيح وإن كان هو الأفضل لكن التسنيم الآن ~~صار هو الأفضل لما فيه من مخالفة شعار الرافضة لأنهم يربعون قبورهم(1)، # فلهذا استحب التسنيم لما ذكرناه. # وهل بعد الفراغ من القبر يرش عليه الماء أم لا؟ فالمحكي عن أولاد القاسم: ~~إستحباب الرش. وهذا هو رأي الشافعي وأبي حنيفة. # والحجة على هذا: ما في خبر زيد بن علي: أنه صلى على جنازة رجل من ولد ~~عبدالمطلب، ثم أمر من رش عليه قربة من ماء. # وحكي عن بعض أصحاب أبي حنيفة: أنه لا معنى للرش ولا فائدة فيه، لأنه إنما ~~يرش في ديار تهامة والحجاز وحيث يقل المطر، فربما تذهب الرياح بالطين إذا ~~كان يابسا فيزول أثر القبر ويمحي رسمه، وأما في ديارنا هذه فلا يحتاج إليه ~~لكثرة المطر. PageV04P480 # والمختار: استحباب الرش عقيب الفراغ من عمل القبر، لأن الريح إذا لم يرش ~~تذهب به قبل مجيء المطر فلهذا كان مستحبا، ولأن صب الماء البارد فيه تفاؤل ~~لما فيه من البرد والروح والراحة فلعل الله أن يجعل للميت في قبره روحا ~~وراحة، فأما نصب حجرين على القبر علامة لكونه قبر امرأة، وحجر واحد على أنه ~~قبر رجل فهو من بدع العوام فلا وجه له، ولا بأس بأن يحجر القبر بأحجار حوله ~~مصفوفة مخافة أن يذهب طينه إلى الأرض فيزول ويمحى، فإذا حجز بهذه الأحجار ~~كان أقرب له إلى الصيانة. # المسألة السابعة: ولا بأس ببناء القباب والمشاهد على قبور الأئمة ~~والفضلاء من أهل العلم والفضل لأجل الزيارة ولم ينكره أحد من العلماء في كل ~~ناحية، وفي هذا دلالة على جوازه لأن ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن. # ثم ينظر في بناء القباب والمشاهد، فإن كان في المقابر المسبلة منعوا من ~~ذلك لأنه يضيق علىغيره في القبر ويستغرق جانبا من البقعة لغير القبر، وإن ~~كان في ملك نفسه جاز ذلك لأنه لا ضرر فيه على الغير. # وإن ذكر اسم الميت على القبر نظرت فإن ms1857 كان ذكر بكتابة غالية وتزويق ~~وزخرفة كره ذلك ومنع منه، وإن كان من غير ذلك جاز، لما روينا من حديث عثمان ~~بن مظعون، وأن الرسول حمل حجرا وقال: ((هذه أعلم بها قبر أخي)). فهذا هو ~~الأصل في الجواز. # قال القاسم والهادي: والصخر أولى من اللوح، لأن اللوح ربما كان فيه زينة ~~وزخرفة فلهذا كان الصخر أحق به. # وحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: كراهة ذلك. وهذا محمول على أن فيه زخرفة ~~وزينة، فأما مجرد ذكر اسم الميت في الصخر فلا بأس به، لحديث عثمان وقد ~~قدمناه. # وإن غصب ثوب وكفن فيه ميت نظرت، فإن علم بغصبه قبل أن يهال عليه التراب ~~أخذ منه وكفن بغيره من ماله أو من غيره، وإن علم بالغصب بعد أن دفن وهيل ~~عليه التراب لم ينبش لما في ذلك من هتك حرمته، وينتقل حق مالكه إلى القيمة ~~لأنه صار مستهلكا. PageV04P481 # وفي قول آخر للشافعي: أنه ينبش مالم يتغير. # والمختار: هو الأول لما ذكرناه. # والقبور محترمة، فيكره الجلوس عليها والإتكاء إليها، ولا ينام فوقها، ولا ~~تقضى عليها حاجة من غائط أو بول، ولا يصلى إليها. لما روي عن الرسول أنه ~~قال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). ولما روي ~~عن الرسول ، أنه قال: ((لا تقعدوا على القبور ولا تجصصوها ولا تبنوا ~~عليها)) (1). # وحكي عن مالك: أنه لا يكره الجلوس على القبر ولا الإتكاء إليه. والأول ~~محكي عن أئمة العترة وهو قول الشافعي وأبي حنيفة. # والحجة: ما ذكرناه. # وإن وقع في القبر شيء له قيمة بعد أن هيل التراب عليه نبش وأخرج ما فيه. ~~لما روي أن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول الله عند الدفن فقال: ~~خاتمي ففتح موضعا وأخرجه. وقال: أنا أقربكم عهدا برسول الله . وقيل: إنه ~~فعل ذلك حيلة لما ذكرناه(2). # وإن كان في بطن الميت جوهرة أو درة أو خاتم ابتلعه في حال الحياة. نظرت ~~فإن كان لغيره شق بظنه وأخرج ما فيه لقوله : ((لا يحل مال امرء مسلم ms1858 إلا ~~بطيبة من نفسه)). # وإن كان للميت، فهل يشق بطنه أم لا؟ فيه تردد. # والمختار: أنها تخرج من بطنه لأنها قد انتقلت إلى الورثة فتصير كمال الغير. PageV04P482 # وحكي عن بعضهم: أنها لا تخرج. لأنه استهلكها في حال حياته وهو مالك لها، ~~والحق هو الأول لأن فيها منفعة للحي ولا منفعة فيها للميت، وقد نهى رسول ~~الله عن ((قيل وقال وإضاعة المال)) (1). # فلو تركناها لكان فيه إضاعة للمال. # المسألة الثامنة: وإذا أكمل الدفن على الميت فقد فرغ منه، جاز الانصراف ~~عن المقبرة. لكن الإنصراف يقع على أربعة أوجه: # أولها: أنه إذا صلى وانصرف كان له ثواب الصلاة وثواب التشييع، دون ثواب ~~الدفن والحضور. # وثانيها: أنه ينتظره حتى يوارى في قبره، وهذا أفضل من الأول. # وثالثها: أنه ينتظره حتى يدفن وينصرف، وهذا أفضل من الأولين. لما روى أبو ~~هريرة: أن الرسول قال: ((من صلى على جنازة فله قيراط، ومن شيعها حتى يقضى ~~دفنها فله قيراطان أصغرهما مثل أحد))(2). # قال أبو هريرة: فذكرت ذلك لابن عمر فأرسل إلى عائشة رضي الله عنها يسألها ~~عن ذلك فقالت: صدق أبو هريرة. فقال ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. # ورابعها: أن يقف بعد الدفن ويدعو للميت، وهذا أفضل من الأولين(3). # ويستغفر له. لما روى عثمان بن عفان: أن الرسول كان إذا دفن ميتا وقف عند ~~قبره وقال: ((اسغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل))(4). # وكان من مضى من العلماء والأفاضل يفعلون ذلك، فأما الآن في هذه الأزمنة ~~فصارت نسيا منسيا. # والمختار: فعله. لما رويناه من حديث عثمان، وترك من تركه لا يخرجه عن ~~كونه مستحبا. PageV04P483 # ويستحب لقرابة الميت وجيرانه: أن يصنعوا لأهل الميت طعاما يشبعهم يومهم ~~وليلتهم. لما روي عن الرسول ، أنه لما بلغه نعي جعفر بن أبي طالب، وأنهم ~~أصيبوا في غزوة مؤتة فقال: ((اصنعوا لآل جعفر طعاما فإنهم مشغولون فإنه قد ~~جاءهم ما يشغلهم)) (1). # فأما إصلاح أهل الميت طعاما وجمع الناس له فلم ينقل فيه عن الرسول ، ولا ~~ذهب إلى استحبابه أحد ms1859 من أئمة العترة وفقهاء الأمة؛ وهو بدعة، هذا إذا كان ~~من أموالهم، فأما إذا كان من أموال الأيتام فهو حرام كله، والفاعل يكون ~~آثما ضامنا، فأما الإثم فلأجل مخالفة السنة وأكل مال الأيتام بغير حق، وأما ~~الضمان فلأنه أتلف مال الأيتام ظلما وعدوانا، وقد قال تعالى: {إن الذين ~~يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون ~~سعيرا}[النساء:10]. PageV04P484 # --- ### ||| AUTO القول في التعزية والبكاء على الميت # والتعزية سنة، والمستحب: أن يعزى أهل الميت وأقاربه، لقوله : ((من عزى ~~مصابا كان له مثل أجره)) (1). # وروي عن الرسول أنه قال: ((من عزى ثكلى كسي بردا في الجنة))(2). # والمقصود من التعزية: هو الحمل على الصبر بوعد الأجر، والتحذير عن تحمل ~~الوزر بإفراط الجزع، وبذكر المصائب. والرجوع إلى الله تعالى في كل الأمور. # ومصداق ما قلناه: قوله تعالى: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله ~~وإنا إليه راجعون.، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون}[البقرة:156،157]. # فمن قال هذه الكلمة اختص بفوائد ثلاث: # الصلاة من الله، وهي دعاؤهم إلى كل خير من الدنيا والآخرة، كما قال ~~تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته.}[الأحزاب:43]. # والرحمة، وهو اللطف الذي يكون سببا إلى تيسير الطاعات. # والاهتداء إلى طريق الخيرات. # التفريع على هذه القاعدة: # الفرع الأول: التعزية مرة واحدة. لما روى أنس بن مالك، عن الرسول أنه ~~قال: ((التعزية مرة واحدة.)) (3). # لأن تكرارها لم ترد به السنة، ولأن المقصود منها ما ذكرناه من الوعظ ~~والتذكير والأمر بالصبر، وترك الجزع، والرضاء بقضاء الله تعالى وحكمه، وهذا ~~حاصل بالمرة الواحدة. # والتعزية مستحبة. ووقتها: من حين يموت الميت حتى يدفن. عند أئمة العترة ~~والفقهاء، لقوله : ((من عزى مصابا كان له مثل أجره.)). ولم يفصل بين وقت ووقت. # وهل تكون مستحبة بعد الدفن أم لا؟ فيه مذهبان: PageV04P485 # المذهب الأول: أنها مستحبة بعد الدفن. وهذا هو رأي أئمة العترة الهادي ~~والقاسم، ومحكي عن الشافعي. # قال القاسم: والتعزية قبل حمل الجنازة وبعدها، لكن بعد الدفن أحسن. # والحجة على هذا: هو أن بعد الدفن تعظم المصيبة ms1860 بالمفارقة، ويقع الإياس(1) # لأن الميت ما لم يدفن فهو بين ظهراني أهله، وإنما يكون الإياس والوحشة ~~بعد مفارقته ودفنه، فلهذا كان أحق بالتعزية لما ذكرناه. # المذهب الثاني: أن التعزية غير مستحبة بعد الدفن. وهذا هو رأي أبي حنيفة، ~~ومحكي عن سفيان الثوري. # والحجة على هذا: ما روي عن الرسول ، أنه دخل على رجل من الأنصار يعوده ~~فجعل النساء يبكين فقام رجل من الأنصار يسكتهن، فقال الرسول : ((دعهن يبكين ~~فإذا وجبت فلا تبكين باكية.))(2). # ووجه الدلالة من الخبر: هو أن الرسول نهاهن عن البكاء بعد الموت لما حضر ~~الإياس وانقطع الرجاء، فهكذا حال التعزية بعد الدفن قد انقطع الرجاء وحصل ~~الإياس، فلهذا قلنا: إنه لا وجه لها بعد الدفن. # والمختار: هو جواز التعزية بعد الدفن واستحبابه كما قاله أئمة العترة. # وحجتهم: ما ذكرناه. PageV04P486 # ونزيد هاهنا وهو أن التعزية إذا كانت بعد الدفن، فهو وقت الإفتراق لقضاء ~~الحاجات والإشتغال بطلب المعيشة، فإذا افترقوا على الدعاء بالصبر والتجلد، ~~كان الدعاء خاتمة للإعمال [و] كان أحسن وأعظم للأجر وأدخل في الثواب. # الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه. # قالوا: قد أمر الرسول بالسكوت عن البكاء بعد الموت، فهكذا حال التعزية لا ~~تستحب بعد الدفن، والجامع بينهما: الإياس. # قلنا: عن هذا جوابان: # أما أولا: فكان يلزم ألا تستحب التعزية بعد الموت، فإنه قد وقع اليأس ~~قياسا على ما ذكرتموه من المنع من البكاء ولا قائل به. # وأما ثانيا: فلأن البكاء إنما كان من أجل وحشة الفراق وفقد الأنس، وبعد ~~الموت فقد انقطع اليأس(1)، # فلا وجه للبكاء بخلاف التعزية فإنما شرعت من أجل الجزع وتحصيل الثواب، ~~وهذا حاصل قبل الدفن وبعده فافترقا. # ومن وجه آخر: وهو أن البكاء إنما أبيح من أجل توهم الفرقة وانقطاع ~~الألفة، وهذا إنما يكون قبل الموت، فأما بعد الموت فقد حصل اليقين ~~بالانقطاع والفرقة بخلاف التعزية، فإنما شرعت من أجل الثواب والأجر بالدعاء ~~بالصبر على المصيبة، وهذا حاصل قبل الموت وبعده، وقبل الدفن وبعده. # الفرع الثاني: إلى من تكون التعزية؟ # وهي تكون إلى ms1861 الصغير والكبير، والمرأة والرجل، لأنهم مستوون في حصول ~~المصيبة وفقد الميت وانقطاع الألفة وعدم القريب المصاحب. # ويستحب أن يخص بالتعزية الضعفاء من القرابات كالنساء والصبيان، ومن كان ~~شيخا كبيرا ومن تعظم عليه المصيبة بفقده، لأن هؤلاء يضعفون عن احتمال ~~المصيبة ويعظم عليهم الحزن، فلهذا كانوا أحق بالتعزية. # وتكره التعزية إلى الشواب من البنات والأخوات فلا يعزيهن إلا ذوو المحارم ~~المحرمة كالعم والخال والأخ والإبن وسائر المحارم. فأما الأجانب فلا، لأنه ~~ربما يخشى الإفتتان بالتعزية إليهن. PageV04P487 # وأما لفظ التعزية فإن كانت لمسلم بمسلم، فالمستحب أن يعزى بتعزية الخضر% ~~أهل بيت رسول الله ، فإنه لما توفي رسول الله وجاء وقت التعزية سمعوا صوتا ~~ولا يرون أحدا، يقول: السلام عليكم أهل بيت النبوة ورحمة الله وبركاته، إن ~~في الله عزاءا عن كل مصيبة، ودركا من كل فائت، وخلفا عن كل هالك، فبالله ~~فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب(1). # ويستحب أن يقال بعد ذلك: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وخلفه عليك بخير، ~~وغفر لك ولميتك. # وإن عزى مسلما بكافر قال: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وخلف عليك بخير. # وإن عزى كافرا بمسلم قال: خلف الله عليك، وكثر عددك، وغفر لميتك. # وإن عزى كافرا بكافر قال: خلف الله عليك،وكثر عددك ولا أقله، ووفره ولا ~~فله. وأراد بكثرة العدد: حتى يعظم أمر الجزية وأخذها من أهل الكتابين. وإن ~~كان من غير أهل الكتابين فالغرض بتكثير العدد حتى يكثر السبي وتعظم الغنائم منهم. PageV04P488 # ويكره الجلوس للتعزية، وهو أن يجتمع أهل الميت في الساحات والعرصات ~~والشوارع والمساجد والمجالس ليقصدهم من يعزي لهم لأن ما هذا حاله بدعة وهو ~~محدث لا يعرف من جهة السنة، بل يتوجه كل واحد منهم في قضاء حوائجه، ويعزي ~~الرجل في سوقه وحانوته ومسجده وضيعته، وحيث وقع الاتفاق إذا لم يقع إتفاق ~~في المقبرة. # الفرع الثالث: وتحرم النياحة، وهي رفع الصوت والصياح بالويل والثبور ~~وإظهار الجزع والتفجع بطول الأصوات ورفعها. لما روي عن الرسول أنه قال: ~~((خصلتان من عمل الجاهلية، النياحة والطعن ms1862 في الأنساب.)) (1). # ويحرم لطم الخدود وخمش الوجوه وشق الجيوب ونشر الشعور؛ لما روت أم عطية: ~~أن الرسول نهى عن النوح، فما وفى أحد منا إلا أم سلمة. # وروى أبو سعيد الخدري: أن الرسول قال: ((لعن الله النائحة والمستمعة.)). # وروى ابن مسعود: أن الرسول قال: ((ليس منا من لطم الخدود.، وشق الجيوب، ~~ودعا بدعوى الجاهلية)) (2). PageV04P489 # وروي عن امرأة بايعت الرسول : أنها قالت: أخذ علينا رسول الله ، ألا نخمش ~~وجها، ولا ندعو ويلا، ولا نشق جيبا، ولا ننشر شعرا(1). ولأن ما هذا حاله ~~يشبه التظلم والإستغاثة، وما فعله الله تعالى فهو حكمة وعدل وصواب. ولأن ~~ذلك فيه تشبه بالجاهلية، وقد قال : ((من تشبه بقوم فهو منهم.)) (2). # لأن هذا يجدد الحزن ويمنع التجلد والصبر اللذين يستحق بهما الثواب فلهذا حرم. # وتكره التعزية بعد ثلاث لمن كان قريبا. لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا ~~يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا الزوجة)) ~~(3). فأما من كان بعيدا فلا يكره له ذلك. # وتمنع النساء عن عقد المناحات وهو الإجتماع والظهور إلى الساحة الواسعة ~~والعرصات في الشوارع والسكك، فإن ذلك كله محظور من عمل الجاهلية ويجب ~~النكير عليه لمخالفته السنة وركوب البدعة والضلالة والتشبه بالجاهلية. PageV04P490 # فأما اجتماع النساء في المجالس وتعديد الميت لمحاسنه وخصاله وذكر مناقبه ~~فلا بأس بذلك. لما روي عن الرسول ، أنه لما أصيب جماعة من المسلمين في أحد ~~واستشهدوا في سبيل الله فبكى كل واحد في المدينة على ميته، فقال رسول الله ~~: ((أما حمزة فلا بواكي له)) لأنه لم يكن له زوجة ولا أهل في المدينة. فلما ~~سمع الأنصار كلام رسول الله أخرجوا نساءهم وبكين على حمزة والرسول يسمع ~~وعددنه بمحاسنه، وذكرن جهاده وأوصافه الجميلة، فلما فرغن قال الرسول : ~~((انصرفن يرحمكن الله فلقد آسيتن)) (1). # الفرع الرابع: في البكاء. # وأما البكاء من غير ندب ولا نواح فيجوز. لما روي عن الرسول ، أنه لما مرض ~~ولده إبراهيم جعله في حجره وهو ينازع الموت فبكى عليه الرسول وقال: ((تدمع ~~العين ms1863 ويحزن القلب ولا نقول ما يغضب الرب إنا بك يا إبراهيم لمحزونون)). ثم ~~فاضت عيناه. فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ فقال: ((إنها رحمة يضعها الله ~~حيث شاء في قلب من يشاء، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) (2). PageV04P491 # وروي أنه قال للرسول : أليس قد نهيت يا رسول الله عن البكاء؟ فقال: ((إني ~~لم أنه عن البكاء، وإنما نهيت عن النواح وعن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند ~~نعمة؛ لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة؛ خمش وجه، وشق جيب)). وروي ~~عن الرسول : أنه بكى على عثمان بن مظعون حتى سالت دموعه. وروي أنه قال في ~~بكائه: هاي هاي هاي، ثلاث مرات. # فإن قيل: إن هذا صوت فلم تكرهون الصوت؟ # فجوابه: أنه يحتمل أن الرسول كان مغلوبا عليه لشدة الحزن، وعظم الفقد ~~لعثمان، وما كان مغلوبا عليه فإنه لا يؤاخذ به، ويحتمل أن يكون الصوت ~~المكروه ما كان بنوح وتعديد وتجاوز حد في طول الأصوات، وهذا ليس منه. فإذا ~~ثبت هذا فالبكاء مباح إلى أن يموت الميت، فإذا مات فالمستحب ألا يبكي. لما ~~روى عبدالله بن عتيك: أن الرسول جاء إلى عبدالله بن ثابت يعوده فوجده قد ~~غلب عليه فناداه فلم يجبه فقال الرسول : ((إنا لله وإنا إليه راجعون)). ثم ~~قال: ((قد غلبنا عليك يا أبا الربيع)). فصاحت النسوة بالبكاء لما سمعن كلام ~~رسول الله بالإياس منه، فجعل عبدالله بن عتيك يسكتهن فقال الرسول : ((دعهن ~~يبكين فإذا وجبت فلا تبكين باكية)). قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: ~~((إذا مات)). ولأن البكاء بعد الموت يجدد الحزن ويمنع الصبر ويحرك الجزع. # الفرع الخامس: فأما المقارضة فهي مباحة إذا لم يقترن بها محظور. PageV04P492 # وصورتها: أن يخرج إثنان من أهل الميت ومن قبيلته، ورجلان آخران ممن يأتي ~~إليهم معزيا فيذكر الرجلان من أهل الميت من مات بكلام مزدوج يشبه الرجز ~~وليس رجزا، فيه ذكر محاسن الميت وذكر أوصافه وأفعاله الجميلة، ويجيبهما ~~الآخران بمثل ذلك. فما هذا حاله مباح يفعله أهل المغارب من أهل حجة ms1864 والشرف ~~وحملان(1) وغيرهم ما لم يقترن به محظور لأنهم ربما يخرجون في آخره إلى ~~الأذية والهجاء وهو محظور لا يجوز فعله، فأما البكاء فمما لا بأس به. # فإن قال قائل: فقد روى عمر وابن عمر وأبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((إن ~~الرجل ليعذب ببكاء أهله)). وفي حديث آخر: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله ~~عليه)) (2). فما تأويله؟ # فجوابه: إن له تأويلات ثلاثة: PageV04P493 # التأويل الأول: أنه روى عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سألت عائشة عن هذا ~~الخبر فقالت: يرحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله بهذا الحديث، وإنما ~~قال: ((إن الميت ليزداد في عذابه ببكاء أهله)) حسبكم القرآن قال الله ~~تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}[الأنعام:164])). # فظاهر كلام عائشة أنها أنكرت على عمر لفظ الحديث وروته كما سمعته من ~~الرسول من غير مخالفة في لفظه لما خالف عمر لفظ الحديث. وروي عنها أنه ~~قالت: مات يهودي فكان أهله يبكون عليه فقال الرسول : ((إن الميت ليعذب ~~وأهله يبكون عليه)) (1). # التأويل الثاني: أن يكون الميت قد أوصى بالبكاء عليه، وهذا حال الجاهلية ~~فإنهم كانوا يوصون بذلك ويواضبون عليه كما فعله PageV04P494 عبدالمطلب(1) PageV04P495 عند قريب وفاته فقال لبناته عاتكة(1) PageV04P496 صفية(1) PageV04P497 وأروى(1) PageV04P498 وأم حكيم(1) # والبيضاء: أبكينني وأنا أسمع. فأنشدت كل واحدة منهن قصيدة في مدحه فلما ~~فرغن، قال: هكذا فابكينني. # وقال طرفة بن العبد(2): # إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب يا أم معبد # وهكذا كان الجاهلية يفعلون في الوصية بما ذكرناه. PageV04P499 # التأويل الثالث: أن معنى قوله: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)). أي بما ~~كانوا يبكون عليه؛ لأن الجاهلية كانوا يبكون على موتاهم، ويعددون في بكائهم ~~خصالهم التي كانوا يفعلونها في حال الحياة من الظلم والقتل، ويفتخرون ~~بالأفعال السيئة، والأعمال المنكرة. # الفرع السادس: ويستحب للرجال زيارة القبور. لما روي عن الرسول أنه قال: ~~((زوروا موتاكم تذكركم بالموت ، ولا تقولوا هجرا)) . والهجر: الكلام ~~القبيح. وروي عنه أنه قال: ((كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها )) (1). # وروي عن الرسول : أنه استأذن ms1865 في زيارة والدته وفي الإستغفار لها فأذن له ~~في الزيارة ولم يؤذن له في الاستغفار، لأن الأنبياء ممنوعون عن الإستغفار ~~لأهل الشرك وسائر الكفار، لأنهم إذا استغفروا فإما أن يجابوا أولا يجابوا، ~~فإن أجيبوا فهو خلاف المصلحة، وإن لم يجابوا كان تنفيرا عنهم في عدم ~~الإجابة. # وروي أنه زار قبر أمه في ألف مقنع فبكا وأبكانا(2). PageV04P500 # ويستحب إذا زار القبور: أن يدعو لهم ويستغفر. لما روي عن الرسول : أنه مر ~~بقبور أهل المدينة فأقبل عليهم بوجهه وقال: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين ~~وإنا إن شاء الله عن قريب لاحقون بكم، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)). وروي ~~أنه قال: ((اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم )) (1). # وأما النساء فلا يجوز لهن زيارة القبور لما روي عن الرسول أنه قال: ((لعن ~~الله زوارات القبور )) (2). ولأن الإرتياب حاصل بخروجهن إلى القبور، فلهذا ~~كان ممنوعا. # ولا يكره المشيء بين القبور بالنعال عند أئمة العترة، والفقهاء. # وحكي عن أحمد بن حنبل: كراهة ذلك. # والحجة على ما قلناه: ما روي عن الرسول في حديث مسألة الميت، وأنه ليسمع ~~خفق نعالهم. فدل ذلك على جواز دخول المقبرة بالنعال. # وقد ذكرنا كراهة وطء القبور والجلوس عليها. لما روي عن الرسول أنه قال: ~~((لأن يجلس أحدكم على نار فيحترق ثوبه ويصل إلى بدنه أحب إلي من أن يجلس ~~على قبر )) (3). # وروي عن الرسول أنه قال: ((لا تجلسوا فوق القبور ولا تصلوا إليها )) (4). # هذا كله إذا دفنوا في غير الطريق فلهذا كره الوطؤ، فإن دفنوا في الطريق ~~جاز الوطء لأنه لا حق لهم في الطريق والواطئ معذور. PageV04P501 # ويكره المبيت في المقبرة لما فيها من الوحشة. # ويكره البناء على القبر مسجدا. لما روي عن الرسول أنه قال: ((لا تتخذوا ~~قبري وثنا.، فإنما هلك بنو إسرائيل لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد)). # ويستحب إذا بني على قبور الأئمة والفضلاء مشاهد أن تكون منفصلة عن ~~المساجد حتى لا يكونوا داخلين في النهي كما يفعلون الآن. # الفرع السابع: وتجوز التعزية لأهل الذمة لأنهم محقونو الدم لأجل ms1866 الذمة، ~~بشرط أداء الجزية، فجازت التعزية لهم كالمسلمين. # قال الهادي والقاسم: لا بأس بتعزية أهل الذمة لقوله تعالى: {لا ينهاكم ~~الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم}[الممتحنة:8] والتعزية من أنواع البر لأن التعزية وعظ وتذكير بالموت ~~وأهواله. # وهذا هو رأي الشافعي. # والقول الحسن الذي يقال لهم في التعزية ما قاله محمد بن يحيى وهو أن يقال ~~لهم: أعطاكم الله من الأجر على ميتكم ما أعطا السلف الماضي من أهل ملتكم. # وهذا فيه نظر، فإن سلفهم الماضين الذي صدقوا موسى وآمنوا به، ولم يكن من ~~جهتهم تحريف ولا تبديل فهم مستحقون للثواب فكيف يقال بأن هؤلاء الذين كذبوا ~~الرسول وحرفوا التوراة وغيروا وبدلوا يستحقون مثل أولئك، فهذا لا وجه له، ~~ولكن يقال لهؤلاء الذين كفروا بالرسول وحرفوا وغيروا وبدلوا وضربت عليهم ~~الجزية لأجل كفرهم وتمردهم: كثر الله عددكم وأعاضكم عن ميتكم. # فتكثير العدد والإعاضة عن الميت يفعله الله لهم ابتداء لأنهم يستحقونه ~~وتكثير العدد والإعاضة عن الميت بشخص آخر فيه تكثير لمال الجزية فلهذا جاز ~~لهم الدعا به. # ولا يدعا لهم بالمغفرة لقوله تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين }[التوبة:113]. PageV04P502 # ولا تحضر جنائزهم لقوله: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على ~~قبره}[التوبة:84]. وحضور الجنازة كالقيام على القبر. # وسيأتي تقرير أحكام أهل الذمة وما يعاملون به في أخذ الجزية وغيرها من ~~الأحكام بمعونة الله. # وقد نجز غرضنا من الجنائز وبتمامه يتم الكلام على أبواب الطهارة والصلاة، ~~والله الموفق. PageV04P503 ms1867